الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

 لازلو ليزكاي في (العالم حسب كارلوس) :

شبكة علاقات كارلوس مع قادة وأجهزة الاستخبارات العربية والعالمية

سمير ناصيف

 

نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منتصف تسعينيات القرن الماضي في إقناع القيادة السياسية الأمريكية ان مفهوم الإرهاب يجب ان يشمل إرهاب الدول، وخصوصاً العربية والإسلامية. ونشر نتنياهو «إنجازاته» هذه في كتاب مؤكدا نجاح مهمته.
ومَنْ يقرأ كتاباً صدر مؤخرا بالفرنسية بعنوان «العالم حسب ما يراه كارلوس» ويشمل مقابلات أجراها مؤلفه لازلو ليزكاي مع كارلوس (ايليتش راميرز ـ سانشيز) الملقب بالثعلب أو أبن آوى، بعد مرور أكثر من عشرين سنة على سجنه في فرنسا، والذي وردت فيه معلومات مفصلة عن علاقة هذا الإرهابي الفنزويلي الأصل مع قادة وأجهزة استخبارات عربية وأوروبية شرقية شيوعية منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي وحتى اعتقاله في آب/أغسطس عام 1994 يدرك أن مشروع نتنياهو ما زال مستمراً بشكل أو بآخر.
كل ما ذكر أن الكاتب صحافي من أصل مجري كان مهتماً في قضية كارلوس منذ مطلع التسعينيات، وكتب عنه أول كتاب عام 1992 ثم اتبع ذلك بكتاب عن القائد الليبي السابق معمر القذافي عام 2011 وعن مارين لوبن زعيمة «الجبهة الوطنية الفرنسية».
أما كارلوس، فيبدو انه اعتبر ان عليه ان يُبلغ مؤلف الكتاب كل شاردة وواردة فعلها في عملياته الإرهابية في أوروبا والشرق الأوسط وكل اتفاق أو لقاء أجراه مع مسؤول سياسي أو استخباراتي في العالم العربي وأوروبا الشرقية وكأنه يريد ان يسجل التاريخ له «الإنجازات العظيمة» التي حققها والتي قتل نتيجتها مئات الأبرياء فقط لوجودهم في الأمكنة التي نُفذت فيها هذه التفجيرات.
ومع ان كارلوس حاول إظهار ذكائه وقدرته على تنفيذ العمليات الخطيرة، فإنه يساهم بما قاله في الكتاب في تحريض أمريكا والدول الأوروبية على ارتكاب جرائم بحق الشعوب العربية في العراق وليبيا وغيرهما من دون ان يكون له الحق في الدفاع عن مواقفه والرد عما أورده المؤلف في هذا الكتاب الذي يشعر أي قارئ له بالقرف من العرب وقادتهم ووحشية أنظمتهم، وبالتالي يتأثر بنظرية نتنياهو بان إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في هذه المنطقة.
ففي الفصل الثامن وعنوانه «عملية الحصار في فيينا» يتطرق إلى احتجاز وزراء النفط العرب في فيينا والتهديد بقتلهم إذا لم تُنفذ مطالب كارلوس ومجموعته (التي نُفذت في كانون الأول/ديسمبر عام 1975). يقول «الثعلب» أن ممول العملية كان العقيد معمر القذافي وانه وعد بدفع خمسين مليون دولار لمنفذيها إذا نجحوا في قتل وزير النفط السعودي (آنذاك) احمد زكي اليماني، وان القيادة الفلسطينية في تلك المرحلة دعمت القرار لأن الرئيس ياسر عرفات شكك في ان اليماني سهّلَ عملية اغتيال الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز على يدي ابن شقيقه عبر مرافقته للقاتل الأمير فيصل بن مساعد عندما دخل لتهنئة عمه، ثم اغتاله. وبما ان الملك فيصل كان حليفا للقضية الفلسطينية، فإن عرفات اعتبر ان عليه الثأر لاغتياله، حسب كارلوس.
وذكر كارلوس أيضا أن الملك فهد بن عبد العزيز عرض عليه مبلغا موازياً لما عرضه القذافي لكي يمتنع عن اغتيال اليماني في تلك العملية وان «الثعلب» منع أحد معاونيه من ارتكاب عملية الاغتيال، وان الرواية برمتها تصلح لفيلم «جيمس بوندي» ويخرج القارئ بشعور أن القادة العرب كانوا يزايدون مالياً على حياة أو موت مسؤول عربي وكأنه سلعة في مزاد علني.
ويذكر المؤلف في أكثر من مناسبة، وعلى ذمة ما قاله له كارلوس، أن المحرك الأساسي للإرهابي الدولي (أي كارلوس) ولعملياته كان القائد الفلسطيني الراحل وديع الحداد الذي انفصل عن «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بقيادة الدكتور جورج حبش لرفضها استمرار العمليات التي قد تودي بحياة الأبرياء ولا تحقق النتائج المرجوة كخطف الطائرات والسيارات المفخخة ورمي القنابل في أماكن يرتادها المدنيون الذين لا دخل لهم بالإجرام الصهيوني، بل قد تضر بالقضية الفلسطينية.
وفي الصفحة (134) يقول المؤلف (على لسان كارلوس) ان مسؤولاً كبيراً في الاستخبارات السورية زار بغداد في عام 1978 حيث كان كارلوس مقيماً وطلب منه المساهمة في عمليات تدعم الوجود السوري السياسي والعسكري في لبنان آنذاك وان هذه العلاقة تطورت لاحقا واثمرت عن انتقال كارلوس وزوجته ماغدالينا كوب (ليلي) إلى سوريا حيث أقاما بين منتصف الثمانينيات وحتى الانتقال إلى الخرطوم في مطلع التسعينيات، البلد الأخير الذي أقام فيه قبل أن يسلمه النظام السوداني إلى المخابرات الفرنسية.
ويوضح كارلوس لمحاوره ان علاقته كانت جيدة بالنظام العراقي بقيادة الرئيس احمد حسن البكر في أواخر السبعينيات، ولكن صعود صدام حسين إلى السلطة في تموز/يوليو 1979 اضطره إلى مغادرة العراق لان صدام طرد جميع المنظمات الفلسطينية والمتعاملة معها (المؤيدة لسوريا) من البلاد، وحلت مكانها منظمات مقربة منه ومن نظامه.
يعترف كارلوس في الصفحة (170) بأن منظمته نفذت تفجير مركز صحيفة «الوطن العربي» في باريس (فرنسا) في نيسان/ابريل 1982 بسبب نشرها مقابلة «مزعومة» معه أجراها الصحافي عاصم الجندي ونشرت من دون إذنه. كما انفجرت سيارة مفخخة في سفارة فرنسا في بيروت لأن الحكومة الفرنسية لم تفرج عن صديقته ماغدالينا كوب (التي أصبحت زوجته لاحقاً).
وفي كانون الثاني/يناير (1984) نفذت مجموعة كارلوس تفجيرات في محطة للقطارات (
TGV) في مرسيليا (فرنسا) وفي «المركز الثقافي الفرنسي» في طرابلس (لبنان) وفي مقر شركة (ايروسبسيال) في باريس، أدت إلى مقتل وجرح عدد من الأشخاص، واعتبرها كارلوس بمثابة رسالة إلى الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران لتدخله في افساد علاقته الجيدة بالنظام الشيوعي عموماً وفي المجر واضطراره للانتقال إلى سوريا بعد أن كان مرتاحا في بودابست.
ويشير الكاتب ان كارلوس، خلال هذه العمليات كان ينسق مع الاستخبارات السورية مما يفسر ذهابه إلى سوريا بعد تأزم علاقاته بدول أوروبا الشيوعية ودول عربية أخرى، وبعد وفاة ليونيد بريجنيف قائد الاتحاد السوفييتي الشيوعي وتسلم يوري اندروبوف القيادة (في عام 1983) الذي أوعز إلى الدول الأوروبية الشرقية الشيوعية بعدم استقبال كارلوس ومجموعته لدعمها الإرهاب. ونفذ هذا الأمر عام 1984 من جانب جميع بلدان أوروبا الشرقية التابعة لحلف وارسو.
ويشير الكتاب إلى ان كارلوس، وفي رغبته استقطاب التمويل لعملياته (الذي بدا وكأنه دافعه الأول) عرض على القذافي في عام 1981 تنفيذ عمليتي اغتيال إحداهما للرئيس الأمريكي رونالد ريغان، الذي كان قد وصل لتوه للرئاسة والأخرى للرئيس المصري أنور السادات الذي ارتبط بمعاهدة مع إسرائيل، مقابل مئة مليون دولار. وقد استاء «الثعلب» كثيرا عندما اغتيل السادات في 1981 على أيدي مجموعة إسلامية متشددة وبالتالي أحبط مشروعه.
ويشعر القارئ لدى قراءة الكتاب أن كارلوس كان يفتش عن العمليات الإرهابية المدعومة بتمويل ضخم من قادة عرب وكأنه شخص جشع للمال أو «سمسار للقتل» وليس كما يدعي أنه الثوروي الملتزم الحريص على الدفاع عن قضايا الشعوب العربية عموما في طليعتها قضية فلسطين. 
في الصفحة (188) يقول الكاتب (هنا أيضا على لسان كارلوس) ان في أواخر الثمانينيات قرر صدام حسين استخدام مجموعة أبو نضال (صبري البنا) بدلاً من كارلوس، وكذلك فعل القذافي.
وأشار كارلوس إلى الكاتب انه اعتبر صبري البنا (أبو نضال) مجنونا ورفض التعامل معه مع ان معلمه وديع الحداد لم يعارض هذا التعامل. ورأى ان الشخص المقاوم الذي يقتل معاونيه ورفاقه السابقين في النضال والمقاومة هو شخص موتور ومريض.
واتجه كارلوس نحو عمليات اختطاف الأثرياء العرب لاستقطاب الفدية المالية تلو الأخرى، ولكنه فشل في معظم هذه المحاولات. فعندما حاول ابتزاز تاجر السلاح السوري منذر الكسار اضطر إلى التراجع عندما تبين له ان الكسار كان مقرباً من أبو العباس، قائد «جبهة التحرير الفلسطينية».
كما حاول «الثعلب» تنظيم اختطاف نجل الثري السوري أكرم العجة ثم عَدَل عن هذا عندما علم بانه متزوج من ابنة العماد مصطفى طلاس ناهد فساوم وقبل بالحصول على مبلغ ضخم من المال لتوقيف العملية. (قال الكاتب انه 7 ملايين دولار ولكن كارلوس صححه قائلاً انه عشرة ملايين دولار).
وخلال سكن كارلوس في حي المزّة في دمشق منذ 1985 وحتى انتقاله إلى الخرطوم بعد ذلك بتسع سنوات، كان جاراه نجلي القائد الباكستاني الراحل ذو الفقار علي بوتو الذي أعدمه قائد الجيش الجنرال ضياء الحق وحل مكانه رئيساً لباكستان. وقد ساهم كارلوس في تدريب الشابين (مرتضى وشاهنواز) للانتقام لوالدهما ما أدى إلى نجاحهما في تأليف مجموعة اغتالت ضياء الحق عبر استخدام قائد طائرة مروحية كان ضياء يستخدمها فجرّ نفسه وقُتل هو وضياء الحق. كما ساعد كارلوس هذين الشابين مسهلاً دخولهما إلى دمشق حيث نظما عملياتهما بالاشتراك مع والدتهما نصرت بوتو. ولكنهما قتلا (بعد الانتقام من ضياء الحق) في ظروف مريبة، أحدهما في فرنسا والآخر في باكستان.
وحسب الكتاب، فالسبب الذي أدى إلى مغادرة كارلوس سوريا في مطلع التسعينيات كان تعاون الرئيس حافظ الأسد مع التحالف الدولي لإخراج صدام حسين من الكويت عام 1991 وتقربه آنذاك من القيادة الأمريكية (جورج بوش الأب) التي طالبت بتنظيف سوريا من الإرهابيين. ونفذ قائد الاستخبارات السورية في تلك المرحلة قرارات الرئيس وانتقل كارلوس إلى الخرطوم. ولكن الضغوط الفرنسية الرسمية على القيادة السودانية كانت كبيرة فرضخت وسلمت كارلوس إلى فرنسا عام 1994 وحُكم عليه بالسجن المؤبد رغم استئنافاته الحكم.
وفي رأي كارلوس الوارد في خاتمة الكتاب انتقل الإرهاب إلى مرحلة أشد عنفاً واستخدم الإسلام وهُمشت المنظمات الثورية الماركسية اللينينية وقرر الغرب ان الإسلام الراديكالي عدوها الأول رغم ان الدول المستعمرة هي التي انتجت الإرهاب الذي يناسب مشاريع إسرائيل في المنطقة، علماً ان أحدها هو مشروع نتنياهو في تحذيره أمريكا والغرب من إرهاب بعض الدول العربية وضرورة ضربها عسكرياً.

 Laszlo Liszkaï: «Le monde selon Carlos»
Erick Bonnier, Paris 2017
219
pages


المصدر : القدس العربي

 

«إيران من الداخل»... بوادر الانهيار

 

يحتدم الجدل في الأوساط العربية والإسلامية والفكرية اليوم حول دور إيران في المنطقة؛ ما عقدة إيران: هل هي أسيرة التاريخ أم الجغرافيا أم القومية أم الدين أم المذهب... أم ماذا؟
في كتابه «إيران من الداخل» يبحث المؤلف نبيل حيدري أولا في تاريخ الفرس على مرّ التاريخ. ويرى أن ثقافة الشخصية الإيرانية أسيرة التاريخ الكسروي، وهذه الثقافة منعكسة، حسب المؤلف، في كتب «سفر نامة» و«المثالب الصغيرة» و«لصوص العرب»... وعشرات غيرها، وأنها مستمرة اليوم في خطب الجمعة والجرائد الرسمية مثل «كيهان»، فضلاً عن التعامل العنصري المعهود مع عرب الأحواز.
أما في العقيدة، فعدّ المؤلف أن هناك «اختطافًا» للمذهب الشيعي، الذي كان يحمل في بداياته محبة لآل البيت لا تحمل الغلو والتطرف والبدع، ولا تتعارض مع محبة الصحابة وأزواج النبي (صلى الله عليه وسلم).
ثم يتناول الكتاب شخصية الخميني بقوله:
«الشاه محمد رضا بهلوي كان شرطي المنطقة تحت الحمايتين الأميركية والإسرائيلية... وجاء بعده الخميني بالطائرة الفرنسية من نوفل لوشاتو إلى طهران محمياً من الغرب لإسقاط عرش الشاه... وفي حرب إيران ضد العراق، كان الخميني السبب في إطالة عمرها ثماني سنوات متواصلة رغم وساطات في الداخل والخارج بإيقاف الحرب... كما أن الخميني رفع شعار (تصدير الثورة الإسلامية)، وأمر بتأسيس ما أطلق عليه (حركات التحرر) لينطلق بها في إسقاط الأنظمة العربية... وقد ظهر اليوم تدخلهم السلبي السافر في العراق وسوريا ولبنان واليمن».
ويقول المؤلف في استنتاجاته إن «النظام الإيراني قد كبر وهرم وشاخ، فقد تصارع قادته على السلطة وحارب بعضهم بعضاً»، ولذلك هو «ضعيف من الداخل؛ بل أوهن من بيت العنكبوت». ويستفيض الكتاب في شرح عوامل ضعفه الداخلية والخارجية ويتنبأ بسقوطه.

المصدر : الشرق الاوسط - لندن

 

عاموس عوز في كتابه الجديد «سلام للمتزمتين»:

أبرز آباء اليسار الصهيوني يحذر إسرائيل من الاندثار

وديع عواودة

 

«سلام للمتزمتين» كتاب إسرائيلي جديد للأديب عاموس عوز أحد أبرز الآباء الروحانيين لليسار الصهيوني وفيه يحذر من عدم تسوية الصراع وتقاسم البلاد مع الفلسطينيين معتبرا ذلك تهديدا وجوديا على إسرائيل التي ستضطر أن تختار مستقبلا أن تكون ديمقراطية أو يهودية. وفي الكتاب يعالج عوز موقف الإسرائيليين من ثلاثة مواضيع خلافية هي «الإسرائيليون والتزمت الديني والقومي»و»الإسرائيليون واليهودية» و»الإسرائيليون والفلسطينيون».

الحملات الصليبية سابقة

بخلاف جهات إسرائيلية وأوروبية تحرض على الإسلام والمسلمين وتحاول شيطنتهم، يشير عوز في كتابه إلى أن التزمت سبق كل الديانات التوحيدية ومن كل الأيديولوجيات بالعالم ويقترح استبدال مصطلح «جرائم الكراهية» بـ «جرائم التزمت» لافتا أنها تتم أيضا ضد المسلمين كل يوم. لذا يذكّر بأن إبادة شعوب، حملات صليبية ومعسكرات تركيز وغرف التعذيب وهجمات الإرهاب دون تمييز كافتها سبقت صعود الإسلام المتطرف. ويدحض عوز كما في مرات سابقة محاولات التسطيح والتعميم والبحث عن أجوبة بسيطة لأسئلة معقدة ويستخف بمقولة إن هذا «بسبب العولمة» أو «بسبب المسلمين» أو «الغرب» أو اللاجئين أو اليهود.
ويحمل على النزعة المهيمنة اليوم في العالم المتمثلة بإبداء شعور الاشمئزاز المطلق من الآخر المختلف معتبرا إياه أحد مركبات التطرف. كما ينتقد اضمحلال الحدود بين السياسة والإعلام وبين الترفيه. ويتابع «كما في عهد روما التاريخية يقوم الإعلام في العالم اليوم بإلقاء ثلاث أربع ضحايا مشهورين للأسود، مذنبين أو أبرياء وذلك من أجل تسلية الجمهور الواسع وصرف أنظارهم وسرقة أموالهم بسلاسة». ويضيف «أوساط تأخذ في الاتساع تدلي بصوتها في الانتخابات لصالح من ينجح في إثارتها وتسليتها ومن يضرب قواعد اللعبة المتعارف عليها عرض الحائط». ويؤكد أن هؤلاء لا يختلفون عمن يبدون مواقف جدية وينقادون بشكل أعمى خلف قائد له كاريزما. واعتمادا على تجارب تاريخية من فترة الأندلس حتى اليوم في الشرق والغرب يعتقد أن التزمت اليهودي يخف كلما كانت البيئة الغريبة المحيطة بهم أكثر انفتاحا واحتضانا والعكس صحيح. ويقول إن أجيالا متزايدة من اليهود في الفترة المعاصرة تضيق بهم الحياة في عالم التوراة القديم المتزمت والشريعة اليهودية فوسع بعضهم هويته باتجاه قومي وسياسي فيما ذهب آخرون نحو الإصلاح الديني وتوجه كثيرون نحو بوابة الخروج والانغماس بالآخرين.

نعجة بين سبعين ذئب

ويرى أن هناك قاسما مشتركا بين اليمين الإسرائيلي الحالي وبين «يهودية الشريعة» فكلاهما معتاد على العيش في صراع حقيقي أو عاطفي مع كل العالم الخارجي وكلاهما يعتقد بوجود تناقض أبدي بين إسرائيل وبين شعوب العالم: «نعجة بين سبعين ذئب». ويضيف «أما محاولات اليسار الإسرائيلي إلغاء الصراع الأبدي بيننا وبين العرب وبيننا وبين العالم فتبدو بعيون يهودية الشرع وبعض أوساط اليمين كتهديد لخصوصية الشعب الإسرائيلي. إذا لم يكن هناك عدو وملاحقة وحصار فعندها سيغرينا العالم الخارجي وسنفقد هويتنا ونذوب. حسب هذه العقيدة فإن الملاحقات والعدو على عتبة الباب هي حالة ودودة معروفة لنا جيدا طيلة تاريخنا وهي تعزز هويتنا». مدعيا أن الحالة الاعتيادية التي لا يقف فيها عدو مناوب هي حالة تطلع لها قادة صهاينة تاريخيون أمثال هرتزل وجابوتينسكي واليسار الصهيوني اليوم وهي تهدد هوية اليهود بنظر يهودية الشرع والاستيطان وأوساط في اليمين، ويكتب «عدد غير قليل منا يعتقد أن هذا الصراع الأبدي مع العدو مهم بدرجة أهمية المناطق (الأرض المحتلة عام 1967)».

مخلوق متوحش

ويعتبر سؤال الفصل والحدود بين الدين والدولة مهما لكن الأهم في نظره مضمون كل منهما، ويضيف محذرا من استمرار احتلال 1967 «من شأن إسرائيل أن تكون مخلوقا متوحشا أو رسما كاريكاتوريا داخل حدود واسعة مثلما يمكنها أن تكون مجتمعا عادلا أخلاقيا ومبدعا ومتصالحة مع ذاتها داخل مساحة ضيقة».
ويرى أنه ضرب من الجنون أن يسمح لسؤال الحدود استعباد وتشويه بقية الشؤون، مؤكدا الحاجة للصحوة أخيرا من «تنويم الخريطة « قاصدا اللهث وراء الأرض طمعا في أكبر مساحات منها. معتبرا وخلاف الكثير من الإسرائيليين ممن مالوا أغلبيتهم للدين واليمين يعتقد عوز أنه آن الأوان للحديث عن الجوهر: ماذا سيكون هنا ومن نكون نحن هنا؟

جيرة ودولتان

عوز الذي يعتبر أحد أبرز المرشدين الروحانيين لليسار الصهيوني يوضح أن منطلقه الصهيوني منذ عقود بسيط: اليهود ليسوا وحدهم في البلاد مثلما أن الفلسطينيين ليسوا وحدهم فيها. ويرى أنه لا مناص من تقسيم «البيت الصغير» لشقتين صغيرتين جدا على شكل دار ثنائية العائلة. ويتابع «كل من يأتي ويدعي أن البلاد لطرف واحد فقط تكون رائحة الدم منبعثة منه». ويرى أن الحل يكمن في التسوية وإقامة دولتين وتقاسم البلاد وسط تجاهل للخلل القائم في هذا الحل الذي يمنح الفلسطينيين 22٪ فقط من البلاد. ويتهم الأديب الإسرائيلي كثيرين في طرفي الصراع بمعاداة فكرة التسوية رغم أنها تعني انحيازا للحياة وليس انكسارا أو هوانا. ويضيف «الفلسطينيون يشنون ضدنا حربين، أولهما يشارك كثيرون فيها لإنهاء الاحتلال ومن أجل حقهم العادل في الاستقلال الوطني وليكونوا شعبا حرا في وطنهم. وكل شخص نزيه يدعم نضالهم هذا ولكن ليس بكل الوسائل التي يستخدمونها. من جهة ثانية كثير من الفلسطينيين يشنون حربا باسم الإسلام المتطرف من أجل تدمير إسرائيل وهذه حرب يرفضها كل شخص نزيه».
ويعتبر عوز الذي يرى بنفسه رمزا للوسطية أن مصدر «البلبلة والتسطيح» في إسرائيل وكل العالم هو أن فلسطينيين كثر يديرون الحربين في الوقت نفسه، وبالتالي ففي رأيه هذا يدفع أيضا أشخاصا نزيهين وأنصارا للسلام والعدل في البلاد والعالم للوقوع في الفخ «إما يدافعون بحماس عن استمرار الاحتلال بدعوى أن إسرائيل هي ضحية للجهاد والاحتلال هو وسيلة للدفاع عن النفس وإما يقرعون إسرائيل وينبذونها بدعوى الاحتلال معتبرين إياه المصدر الوحيد للشر ولذا فإنه من حق الفلسطينيين سفك دماء الإسرائيليين دون قيود».

حرب عادلة وحرب ظالمة

ويرى أن الحرب الأولى عادلة بشكل لا مثيل لها وأن الحرب الأخرى كلها إثم ويزعم أيضا أن الأمور ذاتها تنطبق على إسرائيل أيضا: تدير حربا عادلة من أجل حق الشعب اليهودي في أن يكون حرا في بلاده وفي الثانية تخوض حربا لقمع الفلسطينيين وسلبهم أراضيهم ومنعهم من ممارسة حقهم بالحرية.
أما الدولة ثنائية القومية التي تطرحها أوساط متطرفة في اليسار واليمين في إسرائيل فهي بالنسبة لعوز «نكتة محزنة» هو الذي لا يرى بطبيعة الحال الصراع الدائر بين استعمار استيطاني وبين سكان أصليين ، يدلل على رؤيته بالقول إنه لا يمكن التوقع من الفلسطينيين والإسرائيليين بعد قرن من سفك الدم والدمع والكوارث أن يقفزوا للنوم داخل سرير واحد والشروع بشهر عسل. ويتابع تبريراته مثل بقية مثقفي اليسار الصهيوني الذي يرفض الدولة الواحدة على مبدأ أن الجانبين يرفضان حتى الآن العيش كجيران فكيف سيقبلان العيش داخل شقة واحدة،فيقول: «لو بادر أحدهم في 1945 للاقتراح بدمج ألمانيا وبولندا ضمن دولة ثنائية القومية لسارعوا لوضعه داخل مستشفى مجانين».

الاحتلال مفسدة

ويستذكر ما كتبه غداة حرب 1967 يوم تحدث عن الدمار الأخلاقي المطلق الذي يلحق بالمحتل نتيجة احتلال مطول. ويضيف على غرار تحذيرات الفيلسوف اليهودي يشعياهو ليفوفيتش: «وقتها ومبكرا خشيت من أن الاحتلال سيفسد الإسرائيليين. نحن والفلسطينيون لا نستطيع أن نتحول لعائلة سعيدة. نحن بحاجة لدولتين. بعد فترة ربما تأتي مبادرات تعاون وسوق مشتركة واتحاد فدرالي. لكن في المرحلة الأولى لابد من شقة بطابقين لأن اليهود لن يغادروا البلاد وليس لهم إلى أين يذهبون وكذلك الفلسطينيون لا وطن لهم سوى وطنهم. الحرب بيننا ليست دراما هوليوودية بين أخيار وأشرار بل هي مأساة عدالة مقابل عدالة. هكذا كتبت قبل 50 عاما وهكذا اعتقد اليوم. عدل مقابل عدل وأحيانا للأسف قلة عدل مقابل قلة عدل».
وللتعبير عن أشد المخاطر التي تهدد إسرائيل يستحضر عوز مجازا من عالم الطب ويقول إن الطبيب الجراح في غرفة الطوارئ يسأل نفسه عندما يستقبل جريحا مصابا بجراح بالغة «ما هو الأكثر إلحاحا وأين أبدأ العلاج وأي جرح من شأنه أن يقتل المريض؟ وفي حالة إسرائيل الخطر الوجودي اليوم يكمن باستمرار النزاع مع العرب والذي من شأنه التحول لنزاع مع معظم دول العالم. هذا نزاع سيهدد وجودنا».

عاموس عاوز: «سلام للمتزمتين»
«كيتر» ، تل أبيب 2017
290 صفحة

 المصدر : (القدس العربي)

 

الفكر السياسي الأميركي وأثره على الوطن العربي

هيمنة الولايات المتحدة على العالم توجب ضرورة إدراكنا مفاهيمها واستراتيجياتها

أنور محمد

يحاول د. جميل المعلة ومعه مجموعة من الدارسين: قيس راهي ومحمد أبو النواعير وعلي كريم وهالة ناصر، في كتاب «الفكر السياسي الأميركي المعاصر وأثره على الوطن العربي/‏ دراسة»، تقصِّي آثار الفكر السياسي الأميركي على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الوطن العربي.

فيعتبر أنَّ «نظرية نهاية التاريخ» لفرنسيس فوكوياما التي لجأ فيها إلى معطيات الفيزياء الحديثة لتبرير فكرته المتضمنة إمكانية توجيه التاريخ نحو الديمقراطية الليبرالية، مهَّدت الطريق لظهور العولمة ورسمت الأطر المتكاملة لهذه الظاهرة باعتبارها قد أقرَّت أنَّ صيرورة التاريخ في حركته الكونية وخطواته الرئيسية قد توقَّفت عند النظام العالمي الجديد ذي القطبية الواحدة (الولايات المتحدة الأميركية).

ذلك بعد انتصارها على المعسكر الشيوعي وهيمنة الرأسمالية الليبرالية واقتصاد السوق في أرجاء العالم. وهذا يعني -بالضرورة- عدم ظهور مذاهب فكرية أو معتقدات جديدة، وعدم بروز أيديولوجيات تقف بوجه السيطرة المطلقة للرأسمالية الليبرالية باعتبارها الأنموذج الذي ساد الغرب، وبالتالي فلا بدَّ لكل دول العالم أن تحاول محاكاته، ويجب عليها أيضاً أن تبقى تدور في فلكه وترضخ لإملاءاته.

فكانت (العولمة) مفتاحاً لتحقيق هذه (النظرية) التي تعطي الحق للدول العظمى أن تتدخَّل في أي مكان في العالم، وفي كل صغيرة وكبيرة، لتفرض إرادتها وعبر مجلس الأمن وهيئة الأمم. ويوجز المعلة التأثير الأميركي على الوطن العربي بالتالي: 1- الهيمنة السياسية. 2- الهيمنة العسكرية. 3- الهيمنة الاقتصادية. 4- الهيمنة الثقافية والفكرية.

ويُرجع الباحثون المشاركون في الكتاب، أصول الاهتمام الأميركي بالوطن العربي إلى عام 1842 عندما تأسَّست «الجمعية الشرقية الأميركية» بهدف تنظيم أنشطة المهتمين بالعمل الاستشراقي.. واستفاد الأميركيون من الاستشراق الأوروبي باعتبارهم وَرَثَتَهُ بعدما فهموا الأخطاء التي وقع فيها الأوروبيون، لترسيخ ركائز الهيمنة المباشرة عسكرياً واقتصادياً وثقافياً ودينياً. وتجاوزوا مراحل التنوير والتحديث/‏الحداثة، إلى مراحل متقدمة أنتجت فيما بعد نظريات من نموذج: الإسلام المعتدل وصراع الحضارات ونهاية التاريخ والإنسان الأخير.

ويشرح الكتاب أنه في السنوات الأخيرة من عقد الثمانينات في القرن الماضي ظهرت أطروحات وأفكار تروِّج ما يُسمى بالنظام أو السوق الشرق أوسطية. وتصاعدت بعد وصول جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض ودعوته إلى إقامة الشرق الأوسط الكبير.

ويقف وراء هذه الأطروحات الكيان الصهيوني، أو ما يُسمى باللوبيات الصهيونية، في مراكز القرار الأميركي والأوروبي، لتمهيد وإقامة نظام يكون فيه هذا الكيان مركز جذب وصاحب القوَّة الأساسية، فيما تكون الأطراف الأخرى تابعة له، ولتفتح له الأبواب للتغلغل في المنطقة العربية، عن طريق المشاريع الاقتصادية.

وهنا وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي.. أو غياب العدو الشيوعي، كما يرى صموئيل هانتنغتون، كان لا بدَّ لأميركا من اختراع عدوٍّ جديد، حيث كثُر الحديث عن الفراغ الاستراتيجي العميق الذي انتاب الغرب وعبَّر عنه هانتنغتون: «السؤال الأكثر عمقاً الذي يهم الأميركيين في عالم ما بعد الحرب الباردة، هو: ما الغاية من أن تكون أميركياً؟» الأمر الذي دفع أميركا لتنصيب الإسلام كعدو يحلّ محل الشيوعية.

إذ لا بدَّ من وجود عدوُّ، واستفادت هنا من بعض الحركات المتشددة وتصرفاتها التي تنافي جوهر الإسلام وتناقض قيمه الحق. ويختم المؤلفون كتابهم بالتأكيد على أنَّ دراسة وفهم الولايات المتحدة وسياستها الخارجية، لم تعد ترفاً أو حباً في المعرفة والاطلاع، بل باتت ضرورة تفرضها هيمنة أميركا على قيادة النظام العالمي واعتبارها القطب الأوحد والأهم في هذا النظام، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.

ومن ثمَّ ثقل دورها كقوَّة خارجية مهيمنة على مجريات الأحداث في المنطقة العربية منذ انتصارها على العراق في حرب الخليج الثانية عام 1991 بصفة خاصة.. وبعد ذلك بدخولها كغازية ومحتلة للعراق عام 2003.

(البيان) الاماراتية

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا