الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

 

شيركو بيكسه .. نبض

الروح وضياء الشعر

عبد الحسين شعبان

 

حين نقرأ للشاعر الكردي العراقي شيركو بيكه س الذي رحل عن دنيانا الفانية يوم 4 آب (أغسطس) العام 2013 عن عمر ناهز الـ 73 عاماً، نتوقّف طويلاً عند علاماته الفارقة التي وضعها على طريق الشعر والجمال، فبيكه س لم يكن يكتب شعراً فحسب، بل إنه يتنفس الشعر ويعيشه بكل كيانه وروحه، في المرئي واللّامرئي وفي الممكن والمستحيل.

بلغته الباذخة الأنيقة وجملته المكثفة يأخذنا بعيداً إلى تلك الجبال البيضاء والصباحات المعطّرة والينابيع والنهيرات والأشجار والأزهار والحقول والنجوم والليل والقمر والآمال والأحلام والحرّية والمحبة.

I

استمعتُ إلى  بيكه س قبل أن أبدأ بقراءته وذلك في سطح منزل الصديق طارق الدليمي في إحدى الأماسي الدمشقية الجميلة، التي كان يضيفنا فيها في منزله العامر، والذي كان بمثابة منتدى أدبي وثقافي وفكري وسياسي بكل معنى الكلمة، وكان اللقاء بحضور هادي العلوي ومحمد عبد الطائي (أبو يوسف) وجمعة الحلفي، ولا أتذكّر إن كان صديقاً آخر. وسماع الشعر ليس مثل قراءته، ولاسيّما الشعر الحديث، ومع ذلك كانت دهشتي شديدة، لذلك حرصت على اقتناء مجموعته التي صدرت عن دار الأهالي في دمشق (في النصف الثاني من الثمانينات) والموسومة “مرايا صغيرة”، والتي قام هو بترجمتها إلى اللغة العربية كما أخبرني ، فاحتفظت  القصائد بروحها وألقها وكأنها مكتوبة بلغتها الأصلية.  وأعتقد أنها أول مجموعة له تُتَرجم إلى العربية، وتوالت صدور ترجمات مجموعاته  لاحقاً ” ساعات من قصب” و”  2000 كلمة لعام 2000″  و”سفر الروائح” (ترجمة آزاد البرزنجي)  و” إناء الألوان” ونشر له في دمشق والقاهرة مختارات من شعره. وكانت مرجعيته بعد اللغة الكردية، اللغة العربية كما يقول، ومن خلالها تعرّف إلى الآداب والثقافة العالمية، وكان قد قرأ لجبران خليل جبران وبدر شاكر السيّاب. كما قام بترجمة بعض قصائده (مروان علي – هولندا /أمستردام). وجئت على ذكر  بيكه س بإعجاب مرتين: الأولى- حين كتبت عن “بغداد عاصمة الثقافة العربية” في صحيفة الخليج (الإماراتية) ، في 10/4/ 2013 وكان هو يقاوم السرطان في منفاه السويدي حيث استسلم أخيراً وحيداً وبهدوء للقدر الغاشم بعد رحلة مضنية، وحيث ” لا أحد”، وهو ترجمة لاسمه الكردي بيكه س ، والثانية- بعد وفاته حين دعيت لإلقاء محاضرة في براغ  فاخترت الحديث عن ” براغ وثمّة عشق” وذلك في العام  2016 لأن العشق هو تلك الرحلة التي تأخذك من نفسك إلى نفسك حسب جلال الدين الرومي، وسيكون أوضح بلا تفسيرات، وفقاً لابن عربي. وامتاز شعر  بيكه س بالخصوصية الكردية صوراً وموضوعات ودلالات، لكنه بانفتاح ملحوظ على التجارب العربية والعالمية، متطلعاً إلى عالم أرحب بفضاء إنساني، فتوحّدت عنده  كردستان بالحرية والحب بالخير، والجمال بالأمل ، والحلم بالنضال، فشارك قوى شعبه في  كفاحه منذ يفاعته وسار على درب والده فائق بيكه س الذي كان شاعراً ومناضلاً في الآن، حيث انخرط في انتفاضة 6 أيلول/سبتمبر  1930 وسجن على أثرها، ثم أبعد إلى مدينة الحلّة في العام  1937  وقد توفّي في العام  1948   وكتب عنه  الشاعر الكبير الجواهري قصيدة رثاء يقول فيها : ” أنت الجميع وأنت الأحد ” في إشارة إلى اسمه الذي يعني “لا أحد” أو “الغريب”. ولد شيركو في مدينة السليمانية في 2  أيار/ مايو/ 1940 وهو الآخر سيُنفى إلى هيت في محافظة الأنبار (الرمادي) (غرب العراق)، حيث أحبّ اللغة العربية، ولكن تعلقه بلغته الكردية ومحبّته لها اكتسبه من والدته من خلال القصص والحكايات الشعبية التي كانت ترويها له،  وأحبّ كردستان التي تنقّل في العديد من مدنها وقراها وقصباتها وجبالها ووديانها، فاتسع أفقه .

II

التحق شيركو بالثورة الكردية في العام 1965 وعمل في مجال الإعلام وبعد اتفاقية 11  آذار/مارس 1970 بين الحركة الكردية والحكومة العراقية نشط في مجال اتحاد الأدباء الكرد، وصاغ مع مجموعة من زملائه من المبدعين بيان المرصد “بيان روانكه” العام 1970 الذي مثّل توجهاً جديداً للحداثة الشعرية الكردية على غرار “البيان الشعري” الذي وقّعه 4 شعراء والذي عبّر فيه فاضل العزاوي عن رؤيته اللاحقة في كتابه ” جيل الستينات – الروح الحية” 1997 كما جسّد رؤية سامي مهدي التي حاول إبرازها في كتابه “الموجة الصاخبة – شعر الستينات في العراق “1994. وكان “بيان الرؤية الجديدة” قد ضم مجموعة فنانين في مقدمتهم ضياء العزاوي ورافع الناصري، وهو جزء من الدعوة للحداثة الفنية، مثلما كان البيان الشعري دعوة للحداثة الشعرية والأدبية وتجديد اللغة، ولم أكن قد اطلعت على بيان المرصد “روانكه” في حينها، لكنني قرأت عنه في السنوات الأخيرة، فوجدته وجهاً آخر للبيانين الآنفي الذكر، الأمر الذي يعني نضوج حركة تجديد شعرية وإبداعية وثقافية في عموم العراق، ومنها كردستان. وقد شهد العراق في فترة الستينات حراكاً جديداً لروح جديدة وإبداع جديد مثلما مثّل رؤية تساؤلية نقدية لما هو قائم، وهذه الرؤية تفاعلت مع موجة عالمية، لاسيّما في فرنسا خصوصاً والغرب عموماً، وإرهاصات داخلية، عكست حساسية فردية جديدة، حين جرت محاولات للخروج من القوالب الجامدة والتمرّد على الكليشيهات القديمة. وقد ترافق ذلك مع خيبات ونكسات سياسية، فلم تعد النظرة الواحدية المتزمّتة والبعد الآيديولوجي يتحكّم بالحياة السياسية والثقافية، مثلما لم يعد الإيقاع المنفرد مقبولاً، وأصبح التطلّع للانفتاح وتجاوز الساكن والراكد والتقليدي مسألة تنسجم مع التطور وروح الموجة الجديدة الصاخبة التي عرفتها الستينات. وفي هذه الأجواء حاول شيركو بناء لغته الخاصة وهويّته المتميزة وصوته المنفرد وتدريجياً أخذ يتجاوز الآيديولوجي الذي أطلقنا عليه ” الواقعية الاشتراكية” استناداً إلى “نظرية جدانوف” ومسطرتها الصارمة، نحو الأفق الإنساني الواسع والعقلانية الواعية. وأستطيع القول إن شيركو يعتبر أحد روّاد القصيدة الكردية الحديثة بعد عبدالله كوران ، بل إنه الأكثر تمرّداً على نمط القصيدة الكلاسيكية .

III

حين تجدد القتال بين الحكومة والحركة الكردية في العام 1974 التحق شيركو  للمرة الثانية بالحركة الكردية المسلحة وعمل في الإذاعة الكردية وفي حقل الإعلام، وإثر اتفاقية الجزائر المبرمة في  6 آذار/مارس  1975 بين الرئيس صدام حسين وشاه إيران محمد رضا بهلوي وبتهيئة ووساطة من الرئيس الجزائري هوّاري بومدين ووزير خارجيته آنذاك عبد العزيز بوتفليقة، عاد شيركو إلى السليمانية، فتم إبعاده إلى هيت كما جرت الإشارة، وبقي في الإقامة الجبرية ثلاث سنوات، لكنه عاد إلى السليمانية والتحق مجدّداً بالثورة الكردية في نهاية العام 1984 وهي المرّة الثالثة التي يلتحق فيها بالبيشمركة . تجذّرت تجربته الشعرية والحياتية وكان عالم الشعر بكل ما فيه من رهافة وحساسية يملأ روحه، بل هيمن على عقله وكيانه:

الرائحة طريقي وبوصلتي

تأخذ بيدي

تحدّرت من جبين ذلك الجبل قطرات الندى

فاحت من الحقيقة رائحة الإله

خرج الشيطان من أحشاء الحجيم

وفاحت من الجحيم رائحة الكذب

شحذ ” قابيل ” كراهيته

وفاحت من الحرب رائحة الموت

لعلّ توق شيركو إلى الحرية وكراهيته للحرب والموت جعلته يتشبّث أكثر بالحياة بكل ما فيها من عنفوان وحيوية، وكانت قصيدته صوراً دفّاقة بأفق بعيد، تسافر مثل الريح، وتطير بلا أجنحة فوق أشجار البلوط وتعبر الشلالات الفضية والسماوات الزرقاء. كان يكتب قصيدته بريشة ملونة مثل ربيع كردستان، فتغدو مزهرة تحت ضوء الشمس الذهبية، بل تستطيع أن تسمع لحنها الداخلي وكأنه مونولوج سري، وأنت تقرأ حروفها فتدلّك على حكايا كثيرة وترشدك إلى خبايا كبيرة وتأخذك بعيداً في دروب أليفة، فشيركو يكتب بلغة القمر بكل ما فيه من أسرار ليفجّر طاقات النفس البشرية ، مثلما يكتب بلغة الوردة بكل ما فيها من عطر وشفافية  ونعومة، ويكتب بلغة الثلج  بكل ما فيه من صفاء ونقاء وبياض، ويكتب بلغة المطر فيبلل روحه الظمآنة إلى الحرية ويكتب بلغة النار ليُدفئ داخله بشعاع الأمل، ويكتب بلغة الطيور ليغرّد في الصباحات الندّية، ويكتب بلغة الأشجار فيسمو عالياً، ويكتب بلغة الجبل حيث الشموخ والرفعة والمستقبل. شيركو  بيكه س لا يكترث بالفواجع والآلام وحتى بالموت الذي يراه ماثلاً باستمرار،  يحاوره ويزوغ عنه مرّات ومرّات، لكنه مستعد لاستقباله أيضاً.

ها هو موتي يزورني كل ليلة مرّة أو اثنتين

يتكئ على أحلامي

هوذا موتي ظلٌّ لي

يحصي كل يوم خطوي

يفتش بين أوراقي

باحثاً عن آخر عنوان لي

IV

في لقائنا الأول في العام 1987  في دمشق كما أشرت كان ينتظر السفر إلى إيطاليا ليكون ضيفاً على لجنة حقوق الإنسان في فلورنسا،  ومن هناك ذهب إلى السويد حيث تقدّم بطلب اللجوء السياسي. وفي السويد تم منحه جائزة توفولسكي الأدبية، وسافر إلى الولايات المتحدة للقاء عائلته (والدته وأخته)، ولكنه بعد انتفاضة آذار (مارس) 1991 عاد إلى كردستان، وفي أول انتخابات لها في العام 1992  بعد انسحاب الإدارة الحكومية وفرض “الملاذ الآمن”، رشّح نفسه بصفته مستقلاً وكان قد أسّس قائمة باسم الخضر، واختير أول وزير للثقافة في كردستان، وكان في الوقت نفسه يترأس مؤسسة سردم ويصدر مجلة باسم العصر. في أول لقاء يستقبلني فيه بعد استيزاره في إربيل العام 1992  قلت له ماذا أناديك : الوزير الشاعر أم الشاعر الوزير؟  قال إنني شاعر وكفى، أما الوزارة فهي عابرة، وحين يمضي كل شيء لن يبقى سوى الشعر .. أليس كذلك كاك حسين؟ وأضاف حين تحتدم الأمور في اجتماعات مجلس الوزراء، أمسك ورقة وأخربش عليها أو أشرد في عالمي الخاص ومشروعي الثقافي والفكري وأفكّر في لقاء مع نفسي حيث تختمر القصيدة طازجة وشهيّة مثل خبز التنور. لم يمكث في الوزارة طويلاً، فتمرّد على الرتابة والنمطية واستقال من منصبه بعد عام ونيّف واعداً نفسه ألا يتورط مرة أخرى بالتنطع لأية مسؤولية حكومية خارج حقل الإبداع والثقافة ، خصوصاً حين احتدم المشهد الذي زاده  اندلاع المعارك الكردية – الكردية  فضاعف ذلك من غربته وإحباطه وقنوطه. كان  بيكه س يحمل الكثير من الهموم والأحزان ، حتى ضحكته كانت تحمل ثقل سنوات القهر والعذاب والترحال والنفي، لكن روحه كانت صافية ونفسه مشرقة وأحلامه وردية.

أصغيت إلى نبض الأرض

فحدثني عن حبهما ، هو والمطر

أصغيت إلى نبض الماء

فحدثني  عن حبهما، هو والنبع

أصغيت إلى نبض الشجر

فحدثني عن حبهما، هو والورق

وحين أصغيت إلى نبض القلب

فحدثني عن الحرّية

V

امتازت قصيدة شيركو بالتكثيف والإيجاز، وكان قد سبقه إلى ذلك بلند الحيدري الشاعر الكردي الذي كتب بالعربية والذي كانت لغته هو الآخر  “مقتصدة”، فشعره شعر صور على حد تعبير الناقد جبرا ابراهيم جبرا، الذي أسماه صاحب القصيدة البرقية “التلغرافية”، فهو يكتب بتكثيف شديد  ويعرف المدى الذي يريد الوصول إليه، كذلك كانت قصيدة شيركو الكثيرة الدلالة والواضحة الصورة، وإن كتب قصائد ملحمية مثل ” سفر الروائح” و” إناء الألوان” و” الكرسي”، لكن قصيدته المكثفة والموجزة كانت تصويراً لواقع متناقض ومعقّد يحاول أن يعطيه رمزية وإيحاء وبُعداً درامياً شديد التأثير. وقد ترجمت قصائده إلى العربية وإلى عدد من اللغات العالمية بينها الإنكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها، وبقدر اقتصاده بقصائده فقد تجد فيها حبكة درامية لحكايات صغيرة، وامتازت بالبساطة بقدر عمقها ودلالاتها، وكانت قصيدته عبارة عن لوحة متعدّدة بألوان الفرح والحزن، ونصّه مفتوحاً في فضاء شاسع، وكل ذلك في إطار إنساني، فقد حاول أن يؤنسن الأشياء ويضخّها في صور حيّة وناطقة مثل نوروز كردستان التي تزهو به في فصل الربيع. تغنّى  بيكه س بالعراق وبالأخوة العربية- الكردية وكان منشغلاً بالهمّ الفلسطيني في الوقت ذاته وتعكس قصائده تلك الروابط المتينة:

 استطاع شعاع أن يفلت من قبضة سنّارة

هرب…

وفي الطريق تعثّر بناي

فوقع وأدمى رأسه

ثم نهض

التفت

فرأى باب غرفة ” كنفاني” مفتوحاً دخل مع الدم

وحين أشعلت “أم سعد”  قنديل الغرفة

تضرّجت الحكايات

بلون الرمّان

كان شيركو  يسمع صوت الغابات ويقرأ الأمواج ويسافر مع الريح ويلاحق الشعاع،  كل ذلك وكأنه شيفرة غامضة  هو وحده الذي يفك رموزها السحرية القابعة في الأعماق،  لأنه يعرف سرّ الكلمة وحقيقة العشق، مثلما يعرف زيف الواقع ووهمه، لهذا عاش محتفياً بالحياة، لأنه يريد أن يجلس عرش القصيدة.

تذهب حلبجة إلى بغداد

تنظر إلى سدارتي القبانجي وعلي الوردي

 بجناح المقام ونبراس الفكر

تحلّقان كالفاختة

على القبّة الزرقاء والشناشيل

وتنثران السرور

تذهب حلبجة إلى بغداد

تمرّ بالشورجة

يتعطّر جسدها بعبق الهيل والقرفة والمسك

تحيط بها قبلات الفيلين

وبعد هنيهة

تستحيل القبل إلى نحل

وقامة حلبجة إلى خلية عسل

تأتي الحرية لتوزّع العسل على الجميع.

لقد ربح شيركو الشعر حتى وإن خسر كل شيء، لكن ذلك يكفيه لأنه ربح الريح والحياة والحركة.

الريح تنحني للخريف

الخريف ينحني للعاشق

باحترام

العاشق للعشق

العشق للخيال

والخيال لي

وأنا للشعر

رحل شيركو محمولاً بقلوب المحبّات والمحبين وعارفي قدر الشعر ومقامه، وقد ظلّ في سلوكه في الوطن والمنفى لصيقاً بالناس وهمومهم وفي الثقافة والسياسة والمرأة كان حضارياً وأنيقاً ومكتنزاً بالحب والجمال والخير.

وقد دفن في بارك الحرية في مدينة السليمانية مسقط رأسه.

مجلة افق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي العدد 1070- 95 تاريخ 21/8/2019

 

 

 

 

عبد الحسين شعبان

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا