الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

غموض محمود درويش

صبحي حديدي

 

في مستهل كتابه «لماذا الشعر»، الذي صدر مؤخراً بالإنكليزية عن منشورات هاربر كولنز في نيويورك، يلجأ الشاعر وأستاذ الأدب الأمريــكي ماثيــــو زابرودر إلى تدوين ثلاثة اقتباســات: من والت ويتمان («مُرّ بي هذا النهار وهذه الليـــلة، ولسوف تستحوذ على أصل جمـــيع القصائد»)؛ ومحمـــود درويــــش («أقصى الوضوح هو الغموض»)؛ وفرجينيا وولف («الشاعر معاصـــرنا دائماً»). ولسوف يعود، على امتداد فصول الكتاب الـ13، إلى الأسباب التي جعلته يختار آراء شاعـــر أمريـــكي وشاعر فلسطيني وروائية بريطانية لتصدير كتاب يساجل، في مقولته المركزية، حول سلسلة العناصر الفنية والاجتماعية والسياسية المقترنة بالشعر، والتي لا تجعل منه فناً ضرورياً فحسب؛ بل تشكّل، في الآن ذاته، ولدى شرائح واسعة من القرّاء، عائقاً أمام حُسن استقباله وتذوّقه.
لا يشير زابرودر إلى المصدر الأصلي لعبارة درويش، وما إذا كانت شعراً في قصيدة أم نثراً في مقالة أو حوار؛ ولهذا فمن الخير الإيضاح هنا أنّ الاقتباس يعود إلى قصيدة «مأساة النرجس ملهاة الفضة»، في مجموعة «أرى ما أريد»، 1990؛ وهي قصيدة طويلة متصلة، تستعيد أطوار تاريخية متشابكة تتقاطع خلالها رموز روما وصور وقرطاج وطروادة وسومر ودمشق والأندلس والساحل السوري؛ كما تتباين أطوال سطورها بين القصير والمتوسط والفقرة المدوّرة، وتتنوّع تشكيلاتها الإيقاعية أسوة بأنظمة التقفية المألوفة والداخلية. وقرابة نهاية الثلث الأوّل من القصيدة، يقول درويش:

هل نستطيع تناسخ الإبداع من جلجامش المحروم من عشب الخلودِ
ومن أثينا بعد ذلك؟ أين نحن الآن! للرومان أن يجدوا وجودي
في الرخامِ، وأن يعيدوا نقطة الدنيا إلى روما، وأن يلدوا جدودي
من تفوُّقِ سيفهم.
لكنّ فينا من أثينا
ما يجعل البحر القديم نشيدَنا
ونشيدُنا حجر يحكّ الشمس فينا
حجر يشعّ غموضَنا. أقصى الوضوح هو الغموضُ،
فكيف ندرك ما نسينا؟

وفي فصل بعنوان «معنى الحلم» يعود زابرودر إلى التعليق على عبارة درويش، ضمن سياق الحديث عن «الوضوح» بصفته صانع عناصر القصيدة؛ أي «تلك الأشياء التي تربطنا كقرّاء مع القصيدة. غموض القصيدة هو سبيل تلك الأشياء في التحوّل إلى تجربة لم تُعرف بعد، وإلى امتداد للوعي، في قلب الأسرار والتناقضات التي تتكاثر دائماً في حيواتنا».
وهو قرأ القصيدة، بترجمة فادي جودة إلى الإنكليزية، والأرجح أنه انشدّ إلى هذا الجانب الخاصّ، الطاغي عليها مع ذلك: الغموض الذي تســتولده مستويات وضوح قصوى، وتشترك في تجسيده (أو إغماض معانيه، عن سابق قصد دلالي وفنّي، إذا جاز التعبير) مهارات تسخير اللغة والرمز والأسطورة، ابتداءً من عنوان القصيدة ذاته في الواقع.
هذه خلاصاتي الشخصية، كي لا تُنسب إلى زابرودر، الذي يكتفي باقتباس عبارة درويش من باب تمكين فكرته المركزية عن الغموض، وكذلك على سبيل بلوغ درجة عليا من التكامل بين ويتمان ودرويش وولف. وأجدني هنا أعود إلى فقرة ثمينة حول الغموض، جاءت في مقدّمة الراحل للمختارات الشعرية التي صدرت سنة 2000 بالفرنسية تحت عنوان
La terre nous est étroite et autres poèmes، «تضيق بنا الأرض». كتب درويش: «ليس الغموض هدف الشاعر. لكنه ينتج عن التوتر بين حركة القصيدة وما يحركها من فكر، وعن التوتر بين حالتها النثرية وحالتها الإيقاعية. وهذا الغموض الشبيه بإيماءات الظلال، هو أحد أشكال صراع اللغة الشعرية مع الواقع الذي لم يعد الشعر مشغولاً بوصفه، بل بالنفاذ إلى جوهره، وبصراع اللغة مع مرجعياتها. ولعلّ هذا النوع من الغموض هو الفضاء المفتوح لدور القارئ في منح القصيدة حياةً ثانية، إذْ يوفّر لها دوراً إبداعياً في القراءة والتأويل، بدلاً من تلقي الرسالة كاملة نهائية. فليس هذا الغموض نقيض الوضوح، بل نقيض الوضوح التعليمي الذي يترك القارئ عاطلاً عن العمل».
والراحل، الذي امتلك معارف نقدية عميقة وترك تنظيرات رفيعة حول الشعر والشعرية، أوجز في هذه الفقرة ــ على مألوف عادته، ونثره المثقف الفريد، حين يجنح إلى التأمل النقدي ــ جوهر ذلك الوضوح الأقصى الذي يُنتج الغموض في القصيدة؛ خاصة وأنّ درويش رأى، منذ «ورد أقلّ» على نحو خاصّ، أنّ «اللغة في الشعر ليست وسيلة أو أداة فقط لنقل المعنى، والمعنى في الشعر ليس سابقاً لبنية القصيدة».
وعلى أعتاب الذكرى العاشرة لرحيله، ثمة الكثير الذي يتوجب تلمّسه في إيماءات الظلال، خلف تجربة شعرية فذّة ظلّ صاحبها يتعلم «المشي العسير على الطريق الطويل إلى قصيدتي التي لم أكتبها بعد».

المصدر : القدس العربي

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا