الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

د. ضرغام الدباغ استاذ جامعي باحث وكاتب عراقي مقيم في المانيا ( من كتاب البلاد)

 

مقالات سابقة

التطرف ...

 

الخطوة الأولى للنهاية

 

ضرغام الدباغ

 

قراءة التاريخ هي حتماً ليست لإزجاء الوقت، وكتابة التأريخ هي أيضاً غير التسجيل الكرونولوجي (Chronology) للأحداث بتسلسلها، دراسة التاريخ فلسفة التاريخ تعني في المقام الأول علم التطور المادي للتاريخ، دراسة الأسس التي يقوم عليها التطور، ودراسة عميقة لجوهر الأساسيات في الحياة.

 

السياسة هي

مجموع الفعاليات (Total actvities) والنشاطات الداخلية والخارجية التي تعتمد بالدرجة الأولى على التوصل إلى قناعات مشتركة من أجل الشروع بفعاليات مشتركة، وهو عمل يعتمد أساسا الحوار واستبعاد اللجوء إلى القوة، وفي مجال بحثنا، تمارس الدول هذه الفعاليات كإحدى سبل تأمين المصالح الوطنية العليا.

والسياسة (تعني بصفة أساسية) التعامل مع الحقائق والعناصر التي تلعب دوراً في إطار الوضع السياسي والاقتصادي العام في مرحلة تاريخية معينة من أجل الوصول إلى هدف تسعى إليه فئة أو فئات اجتماعية وأدواتها التي تفرزها وتمثله: الأحزاب والحركات السياسية، أو بين تحالف يضم عدداً منها. وتمارس السياسة بصورة اشمل وأعمق وأكثر فاعلية إذا جرت ممارستها من مواقع السلطة وفي قيادة الدولة، ومن البديهي أن تشمل دائرة فعالياتها، العلاقات الدولية والأحداث الدائرة على مسرح السياسة الدولية.

 

والسياسة بهذا المعنى ضرورة، بل حتمية التعامل مع قوى وحركات وأفراد وفئات وكتل اجتماعية وكيانات، وهذه العناوين تختلف في الموقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وبالتالي فإن لكل منها وجهة نظرها،  ومصالحها، ومن المؤكد مواقفها. ولا يمكن لواحد من القوى أن يلغي الآخر، بل من الأنجح أن تتقارب هذه العناوين لدرجة إمكان صياغة برامج مشتركة، وحتى إذا كانت هذه الفرصة بعيدة المنال، فعلى الأقل تجنب التصادم الذي سيكون مؤذياً لكل من الطرفين، أو لمجموعة الأطراف.

 

ومن هنا فإن دراسة التاريخ بعمق، وبالذات تاريخ الحركات والاحزاب الاجتماعية والسياسية، والتيارات الفكرية، التي تظهر مسار هذه الحركات التي تبدأ بطرح فكر جديد، يتجاوز ما قبله، فيجد سبيله للنجاح، ولكن هذا النجاح سيكون وقتياً ما لم تنجح تلك الحركة بأستيعاب ظروف ومعطيات التطور، وأن تسايرها، وأن تخضع نفسها للتطور، وأن تتجنب الجمود العقائدي (Dogmatism) الذي يعني فيما يعنيه العجز عن الأيفاء بمستحقات المرحلة، وعدم قبول الفكرة البديهية العلمية بحتمية التطور، وبالتالي سيعجز عن فهم سائر الظواهر ومتطلباتها.

 

التطرف بأختصار هو مسار حتمي للحركة / الحركات التي تعجز أو تفقد القدرة على التواصل القائم على القناعات والحوار ضمن محيطها الذي تعيش فيه، وتفتقد تدريجياً الصفة التي أحرزتها في بداية نهوضها وأصطفافها الطليعي، ويواجه عناصرها هذا الخلل تدريجياً حتى يصبح ظاهرة، فتتحول الحركة إلى معسكر، بمواجهة الناس.

 

في هذه المرحلة وضعت الحركة جداراً شاهقاً بينها وبين الآخرين، وقد يصل الأمر في سياق تناقض مطرد إلى اشتباكات نظرية، مفتوحة على أحتمالات أوسع ، وغالباً ما يجري  تصعيد (Eskalation)،  وربما أحياناً يكون غير مقصود، بدافع الحماس أو التدافع والتنافس، ومن دون السيطرة على هذا التصعيد الذي ينفتح على احتمالات، ربما لم تكن في ذهن قيادة الحركة، فإن الموقف برمته يكون قابلاً للأنفجار.

 

في معسكر الحركة، سيتراصف الدوغماتي (الجامد / المتعصب) إلى جانب الأقل ثقافة ووعياً، وإلى جانبهم ستقف مجموعة ممن يمتهنون العلاقات العامة (هو تعبير معاصر مهذب للأنتهازية "Opportunismus")، والمنتفعين أقتصادياً، وستحشى الحركة على صفوفها من التبعثر والأندثار الفكري والتنظيمي، فستسعى الحركة إلى إطلاق موجات متعاقبة من التعصب والتطرف (Fanaticism) لشد صفوفها وطرح تصور لا يبتعد عن الإطار القديم، بل يغطس في غياهب المبالغة ومنح القناعات السياسية (الثقافية) طابعاً تسلطياً فوقياً، لا يجوز التطرق له، أو الشك بشرعيته (Legitimation) والتقرب منه والشك بسلطانه.

 

والأفراد في هذه الحالة يتحركون سياسياً كأدوات، فهم لا يمتلكون قناعات عميقة، لذلك تسهل عمليات أختراقهم، ويكون مجمل الوضع قابل للتصدع في حالة الأهتزازات، أو الخلخلة في الموقف العام ولاسيما في حال زوال أو ضعف قوة التحريم . ومن هنا نشاهد الشبان الذين كانوا أكثر أندفاعاً، عندما يعيشون في أجواء الحرية يتحولون إلى بدائل واحتمالات كانت بعيدة جداً .

 

التطرف هو الخطوة الأولى للنهاية، وهذا العنوان لا يهدف إلى أن تتراجع الحركات المتطرفة للعدول عن تطرفها، فالمتطرف قد وضع حركته ونفسه في عملية تاريخية (Historical Prozess)  لا يستطيع التراجع عنها، أو لنقل أن التراجع عسير. ولنا من الأمثلة الكثير جداً في التاريخ القديم والحديث. وبوسع القارئ أن يطلع على تاريخ الحركات السياسية والفكرية منذ مطلع تاريخ الفكر السياسي القديم، والوسيط والحديث. وكذلك في أعمال كثيرة تفصل تاريخ الحركات السياسية التي بدأت قوية، وتصاعدت قوتها كثيراً، ولكنها انحدرت بسبب تطرفها، وأبرز تلك الحركات في العصور العربية الوسيطة : الخوارج، المعتزلة، القرامطة، وبدرجة ما حركة الزنج.

 

هذه الحركات بدأت حركات كان ينتظر منها أن تفعل الكثير ولا سيما الخوارج كحركة سياسية مسلحة، الذين كانوا مثار الإعجاب بنزاهتهم وشجاعتهم، إلا أنهم بالغوا، وتطرفوا، وبلغ الأمر بفرقة من أكبر فرقهم (الأزارقة) أن مالوا لتكفير حتى الأطفال، وبالغوا في استخدام العنف. والمعتزلة الميالون إلى الفلسفة والمناظرات الكلامية، كان لهم مفكريهم العباقرة، وبتقديري هم والخوارج أيضاً، من أوائل الحركات الديمقراطية في الإسلام (بعد الخلافة الراشدية)، ولكنهم تدخلوا في الحكم، وكثرت أخطاؤهم، ثم صاروا يقمعون بشدة من يعارضهم، وانتهى الأمر بتشتت وتلاشي مذهل لهذه الحركات الضخمة فكراً، وانتشاراً في المجتمعات العربية والإسلامية.

 

أما حركات الزنج والقرامطة، فنهايتهما كانت أسوء بكثير من الخوارج والمعتزلة، فالزنج الذين ثاروا من أجل تحرير أنفسهم واستطراداً مجتمعهم من العبودية، وبعد أن حققوا بعض المكاسب وصار لهم شبه كيان، سرعان ما مال قادتهم ورؤسائهم لامتلاك العبيد، والإقطاعات. والقرامطة الصف الأول من قادتهم تميزوا بالإخلاص والنزاهة، ولكت القيادات التالية ارتكبت القيادات القرمطية الكثير جداً من الأخطاء الفادحة، من الفساد الإداري والمالي، إلى امتلاك القصور، والتطرف الذي صاروا بالنتيجة لا يستطيعون التفاهم لا مع دول ولا حركات عاصرتهم، بل واختلفوا حتى مع الفاطميين وحاصروا عاصمتهم، وكادوا أن يدمروها.

 

التطرف سيجد طرق الحوار أمامه مغلقة، لأنها قد تعني التراجع مما أعتاد عليه وأتقنه، ويجده سهلاً في التطبيق، وما دامت لديه القدرة على ممارستها، وحمل البعض على مسايرتها، والمتطرف يستصغر شأن الآخرين، ويضع الأكثرية الصامتة (وهي الغالبة في معظم المجتمعات) يضعها في حسابه، وسينتهي الأمر به أن تعتبر هذه الحركة نفسها ملهمة، وتحتكر الحق والصواب، ولا تقبل من الجهات الأخرى إلا أن تردد ما يطرح من سياسات ومفردات.

 

ويقود التطرف في تفاعلاته إلى اضمحلال وتلاشي الإدارة الجماعية سياسياً، مقابل صعود أفراد، لأن سباق التطرف سيفرز قادة يفرضون أنفسهم أمناء على "الخط" طغيانيين على الأرجح، طالما أن المحيط السياسي عاجز عن التصدي لمثل هذه الظواهر، وبروز ظواهر ملهمة، والقائد الملهم هو جزء من ديكور التطرف ومستلزماته ولواحقه. وقد يكون بعض القادة الطغاة في التاريخ هم حقاً على درجة كبيرة من قوة الشخصية والقدرات القيادية، وقد لا يخلو الأمر من منجزات على أصعدة مختلفة، ولكن النظام السياسي في أي دولة ناجحة، هو متعدد الصفحات، والنظام الديكتاتوري لن يكون بوسعه أن يقدم النظام ويطوره، فهذه تخالف مسارات النظام الديكتاتوري.

 

الديكتاتورية ( Dictation / وهو مصطلح غربي يقابل الطغيان في الثقافة العربية) وتعني: سلطات غير محدودة، وانتهاج سياسة الإملاء، أو فرض الإرادة، أو التصور المسبق، وأوامر خارجة عن المداولة. ويمكن أن يمارس الطغيان من قبل شخص، أو حزب، أو طغمة وهو مصطلح سياسي بالدرجة الأولى، وهو يعني التفرد بالحكم، بأستخدام القوة، وتجاهل أراء الإطارات الدستورية والسياسية في أي بلد، وقمع المعارضين، وتجاهل إرادة الشعب في التغير، من أجل تداول سلمي للسلطة وتقديم الأفضل، والهيمنة على الرأي العام بوسائل عديدة. وعلى هذا النحو، فهم هذا المصطلح في الشرق والغرب على حد السواء ومورس بأساليب وأشكال مختلفة، إلا أنها كانت متشابهة في جوهرها.

 

وكما للديمقراطية مؤسستها، كذلك للطغيان له مؤسساته، وإذا كانت مؤسسات الديمقراطية العامة المفتوحة للشعب كالبرلمان الفعال، والصحافة الحرة، والتعددية الحزبية، والقوانين التي تحترم حقوق الإنسان، ودستور يصون الحريات الديمقراطية ويكفلها، الديمقراطية تسعى إلى زج أكبر قد من الناس في الحياة السياسية والاجتماعية، وبالمقابل الطغيان له مؤسساته (وإن كانت تفتقر إلى شرعية النظام الديمقراطي الدستوري) التي تتمثل بأجهزة عديدة للمخابرات والأمن، وهي مؤسسات نظمها القانون، ولكنها تتوجه إلى معادة الشعب في النظم الديكتاتورية، مهمتها مراقبة أصغر التحركات حتى التافهة منها بين صفوف الشعب واتجاهات الرأي العام، وتتغلغل في أفكار وتصورات الشعب، وتصادر كل شيئ معنوي. وتفعل ذلك بحرفية عالية جداً، وقد تعمل الأجهزة غالباً من وراء الستار، ولكنها تمد أذرعها في كافة مفاصل الدولة والمجتمع. وأجهزة الأمن هي محصورة للنخبة وأبنائهم، وحاشية السلطة ومن العناصر المضمون ولائها الشخصي.

 

الطغيان والأنظمة الديكتاتورية استفادت من التجارب في بلدان عديدة، ومن اللافت أن الطغاة يعتقدون أن العلة تكمن في خطأ تكتيكي أرتكبه أحد رجال النظام، ويتجنب الاعتراف بأن الخطأ هو في جوهر النظام الطغياني الديكتاتوري، كما يأبى الاعتراف أن الأنظمة الطغيانية آلت إلى الزوال ولقى الطغاة مصائرهم على أيدي المضطهدين والمسحوقين، وغالباً بصورة بشعة هي أقل بكثير من بشاعة النظام الطغياني الذي مارسوه.

 

والطاغية (Dictator)، وهو يمثل ابتداء ميل جارف للتسلط، وهذا الميل قد يكون قد رافق الطاغية منذ طفولته، فعاش الهاجس في تكوينه النفسي وأثر على كل تصرفاته اللاحقة، فإبداء اللين والموالاة والطاعة، ربما كانت السبيل لما يمور في دواخله، ولكنه لم يبرز لدية إلا في لحظة تاريخية مواتية. وأبرز دليل على ذلك هو الديكتاتور الباكستاني الجنرال ضياء الحق(1924 ــ 1988)، الذي كان موالياً لرئيس الوزراء ذوالفقار بوتو، بل وظن أنه من بطانته، حتى سلمه قيادة الجيش، فقام بأنقلابه العسكري وزج ببوتو في السجن وأعدمه لاحقاً بعد محاكمة مشكوك في نزاهتها. ومثله أيضاً الديكتاتور الجنرال أوغستو بينوشيت(1915 ــ2006) (تشيلي) الذي هو نسخة مطابقة للجنرال الباكستاني لضياء الحق، الذي سار في تأييد الرئيس سلفادور اليندي، ثم قاد أنقلاباً عليه، وقصف مقره مما أدى إلى مصرعه. ومثلهم فعل الجنرال الاندنوسي سوهارتو(1921 ــ 2008)، الذي أستغل ظروف أمنية معينة، فأستلم مقدرات البلاد من الرئيس أحمد سوكارنو، وما لبت أن أنقلب عليه وعزله وأحتجزه حتى وفاته.

 

ويجزم الكاتب الكولمبي غارسيا ماركيز، أنه تتبع الأصول العائلية لطغاة أميركا اللاتينية فوجد أن جلهم يعاني من طفولة شقية، ومن اضطهاد أسري أو بيئي، رافقت مراحل مهمة من حياتهم، فالطغيان هو نزعة عصابية غير طبيعية، تمثل تنفيساً لعقد وكوامن نفسية، ظاهرة أو خفية، وتعويض لما تمثله هذه العقد من حفرة عميقة في النفس، هي من بين العوامل الرئيسية التي تمثل المحرك الخفي للسلوك الطغياني اللاحق.

 

ومن أجل تكريس زعامة شاملة، لا يتواني الطغاة عبر التاريخ من وضع أسمائهم بصفة هالة من التقدير والتقديس(موسوليني ـ دوتشي"القائد" هتلر ـ فوهرر " الزعيم "، عبد الكريم قاسم " الزعيم الأوحد ")، وتساهم أجهزة الدولة الرسمية بهذا الجهد، فتمنح الطاغية ألقاباً وأسماء، ناهيك عن الرتب العسكرية والأوسمة لمزيد من الهيبة، ويضعون صورهم الشخصية على العملات الورقية والمعدنية، وربما صياغة قصصاً وأساطير. ففي التاريخ الشرقي القديم (في بلاد الرافدين، ومصر القديمة، وحتى في الحضارات الأخرى كالأزتيك والمايا والأولميك في أميركا اللاتينية)، كان الملوك يشبهون أنفسهم بالملائكة، فقد أدخل الملوك بناتهم وزوجاتهم في خدمة المعابد وأصبحن كاهنات، بل وأن ابنة الملك الأكدي الكبير سرجون، كانت كبيرة كاهنات(نانا)، وكان يحظر على الكاهنات إقامة الاتصالات الجنسية مع الرجال في الظروف الاعتيادية، وذلك هو السبب في أسطورة ولادة الملك سرجون إذ وضعته أمه الكاهنة في سلة من والقصب في تيار النهر (كما حدث للنبي موسى) وأنقذه بستاني. وهناك ما يشير إلى الافتراض الواضح أن الملوك كانوا يمارسون الاتصال الجنسي الطقوسي مع الكاهنات، حيث تقوم الكاهنة بدور الآلهة أينانا ويمثل الملك دور الإله دوموزي(تموز) وفي الأساطير كان هذا الإله في الأصل بشراً، لذلك فقد كان الاعتقاد سارياً وسائداً بأن الحكام(ملوك وأمراء) إنما يحكمون بتفويض من الآلهة (Divine Right) أو أن الآلهة قد حلت فيهم (Incarnation) بصورة من الصور، والحكام هم أصلاً كانوا ممثلين اكبر القبائل والأعراق عدداً وقوة (من حيث المحاربين) وهم بالتالي أكثرها ثراء، ولذلك يحوزون على القوى المادية التي تترجم سلطانهم إلى هيمنة على الفعاليات التي تدور في المجتمع. ولم يتوانى بعض مروجي نظام الزعيم عبد الكريم قاسم أن يهولوا بأن صورة الزعيم موجودة في القمر ..!

 

والطغاة (الديكتاتوريين) في العصور الراهنة، يمارسون هذه بوسائل أخرى ولكن بذات النتائج، وأن تقلصت بدرجة كبيرة جداً إمكانية تأسيس أنظمة طغيانية، بسبب وعي الشعوب، وتطور العلاقات الدولية التي بات من المستهجن قبول أنظمة ديكتاتورية والتعامل معها على قدم المساواة كالأنظمة الديمقراطية، برغم أن المصالح الانتهازية للدول تتغاضى أحياناً عن أنظمة كهذه، إلا أن هذه الأنظمة فقدت احترام شعوبها والمجتمع الدولي على حد السواء، بسبب التطور الكبير في الفقه القانوني والدستوري، وتطور نظم الدول إلى مستوى رفيع بات معه تنظر وتتعامل مع النظم الديكتاتورية كنظم متخلفة، وشعوبها تستحق العطف.

 

والطغيان هو نتاج ومزيج (Product & Combination) لعناصر اجتماعية / اقتصادية / سياسية، فالديكتاتورية الفاشية في إيطاليا (أكتوبر 1922/ ابريل 1945) والنازية في ألمانيا (يناير 1933 / أيار 1945) فشهدت إيطاليا وألمانيا في أعقاب تطور صناعي تطورات نقلها إلى مصاف الدول الصناعية، وباتت الدولتان تطالبان بمزايا الدول العظمى، وتشير التجربة التاريخية إلى أن قادة كهتلر وموسوليني نجحا بإثارة المشاعر العدائية لشعوبهم إلى الحد الأقصى، مستخدمين ببراعة  الموقف السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي تمر بها بلدانهم(فساد السياسيين التقليديين، كساد وتضخم اقتصادي، مرحلة تمفصل طبقي/ أجتماعي)، ونجحوا بتأسيس أنظمة طغيانية يحكم في ظاهرها الحزب، ولكن في واقع الأمر كان (الدوتشي/ القائد) موسوليني و(الزعيم /الفوهرر) هتلر هما من يقودان البلاد بديكتاتورية، مع تجاهل المؤسسات الحكومية الشرعية .

 

والدراسة والتعليم تمثل بصفة عامة جانباً غير مشرق في حياة الطغاة، فغالباً ما يكون شخصاً قد نال حظاً قليلاً من التعليم، ليس بسبب قلة قدراته، بل إما بسبب التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لبيئته الاجتماعية المتواضعة، أو لانغماسه الكثيف في العمل السياسي، واستهلكت المناورات، والأنشطة السرية، والتخطيط للتفرد من قواه، فلذلك فإن الديكتاتور (على الأغلب) شخص لم ينل فرصة كبيرة من التعلم، ويميل الديكتاتور والطاغية إلى احتقار أراء الخبراء والعلماء، لأنهم يناقضون آراؤه السطحية، ويحاول إضفاء مظاهر العلم مزيفة (كعقدة نفسية) على شخصه، فيحاول طرح نفسه كمفكر، أو كعبقري في الرؤية المؤسسة على ألمعية لا يتواني بعضهم أن ينسبها إلى قوى غيبية أو خفيه، تبلغ عند بعضهم أن يقرنها بعلامات إلهية، ومن المدهش أن تمارس هذه الأفكار الغيبية حتى عصرنا الحالي بصور متفاوتة، ولكن بمؤدى واحد، وهو ترسيخ الطغيان.

 

وعندما ما يدرك الطاغية صعوبة تقارب الاستحالة ممارسة الحكم بعلاقاتها المتشعبة، دون الاستعانة بالأجهزة، وتتسلل لإلى مخيلته نظرية أن الحكم في واقع الأمر لا يستمد قوته من المجتمع / الناس، بل بما تؤمنه له الأجهزة. ويستسلم لهذه النظرية طائعاً مختاراً أو تسليماً بالأمر الواقع، لمؤسسة صار لها جذورها وفروعها، وأعداد كبيرة أرتبطت مصيرياً بهذه الأجهزة، ومنهم من تورط بعمليات لا توصف بالنظافة، من اغتيال وقتل، وتهريب وغسيل أموال، وصارت هناك ثروات سوداء مودعة في بنوك سرية، وأنشطة اقتصادية الكثير منها يدخل في إطار الممنوعات، وهكذا فالطغيان يفرز الفساد أيضاً كمحصلة ضرورية، وكثرة أعداد من يرتبط بهذا الفساد، حتى أصبح النظام الديكتاتوري والفساد وضروب القمع قطعة واحدة متلاحمة يصعب فصمها.

 

إن التطور التاريخي لا يطرح نفسه بشكل انقلابات وهبات، بل بحتميات تاريخية، وتقود الواحدة منها للأخرى، وبتسلسل لا تتحكم فيه شعارات التطرف أو الطاغية الذي يقود التطرف، ولكت المراحل تحل بأستحقاقاتها، كنتائج تاريخية لا مناص منها. الطرف يقود إلى الفردية والطغيان، وهذا يقود إلى تراجع نظام الدولة وتصاعد دور الفرد، وهذا سيؤدي للفساد، وهذا يقود للقمع، والقمع يؤدي للثورة ... هذا تطور ديالكتيكي حتمي، لا محيد عنه، وبدون فهمه بشكل عميق سيستعصي فهم سائر الفقرات...

 

التطرف مهلك ...  والسائر فيه كالذي يخطو نحو النهاية

 

الطغيان مآله الهزيمة المؤكدة

 

 

 

 

 

 

 

 إكرام الميت دفنه

 ضرغام الدباغ

 

مقولة رائعة، حتى أن الكثير من الناس ظنوها لبلاغتها وفصاحتها وعمق معانيها حديثاً شريفاً، ولكنها ليست بحديث بل هي مقولة، ولكنها تنطوي على بلاغة نحوية وسياسية / اجتماعية لها أبعادا الرائعة.

 

ــ إكرام الميت في دفنه وذلك آخر واجب مكروه / مستحب، لئلا تفوح من المرحوم العزيز رائحة غير لطيفة فينفر الناس منه بعد أن لطيف المعشر، جذاب المجلس.

ــ إكرام الميت، بعد التغسيل والتكفين والصلاة عليه دفنه، (إلا إذا كان شهيداً فيدفن بلباسه وبدون تغسيل) وتؤدى الواجبات له بأتم الصور احتراماً لميتته الشريفة .

ــ إكرام الميت بمظاهر الاحترام ليس لقيمة المتوفى فحسب، بل ولقيمة أهلة وعشيرته. فالأحياء لهم في احترام ميتهم، إكرام لشخصياتهم.

ــ إكرام الميت دفنه، إذ يخشى أن يكون المتوفي قد فارق الحياة بسبب جراثيم خبيثة، وميكروبات، وفايروسات قد تنتقل من بعده إلى الأحياء. لذلك في تقاليد البحرية، المدنية منها والعسكرية، أن توضع الجثة في كيس، وتربط إلى الكيس أثقال تضمن الهبوط السريع والأكيد إلى قاع البحر، وقد يقذف زملاء المتوفي، باقة زهور إن توفرت، أو ربما أشياء جميلة ذات معنى تدل على الاحترام.

ــ الميت وإن فارق الحياة، لكن مقامه يبقى موضع إجلال، ويشار إلى علو مرتبته وشأنه وأهميته. فالقادة مثلاً، تحمل أوسمتهم على محمل خاص، وإذا كان حاجاً أو شيخاً فتوضع عمامته، أو عقاله، أو سجادته فوق التابوت، أو عباءته التي كان يشتمل بها، وما إلى ذلك.

ــ إكرام الميت هو إجراء صدقة على روحه، ليتذكره الناس بالطيب والمعروف الغير منقطع، فلا ينقطع ذكره الحسن.

ــ إكرام الميت، هو أحترامه بالذكر الطيب، واحترام عائلته ومن خلف، والفواتح وإن كانت من البدع الدخيلة على الدين، ولكنها عادة سارت عليها الناس وذلك بإقامة الفاتحة على روحه لثلاث أيام توزع فيها الخيرات والصدقات عن روح الفقيد. وبعد أربعين يوماً تقرأ عليه الآيات الطيبات، وبذكره الناس ومآثره.

 

هذه أعمال سبعة تقام على ميت، وكلها تجاهلها النظام المتسلط على رقاب الشعب السوري، تجاهلها كلها، ولأنه نظام متسلط، ولأنه أختطف الحزب وأسمه وشعاراته بطريقة لصوصية محترفة، ولان لا علاقة له بحزب البعث العربي الاشتراكي إلا من حيث تشابه الحروف والكلمات، دون المسميات والمعاني النبيلة، ولأنه أحال الحزب إلى عصابة قراصنة ومافيات، تقاسمت البلاد، استطاعوا لبرهة من الوقت من غش الناس، وخداعهم بأساليب المكر والاحتيال والتدليس، بالأعتماد على أدهى المخططات، ودهاقنة المؤامرات، المحلية والأجنبية، ولكن كما تقول القاعدة الشهيرة :

 

بوسعك أن تخدع كل الناس لبعض الوقت

وبوسعك أن بعض الناس لكل الوقت

ولكن من المحال أن تخدع كل الناس لكل الوقت

 

وهكذا اجتمعت الأسباب لهتك الأسرار وتمزيق الحجب والأستار، فتراكمت الأمور محلياً وعربياً وعالمياً، والشيخ مدبر ألعاب الحواة، توفاه الله، وخلف معتوهاً فاق في الإجرام أباه، ولم يكتف بالإجرام، بل بالغ في إظهار ما لا ينبغي أن يظهر، ولكنه معوق هزيل، غم بلغ ما بلغه بالألعاب التركيبية كألعاب الأطفال الميكانو أو مكعب روبيك، لا يمتلك الرؤية الاحترافية التي كان عليه أبوه، والحزب كان مريضاً في غرفة الرعاية المشددة، وتحت أنظار أخصائيين من رجال القمع وضباع الأمن والأستخبارات، لكنه كمريض تربط بجسده عشرات الأشرطة والأنابيب، ليبقى على قيد الحياة بحيل النطاسيين، ورجال إعلام من محترفي تزيف الحقائق، ولكن غرفة الإنعاش هذه نالها من الإعصار الشيئ الكثير، فلم يعد أحد يهتم بالعيب ولا بالعار، فلتمزق إذن الأستار......

 

المريض كان جثة ليس فيها من ملامح الحياة شيئ، فاقدة للحياة، قد فاحت رائحتها، ولأن الوقت ليس وقت احترام وإكرام، أخذوا الميت في ظلمة الليل إلى مقبرة مندرسة في أطراف المدينة، ودسوا الجثة على عجل دون شهود ودون شهادة وفاة، فأمين المقبرة من رجالنا الأمن ويقبض راتبه بالدولار .. وعادوا إلى وكر القمار، وتناهبوا الأموال المودعة بأسم المرحوم، وحولوا المقرات الجميلة الفارهة إلى بيوت وفيلات للمسؤولين .... و ... يا دار ما دخلك شر ... والبقية في حياتكم هذا هو مختصر ما جرى وحدث ...!

 

أما الحزب .... ولا نذكر الأسم هنا ... فالأسم أكبر أن يرد في سيرة الحثالات ... فباق ... باق .. خالد، خلود الجبال الرواسي، عريض المنكبين، شامخ الرأس، صادق وأمين على ما عاهد الشعب عليه ... أول من يضحي وآخر من يستفيد ... فتية يعشقون الأرض، ويفتدونها بالأرواح ...

 

فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث الناس

 

عاشت الأمة العربية المجيدة

عاش شعبنا العظيم

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار

 

 

مؤتمر ميونيخ للسلام

 

ضرغام الدباغ

 

ينعقد مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن سنوياً في مثل هذا الوقت في هذه المدينة الألمانية الجميلة، في أجواء ضيافة ممتازة، مع تهيئة كافة المستلزمات المادية لنجاح المؤتمر وجلساته الرسمية العلنية والسرية، واللقاءات التي تعقد على هامشه، في حضور صحفي عالمي واسع لتغطية المؤتمر وأحداثه.

 

ورغم أن المؤتمر لا يصدر مقررات ملزمة للإطراف التي حضرته، بيد أن مداولات ومداخلات الحاضرين (500 شخص تقريباً) كان هناك 16 من رؤساء الدول، و 15 من قادة الحكومات، 47 وزير خارجية، و30 وزير دفاع، 59 من ممثلي المنظمات الدولية، بينهم الأمين العام للأمم المتحدة، تمنح إيقاعاً لطبيعة العلاقات الدولية الدائرة، أو تلك التي على وشك الوقوع، وسمت الاتجاهات في السياسة الدولية، أو تلك التي لها تأثيراً عليها. والمؤتمر الأخير الذي انعقد بين 17 ـ 19 / شباط / 2017 هو الثالث والخمسين، أنعقد في ظروف خاصة، أوربية وعالمية، منحت المؤتمر ومداخلاته أهمية خاصة، وسنحاول أن نحدد أبرز تلك التوجهات والمؤثرات.

 

تلقت أوربا التي لم تصحو بعد من زلزال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، ضربة لا تقل إيلاماً بفوز دونالد ترمب وأفكاره المثيرة للقلق لا سيما تلك التي تتعلق بالعلاقات بين ضفتي الأطلسي والناتو عموماً، والتي تلقى تناغماً قد يتحول إلى كابوس حقيقي إذا ما تمكن اليمينيون من الفوز في هولندة، وفرنسا، عدا النزعة البريطانية في الميل للولايات المتحدة في توجهاتها الاستراتيجية، وآنذاك قد يتمدد اليمين الجديد ويزداد تطرفاً في جملة تطورات تطرح صورة جديدة للوضع السياسي والأمني في أوربا، والروس يراقبون الموقف بدقة متناهية، وإذا ما تهاوت العلاقة بين ضفتي الأطلسي (وهو رأي يتداول في القيادات العليا للدول الأوربية)، وتفكك عرى الأتحاد الأوربي، وإذا تحققت هذه التطورات الحادة فقد تعني نهاية حلف الناتو، والاتحاد الأوربي، استطرادا النظام الغربي بأسره وهو ما تذهب إليه مراكز أبحاث رصينة، وأمر يتوقعه حتى بعض الساسة المتفائلين في أوربا (وزير الخارجية الألماني)، فليس من المستبعد أن تنهض قيادات أوربية، وتتشكل أصطفافات جديدة، لمواجهة توسع روسي مرتقب يتجاوز في مداه أوكرانيا في شرق أوربا، وأيضاً بأتجاهات آسيا الوسطى، وليس من المستبعد أن تجد أنظمة أوربية غربية (ديمقراطية) أن التحالف مع روسيا (الإمبريالية) أفضل من الأنظمام لليمين النازي الجديد. وبعبارة واحدة، أن خارطة التحالفات والأئتلافات السياسية / الاقتصادية / العسكرية معرضة بأرجحية عالية للتغير، وفي آفاق ربما ليست بعيدة.

 

وفي أجواء ملبدة بغيوم سوداء ثقيلة ممطرة حافلة بالترقب والحذر، أنعقد مؤتمر ميونيخ، وكان الحاضرين فيه، يريد بسرعة أن يستطلع ويرى، ليتبين موقعه ومصلحته، وطرق النجاة والسلامة، ليقرر موقفاً قبل فوات الأوان، وأن يقيم جرداً واقعياً لمستودعاته، وأن يقبل ربما بخسارة جزئية على خسارة مواقعه كلها.

 

أرادت المستشارة ميركل، وهي لاعبة ماهرة، أستباق الموقف الأمريكي، المتجاهل للهواجس الأوربية، (أو لم يعطها حق قدرها من الاهتمام) وبل لغة التهديد الأمريكية حيال حلف الناتو للحلفاء الأوربيين الذين لا يؤدون مستحقاتهم المالية للناتو، والشكوى الأمريكية من حلفاءها ليس جديداً طيلة العقود الماضية، ولكنها لم تبلغ هذه الدرجة من التهديد الجدي، وبلغة تفتقر إلى الدبلوماسية الناعمة بين الأصدقاء. ومع أن المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، نوهت بأهمية حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالنسبة للأوربيين. ولكنها صرحت (المستشارة يركل) (17 / شباط)، عقب اجتماعها مع رئيس الوزراء الكندي جلستن ترو دو، قلئإلة "ولكن قوة الولايات المتحدة الأمريكية نمت أيضاً بفضل الناتو".  بمعنى واضح، أن أميركا أيضاً ليس بوسعها العمل دون أوربا.

 

ولكن المستشارة عبرت بما يكفي عن أن الحلف هو مهم لجميع الأطراف، وقالت ميركل إنه يتعين على الدول الأعضاء في الناتو أن تكون على وعي بقيمة التحالف. كما أشارت إلى أن ألمانيا زادت هذا العام من ميزانية دفاعها بنسبة 8 %، مؤكدة تمسك بلادها بتعهد زيادة نفقات الدفاع لتشكل نسبة 2 % من الناتج المحلي الإجمالي، وأكدت إن الحفاظ على علاقات جيدة عبر الأطلسي " مصلحة الألمانية كبيرة " بصرف النظر عمن يقود الولايات المتحدة وأشارت ميركل أيضا إلى أهمية المساعدات التنموية والوقاية من النزاعات. وقالت موضحة أنه سيتم عقد لقاءات مستقبلية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انطلاقا من هذه الروح. فيما عبر ضيفها الكندي ترودو إلى أن الاهتمام بالناتو لا يمكن قياسه فقط بحجم النفقات العسكرية، موضحا أن إرسال قوات للمشاركة في مهام خارجية يندرج ضمن هذا الاهتمام أيضا، وهي وجهة نظر تقترب من الرؤية الأمريكية للناتو.

 

وتولى رئاسة المؤتمر فولفغانغ ايشنجر (سياسي ودبلوماسي مخضرم/ سفير ألمانيا لدى بريطانيا، والولايات المتحدة) قال بان أوربا دخلت حقبة من " التخبط الأعظم " وهي الفترة التي تعتبر أكثر ضعفاً من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية". ولكنه عبر عن أعتقاده بأن مناقشات المؤتمر ربما ستساهم بإنهاء قلق الأوروبيين ومعهم   حلف شمال الأطلسي (الناتو) من سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة  التي يدأب زعيمها بانتقادهم وتطرق في إطار الإشارة إلى عجز اتخاذ القرار، إلى الوضع في سوريا مشيرا انه لمس من خلال المناقشة بأنه لن ينتهي الوضع المأساوي للشعب السوري دون تدخل عسكري دولي لإنهاء نظام بشار أسد.

 

وأتهم زير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في خطابه حلف شمال الأطلسي الناتو بأنه يعد لإشعال الحرب الباردة والسيطرة على العالم والاعتداء على روسيا من خلال توسعت رقعته في شرق أوربا  وتحشيده لفرقه العسكرية بدول بحر البلطيق التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي وفي بولندا وغيرها إضافة إلى إجراؤه المناورات العسكرية الغير أعتيادية

 

وأخفق نائب الرئيس الأمريكي الذي حضر المؤتمر في تبديد هواجس الأوربيين، بل وربما زاد منها من خلال إبداؤه القليل (وصف بالقليل جداً) من الاهتمام بالشؤون الأمنية والدفاعية الأوربية، ومع أنه تعهد من جهة بأن روسيا ستتحمل مسؤولية أفعالها في أوكرانيا وشرق أوربا. ولكنه أكد من جهة أخرى عدم التزام بلاده بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف الذي ينص على التزام جميع الأعضاء بمساعدة أي عضو يتعرض لاعتداء، وأن حجم المساعدة تقرره مساهمة ذالك العضو، وهو ما تؤكده المادة الثالثة المتعلقة بالحصص المالية لأعضاء الحلف.

ورد وزير الخارجية الألماني بأن بلاده لا تشعر بتهديد لتزيد الأنفاق الدفاعي. فيما عبر وزير الخارجية الفرنسي عن استيائه عن ترحيب الوزير الأمريكي بأنسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوربي، ومثل هذه الأفكار تشجع على التصرف الأنفرادي

 

 وفي إحدى مناقشات اللجان، طرح سؤال مهم " هل ينجو الغرب من أزماته "  إشارة إلى العجز عن أتخاذ القرارات، في أوكرانيا، والقرم، والوضع في سوريا، الذي ازداد تعقيداً نتيجة للتدخل الروسي. وملخص المناقشات أن المشاكل تواجه جناحي الناتو تشهد مشكلة، ولأول مرة لا تستطيع أوربا الوثوق في المساعدة الأمريكية.

 

وأنبرى وزير الخارجية البريطاني بالدفاع عن الولايات المتحدة قائلاً " إن على أوربا أن تخشى صواريخ بوتين، وليس ترامب ".

 

وفيما يخص منطقة الشرق الأوسط، وجه وزير الخارجية الإيراني الاتهامات التي شملت السعودية بأنها تحارب الشعب اليمني وتقف مع حكومة البحرين ضد الشعب البحريني وأن بلاده مستعدة لمحاربة الإرهاب نافيا أن تكون لبلاده مصالح باليمن وسوريا. إلا أن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير استطاع بكلمته المقتضبة أمام المؤتمر  دحض اتهامات الوزير الإيراني، والدفاع أيضا عن الإسلام مؤكدا أن الإرهاب لا يعرف دينا ولصقه بالإسلام يعتبر ظلما وعدوانا مشيرا إلى أن الإرهاب استهدف السعودية كما استهدف تركيا وفرنسا وألمانيا وأيضا أفغانستان والباكستان إلا أن إيران بقيت بمنأى عن ذلك فالدول المذكورة تشارك بتدمير سوريا وتحاول تغيير أنظمة منطقة الشرق الأوسط مؤكدا أن طهران هي المشكلة وليست الحل. وبالرغم من ذلك فقد أكد الجبير حرص الرياض على علاقات طبيعية مع طهران شرط أن تتوقف عن التدخل بمنطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.

 

 

 

على المكشوف :  الموقف ....  الآن

 

ضرغام الدباغ

 

السياسة عالم متحرك لا يعرف السكون، وما تراه اليوم يفور ويمور وينبض بالحماس وبإيقاع عال، تراه غداً خاملاً ساكناً يوحي بالجمود، إلا أن العناصر المحركة متوفرة دائماً، سواء كانت كامنة أو متحركة، بهذا القدر من الوفرة أو تلك، وتراكمها سيقود في الأجل القصير أو البعيد إلى تحولات وتطورات مدهشة، وكما أن العالم يشهد قيام تحالفات، فهناك فض لتحالفات كانت قائمة، قامت لحتمية قيامها، وانفضت لانعدام دواع وجودها، لذلك من نافلة الكلام القول أن لا تعتمد القيادات (سيما في بلدان غير القوى العظمى) أو صناع القرار السياسي على عناصر وقتية، بل انتخاب النقاط الأكثر صلابة وبناء مواقفهم عليها، على أن تضع نصب عينيها الاحتمالات الداعية للتغير، فتعد سلفاً المواقع البديلة، الأمر الوحيد الذي يكتسب درجة الثبات، هي المصالح الوطنية العليا، والسياسة أي سياسة إنما هي في خدمة المصالح الوطنية العليا وثوابتها، فالعناصر التي كانت غير مهمة، تحولت إلى فاعلة وسيتغير أسلوب التعامل معها، أو قوى كانت كبيرة، إلا أنها لم تستطع الحفاظ على مواقعها المتقدمة، فتراجعت أهميتها، ألم تكن هولندة ذات يوم في مقدمة الدول الاستعمارية، وكذلك أسبانيا والبرتغال، ولكن تلك مراحل أنقضت.

 

فالتغيرات تحدث ليس لصعود هذا الرئيس أو تلك الحكومة، بل بموجب مستحقات تمليها عناصر الموقف العام، واستجابة لها، وفي الدول (التي تمتلك نظام دولة) تحدث هذه بناء على معطيات عامة، وأبعد ما يكون عن انقلاب عسكري، أن انقلاب سياسي تدور معظم أحداثه خلف الكواليس، وخاتمة لعمليات أستغرقت وقتاً، وبهذا المعنى ما نشهده اليوم من تصاعد لمواقع اليمين الشعبوي على حساب (الديمقراطي) في العديد من البلدان الرأسمالية، إنما تؤذن بأنها مستحقات سياسية / اقتصادية / استراتيجية لمرحلة جديدة، وبناء عليه سنشهد قيام تحالفات، وأنفضاض أخرى يتطلبها الموقف الجديد.

 

هذه مقدمة نظرية علمية لما سنتداوله من تغيرات ربما ستكون عاصفة، نستبقها بتحليلنا لأهم العناصر الفاعلة والمتغيرة :

 

ــ الأوربيون، الديمقراطيون منهم بدرجة بسيطة، ثم الليبراليون، والاشتراكيون الأوربيون بدرجة أقل، وأخيراً حتى اليسار الأوربي (لا يتميز موقفه بالحدة) الكل أدلى بدلوه في هذه البئر القذرة في العداء ضد الأجانب (وهي ستارة مهلهلة تنطوي على عداء للعرب والمسلمين) وتحت لافتة محاربة الإرهاب، فهم يصنعون منظمات، ويأمرونها أن تفعل هذا وذاك، ليصنعوا منتجاً بأشراف مخابراتهم، ليكون ذريعة للحرب على الجميع، هذه لعبة سهلة مورست في حقب عديدة بدرجات متفاوتة من الإتقان، تحتاج إلى الدقة في العمل والتنفيذ، وهي ما تشتهر به دوائرهم. والأتحاد الأوربي برمته ككيان مهدد بالتفكك للتفاوت الشديد في قدرات أطرافها، ولا شيئ يتقدم المصالح الاقتصادية في علاقاتها.، وكذلك الناتو بدوره سيخضع لمواقف جديدة، فلن تكون الولايات المتحدة المدافع المجاني عن الأمن الأوربي.

 

ــ اليمين الشعبوي (النازية الجديدة) وهي اليوم في السلطة في العديد من البلدان، وبدرجات متفاوتة من التعصب والتطرف، وعلى تخوم السلطة في بلدان أخرى، تتمتع بقوة في الشارع السياسي، في موقف .. الإجمالي فيه، أنه يتشابه في عناصره وملامحه  ثلاثينيات القرن المنصرم، وهي تعلن (بكافة فصائلها) صراحة ودون مواربة عداءها للإسلام كعقيدة ودول، ولكن هذه شعارات تخفي ورائها صراعات نفوذ مصالح سياسية واقتصادية.

 

ــ الروس في طور إعادة إنتاج إمبراطورية، لابد أن تكون على درجة من الرفعة، بحيث تتجاوز إمبراطورية آل رومانوف، ومقبولة شعبوياً أكثر من إمبراطورية الترويكا (ترويكا الحزب الشيوعي السوفيتي، الثلاثي القيادي: رئاسة الحزب، ورئيس الوزراء، ورئيس مجلس السوفيت الأعلى) وقد بدأوا يعيدون حساباتهم، متخلين علناً وبشكل جذري عن سياسة التضامن الأممي السوفيتية، ويعلنون جهاراً نهاراً أن للموقف السياسي ثمن، وربما ثمناً باهضاً أحياناً،  ويكتشفون معطيات جديدة خلال عملية إعادة الحسابات هذه. المناورة في حقل الألغام، وإعادة صياغات استراتيجية تملي عليهم خطواتهم ومواقفهم السياسية، يمارسون البراغماتية والميكافيلية التي لم تعد عاراً، تحت شعار مصلحة الدولة قبل كل شيئ وفوق كل شيئ.

 

ــ اليسار الدولي الجديد (الماركسي اللينيني سابقاً) كمعسكر يتألف من سلسلة طويلة من الأحزاب الشيوعية / العمالية السابقة، متعددة بأسمائها وهياكلها الجديدة، ومن النقابات والمنظمات المحسوبة تقليدياً على اليسار، استمرت تحت وطأة الحنين (Nostalgie) تبدي تعاطفاً، بل قل تضامناً مع موسكو في معظم الحالات، حتى تلك الغير مقنعة البتة، فموسكو اليوم تتخذ مواقفها وقرارها السياسي محكوم بمصالح الدولة، والدولة الروسية اليوم هي إمبريالية الدولة الاحتكارية (وإن بأساليب ابتدائية متخلفة لا تزال تحمل شيئ من نكهة الطغيان الشرقي التقليدي، والهيمنة السوفيتية)، بيد أن المواقف الرسمية الروسية في الوقوف إلى جانب ديكتاتوريات دموية قاتلة لشعوبها، ومع أنظمة رجعية متخلفة تؤمن الغيبيات المطلقة، وهي مواقف تمليها المصالح الروسية الحيوية في قوس منطقتها (شرق أوربا، وأواسط آسيا والشرق الأوسط) وهذه المواقف بدأت تشكل ضغطاً على أحزاب اليسار الجديد وبدأت تشعر بحراجة الموقف ومن مغبة الوقوف على حافة سياسة تضعهم في إطار عداءهم مع الإسلام بدواعي الإرهاب، مع النازية الجديدة في معسكر واحد ..!

 

ــ بوجيز العبارة، ذهب زمن العقائد كموجه في السياسة الخارجية، الكل يمارس البراغماتية بشكل متزايد، ولم يعد يعبأ كالماضي بتغليف موقفه البراغماتي بدهون وشحوم ملونة لها تناغم بصري وسمعي، فاللعبة وحماس الإيقاع أخذت الجميع لينغمسوا فيها، ولم يعد مهماً إلا الموارد والمصالح وسياسة التوسع (Expansion Politicy) ولم يعد السؤال مهماً إن كانت بوسائل شريفة نظيفة، أم غير ذلك، وبتنا نسمع جملاً ومصطلحات مذهلة، وأحداث الثورة السورية أثبتت للجميع أن: قلب العالم ليس من الحجر، بل من الفولاذ، لا صوت له ولا صدى ولا رنين.

 

ومن المدهش في هذه التوليفة أن لا يجمع شيئ بين أركانها سوى العداء للإسلام، ولا يكاد هذا الموقف يفهم في إطار ما نعرفه من دقة في اتخاذ القرارات السياسية اليوم، وتعدد قنواته، وهو مدهش حقاً، أن يبلغ هذا العالم الذي بلغ دون ريب مرحلة عالية من العلم والثقافة والتحضر، أن ينحدر إلى هذا المستوى المتوحش في اعتبار شكل الثوب (حجاب أو غيره) ونوع الطعام (لحوم الحيوانات) مقياساً للحكم على شعوب وأمم يبلغ تعدادها المليار والنصف، وقد وضعوا خلف ظهورهم مبادئ الحرية والديمقراطية والتعددية الرائعة وتنكروا لها، وتجد اليوم من يدعي الثقافة والعلم يصب جام غضبه على من ترتدي الحجاب، وفرنسا الثقافة والحضارة تلزم باعة اللحوم فرنسيي الجنسية من المسلمين بيع لحم الخنزير، ومتطرفون يعتدون بالضرب على رجال مسنين، ويحرقون منازل اللاجئين، وممارسات عنصرية تفوق الوصف.

 

هناك تفاصيل مروعة لا نريد ذكرها، نحن بصدد نشر ثقافة التعايش والتقبل، والاشتراك في عالم واحد أضحى صغيراً .. بل صغيراً جداً، والثقافة العربية الإسلامية كانت دوماً حضارة متفاعلة تقبل الآخر وتحترمه، ولا ترغمه على تغير عاداته وتقاليده، فالعرب كانوا يطلبون من الأمم الأخرى عدم ارتداء الزى العربي، ولم يرغموا أحداً على قبول الدين، فهذا شأن اعتقادي أولى شروطه الاختيار الحر.

 

ولكن المعطيات المادية تشير، أن التناقض بين الأقطاب الرأسمالية ليس سببه الإسلام، فهذه ذريعة سطحية للتعامل السطحي الظاهري، فالأمر في لحمته وسداه هو التنافس السياسي / الاقتصادي  بأبعاده الاستراتيجية، فما دخل المسلمين في التناقضات التي تسود أوربا، وما دخلهم في التناقض في ملفات ضفتي الأطلسي ...!

 

ولكن ما هي العوامل التي تقود إلى المتغيرات ....؟

بالطبع بالدرجة الأولى المصالح الاقتصادية، والأقطاب الرأسمالية التي كانت خمسة دول، أصبحت اليوم تسمى بدول الثمان " الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، ألمانيا، فرنسا، اليابان، كندا، إيطاليا، روسيا). ثم هناك مجموعة الدول العشرين، ويحتمل في عالم اليوم المتغير بإيقاع قوي أنظمام دول أخرى إلى قائمة الدول العظمى: الصين، الهند، البرازيل، تركيا، وكوريا الجنوبية والمملكة العربية السعودية، وربما دولاً أخرى من بين مجموعة الدول العشرين.

 

أردت بهذا القول أن التحولات الجوهرية (نؤكد الجوهرية) وهذه تشمل الدول التي تبلغ مرتبة رفيعة في الاقتصاد أولاً، تمنحها أهمية لا يمكن تجاهلها في عالم العلاقات الدولية، بناء على دورها السياسي /الاقتصادي المحلي والاقليمي، ثم الدولي، في مجالات الصناعة، والتصدير، وحجم الناتج القومي والميزان التجاري، ومعطيات استراتيجية أخرى.

 

وبشكل موجز وسريع، حركة التحرر العربية لا يهمها من يكون مع إيران ومن يكون ضدها، نحن يهمنا بالدرجة الأولى أن تكف إيران عن سياسة لم تحصد منها سوى الخيبة والخسران، وإيذاء العرب والمسلمين في حين ترفع هي تزويراً وتمويهاً " الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل " ولكنها لا تقتل واقعياً سوى العرب والمسلمين كأن هذا هو دورها المشهور في اللعبة الدولية وتقبض عليه المكافئات العلنية منها والسرية. هي مفارقة قديمة أن تعطي الإشارة للاستدارة نحو اليسار، ولكنك تستدير نحو اليمين. ونحن لا نطمع بشير واحد مما يمتلكه الغير، وواهم من يعتقد أن بوسعه أن ينتزع منا شبراً واحداً، ومن المؤكد أننا سنطرد كل من دخل بلادنا دون تأشيرة. وكل يتحمل وزر أحلامه وكوابيسه، وما جنته يداه.

 

وزير الدفاع الأمريكي الجديد جيمس ماتيس يصرح:" إيران هي أكبر دولة راعية للإرهاب،  وليس من الجيد  غضُ النظر عنها " وأميركا لا تفعل شيئاً حباً بالعرب والمسلمين، بل حباً بمصالحها، فلنسعى لترصين صفوفنا، ولنتخل عن تهييج التناقضات الثانوية، وعن التحريض والصراخ وتبادل الشتائم، فالخطر يتهدد الجميع، وليتخلص من كان على وهم من أوهامه، وليفهم أن الأجنبي يريد تحقيق مصالحه عندنا، ويتخذ من بعضنا وياللأسف مطايا لمصالحه، في ضرب من غباء وحماقة، أو لقبول دور من يتناول البعض من فتات مائدة هي يأسرها له لو أحسن تفكيره وعمله.

 

ما يدور من معادلات نراقبها ونحللها، ولكن لا نعول في النهاية إلا على قوانا الذاتية.

 

 سيف خشبي ننتجه نحن خير من مدفع أجنبي.

 

 

 

ارتهان القرار السياسي

 

بيد المؤسسة الدينية

 

د. ضرغام الدباغ

 

مدخل

 

بينما كنت أطبع الكتاب: البرتو ومحاربو الشمس، وهو عمل ممتاز كنت قد ترجمته في وقت سابق من الآن، يبحث في التاريخ السياسي والحضاري، للمكسيك قبيل وبعيد الاحتلال الأسباني لها وتدمير الحضارات التي كانت قائمة هناك، انتبهت للفقرة (د) من الفصل الخامس، وأعتقد أننا يجب أن نمنح عناية خاصة لمطالعة هذا النص.

 

المفارقة هنا أن تمتلك المؤسسة الدينية حق إصدار القرارات السياسية، وبعض من تلك القرارات ستلعب الدور الحاسم في تاريخ الشعوب ومستقبلها إلى آجال غير محددة. المؤسسة الدينية عندما تكون هي صاحبة القرار، ولا أظنها تقبل بدور المشارك الثانوي، فالمؤسسة الدينية تنفرد بخاصية معروفة، هي أنها تعتبر نفسها المقام الأول ولا يوجد مقام ثاني وثالث، هي على صح، وغيرها سيان من يكونوا على خطأ ذلك أنها تمثل إرادة الرب، وماذا يمثل الآخرون ..! وفي حين أنهم بشر عاديون، ولكنهم يزعمون تمثيل الآله ــ الله  أو إرادته ...!

 

المصالح البشرية والوطنية لا تساوي فلساً واحداً (في هذه الأيام سنتاً واحداً) في عرفهم

 

إذن نحن أمام إشكالية سياسية لها طابع خاص. ففي العلوم السياسية المعاصرة، يتخذ القرار السياسي عبر قنوات عديدة، وقياس حسابات دقيقة، وردود أفعال محتملة، وموقف عناصر وجهات كثيرة، وجرد لقدرات ومستودعات الإرادة الذاتية، وقدرات الجهات المقابلة، وينبغي أن يشارك في صياغة القرار السياسي، وتستخدم حتى الرياضيات العالية في تقدير قوى أطراف الموقف، وهي عملية تتطلب الدقة بأعلى درجاتها، ويستحسن التأني بها وأن لا تكون ارتجالية سريعة فتعرض القرار لمصاعب في التنفيذ. وكلما كان القرار يمس مرتكزات الدولة، كانت عملية اتخاذ القرارات تكتسب أهمية استثنائية تستلزم أقصى قدر من الفحص والتمحيص.

 

المؤسسة الدينية لا تحتاج لكل ذلك، ربما تكتفي برؤية طالع النجوم، أو إجراء أستخارة، أو السؤال من كاهن لا يعرف جدول الضرب ..! بيد أن الكاهن إن نطق، فقد وقع الفاس بالراس ولا مرد لقراره. الكاهن لا يقر بلعبة التوازنات، ولا يعترف بإقامة الائتلافات والتحالفات بين قوى متعددة الأيديولوجيات، فالآخرون برأيه قد يكونون: مردة، كفرة، هراطقة، زنادقة.

 

مالعمل ...؟

 

التاريخ بتطوره حل هذه الإشكاليات، وما تبقى هي الذكرى فحسب .. أما من لا يزال يعيش في حمى الذكرى فالتجربة وأحداث التاريخ المقبل ستكون خير معين له، هذا إن كانت هناك ثمة فائدة من التجربة،  ومن يستفيد منها.

 

 وفي بعض الأحيان لا توجد فائدة للأسف من التجربة، فأنت لا تستطيع القول فلنجرب ماذا يحدث إن ضغطت على زناد سلاح ناري مصوب إلى الصدغ، فالسلاح الناري سيحدث فجوة محترمة في الجمجمة بما لا يمكن معها إعادة التجربة.

نحن نضرب الأمثال، ونتوسل من عبر التاريخ أن تكون مؤثرة في وعي الناس.

 

 

***********************************************

 

 

د : هبوط الآلهة

 

(الفقرة الثامنة من الفصل الخامس)

البرتو محاربو الشمس

تأليف: رولاند كوربر

ترجمة: د. ضرغام الدباغ

رويتلينغن 1960 / ألمانيا الاتحادية

دار النشر: أيسلين ولايبلين

 

نزل الأسبان في المكسيك عام 1519 بقيادة هيرناندو كورتيس Hernando Cortez حيث كان الملك موكتيسوما الثاني يحكم الأزتيك. وكان الأزتيك يسمون تلك السنة ب (قصب 1) لأن اليوم الأول من تلك السنة من تلك السنة يحمل هذا الاسم، وكانت السنة تسمى باسم اليوم الأول منها.

 

والسنة  " قصب 1 " كان لها أهمية خاصة في معتقدات الأزتيك، إذ أن آلهة الضوء، نجمة الصباح " كويتسالكواتل " والذي كانت سنة ولادته في عام قصب يسمى (أمير قصب 1) قد غادر البشرية بعد 52 عاماً من ولادته، ثم عاد بعد سنة واحدة. وبعد النصر أصبح المعلم العظيم للبشر. وكان يشغل منصب الملك والكاهن الأكبر فيها، وكانت الظروف والأحوال تشابه الجنة، ولكن الناس لم يكونوا يظهروا له الاحترام والتقدير الكافيين، لأن ملك الآلهة في كويتسالكوتابل قد غادرهم، فقد صعد مع المقربين إله إلى سفينة في خليج مكسيكو، ونادى عليه الناس أن يعود في عام القصب لكي تسود العدالة(هكذا الأسطورة).

 

وعندما لاحظ سفراء ملك الهنود موكتيسزوما الثاني في عام القصب التي تقابل عام 1519 ميلادية بخبر عن نزول البيض، إذ لم يكن يشك ولا لحظة واحدة، بأن كويستاكواتل قد عاد مع المقربين إليه، لا سيما وأن الإنزال قد جرى في نفس الموقع(حسب الأسطورة). وكان ملك نجمة الصبح قد ركب زورقه (الآلهة البيض) كانت لهم لحى، وحتى كويستاكواتل كانت له لحية، وهذا يعني شيئاً كثيراً للهنود الذين لم يكونوا يطلقوا لحاهم، وقد نزلت حيوانات ضخمة، ربما هي آلهة، إذ أن الهنود لم يكونوا يعرفون الخيول التي ظهرت لهم كمخلوقات من العالم العلوي، كما كان قصف المدفعية الأسبانية قد من عزز قناعتهم من أن القادمين يتمتعون بقوة الآلهة.

 

وما لم تكن تلك علامة مقبضة للنفس، التي أكدت هذه الإحداث. فالملك موكيتزوما ما يزال يتذكر شخصياً ذلك اليوم الذي جلب فيه له الصيادون طيراً مائياً كان يحمل فوق رأسه مرآة وبوسع المرء أن يشاهد في هذه المرآة السماء والنجوم. ولكن حين تطلع الملك في المرآة، شحب لونه، إذ علم أن هناك كثير من المحاربين يقتربون وهم يمتطون ظهور حيوانات كبيرة غير معروفة عام 1509، وكانت هناك نار كبيرة يتصاعد لهيبها من الأرض إلى السماء. وعندما شاهدها الملك، هكذا يحدثنا المؤرخ:  " لم يظهر احتراماً وتقديراً للسلطة، وأعطى، في الحال الأوامر بإيقاف القتال والحرب ". والآن قد حلت سنة قصب، وها هو كويتساكوابل قد جاء مع لإحلال العدل.

 

وعندما يقرأ المرء التقارير الأسبانية عن احتلال المكسيك يتساءل، لماذا لم يرسل ملك الأزتيك جيشاً كبيراً إلى الساحل ليطردوا ال 500 أسباني برغم تسليحهم الحديث. وهذه الأفكار يناقشها الناس اليوم فقط، ولكن الأزتيك كانوا يعيشون في عالم كان القرار فيه للآلهة النجوم، ونحن نعلم بالتأكيد، بأن الحرب إنما تتم بتوجيه من الآلهة إلى الجن والعفاريت، ولكن كل شيئ يتحدث هنا ضد مثل هذا القرار.

 

 

انتهى النص

 

 

(وهنا يكمن السر لماذا لم يقاوم الأزتيكيون احتلال الغزاة الأسبان لبلادهم، رغم أن ذلك كان بمقدورهم، لسوء حظ الشعب أن الكهنة لم يوافقوا .. فهم تحت وهم أسطورة أنه الإله المختفي قد عاد، والشيئ بالشيئ يذكر .... لمن شاء أن يتذكر ....! ).

 

 

برلين

 

 

أصداء الانتخابات الأمريكية

 

د. ضرغام الدباغ

 

في دراسة وتأمل لشؤون الانتخابات الأمريكية، هناك معطيات جوهرية تطرح نفسها، منها مثلاً الغرابة الشديدة في قانون الانتخابات الأمريكي، الذي لا يماثله قانون أنتخابي في أي بلد من بلدان العالم، ورغم أن القانون أو جزء منه أو روحه يعود إلى عهد تأسيس الولايات المتحدة 1789 إلا أن هذا القانون ما يزال ساري المفعول رغم ما يثار ضده من طلبات تغير. ومنذ عام 1853 أي الرئيس الرابع عشر فرانكلين بيرس وحتى الآن (دونالد ترامب هو الرئيس 45) يتداول الحزبان الجمهوري والديمقراطي السلطة بلا انقطاع بصورة منتظمة تقريباً

 وبتقديري أن شدة تعقيد القانون الانتخابي وتداخل المجلسين الشيوخ والنواب، هو أمر مقصود بالطبع، لمنح أقصى قدر من المرونة للجهات التي تتولى ترتيب البيت وهي في الغالب الجهات المتنفذة والتي تقف خلف القرار السياسي ولا تظهر على الواجهة كمؤسسات الأمن القومي والقرار السياسي. وبخلاف ما يعتقده كثيرون بأن الناخبين الأمريكيين يقومون بانتخاب رئيسهم مباشرة، فإن كلمة الحسم ترجع للمجمع الانتخابي الذي يتكون من 538 مندوباً.، فإنه عملياً لا يختار رئيسه مباشرة، بل يمنح صوته لأحد المندوبين في الولاية التي يصوت فيها، وذلك لأن نظام انتخابات الرئاسة الأمريكية يعتمد على ما يدعى بالمجمع الانتخابي Electoral College.، ففي انتخابات عام 2000، فاز جورج بوش الابن بالانتخابات آنذاك على الرغم من أنه حصل على أصوات أقل من منافسه الديمقراطي آل غور بفارق 540 ألف صوت وذلك لأن بوش حصل على أغلبية أصوات المجمع الانتخابي (271 صوتاً) ليصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية.

 ليس من السهل وضع حدود لأنماط التفكير والسلوك لدى الرؤساء الأمريكان بناء على انتمائهم الحزبي / السياسي، ولست ممن يميل للاعتقاد بأن سلوك الرئيس الأمريكي الشخصي مؤثر بدرجة كبيرة جداً على طبيعة القرار السياسي ومساراته، ذلك أن آليات اتخاذ القرار تمر عبر قنوات ودهاليز كثيرة قبل اتخاذه، والأدلة كثيرة، والرئيس قد يختار من بين الخيارات. القرار الأمريكي يعد ويدرس في دوائر عديدة قبل أن يعرض على الرئيس، والسياسة العامة للولايات المتحدة تحكمها ثوابت، ومتغيرات وهي موضع دراسة ومتابعة من خبراء واختصاصين، ولا يدور شيء حقيقي في الولايات المتحدة إلا سلطة رأس المال والاحتكارات التي تسكت أقوى صوت سياسي واقتصادي معارض، لذلك من الصحيح تماماً القول أن الرئيس الأمريكي يمثل ذروة المصالح الاقتصادية والسياسية الأمريكية في المرحلة التي تناسب شخصية الرئيس قيادة فعالياتها، عل شتى مستوياتها، فالرئيس بهذا المعنى منتوج ومحصلة لإرادة الدوائر القيادية الفعالة في الولايات المتحدة.

 مع أننا يمكننا القول أن الرؤساء الديمقراطيين أكثر الرؤساء ثقافة : تيودور ويلسون، جون كندي، بيل كلنتون، وباراك اوباما، ولكن مع ذلك فقد شهد عهد الرئيس الديمقراطي اوباما (رغم ثقافته العالية) أسوء المراحل في العلاقات العربية / الامريكية تدهوراً، وحتى مع شعوب اخرى، وكذلك لم يكن سلوك كلنتون يتفق مع ثقافته الأوكسفوردية.

 كما لا يمكن اعتبار العهود الجمهورية أكثر عدوانية وشراسة وميلاً للحروب،  فالحروب والقرارات الحربية الصعبة اتخذت في عهود الحزبين بلا تميز، رغم أن الرؤساء الديمقراطيين كانوا غالباً أكثر ثقافة ، مبادي (Doctrine) ترومان / ديمقراطي، أيزنهاور / جمهوري، نيكسون / جمهوري، كارتر / ديمقراطي، والرئيس ترومان الديمقراطي مثل أبرز علامة في تاريخ الحرب فهو من أتخذ قرار ألقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي، وفي عهدة تأسس حلف الناتو وابتدأت في عهده أيضاً الحرب الباردة، وهو صاحب مبادئ (Doctrine) ترومان العدوانية في التدخل، في حين نيكسون الجمهوري هو من أوقف الحرب الفيثنامية.

تثبت هذه المعطيات أن السياسة الخارجية الأمريكية تصاغ في مؤسسات معينة ولا يلعب أي من الحزبين يمارس السلطة، فالحزبان يمثلان المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، وشخصية الرئيس هي لتتلائم مع طبيعة التوجهات المقبلة وتتناسب مع معطياتها.

 بتقديري أن الموقف من الأقطار العربية ومصالحها، هو توجه له درجة كبيرة من الثبات، فالولايات المتحدة تربطها بالشرق الأوسط مسألتان هامتان :

 الأولى : سياسية وتتمثل بحزمة المصالح الأمريكية التي تتناقض لدرجة كبيرة مع السياسية الأمريكية وفي المقدمة الموقف حيال إسرائيل، ثم وضع بلدان الشرق الأوسط في حلقة السياسة الأمريكية بتفاصيلها ومفرداتها الجيوبوليتيكية.

 والثانية : هي جملة العلاقات الاقتصادية وتقع موضوعات الطاقة في مقدمتها والتبادلات التجارية، وشؤون نقل التكنولوجيا وغيرها، وهي غالباً ما تكون متناقضة.

 الولايات المتحدة في أشد مراحل حاجتها إلى البلدان العربية سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً، لم تكن تهتم إلا بمصالحها دون أي اعتبار للمصالح العربية ولو بمقدار ضئيل، حتى مع الحكومات الصديقة للولايات المتحدة في العراق الملكي، ومع الحكومات العربية التي لها علاقات صداقة تقليدية مع الولايات المتحدة، الولايات المتحدة تريد تحقيق مصالحا حتى آخر ذرة، ولا تمنح أي مكسب ولو بمقدار ذرة.

وإذا كان الأوربيين قد ضاقوا ذرعاً (بما فيهم أقرب حلفاء أميركا في أوربا) ويبدون التذمر علناً للسياسات الأمريكية  حيال أوربا تجارياً وسياسياً وعسكرياً في عهد الديمقراطي الاكاديمي المثقف أوباما، فماذا هم فاعلون  أمام رئيس يطلق أشد الكلمات شراسة وعدوانية وعنصرية وفاشية، وها هم قادة أوربا يخرجون عن دبلوماسيتهم ويعبرون بعبارات واضحة وصريحة عن قلقهم، بل خوفهم من الآتي، وأعتبرت ميركل ان ألمانيا وأمريكا تشتركان في قيم الديمقراطية والحرية واحترام حكم القانون والكرامة الإنسانية بغض النظر عن الأصل ولون البشرة والدين والجنس والميول الجنسية أو المعتقدات السياسية، وبناء على هذه القيم تعرض التعاون الوثيق على الرئيس المقبل للولايات المتحدة دونالد ترامب".

 فيما تمنى وزير الخارجية (الدبلوماسي المحترف) أن لا يؤدي هذا الفوز إلى تصدعات في السياسة الدولية لا نعرف كيف ستكون سياسة ترامب في الحكم" وأن نتيجة الانتخابات الأمريكية جاءت بشكل مغاير لما تتمناه الأغلبية في ألمانيا، ما نائب المستشارة فكان أكثر صريحاً إذ أعتبر فوز ترامب تحذيرا لألمانيا وأوروبا، وداعيا صناع السياسة للاستماع بدرجة أكبر إلى مخاوف الناس. إن ترامب هو رائد الحركة الاستبدادية والشوفينية الدولية الجديدة." وأضاف "بلادنا وأوروبا عليها أن تتغير إذا أرادت مواجهة الحركة الدولية الاستبدادية، أما وزيرة الدفاع الألمانية فقد أعتبرت فوز ترامب "صدمة كبرى" وطالبته بتأكيد التزامه تجاه حلف شمال الأطلسي، فيما قال وزير العدل الألماني إن فوز ترامب "لن يكون نهاية العالم لكنه (أي العالم) سيزداد جنونا."

 فيما يطلق اليمين الفاشي الأوربي صيحات النصر والأبتهاج والفرح والوعد والوعيد ... إذ اعتبرت سياسية من "حزب البديل من أجل ألمانيا" أن فوز ترامب هو انتصار تاريخي"وكتبت نائبة أحد رئيسي الحزب الألماني المعارض أن "فوز دونالد ترامب يعد إشارة إلى أن المواطنين في العالم الغربي يريدون تغييرا سياسيا واضحا. كذلكوصف سياسي ألماني ينتمي لحزب البديل المعارض أن فوز ترامب في الانتخابات يمثل "حقبة جديدة في تاريخ العالم". يذكر أن رئيسة حزب البديل كانت قد ذكرت أن هناك أوجه تشابه بين حزبها وبين ترامب

هنأت زعيمة حزب الجبهة الوطنية، الذي يمثل أقصى اليمين في فرنسا، دونالد ترامب وذلك قبل قليل من إعلان المرشح الجمهوري فوزا غير متوقع بالرئاسة الأمريكية. "أطيب التهاني للرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب وللشعب الأمريكي الحر". وفيما علق الزعيم اليميني الفرنسي علق جان ماري لوبان قائلا: "اليوم الولايات المتحدة. وغداً فرنسا"، في حين اعتبر اليميني الشعبوي الهولندي خيرت فيلدرز أن أوروبا تشهد "ربيعا قوميا لقد استعاد الأمريكيون أرضهم". وأضاف أن أوروبا تشهد "ربيعاً قومياً".

وفي بلجيكا، هنأ حزب المصلحة الفلمنكي -وهو حزب بلجيكي انفصالي ومناهض للمسلمين- الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب قائلا إن فوزه غير المتوقع في الانتخابات يمكن تكراره في أوروبا. وقال رئيس الحزب: "تظهر الانتخابات الأمريكية مجددا كيف أن الساسة أصحاب المواقف البعيدة عن التيار السائد هم جزء من الشعب"، في إشارة إلى فوز ترامب وتصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وأضاف: "مسيرة ترامب ليست ظاهرة فريدة. ففي أوروبا أيضا يوجد كثير من الناخبين الراغبين في التغيير".

وكتبت الصحافة الألمانية الصادرة الرصينة بعد نتائج الانتخابات الأمريكية بشكل نقدي مشيرة إلى قلة كفاءة الرئيس دونالد ترامب المنتخب سياسياً واقتصادياً وتحذر من أوقات عصبية ستواجهها الولايات المتحدة والعالم في المستقبل.

ــ كتبت صحيفة فرانكفورتر ألغماينه " تمكن ترامب من حشد أصوات الناخبين البيض في الريف عموماً، وفي المدن الصناعية القديمة خصوصاً، وبشكل لم يتوقع أحد أن يكون ذلك ممكنا. فخطابه الشعبوي ومواقفه الاقتصادية الشوفينية دغدغت مشاعر الناس البسطاء الذين كانوا يشعرون بأن النخبة السياسية لم تعد تمثلهم، والنخبة الاقتصادية أهملتهم، ويشعرون أيضاً بأن النخبة الثقافية تحتقرهم وتسخر منهم".

ــ كتبت صحيفة زود دويتشه "ها قد انتخبوا رجلاً لقيادتهم يزرع الكراهية ويحرض على العنف ولم يقدم حلولاً لمشاكل البلاد. انتخاب ترامب رئيساً يشكل مجازفة كبيرة. ففوز الرجل لم يمكن وفق برنامج سياسي ولا حتى وفق اختيار جيد لشخصيات طاقم مرافق. وكانت الحملة الانتخابية ذات طابع فوضوي وتميزت بأنانية مفرطة. والعالم ينتظر الأتي حابساً أنفاسه. وستمر أوقات عصيبة".

ــ  أما صحيفة دي فيلت فأشارت إلى تبعات انتخاب ترامب بالنسبة لألمانيا وروسيا وسوريا حيث كتبت تقول " إن فوز ترامب المفاجئ يشكل أيضاً نجاحاً لبوتين. أما المستشارة ميركل فستقود ألمانيا التي ستكون قريباً محاطة بالقوميين والشعبويين من كل جانب، إضافة إلى تراجع أسواق صادرات بلادها. سيحاول ترامب عقد صفقة مع بوتين فحواها: تبادل القرم بحلب. وسيحدث ذلك كما يفعلها زعيم مافيا عندما يقول لزعيم عصابة أخرى: لا نبدأ حرباً بسبب المقاطعة الجنوبية من شيكاغو، أليس كذلك؟ يمكنكم الاحتفاظ بالقرم ولكن سنقوم معاً بالقضاء على داعش. في هذا السياق يتم تجاهل القانون الدولي والأمم المتحدة".

ــ أما موقع "شبيغل أولاين " فكتب : "انتخبت أقدم وأكبر ديمقراطية في العالم عنصرياً وشوفينياً ليكون أقوى رجل في العالم. أمريكا لم تنحاز لصالح العقلانية والنزاهة، بل فضلت اختيار قلة الحياء والكذب. كانت الرغبة في التغيير وعمق الكراهية إزاء النخبة السياسية في واشنطن كبيرة إلى درجة دفعت الأمريكيين إلى تفضيل محرض تتوقع منه كل شيء في البيت الأبيض على امرأة تمثل النخبة السياسية".

 فأي مستقبل للعلاقات الدولية في ظل هذه المؤشرات القاتمة المظلمة، وأين تكمن المصالح العربية في ظل تشتت الإرادة العربية واشتداد الصراعات الدموية، والتحريض الطائفي .

 إن أمام القوى العربية، بل وكافة القوى في المنطقة، تجاهل تناقضاتها الثانوية، ووضع مصالحها الحيوية في المقدمة، ولملمة المواقف، فالأنواء الجوية تنبأ بأمواج عاتية عالية .....  وربما عالية جداً ...!

 

المقال جزء من مقابلة تلفازية  بتاريخ 9 / تشرين الثاني / 2015

 


                                      
برهان كركوتلي ...

الفنان ... الإنسان ...الثائر


د. ضرغام الدباغ



عام 1932 ولد برهان كركوتلي لأول مرة في دمشق، ولكنه ولد بعد ذلك مرات عديدة، ليست من ضمنها تلك التي نجا فيها من موت محقق إثر تعرضه لحادث سير، ولكنه ولد يوم وجد أسلوبه في العمل الفني، وولد مرة أخرى يوم انتمى للثورة، ومرة أيضاً يوم وجد الجمال في الثورة، ومرة أخرى عندما وجد انتماؤه النهائي للشعب، ولكن برهان لم يمت قط، ولن يموت.
كان برهان في السادسة عشر من عمره يوم حلت كارثة فلسطين، يافعاً ساخناً يضج قلبه وعقله صوراً وتعابير وغضب... وكانت فلسطين جرحاً فاغر فاه، فهل من المستغرب أن يقذف شاب حالم، غاضب بنفسه في جوف هذا الجرح البركان ؟
وتبدأ رحلة برهان، وينمو الشاب ويكبر مع كبر الجرح واتساع المأساة، وعندما درس في القاهرة في الخمسينات، اعترف بنفسه، انه لم يكن قد وجد نفسه بعد ! تأثر عن بعد بالفن المكسيكي وبالفنان سيكوايرس، وهو لا ينكر ذلك، ولكنه يضيف، إني نظرت إليه بعيون وروح عربية. وذلك قبل أن يذهب على المكسيك بحوالي ربع قرن. كان يريد الذهاب للمكسيك من أجل الدراسة في أكاديمية الفن المكسيكية، ولكنه لم يفعل ذلك، أو لنقل أن الظروف قذفت به إلى مصير آخر، ولكن طريق كركوتلي الفني كان قد رسم قبل ذلك.
في القاهرة حيث كان يدرس الفن، وقد أنجز هذه الدراسة، ولكنه لم يصبح فناناً بعد، ومن اجل ذلك كان لابد من ولادة أخرى، ولم يضل طالب الفن الشاب كثيراً، فهو كان قد وجد ذلك في الانتماء النضالي / الفني، كان وفياً للجرح الذي كان قد رآه بأم عينه وقاسى آلامه.    
أكمل دراسته في ألمانيا ومدريد، وزار عدة بلدان منها لبنان، والمغرب، وهو مثل كل الفنانين في كل العصور يخزن الصور في ذاكرته ويستنكه معاناة من يصادفهم، وفيما عدا الأربعين سنة التي أمضاها في ألمانيا، أمضى 18 شهراً في المكسيك وفنزويلا، ترى مالذي أخذه إلى هناك، ليمضي هذه الفترة الطويلة هناك ؟ غير تذوق نكهه الحياة الإنسانية والغوص في أعماق العذاب الإنساني، وماذا يمكن لفنان قادم من بطن الجراح والآلام سوى أن يحتضن المعاناة في عيون الأطفال وجباه الرجال والنساء وزخارف وتهاويل لا يتفاعل معها إلا رجل يرتدي عباءة دمشقية قادم من قلب الأشياء والزمن

درس برهان ومارس الرسم والكرافيك الكاريكاتير كما مارس الكتابة والقصة. وكانت موضوعات الثورة الفلسطينية منذ الستينات هي ال Motivation الذي عمل له الكركوتلي ومثل هاجسه الفني والشخصي معاً. وهو انتماء أصيل ترى مالذي يمكن أن ينفعل الإنسان به والنار تشتعل بثيابه ؟

ومع تعمق نضج الكركوتلي، كان الوعي يبلور لديه عوالم جديدة من الاكتشافات الذاتية ومفاهيم جديدة من الفن السياسي، كان يفكر كثيراً كيف يمكنه أن يدفع قضية الفن والثورة معاً ؟ كيف يمكنه أن يمنح مفاهيم الأدب والفن الملتزم أبعاداً جديدة ؟ وهل يمكنه أن ينجح في ذلك ؟ فهو في ذلك فنان ثائر ممتلئ غضباً يمسك بريشته ويملأ الجدران صخباً بالألوان، يحلم هنا، ويفجر ثورة هناك، ويدع مهمة فهم ذلك وتأطيره للنقاد وفلاسفة الفن والصحافة الفنية.

وبرغم أن برهان أنه غادر بلاده العربية الشرقية منذ أربعين عاماً، بيد أنه ظل شرقياً جداً وعربياً جداً. فيقول عنه صديقه الناقد الألماني هارالد بوك : كان واضحاً في وعيه للتهاويل العربية، وفن الأرابيسك، ذلك الذي أصبح نمطه المميز بأسلوب فني راقٍ، في الوجوه الشرقية والأشكال، في لوحاته وفي البوسترات التي كانت مفهومة لكل من يشاهدها، بما يمثل إسهامة بارزة في الفن العربي المعاصر. برهان كان مسكوناً بهواجس الفن بألوانه والجماهير والثورة، كان فناناً ذو وعي سياسي عالٍ. Burhan war ein hochpolitischer Künstler.

الفن للحياة، كانت النظرية التي اشهرها الفن الملتزم التقدمي الفن للحياة والمجتمع، بوجه نظريات الفن للفن اليمينية. والكركوتلي كان مأخوذاً منبهراً بالفن الشعبي، بالصور الرائعة لحكواتية المقاهي الشعبية في دمشق ومراكش، كان أمراً محسوماً وقد منح نفسه للقضية، كأنه بذلك يريد أن يعلن ذلك وأن يقول: أنا برهان كركوتلي، ولن أكون غير ذلك

قرأت عن برهان كركوتلي، وقرأت له مقابلات، ومؤسف أن لا يكون معنا. لأطرح عليه المزيد من الأسئلة، كان برهان يطرح الأسئلة ويجيب عليها، فلابد أنه تشغل باله كثيراً بل تؤرقه، وهل يعمل الفنان دون أرق وقلق.

أسئلة كثيرة ؟، يحاول الإجابة عليها أو على بعضها في العلاقة بين الجمال والثورة.  

يجيب برهان كركوتلي ضاحكاً صحفية سألته مرة كيف يفهم الجمال. الجمال هو عندما أشاهد شيئاً بجمال المرأة الحسناء. ويقول في مرة أخرى لصحفي: إني اكره القبح. والقبح في نظره : الفقر أولاً، القمع، الاستعمار، التميز العنصري، الفاشية، الديكتاتورية، الحروب، والعنف.

أراد برهان أن يقول إن العالم بدون هذه البثور القبيحة أكثر جمالاً. أراد برهان أن يقول أن الثورة هي مقاومة لذاك القبح، وبذلك فهي شيء جميل. وما لم يقم المقموعون بالثورة فهم يستحقون أن يعاملوا معاملة العبيد. ولأننا منتمون إلى ذات الخندق، يسعدني أن أقولها عن أخي برهان الكركوتلي

يقول الفنان الألماني جورج بالتسين : إنه رومانسي في ضميره، شاعر في المقاومة، رسام في الثورة، ورسام الشعب

يمكن أن نقول الكثير عن برهان كركوتلي، الفنان السوري، والفلسطيني النضال والباعث الفني، العربي المشرقي. نحن هنا نحي ذكراه ...

سلام عليك يا برهان، من محبيك وأصدقائك ومواطنيك، ومن الثورة  ......

 

 

 

 

في ذكرى ناجي العلي

 

د. ضرغام الدباغ

 

 سيداتي، سادتي، المستمعين والمشاهدين والقراء الأعزاء !

 

في 22 تموز 1987 أطلق مجهول النار على رسام الكاريكاتور العربي الفلسطيني ناجي العلي بهدف قتله. وقد نجح القاتل في ذلك. ولكن بديهي القول أن ناجي العلي، لم يكن بذاته هو الهدف، بل كان فنه وريشته ونحن بحضورنا هنا وعرضنا لأعماله التي لا تنسى، نثبت أن تلك الرصاصات لم تصب الهدف.

 

لقد قتل ناجي العلي باستخدام سلاح ناري وفر القاتل. بينما كان ناجي العلي يرسم علانية، مستخدماَ فكره وريشة بسيطة، ولكن ريشته كانت تفضح القتلة وأساليب القتل والتدمير، لذلك قرر القتلة أن هذه العبقرية لا يمكن مقابلتها إلا بالرصاص وهذه الريشة المتواضعة لا يمكن مبارزتها إلا بالسلاح، وهنا أصبح الصراع غير متكافئ : ريشة مقابل أسلحة فتاكة، شعب أعزل في مخيمات مقابل أحدث الأسلحة من الطائرات والدبابات. لقد أعلن القتلة بأنفسهم أن ليس بوسعهم الرد على الفن بالفن، وعلى الرأي بالرأي، والحجة بالحجة، فقد اكتشفنا أن أسم ناجي العلي قد وضع على قائمة الإرهاب.

 

 لذلك قتل ناجي ألعلي. أما نحن محبي الفن والحوار والتفاعل الإنساني، فسوف نواصل حمل القلم والريشة، أما فن ناجي العلي فسيبقى معلقاَ إفادة شاهد عيان. ناجي العلي لم يمت، بل تحول إلى دين ثقيل على الذين اغتالوه وعلى محبي الحرية والكلمة والفن, وقد أكتسب أسمه ميزة خاصة، فهو من الرسامين النادرين الذين تعرضوا للاغتيال بسبب رسومهم. نعم لقد قتل مفكرون وطورد محررون، فقد أعدم جوردانو برونو Giordano Brono ، وكاد أن يلاقي غاليلو غاليلي نفس المصير. وطورد مارتن لوثر، ثم أعدم يوليوس فوجيك Julius Fucik ، وأغتيل مارتن لوثر كينج ، أما ناجي العلي فقد أغتالوه لأنه يتألم ساخراً ..!

 

على الصعيد الفلسطيني، فقد أستشهد قبله الروائي غسان كنفاني والشاعر كمال ناصر والناقد وائل زعيتر والأديب محمود الهمشري وآخرون غيرهم، ولكن أن يطال الاغتيال رساماَ فهذه سابقة لا مثيل لها، أفتتحها ناجي العلي ورسم آخر لوحة له بدمائه .

 

كان ناجي العلي، وهنا تبرز عبقريته، فنان كاريكاتور، ذلك الفن الذي تلتحم فيه قوة الخطوط مع الفكرة العميقة التي تهز المشاهد بقوة، أنه لا يعتمد على سحر الألوان والضلال، أنه فن إعطاء الأحداث والشخصيات، بما في ذلك المؤلم منها، طابع السخرية . والفنان ربما يريد بذلك منح القوة والقدرة على احتمال ما لا يمكن احتماله عبر السخرية والابتسامة، وفي الوقت نفسه، ينطوي هذا الفن على إمكانية توجيه النقد إلى الشخصيات والأحداث ( سياسية على الأغلب) عبر فن الرسم. وتعبر انطلاقة هذا الفن في عصر النهضة Renaissance تعبيراَ عن القيمة الفنية والإنسانية التحررية لهذا الضرب من الفنون، حيث ابتدأت بتوجيه النقد إلى الكنيسة وأمراء الإقطاع، وأزدهر في القرن السادس عشر والسابع عشر، في عصر التنوير والليبرالية ثم أنتشر الكاريكاتور بصفة فعالة مع ازدهار عصر الصحافة حيث أحتل الكاريكاتور مكاناَ بارزا في ممارسة تأثيراَ واسعاَ على الجماهير في القرن التاسع عشر.

 

أقتحم ناجي العلي هذا العالم الرحب، عالم الكاريكاتور، وهو المهندس الميكانيكي فبالإضافة إلى الرؤية الشاملة العميقة والتصميم الذي امتازت به أعماله. وإلى جانب قوة العمل التكنيكي وارتفاع مستوى وعي الموضوع   Motivation  ، تميز برؤية بانورامية عريضة. وبموجب هذا التقييم العالي، أعتبر ليس في وطنه العربي أو الفلسطيني فحسب، بل على الصعيد العالمي فناًناً مبدعاَ. وأني لأعتقد أن أعماله وذكرى ناجي العلي ستبقى حية زمناَ طويلاَ، وهو وإن سقط، لكن الضوء الذي أطلق سراحه سيبقى مشعاَ لن يقوى الرصاص على إخماده.

 

هكذا عمل ناجي العلي ممسكاَ بالريشة يحاول وضع الابتسامة على أفواه المعذبين، وأن يفتح نوافذاَ للضوء والريح. وكان مدركاَ أنه يزعج الطغاة، ولكنه كان يقبل الخطورة والمجازفة من أجل الحرية، ولم يكن ليقبل الأمان مع الخضوع. ولكن الذين اغتالوه ما يزالون حتى اليوم يخشون ضلال ريشته. فقد قال الأديب الفرنسي البير كامو : " أن الخير هو حلم مشروع، مؤجل بلا انقطاع وملاحق بجهد مضن، أنه حد لا يمكن الوصول إليه قط وامتلاكه مستحيل. والشر وحده يستطيع أن يمضي حتى حدوده " .

 

لقد قذف ناجي العلي بريشته وسط بستان وطنه وأمته، فأنبتت آلاف الريشات، فقد حاولوا عبثاَ أن يمنعوا فنانين عرباَ من إنتاج فلم سينمائي، عنوانه يتألف من كلمتين فقط :

 

ناجي  العلي .

 

يرقد ناجي العلي اليوم في مقبرة بلندن حيث اغتيل، ينتظر أن يعود يوماَ إلى وطنه في قرية الشجرة شمال فلسطين. فمن يدري، لعل موت ناجي العلي الجسدي خطوة على الطريق ؟

 

ألم يقل بول أيلوار في أحد شهداء المقاومة الفرنسة :

 

لقد هوى .....  ثم أشرق النهار .

 

أشكر لكم حسن إصغاءكم .

 

                                                             ضرغام عبد الله الدباغ  

 

 

 

 

أولويات النظام الحاكم

 

د. ضرغام الدباغ

 

سؤال مدير الندوة الحوارية، ما هي أولويات العمل بالنسبة لأي نظام حكم.

 

في علم السياسة هذه الأمور لا تدخل في التنجيم، ولا الخيارات المزاجية.

 

وبادئ ذي بدء، فالنظام يعني دولة متكاملة دستورياً، وذات سيادة كاملة، ونظام شرعيته ليست موضع تجريح، وإذا تواصلنا في طرح القواعد الدستورية فسوف نتوصل إلى نتيجة مؤسفة، أن هناك العديد من الأنظمة ليست شرعية، برغم ما تحاول من فرضه على الواقع الموضوعي من تزوير بوسائل القوة المسلحة، والعنف الدموي لحمل الآخرين بالاقتناع بها والقبول بها، فهي بالتالي أنظمة غير شرعية، يتعامل معها البعض لمصالح سياسية على أنها شرعية، ولكن الفقه القانوني الدستوري والدولي، يضعها في مصاف الأنظمة غير الشرعية. وهذه الأنظمة الغير شرعية تحتاج قبل كل شيئ إلى تصحيح وضعها.

 

ولكن دعنا نتحدث أولاً عن الأنظمة الشرعية.

 

يضع علم السياسة والاجتماع السياسي في مقدمة المبادئ الأساسية ما يعتبر حاجات الإنسان الأساسية، وهي على تنوعها، وتشعبها :

ــ السكن.

ــ الصحة.

ــ التعليم.

ــ العمل.

ــ الغذاء.

ــ الأمن.

 

وبديهي أن تحقيق هذه المبادئ الأساسية المتلاحمة المتكاملة، تعني في نهاية المطاف : أمن اجتماعي بمعناه العريض، وأن ينال كل إنسان حقه، وابتداء الحرية والعدل والمساواة. ومن جملة حقوقه ابتداء أن ينال الاحترام، احترام وجوده وكينونته الاجتماعية وحقه في أن يفكر، وأن يعبر عن رأيه، وأن يثقف نفسه كما يشاء، وأن يكون له رأيه الشخصي.

 

والغريب أن العديد من الأنظمة يستحيل أن تقبل بهذه المعطيات، فهي تعتقد أن القبول بها يعني زوال حكمها وهيمنتها وسيطرتها، وهو غير صحيح طبعاً، ولكن إذا استطردنا بالقول أن ذلك يعني نهاية هيمنتها، واستبدادها، وهو الصحيح، وإنهاء فسادها ونهب المال العام دون رقيب أو حسيب، رغم وجود قوانين محاسبة الفاسدين والهيئات النزاهة، وما شابه، ومن يدعي حماية الأخلاق والمثل، ووجود قوانين وأنظمة ودستور وكل مستلزمات التحايل، ولكننا بعيدون عن كل ذلك بعد كوكب المشتري والزهرة عن الأرض.

 

النظام الذي لا يستطيع تأمين هذه المهام ليس بنظام، بل هو محض استيلاء على النظام تحت شعارات لا يهم ذكر أسمها طالما هي غير حقيقية وذر للرماد في العيون.

 

تصدر دور نشر عالمية باللغات الرئيسية موسوعات إحصائية عن كل شيئ في الحياة، وهي تصلح لإجراء القياسات (International Survy) أو (The world in figures) وإذا أطلع عليها كل شخص سيعرف مقدار البئر الذي يرقد في قعره يعاني من أجواءه. وقد يمتلئ قلبه حزناً وكمداً، وقد يخرج على الناس شاهراً سيفه، وعجباً إن لم يفعل ذلك، لأن الجوع لا يرحم، ولا يدارى بالكلمات.

 

بالنسبة لأوضاع كأوضاع بلداننا، هناك الكثير جداً من الأعمال العلمية الرصينة ومن اتجاهات مختلفة، تعنى باقتصاديات التخلف أو التنمية(development economics)، وهي ظروف تحكم بلدان كثيرة. وشاعت بين المفكرين السياسيين والاقتصاديين مسألة : ترى هل التخلف الثقافي ينتج التخلف الاقتصادي، أو بالعكس .. 

 

ولعل رأياً جامعاً هو الأقرب للصواب، أن التنمية الاقتصادية والثقافية ينبغي لهما أن يسيرا جنباً إلى جنب بتلاحم وتماسك، لا يستغني أحدهما عن الآخر. وبتقديري أن مرفقاً ثقافياً هو بذات الأهمية لإقامة لمنشأة صناعية، وخطط التنمية ينبغي أن تؤكد على التطور الاقتصادي والثقافي خطوة بخطوة.

 

التنمية تهدف في نهاية المطاف، مجتمعاً لا يعاني أفراده من الحرمان للحاجات الأساسية، وهي المقدمات الضرورية والحاسمة لمجتمع متطور يسوده الأمن والأمان والثقة المتبادلة بين أفراده وهيئاته القيادية، ومن البديهي يمكن معرفة وقياس مثل هذه النسب والتقدم بدقة كبيرة، نصف سنوياً، وسنوياً، وخطط طويلة ودقيقة تصل حتى الخطط الخمس سنوات.

 

لا يمكنك أن تطلب من أمرؤ أن يعمل ويداه مغلولتان .... وأن يفكر ودماغه معبأ بالخرافات والمحرمات ... ولا يمكن أن يكون هناك وطن محترم، ومواطنون لا يحضون بالاحترام.... وفي النهاية، ليس هناك وطن حر بلا مواطنون أحرار.

 

أما حالنا البائس لدرجة ما بعده بؤس، فأختصره لك بكلمتين لسيدنا علي بن أبي طالب (رض) بقوله : يا محنة الدهر كفي، وإن لم تكفي، فخفي، ثور يناطح الثريا وعالم مستخف

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقال جزء من مقابلة تلفازية بتاريخ 1 / آب / 2016

 

 

 

التمرد الفاشل :

 

الحدث، دروس وعبر

 

د. ضرغام الدباغ

 

من خلال متابعتي للحدث التركي من المصادر العربية، والألمانية، والتركية، والإنكليزية، ومقاطعة المعلومات، واللجوء إلى المعطيات المادية أولاً ومن ثم للأدلة العقلية، نتوصل إلى المعطيات التالية :

 

مجموعة الضباط في التنظيم السري المشاركين فعلياً (له صلاته الخارجية) لا يتجاوزاعضاؤه ال 40 ـ 45 ضابط. وربما يستندون إلى دعم تنظيمات أخرى. ولا يزيد عدد المكلفين والمبلغين، والمنفذين من الضباط والجنود على 200 شخص، وسواهم ممن اعتقلوا هم من العناصر التي لم تؤد واجبها، أو تعاونت بشكل وبآخر، أو لم تتصدى للمؤامرة كما يقتضي الواجب.

يحتمل أن أنظم إليهم عدد من الضباط بعد إعلان الانقلاب بحكم معاداتهم للنظام لأسباب مختلفة، ولكن الغالبية العظمى فضلوا أن يبقوا عسكريين محترفين لا شأن لهم بالسياسة.

سيطر تنظيم الضباط على بعض الوحدات "سيطرة جزئية "، على بعض القواعد (أثنين أو ثلاثة) أهمها ( قاعدة أكنجي، بالقرب من العاصمة أنقرة وقاعدة دياربكر الجويتان). ووحدات مدرعة، ولم يسيطروا على أي وحدة كبيرة سيطرة تامة. 

السيطرة الجزئية تؤكدها أحداث كتحرير رئيس أركان الجيش الفريق أول خلوصي أكار على أيدي ضباط من رئاسة الأركان، بعد ساعات قليلة (10 ساعات) من اختطافه من رئاسة أركان الجيش، ونقله إلى القاعدة الجوية المذكورة.

رغم وجود أعداد من التنظيم السري في رئاسة الأركان، إلا أنهم فشلوا في السيطرة كلياً على رئاسة الأركان، والضباط قادة المفاصل. كما فشلوا في ضمان تأييدهم، حتى تحت التهديد بالسلاح.

قاعدة أنجرليك الجوية لم يسيطر عليها المتمردين تماماً رغم وجود عدد محدود منهم فيها، والقاعدة كانت وخلال الأحداث أستعاد الجيش التركي سيطرته عليها، بعد وقت قصير من أنشطة تآمرية فيها، والوجود الأجنبي فيها هو بحكم " وحدات ضيوف " وهو مصطلح مألوف في إدارة المعسكرات.

هناك قادة وحدات لم يكونوا عوناً للمتمردين، ولكنهم أبدوا تلكؤاً في الأوامر الصادرة إليهم، لذلك تم عزلهم، وربما توقيفهم.

لم تستغرق سيطرة الانقلابيين على قناة التلفزيون الحكومية الرسمية (TRT) أكثر من ثلاث ساعات، وهو من أسباب إخفاقهم.

الوحدات التي تم توجيهها من قبل المتمردين عجزت (لقلتها) عن تغطية "الأهداف الهامة"، وواجهوا المقاومة حيثما قصدوا وتوجهوا.

تقدمت ساعة الصفر ستة ساعات، بدأت في التاسعة (كان يفترض أن تكون في الساعة 03,00 فجر يوم 16/ تموز) والخطوة الأولى تمثلت بفشل محاولة اغتيال الرئيس اردوغان، الذي كان متواجداً بأجازة في بلدة مرمريس، وعندما أنزلوا قوات بالمروحيات قرب الفندق لاعتقاله أو اغتياله، حيث كان يقيم، جاؤا متأخرين لدقائق ثمينة، وأشتبكوا مع الحرس الرئاسي، فيما توجه الرئيس إلى مطار استطنبول متجنباً الأوضاع المريبة في سماء المنطقة..

 فشلوا في تطويع رئيس أركان الجيش أو استمالته أو إرهابه.

 أخطأ المتمردون في حسابات الموقف السياسي خطأ فادحاً وحاسماً لا يغتفر، في تقدير موقف الأحزاب المعارضة للرئيس اردوغان التي وقف إلى جانبه بصورة تامة وقاطعة.

 أخطأ المتمردون خطأ فادحاً وحاسماً لا يغتفر بتجاهل قوة الإرادة الشعبية، الشعب التي أدرك في لحظة واحدة أنه سيحصل على "ديمقراطية وحقوق إنسان" كتلك التي تحدث في العراق وسوريا، فخرج يدافع عن وجوده ودولته.

أخطأ المتمردون في تقدير قوة صمود الحكومة ورئيس الوزراء ودوره، وسائر أعضاء الحكومة.

 أخطأ المتمردون في تقدير قواهم والقوى الأخرى، إذ وجد المتمردون أن المواقع التي هبت لمقاومتهم كثيرة، وما بأيدهم من القوات لا تكفي لتغطيتها، أي بمعنى عجز فادح بالقوات، مقابل حشد كبير من الأهداف، وهو خطأ جسيم آخر.

 أخطأ المتمردون بدرجة اعتمادهم على القوى الخارجية، وكأي حركة تعتمد (بأي درجة كانت) على العون الخارجي، أو ردود فعله " بشكل مباشر أو غير مباشر " ستقع في مأزق تقدير : مبالغة أو بخس قيمة، ما يبديه ذلك الطرف الخارجي، وفي حالات كهذه، تشير التجربة التاريخية (بولونيا / 1945، المجر/ 1956)، للعديد من الحركات والأنقلابات والتمردات، أن الطرف الخارجي يتريث في إبداء انحيازه وتأييده المادي (غير الإعلامي)، وتدخله المباشر، وقد يتريث أكثر إذا لم يتمكن المتمردون، المتآمرون، الإنقلابيون، من حسم الصفحة الأولى، وهذه القوى الأجنبية لديها خبراء في تقدير مستوى أداء الأنقلاب، وعلى تماس مباشر مع الأحداث.

بالنظر لمشبوهية الانقلاب وأهدافه، إلى جانب لا مشروعيته، تراجعت نسبة كبيرة من الجنود، وصغار الضباط المتمردين عن التنفيذ، عندما شعروا أنهم يطيعون أوامر عسكرية مخالفة للقانون وروح الجيش، فوضعوا أسلحتهم أرضاً وانظموا للشعب، والنسبة كانت أكبر لدى العسكريين من الجنود.

الجهات الأجنبية الداعمة للأنقلابيين، قدرت منذ الساعات الأولى، أن الانقلاب سائر إلى الفشل، لأنه فشل في رئاسة الأركان، كما فشل في اغتيال الرئيس، ثم فشل في تقدير موقف الأحزاب والقوى السياسية، وفشل مرة رابعة وحاسمة في تقدير قوة الشعب الملتف حول قيادة أردوغان. فتراجعت عن التدخل المباشر، ثم تراجعت عن تأييدها اللفظي المرن، وبهتت حرارته، ثم تراجع آخر إلى موقف حيادي، ثم إلى انتقاد " العمل العسكري " بوصفه معاد للديمقراطية. أي انسحاب تدريجي ملحوظ ومؤشر بدقة تامة.

هناك قوى إقليمية كادت أن تقع في خطأ تاريخي، وربما في مأزق بتدخلها، ولكنها تراجعت في اللحظات الأخيرة، ربما بأمر أو بنصائح من قوى أكبر منها.

ما تبقى من قوى التمرد (أفراد على الأرجح) التي لم تقع بأيدي القانون، هي في موقف يائس، لا أمل فيه البته، وهي تستلم تدريجياً بعد 48 ساعة على المحاولة الفاشلة.

 

الفقرات أعلاه ليست تحليلاً، بل هي معطيات مادية حدثت، (وهناك الأكثر ربما ستعلن خلال المرحلة المقبلة)، وضعناها في إطارها وسياقاتها التنفيذية ليسهل التوصل إلى تقديرات قائمة على التحليل. وتقديراتنا هي :

 

أن محاولة الانقلاب كانت حدثاً متوقعاً منذ فترة طويلة. فقد بلغت مستويات عدة في الأداء التركي على المستوى السياسي والاقتصادي خاصة، درجة غير محتملة للقوى الدولية. وحتى أن الرئيس أردوغان حذر قبل حوالي العشرة أيام ممن يستهدفون ضرب الوحدة التركية.

كانت تركيا وطوال عقود من البلدان التي تدار بالتلفون، وفي الخمسينات على الأقل، كان الضباط المرشحون لرتبة جنرال لابد من استحصال موافقة السفارة (س) على ترفيعهم. وفي الستينات تمركزت فيها عدداً من القنابل النووية دون علم الحكومة التركية، بسببها ذلك التمركز، كانت الأراضي التركية ضمن الخارطة النووية السوفياتية.

كانت المخابرات الأجنبية تعتبر تركيا ملعباً لفعالياتها، ولا يمكنها التصور أنها فقدت هذه الساحة، رغم أن تركيا لما تزل عضوا في حلف الناتو، إلا أن مفردات كثيرة في التعامل قد تغيرت.

بلغ الاقتصاد التركي درجة رفيعة (14 عالمياً ـ من دول العشرين، وقريباً يبلغ مستوى دول الثمانية) بعد أن كان في الحضيض، وهذا يفتح الأبواب أمام امكانات دولة مهمة، بحجم سكانها ومساحتها.

صمود تركيا أمام المناورات ومحاولات نصب الفخاخ، وقدراتها الفائقة على التعامل السياسي والدبلوماسي.

نجاح القيادة التركية في تقديم منجزات على كافة الأصعدة للشعب، منجزات بعضها يبدو مذهلاً في درجة تقدمها لمن يعرف الأوضاع التركية، وهو ما حقق التفافاً شعبياً لا نظير له حول القيادة التركية.

ومتتبعين الشؤون التركية، والعارفين ببواطن الأمور يعرفون الثغرات التي يمكن من خلالها أن تتسلل الإرادات الأجنبية، ورغم أن القيادة التركية (وتركيا دولة مؤسسات) قد شخصتها بدقة حتماً، إلا أن الفعل الخارجي له تأثيره أيضاً، فالمتوقع كان مؤامرة أكبر من هذه التي حدثت ليلة 15 / 16 تموز، قياساً لحجم القوى الكبيرة المشاركة.

ويبدو أن حجم الاعتماد على التدخل الخارجي كان كبيراً، بل وأكبر مما ينبغي، وعندما لم تظهر أي من مؤشرات نجاح الانقلاب (بدأت أولى فعاليات الانقلاب في الساعة 21,00 من مساء يوم 15/ تموز، وكان مقدراً أن يذاع البيان الحاسم في الساعة السادسة فجر يوم 15 / تموز)، فلما فشلت قوات المتآمرين في تحقيق مكتسبات، ونجاحات، أحجمت القوى الخارجية عن التدخل، فأضافت سبباً لفشل التمرد.

بعض القوى المهمة في المجتمع التركي، لها قدرات كبيرة، نجمت عن نشاط سري طويل المدى، يمتد لسنوات طويلة، امتلكت خلالها قدرات مالية هائلة، وثقافية (مدارس بالآلاف وجامعات داخل تركيا وخارجها) وبنوك في الداخل والخارج، ومؤسسات اقتصادية لا حصر لها داخل تركيا وخارجها، حتى خيل للكثيرين أن هذه المؤسسة أصبحت بدرجة من الانتشار بحيث أصبحت خارج نطاق التصدي لها، بل أن لهذه المؤسسة تنظيمات في الجيش والشرطة والأمن، والمحاكم، والصحافة، وصار التصدي لها ضرباً من المجازفة. حتى قيل أنها دولة أخرى موازية للدولة التركية، هذه القوى ناصبت العداء للقيادة التركية، بعد أتضح لها أبعادها وجذورها الضاربة في كل مكان، ولاسيما الخارجي المشبوه منها.

 بتقديرنا أن القوى السياسية التركية الرئيسية منها خاصة، أصبحت على إدراك تام بأبعاد المؤامرة التي تستهدف تركيا كياناً، ودولة وشعباً ووحدة، والمرحلة المقبلة على صعيد السياسة الداخلية ستشهد تلاحماً قوياً بين قوى الشعب التركي، وأن التدخلات الخارجية ستتخذ صيغاً أخرى، ولكن بتقديرنا أن الحكومة التركية قادرة على رص صفوفها وعدم تمكين القوى التي تستهدفها منها.

 

العبرة الأساسية هي، أن الاعتماد على الأجنبي والسير في خططه ينطوي على سقوط مدو، من ينظر في وجوه المتآمرين يفهم هذا الكلام، ولكن الحياة تعلمنا أن هناك دائماً متساقطين، ضعفاء، مندسين، خونة، جواسيس، ومن يبيع الوطن لقاء وعود سخيفة. وعلى القوى والشخصيات الوطنية عدم تغليب الخلاف في الأمور السياسية على الثوابت الوطنية.

 

المؤامرة الفاشلة قد أفرزت إلى حد الآن (حتى قبل نهاية التحقيقات ـ بعض قادتها يدلون بمعلومات مذهلة) معطيات كانت ربما معروفة بدرجة معينة، ولكنها الآن غدت حقائق ثابتة، ومن أبسط تلك، أن كل ما يدور في العراق، حتى أدق التفاصيل إنما يدور بمخطط مدروس(بما في ذلك ما تفعله داعش)، وليس هناك دموع تماسيح، والحديث عن أخطاء واعتذار، فهذه كلها من مستلزمات، المؤامرة التي تتواصل ولا توقفها إلا إرادة الشعب في صحوه عامة ضرورية، وتحويل إرادته إلى قوة مادية لا تقهر... بلداننا كلها تتعرض لمؤامرة لا تستثني أحداً ... لا ينبغي لأحد أن يغفل هذه الحقيقة.

 

العمل ضد تركيا دخل مرحلته المكشوفة، كجزء من المخطط الشامل، ليس أحد ببعيد عن أهداف المؤامرة، وسنشهد الكثير من الأنشطة في هذا المجال في القريب.

 

 

 

 

 

 

أوربا والأحتمالات اللاحقة

 

د. ضرغام الدباغ

 

سماء أوربا فقدت نجمة كبيرة، ال "Brexit" أسقطت نجمة لامعة سقطت من علم الاتحاد الأزرق، ترى هل ستتساقط نجوم أخرى، أم ترى يعيد سيناريو الثلاثينات من القرن الماضي نفسه مرة أخرى في أوربا ولكن بممثلين جدد وديكورات مختلفة ومسرح حافل بالمستجدات الكبيرة، التي سترغم المخرجين والممثلين على السواء التكيف (Adaptation) مع الجديد... وإذا كانت أوربا بعد الثورة الصناعية قد أفرزت ضباعاً رأسمالية، تناهشت إرباً أجساد المستعمرات، وعندما لم يبق ما ينهشوه، نهشوا بعضهم بعضاً في عملية بلغت ذروتها (السياسية) في الحرب العالمية الأولى، ثم أضافت عليها معطيات جديدة في الحرب العالمية الثانية، (60 مليون قتيل وأضعافهم من الجرحى والمعوقين) ترى كيف سيكون الحال عليه في القرن الواحد والعشرين والألفية الثالثة ومستحقاتها.

 

وبعد الحرب العالمية الأولى وما أفرزته من نتائج ومعطيات، اشتبكت القوى السياسية مع بعضها البعض، وفيما كانت الجماهير الألمانية تنتظر بصيص من النور والأمل، كان فساد الدوائر السياسية، والتناقضات والأطماع والأنانيات، بين صفوفها، كانت تنعش اليمن الشعبوي (النازي في ألمانيا، والفاشي في إيطاليا) يصعد الموقف بفعل شعارات جماهيرية ملتهبة، وعندما اكتسحوا الشارع، أنعكس ذلك في ألمانيا بجلاء في انتخابات البرلمانية (5/ مارس 1933) حيث تمكنوا لوحدهم من التفوق على الحزب الاشتراكي والشيوعي وشكلوا حكومة تولاها أدولف هتلر، ولم تكن الجماهير التي شاركت بالتصويت تدرك أنها صوتت على شقاءها، بل هي صوتت لحلمها الذي زينه لها الشعبويون، بالضبط كما جرى بعد 83 عاماً قبل أيام في لندن (23 / حزيران / 2016).

 

الرأسمالية تخلت عن كل شيئ لا يزيد الإنتاج والأهم من ذلك ... الأرباح. (وفي عداد ذلك : الدين، الأخلاق، القومية، التقاليد، المشاعر الإنسانية، الفن والأدب إلا إذا كان من أجل الربح) تخلت حتى عن تلك التقاليد البورجوازية التي أفرزت معطيات رائعة في عالم الأدب والفن، من الأعمال والإنتاجات والمآثر الإنسانية الرائعة، في كل المجالات، ولكن التطورات اللاحقة أدت إلى نشوء رأسمالية متغولة، التهمت كل شيئ، وبأتحادها مع سلطة الدولة، وبعد اندثار كلي ونهائي لدور القوة الدينية في السلطة، ولاحقاً الوطنية والقومية، تحولت إلى حيوان اليكتروني شره لا يعرف الشبع، فألتهام بعضهم البعض هو من نواميس الرأسمالية التي لا سقف لها، وأخيراً وليس آخراً توصلوا إلى العولمة التي عمقت وحشيتها فليس هناك اليوم حدود وطنية أو قومية، كل الأيدي العاملة في العالم سيعملون في مكائننا، كل الأسواق ينبغي أن تفتح على مصراعيها لسلعنا وبضائعنا، على الجميع أن يقبلوا بالمثلية الجنسية وتبادل الزوجات(كأساساً ورمزاً للتخلي عن التقاليد البالية الغير متلائمة مع العولمة)، ليس هناك مقدسات سوى الصفقات والأرباح. وإلا سندمركم بأسم حقوق الإنسان، والمثليين، وأسلحة الدمار الشامل، حقاً أو بهتاناً. وهذا هو جوهر رسالتهم اليوم، وعلى أساسها يحاربون العرب والإسلام دون هوادة بكل الأسلحة الحربية وغيرها.

 

أوربا سائرة في عملية يبدو لا محالة لها، إلى سيطرة أحزاب اليمين الشعبوية (تلطيف لكلمة النازية الجديدة)، وحتى في معقل الرأسمالية العولمية، يخلع دونالد ترامبت آخر قناع عن وجهه، وها هو يعلن عن برامج شعبوية ينال فيها على سخافتها وتهريجه تأييد الجماهير، وإن لم يكن في هذه الجولة، ففي الجولة القادمة بعد أربع سنوات، وعلى يد شعبوي آخر. وهذا مسار سيتكرر بتقديرنا في بلدان رأسمالية كبيرة : فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، النمسا، إلا إذا أقدمت الحكومات "الديمقراطية " على تحولات كبيرة وقوية وأغلب الظن أنها سوف لن تقدم عليها، لأن هيكل سفينتها قد تضخم وترهل ونمت مجموعة من العلاقات الطفيلية، وشبكة من المصالح المعقدة، ولم يعد هيكلها يحتمل مناورة حادة، كما أنها ليست على أستعداد أن تتخلى عن شيئ من مكاسبها، وأن تعترف بوجود قوى أخرى لها الحق في الوجود والنماء، وببساطة لأن أي نمو سيكون على حساب أقتطاع جزء من أرباحها وأمتيازاتها.

 

وإذا كانت في الثلاثينات، شهدت هذا التحول (وله أسبابه، منها ضعف الأنظمة الديمقراطية : بريطانيا / فرنسا) قد أفرز حكومتان فاشيتان، في إيطاليا 1922، وألمانيا 1933، مع حركة فاشية بسيطة في النرويج(فيدكون كويسلنغ)، فاليمن الفاشي اليوم الذي يطلق عليه تخفيفاً للواقع وتجنباً لإطلاق كلمة النازي أو الفاشي، بالشعبوي، يسيطر على عدة بلدان سيطرة فعلية (الدانمرك ـ بريطانيا)، ويعد بالاستيلاء السهل في بلدان أخرى (هولندة ـ فرنسا ـ ألمانيا ـ النمسا ـ جيكيا ـ هنغارياـ أسبانيا) وستكون هناك تصفيات عرقية وطائفية على أيدي ذئاب مسلحة بالتكنولوجيا الحديثة والمايكروالكتروتكنيك، يصبح هولوكوست الثلاثينات / الاربعينات أمامها نزهة بسيطة. لاحظ صعود قوة الحزب النازي، وتذبذب الحزب الشيوعي الألماني، والحزب الاشتراكي الديمقراطي.

 

( الجدول : نتائج الأنتخابات للبرلمان الألماني 1919 ــ 1933 : (KPD) الحزب الشيوعي الألماني، (SPD) الحزب الاشتراكي الألماني، (NAS) الحزب النازي )

 

Jan. 1919    

KPD 0

SPD 165   

NSA 0

Jun 1920

KPD 4

SPD 102

NSA 0

Mai 1924

KPD 62

SPD 100

NSA 32

Dez 1924

KPD 45

SPD 131

NSA 14

Mai 1928

KPD 54

SPD 153

NSA 12

Sep 1930

KPD 77

SPD 143

NSA107

Jul 1932

KPD 89

SPD 133

NSA 230

Nov 1932

KPD 100

SPD 121

NAS 196

Mar 1933

KPD 81

SPD 120

NAS 288

 

مسؤولية صعود النزعات الشعبوية في أوروبا أو حتى في الولايات المتحدة، إذا ما أخذنا دونالد ترامب كمثال على ذلك. فأسباب هذا الصعود تكمن في نسيج معقد من العوامل الديموغرافية والسياسية والاجتماعية ما حدث هو أمر كبير ينطوي على مخاطر كبيرة، ساهم تردد ومشاركة بعض الأنظمة الديمقراطية في مسايرة التيارات الشعبوية لأسباب انتخابية، والسؤال الحاسم هل سيستغرق الأمر طويلاً حتى تستعيد أوربا أنفاسها وتوازنها ..؟ وهل بوسعها تدارك الأمر وإيقاف التدهور، وتحويله إلى صمود بوجه الأزمة، وهو ليس بالأمر الهين، وربما أن أوربا تفتقر إلى الإرادة الموحدة وإلى الشخصيات التاريخية الكبيرة القادرة على اتخاذ القرارات التاريخية الكبيرة.

 

في 23 / حزيران ـ يونية صوت المواطنون في المملكة المتحدة على ال بريكست، "Brexit" (الانفصال عن الاتحاد الأوربي)هذه هي المعطيات المادية للتغير، واحتمالاته :

 

* 51,9  نغادر الاتحاد الأوربي.

* 48,1  نبقى في الاتحاد الأوربي.

 

شكل قرار البريطانيين"Brexit" هذا بالخروج من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي أعلنت نتائجه يوم (23 يونيو/ حزيران 2016)، هزة قوية مازالت ارتداداتها وتداعياتها تتواصل. وفي خضم هذا الجدل الكبير يطرح السؤال: أي مستقبل  لأوربا وأي مستقبل لبريطانيا مع العرب بعد الانفصال وكيف ستتأثر سياستها في الشرق الأوسط؟ فهناك خيبة أمل كبيرة لدى قادة الدول الأوروبية والجناح المناهض للخروج في بريطانيا، تقابلها احتفالات الجناح المؤيد للانفصال ودعوات من قبل الأحزاب اليمينية الشعبوية في عدة دول أوروبية لشعوبهم بحذو حذو البريطانيين. وداخل بريطانيا نفسها، أعلنت رئيسة وزراء اسكتلندا أن تنظيم استفتاء جديد على الاستقلال من بريطانيا والبقاء ضمن الاتحاد الأوربي كدولة مستقلة كأحتمال وارد جدا.

 

وكانت بريطانيا منقسمة بشكل كبير إزاء اتخاذ قرار الخروج أو البقاء لدرجة أن استطلاعات الرأي أخفقت في الكشف عن توجهات الناخبين وكانت نتائجها متقاربة جدا. وكذلك كانت النتائج النهائية بالفعل: الفارق بسيط بين المؤيدين والمعارضين لكن تداعيات القرار ليست بسيطة، هلع في أسواق المال، أستنفار أوروبي لبحث مخلفات القرار التاريخي في ظل تصريحات متضاربة، بعضها يشيد بالقرار وبعضها الآخر ينذر بنهاية وشيكة لبريطانيا وبأضرار بالغة سيتكبدها الأوروبيون.

 

أما ردود أفعال الساسة الأوروبيين فكلها تصب في أن ما وقع في بريطانيا، أقل ما يمكن وصفه به أنه أمر خطير ليس في صالح أوروبا ولا بريطانيا.

 

ــ في ألمانيا : عبّرت المستشارة ميركل عن أسفها العميق لخروج بريطانيا من الاتحاد معتبرة أن هذه الخطوة تمثل "لحظة تحول" في مسار الاندماج الأوروبي، وأنه "مثل ضربة موجهة إلى أوروبا" ودعت زعيمي فرنسا وإيطاليا ورئيس المجلس الأوروبي للحضور إلى برلين (27 حزيران) لبحث سبل ضمان الوحدة الأوروبية.

ــ في فرنسا : صرح الرئيس هولاند صرح: " قرار البريطانيين يضع أوروبا في مواجهة اختيار خطير".

ــ في إيطاليا : صرح وزير الخارجية الإيطالي جنتيلوني: "من واجبنا أن نكون صريحين مع المواطنين الأوروبيين والأسواق. إنها لحظة عصيبة للغاية على الاتحاد الأوروبي".

ــ في تركيا : قال الرئيس التركي أردوغان إن : "نتيجة الاستفتاء الذي صوت فيه البريطانيون لصالح خروج بلادهم من مظلة الاتحاد الأوروبي، بمثابة بداية مرحلة جديدة للطرفين".

 

كل ما سبق يؤكد أن ما حل بالاتحاد الأوروبي "مصيبة كبيرة" أو قل "كارثة سوداء" قد تجعل الاتحاد الأوروبي في مهب رياح التفرق والشتات، فدول الاتحاد الأوروبي التي كانت خائفة من خروج اليونان وأسبانيا والبرتغال من الاتحاد بسبب أنهيار اقتصادي محدق، وأن يكون ذلك سببا في انفراط حبات عقد الاتحاد الأوروبي دولة تلو الأخرى، لكنهم يواجهون اليوم مشكلة من طراز جديد..

 

وفيما تبدو الجهات الأوربية وغيرها حائرة مترددة(كمرحلة الثلاثينات)، تنادي الحركات اليمينية الشعبوية بعزم وحزم لا يلين في فرنسا وهولندا بإجراء استفتاء مشابه. فهل بات الاتحاد الأوروبي أمام " تأثير الدومينو " وتساقط يعقبه آلياً تساقط آخر وآخر ...الخ؟ أبتداء ما هي القراءة المادية للوقائع ...؟  فمن الصحيح أن قرار "بريكست" هو مرحلة تاريخية فاصلة، لكن من المستبعد أن يؤدي خروج بريطانيا لوحده إلى انهيار تام للنظام الاقتصادي والسياسي في أوروبا قارياً أو عالمياً على نحو ما حصل عند انهيار الاتحاد السوفيتي. رغم أن تقوية النزعات الشعبوية في أوروبا ذات الطابع اليميني في الغالب واليساري أحيانا من شأنها أن تؤدي إلى زعزعة استقرار أوروبا وتقليص نفوذها. إذ يشير المنطق هنا إلى أن تعميق الخلافات في أوروبا سيخلق بطبعه فرصا لأطراف كثيرة لفرض كلمتها على طاولة المفاوضات مع الإتحاد الأوروبي، على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، وهذه فرضية سياسية منطقية. العبرة في التطورات اللاحقة.

 

ــ المملكة المتحدة على طريق التقسيم :

لاشك أن خروج بريطانيا من الاتحاد "خسارة"، فوكالات الأنباء العالمية تتداول أنباء أن "بريطانيا خسرت في 6 ساعات أكثر مما دفعت لأوروبا في 15 سنة، وسكان لندن يوقعون وثيقة يطلبون فيها الانفصال عن بريطانيا والبقاء في الاتحاد الأوروبي".

ــ طالب نايجل فاراج زعيم حزب "استقلال المملكة المتحدة" وأحد الداعمين الرئيسين لحملة "Brexit"، (حملة بريكست هي المطالبة يالانسحاب من الاتحاد الأوربي) بأن يصبح يوم 23 من حزيران/ يونيو عيدا للاستقلال. وقال: " الاتحاد الأوربي يخسر. الاتحاد الأوروبي يموت. آمل أن نكون قد أسقطنا الحجر الأول من الجدار. وآمل أن يكون خروج بريطانيا هو الخطوة الأولى لتكون دول أوروبا ذات سيادة " .

 

ــ أسكتلندة :

ـ أعلنت نيكولا ستورجيون رئيس حكومة اسكتلندا اليوم السبت (25 يونيو/ حزيران 2016) بعد اجتماع لمجلس الوزراء عن استعداد بلادها لإجراء استفتاء ثان للاستقلال عن بريطانيا وفتح محادثات مع الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد أن أسفر التصويت الذي أجري في بريطانيا  ونتج عنه تأييد خروج بريطانيا من التكتل. وأوضحت ستورجيون أنه تمّ تجهيز كل الخطوات القانونية اللازمة لإجراء استفتاء ثان للاستقلال عن بريطانيا. وقد أيدت اسكتلندا البقاء في الاتحاد الأوروبي بنسبة 62 % من الأصوات المؤيدة للبقاء داخل الإتحاد مقابل 38 % أيدوا الخروج في استفتاء أجري يوم الخميس. وهو تناقض صارخ مع النتيجة الإجمالية لبريطانيا والتي جاءت بتأييد الخروج بنسبة 52 % ومعارضته بنسبة 48 %. وكان الناخبون الاسكتلنديون قد رفضوا الاستقلال عن بريطانيا عام 2014 بنسبة 55 % مقابل تأييد 45 %

ــ ومن جهة أخرى لوحت رئيسة الحزب القومي الاسكتلندي بالاستفتاء حول البقاء في المملكة المتحدة، من أجل حماية الشعب الاسكتلندي من تبعات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقالت: "اسكتلندا لم تصوت لخروج بريطانيا من الاتحاد، ونحن متمسكون بمنطقة اليورو".

ــ أيرلندة :

بدأت بعض القوى السياسية الإيرلندية بالتحدث عن إمكانية توحيد الايرلنديتين بعد انسحاب إيرلندا الشمالية من المملكة المتحدة.

 

وهنا سؤال يطرح نفسه : ترى هل خروج بريطانيا نهاية أوروبا واتحادها؟

الرد على هذا السؤال ستأتي به الأيام المقبلة، وإن تبدو أنها أيام يعتريها الخيبة، والغضب، كغضب كبار قادة الاتحاد الأوروبي من نتيجة الاستفتاء البريطاني الكارثي، والذي في رأي كان نتيجة طبيعة لخطاب الخوف والكراهية والعنصرية، الذي تبناه قادة حملة "خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي".

 

ــ صندوق النقد الدولي :

عبرت السيدة كريستين لاغارد، المدير العام لصندوق النقد الدولي، أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي يعني في ثناياه، العودة إلى سياسات الحدود المغلقة والانعزالية تمثل تهديدا خطيرا للمشروع الأوروبي وعدم استقرار في الأوضاع الاقتصادية، ستقود إلى اضطرابات في الأسواق المالية، فضلا عن الاضرار بمعدلات النمو وكانت قد حذرت بريطانيا من الخروج من الاتحاد الأوروبي.

 

ــ فرنسا :

يأمل اليمين الفرنسي من الاستفادة من نتائج "بريكست". ووصفت زعيمة "الجبهة الوطنية" الفرنسية مارين لوبان النتائج بأنها " انتصار للحرية "، وتابعت: "يجب علينا الآن إجراء استفتاء مشابه في فرنسا وفي دول الاتحاد الأوروبي". وربما تحقق دعوة "بريكست" دفعة انتخابية قوية لمارين لوبان في الانتخابات الرئاسية القادمة في فرنسا في سنة 2017.

 

ــ ألمانيا :

فراوكه بيتري زعيمة حزب "البديل من أجل ألمانيا" ردت فرحة على نتائج الاستفتاء وقالت:" الوقت ملائم لأوروبا جديدة". أما بيورن هوكه رئيس الكتلة البرلمانية للحزب في ولاية تورينغن فأطلق تصريحات أكثر حدة وطالب بإجراء استفتاء في ألمانيا وأضاف :" أنا أعرف أن أغلبية الشعب الألماني تريد الخروج من عبودية الاتحاد الأوروبي. وأن البريطانيين قرروا بـ"بريكست" الخروج عن طريق الجنون الجماعي".

 

ــ النمسا :

فيما قال هاينز كريستيان شتراخه زعيم حزب الحرية النمساوي إنه: بعد بريكست يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى إصلاحات شاملة. ودون رئيس البرلمان الأوربي شولتس ودون رئيس المفوضية الأوربية يونكر". ويطالب حزب الحرية بإجراء استفتاء في النمسا. وأضاف رئيس الحزب: " نحن نهنئ البريطانيون على حصولهم على استقلالهم من جديد".

 

ــ هولندة :

خيرارد فيلدرز رئيس حزب "الشعب من أجل الحرية والديمقراطية" الشعبوي الهولندي احتفى بخروج بريطانيا وقال " باي باي بروكسل. وهولندا ستكون القادمة ". ويطالب فيلدرز منذ سنوات بإجراء استفتاء حول عضوية هولندا في الاتحاد، فيما ذكر استطلاع للرأي أن أغلب الهولنديين يفضلون "نيكست" والخروج من الاتحاد الأوروبي.

 

ــ جيكيا :

طالب أنصار اليمين الشعبوي في جمهورية التشيك أيضا بـ"سيكسيت" لخروج التشيك من الاتحاد. ومن ابرز المنتقدين للاتحاد الأوروبي الرئيس السابق فاسلاف كلاوس. فيما رفض البرلمان التشيكي في الشهر الماضي طلبا قُدم من قبل حزب "الفجر الذهبي للديمقراطية المباشرة" اليميني الشعبوي لمناقشة إجراء استفتاء مشابه. وموضوع كراهية أوروبا قد يطغي على الانتخابات البرلمانية القادمة، والتي ستجرى في العام القادم.

 

ــ الدانمرك :

كريستيان توليسن رئيس حزب الشعب الدنمركي هنأ في فيسبوك بنجاح "بريكست". وقال معلقا على النتائج: "الاتحاد الأوروبي قلّل من قيمة شكوك المواطنين تجاهه. الاتحاد الأوروبي صادر قرار الدول المنضمة فيه ويدفع الآن ثمن ذلك ". ويعرض توليسن أيضا إجراء استفتاء مشابه في الدنمرك.

 

ــ المجر (هنغاريا) :

قد يشعر رئيس وزراء المجر اليميني المحافظ فيكتور أوربان أن بريكست تأييداً لسياسته الرافضة لاستقبال اللاجئين. وأوضح أوربان بعد التصويت بأنه يؤمن " بأوروبا قوية، لكنها لن تكون كذلك، إلا عندما توجد هنالك حلول ملائمة للقضايا المهمة مثل قضية الهجرة". وكانت المحكمة الدستورية قد أعطت الضوء الأخضر وقبل الاستفتاء على إجراء استفتاء في المجر حول "نسب اللاجئين" المقترحة من قبل الاتحاد الأوروبي.

 

ـــ أسبانيا :

منح الناخبون الأسبان رئيس الوزراء المحافظ ماريانو راخوي نصرا انتخابيا لكنه غير مكتمل. فقد فاز حزبه، حزب الشعب المحافظ، في الانتخابات التشريعية لكنه فشل في الحصول على الأغلبية التي تؤهله لتشكيل الحكومة.شجع انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وزير الخارجية الأسباني غارسيا مارغايو على طرح اقتراحاً بتقاسم للسيادة بين أسبانيا وبريطانيا على جيب جبل طارق البريطاني ليتاح له الدخول إلى الأسواق الداخلية للاتحاد الأوروبي.

وفي أحدث موقف، طالب رئيس الوزراء الأسباني المنتهية ولايته ماريانو راخوي بـ "الحق في الحكم" بعدما فاز حزبه المحافظ بالانتخابات التشريعية وزاد عدد مقاعده في البرلمان بالمقارنة مع ما كانت عليه حصته في البرلمان السابق. وقال راخوي أمام حشد من أنصاره تجمع قبالة مقر الحزب الشعبي في مدريد للاحتفال بالنصر رافعين أعلام الحزب الزرقاء "نعم هذا صحيح لقد انتصرنا ونحن نطالب بالحق في الحكم، وبالتحديد لأننا ربحنا الانتخابات".

وكان الحزب الشعبي الحاكم منذ 2011 فاز أيضا في انتخابات كانون الأول / ديسمبر ولكنه لم يحصل يومها إلا على 28,7% من الأصوات. أما في الانتخابات الأخيرة (26 يونيو/ حزيران 2016) فحصل الحزب على 33% من الأصوات مما يمنحه 137 نائبا من أصل 350 أي بزيادة 14 نائبا عن حصته في الانتخابات السابقة. ولكنه لا يزال بعيدا جدا عن الأكثرية البرلمانية المطلقة البالغة 176 نائبا.

 

ــ سويسرا :

وافق البرلمان السويسري، اليوم الخميس، على قرار يقضي بسحب الطلب الذي تقدمت به سويسرا، عام 1992 للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وكانت سويسرا تقدمت بطلب لعضوية الاتحاد الأوروبي، في 20 مايو/ آيار 1992، إلا أن 50.3% من مواطنيها صوتوا في استفتاء أجري في نفس العام، ضد الانضمام إلى الاتحاد.

 

ـــ الولايات المتحدة :

رغم أن الرئيس أوباما كان خلال زيارته الأخيرة قد حث لندن على البقاء ضمن الاتحاد، إلا أن الولايات المتحدة طالما اعتبرت الاتحاد الأوربي كياناً سياسياً ينافسها في الهيمنة على أوربا. وعند وصول المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية دونالد ترامب إلى اسكتلندا، أجاب الصحفيين حينما سئل عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: "أعتقد أنه أمر عظيم، وسيكون استثنائيا، إنه أمر رائع". وقال في مؤتمر صحفي بالمناسبة : "ما حدث كان  يجب أن يحدث، هذا سيقوي بريطانيا، ويبدو الأن أن الاتحاد الأوروبي في طريقه إلى الانهيار". يكفي  تصريح دونالد ترامب هذا، ليبين حجم الكارثة التي حلت اليوم بأوروبا. والولايات المتحدة ليست مضطرة للتعبير عن سعادتها بأن التصاق بريطانيا بها سوف يشتد، وستكون الراعي المخلص للولايات المتحدة في أوربا.

 

ــ روسيا :

وإذ لم تصدر من موسكو أي ردود أفعال دبلوماسية عن قرار بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي. لكن من المؤكد أن الكريملين ينتشي في السر بنجاح أولي للعبته الخطيرة، وأبدى مراقبون عن قناعتهم بأن بوتين خرج فائزاً وحيداً ربما من معمعة البريكست.  وأبدى الإعلام الروسي شماتة كبير ببريطانيا واعتبرها فرصة لتقوية العلاقات بين روسيا والمملكة المتحدة بعد العلاقات المتدهورة بينهما. فوسائل الإعلام الروسية الرسمية تروج منذ زمن طويل صورة سلبية عن اتحاد أوروبي، في طور الانهيار غير أن هذه الحقيقة يتم حجبها عن مشاهدي القنوات الروسية، وفي المقابل تروج أبواق دعاية الكريملين لهؤلاء المشاهدين خرافات عن أوروبا الواهنة جدا، وغايتها في ذلك هي إلهاء الشعب الروسي عن أزمته الداخلية حتى تتمكن النخبة الروسية الحاكمة من بسط نفوذها والتفرد بالسلطة.

وفي كل الأحوال مثل قرار"بريكست" روسيا من تحقيق هدفها الأقصى في أوروبا. إذ سينشغل الاتحاد الأوروبي في السنوات القادمة بسياسته الداخلية. ومن جهة أخرى سيكون من الصعب في الوقت الحالي التفكير في توسيع الاتحاد. وهذا ما يشكل خبرا سيئا لكل الأوكرانيين والمولدافيين والجورجيين. قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي جعل حلم دول سوفيتية سابقة ودول من البلقان في الانضمام للاتحاد صعب المنال. كما أن القرار المرتقب لإلغاء تأشيرة الدخول لمواطني أوكرانيا وجورجيا سيكون أمرا صعب التنفيذ.

وإذا أعتبرنا أن آمال أوكرانيا ومولدافيا وجورجيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد ضعفت إذا لم نقل تلاشت، ما يعني أن هذه الدول ربما ستعود بطريقة غير مباشرة إلى ما تعتبرها روسيا "مناطق نفوذها" المشروعة تاريخيا، حتى وإن لم يصرح سياسيو الاتحاد الأوروبي بذلك علنا. وبذلك فإن بوتين هو بدون شك أحد أكبر الرابحين من قرار "بريكست".

 

ــ تركيا :

وتركيا التي عانت كثيراً من مواقف الاتحاد، يرى أحد الخبراء الآن تأثيرا آخر لانفصال بريطانيا ويتمثل في موقف الأوروبيين من انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. ويقول في هذا الإطار: "القرار قد يسهل مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد ليس على المدى القريب ولكن على المدى المتوسط لأن الثقل الاقتصادي لبريطانيا سيترك فراغا بعد خروج البريطانيين وقد تلعب تركيا باقتصادها القوي حاليا دورا في خلق توازن في الاقتصاد الأوروبي".

وكان استطلاع للرأي أجرته شركة "ماك" التركية للاستشارات والأبحاث، طرحت فيه السؤال التالي: "ماذا سيكون موقفك في حال جرى استفتاء على مواصلة المفاوضات من أجل انضمام تركيا إلى الاتحاد الاوروبي أو إنهائها بالكامل؟". أظهر نتائجاً مثيرة : أن 68 % من الأتراك يريدون إنهاء مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي المتواصلة منذ نحو 40 عامًا. مقابل 23 % منهم ردّ بأنه "ينبغي على تركيا الاستمرار في المفاوضات"، فيما قال 3 % منهم إنه "محتار". وفيما يتعلق بمصداقية الاتحاد الأوروبي في ضم تركيا إلى عضويته، قال 82 % من الأتراك المشاركين في الاستطلاع إن الاتحاد الأوروبي غير صادق في ذلك.

وعن الأسباب التي تلعب دورا في رفض الاتحاد الأوروبي ضم تركيا إليه أو وضع شروط صعبة لتحقيق ذلك، رأى 73 % من الأتراك أن السبب الأهم هو الهوية الإسلامية التي يتمتع بها الشعب التركي، فيما قال 10 % منهم إن الرفض يأتي بسبب عدم اكتمال الشروط اللازمة.

وأظهر الاستطلاع ذاته أن 58 % من الأتراك يريد أن تشكل تركيا تحالفات مع دول الجوار وخاصة الدول الإسلامية، وأن تكون قائدة على رأس العالم الإسلامي بدلا من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فيما دعا 14 % منهم إلى التحالف مع أوروبا

وانتقد الرئيس أردوغان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون قائلا: "هيا تفضل، يبدو إنك لم تستطع الصمود لـ3 أيام" ردا على تصريح كاميرون الشهير والذي قال فيه "تركيا لن تدخل الاتحاد الأوروبي لغاية عام 3000". كما انتقد أردوغان موقف الاتحاد الأوروبي تجاه تركيا ومماطلتهم في ضمها إلى الاتحاد، متهماً إياه بتبني "الإسلاموفوبيا" ضد بلاده. وجدد تهديده الذهاب إلى استفتاء شعبي إذا لم يفي الاتحاد بوعوده التي قطعها لتركيا.

 

اقتصاديا

فور إعلان النبأ : قدر الخبراء من المتوقع أن تهبط البورصات الأوروبية حوالي 10% حسب العقود الآجلة التي أوردتها وكالة بلومبرغ للأخبار المالية. وحسب هذه العقود، ستخسر لندن عند بدء الجلسة 9 % وفرانكفورت 9.5 % وبورصة يورستوكس التي تضم أسهم أهم الشركات الأوروبية 12 %. وبعد أن ارتفع الجنيه الإسترليني إلى أكثر من 1.50 دولارا عند اغلاق مراكز الاقتراع، عاد وتراجع في البدء إلى ما دون 1.45 دولارا ثم إلى 1.40 دولارا قبل أن يواصل انهياره الى مستويات غير مسبوقة منذ العام 1985 ليصل إلى 1.3229 دولارا ليفقد أكثر من 10% من قيمته خلال النهار.

وتراجع الجنيه أمام اليورو الذي سجل 81.96 بنسا في مقابل 76.02 قبل بضع ساعات. وفي موازاة ذلك وحتى قبل الإعلان الرسمي عن النتائج بدا الين ارتفاعه. فقد تراجع الدولار إلى 99.04 ينا وهو أمر غير مسبوق منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2013 في مقابل 106.84 ينا في السابق، بينما سجل اليورو 109.60 ينا في مقابل 122.01 ينا.

وأعلن البنك المركزي البريطاني فوراً أنه مستعد للتحرك لضمان الاستقرار النقدي والمالي للمملكة المتحدة ويراقب عن كثب تطور الوضع بعد قرار البريطانيين الخروج من الاتحاد الأوروبي. وقال البنك المركزي الألماني إن "النتائج ستكون سيئة على كل الأصعدة". وقال بنك انكلترا إنه "سيتخذ كل الإجراءات اللازمة" لتحمل مسؤولياته وضمان الاستقرار النقدي والمالي للمملكة المتحدة، مؤكدا أنه درس مسبقا حلولا إنقاذية عميقة وسيعمل بشكل وثيق مع وزيرة الخزانة البريطانية والمصارف المركزية الكبرى الأخرى.

وتأثر النفط بالأجواء العامة، فقد خسر برميل النفط الخفيف (لايت سويت كرود) تسليم أب/أغسطس 3.11 دولارا أي 6.21 % من قيمته ليسجل 47.77 دولارا عند الساعة 04.00 ت غ في التبادلات الالكترونية في آسيا. كما تراجع برميل البرنت النفط المرجعي الأوروبي أيضا.

 

وتوقع وزير المالية البريطاني تواصل الاضطرابات في الأسواق المالية بعد استفتاء "البريكسيت" "Brexit"، فيما استبعد مراقبون أوروبيون أن تبدأ لندن في القريب العاجل إجراءات الانسحاب طبقا للمادة خمسين من معاهدة لشبونة.قال وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن (27 يونيو/ حزيران 2016) إن تصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي سيؤدي على الأرجح إلى مزيد من التقلبات في الأسواق المالية. بيد أنه أضاف أن الاقتصاد قوي بالدرجة التي تسمح له بمواجهة التحديات المقبلة.

وتتحقق نبوءة وزير المالية البريطاني متمثلة بارتفاع الدولار وانهيار الأصول وانكشاف دول أوروبا الفقيرة واضطراب حركة العمالة وزيادة درجة المخاطر. وفي أول تصريحات له منذ استفتاء "البريكسيت" قال أوزبورن إن الحكومة وضعت خطط طوارئ قوية لمواجهة نتيجة التصويت. وتابع الوزير قائلا في مؤتمر صحفي "اقتصادنا قوي بالدرجة التي تتيح له التصدي للتحديات التي تواجهها بلادنا الآن".

وأضاف الوزير أن بريطانيا ستطبق المادة 50 للخروج من أوروبا فقط عندما تكون مستعدة لذلك، فيما رأى دبلوماسيان أوروبيان أمس الأحد أن بريطانيا قد لا تباشر أبدا آلية خروجها من الاتحاد الأوروبي بالرغم من تصويت البريطانيين على ذلك في الاستفتاء الذي جرى الخميس. وقال أحد الدبلوماسيين طالبا عدم كشف اسمه "اعتقادي الشخصي هو أنهم لن يبلغوا أبدا" الاتحاد الأوروبي بنيتهم الخروج منه.

وتنص المادة 50 من معاهدة لشبونة الموقعة عام 2007 على أنه من أجل الشروع في إجراءات الانسحاب، على بريطانيا إبلاغ المجلس الأوروبي المؤلف من رؤساء دول وحكومات البلدان الأعضاء بنيتها الخروج من الاتحاد، وان تتفاوض بعد ذلك على مدى سنتين كحد أقصى في "اتفاق انسحاب". وقال الدبلوماسي الأوروبي "نريد من لندن أن تباشر المادة 50 الآن، حتى تتضح الأمور. وبما أنه لا يمكننا إرغامهم على ذلك، أتوقع بالتالي أن يأخذوا وقتهم". وأضاف "لا أستبعد، وهذا اعتقادي الشخصي، ألا يفعلوا أبدا".

وبالرغم من الضغوط المتزايدة التي يمارسها المسؤولون الأوروبيون، ومن ذلك أولاند وميركل متفقان حول التعامل مع الموقف إثر استفتاء بريطانيا(وغالباً بصرامة)، إلا أنه من غير المتوقع أن يباشر رئيس الوزراء المحافظ ديفيد كاميرون المؤيد للبقاء في الاتحاد الأوروبي، آلية الخروج خلال القمة الأوروبية التي تبدأ الثلاثاء في بروكسل وتستمر يومين، بحسب مسؤول أوروبي.

وقال المسؤول طالبا عدم كشف اسمه "لا نتوقع في المرحلة الراهنة أن يباشر كاميرون المادة 50". وأوضح كاميرون عند إعلان استقالته الجمعة إثر صدور نتيجة الاستفتاء، أنه لن يغادر مهامه قبل تشرين الأول/ أكتوبر وأنه يعود لخلفه أن يباشر آلية الانسحاب ويجري المفاوضات مع بروكسل.

وبحسب شركاء بريطانيا الأوروبيين، ينبغي الشروع بالآلية بحلول عيد الميلاد على أبعد تقدير. وقال الدبلوماسي الأوروبي "لا يمكن إجراء أي مفاوضات مع بريطانيا طالما لم يرد إبلاغ" بالخروج من الاتحاد الأوروبي. وحض وزراء خارجية الدول الست المؤسسة للاتحاد لندن على البدء بالية الخروج "في أقرب وقت ممكن".

وفي لندن خيمت الصدمة على"حي المال والأعمال" إثر الاستفتاء، وسجلت بورصات باريس ولندن وفرانكفورت تراجعا كبيرا عند افتتاحها في اليوم التالي متأثرة بقرار الانسحاب، كما انخفضت كبرى المصارف البريطانية بنسبة 30% عند افتتاح بورصة لندن، أما اليورو يهبط أكثر من 3 % أمام العملة الأمريكية، أما سعر الجنية ينخفض بنسبة 10 % أما الدولار منذ 31 عاما. وساد قلق كبير في البلدان التي تعتمد على تصدير المواد الخام كروسيا ودول الخليج.

jp-morganوبعد استفتاء البريطانيين الخميس، ستخرج بريطانيا سادس أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي والقدرة الشرائية، وثالث أكبر اقتصاد في أوروبا بعد ألمانيا وفرنسا، وهذا أعظم مصيبة من خروج اليونان وغيرها.

وهناك الكثير من المحاذير والقلق على اقتصاد العاصمة لندن في التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إذ ستفقد مكانتها لدى الشركات الأمريكية والآسيوية كبوابة دخول إلى السوق الأوروبية المشتركة.ل إذ ستفقد العاصمة دون ريب من مزاياها لدى بعض المستثمرين، وسينعكس ذلك حتماً على اقتصادها المزدهر. ورغم أن نحو 60 % من سكان لندن صوتوا في استفتاء 23 حزيران/ يونيو، على بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، غير أن باقي البلاد قرر غير ذلك. وهذا ما يثير قلقاً كبيراً في العاصمة التي يبلغ عدد سكانها 8,6 ملايين نسمة وتساوي النرويج من حيث إجمالي الناتج الداخلي، على اقتصادها.

فمع المملكة المتحدة من الكتلة الأوروبية رسمياً، ستفقد لندن مكانتها لدى الشركات الأمريكية والآسيوية كبوابة دخول إلى السوق الأوروبية المشتركة. وفي هذا السياق يقول أحد خبراء تنمية المدن إن بعض الشركات التي تعتبر لندن مدخلاً للتعامل مع السوق الموحدة الأوروبية ستنقل قسماً على الأقل من مراكزها إلى مدن أخرى من الاتحاد الأوروبي. واعلن مصرف " J B MORGAN" الأمريكي الذي يوظف 16 ألف شخص في المملكة المتحدة، فور إذاعة نبأ الخروج من الاتحاد أنه قد ينقل بعض الوظائف إلى خارج البلاد.

(الصورة : بناية بنك مورغان في لندن)

وبحسب وكالة (Standard & Poors) للتصنيف الائتماني، فإن خمس النشاط المصرفي العالمي يتركز في لندن. وفي حال هروب المصرفيين، فان ذلك سيشكل ضربة قاسية للمدينة حيث يؤمن القطاع المالي ثلث الوظائف، أي 1,25 مليون فرصة عمل. وتشكل الخدمات بمجملها 85 % من الوظائف في العاصمة، وقد حل هذا القطاع بصورة كاملة محل القطاع التصنيعي الذي شكل لفترة طويلة مكمن قوة المدينة.

وأعلن رئيس بلدية لندن العمالي صادق خان "أمر جوهري أن نبقى جزءا من السوق الموحدة"، داعياً إلى الأخذ بتصويت مدينته خلال المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حول كيفيات الخروج. وفي مؤشر إلى هذه المخاوف الكبيرة، جمعت عريضة أطلقت على شكل مزاح للمطالبة بخروج لندن من المملكة المتحدة، أكثر من 140 ألف توقيع. لكن بالرغم من هذه المخاوف، يرى كلارك أن من المحتمل في نهاية المطاف "ألا يكون عدد الوظائف التي ستفقدها (لندن) هائلاً، لأن الشركات ستعيد ترتيب أمورها بدل أن تغادر تماماً" وفي مطلق الأحوال "ستبقى لندن موقعاً جيداً لتامين الخدمات للأسواق العالمية".

ولا شك أن المدينة التي سجل إجمالي ناتجها الداخلي زيادة بنسبة 3,3 % العام الماضي بالمقارنة مع 2,3 % في مجمل البلاد، تملك ميزات كفيلة بضمان حفاظها على هذا الموقع، فهي تتكلم الإنكليزية، لغة الأعمال العالمية، وهي منفتحة على العالم وتتسم بثقافة غنية. كما أن تنظيمها الألعاب الاولمبية عام 2012 وما واكب ذلك من استثمارات ولا سيما في وسائل النقل، أعطاها انطلاقة هائلة.

لكن هل ستستمر جامعاتها الذائعة الصيت في تأمين اختصاصيين ذوي كفاءات عالية لها إذا ما بات من الصعب على غير البريطانيين الالتحاق بها ؟ أكدت جامعة لندن أن الخروج من الاتحاد الأوروبي لن يكون له "أي عواقب آنية" على الطلاب والأساتذة، لكن لا أحد يدري ما يحصل في المستقبل.

وفي حال انتقل المصرفيون ذوو العائدات الطائلة وغيرهم من الأجانب إلى فرانكفورت(المركز الألماني للنشاط البنكي)، فإن ذلك سينعكس سلباً على قسم كامل من الاقتصاد يستند إلى قدرتهم الشرائية العالية، من الوكالات العقارية الرفيعة المستوى إلى المدارس الخاصة الراقية.

وأول من سيدفع الثمن قد يكون القطاع العقاري. ورأت مجموعة الدراسات "Hometrak" المتخصصة في هذا القطاع أن "العقارات السكنية في لندن هي التي ستتأثر بأكبر قدر بقرار الخروج من الاتحاد الأوروبي"، معتبرة أن "التجربة تثبت أن الصدمات الخارجية أدت إلى تراجع حجم الإيرادات بنسبة تصل إلى 20 %" في هذا المجال.

ومثل هذه التطورات ستشكل ضغطاً يدفع إلى تراجع الأسعار، ما سيكون في نهاية المطاف نبأ ساراً للعديد من الزبائن المحتملين المهتمين بالشراء أو الإيجار، في مدينة حيث أسعار العقارات باهظة وقيمة المنتجات ترتفع حالياً بوتيرة 13 %في السنة. ولفت أحد الخبراء في سياق سلسلة الايجابيات إلى مكسب محتمل، موضحاً أن "لندن قد تشكل فرصة لتنويع النشاطات بنظر المستثمرين الراغبين في المراهنة ضد الاتحاد الأوروبي مع الاستفادة رغم ذلك من فرص النمو التي تتيحها أوروبا".

ولكن للأمر دوماً جانبه الآخر، فالخسائر في الجانب البريطاني سوف لن تكون بسيطة، والخروج من نفق الاتحاد الأوربي بعد 42 سنة من المكوث فيه لا يبدو سهلاً، ولا يحق بداعي الحماس الاستخفاف بسلبيات الخروج من الاتحاد ومؤسساته، والشروع بعقد اتفاقيات جديدة، وستكون مفاوضات مضنية بين أطراف تعرف مواقف بعضها بدقة تامة، وقد تستغرق عقداً كاملاً إعادة الأمور إلى نصاب جديد، وبعض المتشددين يضعون آجالاً أطول، وشروط جديدة إذا علمنا أن الكثير من الأوربيين لا يريدون تسهيل خروج المملكة المتحدة، مكافأة لها، ولا إغراء لمن يشتهي أن يقوم بنفس العمل، إذن فبريطانيا ستدفع ثمناً لخطوتها، تأمل أن لا يكون باهضاً.

ويطرح المؤيدون للأنفصال تصورًا عن أوضاع التجارة عقب الخروج، وأنها كانت سببًا لدى المواطن البريطاني في توقع الأفضل، إذ يتصور المواطن البريطاني أن الأنفصال سيمكنه من التعامل بحرية دون خضوعها لقوانين الاتحاد، حيث يمكنها عمل اتفاقيات تجارية ثنائية بشروط مناسبة مع شركاء آخرين، دول مهمة مثل أمريكا والهند والصين، بالإضافة لمساع إقامة منطقة تجارة حرة.

 

ــ  " Brexit " وتأثيراتها على أقتصاديات البلاد العربية.

وفق رؤية واقعية، للموقف، فإن خروج الاقتصاد البريطاني من خيمة أوربا،  سيمنحها وحلفاءها دفعاً، بفعل وجود آليات جديدة ومؤثرات سياسية واقتصادية غير تلك الناجمة عن التعامل مع الاقتصاد الأوربي كبير، والاقتصاد البريطاني بدوره سيحاول التعويض عن الخروج من الاتحاد، ومن المتوقع أن تكون تداعيات خروج بريطانيا على الدول العربية كبيرة جداً، ربما بشكل غير مباشر، بل من خلال موجات التأثير في الاقتصاد العالمي وتراجع حجم الطلب في الأسواق الأوروبية وليس في الأثر المباشر لاتفاقيات التجارة، مضيفا مع الأفتراض أن التبادل التجاري لن يتأثر قبل عامين على الأقل يمكن خلالهما عقد اتفاقات ثنائية مع بريطانيا لتحييد الأثار السلبية.

وبالإجمال ستكون ربما هناك شروط جديدة، على أن السوق البريطانية الرئيسية ستبقى متمثلة بأقطار الخليج.

"Brexit"مكاسب "كبيرة" لدول الخليج

مفاوضات التجارة الحرة بين دول الخليج وأوروبا متجمدة منذ العام 2008، أي قبل نحو ثماني سنوات. ويصل حجم التجارة بين أوروبا ودول مجلس التعاون الخليجي أكثر من 150 مليار يورو سنويا، والصادرات الأوروبية 100 مليار يورو، والصادرات الخليجية 50 مليار يورو.

وربما يخلق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عددا من المكاسب التي يمكن وصفها بـ"الضخمة"، لدول الخليج، بحسب الرئيس التنفيذي لدار الإدارة للتطوير والاستثمار، أول هذه المكاسب تحسين شروط الاستثمار والتفاوض مع كل من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، ففي السابق كانت دول الخليج لا تستطيع التفاوض مع أي دولة، ولهذا كان النقاش دائما ما يكون سلبيا منذ عام 1985، قبل نشأة منطقة اليورو، وأيا كان سيذهب الاستثمار سيصب في النهاية داخل الاتحاد الأوروبي، ولهذا لم تكن دول الخليج قادرة على التفاوض بشكل حازم مع كل دولة على حدة.

ويتفاوض الاتحاد الأوربي ومجلس التعاون الخليجي على اتفاقية التجارة الحرة منذ 1988 واتفاق التجارة الحرة الخليجي الأوروبي الذي يهدف إلى تعزيز التجارة والاستثمار بين الكتلتين. هذا ناهيك عن أن ذلك الانكسار وخروج بريطانيا من الاتحاد سيقلل من التضامن بما يعطي منطقة الخليج قوة جيدة في التفاوض. ويحسن من شروط التفاوض والاستثمار، حيث ستصبح أوروبا في المرتبة الرابعة بين أقوى الاقتصاديات العالمية وبريطانيا في المرتبة الخامسة.

والمكسب الثاني هو إعادة التفاوض على اتفاقيات تجارة حرة مع أوروبا وبريطانيا، وربما تجد دول الخليج ممثلة في مجلس التعاون الخليجي الفرص سانحة أكثر من أي وقت مضى للمضي قدما، خاصة مع حاجة بريطانيا لملء الفراغ الذي سيخلفه مغادرة الاتحاد الأوروبي.

هذه الانفصال أيضا سينتج عنه خفض قيمة اليورو والجنيه الإسترليني معا بسبب الضعف الذي سيخلفه الانفصال، وهو ما سيؤدي لمكسبين هامين لدول الخليج، الأول خفض تكلفة الوارادت الأوروبية والبريطانية، وهو أيضا ما سيؤدي لخفض مستويات التضخم في دول الخليج.

المكسب الخامس لدول الخليج هو الفرص الاستثمارية التي سيخلفها خروج بريطانيا من أوروبا، حيث من المتوقع أن تنخفض العقارات بنسبة قد تصل إلى 20%، وستخرج أو تتعثر عديد من الشركات من بريطانيا، ما يخلق فرصا استثمارية ضخمة سواء للحكومات الخليجية أو المستثمرين الخليجيين، خاصة في ظل تنافس كل من أوروبا والمملكة المتحدة على تقديم الفرص الأفضل للمستثمر الخليجي.

وفي الجانب الثاني يرى الخبير أن بعض دول الخليج ستتأثر استثمارتها في لندن جراء هبوط قيمة الأصول، إلا أن هذه الخسائر تعتبر ضئيلة جدا أمام المكاسب الضخمة التي ستحصل عليها.

أما ما يتعلق بتأثيرات القرار على سياسة بريطانيا في الشرق الأوسط وهي التي تربطها علاقات اقتصادية قوية بالدول العربية خاصة دول الخليج، يقول أحد أساتذة العلاقات الدولية "سنرى انسجاما أكبر مع السياسة الأمريكية في المنطقة. وستصبح بريطانيا فعليا الضفة الأمريكية في أوروبا".

ويضيف الخبير : " لطالما كانت بريطانيا قريبة من السياسة الأمريكية حتى في السابق رغم وجودها في الفيلق الأوروبي لكن ليس بنفس الحدة وذلك من أجل مراعاة السياسة الخارجية الأوروبية المشتركة عندما تكون هذه الأخيرة بعيدة عن التوجهات الأمريكية. أما الآن فلم يعد هناك هذا المبرر وستتحول بريطانيا إلى منظار أمريكي في المنطقة ". أما بخصوص تأثير نتائج الاستفتاء على التوجهات الأوروبية في الشرق الأوسط يستبعد أن يؤثر خروج بريطانيا على السياسية الأوروبية في الشرق الأوسط في شيء، فكل ما سيتغير هو أن ألمانيا وفرنسا ستقودان الآن الباخرة الأوروبية في المشرق أما بخصوص التوجهات الأوروبية فستبقى نفسها مع فارق غياب موجات الذبذبة التي كانت تطلقها بريطانيا من خلال معارضتها للكثير من قرارات الاتحاد".

وبهذا الخصوص قال أحد المحللين السياسيين :" إن بريطانيا تعاني من عقدة كونها جزيرة صغيرة وهذا ما يدفعها لتضع قدما في الولايات المتحدة و قدما أخرى في أوروبا. وأضاف "تعتبر بريطانيا نفسها أنها تربطها علاقات تاريخية وتجارية وسياسية وحتى نفسية بالعرب وبالذات دول الخليج التي تشكل المخزون المالي الأكبر لها. فهناك أكثر من 60 مليار دولار من الاستثمارات العربية في بريطانيا حاليا". وأضاف " إذا العرب حريصين على استمرار التعاون مع بريطانيا بسبب عامل اللغة والاستعمار إلا أنهم يفضلونها ضمن أوروبا قوية لخلق التوازن مع الولايات المتحدة من جهة وروسيا من جهة أخرى".

وكان وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي عقدوا اجتماعا نهاية الشهر أيار مع نظيرهم البريطاني أثناء زيارته إلى السعودية بهدف تعزيز العلاقات بين الجانبين. وقال حينها وزير الخارجية السعودي إن دول مجلس التعاون تربطها علاقات عميقة مع بريطانيا تمتد جذورها إلى أكثر من مئة عام، مشيراً إلى أن التعاون بين دول المجلس وبريطانيا قائم وبناء في المجالات الاقتصادية والأمنية والعسكرية، والمجالات التعليمية والطبية.

وحتى الجناح البريطاني الذي طالب بالانفصال، يجد في بلدان الخليج تحديدا بديلا اقتصاديا محتملا للاتحاد الأوروبي. وعقب إعلان قرار خروج البريطانيين وعبر محلل سياسي بالقول إن الاتحاد الأوروبي والعرب أكبر الرابحين بينما الخاسر الأكبر هو بريطانيا نفسها لكون أن البريطانيين "أطلقوا النار على أرجلهم بالسقوط في مصيدة “التخويف” التي مارسها اليمين العنصري المتشدد لدفعهم إلى التصويت لصالح الخروج، والتلويح بأخطار الهجرة، وتزوير الحقائق في هذا الخصوص، مثل التركيز على خطر “الإسلام” ضمنيا، وانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي".

 

وخروج بريطانيا له فوائد أيضا بالنسبة للاتحاد الأوروبي

في كنف من السرية عمل نواب وموظفون وباحثون في العلوم السياسية لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل منذ زمن طويل على استشراف سلبيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لكن تبين أن خروج بريطانيا له إيجابيات أيضا.

 

ــ بريطانيا ودور المعرقل.

ساهمت بريطانيا في الأربعين سنة الماضية في تشكيل الإتحاد الأوروبي، ودفعت أيضا في مرات عديدة إلى القيام بتغييرات كثيرة، حسب وجهة نظر نائب رئيس البرلمان الأوروبي. لكنها لم تنفك في المقابل عن معارضة مشاريع قوانين اقترحتها المفوضية الأوروبية، لذلك فإن مغادرة بريطانيا التكتل الأوروبي سيسهل على أوروبا عملية المصادقة على بعض من قراراتها، كما يرى أحد الموظفين العاملين في الإتحاد الأوروبي. كما لن تضطر دول أوروبية أخرى إلى الاختباء وراء المملكة المتحدة في مجلس الإتحاد الأوروبي والآن فرصة يجب عليهم أن يعربوا عن أنفسهم ويتخذوا قرارات من تلقاء أنفسهم. لكن خبيراً في الشؤون الأوروبية يشكك في أن يسهل خروج بريطانيا عملية المصادقة على القرارت. وبخروجها ستفقد بريطانيا وضع "العضو الاستثنائي" في الإتحاد الأوروبي، إذ إن هذا الوضع سمح لها في الماضي بالعديد من الامتيازات كالتدابير الاستثنائية، ومساهمة مالية أقل في الميزانية الأوروبية خلافا لدول أعضاء أخرى. وكانت مارغريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، قد قادت مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي للحصول على منصب العضو الاستثنائي.

 

ــ في فرنسا.

تسعى فرنسا إلى تسريع إجراءات خروج بريطانيا من الفريق الأوروبي. وحسب بعض الدبلوماسيين الفرنسيين يجب أن يكون هذا الخروج بمثابة الضربة الموجعة. وذلك حتى تتعظ بعض الدول المشككة في الإتحاد الأوروبي من أن تحذو حذو بريطانيا. أمر أشار إليه رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، إذ شدد على عدم التساهل مع الجندي المغادر للجبهة. من جهتها طالبت النائبة الفرنسية إيليزابيت غويغو "بمحاربة القوى النابذة واستخلاص العبر من درس الخروج البريطاني ". اليمينيون الشعبويون مثل مارين لوبان في فرنسا أو فيلدرز في هولندا يسعون إلى حل الإتحاد الأوروبي؛ ولهذا فإنه من الضروري ردعهم، حسب النائبة الفرنسية.

 

ــ أفق قريب للجيش الأوروبي الموحد

لقد أفشلت بريطانيا حتى الآن كل المحاولات الساعية لتشكيل جيش أوروبي موحد، ومؤسسة عسكرية قوية، دون مشاركة حلف الناتو. أما الآن فمع انسحاب المعرقلين، سيكون الطريق مفتوحا أمام إستراتيجية عسكرية أوروبية. كما أن خروج بريطانيا خبر سار بالنسبة للدول التي تؤيد تدخل الحكومات في الأمور الاقتصادية والمزيد من إجراءات الحماية الاقتصادية، والتساهل في أمور الميزانية. لذلك فإنه على الإتحاد الأوروبي -حسب خبراء في الشؤون الأوروبية في بروكسل- أن يولي اليوم اهتماما أكبر لأعضائه في الشرق والجنوب، بعد أن اختار القطب البريطاني المغادرة.

 

ــ وظائف شاغرة قريبا

سيضطر العديد من الموظفين البريطانيين في بروكسل وستراسبورغ على المدى البعيد إلى الاستقالة من مكاتب المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي ومجلس السياسة الخارجية ولجان الخدمات الاجتماعية والاقتصادية ومؤسسات أوروبية عديدة أخرى. ما يعني خلق مواطن شغل جديدة لبضعة آلاف من الناس. ورغم أن عدد موظفي بريطانيا في الإتحاد الأوروبي يعتبر أقل نسبيا من عدد الموظفين اليونانيين على سبيل المثال، إلا أنهم يشغلون مجملا مناصب عليا في مؤسسات الإتحاد. لكن عملية تغيير الموظفين ستستغرق بضعة سنوات لأن عقود العمل لا تلغى مباشرة مع خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي.

 

ــ العودة إلى اللغة الفرنسية

كانت الفرنسية اللغة الأساسية المستخدمة داخل أروقة مؤسسات الإتحاد الأوروبي قبل خمس عشرة سنة. وعدم إتقان مفوض أوروبي للغة الفرنسية كان في الماضي أمرا غير قابل للتصديق. لكن الأمور تغيرت منذ انضمام دول من شرق أوروبا إلى الإتحاد. إذ اعتمدت الإنجليزية فجأة كلغة أساسية للإتحاد الأوروبي. بالإضافة إلى انخفاض أهمية اللغة الألمانية. والآن ومع انسحاب رائد اللغة الإنجليزية، تبدو الفرص سانحة أمام عودة الفرنسية كلغة أساسية في الإتحاد. وهذا سيسعد بالتأكيد معاهد اللغة والثقافة الفرنسية في بروكسل. أما بالنسبة للمترجمين العاملين هناك، فلن يؤثر ذلك على سير عملهم. إذ إن الإنجليزية ستبقى رغم ذلك لغة رسمية، لأنها اللغة الرسمية الأولى لأيرلندا ولغة رسمية ثانية لمالطا، بعد المالطية.

 

ــ مناقشات أقل في البرلمان

سيختفي النواب البريطانيون المعادون لأوروبا من البرلمان الأوروبي. إذ لطالما انزعج النواب المناضلون من أجل أوروبا الموحدة من الخطابات المسهبة لبعض النواب المحافظين والهجمات الحادة لحزب "استقلال المملكة المتحدة". ورغم أن رئيس هذا الحزب نيغل فاراغ كان متقنا لفن الخطابة، "لكننا لن نفتقد ترهاته التي كان يتفوه بها"، يختم نائب عن الاشتراكيين الديمقراطيين، يفضل عدم ذكر اسمه.

 

خاتمة :

ماذا تريد بريطانيا وماذا تريد أوربا

كانت عملية دخول بريطانيا إلى السوق الأوربية ثم إلى الاتحاد الأوربي يواجه بفيتو فرنسي في عهد الرئيس الرحل شارل ديغول الذي يعتبر مع المستشار الألماني كونراد أديناور من المؤسسين للفكرة الأوربية. وديغول يحمل ذكريات مريرة من تعامله مع الإنكليز في الحرب العالمية الثانية انعكست في طريقة تعامله مع بريطانيا حتى مغادرته الحياة السياسية الفرنسية.

رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر توصلت عبر مفاوضات صعبة إلى التوصل لاتفاقية خاصة تمنح بريطانيا مزايا خاصة في الاتحاد، والأوربيون، وخاصة الألمان ولضم بريطانيا إلى الاتحاد، تطميناً لهواجس كثيرة، قبلوا بمعاملة خاصة لبريطانيا، والإنكليز استساغوا هذه الطريقة، فما برحوا خلال وجودهم في الاتحاد من إثارة المتاعب والاعتراضات في كل مناسبة، وكانت ذروة المواقف الصعبة هي في معارضة تاتشر للوحدة الألمانية ووقوفها موقفاً صلباً لا يلين، ولم تتراجع إلا بعد إلحاح من الرئيس الأمريكي ريغان.

وتواصلت هذه المواقف ضمن الاتحاد، والآن هناك من يعتقد أن الحكومة البريطانية ربما تحاول أستحصال موقف خاص لا تكون فيه ضمن الاتحاد ولا خارجه. وترى في الدول الأوربية أنه موقف ابتزازي، فكيف توصلت بريطانيا إلى مثل هذا الموقف ؟ من المحتمل أن مفاوضات الكواليس في لندن، بين القوى السياسية تريد التوصل إلى أتفاق وسط / تسوية (Comormise) يضمن لها مزايا وجودها في الاتحاد، رغم الانسحاب. بريطانيا مهمة، لكنه لاعب اقتصادي عالمي متعثر خصوصاً من وجهة نظر السياسة الخارجية والأمنية.

وقد صدر تنويه عن اجتماع ضم المستشارة الألمانية والرئيس الفرنسي، ورئيس الوزراء الإيطالي، يتحسب لهذه السياسة، ويحذر منها، ويبدو أن الأمر له ترجيحاته في برلين وباريس، وظهر ذلك واضحاً في خطاب للمستشارة الألمانية (28 يونيو/ حزيران 2016) أمام البرلمان (البندستاغ) أتسم بالقوة والتشديد على قوة الاتحاد (27 دولة) وعلى أن أي مفاوضات رسمية مع بريطانيا ستبقى معلقة طالما لم تقدم الأخيرة طلب الخروج.

ودعت المستشارة إلى التشاور بما يقوى الاتحاد ويعزز مركزه، وسوف يتم في اليوم الأول من القمة الأوروبية إطلاع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون المستقيل على تداعيات الاستفتاء، على أن يجتمع قادة دول وحكومات الدول الـ27 المتبقية في الاتحاد غدا الأربعاء بدون بريطانيا.

وفي كلمة المستشارة رسالة واضحة إلى لندن بأن بريطانيا لا يمكنها بعد استفتاء الخروج "انتقاء" الاحتفاظ بامتيازاتها وفي الوقت ذاته التخلي عن كل واجباتها. وقالت ميركل أمام البوندستاغ "سنحرص على ألا تكون المفاوضات على أساس " الانتقاء " ومن يخرج لا يمكنه توقع زوال واجباته والاحتفاظ بامتيازاته، مشددة على أن الاتحاد الأوروبي قوي بما فيه الكفاية لتجاوز رحيل بريطانيا. كما شددت ميركل على أن مفاوضات الخروج مع بريطانيا لن تتمّ إلا بعد تقديم بريطانيا رسميا طلب الخروج وفق مقتضيات معاهدة لشبونة.

وفي أحدث تطور في هذا السياق أعلن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون (28/ حزيران) انه يريد أن تكون العلاقة بين بلاده والاتحاد الأوروبي "وثيقة إلى أقصى حد" وان يكون الانفصال "بناء قدر الإمكان"، بعد قرار الخروج من الكتلة الأوروبية.

وشدد كاميرون أمام صحافيين عند وصوله لحضور قمة للاتحاد الأوروبي في بروكسل "يجب ألا نتخلى عن أوروبا". وأضاف "حتى لو أننا نخرج من الاتحاد الأوروبي، فإننا لا ندير ظهرنا لأوروبا"، مشددا على أن الدول الأعضاء الـ27 الأخرى "هي جيراننا وأصدقاؤنا وحلفاؤنا وشركاؤنا".

ومضى كاميرون يقول "آمل فعلا أن نقيم علاقة وثيقة إلى أقصى حد على صعيد التجارة والتعاون في الشؤون الأمنية لأنه أمر جيد بالنسبة إلينا واليهم". وتابع "أن بريطانيا ستخرج من الاتحاد الأوروبي، لكن أريد أن تكون هذه الآلية بناءة قدر الإمكان وآمل أن تكون النتيجة بناء قدر الإمكان".

ويواجه كاميرون الذي أعلن استقالته ضغوطا من القادة الأوروبيين من أجل بدء آلية خروج بلاده بأسرع وقت من خلال تطبيق المادة 50 من معاهدة لشبونة. إلا أن كاميرون قال إنه غير قادر على اتخاذ هذه الخطوة التي ستطلق آلية تستمر عامين. وأشار إلى أن هذه المهمة تعود لخلفه الذي من المتوقع أن يتولى مهامه في أيلول/سبتمبر.

ترى هل شعر البريطانيون أن خطوتهم كانت أوسع من اللازم ... يحتمل، ويشير لذلك عريضة وقع عليها أكثر من 3 ملايين مواطن بإعادة الانتخابات، رئيس البرلمان الأوربي يقول ناصحاً .. لا توصدوا الباب بوجوههم إن عدلوا عن رغبتهم .... يريدون أن يأخذوا مكاسب الاتحاد، ويتخلون عن التزاماته ... وهذا ما يفهمه صقور أوربا وحمائمها على حد السواء ...! لكن الموقف الأوربي يتسم بالحزم يدل على ذلك تصريح، رئيس المفوضية جان كلود يونكر داعيا بريطانيا إلى "توضيح موقفها بأسرع ما يمكن" وأكد أنه "بدون إبلاغ، لا مفاوضات". ولخص رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال الموقف العام، إذ أعلن أنه يرفض أن يكون الأوروبيون "رهائن" لدى لندن، رفض لموقف "نخرج من الاتحاد ولكن نتمتع بمزاياه دون التزاماته ". وهو موقف أشار إليه وزير الخارجية الأمريكي تلميحاً (29/ حزيران) من أن لندن ليست على عجل لمغادرة الاتحاد، ولكن القادة الأوربيين كانوا على درجة كافية من الوضوح، المستشارة الألمانية قالت : وقبل الحضور إلى بروكسل حرصت ميركل على تبديد أي أمل لدى لندن في إجراء مفاوضات حول مستقبل علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي على قاعدة "الانتقاء"، وأكدت بحزم متحدثة أمام مجلس البرلمان الألماني "البوندستاغ" أن "من يخرج من العائلة لا يمكنه توقع زوال كل واجباته والاحتفاظ بكل امتيازاته". ثم أضافت إنها لا ترى فرصة لتراجع بريطانيا عن قرارها الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. وبعد ختام اليوم الأول لقمة للاتحاد الأوروبي وصفت ميركل المحادثات مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بأنها "جادة" لكنها "ودية". وقالت المستشارة إنه لا وقت للحزن أو الغضب لكن أوروبا يجب أن تتعامل مع الموقف الذي تواجهه الآن. وبسؤالها عن إمكانية تراجع بريطانيا عن الانسحاب قالت ميركل "أريد أن أقول بوضوح أنني لا أرى مجالا للتراجع... علينا جميعا النظر إلى حقيقة الموقف. هذه ليست ساعة التفكير بالتمني".

 

وهناك في الأفق (مراكز البحوث) تدور دراسات، وأفكار عن ملامح قواعد دولية جديدة، ونظام علاقات جديد، وتوازنات في طور التبلور، وخطوة بريطانيا هي في هذا الاتجاه، كما يتوقع نمو أعداد الطبقة الوسطى في الهند من 50 مليون، إلى 475 مليون، وينتظر أن يصبح مليار في الصين، وهذا يعني أنه بحلول العام 2030، سيولد في هاتين الدولتين 1.5 مليار مستهلك طبقة وسطى، وهذا يعادل ثلاثة اضعاف عدد المستهلكين الاتحاد الأوروبي الآن، ولذلك فإنّ العالم يستعد لتوازن وتقاسم قوى جديد من جديد في العام 2030، وربما يكون السبب الجوهري وراء القرار البريطاني، في الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، من أجل التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث من المتوقع أن تتقارب كل من كندا وأستراليا ونيوزلندا إلى هذا التحالف، وهذه الدول هي صاحبة السعي الأكبر لتقاسم الحصص في أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ، وهناك حراك بين الحين والآخر لضم النرويج والدنمارك وهولندا.

وبالمقابل تتشابك دول محور ألمانيا- فرنسا- إيطاليا- أسبانيا، وستتمركز أكثر وتقوي نفسها في مركز الاتحاد الأوروبي، وليس كما يعتقد البعض بأنهم سيحلون الاتحاد الأوروبي، وسبب ذلك هو أن هذه الدول بحاجة بعضها البعض من أجل الوقوف في وجه مناورات التحالف الأمريكي البريطاني.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر :

ــ وكالة الأنباء الألمانية

ــ صحف ألمانيا.

ـ وكالات أنباء عالمية.

ــ مراكز دراسات وبحوث

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak :

Tel: 0049 - 30 – 66 302 184 / E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

 

 

 

الفلوجة والموصل

 

أم العراق بأسره 

د. ضرغام الدباغ



بتقديري الموضوعة الأهم التي تستحق أن تكون عنواناً للمناقشة هي عنوان العراق إلى أين، ليس من حيث النتائج العسكرية بصرف النظر عن وجهة الحسم فيها، ولكن هل يمكن أن تنتج هذه التطورات وغيرها ما يصلح لأن يخلق الظروف الذاتية والموضوعية لتأسيس نظام حكم دولة عراقية حديثة، تستطيع أن تواجه الهم العراقي العام الشامل المتكامل بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

لنفترض الآن أن كافة المشاكل ذات الطابع العسكري قد حسمت، إذن ما العمل حيال تراكم هائل، بل خيالي سواء في حجمه أو آثاره، دون أدنى ريب أن العمل في هذه الجبهات أصعب بكثير جداً من التحريض والتهيج، فهناك ربما الحاجة إلى مجانين، أو شجعان، أو انتحاريين، سمهم ما شئت، لكننا هنا نحن بحاجة إلى علماء عباقرة وأذكياء، ومخلصين، وأكفاء، وأناس لا جيوب لهم ..! وهذه مشكلة خطيرة لا تقل عن تأثير القنبلة الذرية في النتائج، فالقنبلة الذرية، ولكي يكون الطرح علمياً، قنبلة هيروشيما لم تدمر سوى دائرة قطرها ميلين ونصف، وضحاياها 140 ألف شخص، ولكن هل يخبرنا أحد كم قتل في العراق منذ احتلاله وحتى اليوم ...؟

منذ احتلال العراق وحتى اليوم الناس يموتون، البيوت تتهدم، اقتصاد البلاد يتلاشى، أبطال خرافيون يهدد أحدهم الآخر، ولا يفكر أحد بالغد، وبعار نيل بطولة إقامة المجازر، واحتمال المثول أمام المحاكم بتهم القتل والسرقة والنهب والإبادة، من سيتحمل وزر ما حدث ويحدث ... قلت في مقابلة سابقة ربما معكم أو مع قناة تلفازية أخرى، أن من مات أرتاح وأنتهي، وكل نفس ذائقة الموت وأيضاً... نبلوكم بالشر والخير فتنة، بطولة الحسين ومأثرته أنه قضي مظلوماً، ولولا أن يعلق المسيح لما كان هناك رمز أبدي وهو الصليب، ولم تكن المسيحية، أقول أن القضية ليست في هذه الحوادث التي يزخر بها التاريخ بالملايين، وفي النهاية تتبلور عبرة.... وهنا تكمن الضرورة التاريخية، أن تتكون عبرة، وكما في الفلسفة تتطور هذه الفكرة إلى إدراكات، ثم وعي، ليكوين قاعدة تاريخية، وفي ختامها، يتشكل ما لا يستطيع بشر أن يتدخل في تكوين ملامحها النهائية.

من هنا أريد القول، تعقيباً على موضوعة الندوة، لاحظوا رجاء، كم من المعارك حدثت، وكم مرة اعتبرت نتائجها حاسمة، ثبت لاحقاً أنها لم تكن حاسمة، وقادة تلك المعارك لم يكونوا سوى ممثلون سطحيون طارئون على خارطة الزمن، والسبب لم يكن في الفصيل رقم كذا أو اللواء أو الفرقة، أو العقيد الركن، أو ما شابه ذلك من المسميات، لاحظ كم مرة احتلت الفلوجة أو بغداد في التاريخ القديم والحديث، هذه ليس مهمة على الإطلاق في الحسابات النهائية، في علم التاريخ هناك مسألة جوهرية، ينبغي البحث عنها وتحليلها، وحلها، وغالباً ليس بالوسائل العسكرية التي لم تحل يوماً قضية جوهرية.

الضاربون في بطون الكتب يجدون صفحات مذهلة، علماء تحدثوا قبل مئات من السنين عن قواعد سياسية واقتصادية وتاريخية، والملاحظ أن نتاج أعمال هؤلاء العباقرة كان دائماً يكمل بعضه، رغم أنهم ربما لم يقرأوا أعمال بعضهم ولكنهم التقوا في البحث عن المسألة الجوهرية، لاحظ منذ كلكامش وأفلاطون وأرسطو، وأبن خلدون، وأبن رشد، والماوردي، كلهم يبحثون على خارطة الأرض عن الطريق، ولم يكن بين كل هؤلاء شخص واحد برتبة فريق ركن، بل المهم أن تكون عبقري ركن، وأن تعرف الطريق وما ينفع الناس، وما يمكث في الأرض محموداً .... وإلا سيكون كائناً من كان مشهور بالخسة والوحشية والتخلف ليس إلا  .. أي كان أسمه ....

أنا ألفت الأنظار، والأسماع، والبصائر، وأعتقد أن هذا جزء من واجبي، كمدرس قبل أن أكون سياسي، أن أصر على أن ناتج جمع خمسة وإثنان هو سبعة، لا يهمني من ترضيه هذه الحقيقة أو تغضبه .... منذ ثلاثة أيام وأنا منهمك بدرجة لا أستطيع حتى النوم، بقراءة شاملة وتفكير دقيق ودراسة كافة الأبعاد والتداعيات والنتائج والآثار لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، صحيفة ألمانيا هنا خرجت وصفحتها الأولى سوداء ..!  بعض ردود الأفعال مذهلة وفاقت تصوري وأنا ودرست فيها وأقيم وأعيش منذ عقود، ورغم وجود حركة بريكسيت، إلا أن المخاطر على الاتحاد الأوربي كانت تلوح من نوافذ أخرى غير محكمة الإغلاق، وهكذا غرقت الغواصة الرهيبة، الحافلة الطافحة بالعباقرة، لأنهم لم يحسنوا التعامل معها، واليوم هناك مخاطر رهيبة بفوز اليمين الشعبوي في معظم أوربا، نحن أمام شعبوية (نازية) جديدة من طراز جديد وهولوكوست جديد يصبح الهولوكست القديم مجرد نزهة ...

التسابق نحو التدمير له نتيجة واحدة وهو تدمير أكبر وحاصل جمع القتلى هو مزيد من الضحايا، لندع مسألة تحرير المدن من سكانها، فهذه مسألة تحتمل الجدل البيزنطي، ولكن لماذا فشلت الدولة في حل مشكلة وزارة التعليم العالي، ووزارة الخارجية، ووزارة الصحة، ووزارة الكهرباء والماء، ووزارة المواصلات، والدولة عموماً، أليس هذا يعني فشلاً عاماً ورؤية خاطئة إلى المشكلات بأصنافها..! نعم الخطأ كبير وجذري، ولا ينتهي بنتيجة معركة أو أثنين، بل الحل لا يكمن في المعارك والتصفيات والإلغاء، فهذه كلها سيوف ذو حدين .. قاتلة ولكنها لا تعالج إشكالية .

عندما تسأل ماذا بعد الفلوجة والرمادي والموصل وتكريت .... لعل في ذهنك أن أمراً لم أجب عنه ... ما هي المسألة الجوهرية ...؟

بفلسفة عراقية / عربية أقول للمشاهدين الأعزاء ... المسألة هي أن التنور ما يزال حاراً بل وحار جداً

وبالعراقي نقول : العاقل يفهم والمخبل  يدانش فكره ...! 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقال جزء من مقابلة تلفازية بتاريخ 27 / حزيران / 20

 

الفرس يهددون ....!

 

د. ضرغام الدباغ

 

الفرس يهددون .... كبيرهم وصغيرهم، عاقلهم وأحمقهم، العسكر / الملالي منهم والملالي / العسكر، حتى يحار المرء في أمر هذه المخلوقات، ترى هل يعيشون في غير عالم اليوم، أم أنهم هبطوا من كوكب آخر، الحقيقة يحتار المرء في معرفة إن ما يطلقونه أهي تهديدات، أو نوبة صرع، أو سورة من الغضب الجنوني، أو غباء لهذه الدرجة المستحيلة ..

 

القائد العسكري الفلاني ... سيان أن كان يضع رتبة جنرال، أو عمامة على البدلة العسكرية، فكلاهما على درجة وافرة من الخرف وقراءة التقويم بالمقلوب بحيلة المغلوب ... يبلغ به الخرف أن يهدد بالزوارق المطاطية .. أساطيل جرارة ..

 

عندما تعدم السعودية رجلاً بلغت أفعاله درجة تستحق تقديمه إلى القضاء لينال ما نال، تهدد طهران بكافة أصناف من يمثل السياسة عندهم، بل ويعبأون التظاهرات(ودائماً مليونية) لتخريب سفارة عزلاء، ويجدون في ذلك بطولة، ولكن سرعان ما يتراجعون ويندمون (رسمياً على الأقل) ويعدون بمحاكمة من فعل ذلك، ثم لا ينفذون وعدهم حتى شكلياً ...

 

يهددون سنضرب ونفعل ونترك و...و ...و ... وكأنهم قد قصروا منذ 37 عاماً وحتى الآن ... وكأن الناس لا تعرف أي ضباع تجاورنا ... وأي تجارب لنا معها والغريب يهددون بالحرب مع أنهم في آخر منازلة خرجوا منها يلعنون حظهم العاثر ودون الاعتبار من الدرس ويسبون الذي ورطهم وما زال يورطهم !

 

عقلهم المفكر يصرح ويا للدهشة ... أن قبوراً هم يعينوها تعتبر خطوط حمراء .... وهي مناطق سيادية لا جدال حولها، هكذا هم يقررون بإرادتهم ويرسمون الحدود الدولية ... حسناً ماذا لو كان قبر مما يقصدون في نيويورك ..؟ أو لندن ..! وماذا لو قلنا أو قال غيرنا أن لنا قبراً بالقرب من طهران ...؟ وهل تصلح هذه كقاعدة للتعامل السياسي والعلاقات الدولية ..؟ وإذا كانت قاعدة فهذا يعني أن الآخرين يتمتعون بنفس مزايا القاعدة ..! هذه ألف باء السياسة والتعامل الدولي .. !  إذن أنتم تطرحون تبديل الحدود الدولية وفق نظرية القبور ..! وتعتبروها قواعد سيادة وأمن ونظام دولي ..!

 

هم يطلقون سيلاً من التهديدات الهستيرية لأن مملكة البحرين أبعدت من أساء إلى المائدة التي يأكل منها .. حسناً لنقل هذه عاداتهم وأخلاقهم، ولكن ليس عادات وأخلاق غيرهم ممن يقيمون عندهم، لماذا التهديد ...؟ أليس من حق بلد ما أن يبعد أذىً محتملاً، وماكنة تنتج شراً وفق القوانين السائدة ...؟ هو يهدد بمكون وطني هم من آبائنا وأخوتنا وأهلنا ... ترى هل يفعل الآخرون ويهددون بمكونات لهم عندكم، وكيف ستكون الأمور على هذا المنوال ...؟ أمام العدسات تعمل ميليشياتهم بقيادة ضبط نظاميون في معارك في بلدان أخرى، يفعلون كل ما يستحقون عليه محاكمة بجرائم الحرب، والإبادة.

 

ألا تعتقدون أن العالم كله يعرف جوهركم ومعدنكم .. ومنذ زمن بعيد، ويعلم الجميع وأول الجميع هذا المكون الذي بأسمه تتاجرون وتدقون طبول الحقد والحرب منذ أن قذفت بكم الأقدار والمؤامرات لتدمير المنطقة وتعطيل عملية التنمية فيها .. العالم كله يعرف هذه الحقيقة، ويعرف تفاصيل مؤامراتكم التي تفتقر إلى العدالة والنظافة ..! وزججتم بهم بمعركة حياة أو موت لماذا ..؟

 

هم يعتقدون أن بلداننا تحتمل حدوث خروقات ... نقول لهم ... من الأفضل لكم أن لا تفتحوا هذه النافذة ... إذ يحتمل أن تهب منها رياح وتقتلع نوافذكم وأبوابكم، بل وكيانكم بأسره. نصيحة لمن يسمع منكم، لا ينفعكم أن تتحدثوا بلغة النسب المئوية، لأن هذا يؤدي إلى الحديث عن النسب عندكم، وعندها ستسمعون ما لا يسركم ..! فأنتم تطرحون إذن نظرية للضم والإلحاق ... للتوسع، ستفهمون على أيدى الأحوازيين، والبلوش، والتركمان، والآذريين، والأكراد معنى الرقص الخطر على الكلمات ...

 

وأمر آخر أليس من المعيب والمخجل أنكم طيلة 38  تطلقون التهديد، وتغتالون من تخاصمون، تقومون بعمليات تخريب وإرهاب، تشنون الحروب، تشجعون عملاء لكم على الاعتداء، أليس بوسعكم أن تطرحوا أنفسكم جيراناً محترمون، تفهمون بالسياسة والاقتصاد، وأسس التعامل الدولي، بدل الإرهاب، والخلايا النائمة والصاحية وما أشبه ذلك من هذه الخرافات السخيفة، ألا تعتقدون أن يوماً قادم لا يحتاج فيه العالم إلى صانع مشاكل، ومثير فتن، كل شيئ غدا واضحاً لا تحجبه الغربال، وإذ تحدثنا عن علاقاتهم بإسرائيل نقول إن حبل الكذب قصير، فما رأي اللاهثون وراء الفرس مما أذاعه على الملأ حلفاؤهم في موسكو، كل صادراتهم الثقافية وبرامج تعميم الكراهية والحقد تذاع من إسرائيل ... هذا ما تقوله موسكو ...

 

https://www.youtube.com/watch?v=u17Sa_nfbgg

 

أليس من السخافة والمعيب، لضابط يحترم رتبته ورجولته وشرفه العسكري أن يشتغل بالتخريب ..؟ ويلوذ بجيش غيره، ويلحس انتصاراتهم، ويستطعم مذاق الفضلات، سيفه صدأ مكسور، ويتفاخر بسيف غيره .. ولا يستطيع أن يغني ويرقص إلا إذا أخذ أذناً خطياً مسبقاً .... يا للعار..

 

من أمن العقاب أساء الأدب ... هذه قاعدة قانونية

 

ولكن كل شيئ في أوانه، وكما يقول المثل العراقي .... تجيكم السالفة ...!

 

 

 

الخطة المعادية الشاملة

 

لحركة التحرر العربية

 

ودور محاور قوى التنفيذ الرئيسية

 

(الولايات المتحدة ــ إسرائيل ــ إيران)

 

د. ضرغام الدباغ

 

في محاولة لتحليل الظروف السياسية المعقدة التي تمر بها حركة الثورة العربية في كافة ساحات الصراع على امتداد الوطن العربي من موريتانيا، والجزائر والشمال الأفريقي، ومن جنوب الجزيرة وحيث تشتد المعارك وبدرجات متصاعدة بصفة خاصة، في سورية والعراق وفلسطين كساحات للمنازلة التاريخية، هي معارك في ساحات متفرقة ولكنها في الواقع معركة واحدة، تواجه فيها جماهيرنا العربية قطعان العدو التي ترتدي ثياباً تناسب الساحات، مموهة ومرقطة بحسب الطبيعة السياسية والسكانية والظروف المحيطة به، وتدل مواقفها وطبيعة فعالياتها على أنها في حالة متحالفة وتدير المعركة بتنسيق ووضع خطط مشتركة، فتقاتلنا في ساحة إحدى الأقطار بأنساق علنية واضحة، مرتبة، ولكنها تبدو مختلفة في ساحة أخرى بأساليب الغش والتخفي.

 

العدو فيها يتمثل أساساً بالتحالف الثلاثي: الولايات المتحدة ـ إسرائيل ـ إيران، (أنظمت روسيا إلى التحالف بالتنسيق في حلقاته العليا مع الولايات المتحدة) وهذا التحالف وإن كان يتفاوت في تفاصيل المصالح، ولكنه يجتمع ويتحد بقوة تطغي على التناقضات الثانوية في إحباط المصالح والمساعي العربية / الإسلامية، والتفاوت والاختلاف في طبيعة وأساليب خوض المعارك السياسية والعسكرية، أمر بديهي، لأختلاف القدرات، والعقليات، والمحيط، ولكل من الأطراف خطه المتميز، ويجد هذا التميز انعكاسه في سياسة إعلامية يديرها طابور خامس، وفق خطط تضليلية محكمة، بعد دراسة محكمة للعقلية العربية، وإفسادها، وتدمير إرادة الصمود والمواجهة، وللأطراف الثلاثة، ولكل عناصرها المؤيدة الداعمة يمتلك قدرة التأثير عليه بهذه الدرجة أو تلك من أذناب التحالف المعادي. ويهدف المعسكر المعادي الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، خلق ظروف التوتر وإرهاق والتشويش وإثارة الهلع والفزع، والتهويل بقدرات التحالف الثلاثي، واستنزاف المنطقة وشعوبها نفسياً ومعنوياً، والوصول بالعالم العربي إلى وضع سياسي واقتصادي وعسكري ميئوس منه يمهد لإخضاع هذه الدول للمعادلة الجديدة.

 

يلاحظ في سياسة الولايات المتحدة تجاهلاً للمستوى السياسي السابق المطروح (الأرض مقابل السلام وأمن إسرائيل) كقاعدة عمل، وتبذل المساعي حالياً من أجل التوصل قاعدة عمل جديدة : (أمن الدول العربية مقابل الاعتراف والتطبيع الرسمي مع إسرائيل)، والأساس في هذه القاعدة (بعد أن تخلت مصر عن دورها القيادي في المنطقة، ونهاية القرار العراقي والسوري المستقل) يتمثل بإنهاك واستنزاف المملكة العربية السعودية بالصراع العربي/ الفارسي، واستخدام واسع النطاق، لكل ما يؤدي هذا الغرض، ومن أهمها الطائفية، والتنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وضغوطات المؤسسات الدولية الحقوقية.

 

إن جوهر التصعيد الأمريكي والإسرائيلي والإيراني إنما يكمن في جوهره على مسألة أساسية، وهي رد فعل لفشل هذا التحالف فشلاً تاريخياً بمعنى أنه عجز ذريع عن تحقيق أهداف قيام هذا التحالف الأسود المعادي للعرب والإسلام، فالنظام الإيراني يتخبط منذ أربعة عقود تقريباً في تحقيق أي منجز يستحق الذكر والإشارة، في فشل داخلي، على كافة الأصعدة، بل تآكل الدولة التدريجي، وفشل في تحقيق قفزة اقتصادية نوعية، وفشل ذريع في تصدير الثورة، في كافة الساحات، رغم كل ما تم تخصيصه من وسائل دعم بما في ذلك التدخل العسكري المباشر والجهد الاستخباري، وفشل الكيان الصهيوني رغم الظروف المساعدة، في التوصل إلى مقدمات حل أزمته السياسية / الاستراتيجية.

 

وكانت الولايات المتحدة تأمل منذ أكثر من ثلاثة عقود أن يؤدي إشغال العراق ومن ثم تدميره بعد أن فشلوا في مراميهم، إلى تحقيق صفقة سوداء في القضية الفلسطينية، وفي هذا المجال أيضاً فعلوا الأهوال من إلحاق للأذى بالشعب الفلسطيني، ثم فشلوا في مصر أيضاً، ثم فشلوا في ليبيا، وهاهم لا ينجحون(عدم نجاح بطعم الفشل) بل يعانون مرارة التناقضات، في ساحات لبنان، والعراق وسورية، يحصدون كراهية الجماهير لهم، وإدانة واسعة لسياستهم التي تعاني من الإخفاق والفشل رغم مرور سنوات طويلة على جهدهم الإجرامي الخطير من قتل وتهجير.

 

الولايات المتحدة

ــ ترى الولايات المتحدة في علاقاتها مع العالم العربي البلاد أسباباً للصراع أكثر من أسباب اللقاء، فالنهضة العربية التي قد تعني في احتمالات تطورها إلى خلق كيان عربي (أو عدة كيانات متحدة ربما ثلاثة كيانات) تمهيداً لإقامة دولة (دول) عربية قوية ستكون عنصراً مؤثراً في استراتيجيات الشرق الأوسط، وهو ما سيلحق ضرراً في تصورها لشرق أوسط بوسعها السيطرة عليه بسهولة وما يعني ذلك من مصالح سياسية / اقتصادية / عسكرية، ويلاحظ أن هذا التصور قد طغى على حتى اعتبارات الصداقة والتحالف التاريخي بين الولايات المتحدة حتى مع المملكة العربية السعودية حين تصدت المملكة للدفاع عن المصالح العربية. ففي لقاء للرئيس أوبانا (آذار / مارس 2016م) مع مجلة اتلاتنتيك الأميركية الأسبوعية أوضح ملخصاً لأفكاره التي أطلقت عليها المجلة بعقيدة أوباما   (OPAMA DOCTRINE) ومن أهم ما ورد في هذه العقيدة أن على الدول العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية قبول فكرة تقاسم النفوذ في المنطقة مع إيران.

 

ــ عملت الولايات المتحدة خلال سنوات الثورة السورية على التضليل دون هوادة، أنها تقف إلى جانب الشعب السوري، وضد نظامه الدموي، فيما العكس هو الصحيح تماماً، ولكنها فعلت ذلك بطريقة محكمة، نجحت في تضليل الكثيرين(وربما لحد الآن)، وتركت الروس يظهرون كمتهور في السياسة السورية، ويبلغ اليوم درجة اندفاع الولايات المتحدة في خطط الشرق الأوسط لدرجة أنها تبدو مستعدة لتضحي بحليفها التاريخي الاستراتيجي (تركيا) في سبيل سياستها في سوريا، القائمة على خلق كيانات متعددة، وإضعاف الجميع، ومنح إيران مكانة متميزة على حساب المصالح العربية، ولكن مقابل كيان سياسي كردي يتعاظم نفوذه ليكون كياناً مرتبطاً بقوة للولايات المتحدة تستخدمه في معادلات المنطقة وباتجاهات مختلفة، ليعادل النفوذ الإسرائيلي وربما ليتفوق عليه. وسيكون الكيان الكردي المحاصر (بأعداء تأريخيين) من الفرس والأتراك والعرب، مضطر للتحالف دون شروط مع الولايات المتحدة في منطقة جغرافية حساسة مؤثرة على عدة دول.

 

ــ وفق مؤشرات عديدة يلاحظ أن حلفاء الولايات المتحدة الأوربيون بصفة خاصة، وإن كانوا يؤيدون ما تقوم به الولايات المتحدة ظاهراً، إلا أنهم لا يشاطرونها (الولايات المتحدة) رأيها في دفع الشرق الأوسط، أو كامل المنطقة العربية إلى التشقق والتمزق والتشضي ولا سيما الفرنسيون، ثم الإنكليز، والألمان، باعتبار أن هذه سياسة عنف مفرطة في التدمير لا تخلو من الآثار السلبية القريبة أو البعيدة في نتائجها، وتهديدها للاستقرار في حوض البحر الأبيض المتوسط، الذي كان تاريخيا ميدان ثقافة وتبادل للمعارف والخيرات، والمصالح المشتركة، فإن تدمير عدة بلدان كانت يوماً مزدهرة كانت لها علاقاتها السياسية والاقتصادية والثقافية / الإنسانية العميقة مع أوربا، وأحالتها الحماقات الأمريكية إلى أنقاض، هي سياسة فاشلة ومدمرة في جوهرها، وستكون ذات نتائج أسوء في المستقبل القريب والبعيد، وما توقف عمليات التبادل الاقتصادي والثقافي، ولجوء مئات الألوف من البشر واجتياحهم الحدود الأوربية اليوم والانعكاسات السياسية والاقتصادية والثقافية لهذه الهجرة، إلا صفحة واحدة ولعلها الأبسط فيما هو متوقع من نتائج مدمرة، ستظهر آثارها إن عاجلاً أو آجلاً.

 

ــ الكيان الصهيوني.

ــ بعيداً عن التضليل، تمر العلاقات الإسرائيلية الإيرانية بأفضل مراحلها، وموقف إسرائيل من مسألة السلاح النووي الإيراني لا يسيئ لهذه العلاقة التحالفية، وسياسة إسرائيل، وفي مساعيها الخارجية أنها لن تسمح لأي دولة في المنطقة بامتلاك السلاح النووي.

 

ــ تخدم إيران بأتباعها سياسات التحريض والتخريب، ومد الإرهاب المنظم إلى بلدان المنطقة وحيثما سنحت الفرصة، وبأفتتاحها جبهات عديدة مع العرب مباشرة أو غير مباشرة، ما خفف من حدة الصراع العربي / الإسرائيلي، ودفع شروط التفاوض وقاعدة التسوية السياسية إلى الوراء، وأهمية إيران في التحالف تستند إلى هذه الفرضية في قدرتها على إثارة المشاكل اعتماداً على كيانات سياسية في بلدان المنطقة عملت إيران طويلاً، ومنذ العهد الملكي على تشغيلها بما يعود بالفائدة على سياستها الخارجية، ولم يكن قلب نظام الشاه والسماح بالملالي الاستيلاء على الحكم في إيران إلا في إطار هذه الرؤية الاستراتيجية..

 

ــ إبقاء المنطقة في حالة توتر وصراع مقبول ومحدود وأزمات وبؤر ساخنة تحت السيطرة، هي نتيجة مقبولة وتلبي المصالح الأمريكية، (التحكم بأسعار الطاقة، إنهاك الدول العربية الرئيسة، الدفع باتجاه سياسة سباق تسلح، وضع حدود العمليات السياسية بين قوى المنطقة) شريطة أن لا تتجاوز آثاره وشظاياه حدوده المنطقة الجغرافية للدول العربية بحيث لا يمتد لإسرائيل ولا لأوروبا هو هدف إستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية في السنين المقبلة.

 

الدولة الإيرانية الصفوية.

ــ يضع نظام الملالي الفارسي شعار مناهضة أمريكا وإسرائيل في واجهة شعاراته السياسية، ويأتي ضمن خطة ذر الرماد في العيون، وتحقيق الصدمة والمباغتة، وضمن خطة خداع استراتيجية متفق عليها. ونضيف على ذلك، ما تشير إليه الكثير من الأدلة المادية، والعقلية، أن اتخاذ نظام الملالي شعارات الدين والطائفية هي اللافتة الأكبر التي يجري تحتها حلم تحقيق أمبراطورية فارسية تستمد إلهامها من الصفوية بكافة تفاصيلها السياسية / الأيديولوجية. وبموجب هذه الشعارات تتدخل الدولة الفارسية في العراق، بأسلوب التدخل الفض، وفي سورية بطريقة التمدد والتوسع، وبأساليب أخرى في لبنان، وحيال إسرائيل سياسة متفق عليها، وتشير أحدث التقارير، أن العلاقات الإيرانية / الإسرائيلية هي اليوم في ربيع مراحلها، فيما تتخذ السياسة الفارسية أساليب أخرى للتوسع والتمدد في دول الشمال الأفريقي، وفي مقدمة أساليبها هناك هي إدراكها لنقاط الضعف في أقطار الشمال الأفريقي، من حيث : استغلالها التناقضات الداخلية بين القوى السياسية، استغلالها النفور من العنف الذي بالغت القوى الإسلامية ممارسته وآثر ردود فعل السلطات(الجزائر) ومؤخراً في ليبيا، وممارسة شتى صنوف الإغراء: منح دراسية في إيران، منح علاجية، زواج المتعة، وحتى ممارسة دفع الأموال وشراء الولاء.

 

ــ الولايات المتحدة والدول التي شاركت في صياغة الاتفاق النووي مع إيران تسعى لتنفيذ الجزء الخاص بها في الاتفاق النووي لطمأنة إيران من خلال السماح لها بالتمدد في المنطقة على حساب الأمن القومي العربي (ومع كل هذه الضمانات ستمتلك إيران السلاح النووي).

 

ــ تنظر الولايات المتحدة الأميركية بأن (امتلاك إيران للسلاح النووي يهدد إسرائيل، وهذا غير مقبول، ولكن السماح لها بالتمدد على حساب الدول العربية يديم الصراع الفارسي العربي ويحفظ أمن إسرائيل، هو جوهر المساعي الأمريكية) وفق سياسة الولايات المتحدة الثابتة في خلق القوى المحلية (الإقليمية)، أن قوة الحليف المحلي ليكون مندغم في الاستراتيجية الأمريكية الشاملة في أن يكون وكيل مصالحها، أو غير متعارض معها، وليس بهدف خلق زعامات قومية لها أهداف توسعية.

 

ــ هذا الصراع سيسمح باستمرار حالة فقدان السيطرة التامة لأي من الطرفين (الفارسي والعربي) مع إعطاء أفضلية للهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، وتجد الولايات المتحدة الأميركية في الصراع السني الشيعي أداة من أدوات الصراع العربي الفارسي الذي يجب تواصل استخدامه بشكل مثالي وهي تغذيه حيناً وتغض النظر حيناً آخر، في العراق وسورية ولبنان واليمن. هذا الصراع سيسمح باستمرار مبيعات السلاح الأميركية (غير المؤثرة في موازين القوى) في التدفق على منطقة الشرق الأوسط وخصوصاً على دول الخليج، والعكس صحيح، فمبيعات السلاح ستسمح باستمرار الصراع (المقبول والمحدود) ضمن المنطقة الجغرافية للدول العربية.

 

الخطط المقابلة

ــ تمكنت دول الخليج بقيادة المملكة ومن خلال قوات درع الجزيرة إحباط انقلاب البحرين كان بمعرفة الولايات المتحدة وإدارتها خلال أزمة دوار اللؤلؤة، كما كان للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات المتحدة دورهما الهام بدعم مصر والحفاظ على أمنها واستقرارها وإفشال الاستراتيجية الأميركية فيها بإثارة الفوضى والتدمير، وفي اليمن منعت عاصفة الحزم تنفيذ التوجيه ألأممي بموافقة أميركا ورعايتها من تحقيق سيطرة إيرانية تامة على اليمن.

 

ــ الولايات المتحدة لا تعض على أهدافها، بمعنى أنها قد تتخلى عنها إلى خطط بديلة، فالتحول من الخطة " آ " (PLAN A) إلى الخطة " ب "(PLAN B)  ليس أمراً ذي بال، وهي تتبع في ذلك استراتيجية وتاكتيك كتلك التي يستخدمها قادة الجيوش، فالهدف المطلوب، هو ذلك الهدف الذي طرق الوصول إليه سالكة، أما إذا كانت باهضة التكاليف: سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، فلا بأس من أرجاء هذا الهدف حالياً، أو ابتكار وسيلة وخطط توصلنا للهدف بتكاليف أقل.

 

ــ بهذا المعنى، فإن سياسة مجاراة الولايات المتحدة تعني تراجعات لا نهاية لها، واعتماد مبدأ التضحية بالكبش العربي في كل وليمة / صفقة تعقدها الولايات المتحدة سواء مع قوى دولية (روسيا)، أو قوى محلية (إسرائيل ــ إيران).

 

ــ اعتبار الساحة العربية بأسرها ساحة منازلة، واعتبار كل قوة منظمة تحت راية مقاومة المشاريع الأمريكية / الإيرانية / الإسرائيلية هي قوى حليفة. على الفصائل الوطنية والقومية والتقدمية، أن تدرك أنها في قلب مرحلة تحرر وطني بكافة مستلزماتها النظرية والسياسية، والمستهدف هو الوطن بعمقه السياسي والاقتصادي والثقافي، بمكوناته الأساسية، وهي السمة الجوهرية للصراع، وسواها ثانوي.

 

ــ وفي هذا الإطار ندعو كافة الفصائل التي تتمترس خلف خط الشروع هذا، أن تضع خططها السياسية واولويات نضالها على أساس طرح خط متقارب في المديات، مع سائر الفصائل، واعتبارها قاعدة النضال الوطني / القومي التحرري، ومن يشذ بعيداً عن الخط، يضر بموقفه وعمله النضال الجمعي، ويتصرف كمتعاون مع العدو.

 

ــ ضرورة تطوير خطط مواجهة الحلف الثلاثي المعادي(أميركا ــ إيران ــ إسرائيل) إلى حالة جماهيرية واسعة، تشمل حتى المقاطعة الاقتصادية والثقافية، وأن يتصدى مثقفوا الأمة بأقلامهم وفكرهم لها. 

 

ــ إن الإرهاب الذي تمثله منظمات إرهابية في الساحة، مهمتها الأولى هي الاساءة لنضال الجماهير العربية، ووضعها في إطار إرهابي يخرجها عن شرعية السعي من أجل تحقيق أنظمة وطنية / ديمقراطية ويمنح الفرصة والذريعة للأنظمة الفاشية في إبادة الشعب المقاوم.

 

خاتمة

ــ تشير المعطيات التاريخية أن الأمة العربية (وهي صفة نادرة) تفرز ساعات الخطر قدرات كامنة، وتستثيرها نخوة غير معروفة لدى الأمم الأخرى، وقيادات تاريخية على قدر المهمة التاريخية، تفرز المواقف، وتهديها عقيدتها المخلصة للأمة إلى استنباط القرارات السليمة، واستخلاص العبر، ومواجه الخبث والتآمر، بصدور عامرة بحق أمتنا واسترخاص الحياة لدحر الأعداء مهما تكاثروا وتكالبوا عليها، إن عبقرية الأمة كانت في الماضي كما هي اليوم، تستحضر روح البطولة وتدفعها الملمات والأهوال إلى العبقرية، وهذه ستفرز من بين صفوفها من يتصدى لها، وهو أهل لها، وأجيال شابة تتسلم راية النضال وهي تستذكر مآثر أبطالنا العظام، أمة احترفت إنجاب القادة والأبطال.

 

ــ إن نصراً كبيراً بحجم تضحيات شعبنا يلوح في الأفق، نصر سيناله شعبنا بأستحقاق، بعد أن قدم التضحيات الجسيمة بسخاء، إنه نصر المؤمن بأنتصاره الحتمي،  بعد صبر أسطوري على المجالدة، قام العدو خلالها بفعل كل شيئ في قواميس الوحشية والإبادة، تسجل وتوثق أمام أنظار العالم بما يجعل الهولوكوست حيالها من ألعاب الأطفال، فارتكبوا كافة جرائم الإبادة، حتى بلغوا ذروة قدراتهم، وشعبنا صامد صابر.... هذا هو النصر القادم الذي يلوح في الأفق من خلال اشتداد الظلمة. 

 

 

 

الفلوجة ....  وماذا بعد

 

د. ضرغام الدباغ

 

يطرح هذا السؤال بصياغات متعددة، ولكنه يبقى يحوم حول جوهره المثير للأسئلة .

 

الصراع المسلح اتضحت كل تفاصيله والأمر لم يعد يدور حول شماعة داعش ... بعض أطراف اللعبة لا تتمالك نفسها، وتفقد كل رزانة عندما يتعلق الأمر بشعارات القتل والإبادة، فيتملكها الهياج وتطلق الشعارات والمقولات التي تنم عن الأمر وحواشيه. ثم تأتي بعدها شعارات التوسع الطائفي. الأمر غدا مفهوماً حتى لمن له عين واحدة ماذا يدور في الفلوجة، وماذا دار قبلها في مدن أخرى، وهذا السبب بالضبط الذي يدفع الناس في كل مكان للقتال، لأنهم ببساطة ليس لديهم خيار آخر، بل قل بالاحرى لم يدعوا لهم خيار آخر ...

 

لا أبالي بتصريحات حكومية، ولا بمن يعتبر نفسه مسؤول، إذ يعلم الجميع أن ما يدور في العراق وغير العراق هو صراع إرادات أجنبية تريد أن تفرض واقعاً سياسياً جديداً وللأسف وجدوا من بيننا من أرتضى أن يكون مركباً لهذه النوايا والأطماع، لينال شيئاً ..... فما هذا الشيئ ...؟

 

ومن خلال معرفتي الشخصية بالناس، أنهم يتصرفون في قضية العراق وغير العراق، على أنه مركب / سفينة غارقة، وفي القانون البحري كل ما تستطيع إخراجه من المركب حلال زلال، قل ما شئت ... أنها لغة قراصنة، لصوص مافيا محترفون، أوباش قل نظيرهم في التاريخ ... قل ما شئت، وماذا يفيد ما تقول ... ولكن لماذا هذا القتل المجاني في الطرقات بدون سبب وداع ..!

 

كل العراقيين قاطبة يعلمون أساليب ومحاور التدخل الأجنبي، وقد حاول هؤلاء أن يجعلوا العراقي يقتل العراقي وينهبه، ويغتصب بناته، بل ويتلذذ بشويه كما يشوي الخروف ... ولكنهم لم ينجحوا ولذلك عادت القطعان الأمريكية لتفعل ذلك بطرق " راقية " أن تصنع خونة مهذبين، فيما أهتمت جارتنا الشرقية بإنتاج خونة ولكنهم مبتذلين، ولما ووجدوا صعوبة في بحثهم، وصعوبة في تجنيدهم، فجاؤا بهم في فيالق تحمل أسماء ورموز باتوا يسيئون لها يا للأسف. 

 

لا يهمني ما تقوله الحكومة، فهؤلاء لا يملكون من أمرهم شيئاً ... أكثر من حقهم بالتجشوء والتثاوب والنعاس، وتناول فاخر الطعام، وأرتداء ملابس ليست على مقاساتهم وهكذا يفعلون، فيتورطون أمام العدسات والصحفيين والناس أجمعين ....

 

أذكر مرة قبل سنتين، أكثر أو أقل .. سألتني محاور ماذا بعد ....... وكانت واحدة من المعارك قد انقضت، وأذكر اني قلت له حتى رماد العراق يحترق، فلينظر من يريد أن ينظر في أمره، لست مختصاً بتقديم النصائح لأحد، ولكننا طالما كما يقول العراقي نتحاور ونتطالس بود ومحبة، أقول لك وأنا أرى نهاية النفق، أراه بعقلي وليس بعيني، فأنا مؤرخ مجاز من أقدم كليات الاستشراق في المانيا والعالم، درست التاريخ ليس كرونولوجياً، بل درسناه كقواعد علمية، ومنها نستخلص عبر التاريخ وكيف تتشكل الخطوات ثم المراحل، علمونا الديالكتيك بدقة تامة ومن هنا أقول لك ...... هذا المشروع مهزوم ... مشروع إبادة العراق مهزوم ... المعركة صعبة جداً ولكنهم مهزومون، بل وبعضهم (عقلائهم) يعلم ذلك علم اليقين، أقول لك هذا علم العارف المتيقن، يعلمون أنهم يحرثون في البحر، فيحاولون تجربة مراهم وعلاجات جديدة، وكم مرة قرأنا أن النطاسي البارع لم ينفعه علاجاته ....! فجاءت حسابات البيادر خلافاً لحسابات الحقل .....

 

طريق التيار الوطني القومي التقدمي هو التيار الذي ينقذ العراق من مآسيه، وليس سواه ... التيارات الظلامية لم تقد العراق إلا إلى الخراب والدمار ... كفى لمسرحيات الدم المراق بالمجان ...  يبعدون داعش إلى ما وراء بيجي، ثم يجري تفجير معمل غاز التاجي، لماذا ..؟ لكي يستورد العراق الغاز من مصادر أجنبية.

 

المشروع الوطني مقابل المشروع التدميري، لا يهمنا من يحكم العراق من أي دين أو طائفة، نريد نظاماً يبني المدارس ويقيم الأمن والعدل ويشيد المستشفيات، ولا يفرق بين العراقيين، لا يجتث الوطنيين، إرضاء للأجنبي. هذا هو برنامجنا ..... وبه سنهزم قوى التدخل وأذنابها ...

 

المهزومون الرئيسيون إثنان .......

 

الولايات المتحدة، وهذه جلبابها عريض وواسع يتحمل الخسائر، ولتكن صفعة تشابه صفعة فيثنام، وربما أقسى قليلاً، فيذهب الديمقراطي ويأتي الجمهورية وبعد الديمقراطي وهو يتمترسون وراء قوة سياسية واقتصادية وعسكرية عملاقة، وخطاب يجمع بين السفاهة والأبتذال، وبين المرح، والجدية، سيتحدث مسؤول يبرر لهم الهزيمة، ويعد بفتح صفحة جديدة، ويا دار ما دخلك شر ....

 

ولكن قل لي كيف سيتحمل نظام الملالي الهزيمة، وهم من كرسوا برنامجهم السياسية والثقافية والاقتصادية والعسكرية وكل موارد البلاد، ولعبوا ببراغي عقول الناس، ناسهم والناس الآخرين. بالطبع هناك من انطلت على البعض لعبة الثعلب فات فات وبجيبه سبع لفات ... سينهزمون ... ولن تصمد سفينتهم الهشة أمام الهزيمة .....

 

 

مشكلة الثعلب أنه يعتقد بأنه عبقري .... ونحن نعلم  أن السوق مليئ بفراء الثعالب  ...........

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقال جزء من مقابلة تلفازية بتاريخ 3 / أيار / 2016

 

 

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

 

سايكس بيكو (سازانوف)  تحالف، معاهدة أم مؤامرة ؟

 

 

د. ضرغام الدباغ

 

 

يطلق الأدب السياسي على التقاء مصالح عدة دول في أنجاز هدف معين مصطلح (تحالف Alliance) أو (ائتلاف Coalition)، أو (أتفاق ومن شروط الأساسية لمثل هذه التحالفات بين الشخصيات السياسية والدول هو العلنية بصفته العامة، وقد تنطوي بعض فقرات أو ملاحق الاتفاق الذي قد يطلق عليه اسم : معاهدة (Convention)، أو (أتفاقية Agreement)، أو (الإعلان المشتركCommunique )، أو إعلان نوايا (Purposely Declaration). ويحتمل أن تضم هذه المسميات بعض الفقرات السرية التي يتفق أطراف (التحالف (Alliance أو (الاتفاق Agreement) أو (الإعلان Declaration) على إبقائها في طي الكتمان لمرحلة محددة أو غير محددة، وقد ينص الاتفاق أو الإعلان على وجود مثل هذه الفقرات من أجل إضفاء شيئ من الشفافية والمصداقية على التحالف.

 

لماذا يكون التحالف سرياً ....؟

لأسباب عديدة يفضل المتحالفون، أو المتعاهدون، أبقاء ما تحالفوا / تعاهدوا عليه سرياً، المعاهدة بأسرها أو جزء منها كملاحق، تحجب الملاحق، أو بعضها، إما لأنها تخالف قواعد القانون الدولي صراحة أو ضمناً، أو عندما يكون في إذاعة الفقرات إثارة وتداعيات غير مستحبة في أي من أطراف المعاهدة، أو من أطراف أقليمية أو دولية أخرى. أو عندما تتضمن الاتفاقية تنازلات كبيرة، ستثير تفاعلات عنيفة في حالة إذاعتها. فيتفق الأطراف على إبقاء تلك الفقرات في ملاحق تضرب السرية عليها ولا تنشر.

 

وقد شهدت الحياة السياسية الدولية عبر تاريخها الطويل مراراً عديدة قيام تحالفات سرية غير معلنة، بل يحاول أطرافها إنكارها جاهدين، والسبب الرئيسي في ذلك هو أن الاتفاق مخالف لبنود وقواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية والمواثيق المتفق عليها بين الدول(حتى تلك التي تقود النظام الاستعماري)، بالإضافة أن تكون المعاهدة السرية قد تثير ضجة وتوسع من جبهة خصومها، ومثل هذه الاتفاقيات تبقى سرية ولا تعلن فقراتها الكاملة ومن أشهر تلك الاتفاقيات تلك التي عرفت فيما بعد واشتهرت بأسم " اتفاقية سايكس بيكو ".

 

والاتفاقية التي نجد ضرورة في استعراضها بصورة سريعة، ومن خلالها ستتضح طبيعتها (التآمرية). وكانت الاتفاقية / المؤامرة هي وليدة مفاوضات دبلوماسية سرية قادها كممثلين لقوى عظمى عزمت على اقتسام الشرق الأوسط واستعمارها تمهيداً لوضعها كمناطق نفوذ لها. وقد ابتدأت المفاوضات الأولى بين الأطراف (بريطانيا / فرنسا / روسيا) بين أعوام 1915/ 1916 ، وقاد المفاوضات من الجانب البريطاني الدبلوماسي مارك سايكس Mark Sykes، ومن الجانب الفرنسي الدبلوماسي المختص بشؤون الشرق الأوسط فرانسوا جورج بيكو François Georges-Picot، والدبلوماسي الروسي سازانوف Sazonov، وتوصلوا بتاريخ 16/ أيار ـ مايو / 1916 أي بعد ما يقارب العام من المباحثات السرية إلى عقد اتفاقية لتقاسم النفوذ في الشرق الأوسط، ستعرف فيما بعد باتفاقية سايكس ـ بيكو وذلك بسبب انسحاب الروس منها وقاموا بإعلان محتوياتها في 23/ تشرين الثاني ـ نوفمبر/ 1917 في صحيفة برافدا بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية.

 

ولكن تداول الاتفاقية / المؤامرة ظل سرياً وإن خرجت تلك النوايا والمخططات إلى النور في مؤتمر سان ريمو San Remo conference بتاريخ 26/ نيسان ـ أبريل / 1920، ومن بعد في عصبة الأمم (League Nations) تلك المنظمة الدولية (يطلق عليها دولية جزافاً) التي استخدمت كمطية لتحقيق نوايا المستعمرين بإضفاء الشرعية الدولية عليها وتطويع (القانون الدولي) لتنفيذ مآرب تلك الدول التي تبنت المطامع الاستعمارية بإقرارها نظام الانتداب Mandat System بتاريخ 24/ تموز ـ يوليه / 1924.

 

إذن فلجوء الدول العظمى المنتصرة والمهيمنة بقوة السلاح أولاً على الشرعية والقانون، من أجل تسويغ طغيانها،  وتشرعن ذلك في تحالفات / مؤامرات، وفي مؤتمرات استعمارية، وهي في ذلك تتسيد وتهيمن، وتفرض قواعد العدل وفق ما تره وتفسره، بل وتضع حتى مقاييس للأخلاق وللحقوق والالتزامات في إطار قوانين وقواعد واتفاقيات إرغام يفرضها الأقوياء والمنتصرون وليس بالاتفاق والتوافق كما يشير عنوانها، وما عصبة الأمم إلا منظمة أسسها المنتصرون لتقرير ما سيكون عليه الحال بعد نهاية الحرب، وإسباغ (شرعية وصفة القانون واحتكار تفسيره) على عملية إعادة التقسيم بين المنتصرين وسلب الخاسرين حقوقهم وحتى ممتلكاتهم.

 

المؤامرة (Complot) إذن هي أتفاق سياسي بين دولتين أو عدة دول، أو بين أفراد وشخصيات اعتبارية، ولكن الفرق بينها وبين المعاهدات والاتفاقات المعروفة في الحياة السياسية الدولية ويقرها القانون الدولي، لذلك لا يصح تسميتها معاهدة أو أتفاق ذلك لأن الأطراف الموقعة عليه وبأعتبار أنها موادها تخالف قواعد القانون الدولي والعلاقات بين الدول، ترغب في الحفاظ بها سرية، وأيضاً لأنها قد تستفز دولا ً كثيراً وتعقد من طبيعة الموقف السياسي.

 

هل هناك ما يميز المؤامرات جديدها وقديمها ..؟

 

تبدأ سيناريوهات المؤامرات الدولية التي نعرفها غالباً هكذا :

 

أولاً ـ دولة لها مصالح استراتيجية (غالباً دولة عظمى) + دولة محلية لها مصالح محلية توسعية على صعيد المنطقة + دولة هدف للمؤامرة بسبب معطيات سياسية / اقتصادية ومصالح مختلفة.

ثانياً ـ دولة عظمى تطمح إلى خلق وضع جديد يضمن مصالحها العالمية + دولة محلية لها هواجسها الأمنية + قوة محلية تريد أن تبرز على صعيد المنطقة فتقبل بالأدوار الثانوية (فتقبل أن تكون مقراً أو ممراً للعدوان والتوسع) على أمل أن تنال حصة في الترتيبات النهائية.

ثالثاً ـ قوة عظمى تطلب هدفاً استراتيجياً وتترك ما دونه + قوة محلية تريد أن تمثل الدولة الهدف قوة تنافسها + قوة محلية تقبل الاشتراك في المؤامرة.

 

والأساس في تشكل أطراف المؤامرة هو:

وجود القوة العظمى الضامنة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً للمؤامرة.

وجود مصالح سياسية مشتركة كأهداف استراتيجية(خصم متفق على إزالته، أو إضعافه، أو تدميره).

يشترط وجود تفاهم بدرجة عميقة لدرجة التنسيق الاستخباري المباشر.

القبول بتضحيات محدودة / باهظة.

رسم خارطة طريق تخضع لها الأجهزة السياسية والعسكرية والإعلامية، تمارس بحذاقة.

وجود غرفة عمليات مشتركة لمتابعة الهدف.

القبول بفترة غير محدودة قد تستغرق سنوات عديدة لتحقيق الهدف النهائي.

عدم الخروج عن النص الذي يحدد مهام كل طرف من أطراف التحالف(المؤامرة)، والخروج عن النص، يتحمل تبعاته الطرف الخراج عن النص، دون أن يتأثر الهدف الأساسي..

وضع آليات يحتكم إليها الأطراف في حال نشوب خلافات فرعية. 

10.التفاهم على المدى البعيد (بعد بلوغ الأهداف المشتركة).

 

ويشهد العصر الحديث مؤامرات / تحالفات، معاهدات إرغام، لا تتفق مع شكل وجوهر المعاهدات إلا شكلياً، وهي أشد خبثاً وأوسع مدى من (مؤامرة) سايكس بيكو التي يخجل الموقعون عليها من الأعتراف بها إلى يومنا هذا على الرغم من ذيوع أمرها، وشيوع أسرارها. وما قيمة مؤامرة قتل القيصر يوليوس حيالها .. تلك المؤامرة التي برع في إخراجها وتمثيلها دهاقنة السياسة وفرسانها في أروقة الحكم في روما القديمة، ثم أخرجت في النهاية من وراء الكواليس إلى العلن، بل وتم تمثيلها على المسرح (ويليام شكسبير) وتمثيلها في السينما، مؤامرة قذرة أشترك فيها خصوم القيصر وحلفاؤه، لاغتيال القيصر (في آذار من عام 44 ق.م.) انشقت الدولة العظمى على أثره، ولكن القيصر القتيل مظلوماً أستطاع أن يوجه الاتهام كأبرع مدع عام، وشكل المحكمة وأصدر حكمه قبل أن يتهاوى على رخام سلالم مجلس الشيوخ ويلفظ أنفاسه الأخيرة عندما أطلق قولته، إدانته الشهيرة التي ذهبت مثلاً إلى يومنا هذا دليلاً على وضاعة التآمر: حتى أنت يا بروتوس ...!

 

والقيصر الذي كان يمثل الشرعية موجود دائماً، والمتآمرون موجودون كذلك دائماً سواء تمثل بالخائن بروتس أو بأسم آخر ... هناك دائماً صديق يخون الثقة، أو قائد يخون مسؤوليته، ولن يصعب عليه إيجاد الذرائع، أو عصبة متآمرون يتفقون بما يسميه القانون أتفاقاً جنائياً على تقاسم السلطة وأعتبار البلاد مغنم من المغانم.

 

*         *        *        *

 

وفي كل مؤامرة هناك طرف قائد لها، وأطراف تلعب دور توافق المصالح (Consensus interests)، وتقر الأطراف الأخرى بمشروعية مطالب القوة العظمى بوصفها عمود الارتكاز في التحالف (المؤامرة)، وقد تنشب خلافات جانبية بين الأطراف الصغيرة (القوى المحلية) بسبب تغلب الأطماع على ما متفق عليه على الورق، ولكن الاتفاق بتفاصيله وصفحاته العديدة، ينطوي على آليات لحل التناقضات الثانوية  حيال الأهداف العظمى التي تبقي روح التحالف قائماً.

 

ولا بد من الاعتراف بأن التاريخ القديم والحديث على ثراء صفحاته، لم نشهد أو نقرأ عن مؤامرة حيكت خيوطها بدقة ومهارة كالمؤامرة التي تديرها الولايات المتحدة ضد أمن واستقرار أقطار الشرق الأوسط، بغايات وأهداف غامضة، وتشر دلائلها إلى غايات وأهداف خطيرة. التي تحاك خيوطها منذ زمن بعيد وتنفذ بمراحل وعلى درجة عالية جداً من الصبر وعمليات التمويه المتقنة (Camouflage) التي قد تكلف مواقف سياسية وتضحيات مهمة، ولكن على أمل أن تكون النتائج الأخيرة تكافئ التكاليف. دول تمثل قوة عظمى، وقوة دولية محلية، وقوة محلية تتوق للعب دور القوة المهيمنة .

 

بتقديرنا أن التحالف الذي أبتدأت خيوطه تتشكل منذ السبعينات من القرن الماضي، منذ أن أبتدأ النقط والغاز كفقرة رئيسية في أقتصاديات الطاقة، يدخل ميدان العلاقات الدولية، بعد الحرب العربية / الاسرائيلية 1967،  إذ لا تتشكل التحالفات بين ليلة وضحاها، بكما أن المصداقية بين أطراف التحالف أمر بحاجة إلى إثبات. وقد تتخلل هذه المرحلة ذكريات موجعة ..

 

وكفقرة رئيسية تمهد لمثل هذه التحولات، كان أحداث الثورة الإيراني 1979، وما تمخضت عنها، ويجد الباحث في مذكرات آخر سفير أمريكي في طهران تحت نظام الشاه(مهمة في إيران) وليام سوليفان (Mission To Iran / William Sullivan) ومذكرات الجنرال الأمريكي، الفريق أول روبرت ارنست هويزر Robert Ernest Huyser، بعنوان  أياديكم مضرجة بالدماء  (An Ihren Händen klebt Blut) التي صدرت كمسلسل في مجلة (Der Spiegel) دير شبيغل الألمانية الجزء الأول / العدد 43 / 1986، والمطلع على هذه المصادر، وكتاب صدر بالانكليزية بعنوان (Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel, Iran, and the United States) ، الصفقات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، الصادر عن جامعة يال في الولايات المتحدة عام 2008 للخبير بشؤون السياسة الخارجية الأمريكية (Trita Parsi)،  وربما في غيرها من الأعمال، سوف تتولد لديه القناعة التامة أن ما جرى وما زال يجري في أروقة طهران والمخابرات الأمريكية في لانغلي / فرجينيا ومجلس الأمن القومي الأمريكي، إنما حركات لفرقة موسيقية تعزف مقطوعة على ورقة أمامها ومؤداها:

 

ليسقط نظام الشاه المهترئ وليذهب حيثما يستحق أن يذهب، وليأت الملالي  أو الشياطين إلى الحكم، أوليسوا أفضل من قادة نقابات العمال الذين اشعلوا نار الثورة ؟ أو ليسوا أفضل من شيوعيي تودة ؟ أو ليسوا بأفضل من ليبراليوا طهران بقيادة شاهبور بختيار، الذين يهدفون إلى إقامة نظام ديمقراطي يفتح الباب مشرعة لتطورات مجهولة، إذن ليأت الملالي وحفنة من المخرفين، الذين يعيشون في رؤوسهم في القرون الماضية، وليشكلوا الحاجز والمانع الطبيعي  أمام الصراعات الاجتماعية والأفكار الاشتراكية ؟

 

العقل السياسي الأمريكي، هو عقل يتقبل أسلوب المؤامرة، بل يفضلها ويستحسنها على غيرها. والتحالف / المؤامرة الجديدة على الشرق الأوسط، وتحديداً على الأقطار العربية، تحالف / مؤامرة بصيغة متطورة عن صيغة سايكس بيكو، بالنظر لأختلاف الظروف والمعطيات السياسية عن تلك التي سادت في مرحلة مطلع القرن العشرين (تمر اليوم مرور مئة عام على ذلك التحالف الأسود).

 

والبراغماتية هذ ذروة ما بلغه العقل السياسي في تطويره للميكافيلية، في تخل كامل عن الأخلاق في السياسة، وهنا أجاز العقل السياسي الأمريكي البراغماتي، التآمر وكافة صنوف اللعب وراء الكواليس. الأمريكان برغماتيون .. ومن هم أكثر منهم براغماتية ... بل هم من طور البرغماتية المعاصرة من ميكافيلية عصر النهضة.. ومن أولى مبادئها: أن لا أخلاق في السياسة .. ووجدت البراغماتية في أمريكا (الولايات المتحدة)، وجدت المناخ المناسب (وتلك ليست مصادفة !) لتطوير الأفكار البراغماتية (Pragmatis)، ثم كان وليم جيمس (James William (1842 - 1910 أحد أبرز مفكري هذه المدرسة التي أطلق عليها البرغماتية، أي المذهب العملي. وقد وجدت هذه الأفكار إيضاحا لها عند الفيلسوف الأمريكي تشارلس ساند بيرس (- 1839 1914) الذي أعتبر العمل مبداً مطلقاً بإعلان هذه القاعدة (أن تصورنا لأي موضوع هو تنبؤنا لما قد ينتج عن هذا الموضوع من آثار عملية لا أكثر).

 

ولكن علماء آخرون في منح هذا المذهب الانتهازي، الاعتدائي القائم على مبادئ القوة والغلبة في منحه أبعاد فلسفية عميقة باستعارات من فلسفات أوربية مثل جورياروس الأمريكي (1855- 1916)، والاهم كان الأمريكي جون ديوي ((1859 - 1952.

 

وليبلغ المخطط الأمريكي لغايته، يتعامل مع الكوارث كنتيجة طبيعية، وإذا كانت ضرورية، فلتكن ....! فقد قيل لخبراء الأمن الأمريكان: ولكن هؤلاء القادمون إلى السلطة مخرفون إلى حد النخاع وسيقودون إيران والمنطقة إلى دمار وسلسلة حروب وصراعات ..!

 

فأجاب هؤلاء: وماذا في ذلك ..؟ آنذاك سيكون الجميع بحاجة لبيع نفطه وشراء السلاح، وأن يضرب الكل ... الكل، هو أفضل ما يضمن مصالحنا ومصالح حليفنا الاستراتيجي (إسرائيل) بأمان. ألم يكن الرئيس الأمريكي ترومان هو القائل: إن قتل الألمان الروس فهذا حسن، وإن قتل الروس ألالمان فهذا حسن أيضاً، كان هذا في وقت يدفع الأمريكان بالسلاح والذخائر لمساعدة السوفيت في حربهم ضد الهتلرية، وتدفع شركة أوبل الألمانية لصناعة السيارات مستحقات جنرال موتورز الأمريكية من الأرباح بدقة، حتى مطلع 1945 .. هكذا تفهم أمريكا البراغماتية التحالفات، المهم الوصول إلى الهدف، الوسيلة والأسلوب ومع من وضد من فذلك ليس في جدول الأولويات، وربما ليس في الجدول نهائياً.

 

إذن قرر الأمريكيون أن يتركوا نظام الشاه يتهاوى .. وصموا آذانهم عن نصائح تحاول أن تبين لهم ماذا يحدث عندما تضع حفنة من النمل الأبيض على الخشب، وليكن من الخشب النادر الثمين (المهاغون)، وبعثوا بضابط من السلاح الجوي ليدير أزمة سياسية خطيرة، سينجم عنها ما يحرق المنطقة بدخان أسود ..!

 

إدارة الأزمة كانت تتلخص بحل بسيط جداً .. لا تفعلوا شيئاً ..! دعوا الملالي يستولون على ثورة أشعلتها نقابات العمال، ومن ثم ليستولوا على إيران ... بل وبذلت المخابرات الأمريكية جهداً غير قليل لإقناع الجنرالات الإيرانيين بأن لا يتحركوا لأنقاذ نظام الشاه بدواع شتى، ومماطلة وتسويف، حتى بدأ العقلاء منهم يدرك ما هو المطلوب .. .. فسلم هؤلاء رقابهم طائعين لخناجر الملالي.

 

عندما هبط الخميني بالطائرة الفرنسية كانت بحماية طائرات أمريكية أقلعت من قاعدة أنجرليك الأمريكية في تركيا، إذ لم يكونوا يريدون أن يدعوا شيئاً للصدفة والحظ .. كل شيئ كان يدور وفق خطة، لا دخل لرئيس أو مرؤوس .. فالأمريكان أدركوا، أن حجماً مروعاً من الخرافة والحقد ستثير عواصف لا نهاية لها، عواصف عولت عليها أمريكا في أن تقتلع ما لم تستطع اقتلاعه من حقائق وثوابت ورواسخ عملاً بقاعدة : يا خل دودك منك وفيك.

 

وبنفس الاستراتيجية القائلة، لنزرع خنجر إسرائيل في القلب العربي فلا يعود يستطيع حراكاً، فلنزرع خنجراً آخر بنوعية جديدة وبسموم أشد فتكاً .. الهدف هو الجسد العملاق الممتد من المحيط الأطلسي وحتى الخليج العربي، بحلول عنصر جديد هو مكافحة الإرهاب الإسلامي الممتد من الفلبين وأفريقيا وآسيا حتى آخر أقصى أصقاع الأرض ..

 

هي مؤامرة لأن لا أحد يريد أن يؤكد ضلوعه بها فيفقد رصيده، بالضبط كمؤامرة سايكس بيكو، التي ما يزال الأطراف الموقعة عليها، لا تنشر عنها شيئاً، بل قل الغامض منها أكثر من المعروف. عماد مؤامرة سايكس بيكو الجديدة هيأن يتاجر الإيرانيون بالإسلام، إسلام من نوع مدجن مروض لا أمل ولا مستقبل له، ووفق القاموس السياسي الأمريكي: إسلام إرهابي، يبدو معه طغيان الأنظمة شيئاً أطيب من الماء الزلال،  بل وبوسعنا أن نصنع إسلاماً متوحشاً يثير القرف والرعب والهلع معاً ...

 

وهو سيفيد إسرائيل بأعتبار أن لا مصلحة قومية ولا دينية لإيران بمناكفة إسرائيل، على العكس فالتاريخ يروي، والإسرائيلون يقدرون قيمة التاريخ، فالعيلاميون، وهم من أصول الفرس، هم من فك أسرى اليهود من بابل، وبالتآمر أيضاً.. ألم نقل أن للتاريخ قلم ودفتر وذاكرة وكتاب ... والآن زاد عليها الكومبيوتر ..!

 

ألم تكن إيران الممون الرئيسي لإسرائيل بالنفط على مدى حكم الشاه.. ألم يزود الإسرائيليون نظام خميني بالسلاح والذخائر ..  ألا يرى المتأمركون القدامى والجدد في المنطقة كيف يسوق الامريكان بطرق ملتوية لنظام الملالي ..؟

 

أركان المؤامرة هذه لا يريدون إعلانها مؤامرة شاملة يشترك فيها الأمريكان والفرس وإسرائيل، فالأمر بهذه الحالة سيوسع من طول الجبهة وعرضها وعمقها .. سيسيئ وينهي  الرمز الباعثي (Motivation) لإيران ويؤدي إلى المزيد من العزل وهو ما لا تريده أمريكا وإسرائيل قبل إيران نفسها، ويحرج صغار اللاعبين والمقاولين الثانويين في الساحات التي تدور فيها جوانب من الحلف / المؤامرة، فتحترق أوراق قائد الميليشيا هذا أو ذاك، وتختلق المعارك، وتنشب صراعات، إلا أنها بين ممثلين ثانويين وخيوط اللعبة في الأخير هي في يد من يحسن اللعبة.. فليصدق من يصدق، أو يطلق التصريحات الباردة .. ويعبر عن تأييده هنا، وعن شجبه هناك، ولكنه لا يلعب إلا ضمن الخطة ... هنا لا يسألن أحد عن المنطق ... المنطق السليم هي فقط في النتائج التي سيجنيها التحالف ..

 

هذا هو الأسلوب الجديد الذي اكتشفته الولايات المتحدة، بالأحرى أجهزة مخابراتها. قادة سياسيون إغراق المنطقة برجال حكم وفاعليات تعمل ولها ميليشيات، وشخصيات سياسية نافذة  تمثل مفاتيح العمل السياسي وغير السياسي،  أنشطة من ضمنها الاغتيال والإبادة والترحيل والتهجير فهو أسلوب معتمد منذ أن رحل الشعب الفلسطيني من دياره، هو أسلوب لا يعارض حقوق الإنسان وفق القاموس السياسي الأمريكي.

 

رئيس جمهورية ... زعيم ميليشيا في العراق ..... رئيس وزراء يقود ميليشيا ... هناك شخصيات متنفذة لها ميليشيات تفرض وزراء في النظام الديمقراطي الجديد ... زعيم ميليشيا آخر يتحدى الأكثرية ويرفع بوجهها السلاح ...

 

من الإرهابي هنا ومن هو الديمقراطي حتى العظام ...!  من هي القوى الواعدة ..؟، حديث عن أكثرية يختلط بأزيز الرصاص وهدير المدافع، أين القانون ... ها هي ديمقراطية مسلحة أمامك، تقتل وتذبح وتبيد، ولكن بأرتباطها  بخيوط واضحة أو خفية بالخارج ... يحميها،  والخارج يتآمر، يتحالف، يتفاوض، يساوم، أما الحراس من قادة الميليشيات فيقبضون رواتباً ... وبعضهم من جهتين أو أكثر ...

 

أنا لا أعمل مع الموساد، ربما ... ولكن من يدفع له راتبه يفعل ذلك سراً وعلناً .... أنا ضد الأمريكان .. زعماً ... ولكن مرجعيته التي يعترف بالانتماء إليها تتفاوض مع الأمريكان وتنسق الجهود معها في العراق وأفغانستان.. وكأن لبنان في المريخ وليس على مبعدة حجر ..

 

النظام السوري طغياني ديكتاتوري، ولكن لا بأس، إذا اصطبغت ألوانه القومية بألوان طائفية فبات لا يعبر وجهات ليست عربية ولا عن ألوان المنطقة، وماذا في ذلك طالما هي في النتيجة النهائية تسوق للأهداف الأمريكية.

 

ولكن لماذا تفعل ذلك سورية قلعة العروبة الرافضة ؟

 

لأنها تمتنع منذ 1973عن إطلاق طلقة مسدس على العدو الغاصب للجولان، وتمنع غيرها من أن يفعل ذلك، وحزب الله يفعل ذلك في الجنوب اللبناني .. هذه هي وظيفة حراسة إسرائيل ... ؟  ولكن ما هو ثمن هذه الحراسة ... ؟

 

واضح ... واضح جداً .. أيها السادة، ولكن لكي لا يكون الأمر بهذه الدرجة الأكيدة من الوضوح، لا بد أن نقصف الجمهور: المشاهدين والمستمعين بقنابل دخانية تحجب الرؤية ... والتفكير .... هيا بنا هيا .. نطوي الفلا طيا .. ونلعب على الذقون ... ونفتح الحصون ... الكلب الذي ينبح كثيراً لا يعض ..! منذ أربعة عقود تقريباً يهرجون بأتجاه الجنوب، ولكنهم يطلقون نيرانهم بأتجاه الشمال ... هذه الميلودراما تدور منذ سنوات طويلة ...

 

ولكن كثير من الألعاب بما في ذلك التي يقوم بها السحرة والحواة تنكشف طال أمدها أم قصر .. ومن البديهيات في علم السياسة والحرب: أن للحروب نتائج سياسية وعسكرية على الأرض .... و من بين ما ينجم عنها ... إعادة تقسيم، وماذا جنت شعوب المنطقة في إعجابها بالديمقراطية ... لا شيئ

 

" لا شيئ .. سوى الموت " Nothing but deth "

 

كما يقول الشاعر بابلو نيرودا ...

 

*        *        *        *

 

ولأجل تمرير سايكس بيكو جديد يتلائم مع القرن الحادي والعشرين، لابد أن يكون إخراجه وتغليفه وتسويقه (التغليف فقرة مهمة جداً في الاقتصاد الرأسمالي)، يختلف عن سايكس بيكو، نعم بنفس الهدف، ولكن بتفاصيل جديدة، والشيطان لا يتربع إلا في التفاصيل ....

 

الطابور الخامس الإيراني في بلاد العرب، هم معسكر لا بأس في طوله وعرضه : المهرولين مع الصفوية وجواسيس هواة ومحترفين، والعاملين دائماً على الخطوط الخارجية والقابضين من الذين أحترفوا تأجير رؤوسهم كأي شقة مفروشة لأغراض مشبوهة، وهم معروفون، ومن شخصيات مريبة في مواقفها ... مثيرة للشبهات ... وهؤلاء يصرون أن أن بالإمكان أن يلعب المرء دور القاتل هنا ودور القتيل هناك في مسرحية واحدة وبقيادة نفس المخرج .. ليس لأن الغباء حل فيهم، بل لأن الإخلاص والشرف غادرهم، هذا ما يطلق عليه الخيال العلمي Science Fiction  ولكن تلك الشخصيات والمجاميع تمارسه في حالة شبه صاحية وشبه نائمة .. مخدرة إن جاز التعبير .. سكارى وما هم بسكارى .. والعلم عند الله وفي حسابات البنوك والمصارف.

 

الجمهورية الصفوية الإيرانية تقاتل العرب والمسلمين في: العراق وأفغانستان والشيشان حيثما يصح لها ذلك ..  وتقاتل الشيعة في ناغورني كاراباخ الآذرية ...!  ولكنها تقاتل الأمريكان في لبنان .... هذا فلم الأفلام .. هذه سفاهة سينمائية لم يتجاسر عليها حتى هيتشكوك  ...!

 

أميركا ممتازة في أفغانستان، وممتازة أكثر لدرجة العناق في العراق ... ونتطوع سراً لمعاونة الروس في قتل الشيشانيين ... ونؤيد أرمينا في نزاعها مع أذربيجان على ناغورني كراباغ، ونرسل الجيوش إلى سورية، ليقتلوا ويدمروا، ونطلق المسعورين في لبنان ليفعلوا ما يشاؤون ... وهذا لا يزعج النظام الدولي الجديد ...

 

هذه هي المقدمات لمؤامرة جديدة على العرب  ... هي سايكس بيكو جديدة في ثياب حديثة ... وتمارس وحشية تفوق وحشية الاستعمار البريطاني  ــ الفرنسي ....

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اتفاقية سايكس بيكو (سازانوف)

 

 

 

 

تقسيم المشرق العربي بين المحتلين حسب اتفاقية سايكس بيكو.

 

اتفاقية سايكس بيكو سازانوف عام 1916، كانت تفاهمًا سريًا بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة من الإمبراطورية الروسية على اقتسام الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الإمبراطورية العثمانية، المسيطرة على هذه المنطقة، في الحرب العالمية الأولى.تم الوصول إلى هذه الاتفاقية بين نوفمبر من عام 1915 ومايو من عام 1916 بمفاوضات سرية بين الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس، وكانت على صورة تبادل وثائق تفاهم بين وزارات خارجية فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية آنذاك. تم الكشف عن الاتفاق بوصول الشيوعيين إلى سدة الحكم في روسيا عام 1917، مما أثار الشعوب التي تمسها الاتفاقية وأحرج فرنسا وبريطانيا وكانت ردة الفعل الشعبية-الرسمية العربية المباشرة قد ظهرت في مراسلات حسين مكماهون.تم تقسيم الهلال الخصيب بموجب الاتفاق، وحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال (سوريا ولبنان) ومنطقة الموصل في العراق. أما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعا بالاتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا. كما تقرر أن تقع فلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا. ولكن الاتفاق نص على منح بريطانيا مينائي حيفا وعكا على أن يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا، ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل استخدام ميناء الاسكندرونة الذي كان سيقع في حوزتها.لاحقاً، وتخفيفاً للإحراج الذي أصيب به الفرنسيون والبريطانيون بعد كشف هذه الاتفاقية ووعد بلفور، صدر كتاب تشرشل الأبيض سنة 1922 ليوضح بلهجة مخففة أغراض السيطرة البريطانية على فلسطين. إلا أن محتوى اتفاقية سايكس- بيكو تم التأكيد عليه مجدداً في مؤتمر سان ريمو عام 1920. بعدها، أقر مجلس عصبة الأمم وثائق الانتداب على المناطق المعنية في 24 حزيران 1922. لإرضاء أتاتورك واستكمالاً لمخطط تقسيم وإضعاف سورية، عقدت في 1923 اتفاقية جديدة عرفت باسم معاهدة لوزان لتعديل الحدود التي أقرت في معاهدة سيفر. تم بموجب معاهدة لوزان التنازل عن الأقاليم السورية الشمالية لتركيا الأتاتوركية إضافة إلى بعض المناطق التي كانت قد أعطيت لليونان في المعاهدة السابقة.قسمت هذه الاتفاقية وما تبعها سوريا الكبرى أو المشرق العربي إلى دول وكيانات سياسية كرست الحدود المرسومة بموجب هذه الاتفاقية والاتفاقيات الناجمة عنها:

العراق، استقل عام 1932

منطقة الانتداب الفرنسي على سوريا:

سوريا، استقلت فعلياً عام 1946

لبنان، استقل ككيان مستقل عام 1943.

الأقاليم السورية الشمالية ضمت لتركيا

منطقة الانتداب البريطاني على فلسطين:

الأردن، استقل ككيان مستقل عام 1946 (كانت منطقة حكم ذاتي منذ 1922)

فلسطين، انتهى مفعول صك انتداب عصبة الأمم على فلسطين يوم 14 أيار 1948 وجلى البريطانيون عنها. لكن في اليوم التالي أعلن قيام إسرائيل فوق أجزاء كبيرة من حدود الانتداب البريطاني على فلسطين وبدأ الصراع العربي الإسرائيلي، حيث في 1949 (إثر حرب 1948 وبعد إلغاء الانتداب البريطاني) قسمت فلسطين إلى ثلاث وحدات سياسية : إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة. في عام 1994، قامت السلطة الوطنية الفلسطينية كسلطة شبه مستقلة تأسست وورثت أجزاء ضيقة من حدود الانتداب البريطاني السابق على الضفة الغربية لنهر الأردن ومنطقة غزة التي كانت تتبع مصر إدارياً.

*********************

 

نص معاهدة سايكس - بيكو "الجزء الخاص بإنجلترا وفرنسا"

 

معاهدة سايكس - بيكو(*)


ابريل - مايو سنة 1916


"
الجزء الخاص بانجلترا وفرنسا"

 

نصت اتفاقية سايكس بيكو على تقسيم الشام إلى ثلاث مناطق المنطقة (أ) الزرقاء وهي العراق وتخضع للإدارة البريطانية والمنطقة الحمراء (ب) وهي سوريا وتخضع للسيادة الفرنسية اما المنطقة السمراء (فلسطين ) تخضع لإدارة دولية ويأتي ذلك كمقدمة لتسليم فلسطين لليهود


المادة الأولى:

أن فرنسا وبريطانيا العظمى مستعدتان أن تعترفا وتحميا أي دولة عربية مستقلة أو حلف دول عربية تحت رئاسة رئيس عربى في المنطقتين (أ) - (داخلية سوريا)، (ب) (داخلية العراق) المبينتين بالخريطة الملحقة. ويكون لفرنسا في منطقة (أ) ولانجلترا في منطقة (ب) حق الأولوية في المشروعات والقروض المحلية، وتنفرد فرنسا في منطقة (أ) وانجلترا في منطقة (ب) بتقديم المستشارين والموظفين الأجانب بناء على طلب الحكومة العربية أو حلف الحكومات العربية.

المادة الثانية:

يباح لفرنسا في المنطقة الزرقاء (شقة سوريا الساحلية) ولانجلترا في المنطقة الحمراء (شقة العراق الساحلية من بغداد حتى خليج فارس) إنشاء ما ترغبان فيه من شكل الحكم مباشرة أو بالواسطة أو من المراقبة بعد الاتفاق مع الحكومة أو حلف الحكومات العربية.

 

المادة الثالثة:

تنشأ إدارة دولية في المنطقة السمراء (فلسطين) يعين شكلها بعد استشارة روسيا بالاتفاق مع بقية الحلفاء وممثلى شريف مكة.

 

المادة الرابعة:

تنال انجلترا ما يأتى:

1. ميناء حيفا وعكا.

2.  يضمن مقدار محدود من ماء دجلة والفرات في المنطقة (أ) للمنطقة (ب) وتتعهد حكومة جلالة الملك من جهتها بأن لا تدخل في مفاوضات ما مع دولة أخرى للتنازل عن قبرص إلا بعد موافقة الحكومة الفرنسية مقدما.


(*)
 من كتاب "وثائق القضية الفلسطينية" إصدار جامعه الدول العربية.


 (تابع) معاهدة سايكس - بيكو "الجزء الخاص بإنجلترا وفرنسا"


"
ملف وثائق فلسطين من عام 637 إلى عام 1949، وزارة الإرشاد القومي، ج 1،

ص 193 - 197"


المادة الخامسة:

تكون اسكندرونة ميناء حرا لتجارة الإمبراطورية البريطانية ولا تنشأ معاملات مختلفة في رسوم الميناء، ولا ترفض تسهيلات خاصة للملاحة والبضائع البريطانية وتباح حرية النقل للبضائع الإنجليزية عن طريق اسكندرونة وسكة الحديد في المنطقة الزرقاء سواء كانت واردة إلى المنطقة الحمراء أو المنطقتين (أ) و (ب) أو صادرة منها. ولا تنشأ معاملات مختلفة - مباشرة أو غير مباشرة - على أي سكة من سكك الحديد أو في أي ميناء من موانىء المناطق المذكورة تمس البضائع والبواخر البريطانية.

وتكون حيفا ميناء حرا لتجارة فرنسا ومستعمراتها والبلاد الواقعة تحت حمايتها ولا يقع اختلاف في المعاملات ولا يرفض إعطاء تسهيلات للملاحة والبضائع الفرنسية ويكون نقل البضائع الفرنسية حرا بطريق حيفا وعلى سكة الحديد الإنجليزية في المنطقة السمراء، سواء كانت البضائع صادرة من المنطقة الزرقاء أو الحمراء أو المنطقة (أ) أو المنطقة (ب) أو واردة إليها ولا يجرى أدنى اختلاف في المعاملة بالذات أو بالتبع يمس البواخر الفرنسية في أي سكة من السكك الحديد ولا في ميناء من الموانىء في المناطق المذكورة.

 

المادة السادسة:

لا تمد سكة حديد بغداد في المنطقة (أ) إلى ما بعد الموصل جنوبا ولا في المنطقة (ب) إلى ما بعد سامرا شمالا إلي أن يتم إنشاء خط حديدى يصل بغداد بحلب مارا بوادى الفرات ويكون ذلك بمساعدة الحكومتين.

 

المادة السابعة:

يحق لبريطانيا العظمى أن تنشىء وتدير وتكون المالكة الوحيدة لخط حديدى يصل حيفا بالمنطقة (ب)، ويكون لها ما عدا ذلك حق دائم بنقل الجنود في أي وقت كان على طول هذا الخط. ويجب أن يكون معلوما لدى الحكومتين أن هذا الخط يجب أن يسهل اتصال حيفا ببغداد وأنه إذا حالت دون إنشاء خط الاتصال في المنطقة السمراء مصاعب فنية ونفقات وافرة لإدارته تجعل إنشاءه متعذرا فالحكومة الفرنسية تكون مستعدة أن تسمح بمروره في طريق بربوره - أم قيس - ملقى - ايدار - غسطا - مغاير، قبل أن يصل إلى المنطقة (ب).

المادة الثامنة:

تبقى تعريفة الجمارك التركية نافذة عشرين سنة في جميع جهات المنطقتين الزرقاء والحمراء والمنطقتين (أ)، (ب) فلا تضاف أي علاوة على الرسوم ولا تبدل قاعدة التثمين في الرسوم بقاعدة أخذ العين. إلا أن يكون باتفاق بين الحكومتين ولا تنشأ جمارك داخلية بين أية منطقة وأخرى من المناطق المذكورة أعلاه وما يفرض من رسوم الجمرك على البضائع المرسلة إلى الداخل يدفع في الميناء ويعطى لإدارة المنطقة المرسلة إليها البضائع.


(تابع) معاهدة سايكس - بيكو "الجزء الخاص بإنجلترا وفرنسا"


"
ملف وثائق فلسطين من عام 637 إلى عام 1949، وزارة الإرشاد القومي، ج 1، ص 193- 197"


المادة التاسعة:

من المتفق عليه أن الحكومة الفرنسية لا تجرى مفاوضة في أي وقت كان للتنازل عن حقوقها، ولا تعطى مالها من الحقوق في المنطقة الزرقاء لدولة أخرى إلا للدولة أو حلف الدول العربية بدون أن توافق على ذلك سلفا حكومة جلالة الملك التي تتعهد للحكومة الفرنسية بمثل هذا فيما يتعلق بالمنطقة الحمراء.


المادة العاشرة:

تتفق الحكومتان الإنجليزية والفرنسية بصفتهما حاميتين للدولة العربية على أن لا تمتلكان ولا تسمحان لدولة ثالثة أن تمتلك أقطارا في شبه جزيرة العرب، أو تنشئ قاعدة بحرية في الجزائر على ساحل البحر الأبيض الشرقي على أن هذا لا يمنع تصحيحا في حدود عدن، قد يصبح ضروريا لسبب عداء الترك الأخير.


المادة الحادية عشرة:

تستمر المفاوضات مع العرب باسم الحكومتين بالطرق السابقة نفسها لتعيين حدود الدولة أو حلف الدول العربية.


المادة الثانية عشرة:

من المتفق عليه عدا ما ذكر أن تنظر الحكومتان في الوسائل اللازمة لمراقبة جلب السلاح إلى البلاد العربية.

معاهدة سايكس – بيكو هي الجزء الخاص التنفيذي لمعاهدة بطرس برح التي عقدت بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية خلال مارس سنة 1916 وقسمت فيها أملاك الإمبراطورية العثمانية التركية وكانت أهم مبادئ هذه المعاهدة هي:


.1
تمنح روسيا الولايات التركية الشمالية والشرقية.

2. تمنح بريطانيا وفرنسا الولايات العربية في الإمبراطورية التركية (موضوع معاهدة حسينمكماهون).

3. تدويل الأماكن المقدسة في فلسطين وتأمين حرية الحج إليها وتسهيل سائر السبل اللازمة للوصول إليها وحماية الحجاح من كل اعتداء.

 

الموقعون

انجلترا وفرنسا وروسيا  

الدول الأعضاء

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak :

Tel: 0049 - 30 – 66 302 184 / E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

 

 

 

 

 

من يصنع الفوضى في العراق

 

د. ضرغام الدباغ

 

عنوان كهذا هو في الواقع يصلح أن يكون شعاراً لندوة، تستغرق منكم ربما أكثر من حلقة واحدة. ولكن دعنا نبحر، بقدر ما تحتملنا سفينة قناتكم ...

 

سنلجأ إلى الطريقة التقليدية المادية العلمية في التحليل، ونقول أن الموقف الحالي في العراق على غرابته الشديدة، هو من فعل فاعل بالطبع، يضاف إليه نكهة التفاعلات الشرقية بمميزاتها المعروفة، ولكن هذه الميزات الشرقية تجاوزت كل حد معقول وغير معقول، فما نراه ونشهده هو شيئ يفوق الخيال في الإجرام والوحشية، وهذا ليس جلد للذات، بل ذبح للذات، وبتقديري عندما تشاهد إنساناً يعرض إنساناً آخر للشوي، المشكلة تصبح ليس الإنسان الذي تعرض للشوي وتوفي، بل المشكلة الآن هو  القاتل، من مات راح وأستراح، لكن المشكلة هو من يسير بيننا وبحسب نفسه على البشر، يأكل ويشرب ويحب ويسمع أغاني ...  وربما يكتب الشعر أيضاً ...  ومجرد تخيل الأمر يثير الأشمئزاز إلى أقصى حد.

 

كيف نشأت ثقافة الوحشية والهمجية هذه، وهي مفردة أساسية من مفردات الفوضى الذين خططوا لها و شجعوها وحرضوا عليها. فما نشهده هو جريمة ثقافية / اجتماعية / سياسية منظمة مخططة متعددة الأطراف، وهنا لابد من الرجوع إلى أطراف المعادلة : هناك أسباباً داخلية ذاتية، وهناك أسباب خارجية موضوعية، المجرم لا يولد مجرماً، بل هناك من يخلق له بيئة الإجرام يدفعه إليها دفعاً.

 

كما أني أعتقد جازماً أن هذه الفوضى وما ينجم عنها، هي ليست من صنع محلي، نحن نعرف تاريخنا جيداً، فلا توجد سابقة كهذه هذه الجرائم  التي تكشف عن حقيقة سوداء، هي أن هذه العصابات لا تمت بصلة لا للعراق ولا للعروبة وللإسلام بصلة لا من قريب ولا من بعيد، بل هي عصابة دربت ولقنت، وغسلت أدمغتها في معاهد متخصصة، وتحولوا بعدها إلى أدوات ليس إلا، ومنحت برنامجاً بهدف واحد هو التخريب للبلدان ولمكوناتها، ولتمنح الذرائع لدوائر الإجرام الدولية لتنفذ مجازرها الدموية ومآربها.

 

ليس هناك صعيد بمنجى عن التدمير، إذن المطلوب هو تدمير الملامح والهوية، هوية بلدان بأسرها، تدمير أسس هذه الحضارة التي تواصلت في العراق وفي المنطقة منذ ألاف السنين، الهدف هو إظهار عدم قدرتنا أن نتعايش، الهدف واحد هو إظهار همجية مبالغ بها لأقصى حد، ليأتي التدمير الوحشي بأقصى حد. والهدف هو القضاء على فكرة العيش المشترك، وبالتالي ليكن التقسيم كتحصيل حاصل  وضرورة لابد منها.

 

لعشرات القرون كنا نحن ورموزنا مصانة، ومقدرة ومحترمة من الجميع دون تميز، كعراقيين وكعرب ومسلمين وغير مسلمين، موضع تقدير كل المواطنين بلا تميز، حافظوا عليها، ودافعوا عنها، إن المطلوب هو تدمير هذه الصورة الحضارية المتسامحة الرائعة، لقد دافع شبان عرب مسلمين حتى الموت دفاعاً عن كنيسة الناصرة بفلسطين، ودافع شبان مسيحيون عن القدس والأقصى بفلسطين حتى الاستشهاد، وهذه أوطان شيدناها معاً يداً بيد وفؤاداً على فؤاد، اليوم تتجه العاصفة السوداء التي يعرف الشعب العراقي من هم أطراف هذه العاصفة السوداء المجنونة المدمرة، التي تريد تدمير كل شيئ، ليعاد ترتيب كل شيئ وفق مصالحها، كان تدمير الجسم المنظم في المجتمعات هو الدولة (Regulator)، من أولى أهداف المحتلين وأعوانهم، والدولة هي وعاء منظم للحياة الإنسانية، أستهلوا عهدعم به، والآن بدؤا يستهدفون الإنسان فكراً وحقائق أساسية راسخة.

 

الخطورة الكامنة المخططة هي وراء تدمير تدريجي لهويتنا الثقافية كعرب ومسلمين على حد السواء، هويتنا الرائعة التي طبع عليها بصمات كل من شارك فيها، إلا تلك العصابات الذين جاؤا، من مطابخ المخابرات ومن مختبراتها ليعيثوا قتلاً وتدميراً.

 

ولكن شيئاً واحداً فاتهم، الحضارة ليست حجارة، فهذا نستطيع إعادة إعماره بدراهم، والحضارة والقناعة هي ما تشكلت عبر قرون، وترسخت بعدها بقرون، في العقول والقلوب. والوسائل الإجرامية الهمجية لا تقنع أحداً ولا تصلح لتحقيق غايات نبيلة.

 

هذا المخطط الإجرامي سيصطدم بقوة مادية ظاهرة وكامنة، سيصطدم بالتاريخ والمكونات الأساسية للشعب، والتي بتنازله عنها سيفقد وجوده وكيانه وهويته وبالتالي شخصيته المميزة، دون أن يجني مقابلها شيئاً ... المستهدف هو الوطن والشعب والتاريخ والمستقبل.

 

سيرحل هذا الجمع الشرير يوماً، وتبقى هذه دروس يضيفها الشعب العراقي لتاريخه، ولوحدته الوطنية الخالدة.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقال جزء من مقابلة تلفازية بتاريخ 27 / نيسان / 2016

 

 

 

 

 

إيران في تأرجحها

 

وتمرجحها بين الشرق والغرب

 

د. ضرغام الدباغ *

 

أرسل لي هو صديق وزميل في آن واحد، مقالة تبحث في العلاقات الإيرانية / الغربية ـ الشرقية وتأرجح مصالحها اليوم بين تحالفها التاريخي مع الغرب وصياغة مصالح جديدة تضمن لها قدراً أكبر من المصالح مع كتلة تتشكل في الشرق بقيادة الصين / روسيا. وإيران اليوم تتدخل في أكثر من ساحة عربية، وهو دور مرسوم لها ويسمح لها بأن تجيش الجيوش لدول بعيدة عنها (إلى سوريا)وتؤسس الميليشيات وأن تغتال من الشخصيات من يقف عثرة في طريقها (في لبنان)، وتحرض على إسقاط الشرعية عير مليشيلتها (في اليمن)، تفعل كل ذلك وفق قاعدة : من أمن العقاب أساء الأدب، ومن يتحرك مجازاً، يتحرك خفافاً غير خائف، لا من دركي تفاهم معه في أمره، ولا من قانون أمن شره.  

 

من أجل فهم دقائق هذه العلاقة التاريخية المرتبطة بمصالح ليس من اليسير تفكيكها وإعادة صياغتها، لابد لنا أن نذكر، أن الصفويون تحولوا إلى التشيع عام 1501 وأرغموا معظم الشعوب الإيرانية على التشيع، لكي يقطعوا كل صلة مع دولة الخلاقة العثمانية الشرعية وكانت عماد سياستهم الخارجية التوسع في البلاد الإسلامية ومناكفة دولة الخلافة العثمانية، أي أن الواجهة الدينية هي في الواقع واجهة سياسية .

 

ونتيجة فشلها في التصدي للعثمانيين، تحول مبدأ الاستعانة بالغرب إلى قاعدة سياسية لهم، وفي الشرق التعاون والتنسيق مع روسيا القيصرية. وأضحت منذاك إلى فقرة أساسية في السياسة الخارجية الإيرانية بصرف النظر عمن بحكم إيران. فالعقل السياسي الفارسي يتملكه رهاب وجود أمتان عظيمتان على خاصرتها هما العرب والأتراك، ولهاتين الأمتين لغة وتقاليد حكم وسياسة وثقافة متميزة، ويمثل الأتراك جناحاً مهماً من الوجود الإسلامي، لذلك يجد الفرس أنفسهم (بديهياً) ملتحقين عضوياً في أي مشروع يضعف العرب والترك ويضعون أنفسهم في سياقاته ومساراته، ولربما ينالون بعض من مكتسبات هذه السياسة التي ليسوا هم من يتحكم بمساراتها، لذلك أكتسب هذا المنهج صفة العمل كمشارك ثانوي، وطالما أن مخططوا السياسة في الشرق والغرب يدركون بوضوح تام الأبعاد والبواعث المحركة لهذه الاستراتيجية، لذلك فهم يتعاملون مع الدولة الفارسية في هذا الإطار ضمن أي تحرك في منطقة الشرق الأوسط، وأواسط آسيا.

 

وفي هذا الإطار تندرج كافة سياسات الدولة الفارسية (بصرف النظر عن أسمها ومن يحكمها)، لذلك وضعت نفسها في خدمة هذه الاستراتيجية، ففي الحرب العالمية الأولى، دخلت الجيوش الروسية إلى الأراضي العراقية عن محورين: الأول محمر خانة ــ حاج عمران ــ راوندوز، والمحور الثاني مضيق بايطاق ــ قصر شيرين، خانقين، ولكن الجيش الروسي أنسحب بعد قيام ثورة أكتوبر الاشتراكية، وعندما دخلها الإنكليز في الحرب العالمية الأولى، منحوهم القطر العربي الأحوازي، ليس كمكافأة، بل لخلق دولة فارسية قوية تلعب دوراً مرسوماً لها تنفذه بطاعة في المنطقة، ولكي لا يكون ضفتي الخليج العربي عربياً فيستحيل بحيرة عربية بكل ما يعنيه ذلك من معاني سياسية واقتصادية وعسكرية / استراتيجية.

 

وفي الحرب العالمية الثانية، أحتل الجيش السوفيتي مساحات شاسعة من شمال إيران بضمن ذلك كامل الأراضي الأذربيجانية، وضمتها في البداية للجزء الاشتراكي من أذربيجان الشمالية، كما سهلت قيام حكم كردي في الأجزاء الكردية من إيران، وكانت موسكو تأمل أن يساعد ذلك على سقوط نظام الشاه بيد القوى اليسارية (حزب تودة الشيوعي) ولكن الغرب، بريطانيا دخلت إيران من العراق واحتلته دون مقاومة، وفتحت الطريق الاستراتيجي لتزويد الاتحاد السوفيتي بالسلاح والعتاد ليقف بوجه النازية. ولعل الحكومة الشاهانية سهلت دخول الإنكليز ليقفوا بوجه السوفيت، وهو ما تحقق فيما بعد فعلاً، إذ دافعت الولايات المتحدة وبريطانيا عن الكيان الإيراني في كواليس المفاوضات وسحبت موسكو قواتها إذ كانت منهمكة بترتيب أوضاعها في أوربا الشرقية، فمنحتها الأولوية الاستراتيجية، ولم تشأ أن تفسد نشاطها السياسي / العسكري، وإذ تخلخلت الأوضاع، تخلى الروس والأمريكان عن الكرد، فسقطت جمهوريتهم الوليدة في مهاباد 1946 وأعدم قادتها من أكراد إيران والعراق.

 

والعلاقة السوفياتية / الإيرانية ظلت تنطوي على الحيطة والحذر، وكانت موسكو ترعى حزباً شيوعياً إذ كان الحزب الشيوعي الإيراني يعتبر أقوى حزب شيوعي في الشرق الأوسط، مما يجعلها تعلق الآمال عليه بدرجة ما، وبالمقابل فإن الشاه خشي هذا الاحتمال الخطر المصوب إلى عرشه، فلجأ إلى الغرب وتوج هذه العلاقة بأنظمامه إلى حلف بغداد عام 1955 الذي ضم أيضاً تركيا والعراق وباكستان وبريطانيا، واحتفظت الولايات المتحدة بمقعد مراقب عسكري فيه. وبدا لإيران أن ذلك يطمأن هواجسها إلى حد ما، بالإضافة إلى تسليط حملة قمع وحشية ضد الحزب الشيوعي الإيراني (تودة).

 

في السنوات الأخيرة من حكم الشاه بعد ثورة أسعار النفط الخام (1972 ــ 1973) أتسع طموح الشاه، وبدأ بتوسيع صلاته وتدخلاته بدول المنطقة (عمان) بل وأبعد من المنطقة (إلى الكونغو)، وتمادى بطرح إيران كقوة عظمى، مما أزال الكثير من مخاوفه، فأتجه لإعادة تأسيس علاقاته مع الاتحاد السوفيتي الذي كانت قد تسللت البراغماتية إلى سياساته، بعد تلاشي التعصب الآيديولوجي الدوغماتي الستاليني، فأخذ الشاه يتزود بالأسلحة من الاتحاد السوفيتي، والسوفيت بدورهم أخذوا يشجعونه فزودوه بدبابات (ت 62) قبل أن يزود مصر وسوريا والعراق، وبالغ العقل السياسي الفارسي (كعادته تاريخياً) برسم خطوط توسع لتبلغ المحيط الهندي، وليدق جرس الإنذار للأستراتيجين الأمريكان: نحن نعطيك السلاح والأمان لتعمل لنا، لا لتقيم إمبراطوريات خرافية.

 

منحت هذه الأحلام والأوهام الشاه محمد رضا بهلوي شعوراً متزايداً بالعظمة، لأن يطالب برفع درجته في التحالف مع الغرب إلى درجة الشريك، وقد أمتلك مقدمات الدور الأكبر :

جيش ضخم يعد من أقوى الجيوش في العالم.

وارادت عالية من النفط.

علاقات وثيقة مع الاتحاد السوفيتي لدرجة تزويده بأسلحة متقدمة.

علاقات حسنة مع محيطه العربي (مع مصر أولاً ثم سوريا الأسد).

خفوت مطمئن لقوى المعارضة الإيرانية.

 

توج الشاة بهلوي هذه الأحلام ليجعلها قريبة للواقع، فتوج نفسه وريثاً تاريخياً للإمبراطوريات الفارسية في في أحتفال باذخ في العاصمة التاريخية برسبولس. بيد أن هذه الإشارات أعطت انطباعات سلبية للإدارة الأمريكية في عهد الرئيس كارتر، فأضمروها له، لذلك شهد حكم الشاه البهلوي انحدارا سريعاً حتى سقط على أيدي الملالي عام 1979 في سيناريو يحمل بصمات المخابرات الأمريكية، وبنفس الوقت نشير إلى دلائل ومؤشرات مادية في مساهمة الولايات المتحدة بإنهاء نظام الشاه، لأنه لم يعد يفي بمتطلبات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، دلائل تتواصل في الواقع حتى وقتنا الحالي.

 

 ليس بوسعنا أن نبرئ هذه الأحداث من دور القوى العظمى، فالمنطق السياسي يقودنا دون شك حيال هذه الأحداث الكبيرة، طالما لا توجد تبرعات في السياسة، ومواقف مجانية حتى في الحالات الصغيرة جداً، ومن المؤكد أن الصفويون كانوا على صلة بخصوم الدولة العثمانية، (الغرب وروسيا) ولهذا منحت جائزة لا تستحقها أبداً بإشراكها في مؤتمر برلين وحصولها على أراض تركية قضاء كوتور شرقي مدينة وان في مؤتمر برلين 1878. ولهذا يقترح الغرب اليوم حضور إيران في المفاوضات بشأن سورية.

 

فالتحالف الغربي أو الشرقي إذن ليس بجديد في السياسة الإيرانية، ويندر في التاريخ السياسي أو الجيوبولتيكي  (Geopolitikal) وجود كيان سياسي يرتبط بهذه الدرجة بمهمة القيام بدركي الشرق الأوسط (حتى إسرائيل)، أو بدور مثير المشاكل (Troubelmaker)، دور يكاد يطغي حتى على دورها في سوق النفط العالمية.

 

ودون شك يدرك ملالي طهران، أن الولايات المتحدة حليف غير مضمون، فهم بذاتهم وصلوا السلطة نتيجة بيع الولايات المتحدة لجندي من جنودها (الشاه)، مقابل حصان، والحصان بدوره صالح للبيع مقابل قلعة، (حسب قواعد لعبة الشطرنج الدولية) ولكن دعنا نقر الحقائق واقعياً : من هي القوى العظمى النزيهة اليوم في العالم، لا أحد يتعامل معك إلا بما في يدك من أوراق، وعلى اللاعب الماهر إبقاءها بين أيديه دون تفريط، لأنها سر بقاؤه ومصدر قوته، ولا علاقة للأخلاق في هذه التعاملات.

 

يدرك الملالي أيضاً، أن الولايات المتحدة سوف لن تغفر لهم اللعب بعيداً خارج الخط (أداء خارج النص)، وإذا كانت التكتيكات مسموحة، ولكن تحويل المسار بدرجة كبيرة له عواقبه الوخيمة. وتعلق الولايات المتحدة بالشرق الأوسط هو أكبر من أسهم وأرصدة الروس فيها،ولا ينبغي أن ننسى أن الولايات المتحدة أصدرت مبادئ  (Doctorin) ترومان 1947/ أيزنهاور 1956/ نيكسون، كارتر 1980، تكرس منها مبادئ الرئيسين أيزنهاور  وكارتر (Eisenhower, Carter Doctorin) حول الشرق الأوسط، ومبدأ كارتر الأحدث تكرس للخليج بصفة تامة (تعتبر الولايات المتحدة أن أي محاولة للتدخل من قوة خارجية على منطقة الخليج أعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة وسيتم صد هذه المحاولة بكافة الوسائل منها استخدام القوات المسلحة)، ووفق هذه النظرية تدخلت الولايات المتحدة في الخليج منذ 1991.

 

أما الصينيون فلا يزالون بعيدين عن هذه المائدة العامرة. ويخيطون بمسلة طويلة، والمئة عام عندهم كعقد من السنين، وها هم أنجزوا الكثير وحازوا على مقعد بين الخمسة الكبار، واقتصاد متين، واستعادوا هونك كونك من الإنكليز(1997)، وشبه جزيرة ماكاو من البرتغاليين(1999)، وكل ذلك دون أن يطلقوا رصاصة واحدة. والآن سوف لن يسفحوا قطرة عرق واحدة من أجل عيون الإيرانيين.

 

والروس يسرهم أن يتعاملوا مع دول في المنطقة، يبيعون لهم أسلحة لا يحصلون أو يصعب الحصول عليها من الغرب، وإذا كانوا يبحثون عن سبل توصلهم إلى المنطقة، ولكن بشرط أن تكون سالكة آمنة ...! وها هم (الروس) يقيمون علاقات واسعة مع السعودية ومصر، ومع الجزائر أساساً، ويتطلعون إلى اليمن، بل وحتى إلى دول الخليج وحتى علاقتهم التاريخية مع سوريا ينظرون إليها كمأزق يتطلعون إلى التخلص منه، ولو بنصف مكسب، وحولوا سوريا بالاشتراك مع الإيرانيين بابتذال سياسي إلى بازار.

 

والولايات المتحدة سوف لن تسمح لإيران التمدد إلا بمقدار ما يكون ذلك مفيداً لخططها. لذلك نرجح أن تبقى إيران تدور في الفلك الأمريكي بهذه الدرجة أو تلك من الأنصياع، يحاولون حيناً أبداء التمرد ليعلو كعبهم متراً، ثم يتقهقرون بعدها أمتاراً، والأمريكيون ضالعون بخفايا العقل السياسي الفارسي، ومن المؤكد أن لهم بين قيادات الملالي أصدقاء وأنصار. وبمزايا وخصائص كالتي تتمتع بها إيران لن يدعها الأمريكان تفلت من أيديهم بعيداً، بدليل أن المحادثات النووية التي ابدوا فيها من الصبر وطول الأناة الشيئ الكثير، هي خير دليل على قدرة الولايات المتحدة على استيعاب الطموح والجموح الإيراني.

 

وبرغم أن الفرس يتعاطون السياسة منذ قرون كثيرة، ولكنهم كشعب شرقي يميل لأستخدم عواطفه وهنا تقع الهفوة، فالسياسي الفارسي ما أن يشعر بالقوة حتى يترهل ويتخلى عن حذره، أو يدرك حاجة الآخرين الماسة لخدماته (موقعه، ومزاياه الأخرى) حتى يبدأ بالمغالاة، والمبالغة وهي آفة سياسية، والفارسي يميل للغطرسة وإن لا يمتلك قدراتها، والميل إلى الأبهة والفخامة هي من السمات الأصيلة في العقل السياسي الفارسي.

 

ويبدي العقل السياسي الفارسي صبراً جميلاً عندما يخسر ويتقهقر، ولكنه يضمر ذلك في نفسه، وخططه اللاحقة تقوم بدرجة رئيسية على الانتقام لدرجة أنها تفقده رشده فيبالغ وهنا يخسر في قدره ورؤية الآخرين وتقديرهم له من خصوم وأصدقاء أو محايدين، وليس محموداً في السياسة عندما يتأكد الطرف المقابل من رد الفعل، ورد الفرس على أي مقترح أو مشروع معاد للعرب وللمسلمين مرحب به بل مهلهل تهرول إيران صوبه لدرجة الخفة وفقدان الاتزان، وهذه نقطة معروفة لكل من يتعامل مع إيران سراً أو علناً، ويمكن لأي طرف المناورة عليها.

 

أما العقل الفارسي فهو يدرك أنه مهم للغرب كما للشرق، ولكل من يريد أن يفكر بإلحاق الأذى بالعرب والمسلمين والأفغان، والباكستانيين والبحرين، والشرق أجمعين، فيتدلل يحدوه قول الشاعر :

 

عرف الحبيب مقامه فتدلل

 

 

 

 

 

 

 

 

المركز العربي الألماني برلين

 

 

النسبية في عالم السياسة اليوم

 

د. ضرغام الدباغ

 

حملت رياح التغير، بل قل عواصف التغير، الكثير جداً من المتحولات في عالم السياسة والاقتصاد سواء في البلد الواحد أو على صعيد التعاملات الدولية. بحيث قلما أبقت التحولات صعيداً لم تتناوله بالتغير بدرجة شاملة أو جزئية.

 

فالتحولات الحديثة جداً لما بعد مرحلة نهاية القطبية الثنائية أدخلت العالم في سلسلة من التحولات، ولا نقصد هنا العولمة وما سحبته من مظاهر ومؤشرات، فهذه مثلت دون ريب مؤشرات هامة على الطريق للتحولات الكبيرة، بل تشير لنا أيضاً دلائل مادية ظاهرة وأخرى كامنة، أن العالم يتجه في القريب إلى عالم بلا أقطاب، فتعدد المراكز الصناعية في العالم وانتشارها في القارات الخمس، ممثلة بالقوى الحالية أو أخرى المتحفزة للظهور، نقلت الكبار من مرتبة الدول الثمان، إلى الدول العشرين، وربما سنشهد قريباً بروز قوى جديدة.

 

كما أن التكتلات السياسية / الاقتصادية طبعت العالم بطابعه فلم يعد الحديث ممكناً عن تجربة متفردة واقتصاد منغلق، أو أكتفاء ذاتي، فالعالم بأسره قد غدا حقاً سوقاً واحدة ليس بسبب سياسات كتل العولمة القاهرة، بل بسبب التقدم التكتولوجي الذي يطرح معدلات إنتاج عالية جداً، يطرح كنتيجة حتمية له البحث عن أسواق ليست تقليدية، بل رفع الحواجز أمام انتقال عالمي للسلع، ليؤدي كل ذلك إلى تنشيط مطرد للتجارة العالمية، يصاحب ذلك تقدم هائل في مجال النقل، للأفراد والسلع والخدمات براً وبحراً وجواً مما سهل بأضعاف مضاعفة حركة النقل وسرعتها بين القارات، ولم يعد طرق يسعى لغلق الباب بوجه طرف آخر، فإن ذلك يعني ببساطة غلق الباب على نفسه، سيكون بنفسه المتضرر الرئيسي فيها.

 

والتقدم في صناعة الأسلحة وهتك أسرار صناعتها، ذرية، هيدروجينية، نيوترونية، كيمياوية، بايولوجية، وسائر أسلحة الإبادة الشاملة، وأبتداع الوسائل الناقلة لها، صواريخ بالستية، غواصات تطلقها من عرض البحار والمحيطات، طائرات تحلق على أرتفاعات شاهقة جداً، والأنظمة الموجه لها من أقمار صناعية، خلق هذا التقدم الكبير أوضاعاً جديدة. وأتساع متواصل لقائمة الدول التي تمتلكها علناً، وقائمة الدول التي تمتلكها سراً، وتلك القادرة على انتاجها بسرعة، بما في ذلك ما يسمى بأسلحة الفقراء (الكيمياوية والبايولوجية). ثم أن القوة التدميرية لهذه الأسلحة يجعل امتلاكها مجازفة سياسية، وتحمل دولاً أخرى على تطوير قدراتها، والدخول في سباق تسلح ضار بالجميع. كما يمثل أستخدامها كارثة عسكرية وبيئية تتجاوز في تأثيراتها الدولة المقصودة، إلى دولاً وأقاليم وربما إلى قارات أخرى.

 

هذه الحقائق  والمعطيات ساهمت في تطوير أفكار ونظريات سياسية واستراتيجية العمل الدولي، ومن ذلك أنها أدخلت تعديلاً جوهرياً على نظرية كارل كلاوس فيتز (1780 - 1831) التي صمدت لثلاثة قرون، من أن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى، أما الحرب الحديثة إن حدثت، فلن يكون هناك أطراف تتفاوض، فالمخزون من الأسلحة العلنية والسرية تكفي لإبادة سكان العالم عدة مرات، والقوى العظمى بوسعها شن الحروب، ولكن ليس بوسعها كسبها نهائياً وبلوغ الهدف الذي من أجله تطور نزاع سياسي إلى صراع عسكري، وتقرير الموقف السياسي اللاحق، و خير مثال على ذلك  نجده في الحروب الأمريكية (الفيثنامية ـ العراقية ـ الأفغانية)، والنزاعات السياسية اليوم تنطوي على هامش مناورة ولعب على حافة الحرب، ولكن دون خوضها. ومن المحتمل جداً أن يتواصل حوض الحروب بالوكالة (proxy wars) بمعنى أن تتحارب جهات تمثل مصالح دول عظمى تنأى بنفسها عن الحرب الذي يضم في ثناياه احتمال تطور النزاع السياسي إلى صراعاً سياسياً قد يسحب في أحدى مراحله إلى استخدام أسلحة الدمار الشامل.

 

وبادئ ذي بد، نؤكد أن الأيديولوجيا توارت (والدوغماتية في إحدى مراحلها) بعيداً خلف المصالح الوطنية العليا، في المراتب الأخيرة، ولم تعد تظهر في المشهد اليوم أكثر من أي وقت آخر، أو على المسرح السياسي، وأتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل الأمن الغذائي والصناعي، وإنتاج الطاقة، واقتصاد المواد الخام، والمخزون المائي، وقضايا البيئة، وأصعدة أخرى كثيرة قد لا تخطر على بال المواطنين، ولكنها في مخيلة الأستراتيجيون، وخبراء الأمن تعد من الأولويات والفقرات الهامة التي تستحق عناية صناع القرار السياسي، ومن الصحيح أن مثل هذه الظواهر كانت ملحوظة في مراحل الحرب الباردة وعالم القطبية الثنائية، إلا أنها كانت تظهر بشكل خفيف، ومقنع، فالرأسمالية كانت تعتمد التخطيط في الازمات (رغم أنها تعتبرالتخطيط من عيوب الاشتراكية)، وكانت الدولة تتدخل في قواعد السوق وفق كنزية مبالغ بها أحياناً (نظرية اللورد جون كينز في الاقتصاد الرأسمالي)، والاشتراكية عندما نمت اقتصاديات بلدانها، (ألمانيا الديمقراطية، جيكوسلوفاكيا، يوغسلافيا، الاتحاد السوفيتي) وتطورت وصار بإمكانها التنافس بمنتجاتها في السوق العالمية، صارت تمارس تدريجياً مبادئ اقتصاد السوق.

 

وكان العامل الاقتصادي قد تحول إلى الفقرة الأولى فيما تتخذه الدول من قرارات في المراحل الأخيرة من الحرب الباردة. ولكن ما كانت البلدان الرأسمالية تمارسه من سياسة اقتصادية مترددة أو متسترة، في مراوحة بين التشدد (بأستخدام نظرية ميلتون فريدمان في استبعاد أي دور للدولة في الاقتصاد، وتساهل ...! الكنزية في السماح لبعض الدور)، تحول فيما بعد نهاية الحرب الباردة، إلى سعار في جني المكاسب الاقتصادية تهون من أجله الشعارات وتتوارى، وهذه النظرة المكثفة إلى المصالح الوطنية الاقتصادية أستبعدت ببراغماتية غير مسبوقة ما يمس هذه المصالح، أو يحتمل أن يلحق بها أضراراً. واليوم يحق لنا أن نقول بكل جلاء: فتش عن السبب أو المغزى الاقتصادي في كل تصرف على مسرح السياسة الدولية لا سيما إن كان بعيد المدى أستراتيجي الطابع.

 

ومثل هذه الأفكار (أستحالة المواجهة العسكرية الشاملة، حتمية الأخذ بنظريات السوق من يشاء الدخول ميدان التنافس العالمي) هي التي دفعت الاتحاد السوفيتي إلى الغلاسنوست ثم إلى البيرسترويكا، وأقتحام الصين الشعبية ميدان التجارة الدولية تحت نظرية : لا يهم أن يكون القط أبيض أو أسود، المهم أن يلتهم الفئران. في حقائق مادية كان لابد من النظر إليها بعين الواقعية قبل فوات الأوان، لذلك عمدت روسيا إلى تفكيك الاتحاد السوفيتي بنفسها تحت السيطرة (under Control)  في مواجهة واقعية صعبة لظروف أصعب، وأنتقلت الصين الشعبية من نظام شيوعي متشدد (الثورة الثقافية) إلى دولة رأسمالية بكل معنى الكلمة. وإذا لاحظنا أن الولايات المتحدة في المرتبة الأولى عالميا  حيث أكد التقرير ان هناك (7,1) ملايين عائلة مليونيرية، وتأتي في المرتبة الثانية الصين (2.4) تليها اليابان (1.2) وفي روسيا بلغ عدد العائلات التي تفوق ثروتها 100 مليون دولار اليوم (536) عائلة مقابل 470 عائلة في عام 2012.

 

في البلدان النامية، الأمر غدا أسوء بكثير مما كان في عهود الكولونيالية والامبريالية، فحجم التدخل الأجنبي بلغ درجة من السعة، إذ بوسع الدول الصناعية العظمى أن تحقق مآربها بسهولة ويسر، بتسليط ضغوط لا قبل لتلك البلدان بها،  وفقط لنعيد للذكرى وللعبرة، أن الولايات المتحدة تمكنت من أستخدام مجلس الأمن الدولي واستصدرت قرارات لا مثيل لجورها وظلمها في التاريخ عندما منعت كل شيئ عن العراق حتى الأقلام والدفاتر للطلاب، ولم تسمح سوى لثلاث أو أربعة دولارات لحياة المواطن العراقي، مهدت لعدوان يبلغ في أهدافه النهائية إنهاء دولة وبلاد حاضرة في التاريخ العالمي والإنساني للبشرية، وحاصرت كوبا لأكثر من نصف قرن.

 

ومع هذه الكوارث في حقل الواقعية السياسية، فإن البلدان النامية هي  أكثر من يتعاطى في مثاليات السياسة، فما زلنا نشاهد ممارسات، واستخدام طفولي وساذج لمصطلحات اليسار واليمين، والاشتراكية والرأسمالية، والتقدمية والرجعية، وحسابات عجيبة غريبة، والمفارقة الأكبر أنها تأتي أحياناً ممن يعدون أنفسهم على فئة المثقفين.  وأشير هنا أن لينين قد ذكر في إحدى مؤلفاته، أن أسوء يميني هو المتطرف اليساري، والتطرف وعبادة النصوص مثل حتف الكثير من الحركات السياسية عبر التاريخ، ولنا في هذا مداخلة أخرى.

 

من هو اليميني ومن هو اليساري ....؟

من هو الاشتراكي ومن هو الرأسمالي ....؟

من هو التقدمي ومن هو الرجعي ....؟

 

هذه مصطلحات غدت نسبية جداً في عالم اليوم، فالنظام في ألمانيا رأسمالي بكل أبعاد ومفاهيم الكلمة، ولكن الأنظمة والقوانين الاجتماعية تقدم الحماية لأفراد المجتمع الألماني، وهي متقدمة أكثر بكثير، بل بأضعاف الدرجات عن الصين الشعبية الاشتراكية ...! والطبقة العاملة الألمانية مرفهة بذات المعنى أيضاً أكثر بكثير من نظيرتها الصينية.  فتقدمية وصلاحية أي موقف سياسي هو قربها وبعدها عن خط مصالح الوطن بالدرجة الأولى. والخط الوطني ما لم يحافظ على المصالح والثوابت العليا للوطن هو خط لا يخدم الوطن، والوطن هو ثوابت :

 

* وحدة الوطن، سيادته وأستقلاله، ورفض الهيمنة الاجنبية عليه.

* عدم التفريط بثرواته الوطنية الاستراتيجية.

* الأمن القومي بمعناه الشمولي.

 

أين توجد الحريات الشخصية ...؟ وكنت قد مررت بتجربة أثرت في كثيراُ، سجلتها في أحدى مقالاتي، ففي سفرة مفيدة للهند من ألمانيا الديمقراطية التي كانت تشهد تطبيق رائع للأشتراكية، كانت مفردات الحياة فيها بمستوى رفيع، من حيث حاجات الإنسان الأساسية: السكن، التعليم، الصحة، ولكن المواطنين كانوا بحاجة لأشياء كانت شحيحة أو مفقودة، وفي الهند التي يفتقر فيها الإنسان لكل شيئ تقريباً، لا سيما في مجال الحاجات الأساسية، ولكن البشر فيها سعداء، لأنهم يشعرون بالحرية الشخصية ويمارسونها، فالإنسان لا يود رؤية من يلعب عليه بدور الواعظ، وإن كان صادقاً، فالحرية هي حقاً وفعلاً أثمن ما يريد الإنسان أن يحصل عليه.

 

وبعض الأيديولوجيون يمتلكون من فن القدرة في اللعب على الألفاظ، بما يمكنهم من النجاح في لوي عنق الحقائق ويستخرجون الموقف التقدمي من لب اليمين، ويرمون باليسار وبالقوى الوطنية بين أشداق الحيتان الإمبريالية دون أن يرف لها جفن .. ويحلو لهم أن يصفوا هذا التيار الديني بمعاداة الإمبريالية، وتيار ديني آخر على أنه ظلامي ومتخلف. ونجد أن هذه الأحكام لا تخرج عن إطار المصالح، وأن اليسار يلعب هنا وهناك بحسب الأجواء والأنواء، وبمزاج شرقي بعيد بهذه الدرجة أو تلك عن التحليل العلمي الملموس للواقع المادي الملموس.

 

وفق أية قاعدة آيديولوجية يمكن أن نفهم، أن ينظم رئيس حزب ماركسي إلى قائمة برلمانية على أساس الأنتماء الديني / الطائفي ..! ويلتحق بعملية سياسية أسست لها قوى إمبريالية، ويكون عضواً في هيئة حكم يرأسها مندوب سامي، حزباً حارب بالكفاح المسلح بالتعاون مع قوى أجنبية حكماً وطنياً، ولكنه ما يزال يدبك بحماسة منذ ثلاثة عشر عاماً مع نظام أفرزه الاحتلال وما زال تحت حمايته، يرفع موجة الغناء أو يخفضها، ولكنه يحرص بشدة على البقاء تحت الخط الأخضر، يبدي النعومة لينعم بدخول مريح للمنطقة الخضراء وهذه من أولى مبادئ اللعب مع الضباع، ولكنه مع القوى الوطنية يصبح تقدمياً ثورياً يمارس النرجسية حتى الدوغماتية.

 

وحتى الأحزاب العلمانية التي تدعي العمل وفق قواعد العمل السياسي الحديثة، إلا أنها ما تنفك تحت وطأة أمراض نفسية لا علاقة لها بعلم السياسة، من الدعوة للثأر واستعادة الكرامة، ورد الإهانة، واللجوء إلى قواعد عمل وتصرف هي أقرب منها للعشائرية والقبائلية منها إلى تقاليد العمل السياسي الكلاسيكي والثوري.

 

ومن قواعد الحياة المعروفة أن التحرر من قيود الذات وأوهامها وتحريرها هي أكثر صعوبة من العقبات التي يواجهها المناضلون في طريق نضالهم السياسي / الاجتماعي، لذلك فإن من أولى الأسس لبناء الحركات السياسية، الثورية بصفة خاصة، هي بناء شخصية المناضل الذي سيكون عليه مواجهة تخلف المجتمع، مناضل طليعي بوسعه إنجاز مهمات تقدمية في محيط رجعي ومتخلف، وهي فكرة أهتم بها علماء وفلاسفة وقادة ومصلحون سياسيون واجتماعيون، في مراحل شتى من التاريخ الإنساني.

 

وهناك آفة في العمل السياسي تواجه مهمات النضال ذلك المثقف، أو المثقف اليساري الشرقي (غالباً) لا يستطيع الخروج من جلده، والانسلاخ تماماً من بيئته المتخلفة، ومما ولد عليه وجبل فيه، فيسعى إلى توظيف ما تلقاه لاحقاً من ثقافة وعلم(أجنبية بصفة خاصة)  لصالح الخرافة، فهو مستعد لأن يتصدى ويتحدى ولكن دون أن يصل ذلك إلى تماس بخرافات تبقى مقدسة في نظره، وحين يحدث وأن يوضع على المحك، ينحاز بصورة ظاهرة، أو من وراء غلالة لا تستر موقفه، فيتأثر موقفه تأثراً بالغاً بثقافته السائدة، بل وأحياناً يتصرف كأي أمي تسوقه عواطفه الدينية / الاجتماعية (القبلية) / العائلية، الدارجة في محيطه، ويعجز عن التحليل المادي التاريخي للظواهر، لذلك يجد من الأسهل والأكثر أتساقاً مع دواخل ذاته، أن يميل لتلك المواقف البسيطة، ويعجز أن يكون إنساناً طليعياً كما تمليه على ثقافته، أو توجهاته الثورية.

 

ومن خلال تجربتنا الذاتية في معايشة عدة مجتمعات متفاوتة في التقدم الاجتماعي / الثقافي / الحضاري، في الشرق الأوسط وأوربا، توصلنا تقريباً إلى قاعدة، أن من يميل إلى الطائفية، أو التطرف بصفة عامة، غالباً يكون ممن لم يتلقوا حظاً طيباً في الثقافة، أو ممن يعانون تفككاً في تكونهم الثقافي بالدرجة الأولى لتشكل بالتالي ثغرة واضحة ، ثم الأسري أو المناطقي.

 

قرأت حديثاً جداً (اليوم : 17 / مارس) صفحات من مذكرات للكاتب التقدمي جورج طرابيشي كأنه يساعدني في دبج هذه المقالة،  يقول فيها: "  تعلّمت درساً جديداً وهو أنّ القضيّة ليست فقط قضية مسلمين وغير مسلمين، ومسيحيين وغير مسيحيين، من حيث الوعي الاجتماعي حتى ولو كانوا ينتمون إلى أيديولوجيا واحدة. فالقضية أعمق من ذلك بكثير. قضية بنى عقليّة في المقام الأول. ففي داخل المخّ البشري تتواجد طبقتان: طبقة فوقية سطحية يمكن أن تكون سياسية، تقدمية، اشتراكية، وحدويّة، وطبقة بنيوية تحتيّة داخل هذا المخّ رجعيّة حتّى الموت، سواء كان حاملها مسيحيـاً أو مسلمــاً. ومنذ ذلك اليوم توطد لديّ الاقتناع بأن الموقف من المرأة في مجتمعاتنا يحدد الموقف من العالم بأسره. ومنذ ذلك اليوم أيضا ترسخ لديّ الاقتناع أكثر من أيّ يوم سبق بوجوب النضال بواسطة الكلمة من أجل تغيير العقليــات، تغيير البنية الداخلية للعقل، وليس فقط البنية السطحية السياسية أو الايديولوجية ".

 

كان صديقي د. حقي اسماعيل حقي وهو من فطاحل الأطباء / العلماء النفسانيين  العراقيين، خريج معهد زيغموند فرويد الشهير عالمياً في فيينا / النمسا، كان يشرح لي بدقة أن الكثير جداً من القيادات السياسية تعاني من مشكلات نفسية، بعضها خطير الأبعاد والآثار، وللدكتور حقي مساهمات وآراء تفصيلية  في علم نفس القيادات (psychology   leadership) كم نحن بحاجة اليوم لتلك الآراء لنعلم أن كثير ممن يعملون في السياسة يعانون من مشكلات نفسية ...!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التظاهرات في

 

بغداد تبلغ ذروة خطيرة

 

د. ضرغام الدباغ *

 

 

لا يمكننا النظر إلي الموقف في العراق إلا كحزمة واحدة ومحصلة لعوامل كثيرة، وسوى ذلك اجتزاء للحقائق المادية الموضوعية. ومن أهم تلك الحقائق الموضوعية :

 

لا يختلف إثنان أن الوضع في العراق قد بلغ ذروة خطيرة ولكن بأي مؤشرات ... وصوب أي أتجاهات ..؟

بكل موضوعية يمكننا أن نقرر بجلاء ووضوح تام أن مجموع العملية السياسية التي بدأت بعد الاحتلال لم تفض إلى شيئ. وهذا الشيئ الذي كان من يعول عليه من يعول، ويشحن ويحرك من يحرك، ويدفع الأمور وصولاً إلى إدخال قوى احتلال إلى العراق، لقد أتضح أن تلك القوى لم يكن في برامجها فقرة إنمائية، عمرانية، بل لم يهمها سوى تدمير العراق وفقاً لمصالح تكتيكية واستراتيجية، للقوى الأجنبية التي عملوا وسعوا في ركابها.

أن قوى التدخل الأجنبية في الشأن العراق قد أدركت، أن مسار العملية السياسية قد بلغ منتهاه على جميع الأصعدة، ولم يعد بالإمكان المضي إلى أبعد مما وصلوا إليه.

وكتحصيل حاصل لهذه العملية لم يعد بالإمكان بقاء القوى الضالعة في ركاب الاحتلال على مسرح الأحداث السياسية، لذلك فإن فكرة تغيير الأطقم السياسية لا يبدو كافياً، لأن ما حصل هو كارثة كبيرة بكل المقاييس، ولا يمكن اعتبار الحالة الكارثية لتي يتمرغ بها العراق منذ ثلاثة عشر عاماً أخطاء عابرة، في بلاد تحطم كل شيئ فيها، حتى البنى الارتكازية التي بناها العراق منذ عشرينات القرن الماضي.

ويتفق الجميع أن أبرز وأخطر ما خططوا لتدميره في العراق هو ضرب الوحدة الوطنية العراقية الخالدة، عندما قامت هذه الفئات بعمليات التحريض والشحن الطائفي خدمة للمصالح الأجنبية، ومن غير الأجنبي يقسم الشعب إلى طوائف وأعراق ومناطق، وها هي الجماهير العراقية تنهض غاضبة بقوة يد واحدة، بعد أن شعر الجميع، نعم نقول الجميع دون استثناء بالخطر على الوطن. فوحدة الوطن فوق برامج وتوجهات الأحزاب وفوق الأمزجة.

شعر العراقيون أنهم تعرضوا لعملية غدر، وتلاعب بعواطفهم الدينية / الطائفية، والمنطقية، وخاطبوا جهات أجنبية خبيثة الضمير الفردي فيهم دون المصلحة الجمعية، وركزوا على ما يؤدي إلى التفريق لا إلى التوحيد، على العارضي لا على الجوهري، واليوم وعندما أدركت الجماهير فساد كل هذه العملية من لبها إلى أساسها وفشلها الذريع، وأنها لم تؤد إلا التقاتل، وتشيع الضحايا بصرف النظر تحت أي شعار، فكل شعار لا يعبأ القوى العراقية جميعها هو شعار حتماً ليس شعاراً وطنياً ولا يفيد العراق.

إن بلداً شرعت فيه القوانين التي تؤدي إلى تمزيقه تحت شتى الذرائع، إذ سنت التشريعات التي تهمش وتقصي وتبعد وتستثني، فكيف يمكن بهذه الحالة إقامة مجتمع يتجاوز محنه وينطلق لتحقيق مستقبل يليق به.

إن الإصلاح كتشخيص أو كعلاج، فات أوانه، ومنذ سنوات طويلة كان كل من يراقب الموقف بموضوعية يدرك مآل هذه العملية السياسية الفاشلة، لأنها تأسست على قيم دينية / طائفية، ولأنها مركبة على أساسات فاشلة، ولا يمكن لها أن تقيم بنياناً يستند ويقوم على أسس فاشلة وهشة ضعيفة.

إن الجماهير العراقية بكل أطيافها اليوم تريد التغير ... نعم التغير وليس الإصلاح، فالإصلاح فقرة لها مغزى سياسي، والجماهير لم تعد تثق بالسياسيين على مسرح السياسة، لفئة لم تعد تصلح لشيئ بعد كل الذي حصل.

 إن هذا النظام الذي أنتجه الاحتلال بكل فحواه ومحتواه لا يورث، (والنتيجة خير دليل)،  سوى الإرهاب والفساد وتدمير البلاد.

 الحكومة الحالية، وبصرف النظر عن نوايا رئيسها، فالنوايا لا تنفع بشئ في يوم كهذا. والحكومة هي استحقاق يعرف الجميع كيف تم التوافق عليه، لم تصل حكومة إلى الحكم طيلة ثلاثة عشر عاماً بصورة شرعية، وإنما كانت توافقاً بين القوى الأجنبية المهيمنة على المقدرات العراقية.

 من هنا فان المطالبة بالتغير ولابد أن يكون التغير شاملا لكي يرتقي العراق فوق محنته وبمنهج واضح ودقيق ونبدأ عملية إقلاع في بناء عراق ديمقراطي حديث، لابد له أن ينطوي في أساسه على استبعاد الإرادة الأجنبية في تقرير شؤون العراق..

 تاريخ الحركة الوطنية العراقية عريق يمتد لقرابة القرن، والحركات الوطنية العراقية تضم حركات وأحزاب وقوى وطنية وقومية واجتماعية / اشتراكية لا تفرق بين عراقي وآخر، واليوم نناشد جميع هذه القوى أن تتجاوز التجارب السلبية السابقة، وتتجه معاً صوب بناء عراق جديد ديمقراطي .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الأمين العام للمجلس السياسي العام لثوار العراق.

المقال جزء من مقابلة تلفازية يوم 29/ آذار / 2016

 

 

الخيارات الصعبة في سوريا


د. ضرغام الدباغ

 


شائع في الحياة السياسية المحلية أو الدولية، أن يجد القادة (أو القيادات) أنفسهم أحياناً في موقف يستحق اتخاذ قرار سريع وحاسم، فالتردد يكون في بعض الحالات هو في الواقع بمثابة عدم اتخاذ قرار، لأن المرحلة تكون قد تجاوزته، فيكون كالطبيب الذي يصف الأسبرين لمن هو مصاب بداء وبيل، فالتشخيص الدقيق، والوصفة العلاجية الصحيحة هي ما ينقذ الموقف.

وليس نادراً أن يتحتم على القادة اتخاذ قرارات صعبة، وهنا تنطبق الحكمة العربية : " العبرة ليست في الأختيار بين الخير والشر، بل في أختيار أهون الشرين " وقد قيل أيضاً " مرغم أخاك لا بطل "، فقد يترتب على القائد اتخاذ قرار لا يرغبه، ولكنه الممكن الوحيد، أو الأفضل، أو الأوفر، الذي يختصر أو يتجنب موقفاً أكثر تعقيداً وينطوي على خسائر أكبر، فالقبول بخسارة جزئية في هذا الموقف هو ذكاء وجرأة وشجاعة، هو في الواقع تجنب لخسارة كبيرة وربما كارثة تطل بأبعادها من بعيد.  

رغم أن بعض علماء السـياسـة في الشـرق (من عرب وغيرهم) أطلقوا قاعدة ذهبية هي قديمة في السـياسـة مفادها  " خالف هواك " أي تجنب أتخاذ قرارات بدافع الهوى، وليس العقل، إلا أن السياسي الشرقي، غالباً ما يفكر ويعمل وفق هواه لا وفق المعادلات المطروحة على أرض الواقع، وهناك عدد لا حصر له من القرارات المؤسسة على أحكام العاطفة والرغبة.

لكن ترى ما لذي دفع القيادة الروسية والرئيس بوتين إلى اتخاذ قراره الكبير، وإنتهاء تدخل واسع النطاق بدأ يوم 30 / أيلول ـ سبتمبر / 2015)، وانتهى بالانسحاب من سوريا (15 / آذار ـ مارس ـ / 2016)...؟

كان هذا السؤال مثار جدال ونقاش يدور في التعليقات السياسة  ويذهب الناس في ذلك مذاهب شتى، وربما في محصلة الأسباب جميعها تكمن الحقيقة.

وابتداء من غير المعقول أن يكون التصريح الفج الذي أدلى به وزير خارجية النظام أن مسألة انتقال في السلطة خط أحمر، وهو تصريح يثير الغضب حقاً، وكأن مؤتمر جنيف يدور برعاية أسدية كريمة، ولا يريد أن يدرك أنه مدعو إلى المؤتمر شأنه شأن أي فصيل آخر، أو في تصريح مندوبه الدائم في الأمم المتحدة قوله : أن بحثا انتقال السلطة من الأمور السيادية، وهو تصريح مثير للسخرية لم يعلق عليه أحد لضحالته، وهل بقي شيئ من سيادة الدولة. والغريب أن هذان دبلوماسيان، يفترض أن يزنان حديثهما وأحدهم هو عميد الدبلوماسية في بلده، ولكنه فيما يبدو مرغم على قول الكلام الفج، لأنه محشور في زاوية لا يمتلك غيرها، والتسليم بها يعني شروع في البحث عن بلد يلتجأ إليه.

قرأنا أن الرئيس بوتين قد غضب فعلا لتصريح وزير الخارجية السوري، ولكننا نرجح مع ذلك أن الأنسحاب لم يكن بسبب هذا التصريح، بل من المؤكد أن روسيا كدولة عظمى، لها باع طويل وعريق في السياسة الدولية قد أدركت بشكل واقعي أن الأنسحاب هو الممكن الوحيد والأكرم رغم أنه قد ينطوي على خسائر تكتيكية، ولكن مقابل ربح ما تبقى من جولات السجال الاستراتيجي في الشرق الأوسط، ومن ذلك ربما الحفاظ على القاعدة أو القاعدتين التي حصل عليهما في سوريا.

وفي تحليل مادي نتوصل إلى النتائج الابتدائية التالية :

1-     تبرز حقيقة واضحة للعيان، أن الثورة السورية العظمى، قد أنهت الجيش الحكومي الطائفي، وأجهزة الأمن، وشبيحته، ميليشياته،كبير جداً يفوق في مغزاه السياسي معناه العسكري، إلى عدالة الثورة والألتفاف الشعبي العارم حولها.
2-     أن تدخل إيران وخلاياها وميليشيتها وجيوشها، لم تتمكن كلها من أن تفعل شيئاً حاسماً، ومغزى التدخل الروسي يشير بجلاء أن النظام وحلفاؤه عجزوا أمام الثورة.
3-    التدخل الروسي في الوقت الذي يعني فيه عجز إيران ومرتزقتها (حزب الله اللبناني، الميليشيات العراقية، الميلشيات الأفغانية، ميليشيات يمنية، بحرينية ..الخ ) قاد إلى إضعاف الموقف السياسي الإيراني.
4-     نفذ الطيران الروسي 9000 طلعة قتالية حتى يوم أنسحابهم الرسمي، وربما أنه بما تبقى له من وجود عسكري قتالي سيحاول بطريقة وأخرى أن يتدخل في اللحظات الحرجة، ولكن من أجل الإبقاء على النفوذ السياسي والبقاء في الملعب السوري وذلك أهم بكثير من مصير نظام الأسد. والروس الذين يعانون من مشاكل اقتصادية بسبب العقوبات على خلفية المواقف في القرم وأوكرانيا، وانخفاض أسعار النفط. جاءت تكاليف الحملة لتضع على كاهلهم ما يصعب أحتماله. فالحملة (50 طائرة حربية، 1600 عسكري، قطع من الدروع، قطع بحرية غير محددة)، أطلقت 26 صاروخ جوال(كروز) سعر الصاروخ (1,200 ــ 1,500 مليون دولار)، الحملة كانت تكلف بالإجمالي حوالي 4 مليون دولار يومياً، لمدة خمسة شهور. هذا عدا خسائرها بالارواح والمعدات.
5-  نعم ساعد التدخل الروسي بشكل فعال بتأخير مصير الأسد، أو تأجيله، كان على وشك النهاية فأنقذوه مؤقتاً، ولكنهم لم ينقذوه من مأزقه كحصيلة. بل فعلوا ما يمكن فعله لمصلحتهم، مع أن فالروس يدركون أكثر من غيرهم، أن بقاء الأسد في السلطة أشبه بالمستحيل، بعد أن قتل وشرد أكثر من نصف شعبه، ثم يبقى بعد ذلك ليفعل ماذا ..؟ فقد ولت بعيداً زمن المبادرات المفيدة، والروس يدركون أيضاً أنهم قد يخسرون ود وصداقة طويلة وعريقة مع البلاد العربية وربما الإسلامية. كما أن الروس أراحوا ضميرهم فقد حاولوا كثيراً أن ينصحوا الأسد تفادى ارتكاب الكثير من الأخطاء التي لم يكن لها مبرر، أرتكبها بسذاجة وقلة تبصر نادرة، منساقاً وراء أوهام أن يظهر بثياب أبوه ويلعب السياسة بالسلاح. والروس وبمستويات مختلفة نوهوا بإشارات عديدة إلى هذا الأمر. فما هو المغزى الحقيقي للأنسحاب ..؟

ولكن الروس يدركون وفق قاعدة التسليم بالأمر الواقع، إنقاذ ما يمكن إنقاذه (Save waht can be Saved) الكف عن المراهنة على الجواد الخاسر، فالروس يعتقدون أنهم بقدر تفهمهم لظروف الشرق الأوسط ومتحولاته، سيتحدد دورهم المستقبلي في المنطقة، ومن خلال سياسة إبداء التفهم، يمكن ترميم ما لحق بمكانتهم من عطب خلال حقبة الثورة السورية. ثم أن الأنسحاب سيطرح الروس طرفاً فاعلاً في المناقشات الدائرة، وربما بدرجة ما رسم خطوط المستقبل في سوريا.

في السياسة ليس هناك عيب وخجل، بل هناك كل طرف يعرض قدراته ومعطياته بصورة واضحة، ولا يستطيع أحد أن يلعب دور الشهيد المجاني، فالروس / السوفيت انسحبوا من أفغانستان حينما تبين لهم أنه لا يمكن البقاء ولو ليوم إضافي، فتركوا رفيقهم ورجلهم وحليفهم الرئيس نجيب الله تعبث به أقداره، بل لم يقبلوا حتى لجوءه لسفارتهم في كابل، فلجأ إلى مكتب الأمم المتحدة، الذي لم ينقذه من مصيره المحتوم، والأسد ليس بأغلى من نجيب الله كقيمة في التحالف.

وفي السياسة ليس هناك أخلاق، فهذه مفاهيم توارت منذ أكثر من خمسة قرون خلت، عندما ألغى ميكافيلي هذه المفاهيم حين قال " لا يمكن المحافظة على الدول بالكلام " وإذا تمكنت روسيا من الحفاظ على مصالحها، فلماذا لا تفعل ...! هناك مثل باللغة الألمانية : (Jeder muß auf sein ausgansposition achten)  أي : ينبغي على كل أمرؤ أن يتبين نقطة انطلاقه (مصالحه) : (Everyone must be aware of his starting Position) . إذن كان على الأسد أن يفكر ولو لبرهة بحلول سياسية، وأن يطرح بدائل للقوة الدموية.

الشعب الروسي هلل لقرار رئيسه، وأستقبل القوات العائدة في القواعد الجوية، أضف إلى ذلك توفير التكاليف المالية للحملة الروسية في ظرف اقتصادي تعاني منه روسيا بانخفاض أسعار النفط، وبفعل العقوبات الغربية والتداعيات السياسية لأزمات القرم وأوكرانيا، وإرضاء لقطاعات شعبية في روسيا (وبعضها معارض للتدخل في سوريا)،  ترى أليس من العبث أن يموت روس ليبقى بشار الأسد في السلطة أربعين عاماً أخرى ... والأفضل  فليواجه كل مصيره الذي يرسمه بيده وليدفع تكاليف طموحه، غباؤه، بطولته، من جيبه ... وليس من جيب بوتين ...!

سياسي ألماني يرجح أن بوتين أجرى حسابات كثيرة قبل أن يقدم على قراره الكبير، ومن تلك تجنب مواجهات غير مستحسنة، وأنهى تدخله في ساحة أصبحت تعج بالمتدخلين حتى بصورة مباشرة، تركيا والسعودية، وسائر بلدان الحلف الإسلامي، وبالأمس تناقلت الأنباء وجود صواريخ تعقب حرارية مضادة للطائرات لدى الثوار في سوريا، وأسلحة استراتيجية، لا أحد يعرف كيف تسللت إلى هناك ..! فالمواجهات إن نشبت فستكون مكلفة وباهضة الثمن سياسياً وعسكرياً ومالياً.

من المؤكد أن محادثات الروس مع الأمريكان حول الموقف في سوريا، قد تضمنت جرد شامل ومراجعة لكافة بؤر التوتر، وساحات المواجهة المحتملة : جورجيا، القرم، أوكرانيا، وبشار ليس سوى لقمة صغيرة في مائدة عامرة. ومن بين ما يمكن الأمريكان تقديمه في المقايضات، هو قدرتها على التأثير على أصدقائها وحلفاءها العلني منهم أو الكامن ....! وكذلك يفعل الروس، وإن كان حجم تأثيرهم ومدى إشعاعهم أقصر من نظيرتها الأمريكية، ولكنهم (الروس) كانوا السنة الأخيرة على الأقل يمثلون خط الدفاع الأول للنظام أو ما تبقى منه في سوريا. وأن انسحابهم سيكون له تداعياته غير البسيطة في الموقف العسكري والسياسي. وفي مقدمة تلك التداعيات أيضاً، تحولات (سلبية) ستطرأ على مواقف إيران وأذنابها، وبعض من أطراف تحابي نظام الأسد مجاملة للروس، أو وفق نظرية عدو صديقي عدوي.

بين ألمانيا وفرنسا ما صنع الحداد وذكريات مريرة  وحروب ..! ومع ذلك فإن أديناور وديغول (كان أسيراً عند الألمان في الحرب العالمية الأولى) وكلاهما قائدان تاريخيان لبلدهما، استطاعا بعبقرية أن يتلمسان أهمية عقد شراكة استراتيجية / أوربية، تحكم البلدين منذ أوائل الخمسينات تتواصل حتى الآن كعلامة فارقة في السياسة الأوربية / العالمية.

السياسي / القائد، إذ كان بمستوى وحجم تاريخي، يتصرف على أساس ليس هناك أثمن من البلد، وأعز من الشعب، ولكن مالعمل إذا يعتقد سياسي ما، أن البلد عبارة عن مزرعة أبقار يحلب منها هو وأبن عمه وأبن خالته، وعساكر مرتزقة يهتفون " الأسد أو نخرب البلد  " ...! 

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

نعم ... بهذه السفاهة وقلة التبصر تم تخريب بلد جميل أسمه سورية .... ليتحول المثل السياسي المعروف : " ليس بالإمكان أحسن مما كان " ، إلى العكس منه تماماً : " ليس بالإمكان أسوء مما صار " ....


حكومة تكنوقراط،

وما زلنا في مرحلة التجارب

د. ضرغام الدباغ

 


ردا على سؤال من مدير الندوة، عن حكومة تكنوقراط يعد بها السيد العبادي بأنها ستصلح ذات الحال في العراق.

لنتحدث اليوم بلغة الاقتصاد والعلم بعيداً عن السياسة .... فبعد نيف وثلاثة عشر عاماً وما زلنا والعراق ما زال في مرحلة التجارب، وأغلب الظن أن مشروع حكومة التكنوقراط إن شاهد النور، لكن المشكوك به في ظل المعوقات الحالية التي لا تحصى أن يجد سكة الإقلاع، وسينتهي به الحال كما انتهت الحكومات السابقة التي توالت على الحكم بعد الاحتلال.

على ماذا نؤسس تقديرنا هذا ..؟

حكومة التكنوقراط لها مهمة رئيسية وهي المباشرة بالإقلاع في عملية التنمية، ويعرف كل متخصص في الاقتصاد أن هناك فرعاً من فروع الاقتصاد يسمى اقتصاد التخلف أو اقتصاد التنمية (Development Economics) ودراسة أولية لهذا الفرع، ندرك أن شروط التنمية معقدة وصعبة، وهي سلسلة متكاملة من الحلقات، لابد من توفير شروطها، أو على الأقل الابتدائية منها للبدء بعملية الإقلاع. وعدم توفرها يعني أن النية متوفرة ولكن لا شيئ غير ذلك، وأي اقتصادي يعلم اليوم أن شروط التنمية متعثرة جداً في العراق، بل هناك نقص فاضح في العناصر الرئيسية فيها، وفي مقدمة تلك هي تخصيصات مالية للاستثمار والتنمية، في حين أن الخزينة العراقية تشكو من إفلاس أو شبح إفلاس، والبنى الارتكازية (Infrastruktur) تعاني من الخراب بشكل شبه كامل، إذ ما زال إنتاج الطاقة الكهربائية (وهو شرط جوهري من شروط قيام صناعة)، في أدنى مستوياته وهو علة العلل في العراق، والعراق من البلدان النادرة التي لا تتوفر على خدمات هاتفية وبريدية مقبولة، وشبكة المواصلات بجميع أصعدتها(البرية والبحرية، والنهرية، والجوية) بحاجة ماسة إلى الإعمار، هذا ناهيك عن الشرط الرئيسي المتمثل بزج القوى العاملة إلى ميادين الإنتاج، وهذه القوى هي اليوم معبئة في ميادين القتال(جيش وشرطة، وميليشيات) أقحمت في الصراعات الداخلية المسلحة، وبأعداد لا تبقي شيئاً للعملية الإصلاح والإعمار، ناهيك عن التصدي للعملية التنموية حتى بإدنى درجاتها الأبتدائية.

ثم هناك شرطاً أساسيا آخر يجمع علماء الاقتصاد أن الفساد السياسي والمالي (Corruption) يعتبر المخرب الأول لأي عملية اقتصادية، وفي دول لا تعاني أساساً ما يعانيه العراق، يعطل الفساد عملية التنمية تقريباً (لا سيما في بلدان أميركا اللاتينية وأفريقيا)، وهذه الدول لا يبلغ فيها الفساد قدر ما هو حاصل في العراق الذي يقبع في المرتبة الأخيرة عالميا، العراق في المرتبة الأخيرة لجهة الافتقار إلى الأمن، وأسوء مدينة لجهة الخدمات الصحية والتعليمية، وخدمات البناء الارتكازي، المرتبة الأولى فقط في حجم الفساد وانعدام النزاهة والشفافية، الفساد المالي والسياسي، فكيف والحالة هذه أن يتمكن بلد ما أن ينجو من قاع متخلف، ويزيح مشكلات قد عشعشت وترسخت فيه لدرجة يصعب التصرف حيالها، وقادة حكوميون يصرحون جهاراً نهاراً أن الفساد وسرقة الدولة والمال العام قد بلغ مستواً يستحيل معه التصدي له ....... وقبل أيام فقط باعت الدولة عقارات حكومية بأسعار هي أشبه بهدايا وبقشيش ..... فما لعمل ....؟

بتقديرنا أن خراباً وتدهوراً بهذه الدرجة من الشمولية هو خارج إمكانيات الإصلاح التقليدية، بإجراءات حكومية اعتيادية، فالأمر ببساطة بحاجة إلى برنامج نهوض شامل، وإلى قوة وطنية قانونية / دستورية قادرة على اقتلاع عناصر الفساد في البلاد، الأمر بحاجة إلى منظومة إجراءات، إلى حزمة قوانين، بحاجة إلى عملية سياسية جبهوية واسعة النطاق تضم أوسع فئات وشرائح الشعب العراقي، بحاجة أجهزة عراقية قادرة على تنفيذ قرارات سلطة مركزية قوية ومحترمة، لابد لها أن تتمتع بدرجة كبيرة من المصداقية والنزاهة، لابد من إتحاد القوى السياسية العراقية الوطنية في عملية سياسية واسعة النطاق، تستعيد سيادة العراق، وتستبعد أدوات وقوى الهيمنة الخارجية، حكومة قادرة على معالجة الخلل والوهن من جذوره، ومن خلال تشخيص دقيق ومن ثم إجراء عملية ضمن إجراءات عامة تشمل المجتمع، تستند إلى قوى العراقيين المعبئة خلف برنامج وطني شامل.

وإصلاح له طابع دعائي إعلاني، يبتعد عن التوغل عميقاً في ظواهر وكوامن الأزمة سوف لن يكتب له أي حظ من النجاح، بل سترتد وبالاً فليس ما ينتظر في هذه الحالة سوى المزيد من الغطس في معوقات النهوض، وإمعان في مآسي الشعب العراقي الناجمة عن الاحتلال ولواحقه، وفقدان الأمل في تصحيح الأمور من خلال عملية سياسية تقليدية.

النوايا الحسنة لوحدها لا تفعل شيئاً ..... 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
•   
الأمين العام للمجلس السياسي العام لثوار العراق
•   
المقال جزء من مقابلة تلفازية مع إحدى القنوات التلفازية بتاريخ 16/ آذار / 2016

 

 

العراق في الزمن الصعب

 

 

د. ضرغام الدباغ

 

حال العراق اليوم يقارب مصطلح في فقه القانون الدولي (No Man,s Land) أرض لا أحد، فكل القوى، والدول العظمى والصغرى تمتلك في العراق شيئاً، أرضاً، جيشاً، ميليشيا، من يمثل مصالحها، نفوذاً وسطوة، إلا الشعب العراقي، فلا يملك من أمره شيئاً، وتحاول المخابرات الأجنبية أن تحفر وتنحت في مخيلة الشعب ثقافة مشوهة لم يعرفها الشعب العراقي يوماً، تخالف المنطق والتاريخ القريب والبعيد مفادها : أنتم لستم شعباً واحداً، بل أنتم عرب سنة وعرب شيعة وأكراد لا سنة ولا شيعة، وليفهم من يفهم، وليبلط البحر من يعجز عن الفهم ...

 

مثل هذا الوضع يشجع كل من له مصلحة في العراق وما أكثرهم، أن يتفلسف، وأن يرى وأن يرتأي، وينكر ويقر ويقرر، وكل هذه الحفلة تدور تحت شعار تحقيق الديمقراطية ... متى وكيف وأين  ... فهذا ما لا يعلمه أحد، وهذه حقيقة، في العراق لا توجد سلطة تمثل مصلحة الشعب العراقي، وآية الشرعية لأي نظام في الحكم بموجب الشريعة والقوانين الوضعية هي أن تكون قادرة عن الدفاع عن مصالح البلاد، وإذا عجزت فهناك كلمة في الفقه القانوني يعبر عنها باللغة الألمانية (Regierung unfähig) وبالإنكليزية (Goverment Incapable)، أي العجز عن الحكم، عجز بلغ أن الحكومة عازمة على بيع أملاك الدولة من العقارات، وهو أمر لم تقدم عليه أي إدارة لا في القريب ولا في التاريخ البعيد، دولة ينخر فيها الفساد طولاً وعرضاً ويعترف قادتها بكل صراحة أن لا وجود لوسيلة لكبح جماح الفساد، أموال البلاد تسرق جهاراً نهاراً، قوى أجنبية تعبث كما تشاء في طول البلاد وعرضها، وغير هذا كثير جداً مما يطول تعداده وشرحه، إلى ماذا يقود مثل هذا الوضع المتهرئ ...! هل من المعقول يقود هذا الوضع إلى تنمية ..! أم يقود ترى إلى وحدة وطنية ..! الحكومة في أحسن حالاتها تمنى النفس بالقضاء بالقوة المسلحة والتدمير، ترى أي غد مشرق يمكن أن يبزغ من هذا الخراب والفساد ..؟

 

القيادات الكردية حسبت حساباتها، أن هذا اليوم هو أفضل يوم للحصول على مكتسبات، وعلى أكثر ما يمكن من منها، ولكن هناك أسئلة تلوح في الأفق القريب وليس البعيد، أن كياناً سياسياً كردياً سيكون له أرتداداته في المنطقة، وسيخلق ردود أفعال غير سهلة، هذا بالإضافة خطأ المراهنة على الأوضاع الحالية في العراق، ولو كنت في مجال الناصح للقيادة الكردية، ولنا الكثير من الأصدقاء بينهم، ونحترم طموحهم القومي، ولكننا ننصح بعدم المبالغة، وعدم التصرف بما يثير الضغائن حالياً أو مستقبلاً، وحساب دقيق لردود الأفعال، وعدم الأعتماد على تطمينات أجنبية قائمة أساساً على أطماع، يمكن أن تتغير بتغير أتجاه هبوب الرياح ..! ولم نقل العواصف، وأن لا يضعوا مصالح شعبهم في بورصة السياسة، والمصالح المتغيرة، وأن يحافظوا على الصلات الوثيقة والودية مع الشعب العراقي، وليكن هذا هدفاً أستراتيجياً لا تراجع عنه، فستكون له أبعاد كبيرة وحاسمة في المستقبل.

 

لا يكفي أن تكون لديك قضية عادلة، بل الأهم من ذلك، أن تسلك أساليب صحيحة في الوصول إلى الأهداف، وأن لا يكون هدفك يكتنفه الضباب، والغيوم، وتناقضات حالية، وصراعات محتملة، فذلك يحيل أي نصر إلى شبكة معقدة متداخلة من المشكلات، وهناك دائماً قوى تدفع بهذا الاتجاه، تلعب دور واضعي العصي في طريق السلام والتنمية والأمل والتفاهم. السياسي يبتعد عن أحكام الهوى اللذيذة الجميلة، وبذهب إلى الأحكام البعيدة النظر والحكيمة. قال أحد حكماء السياسة: إذا أشتبه عليك أمران ولم تدر في أيهما الصواب، فأنظر أقربهما إلى هواك فأجتنبه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأمين العام للمجلس السياسي العام لثوار العراق

المقال جزء من مقابلة تلفازية بتاريخ 3 / شباط / 2016

 

 

 

جوهر الحملات المعادية للأجانب

 

د. ضرغام الدباغ *

 

 

تتفق الشرائع السماوية، والوضعية على قاعدة أن الإنسان أخ للإنسان، وتدل الحقائق التاريخية إن محاولات التفرقة العنصرية والتحريض الديني الطائفي كانت في جوهرها عبر التاريخ وما زالت، غير مؤسسة على قواعد علمية،  بل هي تنطوي على طابع عدواني لسياسة تهدف في جوهرها إلى التوسع، وإزاحة الغير، يضاف لها اليوم محاولات إلغاء مكوناته الأساسية التي تشكل هويته المميزة والحلول محله، وهي سياسة تنطوي على أيديولوجية يمينية ورجعية، تحصر مفهوم المواطنة، والحريات الاجتماعية والثقافية والسياسية وبالتالي الاقتصادية بأضيق حلقة اجتماعية / سياسية ممكنة، لتقترب كثيراً من الفاشية فكراً وممارسة، وإن تعددت الأٌقنعة والأساليب، إلا أن الجوهر هو واحد، فالفاشية تنطوي على قمع واسع النطاق في الداخل، وتوسع لا يعرف الحدود في الخارج.

وبالضبط مع أولى أعاصير العولمة (Globalisation) انطلقت إشارات وإيماءات فاشية العصر الجديدة حيث جدت ترجمتها الأولى من خلال الكتابات التي تقدم بها وصاغها فرنسيس فوكوياما، (Francis Fukuyama) وصاموئيل هنتكتن (Samuel Huntington) اللذان حاولا أن يصيغا نظرية جديدة تلائم عصر الإمبريالية في أعلى مراحل ودرجات تقدم رأسمالية الدولة الاحتكارية، يبشران بنظرية رجعية هي " صدام الحضارات / نهاية التاريخ "، نظرية تمنح القوى المالية الحق بالتوسع دون حدود، وتضع الجميع تحت سطوتها وهيمنتها الاقتصادية / السياسية بصيغة الإلحاق كجرم تابع لا تحالف بين أطراف متكافئة، وبالتالي صياغة ثقافة موحدة للعالم يمجد القوة الاقتصادية، تتلاشى أمامه كل فكرة أو نظرية أو سلوك جمعي آخر، مهما كانت نبيلة.

وعلى هذا الأساس الأيدلوجي العدواني التوسعي، تأسست في البلدان الصناعية المتقدمة جهات لا تألو جهداً في تصعيد لوتيرة رفض التعدد الثقافي، بما في ذلك المظاهر العامة البسيطة المتعلقة باللباس والطعام، وهي في ذلك محكومة بتوجهات سياسية تهدف إلى كسب المعارك الانتخابية، واقتصادية معادية للأيدي العاملة الأجنبية، وهي التي كانت قد رحبت بها في عقود ماضية، فالمعجزة الاقتصادية التي تحققت في أعقاب الحرب العالمية الثانية لم تكن إلا ثمرة للتنوع الثقافي والديني في أوروبا الغربية ونتاج لأنماط الهجرة المختلفة التي أعقبت الحروب، حملت معها خبرات وتنوع معرفي وثقافي وقوة عاملة سكبت كل قوتها وعطائها من أجل إزالة آثار الحربين العالمتين الأولى والثانية، ولم تكن نتيجة لعبقرية الثقافات النخبوية.

وهذه السياسة التي تمارس اليوم في غير بلد من بلدان أوربا، تحمل أجنة تيارات وملامح فاشية جديدة، تستخدم شتى صنوف التحريض واستنهاض وتأجيج المشاعر حتى المبتذلة منها: الطائفية والعرقية وكل ما يمكن استخدامه منها لتغذية الاستقطاب السياسي. تستغلها التيارات العنصرية، لمهاجمة النخب السياسية والأنظمة في أوربا الحالية، تدفعها لاتخاذ مواقف متصلبة حيال الأجانب، وإشاعة رأي عام لإلغاء التعددية الثقافية، وهنا يكمن خطر بروز التوجهات الفاشية وبالتالي تتألف حزمة من الآراء السياسية التي تقمع الآخرين بشتى الحجج، في قراءة خاطئة للتطور التاريخي للمجتمعات. بيد أن هذه التوجهات الخطيرة التي تلحق الأضرار الفادحة ليس بالمواطنين المسلمين، بل وحتى المنحدرين من أعراق أخرى، في نهاية المطاف سيتشكل تيار شعبوي عارم صاخب، وربما غوغائي لا يختلف جوهرياً كثيراً عن تلك التيارات الفاشية التي تصاعدت في أوربا في الثلاثينات وقادت في تفاعلاتها اللاحقة  إلى الحرب العالمية الثانية.

هذه السياسة التي تسايرها اليوم بعض التيارات اليمينية في المجتمعات الأوربية، أو تتردد في مناهضتها رغم معرفتها الأكيدة بمستقبلها الأسود، وستصدم بها في مراحل لاحقة، فالفاشية حركة لا تعرف سياسة السلم الاجتماعي وأستطراداً لا تؤمن بالتحالفات السياسية والأيديولوجية، وبالتالي سيجد الجميع أنفسهم عاجلاً أم آجلاً في مواجهة إعصار تسونامي فاشي تبدو ملامحه منذ الآن في العديد من الأقطار الأوربية.

وستلحق هذه السياسة العنصرية أضرار لا يتبينها قصار النظر اليوم، إذ ستؤدي إلى قيام أحياء أشبة بالمنعزلات، وبالتالي إلى المزيد من التمسك بالتقاليد والعادات، وإلى تدهور وإلغاء جزئي أو تام للمبادئ الليبرالية المتسامحة المنفتحة، ويشيع التوتر مقابل تدهور للاستقرار ولسمات المجتمع المتحضر الذي يدعو البشر إلى التعارف والتبادل المعرفي والثقافي.

الثقافة العربية / الإسلامية لم تكن يوماً معادية للتقدم، ولم تكن عقبة أما التقدم الحضاري في أوربا، بل بالعكس، ويعترف كل ذي بصيرة، أن العرب ساعدوا الأوربيين في كافة العلوم من الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء، والفلسفة، بل وساعدوهم من خلال أبن رشد على فهم أرسطو وأفلاطون، وتشهد على ذلك جامعة بادوفا في إيطاليا التي كانت منارة للعلم والتقدم بوجه ظلاميوا الكنيسة، التي كانت تحرق العلماء.

فالثقافة لا تتناقض مع ثقافة أخرى وبالا حرى لا تصطدم معها بسبب هذا الطعام أو ذاك، أو هذا اللباس أو ذاك، فهذه معطيات يقررها الجو العام، المناخ بالدرجة الأولى، إضافة لشروط صحية واقتصادية متفاوتة، وتتكفل علاقات تبادل سلمي للمعرفة ستؤدي إلى أن تستفيد حضارة من أختها، وهذه العلاقة ستكون تكاملية وليست متناقضة، وهو دور قامت به العلاقة بين حضارة المشرق(وادي الرافدين ووادي النيل) والحضارة الهيلينية، علاقة تلاقح وتكامل، ومارست الأندلس هذا الدور الرائع، والأغالبة في صقلية، وهناك الكثير جداً من شواهد الصلات الثقافية يصعب حصرها نجمت عنها مكتسبات علمية ومعرفية في عالم التجارة والصناعة والزراعة وشتى العلوم.

 

أن إشاعة الذعر، والدعوة للصدام ما هي إلا ذريعة يتسلح بها دعاة التوسع، الهدف منها تأسيس شعارات للإمبريالية المعاصر، لمصادرة ليس ثروات الشعوب فحسب، بل ومكوناتها الثقافية ومكوناتها الاجتماعية. والغريب أن من يتصدون لهذه الدعوات هم في أمم قوية عسكرياً وثرية اقتصادياً، ولكنها مع ذلك تخاف وتخشى الثقافة الأخرى ...!

 

 يقول لوسيوس سينيكا حكيم روما : كل خشونة تنبع عن جذور الضعف .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الأمين العام للمجلس السياسي العام لثوار العراق

 

المقالة جزء من مقابلة تلفازية بتاريخ 23 / تشرين الثاني / 2015

 

 

 

 

من بوسعه مواجهة هذا الإرهاب

 

د. ضرغام الدباغ *

 

هذا سؤال يفتح دون تحفظ جنباته للرياح كما يقول الشاعر الفرنسي سان جون بيرس

 

تعب العالم بما في ذلك مؤسسات العدل الدولية في قضية ومرافعة لا نهاية لها : ما هو الإرهاب ومن هو الإرهابي. ولكن هذه الموضوعة تبقى على أية حال فقرة على رأس جدول الأعمال.

 

بتقديرنا أن الدول العظمى، لا تريد التوصل إلى تحديد دقيق ملزم للإرهاب، ذلك أنها لا تريد أن تلتزم بشيئ وتضع نفسها تحت طائلة القانون، ومن ذلك رفض الولايات المتحدة التوقيع على الاتفاقيات الجنائية الدولية، وهناك الكثير جداً من الجدل يدور حول هذه القضية بالذات في مؤتمرات القانون الدولي، دون التوصل إلى تعريف مفهوم دقيق. فالغرب يريد أن يبقى هو من يحتكر وضع القواعد وهو من يحتكر تفسيرها ثم هو من ينفذ الأحكام والقرارات، فكما يحتكر الاقتصاد، يحتكر السياسة، ويحتكر القرارات.

 

لا يمكن لأحد أن يحسبنا مؤيدين للإرهاب لا في الماضي ولا في الحاضر، فنحن نعمل في مجالات سياسية علمانية، نؤمن بحقوق متساوية للبشر بصرف النظر عن العرق والدين والمعتقد، ولكن ليس كل من يقول الحق متهم ... عشرات من المفكرين والاساتذة في القانون والفلسفة والسياسة والاقتصاد أمثال: أوسكار لانجة، بيير جاليه، توماس سنتش، نعوم شومسكي، بول باران، البيركان، بول سويزي،  وآخرون كثيرون جداً في أوربا وأميركا، ومنهم من أصدر كتاباً في ألمانيا شارك في وضعه العديد من الأساتذة والصحفيين والمفكرين والفنانين بعنوان (Not in our Nahme) يعترفون يدينون الجرائم التي ترتكبها حكوماتهم في بلداننا بذرائع شتى، وحضرت شخصياً مؤتمراً دولياً في كلية الحقوق بروما / إيطاليا، ومؤتمراً مماثلاً في كلية الحقوق جامعة همبولت / برلين حول جرائم الاحتلال في العراق وأفغانستان حضره كبار أساتذة الفلسفة والقانون الأوربيين، الإيطاليون والألمان والأوربيون، أدانوا إدانة صريحة لا لبس فيها جرائم البلدان الغربية التي ترتكبها في بلداننا .

 

حروب التوسع وبسط الهيمنة تجري منذ عقود، قادت لتداعيات متفاوتة حتى عندهم كما في بلداننا، تنعكس بصور وأشكال متفاوتة: ففي بلدان الغرب التي يشارك جنودنا في حملات الغز والحروب، تحدث سنوياً حوادث القتل العشوائي (Running Amok) وغالباً يقوم بها (المتأثرين نفسياً) من المشاركين في الحروب في فيثنام والشرق الأوسط، كما تحدث في أوربا وأميركا تحولات اجتماعية عميقة المدى، تظهر تداعياتها في المعطيات الاجتماعية(انتشار تعاطي المخدرات، تناول الكحول بأفراط، الدعارة، تصاعد الجرائم وغيرها ..)، وتنعكس التطورات السياسية في صناديق الانتخابات بظواهر عديدة أبرزها تقدم لقوى اليمين والفاشية.

 

لسنا ممن يقبل أن تنسف طائرات ويقتل أبرياء، بما في ذلك أيضاً من يشتمون رموزنا ويتعمدون إهانتنا، لا نقبل أن تواجه الإساءة بالإساءة، وقلة الأدب والحياء بمثلها، والشتيمة قلة تهذيب وبدائية بصرف النظر عن ماركة ربطة العنق التي يرتديها، لذلك فنحن نميز بدقة تامة بين النضال الوطني والإرهاب، والثقافة عن الخرافة. ولكن للأسف أن معسكرنا ... أقصد معسكر القوى الوطنية والتقدمية اليوم ضعيف على المدى الحالي لأسباب تاريخية لا علاقة لها بالضبط بالتفوق الصاروخي الأمريكي أو الروسي أو الغربي عامة، فنحن أقوياء بالحق والحجة التاريخية وهذه القيم أسلحتها بعيدة المدى، ولكنها منتصرة حتماً.

 

ولكي ننتقل إلى الجانب الموضوعي من البحث، فلكي تنهي الإرهاب لابد من أن تقتلع أسبابه وبواعثه، ولكي تواجه من يبحث عن الموت، ينبغي أن تمنحه الأمل. الإرهاب بتقديري هو ردة فعل عكسية على عدد لا يحصى من الجرائم ترتكب يومياً، بحجة إجهاض خطر الإرهاب، أو استباق الخطر، فيصنعون بذلك بأنفسهم أسباب الخطر ويوفرون أجواء الإرهاب. يهيمنون على المجتمع الدولي ويرسمون خطوط حدود دول وأمم كما يرونها وكما تناسب مصالحهم، ويفرضون إرادتهم على العالم.

 

من يصرخ ويشكو الإرهاب يمارس الإرهاب بأضعاف مضاعفة، جيوشهم تنتشر في إرجاء العالم قتلاً وتخريباً ونهباً وسلباً، يقتلون بالألوف بل بمئات الألوف، ويملئون الدنيا ضجيجاً لمقتل العشرات ..  قذفوا على العراق في حرب ظالمة ما قدرة 250 قنبلة ذرية وألوف من الصواريخ العابرة للقارات، ولكن من العيب أن تحتج، أو أن تغضب، أو أن ترد على الصاروخ بصفعة. ولكن هناك من يرى الحقيقة كلها، الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري يقول بعد اعتداءات باريس في نوفمبر: نحن السبب في الإرهاب وليس الإسلام، ويقول في مقابلة تلفازية علنية: لماذا عندنا اليوم مشاكل مع الإرهاب، المسلمون ليسوا حمقى، نحن نخوض الحروب في بلدانهم.

 

هذا يعني أن حكماء أوربا بدؤأ يدركون المأزق الذي أدخلتهم فيه الإدارة الأمريكية وما تزال تتخبط فيه. واليوم تحديداً يعيد دومنيك فليبان إلى الأذهان حكمة الموقف الفرنسي  في عدم الموافقة على شن الحرب ضد العراق، حرب ستلد حروباً عديدة، صراع هويات لهيبها يستعر، ولا يوجد من هو بعيد عنها، وحمل في آخر لقاء تلفازي له بعد أحداث باريس السياسة الغربية وحملها مسؤلية خلق بؤر عديدة في أرجاء العالم، وداعس وليد مشوه لرفض السياسة الغربية التي وصفها  بالمتغطرسة والمتقلبة. بدؤا بأفغانستان والصومال ثم العراق ثم ليبيا ثم مالي ثم ... حتى أصبح لديهم 15 يؤرة ملتهبة. ناهيك عن الجرح الأكبر الذي لا يأتون على ذكره فلسطين ..!

 

بالتأكيد لا نقبل بإسقاط طائرة ركاب كائن من يكون ركابها، ومن أي الجنسيات، فهم أبرياء عائدون بفرح من إجازة، ولكن كيف سيكون حكمنا على من يتبجح بأنه أطلق 72 صاروخاً من بحر قزوين على حلب ..! أهو استعراض للقوة الهمجية أم أنه إرهاب حضاري مبهر مودرن حديث أم ماذا ..؟ الرد على الإرهاب هو سياسي / اقتصادي / فكري، ولكن ليس عسكري بأي حال. **

 

هذا الإرهاب هو جنون الموت، الإمبريالية الجديدة ... إمبريالية العولمة، ورأسمالية الدولة المعاصرة هي من قادت إليه وأطلقته، فكما يقول المثل العراقي الحكيم :  هذا الغيم جلب هذا المطر ....

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الأمين العام للمجلس السياسي العام لثوار العراق.

** في اليوم الذي تلا هذه المقابلة أطلقت روسيا رشقة صواريخ جديدة على سوريا عبر أجواء عدة دول

 

مقابلة مع إحدى القنوات التلفزية بتاريخ 20 / تشرين الثاني / 2015

 

 

 

 

 

 

دوام الحال من المحال

 

د. ضرغام الدباغ

 

(موضوع الندوة التلفازية عن الصراع بين العبادي ومجلس النواب)

 

ماذا بوسع الدكتور العبادي أن يفعل ....؟ بل ماذا بوسع حتى غيره أن يفعل في ظل تواصل المبادئ السوداء التي من أجلها شن الحرب على العراق فاعلة متفاعلة، بلد صودر استقلاله وهناؤه ودوره..

 

مع أن القدرة والخبرة تلعب دورها بالطبع في نجاح أي شخص بالمهمة الموكله إليه،  إلا أن الأمر في الحال العراقي  ليس مرهوناً بصفة حاسمة بكفاءة هذا الرجل أو ذاك ..  فالبلاد تغطس في ألعاب تجاذب وتصارع قوى، هي بمجموعها نتاج الاحتلال وإرادة المحتلين، الذين تبلغ تناقضاتهم درجة التناحر، حيناً والتوافق حيناً آخر، تنعكس على القوى المساهمة في العملية السياسية والشعب العراقي من يدفع ثمن هذه المجازفات. التحرش بالفساد يعني بعبارة اخرى التحرش بكامل العملية السياسية، لأنها عملية فاسدة من جذورها.

 

فبالأمس فقط، تطلق الميليشيات الصواريخ علناً على مطار بغداد وحوله، وتعلن مسؤليتها عن العملية، وتتوقف الملاحة الجوية، هذا عدا أعمال قتل وسلب وأختطاف وطلب فدية، وشخصيات تتحدى الحكومة علناً في أجهزة الأعلام وتظاهرات لقوى ديمقراطية تحلم بالاصلاح تعم العراق، وعاصمة تغرق في أفتتاحية موسم الأمطار، واليوتيب، والوتس أب والفايبر تنقل صور  ياللأسف مضحكة مبكية لناس يتنقلون في العاصمة وكأنهم في فينسيا ... هل هذه كلها من مسؤوليات الدكتور العبادي ..؟

 

لست في وارد الدفاع عن الرجل بالطبع، ولكن من الظلم تحميله كل المسؤولية، فهناك أكثر من إثنا عشر عاماً عجاف، لم يبق مسرب إلا وأحكم إغلاقه، ومغلق إلا وفتحه على آخره، لينجم عن كل هذا هذه الفوضى الضاربة أطنابها في البلاد بأسرها، ثم يحملون داعش المسؤولية كلها ..؟

 

داعش التي يقصدون ويحاربون موجودة في كل مكان، وفي المنطقة الخضراء أولاً، في بيوتهم، في أرصدتهم في البنوك، في العمارات الشاهقة التي اشتروها في العواصم، في الفضائع التي يرتكبونها ليل نهار، في الجلسات السرية والعلنية مع قوى أجنبية لا تريد الخير لبلادنا ... داعش في كل زاوية ومكان رمزاً للتعصب والتطرف، وهوس القتل، في بلد يعج بالمليشيات والقوى السوداء، وقوى تمثل الأجنبي جهاراً نهاراً، داعش هي بعض من ملح هذه الأرض ... وبعد .. ماذا نقول ..؟ لا أريد أن أعيد على مسامعكم قصيدة بول أيلوار يبحث فيها عن الحرية فيجدها في كل مكان، ولكنه محروم منها ..! داعش الموت والخراب موجودة في كل مكان، في جيوب المترفين وأرصدة السياسيين الفاسدين وقصور الحكام المتعاونين مع الأجنبي قبل أن توجد في البراري والبوادي  ....

 

السيد العبادي يصلح أن يقال عنه رهين المحبسين، وربما صاروا ثلاثة محابس بعد دخول الروس حلبة الرقص الدموية، وربما محبس اخر خلف الكواليس والله اعلم ... وهو يعلم أن أي خطوة يخطوها ينبغي أن تنال موافقة ثلاث مندوبين ساميين، أو أم يحسب حسابات خواطرهم. أتوقع أن الدكتور العبادي يريد أن يفعل شيئاً، شيئاً يجول في خاطره هو ..  ولكن المشاريع الوطنية النظيفة ليست خواطر، إنما هي برامج عمل، لها أسس ومقومات وشروط، أين منها في الواقع الموضوعي العراقي اليوم المزروع بالفخاخ والألغام ومصائد المغفلين .... والموت المجاني في الطرقات، بكواتم الصوت أم بالراجمات ..!

 

مجلس النواب الذي شعاره العطالة والبطالة، أنتفض فجأة وعارض رئيس الوزراء لأنه تجرأ أو ربما لأنه قلل رواتبهم. أو ربما تلقى أمراً ممن لا يرد له أمر ... اليوم إن غلب علي هذا الأسلوب، فلأن عيناي أمتلأت بالدموع، وضحكت حتى سمع الجيران صوت ضحكي على مشاهد وكليبات عن الفيضان تلقيتها من العراق، والناس من ضجرهم وقرفهم يتحدثون عن كل شيئ، لم يعد أحد يخاف أو يستحي، حتى الموت صار ضرباً من خلاص ونهاية يرحب بها الناس، أو لا يزعلون منها، الفرار من الحياة لأن لم يعد في الحياة شيئ يستحق أن تعاش، كما الفرار إلى خارج الوطن بعد أن صار الوطن لا يطاق، بلد كان من أرقى بلدان الشرق الأوسط أمناً وأماناً وعلاجاً، وتعليماً، الناس فيه صاروا فيه يرددونها وكأنها حكمة  : لو يأكلك الحوت، أو يأكلك الدود.

 

ماذا أصابك يا بلاد الرافدين ...!

 

دوام الحال من المحال، كل هذا سينقضي يوماً، ويجلل بالعار والشنار من وضع يده في هذه القذارة  ..؟

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المقالة جزء من مقابلة تلفازية بتاريخ 2 / تشرين الثاني ـ نوفمبر / 2015

 

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا