الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

داؤد الفرحان صحفي وكاتب عراقي من جيل الرواد يكتب عمودا اسبوعيا في جريدة (الشرق الاوسط) لندن

 

الجدران الناطقة

الرسمية باسم المتظاهرين

داود الفرحان

    

في كل الدول يلجأ المحتجون أو المتظاهرون إلى فن «الغرافيتي» بالكتابة على الجدران للتعبير عن مطالبهم أو معارضتهم للأنظمة المختلفة. أتذكر أن تلميذاً مشاغباً معنا في الصف الخامس الابتدائي في بداية الخمسينات من القرن الماضي كتب على اللوحة في الاستراحة: «يسقط الفرّاش فرج»! ولم نفهم معنى هذا الشعار إلا بعد أن أبلغ المعلم مدير المدرسة الذي عَنَّفَ التلميذ بشدة وأمره بعدم المجيء إلا مع والده. وتبيَّن أن الفرّاش الذي كان يبيع الحلويات بين الدروس رفض تسلم عملة معدنية نحاسية شبه ممسوحة من التلميذ، فقرر الزميل كتابة شعار على اللوحة السوداء بالطباشير يشبه الشعارات التي قرأها على جدران المدينة الحدودية في العراق، من نوع يسقط ويعيش، وحاول أن يجمع رأياً عاماً حوله داخل الصف ضد الفرّاش فرج!
ومنذ ذلك الحادث الذي فَتّحَ أعيننا على السياسة قرأنا آلاف الشعارات السياسية على الجدران. وحين كبرنا عرفنا أن المتظاهرين في كل العالم يتفاهمون بهذه اللغة قبل أن «يتطور» الاحتجاج إلى العنف وإغلاق الطرق ورفع لافتات التنديد بالحكومة أو غلاء الأسعار أو شتم الاستعمار والإمبريالية.
الآن صارت الكتابة على الجدران فناً عالمياً يُعرف بـ«الغرافيتي»، وهي كلمة مشتقة من الكلمة العربية الفصحى «الزخرفة». وتُظهر الآثار البابلية والسومرية والآشورية في بلاد ما بين النهرين والآثار الفرعونية في بلاد النيل أن هذا الفن كان معروفاً في تلك المراحل التاريخية العميقة على الرغم من «ديمقراطية» الفراعنة و«حنان» الآشوريين و«طيبة قلب» السومريين» و«دبلوماسية» البابليين!
والآن: هل كان الزعيم الملون الراحل مارتن لوثر كينغ يحلم فعلاً وهو يقف عند نصب لينكولن التذكاري في 28 أغسطس (آب) 1963، خلال مسيرة واشنطن للحرية، عندما عبّر عن رغبته في رؤية مستقبل يتعايش فيه السود والبيض الأميركيون بحرية ومساواة وتجانس، مثلما يعيش حالياً، بلا حسد، العراقيون والسوريون واللبنانيون واليمنيون... والإيرانيون والأفغان؟!
لم يبق من ذكرى خطاب لوثر كينغ البليغ الذي تم اختياره «أهم خطبة أميركية في القرن العشرين» سوى عبارة «لديّ حلم»، وحتى هذه العبارة ليست له وإنما مأخوذة من أغنية المطربة الأفريقية الأصل الراحلة ماهاليا جاكسون: «قل لهم عن الحلم يا مارتن». صحيح أن هذا الشعار حرر الملونين الأفارقة وأوصل أوباما إلى البيت الأبيض، إلا أنه تحول إلى النقيض.
هل كان خنق الرجل الأميركي ذي الأصل الأفريقي جورج فلويد يعني أن حلم مارتن لوثر كينغ قد انتهى؟ بالطبع لا. فالملونون في الولايات المتحدة من أعراق مختلفة يشكلون أكثر من أربعين مليون نسمة من عدد نفوس الولايات المتحدة البالغ نحو 328 مليون نسمة.

شاهدنا مراراً وتكراراً أفلاماً أميركية عن رجال شرطة بيض فاسدين، سواء في الشوارع أو دوائر الشرطة أو السجون. وهم قُساة وغلاظ القلوب ولغتهم المفضلة إطلاق النار. ومن «بركات» الاحتلال الأميركي للعراق في 2003 أنه نظّم دورات «تثقيفية وتدريبية عاجلة» في الأردن لمتطوعين عراقيين من طائفة معينة سواء في الجيش أو الشرطة. وليس لدينا أي اعتراض على ذلك، سوى أن التدريب لم يكن للدفاع عن العراق في وجه أي عدوان أجنبي، وإنما لقمع أي تحرك شعبي وطني سواء ضد الاحتلال الأميركي أو ضد الحكام الطائفيين الموالين للنظام الإيراني. وحتى لا يلتبس الأمر على القارئ، فإن تلك التدريبات كانت قبل ظهور تنظيم «داعش» بسنوات. ومن بين الدروس التي تعلمها المتدربون العراقيون كيفية اعتقال المعارضين وخنقهم على الطريقة التي تُسمى الآن «رقبة فلويد»، ووسائل الحصول على اعترافات المعتقلين بشتى أنواع التعذيب سواء دروس سجن «أبو غريب» في بغداد أو سجن «الحوت» في الناصرية (جنوب العراق) أو المعتقلات في شمال العراق. وقرأتُ تصريحاً لناشط أميركي منذ سنوات قال فيه إن المعتقلات الأميركية في العراق أسوأ من معتقل «غوانتانامو» في كوبا الذي سُجن فيه ناشطون من تنظيم «القاعدة» أيام بن لادن.
لكن قيادات الشرطة الأميركية تحركت، بعد المظاهرات الصاخبة والسلب والنهب والقتلى الملونين وازدهار الكتابة المعارضة على الجدران التي وصلت إلى الذروة عالمياً. ولأول مرة في تاريخ أجهزة الشرطة في العالم، أصدر اتحاد شرطة لوس أنجليس بياناً قال في أول سطوره: «لا توجد كلمات يمكن أن تُعبر عن اشمئزازنا الجماعي وحزننا لمقتل جورج فلويد. واجبنا كأفراد شرطة وكبشر التعبير عن حزننا من خلال الفعل» وليس القول فقط. والبداية كانت:
«
وضع معيار وطني لاستخدام القوة يؤكد تقديس الحياة والرحمة. وإطلاق قاعدة بيانات وطنية لضباط الشرطة السابقين الذين تمت إقالتهم بسبب سوء سلوكهم الجسيم لمنع الوكالات الأمنية من توظيفهم».
طبعاً لا نستطيع أن نقارن بين ما فعلته الشرطة الأميركية وما تفعله الأجهزة الأمنية العراقية - مثلاً - من إطلاق رصاص حي وعبوات غازية متفجرة على رؤوس وصدور المتظاهرين العراقيين الذين طالبوا باسترداد وطنهم من عملاء إيران، وإيجاد فرص عمل للعاطلين ومكافحة الفساد. وفي أجواء وباء «كورونا»، وصعوبة إعادة تنظيم مظاهرات «ثورة تشرين» العراقية، فإن الأداة الفعالة الوحيدة المتيسرة أمام شباب الثورة هي استعادة فن الأجداد العظام: الكتابة على الجدران.
حتى الآن الموقف متوتر بين الشرطة الأميركية من جهة وعامة الناس الغاضبين، وليس مع الملونين فقط. وهو ما دعا صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى نشر مقال بارز في صحيفة «الرأي» عنوانه: «من يريد أن يصبح شرطياً؟» تناول مسألة الاحترام المفقود بين الجانبين. وهي مسألة حيوية في الأمن الداخلي في أي دولة.
الأحلام لا تقول كل شيء، لكن الكتابة على الجدران تقول أشياء كثيرة، كما قالت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» في عز الأزمة بعد أن امتلأت الحيطان بالهتافات الصامتة ضد التعسف والفساد والقتل بلا رحمة. وللتذكير فإن جارة القمر فيروز قالت في إحدى أغانيها الجميلة: «ضِجرت مني الحيطان... ومستحية تقول».
تعكس الكتابة على الحيطان باختصار ما يعدّه الناس الأكثر أهمية. وفي الولايات المتحدة كان المتظاهرون في السنوات السابقة يتمسكون باللافتات التي يرفعونها في مسيراتهم الاحتجاجية. أما اليوم فإن الجدران هي الناطق الرسمي باسم المتظاهرين في جميع الولايات. وكلمة السر الشائعة هي آخر كلمات نطق بها جورج فلويد قبل وفاته: «لا أستطيع التنفس». وأضاف إليها المتظاهرون عبارة: «هل أنا التالي»؟
رحم الله فرّاش مدرستي العم فرج.

كاتب عراقي

(الشرق الاوسط)

ما زال العراقيون

 يتذكرون (كوكوش)

داود الفرحان

 

في عام 1977 حين تحسنت العلاقات بين العراق وإيران في زمن الشاه محمد رضا بهلوي، أرسلت طهران إلى بغداد، تعبيراً عن رغبتها في الانفتاح بين البلدين، المطربة الإيرانية الشهيرة كوكوش. ولقيت النجمة ترحيباً واسعاً في بغداد وقدمت في التلفزيون العراقي مجموعة من أغانيها الشائعة، ثم غنت أغنية «بنت الشلبية» للموسيقار المصري سيد درويش، والتي غنتها أيضاً جارة القمر فيروز. وبعد عام 2003 أراد نظام الملالي في إيران أن «يعزز» العلاقات مع بغداد فأرسل «تشكيلة» من الميليشيات الموالية لولي الفقيه التي ترتبط بـ«فيلق القدس» لتزرع الفتنة الطائفية الدامية.
مهما تطورت الأحداث والحركات المضادة لإيران في العراق فإن طهران لن تغامر ولن تخاطر بزج الجيش الإيراني أو «الحرس الثوري» بشكل مباشر في قمع المظاهرات والاحتجاجات، وحتى الثورة، ضد النظام الفاسد في المنطقة الخضراء. فالنظام الإيراني الذي عانى من ويلات الحرب العراقية – الإيرانية في الثمانينات من القرن الماضي، أدرك متأخراً أن جيشه النظامي غير مؤهل لأي حرب طويلة أو قصيرة، لسببين رئيسيين مترابطين هما عدم جاهزيته القتالية بشكل متعمد خشية انقلابه على النظام الإيراني نفسه، والسبب الثاني هو أنه حتى لو استطاع الجيش الإيراني احتلال بعض النقاط الحدودية في هضاب وجبال العراق ودخول بعض قواته البرية أو الجوية إلى المدن العراقية فإنها لن تستطيع الصمود طويلاً أمام المقاومة العراقية سواء في المحافظات الوسطى أو الجنوبية أو حتى الكردية.
وما يقال عن الجيش النظامي، يقال أيضاً عن «الحرس الثوري» المسلح جيداً وصاحب التجربة العملية في حرب السنوات الثماني التي خسرها في النهاية.
كان ممكناً، ومحتملاً، أن «يتدخل» الحرس الثوري بإشارة من إصبع الجنرال قاسم سليماني قبل مصرعه لإنهاء «ثورة تشرين» السلمية في العراق التي تَصَدَّرها شباب الشيعة وضحوا بأكثر من 700 قتيل وآلاف الجرحى والمعتقلين الذين سقطوا تحت نيران الرصاص الحي من أسلحة القوات الأمنية العراقية والميليشيات المدعومة من إيران نهاراً جهاراً. لم يتدخل «الحرس الثوري» مباشرةً، لكنه لجأ إلى حروب «البروكسي proxy»، وهي الحرب بالوكالة عن طريق الميليشيات العراقية الموالية لولاية الفقيه الفارسي خامنئي. فهذه الميليشيات الدموية وكيلة إيران في أي حرب من دون أن يقحم النظام نفسه في حرب شاملة ربما يتصدى لها المجتمع الدولي ومجلس الأمن، فضلاً عن الحلفاء الغربيين بقيادة الولايات المتحدة.
ونستطيع أن نضرب بعض الأمثلة على حروب بالوكالة «بروكسي» مثل الصدامات العسكرية التي حدثت خلال الحرب الباردة في فيتنام وكوريا وأفريقيا وأفغانستان وأميركا الجنوبية، فقد اكتفت دولتا الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة باستخدام الوكلاء من القوى المحلية المسلحة بدلاً من المخاطرة بنشوب حرب نووية. كان الاتحاد السوفياتي يدعم قوات «ألفيت كونغ» الوطنية في فيتنام بالأسلحة والخدمات اللوجيستية لمواجهة القوات الأميركية المحتلة، من دون أن يبعث جندياً روسياً واحداً إلى الجبهة.
وحدث العكس في أفغانستان خلال الغزو السوفياتي، إذ زودت الولايات المتحدة المجاهدين الأفغان بالأسلحة والإمدادات. وفي كوبا لجأت واشنطن إلى استخدام المنفيين الكوبيين كوكلاء عنها للإطاحة بحكومة كاسترو من دون تدخل القوات الجوية الأميركية أو قوات المارينز.
وقدمت إيران نسختها من حروب بالوكالة في اليمن حين دعمت المتمردين الحوثيين بالأسلحة والتدريب والعتاد والخبراء من «الحرس الثوري» من دون أن تقحم الجيش الإيراني النظامي في التمرد الحوثي.
في الحالة العراقية لجأت طهران أولاً إلى تمهيد الأرض منذ بدء الاحتلال الأميركي في عام 2003؛ استغلت إيران الأوضاع القائمة في العراق المحتل فملأت أسواقه بأردأ أنواع الصناعات الإيرانية من السيارات والمبردات والأجهزة المنزلية وصولاً إلى البيض الفاسد والدجاج العفن، وغيّرت مسارات الأنهار الحدودية التي كانت تصب في شط العرب ونهر ديالى، وسرقت النفط من حقل «مجنون» والحقول الحدودية، واقتحمت المنافذ الحدودية بعشرات الآلاف من الإيرانيين والأفغان والباكستانيين الشيعة من دون جوازات سفر بحجة زيارة الأضرحة. ولم تكتفِ بذلك، فصدّرت إلى العراق «قامات» فلع الرؤوس في عاشوراء، والميليشيات العراقية الطائفية التي درّبها وموّلها وسلّحها «فيلق القدس»، ووجّهها إلى ميدان حرب طائفية مكشوفة هي في الحقيقة قمة الإرهاب الإيراني ضد العراق، الذي حوّلته البَلادة الأميركية إلى مستوطنة إيرانية ترفع علم ولاية الفقيه وصور خميني وخامنئي. مع ذلك فإن التغلغل الفارسي في العراق أبعد من ذلك بكثير.
فخامنئي يلعب بنيران المدافع والصواريخ والعبوات الناسفة والقنابل والمسدسات كاتمة الصوت والاغتيالات التي شملت علماء العراق وأساتذة الجامعات وضباط الجيش السابقين ومئات الطيارين العراقيين.
وطهران لا تنفي ذلك ولا تُخفي مآربها الخبيثة ولا حربها الطائفية، ومؤسساتُها وأغطيتُها المختلفة تغطي شوارع العراق تحت مسميات جمعيات خيرية وبنوك ومكتبات ومراكز ثقافية وآل البيت وحسينيات ومراكز طبية، وكلها، بلا استثناء، تعمل بتمويل وتوجيه من «فيلق القدس». وطهران لا تخشى أحداً ما دام عملاؤها من قادة الميليشيات العراقية يحكمون العراق كله.
تجمعت لديّ قائمة تضم أكثر من 40 مكتباً ومؤسسة وهيئة ومصرفاً ومنظمة وشركة تابعة لـ«فيلق القدس» والمؤسسات الاستخبارية الإيرانية، وكلها تعمل بشكل علني في العراق تحت سمع وبصر حكومة المنطقة الخضراء وترفع صور خامنئي وعلم إيران. وبمرور السنوات أصبح العراقيون يعرفون جيداً أن هذه التشكيلات إيرانية قلباً وقالباً، وتتولى مهمات مخابراتية وتوزيع الأسلحة وتدريب العناصر الإرهابية، وكلها تضع في لافتاتها مسميات للتغطية، من نوع الإغاثة أو الطبابة أو الثقافة أو الدراسة أو السياحة الدينية.
لقد أصبح البنك المركزي العراقي - مثلاً – أحد فروع البنك المركزي الإيراني تنظيماً وأداء وسيولةً وتحويلات، وباباً خلفياً لغسل الأموال الإيرانية واختراق العقوبات الأميركية أو الدولية. وأصبح النفط العراقي رهن إشارة الإيرانيين، وليس في هذا أي مبالغة، وتم تصدير كميات متزايدة من النفط الإيراني بعقود تحمل اسم العراق لتلافي العقوبات الأميركية.
لم يشكّل العراق أي عبء على إيران بعد 2003، حتى في عز قوة تنظيم «داعش». على العكس من ذلك فإن إيران هي العبء على العراق منذ الاحتلال الأميركي إلى اليوم. ولدى ملالي النظام الإيراني قناعة مطلقة بأن سيطرتهم على العراق هي الطريق الوحيد الأقل تكلفة، والأسهل تنفيذاً، والأفضل استراتيجية للتمدد الطائفي الدائم في المنطقة. ولحسن حظ إيران فإن معظم مفاتيح العراق المحتل اليوم هي في أيدي عملائها والأحزاب والميليشيات التي أنشأتها تحت خيمة «الحرس الثوري» الإيراني.
وقبل أن أنهي المقال أتساءل: هل سمعتم يوماً عن قوافل إغاثة ومساعدات إنسانية إيرانية إلى العراق؟ لم يحدث هذا ولا مرة واحدة على الرغم من أن ملالي طهران يحكمون العراق منذ احتلال بغداد في عام 2003. كانت إيران في عهد الشاهنشاه تتبرع لتذهيب أبواب وقباب المزارات الدينية الشيعية في بغداد وكربلاء والنجف وسامراء، لكنها توقفت عن ذلك منذ بداية حكم خميني وقيام الحرب العراقية – الإيرانية، ولم تستأنف هذا التقليد الشاهنشاهي إلا بعد أن سيطر ملاليها على المنطقة الخضراء، ولم تفعله سوى مرة واحدة أو مرتين. حتى السجاد الإيراني الذي كانت تهديه إلى هذه المزارات بدأت في السنوات الأخيرة تبيعه إلى الوقفين العراقيين السني والشيعي بحجة أنها تعاني من الحصار الاقتصادي الدولي.
لمطرب العراق الكبير محمد القبانجي أغنية يقول مطلعها: «عبود جاي من النجف يغني أغانينا... ويقول يا حسرتي ضاعت أمانينا»، لكن العراقيين لا يزالون يتذكرون كوكوش!

 

 

 

الكمامات لن

 تحجب جمال الأرض

 

داود الفرحان

كل رائد فضاء، مهما كانت جنسيته، هو سفير للأرض كلها، وليس لبلاده وحدها. ولو قُدر له أن يلتقي أحداً من سكان الكواكب في الفضاء الخارجي وسأله: من أين أنت؟ فسيرد عليه فوراً: من الأرض، ويشير بيده إليها مع نظرة تفاخر. سينسى أنه من ولاية نيويورك في الولايات المتحدة ومن مواليد مدينة نيويورك؛ حيث مبنى الأمم المتحدة، المطبخ الرسمي للخطب الرئاسية والاجتماعات التي لا تنتهي، والمشاحنات بمختلف اللغات. سيقول إنه من الأرض؛ الكوكب الجميل، بجباله، وهضابه، ومحيطاته، وبحاره، وبحيراته، وسهوله، ووديانه، وصحاريه، وغاباته، وبساتينه، وأدبه، وفنونه، وعلومه. سيتجاهل أنه من بلد يحكمه اليوم دونالد ترمب، وشعبه مهاجرون وفدوا من أنحاء الأرض. لن يقول إن لدينا هوليوود ولاس فيغاس، ولن يشير إلى أن بلاده تمتلك قنابل ذرية، وغواصات، وبوارج، وصواريخ، وإنترنت، ووكالة «ناسا» التي أوفدته إلى الفضاء. وفي المقابل فإن المخلوق الفضائي وهو من سكان عطارد، أو المريخ، أو المشتري، أو الزهرة، أو زحل، أو أورانوس، أو نبتون، لن يسأله عن أصله وفصله وعشيرته ودينه وطائفته وأغنيته المفضلة؛ لكنه سيرحب بهذا المخلوق القادم من الأرض، ويدعوه إلى وليمة فضائية لا اسم لها ولا شكل ولا لون؛ مجرد بخار يتنفسه ويتغذى به من جلده؛ لأنه لا يملك فماً؛ لكنه يملك حنجرة وغلاصم وأجنحة، تؤمن له التفاهم مع الآخرين من سكان الكواكب، أو التنقل من مكان إلى آخر!
ياما تغزلنا بالقمر والنجوم والسماء الزرقاء والشفق والغسق و«الفسق» على رأي عادل إمام. غنت فيروز: «نِحنا والقمر جيران... بيتو خلف تلالنا... بيطلع من قبالنا... يسمع الألحان». وأنشد محمد عبد الوهاب: «عندما يأتي المساء ونجوم الليل تُنْثَر... أسأل الليل عن نجمي: متى نجمي يظهر؟». وغنت أم كلثوم: «القمر من فَرْحِنا ح ينَور أكتر... والنجوم ح تبان لنا أجمل وأكبر». وبَشَّرَتنا فايزة أحمد: «يامَّا القمر عالباب... نَوَّر قناديلو... يامَّا أردّ الباب ولّا أناديلو؟». وغنى عبد الحليم حافظ: «عاشق ليالي الصبر مدَّاح القمر... عشق العيون السمر غواني السهر... وفارد ضفايرك عالقمر... يابو ضحكة حلوة منورة ليل السهر». وأطربنا محمد عبد المطلب بقوله: «أول ما شفت القمر طلع لنا بدري... أنا قلت جاله خبر إني حاشوف بدري». وتساءل محمد فوزي: «مالو القمر مالو.. ما جيناش على بالو؟». وأعلن ملحم بركات: «على بابي واقف قمرين». وغنت المطربة الريفية العراقية القديمة وحيدة خليل: «أنا وخِلّي تسامرنا وحكينا... نزهة والبدر شاهد علينا». وحده شعبان عبد الرحيم غنى: «أنا بحب عمرو موسى وأكره إسرائيل.. هيييييه»!
آلاف القصائد والأغاني العربية تغزلت بالقمر والنجوم، وكل بدايات الشعراء كانت مع القمر والنجوم، سواء في خيمة أو مقهى أو جبهة حرب؛ لكن رواد الفضاء لهم رأي آخر، فهم في مركباتهم يتغزلون بالأرض، وليس بالقمر ولا المريخ ولا «نجم سهيل».

قبل ثلاثة أعوام، انتهت مهمة رائد الفضاء الفرنسي توماس بيسكي، الطيار السابق في الخطوط الجوية الفرنسية، وغادر مركبة الفضاء الدولية «ISS» عائداً إلى الأرض، وتحديداً إلى صحراء كازاخستان. لم يتحدث توماس بعد عودته عن جمال القمر والأجرام السماوية الأخرى كما رآها من الفضاء الخارجي؛ لكنه تحدث عن الأرض ووصفها بأنها «جوهرة» بينما يعتقد بعضنا أنها «مزبلة». هو حَنَّ إلى عائلته حتماً، إلا أن أكثر ما اشتاق إليه: «الشعور بالحرية». فمركبة الفضاء تشبه زنزانة السجن، ومساحتها تزيد قليلاً على أربعة أمتار مربعة، يقضيها رائد الفضاء أمام الأجهزة الحساسة والرموز والأرقام، والاتصالات مع وكالتي الفضاء الأوروبية والفرنسية. ويعني توماس بالحرية التي اشتاق إليها: الخروج للتنزه، وركوب الدراجة الهوائية، وتسلق الجبال، والسباحة في البحر، والإحساس بالرياح والمطر والروائح المختلفة، وتأمل المناظر الطبيعية الجميلة. وقد وَثَّقَ رحلته بمئات الصور وأشرطة الفيديو، ومعظمها عن الأرض، وليس عن الفضاء؛ الشفق القطبي الشمالي، والمدن الأكثر إضاءة، وأوروبا من الفضاء، مع البرق والرعد في الأفق الذي يتغير لونه من الأخضر إلى البرتقالي. هذا نهر «بيتسيمبوكا» في مدغشقر. هذه صحراء الربع الخالي في المملكة العربية السعودية. وهذه كيلومترات من المياه الزرقاء، ورمال جزر البهاما. وتلك صورة أمواج البحر من الفضاء في مشهد ساحر، كما قال توماس، أستطيع أن أتخيل صوتها وهي تصدم الساحل. تحت مركبتنا الآن فينيسيا «البندقية» المدينة الإيطالية التي توشك على الاختفاء.
هل يمكن أن تتصوروا سُمك الغلاف الجوي الأرضي الذي يحمينا من عاديات الفضاء وثقب الأوزون والأشعة المؤذية؟ إنه رقيق أكثر مما تتخيلون، ويبدو مثل سوار رفيع يحيط بهذا الكوكب. والرائد توماس حذرنا من المساس بهذا الغلاف الثمين الذي يحفظ شكل الحياة على أرضنا.
وهل تعلمون أن رواد الفضاء يشاهدون الغروب أو الشروق مرة واحدة في كل 45 دقيقة؛ لأن محطتهم تدور حول الأرض مرة واحدة كل 90 دقيقة؟ أي أن رائد الفضاء إذا كان مسلماً وصائماً فإنه يفطر كل 45 دقيقة، ويتسحر بعد 45 دقيقة أخرى. وعلى مستوى عقلي، ومن دون حساب دوران الأرض وحركة المركبة والمتغيرات الفضائية، فإن يوم الصيام 90 دقيقة فقط، وضمنها فترة الإفطار. وبالمنطق الجدلي نفسه، فإن المؤذن الفضائي يؤذن كل 10 دقائق وتعقبه صلاة! أي أن المركبة الفضائية تُحلق وفق نظرية: «سيري فعين الله ترعاكِ»؛ لأن الرواد صائمون، وكل رمضان وأنتم بخير.
وفي أيام الفضاء العادية، في بقية أشهر السنة الهجرية أو الميلادية، فإن رائد الفضاء يتناول الوجبات الثلاث كل ساعة ونصف؛ «الكرواسون» أو «الجبنة» في نصف الساعة الأول، ثم الفاصوليا في بداية نصف الساعة الثاني، يليه في نصف الساعة الثالث «الهامبرغر»، أو قطعة من السمك المشوي! وبعيداً عن الخيال، لا توجد في الفضاء قوانين للوقت، أو أيام الأسبوع أو الأشهر أو السنوات، وإنما يقاس الزمن بعدد أيام الرحلة الفضائية، وفقاً ليوم الانطلاق ويوم العودة. وأستغفر الله لي ولكم، وفوق كل ذي علم عليم.
أتذكر أن يوري غاغارين، الطيار الروسي، وأول رائد فضاء حلَّق حول الأرض في عام 1961، لم يضيع وقته في تصوير أرضنا، أو الإعراب عن إعجابه بفينيسيا وجزر البهاما وأستراليا؛ لكنه - وهو الشيوعي - قال جملة واحدة ستخلد في ذاكرة الزمن: «حين صعدتُ إلى الفضاء أخذتني روعة الكون، فمضيتُ أبحث عن الله» الخالق الخلاق.
كل هذا الجمال، وكل هذا الدلال، هددهما فيروس لا يُرى بالعين المجردة، اسمه «كورونا»، ومعناه باللاتينية «التاج» أو «الكراون» بالإنجليزية، وبالمكسيكية هي نوع من البيرة، وبالمصرية نوع من الشوكولاته!

كاتب عراقي

 

 

عِلمٌ جديد: الأرقام القياسية

 

داود الفرحان

   

في عام 1951، خرج المهندس البريطاني هيو بيفر، المدير الإداري لأحد المصانع في جنوب أفريقيا، مع أصدقائه في رحلة إلى آيرلندا لاصطياد الطيور. إلا أنه لم يستطع الفوز بأي طير من صنف «الزقزاق» الذهبي اللون. وأبلغ بيفر أصدقاءه بأن الطيور في أوروبا قد تكون أسرع من طيور القارات الأخرى. وراجع عدداً من المكتبات للحصول على كتاب يقدم له معلومات عن أسرع الطيور إلا أنه لم يعثر على ضالته؛ فقرر أن يؤلّف موسوعة للأرقام القياسية في مختلف المجالات أطلق عليها تسمية «موسوعة غينيس للأرقام القياسية». و«غينيس» لم يكن لقب هيو بيفر، لكنه كان اسم مصنع البيرة الذي كان يعمل فيه في جنوب أفريقيا!
وظهرت أول طبعة من الموسوعة في عام 1955 وهي اليوم من أشهر الموسوعات العالمية التي توزّع سنوياً آلاف النسخ. ولم تتأثر أهميتها برحيل مؤسسها في عام 1967 تاركاً مؤسسة عريقة ومتفردة وموثوقاً بها في المراكز العلمية والرياضية والإبداعية.
بعض القراء يعرفون هذه المعلومات وأكثر، لكن الجديد أن المؤسسة افتتحت في الأسبوع الماضي معرضاً في متحف «ساينس نورث» في مقاطعة سودبوري في أونتاريو بكندا لتدشين آفاق جديدة للأرقام القياسية عبر تحويلها إلى علم قائم بذاته يُسمى علم تحطيم الأرقام القياسية «The Science of Guinness World Records» وهذا المعرض هو الأول من نوعه، ويهدف إلى تثقيف الناس من جميع الأعمار حول العلوم الكامنة وراء محاولات تحطيم الأرقام القياسية العالمية.
يقول أحد المسؤولين في المعرض «إن الأطفال يستمتعون ويتعلمون في نفس الوقت، إذ يمكنهم أن يتعلموا كيف يستخدم هؤلاء الذين يحطمون الأرقام القياسية العلم ليصبحوا قياسيين فيما يفعلون، وهذا هو الأفضل في المجالين».
أول المستفيدين من الإنترنت في وسائلها المتعددة هم العاملون في قطاع الإعلام بكل شبكاته وقنواته وصحفه. كذلك فإن كاسري الأرقام القياسية هم أول المستفيدين، ليس في الشهرة والانفراد بالقمة فقط، وإنما في الإحساس الشخصي بالتفوق العلمي أيضاً بعد أن أضفت مؤسسة «غينيس» صفة العِلم على كل الأرقام القياسية. فرسالة المعرض الكندي هي أنه حتى لو لم تكن أنت الأفضل في العالم، فأنت الأفضل في عائلتك. وأحياناً لا بأس في ألا تكون الأفضل في العالم ما دمت أفضل قليلاً من أخيك الأكبر! وقد تبدو هذه الأفضليات خارج سياق أرقام «غينيس» القياسية كما أرادها مؤسسها هيو بيفر، لكنها تحفز كثيرين على تجربة حظوظهم وقدراتهم الشخصية في أي مجال يختارونه للتفوق والسبق.
كان من المنتظر أن يجذب المعرض حتى نهاية دورته الأولى في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، نحو عشرات الألوف من الزوار الذين قد يشارك بعضهم في تحطيم أرقام قياسية عالمية. لكن الرعب الدولي من وباء «كورونا» سيؤثر حتماً على نجاحه وعدد زواره ومستوى الأرقام الجديدة التي يحققها بعض المتسابقين الذين يَتَحَدّون أرقاماً حالية أو يبتكرون مجالاً آخر للتنافس العلمي وفقاً لهدف المعرض.

يمكننا التعرف على أسرار الأرقام القياسية في هذا المعرض من خلال بعض الأفكار المستحدثة: ما الذي يتطلبه التوصل إلى أصغر فيلم في العالم من حيث الحجم وليس وقت العرض؟ ما أكبر عصا فقاعات صابون في العالم؟ هل يمكنك تعلم حفظ سلسلة طويلة للغاية من الأرقام، أو أسماء الأشخاص ووجوههم؟ ما الذي ينطوي عليه كونك الأسرع وكيف يمكن أن يساعدك العلم في الوصول إلى ذلك؟
هل من باب الاندهاش أن يكتشف زوار المعرض أن باستطاعة كل واحد منهم أن يحقق ما يبدو مستحيلاً؟ تقول جولي موسكاليك، مديرة العلوم في متحف ساينس نورث: «لقد رأينا بشكل مباشر أن الناس في جميع أنحاء العالم يحبون أن يواجهوا التحدي، وأن ينبهروا، وأن يعرفوا المزيد حول ما يمكن للبشر أن يحققوه. وفي هذا المعرض سيكتشف الزائرون أن هذه الإنجازات لم تتحقق من دون الممارسة والمعرفة والمهارات». ومثلما يعلن أحد المطاعم الأميركية الشهيرة أنه يستخدم خلطة سرية، تقول موسكاليك إن «الخلطة السرية لموسوعة (غينيس) هي في تطبيق العلم لتحقيق النجاح. إذا تمكن شخص واحد من تحقيق ما لا يصدق، فبإمكان أي شخص أن يحققه. نحن نعتقد أن أصحاب الأرقام القياسية يَتَحَدّون الفيزياء وطبيعة المكان نفسه. لكن ما يتحدونه حقاً هو شعورنا المحدود بما يمكن للشخص فعله. من المؤكد أن هذا المعرض سيجعل الزائرين مندهشين لأنهم يكتشفون بالضبط كيف يمكن تحقيق ما يبدو مستحيلاً».
مثل هذا المعرض يجب ألا يكتفي بكندا، فهو قابل للانتقال إلى عواصم ومدن في القارات الخمس للبحث عمّا يملكه البشر من طاقات كامنة وقدرات علمية أو ذهنية أو عضلية أو إبداعية مدهشة لكسر الأرقام التفاعلية.
وبعيداً عن أي دعاية تجارية فإن مثل هذا المعرض يجيب عن سؤال يراودنا: كيف يمكن تحقيق ما يبدو مستحيلاً؟ أو سؤال يلحّ على خاطر أحد الملحنين: هل أستطيع تلحين أطول أغنية في التاريخ؟ وهل يستطيع أحد أن يصبر على سماع هذه الأغنية؟
من أغرب القضايا التي تعرضت لها موسوعة «غينيس» أن شاباً أميركياً اسمه جوناثان لي ريتشز حقق رقماً قياسياً في رفع قضايا قانونية لدى المحاكم في العالم تعدت 2600 قضية. بدأها في سن السادسة عشرة من عمره مستعيناً بمحامي الطفولة بوصفه قاصراً حيث رفع على والدته قضية إهمال بعد أن أخبرته بأن انشغالها بالأعمال المنزلية كان سبب الحروق التي في يده التي أُصيب بها في سن الثالثة. كما رفع قضايا ضد جميع جيرانه وأصدقائه وزملائه في العمل وحتى أقاربه وخطيبته والمحامين الذين دافعوا عنه والقضاة والشرطة لأسباب مختلفة.
ورفع قضية ضد شركة «روك ستار» المنتجة للعبة سرقة السيارات الكبرى (GTA) لأنها - حسب قوله - سببت له صدمة في سن المراهقة. وعندما دخل جوناثان موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية بوصفه حقق رقماً قياسياً في عدد القضايا التي رفعها ضد الآخرين، قام برفع دعوى ضد موسوعة «غينيس» نفسها لأن القائمين عليها لم يستشيروه في وضع بياناته الشخصية.
ورغم عدم فوزه في أغلب القضايا فإنه حقق ما يقارب 850 ألف دولار كتعويضات مالية في القضايا التي فاز بها. ولم تنجح محاولات البعض في إدخاله إلى المصح النفسي لأنه اجتاز بنجاح كل الاختبارات النفسية وبذلك يعد شخصاً طبيعياً، إلا أنه لا يتحاور ولا يستعمل العنف بل يتقن فقط رفع القضايا التي جعلته أحد نجوم موسوعة الأرقام القياسية.
الأمثلة كثيرة لكن ما يهم في الموضوع أن «علم الأرقام القياسية» يطرق الأبواب من الرياضة والفن إلى السياسة والحروب.

كاتب عراقي

 

 

 

 

للمكفوفين وجهة نظر

 

داود الفرحان

 

هذا خبر صاعق: في كل خمس ثوانٍ يتحول شخص في العالم إلى مكفوف. وفي كل دقيقة يتحول طفل في العالم إلى مكفوف. يبلغ عدد المكفوفين في العالم حالياً نحو 39 مليون شخص، وعدد ضعاف البصر، أي الذين لديهم درجة الرؤية محدودة في إحدى العينين، 285 مليون شخص، و90% من المكفوفين وضعاف البصر يعيشون في البلدان النامية ذات الدخل المنخفض؛ الهند في المقدمة تليها أفريقيا ثم العالم العربي والصين. هذه الأرقام من مصادر مهتمة بهذا الموضوع من بينها الاتحاد العالمي للمكفوفين.
وهذا خبر مبهج: 80% من ضعف البصر يمكن تجنبه عن طريق الوقاية والعلاج. أي أن الأرقام المؤلمة السابقة يمكن أن تتراجع مستقبلاً مع تقدم العلم.
صدق أو لا تصدق: هناك الآن 600 منظمة في 158 دولة منتمية إلى الاتحاد العالمي للمكفوفين وضعاف البصر الذي انبثقت عنه الوكالة الدولية للوقاية من العمى. والاتحاد ليس منظمة سياسية أو دينية أو حكومية أو ربحية، ومقره في تورونتو بكندا.
وتعد طريقة برايل في القراءة من أعظم الاختراعات التي عرفها الإنسان لخدمة المكفوفين. لقد فقد الفرنسي لويس برايل إحدى عينيه حين كان طفلاً في الثالثة من عمره، ولذلك قرر أن يبتكر شيئاً مفيداً للمكفوفين غير العصا. وهكذا ابتكر نظام كتابة وقراءة بتمرير الأصابع على حروف بارزة في كل منها نتوءات من واحد إلى ستة نتوءات، مستفيداً من هوايته في العزف على الأرغن. وعرفت فرنسا قدر هذا الرجل فدفنته بعد وفاته بالسل وهو في الثالثة والأربعين من عمره، في مقبرة العظماء في الحي اللاتيني في باريس، أمثال جان جاك روسو الفيلسوف والملحن والكاتب صاحب الكتاب الشهير «العقد الاجتماعي»، والأديب فيكتور هوغو مؤلف رواية «البؤساء»، والكاتب والأديب إميل زولا (دُفن هوغو وزولا في سرداب واحد)، والعالم لويس باستور مكتشف الجراثيم، والعالمة ماري كوري التي تحمل جائزتي نوبل، الأولى في عام 1903 في الفيزياء والأخرى في عام 1911 في الكيمياء، وهي المرأة الوحيدة المدفونة مع العظماء، والأديب والناشط السياسي أندريه مالرو الذي كان صديقاً للعرب، والأديب ألكسندر دوماس الأب مؤلف رواية «كسارة البندق» التي تحولت إلى استعراض الباليه الشهير من موسيقى تشايكوفسكي. وأنا أذكر هذه الأسماء العظيمة للدلالة على عظمة لويس برايل باختراعه الذي فتح آفاقاً واسعة أمام المكفوفين في كل العالم وبمختلف اللغات.
أريد أن أصل بهذا الكلام إلى أن المكفوفين لم يعودوا وحيدين أو منعزلين مع العصا البيضاء التي تعد رمزاً لهم، فقد أقرّت الأمم المتحدة مجموعة من المواثيق للاعتراف بحقوقهم الإنسانية كاملة غير منقوصة، بل تضاف إليهم حقوق أخرى لتيسير حياتهم كالركوب مجاناً في القطارات ووسائل النقل العام ودخول النوادي والمكتبات والحدائق وملاعب الأطفال مجاناً أيضاً، وتوفير خدمات منزلية مجانية لمن لا أحد يعيش معه من أهله. وقرأت قبل سنوات عن إقامة حفلات زواج جماعية ترعاها جمعيات خيرية لتزويج عرسان مكفوفين لعرائس يبصرن، والعكس أيضاً.
وهناك خبر مفرح من مصر: بدأت منذ فترة قريبة مؤسسة «أخبار اليوم» الصحافية إصدار مجلة فصلية مطبوعة بحروف برايل، ربما هي أول مبادرة عربية في هذا المجال الفريد الذي تدعمه الدولة. وهذه المجلة لا توزع في أكشاك الصحف وإنما تُرسل إلى الجمعيات الخيرية والمكتبات العامة والمدارس. وكانت هناك محاولات فردية سابقة في مصر لإصدار مطبوعات للأطفال المكفوفين بطريقة برايل تكون الصور فيها ذات ملامح ملموسة.
ولم تكتفِ مصر بالمجلة، فاستضافت دار الأوبرا المصرية في شهر فبراير (شباط) الماضي الفنانة اليابانية ساتو لي خبيرة تعليم المكفوفين الرسم والتصوير في ورشة عمل عقدتها مؤسسة اليابان لتبادل الثقافات.
وفي المملكة العربية السعودية ابتكر فريق عمل سعودي أول مصحف إلكتروني للمكفوفين في العالم. وهو جهاز لوحي يخزن القرآن الكريم كاملاً، ويُحول أحرف برايل الثابتة إلى أحرف متحركة تتشكل حسب الحرف والصفحة.
ومن المجلات العالمية الشهيرة التي أصدرت نسخة دورية خاصة لذوي الاحتياجات البصرية مجلة «ريدرز دايجست» الأميركية المتخصصة بالقصص الشخصية والأحداث الغريبة والتجارب الإنسانية، ومجلة «سفنتين» الموجّهة للشباب والشابات، ومجلة للنكات والطرائف. ولصحيفة «نيويورك تايمز» تجربة مهمة في هذا المجال. وأفردت مجلة «تايم» في عدد 18 يونيو (حزيران) عام 2001 غلافها لأحد متسلقي قمة إيفرست في جبال الهيمالايا، وكان مكفوف البصر!
ربما كانت الولايات المتحدة وبريطانيا أكبر دولتين تصدر فيهما مجلات للمكفوفين وهي تضم تشكيلة من مختلف الاختصاصات والأعمار، منها مجلات للأطفال تحت تسميات «الانطلاق» و«الآنسة الصغيرة» و«النقاء»، وهذه الأخيرة للمراهقات بين سن 16 و19 سنة تتناول موضوعات الفن والأزياء والصحة والجمال. وفي مجال العلوم والتقنيات هناك مجلتا «تكنولوجيا المعلومات» و«الحاسوب». ولرجال المال والأعمال والاستثمار المكفوفين مجلة اسمها «شؤون مالية» وهي متوفرة أيضاً على أسطوانة (CD)، ولهواة التسوق من المكفوفين مجلة «شوب وندو» وتعني «الفاترينة»، وتقدم أفضل العروض والهدايا، وهي متوفرة على (CD)، ولهواة الشطرنج مجلة خاصة لتعليم مهارات وخدع الشطرنج للمبتدئين والمحترفين من المكفوفين. وفي نفس المجال ثمة مجلة اسمها «اللغز» متخصصة في الألعاب الفكرية والألغاز والكلمات المتقاطعة والسودوكو. وإحدى مجلات برايل اسمها «تَقَدُّم» متخصصة في الطبخ، خصوصاً أن هناك قناعة لدى الطباخين بأن المكفوفين أفضل من المبصرين في التذوق، لأن كثيراً من المبصرين يتذوقون بعيونهم الألوان والتزويق بينما يهتم المكفوفون بالطعام مباشرة!
وكما في بلداننا العربية فإن كثيراً من الموسيقيين الأجانب مكفوفون، ولأجلهم تم إصدار عدة مجلات متخصصة في هذا المجال منها «الموسيقى بطريقة برايل» للموسيقيين الهواة والمحترفين. ومجلة «المتفائل» عن موسيقى الجاز والروك والبوب، ومجلة «نغمات البيانو».
وأنا أستشهد بمجلات برايل لأقول إن المكفوفين بدأوا «يبصرون» الدنيا حولهم. ولا بد من دعم كل الجهود الفردية أو المؤسساتية أو الحكومية لتوفير ما يحتاج إليه المكفوفون والصّم والبُكم وذوو الاحتياجات الخاصة، مثلما تفعل المجتمعات المتقدمة. أتمنى أن أقرأ خبراً عن تعيين وزير كفيف مثلما فعلت مصر قبل سبعين عاماً حين اختارت الأديب الكفيف الشهير طه حسين وزيراً للمعارف في حكومة مصطفى النحاس قبل ثورة 23 يوليو (تموز) 1952.
لقد كان بين المكفوفين العرب في صدر الإسلام قدوة حسنة الصحابي عبد الله بن أم مكتوم الذي نزلت فيه آية «عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى* وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى* أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى»، والصحابي حسان بن ثابت شاعر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، والصحابي العباس بن عبد المطلب عم النبي، والصحابي عبد الله بن عباس أحد كبار مفسري القرآن الكريم وابن عم النبي، والصحابي أبو سفيان والد الخليفة معاوية وقد فقد إحدى عينيه في غزوة الطائف مع النبي وعينه الأخرى في معركة اليرموك، والصحابية أسماء بنت أبي بكر الصديق المعروفة بذات النطاقين أُصيبت بالعمى في أواخر حياتها، والصحابية زنبرة الرومية التي عميت تحت التعذيب لإرغامها على ترك الإسلام، فاشتراها الخليفة الراشدي أبو بكر الصديق وحررها.
وبين الشعراء العرب المكفوفين بشار بن بُرد وأبو العلاء المعرّي. ومن شعراء الأساطير الإغريق هوميروس الذي ألّف ملحمتي «الإلياذة» و«الأوديسا». ومن الأديبات الأميركيات هيلين كيلر التي توفيت في الستينات من القرن الماضي وكانت كفيفة وصمّاء. ومن إنجلترا الشاعر جون ميلتون الذي أُصيب بالعمى في أواخر عمره.
ومن الموسيقيين الكبار أندريا بوتشلي المغني والمنتج الموسيقي الإيطالي، ومن الموسيقيين العرب الكبار سيد مكاوي وعمار الشريعي اللذان قدّما للموسيقى العربية ألحاناً خالدة.
وروت السينما المصرية قصص بعض المكفوفين مثل «أمير الظلام» بطولة عادل إمام، و«الشموع السوداء» بطولة لاعب كرة القدم الراحل صالح سليم ونجاة الصغيرة، و«الكيت كات» بطولة محمود عبد العزيز، و«جسر الخالدين» بطولة سميرة أحمد وشكري سرحان، ويروي هذا الفيلم معاناة فتاة ضريرة اعتمدت على نفسها في الحياة.
كان قارئ التواشيح والمناقب النبوية ومجالس التعزية العراقي المميز عبد الستار الطيار رجلاً كفيفاً ضاحكاً ساخراً. وكان يجلس في خمسينات القرن الماضي باستمرار على رصيف أحد مقاهي بغداد الشعبية في منطقة ساحة الخلاني ويطلب من صبي المقهى أن ينبهه حين تمر من أمامه فتاة جميلة ترتدي العباءة السوداء البغدادية ليقول بصوت مسموع: تبارك الخالق فيما خلق.

 

 

البحث عن أمل...

البحث عن عمل

داود الفرحان

   

تتوقع منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة أن يرتفع عدد العاطلين عن العمل حول العالم خلال العام الحالي إلى أكثر من 190 مليون شخص. وهو رقم لم يقطع أنفاس من أعدوا هذه القائمة؛ لأن الرقم السابق لعام 2019 كان 188 مليون شخص عاطل. ومع ذلك، فإن الرقم الحقيقي للعاطلين، كما أعلنت الأمم المتحدة نفسها، يصل إلى أكثر من 370 مليون شخص عاطل أو في حالة بطالة مقنعة أو يعملون بأجور غير كافية مثل باعة الأرصفة أو عمال الأنشطة الموسمية الذين يبقون عالقين في براثن الفقر.
ودائماً نجد في كل برامج وخطط الحكومات في الدول الفقيرة أو المتوسطة أو الغنية بنداً مهماً هو «مكافحة البطالة». لكنه شعار يبدو أحياناً تضليلياً ليس في الدول الفقيرة فحسب، بل في دول ميسورة أيضاً. وأضرب في هذا مثلاً العراق الذي يقترب إنتاجه اليومي من النفط الخام من خمسة ملايين برميل، وتصل فيه معدلات البطالة بين الشباب إلى أكثر من 22 في المائة، وهي أعلى نسبة بطالة في الشرق الأوسط، حسب إحصائيات الجهاز المركزي العراقي للإحصاء. وتتحمل وزر هذا الرقم الصعب الحكومات المتعاقبة منذ 2003 حتى اليوم، وهو ما يفسر الدافع الأساسي لمظاهرات الاحتجاجات التي ما زال العراق يشهدها منذ خمسة أشهر وخلفت آلاف الضحايا بين قتيل وجريح ومعتقل ومختطف. لم تكن هذه المظاهرات سياسية في بدء اندلاعها، لكنها تحولت إلى شعارات سياسية لإسقاط النظام بسبب عدم جدية الحكومة في إيجاد حلول عملية للبطالة واستشراء الفساد والعمالة المتسللة من إيران، وباكستان، وأفغانستان، بينما يجلس شباب العراق على الأرصفة انتظاراً لفرصة عمل ولو يومية لسد احتياجات عوائلهم. وقد تعمدت الحكومات العراقية المتعاقبة طوال 17 عاماً فتح منفذ وحيد للعمل أمام الشباب وهو الالتحاق بقوات الجيش والأجهزة الأمنية والميليشيات الإيرانية. أما فرص العمل المدني الدائم فهي لأعضاء الأحزاب الحاكمة وأبناء وأقارب المسؤولين الذين يحتلون أهم المناصب.
الحالة نفسها نجدها في سوريا، ولبنان، واليمن، وليبيا، والسودان، وتونس، والجزائر. تونس التي انطلقت منها شرارة البطالة في قيام الشاب التونسي طارق الطيب محمد البوعزيزي يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010 بإضرام النار في نفسه احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية عربة يدوية يبيع عليها الخضراوات والفاكهة. ودائماً مظاهرات العاطلين والفقراء سريعة العدوى كما شاهدنا في فرنسا وفنزويلا وبعض دول أميركا اللاتينية، وحالياً في العراق ولبنان. وكلما سارعت الحكومات إلى إيجاد حلول عملية مناسبة يمكن احتواء المظاهرات بشكل أقل في الخسائر.
اليوم تقدم مصر مثالاً ناجحاً في تقليل مستويات البطالة، فقد طالعنا في «الشرق الأوسط» مؤخراً أن معدل البطالة تراجع في نهاية العام الماضي إلى 8 في المائة مقابل 8.9 في المائة في عام 2018، وبلغ حجم قوة العمل نحو 29 مليون فرد خلال الربع الأخير من عام 2019 نتيجة المشروعات الكبيرة الكثيفة العمالة مثل العاصمة الإدارية الجديدة والمدن والطرق الحديثة وتجميع السيارات الأجنبية، بالإضافة إلى التوسع في المجمعات الصناعية التي تشمل 4500 مصنع توفر المزيد من فرص العمل. وقد انعكس ذلك في تراجع معدلات الهجرة غير الشرعية طبقاً لإحصائيات حكومية معتمدة.
أوروبياً، تحتل اليونان المركز الأول في أعلى معدلات البطالة (18.9 في المائة) في عام 2018 تليها إيطاليا. أما أدنى معدلات البطالة فهي في جمهورية التشيك (2.8 في المائة) تليها ألمانيا.
والآن، دعنا من الرسميات والحقيقة والواقع والإرهاصات لننتقل إلى الخيال العلمي الإنترنتي الذي تفوق على الأديب الدنماركي هانز كريستيان أندرسون ورواياته الخرافية، والمنتج السينمائي الأميركي والت ديزني ورسومه المتحركة (الاثنان توفيا بالسرطان). لقد انتهى الزمن الذي كان فيه الإنسان العاطل يلف ويدور في شوارع المدينة للبحث عن وظيفة. فتكنولوجيا العصر، وأعني بها الإنترنت، تتيح لأي عاطل أن يجلس أمام شاشة الكومبيوتر ويـُقلب في ملفات الوظائف الشاغرة، ليس في المدينة التي يسكنها فقط، إنما في عواصم العالم المختلفة إلى أن يجد الوظيفة المناسبة من دون أن يفقد ماء وجهه. وأكثر من ذلك يمكن أن يدخل اسمه ومؤهلاته وشهاداته فيقوم الجهاز باختيار الوظيفة المناسبة له من دون بحث في الشوارع والعمارات والمؤسسات.
فموقع «وظائف حول العالم» يساعد الباحث في إيجاد وظائف في مختلف الدول، ويتيح له أن يختار ما يناسب ظروفه وإمكاناته، كما يسمح له بأن يضع مواصفات العمل الذي يريده والأجر الذي يطلبه، وهو الأمر الذي يتيح بدوره لأصحاب العمل والمؤسسات أن يختاروا أفضل الموظفين بأحسن المواصفات. أما موقع «الوظيفة الإلكترونية» فشعاره هو التوفيق بين عروض الشركات وطلبات الباحثين عن الوظائف، حيث تستطيع الشركات الإعلان عن الوظائف الشاغرة فيها والشروط الواجب توافرها في المتقدمين، ويتولى الموقع ترشيح المناسبين وفقاً للسير الذاتية التي تقدم بها العاطلون.
وللعاطلين العرب موقع خاص عنوانه «بيت الوظائف» يقدم عرضاً للوظائف الشاغرة في كثير من الدول العربية، وخاصة الخليجية منها، حيث يمكن للباحث أن يبدأ باختيار الدولة التي يرغب في العمل فيها، ثم يضع سيرته الذاتية وينتظر اتصال الشركة التي يقع اختيارها عليه، أو يبادر هو إلى اختيار واحدة من الوظائف المتاحة.
إلا أن موقع «التخطيط السليم لمستقبلك» يحاول أن يساعدك في اختيار نوع الوظيفة التي تناسبك حسب تخصصك العلمي أو المهني، ومستوى الخبرة التي لديك والوظائف الشاغرة التي تصلح لها أو تصلح لك. وأسمع بين القراء من يقول إن اسم هذا الموقع يدعو إلى الشك لأنه يشبه إعلانات عيادات زرع الشعر.
المشكلة التي تواجه المتعاملين مع هذه المواقع غياب بعض التفاصيل المهمة التي تساعد الباحث على الوصول إلى نتيجة مُرضية، خاصة إذا كانت الوظيفة الشاغرة في بلد آخر لم يزره من قبل. ماذا عن الإقامة - مثلاً -؟ ماذا عن تعليم الأولاد؟ ماذا عن النقل؟ ماذا عن الإجازات؟ ماذا عن التعويضات؟ ماذا عن التأمين الصحي؟
السيرة الذاتية مهمة، وهي بالنسبة للتعيين في الوظائف مثل «مقدمة ابن خلدون» لا بد منها لأي باحث في التاريخ أو الاجتماع أو السلوكيات أو النظم السياسية. وهي تحتاج إلى خبرة وتدريب ليعرف الشخص ماذا يعلن وماذا يخفي وهو يكتب سيرته الذاتية. ودائماً خذ هذه النصيحة: ابتعد عن السياسة والراتب في سيرتك الذاتية. فالشركات تفضل الإفلاس على أن يتهمها أحد بأنها تتعاطى السياسة، كما أن مديري التعيين في الشركات مصابون بالحساسية من أي إشارة إلى الراتب المطلوب ترد على لسان طالب الوظيفة أو في سيرته الذاتية؛ لأنهم يعتبرون ذلك تدخلاً في شأن هم أصحاب القرار فيه.
طبعاً، هناك وظائف لا تحتاج إلى سيرة ذاتية أو شهادة دراسية. ففي بعض دول جنوب شرقي آسيا مكاتب لتأجير المتظاهرين لقاء مبالغ زهيدة مقابل رفعهم صور بعض السياسيين وشعاراتهم والهتاف بأسمائهم والمشي في الشوارع الرئيسية أمام عدسات المحطات التلفزيونية لتأكيد شعبية هؤلاء السياسيين وجماهيريتهم. ويمكن للمتظاهرين المشاركة في مسيرات تؤيد وتبايع سياسيين متخاصمين وعلى طرفي نقيض في يومين متتاليين لأن الجانبين دفعا والشباب تلقوا... وبالروح بالدم! ولماذا نذهب بعيداً، هناك بعض المطربين العرب يستأجرون شباناً وشابات يجلسون وسط المشاهدين في الحفلات مقابل رواتب شهرية ثابتة، وكل ما عليهم أن يفعلوه هو الوقوف خلال غناء المطرب والتصفيق والرقص والهتاف وطلب الإعادة. وشكراً للمطربين على مساهمتهم في مكافحة البطالة.

كاتب عراقي

 

 

عرفنا البائع...

لكن لا أحد يشتري

داود الفرحان

   

أخيراً باضت دجاجة البيت الأبيض، فإذا بها بيضة لم ترد في عالم الحيوان. لا علاقة لها بأديب البصرة العظيم، أبي عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني البصري، الشهير بالجاحظ، مؤلف كتاب «الحيوان». ولا صلة لها بشارلز روبرت دارون، البريطاني مؤلف كتاب «حول أصل الأنواع»، أو ما عُرف بـ«نظرية التطور»، وهو دستور علم الأحياء. ولم يرد ذكر بيضة «البيت الأبيض» حتى في كتاب «كليلة ودمنة» لمؤلفه أبو محمد عبد الله روزبه بن داذويه، الفارسي المجوسي الذي اعتنق الإسلام، وعاصر الخلافتين الأموية والعباسية. بيضة غريبة عجيبة؛ لا هي بيضاوية ولا دائرية ولا مربعة ولا مثلثة ولا مستطيلة ولا مكعبة. بيضة لا عرض لها ولا طول ولا ارتفاع. لا تمت بالقرابة إلى البعد الثالث أو الرابع أو الخامس.
لكن الرئيس الأميركي أطلق عليها تسمية «صفقة القرن»، ووصفها بعض السياسيين بـ«صفعة القرن»، وهي ليست صفقة؛ لأن البائع فيها هو المشتري، ولا صفعة؛ لأن المثل العربي يقول: «ضرب الحبيب مثل أكل الزبيب».
قبل أكثر من عام، لم يتوقف المتابعون والسياسيون العرب طويلاً أمام ما كشفته صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن أن الخطة الأميركية – الإسرائيلية الجديدة فيما تسمى «صفقة القرن»، تشمل نقل عشرة في المائة من أراضي الضفة الغربية المحتلة، بما فيها مدينة الخليل، للسيادة الصهيونية، من دون تبادل أراضٍ. ولا انتبه المعنيون إلى أن العاصمة الفلسطينية ستكون مجرد أحياء متفرقة في منطقة القدس، لم تكن جزءاً من المدينة قبل عام 1967، ولا يربطها تواصل جغرافي بعضها مع بعض. أي «كومباوندات» أو «مستوطنات» فلسطينية متفرقة، عبارة عن مجمعات سكنية مغلقة بأسوار، ولها بوابات أمن وحراسة وجوازات سفر في الدخول والخروج.
ومع ذلك، فإن هذا «التصور الخيالي» للحل صار «دفاتر عتيقة» قد يُقلب أوراقها «شايلوك» القرن ليسلخ لحم «دولة فلسطين» المفترضة. وهي صيغة «دولة» لم ترد في علم «الجيوبولتيكا»، وليس لها أي نموذج سابق، لا في إمارة موناكو، ولا في الفاتيكان، ولا في الجزر الصغيرة وسط المحيطين الهادي والأطلسي، ولا في الشمال التركي في قبرص، ولا في إمارة ليختنشتاين ولا في جمهورية أفلاطون.
يريدونها دولة «كارتونية» اسمها فلسطين، على الورق فقط، لها علم مثل أي نادٍ رياضي؛ بلا جيش ولا سلاح ولا عُملة نقدية ولا سيادة ولا حتى مطار دولي. «دولة» كأنها مركبة فضائية في أفلام حرب النجوم، لها موقع ولكن من دون خريطة! وعليك أن تبحث عنها عبر الموجات الصوتية أو أشعة إكس! شيء من دول المستقبل الخرافية أو أساطير الماضي الهلامية.
لا تصدقوا أن استعراض العضلات الأميركية توقف بانتهاء ولايات جورج بوش الأب والابن، وبيل كلينتون، وباراك أوباما. نحن أمام استعراض لا يتوقف ضد العرب، تارة ضد عراق صدام حسين، وتارة ضد ليبيا القذافي، وتارة ضد سوريا بشار الأسد، وتارة ضد فلسطين محمود عباس. وهي «استعراضات قوة»، ولم تكن أبداً استعراضات مبادئ. إنه التطور الطبيعي للاستعمار بشكله الإمبريالي العتيق الباحث عن النفط ومناجم الذهب وطريق الحرير.
لم يعد ترمب يراهن على تنازلات «مؤلمة» متبادلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين لتحقيق حل الدولتين. إنه يراهن الآن على «الحل الإسرائيلي اليهودي» فقط، بحكم خبرته المعروفة في عالم المراهنات الغامض. طوى ترمب صفحة القدس التاريخية عاصمة فلسطين الأبدية، وفتح صفحة القدس الخرافية عاصمة إسرائيل الحاخامية. وفي هذه العاصمة المستولدة مثل «النعجة دوللي» لا مانع من وجود «أزقة» فلسطينية أو إدارة بلدية فلسطينية تحت إشراف إسرائيلي. وإذا تزمت المفاوض الفلسطيني فإن تل أبيب «قد» توافق على تشكيل منتخب كرة قدم فلسطيني، بشرط ألا يدخل في تصفيات كأس العالم! الأمر ليس نكتة ولا سخرية. هذا واقع الحال.
«
صفقة القرن» أفشل صفقة في التاريخ على مستوى الدول. وهي بدلاً من أن تحصر الرئيس الفلسطيني في الزاوية بشروطها التعسفية ومفرداتها العنصرية، عززت مكانته في النضال الفلسطيني والعربي والدولي. من يرضى أن تتحول فلسطين من دولة تعترف بها رسمياً 140 دولة، وتتبادل معها السفارات، إلى معتقل فاشستي عنصري حراسه المدججون بالأسلحة يقفون على أبوابه الخارجية؟
هذه صفقة فشلت في لحظة إعلانها من قبل ترمب ونتنياهو، وفي غياب أي تمثيل فلسطيني أو عربي أو دولي بأي مستوى. ومن حق المجتمع الدولي وقبله دولة فلسطين أن يشطباها رفضاً بالطول والعرض، ليس تزمتاً أو عناداً أو اعتراضاً، ولكن تنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة صاحبة الشرعية الدولية، المعترف بها والواجب احترامها.
لحسن الحظ؛ حتى الآن الموقف العربي شبه موحد ضد «صفقة القرن». ولحسن الحظ أيضاً؛ الموقف الفلسطيني الداخلي تململ قليلاً في اتجاه المصالحة. وتل أبيب تلعب دائماً على وتر الخلافات العربية – العربية، والمناكفات الفلسطينية - الفلسطينية.
الباب لم يعد موارباً، وكل النقاط على الحروف، فـ«صفقة القرن» صارت بين الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو فقط، والاثنان يتسلحان بهذه الصفقة لدخول الانتخابات القادمة. واشنطن وتل أبيب تريدان من «صفقة القرن» ألا تقدم أي «تنازلات» استراتيجية للفلسطينيين، مقابل حفنة تنازلات فلسطينية وطنية وقومية وإنسانية، من بينها إلغاء حق العودة للفلسطينيين، وإلغاء تسمية اللاجئين الفلسطينيين، وإلغاء أي نوع من السيادة الفلسطينية. فالصفقة تريدها تل أبيب «عقد إذعان» بين جبروت دولة الاحتلال إسرائيل، واستسلام الدولة المحتلة فلسطين، وتحويلها إلى ما يشبه إقليماً لا يملك أي مؤشر على السيادة.
فأي عبث هذا في تاريخ الأمم وخرائط الدول ومصالح الشعوب والسلام العالمي، منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم؟!

(الشرق الاوسط) لندن

 

كوم حجار ولا هذا الجار

داود الفرحان

 

ليس هناك من هو أبرع من النظام الفارسي، على مرّ التاريخ، في الانتهازية والوصولية والتآمر والخيانة والغدر والخسّة والحقد والحَسَد والوحشية. ليس هناك من هو أصلف وأجلف وأسخف من النظام الفارسي، إلا إسرائيل، في قلب الحقائق وتزييف الوقائع وتزوير الأحداث.
هذا نظام لا يعرف العيب، ولا يحترم العهود ولا الوعود ولا المواثيق ولا الالتزامات ولا الجيرة ولا الإحسان. الفُرس أول من اخترعوا الدجل والشعوذة والأساطير والسفسطات والترهات والخزعبلات. لكن، والحق يقال، إن نظام ملالي ولاية الفقيه فاق الأولين والآخرين، واعتلى عرش «السي ورق»، أو الثلاث ورقات، بجدارة وحقارة.
مغفل من يأتمن النظام الإيراني، وأكثر غفلة من ينخدع بعمائمه. هذا نظام زنديق وثعبان سام يجب ألا يُلدغ المؤمن من جحره مرتين، ومع ذلك فنحن نُلدغ منه مرات ومرات ولا نتعلم.
لن نعود في هذا المقال إلى المجوس والصفويين والبرامكة وكسرى ورستم، فكتب التاريخ فيها الكثير عن الأقوام الهمجية الغادرة التي تجري في دمائها كريات الثأر والانتقام، ومنها رستم الذي قال «أنا فارسي ابن فارسي... وآري من سلالة آرية». وهذا الشعار يحمله كل ساسة النظام الإيراني الحالي، من إمامهم الأول خميني إلى وريثه خامنئي، انحداراً إلى قاسم سليماني وميليشياته الإرهابية في إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين. لقد كان خميني صريحاً منذ جلوسه على «عرش الإمامة» في طهران بأن نظامه يسعى إلى تصدير «الثورة الإسلامية» إلى «المستضعفين في الأرض». وكانت تلك الدعوة هي الرصاصة الأولى في الحرب العراقية - الإيرانية التي بدأها خميني بشعار «الطريق إلى فلسطين يمر في بغداد»، لكنه مات بعد أن تجرع «كأس السم» بموافقته على وقف إطلاق النار بين البلدين في 8 أغسطس (آب) 1988، بعد أن رفض بإصرار وعناد دعوة العراق إلى وقف الحرب في الأسبوع الأول لاندلاعها في نهاية شهر سبتمبر (أيلول) 1980.
سقط نظام صدام، فاحتلت إيران، العراق، بالوكالة، عن الولايات المتحدة. وكاد النظام السوري ينهار فاحتلت إيران سوريا. وسقط نظام علي عبد الله صالح فكادت إيران تحتل اليمن كله بميليشيات الحوثي الوكيل المعتمد لـ«فيلق القدس»، لولا «عاصفة الحزم».
واغتالت الأيادي الإيرانية والسورية الخفية، رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري، فأصيب لبنان بطاعون حسن نصر الله وحزبه الإيراني.
إنه السرطان الفارسي الخبيث الذي يحتل العراق تحت شعار «حماية الطائفة الشيعية»، ويحتل لبنان تحت شعار «المقاومة والصمود»، ويحتل سوريا تحت شعار «حماية السيدة زينب»، ويحاول احتلال اليمن تحت شعار «لا يُدار اليمن من فئة واحدة فقط»، مع أن إيران تُدار من قبل الأقلية الفارسية التي قمعت كل القوميات الأخرى، ضمنها عرب الأحواز المسبيين والمنسيين.
ولا ننسى يوم انفلت اللسان الفارسي الأعوج من عقاله، ليهذي بالسعي إلى «تحرير» الكعبة المشرفة ومكة المقدسة، بميليشيات قاسم سليماني الطائفية الدموية، وإقامة «دولة شيعية» فارسية في أرض النبوة العربية.
إيران لا تتحدث عن السلام والتعايش والأخلاق والقانون الدولي وحقوق الإنسان، حين تنتهك كل ذلك علناً في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتشن حرب إبادة على السُنة، بحجة حكم الأغلبية الشيعية، مع أن شيعة العراق عرب أقحاح حاولت تلك الميليشيات الإرهابية تلويثهم بجرائمها وفسادها وطائفيتها العمياء. إيران لا تتذكر السلام والتعايش والأخلاق والقانون الدولي وحقوق الإنسان والشرعية والدستور في لبنان وسوريا واليمن، لكنها تحمي المجرمين والفاسدين والإرهابيين.
في المواجهة الحالية بين العرب والفرس، لا مكان للحياد والمواقف الدبلوماسية المائعة والتصريحات الخبيثة. مع الحق والسلام، أو مع الباطل والإرهاب. لا طريق ثالث. لقد صارت أراضي ومدن ومياه وأجواء العراق وسوريا واليمن ولبنان وبعض دول الخليج العربي مسرحاً لجرائم فارسية لا تنتهي وحقد طائفي أعمى و«بلطجة» عنصرية استعراضية تتجاوز كل علاقات الجيرة ومواثيق المنظمات وسيادة الدول وحرمات المجتمعات وأمن الشعوب وسماحة الأديان.
نحن نتذكر أن بعض العرب في بداية الثمانينات من القرن الماضي، لاموا العراق، لأنه رفض الخنوع أمام «تصدير الثورة» الخمينية العنصرية الطائفية المقيتة التي نَصّبت نفسها ولية للأمر على العرب والمسلمين في كل القارات. ولن ينسى العراقيون وقفة دول الخليج القوية، في مقدمتها المملكة العربية السعودية والكويت في إسناد البوابة الشرقية للعالم العربي، والتصدي لدولة الشر والأشرار. وقد مهدت إيران الملالي للحرب في الثمانينات من القرن الماضي بعمليات إرهاب وتفجيرات واغتيالات طالت مسؤولين ومواطنين عراقيين أبرياء على الحدود، وفي بغداد نفسها، ونقضت اتفاقية 1975 لتنظيم الملاحة في مياه شط العرب التي اضطر صدام حسين إلى تمزيقها أمام الملأ بعد أن بلغ السيل الزبى.
هذا الكلام ليس تبريراً للحرب، ولا دعوة لها، لكنه استذكار لما حدث، وما يخطط له أشرار قم وطهران لاجتياح العالم العربي دولة تلو أخرى، مثلما بلعوا جزر الإمارات الثلاث تحت سمع العالم وبصره. وما يحدث اليوم هو صفحة أخرى في السيناريو الصهيوني - الفارسي الذي بدأ بغزو العراق واحتلاله في عام 2003، وإسقاط العراق دولةً ونظاماً وشعباً على يدي الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، وتقديمه بلاد الرافدين لقمة سائغة للنظام الإيراني الدموي الذي احتله من الشمال إلى الجنوب، بمساعدة عملائه وأذنابه وأدعياء الدين من الدجالين المعممين والسياسيين الفاسدين.
الحرب ليست نزهة. لكن العراقيين ذهبوا إليها دفاعاً عن أرضهم وعرضهم، وهم يدركون أن ثمنها فادح في الأرواح والدماء والأموال، لكن ماذا نفعل مع الجار الذي ينطبق عليه المثل العربي: «كوم حجار ولا هذا الجار»؟
اليوم وبعد أكثر من ثلاثين عاماً على توقف الحرب العراقية - الإيرانية، ماذا نسمي التدخل الإيراني العلني في قمع المظاهرات العراقية؟ وماذا نسمي الإقامة شبه الدائمية لقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني، في المنطقة الخضراء في بغداد وغيرها من مدن العراق؟ وكيف نفسر محاولات سليماني فرض مرشحين عراقيين موالين لطهران في المواقع القيادية في العراق، مثلما نشاهد ونقرأ طوال الأسابيع الأخيرة عما يجري بعد منتصف الليل في قصور بعض السياسيين العراقيين لإنتاج وإخراج مسرحية سياسية جديدة تعيد «الاعتبار» للنفوذ الفارسي المُهان في بلاد الرافدين؟
وقبل ذلك، بأي حق تدفع إيران ميليشياتها التابعة لـ«فيلق القدس» إلى اقتحام الحدود العراقية مراراً وتكراراً، مرتدية زي الجيش العراقي وقوات مكافحة الشغب، لتطلق الرصاص الحي على المحتجين المسالمين في بغداد ومدن الجنوب الباسلة المنتفضة على الفساد والتبعية والعمائم غير الرشيدة؟
حقاً... «كوم حجار ولا هذا الجار».

كاتب عراقي

 

 

التنكيل بالمحتجين

في العراق وإيران

داود الفرحان

   

تصاعدت في الشهرين الأخيرين عمليات القتل المتعمد والمنظم في العراق وإيران، ضد المتظاهرين العُزل المحتجين على سوء الأوضاع الاقتصادية والفساد السياسي الذي لم يسبق له مثيل. وعمليات القتل المتعمد هذه تصل إلى «الإعدام» علناً على أرصفة الشوارع والميادين، بلا محاكمة ولا تحقيق، ومن غير الاعتراف بحق التظاهر والتعبير عن الرأي، ولا الإقرار بحق الدفاع عن النفس.
يمكن لكل ذي عينين أن يلاحظ أن القتل المتعمد والممنهج صار سياسة رسمية إيرانية، ثم عراقية، في التعامل مع المتظاهرين الذين قالوا «لا» للفساد، وطالبوا بالإصلاح الشامل.
الأسوأ من قوات «الباسيج» في إيران والميليشيات الموالية لإيران في العراق، هو موقف رجالِ دينٍ من المؤمنين بولاية الفقيه خامنئي، الذين طالبوا جهاراً نهاراً بإعدام كل المحتجين. ووصل الأمر في إيران إلى نقل عشرات من جثث الذين أعدموا في طهران بسيارات نقل اللحوم إلى أهاليهم، ومنع ذويهم من إقامة مجالس العزاء! وهو أمر يذكرنا بإعدام المعارضين الإيرانيين في سنوات سابقة ولاحقة، بشنقهم على أعمدة الكهرباء أو الرافعات علناً وأمام الناس. ووصف خبراء أمميون هذه الظاهرة بأنها «إعدام خارج القضاء» أو «الإعدام التعسفي»، وهما مصطلحان طارئان في القاموس السياسي، يحملان عبارة «صنع في إيران» في حالتي العراق وإيران، ومثلهما في سوريا واليمن.
ربما يتفاخر النظام الإيراني بلقب «الدولة الثانية عالمياً» في تنفيذ الإعدام ضد السياسيين، طبقاً للتقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية للعام الماضي. وبلغ المعدل الشهري للإعدامات السياسية خلال السنوات الخمس الأخيرة في عهد الرئيس حسن روحاني 56 شخصاً! واستخدم الملالي عمليات الإعدام بالجملة والمفرد أداة لبث الرعب في المجتمع، وفقاً لنظرية الملالي «النصر المرعب».
وطبقت الميليشيات الإيرانية في العراق هذه النظرية في بلاد الرافدين، منذ سقوط النظام السابق في عام 2003. وتصاعدت الإعدامات خارج أسوار السجون إلى حد الإعدام في الشوارع والساحات العامة، أو اختطاف السيارات التي تنقل السجناء والمعتقلين من سجن إلى آخر، وإعدامهم في الطريق!
لا وصف لعمليات القتل المتعمد في بغداد والبصرة والناصرية وكربلاء والنجف، وقبل ذلك في محافظات الأنبار وصلاح الدين وديالى ونينوى، غير الإعدام أو الإبادة.
وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قد سجلت أن نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي الأسبق في الفترة من 2006 إلى 2014، أعطى الضوء الأخضر لجلادي الدولة لكي يقتلوا الأفراد «كيفما ومتى ما شاءوا». وتطور الأمر إلى ما نراه اليوم في ساحة التحرير وشارع الرشيد وجسور بغداد، من عمليات إعدام الشباب والمراهقين العُزل من الجنسين، بواسطة قنابل سامة صنعت في إيران اشتراها «طرف ثالث» على حد تعبير وزير الدفاع العراقي الحالي، في إشارة إلى الميليشيات الإيرانية تحت لافتة «الحشد الشعبي». وهذا «الحشد» المنفلت يُفترض أنه جزء من القوات المسلحة العراقية التي يقودها رئيس الوزراء العراقي.
وأثارت هذه «الإعدامات» العلنية غضب تيار عريض في القارات الخمس، يطالب بإلغاء هذه العقوبة التي ألغتها فعلاً بعض الدول. وفي المقابل هناك من يرفض الإلغاء لئلا يشجع ذلك على ارتكاب جرائم اعتيادية غير سياسية. الأمر قابل للجدال.
لقد أنتجت هوليوود أفلاماً كثيرة عن مجرمين تم إعدامهم، وكان بعضهم بريئاً مما نسب إليه. وما زالت المسلسلات التلفزيونية تطرق هذا الموضوع المثير للجدل. وفي الأفلام والمسلسلات العربية ظهر النجوم بالملابس الحمراء الخاصة بالمحكومين بالإعدام، وتم تناول الموضوع من زوايا اجتماعية كثيرة، ليس بينها الاعتراض على عقوبة الإعدام، خشية إساءة التفسير، ما قد يعرض العمل إلى المنع أو الحذف.
وفي الأدب العالمي، نقرأ للكاتب الفرنسي الأشهر فيكتور هوغو رواية عنوانها «آخر يوم في حياة رجل محكوم عليه بالإعدام»، يصف فيها هوغو أفكار مُدان قبل تنفيذ حكم الإعدام به. وما يمنح هذه الرواية أهمية مضافة، أن مؤلفها يعترض أساساً على هذه العقوبة.
وتناول الكاتب البريطاني جورج أورويل في روايته «عملية شنق» تنفيذ عملية إعدام، شهدها أورويل بنفسه أثناء خدمته كشرطي في أوائل القرن العشرين. وكتب أورويل في هذا الصدد: «إنه لأمر غريب حقاً؛ فحتى هذه اللحظة لم أتمكن من إدراك الحكمة وراء تدمير حياة رجل كان ينعم بالوعي والصحة. عندما رأيت السجين وهو يخطو ليتجنب قِطع الثلج المتساقطة، رأيت اللغز والخطأ الفادح المتمثل في إنهاء حياة شخص وهو في ريعان قوته. هذا الرجل لم يكن قاب قوسين أو أدنى من الموت؛ بل كان ينبض بالحياة مثلما كنا».
وصدق أو لا تصدق: هناك أغنيات كثيرة عن الإعدام! وطبعاً كلها أجنبية وليست بينها أغنية عربية واحدة. ففي أغنية «ذي ميرسي سيت» أي «كرسي الرحمة»، للمغني الأميركي جوني كاش، نسمع وصفاً لإعدام رجل باستخدام الكرسي الكهربائي؛ حيث يظل مصراً على براءته حتى تحين لحظة الموت، فيعترف بأنه مذنب. ويتم تنفيذ حكم القضاء. وفي أغنية لفرقة «ميتاليكا» إحدى أشهر فرق الموسيقى الأميركية، نسمع قصة رجل حكم عليه بالإعدام بالكرسي الكهربائي، على الرغم من أنه كان مجنوناً حين ارتكب جريمته. ولفرقة «بي جيز» البريطانية أغنية عاطفية درامية عن رجل في اللحظات الأخيرة قبل إعدامه، ويود إرسال آخر رسالة إلى زوجته.
وفي الولايات المتحدة طريقة قاسية للإعدام، هي الحقنة المميتة (القسوة هنا نسبية)، وعنها غنت فرقة «إن أو إف إكس» الأميركية قطعة على لسان سجين محكوم بالإعدام، خلال تنفيذ الحكم بالحقنة المميتة! وهناك أغنية لمطرب أميركي في فيلم «الميت الذي يمشي» تتناول عقوبة الإعدام من وجهة نظر حراس السجن!
إلا أن أشهر أغاني «الإعدامات» وأكثرها «شعبية» عنوانها «بكاء الحرية»، أدتها مجموعة من المساجين المحكوم عليهم بالإعدام في أوغندا، وتم تسجيلها من قبل جمعية حقوق السجناء، ضمن مشروع تطوير السجون الأفريقية. وهذه الأغنية موجودة على الإنترنت.
وللفنانة المصرية نيللي حوار غنائي في فوازير «الخاطبة»، تقول فيه: «النهاردة يوم إعدامي، بعد يادوبك ربع ساعة، يعني ما فيش فرصة قدامي، ده أنا بعمل مكياجي في ساعة»!
إذا استمر الحال على ما هو عليه، فلا بد من استحداث وزارة للإعدام لدى نظام الملالي المسيطر، كما يقول، على أربع عواصم عربية.

كاتب عراقي

(الشرق الاوسط)

 

هل أصبحت الأسلحة

المُحَرّمة... غير مُحَرّمة؟

داود الفرحان

   

تداولت بعض المواقع الإلكترونية والصحف ومنظمات حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية خلال الأيام القليلة الماضية أنباء مصورة عن استخدام قوات أمنية، قيل إنها مجهولة أو إيرانية، أسلحة مُحَرّمة دولياً في قتل وجرح وخنق متظاهرين عراقيين سلميين كثيرين.
والأشد قسوة أن عبوات الأسلحة المُحَرّمة كانت منتهية الصلاحية، وخاصة القذائف المسيلة للدموع، ما أدى إلى إصابة الضحايا بالتسمم الغازي وشلل الأعصاب والحواس.
وقد نفت حكومة عادل عبد المهدي أن تكون القوات الأمنية الحكومية ضربت المتظاهرين بقذائف قاتلة أو مسمومة، وقال إنها تستخدم نفس القنابل التي تضرب بها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا المتظاهرين! بينما عرضت القنوات التلفزيونية العربية والأجنبية ومواقع التواصل الاجتماعي مئات الفيديوهات عن إطلاق القوات النظامية في مواقع مختلفة قنابل وعبوات قاتلة موجهة إلى رؤوس وصدور الضحايا، وشوهد دخان كثيف يخرج من أذن وعيون وأنوف وأفواه المصابين قبل وبعد وفاتهم الفورية.
وليس من المعقول أن تكونَ الحكومة لا تعرف من هي القوات التي تطلق هذه القنابل والعبوات السامة التي تنهال بلا توقف على الشباب والفتيان في ساحتي التحرير والطيران وجسور الجمهورية والسنك والأحرار والساحات الرئيسية في المدن الجنوبية، مثل الناصرية وكربلاء والبصرة وغيرها. وحتى لو كان الجنود الذين يطلقون تلك القذائف المُحَرّمة دولياً من الميليشيات وألوية الحشد الشعبي الموالية لإيران، فإن رئيس مجلس الوزراء هو القائد الأعلى للقوات المسلحة العراقية.
كانت قد ترددت أنباء غير مؤكدة عن أن مصدر هذه القذائف بعض دول أوروبا الشرقية، لكن الوقائع المؤكدة أن معظمها صناعة إيرانية. وأكدت هذا الاتهام منظمة العفو الدولية بناء على معلومات جديدة حول «القنابل الفتاكة» التي تطلقها القوات الأمنية، وخاصة قوات مكافحة الشغب المرتبطة مباشرة برئيس مجلس الوزراء. وأشار تحديث جديد على تقرير سابق للمنظمة أنها أجرت مزيداً من الأبحاث حول القنابل الدخانية التي يبلغ حجمها 40 ملم والتي قتلت مئات المحتجين في الأسابيع الأخيرة في بغداد والبصرة. وأظهرت الأبحاث أن جزءاً كبيراً منها وخاصة القنابل المسيلة للدموع من نوع M651 وقنابل الدخان M713 من إنتاج مؤسسة الصناعات الدفاعية الإيرانية. وقالت منظمة العفو الدولية إنها تأكدت من «اختراق هذه القنابل جماجم رجال أسقطتهم على الأرض». ونقلت المنظمة عن طبيب في مستشفى قريب من ساحة التحرير أنه يستقبل يومياً ما لا يقل عن ستة مصابين في الرأس بهذه القنابل المُحَرّمة.
هناك قناعة تامة لدى الشعب العراقي، والمتظاهرين، والناشطين والسياسيين والمنظمات القانونية غير الحكومية، باستخدام النظام الإيراني والميليشيات العراقية المرتبطة به التي اجتمع بقادتها قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني عدة مرات في بغداد، أسلحة مُحَرّمة في هجمات غير مبررة ويومية على المتظاهرين السلميين في ساحات وجسور بغداد، وكذلك في المحافظات الجنوبية البصرة والناصرية والديوانية والعمارة والحلة وكربلاء وحتى النجف التي تقيم فيها مرجعية السيستاني.
إلى جانب ذلك فإن المدن العراقية عرفت في هذه المظاهرات، لأول مرة في تاريخ العراق الحديث عمليات قنص المتظاهرين من أسطح العمارات، ولم تكن هذه الجرائم تُميز بين الرجال والنساء، وأغلب القنص أدى إلى وفاة الضحايا على الفور. ولجأت هذه القوات والميليشيات إلى زج عناصرها بملابس مدنية وسط المتظاهرين لتهديد الناشطين والفتك بهم أو اختطافهم بعد مغادرتهم ساحات التظاهر، كما حدث مع الناشطة الطبيبة صبا المهداوي التي تمَّت متابعتها من ساحة التحرير إلى أمام باب بيتها واختطافها من سيارتها إلى جهة مجهولة على أيدي عصابات الميليشيات المنفلتة، التي يشارك قادتها الموالون لإيران في العملية السياسية ومجلس النواب ومجلس الوزراء.
وهكذا فإن قادة الحرس الثوري الإيراني مارسوا المهمة التي تم إعدادهم لها، وهي تصدير الثورة الطائفية الإيرانية والتدخل في الشؤون الداخلية العراقية، كما فعلوا في لبنان وسوريا واليمن أيضاً. ولم تتردد القناة الفضائية الحكومية في عرض صور اجتماعات هؤلاء القادة الإيرانيين مع أقرانهم العراقيين وزعماء الميليشيات في المنطقة الخضراء، واتخاذ جملة من القرارات الصعبة التي حددها لهم قاسم سليماني في الإجهاز على المظاهرات وتصفية الناشطين بأسرع وقت ممكن فوق الجسور وفي الساحات مهما كان الثمن، كما أكدت منظمة العفو الدولية. ومن لم يلق حتفه من المتظاهرين بالقنابل المسيلة للدموع، اختنق بغاز «السارين» وأنواع أخرى من الغازات السامة التي تُسبب ضيقاً في التنفس وتشنجات عضلية وغثياناً والتقيؤ واحمرار الجلد واحتراقه وفقدان البصر لبعض الوقت، وتعرقاً شديداً وأعراضاً أخرى مؤلمة.
والأنكى من ذلك، أن مسؤولاً عسكرياً كبيراً ظهر في التلفزيون ليخبرنا أنه تم تشكيل لجنة لفحص عبوات الغاز المسيلة للدموع للتأكد من محتوياتها التي يُفترض، كما قال، أنها مجرد دخان ورذاذ فلفل!
ومعظم هذه الأسلحة الفتاكة إيرانية الصنع، كما أكدت منظمة العفو الدولية.
لقد تطورت «الهدايا» بين بعض الدول من إرسال وتجهيز إرهابيين مثل «داعش» وفيلق القدس والميليشيات العراقية والسورية واللبنانية واليمنية الموالية لولي الفقيه خامنئي إلى أسلحة مُحَرّمة، يتم استخدامها علناً أمام كاميرات الهواتف للفتك بالمتظاهرين المدنيين العزل. وهو أمر يذكرني بما فعله الرئيس الكوبي الراحل فيديل كاسترو قبل أكثر من أربعين عاماً حين أهدى الحكومة العراقية مخططاً لسجنٍ نموذجي للمعارضين. وتم تشييده فعلاً وحمل اسم «سجن الحاكمية» التابع للمخابرات العامة، وكنتُ ضيفاً عليه في يوم من الأيام... ويا ليت تعود تلك الأيام!

كاتب عراقي

(الشرق الاوسط)

 

الاحتجاجات العراقية بين

باقة وعود ومخازن رصاص

داود الفرحان

   

في بغداد، رفع المتظاهرون العراقيون شعار «شلع قلع»، وهو يعني «اجتثاث» السلطة القائمة في المنطقة الخضراء. وفي بيروت، رفع المتظاهرون اللبنانيون شعار «كلن يعني كلن»، أي إسقاط السلطة القائمة كلها.
هل كان سعد الحريري أشجع وأكثر واقعية من عادل عبد المهدي، فقدم استقالته إلى الرئيس ميشال عون أمام كاميرات التلفزيون؟ كان التوصيف الذي لاحق رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي منذ تصدر المشهد السياسي مع غيره من الوجوه الجديدة بعد 2003 وحتى اليوم؛ هو «الرجل الذي يحمل استقالته في جيبه»! لكنه حين وصل إلى النقطة في آخر السطر، رفض أن يستل استقالته من جيبه ويقدمها لرئيس الجمهورية كما فعل الحريري، وكما فعلت قبله تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا. ولعبد المهدي سابقة حُسبت له حين قدم استقالته من منصب وزير النفط، وكررها حين قدم استقالته من منصب نائب رئيس الجمهورية. وفي الحالتين هاتين، خسر عبد المهدي المنصب ولم يخسر نفسه. والدليل على صحة الجملة السابقة أن العملية السياسية حين واجهت الجدار في تسمية رئيس جديد لمجلس الوزراء بعد انتهاء ولاية حيدر العبادي، استدار السياسيون إلى «الرجل الذي يحمل استقالته في جيبه»، وكلفوه بالمهمة قبل عام مضى. وهو عام لم يستطع فيه عادل عبد المهدي أن يقدم فيه إنجازاً واحداً إلا رفع الحواجز الكونكريتية في شوارع بغداد، وبضمنها المنطقة الخضراء. كان يستخدم كثيراً حرف «السين»: سنقوم، سنفعل، سنبني، سنقدم، سنضع حدّاً، سنضرب بيد من حديد على الفساد. كان الشعب العراقي سيحمد الله ويشكر عادل عبد المهدي لو أنه نفَّذ تهديده وضرب بيد من أي معدن على الفساد الموروث منذ سنوات نوري المالكي. إلا أنه بدلاً من ذلك ضرب بعبوات الغاز المسيِّل للدموع رؤوس فتيان وشبان وشابات في عمر أحفاده؛ كانوا يرفعون شعارات إسقاط الفساد، ويريدون استرداد وطنهم المحتل من قبل الميليشيات الإيرانية، وفي مقدمتها «الحرس الثوري»، بقيادة قاسم سليماني الذي تجاوز كثيراً في دوره الراهن في العراق صلاحيات المندوب السامي البريطاني في بغداد بيرسي كوكس في أواخر القرن التاسع عشر، والحاكم المدني الأميركي بول بريمر في الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
وسواء كان رئيس الوزراء مسؤولاً عن مقتل المئات وجرح واعتقال الآلاف في أنحاء العراق خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أو أن ميليشيات منفلتة وإيرانيين متسللين، وقوات أمنية جامحة هي المسؤولة عن العنف الذي لم يسبق له مثيل، فإن عبد المهدي يتحمل مسؤولية العنف والقسوة المفرطة والأيام الدامية؛ باعتباره القائد العام للقوات المسلحة التي تنضوي تحت توصيفها عشرات التشكيلات العسكرية والأمنية، والميليشياوية الموالية لإيران، تحت لافتة «الحشد الشعبي». ولا يشفع لرئيس الوزراء أنه أدان أكثر من مرة عمليات القنص التي أودت بأرواح مئات المحتجين من الشباب العاطل والطلبة والباعة المتجولين. فمهمة القائد العام ليست الإدانة والشجب والاستنكار؛ وإنما ردع المجرمين من قناصة ورماة القنابل المسيلة للدموع الذين كانوا يتعمدون أن تكون رؤوس وصدور المتظاهرين هي الهدف. نحن هنا لا نستطيع أن نساوي بين القاتل المدجج بالسلاح والقتيل الأعزل؛ حتى من كمامة تحمي أنفه وصدره من سموم الغازات الفتاكة.
ما حدث في ساحة التحرير في بغداد والساحات الأخرى في مدن الوسط والجنوب، هو تطبيق عملي لما فعلته قوات «الباسيج» في شوارع طهران والمحمرة، من قنص الناشطين والناشطات وإرهاب الجموع التي تطالب بحقوقها المسلوبة من قبل حكومات ما بعد 2003.
هل لاحظتم أن مشاهد القسوة والعنف والاغتيالات تتكرر بالطريقة نفسها، سواء في شوارع طهران أو بيروت أو بغداد أو البصرة أو كربلاء؟ قتلة من منتسبي الميليشيات الموالية للولي الفقيه يرتدون ملابس سوداء وأقنعة، ويركبون دراجات نارية ومعهم مسدسات عادية أو كاتمة للصوت. كانت بنادق القناصة في بغداد علنية وفوق أسطح العمارات المطلة على ميادين التظاهر، وهي بنادق ليست عادية؛ فكلها من النوع الذي تستورده الأجهزة القمعية الحكومية بمناظير دقيقة وتقنية عالية ولا تخطئ الهدف. أما القنابل المسيلة للدموع فحكايتها في المظاهرات العراقية لم يسبق لها مثيل على أيدي قوات مكافحة «الشعب» وليس الشغب. وذكرت منظمة العفو الدولية، في تقرير حديث، أن هذه القنابل مصنوعة في بلغاريا وصربيا، ويبلغ وزنها عشرة أضعاف وزن عبوات الغاز المسيل للدموع التي تزن ما بين 25 إلى 50 غراماً، وهي تخترق الجماجم، ويخرج دخانها المسموم من أنوف الضحايا وعيونهم وآذانهم، كما شاهدنا في أفلام الفيديو التي تناقلها الناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي في الأيام الأخيرة! منتهى الاحتراف في القسوة والإرهاب!
ويكاد يجمع المتظاهرون على أن مطلقي هذه القنابل ليسوا من أفراد الشرطة أو الجيش؛ لكنهم ملثمون يحملون الجنسية الإيرانية، كما تبين بعد إلقاء القبض على بعضهم.
استقال سعد الحريري وذهب إلى ساحات التظاهر في بيروت، بينما عادل عبد المهدي يضع شروطاً شبه تعجيزية لتقديم استقالته التي ما زالت في جيبه كما يقول. وهو يصرُّ على أن استقالته ستؤدي إلى فراغ سياسي في البلد! ماذا تسمي إذن ما هو حاصل اليوم؟ هل هناك حكومة تسيطر على البلد؟ الأرتال العسكرية الإيرانية تدخل الحدود الشرقية من مدينة خانقين، وفرض محافظ ديالى منع التجول في المحافظة لكي تمر هذه الأرتال بسلام إلى بغداد، والحكومة والميليشيات والأحزاب الموالية لإيران تردد حكاية «السيادة» كلما جاء ذكر الولايات المتحدة وبعض الدول العربية؛ لكنها لا تعترض على اختراق الحدود العراقية من قبل القوات الإيرانية؛ بل إن رئيس الوزراء نفسه أصدر أمراً إلى الجيش العراقي بالانسحاب من مدينة خانقين، وإحلال «الحشد الشعبي» مكانه زيادة في تأمين دخول الأرتال الإيرانية بلا جوازات سفر و«لا إحم ولا دستور»! أكثر من ذلك أن قاسم سليماني يترأس اجتماعات سياسية وأمنية وحشدية داخل المنطقة الخضراء لفض الاعتصامات الاحتجاجية بكل قوة.
على أي حال، المشكلة ليست في موعد تقديم عادل عبد المهدي استقالته؛ لكنها في إصرار وتصميم المتظاهرين الشباب على شعار «شلع قلع»، أي إسقاط النظام كله الذي رهن نفسه لخدمة أطماع النظام الإيراني الإرهابي. لم يعد لدى العراقيين وقت يضيعونه بين باقات وعود من قبل رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية، ومخازن رصاص، وقنابل القناصة والميليشيات الإيرانية، وقاسم سليماني الذي صار عنوانه شبه الدائم: بغداد – المنطقة الخضراء... وشكراً لساعي البريد!

كاتب عراقي

(الشرق الاوسط)

 

العراق

 ومحنة الميليشيات

داود الفرحان

 

بعد أربع سنوات من اختطاف أكثر من خمسة وعشرين ألف رجل وطفل من المحافظات السنية في العراق، واقتيادهم من قبل ميليشيات «الحشد الشعبي» إلى معتقلات سرية غير خاضعة للسلطات الحكومية، بدأت الحقيقة تظهر إلى العلن، ووصلت إلى أسماع الأمم المتحدة. هذه جريمة إبادة إنسانية تستدعي تدخلاً أممياً واسعاً وفورياً لإنقاذ من يمكن إنقاذه من تلك الآلاف التي لا يعرف أحد مصيرها.
كل الذي يُشاع ويُتداول بين السياسيين وأهالي المخطوفين وبعض المنظمات الإنسانية أن آلاف المغيبين والمختطفين تم نقلهم إلى منطقة «جرف الصخر» الريفية، التابعة لمحافظة بابل، وسط العراق. وهذه المنطقة نُكبت في عهد رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، حين تم تهجير سكان كل قراها بحجة «البحث عن الإرهابيين»، وحماية بغداد من امتدادات «تنظيم الدولة» الغاشم. لكن مرّت السنوات من دون أن تعطي الحكومة العراقية أي أمل للناس المُهجرين بالعودة إلى ديارهم وبساتينهم بعد سقوط «داعش».
العكس هو الذي حصل؛ إذ استولت الميليشيات الإيرانية على المناطق المستباحة كلها، وأعلنت أنها منطقة خارج سيطرة الحكومة. وتم تحويلها إلى قلعة حصينة، وأنفاق تحت الأرض، لمختلف أنواع الأسلحة الأميركية والإيرانية، من الدفاعات الجوية إلى القذائف والألغام والأسلاك الشائكة والجدران المكهربة، ومستشفيات مشبوهة. مساحات شاسعة لا تشملها أي قوانين عراقية، ولا تعترف بأي هويات غير هوية «الحشد الشعبي»، ولا تأذن بدخولها إلا لقادة «الحشد». ووصل الأمر إلى منع وزير الداخلية السابق، وهو عضو قيادي في «منظمة بدر»، أكبر فصائل ميليشيات «الحشد»، من دخول المنطقة.
الآن، نسمع أن هناك فريقاً من الأمم المتحدة وصل إلى العراق، وسيقوم بدخول المنطقة المحرمة للبحث عن المفقودين والمختطفين والمغيبين، بعد أن قدمت ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة، جنين بلاسخارت، تقريراً إلى المنظمة الدولية لم تُعرف تفاصيله. لكن هذا الأمر لن يتحقق، فلن يدخل المنطقة أي زائر أو محقق إلا بموافقة طهران حصراً. وطهران لا توافق على الإطلاق، فهذه قاعدتها الرئيسية في العراق، خلال أي حرب أميركية أو إسرائيلية ضد إيران. وفي النية، كما قال أحد الخبراء، تجهيزها بحائط صواريخ روسي دفاعي من طراز «إس 300» أو «إس 400».
قامت منظمات إنسانية وحقوقية، وقيادات سنية عراقية، بإصدار بيانات وتصريحات تطالب فيها بكشف أسرار هذه «الدائرة الخفية»، لمعرفة مصير آلاف المختطفين الأبرياء الذين يقوم «الحشد» بين فترة وأخرى بنقل جثث المتوفين منهم تحت التعذيب خارج المعتقل الغامض إلى المدافن.
المفترض أن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي هو القائد العام لـ«الحشد الشعبي»، بصفته القائد العام للقوات المسلحة. ومع كل الضجة والاستنكار والضغط المحلي والأممي، فإنه يجد صعوبة في التحرك حتى الآن، وهذه المشكلة الشائكة أكبر بكثير من صلاحيات رئيس الجمهورية، لكنها تحتاج إلى دعمه لفرض سيادة الدولة على هذه الأرض.
ولا يخفي العراقيون قناعتهم بأن الجهة الوحيدة التي تستطيع اقتحام أسوار هذه «المحمية»، وكشف أسرارها، ومعرفة مصير المختطفين والمغيبين، هي الولايات المتحدة الأميركية. ويرسم العراقيون لوحة «خيالية» عن إنزال جوي، وتقدم بري أميركي، وطائرات درون وصواريخ، للسيطرة عليها، واعتقال من فيها من فصائل «الحشد» وأطباء التشريح والسجانين وفرق التعذيب العراقية والإيرانية.
حتى الآن، المأساة لم تصل إلى نهاية الفيلم. فالقضاء العراقي ما زال يناقش الوسائل الممكنة لمعرفة مصائر المفقودين، والإجراءات القانونية لدخول المحققين إلى المنطقة «المحرمة»، والحكومة بصدد تشكيل لجان لجمع المعلومات والشكاوى، وهي خطوات وإجراءات قد تستغرق دهراً كاملاً، تضيع فيه دلائل الوقائع والأسماء والشهود، وتتوزع الدماء بين فصائل «الحشد الشعبي»، فلا يصل أحد إلى أي نتيجة، ويتم تسجيلها «ضد مجهول»!
ونقلاً عن خبراء عسكريين عراقيين، فإن ميليشيات الخطف هي «النجباء» و«سيد الشهداء» و«حزب الله» و«العصائب» و«الخرساني»، وكلها كانت قد شاركت في الحرب السورية، تحت سيطرة «فيلق القدس»، وقيادة قاسم سليماني.
الخبر المؤكد أن حكومة عبد المهدي عاجزة عن حل هذه المشكلة، وهي أساساً فشلت في دمج «الحشد الشعبي» في القوات المسلحة في موعد أقصاه 30 يوليو (تموز) الماضي. وهدد بعض النواب علناً بتدويل القضية. والتدويل، بالتفسير العراقي غير الحكومي، هو الاستعانة بالولايات المتحدة لاقتحام منطقة «جرف الصخر»، وتطهيرها من الميليشيات، وإطلاق سراح المغيبين والمختطفين، وكشف مصير المفقودين، وإحالة المجرمين إلى القضاء. أما الأمم المتحدة، فهي أكثر عجزاً من حكومة عبد المهدي، والدليل على ذلك أنها لم تستطع منذ عام 2014 العثور على 276 طالبة نيجيرية اختطفهن تنظيم «بوكو حرام» الإرهابي.
الميليشيات الطائفية العراقية ولاؤها الكامل لولاية الفقيه خامنئي، وهي خارجة عن القانون. وفي كل يوم يمرّ، تزداد محنة أهالي الضحايا، وسط صمت دولي رهيب.

كاتب عراقي

 

مراوغة النظام

الإيراني وحيله المخادعة

 

داود الفرحان

الخبث الإيراني يسعى إلى تصوير المملكة العربية السعودية كأنها دولة تدعو إلى الحرب على إيران. الكل يعلم أن السعودية ودول الخليج عدا إيران لا تريد أي حرب جديدة في المنطقة، وهي لم تكن لتتدخل في حرب اليمن ضد المتمردين الحوثيين لولا أن الميليشيات اليمنية الطائفية الموالية لإيران تمثل خنجراً في الظهر لا يمكن الاطمئنان إليه، ولا يمكن أيضاً اعتبار الانقلاب اليمني على الشرعية، المدعوم من إيران علناً، أمراً داخلياً يمنياً يمكن تجاوزه أو التعايش معه.
اللافت أن النظام الإيراني الحالي هو الذي يدعو إلى الحرب، ويستفز دول الخليج العربي، بهدف ضرب أي هدف إيراني بحري أو جوي أو بري، ليكون ذلك مفتاح الحرب أو الزر الأحمر. بل إن طهران سحبت ساق الولايات المتحدة إلى اختبار عملي أو استعراض قوة ميداني، لمعرفة ردود أفعالها بعد تفجير واحتجاز سفن وإسقاط طائرة «درون» أميركية، وصولاً إلى قصف «أرامكو». وهي تريد فعلاً الحرب، لأن النظام الإيراني يقتات على الحروب والتدخل في أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان واليمن، وعملائه في البحرين، وهنا وهناك.
لنعد بذاكرتنا إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي، بعد عام واحد من مجيء حكم الخميني وسقوط النظام الشاهنشاهي. بدأ النظام الجديد عهده بالإعدامات والتصفيات وأزمة السفارة الأميركية، واستفزازات عسكرية على طوال الحدود العراقية، بلغت ذروتها بحرب بين البلدين، استمرت 8 سنوات، رفض الخميني خلالها عشرات الدعوات العراقية والوساطات الأجنبية لوقف الحرب وإجراء مفاوضات لإطلاق سراح الأسرى وإقامة علاقات حسن جوار.
ستستمر إيران الملالي بهذا النهج؛ فالسلام واستقرار إيران يؤديان إلى سقوط النظام، والبديل الوحيد لمنع سقوطه هو الحرب. الخروج من حرب إلى أخرى. وكلها خارج الحدود في العراق وسوريا ولبنان واليمن والساحل العربي من الخليج وأفغانستان. والميليشيات الإيرانية والخلايا النائمة في هذه الدول هي المخالب التي تعتمد عليها المؤسسة الدينية الحاكمة في «الجمهورية الإسلامية».
ولا شيء يدفع إيران إلى التمادي في عملياتها العدوانية أكثر من تخبط التصريحات الأميركية، سواء من قبل الرئيس ترمب أو وزير خارجيته بومبيو، التي تحولت بين ليلة وضحاها من «تدمير إيران» إلى «لا نريد الحرب»! وفي أحد تصريحات ترمب، قال: «أستطيع إعطاء أمر بضرب 15 موقعاً في إيران، لكني لن أستعجل». ولا يقول للناس ماذا ينتظر.
إلى هؤلاء الذين ينقصهم بُعد النظر؛ نؤكد أن إيران نظام آيديولوجي طائفي متطرف، يعتبر أي دولة لا تؤيده معادية. وهي تستبيح كل أراضي دول الجوار، وتفتخر بذلك. وقال رئيس جمهوريتها، حسن روحاني، إن بلاده «تفتخر بامتداد نفوذها من ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى الهند». وإذا كان القرنان التاسع عشر والعشرون شهدا «المرحلة الاستعمارية» المعروفة، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد «المرحلة الفارسية» الطائفية و«المرحلة الإسرائيلية» التوسعية، وكلتاهما تستخدم الدين لتحقيق أهدافهما. ومن سوء حظ العرب أنهم ابتلوا بكل هذه المراحل.
إذا استمر الحال على ما هو عليه في البيت الأبيض، فإن إيران ستتمادى إلى آخر احتمال في إشغال العالم بهذه الأزمة، بينما تستكمل سراً برنامجها النووي، الذي لم يتوقف لحظة واحدة طوال سنوات الاتفاق الذي ألغاه ترمب. لن تتراجع طهران عن سياسة حافة الهاوية، فهي سياسة مريحة لها داخلياً وخارجياً، ومرهقة لدول المنطقة.
مخطئ من يظن أن الدول العربية المعنية تدعو الولايات المتحدة إلى القتال دفاعاً عنها. فالدول العربية لا تريد الحرب أساساً، لكنها لا يمكن أن تقبل باستمرار العدوان الإيراني المنفلت بلا رادع ولا قانون دولي.
كان مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، جون بولتون، الذي أقاله ترمب مؤخراً، قد صرح في لقاء أداره معهد غيتستون في نيويورك قبل أيام: «إن قرار ترمب الامتناع عن شنّ ضربات عسكرية على إيران رداً على إسقاطها طائرة مسيرة أميركية قبل شهرين، شجّع إيران على تفعيل عدوانها في الفترة اللاحقة». وأضاف: «إنه لولا رفض الرئيس الأميركي خطة الخيار العسكري بعد إسقاط الطائرة الأميركية لما قامت إيران باستهداف منشآت (أرامكو السعودية)».
نحن نعلم أن الرئيس الأميركي يقرأ أخبار الاعتداءات الإيرانية، وعيناه على موعد التجديد الرئاسي. لكن من قال لترمب إن المطلوب شنّ حرب لاحتلال إيران، كما فعل الرئيس الأميركي الأسبق بوش الابن في احتلال العراق؟ كانت حرب العراق خطيئة تاريخية ودرساً لا يمكن أن ينساه أي رئيس أميركي. وبالتأكيد يعرف ترمب أكثر من غيره أن الاحتلال الأميركي هو الذي سَلّم العراق للإيرانيين وعملائهم من ميليشيات قاسم سليماني.
أخيراً، حين تشارك الولايات المتحدة في الدفاع عن السلام العالمي فهي تدافع عن مصالحها، وإلا فما الذي دعا الرئيس ترمب إلى تجشم عناء السفر إلى الشرق الأقصى لمقابلة رئيس كوريا الشمالية؟ وما الذي دعا الولايات المتحدة إلى إقامة قواعد لها في مختلف دول العالم، من تركيا وقطر والعراق وكوريا الجنوبية واليابان وألمانيا إلى غوانتانامو في كوبا؟!
بالتأكيد، إنها ليست قواعد سياحية.

 

 

(القاعات الخالية)

... مشكلة عربية

 

داود الفرحان

كنا مجموعة من الكتاب والصحافيين خلال الحرب العراقية - الإيرانية مع وزير إعلام عراقي سابق في شبه مؤتمر. افتتح الوزير الجلسة بكلمة عن دور المثقفين لتحقيق هدف «القلم والبندقية فوهة واحدة» قال فيها: «أريد مؤتمراً لا ينظر فيه أحد إلى ساعته». وبعد ساعتين من «الحقيقة والواقع» و«الظروف الخطيرة التي تمر بها الأمة أكثر من أي وقت مضى» و«التحديات الزمكانية» و«الإرهاصات الملتوية في خضم الصيرورة» بدأ بعضنا يتنحنح ويتثاءب وينظر في ساعته!
من المؤكد أن أكثر القراء يتذكرون الآن ظروفاً مشابهة ومؤتمرات واجتماعات مملة وثقيلة يكرر المتحدث ما قاله الذي تحدث قبله.
الأسوأ من هذه الاجتماعات، تلك التي لا يحضرها إلا عدد محدود من المدعوين الذين يكتفون بالاستماع إلى المحاضر من دون أي مناقشة، أو الشخير أو تقليب «الواتساب».
إنها ظاهرة لافتة للأنظار في مؤتمرات علمية وأدبية واقتصادية واجتماعية صارت تطلق عليها تسمية «القاعات الخالية».
وأتيح لي أن أحضر قبل سنوات في مدينة الإسكندرية احتفالية بمئوية أمير الشعراء أحمد شوقي نظمتها مكتبة الإسكندرية لم يحضر جلستها الافتتاحية سوى ثلاثة شعراء عرب من فلسطين والعراق والكويت وأعضاء الهيئة المنظمة للاحتفالية ونحو مائتي طالب وطالبة من طلبة جامعة الإسكندرية!
وللحقيقة والتاريخ فقد حضرها أيضاً أحد الممثلين الكوميديين المصريين الذي انفرد خلال إلقاء القصائد بالإدلاء بتصريحات للقنوات الفضائية عن أدواره السينمائية والتلفزيونية الثانوية، وتطوعت إحدى الممثلات المحجبات لإلقاء بعض قصائد شوقي مع إضافة ما يلزم من أخطاء نحوية شنيعة اغتالت جميع أخوات إن وكان... لسوء سلوكهن ربما.
بمعنى آخر: إن الحاضرين من الأدباء لم يكن يتجاوز العشرين شاعراً وناقداً وصحافياً، أما الباقون فهم «كومبارس» للتصفيق والإيحاء بأن الاحتفالية شهدت حضوراً مكثفاً من الجيل الجديد. والذنب طبعاً ليس ذنب مكتبة الإسكندرية التي تبنت الاحتفالية ولا ذنب الهيئة المنظمة التي بذلت الكثير أدبياً ومادياً لإنجاحها، لكن المشكلة في الأدباء الذين وجهت لهم الدعوات ولم يحضروا. وإذا كانت الإسكندرية بعيدة بعض الشيء عن العاصمة (ساعتان بالقطار)، فإن الظاهرة نفسها موجودة في القاهرة ولاحظتُها مراراً في احتفاليات وندوات ومؤتمرات ومحاضرات كانت قاعاتها شبه خالية، بينما كانت قاعات المطاعم التي تقام فيها ولائم هذه الفعاليات مليئة بعابري السبيل الذين يجدون فيها طعاماً شهياً مجانياً.
وكانت وزارة الإعلام العراقية تلجأ في دورات مهرجان المربد الشعرية إلى إلزام موظفي الوزارة بحضور جميع الجلسات وإلا تعرضوا للعقاب، لكن الوزارة منعت الموظفين المساكين من دخول مطاعم المربد المخصصة للضيوف العرب والأجانب، ومئات المتطفلين الذين لا يهمهم من مهرجان المربد إلا الثريد.
على أي حال الأمر ليس محصوراً بالأدباء فقط، فالقاعات الفارغة موجودة في المؤتمرات والندوات العلمية أيضاً. ويذكر المحرر العلمي لصحيفة «الأهرام» جمال محمد غيطاس أن أحد كبار علماء العالم في المعلوماتية والحاسبات وقف قبل سنوات قليلة لإلقاء محاضرة رفيعة المستوى في قاعة المؤتمر العلمي السنوي المصري للاتصالات والحاسبات الذي يشرف عليه المعهد الأميركي لمهندسي الإلكترونيات والكهرباء، ولكنه لم يجد أحداً في القاعة، فاضطرت إدارة المؤتمر إلى إلغاء المحاضرة، والاعتذار بخجل للعالم الكبير الذي جاء إلى مصر بعد جهود مضنية بذلها عدد من علماء مصر المغتربين لإقناعه بترك أعماله، والسفر إلى مصر على نفقته الشخصية لإلقاء المحاضرة التي ألغيت. أما بقية جلسات المؤتمر فكانت نسبة الحاضرين ممن وجهت لهم الدعوات لا تزيد عن عشرين في المائة مقابل ثمانين في المائة من الأجانب.
وفي مناسبة أخرى شارك أكثر من 400 من صفوة الخبراء والمختصين الأجانب في المؤتمر السنوي للمنظمة العالمية لقواعد البيانات الذي عقد في القاهرة. وتكرر الموقف نفسه، إذ بدت القاعة شبه خالية إلا من الأجانب، بينما اهتم أهل الدار بالضيافة وتنظيم رحلات سياحية إلى الأهرامات وخان الخليلي وبواخر النيل و«نورت مصر».
وفي إحدى المرات جاء إلى القاهرة الدكتور جونج كيم رئيس مختبرات «بل» الأميركية لأبحاث الاتصالات لإلقاء محاضرة عن «المنافسة والنمو الاقتصادي والابتكار والتجديد»، ولم يجد الرجل في القاعة سوى ثلاثين شخصاً معظمهم من موظفي الشركات الذين حضروا ليقال إن شركاتهم مهتمة بالابتكار والتجديد. وتوقع المحاضر أن يسمع من الحاضرين أسئلة عن الموضوع إلا أن ذلك لم يحدث.
واضطر مسؤول مصري في مناسبة أخرى إلى الاعتذار علناً من الأجانب لضعف المشاركة المصرية في المؤتمر الدولي للدراسات العامة لصناعة تكنولوجيا المعلومات الذي عقد في القاهرة، فقد ظلت القاعات خالية من المشاركين المحليين طوال أيام المؤتمر.

كاتب عراقي

(الشرق الاوسط)

 

تجربة إنسانية

 في عالم متوحش

 

داود الفرحان

   

كثيرون يقولون إن اليابان كوكب آخر غير الكرة الأرضية. وحين زرت هذا البلد البعيد في أقصى الشرق قبل أكثر من 30 عاماً لم تكن معلوماتي عنه تتعدى أن هذا البلد خسر الحرب العالمية الثانية بسبب القنبلتين الذريتين اللتين ألقتهما طائرتان أميركيتان على مدينتي هيروشيما وناكازاكي، ما دفع إمبراطور اليابان هيرو هيتو إلى إعلان الاستسلام أمام قوات الاحتلال الأميركي في 2 سبتمبر (أيلول) 1945.
في السبعينات والثمانينات بدأت السيارات اليابانية تتدفق إلى الشوارع العربية، ومنها العراق. واستطاعت هذه السيارات إزالة السمعة السيئة عن السلع القديمة التي تحمل شعار «صنع في اليابان»، حتى إننا كنا نطلق على أي صناعة رديئة من أي جنسية تعبير «جاباني»... أي ياباني!
سمعنا أيضاً عن المصارعة اليابانية وملابس الكيمونو والساموراي، وشاهدنا مسلسلاً تلفزيونياً يابانياً وحيداً يحمل اسم «حافات المياه» يروي قصصاً عن قُطّاع الطرق وصراع الإرادات بين القبائل في بلاد الشمس المشرقة. ورسمنا في أذهاننا لوحات عن الحياة في ذلك البلد ذي الطقوس الخاصة والكتابة المميزة والمجتمع الذي تزيد فيه نسبة المعمرين عن الأطفال.
بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، بحث جنود الاحتلال الأميركي عن بيضٍ لإعداد فطور الصباح للجنرال دوغلاس ماكارثر القائد الأعلى لقوات الاحتلال، فلم يعثروا على بيضة واحدة. لقد ضربت المجاعة البلاد لسنوات كثيرة بعد الحرب. ثم تحولت اليابان من دولة زراعية إقطاعية حربية إلى دولة عصرية مسالمة يُضرب المثل في علاقاتها الاجتماعية الراسخة المبنية على احترام الصغير للكبير في البيت والشارع والمصنع وقطارات المترو. وهي تجربة ناجحة بدرجة امتياز وتستحق أن نفهمها جيداً في هذا العالم المتوحش.
إليكم هذا الدرس باللغة اليابانية... جرت العادة في كثير من الشركات اليابانية أن يختار المنتسبون في كل أسبوع شعاراً معيناً يعملون في ضوئه، مثل «إنتاج أكبر من خلال الجهد الجماعي» أو «سمعة الشركة تهمنا جميعاً»، وخلف مثل هذه الولاءات القوية للجماعة تكمن أسرار النجاح الصناعي الذي تفتخر اليابان به.
من مميزات المدير الياباني أو رئيس الشركة أنه إذا أدَّت سياسته إلى فشل الشركة أو خسارتها، أو إذا ألحق أضراراً بها بسبب فضيحة مالية أو شخصية، فإنه يمتلك الشجاعة الكافية التي تؤهله لأن يقف أمام منتسبي الشركة ويعترف بتقصيره علناً. وهو لا يطلب العفو والمغفرة ونسيان الماضي، ولا يبحث عن أعذار لتسويغ الفشل، ولا يفتش عن شماعة أو كبش فداء، ولا يردد كلمات زئبقية مبهمة من نوع الظروف والمستجدات والصيرورة والكينونة! لكنه يحترم نفسه والآخرين، فيتحمل المسؤولية كاملة ويقدم استقالته على الفور... أو تصعد الغيرة لديه فتدفعه إلى الانتحار!
واليابانيون في هذا لا يشبهون مجتمعات أخرى، يفشل فيها المدير أو رئيس الدائرة وتكثر فضائحه ويزداد اللغط حول تصرفاته وسوء استعماله للسلطة وسهرات الليل «الحضارية» التي يعقدها تحت شعار «من طلب العلا سهر الليالي» فيتصور الناس أنه سيطرد من وظيفته، إلا أنهم يفاجأون بصدور أمر بترقيته إلى منصب وكيل الوزارة أو بتعيينه مديراً عاماً لدائرة أخرى بالوكالة، إضافة إلى منصبه! ليس هذا فقط، ولكنه يكافأ أيضاً بسخاء على خدماته «الجليلة» التي أدت إلى ضياع الفلوس وتراجع الإنتاج وتذمر الموظفين والناس واستشراء الفساد!
والمدير الياباني ليس مديراً من وراء الكواليس أو الكوابيس، لكنه جزء من النشاط المقرر للدائرة أو الشركة، فالسيد «توياما» وهو مدير أحد مصانع السيارات اليابانية، يبدأ يومه بقراءة التقارير الإدارية والفنية من النوبة الليلية عن أي مشكلات في السيطرة النوعية على الإنتاج، ثم يعقد اجتماعاً مع مساعديه من فريق السيطرة لمناقشة التقارير واقتراح الحلول وإبداء الملاحظات. وهذا النوع من الاجتماعات يتميز بالديمقراطية الحقيقية وحرية الرأي والرأي الآخر وحق الاعتراض من دون أي ضغوط أو هراوات أو مارشات عسكرية. ويقضي السيد توياما كثيراً من يوم عمله على أرض المصنع، يتابع ويراقب ويرشد ويسأل ويشكر. وهو يبتسم طوال الوقت، لأنه يعتبر الابتسام دليلاً على الثقة في النفس و... اضحك تضحك لك الدنيا! والدنيا تضحك كثيراً لليابانيين، لأنهم يعرفون قيمة الحياة وقيمة العمل وقيمة الوقت، ويا ليتها تضحك لنا.
وتوياما ليس رئيساً فقط لمنتسبيه، ولكنه صديق لكل منهم، ويتعاملون معه كأب أو أخ كبير. وهم يطلبون توجيهاته في العمل مثلما يطلبون مشورته في قضاياهم الشخصية وعلاقاتهم العاطفية. وهو لا يمانع أن يكون وسيطاً لترتيب إجراءات زواج أحد منتسبيه من زميلة له في المصنع أو من خارج المصنع. وهو ضيف الشرف في حفلة الزواج، وأول من يسمع عن أي خلاف عائلي بين الزوجين بعد انتهاء شهر العسل! وحين تعلن مذيعة الإذاعة الداخلية في الشركة عن موعد تناول وجبة الغداء، فإن توياما لا يتوجه إلى قاعة خاصة بالمديرين، لكنه يذهب إلى القاعة الكبرى؛ حيث يجلس جنباً إلى جنب مع منتسبيه، يأكل مما يأكلون، ويشرب مما يشربون، ويشاركهم الضحك من النكتة التي تقول إن أجنبياً زار اليابان وأدهشه كثيراً أن أطفال اليابان يعرفون القراءة والكتابة باللغة اليابانية! أما في غير اليابان فإن الموظفين يأكلون مع الموظفين، والعمال «يلفطون» مع العمال، والمديرين يضربون بالعشرة مع المديرين! وبعد العمل تستمر العلاقات الشخصية في حانات الساكي والمطاعم الشعبية حتى في منزل توياما؛ حيث تجري مناقشة أحدث وسائل السيطرة النوعية على مائدة يابانية تقليدية يتصدرها الرز والسمك وشوربة الأعشاب البحرية!
وبالنسبة لليابانيين، فإن لعلاقة أي فرد منهم مع الجماعة أهمية قصوى في حياته الخاصة والعائلية. إنها خليط بارع من العادات الاجتماعية اليابانية التقليدية، متمازجة مع التقنية المتطورة، لتشكل اليابان الحديثة؛ التجربة الفريدة التي تستحق الدراسة والاستفادة، بعيداً عن التجارب الغربية التي علّمت البعض أن يمشي مثل الغربان، فلا هو صناعي ولا هو زراعي، لا هو رأسمالي ولا هو اشتراكي، لا هو نفطي ولا هو تمري، لا هو أفندي ولا هو مجلبب، لا هو هامبرغري ولا هو كوارعي، لا هو شبابي ولا هو شيابي، لا هو ماكسي ولا هو ميني، لا هو هنا ولا هو هناك.
...
في الحقيقة نحن هنا... وهم هناك!

كاتب عراقي

(الشرق الاوسط) لندن

 

سياسة أم كلمات متقاطعة؟

داود الفرحان

 

أمر جميل أن تكون الكلمات المتقاطعة من بين هوايات الزعيم أو الرئيس أو السياسي إلى جانب هوايته المفضلة في تقديم الوعود للمواطنين بلا تنفيذ. وأجمل من ذلك أن يستعين بزعيم أو رئيس أو سياسي آخر من داخل حدود بلده أو خارجها لحل كلمة مستعصية. فما المانع أن يتصل الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب هاتفياً بالرئيس الإيراني حسن روحاني ليعرف منه ما هو اسم عاصمة إيران؟ أو يتصل الرئيس الفرنسي الحالي ماكرون بالرئيس الفرنسي السابق ساركوزي ليسأله عن اسم ممثلة فرنسية معتزلة من 11 حرفاً أولها «باء».
يعشق ملايين في أنحاء العالم هواية حل الكلمات المتقاطعة، لأنها تنشط الذاكرة وتضيف للمرء معلومات جديدة في التاريخ والجغرافيا والآداب والفنون والعلوم والرياضة والسياسة والاقتصاد. وازدادت أهمية هذه اللعبة مع تأكيد الأطباء أنها تساعد المخ في مواجهة انقراضه التدريجي كلما تقدم الإنسان في السن، فهي تساعد في مواجهة فقدان الذاكرة «الزهايمر»، وربما تمنعه أو على الأقل تخفف ثأثيره.
ومنذ سنوات حدث تطور مهم في هذه اللعبة، إذ دخلت مجال التخصص؛ فالصحف الاقتصادية تنشر كلمات متقاطعة متخصصة في القضايا الاقتصادية والتجارية، والصحف الرياضية تنشر كلمات متقاطعة عن الألعاب واللاعبين والمسابقات، بينما تخصص المجلات الفنية كلماتها المتقاطعة لمعلومات عامة عن السينما والموسيقى والمسرح. حتى الصحف والمجلات الساخرة دخلت على الخط فابتدعت كلمات متقاطعة ساخرة. إلا أن هذا النوع الأخير من الشبكات ليس محصوراً في المجلات الساخرة، فقد دخلت على الخط صحيفة «نيويورك تايمز» وبدأت في عام 2007 تنشر شبكة كلمات متقاطعة ساخرة. إلا أن الخبر الأهم هو أن مُعدّها لم يكن بيل شورتز أشهر من يكتب الكلمات المتقاطعة الجادة، لكنه الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون! وقدمت الصحيفة لهذه الكلمات في حينه بسطرين كتبهما بيل شورتز قال فيهما: «إن مفاتيح الحل في هذه الشبكة من الكلمات المتقاطعة فيها من التورية اللفظية أكثر مما في الشبكات العادية. ونحن نحذرك!». أمر عادي أن يمضي الرئيس السابق كلينتون بعض أوقات فراغه في حل الكلمات المتقاطعة، ولكنه أمر استثنائي أن يعدّ بنفسه شبكات طريفة وساخرة تنشر في أهم وأكبر صحيفة أميركية؛ مما دعا المذيعة التلفزيونية الشهيرة أوبرا وينفري لعرض حلقة خاصة عن كلمات كلينتون المتقاطعة، اتسمت بالترفيه والتفاعل.
ومعروف عن كلينتون أنه يهوى حل الكلمات المتقاطعة منذ أن كان رئيساً للولايات المتحدة، حيث كان يمارسها في البيت الأبيض كلما فكر بقصف العراق قبل أن يتورط في فضيحة مونيكا. ومن المؤكد أن هناك رؤساء وزعماء آخرين في العالم يمارسون هذه الهواية، أقصد الكلمات المتقاطعة، وبين هؤلاء الملكة البريطانية إليزابيث الثانية وزوجها دوق أدنبرة اللذان وجدا في هذه اللعبة قتلاً لوقت فراغهما الطويل. وأشهر رئيس عربي في حل ألغاز هذه اللعبة كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
من المعلومات التي نشرتها الصحف عن هذه اللعبة أنها استخدمت لنقل معلومات سرية خلال الحرب العالمية الثانية. ووزعت وزارة الدفاع الأميركية على جنودها خلال تلك الحرب كتيبات كلمات متقاطعة لرفع معنوياتهم في أوقات الهدنة والاسترخاء. وتصل إلى الجنود الأميركيين في العراق أو أي مكان آخر بانتظام صحف ومجلات تتضمن في صفحاتها شبكات للكلمات المتقاطعة يتسلون بحلها كلما نشرت الصحف تغريدة للرئيس ترمب يهدد فيها إيران بالحرب. وقد يسر الإنترنت المهمة مؤخراً بتصميم تطبيقات لشبكات الكلمات المتقاطعة تجدها الآن على هاتفك الجوال.
نعود إلى التاريخ قليلاً: يعتبر الصحافي البريطاني آرثر وين هو «مخترع» الكلمات المتقاطعة، وأول من أدخلها إلى الصحافة حين نشر أول شبكة في ديسمبر (كانون الأول) 1913 في صحيفة «نيويورك وورلد». وفي بداية نشر اللُعبة قللت الصحف المنافسة من أهميتها وتأثيرها، واعتبرتها مضيعة وقت وغير ثقافية، ورفضت نشرها، حيث اعتبرت «نيوريوك تايمز» الكلمات المتقاطعة أمراً تافهاً وعابراً. كما أطلقت «التايمز» البريطانية عليها صفة «الجنون المؤقت»، زاعمة أن هذا «الجنون» لا يخدم هدفاً مفيداً على الإطلاق، وأنه ظاهرة وصيحة مؤقتة ستنتهي قريباً.
وفي عام 1925 عُرضت على مسرح برودواي الأميركي الشهير مسرحية هزليّة ساخرة ظهر في أحد فصولها هواة الكلمات المتقاطعة مرضى في مصحّة! وفي نفس العام بدأت قطارات الركاب الأميركية بوضع قواميس مجانية في جميع العربات لتسهيل حل المربعات، ثم أصبحت تبيع هذه الخدمة.
عربياً، دخلت الكلمات المتقاطعة إلى صحافتنا في النصف الثاني من القرن العشرين. وكانت مجلة «الشبكة» الفنية التي تصدرها دار الصياد أول مجلة عربية تخصص صفحة كاملة أو أكثر لأكبر شبكة كلمات متقاطعة أسبوعية. لكنها كانت تهتم بالمعلومات الفنية مثل الأغاني والأفلام والمسرحيات ونجوم الفن. وبدأت بعد ذلك الصحف اللبنانية اليومية بنشر المربعات العامة. تلتها الصحافة المصرية والخليجية. لكن السياسة لم تستطع فرض نفسها على الكلمات المتقاطعة لسببين: أولهما أن أكثر المهتمين بحل هذه الكلمات قراء لا علاقة لهم بالسياسة وسياسيين ملّوا من السياسة، وثانيهما أن تصريحات السياسيين من نوع ندد وشجب وأدان وأعرب عن قلقه والضوء في آخر النفق والخط الأحمر وعنق الزجاجة والضرب بيد من حديد وفي الحقيقة والواقع والصمود والتصدي وأذناب الاستعمار وفلول النظام، صارت أسطوانة قديمة ومشروخة ولا أحد يشتريها بفلس واحد. أما تغريدات ترمب فهي كلمات متقاطعة بحد ذاتها تفسرها البلابل كما تشاء. لكن الصحافة العراقية ابتدعت مؤخراً شبكة جديدة غير الكلمات المتقاطعة اسمها «شبكة التصريحات المتقاطعة».
بعد هذه «الدردشة» من المفيد أن نتسلى بهذا النموذج:
اسم سفينة إيرانية احتجزتها بريطانيا. اسم سفينة بريطانية احتجزتها إيران. اسم سفينة إيرانية أطلقتها بريطانيا. اسم سفينة بريطانية ستطلقها إيران. اسم الحرب التي سيشنها ترمب، إذا شنها، على إيران. للعلم: «أم المعارك» هي التي خاضها العراق و«أم الحروب» هي التي تهدد بها إيران الولايات المتحدة و«أم علي» من ألذ الحلويات المصرية.
حين أراد الصحافي الفلسطيني توفيق الحاج وصف ما يحدث في عالم السياسة اليوم قال: «نحن في زمن الكلمات المتقاطعة».

كاتب عراقي

 

 

الكلمة الآن للرفيق ستالين

داود الفرحان

كان جوزيف فيساريونوفيتش ستالين تلميذاً مخلصاً لكارل ماركس وفلاديمير لينين مؤسسي الحركة الشيوعية العالمية. ويعني اسم ستالين باللغة الروسية «الرجل الفولاذي أو الحديدي» وهو المؤسس الحقيقي للاتحاد السوفياتي في عشرينات القرن الماضي. ولد جوزيف في عام 1878، وتوفي في عام 1953، وهو من جورجيا. وظل في منصبه رئيساً للاتحاد السوفياتي والسكرتير العام للحزب الشيوعي من عام 1922 إلى عام 1953 حين توفي.
كانت بدايته صحافياً في صحيفة «برافدا» وانتهى زعيماً عالمياً. لكن بعد وفاته انقلب عليه رفاق الأمس. قال رئيس الوزراء السوفياتي الراحل نيكيتا خروشوف، الذي كان حاضراً أمام سرير ستالين ساعة وفاته، إنه ورفاقه ظلوا واقفين وجالسين حول جثمان ستالين في غرفته 3 أيام متتالية، ولا يجرؤ أحد منهم أن يعلن نبأ وفاة الزعيم، خشية أن يستيقظ من الموت ويعود إلى الحياة! وكان خروشوف زعيماً سوفياتياً ساخراً إلى درجة أنه خلع حذاءه في أحد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك احتجاجاً، ووضعه أمامه على الطاولة!
وقاد خروشوف حملة واسعة لإلغاء ستالين من تاريخ الاتحاد السوفياتي، حتى تم رفع اسمه من مدينة ستالينغراد وإعادتها إلى اسمها القديم فولغاغراد. وتم شطب كل ما له علاقة بستالين في كتب التربية والتاريخ. استعرتُ عنوان هذا المقال من كتاب «الكلمة الآن للرفيق ستالين» الذي ينتقد بشدة خروشوف، ويصفه بالفشل والانتقام من ستالين. وهناك ظاهرة في الأنظمة الشيوعية هي أن كل رئيس جديد ينتقد الرئيس السابق، مع أن الحزب الشيوعي هو نفسه الذي انتخب الرؤساء السابقين واللاحقين.
والطريف أن خروشوف كان يتولى الترجمة المباشرة للأفلام السينمائية الأميركية لستالين، من اللغة الإنجليزية إلى اللغة الروسية، باعتباره عضو المكتب السياسي للحزب، والوحيد الذي يتهجى الإنجليزية. في الواقع لم يكن خروشوف يعرف من الإنجليزية إلا بعض الكلمات، إلا أنه كان يخشى بطش ستالين، لو اعترف أنه لا يجيد الترجمة، لذلك كان يكتفي بوصف اللقطات ولا يترجم أي كلمة من الحوار، لأنه لا يعرف أساساً ما الذي قاله الكاوبوي جون واين للهنود الحمر! فهو يقول إنه يفتح الباب ويغلق الشباك! إنه يمسك المسدس! إنه يضحك! إنه يركب الحصان! إنه يوجه لكمة شديدة إلى المجرم! واضطر ستالين ذات سهرة سينمائية إلى توبيخ خروشوف قائلاً: هل تعتقد أنني أعمى، لا أرى ما يعرض أمامي على الشاشة؟ أريد ترجمة ما يقوله الممثلون، لا وصفاً للحصان والبقرة والسكير الذي يسقط على السلم!
بعد هذه المقدمة، أمامي نسخة من كتاب «الكلمة الآن للرفيق ستالين» للمؤلف الروسي ريتشارد كاسالابوف، وترجمة عبد الرؤوف ياسين الخطيب، وإصدار دار الطليعة في دمشق، في عام 2011. لقد بحثت عن الكتاب فور صدوره، لكن تعذر عليّ الحصول على نسخة منه بسبب اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، إلا أني عثرت عليه في القاهرة مؤخراً بالصدفة. الكتاب من الحجم المتوسط، وبـ350 صفحة، معظمها خُطب وكلمات وتصريحات لستالين، قالها في مناسبات مختلفة.
الأميركيون الذين تابعوا الحرب الباردة بين بلادهم والاتحاد السوفياتي تدهشهم النكات الأميركية عن السوفيات، فيضحكون كثيراً. أما السوفيات فكان يدهشهم الضحك نفسه؛ لأنهم نسوا كيف يضحكون! من هذه النكات «الاشتراكية»: «يدخل رجل سوفياتي إلى أحد المحلات ويسأل ألا يوجد عندكم لحم؟ فتجيبه البائعة لا نملك أي أسماك، المحل المقابل لا يملك أي لحم»! وتقول نكتة أخرى: «وقف موظف في طابور طويل ينتظر دوره لشراء مشروبات. قال الموظف لجاره في الطابور لقد سئمت الوقوف، فاحجز مكاني لأني ذاهب لاغتيال رئيس الاتحاد السوفياتي. وبعد مضي ساعتين عاد الرجل ليطالب بمكانه المحجوز، فسأله جاره: هل تمكنت من قتله؟ فأجاب: لا، فقد كان الطابور لقتله أطول من هذا الطابور»!
وحتى لا أظهر منحازاً ضد الشيوعيين، فإن الصحف والمجلات الأميركية والبريطانية والفرنسية متخمة بالنكات عن النظام الرأسمالي غير العادل. وكانت كل أفلام شارلي شابلن تسخر من هذا النظام. هناك دائماً نكات عن الهنود واليابانيين والأفارقة، ونضحك كلنا بلا عنصرية ولا ضغينة ولا كراهية.
نرجع إلى الرفيق ستالين. كيف الحال؟ ما هو رأيك في الرئيس بوتين؟ الشعب الروسي يحبه... وهو يكتفي بذلك ولا يحتاج إلى حب السوريين أو الفنزويليين.
في عام 1933، وجّه ستالين رسالة إلى قيادي شيوعي يدعى باجانوف، جاء فيها: «تلقيت رسالتك التي تنازلت لي فيها عن وسامك الثاني، كمكافأة لي على عملي. أنا أعرف أنك حرمت نفسك من أجلي. ومع ذلك فإنني لا أستطيع قبول وسامك الثاني. لا أستطيع، ولا يجوز لي أصلاً أن أتسلمه وأسلبك حقك. لقد خـُـلقت الأوسمة لتـُـمنح ليس للأشخاص المعروفين أصلاً، وإنما لأولئك الأشخاص الذين لم يسمع بهم الآخرون والذين من الواجب تعريف الناس بهم. وبالإضافة إلى ذلك، أريد أن أخبرك أنني حصلت على وسامين، وهذا أكثر مما أستحقه. التوقيع ستالين».
طبعاً حين رحل ستالين، وجاء خروشوف، تخلى الرفاق عن الاكتفاء بوسام أو وسامين، وصار صدر خروشوف يتسع لـ20 وساماً.
في ندوة تقليدية حول إصدار كتاب ماركسي عن النظرية الاشتراكية في الاقتصاد السياسي، أقيمت في الأول من فبراير (شباط) عام 1951، قال ستالين: «لننظر إلى البلدين المهزومين في الحرب العالمية الثانية، ألمانيا الغربية واليابان. يعيش هذان البلدان الآن عيشة حقيرة تحت نعال الإمبريالية الأميركية؛ فالصناعة والزراعة والتجارة والسياسة الخارجية والداخلية في هذين البلدين وكامل معيشتهما مقيدة بنظام الاحتلال الأميركي»! وتساءل ستالين: «ألم يكن هذان البلدان البارحة دولتين إمبرياليتين كبيرتين، وكانا يهزّان أركان الهيمنة الإنجليزية والأميركية والفرنسية في أوروبا وآسيا»؟
ومترجم هذا الكتاب تـَقيد باللغة التي كانت سائدة في ذلك الوقت، مثل «عيشة حقيرة» و«تحت نعال الإمبريالية الأميركية»، لكن هناك بين العراقيين الآن من يتذكر السنوات الأولى للاحتلال الأميركي للعراق بعد 2003؛ فقد كنا نعيش فعلاً «عيشة حقيرة وتحت نعال الإمبريالية الأميركية». وقد يقول قائل والآن تحت النعال الإيرانية! وعفواً هذه اللغة هي التي استخدمها الزعيم السوفياتي ستالين قبل نحو 70 عاماً، وما زالت صالحة للاستعمال، ولم تصل بعد إلى مصطلح «الإكسباير».
وعلى عكس ما هو معروف عن جبروت وفظاظة وقسوة ستالين، فإنه كان ساخراً متهكماً في كثير من الاجتماعات الحزبية، حتى في عشاء آخر الليل الذي كان يطيب له أن يدعو رفاقه إلى تناوله معه ومشاهدة أحد الأفلام الأميركية. وفي إحدى الليالي، تناول عشاءه البسيط وضحك على آخر النكات، ثم خلد إلى النوم... وكانت نومته الأبدية، إذ أصيب بنزيف في المخ وظل مشلولاً ساعات طويلة، قبل أن يتنبه الحرس إلى أن الرفيق لم يستيقظ لتناول طعام الفطور ولا طعام الغداء.
من أقوال ستالين الساخرة: «تُعتبر حالة وفاة واحدة حادثة مأساوية، أما مليون حالة وفاة فهي إحصائية»! وقال أيضاً: «من يصوتون في الانتخابات لا يقررون شيئاً، أما من يفرزون الأصوات فيقررون كل شيء!». وفي إحدى المحاضرات، قال: «السياسي الصادق مثل الماء الجاف أو الحديد الخشبي!».
وأعود إلى ندوة مناقشات الكتاب الاقتصادي الماركسي، فقد أشار ستالين إلى أخطاء المؤلفين، وسخر من اقتراحات علماء التاريخ الذين طلبوا إدراج فصل خاص بالتاريخ، واقترح الاقتصاديون إدخال باب إضافي عن الاقتصاد، واقترح السياسيون إضافة تنظير سياسي، ولم يشذ الفلاسفة الماركسيون عن الآخرين فطلبوا إضافة باب للفلسفة! وقال ساخراً لو قبلنا بهذه المقترحات لكان لدينا كتاب كبير جداً جداً جداً!
أحسن ما في كتاب «الكلمة الآن للرفيق ستالين» هو عنوانه. أما بقية الصفحات فإنا لله وإنا إليه راجعون. سبق أن قرأت مذكرات الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف، التي نشرتها صحيفة «النهار» اللبنانية، و«الأهرام» المصرية، في أوائل السبعينات من القرن الماضي، تحت عنوان «خروشوف يتذكر»، وترجمها ببراعة واحتراف الأستاذ الكبير سمير عطا الله، وقيل إن خروشوف هرّبها سراً إلى الغرب بعد الإطاحة به من الأمانة العامة للحزب الشيوعي ورئاسة وزراء الاتحاد السوفياتي. كنا نتسابق في العراق للحصول على نسخة من «الأهرام» أو «النهار» لقراءة «خروشوف يتذكر». أما ستالين فلم يعد أحد يتذكره إلا نادراً... وها أنا أفعل.

كاتب عراقي

(الشرق الاوسط) لندن

 

كشمير مرة أخرى

داود الفرحان

لا جديد في إعلان باكستان عن توجهها إلى مجلس الأمن في قضية كشمير. لكنه أمر مطلوب لإيقاف تدهور العلاقات الباكستانية – الهندية بعد القرارات الهندية الأحادية في الإقليم الذي شهد ثلاث حروب منذ استقلال الهند وباكستان عام 1947. وهو أمرٌ قد يتجدد إذا لم يتم ضبط ساعة السلام والأمان بسرعة. وقد كان رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان دقيقاً حين أكد أنه لو دخل البلدان الحرب مرة أخرى «فلن يفوز أحد بها» من الطرفين النوويين.
يقول التاريخ إن بداية دخول الإسلام إلى القارة الهندية كانت في القرن الهجري الأول حين دخل المسلمون إلى الهند والسند في العهد الأموي بقيادة الفاتح محمد بن القاسم الثقفي سنة 90ـ. ثم امتد الإسلام في الهند التي كانت تضم الهند وباكستان وكشمير عن طريق الدعاة الفاتحين والتجار والرحالة المسلمين. واستولى السلطان محمود الغزنوي في زمن الخلافة العباسية على الهند كاملة في سنة 396ـ. وذكر ابن الأثير في «الكامل في التاريخ» أن الغزنوي وصل لإلى كشمير فاتحاً سنة 407ـ، فلما بلغها أسلم أهلها على يديه.
في منتصف القرن العشرين قررت الأمم المتحدة إجراء استفتاء حر ومحايد لتقرير مصير كشمير، لكن الاستفتاء لم يحدث أبداً. وظلت المنطقة محل نزاع بين ثلاث دول هي الهند وباكستان والصين، وتدّعي كل منها أحقيتها في الإقليم كاملاً استناداً إلى ما لديها من وثائق تاريخية وديموغرافية. بينما تطالب نسبة كبيرة من السكان بالاستقلال عن الدول الثلاث.
أصل المشكلة الحالية التي أدت إلى قيام ثلاث حروب دموية في سنوات 1947 و1965 و1999 بين الهند وباكستان بعد قيام الدولتين يعود إلى الاحتلال البريطاني؛ إذ غزت بريطانيا شبه القارة الهندية سنة 1819 وخاضت حرباً ضد الحكم الإسلامي لمدة 27 سنة، ثم استطاعت بسط سيطرتها على المنطقة وقسمتها إلى ثلاثة أقسام هي الهند وباكستان، أما كشمير فقد أجّرتها بريطانيا لمدة قرن كامل لإقطاعي هندوسي بموجب عقد إيجار وُقِّع في مدينة «أمرستان» من سنة 1846 إلى 1946، وهي أول مرة في التاريخ يتم فيها استئجار إقليم بشكل كامل جغرافياً وسكانياً واقتصادياً!
وقد لا يعلم كثير من القراء أن والد الخميني الذي أسقط نظام الشاه في إيران عام 1979 كان مقيماً في الجزء الهندي من كشمير قبل أن يهاجر إلى مدينة «خمين» الإيرانية عام 1900 حيث قُتل فيها من قِبل أحد أصحابه حين كان الخميني يبلغ من العمر عامين!
ندع إيران لمصيرها مع الرئيس الأميركي ترمب، ونعود إلى الهند وباكستان الدولتين الصديقتين لمعظم دول العالم. وباستثناء قضية كشمير المزمنة، فإن علاقاتهما مع الدول الأخرى متوازنة وتحظى بالاحترام. وكان أول رئيس لجمهورية باكستان محمد علي جناح مصلحاً سياسياً وزعيماً وطنياً ترك بصمات واضحة في بلاده، مثلما فعل المهاتما غاندي في الهند. في الظاهر، يبدو الأمر خصاماً بين مسلمي إقليم كشمير الذين يشكّلون الأغلبية من جهة والهندوس في الهند من جهة أخرى. ودائماً في كل المشكلات، كما يقول المثل العربي: «فتش عن الإنجليز» في الدول التي استعمرتها بريطانيا، نجد أنهم شجعوا الهند منذ عقود على ضم الإقليم ذي الغالبية المسلمة، وبذلك تفجر صراع مزمن بين البلدين الجارين اللذين يتميزان بالعلم والأدب والفن.
كنا نقرأ في صبانا أشعار محمد إقبال الفيلسوف والسياسي والأكاديمي الذي لقبوه بـ«الأب الروحي» لباكستان. وكنا نطرب مع كوكب الشرق أم كلثوم في رائعتها الدينية «حديث الروح» وهي واحدة من أهم وأجمل قصائد محمد إقبال. وفي الهند كان نجم الشعر البنغالي طاغور الذي قال بعد وفاة محمد إقبال: «لقد خلّفت وفاة إقبال في أدبنا فراغاً أشبه بالجرح المثخن الذي لا يندمل إلا بعد أمد طويل. إن موت شاعر عالمي كإقبال مصيبة تفوق احتمال الهند». توفي محمد إقبال عام 1931 قبل أن يشهد ولادة دولة باكستان على يد رفيق كفاحه محمد علي جناح.
أما في الهند فقد بزغ نجم الشاعر رابندرونات طاغور، ولا تـُذكر آداب الهند إلا ويـُذكر هذا الشاعر والمسرحي والروائي البنغالي البارع. ودائماً هناك نوع من «التوأمة» بين الهند وباكستان سواء في ارتياد الفضاء أو النادي النووي أو السينما.
نحن في قارة آسيا والعالم نشعر بالغبن والإجحاف والأسف لو اندلعت حرب جديدة بين الهند وباكستان. دولتان خُلقتا، كما تمناهما محمد إقبال وطاغور، عنواناً للحياة والمحبة والسلام. كان حلّ «الإقليم» لكشمير حلاً واقعياً يُنهي معضلة سياسية كبيرة في واحدة من أجمل مناطق العالم كما خلقها الله. ما الذي أعاد هذه الأرض الطيبة إلى مربع التصعيد الحربي من جديد؟ لقد وصل البلدان إلى مرحلة فقدان الثقة المتبادلة. وفي هذه الحالة فإن الوساطة الدولية ضرورة لحل هذا النزاع الدموي في ظل قرارات الأمم المتحدة.
مع أن باكستان هي المسؤولة عن الأمن والدفاع في ولاية كشمير، إلا أنها لم تبذل جهداً واضحاً في النشاط الاقتصادي أو المدني. لا بد من حلّ يُرضي الطرفين ليس لتناول عشاء عمل وإنما لحماية السكان من حرب قد تعيد الدولتين الكبيرتين إلى الوراء سنوات طويلة. الهند وصلت إلى المريخ قبل الولايات المتحدة وروسيا، ونريدها أن تصل إلى السلام مع جارتها باكستان قبل أن يتوسط بينهما الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
أحياناً تبدو الأزمة بين البلدين «عابرة» للسياسة، فالهند لا تسمح منذ سنوات بعرض الأفلام السينمائية الباكستانية، وكذلك تفعل باكستان مع الأفلام الهندية. ربما لو عُرضت أزمة كشمير على النجم الهندي المسلم شاروخان والنجم الهندي السيخي أميتاب باتشان والنجم الباكستاني المسلم فؤاد خان سنحصل على «نهاية سعيدة» كما نراها في الأفلام!

كاتب عراقي

 عن (الشرق الاوسط) لندن

 

 

النَّصْب فوق

سلالم الأمم المتحدة

داود الفرحان

 

من المعتاد أن تلجأ الدول والشعوب إلى الأمم المتحدة ومنظماتها لمساندتها في مطالبها أو حلّ مشكلاتها أو إنصافها أو وضع حد لأي عدوان عليها. لكن من غير المعتاد أن تلجأ الأمم المتحدة ومنظماتها إلى الدول والشعوب لحل مشكلات المنظمة الدولية. فقد استنجدت الأمم المتحدة بالرأي العام الدولي من عمليات النَّصْب والاحتيال باسم المنظمة الدولية ومجالسها وإداراتها المختلفة. وذكر تحذير أصدرته المنظمة وبثّته على موقعها الرسمي أن «ثمة مراسلات متنوعة تُعمم عن طريق البريد الإلكتروني ومن مواقع على شبكة الإنترنت أو البريد العادي أو الفاكس تدّعي زيفاً أنها صادرة عن الأمم المتحدة أو بالاشتراك معها أو مع موظفيها، ويُراد من عمليات الاحتيال هذه الحصول على المال أو معلومات شخصية من الذين يتلقون تلك المراسلات».
لا بد أن «حالات» الاحتيال والانتحال باسم الأمم المتحدة ازدادت وتنوعت ووصلت إلى حد «الظاهرة» بحيث دفعتها إلى التنبيه إلى أنها «لا تتقاضى أي رسم في أي مرحلة من مراحل التواصل معها، ولا تطلب أي معلومات متعلقة بالحسابات المصرفية أو أي معلومات شخصية». كما أنها «لا تقدم جوائز أو مكافآت أو أموالاً أو شهادات أو منحاً دراسية أو تُجري (يانصيب) عن طريق البريد الإلكتروني أو البريد العادي». حتى الآن فإن الأمم المتحدة تكتفي بهذه التوعية، ولم تصدر أي وثيقة رسمية أو بيان أو تصريح رسمي عن هذه «الظاهرة»، التي يمكن أن تشمل ما نقرأه في الصحف بين فترة وأخرى عن «تنصيب» شخصيات سياسية أو فنية «سفراء للنوايا الحسنة» من دون أن يكون للأمم المتحدة أي علم بذلك. وهي «عينة» مما يمكن أن تصل إليه النوايا غير الحسنة.
كانت مباحث الأموال العامة المصرية قد ضبطت محتالاً من رعايا إحدى الدول الأفريقية العام الماضي، لقيامه بانتحال صفة دبلوماسي في الأمم المتحدة وعضو في منظمة الصحة العالمية ومفوض من الأمم المتحدة لتمثيلها في الشرق الأوسط وأفريقيا، ويحمل استمارة مزورة صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في القاهرة. ويتلخص نشاطه في النَّصْب على الأشخاص وبيعهم دولارات أميركية مزورة.
وتعد منظمة الأغذية والزراعة الدولية واحدة من أكثر المنظمات تعرضاً لهذا النوع من النَّصْب. وهي اضطرت إلى نشر تنبيه رسمي على موقعها الإلكتروني قالت فيه إنها «تدرك أنه يجري حالياً التداول بأشكال احتيالية من المراسلات عبر البريد الإلكتروني أو البريد العادي أو الفاكس بزعم أنها صادرة عن المنظمة أو المسؤولين فيها أو أنها ترتبط بها». وأخْلـَت المنظمة مسؤوليتها عن نتائج مثل هذه الرسائل المخادعة التي تحمل شعارها ورمزها. واستغل النصابون مغريات منظمة الأغذية والزراعة، وما لذّ وطاب من خيرات الله، فبدأوا ينصبون على الناس تارةً بتوفير فرص عمل مغرية في المنظمة، وتارةً ثانية بعقد مؤتمرات واجتماعات وهمية، وتارة ثالثة بإجراء سحب يانصيب وتقديم جوائز وشهادات مزورة. وكل ذلك في ظل تغطيات مالية من المتبرعين أو الساعين إلى مزيد من الوجاهة والأضواء تحت بدلات الدبلوماسيين الأنيقة حتى وإن كانت مستأجرة!
ووجدت المنظمة ضرورة نفي تقاضيها أي رسم بالنسبة إلى عقد الاجتماعات والمؤتمرات، أو إجرائها أي سحب يانصيب أو توزيع جوائز أو مبالغ مالية بواسطة البريد الإلكتروني. وأكدت المنظمة أنها لا تتقاضى أجراً مقابل تأمين فرص عمل إذا توفرت. وبعيداً عن اللهجة الدبلوماسية، عمدت منظمة الأغذية والزراعة الدولية إلى تأكيد أن هذه الرسائل والوسائل المخادعة التي تسعى إلى طلب المال أو الحصول على تفاصيل شخصية من متلقّي هذا النوع من الرسائل عبر البريد الإلكتروني هي في معظم الحالات رسائل احتيالية.
وما يلفت النظر أن هذه الرسائل والوثائق وعناوين البريد الإلكتروني والمواقع الإلكترونية التي تنتحل صفة منظمة الأغذية والزراعة الدولية، مُصممة ومُنفذة بعناية بحيث تبدو كأنها صادرة فعلاً عبر المنظمة. نحن هنا إزاء «عصابات» أو زُمر غير قانونية تستغل بعض أنشطة المنظمة لترويج مزاعم - مثلاً - عن أن برامج التوظيف في أميركا الشمالية تتم برعاية برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة الدولية، أو ادعاء أن برنامجها الخاص للأمن الغذائي تابع للمنظمة مع احتفاظه باستقلاليته الإدارية وأنه يُجري تعيينات نيابةً عن المنظمة الأم. وفي أحيان كثيرة تكررت عروض العمل أو الإعلانات عن وظائف شاغرة مقابل دفع رسوم، في حين أن المنظمة لا تتقاضى أي رسم في أي مرحلة من مراحل التوظيف من تقديم الطلبات وإجراء المقابلات الشخصية وتجهيز المعاملات الإدارية، أو التدريب على المهارات.
وأظهرت المنظمة العين الحمراء في مواجهة الاستخدام من دون ترخيص لشعارها أو رمزها أو اسمها وأن ذلك يعد استخداماً غير قانوني وسيجري إبلاغ السلطات المختصة بمثل هذه الممارسات لاتخاذ الإجراءات المناسبة. وفي الوقت نفسه حذرت المنظمة من الرسائل المشكوك فيها، حيث إن الاستجابة بإرسال مبالغ مالية أو معلومات شخصية لمن يرسلون هذه الرسائل الاحتيالية قد تؤدي إلى خسائر مالية أو سرقة المعلومات الشخصية مثل عنوان الإقامة ورقم الحساب الشخصي ورقم جواز السفر أو صورة مستنسخة منه.
بلا شك إن انتحال اسم منظمة دولية مثل منظمة الأغذية والزراعة أو اليونيسكو أو اليونيسيف أو الصحة أو الصليب الأحمر، أمر معقّد ويحتاج إلى خبرة و«موهبة» ولسان لا يتلعثم في المواقف المحرجة. إلا أن انتحال اسم شخصية دولية معروفة وعقد صفقات في موقعها الحكومي البارز أمر يحتاج إلى جرأة وقدرة على الإقناع. ولعل بين القراء من يتذكر واحدة من أكثر قضايا الاحتيال الدولي غرابةً، حين انتحل في عام 2015 محتال اسمه غيلبير شيكلي، وهو فرنسي – إسرائيلي من أصول تونسية شخصية وزير الدفاع الفرنسي السابق ووزير الخارجية الحالي جان إيف لودريان، الذي يحمل وسام «الصليب الأعظم» من الفئة الأولى للخدمات التي قدمها لجمهورية ألمانيا الاتحادية. وهو سبق أن حمل عناوين لافتة مثل «رئيس مؤتمر المناطق البحرية النائية في أوروبا» و«وزير الدولة للبحر». ومع ذلك لم يتردد أحد المحتالين في أن يرتدي قناعاً من السيليكون لوجه الوزير الفرنسي «ذات نفسه» كما يقول الأشقاء السودانيون! وقصة هذا المحتال تصلح لأن تكون فيلماً سينمائياً؛ إذ أوهم ضحاياه بأنه لودريان، وأنه يطلب منهم أموالاً لدفع «فدية» من أجل تحرير فرنسيين مختطفين في منطقة الشرق الأوسط، مركّزاً على أن يكون تحويلها محاطاً بأعلى درجات السرية لأن السياسة الفرنسية تمنع دفع «فدية» لتحرير رهائن فرنسيين. ولاستكمال إخراج الفيلم جهّز النصاب مكتباً مشابهاً في فخامته لمكتب الوزير ووضع عليه علم فرنسا وخلفه على الجدار صورة الرئيس الفرنسي - وقتها – فرنسوا هولاند، مع تخفيف الإنارة لضمان رؤية منخفضة تشوش على مَن يحادثونه عبر برنامج «سكايب» باعتباره الوزير المزعوم!
لكن الرئيس السنغالي ماكي سال، استطاع كشف الاحتيال، لأن المحتال غفل عن العلاقة الوطيدة بين سال ولودريان، ما جعل المحتال يخاطب الرئيس السنغالي بلغة التفخيم «أنتم، وحضرتكم»، وهي لغة لا يتخاطب بها الناس المقربون! النتيجة: أن المحتال يقبع الآن في أحد سجون فرنسا عقب القبض عليه في أوكرانيا!
حتى الآن لم يستطع أحد أن ينصب على الأمم المتحدة بشكل مؤذٍ. لكن المنظمة الدولية شهدت فضيحة فساد بملايين الدولارات خلال ولاية كوفي أنان الأمين العام الأسبق، نتيجة تورط مسؤولين كبار وشركات متعددة الجنسيات في تلقي رشى بالملايين في برنامج «النفط مقابل الغذاء والدواء» في تسعينات القرن الماضي خلال الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضاً على العراق. وطالت الاتهامات المدير السابق للبرنامج القبرصي الجنسية بينون سيفان، ومدير المشتريات في البرنامج الروسي الجنسية ألكسندر ياكوفليف، الذي اعترف أمام القضاء الأميركي بتلقيه رشى بمئات الآلاف من الدولارات بشكل غير قانوني من شركات تسعى للحصول على عقود من الأمم المتحدة، وقد أنشأ ياكوفليف شركة خاصة لتسهيل الرشى وتلقي التحويلات على حسابات خاصة في سويسرا. واتهمت لجنةُ التحقيق الرئيسَ السابق لبرنامج «النفط مقابل الغذاء والدواء» بالحصول على عمولات تقرب من 150 ألف دولار نقلها له، كما قالت اللجنة، شقيق زوجة أحد الأمناء العامين السابقين للأمم المتحدة. وقد تصدت المنظمة الدولية للفضيحة بشجاعة فرفعت الحصانة الدبلوماسية عن المتهمين وقدم سيفان استقالته. وحاول البعض زج كوفي أنان نفسه في الفضيحة الدولية التي جرت على سلالم الأمم المتحدة بسبب عمل ابنه في إحدى الشركات المتهمة. لكن لم يثبت أن أنان كان يعلم بذلك.
انتهى الفيلم.

كاتب عراقي

(الشرق الاوسط) لندن

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا