الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 عندما فَدَتني عيني اليسرى

محمد عارف

نهاية أكتوبر الماضي فَدَتني عيني اليسرى، وأنا عادة أتفاءل عندما يخفق جفنها، وفاتني أنها كان تنبهني إلى خطر محدق. ولو كنتُ أعلم بحدوث «سكتة العين» لأُنقذتُ ربما، وقد صادفت من يجهلها حتى في «قسم العيون الملكي» في «مستشفى كنغستن»، حيث هُرعتُ بعد فوات الأوان صباح اليوم التالي للإصابة. وواجبي كمختص بالعلوم والتكنولوجيا التعريف هنا بما تحاشيت ذكره حتى لأقرب أصدقائي:

«سكتة العين» eye stroke مثل «سكتة الدماغ» تحدث عندما ينسدّ مجرى الدم إلى شبكة العين، بسبب تضيُّق الشرايين، أو خثرة في الدم. وشرايين الدم تحمل مغذيات لجميع أقسام الجسم، وكان يمكن أن تكون «السكتة» في دماغي أو قلبي، لولا فدتني عيني اليسرى، التي كانت تنبهني طوال أيام قبل الإصابة بظلال تمرق خلف كتفي الأيسر. وفي صباح الحادث رأيت غشاوة بعيني اليسرى، وتصوّرت أنه تعب العين فاستخدمت القطرة لإزالته، وفي المساء انفجرت أضوية في عيني اليسرى، لم تسد نظري كلياً، حيث بقيت أرى المرئيات حولها. وتصورت أنها داء «الشقيقة» التي تصيب العين أيضاً، وفكرت أن أنام لأريحها. وفي الصباح عندما وجدتُ انسداد مركز الإبصار بعيني اليُسرى هُرعت إلى المستشفى.

وبعد فحوص طويلة استغرقت نحو ساعتين، وقطرات في العين لتصوير داخلها، وبخَّات هوائية لقياس ضغط الدم في العين، بدأتُ أدرك أن الأمر خطير. وأخبرني الطبيب الاستشاري المسؤول، الذي تجمعت عنده نتائج الفحوص بإصابة شبكية عيني اليسرى بانسداد جزئي. وشبكية العين تلعب دوراً أساسياً في إرسال إشارات بصرية إلى الدماغ، وفيها شرايين تحرك الدم من القلب وإليه، وانسداد تدفقه إلى الشبكية قد يسبب العمى.

ولو اتّبعتُ نصائح الأطباء العراقيين لأنقذتُ ربما، وهذه من عجائب تقاليد الطب العراقي التي لا تموت، فهي كالأعشاب، التي يسميها العراقيون «ثيّل»، ما إن تجتثها في مكان حتى تنبع في مكان آخر. شقيقتي الدكتورة فاطمة، المقيمة في عمان بالأردن، طبيبة إسعاف عائلتنا المتناثرة حول العالم، نصحتني عندما أيقظتها منتصف ليلة انسداد عيني بالذهاب إلى المستشفى فوراً، لكن اعتدادي بلياقتي البدنية وتماريني الرياضية، ودراجتي الهوائية، حملني للاعتقاد بأنها «داء الشقيقة» في العين، وسبق أصابتني قبل سنوات، وأثبتت ذلك الفحوص الطبية آنذاك، بما فيها مسح الدماغ.

وأول رسالة عالم طب عراقي بصدد الإصابة أرسلها «قيس الأوقاتي»، أستاذ كرسي الطب في «جامعة كولومبيا» بنيويورك، وفيها يُوافق تقرير الطبيب الاستشاري البريطاني، بأن علاج الحالة غير ممكن، إلاّ في الساعات الأولى بعد الإصابة، وبسبب تناولي أقراصاً مذيبة لخثرات الدم، فالتدخل الجراحي قد يحدث نزيفاً في العين. وبثت فيّ التفاؤل أستاذة الطب في جامعة عراقية، وصلتني بالدكتور «فوّاز المفتي»، أستاذ جراحة الأعصاب في مستشفى جامعة «رتغرز روبرت وود» في نيوجرسي بأميركا، الذي اقترح على الاستشاري البريطاني إجراء فحوص تالية للتأكد من مصدر «السكتة»، ومعرفة ما إذا سبقتها احتشاءات في مناطق صامتة من الدماغ، وأبدى استعداده للتعاون المباشر للوصول إلى إدارة أفضل للمشكلة. وأروع بُشرى من الدكتور «المفتي» عدسات طبية للالتفاف على «البقعة العمياء» في العين، وتجميع ما تراه حواليها في صورة كاملة.

ولو يتوفر للأطباء في العراق «خدمات الصحة العامة» البريطانية لفعلوا العجائب، وكنت محظوظاً بمصادفة ليلة هُرعتُ إلى قسم الطوارئ في «مستشفى كنغستن» خفارة الطبيب العراقي «الحسن عبد الله» الذي استدعى فورياً من شبكة إنترنت «خدمات الصحة العامة» آخر نتائج فحوصي الطبية، وأشرف على سلسلة فحوص لعمل القلب والجهاز الدموي، وليس غير طبيب عراقي شاب مرح مثل «الحسن» يعمل في «قسم علاج السرطان» في المستشفى، ويشارك أحياناً في الطوارئ لـ«الونسه»، حسب تعبيره!

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

 

 محمد كامل عارف

 كاتب وصحفي عراقي من جيل الرواد

 ينشر في جريدة (الاتحاد) الاماراتية

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا