الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

الوكالة اليهودية وعلاقاتها في لبنان.. رؤوفين إرليخ يفضح أسماءً

"المعضلة ليست في مبدأ اللقاءات، وإنما في الاتفاقات التي تمخضت عنها"

"كان في لبنان تيار سياسي وفكري،

 يعتقد أن قيام دولة يهودية في فلسطين، إلى جوار لبنان، من شأنه أن يضمن بقاء لبنان المسيحي، ويحمي وجوده"

"يعتبر الرئيس إميل إدّة من الصهيونيين اللبنانيين من دون أي تحفظ"

"ثلاثة رؤساء جمهورية في لبنان وثلاثة رؤساء حكومات

كانت لهم علاقات متفاوتة في الانتهازية المصلحية مع الحركة الصهيونية"

"الريبة الأكبر كانت في اتصالات رياض الصلح بإلياهو ساسون وفريق عمله بعد قيام دولة إسرائيل"

صقر أبو فخر*

أصدر رؤوفين إرليخ، قبل ثمانية عشر عاما، كتاباً بالعبرية عنوانه "المتاهة اللبنانية: سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان من 1918 إلى 1959" (تل أبيب: دار معراخوت ووزارة الدفاع الإسرائيلية، 2000). وفي سنة 2017 صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب في بيروت (لا ناشر، 871 صفحة، تعريب محمد بدير).  والمؤلف ضابط إسرائيلي خدم في المخابرات الإسرائيلية، وكان نائباً لأوري لوبراني بين 1985 و 2000. ولوبراني اسم يعرفه سكان الجنوب اللبناني جيداً؛ فقد كان منسق النشاط الإسرائيلي في لبنان بعد احتلال عام 1982. الكتاب دراسة مسهبة تبحث في العلاقات التي نسجتها الوكالة اليهودية، ثم دولة إسرائيل، مع الجماعات الطائفية اللبنانية طوال أربعين سنة (1918-1958). ويستند إلى الأرشيف الصهيوني وأرشيف دولة اسرائيل وأرشيف الجيش الاسرائيلي وأرشيف الهاغاناه وأرشيف شعبة الاستخبارات العسكرية وأرشيف حزب العمل، علاوة على مراسلات زعماء الحركة الصهيونية، خصوصاً دافيد بن غوريون وموشي شاريت، وكتب اليوميات والمذكرات والشهادات الشخصية، وكذلك الوثائق المحفوظة في معهد تراث بن غوريون، فضلاً عن مئات الكتب والمقالات العبرية والعربية والمقابلات الشخصية المباشرة. وأهمية هذا الكتاب الخطير ليس في معلوماته الغزيرة فحسب، بل في تفصيلاته الكثيرة وشموليته وإحاطته بالموضوع الذي يدرسه المؤلف، وهو لا يكتفي بسرد الوقائع المستلّة من المحفوظات الصهيونية، بل يحللها بمنهج يجمع المعلومات إلى الاستراتيجيا والسياسات في سياق تاريخي واحد.

معظم ما جاء في الكتاب قرأناه في مصادر متفرقة، خصوصاً  اتفاق البطريرك أنطوان عريضة مع الوكالة اليهودية الذي عثرنا عليه أول مرة في كتاب بدر الحاج "الجذور التاريخية للمشروع الصهيوني في لبنان: قراءة في مذكرات إلياهو ساسون وإلياهو إيلات" (بيروت: دار مصباح الفكر، 1982). وكان إلياهو أبشتاين (إيلات) نشر مذكراته عن الاتصالات الصهيونية – العربية في كتاب عنوانه "جلوس صهيون والعرب" (1974)، ثم نشر إلياهو ساسون كتاباً آخر في الشأن نفسه عنوانه "في الطريق إلى السلام" (1978). وفي الكتابين تفصيلاتٌ صادمةٌ عن علاقة الحركة الصهيونية بشخصيات لبنانية بارزة، أمثال الرئيس إميل إدة وخير الدين الأحدب والشيخ حسين حمادة والمطران عبدالله الخوري ومحمد العبدالله وجورج مشحور وراشد الريشاني والصحافي إلياس حرفوش صاحب صحيفة الحديث اللبنانية. وفي كتاب كيرستين شولتزة "دبلوماسية إسرائيل السرّية في لبنان" (بيروت: شركة المطبوعات، 1998) قرأنا بدقة محاضر اجتماعات إميل إدّة وطوبيا أرازي، وتفصيلات عن الصلات التي عقدتها الوكالة اليهودية مع توفيق سمعان وإميل الخوري حرب وشارل مالك ومحمد علي حمادة وإلياس ربابي الذي تسلم من الوكالة اليهودية مبالغ نقدية، تافهة تبرهن وضاعته وانحطاطه،  فضلاً عن كميل شمعون الذي لم يتورّع عن تسلم مئات الرشاشات وآلاف الطلقات الحربية من إسرائيل في سنة 1958، وحذا حزب الكتائب حذوه كحذو النعل للنعل. وكثير مما جاء في كتاب رؤوفين إرليخ موجود في كتاب ليئورا أيزنبرغ "عدو عدوي" (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 1997) الذي يتضمن معلوماتٍ وافيةً عن المطران إغناطيوس مبارك وإميل إدة وألبير نقاش (مؤسس جمعية الفينيقيين الشبان، الصهيونية الهوى)، وعن لقاءات رياض الصلح والوكالة اليهودية، وكذلك المونسنيور يوسف رحمة وقيصر إدّة وشارل قرم (شريك ألبير نقاش في تأسيس جمعية الفينيقيين الشبان) وجوزف عواد وإلياس ربابي ونجيب صفير الذي وصفه الصهيوني دافيد أدير بـِ "النصّاب"، مع أنه جهد واجتهد في خدمة الحركة الصهيونية، واقترح على حاييم وايزمان في سنة 1919 تقسيم المنطقة كالتالي: لبنان للمسيحيين، سورية للمسلمين، فلسطين لليهود.

أما حكاية رياض الصلح ولقاءاته المتمادية مع الوكالة اليهودية، فكنا قرأناها متفرقة هنا وهناك في المصادر المذكورة، خصوصاً  في كتابي بدر الحاج وليئورا أيزنبرغ. أما الشوط الأخير

من هذه اللقاءات فقد فضح أسرارها الباحث الفلسطيني، محمود محارب، في دراسة مطوّلة نُشرت في صحيفة السفير في أربع حلقات (29/1-3/2/2011)، وفيها تفصيلاتٌ مذهلةٌ عن لقاءات إلياهو ساسون وطوبيا أرازي ويولاند هارمر مع رياض الصلح في باريس، غداة إعلان قيام دولة اسرائيل. وكان تقي الدين الصلح وزهير عسيران على درايةٍ ومُشاركةٍ في تلك اللقاءات من خلال قناة يولاند هارمر. وباختصار، ما قرأناه متفرقاً هنا وهناك، ها نحن نقرأه مجموعاً في هذا الكتاب.

العَمالة في إطار فكري

اللقاءات التي عقدها ممثلون عن الوكالة اليهودية مع أعيان وزعماء ورجال دين في سورية ولبنان، ومع رجال سياسة من ذوي المراتب العالية، كانت أمراً طبيعياً إلى حد ما، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، خصوصاً أن بعض رجال الوكالة اليهودية كانوا من اليهود العرب الذين يتنقلون بين دمشق وبيروت والقدس بحرية تامة، أمثال إلياهو ساسون المولود في دمشق سنة 1902، والذي درس في الجامعة اليسوعية في بيروت، وله صداقاتٌ متشعبةٌ في دمشق وبيروت، أو أمثال إلياهو أبشتاين (إيلات). ومع أن إيلات مهاجر روسي إلى فلسطين، إلا أنه درس بين 1931 و 1934 في الجامعة الأميركية في بيروت التي كانت تُدعى الكلية الإنجيلية السورية"، وتعرّف، في أثناء دراسته، إلى جورج نقاش مؤسس صحيفة الأوريان، والنصير القوي للمشروع الصهيوني في فلسطين. والمعضلة ليست في مبدأ تلك اللقاءات ومبتدئها ما دامت مقصورةً على عرض الأفكار والآراء، ومحصورةً في مناقشة التصورات والمقترحات، بل المعضلة في الاتفاقات التي تمخضت عنها، مثل اتفاق الكنيسة المارونية والوكالة اليهودية، ففي 30/5/1946 صاغ إلياهو ساسون ويعقوب شمعوني الاتفاق المذكور، ووقعه في القدس برنارد جوزف (صار اسمه دوف يوسف) عن الوكالة اليهودية، وتوفيق عواد عن البطريركية المارونية. وتوفيق عواد هذا غير الأديب اللبناني توفيق يوسف عواد صاحب "الرغيف" و "قميص الصوف" و "الصبي الأعرج". ويعترف الاتفاق بحق اليهود في أن تكون لهم دولة مستقلة في فلسطين، على أن تقوم في لبنان دولة مستقلة ذات طابع مسيحي. وفي تلك الفترة، كان في لبنان تيار سياسي وفكري، يعتقد أن قيام دولة يهودية في فلسطين، إلى جوار لبنان، من شأنه أن يضمن بقاء لبنان المسيحي، ويحمي وجوده، ويقف حائلاً دون سيطرة سورية على لبنان والأردن، ويوجه ضربة لفكرتي الوحدة العربية والعروبة معاً. ولاحظ رؤوفين إرليخ أن تيارين تبلورا في الوسط الماروني آنذاك: تيار انفصالي يرى في لبنان وطناً قومياً للمسيحيين مع هيمنة مارونية، على أن يتم تقليص حدوده، بحيث يتضاءل وجود المسلمين فيه، وكان على رأس هذا التيار إميل إدّة والبطريرك أنطوان عريضة والمطران أغناطيوس مبارك مطران بيروت للموارنة. وتيار آخر قَبِل بلبنان في حدوده التي أعلنها الجنرال غورو في سنة 1920، وكان أشهر ممثلي هذا التيار الرئيس بشارة الخوري والرئيس رياض الصلح وميشال شيحا (ص 32). ويروي الكتاب أن الصحافي إلياس حرفوش قال لإلياهو إيلات، حين التقاه في الولايات المتحدة الأميركية في 12/10/1946 إن الأوساط المارونية باتت تدرك أن من الضروري تقديم تنازل جغرافي لضمان الهيمنة المسيحية في لبنان، وأن من الضروري إعطاء صيدا وصور لإسرائيل المجاورة (ص 125). أما فؤاد أفرام البستاني الذي التقى إلياهو ساسون وطوبيا أرازي في سبتمبر/ أيلول 1948، فقال إن من شأن الانتصار اليهودي في فلسطين أن يضمن الطابع المسيحي للبنان، ويعزّز الأقليات في الشرق (ص 301). ويذكّرنا هذا الكلام بموقف إميل إدّة من اقتراح المفوض السامي الفرنسي في لبنان، هنري دو جوفينيل، في سنة 1926 الذي أيد إعادة طرابلس وعكار إلى سورية لسبب وحيد، هو أن أغلبية سكان المنطقتين من المسلمين والأرثوذكس.

الرئيس اللبناني إميل إدّه يزور قرى لبنانية..  (1936/Getty)


ظلت فكرة اقتطاع منطقة جنوب لبنان حتى نهر الأولي، وضمّها إلى إسرائيل، تراود ديفيد بن غوريون حتى العدوان الثلاثي على مصر في سنة 1956، ففي 19/10/1956 عرض بن غوريون خطة مجنونة على السفير الفرنسي في إسرائيل، وعلى أبا إيبان (كان مندوبا لإسرائيل في الأمم المتحدة) أيضاً، وكانت تحتوي النقاط التالية: إطاحة الرئيس جمال عبد الناصر. تقسيم الاردن للوصول إلى العراق. إرغام العراق على إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل. إرغام العراق على توطين اللاجئين الفلسطينيين في أراضيه، على أن تتكفل الولايات المتحدة تمويل ذلك.  تقليص حدود لبنان بضم طرابلس وعكار وبعلبك إلى سورية، ثم إلحاق جنوب لبنان حتى الليطاني بإسرائيل، فيتحول لبنان بالفعل إلى دولة مسيحية (ص 419).

عمائم وتمائم وأسلحة وأموال

المشهور، بحسب هذا الكتاب وغيره، أن الرئيس إميل إدّة والبطريرك أنطوان عريضة

والمطران إغناطيوس مبارك كانوا صهيونيين حقاً. لكن صهيونيتهم لم تكن نابعةً من اعتباراتٍ لاهوتية مثلاً، بل من اعتبارات ديموغرافية (غلبة أعداد المسلمين على المسيحيين)، ومن خوفهم من ضم لبنان إلى سورية. وكانت علاقة قوية ربطت البطريرك عريضة بإلياهو إيلات، فور تنصيبه بطريركاً للموارنة في سنة 1932، وتكرّرت لقاءاتهما منذ تلك الفترة، وكان أشهرها الذي جرى في عرض البحر؛ ففي 2/5/1937 أبحر البطريرك عريضة إلى روما في طريقه إلى باريس على متن الباخرة ماركو بولو، وحجز إيلات على الباخرة نفسها التي شهدت محادثات متشعبة، طلب فيها إيلات من البطريرك  إقناع البابا والمسؤولين الفرنسيين بأن تكون حدود لبنان ملاصقة لحدود الدولة اليهودية التي اقترحتها لجنة بيل، في سياق أفكارها لتقسيم فلسطين. وفي 4/1/1948، أي بعد نحو عشر سنوات من العلاقات المتينة، أرسل عريضة رسالةً إلى موشي شاريت مع مراسل صحيفة هآرتس السابق في بيروت، يعقوب فرنكل، طالبه فيها بمساعدة مالية، مذكّراً إياه بأن الوكالة اليهودية تعهدت له بدفع 20 ألف ليرة فلسطينية، ولم يحصل منها إلا على خمسة آلاف فقط (ص 48).

أما المطران إغناطيوس مبارك فقد أدلى بشهادة أمام اللجنة الأنكلو – أميركية، قال فيها: "إن الصهيونية تأتي بالحضارة إلى فلسطين وإلى الشرق الأوسط. أنا مؤيد للصهيونية من كل قلبي، لأن سلامة أرض اسرائيل غالية عليّ" (ص 45). وفي مقابلةٍ مع صحيفة فرانس سوار (7/5/1947) أعرب عن تأييده لإقامة دولة يهودية في فلسطين ووطن للمسيحيين في لبنان (ص267). وقد نقلت مجلة "كل شيء" اللبنانية نص تلك المقابلة في 14/5/1948. وفي رسالة من المطران مبارك، كان أرسلها إلى سكرتير لجنة unscop إميل ساند ستروم في سنة 1947 فصّل الأسباب التي دعته إلى الإيمان بأن لبنان وفلسطين يجب أن يكونا وطنَين قوميَين للمسيحيين واليهود (ص 45). وقد تعرّض مبارك لهجوم عنيف من الحكومة اللبنانية، لدفعه إلى التنصل من تلك الرسالة، وطلبت الحكومة التي أحرجتها مواقف المطران من البابا الضغط عليه لتغيير موقفه، لكنه لم يتراجع، مع أن النواب المسيحيين هاجموه بشدة. واستنكف إميل إدّة والبطريرك عريضة، لأسباب سياسيةٍ مؤقتة، عن مؤازرته. وهنا توجه المطران مبارك إلى الوكالة اليهودية (في أغسطس/ آب 1947)، وطلب إليها إعداد خطة عسكرية وسياسية لانتفاضة مسيحية في لبنان. وقال إنه يحتاج سلاحا وخبراء، وهو مستعد لإرسال شبان إلى فلسطين للتدرب على القتال لدى الهاغاناه، كما يحتاج إلى مساعدة مالية لشراء الصحافة وتمويل أنصاره، وكان مبعوثه إلى الوكالة اليهودية توفيق عواد (توتو عواد). وقد دفعت له الوكالة 2500 ليرة (جنيه فلسطيني)، وأرسلت موفداً خاصاً إلى بيروت، كي يتواصل مع المطران مبارك، خشية إن يضع توفيق عواد بعض الأموال في جيبه (ص47).

يعتبر الرئيس إميل إدّة من الصهيونيين اللبنانيين من دون أي تحفظ؛ فهو التقى إلياهو إيلات مراراً بين 1931 و 1934، وأقام وإياه علاقة ثابتة في عام 1936 بعد أن نصّبه الفرنسيون رئيساً للجمهورية. وفي 22/9/1936 التقى إيلات في بيروت بطلب من حاييم وايزمان، وأعرب له عن استعداده للسماح بتوطين مئة ألف يهودي بين صيدا وصور (ص 120)، أي جنوبي نهر الأولي، وهي المنطقة التي عملت الحركة الصهيونية على إلحاقها بالدولة اليهودية، وعمل معها كثيرون من أعوانهم اللبنانيين على إفراغها من سكانها الشيعة، ونقلهم إلى العراق. وكان إميل إدّة التقى حاييم وايزمان في باريس في 22/6/1937، ثم في سنة 1946، اجتمع إلى ديفيد بن غوريون في باريس، ومعه رؤوفين شيلواح. وفي يوليو/ تموز 1948، التقى إميل إدّة للمرة الثانية طوبيا أرازي (من الاستخبارات)، وحثّه على إقناع حكومة اسرائيل باحتلال أراضٍ واسعة في جنوب لبنان، تصل حتى صيدا، وبضرورة قصف دمشق بالطائرات، وإلقاء آلاف المناشير فوق بيروت تهدّد الحكومة اللبنانية (حكومة بشارة الخوري ورياض الصلح) بأنها، في ما لو لم تغير سياستها تجاه اسرائيل،  ستتعرّض للقصف، ثم، في أثر ذلك، يغزو الجيش الإسرائيلي لبنان حتى صيدا. وحينذاك ستتمكّن المعارضة (أي إدّة وأنصاره وأمثاله) من القيام بانقلاب عسكري وإسقاط حكومة رياض الصلح، وتأليف حكومة جديدة.

خلافاً للصورة الشائعة عن الرئيس بشارة الخوري التي تشير إلى اقتناعه بالتسوية التاريخية في لبنان بين تياري الوحدة السورية والحماية الفرنسية، فإن بشارة الخوري، بحسب كتاب "المتاهة اللبنانية"، لم يتورع في سنة 1941 عن الإفصاح لإلياهو ساسون بالقول: "يوجد بيننا وبينكم حائل يجب إزالته وهو جبل عامل. ثمّة ضرورة لإخلائة من سكانه الشيعة (...)، وإسكانه بالموارنة المقيمين في الولايات المتحدة الأميركية". واقترح بشارة الخوري أن يُقرض المشروع الاستيطاني اليهودي البطريرك عريضة مبلغاً من المال لشراء جبل عامل، وتوطين الموارنة فيه، ليكونوا جيراناً لليهود (...)، لأن تنفيذ هذه الفكرة سيتيح لليهود والموارنة

الوقوف كتفاً واحداً ضد التيار العربي في الشرق (ص 52). ويكشف الكتاب أيضاً المساعدات التي قدمتها إسرائيل للرئيس كميل شمعون إبّان حوادث 1958، والدور الذي أدّاه العقيد فؤاد لحود في هذا الأمر (ص546 و547). كما يكشف قصة الأسلحة الإيرانية التي كانت تُرسل إلى كميل شمعون بطائرة داكوتا تنطلق من قاعدة عكرون  الجوية الإسرائيلية إلى أحد المطارات اللبنانية. وكان الجنرال تيمور بختيار هو منسق العملية مع الإسرائيليين، فيما كان الأمير فريد شهاب، مدير الأمن العام اللبناني، ضابط الإرتباط بين شمعون والإيرانيين (ص 546 و547). ولمزيدٍ من الفضائح، كشفت وثائق هذا الكتاب أن العقيد فؤاد لحود والسفير عبد الرحمن الصلح توجّها في الأسبوع الأخير من ديسمبر/ كانون الأول 1955 إلى سفارة إسرائيل في اسطمبول، وطلبا لقاء ممثلين عن دولة إسرائيل. وتبين أن سامي الصلح  وسليم لحود (الطامح إلى رئاسة الجمهورية والذي التقى لاحقاً رؤوفين شيلواح في روما في 20/6/1958) هما  مَن أرسلا فؤاد لحود وعبد الرحمن الصلح بهذه المهمة. وقد عُقد اجتماع في 30/12/1955 بين يوفال نئمان (من الجيش الإسرائيلي) وموشى ساسون إبن الياهو ساسون (من وزارة الخارجية) وبين العقيد فؤاد لحود (من الجيش اللبناني) وعبد الرحمن الصلح (من وزارة الخارجية)، وتباحث الجميع في كيفية التصدي لسورية، في محاولتها ضم لبنان إلى اتفاق عسكري مشترك، وطلب لحود والصلح المساعدة بالسلاح والمال، لإحباط مساعي سورية (ص481 و543). وبعد انتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، غداة الانتفاضة المسلحة على حكم كميل شمعون، اعتقل فؤاد لحود بتهمة التآمر على الرئيس شهاب، والعمل على تمهيد السبل لانتخاب أخيه سليم رئيساً للجمهورية بدلاً منه. وفي ما بعد، تبين أن فؤاد لحود كان يقيم علاقةً بالمخابرات السورية، في الوقت الذي كان يبحث فيه مع الإسرائيليين إرسال المال والسلاح للتصدّي للنفوذ السوري في لبنان (يا للشطارة!)، وأن لحود (صار نائباً في البرلمان اللبناني) كشف بنفسه للمخابرات السورية قصة الاستعانة بالإسرائيليين (ص 549).

الرئيس اللبناني بشارة الخوري في طرابلس (1943/Getty)


أعيان الساحل والداخل

ثلاثة رؤساء جمهورية في لبنان (بشارة الخوري وإميل إدة وكميل شمعون)، وثلاثة رؤساء حكومات (رياض الصلح وخير الدين الأحدب وخالد شهاب) كانت لهم علاقات متفاوتة في الانتهازية المصلحية مع الحركة الصهيونية. ولم يقتصر التيار الانتهازي في الحركة القومية العربية على أعيان الساحل المركنتليين في لبنان وحده، بل امتد إلى الشام والعراق، ومن أَعلامه نوري السعيد في العراق وفوزي البكري ونسيب البكري ولطفي الحفار في دمشق وغيرهم كثيرون. ولعل أبرز هؤلاء رياض الصلح عضو حزب الاستقلال العربي، والذي تولى والده رضا الصلح وزارة الداخلية في الحكومة الفيصلية الأولى في دمشق سنة 1919. وعلاقة رياض الصلح برجال الهيئة التنفيذية الصهيونية في فلسطين (الوكالة اليهودية لاحقاً) قديمة جداً، وهي تعود إلى سنة 1920، حين سافر حاييم كالفاريسكي إلى دمشق بسيارة رياض الصلح نفسه. وفي سنة 1921 التقى الاثنان في لندن. وفي سنة 1934 وصل الصلح إلى القدس، والتقى ديفيد بن غوريون. وفي سنة 1936، التقى الصلح حاييم وايزمن في القدس. وفي سنة 1940، التقى الصلح إلياهو ساسون وإلياهو إيلات في بيروت. وفي سنة 1934، التقى الصلح كالفاريسكي نحو خمس مرات، الأمر الذي أثار ريبةً كيبرة. أما الريبة الأكبر، فكانت اتصالات الصلح بإلياهو ساسون وفريق عمله بعد قيام دولة إسرائيل. ففي 1/7/1948 سافر ساسون إلى باريس، ومعه طوبيا أرازي وزياما ديبون، ثم التحق بهم سليم بيخور، وهو يهودي عراقي، وانضمت إليهم يولندا هارمر، وألّف هؤلاء مجموعة استخبارية، مهمتها معاودة الاتصال بالنخب السياسية العربية ممن صار التواصل معها متعذّراً بعد قيام إسرائيل. وفي 19/9/1948، وصل إلى باريس رياض الصلح، لحضور الدورة الثالثة للأمم المتحدة. وفي 15/10/1948، التقت يولندا هارمر الصلح بحضور زهير عسيران، واتفقا على عقد اجتماعاتٍ مع ساسون وأرازي. وبالفعل التقى ساسون وأرازي رياض الصلح على مدار ستة اجتماعات في فندق بريستول، وقد تسرّبت أنباء تلك الاجتماعات السرية إلى كينيث بيلبي، مراسل صحيفة نيويورك هيرالد تريبيون، فنشرها في يناير/ كانون الثاني 1949، ثم ترجمت صحيفة النهار ما جاء في "نيويورك هيرالد تريبيون" في 21/1/1949. وعلى الفور، دهمت الشرطة اللبنانية المكتبات، وصادرت نسخ "النهار".

أما خير الدين الأحدب فالتقى كالفاريسكي في بيروت في سنة 1930، وطلب في اللقاء 400 ليرة فلسطينية لقاء خدماته للوكالة اليهودية، ورست المفاوضات على 200 ليرة تدفع على أربع دفعات. وفي سنة 1938، زار الأحدب القدس والتقى ساسون في منزل فخري

النشاشيبي قائد "فصائل السلام" المعادية للحركة الوطنية الفلسطينية بزعامة الحاج أمين الحسيني. وطلب دعماً مالياً للوقوف في وجه المفتي الذي لجأ إلى لبنان في سنة 1937 (راجع: ليئورا أيزنبرغ، عدو عدوي، ص 248). والمعروف أن خير الدين الأحدب وصفي الدين قدّورة وجوزف خديج وميشال سارجي ومراد دانا وإلياس الحاج أسسوا شركة لشراء الأراضي، وبيعها من الوكالة اليهودية، وسجلوا الشركة في بيروت في 19/8/1935. وقد نشرت صحيفة "ألف باء" الدمشقية في 7/8/1937 وثيقة تأسيس تلك الشركة. وعلى غرار الصلح والأحدب، التقى ساسون خالد شهاب الذي تولى رئاسة الحكومة في 21/3/1938 بعد استقالة خير الدين الأحدب (ص 104). والشائع عن الأمير خالد شهاب أنه "لم يبع" أراضيه في فلسطين لرجال الوكالة اليهودية (جاع وما باع). لكن كتاب يوسيف نحماني "مذكرات سمسار أراضي صهيوني" (دمشق: دار الحصاد، 2010، ترجمة إلياس شوفاني) يكشف أن السبب في عدم إتمام البيع هو الاختلاف على السعر (ص 75)، وأن الوسيط بين شهاب ونحماني كان إلياس بشوتي الذي فاوضه على شراء أربعة آلاف دونم في قرية الغابسية بسعر 19 ليرة فلسطينية للدونم الواحد (ص 159)، لكن خالد شهاب طلب 21 ليرة. وعلى منواله، فاوض سليم علي سلام (من أعيان بيروت) شركة تأهيل الاستيطان على شراء حقوق الملكية في سهل الحولة (165 ألف دونم)، وشارك إبنه صائب سلام (رئيس الحكومة في ما بعد) في تلك المفاوضات التي انتهت إلى توقيع صائب سلام وموشي شاريت ويعقوب طهون ويهوشواع حانكين اتفاقية بيع 57 ألف دونم من أراضي الحولة (ص 88). وفي وثائق الكتاب صورة عن عقد البيع، ممهوراً بتوقيع صائب سلام عن "الشركة السورية العثمانية الزراعية" (ص 660).

أذلاء ومهانون

لم يبقَ أحد، كما يلوح لي، لم يجتمع إلى الإسرائيليين في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته وأربعينياته. كانت لقاءات بعض هؤلاء معتادة وعابرة، ولم تؤسس أي علاقة أو عمالة. وبعضهم انساق في مصالحه بعيداً، فلم يرَ في الصهيونية والمستوطنين اليهود المهاجرين إلى فلسطين خطراً مقبلاً، فبقيت مواقفه باردة بلا حميّة قومية. وبعضهم تعاون مع الصهيونية، وسار معها كالذليل المبتذل. وفي قائمة الذين لم يتورّعوا عن تقبيل وجنات المبعوثين أسماء معروفة، أمثال فؤاد عمون وأحمد الداعوق وتقي الدين الصلح وزهير عسيران وعبد الرحمن الصلح وإلياس ربابي وفؤاد لحود ومحمد علي حمادة (يعتقد المؤلف أنه شيعي، بحسب ما جاء في الصفحة 380، ولعله والد الوزير اللبناني مروان حمادة والشاعرة نادية تويني زوجة غسان تويني ووالدة الصحافي جبران تويني. وإذا صحّ ذلك يكون درزي المذهب وليس شيعياً)، فضلاً عن بيار إدّة وإميل إدّة وبشارة الخوري وفؤاد أفرام البستاني وحميد فرنجية والشيخ حسين حمادة وسعيد حمادة وصبري حمادة وأحمد الأسعد ونظيرة جنبلاط وشارل حلو وميشال شيحا وإلياس حرفوش ورياض الصلح والمطران أغناطيوس مبارك والبطريرك أنطوان عريضة وسلوم مكرزل وخير الدين الأحدب وتوفيق هولو حيدر وخالد شهاب وسليم علي سلام ومحمد العبد الله وبيار الجميل ونجيب صفير وألفرد نقاش وسليم لحود وشارل مالك والبطريرك المعوشي وكمال جنبلاط وسامي الصلح. غير أن هؤلاء لم يكونوا من صنفٍ واحد، فبعضهم كان لقاؤهم ممثلي الوكالة اليهودية عابراً، وبلا أثر، وفي أحوالٍ طبيعيةٍ من الإتصال باليهود

العرب. وبعضهم كان مبعوثاً إلى تلك اللقاءات، مع أن في استطاعته أن يرفض تلك المهمة المُهينة. وبعضهم أوغل في عمالته، حتى صار فيدكين كويزلنغ ملاكاً قياساً على هؤلاء، أمثال خيرالدين الأحدب وإلياس ربابي وإميل إدّة وإلياس حرفوش والمطران مبارك والبطريرك عريضة وسلوم مكرزل ونجيب صفير وآخرين، وكويزلنغ مواطن نرويجي عمل مع الجيش النازي إبّان احتلال ألمانيا النرويج، وبعد انزياح الاحتلال أُعدم في سنة 1945بتهمة العمالة، وصار اسمه مصطلحاً يدلّ على "مَن باع وطنه". وما برح هؤلاء حتى اليوم يتناسلون بأسماء وهيئات مختلفة، أمثال الشاعر المصري نبيه سرحان (أو يوسف سمير) وشريف الفيلالي ومصعب حسن يوسف وعدنان ياسين وحسن هاشم (رئيس الهيئة التنفيذية في حركة أمل سابقاً) وكمال اللبواني وفريد الغادري وأمينة المفتي ومعصوم فيصل العمري (من حزب اليسار الكردي في سورية) وأنطوان لحد وسعد حداد.

لم يرتدع أحد من هؤلاء؛ فالتاريخ لا يعظ، والعملاء لا يتعظون. والهواء العربي (إقرأ: الهوان العربي) مشبعٌ بالأبخرة السامة، من أمثال الشاعر العراقي نجم والي والمخرجة التونسية نادية الفاني والروائي الجزائري بوعلام صنصال والمغني الجزائري فرحات مهني والشيوعي الجزائري جان بيار ليدو الذي كتم صهيونيته حتى وقع العدوان الاسرائيلي على غزة في سنة 2009 فجاهر بها، علاوة على العنصريين أمثال المذيعة المصرية عزة سامي التي شكرت نتنياهو على دك قطاع غزة، وماتت بعد ذلك مباشرة. وأمثال توفيق عكاشة المحتال الذي زوّر شهادة دكتوراه، فيما هو لا يسوى في عالم الإعلام شروى نقير، والكاتبة لميس جابر ومعها أماني الخياط. وعلى سبيل المثال في الذل والمهانة إلياس ربابي (رئيس تحرير صحيفة العمل الكتائبية) الذي راح يتبجح أمام جدعون رفائيل في 12/12/1950 بأن عدد أعضاء حزبه بلغ إلى 60 ألفاً، وأن الحزب سيخوض الانتخابات للحصول على أربعة مقاعد نيابية، ولهذه الغاية فهو يريد مساعدة مالية "حرزانة" (ص 569). وقد أوصى رفائيل رؤساءه بدفع ما بين خمسة آلاف دولار وعشرة آلاف له، غير أن يهوشواع فلامون لم يدفع له إلا ألفي دولار. وفي تلك الانتخابات، لم يفز أحد من حزب الكتائب. وفي واقعة أخرى، اعتقل الجيش الإسرائيلي متسللاً فلسطينياً مارونياً، ووجد في جيبه رسالةً يطلب فيها المطران مبارك من السلطات الإسرائيلية مساعدة ذلك المتسلل، وعدم طرده من الأراضي الفلسطينية التي صارت محتلة آنذاك، غير أن السلطات الأمنية الإسرائيلية قبضت على المتسلل، وحققت معه، ثم طردته إلى لبنان من حيث أتى. وهنا طلب يهوشواع فلامون من الأب شاهين (رئيس دير للموارنة في يافا) إبلاغ المطران مبارك ألا يعتبر نفسه قنصل إسرائيل في لبنان، وألا يخوِّل نفسه صلاحية منح تأشيرات الدخول إلى إسرائيل (ص 583).

أغلاط لا تُحتمل

عمد المترجم، خلافاً للأصول العلمية، إلى وضع الإيضاحات والجمل التفسيرية التي رأى أنها ضرورية لجلاء النص، بين هلالين في المتن، وهذا لا يجوز إطلاقاً. وكان عليه إما أن يستخدم أسفل الصفحة ليضيف ما يشاء من التفسيرات الإيضاحية، أو، إذا أصرّ على وضعها في المتن، أن يجعلها بين مركّنين، أي بين قوسين كبيرين ... هكذا [----]. هنا، في هذا الكتاب، اختلطت الأمور، فما عدنا ندري هل إن الفقرات الواردة بين هلالين (---) من إضافات المترجم، أم هي من النص الأصلي. ويبدو أن أكثر من يدٍ بلّت أصابعها في هذه الترجمة، فمرة يرد شاريتوك (ص717 و 728) ومرات يرد بصيغة شاريت، وهو الصحيح. ومرة ترد قرية حولا باللام ألف، ومرات ترد الحولة بالتاء المربوطة (وهي الصحيحة)، علماً أن ثمّة  قرية حدودية لبنانية معروفة هي حولا، الأمر الذي خلطها بسهل الحولة. ويرد عزرا دانين في الصفحة 258، وبعد خمسة سطور يرد بصيغة أخرى، هي عزرا دانون. وعلى هذا المنوال، قرأنا اسم إلياس ربابي تارة وإلياس ربابا تارة أخرى (ص 827 و829). والمعروف أن ألفاء والباء يتبادلان في العبرية بطريقة عشوائية، فنكتب تل أفيف ونلفظها تل أبيب. ونكتب أيضاً دابار (دافار) وبنحاس (فنحاس) ورؤوبين (رؤوفين).. إلخ، وكان على المترجم ضبط طريقة رسم الأسماء العبرية بحسب الشائع في اللسان العبري اليوم، والعودة في ذلك إلى أصحاب الاختصاص والمعرفة، فلا يبقى إسم طوبيا أرازي يرد طوفيا آرزي مرة (ص 162)، وطوبيا آرزي مرة (ص 164) وطوبي آرزي حيناً (ص 248) وتوفيا آرزي حيناً آخر (ص 77)، والصحيح هو أرازي Arazi دائماً. وعلى هذا النحو، ورد إلياهو أفشتاين (ص 26)، والصحيح: أبشتاين، وآرثور روفين (ص31 و120)، والصحيح: آرثر روبين، وحاييم فايتسمان (ص34،35، 85،...)، والصحيح: وايزمان، وتشارلز فينغايت (ص 143)، والصحيح: وينغيت، وزروففل (ص748) وهو زروبابل، وتفناكين (ص 759)، والصحيح: طبنكين، وآبا إيفين (ص 319 وفي صفحات أخرى كثيرة) وهو أشهر مَن أن يعرّف واسمه أبا إيبان، ووحدة هاركيفي (ص457)، والصحيح: هاركابي.

يعج الكتاب بالأغلاط مما لا يمكن احتماله، ففي الصفحة 86 ورد اسم يوسف العصمي (ورد العصيمي في ص 867)، والصحيح في الحالين: يوسف العيسمي، وهو والد المفقود شبلي

العيسمي. ومن غرائب الأغلاط وعجائبها ما ورد في المصادر (ص 771)، فقد قرأنا "رسالة ساسون إلى رياتش باي تسيلح (الهامشان 82 و96). وبعد التدقيق، تبين أن المقصود هو رياض بك الصلح الذي تحوّل علي يدي المترجم إلى رياتش باي تسيلح. وتشيع في الترجمة عدم الدّقة، وعلى سبيل المثال ورد في ص 445 الرائد جمال محمد، وبعده بصفحة ورد الرائد جمال حمّاد (وهو الصحيح). وفي الصفحتين 457 و458 وردت "مجموعة عبد الرحمن"، والصحيح: جماعة عباد الرحمن، وشتان ما بينهما. وعلى هذا المنوال، ورد اسم عبد الحكيم عمار (ص821) والصحيح: عبد الحكيم عامر. ثم ورد اسم توفيق حلو حيدر (ص70 و141)، والصحيح: توفيق هولو حيدر، ومثل ذلك كثير جداً.

ثمّة أغلاط فادحة أخرى في غير مكان من الكتاب، مثلاً ورد المرجع التالي: "الجزء الثالث من كتاب "المشكلة الفلسطينية والخطر الصهيوني" الذي صدر عن هيئة الأركان العامة للجيش اللبناني ومعهد الدراسات الفلسطينية في بيروت" (ص 179 و201). وفي هذه الفقرة أربعة أغلاط: أولاً، لا يوجد جزء ثالث من هذا الكتاب ولا جزء ثانٍ، والمقصود: الفصل الثالث. ثانياً، عنوان الكتاب الصحيح هو: "القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني". ثالثاً، الكتاب صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية وليس عن معهد الدراسات الفلسطينية. رابعاً، شريك المؤسسة في إصدار الكتاب ليس هيئة الأركان العامة للجيش اللبناني بل وزارة الدفاع الوطني – الجيش اللبناني – الأركان العامة – الشعبة الخامسة، ويمكن الاكتفاء بـِ "وزارة الدفاع الوطني". وكذلك ورد الاسم التالي: كريستيان شولتس (ص481 و823)، والصحيح أنه أنثى ويكتب: كريستين شولتزه. وورد أيضاً "عقيدة آيزنهاور" (ص 424)، والمأنوس هو "مبدأ آيزنهاور".

وفوق ذلك، فإن فهرس الكتاب طويل جداً جداً، ولا يعكس أسماء الأعَلام والأماكن والجماعات والمؤسسات الواردة فيه ألبتة. ومع ذلك، فإن إغلاط المتن انتقلت إليه مع أغلاط الفهرسة. وعلى سبيل المثال، ورد أنطونيوس خريش ثم بطرس خريش وهما واحد (أنطونيوس بطرس خريش). ولم يُقلب اسم غسان جديد مثل باقي الأسماء. وحين أراد المفهرس قلب اسم جمال عبد الناصر أعيته معارفه فجعله هكذا: (الناصر، جمال عبد)، وكان عليه، لو كان يعرف، أن يفهرسه على النحو التالي: عبد الناصر، جمال. وهذا غيضٌ من فيض الأغلاط التي شاعت وفشت في هذا الكتاب المهم الذي يجب أن يصل، ولو بأغلاطه، إلى أوسع مدىً من القراء العرب.

 

2 أغسطس 2018

·         المصدر : العربي الجديد - لندن

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 

العراق: ثمن الحرب خصوم فلسطين في الإدارة الأمريكية دفعوا بوش إلى احتلال العراق

 

 

عرض/ سمير ناصيف


أكد جيريمي غرينستوك، المبعوث البريطاني إلى العراق بعد 2003 والذي عمل إلى جانب بول بريمر المكلف إدارة سلطة التحالف الأمريكية المؤقتة في بغداد في تلك الفترة، ان خصوم الحل العادل في فلسطين المتعاطفين مع إسرائيل في السلطة الأمريكية -آنذاك- لعبوا دورا في التأثير على حسابات الإدارة الأمريكية ودفعها إلى الخيار العسكري وغزو العراق بدلا من خيارات أخرى ردا على هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 على أمريكا.
وأشار غرينستوك في كتاب صدر له مؤخراً بعنوان: «العراق: ثمن الحرب» وكان قد كتبه في عام 2005 وطلبت الحكومة البريطانية منه عدم نشره آنذاك، وأعيد تحريره، وقرر الكاتب وضعه في التداول في الأشهر الأخيرة من العام الماضي بعد إضافة مقدمة وخاتمة قيمتين إليه، بأن مجموعة من القياديين الأمريكيين من المحافظين الجدد المحيطين بالرئيس جورج بوش الابن والمؤيدين لإسرائيل دفعوه إلى إعطاء الضوء الأخضر للهجوم على العراق، بدلاً من أفغانستان، بعد العمليات الإرهابية التي وقعت في نيويورك وواشنطن في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، مع ان منفذي الهجوم ارتبطوا بمنظمة «القاعدة» المتحالفة مع حركة طالبان الأفغانية. وفي طليعة هذه المجموعة المحرّضة كان نائب وزير الدفاع الأمريكي بول وولفوتز والمسؤولين الآخرين في وزارتي الدفاع والخارجية ريتشارد بيرل، دوغلاس فايث، لويس ليبي وايليوت ابراهامز (الذي طُرح اسمه لمنصب نائب وزير الخارجية في حكومة دونالد ترامب الجديدة).
واستخدم هؤلاء لإقناع بوش الابن، حسب غرينستوك، حجة ان العراق بقيادة صدام حسين وجه تحدياً لسلطة أمريكا في العالم كدولة عظمى كما دعم ما سمي الهجمات الإرهابية ضد إسرائيل وشكل خطراً على الاستقرار في العالم وعلى أهم منطقة تصدير للنفط فيه بالإضافة إلى امتلاكه أسلحة الدمار الشامل.
وعبّر المؤلف عن دهشته لعدم التركيز الكافي على العامل الإسرائيلي في تشجيع الغزو الأمريكي للعراق قائلا في الصفحة (79): «ان التعلق الأمريكي بإسرائيل يشمل عنصراً من الأيديولوجية والعاطفة وقليلاً من البراغماتية» وهذا الأمر، في رأيه، يعود لعوامل دينية وتاريخية.
ومن الأمور اللافتة في الكتاب، انه توقع في الجزء الذي كتبه في عام 2005 ان تؤدي الأخطاء التي ارتكبت في الغزو إلى تصاعد الإرهاب في العراق نفسه وفي منطقة الشرق الأوسط والعالم أيضا. فالشعوب العربية والإسلامية عموما، ناقمة على الطريقة التي تم التعامل بها مع العراق والتي يتم التعامل بها مع القضية الفلسطينية من قبل أمريكا وإسرائيل وحلفائهما.
وتساءل في القسم الأول من الكتاب عن الأسباب التي دفعت بالرئيس صدام حسين للعب الأوراق الخاطئة في تعامله مع تهديدات وسياسات أمريكا والغرب في الأشهر السابقة للغزو الأمريكي للعراق، ولماذا لم يوضح حقيقة الأمر حول أسلحة الدمار الشامل التي اتُهم باقتنائها والتي استُخدمت كحجة لغزو البلد، ولماذا تعامل مع المفتشين الدوليين بطريقة غير واضحة، وهل كان يخفي أسراراً حول هذه الأسلحة أو انه كان يلعب لعبة سياسية فيها الكثير من المراهنة؟ وردّ على هذا السؤال بقوله ان المحللين سيناقشون هذه القضايا في السنوات المقبلة لفترات طويلة إذ ان عليهم فهم ما كان يجري في عقل صدام وقادة من أمثاله. وأنه هو شخصيا يعتقد ان الرئيس العراقي كان يسعى لإظهار نفسه أمام شعبه بانه القائد القوي الذي لا ينكسر أمام التهديدات وانه لا يخشى الدول العظمى وقادتها شأنه شأن فيديل كاسترو وقادة الثورات في العالم الذين اعتبرهم مثله الأعلى.
وانتقد غرينستوك في الفصل (21) طريقة تعامل الإدارة الأمريكية مع العراق قبل وبعد إطاحة النظام حيث اتُخذت قرارات غير متلائمة مع الواقع سياسيا وأمنياً ما أتاح للعراقيين الغاضبين الانتقال إلى مرحلة تسلم مبادرة القرار وتنفيذه.
وبطريقة ذكية وغير مباشرة، أشار إلى ان أمريكا ناقضت نفسها عندما تصرفت في العراق كدولة امبريالية برغم ان وزير الدفاع دونالد رامسفيلد نفى ان بلده «امبراطورية» ولكنه أرسل «والياً» على العراق (بول بريمر) ليشرف على كل شؤون هذا البلد الذي حُطمت مؤسساته.
وبرغم كل ذلك فان غرينستوك ذكر في أكثر من مناسبة انه حاول التعاون مع بول بريمر خلال الفترة التي قضاها كمبعوث لبريطانيا في العراق وانه شعر ان بريمر خضع لضغوط كبيرة من الإدارة الأمريكية التي تدخلت في معظم الأحيان سلباً في قراراته وخصوصاً في طريقة تعامله مع الميليشيات الشيعية ورغبته في توقيف وسجن قادتها.
كما أسف المؤلف لكون الأمم المتحدة بقيادة كوفي انان لم تستطع القيام بالدور الذي كان بإمكانها القيام به في عراق ما بعد الاحتلال لأن مثل هذا الدور لم ترتح إليه دول العالم والعراقيون واستغلته منظمات المقاومة الإرهابية التي نشأت في البلد والتي اتهمها الكاتب باغتيال المندوب الأممي الدولي المقيم في العراق سرجيون دي ميلو في عملية تفجيرية.
في الخاتمة التي وضعها المؤلف الصيف الماضي بعد ان قرر الانتظار إلى ما بعد صدور تقرير القاضي تشيلكوت في لندن حول المسؤولية في حرب العراق، طرح الكاتب مواقف شديدة الصلابة ضد الغزو العسكري الأمريكي للعراق حيث قال في الصفحة (417): «التحالف بقيادة الولايات المتحدة ادعى انه يعطي العراقيين فرصة، ولكن السنوات الأثني عشرة الأخيرة تخللها عنف لا نهاية له وقليل جداً من التحسن في مستوى حياة الشعب العراقي. ويبقى السؤال عما لو أن ديكتاتورية صدام في حكم العراق استمرت، فهل كانت ستفيد الشعب العراقي أكثر من الفوضى التي سببها النظام العراقي السياسي الجديد؟ الجواب على هذا السؤال يبقى مؤقتا، حسب قوله.
والخطأ الأكبر الذي ارتكبه التحالف بقيادة أمريكا لدى غزو العراق، حسب غرينستوك كان السماح بانفلات الحالة الأمنية في البلد مباشرة بعد انتهاء الهجوم العسكري.
لقد كان على الرئيس جورج بوش الابن ألا يطلب فقط من قادته العسكريين تحقيق دولة عراقية من دون صدام حسين، بل كان عليه تأمين دولة عراقية عاملة وفاعلة وممارسة لوظيفتها كدولة في العراق بعد صدام. وهذا الأمر كان يتطلب تحضيراً وتخطيطا مسبقين لمثل هذا الواقع المنتظر وللموارد المالية المطلوبة للمرحلة المقبلة، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد كان مصمماً على تجاهل الالتزامات الضرورية لتحقيق مثل هذا الهدف.
وأضاف المؤلف قائلا ان الفراغ في الدولة الذي انتشر ما بعد غزو العراق كان شبيها بالذي حدث بعد سقوط الأنظمة العربية في مراحل ما بعد ثورات الربيع العربي في المنطقة. كما أن أمريكا وحلفاءها لم يقوما بالخيارات الناجحة في انتقاء الشخصيات التي اتاحتها لها قيادة النظام الجديد. وهذا الأمر، في رأيه، مهد لنشوب نزاعات طائفية واثنية ولنشوء منظمات إرهابية نجحت في استقطاب بعض المسؤولين العسكريين في النظام السابق، ومدت نفوذها في العراق وسوريا وأماكن أخرى من الشرق الأوسط والعالم.
وهنا يقول الكاتب جملة خطيرة ولكنها شديدة الأهمية بالنسبة لما حدث ويحدث في العالم في هذه الفترة من التاريخ، وهي: «الكثير من الناس في كوكبنا الحالي الآن يرون إن من غير المقبول السماح للولايات المتحدة، بمفردها وعلى هواها، ان تقرر وتفسر وتطبق الشرعية الدولية». وهذا، في رأيه، الثمن الذي تم دفعه بسبب عدم إبقاء الأمم المتحدة داخل قرار غزو العراق أو عدمه من البداية إلى النهاية.
امتدح غرينستوك في الصفحات الأخيرة سياسات الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وقراراته الانسحاب العسكري من مناطق لا يحق ولا يجب لقوات بلاده البقاء فيها مقارنة بمواقف المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية سابقا من عهد بوش الابن ولاحقا.
وطرح المؤلف في الخاتمة السؤال التالي: هل انتشار الإرهاب في المنطقة يعود إلى سياستنا؟ (يقصد أمريكا والدول الغربية في العراق). ويجيب قائلاً انه لم يكن من الحكمة ترك مناطق جغرافية واسعة في فراغ لتنتشر المنظمات الإرهابية فيها وتدرب أتباعها وتعزز تسلحها على أراضيها. وثانيا، ما كان من المفيد توقيت الصراعات الطائفية والاثنية وإتاحة المجال لمجموعات مسلحة استقطاب الأحقاد الناتجة عن هذه الصراعات لتقوية انتشارها وزيادة أعداد الملتحقين بها في العراق وسوريا ومناطق أخرى.
ويبقى السؤال: هل كانت أمريكا والدول الغربية ترغب بالفعل في ترك العراق وليبيا وغيرهما في حالة استقرار ونمو؟
هنا يجب العودة إلى ما قاله جيريمي غرينستوك في بداية كتابه، فاذا كان صحيحاً (كما قال) انه كان لإسرائيل ومؤيديها في إدارة جورج بوش الابن الدور في دفع أمريكا إلى غزو العراق في عام 2003 فلماذا نتعجب عندما تترك الدول التي تتعرض لمثل هذه الغزوات في حالات من الفوضى والاقتتال الدموي مما يسهل الاستمرار في السيطرة عليها وعلى ثرواتها؟
فهل من مصلحة إسرائيل والمجموعات المؤيدة لها في الكونغرس الأمريكي وفي مجموعات الضغط الشعبية والإعلامية المعادية للعرب في أمريكا عودة العراق وليبيا وسوريا وغيرها من الدول العربية والإسلامية التي دُمرت، إلى أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية طبيعية وصحية؟ وهل كان بالفعل الهدف من غزو العراق وليبيا العثور على أسلحة الدمار الشامل ونشر الديمقراطية؟ في الماضي، كانت الإجابة على هذا السؤال إلى حد ما صعبة، حتى على الخبراء في شؤون الشرق الأوسط، أما الآن فأصبح الجواب سهلاً، حتى على الإنسان العادي.
المصدر/ جريدة القدس العربي

 --------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 

سلامة كيلة

سلامة كيلة: المناخ العالمي بات مهيّئاً لإدانة الصهيونية

القاهرة- عبدالله حماد

وسط تباين المواقف والسياسات واختلاف الرؤى المرتبطة بالقضية الفلسطينية، يدعو الكاتب والمفكر العربي الفلسطيني سلامة كيلة في حواره مع «بيان الكتب»، إلى رؤية جديدة لحل القضية الفلسطينية، تقوم على العودة إلى البديهيات التي حاولت السياسات المتبعة طمسها، وتتمثل في أن تبقى فلسطين دولة ديمقراطية عربية تقبل وجود (اليهود) في إطارها، انطلاقاً من أنهم ينتمون إلى قوميات أخرى.

ويستند كيلة، في تصوره هذا، إلى فكرة حل الدولتين وكيف جرى تسويقها على أنها أمل ممكن التحقيق، وكيف أصبحت أكثر خطورة وشكلت مأزقاً منذ بداياتها، متطرقاً في هذا السياق إلى تلاشي المقاومة الفلسطينية، بعد أن تحولت إلى وجود سياسي أكثر منها قوة حقيقية؛ الأمر الذي تحولت معه التنظيمات الفلسطينية إلى قوى ليست فاعلة.

ويرى المفكر الفلسطيني أن تحقيق هذا التصور الذي يطرحه لحل القضية الفلسطينية، يفرض بداية تكسير كل الأوهام التي تراكمت خلال أربعة عقود، ودعم وتطوير التحرك الشعبي العربي، الذي رأيناه أخيراً، بعد قرار ترامب بشأن نقل السفارة الأميركية إلى القدس، موضحاً أن هذا التحرك الشعبي بمثابة حراك جديد للقضية الفلسطينية، وإن كان هذا الحراك بحاجة إلى نقاش نظري لبحث كيفية تحويله إلى إطار عملي على أرض الواقع، ومشيراً أيضاً إلى أن الأمل كبير بالمثقفين الشباب العرب والفلسطينيين، لقيادة حراك ناضج وقوي مؤثر في سبيل نصرة فلسطين وقضيتها.

- تطرح في كتابك استراتيجية خاصة حول «المسألة الفلسطينية» تبعد عن نكبات الماضي وهزائمه وأطروحات الحاضر في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات عاصفة.. ما المحاور الرئيسية التي انطلقت من خلالها تلك الاستراتيجية؟

بات واضحاً، خلال الفترة الراهنة، أن المسار الذي قامت عليه القضية الفلسطينية خلال عقود مضت، مسار فاشل، وذلك ليس مستغرباً؛ لأن من يدرس تاريخ الدولة الصهيونية وسبب وجودها يعرف أن تأسيس هذه الدولة الصهيونية أتى في سياق تأسيس قاعدة عسكرية من أجل مواجهة المنطقة العربية عموماً ومنع تقدمها. وبالتالي، وفي ضوء هذا الهدف، كان غير مسموح وجود حل سياسي للقضية الفلسطينية. وبهذا المنظور، كان حل الدولتين وهماً لدى القيادة الفلسطينية، بينما كان استفادة ثمينة من الوقت بالنسبة للدولة الصهيونية للتضييق على الفلسطينيين والاستيلاء على أرضهم، فضلاً عن التوسع في إقامة المستوطنات بالأراضي الفلسطينية المحتلة؛ لأن طبيعة المشروع الصهيوني الإمبريالي لا تجعل مكاناً لحلول وسط.

انطلاقاً من هذا المنظور، فإنني في كتاب «المسألة الفلسطينية»، أقدم تصوراً جديداً بالعودة إلى البديهيات التي حاولت سياسات متبعة وتابعة طمسها، أولها أن فلسطين تبقى فلسطين، دولة ديمقراطية عربية تقبل وجود (اليهود) في إطارها، انطلاقاً من أنهم ينتمون إلى قوميات أخرى، ومن أن هناك عرباً يهوداً جرى جرهم إلى فلسطين بتدخلات متعددة، وصولاً إلى مبادئ أساسية، يتمثل أبرزها في عودة اللاجئين الفلسطينيين، وإعطائهم حقوقهم كاملة.

مستويات

- في ضوء طرحك لهذه الفكرة في كتابك المذكور، كيف يمكن تحقيقها على أرض الواقع في ظل المتغيرات الحالية التي تشهدها القضية الفلسطينية؟

أعتقد أن تحقيق هذا التصور يفرض بداية، تكسير كل الأوهام التي تراكمت خلال أربعة عقود، وبالتالي ما يجب تحقيقه على أرض الواقع يتطلب مستويات عدة، أبرزها استمرار النضال الفلسطيني، وأيضاً الدفع باتجاه أن يلعب اليهود الإسرائيليون دوراً في إنهاء الدولة الصهيونية عبر تجاوز شعورهم الدائم بأنهم مهددون ومستهدفون من قبل النضال الفلسطيني، فضلاً عن أن أزمة الإمبريالية ستنعكس بالضرورة على الدولة الصهيونية، ويمكن أن يتفاقم الصراع الطبقي فيها ضد الفئة الرأسمالية المُسيطرة. وكل ذلك من الممكن أن يؤدي إلى إنهاء المشروع الصهيوني كونه مشروعاً إمبريالياً ودولة قائمة على الاستيطان واستغلال الدين اليهودي لخدمته.

والمستوى الثالث يتمثل في ضرورة أن تتجاوز القضية طابعها الفلسطيني؛ لأنها بالأساس تخص مجمل الوطن العربي، وهنا يجب أن نعلم أنه يفترض أن يكون الصراع بين العرب عموماً والصهاينة، وليس فلسطينياً- صهيونياً، بحيث عبر ذلك يمكن تغيير ميزان القوى. وأعتقد، أيضاً، أن المناخ العالمي أصبح مهيئاً أكثر من أي وقت مضى لتغيير موقفه من الدولة الصهيونية والتفاعل مع مقاطعتها، وهو ما ظهر في الرفض الشعبي العالمي لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أخيراً، بالاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل. وأود التأكيد أن ردود الفعل العربية على قرار ترامب ذلك أظهر الحضور القوي للقضية الفلسطينية في ضمير أمتنا.

عودة واحتياطات

كيف يمكن إعادة بناء المشروع الفلسطيني وفق ما تطرحه في هذه الرؤية؟

المنطقة كلها الآن، تعيش مرحلة من الخطر والتوتر، وبالتالي نعول كثيراً على الجهد الشعبي الشبابي الفلسطيني والعربي عموماً، فهذا التحرك الشعبي الذي رأيناه أخيراً، بمثابة حراك جديد للقضية الفلسطينية، وإن كان هذا الحراك بحاجة إلى نقاش نظري لبحث كيفية تحويله إلى إطار عملي يصب في مصلحة الدولة الديمقراطية الفلسطينية الواحدة. وأعتقد أن شكل المقاومة الفلسطينية يتمثل حالياً في هذا الحراك الشبابي القوي داخل فلسطين، وذلك بعد اعتراف دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، فقد شهدنا بداية انتفاضة فلسطينية، وعمليات فردية للشباب بعيداً عن المنظمات الفلسطينية القائمة.

ما أريد قوله، إنه على ضوء قرار ترامب، عاد الحراك الفلسطيني، ولكنه ما زال في بداياته؛ لذلك يجب العمل على نموه وتطويره، بحيث يكون النضال الفلسطيني موحداً، ويتحول إلى حراك شعبي قوي داخل فلسطين ضد الدولة الصهيونية، بعد أن بات العمل المسلح صعباً للغاية، وتحول إلى عمل قريب للفردية، دون أن نتجاهل أهمية الصراع المسلح ذاته.

2011

تحدثت في كتابك ذاته عن فكرة «التحرر» التي انطلقت منها ثورات ما يسمى بـ«الربيع العربي»، وما تلاها من تطورات في المنطقة، كيف ترى تداعيات تلك الثورات على القضية الفلسطينية؟

ربما تكون ثورات الربيع العربي وما تلاها من تطورات في المنطقة سحبت الأضواء نوعاً ما من القضية الفلسطينية، لكن فلسطين كانت حاضرة في ثورات الربيع العربي منذ بداياتها..وأعتقد أن ما يجري الآن في المنطقة العربية سينعكس إيجاباً على القضية الفلسطينية.

المسألة الفلسطينية.. من سراب الدولتين إلى الدولة الواحدة

يطرح كتاب «المسألة الفلسطينية.. من سراب حل الدولتين إلى الدولة العلمانية الواحدة» للكاتب الفلسطيني سلامة كيلة، وجهة نظر مغايرة نوعاً ما للمسألة الفلسطينية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعودة إلى البديهيات التي حاولت السياسات المتبعة والتابعة طمسها. وأول تلك البديهيات- في طرح كيلة- أن فلسطين تبقى فلسطين، دولة ديمقراطية عصرية واحدة في هذه الأرض، على اعتبار أن طبيعة المشروع الصهيوني الإمبريالي لا تجعل مكاناً لحلول وسط، وذلك خلافاً لكل ما تراكم من «أوهام» وفق وصف كيلة خلال العقود الأربعة الماضية.

طابع أعم

أما ثاني تلك البديهيات التي ينطلق منها كيلة في كتابه هو ما تنطوي عليه عملية تجاوز القضية الفلسطينية لطابعها الفلسطيني إلى الطابع العربي العام، من أهمية قصوى، على أساس كونها قضية العرب. ومن هذا المنطلق تناول الكتاب تحليلاً شاملاً للظروف الراهنة لا سيما في أعقاب ما أفرزته ما يسمى بـ«ثورات الربيع العربي» من تطورات ومتغيرات جوهرية في المنطقة، إذ اعتبر من خلال ذلك التحليل أن تلك الثورات قد فتحت أفقاً جديداً لحل عادل للقضية الفلسطينية، حتى أوجز رؤيته في ضرورة إعادة بناء المشروع الفلسطيني ليهدف إلى بناء دولة تقبل بوجود اليهود ضمنها.

«فلسطنة القضية»

يتحدث مؤلف الكتاب- الصادر عام 2017، في مقدمته، عما سمّاه تلاشي الحركة الوطنية الفلسطينية، ويتحدث عن وقع اللحظة الكاشفة التي أوجدتها هزيمة يونيو عام 1967، والتي نهضت بعدها المقاومة الفلسطينية، على اعتبار أن الهزيمة كانت منعشة للميل الفلسطيني لخوض النضال وعملية «فلسطنة القضية»، ومن ثم يتحول الصراع إلى صراع فلسطيني- إسرائيلي، قبل أن توجد «ثورات الربيع العربي» واقعاً مغايراً.

تداعيات

ويواصل كيلة في كتابه شرح التطورات التي تلت ذلك التحول وما تلاه من تحولات أخرى دفعت بالتفكير في التحول من المقاومة للتحرير إلى القبول بالتسوية مع الدولة الصهيونية، من خلال تخليها عن الأراضي التي احتلتها في العام 1967، كما يتحدث عن تداعيات تلك الحالة.

وبعد تلك المقدمات الاستهلالية الشارحة لتحولات التعامل مع القضية الفلسطينية يخلص كيلة في كتابه إلى أن العديد من المآخذ على الاستراتيجية الفلسطينية التي لا وجود لها برأيه، ويعتقد أنه «ليس من الممكن إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس بعد سيطرة الدولة الصهيونية على أهم أراضي الضفة الغربية»، وفي ضوء الوضع القائم حالياً، والذي يشير إلى أن الإمبريالية الصهيونية هي التي تتحقق عملياً على أرض الواقع وأنه حتى الشرعية الدولية تحت رهنها.

إعادة بناء

يستفيض كيلة ضمن كتاب «المسألة الفلسطينية» في شرح تداعيات وانعكاسات ثورات الربيع العربي على القضية الفلسطينية في ضوء تلك التحولات الجذرية، مؤكداً اعتقاده أنها أعادت « المسألة الفلسطينية إلى صورتها الطبيعية كونها جزءاً رئيساً من العالم العربي»، ما يمثل سقوطاً لفكرة «فلسطنة» القضية. ويوضح أن الحل، برأيه، يأتي في إطار إعادة بناء المشروع الفلسطيني الهادف لبناء دولة عصرية ديمقراطية.. مراهناً على انعكاسات الأزمات الإمبريالية على الدولة الصهيونية من الداخل.

المصدر : (البيان) الاماراتية

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا