الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

داؤد الفرحان صحفي وكاتب عراقي من جيل الرواد يكتب عمودا اسبوعيا في جريدة (الشرق الاوسط) لندن

العراق

 ومحنة الميليشيات

داود الفرحان

 

بعد أربع سنوات من اختطاف أكثر من خمسة وعشرين ألف رجل وطفل من المحافظات السنية في العراق، واقتيادهم من قبل ميليشيات «الحشد الشعبي» إلى معتقلات سرية غير خاضعة للسلطات الحكومية، بدأت الحقيقة تظهر إلى العلن، ووصلت إلى أسماع الأمم المتحدة. هذه جريمة إبادة إنسانية تستدعي تدخلاً أممياً واسعاً وفورياً لإنقاذ من يمكن إنقاذه من تلك الآلاف التي لا يعرف أحد مصيرها.
كل الذي يُشاع ويُتداول بين السياسيين وأهالي المخطوفين وبعض المنظمات الإنسانية أن آلاف المغيبين والمختطفين تم نقلهم إلى منطقة «جرف الصخر» الريفية، التابعة لمحافظة بابل، وسط العراق. وهذه المنطقة نُكبت في عهد رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، حين تم تهجير سكان كل قراها بحجة «البحث عن الإرهابيين»، وحماية بغداد من امتدادات «تنظيم الدولة» الغاشم. لكن مرّت السنوات من دون أن تعطي الحكومة العراقية أي أمل للناس المُهجرين بالعودة إلى ديارهم وبساتينهم بعد سقوط «داعش».
العكس هو الذي حصل؛ إذ استولت الميليشيات الإيرانية على المناطق المستباحة كلها، وأعلنت أنها منطقة خارج سيطرة الحكومة. وتم تحويلها إلى قلعة حصينة، وأنفاق تحت الأرض، لمختلف أنواع الأسلحة الأميركية والإيرانية، من الدفاعات الجوية إلى القذائف والألغام والأسلاك الشائكة والجدران المكهربة، ومستشفيات مشبوهة. مساحات شاسعة لا تشملها أي قوانين عراقية، ولا تعترف بأي هويات غير هوية «الحشد الشعبي»، ولا تأذن بدخولها إلا لقادة «الحشد». ووصل الأمر إلى منع وزير الداخلية السابق، وهو عضو قيادي في «منظمة بدر»، أكبر فصائل ميليشيات «الحشد»، من دخول المنطقة.
الآن، نسمع أن هناك فريقاً من الأمم المتحدة وصل إلى العراق، وسيقوم بدخول المنطقة المحرمة للبحث عن المفقودين والمختطفين والمغيبين، بعد أن قدمت ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة، جنين بلاسخارت، تقريراً إلى المنظمة الدولية لم تُعرف تفاصيله. لكن هذا الأمر لن يتحقق، فلن يدخل المنطقة أي زائر أو محقق إلا بموافقة طهران حصراً. وطهران لا توافق على الإطلاق، فهذه قاعدتها الرئيسية في العراق، خلال أي حرب أميركية أو إسرائيلية ضد إيران. وفي النية، كما قال أحد الخبراء، تجهيزها بحائط صواريخ روسي دفاعي من طراز «إس 300» أو «إس 400».
قامت منظمات إنسانية وحقوقية، وقيادات سنية عراقية، بإصدار بيانات وتصريحات تطالب فيها بكشف أسرار هذه «الدائرة الخفية»، لمعرفة مصير آلاف المختطفين الأبرياء الذين يقوم «الحشد» بين فترة وأخرى بنقل جثث المتوفين منهم تحت التعذيب خارج المعتقل الغامض إلى المدافن.
المفترض أن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي هو القائد العام لـ«الحشد الشعبي»، بصفته القائد العام للقوات المسلحة. ومع كل الضجة والاستنكار والضغط المحلي والأممي، فإنه يجد صعوبة في التحرك حتى الآن، وهذه المشكلة الشائكة أكبر بكثير من صلاحيات رئيس الجمهورية، لكنها تحتاج إلى دعمه لفرض سيادة الدولة على هذه الأرض.
ولا يخفي العراقيون قناعتهم بأن الجهة الوحيدة التي تستطيع اقتحام أسوار هذه «المحمية»، وكشف أسرارها، ومعرفة مصير المختطفين والمغيبين، هي الولايات المتحدة الأميركية. ويرسم العراقيون لوحة «خيالية» عن إنزال جوي، وتقدم بري أميركي، وطائرات درون وصواريخ، للسيطرة عليها، واعتقال من فيها من فصائل «الحشد» وأطباء التشريح والسجانين وفرق التعذيب العراقية والإيرانية.
حتى الآن، المأساة لم تصل إلى نهاية الفيلم. فالقضاء العراقي ما زال يناقش الوسائل الممكنة لمعرفة مصائر المفقودين، والإجراءات القانونية لدخول المحققين إلى المنطقة «المحرمة»، والحكومة بصدد تشكيل لجان لجمع المعلومات والشكاوى، وهي خطوات وإجراءات قد تستغرق دهراً كاملاً، تضيع فيه دلائل الوقائع والأسماء والشهود، وتتوزع الدماء بين فصائل «الحشد الشعبي»، فلا يصل أحد إلى أي نتيجة، ويتم تسجيلها «ضد مجهول»!
ونقلاً عن خبراء عسكريين عراقيين، فإن ميليشيات الخطف هي «النجباء» و«سيد الشهداء» و«حزب الله» و«العصائب» و«الخرساني»، وكلها كانت قد شاركت في الحرب السورية، تحت سيطرة «فيلق القدس»، وقيادة قاسم سليماني.
الخبر المؤكد أن حكومة عبد المهدي عاجزة عن حل هذه المشكلة، وهي أساساً فشلت في دمج «الحشد الشعبي» في القوات المسلحة في موعد أقصاه 30 يوليو (تموز) الماضي. وهدد بعض النواب علناً بتدويل القضية. والتدويل، بالتفسير العراقي غير الحكومي، هو الاستعانة بالولايات المتحدة لاقتحام منطقة «جرف الصخر»، وتطهيرها من الميليشيات، وإطلاق سراح المغيبين والمختطفين، وكشف مصير المفقودين، وإحالة المجرمين إلى القضاء. أما الأمم المتحدة، فهي أكثر عجزاً من حكومة عبد المهدي، والدليل على ذلك أنها لم تستطع منذ عام 2014 العثور على 276 طالبة نيجيرية اختطفهن تنظيم «بوكو حرام» الإرهابي.
الميليشيات الطائفية العراقية ولاؤها الكامل لولاية الفقيه خامنئي، وهي خارجة عن القانون. وفي كل يوم يمرّ، تزداد محنة أهالي الضحايا، وسط صمت دولي رهيب.

كاتب عراقي

 

مراوغة النظام

الإيراني وحيله المخادعة

 

داود الفرحان

الخبث الإيراني يسعى إلى تصوير المملكة العربية السعودية كأنها دولة تدعو إلى الحرب على إيران. الكل يعلم أن السعودية ودول الخليج عدا إيران لا تريد أي حرب جديدة في المنطقة، وهي لم تكن لتتدخل في حرب اليمن ضد المتمردين الحوثيين لولا أن الميليشيات اليمنية الطائفية الموالية لإيران تمثل خنجراً في الظهر لا يمكن الاطمئنان إليه، ولا يمكن أيضاً اعتبار الانقلاب اليمني على الشرعية، المدعوم من إيران علناً، أمراً داخلياً يمنياً يمكن تجاوزه أو التعايش معه.
اللافت أن النظام الإيراني الحالي هو الذي يدعو إلى الحرب، ويستفز دول الخليج العربي، بهدف ضرب أي هدف إيراني بحري أو جوي أو بري، ليكون ذلك مفتاح الحرب أو الزر الأحمر. بل إن طهران سحبت ساق الولايات المتحدة إلى اختبار عملي أو استعراض قوة ميداني، لمعرفة ردود أفعالها بعد تفجير واحتجاز سفن وإسقاط طائرة «درون» أميركية، وصولاً إلى قصف «أرامكو». وهي تريد فعلاً الحرب، لأن النظام الإيراني يقتات على الحروب والتدخل في أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان واليمن، وعملائه في البحرين، وهنا وهناك.
لنعد بذاكرتنا إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي، بعد عام واحد من مجيء حكم الخميني وسقوط النظام الشاهنشاهي. بدأ النظام الجديد عهده بالإعدامات والتصفيات وأزمة السفارة الأميركية، واستفزازات عسكرية على طوال الحدود العراقية، بلغت ذروتها بحرب بين البلدين، استمرت 8 سنوات، رفض الخميني خلالها عشرات الدعوات العراقية والوساطات الأجنبية لوقف الحرب وإجراء مفاوضات لإطلاق سراح الأسرى وإقامة علاقات حسن جوار.
ستستمر إيران الملالي بهذا النهج؛ فالسلام واستقرار إيران يؤديان إلى سقوط النظام، والبديل الوحيد لمنع سقوطه هو الحرب. الخروج من حرب إلى أخرى. وكلها خارج الحدود في العراق وسوريا ولبنان واليمن والساحل العربي من الخليج وأفغانستان. والميليشيات الإيرانية والخلايا النائمة في هذه الدول هي المخالب التي تعتمد عليها المؤسسة الدينية الحاكمة في «الجمهورية الإسلامية».
ولا شيء يدفع إيران إلى التمادي في عملياتها العدوانية أكثر من تخبط التصريحات الأميركية، سواء من قبل الرئيس ترمب أو وزير خارجيته بومبيو، التي تحولت بين ليلة وضحاها من «تدمير إيران» إلى «لا نريد الحرب»! وفي أحد تصريحات ترمب، قال: «أستطيع إعطاء أمر بضرب 15 موقعاً في إيران، لكني لن أستعجل». ولا يقول للناس ماذا ينتظر.
إلى هؤلاء الذين ينقصهم بُعد النظر؛ نؤكد أن إيران نظام آيديولوجي طائفي متطرف، يعتبر أي دولة لا تؤيده معادية. وهي تستبيح كل أراضي دول الجوار، وتفتخر بذلك. وقال رئيس جمهوريتها، حسن روحاني، إن بلاده «تفتخر بامتداد نفوذها من ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى الهند». وإذا كان القرنان التاسع عشر والعشرون شهدا «المرحلة الاستعمارية» المعروفة، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد «المرحلة الفارسية» الطائفية و«المرحلة الإسرائيلية» التوسعية، وكلتاهما تستخدم الدين لتحقيق أهدافهما. ومن سوء حظ العرب أنهم ابتلوا بكل هذه المراحل.
إذا استمر الحال على ما هو عليه في البيت الأبيض، فإن إيران ستتمادى إلى آخر احتمال في إشغال العالم بهذه الأزمة، بينما تستكمل سراً برنامجها النووي، الذي لم يتوقف لحظة واحدة طوال سنوات الاتفاق الذي ألغاه ترمب. لن تتراجع طهران عن سياسة حافة الهاوية، فهي سياسة مريحة لها داخلياً وخارجياً، ومرهقة لدول المنطقة.
مخطئ من يظن أن الدول العربية المعنية تدعو الولايات المتحدة إلى القتال دفاعاً عنها. فالدول العربية لا تريد الحرب أساساً، لكنها لا يمكن أن تقبل باستمرار العدوان الإيراني المنفلت بلا رادع ولا قانون دولي.
كان مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، جون بولتون، الذي أقاله ترمب مؤخراً، قد صرح في لقاء أداره معهد غيتستون في نيويورك قبل أيام: «إن قرار ترمب الامتناع عن شنّ ضربات عسكرية على إيران رداً على إسقاطها طائرة مسيرة أميركية قبل شهرين، شجّع إيران على تفعيل عدوانها في الفترة اللاحقة». وأضاف: «إنه لولا رفض الرئيس الأميركي خطة الخيار العسكري بعد إسقاط الطائرة الأميركية لما قامت إيران باستهداف منشآت (أرامكو السعودية)».
نحن نعلم أن الرئيس الأميركي يقرأ أخبار الاعتداءات الإيرانية، وعيناه على موعد التجديد الرئاسي. لكن من قال لترمب إن المطلوب شنّ حرب لاحتلال إيران، كما فعل الرئيس الأميركي الأسبق بوش الابن في احتلال العراق؟ كانت حرب العراق خطيئة تاريخية ودرساً لا يمكن أن ينساه أي رئيس أميركي. وبالتأكيد يعرف ترمب أكثر من غيره أن الاحتلال الأميركي هو الذي سَلّم العراق للإيرانيين وعملائهم من ميليشيات قاسم سليماني.
أخيراً، حين تشارك الولايات المتحدة في الدفاع عن السلام العالمي فهي تدافع عن مصالحها، وإلا فما الذي دعا الرئيس ترمب إلى تجشم عناء السفر إلى الشرق الأقصى لمقابلة رئيس كوريا الشمالية؟ وما الذي دعا الولايات المتحدة إلى إقامة قواعد لها في مختلف دول العالم، من تركيا وقطر والعراق وكوريا الجنوبية واليابان وألمانيا إلى غوانتانامو في كوبا؟!
بالتأكيد، إنها ليست قواعد سياحية.

 

 

(القاعات الخالية)

... مشكلة عربية

 

داود الفرحان

كنا مجموعة من الكتاب والصحافيين خلال الحرب العراقية - الإيرانية مع وزير إعلام عراقي سابق في شبه مؤتمر. افتتح الوزير الجلسة بكلمة عن دور المثقفين لتحقيق هدف «القلم والبندقية فوهة واحدة» قال فيها: «أريد مؤتمراً لا ينظر فيه أحد إلى ساعته». وبعد ساعتين من «الحقيقة والواقع» و«الظروف الخطيرة التي تمر بها الأمة أكثر من أي وقت مضى» و«التحديات الزمكانية» و«الإرهاصات الملتوية في خضم الصيرورة» بدأ بعضنا يتنحنح ويتثاءب وينظر في ساعته!
من المؤكد أن أكثر القراء يتذكرون الآن ظروفاً مشابهة ومؤتمرات واجتماعات مملة وثقيلة يكرر المتحدث ما قاله الذي تحدث قبله.
الأسوأ من هذه الاجتماعات، تلك التي لا يحضرها إلا عدد محدود من المدعوين الذين يكتفون بالاستماع إلى المحاضر من دون أي مناقشة، أو الشخير أو تقليب «الواتساب».
إنها ظاهرة لافتة للأنظار في مؤتمرات علمية وأدبية واقتصادية واجتماعية صارت تطلق عليها تسمية «القاعات الخالية».
وأتيح لي أن أحضر قبل سنوات في مدينة الإسكندرية احتفالية بمئوية أمير الشعراء أحمد شوقي نظمتها مكتبة الإسكندرية لم يحضر جلستها الافتتاحية سوى ثلاثة شعراء عرب من فلسطين والعراق والكويت وأعضاء الهيئة المنظمة للاحتفالية ونحو مائتي طالب وطالبة من طلبة جامعة الإسكندرية!
وللحقيقة والتاريخ فقد حضرها أيضاً أحد الممثلين الكوميديين المصريين الذي انفرد خلال إلقاء القصائد بالإدلاء بتصريحات للقنوات الفضائية عن أدواره السينمائية والتلفزيونية الثانوية، وتطوعت إحدى الممثلات المحجبات لإلقاء بعض قصائد شوقي مع إضافة ما يلزم من أخطاء نحوية شنيعة اغتالت جميع أخوات إن وكان... لسوء سلوكهن ربما.
بمعنى آخر: إن الحاضرين من الأدباء لم يكن يتجاوز العشرين شاعراً وناقداً وصحافياً، أما الباقون فهم «كومبارس» للتصفيق والإيحاء بأن الاحتفالية شهدت حضوراً مكثفاً من الجيل الجديد. والذنب طبعاً ليس ذنب مكتبة الإسكندرية التي تبنت الاحتفالية ولا ذنب الهيئة المنظمة التي بذلت الكثير أدبياً ومادياً لإنجاحها، لكن المشكلة في الأدباء الذين وجهت لهم الدعوات ولم يحضروا. وإذا كانت الإسكندرية بعيدة بعض الشيء عن العاصمة (ساعتان بالقطار)، فإن الظاهرة نفسها موجودة في القاهرة ولاحظتُها مراراً في احتفاليات وندوات ومؤتمرات ومحاضرات كانت قاعاتها شبه خالية، بينما كانت قاعات المطاعم التي تقام فيها ولائم هذه الفعاليات مليئة بعابري السبيل الذين يجدون فيها طعاماً شهياً مجانياً.
وكانت وزارة الإعلام العراقية تلجأ في دورات مهرجان المربد الشعرية إلى إلزام موظفي الوزارة بحضور جميع الجلسات وإلا تعرضوا للعقاب، لكن الوزارة منعت الموظفين المساكين من دخول مطاعم المربد المخصصة للضيوف العرب والأجانب، ومئات المتطفلين الذين لا يهمهم من مهرجان المربد إلا الثريد.
على أي حال الأمر ليس محصوراً بالأدباء فقط، فالقاعات الفارغة موجودة في المؤتمرات والندوات العلمية أيضاً. ويذكر المحرر العلمي لصحيفة «الأهرام» جمال محمد غيطاس أن أحد كبار علماء العالم في المعلوماتية والحاسبات وقف قبل سنوات قليلة لإلقاء محاضرة رفيعة المستوى في قاعة المؤتمر العلمي السنوي المصري للاتصالات والحاسبات الذي يشرف عليه المعهد الأميركي لمهندسي الإلكترونيات والكهرباء، ولكنه لم يجد أحداً في القاعة، فاضطرت إدارة المؤتمر إلى إلغاء المحاضرة، والاعتذار بخجل للعالم الكبير الذي جاء إلى مصر بعد جهود مضنية بذلها عدد من علماء مصر المغتربين لإقناعه بترك أعماله، والسفر إلى مصر على نفقته الشخصية لإلقاء المحاضرة التي ألغيت. أما بقية جلسات المؤتمر فكانت نسبة الحاضرين ممن وجهت لهم الدعوات لا تزيد عن عشرين في المائة مقابل ثمانين في المائة من الأجانب.
وفي مناسبة أخرى شارك أكثر من 400 من صفوة الخبراء والمختصين الأجانب في المؤتمر السنوي للمنظمة العالمية لقواعد البيانات الذي عقد في القاهرة. وتكرر الموقف نفسه، إذ بدت القاعة شبه خالية إلا من الأجانب، بينما اهتم أهل الدار بالضيافة وتنظيم رحلات سياحية إلى الأهرامات وخان الخليلي وبواخر النيل و«نورت مصر».
وفي إحدى المرات جاء إلى القاهرة الدكتور جونج كيم رئيس مختبرات «بل» الأميركية لأبحاث الاتصالات لإلقاء محاضرة عن «المنافسة والنمو الاقتصادي والابتكار والتجديد»، ولم يجد الرجل في القاعة سوى ثلاثين شخصاً معظمهم من موظفي الشركات الذين حضروا ليقال إن شركاتهم مهتمة بالابتكار والتجديد. وتوقع المحاضر أن يسمع من الحاضرين أسئلة عن الموضوع إلا أن ذلك لم يحدث.
واضطر مسؤول مصري في مناسبة أخرى إلى الاعتذار علناً من الأجانب لضعف المشاركة المصرية في المؤتمر الدولي للدراسات العامة لصناعة تكنولوجيا المعلومات الذي عقد في القاهرة، فقد ظلت القاعات خالية من المشاركين المحليين طوال أيام المؤتمر.

كاتب عراقي

(الشرق الاوسط)

 

تجربة إنسانية

 في عالم متوحش

 

داود الفرحان

   

كثيرون يقولون إن اليابان كوكب آخر غير الكرة الأرضية. وحين زرت هذا البلد البعيد في أقصى الشرق قبل أكثر من 30 عاماً لم تكن معلوماتي عنه تتعدى أن هذا البلد خسر الحرب العالمية الثانية بسبب القنبلتين الذريتين اللتين ألقتهما طائرتان أميركيتان على مدينتي هيروشيما وناكازاكي، ما دفع إمبراطور اليابان هيرو هيتو إلى إعلان الاستسلام أمام قوات الاحتلال الأميركي في 2 سبتمبر (أيلول) 1945.
في السبعينات والثمانينات بدأت السيارات اليابانية تتدفق إلى الشوارع العربية، ومنها العراق. واستطاعت هذه السيارات إزالة السمعة السيئة عن السلع القديمة التي تحمل شعار «صنع في اليابان»، حتى إننا كنا نطلق على أي صناعة رديئة من أي جنسية تعبير «جاباني»... أي ياباني!
سمعنا أيضاً عن المصارعة اليابانية وملابس الكيمونو والساموراي، وشاهدنا مسلسلاً تلفزيونياً يابانياً وحيداً يحمل اسم «حافات المياه» يروي قصصاً عن قُطّاع الطرق وصراع الإرادات بين القبائل في بلاد الشمس المشرقة. ورسمنا في أذهاننا لوحات عن الحياة في ذلك البلد ذي الطقوس الخاصة والكتابة المميزة والمجتمع الذي تزيد فيه نسبة المعمرين عن الأطفال.
بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، بحث جنود الاحتلال الأميركي عن بيضٍ لإعداد فطور الصباح للجنرال دوغلاس ماكارثر القائد الأعلى لقوات الاحتلال، فلم يعثروا على بيضة واحدة. لقد ضربت المجاعة البلاد لسنوات كثيرة بعد الحرب. ثم تحولت اليابان من دولة زراعية إقطاعية حربية إلى دولة عصرية مسالمة يُضرب المثل في علاقاتها الاجتماعية الراسخة المبنية على احترام الصغير للكبير في البيت والشارع والمصنع وقطارات المترو. وهي تجربة ناجحة بدرجة امتياز وتستحق أن نفهمها جيداً في هذا العالم المتوحش.
إليكم هذا الدرس باللغة اليابانية... جرت العادة في كثير من الشركات اليابانية أن يختار المنتسبون في كل أسبوع شعاراً معيناً يعملون في ضوئه، مثل «إنتاج أكبر من خلال الجهد الجماعي» أو «سمعة الشركة تهمنا جميعاً»، وخلف مثل هذه الولاءات القوية للجماعة تكمن أسرار النجاح الصناعي الذي تفتخر اليابان به.
من مميزات المدير الياباني أو رئيس الشركة أنه إذا أدَّت سياسته إلى فشل الشركة أو خسارتها، أو إذا ألحق أضراراً بها بسبب فضيحة مالية أو شخصية، فإنه يمتلك الشجاعة الكافية التي تؤهله لأن يقف أمام منتسبي الشركة ويعترف بتقصيره علناً. وهو لا يطلب العفو والمغفرة ونسيان الماضي، ولا يبحث عن أعذار لتسويغ الفشل، ولا يفتش عن شماعة أو كبش فداء، ولا يردد كلمات زئبقية مبهمة من نوع الظروف والمستجدات والصيرورة والكينونة! لكنه يحترم نفسه والآخرين، فيتحمل المسؤولية كاملة ويقدم استقالته على الفور... أو تصعد الغيرة لديه فتدفعه إلى الانتحار!
واليابانيون في هذا لا يشبهون مجتمعات أخرى، يفشل فيها المدير أو رئيس الدائرة وتكثر فضائحه ويزداد اللغط حول تصرفاته وسوء استعماله للسلطة وسهرات الليل «الحضارية» التي يعقدها تحت شعار «من طلب العلا سهر الليالي» فيتصور الناس أنه سيطرد من وظيفته، إلا أنهم يفاجأون بصدور أمر بترقيته إلى منصب وكيل الوزارة أو بتعيينه مديراً عاماً لدائرة أخرى بالوكالة، إضافة إلى منصبه! ليس هذا فقط، ولكنه يكافأ أيضاً بسخاء على خدماته «الجليلة» التي أدت إلى ضياع الفلوس وتراجع الإنتاج وتذمر الموظفين والناس واستشراء الفساد!
والمدير الياباني ليس مديراً من وراء الكواليس أو الكوابيس، لكنه جزء من النشاط المقرر للدائرة أو الشركة، فالسيد «توياما» وهو مدير أحد مصانع السيارات اليابانية، يبدأ يومه بقراءة التقارير الإدارية والفنية من النوبة الليلية عن أي مشكلات في السيطرة النوعية على الإنتاج، ثم يعقد اجتماعاً مع مساعديه من فريق السيطرة لمناقشة التقارير واقتراح الحلول وإبداء الملاحظات. وهذا النوع من الاجتماعات يتميز بالديمقراطية الحقيقية وحرية الرأي والرأي الآخر وحق الاعتراض من دون أي ضغوط أو هراوات أو مارشات عسكرية. ويقضي السيد توياما كثيراً من يوم عمله على أرض المصنع، يتابع ويراقب ويرشد ويسأل ويشكر. وهو يبتسم طوال الوقت، لأنه يعتبر الابتسام دليلاً على الثقة في النفس و... اضحك تضحك لك الدنيا! والدنيا تضحك كثيراً لليابانيين، لأنهم يعرفون قيمة الحياة وقيمة العمل وقيمة الوقت، ويا ليتها تضحك لنا.
وتوياما ليس رئيساً فقط لمنتسبيه، ولكنه صديق لكل منهم، ويتعاملون معه كأب أو أخ كبير. وهم يطلبون توجيهاته في العمل مثلما يطلبون مشورته في قضاياهم الشخصية وعلاقاتهم العاطفية. وهو لا يمانع أن يكون وسيطاً لترتيب إجراءات زواج أحد منتسبيه من زميلة له في المصنع أو من خارج المصنع. وهو ضيف الشرف في حفلة الزواج، وأول من يسمع عن أي خلاف عائلي بين الزوجين بعد انتهاء شهر العسل! وحين تعلن مذيعة الإذاعة الداخلية في الشركة عن موعد تناول وجبة الغداء، فإن توياما لا يتوجه إلى قاعة خاصة بالمديرين، لكنه يذهب إلى القاعة الكبرى؛ حيث يجلس جنباً إلى جنب مع منتسبيه، يأكل مما يأكلون، ويشرب مما يشربون، ويشاركهم الضحك من النكتة التي تقول إن أجنبياً زار اليابان وأدهشه كثيراً أن أطفال اليابان يعرفون القراءة والكتابة باللغة اليابانية! أما في غير اليابان فإن الموظفين يأكلون مع الموظفين، والعمال «يلفطون» مع العمال، والمديرين يضربون بالعشرة مع المديرين! وبعد العمل تستمر العلاقات الشخصية في حانات الساكي والمطاعم الشعبية حتى في منزل توياما؛ حيث تجري مناقشة أحدث وسائل السيطرة النوعية على مائدة يابانية تقليدية يتصدرها الرز والسمك وشوربة الأعشاب البحرية!
وبالنسبة لليابانيين، فإن لعلاقة أي فرد منهم مع الجماعة أهمية قصوى في حياته الخاصة والعائلية. إنها خليط بارع من العادات الاجتماعية اليابانية التقليدية، متمازجة مع التقنية المتطورة، لتشكل اليابان الحديثة؛ التجربة الفريدة التي تستحق الدراسة والاستفادة، بعيداً عن التجارب الغربية التي علّمت البعض أن يمشي مثل الغربان، فلا هو صناعي ولا هو زراعي، لا هو رأسمالي ولا هو اشتراكي، لا هو نفطي ولا هو تمري، لا هو أفندي ولا هو مجلبب، لا هو هامبرغري ولا هو كوارعي، لا هو شبابي ولا هو شيابي، لا هو ماكسي ولا هو ميني، لا هو هنا ولا هو هناك.
...
في الحقيقة نحن هنا... وهم هناك!

كاتب عراقي

(الشرق الاوسط) لندن

 

سياسة أم كلمات متقاطعة؟

داود الفرحان

 

أمر جميل أن تكون الكلمات المتقاطعة من بين هوايات الزعيم أو الرئيس أو السياسي إلى جانب هوايته المفضلة في تقديم الوعود للمواطنين بلا تنفيذ. وأجمل من ذلك أن يستعين بزعيم أو رئيس أو سياسي آخر من داخل حدود بلده أو خارجها لحل كلمة مستعصية. فما المانع أن يتصل الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب هاتفياً بالرئيس الإيراني حسن روحاني ليعرف منه ما هو اسم عاصمة إيران؟ أو يتصل الرئيس الفرنسي الحالي ماكرون بالرئيس الفرنسي السابق ساركوزي ليسأله عن اسم ممثلة فرنسية معتزلة من 11 حرفاً أولها «باء».
يعشق ملايين في أنحاء العالم هواية حل الكلمات المتقاطعة، لأنها تنشط الذاكرة وتضيف للمرء معلومات جديدة في التاريخ والجغرافيا والآداب والفنون والعلوم والرياضة والسياسة والاقتصاد. وازدادت أهمية هذه اللعبة مع تأكيد الأطباء أنها تساعد المخ في مواجهة انقراضه التدريجي كلما تقدم الإنسان في السن، فهي تساعد في مواجهة فقدان الذاكرة «الزهايمر»، وربما تمنعه أو على الأقل تخفف ثأثيره.
ومنذ سنوات حدث تطور مهم في هذه اللعبة، إذ دخلت مجال التخصص؛ فالصحف الاقتصادية تنشر كلمات متقاطعة متخصصة في القضايا الاقتصادية والتجارية، والصحف الرياضية تنشر كلمات متقاطعة عن الألعاب واللاعبين والمسابقات، بينما تخصص المجلات الفنية كلماتها المتقاطعة لمعلومات عامة عن السينما والموسيقى والمسرح. حتى الصحف والمجلات الساخرة دخلت على الخط فابتدعت كلمات متقاطعة ساخرة. إلا أن هذا النوع الأخير من الشبكات ليس محصوراً في المجلات الساخرة، فقد دخلت على الخط صحيفة «نيويورك تايمز» وبدأت في عام 2007 تنشر شبكة كلمات متقاطعة ساخرة. إلا أن الخبر الأهم هو أن مُعدّها لم يكن بيل شورتز أشهر من يكتب الكلمات المتقاطعة الجادة، لكنه الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون! وقدمت الصحيفة لهذه الكلمات في حينه بسطرين كتبهما بيل شورتز قال فيهما: «إن مفاتيح الحل في هذه الشبكة من الكلمات المتقاطعة فيها من التورية اللفظية أكثر مما في الشبكات العادية. ونحن نحذرك!». أمر عادي أن يمضي الرئيس السابق كلينتون بعض أوقات فراغه في حل الكلمات المتقاطعة، ولكنه أمر استثنائي أن يعدّ بنفسه شبكات طريفة وساخرة تنشر في أهم وأكبر صحيفة أميركية؛ مما دعا المذيعة التلفزيونية الشهيرة أوبرا وينفري لعرض حلقة خاصة عن كلمات كلينتون المتقاطعة، اتسمت بالترفيه والتفاعل.
ومعروف عن كلينتون أنه يهوى حل الكلمات المتقاطعة منذ أن كان رئيساً للولايات المتحدة، حيث كان يمارسها في البيت الأبيض كلما فكر بقصف العراق قبل أن يتورط في فضيحة مونيكا. ومن المؤكد أن هناك رؤساء وزعماء آخرين في العالم يمارسون هذه الهواية، أقصد الكلمات المتقاطعة، وبين هؤلاء الملكة البريطانية إليزابيث الثانية وزوجها دوق أدنبرة اللذان وجدا في هذه اللعبة قتلاً لوقت فراغهما الطويل. وأشهر رئيس عربي في حل ألغاز هذه اللعبة كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
من المعلومات التي نشرتها الصحف عن هذه اللعبة أنها استخدمت لنقل معلومات سرية خلال الحرب العالمية الثانية. ووزعت وزارة الدفاع الأميركية على جنودها خلال تلك الحرب كتيبات كلمات متقاطعة لرفع معنوياتهم في أوقات الهدنة والاسترخاء. وتصل إلى الجنود الأميركيين في العراق أو أي مكان آخر بانتظام صحف ومجلات تتضمن في صفحاتها شبكات للكلمات المتقاطعة يتسلون بحلها كلما نشرت الصحف تغريدة للرئيس ترمب يهدد فيها إيران بالحرب. وقد يسر الإنترنت المهمة مؤخراً بتصميم تطبيقات لشبكات الكلمات المتقاطعة تجدها الآن على هاتفك الجوال.
نعود إلى التاريخ قليلاً: يعتبر الصحافي البريطاني آرثر وين هو «مخترع» الكلمات المتقاطعة، وأول من أدخلها إلى الصحافة حين نشر أول شبكة في ديسمبر (كانون الأول) 1913 في صحيفة «نيويورك وورلد». وفي بداية نشر اللُعبة قللت الصحف المنافسة من أهميتها وتأثيرها، واعتبرتها مضيعة وقت وغير ثقافية، ورفضت نشرها، حيث اعتبرت «نيوريوك تايمز» الكلمات المتقاطعة أمراً تافهاً وعابراً. كما أطلقت «التايمز» البريطانية عليها صفة «الجنون المؤقت»، زاعمة أن هذا «الجنون» لا يخدم هدفاً مفيداً على الإطلاق، وأنه ظاهرة وصيحة مؤقتة ستنتهي قريباً.
وفي عام 1925 عُرضت على مسرح برودواي الأميركي الشهير مسرحية هزليّة ساخرة ظهر في أحد فصولها هواة الكلمات المتقاطعة مرضى في مصحّة! وفي نفس العام بدأت قطارات الركاب الأميركية بوضع قواميس مجانية في جميع العربات لتسهيل حل المربعات، ثم أصبحت تبيع هذه الخدمة.
عربياً، دخلت الكلمات المتقاطعة إلى صحافتنا في النصف الثاني من القرن العشرين. وكانت مجلة «الشبكة» الفنية التي تصدرها دار الصياد أول مجلة عربية تخصص صفحة كاملة أو أكثر لأكبر شبكة كلمات متقاطعة أسبوعية. لكنها كانت تهتم بالمعلومات الفنية مثل الأغاني والأفلام والمسرحيات ونجوم الفن. وبدأت بعد ذلك الصحف اللبنانية اليومية بنشر المربعات العامة. تلتها الصحافة المصرية والخليجية. لكن السياسة لم تستطع فرض نفسها على الكلمات المتقاطعة لسببين: أولهما أن أكثر المهتمين بحل هذه الكلمات قراء لا علاقة لهم بالسياسة وسياسيين ملّوا من السياسة، وثانيهما أن تصريحات السياسيين من نوع ندد وشجب وأدان وأعرب عن قلقه والضوء في آخر النفق والخط الأحمر وعنق الزجاجة والضرب بيد من حديد وفي الحقيقة والواقع والصمود والتصدي وأذناب الاستعمار وفلول النظام، صارت أسطوانة قديمة ومشروخة ولا أحد يشتريها بفلس واحد. أما تغريدات ترمب فهي كلمات متقاطعة بحد ذاتها تفسرها البلابل كما تشاء. لكن الصحافة العراقية ابتدعت مؤخراً شبكة جديدة غير الكلمات المتقاطعة اسمها «شبكة التصريحات المتقاطعة».
بعد هذه «الدردشة» من المفيد أن نتسلى بهذا النموذج:
اسم سفينة إيرانية احتجزتها بريطانيا. اسم سفينة بريطانية احتجزتها إيران. اسم سفينة إيرانية أطلقتها بريطانيا. اسم سفينة بريطانية ستطلقها إيران. اسم الحرب التي سيشنها ترمب، إذا شنها، على إيران. للعلم: «أم المعارك» هي التي خاضها العراق و«أم الحروب» هي التي تهدد بها إيران الولايات المتحدة و«أم علي» من ألذ الحلويات المصرية.
حين أراد الصحافي الفلسطيني توفيق الحاج وصف ما يحدث في عالم السياسة اليوم قال: «نحن في زمن الكلمات المتقاطعة».

كاتب عراقي

 

 

الكلمة الآن للرفيق ستالين

داود الفرحان

كان جوزيف فيساريونوفيتش ستالين تلميذاً مخلصاً لكارل ماركس وفلاديمير لينين مؤسسي الحركة الشيوعية العالمية. ويعني اسم ستالين باللغة الروسية «الرجل الفولاذي أو الحديدي» وهو المؤسس الحقيقي للاتحاد السوفياتي في عشرينات القرن الماضي. ولد جوزيف في عام 1878، وتوفي في عام 1953، وهو من جورجيا. وظل في منصبه رئيساً للاتحاد السوفياتي والسكرتير العام للحزب الشيوعي من عام 1922 إلى عام 1953 حين توفي.
كانت بدايته صحافياً في صحيفة «برافدا» وانتهى زعيماً عالمياً. لكن بعد وفاته انقلب عليه رفاق الأمس. قال رئيس الوزراء السوفياتي الراحل نيكيتا خروشوف، الذي كان حاضراً أمام سرير ستالين ساعة وفاته، إنه ورفاقه ظلوا واقفين وجالسين حول جثمان ستالين في غرفته 3 أيام متتالية، ولا يجرؤ أحد منهم أن يعلن نبأ وفاة الزعيم، خشية أن يستيقظ من الموت ويعود إلى الحياة! وكان خروشوف زعيماً سوفياتياً ساخراً إلى درجة أنه خلع حذاءه في أحد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك احتجاجاً، ووضعه أمامه على الطاولة!
وقاد خروشوف حملة واسعة لإلغاء ستالين من تاريخ الاتحاد السوفياتي، حتى تم رفع اسمه من مدينة ستالينغراد وإعادتها إلى اسمها القديم فولغاغراد. وتم شطب كل ما له علاقة بستالين في كتب التربية والتاريخ. استعرتُ عنوان هذا المقال من كتاب «الكلمة الآن للرفيق ستالين» الذي ينتقد بشدة خروشوف، ويصفه بالفشل والانتقام من ستالين. وهناك ظاهرة في الأنظمة الشيوعية هي أن كل رئيس جديد ينتقد الرئيس السابق، مع أن الحزب الشيوعي هو نفسه الذي انتخب الرؤساء السابقين واللاحقين.
والطريف أن خروشوف كان يتولى الترجمة المباشرة للأفلام السينمائية الأميركية لستالين، من اللغة الإنجليزية إلى اللغة الروسية، باعتباره عضو المكتب السياسي للحزب، والوحيد الذي يتهجى الإنجليزية. في الواقع لم يكن خروشوف يعرف من الإنجليزية إلا بعض الكلمات، إلا أنه كان يخشى بطش ستالين، لو اعترف أنه لا يجيد الترجمة، لذلك كان يكتفي بوصف اللقطات ولا يترجم أي كلمة من الحوار، لأنه لا يعرف أساساً ما الذي قاله الكاوبوي جون واين للهنود الحمر! فهو يقول إنه يفتح الباب ويغلق الشباك! إنه يمسك المسدس! إنه يضحك! إنه يركب الحصان! إنه يوجه لكمة شديدة إلى المجرم! واضطر ستالين ذات سهرة سينمائية إلى توبيخ خروشوف قائلاً: هل تعتقد أنني أعمى، لا أرى ما يعرض أمامي على الشاشة؟ أريد ترجمة ما يقوله الممثلون، لا وصفاً للحصان والبقرة والسكير الذي يسقط على السلم!
بعد هذه المقدمة، أمامي نسخة من كتاب «الكلمة الآن للرفيق ستالين» للمؤلف الروسي ريتشارد كاسالابوف، وترجمة عبد الرؤوف ياسين الخطيب، وإصدار دار الطليعة في دمشق، في عام 2011. لقد بحثت عن الكتاب فور صدوره، لكن تعذر عليّ الحصول على نسخة منه بسبب اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، إلا أني عثرت عليه في القاهرة مؤخراً بالصدفة. الكتاب من الحجم المتوسط، وبـ350 صفحة، معظمها خُطب وكلمات وتصريحات لستالين، قالها في مناسبات مختلفة.
الأميركيون الذين تابعوا الحرب الباردة بين بلادهم والاتحاد السوفياتي تدهشهم النكات الأميركية عن السوفيات، فيضحكون كثيراً. أما السوفيات فكان يدهشهم الضحك نفسه؛ لأنهم نسوا كيف يضحكون! من هذه النكات «الاشتراكية»: «يدخل رجل سوفياتي إلى أحد المحلات ويسأل ألا يوجد عندكم لحم؟ فتجيبه البائعة لا نملك أي أسماك، المحل المقابل لا يملك أي لحم»! وتقول نكتة أخرى: «وقف موظف في طابور طويل ينتظر دوره لشراء مشروبات. قال الموظف لجاره في الطابور لقد سئمت الوقوف، فاحجز مكاني لأني ذاهب لاغتيال رئيس الاتحاد السوفياتي. وبعد مضي ساعتين عاد الرجل ليطالب بمكانه المحجوز، فسأله جاره: هل تمكنت من قتله؟ فأجاب: لا، فقد كان الطابور لقتله أطول من هذا الطابور»!
وحتى لا أظهر منحازاً ضد الشيوعيين، فإن الصحف والمجلات الأميركية والبريطانية والفرنسية متخمة بالنكات عن النظام الرأسمالي غير العادل. وكانت كل أفلام شارلي شابلن تسخر من هذا النظام. هناك دائماً نكات عن الهنود واليابانيين والأفارقة، ونضحك كلنا بلا عنصرية ولا ضغينة ولا كراهية.
نرجع إلى الرفيق ستالين. كيف الحال؟ ما هو رأيك في الرئيس بوتين؟ الشعب الروسي يحبه... وهو يكتفي بذلك ولا يحتاج إلى حب السوريين أو الفنزويليين.
في عام 1933، وجّه ستالين رسالة إلى قيادي شيوعي يدعى باجانوف، جاء فيها: «تلقيت رسالتك التي تنازلت لي فيها عن وسامك الثاني، كمكافأة لي على عملي. أنا أعرف أنك حرمت نفسك من أجلي. ومع ذلك فإنني لا أستطيع قبول وسامك الثاني. لا أستطيع، ولا يجوز لي أصلاً أن أتسلمه وأسلبك حقك. لقد خـُـلقت الأوسمة لتـُـمنح ليس للأشخاص المعروفين أصلاً، وإنما لأولئك الأشخاص الذين لم يسمع بهم الآخرون والذين من الواجب تعريف الناس بهم. وبالإضافة إلى ذلك، أريد أن أخبرك أنني حصلت على وسامين، وهذا أكثر مما أستحقه. التوقيع ستالين».
طبعاً حين رحل ستالين، وجاء خروشوف، تخلى الرفاق عن الاكتفاء بوسام أو وسامين، وصار صدر خروشوف يتسع لـ20 وساماً.
في ندوة تقليدية حول إصدار كتاب ماركسي عن النظرية الاشتراكية في الاقتصاد السياسي، أقيمت في الأول من فبراير (شباط) عام 1951، قال ستالين: «لننظر إلى البلدين المهزومين في الحرب العالمية الثانية، ألمانيا الغربية واليابان. يعيش هذان البلدان الآن عيشة حقيرة تحت نعال الإمبريالية الأميركية؛ فالصناعة والزراعة والتجارة والسياسة الخارجية والداخلية في هذين البلدين وكامل معيشتهما مقيدة بنظام الاحتلال الأميركي»! وتساءل ستالين: «ألم يكن هذان البلدان البارحة دولتين إمبرياليتين كبيرتين، وكانا يهزّان أركان الهيمنة الإنجليزية والأميركية والفرنسية في أوروبا وآسيا»؟
ومترجم هذا الكتاب تـَقيد باللغة التي كانت سائدة في ذلك الوقت، مثل «عيشة حقيرة» و«تحت نعال الإمبريالية الأميركية»، لكن هناك بين العراقيين الآن من يتذكر السنوات الأولى للاحتلال الأميركي للعراق بعد 2003؛ فقد كنا نعيش فعلاً «عيشة حقيرة وتحت نعال الإمبريالية الأميركية». وقد يقول قائل والآن تحت النعال الإيرانية! وعفواً هذه اللغة هي التي استخدمها الزعيم السوفياتي ستالين قبل نحو 70 عاماً، وما زالت صالحة للاستعمال، ولم تصل بعد إلى مصطلح «الإكسباير».
وعلى عكس ما هو معروف عن جبروت وفظاظة وقسوة ستالين، فإنه كان ساخراً متهكماً في كثير من الاجتماعات الحزبية، حتى في عشاء آخر الليل الذي كان يطيب له أن يدعو رفاقه إلى تناوله معه ومشاهدة أحد الأفلام الأميركية. وفي إحدى الليالي، تناول عشاءه البسيط وضحك على آخر النكات، ثم خلد إلى النوم... وكانت نومته الأبدية، إذ أصيب بنزيف في المخ وظل مشلولاً ساعات طويلة، قبل أن يتنبه الحرس إلى أن الرفيق لم يستيقظ لتناول طعام الفطور ولا طعام الغداء.
من أقوال ستالين الساخرة: «تُعتبر حالة وفاة واحدة حادثة مأساوية، أما مليون حالة وفاة فهي إحصائية»! وقال أيضاً: «من يصوتون في الانتخابات لا يقررون شيئاً، أما من يفرزون الأصوات فيقررون كل شيء!». وفي إحدى المحاضرات، قال: «السياسي الصادق مثل الماء الجاف أو الحديد الخشبي!».
وأعود إلى ندوة مناقشات الكتاب الاقتصادي الماركسي، فقد أشار ستالين إلى أخطاء المؤلفين، وسخر من اقتراحات علماء التاريخ الذين طلبوا إدراج فصل خاص بالتاريخ، واقترح الاقتصاديون إدخال باب إضافي عن الاقتصاد، واقترح السياسيون إضافة تنظير سياسي، ولم يشذ الفلاسفة الماركسيون عن الآخرين فطلبوا إضافة باب للفلسفة! وقال ساخراً لو قبلنا بهذه المقترحات لكان لدينا كتاب كبير جداً جداً جداً!
أحسن ما في كتاب «الكلمة الآن للرفيق ستالين» هو عنوانه. أما بقية الصفحات فإنا لله وإنا إليه راجعون. سبق أن قرأت مذكرات الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف، التي نشرتها صحيفة «النهار» اللبنانية، و«الأهرام» المصرية، في أوائل السبعينات من القرن الماضي، تحت عنوان «خروشوف يتذكر»، وترجمها ببراعة واحتراف الأستاذ الكبير سمير عطا الله، وقيل إن خروشوف هرّبها سراً إلى الغرب بعد الإطاحة به من الأمانة العامة للحزب الشيوعي ورئاسة وزراء الاتحاد السوفياتي. كنا نتسابق في العراق للحصول على نسخة من «الأهرام» أو «النهار» لقراءة «خروشوف يتذكر». أما ستالين فلم يعد أحد يتذكره إلا نادراً... وها أنا أفعل.

كاتب عراقي

(الشرق الاوسط) لندن

 

كشمير مرة أخرى

داود الفرحان

لا جديد في إعلان باكستان عن توجهها إلى مجلس الأمن في قضية كشمير. لكنه أمر مطلوب لإيقاف تدهور العلاقات الباكستانية – الهندية بعد القرارات الهندية الأحادية في الإقليم الذي شهد ثلاث حروب منذ استقلال الهند وباكستان عام 1947. وهو أمرٌ قد يتجدد إذا لم يتم ضبط ساعة السلام والأمان بسرعة. وقد كان رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان دقيقاً حين أكد أنه لو دخل البلدان الحرب مرة أخرى «فلن يفوز أحد بها» من الطرفين النوويين.
يقول التاريخ إن بداية دخول الإسلام إلى القارة الهندية كانت في القرن الهجري الأول حين دخل المسلمون إلى الهند والسند في العهد الأموي بقيادة الفاتح محمد بن القاسم الثقفي سنة 90ـ. ثم امتد الإسلام في الهند التي كانت تضم الهند وباكستان وكشمير عن طريق الدعاة الفاتحين والتجار والرحالة المسلمين. واستولى السلطان محمود الغزنوي في زمن الخلافة العباسية على الهند كاملة في سنة 396ـ. وذكر ابن الأثير في «الكامل في التاريخ» أن الغزنوي وصل لإلى كشمير فاتحاً سنة 407ـ، فلما بلغها أسلم أهلها على يديه.
في منتصف القرن العشرين قررت الأمم المتحدة إجراء استفتاء حر ومحايد لتقرير مصير كشمير، لكن الاستفتاء لم يحدث أبداً. وظلت المنطقة محل نزاع بين ثلاث دول هي الهند وباكستان والصين، وتدّعي كل منها أحقيتها في الإقليم كاملاً استناداً إلى ما لديها من وثائق تاريخية وديموغرافية. بينما تطالب نسبة كبيرة من السكان بالاستقلال عن الدول الثلاث.
أصل المشكلة الحالية التي أدت إلى قيام ثلاث حروب دموية في سنوات 1947 و1965 و1999 بين الهند وباكستان بعد قيام الدولتين يعود إلى الاحتلال البريطاني؛ إذ غزت بريطانيا شبه القارة الهندية سنة 1819 وخاضت حرباً ضد الحكم الإسلامي لمدة 27 سنة، ثم استطاعت بسط سيطرتها على المنطقة وقسمتها إلى ثلاثة أقسام هي الهند وباكستان، أما كشمير فقد أجّرتها بريطانيا لمدة قرن كامل لإقطاعي هندوسي بموجب عقد إيجار وُقِّع في مدينة «أمرستان» من سنة 1846 إلى 1946، وهي أول مرة في التاريخ يتم فيها استئجار إقليم بشكل كامل جغرافياً وسكانياً واقتصادياً!
وقد لا يعلم كثير من القراء أن والد الخميني الذي أسقط نظام الشاه في إيران عام 1979 كان مقيماً في الجزء الهندي من كشمير قبل أن يهاجر إلى مدينة «خمين» الإيرانية عام 1900 حيث قُتل فيها من قِبل أحد أصحابه حين كان الخميني يبلغ من العمر عامين!
ندع إيران لمصيرها مع الرئيس الأميركي ترمب، ونعود إلى الهند وباكستان الدولتين الصديقتين لمعظم دول العالم. وباستثناء قضية كشمير المزمنة، فإن علاقاتهما مع الدول الأخرى متوازنة وتحظى بالاحترام. وكان أول رئيس لجمهورية باكستان محمد علي جناح مصلحاً سياسياً وزعيماً وطنياً ترك بصمات واضحة في بلاده، مثلما فعل المهاتما غاندي في الهند. في الظاهر، يبدو الأمر خصاماً بين مسلمي إقليم كشمير الذين يشكّلون الأغلبية من جهة والهندوس في الهند من جهة أخرى. ودائماً في كل المشكلات، كما يقول المثل العربي: «فتش عن الإنجليز» في الدول التي استعمرتها بريطانيا، نجد أنهم شجعوا الهند منذ عقود على ضم الإقليم ذي الغالبية المسلمة، وبذلك تفجر صراع مزمن بين البلدين الجارين اللذين يتميزان بالعلم والأدب والفن.
كنا نقرأ في صبانا أشعار محمد إقبال الفيلسوف والسياسي والأكاديمي الذي لقبوه بـ«الأب الروحي» لباكستان. وكنا نطرب مع كوكب الشرق أم كلثوم في رائعتها الدينية «حديث الروح» وهي واحدة من أهم وأجمل قصائد محمد إقبال. وفي الهند كان نجم الشعر البنغالي طاغور الذي قال بعد وفاة محمد إقبال: «لقد خلّفت وفاة إقبال في أدبنا فراغاً أشبه بالجرح المثخن الذي لا يندمل إلا بعد أمد طويل. إن موت شاعر عالمي كإقبال مصيبة تفوق احتمال الهند». توفي محمد إقبال عام 1931 قبل أن يشهد ولادة دولة باكستان على يد رفيق كفاحه محمد علي جناح.
أما في الهند فقد بزغ نجم الشاعر رابندرونات طاغور، ولا تـُذكر آداب الهند إلا ويـُذكر هذا الشاعر والمسرحي والروائي البنغالي البارع. ودائماً هناك نوع من «التوأمة» بين الهند وباكستان سواء في ارتياد الفضاء أو النادي النووي أو السينما.
نحن في قارة آسيا والعالم نشعر بالغبن والإجحاف والأسف لو اندلعت حرب جديدة بين الهند وباكستان. دولتان خُلقتا، كما تمناهما محمد إقبال وطاغور، عنواناً للحياة والمحبة والسلام. كان حلّ «الإقليم» لكشمير حلاً واقعياً يُنهي معضلة سياسية كبيرة في واحدة من أجمل مناطق العالم كما خلقها الله. ما الذي أعاد هذه الأرض الطيبة إلى مربع التصعيد الحربي من جديد؟ لقد وصل البلدان إلى مرحلة فقدان الثقة المتبادلة. وفي هذه الحالة فإن الوساطة الدولية ضرورة لحل هذا النزاع الدموي في ظل قرارات الأمم المتحدة.
مع أن باكستان هي المسؤولة عن الأمن والدفاع في ولاية كشمير، إلا أنها لم تبذل جهداً واضحاً في النشاط الاقتصادي أو المدني. لا بد من حلّ يُرضي الطرفين ليس لتناول عشاء عمل وإنما لحماية السكان من حرب قد تعيد الدولتين الكبيرتين إلى الوراء سنوات طويلة. الهند وصلت إلى المريخ قبل الولايات المتحدة وروسيا، ونريدها أن تصل إلى السلام مع جارتها باكستان قبل أن يتوسط بينهما الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
أحياناً تبدو الأزمة بين البلدين «عابرة» للسياسة، فالهند لا تسمح منذ سنوات بعرض الأفلام السينمائية الباكستانية، وكذلك تفعل باكستان مع الأفلام الهندية. ربما لو عُرضت أزمة كشمير على النجم الهندي المسلم شاروخان والنجم الهندي السيخي أميتاب باتشان والنجم الباكستاني المسلم فؤاد خان سنحصل على «نهاية سعيدة» كما نراها في الأفلام!

كاتب عراقي

 عن (الشرق الاوسط) لندن

 

 

النَّصْب فوق

سلالم الأمم المتحدة

داود الفرحان

 

من المعتاد أن تلجأ الدول والشعوب إلى الأمم المتحدة ومنظماتها لمساندتها في مطالبها أو حلّ مشكلاتها أو إنصافها أو وضع حد لأي عدوان عليها. لكن من غير المعتاد أن تلجأ الأمم المتحدة ومنظماتها إلى الدول والشعوب لحل مشكلات المنظمة الدولية. فقد استنجدت الأمم المتحدة بالرأي العام الدولي من عمليات النَّصْب والاحتيال باسم المنظمة الدولية ومجالسها وإداراتها المختلفة. وذكر تحذير أصدرته المنظمة وبثّته على موقعها الرسمي أن «ثمة مراسلات متنوعة تُعمم عن طريق البريد الإلكتروني ومن مواقع على شبكة الإنترنت أو البريد العادي أو الفاكس تدّعي زيفاً أنها صادرة عن الأمم المتحدة أو بالاشتراك معها أو مع موظفيها، ويُراد من عمليات الاحتيال هذه الحصول على المال أو معلومات شخصية من الذين يتلقون تلك المراسلات».
لا بد أن «حالات» الاحتيال والانتحال باسم الأمم المتحدة ازدادت وتنوعت ووصلت إلى حد «الظاهرة» بحيث دفعتها إلى التنبيه إلى أنها «لا تتقاضى أي رسم في أي مرحلة من مراحل التواصل معها، ولا تطلب أي معلومات متعلقة بالحسابات المصرفية أو أي معلومات شخصية». كما أنها «لا تقدم جوائز أو مكافآت أو أموالاً أو شهادات أو منحاً دراسية أو تُجري (يانصيب) عن طريق البريد الإلكتروني أو البريد العادي». حتى الآن فإن الأمم المتحدة تكتفي بهذه التوعية، ولم تصدر أي وثيقة رسمية أو بيان أو تصريح رسمي عن هذه «الظاهرة»، التي يمكن أن تشمل ما نقرأه في الصحف بين فترة وأخرى عن «تنصيب» شخصيات سياسية أو فنية «سفراء للنوايا الحسنة» من دون أن يكون للأمم المتحدة أي علم بذلك. وهي «عينة» مما يمكن أن تصل إليه النوايا غير الحسنة.
كانت مباحث الأموال العامة المصرية قد ضبطت محتالاً من رعايا إحدى الدول الأفريقية العام الماضي، لقيامه بانتحال صفة دبلوماسي في الأمم المتحدة وعضو في منظمة الصحة العالمية ومفوض من الأمم المتحدة لتمثيلها في الشرق الأوسط وأفريقيا، ويحمل استمارة مزورة صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في القاهرة. ويتلخص نشاطه في النَّصْب على الأشخاص وبيعهم دولارات أميركية مزورة.
وتعد منظمة الأغذية والزراعة الدولية واحدة من أكثر المنظمات تعرضاً لهذا النوع من النَّصْب. وهي اضطرت إلى نشر تنبيه رسمي على موقعها الإلكتروني قالت فيه إنها «تدرك أنه يجري حالياً التداول بأشكال احتيالية من المراسلات عبر البريد الإلكتروني أو البريد العادي أو الفاكس بزعم أنها صادرة عن المنظمة أو المسؤولين فيها أو أنها ترتبط بها». وأخْلـَت المنظمة مسؤوليتها عن نتائج مثل هذه الرسائل المخادعة التي تحمل شعارها ورمزها. واستغل النصابون مغريات منظمة الأغذية والزراعة، وما لذّ وطاب من خيرات الله، فبدأوا ينصبون على الناس تارةً بتوفير فرص عمل مغرية في المنظمة، وتارةً ثانية بعقد مؤتمرات واجتماعات وهمية، وتارة ثالثة بإجراء سحب يانصيب وتقديم جوائز وشهادات مزورة. وكل ذلك في ظل تغطيات مالية من المتبرعين أو الساعين إلى مزيد من الوجاهة والأضواء تحت بدلات الدبلوماسيين الأنيقة حتى وإن كانت مستأجرة!
ووجدت المنظمة ضرورة نفي تقاضيها أي رسم بالنسبة إلى عقد الاجتماعات والمؤتمرات، أو إجرائها أي سحب يانصيب أو توزيع جوائز أو مبالغ مالية بواسطة البريد الإلكتروني. وأكدت المنظمة أنها لا تتقاضى أجراً مقابل تأمين فرص عمل إذا توفرت. وبعيداً عن اللهجة الدبلوماسية، عمدت منظمة الأغذية والزراعة الدولية إلى تأكيد أن هذه الرسائل والوسائل المخادعة التي تسعى إلى طلب المال أو الحصول على تفاصيل شخصية من متلقّي هذا النوع من الرسائل عبر البريد الإلكتروني هي في معظم الحالات رسائل احتيالية.
وما يلفت النظر أن هذه الرسائل والوثائق وعناوين البريد الإلكتروني والمواقع الإلكترونية التي تنتحل صفة منظمة الأغذية والزراعة الدولية، مُصممة ومُنفذة بعناية بحيث تبدو كأنها صادرة فعلاً عبر المنظمة. نحن هنا إزاء «عصابات» أو زُمر غير قانونية تستغل بعض أنشطة المنظمة لترويج مزاعم - مثلاً - عن أن برامج التوظيف في أميركا الشمالية تتم برعاية برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة الدولية، أو ادعاء أن برنامجها الخاص للأمن الغذائي تابع للمنظمة مع احتفاظه باستقلاليته الإدارية وأنه يُجري تعيينات نيابةً عن المنظمة الأم. وفي أحيان كثيرة تكررت عروض العمل أو الإعلانات عن وظائف شاغرة مقابل دفع رسوم، في حين أن المنظمة لا تتقاضى أي رسم في أي مرحلة من مراحل التوظيف من تقديم الطلبات وإجراء المقابلات الشخصية وتجهيز المعاملات الإدارية، أو التدريب على المهارات.
وأظهرت المنظمة العين الحمراء في مواجهة الاستخدام من دون ترخيص لشعارها أو رمزها أو اسمها وأن ذلك يعد استخداماً غير قانوني وسيجري إبلاغ السلطات المختصة بمثل هذه الممارسات لاتخاذ الإجراءات المناسبة. وفي الوقت نفسه حذرت المنظمة من الرسائل المشكوك فيها، حيث إن الاستجابة بإرسال مبالغ مالية أو معلومات شخصية لمن يرسلون هذه الرسائل الاحتيالية قد تؤدي إلى خسائر مالية أو سرقة المعلومات الشخصية مثل عنوان الإقامة ورقم الحساب الشخصي ورقم جواز السفر أو صورة مستنسخة منه.
بلا شك إن انتحال اسم منظمة دولية مثل منظمة الأغذية والزراعة أو اليونيسكو أو اليونيسيف أو الصحة أو الصليب الأحمر، أمر معقّد ويحتاج إلى خبرة و«موهبة» ولسان لا يتلعثم في المواقف المحرجة. إلا أن انتحال اسم شخصية دولية معروفة وعقد صفقات في موقعها الحكومي البارز أمر يحتاج إلى جرأة وقدرة على الإقناع. ولعل بين القراء من يتذكر واحدة من أكثر قضايا الاحتيال الدولي غرابةً، حين انتحل في عام 2015 محتال اسمه غيلبير شيكلي، وهو فرنسي – إسرائيلي من أصول تونسية شخصية وزير الدفاع الفرنسي السابق ووزير الخارجية الحالي جان إيف لودريان، الذي يحمل وسام «الصليب الأعظم» من الفئة الأولى للخدمات التي قدمها لجمهورية ألمانيا الاتحادية. وهو سبق أن حمل عناوين لافتة مثل «رئيس مؤتمر المناطق البحرية النائية في أوروبا» و«وزير الدولة للبحر». ومع ذلك لم يتردد أحد المحتالين في أن يرتدي قناعاً من السيليكون لوجه الوزير الفرنسي «ذات نفسه» كما يقول الأشقاء السودانيون! وقصة هذا المحتال تصلح لأن تكون فيلماً سينمائياً؛ إذ أوهم ضحاياه بأنه لودريان، وأنه يطلب منهم أموالاً لدفع «فدية» من أجل تحرير فرنسيين مختطفين في منطقة الشرق الأوسط، مركّزاً على أن يكون تحويلها محاطاً بأعلى درجات السرية لأن السياسة الفرنسية تمنع دفع «فدية» لتحرير رهائن فرنسيين. ولاستكمال إخراج الفيلم جهّز النصاب مكتباً مشابهاً في فخامته لمكتب الوزير ووضع عليه علم فرنسا وخلفه على الجدار صورة الرئيس الفرنسي - وقتها – فرنسوا هولاند، مع تخفيف الإنارة لضمان رؤية منخفضة تشوش على مَن يحادثونه عبر برنامج «سكايب» باعتباره الوزير المزعوم!
لكن الرئيس السنغالي ماكي سال، استطاع كشف الاحتيال، لأن المحتال غفل عن العلاقة الوطيدة بين سال ولودريان، ما جعل المحتال يخاطب الرئيس السنغالي بلغة التفخيم «أنتم، وحضرتكم»، وهي لغة لا يتخاطب بها الناس المقربون! النتيجة: أن المحتال يقبع الآن في أحد سجون فرنسا عقب القبض عليه في أوكرانيا!
حتى الآن لم يستطع أحد أن ينصب على الأمم المتحدة بشكل مؤذٍ. لكن المنظمة الدولية شهدت فضيحة فساد بملايين الدولارات خلال ولاية كوفي أنان الأمين العام الأسبق، نتيجة تورط مسؤولين كبار وشركات متعددة الجنسيات في تلقي رشى بالملايين في برنامج «النفط مقابل الغذاء والدواء» في تسعينات القرن الماضي خلال الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضاً على العراق. وطالت الاتهامات المدير السابق للبرنامج القبرصي الجنسية بينون سيفان، ومدير المشتريات في البرنامج الروسي الجنسية ألكسندر ياكوفليف، الذي اعترف أمام القضاء الأميركي بتلقيه رشى بمئات الآلاف من الدولارات بشكل غير قانوني من شركات تسعى للحصول على عقود من الأمم المتحدة، وقد أنشأ ياكوفليف شركة خاصة لتسهيل الرشى وتلقي التحويلات على حسابات خاصة في سويسرا. واتهمت لجنةُ التحقيق الرئيسَ السابق لبرنامج «النفط مقابل الغذاء والدواء» بالحصول على عمولات تقرب من 150 ألف دولار نقلها له، كما قالت اللجنة، شقيق زوجة أحد الأمناء العامين السابقين للأمم المتحدة. وقد تصدت المنظمة الدولية للفضيحة بشجاعة فرفعت الحصانة الدبلوماسية عن المتهمين وقدم سيفان استقالته. وحاول البعض زج كوفي أنان نفسه في الفضيحة الدولية التي جرت على سلالم الأمم المتحدة بسبب عمل ابنه في إحدى الشركات المتهمة. لكن لم يثبت أن أنان كان يعلم بذلك.
انتهى الفيلم.

كاتب عراقي

(الشرق الاوسط) لندن

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا