الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

د. ضرغام الدباغ استاذ جامعي باحث وكاتب عراقي مقيم في المانيا مؤسس المركز العربي الألماني برلين

  ( من كتاب البلاد)

 

مقالات سابقة

 

الكورونا ... سياسياً

ضرغام الدباغ

 

من المؤكد أن أوربا لم تعش منذ زمن بعيد وضعاً كهذا الذي نعيشه اليوم في ظل جائحة وباء كورونا ، وفيروسه القاتل (كوفيد 1)، منذ عصور الطاعون والسل، الأوبئة، وهي بالنسبة للأوربيين عصور أصبحت غابرة، تحكى كالاساطير، أو في أقرب التشبيهات، كظروف الحرب العالمية الثانية، حين كانت القنابل تتساقط كالمطر، فتبيد مدناً كاملة، وتحدث مجازر جماعية، ومن تلك الهجمات الجوية، كانت مئات من القنابل لا تنفجر(لأسباب مختلفة) وبالتالي كان يتعين على رجال الدفاع المدني التفتيش عنها وإبطال مفعولها وإبعادها عن السكان المدنيين، وهذه الحالات كانت كثيرة جداً، بحيث أن السلطات الألمانية ما تزال تبحث عنها ليومنا هذا حتى بعد مرور 75 عاماً على نهاية الحرب، فما زالت توقع الخسائر أحياناَ والبحث جار عنها(كتبنا قبل سنوات بحثاً مفصلاً عنها).

إذن الأوربيون لا يريدون العودة إلى عهود السيطرة والتفتيش والتدقيق ..ومنع التجول ..الخ، وسياسياً  شهدت ألمانيا وأوربا بتقديري، تراجعاً لليمين المتطرف، والسبب في ذلك هو شعور الناس أنهم جميعاً مستهدفون من عدو أسمه (كوفيد19) فينهض تضامن إنساني يتجاوز المشاعر العنصرية (بالطبع ليس لدى الجميع)، ولكن مؤشرات الرأي العام والاستبيانات تشير عامة إلى تراجع ذروة شعبية أحزاب اليمين. ومن مظاهر الحرب على كورونا، أن كورونا أطلقت فضائح في أوربا وأمريكا ....

ــ فرنسا تسرق 130 ألف كمامة كانت متوجهة إلى بريطانيا
ــ إيطاليا تستولي على باخرة محملة بمعقمات طبية كانت متوجهة إلى تونس .
ــ التشيك تستولي على شحنة أدوية صينية موجهة لإيطاليا .
ــ ألمانيا تستولي شحنة كمامات وهبتها الصين لإيطاليا وشحنة أخرى كانت متجهة الي النمسا .

ــ 6 مليون قناع طبي موجهة لألمانيا تختفي بأحد المطارات بكينيا .
ــ معارك بين الأستراليين على مناديل الحمامات داخل المتاجر
ــ معارك بين الأمريكان على مناديل الحمامات وتخزين للأسلحة
ــ معارك بين الأوروبيين على الطعام والشراب والمخدرات
ــ الحصول على سرير داخل مستشفى أصبح بالواسطة وبالرشوة
ــ ابن يرفض زيارة أبيه في المستشفى بعدما أراد الأب رؤيته قبل موته ، رفض أن يودع والده خوفا من العدوى !

ــ تركيا تمتلك جسماً طبياً يبلغ ضعف الجسم الأوربي مجتمعاً...!

ــ دول أوربية مهمة تعاني عجزاً فاضحاً بالمستشفيات والأجهزة الطبية...

 

من بين دروس الكورونا

أن الناس لم يعد يهمهم خطر الموت.. وهذا غريب، فالناس لا لم تعد تخاف لسببين: الأول أنهم  يواجهون الموت يومياً، مثل بلداننا بلا حسد، الثاني أن الناس في أوربا يعيشون درجة من الرفاهية والتحرر يستحيل قبولهم العودة إلى عصر منع التجول، وإيقافهم في الشوارع وس جيم من البوليس أو رجال كونترول الصحة ..!

ميل الناس إلى عادة تركوها في أوربا، فأصبحت تختص بالشرق فقط، وهو تخزين المواد الغذائية والضرورات من الحاجات.

البلدان الرأسمالية في أوربا كشفت عن مستوى منخفض جداً من القدرة على مواجهة الكوارث. الصين تمكنت من بناء مستشفيات عملاقة خلال أيام، وكذلك تركيا، وهو ما يفسر شبه انهيار الخدمات الطبية في إيطاليا وبريطانيا وفرنسا واسبانيا.

حين قدم بلد مثل كوبا مساعدات طبية مهمة إلى إيطاليا التي يحكمها حزب يمني، المساعدة لم تكن للحزب اليميني، بل للشعب الإيطالي الذي له إسهاماته الرائعة في الحضارة العالمية، الشعب الإيطالي قدر المساعدة غاية التقدير وكان لها أثرها العميق في مشاعر الناس.

أثبت الوباء أن أي حرب بايولوجية ستكون كوارثها فوق قدرات تحمل أي بلد في العالم، وتجربة كورونا كشفت أن الصرح الحضاري العالمي سيصاب بانهيار كبير إذا ما فكرت أي قوة في العالم استخدام أسلحة الدمار الشامل، وأن مشكلات الكوكب الأرضي لا تحلها سوى تكثيف العمل الدولي وعلاقات اقتصادية/ سياسية عادلة لحل مشكلات الانفجار السكاني، وأن أفكار التحريض على الصراع وإزاحة الآخر هي أفكار جنونية وستقضي على البشرية بكل تأكيد إذا ما فسح لها المجال للتحقيق.

هناك فكرة عامة، حتى لدى أكثر المراقبين حيادية، أن الوباء وانتشاره يثير قلقاً، وأن هناك فقرة مجهولة، تتردد القوى العالمية الإفصاح عنها، هناك تبادل اتهامات خفية وعلنية.

هناك كلام كثير عن كورونا، وأخبار تمتنع حكومات الدول عن الحديث بها، لأنها ستمس الأمن القومي لدول عظمى. ومن بيم من تحدث بهذا الاتجاه هو وزير الصحة الفرنسي.

يتردد بقوة، أن العلاج الفعال من وباء كورونا قد تم التوصل له، كما توصل العلماء إلى صنع المصل المضاد.  ولكن الشركات المصنعة للدواء ، بريطانية وألمانية، وفرنسية، وربما أمريكية، تتفاوض بشأن التفاهم على حجم إنتاجه وسعره، وقطاعات تسويقه، والأولويات في التوزيع وحقوق الإنتاج .... وهذا ليس بمستبعد، لأن القضية ستدور في النهاية على مليارات.

في الوقت الذي تسعى قوى اليمين في العالم إلى التصعيد، والتوتير في العلاقات الدولية، أثبتت تجربة جانحة كورونا، أن ما تحتاجه البشرية حقاً وفعلاً هو المزيد من التهاون بين شتى أنظمة العالم.

 الكورونا أخيراً، هو صفحة من صفحات الكوكب الأرضي الذي بات مزدحماً بسكانه، وسيقود إلى ضيق المكان، وشحة في الموارد، ونقص في الأخلاق (هي أساساً شبه مفقودة ..!) ..

على الشعوب التقيد بالحذر، والحرص على موجودها، وتوفير مستلزمات يوم الضيق، والتفكير على نحو استراتيجي في بحث مفردات الأمن القومي.

 

السياسة الأمريكية

 بين شخص الرئيس والنظام

 

ضرغام الدباغ

 

شاهدنا وسمعنا وقرأنا، والعالم بأسره، بدهشة، واستغراب، حتى لمن يعتبر نفسه مراقباً ومتتبعاً ومختصاً في الشؤون الأمريكية تصريحات جون بولتون ومقابلاته مع الصحفيين، وتعقيبات المختصين، وضجة غير مسبوقة في(Social media) وسائط الإعلام عن كتاب وضعه بولتون، وسينشر بعد أيام في الولايات المتحدة، وردود الأفعال،

وخلاصة تصريحات ومقابلات السيد بولتون، وأراؤه التي ضمنها في كتاب مثير للجدل حتى قبل صدوره، " في الغرفة حيث حدث " (The room where it Happened) ، وهو كتاب بلا شك مثير جداً، سنرتقب صدوره بالعربية، لأن ترجمته قد تكون مكلفة مالياً، وليس في طاقة فرد أو دار نشر صغيرة.

من خلال ما تيسر لنا من معطيات، توصلنا إلى تحليلها، وإفادة القراء بما يفيد في فهم وإدراك أبعاد المرحلة التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية، وهي بتقديرنا مرحلة مفصلية، ربما تنطوي على متغيرات هامة ستنعكس في شتى أشكال الحياة السياسية والاجتماعية الداخلية، وفي السياسة الخارجية.

 

إنها ليست المرة الأولى التي يعمد إليها موظف سابق مرموق المكانة، إلى تدوين مذكراته عن المرحلة " السابقة "، ومعنى السابقة هنا على الأرجح، هي حلول رئيس جديد وإدارة جديدة، ولحزب جديد(جمهوري أو ديمقراطي)، ولم يحدث أن موظف عمد إلى كشف (فضح) ما كان يدور خلف جدران الغرف السرية، وتفاصيل عن ثغرات في إدارة الرئيس، أو شخصيته. وإن حدث شيئ من هذا القبيل، فليس قبل انقضاء ولاية الرئيس وبدء مرحلة جديدة.

لا يمكن اعتبار السيد بولتون يعمل لصالح جهة أجنبية، فالرجل خلفه تاريخ وسيرة لا تشوبها شائبة. ولد عام 1948، في عائلة متوسطة الحال(والده إطفائي) ووالدته ربة بيت، وعاش في أحياء عمالية، دخل جامعة مرموقة (جامعة يال)، وأكمل بكالوريوس قانون، ثم الدكتوراه متفوقاً بدرجة أمتياز،(وقدراته وتفوقه مكنته من الدراسة في جامعة ممتازة)، ثم أدى خدمته العسكرية في الحرس الوطني وساهم في الحرب الفيتنامية، رغم انه كتب في مذكراته لاحقاً انه لم يكن يشتهي الموت في بلاد آسيوية بعيدة. ومن عام 1983 وحتى عام 1985 عمل في مكتب محاماة بواشنطن، لعدة فترات. وللفترة من (1981 ــ 1983) عمل بولتون في مكتب مهم " الوكالة الأمريكية للتعاون والتطور الدولي  " ثم في وزارة العدل، (1985 ــ 1989) وبدأ يتكون كشخصية مهمة في صفوف الحزب الجمهوري، وقبل ولاية الرئيس بوش، كان قد تكرس اعتباره من المحافظين الجدد (Newconservatv)، وبين 1997، و2000 عمل بولتون في الأمم المتحدة بمعية الأمين العام الغاني كوفي عنان كمبعوث في قضية الصحراء الغربية. وفي 2001 عمل بولتون في قضايا السيطرة على التسلح، والأمن الدولي. وعمل في الملفات الكورية الشمالية. وفي 7 / مارس / 2005 أقترحه جورج بوش كسفير للولايات المتحدة في الأمم المتحدة. ولكن شخصية بولتون قوية ومثيرة للجدل، إذ عرف بصلابته. وهذا أمر لم يكن يخلو من المشاكل. لذل جاء تعينه كسفير في الأمم المتحدة بقرار مباشر من الرئيس بوش الأبن، وهو ما يسمح به الدستور ولكن لفترة محددة. وفي الانتخابات التي فاز بها الجمهوريين كان أسم بولتون يتردد بوصفه من وجوه اليمين المحافظ ويرشح لمنصب وزير الخارجية. وللفترة من 2013 وحتى 2018 ترأس بولتون معهد جيتستون (Gatestone Institute) المناهض للإسلام، ولكن المعهد زجه انتقادات له لقيامه بنشر معلومات غير صحيحة. وفي 22 / مارس ــ آذار / 2018، أعلن الرئيس ترامب أن بولتون سينضم لإدارته كمستشار للأمن القومي. خلفاً لماكماستر، وكان هذا يعني أن ترامب في طريقه لاتخاذ مواقف متشددة إلى جانب الإسرائيليين، وضد الكوريين الشماليين وعن تورط الروس في التدخل في الانتخابات الأمريكية.

هذه السيرة الشخصية لبولتون، لا تضعه في دائرة الشكوك حين ينتقد الرئيس ترامب. فهو الشخصية المتشددة في أوساط القرار السياسي سواء في مراحل صياغته، أو في مراحل اتخاذه. وإن كان هو لا يحبذ أن يعتبر صقراً من صقور اليمين المحافظ (المتطرف). فيما وصفت صحيفة زيورخ الجديدة (السويسرية) بولتون " بالقومي الصلب " وهو ينفع لمسايرة سياسة ترامب ...!

بولتون لا يذيع سراً مجهولاً بوصفه الرئيس الأمريكي بالغبي والساذج، فالرئيس الأمريكي ترامب لا يعلم أن بريطانيا دولة نووية، بل ويسأل رئيسة وزراء بريطانيا " هل عندكم قنبلة نووية ؟ ". أو يسأل مستشاره، " هل فنلندة مقاطعة روسية ..؟" .

الحقيقة أن أكثر من رئيس أمريكي هو على هذه الدرجة من السذاجة، كالرئيس ريغان، الذي كان يغلف جهله بالمزاح وإطلاق النكات، والرئيس بوش الابن كان غبياً لدرجة أنه لا يعرف منظمة أسمها " أوبك "، ولا يعرف أسماء دول مهمة، بل أنه لا يحسن اللغة الإنكليزية، ويتحدث الأسبانية أفضل منها، لأنه كان يعاشر الشبان اللاتينيون في الأحياء المنحطة.

الولايات المتحدة لا تعرف إلا عدداً قليلاً جداً من الرؤساء المتعلمين أو من ذوي الخبرة في العمل السياسي كالرئيس نيكسون أو بوش الأب، ولكن سواهم كانوا بسطاء، ولا سيما ريغان، وبوش الأبن، وترامب.

ليس عفويا أن تنتج هوليود (مدينة السينما) أفلاما عديدة عن خلع الرؤساء، أو تورطهم بعلاقات فاحشة، فالأمر يدور لترسيخ حقيقة ، هي في الواقع معروفة للسياسيين والمتتبعين، ولكنها قد تبدو بعيدة عن تصور عامة الناس، الرئيس الأمريكي، هو المعبر والممثل التنفيذي لمجموعة سلطات ودوائر أمريكية علنية وخفية، وعملية اتخاذ القرار في الولايات المتحدة عملية معقدة جداً، وأعقد منها قانون الانتخابات، وطريقة انتخاب الرئيس الأمريكي.

والسؤال يطرح نفسه، لماذا ينتخب الناخب الأمريكي رئيساً لا يمتلك قدرات عقلية وثقافية تؤهله لهذا المنصب الخطير ..؟. وتتحدث دراسات في الرأي العام، أن الناخب الأمريكي يهتم بدرجة أساسية بالضرائب والموقف المالي، وهذه خاضعة لتقارير يعدها خبراء ماليون محنكون، يدخلون الناخب في متاهات الأرقام والنظريات. والمرشح للرئاسة نفسه محاط بخبراء ومستشارين يعدون له خطاباته وتصريحاته.

تطرح هذه المعطيات تساؤلاً دقيقاً : من يحكم الولايات المتحدة حقيقة ... ؟ وهل يمكن أن يتعرض هذا الكيان العملاق لهزة تقسمه داخلية، معززة بموقف دولي جديد يتمثل بقيام قوى عظمى تملك قوى اقتصادية تقسم الولايات المتحدة إلى عدة دول ..؟ هل يمكن أن تتطور قوى سياسية / اقتصادية خلال قرن، وتقوم خارطة سياسية جديدة بناء على تقاسم نفوذ جديد ..؟

مسألة انهيار النظام في الدول الرأسمالية (أميركا تحديداً) كتب عنها الكثير، وهناك عشرات(ما لم نقل المئات) من الأعمال العلمية لمفكرين وأساتذة أمريكيين، وأوربيين عن موت النظام الغربي، وهو قائم بقوة الاستمرار، وقوة الدولة والقانون، والأجهزة. وانهياره ليس أمرا مستحيلاً.

يلمح جون بولتون لهذه الاحتمالات، وأن الضغوط الخارجية، وسوء تعامل الولايات المتحدة مع الملفات (رغم أنه يساهم بها منذ نحو عقدين) ولكن أيضا يشير الموقف الداخلي إلى نقاط ذروة، لا يمكن اختصارها بالتميز العنصري والعرقي ضد الأصول الأفريقية (18 ــ 20%) من الشعب الأمريكي، وإذا أضفنا التميز الذي يحصل ضد الآسيويين : الصينيين واليابانيين، ثم الهنود، واللاتينيون، والمسلمون، فالحصيلة ستكون استحالة التعايش في مجتمع منقسم طبقياً / اجتماعياً، وعرقياً ودينياً، في نظام بدأ يفقد خصائصه الديمقراطية بسبب طغيان اليمين المتطرف / العنصري، وطغيان أفكار أشبة بالنازية، وهذا ما يدركه مفكرون وعلماء اجتماع أمريكيون ويحذرون منه منذ سنوات طويلة.

يتحدث بولتون أن الرئيس ترامب قد فرط بالتباحث عن موضوعات داخلية مع رؤساء أجانب كالصين، مقابل تأييده في الانتخابات المقبلة، وإطلاق الأستيرادات الصينية من المنتجات الزراعية من شأنه أن يحسن حظوظ ترامب في الانتخابات، وأنه أيد الصين في قمعها غير المبرر للمسلمين الأيغور في الصين، أو في معاناة شعب التيبت.

بولتون يؤكد أن الهاجس الأعظم للرئيس ترامب هي الانتخابات المقبلة، وفي رأيه أنها تفوق عنده مصالح الولايات المتحدة. وترامب تاجر يتعامل بالصفقات، ويتحدث بلغة السوق، ومن يستمع له يعتقد أنه أمام مدير مبيعات شركة.

ديري وبعد معايشتي الدقيقة للأحداث في الغرب، أن يقوم موظف رفيع المستوى (بكشف) ما يعتبره (أسراًراً) هي عملية تسويق للكتاب أكثر مما هي أسرار فعلاً. فمثلاً استخدام الرؤساء لألفاظ نابية ليست غريبة، وميلهم لضمان ولاية ثانية عمل قام به كافة الرؤساء الأمريكان دون استثناء. والكشف عن الفضائح الجنسية بتقديري لا أهمية لها، هي مثيرة بأعين الناس العاديين  في ميلهم لمعرفة الفضائح لا أكثر، عدا حالة الرئيس كلينتون، فتلك استثنائية.

موقف الولايات المتحدة من قضايا الشرق الأوسط معروف حتى تفاصيله الدقيقة، ولكن الأنظمة العربية وتركيا، كل لها طريقتها الخاصة بالتصرف حيال هذه النقطة، ولكن الجميع يعلم أنهم مستهدفون وأن هناك برنامجاً عدائياً تفصيلياً موجه للعرب والمسلمين، ومعظمهم يعتقد أن لا مصلحة بالصدام، أو تعميق العداء. وأن المستقبل كفيل بحل هذه الأزمة من خلال التحولات المهمة على مسرح السياسة الدولية.

ولكن في الولايات المتحدة لا يحصل شيئ بالصدفة، ولا سيما إذا كان الشيئ كبيراً كأختيار رئيس جمهورية الولايات المتحدة.وترشح أي شخص لهذا الموقع يمر بعدة فحوصات، والرئيس ترامب بصفة خاصة معروف جيداً، لذلك وجوده ليس مصادفة، بل يمكن القول، أنه يحمل خواص رجل المرحلة.

 الكشف عن بساطة الرؤساء الأمريكان معروف، وتحديداً الرئيس ترامب, فقد تصادف قبل أكثر من عام، أن نشرت في وسائل الإعلام نص رسالة كان قد أرسلها الرئيس ترامب إلى موظفة في الإدارة، ردت عليه بأن يهتم بتعليم نفسه اللغة الإنكليزية، فرسالته ملئية بالأخطاء، وهذه الثغرة ليست في شخص الرئيس، بل وأيضاً في جهازه الإداري الذي سمح بهذا الكم الكبير جداً من الأخطاء في صفحة واحدة (الرسالة طياً).

هل ستضيف بولتون شيئاً على المشهد الأمريكي ..؟ الأمريكيين لا يهتمون كثيراً بأقوال الحكماء، فمن الممكن أن يؤثر في الرأي العام مواد أكثر بساطة قادر المواطن العاني على استيعابها وهضمها. ولكن مع ذلك فالكتاب سيعزز فكرة أن الحاكمين هم حفنة يوجهون السياسة لمصالحهم، ويتعزز رأي ضرورة وجود آليات تحمي القرارمفردات المشهدأثير الأشخاص، الرئيس أم من هم في بطانته.

 

بتقديري، أن التأثيرات العالمية المتمثلة ببروز قوى عالمية، وتراجع المكانة الاقتصادية الأمريكية من خلال بروز مراكز اقتصادية جديدة في العالم في مقدمتها الصين، ويقابلها المزيد من التمزق في النسيج الاجتماعي الأمريكي (والغربي عامة) ستكون عوامل مؤثرة. وأن هذه العمليات ستدور خلال العقود المقبلة ونتائجها لا يمكن توقعها بين سنة وأخرى، ولكن القارئ والناظر لصورة وطبيعة مفردات  المشهد السياسي عام 1945، سيلاحظ الفرق الكبير جداً في الخطوط التفصيلية وحتى الرئيسية.

 

في ثلاثينات القرن المنصرم، كتب العالم الألماني أزوالد شبنغلر (Oswal Spengler) أسماه  " تدهور الحضارة الغربية " ، تنبأ فيه بسقوط الحضارة الغريية بعد أن لم يعد بإمكانها أن تكون حلم البشرية، وأبتداعه الاستعمار والإمبريالية والنازية، وأن النظام الديمقراطي هو نظام مزعوم وما هو إلا لصالح الأوليغاشيا الصناعية تتحكم بكافة مفاصل البلاد وتحتكره

 

(الصورة: رسالة كان الرئيس ترامب قد أرسلها لسيدة أمريكية فأعادتها له تظهر أخطاؤه الكثيرة باللغة الإنكليزية ....! )

 

 

الرجل الذي عرف كل شيئ

                                                     

هذا عنوان لمقال طويل نسبياً نشر في إحدى الصحف المهمة في ألمانيا (الزمن / Die Zeit )،  والعنوان نفسه كعنوان فلم سينمائي أمريكي قديم ربما في أوائل الخمسينات مثله جيمس كاجني، والأمريكيون لهم طريقتهم في التعبير، وفي العناوين المرحة.

مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وقف إلى جانب الرئيس حين حاولوا عزله، ولكنه بعد عزله الرئيس، كتب بولتون هذا الكتاب وأستلم حقوق نشره (2 مليون دولار)، وهو ليس بالمبلغ الكبير في هذه الظروف، ولكن صناعة الكتاب قد تراجعت، وأنتشر الكتاب الالكتروني، وبالفعل قبل أن يصدر الكتاب (سيصدر يوم 30 / حزيران / 2020) انتشرت النسخ الالكترونية المجانية، حتى وصلتنا الكتب في ألمانيا (وردتني نسختان الكترونيتان).

 

المقال من تحرير : جوانا روث (Johanna Roth).

ترجمة بتصرف : ضرغام الدباغ

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من نقاط المقال المهة :

ــ أن الرئيس ترامب طلب من الرئيس الصيني زيادة الاستراد الصيني من فول الصويا، والقمح الأمريكي، وهو سيمنح ترامب شعبية متزايدة تساعده على الفوز في الانتخابات المقبلة.

ــ تدخل ترامب لدى الصين لفتح تحقيق مع أبن جو بايدن المرشح الديمقراطي(في حادثة شخصية في الصين)، ويصف بولتون ترمب بالافتقار إلى القدرة الفكرية والمعرفة على حكم البلاد، وإدارة سياسة خارجية معقولة. فقد سأل ترامب مرة مستشاره ما إذا كانت فنلندة تابعة لروسيا ..؟

ــ الولايات المتحدة بأنسحابها من منظمة الصحة الدولية فسحت المجال لتوسع صيني، وكان ترامب قد شجع الرئيس الصيني على وضع المسلمين الصينيين في معسكرات اعتقال، ثم عاد ووقع مرسوماً بفرض عقوبات على الصين لنفس السبب ..!

ــ  بولتون لم يشارك في أستجواب الرئيس ترامي وعزله، ولكن الرئيس كافأه بالعزل، لذلك يريد الانتقام. رغم وجود الكثير من الأسباب لعزله، وقال " عرقلة سير العدالة هي طريقة حياة ترامب ".

ــ  ينظر البعض في دهاليز السياسة الأمريكية أن بولتون الذي عمل لعقود مع الجمهوريين، ومع ترامب، يريد الآن أن ينسحب من كل مسؤولياته، وتصحيح دوره.

ــ إن تعطش ترامب للسلطة والقيام بكل ما في وسعه لإعادة انتخابه  ليس أمراً جديداً، ومن غير المرجح القيام بمحاولة أخرى لعزله قبل نوفمبر / تشرين الثاني. وماذا سيغير الكتاب ..؟ لا شيئ.

ــ ــ بغض النظر عن الكتاب وتأثيراته، فإن  فشل ترامب في الانتخابات أمر وارد، ولربما يعزز الكتاب وأخبار تفاهمه الشخصي مع الصين قناعات الرافضين للتجديد.. ويؤكد بولتون أن إعادة انتخاب الرئيس  لأربع سنوات أخرى سيكون فقط لمصلحة الرئيس الشخصية.

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

 

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

ماذا تبقى من ديمقراطية

 الولايات المتحدة الأمريكية

 

ضرغام الدباغ

 

دون ريب أن الولايات المتحدة الأمريكية قد دخلت في عهد الرئيس ترامب مرحلة جديدة، لا يمكن وصفها مطلقاً بمرحلة صعود، بل هي وفق مؤشرا عديدة، في هبوط، وتراجع. والحق أن هذا التراجع لم يبدأ في عهد ترامب، فعملية التراجع تدور منذ ولاية الرئيس أوباما وربما حتى قبله، إلا أن الرئيس أوباما وهو المتعلم الأكاديمي تمكن ببراعة من ضبط التوازن لكي لا يبدو  التراجع ظاهراً شاخصاً، ومتسارعاً، ولست ممن يضعون على كاهل الرئيس أسباب النكوص والتراجع، فالإدارة الأمريكية لها طبيعة عملها لصرف النظر عن أسم الرئيس، وانحداره السياسي (تقريباً) الفرقة الموسيقية (عناصر وقنوات الإدارة الأمريكية تعزف) و الرئيس يلعب دور قائد الفرقة (conductor)، وربما تلعب قدراته العقلية وثقافته دوراً في القرارات، وفي خياراته، إلا أن دور الرئيس بموجب القانون، والتقاليد السياسية ليس الحاسم في القرارات المصيرية الكبرى.

 

لماذا تتراجع أميركا ...؟

الولايات المتحدة دولة عظمى بلا شك، ولمن يعرف أميركا جيداً، وسبق له زيارتها، يعلم أنها دولة عظيمة بكل معنى الكلمة، اقتصاد عملاق (أفضل أقتصاد في العالم)، مستوى تعليمي راق جداً (أفضل 10 جامعات في العالم، 8 منها أمريكية)، أقوى جيش في العالم (الوحيد القادر على التدخل في أي بقعة في العالم خلال ساعات)، ثم أنها أقوى كيان سياسي دولي تسيطر على الأمم المتحدة والمنظمات الدولية كافة. فلماذا إذن تتراجع ..؟

 

لا شك أن نتيجة كبيرة كهذه لها محصلة أسباب وعوامل، منها الموضوعية (الخارجية)، ومنها الذاتية (الداخلية) وأن عملية تفاعل ليست قصيرة الأمد قد أستغرقتها حتى بلغت هذه النتيجة الكبيرة. وليس هذا فحسب، بل أن الولايات المتحدة بلد يضم عدداً هائلاً من العلماء، وشخصياً قرأت منذ عقود كثيرة (منذ مطلع الثمانينات) أعمالاً وتقارير علمية لأساتذة وعلماء ومعاهد، تنبهه الحكومة الأمريكية من مخاطر الكارثة المقبلة، ومن ذلك مثلاً تقرير يحمل عنوانا مخيفا " أمة في خطر (A nation in danger)، وأخرى غيرها، تنذر وتحذر من مخاطر الانهيار الأمريكي، والانهيار بالطبع له شكله الاقتصادي والاجتماعي الفلسفي قبل كل شيئ .. أن تنهار المرتكزات (fundament)التي تمثل قوام وجود الولايات المتحدة ككيان.

 

الولايات المتحدة هي عبارة عن تجمع شعوب، التجأوا إلى هذه المساحة مع القانعة التامة أنهم ليسوا أصحاب هذه الأرض .... حسناً، جاء الجميع إلى هنا لاجئين من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية، ومن تميز طائفي وعرقي، ليؤسسوا كياناً يقدس حرية الفرد، وإنتماؤه العرقي والديني والسياسي، في توليفة يطلق عليها (الديمقراطية الغربية)، في جوانب منها تبدو غير مقنعة، ولكنها من جانب آخر تفتح الأبواب والشبابيك مفتوحة على مصراعيها للنجاح لكل من يريد أن يثبت كفاءته، وهكذا نشأ مجتمع الولايات المتحدة الذي ضم من كل شعوب الأرض، بما قيهم الرئيس ترامب نفسه، الذي جاءت أسرته مهاجرة من ألمانيا إلى كندا ثم الولايات المتحدة وامتهنت المهن الوضيعة جداً، ولكنها نجحت أخيراً، في تحيق نجاح اقتصادي، أهلها لنجاح سياسي، وترامب نفسه نتيجة كفاح شخصي، صنع من نفسه ملياديراً من العدم قبل أن يكون رئيساً ، ولكنه اليوم يريد أن يقلص من مساحة تلك الحريات.

 

قرأت مرة في بداية عصر تفكك الاتحاد السوفيتي (وليس انهيار) مثلا يشبه الموقف قطاران ثقيلان يسيران بسرعة هائلة، واصطدما ببعض وجهاً لوجه، القطار الأمريكي قوي تحمل الصدمة، أما القطار السوفيتي فلحقت به خسائر، آثر بعدها الانكفاء بهذا القدر وتصليح ما تسببه الاصطدام. ولكن القطار الأمريكي بدوره لم يخرج سليما متعافيا من الاصطدام، ولكنه مضى يكابر ويحاول أن يلعب دور السوبر باور رغم جراحه، يتدخل هنا، ويغزو هناك، ويلعب ألعاباً مكلفة،  فكانت النتيجة أنه :

التراجع الاقتصادي : أثقل الاقتصاد الأمريكي بالديون والعجز، وتراجع في البنى الارتكازية (Infrastucture)، وتراجع في مستوى التعليم، وهوة في التمايز الطبقي، واحتداد الشعور بالحرمان السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وحين حاول الرئيس أوباما أن يصدر قانون التأمين الطبي (مشابه للتأمين الطبي الأوربي)، جرى التفاف على المشروع وأفرغ من فحواه، فزاد من احتدم الموقف الاجتماعي / الطبقي. إذ جرى في عهد دونالد ترامب إلغاء لقانون الرعاية، وهو قانون كان يوّفر الرعاية الصحية بأسعار معقولة على الطريقة الأوروبية، بل أعلن بداية 2020 أنه سيخفض ميزانيات برامج الرفاه الاجتماعي كبرنامج "ميديكير" الموجه لكبار السن، إن فاز في ولاية جديدة، لأجل خفض عجز الميزانية الفيدرالية، ، اقترح ترامب تقليصًا بحجم 1.6 تريليون دولار على الرعاية الاجتماعية مستقبلا، بينها 451 مليار على "ميديكير".. وأن الكثيرون من الأمريكيين أنهم قد بدأوا بالتخلي عن العلاج الضروري بسبب ارتفاع التكاليف.

الفقر والصحة : وبالمقارنة مع كل دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2017، حلّت الولايات المتحدة في آخر القائمة كثاني دولة تملك معدلات فقر مرتفعة (الأخيرة إسرائيل)، بنسبة 17.8 % من مجموع السكان، أي أنها أسوأ من دول تتلقى مساعدات أمريكية كالمكسيك وتشيلي، وتشير إحصائيات "ستاتيكا" التي تشير إلى وجود 38 مليونا في أمريكا تحت خط الفقر، والفئات من الأصول الأفريقية هي في الغالب تقع في حالة الفقر. وجاءت كورونا لترفع من معاناة الأمريكيين السود، إذ أدى هذا الوباء إلى وفيات أكثر في صفوفهم،  والمثال من ولاية  إيلينوي التي لا يمثل فيها السود سوى 14بالمائة لكنهم يمثلون 42 بالمائة من الوفيات. وتتحدث عدة تقارير عن أن الأحياء الفقيرة حيث يقيم الأمريكيون من أصل أفريقي تملك مستشفيات أقل جودة ولديها عدد أقل من الأطباء. ولا تحصص من الناتج المحلي إلا القليل للغاية (ولا يكفي) لبرامج الرعاية الاجتماعية ومساعدة الفئات الهشة. وعدم وجود تأمين طبي عام في الولايات المتحدة الأمريكية. لذلك فالتأمين الطبي يقتصر على أصحاب الدخول العالية والأثرياء يمكن أن يمتلك تأمينا صحيا. وطبقا لدراسة صادرة في 2018 لم يكن لدى 11.5 % من الأمريكيين السود يملكون تأمينا صحيا، وتصل هذه النسبة بين الأمريكيين البيض إلى  7.5 % فقط. أضف إلى ذلك أن نظام الصحة الأمريكي هو الأعلى كلفة في العالم.

تنامي نزعات اليمين : بسبب تنامي النزعات اليمينية المتطرفة، تتكاثف العنصرية وتتسلل إلى أجهزة الدولة ولأجهزة الشرطة تحديداً. وبحسب تقارير منظمة مراقبة الشرطة الأمريكية فى واشنطن تشير إلى أن المنظمة تستقبل في اليوم من 8 إلى 10 حالات تعذيب من الشرطة الأمريكية تجاه مواطنين سود سواء كانوا مجرمين أو مشتبه بهم. وكذلك تفيد هذه التقارير بوجود تمييز عنصرى داخل السجون الأمريكية، حيث يصل عدد المسجونين بسبب العرق إلى أكثر من 60% من إجمالي المسجونين داخل الولايات المتحدة، كما أن هناك من يقبع داخل السجون دون تهم أو محاكمة مسبقة.

العنف المفرط الذي تمارسه أجهزة الشرطة الأمريكية، وتطلق الشرطة الأمريكية النار فوراً بقصد القتل، عند أول عدم استجابة بالوقوف والتفتيش المؤلم والمهين، وتشير الإحصاءات الحكومية أن الشرطة الأمريكية قتلت عام 2017 1147 أمريكياُ، نسبة كبيرة منهم من السود، وتعتبر الشطة الأمريكية أن المخالف للمرة الثانية يستحق السجن بين 5 إلى 10 سنوات حتى لو كانت مخالفته تافهة، وهذه موجهة أساساً للسود، وللمواطنين من أصول لاتينية أو آسيوية.

ثغرات في نظام العدالة : وهذا يستتبع الإقرار بوجود خلل وثغرات في نظام العدالة الأمريكي، ما يخصّ السجون، إذ يصل عدد السجناء في البلاد إلى حوالي 2.3 مليون حسب أرقام 2020، فيما تشير إحصائية من عام 2017 أن نسبة التعبئة في السجون بلغت 99.8 %. وسبق للمرشحة الرئاسية هيلاري كلينتون أن صرّحت عام 2015 أنه بينما يعيش أقل من 5 % من سكان العالم في الولايات المتحدة، تملك البلاد تقريبا ربع سجناء العالم (احتسبت الواشنطن بوست النسبة وهي 22 %. و يشير تقرير الجريدة ذاتها أن ارتفاع أرقام السجناء لا يعود لارتفاع الجريمة، بل لتغيير القوانين والسياسات الخاصة بالجريمة. وهو ما يؤكده يشير إلى أن 74 % من المحكومين بالسجن النافذ كل عام لم تتم إدانتهم بعد. بعضهم يستطيع الخروج بكفالة، والبعض الآخر لا يملك المال لدفعها ما يجعله يبقى وراء القضبان. ومن المفارقات الأمريكية أن 13 ولاية لم تحدد السن الأدنى لمحاكمة  القُصر، ما أدى إلى محاكمة أطفال بعمر 8 سنوات في عدة ولايات.

معالجة الخلل : يرى بعض الباحثين أن إخفاق الحكومات الأمريكية المتعاقبة  في معالجة الاختلالات الاجتماعية يعود إلى طريقة تشكيل الدولة التي ركزت على تقليل التدخل المركزي في المجال الاجتماعي. ويعود كذلك إلى طبيعة البلاد المكونة من 50 ولاية، إذ إن "كل ولاية تعمل كأنها جمهورية قائمة بذاتها، ما يجعل الحالة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية تختلف من ولاية لأخرى، لكن المسؤولية الفيدرالية مهمة في تقديم الدعم المالي للولايات الفقيرة، وفي وضع تشريعات مركزية لا يمكن للولايات تجاوزها، وهو ما يعتريه الكثير من التقصير".. في السنوات العشر الأخيرة كان متوسط الدخل للأمريكيين السود في الولايات المتحدة الأمريكية أقل بنسبة 20 إلى 25 % من متوسط دخل مواطنيهم البيض. وفقط القليل من السود من عائلات فقيرة ينجحون في الخروج من هذا الوضع. فالأمريكيون السود ذوو الآباء الذين يحتلون الخمس الأخير في سلم الرواتب يرتقون وظيفيا إلى مراتب الدخل الأعلى فقط بنسبة 50 % مقارنة مع الأطفال البيض كما كشفت عن ذلك دراسة لمؤسسة بروكينز.

إنعدام المساواة : تجذر وتعمق عدم المساواة واشتداد الفجوة الاجتماعية، تبلغ لدرجة أن قاض أمريكي يصرح " أن يكون المرء أسوداً ليس سبباً لقتله ". ومن أشكال التميز أن المواطن الأسود لا ينال الوظائف الجيدة حتى لو كان يمتلك تأهيلاً مماثلاً للأبيض. ومنذ صدور قانون الحقوق المدنية عام 1064، أصبح الأمريكيون من وجهة نظر القانون متساوون في الحقوق، ولكن الأمر هذا محض نظري، وما تزال الغالبية من السكان البيض تتمتع (كمتوسط) برفاهية  وتكوين أعلى ورعاية صحية أفضل. وتتداخل العناصر ببعضها، فهناك ارتباط بين مقر السكن والصحة والتعليم، إذ يعيش السود في الغالب في أحياء بها نسبة تلوث مرتفعة للهواء، وليس بمقدورهم شراء غذاء صحي، فهم يأكلون في الغالب الوجبات الجاهزة المجمدة. وهذا سبب رئيسي في إصابتهم في الغالب بأمراض مزمنة. والأمريكيون السود يعانون بنسبة مضاعفة مقارنة مع البيض من مرض السكري. والوضع الصحي السيء في المتوسط ينعكس في فرص حياة أقل. وهذا ما يتضح من حقيقة أن الأمريكيين السود يموتون بنسب أكبر نتيجة وباء كوفيد 19 بسبب الرعاية الصحية السيئة في أحيائهم.

عنصرية بنيوية : تشير مجموع المعطيات والمؤشرات، إلى عنصرية بنيوية لها تقليد طويل في الولايات المتحدة الأمريكية. فعندما اعتمدت الحكومة في 1935 التأمين الاجتماعي، استثنت عمال الزراعة والخدم في البيوت والعمال اليوميين، وهي مجموعات مهنية بدخل متدني تكون فيها النسبة الكبرى للأمريكيين السود، أو للاتينيين والآسيويين. وكمثال على ذلك في سياسة مكافحة المخدرات: " حيث ارتكاب جنحة تعاطي المخدرات من قبل السود تلقى عقوبة أشد من تناول المخدرات الاصطناعية التي تُستهلك بالمقام الأول في مناطق البيض". وهذا سبب تعرض السود لدخول السجن بمعدل ثلاثة أمثال مقارنة مع البيض ما يؤثر على فرص التعليم والتطور المهني.  لذلك فإن أسباب التمرد والثورة هي كامنة ومتواصلة، سيستمرون الأمريكيون السود، وربما ستلتحق بهم أقليات عرقية أخرى، في عدم المشاركة في الرفاهية الأمريكية وبمستوى معيشي أقل من البيض، وقلما ستكون لهم إمكانيات الترقي وسيكونون مجبرين على إرسال أطفالهم إلى مدارس سيئة، ونادرا ما يتوفرون على تأمين صحي، وسيكون لهم متوسط عمر أقل وسيزج بهم بسهولة وبسرعة ولفترات أطوال في السجون ـ فقط لأنهم ليسوا بيض. وليس هو الحال، كما كتب أحد المعلقين بأن السود يحتجون بالعشرات في المدن الأمريكية، لأن لهم الشعور بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. بل هم كذلك.

بسبب الوضع الاقتصادي المتراجع، تقلصت " المساعدات الأمريكية " وكانت الولايات المتحدة تستخدمها كسلاح سياسي / اقتصادي.

اهتزاز الزعامة الأمريكية للعالم "الحر" الرأسمالي، وتراجع إداءها لأسباب اقتصادية، وتورطات سياسية في أماكن شتى في العالم، وبالتالي تراخي التحالف بين "ضفتي الأطلسي" وهي القاعدة السياسية المؤسسة لحلف شمال الأطلسي "الناتو". فقبل نحو 15 عاماً، وقف وزير الخارجية الألمانية في البرلمان مطالباً بعض النواب تخفيف لهجتهم المعادية للولايات المتحدة، قائلاً " يجب أن لا نسمح لأنفسنا أن تسري بيننا موجة عداء للأمريكان ". تقدم وكالة الأنباء الألمانية تصريحات وزير الخارجية " وزير الخارجية الألمانية يشجب تهديد ترامب باستخدام القوة ".

 

وأدناه نص مقتطع من وكالة الأنباء الألمانية (DW) حول الأحداث الأمريكية:

" بإمكان الرؤساء الأمريكيين إعطاء الأوامر إلى أكبر جيش في العالم، لكن لا حول ولا قوة لهم أمام العنصرية اليومية تجاه مواطنيهم. وبالطبع وجب عليهم نبد الظلم وإبداء التفهم لضحايا عبث الشرطة ـ وحدها فقط من أجل عدم شحن الغضب والمشاعر. والرئيس ترامب يفشل ، كما هو متوقع حتى هنا بشكل فظيع. فالرئيس ليس أمام أعينه إلا إعادة انتخابه، ويعتقد أنه بإمكانه بواسطة الكلمات الحماسية تحقيق نقاط لدى الناخبين البيض. وسيكون من السيئ بما فيه الكفاية للولايات المتحدة الأمريكية إذا نجحت حساباته.

 

وحالة جورج فلويد للأسف ليست حالة استثنائية. يوجد آلاف الحوادث المشابهة. والأحكام المسبقة تجاه السود لا توجد فقط في صفوف رجال الشرطة والمدعين أو القضاة، بل أيضا عند المعلمين وأرباب العمل. إنها العنصرية اليومية التي تُوجه ضدها الاحتجاجات. وبما أنها موجودة في الحياة اليومية، فإنه من الصعب محاربتها. ومنذ سنوات يطالب حقوقيون بتكوين أفضل لرجال الشرطة الأمريكيين. ومنذ عقود يطالبون بمراقبة مستقلة لعمل الشرطة والمدعين وفرض قوانين صارمة لحيازة السلاح. ولم يحصل إلا القليل إلى حد الآن. "

 

 

 الاضطرابات في الولايات المتحدة الأمريكية تنال حيزا في تعليقات صحيفة "غازيتا فيبورتشا" البولندية اليسارية الليبرالية:

"أمريكا تحترق. والحكام يضربون الاحتجاجات بقساوة أكبر. ويبحثون عن متهمين. والرئيس دونالد ترامب الذي يجب عليه في مثل هذه الأوقات حث السكان على الهدوء والوحدة يلقي باللوم على من يصفهم باليساريين الراديكاليين في ممارسة العنف في الشوارع. ورسميون في ميناسوتا يشيرون في المقابل إلى فوضويين وعنصريين بيض ومتطرفين غير معروفين... وفي هذا الغضب المتأجج تتضافر سنوات من الإذلال الذي يعاني منه الأمريكيون من أصل أفريقي في الولايات المتحدة الأمريكية. وإذا أرادت أمريكا تفادي هذا النوع من المشاهد في المستقبل، فعليها أن تتغير. يجب عليها أن تعاقب الساديين داخل الشرطة ومكافحة العنصرية وتبدأ في إلغاء التناقضات الاقتصادية".

 

وبشأن الاضطرابات في الولايات المتحدة الأمريكية كتبت صحيفة "فولكسكرانت" الهولندية تقول:

"بنزعاته الغاضبة المستمرة تجاه خصومه السياسيين وإهاناته وهجماته ضد الصحافة أوجد دونالد ترامب أجواء مسمومة يعيش فيها الأمريكيون باستمرار في حالة حرب. وبذلك لم يعد المعارضون السياسيون الآن بشرا لا نتقاسم معهم نفس الأفكار، بل خونة وأعداء. ولذلك تصعب عليه الآن  استخدام كلمات المصالحة الضرورية حاليا. الانقسام والكراهية هي الوقود الذي يقود به ترامب حملته من أجل إعادة انتخابه. والمزيج بين وباء كورونا وانهيار الاقتصاد والاضطرابات السياسية لا يبدو بالضرورة طالع موات لترامب".

 

إجمالي وأستنتاجات :

والسؤال الأعظم هنا، هل حقاً لم تتمكن الولايات المتحدة الزاخرة بالخبرات السياسية والإدارية والعلمية التي تمتلكها من عدم إيجاد حل لفيروس العنصرية، بل هو يتفاقم تحت القيادات اليمينية الأمريكية ولا سيما في أوساط الحزب الجمهوري منذ عهد  الرئيس بوش الأب، وأبنه والرئيس ترامب. فيما تثار نزعة فيها عودة للبيوريتانية (Puritans)، وحديث عن منظمات سرية، تحكم من وراء الستار، ويطلق الرئيس ترامب بين الحين والآخر نداءات يمكن اعتبارها عنصرية، بمحتوى سياسي / اجتماعي كتلك التي تطلقها أحزاب وحركات اليمين الأوربي في: ألمانيا، هولندة، فرنسا، النمسا، وفي مسار تطور محتمل كهذا، ربما ستبلغ درجة معاداة الأجانب، والديانات الأخرى، كما هو الحال عند أحزاب اليمين الأوربي، واليوم يشارك الكثير من البيض تظاهرات الاحتجاج، لدواع وأسباب إنسانية وثقافية، واجتماعية،  آنذاك سينقسم المجتمع الأمريكي طولاً وعرضاً وهذا هو ما حمل وكالة الأنباء الألمانية من وضع عنوان لإحدى نشراتها الإخبارية من " الاحتجاجات " " الثورة "، " تمرد " وكان عنوان نشراتها " العنصرية والانقسام والحملة الانتخابية.. "أمريكا تتفكك ؟ ". ليس من المحتمل أن تسقط التظاهرات النظام الأمريكي المؤسس قانونياً على القوة البوليسية، بحيث يقتل الشرطي المواطنين دوم مساءلة، ولكن بالمقابل ستنتهي أمريكا كقوة أخلاقية  كما أعتبرها العالم ذات يوم وتتحول إلى نظام يحكم بالقوة الغاشمة مثله مثل بلدان العالم الثالث (مع الفرق الشكلي لا الجوهري).

 

الرئيس ترامب أطلق (16 / حزيران ــ يونية / 2020) تصريحاً يهدد فيه أي فريق رياضي بكرة القدم الأمريكية أو أي رياض آخر، يتخذ وضع البروك رمزاً للاحتجاج، سوف يحرم من مزاولة الرياضة، ويخسر الفريق المباراة، والغريب أن الولايات المتحدة، على الصعيد الرسمي ووكالاتها، والأفق الإعلامي العالمي العريض، تعتبر نفسها حامي حقوق الإنسان، وإذا كان هذا هو حال الإنسان في داخل أميركا، وفي خارج أميركا يندر أن تجد شعباً لا تحمل جلودهم آثار القنابل والتعذيب الأمريكي،  وهنا يحق لنا حقاً أن نطلق اليوم التساؤل : " ماذا تبقى من ديمقراطية الولايات المتحدة  ....؟ ".

 

المركز العربي الألماني

برلين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

صفات ومزايا

 الدبلوماسي المعاصر

 

ضرغام الدباغ

  

يعتقد بعض الناس أن الدبلوماسي شخص لابد أن يكون أنيق الملبس، لبق الكلام، متحذلق، يتمتع بأمتيازات فريدة لا يستحق معظمها، ويستطرد البعض أن هذه المزايا ليست ضرورية لعمله، فيما يعتقد آخرون أن الدبلوماسيون يتمتعون بأعلى مرتب بين العاطلين عن العمل، وآخرين يتصورون أن الدبلوماسي جاسوس يحمل حقيبة سوداء ويسافر بكثرة بين العواصم...الخ

 ودون ريب فإن هذه التصورات عارية عن الصحة، وبعضها ساذج. فواقع الأمر هو على العكس من ذلك. وبادئ ذي بدء فإن مهنة الدبلوماسية من المهن النادرة التي لا يتعلمها المرء على مقاعد الدراسة فقط،  مع أهمية وضرورة التحصيل العلمي الأكاديمي، وإنما يحتاج الدبلوماسي أيضاً إلى فترة مران وخبرة غير قصيرة إن أراد أن يكون دبلوماسياً ممتازاً ومهيئاً للاضطلاع بمهماته لا سيما في المراتب المتقدمة من المهنة.

 ولا بد من القول بادئ ذي بدء، أن حيزاً من الموهبة والألمعية الفطرية بتقديرنا ضرورية جداً للدبلوماسي المحترف، وتلك صفات لا تخلق بالدراسة والتدريب، فهناك دائماً رجال مهيئون لوظائف ومهن لا يصلحون لغيرها، ولا يصلح سواهم لها. والموهبة والألمعية الفطرية ضروريتان للدبلوماسي إلى جانب الصفات الأخرى.

 ولكن دراسة التاريخ لا سيما الجوانب السياسية منه، والإلمام بالقوانين وبصفة خاصة ما يتصل منها بالسياسة والاقتصاد الدولي شروط هامة ينبغي للدبلوماسي أن يتمتع بها. أي أن ما يتعلمه الدبلوماسي على مقاعد الدراسة لا تكفي المجالات الرحبة للمهنة، كما أن الثقافة الواسعة ضرورية اشد الضرورة، بل هي في مقدمة الشروط. فمعرفة الاتجاهات الأساسية في الأدب واشعر والمسرح والفن الحديث والكلاسيكي والموسيقى تدخل في نطاق الضرورات. فليس بإمكان الدبلوماسي أن يعقد صداقات مع زملائه من دبلوماسي البعثات الأخرى، وتلك صداقات تعد معيناً أساسيا في نشاطه ضمن الوسط الدبلوماسي. فالدبلوماسيين في حياتهم بشراً لهم أذواقهم وحساسياتهم، وسعة إطلاع وثقافة الدبلوماسي في هذه المجالات بالإضافة إلى رزانته وحصافته وبعد نظره وروحه الخفيفة وشفافيته تجعله نجماً في المجتمع الدبلوماسي وعضواً لا غنى عنه في الحياة الخاصة للدبلوماسيين، واقصد بالحياة الخاصة اللقاءات الخاصة خارج إطار العمل، وإن كانت مساحة الحياة الخاصة للدبلوماسي ضيقة جداً حتى خارج إطار المهنة والتزاماتها وأصولها.

 وإذ نشدد على مسألة كفاءة الموظف الدبلوماسي، لا نقصد من ذلك تعقيد المهمة أمام الدبلوماسيين، بل أن المهام الدبلوماسية لدقتها المتناهية، قد توقع دبلوماسياً لا يقصد الإساءة إلى بلده في المواقف الحرجة. ولسنا بصدد تعداد تلك الحوادث التي نجم عنها أضرار فادحة، أو قادت إلى قرارات خاطئة بسبب قلة كفاءة الدبلوماسي أو استخفافه بالوقت، وقد حدث مرة إهمال خطير أودى إلى فقدان الحقيبة الدبلوماسية لأحدى الدول، ومرة أخرى تصرف يدل على الخفة لموظف تسبب بإتلاف الشيفرة سهواً، وحامل حقيبة أستغرق في النوم أثر ليلة صاخبة فاته على أثرها موعد إقلاع طائرته وهو في بلد أجنبي.

 

 فمثل هذه الممارسات لا يمكن اعتبارها سهو، أو خطأ عابر، ينبغي التأكد بدقة من عدم حدوثها مطلقاً، وينبغي تدريب الكادر الدبلوماسي من الدبلوماسيين والإداريين الأصاغر على عمل خال من الأخطاء، وحدوث مثلها تعد من الأخطاء الجسيمة.

 

ولعل أهم ما يمكن ذكره في هذا المجال، هو ما حدث في فجر اليوم السابع من كانون الأول/ ديسمبر/1941 داخل السفارة اليابانية في واشنطن، إذ تسبب خطأ غير مقصود(بسبب اختلاف التوقيت) في تسلم رسالة بالشيفرة من طوكيو تطلب من السفير التوجه لمقابلة وزير الخارجية الأمريكية وإبلاغه بالإنذار النهائي ليكون مدخلاً لإعلان الحرب بين البلدين، ثم تصادف أن الموظف في السفارة لا يجيد الضرب على الآلة الكاتبة، فتأخر السفير في تسليم الرسالة 55 دقيقة، لا تقدر بثمن، وكانت أسراب الطيران الياباني في تلك الدقائق الخمس والخمسين قد هاجمت فعلاً القواعد الجوية والبحرية الأمريكية في بيرل هاربر.

 

وقد تعقد لقاءات خارج العمل بين دبلوماسيين من بلدان شتى، يدور فيها الحديث لساعات عن الاتجاهات الحديثة في المسرح، أو تحليل لمعرض رسم، أو موضوعة تاريخية/ فلسفية، وتخيل عزيزي القارئ متعة المجالسة مع شاعر تشيلي المشهور بابلو نيرودا الذي كان سفيراً لامعاً لبلاده في باريس، أو مع الشاعر العربي عمر أبو ريشة سفير سورية في الهند، وأدباء وكتاب ومثقفين. ودبلوماسي يحمل مثل هذه الصفات يمكن القول أنه قد خطا خطوته الأولى في نجاحه السياسي وخدمة بلاده، وبالعكس فإن دبلوماسياً يعتقد أن بيكاسو كان مؤرخاً سويدياً شهيراً، وأن بابلو نيرودا، هو رسام إيطالي معروف، أو أن بتهوفن كان قائداً عسكرياً بريطانياً، وأبن خلدون هو من اشهر الرسامين، يمكننا تصور مدى صعوبة استجابة زملائه من الوسط الدبلوماسي الاستماع إلى آرائه السياسية التي قد تضم بعضاً من هذه السذاجة.

 

والدبلوماسيين في حياتهم الخاصة، وأجد من الضروري التنويه هنا، أن ليس للدبلوماسي حياة خاصة بالمعنى المألوف لغير الدبلوماسيين، فالحياة الخارجية للدبلوماسي محكومة بتقاليدها وأصولها، فالدعوات والحفلات هي عمل خارج مكان العمل، إذ يحضر الدبلوماسي حفلة ما بواجب، لكن دون جدول أعمال، قد يفاتح زميلاً دبلوماسياً له بأمر ما، ولكن الحفلة بحد ذاتها، هي مناسبة للالتقاء دون جدول أعمال رسمي، لا يتحدثون في السياسة فقط، بل في موضوعات عامة، ثقافية وفكرية. والقضايا ذات الاهتمام العام، وهنا تلعب ثقافة الدبلوماسي دوراً هاماً كموظف سياسي وكإنسان اجتماعي راق وبالتالي كزميل محاور، وصادفت خلال عملي سفيراً كوبياً كان عازفاً رائعاً للغيتار، يتسابق الدبلوماسيون على صحبته، ودبلوماسياً عراقياً كان يعزف على الجلو والكونتر باص، يعزف أرقى السيمفونيات وموسيقى السولو، كان نجم الحفلات الدبلوماسية ومحط إعجابها.

 

وكثيرون من الناس وللأسف بعض الدبلوماسيين يعتقدون خطأ، أن الأناقة في الملبس هي مسألة في غاية الضرورة. حسناً ولكن دون مبالغة، وحقيقة الأمر أن الدبلوماسي هو ممثل سياسي وليس ممثلاً سينمائياً. والبساطة في الملبس(مع مراعاة الأصول الرسمية) تدل على ثقة الشخص بنفسه وبعمق ذاته.

 

كما يعتقد بعض الدبلوماسيين أن دعوة عشاء فاخرة لا بد أن تكون بالدرجة الأولى سخية وباهظة التكاليف، تدل على البذخ والعظمة. وفي الواقع أن هذه الفكرة خاطئة تماماً، ولا تدل إلا على أبسط المعاني. ومن الأنسب للدبلوماسي أن يكون محدثاً لبقاً في موضوعات الثقافة العامة(إلى جانب الاتجاهات الرئيسية لعمله بالطبع)، على أن يعرض خمسة أصناف من الطعام، ومن الأفضل أن تكون مائدة الطعام أنيقة تنم عن ذوق وتحضرَ على أن تكون وفيرة ودسامة الطعام. فوفرة الطعام لا تدل على شيء، فالإسراف هي خصلة غير محمودة في كثير من المجتمعات المتحضرة.

 

ويقول الدبلوماسي الأمريكي شارل ثاير بهذا الصدد، أنه في الوقت الذي كنا نخاطب فيه بطون المدعوين بدعوات فخمة، كان الدبلوماسيون الفرنسيون بذكائهم وثقافتهم الواسعة يخاطبون عقولهم ويكسبون احترام المدعوين أكثر من القائمين بالدعوة.(1)

 

ونلاحظ اليوم أيضاً، أن دبلوماسيي البلدان النامية هم أكثر الدبلوماسيين أناقة في الملبس، ويمتطون السيارات الأكثر فخامة، بينما يكتفي زملائهم من دبلوماسيو البلدان الصناعية المتقدمة بملابس عادية وبسيارات أقل فخامة، مع أن رواتبهم أعلى بكثير من رواتب دبلوماسيو البلدان النامية.

 

وبرأي فإن من الأفضل مئة مرة أن يهتم الدبلوماسي بمعرفة الاتجاهات المعاصرة للمسرح العالمي والفن والأدب، على أن يهتم فوق العادة بملبسه، كما عندي أن دبلوماسياً يقيم لعدة سنوات في عاصمة لا يعرف عدد مسارحها ومتاحفها هو موظف دبلوماسي فاشل، ذلك أن الاهتمامات العامة هي واحدة لا تتجزأ، وليست خاطئة الأمثال التي تقول: " قل لي كم مسرح في هذا البلد، سأقول لك من أنت، أو قل لي ماذا تقرأ أقول لك من أنت ".

 

والدبلوماسي ذكي، سريع البديهية، يحسن اختيار ألفاضه وكلماته، لكن دون تكلف، كما عليه أن يكون في غاية الحذر من أطلاق التصريحات أو التلميحات حتى في حياته الخاصة (إلا إذا كان ذلك التصريح والتلميح مقصوداً)، وليس للدبلوماسي سوى مساحة ضيقة جداً من أفكاره السياسية الشخصية. فقد تكون للدبلوماسي آراء شخصية حول أحداث سياسية معينة، قد تختلف جزئياً أو كلياً مع موقف بلاده الرسمي، إلا أنه هنا معني بالدرجة الأولى بموقف بلاده الرسمي وليس بموقفه أو رأيه الشخصي، والمواقف الرسمية ليست معدة لإطلاق التصريحات بدون مناسبة ومبرر هنا وهناك، وحيث لا فائدة ترجى من ذلك. وليس أكثر من الدبلوماسي من هو مدعو إلى التقليل من الأحاديث في غير أوانها ومكانها، بل أن الكثير من الأزمات الدولية نجمت أو بدأت من تصريح لا طائل له، صيغ بعبارات غير واضحة وأسيء فهمها.

 

في العمل الدبلوماسي لا بد من حذف بعض المصطلحات: لم أكن أتصور، نسيت،  قيل، فهذه جميعها وغيرها تدل على عدم التأكد واليقين، وهو ما لا يمكن احتماله في بعض المواقف، وحينئذ لا بد أن يكون الدبلوماسي متأكداً مما يقول، وكلمة تقريباً يجب أن تعني 16 أو 17 وليس الفرق بالأضعاف ..! وقد قيل أن الكثير من الكوارث بدأت بقول أحدهم : أفترض ..!

 

وتحتم على الدبلوماسي مهنته، أن لا يكون سريع الانفعال والغضب. فالإنسان يفعل عادة أو يطلق من العبارات ما يفعله عادة في حالة الهدوء والاتزان، وبذلك فقد يكشف موقفه التفاوضي من مسألة معينة، أو يكشف سقف موقف كان من الأجدر الاحتفاظ به لنفسه، ولكنه بغضبه أتاح للطرف المقابل أن يحقق تقدماً دون مقابل، إذ لا يمكن كسب أي موقف تأسيساً على حالة الغضب والانفعال، وردود الأفعال السريعة وتذكر الحكمة السياسية وأتخذها قاعدة: لا تقم بالخطوة الأولى من حالة الغضب. وينطبق ذات الحال على تناول المشروبات الكحولية، فهو منظر يدعو للرثاء رؤية الدبلوماسي الرزين مخموراً ثملاً، قد أفلت لسانه وتثاقلت قدماه، في منظر يدعو للعطف والشفقة أكثر مما يدعو للاحترام والتقدير.

 

وليس للدبلوماسي أن ييأس من تحقيق النجاح، أو تقدم حاسم بصدد قضية يتباحث من أجلها. فالصبر وطول الأناة صفة هامة في مباحثات الدبلوماسي، وعليه أن يدرك أن الأشخاص الذين يتباحث معهم هم دبلوماسيين مدربين، أو رجال دولة ليس من السهولة انتزاع المكتسبات منهم دون مجهود كبير. لذلك فإن بعض المؤرخين والعلماء يعرفون الدبلوماسية بأنه " فن المفاوضة"، وبهذا المعنى فإن الدبلوماسي يضع بعض الوسائل والحجج لاستخدامها في التوصل إلى هدفه النهائي، والذي قد لا يكون من الضرورة طرحه دفعة واحدة.

 

وتتغير تفاصيل الموقف ومفرداته بعد كل جلسة مفاوضات، أو في خلال الجلسة الواحدة، وعلى الدبلوماسي في هذه الحالة أن يكون صافي الذهن خال من التوترات والتشنجات، وبعيداً عن التعرض لانتكاسات نفسية إذا قوبل بموقف حازم من الطرف المقابل، بل متابعة عرض موقفه بوضوح أكبر ويزيد في إيضاحه، ويستنبط معطيات جديدة تفرزها المحادثات.

 

وبطبيعة الحال فإن كامل شخصية الدبلوماسي بما لها من سحر وجاذبية ومتانة البناء الخلقي تشع من كلماته ونبرات صوته، ويلعب استيعابه السريع لمغزى الحوارات وأبعادها دوراً حاسماً في المفاوضات.

ولا ينهي الدبلوماسي في حالة الفشل محادثاته بقطع الطريق على احتمالات عودة المحادثات، بل يترك دوماً مجالاً وفرصاً لظروف داخلية أو خارجية على مادة المفاوضات قد تؤثر بهذا القدر أو ذاك، فتعدل من الموقف التفاوضي بما يتيح مجالاً للعودة إلى طاولة المفاوضات مرة أخرى.

 

وأجد من المناسب أن أنقل هنا مقطعاً من مذكرات الجنرال ديغول يصف فيها مفاوضاته مع وزير الدبلوماسية السوفيتية خلال الحرب العالمية الثانية، مولوتوف، ففيها خير وصف للدبلوماسي الممتاز، ومن منطلق حيادي : " وقد وجدت في المسيو مولوتوف في تلك المقابلة وفي كل مقابلة بعدها، الرجل الذي يصلح بدنياً وعقلياً، بل وفي كل شيء تمام الصلاح للمنصب الذي أوكل إليه. وراح في لهجة تحمل طابع الجد كل الجد، وتخلو من الإيماءات والإشارات، وبكياسة مدروسة، وإن تميزت بشيء من الجمود. وفي نظرة عميقة، عمق النفس التي تنطلق منها، يؤكد لي أنه يود أن يتحدث بصراحة، وأن يستمع إلى كل ما أقوله، ولم يسمح بأن يفوته شيء، حتى ولو أراد تلقائياً أن يفوته، ولم يكن بوسع شيء أن يحركه أو أن يحمله على الضحك أو الهياج. ويحس المرء وهو يتحدث إليه أنه واسع الإطلاع على جميع الحقائق المتعلقة بأي قضية تثار، وأنه يسجل في قرارة نفسه وبمنتهى الدقة الخالية من كل خطأ، العناصر الجديدة التي تضيفها المناقشات إلى الحقائق التي تلك التي يعرفها، وأن يصوغ الموقف الذي يود وقوفه بمنتهى الدقة وأنه لا يود الخروج عما سبق أن أعد أو تقرر في مكان آخر ". (2)

 

وجدير بالملاحظة، مع تقديرنا أن مفاوضاً وسياسياً ورجل دولة مثل الرئيس ديغول، المعروف بكونه مفاوضاً صعب المراس، ومن العسير حمله على التراجع، ملاحظة إعجابه الشديد بكفاءة الدبلوماسي الممتاز، وفي ذلك دليل على أن سحر شخصية الدبلوماسي تلعب دورها المؤثر حتى في المفاوضات الحاسمة.

 

وللدبلوماسي أن يكون مرحاً، وفي أن يعبر عن مرحه، فذلك يعبر بشكل من الأشكال عن رضاه بسير العمل أو العلاقات. فالدبلوماسي لن يحقق وجوداً ممتعاً إذا كان معبساً، لكن مرحه ينبغي أن لا يعني الاستخفاف في مناسبات تستدعي أبداء الاهتمام الجدي، أو أن يؤدي مرحه أو بالعكس غطرسته واستعلائه، إيذاء مشاعر الآخرين، فعلى الدبلوماسي أن يدرك أن مرحه أو رزانته وجديته لها معناها السياسي، لا سيما في ساعات العمل واللقاءات الرسمية.

 وتتطلب بعض المواقف درجات عالية من الاهتمام والجدية، بل وشجاعة فائقة من الدبلوماسي في استخدامه لصلاحياته الممنوحة له من قبل حكومة بلاده، ولكن عليه أن يدرك أبعاد مسؤولياته بدقة، وهو إنما يفعل ذلك لمصلحة شعبه ووطنه، وأن يضع ذلك نصب عينيه دونما لحظة واحدة من الإغفال، وقد يكلف أحياناً بمهمات خطيرة تضعه في موقف صعب ومحرج أمام دبلوماسية الدولة المضيفة، وقد يتضمن هذا الإحراج ردود فعل قاسية، وفي مثل هذه الحالات، يتحول الدبلوماسي إلى شخصية معنوية بالكامل، وليس له موقف شخصي أو أخلاقيات أو كرامة شخصية، فقد يطلب إلى دبلوماسي أن يشجب وبعبارات قوية موقف الدولة المضيفة من قضية معينة، أو يرفض إجراءاً معيناً، وصولاً إلى تقديم إنذار أو تهديد بقطع العلاقات أو تعليقها، وهذه مهمات محرجة لا تنطوي على مشاعر الود والصداقة التي يحرص الدبلوماسيون (وهو أمر وتقليدي وشائع) على تعميقها بين بلاده والدولة المضيفة، بيد الإخلاص والأمانة في أداء الواجب يستدعي أن ينفذ الدبلوماسي هذه المهمة وتعليمات حكومته بحذافيرها وبطاعة الجندي في القوات المسلحة.

 وقد يكون ليس من الخطأ الاعتبار، أن الدبلوماسي هو في واقع الأمر جندي، ولكنه يرتدي الملابس المدنية، ويمارس تكتيكات تعلمها وتدرب عليها، تفضي في نهاية الأمر إلى أن يكسب لمصلحة بلاده، وهي الأهم والأسمى.  ومن أهم ما ينبغي على الدبلوماسي الابتعاد عنه، هو أبداء الحماس أو العاطفة أو بالعكس، الكراهية الشديدة، فتلك هي أحكام هوى لا تضم إلا جزءاً ضئيلاً من الأحكام والقرارات المبنية على حسابات عقلية ومنطقية دقيقة.

 وعلى الدبلوماسي مصارحة بلاده بالحقائق دون تشويه أو تزويق، فأحكام الهوى آفة خطيرة تصيب كثير من الدبلوماسيين فيضمن تقاريره وآرائه ما يعتقد أنه يسعد المركز وصناع القرار في قيادة بلاده السياسية، وفي واقع الحال فإنه يزودها بمعطيات خاطئة أو مبالغ بها غير دقيقة، ستؤدي لاحقاً إلى قرارات خاطئة، أو ضعيفة، وبالتالي فإنه يساهم في خلق أزمة قد يغدو من الصعب حتى لذلك الدبلوماسي تصليحها، وهناك حكمة قديمة في العمل السياسي: إذا أشتبه عليك أمران، فأنظر أقريهما إلى هواك فأجتنبه.

 وأخيراً، فإننا إذ عرضنا أن على الدبلوماسي أن يكون لطيفاً ودوداً، غاية في التهذيب، فإن المزايا والصفات إنما هي لمصلحة العمل. ويراعي الدبلوماسي أيضاً في اختيار مسكنه وأثاثه، الانطباعات المحتملة التي سيكونها زملاؤه الدبلوماسيون، ترى هل يجعل نمط تأثيث المكتب والسكن وفق الأنماط الثقافية لبلاده ومجتمعه، أم وفق أحدث الطرز في ثقافة الأثاث، وبكلمة أخرى فإن مساحة الحياة الشخصية البحتة للدبلوماسي ضيقة، بل وضيقة جداً في بعض البلدان بحكم الظروف الاجتماعية السائدة التي تجعل من لقاءات واجتماعات الدبلوماسيين أمراً يومياً أو شبه يومي.

 ولا يفوتنا أن نذكر شيئاً عن زوجة الدبلوماسي فلها دوراً غير بسيط في إطار علاقات الدبلوماسي الاجتماعية، فلدماثة خلقها وحسن تصرفها ولطفها واللغات التي تحسنها وثقافتها العامة وحسن تصرفها ما يزيد من فرص نجاح الدبلوماسي من خلال توسيع دائرة علاقاته وكسب الأصدقاء. أو بالعكس فإن أخطاء بسيطة وتافهة غير مقصودة قد تسبب كارثة على مستقبل الدبلوماسي. فقد علمت مرة أن زوجة دبلوماسي من الدرجات الصغرى كان معتمداً في أحدى البلدان غير الصديقة لبلده، اعتقدت أنه ليس من المسيء بيع القناني الفارغة لمشتري قناني متجول، فقامت بذلك، وتصادف وجود صحفي ومصور التقطا صوراً لزوجة الدبلوماسي وهي تبيع القناني الفارغة، ونشرت الصور في الصحف مع تعليقات سخيفة غير مستحبة، نقل على أثرها الدبلوماسي إلى بلده.

 

هوامش

 

 

 (1) ثاير، شارل      : الدبلوماسي، ص279، بيروت 1960

(2) ديغول، شارل   : مذكرات الجنرال شارل ديغول عن الحرب العالمية الثانية، ص315ـ316، بيروت 1964

 

المراسلات :

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

أنا أؤذي ...

 أنا إذن موجود

 

ضرغام الدباغ

 

منذ أن قال العالم الدانمركي الكبير سورين كيركغارد قولته المشهورة " أنا أفكر فإذن أنا موجود " ومن هذه المقولة، أنطلق مفكروا الوجودية في أفكارهم ومباحثهم، وهي فلسفة إنسانية تحترم الإنسان وفكره إلى أقصى حد، شريطة أن لا تنطوي تلك الأفكار على اتجاهات اعتدائية.

إذن لأن يكون كل فكر أو مذهب دينياً كان أم سياسياً أو إنسانياً ولكي يوصف بالرقي، ينبغي أن لا يكون عدوانياً، ففي الإسلام نصوص في غاية احترام الإنسان وخياراته، وتحريم للاعتداء على البشر، حيث ورد في الآية القرآنية " من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً " 32 سورة المائدة )، ويحرض على التعاون (التحالف والائتلاف بلغة القاموس السياسي المعاصر) بقوله تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " المائدة ــ 2)، وقوله تعالى " وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون" المائدة 62).

ويستهل الأئمة والدعاة، الصلاة والموعظة بقولها " الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين " .

في الاشتراكية كفكر سياسي إنساني، تؤكد مصادر التاريخ، أن الاشتراكية لم تعتد على جهة أو دولة أو أمة، فالاشتراكية مذهب وفكر إنساني لا يعيش إلا في وسط سلمي، ولا تزدهر إلى بالتعايش حتى مع الخصوم لتظهر محاسنها ومنجزاتها، فالاشتراكية كانت هدفاً للعدوان الخارجي منذ تأسيسها (1917)، وكان السبب الرئيسي في نهاية النظام الاشتراكي هو سباق التسلح المجنون الذي سارت فيها الولايات المتحدة الأمريكية والعالم الغربي، وليس فشل الاشتراكية كما يزعم خصومها، وبلغت في عهد الرئيس ريغان مبلغاً عالياً (حرب النجوم)، حتى أصبحت الحرب النووية خياراً مطروحاً، فتراجعت الاشتراكية وفضلت أن تحل نفسها على خوض حرب نووية ضروس لا تبقي ولا تذر، وأن تترك الاحتكام للتاريخ. وأظن أن التاريخ أصدر حكمه

وكذلك الوجودية، فهي مذهب إنساني تعتمد أولاً فكرة احترام الإنسان وفكره وحريته، أما الاعتداء وفرض الرأي فهذه مخالفة ومعارضة لطبيعة الإنسان الذي لا يستطيع أن يعمل ويداه مقيدتان، ولا يستطيع التفكير وفكر قسري مسلط عليه. " كيف أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراًرا " ....قالها الخليفة الراشدي الثاني، وأكملها جان جاك روسو " يولد الإنسان حراً ولكنه مقيد بالأغلال من كل مكان ".

الإمبريالية شيئ حقير، وهي تعني أنها تسلب من الفقير آخر رغيف خبز عنده، ولكنها مع ذلك تغني لحقوق الإنسان، والديمقراطية، وليس على وجه المعمورة بلد يخلو من جراح وأمراض خلقوها وتسبوا فيها. إنها نكتة سخيفة أن تزعم رعايتها لحقوق الإنسان والديمقراطية، وليس هناك من يتفنن بإبادة البشر كالإمبريالية. هات لي بلدا لم تكويه الإمبريالية بنارها ..؟

إيران تفعل العكس، ولا تبالي حتى بالتغطية ... ورغم أنها ترفع لافتات الخرافة والجهل، لكن لكل خرافة نهاية وها هو الجمهور قد مل التمثيل الردئ، والمسرح المهترئ واشمئزاز الجمهور، وسخط الحضور، والإساءة للإسلام، وتغليف الطمع والشراهة، بمسوح الدين .. فأنتبه المسروق وقبض على السارق متلبساً، والفلم الهندي في نهايته .. والعوض الله بالخسائر ..

ــ إيران، تزعم أنها دولة إسلامية، وهذه بدأت تتكشف، أن أي بقعة في العالم بوسعها إدعاء الإسلام عدا إيران ..! بل بالعكس، لا أحد يسعى إلى تدمير الإسلام بقدر إيران، بدليل أن كل من يعادي الإسلام يجد في إيران الحليف الأول لها .. والعنصر الأساس في كل عمل إقليمي أو دولي يستهدف الإسلام ...لا نبالغ .. بل إيران تبالغ في العداء والكراهية (وهي السلعة الأفضل لديهم) وإليك الدليل :

ــ إيران أدخلت وساعدت ودعمت الوجود الأجنبي في أفغانستان.

ــ إيران هي من ساعدت ودعمت وذبحت الشعب العراقي.

ــ إيران، هي من ذهبت إلى سوريا لتدعم نظام ساقط، وتساهم بقتل الشعب السوري.

ــ إيران هي من صنعت حسن نصرالله ليدمر لبنان الجميل ..

ــ إيران هي من سحرت الحوثي بالمال والجاه والسلاح، ليدمر اليمن.

في داخل المعادلات الإيرانية أزمة خطيرة لو التهبت لا تبقي في إيران حجراً فوق حجر، لأن هذا البلد مركب تركيباً يخالف المنطق والمصالح السياسية والاقتصادية والثقافية، والغرب يدرك هذا تمام الإدراك، وكذلك الشرق، أن إيران بلد مركب من قطع غير متجانسة، إذا رفعت قطعة منه فسينهار ما هو مشيد بسرعة، وتصبح هذه المنطقة الشاسعة نهب لشتى المصالح الدولية، من المؤكد أن النفوذ الروسي سيكون الأقوى، لأنه الأقدر على فهم مفردات العقل الشرقي، ولهذا يحرص الغرب على بقاء إيران قوة تثير المشاكل تحت السيطرة، فإن شاء الغرب التدخل في أفغانستان، أو الخليج، أو العراق، أو في حوض قزوينـ أو أذربيجان، أو مع تركيا، فإيران جاهزة للعب هذا الدول القذر ... فهي موجودة للعلب هذا الدور، وبنظرة من استراتيجي مبتدأ إلى الخارطة في المنطقة سيشاهد أن الفرس (وهم أمة صغيرة قياسا) أمة محشورة بين أمتين لها عمق تاريخي وسياسي واقتصادي وثقافي بين العرب والترك ..تحرص القوى العالمية أن لا تتحد الأمة التركية فذلك يعني كيان يمتد من داخل الصين وحتى البحر المتوسط، وأمة عربية تمتد من الخليج العربي وحتى المحيط الأطلسي، نظرة سريعة إلى الخارطة تنبئك بهذه الحقيقة ... وإذا أضفت لهذه الحقيقة أن هاتان الأمتان مسلمتان .. ستصبح الاحتمالات مرعبة ....

هذا هو كعب أخيل الإيراني (نقطة مقتل إيران) وهي تريد لعب دور هي غير قادرة عليه، إلا بالتخادن والتخادم مع القوى العظمى، وهي تتفعل ذلك، ولكن ربما أن هذا قد لا ينفع للنهاية، ففي لحظة واحدة، تختل نقطة التوازن وينهار كل شيئ. .... لذلك دور الولد الأزعر هو دور مرسوم بعناية، ويلعبه الفرس من زمن الصفويين والقاجاريين والبهلويين، وأنتهاء بالملالي الذين تثقل العمامة والقفطان والعباءة حركة رقصة الباليه .. فيبدو كل شيئ بائساً بل وينذر بشر مستطير ...

صديق وأخ كان يدرس الهندسة البحرية في ألمانيا حكى لي أنه يمكن أن تنكسر باخرة وزنها مئات الألوف الأطنان من الحديد في لحظة واحدة إلى نصفين كما تكسر خيارة بيدك ... ويحدث هذا في لحظة واحدة، عندما تختل نقطة التوازن في الباخرة حين تبحر في ظروف العواصف والأنواء البحرية .. ولا ينقذ السفينة سوى ملاح مهندس له خبرة ... وليس من يجهل قواعد الملاحة .. ويريد أن يرقص البالية .. وهو غير مجهز لهذه اللعبة ... ولا يعرف من أصولها غير جملة واحدة .... أنا أوذي ... إذن أنا موجود ...!

والعاقبة للمتقين ......................!

 

 

 

 

ثورة أكتوبر

شقيقة ثورة العشرين

ضرغام الدباغ

دون ريب وباستحقاق عال .. أخذت ثورة أكتوبر مكانتها كثورة عظمى، هي دون شك توازي في أهميتها التاريخية ثورة العشرين الخالدة،  وهي كالثورات العظمى في التاريخ تندلع دون تخطيطات معقدة، كالثورة الفرنسية الذي أشعلت أوارها كلمة للملكة ماري أنطوانيت، ولا ينتقص من شأن الثورة افتقارها للحزب الثوري الذي يقودها، فهذا الحدث لا أنجم حين أتنبأ وأقول .. أنه قادم ... قادم .. مكونات وتشكيلات موجودة، ستعلن عن نفسها في الوقت المناسب ...!

ـــ الثورة تمضي بسلاسة، واستطاعت أن تستوعب حتى موسم حصاد كورنا الرهيب، ثورة أكتوبر، وما تزال تتواصل وسوف تتواصل حتى تبلغ هدفها النهائي، ونستطيع القول بلا مبالغات، أنها وصلت هدفها، وما تبقى هو إصدار مراسيم استحقاقات احتفالية النصر ... كيف توصلنا لهذا التحليل ولا مكان فيه للعواطف والحماس والرغبة الشخصية ...!

ـــ الثورة تمكنت من تشخيص دقيق لجوهر الموقف العراقي، وطرحته كمادة أساسية للثقافة الشعبية العراقية الثورية، بلغة متميزة : الثورة شخصت ولخصت الوضع وإشكالاته الخارجي الموضوعي بالاحتلال الأجنبي وكل ما يسحبه هذا من لواحق وملاحق جانبية. ولخصت الوضع وإشكالاته الذاتية الداخلية بالدائرة السوداء المسماة " المنطقة الخضراء " بكل ما ينطوي عليه وما يعنيه من معاني ومغازي من :

مفردات الفساد السياسي (جوهرها ارتهان للأجنبي، محاصصة طائفية، غياب كلي للتنمية، واشتداد وتائر القمع المناطقي والطائفي) .

مفردات الفساد الإداري (تفريط بمصالح البلاد، شخصيات تخلو من الاقتدار، بيع المناصب العليا، دمج على كافة الأصعدة، انهيار شامل للبنى التحتية والارتكازية)

مفردات الفساد المالي ( نهب صريح لموارد البلاد، وتهريب الأموال العامة للخارج، تحقق الفساد الهيكلي بأبشع صوره (strukturell korrupten)

مفردات الفساد الاجتماعي (نشوء فئات طفيلية (Parasitie)، انهيار أخلاقي بشيوع المخدرات،  وانهيار أسري، بانتشار تقاليد غير عراقية وغير عربية أو إسلامية، واضمحلال الخدمات الاجتماعية الأساسية (الطب، السكن، التعليم).

ـــ الثورة شخصت هذه التي يكفي لواحدة منها أن تقوض بلداً، وتبيد منجزات، وتوفر الظروف بأشكالها لشرذمة الوطن، ولولا أن العراق ككيان سياسي وثقافي واجتماعي واقتصادي، راسخ كرسوخ الجبال الراسيات، في عمق أعماق التاريخ منذ عصور ما قبل التاريخ، وما شهده العراق لو يجري على أي بلد في العالم لتشظى إلى عشرات القطع ..... ولكنه العراق ... وما أدراك مالعراق  ...!

ــالثورة هي تتويج لثورات العراق، ومحصلة تاريخية للمسار الوطني.

ـــ الثورة استطاعت أن تمثل العراق كله ليس بالأسماء، بل أنها وهو الأهم .. جمعت آمال الشعب العراقي بكلمة واحدة " نريد العراق " هذه كلمة السر التي وحدت الشعب العراقي كله .

ــ الثورة اقتلعت أسوء حكومة عرفها العراق في تاريخه القديم والحديث.

ــ الثورة ألغت رهانات القوى الخارجية على خيول مستهلكة ساقطة.

يبقى شيئ هو الأهم ما طرحته الثورة : أنها خطت الأحمر ... سقفاً، أقل منه يوقع في الشرك الوطني، أقل منه يحرق الأسماء، لا توجد عجول مقدسة، ولا أسماء ذهبية، الثورة خطت ذلك، ومن لا يبلغ ما كتبته الثورة فهو من القوم الخاسرين ....!

 

 

هل تصبح

كورونا تيتانيك القرن

 

ضرغام الدباغ

 

أساء البشر للطبيعة،  أساؤوا لها كثيراً منذ العصر الصناعي وحتى اليوم .... وهذه هي اليوم نتائج أعمالهم، وربما أن القادم سيكون أشد هولاً ...! والمسألة لا تتوقف عند فيروس كوفيد 19، بل أن الوباء كشف عيوب النظام الرأسمالي، فدول ثرية كإيطاليا وفرنسا وبريطانيا، والولايات المتحدة، لا تمتلك البنية الصحية التحتية الكافية لمواجهة مواقف كهذه، المرضى ينامون في الشوارع، وفي المدارس. وهذه عناوين رئيسية للأزمة

ــ عالم ألماني يخشى أن تكون هناك موجة ثانية وثالثة من كورونا..

ــ عالم آخر، يخشى أن فيروس كوفيد 19 فيروس متحول الصفات، بمعنى أن هناك جيل ثاني وربما ثالث.

ــ عودة الفيروس بقوة بعد الفتح الجزئي للحركة العامة.

ــ  ما هي أخبار موجات الدبابير القاتلة التي تهاجم البشر وتصيبهم بالهلع، وهي اليوم في الصين والهند وإيران.

ــ التعرض للإشعاعات والتجارب البايولوجية قد تؤدي لإنتاج  مخلوقات جديدة أو فايروسات مجهولة ..

ــ يتردد كثيراً، أن هناك ما ينبأ بوجود حلقة مفقودة لا تود السلطات إخبار الرأي العام ..ماهي تلك الحلقة ؟

ــ مؤشرات كثيرة تثير هواجس مشروعة .............!

البشر صار يعادي البشر لأتفه الأسباب، يقاتله ويسحقه، ويسلب منه الرغيف الأخير، ويرفع شعارات غير حقيقية، وجميعها في نهايتها تعني: " دعني أهيمن عليك وأستولي على مقدراتك .. وإلا فأنت ...! ".  تحت هذه الشعارات تدور رحى صراعات تارة بشعارات حقوق الإنسان وتارة بأسم الديمقراطية، وتارة بشعارات دينية، وتارة طائفية ولكنها في نهاية المطاف، كلها شعارات توسعية وتهدف إلى بسط السيطرة والهيمنة .... في السابق كانوا يتفننون في إخراج وسيناريو الكذبة، ولكنهم اليوم صاروا لا يبالون ..!

في كتاب ألفه الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون (وهو من أكفأ الرؤساء الأمريكان)  والكتاب أسمه " So verlieren wir den Frieden  " (هكذا فقدنا السلام) صدر في كانون الثاني / 1980 في ألولايات المتحدة وألمانيا في وقت واحد. والمهم في الكتاب أن نيكسون يعرض ببساطة أن الحرب العالمية الثالثة هي مستعرة ومنذ عقود ..! ويستعرض نيكسون حجم الإنتاج الحربي بعد الحرب العالمية الثانية من الطائرات، والدبابات والمدفعية، والسفن الحربية والغواصات، ومحاولة استخدام الفضاء الخارجي لشن الحروب،  والقنابل الذرية وأسلحة أخرى للدمار الشامل، وكم مرة استخدمت هذه الاسلحة علانية أو بصورة مستترة، كم من الحروب التي اندلعت، أو ما يشبه الحروب (نزاعات مسلحة)، وكم هي أعداد البشرية التي قتلت حول العالم، والتي تشوهت، أو أصيبت بإعاقة دائمية .. ويستعرض أرقاماً مهولة مرعبة، والكتاب للأسف الشديد ليس بحوزتي، (إذ فقدته كما فقدت مكتبتي ومراجعي الثقافية)، نصل إلى نتيجة .. حقا ً أن الحرب العالمية الثالثة قد اندلعت .. أو بالأحرى أن الحرب الكورية (1950 ــ 1953) شهدت هدنة شكلية، ولكن الحرب تواصلت في أرجاء كثيرة في العالم  بما يسمى " حروب بالوكالة ". (Proxy War) وتدور هذه الحروب تحت شتى الشعارات، والنتيجة دائماً : قتلى، ودمار، وتلوث للبيئة، وتقلص أفق الحياة  الطبيعية .

 

وقمنا بعملية جرد معقدة نوعاً ما ومتعبة للتوصل إلى حقيقة كبيرة، هو أن البشرية لم تكف عن القتال والحرب، ومعظم الحروب دارت بدفع من الولايات المتحدة أو بسببها، وحيث لم تحارب بنفسها وبقواتها المسلحة، كانت تثير الحروب بواسطة وكلائها، وجردنا كان بهدف التقصي عن جوهر نظرية الرئيس نيكسون، فوجدنا أرقاما تنبأ عن صحة النظرية، وحيث لا يمكننا تقديم احصاءات كاملة سنكتفي بعرض عينات منها لفهم المقصود:

أنتجت الولايات المتحدة

ــ طائرة أف 86 سابر (F86 Saebr) : 9860 قطعة.

ــ  طائرة أف 4 فانتوم (F4) : 5195 قطعة.

ــ  طائرة أف 5 (F5) : 2700 قطعة.

ــ طائرة أف 16 (F16) : 4540 قطعة.

ــ طائرة أف 104 ستار فايتر (F104)  2578 قطعة.

ــ  طائرة ، قاصفة استراتيجية ثقيلة ب 52 (B52) : 852 قطعة .

ــ دبابة باتون (Paton) 12000 دبابة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنتج الأتحاد السوفييتي:

ــ طائرة ميك 17 (Mig 17) : 10367 قطعة.

ــ طائرة ميك 21 (Mig 21) 11496 قطعة.

ــ طائرة سوخوي 7 (Su 7) 1847 قطعة.

ــ دبابة  تي 54 (T54) 20000 دبابة

ــ دبابة تي 55 (T55) 86000 دبابة.

 

هذا مع العلم، أن طائرة واحدة من طائرات اليوم، تعادل سرباً أو أسراباً من طائرات الحرب العالمية الأولى، وحتى الثانية، من حيث: السرعة، القدرة على حمل الأسلحة، والمدى. وما يقال عن التقدم في صناعة الطائرات يقال عن الدبابات وسائر أسلحة القوات المسلحة.

وقد شهد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1975 ما مجموعة 232 حرباً ونزاعاً مسلحاً موزعة على القارات وكما يلي:

ــ أوربا 9 حرباً أو نزاعاً مسلحاً.

ــ آسيا 112 حرباً أو نزاعاً مسلحاً.

ــ أفريقيا 69 حرباً أو نزاعاً مسلحاً

ــ أميركا 40 حرباً أو نزاعاً مسلحاً.

المصدر: Kiessling, G: Krieg und Frieden in unserer Zeit, Berlin 1977, S. 100 

بالإضافة لذلك، استخلصنا من مصادر أجنبية رصينة الحروب منذ 1975 وحتى 2016، وهي كما يلي :

ــ 49 حرب منذ 1975 وحتى 200

ــ 30  حرب منذ 2001  إلى   216

المصدر : Wikipedia : Germany  

 

ــ مجموع الحروب منذ عام 1945 وحتى الآن : 311 حرب ونزاع مسلح، وخسائرها الاقتصادية تفوق بالتأكيد خسائر الحرب العالمية الثانية أو تعادلها .. إذن فالحرب لم تتوقف يوماً. وهذه الأرقام ليست الإشارة الكاملة، بل هي مؤشر للقارئ أن يستنبط حجم الإنتاج الحربي، والذي لا يمثل إلا جزءاً ضئيلاً من المغزى الذي نذهب إليه. لماذا خمس دول تتحكم بالعالم، لماذا لا يوضع قانون دولي يحرم امتلاك أسلحة الدمار بكافة أشكاله، والمنع يسري على الجميع، التطور العلمي لم يبق أسرار، وحتى الدول النامية بوسعها صنع أسلحة دمار شامل .. وهذا ما سيعرض البشرية لمخاطر فناء ...

ولابد من ذكر حقيقة سوداء، هي أن البشرية شهد في تاريخا أكثر من 22 الف حرب ونزاع مسلح، وفي الرجوع إلى جميع هذه الحروب، نجد أن الاشتراكية لم تخض في تاريخها حرباً ونزاعاً مسلحاً. لسبب بسيط، هو أن الاشتراكية لا يمكن أن تعيش وتزدهر في ظل الحروب، ولأن الحروب تسحق الفئات الكادحة التي هي عماد الاشتراكية وهدفها. ولذلك فالاشتراكية لا تسحق نفسها ..! في حين أن الرأسمالية تنتعش في الحروب وتجد خلاصاً لها من أزماتها. وبوسعنا أن نتوسع كثيراً في هذا المجال، ولكن ذلك سيخرجنا عن لب وجوهر موضوعنا. هذه الحروب التي يقتل فيها الفقراء والكادحين بالدرجة الأولى، وتصرف عليها الأموال الفلكية لماذا ..؟

  جرى على ظهر هذا الكوكب ما يكفي لتمزيقه وتشطيره إلى شظايا ... 2054 تفجير نووي على سطح الأرض وتحت الأرض وتحت الماء، وفي الفضاء الخارجي ... وأفنوا حتى الحيوانات البرية والبحرية، وأنقرض العديد منها، وأخرى على وشك الانقراض. .. ثم جاءت الحرب البايولوجية وهم يجربونها على البشر، وتفلت السيطرة منهم أحياناً كما حدث : في الآيدز، وإيبولا .. كورونا ومن يعلم ماذا بعد .. دمروا العراق شر تدمير رغم أنهم يعلمون علم اليقين أن لا توجد أسلحة دمار شامل .. دمروا حضارة عمرها أكثر من 10 ألاف سنة ..!

ثمة ما هو جديد الآن في مجال هلاك البيئة، وهي المخلفات في الفضاء الخارجي وهي الناجمة عن بقايا الاقمار الصناعية أو أجزاء صغيرة من صواريخ التي ترفع المركبات أو الاقمار، أو أقمار عاطلة، تدور في الفلك، ويقدر الوكالات المتخصصة وجود 170 مليون قطعة مما تسمى" نفايات الفضاء" التي تسير بسرعة كبيرة تصل إلى 27 ألف كم / ساعة. وبذلك يصعب تعقبها. وقد حدثت عدة حوادث أصطدام بين هذه المخلفات، ونتائجها كانت صعبة.

اليوم يتباكون على مباريات كرة القدم .. طبعاً .. فالرياضة اليوم لا علاقة لها بالرياضة التي نعرفها، فقد أصبحت صناعة حلوب تدر المليارات .. هل الرأسمالية تعطي راتبا للاعب 15 مليون يورو لأنه يدخل الكرة في الشبكة ... وعلماء أفذاذ يتقاضون رواتباً لا نقول لا تكفي، ولكن كم تستحق الممرضة التي تعالج ضحايا الكورونا ..؟ كم يستحق الطبيب المعالج ..؟ كم يستحق عالم عبقري يتنبأ لكم بما سيحدث بعد عشر سنوات .. وكأنه ينظر إلى كرة زجاجية ويقرأ لكم الغيب ..! وكم يستحق العامل الذي يصنع لك القناع (الكمامة) أو المصل والدواء من أجل أن تبقى على قيد الحياة ..

 

البشرية بوسعها العيش دون ملاعب كرة ضخمة فخمة تستنزف المليارات من الأموال، السينما يمكن أن تشاهد عبر الانترنيت الذي أصبح في غاية الكفاءة، ومن خلال تطورصناعة الشاشات (Monitor). عندما جاءت الكورونا، لم يجدوا مستشفيات لعلاج المرضى، وخاصة في إيطاليا وأسبانيا وبريطانيا وأميركا، وكذلك المدارس، اليوم البشرية مضطرة لتقليص نشاطاتها إلى أقصى درجة ممكنة، التدريس أونلاين (Online)، الأستاذ الجامعي يقابل تلامذته في دائرة تلفازية، الامتحانات أونلاين منذ مدة طويلة .. ويسرني القول إني اشتركت في لجنة دفاع عن أطروحة دكتوراه بدائرة تلفزيونية، الإنسان سيداوي نفسه بدرجة ما متصاعدة، بواسطة الهاتف الجوال سيقيس ضغطه، ودرجة السكر في الدم، والنبض، وسيجري فحوصات كثيرة في البيت، ويتصل بطبيبه العائلي، ويتحادث معه على السكايب، (Skype) ويمكن أن يعرض عليه جسمه، ويصف له العلاج، وتصل الوصفة هاتفياً، وتبعثها للصيدلية، التي سترسل لك الدواء خلال دقائق .. كثير من هذه الأمور الآن سارية.

أليس من السخف والهوان، أن يتمكن شخص معوق مثل بشار الاسد بقتل مئات ألوف البشر .. لماذا .. هو ليس بنظام ولا حكم .. لا جمهورية ولا ملكية، هو عبارة عن أسرة متسلطة على بلد بمؤامرة شيطانية حاكوها لسنوات، والأن البلد بملاينه في كمين محكم .. هو ليس ضد (س) .. ومتحالف مع (ر) .. و( ك) غير راضيه عنه، ولكن لموقفه من (س)، هي ساكته عنه، و(ن) تقبل به لأنها تريد الخروج للتفسخ غرباً، هي تعلم أن مقامها سوف لن يطول، ولكنها تلعب لعبة قد تربح ... ماذا هذا .. ما هذا العبث بمصائر البشر الناس تتفرج مئات الألوف صار في قعر البحار .. ملاين هجروا .. وملاين البيوت هدمت فوق رؤوس أصحابها .. وتريدون كورنا أن لا تفتك بالعالم .. لماذا حفنة من الملالي المتعفنين يثيرون الشغب والزعرنة في الشرق الأوسط ..؟ هل هذا شغب مقبول لأن الشرق به نفط مرغوب وإسلام غير مرغوب، وعرب ينبغي أن لا يتحدوا.

الكورونا مثل داعش، سلعة قذرة تم أنتاجها في مختبرات الأجهزة السرية ..  تقتل بوحشية، تدمر .. والأجمل أنها سبباً في التدمير .. لعبة رائعة ... طالما نقدر أن نلعبها فلماذا نقصر ..؟ ونحن نضمن سكوت المراقب الذي بيده المسطرة ..! نرسلها إلى مدينة (س) ثم نهجم لنبيد المدينة (ص) .. تأملوا .. حتى الآن توفي بفيروس كورونا نحو 300 ألف شخص ... أي ما يعادل سقوط نحو 1300 طائرة ركاب مليئة بالمسافرين ..! ولكن العالم لا يبالي كثيراً .. في أوربا يتظاهرون يرفضون منع التجوال:

هناك من يقول أن كورونا كلها عبارة عن خدعة، من أجل الترويج لتطعيم يعود بالمليارات ..

 وهناك من يقول أن الجهة الفلانية تخطط للسيطرة على العالم، أو ...

أن جهة معينة لديها المصل الآن، ولكن تريد أن يركع العالم ليعطوهم المصل المضاد ..

هناك من يزعم أن المصل عبارة عن شريحة صغيرة جداً ستزرع في جسد الإنسان، وبذلك سيكون تحت السيطرة ..

من يطلقون هذه الأقاويل ليسوا بأغبياء جهلة، ولكن ثقة الناس بأولياء أمورهم غدت ضعيفة جداً ..

لماذا لا يجري تحقيق دولي دقيق في معرفة أصول داعش ومموليها، ومن يأويها .. العالم أصبح، واعياً للمثل البراغماتي العراقي المشهور " رجال اللي يحط بالسلة ركي ". وهناك عندنا من يقاتلك : ليش جد .. جد .. جدك الخامس والأربعين، شاف جد ..جد ..جدي الخامس والأربعين وما سلم عليه ..؟

قبل يومين كنت أفتش عن موضوعة وإذا بي أمام معلومة كانت بالنسبة لي لغز، لماذا انطلقت صناعة السيارات الروسية كإعصار ... في أميركا تسير أياماً في الشوارع لا تجد فيها سيارة فرنسية ولا إيطالية (اللهم فيراري ولامبورغيني) ولا سيارة بريطانية، إلا سيارات أمريكية والمانية ويابانية وو .... لادا الروسية، وبكثرة ..! اكتشفت بالأمس أن هناك تعاون روسي ياباني في صناعة السيارات (Joint venture)  شركة نيسان مع شركات فولكا وموسكوفيتش وزيل، وواز وهو السبب الذي هبت صناعة السيارات في روسيا كعملاق  ينتشر بقوة ... ونحن نريد أن نقف أمام العالم الجديد الذي يتسابق بفراري ولمبورغيني وبورش .. ببايسكل أبو جرخين، والأثنين بنجر .......  يا حسرتي على العباد

 

 

 

 

تداعيات قراء

مع كتابات قديمة

ضرغام الدباغ

 

المعقول واللامعقول يتحقق معاً وعلى مسرح واحد

 

إذا علمت أن سيارة الفرنسية سيتروين (Citroen) تتألف من 33 ألف قطعة، كبيرة وصغيرة، بالطبع يمكن تفكيكها، كما تم تركيبها ..! ولكن بالتأكيد يلزمنا وقت طويل على الأقل ساعات .. ولكن هناك طرق يمكن أن تفككها بدقيقة، أو بثوان حتى .. كيف ..؟  سنخبركم ...!

كتب أصدقاء لي، وآخرون اتصلوا هاتفياً، وذكروني بمقالات وخواطر كنت قد كتبتها، والحق أني قد كتبت مجموعة من الخواطر والمقالات، نقلاً عن مسموعات وقراءات، ومن تلك أني شاهدت مرة في بيروت (مطلع السبعينات)، مسرحية رائعة أسمها " ناطورة المفاتيح " والمسرحية تدور عن ضيعة "قرية" يحكمها "مختار" أو سمه ما شئت ....! طاغية لا يفهم ولا يريد من يفهمه، صحا ذات صباح، فوجد أن أهل القرية "الضيعة " قد فروا جميعاً وأودعوا مفاتيحهم عند "سيدة" ، أبت أن تغادر معهم، وفضلت البقاء فاستحلفوها أن تحافظ على مفاتيحهم ما أمكنها ذلك، والمختار الطاغية نادى على حراسه فلم يجد أحداً، فقد فر الجميع بأعذار مختلفة، والنتيجة هي أنه أصبح مختاراً بلا رعية ...!! مالعمل ...؟

ها نحن نقول مالعمل مرة أخرى وأخرى .... وأخرى .. اعتقد أننا سنبقى نقولها ألف مرة أخرى ..

وكتبت مرة، ما هي العبرة في أن تعطي مسدسك لشخص وتستحلفه أن لا يأسرك ...!

ثم أني أردت أن أواسي صديق لي، فقلت له .. هذه أمور تحصل في التاريخ .. تذكر قصة حصان طروادة وكيف أدخلوه  الطرواديون بأنفسهم داخل قلعتهم الحصينة المنيعة، بالاحتيال  وما تنطوي عليه من معاني عميقة وعبر ... (*) بمعني ... هذه أمور تحدث .. كسرقة المفتاح، أو تواطؤ مع حارس البوابة، وإذا أحسنا الظن، أحدهم نسى ولم يقفل باب القلعة جيداً، والنتيجة هو دخول الأرضة ..!

ثم لا أحد ينسى مصطلح " الرتل الخامس " وهو مصطلح شاع بعد الحرب الأهلية الأسبانية، كان الفاشست يملكون أربعة أرتال في المعركة، ولكن قائد الفاشست قال " عندي خمسة أرتال " ولما سأله الصحفيين عن الرتل الخامس أجاب " إنه موجود في صفوف الخصم يرتدي ثيابا مدنية ".

ــ تفكيك ماكنة عملاقة

كيف يفككون ماكنة ضخمة عملاقة، وماذا يفعلون بالقطع الكبيرة .. والصغيرة. ..؟

الاحتمال الأول وهو الأفضل: إذا كان التفكيك بقصد التنظيف والتعمير وإعادة التركيبRestoration) ) فهي عملية محمودة النتائج والعواقب. ولكن بشرط أن تتم بأيدي خبيرة.

الاحتمال الثاني وهو الاسوء : إذا كان التفكيك يجري بأيدي من لا يفقه في الأمر، فسينتهي إلى تخريب متعمد مع سبق الإصرار والترصد، وهو كأنك تسلم إحدى عينيك لنجار ليقوم بعملية ترقيع للقرنية  مثلاً ..!

المثل لا يبدو مبالغاً به، وإذا علمنا أن هناك من المكائن التي تتألف من ألاف القطع من البراغي فصاعداً، وسيارة مثل ستروين الفرنسية تتألف أكثر من 30 ألف قطعة،  يبدو تفكيكها سهلاً بنسبة ما، إلا أن إعادة التركيب يحتاج قطعاً إلى خبراء، وإلا فأنك ستركب الدراجة الهوائية في نهاية المحاولة  بأفضل الأحوال ..!

لا تقبل أن يتحايل عليك محتال فيفكك لك ماكنتك الممتازة ويجعل منها خردة بعد أن كانت تزهو للناظرين ..! أحذر ..! فهذه الماكنة التي ورثتها أنت رائعة ولكنها كأي مكنة بحاجة إلى ترميم وتجديد وضبط حركتها.، ولكن أحذر محاولات من يريد لمكنتك أن تصبح خردة لا قيمة لها.

ومن المحتالين من هو أكثر بدائية، ويفتقر حتى للياقات والتهذيب الاجتماعي، فيحتال بطرق خسيسة، ولا تستبعد البتة، أن يكون هناك من أرسله ليخرب لك ماكنتك أو تحفتك الفنية الرائعة .. بطريقة خبيثة، وهي غالباً تأتيك من أشخاص تعمدوا أن يسخرونهم بواجب التخريب ... من قبل مقاول كبير بالطبع لقاء أجر، فيأتي بمن يقبل العمل الوضيع بدراهم معدودة، فيضع مثلاً حفنة من الأرضة (النمل الأبيض) كافية لأن تجعل غرفة كاملة من أرقى أنواع الأخشاب تتحول إلى تراب، أو يخلط فنجان من مادة (.....) مع بنزين المحرك، فيصبح المحرك قطعة صماء، أو قطرة واحدة من السم الزعاف يكفي لقتل نخبة من الأفذاذ ...! .. أما إذا قلنا بوضع 2 كيلو كم المتفجرات الممتازة تحت سيارة، ستصبح خردة يصعب جمعها.

سأنبئك بخبر مؤسف .... بيتك استولى عليه حفنة من هؤلاء السفلة، ستسأل كيف دخلوا البيت وأنا عندي نظام دقيق جداً .. بل بالغ الدقة، لا نمنح فيه المفتاح إلا لمن بلغ من العمر والعقل أشده، ولنا معه خبرة طويلة وتجارب، آنذاك نأمن تسليمه المفتاح. سنقول له، تأكد ممن أعطيتهم المفتاح، وراجع ذاكرتك وأوراقك ... ها .... ستكشف أنك أعطيت المفتاح لواحد لا يمتلك صفات يستحق بها مفتاح باب البيت الرئيسي .... أطرق صاحبنا وفكر للحظة، وأدرك عظم غلطته ...

مالعمل ...؟

ــ تفكيك إنسان أو ... ربما دول

قرأت في أواسط الثمانينات، مسرحية بعنوان " الرجل هو رجل " (Mann ist Mann) لبرتولد بريشت. وأنا لا أخفي إعجابي بهذا الشاعر والكاتب المسرحي الألماني  الذي قمت بترجمة الكثير من قصائده إلى العربية، وإعجابي هو بسبب واقعيته وانحيازه التام لقضايا المظلومين وبوصفه ينتمي ثقافياً وفنياً لمدرسة أحترمها وهي " الثقافة والفن للحياة " أي أن الثقافة ليست للتسلية وقضاء الوقت، بل أولاً ينبغي أن تعبأ في خدمة قضية مهمة تستحق من الرأي العام الوقوف لجانبها. ويكتب بريشت في مقدمة مسرحيته (الرجل هو رجل) أنه  سوف لن يخدع الجمهور، وسيفضي بما يريد عرضه مقدماً بلا لف ولا دوران، وهو أنه يعتقد أن الإنسان قابل للتفكيك والتركيب كأي ماكنة، أو قل كأي قطعة سلاح ..! إنها نظرية مذهلة حقاً، ولكن هل يمكن تحقيقها حقاً في الواقع المادي ...؟

أم ترى هل هذا ضرب من أعمال الأدب اللامعقول ..؟

كلا وألف كلا ... بل عندما يقرأ الإنسان ويتعلم ويصبح أكثر وعياً، يصبح عصياً على التفكيك والتركيب .. لن يحميك سلاح ولا حتى قنبلة ذرية، بل الثقافة فقط .. وإليك الدليل الساطع، فوق ما لديك من أدلة ... وعندما تشاهد غالبية من ينقادون للتضليل وغسل الدماغ والتفكيك وإعادة التركيب، هم من الأميين أو أشباه الأميين. وبريشت في مسرحيته الرائعة يثبت أن الإنسان يمكن تفكيكه وتركيبه .. ولكن أي إنسان ..! تلكم هي مسألة جوهرية .

فالكثير منا يعتقد.. لماذا يقدم (س) من الناس على القيام بأعمال ولا معنى لها ..؟ هل بحكم العادة .. ربما ..! أم ترى بحكم تلقين طويل الأمد، جرى دمجه بمفردات الحياة اليومية ( اللباس والطعام والجلوس والحديث وحتى بإطار العلاقات الجنسية )،  فيكون الداخل فيه  كالداخل في دوامة في وسط النهر يصعب جداً عليه الخروج منها، إلا إذا كان سباحاً قوياً، له ذراعان قويتان .. أو عقل متفتح يأبى أن يكون أسيراً ... أو أن يقبل المثول لتجربة التنويم المغناطيسي أو كما يقال " التعريض لغسيل دماغ شامل ". ومعظم القضايا الجوهرية خارج إمكانية إعادة النظر أو التفكير بها، فقد أضحت من المسلمات حتى لو كانت خطأ .. وفي العصر الحديث يتحول إلى إنسان آلي " روبوت " مبرمج، ليس بالضرورة أن يعي أو يقتنع بما يفعله، ولكنه سيفعل وفق البرنامج ... هذا مدهش جداً ولكن ليس بدرجة غريبة، فهذا اليوم علم وثقافة وبريشت كان سباقاً إذ كتب عنها عام 1927 ..! ولهذا تعادي القوى الرجعية الثقافة ..!

 

نعود لمسرحية " رجل برجل " لبرتولد بريشت المذهلة التي كتبها عام 1927 (حاولت إيجادها على الأنترنيت باللغة العربية لإهداءها لأصدقائي، وللأسف لم أوفق) والتي أعتقد أنها تنتمي لتلك الأعمال التي يجب قراءتها بعمق وانتباه، والتي هي ضرب من فن التوغل في عمق الإنسان، وضرب من  الهندسة الإنسانية حيث يعمد بريشت إلى تفكيكه وتركيبة كما يفعل ميكانيكي ماهر مع ماكنة مؤلفة من براغي وقطع، وبتقديره (بريشت) أن هذه العملية التي يصنع فيها إنسان جديد في جلد جديد تحتاج (ثقافياً) إلى ثلاثة مهندسين عاطفيين ليصنع إنساناً جديداً، وليس بالضرورة أن يكون الإنسان المثالي..! وما يجري تلقينه هو في الواقع ليس سوى ممارسة " الكذب الجمعي، وتأسيس عصبة سيئة، وقوة تمتلك القدرة على الإغواء والخداع ". وغاية هذا التفكيك والتركيب، هو خلق إنسان: يفكر كما نريد، ويعتقد بما نريده له أن يعتقد، وأن يصدق ما نقوله نحن له لا ما تراه عيناه،  وكل هذا يجعل منه بعد الاستيلاء على شريحة عقله ليتحول إلى ماكنة تسير، وقد تقتل وتدمر، وتصرخ وتقفز وتركض ..!

كيف يطرح بريشت هذه القضية : ما لذي يحدد هوية الإنسان ..؟ الولادة أم التربية ..؟ وإذا جرد الإنسان من أسمه فهل يصبح شخصاً آخر..؟ وهذه قضيه اجتماعية / نفسية ناقشها عدد من المفكرين والفلاسفة بصيغ متعددة، وهناك كثير من الأنظمة تحاول أن تجرد الإنسان من شخصيته ليصبح عنصراً في خدمة " المجتمع ". وهذه عملية تدور منذ مطلع القرن الماضي بطريقة منهجية مدروسة، وربما قبل ذلك بطريقة عشوائية اعتماداً على التجربة والتعييث ..

ويبدو تصور هذا الأمر للوهلة الأولى مستحيلاً، إلا أن القارئ أو المشاهد سيقتنع كلياً بعد مقاومة يبديها، لأنه بالنتيجة سيتخلى عن بعض ما علق بثيابه أو بروحه مما حاولت جهات كثيرة أن تلصقها به، الآن يبدو له أنه أمام أجهزة معقدة وأنها قد نالت شيئاً منه، ولكن الإنسان يمتلك قدرات مذهلة للمقاومة ولا يريد أن ينسف قناعاته بنفسه، ولكن حين يصل الإنسان طوعاً إلى قناعة ما، يتحول إلى قوة مادية لا تقهر، والفكر الحر هو ما يخيف الطغاة وقوى الظلام، والخرافات. وأنت في قاعة فسيحة إذا كنت شجاعاً تسلق النوافذ العالية وافتحها ليدخل النور والهواء النقي، فستجد الكثير من الحقائق مما كانت مغطاة وألواناً أخرى كنت مغشوشاً بها، لاحظ كم هو حكيم المثل " لا تشتري قماشاً في الليل ". وإذا أخضعت كل آراءك وقناعاتك لمحاكمات عقلية، فإنك ستضطر لإلغاء بعضها، أو أن تجري عليها تعديلات مهمة.

لم تغادر فكرة مسرحية بريشت فكري، وبدت لي أنها فكرة مرعبة أن يفكك الإنسان ويعاد تركيبه مجدداً بجلد جديد، و (فكر جديد)، وقبل أن ينصرم القرن العشرين كان العلماء قد توصلوا إلى الاستنساخ، الحيواني (أولاً)، وبالطبع يعني ذلك ضمناً، قدرة الإنسان على استنساخ الإنسان أيضاً. ولكن من غير المعروف ما إذا كان المستنسخ(البشري أو الحيواني) سيحمل نفس الصفات من ذات الخزعة التي جرى الاستنساخ منها، وإذا كان الأمر كذلك فإن الأمر سيقود إلى كوارث يصعب تحديد أبعادها.

ولكن في تأمل الموضوع (تفكيك الإنسان وإعادة تركيبه) سنصل إلى نتائج غريبة، وبعض منها جاءت في كتب علماء النفس، وفي موضوعات الحرب النفسية، وقد تسنى لي مشاهدة فلم قصير (مرفق طياً في الأنترنيت/ الفيسبوك) باللغة الروسية أصلاً، وأعتقد أن مثل هذه الدراسات والبحوث كانت موجودة منذ عهد الاتحاد السوفيتي، وقد تعرفت على معهد في الاتحاد السوفيتي يعني بدراسات الباراسايكولوجي (التخاطر من بعد)  (Parasaychologie)، ومن المؤكد أنها موجودة ومزدهرة في البلدان الرأسمالية المتقدمة، (الولايات المتحدة خاصة) وفي التمعن بهذه الدراسات والأبحاث  نستطيع أن نتعرف على حجم ما يواجه بلادنا وأمتنا. والوعي بالشيئ خير من الجهل به .

نحن نتعرض لحملة واسعة النطاق، وخصومنا يستخدمون كافة الوسائل، وإذا غير قادرين على مجاراتهم بأسلحتهم، فلنلتزم أقصى اليقظة، ولننتبه للحملة النفسية، وهناك من يردد ما يبثه العدو بحسن نية، أو من باب التهويل والمبالغة، ولكن هناك من يفعل ذلك متعمداً وهو يمثل الطابور الخامس الموالي للعدو، بصرف النظر عن آليات قيامه بهذا التخريب.

مالعمل ...!

 

 (*) تروي الأسطورة أن حصار الإغريق لطروادة دام عشر سنوات، دون تقدم، فابتدع الإغريق حيلة يتمكنون بها من اقتحام أسوار المدينة، فقاموا ببناء حصاناً خشبياً ضخماً أجوفا  استغرق بناؤه ثلاثة أيام. أختبأ في جوفه المقاتلون، أما بقية الجيش الإغريقي فتظاهر بالانسحاب، في حين اختبئوا خلف منحدر، وأعتبر الطرواديون الحصان الخشبي على أنه عرض سلام  وقام جاسوس إغريقي، بإقناع الطرواديين بأن الحصان هو بمثابة هدية، بالرغم من تحذيرات بعض العقلاء من أن هذه خدعة، ولكن في النهاية سحبوا الحصان إلى داخل المدينة.

احتفل الطرواديون برفع الحصار وابتهجوا، وعندما خرج الإغريق من الحصان داخل المدينة في الليل، كان سكان طروادة في نشوة وسكر، ففتح المحاربون الإغريق بوابات المدينة للسماح لبقية الجيش بدخولها، فنهبت المدينة بلا رحمة، وقتل كل الرجال، وأخذ كل النساء والأطفال كعبيد.

 

 

 

مصائب الكورونا

عند الطبيعة فوائد

ضرغام الدباغ

تناقلت أجهزة الإعلام أنباء وصور مثيرة ... لغزلان وهي حيوانات معروف عنها الوجل والحذر، تسير في شوارع مدن وقرى، وصور لماعز جبلي يتجول في المدن، والأغرب أن دلافين دخلت قناة القرن الذهبي بأسطنبول، بسبب انقطاع الحركة المواصلات البحرية وراحت تلعب على بعد أمتار من الرصيف الذي لم بعد يشهد تلك الحركة اليومية الكثيفة للوسائط البحرية.

وتشير صحف ألمانيا إلى تزايد أعداد الثعالب في الحدائق داخل العاصمة برلين، والخنازير على أطراف المدينة، ومن نافذة شقتي في برلين، صرت أنصت بأستمتاع لهديل الحمام والقماري، والسبب هو انقطاع حركة السيارات والمشاة في الشارع، الذي خف بنسبة تزيد عن 95% خلال أيام الحظر. ولا تزال حركة السير  ضعيفة وكذلك الحركة الجوية والبحرية. وهذا يعني ببساطة توقف ملايين المحركات : الطائرات والسفن والسيارات، عن نفث عوادمها لكميات لا تصدق مما يلوث الأجواء.

لو أجرينا عملية حسابية لمعرفة ما يسببه التلوث لأصابنا العجب على مصير الكوكب الذي سيلاقي فناؤه حتماً ... نؤكد حتماً، إذا تواصل البشر بالإساءة بل بتدمير الطبيعة. فالطائرات تصرف الواحدة منها في الرحلة الواحدة بين 5 إلى 7 أطنان من الوقود، ولو علمت أن عدد الرحلات الجوية اليومية في العالم هو 107 ألف رحلة ، وهناك يومياً ما يقارب 10 مليون راكب يومياً، وهناك في كل لحظة نحو 12 ألأف طائرة في الأجواء (أعتقد عدا الطائرات العسكرية). ومن ذلك نعلم حجم التلوث الخطير الذي يسببه الإنسان للبيئة، ونتائجها وآثارها بالغة السوء على حياة البشر الذين أدمنوا تناول الأدوية والعقاقير للتقليل من آثارها القاتلة. وباستخدم سريع للحاسبة (Calculator) يتضح أن البشر يحرقون  يومياً في الجو فقط  1,728.000 طن من الوقود. عدا ملايين السيارات على الأرض، والبواخر في البحر. وقبل تفشي كورونا كان إنتاج النفط اليومي 100 مليون برميل يومياً، عدا الغاز.

في خلال شهرين أثنين فقط من التقليص في التلوث (تقليص) تحسن مناخ العالم، فقد قرأت مرة أن نهر التايمز في لندن / بريطانيا كان يجمد شتاء بحيث بوسع الناس السير عليه، وإقامة سوق الأحد عليه .... وهذه اليوم تشبه الخرافة ولكي لا نذهب بعيداً فأنا أعرف ألمانيا منذ 45 عاماً، الطقس كان مختلفا تماماً عن اليوم، فقد شهدت بنفسي أن السماء تندف الثلج في الأول من أيلول، ويستمر الثلج في الشوارع حتى نهاية آذار / مارس، وقد عشنا مراراً انخفاض درجة الحرارة إلى 37 تحت الصفر ..

عند بدأ دراستي للدكتوراه (1980) كان مجموع سكان العالم 3 مليار نسمة واليوم  (أيار / 2020)7 مليار ونصف، بكل ما يعنيه ذلك من طعام وشراب ومواصلات وحرارة تشع من أجساد مليارات البشر ..! ويقدر العلماء أن عدد سكان الكوكب الأرضي سيبلغ نحو 10 مليار عام 2050. ولكل من هذه المعطيات معناها الاقتصادي والسياسي، وبالطبع البيئي.

ولكن ليس هذه فقط التي تمثل إساءة للبيئة، بل وهناك ما هو أسوء بكثير وله آثاره المميتة، وهي التجارب النووية والهيدروجينية، والتجارب على الأسلحة الكيميائية والبايولوجية (الجرثومية). وقد شهد العالم منذ 1945 ولحد الآن (بحسب إحصاءات الأمم المتحدة) 2053 الفان وثلاثة وخمسون تفجيراً نووياً 1032 منها قامت بها الولايات المتحدة، و 715 الاتحاد السوفيتي، بريطانيا 45، فرنسا 210، الصين 45،  الهند 3، باكستان 2، كوريا الشمالية تجربة واحدة.

وهذه التفجيرات تشمل ما تم فوق سطح الأرض وتحت الأرض، وفي الفضاء الخارجي، وتحت الماء (على عمق مئات الأمتار). وإذا كانت قنبلة هيروشيما البدائية، قد أنتجت درجة حرارة تفوق 6000 درجة، فيمكن تخيل كمية الحرارة التي تحملها الكوكب الأرضي من انفجار 2053 قنبلة ...!!!

والآثار التي تخلفها التجارب الجرثومية والكيمياوية كارثية لا تقل خطراً، وتحاول أجهزة الدعاية أن تغطي على التسريبات، فهناك تقديرات قوية عن تدخل البشر في فايروس كورونا، والآيدز، وإيبولا . ثم التلوث الخطير الذي تسببه الصناعة، بكافة صنوفها ولا سيما الكيمياوية منها،

بالأمس فقط قرأت في صحيفة ألمانية، أن القطب الشمالي انتهى، ولم يعد بالإمكان إنقاذه، ربما هناك بقايا ولكنها آيلة إلى النهاية، ومن الآثار المتوقع ارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات، ويقدر تقرير هيئة الأمم المتحدة لتقييم العلوم المتعلقة بتغير المناخ (IPCC) أن ارتفاع مستوى ماء البحر سيبلغ  30 ــ 60 سم، وحتى عام 2100  بما سيؤدي لزوال مدن عديدة، وتهجير مئات الملايين من البشر من المناطق الساحلية.

وبين يدي كتاب بعنوان "بعد أربعة عشر ألف حرب" صادر في موسكو من تأليف العالم الروسي كاشليف (Yu. Kaschlew) والمؤلف قد أشترك في الوفود الروسية لنزع السلاح، ويعلم خفايا هذا الموضوع حق المعرفة، ومن معلوماته ندرك أن العالم كان لأكثر من مرة على فاصلة دقائق معدودة بين حروب نووية لا تبقي ولا تذر بسبب أخطاء بشرية، هي نادرة، ولكنها ممكنة. كما حدث أكثر من مرة سقوط طائرات تحمل على متنها قنابل نووية بعض الطائرات رقدت في أعماق البحر، وأمكن بصعوبة بالغة وتحت الخطر إنقاذ الأسلحة النووية، ومن المرجح أن هناك ما تزال عدد من القنابل ما تزال ضائعة ..!

نستفيد من معطيات تقرير من وكالة الأنباء الألمانية (DW) نشر عام 2014 ، أن هناك ما تزال ملايين الأطنان من الغازات السامة والقنابل الحارقة المتبقية من الحروب، تتعفن وتتآكل وتنفث سمومها، وهي خطر مؤكد على البيئة والبشر. وكثيراً ما ألحق الفسفور المتسرب من القنابل الحارقة بإلحاق أذى شديد  بالسواح والسابحين في البحار. ويقدر خبراء أن الذخيرة الكيمياوية من غاز الخردل، والتابون، والفوسجين، منها فقط : 220 ألف طن في بحر الشمال، و60 ألف طن في بحر البلطيق.

العالم ربما استفاد من شيئ واحد، القوى التي تمتلك أسلحة الدمار الشامل (أسلحة نووية، هيدروجينية، نيوترونية، كيمياوية، بايولوجية ) فلتفكر ملياً ماذا يحدث لو أنها أشعلت فتيل حرب شاملة، فالنتائج سوف تعم الجميع، وحتى الجهة التي شنت الحرب لن تسلم من كوارثها، فإذا كان سكان الكوكب الأرضي اليوم 7,5 مليار نسمة، فتقديري أنه سوف لن يبقى أحياء إلا أقل من 100 مليون نسمة، وربما هؤلاء سيكونون معوقين، وسط بيئة من الحطام الشامل الملوث. من يفكر بالحرب لا شك مجنون يرتدي ثياب السادة المحترمين، و أفكار الحروب العالمية في الواقع هي مشروع لإبادة الجنس البشري، وطالما أن الأسلحة مخزنة، فإن أمر استخدامها محتمل، حتى عن طريق الخطأ ..!

منظمة الصحة العالمية والحركات الإنسانية تناشد، العالم وهيئات البحث العلمي، أن أبحثوا عن العلاج للأوبئة القاتلة، شيدوا البنى التحية من القدرات الإسعاف والمتشفيات، والأطباء والعاملين في الجسم الطبي، بدل حرق المبالغ الخيالية في حروب ونزاعات لا تكسب منها البشرية شيئاً بل هي تدمرها، والآن تمحو آمالها بمستقبل للأجيال المقبلة.

نعم البشرية تواجه مشاكل عظيمة، ولكن يمكن التصدي لهذه المشاكل ووضع الحلول لها، باستخدام رشيد للموارد، والتخلي نهائياً عن فكرة الحروب، وتأسيس علاقات دولية جديدة بعيدة عن مصالح القوى الاقتصادية العظمى الجاهزة للمصارعة على كيلو من سمك السردين أو على برميل نفط ..! وهذا ما تأمله البشرية بعد وباء  كوفيد 19 كورونا (Covid 19 )، ضرورة سريان وانتشار ثقافة السلم العالمي وجعلها هدف الإنسانية الأول، ، ونبذ الحروب والصراعات الدولية، وكبح لجماح القوى الرأسمالية العظمى التي تفعل كل شيئ من أجل المزيد من الأرباح،. ومثل هذا التحرك قد بدأ في الدول الصناعية  تحت خطر ماثل أمام الأعين .. خطر داهم غير مؤجل .. يبيد الجميع ولا يبقى سوى ارستقراطية السياسة من هم قابعون في أعماق ملاجئ ذرية، ولكن العالم سيكون عبارة عن حطام موبوء بالفايروسات والإشعاعات القاتلة. أما الكوكب الجميل الأخضر بغاباته، والأزرق بمياهه، والإنساني في علاقاته، فأخشى القول أنه على وشك أن ينقرض ....!

 

 

 

 

 

 

إيران تتقاذفها المحن

ضرغام الدباغ

 

إيران تتقاذفها المحن العصيبة، وإحدى أساليب تجاوز المحن عند الكلاسيكيين من أصحاب الفكر الذي يؤمن بالتوسع، إذ يعتقد أن في ذلك رقي البلاد، ومن أسباب القوة والمنعة. بل وأكثر من ذلك، فمنهم من يعتقد أن سر الخلاص من الأزمة ووصفة العلاج والخلاص من دوامتها، هو الهروب إلى الخارج، أقفز خارج الأزمة، وتكبير اللعبة، فذلك سيستدعي لاعبين جدد، وسوف تتغير قواعدها، وبعدها يجري تقاسم جديد، ولكل حادث حديث، نكون نحن قد حافظنا على ما بحوزتنا ...! هذا ما لم تحدث مفاجئات ليست في البال .. وغالباً ما هناك مفاجئات ..!

وحيث من المستبعد جداً أن يكون المرشد الإيراني خامنئي يدرك تفاصيل هذه المعادلات السياسية التي لا تخلو من الصعوبة والتعقيد، وأكثر منها في التطبيق، فمن المرجح أن أحدهم قد أشار له، فقد سبق لي أن قرأت مقابلة مطولة مع خامنئي حين كان رئيساً لجمهورية إيران في أواسط الثمانينات مع مجلة دير شبيغل الألمانية (Der Spiegel) ومنها يستنتج القارئ ضعف قدراته السياسية.

وأعتقد أن أحدهم قد نصح المرشد خامنئي  بمفردات أزمة الكساد الشهيرة في الولايات المتحدة الأمريكية (Great Depression) في ثلاثينات القرن المنصرم، حيث كاد أن ينهار معقل الرأسمالية، لولا  التدهور الحاد في الموقف السياسي في أوربا، الذي قاد في نتائجه إلى الحرب العالمية الثانية:

ــ دخول هتلر للنمسا عام آذار 1938 

ــ دخول ألمانيا لتشيكوسلوفاكيا آذار 1939

ــ دخول ألمانيا لبولونيا أيلول 1939

هذا عدا أن اليابان كانت قد أصبحت قوة اقتصادية / عسكرية كبيرة في شرق آسيا، وتسفر عن خططها التوسعية في كوريا والصين وجزر الفلبين، وصولا إلى الفلبين واندونوسيا، والجائزة الكبرى ... أستراليا. أحداث حملت الولايات المتحدة التخلي عن قانون "الحياد" وتشريع قانون جديد (قانون الإعارة والتأجير) آذار / 1941، " Lend Lease Act " وبعدها بتسعة شهور دخلت بنفسها الحرب، فكان أن تحول الكساد العظيم، إلى  أرباح خيالية، وسحب الأرصدة من الذهب والعملات إلى أميركا التي تربعت وما تزال على عرش الاقتصاد العالمي.

ولكننا اليوم في أواسط عام 2020 ، والأمريكيان لديهم على الأقل ما يسوقونه، (ليقتنع البعض) بديمقراطيتهم، بثراءهم، بسلعهم الفاخرة ، بموسيقى الجاز، بالببسي كولا، والهامبرغر، وابل آيفون، ولكن إيران بماذا تبشر في الدول التي تتطلع إليها ... بغير الإفقار والنهب والشتائم المقذعة، وقلة الأدب والهمجية والتخلف، وهم بالكاد يدفعون رواتب موظفيهم ..!. الأمريكان والمتوسعون يمتلكون على الأقل أساليب التوسع، من حضارة وثقافة ولياقة، وإيران لديها أزمة في كل ذلك .

وصلنا إلى بيت القصيد ... الأزمة ...! هل هناك أزمة في إيران ..؟

يندر أن يكون هناك بلد تحاصره الأزمات كإيران ... على جميع الصعد وعلى كافة الاتجاهات، أزمات عميقة كامنة وظاهرة توشك أن تلتهب حتى من عود ثقاب صغير ..

أزمة اقتصادية  خانقة من مظاهرها العامة كثرة الانتفاضات التي تطلب بحياة محترمة.

أزمة سياسية عميقة، من مظاهرها نظام ثيوقراطي متخلف، ديني طائفي، يعتمد القمع الدموي ليستمر في الحكم.

أزمة ثقافية، فسياسة البلد تعادي الثقافة والتحضر، فسياسة البلاد تعتمد سياسة محاربة  الثقافة والفن والأدب، بل تشجع المزيد من الغطس في الجهل والتخلفـ فالثقافة ومنجزاتها هو العدو الرئيسي للتيار السياسي الديني.

أزمة وحدة وطنية، هي الأزمة الأعمق من بين دول المنطقة: فهناك جبهة تحرير أذربيجان، وحركة تحرير كردستان (وقد سبق في تاريخ الشعبين تأسيس نظام مستقل)، حركة تحرير بلوشستان، وحركة تحرير الأحواز العربية. ومن أزمة الوحدة الوطنية يمكن تصور أبعاد الأزمة الثقافية، والأزمة السياسية.   

أزمة مع الدول المجاورة ودول الإقليم بسبب التدخل الذي لا يتوقف في الشؤون الداخلية ومحاولات إحداث اضطرابات.

أزمة في علاقاتها الدولية القائمة على عدم الشفافية. وترسيخ مبدأ إيران دولة غير موثوقة.

كيف يمكن لدولة أن تكون موثوقة، ذات سياسة حصيفة، إذا هي تلعن رسمياً، أن حيث يكون قبر لأحد  الأولياء هو موقع إيراني. أما كيف يمكن إثبات صاحب هذا القبر، ولماذا عائديته لإيران، فهذه فلسفة خرافية لا يفهمها إلا واضعوا أسس هذه السياسة، لماذا العراق وسورية ولبنان، والكويت والبحرين واليمن .. وربما غيرهم .. لماذا هذه دول إيرانية ..؟

في العالم المتحضر يعلمون أن هؤلاء حفنة من شذاذ الأفاق والمخرفين، يتحدثونها في أوساطهم، ولكن المصالح الدولية (أقتسام العالم) يقضي ببقاء الوضع على هذا الحال في إيران، وهذه المصالح هي التي حرمت الشعب الآذري من وحدة بلاده (الشطر الجنوبي منه تحتله إيران)، والمصالح الدولية حرمت الأكراد من حقوقهم، والمصالح الدولية قضت بمنح الأحواز العربي لإيران من أجل توزيع النفط في الخليج، والمصالح تقضي بمنع البلوش من الالتحاق بوطنهم في الباكستان، لئلا تكبر الباكستان. إذن إيران هي كيان توافق دولي، وسيبقى الأمر هكذا لأجل غير معروف بعيد أو قريب ... إذن هي كيان سياسي، ممكن أن يكبر أو يصغر حسب الظروف ..!.

اليوم هو غير 1935، وغير 2003، من اليوم فصاعداً 2020 هناك حسابات جديدة .. العالم يتغير، ولم يعد وراداً أن يتمكن حفنة من حثالة ملالي أن يقودون العالم نحو السلام والأمان والتقدم، فهذه المخلوقات اختصاصها هو إثارة الشغب، وتجنيد أسافل الناس والشقاوات والسرسرية، والتهديد والإرهاب، وإطلاق الشتائم والسباب، واللعنات، بلغة تستحق الانقراض، اليوم تحاصر المشاكل نظام الملالي المتخلف، فيطلقون التهديد وفق نظرية سخيفة، بدل أن يطلبوا منك، أطلب منهم وضايقهم بالصخب والزعيق ....!

العرب يقولون مثلاً رائعاً " ما هكذا تورد الإبل يا سعد ". سأدون أدناه مانشيتات لأهم التقارير العالمية هو إيران ... وذيولها في المنطقة ..:ــ

ــ بين العلم و"الجهل المقدس" كورونا تضع إيران أمام مأزق عقائدي ...!

ــ الدنمارك تحاكم متهماً بالتجسس وتنفيذ اغتيالات لصالح إيران.

ــ ألمانيا ـ انطلاق جلسات أول محاكمة في العالم بشأن التعذيب في سوريا.

ــ ــ ألمانيا تحظر حزب الله اللبناني وتشن حملة أمنية ضد أنشطته.

ــ حزب الله.. كيف سيتأثر مالياً وسياسياً بحظر أنشطته في ألمانيا؟

ــ الأسد قد سقط بلا رحمة عند الروس. ديكتاتور، ضعيف، وغير مقتدر.

ــ قرار ألمانيا بحظر أنشطة حزب الله..شجب إيراني وصمت لبناني.

ــ ليس بسبب كورونا وحدها.. الفنانات الإيرانيات والحجر المنزلي.

ــ هل تقضي روسيا على الهلال الشيعي في سوريا؟

ــ ماذا يعني غياب الطائرات الروسية وتلميحات إيران حول استقبال الأسد؟

ــ هل يسعى الكرملين إلى التخلص من بشّار الأسد؟

 

هذه عناوين لأحد عشر تقريراً أجنبياً (ألمانياً) خلال أيام قليلة فحسب (أربعة أو خمسة أيام)، وهي القليل من بين كثير  وهي تقارير موثوقة رصينة... تقارير تضع إيران في مرتبة منحطة بين الدول والمجتمعات، وهذا النظام  الفاشي المتخلف الذي مضى على وجوده 41 عاماً من حرب لحرب، ومن فضيحة لأخرى، ومن مصيبة لأخرى ... فقط لأنه بقاؤه يفيد القوى العظمى من الدور الذي تلعبه في المنطقة، والشعوب من جيران إيران تدفع ثمن جهل وتخلف هذا الجار .. والشعب الإيراني بكل مكوناته ... ولكن ربما يلوح الأمل في الأفق ...!

 

1 / أيار ــ عيد العمال العالمي / 2020

 

 

المرجئة ... بين

 المرونة والتوفيقية

 

د. ضرغام الدباغ

 

مقدمة :

تتواصل الحاجة إلى دراسة الفكر السياسي العربي الإسلامي، وأعمال المفكرين الرواد، وبالضرورة الحركات السياسية التي انبثقت عن تلك الأفكار والتيارات السياسية، ومثلت في زمنها، أدوات العمل السياسي، كما عكست بنفس الوقت المشكلات الاجتماعية والفكرية التي كانت رائجة في تلك العهود.

 وبتقديرنا أن اشتداد حركة البحث العلمي في أقطارنا العربية تحتم تلك الحاجة، تعززها أتساع حركة الثقافة، والضرورة التي تطرح نفسها في البحث عن جذور الفكر السياسي العربي الإسلامي، من الأجيال الجديدة من الشباب تبدى تعطشاً إلى التفتيش عن تلك الينابيع ودراستها ومعرفة أبعادها، والأساليب التي تصدت بها لحل المعضلات والأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

 وقد مثلت :

 * الموضوعات السياسية واحتلت مسألة الإمامة والخلافة والإمارة وفروعها : البيعة، الشورى، أهل الحل والعقد، الاستخلاف، أداء الأمانات، المسؤولية، العمل، ومؤسسة الدولة والوزارة، والحكم المركزي واللامركزي، أبرز محاورها. 

 * والتوجهات الاقتصادية / الاجتماعية وفروعها : الدعوة إلى العمران (التنمية)، وقضايا الأرض (ملكية واستثماراً) والخراج، فروع الدراسات الاقتصادية، العدل والمساواة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والطاعة، ونزع العصبية والولاء للجماعة، والتعاون. وغيرها.

 وفي الحياة السياسية والثقافية، نتناول التاريخ السياسي العربي (في العصر القديم والوسيط) ومفرداته، فيحلو لبعضنا إطلاق النعوت والأوصاف على هذه الحركة أو تلك، كالخوارج بأعتبارها حركة متطرفة، والمعتزلة كحركة يسار ديمقراطي، أو حركة المرجئة التي كان هناك من يصفها بالحركة التوفيقية (Compromise) التي تعوزها الروح الثورية والوضوح، أو الحلول الجذرية، لكن مع نضج الحركة الوطنية والقومية العربية، بسبب لهيب تجاربها، وأتساع حركة الثقافة والتعليم في البلاد العربية كما أسلفنا، كان لها الأثر الفعال في تجددت الرؤية إلى تلك الحركات ودراستها دراسة موضوعية علمية، تأسيساً لنهضة فكرية واسعة النطاق. فالتطرف الذي ينغلق على الرأي الآخر، كان دائماً وأبداً العامل الذي يقود أفضل الحركات إخلاصاً للعقائد والشعب في التاريخ إلى النهاية المحتومة، سواء في بلادنا العربية / الإسلامية أو حتى على صعيد التجارب العالمية.

 وقد حاولنا أن نتناول بعض من تلك الموضوعات الرئيسية في الفكر السياسي العربي الإسلامي، فتناولنا فكر: الماوردي وأبن خلدون وأبن تيمية، والحركات كالمعتزلة والزنج والقرامطة، واليوم نتقدم ببحثنا هذا عن المرجئة، نأمل أن يجد مكانه بين البحوث عن هذه الحركة.

 ولكن لابد لنا بادئ ذي بدء من أن نذكر وبدرجة مهمة، أن القاموس السياسي لكل عصر، كما له مفرداته ومصطلحاته، له أيضاً خصائصه، وينبغي لأن لا يغفل عن ذهن القارئ إنما نحن نتحدث عن حقب تعود إلى حوالي أربعة عشر قرناً خلت، أو ما يزيد، والموقف الاجتماعي لم يكن بطبيعة الحال بدرجة الوضوح والتبلور الحالية، وكذلك الأوضاع الاقتصادية.

 ومن البديهي والأمر على هذا النحو، أن يكون الدين ومصدريه الرئيسيين (الكتاب والسنة) مصدراً ومرجعاً لدراسات وانبثاق أراء، ولذلك نلاحظ وهو أمر يؤكده كافة العلماء في التاريخ والسياسة، أن القرآن والسنة مثلا لأمد طويل جداً المرجع الوحيد في البحوث السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولذلك كان من البديهي أيضاً أن يلجأ إلى الدين كل مطالب بالقيادة والرئاسة والخلافة، ناهيك عن الإمامة.  وهو أمر لجأ إليه القرامطة والزنج رغم أن الحركتان كانتا ثورتان  يغلب عليهما الطابع السياسي / الاجتماعي.

 ومن البديهي أن تكون الإمارة، الإمامة، الخلافة، نقطة صراع في المشهد السياسي العربي / الإسلامي، ولا سيما بفعل تأثيرات أهمية العوامل القبلية، كعامل رئيسي،  وقد استمرت قضية الإمامة والإمارة بوصفها مسألة ساخنة في الحياة السياسية الإسلامية، بل يذهب العلامة الشهرستاني إلى القول " ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما سل على الإمامة في كل زمان ".(1)

وتواصلت الآراء في انبثاق سلطة الإمامة، فهناك من قال أن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار(البيعة) والثاني من قال : أن الإمامة تثبت بالنص والتعين(الاستخلاف ـ ولاية العهد).(2)

 وفي خضم هذه الآراء الكثيرة، والتعديلات عليها، نلاحظ أن المرجئة كانوا أقل تلك التيارات اهتماماً بأسم الأمير أو الخليفة أو الإمام، إذ اعتبروا أن الأمر الجوهري هو العمل بالشريعة، وليس التعلق بأهدابها، وهو موقف يمثل توجهاً ديمقراطياً.

 

مدخل :

يحق لنا الاعتبار، أن واحدة من أهم النتائج التي تمخضت عنها الثورة الإسلامية الشاملة على مختلف الأصعدة، وهو ما نحن بصدد دراسته، انبثاق الحركات والأحزاب السياسية التي لم تكن تطرح نفسها في ميدان العمل السياسي بهذه القوة لولا توفر المعطيات والظروف اللازمة والشروط الموضوعية لقيامها.

 ويقودنا التحليل العلمي بادئ ذي بدء، إلى حقيقة موضوعية هامة هي، أن الحركات والأحزاب إنما هي ضرورات تقررها التطورات الاجتماعية / الطبقية، إضافة إلى مؤشرات أخرى أبرزها، درجة ومستوى الوعي السياسي / الثقافي، وطبيعة المرحلة والأحداث التاريخية. وتفرز عموم إرهاصات هذه المعطيات، الحركات والأحزاب السياسية. وبحسب هذه التوترات والتبلورات السياسية / الاجتماعية وتناقض المصالح الاجتماعية / الطبقية وتفجرها، تكتسب الحركات السياسية والأحزاب طابعها الحاد والعنيف، ويكون الالتهاب هو صفة الحياة السياسية. وقد ينجم عن ذلك أيضاً حركات سياسية تتخذ مواقف وسط بين الفئات المتناحرة، وعلى هذا الأساس تكتسب الدراسات حول طبيعة ومحتوى هذه الحركات دلالات مهمة وطابعاً شيقاً.

 ومثل هذه المعطيات بدأت تتوفر في الحياة السياسية العربية على اثر المنجزات الهائلة التي حققتها الثورة الإسلامية، وفي مقدمتها : الدولة التي تم تأسيسها في المدينة (يثرب) التي ما برحت ترسخ من وجودها وتوسع من دائرة تأثيراتها ونفوذها وسيطرتها والتي تكللت في عهد الرسول(ص) بالسيطرة الشاملة على شبه الجزيرة العربية بأسرها، وبدأت تتطلع إلى الأمصار العربية لتحريرها من القوى الأجنبية(الروم ـ الفرس)، الأمر الذي تحقق فعلاً خلال بضعة سنوات، ففي أواسط العقد الثاني من عمر الدولة العربية الإسلامية وهيمنتها على رقعة شاسعة تمتد من أواسط آسيا حتى سواحل المحيط الأطلسي.

 إن تحولات شاملة وعلى هذه الدرجة من الأتساع، كان لا بد أن تكون له نتائجه وأصداؤه في كافة المجالات في الحياة الجديدة. فقد توفرت مناصب سياسية رفيعة سواء في عاصمة الخلافة أو في الولايات التي يتمتع معظمها بالثراء والرخاء الذي لم يكن معروفاً لهم في ولايات مثل : العراق / فارس / الشام / مصر وغيرها، كما توفرت امتيازات اقتصادية غير محددة تمثلت باكتساب أراضي زراعية خصبة تدر غلال وأرباح وفيرة، وفعاليات اقتصادية في مقدمتها، والتي اتسعت على نحو غير معهود. والنفوذ الاجتماعي الذي أفرز فئات جديدة. وبدا أن التنافس على إحراز النفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي قد غدا محموماً، وراح يفرز ويعبر عن أدواته وصوره وتعبيراته على مختلف الأصعدة.

 وإذا كانت شخصية الرسول محمد(ص)، النبي القائد مؤسس الدولة وطبيعة المرحلة الجهادية قد أجلت اندلاع التناقضات السياسية / الاجتماعية، إلا أن تلك التناقضات طفت على السطح فور رحيل الرسول(ص) في حركات ارتدادية تحمل جميعها طابعاً سياسياً واجتماعياً، بعضها كان ارتدادا يهدف إلى استعادة هيمنة الأرستقراطية القبلية. وبعض تلك الحركات كانت  تريد التملص من الالتزامات والإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي جاء بها الإسلام من خلال التخلي عن تلك الالتزامات مثل: الزكاة وسائر الالتزامات المالية الأخرى(إلغاء أو تقليصاً). وبعض آخر طرح النبوة بقصد تحقيق الهيمنة السياسية (مسيلمة الكذاب).

 بيد أن هذه الحركات الارتدادية واجهت الفشل بسبب حتمية التطور التاريخي الذي جاء به الإسلام والذي طور نظاماً سياسياً بدائياً قائماً على قيادات قبلية أرستقراطية إلى دولة مركزية قوية يشع نفوذها إلى خارج شبه الجزيرة، وتحول القبائل العربية من الولاءات القبلية / الأسرية إلى الولاء للدولة والعقيدة في نظام ثوري حديث يعد لمستقبل باهر للأمة بأسرها. فلم يكن صعباً تلمس هذه الأبعاد لدى الغالبية العظمى من الجماهير العربية ولدى القيادات الإسلامية التي واجهت بقيادة الخليفة الراشدي الأول حركة الارتداد بالحزم والقوة المطلوبين.

 وطرحت المهمة الأساسية الثانية نفسها باستكمال إستراتيجية الثورة الإسلامية لتحرير الأمصار العربية، وتوسيع النظام العربي الإسلامي الجديد، وهو ما تم تحقيقه فعلاً في عهد الخليفة ألراشدي الثاني عمر بن الخطاب. وما كاد عهد الخليفة ألراشدي الثالث قد حل، إلا وكانت الثمار الشهية الوفيرة للأوضاع الجديدة قد أينعت وحان قطافها، فالمناصب القيادية قد ازدادت وهي على درجة من الدعة والرخاء، وكذلك المصالح الاقتصادية من أراضي وأملاك، ومن كان إلى قبل سنوات قليلة في فقر مدقع، تحول إلى ثراء واسع، ومن كان أجيراً مهملاً في مجتمع أرستقراطية قريش ومكة، قد أصبح شخصية سياسية/ اجتماعية نافذة، فكان والحال كذلك من التنافس والتناقض، أن يذر الخلاف، بل والصراع (بدرجاته) قرنه بين القيادات والزعامات الإسلامية، وهكذا فإن سحب تناقضات بدأت تتجمع وتتكاثف، ونزاعات سوف تتطور إلى صراعات، وستكون في بعض المراحل دموية بسبب احتدام التناقضات وتفجرها حول أكثر الموضوعات حساسية وحيوية، ألا وهي موضوعة الخلافة وانتقال السلطة الشرعية الدستورية.

 وبسبب خلو الشريعة من نصوص حول انتقال السلطة، وقد تعرضنا لذلك بصورة تفصيلية في الفصل الأول، فإن النزاعات السياسية كانت تعبر عن مواقف اجتماعية/ سياسية، اشتدت واكتسبت طابعاً حاسماً في الأحداث التي أطلق عليها (الفتنة الكبرى) والتي كانت تنطوي على إشكالات دستورية وقانونية جنائية، قادت إلى تباين في وجهات النظر حيال تلك الأزمة.

  ودون ريب فإن وجهات النظر تلك كانت في أعماقها تعبر عن تطلعات اجتماعية، فانبثقت مواقف تطورت إلى اتجاهات ثم مضت تتبلور في أحزاب وحركات، سنحرص على إبرازها ونتوقف عندها شرحاً وتحليلاً، تلك التي كانت بدايتها قد تكونت بفعل أحداث الفتنة الكبرى :

 أولاً : المعارضة الشامية / المصرية : والتي قادها معاوية بن أبي سفيان حاكم الشام متحالفاً مع عمرو بن العاص حاكم مصر، بامتناعها عن مبايعة الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب وهي تستند في مواقفها إلى خلفية شرعية، واستغلت إشكالية قانونية / دستورية حول مقتل الخليفة الراشدي الثالث، ولكنها في الواقع كانت تمثل تطلعات الطبقات والفئات الجديدة الطامعة بالحكم وبالمكتسبات الاقتصادية والاجتماعية.

 ثانياً : المعارضة المكية : وهي التي قادها اثنان من أبرز الصحابة، بل ممن كانوا حتى الأمس القريب في معسكر الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، وهما الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وهما من أقدم الزعامات الإسلامية والعشرة المبشرة بالجنة من الرسول(ص) وأعضاء مجلس الشورى الستة وتساندهما في موقفهما السيدة عائشة زوج الرسول(ص). وتستند هذه المعارضة في خلفية موقفها أيضاً على الإشكالية الدستورية / القانونية، ومقتل الخليفة عثمان بن عفان، ولكنها في الواقع كانت تعبر عن طموحات أرستقراطية.

 ثالثاُ : ومن البديهي أن يفرز الموقف بين القوى التي تمثل طموحات الفئات الجديدة (معسكر المعارضة الشامية / المصرية)، وبين الأرستقراطية التي مثلتها المعارضة المكية (الزبير وطلحة)، قوى غير واضحة المعالم، لم يكن بوسعها أن تتبين طريقاً بين العقائدية / الشرعية التي مثلها معسكر الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب ومعارضيه، فاتخذت موقفاً سلبياً حيال الأطراف متمسكين بأحاديث تعبر عن رؤية مبكرة تتنبأ بالتناقضات والصراعات المقبلة، كان الرسول(ص) قد توقع حدوثها، ومن تلك الأحاديث أكثر تعبيراً(سياسياً) " ستكون فتنة، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي إليها، إلا إذا نزلت أو وقعت، فمن كان له أبل فليلحق بأبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه" حديث ). 

 وقد أتخذ هذا الموقف الكثير من القيادات الإسلامية أبرزهم سعد بن أبي وقاص، وهو أحد أعضاء مجلس الشورى. وقد عبر أحد أبرز السياسيين العرب(المغيرة بن شعبة) عن هذا الموقف بقوله للخليفة علي بن أبي طالب " إني والله يا أمير المؤمنين ما رأيت عثمان مصيباً ولا قتله صواباً، وإنها ظلمة ستتلوها ظلمات، فأريد يا أمير المؤمنين ـ إن أذنت لي ـ أن أضع سيفي وأنام في بيتي حتى تنجلي الظلمة ويطلع قمرها، فنرى مبصرين ونقفوا آثار المهتدين ونتقي سبيل الجائرين". (3) 

 بيد أن تداعيات الموقف المتنافرة، أفرزت مواقف جديدة اتخذت شعارات جديدة وواجهات سياسية، كانت الموضوعات السياسية وتفرعاتها، وأبرزها كانت: الخلافة / الإمامة وشروطها وأساليب انتقالها، ثم أبعاد تطبيق الحدود، والمقصود هنا بالحدود ذات المعنى السياسي، فما هي الكبائر..؟ وما هو الموقف من مرتكب الكبائر، ثم الموقف من أحداث سياسية رئيسية لها علاقة مباشرة بشرعية النظام السياسي مثل الموقف من مؤتمر سقيفة بني ساعدة، ثم الموقف من الفتنة الكبرى وأحداثه الجسيمة، القانونية والدستورية، ثم الموقف من الصراعات السياسية الدموية، وأخيراً وليس آخراً، الموقف من معطيات حديثة أفرزت نفسها على مسرح العلاقات الاجتماعية/ السياسية / الثقافية، منها على سبيل المثال لا الحصر، الموقف من الفلسفة (العقل)، وتلك مسألة قادت إلى جملة مسائل بالغة الأهمية والخطورة في آن واحد مثل:

 *  مسألة خلق القرآن،

* الموقف السياسي والاقتصادي والثقافي،

* الموالي ودورهم في الحياة السياسية العربية الإسلامية،

* الموقف من فئات مسحوقة كانت تهدف بهذه الصورة أو تلك المطالبة بحقوقها الاجتماعية تحسين شروط معيشتها، فاتخذت انتفاضتها شعارات وواجهات دينية،

  وكان ذلك ضرورياً بحكم ضرورات العمل السياسي وقاموس مفردات العمل السياسي لتلك المرحلة التي لا بد أن يكون الدين واجهته الأساسية.

 وإذا كانت الحركات والأحزاب التي أفرزتها هذه الإرهاصات والأحداث كثيرة على مدى عمر الدول العربية الكبيرة منها والصغيرة، فإننا سوف نقتصر على أربعة منها، تمثل كل واحدة منها اتجاها مهماً، وهذه الأحزاب هي: المرجئة والمعتزلة، بالإضافة إلى القرامطة والزنج كحركات.

  كان المدخل والمقدمة الذي استهلينا به هذا المبحث ضرورة لطرح المقدمات السياسية والنظرية، وإلقاء الأضواء على المسرح السياسي في مرحلة حساسة من التاريخ السياسي العربي الإسلامي، وهي المرحلة التي أفرزت أولى الحركات السياسية، ومن ثم، وفي مزيد من التبلور واشتداد وضوح الموقف السياسي للأحزاب، ومنها حركة المرجئة موضوعة بحثنا هذا التي نعدها من أقدم الأحزاب السياسية العربية الإسلامية.

 فالمرجئة حركة فكرية / سياسية، انبثقت أساساً كموقف يتخذ موقفاً يتسم بالاعتدال وتجنب التطرف، والعنف المسلح، بين الأطراف المتطرفة في نزاع هو سياسي الطابع  بالدرجة الأولى، يتمثل بالخلاف حول الخلافة وأحقيتها، وهو موقف تطور لاحقاً إلى ما عرف بالتاريخ السياسي للخلافة الإسلامية بالفتنة. أي الخلاف حول: ذيول اغتيال الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان، وما نجم عنه من صراع سياسي حول تبوء الخلافة، والصراعات السياسية/ العسكرية التي اكتنفتها، وهو موقف كان له اتجاهات متعددة.

 وأستهل المرتجئة بتعميم نظرية أن الخلاف بين المتنازعين على أمر الخلافة هم في رحاب الله، والله سيحكم بينهم، كما سيقضي في شؤون الدنيا وما هي أكبر منها أو أدنى.

 ومن تلك الاتجاهات التي أكتفت بأتخاذ موقف شخصي من القيادات الإسلامية بأعتزال الأمر، وعدم اتخاذ موقف حاسم، كسعد بن أبي وقاص عضو مجلس شورى الخلافة، وأحد كبار الصحابة، والمغيرة بن شعبة، وسواهما وهناك من بلور موقفه المؤيد أو الرافض، المتمثل بموقف حركات :

* معسكر  الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب .

* الخوارج (فيما بعد) الخارجين على الخليفة الراشدي الرابع، فالخوارج كانوا يعتقدون أن مرتكب الكبيرة كافر مخلَّد في النار، وتكفر وكل من قبل بالتحكيم بين الخليفة علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. 

* معسكر معاوية بن أبي سفيان حاكم ولاية الشام، الذي أسس لاحقاً وبعد نهاية الدولة الراشدية الخلافة الأموية في دمشق بعد اغتيال الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب.

* حركة المعتزلة التي كان لها نظرة أكثر شمولية في الشؤون السياسية.

* حركة المرجئة موضوعة بحثنا.

 

وعلى الرغم من أن لا يمكن تحديد تاريخ دقيق لنشوء حركة المرجئة، إلا أن الرأي الأقرب إلى الصواب في نشأة المرجئة أنها نشأت بعد ظهور الخوارج والمعتزلة في خضم التيارات التي شغلت العالم العربي والإسلامي، أي في المرحلة بين خلافة الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب / ومطلع الخلافة الأموية.

  تلك هي التيارات الرئيسية الفكرية / السياسية التي انبثقت في تلك الحقبة، ولكن لابد من التذكير أن لكل من هذه الحركات فروع عنها وتكتلات تقترب منها في الرأي، وتيارات جانبية، وأراء مؤيدة وأخرى مناهضة. وكان موقف المرجئة مخالفاً لرأي الخوارج في مرتكب الكبيرة، فقالوا بأن لا يمكن الحكم بالكفر على كل من آمن بوحدانية الله، ذلك أن الحكم عليه إلى الله تعالى وحده له أن يغفر وله دون ذلك، يوم القيامة، مهما كانت الذنوب التي اقترفها.

 والمرجئة بذلك يفسرون ما ورد في القرآن : (وَآخرونَ مرجئونَ لأمرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذبهم وإِمَّا يَتوب عليهم واللَّه علِيم حكِيم ــ التوبة ــ 106). ويستندون أيضاً إلى السنة النبوية الشريفة، في حادثة الثلاثة المتخلفين الذين قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلاً وميلاً إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال، لا شكاً ولا نفاقاً، والذين أرجأ الرسول أمرهم وتوبتهم إلى الله.

 شكل هذا التفسير قاعدة الموقف السياسي للمرجئة  بعدم جواز تكفير أي إنسان طالما هو على الإسلام ويؤدي الشهادتين، أما المعاصي وما ينجم عنها فهي حكم الله سبحانه يوم القيامة، أن يغفر أو لا يغفر، الفصل في هذا الله سبحانه. لذلك صاغوا القاعدة التاليالمختلفة تتفقلإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.

 بيد أن المرجئة بتياراتها المختلفة  تتفق على موضوعات جوهرية منها:  تعريف الإيمان بأنه التصديق أو المعرفة أو التسليم بالقلب أو الإقرار. وأن الأعمال ليس داخلاً فى حقيقة الإيمان، ولا هو جزء منه، مع أنهم لا يغفلون منزلة العمل من الإيمان تماماً، ورأى بعض المرجئة كالجهميون (جهم بن صفوان) وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأن التصديق بالشئ والجزم به لا يدخله زيادة ولا نقصان.وأن أصحاب المعاصى مؤمنون كاملوا الإيمان بكمال تصديقهم وأنهم حتماً لا يدخلون النار في الآخرة.

 ولهم اعتقادات أخرى: كالقول بأن الإنسان يخلق فعله، وأن الله لا يرى في الآخرة، وقد تأثروا في هذه الآراء بالمعتزلة، وكذا رأيهم في أن الإمامة ليست واجبة، أو أي مسلم صالح أو من أى جنس كان وإن كان غير قرشي يمكن أن يتولاها، وقد تأثروا بهذا الرأى من الخوارج الذين كانوا ينادون به.(4)

ولا بد لنا ابتداء، التأكيد، أن الكثير من المؤرخين يسمون المرجئة " فرقة " فرقة المرجئة، وهذه صفة تعبر عن التكتل المذهبي الديني أكثر مما السياسي، بيد أننا نعتبر المرجئة، حزباً سياسياً يستخدم الشعارات والواجهات الدينية وكذلك المفردات الدينية/ السياسية بوصفها القاموس السياسي الوحيد السائد في ذلك العصر وأداة تعبئة للجماهير.

 وإذا كان الكثير من الصحابة والقيادات الإسلامية قد تعذر عليها اتخاذ الموقف الواضح كما أسلفنا، بسبب التشابك الشديد بين العناصر الشرعية القانونية، والدستورية والأخلاقية التي اكتنفت أحداث الفتنة، فهو موقف كان يوحي بالأرجاء، أي إرجاء اتخاذ القرار الحاسم بحقها إلى يوم الدين. وهذا الموقف الذي أتخذه الكثيرون عفوياً، تبلور تدريجياً إلى موقف سياسي ناضج، ولكن موقف الإرجاء هذا كان سياسياً منذ البدء وإن لم تتبلور بصفة حزب سياسي، ويكتسب مضامين أيديولوجية كما سنرى لاحقاً.(5)

 والفكرة البسيطة للأرجاء تطورت بتطور المواقف السياسية واكتسابها طابع الحدة والتطرف، فالمرجئة الذين عرفناهم كحزب سياسي ظهروا في العقود الأخيرة من القرن الهجري الأول، وربما قبل ظهور المعتزلة بفترة بسيطة، وقد تطور موقفهم السياسي والنظري كرد فعل على تطرف الخوارج.

 والخوارج، فرقة غادرت معسكر الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب احتجاجاً على قبوله التحكيم أولاً، ومن ثم طوروا هم أيضا مواقفهم السياسية والنظرية، ولكنهم مثلوا على الدوام الطرف الأكثر غلواً. ومن جملة ما تطرفوا فيه بصفة خاصة، أنهم كانوا يكفرون بسهولة ويدعون أن مرتكب الكبائر ليس بمؤمن، وأنهم بذلك أجازوا قتل خصومهم، بل وتعدوا ذلك إلى عوائلهم من النساء والأطفال.

 وفي حمى هذا التطرف كان بديهياً أن يبرز طرف آخر يدعو إلى العقلانية، فكان المرجئة هم الحزب الأكثر مرشحاً لهذه المهمة. فالمرجئة أساساً طرحوا عكس أراء الخوارج وقالوا " إن الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع له والمحبة بالقلب، وما سوى ذلك من الطاعة ليس من الإيمان، ولا يضر تركها حقيقة الإيمان، ولا يعذب إذا كان الإيمان خالصاً واليقين صادقاً " ثم صاغوا قاعدتهم الشهيرة " أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا يضر مع الكفر طاعة".(6)

 نعم، يستخدم المرجئة مصطلحات دينية / سياسية، فلم يكن هناك أساساً غيرها من قاموس ذلك العصر، وكان كل شيء ينظر إليه من خلال الشريعة، وليس بوسعنا أن نطالب المرجئة بتفصيل أكثر من ذلك، وهم الذين طوروا موقفاً كما ذكرنا وسط بين التيارات. وللدكتور الريس وهو من العلماء العرب المعاصرين رأي عن المرجئة يعبر عنه " أنه مذهب ديني فلسفي موضوعة البحث عن حقيقة الأيمان وعلاقة العمل به ".(7)

 وبرأينا أن مذهب المرجئة سياسي ولكنهم كانوا يتعاملون في موضوعات تداخلت فيها السياسة بالدين تداخلاً يصعب فصمه، لذلك فأنهم كونوا أراء سياسية بالدرجة الأولى في قضايا الإمامة، ثم في مسألة السلطان الجائر، مناهضته أم خلعه، بل وشاركوا في العديد من الحركات الثورية ولكنهم كانوا لا يصلون درجة التطرف والتعصب وهو موقف سياسي نعده سليماً وصحيحاً.

 ومن الأهمية بمكان، وهو ما سوف يعيننا على فهم أوضح لتطور حركة وفكر الأرجاء، والتي غالباً ما تعرضت إلى سوء فهم من المؤرخين والباحثين في الفكر السياسي العربي، فكما نشأ الخوارج (وهم حركة سياسية) نشأة سياسية في الصراع على السلطة، كذلك كانت نشأة حركة المرجئة، نشأة سياسية ارتبطت منذ البدء بقضايا سياسية سواء في الموقف من الصراع على الخلافة أو في موقفها المتطور اللاحق من حركات الشعوب الإسلامية غير العربية.

 

ويصيب د. عمارة، الخبير في الفلسفة والسياسة الإسلامية بقوله " ويعتقد أن مفتاح الخروج من الاضطراب والجدل في أفكارهم، هو في إدراك الطابع السياسي لنشأة فكرة الأرجاء، بينما كانت السياسة والصراعات حول السلطة هي التي أفرزت فكر المرجئة وتياراتها، ومن ثم لا سبيل إلى فهمهم إلا إذا وضعناهم في الإطار الذي نشأوا فيه، وأبصرنا تياراتهم على ضوء الظروف السياسية التي بلورتها"(8)

وإذا كان جذر حركة الإرجاء هو الموقف من الخلافة وشرعيتها، وهو موقف سياسي بالطبع، وإن كانت الخلافة موضوع ديني أيضاً، فقد قال أوائل المرجئة " بعضكم يقول عثمان قتل مظلوماً، وكان أولى بالعدل، وبعضكم يقول، كان علي أولى بالحق وأصحابه كلهم ثقة عندنا نصدق، فنحن لا نتبرأ منهما ولا نلعنهما ولا نشهد عليهم، ونرجئ أمرهما إلى الله حتى يكون الله هو الذي يحكم بينهما".(9)

 ونرى أن هذا الموقف لا يعبر عن انتهازية ولا عن توفيقية، بل أنه موقف سياسي بحت، يرفض زج الأمة والبلاد ومصالحها في صراعات دموية على السلطة، إنه موقف يؤثر سلامة البلاد ووحدة الموقف. فالأحداث العنيفة والمعارك الدامية مثل حروب الجمل وصفين والنخيلة والنهروان، وهي جميعها معارك بين فئات وأحزاب إسلامية أودت بحياة عشرات الألوف من المسلمين أوقفت المسيرة الإسلامية وألحقت بها أشد الضرار. فموقف المرجئة والحالة هذه، هو الموقف الذي يطفئ نار غلواء الفرق والأحزاب المتناحرة.

 وبتقديرنا، فإن المرجئة وقفوا مواقف عقلانية تقدمية بصفة عامة حيال أبرز الأحداث، فلم يكن ضمن سياستهم تبرير مواقف السلطات على أية حال كانت، بدليل أنهم اصطدموا غالباً بالسلطات عي مختلف العهود. والإرجاء كفكر مناهض للتطرف، وكموقف ورأي تطور لإلى فكر ثم إلى حركة، نشأ في عهد بني أمية، وأول من دعا إليه كان الحسين بن محمد(ابن الحنفية) بن علي بن أبي طالب (99 ـ 100 هج) أي في وقت نشوء المعتزلة تقريباً، والحسين بم محمد كان من عقلاء بني هاشم وقد دعا إلى " أداء الطاعات وترك المعاصي ليس من الإيمان ولا يزول بزوالها، فهو نوع متميز من الإرجاء".(10)

 وهذا الموقف بحد ذاته سياسي ويدعو إلى أخذ الأمور بعقلانية، وليس سهولة التكفير والقتل وإنزال العقوبات القاسية والإدانة السريعة الارتجالية، ولكن الموقف ألإرجائي لم يكن دائماً ليناً أو توفيقياً، فهو يبدي التصلب عندما يتطلب الأمر ذلك، بل ويقبل باستخدام العنف الثوري من أجل تصحيح الظلم وجور الإمام المنحرف، وهكذا فإن الموقف ألإرجائي بدأ يتسم بالتصعيد في معارضة الأمويين، فطالبوهم بالعمل بالقرآن والسنة والشورى واشتركوا في حركات معادية لبني أمية مثل حركة عبد الرحمن الأشعث ويزيد بن المهلب".(11)

 وانغماس المرجئة في العمل الثوري المنظم وليس الفوضوي المتطرف، دفعهم إلى تزعم وقيادة حركة مهمة ضد الدولة الأموية في عهد هشام بن عبد الملك وهي ثورة ضد الظلم وتدعوا إلى الفصل بين الإيمان والعمل، لأن الربط بينهما في الأمصار كان يطلق أيدي عمال الدولة في جباية الضرائب والأموال ممن دخلوا الإسلام حديثاً ".(12)

 ومن تلك الحركات، ثورة الحارث بن سريج في خراسان والتي سميت بثورة المرجئة. وأندغام المرجئة في الحياة السياسية وموقفهم من التطورات السياسية في مزيد من الاتساق مع أراء المعارضة، فقد كان في برأيهم أن الإمامة تثبت بإجماع الأمة فقط، أي أنهم قرروا أنها بيعة وحق لكل مسلم من غير قريش بالترشيح للخلافة طالما كان قائماً بالدستور(الكتاب والسنة)و اقتبسوا بعضاً من أراء الخوارج الديمقراطية ولكن السمات الثورية كانت تعبر عن الضرورة في تطوير وتثوير الموقف السياسي دون أن يدفعهم ذلك إلى التطرف.(13)

 ونلاحظ في كافة المصادر التي تناولت المرجئة (وهي ليست كثيرة على أية حال)، نلاحظ وجود قصيدة لشاعر مرجئي هو ثابت بن فطنة، سنوردها هنا لأنها تعبر حقاً وتوضح فكر المرجئة على نحو لا يخلو من الطرافة والمتعة معاً :

نرجي الأمـور إذا كانـت مشـبهة            ونصدق القول فيمن جار أو عندا

وما قضى الله من أمر فليس له مرد            وما يقضي من شيء يكـن رشدا

أمـا عـلي وعثـمان فإنـهما                عبدان لم يشركا بالله منذ عبدا

يجزي علي وعثـمان بسعيهما                 ولست أدري بحق أية وردا

الله أعلـم ماذا يحضـران به                  وكل عبد سيلقى الله منفرداً (14)

 

وبتقديرنا، أن المعتزلة هم أقرب حركة سياسية إلى المرجئة، فالمعتزلة لم تكن لهم مواقف متطرفة أو نهائية، والمرجئة وكذلك المعتزلة لم يناصبوا الأمويين العداء في مطلع عصرهم، ولكنهم توجهوا إلى المعارضة، ونالوا على يد الأمويين القمع والاضطهاد وكذلك قادتهم ومنهم غيلان الدمشقي الذي كان تلميذاً للحسن بن محمد(بن الحنفية).

 وما كاد القرن الثاني الهجري ينصرم، إلا وكانت حركة الإرجاء منتشرة في الأقاليم الشرقية للدولة الأموية، لاسيما أن المرجئة كانوا قد رفعوا شعارات المساواة دون العصبية والعنصرية، وتطبيق الشريعة على أساس التسامح بدلاً من العنف وسفك الدماء.(15)

 وقد التقت حركة الإرجاء مع الخوارج في أمر واحد، (الديمقراطية في مسألة الإمامة)، واختلفوا معهم في أشياء(منها التطرف في استخدام العنف وسفك الدماء والتكفير وقتل النساء والأطفال) والتقوا مع المعتزلة في أشياء واختلفوا معهم في أشياء، ولكنهم كانوا على تناقض مع الشيعة الإمامية التي كانت تدعو إلى أوليغارشية هاشمية، وكان الشيعة بدورهم يضمرون عداء مقيت للمرجئة.(16)

 وفي ختام بحثنا عن المرجئة، ونحن نعاني من نقص شديد في مراجعهم الأصلية، نعتقد أن المرجئة من أبرز الأحزاب السياسية وأكثرها تقديراً للمواقف السياسية / الاجتماعية، فنحن أمام حشد متناثر من المعلومات منتشر في المصادر القديمة وأخبار ومعلومات منها على سبيل المثال لا الحصر، أن أبو حنيفة النعمان إمام أحد المذاهب السنية الأربعة، كان على صلة بالمعتزلة وقيل بالمرجئة أيضاَ، وفي ذلك دليل على حيوية أفكارهم وأرائهم السياسية.

 ونحن ربما نلاحظ شكل ومضمون وشعارات تختلف عن شعارات الأحزاب المعاصرة ذلك أن وضوح الموقف الاجتماعي الطبقي لم يكن كما هو عليه الآن، وليس بوسعنا أن نطالب حزباً أو حركة أن يتعامل ويطرح شعارات وأساليب عمل تنتمي إلى ثلاثة عشر قرناً إلى الأمام..!

 

الهوامش

1. الشهرستاني، محمد عبد الكريم أحمد : الملل والنحل، طبعة 7 ، ص  24

2. الشهرستاني، محمد عبد الكريم أحمد : الملل والنحل، طبعة 7 ، ص  28

3. الدينوري، أبي عبد الله قتيبة : الإمامة والسياسة .

4. المرجئة : الموسوعة / الانترنيت.

5. عمارة، د. محمد : الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية ، ص169

6. الريس، د. محمد ضياء الدين : النظريات السياسية ، ص70

7. الريس، د. محمد ضياء الدين : نفس المصدر ، ص72

8. عمارة، د. محمد : الخلافة ونشأة الأحزاب ، ص166

9. إسماعيل، د. محمود : الحركات السرية في الإسلام ، ص34

10.  عمارة، د. محمد : الخلافة ونشأة الأحزاب ، ص166

11. إسماعيل، د. محمود : الحركات السرية  ، ص36

12.  عمارة، د. محمد : الخلافة ونشأة الأحزاب ، ص172

13. إسماعيل، د. محمود : الحركات السرية ، ص36 / 38

14. عمارة، د. محمد : الخلافة ونشأة الأحزاب ، ص172

15. إسماعيل، د. محمود : الحركات السرية ، ص44

16. إسماعيل، د. محمود : الحركات السرية ، ص43 / 51

 

 

*****************************

 

 

المصادر

1. الدينوري، أبي عبد الله قتيبة : الإمامة والسياسة .

2. إسماعيل، د. محمود : الحركات السرية في الإسلام ،  بيروت /

3. الريس، د. محمد ضياء الدين : النظريات السياسية ، القاهرة / ــ

4. عمارة، د. محمد : الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية ، بيروت /ــ

5. الشهرستاني، محمد عبد الكريم أحمد : الملل والنحل، طبعة 7، بيروت / ــ

6. . المرجئة في الموسوعة / الانترنيت.

 

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

المركز العربي الألماني

برلين

 

التجربة الألمانية

في مواجهة كورونا

ضرغام الدباغ

 

جرى في الآونة الأخيرة حديث كثير عن طريقة ألمانيا في مواجهة فيروس كوفيد 19 (كورونا) بحيث اضطرت دول أوربية متقدمة للاعتراف بالأسلوب المبهر للألمان، كيف حدث هذا وكيف يمكن أن تستفيد بلدان وشعوب أخرى من التجربة,,؟

ابتداء لابد من القول، أن الأسلوب الألماني لا ينحصر في مواجهة كورونا، بل أننا نوهنا في مناسبات عديدة، أن التجربة الألمانية في رفع الإنتاجية هي خلاقة، وكذلك في وضع الأسس لنظام اجتماعي متين وراسخ، وهي تجربة حملت دول عديدة ومنذ سنوات إلى الاتجاه لدراستها علمياً، فأوفدت علماء وخبراء ومختصين وشكلت فرق عمل أقامت في ألمانيا أشهراً بإشراف سفاراتها تعمل في البحث عن سر التفوق الألماني.، وكان التفوق الاقتصادي من محركات هذا البحث. لماذا ألمانيا التي سحقت مرتين في حربين عالميتين، تتفوق اقتصادياً وحتى يصير بمقدورها نجدة الاقتصاديات الأوربية المتعبة في دول صناعية مهمة، بل وصفت ألمانيا بأنها قاطرة الاقتصاد الأوربي، وأن اليورو يستمد قوته كعملة من البنك المركزي الألماني ... لماذا ..؟ لماذا الصناعة الألمانية متقدمة، لماذا كل شيئ في ألمانيا يسير كدقات ساعة مضبوطة ... وما السبب ؟

وبديهي سوف لن نسعى في هذه العجالة الإجابة على هذا السؤال الكبير المعقد، ولكن بوسعنا القول أن هذه النتيجة المبهرة هي حصيلة عوامل عديدة، موضوعية وذاتية، الموقع وحجم البلاد، والسكان، والموارد الطبيعية (سواء وفيرة أم شحيحة) ولكن على رأس العوامل الذاتية المهمة هي : الانضباط، ونظام التعليم. وعندما نقول الانضباط نعني : الدقة في التوقيتات، وفي الآجال، والكفاءة التامة في أداء الواجبات، تحديد مهمات كل فرد بدقة تامة لا لبس فيها، المحاسبة عند ارتكاب الخطأ ليس بالضرورة أن يعني ذلك إيقاع العقاب، بل دراسة الخطأ وتقويمه، الأنفاق أقل من الوردات، نهج وثقافة الاقتصاد والتوفير. والتحوط في الأيام الطيبة للأيام السيئة.

والنظام التعليمي الذي يدخل الفرد منذ بداية حياته: الحضانة، الروضة، الابتدائية والمتوسطة والثانوية، والجامعة، والدراسات العليا، أما المعاهد الفنية ابتداء من ثانويات الصناعة، إلى المعهد الفني فهذه قصة طويلة وجديرة بالدراسة لأنها السبيل الوحيد لخلق أجيال تمتلك العلم والخبرة. المجتمع الألماني يضع قيم الثقافة والقدرة والإنجازية في المقام الأول لاعتبار أي شخص، وليس قيم هوائية .

بهذا خلقوا مجتمعاً حديدياً عاملا منجزاً متقدماً، هو الأقوى والأفضل في أوربا، ومواجهة كورونا هو مؤشر على قدرة دولة ومجتمع على مواجهة الكوارث، وهذه المقدمة المختصرة هي مؤشرات ستقود إلى كفاءة الدولة وأجهزتها على مواجهة المشكلات، رغم أن كورونا وبهذا الشكل لم يكن في حسبان جهة، ولكن حسن الأداء، وسرعة الأداء، والإنجاز الممتاز قاد إلى خلق جسم طبي ممتاز واجه الأزمة بالقدرات الطبيعية وتمكن منها، وإذا كان منع دخول كورونا إلى البلاد شبه مستحيل (حدود برية مع 8 دول) وحدود بحرية مع السويد والنرويج وفنلندة على بحرين (البلطيق والشمال)، ولكن أمكن تقليص الوفيات وزيادة أعداد من يتم علاجهم ويتماثلون للشفاء.

الانضباط، تمثل بإطاعة التعليمات طوعياً بدرجة ممتازة، دون حاجة لتدخل السلطات (تقريباً)، آن الأوان لنفكر بشكل عملي وعلمي، لا تستورد مكائن وآلات وسيارت، بل نظم تفكير وعمل أولاً لكي يدير الآلة ويقود الماكنة شخص مؤهل، يقود جهازاً موديل 2020، ولكن عقل من يقوده في السادس الميلادي ....!

ألا تكفي هذه التجربة لنحكم العقول، وعقلائنا وخبرائنا ... في بلدنا المتعلمون يفسدون ويصابون بالعطب ... لقد سمعت في الأيام الأخيرة كلام يبعث على الدهشة لا أريد أن أصفها بشيئ آخر، مثقف يتحدث خرافات، طبيب يزعم أنه سياسي أصابته العدوى من الجهلة ..هذه مؤشرات كارثية ......! بهذا سوف لن تحل أي مشكلة مهما كانت تافهة. .....

 

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت …

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

مرحلة ما قبل اختراع الدمج

ضرغام الدباغ

 

غازي بن فيصل هذا، كان ملكاً أبن ملك، وجده ملك، وعمه ملك، وعمه الآخر ملك ... وقبل أن يكون ملك كان أميراً وتشرف بحمل رتبة ملازم، وقبل أن يكون أميراً كان شريفاً من الأشراف، وأجداده من أشراف قريش والهاشميين أشراف مكة  الاصلاء الشرعيين، بيدهم شرافة مكة وسدانة الكعبة كابراً عن كابر، وهم أسرة هاشمية لا جدال ولا نقاش في ذلك .. خريج مدارس لندن، والكلية العسكرية العراقية.

 بقي الأمير غازي، ولي العهد برتبة ملازم في الجيش العراقي حتى توج ملكاً على العراق، وهذه صورته أعلاه برتبة ملازم ... الشريف أبن الشرفاء .. الأمير أبن الأمراء .. الملك أبن الملوك .. يحمل بكل فخر واعتزاز رتبة ملازم في الجيش العراقي .. يوم كانت كلية الرستمية تخرج رجالاً مقاتلين أبطال .. ولا يشترون النجوم من سوق هرج، بل يدفعون ثمنها عرقا في ساحة العرضات، ودماً في ميادين القتال .. ورتب تمنح بعد استحقاق علمي و قانوني ....

أي زمان مثالي كنا فيه ..

هم توفوا ورحلوا عند ربهم، ولكن نحن الشعب العراقي خطية ..... نتجرع العذاب والهوان ... إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً ...

كان مرافقه العسكري الملازم فؤاد عارف، وهو صديقه وأبن دورته في الكلية العسكرية، ويروي عنه أن الملك غازي أعجبته سيارة رأها، وأراد شراءها، فسأل فؤاد عارف عن سعرها، ولما عادا إلى البيت وجد أن ما عنده من مال، وما عند والدته وعماته ، لا يكفي لشراء السيارة فتنقصه بضع مئات من الدنانير، فقال له فؤاد، : سيدنا هذه بسيطة نطلب من وزير المالية سلفة على راتبك وتحل المشكلة.

ولما جاء وزير المالية ونوه له الملك بطلبه بعد تردد وخجل ، فقال الوزير " يا جلالة الملك، لا توجد تغطية قانونية لمثل هذا الطلب مع الأسف" فأعتذر الملك من طلبه. ولما غادر الوزير عاتب الملك صديقه " ورطتنا بطلب غير قانوني " وراح المرافق يهون على الملك .. وقد نزعت فكرة شراء السيارة نهائياً.

روى لي صديقي العقيد رشيد صالح العزاوي، وهو من  أسماء المهمة في صنف الهندسة العسكرية وضابط متفوق، أنه بعد إنهاءه الدراسة في الكلية العسكرية في أواسط الخمسينات، قررت وزارة الدفاع العراقية إيفاد عشرة ضباط لدراسة الهندسة في بريطانيا، والأسماء اختيرت كالعادة حسب القدم العسكري بتسلسل النجاح، وكان صديقي العزاوي من بينهم، وكان البلاط الملكي يرغب في إيفاد ضابط ضمن الطلاب الموفدين، فردت رئاسة أركان الجيش أن تسلسل هذا الطالب لا يمنحه هذا الحق، لأن تسلسله هو الحادي عشر ..! وأراد وزير الدفاع أن يرضي البلاط والقانون معاً فرفع عدد الطلاب الموفدين إلى 15 طالب ...!

تأسست الدولة العراقية على هذه الأسس الراسخة القوية، ملك يحتار بتدبير بضع مئات من الدنانير، وبلاط لا يستطيع إيفاد طالب لدورة خارج استحقاقه .. لذلك فقط ولم تتحطم الدولة رغم أن الأسس والقيم بدأت بالتراجع بعد ثورة تموز / 1958، ولكن ببطء، حتى جاءت الضربة القاضية بعد الاحتلال حيث صار تدمير القيم نهجاً ثابتاً متعمداً، فهناك مصلحة أن يدمر هذا البلد ...

يقول سيدنا علي بن أبي طالب (رض) :

يا محنة الهر كفي ... وإن لم تكفي فخفي ... ثور يناطح الثريا ... وعالم مستخف

 

 

لا تخف ... فالخوف قد يقتلك

ضرغام الدباغ

 

قد يعتقد البعض أن ما أكتبه هو رفعاً للمعنويات فحسب ..... أو تعبيراً عن وجهة نظر تأسيساً على تجارب شخصية صافحت فيها الموت عدة مرات ... ولكن الله قد كتب في العمر بقية ...

قبل أيام، كنت أحدث صديق عزيز هو الأخ الحبيب عوني القلمجي، الذي يعيش في كوبنهاغن / الدانمرك، وكنت أنا وهو إلى ما قبل وقت قصير نتزاور سنوياً .. أزوره في الدانمرك، ويزورني في برلين، فصداقتنا تمتد لخمسين سنة بالضبط خلت ..! فقلت له ضاحكاً نحن محتجزون في بيوتنا بحسن خاطرنا ..! " تصور أخي عوني أنا وأنت لم تبق مكسورة في الدنيا لم نفعلها، ولم نموت وكتب الله لنا الحياة، معقولة راح نموت بفيروس لا يشاهد بالعين المجردة ....؟ ".

لا أحتاج من يذكرني، أن الإنسان يموت في ساعة معينة مقدرة، لا دخل لا لشجاعته ولا لخوفه، لذلك طب نفساً عزيزتي القارئة، عزيزي القارئ، وتفاءلوا بالخير تجدوه، بدلاً من أن تعيش الكارثة التي تصنعها أنت بنفسك .. وأذكر بمقولة رائعة للمناضل الأفريقي نيلسون مانديلا "  الجبناء يموتون مرات عديدة قبل موتهم، والشجاع لا يذوق الموت إلا مرة واحدة ".

وإليكم هذه الحادثة المذهلة التي قرأتها اليوم :

"في خمسينات القرن الماضي توجهت سفينة بريطانية من البرتغال إلى اسكوتلندا، وهي تحمل على متنها مشروبات خاصة. بعد أن أفرغت حمولتها في الميناء الذي رست به، دخل أحد البحارة إلى مستودع التبريد من أجل التأكد فيما إذا كان العمال نسوا أحد الصناديق في داخله في الأثناء، جاء بحار آخر وأغلق باب مستودع التبريد دون أن يلاحظ وجود زميله في الداخل. صرخ البحار الحبيس في المستودع بكل ما أوتي من قوة وضرب الباب بيديه، إلا أنه لم يستطع إسماع صوته لزملائه

أبحرت السفينة من جديد إلى البرتغال من أجل حمل شحنة جديدة. عثر البحار الحبيس في مستودع التبريد على ما يقيم أوده من الطعام، وأدرك أنه لن يموت من الجوع غير أنه كان يعلم بعدم قدرته على مقاومة البرد الشديد. أخذ يكتب على جدار مستودع التبريد ما عاشه بواسطة مدية كانت معه

روى يومًا بيوم، بدقة وعناية، أن البرد كان له تأثير المخدر على جسده أولًا، ثم أصبح له تأثيرات مميتة، وبعد ذلك تحدث عن فقدانه الإحساس بيديه وقدميه، وتجمد أنفه، وكيف أصبح الهواء البارد حارقًا بشكل لا يُطاق". 

عندما رست السفينة مجددًا في ميناء لشبونة بالبرتغال، طلب قبطانها فتح باب مستودع التبريد، ليجد جثة البحار في الداخل. لكن عندما قرأ على جدار المستودع قصة موت البحار متجمدًا من البرد فغر فاه من الحيرة

فدرجة حرارة المستودع كانت 19 درجة. والمشروبات الخاصة التي كانت تنقلها السفينة، تتطلب درجة حرارة 18 درجة. بعد أن أفرغت السفينة حمولتها في اسكوتلندا تم إغلاق نظام التبريد، ولذلك ارتفعت الحرارة في المستودع درجة واحدة لتصبح 19 درجة. بمعنى أن البحار لم يمت متجمدًا من البرد وإنما لاعتقاده بأنه سوف يتجمد..

 

ثم أني قرأت حقيقة مذهلة : أن الذعر يتسبب بتأثير يضعف نظام المناعة بنسبة 50%. وعقلنا يمكن أن يلعب علينا ألاعيب رهيبة. في معظم الأحيان يكون الخوف مفيدًا، ويحافظ على حياتكم. لكن الذعر له عواقب وخيمة دائمًا أسهل الأوقات التي ينهزم فيها المرء أمام عقله هي عندما يكون في فراغ أو بلا هدف. حاولوا الانكباب على أمور تشغل عقلكم، عوضًا عن التفكير دائمًا بأنكم متضايقون، وعن متابعة الأخبار وإنهاك أدمغتكم بسيناريوهات الكوارث.

 

معلومة أخرى  وردت في الموسوعات، أن لخوف الإنسان رائحة يفرزها جسده، وتشمها الحيوانات، فتغريها على مهاجة الإنسان الخائف، لأن قواه خائرة ومعطلة بسبب الخوف ... إذن أن الخوف لا ينقذ الإنسان بل يجعله ضعيفاً، ومستسلماً .

الموت حق .. ويوم يأتيك سوف لن يستأذن منك ..لذلك عشر حياتك بأطمئنان وتقبل القادم الآتي الحتمي دون وجل، تقبل قضاء الله فيك وبغيرك من البشر ...

ليرحمنا الله جميعاً ...

 

 

زلة لسان ... أم تعمد

 

ضرغام الدباغ

 

لست من هواة متابعة التلفاز، ولكني أقتني مجلة البرامج وأشاهد منها ما أختار،  والأفضل أطلع من خلال الانترنيت على ما أريد من البرامج. وأكثر ما يهمني هو المقابلات التي تجريها القنوات وخاصة الأجنبية، مع الشخصيات السياسية والعلمية. ورغم أنني أعرف تماماً أن السياسيون حذرون جداً ويندر أن تفلت من أحدهم كلمة أو جملة لا يريدون التصريح بها، ولكن رغم هذا تفلت أحياناً ما هو في نطاق الأسرار، أو المعلومات الغير متاحة في الصحافة والإعلام.

 وعندما أشاهد وأسمع أن أحد تلك الشخصيات البارزة تصرح بحديث خطير، ومهم جداً، وهذا يحملني على التفكير، هل هذه الشخصية الكبيرة تعمدت هذا التصريح، فيدلي بكلمة أو جملة بعيدة المعنى والمغزى، أم ترى أن لسانه أفلت فل لحظة غضب، أو استرسال وانسجام في الحديث وندم عليها فيما بعد، ولكني أعرف أيضاً ليس جميع المشاهدين يتابعون بدقة حرفية، أو أنه يشاهد التلفاز دفعاً للضجر، وهكذا تفوته معلومات مهمة.

 1

  

الرئيس السوفيتي ميشائيل غورباتشوف

 

 ــ ومن بين أهم ما مرت علي من لقطات مثيرة لا تنسى، هي مقابلة التلفزيون الألماني مع الرئيس السوفيتي السابق ميشائيل غوورباتشوف (Michail Gorbatschow) بمناسبة ذكرى تقويض الجدار بين برلين الشرقية والغربية. وتحدث غورباتشوف بمعلومات بدت لي غريبة جداً، رغم أني أدرس وخبرتي بالعمل السياسي. والمعلومة هي كما يتحدث غورباتشوف: أن الاتحاد السوفيتي كان متفاهماً مع حكومة ألمانيا الاتحادية بصفة تامة على كافة الخطوات التي تبدأ بانسحاب القوات السوفيتية من ألمانيا الديمقراطية، وتسهيل إقامة الوحدة الألمانية، وتعديل اتفاقية لندن الرباعية (1971)، أو إنهائها، وكانت تشكل عقبة كأداء أمام الوحدة الألمانية.

 

الأطراف الأربعة لاتفاقية لندن هم : الولايات المتحدة، الاتحاد السوفيتي، بريطانيا، فرنسا. وكانت الموافقة السوفيتية تامة وبدون تحفظات. وكان المستشار الألماني الكفء هيلموت كول (Helmut Kohl)  قد نجح بإقناع الرئيس الأمريكي دونالد ريغان، الذي لم يكتف بإعطاء موافقته، بل وممارسة الضغط على رئيسة الوزراء البريطانية الحديدية مرغريت تاتشر التي كان موقفها لا يلين، وترفض أي حديث عن موافقتها للوحدة الألمانية، وهذه حسابات بريطانية عميقة لها أفق السيطرة والهيمنة على أوربا. ولكن حيال الضغط الأمريكي، وافقت بريطانيا مكرهة. وهذا الموقف البريطاني ليس مفاجأة، ولا الانصياع للضغط الأمريكي ليس مستغرباً.

 

الموقف الغريب حقاً لدرجة الدهشة بالنسبة لي، وأعتقد حتى لأكثر المراقبين والمحللين، تمثل بالموقف الفرنسي. ويقول غورباتشوف أن رفض الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، كان حازماً وقاطعاً، ويرفض أي مناقشة في الأمر. فرنسا حليفة ألمانيا الاتحادية الأولى في أوربا وفي العالم، الدولتان المؤسستان والراعيتان للسوق الأوربية المشتركة، ولمشاريع الاتحاد الأوربي، والشريك الاقتصادي الرئيسي، والشريك الاستراتيجي في الناتو وفي تحالفات ثنائية عميقة بين البلدين، ترفض بإصرار على الموافقة على الوحدة الألمانية ..... !

 المفاجأة الكاملة والمذهلة كانت في الموقف الفرنسي... ولكن من يقرأ السياسة بدقة يرى أنه موقف طبيعي .. وكما أن الهواجس البريطانية مفهومة، فإن الهواجس الفرنسية مقبولة ومفهومة ربما بذات القدر ..! ألمانيا وفرنسا حليفتان منذ عام 1949، حين أرسى الجنرال الكبير شارل ديغول والمستشار المحنك كونراد أديناور أسس التحالف وفق رؤية بعيدة المدى، تنفذ على أرض الواقع بصبر وتوءدة حتى اليوم، إذن لماذا رفض الرئيس الفرنسي ميتران الوحدة الألمانية بإصرار ..؟

 ولكن التاريخ والفرنسيون لا ينسون أن الألمان احتلوا العاصمة الفرنسية مرتين، وحاصروها على أبوابها مرة أخرى، والوحدة الألماني ستضيف إلى الدولة الألمانية الموحدة 17 مليون ألماني متعلم ومستوى صناعي وتعليمي راقي، ودولة صناعية من الدول العشرة الأولى في العالم (ألمانيا الديمقراطية الشرقية). برغم أن الإعلام الألماني (الغربي) عمل كثيراً وراح يقلل من أهمية ألمانيا الديمقراطية ويصور أن ألمانيا الغربية ستنفق كثيراً على ألمانيا (الشرقية)، ولكن الحقيقة هي أن مساحة ألمانيا اتسعت، وعدد سكانها أرتفع، وكذلك عدد جامعاتها الراقية، وجيش من العلماء والأخصائيين في كافة المجالات.

 وبحسابات العقل والرؤية البعيدة، أدرك الفرنسيون أن ألمانيا ناقص، جزئها الشرقي، هي أضعف وأقل مقدرة منها قبل إقامة الوحدة، ويضعها في موقف أضعف في حسابات التحالف.لذلك كان موقف الرئيس الفرنسي ميتران العنيد ضد الوحدة، ولكن في السياسة ليس هناك مستحيل ونهائي، والمستشار الألماني العظيم كان يسير ملهماً صوب وحدة بلاده، فمالذي يحول بينه وبين حلم أمته ..؟ وبأختصار شديد، فعل كل شيئ (وألمانيا بوسعها فعل الكثير)  ليلين موقف فرنسا، وتوصل لذلك فعلاً. وعندما تقاعد العظيم هيلموت كول، أنزوى في بيته بعيداً عن الأضواء والمجد العظيم الذي حققه لوطنه، لم يقل عنه كلمة مديح واحدة .. فالأمر كان سيفسد لو فعلوا ذلك .. هو قام بواجبه ..... فقط.

 مقابلة الرئيس السوفيتي السابق غورباتشوف كانت مذهلة وهو يروي تفاصيل وخفايا تلك الحقبة التاريخية المفصلية في تاريخ أوربا : الاتحاد السوفيتي ــ ألمانيا. وأخمن أنه لم يفرغ كل ما في جعبته. ولكني كسبت منها تجربة سياسية كبيرة.

 

2

 

السياسي الألماني إيغون بار

 

ــ من المقابلات الهامة التي شاهدها في حياتي، هي المقابلة التلفازية مع السياسي الألماني الألمعي إيغون بار / Egon Bahr ــ 1922ــ 2015) وهو أحد أبرز الشخصيات السياسية التاريخية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) وعمل لفترة طويلة مع المستشار الألماني فيلي براندت، ونائبا في البرلمان الألماني الاتحادي، وعمل وزيراً للمهمات الخاصة، وبهذه الصفة قاد ابرز وأهم المباحثات الألمانية مع ألمانيا الديمقراطية (الجزء الشرقي من ألمانيا)، ومع الاتحاد السوفيتي، ولعب دورا هاماً ومؤثراً في المباحثات ونتائجها.

 

فالرجل يمتلك إذن خبرات وتجارب عمل مهمة في بلد كبير كألمانيا، وخاض غمار تجارب سياسية حاسمة، من بين أهمها هو عمله لفترة طويلة في تحقيق الوحدة الألمانية. وقيامه بسفرات كثيرة وعقد اجتماعات حاسمة، ومن بينها سفرة قام بها إلى موسكو /  للأتحاد السوفيتي وإجراؤه محادثات بصدد الوحدة الألمانية.

 

هناك مسألة ألمانيا كامنة في أعماق السياسيين الألمان، وفي أعماق نفسية كل ألماني، وهي إدراكهم العميق أن بلادهم مجزأة / مقسمة، أقتطع منها مساحات شاسعة، وقسمت لدول عديدة، والوحدة حلم كل ألماني، إلا أنهم يدركون أن ذلك صعب المنال، وتحيط بهذه القضية حسابات دولية معقدة، ومصالح أوربية وعالمية، وتثير هواجس حتى أقرب المقربين لألمانيا في التحالفات والعلاقات الصداقية الثنائية، فحسابات مصالح الدول السياسة هي غير حسابات الصداقة.

 

الدول الألمانية في أوربا كانت حتى عام 1991 هي : ألمانيا الاتحادية، ألمانيا الديمقراطية، النمسا، سويسرا، وهولندة، وأمارة ليشتن شتاين، هذا عن تواجد سكاني ألماني مهم وحضور ثقافي في : هنغاريا، يولونيا، الدانمرك، رومانيا، مناطق في القرم وأوكرانيا. وبنظرة سريعة يدرك المرء أن هذه هي مساحة جغرافية وتعداد سكاني واقتصادي كبير جداً، تقف بوجهه بريطانيا، وفرنسا، وروسيا، وربما حتى الولايات المتحدة. لأن الوحدة الألمانية ستخلق دولة عملاقة بقدرات فائقة تفرض إرادتها على مسرح العلاقات الدولية والأوربية بشكل خاص. فهو بهذا حلم بعيد المنال.

 

الدولة الألمانية بوصفها أكبر الكيانات الألمانية تدرك أن الوصول لهذا الهدف طويل ومعقد، وأن عليك أن تثبت للجميع، للأعداء والأصدقاء على السواء، أن الشعب الألماني لا يريد سوى السلام، ولا يضمر سوى الود لجميع الشعوب الأقربين منهم والأبعدين، وعليه أن يزيل تراث دموي من العلاقات، ويمهد الطريق لكيان ألماني كبير ومقبول ولا يثير مخاوف أي طرف من الأطراف. وهذه ليست مهمة سهلة بل هي في غاية التعقيد. ولكن ينبغي التحرك بحذر وصير وتوءدة. ومن ذلك الألمان يتجنبون إثارة حفيظة أي طرف من الأطراف، فلا يحيطون أي خطوة مهما كانت صغيرة في هذا الطريق بالضجيج الإعلامي والحماس العاطفي.

 

في المقابلة التلفازية يقول إيغون بار أن الوفد الألماني قصد موسكو للتفاوض، وقابل مسؤولين من وزارة الخارجية السوفيتية وهنا المفاجأة : " من دائرة ألمانيا وسويسرا والنمسا وهولندة .. (يبدو أن هناك دائرة متحدثة باللغة الألمانية في وزارة الخارجية السوفيتية)، ولكن إيغون بار أضاف كلمة " إذن دائرة ألمانيا الكبرى ...! ". (Grosse Deutschland) وطيلة إقامتي الطويلة في ألمانيا لم يتكرر سماع هذا المصطلح الهام. وأنا أعتقد جازماً أن السيد بار لم يتعمد ذكرها، بل وردت كزلة لسان ..!

 

 

3

 

 

وزير الخارجية البريطانية جاك سترو

 

تابعت مقابلة تلفازية هامة أجريت مع وزير خارجية بريطانيا الأسبق  ( Jack Straw)  ، أدلى بها السيد سترو بتصريحات، وإن لم تكن المعلومات التي أدلى بها (عن التعاون الوثيق بين إسرائيل وإيران) في حيز الأسرار، ولكن تأكيدها على هذا المستوى السياسي المسؤول، مدعماً بالأرقام، منح المعلومات طابعاً تأكيدياً مهماً، وصار بالإمكان الاعتماد عليها كمعلومة موثقة تستحق الإشارة إليها.

 يتحدث الوزير سترو عن التعاون الإسرائيلي الإيراني الحميم خلال 8 سنوات الحرب لعبت فيها إسرائيل دور المورد الأول للسلاح لإيران سواء الأسلحة من الصناعات الإسرائيلية، وقد عثرت القوات العراقية على اعتده إسرائيلية الصنع، ولكن بوسع السلطات الإيرانية الزعم أنها أسلحة موردة لإيران منذ زمن نظام الشاه.

  والشهادة المهمة هنا تأكيد وزير الخارجية البريطاني الأسبق، أن إسرائيل كانت تضخ الأسلحة لإيران طيلة ثمان سنوات التي استغرقتها الحرب، وهذه الشهادة المؤكدة  والمسؤولة، تضيف إلى المعلومات الكثيرة التي كانت بحوزة السلطات العراقية، وحتى الدولية، التي أكدتها سقوط الطائرة الأرجنتينية في مناطق الحدود السوفيتية / التركية، وعن رحلات بحرية بين الموانئ الإسرائيلية والإيراني لنقل السلاح. وأشار الوزير سترو أن مجموع ما صدرته إسرائيل إلى إيران في أعوام الحرب بالثمانينات بلغ 2 مليار دولار، وهو مبلغ غير بسيط في تلك السنوات.

 وتتميز علاقات التسليح أو غيرها على الصعد السياسية والجارية بالتكتم وإحاطتها بالسرية، رغم أنه لا يمكن التعويل على الإبقاء على الأسرار، فتداخل العلاقات والتقدم التقني  يكشف العلاقات السرية مهما حاولت الأطراف إخفاءها. وقد تتكون مصلحة لأحد الأطراف، أو لمن أطلع على أسرار العلاقة أن يعمد لكشفها بهذا الأسلوب أو ذاك. ومن تلك مثلاً أن قدمت إيران لإسرائيل ما تمتلك من معلومات وصور لمواقع العمل والأبحاث النووية العراقية، وسهلت بذلك مهمة قيام إسرائيل بشن غارات الطيران لقصف تلك المنشئات. وأن قيام تعاون إسرائيلي ــ إيراني  عسكري / استخباراتي هو أمر منطقي حيال خصم مشترك وهو العراق.

 ومن بين العلاقات التي أدلى الوزير البريطاني بمعلومات عنها، هو سماح السلطات الإيرانية بسفر اليهود الإيرانيين يقدر عددهم بنحو 100 ألف شخص، إلى إسرائيل، والعودة أو البقاء فيها، وهذا ما يمثل بمبادرة حسنة، لابد أن رد الإسرائيليون بمثلها. وأشار الوزير سترو أن خلال فترة خامنئي هاجر 50 ألف إيراني / يهودي إلى إيران.

  

عالم الاقتصاد الفلسطيني د. طلال ابو غزالة

 

 

د. طلال أبو غزالة عالم اقتصاد عربي فلسطيني، خرج من قلب المأساة وصنع من نفسه شيئاً لشعبه وأمته، وبفضل علمه توصل وتبوء مراكز علمية / سياسية دولية كبيرة، وبفضل هذه المراكز العليا التي توصل إليه، ومخالطته ومجالسته شخصيات دولية ذات أفق عريض، وبفضل علمه الغزير أولاً، توصل الدكتور ابو غزالة إلى فهم عميق لعناوين بل ولمفردات وتفاصيل ما يدور على مسرح العلاقات الدولية، وأكثر من ذلك اكتسب القدرة الفائقة على التنبؤ وفق مقاييس علمية دقيقة.

 

في متبعة محاضرات الدكتور ابو غزالة فائدة قصوى، وحتى تلك المعلومة أو الملاحظة التي ربما تعرفها أو تتفهمها، وقد تشعر بها، أو يتوصل إليها تحليلك العلمي، يخبرك أياها د. أبو غزالة عن معرفة وعلم، بطريقة لبقة.

 

في إحدى محاضرات د. ابو غزالة  يتحدث فيها عن تنافسات الأقطاب العالمية، فيتطرق إلى نظام العولمة الذي يلفظ آخر أنفاسه، ومن المرجح أن لا يستمر فترة طويلة بعد، الدور القيادي أنهك الولايات المتحدة الأمريكية نفسها كما أنهكت مناطق كثيرة في العالم في بؤر التوتر وغيرها، وأولى مظاهر تراجع الدور القيادي الأمريكي يكمن في المؤشرات الاقتصادية قبل كل شيئ، وهو ما يعطي تحليلات هذا العالم المصداقية والعلمية.

 المهم جداً الذي تحدث به د. أبو غزالة، هو ما كنا نلاحظه من خلال ظواهر عديدة، ولكنه لم يكن يرتقي لدرجة المعلومة، أو اليقين هو أن مسرح العلاقات الدولية الحالي يتجه بسرعة ليتبلور على معسكرين :

 الولايات المتحدة ــ بريطانيا  /  الصين ــ روسيا

 وبالطبع لكل من هذين المعسكرين حلفاء وأطراف، والأساس في هذين المعسكرين هو التحالف على أساس القوة الاقتصادية والعسكرية. ويتوقع د. أبو غزالة أن تكون هناك نقاط ساخنة في المحيط الهادئ وأطرافه وخاصة في بحر الصين، وقد يبلغ الأمر حدود حرب محدودة، سيكون بعدها مفاوضات، يجري بعدها تقسيم جديد للعالم، والتقسيم لا يعني وجود عسكري وسياسي استعماري، كولونيالي، فتلك طبيعة اندثرت منذ زمن بعيد، بل الحضور والنفوذ سيكون اقتصادي / سياسي.

 الأمم الصغيرة لا حظ لها في الصمود كقوة لها وزنها في الميدان إلا إذا دخلت اقتصادياتها عالم الترليونات، وصارت لها أهميتها الاقتصادية لتحقق أهمية سياسية.

العالم قوة ... نعم هذا قيل دائما عبر التاريخ، ولكن ما يتغير هو الصور المعبرة عن القوة ....!

 المركز العربي الألماني

برلين

 

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

الكورونا ..

 وما بعد الكورونا

ضرغام الدباغ

لا ينبغي التقليل من خطورة فايروس كورونا كوفيد 19 (Covid 19) ، ولكني أثق بأن الأزمة ستبلغ ذروتها، ثم تنحسر، أولاً بسبب حسن تعامل الإنسان معها، وثانياً بتوصل العلم إلى صناعة مضادات لها سواء تلك التي ستزرق في جسم الإنسان، أو تلك المطهرات التي ستعمل على القضاء على الجزء الأعظم من الفيروس، الذي سيتراجع، ويتضاءل، ولكنه سوف لن يباد نهائياً، بل يضل بين الحين والآخر يطل بوجوده، ولكن بخطورة أقل، وسوف يتولى التطعيم المسبق تقليص خطورته وأضراره، حتى يصبح التطعيم شبه إلزامياً كما يحدث في أوربا حالياً التطعيم السنوي في نهاية كل عام من مرض الانفلونزا، ربما سيكون كورونا أقسى قليلاً من الكوليرا، مع الفارق أن الكوليرا وقبلها الملاريا هي أمراض اختصت بها البلدان النامية، والفقراء والكادحين، كالجذام، والتيفوئيد، ولاحقا إيبولا، أما كورونا فهي لا تعرف الصراع الطبقي، فتنال حصتها حتى من الأثرياء والبلدان المتقدمة، ولكن البلدان المتقدمة بأعتبارها تعرف ماذا تفعل، سيكون زيارة كورونا ليس حدثاً شائعاً.

ولكن على أية حال، فأن مرحلة القضاء على كورونا ستكون عصيبة، وسوف تترك عادات جديدة وتنسخ عادات وتقاليد قديمة، ومن تلك مثلاً عادات المبالغة في المصافحة، والعناق وصولاً إلى تبادل القبلات .. والمبالغة في دعوات العشاء، ومجالس الأفراح والأحزان، فهذه عادات الزمن القديم، والتي يمكن أن تختصر بإبداء مشاعر التضامن والمواساة بكارت جميل أنيق، وبكلمات معبرة، أكثر من العناق والتقبيل و " البقاء في حياتكم" .

 وأساساً فإن شروط السكن الجديد، (المساكن والشقق الصغيرة) تجعل من إقامة مجالس الفرح والحزن في البيوت مسألة صعبة، بل وإقامة الولائم الكبيرة بسبب صغر حجم الشقق. كما انقرضت غرفة المكتبة، فاليوم أنت مرغم عن التنازل بأسف وأسى عن ألاف الكتب، لأن ببساطة لا يوجد لها مكان في البيت، ولم أكن يوماً أتخيل أن أهدي ألاف الكتب، ولا يرغب بها أحد، فأهديها لمؤسسات وقفية، مكتبة عملاقة كنت أمتلكها، اختصرتها اليوم بمكتبة أنيقة جداً ولكنها صغيرة جداً ولا تتسع سوى ل 700 ــ 800 كتاب فقط، ومعظم كتبي هي مراجع أصيلة، أو موسوعات متخصصة(موسوعة عامة، سياسية، اقتصادية، فلسفية، عسكرية، طيران، دبلوماسية)، وقواميس لغات: عربي، ألماني، إنكليزي، فرنسي، إسباني، ولكني أمارس الغش، فأخفي كتباً وراء السرير، وتحت الكنبات والكراسي، بضع عشرات أخرى .... لا فائدة، انتهى أمر المكتبات الورقية العملاقة، فأنا اليوم أملك مكتبة الكترونية سوبر عملاقة تضم 52 ألف كتاب، وأكثر من 29 ألف صورة، ولوحة وخريطة، و كل هذه الثروة في قطعة صغيرة الكترونية أصغر من حجم الكف، يمكنك أن تضعها في جيب القميص، أما المكتبة الموسيقية، فأنتهى عصر الأسطوانات الرائع، والآن عصر الأقراص (CD)، فيمكنك تجميع مئات الأقراص لا تأخذ سوى حيزاً صغيراً.

الآن يضيف الكورونا، إلى تفاقم أزمة السكن، الضرورة الحاسمة لنظام صرف صحي، وشبكة مياه نقية صالحة للاستخدام البشري، فتشوا عن د. عدنان جابرو ليعيد لكم مياه نظيفة في بغداد، وابحثوا عن وزير / وزيرة صحة لا تهتم للكومشن والحصص والتحاصص، وإلا سيأكلنا الكورونا، وربما غداً سنواجه ما العن منه ... أيها الناس .. لكي لا يكون العراق بلد يسكنه الأشباح ... استعدوا لبناء البلاد وإلا سيضيع كل شيئ  ...

التعليم سيكون له اتجاهات جديدة .. سيتدخل الالكترون بدرجة عميقة جداً في أساليب التدريس، واليوم في برلين يلتقي الطالب بطلابه في دائرة على الهاتف، ويتم تبادل الأوراق بواسطة الهاتف، وتسجيل الحضور والدوام في الكلية الكترونياً، وهناك تعاملات واسعة تجري منذ سنوات عبر الانترنيت، ولكن الآن أصبح الأمر بدرجة حاسمة، ومستشارة ألمانيا السيدة ميركل بأعتبار أنها ترقد للاستراحة في بيتها، تدير العمل في مكتبها من بيتها الكترونياً. كنا نقول قبل سنوات، من لا يتقن العمل بالكومبيوتر فليتفضل ويرتاح في البيت، الآن لا أحد يتعامل مع من يجهل الكومبيوتر، يعتبر في مرحلة الأمية قولاً وفعلاً....! وسيؤدي التطور العلمي إلى تضاؤل مكانة الأفكار المثالية، وحتى تتعرف على أدق المعلومات، فالأمر لا يحتاج منك سوى لمسة زر من أزرار الكومبيوتر.

التسوق، والتعامل بالبريد، ومراجعة الدوائر تغير منذ الآن وسيتغير بدرجة حاسمة أكثر من ذي قبل. وعندما أحلت على التقاعد قبل نحو عشرة سنوات، لم أراجع دائرة التقاعد سوى مرة واحدة فقط ولبضعة دقائق، ومنذ ذلك التاريخ، لم أراهم ولم يروني مطلقاً كل شيئ يدور بالبريد، بدون أدنى مشكلة. وأعتقد أننا أمام مرحلة يتم التوقيع فيها الكترونياً عبر استخدام رقم سري أو شفرة، أو تطوير آلية معينة يتم فيها التوقيع الكترونياً، وهذا ليس بصعب، ويجري حالياً استخدامه في نطاق ضيق.

مراجعة الأطباء ستكون عبر الهاتف، والآن هناك في بعض الهواتف الذكية   (Smartfphone)"ومنها هاتفي المتواضع" تطبيقات تقوم بقياس النبض ومهمات أخرى، وعدد الخطوات، وربما هناك جيل جديد من الهواتف يفحص الضغط، ونسبة السكر، وحرارة الجسم ...الخ تعطيها للمستشفى هاتفيا، وسيجرون لك اللازم ... ويقررون  حاجتك لزيارة المستشفى، وفي أي قسم ..!

هناك تفاصيل ومفردات كثيرة جداً .... اريد أن أصل وأياكم إلى أمر مهم، ربما سيعتبره البعض رجماً بالغيب .. وهو الجزء الأهم في مداخلتي...!  وبتقديري أن التطورات الأهم ستكون على مسرح السياسة العالمية، إذ جاءت كورونا لتضيف  ضربات فرشاة مهمة على اللوحة ... على صورة العلاقات الدولية المقبلة. وإذا كانت العملية تتجه قبل موجة كرونا إلى مواجهة أمريكية ــ بريطانية /  صينية ــ روسية، كانت ستقع بكورونا أو بدونها، الآن ستضيف عليها كورونا لمساتها، وأرجح أن يكون بأتجاه إقرار أمريكي بمكانة الصين ــ روسيا، وتقاسم نفوذ، وهو أمر يحصل بعد كل حرب، ساخنة أو باردة، ستنال بموجبه الصين حرية الحركة في مناطق معينة، ونهاية لقطبية الأحادية.

وليس من الضروري أن يكون تقاسم النفوذ (وهي النتيجة الطبيعية لكل حرب) الضرورة الحتمية ومن نتائج حرب عالمية ساخنة، ففي الواقع لا توجد حرب باردة، ففي غضون الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والمعسكر الغربي(1949 ــ 1991)، كانت تدور معارك ساخنة جداً بين حلفاء القطبين الدوليين، في أرجاء متعددة من العالم، وصلت فيها تطورات الموقف في حالتين على الأقل إلى درجة الإنذار النووي، ثم خمدت بمساعي دبلوماسية، فقد أقرت روسيا ببعض المعطيات عقب انتهاء الحرب الباردة في لقاء قمة مالطا بين الرئيس بوش الأب، والزعيم السوفيتي غورباتشوف في 2 ـ 3 / ديسمبر ــ كانون الأول عام 1991.

وأكاد ألمح تطورات جوهرية في عالم التجارة والصناعة ستبلغ فيها مستواً بالغ التقدم، والتطور الاقتصادي سينعكس على طبيعة العلاقات بين الدول، التكتلات والتحالفات الدولية، والدول المتقدمة قد استعدت لذلك وهي تواصل استعداداتها، وستبرز دول عظمى جديدة، وقوى وتحالفات، ولن يتخذ طرف أو دولة مكانة إلا بالاستحقاق السياسي / الاقتصادي. ومن يتذكر من القراء، أني كنت قد كتبت ملمحاً لذلك قبل وقت بعيد ...!

 

 

محامو البعث

ضرغام الدباغ

 

لو كان حزب البعث العربي الاشتراكي قد أوكل ألف محام ومحامية، من فطاحل المحامين  لما دافعوا عنه بالأدلة المادية والعقلية معاً، كما دافعت عنه الأحزاب الدينية وإيران ....!

كيف ..؟

 سيتهمني بعض الناس بالتورية، أو حديثي بالألغاز، ولكن على العكس تماماً ... فلم أكن يوماً واضحاً كما أنا اليوم ..  علماً أني كنت طيلة حكم البعث من اليوم الأول إلى اليوم الأخير(17 / تموز / 1968، وحتى نيسان / 2003) في موقف المعارضة، ولكن الموقف الآن تاريخي ويجب أن نتحدث بصراحة وموضوعية .... وسأشرح ..

البعث خلال مسيرته التي امتدت نحو 35 عاماً، كانت حافلة بالمنجزات المبهرة التي تشبه المستحيل: تأميم النفط، ومحو الأمية، ازدهار الصناعة، ارتقاء التعليم لمستويات عالية، وحاجات الإنسان الأساسية المتمثلة: توفير السكن الجاهز، توزيع أراض سكنية، بناء مستشفيات راقية تضاهي أرقى دول العالم. هذه الأسس المادية الأساسية للحياة البشرية الصالحة :

سكن صالح للبشر.

تعليم جيد.

صحة وعلاج.

غذاء صحي.

توفير أسس البناء ألارتكازي (Infrastructure).

ظواهر وشواخص التقدم منتشرة على طول العراق وعرضه، اليوم يتحدث بها عقلاء العراق على الملأ علناً، ويصرخ بها الشباب والشابات والنساء والشيوخ وجعاً وألماً، لدرجة أن أحدهم كان يتحدث على الهواء أصيب بجلطة وتوفي ..! هناك منجزات ومكاسب لا يمكن تجاهلها، وهناك طريق مرور سريع يمتد من الموصل حتى البصرة، ومن بغداد حتى الحدود الأردنية والسورية، سكك حديدية، موانئ، وهي أهم مستلزمات البناء الأرتكازي. دولة محكمة قوية في نظامها وقوانينها، وحياة نعيم عاشها المواطن العراقي، يصعب تكرارها حتى في المستقبل . أنظر لقائمة السدود:

سد ديالى: ١٩٦٩/ سد الرطبة: ١٩٨١/ سد حمرين: ١٩٨١/ سد الرحالية: ١٩٨٢ / سد ام الطرقات: ١٩٨٢/  سد الفلوجة: ١٩٨٥ / سد الموصل: ١٩٨٦/ سد حديثة: ١٩٨٧ / سد الكوفة: ١٩٨٨/ سد دهوك: ١٩٨٨/ سد الشامية: ١٩٨٨/ سد العظيم: ١٩٩٩/ سد الأبيض: ٢٠٠٢ .... سد بخمة العملاق كان قيد الإنشاء... (نهبت معداته وتخصيصاته) وهذه السدود كفيلة أن تحل مشكلة العراق المائية ويوفر الطاقة من الكهرباء.
السدود المنجزة بعد ٢٠٠٣: صفـر

 وغيرها الكثير من المنجزات، لا أريد تعدادها جميعاً هي معروفة للجميع ....

ولكن بالمقابل هل كان هناك أخطاء ..؟

بالطبع كان هناك العديد منها، المهم منها كانت تداعيات لأزمات وأفعال كان لابد أن يكون لها ردود أفعال، بعضها كان مبالغ به، وأخرى كانت خطأ من المعارضة، فأنفراط الجبهة سواء مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، أو مع الحزب الشيوعي، لا يتحملها البعث لوحده (والأسباب معروفة، لكن لنضرب عنها صفحاً)، ولكن أخرى خطأ من النظام نفسه. ومن تلك الأخطاء، لم يكن هناك تدقيق كاف بالأخطاء المرتكبة من أجهزة النظام، بعضها بسبب الإفراط بالثقة بالنفس، والحاجة الماسة للانفتاح السياسي الواسع على قوى وطنية وقومية وتقدمية واحتمال الهفوات ونقدها، وأخرى كانت تتمثل بالعقوبات الصارمة (علماً أن هناك من يقول ضرورة الحكم الصارم للعراق) ومنها عقوبة قاسية جداً نالها الفقير إلى الله كاتب المقالة، ولكن موضوعياً لا تجوز مقارنة عقوبة شخصية نالها فرد مقابل مكتسبات تتحقق للشعب يتمثل بتأميم النفط على سبيل المثال ..!

هناك ثلاثة أشياء أساسية في النظام :

من يمد يده للمال العام يلقى جزاء رادعاً.

من يتعامل مع الأجنبي، جريمة لا تغتفر.

من يتحدث بالطائفية، يلقى ما لا يرضاه.

النظام السابق كان يعتقل ويسجن ... نعم ... هل كان هناك تشدد في تطبيق القانون .. نعم، ولا سيما خلال فترة الحرب،

بعض الناس يريد من الحكومة ديمقراطية سويسرية، ولكن على أن يبقى هو محتفظ بخصائصه الشرقية، وحتى يلجأ للفصل العشائري، وهذه لو يتحدث بها سويسري يسقطون عنه الجنسية ....!

أسقطنا النظام الملكي، واكتشفنا بعد نصف قرن أننا كنا مخطئون، وأسقطنا نظام عبد الرحمن عارف لأنه لم يكن شديداً بالقدر الذي نشتهي، وهلل البعض للأحتلال، واكتشفنا (وهذه بسبب تنامي الوعي) أنه لا يكفي أن نوافق أو نساعد أو نساهم بالاحتلال، لأنني أختلف مع النظام الحاكم .. وها نحن ندفع ثمناً باهظاً للغاية، يفوق ما كان يتصوره أشد المتشائمون ..

أسباب معارضة النظام كانت موجودة، ولكن معارضة وطنية بناءة، إلا أن قوى العدوان الدولية التي اقتحمت العراق لم يكن لتهتم بتقدم العراق ولا يشغل بالها وبرامجها العدوانية سوى إشاعة الخراب والتدمير، بدليل ها  نحن في قبضة لصوص محترفون، متحالفون مع قوى احتلال، يدمرون البلاد بشكل ممنهج، دون أي سبب سوى إرضاء للأجنبي. وهناك معلومات يشيب من هولها الولدان عن كواليس وأجندات التدمير لا أريد أن أكتبها، هي ستكشف نفسها ... الشعب العراقي صحى وهو يريد وطنه مهما كانت التكاليف والتضحيات ... وأن يقيم نظاما  بعد هذه التجارب الجيدة، وشبه الجيدة، والسيئة للغاية...  كفى ...!

لا أعتبر الكاتب محمد حسنين هيكل من الكتاب المفضلين عندي، ولكنه قال سطراً واحداً يعادل كل ما كتبه طوال حياته  " العراق عبارة عن بنك أستولى عليه مجموعة من اللصوص ليس لهم علاقة لهم لا بسياسة ولا بحكم .. ولا بإدارة الدولة ...! "

أيها الشعب العراقي العظيم ... بطريقة واحدة فقط نصلح أوضاعنا، بالوحدة الوطنية الحديدية الراسخة، ألعنوا الطائفية الحقيرة ومن يتاجر بها ليتعيش من مزابل الاحتلال، ولنقم نظاماً يستفيد من تجارب الحكم الوطنية كافة من 1921 وحتى 2003.

أحيلكم إلى رواية جون شتاينبك " حين فقدنا الرضا ".  فحالنا يفجر الدموع من الصخر ...!

 

 الحرب على اللغة

 العربية ليس جديداً

د. ضرغام الدباغ

 

في الستينات من القرن الماضي، كنا شباناً نتوق للعمل الوطني /  القومي، آنذاك قرأنا محاولة قام بها مهووسون بالعداء ضد العروبة في لبنان، فكانوا يحاولون أولاً إحلال اللغة المحكية بدل الفصحى، ثم تمادوا أكثر فطالبوا بإبدال الحروف العربية بحروف لاتينية أو ما يماثلها. وتملكنا الغضب وقتها، ولكن الزمن كان زمن صعود المد القومي، فهمدت هذه الموجة ولم تبلغ أي من أهدافها. 

ثم أني توفر لي الوقت لأقوم بترجمة عمل موسوعي ضخم بأربعة أجزاء، قام به مجموعة أستاذة كلية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جامعة لايبزغ بألمانيا في مطلع السبعينات، وفي هذا العمل الموسوعي وبذلك تيسر لي أن أعلم، أن الهجوم العاتي على الثقافة العربية، كلغة وحضارة لم يتوقف يوماً، تبذله قوى العالم الغربي، وهو مجهود كبير وغريب فعلاً. لأن ما تقوم به المؤسسات الغربية (جامعات، وقوى تبشيرية، ومعاهد ذات بعد استخباري، ومدارس) هو مجهود لو رصدناه بدقة لوجدنا أنه ضخم جداً، وهذا يتطلب بالضرورة وجود جهة وراءه تدير هذا العمل الكبير (مؤسسة ــ هيئة ــ جمعية)، وتتولى الإنفاق السخي على هذا المشروع، ولو تأملنا كم من المدارس الأجنبية في بلداننا، في كافة المراحل الدراسية (من الابتدائية وحتى التعليم الجامعي) لأنتابك العجب فعلاً لهذه المساعي المحمومة ، وتتعجب أكثر، عندما تعلم أن مثل هذا المجهود لا تبذله هذه القوى في دول أخرى في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية ربما هي بحاجة أكثر لهذه المؤسسات التعليمية، ومنها نعلم أن الأمر ليس علمياً بل هناك مآرب أخرى، وعلينا أن نفتش جيداً.

 وإذ لا يمكننا تجاهل الدور الثقافي والعلمي التنويري الذي مارسته هذه المؤسسات الأجنبية، لابد لنا من ذكر حقيقة موضوعية، أنها لم تكن تفعل ذلك هبة منها لوجه الله، بل كان ذلك ضمن مخطط له صفحاته التفصيلية، وقد تسابق الفرنسيون والأمريكان والإنكليز والإيطاليون بصفة خاصة، فتنافست هذه الأطراف فيما بينها، تنافساً بدا في بعض مراحله تناحرياً من أجل إحراز النفوذ الثقافي، وليس أدل على ذلك، حجم الأنشطة والفعاليات الثقافية التي كانت تتنازعها تيارات الثقافة الأنكلوسكسونية والفرانكفونية، وفي مرحلة ما بين الحربين العالميتين، حيث كانت إيطاليا تسعى لتكريس نفسها كقوة عالمية، والهيمنة على البحر الأبيض المتوسط وجعله بحيرة (رومانية)، فاستخدمت بدورها المدفعية الثقافية، ففي العام 1937 سجل تصاعد مثير للدهشة رقم المدارس الإيطالية في مصر إلى رقم مدهش: 64 مدرسة تضم أكثر من 10 آلاف طالب، مقابل 39 مدرسة بريطانية تضم 5 آلاف طالب !

 وجدير بالذكر والإشارة، أن هذه الأطراف الاستعمارية والإمبريالية أدركت حقيقة أن أحد مكامن قوة الأمة العربية تكمن في لغتها، فسعت دون هوادة إلى إضعاف أسس هذه اللغة وذلك بمحاولات إبدال الحروف العربية باللاتينية كمقدمة لتحجيم تطورها و إضعافها وتلاشيها على المدى البعيد، فحاولت ذلك في مصر ولبنان وإلى فرض اللغة الأجنبية على عرب شمال أفريقيا وبلاد الشام وإحلال الثقافة الفرنسية فيها، والإنكليزية في مصر والسودان والأردن، وقد بذلت مجهودات كبيرة في هذا الاتجاه ولكنها باءت بالفشل الذريع.

ومن جملة مساعي الدوائر الثقافية الاستعمارية أيضاً، كانت ولا تزال تهدف إليه، يتمثل بإحلال اللهجات المحلية بدلاً من الفصحى، وكذلك في محاولاتها لإبراز خصائص معينة في ثقافة قطرية وتقديمها بشكل يطغي على الخصائص الموحدة للثقافة العربية وفي مقدمة ذلك اللغة العربية الفصحى، فسعت إلى الفينيقية في لبنان وإلى القبطية في مصر، واستغلت في مساعيها المحمومة والخبيثة كل مكامن الضعف والثغرات، أو سعت بنفسها إلى خلقها وأحياء المتلاشي منها واستنهاض الضعيف فيها واستخدمت لهذه الغاية عناصر مرتدة، ارتضت للأسف التعاون مع الأجنبي لأسباب شتى، وربما أعتقد قسماً من هؤلاء(تحت ضغوط شتى) أن اعتناق ثقافة أجنبية وهي ثقافة القوى العظمى ستمنحه قيمة مضافة.

كان هذا في مراحل ما بعد قبل الحرب العالمية الثانية، والأمر تغير بنسبة ما، بسبب التغيرات الجوهرية على مسرح السياسة الدولية، فالفاشية الإيطالية هزمت، والنازية العنصرية الهتلرية قضي عليها، وقام الاتحاد السوفيتي كقوة اشتراكية عظمى، وترسخ وجود منظومة البلدان الاشتراكية، واتسعت الأفكار الاشتراكية عالميا إلى الصين وكوريا وفيثنام، وكوبا، وبلدان كثيرة بنهج التطور اللأرأسمالي، ولكن الغرب الاستعماري / الإمبريالي لم يغير من أخلاقه .. ولكن تغيرت أساليبه فحسب ..!

 

وما أن انتهت الحرب الباردة على الاشتراكية، صار هناك مزيد من الوقت للتركيز على البلاد العربية والإسلامية تحت شعارات شتى. فهبت أفكار عنصرية فاشية من الولايات المتحدة (صاموئيل هينتغتن ــ فرانسيس فوكوياما)، وبالمقابل أفكار وحركات يمنية تجدد الفاشية والنازية في إطارات جديدة ولكن بذات المحتوى. والهدف الأول المعلن لهذه التوجهات هم العرب والمسلمون، واليوم تتسيد الساحة في العالم الغربي، الولايات المتحدة وأوربا الأحزاب اليمينية من النازية الجديدة .

في أواسط العقد الأول من القرن الجديد (ربما 2005) شاهدت برنامجاً للإعلامي فيصل القاسم، يقابل فيه طرفين أحدهما يدعو صراحة لتبديل اللغة العربية حروفاً وتفاصيل أخرى، وشخصية أكاديمية كانت تفند ما يزعمه الشخص الأول الذي كان يبدو عليه بوضوح تام أنه ملقن، لا يضره أن تعلم أنه مأجور، وأنه ينفذ ما تعاقد عليه، ولا يخرج عن خط سيره هذا قيد أنملة. والحجج واهية وسخيفة، لأن الحروف العربية أسهل للكتابة والفهم من كثير من لغات العالم منها اليابانية والصينية مثلاً، وأنا أعلم من صديق عراقي / ياباني، أن الفرد الياباني قد يبلغ الخامسة عشر من العمر وهو لا يجيد الكتابة  بلغته الوطنية وهي ثلاث أنظمة من الحروف. والفنلنديون كانوا حتى الحرب العالمية الثانية يتحدثون بالألمانية كلغة رسمية، لأن لغتهم معقدة وصعبة، برغم ذلك استبدلوها بلغتهم، لأن لا يوجد بينهم من يقترح " لنبق على اللغة الأجنبية لأنها أجمل ..! ".

تصدر وزارات الخارجية في بلدان العالم كافة، كتابا سنويا يدعى " الكتاب الأبيض" ويتضمن جرداً للعناصر الدبلوماسية والإدارية لكافة السفارات الأجنبية المعتمدة في عاصمة البلاد. بما في ذلك اسم الموظف (دبلوماسي / إداري)، وبالطبع حجم السفارة يشير إلى حجم العمل، ولا سيما الدول المتقدمة لا يبعثون بموظف بلا عمل حقيقي. ولذلك السفارات التي تضم مثلاً 30 ــ 40 موظف تعتبر سفارة كبيرة جداً ويشير إلى حجم عمل واسع، فهناك بعثات من 3 موظفين فقط، الآن المفاجأة الكبرى، كم يتصور المرء حجم سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في القاهرة ...!

ربما سيعتقد البعض أنها ستبلغ 100 كأقصى عدد .. ولكن العدد هو 11 ألف وكسور موظف ...! تخيل ماذا يفعل هذا الجيش العرمرم ...! سأروي لكم واحدة من فعالياتهم واحدة فقط ... صاحب مكتبة قديمة بالازبكية شارع المكتبات أسمه عربي لا يدل على شيئ، يدخل موظف السفارة الأمريكية إليه، ويسأله عن كتب باللغة القبطية، فيجيبه الرجل، لا توجد كتب باللغة القبطية، فهذه لغة منقرضة، وأنا قبطي ولكني أتكلم وأقرأ وأكتب باللغة العربية. الموظف الأمريكي ينفعل ويعنف المصري، لماذا تنسى لغتك ولغة أجدادك، فيجيبه المصري حتى أجدادي يتكلمون العربية، والأمريكي ينفعل ويقترح عليه اعلم اللغة القبطية، المصري يجيب لا أحد يعرفها، يتطوع الأمريكي ويقول نحن سنفتح دورة تعليم القبطية، ونحن مستعدون لتزويد بالمطبعة مجاناً لإحياء اللغة القبطية ......!

في أوربا، ابسط وسيلة لإحراز تقدم هو إظهار كرهك أو عدم احترامك للدين أو لقوميتك (للعرب والمسلمين)، فهذا مفتاح النجاح، وأسخف المغنيات العربيات بمجرد أنه تلبس ملابس خليعة وتغني يدفعونها للأمام لتحقق نجاح مزور. وأستاذ منحط، ألف كتاباً متهافتاً للغاية، أعتبر فيه وجود الرسول (ص) كذبة، ولا وجود له، فأشتهر الرجل وتحسنت أحواله ... وغيره كثير.

الطريق إلى اللجوء السياسي يمر عبر اختراع أكاذيب وبعض الحقائق المخجلة منها إدعاء الشذوذ الجنسي، وبعضهم يوافق على إقامة علاقات شاذة من أجل قبول لجوءه ... هذا عدا من يغير دينه ويرتد للمسيحية من أجل قبول طلب لجوءه.. وهناك معلومات وفيرة بهذا الخصوص، من مصادر إعلامية أوربية.

الجديد في الحملة، أنها تمر في ذروة مراحلها على الإطلاق، ولكن الهجمة ستنحسر، بسبب تغيرات على مسرح السياسة والعلاقات الدولية، ومن يراقب بدقة يلاحظ أن الهجوم في ذروته كبير ومتعدد الجبهات، ويتميز بتجنيد هذه القوى لعناصر محلية (تحت شتى العناوين)، ارتضت لنفسها أن تخدم المصالح الأجنبية المعادية، وأن تكون للأسف معاول هدم لمكونات هويتها.

للجميع نقول، أن هذه الحملة العاتية ستسفر عن تساقط بعض المنهارين اصلاً من بائعي الضمير، فعندما يشتد الوطيس وتزلزل الأرض تتساقط الأجزاء الضعيفة من القلعة، والأمة يوم كانت ضعيفة فعلاً قبل أكثر من مئة عام، استطاعت بوسائل غريزية أن تدافع عن نفسها، ورغم أن الأمة خسرت الكثير، ولكنها نجحت في الحفاظ على مكوناتها الأساسية، الجهاز المناعي للأمة بخير، وستسقط المساعي المعادية، والمتعاونون سيبقون بسواد الوجه.

 

السياسية بين

 العلم و الأستخارة ...!

ضرغام الدباغ

السياسة علم عميق، والناس عادة يتحدثون كثيراً في شؤون وأحداث الساعة اليومية، فيقف مع هذا الطرف ضد ذاك، ويعتقد أن موقفه هذا سياسي. والأمر يتعدى هذه الفئات من عامة الشعب، إلى قادة ورؤساء حكم وأنظمة يتخذون قراراتهم بناء على أحكام الهوى، ودون ريب فإن تلك القرارات توصف بأنها قرارات غير محكمة، وأكثر من ذلك قرأنا أن بعض الرؤساء والزعماء يتخذون قرارات على ضوء أحلام عاشوا أحداثها، أو بناء على استخارات يجرونها ، أو قراءة النجوم وما إلى ذلك ...!

وعندما يغيب الاستهداء بالنظريات العلمية، وكنتيجة لجهل الحكام المتسلطون على السلطة في البلدان النامية بآليات اتخاذ القرار السياسي، تلعب الأمزجة والأهواء، دوراً رئيسياً، وخرافات لا تخطر على بال. ومن تلك عداوات عائلية قديمة، وتجربة شخصية حدثت  فيل عقود من الزمن، تبرز الآن في وعي القائد، والعقد النفسية، وكل هذا يدور وفي غياب أجهزة وقنوات رافدة لصناع القرار السياسي، فالقرارات الصادرة في بلدان كهذه، تفتقر إلى الخلفية العلمية والحسابات الدقيقة، لذلك تشهد العلاقات الدولية  تصرفات من دول لا تدل على إدراك كامل لأبعاد القرارات المتخذة، وحين تخفق هذه القرارات، تنعكس ردود الأفعال على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبشكل مدمر أحياناً.

وبحسب النظريات الدارجة في الجامعات الأوربية، فإن علم السياسة أنفصل عن علم الأخلاق على يد الإيطالي أنطونيو ميكافيلي(1469ـ1527)، ولكنه وجد تطويره الحقيقي على يد الفرنسي شارل مونتسيكيو(1689ـ 1755)، هذه إذا ضربنا صفحاً عن الأسس الحقيقية لعلم الاجتماع السياسي الذي تأسس على يد العالم العربي الكبير أبن خلدون، ولكن الجامعات الأوربية أصبحت تعترف بعلم السياسة كعلم أو فرع من العلوم الاجتماعية والإنسانية منذ نهاية القرن التاسع عشر، وترسخ هذا الاعتراف بإنشاء كل من المدرسة الحرة للعلوم السياسية في باريس عام 1872 Ecole Libre des Sciences Politiques, ومدرسة لندن لعلم الاقتصاد والسياسية London School of Economic & Political Science وقد تأكدت أهمية هذا العلم باعتماده كمادة للتدريس في الجامعات الأوروبية بصفة عامة والجامعات الأميركية بصفة خاصة.

وأدى وجود عوامل متعددة إلى تهيئة الأجواء الملائمة لنمو هذا العلم مثل الحرية الفكرية في إطار ليبرالية عامة شملت الحياة بصفة عامة في أوربا، وتقدم العلوم الاجتماعية بصورة عامة والشعور بالحاجة إلى علم السياسة لإعداد قادة سياسيين وإداريين جدد وتثقيف المواطن.وقد اقترن ذلك الاهتمام بالمزيد من الاتجاه نحو الدراسة الاستقرائية لمختلف الظواهر السياسية كالأحزاب السياسية والرأي العام وجماعات الضغط والمصالح وغيرها خاصة في الولايات المتحدة حيث غلبت فيها النزعة المنهجية لدراسة الوقائع والجزئيات إلى درجة أحدثت تطوراً منهجياً جديداً جعل علماء السياسة فيها يتبنون نظريات جديدة. وقد ظلت دراسة النظريات السياسية التقليدية غالبة في أوروبا إلى أن تأثر العلماء والمفكرين السياسيين في أوروبا بالمناهج الاستقرائية والتحليلية الأمريكية مما أحدث تحول تدريجي لصالح هذا الاتجاه.

 

وقد ظلت النظرة السائدة إلى علم السياسة إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية على أنه فرع من العلوم الاجتماعية أو الإنسانية التي تهتم على وجه ما بالحياة السياسية وأنه ليس هناك ميدان خاص للمعرفة ينفرد به علم السياسة انطلاقاً من أن جميع العلوم الاجتماعية والإنسانية تتناول السياسة، أي أن النظرة لعلم السياسة أو العلوم السياسية كانت تؤكد العلاقة بين علم السياسة والعلوم الاجتماعية دون أن نعترف له بموضوع خاص ينفرد به دون سائر العلوم الاجتماعية إلا أنه عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وما نتج عن تلك الحرب من ظواهر سياسية لم تكن موجودة من قبل وانقسام العالم إلى كتلتين وقيام كيانات دولية جديدة، كل هذه العوامل أكسبت أهمية لعلم السياسة وفتحت الباب للبحوث السياسية والدراسات المستقلة، وأعطت لعلم السياسة أبعاداً جديدة تبرزه عن العلوم الاجتماعية الأخرى.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى تلك النزعات العنيفة التي اجتاحت الحياة السياسية في أوربا في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، أكدت الضرورة الحاسمة للمزيد من التبلور والتسامي لموضوعات العلوم السياسية ومنحها اهتماماً أكبر في الدراسة والبحث.

 

ـ تحديد موضوعات العلوم السياسية (مؤتمر باريس):

وفي أيلول / سبتمبر 1948، كانت العلوم السياسية قد قطعت الشوط الضروري والهام للتحول إلى علم معترف بأستقلاله عن العلوم الأخرى (الاقتصاد والاجتماع) وتأسيس أقسام في الكليات (غالباً مع كليات القانون، وأحياناً في كليات الاقتصاد)عقد اجتماع في اليونسكو بباريس لتحديد موضوعات العلوم السياسية، فأعتمدت القائمة التالية:

النظرية السياسية :

النظرية السياسية.

تاريخ الأفكار السياسية.

النظم السياسية:

الدستور.

الحكومة المركزية.

الحكومات المحلية والإقليمية.

الوظائف الاقتصادية والاجتماعية للحكومات.

النظم السياسية المقارنة.

الإدارة العامة.

الأحزاب والجماعات والرأي العام.

الأحزاب السياسية.

الجماعات والجمعيات.

اشتراك المواطنين في الإدارة والحكم.

الرأي العام.

العلاقات الدولية.

السياسة الدولية.

السياسة والتنظيم الدولي.

القانون الدولي.

ثم أضاف عليها فيما بعد الأستاذان : بندكس وليبست هذه الموضوعات:

عملية اتخاذ القرارات السياسية.

آيديولوجة الحركات السياسية.

الأحزاب السياسية.

السلوك الانتخابي.

الحكم.

وتواصلت العلوم السياسية تثبت أهميتها في الحياة، فتأسست كليات مستقلة للعلوم السياسية، بما في ذلك في أقطارنا العربية في وقت مبكر نسبياً(الستينات والسبعينات)، ففي العراق على سبيل المثال وصل القطر أول أستاذ عراقي (د. محمد عزيز) ينال شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من كلية العلوم السياسية الفرنسية بباريس في أواسط الخمسينات(1954) ثم تأسست الصحف والدوريات التي تعنى بهذا العلم، فأتسعت أفكاره والمديات التي بلغتها العلوم السياسية. أما في الثمانينات فقد بلغت عدد كليات العلوم السياسية في العراق 5 كليات.

وربما مثل هذا التقدم في العلوم السياسية لم يكن متوفراً في الأقطار العربية عدا العراق ومصر، ولكن فيما بعد مرحلة السبعينات شهدت عموم الحركة الجامعية العربية تقدماً مطرداً، بلغت الجامعات العربية خلالها درجة مهمة.

ـ : الإعلان الدولي بشأن الثقافة (مؤتمر مكسيكو):

إعلان مكسيكو بشأن الثقافة : يوليه ـ أغسطس / 1982

في محاولة لتحديد مفهوم الثقافة في إطار واسع بعد مناقشات طويل توصل المجتمعون:

أن الثقافة بمعناها الواسع يمكن أن ينظر إليها اليوم على أنها جماع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان والنظم والقيم والتقاليد والمعتقدات.

أما الثقافة في اللغة العربية، فهي أساسا الحذق والتمكن، ويقال: ثقف الرمح أي قومّه وسواه، وعندما تطلق على البشر: فالمقصود أن يكون الشخص مهذباً ومتعلماً ومتمكناَ من العلوم والفنون والآداب، فالثقافة هي إدراك الفرد والمجتمع للعلوم والمعرفة في شتى مجالات الحياة، فكلما زاد نشاط الفرد ومطالعته واكتسابه الخبرة العلوم لديه أو مستوى حضارته وعمرانه.

فإن استخدام هذا المصطلح كمقابل لمصطلح Cultur في اللغات الأوربية تجعله يقابل حالة اجتماعية شعبية أكثر منها حالة فردية.

ويستخدم مصطلح الثقافة وفق المفهوم الغربي للإشارة إلى ثقافة المجتمعات الإنسانية، وهي طريقة حياة تميّز كل مجموعة بشرية عن مجموعة أخرى. والثقافة يتم تعليمها ونقلها من جيل إلى آخر؛ ويقصد بذلك مجموعة من الأشياء المرتبطة بنخبة ذلك المجتمع أو المتأصلة بين أفراد ذلك المجتمع، ومن ذلك الموسيقى، الفنون الشعبية، التقاليد المحببة، بحيث تصبح قيما تتوارثها الأجيال ومثال ذلك الكرم عند العرب.

المعنى الغربي للثقافة: مجموعة العادات والقيم والتقاليد التي تعيش وفقها الجماعة أو مجتمع بشري بغض النظر عن مدى التطور في الحياة زاد من معدل وعي الثقافة لدية وأصبح عنصراً بناءاً في المجتمع.

لاحظ عزيزي القارئ كم هو علم عميق وصعب السياسة، ومع ذلك تجد من يغوص في هذا البحر العميق وهو لا يعرف السباحة، بل ولا يرتدي حتى سترة نجاة، وعندما تحاول أن تنصحه يغضب، كي لا يغرق في لجة البحر العميق، ولكنه يواصل اللعب واللهو وهو يحس أنه عبقري ولا يشق له غيار ..... الأسف هو حال بلداننا .. وهنا أورد مذكرة أوردها عالم اقتصاد عراقي وطني مخلص، يحذر من الكارثة .... فكادوا أن يفتكوا به لو لطف الله سبحانه ...!

الشبيبي : المالكي أهدر أموال تبني وطن جديد يتسع لـ٣٠ مليون


اكد محافظ البنك المركزي العراقي السابق” سنان الشبيبي” ان رئيس وزراء السابق وزعيم ائتلاف دولة القانون “نوري المالكي “تسلم أموالا أكثر من كل حكام جمهورية العراق “مجتمعين” من الزعيم عبدالكريم قاسم إلى صدام حسين، واهدرها .

وقال الشبيبي ، إن “الأموال التي تسلمها المالكي كانت تكفي لبناء وطن جديد يتسع لـ 30 مليون نسمة يكون أمنية لكل البشر في العالم، مبينا ان المالكي عيَّن أربعة من أفراد حزبه الحاكم بمناصب كبيرة داخل البنك المركزي وهم ليسوا منيتس ذوي الإختصاص حتى تأثر البنك المركزي وأخذت العشوائية تضرب أطنابها، وهم مدير دائرة غسيل الأموال، ومدير الدائرة القانونية، ومدير مراقبة المصارف، ومدير الدائرة الاقتصادية، لافتا الى أن الفساد أخذ يستشري داخل البنك المركزي من قبل زملاء المالكي في الحزب”.

واشار الشبيبي الى أن “مدير دائرة غسيل الأموال تخصص بغسيل أموال العراق لصالح تجار الحزب الحاكم ومدير القانونية يتستر عليه ومدير مراقبة المصارف أخذ يبيع الدولار الى المصارف الأهلية المرتبطة بالحزب الحاكم ورئيس الوزراء، بمبالغ أقل من السوق مما جعل العراق يخسر ملايين الدولارات يوميا بسبب هذا الفساد وتهريب أموال ميزانية الحكومة الى الخارج لصالح المالكي وجلاوزته  ”.

وتابع الشبيبي أنه “عندما قرر تغييرهم جاء إليه كتاب من رئيس الوزراء يمنعه من إبعاد هؤلاء الفاسدين وبين أسطر الكتاب تهديدٌ مبطن، وانه عندما أبعد أول عناصر العصابة الفاسدة جن جنون المالكي وأصدر عن طريق شريكه وصديقه “مدحت المحمود “إلقاء قبض عليه بعد أن كان في سويسرا يحاضر حول السياسة النقدية الجديدة ضمن ندوة عالمية لصندوق النقد العالمي”.

وبين الشبيبي أنه “بعد ذلك عين المالكي ابن خالته المدعو “علي العلاق “محافظا للبنك المركزي لينهب كل إحتياط الدولة العراقية ومقداره 67 مليار دولار في آخر أيام هيمنته على الحكومة ليسلم السلطة إلى “حيدر العبادي”وميزانية العراق خاوية وإحتياط البنك المركزي منهوب، ليدخل العراق في أزمة مالية كبيرة لا يستطيع النهوض منها بعد عقد من الزمن حتى لو تحسنت أسعار النفط اليوم”.

وأضاف الشبيبي أن “المالكي أستلم أموال أكثر من كل حكام جمهورية العراق”مجتمعين” من الزعيم عبدالكريم قاسم إلى صدام حسين, ولم يحقق فيها أي منجز يذكر للشعب العراقي وللوطن, كانت تكفي لبناء وطن جديد وفق أحدث المواصفات العالمية يتسع ل 30 مليون نسمة يعيشون فيه برفاهية واستقرار يكون أمنية لكل البشر في العالم للعيش فيه”.

 

هذا الكعك من ذاك العجين

 ضرغام الدباغ

 

اقرؤا هذه المعطيات وفكروا قليلاً، حتى لمن لا يعرف الكثير عن الاقتصاد، ولكن بتأمل بسيط في المعطيات، سيدرك أن إيران تعلم جيداً أنها ستخرج من العراق ... صحيح نحن نعلم، ولكنها (إيران) تعرف ذلك أكثر من غيرها، لذلك فهي تخرب العراق بكل ما استطاعت من قوة، وبسرعة تخريباً عشوائياً  بعض الأحيان لفرط استعجالها، من أجل إلحاق أكبر حجم من الخسائر. فقد هدمت نحو 50 مدينة عراقية بالكامل، وهجرت الملايين، وقوضت الصناعة العراقية، والمنجزات العلمية، وهي تعلم أن العراق عام 1986 كانت أعلى من مستوى إيران الحالي في الصناعة والعلم...! والجامعات العراقية كانت مقبولة ومعترف بها في أوربا والدول المتقدمة، وقد شهدت شخصياً قبول طلاب عراقيين لمرحلة الدكتوراه بناء على شهادة ماجستير عراقية، رغم أن في شهادة الدكتوراه يفضل أن تكون شهادة الماجستير يفضل من نفس الكلية.

 

إيران عملت كل شيئ قتلت العلماء والخبراء، ورجال الدولة، هدمت المدن، وقوضت المنشآت الكبرى وحتى الصغرى منها، وتركت المدن الشيعية تتخبط في أوحال المياه الآسنة والطين والفقر، سرقت ما يمكن سرقته من الصناعات، سرقت المال النقد من خزائن العراق، ونسفت ما لا يمكنها نقله، وأذنابها ساعدوها في كل ذلك بكل قلة غيرة غريبة، فعلوا ذلك كأسوء وأقذر من جريمة الزنا بالمحارم .... يحتار المرء أي وصف يجد لهؤلاء الحثالة ..

 

من هذا نتوصل إلى:

1 إيران مدركة أنها ستغادر العراق اليوم أو غداً فتدمر وتسرق وتقتل ما استطاعت لذلك سبيلاً، وهي تفعل ذلك بهمجية ووحشية.

2. هي لا تتصرف حتى كدولة مستعمرة، عليها التزامات وفق القانون الدولي، بل تتصرف كلص وناهب، وكقاتل محترف، وسوف تقام جرود بكافة جرائمها، ولا شيئ يضيع..

3. العناصر التي تعمل لخدمة إيران، إنما هي عصابات مأجورة، سيأتي يوماً، تمثل فيه أمام القانون.

4. وهنا الفقرة الأهم، أن مشكلة العراق ليس بنظام س أو ص ، فكل الحلول التي تطرحها المنطقة الخضراء هي إملاءات خارجية، ولا فرق مطلقا بين س أو ص، لأنهم إنتاج ذات المفقس.

 

ولكن أيها الشعب العراقي الصابر .. الخسارة كبيرة، والمصاب عظيم .. ولكن أرفع رأسك، لنتحد اتركوا هذا للمؤرخين ليسجلوه، ولنبدأ يداً بيد نشيد عراقاً جديداً بذرى عالية، بمجد منيف، ونحن سنرى .. وسنبحث،  كيف سنتصرف حيال أكبر جريمة في تاريخ الإنسانية ..؟ هل ستذهب هذه سدى .. لا .. نظام الجهلة والمتخلفون سيسقطون وينتهي منهم الشعب الإيراني والعراقي خلال أيام، أما الحشرات من الذيول العراقية فستسقط سقوطاً مدوياً ... إيران عندما تسقط في العراق يسقط ملكها .. وتنهار دولتها وهذه المرة سيحصل أكثر من ذلك ... هم انتهوا هنا أكثر من مرة .. وهنا سينتهون أيضاً وهي النهاية الكبرى .. والأيام بيننا ..!

 

لاحظوا هذه المعطيات .... تأملوها رجاء ..

 

ــ حصة الحشد الشعبي من موازنة 2019 حوالي 2 مليار دولار، منها 80 مليون دولار جاءت كقرض من مؤسسات مالية اجنبية بعضها أمريكية وحوالي 50 مليون دولار من المنحة العسكرية الأمريكية للعراق التي تكون على شكل معدات وذخيرة وأسلحة..

ــ حصة البطاقة التموينية لكل الشعب العراقي مليار ونصف المليار دولار لعام 2019 يعني اقل من حصة الحشد.

ــ عدد أفراد الحشد الشعبي غير مذكور بموازنة 2019. حساب مفتوح ...

ــ ميزانية الحشد الشعبي اكبر من ميزانية محافظات نينوى والأنبار وديالى وكركوك وصلاح الدين مجتمعة. هذه المحافظات تضم 43 مدينة مدمرة فقط.

ــ ميزانية الحشد الشعبي اكبر من ميزانية وزارات التربية والشباب والرياضة والاتصالات مجتمعة

ــ العراق صدر نفط بقيمة 90 مليار دولار في عام 2019، ومع ذلك لم تكفي فاقترض 27 مليار دولار لتغطية العجز

ــ العراق بعام 2019 اقترض من امريكا واليابان والصين وكوريا والسويد والسعودية والإمارات والكويت وقطر وبريطانيا وألمانيا وهولندا وبلجيكا وإيطاليا وأسبانيا والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي.

ــ العراق أيضا اقترض من صندوق التقاعد والمعاشات العراقي.

ــ قرض السعودية راح لوزارتي الثقافة والزراعة. الثقافة اللي وزيرها من العصائب.

ــ عدد موظفي الوقف السني 19 ألف موظف أكثر من موظفي وكالة الفضاء الأمريكية ناسا البالغ عددهم 17 الف.

ــ عدد موظفي الوقف الشيعي 10 آلاف موظف، أكثر بخمس مرات من موظفي وكالة الفضاء الأوروبية البالغ عددهم ألفين موظف.

ــ عدد موظفي الهيئة العراقية للسيطرة على المصادر المشعة 177 موظف فقط مهمتهم مكافحة التلوث الإشعاعي في العراق. منها نفهم سبب ارتفاع معدل إصابات السرطان

ــ واحد من كل أربعة موظفين في القطاع الحكومي، يداوم بوزارة الداخلية.. وهو يعني ربع عدد الموظفين.

ــ موازنة الدفاع 7 مليارات دولار

ــ عدد موظفي القطاع العام 3.3 مليون موظف من اصل 10 ملايين هو حجم القوة العاملة في العراق يعني نسبته 33٪؜ من حجم القوة العاملة وهذا من اعلى المعدلات العالمية، المعدل العالمي المقبول يجب ان لا يتجاوز 22٪؜ من حجم القوة العاملة، وشرط ان يكون القطاع العام قطاع منتج في الصناعة والزراعة والتجارة.

ــ عدد موظفي محافظة بغداد ربع مليون.

ــ عدد موظفي محافظة الديوانية اكبر من عدد موظفي محافظات ميسان ونينوى والأنبار والمثنى وصلاح الدين مجتمعات.

ــ هذه الموازنة اقترحتها حكومة عادل عبد المهدي وصوت عليها تحالف البناء اللي يضم سائرون والفتح و17 كيانًا اخرون.

ــ موازنة العام الحالي 2020 أرسلتها حكومة عادل عبد المهدي الى البرلمان قبل الاستقالة ولم يناقشها البرلمان العراقي حتى الآن، ومنذ يوم 1/ يناير كانون الثاني 2020 بدأت الحكومة بالسحب على المكشوف من البنك المركزي لتغطية نفقات الدولة من دون قانون موازنة ومن دون رقابة تشريعية.

 المصدر:

قانون رقم 1 الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق للسنة المالية 2019 المنشور في صحيفة الوقائع العراقية عدد 4529 في 11 فبراير شباط 2019

 

 سوف تتبددون هكذا .....!

 ضرغام الدباغ

 

 

كتبت قبل سنوات عن زيارة قمت بها لإحدى أشهر معسكرات اعتقال النازية في فايمار / بولاية تورنغن (Buchenwald) جنوب شرق ألمانيا، والزيارة مثلت شيئاً مهماً في ثقافتي، رغم أني كنت قد زرت قبلها معسكرا آخر للأعتقال بالقرب من العاصمة برلين (Sachsenhausen) إلا أن زيارة بوخنفالد تمنحك انطباعات عديدة وتخرج من الزيارة وأنت أكثر ثراء .. عندما تعرف أن  في هذا المكان جرت تصفية مئات ألوف البشر، قامت النازية  بتصفيتهم أسباب عقائدية. وللأمر تداعياته بالطبع.

 النازية أخضعت أوربا كلها بأستثناء بقع صغيرة، بأستخدام القوة، واعتقد الجميع في البلدان المحتلة أن النازية الهتلرية وحش لا يمكن إزاحته، إلا المتسلحين بالوعي التاريخي، أو دول لا تؤمن بالقوة الغاشمة سبيلاً لإقرار حقائق تاريخية جديدة .. والأمر هو سباق مع الزمن .. الذي لا يستحق الفوز سوف لن يفوز، ووحشيته لا تقنع أحداً بأنه على حق .. القتل لا يثبت شيئاً سوى أن فاعله همجي ليست لديه فكرة صالحة، وإلا كان قد لجأ إليها ..!

 شيئ آخر كان يقنع التقدميون والديمقراطيون، أن الفاشية ستزول، والقوه الهائلة ستزول وتضمحل تدريجياً عندما يبقى الناس يقاومونها، رغم أن الفاشية سحقت دولاً وشعوباً، إلا أنها لا تمتلك مقومات الفوز والنصر ... وما يحاول إثباته الجلادون في سجون الفاشية هو أمر فاشل في نهاية المطاف، وكانت الفاشية قد نجحت بمسخ بشر من الرجال والنساء، وحولتهم إلى حيوانات تتلذذ بالتعذيب والقتل، وهناك جلادون اشتهروا بأنهم آلهة التعذيب والقتل (أبو عزرائيل) وابتكروا أساليب (ذكية) داهية في التعذيب والإبادة، ضباط يضعون رتباً عسكرية رفيعة على أكتافهم، من المشكوك به أن يكونوا ضباطاً مقاتلين محترفين، بل على الأرجح هم ضباط (دمج ...!) منحوا رتباً لولائهم المطلق للفاشية.

 زيارة معسكر اعتقال بوخنفالد منحت تفكيري أبعاد وخرجت متأثراً غاية التأثر، وأخذت أقرأ كل شيئ عن بوخنفالد وأمثال بوخنفالد، وشاهدت أفلاماً، وهذه القراءات والمشاهدات أخذتني لأبعاد إنسانية جديدة، ومنحت قناعاتي السياسية ملامح جديدة، من يحاول قتل خصومه يعني أنه فشل سياسياً، وأن لا محتوى ثقافي صالح في دعوته ..! ولا محتوى اجتماعي ..  بل وأكثر من ذلك .. هو بعيد عن جوهر الإنسانية، وحتى عن ملامحها العامة ..

 قرأت في إحدى المصادر أن رجلاً مسناً كان معتقلاً في بوخنفالد .. جالس على الأرض ..وتقرب منه ضابط فاشي يتبختر بفاشيته وبقدرته أن يكون وحشاً، تطلع الرجل المسن إليه .. وأمسك بقبضة من تراب الأرض، وقال له " أنظر ... وفتح أصابعه وأخذ التراب يتبدد ... هكذا سوف تتبدد دولتكم ".

 أخرج الضابط مسدسه وأطلق النار على رأس الرجل وقتله في الحال.

 انتهت الحرب وأقيمت الدعاوى على الجلادبن .. وكان هذا الضابط الفاشي قد هرب إلى الأرجنتين، وجاؤا به من هناك ليقدم للمحاكمة وينال جزاؤه.

 تمر السنوات، والناس يكتبون العبر، للقراءة وليس للتسلية، ليمتلئ القلب بالحب والإنسانية، والرأس بالفكر الإنساني، ولتشاهد العين أشياء جميلة .....

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

للمزيد من الاطلاع

 

عنوان الرواية الشهيرة " عار بين الذئاب " عن معتقل بوخنفالد (Nackt unter Wülfen ) وتحت هذا العنوان ستجدون الكثير من الصور والأفلام الوثائقية، وأدناه روابط لعدد من هذه الأفلام المميزة

 

 

https://www.youtube.com/watch?v=lszk7edzFpU

 

https://www.youtube.com/watch?v=_kbwuhQehmI

 

https://www.youtube.com/watch?v=B6mdqiaVXfc

التغير حتمية لا خيار

 

ضرغام الدباغ

 

خلال لقاء جمعني بأحد قادة حركة التحرر في قطر عربي، وفي إطار تباحث حول الأوضاع السياسية قطرياً وقومياً، توجه على أثرها لي بسؤال : " أرى أن الكثير من أرائكم قد تغيرت، فهل هذا يعني أن وجهات نظركم حيال موضوعات سياسية قد تغيرت ؟ ".

 فأجبته، بالطبع لابد أن تتغير وجهات نظرنا كثيراً، ليس لأننا نكتشف أننا كنا على خطأ في هذه الموضوعة أو تلك، بل وايضاً قياساً للتغيرات الجوهرية والجذرية التي أصابت حياتنا كأفراد، إلى تغيرات اجتماعية مهمة، هذا على الصعيد الشخصي، أما على الصعد العامة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، فإن الحياة قياساً إلى قبل 50 عاماً فقط قد تغيرت بشكل شبه جذري، فكيف لا يجب أن نتغير نحن وآرائنا وسياساتنا حيال هذه المتغيرات الشاملة ..؟   بالطبع نحن محكومون بالتغيير بسبب :

 

أولاً : للاستفادة من تجاربنا كأفراد وكحركات ودراسة أخطائنا,

ثانياً : للتلائم مع المتغيرات في الواقع المادي الموضوعي.

 

إذن التغير حتمية تاريخية، ربما يستطيع فرد أن يقاوم التغير، وربما يستطيع نظام أن يعزل شعبه ليبقى في الحكم أطول مدة، ولكن رياح التغيير ستهب حتماً وبقوة عاصفة، والأمثلة كثيرة. ويستند التغيير تاريخياً إلى قاعدة علمية فيزيائية تنص " كل زيادة في الكمية ستؤدي حتماً إلى تغيير في النوعية " وبنفس الوقت فإن هذا القانون يعني التطور الحتمي للمجتمعات (من بين فقرات أخرى)، ذلك أن عملية التراكم لا تتوقف، بل تدور (إلى حد ما) بمعزل عن إرادتنا, إذن وبهذا المعنى أن التطور عملية تاريخية، والوقوف بوجهها يعني الانغلاق والتقوقع، والبقاء خارج التاريخ، والمراوحة في أزمة، من أبرز مظاهرها سلسلة من المشكلات الداخلية والخارجية من أولى مؤشراتها داخلياً القمع الداخلي لكل تطلع يتجاوز قدرة النظام على احتمالها والتعامل وخارجياً يتمثل بصعوبة إيجاد قنوات معقولة مع العالم الخارجي، بل وربما حتى مع محيطه المحلي / الإقليمي، بدرجة يصح الحكم بأنها أزمة ركود.

 

وهذا التقرير محاولة لتشخيص (Diagnose)، أبعاد الأزمة التغير في بلادنا والأقطار العربية، في فيما يطلق عليه أحياً الحداثة والتغير، على أن مجهوداً كبيراً كهذا، يستحق مساهمة واسعة النطاق، إذ يبدو لنا أن الموقف الحالي يحمل مؤشرات هامة كثيرة ربما تحمل في ثناياها علامات مفصلية، لا سيما وأن بلادنا والأمة تعيش مرحلة في غاية الأهمية والخطورة معاً، لذلك فإن مفكري الأمة ومثقفيها كافة، مدعون إلى موقف يتجرد الكل عن هواه السياسي والعاطفي للتنقيب في فروع الأزمة، من أجل بلورة تصورات علمية عن المسببات، ورسم صورة فيها قدر من التنبؤ العلمي (Prognose) وجهد فكري لإنضاج مبكر لما هو الآن ربما في حالة جنينية. وبتقديرنا أن حوارات في جو من الموضوعية والعلمية كهذه ستساهم إلى حد بعيد في استشراف ما يدور في أذهان المفكرين والكتاب، ولكي نمنح المرحلة التاريخية استحقاقاتها. ونشير هنا إلى بعض العناصر التي نعتقد أنها مهمة في عملية التشكل الثقافي، ومعوقاته. نتوجه بالشكر حقاً الداعين والمنظمين للقاء.

 

إذا كان التغيير ضرورة حتمية، يحتاجها كل طرف (حركات وأنظمة) من أجل ضمان بقاؤه في العملية التاريخية وإلا فسيصبح خارجها ووجود بلا ظل على مسرح الحياة السياسية الاقتصادية الثقافية، فالسؤال المهم هو:  أين وكيف يطرح هذا التحدي نفسه وأهميته وبأية صيغ، الحداثة مطلوبة ولكن بأي مدى، الحفاظ على المروثات مفيد ولكن بأي حجم. وهل التغيير المنشود هو بالأهداف أم بإعادة النظر بالوسائل ..؟ وهناك من يطالبنا، وهم من المبهورين بثقافة ومعطيات الحضارة المتفوقة، أن نخلع كل ثيابنا ونرتمي في حضن الحضارة المتفوقة، بأستسلام غير مشروط، لدرجة نقل التجربة بحذافيرها وأشكالها بإطارها ومحتواها. وهناك آخرون يغالون في الوقاية حتى تصبح هاجساً يفوق ما يستحقه من تحسب. وبتقديري خسرنا كثيراً بالمحاولات الفاشلة أن نشيد نسخاً مشوهة عن منتجات أجنبية، بصفة خاصة من تلك الحضارات التي توسعت بقوة الاستعمار والإمبريالية.

 

والأقطار العربية بمجملها خضعت لهيمنة قوى أجنبية، لذا تأخر عصر النهضة العربي، وحين بزغ فجره، (بتقديري 1850 فصاعداً) كانت الولادة قيصرية، إذ جرت في ظروف قاسية، فهناك عناصر كثيرة تتخلل عصر النهوض، عناصر دافعة للأمام، حققت منجزات غير قليلة، ولكن هناك أخرى تسحبها إلى الخلف وتبطئ من حركتها. ولا مناص من ذكر حقيقة ساطعة، أن الصراعات الدولية وضعت امتنا لأسباب عديدة في مهب تفاعلاتها، وكان الصراع بين فكرة الحداثة أو الموروث جزء مما دار ويدور النقاش حوله في مجتمعاتنا العربية.

 

للفكر السياسي صفة العالمية، وتلك حقيقة مؤكدة، ولكن الفكر في جانب آخر إنما يمثل عصارة روح أمة من الأمم ويمثل المحتوى الحضاري والإنساني لتلك الأمة. والعلماء العرب المسلمون لم تفارقهم روح، وملامح وسمات متميزة عن ثقافات وحضارات الأمم الأخرى، حيث تنال القيم الروحية والمعنوية والأخلاقية مكانة متقدمة.

 

وتظهر السياسة في المجال العملي نقائص الفكر أو مثاليته والحاجة إلى تعديل هذه النظرية أو تلك، وكذلك قصور الأنظمة السياسية، أو بروز معطيات مادية جديدة تستحق إجراء تحوير للنظرية، وتبرر حاجات الأفراد والجماعات إلى ما يلبي ويطمئن أهدافها ومصالحها الاجتماعية والاقتصادية. وبتفاعل الفكر والممارسة يبلغ العمل السياسي ذراه، وتنضج التجربة الفكر وتمنحه القدرة على التحقق وصفة الواقعية، وهي ثمرة لتطور الفكر الإنساني ونضال البشر

 

تكتسب الدراسات والأبحاث المتعلقة بالعلوم السياسية بمختلف فروعها لها أهمية متواصلة وتتميز بطبيعة متجددة، ذلك أن لكل عصر رؤيته وقاموسه السياسي. والعلماء والمفكرين على اختلاف مناهجهم يحاولون جهدهم تقريب تلك الأحداث والظواهر وفكر ذلك العصر وإرهاصاته إلى الأذهان ووضعها في إطار حديث معاصر، ودراسة التجارب المستقلة في العديد من الحركات السياسية والثورات والانتفاضات التي اعتبرت الإفراز العملي والواقعي لتصارع الأفكار والإرادات في المجتمعات عبر التاريخ، فمهمة العالم أو المفكر أن يخلق، أو أن يساهم في خلق تصوراَ لنظام علاقات سواء بين الأفراد ضمن المجتمع الواحد أو بين الأمم والدول، ويؤشر اتجاهات العمل السياسي.

 

الأقطار العربية التي ما أن نالت استقلالها (المنقوص) حتى دخلت في شبكة العلاقات غير المتكافئة سياسياً واقتصاديا مع القوى الاستعمارية الدولية (شأنها شأن البلدان النامية)، في إطار علاقات جعلت من الاستقلال منجزاً شكلياً إلى حد كبير، وبالتالي فإن عملية التراكم (Accumulation) سياسياً واقتصادياً، كانت عملية محفوفة بالمصاعب والعراقيل، الجزء الموضوعي منها وهو الأعظم والأهم منها، كانت بسبب هيمنة القوى الأجنبية على مقدرات البلاد السياسية والاقتصادية.

 

والمشكلات الاقتصادية في البلدان النامية (بصفة عامة) قد جرى تشخيص تحدياتها على الأرجح بثلاث فقرات: 1. الحاجة إلى رأس المال. 2. الحاجة إلى التكنولوجيا. 3. التخلف في إنتاجية العمل. وبرغم العراقيل التي كانت تضعها البلدان الرأسمالية، فقد تم تحقيق تقدم اقتصادي / اجتماعي في بعض الدول المركزية، وإن كان لا يرقى إلى الطموح، إلا أن التخلف السياسي(بتقديرنا)  تواصل يلقي بظلاله الثقيلة على تطور النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي بصفة عامة، مما يحول دون تحقيق تقدم حقيقي في نظرية الحكم في البلاد العربية أو الإسلامية، وبتقديري أن المشكلة الأساسية هي عجز النظام العربي بسبب كونه مركب من عدة اتجاهات غير متجانسة عاجزة أن تحقق التقدم المنشود.  

 

بيد أن المشكلة الأكبر بتقديرنا تمثلت بإيجاد النظام السياسي المناسب لأقطار فقدت استقلالها منذ القرن الثالث عشر، وحرمت من تكوين تجربتها في الحكم والإدارة، وفقدان الاستقلال للإرادة الوطنية قاد لنتيجة حتمية وهي غياب الخيارات، والتجربة الوطنية، كما أن الثقافة الوطنية القومية بدورها حرمت من التواصل ومن طرح وإنضاج صيغ وتصورات وانطباعات جديدة، أدبية وفنية وسياسية، لذلك فإن هذه العمليات، (وربما ما تزال تدور بشكل ما) تحاول بأساليب تنطوي على الكثير من التناقضات، والسبب الرئيس يكمن بتقديرنا، أن السمت العام للأنظمة التي تأسست في فجر الاستقلال، كانت من وحي وأصداء الدول التي استعمرت بلداننا وهي التي وضعت أولى لبنات النظام السياسي، والإصلاحات اللاحقة كانت أشبه بعمليات ترقيع وإصلاح يبعد عنها صفة البناء الأصيل المتين المتجانس، والجمع بين الحديث جداً من المكونات، وبين الموروثات بصيغها التقليدية. صحيح أن توفر أشكال واتجاهات عديدة لا يخلو من إيجابية أحياناً، ولكن الإشكالية تتمثل بأننا لم نتوصل لليوم إلى تصور لنظام سياسي يتفق مع الضرورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية يحل مشكلاتنا بصورة مقبولة.

 

فالأنظمة الرأسمالية المتقدمة المعاصرة (أوربا / أميركا) قامت على أنقاض التحالف الثلاثي التاريخي: المعبد (الكنيسة)، القصر (الملوك)، الأمراء. ولعبت الثورة اللوثرية (البروتستانتية) دورها التنويري، وأخيراً قبلت الكنيسة تحت ضغط الظروف الموضوعية إلى أن يتراجع دورها إلى أدنى درجة (دون أن يختفي كلياً) ولكن عصر النهضة، وعصر التنوير، ثم الثورة الصناعية أحدثت تطورات حاسمة قلبت النظام الاجتماعي / الاقتصادي، استولت فيها الفئات الصناعية على النظام السياسي بصفة مطلقة، وخلقت نظامها السياسي محتكرة السلطة بصورة تامة.

 

مضت التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تدور في أوربا عبر العصور الثلاثة وهي تفرز أوضاعاً واتجاهات تطور جديدة، وكان الفكر السياسي يرافق ذلك التطور، بل غالباً ما كان الفلاسفة والمفكرون ينيرون الطريق والمسيرة ويبشرون بآفاق التحرر والتنوير في ظل المؤشرات التالية :

 

تراجع مكانة الكنيسة ودورها في قيادة الدولة والمجتمع، وتراجع هيمنة وتأثير اللاهوت على الفكر السياسي.

تبلورات اجتماعية جديدة، أدت إلى تراجع دور ومكانة الإقطاع وتأثيراته بما يقرب من التواري عن مسرح السياسة، مقابل تعاظم دور البورجوازية وممثليهم، واتصف بالتنامي في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية.

قاد العاملان 1/2 أعلاه إلى تراجع معادلة: الملك ـ الكنيسة ـ الإقطاع، على موقف جديد: الملك ـ البورجوازية ـ الإقطاع، مع تراجع مستمر لدور ومكانة الإقطاع.

بروز أهمية وتأثير الثقافة وفروعها: الأدب/ الفن/ المسرح/الصحافة، مما خلق قوة وتأثير على الرأي العام في المدن، وهو عامل سوف تتضاعف أهميته على صعيد اتخاذ القرارات السياسية.

تنامي وعي قانوني/ دستوري يسعى المواطن فيه إلى ضمان وحماية الحقوق الأساسية في إطار أهمية متزايدة للإنسان صاحب المنجزات العلمية والأدبية الرفيعة.

عندما أنحسر أو تراجعت أهمية المقر البابوي العام/ الفاتيكان ـ روما، برزت بالمقابل وتصاعدت السلطة القومية كرابطة مادية ومعنوية.

 

مقابل هذه العملية، بدا أن مفكري عصر النهضة العربية قد انقسموا جوهرياً إلى ثلاث فئات. وبتقديرنا أن مثل هذا الانقسام ما زال يطرح بهذه الصورة أو تلك إلى توجهات عديدة  :

 

الفئة الأولى : ترى في تخلي شبه تام عن موروثاتنا، ومحاكاة كاملة للنظام السياسي والاجتماعي الأوربي الذي أنتج الثورة الصناعية وحقق التقدم الاقتصادي، وارتمى بعضهم بابتذال تحت أقدام الغرب في استسلام تام بلغت أن أقترحوا إلغاء الأبجدية العربية وأستبدالها بالابجدية اللاتينية.

الفئة الثانية : ترى التمسك بمكوناتنا الثقافية (الدينية والوطنية) ، ولكن دون أن تحدد لهذه الإمكانية سقفاَ محدداً .

الفئة الثالثة : وهي فئة لم تنجح في إنضاج (إلى حد الآن) تصورها السياسي والثقافي، وتتراوح أفكار هذه الفئة بين ميل للحداثة، مع عدم إغفال خصائصنا، وجهات تميل للحفاظ على الموروثات، مع عدم إهمال الحديث العصري.  

 

وقد فات تيارات النهضة، وربما بعض المعاصرين اليوم، أن التماثل ونقل التجارب بحذافيرها أمر مستحيل لصعوبات موضوعية قبل أن تكون ذاتية، بالإضافة إلى الحقيقة المؤكدة، للتفاوت الشديد في المعطيات المادية الموضوعية، والظروف التي مرت بها كل تجربة، إضافة إلى حقيقة وهي أننا لا يمكننا التخلي عن موروثنا الثقافي والحضاري الذي يمتد لبضعة آلاف من السنين، وأن محاولة من هذا القبيل قد تكون نبيلة المقاصد النهائية، إلا أنها محكوم عليها بالفشل، فهي نقل معلب لمنجزات لا تمت لنا ولموروثنا الثقافي والأخلاقي والاجتماعي، والقبول بها كما هي ونقلها بشكل آلي أشبه بزرع جسم غريب في جسد سوف لن يتقبله، وإن محاولات إرغامية كهذه، لاقت الفشل في الوطن العربي (وربما عند أمم أخرى). في حين ومن خلال تجارب عديدة، في حين توصلت أمة كاليابان مثلاً في المحافظة على القيم والموروث الثقافي وتحقيق تقدم صناعي / علمي / رغم أن موروثنا الثقافي هو أكثر ثراء من الموروثات اليابانية. والقوى الرجعية المحلية استفادت من مساعي تيارات الحداثة متهمة بعض المحدثين بإقحام فكر أجنبي لا يتفق مع خصائصنا.

 

الثورة الصينية الحديثة مثلاً، بدورها تأثرت بأتجاهات عديدة، فتأثرت بتجربة اليابان، ثم فكر صن يات صن المطعم بفكر غربي، ثم بالفكر الماركسي، ولكنهم نجحوا في صياغة نهج النهوض والتطور، ولكن بنكهة وطنية / صينية، وعندما أسسوا حزبهم الشيوعي، كان حزباً صينياً يعتمد على التقاليد الصينية حتى التفاصيل الدقيقة في اللباس والطعام، والموسيقى والأدب والفنون التشكيلية والعمارة.

 

ولذلك نعتقد أن الفرصة المنطقية الوحيدة التي تطرح نفسها، وإن هي تنطوي على الكثير من العمل والجهد، إلا أنها تبقى الوحيدة الممكنة وتتمثل في السعي والعمل على ردم الهوة التي تمثل فترة الانقطاع وإعادة اللحمة والتواصل بين علماء عصر النهضة الأوائل وبين فكرينا وعلمائنا المعاصرين، وبتقديري فأن أفضل ما يمكن فعله هو بذل مجهود كبير في البناء فوق ما أسس هؤلاء المعلمون العظام وتحديث ما توصلوا إليه في إطار أبحاث جديدة ملائمة ومناسبة لعصرنا الحالي.

 

لا أقصد من هذا، أننا يجب أن نحاكي تجربة الغرب بصفة مطلقة، ولا أن نتجاهله بصفة مطلقة، فظروف النشأة والتطور والازدهار لها خصوصيتها التي لا تنطبق على أمم وحضارات أخرى. فأوربا كانت تعرف الفلسفة اليونانية والقانون الروماني قبل المسيحية لم تصل أوربا إلا بعد القرن الثالث ميلادي (300م) ولم تحل كديانة رسمية في إيطاليا إلا تدريجياً وبوقت طويل (عام 750)، وظلت بعض الدول الأوربية وثنية كألمانيا حتى بعد 1200 م،  وقد شهدت الفلسفة ومنها الفكر السياسي، محاولات عديدة دامت نحو خمسة قرون للتقريب بين الفلسفة والدين، أشهرها كانت محاولات القس توما الاكويني(نحو 1200م)، وفيما بعد الحركة اللوثرية (1517م) ثم عصر النهضة والتنوير، ولم يحاول الفلاسفة الغربيون، خرق الهدنة مع الكنيسة، وإبقاءها رمزاً للحضارة الغربية، هذا عد عناصر اقتصادية وثقافية / اجتماعية متفاوتة لدرجة ليست بسيطة.

 

وعندما يطلق الغرب يطلق شعار الديمقراطية فذلك يعني صيغة شاملة لمجتمع لا تقتصر على  تبادل السلطة بشكل سلمي(فهذا يجري بهذه الطريقة أو تلك في الكثير من الحضارات والنظم)، ولا نظام برلماني وأحزاب وصحافة، أو إلى الحريات الفردية بلا حدود تقريباً ولكن مصطلح الديمقراطية يعني بالدرجة الأهم نظاماً لا سقف فيه مطلقاً لحرية رأس المال كخاصية أولى، وإذا كان النظام الرأسمالي يتدخل أحياناً (النظرية الكنزية) فيفعل ذلك لإنقاذ الرأسمالية نفسها، فالديمقراطية ليست نظاماً سياسياً، بل هو نظام اقتصادي بالدرجة الأولى، وأي تدخل بحرية رأس المال في التوسع وحرية الانتقال، يخل بمبدأ الديمقراطية  كقاعدة أساسية للمجتمع الرأسمالي.

 

وبتقديري أن المشكلة الأساسية في بلادنا تتمثل أننا قد حرمنا من مسيرة امتدت لقرون(منذ 1258) ومن التوصل إلى نظام يتناسب مع مجمل أوضاعنا ومعطياتنا، وما أنجز من هياكل لم يخرجنا من فلك النظام الرأسمالي العالمي كأجرام صغيرة. المحاولات التي قامت بها بعض الأقطار: مصر، العراق، سورية، الجزائر، اليمن الديمقراطية، (وليبيا جزئياً) كانت محاولات جيدة، ولكنها لم تحقق النتائج المرجوة لسببين:

 

أولاً : واجهت مقاومة شرسة من الرجعية العربية، ومن القوى الإمبريالية.

ثانياً : هي نفسها كانت مثقلة بترسبات التخلف الاجتماعي والثقافي، فلم يكن بوسعها السير بحزم في طريق التحولات الاجتماعية.

 

واليوم إذ تشتد أوار الحملة الإمبريالية بكافة صفحاتها على بلادنا العربية وهناك تركيز على الجبهة الثقافية، ربما الأكثر بروزاً بسبب تعاظم شأن الثقافة العربية والمجتمعات العربية، ففي مطلع القرن العشرين كان الجانب الثقافي يأتي بعد الجانب السياسي والاقتصادي لعدم خطورة المستوى الثقافي العربي آنذاك، وكان التناقض الرئيسي الذي يلهب قضايا النضال الوطني والقومي، هو الاحتلال المباشر، كما كان النضال ضد الوجود العسكري والقواعد الأجنبية والكفاح لاستعادة ما استولى عليه الأجنبي من مصادر الثروة القومية، كان شعار التحرر الوطني والقومي في المرحلة اللاحقة، والعامل الثقافي كان خلف هذه الأوليات.

 

في مطلع الثمانينيات، حضرت وضمن البرنامج الثقافي (أيرنا) ندوة مهمة كان يديرها ويحضرها عدد من العلماء الألمان من اختصاصات شتى، ينتمون إلى جامعات ومعاهد ومؤسسات علمية مختلفة. وموضوع الندوة الذي كان البحث يدور حوله هو (حماية الثقافة واللغة الألمانية) واستطراداً، عناوين ومفردات أخرى مهمة في الحياة الاجتماعية الألمانية عن تسلل ثقافات أجنبية. فقدم العلماء الألمان معطيات دقيقة مدعمة بالإحصائيات تعبر عن حجم هذا التسلل الذي أعتبر في وقته كبيراَ. وخلاصة ما دار في هذه الندوة الهامة، أن اللغة والثقافة الألمانية تواجه خطراً لا يستهان به في المستقبل القريب والبعيد. وبعد عقد من السنوات أو أكثر، يقول رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية في كلمة له أمام مؤتمر البرلمانيين الدولي: " إن على شعوب العالم أن تأخذ حذرها مما يسمى بالثقافة العالمية التي تدمر الهوية القومية والثقافية للشعوب". وبعد ذلك اتخذت الدولة الفرنسية قراراً بمنع استخدام الفاظاً أجنبية في اللغة الفرنسية، منها كلمات بسيطة وشائعة.

 

ويحق لنا هنا أن نتساءل ونتأمل، إذا كان شعباً كالألمان أو الفرنسيين، ذوو الأمجاد الثقافية والاقتصادية والحضارية عامة من جهة، وقربهم من ثقافة وحضارة الثقافات المتسللة إليهم من جهة أخرى، يطلقون نداء التحذير ويتخذون الإجراءات المضادة، فما هي إذن المخاطر التي تتعرض لها أمم وشعوب هي في الواقع شبه عزلاء، لهجمة شرسة عاتية لا تبقي ولا تذر..؟ وإذا كانت الثقافة العربية تمتلك دروعاً ومعدات، وحصوناً منيعة، ترى ماذا يمتلك شعب بوركينافاسو مثلاً كي لا يفقد آخر ما يمتلك من مقومات الهوية الوطنية والقومية..؟ وهو لا يمتلك أساساً الكثير منها بسبب تعرضه لقرون طويلة، ولا يزال، للاستعباد وعمليات صيد وقنص للبشر، ونقلوا إلى قارات أخرى واستخدموا كعبيد هناك، أو تجنيدهم في الحروب والغزوات الاستعمارية لضم وإلحاق بلداناً أخرى إلى ممتلكات الدول الاستعمارية.

 

وقد غدت هذه التوجهات في أعلى مراحل تطور نظام الدولة الرأسمالية الاحتكارية خطوة على طريق دمج شعبها وشعوب أخرى ضمن نسيجها الاقتصادي والسياسي بالدرجة الأولى، وتكريس هذا الواقع من خلال قطع الأواصر التي تعبر عن كيانها وشخصيتها المستقلة واحتقار تقاليد وعادات الشعوب الأخرى وثقافتها وموروثاتها. والهدف النهائي هو : استنزاف قدراتها الاقتصادية وقوة العمل البشرية فيها، وأخيراً جعل هذه الشعوب والبلدان توابع ثقافية وسياسية، ولكن بالدرجة الأساس، جعلها وسطاً اقتصادياً تابعاً لا يمتلك أي طاقة روحية للنهوض، وإسناد دور نهائي لها في تقسيم العمل العالمي، يتمثل بتصنيع المكونات الثانوية أو الإمداد بالمواد الخام، أو ميداناً لنشاطات الشركات المتعددة الجنسية، وهذا الأمر لم يعد مقتصراً على منطقة واحدة، بل أنه موجه إلى أقطار العالم كافة لاسيما البلدان النامية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وفي هذا المجال يكتب الأستاذ البرازيلي كاردوز قائلاً : " هناك تبعية تنجم بالنتيجة، وهي تبعية متعددة الأوجه، سياسية واجتماعية وثقافية وعسكرية، بل أن عمليات التشكل الطبقي والفئوي تتأثر بالتبعية بشكل بالغ ".

 

وفي المرحلة الحالية التي تتميز بهيمنة الولايات المتحدة بوصفها متروبول الرأسمالية العالمية ومتمسكة بقوة بهذا الموقع القيادي ولا تقبل المشاركة فيه، تهدف إلى تعميم ضرب من الثقافة التي لا تلامس جوهر مشكلات الإنسان، ثقافة سطحية تتعامل مع غرائز الإنسان وتشجع فيه روح التفوق والتسلط الفردي والنزوع المطلق نحو الثروة وإحراز النفوذ والهيمنة، وإطلاق لنزعات الجنس الشاذة، أن إنسان العصر الذي قدم منجزات كبيرة بفضل تراكم التجربة والعلم، تضعه في قمقم مشكلاته الذاتية لتخلق منه إنساناً نرجسياً على استعداد لفعل أي شيئ، حتى القتل الجماعي من أجل إشباع نزعاته، إنها نزعات وثقافة وتربية اجتماعية تهدف في النهاية إلى خلق الإنسان الكوزموبوليتي (الإنسان العالمي) Kosmopolit، الذي لا جذور له ولا يؤمن بقضية أو وطن بل بالمصالح والأرباح المادية وأي غرابة في ذلك؟ أليست البراغماتية Pragmatism، وهي جوهر الفكر السياسي الفلسفي للرأسمالية، التي لا تؤمن إلا بالنتائج بصرف النظر عن الأساليب وأخلاقياتها. والإنسان الكوزموبوليتي هو حيوان انتهازي منافق قد يتحول في أي لحظة إلى آلة شرسة مدمرة مكن أجل تحقيق مصالحه الذاتية، وهذا هو سر انحطاط الحياة الاجتماعية في الغرب الرأسمالي لاسيما في الولايات المتحدة، ونجد أصدائها الخافتة في بلادنا حيث تروج لها أجهزة الأعلام الغربية وصنائعهم وأدواتهم.

 

إن الإمبريالية المعاصرة لا تحاربنا بالعولمة فقط (كأداة سياسية واقتصادية وثقافية)، إنها قبل ذلك تمد خراطيمها وتنهش ثرواتنا بفعالياتها الاقتصادية، وتحاربنا بأستخدام صريح للقوة المسلحة. وللإمبريالية بين صفوفنا كعرب وكمسلمين حلفاء وأصدقاء في السر والعلن، النظام الرأسمالي يؤمن  بصفة جوهرية بالتفوق العرقي ويدعو إلى حروب عرقية، وما الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية إلا أشكال منها، ومن ضروب الأنظمة الرأسمالية اليمينية التي وصلت للحكم بواسطة الأنتخابات، بل إن النظام السياسي في الولايات المتحدة يتجه في هذه المرحلة حثيثاً إلى هذه المواقع بسبب الأزمات التي يمر بها النظام الرأسمالي الاحتكاري داخلياً وخارجياً، لذلك فهم يطلقون النداءات المشحونة بالتحريض العرقي والديني، وبالحروب والإبادة، لكنهم يتحولون فجأة إلى مدافعين عن (الديمقراطية) و(حقوق الإنسان) عندما يتعلق الأمر بالبلاد العربية والإسلامية أو الصين الشعيبة أو كوريا الشمالية أو كوبا، وهناك من يصفق لهم إعجاباً أو نفاقاً أو كيداً بجار له يضمر له الحسد.

 

ومن البديهي أن تكتنف عملية التحديث والبحث والعصرنة جدال وخلافات في وجهات النظر، وأجد من الطبيعي أن ينظر كل عالم إلى حشد الموضوعات والأحداث والأبحاث من زوايا مختلفة، بل أن ذلك ضروري وسيؤدي إلى إثراء الفكر وأتساعه ولكن لا بد للباحث أن يتصف بالموضوعية والأمانة والرؤية المتوازنة وعدم إغفال حقائق مهمة أو الجنوح إلى المبالغة وتهويل مما يفقد الباحث نزاهته كما أن التطرف يفقد كل قضية فرصتها في التطور والنجاح ويسيء إلى المتانة المعنوية الأخلاقية التي ينبغي أن تتمتع بها.

 

لابد للمفكرين العرب من أداء دورهم، وهو الدور الذي يقوم على حراسة المنجزات الثقافية والحضارية وتطويرها من أجل أن تسهم ثقافتنا العربية في الحضارة العالمية، وزيادة حصة هذا الإسهام. والمثقفون العرب مدعون إلى التفاعل فيما بينهم وإنضاج مواقف موحدة حيال التيارات التي تقف ورائها القوى المضادة لحركة التقدم العربية وصياغة برنامج يمكن إيجازها  بما يلي:

الانفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى والتفاعل معها بإرادتنا على أساس من المبادئ والأخلاقيات الإنسانية التي تمتاز بها الحضارة العربية الإسلامية من جهة، وحماية أجيالنا من أوبئة تسللت إلى مجتمعاتنا التي تروج الإباحية والمخدرات والأمراض الجنسية والشذوذ ومظاهر الفساد الأخرى. 

العلماء العرب مدعون اليوم، كل في اختصاصه إلى إيجاد العلاقة بين المستوى الحالي للعلوم، وبين ما توصل إليه العلماء العرب في عصور الازدهار، أي تجسير الفجوة بين عصور الازدهار وما أعقبها من سبات بعد انحطاط الحضارة العربية، وبين المرحلة الحالية لكي نتحرك على أرضية صلبة ونواصل البناء على أساس متين. لقد آن للجامعات والمعاهد العربية وقد بلغت مرحلة النضج في العمل والتعامل مع المنجزات الحديثة في العلوم، وصياغة نظريات عمل عربية. أن كثير من الجامعات الأوربية تعتبر أعمال العلماء العرب هي الأساس في العلوم التي تطورت فيما بعد على أيديهم في مختلف المجالات العلمية والإنسانية.

الابتعاد عن التطرف والتعصب ومعاداة الثقافة الأجنبية لمجرد كونها أجنبية فذلك سيقودنا إلى العزلة، فالأمم الأخرى قد تمكنت من تقديم منجزات رائعة أغنت الثقافة الإنسانية، فكيف لنا أن نتجاهل أعمال فكرية وفلسفية، فنية / أدبية، موسيقية وسينمائية، عدا التقدم الكبير في مجال العلوم الطبية والإنسانية.

إبداء الاحترام التام لحقوق الأقليات الدينية والقومية المتواجدة في البلاد العربية، وبهذا تحافظ الثقافة العربية على إحدى مميزاتها وهي ابتعادها عن الصيغ الشوفينية، وتواصل الثقافة الإسلامية في منح الأمان والحرية الأقليات الدينية .

 

 وبطبيعة الحال، فأن الهجمة الثقافية الحالية تتميز بملامح عديدة ينطوي البعض منها على ما هو جديد في أسلوبه وأدواته، وابتداء لابد لنا من تشخيص أبرز الظواهر على مسرح العلاقات الدولية المعاصرة، وتحليل الاتجاهات المختلفة وعناصر الموقف الموضوعية منها وأبرزها:

 

أولاً: ـ ظاهرة القطبية الأحادية: ويتمثل هذا العامل باستفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالدور القيادي في الحياة السياسية الدولية واستخدامها لأساليب التهديد والترغيب، وللأمم المتحدة (كشرعية دولية) ومجلس الأمن لتحقيق أغراضها وأهدافها السياسية والاقتصادية، وفرض أنماط اجتماعية وثقافية.

 

ثانياً: ـ ظاهرة عولمة الاقتصاد: ويتمثل هذا العامل بتسارع وتائر حركة رأس المال المالي (المصرفي) وأتساع حركة الاستثمارات ليصبح العالم بأسره فعلاً سوقاً واحدة بقبضة الشركات المتعددة الجنسية في تعاظم متزايد لدورها.

 

ثالثاً: ـ الإمبريالية في مرحلة جديدة: ويتمثل بدخول دولة الاحتكار الرأسمالي (الإمبريالية) في مرحلة جديدة، ويتمثل داخلياً باشتداد التمركز المالي وذلك بميل رؤوس الأموال خوض غمار المشروعات الكبرى وقيام الاحتكارات العملاقة في فروع الإنتاج المهمة من جهة، والإقحام المتزايد للأجيال الجديدة من التكنولوجيا المتمثلة بالحاسبات العملاقة والروبوتات والميكروالكتروتكنيك، والتطور الهائل في وسائل الاتصالات والنقل وفي وسائل العلام المرئية والمسموعة والمقروئة.

 

وبتقديرنا فأن الجانب الأخطر من الهجمة الإمبريالية على بلادنا يتمثل بالدرجة الأولى بالإخضاع السياسي وذلك ما يسلب القدرة على التطلع إلى المستقبل بحرية واستقلال، أي قمع المشروع النهضوي العربي وفي مقدمة فقرات هذا المشروع :

تقليص حجم التبعية الاقتصادية: وفي تفاصيله الجانب الغذائي(الأمن الغذائي).

تقليص حجم التـخلف العلـمي: وفي تفاصيله التكنولوجي.

تقليـص التـبعية الاجتماعـية: وفي تفاصيله الحفاظ على شخصية مجتمعنا العربي الإسلامي.

تقليص التبعية الثقافية: (الأمن الثقافي)، وفي تفاصيله مفردات التطور الثقافي ـ الحضاري، والسعي لرفع إسهام ثقافتنا العربية في الثقافة الإنسانية العالمية في إطار العمل المشترك مع الشعوب والأمم لأن يكون هذا العالم أكثر إنسانيا وأكثر رخاء وعدالة، والكف عن اضطهاد الإنسان للإنسان، والأمم الغنية القوية للأمم الأقل ثروة وقوة، عالم التعايش السلمي والتعامل القائم على التكافؤ، عالم يشعر فيه أي إنسان، إن أي تقدم علمي بسيط في أقصى بقعة في العالم ينتمي إليه مباشرة، ولكنه يشعر بالمقابل أن أي صفعة يتلقاها أي إنسان ظلماً في العالم يوجعه ويدمي كبرياءه وكرامته.

 

ندعو المفكرين والعلماء والمثقفين العرب إلى وضع إطارات عامة، يمكن أن تحشد ورائها الحجم الأكبر من الجمهور. النظام العربي المنشود يفترض العدل والمساواة وتكافؤ الفرص أمام القوانين، ويفترض قيام دولة سيادة القانون العادل. أن الفكر الإسلامي، السياسي/ الاقتصادي مطالب بحل الإشكاليات القائمة في العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية، والتصدي لمشكلات التصنيع والتنمية بكافة فروعها، وتحقيق ثورة علمية / ثقافية، ومواجهة قضايا التحرر الوطني والقومي وتقليص التبعية للاستعمار والإمبريالية وانتهاج أساليب سياسية ناجحة مع تفهم لمعطيات العصر وسماته ومؤشراته، نظام يبدد آخر آثار ومظاهر وبقايا والتخلف والسبات الطويل، وليمضي بأقطارنا إلى القرن الواحد والعشرين وإلى غزو الأفلاك والكواكب.

 

وثمة أمر آخر يستحق الإشارة إليه، هو أنني أجد ضرورة التميز بين الفرق والمذاهب الدينية، والحركات السياسية  / الدينية المطلبية، وهنا ينبغي على الباحثين أدراك حقيقة هامة، هي أن كافة الحركات السياسية التي هبت منذ القرن الهجري الأول، وتحديداً منذ الصراعات الإسلامية ـ الإسلامية، التي كانت الخلافة والإمامة محورها، اتخذت مواقفها السياسية توجهات دينية لتكسب موقفها السياسي قوة ونفوذاً مضافاً بين الجماهير، في حين أن المذاهب التي نشأت واستمرت هي تفسير وإيضاح للشريعة وموقفها من شتى المشكلات سواء في مجال العبادات أو المعاملات. وكان انتشار الفرق والمذاهب، ومن تلك الفرق الباطنية والغالية، وقد اندثر الكثير منها في حين أستمر البعض الآخر موجوداً ولكن بتأثير وإشعاع ضعيف.

فلنركز على الموضوعات السياسية ذات الجوهر التقدمي في الإسلام وفي التراث والموروث:

 

ــ يمكننا أن نتلمس توجهات وأنظمة تهدف إلى تحقيق العدل الاجتماعي.

ــ يمكننا الحديث عن يسار ويمين في الإسلام.

ــ رفض للاضطهاد الطبقي واستغلال الإنسان للإنسان، ودعوة إلى اكتفاء الإنسان وأن ينال بقدر ما يكد وبقدر ما يحتاج.

ــ رفض لتمركز رأس المال بيد فئة قليلة لتتحول إلى أداة للقهر والتسلط.

ــ إدانة واضحة وصريحة لاكتناز الأموال وإدانة لفائدة رأس المال المالي.

ــ حقوق متساوية للبشر في الخيرات المادية وفي الدراسة والتعليم.

ــ مكافحة مظاهر الفساد التي تفرزها الطبقات الثرية.

 

أما الحركات السياسية التي اعتمدت بدرجة كبيرة على الشريعة كمصدر لشعاراتها السياسية، فأن هذه الحركات كانت تشبه (من حيث الجوهر) السكولاستية، scholasticism في الكنيسة المسيحية التي حاولت في القرون الوسطي إخضاع الفلسفة لعلوم الدين(اللاهوت) وإقامة صلات لا تخلو من التناقضات بين الدين والفلسفة. ولا نعتقد أن شيئاً من هذا القبيل أو باليات مماثلة لما حدث في الكنيسة الأوربية رافق تطور الفكر السياسي العربي الإسلامي، ذلك أن الفلسفة كانت متقدمة في أوربا قبل حلول المسيحية بوقت طويل( كانت هناك أمم أوربية وثنية حتى القرن العاشر الميلادي). وقد أعتنق عدد كبير من الفلاسفة الأوربيين الديانة المسيحية في القرون الخامس حتى العاشر ميلادي.

 

فالسكولاستية كانت محاولة لتجسير الهوة بين عقائدهم القديمة وديانتهم الجديدة (لتأخر حلول المسيحية في أوروبا كما أسلفنا)، وبين ما تبلغوا به من أصول الدين وتعاليمه على أيدي القساوسة والرهبان، كما كان الرهبان بحاجة لهل بصفة خاصة لمحاورة أقطاب الفكر والفلسفة في أوروبا. لذلك كان قادة السكولاستية رهبان وقساوسة(أشتهر منهم بصفة خاصة القس توماس الأكويني)، ولكن أمراً كهذا لم يحدث في الحركات السياسية الإسلامية كما حدث في السكولاستية.

 

وينطوي الفكر السياسي الإسلامي (القرآن ـ الحديث والسنة) على الكثير من العناوين والإشارات السياسية كالعدل والشورى والبيعة والمساواة وسواها، وعلى قواعد للتعامل في السياسة الداخلية والخارجية، وفي الحرب والسلم، قابلة للتحديث والعصرنة (Modernisation) بأتجاهات تقدمية مما يمكن اعتباره أساساً ليشيد فوقه فكر سياسي عربي معاصر يهدف إلى إقامة نظام سياسي / اجتماعي ينشد العدل والمساواة، وعدم التميز بناء على العرق واللون والمعتقد،من خلال التغير نحو الأفضل "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرعد ــ 11)، ونعتقد أن هذه العناوين الواردة في (القرآن) تصلح للاستنباط والاجتهاد واستخراج أحكام جديدة وفق قواعد الاجتهاد، فالشريعة هنا بالنسبة للمجتمعات العربية ـ الإسلامية أشبه ما تكون بروح الدساتير) Spirit of the Lows) في صياغة أفكار وفي قراءة حديثة لها في عالم السياسة الدولية المعاصرة.

 

ويحق القول تماماً أن في حديث الرسول (ص) : (لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم ) ، ومثل هذا القول أكده الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب بقوله " لا تربوا أولادكم كما رباكم آبائكم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم " وتضم  الشريعة موضوعياً عناصر مشجعة للتقدم، وتقف في أكثر الأمور الحساسة موقفاَ مرناً مثل : عملية التطور، كقضايا الدولة والرئاسة، والقضايا الاقتصادية الرئيسية، ونعني بالموقف المرن، هو الموقف المتقبل للتطور والمتفهم للظروف المعاصرة. كما أن الشريعة تقف موقفاً متقدماً من قضايا توزيع الثروة الوطنية على أفراد المجتمع، وكذلك من قضايا الحريات الإنسانية في العمل السياسي، بالإضافة إلى أن الشريعة تمثل جزءاً أساسياً وحيوياَ من الرصيد الثقافي كما ينطوي أيضاً على جوهر شخصية شعبنا. وبتقديرنا، فأن المؤسسة الدينية (من المراجع الدينية) ، عليها استيعاب دورها ضمن عملية النهضة الحديثة، وتوفير فرص التلاؤم والانسجام معها وليس الاصطدام بها.

 

ومن البديهي، بتقديري أن مهمة الدولة  العربية الحديثة لا تتمثل في إقامة مفردات صغيرة(بصرف النظر عن أهميتها) كالحجاب أو أصناف الأزياء، أو تحريم تناول هذا الصنف من الطعام والشراب أو ذاك من الغذاء. بل بأبعاد نظام سياسي مقبول على مسرح السياسية الدولية، إن النظام العربي الإسلامي مطالب اليوم قبل كل شيء بإقامة مجتمع الكفاية والعدل، مجتمع يختفي فيه الظلم بكافة أشكاله، وفي المقدمة منه الظلم الاجتماعي/الاقتصادي، وأي ظلم أشد من ذلك الذي يقود في مرحلته القصوى إلى انفجارات، انتفاضات وثورات، ثم  قمع واضطهاد.

 

تهدف السياسة في نظرية الحكم الإسلامية إلى إقامة العدل وإشاعة السلم الاجتماعي بين فئات الشعب (الأمة)  بأختلاف انتمائهم العرقي والديني  والطبقي بأساليب شرعية قانونية، ولابد أن تتوافق (تتلائم ) تلك السياسة بأهدافها وأساليب وقواعد تحقيقها مع قواعد ودستور العمل والشريعة الإسلامية بمصدريها الرئيسيين : الكتاب والسنة. أو أن لا تتنافض معهما تناقضاً صارخاً في جوهر توجهاتهما اللذان يمثلان الأساس القانوني والآيديولوجي لتلك السياسة، وبهذا المعنى، فإن العلوم السياسية الإسلامية تهدف إلى البحث في أركان وأسس إقامة هذه السياسة الشرعية العادلة.

 

وإذ تتوجه هذه السياسة بصفة مبدأية إلى الحكام فتأمرهم بالعدل ورد الأمانات إلى أهلها، وما الأمانات هنا سوى إعطاء كل ذي حق حقه، سواء كانت حقوقاً معنوية أو سياسية أو اجتماعية، فإنه يتوجه إلى الأفراد بوجوب طاعة السلطات، لأن تلك السلطات لا تهدف إلا خدمة البلاد والأمة تنفيذاً لأوامر الخالق (الله) وبحسب أحكام الشريعة، التي تنطوي على نظرية عربية / إسلامية للعقد الاجتماعي، إلا إذا أمر الحاكم بما يخالف شريعة الخالق، وهنا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وتمثل الآيتان 58 ــ 59 من سورة النساء " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم  بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعماً يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً. يا أيها الناس الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وأولى الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله وباليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً ".

 

تمثل هاتان الآيتان العنوان والمصدر الرئيسي لمثل هذه لمباحث في الحكم بالعقد الاجتماعي، يسندهما ويعززهما أحاديث كثيرة للرسول، منها " إن الله يرضى لكم ثلاثة : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاًـ وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاة الله أمركم ". فالحاكم إذن بحسب النظرية الإسلامية مخول بالحكم من الله طالما هو منفذ وماض وفق نظام الشريعة واحكامها، فرض على الرعايا، ومخالفته تعني مخالفة أوامر الله، فإذا توصلت السياسة الاسلامية إلى تحقيق الأمانة والنزاهة والعدالة، فتلك هي فحوى السياسة العادلة ومبتغاها، وكذلك الحاكم الصالح.

 

ــ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99  سورة يونس

ــ " فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر ". الغاشية. قرآن كريم.

ــ  " لا إكراه في الدين، " . البقرة 256 قرآن كريم.

ــ حديث الرسول (ص): " لا يحتكر إلا خاطئ "

ــ حديث الرسول (ص) : " الناس شركاء في ثلاثة : النار والماء والكلأ ".

ــ حديث الرسول (ص) : " ليس منا من دعى إلى عصبية، وليس منا من مات على عصبية ".

ــ حديث الرسول (ص) :" لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل الإنسان ".

والخليفة الراشدي الأول قال " أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فان عصيت فلا طاعة لي عليكم".

وقال عمر بن الخطاب في الناس في مستهل خلافته " إن رأيتم في اعوجاج فقوموني ".

 

الفكر السياسي العربي موجود وثري، لكنه يحتاج إلى عصرنة، ولكن ما نحتاج إليه مزيد من الدراسات والتجارب في بلورة نظام عربي، فالشورى بحاجة إلى تحديد دقيق، وكذلك نظام الدولة، وعلاقة القوى الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومفاهيم ومصطلحات كأهل الحل والعقد. وأسس نظام اقتصادي بهدف للعدالة الاجتماعية، يقلل من فرص الصدام الطبقي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التراكم هو عملية تحويل جزء من فائض الإنتاج الاجتماعي الى قوى إنتاجية جديدة.

المركز العربي الألماني

برلين

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

 

الطائفية  تلفظ آخر أنفاسها

 ضرغام الدباغ

 

أي فكرة طائفية، (بصرف النظر عن متانة نظرياتها.... إن كانت لها نظرية ..!) هي جزء من فكرة أكثر شمولاً، إن كانت طائفية دينية، أو تمترسا وراء عشائرية وأفخاذ وعروق، وهذه تقسم الناس وقضاياهم الاجتماعية والسياسية الملحة إلى مجاميع  وتضعف من قوتهم وهديرهم الشعبي، وتفسد القضية الكبيرة وتحول الشعارات الطبقية / الاجتماعية العامة إلى شعارات فئوية / مطلبية صغيرة ..هي صغيرة مهما تعالى الصراخ والزعيق تحت لافتاتها.

 وبوسعنا أن نسوق أمثلة لا حصر لها، ولكن ذلك سيكون على حساب استهلاك الوقت والجهد، ولكن لنسوق بعضها إثباتاً للحجة، فالمسلمين اليوم مثلاً يتعرضون لحرب لم تعد خفية، صريحة وواضحة،  والكل يعلم أن عدم التركيز عليه، والتغافل عنه اليوم، لا يعني أنه نفذ بجلده، بل أن استهدافه هو مشروع مؤجل فقط، ولكن الأطراف الدولية تعمد إلى تقسيمهم إلى وجبات ليس إلإ .... ليسهل التهامهم على وجبات .. والطائفية تسهل لهم ذلك ..

 الكل يعلم أن هناك مستحقات وطنية وقومية واجتماعية عاجلة، ولا تحتمل التأجيل، ولكن من يؤجلها فعلاً ويضعها فوق الرفوف العالية هو الصراعات الهامشية التافهة في مؤداها .. فيبقى المواطن لا يلقى علاج آدمي في مستشفيات تصلح للبشر، ويبقى  أبن الموطن خارج المدرسة النظيفة الصالحة للتعليم، وتبقى الحقوق الوطنية / الاجتماعية بعيدة المنال، والوطن يخسر يوميا المزيد من مقوماته، وحقوقه... لأن الناس مشغولون بموضوعات لا قيمة لها حيال هذه الموضوعات الخطيرة ...

 الطائفية تقول للمواطن العراقي (وربما في غير العراق أيضا) : أنس وطنك وحقوقك الوطنية، وتجاهل قوميتك وثقافتك، تجاهل جوعك وبؤسك،  وممنوع أن تتحدث عن حقوقك الاجتماعية... كل هذا مقابل ماذا ...؟ تساءلوا من الرابح ...؟

 حدث مرة في اجتماع طابعه سياسي، وكان الحضور من الشخصيات السياسية المعروفة والتي كان لها وزنها في ساحات النضال الوطني، ولكن طالما الموسيقى تعزف مارشات طائفية، لذلك تضاءل وزن القادة السياسيين المعروفين في تاريخ العراق، ليبرز بقوة حراب الأجنبي دور أشباح طائفية ترتدي العمامة حيناً، والدشداشة حيناً، ولكن في جميع الأحوال لا برنامج ..! نعم لا برنامج سياسي واجتماعي، ولكن طروحات الاجتماع كانت تصب في مؤداها لموضوعة طائفية، وتسويقاً لها، ولما تصدينا وطرحنا قضايا اجتماعية لها علاقة بقوت الناس، وحقوقها الوطنية، وهي لا تفرق بين المواطنين، هب منتفضاً أحد اقطاب الجلسة وقد أدرك أني أمسكت بمفتاح الأزمة الحقيقي ... وفعل كل شيئ ليعيد حرف المناقشة إلى سفسطائيات لا طائل منها ...  كان ذلك عام 2003 / 2004، وما زالت السفسطائيات تلهي الناس عن حقوقهم وعن قوتهم وبلادهم ...  

 ولكن الوضع تغير بعد 1 / تشرين / 2019  .. وولت الشعارات السخيفة إلى الأبد .....!

 الشخصية الطائفية ضعيفة لجهة المكونات الثقافية بل تلامس درجة الأمية .. ولم أصادف في حياتي مثقفا طائفياً. ولكن هناك استثناءات، فهناك من المثقفين من يقبل التعامل بالطائفية، وهو يفعل ذلك لأمرين: إما لتحقيق مكتسبات مادية، أو ليضمن لنفسه موقعاً قيادياً لا يناله بين القيادات المحترمة .... ليس هناك احتمال ثالث ..! أما الاستماع إلى ببغاوات الطائفية، الذين يحرضون على القتل والكراهية ويعلمون فنون الشتائم ذلك فأمر يبعث على القرف والغثيان ..!لا تنطوي على أية درجة من الثقافة والفائدة ..! وأكلة صحن لبلبي أنفع منها بمئة مرة ....!

 انتفاضة تشرين أنهت هذه الخزعبلات أيضاً ..

 لنشيد مجتمعات راقية مقياس الجودة فيها، يتمثل بكم ونوع ما ينتجه المرء، ذكر كان أم أنثى .. وبكفاءاته وقدراته، بعلمه، وبإنتاجيته، وخدمته وإخلاصه للوطن .. وليس بقدر ثرثرته، ونفاقه .. والفنون في تملقه للسلطات ..  دولة لا تخطف مواطنيها ولا تغتالتهم بكواتم الصوت .. دولة تحاسب المسؤول قبل المواطن إذا سرق ... وفي نظام مرتب دقيق سوف لن يكون لهؤلاء دور ......

 وهو ما تبشر به انتفاضة تشرين ....

 

 

تحالف القوى الثورية ضرورة

 تاريخية / وطنية حاسمة

 

ضرغام الدباغ

 

هذا نداء من مواطن عراقي .. عمل في النضال الوطني 62 عاماً، منذ طفولتي وصباي حتى شيخوختي، أناديكم .. أحزابا وشخصيات ... العراق يريد منكم خدمة ..

 

الانتفاضة في شهرها الثالث، لا شك أن الكثير قد تغير في العراق منذ 1 / أكتوبر، بما في ذلك تأثيرات في موازين القوى الداخلية، وتوشك أن تكون أإقليمية، ومن المؤسف جداً أن القوى السياسية الثورية العراقية لم تتحرك بالقوة المطلوب منها .. إذ لا يكفي مشاركات الأفراد، سواء كانت بمبادرات فردية، أو بتوجيه قيادي مركزي، إذ لا يكفي المشاركة بالتظاهرات / الانتفاضة، المطلوب تحديداً مواقف حاسمة، وتجاوز التردد، والمشاركة الوجدانية إلى مرحلة يتصاعد فيها الفعل لدرجة ومستوى الانتفاضة، والمطلوب من الأحزاب الثورية التاريخية أن تلتقي فوراً، وتضع كل شيئ خلفها، نقول كل شيئ، لأن العراق أثمن من كل شيئ، وها هو يكتب تأريخاً جديداً يكتب بالدماء العراقية، الزكية الطاهرة الغير مسجلة على رصيد حزب ولا طائفة، ولا حزب أو كيان سياسي، إنها ثورة نابعة من لهيب الفرن العراقي، الفرن في أعلى درجات اشتعاله، التاريخ سوف لن يرحم من لا يفهم هذه الحقائق فرداً كان أم حركة سياسية.

 

نعم خسر العراق الكثير جداً من الأرواح والممتلكات، .. خسارة رهيبة تصيب بالحزن العميق، ولكن الانتفاضة جاءت لنا بمكسب، أن أفقها ليس طائفياً، وإن الطائفية ولت إلى غير رجعة، وأن الأنتفاضة تطرح وعياً ليبرالياً / ديمقراطيا،ً نعم الكل يعلم هناك محاولات بائسة من قوى رجعية أن تركب الموجة الصاعدة، ولكنها محاولات فاشلة، لأن جوهر الانتفاضة هو عراقي، عراقي صميم بمكونه الواحد الموحد المنصهر في عراقية خالصة، فيها المستوى القومي / العراقي العربي، متلاحم مع المستوى الاجتماعي الطبقي، ومع المستوى الوطني، اليوم هذه المستويات في الساحة، تناضل بلحم صدرها الأعزل قوى سوداء تتآمر عليها مع الأجنبي الظاهر منه والخفي ... فماذا أنتم منتظرون ..؟

 هلموا إلى ساحات النضال السلمي، لتكسبوا ثقة الجماهير بكم، كقيادات تاريخية، أدلو بصوتكم الكبير، قد يكون مرجحاً .. التفوا حول الثورة وكونوا في عدادها، لا تبحثوا أن تتسلقوا قيادتها، دعوا الأنانيات الحزبية، العراق في خطر، ناضلوا، والنضال الصادق الحر هو من سيدفع بكم إلى المستويات القيادية، أقبلوا فكرة أن شباب ثائر هو من أشعل الشرارة، ورب شرارة أشعلت السهل كله، شدوا من أزر الشباب، آنذاك ستطرحون أنفسكم كأدوات ثورية تاريخية ضرورية وتكسبون ثقة الجماهير مجدداً ... تحت شعارات الحرية والوطنية، وبناء عراق موحد متكافئ للجميع.

 المطلوب منكم حالاً وعلى الفور ... الآن .... الآن .... اللقاء الفوري في ميدان النضال بين قيادات الحركات التاريخية الوطنية، والمهمة هي: تأكيد وقوف قوى الشعب العراقي موحدة، والمزيد من العزلة للطغمة التي تتعامل مع الوطن على أنه سوق هرج وباعوه كخردوات لمن هب ودب ..

 الآن فوراً .. هذه إرادة شعبية .. نأمل أننا ننقلها بأمانة وليس لنا فيها مطامع أو غايات، لا حزبية ولا شخصية، هي مطلب عراقي خالص .. فهل أنتم مستجيبون ..؟ الشباب يقدمون أرواحهم من أجل الوطن بتجرد عال وبمسؤولية عالية ..  هي مهمة عاجلة بدون تعقيدات ومناقشات لا تفضي لشيئ .. ليجمعكم تيار الثورة .. والعراق الجديد الذي يبزغ نوره ويلوح لنا ...

 الجبهة الوطنية الديمقراطية هي مطلب الجماهير العاجل اليوم

عاش الشعب العراقي وانتفاضته الباسلة

عاشت قوى الشعب الثورية

 

 

الانتفاضة في شهرها الثالث

 ضرغام الدباغ

 

يوم واحد يفصلنا عن دخول الانتفاضة شهرها الثالث ... كيف نقيم الموقف في تاريخ أعظم حدث عراقي منذ الاستقلال وحتى اليوم ...؟

 

ابتداء لم يكن أحد يتوقع (إلا القليلون) أن تتواصل الانتفاضة لهذا المدى الزمني وبهذا الزخم المتواصل المتصاعد، ثم أن الكثير من المحللين اعتبروا أن غياب قيادة واضحة للانتفاضة هو ما ينقصها، ولكن فات الجميع أن غياب هذا العنصر بالذات هو من أسباب قوتها ومنعتها، إذ لا يملك شخص أو جهة أن تتفاوض وأن تساوم بأسمها .. وهي شأن الثورات العظمى : الفرنسية ، الروسية، ثورة العشرين العراقية ..

 

استقالة رئيس الوزراء سوف لن يكون لها تداعيات مهمة، لأن المنصب هذا بحد ذاته غير مهم، كما أنه ليس من مفاتيح السلطة، وإذا كان هناك من دور له، فهو كان سلبياً لنفسه أولاً، ثم للمسألة بخطوطها المختلفة، فهو لم يكن ممن يوصف ممن يمسكون بخيوط اللعبة، وللحق فإن من تولى الحكم من العراقيين بمجموعهم لم يكونوا سوى أدوات، والسنوات الأولى من الاحتلال كان الأمريكيون هم كل شيئ، وأستمر الأمر كذلك ربما حتى 2010، كان خلالها رجال العملية السياسية (المحسوبون على الفرس غالباً) يسايرون الأمريكان والإيرانيين، ولكن بمواقع أدنى، وللحق كان الأمريكان يكنون لهم احتراماً أكثر مما أظهره لهم الإيرانيون الذين لم يحترموهم أمام الشعب العراقي، بل أمعن الإيرانيون بإذلالهم، وإظهارهم كمجرد تابعين صغار يقبلون أياديهم (وأحياناً حتى أقدامهم)، وفي كل مناسبة يصرح المسؤولون الإيرانيون أنهم يحكمون العراق وأن كادر المنطقة الخضراء مجرد تابعون لهم، وإن الشخصيات الحاكمة هي صور كارتونية، ولذلك فمن البديهي أن تغير عادل عبدالمهدي بغيره سوف لن يغير من جوهر الأمور شيئاً.

 

اليوم وبعد مرور شهران على الانتفاضة، والشخصيات الوطنية العراقية وقفت بما يشبه الإجماع، موقف المؤيد من الانتفاضة / الثورة، والحركات السياسية التي سوقت للاحتلال ونتائجه أو شكلت الأرضية السياسية له، وهناك أكثر من سبب يجعل الجميع يعترفون بعنفوان الانتفاضة ومشروعيتها، وقبل ذلك بفشل المشروع السياسي وانهياره الذي كان يدور في الخفاء والعلن منذ 2003 وحتى الآن. فالأمريكيون يصرحون جهاراً نهاراً أن أجهزتهم الاستخبارية كانت تشحن طوال سنين طويلة بمعلومات مزورة من عملاء مزدوجين، أو من جواسيس طامعين بالمال القذر، وحتى مسئولون إيرانيون لم يتورعوا عن القول أن هناك من خدعهم بالقول أن شيعة العراق يحبون إيران أكثر من حبهم للعراق، وهنا ينطبق القول عليهم  أنهم مذنبون بتصديق مثل هذه الأقاويل، لأن التاريخ لم يعرف شعباً يحب محتليه، فكيف يفعل العراقيون ذلك وهم شعب قديم له جذوره الممتدة في الأرض لعشرات القرون، ولهم شخصيتهم المميزة وتقاليدهم.

 

اليوم تتأكد حقائق جديدة، فمن الغباء تجاهل إرادة الملايين التي خرجت وهي تريد وطناً حراً، ولا تريد أن ترى الإيرانيون أو غيرهم يتصرفون في البلد كأسياد، العراقيون يطلبون أشياء جوهرية وليست سطحية كتغير رئيس وزراء  يتولى منصبة بإرادة إيرانية، يريدون إلغاء دستور المحاصصة الطائفية، يريدون إزاحة سلطات الفساد، يريدون إصلاح النظام القانوني، يردون القضاء على الفاسدين ومحاسبتهم واسترداد أموالهم المنهوبة، يريدون أن تكون لهم دولة حديثة مستقلة، وإدارات نزيهة، وهذا لا يتم بمجرد تغير رئيس وزراء بآخر من ذات البطانة أو من حاشيتها وحواشيها. مطالب المنتفضون معروفة، ولم يدفعوا هذا الدم العطر من أجل تغيرات سطحية ...!

 

النور الذي أطلقته انتفاضة / ثورة تشرين الأول، لا يمكن اعتقاله أو حبسه، هو نور أنتشر ودماء مئات الشهداء وألاف الجرحى  التي سالت في ساحات العراق لا يمكن أعادتها إلى الشرايين، الثورة انتصرت من الآن عندما تجاوزت حدود الطائفية والمناطقية، انتصرت حين قلبت طاولة فسيفساء الاحتلال وهرطقات المحتلين وأتباعهم، ولمن في قلبه مرض، أن العراق واحد موحد إلى الأبد، وأثبتت لمن يحتاج إلى إثبات، أن : الاحتلال هو احتلال .. ويطلق النار بكل بساطة ليقتل ..ويسرق وينهب ولا يدخل ذلك في قيم الحلال والحرام .. الاحتلال لا قيم له ولا أخلاق ...

 

 

 هل جاءت الثورة

  متأخرة أم مبكرة ...؟

 

ضرغام الدباغ

 

أوراق التين بدأت تتساقط لتظهر عورة النظام الذي تأسس بعد 2003، وبحسب رؤيتنا أنها قد تأخرت ... 16 عاماً ليست قليلة، بل هي حقبة طويلة، ولكن وفق المقاييس التاريخية  لا تعتبر كذلك، أن تسقط مرحلة أستغرق الإعداد لها عقوداً طويلة ولتطال أهدافاً كبيرة، وتؤسس مرحلة جديدة ليس للعراق فحسب، بل لعموم المنطقة. خطط تفصيلية معقدة، اشتغل عليها دهاقنة مختبرات المخابرات في دول كبرى وصغرى، مجتمعين ومنفردين في تكافل وتضامن سياسي / جنائي كامل الأبعاد .. تصاغروا وأصبحوا صغاراً عندما تآمروا ومعهم كل هذا الحشد بقواهم السرية والعلنية عقوداً طويلة لإسقاط العراق، أقدر أنها بدأت منذ منتصف السبعينات .. ودخلت حيز التنفيذ الفعلي منذ عام 1980، وبكامل القوى منذ عام 2003.

 دور إيران في مجلس المؤامرة دور تبعي، فهي لا تملك القوة لكي تفرض أمراً، فهي مضطرة لأن تقبل ما يعطى لها من الغنائم، بقناعة أو بغير قناعة، تلخص دورها بذر قرن الفتن، وهذا الدور وإن كان قذراً، ولكن من يسأل عن القذارة في جو موبوء قذر من رأسه إلى أساسه ..!  وحكماء إيران لا يفقهون إلا بالخبائث من الأمور والخطط السوداء، فقرروا دخول الحفلة الحقيرة، على أن ينالوا فيما بعد ما يرمون إليه بالمناورة والحيلة. أما إسرائيل فبوصفها دولة عسكرية الطابع والأخلاق، لا تفهم إلا مبدأ إلحاق اكبر قدر من الخسائر بالخصم القوي.

 أما الأمريكان فكانوا وما زالوا ينظرون إلى القضية بمنظار يفتقر إلى المنطق، والتاريخ، والأمريكان لا يفهمون في التاريخ لأن لا تاريخ لهم، وبوصفهم مؤسسي مذهب البراغماتية فلا علاقة لهم بالمنطق يتدبرون أمورهم بالدولار والقوة المسلحة، وهكذا وضعوا قاعدة العمل : أكراد ــ شيعة ـــ سنة عرب . وإذا قلت لهم الشيعة عرب قالوا لك .." لا..لا..لا الشيعة طائفة أخرى" وإذا قلت لهم " طيب الأكراد سنة .. قالوا لك " لا.. لا.. لا.. لا... الأكراد قومية أخرى، وإذا قلت لهم هذا غير مفهم سيقولون لك المادة 17 من مجلس الأمن، والكروز والأف 16 سيفهمك ... هكذا بدأت الأمور وهكذا جرت طول 16 سنة .. الأمريكان يعرفون كيف يشعلون الحرائق ولكن لا يعرفون تدبيرها ..! هذا أمر صار مفهوماً في السياسة الدولية المعاصرة.

 اليوم شباب ساحة التحرير عراقيون سنة وشيعة، وبينهم أكراد وتركمان ومسيحيون، ساحة التحرير هي البرلمان الحقيقي وممثلوا الشعب العراق بكل جدارة .. قلبوا طاولة الاحتلال رأساً على عقب، وقبعت حجارات الشطرنج في المنطقة الخضراء تريد أن تستعيد الموقف بالحيلة والكلاوات .. فتارة يمارسون التمثيل فيبكون شهداء الثورة، وتارة يصدرون قرارات الإصلاح، شيئ واحد لا يريدون فهمه .. أن الطاولة قلبت .. والأمر بالمعنى العملي والعلمي أنتهي، ولكن كيف تريدهم أن يصدقون ...؟

 ـــ الآن الكرد ... الواقع العملي والسياسي جعلهم تيارين ...! وانغمسوا في حفلة الشطح والبطح، والقلع والبلع، وعندما كشف أن هناك مئات المليارات قد تبخرت .. صار اخواننا الكرد يتساءلون فيما بينهم ... أين ذهبت هذه الجبال من الأموال ... يخرب بيتكم .. أسرقوا بأنصاف ...

 ــ الشيعة، هم شيعة عراقيون وعرب والأئمة أئمتنا وأمير المؤمنين هو خليفتنا، اكتشفوا أنهم ضحايا حفلة نصب واحتيال، مسهم الضر حتى بلغ النخاع، وأصبح وعياً عاماً لدى الشعب، هل من المعقول أن يأكل شعبنا من الزبالة ونحن عندنا هذه المليارات...؟ الآن انتهى هذا أيضاً .. ولم يعد بوسع أحد أن يخدع حتى طفلاً في مهده ..! الناس فهمت انها انضربت بوري .. ومن العيار الثقيل .. والنتائج .. تجيك السالفة ..!

 مالعمل ...؟

 بالعراقي ... ما كو عمل ... أكو ثورة والمحترم حتى لا يتبهدل عليه أن يسلم بقوة التاريخ .. وإرادة الملايين .. وأن التناقض الآن هو بأعلى درجاته .. تناقض تناحري شديد القوة، هل رأيتم شعباً يقبل بالاحتلال ..؟ أتريدون من العراقيون أصحاب الراس الحار الذين رفضوا الاحتلال العثماني وكان بأسم الخلافة .. فكيف يقبل باحتلال تحت شعار نحن ولاية الفقيه، وعليكم أن تقبلوا أن نحتلكم ونسلبكم أموالكم ومصانعكم وندعكم بلا ماء وكهرباء لمدة 16 سنة، ونسلط عليكم اللصوص والحرامية والفاسدين .. وعليكم تغيروا طباعكم وأخلاقكم ويجب عليكم إبداء فروض الطاعة .. لماذا ..؟ لماذا يجلس حثالاتنا أمام سليماني كطلاب أبتدائية يعلمهم ماذا يفعلون .. هذه مناظر مخزية عار في تاريخنا العراقي سنجتهد أن نمسحها من الذاكرة ..

 اتعلمونا حب آل بيت نبينا وهم ساداتنا وكبارنا وقادتنا، ومقاماتهم عندنا بالحفظ والصون والاحترام، سوالفكم فالصو ..هذا أنتهى الآن .. هذه القصة فقدت وهجها .. وبان صدئها .. وأسمعوا مني النصيحة .. من ختيار يشتغل سياسة 62 سنة، ودرس السياسة ومارسها محترفاً كدبلوماسي .. أخرجوا قبل أن تكبر السالفة .. وتخسرون أكثر .. التاريخ لن يرجع للوراء لا ولن يعود لما قبل 1 / تشرين الأول .. هذه فكرة أمسحوها من رؤوسكم .. العراق تغير ... المعادلات تغيرت ..

 

انتباه ......!

ضرغام الدباغ

نحن نعلم أن المناورة في السياسة أمر مقبول، وأتباع تاكتيكات المطلوب منها خدمة الاستراتجي .. هذا أيضاً معلوم ومقبول ..  ولكن تغير المسارات بشكل جذري هو أمر معيب. والعيب هنا لا أستخدمه كمصطلح معنوي، فأنا في الواقع أريد القول أن مثل هذه السياسات يضيئ معها اللون الأحمر، وأكاد أرى الكارت الأحمر يشهر بوجه أكثر من حركة وهو ما يعني : أيها اللاعب عليك مغادرة الملعب. ولا أقصد بالملعب هنا سوى " ساحة النضال التحرري الوطني.

وبالطبع لسنا ممن يعتبر أي علاقة خارجية هي خطر داهم، ولكن أية علاقة وبأي درجة من العمق والارتهان للمصلحة الوطنية بإرادة قوة أجنبية، وعندما نتحدث عن القوى الأجنبية إنما نحن نعلم أن القوى الأجنبية تبحث عن مصالحها الوطنية، وهذا ليس بعيب لوحده، ولكن أن ترهن قوة وطنية مصالحنا الوطنية بيد قوة أجنبية، هنا يبدأ الأمر يتحول وكأنه اختراق في الجبهة السياسية للوطن ينذر بتوسع الخرق ليتحول إلى قوة معادية داخل أسوار الوطن، فيتحول إلى خطر محدق علينا أن نتصرف حياله بهذه الدرجة من الأهمية.

كنت قد ترجمت مبحثا علميا مهما كتبه أحد الأساتذة الألمان من خبراء الشرق الأوسط وهو البروفسور د. غيرهارد هب (Gerhard Hipp) والفكرة الأساسية فيه تدور عن ثلاث حركات أساسية معادية للأستعمار في نضال شعوب الشرق الأوسط وهي : الحركة الاشتراكية (ويمثل الشيوعيون الحركة الأهم)، والحركة القومية (ويمثل البعثيون الحركة الأهم)، والحركة الإسلامية (ويمثل الأخوان المسلمون الحركة الأهم). وشخصياً كنت مقنعاً بأن هذه الحركات الثلاث هي حركات تاريخية، وإن الصراع بينها هو عبث ولا يخدم سوى مصالح القوى الطامعة ببلداننا. ولكن يبدو لنا أن تحالف هذه القوى الثلاث ممنوع بأمر من القوى الخارجية ... أوامر تلقتها القوى الثلاث كنصيحة، أو كأمر .. سيان، نحن نبحث في النتائج المادية فحسب ..!

مالذي يخرج أي قوة وحركة من هذا التوصيف ...؟

ومن نافلة الحديث اعتبار أي قوة من بين الحركات التاريخية لا علاقة له بالمشاعر والعلاقات الشخصية، وكذلك اعتبار أي قوة خارج هذا التوصيف لا ينبغي أن يتأثر بأي معطى سوى بالحقائق المادية المجردة، ليأتي حكمنا معبراً عن موقف أوسع الجماهير ومصالحها.

لنتحدث بصراحة .... الحركات القومية تعتبر أي علاقة، وظيفية، تحالفية مع قوة أجنبية خطاً أحمر، ولكن للأسف حدث مرة أو مرتين في هذا القطر أو ذاك، أن بالغت حركة قومية في درجة أواصر التحالف مع قوة أجنبية لدرجة أفقدها استقلال قرارها السياسي، وبالتي خصائصها الوطنية / القومية، فتحولت لشيئ آخر، قاد إلى تلاشيها وغيابها في النهاية.

وأيضاً من بين الحركات الاشتراكية أعتبر الصداقة والتحالف مع القوة الأجنبية أمر استراتيجي، قاد إلى أن يتلقى الأوامر والعليمات وإن كانت بصفة توجيهات أو نصائح (لا أناقش إن كانت صالحة أو طالحة)، ولكن النتيجة هي واحدة، أبعدها ذلك عن النبض الوطني للساحة.

أما الحركات الإسلامية، فباعتبار أنها لا تعترف بالوطنية والقومية، قادها ذلك أن تلتقي بأي حركة إسلامية غير وطنية، والأمر صار أعمق عندما ارتبطت بدول بداعي تشتبه التوجه النظري والسياسي، ولكن التوجه السياسي لأي دولة ليس منحة إلهية، بل هناك كم كبير جداً من حجم المصالح الوطنية والقومية لتلك الدولة، فيصبح ارتهان هذه الحركة أو تلك بتلك الدولة أمراً يمثل ثغرة في الجدار الوطني، ولا ينفع معه الحديث بفلسفات أهمية التعاون ووحدة المصير والغايات .... الخ نحن نبحث النتائج النهائية، ونحن أمام خرق في جدار الأمن الوطني والقومي.

باختصار .. وصراحة ...

صار اللقاء مع الأجنبي والتباحث في شؤون الوطن، وإشراكه في قرارات خطيرة تهم مستقبل الوطن ووحدته ومصير شعبه وثرواته أمراً عادياً لا يرعوي منه حتى القادة السياسيون، وبلغ الأمر أنهم يعقدون الصفقات ويتقاسمون المناطق ويتحدثون في قضايا لا يحق لهم تقريرها، فهم في نهاية المطاف حزب سياسي، كيف لهم أن يقرروا شؤون خطيرة تمس الأمن الوطني العام .. ؟

أرجح بدرجة عالية (ترجيح مطعم بمعلومات)، أن الفساد قد ضرب بإعصاره المدمر القيادات السياسية، وأن الرياح تلعب في جنبات بعض القيادات، تارة بداعي أهمية الحصول على الدعم بأشكاله، وتارة للضرورات الحزبية، تقام صلات مضرة بالأمن القومي للوطن، ومن المدهش أن يسمح قائد سياسي لنفسه أن يتباحث في قضايا وحدة الوطن  ومصيره وتوزيع ثرواته، وقضايا حساسة خطيرة مع جهة أجنبية لا تريد الخير لبلادنا.

الجميع يعلم أن العراق الوطن ... يمر بمرحلة دقيقة جداً ... إننا في مرحلة استعادة استقلال العراق .. وهو منجز دفعنا له أرواح أبناءنا وإخواننا وآبائنا وأجدادنا... سوف لن يكون هناك تهاون مطلقاً في توجيه الكارت الأحمر بوجه أية حركة أو شخصية .... بنفس الوقت نناشد الجميع الوقوف بلا تردد وبعزم وقوة ... بلا حسابات جانبية هامشية صغيرة ... كل شيئ صغير أمام حرف من حروف العراق ...

المجد .... كل المجد ...لثورة تشرين العظمى ...

لا تراجع وإلى الأمام ...

المجد والخلود للشهداء الأحرار

21/ تشرين 2 / 2019

 

حصاد الثورة ... اليوم

ضرغام الدباغ

مضى على اندلاع التظاهرات ..الانتفاضة ..الثورة ..(1/  نوفمبر / تشرين الثاني / 2016) شهر ونصف الشهر،  ومنذ أيامها الأولى كتبت رداً على تساؤل تردد في الأوساط  السياسية " هل تسقط تظاهرة الحكومة ؟ " قلت في مقالتي وتحدثت أن التظاهرة نعم قد تتحول في تطورها اللاحق إلى انتفاضة، والانتفاضة إلى ثورة، ولكل من هذه التوصيفات شروطها العلمية، في قوانين التناقض، وعمود التراكم، وهذه مسألة علمية وأبعد ما يكون عن أحكام الهوى ..  ضد أو مع .. ليس بالمزاج وأحكام مسبقة جاهزة معشعشة بالذهن .. بل تسقط هذه المرحلة لأنها استوفت حقها ويجب أن ترحل وأن نتحول إلى مرحلة جديدة .. ألا نقول في الأمثال الشعبية الرائعة " لو دامت لغيرك لما وصلت إليك ".

عام 1985، كنت مع بعض أصدقائي وهم : المرحوم نجاح الحياوي (صاحب مكتبة النهضة)، والعميد دكتور حكمت موسى، والعقيد دكتور أسامة الآلوسي، نتحادث في شؤون الساعة، أذكر قلت لهم حرفياً " أن الرقصة الإيرانية ستستغرق ربما 50 عاماً " ولما دهش أصدقائي من تقييمي وأنا أعرف ما أقول وهذه المدة أعطيتها طويلة لكي تنهي الأحداث الدامية ما في عقول الناس من غشاوة راسخة ومعشعشة منذ قرون. وحتى تحين ساعة الحساب. وكان تقديري بناء على نظرية جذابة ولكنها عبارة عن فخ قاتل سيستغرق زمناً ليكتشف الناس فحوى الفاشية الفارسية التي ترتدي عباءة الدين. التاريخ رفض نظرية محكمة البناء الآيديولوجي هي نظرية تصدير الثورة التي صاغها مفكر روسي عبقري دماغه بقدر طهران وضواحيها أسمه " ليف برونشتاين تروتسكي " ومع ذلك سقطت النظرية رغم إعجابنا النظري بها، وأكثر من ذلك، لأنها مخالفة لعلم النضالات الثورية، وأنظر أيضاً ماذا كانت نهاية فكرة الثورة في كل مكان لمناضل رائع سلب عقل الشباب وما زال هو " تشي غيفارا " ولكن المسألة لا تكمن في الإحكام النظري للأطروحة، بل في الاستحقاقات التاريخية. فبقيت في التاريخ لوحة جميلة ولكنها كانت ضربة ريشة لفنان رائع على جدار غير محكم البناء .

لنبحث الأمر من جهة أخرى: الواقع الموضوعي من حولنا يتغير على مدار الدقيقة الواحدة، كل شيئ في العالم قابل للتغير، بل هو محكوم بالتغيير، ولا سيما السياسة التي تتغير على مدار الأيام تغير بسيط، ولكنه بتراكمه يحدث تغير نوعي كبير.. وإذا كان ما حولك يتغير بإرادتك وبدون إرادتك، فهذا يعني بداهة أن موقفك حيال الأشياء لابد أن يتغير، وإحدى القواعد العلمية المؤكدة تنص : " السياسة تحليل مادي ملموس لواقع مادي ملموس" وسوى ذلك خرافات. ولأن بعض الناس لا يفهم الواقع وقوانين التطور ونظرياته ويعتقد أنها عسيرة الفهم، فيفضل الغيبيات، والخرافات إذ يجدها أسهل، بعض آخر يهوى الخرافات والخوارق لأنها فنتازيا خيالية تلبي أحلامه، لذا فهو لا يعيش في عالم اليوم.، وبعض آخر يساير الخرافة والمخرفين بقصد التكسب والارتزاق، وللأسف هذه الفئة غير بسيطة ..!

في بلادنا العراق، ولا فائدة من تقليب المواجع، وندخل في مناقشات سفسطائية لا نهاية لها ولا فائدة ترجى منها، ولنتحدث بلغة اليوم وبمنطق الساعة : النظام الوطني السابق أرتكب أخطاء نعم ... ولكنه كان نظاماً وطنياً، بني دولة محكمة سياسيا واقتصادياً وعسكرياً، عراقا يتطور ويتقدم حتى كاد أن يخرج من قائمة دول العالم الثالث، وكنت تستطيع أن تبات في بيتك وبابك مفتوح على مصراعيه، ولا تخاف على نفسك أن لم تكن منظماً في حركة معادية له، ولكن اليوم مجرد التمشي في شارع ببغداد تنطوي على مجازفة، قد تؤدي بك للموت، بعد 16 عاماً ونصف ونحن لا نراوح فحسب، بل نتراجع ونهبط وبسقوط حر، لا نعلم أين قعر الهاوية، والجار الذي يتفلسف بالدين لم نرى منه غير القتل والتخريب والتدمير والفساد المنقطع النظير والسرقة والنهب الذي لا يمارسه اردئ أنواع اللصوص، لا توجد موبقة وعيب على وجه الأرض في التاريخ  لم يمارسوها.  هذا منتهى البؤس والانحطاط .... وحكام بغداد وطهران يواجهون اليوم مأزقاً، فهم طرحوا أنفسهم نظاما بلا أي محتوى ولا شكل حتى وإن كان متخلفا .. لا يوجد شيئ، ولا أفهم لماذا يسموه إسلامي يقفون اليوم عراة ... عراة بصورة تامة أمام شعب غشوه وسرقوه وقتلوه وخانوه وكذبوا عليه في إيران لمدة 40 عاماً ذهبت في الهواء تبخرت جبال من مئات المليارات من أموال شعب فقير في معارك ومشاريع تفسير أحلام ..وفي العراق الأمر أسوء بعد 16 عاماً مرحلة طويلة تركت العراق قاعاً صفصفاً ... بلدأ مدمراً وإعادة إعماره يحتاج لعباقرة ..ولكننا ربحنا شيئاً مهماً للغاية، فمنذ عقود الرايح والجاي يهدد وحدتنا الوطنية، هذه انتهت الآن ..ونحن أمام عصر عراقي جديد وسيخسر كل من لا يفهم هذه الحقيقة .. المرحلة تحتاج لتوجهات ولشخصيات وكوادر من نوع جديد أي كلام عن أساليب حكم وعمل كالسابق هو جنون وانتحار ... وأنا شخصياً لا أعتقد أن كل الناس لديهم قوة البصر والبصيرة ..! ولكننا ربحنا الشعب ووحدة الشعب والعراق وإيقاف مسلسل الدمار

 

أيها العراقيون، أيها المناضلون الثوريون، جندوا كافة حواسكم ...أنتم أمام مشهد نادر .. تعيشون ثورة وطنية تقدمية، يمتزج فيها الدافع الوطني متلاحماً بشكل جدلي مع الدافع الاجتماعي الطبقي، رفض لأستعباد الوطن، ورفض لنهبه وتجويع شعب كامل ..ليحاول كل أن يستوعبه ويخزنه في ذاكرته بدقة ولا يدع صورة تفوته ..شاهد البوم صور الثورة كلها ومقابلات الثوار ..سوف تتأكد أنك تنتمي لشعب عظيم، حاولوا  أن يقزموه ..أنا شخصياً بعد هذا العمر والتجارب الكثيرة جداً، والقراءات منذ الطفولة  (اللهم ثورة العشرين العظيمة ونحن نعيش ذكراها المئوية).. لم أشاهد ولم أسمع ولم أقرأ شيئاً يشبه ما يحدث في العراق الآن، لا علاقة للدين ولا للأخلاق ولا الخجل ، وما لم تصل أياديهم له ولم ينهبوه دمروه بطريقة سادية / سياسية / فاشية شرقية .. تمتزج فيها الكراهية بالحقد وبالانحطاط الخلقي والتربوي ..والناتج من كل ذلك خلطة هي مزيج من كل هذه الفضاعات، التي لم نضع لها أسم بعد .. خسائرنا فلكية نعم .. خسرنا تحويشة العمر ومديونون لأجل غير معلوم أرادوا القضاء حتى على المستقبل ..وعزائي أننا سنربح العراق ..الآن رغم كل شيئ .. ربحنا وحدة الشعب العراقي ..وأخيرا سمع الشعب ما كانت القلة القليلة يصرخون به ..أتحد الشعب وهذا يعادل كل شيئ ..هؤلاء الأولاد في الساحات .. هم مكسب العمر وفائدة ما كنا نكتب ونتكلم ..صفاً واحداً .. يداً واحدة ... نحن شعب ووطن لا يقبل القسمة، أنبذوا من يفرق بيننا، فهو يريد الشر بنا .

عشتم أيها الفتية الاماجد ...

والله لا خوف على العراق ...  لا خوف على العراق ..

المجد لشهداء الثورة

16 / نوفمبر ــ تشرين2 /2019

 

من لا يؤمن بالشعب

فليجلس ببيته ويصمت


ضرغام الدباغ


أخوض مجادلات بعضها تصل لحد الزعل .... وبعض من أعرف لا يتردد بالقول ..
ــ انتهى العراق ... راح العراق ...
ــ شعبنا تغير ...دكتور الدنيا تغيرت وأنت ما تدري ...
ــ لقد أفسدوا الشعب ... لقد نجحوا بتدمير أخلاق الشعب،
ــ العراقيين تغيروا .......
كلام كان يدمر الأعصاب ...لا أصدقه، ولكن ترديده يمزق طبلة الأذن وشبكية العين وخلايا الدماغ ... طبعاً لا .. طبعا لا ..ألف لا يا اخواني .. الشعوب لا تدمر، يمكن تضليلها لبعض الوقت، يمكن تضليل بعض الناس لبعض الوقت، ولكن تضليل كل الناس لكل الوقت مستحيل .. بل ألف مستحيل
ــ شابة / زهرة عراقية تأتي من فرنسا لتعالج الجرحى ...
ــ شابة / وردة عراقية تكنس ساحة باب الشرقي بيدها ..
ــ سيدة عراقية فاضلة فجرت عواطفي اليوم، وهي تتبرع ب700 دولار لصاحب توكتوك
ــ شبان عراقيون بعمر الزهور يصبحون أهدافاً لقناص لئيم من أجل يبقى فرن باب الشرقي ساخناً
لله درك يا شعب العراق ... لله درك يا شعب العراق ... ما هذا ..؟ تأبى إلا أن تعلم الناس منذ مهد البشرية حتى القرن الواحد والعشرين... أنا في آخر عمري خدمت العراق 62 عاماً ولكني ما زلت أتعلم في المدرسة العراقية.. لله درك
والله أنا أدري أن الشعب قوة مادية عظمى، والتنظيم يجعلها قوة لا تقهر ..والانتفاضة تمنحها ألقاً لا يخبو ..أعلم أنها مقولة تقدمية ..كنا نرددها حين كنا شباناً عام 1970 نؤمن بالمقاومة ..المقاومة حتى النفس الأخير ..رغم المؤامرات ..رغم ما يدور في الكواليس ..رغم جراحنا وشهدائنا ..والشعب هو ذلك البحر الفسيح الذي لا ضفاف له، ولا يبحر به إلا الأبطال ... إلا الشجعان ... وبحرنا ...البحر العراقي ... يا سلام على هذا البحر الفريد الصفات ... الكلي العظمة ..
بحار العالم تحتوى على معادن وأملاح من شأنها أن تذيب النفايات .. يرمون في جوفه مخلفاتهم، والبحر يهضمه .. يحلله .. يسحقه، يعيده لعناصره الأولية .. ليعود البحر نظيفاً ..نقياً ..رائعاً ..أما بحر العراق ..فله صفات نادرة ..عجيبة حقاً .. متى ينهض العراق ..؟ العراق ينهض حين يظن ومن يعتقد أن العراق انتهى .. أو أنه صبح في جيب فلان أو علان ... ولك هذا العراق يا أغبر ..! ولك هذا العراق أبو الثورات .. ولك أنت وين رايح ..؟ والله ليجعلكم العراق سطراً صغيراً أو هامشاً في كتب التاريخ ..
في الفيزياء، التيزاب (حامض الكبريتيك ــ H2SO4) يختبرون الذهب بالتيزاب ... ولك أحنا العراقيين تيزاب .. الحقوا أنفسكم واشلعوا قبل أن تصبحوا رمادا في عاصفة العراق ..
أنا لم يخب ظني يوماً بالشعب، وهذا اليوم الذي نحن فيه قد مر أمام عيني وكأنه حقيقة، ليست تصورات .. مررت بتجارب كبيرة عرفت من خلالها أن شعبنا عظيم فعلاً .. هو أعظم شعوب العالم .. فهذا التراكم الثقافي الحضاري الإنساني الذي يمتد إلى 12 قرناً لم يذهب سدى، هذا العراق مرت عليه المحن وهو يخرج منها أكثر قوة وصلابة ..... الأجنبي لن يكون له شيئ في البلاد .. هناك حفنة من الخونة والسراق والمرتشين والسرسرية والساقطين وممن يقبلون أقذر الصفقات ... ولا شيئ بعدهم ..
هناك من يعتقد أن القوة الغاشمة والمفرطة تخيف الناس ... نعم إنها تخيف بعض الناس .. تخيف قلة قليلة من الناس، ولكن بعد أن ينطلق الرصاص ويسقط أول الشهداء تصبح القضية اعتيادية ... الموت أمر طبيعي .. البشر يعرفون الموت والمقابر مليئة بالقبور ... وسوف لن يعيش أحد إلا من سيخلد ذكره بعد التحرير في أعمدة رخامية.... بحروف ذهبية في " جبل أحد " في ساحة التحرير، وما هو الفرق بين أن تموت بطلقة أو بقنبلة ذرية ...؟ وهل يضر الشاة سلخها بعد الذبح ...؟
الثوار يرون وطنهم على بعد أمتار ... من الحرية، من الخلاص من الأجنبي وعملاؤه ... سيمضي لهدفه سائراً ، مهرولاً ، زاحفاً ، طائراً ، سابحاً ..... لا ولن توجد قوة تردهم عن هدفهم .

 الأدب في بلاد الرافدين 

ضرغام الدباغ

 

 

قد لا يتصور البعض أن الأدب غي بلاد الرافدين كان مزدهراً، ولكن عدم المعرفة بالشيئ لا يعني عدم وجوده، وربما يعتقد البعض أن ملحمة كلكامش ندرة جاد بها الزمن، ولكن الزمن لوحده لا يجود بالنوادر من غير جذور، ومن غير بيئة تنضج النوادر.

 

لا نريد في بحث نعده للثقافة العامة أن يفي بكافة متطلبات البحث في هذه الموضوعة الكبيرة، ولكن بتقديرنا أن البحوث الصغيرة أو المختصرة لها قراءها، وهذا البحث هو مستل ومختصر من بحث علمي بجزئين، صدرا قبل نحو عشرة سنوات من دار ضفاف بدبي، حول جذور الفكر السياسي والثقافة في بلاد الرافدين. وفي هذا المبحث نركز على الملحمة والأسطورة والخرافة بوصفها من مصادر الفكر والثقافة.

 

الملحمة : Epic

الملحمة هي أحداث تدور حول فرد من البشر، تهتم بمنجزاته ومآثره وبطولاته (66) وتعرف الموسوعة الألمانية الملحمة " إنها شكل عظيم للحكاية الشعرية لغة رفيعة وبعمل كبير يعرض حياة أحد الأفراد" (67)

وملحمة كلكامش التي ذاع صيتها عالمياً، ترجمت في عصرها وفي العصر الراهن إلى معظم اللغات الحية: الإنكليزية، الألمانية، الفرنسية، الروسية، الإيطالية وغيرها وهي تروي أحداث وسيرة أحد اشهر ملوك الوركاء وهو الملك كلكامش، الذي كان ثلثاه من مادة الآلهة وثلث من مادة البشر، وتنطوي على الكثير من الأفكار السياسية والأحداث المهمة. ويجدر بنا القول أن بطل الملحمة كلكامش ليس بشخصية خيالية، بل هو إنسان واقعي، والملحمة هي أشبه ما تكون ترجمة لحياته(بيبلوغرافيا)Bibliographia  ، لأسفارi وحروب بحثاً عن الحقيقة والعدل والخلود وعن الأمن والسلام، وهي أزمة عصره الذاتية الشخصية والسياسية، ومفردات هامة في القاموس السياسي لذلك العصر، ثم يستحق الملاحظة أيضاً، أنها متماثلة تماماً في نسختها السومرية والبابلية والآشورية، وكذلك في اللغات التي ترجمت إليها في ذلك العصر وهي اللغات الحيثية والعبرية والحورية.(68)

 

ونستدل من خلال ملحمة كلكامش على الأكثر من المعطيات الاقتصادية والاجتماعية والحضارية أيضاً، فعلى سبيل المثال، في العمود الثالث من الفصل الثاني، نص :" صنعوا أسلحة عظيمة ... سبكوا فؤوساً وسيوف أغمادها من ذهب " إذن فنحن أمام تأكيد بوجود صناعة لأسلحة، والأهم من ذلك أن الإنسان العراقي قد توصل إلى استخراج وسباكة الحديد والذهب.

 

وتؤكد الملاحم الرافدينية كلها على المكانة الكبيرة للآلهة. ففي ملحمة الطوفان (زيو ـ سدرا) هناك نص يؤكد، أن الملوكية نزلت من السماء بعد الخلق، وقدرت الأقدار، وأسست المدن الخمس، وحلت فيها الملوكية، ولكن البشر أغضبوها، فقررت أحداث طوفان وإفناء البشر.(69)

 

والملحمة تنسب إلى البشر سلوكهم السيئ، حيث أغضبوا الرب الذي أهلك منهم الكثير ولم ينج إلا الذين انقادوا إلى الحكماء والأتقياء الذين حذرتهم الآلهة عرفاناً بخدماتهم واحترامهم للآلهة وتلك فكرة مهمة حيث ستسيطر على فكر الشرق الفلسفي السياسي. وعن ذلك يقول أرنست باركر" إن الشرقيين كانوا قد أغرقوا أنفسهم في عالم الدين، فيما بقى الإغريق ينظرون إلى العالم بمنظار العقل"(70)

 

ويمكننا أن نلاحظ بسهولة ويسر تأثر الإلياذة والأوديسة البالغ بملحمة كلكامش لا سيما بعد أن تأكدنا من وجود ترجمات لها في اليونان القديمة، وهذه الملحمة قد أرست هدفاً للملاحم ألا وهو تمجيد التضحية والوفاء والبطولة والإيثار.

 

والواقع، فأن ثراء الفكر الرافديني السياسي، أو السياسي/ الأدبي، لم يقتصر على ملحمة كلكامش ذات المعاني السياسية والفلسفة العميقة، ولا ملحمة الخليقة الزاخرة كذلك بالفلسفة، بل أنتج أيضا ملحمة  (زيو ـ سدرا) وكذلك ملحمة (أترا حاسس) ومعناها حيث لا آلهة مثل الإنسان، وهذه الملحمة تنطوي بدورها على جوانب سياسية / فكرية. فجوهر الملحمة هو وصف الأزمنة القديمة حيثما لم يكن في الكون سوى الآلهة العظام، فكان على الآلهة لا سيما الصغار، أي من ذوي المراتب الدنيا أن يضطلعوا بأنفسهم في تهيئة ما يحتاجون إليه من شؤون الدنيا المختلفة، ثم الاتفاق بينهم على ضرب من ضروب تقسيم عمل، وأتفق الآلهة العظام آنو وأنليل وآيا على تقسيم الكون بينهم.(71)

 

ويقول الأستاذ العراقي المعاصر د. الطعان " قد يوجه النقد إلى صعوبة التوفيق بين الأسلوب الفلسفي العلمي والأسطوري، وقد تمت مهاجمة الفكر الأسطوري باسم الفكر العقلاني، وقد قال أرسطو في كتابه النفس، أن كل الأشياء تبدو غاصة بالآلهة وأن المغناطيس حي لأنه قادر على تحريك الحديد. وقد اشتغل الإغريق بالأساطير كثيراً "(72)

 

ولعل في الاستشهاد بهذه السطور من قصيدة ملحمية لشاعر سومري يجمع فيها الروعة البلاغية والدقة في وصف أكداس القتلى في العراء :" وقد تحللت أجسادهم كما يتحلل السمن في الشمس المحرقة"، وهذه دقة في الوصف تسمح لنا بأعتماد مصداقية الوصف في الملاحم. ثم لاحظ مرة أخرى الدقة في هذا النص " فتحطمت أور بفعل السلاح مثلما يتحطم إناء من فخار " وهنا يشير إلى الهزيمة الكاملة لأور وتحطمها في الحرب وليس بفعل عوامل طبيعية أخرى كالزلازل والفيضانات أو الأعاصير. ثم لاحظ في نص آخر  :" كانت الزوابع تهب والعواصف تهيج، ووسط عاصفة معركتهم الضارية هذه، لم يعد بإمكان المقاتل أن يرى رفيقه الذي كان إلى جانبه. "(73)

 

الأسطورة Meth

يقول العالم صموئيل كريمر خبير السومريات " إنها أول محاولة في تاريخ الفكر الإنساني لوضع مفاهيم فلسفية تهدف إلى إنقاذ الإنسان من متاهات الجهل بأسرار الطبيعة وظواهرها. فالأسطورة لم تكن تخلو من الجوانب العقلية، والأسطورة هي " وسيلة للتعبير عن الموقف والأفكار"، " ولذلك فهي واحدة من أعمق منجزات الإنسان وهو يتأمل الكون بأسلوب أحتجب عن الإنسان الحديث بحكم حدوده المقيدة ومنطقه الجامد. إنها تجيب على كل الأسئلة المتعلقة بالمجتمع والكون وتتفاعل فيه حكمة الإنسان وظواهر الطبيعة فتبين معنى الوجود وجدواه ومصير الإنسان "(74)

 

والأسطورة أيضاً، قصيدة شعرية(قد تكون منثورة) نظمت بأسلوب رفيع تحكي منجزات الآلهة ومآثرهم دون التقيد بحواجز الزمان والمكان، وهي رغبة نابعة من الإنسان بأن يجعل العالم شكلاً يمكن السيطرة عليه(أو فهمه أكثر) من خلال عملية تخيل. (75)

 

أما الموسوعة الألمانية دودن Duden فتعرف الأساطير " أنها موروث شعب ما، تعاليم، ودروس إلهية، علوم، بحوث ووصف. والأسطورة هي شعر وكلام الآلهة والأبطال والأرواح.(76)

 

ونلاحظ أن التعريف الألماني يتعامل مع الأسطورة ليس فقط بوصفها شكلاً من أشكال الأدب الموروث فحسب، بل وأيضاً كمصدر تاريخي للعلوم والثقافة بصورة تامة.

 

ولكن المفكر العربي السوري د. طيب تيزيني بعرضه بوضوح أكبر في الإجابة على هذا السؤال المعقد :" ولكن هل بامكاننا القول أن الأسطورة تمثل شيئاً مفرغاً من أي انعكاس صحيح له ؟ . إن الإجابة على هذا التساؤل بالإيجاب يتضمن نتيجة لا يمكن فعلاً تبريرها والأخذ بها من وجهة نظر تاريخية معمقة ".(77) وإنكارنا للإنسان القديم بأن يمتلك ذهناً هادفاً.

 

إذن علينا أن نوطد العزم على فكرة أن الإنسان الرافديني، لم يعبر عن مشاعره فحسب، بل وفعالياته الاجتماعية وتوثيق حقوقه وكذلك منجزاته العسكرية في ميادين القتال وأنشطة سياسية وما يمكن فعلاً إنجازه على أرض الواقع من بنى وهياكل سياسية واقتصادية واجتماعية. بل وحتى أن الملك سنحاريب الآشوري وثـّق وأرخ افتتاحه لقناة ري معلقة تعد من روائع الأعمال الهندسية شعراً ونثراً قائلاً :" على الوادي السحيق أقمت جسراً من كتل الحجارة البيضاء، وجعلنا هذه المياه تعبر من فوقه " . ثم نحت على صخرة قرب سد بافيان 705ق.م :" إلى الآلهة العظيمة تضرع الملك فاستجابوا لدعواته واشرفوا على العمل الذي قام به فانفتحت البوابات وتدفقت المياه الثرة في النفق وبرغبة من قلوب الآلهة أنبط الملك المياه وحولها من مجراها واستغل قواها"(78) وجدير بالذكر أن أنباء هذه القناة العظيمة وتفاصيل الأعمال التكنيكية الهندسية والرسوم المتعلقة بها وجدت في رقيم طيني محفوظة اليوم في المتحف البريطاني بلندن.

 

ويقدم الأستاذ فراس السواح تفسيراً منطقياً لازدهار الأدب والأدب السياسي/ الملحمي، والسياسي/ الأسطوري ونضج كثير من المفاهيم في رحلة الإنسان من الظلمات إلى النور قائلاً :" حاول الإنسان أن يفهم الكون المحيط به وأن يفسر ظواهره الخارقة ففشل في مسيرة استغرقت وقتاً طويلاً، وبصفة خاصة فشل السحر في وضع تلك القوى الخفية في خدمته، وكان عليه أن يخطو خطوة كبيرة في فهم هذه الظواهر، بل و محاولة إيجاد نظام علاقات، وكانت الأسطورة نظاماً فكرياً يلبي طقوس العبادة، وفيها أبدع وأنتج الأدب والفن وحاول أن يجد تفسيراً لكل ما لم يستطع وعيه أن يجد الإجابات لها." (79)

 

وليس بعيداً عن ذلك، ذهب سوكولوف في تعامله مع الأسطورة إذ قرر أنها وسيلة عقلية مرتبطة بمرحلة معينة من تاريخ تطور العقل الإنساني، فهي تستهدف قهر الطبيعة من قبل الإنسان، ولم يكن يملك في حدود تطوره الحضاري وسيلة أخرى من أجل ذلك غير الخيال والأسطورة.(80)

 

ولكن الأستاذ الطعان يطرح في مداخلة، أن الأسطورة تروي كيف أم واقعاً كان قد تحقق بفضل مأثرة الكائنات ما فوق الطبيعة فلا يهم أن يكون هذا الواقع الكلي(الكون مثلاً) أو جزء منه.(82)

 

والأساطير عدا وظيفتها الأدبية، فأنها تدلنا على الكثير من العادات والتقاليد والحكم والعبر ومفردات قاموس الحياة للحقبة التي كتبت فيها الأسطورة، ومن تلك، مفردات سياسية، وهذا فأنها تتحول حقاً إلى "سجل تاريخي"(82)

 

وتكرس الأساطير مبادئ وأخلاقيات وأعراف اجتماعية تكتسب قوة داخل المجتمعات قد يستخدمها السياسيون بذكاء يوظفها الفكر السياسي قوة قد تتفوق على قوة القوانين، وتوفر مناخاً ثقافياً يرمي بثقله على مفردات الحياة ويطبع بطابعه حتى مزاج الأفراد وتغدو جزءاً أساسياً من ممارسات ووجدان تلك الأمة وذلك الشعب. فلو لاحظنا بعمق المعاني التي تكرسها الأساطير السومرية تلك التي دونت في 2500 ـ 2000 ق.م فصاعداً، سنرى أن تلك المعاني ما تزال سارية لحد تقريباً في المجتمعات الشرقية. فالأساطير تؤشر المكانة الكبيرة للآلهة في الحياة السياسية والثقافية للناس، مكانة تؤهلها لأن تلعب دوراً بالغ الأهمية في حين لم تتمتع آلهة الإغريق بمثل هذه المكانة. وأيضاً مكانة المرأة في المجتمعات الشرقية هي دائماً في كنف الرجل، وكذلك احترام المرأة وعدم امتهانها، وإدانة أخلاقية للاغتصاب مثل في الأساطير أمراً مستهجناً، مما لم يكن ما يماثله في الأساطير الإغريقية. وأمامنا أسطورة أنليل وننليل السومرية على سبيل المثال خير دليل على ذلك. وعندما مجدت الأسطورة الشرقية (الرافدينية) الحكمة، أشارت الأسطورة الإغريقية إلى قوة الفرد، وعندما فضل كلكامش شعبه على نفسه، نرى أن أبطال الملاحم والأساطير الإغريقية يدمرون الأفلاك من أجل لذتهم.

 

وتشير لنا الأساطير الرافدينية أيضاً من خلال السرد الوصفي الشعري، طائفة من الحقائق في العلاقات وأنماط التفكير وهواجس إنسان ذلك العصر، والكثير منها تحمل معاني سياسية مثل احترام حرية الفرد واختياره وطموح الإنسان بخلق مجتمعه وتطويره، والسعي نحو إضافات جديدة، ومن تلك مثلاً أسطورة أنليل وخلق الفأس، أو تلك الأساطير التي تحكي أخبار الآلهة ويتضمن السياق السردي أفكار في القيادة وصناعة القرار وعلاقات القوى ببعضها مثل أسطورة أنكي، وتنظيم الكون التي تتضمن أيضاً أفكار عن التجارة الخارجية مع دول أجنبية مثل عمان والبحرين وملوخا(الهند على الأرجح) وأوصاف لسفن ومراكب وسلع الأمر التي مثلتها الأقوام القاطنة مثل (لولوبو وكوتي) شرقي جبال زاغروس ليس على أمن واستقرار بلاد الرافدين، بل عموم المشرق العربي.(83)

 

وكمحصلة أخيرة، فإن كاسبر يعتبر أن الأسطورة تقوم في جوهرها على أساس من رغبة حماسية تدفع الأفراد إلى الشعور بوجود هوية بينهم وبين المجتمع والطبيعة وبتحقيق إشباع هذه الرغبة بواسطة الطقوس الدينية، فهناك تذوب الفوارق بين الأفراد ويتحولون إلى كل لا يعرف التميز، وهنا تؤدي الأسطورة بمجموعها وظيفة سياسية بالغة الأهمية.(84)

 

الخرافة : Legend  

تعرف دودن، الموسوعة الألمانية الخرافة، أنها " حكايات خيالية تضع الحدود بين الواقع والأعجوبة، يساهم فيها شعراء مجهولون، علامات ورموز، وهي موجودة لدى شعوب كثيرة وبصفة خاصة في الشرق".(85)

 

وموسوعة دودن الرصينة إذ تقدم هذا التعريف، إنما تعبر عن أحداث غير واقعية ولكنها تكون في زمن معلوم وشخصيات معينة، ولكن هناك الكثير مما يضاف من هالات البطولة والمجد، أو بالعكس الحط من قيمة أشخاص أدانتهم المرحلة لسبب سياسي أو اجتماعي كالخيانة أو البخل أو الجبن، أو بالعكس الشجاعة والتضحية. وموسوعة دودن تعتبر على سبيل المثال، أن حكايات ألف ليلة وليلة خرافية، ولكن دون إنكار أن قصص من هذا القبيل قد حدثت لأبطال مجهولين، بحارة جابوا البحار، وواجهوا الصعاب مثل سندباد أو علي بابا، غيرهم في عصر ازدهار الحضارة العربية أواسط العصر العباسي.

 

وفي كثير من الخرافات أو الحكايات الخرافية، كألف ليلة وليلة مثلاً، نقرأ أوصافاً لملابس وأطعمة وحتى وصفاً دقيقاً لأدوات طبية تستخدم للعلاج، وآلات موسيقية ووصف لتضاريس طبيعية في العراق وبغداد وتعرجات نهر دجلة، ليست جميعها من نسج الخيال بل أن معظمها واقعي.

 

ويعرف الأستاذ د. فاضل عبد الواحد علي، الحكاية الخرافية " عبارة عن حكاية فيها الكثير من الخيال والمبالغة والخوارق، ومع ذلك، فإن الشخصية الرئيسية التي تنسج حولها الخرافة تكون حقيقية تاريخية، ولكن يجب أن نتذكر أن مثل هذه الخرافات أو القصص الخيالية لم تدون في زمن أصحابها الحقيقيين(غالباً) بل في عصور لاحقة.(86)

 

ومن دون شك، فإن مثل هذه الأنشطة الثقافية المبكرة 2500 ـ 200 ق.م و هي الأقدم في تاريخ البشرية، مثلت بواكير عهد الإنسان بالكلمة المكتوبة والخطاب الهادف الذي يربط روايته للواقع بالقوى الخفية التي لم يدرك كنهتها، فاصطلح عليها بالآلهة. والنصوص والآداب الرافدينية تدور في هذه المحاور والاكتشافات الأولى، الخلق، القوى الإلهية، القوى الطبيعية الخارقة، الملك والزعامة والقيادة. وفي ثنايا هذه المحاور على المفكرين والباحثين المعاصرين أن يجدوا ويستنبطوا جذور الفكر السياسي الرافديني.

 

ويقول د. الطعان " كان الإنسان الشرقي القديم، والعراقي بصفة خاصة، وهو بذلك يختلف عن الإغريقي الاستدلالي يتلمس في كل ظاهرة يقع عليها بصره يفهم كل ظواهرها من خلال فهم شخصية هذه الظواهر. كما أن هناك مسألة مهمة أخرى، هي أن الرافديني القديم، كان يعبر عن معرفته بالظواهر بأسلوب القصة. وبكلمة أخرى كان يقص المعرفة" .(87)

 

 وقد تستخدم الحكاية الخرافية الحيوانات كرموز، فتضع على أفواههم الحكمة والتجربة المطلوب تعميمها ونشرها، فلا شك أن أحداث الخرافة، والحوار الذي يكتنفها، هي ترمي إلى تحقيق هذا الهدف، وهذا ما نراه واضحاً في قصة أيتانا، حيث الحكاية والعبرة والتجربة التي كتبته حوالي 1800 ق.م وجدت في مكتبة الملك آشور ناصر بال، أي أن الحكاية استمرت في التداول والاستنساخ حوالي 1150 سنة !! لا شك أنها كانت تمثل قدراً كبيراً من الأهمية، وأيتانا هو أحد ملوك مدينة كيش بعد الطوفان، عندما نزلت الملوكية من السماء، وهنا أشارة سياسية مهمة، إلى نزول الملكية من السماء وألوهيتها تمثيلاً وتفويضاً ومغزى الحكاية، الصداقة غير المتكافئة التي قامت بين النسر والثعبان. ولكن النسر حدثته نفسه بخيانة الصداقة والتحالف، والغريب هنا أن أحد صغار النسر يحذر أباه من مغبة الخيانة. وان الملك أيتانا قد أرتكب أعمال غير حميدة استحق بسببها غضب الآلهة بعدم منحه طفلاً يرثه، فأوصته الكهنة أن يتعلم حكاية النسر والثعبان، النسر الذي عاد إلى عافيته ليقدم الخدمة للملك تكفيراً عن خيانته. ومع أن خاتمة الحكاية مجهولة، بسبب فقدان الألواح الأخيرة، إلا أننا أدركنا مغزى شعبية هذه الحكاية، وأبعاد العبر السياسية التي تضمنتها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش

 

56 . الرميحي، د. محمد: الثقافة العربية،  مقال العربي الكويتية،  نوفمبر/1982

57 . Thorwald, JürgenÖ Das Jahrhundert der Detektive  S.27   BRD 1965

58 . Schmidt, Dieter : Michelanglo  S. 51 Leipzig  1968

59 . بوستغيت، نيكولاس: نفس المصدر،  ص11

60 . باقر، طه: ملحمة كلكامش، ص209 

61 . الطعان، د. عبد الرضا: نفس المصدر، ص12

62 . الأحمد، د. سامي سعيد: نفس المصدر،  ص25

63 . باقر، طه: نفس المصدر، ص19

64 . خباز، حنا: مقدمة لكتاب الجمهورية(أفلاطون)،  ص6

65 . أفلاطون: التئيتس  ترجمة: الأب فؤاد جرجي بربارة 

66 . عبد الواحد علي، د. فاضل: نفس المصدر  ص147

67 . DUDEN :     Lexikon    S.195

68 . باقر، طه: نفس المصدر،  ص47

69 . باقر، طه: نفس المصدر،  ص204

70 . الطعان، د. عبد الرضا: نفس المصدر، ص45

71 . باقر، طه: نفس المصدر،  ص214

72 . الطعان، د. عبد الرضا: نفس المصدر،  ص360

73 . عبد الواحد علي، د. فاضل: نفس المصدر،  ص72 ـ 73

74 . الجابري، د. علي حسين: نفس المصدر،  ص28

75 . عبد الواحد علي، د. فاضل: نفس المصدر، ص86

76 . تيزيني، د. طيب: مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ،  ص27

77 . الملائكة، د. جميل: روائع الأعمال الهيدروليكية ، مقال آفاق عربية 1/1979

78 . السواح، فراس: مغامرة العقل الأولى، ص7 ـ 18

79 . الطعان، د. عبد الرضا: نفس المصدر، ص42

80 . الطعان، د. عبد الرضا: نفس المصدر، ص52

81 . عبد الواحد علي، د. فاضل: نفس المصدر،  ص91

82 . عبد الواحد علي، د. فاضل: نفس المصدر،  ص146

83 . الطعان، د. عبد الرضا: نفس المصدر،

84 . DUDEN :  Lexekon  S. 427

85 . عبد الواحد علي، د. فاضل: نفس المصدر،  ص228

86 . الطعان، د. عبد الرضا: نفس المصدر،   ص75 ـ 76

 

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

 

الذكرى التاسعة والأربعون

 لرحيل القائد جمال عبد الناصر

 

تحليل للسيرة المجيدة

 لمناضل قومي عربي

 د. ضرغام الدباغ

 

 

 

عام 1918 كانت مصر تمور برياح انتفاضة، فالبلاد كانت تأن تحت سياط المحتلين الإنكليز، وأتباعهم في النظام الملكي الفاسد، فيما كان القادة التقليديون للحركة الوطنية المصرية، لا يتقدمون إلا شبراً، تعود السلطات الملكية لتنزع شبرين، وهكذا فالبلاد لم تكن تشهد تقدماً حقيقياً منذ عهد محمد علي باشا الكبير الذي وئد الغرب الاستعماري أحلامه وطموحاته بأن تتسيد مصر حوض البحر المتوسط.

 

في 15/ كانون الثاني ـ يناير / 1918 ولد جمال عبد الناصر حسين في بيت بسيط، بحي شعبي بمدينة الإسكندرية، حيث يعمل والد كموظف بريد عصامي هناك، وهكذا توافقت الظروف الذاتية والموضوعية لتنجب الأمة قائداً، تمثل الظرف الذاتي، بقائد عربي مصري من أسرة فلاحية تحب الأرض، منحدراً من أسرة كادحة(من بني مر)،  فيما تمثل الظرف الموضوعي، برياح الثورة والتغيير والسخط على المحتلين وأذنابهم، فيما يفعل شاب أنهى دراسته الثانوية، وقد شارك في التظاهرات وجرح في المواجهات مع الشرطة، ماذا يفعل سوى أن يلج بوابه العمل الوطني، مناضلاً منذ يفاعته، شاباً أقتنع أن طريق انتزاع المكاسب الاجتماعية والوطنية والقومية لن يكون إلا بالتمرد والثورة، فكما يفعل القادة التاريخيون، قطع دراسته في كلية الحقوق، ومضى إلى سلك الجندية، كأن الأقدار تريد أن تسير به ليقود الشعب.

 

والضابط الشاب وهو الواعي المتوثب للعمل الوطني بحكم الظروف الذاتية والموضوعية، لم تكون تعوزه سوى التجربة الميدانية في النضال، فشاهد كيف يعبث الأجانب بمقدرات البلاد، والجيش في المقدمة، ولمس بنفسه تأثيرات الوجود العسكري الضار بأمن البلاد واستقرارها واستقلالها في قواعد السويس، ثم جاءت التجربة الكبرى، عندما شارك في حرب فلسطين الأولى، وأدرك أن الأمة بحاجة إلى من يمتلك القرار الوطني والقومي لصالح معارك الأمة، فجاء انتماؤه التام لمعسكر الثورة والتغير. حرب فلسطين كانت الشرارة التي أشعلت فتيل الحركة الوطنية في القوات المسلحة المصرية، ولم تمضي سوى سنوات أربعة حتى كان الكيان السياسي للحركة قادر أن يغير الموقف لصالح الشعب المصري والأمة العربية.

 

الحركة كانت لا مراء، حركة ضباط أعلاهم رتبة لم يتجاوز المقدم(جمال عبد الناصر) وكان يعمل كمدرس لمادة التكتيك (التعبئة) في كلية الأركان، لذلك استعانت الثورة بضابط برتبة كبيرة ووضعته على قمة تشكيلها السياسي(مجلس قيادة الثورة) وبدأ هذا القائد يخطط لدولة، لا لثورة .. فكان الصدام الأول.

 

كان لا بد للثورة وقادتها أن يضعوا حلاً لمشكلة الأرض، وهم أبناء الفلاحين الفقراء فلابد أن ينصفوا من يضخ العرق الغزير ولا يأكل إلا النزر اليسير، الثورة لم تكن تضع في جدولها مباشرة إشهار العداء للغرب، فقادة الثورة كانوا يعتقدون بإخلاص: لنبن بلدنا دون الاصطدام المؤذي بالقوى العظمى، أو لنتجنب ذلك قدر الإمكان.

 

ولكن كيف ذلك ومنطقة قناة السويس تعج بمعسكرات القوى العظمى، كيف ذلك وهذه القوى تحاول تشكيل معسكر مضاد للثورة من بين الفئات المتعاونة معها تاريخياً: الإقطاع، البورجوازية الصناعية، الكومبرادور، لتشكل تحالف قوي ضد برامج الثورة في الداخل، وإذا أرادت الحركة الوطنية المصرية وهي بالطبع جزء من حركة التحرر العربية والأفريقية وفي عموم العالم المتحرر حديثاً من الاستعمار، وفي كل هذه الميادين الحالية والمقبلة ستجد الثورة نفسها في موضع التناقض مع المعسكر الرأسمالي الاستعماري.

 

ولأن التناقض حتمي، فالاصطدام إذن حتمية تاريخية وليست صدفة أو أتفاق...!

 

هكذا بدأت الثورة تتجذر في الداخل كحركة وطنية معادية للإقطاع والبورجوازية الصناعية، وللرجعية المحلية، وفي محيطها العربي في موقع العداء مع من يحتل أقطار شمال أفريقيا ويزرع القواعد الاستعمارية في المشرق العربي.

 

وليس ذالك فحسب، بل أن الاستعمار والإمبريالية تضع العراقيل أمام خطط التنمية، الخبراء الوطنيون قالوا، أن التخطيط للتصنيع هو الذي سيحدث النقلة في الاقتصاد الوطني، وهي قاعدة صحيحة علمياً، ولكن كيف ذلك والبلاد بحاجة ماسة للطاقة الكهربائية وبدونها تصبح عملية التصنيع والتنمية بأسرها عبث لا طائل منه، وفي نفس الوقت تفتقر للموارد المالية، والمتيسر من الموارد المالية تستولي عليها الشركات الاحتكارية، ورغم أن القناة حفرت بأيدي مصرية، ونال المستثمرون الأجانب الأرباح طوال عقود كثيرة. إلا أنهم رفضوا أي حديث في تسوية عادلة.

 

إذن لتقترض مصر من البنك الدولي، وما تبقى من نزاهة الغرب تبددت عندما رفض البنك الدولي تمويل بناء السد العالي  يدفع من الدول الاستعمارية ...... مالعمل ..؟

 

الثورة أصبحت أمام خيارات: إما تتدجن وتنضم إلى قطيع المدجنين، أو أن تلعب دورها التاريخي كثورة، وترد على المصاعب بالنضال، وعلى التحدي بالإرادة الوطنية والقومية، وعلى التكتل الاستعماري / الإمبريالي، بالتجحفل الوطني والقوي والتقدمي ...فكان الصدام الدموي، وكان العدوان الثلاثي 1956. هم لديهم ائتلافهم، ونحن لدينا معسكرنا .. هذا المنطق الثوري يقود في النهاية للثورة ...!

 

رفض جمال عبد الناصر اللعبة الاستعمارية أن العداء معه شخصياً، فأكد شعبية المعركة، وطرح المعادلة بأفقها القومي لتلتهب الساحة العربية بشعارات النضال المسلح ضد الاستعمار والهيمنة الاستعمارية، القائد التاريخي عبد الناصر أثبت بجدارة أن تشخيصه للمعركة وأطرافها سليم، وقام بتعبئة القوى داخل مصر وفي عموم الساحة العربية بصورة سليمة أيضاً، وأكد أن جبهة النضال في العالم تقف مع معركته العادلة، فكسب المعسكر الاشتراكي، إذن المعادلة تامة بأطرافها: الوطن المصري / الوطن العربي / الجبهة العالمية المعادية للاستعمار، فربح المعركة وأندحر العدوان وتعزز الانتصار ومضت عملية تنمية مصر تقطع الأشواط. 

 هل كان 23 يوليو ـ تموز انقلابا أم ثورة ...؟

 مؤشراتنا تدل بوضوح تام، أنها كانت ثورة ... الثورة في علم النضالات الثورية، هي عندما يبلغ التناقض حداً يعجز معه نظام العلاقات احتواءه، تتفجر الصراعات التاريخية التي تفضي (في حال انتصارها) إلى تغيرات مهمة، جذرية الطابع.

 الحركة المصرية بقيادة عبد الناصر اصطدمت في الداخل مع بقايا النظام الملكي والباشوات، ومع الإقطاع، والبورجوازية الصناعية، وعربياً اصطدمت بقوى الاحتلال والأنظمة المتواطئة، وعالمياً اصطدمت بالاستعمار والإمبريالية وربيبتها الصهيونية، وتحالفت مع المعسكر الاشتراكي، هي إذن ثورة تحمل كامل مواصفات الثورة .....

 ولكن الإمبريالية العالمية لم تكن لتدع تجربة تزدهر وتأتي أوكلها، فمسلسل الحروب والاعتداءات(1956 ـ 1967) وخلق بؤر توتر لإلهاء الثورة (حرب اليمن ـ الانفصال بين سورية ومصر) خلق المتاعب الاقتصادية، وأخطاء بحكم مسيرة متقدمة في بلاد متخلفة .

 المناضل الوطني القومي، القائد في معسكر الثورة العالمية، جمال عبد الناصر... قاتل حتى النفس الأخير، منتصراً ومنهزماً، ومات بين أحضان شعبه بكبرياء وفخر لا يدانيه فخر، وسيظل أسمه في سجل الخالدين إلى الأبد فالأمة لا تنسى قادتها العظام ومناضليها الأبطال.

 

 

لوركا ... الشهيد البريء

  في الحرب الأهلية

 د. ضرغام عبدالله

  

فيدريكو غارسيا لوركا : 1898 – 1936 : ولد في قرية فرينته باكيروس القريبة من غرناطة لأب ثري وأم متعلمة ومن الغريب أن هذا الشاعر لم يستطع النطق حتى الثالثة من عمره ولم يستطع المشي حتى الرابعة.

في سن السابعة بدأ الدراسة وتعلم الموسيقى، وفي عام 1923 أكمل دراسة الليسانس في القانون من جامعة غرناطة.

رحل إلى العاصمة مدريد وهناك بدأ يلفت الأنظار إليه، وعقدت صلات الصداقة مع أبرز شعراء وفناني أسبانيا كالشاعر العظيم خوان رامون خيمينث الذي حصل على جائزة نوبل فيما بعد، مع الرسام سلفادور دالي، والشاعر اليساري رفائيل البرتي والشاعر أنطونيو متشادو.

نشر ديوانه الأول "الأغاني" عام 1927 وحاول تعلم الإنكليزية فلم يفلح، إلا أنه كتب قصائد عظيمة منها، "قصيدة إلى ملك هارلم"، و"ليلية جسر بروكلين" وأقام في جامعة كولومبيا حيث كان يلقي الشعر والأغاني الأسبانية ومحاضرات منها محاضرته المشهورة "الخيال والإلهام والقرار" ، ثم محاضرته "أغاني المهد في الشعر الأسباني". وفي نيويورك كتب العديد من قصائده التي ستؤلف ديوانه الثالث "شاعر في نيويورك" كما كتب هناك الجزء الأعظم من مسرحيته "الإسكافية العجيبة" .

 

ثم رحل إلى كوبا لإلقاء محاضرات في المعهد الثقافي الأسباني، وأمضى هناك شهوراَ سعيدة وكتب فصول من مسرحيته " لما تمضي الخمس سنوات" و "الجمهور " ثم عاد لوركا إلى أسبانيا عام 1933 ثم عرضت مسرحيته "عرس الدم" التي بفضلها وبها غدا الشاعر الأكبر للمسرح.

وفي نهاية عام 1933 سافر إلى الأرجنتين حيث لاقت مسرحياته نجاحاً منقطع النظير. وفي عام 1936 وهي آخر سنوات عمره القصير، فرغ من تأليف مسرحيته "بيت برنارد البا" وأعد مسرحية جديدة هي "تدمير سادوم" .

في الرابع عشر من تموز /1936 يعود لوركا من مدريد إلى غرناطة ليحل في دار ذويه، في العشرين منه، يصل التمرد إلى غرناطة يعتقد لوركا بادئ الأمر، أن استقلاله السياسي سيجنبه وحشية الصراع. يسيطر الفاشست على المدينة و يبدؤون حملات التصفية ليس ضد خصومهم السياسيين فحسب،  بل وكل من يشتبه بتعاطفه مع الجمهورية.

كان لوركا كان يعتقد أن ملكية أسبانيا غير خاضعة للأبتزاز والتصفية، وكان يظن أن عدم انغماسه في السياسة ستنجيه، كان يتصور أنه أغنية أسبانية لا تصادر ... كان لوركا بريئاً... بريئاً كطفل ..!

 

في شهر أب وصلت الفاشية إلى بيتهن إلى بيت ذويه، أدرك لوركا خطورة الموقف، ولكن بعد فوات الأوان، كان قد غدا حبيس غرناطة .. يذهب إلى بيت صديق له ينتمي إلى حزب الكتائب .. وفي اليوم التالي 18 / آب / 1936 يأتي فاشيون، ويأخذونه إلى بستان ويطلقون عليه النار، هكذا أعدم شاعر أسبانيا العظيم. وكان لمصرعه دوي في العالم.

 

الفاشيون والدكتاتوريون والطغاة يكرهون الأذكياء والعباقرة، فهم يشكلون أرقاً وأزمة نفسية لا حل لها فقد قال برنارد شو مرة :" لا يعرف الأذكياء أي ذعر يوقعونه في صفوف الأغبياء"..

 

وكان لوركا قد تنبأ بموته بل وإعدامه، وقد وضعنا أحدى قصائده التي يتنبأ فيها بإعدامه في صدر الفصل الثاني، وهنا نقدم قصيدة أخرى من روائعه : ـ

 

 

 

 

 

عندما أموت مع قيثارتي أدفنوني

 

عندما أموت

أدفنوني مع قيثارتي

تحت الرمال عندما أموت

بين البرتقال

والنعنع

عندما أموت

أدفنوني إن شئتم                                           

في مهب الريح

عندما أموت

خلوا الشرفة مفتوحة

الطفل يأكل البرتقال

من شرفتي أراه                                             

الفلاح يحصد القمح

من شرفتي أحس به

إن مت

خلوا الشرفة مفتوحة ..... 

 

 

ليس بالضرورة أن يدرك ذلك حتى الشاعر الذي كتبها .. الشاعر تفيض روحه بأشياء لا يعرف كنهها بالضبط، فيخرج قلماً أو سكيناً .. فيكتب ... يكتب ما تجيش به روحه من معاناة وعذابات .... وكذلك يفعل رسام سوريالي ... وكتاب يعيشون معاناة خاصة تستحق القراءة والتفكير لأنها إرهاصات كتاب على درجة عالية من الثقافة والقدرة على التعبير بما يدور في دواخلهم .. الكاتب والفنان الحقيقي يجد خلاصه في عمل فني يجسد التجربة، هي تجربة الإنسان حين يواجه آفاق ... بل قل أفلاك مجهولة، وهو مجرد إنسان، مالم يشحن فكره فسيكون ضعيفاً للغاية بمواجهة الكون وتحدياته .. 

 

أما إذا ذهبنا إلى الأساطير، فإننا سنجد الكثير جداً مما يستحق القراءة ومشاهد كم كبير جداً من اللوحات من الرسم والنحت والأعمال الشعرية ... كم هائل ... يا إلهي كم البشرية ثرية ... ولكن البشر لا يتعظون ....ألاف من التجارب وبعضها كبير ومدو .. والنتائج هائلة .. لكن من يتعظ قليل، أو نادر ... رفوف المكتبات مليئة بالكتب النفيسة، ولكن القليل من الناس يقرأون .. يا للأسف ..

 

 

اقرأ ......اقرأ  ..... فكر ......

                                                 ضرغام

 

 

 

 

 

المركز العربي الألماني برلين

 

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 ريمسكي كورساكوف

 سيمفونية عنترة بن شداد

 ضرغام الدباغ

 

استعرضنا في إصدار سابق من مركزنا، سيرة وحياة المؤلف والموسيقار الروسي نيكولاي ريمسكي كورساكوف(1844 ـ 1908)، وإنجازه الموسيقي الهام شهرزاد، واليوم يقدم المركز عملاً آخر من عبق بلاد العرب في أوبرا رائعة كتبها بأسم الشاعر والفارس العربي عنتر بن شداد.

 وقاد ميل كورساكوف إلى الموسيقى الروسية للأنغماس أكثر فأكثر في الموسيقى الشرقية وميله ذاك قاده أيضاً الى استلهام عالم القصص الشرقي، والعربي منه خاصة. وإذا كنا نعرف، الى حد الألفة، عمله «شهرزاد»، الذي ألفه آخر مراحل نضجه، فعلينا أن نعرف أن كورساكوف قد وضع في أول مراحل نضجه عملاً أوركسترالياً آخر عام 1868، مستوحى من القصص الخيالي العربي. لقد قرأ حكاية عنترة العبسي مترجمة الى الروسية من قبل الكاتب سينكوفيسكي، وبتشجيع من صديقيه الموسيقيين بالاكيريف ومسوركسكي اندفع بحماس لتأليف عمله الأوركسترالي

 

ورؤية كورساكوف لملحمة عنتر لا تشبه كثيراً ما تعلمناه في مصادر الثقافة العربية، ولا تتناول سيرة الشاعر والفارس العربي. ولكن تحلق في أجوائها، في فنتازيا جميلة. في عمل موسيقي اوركسترالي  لا ينتمي إلى فن السيمفونية الخالص، بل هو أقرب الى فن القصيدة السيمفونية، الحرة من ضوابط شكل السوناتا، لأنه في بنائه كأنه يتابع حكاية أدبية، عبر حركات أربع. الألحان لا تعتمد نمواً ذاتياً بسبب ديناميكية علاقاتها ببعضها البعض، كما نلحظ ذلك في العمل السيمفوني الخالص التجريد، بل هي تجسد في نموها وتنقلاتها الأحداث التي تعتمدها.

 

تأثر كورساكوف بأساطير الشرق المليئة بالمغامرات  والبطولة التي كانت تحكيها له أمه في طفولته ومن القصص التي أثرت به قصة عنتر بن شداد الشاعر والفارس العربي وهو وحيدا في الصحراء  يرى وحشا بريا يكاد يفتك بغزال شارد فتتحرك في نفسه  أحاسيس البطولة فيقتل الوحش وينقذ الغزال وكان الغزال مسحور فانقلب في الحال إلى ملكة حسناء تسمى (جلنار) ملكت عليه لبه وقد تعب عنتر من اثر مقاومة الوحش فينام نوم عميق ويحلم أن حبه من جلنار قد تحقق ويتزوجها ثم يصحو فيجد نفسه وحيدا في الصحراء.

 

 لكن سرعان ما يتحقق حلمة ويذهب إلى الأميرة في قصرها ويعرض عليها حبه فتبادله الحب وينعما بالسعادة حقبة من الزمن لم يقطع حلو نشوتها إلا روح القلق لدى عنتر ففتر حبة وغضبت الملكة فتقبله قبلة محترقة يموت على أثرها وهو بين ذراعيها. وتتكون المتتابعة من أربع حركات هى :

 

الحركة الأولى (عنتر يفيق من حلمة) : تصور في بطء هدوء الصحراء اللانهائي  وتؤدى آلات الفيولين لحن يمثل البطل عنتر ثم يتلوه لحن شرقى يعزف بالفلوت ليعبر عن الملكة جلنار برشاقتها ثم تتدافع الأنغام بقوة لتعبر عن خطورة الوحش الذي يهجم على الغزال الشارد يتلو ذلك تلاعب اللحنين في حوار جميل ليصور الحب بين عنتر والملكة يتلو ذلك فقرة موسيقية تعزفها مجموعة الفلوت لتوحى بجو القصر الذي يقصده عتر ثم تعزف الفيولين والفلوت لحنين شرقيين يصوران غناء الجوارى ورقصاتهن ثم نسمع لحن عنتر ولحن الملكة في تحوير وامتزاج ليعبر عن الحب المتبادل ثم يختفي اللحنان لتظهر المقدمة الموسيقية التي بدأت بها المتتابعة لتعبر عن استفاقة عنتر ليجد نفسه وحيدا في حائل (في شبه الجزيرة العربية) الصحراء.

 

الحركة الثانية (الانتقام): تبدأ عنيفة وتظهر لحن البطل المنتقم في تحوير فني فتارة يبرز منفردا وتارة يمتزج بنغمات قوية ترمز للانتقام حتى نهاية الحركة.

 

الحركة الثالثة (القوة) : تصور موكب البطل تتقدمه الموسيقى الحماسية التي تمثل أبهة الشرق وعظمته ثم تتغير إلى لحن شرقي تعزفه الآلات الوترية وينمى بجميع آلات الاوركسترا ويتكرر في طبقات مختلفة ثم يعود اللحن قويا تصاحبه الآلات النحاسية لتختتم الحركة بعظمة مناظر من الأرض التي عاش فيها عنتر.

 

الحركة الرابعة (نشوة الحب ونهاية عنتر) : ويظهر فيها لحن الحب وهو لحن عربى يمثل الإغراء وتعزفه موسيقى جميلة حتى يظهر لحن عنتر معزوفا بالآلات النفخ الخشبية وتمتزج الألحان لترمز إلى الحب العنيف وهنا تصل الموسيقى لقمتها الدرامية ثم تنحدر هادئة وتصور لنا البطل وقد لقي نهايته المحتومة بين ذراعي محبوبته وهنا يظهر لحن الملكة جلنار وكأنها ترثى حبها الضائع.

 

في الحركة الأولى نرى أنفسنا في صحراء الشام، بين خرائب مدينة تدمر القديمة. هناك حيث فضّل عنترة عزلة الصحراء على الناس، بعد خيبة أمل منهم. فيبصر غزالةً، يحاول ملاحقتها، ويطرد طائراَ جارحاً يحاول اصطيادها. ثم انه في الحلم يرى نفسه بين يدي ملكة تدمر الجميلة، وهي ترعاه بعواطف حبها، لأنه أنقذها من مخالب الطائر الشرير حينما كانت غزالة، فتعده بأن تمنحه أمنيات الفارس الثلاث: الانتقام، والقوة، والحب. ثم في اللحن الأخير المتباطئ نشعر بعنترة وقد استيقظ من حلمه. هذه الحركة تتابع: بطيئة، سريعة، بطيئة، متسارعة، متباطئة...الخ، لأن أحداث الحكاية كثيرة التحول كما رأينا. ولكن ثمة موضوعة لحنية معتمدة دائمة التواصل تذكرنا بشخص الفارس عنترة، لا تغيب على امتداد العمل الموسيقي

 

في الحركتين المتسارعتين الثانية والثالثة نسمع تمتع الفارس بالهبات الممنوحة من قبل ملكة تدمر، وهي انتقامه من أعدائه والتباهي بقوته.

 

الحركة الرابعة تنصرف لألحان الحب، حيث يتعهد عنترة لها بالحب الحار، ويعدها بموته إذا خالف ذلك. وحدث أن بردت عواطف الفارس، فمات بيدها، وبين يديها.

 

وبرغم عدم تشابه أحداث السيمفونية مع ما نعرفه عن حياة الشاعر عنترة العبسي، إلا أن الرواية التي أعتمدها كورساكوف لا تخلو من المبادئ الأساسية في سيرة عنتر بن شداد، في القوة، والشجاعة، والمسارعة للنجدة، والتضحية في سبيل الحرية والعشيرة والحبيبة. هذه المبادئ الأساسية في سيرة عنتر، وقد وضعها الموسيقار الروسي الكبير كورساكوف في إطار جميل لا يشذ بعيداً عن جوهر والمغزى الحقيقي لملحمة عنتر بن شداد الفارس والشاعر، الذي تسجل الدواوين واحدة من أجمل أشعار الحب  باللغة العربية :

 

ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني   وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها         لمعت كبارق ثغرك المتبسم

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر :

الموسوعة ألألمانية.

موقع اليوتيب.

 

سمفونية عنتر بن شداد

 

https://www.youtube.com/watch?v=m_v0reuekg4

 

لماذا يتوحش البشر  .

. حدث في مثل هذا اليوم

ضرغام الدباغ

 

قرأنا في كتب علم النفس وعلم الإجرام، ثم في الفلسفة (افلاطون)، أن الشر متأصل في نفس الإنسان، وما يحول دون ظهور أعراض هذا الشر، هو خشية الإنسان من عواقب ما يفعل. وحتى في المجتمعات المتطورة تربوياً وبيئياً / اجتماعياً، لم تحل دون ظهور عنيف للعناصر الكامنة، ولهذا كانت ضرورة وجود الأجهزة المانعة للجريمة والمحاكم العقابية، والسجون كأدوات ردع، حتى في المجتمعات المتطورة، وهو أمر يبعث على التساؤل، فمثلاً في مجتمعات تبيح النشاط الجنسي حتى بأشكاله الشاذة، تجد الجرائم الجنسية بأرقام متصاعدة، من التحرش الجنسي حتى الاغتصاب، وحتى القتل بدوافع جنسية، فلماذا هذه الروح الاعتدائية في بلد يبيح الجنس ..؟

الشر الكامن في داخل الإنسان ولكنه تحت سيطرة قوى المجتمع المعنوية منها (الدين ــ الأخلاق ــ العيب ــ التقاليد العائلية)، ولكن هذه القوى في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة قد يتراجع نفوذ القيم المعنوية لدرجة كبيرة حتى تكاد تختفي. ولكن قوى المجتمع الانضباطية (القانون) من جهة أخرى قوية، بل وقوية جداً لتعوض عن اضمحلال القوى المعنوية العائلة والحلال والحرام والعيب ...الخ.

الآن نعيش أيام أواسط تموز، والتاريخ يذكر بثورة 14 / تموز / 1058 وقد مر عليها 16 عاماً ... ومن المؤكد أن الغالبية العظمى من أبناء الشعب العراقي ليسوا معاصرين لذلك الحدث الخطير،  أما المعاصرين من أمثالنا، ممن فرحنا وهللنا في ذلك اليوم، ولكن المسنين والعقلاء من أهلنا ومعارفنا، أبدوا التشاؤم، وبعضهم لم يتوانى عن القول " سترون عواقب فرحتكم هذه، وسوف يغرق هذا البلد بالمآسي ".

بالطبع لم يكن تفسير الشؤم سهلاً، وهي موضوعة معقدة لحد ما، ولكننا بعقل اليوم ندرك، أن ما حصل هو تدمير شامل لنظام دقيق منظم على أفضل ما يمكن، لبلد يسير بخطى منتظمة نحن التطور السياسي والاقتصادية والاجتماعي / الثقافي، وبالطبع مع وجود أخطاْ ولكنها ليست بالشيئ الذي يذكر قياساً إلى ما عايشناه فيما بعد. والقادمون الجدد (لا يسعني القول النظام الجديد) لم يكونوا يمتلكون من أمرهم سوى النوايا الحسنة، هذا إن أحسنا الظن بهم ...!ولكنهم (القادمون) استثمروا فرحة وابتهاج الناس بالتغير على أمل أن التغير سوف يحسن أوضاعهم، وسذاجة السواد الأعظم الذي يعتقد أن في كل حركة حتماً هناك بركة، وقد أحتاج الأمر عقوداً طويلة لنتأكد أننا " انضربنا بوري "، وأن حلمنا بالتقدم والاستقرار قد صودر إلى أمد لا يعرفه إلا الله، وسنمر بمراحل نصل في ختامها يشك بعضنا في بعضنا، وسيستعين الأجنبي ببعضنا لينكل أيما تنكيل بالبعض الآخر ...

ولكن ما أريد هنا قوله، هو المصير المؤلم الذي جرى للعائلة الملكية الحاكمة، بطريقة لا يقبلها العقل ولا الضمير، ولا القوانين ولا الشرائع، ولا تقاليد القبائل الهمجية الآكلة للحوم البشر(اليوم قرأت تقريراً تفصيلياً مفزعاً لما جرى للعائلة الملكية). والبشر بعد أن يقتل خلال ثوان، لا يهم ما يحدث لجثمانه، فالجثمان هي وديعة لدى البشر، وكما يقول المثل " لا يضر الشاة سلخها بعد الذبح " ، ولكننا أمام تعليم ديني واجتماعي يقول " إن إكرام الجثة بعد موتها هو الدفن "، ومن توفي في ذلك اليوم، مضى لدار حقه، ولكن ما سجلناه نحن على أنفسنا فضيع، دين بذمة ذاكرتنا لا ينسى ولا بعد مئات السنين.

منظر الرعاع وهم يسحبون الجثث في الشوارع، وينهال أزعر بين فينة وأخرى بضربة خنجر أو سكين على الأجساد المهترئة، أو يقطع منها عضواً، وقد فعلوا بجثة الأمير عبدالإله ونوري السعيد أفعالاً يندى لها جبين الإنسانية والأخلاق، واليوم عندما يفكر المرء بكامل وعيه عن الذي حدث .. سيصاب بالخجل، وأكثر من ذلك شعور بالذنب، حتى وإن لم يشارك فعلياً بالمجزرة .. هو نوع من مسؤولية مشتركة جمعية .. بالتكافل والتضامن .. وأني لأعتقد جازماً أن تلك الأرواح التي أزهقت وجرى التمثيل بها تطل علينا كل يوم نظرة أسف وعتاب وحزن .. لماذا ..؟

ما حدث لم يكن أمراً بسيطاً، بل له تأثيره العميق في نفسية المواطن، لابد أن نفعل الكثير، علماء ومفكروا ومثقفوا البلاد مدعون إلى وقفة إدانة للعنف الوحشي، إدانة لطريقة المعاتبة والمحاسبة الهمجية هذه، نحن شعب راق لنا عمقنا في التاريخ الإنساني، ونحن أول من سن القوانين في العالم، ونحن لدينا شريعة وتعاليم دينية سمحاء تحرم العدوان والاعتداء والقتل " من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً " سورة المائدة 32" وحديث الرسول (ص) " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم ".

لقد خلق الله الإنسان البشر مخلوقا ذكياً عاقلاً ميزه على سائر مخلوقاته وسخرها جميعاً لخدمة البشر " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " ولكن البشر يستغل ذكاؤه وقواه في إيقاع الأذى، ومن الغريب أن الإنسان من المخلوقات النادرة التي تقتل من صنفها، لماذا سمحنا لحفنة من الغوغاء والجهلة والزعران، أن يسيطروا على الناس ويطلقوا مشاعر الوحشية والهمجية ولذة تجاوز القانون "الإلهي والوضعي " ويقوم الناس بشكل جماعي بأعمال مخجلة من فتل وسرقة ونهب وتخريب ... كيف حصل كل ذلك ولماذا ...؟

أني لأجزم أننا كرجال قانون وعلم واجتماع، وكمفكرين ومثقفين وسياسيين، لم نتدارس الأمر بصورة دقيقة، بدليل أن ثقافة التخريب والتدمير ما تزال تسري في أعماقنا، (أعتقد بدرجات ليست عميقة جداً) وعندما يحدث من يجعلها تخرج ستشاهد أناس تعتقد أنهم محترمون وقد تحولوا إلى وحوش ضارية ..! وبتقدير أن الهمجية والوحشية الجماعية تقوم على أمران أساسيان :

ضعف وانفلات القانون.

سقوط فجائي (أو تدريجي) للقيم الاجتماعية (العيب والحرام)

 

أيها المفكرون والعلماء والمثقفون والسياسيون المحترمون، تعالوا لنؤسس ثقافة تدين إدانة مطلقة الثأر والانتقام وتصفية الآخر، إذا ارتقينا بفكرنا وممارستنا، سنرتقي أيضاً بأساليب العمل وهي الخطوة الأولى لتشييد مجتمعات راقية.

14 / تموز / 2019

 

 

 

 

التغير حتمية لا خيار

 

ضرغام الدباغ

 

خلال لقاء جمعني بأحد قادة حركة التحرر في قطر عربي، وفي إطار التباحث حول الأوضاع السياسية قطرياً وقومياً، توجه على أثرها لي بسؤال : " أرى أن الكثير من أرائكم قد تغيرت، فهل هذا يعني أن وجهات نظركم حيال موضوعات سياسية قد تغيرت ؟ ".

 

فأجبته، بالطبع لابد أن تتغير وجهات نظرنا كثيراً، ليس لأننا نكتشف أننا كنا على خطأ في هذه الموضوعة أو تلك، بل وأيضا قياساً للتغيرات الجوهرية والجذرية التي أصابت حياتنا كأفراد، إلى تغيرات اجتماعية مهمة، هذا على الصعيد الشخصي، أما على الصعد العامة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، فإن الحياة قياساً إلى قبل 50 عاماً فقط قد تغيرت بشكل شبه جذري، فكيف لا يجب أن نتغير نحن وآرائنا وسياساتنا حيال هذه المتغيرات الشاملة ..؟   بالطبع نحن محكومون بالتغيير بسبب :

 

أولاً : للاستفادة من تجاربنا كأفراد وكحركات ودراسة أخطائنا  من جهة,

ثانياً : وللتلاؤم مع المتغيرات في الواقع المادي الموضوعي من جهة ثانية.

 

إذن التغير حتمية تاريخية، ربما يستطيع فرد أن يقاوم التغير، وربما يستطيع نظام أن يعزل شعبه ليبقى في الحكم أطول مدة، ولكن رياح التغيير ستهب حتماً وبقوة عاصفة، والأمثلة كثيرة. ويستند التغيير تاريخياً إلى قاعدة علمية فيزيائية تنص " كل زيادة في الكمية ستؤدي حتماً إلى تغيير في النوعية " وبنفس الوقت فإن هذا القانون يعني التطور الحتمي للمجتمعات (من بين فقرات أخرى)، ذلك أن عملية التراكم لا تتوقف، بل تدور (إلى حد ما) بمعزل عن إرادتنا, إذن وبهذا المعنى أن التطور عملية تاريخية، والوقوف بوجهها يعني الانغلاق والتقوقع، والبقاء خارج التاريخ، والمراوحة في أزمة، من أبرز مظاهرها سلسلة من المشكلات الداخلية والخارجية من أولى مؤشراتها داخلياً القمع الداخلي لكل تطلع يتجاوز قدرة النظام على احتمالها والتعامل وخارجياً يتمثل بصعوبة إيجاد قنوات معقولة مع العالم الخارجي، بل وربما حتى مع محيطه المحلي / الإقليمي، بدرجة يصح الحكم بأنها أزمة ركود.

 

وهذا التقرير محاولة لتشخيص (Diagnose)، أبعاد الأزمة التغير في بلادنا والأقطار العربية، في فيما يطلق عليه أحياناً الحداثة والتغير، على أن مجهوداً كبيراً كهذا، يستحق مساهمة واسعة النطاق، إذ يبدو لنا أن الموقف الحالي يحمل مؤشرات هامة كثيرة ربما تحمل في ثناياها علامات مفصلية، لا سيما وأن بلادنا والأمة تعيش مرحلة في غاية الأهمية والخطورة معاً، لذلك فإن مفكري الأمة ومثقفيها كافة، مدعون إلى موقف يتجرد الكل عن هواه السياسي والعاطفي للتنقيب في فروع الأزمة، من أجل بلورة تصورات علمية عن المسببات، ورسم صورة فيها قدر من التنبؤ العلمي (Prognose) وجهد فكري لإنضاج مبكر لما هو الآن، ربما في حالة جنينية. وبتقديرنا أن حوارات عميقة في جو من الموضوعية والعلمية كهذه ستساهم إلى حد بعيد في استشراف ما يدور في أذهان المفكرين والكتاب، ولكي نمنح المرحلة التاريخية استحقاقاتها. ونشير هنا إلى بعض العناصر التي نعتقد أنها مهمة في عملية تطوير الأجنة والتشكل الثقافي، ومعوقاته. نتوجه بالشكر حقاً الداعين والمنظمين للقاء.

 

إذا كان التغيير ضرورة حتمية، يحتاجها كل طرف (حركات وأنظمة) من أجل ضمان بقاؤه في العملية التاريخية وإلا فسيصبح خارجها حتماً، أو وجود بلا ظل على مسرح الحياة السياسية الاقتصادية الثقافية، فالسؤال المهم هو:  أين وكيف يطرح هذا التحدي نفسه وأهميته وبأية صيغ، الحداثة مطلوبة ولكن بأي مدى، الحفاظ على الموروثات مفيد ولكن بأي حجم. وهل التغيير المنشود هو بالأهداف أم بإعادة النظر بالوسائل ..؟ وهناك من يغالون في الوقاية من التفاعل مع الغير، حتى تصبح هاجساً يفوق ما يستحقه من تحسب، كما أن هناك من يطالبنا، وهم من المبهورين بثقافة ومعطيات الحضارة المتفوقة، أن نخلع كل ثيابنا ونرتمي في حضن الحضارة المتفوقة، باستسلام غير مشروط، لدرجة نقل التجربة بحذافيرها وأشكالها بإطارها ومحتواها. وبتقديري خسرنا كثيراً بالمحاولات الفاشلة أن نشيد نسخاً مشوهة عن منتجات أجنبية، بصفة خاصة من تلك الحضارات التي توسعت بقوة الاستعمار والإمبريالية.

 

والأقطار العربية بمجملها خضعت لهيمنة قوى أجنبية، لذا تأخر عصر النهضة العربي، وحين بزغ فجره، (بتقديري 1850 فصاعداً) كانت الولادة قيصرية، إذ جرت في ظروف قاسية، فهناك عناصر كثيرة تتخلل عصر النهوض، عناصر دافعة للأمام، حققت منجزات غير قليلة، ولكن هناك أخرى تسحبها إلى الخلف وتبطئ من حركتها. ولا مناص من ذكر حقيقة ساطعة، أن الصراعات الدولية وضعت امتنا لأسباب عديدة في مهب تفاعلاتها، وكان الصراع بين فكرة الحداثة أو الموروث جزء مما دار وما زال يدور النقاش حوله في مجتمعاتنا العربية، ولكن بلا نتائج حاسمة.

 

للفكر السياسي صفة العالمية، وتلك حقيقة مؤكدة، ولكن الفكر في جانب آخر إنما يمثل عصارة روح أمة من الأمم ويمثل المحتوى الحضاري والإنساني لتلك الأمة. والعلماء العرب المسلمون لم تفارقهم روح، وملامح وسمات متميزة عن ثقافات وحضارات الأمم الأخرى، حيث تنال القيم الروحية والمعنوية والأخلاقية مكانة متقدمة.

 

وتظهر السياسة في المجال العملي نقائص الفكر أو مثاليته والحاجة إلى تعديل هذه النظرية أو تلك، وكذلك قصور الأنظمة السياسية، أو بروز معطيات مادية جديدة تستحق إجراء تحوير للنظرية، وتبرر حاجات الأفراد والجماعات إلى ما يلبي ويطمئن أهدافها ومصالحها الاجتماعية والاقتصادية. وبتفاعل الفكر والممارسة يبلغ العمل السياسي ذراه، وتنضج التجربة الفكر وتمنحه القدرة على التحقق وصفة الواقعية، وهي ثمرة لتطور الفكر الإنساني ونضال البشر

 

تكتسب الدراسات والأبحاث المتعلقة بالعلوم السياسية بمختلف فروعها لها أهمية متواصلة وتتميز بطبيعة متجددة، ذلك أن لكل عصر رؤيته وقاموسه السياسي. والعلماء والمفكرين على اختلاف مناهجهم يحاولون جهدهم تقريب تلك الأحداث والظواهر وفكر ذلك العصر وإرهاصاته إلى الأذهان ووضعها في إطار حديث معاصر، ودراسة التجارب المستقلة في العديد من الحركات السياسية والثورات والانتفاضات التي اعتبرت الإفراز العملي والواقعي لتصارع الأفكار والإرادات في المجتمعات عبر التاريخ، فمهمة العالم أو المفكر أن يخلق، أو أن يساهم في خلق تصوراَ لنظام علاقات سواء بين الأفراد ضمن المجتمع الواحد أو بين الأمم والدول، ويؤشر اتجاهات العمل السياسي.

 

الأقطار العربية التي ما أن نالت استقلالها (المنقوص) حتى دخلت في شبكة العلاقات غير المتكافئة سياسياً واقتصاديا مع القوى الاستعمارية الدولية (شأنها شأن البلدان النامية)، في إطار علاقات جعلت من الاستقلال منجزاً شكلياً إلى حد كبير، وبالتالي فإن عملية التراكم (Accumulation) سياسياً واقتصادياً، كانت عملية محفوفة بالمصاعب والعراقيل، الجزء الموضوعي منها وهو الأعظم والأهم منها، كانت بسبب هيمنة القوى الأجنبية على مقدرات البلاد السياسية والاقتصادية.

 

والمشكلات الاقتصادية في البلدان النامية (بصفة عامة) قد جرى تشخيص تحدياتها على الأرجح بثلاث فقرات: 1. الحاجة إلى رأس المال. 2. الحاجة إلى التكنولوجيا. 3. التخلف في إنتاجية العمل. وبرغم العراقيل التي كانت تضعها البلدان الرأسمالية، فقد تم تحقيق تقدم اقتصادي / اجتماعي في بعض الدول المركزية، وإن كان لا يرقى إلى الطموح، إلا أن التخلف السياسي(بتقديرنا)  تواصل يلقي بظلاله الثقيلة على تطور النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي بصفة عامة، مما يحول دون تحقيق تقدم حقيقي في نظرية الحكم في البلاد العربية أو الإسلامية، وبتقديري أن المشكلة الأساسية هي عجز النظام العربي بسبب كونه مركب من عدة اتجاهات غير متجانسة عاجزة أن تحقق التقدم المنشود.  

 

بيد أن المشكلة الأكبر بتقديرنا تمثلت بإيجاد النظام السياسي المناسب لأقطار فقدت استقلالها منذ القرن الثالث عشر، وحرمت من تكوين تجربتها في الحكم والإدارة، وفقدان الاستقلال للإرادة الوطنية قاد لنتيجة حتمية وهي غياب الخيارات، والتجربة الوطنية، كما أن الثقافة الوطنية القومية بدورها حرمت من التواصل ومن طرح وإنضاج صيغ وتصورات وانطباعات جديدة، أدبية وفنية وسياسية، لذلك فإن هذه العمليات، (وربما ما تزال تدور بشكل ما) تحاول بأساليب تنطوي على الكثير من التناقضات، والسبب الرئيس يكمن بتقديرنا، أن السمت العام للأنظمة التي تأسست في فجر الاستقلال، كان من وحي وأصداء الدول التي استعمرت بلداننا وهي التي وضعت أولى لبنات النظام السياسي، والإصلاحات اللاحقة كانت أشبه بعمليات ترقيع وإصلاح يبعد عنها صفة البناء الأصيل المتين المتجانس مع سائر العمليات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والجمع بين الحديث جداً من المكونات، وبين الموروثات بصيغها التقليدية أنتج في معظم الحالات هياكل مشوهة. صحيح أن توفر أشكال واتجاهات عديدة لا يخلو من إيجابية أحياناً، ولكن الإشكالية تتمثل بأننا لم نتوصل لليوم إلى تصور لنظام سياسي يتفق مع الضرورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية يحل مشكلاتنا بصورة مقبولة.

 

فالأنظمة الرأسمالية المتقدمة المعاصرة (أوربا / أميركا) قامت على أنقاض التحالف الثلاثي التاريخي: المعبد (الكنيسة)، القصر (الملوك)، الأمراء. وأمام غياب نصوص مسيحية مقدسة (من الإنجيل أو أقوال السيد المسيح عامة)عن وجود حدود واضحة بين سلطة الله والدين التي تمثلها الكنيسة ورجال الدين، وسلطة البشر الدنيوية التي يمثلها الملك، اعتمدت السيفين ــ Glasnias (الجمع بين السلطة الدينية والدنيوية) ولعبت الثورة اللوثرية (البروتستانتية) دورها التنويري، وأخيراً قبلت الكنيسة تحت ضغط الظروف الموضوعية إلى أن يتراجع دورها إلى أدنى درجة (دون أن يختفي كلياً) ولكن عصر النهضة، وعصر التنوير، ثم الثورة الصناعية أحدثت تطورات حاسمة قلبت النظام الاجتماعي / الاقتصادي، استولت فيها الفئات الصناعية على النظام السياسي بصفة مطلقة، وخلقت نظامها السياسي محتكرة السلطة بصورة تامة.

 

مضت التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تدور في أوربا عبر العصور الثلاثة وهي تفرز أوضاعاً واتجاهات تطور جديدة، وكان الفكر السياسي يرافق ذلك التطور، بل غالباً ما كان الفلاسفة والمفكرون ينيرون الطريق والمسيرة ويبشرون بآفاق التحرر والتنوير في ظل المؤشرات التالية :

 

تراجع متواصل لمكانة الكنيسة ودورها في قيادة الدولة والمجتمع، وتراجع هيمنة وتأثير اللاهوت على الفكر السياسي.

تبلورات اجتماعية جديدة، أدت إلى تراجع دور ومكانة الإقطاع وتأثيراته بما يقرب من التواري عن مسرح السياسة، مقابل تعاظم دور البورجوازية وممثليهم، واتصف بالتنامي في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية.

قاد العاملان 1/2 أعلاه إلى تراجع معادلة: الملك ـ الكنيسة ـ الإقطاع، على موقف جديد: الملك ـ البورجوازية ـ الإقطاع، مع تراجع مستمر لدور ومكانة الإقطاع.

بروز أهمية وتأثير الثقافة وفروعها: الأدب/ الفن/ المسرح/الصحافة، مما خلق قوة وتأثير على الرأي العام في المدن، وهو عامل سوف تتضاعف أهميته على صعيد اتخاذ القرارات السياسية.

تنامي وعي قانوني/ دستوري يسعى المواطن فيه إلى ضمان وحماية الحقوق الأساسية في إطار أهمية متزايدة للإنسان صاحب المنجزات العلمية والأدبية الرفيعة.

عندما أنحسر أو تراجعت أهمية المقر البابوي العام/ الفاتيكان ـ روما، برزت بالمقابل وتصاعدت السلطة القومية كرابطة مادية ومعنوية.

 

مقابل هذه العملية، بدا أن مفكري عصر النهضة العربية قد انقسموا جوهرياً إلى ثلاث فئات. وبتقديرنا أن مثل هذا الانقسام ما زال يطرح بهذه الصورة أو تلك إلى توجهات عديدة  :

 

الفئة الأولى : ترى في تخلي شبه تام عن موروثاتنا، ومحاكاة كاملة للنظام السياسي والاجتماعي الأوربي الذي أنتج الثورة الصناعية وحقق التقدم الاقتصادي، وارتمى بعضهم بابتذال تحت أقدام الغرب في استسلام تام بلغت أن اقترحوا إلغاء الأبجدية العربية واستبدالها بالأبجدية اللاتينية.

الفئة الثانية : ترى التمسك بمكوناتنا الثقافية (الدينية والوطنية) ، ولكن دون أن تحدد لهذه الإمكانية سقفاَ محدداً .

الفئة الثالثة : وهي فئة لم تنجح في إنضاج (إلى حد الآن) تصورها السياسي والثقافي، وتتراوح أفكار هذه الفئة بين ميل للحداثة، مع عدم إغفال خصائصنا، وجهات تميل للحفاظ على الموروثات، مع عدم إهمال الحديث العصري.  

 

وقد فات تيارات النهضة، وربما بعض المعاصرين اليوم، أن التماثل ونقل التجارب بحذافيرها أمر مستحيل لصعوبات موضوعية قبل أن تكون ذاتية، بالإضافة إلى الحقيقة المؤكدة، للتفاوت الشديد في المعطيات المادية الموضوعية، والظروف التي مرت بها كل تجربة، إضافة إلى حقيقة موضوعية، وهي أننا لا يمكننا التخلي عن موروثنا الثقافي والحضاري الذي يمتد لبضعة آلاف من السنين، وأن محاولة من هذا القبيل قد تكون نبيلة المقاصد النهائية، إلا أنها محكوم عليها بالفشل، فهي نقل معلب لمنجزات لا تمت لنا ولموروثنا الثقافي والأخلاقي والاجتماعي، والقبول بها كما هي ونقلها بشكل آلي أشبه بزرع جسم غريب في جسد سوف لن يتقبله، وإن محاولات إرغامية كهذه، لاقت الفشل في الوطن العربي (وربما عند أمم أخرى) بسبب النقل الآلي لتجارب أمم أخرى وإحلال رموز ومصطلحات بحذافيرها. في حين ومن خلال تجارب عديدة، في حين توصلت أمة كاليابان مثلاً في المحافظة على القيم والموروث الثقافي وتحقيق تقدم صناعي / علمي / رغم أن موروثنا الثقافي هو أكثر ثراء من الموروثات اليابانية. والقوى الرجعية المحلية استفادت من مساعي تيارات الحداثة متهمة بعض المحدثين بإقحام فكر أجنبي لا يتفق مع خصائصنا.

 

الثورة الصينية الحديثة مثلاً، بدورها تأثرت باتجاهات عديدة، فتأثرت بتجربة اليابان، ثم فكر صن يات صن المطعم بفكر غربي، ثم بالفكر الماركسي، ولكنهم نجحوا في صياغة نهج النهوض والتطور، ولكن بنكهة وطنية / صينية، وعندما أسسوا حزبهم الشيوعي، كان حزباً صينياً يعتمد على التقاليد الصينية حتى التفاصيل الدقيقة في اللباس والطعام، والموسيقى والأدب والفنون التشكيلية والعمارة.

 

ولذلك نعتقد أن الفرصة المنطقية الوحيدة التي تطرح نفسها، وإن هي تنطوي على الكثير من العمل والجهد، إلا أنها تبقى الوحيدة الممكنة وتتمثل في السعي والعمل على ردم الهوة التي تمثل فترة الانقطاع وإعادة اللحمة والتواصل بين علماء عصر النهضة الأوائل وبين فكرينا وعلمائنا المعاصرين،  فشعبنا فكر ومارس العلم والتعليم، فأستخلص المعادن من الطبيعة وصهرها، وصنع أدوات الإنتاج، وفكر بالكون وأبدع في علم الفلك، وتعلم الحرف والكتابة والرقم، وشق القنوات وأشتغل بالهيدروليك وكل هذا قبل ألاف السنين. وبتقديري فأن أفضل ما يمكن فعله هو بذل مجهود كبير في البناء فوق ما أسس هؤلاء المعلمون العظام وتحديث ما توصلوا إليه في إطار أبحاث جديدة ملائمة ومناسبة لعصرنا الحالي.

 

ليس المقصود من هذا، أننا يجب أن نحاكي تجربة الغرب بصفة مطلقة، ولا أن نتجاهله بصفة مطلقة، فظروف النشأة والتطور والازدهار لها خصوصيتها التي لا تنطبق على أمم وحضارات أخرى. فأوربا كانت تعرف الفلسفة اليونانية والقانون الروماني قبل المسيحية التي لم تصل أوربا إلا بعد القرن الثالث ميلادي (300م) ولم تحل كديانة رسمية في إيطاليا إلا تدريجياً وبوقت طويل (عام 750)، وظلت بعض الدول الأوربية وثنية كألمانيا حتى بعد 1200 م،  وقد شهدت الفلسفة ومنها الفكر السياسي، محاولات عديدة دامت نحو خمسة قرون للتقريب بين الفلسفة والدين، أشهرها كانت السكولاستية (Scholasticism) تجسدت في محاولات القس توما الاكويني (نحو 1250م)، وفيما بعد الحركة اللوثرية (1517م) ثم عصر النهضة والتنوير، ولم يحاول الفلاسفة الغربيون، خرق الهدنة مع الكنيسة، وإبقاءها رمزاً للحضارة الغربية، هذا عد عناصر اقتصادية وثقافية / اجتماعية متفاوتة لدرجة ليست بسيطة.

 

وعندما يطلق الغرب يطلق شعار الديمقراطية فذلك يعني صيغة شاملة لمجتمع لا تقتصر على  تبادل السلطة بشكل سلمي(فهذا يجري بهذه الطريقة أو تلك في الكثير من الحضارات والنظم)، ولا نظام برلماني وأحزاب وصحافة، أو إلى الحريات الفردية بلا حدود تقريباً ولكن مصطلح الديمقراطية يعني بالدرجة الأهم نظاماً لا سقف فيه مطلقاً لحرية رأس المال كخاصية أولى، وإذا كان النظام الرأسمالي يتدخل أحياناً (النظرية الكنزية) فيفعل ذلك لإنقاذ الرأسمالية نفسها، فالديمقراطية ليست نظاماً سياسياً، بل هو نظام اقتصادي بالدرجة الأولى، وأي تدخل بحرية رأس المال في التوسع وحرية الانتقال، يخل بمبدأ الديمقراطية  كقاعدة أساسية للمجتمع الرأسمالي.

 

وبتقديري أن المشكلة الأساسية في بلادنا تتمثل أننا قد حرمنا من مسيرة امتدت لقرون(منذ 1258) ومن التوصل إلى نظام يتناسب مع مجمل أوضاعنا ومعطياتنا، وما أنجز من هياكل لم يخرجنا من فلك النظام الرأسمالي العالمي كأجرام صغيرة. المحاولات التي قامت بها بعض الأقطار: مصر، العراق، سورية، الجزائر، اليمن الديمقراطية، (وليبيا جزئياً) كانت محاولات جيدة، ولكنها لم تحقق النتائج المرجوة لسببين:

 

أولاً : واجهت مقاومة شرسة من الرجعية العربية، ومن القوى الإمبريالية.

ثانياً : هي نفسها كانت مثقلة بترسبات التخلف الاجتماعي والثقافي، فلم يكن بوسعها السير بحزم في طريق التحولات الاجتماعية.

 

واليوم إذ تشتد أوار الحملة الإمبريالية قي مرحلتها الجديدة، بكافة صفحاتها على بلادنا العربية وهناك تركيز على الجبهة الثقافية، ربما الأكثر بروزاً بسبب تعاظم شأن الثقافة العربية والمجتمعات العربية، ففي مطلع القرن العشرين كان الجانب الثقافي يأتي بعد الجانب السياسي والاقتصادي لعدم خطورة المستوى الثقافي العربي آنذاك، وكان التناقض الرئيسي الذي يلهب قضايا النضال الوطني والقومي، هو الاحتلال المباشر، كما كان النضال ضد الوجود العسكري والقواعد الأجنبية والكفاح لاستعادة ما استولى عليه الأجنبي من مصادر الثروة القومية، كان شعار التحرر الوطني والقومي في المرحلة اللاحقة، والعامل الثقافي كان خلف هذه الأوليات.

 

في مطلع الثمانينيات، حضرت وضمن البرنامج الثقافي (أيرنا) ندوة مهمة كان يديرها ويحضرها عدد من العلماء الألمان من اختصاصات شتى، ينتمون إلى جامعات ومعاهد ومؤسسات علمية مختلفة. وموضوع الندوة الذي كان البحث يدور حوله هو (حماية الثقافة واللغة الألمانية) واستطراداً، عناوين ومفردات أخرى مهمة في الحياة الاجتماعية الألمانية عن تسلل ثقافات أجنبية. فقدم العلماء الألمان معطيات دقيقة مدعمة بالإحصائيات تعبر عن حجم هذا التسلل الذي أعتبر في وقته كبيراَ. وخلاصة ما دار في هذه الندوة الهامة، أن اللغة والثقافة الألمانية تواجه خطراً لا يستهان به في المستقبل القريب والبعيد. وبعد عقد من السنوات أو أكثر، يقول رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية في كلمة له أمام مؤتمر البرلمانيين الدولي: " إن على شعوب العالم أن تأخذ حذرها مما يسمى بالثقافة العالمية التي تدمر الهوية القومية والثقافية للشعوب". وبعد ذلك اتخذت الدولة الفرنسية قراراً بمنع استخدام الفاظاً أجنبية في اللغة الفرنسية، منها كلمات بسيطة وشائعة.

 

ويحق لنا هنا أن نتساءل ونتأمل، إذا كان شعباً كالألمان أو الفرنسيين، ذوو الأمجاد الثقافية والاقتصادية والحضارية عامة من جهة، وقربهم من ثقافة وحضارة الثقافات المتسللة إليهم من جهة أخرى، يطلقون نداء التحذير ويتخذون الإجراءات المضادة، فما هي إذن المخاطر التي تتعرض لها أمم وشعوب هي في الواقع شبه عزلاء، لهجمة شرسة عاتية لا تبقي ولا تذر..؟ وإذا كانت الثقافة العربية تمتلك دروعاً ومعدات، وحصوناً منيعة، ترى ماذا يمتلك شعب بوركينافاسو مثلاً كي لا يفقد آخر ما يمتلك من مقومات الهوية الوطنية والقومية..؟ وهو لا يمتلك أساساً الكثير منها بسبب تعرضه لقرون طويلة، ولا يزال، للاستعباد وعمليات صيد وقنص للبشر، ونقلوا إلى قارات أخرى واستخدموا كعبيد هناك، أو تجنيدهم في الحروب والغزوات الاستعمارية لضم وإلحاق بلداناً أخرى إلى ممتلكات الدول الاستعمارية.

 

وقد غدت هذه التوجهات في أعلى مراحل تطور نظام الدولة الرأسمالية الاحتكارية خطوة على طريق دمج شعبها وشعوب أخرى ضمن نسيجها الاقتصادي والسياسي بالدرجة الأولى، وتكريس هذا الواقع من خلال قطع الأواصر التي تعبر عن كيانها وشخصيتها المستقلة واحتقار تقاليد وعادات الشعوب الأخرى وثقافتها وموروثاتها. والهدف النهائي هو : استنزاف قدراتها الاقتصادية وقوة العمل البشرية فيها، وأخيراً جعل هذه الشعوب والبلدان توابع ثقافية وسياسية، ولكن بالدرجة الأساس، جعلها وسطاً اقتصادياً تابعاً لا يمتلك أي طاقة روحية للنهوض، وإسناد دور نهائي لها في تقسيم العمل العالمي، يتمثل بتصنيع المكونات الثانوية أو الإمداد بالمواد الخام، أو ميداناً لنشاطات الشركات المتعددة الجنسية، وهذا الأمر لم يعد مقتصراً على منطقة واحدة، بل أنه موجه إلى أقطار العالم كافة لاسيما البلدان النامية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وفي هذا المجال يكتب الأستاذ البرازيلي كاردوز قائلاً : " هناك تبعية تنجم بالنتيجة، وهي تبعية متعددة الأوجه، سياسية واجتماعية وثقافية وعسكرية، بل أن عمليات التشكل الطبقي والفئوي تتأثر بالتبعية بشكل بالغ ".

 

وفي المرحلة الحالية التي تتميز بهيمنة الولايات المتحدة بوصفها متروبول الرأسمالية العالمية ومتمسكة بقوة بهذا الموقع القيادي ولا تقبل المشاركة فيه، تهدف إلى تعميم ضرب من الثقافة التي لا تلامس جوهر مشكلات الإنسان، ثقافة سطحية تتعامل مع غرائز الإنسان وتشجع فيه روح التفوق والتسلط الفردي والنزوع المطلق نحو الثروة وإحراز النفوذ والهيمنة، وإطلاق لنزعات الجنس الشاذة، أن إنسان العصر الذي قدم منجزات كبيرة بفضل تراكم التجربة والعلم، تضعه في قمقم مشكلاته الذاتية لتخلق منه إنساناً نرجسياً على استعداد لفعل أي شيئ، حتى القتل الجماعي من أجل إشباع نزعاته، إنها نزعات وثقافة وتربية اجتماعية تهدف في النهاية إلى خلق الإنسان الكوزموبوليتي (الإنسان العالمي) Kosmopolit، الذي لا جذور له ولا يؤمن بقضية أو وطن بل بالمصالح والأرباح المادية وأي غرابة في ذلك؟ أليست البراغماتية Pragmatism، وهي جوهر الفكر السياسي الفلسفي للرأسمالية، التي لا تؤمن إلا بالنتائج بصرف النظر عن الأساليب وأخلاقياتها. والإنسان الكوزموبوليتي هو حيوان انتهازي منافق قد يتحول في أي لحظة إلى آلة شرسة مدمرة مكن أجل تحقيق مصالحه الذاتية، وهذا هو سر انحطاط الحياة الاجتماعية في الغرب الرأسمالي لاسيما في الولايات المتحدة، ونجد أصدائها الخافتة في بلادنا حيث تروج لها أجهزة الأعلام الغربية وصنائعهم وأدواتهم.

 

إن الإمبريالية المعاصرة لا تحاربنا بالعولمة فقط (كأداة سياسية واقتصادية وثقافية)، إنها قبل ذلك تمد خراطيمها وتنهش ثرواتنا بفعالياتها الاقتصادية، وتحاربنا بأستخدام صريح للقوة المسلحة. وللإمبريالية بين صفوفنا كعرب وكمسلمين حلفاء وأصدقاء في السر والعلن، النظام الرأسمالي يؤمن  بصفة جوهرية بالتفوق العرقي ويدعو إلى حروب عرقية، وما الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية إلا أشكال منها، ومن ضروب الأنظمة الرأسمالية اليمينية التي وصلت للحكم بواسطة الانتخابات، بل إن النظام السياسي في الولايات المتحدة يتجه في هذه المرحلة حثيثاً إلى هذه المواقع بسبب الأزمات التي يمر بها النظام الرأسمالي الاحتكاري داخلياً وخارجياً، لذلك فهم يطلقون النداءات المشحونة بالتحريض العرقي والديني، وبالحروب والإبادة، لكنهم يتحولون فجأة إلى مدافعين عن (الديمقراطية) و(حقوق الإنسان) عندما يتعلق الأمر بالبلاد العربية والإسلامية أو الصين الشعيبة أو كوريا الشمالية أو كوبا، وهناك من يصفق لهم إعجاباً أو نفاقاً أو كيداً بجار له يضمر له الحسد.

 

ومن البديهي أن تكتنف عملية التحديث والبحث والعصرنة جدال وخلافات في وجهات النظر، وأجد من الطبيعي أن ينظر كل عالم إلى حشد الموضوعات والأحداث والأبحاث إيجازها بملف، بل أن ذلك ضروري وسيؤدي إلى إثراء الفكر وأتساعه ولكن لا بد للباحث أن يتصف بالموضوعية والأمانة والرؤية المتوازنة وعدم إغفال حقائق مهمة أو الجنوح إلى المبالغة وتهويل مما يفقد الباحث نزاهته كما أن التطرف يفقد كل قضية فرصتها في التطور والنجاح ويسيء إلى المتانة المعنوية الأخلاقية التي ينبغي أن تتمتع بها.

 

لابد للمفكرين العرب من أداء دورهم، وهو الدور الذي يقوم على حراسة المنجزات الثقافية والحضارية وتطويرها من أجل أن تسهم ثقافتنا العربية في الحضارة العالمية، وزيادة حصة هذا الإسهام. والمثقفون العرب مدعون إلى التفاعل فيما بينهم وإنضاج مواقف موحدة حيال التيارات التي تقف ورائها القوى المضادة لحركة التقدم العربية وصياغة برنامج يمكن إيجازها  بما يلي:

الانفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى والتفاعل معها بإرادتنا على أساس من المبادئ والأخلاقيات الإنسانية التي تمتاز بها الحضارة العربية الإسلامية من جهة، وحماية أجيالنا من أوبئة تسللت إلى مجتمعاتنا التي تروج الإباحية والمخدرات والأمراض الجنسية والشذوذ ومظاهر الفساد الأخرى. 

العلماء العرب مدعون اليوم، كل في اختصاصه إلى إيجاد العلاقة بين المستوى الحالي للعلوم، وبين ما توصل إليه العلماء العرب في عصور الازدهار، أي تجسير الفجوة بين عصور الازدهار وما أعقبها من سبات بعد انحطاط الحضارة العربية، وبين المرحلة الحالية لكي نتحرك على أرضية صلبة ونواصل البناء على أساس متين. لقد آن للجامعات والمعاهد العربية وقد بلغت مرحلة النضج في العمل والتعامل مع المنجزات الحديثة في العلوم، وصياغة نظريات عمل عربية. أن كثير من الجامعات الأوربية تعتبر أعمال العلماء العرب هي الأساس في العلوم التي تطورت فيما بعد على أيديهم في مختلف المجالات العلمية والإنسانية.

الابتعاد عن التطرف والتعصب ومعاداة الثقافة الأجنبية لمجرد كونها أجنبية فذلك سيقودنا إلى العزلة، فالأمم الأخرى قد تمكنت من تقديم منجزات رائعة أغنت الثقافة الإنسانية، فكيف لنا أن نتجاهل أعمال فكرية وفلسفية، فنية / أدبية، موسيقية وسينمائية، عدا التقدم الكبير في مجال العلوم الطبية والإنسانية.

إبداء الاحترام التام لحقوق الأقليات الدينية والقومية المتواجدة في البلاد العربية، وبهذا تحافظ الثقافة العربية على إحدى مميزاتها وهي ابتعادها عن الصيغ الشوفينية، وتواصل الثقافة الإسلامية في منح الأمان والحرية الأقليات الدينية .

 

 وبطبيعة الحال، فأن الهجمة الثقافية الحالية تتميز بملامح عديدة ينطوي البعض منها على ما هو جديد في أسلوبه وأدواته، وابتداء لابد لنا من تشخيص أبرز الظواهر على مسرح العلاقات الدولية المعاصرة، وتحليل الاتجاهات المختلفة وعناصر الموقف الموضوعية منها وأبرزها:

 

أولاً: ـ ظاهرة القطبية الأحادية: ويتمثل هذا العامل باستفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالدور القيادي في الحياة السياسية الدولية واستخدامها لأساليب التهديد والترغيب، وللأمم المتحدة (كشرعية دولية) ومجلس الأمن لتحقيق أغراضها وأهدافها السياسية والاقتصادية، وفرض أنماط اجتماعية وثقافية.

 

ثانياً: ـ ظاهرة عولمة الاقتصاد: ويتمثل هذا العامل بتسارع وتائر حركة رأس المال المالي (المصرفي) وأتساع حركة الاستثمارات ليصبح العالم بأسره فعلاً سوقاً واحدة بقبضة الشركات المتعددة الجنسية في تعاظم متزايد لدورها.

 

ثالثاً: ـ الإمبريالية في مرحلة جديدة: ويتمثل بدخول دولة الاحتكار الرأسمالي (الإمبريالية) في مرحلة جديدة، ويتمثل داخلياً باشتداد التمركز المالي وذلك بميل رؤوس الأموال خوض غمار المشروعات الكبرى وقيام الاحتكارات العملاقة في فروع الإنتاج المهمة من جهة، والإقحام المتزايد للأجيال الجديدة من التكنولوجيا المتمثلة بالحاسبات العملاقة والروبوتات والميكروالكتروتكنيك، والتطور الهائل في وسائل الاتصالات والنقل وفي وسائل العلام المرئية والمسموعة والمقروئة.

 

وبتقديرنا فأن الجانب الأخطر من الهجمة الإمبريالية على بلادنا يتمثل بالدرجة الأولى بالإخضاع السياسي وذلك ما يسلب القدرة على التطلع إلى المستقبل بحرية واستقلال، أي قمع المشروع النهضوي العربي وفي مقدمة فقرات هذا المشروع :

تقليص حجم التبعية الاقتصادية: وفي تفاصيله الجانب الغذائي(الأمن الغذائي).

تقليص حجم التـخلف العلـمي: وفي تفاصيله التكنولوجي.

تقليـص التـبعية الاجتماعـية: وفي تفاصيله الحفاظ على شخصية مجتمعنا العربي الإسلامي.

تقليص التبعية الثقافية: (الأمن الثقافي)، وفي تفاصيله مفردات التطور الثقافي ـ الحضاري، والسعي لرفع إسهام ثقافتنا العربية في الثقافة الإنسانية العالمية في إطار العمل المشترك مع الشعوب والأمم لأن يكون هذا العالم أكثر إنسانيا وأكثر رخاء وعدالة، والكف عن اضطهاد الإنسان للإنسان، والأمم الغنية القوية للأمم الأقل ثروة وقوة، عالم التعايش السلمي والتعامل القائم على التكافؤ، عالم يشعر فيه أي إنسان، إن أي تقدم علمي بسيط في أقصى بقعة في العالم ينتمي إليه مباشرة، ولكنه يشعر بالمقابل أن أي صفعة يتلقاها أي إنسان ظلماً في العالم يوجعه ويدمي كبرياءه وكرامته.

 

ندعو المفكرين والعلماء والمثقفين العرب إلى وضع إطارات عامة، يمكن أن تحشد ورائها الحجم الأكبر من الجمهور. النظام العربي المنشود يفترض العدل والمساواة وتكافؤ الفرص أمام القوانين، ويفترض قيام دولة سيادة القانون العادل. أن الفكر الإسلامي، السياسي/ الاقتصادي مطالب بحل الإشكاليات القائمة في العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية، والتصدي لمشكلات التصنيع والتنمية بكافة فروعها، وتحقيق ثورة علمية / ثقافية، ومواجهة قضايا التحرر الوطني والقومي وتقليص التبعية للاستعمار والإمبريالية وانتهاج أساليب سياسية ناجحة مع تفهم لمعطيات العصر وسماته ومؤشراته، نظام يبدد آخر آثار ومظاهر وبقايا والتخلف والسبات الطويل، وليمضي بأقطارنا إلى القرن الواحد والعشرين وإلى غزو الأفلاك والكواكب.

وثمة أمر آخر يستحق الإشارة إليه، هو أنني أجد ضرورة التميز بين الفرق والمذاهب الدينية، والحركات السياسية  / الدينية المطلبية (Postulation)، وهنا ينبغي على الباحثين أدراك حقيقة هامة، هي أن كافة الحركات السياسية التي هبت منذ القرن الهجري الأول، وتحديداً منذ الصراعات الإسلامية ـ الإسلامية، التي كانت الخلافة والإمامة محورها، اتخذت مواقفها السياسية توجهات دينية لتكسب موقفها السياسي قوة ونفوذاً مضافاً بين الجماهير، في حين أن المذاهب التي نشأت واستمرت هي تفسير وإيضاح للشريعة وموقفها من شتى المشكلات سواء في مجال العبادات أو المعاملات. وكان انتشار الفرق والمذاهب، ومن تلك الفرق الباطنية والغالية، وقد اندثر الكثير منها في حين أستمر البعض الآخر موجوداً ولكن بتأثير وإشعاع ضعيف.

فلنركز على الموضوعات السياسية ذات الجوهر التقدمي في الإسلام وفي التراث والموروث:

 

ــ يمكننا أن نتلمس توجهات وأنظمة تهدف إلى تحقيق العدل الاجتماعي.

ــ يمكننا الحديث عن يسار ويمين في الإسلام.

ــ رفض للاضطهاد الطبقي واستغلال الإنسان للإنسان، ودعوة إلى اكتفاء الإنسان وأن ينال بقدر ما يكد وبقدر ما يحتاج.

ــ رفض لتمركز رأس المال بيد فئة قليلة لتتحول إلى أداة للقهر والتسلط.

ــ إدانة واضحة وصريحة لاكتناز الأموال وإدانة لفائدة رأس المال المالي.

ــ حقوق متساوية للبشر في الخيرات المادية وفي الدراسة والتعليم.

ــ مكافحة مظاهر الفساد التي تفرزها الطبقات الثرية.

 

أما الحركات السياسية التي اعتمدت بدرجة كبيرة على الشريعة كمصدر لشعاراتها السياسية، فأن هذه الحركات كانت تشبه (من حيث الجوهر) السكولاستية، Scholasticism في الكنيسة المسيحية التي حاولت في القرون الوسطي إخضاع الفلسفة لعلوم الدين(اللاهوت) وإقامة صلات لا تخلو من التناقضات بين الدين والفلسفة. ولا نعتقد أن شيئاً من هذا القبيل أو باليات مماثلة لما حدث في الكنيسة الأوربية رافق تطور الفكر السياسي العربي الإسلامي، ذلك أن الفلسفة كانت متقدمة في أوربا قبل حلول المسيحية بوقت طويل( كانت هناك أمم أوربية وثنية حتى القرن العاشر الميلادي). وقد أعتنق عدد كبير من الفلاسفة الأوربيين الديانة المسيحية في القرون الخامس حتى العاشر ميلادي.

 

فالسكولاستية كانت محاولة لتجسير الهوة بين عقائدهم القديمة وديانتهم الجديدة (لتأخر حلول المسيحية في أوروبا كما أسلفنا)، وبين ما تبلغوا به من أصول الدين وتعاليمه على أيدي القساوسة والرهبان، كما كان الرهبان بحاجة لهل بصفة خاصة لمحاورة أقطاب الفكر والفلسفة في أوروبا. لذلك كان قادة السكولاستية رهبان وقساوسة(أشتهر منهم بصفة خاصة القس توماس الأكويني)، ولكن أمراً كهذا لم يحدث في الحركات السياسية الإسلامية كما حدث في السكولاستية.

 

وينطوي الفكر السياسي الإسلامي (القرآن ـ الحديث والسنة) على الكثير من العناوين والإشارات السياسية كالعدل والشورى والبيعة والمساواة وسواها، وعلى قواعد للتعامل في السياسة الداخلية والخارجية، وفي الحرب والسلم، ولكن هذه العناوين السياسية بحاجة للتحديث والعصرنة (Modernisation) بأتجاهات تقدمية مما يمكن اعتباره أساساً ليشيد فوقه فكر سياسي عربي معاصر يهدف إلى إقامة نظام سياسي / اجتماعي ينشد العدل والمساواة، وعدم التميز بناء على العرق واللون والمعتقد،من خلال التغير نحو الأفضل "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرعد ــ 11)، ونعتقد أن هذه العناوين الواردة في (القرآن) تصلح للاستنباط والاجتهاد واستخراج أحكام جديدة وفق قواعد الاجتهاد، فالشريعة هنا بالنسبة للمجتمعات العربية ـ الإسلامية أشبه ما تكون بروح الدساتير) Spirit of the Lows) في صياغة أفكار وفي قراءة حديثة لها في عالم السياسة الدولية المعاصرة.

 

ويحق القول تماماً أن في حديث الرسول (ص) : (لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم ) ، ومثل هذا القول أكده الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب بقوله " لا تربوا أولادكم كما رباكم آبائكم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم " وتضم  الشريعة موضوعياً عناصر مشجعة للتقدم، وتقف في أكثر الأمور الحساسة موقفاَ مرناً مثل : عملية التطور، كقضايا الدولة والرئاسة، والقضايا الاقتصادية الرئيسية، ونعني بالموقف المرن، هو الموقف المتقبل للتطور والمتفهم للظروف المعاصرة. كما أن الشريعة تقف موقفاً متقدماً من قضايا توزيع الثروة الوطنية على أفراد المجتمع، وكذلك من قضايا الحريات الإنسانية في العمل السياسي، بالإضافة إلى أن الشريعة تمثل جزءاً أساسياً وحيوياَ من الرصيد الثقافي كما ينطوي أيضاً على جوهر شخصية شعبنا. وبتقديرنا، فأن المؤسسة الدينية (من المراجع الدينية)، عليها استيعاب دورها ضمن عملية النهضة الحديثة، وتوفير فرص التلاؤم والانسجام معها وليس الاصطدام بها.

 

ومن البديهي، بتقديري أن مهمة الدولة العربية الحديثة لا تتمثل في إقامة مفردات صغيرة(بصرف النظر عن أهميتها) كالحجاب أو أصناف الأزياء، أو تحريم تناول هذا الصنف من الطعام والشراب أو ذاك من الغذاء. بل بأبعاد نظام سياسي مقبول على مسرح السياسية الدولية، إن النظام العربي الإسلامي مطالب اليوم قبل كل شيء بإقامة مجتمع الكفاية والعدل، مجتمع يختفي فيه الظلم بكافة أشكاله، وفي المقدمة منه الظلم الاجتماعي/الاقتصادي، وأي ظلم أشد من ذلك الذي يقود في مرحلته القصوى إلى انفجارات، انتفاضات وثورات، ثم  قمع واضطهاد.

 

تهدف السياسة في نظرية الحكم الإسلامية إلى إقامة العدل وإشاعة السلم الاجتماعي بين فئات الشعب (الأمة)  باختلاف انتمائهم العرقي والديني  والطبقي بأساليب شرعية قانونية، ولابد أن تتوافق (تتلائم ) تلك السياسة بأهدافها وأساليب وقواعد تحقيقها مع قواعد ودستور العمل والشريعة الإسلامية بمصدريها الرئيسيين : الكتاب والسنة. أو أن لا تتنافض معهما تناقضاً صارخاً في جوهر توجهاتهما اللذان يمثلان الأساس القانوني والآيديولوجي لتلك السياسة، وبهذا المعنى، فإن العلوم السياسية الإسلامية تهدف إلى البحث في أركان وأسس إقامة هذه السياسة الشرعية العادلة.

 

وإذ تتوجه هذه السياسة بصفة مبدأية إلى الحكام فتأمرهم بالعدل ورد الأمانات إلى أهلها، وما الأمانات هنا سوى إعطاء كل ذي حق حقه، سواء كانت حقوقاً معنوية أو سياسية أو اجتماعية، فإنه يتوجه إلى الأفراد بوجوب طاعة السلطات، لأن تلك السلطات لا تهدف إلا خدمة البلاد والأمة تنفيذاً لأوامر الخالق (الله) وبحسب أحكام الشريعة، التي تنطوي على نظرية عربية / إسلامية للعقد الاجتماعي، إلا إذا أمر الحاكم بما يخالف شريعة الخالق، وهنا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وتمثل الآيتان 58 ــ 59 من سورة النساء " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم  بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعماً يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً. يا أيها الناس الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وأولى الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله وباليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً ".

 

تمثل هاتان الآيتان العنوان والمصدر الرئيسي لمثل هذه لمباحث في الحكم بالعقد الاجتماعي، يسندهما ويعززهما أحاديث كثيرة للرسول، منها " إن الله يرضى لكم ثلاثة : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاًـ وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاة الله أمركم ". فالحاكم إذن بحسب النظرية الإسلامية مخول بالحكم من الله طالما هو منفذ وماض وفق نظام الشريعة واحكامها، فرض على الرعايا، ومخالفته تعني مخالفة أوامر الله، فإذا توصلت السياسة الإسلامية إلى تحقيق الأمانة والنزاهة والعدالة، فتلك هي فحوى السياسة العادلة ومبتغاها، وكذلك الحاكم الصالح.

 

ــ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99  سورة يونس

ــ " فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر ". الغاشية. قرآن كريم.

ــ  " لا إكراه في الدين، أن أحسنكم عند الله أتقاكم  " . البقرة 256 قرآن كريم.

ــ حديث الرسول (ص): " لا يحتكر إلا خاطئ "

ــ حديث الرسول (ص) : " الناس شركاء في ثلاثة : النار والماء والكلأ ".

ــ حديث الرسول (ص) : " ليس منا من دعى إلى عصبية، وليس منا من مات على عصبية ".

ــ حديث الرسول (ص) :" لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل الإنسان ".

والخليفة الراشدي الأول قال " أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فان عصيت فلا طاعة لي عليكم".

وقال عمر بن الخطاب في الناس في مستهل خلافته " إن رأيتم في اعوجاج فقوموني ".

 

الفكر السياسي العربي موجود وثري، لكنه يحتاج إلى عصرنة، ولكن ما نحتاج إليه مزيد من الدراسات والتجارب في بلورة نظام عربي، فالشورى بحاجة إلى تحديد دقيق، وكذلك نظام الدولة، وعلاقة القوى الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومفاهيم ومصطلحات كأهل الحل والعقد. وأسس نظام اقتصادي بهدف للعدالة الاجتماعية، يقلل من فرص الصدام الطبقي>

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

هوامش

التراكم هو عملية تحويل جزء من فائض الإنتاج الاجتماعي إلى قوى إنتاجية جديدة.

وأكثر من ذلك، فقد ناضل الفاتيكان والبابا من اجل إخضاع كافة الكنائس الكاثوليكية حيثما كانت لسلطة البابا في روما، وكان الهدف من ذلك واضحاً، في تعزيز نفوذ الكنيسة حيال السلطة الدنيوية وتوحيد الجهود في كافة البلدان وجعلها قوة موحدة تحت قيادة البابا، فظهرت عقيدة تسعى إلى هذا الهدف، أطلق عليها أولترامونتيه Ultramontis (التأييد لسلطة البابا المطلقة) تسعى إلى إخضاع الكنائس الكاثوليكية حيثما كانت لسلطة البابا في روما، ودافعوا عن حقه في التدخل في الشؤون الدنيوية لي دولة.

وأمام غياب نصوص مسيحية مقدسة(من الإنجيل أو أقوال السيد المسيح عامة)عن وجود حدود واضحة بين سلطة الله والدين التي تمثلها الكنيسة ورجال الدين، وسلطة البشر الدنيوية التي يمثلها الملك، وحيث لا ينبغي الجمع بين السلطتين، فتلكم كانت المشكلة التي تثار. فكل من السلطتين تطمح بالمزيد من الصلاحيات وقد أشير بالرموز إلى السلطتين بنظرية السيفين، جلاسنوس Glasnias سيف الكنيسة وسيف الدولة، ولكن التطور التاريخي كان يشير دوماً إلى تقدم سلطة الملوك وإلى تراجع سلطة الكنيسة، وعبثاً كانت تجري محاولات البابوات في استعادة هيمنتهم ونفوذهم الآخذ بالانحسار

والقديس توما الأكويني 1225 ـ 1274 إيطالي المولد درس على يد البرتو الكبير 1206 ـ 1280. والبرتو الكبير هذا كان أول من دعا إلى التعامل مع الفلسفة وتجاوز عقد الكنيسة الكاثوليكية، وبذلك يعتبر المؤسس الحقيقي للمدرسة السكولاستية   Scholasticism التي واصل تلميذه الأكويني السير على خطاه وآخرون من بعده وإن كانوا اقل أهمية. ودرس الأكويني في جامعة باريس وانظم على سلك الرهبنة الدومنيكانية (التي أسسها القديس عبد الأحد دومنيك من قشتالة 1206 بأسبانيا،  وهو واضع فلسفة التوماتية Tomatism في علم اللاهوت، ودرس مؤلفات وأعمال ابن رشد وابن سينا، وله مؤلفات عديدة منها " الخلاصة اللاهوتية)(الخلاصة ضد الأمم) ومختصر جهوده الفلسفية، هو أنه حاول أن يقيم الصلة بين الدين والفلسفة، وإخضاع منطق وفلسفة أرسطو للاهوت المسيحي الكاثوليكي بعد إدخال تعديلات وتأويلات تساير هذا الهدف، وقد وصف علماء ومؤرخون هذا العمل بالتزوير والتشويه

 المركز العربي الألماني

 برلين

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

  دراسات ـ إعلام ـ معلومات

 

قيادات وزعامات بالفهلوة

ضرغام الدباغ

كتبت مرة مقالاً عن الإخراج السينمائي، وكان المخرج المصري حسن الإمام قد سئل مرة، عن مدرسة الإخراج التي يؤمن بها أو يتبعها، فأجاب " مدرسة أيه وبتاع أيه .. أنا أشتغل بالفهلوة ..! " والكارثة التي اريد الكتابة عنها اليوم هي أن الكثيرين الآن (وبتخصصات مختلفة) وصلوا إلى ما وصلوا إليه من مراكز ومناصب بالفهلوة، وذلك باستثمار علاقاتهم، السياسية (منح الولاء السياسي وهي غير القناعات المبدئية ..!) أو قدراتهم المالية، أو علاقاتهم الأسرية والعشائرية، أو قابليتهم في التملق والتسلق والتحليق للمراتب العليا، بلا كفاءة ولا استحقاق وبما نسميها في العراق (باللواكة)، وفي بلاد الشام تسمى (مسح الجوخ) ولربما أكثر والله أعلم ..! وقد أصبح في أيامنا الكالحة هذه بحد ذاته مدرسة فنية طويلة عريضة. وليس من الغريب في هذه الحالة أن يتقدم هؤلاء المتسلقون الصفوف، ويقدمون خدمات تنطوي على التملق والاستخذاء ...

 

بتقدير الكثير من العلماء والمختصين، فإن  واحدة من أشد نكبات البلدان النامية (العالم الثالث)، هو حلول شخصيات سياسية أو تكنيكية في مواقع لا تستحقها، بمعنى أنها غير مؤهلة وبالتالي قادرة : على أولاًــ إيفاء موقعها حق قدره، كفاءة وعطاء، وثانياً ــ تطوير الموقع نفسه، وهذه مستحيلة، وغالباً ما يتم ذلك على حساب إقصاء العناصر القديرة والكفوءة، وهذا يتم تحت شتى المبررات. ويجري هذا في داخل البلد وخارجه،  ففي داخل البلاد، الكثير جداً ممن يتبؤون مناصب كبيرة لا يحملون تأهيلاً حتى بسيطاً، وبالتالي من المؤكد أنهم لا قدرة لهم على إدارة مستحقات الوظيفة ولو بالحد الأدنى من الكفاءة. وقد تدور هذه العملية بتخطيط متعمد، والهدف هو واحد : هو تسليم البلاد لمن لا يستحقه. ولكن العملية تدار أحياناً بشعارات وعناوين أخرى لتصبح مهضومة، وقد شاع هذا الطراز من القيادات الوظيفية وجرى تطبيعه بحكم القانون والاستمرارية، وعبثية الاعتراض والاحتجاج حتى أصبح " طبيعياً "، واليوم أصبح هذا الضرب من الوصول والتوصل مفهوماً عاماً وقد سأم حتى الرأي العام عن الحديث به .... بل أصبح من النادر أن نصادف خلال حياتنا العملية موظفاً كفوءاً يقوم بواجبه بصورة صحيحة.  ويجري هذا في كافة مرافق الحياة دون استثناء والمحصلة واضحة، كارثة على جميع المستويات.

 

وفي العمل الخارجي، طالما شاهدنا شخصيات أوفدت للخارج للعمل كسفراء، وهم في الواقع مبعدون عن الحياة السياسية، أو شخصيات يراد لها أن تستمتع بمزايا الخدمة الخارجية ولكن دون استحقاق ولو بدرجاته الدنيا، فتجد سفراء لا يعلم معنى الدبلوماسية، ولا حتى ألف باء العمل الدبلوماسي، وملحقون عسكريون لا يعرف أبسط المفاهيم العسكرية، وملحقون اقتصاديون لا يعرفون حجم التبادل التجاري بين بلادهم التي أوفدتهم، والبلد الذي يعمل فيه ..! فقد أرسل ليتولى هذا المنصب فقط لأنه شقيق زوجة المسؤول الفلاني، أو قريبه بدرجة ما. أو من عشيرته، أو من بلدته، أو من الحزب السياسي الذي ينتمي له. ولهذا تعاني المؤسسات من عجز لا يمكن تصوره، والنتائج بطبيعة الحال لا تسر القارئ. وأمثال هؤلاء الموفدون لا يجهدون أنفسهم حتى بتعلم المهنة، لأنه نالها دون استحقاق وسيتمتع بها طالما هو يتمتع بالصلة (س) الذي أهلته لهذا المنصب المهم الذي يدفع الشعب راتبه وتمتعه من عرق جبين الكادحين.

 

ذات يوم قلت لشخصية حكومية، وكنت صادقاً ومخلصاً فيما قلت: " ليت شعري ماذا يفكر السيد (س) وهو يتناول فطوره ثم يضع رباط العنق ويرتدي سترة فخمة، ذاهب للعمل ... وأي عمل ..! رئيساً للوزراء ...!، ترى ماذا سيجيب وزير المالية إذا سأله بضرورة عمل مناقلة، أو تدابير العجز في الميزان التجاري، أو معالجة التضخم، وهناك تقليعة جديدة أن يكون حتى المستشارون أشباه أميين، أو وزيراً لا يعرف عن شؤون وزارته حتى الخطوط العريضة .. ونسمع يومياً تبوء فلان وهو بالكاد يفك الخط خريج ابتدائية. فأجابتني تلك الشخصية " لا توجد مشكلة فوزير المالية نفسه لا يعرف ما تعني المناقلة " مالعمل ... لا شيئ سوى انتظار أن تتوقف الطاحونة ذات يوم عن الجرش والهرش ..  

 

والكارثة الأكبر هي عندما يصل البعض للزعامات القيادة في الأحزاب الثورية بأساليب ما أنزل الله بها من سلطان فهذا هو عجب العجاب والعجائب. وفي تقاليد الحركات الثورية، هناك شروط صارمة لتولي المناصب القيادية وهي قائمة على ثلاثة شروط رئيسية  وسوى ذلك صعود غريب سيحين يوم سقوطه الغريب :

1.      القدرة التنظيمية: وهذا يتطلب أن تكون له خبرة وإمكانية جيدة عمل في مختلف القيادات السياسية.

2.      القدرة الثقافية / الفكرية: وهذا يتطلب أن يكون القائد السياسي على درجة رفيعة من الثقافة.

3.      التاريخ والتجربة النضالية: وهذا يعني أن يكون القائد قد خاض عمار معارك نضالية صعبة اجتازها بنجاح.

  

وقد هبط اليوم مستوى التقاليد الثورية بدرجة بحيث شاع بدرجة ما توريث الزعامة السياسية للأبناء بعد وفاة الآباء، ويجري ذلك على صعيد توريث الحكم والزعامة الحزبية من ضمنها .. والغريب أن بعض الكوادر القديمة لا تمانع  هذه العملية المسلوقة (وأحياناً المشبوهة)علناً، لأنها فقدت القدرة على النطق العلني، فيدور كل شيئ في الخفاء، لذلك تشيع التكتلات الحزبية لأن لا أحد يستطيع الإدلاء برأيه علناً ولا يغامر برأسه، والتكتلات آفة العمل السياسي / الحزبي، وشيوع وأتساع ظاهرة الأستزلام في الأحزاب الثورية، حتى بلغ الأمر أن يمارس الاستزلام والتكتل في القيادات الصغيرة، وهكذا يتسلل العطب للتنظيمات الثورية أيضاً .. فهذه الظواهر متلازمة الواحدة تسحب الأخرى، وتعدد الأقطاب يقود أيضاً إلى سهولة عمليات الاختراق، وهي آفة الآفات، وهكذا يفقد الحزب الثوري خصائصه الثورية ويتحول إلى تجمع لا علاقة له بالتغير الذي تعلق الجماهير آمالها عليه.... !

 

ومن المؤسف أن يصبح حتى التعليم ملعباً للغش والتزوير، ففي إطار هبوط عام يصيب البلاد والمجتمع، وإذا كان الخوف من القانون قد ذهب مع الريح، فعلى الأقل ينبغي أن يكون هناك حياء يتمتع به الإنسان السوي، وأن لا يهبط لمستوى الجدل (أدعاء العلم). وبلغ الحد بالناس (للأسف) أنهم صاروا يتقبلون ويألفون (بحكم الاستمرارية والعادة) فكرة الشهادة الدراسية والعلمية المزورة، وبعضهم يتفهم ويجد العذر لمن يزور الشهادة العلمية مع أنها تعتبر جريمة في القانون يعاقب عليها بالسجن. وآخر يبلغ الإسفاف به درجة أن يقول " يعني الدكتوراه مشكلة ؟ " فأجيب بالطبع ليست مشكلة، ولكن الأمر يحتاج لأن يربط الإنسان نفسه على مقعد الدراسة لنحو 10 سنوات (كلية / ماجستير / دكتوراه) يكد فيها بمعدل بين 7 / 10 ساعات يومياً. والشهادة الجامعية تعني أنه مؤهل للبحث في تخصص معين ولا تعني مطلقاً أنه مثقف، وبعض من هؤلاء يتجرأ ويطرح نفسه كمفكر حتى ....

 

وفي بلداننا فإن الأمر قد تحول لمشكلة حقيقية، فهناك كم غير معروف، ولكنه حتماً بالألوف من شهادات الثانوية والكليات، وللأسف شهادات الماجستير والدكتوراه، إما مزورة بشكل كامل، أو أنه أشتراها من مؤسسة علمية / تجارية، أو من جامعة غير معترف بها، وشخصياً واجهت الكثير من هؤلاء، ينتحلون شهادات وألقاب علمية (في الطب والقانون، والاقتصاد، والسياسة والتاريخ ...الخ). وفي البلدان التي يحترم فيها القانون، يتعرض من يحمل شهادة مزورة أو صادرة من جهة غير معترف بها علمياً للمساءلة القانونية، كمن يحصل على شهادة طبيب من سمكري أو نجار، شهادة لا تساوي حتى الورق الذي كتبت عليه، ولكن صاحبها يضعها  في إطار فخم وتعلق في صدر الصالون كتحفة، وحاملها يضع ( د. ...) قبل أسمه الكريم، الذي قد يكون أسماً وشخصاً كريما حقاً، وقد يكون شخصية لطيفة بدون هذا اللقب، ولكن الناس وما يهوون مذاهب ..

 

لاحظ عزيزي القارئ ... أن هذه الظاهرة بأتساعها تمثل مشكلة خطيرة، وهي تنمو طولاً وعرضاً، كما ونوعاً, وهناك أشخاص كنا نعتبرهم من الشخصيات المحترمة، فإذا بها تجازف بسمعتها الطيبة وتقامر مقابل مكاسب تافهة لا قيمة جوهرية لها، وهذا يعبر بدوه عن تغير في قيمة اعتبارات النزاهة والكرامة وتجنب السقوط في مزالق معيبة، للأسف هذه ظواهر بقدر ما هي مؤسفة، هي مزعجة أيضاً أن يفقد الناس القدرة على الخجل .... كل ذلك مؤسف ... مؤسف بدرجة كبيرة، ولهذا السبب وغيره انحدرت مستويات القيم السياسية والاجتماعية والثقافية لهذه الدرجة المؤلمة، فهؤلاء الذين نعنيهم هم المسئولون بدرجة أساسية عن حالة الانحطاط، وبعدها الإمبريالية والصهيونية والأعداء الخارجيين عليهم اللعنة أجمعين .....

 

 

مدخل

 لدراسة الإرهاب الدولي

 

د. ضرغام الدباغ

 

تمهيد :

 

شاع في العقود الأخيرة استخدام مصطلح الإرهاب في معناه القانوني / السياسي، حتى غدا واجهة لفعاليات دولية عديدة. ومع تصاعد وانتشار أعمال وفعاليات إرهابية، تحول إلى فقرة هامة في السياسة الدولية، وإحدى هواجس السلم والأمن والاستقرار الدولي.

 

وطالما أن مفهوم الإرهاب ينطوي بصفة عامة على : جوهر أساسي يتمثل بقناعة وإيمان الإرهابي بأن العدالة في مجال تحقيقها وتطبيقها، هي رهن إرادة قوة تفوقه قوة ومكانة، وبذلك فهي غير ممكنة التطبيق كواقع موضوعي بصورة حيادية، لذلك فإن عدالة المظلومين هي في اللجوء إلى ما يمكن أن يستخلص به حقوقه، أو جزء منها، أو باللجوء إلى معركة غير متكافئة، يمارس كل طرف القوة بالطريقة المتاحة، وفي هذا الإطار تندرج فعاليات كثيرة تدور في أرجاء مختلفة من العالم.

 

وباعتبار أن الإرهاب ينتشر بصفة مطردة، يتعدى الحدود الوطنية والقارية، بما يكفي لتضفي عليها الصفة الدولية، ولم تقتصر الفعاليات الإرهابية البلدان النامية، بل شمل العمل الإرهابي المجتمعات الصناعية، من خلال منظمات تأسست في تلك البلدان لأهداف متباينة. ولم تنجح الأجهزة الأمنية بالرغم من استخدامها تقنيات متقدمة في قطع دابر فعاليات الإرهاب سواء في بلدانها أو تلك الوافدة إليها، إذ تمكن الإرهاب بدوره من مواكبة التطور التقني، وتنفيذ فعاليات قائمة على المعطيات التقنية.

 

هذه المعطيات ومفرداتها الكثيرة والموضوعات المتعلقة بها، تدعو المجتمع الدولي بمؤسساته المختلفة، للتداعي وتدارس أنجع الأساليب التي تؤدي إلى معالجة ظاهرة الإرهاب التي بدأت للأسباب المذكورة تؤثر تأثيراً بالغاً على العلاقات بين الدول، وتخل بركائز الأمن العالمي، وهذا يستدعي بادئ ذي بدء، التشاور في المنظمات الدولية من أجل التوصل إلى تعريف دقيق للإرهاب، ودراسة السبل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، قبل العسكرية.

 

وقد شهد العالم بتنامي ظاهرة استخدام العنف المسلح، والإرهاب، إلا أن لابد من الإقرار كذلك، بأن تحت لافتة الإرهاب قد جرت احتلال دول أخرى وقتل مئات الألوف من مواطنيها الأبرياء وتشريد ملايين من سكانها، ونهبت ثروات، وفرضت اتفاقيات جائرة إرغامية، وجرى تحويل ساحات العمل الدولي إلى ميادين تفرض فيها القوى العظمى إرادتها، وتشرع للعدوان بأسم القانون، والخضوع للأمر الواقع، وبذلك أساءت وألحقت بالغ الضرر بفكرة الإرهاب وإدانته وبالتالي التصدي له محاربته.

 

ومن هنا تنبع ضرورة موضوعية أهمية التوصل إلى تعريف دقيق لمفهوم الإرهاب، ووضع قواعد أساسية في الاتفاقيات والمعاهدات، والوضوح في قواعد القانون الدولي ذات الصلة بالإرهاب، ولكن مع التأكيد على احترام حقوق الشعوب في مقاومة العدوان والاحتلال، والتأكيد وتفعيل الاتفاقيات الدولية بهذا الخصوص التي تؤكد حق الشعوب في الحرية وتطلعاتها وحقوقها في التطور العلمي والاقتصادي، وحقوق البشر وممتلكاتهم، وحقوقهم الأساسية في اختيار النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يختارونها، وحق الإنسان في الأمن والحياة الكريمة، وإدانة من يشيع الخراب والدمار والمساعي لتقسيم البلدان، بقوة وسلطة الاحتلال.

 

الحرية والأمن والكرامة هي حقوق طبيعية لجميع البشر أينما كانوا وفي ظل أي نظام كانوا ... والإنسان في أي مجتمع كان، لا ينبغي أن يستجدي حقوقه الطبيعية.

 

تعتبر ظاهرة الإرهاب ظاهرة عالمية، شهدها التاريخ البشري في شتى العصور، ومختلف الحضارات،  وأتخذ أشكال وأساليب مختلفة باختلاف الأهداف والوسائل والأيديولوجيات المتعلقة بهذه الظاهرة، فالأعمال الإرهابية خطيرة التأثير بتعريضها حياة الأفراد ولا سيما الأطفال والنساء والشيوخ، أو تدمير الممتلكات عشوائياً.

 

والإرهاب اليوم، كما في الماضي لم يقتصر على توجه سياسي محدد، أو منطقة معينة، ونجد اليوم في معظم القوانين الجنائية لدول العالم فقرات تتصدى لمعالجة ظاهرة الإرهاب، وتضع العقوبات الصارمة لمرتكبيها، إن كان الإرهاب نابعاً وموجهاً في الداخل (ضمن حدود الدولة). ولكن المشكلة تتسع وتأخذ أبعاداً جديدة إذا تعدت الحدود الوطنية وشملت بلداناً أخرى، فيتحتم اللجوء إلى عمل دولي للتصدي لها وللقانون الدولي لمعالجتها، بالإضافة إلى ما ينطوي عليه من تهديد مباشر أو محتمل للأمن والسلم الدوليين.

 

وباعتبار أن الإرهاب يخلق حالة من الرعب، وينطوي جوهرياً على الاعتداء على الآخرين، وتختلف دوافعه من شخص لآخر، ومن جماعة لأخرى. كما تختلف الأسباب الباعثة على الإرهاب بحسب الحالة الواقعة، فقد يكون الإرهاب نتيجة لأحد البواعث التالية :

 

ــ اعتداء وقع نتيجة لرغبة ذاتية.

ــ نتيجة لظروف آنية.

ــ كما تختلف المعايير التي يمكن على أساسها تصنيف أسباب الإرهاب، إذ تختلف وجهات نظر الباحثين حيال ذلك بناء على :

 

ــ اختلافهم في تعريف الإرهاب.

ــ خلفياتهم الثقافية، والسياسية.

ــ الفئات والشرائح والحالات التي أجريت عليها الدراسات.

 

وبرغم التحذيرات الواسعة التي تنبئ بأن الهجمات الإرهابية سوف تكون من المشكلات الدولية وواحدة من تحديات القرن الحادي والعشرين، بعد أن كان الاستعمار من مشكلات القرن التاسع عشر والعشرين، والحرب الباردة لمعظم عقود القرن العشرين، إلا أن الفقه القانوني الدولي ما زال يفتقر إلى تعريف دقيق جامع محدد وواضح للظاهرة الإرهابية. وعلى الرغم من هذا النقص الخطير، إلا أن هناك أنشطة متفق عليها أيا كانت الدوافع التي ورائها، وهي على شكل معاهدات واتفاقيات دولية.

 

إن ما يعد إرهاباً من قبل البعض، يعتبر عملاً مشروعاً من قبل الآخرين، وذلك لغياب الموضوعية في تحليل بنية الظاهرة الإرهابية، فقد شنت الحروب من أجل الإرهاب، واحتلت بسببه دول، وأتهم الإسلام بإنه دين يدعوا للإرهاب، وكل دولة أو منظمة دولية كانت أو إقليمية، أعطت تعريفاً لإرهاب بما يتناسب مع أوضاعها ومصالحها، ولم يؤدي أي تعريف إلى قبول من الجميع، بل وحتى منظمة هيئة الأمم المتحدة لم تنجح إلى الآن من وضع تعريف شامل يحضى بقبول الجميع، نتيجة لهيمنة القوى العظمى على المنظمة الدولية.

وهناك اتجاهان أساسيان لتعريف الإرهاب :

 

الأول : أن الإرهاب هو عمل منظم تقوم به جماعات ومنظمات وأحزاب، يرتبط نشوئها بقضية سياسية أو اجتماعية .

الثاني: اتجاه يرى أن الإرهاب ليس مقصوراً على الحركات والمنظمات والأحزاب، بل يمكن أن تمارسه وترعاه الدول والحكومات حتى يغدو جزء من سياستها الخارجية، وهو ما يسمى بإرهاب الدولة.

وتمارس الدول هذا النوع من الإرهاب عندما تكون لديها أهدافاً سياسية غير معلنة، تعجز عن تحقيقها بالوسائل الدبلوماسية. وهناك أساليب متعددة لإرهاب الدولة منها العنف والاضطهاد العرقي والاجتماعي والديني والسياسي، ضد شعوبها أو الشعوب المحتلة، كأنظمة محتلة، أو ديكتاتورية، وهو بحسب تقارير محكمة العدل الدولية من أسوء أنواع الإرهاب، لأنه من الداخل إلى الداخل، فيفقد عنصر الأمر والاستقرار في البلاد، وليس نادراً ما يؤدي إلى الحروب الأهلية أو انتشار العنف على نحو واسع، مغذياً النزاعات العرقية والطائفية.

 

وتقر المواثيق والمعاهدات الدولية حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والعدوان الخارجي عليها، ومن أهم هذه القرارات :

قرار الجمعية العامة رقم 1514 عام 1960.

قرار الجمعية العامة رقم 1034 عام 1972.

قرار الجمعية العامة رقم 3103 عام 1073.

معاهدة قمع واحتجاز وتعذيب الرهائن عام 1979.

 

هذا إلى جانب العديد من مقررات المؤتمرات الدولية التي أقرت بحق الشعوب بمقاومة الاحتلال والعدوان، ومنها مقررات واتفاقيات العربية والإسلامية التي فصلت ما بين الكفاح المسلح الذي يهدف إلى تقرير المصير والاستقلال، وبين الإرهاب.

 

هذا الاختلال الجوهري في فهم الإرهاب يقود إلى سوء تقدير كثيراً ما عبر عن نفسه على أرض الواقع فينظر إلى المعتدي والمعتدى عليه بصورة معكوسة في ظل غياب الرؤية الدقيقة، رغم أن المواثيق الدولية قد أقرت بحقوق الشعوب في الدفاع عن نفسها منذ عام 1948، بيد أن الرؤية المنصفة والعادلة للقرارات الدولية هي ما يحول أن تأخذ العدالة مجراها. كما أقر نص ميثاق الأمم المتحدة في مادته الأولى / الفقرة 2 الفصل الأول وأشار إلى مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها على حق الشعوب في تقرير المصير وقيام العلاقات الدولية على أساس من احترام الشعوب وتسوية الحقوق بين الشعوب، وحق كل شعب بتقرير مصيره. كما نصت المادة 55 من ميثاق الأمم المتحدة في الفصل التاسع الخاص بالتعاون الدولي على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية وضرورة قيام علاقات سلمية ودية بين الشعوب، وأن تعمل الأمم المتحدة على : " أن يشيع في العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تميز بسبب الجنس أو اللغة، أو الدين، ولا تفريق بين الرجال والنساء ومراعاة تلك الحقوق والحريات فعلاً ".

وكانت الجمعية العامة قد قررت عام 1970 المبادئ التالية :

 

ــ إن استمرار الاستعمار بأشكاله ومظاهره يعد خرقاً لميثاق الأمم المتحدة، وإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة ولمبادئ القانون الدولي.

ــ إن للشعوب المستعمرة حقاً أصيلاً في الكفاح بجميع الوسائل الضرورية التي في متناولها ضد الدول الاستعمارية التي تقمع تطلعها إلى الحرية والاستقلال.

ــ إن على الدول الأعضاء تقديم مساعدة معنوية أو مادية تحتاج إليها شعوب الأقاليم المستعمرة في كفاحها لنيل الحرية والاستقلال.

ــ يعامل جميع المناضلين من أجل الحرية في الاعتقال كأسرى حرب وفقاً لاتفاقية جنيف المتعلقة بأسرى الحرب لسنة 1949.

ــ والصراحة في العجز الدولي تجلت في عام 1972 بمطالبة الأمين العام للأمم المتحدة (كورت فالدهايم) بأن من المستحسن عدم البحث في ظاهرة الإرهاب دون أن الأخذ في الاعتبار الخلفيات المسببة للإرهاب في أنحاء عديدة من العالم، محملاً القوى العظمى القسط الأكبر من المسؤولية عن تفشي ظاهرة الإرهاب للأسباب الآتية :

ــ ممارسة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي، وتهاون الدول الكبرى في القيام بواجباتها التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة.

ــ تواطؤ الدول الكبرى وتحيزها أدى إلى فشل منظمة الأمم المتحدة في تحقيق التعاون الدولي وحل المشاكل الدولية العالقة.

ــ اغتصاب استقلال الشعوب المستضعفة الحق بها ظلماً وحرماناً، أخفقت الأمم المتحدة في تحقيق التعاون الدولي وحل المشكلات بصورة سلمية.

 

وذهب الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره ليعالج جوهر الإشكالية: إذا كانت هناك أعمال إرهابية تستحق المساءلة، فهناك أعمالاً ترتبط بقضايا سياسية واجتماعية نابعة من المظالم التي تعاني منها الشعوب التي تعرضت للقهر. وبالتالي يقودنا هذا إلى استنباط قاعدة : إذا كان لابد من القضاء على الإرهاب فلابد من القضاء على مسبباته أولاً.

 

ويصيب العجز في الرؤية والفصل قضايا وملفات كثيرة في العالم، ولكنه يتمثل بصورة واضحة ودامية في القضايا المتعلقة بالعالم العربي والإسلامي. ومن ذلك قضايا العراق وفلسطين وأفغانستان، والشيشان، والفلبين، وأرجاء أخرى، على الرغم من إقرار الأمم المتحدة بحقوق هذه الشعوب، ولكن وبسبب الخلط بين مفهوم الإرهاب وحق المقاومة، يصطدم بتفسيرات تلائم مصالح القوى العظمى، ومن تلك أيضاً موقف الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن حيال القضايا الفلسطينية، والعراق وأفغانستان، وموقف الاتحاد الروسي والصين حيال أعمال القتل والإبادة والتدمير الذي يقوم به النظام للشعب السوري، وأعمال اقمع والتدمير في الشيشان.

 

ونجد من الأهمية الإشارة إلى ملاحظة هامة في موضوع الكفاح المسلح  وحق تقرير المصير تتلخص في نقطتين هامتين هما.

 

الاحتكام إلى القانون الدولي في تحديد الأعمال فيما إذا كانت إرهاباً أو كفاحاً مسلحاً شرعياً.

إن في اعتبار أعمال الكفاح المسلح للشعوب يجانب العدالة من وجهة نظر القانون الدولي.

 

تطرح هذه الصور المتعددة للأعمال التي يمكن أن يطلق عليها مقاومة شرعية، أو إرهاباً، بيد أن الصورة الناجمة تقوم على خلفية أن الإرهاب لا ينشأ إلا حيث يكون تنازع واختلاف وصراع حول قضايا جوهرية، توفر بيئة تسهل قيام هذه الحالة. ويمكن بعد مسح تاريخي أن نشخص البيئة التي توفر الحاضنة

والفرص :

 

ــ البيئة التي تحاول قوى أجنبية / محتلة أو مستعمرة، أن تخلق أنماط استيطانية / استعمارية.

ــ البيئة الاستبدادية التي يمارس فيها القمع والاضطهاد من قبل أنظمة طغيانية حاكمة.

ــ البيئة التي توفر صراعاً طبقياً حاداً، تنعم أقلية بالحياة والمكاسب الاقتصادية فيما لا تنال الغالبية إلا الفقر والشقاء.

ــ البيئة التي لا تتسم بالمساواة بين المواطنين، فتضع حدوداً اجتماعية / اقتصادية / ثقافية بين الأعراق والطوائف.

ــ البيئة التي تعيش ظروفأ تتميز بمقاومة عدوان خارجي.

 

يتضح مما تقدم أن الإرهاب الذي يتسم بالقوة والشمولية إنما هو ينبع من أسباب وظروف ومسببات،

وبالتالي فإن أي معالجة تستند إلى استخدام القوة، والقوة المفرطة، سوف لا تؤدي إلى نتائج نهائية، ومقبولة، بل أن المشكلة ستظل جمرة تحت الرماد، قد تلتهب لدى أي عارض.

وبتقديرنا فإن أي معالجة من أجل أجتثاث الإرهاب تقتضي الحكمة أجتثاث أسبابه وظروفه، ينبغي أن تتوجه لإنهاء حالة الظالم والمظلوم، وبناء علاقات ضمن الدولة أو على مستوى العلاقات الدولية قائم على احترام خيارات البشر.

 

ــ احترام حقوق الإنسان في كافة البلدان، وخلق آلية دولية محايدة لمراقبة احترام الحريات الإنسانية الأساسية في كافة بلدان العالم .

ــ إنهاء كافة أشكال الاستعمار والاستيطان في العالم.

ــ الوقوف بحزم ضد الحكومات الطغيانية والديكتاتورية.

ــ تقليص مساحة الفقر من حيث توفير حاجات الإنسان الأساسية في السكن والصحة والتعليم.

ــ التوجه بشكل عادل لحل الملفات الدولية العالقة، وإبعادها عن مصالح القوى العظمى والتوازنات بينها.

ــ الانفتاح بين الحضارات العالمية والسعي لتكاملها بدل إشاعة ثقافة التناقض والصراعات بينها.

 

عرضنا بشكل موجز أهم النقاط التي ينبغي أن تكون موضع فحص وتدقيق في دراسة الإرهاب، والإرهاب الدولي، وينبغي أن ندرك أنه ملف واسع ويحتمل الكثير الدراسات في شتى الأبعاد، قياساً إلى التطورات الكبيرة التي يشهدها العالم في كافة المجالات وفي المقدمة منها ذات التأثير الكبير والمباشر هو الثورة في عالم الاتصالات والمعلومات، وأستخدم الفضاء لتقنيات المعلومات والاتصالات، والنقل الجوي، والتقدم التكنولوجي والتقدم الاقتصادي الهائل وأتساع حجم الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، وتنوع أنظمة الحكم، وغيرها مما تشكل فقرات أساسية في عالم يتغير بسرعة شديدة.

تدعو هذه العناصر المجتمعات العالمية وعلماءها إلى تدارس دقيق موضوعي للمشكلة وصولاً إلى حلول شاملة أو شبه شاملة في إطار :

 

ــ وضع مفهوم دقيق متفق عليه للإرهاب، وتميزه عن المقاومة المشروعة.

ــ مساندة المجتمع الدولي للشعوب التي تتعرض لغزو خارجي / استيطاني، وإدانة التوسع وفرض الهيمنة باستخدام القوة المسلحة.

ــ إبعاد المدنيين من مخاطر الحروب والنزاعات المسلحة.

ــ منح التعاون الدولي أبعاد حقيقية تبعده عن الاستغلال والنهب وجني المكاسب.

ــ مواجهة إرهاب الدولة من خلال تضامن دولي فعال مع الشعوب التي تتعرض لإرهاب أنظمة ديكتاتورية.

ــ وضع آليات منظمة لتبادل ثقافي وحضاري سلمي بين الشعوب، وإدانة الأفكار سواء كانت من الأفراد أو من المؤسسات التي تدعو إلى صراع الأفكار والحضارات.

 

 

المركز العربي الألماني

 

برلين

ـــــــــ

المراسلات :

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

بصراحة

 ضرغام الدباغ

 

حديثي هذا موجه لأطراف الحركة الوطنية والقومية في الوطن العربي، وهي دون ريب تمثل أرائي الشخصية حيال الأحداث التاريخية التي سأتحدث بصددها كرؤوس نقاط  دون تفصيل ..!

 بكل صراحة موجعة، نحن نلعب لعبة الروليت الروسية أي أن حظوظنا في كسب المباراة هي  1 / 6، فنحن ننتظر(وبتقديري أنه انتظار عابث) أن تقتنع الأطراف الدولية نهم فتحوا أبواب الجحيم في الشرق الأوسط سيحرق الأخضر واليابس. ولكن هذا بالضبط ما يريدوه لنا، (أن يحترق الأخضر واليابس) وهم يعرفون أكثر مما نعرف من دقائق ما حدث ويحدث .. وبفرقنا الحالية تبدو فرصتنا أقل بكثير حتى من الروليت الروسي. ولابد من الصراحة، ولم يبقى لدينا غير أن نتصارح، وهذا لوحده سوف لن ينقذ الموقف، ولكن ربما ... نقول ربما سيضيف بعض المصداقية على اكتشافنا للخلل في عملنا، وعلى صدق نوايانا وخططنا للمستقبل. وقد نستعيد ثقة الجماهير أو بعض من الثقة المفقودة.

 لقد طال صمتنا حرصاً أكثر مما ينبغي، فتارة حرصاً على وحدة الموقف(ولم يتحد موقفنا)، وتارة أن لا يشمت العدو بنا(وقد شمت بنا القاصي والداني)، وأخرى حرصاً على من نحب من القادة والزعماء والرموز(ولم ينفع حرصنا فخسرناهم) ... تعاملنا مع الأمر وكأنه شأن عائلي محض، عيب لا يجوز للغريب الاطلاع عليه، وهكذا طال صمتنا سنوات طويلة ومعظم من تصدى للعمل بمستوى قيادي يعلم موطن الخلل ويسكت عنه، نعرف أين الثغرة ونتركها حتى تسللت كل ديدان الأرض، وجراثيمها، وشهدنا بأم أعيننا خراب بلداننا.

 

أين هي مواطن الخلل ... سأتناول البعض منها ... البعض فقط ...! وقد عاصرت شخصياً معظمها بل وشاركت في بعضها ..! ولكن الموضوع ليس شخصياً بحال من الأحوال، إذن فلندخل في جوهر القضايا ونتحدث عنها بصراحة .. بلا محرمات ولا ممنوعات ..

 

السؤال هنا لوغارتمي، الواحد يقود ويفرخ عشرات الأسئلة، وهذا الحال نجم عن تراكم زمني وتاريخي لأحداث خطيرة وتراجعات تركت دون امتلاك الشجاعة لتحليل ما جرى واكتشاف الأخطاء في حينها، والخطأ قاد إلى سلسلة من الأخطاء، وهكذا فما نجده من خلل خطير إنما هو في الواقع ناجم عن إهماله دون علاج، ليتفاقم الجرح ويتحول إلى التهاب، والألتهاب إلى غنغرينا .. ونحن نعلم ما هو علاج الغنغرينا ..! الخطأ في مراحله حتى الأولى لم يكن خفياً، بل كان واضح للعيان، ولكننا تعودنا أن نتغافل، ونغفر لمن يتكاسل أو يهمل فيترك الباب مفتوحاً ليدخل اللدود والنمل وسائر الزواحف  ..!

 

1. ثورات الضباط الاحرار :

لماذا قبلنا لثلة من الضباط (لا نناقش نواياهم، بل نتائج أعمالهم) أن يسقطوا أنظمة كانت قائمة ومستقرة بداعي العروبة والثورية، لنفترض أنهم فعلوا عملاً طيباً، ولكنهم امتنعوا عن العودة إلى ثكناتهم مما تسبب  بإنهاء قاس للحياة السياسية السليمة، ثم لم تكن لديهم برامج سياسية أو إعمارية / تنموية، لنقل أنهم عسكر نواياهم كانت وطنية، ولكنهم لم يقبلوا أن يشركوا من يمتلك ناصية العلم والتجربة، وفي النهاية قادت حركاتهم إلى تدمير البلدان. والفشل يلاحق الفشل، دون أن يمتلك أحد الجرأة ومن موقع وطني قومي تقدمي أن يدعو لوقفة تأمل، هذه الانقلابات (بعيداً عن تقييم قادتها) لم تكن تمتلك حتى تصوراً سطحياً لما يجب أن يكون، وتحت شعارات خلابة وشعارات شريفة، ولكنها في الواقع، أدت إلى تدمير الإنتاج الزراعي، ولم يقام بديل عنه، البديل تمثل بهبات إصلاحية تهدف إلى تحقيق مكتسبات ينال بها تأييد الشارع، والنتيجة الجوهرية لم تكن العملية (في جوهرها ونتيجتها) إلا فوضى وصراعات على النفوذ، لم يكن هناك أي تصور سوى إقامة زعامات تتلاعب بالشعارات والألفاظ . هذا جرى في العراق، وفي اليمن، وفي مصر وفي سورية وليبيا.

 

2. الفكر الثوري بين الممارسة والتطبيق:

في الحركات السياسية حتى الثورية منها والتي تمتلك فكر عميق، ولكن الممارسة والمعالجات والرؤية كانت سطحية، ولم يدور حديث إلا بصوت منخفض عن العجز في الرؤية والتطبيق (بأستثناء الحزب الشيوعي القيادة المركزية وانشقاق الرفيق نصار في الشيوعي الأردني، والشيوعيون في سورية) عسير على الفهم، لماذا يقبل حزب شيوعي (أي حزب) بأن يكون الشيوعيون العرب ضد الوحدة العربية، والشيوعيون في كل العالم في مقدمة المناضلين من الوحدة القومية في بلدانهم. لماذا يتحدى الشيوعيون الدين والتقاليد الوطنية والقومية والدينية علنا بدرجة حادة وعلنية غير مفهومة، ونحن نعلم أن الدين تاريخياً يمثل مسألة أساسية في مجتمعاتنا. ثم لماذا يتحدى الشيوعيون العرب عمداً وعلناً جرحنا في فلسطين بتأييد قيام الكيان الصهيوني ..بل ويهينوننا أحياناً ويشمتون بالأمة وبآلامها. ولكن لم يتكلم أحد بكلمة واحدة عن مسايرة الصين للسياسة الاستعمارية بصدد هونغ كونغ واستعادتها سلماً،  أو قبولهم بكيان ( فرموزا) المدعوم من الغرب على الأرض الوطنية. وهل يحق للشيوعيين أن يفاجئون  بعدم نجاحهم في المجتمعات العربية وهذا مؤسف بطبيعة الحال، بل وهناك إصرار على مواصلة نفس المسيرة المتعثرة.  لماذا يتصرف حزب تقدمي عريق بالعديد من الملفات  بطريقة عشائرية وبحسب التقاليد الشرقية البالية وهو من يدعو نظرياً للتغير العميق للمجتمع .....!

 

3. هزيمة حزيران 1967 :

لماذا نوقشت وحللت هزيمة حزيران بشكل سطحي، أو هجائي عدائي غاضب، (نفتقر عامة للتحليل الموضوعي) ومن المستغرب أن أصدق تحليل عن هزيمة حزيران صدر من الحزب الشيوعي الفرنسي وليس من الأحزاب العربية. التحليل العميق كان سيمس النظام الوطني القومي التقدمي في مصر، والنظام القومي التقدمي في سورية،  أن الهزيمة لم تكن بسبب دبابة هنا وطائرة هنا، إن السبب الحقيقي للهزيمة هي هزيمة أنظمة تعلن شعارات وهي غير قادرة على تحقيق شيئ منها، أنظمة فشلت لأنها تعاملت يشكل ديماغوجي مع الأهداف الوطنية السياسية الوطنية / القومية منها والاقتصادية/ التنمية وشبه إقطاعية، شبه عشائرية، وأقامت نظماً للأقارب والولاء الشخصي متقدماً على الكفاءة، والتأييد الحزبي متقدماً على المقدرة والنجاح. وفيما تدعي هذه الأنظمة أنها غير دينية، إلا أنها أقامت نظماً غير علمانية بالمعنى الدقيق، (يتعاملون بالقيم الدينية حتى تطالبهم الجماهير بقيم علمانية، ويتعاملون بقيم علمانية عندما نطالبهم بحقوق شرعية). وبهذا كانت نظماً لا تقيم كبير وزن لحقوق الإنسان والحريات الشخصية والسياسية. وهكذا كانت نظماً في العام وطنية، إلا أنها لم تقدم حلولاً جذرية للتخلف السياسي لأنها تريد أن تستأثر بالسلطة، ولم تقدم منجزات اقتصادية جوهرية، لأن المنجز الاقتصادي يحتاج توجه أيديولوجي مخلص، سيان إن كان رأسمالياً أو اشتراكياً، (وهذا لم يتوفر إلا في مراحل معينة في مصر والعراق والجزائر وليبيا) وبهذا المعنى ستكون التعبئة الشعبية. ولا منجز اجتماعي حقيقي، لأن الأنظمة كانت تبحث عن مشاريع تنال التصفيق والاستحسان وتلتمس التأييد منه من الجماهير الباحثة عن أي منجز .. ولذلك اتهمت الجماهير الشعبية بالانتهازية لأنها تصفق للمظاهرات ..!

 

4. حركة 23 / شباط / 1967 والانشقاقات في حزب البعث العربي الاشتراكي:

وهي الحركة الانشقاقية الأكبر في تاريخ حزب البعث العربي الاشتراكي، وما أذكره هنا نابع عن معايشة دقيقة للحدث وملحقاته، ربما كان التوجه اليساري في نوايا وفكر بعض من شارك بالحركة، ولكنه كان توجه كامن ولم يظهر قط بشكله الواضح الجلي، ولم يتحول لحركة شعبية جماهيرية، ولم يتمكن من مغادرة هويته العسكرية، أي أنها كانت تدور أساساً  بين عسكر البعث، وفي خلافات وصراعات لم تتوقف يوماً واحداً من 8 / آذار / 1963 حتى الآن. وفحوى هذا الصراعات وجوهرها، كانت تكتلات طابعها مناطقي، جهوي، طائفي أكثر من أي عامل آخر. التوجه اليساري كانت نوايا، أحلام، طموحات، ولكنها لم تكن يوماً حقيقة موضوعية، أو حركة متفاعلة مع التطور الاجتماعي، ولم يكرس في مقررات وفي أعمال نظرية، كان هناك يساريون، ولكن التوجه العام للحزب كان السائد فيه هو التوجه التقليدي، ومع ذلك تقاتل الحزبيون ورفاق التنظيم والحركة والانشقاق حتى الموت وكأنهم أعداء بتناقض جوهري تناحري بدرجته القصوى وهذا كان بالطبع خطأ فادحاً دفعنا ثمنه باهضاً.

وهذه الحركة قادت إلى حركة أخرى 16 / تشرين الأول/ 1970، والحزب بأسره لا يعرف سبب هذه الحركة العسكرية التي قذفت بقادة الحزب (من أقطار عربية شتى) في السجون حتى توفوا فيه، ومن خرج بصدفة نادرة لن تتكرر خرج في الرمق الأخير. لم يكن أحد يعلم سبب هذه الحركة، التي أدت ليس إلى إضعاف الحزب، بل وإلى تلاشي قياداته وتقاليده، إلا بعد عقود حين صار معلوما أن جذر الخلاف هو التحاق سورية بالحلول السلمية، تلاشى دور الحزب حتى انتهى الفرع السوري (وأصداؤه القومية) نهاية تامة، بإلغاءه وقلع حتى اليافطة نهائياً، وتجميع أفراد قيادة هذا الحزب في ذات ليل وطلب منهم أن يطوبوا أبن قائد الحركة والأمين العام المتوفي تواً رئيساً للبلاد وأميناً عاماً للحزب، ولكن لم يهتم أحد كثيراً، كان بمثابة تحصيل حاصل، لأن الحزب كان واقعياً بحكم المنتهي وقد لفظ أنفاسه منذ سنين عديدة. 

هذا كان الانشقاق البارز في الحزب، على أن الحزب شهد في تاريخه الطويل محاولات عديدة، قديماً وحديثاً، لا يستبعد أن يكون بعضها من دفع قوى أجنبية، وانشقاقات وتكتلات أخرى نتيجة تفاعلات داخلية. على أن الشأن الداخلي تواصل وهو يمثل شأناً مهماً، وإن كانت التحديات كبيرة وخطيرة في طريق الحزب ويواجه شراسة الأعداء الخارجيين، كما أعداء من الداخل، ونشاط مخابراتي واسع النطاق، لإحداث تخريب داخل الحزب، بتقديري سوف تتواصل هذه المحاولات، وربما تشتد. فأمام القوى المعادية للنضال العربي خصم واحد وحيد يتمثل بحزب البعث العربي الاشتراكي يعلن مواصلة النضال الوطني والقومي بلا هوادة ضد القوى الأجنبية في الأقطار العربية.

واليوم قد بلغ حجم التآمر على حزب البعث العربي الاشتراكي حجماً خطيراً، وطعن الحزب يجري من من الداخل والخارج  بدرجة كبيرة، ولكننا ووفقاً لمناهج التحليل التاريخي، نرجح أن حركة البعث العربي الاشتراكي ستشهد في عموم الوطن العربي نهوضا جماهيريا عارما، البعث هو الحركة التاريخية الوحيدة التي توحد ولا تفرق، والحركة الوحيدة التي تجمع الخصائص الوطنية والقومية والاجتماعية، وهي المرجعية الوحيدة السليمة التي يركن إليها ويمكن الوثوق بها. الحزب (حزب البعث أو غيره) الذي ينهض تلبية لحاجة موضوعية / تاريخية، لا ينتهي بمرسوم سيان من يصدر المرسوم.

لا أشك مطلقاً أن جيلاً جديداً سيخرج من مناضلي البعث من التجربة بصفحاتها السلبية والايجابية، ممن عايشوا التجارب الدموية والإخفاقات مزودين بالتجربة وعلى أيديهم سينهض بعث جديد، كفصيل متقدم من الفصائل الثورية العراقية العربية. البعث سينهض كفصيل أساسي، ليس من المهم أن يحكم أو لا يحكم، المهم أن يبقى البعث في احضان الجماهير سلاح ضد التخلف، سلاح ضد الطائفية القذرة، سلاح ضد التخلف الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، سلاح بيد الجماهير لإنهاء الفساد بكافة أشكاله، وأن يكون الوطن والأمة ملكاً للجميع بدرجة واحدة.

 5. أحداث أيلول / 1970 في الأردن:

المقاومة الفلسطينية كانت تدرك الوضع العام في الأردن، النظام والتحديات المطروحة عليه، وليس النظام ليس بوسعه أن يكون هانوي القضية، بل والمقاومة الفلسطينية لم تكن بدورها فيثكونغ، كانت هناك رؤية متطرفة تفوق قدرات المقاومة والوضع العربي والدولي المحيط بها، وإذا كان طرف يستحق المساءلة فهي المقاومة نفسها، أو على الأقل الرموز الرئيسية فيها. فكانت هناك مسابقة في طرح المواقف المتطرفة التي كانت تفزع حتى المؤيدين للمقاومة، وأحداث أيلول / 1970 كانت متوقعة، والكل يتدحرج صوب هاوية دموية مميتة ولا أحد يفعل شيئاً لتفاديها.

وبعد وقعت الواقعة، وخرجت المقاومة إلى بيروت، وكان واضح أن لا جهة رسمية بوسعها أن تحتمل طموحات المقاومة ومسارها السياسي والإعلامي. وفي بيروت، وبعد مضي شهور، أصدرت قيادات المقاومة حضراً على النقاش عن الأسباب والنتائج، وعندما حاول بعض القياديين أن يفعلوا ذلك، فصلوا من حركاتهم بل وطوردوا، واضطروا للعمل كبحارة في السفن التي تجوب بحار العالم هرباً من رفاقهم في الثورة ..!.

وبسبب منع مناقشة أحداث خطيرة كأحداث أيلول / 1970، توالى حدوث الأخطاء الصغيرة منها والكبيرة، وهذه الثورة الفلسطينية العظيمة، البطل فيها هو الشعب الذي لا مثيل لصموده وإصراره، وهو خرافة يسجلها التاريخ كحقيقة واقعة، وأنا في أشد حالات الموضوعية، إلا أنني لا يمكن إلا أن أقف تحية أخوية رفاقية للأبطال.

الأخطاء الكثيرة، بالإضافة لوحشية العدو والدعم العالمي غير المحدود، هو سبب والمؤامرات من الأحباب والأعداء معاً هي سبب مشكلات الثورة. الثورة بحاجة إلى وقفة صريحة وجرد للعمل في الماضي وخط استراتيجية ثورية للشعب الفلسطيني.

 7. قيادة معمر القذافي في ليبيا :

لست ممن يلقون التهم جزافاً، ولكن قيادة العقيد معمر القذافي واحدة من القضايا التي ستثير جدلاً سوف لن يتوقف في مسار الثورات العربية. والعقيد الذي كان يوم الثورة ضابطاً برتبة نقيب، لقب رسمياً الأخ العقيد، الأخ قائد الثورة، قائد الجماهيرية العربية الاشتراكية العظمى، ولكنه لم يكن في الواقع سوى ضابط أنقلب على السلطة، لا نشكك في وطنيته، ولكنه دمج طموحه الشخصي الذاتي والوطني، بطموح الشعب وطموح أبناؤه  بطموح الأمة العربية وأفريقيا والعالم، ولكنه (ربما لأتساع هذه الجبهة) لم يحقق شيئاً من كل ذلك، بل كانت النتيجة النهائية تناقضات لم تكن معالجاتها ناجحة، فعم الحطام والخراب البلد بأسره.

من يكره القذافي يكيل له أنواع التهم، والأكاذيب، ويردد التثقيف الأوربي والمعادي، بسلامة نية أو بسوء النية،  إلا أن الرجل  كان في الواقع يبدد أموال ليبيا (وهي كثيرة) على أشياء بعضها لا معنى لها. ولمن يستحقها أو لا يستحقها، وكذلك لم يقصر تصدير مشاكل لأشقائه في الدول الرجعية والتقدمية على السواء، وكان شخصاً غير مفهوماً لا في ليبيا ولا خارجها، ونظامه ركب الأشياء بحيث إذا أزيحت منها حجارة يتداعى البناء .. وهذا ما حصل.

 

7. تغلغل التيارات الطائفية في المجتمعات العربية:

ومع أن جذور هذه المشكلة، غالباً في خارج الوطن، أو بالاحرى محركاتها، ولكن هناك عوامل وأسباب تاريخية / معاصرة تجعل منها أزمة تطل برأسها وتثير الزوابع. ومع أن التأثير الخارجي ليس بالأمر والعامل الثانوي، بل هو عامل رئيسي، والجبهة الخارجية عملت وتعمل على تغذيته وتنشيطه وجعله مسألة مركزية، الأنظمة القومية لم تفشل كلياً كما يكتب البعض مبتهجاً، ولكن تقصير الأنظمة في تشجيع الثقافة المناهضة للطائفية، فانتشار ثقافة الفنون التشكيلية والآداب والمسرح، ورفع مستوى المواطن العربي وتوجيهها نحو المشكلات الجوهرية التي تنطوي على تناقص أساسي مع ما يناقض الوحدة الوطنية، والسيادة وأهداف البلاد في التنمية والتطور.

وعندما تتراجع الثقافة الوطنية الموحدة لإرادة وعواطف الجماهير، تطل التيارات الرجعية على المجتمع، وتلقى الترحيب من الجماهير بسيطة الغير متعلمة، التي يسهل خداعها، وتسحبها إلى ممارسات بدائية مبتذلة، وهي تدرك أنها بذلك تقفل الأبواب والنوافذ أمام التطور، ولكن من يتحدث اليوم عن خطط تنمية، وعن حلول جذرية، وعن تقدم جوهري في الصناعة والزراعة، من يجرؤ على الحديث عن انتشار ثقافي واسع فهذه كلها تعارض رغبات القيادات الرجعية، الناس اليوم يتمنون أن يسيروا في شوارع بلادهم بأمان فقط، يطالبون بالماء والكهرباء، وبمدارس لأولادهم، ومستشفيات لمرضاهم.

القيادات الرجعية تطلب من الشعب الأكل والنوم والتناسل فقط، لا تقدم له شيئ آخر إلا بدرجة رفع العتب، وبما لا يسمن ولا يغني من جوع، وإذا تناسلوا (وهو نشاط إنساني لا يزال حتى الآن خارج السيطرة) سيولدون أطفال لا مستشفيات لهم، ولا مدارس، تتلقاهم الشوارع ... هل هناك مأساة أكبر من هذه ..؟

 

8. عيون الأزمة

 1. إطلاق التوحش والهمجية، وكانت افتتاحية ذلك في انقلاب 14 / تموز / 1958 وما تلاها من تداعيات.

 2. سهولة إطلاق التهم والتجريم وتنفيذ الحكم وغالباً على أيدي الغوغاء، أو عندما يقيم الغوغاء نظاماً يجري فيه تشريع القتل والاغتصاب وخرق القانون.

 3. سهولة الاتصال بالأجنبي بشتى الوسائل والدواعي.

 4. انتشار ثقافة الاجتثاث والقمع ورفض الرأي الآخر، والأنظمة الوطنية التي مارست القمع لدرجة الإعدام حتى لأتفه الأسباب.

 5. الكثير من الأنظمة التي تشكلت نتيجة انقلاب عسكري، هي أنظمة  لا جمهورية ولا ملكية، لا اشتراكية ولا رأسمالية، تتشابه بشيئ واحد : السيد الرئيس القائد.

 6. لا توجد جهة تشجع على ثقافة تداول السلطة، وأنظمة غير طغيانية، أو عن الحريات الشخصية، ومن المثير للدهشة أن هناك دول فيها وزارة حقوق الإنسان ..! في حين هي مسجلة عالمياً في آخر قائمة حقوق الإنسان. بل وأن هناك أحزاب تقدمية صارت ترضى بمصادرة الناس وأفكارهم وممتلكاتهم، وانظموا إلى الجوقة المهللة بمصادرة الإنسان لصالح الغيب ..!

 لدينا حركات وطنية وقومية وتقدمية، ولكننا نعمل وفق عقلية شبه عشائرية، شبه إقطاعية، عناصر الشد إلى الخلف متوفرة،  وإذا كان لدينا أفكار متحررة، إلا أننا ما زلنا للأسف نعمل بوسائل متخلفة، ولم نوفق في تأسيس حركات وأحزاب ترتقي لدرجة المطلوب منها. نحن نواجه أعداء لا يخفون نواياهم بتمزيقنا إرباً، ونحن نواجههم بوسائل لا ترتقي إلى هذا المستوى، أطالب الجميع بوقفة مراجعة ...! .

 في هذا المجال يطول الكلام، ولكن لنتحدث بالمختصر المفيد ...!

 

 ا لتعاون مع العدو

 

ضرغام الدباغ

 

 

مقدمة : التعاون مع العدو *

 

 

التعاون مع العدو خيانة... ويبدو أن لا تاريخ محدد لها، فهي قديمة كالدعارة كأقدم مهنة في التاريخ. ولتكتمل الحلقة ... هناك مخلصون يفتتدون أوطانهم يقدمون على الموت بسرور، وهناك ساكتون عن الحق وهم كشيطان أخرس، ولكنهم يخرجون من جحورهم ويحتفلون مع المنتصر.. وهناك سفلة وساقطون في قاع المجتمع، وعبر التاريخ يحاولون إيجاد تبريرا لخيانتهم، فمنهم من يقول أرغمت، ومن يقول غرر بي فخدعت، وهناك من يقول الخوف دفعني، وهناك أيضا ربما من يفلسف هزيمته وسقوطه فيقول أنا أردت إنقاذ ما تبقى... وأي كان ادعاء المتعاون فسوف يلصق به ما لا يمكن مسحه أو غسله بكل مياه بحار العالم ... الخيانة العظمى ...

 

المتعاون مع العدو هو من يرتكب كبرى الجرائم التي يطلق عليها في القانون " الخيانة العظمى ". والخيانة العظمى هي الفقرة الأكثر سواداً، يوجه فيها الادعاء العام أقصى العقوبات، ويلحق العار بمرتكب هذه الجريمة، وللأسف بالأبرياء من عائلته، ممن يحملون لقب العائلة. وفي أوربا يستبدل أقارب وذوي معظم من يدانون بهذه الجريمة الشنعاء، يستبدلون أسمائهم(يجيز لهم القانون ذلك)، تهرباً من نظرات الإدانة، أو ربما الخزي والعار، وربما حتى ممن يشفق على أولئك الأبرياء الذين لا ذنب ولا جريرة فيما أرتكب أبائهم أو أقربائهم.

 

المتعاون مع العدو خائن ولكن ليس كأي خيانة، ففي اللغات اللاتينية (الإنكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها) تطلق كلمة ومصطلح خاص (Kollaboration) ، فيما نطلق باللغة العربية كلمة خائن بصفة عامة على خائن الأمانة، أو خائن العهود والخائن بصفة عامة، وحتى في الخيانة الزوجية. فيما نجد أن اللفظة اللاتينية هي أدق وأكثر تحديداً، بالمتعاون (Kollaboreter) لفظة تطلق على حصراً على الخائن المتعاون مع العدو.

 

ربما يقع أي إنسان في الخطأ، وقد يكون هذا الخطأ جريمة، وقد يقتل خطأ، وتسمى الجريمة " القتل الخطأ " لا يقصد فيها الفاعل ارتكاب جريمة، ولكن الأمر حدث خارج عن إرادته، كأن يطلق النار على سبيل المزاح أو أبتهاجاً بحدث ما، فيقتل صديقه أو حتى أحد أفراد أسرته. أو أن فاعلاً يجهل أن ما يفعله يمثل جريمة يعاقب عليها القانون، ولكن القانون يقاضيه، وفق قاعدة " لا يجوز الدفع بجهل القانون " . وفي جرائم مثل هذا النوع تحتمل أن يرأف القاضي بالمتهم بسبب توفر دواع تستدعي الرأفة.

 

ولكن جرائم التعاون مع العدو، والعدو هو الطرف الذي أشهر العداء للوطن، والبلاد معها في حالة حرب فعلية معلنة، وتدور عمليات حربية، أو أحتل العدو البلاد أو جزءاً منها، وحتى في حالة وجود هدنة لا تلغي حالة العداء. والمتعاون قد أبدى أي نوع من أنواع التعامل من خلال تعاون متعدد الصنوف تؤدي لمصلحة العدو، لقاء فائدة مادية أو معنوية يتلقاها المتعاون، أو أي نوع من أنواع التعاون يفضي إلى إلحاق الأضرار المادية والمعنوية بالبلاد.

 

والتعاون مع العدو، عمل لا يحتمل أي نوع من أنواع التبرير، بوصفه ألحق الضرر بكافة مفردات وتفاصيل ورموز المجتمع المادية والمعنوية. وترمي القوانين الوضعية والسماوية التعاون مع العدو وتصفه بالخيانة، ولا ينفع الدفاع عن فعل التعاون مع العدو أي نوع من إبداء التراجع والأسف، فحتى رجال السياسة وكبار القادة، الذين قد تقبل منهم أخطاء كبيرة ارتكبوها بحسن نية، كالطبيب الذي يخطأ أثناء قيامه بعملية جراحية، ولكن في جرائم التعاون مع العدو لا ينفع معها تراجع أو اعتذار.

 

أثناء الحرب العالمية الثانية جرت الكثير من الأحداث، وقع بعضها تحت عنوان " التعاون مع العدو "، وبرغم أن النظام الهتلري النازي كان معادياً لشرائح وفئات اجتماعية ودينية وعرقية عديدة، ثم خاض حرباً عالمية ضروس واسعة النطاق، إلا أن المشرع والقانون الألماني يعتبره نظاماً شرعياً وطنياً، ولذلك..... عندما أتحدت الألمانيتان (1990) كان هناك العشرات، وربما المئات ممن التجأوا إلى الاتحاد السوفيتي، أو إلى البلدان الغربية (بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية)، وبعض من التجأ، قام بفعاليات إعلامية أو عسكرية ضد ألمانيا، وكوفئوا بعد سقوط النظام الهتلري النازي على يد الأنظمة السياسية المؤيدة للاتحاد السوفيتي أو للغرب.

 

ولكن لكي تستقيم الأمور، ويأخذ القانون مجراه، قام المدعي العام الألماني بإحالة كل هؤلاء إلى القضاء، ونزع منهم أوسمتهم، وألقابهم التشريفية، رغم أن الكثير منهم كانوا قد توفوا، وآخرين خارج إطار المساءلة القانونية، ولكن القانون لابد أن يستقيم. المدعي العام أشار أنه يدرك أن بعض هؤلاء فعل ما فعله ليخفف ألام الشعب الألماني ويسرع في نهاية نظام يحتضر، لكن القانون لا يتعامل مع توصيفات فنية وأدبية وسياسية. فالمسؤول الحكومي الذي فر إلى جهة معادية (وفق القانون) كان الأجدر به أن يقوم بخدمة مواطنيه وتوفير الخدمات الأساسية لهم، لا أن يشتغل بالسياسة ويجتهد بالتعاون مع هذا الطرف أو ذاك، وهو أمر غير مكلف به قانوناً.

 

الماريشال بيتان، الذي أطلق عليه لقب " منقذ الأمة الفرنسية " في الحرب العالمية الأولى، بعد أن أحتل الألمان العاصمة الفرنسية باريس في الحرب العالمية الثانية وسقطت الدولة، تقدم من تقاعده، وتصدى لإعادة الدولة في المناطق التي لم يحتلها الألمان وهي نحو ثلث أرض الوطن عدا المستعمرات الفرنسية الواسعة الأرجاء، ومن بينها الجزائر التي تفصلها عن فرنسا البحر المتوسط. ولكن هذا لم يشفع له فعلته، فقدم إلى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى والتعاون مع العدو، لم ينبس ببنت شفة خلالها، وحكم عليه بالإعدام، ولكن تم تخفيض الحكم وتوفي في السجن بعد أعوام قليلة وكان قد تجاوز التسعين من العمر.

 

العبرة من هذا العمل المساهمة بتكوين وعي وطني / سياسي ــ قانوني، وأن نبين للقراء كافة، أن التعاون مع الأجنبي الطامع بالبلاد ليست عملاً سياسياً حتى لو ارتدى هذا اللبوس، بل هي خيانة عظمى، وبصرف النظر عن عقوبتها الجزائية، فإن جزائها الوطني والاجتماعي، عقوبة مميتة ولطخة عار أبدية لا تزول.

 

ليس هناك تصريف قانوني / جزائي لهذا الفعل (التعاون مع العدو) سوى الخيانة العظمى لا محالة.

 

 

الوطن ليس لعبة تنتقل من يد لأخرى .... والوطنية ليست وجهة نظر .....!

 

المحتل المستعمر لا يصغي لصوت الحكمة عندما يلوح الفشل أمامه، بل يكثف من جهود هي في نهاية المطاف فاشلة، ويجازف بإعادة المحاولة، عله يكتشف وسيلة جديدة تمكنه من البقاء أو تطوير بقاءه. ومن جملة ما يحاوله المستعمر، هو الدخول إلى جملة المعادلات الاجتماعية / الثقافية ويحاول أن يدخل تعديلات فيها من أجل الدخول إلى قلب المعادلة السياسية، فيغيرها لصالحه، وهو يدرك أن مفتاح الشعوب هو تقاليدها الاجتماعية والثقافية (الدينية / الإيمانية / العقائدية).

 

هكذا يفعل المستعمرون والقوى الشبه استعمارية التي تهدف إلى التوسع،  قديماً وحديثاً.  بدرجات متفاوتة من النجاح، ولكن هذه السياسة التي تذر الرماد في العيون لإخفاء وتضليل الهدف الحقيقي للمستعمر، وهو الاستيلاء على البلاد. 

 

لماذا يخون الخائنون ..؟

 

شاعر عبقري كبدر شاكر السياب يعترف شعراً أنه لا يفهم كيف يخون الخائن بلاده بقوله

 

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون

أيخون إنسان بلاده؟

إن خان معنى أن يكون ، فكيف يمكن أن يكون ؟

الشمس أجمل في بلادي من سواها ، والظلام

حتى الظلام - هناك أجمل، فهو يحتضن العراق

واحسرتاه، متى أنام

فأحسّ أن على الوسادة

من ليلك الصيفي طلاّ فيه عطرك يا عراق ؟

 

الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد .. من على سريره ينازع الموت، في جسمه أنابيب وخراطيم وبالكاد يستطيع الحديث، ولكن عندما يذكر العراق يستثار …يسألون عن الخيانة …فينتفض الشاعر المناضل القائد ملتقطاً سيف الشعروهو يحتضر بأبدع ما يكون …مردداً أبيات السياب الخالدة

 

يلتقي عبد الرزاق عبد الواحد بالسياب فيخطان قصيدة حب العراق فيكمل عبد الرزاق أبن العمارة هذه الأبيات الثلاثة بثلاثة ويزيدها بيتاً ستبقى على أفوه محبي العراق إلى الأبد في ثنائية نادرة رائعة … في الإخلاص للعراق حتى آخر نفس في الرئة، وبقايا النبض في الجسد الواهنفكلا الشاعران تفوها بهذه الأبيات بآخر ما بقي في الروح من نفس .. يضيف عبد الرزاق عبد الواحد ..

 

يا عراق، هنيئا لمن لا يخونك

هنيئا لمن اذ تكون طعيما يكونك

هنيئا لمن وهو يلفظ آخر أنفاسه

تتلاقى عليه جفونك.

 

الحقيقة أنه أمر لا يكاد يصدق، لماذا يقدم رجل أو إمرأة على خيانة الوطن ..! من دراستي خلال إعداد هذا المؤلف، قرأت لملفات الكثير من الأبطال والخونة، أن المقاوم هو عاشق للوطن، هو ذو نخوة وغيرة وكرامة، وأن الخيانة بالمقابل هي توليفة، فيها شيئ الميل للإيذاء، وشراهة نحو شيئ وفره له العدو بسخاء ليخون وطنه ( مال، ميول وأهواء، احترام مفقود) إضافة إلى انحدار خلقي جبل عليه ربما من طفولته، لعيب خلقي في بدنه، أو حفرة عميقة في نفسيته بسبب الغيرة والحسد، أو بعض من أمراض نفسية تدفع المرء إلى الانحطاط. وهناك في علم النفس وعلم الإجرام وعلم النفس الجنائي بحوث عميقة الغور، من سوء الحظ أن يسقط فيها أحدهم أو إحداهن، فيتحول إلى خائن ..

 

في إحدى قصص التجسس، أحدهم يخون الجهة التي ائتمنته، لقاء المال، وكانت له فيها شراهة، وبعد مدة طويلة من التعامل، كان الجاسوس يختزن فيها المال القذر الذي يناله نظير خيانته، وبعد مدة أكتشف أن النقود التي كان يستلمها هي مزورة، لا تساوي الورق المطبوع عليها.

 

في إحدى أعمالي وضعت صورة للغلاف رمزية معبرة: جندي يعدو من حيث الخضرة، إلى منطقة جرداء قاحلة، وهو يخلع بندقيته من كتفه ويلقيها أرضاً .... يفر من فيلق المجد إلى حظيرة الخيانة ...

 

هنيئاً لمن مات  ودفن ملفوفاً بالعلم .... وبمجد الوطن ...!

 

عانق الشمس وناجي القمرا
علم الامة يا أغلى علم
انت نور في مآقينا سرى
 طالما اشتاقت لها دنيا الورى
فامضي واخفق عاليا
فوق القمم
علم الأمة يا أغلى علم
عالياً ... عالياً ... فوق الذرى

                                               علم الأمة يا أغلى علم

 

 

ضرغام الدباغ

 

برلين / 2018

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

كتاب سيصدر بهذا العنوان قريباً يضم أبرز المتعاونين مع العدة في التاريخ الحديث والقديم

 

المركز العربي الألماني

 

برلين

 

المراسلات :

 

 

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

 

 

درس كبير

ولكن هل من مستفيد ؟

ضرغام الدباغ

                       

السياسة هي مجموعة نظريات وقواعد، وممارسات قد تنطوي على تعقيدات وصعوبات، ولكنها ليست سحراً كما أنها ليست طلاسم... لذلك فإن كل ما يدور في الساحات العربية والمجاورة أمر مفهوم في غاياته وأبعاده، وقد نوهنا عن هذا مراراً. الأمة تواجه اليوم ما هو أعظم من قدراتها، من تحالفات، أتفق عليها أطراف عديدة وبدا من مصلحة الجميع أن ينهالوا علينا بكل ما يمتلكون، فأخذوا بجسد الأمة نهشاً وتمزيقاً وتدميراً، وحركوا كافة أساطيلهم العلنية وحتى تلك السرية ومنها الارتال الخامسة في ساحاتنا، من كتاب مأجورين، وآخرين سذج خيل لهم أن ما يشهدون هو ذروة الدراما، فراحوا يصفقون ويهرجون، ويلعقون أحذية الجنرالات الغزاة من كل صنف ومن كل حدب وصوب، واشتغلوا عندهم خدماً، ومخبرين وقوادين(أقرؤا مذكرات بريمر)، وبلغ حماس البعض أن عمل مرتزقاً وساهم في حملات الإبادة على بني قومه. (*)

كل هذا انهار خلال ساعات، بمجرد أن أعلنت الولايات المتحدة أنها بصدد مناورة واسعة بقواتها، تنسحب فيها (جزئياً ... كلياً) من سوريا وأفغانستان، لأنها  لا تريد أن تعمل كدركي في الشرق الأوسط، لحماية مصالح من لا يستحق ... ومخطئ من يعتقد أن هذا قرار أهوج أتخذه رئيس نصف عاقل، ونصف تاجر، والجهلة فقط يعتقدون أن قرارا كبيراً كهذا يتخذ بين ليلة وضحاها، وبدون دراسة عميقة في الدول الكبرى وبكافة أبعاده السياسية والاقتصادية، وخاصة دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية، التي شعرت ببساطة أن تعرضت للغش والخيانة، ولم تكسب شيئاً، بل جازفت بمصالحها، أيما مجازفة، مقابل ماذا ..؟ الأمريكيون فكروا وناقشوا هذا الأمر مع حلفاءهم الأوربيون منذ عهد الرئيس أوباما، وقرروا سياسة جديدة تعتمد مبدأ (driving from behind) التدخل وإدارة الأزمات عن بعد والقيادة من الخلف، ودعت واشنطن الجميع والكل ليتحمل مسؤولياته، فهي بحق ليست سياسة الرئيس ترامب. الرئيس أوباما تحدث عن نفس المفاهيم، ولكن بلغة أنيقة أكاديمية، وعن هذا أيضاً كتب بدقة جورج فريدمان، المنظر المحترف للخطط الأمريكية وآرائها قبل أعوام، أميركا لا تكسب، بل تخسر، والأمر بحاجة لقرار شجاع، الحقوا بنا كعرب وعراقيين ومسلمين أذى كبير وخسائر أكبر، ولكن الأمر لا يتلخص بإيذائنا فقط.

الأمريكيون يعتقدون أنهم يتعرضون للأبتزاز في مواقف استراتيجية، فالأوربيون ركبوا على ظهرها يريدون منهم حماية أوربا والوقف بوجه الروس وما يعني ذلك من تكاليف سياسية ومالية وغيرها، بينما هم يريدون العيش برفاهية ولا يدفعون ثمن أمنهم، وشرقي آسيا تعول على الولايات المتحدة في استقرارها والوقوف بوجه التنين الصيني، والفرس اتخذوا منها دروعاً استتروا بها ودخلوا في حماها وصاروا يصولون ويجولون بموافقة من البيت الأبيض في أرجاء الملعب، وفوق هذا الجميع غير راض ويتبرم من السياسة الأمريكية، وبأعتقادهم أنه ثمن الموقف القيادي لأميركا، ولكن لا جزاء ولا شكوراً .. والآن أميركا تقول لهم، فليدفع كل ثمن سياسته من جيبه، وأن يشيد صرح بطولته على حسابه. واليوم الطرف الأقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً قرر المراجعة،  فماذا سيفعل الآخرون ..؟

هذا هو الدرس الكبير ولكن هل من مستفيد  ..؟ 

في بلداننا حين يتحدثون في السياسة، يخلطونها بالنوايا الطيبة، وربما بستعينون حتى بمن يفتح الفال ويضرب بالودع ..! أو الأستخارة .. وغيرنا يخرج الحاسبة (Calkulator) ويبدأ بحسابات الدخل القومي، والمعطيات الجيوبوليكتيكية، ومصادر الثروة الوطنية، القوة والضعف وحسابات استراتيجية، وتكاليف المجازفات السياسية والعسكرية. والغريب أننا نمر بتجارب قاسية ..بل وقاسية للغاية، ونخسر، ولكننا نقنع أنفسنا أننا سنلعبها أفضل هذه المرة .. وليتواصل اللعب، بطريقة خاطئة، ولا نستفيد من الدروس، والكل يعلم أن الأجنبي يدخل المنطقة يؤلب هذا ضد ذاك، وهؤلاء ضد أولئك، ويثير صراعات ونزاعات جذورها سخيفة لا تستحق دماء حتى دجاجة، ولا تستحق حتى أن نسميها مشكلات، وتتراكم الكوارث .. والسبب أن الخروف العنيد لا يعبر النهر ...!

 

والشرق مليئ بالسحر والغوامض والكوامن والخفايا، وبواطن الأمور ليس كظواهرها .. ويقود البلاد جهلة وأشباه أميين (غالباً) يحيط بهم دهماء وغوغاء يملأون الجو صياحاً وصرخاً، مشبعين بثقافة الغيرة والحسد والكراهية والحقد والثأر، يرثون هذه الثقافة المميتة القاتلة كابراً عن كابر... أمر مدهش غريب، ولكنه للأسف الشديد هو واقع الحال المؤلم ..

أعرف قائداً سياسياً عراقياً مهماً، تحادثنا مرة في هموم وشجون السياسة العراقية، وكانت أبرز فقرة في كلامه، شكواه من لجوء القوى العراقية (بعضها) للاستعانة بالأجنبي، وله تجربة مريرة في هذا المجال، وكانت هذه الفقرة أهم ما في حديثه وقاعدة أفكاره. واستطرنا في المحادثة مطولاً عن أضرار تدخل الأجنبي في أنشطتنا السياسية، وإن أي مكسب مزعوم، إنما هو مكسب مؤقت، وسرعان ما سينقلب وبالاً وبالدرجة الأولى على من استعان بهم. إلا أن هذا القائد (محدثي) كان نفسه من بين من استعانوا بالأجنبي،  وتكررت التجربة فكان من بين من قلة وجدوا صعوبة العمل (وطنياً) وخدمة البلاد بوجود إرادة الأجنبي المتناقضة إرادته مع الإرادة الوطنية، وبدرجة عالية تلغي حتى امكانية التعامل التكتيكي، فالأجنبي تهمه مصالحه حتى التفاصيل الصغيرة، بل ويفكر حتى في مستقبل وجوده ويفتش عن أسهل الوسائل لضمانها، وأرخصها، ومن بينها (بالطبع) متعاونون مطيعون، لا يكثرون من الأسئلة، وإبداء الملاحظات، ولا يطرحون أسئلة بديهية، وبمرور الوقت، سيجد الأجنبي الكثيرون من الأفراد الرخيصين يلتقطهم من الشوارع الخلفية، ومن هوامش المسرح السياسي،  ولله في خلقه شؤون ...!

لا تدعوا الأجنبي يتدخل في شؤونكم، السياسة بحر عميق واسع الجنبات، لا توجد مشكلة لا حل لها، العقل يحل كافة المشكلات، حملات الشتائم والسباب لا توصل أحداً إلى الهدف، والكيد والكراهية والمؤامرات في الخفاء لا تساعد على الحل، الصراع والنزاع يزيد من تعقيد المشكلة ...عجيب أن يقبل قادة (يسمون أنفسهم قادة) أن يهين نفسه ووطنه ويركع للأجنبي ولا يتساهل قيد أنملة لمواطن بلاده ..!

اعتمدوا على قواكم الذاتية وإذا حصلتم على نصف ما تريدون فهذا أفضل مما تنالون أكثر بالاستخذاء للأجنبي، أو بالصراعات والمنازعات والاغتيالات فهذه لا توصل لنتائج إيجابية، والنصر فيها مزعوم ومؤقت.  

كل خطأ مقبول ويمكن الاعتذار عنه، إلا التعاون مع الأجنبي فهو ضرر من بدايته وحتى نتائجه النهائية..... !

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) مقتطفات من كتاب :

قضايا الأمن القومي والقرار السياسي، د. ضرغام الدباغ، ص52  ، بغداد / 1985

السياسة (تعني بصفة أساسية) التعامل مع الحقائق والعناصر التي تلعب دوراً في إطار الوضع السياسي والاقتصادي العام في مرحلة تاريخية معينة من أجل الوصول إلى هدف تسعى إليه فئة أو فئات اجتماعية وأدواتها التي تفرزها وتمثله: الأحزاب والحركات السياسية، أو بين تحالف يضم عدداً منها. وتمارس السياسة بصورة اشمل وأعمق وأكثر فاعلية إذا جرت ممارستها من مواقع السلطة وفي قيادة الدولة، ومن البديهي أن تشمل دائرة فعالياتها، العلاقات الدولية والأحداث الدائرة على مسرح السياسة الدولية.

 

الأساليب السياسية، مجموع الفعاليات والنشاطات الداخلية والخارجية التي تعتمد بالدرجة الأولى على التوصل إلى قناعات مشتركة من أجل الشروع بفعاليات مشتركة، وهو عمل يعتمد أساسا الحوار واستبعاد اللجوء إلى القوة، وفي مجال بحثنا، تمارس الدول هذه الفعاليات كإحدى سبل تأمين المصالح الوطنية العليا.

 

السياسة الداخلية :

هي إذن مجموعة التوجهات على أصعدة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية وسائر الفعاليات الضرورية الأخرى من أجل التوصل إلى نظام اجتماعي يقوم بتلبية حاجات المواطنين التي لا بد منها من أجل مواصلة العمل على كافة الأصعدة في المجتمع، وليس ذلك فحسب، بل والعمل على تعميقها وزيادة رفاهيتهم في المرحلة الراهنة وفي المستقبل.

السياسة الخارجية:

وهي تمثيل لمصالح الدولة السياسية والاقتصادية، وأهدافها على الصعيد الدولي، وبذلك إنما تعكس السياسة الخارجية صورة التطورات الداخلية ومغزاها السياسي والاجتماعي.

 

2 / كانون الثاني ــ ديسمبر / 2019

 

قراءة هادئة في تقرير ساخن

ضرغام الدباغ

 

في يوم واحد قرأت تقريرين في غاية الأهمية، أحدهما وهو الأخطر، عن حجم الديون العراقية، والآخر عن مؤتمر مشيغان المزمع عقده بعد الغد (5/ كانون الثاني). سأغض النظر عن التقرير الثاني، لأن الأمور تنطوي على غموض كبير، والأجواء ملبدة، والاحتمالات مفتوحة على كل الأتجاهات، وفي هذه اللحظة، نتوجه إلى كافة مواطنينا العراقيين، ونناشدهم الصبر، المكاسب الشخصية والفئوية غير مهمة، المهم مصير الوطن والأجيال المقبلة.

سأقتطع من التقرير الاقتصادي  أهم الفقرات، وسوف لن أعلق عليه والتقرير والأرقام تشرح نفسها بنفسها من خلال المعطيات المادية المجردة، لذلك لن سوف أعلق عليه كثيراً، وهو بعنوان (دق ناقوس الخطر للعراق) وأعتقد أن ناقوس الخطر يقرع منذ زمن طويل، الأوضاع كلها تتدحرج ككرة الثلج كل يوم تكبر أكثر منحدرة إلى واد سحيق. منذ أن أحتل العراق، كانت هناك ديون تقدر في أسوء الحالات ب (70 مليار دولار) وكنا نخشى ونقلق ونخاف، أما كيف ينام المسؤولون ببغداد اليوم فلا أدري والبلاد غارقة في الديون  .. ملعباً للجيوش والمليشيات وساحات نشاط للمخابرات الأجنبية ما يضع العراق في هاوية بصعب الخلاص منها ونحن لسنا في زمن المعجزات ..!

ــ العراق يدخل دائرة الخطر بسبب تضاعف الديون المترتبة عليه وارتفاعها، تحذير نائب رئيس صندوق النقد الدولي للحكومة العراقية في “مؤتمر الكويت لإعادة إعمار العراق” من أن سياسة الاقتراض أصبحت خطرة على العراق وستبلغ الفوائد التي يجب على العراق أن يسددها سنة 2022 نحو (60%) من عائداته، أي انه سيكون عاجزا عن تسديد ديونه وعن تسديد الفوائد المترتبة عليها أيضا، العراق يسير نحو كارثة حقيقية لا توليها الحكومة أي انتباه. وبمعنى آخر سنصل مرحلة (غير بعيدة) سنقترض من أجل تسديد القروض، وهذه يسميها علماء الاقتصاد (دائرة الشيطان).

ــ أن العراق خلال عامي 2014 و 2016 أهدر (202) مليار دولار، جاءت من (36) مليار دولار قروض أجنبية، و (23) مليار دولار انخفاض احتياطي البنك المركزي، و (33) مليار دولار ارتفاع الدين الداخلي، و (120) مليار دولار عوائد نفطية.

ــ أن العراق يحتاج إلى (30) عاما لتسديد ديونه الداخلية والخارجية، وهو ما سيخضع مقدرات العراق النفطية لسنوات طويلة تحت رهن البنوك والدول الدائنة.

ــ أكد مختصون أن أكثر من (4) ملايين موظف حكومي و (3.7) مليون متقاعد، يضاف إليهم (2) مليونا عراقي مسجلون، في إطار ما يعرف بشبكة الإعانة الاجتماعية ويحصلون على مرتبات شهرية لانتشالهم من الفقر.

ــ تدق وزارة التخطيط وفقا للأرقام والإحصائيات، ناقوس الخطر الذي بدأ يهدد جسم الدولة العراقية ومستقبل التنمية، في بلد تضطر حكومته إلى الاقتراض وللعام الثالث على التوالي لتأمين (42) بليون “مليار” دولار سنوياً لتغطية موازنتها التشغيلية، ووصف خبراء القطاع الخاص بالمنقذ، في حال شرعت الدولة بدعمه وحضه على العمل مجدداً في السوق المحلية.

ــ موازنة 2019 كونها غير منطقية، وهناك مبالغة بالأرقام التشغيلية، مستغربا سياق توزيع النسب على المحافظات والوزارات، وانه كان من المتوقع أن تضغط النفقات، لا أن تكبر وتتوسع، وان الموازنة بحاجة إلى تعديل كبير لأن ما فيها من زيادة كبيرة يعد انتحارا، لما فيها من عجز كبير واقتراض، مما يرجح انه في عام (2022) سوف لن يستطيع العراق سداد الديون الخارجية إلا بدفع (60%) من وارداته !!

ــ أكد اقتصاديون وخبراء، أن مشروع قانون موازنة (2019) المقترحة، يتبين لأي متابع بأن العراق غارق في ديونه وفوائد الديون السابقة، التي قد تصل إلى حد انه سيفقد أكثر من (15%) من ميزانيته لتسديد هذه الديون، والأمر يتعلق بدرجة حاسمة بأسعار النفط العالمية ومن الممكن أن تكون هذه الديون وتسديداتها تأخذ حيزا يصل إلى (70%) من موازنة العراق السنوية.

ــ يبلغ المجموع التقريبي لهذه الفوائد والتسديدات على العراق نحو 12423.5 مليار دينار عراقي، أي ما يساوي حوالي 12770 مليار دولار أميركي.

هذه المعطيات تشير أن العراق لم يبق فيه شيئ يستحق المجازفة لينهب ..!  فالنفط حتى في باطن الأرض قد بيع وتسربت أمواله،  فمن وطد العزم على مكاسب، نقول له للأسف لم تعد هناك مكاسب، فخلال ستة عشر  عاماً عجاف، سرق البلد ونهب حتى العظام، أي كلام سوى الحديث عن الوحدة الوطنية هو إمعان في التخريب لا طائل منه .. ليس هناك أمل إلا بوحدتنا الشاملة، كل ليصل في بيته كما يشاء، ولكن لنعمل بيد واحدة.... أكرر ... ليست هناك فرص كثيرة يعد ...! أنتبهوا

تصارعتم وتقاتلتم  كثيراً ... بل وأكثر من اللازم.. لا يوجد رابح سوى الاجنبي بصرف النظر عن جواز سفره ..! كفى

6/ كانون الثاني / 2019

 

تفكيك إنسان أو ... ربما دول

ضرغام الدباغ

قرأت في أواسط الثمانينات، مسرحية بعنوان " الرجل هو رجل " (Mann ist Mann) لبرتولد بريشت. وأنا لا أخفي إعجابي بهذا الشاعر والكاتب المسرحي الألماني  الذي قمت بترجمة الكثير من قصائده إلى العربية، وإعجابي هو بسبب واقعيته وانحيازه التام لقضايا المظلومين وبوصفه ينتمي ثقافياً وفنياً لمدرسة أحترمها وهي " الثقافة والفن للحياة " أي أن الثقافة ليست للتسلية وقضاء الوقت، بل أولاً ينبغي أن تعبأ في خدمة قضية مهمة تستحق من الرأي العام الوقوف لجانبها. ويكتب بريشت في مقدمة مسرحيته (الرجل هو رجل) أنه  سوف لن يخدع الجمهور، وسيفضي بما يريد عرضه مقدماً بلا لف ولا دوران، وهو أنه يعتقد أن الإنسان قابل للتفكيك والتركيب كأي ماكنة، أو قل كأي قطعة سلاح ..! إنها نظرية مذهلة حقاً، ولكن هل يمكن تحقيقها حقاً في الواقع المادي ...؟

أم ترى هل هذا ضرب من أعمال الأدب اللامعقول ..؟

كلا وألف كلا ... بل عندما يقرأ الإنسان ويتعلم ويصبح أكثر وعياً، يصبح عصياً على التفكيك والتركيب .. لن يحميك سلاح ولا حتى قنبلة ذرية، بل الثقافة فقط .. وإليك الدليل الساطع، فوق ما لديك من أدلة ... وعندما تشاهد غالبية من ينقادون للتضليل وغسل الدماغ والتفكيك وإعادة التركيب، هم من الأميين أو أشباه الأميين. وبريشت في مسرحيته الرائعة يثبت أن الإنسان يمكن تفكيكه وتركيبه .. ولكن أي إنسان ..! تلكم هي مسألة جوهرية .

فالكثير منا يعتقد.. لماذا يقدم (س) من الناس على القيام بأعمال ولا معنى لها ..؟ هل بحكم العادة .. ربما ..! أم ترى بحكم تلقين طويل الأمد، جرى دمجه بمفردات الحياة اليومية ( اللباس والطعام والجلوس والحديث وحتى بإطار العلاقات الجنسية )،  فيكون الداخل فيه  كالداخل في دوامة في وسط النهر يصعب جداً عليه الخروج منها، إلا إذا كان سباحاً قوياً، له ذراعان قويتان .. أو عقل متفتح يأبى أن يكون أسيراً ... أو أن يقبل المثول لتجربة التنويم المغناطيسي أو كما يقال " التعريض لغسيل دماغ شامل ". ومعظم القضايا الجوهرية خارج إمكانية إعادة النظر أو التفكير بها، فقد أضحت من المسلمات حتى لو كانت خطأ .. وفي العصر الحديث يتحول إلى إنسان آلي " روبوت " مبرمج، ليس بالضرورة أن يعي أو يقتنع بما يفعله، ولكنه سيفعل وفق البرنامج ... هذا مدهش جداً ولكن ليس بدرجة غريبة، فهذا اليوم علم وثقافة وبريشت كان سباقاً إذ كتب عنها عام 1927 ..! ولهذا تعادي القوى الرجعية الثقافة ..!

نعود لمسرحية " رجل برجل " لبرتولد بريشت المذهلة التي كتبها عام 1927 (حاولت إيجادها على الأنترنيت باللغة العربية لإهداءها لأصدقائي، وللأسف لم أوفق) والتي أعتقد أنها تنتمي لتلك الأعمال التي يجب قراءتها بعمق وانتباه، والتي هي ضرب من فن التوغل في عمق الإنسان، وضرب من  الهندسة الإنسانية حيث يعمد بريشت إلى تفكيكه وتركيبة كما يفعل ميكانيكي ماهر مع ماكنة مؤلفة من براغي وقطع، وبتقديره (بريشت) أن هذه العملية التي يصنع فيها إنسان جديد في جلد جديد تحتاج (ثقافياً) إلى ثلاثة مهندسين عاطفيين ليصنع إنساناً جديداً، وليس بالضرورة أن يكون الإنسان المثالي..! وما يجري تلقينه هو في الواقع ليس سوى ممارسة " الكذب الجمعي، وتأسيس عصبة سيئة، وقوة تمتلك القدرة على الإغواء والخداع ". وغاية هذا التفكيك والتركيب، هو خلق إنسان: يفكر كما نريد، ويعتقد بما نريده له أن يعتقد، وأن يصدق ما نقوله نحن له لا ما تراه عيناه،  وكل هذا يجعل منه بعد الاستيلاء على شريحة عقله ليتحول إلى ماكنة تسير، وقد تقتل وتدمر، وتصرخ وتقفز وتركض ..!

كيف يطرح بريشت هذه القضية : ما لذي يحدد هوية الإنسان ..؟ الولادة أم التربية ..؟ وإذا جرد الإنسان من أسمه فهل يصبح شخصاً آخر..؟ وهذه قضيه اجتماعية / نفسية ناقشها عدد من المفكرين والفلاسفة بصيغ متعددة، وهناك كثير من الأنظمة تحاول أن تجرد الإنسان من شخصيته ليصبح عنصراً في خدمة " المجتمع ". وهذه عملية تدور منذ مطلع القرن الماضي بطريقة منهجية مدروسة، وربما قبل ذلك بطريقة عشوائية اعتماداً على التجربة والتعييث ..

ويبدو تصور هذا الأمر للوهلة الأولى مستحيلاً، إلا أن القارئ أو المشاهد سيقتنع كلياً بعد مقاومة يبديها، لأنه بالنتيجة سيتخلى عن بعض ما علق بثيابه أو بروحه مما حاولت جهات كثيرة أن تلصقها به، الآن يبدو له أنه أمام أجهزة معقدة وأنها قد نالت شيئاً منه، ولكن الإنسان يمتلك قدرات مذهلة للمقاومة ولا يريد أن ينسف قناعاته بنفسه، ولكن حين يصل الإنسان طوعاً إلى قناعة ما، يتحول إلى قوة مادية لا تقهر، والفكر الحر هو ما يخيف الطغاة وقوى الظلام، والخرافات. وأنت في قاعة فسيحة إذا كنت شجاعاً تسلق النوافذ العالية وافتحها ليدخل النور والهواء النقي، فستجد الكثير من الحقائق مما كانت مغطاة وألواناً أخرى كنت مغشوشاً بها، لاحظ كم هو حكيم المثل " لا تشتري قماشاً في الليل ". وإذا أخضعت كل آراءك وقناعاتك لمحاكمات عقلية، فإنك ستضطر لإلغاء بعضها، أو أن تجري عليها تعديلات مهمة.

لم تغادر فكرة مسرحية بريشت فكري، وبدت لي أنها فكرة مرعبة أن يفكك الإنسان ويعاد تركيبه مجدداً بجلد جديد، و (فكر جديد)، وقبل أن ينصرم القرن العشرين كان العلماء قد توصلوا إلى الاستنساخ، الحيواني (أولاً)، وبالطبع يعني ذلك ضمناً، قدرة الإنسان على استنساخ الإنسان أيضاً. ولكن من غير المعروف ما إذا كان المستنسخ(البشري أو الحيواني) سيحمل نفس الصفات من الخزعة التي جرى الاستنساخ منها، وإذا كان الأمر كذلك فإن الأمر سيقود إلى كوارث يصعب تحديد أبعادها.

ولكن في تأمل الموضوع (تفكيك الإنسان وإعادة تركيبه) سنصل إلى نتائج غريبة، وبعض منها جاءت في كتب علماء النفس، وفي موضوعات الحرب النفسية، وقد تسنى لي مشاهدة فلم قصير (مرفق طياً في الأنترنيت/ الفيسبوك) باللغة الروسية أصلاً، وأعتقد أن مثل هذه الدراسات والبحوث كانت موجودة منذ عهد الاتحاد السوفيتي، وقد تعرفت على معهد في الاتحاد السوفيتي يعني بدراسات الباراسايكولوجي (التخاطر من بعد)  (Parasaychologie)، ومن المؤكد أنها موجودة ومزدهرة في البلدان الرأسمالية المتقدمة، (الولايات المتحدة خاصة) وفي التمعن بهذه الدراسات والأبحاث  نستطيع أن نتعرف على حجم ما يواجه بلادنا وأمتنا. والوعي بالشيئ خير من الجهل به .

نحن نتعرض لحملة واسعة النطاق، وخصومنا يستخدمون كافة الوسائل، وإذا غير قادرين على مجاراتهم بأسلحتهم، فلنلتزم أقصى اليقظة، ولننتبه للحملة النفسية، وهناك من يردد ما يبثه العدو بحسن نية، أو من باب التهويل والمبالغة، ولكن هناك من يفعل ذلك متعمداً وهو يمثل الطابور الخامس الموالي للعدو، بصرف النظر عن آليات قيامه بهذا التخريب.

 

 

 

 

التآمر ــ التحالف ــ التعاهد

 أن نتعلم ونتفهم هو أمر

 ضروري ولكن ليس متأخراً

 ضرغام الدباغ

 يطلق الأدب السياسي على التقاء مصالح عدة دول في أنجاز هدف معين مصطلح (تحالف Alliance) أو (ائتلاف Coalition)، أو (أتفاق ومن شروط الأساسية لمثل هذه التحالفات بين الشخصيات السياسية والدول هو العلنية بصفته العامة، وقد تنطوي بعض فقرات أو ملاحق الاتفاق الذي قد يطلق عليه اسم : معاهدة (Convention)، أو (اتفاقية Agreement)، أو (الإعلان المشتركCommunique )، أو إعلان نوايا (Purposely Declaration). ويحتمل أن تضم هذه المسميات بعض الفقرات السرية التي يتفق أطراف (التحالف (Alliance أو (الاتفاق Agreement) أو (الإعلان Declaration) على إبقائها في طي الكتمان لمرحلة محددة أو غير محددة، وقد ينص الاتفاق أو الإعلان على وجود مثل هذه الفقرات من أجل إضفاء شيء من الشفافية والمصداقية على التحالف.

 لماذا يكون التحالف سرياً ....؟

لأسباب عديدة يفضل المتحالفون، أو المتعاهدون، أبقاء ما تحالفوا / تعاهدوا عليه سرياً، المعاهدة بأسرها أو جزء منها كملاحق، تحجب الملاحق، أو بعضها، إما لأنها تخالف قواعد القانون الدولي صراحة أو ضمناً، أو عندما يكون في إذاعة الفقرات إثارة وتداعيات غير مستحبة في أي من أطراف المعاهدة، أو من أطراف إقليمية أو دولية أخرى. أو عندما تتضمن الاتفاقية تنازلات كبيرة، ستثير تفاعلات عنيفة في حالة إذاعتها. فيتفق الأطراف على إبقاء تلك الفقرات في ملاحق تضرب السرية عليها ولا تنشر.

 

وقد شهدت الحياة السياسية الدولية عبر تاريخها الطويل مراراً عديدة قيام تحالفات سرية غير معلنة، بل يحاول أطرافها إنكارها جاهدين، والسبب الرئيسي في ذلك هو أن الاتفاق مخالف لبنود وقواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية والمواثيق المتفق عليها بين الدول(حتى تلك التي تقود النظام الاستعماري)، بالإضافة أن تكون المعاهدة السرية قد تثير ضجة وتوسع من جبهة خصومها، ومثل هذه الاتفاقيات تبقى سرية ولا تعلن فقراتها الكاملة ومن أشهر تلك الاتفاقيات تلك التي عرفت فيما بعد واشتهرت بأسم " اتفاقية سايكس بيكو ".

 

والاتفاقية التي نجد ضرورة في استعراضها بصورة سريعة، ومن خلالها ستتضح طبيعتها (التآمرية). وكانت الاتفاقية / المؤامرة هي وليدة مفاوضات دبلوماسية سرية قادها كممثلين لقوى عظمى عزمت على اقتسام الشرق الأوسط واستعمارها تمهيداً لوضعها كمناطق نفوذ لها. وقد ابتدأت المفاوضات الأولى بين الأطراف (بريطانيا / فرنسا / روسيا) بين أعوام 1915/ 1916 ، وقاد المفاوضات من الجانب البريطاني الدبلوماسي مارك سايكس(Mark Sykes)، ومن الجانب الفرنسي الدبلوماسي المختص بشؤون الشرق الأوسط فرانسوا جورج بيكو(Georges (Picot ، والدبلوماسي الروسي سازانوف Sazonov، وتوصلوا بتاريخ 16/ أيار ـ مايو / 1916 أي بعد ما يقارب العام من المباحثات السرية إلى عقد اتفاقية لتقاسم النفوذ في الشرق الأوسط، ستعرف فيما بعد باتفاقية سايكس ـ بيكو وذلك بسبب انسحاب الروس منها وقاموا بإعلان محتوياتها في 23/ تشرين الثاني ـ نوفمبر/ 1917 في صحيفة برافدا بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية.

 

ولكن تداول الاتفاقية / المؤامرة ظل سرياً وإن خرجت تلك النوايا والمخططات إلى النور في مؤتمر سان ريمو(San Remo Conference) بتاريخ 26/ نيسان ـ أبريل / 1920، ومن بعد في عصبة الأمم (League Nations) تلك المنظمة الدولية (يطلق عليها دولية جزافاً) التي استخدمت كمطية لتحقيق نوايا المستعمرين بإضفاء الشرعية الدولية عليها وتطويع (القانون الدولي) لتنفيذ مآرب تلك الدول التي تبنت المطامع الاستعمارية بإقرارها نظام الانتداب Mandat System بتاريخ 24/ تموز ـ يوليه / 1924.

 

إذن فلجوء الدول العظمى المنتصرة والمهيمنة بقوة السلاح أولاً على الشرعية والقانون، من أجل تسويغ طغيانها،  وتشرعن ذلك في تحالفات / مؤامرات، وفي مؤتمرات استعمارية، وهي في ذلك تتسيد وتهيمن، وتفرض قواعد العدل وفق ما تره وتفسره، بل وتضع حتى مقاييس للأخلاق وللحقوق والالتزامات في إطار قوانين وقواعد واتفاقيات إرغام يفرضها الأقوياء والمنتصرون وليس بالاتفاق والتوافق كما يشير عنوانها، وما عصبة الأمم إلا منظمة أسسها المنتصرون لتقرير ما سيكون عليه الحال بعد نهاية الحرب، وإسباغ (شرعية وصفة القانون واحتكار تفسيره) على عملية إعادة التقسيم بين المنتصرين وسلب الخاسرين حقوقهم وحتى ممتلكاتهم.

 

المؤامرة الدولية (Complot) إذن هي أتفاق سياسي بين دولتين أو عدة دول، أو بين أفراد وشخصيات اعتبارية، ولكن الفرق بينها وبين المعاهدات والاتفاقات المعروفة في الحياة السياسية الدولية ويقرها القانون الدولي، لذلك لا يصح تسميتها معاهدة أو أتفاق ذلك لأن الأطراف الموقعة عليه وبأعتبار أنها موادها تخالف قواعد القانون الدولي والعلاقات بين الدول، ترغب في الحفاظ بها سرية، وأيضاً لأنها قد تستفز دولا ً كثيراً وتعقد من طبيعة الموقف السياسي.

 

هل هناك ما يميز المؤامرات جديدها وقديمها ..؟

 

تبدأ سيناريوهات المؤامرات الدولية التي نعرفها غالباً هكذا :

 

أولاً ـ دولة لها مصالح استراتيجية (غالباً دولة عظمى) + دولة محلية لها مصالح محلية توسعية على صعيد المنطقة + دولة هدف للمؤامرة بسبب معطيات سياسية / اقتصادية ومصالح مختلفة.

ثانياً ـ دولة عظمى تطمح إلى خلق وضع جديد يضمن مصالحها العالمية + دولة محلية لها هواجسها الأمنية + قوة محلية تريد أن تبرز على صعيد المنطقة فتقبل بالأدوار الثانوية (فتقبل أن تكون مقراً أو ممراً للعدوان والتوسع) على أمل أن تنال حصة في الترتيبات النهائية.

ثالثا ـ قوة عظمى تطلب هدفاً استراتيجياً وتترك ما دونه + قوة محلية تريد أن تمثل الدولة الهدف قوة تنافسها + قوة محلية تقبل الاشتراك في المؤامرة.

 

والأساس في تشكل أطراف المؤامرة هو:

ــ وجود القوة العظمى الضامنة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً للمؤامرة.

ــ وجود مصالح سياسية مشتركة كأهداف استراتيجية (خصم متفق على إزالته، أو إضعافه، أو تدميره).

ــ يشترط وجود تفاهم بدرجة عميقة لدرجة التنسيق الاستخباري المباشر.

ــ القبول بتضحيات محدودة / باهظة.

ــ رسم خارطة طريق تخضع لها الأجهزة السياسية والعسكرية والإعلامية، تمارس بحذاقة.

ــ وجود غرفة عمليات مشتركة لمتابعة الهدف.

ــ القبول بفترة غير محدودة قد تستغرق سنوات عديدة لتحقيق الهدف النهائي.

ــ عدم الخروج عن النص الذي يحدد مهام كل طرف من أطراف التحالف(المؤامرة)، والخروج عن النص، يتحمل تبعاته الطرف الخراج عن النص، دون أن يتأثر الهدف الأساسي..

ــ وضع آليات يحتكم إليها الأطراف في حال نشوب خلافات فرعية. 

ــ التفاهم على المدى البعيد (بعد بلوغ الأهداف المشتركة).

 

ويشهد العصر الحديث مؤامرات / تحالفات، معاهدات إرغام، لا تتفق مع شكل وجوهر المعاهدات إلا شكلياً، وهي أشد خبثاً وأوسع مدى من (مؤامرة) سايكس بيكو التي يخجل الموقعون عليها من الاعتراف بها إلى يومنا هذا على الرغم من ذيوع أمرها، وشيوع أسرارها. وما قيمة مؤامرة قتل القيصر يوليوس حيالها .. تلك المؤامرة التي برع في إخراجها وتمثيلها دهاقنة السياسة وفرسانها في أروقة الحكم في روما القديمة، ثم أخرجت في النهاية من وراء الكواليس إلى العلن، بل وتم تمثيلها على المسرح (ويليام شكسبير) وتمثيلها في السينما، مؤامرة قذرة أشترك فيها خصوم القيصر وحلفاؤه، لاغتيال القيصر (في آذار من عام 44 ق. م) انشقت الدولة العظمى على أثره، ولكن القيصر القتيل مظلوماً أستطاع أن يوجه الاتهام كأبرع مدع عام، وشكل المحكمة وأصدر حكمه قبل أن يتهاوى على رخام سلالم مجلس الشيوخ ويلفظ أنفاسه الأخيرة عندما أطلق قولته، إدانته الشهيرة التي ذهبت مثلاً إلى يومنا هذا دليلاً على وضاعة التآمر: حتى أنت يا بروتوس ...!

 

والقيصر الذي كان يمثل الشرعية موجود دائماً، والمتآمرون موجودون كذلك دائماً سواء تمثل بالخائن بروتس أو بأسم آخر ... وهناك دائماً صديق يخون الثقة، أو قائد يخون مسؤوليته، ولن يصعب عليه إيجاد الذرائع، أو عصبة متآمرون يتفقون بما يسميه القانون أتفاقاً جنائياً على تقاسم السلطة وأعتبار البلاد مغنم من المغانم.

 

*         *        *        *

وفي كل مؤامرة هناك طرف قائد لها، وأطراف تلعب دور توافق المصالح (Consensus interests)، وتقر الأطراف الأخرى بمشروعية مطالب القوة العظمى بوصفها عمود الارتكاز في التحالف (المؤامرة)، وقد تنشب خلافات جانبية بين الأطراف الصغيرة (القوى المحلية) بسبب تغلب الأطماع على ما متفق عليه على الورق، ولكن الاتفاق بتفاصيله وصفحاته العديدة، ينطوي على آليات لحل التناقضات الثانوية حيال الأهداف العظمى التي تبقي روح التحالف قائماً.

 

ولا بد من الاعتراف بأن التاريخ القديم والحديث على ثراء صفحاته، لم نشهد أو نقرأ عن مؤامرة حيكت خيوطها بدقة ومهارة كالمؤامرة التي تديرها الولايات المتحدة ضد أمن واستقرار أقطار الشرق الأوسط، بغايات وأهداف غامضة، وتشر دلائلها إلى غايات وأهداف خطيرة. التي تحاك خيوطها منذ زمن بعيد وتنفذ بمراحل وعلى درجة عالية جداً من الصبر وعمليات التمويه المتقنة (Camouflage) التي قد تكلف مواقف سياسية وتضحيات مهمة، ولكن على أمل أن تكون النتائج الأخيرة تكافئ التكاليف. دول تمثل قوة عظمى، وقوة دولية محلية، وقوة محلية تتوق للعب دور القوة المهيمنة .

 

العقل السياسي الأمريكي، هو عقل يتقبل أسلوب المؤامرة، بل يفضلها ويستحسنها على غيرها. والتحالف / المؤامرة الجديدة على الشرق الأوسط، وتحديداً على الأقطار العربية، تحالف / مؤامرة بصيغة متطورة عن صيغة سايكس بيكو، بالنظر لأختلاف الظروف والمعطيات السياسية عن تلك التي سادت في مرحلة مطلع القرن العشرين (تمر اليوم مرور مئة عام على ذلك التحالف الأسود).

 

والبراغماتية هذه هي ذروة ما بلغه العقل السياسي في تطويره للميكافيلية، في تخل كامل عن الأخلاق في السياسة، وهنا أجاز العقل السياسي الأمريكي البراغماتي، التآمر وكافة صنوف اللعب وراء الكواليس. الأمريكان برغماتيون .. ومن هم أكثر منهم براغماتية ... بل هم من طور البرغماتية المعاصرة من ميكافيلية عصر النهضة.. ومن أولى مبادئها: أن لا أخلاق في السياسة، بل هي لعبة مصالح .. ووجدت البراغماتية في أمريكا (الولايات المتحدة)، وجدت المناخ المناسب (وتلك ليست مصادفة !) لتطوير الأفكار البراغماتية (Pragmatis)، ثم كان وليم جيمس (James William (1842 - 1910 أحد أبرز مفكري هذه المدرسة التي أطلق عليها البرغماتية، أي المذهب العملي. وقد وجدت هذه الأفكار إيضاحا لها عند الفيلسوف الأمريكي تشارلس ساند بيرس (- 1839 1914) الذي أعتبر العمل مبداً مطلقاً بإعلان هذه القاعدة (أن تصورنا لأي موضوع هو تنبؤنا لما قد ينتج عن هذا الموضوع من آثار عملية لا أكثر). ولكن علماء آخرون في منح هذا المذهب الانتهازي، ألاعتدائي القائم على مبادئ القوة والغلبة في منحه أبعاد فلسفية عميقة باستعارات من فلسفات أوربية مثل جورياروس الأمريكي (1855- 1916)، والاهم كان الأمريكي جون ديوي ((1859 - 1952.

 

أركان المؤامرة هذه لا يريدون إعلانها مؤامرة شاملة، فالأمر بهذه الحالة سيوسع من طول الجبهة وعرضها وعمقها .. سيسيئ وينهي الرمز الباعثي (Motivation) لبعض للمشاركين ويؤدي إلى المزيد من العزل وهو ما لا يريده المخرج الكبير، تجنباً لإحراج صغار اللاعبين والمقاولين الثانويين في الساحات التي تدور فيها جوانب من الحلف / المؤامرة، فتحترق أوراق قائد الميليشيا هذا أو ذاك، وتختلق المعارك، وتنشب صراعات، إلا أنها بين ممثلين ثانويين وخيوط اللعبة في الأخير هي في يد من يحسن اللعبة.. فليصدق من يصدق، أو ليطلق التصريحات الباردة .. ويعبر عن تأييده هنا، وعن شجبه هناك، ولكنه لا يلعب إلا ضمن الخطة وهنا لا يسألن أحد عن المنطق ... المنطق السليم هي فقط في النتائج التي سيجنيها التحالف ..

 

هذا هو الأسلوب الجديد الذي اكتشفته الولايات المتحدة، بالأحرى أجهزة مخابراتها. قادة سياسيون إغراق المنطقة برجال حكم وفاعليات تعمل ولها ميليشيات، وشخصيات سياسية نافذة تمثل مفاتيح العمل السياسي وغير السياسي،  أنشطة من ضمنها الاغتيال والإبادة والترحيل والتهجير فهو أسلوب معتمد منذ أن رحل الشعب الفلسطيني من دياره، هو أسلوب لا يعارض حقوق الإنسان وفق القاموس السياسي الأمريكي، وفق منطق : حسناً أنتم لا تحسنون الاستماع لبعضكم، فلتتقاتلوا إذن، والكل يعمل تحت إرشادها، ويتصارعون كذلك ..!.

 

رئيس جمهورية، زعيم ميليشيا، رئيس الوزراء يقود ميليشيا، وهناك شخصيات مت