الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

·         جواد بولس كاتب وصحفي وناشط فلسطيني من كتاب (البلاد)

 

 

مقالات سابقة

 فتشوا عنه تجدوه

 جواد بولس

 

لم تكن كتابة هذه الشهادة مهمة سهلةً علي، فاختزال تاريخ أكثر من أربعة عقود، تشابكَ فيه الشخصي والسياسي والمهني، بمقالة واحدة هو أقرب للعقاب أو أشبه بانتزاعك وعصرك لقطعة صغيرة من ذاكرتك الطافحة والمستفزَة بعد رحيل واحد من رفاق الدرب الذي كان دومًا قريبًا منك ولك حتى وهو "هناك" وليس "هنا" لأنه الصديق الحاضر كالترس يذود عن ظهرك إذا ما حاول النمّام، في ليلة ظلماء، خدشه، وكالرمح يفلق كبد كل ضيم إذا ما استغابك الخسيس وتطاول قزم من أقزام الوحل والزمن الرديء.

عرفت تيسير العاروري منذ منتصف السبعينيات، وقد جئت إلى قدس العرب لأتعلّم في كلية الحقوق في الجامعة العبرية، ولاهثًا وراء حلمي بأن أصير محاميًا يكذّب "ناي جبران"، فالعدل في الأرض، هكذا آمنت، تنقصه عزائم الرجال وألسنة الذرباء الذين لا يخشون ظالمًا، ولا يتملقون الجيوب والعصا على أعتاب حاكم مستبد. 

فلسطين التي أنجبت، في تلك الأعوام، تيسيرًا ورفاقه كانت محتلةً، لكنها كانت علمًا خفّاقًا يلتف به الأحرار في العالم، عشقًا وزهوًا وافتخارا، وكانت هاجسًا يقض مضاجع القادة وجميع الناس، وقضيةً شاغلةً بال كل الدنيا ومالئة دهاليزها بالوجع وبيادرها بالجنى وميادينها بالمطارق والمناجل والقصائد والنار. 

هكذا أتذكر فلسطين في تلك السنين، فيّاضة بالمنى وندافةً بالوعود والأمل. أرضًا عافت المحتل وشعبًا أقسم على تحريرها، وفصائل بألوان شتى وقد اختلفت على الكيف ولم تتقاتل على الكيلة والميزان والحشف.

كان تيسير محاضرًا للفيزياء في جامعة بير- زيت، لكننا، كناشطين في لجان الطلاب العرب، عرفناه أكثر قائدًا فلسطينيًا وناشطًا  بارزًا في الحزب الشيوعي الفلسطيني، ومناضلاً ميدانيًا عنيدًا ذاع اسمه بين من تقدموا الساحات والمنصات، وكذلك صاحب قلم أثرى في علمه الفضاء، فعاش حالة "المثقف العضوي" بتكامل واضح، إذ أنه لم يفصل بين النظرية وتجربته النضالية كما كان يمارسها في الحياة، في الحارات التي أحب أهلها البسطاء، وفي مواقع اتخاذ القرارات حتى دفع ثمنها سجنًا وحرماًنا وإبعادًا، فيما بعد، إلى خارج الوطن.

كنت ناشطًا في "جبهة الطلاب العرب " وهي واحدة من حركتين سياسيتين- الثانية كانت حركة أبناء البلد- قادتا نشاطات الحركة الطلابية في الجامعات في حقبة ذهبية من حياة نضال الجماهير العربية في إسرائيل، حتى تراخت أواصرها منذ منتصف التسعينيات، بالتقريب، وذلك نتيجة لما أصاب الحالة السياسية العامة من وهن وتراجع.

من موقعي في الجبهة الطلابية إلتقيت كثيرين من قادة الجبهة الوطنية الفلسطينية التي كانت تقود العمل الكفاحي في الأراضي المحتلة، بتواز وتكامل مع منظمة التحرير الفلسطينية. وقد قمت لاحقًا بتوطيد هذه العلاقات من خلال عملي متدربًا في مكتب المحامية اليهودية الشيوعية فيليتسيا لانجر، خاصة بعد أن تحول مكتبها في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات إلى عنوان للدفاع عن كل مناضل فلسطيني طالته يد المحتل، وكذلك إلى ما يشبه المقر ومكان الملتقى لأكثرية القياديين الوطنيين في ذلك الزمن. في مكتبها تعرفت جيّدًا إلى من أصبحوا فيما بعد أصدقاء لي في مسيرة طويلة، وصرت لاحقًا محاميًا لمعظمهم وبضمنهم كان الراحل تيسير العاروري، الذي تميّز باعتماده العقل بوصلة في نقاشاته المبدئية وبهدوئه الرزين وثقافته الواسعة.  

في ١٩٨٨/٨/٨ قامت سلطات الاحتلال باعتقال عشرات القياديين الفلسطينيين من جميع الفصائل الوطنية، وقد تبين فيما بعد أن  قائد الجيش الاسرائيلي كان ينوي نفيهم.

اعتقل تيسير من الشارع في مدينة رام الله ونقل مباشرة إلى سجن "الظاهرية" العسكري، ومنه بعد ثلاثة أيام نقل إلى سجن رام الله العسكري، وبعده إلى سجن "جنيد"، حيث أبلغوه، رسميًا، بوجود قرار صادر عن قائد المنطقة الوسطى،الجنرال عمرام متسناع، يقضي بإبعاده، أسوة بستة وعشرين مواطنًا فلسطينيًا آخر تم اعتقالهم كي يتم إبعادهم مثله بعد استنفاد الإجراءات "القانونية" بحقهم. 

أعطي السجن اسمه لقربه من بلدة الظاهرية القريبة من مدينة الخليل، وهو عبارة عن مركز توقيف قديم عرف بمواصفاته الصعبة وببيئته التي لا تناسب حياة الآدميين. استعمله جيش الاحتلال الإسرائيلي مركزًا للاعتقال والتحقيق مع آلاف من الأسرى الفلسطينيين، حيث روى كثيرون منهم قصصًا عن تعذيبهم وما عانوه من أهوال في غرفه البائسة. 

في العاشر من آب، أي بعد مضي يومين على اعتقال تيسير وصلت سجن الظاهرية لأزوره. كنا ننتظر على بوابة حديدية صغيرة، ونقوم بالصراخ كي يسمعنا الجنود. كان المدخل يوحي كأنك تدخل إلى حاكورة مهجورة من حواكير البلد، فكل شيء بدائي ومعالم الحضارة معدومة. رافقني جندي، تصرف بعدائية تلائم رائحة المكان، وأدخلني إلى قرنة منزوية، لم أنتظر طويلًا فقبل أن أتعود على الفوضى المنتشرة في كل الجهات، سمعت صوت "موسيقى الأصفاد" تقترب، فرفعت عيني، وكان يقف قريبًا مني مبتسمًا مع بوادر انزعاج تظهر وسط جبينه، شعره أشعث لم يحظ برعاية مشط، وعيناه تلمعان وفيهما كثير من الحديث والغضب.

تعانقنا، وروى لي كيف أوقفوا سيارته في وسط شارع في رام الله وأمروه بمرافقتهم، وأضاف تفاصيل عن تحقيق يجريه معه ضابط مخابرات يسمي نفسه "أبو النمر". لقد اشتكى من كثرة الافتراءات والكذب عليه.

تركته في الظاهرية وعدت كي أطمئن عائلته، واتفقنا على أن أتابع قضيته. لقد كان واضحًا لكلينا أنه في حالة صدور أمر إبعاد بحقه فيجب أن تكون مواجهته الرئيسية سياسية، فنفي إنسان من وطنه وانتزاعه من حضن عائلته هو قرار سياسي تعسفي غير انساني. مع هذا اتفقنا أن نستغل ما يتيحه ذلك "القانون"  كأداة من الجائز أن "نعزف" عليها لإثارة الضجة ونقل تداعيات القضية  للعالم علهم يعلمون ويفقهون. 

بعد مداولات ونقاشات طويلة قرر تيسير أن يعدّ مرافعة تفصيلية يواجه فيها أعضاء لجنة الاعتراضات العسكرية. 

وفعلًا قام بكتابة وثيقة نظمها كما يليق بسياسي حذق وبعالم فيزيائي أن يفعل. رد فيها على ما أسماه المدعي العسكري بالتهم الموجهة اليه، وكانت هي في الواقع أقرب لكونها افتراءات، فدحضها تيسير بالمنطق والبيّنة وبالفكر النير السليم.

لكنه وهو القائد السياسي كان يعي معنى اللحظة فأصر أن يشرح للجنة العسكرية عن أسباب اختياره بتقديم مرافعة أمامهم وهو يعرف بيقين أن قرار إبعاده هو قرار سياسي محض، فقال لهم: "ولكن وبعد أن استمعت للتهم العلنية والحجج التي تقدّم بها الادعاء العام، ساءلت نفسي: إذا كان في الشق العلني، الذي يستمع له المحامون واللجنة والمتهم (أنا) وبقية الحضور، يستطيع الادعاء العام أن يقدم كل هذه المغالطات والأكاذيب والتفاهات في محاولة سخيفة وبائسة ليضفي على عملية الإبعاد بعدًا قانونيًا، وأن لها ما يوجبها من الأسباب "الأمنية"  فكيف سيكون بالتالي شكل ومحتوى المادة السرية وهناك لا رقيب ولا حسيب على الصدق والكذب".

أنهى المقدمة وبعدها ألقى على مسامع اللجنة مرافعة حصيفة فند من خلالها جميع أكاذيبهم. فعل ذلك بصوت مليء بثقة صاحب الحق، وبهامة مناضل فلسطيني كريم الأصل لم يتعود على تصعير الخد ولا على الطأطأة، وبلسان شيوعي مجرب لا يعرف التأتاة.

ما زلت أذكر كيف كان هو الإنسان الحر الذي تكلم بفرح السواسن والمناضل النقي الذي ضوّع صدقه عطرًا كنراجس عيبال؛ لقد صرخ وأصغت له ثلة من عساكر مدججة برائحة البارود وبالعنجهية؛ أذكره وهو يندفع أمامهم كالعاصفة وهي تكنس زيف التاريخ، وكالموج يمسح عن عتبات الزمن الأغبر نثار الخسائر فهو "التيسير" الذي آمن منذ كان "خشفًا" يلعب بسعادة وشقاوة في أزقة قريته الصغيرة الوادعة برهام أن "الهزائم ليست قدرًا" وأن النصر يجب أن يكون في النهاية للإنسان وليس لأعداء الإنسانية.

لقد واجه اللجنة  جازمًا أن قرار نفيه موصوم بثلاثة عيوب:  فكيف يمكن تبرير اقتلاع إنسان من وطنه ومن بين عائلته وأسرته الكبيرة؟ إنها جريمة أخلاقية صارخة لا يمكن  تسويغها بأي مسوّغ. وهي كذلك مخالفة قانونية تحظرها كل القوانين والمواثيق الدولية والسماوية وهي لذلك جريمة بعرف الأمم والسماء. وأما سياسيًا فهي حماقة كبرى ومغامرة، فإذا كان المحتل يعتقد أنه عن طريق إبعاد قادة من شعب يرزح تحت الاحتلال سيضمن بَعدهم  فراغًا سياسيًا وضياعًا، فهذا الظن خائب وواهم لأن التاريخ علم أن للحرية عزيمة لا تنضب وأن الاستبداد زائل.

لقد تم إبعاد تيسير، كما توقعنا، في أواخر آب سنة ١٩٨٩. فقضى في المنفى بضع سنوات استغلها في الكفاح ضد الاحتلال وفي إثراء مداركه العلمية والثقافية وبتقديم مزيد من الكتابة الفكرية. عاد مع آخرين إلى الوطن بعد أوسلو ليستمر، من مواقعه الجديدة القديمة، في مسيرة عطائه التي لم تتوقف حتى آخر يوم في حياته .   

لم يساوم تيسير في قناعاته، فكان يقينه الثابت أن الاحتلال هو عدو الشعب الفلسطيني الأول وهو إلى حد بعيد عدو الإسرائيليين أنفسهم. كانت مواقفه السياسية واضحة فبوصلته الفكرية وتجربته أوصلتاه، في معظم الأحيان، لاختيار الطريق الصحيح، وحبه للناس هداه دائمًا لأن يكون مع "المعذبين في الأرض" والبسطاء.

لقد عرفت تيسيرًا ورفاقه يوم كان الصبح في فلسطين نمّامًا وليلها عند المناضلين ستّارًا، فكنا إذا اجتمعنا صحبةً نتقاسم "كأهل الهوى" كسرة الخبز ورقصة الفجر ونحلم بمن سبقونا وسقوا الفولاذ كي "نعبر الجسر خفافًا"، وتصادقت مع تيسير حين كانت في سماء فلسطين سماء واحدة زرقاء صافية بعيدة، وفي الأرض نضال ووجع وبهجة وحب، الذي كان لونه كلون الحرية أحمر  .

كان تيسير الذي عرفته بسيطًا كزر فل أبيض في حوض أمه، دافئًا كدمعة زنبقة كسيرة عند المغيب، عنيدًا كموجة لا تنكسر ومتصالحًا كفرس تتهادى عند منحنى؛ عاش ك"سابق لعصره" وكعاشق لقضيته دنف أتعبته الأيام وخذلته الوعود فرحل قبل انبلاج الصبح، الذي ما زال غافيًا في حضن نجمة تنتظر همم رفاقه والفرسان وغناء القمر. 

أأقول لكم: لقد رحل قبل الأوان! وهل يرحل المناضلون العاشقون في الأوان؟. 

حكاية تيسير بسيطة، سنسمعها كلما اجتمعنا بصحبة "بنات الكرمة" وإن طال السهر، واذاما تنفست وردة وطربت غيمة ورقص حسون وعانق الغبار الشجر، سنسمعه يقول لجميعنا: أنا يا رفاقي لم أمت. ستجدونني كلما رف في ساحات الوطن علم، وكلما زغرد في قبضة حر قلم وحجر، وفي كل صرخة طفل يولد، وستجدونني، يا أصدقائي، في الأغاني والمراثي وفي احتدام القوافي وعند سقوط المطر. أنا لم أمت يا أحبتي فسيروا على الدرب تجدوني، فكل من سار عليها وصل. 

سلام عليك يا رفيقي يوم أحببت ويوم تعبت وسلام عليك يوم انتصرت.

 

 

 

إضراب الحرية في نيسان

 

جواد بولس

في السابع عشر من نيسان الجاري سيشرع مئات من أسرى الحرية الفلسطينيين بإضراب مفتوح عن الطعام، وهي خطوة قد تتحول إلى علامة فارقة في مسيرة الحركة الأسيرة، وذلك بعد سنوات شهد فيها العالم على انقسامات فيها وترهلها، وفي بعض جيوبها استوطن "النعاس"، وغُلّبت مصالح ضيقة لبعض أفرادها وفئاتهم، فاستأثروا برغد موهوم ومزيف سهّله عامدًا سجانهم الإسرائيلي الذي صار أقوى، وأخذت سهامه تتغلغل عميقًا في الجسد حتى كادت تصيب القلب منه والكبد!

لا يستطيع أحد أن يتكهن كيف وإلى أين سيمضي هذا الكفاح، فـ"للمجهولقوانين لا يتوقعها حتى العتاة وأسياد العتمة، وللمواجهات أشرعة لا تطالها شمس ولا يكشفها سهر، والرياح، حين تغضب، هكذا لقنتنا الطبيعة وعلّمنا الوجع، تكره الجدران وتهوى الرحيل إلى البعيد البعيد، حينها تقلع بمهارة حتى تمس شغاف السماء، ولا تستكين إلا بعد أن يُداوى القهر، وتهدأ نيران، ويرتفع الجبين، ويضحك القمر .

ربما لم يصدق الإسرائيليون نداء مروان البرغوثي الأول والذي أعلن فيه قبل أشهر أن في السابع عشر من نيسان القادم، وهو ذكرى يوم التضامن مع الأسير الفلسطيني، سيكون اليوم الأول لإضراب مفتوح عن الطعام ينفذه الأسرى في سجون الاحتلال، أو ربما عملت أذرع الأمن الإسرائيلية، طيلة هذه المدة، من أجل إجهاض الفكرة وإفشالها، فهم لم يعدموا الوسائل التي سخروها لهذه الغاية والهدف، ومعهم من الركائز المحلية "سدد ملآنة " تدعم مساعيهم، لكننا، وقد وصلنا إلى نهاية رصيف المجازفة  والرهان،  نرى بوضوح أن ما بذلوه لم ينجح، فنحن قاب يومين وصيحة من حناجر الأسرى تهدهد في سماء الوطن وتعلن:

" إننا قررنا خوض معركة الأمعاء الخاوية حفاظًا على كرامتنا، ومن أجل حقوقنا الإنسانية البسيطة، ولذا نهيب بكم للتعبير عن كل معاني التضامن ومساندة الإضراب التاريخي الذي ستقوده الحركة الأسيرة بكل فصائلها ودون استثناء وبقيادة موحدة لأول مرة منذ ١٥ عامًا.. "

لقد قلنا في الماضي إن المحتل لن يسجل في معاركه نصرًا منجزًا إلا إذا نجح، أولًا بإطفاء جذوة الأمل واقتلاعها من صدور ضحاياه، وإذا أحكم، ثانيًا، سلطانه على فضاءاتهم ونيرَه على رقابهم بحيث تفقد هذه الضحايا جميع هوامش المناورة وقدرتها على التسبب بمفاجأة جلادها؛ إنها حكمة الشعوب التي خاضت معارك التحرر وخلاصات تجارب حركاتها الأسيرة التي شابهت في ظروف كفاحاتها ما واجهته وتواجهه الحركة الأسيرة الفلسطينية، فإذا ما تقبلنا هذه المقاربات ووازينا بينها، سنعي، عندها، معنى خطوة الأسرى وأهمية قرارهم وتبعات نجاحه أو فشله.

فالإضراب المعلن يندرج، وفقًا للتعريفات المقبولة، كإضراب مطلبي، والوثيقة التي أعدتها قيادات وكوادر الأسرى حددت رزمة من المطالب التي على إدارة مصلحة سجون الاحتلال تنفيذها ولو بشكل جزئي، خاصة في ثلاثة موضوعات رئيسية: حق الأسرى في التواصل مع عائلاتهم ومطالبتهم، لأجل هذا الغرض، بتركيب هواتف عمومية في جميع السجون ووضعها تحت تصرفهم، واستعادة العائلات حقها المكتسب بزيارة أبنائها مرتين في الشهر الواحد كما كان متبعًا قبل المس بهذا الحق وإيقافه على زيارة واحدة، والتوقف عن إساءة معاملة عائلات الأسرى عند مرورها على الحواجز العسكرية وخلال تتميم إجراءات التفتيش عند دخولهم إلى السجون .

من الواضح أن الأسرى سيخوضون معركتهم في ظروف عالمية ومحلية صعبة للغاية، ففي كثير من الدول الغربية تتنامى مشاعر القلق والخوف وتواجه مجتمعاتها قلاقل خطيرة تفقد مواطنيها نعمة الاستقرار والشعور بالأمن والرخاء، بينما تعيش معظم الدول العربية حالات من الاقتتالات الدموية وبعض هذه الدول تحول إلى مسوخ وأشباه   كيانات، وفي دول العالم الإسلامي يعلو الرطن والأنين من وطاة الانقسامات المذهبية وانشطار الولاءات والاصطفافات في أحلاف هجينة عجيبة وغريبة في مشهد يذكرنا بعهود "الملل والنحل" وحروبات ملوك " الطوائف"؛ لجميع ذلك وقبله يجب أن نضيف ما تعانيه الحالة الفلسطينية من أزمات وما تواجهه من ضغوط وحصار .في هذه المناخات ستكون مسيرة المضربين شائكة ومضنية وأعقد؛

فالاحتلال الإسرائيلي صار أكثر توحشًا وممارساته الاقتلاعية تعرّت وعرّت سياسةٓ من يحكم وسيحكم إسرائيل الكبرى في السنوات المقبلة، تيّارات تمزج بين يمينية موغلة بعنصريتها وبين عقيدة دينية سافرة عن نواياها وهرولتها وراء تعاليم "ربانية" وفقها  كان ولم يزل الهيكل هو أقصى المنى.

في الواقع لقد نجحت الحركة الأسيرة الفلسطينية خلال عقود عمرها الأولى ببناء كيانها الوطني المميّز، ففي حين انتمت جميع كوادرها إلى فصائل العمل الكفاحي الفلسطيني، حافظت، عمليًا، قياداتها المتعاقبة على استقلالية بارزة زودتها بكل عناصر البقاء والقوة في وجه تأثيرات تفتيتية فلسطينية، وفي وجه، وهذا الأهم، قمع السجان ومكائد السياسة الإسرائيلية، التي شعر القائمون عليها أن الأسرى، بما طوروه من قيم نضالية وكوابح أخلاقية، شكلوا حركة تحوّلت إلى محمية وطنية حصينة، وحافظوا على إشعاعها ونورها خاصة في زمن الأزمات التي مر بها الواقع الفلسطيني، وتعمل ككاسر أمواج يمنع الارتطام مهما عصفت الأنواء، وكان البحر هائجًا؛ فلعقود متتالية حافظت الحركة الأسيرة على قوامها المقاوم وبقيت ضابطةً للإيقاع الوطني وقاسمٓ الشعب المشترك الذي كان يذكر الجميع، وفي كل الفصول، أن الاحتلال هو عنوان الأسى ومسبب النوائب وهو مولّد الذل والقاهر .   

لم يدم عز هذه الحركة، خاصة بعد اتفاقيات أوسلو، فلأسباب، لن نلجها في مقالتنا ، خسر الشعب الفلسطيني أهم روافد نضاله المنيعة، وذلك عندما سكن البرد مهاجع الأسرى وصارت الفئويات فراشهم، والمصالح ولاءاتهم .

لقد كانا عقدًا ونصف، كما جاء في بيان الأسرى، أعجفين، شهدنا فيهما جزْرًا موجعًا  وانحسارًا محزنًا، فضوء المنارة الأوضح في ساحات المواجهة اليومية خبا، وكثيرون ممن راقبوا تداعي الظاهرة  انتظروا، بلهفة وشوق، إعلان وفاتها، فبدأنا نسمع تعابير الفرح ونراها في وجوه بعض الضباط الذين حسبوا أن السجن قد انتصر على الإرادة، وهذا في حسابات الحرية وتخطيطهم يعادل نصرهم في " أم المعارك"..

هكذا يكتشف من يقرأ تفاصيل هذا التاريخ منذ أربعة عقود، ولذلك أعلم ومثلي كثيرون يقدرون ما هو وقع إعلان مروان البرغوثي ورفاقه خاصة في هذه الظروف، وأستطيع إن أجزم أن الأسرى، وقبل البدء بالإضراب، قد سجلوا انتصارًا إستراتيجيًا هامًا حين طيّروا رسالتهم الأولى، وقد تكون الأهم، ومفادها : نحن هنا. غفونا لنرتاح كما يحب الصبح ويعشق الندى لكننا سنعود كالساقية بحركتها، وكي نبقى منارة لشعبنا ولكل من يحلم مثلنا بالحرية والكرامة والعزة.

إنها ليست الرسالة الوحيدة، فالبعض مطّلع على عملية الضغط الكبير الذي تواجهه القيادة الفلسطينية وخاصة مؤسسة الرئاسة من إسرائيل مباشرة ومن أنظمة عديدة جندتها إسرائيل كي تطالب القيادة الفلسطينية بالتخلي عن تبنيها لقضايا الأسرى والتوقف عن دعمهم ودعم أسرهم، وفي هذا السياق يأتي إعلان الإضراب كإيذان بما يعد له الأسرى وما قد يتحول إلى حركة شعبية واسعة جارفة؛ فمطالبة القيادة الفلسطينية بالتخلي عن دعمها للأسرى والمحررين هي أشد المسائل خطورة في حياة شعب يعيش في فترة تحرر قومي، وتعادل، في فقه النضال، تجويف الصراع مع المحتل والتسليم بالهزيمة من غير الإعلان عنها، فالحركة الأسيرة، كما قلنا دائمًا، هي الظاهرة الطبيعية في واقع غير طبيعي، لأن الاحتلال هو الطاريء والآيل إلى زوال، أما سكان السجون فهم أصحاب القضية وعرابو المستقبل .

إنها معركة كرامة بمعناها الإنساني، المباشر والبسيط، لكنها، في الواقع، صرخة من حماة الضمير ليذكّروا مجددًا من غفا أو نسي أو استسهل أو تعود أو تواطأ، أنهم، بعد خمسين عامًا ما زالوا في صبح  ذلك "اليوم السابع"، وما كان ضروريا  في حينه ما زال ضروريًا، فالاحتلال كان خطيئة الخطايا وسيبقى بمثابة ثقب الشرق الأسود.

إنها صرخة أحرار قد تعيد التوازن إلى معادلة يريدها كثيرون أن تبقى مختلة ومخللة، وليس كالأسرى من يحس بطعمها المر والمالح، وليس مثلهم من يعرف كيف بالوجع يكوى الذل وتداوى بالتضحيات الغطرسة والعنجهية، ومن مثلهم يعرف أن الحرية في نيسان تزهر.      

 

 

ماذا يعني "تدويل"

المثلث والنقب والجليل؟

جواد بولس

في ثلاثة أخبار نشرت بتهميش بارز في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي  قرأنا كيف تضامن "العالم " هذا العام مع قضايا " فلسطينيي الداخل"؛ ففي بلغاريا بادرت سفارة فلسطين بالتعاون مع اتحاد الصحافيين البلغار إلى إقامة ندوة بمناسبة اليوم العالمي لدعم " الأهل في الداخل"، وبعدها بثلاثة أيام ، في الثالث عشر من شباط، أحيت سفارة فلسطين في بوخارست اليوم العالمي لدعم "حقوق الفلسطينيين في الداخل" ، حيث شارك في الندوتين السيد محمد بركة.

أما الجامعة العربية فقد أصدرت بيانًا أكدت فيه أنه " تنفيذًا لقرار مجلس جامعة الدول العربية بالدعوة إلى إحياء يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني تؤكد على دعم صمود فلسطينيي الداخل عام ١٩٤٨في أرضهم ودفاعًا عن حقوقهم .."

وعلى "جبهة " ثانية أقيم على شرف الاحتفاء بيوم التضامن العالمي "مع جماهير شعبنا في الداخل" مهرجان مركزي في رام الله وبالتزامن معه، في الرابع من شباط، أقيمت مهرجانات تضامن في غزة وبيروت وقلنسوة.

ما هو يوم التضامن العالمي هذا؟    

قد تعتبر المحاورة التي أجراها الصحفي وديع عواودة مع السيد محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب في إسرائيل،  ونشرت على صفحات جريدة القدس العربي في الرابع عشر من كانون الثاني المنصرم، واحدة من المقابلات الهامة التي أعطاها بركة بعد تسلمه موقعه القيادي الجديد، قبل ستة عشر شهرًا، وذلك لشمولية مواضيعها وما طرحه من مواقف واضحة أحيانًا، ولا أقل أهمية لتغييبه، أحيانًا أخرى، رأيه الصريح إزاء قضايا سئل عنها وآثر إغفالها أو تناولها بترميز يترك القاريء بين منزلتين ليشقى ويحتار على دروب المجاز وعسر التفسير وجنوح الفكر والخيال.   

قد يكون تشخيصه لخطورة ظاهرة تسفيه أدوات النضال والطعن في الأطر الوطنية التمثيلية الناشطة بين المواطنين العرب في إسرائيل، واحدًا من المواضيع الهامة المفصلية، لأنه يفضي، كما يجزم بركة، إلى " تجريدنا من كل عناصر التنظيم السياسي الجماهيري " ويساعد من يسعى إلى تفتيت وجودنا الجماعي ودك بنانا الإجتماعية والسياسية والتي بدونها لن تستطيع أقلية قومية الحفاظ على هويتها وتراثها والصمود في وطنها؛ وعلى أهمية ذلك التشخيص يتركنا بركة من غير دليل واضح يرشدنا إلى طريق النجاة، فهو يكتفي بتكرار بعض العناوين العريضة مرفقة بشذرات عما يزمع تنفيذه في المستقبل من دون أن يصرف ذلك في أرصدة معرّفة بزمانها ومكانها وآليات تطبيقها، بينما، بالمقابل، نجده يذكرنا مجددًا ببديهية لازمت وجودنا منذ "بُرشتت" إسرائيل في شرقنا وأمعن ساسستها في تشتيتنا ودق أسافين الفرقة في كل فخذ بيننا وبطن وظهر لنا، وعلى نثر بذور التشكيك بين الجماهير وبين قياداتها السياسية في جميع مواقعها الشعبية أو الحزبية أو النقابية، إلا من استقام منهم ومشى على وقع عصا "موسى العظيم" !

 إسرائيل ليست مسؤولةً وحيدة عن عزوف الجماهير عن السياسة فعندنا "من ذلك الخروب سده مليانه"!         

لن أتناول في مقالتي جميع المحاور التي وردت في تلك المقابلة، لكنني سأقف، علاوة على ما ذكرته، عند قضية " التدويل" التي جاء على ذكرها بركة وشكلت عنوانًا مثيرًا ولافتًا في مقابلته كان من المفروض أن يستفز قيادات الجماهير العربية أو على الأقل بعضها وبعض النخب المهتمة والمختصة في التنظير لوسائل النضال التي على جماهيرنا تبنيها في مسيرة كفاحها ضد سياسات القمع والقهر الإسرائيلية، لا سيما في عهد الحكومة الحالية التي تغمد سيوفها في حلوق العرب، وترمي، مميطة آخر رقعة من لثام القرصان، الأقمار في سمائنا وتستهويها كالورْق تسقط في رحلات العبث والصيد الجنونية .

في الواقع استحدث بركة ما أسماه " اليوم العالمي للتضامن مع فلسطينيي الداخل" وذلك بعد انتخابه رئيسًا للجنة المتابعة العليا وفي أعقاب حظر الحركة الإسلامية الشمالية وإعلانها حركة خارجة عن القانون، وقرر أن يكون الاحتفال بهذا اليوم في الثلاثين من كانون الثاني من كل عام آت.

لم أستوعب شخصيًا ماذا يعني الإعلان عن هذا اليوم؟ وإلى ماذا تهدف لجنة المتابعة العليا من ورائه؟ وما معناه الواقعي؟ وأي خطاب سياسي سيملأ  ثناياه؟ وإلى أي ضفة سيأخذنا؟

لكنني تساوقت، وأخال أن كثيرين مثلي، افترضوا أن الفكرة من ورائه هي خلق آلية نضال سياسية يكون مركزها الإعلام وأدواته، وروحها كشف الحقائق من على منصات "عالمية" ومن خلال تجنيد وسائل إيضاح مهنية ومعطيات موثقة يستعرضها الخبراء والنشطاء والقادة ( لغاية الآن معظم النشاطات العالمية كانت محصورة بمشاركة رئيس لجنة المتابعة السيد بركة) وذلك كي تكشف عن أوضاع الجماهير العربية وتفضح ما تعانيه من تمييز عنصري وسياسات قمعية في جميع ميادين الحياة، وعلى أمل أن "يصحو العالم من كبوته"، ويعبر عن دعمه وتضامنه وإسناده  لمطالب الأقلية العربية في العدالة والمساواة كمواطنين كاملي الحقوق المدنية الإسرائيلية والقومية الأقلياتية الفلسطينية؛ أي أنها خطوة في سبيل إستجلاب ضغط العالم الغافي على إسرائيل العنصرية من أجل تغيير سياساتها القمعية الممارسة بحق خُمس من مواطنيها العرب .

لم أقرأ عن موقف للجنة المتابعة العليا من شأنه أن يضيف مكنونًا سياسيًا جوهريًا يتعدى ما وصفته كمفهوم تعبوي جائز يبرره الإعلان عن يوم التضامن المستحدث؛ مع أن البعض نزع إلى إضفاء بعد "مشفّر" في لجوء محمد بركة، العضو القيادي في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، إلى وصف ذلك اليوم كتضامن مع "فلسطينيي الداخل" أو مع "جماهيرنا في الداخل"، وهؤلاء فسروا اختياره هذا بابتعاده عن إرثه الشيوعي وعن مواقف حزبه التقليدية من تعريف مكانة الأقلية العربية وعلاقتها القانونية والسياسية والمواطنية مع إسرائيل.

 لقد نفى بركة هذه الاحتمالية في مقابلته مع القدس العربي وأكد على انتمائه الشيوعي والجبهوي، لكنه، زوّد في نفس المقابلة المتابعين لممارساته القيادية بما يضعف نفيه أو يفنده، فهو حين يعلن أن يوم التضامن العالمي هو خطوة على طريق " تدويل" قضية الأقلية الفلسطينية يعزز تساؤل من تساءلوا عن وجهة لجنة المتابعة العليا وإلى أين يبحر معها بركة ومن معه ومعظمهم كانوا هناك وما برحوا مواقعهم ومواقفهم.

فماذا يعني "التدويل" في حالتنا؟

وهل خطر ببال مطلق التسمية مثلًا ما قرره العالم في حالة تدويل القدس وفق القرار ١٨١ وهل يطالب بمصير مشابه ؟

أو هل يطالب بالتوجه إلى المحافل الدولية لوضع الأقلية الفلسطينية تحت وصاية العالم ؟ وهل ستطالب عندها لجنة المتابعة بتجميد/ بتبديل مكانتنا/ جنسيتنا كمواطنين في دولة إسرائيل ولأي جنسية بديلة، فلسطينيةً مثلًا؟( تذكروا أن ليبرمان ينتظركم عند المنحنى!) يجب توضيح المقاصد فمن الواضح أن هذه ليست الإمكانيات الوحيدة التي يسوغها مطلب التدويل

ومن غير المقبول ولا المعقول أن تنفخ هذه الشعارات بهذه الطريقة، وتطلق من دون أن تربط للأمان، وترفق بما يبررها ويشرح عن فوائدها وعن أعراضها الجانبية إذا وجدت، وابقاؤها في الهواء الطلق كفقاعات الصابون هو فعل عديم المسؤولية، ورميها في دهاليز السفارات الشقيقة قد لا يضر لكنه لا يكفي؛ بينما يبقى إهمال رأي الشعب وقبول الجماهير للفكرة هو العنصر الأهم،  وهو ما قد يفسر عزوف هذه الجماهير عن مساندة المؤسسات القيادية والأحزاب السياسية  وابتعادهم عن الانخراط في ما يشبه المشاريع وما يشبه الابتكار.

لقد مر أكثر من عام على إنتخاب بركة رئيسًا جديدًا للجنة المتابعة، وأنا أومن، بخلاف بعض المغرضين ممن يهاجمون مؤسساتنا القيادية والأحزاب وقادتها بهدف التيئيس والتجريح والتفتيت، أنها أهم مؤسسة قيادية قائمة بين الجماهير العربية في إسرائيل، إلا أننا انتظرنا طويلًا لإحداث التغييرات التي وعد بهامحمد بركة، لكنه لم يف حتى يومنا بما وعد.

لم يكن انتخاب بركة لرئاسة لجنة المتابعة سهلًا، فلقد احتاج إلى ثلاث جولات وكثير من المناورات لضمان فوزه على منافسيه. قد يكون ما جرى في حينه عائقًا في وجه بركة وحائلًا دون إقدامه على ما هو يعرف أنه ضروري لإكساب لجنة المتابعة عناصر جديدة تضخ في شرايينها قوة الدفع الضرورية لإقلاعها، فلقد قلت في الماضي إنني وكثيرين مثلي عقدنا أكبر الآمال على انتخابه رئيسًا لأنه قائد مجرب محنك صبور ذكي حكيم، لكنني اليوم أخشى ألا ينجح في الإقلاع في هذه الأنواء، فما "ورثه" من يواطر ما زالت مدلاة من جميع جوانب سفينته الكبرى وتشكل عمليًا كوابح أمامه تعيقه كقبطان وتعرض سفينته/ سفينتنا إلى المخاطر والغرق.

في مقابلته المذكوره عدد بركة ما يكفي من المخاطر التي نواجهها كأقلية عربية في إسرائيل، فعلاوة على عزوف الناس عن السياسة الذي وصفه ب"الكارثة الإستراتيجية" أقلقه العنف المستشري بيننا والجريمة المعقدة والطائفية والفردانية وغيرها، لقد كان  كالنطاسي الحذق المجيد في تشخيص المرض، فهل سيشرع في اعداد الدواء؟

كان الناسك توما يقول : "لو كان الهدف الأعظم للقبطان هو الحفاظ على سفينته من الغرق لأبقاها في الميناء إلى الأبد"، فالسفينة سفينتنا، وبعيدًا عن التباسات "التدويل" ومتاهات " التدوير"، ارفع جميع المراسي وأقلع بها، فلقد إئتمنتَ قبطانًا عليها .

              

    

 

 


سبق السيف العدل

جواد بولس

تصويت الكنيست، قبل عدة أيام، على قانون شرعنة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة يبعث برسالة واضحة إلى جميع أرجاء العالم ومفادها أن إسرائيل "الجديدة" هي في الواقع إسرائيل "القديمة" ويذكّر، كذلك، من ظنوا أن قناعة المنتصرين في عام النكبة واكتفاءهم بما "لهطوا" من أراض، ستغدو النجمة المنيرة لدروب أبناء وأحفاد جدهم "اشعيا" الذي تنبأ أنهم "سيطبعون سيوفهم سككًا ورماحهم مناجل"، توهموا وخابوا؛ فحكمة إسرائيل الأولى كانت وما زالت "مخافة  ربهم" الذي سكنت كهنته وانتشرت مذابحه في جبال يهودا والسامرة، كما روى الدخان وحدثتنا الغربان.

سكة هذه الكنيست من الرماح مدت عارية كالترس ومثله هي صماء وعنيدة، فمن سيستهجن، مرة أخرى، من تمادٍ وشيك لأعضائها على حقوق الفلسطينيين لن يكون غبيًا، بل عاجزًا، في الدرجة الأولى، ومتواطئًا مع ما يبدو اليوم واضحًا وحتميًا في مشوار بدأ عمليًا قبل سنوات، ولو بشكل ملتبس وتدريجي، حين لم تلتزم حكومات إسرائيل المتعاقبة بما وقّعت عليه أمام جميع دول العالم وأممها.

مع ظهور نتائج الانتخابات الأخيرة بان جليًا أن معظم الأحزاب الإسرائيلية المنتخبة وبدعم من الأكثرية اليهودية في الدولة ماضية في سبيل ضم أرض الضفة الغربية المحتلة واخضاعها لسيطرة القانون الإسرائيلي بشكل رسمي و"مشرعن" وذلك بعد ضمهم للقدس الشرقية منذ العام ١٩٦٧؛ وبالتوازي، يتم الإبقاء، وفقًا لخطة محكمة، على "كُيَين" فلسطيني، إن شاء الفلسطينيون فليسموه دولة، وتحكم في جنباته سلطة وتتحكم، وإن شاء رجالها فليُكنوا رؤساء أو وزراء أو أمراء أو ما انتقوا، وليمارسوا صلاحياتهم المدنية والأمنية الخدماتية على مواطنيهم شريطة ألا تتمتع تلك المناطق بسيادة سياسية كاملة ولا باستقلال ناجز يخلف إحتلالًا منتهيًا.

بعد اعلان نتائج التصويت على قانون سلب الأراضي أصدرت عدة قيادات فلسطينية بيانات شاجبة هاجم أصحابها الخطوة الإسرائيلية واستنكروها. جلّها دُبج بدبلوماسية حريرية خلت من أي مقترحات عينية وعملية موجهة للساحة الفلسطينية الداخلية أو لجماهير الشعب العريضة، وحتى من أتى منهم على ذكر ضرورة مقاومة هذه المستجدات العدوانية  لم يصرف همساته إلى ما يضمن تحويلها رياحًا مقلعة أو مشاريع نضال جدية تكون على مستوى ما يجري من اغتصاب للأرض وقمع للبشر.

بتميّز طفيف قد يعكس بيان السيد ياسر عبد ربه، عضو اللجنة التنفيذية، وجهة نظر مغايرة، وقد تكون منتشرة، لكنها غير معلنة، في صفوف كثيرين من صنّاع السياسة الفلسطينية في هذه الأيام، فهو يعلن أن "الرد المباشر على هذه الخطوة يكون من خلال التطبيق الفوري للقرارات المؤجلة منذ سنتين للمجلس المركزي واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.. وفي مقدمتها وقف التنسيق الأمني وإعادة تحديد العلاقة مع إسرائيل في كافة المجالات وتقديم طلب لمقاضاة إسرائيل فورًا لدى محكمة الجنايات الدولية .." البعض يعزو وضوح هذه المطالب وعلو سقفها إلى ابتعاد السيد عبد ربه عن مواقع صناعة القرار المتقدمة، لكنها، مع ذلك، تبقى مؤشرًا على فرج قوس مروحة الإحتمالات الفلسطينية التي لا يمكن استبعاد اللجوء إليها في ساعات الحسم والصحوة، لا سيما إذا وجدنا أن أقواله تتلاقح مع ما قاله مثلًا، بلغة أكثر ضبطًا، د.محمد شتية، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومن المقربين إلى عمليات صنع القرارات، حين أكد: "أن الحديث عن تحميل المجتمع الدولي مسؤولياته مجرد كلام على ورق، بالوقت الذي نحتاج فيه إلى إستراتيجية جديدة تستند إلى الواقع الذي أدخلتنا فيه إسرائيل والولايات المتحدة". ومن اللافت أنه أدلى بتصريحه هذا وهو منتدب كواحد من خمسة قياديين (د.صائب عريقات، د.رياض المالكي، اللواء ماجد فرج، د. مجدي الخالدي) كانوا قد كُلّفوا يوم ٢٠١٧/١/٥ بصياغة ورقة تصورات وتوصيات يتم تقديمها إلى الرئيس محمود عباس وللقيادة الفلسطينية كخطة عمل متكاملة تستشرف إمكانية إقدام الإدارة الأمريكية على نقل سفارتها إلى القدس.

وضع الفلسطينيين، قبل هذا القانون، لم يكن سهلاً، بيد أنه لن يصير أصعب بسببه فقط، وكثيرون من السياسيين والمعلقين والنقاد والمعارضين درجوا، سالكين أهون المسالك، على تحميل أركان السلطة الفلسطينية وقادة حركة فتح خصيصًا وزر ما آلت إليه أوضاع الثورة وحالة الوطن وخبو نيران خيارها التاريخي في التحرر والاستقلال.

لا أستهدف تحليل تلك المواقف ومدى دقتها وصدقها ولا  كيف فندت القيادات تلك الاتهامات وصدّتها، لكنني أقترح على المعنيين العودة إلى ما نشر مؤخرًا في دراسة بعنوان " قرارات على مستوى التحدياتحملت الرقم ٢٠، قدّمها ونشرها مكتب د، صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية ل م ت ف، وقد ذيّلها بتوصيات اللجنة الخماسية المذكورة أعلاه.

تحتوي الورقة على مجموعة من الفصول والمضامين المهمة، لكن تميّزها الأكبر يكمن في كشفها عن وعي معدّيها لكل تفاصيل المشهد الفلسطيني المركب وتعقيداته وتأكيدهم على ما طرأ عليه من تآكل وما ينتظره من مكائد ومصائب؛ وهم مثل جميع من حذر على الملأ وتخوّف وانتقد أو هاجم واتهم السلطة وقياداتها، يقرون أن إسرائيل وحلفاءها يخططون لإقامة ثلاثة محاور ويعملون من أجل  تخثيرها على أرض الواقع وهي: وجود سلطة فلسطينية لكنّها بدون سلطة، إستمرار الإحتلال الإسرائيلي بدون كلفة، والإبقاء على قطاع غزة خارج إطار الفضاء الفلسطيني.

على هذه الخلفية استعرضت الورقة ٢٦ توصية، من أهمها، برأيي، تلك التي تحدثت عن "ضرورة البدء بتحديد العلاقات الأمنية والإقتصادية والسياسية مع إسرائيل تنفيذًا لقرارات المجلس المركزي، والتوصية بسحب اعتراف م.ت.ف، بدولة إسرائيل، وتبني خيار المقاومة الشعبية الشاملة وحمايتها ودعمها وتعزيز قدراتها ووضع إستراتيجية متكاملة لها، وتقديم طلب إحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية حول الإستيطان والعدوان على غزة وقضية الأسرى".

كثيرون سيؤثرون عدم التعاطي بجدية مع ما ورد في هذه الدّراسة اللافتة، بعضهم لمجرد المعارضة وآخرين لأسباب قد تكون وجيهة، فالسياسة ولادة للقهر والخذلان والظروف دوّارة كطواحين الهواء، لكنني أشير إلى أن توصية واحدة منها، على الأقل، قد بوشر العمل بها وذلك كما جاء في بيان رسمي صادر، قبل أيام ، عن مكتب د صائب عريقات وفيه يطالب المدعية العامة للمحكمة الدولية "بالشروع فورًا في اتخاذ الإجراءات المناسبة لفتح تحقيق قضائي في جرائم الإحتلال وفي مقدمتها جرائم الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي في أرض دولة فلسطين.."

كما قلنا فالحالة الفلسطينية معقدة وتقف على مفترق خطير أو ربما على منزلق أخطر، واستباق ما قد يحصل في عصر ما بعد الترمبية يحمل عناصر المقامرة، علمًا بأن جبهة دولية واسعة بدأت تتشكل ضد سياسة إسرائيل الجديدة مما يعطي الموقف الفلسطيني دفعة وازنة، لكنني وربما لهذا السبب، أسجّل، مرة اخرى، أسفي لغياب موقف القيادات الفلسطينية جميعها إزاء تعاطي الفلسطينيين مع أجهزة المحاكم الإسرائيلية لا سيما في القضايا التي قدمت للمحكمة الجنائية الدولية مثل الأسرى والاستيطان.

فكيف سيستوعب العالم جدية نداء منظمة التحرير وهو يسمع في نفس اليوم عن إصدار قرار في قضية قدّمها رئيس مجلس قرية  "ياسوف " الفلسطينية المحتلة وقد توجه ومعه بعض السكان بالتماس إلى "محكمة العدل الإسرائيلية" يطالبها به بإنصافهم وحمايتهم من اعتداء المستوطنين على أراضي القرية، التي أقاموا عليها بؤرة تعرف باسم "تبواح معراف"، أو كما فعل مثلهم رئيس بلدة سلواد الفلسطينية وبعض أهلها في قضية بؤرة "عمونة".

سوف تستغل إسرائيل هذه الوقائع وستدّعي أنها تقوم بواجباتها، وفقًا لقاعدة التكامل في الشرع الدولي، خاصة حين يلجأ إلى فيء عدلها المواطنون الفلسطينيون طواعية ومؤمنين بإنصاف قضائها وبرحمته!

في محكمة العدل العليا الإسرائيلية سبق السيف العدل، فإذا كان نداء الإحالة إلى المحكمة الجنائية جدّيًا سيبقى موقف القيادات الفلسطينية من توجه المواطنين الرازحين تحت الاحتلال لمحاكم الاحتلال مؤشرًا هامًا على حسن النية وحسن الأداء!

 

 

"بر وبحر"

 

من يجرؤ على الملام؟

 

جواد بولس

منذ بدء عرض فيلم "بر بحر" للمخرجة ميسلون حمود في قاعات السينما لم يتوقف النقاش حوله. بل بدت كمية النار التي استجلبتها قصته وكأنها غير مسبوقة في عالم صناعة سينمانا المحلية، على تواضع تاريخها ودفقها، علمًا بأن بعض تلك النيران  أشعلتها فئات وشخصيات لم تشاهد الفيلم على الإطلاق، واكتفت بتدعيم نداءاتها الشاجبة والمتوعدة وبياناتها المشهرة بما نقل اليهم شفاهة، أو قرأوه في السجالات السريعة الذوبان التي  يذريها على بيادر الصفحات الاجتماعية جيل ما زال بعض أفراده يسعى وراء فكرة عصية، ويحلم بعش من شوك، ويشقى من أجل مصير، وهم في كل ذلك لا على بر ولا على بحر!

من تخيّل أن تكون ردات فعل أكثرية أبناء مجتمعنا العربي المحلي مغايرة لما شاهدناه وقرأناه كان واهمًا أو غافلًا، ومن ترقب أن يجترح الفيلم حوارًا "حضاريًا"،  كما يتوقع أن تتصرف أقلية تتصارع بين ظهرانيها عدة عوامل وقوى تحاول نحت وصقل هوية أفرادها الجمعية كل على صورة ناحِتها ومثاله، أخطأوا، لأنهم لم ينتبهوا لولادة أجيال ونشوئها بينهم وإصرارها ألا تكون مثلهم، وعلى ألا تعيش في فقاعات مجتمعاتهم الهشة التي أسكرتها قهقهات السكاكين، وأوجع لياليها بكاء النايات وهي تداس تحت أقدام محترفي الكذب والرياء والمكابرات القاتلة.

تلك أجيال جاءت إلى هذه الدنيا فوجدت نفوسها تدجن في حضن الضياع، وتهندس وفقًا  لقواعد وضعها فرسان الأرض السمراء، وقد ورثوا بأسهم، الذكر، من سطوة عشيقتهم الأولى، الصحراء، التي روضوها حين كانت أنثاهم الشقية، وعشقوها متواطئين مع غيرتها واشتراطها ألا يبقوا الحرائر طليقات، بل يأخذوهن معهم سبايا ولهم مطايا ومحظيات.

إنه جيل "المفارق" الواسعة وعشاق محطات الالتباس المبهر ومسارات المجازات الساحرة، فلقد ولدوا وهم بكامل آدميتهم، وإذ بها تتناقص، ضلعًا بعد ضلع، مع كل يوم يمر ويمضي، وحين مرت على البلاد غيمة العرب اللقيطة؟ تمردوا وصرخوا مثل إخوتهم العرب: "كفاية" وتدافعوا نحو خطوط التماس، حيث الشمس لا تغيب، ولا يطل القمر إلا في النبيذ والنشيد والدخان، وعاموا في عوالم بلا شطآن وديعة، وطفقوا يبحثون عن أحزمة للأمان، وكأني أخشى عليهم وقد ابتعدوا عن تيه، فلجأوا إلى ضباب أو سراب . 

أعجب ممن فتشوا عن لغة للتفاهم والتصالح مع تلك المجتمعات في فيلم المخرجة ميسلون المبدعة الواعية، ابنة  دير-حنا، تلك القرية التي عرفت من النضال أحمره، واستغرب ممن حاولوا تخفيف أو تحريف وقع الصعقة التي اخترقت أبداننا مع أول دائرة دخان حررتها ليلى ( منى حوا) المحامية الشابة المدنية العنيدة الساحرة، من سيجارتها المستوطنة، باستفزاز لا يهدأ، فمها المليح القوي الصارم، فمن لم يشعر وكأنه ركب على قطار الجبال السريع ويهبط مع كل مشهد إلى هاويته هو، عليه العودة إلى بر الفيلم أو بحره،  مرة أخرى، ويفتش في المشاهد عن شهقة سقطت من " نور"، الأبية الحريصة الصامدة، ابنة أم الفحم (شادن قنبورة) أو على رمش حائر من عيون سلمى الترشحانية، المتصالحة مع نفسها الكادحة الصبورة (سناء جمالية)، حين كسته دموع خسارتها المحزنة.. فمن لم توعِّه تلك الصعقة فليعد عساه يكتشف العيون الظمأى واللغة التي لا تشبه لغتنا، لأنها بنت الصدمات والمنافي الاختيارية والحقيقة وهي تضرب خديك بأقوى من كف المسيح وتصرخ فينا: لا نريد منكم شيئًا أيها الرجال إلا أن تعترفوا بنا إناثًا وناسًا وبشرًا كاملات، إن شئنا أحبـبنا وإن ضعنا فشئنا، إن اهتدينا اعتلينا وإن عشقنا فمتنا، إن متنا وصلنا وإن وصلنا وصلنا، اتركوا لنا مجد أجسادنا ونور عقولنا وخذوا ما شئتم من زبد البحر وغرور السرو، دعوا تفاهاتكم عند رصيف الميناء المهجور، وعانقوا بهاء نصول سيوفكم على الخصور، ولكن اتركوا لنا زهو البساتين نربي فيها رماننا وسواسننا

لغة غير لكناء واضحة بسببها حاول البعض أن يهجم على الفيلم مجندين الجغرافيا والدين والقبلية البلدية، فمنهم من أتهم المخرجة بأنها تعمدت المس بمدينة أم الفحم وأهلها وقيمها، لكنها برأيي تهمة غير صحيحة، بل قد يكون العكس صحيحًا، "فنور" الفتاة المحافظة  لعبت دورًا مميزًا ولافتًا حافظت من خلاله على معتقداتها، كما تؤمن بها هي، وهي الطالبة النجيبة الرصينة التي كانت تدرس في الجامعة علوم الحاسوب، ورغم ما واجهته من "صدمة ثقافية" وأجواء غريبة على تربيتها المحافظة، لم تتخل عن تدينها  وصانت مكانة وسمعة عائلتها التي أحبتها وبقيت على حبها. بالمقابل قد نجد في تصرف وسام، وهو خطيب نور إساءةً  ذكورية لها أولا وأخيرا ولنفسه ولطريقة تدينه، وليس لدينه،وهو الذي لم يقاوم غريزته الذكورية، على الرغم من كونه داعية وناشطًا اجتماعيًا وقام باغتصاب خطيبته بمسكنها المشترك مع صديقاتها، ثم عاد إلى حياته الطبيعية وكأن شيئًا لم يكن، بل تفاعل مع  إغواء "ليلى" صديقة نور التي اتهمها وسلمى ، بسبب طريقة عيشهما المنفتح، بأنهما ساقطتان، فاوقعنه معًا وخيّرنه- إما الفضيحة، وإما أن يترك نور لنفسها، لأنها لم تعد تحبه خاصة بعد اغتصابها.

من ينوي مهاجمة الفيلم بسبب ما يقدمه في وجوهنا من واقع ومآسٍ، فسيجد الأسباب لذلك لأنه، كما قلت، فيلمنا لا يتحدث بلغة المجتمع السائدة، فلغة الناس، مثلهم، لعوب تمثل من يتحكموا في رقبة الحياة  وخصر الموت والمنتشرين في جميع مراكز القوى الذكورية المتسلطة على كل مقاليد الحكم: العائلية ،الدينية، التجارية، السياسية والاجتماعية، ومنها يديرون حيوات النساء- بالرغم من أنهم لا يقرون بذلك على الملأ، بل يدعي معظمهم العكس، لكنهم يصيرون ساعة الجد سواسية في العنف والزجر وأكثر .

فها هو زياد صديق ليلى المنفتح تفضحه الصدفة حين تجيء بمذاق عربي سخيف، وقد كانا يعيشان هو وليلى كحبيبين مثاليين، يفعل ما تفعل وتفعل ما يفعل، إلى أن شاءت الظروف أن تلتقي ليلى بأخته التي وصلت إلى تل أبيب سعيًا لتحرير ابنها وزوجها بعد اعتقالهما في الشرطة بسبب حيازتهما للحشيش، لكنها عندما رأت ليلى تشعل سيجارتها، كالرجال، أحتجت أمام أخيها، على تصرفها غير اللائق، وحرضته عليها، فسارع بتوبيخها وبمطالبتها بتغيير نهج حياتها، لأن مجتمع الطيبة، بلده،لا يشبه مجتمع تل أبيب.

مثله فعل أبو جورج  المسيحي الترشحاني عندما اكتشف وزوجته أن ابنتهم، سلمى، سحاقية وأن من ترافقها في زيارة البيت هي عشيقتها. صدمت العائلة، وهاج ربها،فطردوا الضيفة في الليل، وقام الأب بصفع ابنته وحبسها في غرفتها حتى تبرأ من مرضها.

كل من هاجم الفيلم متكئًا على توظيف الجغرافية أو دين البطلات والأبطال يكون قد تذرّع مستجيرًا بأهون سلاحين رائجين بين الجماهير العربية: الدين والبلد، فالحقيقة هي أن لغة الفيلم هي لغة السينما الواقعية، وبالتالي فكل شخصية من الشخوص فيه "تركب" وموجودة في كل قرية ومدينة وفي كل دين،  فأكثرية أفراد مجتمعاتنا كانوا سيتصرفون مثل أبي جورج لو علموا بأن ابنتهم سحاقية أو ابنهم مثليّ، وكثيرون من شباب قرانا كانوا سيتصرفون مثل زياد ويطالبون رفيقتهم  بتغيير حياتها اذا ما أرادت أن تعيش في بلده وبين أهله، وكثيرون مثل وسام يسمحون لأنفسهم بارتكاب "السبعة وأكثر" ويتحولون إلى جزارين ضد أخواتهم وحبيباتهم.

هذه هي أهم رسائل هذا الفيلم الجميل مع أنه يتضمن عدة حبكات لا مجال لذكرها هنا ومشاهد تشكل سوابق لا تخلو من الجرأة خاصة مشهد الاغتصاب المفجع وحياة الشباب في فضاءات تل ابيب الباهرة

في أحد تعريفاته عن الشعر وأبسطه- قال مرة محمود درويش: الشعر هو ذلك النص الذي إن أنهيته صرخت هذا شعر! وباستعارة منه سأقول بعدما  أنهيت مشاهدتي للفيلم صرخت بملء الفم "هذا هو الفيلم"،  فلقد أجبرتني بطلاته الثلاث أن أحبهن فلقد قاموا بأدوارهن بمهنية مقنعة، وكأنهن يعشن حياتهن الطبيعية. تماثلت معهن حتى عندما مارسن أعمالًا مستفزة  وألفاظًا نابية تمطها المخرجة أحيانا إلى أبعد الحدود متعمدة توظيف هذه التقنية لإخراج خالص القهر والغضب من دواخلنا سواء للتماثل معهن أو  لرؤية أحلامهن ومآسيهن.

تحاول أن تبتعد عنهن، تحزن ، تتماثل معهن وأخيرًا تحبهن، لأنك ترى كيف تصارع كل واحدة منهن مجتمعًا قاسيًا مداهنًا لعوبًا يحمي الذكورية حتى عندما تبطش أو تعتدي. لقداختلفت جبهات معاركهن، لكن النتيجة بقيت واحدة  فليلى تطرد زياد " التافه" من سيارتها بعدما عرت زيفه وفضحت ذلك الذئب الشرقي الساكن في عقله والمتربص تحت حاجبه الحاجز، وسلمى تترك بيت والدها وتعود إلى تل ابيب لتقابل حبيبتها مؤكدة أنها ستسافر إلى برلين وراء مستقبل ملتبس آخر، ونور تبقى تلك الفتاة المتدينة على طريقتها وتحب عائلتها وصديقتيها وكانت قد رفضت أن يعرفهما المغتصب بالعاهرات .

لم يدر بخلد صاحبة الفكرة أن تخرج عملًا دعويًا يروج لعقيدة ومبادئ دوغمائية محنطة، وهي لم تهدف إلى أن تقوم بدور "معلمة الأجيال" التي ترسم لطلابها الكسالى أو النبهاء معالم الطريق واحتمالات حل معادلات اجتماعية معقدة ومتعددة المجاهيل، فكل ما هدتنا إياه  كان قطعة مستفزة جميلة حزينة ناصعة عاصفة مثيرة واقعية حالمة  تضاهي بها أفلام الأمم لأنها ببساطة: إبداع فني راق.

في الحقيقة وفي أقل من شهرين شاهدت ثلاثة أفلام صنعت محليًا كان أولهم "مفرق ٤٨" للفنان المميز تامر نفار والذي تحدث عن مدينته اللد ومأساتها من خلال قصته الفريدة، تلاه فيلم للمخرجة النصراوية الفذة مها الحج التي روت  قصة عائلة نصراوية تواجه تعقيدات الحياة بسأمها وجمالها من "أمور شخصية"،  وآخرها كان هذا المسك الذي ضوعته ميسلون ونثرته من خلال عيون جميلات الجليل والكرمل والمثلث ومن على صدور فرسان هذا الزمن الذي وعلى رغم ما فيه من رداءة ما انفك يزودنا ببعض من صناع الجمال والحب والأمل المنشود.

 

 

 

كل بيوت العرب سواسية

 

أمام أسنان البولدوزور

 

جواد بولس

 

بعض هواة عملية "النق" الوطني المزمن نزعوا إلى تهميش قرار محكمة العدل العليا الإسرائيلية والذي صدر بقبول قاضيين التماسَ مؤسسة "عدالة"  المقدم بالنيابة عن عائلة المرحوم الأستاذ يعقوب أبو القيعان، ضحية رصاص أفراد شرطة إسرائيل، وحجة هؤلاء بإبطال الغرابة في القرار وايجابيته تعتمد على "الطبيعي" في حياة البشر وعلى "البديهي" في سلوك المجتمعات الإنسانية التي تضمن حق دفن الميت من دون معوّقات، وإجراء جنازة له من دون مهانة ومن غير شروط مقيدة وقاهرة .

لو كنا في إسرائيل  نعيش في واقع يسوده المنطق الإنساني العام وتتحكم في فضاءاته القيم والأخلاق الحميدة لما اضطرت أصلًا العائلة الثكلى بالتوجه إلى القضاء والمطالبة باسترجاع جثمان غاليها المقتول عمدًا وغدرًا، وبإجراء جنازة عادية له كما يليق براحل مضى فأضحت عائلته بدون رب يرعاها وبيت يأويها، لكننا نواجه في الحقيقة، نحن المواطنين العرب، قدرنا بقضائيه الأهوجين، واحد "يحطه السيل علينا من عل"، وآخر يحيطنا كالأشباح تسعى لقبض أرواحنا بلا هوادة  ومسح وجودنا بلا رأفة .

قرار المحكمة العليا الإسرائيلية كشف مجددًا بعض التناقضات الوجودية التي تعيشها الأقلية العربية من جهة والاشكالات الجوهرية التي تواجهها مؤسسات الدولة وخاصة جهازها القضائي، من جهة أخرى، لا سيما فيما يتعلق بمكانة هذه الأقلية وبمصير ومستقبل العلاقة بينها وبين  كيان الدولة ورغبات الأطراف الملتبسة دومًا وتراقص "بناديلها" بين نقطتين قصيتين: الإدماج المبهم والإقصاء العصي.

من يراجع بتمعن قرار المحكمة قد يكتشف بعضًا من معالم  تلك المفارقات وكيفية تعاطي القضاة معها ومسوغات تفكيكهم لها. بعض التفاصيل، إن فحصت بعيون منقبة ومجربة ، قد تبدو كومضات في سمائنا الناعسة وقد تصير مرشدًا لسراة يجيدون قراءة الليل ولغة العواصف، أو، على النقيض، مهلكة لمن سينتظرون فجرًا لم تغوه صياحات الديكة المتشاوفة، فنام وتأخر.

كتب االقاضي يتسحاك عميت القرار الأساسي، وسآتي لاحقًا على ما أورده كدعائم لقبوله موقف الملتمسين ، بينما عارضه القاضي سولبرغ، وهو "المستوطن" في غوش عتصيون والذي أثار تعيينه في العام ٢٠١٢ قاضيا في المحكمة العليا مشكلة واستجلب انتقادات كبيرة في أوساط إسرائيلية ودولية اعتبرت قرار لجنة التعيين تحديًا من المؤسسة السياسية اليمينية لموقف الأمم وللقانون الدولي الذي عرّف الاستيطان في الأراضي الفلسطينة المحتلة كجريمة حرب، بينما يبقى موقف القاضي أوري شوهم وانضمامه لقبول التماس العائلة المصابة لافتًا إذا ما عرفنا أنه شغل في الماضي منصب المدعي العسكري العام في إسرائيل. لن أتطرق باستفاضة إلى ما يعنيه هذا القرار وما تعكسه حيثياته من الناحية القانوية بالرغم من أهمية هذا البعد، لكن الحدث كما تجسد بأبعاده كلها يبقى بمثابة المشهد الشاذ( الأنومالي)، الذي ينبعث على خلفية تداعيات تراجيدية تنذر باحتمال سقوط الذرى وبضياع الدم في القيعان

نيابة الدولة العامة عملت على إقناع المحكمة بقبول موقف الشرطة وأذرع الأمن التي أصرت على أن السماح بإقامة الجنازة من غير شروط سيمس بأمن وسلامة الجمهور، وكأنها تستكمل إيقاع فرضية مفادها أن العرب لا يجيدون ممارسة الحزن إلا من خلال تحويله حجارة تقذف على الناس المسالمين وعنفًا يتبعثر على الطرقات والمفارق؛ إنها النهاية الحتمية لما بدأ ككذبة مرة  وكافتراء شيطاني صار بأعقابه المربي المسالم مخربًا والأب المكافح داعشيًا والحقيقة عذراء مغتصبة والرمل أخرس والعيون حولاء والسماء عاقر.  

 لا أعرف إذا حاول القضاة، قبل إجازتهم للجنازة، أن ينتقلوا ويجلسوا للحظة بجانب يعقوب أبو القيعان ليروه وراء مقوده وهو مصاب وعاجز عن الحركة، دمه القاني يتصبب كبكاء برقوقة حزينة فقدت تراب حوضها؛ كان يجيل بناظريه ويرى حوله أعدادا من الدمى اللحمية التي تشبه الضفادع السوداء الضخمة تقفز في الهواء كي تصطاد أسرابًا من الفراش الملون والحساسين، وقبل أن يغمض عينيه لمح من بعيد وجه رفيقة دربه تتقدم غزالين أو أكثر فطيّر لهم قبلة وقلبًا ومال كي ينام فتذكر وجه أمه السمراء ومد يده ليمسح عن خدها دمعة. انطفأ. اتكأ على حلمه وغاب.

أغمِضوا عيونكم وتخيلوا كم مرعب هذا الرعب وتخيّلوا كيف فارق يعقوب هذه الصحراء المضطجعة على حربة،  ومن ترك وراءه ليسود على أرض اليباب التي عشقها. سأسال القضاة، في ذات يوم، إذا فعلًا وجدوا يعقوب باسمًا كما كانت تقول الرملة لأختها أو عابسًا كما وشت الغيوم للهضاب

" إننا نعي أن الأجواء مازالت صاخبة وهنالك حساسية وتوتر قد يستغل من قبل جهات متطرفة.."، هكذا كتب القاضي عميت في قراره متعرضًا لادعاءات الشرطة ومخاوفها لكنه أضاف معللا رفضها قائلًا: " مع هذا أذكّر بالمفهوم ضمنًا، فالجنازة ستقام في النقب، وفي نطاق دولة إسرائيل ، عائلة المرحوم تتبع للطائفة البدوية التي يعتبر أبناؤها مواطنين  اسرائيليين محافظين على القانون، لا بل يخدم بعضهم في أذرع الأمن ،ولم نسمع ولا حتى صوت واحد منهم يمتدح عمليات الدهس .."        

 لم يكتف القاضي بما ذكرناه أعلاه فأضاف أن المحكمة سجلت أمامها تعهد العائلة ورؤساء سلطات منتخبين وأعضاء الكنيست التزامهم بالمحافظة على الهدوء العام خلال تقدم مسيرة الجنازة وعدم سماحهم  لأي كان بتسخين الأجواء والإخلال بالنظام العام.

لقد طالبت الشرطة تقديم بينات مكتومة في محاولة منها للاستفراد بالقضاة والتأثير عليهم لقبول موقفها، كما يجري عادة في الملفات ذات الصبغة الأمنية أو التي تعالج قضايا المواطنين الفلسطينيين في الضفة المحتلة وقطاع غزة.

كان اعتراض الدفاع على تلك المحاولة موقفًا صحيحًا ومشرفًا، أدى بلا شك إلى زج القضاة في خانة صعبة لا سيما بعدما  صمد مدير مركز عدالة المحامي حسن جبارين أمام ضغوطهم مؤكدًا على أن الملتمسين وهيئة الدفاع عنهم لا يحفظون لهذه الشرطة عهدًا ولا يثقون بتقيماتها السرية وهي التي جرّمت علنًا الضحية ساعة كان دمها ينزف وقبل أن تباشر باستقصاء الحقيقة واستجلائها. لقد رفض قاضيان اعتبار جنازة ضحية لمواطن في الدولة حدثًا خارجًا عن ذلك العقد الذي يجب أن يكون ممدودًا بين الدولة ومواطنيها، فنحن لا نعيش تحت حكم عسكري ولا في ظروف احتلال!      

قد يتحول هذا القرار إلى محطة هامة على طريق قدرة المواطنين العرب في مقارعة سياسة الحكومة قضائيًا،  ففيه ما يدل على استشعار بعض قضاة العليا بالخطر اليميني البوليسي الداهم كالسيل والذي سيقوض مكانتهم ويقتلع وجودهم تمامًا كما تقتلع الشفرات بيوت أم الحيران وقبلها بيوت قلنسوة، وبالمقابل فقد يصبح صوت القاضي سولبرغ هو الصوت الذي لن يعلو فوقه صوت في الشوارع وفي المحكمة العليا فتصير شريعة الاستيطان هي القضاء وما يقوله رصاص الشرطة هو القدر.

لقد أكثرت في الماضي من انتقاداتي لقرارت المحكمة العليا التي لم تسعف متظلمًا فلسطينيًا قرع أبوابها، بل وقفت دومًا في الخطوط الأولى المدافعة عن الاحتلال وسياساته  وآثرت ما أدعته أجهزة الأمن كذرائع سوغت قمع الفلسطينيين وحرمانهم من أبسط حقوق معيشتهم الأساسية، وما زلت أرجح ظني بأن المحكمة قد خسرت معركتها أمام جحافل اليمين المهاويس، مع هذا لا بد أن نقرأ قرارها في قضية " أبو القيعان" بتوجه إيجابي وثاقب، فهو على الرغم من محدوديته يشكل هامشًا ضيّقًا يتيح لنا نحن المواطنين العرب في الدولة فرصًا علينا دراستها وتطويرها، خاصة اذا فككنا ما عده القاضيان كأسباب دفعت بهما إلى رفض مطالب الشرطة وأهمها تلك الثقة التي أولياها لموقف القيادات العربية واحتساب مكانتها ووزنها في الشأن العام وفي الأحداث والساعات المفصلية.

صرخات أهل النقب عمومًا وأم الحيران خاصةً هي صدى لصراخ أهل قلنسوة التي ما زالت تئن تحت ركام بيوتها المهدومة، وهي تذكار لكل عربي لا ينام في المغار ويركا وكفركنا والجش وغيرها، من خشية "دبيب" البولدوزورات التي لا تكل ولا تفرق بين عربي وعربي لا بلون عيونه ولا بنوع عمامته ولا بعلو رتبته في "الخدمة" أو في الحقل والمحجر

إننا نشهد معركة أعادت تفاصيلها الينا بدايات سير العبث بأصنافه، وذكرتنا مجددًا بمصانع الكذب والوجع ومفاعلات تكريرها، لكنها معركة وحد ظلمها،كذلك، كل الضحايا وبعثت هوامش ضيقة في حياة أقلية نجحت إسرائيل بتفتيت بعض عظامها وتفريقها لملل وطوائف ولايجابيين وسلبيين، هوامش، رغم هشاشتها وندرتها، تفوق أهميتها، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار جميع المعطيات التي نواجهها، أهمية جادات الأشقاء العرب وأوهامها الموجودة في القصائد والأماني، وكرم اوتوسترادات بعض العواصم التي لن تفضي دروبها إلى بر قريب وواضح وآمن.

مياديننا ستبقى في أم الحيران وقلنسوة والمغار ووحدة الضحايا ضرورة وقدر يفتش عمن سيسعى ويزيل جميع ما يعوق بناءها، وتذكروا أن بعض معوقاتها نمت وتعيش  بيننا وفي مؤسساتنا ومواقعنا.  

 

 

 

 

بين "أم الحيران"

وقرية " المفجر" حلم!

جواد بولس

 

من الصعب، أو حتى شبه المستحيل، أن ينجح كاتب في تحييد مشاعره من أجل إخراج مقال لا تشوشه العواطف ولا تستفز حروفه تلك المشاهد والأصوات التي تملأ فضاءات الإعلام وشاشات التلفزة الإسرائيلية، خاصة وجميعها تعمل كفرقة تحميس مهنية في جيش تتنوع كتائبه، وتتضافر في النهاية جهود عناصرها في سبيل سحق الهدف/العدو

سيبقى ما جرى يوم الأربعاء الماضي على تلك الرمال الجنوبية راية دامية مرفوعة على طريق مشت عليه جموع غفيرة من "الحيارى"، ولن تكون  مأساة "أمهم" نهاية السواد ولا سقوط ابنها يعقوب آخر الضحايا أو نوبة الصحوة والانعتاق.

لا حاجة لطرق أبواب البديع، ولا استخارة أعطاف المجاز كي نجزم أن الحقيقة سالت على تلك الهضاب واضحة كصبح الحزينة، تنزاح عن ليلها العتمة، فينتعش الأسى في أحشائها ويبكي الدوري على شرفة نهدها الكسير.

سمعت صراخ من تواجدوا هناك، ووصفهم كيف في لحظة غضب كانوا أشبه بما قرأنا عنه في حكايات حروب آلهة اليونان العبثية، هجمت الدولة/الدبة وانقضت على أولادها/مواطنيها من دون أن تراعي قوانين الطبيعة ولا تعاويذ السماء. كانت الطلقات الأولى بمثابة استقدام  للفوضى وضمانة لقتل الأمل؛ الأخبار زفت نبأ التساوي في عدد الضحايا، وأكد الحُيّاد أن الدمع ينصفه الدمع. على المواقع  والشاشات رأت عيون الناس العاديين، في جميع أنحاء الدولة، مشاهد الغبار وهو يلف الوجع ويتستر على الخطيئة، البعض اندفعوا "والرماح نواهل" منهم،  فاستذكروا تاريخ التاريخ وطفقوا يحذرون إسرائيلَ به ويذكرونها بعنتره حين قال
"
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك/ إن كنت جاهلة بما لم تعلمي"
 
الشاشات تملؤها الخوذات تركب على أجسام ضخمة كخيل المغول، وتبدو كأنها مخلوقات أو أشباح شاركت في أفلام  "حروب النجوم"، وعلى أطراف المشهد تجهش حرائر البادية نادبة ضياع البلد وموت الولد

قادة الدولة  كانوا في معاقلهم يتابعون من على ذاك الجبل، ويراقبون متى وكيف سيبقرون بطن الفجر كي تسيح  حممه على رؤوس من رفعوه كاوية، وذلك بعد أن علموا أن المتفاوضين نجحوا بالتوصل إلى صيغة مقبولة على أهل أم الحيران، وكان من شأن تنفيذها في الصباح حسر الصدام ومنع وقوع الضحايا

في تلك اللحظات، وقبل  إتمام "الزفة" قرر "chaos- كاوس" تفجير الطمأنينة والسكينة، فكان صبح وكان ليل، فسادَ ظلام وعامت، مجددًا، الصحراء سابحة في  جوف العدم.

كثيرون لن ينسوا صورة الدم وهو يضمخ رأس ووجه رئيس القائمة المشتركة النائب أيمن عودة، فكأن من أصابه تعمد نقل رسالة سيّده " آريس" عصرِنا الدامي الممارسِ لحروبه بلا  كلل وانتقاماته المرة بلا حساب. قد يصير من المفارقات مشهد هذه الصورة ويتحول إلى آخر بيت في قصيدة الفخر والرثاء، فوجهه الحزين يقطع القول كما فعلت "جهيزة" ودمه يكاد يغرق حلمه، والجثث في الموقع تسد كل الطرق وتفرق حبال الأماني.

سيكون افتراضي أن كل من عارض فكرة العيش المشترك والنضال العربي اليهودي قد فرح أو شمت من صورة أيمن والدماء تغطي صفحة وجهه الأبيض، مجازفة أو مستفزًا للبعض، ولكنني أشعر أن بين الشامتين ( لا تحدث عن فرح شخصي وشماتة بشخصه بل بموقفه السياسي)  جهات عربية، وأعرف أنهم بين اليهود أكثر؛ وإذا كان وجه أيمن لا يكفي لتأجيج تلك المشاعر من الفرح الخبيث، فلقد شاهدنا بعدها جسد النائب أسامة السعدي، زميل أيمن ورفيقه، ملقى على التلة بعد الاعتداء عليه من قبل أصحاب الخوذات الخضراء، وهو يعاني من إغماءة  لا تترك للمؤمنين بحتمية العيش المشترك فسحةً كبيرة بل قد تدفعهم ، كرهبان خاشعين، صوب صومعات الخيبة ليمضوا بقية أعمارهم السياسية كيوحنا المعمدان الصارخ في براري فلسطين ووديانها، حين لم يسمعه أنس ولا أخذت بعناته الوحوش والكواسر.       

في تفاصيل الصراع الجاري على أم الحيران وجدت ما يخيفني. عناصر خساراتنا من الماضي تنبعث بكل لبسها وتمويهها وهشاشتها، وكأن القرية تستعيد على ركام بيوتها المهدمة تفاصيل سيناريو ما زال يبحث عن مخرج فذ لا تسقطه الكلمات ولا تغويه روائح الزبد البعيد.

وقد تكون بقية الرواية استنساخًا لما حدث في مواقع جربت تلك المخاضات وعثرت، خاصة ونحن نشاهد كيف يتحول سكان البلدة ومن كان عنهم ومعهم مدافعًا، في لحظة درامية، إلى "كومبارس"، بينما تعج الصدارة بأبطال يكدح كل واحد منهم بإقناعنا أنه كان باري القوس ومكتشف البارود وأنه صاحب الموقف الأصح

صدق الذين شخصوا دوافع الدولة بطرد أهل القرية وإحلال مستوطنة يهودية مكانهم، فوراء هذا الإمعان يتجسد فكر الحركة الصهيونية التي خططت للاستيلاء على الأرض وتهجير أو تشتيت أصحابها. وقد يصدق تكهن آخرين بأن ما يحدث من صدامات في أم الحيران قد يصبح مقدمة لفورة غضب تمتد إلى ما هو أبعد من النقب وأهله، كما حدث بعد قضية تهجير قرية أم السحالي التي اعتبرها الكاتب سليمان أبو إرشيد مقدمةً لانتفاضة القدس والأقصى في عام ألفين.          

مع هذا فأنا أرى أن دور النخب والقيادات يجب أن يتعدى مهمة تشخيص المخاطر وتأكيد نوايا إسرائيل العدوانية تجاه مواطنيها العرب. فالقضية الأهم ستبقى منوطة بإعطاء الحلول لهذه الجماهير المستهدفة  ووضع برامج نضال ناجحة في إفشال مخططات حكومة إسرائيل الحالية والإجابة على السؤال كيف من الممكن أن تمنع قيادات هذه الجماهير سوء المصير الذي ينتظر أم الحيران وغيرها، كما حدث من قبل "أم السحالي" أو مثلًا مع قرية عرب "المفجر"؟

ولمن نسي هذا الاسم أو لم يسمعه من قبل أذكر أننا بصدد قرية كانت تقع جنوبي مدينة حيفا، عند مصب نهر المفجر، وفي المكان الذي بنيت فيه محطة توليد الكهرباء في الخضيرة. كانت القرية مقامة على تلة بارتفاع ٢٥ مترًا وتشرف على البحر المتوسط..

 لم يهجرها سكانها العرب في عام النكبة، لكن سلطات إسرائيل لاحقت سكانها،  بذرائع مشابهة لحالة أم الحيران. حاصرت الدولة وأذرعها وجود القرية بكل الوسائل بما فيه قيام المصانع القريبة بضخ المياه العادمة إلى نهرها فتلوثت مياه الشرب عندهم

كان في القرية حتى العام ١٩٧٣مدرسة ابتدائية، لكنها هدمت بأمر من سلطات الإسرائيلية، فتشتت طلابها وعددهم ١٦٨ طالبًا وتوزعوا على مدارس كفرقرع وباقة وعارة وعرعرة. ثابرت إسرائيل على التضييق وملاحقة أهل  القرية ب"القانون" طورًا  و"بالكانون" أحيانًا، حتى اضطر آخر سكانها مغادرتها في العام ١٩٧٨، فهدمت بيوتها وأقيم مكانها متنزه، وانقطعت عنه المياه العادمة وصار مزارًا يحن إلى أصحابه

جئت على ذكر قرية" المفجر" لأنني وأبناء جيلي شاركنا في تلك السنوات وكنا طلابًا في الجامعات الإسرائيلية، في المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات ضد تهجيرها. مثلنا فعلت قوى عربية كثيرة. لم تنجح تلك النضالات في منع المأساة عن أهلها الذين تهجروا إلى عدة قرى محيطة. كانت تلك تجربة جديرة بالدراسة، ولا أعرف إذا ما قام  أحد من الأحزاب والحركات السياسية بدراستها هي أو غيرها؟ ومن منهم استخلص النتائج والعبر؟  لكنني أعرف ومثلي يعرف أبناء جيلي، أن قرية "المفجر" هدمت وهجر سكانها، وعندما شاهدت ما جرى مع أم الحيران وقرأت ما يكتب في ذلك، شخصت أمامي تلك الرايية وهي "تنده" على من ضيع فرصة الإفادة والتعلم من التجارب والخسارات.

جثمان يعقوب أبو القيعان، وأكوام حجارة البيوت المهدومة، ووجه أيمن عودة المكسو بالأحمر يعيدوننا إلى حيث المبتدأ والقضية المصير: كيف يمكن إنقاذ قرية "أم الحيران" من مصير مشابه لقرية "المفجر"؟

فإذا نجحنا بالإجابة عن ذلك عندها قد نخلّص الجماهير العربية من ويلات انتفاضة أخرى وتوابعها، رغم من سيفتش بين أعمدة دخانها ويسعى وراء مجد وأكاليل غار، هذا إلا إذا آمن البعض أن  هذه الأرض تشبه الغمد الذي لن يسع إلا سيفًا واحدًا
 
لست ممن يؤمنون هكذا، فبين أم الحيران والمفجر ينام حلم !      

  

 

 

 

أقاتل ويبكي؟

 

جواد بولس

"رغم قوة الأدلة التي كانت تدين كورنيليو كودريانو، الطالب بكلية الحقوق في جامعة ياش الرومانية والبالغ من العمر ٢٤ عامًا ، إلا أنه لم يكن يشعر بالقلق خلال انتظاره قرار المحلفين في محاكمته بتهمة القتل".

 هكذا يصف المؤرخ كيفن باسمور في مقدمة كتابه " الفاشية" إحدى الحالات التي كانت منتشرة في مستهل سنوات العشرين في أوروبا والتي يسوقها كمؤشرات مبكرة على استفحال الأنظمة الفاشية فيما بعد، فمؤرخون كثر وضعوا الغباء في طليعة العوامل المؤثرة على سيرورة التاريخ؛ وعندنا قد تكون العنجهية الإسرائيلية  المستديمة أبرز تجليات هذا الغباء القاتل، خاصة إذا عرفنا أن غباءها مكرر عن حالات تاريخية عاشتها بعض الشعوب التي ما زالت تدفع جراءها أثمانًا باهظة.   

من غير المعقول ألآ يكون هناك رابط يصل معظم الأحداث الفائرة على الساحة العامة الإسرائيلية والتي قد توحي للناظرين أنها مجرد تداعيات متفرقة لا يجمعها مولّد واحد، ولا تشحنها ذات المفاعلات، بينما هي في الواقع تقاسيم على مقام الوداع ترافق موسيقى "عامونة" أو لحن الموت يعزف في أزقة المخيمات الفلسطينية و"تفاريده" الموجعة، وهذه تؤكد للغافلين والجهلة والمغامرين من جماعاتهم أن من يعصون تعاليم سماء "يوشع" مصيرهم أن يصيروا قربانًا على رخام التاريخ البارد، ومن يضحي "بأزاريه" في سبيل استرضاء الأمم وضميرها الألكن سيُلقى في غياهب النسيان، ولن يتبقى من ذكراه غير نتف يطيرها  قوس منجّد هذا الزمن المنتوف على هضاب يهودا والسامرة.

فمن كان يتصور أن يتحول قاتل مارق إلى بطل يبعث بفعلته أسطورة داود "المرغم" على قتل جوليات الفلسطيني؟ وذلك حين صوب بندقيته، بهدوء الموت نفسه، إلى رأس جريح فلسطيني كانت دماؤه تتهادى ببطء لتحتضن ثرى مدينة أورثها أبوها أطول حرب جينية بين "أخوين" ضاعا على حافة قرن كبش ثاغٍ بيأس.

لا تحسبوا أن عملية قتل الجندي إيل أور ( اله النور !) أزاريا للشاب الفلسطيني عبدالفتاح الشريف وما تلاها من تداعيات في المحكمة العسكرية ونتائجها التي ما زالت تتفاعل، كانت مجرد حادثة عادية مثل تلك التي سبقتها أو ما سيأتي بعدها. ربما كانت صدفةُ توثيقها بواسطة المصور الفلسطيني عماد ابو شمسية، وتبني مؤسسة "بتسيلم" الإسرائيلية  لها هي من العوامل التي هيأتها لتتحول إلى مسرحية حية تستحضر تاريخ احتلال يمر بتحولات توحشية من يوم إلى يوم ، لكنني أرى أن ما فرضته مشاهد عملية القتل وتبعاتها كانت مسائل مؤجلة تفتش عما وعمن يدفع بها أو بما يشبهها إلى صدارة السجالات الجماهيرية الإسرائيلية والنقاشات السياسية والإعلامية، فحسم بضعة قضايا مبدئية عالقة تريد أكثرية الإسرائيليين حسمها صار هدفًا مركزيًا وهاجسًا تسعى وراءه تلك الجموع التي مثلها أزاريا وهو يطلق، دون أن يخشى كاميرا أو أحدًا، رصاصة الموت على جسد آدمي حي، ومعه من صرخوا ودافعوا عن حقه بقتل الفلسطيني، فهم مثله جنود في فرق الموت الجاهزة.

صرخات المستهجنين من "وقاحة" النيابة العسكرية في تقديم أزاريا إلى المحكمة صادقة، وشجب جوقات المحرضين لدور القضاة العسكريين ومن شهد ضد الجندي القاتل وتهديداتهم المنشورة على الهواء مباشرة حقيقية وجادة، وعلينا أن نصدق أن ذاك الجندي القاتل آمن بطبيعية على أنه يملك حق إنهاء حياة ذلك العربي وكل عربي، وأنه ينفذ وصية وواجبًا من دون أن يعاقب عليه، والأهم أنه كان مقتنعًا بيقين أن أكثرية أبناء شعبه من اليهود "الطيبين المؤمنين"مثله يؤيديونه ويدعمون حقه بقتل هؤلاء العرب، وحتى بطردهم من مدينتهم، لأنها مدينة إبراهيمهم وذريته من الأنبياء والصالحين، ولذلك نجده قد افترض هو وأبناء عائلته والمقربون ومن لف لفهم أن الدولة والجيش لن يضحوا به من أجل ما ادعوه لاحقًا وأسموه بمنظومة القيم الأخلاقية التي يجب أن تسود في صفوف جيش الإحتلال وتحكم تصرفات جنوده.

عملية قتل الشريف الفلسطيني هي مأساة عصرية تحاكي مآسي أزمان شهدت على استرخاص الجثث ومحاكمة الجندي أزاريا  مهزلة تستدعي فصول انهزامات العدل المخنث، ويبقى رهان البعض على معاقبة القاتل بما يستحق على فعلته رهان الخائبين، فنحن أمام آخر مسرحيات العبث وقريبين من فصلها النهائي حيث تدور فيه المعركة على مقاليد الحكم في دولة إسرائيل.

إنها المعركة الأهم، لأن رحاها تطحن ما بقي من عظام الجسد القديم. وهي منازلة على  قدس أقداس هذه الدولة  وعلى صورة أي جيش سينتصر ويسود، فبعد أن ضمنت الجحافل التي خرّجت أزاريا وأمثاله صدارتها في السلطتين التنفيذية والتشريعية، وبعد أن صارت طلائعهم تسكن داخل"عُرٓب" القانون وتراقص بخفة منظومة القضاء والمحاكم وتكاد تسقطها، جاء دور الجيش، فهم يعرفون أن لا قوة بدون خوذات تأتمر وتستعر وتمضي، ويعرفون، كما علمهم سفر الحروب يوشع، أنه بدون تلك البنادق لن يستو لهم ملك ولن يستقيم سلطان!

في البدء سقط اسحق رابين وذلك بعد أن زرع ورفاقه في قمم الهضاب الفلسطينية المحتلة حربًا وحقدًا وظمأً، فحصد ما زرعه من الدم والعدم. موته لم يتحول إلى عبرة، بل أدى إلى حالة من الهلع أوصلت كثيرين إلى مراضاة أرباب التخويف والانتقام وسادة العصا والمال، فالذي تملقهم أو ماشاهم نجا فعاش واحتفى، ومن تمرد ولو قليلًا و"انحرف" دفع الثمن، مثلما حصل مع البعض، وأهمهم كان إيهود أولمرت- الذي عرته النمائم وحاصرته التمائم، وفي ليلة غاب عنها قمره أمسى خائنًا للدولة، كما وصفه القضاء ساعتها، فحكم وسجن وانزاح غيمه عن جبال القدس التي صفت سماواتها وأمطرت على من ما زالوا يتدافعون على أبوابها صارخين: الموت الموت للخونة، والملك لابناء الله الأصفياء.

لم يكن اولمرت وحيدًا فبعده طويت أعلام زرقاء، ونكست رايات بيضاء وقد يكون ما يجري مع بنيامين نتنياهو في هذه الأيام هي قفلة  تلك الرواية: مسيرة الخوذات نحو الهيكل.

حلفاء نتنياهو من اليمين المنفلت يعتقدون أنه أنهى ما عليه من مهام، وغدا يشكل أمامهم عقبة تمنع تقدمهم نحو سدة حكمهم المطلق، فما يؤمن به نتنياهو وحزب الليكود لا يشبع وطر تلك الفرق، ولا يتماشى مع عقائدهم ومشاريعهم التي باتت مكشوفة ومعلنة، فهم مثلًا يعتبرون قائد أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي خائنًا، ومصيره يجب أن يكون كمصير إسحق رابين المقتول ، كما كتب البعض وأعلنوا بعد إدانة الجندي أزاريا.

أمام هذه الضغوطات يحاول نتنياهو أن يثبت أنه الأشرس ومثال اليميني القومي الأصلي، وبهذا الدافع يقرر أن يضرب بجميع عصيه ليكسر عظام أعداء الأمة والدولة، فيغير على بيوت قلنسوة العربية مسترضيًا فيالق "العامونيين" الجدد ومحاولاً احتواء غضبهم، كما ويبادر لكتابة "بوست" على صفحته الخاصة ليؤيد فيه إصدار عفو عن أزاريا الجندي القاتل، ويدعم ويدفع بعدة مشاريع قوانين تستهدف جميعها حقوق مختلف الأقليات وفي مقدمتها المواطنين العرب.

لقد استشعر نتنياهو ما يعد له من قادهم على ذلك المنزلق،  لكنه يدرك في ذات الوقت أن العودة إلى الوراء ستعرضه للسحق تحت الأقدام الزاحفة، بينما ستكون الهاوية قدره إذا ما استمر بانزلاقه الخطر.

قبل أيام طلب طاقم الدفاع عن الجندي القاتل أزاريا تأجيل جلسة المرافعات بشأن العقوبة، من اللافت أن الطلب قدم في أجواء تتسم بهجوم متصاعد على القضاة والنيابة والشهود وملاحقة المصور أبو شمسية وتهديده، وبعد جلسة تمت بين قائد الجندي المباشر وأبناء عائلته وصفت كجلسة تلطيف الأجواء بين الاطراف، وفهمنا مما نشر أن النائب العسكري قد اعترض على هذا الطلب،لكنه ضمّن إجابته شهادةً تفيد بأن أزاريا كان جنديا مميزًا وإيجابيًا لغاية يوم حادث القتل!

في العام ١٩٢٤ منعت الجموع انعقاد المحكمة في مدينة فوكسياني بسبب اندلاع أعمال شغب عنيفة، فقررت الدولة نقلها إلى قرية وادعة صغيرة اسمها تورنو سيفرين الواقعة على نهر الدانوب البعيد، وأملت أن تكون أجواؤها أكثر هدوءًا لإتمام المحكمة، لكن الآلاف من أنصار الفاشي كورديانو انتفضوا حتى كانت تبرئة القاتل هي نهاية المحكمة تمامًا، كما توقع هو وأمثاله، هكذا سجل التاريخ أحداث تلك القضية الصغيرة التي ذكرتني اليوم فيما يملأ شوارع فلسطين وحاراتها.

في الجو إشارات تشي بوجود محاولات لايجاد حل يرضى عنه أزاريا وتلك الجموع الصاخبة، فمهما يكن الحكم الذي سيصدر ستبقى عملية قتل الفلسطيني في هذه الأجواء مجرد "فدية" يسكت عنها قادة إسرائيل الخائفين على مصائرهم، وليست أكثر من حادثة ستطويها الأيام على رفوف محاكم نفر من فضاءاتها العدل، وهو الذي يطل علينا من السماء عاريًا  وملتبسًا.     

اننا نعيش في عصر قد تكون نهاياته شبيهة بما حصل في تلك الدول عندما انتصرت فيها فرق الموت على عشاق الحياة ساعة صمتت أكثرية البشر معتقدة أن الموت بصير وحكيم ! إنه عصر ما بعد نتنياهو.

 

 

 

 

 

الحركة الأسيرة.. ومضى عام آخر

جواد بولس

مع نهاية العام المنصرم أصدرت بعض المؤسسات الفلسطينية التي تعنى بشؤون الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي تقريرها السنوي، وفيه العديد من المعطيات الهامة التي تلقي الضوء على واحدة من أكثر حالات المعاناة التي عاشها ويعيشها الشعب الفلسطيني بكل شرائحه وطبقاته في الضفة المحتلة وقطاع غزة، ووفقًا لما أفادت به مصادر "نادي الأسير الفلسطيني"- وهي إحدى المؤسسات الرائدة والبارز نشاطها في ميادين الدفاع عن المعتقلين والأسرى والمحررين الفلسطينييننعرف أن حصيلة الاعتقالات الإسرائيلية  في العام ٢٠١٦ طالت ما مجموعه (٦٤٤٠) مواطنًا كان من بينهم ( ١٤٠امرأة و (١٣٣٢) قاصرًا.

يعتبر هذا التقرير مسحًا سنويًا مهنيًا شاملًا لممارسات جيش الاحتلال وأذرعه الأمنية ضد الفلسطينيين الرازحين تحت قوة بطشه، حيث يجد فيه قادة الفصائل الفلسطينية، إذا أرادوا، والمعنيون والمتابعون لقضية الأسرى وللحالة الوطنية العامة، علاوة على المعلومات الرقمية، دلالات ومؤشرات جوهرية تشي بحقيقة السياسة الإسرائيلية المخططة بعناية، وما تستهدفه من وراء موجات الاعتقال المتتابعة والتحقيق الدقيق وسجن الآلاف وراء قضبان العتمة والقمع، وليس فقط على صعيد من يعتقل.

عن بعضها سأكتب في مقالي هذا

قد يكون مقلقًا أو حتى مستفزًا أن نقرأ أن عدد الأسرى الأمنيين، كما يسميهم قاموس السجان الإسرائيلي، بلغ حتى نهاية العام ٢٠١٦ في السجون نحو (٧٠٠٠) سجين منهم (٣٠٠) قاصر و(٥٣) سجينة بينهن (١١) قاصرة، وقد نشعر بوخز حقيقي إذا تخيلنا أن وراء كل رقم من تلك الأعداد هناك حالة إنسانية صارخة، لكننا إذا تمعنا  فيما جاء من حقائق سيقت على سبيل التوصيف والتوثيق، سنجد أن الأهم من هذا وذاك يختبئ في ثنايا الكلام وبين السطور؛ فالاحتلال حاول عمليًا عن طريق تنفيذ اعتقالاته، كما وصفت في التقرير، أن يضع حدًا لما استشعره كبراعم لظاهرة نضالية فلسطينية جديدة، وذلك بعد أن أخضعت عيونه إحداثيات المٓشاهد التي رافقت الهبات في الشوارع والساحات لمباضع التحليل والاستقراء والدراسة، وبعد أن رصدت وحداته الخاصة مجمل التفاعلات والتأثيرات التي سببها النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، فلقد توصل متخصصوه إلى أن "حطب الثورة"، التي حسبها قادته قد انطفأت، تجددت نارها وانبعثت عن طريق أجيال من الفتية والشباب حديثي السن، من الذين بدأوا يتمردون على محاولات تدجينهم أو إبقائهم تحت جوانح آبائهم المتعبين، وعلى من سبقوهم من مقاتلين فتّ القهر في عزائمهم وأرقد اليأس آمالهم؛ فوفقًا لما جاء في التقرير المنشور  يتبين أن "فئتي الشباب والفتية كانتا الأكثر عرضة لعمليات الاعتقال إضافة إلى أنهما أكثر الفئات التي تعرضت لاعتداءات جسدية خلال حملات الاعتقال التي نفذها جيش الاحتلال بشكل يومي".

 لن يضل القارئ ما تخفيه هذه السياسة من غايات، لا سيما إذا تابعنا ما كتبه معدوه  حين وجدوا أن من تلي تلك الفئات المستهدفة كانت "فئة الأسرى المحررين الذين أعاد الاحتلال اعتقالهم بعد قضائهم لفترات متفاوتة سابقة في سجون الاحتلال"،  فاذا جمعنا بين هؤلاء الأسرى المحررين، من كانوا بناة الأمل وطلائع النضال في وجه الاحتلال، وبين الأسرى الفتية والشباب، من يحاولون رفع الرايات والسير في طريق الحرية البيضاء، نخلص إلى نتيجة واحدة وحيدة، وهي أن المحتل يهدد ويعلن بما لا يقبل الشك: مٓن تحرر منكم أيها الفلسطينيون مصيره مرة أخرى إلى عدم والعيش في الظلمة، ومن يرفض، في العام الخمسين لاحتلالنا القوي، ما قبلته نمور زكريا تامر في يومها العاشر سيذوق طعم أصفادنا الجاهزة ولن ينعم بحرية ولا بعيش عائلي رغد وجميل.         

من اللافت أن القدس كانت في السنتين الأخيرتين في قلب العاصفة وتصدر شبابها باب المواجهات مع قوات الاحتلال وأشعلوا مشاهد أعادت إلى الأذهان بعضًا من بريق أعوامها "الفيصلية" الذهبية الخوالي حين كانت شوارعها تنضح بالعزة وتضج بالعناد ورفض اصطباغها بالوان السياط والقمع والخنوع. فمنذ سنين وإسرائيل تحاول، بنجاح نسبي ملموس، تدجين أهلها وتبذل في سبيل ذلك جهدًا متواصلًا يرمي إلى تفتيت مجتمعها وتبديد وجوده الجمعي وإرفاق أعضائه كخلايا أحادية التكوين في الجسد الإسرائيلي النابض، وقد حققت سياسات إسرائيل نجاحات بارزة في هذه الميادين، خاصة في السنوات التي تلت رحيل أميرها فيصل الحسيني، وكثيرون بدأوا يشعرون بيأس كبير واستياء، فجاءت الخضة من مجموعات شبابها وهزت ما ساد من سكينة غير وادعة وروتين قاهر. تلك المجموعات، على محدودية أعدادها، انتصرت متمردة  لكراماتها المسحوقة، ورافضة العيش في ظل مرارة "اليتم" وجحود الأقرباء، فأعلنت تحديها لتمادي كتائب المستوطنين واعتداءاتهم الوحشية على كل شيء عربي في مدينتهم، على البشر والحجر والشجر، وفي حالة عجز مقدسية بدت للناظر، طيلة تلك السنوات العجاف، أن "العروس" ليست كما تنبأ لها "النواب"، المنفي في التيه والدخان والثلج، بل صارت تغتصب جهارًا نهارًا وليس فقط من وراء الأبواب.

على هذه الخلفية تأخذ قراءة ما جاء في التقرير عن القدس مناحي غير نمطية وأبعادًا أكثر وضوحًا لأننا نفهم أن "مواطني محافظة القدس كانوا الأكثر عرضة للاعتقال خلال العام ٢٠١٦، وذلك بواقع اعتقال (٢٠٢٩) مواطنًا مقدسيًا بينهم (٧٥٧) قاصرًا و(٧٩) إمرأة .." فوراء هذه الأرقام الاستثنائية تستتر سياسة الردع الإسرائيلية والتخويف، خاصة إذا علمنا أن كثيرين من المعتقلين قد أفرجت عنهم السلطات والمحاكم الإسرائيلية بشروط مقيّدة ضيّقت عليهم حرية الحركة والتنقل والعبادة والعمل.

لقد تعلمنا من تاريخ الشعوب المقاومة للاحتلال ومن إنجازات حركات أسراها السياسيين والذين سطروا مواقف حفظها تاريخ الأمم كأوسمة على جبين الإنسانية الوضاء، أن من أهم المكاسب التي يجب المحافظة عليها حتى في ساعات الشدة وإيصاد معظم المنافذ، نجد اثنين في الصدارة: ضرورة إبقاء جذوة الأمل حيّة تتقلب لو في الصدور فقط، وعدم التخلي عن عنصر المفاجأة الذي يجب أن يبقى مفاعلًا يحرك التاريخ حتى لو بدا كأنه يحتضر. من هنا يجب الحذر من خسارتها، بصبر وترو وحكمة ويقظة، فشعب يرزح تحت احتلال ويعيش بأوراق كلها مكشوفة لا أمل له في حرية ولا بدولة. ومن يراجع تجربة الأسرى الإيرلنديين، على سبيل المثال، أو الجنوب إفريقيين، سيرى كيف حافظ قادة تلك الحركات على هذين العنصرين وضمنوا نهايات لم يرغب بها غريمهم الذي تصرف أحيانًا وكأنه سيد الليل والنهار والعارف بالمخفي والقابض على كبد الأمل.

ما يحاول الاحتلال ضمانه واضح، فمن لا تكسحه عصا الاعتقال العادي، كما ورد أعلاه، يلاحق إداريًا ويسجن من غير تحقيق أو تهمة أو فرصة للدفاع عن نفسه كما يقر المنطق والقانون؛ فمن المعلومات التي أوردها التقرير يتبين أن هنالك تصعيدًا في سياسة الاعتقالات الإدارية، فقد تزايدت أوامر الاعتقال، خلال العام ٢٠١٦، بشكل ملموس حتى وصل عددها إلى (١٧٤٢) أمرًا، من بينها سنجد ( ٦٣٥أمرًا جديدًا، بينما وقع القائد العسكري على (٢٠) أمر بحق أسرى قاصرين، وعلى (٣) أوامر بحق نساء وعلى (٥) بحق نواب في المجلس التشريعي الفلسطيني وعلى (٩أوامر بحق صحفيين عاملين، وعلى (٤٠) بحق مواطنين مقدسيين، على الرغم من عدم استعمال هذه الوسيلة لعدة سنوات في نطاق مدينة القدس.

لن آتي على ذكر كل ما ورد من معطيات بشأن قضية الأسرى وما طرأ عليها خلال عام مضى، أو ما قد يصيبها في عام اندفع قبل أيام بملامح تشير أنه سيكون أسوأ بما يحمله من نوايا يفصح عنها معظم وزراء الحكومة الإسرائيلية وتبينه التشريعات المنجزة في الكنيست أو المخطط لإنجازها، ففقدان الأمل الفلسطيني هو غاية الغايات المرجوة مما يمارس من سياسات وما سيمارس، وفضح خزائن المستور الفلسطيني غاية أخرى تعتقد إسرائيل الرسمية أنها قاربت على تحقيقها، ولديها ما يكفي من أسباب تعزز قناعتها، خاصة ونحن نعرف كما يعرف قادة الحركة الأسيرة الذين كتبوا وتحركوا مؤخرًا: "في ضوء ما  وصلت إليه الحركة الأسيرة الفلسطينية من حالة الضعف والترهل والانقسام وغياب العمل المشترك والموحد منذ ما يزيد عن عشر سنوات"، وبعد استشعارهم لدرجة الخطر وجهوا الى جميع الأسرى وتنظيماتهم في السجون وثيقة هامة، حيث قام على تحريرها قادة من بينهم، وذلك في مسعى منهم لإحياء دور الحركة الأسيرة واستعادة قوتها ونبضها، لأنهم يعرفون أنه "في ظل الاستغلال المستمر من قبل سلطات السجون لهذا الواقع الصعب واستفرادها بكل سجن أو قسم أو فصيل أو مجموعة وانطلاقًا من القناعة التامة من أن الإرادة الجماعية للأسرى ترفض استمرار هذه الحال فلقد اتٰفق على أهمية العمل المشترك والتنسيق المكثف لتحقيق مطالبنا".

من يرغب في مساعدة الأسرى بشكل حقيقي ليدقق بما كتبوه وليقف معهم في معركة محقة عناوينها معروفة وسقوفها كذلك، فمن الطبيعي أن يقرأ القادة الفلسطينيون ما بين سطور التقرير وما تقوله النقاط على حروفه، أما الأسرى فلقد عاشوا ويعيشون التجربة في مآقيهم وعلى جفونهم ويعرفون أن الغاية من وراء سياسات الاعتقال وطرقها واضحة ونتائج ضعف الحركة الأسيرة، كما كتب معدو تلك الوثيقة الهامة، كانت وبالًا على منجزاتهم وآمالهم، ويعرفون كذلك أن نيسان قادم، فهل سيأخذون الحلم الفلسطيني إلى حيث تكون الريح؟

 

 

 

رسالة مفتوحة لمريام نائور

جواد بولس

سعادة رئيسة محكمة العدل العليا الإسرائيلية،

قد يبدو لك ولكثيرين غريبًا أو حتى مستهجنًا أنني اخترتك لتكوني عنوان رسالتي/ مقالتي الأسبوعية الأخيرة لهذا العام، ولربما كان أكثر انسجامًا أن أكتب عن واحد من تلك المواضيع البارزة التي تفاعلت مؤخرًا عندنا في فلسطين الكبيرة أو حصرًا بين المواطنين العرب في إسرائيل، علمًا بأن انتخاب واحدة من تلك المسائل الضاجة لم تكن مهمة صعبة، فأوضاعنا العامة مقلقة وتُبكي الغريب، وبعض قياديينا يتصرفون وكأننا في أحسن أحوالنا وفي قمة مجدنا، ومنهم من يندفع صوب النهر والوجع بشجاعة الرعد وهزيمه، حتى تخالهم شخوصًا من الأساطير يركبون جيادًا عيونهامغمّاة.

كان محفزي لكتابة هذه الرسالة ما قرأته عن خطابك في بيت رئيس الدولة في الثامن من الشهر الجاري، وذلك لأنني متيقن من أن بعض ما قلتِه على الملأ كان مستفزًا لبعض من حضر ذلك الاحتفال- حيث جرى في تنصيب عدد من القضاة الجدد المنضمين الى جهاز القضاء الذي تقفين على رأسه، خاصة وأنك تؤكدين أمام من يفلسف عنصريته ويسوّغها باسم الأرض والسماء أنه لا يمكن "فهم الدفاع عن المبادئ الأساسية وعن حقوق الانسان كأعمال غير ديمقراطية، فهي تجسيد للديمقرطية ذاتها.." فبهذا الكلام  أنت تستعْدين عمليًا كل من يتأهب، من الحاضرين والغائبين، للركوب على مركبات النار وإتمام حرثهم لأرض "المختلفين" ولتلقين "الطوابير الخامسة" دروس السادة والعبيد.

في الواقع ما جرى في بيت رئيس الدولة كان جولة إضافية في معركة فرضت عليك وعلى معظم قضاة المحكمة العليا، وذلك بعدما وصلت نيران قوى اليمين المدمر إلى أحراجكم وبيوتكم. فإحساسكم  بأن منظومة الحكم في إسرائيل قد استوطِنت عمليًا من قبل عناصر ظلامية عنصرية كان صادقًا، واستشعاركم بأن قادتهم يسعون إلى التسلط على جهاز القضاء لإحكام القبضة على رقبة الدولة وإقامة نظام حكم مستبد ديكتاتوري أو مملكة الأنبياء الموعودة، لم يُبقِ لكم فرصة ودفعكم إلى خوض هذه المواجهة الفريدة.

لم أكن هناك، ومع هذا يساورني شعور بأن من حضروا ووقفوا عند الحكمة فيما أكدته أمامهم قد غادروا المبنى، بعضهم آسفًا وبعضهم راضيًا، وهم على قناعة بأن وقتكم قد فات، فما كان ينتظركم وينتظرهم في الهواء وفي جنبات ليل القدس الفاحم كانت أصوات هي أقرب لفحيح "هيدرا" ذات الرؤوس القاتلة من صوت المعجزة والأمل؛ فمن هناك، من بيت الرئيس المقام على "دوار سلامة" وكيفما وليت وجهك، نحو القطمون أو المالحة أو هار-حوماه أو جيلو وأبعد وأبعد حتى تصلي هضاب "عمونة" وأخواتها، كان البرق والرياح تعلن أن صلاحية جهازكم وسلطتكم القضائية تقترب على النفاد ومصيرها أن تلتحق بأختيها التشريعية والتنفيذية، وذلك على الرغم أو ربما بسبب إعلانك أن: "حكم الأكثرية هو شرط ضروري للديموقرطية، لكنه شرط غير كاف، لأن انعدام الكوابح على قوة الأكثرية من الجائز أن يحول سلطتها إلى حكم مستبد"، فالمأساة، إذا كنت لا تدرين، أن الأكثرية اليهودية التي تتحدثين عنها وإليها تؤمن فقط "بالكراتوس" (بالسلطة) وأما "الديموس" (الشعب)، ليس اكثر من حناجر تصرخ وسواعد تبطش وأقدام تدوس على الحقوق ومن يطالب بها أو يدافع عنها.

عندما قررت توجيه رسالتي إليك تذكرت أنني خاطبت، قبل أكثر من ستة أعوام، الرئيسة السابقة للمحكمة العليا في رسالة مفتوحة عرفتُ بعد نشرها أنها قرأتها، وناقشتني بفحواها متذكرةً ما كتبته لها و: "كم صرخت في آذانكم.. كم مرة أكدت أنني أخاف عليكم؛ فأنا كإنسان أريدكم، أنت وزملاءك القضاة، أقوياء وسدنة لصفاء القانون الذي يحمي الضعيف من سلطان مستبد عاسف. وأكدت أنني كمواطن في الدولة أريدكم أقوياء، وأحتمي بقوتكم عندما يسلب حقي جورًا..وأنني كابن لأقلية قومية في هذه الدولة أريدكم ترسًا يصد عني مخالب تدميني وأنيابًا تجيد القبض على كل مقتل في جسدي".

هكذا كتبت لكم قبل ستة أعوام، داومت، كما تعرفين، خلالها على محاولاتي لإقناعكم بأنكم تسيرون على منزلق خطير، وأنكم ستدفعون ثمن مواقفكم، التاريخية والآنية على حد سواء، وحذرتكم مرارًا مما كنتم تحسبونه تعزيزات لبنيان دولتكم التي تشاوفتم أمامنا بديمقراطيتها الواهية، واستشرفت أنه سينقلب عليكم المنقلب وعلى كل يهودي سيتجرأ على رفع صوته يومًا بما لا ينسجم وأصوات "القطيع" وتلك الجوقات اليمينية العنصرية الناعقة وفرقها الضاربة، وكنت أردد على مسامعكم رغم امتعاضكم من وضوحي مؤكدًا أن: "تلك القوى كالعلقات، لا تكتفي ولا تشبع. فبطبيعتها تعيش على مزيد ومزيد".

كم مرة عُنفت، يا سيدتي، لأنني طالبت بمساواة حكم العربي مع حكم اليهودي ووُصفت بالوقح لأنني "تماديت" مستفسرًا ومتسائلًا لماذا التفرقة عندكم؟ فحاول زميل لك أن "يبوقني" بصراخه دون أن يأتي بأي حجة تفند "وقاحتي" أو تعلل سياستكم العنصرية. أمّا عندما كنا نتظلم باسم فلاح فلسطيني أو شيخ وقع ضحية لإرهاب يهودي لم نلق إلا الإعراض، ولم نسمع إلا الشعار المستفز : إنهم "أعشاب شاذة" وأعدادها قليلة! هلا ترين معنا كيف كانوا أقلية وصاروا بينكم وأصحاب الهضاب وحراس أبراج القلعة ! 

قصتنا، نحن العرب مع الجهاز القضائي للدولة طويلة وجديرة بأن تستقصى من بداياتها التي كانت قبل ولادتي كعربي بسنين قليلة، لأن القضاة شعروا، مثل باقي القيادات المؤسسة في الدولة الفتية، أنهم أصحاب البيت وحماة الحصن والحائضون عن قيم الكيان الجديد وبناة مجتمعه الآدمي العصري المؤمن بأسس الديمقراطية الغربية المنقوصة. حينها تبنّى رجالات القانون نظرية "الأمن" تمامًا كما هندسها ووضعها أمامهم جنرالات المؤسسة العسكرية والأمنية، وتجندوا من أجل ضمان إشاعة معانيها بشكل عملي، وتفوق مفاهيمها بشكل فعلي على كل قيمة قانونية أخرى وحق أساسي مهما علا شأنه المجرد، هذا علاوة على تقبل جيل القضاة المؤسسين، حتى ولو بالكتمان، للمفاهيم المؤسسة الرسمية التي صاغت علاقة الدولة وأجهزتها تجاه مواطنيها العرب، فالفرضية الطاغية في تلك البدايات قضت باعتبار العربي كائنًا سلبيًا وخارجًا عن واجبات منظومات الدولة الإدارية تجاه مواطنيها العاديين، إلا أذا اقتضت الحاجة عكس ذلك، لذلك نرى أن حقوق العربي الباقي في وطنه أجلت وهضمت بذرائع كثيرة ومتعددة، واحتسب بقاؤه خطأ تمنى الجهاز القضائي، مثل ساسة الدولة، أن يداوى، وليس بالضروة عن طريق مساواته الحقيقية بسائر المواطنين اليهود بل على العكس، عن طريق التضييق عليه وشرعنة تلك السياسات العنصرية ضده، وذلك بهدف تطفيش من عاندوا وبقوا .

من المؤسف أن نلحظ  دور الجهاز القضائي الذي كان شريكًا في معظم هذه التطبيقات الرسمية، شراكة اتسمت أحيانًا بجهارة مؤلمة وأحيانًا بتوليفات خبيثة، ففي حين كان القضاة يؤثرون ذرائع الأمن المطلق وباسمها يبررون سحق حقوق الأقلية العربية، كنا نصرخ ، كما صرخ السابقون منا، ليس هكذا يقام العدل ولا هكذا تبنى دول، وأمّا عما قدمه فقهاء القانون والقضاة من أجل ترسيخ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، فالحديث قد يبدأ ولن ينتهي، لأن دور المحكمة العليا في تجميل هذا الاحتلال البغيض وتمرير معظم موبقاته سيحفظه التاريخ وذاكرة شعب ما زالت تواجه جراحها، فللواقع كان معظم قضاة المحكمة المتعاقبين منذ العام ١٩٦٧مسؤولين  غير مباشرين عما مارسه الاحتلال المعرف في القانون الدولي وبين الأمم بالجريمة الكبرى.

سيدتي، لم يسعفني الصراخ، ولا ما كنت أقوله لكم مؤكدًا إننا قد نكون نحن العرب، أوائل ضحايا سياسات القمع والبطش الرسمية، لكننا لن نكون الأخيرين ولا نجاة مضمونة لأحد لأن صوت المسدسات والبساطير يصرخ في ساحاتكم منذرًاإما الخنوع والاستسلام وإما "أعواد المشانق" أو كما تنبأتُ قبل ستة أعوام وكتبت: " إن جهازًا قضائيًا يحتمي بحراس يرافقونه حتى أبواب غرف نومه، لن يقوى على ظالم وقاتل مهما برر ودافع وجهازًا قضائيًا لا يميز بين الضحية والجلاد لن يحمي حتى جلده مهما انحنى وطأطأ رأسه والهامة.."، فأكلت يوم أكل الثور الأبيض التي قصصتها عليكم في مرافعاتي، ولربما لم تذوتوا مغازيها- ستبقى حكمة ضحية ناجزة لضحية تنتظر على خط التماس.

اخترت أن أكتب لك وليس عما يؤرقني في قضايا مجتمعنا العربي لأهمية ما يجري بينكم وتأثيره علينا وعلى وجودنا ولإيماني إذا سقطتكم، رغم أنكم لم تنصفوا قضايانا كما أسلفت، سندخل في الظلمة والتيه الكبيرين، فلقد أخافني شعورك حين احتججت على موقف وزيرة القضاء ووصفت تصرفها تجاهكم كواحد يضع مسدسه على طاولة تفاوض بين طرفين غير أعداء، لقد كنتم أنتم القضاة هذا الطرف الآخر في مجازك الجميل المخيف، لكن كثيرين في الدولة عرفوا منذ عقود أن من يحاول قتل غريم سياسي كسكرتير الحزب الشيوعي مئير فلنر ولا يلفظه مجتمعه سيفتح الطريق لمن يضع القنابل بهدف قتل رؤساء بلديات فلسطينيين انتخبوا رسميًا في نابلس ورام الله وحلحول، وعندما تغض الدولة ومحاكمها عنهم الطرف ولا تعتبرهم جناة وقتلة سيمضي غيرهم في طريق البارود ويزرعون القنابل على عتبات كل من لا يتوافق معهم ، مثل البرفيسور زئيف شطيرنهال وغيره من اليهود الآدميين الملاحقين بسبب أرائهم، فتجارب التاريخ  أدلت بحكمتها وأجهل الجهال من عثر بجحر مرتين أو بجحر ومسدس!     

 

 

 

الشجاعة مقرون بها عطب

جواد بولس

 

ما جرى في لجنة الكنيست ظهيرة يوم الأربعاء الفائت كان متوقعًا ولم يكن صعبًا، كذلك أمر التكهن بنتيجة تصويت أغلبية النواب على توصية هذه اللجنة برفع حصانة النائب باسل غطاس (إذا كانت هنالك حاجة للتصويت)  وذلك تمهيدًا لاستنفاد إجراءات التحقيق معه والتي قد تفضي إلى تقديمه للمحاكمة.

لقد اختار النائب عن حزب التجمع الديمقراطي عدم المثول أمام تلك اللجنة في خطوة لاقت دعمًا من هيئات القائمة المشتركة التي أصدرت بيانًا تبرر فيه موقفها من وجوب تلك المقاطعة بكون الجلسة "تحريضية واستعراضية ومحكمة ميدانية نتيجتها معروفة مسبقًا".

في الحقيقة يليق بهذا التصريح أن يصير مربط الفرس! فإذا تنبأ النائب غطاس ومثله فعلت القائمة المشتركة برد فعل لجنة فرعية في الكنيست الإسرائيلي وأصابوا في حسهم وتقديراتهم، أفلم يكن من الأجدر به أن يتحسس منذ البداية ويستشرف ردود فعل قوافي اليمين وحداتها على ما سينسب إليه من أفعال؟ 

 أبعد من غطاس، القضية عامة  

على جميع الأحوال لو لم تكن لهذه القضية تبعات أبعد من مصلحة النائب غطاس الشخصية ومصالح حزبه  لم نتطرق إليها، لا من قريب ولا من بعيد، ففي النهاية كل من يزرع يحصد، الورد أو العاصفة، لكنها مغامرة فردية غير مسؤولة ومقامرة سياسية خطيرة، هذا إذا صح ما قاله القائم بأعمال  المستشار القضائي للحكومة، راز نزري، في معرض حديثه أمام لجنة الكنيست، مصرّحًا بأن أجهزة الأمن الإسرائيلي وفي أثناء زيارة النائب غطاس لأسرى أمنيين في سجن كتسيعوت الصحراوي، وثقت بشريط مصور عملية إدخال رسائل وأربعة مغلفات تحتوي على هواتف خلَوية وشرائح اتصال عديدة.

من السابق لأوانه التعاطي مع هذه القضية وفقًا لعناصرها القانونية المجردة، فهذا شأن القضاء والمدّعين العامين ومحامي الدفاع، وتبقى، من البداهة، كل الاحتمالات مشرّعة، ولنا في سوابق التحقيق ومحاكمات قادة المواطنين العرب أمثلةومواعظ؛ أما المثير في المشهد الراهن فيتعلق برد الفعل الأولي الذي اختطه النائب غطاس في لحظة تفجير المسألة في الإعلام الإسرائيلي حين أعلن، وقبل بدء التحقيق معه، أن ما نشر "هو جزء من الملاحقة السياسية لقيادة الجماهير العربية وجزء من ملاحقة التجمع الوطني والعمل السياسي بشكل عام"، لقد كان لافتًا أنه لم يتعرض للشبهات التي نشرها الإعلام بحقه على الرغم مما رافقها من تفصيل مهني أوحى بأننا في صدد قضية لا تشبه سابقاتها من قضايا التحريض اليميني الشعبوي الرخيص.  

في الإعلام بدأت ترشح معلومات ومعطيات سرّبت بهدف تأزيم حالة الإرباك التي أصابت قيادات الأحزاب والحركات السياسية العربية فغابت ردود فعل معظمهم،ولم يحركوا لسانًا ولا ساكنًا وحتى قادة حزب التجمع تصرفوا بتروٍ واتزان واضحين مكتفين بشجب محق لتصريحات المسؤولين الإسرائيليين الذين استغلوا الإعلان عن الحدث فوثبوا وانقضوا على باسل وحزبه وقائمته وقومه وجرموه ماضين في تمزيق ما بقي من ذاك الجسد وتقطيعه اربًا، بينما لم يبدأ التحقيق معه ليست هناك لائحة اتهام ولا قرار إدانة

الحكمة قبل الشجاعة

موقف النائب غطاس إزاء ما نشر ضده كان خاطئًا ومضرًا، فالانكار المجزوء والجارف العريض لم يكن خيارًا موفقًا ولم يسعفه ولا سهّل على حزبه مهمة صد الهجمة الشرسة، وفي نفس الوقت لم يسوغ لباقي القيادات السياسية فرصة التعاضد الحقيقي والدفاع العلني عنه، كما ومنع كثيرين من التعبير عن مؤازرته وإسناده بشكل ناجع ومؤثر في وجه هجمة / شبهة سرعان ما تبينت فيما بعد أنها ليست ملفقة من أساسها ومختلقة-  كما صرح واصفًا إياها النائب غطاس على أنها مجرد ملاحقة سياسية له ولحزبه

فبعد خروجه من جلسة التحقيق بدأت مفردات دفاعه  ومضامينها تتغيّر، وذلك كما قرأنا في بيان نشر باسمه معلنًا "أنه لن ولم يقم بأي مخالفة تتعلق بأمن الدولة أو مواطنيها، ولم تكن لديه نية تتعلق بهذا الجانب". ويؤكد أنه لم يقترف فعلًا من شأنه المس بأمن إسرائيل أو مواطنيها، لكنه، في نفس الوقت، لم يتطرق ولو بتلميح لشبهة تهريبه الهواتف الخلَويه والشرائح كما تدعي سلطات الأمن الاسرائيلية، وكأنه يترك هذه الاحتمالية لفهم القراء ويدعها محلقةً في الفضاء، وذلك كي يحتفظ بامكانية حشر الخلاف بينه وبين القضاء الاسرائيلي في مسألة تفسيرية حول كيف يكون المس في أمن إسرائيل، وليس حول حقيقة ما جرى فعليًا في تلك الغرفة المعدة لاصطياده كما يظهر.

من يقرأ بإمعان  تصريحَي النائب غطاس سيجد إشارات لما قد يؤول اليه العراك  مع الجهات الإسرائيلية في المستقبل، فقبل التحقيق وبما يتماشى مع نبرته التصعيدية أكد غطاس أن "زيارة الأسرى الفلسطينيين والاطمئنان عليهم هي حق لنا وواجب علينا ولن نتخلى عنه" مضيفًا بشكل حاسم ومتحدٍّ "أن ملاحقات الشرطة الباطلة وتلفيقاتها لن ترهبنا"، بينما نجده يتراجع، بعد جلسة التحقيق، ويختار تكتيكًا يحاول من خلاله تخفيف قواعد المواجهة، فحق زيارة الأسرى الأمنيين يَرِد عنده في باب "الواجب الأخلاقي الذي يقوم به ضمن مهامه البرلمانية وكقائد سياسي" وليس كممارسة وطنية ومقارعة  للسجان الإسرائيلي، لأنه مقتنع بأن "زياراته للأسرى وتواصله معهم هو عمل إنساني وأخلاقي بحت وهو ملتزم بهذه القضية لأخلاقيتها وعدالتها..فالأسرى هم بشر قبل كل شيء". قال ذلك متأخرًا، وصدق، فواجب من يستطيع الوقوف إلى جانب الأسرى الفلسطينيين لا غبار عليه، ومعاناة الأسرى المزمنة كبيرة  ومعروفة لا سيما في قضية حقهم بالتواصل مع أسرهم سواء من خلال ضمان وتائر الزيارات أو حرمانهم من  استعمال الهواتف العامة كما يسمح  للأسرى الجنائيين مثلًا.    

عندما اتهم النائب غطاس بتهريبه هواتف خلوية وشرائح كانت أمامه عدة خيارات للإجابة، وكلها تتناسب وتجتزأ من دوره كقائد سياسي في المجتمع ومن وعيه لمسؤوليته وتحسسه من تبعات ما يقوم به في المكان والزمان العينيين. لكن خياره المعلن قبل تفاقم القضية كان بمثابة المقامرة غير المحسوبة والمزايدة، بينما يحسب لجوءه المؤجل إلى الدوافع الانسانية والاخلاقية في زيارة الأسرى الفلسطينيين تبريريًا ولن يعوض الخسائر التي منيت بها مصالح الجماهير العربية.

لا تجعلونا لليمين لقمًا سهلة  

  قرأت بعض ما كتب في هذه المسألة، وقرأت تكرار حجة من لا يريدون الاعتراف بالخسارت الجسيمة التي سببها بعض قادة الجماهير المغامرين من دون مسؤولية قيادية عامة، وهم المصممون في مزايدات عقيمة على ركوب البحر بأشرعة حقوقهم المطلقة وشجاعتهم المفرطةوفي كل مرة نبتلى يذكرنا هؤلاء الكتاب والمحللون بأن اليمين الإسرائيلي باطش بطبعه، وصنانيره مدلاة في جهوزية قصوى، وهي ليست بحاجة إلى طعم نعلقه نحن عليها بأيدينا. ما قام به النائب غطاس استغله عتاة اليمينيين، فنجحوا بوضع ملازم على زيارات النواب للأسرى الأمنيين، فخسروا واحدًا من أهم الامتيازات عندهم، وخسر النواب حقًا ما كان في خدمتهمومن الطبيعي أن نفترض أن هذه الضربات هي بدايات تسخين المطارق وشحذ السيوف. وتبقى تلك الأصوات تبرر للزعامات حماقاتها في حين يمضي اليمين بشرائحه وهتافه ضاربًا بفأسين وجهل، فمن يرفض الاعتراف في ما يسببه طيش بعض زعاماتنا ليعُد ويقرأ مجددًا تاريخ محاكم قادة هذه الجماهير، في العقدين الأخيرين، ويرى كيف اختار أو اضطر أصحابها أن يواجهوها أو يتلافوها أو ينحنوا أمامها، ومن لا يريد أن يعترف بهذه الحقيقة ليتمعن كيف يصهر هذا اليمين الظامئ أوراق التهور ويحولها أنهارًا من مطر أسود تروي حناجره وتنعش سواعده

سكوتكم من فضة

ما انتقده هنا يتعلق بمكانة النائب غطاس العامة ونشاطه كشخصية قيادية معروفة يتعدى دورها موقعه في حزب التجمع، فلقد  أخطأ في هذه الأزمة،  وأساء  في إدارتها 

أرى أن على غطاس أن يتحمل كامل المسؤولية ويتصرف بحكمة وشجاعة ليدرأ العواقب عن حزبه وعن القائمة المشتركة وعن الجماهير الواسعة. كلنا يتفهم ضرورة التكافل بين رفاق الدرب وواجب التضامن مع من يواجه قمع السلطة وملاحقتها، بيد أن هنالك محطات في حياة البشر تستدعي الحسم خاصة حين تكون مصلحة الجماهير أعلى وأولى من مصالح الفرد ومصلحة الإطار الحزبي أغلى وأبدى من مستقبل الشخص أو القائد؛ فمن لا يستشعر إلى أين تهب رياح الجنوب الكتسيعوتية وكيف ستضرب سيفاجأ قريبًا بتشتت خيامنا وتمزقها، وحينها سنفيق في ليال سماؤها عارية ملأى بالنجوم الدامعة.

صمت الأحزاب والحركات السياسية والمؤسسات المدنية يشي بحرجهم ويكشف موقف جميعهم إزاء ما جرى، وبعضهم يعرف أكثر من جميعنا. فعلى هؤلاء القادة أن يكونوا حكماء، وليس فقط أصحاب حق، وشجعانًا مع علمهم أن "الشجاعة مقرون بها العطب".        

    

 

 

 

 

مات "نوعم" فلماذا نحزن؟

 

جواد بولس

 

"كم أحزنني هذا الموت المبكر"! كتب لي صديقي نبيل قبل حوالي العامين يعلمني بموت "نوعام كامينر" الذي كان شريكنا في حركة "كامبوس" الطلابية في الجامعة العبرية في القدس. في الواحدة والستين رحل وهو مؤمن بما ناضل من أجله طيلة أربعة عقود ومخلفًا "سمدار"- زوجة محبة وشريكة حياة ودرب، وابنين- متان وكرمل- يسيران على دربه وهدي وصاياه وإرثه الإنساني.

خبر صغير قرأته قبل أيام على صفحة الصديق محمد بركة الشخصية أعادني إلى ثنايا تلك الذاكرة الرمادية، وفي الخبر تفاصيل عن ندوة عقدت في تل أبيب بمناسبة مرور عامين على وفاة نوعام، حيث شارك فيها، إلى جانب بركة، مجموعة من أصدقاء ذلك الزمن الفريد والشركاء في النضال العربي/اليهودي في حقبة استعر فيها الصدام مع طلائع الحركة اليمينية العنصرية في إسرائيل- الذين شكلوا حركة نقيضة لحركتنا عرفت باسم "كاستل"، وقد برز من قيادييها تساحي هنغبي ويسرائيل كاتس وإيفيت ليبرمان، واشتهرت في هجماتها الضارية على الطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية وعلى حلفائهم من الطلاب اليهود، ومنهم نوعام كامينر وليف جرينيرغ وأودي أرنون وكثيرون مثلهم مؤمنون بوحدة الكفاح وبضرورة التصدي المشترك لقوى الظلام والبطش، وعلى الأخص ضد الاحتلال الإسرائيلي من عام ١٩٦٧.

في الحقيقة لم يُكتب كثيرًا وبشكل منهجي ومدروس عن تلك السنوات وما تخللها من أحداث جسام بدأت في أوائل السبعينيات واستمرت لعقد ونصف من الزمن. فالحركة الطلابية العربية الجامعية شهدت نجاحًا ملحوظًا في تأطير نشاطها ونضوجًا في واحدة من أهم تجارب العمل السياسي والاجتماعي، وذلك حينما استطاع قياديوها بناء ومأسسة لجان الطلاب العرب التي تصارع على التحكم في مقاليدها حركتان وحيدتان على الساحة  هما، "جبهة الطلاب العرب" التي كان الحزب الشيوعي، ذو النزعة الأممية، أهم مركّب فيها من جهة، و"حركة أبناء البلد" ذات النزعات القومية من جهة ثانية.

سيرة نوعام كامينر تكتنز كثيرًا من تاريخ ما يسمى باليسار اليهودي سواء من عرفوا أنفسهم بيساريين صهيونيين أو من تخلوا عن الصهيونية وعافوها لينضموا إلى أحزاب سياسية وحركات غير صهيونية مثل الحزب الشيوعي الذي استقطبت حركة شبيبته (بانكي) نوعم كامينر في مطلع حياته.

معظم المشاركين في الندوة المذكورة أكدوا على ما آمن به عمليًا نوعام كامينر ورفاق دربه، وأجمع الحاضرون على أنه حتى إذا كان عدد هؤلاء الرفاق قليلاً فتبقى الحاجة لإحياء درب النضال العربي اليهودي وصدّ قوى اليمين المستشري مهمة أولى وصعبة. هذه المهمة هي شرط مقيم ومؤسس في حياة جميع من يؤمنون بالشراكة الحقة وبالمشاركة السياسية المتساوية وبضرورة إنهاء الاحتلال وإحلال السلام وإحقاق حقوق الأقلية الفلسطينية المواطنة في اسرائيل، المدنية منها والقومية.

لا أعرف ماذا جرى في السنوات الأخيرة، ولماذا تغيرت أساليب النشاط وخفت الصوت بين صفوف الطالبات والطلاب العرب في جامعات إسرائيل، وعلى الرغم من كوني بعيدًا عن الأجواء الحقيقة إلا أنني أشعر ككثيرين بتغيير جذري في وتائر العمل النضالي  وأشكاله، بل إن البعض يلمس الخسارة الواقعة في الأرصدة التي تركتها أجيال البنائين في تلك السنوات الصاخبة والهامة.

من الطبيعي أن يتأثر عالم الكامبوسات الجامعية بما يحيط به من معطيات ومتغيرات اجتماعية وسياسية وغيرها، فصعود الحركات الإسلامية من جهة ونشوء جيوب هلامية الانتماء الوطني (وهذه لم تكن في زمننا) من جهة أخرى، وضعف قوة الجذب الجبهوية في مواجهة الصوت القومي العالي وغيرها من المؤثرات قد تكون أهم ما أثر على العلاقة بين القوى الطلابية العربية واليهودية المستعدة للتحالف في وجه اليمين وفصائله المتعددة والمتزايدة والقضاء على وجودها الحقيقي في أغلب المواقع

لا يمكن أن ننصف التجربة من دون أن نشير إلى أمراض اليسار اليهودي المزمنة والتي كان لها عظيم الأثر في إفشال العديد من التجارب النضالية، فتردد بعضهم  وشعور آخرين بفوقية مؤذية، وانتهازية فرق منهم نجحت في التذيّل حتى أرهقت التجربة وشوهتها، بل هناك ثنائية قيمية حكمت تصرفات مجموعات منهم وأفراد، كلها كانت عوامل أثرت بتفاوت على نجاح الفكرة أو فشلها، وذلك منذ بداية إقامة لجان التضامن المشترك، ومثل ذلك حصل مع قرية "بيتا" الفلسطينية التي حوصرت في ذلك العصر، أو مع لجنة التضامن الشهيرة مع جامعة "بير زيت"،  أو في المشاركة في حركة "كامبوس" الجامعية ودورها المميز في تلك السنين.

لمن يراجع سيرة نوعم كامينر سيجدها مغايرة ومميزة، وفيها ما قد يعطي الحائر دليله والسائل مراده، فهو بدون ريب يعكس صورة المناضل واليهودي المختلف الذي لا يكل رغم الفشل، ولا ييأس رغم الصعوبات وتعثر الفرص.

كانت بداياته، في أواخر السبعينيات، يهودية متأرجحة إلى أن صفا واتعظ وصحا، فرفض الخدمة في جيش الاحتلال بعد أن جربها وشهد ما يسببه هذا الجيش من دمار وعذابات لضحاياه العرب. سجن مرارًا لرفضه الخدمة العسكرية مؤْثرًا دفع حريته ثمنًا على أن يكون شريكًا في استعداء الإنسانية والعدل، ثم وقف مع الحق واضحًا ضد الاحتلال الاسرائيلي ومقتنعًا بضرورة الشراكة التامة الصادقة مع المواطنين العرب في إسرائيل. كان دائم الحماس الشبابي، لم يشخ ولم يهن.

بادر لاقامة عشرات التنظيمات السياسية والاجتماعية، فكلما كان يفشل أحدها سارع لإقامة آخر، هكذا حتى رحيله عن إرث غني وتجربة فذة يقدر على خوضها قلة من البشر. ربَّى أعداداً من الشبيبة الذين يقتدون بطريقه ويسيرون عليه، ونجد أبرزهم ابنه متان الذي يرفض الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال، ويدفع باسم ضميره والحق أقساطًا من حريته الشخصية تمامًا كما علمه والده، و خلّف عائلة تريد أن تعيش وتدع الآخرين يعيشون بحرية وكرامة وبشراكة واعية كاملة الخصال والخواص.

"لماذا نحن حزينون على موت نوعم" سألني صديقي، مذكرًا أننا لم نلتق به منذ سنوات طويلة، وبعضنا لم يعد مؤمنًا بتلك الأممية الناصعة، أو على الأقل ليس على تلك الطريقة الرومانسية الساذجة كما آمنّا بها ساعة وقفنا في ساحات الجامعات وهتفنا مع نوعم ورفاقه في وجه قوى اليمين: "الفاشية لن تمر" و"تحيا الأخوة العربية اليهودية".

في الواقع كثيرون من رفاق نوعم اليهود تركوا ذلك الدرب وابتعدوا عما هتفوا من أجله حين شاركوه حلم حركة "كامبوس" الطلابية أو تجارب كفاحية أخرى، ومنهم من كفروا بمبدأ الشراكة الأممية ووحدة المصير الإنساني، مثلهم فعل كثيرون من رفاقه العرب، فبعضهم عاف السياسة والسياسيين، وهناك من اختاروا عالم البيزنس وجهةً أو التيه طريقًا، وآخرون اهتدوا إلى سهولة مسالك الغيم ووعود السماء، بينما لبى غيرهم نداء علم العروبة فرهنوا جماجمهم لعزه سلما، وقلة من اليهود وأكثر من العرب ما زالت تؤمن أن المستقبل على هذه الأرض لن يسلم  إلا إذا كانت المسيرة مشتركة والشراكة حقيقية بين جميع من لا يقبلون الظلم والقمع والقهر.

لماذا حزنَا عندما مات نوعم إذن؟

 لقد كان وسيمًا سمرته الخفيفة تذكرني بعصافير الشرق، دائم البسمة يتنقل بخفة  قوس قزح وبجماله، يحافظ على هدوئه في جميع النقاشات، ومهما كانت النار قريبة من حرجهكان لا يتهرب من مواجهة الأسئلة ولا تردعه كثرة الاحتمالات. يحاول تفكيك المعادلات بصمت وروية ويفتش دومًا عن أصوب المسارات حتى وإن كان أوعرها، بصيرته صافية لا تشوهها مشاعر قومية ناعقة وبصره حاد يستعين ببوصلة تتجه نحو نجمة السعادة.

لم يسع وراء المطلق، ففتش عن عدل يكون من صناعه مع آخرين من طينته، لأنه عرف أن عدل السماء يبكي الجن وعدل الطغاة أكسح، آمن بالانسان قيمة لا بعدها ولا أعلى منها، فالارتفاع على أكوام من ذل الغير لا تؤدي إلا إلى الهاوية.

بكينا نوعم لأنه كان بسيطًا حقيقيًا متواضعًا وكان مرآتنا حتى وأن خشي البعض أن ينظر فيها. تذكرنا أننا لم نلتق به منذ سنين طويلة، لكننا شعرنا أننا قابلناه أمس، وأننا في الواقع لم نفترق عنه يومًا، ولم نرد ذلك الفراق.

لم أشارك في لقاء استذكاره في تل أبيب، لكنني أعرف أنه رحل في وقت عصيب وترك شذرات من إيمان تفتش عمن يتنشقها و تسأل عن عاشقيها، وقد يكون بعضها قد سقط في ذلك الملتقى حين تذكره الحالمون وكثيرون من الرفاق، وبينهم صديقه محمد بركة -الذي صار مع السنين رئيسًا للجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل،- والمؤمن مثله بتلك الشراكة وبذاك الدرب وبمستقبل أفضل رغم السواد.

لكن المشكلة كانت وستبقى عند من لا يرون في الشمس، فكيف سيرون في حالك الظلام؟               

      

 

 

 

وحدة غير كافية

 

جواد بولس

 

عندما كانت النيران تبلع ألسنتها وتتراجع عن سفوح الكرمل مفسحةً فضاءات أرحب لنعيق غربان التحريض على المواطنين العرب الذين سرعان ما أمسوا، مرة أخرى، عند أتباع "توراة الملك" جناة ومسؤولين عن تلك الحرائق، قرأنا إعلانا صادرًا عن "مؤسسة محمود درويش للإبداع" ومقرها في قرية كفرياسيف الجليلية تدعو فيه وبالتعاون والاشتراك مع المركز اليهودي - العربي في جامعة حيفا، الجمهورَ لحضور أمسية فنية وغنائية مخصصة لشعر شاعر فلسطين الكبير كما جاء في الدعوة.

أقيم الاحتفال في السابع والعشرين من الشهر المنصرم في قاعة كيبوتس الكابري،  ولبى الدعوة له  قرابة الخمسمائة إنسان كان نصفهم من اليهود، والآخرون عربًا لم يكن بينهم نائب واحد عن القائمة المشتركة أو قيادي بارز عن لجنة المتابعة العليا وأخواتها من المؤسسات الهامة، وذلك في مشهد يعكس حالة هذه القيادات وما يقفون على رأسه.

كان الحدث، كما وصفه المنظمون، عبارة عن احتفالية بشعر محمود درويش وتقدير لتراثه العظيم، ولم يكن اختيار التوقيت صدفة، بل متعمدًا في هذه الأيام العصيبة وعلى "خلفية أعمال العنف المتداعي في الأشهر الأخيرة في جميع أنحاء البلاد، وذلك لتمكين مجموعة مميزة من الشعراء والموسيقيين والممثلين والكتاب والأكاديميين من اليهود والعرب التعبير عن تقديرهم لأكبر شعراء فلسطين". فالمنظمون أطلقوها رسالة مقاومة حضارية وردًا سياسيًا حقيقيًا وصارخًا على غزوات أحزاب اليمين المحموم المشنونة على الأقلية الفلسطينية وعلى قياداتها ورموزها الثقافية - وفي طليعتهم صاحب الجدارية وتراثه.

مرّة أخرى نشهد حدثًا كبيرًا يعيدنا إلى إشكاليات ترافق أساليب النضال المتبعة من قبل الأحزاب والهيئات التنظيمية خاصة فيما يتعلق بالنشاطات العربية المختلطة  المشتركة وردود الأفعال إزاءها، فلماذا غابت القيادات، أو من ينوب عنها رمزيًا، عن ليلة كلها تحدٍ؟ لماذا غابوا لا سيما من يحترم منهم محمودًا أو من يؤمنون بالشراكة العربية اليهودية الحقة؟  

في البلاد تتوالى الأخبار عن ممارسات عنصرية تستهدف نزع الشرعية عن المواطنين العرب وتحاصر وجودهم في شتى مجالات الحياة ونواحيها؛ لم تعد تلك الاعتداءات هامشية ومنفذة في العتمة، بل أصبحت "رياضة قومية" منتشرة ترعاها فضاءات شعبية داعمة، وتحظى برضا معظم منظومات المؤسسة الحاكمة، فعلاوة على ما شهدناه في الأشهر الماضية من أحداث خطيرة، سمعنا مؤخرًا عن منع الحديث باللغة العربية في بعض باصات الجنوب، بينما يُطرد العمال العرب من شركات تجارية كبرى، وفي أخرى يُعلن عن عدم توظيف العرب فيها؛ وفي الشوارع يُعتدى على الفتية لمجرد كونهم عربًا، فنحن نواجه خطراً حقيقياً لم نقف أمامه من قبل.

لقد كان شعار "النضال العربي اليهودي" في وجه العنصرية والعنصريين، واحدًا من أقدم الشعارات التي لوّنت جادّات العمل السياسي في مسيرات قطاعات سياسية واسعة. مع ولادته وجد الشعار، محليًا وفي الخارج، معارضة شديدة ومختلفة الدوافع والمبررات، وقد نجد أشقاءنا في معظم الدول العربية أول من نسفوه بعصبية لا تقبل التفاوض ، ورفضوه مؤكدين عدم ايمانهم بوجود يهود صالحين وديمقراطيين تؤمَّل شراكتهم وتستحَبّ، مع أن الأوجع كان رأي هؤلاء الأخوة  فينا، نحن الأقلية الفلسطينية الباقية في وطنها، حين احتسبونا مجرد كمشة من سقْط العرب المرتدين والمتساوقين مع الكيان الصهيوني، لأننا لم ننزح  كباقي الراحلين شرقًا، فشنشنوا لنا وصرنا وفق قواميس وطنيتهم المنتفخة "عرب إسرائيل" لا أكثر ولا أقل

لن تكفي مقالة أسبوعية واحدة لمسح تاريخ التعامل مع هذا الشعار، والكشف - كيف تفاعلت معه أكثرية الأحزاب والحركات والهيئات السياسية العربية، فبعضها تميّز بتبني أيديولوجيات تعتمد على الشراكة الأممية والنضال العربي اليهودي، وكان أبرزها دور الحزب الشيوعي الإسرائيلي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وأخرى لم تتبنَ الشراكة مفهومًا سياسيًا مؤسسًا ومحركًا لبرامجها السياسية، لكنها لم تنفها عقائديًا، بل اتبعت في سبيل توظيفها صيغًا مشروطة جعلت من إمكانيات تجسيدها شبه مستحيلة، مثلما سنجد في مواقف وممارسات حزب التجمع الوطني الديمقراطي. بالمقابل فإن بيننا حركات دينية وأخرى تستبعد هذا الشعار وتنفي ضرورته، ولا تدرجه في حسابتها العملية، لأنه يتعارض مع عقيدتها الدينية أو تصوراتها السياسية لمستقبل النزاع العربي الإسلامي الإسرائيلي ونهاياته المرتجاة عندهم.

على جميع الأحوال، وبعد مراجعة بسيطة لهذا التاريخ الطويل سنخلص إلى أن هناك تراجعًا في مكانة الشعار وبونًا شاسعًا بين حفظه مكتوبًا على الورق وبين تطبيقه على أرض الواقع، وقد يتسع هذا الفرق، كما في حالة الجبهة الديمقراطيةوهي التنظيم الرائد والأبرز بحمله، ليقترب إلى ما يشبه القطيعة والجفاء.  

ولكي أقطع الطريق على كل من سيقفز صارخًا ومتسائلا عن أي قوى يهودية أتكلم؟ وأين سنجد ذلك اليسار الصهيوني الحليف؟

 أجيب بأنني وطيلة أربعة عقود من نشاطي السياسي والعام كنت شاهدًا على عدة محاولات لبناء هذه الشراكات، فبعضها كان ناجحًا وأدى وظيفته العينية في حينه، لكن معظمها فشل، وذلك نتيجة لمواقف "الشركاء" اليهود الانتهازية أو المتعالية أو القاصرة أو المغرضة؛ مع هذا ما زلت مقتنعًا، ككثيرين ممن حبّروا برامج تلك الأحزاب والمؤسسات، بضرورة العمل على خلق وتطوير مسارات نضالية تجيز إنجاح شراكات مؤثرة مع قوى يهودية قد نتفق معها حول أهداف بعيدة المدى، أو على تجاوز عقبة وخطر آنيين سيكون من العسير، إن لم يكن مستحيلًا، تخطيهما بقوانا العربية الذاتية- حتى وإن كانت أحزابنا مؤطرة بقائمة مشتركة، أو ربما بسبب هذه الوحدة!

مواقف عرب الخارج، على الرغم من تحسس كثيرين بيننا منها لا تعنيني في هذا المقال، وهي ليست هدفي من إثارة هذا الموضوع، فمنشأ القضية عندنا وعلاجها من مسؤولياتنا، لأن آثارها وتأثيرها كانا وما زالا علينا ولنا، ولذلك أرى أن من واجب جميع الأحزاب والمجموعات التي تؤمن بضرورة بناء التحالفات مع قوى يهودية أن تعلن موقفها مقرونًا من غير تردد بخطط عمل مقترحة تضمن تطبيقه فعليًا، ففي واقعنا المأزوم وفي وجه المخاطر الحقيقية التي نواجهها لم يعد كافيًا ما تقوم به هيئاتنا القيادية من نشاطات عربية، هذه النشاطات هي أقرب للتكرار الغريزي الذي لا يترك أي أثر على من يمارس بحقنا القمع والاضطهاد والملاحقة، ولليس له أثر على تمتين وحدتنا الجماهيرية وتحويلها إلى قوة وطاقة من شأنها أن تصد هجمات اليمين المتصاعدة ضدنا، فجميعنا يرى كيف صارت الأحزاب عاجزة عن تسيير مظاهرة نوعية واحدة أو إقامة مهرجان ذي وزن لافت، وكيف تحولت أغلب الوقفات الاحتجاجية على أرصفة الشوارع، هنا وهناك، مجرد مشهد روتيني عابر كومضات فلاشات الكاميرات التي تلتقط صور المشاركين التذكارية والشاهدة على إتمامهم  لواجباتهم  القيادية!

في المقابل علينا أن نرصد كيف استعدَت سياسات اليمين قطاعات يهودية واسعة ومن فئات وشرائح سكانية متنوعة. فقد تطرقت في الماضي لهذه الجزئية الهامة، وأشرت إلى  بعض الغزوات التي بادرت إليها جهات رسمية وجمعيات يمينية متخصصة بملاحقة اليساريين اليهود أو الخارجين عن الخط القومي الشوفيني والإجماع الصهيوني المتبلور بين غلاة المتدينين وعتاة العنصريين. وعلى جميع هؤلاء اليهود الملاحقين ينطبق نظريًا تعريف الحلفاء والشركاء في مقاومة قمع السلطة وأذرعها.   

قد تعترض قوى سياسية على هذا التوصيف، وهذا حقها، وقد لا تستجمع هذه الفكرة موافقة جميع مركبات القائمة المشتركة أو لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل، وهذا أمر مشروع وطبيعي، ولكنني مقتنع  أن الأحزاب والحركات والجماهيرالعربية اختارت طريق القائمة المشتركة كي تمكن أعضاءها من الدفاع عن حقوق المواطنين العرب وعن وجودهم، وفي رأيي لم يتحقق لهم هذا في الماضي ولن يتحقق ما داموا متمسكين بنفس أساليب العمل ووسائله.

لقد شاركت في الكابري مئات الشخصيات اليهودية البارزة يينهم الممثلون والمغنون والشعراء والكتاب والأكاديميون الذين وقفواعلى المسرح و"عاقروا" الدرويش كل على طريقته، فصارت الأشعار أعراسًا جليلية وصاعات من أمل ووردًا قذفت في وجه من استفزه حنين الشاعر إلى خبز أمه

لم تنجح التجربة القيادية العربية القائمة، بأشكالها وصورها، بايقاف تدهورنا الفعلي على ذاك المنزلق الخطر ونحو الهاوية، فعليهم أن يجربوا أنماطًا نضالية جديدة، أو أن يكسروا القوالب ويستبدلوها بما هو أجدى وأكثر مناعة وأصح بنى وأنفذ بصيرة، فأمر الساعة صيحة ونداء

يا ضحايا العنصرية اتحدوا.   

 

 

 

إنه الكرمل، صوت القبرة

 

جواد بولس

 

 هناك من فوجىء بل واغتاظ مما صرح به بنيامين نتنياهو وبعض وزرائه ضد مواطني الدولة العرب، وذلك على خلفية انتشار الحرائق في عدة مواقع ومدن عربية ويهودية، فهؤلاء يؤكدون مجددًا أنهم لم يستوعبوا طبيعة النظام الحاكم في إسرائيل، ولا ما يعتمده ساستها من آليات مجربة في تاريخ الأمم  وديماغوغيات مدروسة، وهي تستهدف تمتين نهجهم العنصري العدائي الذي لا ينمو إلا على ألسنة النيران وجلد الضحايا التي كانت وستبقى متهمة ومسؤولة عن كل ضيم يحل، وجريمة تتفشى، ومصيبة  تنزل على الدولة ومواطنيها، حتى لو كانت كل المؤشرات والدلائل تشير على استحالة صحة فِـرياتهم وعلى انعدام المنطق السويّ فيها.

ففي حين لمّح نتنياهو وبينيت وغيرهما، مع بدايات الحرائق، أن مواطنين عربًا تعمدوا إشعالها بدوافع قومية، نقرأ بيانًا نشرته قبل يومين الناطقة بلسان الشرطة الإسرائيلية تقول فيه: "إنه ولتفنيد الشائعات وتجنب تقديم البيانات التي لا أساس راسخ لها وحتى أن في بعضها تضليلًاً للجمهور أود أن أوضح أنه وفي الوقت الحاضر هناك عدد كبير من التحقيقات المفتوحة ذات الصلة بكل ما يتعلق بموجة الحرائق الأخيرة. وكذلك أؤكد أن مجرد التحقيق ليس بمؤشر على وجود جريمة الإحراق العمد" .

لا أفهم ما أهمية تعميم مثل هذا البيان في وقت متأخر، وكلنا يعرف أن من حرضوا على المواطنين العرب نجحوا عمليًا في جني وترصيد وزنات راجحة من مشاعر الكراهية، وقاموا بإيداعها في صناديق الحقد وحسابات أحزابهم التي لا تستطيع العيش في عالم السرو والصنوبر الأخضر، بينما تشتد سواعدها وتكبر قاماتها فقط في غابات النار وما تخلفه من نثار أسود ومراعٍ للقهر وللفيروسات المميتة. فوفقًًا لنفس الناطقة بلسان الشرطة وحسب ما أفاد به مسؤولون في مديرية سلطة الإطفاء والإنقاذ، تم تسجيل حرائق في نحو ١٧٧٣ ميدانًا في شتى أنحاء البلاد، وكفى بهذا المعطى برهانًًا على خطورة ما أشاعوه بحق المواطنين العرب خاصة إذا عرفنا أن عدد جميع من اعتقلوا لم يتجاوز الثلاثين في حين لم يثبت، حتى كتابة هذا المقال، أن منهم من تعمد إشعال النار لأسباب قومية أو عدائية .

المثير في كل ما حصل سنجده، مرّةً أخرى، في ردود فعل بعض الشخصيات العربية، المحلية والبعيدة في الخارج، التي عبرت في الصحافة والإعلام عن فرحتها الكبرى بتلك الحرائق ومنهم من ردد منتشيًا  ومؤكدًا، أن "إسرائيل تحترق"! وعززوا قناعتهم بكلام عن الملائكة ومن السماء، في حين كان آخرون يرون نهاية "الشيطان" تتحقق وهم سابحون على أجنحة المنى المتكسرة وراكبون على سنامات ملأى بالشحم والوهم وتجري وراء خيالات مريضة والسراب.

أحلام هؤلاء الأشقاء العرب المستلة من نيران تلتهم الكرمل، وتحريض نتياهو ورهطه على عرب الكرمل وأشقائه، هما وجهان لنفس العملة، بينما يبقى الفارق والحسم فيمن يتحكم بقذف هذه العملة في الريح، ويحدد ميعاد ووجهة سقوطها، فأنا على يقين أنهم حكام إسرائيل وساستها من أحزاب اليمين المغرقين في عنصرية لا تعرف حدًّا لشهوة الحقد والقمع، في حين يتبقى للعرب، كما دائمًا، حداءات السقوط والخسارة .

المحرومون من همس النجوم للقمر ومن فوح عطر البرتقال وسيّافو الزهور لن يميّزوا بين وجع أصحاب السنديان المحترق، وصمم من يقتلون عنفوانه الشاهد الباقي على مذابح تاريخنا، من عهد إيليا إلى عهد دافيد، والخاسرون لأوطانهم الحقيقية- لأنهم يعيشون في الظلمة ودهاليز القواقع وتحت سطوة استبداد يحسبونه خيار البشر الوحيد- لن يستوعبوا فقه الدمعة، وهي تتساقط ساخنة من عيني أيمن وحدقتي أحمد وأهداب جعفر؛ فما تعرى على سفوح الكرمل في تلك الليالي الحارقة كان، في الحقيقة، جذور الحكاية وأصل تغريبتنا المشقية، ومعها تكشفت أسراب الحجل التي سمعناها من مواقعنا وهي تكركر بين الشجيرات المقاومة وتؤكد لوجهي العملة إياها:

"نحن في حل من التذكار، فالكرمل فينا، وعلى أهدابنا عشب الجليل، لا تقولي: ليتنا نركض كالنهر إليها لا تقولي! نحن في لحم بلادي.. وهي فينا!".

  نعم هكذا كانت صرخات أيمن عودة مدوية تقض مضاجع السفهاء والعناتر وجميع العنصريين- فمن يحرق كرملنا.. من يحرق وطننا! إنها بلادنا، التي نفديها، ولن نقف كما لم نقف أبدًا على الحياد، ولن نكون شهودًا على رمادها وخرابها، فانظروا إلى بحرها لينبئكم من أين جاء ملح الأرض، والتفتوا نحو الصبر والتين والزيتون عساكم تكتشفون كيف التصقت السمرة في وجوهنا ووجوه أبنائنا.

 لم يكن أيمن الحيفاوي وحيدًا، فمثله صاح أحمد الطيباوي في وجه سكان "البيت اليهودي" وأشباههم، من ساسة وإعلاميين ومحللين، ومعنفًا جميع المصطادين في زلات القدر بأن : كفوا عن مدائحكم للحرب، أوقفوا أنهار الدم المشتهى في أحلامكم، فنحن هنا، في الكرمل والقدس والنقب، باقون لنحمي البلاد، بلادنا، من الصقيع والنار والبَرَد. هراء ما تشيعون وتحاولون نفثه وعبثًا ما ترددون.

كم أغاظهم حديث الوطن هذا وأفقدهم رشادهم. فالكرمل لم يكن في تلك الليالي مباحًا لعواءات الذئاب ونعيب البوم وبخلاف مواقع كثيرة كانت تأكلها النيران برزت المعركة لإنقاذه بملامح ساطعة مغايرة، فعلاوة على تلف العديد من البيوت وتهديد كثير من الأحياء السكنية ونزوح عشرات الآلاف عن منازلهم، عكست أحداثها جملة من المفارقات والمشاهد التي من شأنها أن تختزل طبيعة صراعنا، نحن المواطنين العرب، مع سياسات أجهزة الدولة وممارساتها القمعية تجاهنا في الحياة اليومية الروتينية وفي أوقات النوائب والرزايا كذلك.

فلقد جسد انخراط قادة عرب بارزين ووقوفهم في وسط ألسنة اللهب ومؤازرتهم الصادقة لأصحاب البيوت المنكوبة، حالة استثنائية لمعنى شعار النضال العربي اليهودي، في واحدة من تجلياته الطييعية القصوى والتي، في المقابل، حاول ساسة اليمين حجب مفعولها وتشويهها من خلال تحويل سهام هجماتهم ورشقها صوب من جسّدها في حضن الكرمل مثل أيمن عوده  وأحمد الطيبي اللذين اتهما من قبل معظم مغردي اليمين الفاشي كمن يسعرون النار في الليالي ويحاولون في النهارات إطفاءها.

إلى جانب عوده والطيبي وقف العشرات من أهالي حيفا العرب وأصحاب المهن والمطاعم والمؤسسات المدنية وجميعهم عملوا على مساعدة المنكوبين بما استطاعوا إليه سبيلا؛ ولربما نجد في ما قاله السيد جعفر فرح مدير عام مركز مساواة لحقوق المواطنين العرب في إسرائيل وصفًا لافتًا لما جرى في تلك الساعات،  فهو وكثيرون يعرفهم تواجدوا إلى جانب أهالي سكان الأحياء المنكوبة وقدموا لهم مختلف أصناف الدعم والمساندة.

وصفه لتلك التجارب المشبعة بإنسانية نقية وكيف كان تعاطي السكان اليهود معها جدير بالعناية والمتابعة، فعلاوة على بعدها الإخلاقي البارز، ينوه جعفر إلى ضرورة إيماننا، كأقلية عربية كبيرة، بقوتنا وبوزننا النوعي وتجسيد ذلك عن طريق إصرارنا على التفاعل مع الأحداث مهما كانت جسيمة، وقناعتنا بقدراتنا على التأثير من دون أن نتردد أو نخشى عواصف العنصريين وهجماتهم المسعورة.

جعفر الذي صرخ كصديقيه في وجه من حاول أن يحفر في الجرح ليفتش عن الكبريت العربي أصر أن يسائل بيبي نتنياهو عن الأهم وعمّا قدّمه لأهل حيفا التي شهدت أحراشها، قبل بضعة سنوات، حريقًا هائلًا أودى بحياة العشرات من المواطنين، واليوم  وبدل أن يجيب كرئيس حكومة على تساؤلات النازحين والمشردين من أهلها، أخذ يحرض هو وبعض وزرائه على المواطنين العرب في محاولة منه لابعاد الشبهات عنه في قضية الغواصات الألمانية وما شابها من شكوك  وقرف، لكن جعفر أكد للملأ أن حكومات اليمين وعلى الرغم من مرور السنين لم تفعل شيئًا يحمي سكان المدينة من شر الحرائق وعنصرية الساسة وأكاذيبهم.

كانت أيامًا عصيبةً. إسرائيل لم تحترق فيها. من أحرق "كراملها"، إذا كان هناك من تعمد احراقها، لا يعرف معنى الوطن ومن اغتبط وابتهج، وهو يشاهد ظلال النيران تلتهم خاصرتها وقلبها، لا يعي بأي واقع نعيش نحن العرب وما نواجهه من غطرسة ساساتها الرُعناء المأزومين الذين لا ينامون قبل أن يطمئنوا على حرق خشبة من أخشاب تلك الجسور الضعيفة التي ما زالت عالقة بيننا وبين مؤسساتها ومواطنيها اليهود.

مشاركة فرقة الإطفاء الفلسطينية ووقفة القادة والنشطاء والمواطنين العرب شكلت مبادرات حيوية في وجه الناريْن: نار الطببعة ونار العقول الفاسدة، والصرخات المدوية على الجبل كانت رسائل نضال مشترك عنيد وضرورات واقع مقلق، وشكلت دعائم لتلك الجسور المهترئة وردًا حازمًا على كل من حرض وأشعل النيران ومواقد السم والعنصرية.

أكتب هذا وأكاد أسمع، قبل أن أنهي مقالتي، همهمة المعارضين وتأولات بعض المتهجمين على كل عربي ساعد وانتخى، فلجميع هؤلاء أقول: كفى بالتاريخ واعظًا، ولجهّاله وما غفلوا النصيحة أن يراجعوا دروس النار من روما إلى برلين فبر مصر، وكيف استفاد الطغاة والحكام من السنتها وجيروها إلى أقراصهم

وللعقال والغيورين راحة الضمير وعرق الجبين ولهم أن يعلنوا: "عرفنا ما الذي يجعل صوت القبّرة، خنجرًا يلمع في وجه الغزاة، وعرفنا ما الذي يجعل صمت المقبرة ، مهرجانًا .. وبساتين حياة".

إنه الكرمل، يا اختاه، صوت القبرة وصمت المقبرة.

       

 

 

مؤتمر فتح وفجره المأمول

جواد بولس

قد تحمل ظاهرة استسهال الكثيرين الكتابة حول المؤتمر السابع لحركة "فتح" والمزمع عقده في التاسع والعشرين من الشهر الجاري عددًا من المؤشرات والدلائل، بعضها يبرره حاضر هذه الحركة بالمقارنة مع تاريخها ومكانتها كعمود الحركة الوطنية الفلسطينية الفقري، وبعضها يعكس هزال واقع الفصائل الفلسطينية الأخرى والمؤسسات القيادية على مختلف أصنافها وركائزها الشعبية أو النخبوية؛ وعلى جميع الأحوال سنجد أن بعض من كتبوا في هذه المسألة حرّكتهم غيرتهم الحقيقية على القضية الفلسطينية وآخرين من خوفهم على حركة "فتح" ومستقبلها، بالمقابل سنكتشف أن جزءًا استغلوا المناسبة، وحولوها إلى منصة للهجوم الموسمي، وذلك خدمةً لأجندات غريبة عن مصلحة فلسطين التي استظلوا بفيئها حين فتحوا نيرانهم على عدة جبهات- كان في طليعتها الرئيس محمود عباس المتهم عند هؤلاء بأنه يمضي إلى عقد هذا المؤتمر ضد إرادة الأكثرية الفتحاوية وخدمة لمصالحه الضيقة. علمًا بأننا إذا فتشنا في تاريخ بعض تلك الأقلام سنجدها قد اتهمت في الماضي الرئيس عباس نفسه بأنه يتهرب من استحقاق عقد هذا المؤتمر وإجراء انتخابات جديدة للجنة المركزية والمجلس الثوري الفتحاويين، هذا في حين لم تسلم من تلك الهجمات جميع معسكرات فتح الكثيرة سواء من تواجد منها على أرض الوطن أو غاب عنه وابتعد، ومعظم هذه الفئات الفتحاوية كانت وما زالت معنية في انعقاد المؤتمر.  

ومنعًا لأي تقوّل أو التباس أؤكد أنني لست عضوًا في تنظيم فتح أو في أي فصيل أو حزب سياسي آخر، وكان من الأسهل علي أن أضم صوتي لجميع من تعودوا مهاجمة وانتقاد فتح وقياداتها سواء من نشط منهم في منظمة التحرير أو من استأثر بكرسيه الوثير في مراكز السلطة، لكنني قررت الكتابة بشكل مغاير، لأن القضية لا تنحصر بحركة فتح ومستقبلها، ولكوني أعيش قريبًا من قلب الأحداث العاصفة والمتداعية في فلسطين التي ستصحو بعد أشهر قليلة على احتلال صار في الخمسين، ونكسة ما زالت كالقدر شاخصة في سماوات الشرق بعد أن محت أنضر أحلام العرب حين نزلت عليهم بسرعة اللعنة، وأفقدتهم أقفاصهم الصدرية فعادوا، كما كانوا، شعوبًا خدجًا وقبائل فائرة بدأت مسيرة إيابها على دروب قوافل أجدادها متقاسمةً السراب والصلوات والندى، وما أورثته الريح وظبات السيوف والصدى.

لا يمكن فصل ما يجري في فلسطين عما يحيط بها من تفاعلات وتطورات ويحاك بحقها من مؤامرات وخطط، فمن جهة سنجد الحروب الطاحنة في العديد من الدول العربية، التي شكلت ذات يوم عمقًا للقضية الفلسطينية، ما زالت مستعرة وأدت إلى اضعاف دور الجامعة العربية وتحولها عمليًا إلى مؤسسة جريحة ضعيفة، ومن جهة أخرى نجد التغييرات الحاصلة في سياسات كثير من أنظمة الحكم في الدول الأوربية وانتصار اليمين الأهوج الذي سيقوده دونالد ترامب من الولايات المتحدة، إلى جانب تفاقم قوة أحزاب اليمين المتطرف في إسرائيل خاصة تلك التي تؤمن بإسرائيل الكبرى، فكلها عوامل حاصرت القيادة والقضية الفلسطينية، وأفضت إلى أن تعيش فلسطين اليوم مرحلة عصيبة تواجه فيها مجموعة من الأخطار الحقيقية التي قد تؤدي إلى شطب مكاسب الشعب وما حققته ثورته خلال العقود الماضية خاصة ونحن نشهد ضعف قوى اليسار العربي والفلسطيني وتلاشي فصائله، حتى غدا بعضها مجرد كيانات هلامية أو وهمية، هذا علاوة على ما يشكله الانقسام الداخلي من تهديد على مستقبل المشروع الوطني والدولة الفلسطينية المستقلة علمًا بأن "رعايته"من بعض الدول الأجنبية تضاعف مضاره، وتضعف احتمالات إنهائه في المدى المنظور، وتبقي المصالحة المنشودة مجرد شعار

فمن ذا الذي يقف في وجه هذه الظروف شبه المستحيلة؟ ومن يتحمل مسؤولية الصمود في وجه ما يحاك من مكائد؟ ومن يفشل جميع الجهود الرامية إلى احتواء قضية فلسطين وتحويلها مجددًا إلى مجرد لقيطة تتناوشها الأهواء ومناورات الأشقاء والأعداء؟

في هذا العالم "المتبركن" من حولنا وفي هذه الظروف العربية والإسلامية والفلسطينية القاهرة والمعقدة وفي ظل استيحاش المحتل الإسرائيلي يكتسب قرار عقد المؤتمر السابع أهمية مصيرية كبرى، وهو لذلك لن يكون، برأيي، مجرد دورة سابعة في تاريخ الفصيل الأبرز من فصائل الثورة الفلسطينية، بل حدثًا يعادل مهمة إنقاذ الأمل الفلسطيني من ضياع وشيك؛ هكذا يجب أن يسجل هذا المؤتمر في صفحات الأيام،  وعلى جميع الفتحاويين المنتدبين لحضوره تحويل اللحظة، رغم ما شابها من عسر مخاض ومنافسة وترقب وخيبات وزعل، إلى عملية ولادة فذة تنجب مخرجات سياسية مسؤولة ومؤثرة وقيادة جديدة واعية وجديرة بتضحيات مائة سنة من نضال شعب تواق للحرية وباحتضان حلم جميع الفلسطينيين وأحرار العالم

إلى ذلك أقول إن للمشككين في دواعي انعقاد المؤتمر أسبابهم ومبرراتهم، وبعضهم يعتمد جروح الماضي براهين وقرائن محقة وصائبة، وللمنتقدين الغيورين خزائن من ندب ما زالت تعلو خد الوطن، ويكفيهم ما رشح من مثالب رافقت انعقاد المؤتمر السادس المنصرم، وللمستبعدين فائدة وطنية من انعقاده رائحة الهزيمة ونبض العجز المتأصل، ويبقى للمزايدين استعذابهم صوت الوجع مبرِرًا وإدمانهم طعم الكسل وسهولة التحليق على حافة الوهم  ووعوده. أما أنا فلقد اخترت عامدًا ومتوجسًا من هشاشة الفرح في مواقعنا، أن أثق بفتح المؤتمِرة وبمسؤوليتها أن تجيب على تساؤلات جميع تلك الفئات وتبرهن لهم كيف سيزغرد الفجر في رام الله ليفرح شعب فلسطين المكلوم الرافض للذل والمهانة.

قرأت معظم ما كتب عن وفي المؤتمر، أوافق على كثير من المخاوف والتحفظات التي ذكرها بعض الكتاب العارفين ببواطن الأمور والقريبين من واقع حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ فلقد غيبت القيادات منذ سنين النقاش في  مسائل حارقة وهامة ومعضلات أساسية وجوهرية في حياة شعب يقبع تحت احتلال، وإذا لم تناقش هذه المسائل بجدية سيتحول الاستمرار في إهمالها إلى جرعات سم قاتل وستلقي بهم في الهاوية.

لن يكون المؤتمر حلية رخيصة على جيد الوطنوعليه من المتوقع والمنتظر أن يجري المؤتمرون جردة حساب مسؤولة وشاملة وتقييمًا لتجربة السنوات الماضية لا سيما ما جاء باتفاقيات أوسلو وما تلاها وما أفضت إليه لغاية اليوم، وذلك من خلال استشراف مستقبل من شأنه أن يستنهض قوى الشعب اليائسة ومحركات الثورة الناعسة وعليهم العمل، كذلك، على وضع تصوراتهم حول وجهة النضال الفلسطيني ضد احتلال ما زال في قمة نشاطه وذروة قمعه وتلتهم عناصره أراضي فلسطين بجشع مطّرد وتربي مدارسه أجيالًا من عشاق الضغط على الزناد واصطياد الرياحين والنرجس.

على المشاركين، مهما كانت مشاربهم وولاءاتهم وأصول انتدابهم، أن يفككوا ويحددوا علاقة حركة فتح بثنائية السلطة ومنظمة التحرير، وعليهم توضيح موقع الحركة بين تينك المنزلتين وتشخيص ما أصابها من خدر في بعض أطرافها التي تاهت في عبثية ملتبسة، إذ آن أوان الكشف عن ملامحها وفرز دورها كحركة مقاومة وطنية ما زالت تشكل عمليًا الركيزة الأساسية في  مسيرة الشعب نحو التحرر

كتبت بتفاؤل ربما سيستفز البعض، فأنا لا أريد أن أكون من دعاة التيئيس والحفارين عن جذور الضياع المستشري والعجز الوطني الطاغي، وأنا أفعل ذلك باسم المصلحة الوطنية التي تستصرخ هذا التفاؤل والتأميل، ففتح لم تكن المسؤولة الوحيدة عن ذلك المنزلق الخطير وإن كان دورها الأكبر والأهم تبقى مسؤولية باقي الفصائل والحركات ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والنقابات والنخب الصامتة، ملموسة، فجميعهم شركاء فيما وصلت إليه القضية الفلسطينية التي تلهث، كما ذكرنا، على رصيف محطة مفصلية في حياة الشعب الذي عرف دوما كيف يتلمس دروب الحرية حتى صار قاب قوسين وأدنى من أبوابها الحمراء

لن أنضم إلى رتل الندابين ولا إلى رهط المشككين في جدوى هذا المؤتمر، فأنا أعرف كثيرًا مما عاب بداياته، ومن البدائل الأفضل لما انجز واختير، لكنني أعرف كذلك أن كثيرين ذاهبون إلى قاعة أحمد الشقيري في المقاطعة كي يمسكوا بشمس الحرية، وكي يعيدوا للكرامة الفلسطينة لون الفجر القرمزي وللأمل أجنحة النسور وتفاني الفراش، وهم لن يكونوا مجرد أصفار تتساقط من غربال ممزق.  

لن أصفق مع النعاة، لأنني متيقن أنه إذا فشل المؤتمر أو أفشل لن تكون فتح وحدها هي الخاسرة، فمعها ستبكي السنونوات في بيت جدي، وسيرحل الدوري عن بيادر الوطن، وسيرتعد عيبال وتنتحب القدس

فامضي يا فتح امضي، ولا تقبلي من التاريخ فتاته، وحولي قحط سنينك الخوالي ربيعًا وشلالات نور تفيض في ربى فلسطين الذبيحة من عهد بيلاطس إلى عهد ريكاردوس ومن عهد سليمان إلى عهد نركيس.

 

 

 

 

ترامب هناك، ترامب هنا

 

جواد بولس

 

على الرغم من انشغال العالم باختيار الأمريكيين دونالد ترامب رئيسًا لامبراطوريتهم المتأرجحة وما استدعته هذه النتيجة من دهشة في بعض الأوساط وخوف بين من شكّلوا رقعًا من جلد صوّب ناحيتها ترامب سهام حملته الانتخابية، يبدو المشهد على الساحة الإسرائيلية مغايرًا وبعيدًا عن تلك الهواجس والتخمينات والأماني، وكأني بحكام إسرائيل يعرفون ما لا يعرفه ذلك العالم المندهش والخائف وتراهم يرددون في فرحَين، صامت ومعلن، ما كان يردده ذلك الخليفة العباسي يوم كان يقف قويًا على شرفة امبراطوريته المترامية الأطراف ويناجي، مزهوًا، غيم السماء ويدعو له أن يمطر حيثما يشاء فلسوف يأتيه خراجه!

هكذا هي إسرائيل اليوم واثقة من عهد ترامب وحكمه الآتي ومتيقنة من أنها ستبقى كما كانت، أو ربما أكثر، مدللة أمريكا وحليفتها المنصورة.

كثيرون كتبوا مشخصين ما جرى في أمريكا كقفزة نحو اكتمال نظام رأسمالي متوحش مكشوف العورات ولكنها الأيام وحدها ستبقى كاشفة للمهالك والخبايا وللمسالك؛ وعلى جميع الأحوال سيكون الآتي علينا أعظم وقد نعتبر ما يجري في مواقعنا كمقدمات لمطر أسود غزير سيهطل على ساحاتنا.

في الواقع لم أنو الكتابة عن انتخاب ترامب إلا بقدر ما تشكله هذه الواقعة من مؤشر خطير لولادة حقبة تاريخية مستعرة قد تكون نتائجها على شرقنا أوخم وعلى القضية الفلسطينية أقسى وعلينا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، أخطر بما ستسوغه من تساهيل ورفع ما بقي من قيود قليلة عوّقت على حكام إسرائيل ومنعتهم من المضي في مخططاتهم الجهنمية تجاهنا ولكن ليس قبل إتمامهم هدم إسرائيل الناكبة التي عرفها حكام أمريكا حتى عهد ترامب الوليد وإنشاء كيان جديد يكون عبارة عن: مملكة إسرائيل الكبرى بقدسها وهيكلها، بجيشها وقضاتها، بسنهدرينها وشرعها.

من السهل تمييز ما يسعى لكسبه ممثلو اليمين المتطرف في دورة عمل الكنيست الحالية، فبمجرد انتهاء العطلة الصيفية وعودة النواب إلى العمل دفع هذا اليمين بعدد كبير من مقترحات القوانين التي تستهدف إنجاز ما خططوا له منذ سنوات وبدأوا في تنفيذه على صعيدين أساسيين: إقصاء المواطنين العرب عن مؤسسات الدولة وحجب الشرعية عنهم كأقلية قومية مواطنة في إسرائيل، وذلك عن طريق تطويقهم بقوانين عنصرية تسلبهم كثيرًا من حرياتهم الأساسية وتدفع بهم في أقفاص حديدية خانقة، ومن جهة ثانية، الإمعان في السيطرة على مقاليد الحكم والتركيز على تقويض سلطة النظام القضائي المستقل نسبيًا وعلى رأسه المحكمة العليا الإسرائيلية التي أصبحت منذ سنوات في قلب العاصفة والهدف الأبرز لهجمات قوى اليمين الذي لا يتردد ممثلوه في الكنيست والحكومة ونشطاؤه البارزون من الانقضاض وترهيب القضاة شخصيًا والتلويح بقضم ما تبقى لهم من صلاحيات وقوة، ومحاصرتهم بتشريعات تنتقص من  مكانة المحكمة  وتأثيرها الفعلي، هذا علاوة على نجاحهم، بالتوازي، في تعيين يمينيين موالين لهذه التيارات ولسياساتها سواء كانوا مستوطنين أو مجاهرين بمواقفهم من قبل استنخابهم قضاةً.

انهمك اليمين منذ مطلع الشهر الحالي بمحاولة تمرير قانونين عنصريين خطيرين وأصر ممثلوه على عرضهما في الكنسيت والتصويت عليهما رغم محاولة بعض أعضاء الائتلاف الحكومي اظهار تحفظهم الخجول أو السري أو حتى معارضتهم كما صرح في البداية وزير المالية كحلون إزاء تمرير قانون "التسوية" بكونه قانونًا قصد واضعوه المس بمكانة المحكمة العليا وقضاتها، لكن رفاقه في الحزب أيدوا في النهاية  القانون.

تم التصويت في القراءة الأولى، ونام المبادرون إليه آملين أن يمر قريبًا في القراءتين الثانية والثالثة. يهدف هذا القانون إلى شرعنة البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة بما في ذلك مستوطنة "عمونة" المقامة على أراضي فلسطينية خاصة والتي قضت المحكمة العليا يوم الاثنين الماضي، بوجوب إزالتها حتى تاريخ ٢٠١٦/١٢/٢٥، رافضة طلب الحكومة الإسرائيلية تأجيل البت فيها ومضيفةً على لسان رئيستها القاضية مريام نائور: "من المحظور عدم تنفيذ قرار الحكم بسبب خشية الدولة من التهديد والعنف". إنه قانون يشرعن النهب والسرقة والسلبطة ويحاول أن يلتف على المحكمة العليا وأن يقوض مكانتها ومكانة قضاتها.

أمّا التصويت على قانون منع الأذان بالقراءة التمهيدية لم ينفذ في الكنيست بسبب اعتراض وزير الصحة الراب يعقوب ليتسمان عليه ولما يحمله هذا القانون من عواقب وتقييدات على الشعائر الدينية اليهودية أيضًا. إنه قانون عنصري سياسي بامتياز يحاول تأجيج حروب الدين في مسعى من واضعيه لخلق نقاط تماس مع مواطني الدولة العرب.

لقد سبق تقديم هذين القانونين إطلاق اليمين لمبادرة تشريعية استهدفت تعديل قانون انتخاب قضاة المحكمة العليا وذلك من خلال تغيير قواعد العمل المتبعة حتى اليوم؛ ففي لجنة تعيين القضاة المكونة من تسعة أعضاء يشارك ثلاثة قضاة من المحكمة العليا وستة ممثلين عن نقابة المحامين والحكومة والكنيست. لن يُنتخب قاض للمحكمة العليا إلا إذا حظي بسبعة أصوات من أصل تسعة، والهدف من وراء هذا الشرط هو إبقاء قوة النقض للثلاثة قضاة في وجه تكتلات سياسية أو "مصلحجية" جائزة. لم يكن الاعلان عن مبادرة التعديل صدفةً فلقد جاء أيامًا قبل التئام هيئة المحكمة في قضية إخلاء مستوطنة "عمونة" ووفقًا للتعديل المقترح كان يكفي حصول القاضي المرشح على أكثرية عادية ليصبح قاضيًا مما يفقد عمليًا قضاة المحكمة العليا قوتهم ومكانتهم المميزة

لقد استُفزت المحكمة العليا من تلك المحاولة السافرة واعتبرتها إشارة تهديد قبل جلسة "عمونة"، مما حدا برئيستها مريم نائور إلى كتابة رسالة غاضبة وجهتها لوزيرة العدل شكيد وعملت على نشر فحواها في الإعلام. وفيها أعلنت عن توقيف جلسات التنسيق المتبعة مع الوزارة، وعن احتجاجها على محاولات تهديد القضاة وأضافت، بلغة قاسية غير مألوفة، أن صمت وزيرة العدل عن نشر مسودة القانون يفهم كأنه موافقة منها ويعتبر بمثابة وضع المسدس على طاولة القضاة بهدف ترويعهم وإخافتهم

في الحقيقة شهدنا في هذه الأيام أحد تجليات المعركة التي كانت صامتة بين اليمين وهيئة المحكمة العليا، والتي أصبحت مكشوفةً للعموم وهي، برأيي، آخر الجولات التي ستتلوها ضربات القوى الفاشية الصاعدة القادرة على قصم ظهر هذه المؤسسة  وتمكين جحافل اليمين المنفلش، هنا وفي العالم أجمع، من السيطرة على جميع مقاود الحكم والبقية تأتي

عقب هذه التطورات قرأنا كالعادة بعض بيانات الشجب والاستنكار. كان أبرزها ما نشره جهاز إعلام القائمة المشتركة. رغم عددها فلم نلمس جديدًا في مضامينها التي تجيئنا على الغالب بقوالب تقريرية مكررة، وبلغة تقليدية انتشلت من آبار شبه جافة ومن القواميس الجامعة من المحيط إلى المحيط، وهي تنتهي بالعادة بدعوة نواب المشتركة: "الجماهير العربية وتياراتها السياسية والوطنية وحركاتها الدينية والمجتمعية ومؤسساتها الأهلية إلى مواجهة السياسات والتشريعات العنصرية والفاشية التي تحاول حكومة اليمين المتطرف من خلالها انتهاك حقوق أهل البلاد الأصليين واقتلاع وجودهم "وهذا بعد تأكيدهم أن ذهنية الاستعمار متجذرة في صميم سياسة حكومة اليمين وأن المعركة لشطب القوانين لم تنته.

من اللافت أن نشهد تفاعل قضية "عمونة" على صعيدين إسرائيليين فقط: القضائي من خلال موقف المحكمة العليا الواضح والمثابر في وجه محاولات اليمين والحكومة  للالتفاف عليها وتطويقها، والسياسي من خلال نشاطات بعض أوساط اليسار اليهودي الذين يحتجون ضد الاستيطان بشكله العام وضد "عمونة" خصوصًا، وهذا كله يحدث بغياب أي نشاط يذكر من قبل الفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال وضحايا الاستيطان المباشرين، علمًا بأن قرار المحكمة العليا كان يمكن أن يشكل لاحتجاجاتهم مظلة ورافعة. غياب نشاطهم غير مبرر ويبعد نشطاء محتملين وجهات مساندة للقضية الفلسطينية ويشجع قوى اليمين وسوائب المستوطين على التمادي في موبقاتهم.     

وعلى محور آخر يبقى نداء القادة العرب لجماهيرهم وبالطريقة التي نشر وعمم بها مقلقًا، فكيف الوصول "إلى مواجهة السياسات والتشريعات العنصرية الفاشية" بهكذا خطابية عارية ومن دون أن ترفق بأي برنامج عمل نضالي واقعي تستعذبه هذه الجماهير وتنتخي لنبضاته وأصلًا من غير أي تحضيرات مسبقة من شأنها أن تصهر الجماهير وقاداتها في بوتقة نضالية سليمة ليصيروا معًا سدًا منيعًا في وجه ما نواجهه من سيل غاشم.

قلنا ونكرر واليوم صار النصل ناجزًا وأقرب من رقابنا: إننا نعيش في عصر تسوده "ترامبية" مقبلة مدبرة ولا تستحي، وأمامنا تتقدم قوى فاشية لا تتردد،وكما قرأنا، بوضع "مسدساتها" على طاولات قضاة الدولة.

فهل سنبقى نراوح حيث أَنخنا وأُنخنا وهل سنمضي حفاة في دروب دنيانا الموحلة ولُكناء من غير لغة تصلح لمواجهة هذا العصر القبيح الأزعر! من يرفع الياطر؟

 

 

 

مفارق ال ٤٨

 

جواد بولس

 

"العزيز تامر، سعدت بالتعرف عليك ليلة أمس . تأثرت من مشاهدتي لفيلم "مفرق ٤٨" وذلك بكونه تجربة لافتة وهامة لأسباب سوف أتناولها لاحقًا. لقاؤك والانكشاف على تجربتك قربتني من فضاءات كنت أجهلها وعشت عنها بعيدًا ربما بسبب فوارق السن واهتمامات مغايرة، فلم أع ما يشغل بال الأجيال الناشئة وكيف يحاولون مواجهتها. على جميع الأحوال فلقد قضينا معكم ليلة مميزة وأملي أن نلتقي قريبًا لإتمام الحديث وتربية الود الغافي بيننا". كان هذا نص رسالة بعثتها إلى الفنان تامر نفار بعد مشاهدتي لفيلمه "مفرق ٤٨"، والذي استضافته في القدس "جمعية مبادرات صندوق ابراهيم" وعرضته أمام عشرات من ضيوفها الوافدين من عدة دول أجنبية في ليلة تعمدت فيها إدارة الصندوق اطلاعهم على فيلم يروي قصة فرد، عائلة، مدينة ووطن بلغة تشبه أهل المدينة ومثلهم بسيطة وخالية من تنميقات البيان المفرط وزركشات البديع الذي لا تعرفه تلك الحارات وأهلها وبألوان تتحرك من قتامة موجعة إلى حمرة صادمة فبياض مستفز ومبك، لكنها لا تتركك بدون بقع ضوء وأمل مرتجفَين، يتحدث عنها مع الجمهور بعد العرض بطلا الفيلم الممثلان تامر نفار وسمر قبطي.

في الحقيقة لم أكن أعرف تامرًا بشكل شخصي من قبلُ ولم أتابع نتاجه الفني، مع أنني كنت أسمع باسمه وباسم فرقة "دام" المتخصصة بغناء "الراب" يتردد في لقاءات أولادي وأصحابهم، لكن الصورة اختلفت بعد أن استهدفته نيران ميري ريغف، وزيرة الثقافة في حكومة إسرائيل التي شنت عليه حملة شعواء ونادت بوجوب مقاطعة أعماله وعروضه بحجة أنه يحرض على الدولة ويعادي اليهود مستشهدة ببعض كلمات أغانيه الاحتجاجية و"تجرئه" على ترديد صرخة محمود الدرويش القديمة "سجل أنا عربي" وما تلاها من وجع الروح والقسم في وجه من أراد أن يبقي المحمود ذليلا ويجوّع أهله ليجبرهم باللحاق بمن اختاروا الشرق ملاذًا عندما وقفت الريح على ذلك المفرق في العام ١٩٤٨

في القاعة تجمع عشرات من الشخصيات اليهودية بفئات عمرية مختلفة، والداعمين لتلك الجمعية التي تهدف إلى إحداث تغيير إجتماعي وتعمل في اتجاه الدمج والمساواة بين الشعبين مواطني دولة إسرائيل وبناء مجتمع مزدهر وآمن وعادل. وحضر بعض العرب، منهم أصدقاء لثابت أبو راس المدير المشارك في جمعية ابراهيم، الذين لبوا دعوته وشاركوه تلك الأمسية الجميلة.

ينتهي الفيلم ويسود في القاعة صمت كذاك الذي يصاحب الصدمات، فمن الصعب أن تخرج كمشاهد وتتحرر من ذلك "المفرق" الذي يضعك عليه كتاب السيناريو وأصحاب الفكرة ، فبطل القصة "كريم" يواجه في حياته اليومية وفي سبيل حبه لفنه أعداءه الكثيرين ويمضي في التحدي، حتى شفا الهاوية، عنيدًا بايمان لا يخلو من سذاجة وطيبة محسوبتين وصارمًا كما يتقن العشاق والمبدعون .

قصته في الفيلم قريبة من قصة تامر اللداوي الحقيقي ورغم تصريحه أمامنا أنه أدخل عليها بعض التغييرات لكنها تبقى في النهاية شبيهة لواقع عاشته وتعيشه أجيال لم تفلح بالنجاة من الجحيم ولسيرة شاب طموح ذكي استطاع أن يفلت من السقوط رغم تلك النيران التي أحاطت بطفولته وبعائلته؛ وهي، كذلك، قصة اللد مدينة سقطت، كأخواتها، من خارطة وطن لكن بعضها لم ينجح بالخروج من ذلك المفرق، بل عانى من بقي فيه من نسيان الأشقاء وإهمالهم ومن ظلم الأغراب الجدد الذين وطأوها وعاملوها كمحظية لهم، والباقون من أهلها كانوا مجرد ذوات تعيش على ضفاف سكة حديد تقتل قطاراتها أطفالهم وصفيرها يذكر الصاحين منهم بأن "المفارق" ما زالت تنتظر رحيلهم إلى تخوم الصحراء أو سقوطهم في الغيم .

يجلس على يمين المسرح  ليس فيه من شكل الفلسطيني حصريًا إلا حنطيته، واضعًا ساقه اليمنى على يسراه في حركة تكمل مشهد الفنان الواعي لدوره المحسوب وتشي بشخصية إنسان مجرب ناضج لا يعير مظهره الخارجي اهتمامًا خاصًا، رأسه مغطى بقطعة قماش تشبه القبعة لكنها أقرب إلى كيس يلم  شعره، لونها كالأخضر الموحل تمامًا كلون ياقة بلوزته الرمادية، وجهه جميل رغم ما يغطيه من شعر ذقن خفيفة يذكر بشعراء البادية الوسيمين وتعلوه سهوة لافتة يستبدلها أحيانًا ببسمة واثقة. بنطاله جينس أزرق محكر ببياض فوضوي ينتهي عند حذاء رياضي بلونين. كان حاضر البديهة سريع الخاطر واثقًا في إجاباته على جميع الأسئلة التي حاورته بها المحامية   بشائر الفاهوم وتلك التي وجهها الجمهور وكان يتنقل بين الانكليزية والعربية والعبرية بخفة ووفق ما تطلبته الضرورة والحاجة من دون أن تبدو عليه علامات حرج أو ضيق أو تردد فهو فلسطيني بلا مساءلة ويغني من شعور داخلي ضد القهر والقمع والاضهاد مؤكدًا أنه غير سياسي بمعناها البسيط الطبيعي ولا يغني باسم التعايش فهذه ليست وظيفة المضطهدين الذين يسعون من أجل تأمين بقائهم على قيد الحياة والنجاة من الجحيم.            

بجانبه تجلس سمر حبيبته في الفيلم وشريكة أحلامه على الشاشة. فتاة من الناصرة سمراء مليحة تملأ كرسيها ضوءًا، بسمتها ساحرة تجيب على الأسئلة من دون تأتاة وبوضوح تمليه نفس تربت على العزة والثقة والإقدام فتحرك يسراها بغنج كأنها تبعد نجمات تساقطت من عينيها الناعستين وتضحك كما لم تستطع أن تضحك في نهاية الفيلم عندما هددها أولاد عمّها بالأسوأ اذاما أصرت على مشاركة حبيبها، كريم، الغناء في حفلته الكبرى.

صفق الحضور لهما بحرارة آدمية واضحة واحترام إنساني مميز لا يشبه برودة الاحتفاء الهوليوودي الباهت ولا بهرجته الزائفة. لقد كانا خير سفيرين لأهلهما ولأقلية مقهورة مقموعة ومضهدة في زمن يتخبط قادتها كاللاعبين على "الترامبولينا"، يقفزون في الهواء عاليًا ويحطون على رقعتها فترمي بهم إلى الأعلى هكذا من دون وجهة مدروسة محددة ومن غير هدى وسلامة. لم يتحدثوا بلغة السياسيين اللعوب أحيانًا والمنفّرة أحايين، بل كانوا بسطاء كالوجع، حقيقيين كالجمر، رقيقين كالحمام.

لقد كانت قصة الفيلم صادمة تماما كما هو واقع أحياء اللد العربية الفقيرة، تلك الأحياء التي ولد فيها تامر ابن فوزي النفار وسط عائلة متوسطة الحال وتحت رعاية  أب يضحي كي لا يشعر أبناؤه بنقص أو بعوز وأم أحاطته بالحنان والدفء وبالشدة فمنعت سقوطه وسقوط اخوانه في حقول الألغام المنتشرة في محيطه؛ كانت رقابة الوالدين أحزمة أمان وسلامة حافظت على أن يبقى على مسافة من الجمر لكنه لم يصح تمامًا إلا عندما سقط صديقه حسام بنيران الجريمة والطيش والعبث، فاللد كانت تعيش حالة من "اللخة والسلطة الدامية"، عندها قرر أن يطلق حنجرته في وجه الظلم والخفافيش.

لقد مست قصة الفيلم معظم محاور العبث الذي نعيشه في مواقعنا، ولقد تم استعراضها بجرأة مشهودة تمكننا أن نتبين بسهولة بواطن مآسينا ومفاعيلها الأهم، فالدولة وسياساتها تبقيان في الصدارة ومسؤوليتها عما لحق ب"كريم" وأهله وجيرانه من تشرد وتهجير وفقر وملاحقة وقمع  واضحة لا لبس فيها، وكذلك استفحال الجريمة والعنف والاجرام المنظم فكلها مرايا لواقع متشظ تعيشه قرانا ومدننا وتبقى الدولة هي المسؤولة الأولى عنه، لكن مجتمعاتنا ليست بريئة منه. وأما المرأة بيننا، فهي ضحية الضحايا، ذبيحة القهر والمفاهيم الموبوءة والتخلف المعتق .

هذه وغيرها من القضايا استعرضها فيلم "مفرق ٤٨" بصنعة راقية وبمشاركة عربية يهودية لفنانين سخروا الفن ومهاراتهم من أجل رسالة إنسانية عظمى. لم يسعفنا الفيلم بحلول لجميع ما استعرضته القصة من قضايا ومسائل، فصنّاعه يعون أن الحلول لهذه الاشكالات والمعضلات لا تتحقق في فيلم مهما كان دقيقًا ومحكمًا، لكنهم استكفوا بأن يضعوا أمامنا مرايانا لنرى واقعنا بجروحه وندبه ونيرانه عسى يفيق كل واحد منا ليطفئ النيران حوله كما حاول كريم/ تامر النفار أن يفعل.

لقد حصل الفيلم على بعض الجوائز العالمية لكن جمهور السينما في الدول العربية  سيحرم من مشاهدته على الأغلب، فعلى الرغم من إصرار تامر وسمر وسلوى نقارة التي جسدت في الفيلم دور أم كريم، على تعريفهم كفلسطينيين وهكذا فعل جميع من مثل معهم من العرب، وعلى الرغم من أن الفيلم يتحدث بالعربية وعن مشاكلنا نحن الأقلية العربية، إلا أن مخرجه يهودي وكذلك المشارك بكتابة السيناريو ووضع الموسيقى وغيرهم، وهذه الحقيقة ستمنع تصنيفه كفيلم فلسطيني وسيحظره لهذا السبب العرب في بلادهم .

ومرة أخرى نجد أنفسنا بين نارين: بين مطرقة العرب وسندان ميري ريغيف وسياسة الإقصاء المضاعفة؛ فنحن عرب العرب ما زلنا نتلقى ضربات القمع من مضطهدينا وطعنات الجهل من المزايدين علينا، لكننا رغم ذلك وذاك، سنبقى صامدين على مفرق ال ٤٨، وسنزور اللد وأخواتها ونحميها، كما دعاني تامر ووعد أن يبقى البيت بيتنا واللد ستبقى لدّنا.

 

 

لجنة في اسمها رسمها

 

جواد بولس

 

أثارت زيارة السيد محمد بركة رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل ومعه الدكتور منصور عباس نائب رئيس الحركة الإسلامية الجنوبية إلى قطر موجة من النقاشات التي اتسم بعضها بالحدة الزائدة عن الضرورة والمفيد

قد يكون عنصر المفاجأة  وعدم الإعلان المسبق عن هذه الزيارة من أهم مسببات تلك الزوبعة وما صاحبها من نشر معلومات كذّّب بركة بعضها بعد عودته إلى البلاد.

لن أسترجع مضامين الانتقادات التي وجهت لبركة ومنها تلك التي ركزت على مواقفه السياسية السابقة المعلنة إزاء الفرقاء المتخاصمين وأرض اللقاء، وأخرى تمحورت حول مبررات انخراطه في عملية مصالحة غير مكتملة المعالم وملتبسة الوجهات، ولا يعد  التدخل فيها ضرورة تستحوذ على إجماع واضح بين مركبات اللجنة التي يقف على رأسها؛ ولذا اعتبر بعضهم خطوته خلافية خارجة عن "الإجماع التوافقي" وعادلوها بمغامرة سياسية غير محسوبة شرخت أكثر مما ضمّدت، أو كما وصفها آخرون، كانوا أكثر حدة وغضبًا، بكونها مجرد قفزة لسياسي أوقعته " النخوة العربية" في مطب كان الأجدر ألا يقع فيه، لا سيما وبعضهم عرفوا أن بركة وعباس لم يتوجها إلى قطر وحيدين، بل برفقة وعند طلب بعض الأخوة الفلسطينيين المنخرطين في قضايا المصالحة منذ زمن طويل.      

بعيدًا عن هذا المشهد فإن الزيارة، بالأسلوب والإخراج اللذين رافقاها، قد كشفت برأيي واحدًا من أخطر المواضيع التي على الجماهير العربية ومؤسساتها القيادية السياسية والمدنية والاجتماعية أن تواجهها بجرأة ومسؤولية ونضوج: فهل حقيقة يضطلع المواطنون العرب في إسرائيل ومؤسساتهم التمثيلية بوزن سياسي حقيقي يخوّلهم ويجيز لهم أن يتصرفوا كرعاة لعمليات سياسية عابرة لولاية وجودهم الجغرافي والسياسي؟ وعلى مستوى آخر نجد أن الزيارة أقحمت تساؤلًا مقلقًا مفاده: هل استجدّت متغيرات جديدة على طبيعة علاقاتنا المحددة والمقبولة والملزمة مع منظمة التحرير الفلسطينية والتي أرست قيادات جماهيرنا التاريخية معالمها وفصّلت حدود ترابطها وتقاطعها وتباعدها وفقًا لمعطيات الزمان والمكان؟ فهذا ما قد توحي به هذه الزيارة ومعززاتها التي سيقت من قبل منفذيها.

هنالك ضرورة حيوية لإعادة النظر في دور الجماهير العربية وموقعها في المجريات العامة للقضية الفلسطينية وتفاعلاتها السياسية والميدانية، وضرورة الإجابة، كذلك،على ماهية مفهوم كوننا جزءًا من الحركة النضالية الوطنية الفلسطينية - بخلاف كوننا الطبيعي جزءًا من الشعب الفلسطيني- وما هي حدود هذه التبعية ومضامين هذا الانصهار وتداعياته على وجودنا كأقلية في دولة يستوحش فيها النظام ضدنا؟ وهل جميع مركبات اللجنة العليا متفقون على إجابة واحدة متشابهة على هذه الأسئلة الهامة؟ 

لقد انتقدت بعض القيادات السياسية زيارة بركة وعباس لقطر مؤكدين عدم اطلاعهم عليها وتغييبهم عن مجرياتها بالمطلق.

 إن هذه الجزئية، برأيي، تلقي الضوء على واحد من الإشكالات الجدية التي تعتري ساحة العمل السياسي والعلاقات بين المؤسسات القيادية السياسية والمدنية والمؤمل منها أن تكون شريكة في صنع القرار ووضع آليات النضال المشترك المنشود في هذه الأوقات العصيبة، فمن غير المقبول أن يتم تجاهل مواقف الأحزاب والحركات الناشطة بيننا إزاء هذه الاحتمالات السياسية والمسائل التي تكشف عنها الزيارة، لا سيما وكلّنا نعرف أن هنالك تباينات عميقة وجوهرية بين مركبات اللجنة العليا حول معظم القضايا العامة وتفاصيلها الكبيرة والصغيرة، بدءًا من مواقفهم من منظمة التحرير الفلسطينية، ومرورًا بمواقفهم من الفصائل خاصة من تنظيم "فتح" وقياداته وعلى رأسهم الرئيس محمود عباس، و"حماس" وارتباطها العضوي مع حركة الإخوان المسلمين، وانتقالًا إلى مفهوم النضال وموجباته، ثم الدولة الوطنية  الفلسطينية المأمولة وحدودها وطبيعة النظام المنتظر أن يقف على سدة الحكم فيها؛ هذا علاوة على ما ظهر من صراعات بين هذه الأحزاب والحركات المركبة للجنة العليا وتشتت ولاءاتها بين مختلف الأنظمة العربية والإسلامية والعالمية، تلك التي تتدخل في رأب الصدع الفلسطيني وأخرى تسعى إلى تعميق الجرح وإبقاء النزيف سيالًا.

لقد دافع محمد بركة عن سفره وما قام به في قطر باسم مصالحة الاخوة وضرورة السعي لإنهاء الخلاف الفلسطيني الفلسطيني، وهذه برأيه قضية لا يقف في وجهها حائل ولن يؤخره عن متابعتها رأي معارض أو موقف مغاير، فكل المبررات تتساقط أمام محاولة إعادة اللحمة للجسد الفلسطيني الواحد

لا أحد يستطيع أن يختلف مع بركة على ضرورة إنهاء الانقسام الفلسطيني الخطير، لكنني وكثيرين مثلي نعرف أن هذه الزيارة ومثيلاتها لن تحقق تلك الأمنية، ولن تضيف حتى حجرًا صغيرًا على جسر غير موجود فوق الهوة السحيقة التي حفرتها معاول دول غريبة متناهشة على رئتي فلسطين من أجل مصالحها، وبسياساتها الخبيثة تخطط إلى ترسيم شرق أوسط جديد وبعضها يضرب بمطارق العروبة وأخرى بمحاريث الإسلام؛ وما دام الحال هكذا وأسوأ، يحق للمنتقدين أن يسألوا وفد المتابعة

بأي مؤثرات يستطيع وفد وصل باسم لجنة منقسمة على حالها وتمثل جماهير مشتتة ومتعبة أن يتغلب على هذه الحواجز وينتصر على واقع مأزوم ومهزوم؟ فالقضية هي أكبر من "طوشة" أولاد بدأت خصامًا على "طابة" في الحارة وكبرت، وأعقد من خلاف أخوة أشعلته غيرة نسوة فاحتدم. إنها المعركة على فلسطين، على تلك الخانة على رقعة الشرق المبدد في حين يفترض فيه المحللون أنه على فلسطين انتظار دورها فقط بعد أن تضع حروب الأشقاء أوزارها وقد يكون ما جرى في لبنان مؤخرًا بداية الفرج، وربما ستكون سوريا اللاحقة، وهكذا إلى أن ينزاح عنا الغبار وينبلج الصباح .

 بالخلاصة، إنها لعبة ليس من صالحنا أن ندخل في متاهاتها.

ما كنا نتطرق للزيارة لو لم يصاحبها "أعراض جانبية" من شأنها أن تضر بوحدة المواطنين العرب في إسرائيل وبمصالحهم الأساسية.

فقد يكون باسم اللجنة الجواب الشافي لعدم ضرورة هذه الزيارة، لأنها  "لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل"، وقد قلنا في الماضي إنها بحاجة إلى ترميم شامل وإعادة بناء تنظيمي ومضاميني، فهي بمعان كثيرة قائمة كإرث مؤسساتي متصدع، وقد عملت،وقبل عصر بركة،  في ظروف مضت مسوغاتها وبمحركات نريد تغييرها.

 لا شك أن السعي في مواكب "الصلحات" غاية مباركة، ولكن قبله يجب أن نتفق على أبجديات وجودنا في إسرائيل وعلى تعريف أعدائنا وحلفائنا. وعلى كيفية صيانة حرياتنا، وقبله أن نتوافق حول قوالب حرياتنا؛ فأن يصدر، مثلًا، بيان يصرح فيه أن : "لجنة المتابعة لشؤون الجماهير العربية ترفض قطعيًا بإجماع مركباتها جرائم قتل النساء المسماة زورًا وبهتانًا: قتل على خلفية الشرف  أو أي خلفية أخرى"  يعد خطوةً إيجابية، لكنها ليست خالية من التورية و"الغنوجة"، فالبيان، برمته، هام لكنه ليس كافيًا، لأننا نعلم أي تصريحات سبقت إصداره، وبعضها جاء على لسان قياديين في اللجنة العليا بينهم وبين مفاهيم الحريات المعاصرة قرون من الزمن، ومنهم، على الرغم من موافقتهم على  إصداره ، ما زالوا يؤمنون أن المرأة عورة

سياسة الدولة ومخططات قادتها خطر محدق في وجودنا الجمعي وسلامة وأمن أفراد مجتمعاتنا في جميع قرانا ومدننا.إلى جانب ذلك يبقى قتل النساء عارًا على مجتمعنا، ووصمته لاصقة في جبين مؤسساتنا العاجزة على مواجهته بصدقية واستقامة وجرأةوالعنف المستشري في مواقعنا خطر وجودي على حصانة مجتمعاتنا واستقرارها المنشود.
التضييق المتعاظم على فضاءات حياتنا وانحسار الحيّزات العامة ظواهر قاهرة يشكو منها كثيرون، لكنهم لا يجدون الإسناد والدعم من أصحاب القرار والمقدرات العلمية والمادية. ويبقى تيهنا السياسي آفة الآفات التي تلقي بنا في المتاهات، وتشتت شملنا وتفتّ من قوانا. فهل الطريق إلى تركيا أكثر أمانًا منه إلى الشام، أم علينا أن نصاحب بوتين ونهجر أولاد عدنان، وهل نترك مياديننا في حيفا وكفرياسيف وصفد ونستظل في خضرة رام الله وخيم الصحراء ونعم السلطان؟   

هذه هي مشاكلنا وهي ذاتها مسؤولياتكم في اللجنة العليا، فلا بأس أن تذهبوا إلى قطر أو الى جنيف أو موسكو، ولكننا بحاجة قبلها للجنة متابعة سليمة قوية ومتجددة، ولرئيس لها كشاف عنيد، فحين انتخب بركة عقدنا عليه الأمل ولأننا رفاق ذات الطريق ما زلنا نؤمن أنه قادر على أن يكون الياطر الأوفق لسلامة سفينتا

نريد بركة قويًا فإذا كتب على صفحته في الفيس بوك ذات صباح، كما نقل الصحفي المعروف وديع عواودة في القدس العربي قبل أيام: "إن النساء اللواتي يشاركن في المناسبات الوطنية في المجتمع العربي هن بطلات، وكل من يعارض ذلك فلينظر في داخله" لا يضطر إلى محوها في المساء، فبركة مثلنا ما زال يؤمن أن المرأة ثورة، وفي أعدائها الاثم والعورة.

 

 

موت البنات.. وأين الشرف!

جواد بولس

 

كانت هدى كحيل، ابنة يافا، هي الضحية التاسعة التي قتلت منذ مطلع هذا العام، منضمةً إلى عشرات السيّدات اللواتي قضين بمعدل واحدة في كل شهر وذلك على خلفية ما يسمى عند العرب القتل باسم شرف العائلة

فالمجتمعات الذكورية العربية تواطأت تاريخيًا في أبشع محاولات تجميل عمليات قتل الأنثى العربية وتسويغ جرائم الذكور بحجة الدفاع عن العرض الذي جردت منه النساء واعتبر دومًا ملكًا للذكر وللعائلة والحمولة والقبيلة والقوم

وكما في كل جريمة حدثت في الماضي قرأنا هذه المرّة أيضًا فيضًا من البيانات الشاجبة والمستنكرة وشهدنا بعض النشاطات المحدودة والخجولة التي شاركت فيها، على الأغلب،النساء وناشطات في مجالي الدفاع عن حقوق الإنسان والمنظمات النسوية المنتشرة بيننا.

كثيرات من المتحدثات جئن على أسباب شيوع الظاهرة الخطيرة وبعضهن حاولن وضع الأصابع على الجروح في مسعى منهن وأمل أن يوقفن هذا النزيف المتعاظم في قرانا ومدننا في السنوات الأخيرة، وكأن شرف النساء العربيات اكتشف من جديد أو أنه صار أكثر عرضة للسلب مع تقدم الحياة الاجتماعية ودخول الحداثة والعصرنة والتطور إلى أماكن لم تنكشف في الماضي على ما يتيحه عالم الهايتك ووسائل التواصل الاجتماعي وأسواق العمل التي بدأ ربع السيدات يخضن غمارها.

ومن بين نداءات المتحدثين والمتحدثات بعد وقوع الجريمة الأخيرة كان نداء العاملة الاجتماعية والناشطة النسوية السيّدة سماح السلايمة لافتًا بما حمله من وضوح وشمولية، مع أنه جاء مكنوزًا ومقتضبًا. فلقد طالبت بضرورة تكثيف الجهود من أجل منع الجريمة وتطبيق القانون ومعاقبة المجرمين وأكدت على "ضرورة العمل على تربية أجيال أقدر وأفهم من الناحية النسوية" ووجهت حديثها إلى كل من "رجال الدين، والسياسيين، والسلطات المحلية، ولجنة المتابعة العليا للجماهير العربية الخالية من النساء تقريبًا". لا أعرف إذا كان ترتيب تلك العناوين مقصودًا منها لكنها حتى لو لم تقصد ترتيب تلك الجهات وفقًا لإمكانيات تأثيرها على مجتمعاتنا فإنني أراها قد أصابت بما فعلته لأنني أرى أن تأثير رجال الدين كان في المكانة الأولى لما يحظون به من إمكانيات تأثير ومنابر يبثون من فوقها تعاليمهم، ويتبعهم رجال السياسة والمؤسسات التمثيلية الكبرى وفي طليعتها لجنة الرؤساء ولجنة المتابعة العليا، فعلى جميعهم تقع المسؤولية الكبرى لمواجهة ظاهرة قتل النساء وعليهم أن يضعوا رؤاهم بحزم وبوضوح وأن يباشروا بتنفيذ ما يكفل البدء في السير على طريق أراه طويلًا وعدم الاكتفاء بمهرجانات الخطابة وببيانات الشجب والاستنكار التي تفيع كالسحاب بعد كل عملية قتل.        

كم أتوق وأتمنى أن يقع نداء سماح ورفيقاتها الناشطات في هذه الميادين على آذان صاغية وصدور مفتوحة وعقول مستعدة لتسيير إرادات المجتمع في وجه الجريمة والمجرمين .فأنا، في الحقيقة، لا أرى مخرجًا من هذه الآفة الضاربة جذورها في العقلية العربية منذ أن كانت البنت الوليدة عارًا على أهلها وقبيلتها، ولا أستشعر وجود مقوّمات جدية تبشر بنهوض جهات مؤثرة تعمل بحزم على نسف تلك الرواسب المعششة عميقًا في جينات العرب وتستهدف القضاء على الترب التي تنمو عليها السواعد القابضة على خناجر القتل وبلطات الإعدام، ويكفي أن نقرأ أن أكثر من نصف أبناء مجتمعنا يؤيدون قتل النساء بسبب شرف العائلة!  

أقول ذلك آسفًا ومستذكرًا عشرات حوادث القتل الأخيرة التي حصدت أرواحًا وتركت أحزانًا وأيتاما، فالسنين تمر والقتل يزداد وكأننا مجرد مجتمعات قاصرة أقرت عمليًا بعجزها وعدم قدرتها على تلمس نقطة ضوء بدل إدمانها على اقتفاء نقاط الدم المراق في عتمة حياتها الفاحمة.

أقول ذلك عن وجع وقد كتبت في الماضي أن "الحياة معهن أجمل" وصرخت في أحد مواسم الذبح الكريه أنني:   

كلّما أقرأ عن جريمة قتل يتيمة، سجّلت في حق "مجهول" أو قاتل باسم الشرف أقول: هنيئًا لك يا أيها الموت العاهر! فلك ما لنا ولك الكتائب والمجاهدون، بناة العزة/ الوهم وحماة الشرف المخبأ في شقوق أكعابهم/حوافرهم، أسياد التخلف والرياء، كهنة بابل والصحاري الخاوية. أغرف حتى البطر أو، يا ليت، حتى التعب.

وكلما ذبحت زهرة وبقر بطنها "مأمور الشرف" وسيّد العفة، لأنها خانت الرواية وما عادت تحتمل عتمة خوابي الزيت القديمة، أبكي على ماضٍ دفنوه حيّا في باحات بيوتهم وقصورهم وخيَمهم، وعلى حاضرٍ نسي المولّدون قطع حبل سرّته فبات طُرحًا مشوّهًا ناقص السمع أعشى البصر. حاضر يزهو برجالٍ عقولهم تتمدد بين أرجلهم ورجولتهم "تتعنطز"على حافة شواربهم المنتصبة، علماء بالادّعاء وفقهاء بالتشاوف والدم عندهم أرخص من "عفطة عنز".

الجرائم في حق النساء هي بمعظمها وليدة مجتمعاتنا وثقافتنا وقيمنا. لا أظن أننا نجيد خيارًا إذا أحلنا، كما نبرع دائمًا، مسؤولية هذه الظاهرة المأساوية وألحقناها فقط بالدولة الصهيونية وسياساتها العنصرية الجهنمية للنيل من مجتمعنا وضربه.

فالقصة تبدأ في البيت؛ كيف نفرح لمولودنا الذكر ونندب حظ الأنثيين. القصة تبدأ في البيت وكيف نضيء شموع الفخر والاعتزاز برجولة أطفالنا، فنحثّهم ليستعرضوا ذكاءهم الخارق ويدلوا على "حماماتهم"، موطئ الرجولة وضمان المستقبل. بينما لا نتوقف عن كيل التنبيهات والإرشاد والتعنيف إذا قفزت بنت وبان طرف فخذها أو إذا تحركت ولم تحافظ على التصاق الساق بالساق تكون الطامة كبرى وهي، هذه المسكينة الغضة الطفلة، تصير، بأعين مجتمع مريض، على حافة ارتكاب الرذيلة والسقوط في المعصية. هكذا وهن في عمر براعم اللوز والفل، فلكم أن تتصوروا ما حالهن إن تكعّب صدر أو نهد، وإن ماس قدّ وجاد عنق ! إنهن عالات ومناجم قلق، زواجهن سترة وملاذ، يجب التحرز عليهن وإخفاؤهن، وحتى إن أبلين بلاء الوطن وجب التعذر من ذاك القدر، فالحسناء عند العرب ترفع حجابها إذا غابت الرجال وبكى القمر

إنه البيت. إنّها الحارة وأبوابها. إنّها المدرسة. إنّها العائلة. إنّها الكنيسة. إنّه المسجد. إنه نحن، المجتمع. إنّها تربية وثقافة وموروث.

فما الذي يمنع لجنة المتابعة العليا من تبني مثل هذه المسألة الحارقة الدامية ومتابعتها؟ وما الذي يبعد سلطاتنا البلدية والمحلية من احتضان هذه القضية وايفائها حقها وتأمين ميزانيات تكفي لتأهيل وتشغيل طواقم خبراء في مواجهة الجريمة والقتل؟ وما الذي يثني مدارسنا من تخصيص ساعات وحصص ومربين أكفاء ومؤهلين لتوعية الأجيال وللحديث عن هذه الآفة؟ ولماذا لا يتبنى الكهنة والأئمة هذه المصيبة ويخصصوا لها عظات وعظات، فلهم يسمعون وإيّاهم يقتدون.

على كل من يستطيع التأثير من موقعه أو من منبر أو منصة أن يثير هذه القضية ويعبر عن رأيه فيها بوضوح حازم.

فشرفنا بكرامتنا وحريتنا وتقدمنا وعلمنا واحترام ذواتنا والآخرين. لم يكن شرفنا يومًا بين أرجل حرائرنا ولن يبق على ما انتصب من شوارب أو ذيول أحلام مخفقة.

فليفعل كل واحد منا ما يستطيع، علّنا نبني معًا مستقبلنا الآخر الذي لن يكون إلّا إذا قبلنا مشتَهيات الفراش، عرائس الخيال الجامح، شريكات درب وحياة ونضال. فمعهن الحياة أجمل.

لن أفيَ، مهما أزيد وأكتب، حق هذا الموضوع ولكنني أضم صوتي لكل صراخ ضحية ذبحت على مذبح التخلف والقهر والهزيمة. أضم صرختي إلى كل من تصرخ ويصرخ في وجه هذه الأشباح الواهمة بأنّها تدافع عن شرف عائلة وقبيلة وقوم".

مرت السنين سوداء. سقطت الزنابق وقتلت الفراشات تباعا. ما زال حالنا يُبكي السرو ويدمع محاجر السماء. فلن أضحك على حالي ولن أكون بائع أمل خاسر وموهوم لأنني لا أعرف من أين سيأتي الفرج وكيف ومتى سنصبح أمّةً لا تقتل وتبرر أنهر الدم باسم السماء وشرف مهزوم ومزعوم وتعيش في بحور من كذب ورياء ودجل!   

ما أسعدني ما أشقاني! قبل شهر احتفلت بولادة حفيدتي الأولى. مناسبة علمتني وأنا في الستين من عمري كيف يتجدد الفرح ويكون ندّافًا وكيف تتدافع الأقمار لتنير عتمة العمر بسعادة وقادة

بكت "لورنا" لتعلن بحتها أن لا حياة إلا تلك المنبعثة من قلب العدم ومن بحر الوجع والتيه. بكيت  فأخذتني الدمعة الى رفقة النجوم لأحلق معها عند حافة الكون، وعدت لأجدها أجمل الهدايا ونبعًا من ضوء وبركة

بدأ المهنئون يتصلون ويتمنون لي مزيدًا من السعادة، وللحفيدة عمرًا كعمر الريح والزهر. ما أسعدني.

بعضهم، أحفاد الصحاري وأبناء تلك النار، تمتموا في أذني ودعوا أن "يزينها الله قريبًا بالصبية الذكور"، وآخرون همسوا متعذرين لولادتها أنثى، وتمنوا علي بالصبر فبعده حتمًا سيأتي الفرج، وعندهم، عند اخوتي العرب، لا يكون الفرج الا ذكرًا ابن ذكر. ما أشقاهم.

أغاظوني لكنهم لم يقهروا نطنطة قلبي. وبّخت كثيرين وتوقفت حين استوعبت أنني أواجه أكثرية في مجتمع آمن أجداده أن في الدنيا سرورين لا ثالث لهما: حياة البنين وموت البنات، والأهم أن جداتهم آمنت بأن: موت البنات من المكرمات.     

فمتى سنصير شعبًا يحفل بالحياة وجديرًا بها؟

 

 

 

بيروت خيمتكم، الجليل خيمتنا

 

جواد بولس

 

بينما كنا نسمع  خبر استبعاد فيلم المخرجة النصراوية مها الحاج عن مهرجان بيروت للأفلام فاجأنا صديقي الطبيب وقالما زالت العرب تجهل حقيقة ما جرى في عام النكبة، فالمصيبة تكمن في عدم فهمهم الأساسي المتجذر وجهلهم المزمن في الأصول،  حيث تبقى التفاصيل هوامش لا تزيد ولا تنقص

كان معنا أسير سياسي محرر قضى عدة أعوام في سجون إسرائيل، بدأ يحدثنا كيف كانت خيبة أمله حين رفضت دولة الجزائر في العام ٢٠١٠ السماح لوفد من الجماهير العربية كان يرأسه رئيس لجنة المتابعة العليا، في حينه، السيد محمد زيدان دخول أراضيها للمشاركة في مؤتمر للتضامن مع الأسرى الأمنيين الفلسطينيين. كانت حجة سلطات الجزائر التي أعلنت على الملأ أن جميع أعضاء الوفد يحملون جوازات السفر الإسرائيليةولم يشفع لهم أن بعضهم كانوا قيادات معروفة في مواقعهم وآخرين أسرى فلسطينيين. كان بوسع الجزائر إيجاد حل بديل يمكّنهم من دخول البلد والاستغناء عن تلك البهدلة

كنا سبعة ننتمي لمشارب سياسية مختلفة. منا من كان شيوعيًا، أو ما زال، ومنا القومي ومنا الذي شرد، ومنا الحزبي، ومنا الذي انفلق. المهم أن كل واحد كان يحمل قصة عن حادثة جرت معه أو سمعها من قريب أو صديق. قصص تختلف بتفاصيلها لكنها تأخذنا إلى نفس البئر، حيث الحقيقة تصرخ لاهثة، فأشقاؤنا العرب لم يذوتوا بعد أننا، نحن الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، كنا أصل الحكاية وبقينا روح الرواية، وصمودنا على أراضينا هو المعجزة والسر والنهاية.    

أقدم الروايات استعاد تفاصيلها صديقي الطبيب. متهكمًا على تلك الأيام التي استذكر فيها أحداث تلك الرحلة البحرية الظريفة التي حدثت قبل نصف قرن. اللافت، هكذا أكد صديقنا، على أنه وبرغم مرور السنوات الطويلة ما زالت إمكانية تكرارها في أيامنا واقعية وممكنة، طبعًا مع ما يحتمه الواقع الجديد من تغييرات على فصول المشهد.

في أحد أيام صيف عام ١٩٦٦ غادر صديقي مع بعض رفاقه في الحزب الشيوعي على ظهر سفينة مبحرة من ميناء حيفا إلى ميناء ليماسول القبرصي، وذلك بعد أن فازوا بمنح دراسية مكنتهم كأبناء للكادحين من الدراسة في جامعات الدول الاشتراكية والتخرج منها أطباء ومهندسين وأكاديميين، وفي وقت كانت سياسة إسرائيل تعرقل إمكانيات انخراط مواطنيها العرب في الدراسات الجامعية والتقنية على أنواعها، وتتعمد إبقاءهم جهلة عساهم يصيرون عندها "حطابين وسقاة ماء". 

في قبرص استقبلهم موفد الحزب الشيوعي السوفياتي. وبعد إنهاء بعض الاجراءات البيروقراطية رافقهم إلى ظهر السفينة الروسية التي ستقلهم إلى حضن الأم الدافئ، حيث كانت الشمس، في موسكو، تشرق على كل الشعوب

أدخلوا إلى غرف أعدت لجميع الطلبة الوافدين من مختلف الدول العربية. جمعوا معًا وطُلب منهم تعريف أنفسهم. فقام كل وفد بتقديم رفاقه ولمحة عن حزبه ووطنه. عندما جاء دور صديقي ورفاقه شعروا بحرج كبير وإشكال كاد يسبب الاعتداء عليهم، فبعد الناصرة والبعنة وحيفا وكفرياسيف والرامة كان عليهم أن يأتوا على اسم الدولة التي جاءوا منها ولمحة عنها وعن حزبهم. كل محاولاتهم لاقناع رفاقهم العرب بأنهم عرب مثلهم وفلسطينيون باءت بالفشل. كبرت المشادة. الرفاق من الدول العربية اتهموا الرفاق الفلسطينيين، الذين أصبحوا على حين فجر دامٍٍ مواطنين في دولة صار اسمها إسرائيل، بالخيانة واعتبروهم إسرائيليين ومدسوسين؛ فكيف يمكن أن يكونوا عربًا وفلسطينيين ويعيشون في دولة إسرائيل المزعومة؟ (هكذا كان العرب يصفون إسرائيل). جميع الرفاق أصروا أن الفلسطينيين الأصايل يعيشون في الخيام وفي المنافي، ومن بقي هناك في الداخل ولم يرحل لا بد أن يكون متعاونًا أو مزروعًا أو متصهينًا.

كانت السفينة تمخر عباب البحر والصراخ من تلك القاعة يمور في زبد الموج ويتلاشى مع فرح النوارس في الجو

انتهت المعركة من غير أن تترك جرحى، وذلك فقط بعد تدخل الرفيق الأكبر وسعيه لتهدئة الأجواء وتصفيتها. كانت الرحلة طويلة تخللتها جولات من نقاشات مضنية أفضت في النهاية إلى نجاح صديقي ورفاقه بتوضيح ما كان يجهله الرفاق العرب وأهمه أن في الوطن الذي كان يسمى فلسطين بقيت أقلية فلسطينية عنيدة حكيمة، وبصمودها مهدت لأن يبقى هناك خلف الجسر والضباب وطن اسمه فلسطين.

من تلك القصة في الجزائر تنقّلنا إلى غيرها في قبرص وموسكو واليونان إلى أن وصلنا بيروت مجددًا ومهرجان أفلامها الذي استبعد القيّمون عليه هذا العام مشاركة فيلم "أمور شخصية" لمخرجته ابنة الناصرة، وذلك لأن إنتاج الفيلم تم بدعم مالي قدمه صندوق إسرائيلي رسمي وهي حقيقة أجبرت، على ما يبدو، المخرجة على تقديمه في مهرجان "كان" الدولي على أنه فيلم إسرائيلي.             

يلاحظ أن الاهتمام بهذا الخبر كان هامشيًا ولم يستدرج التفاتة إلا من قلة قليلة من المهتمين في شؤون الثقافة وهي الضحية الأشهر في عصر الانحطاط العربي الصدئ الذي نعيشه ونواجه مآسيه يومًا بعد يوم

قد تكون الحجّة التي تذرعت بها اللجنة لاستبعاد مشاركة  الفيلم، هذه المرة، حقيقية ومبررة مع أن اللجنة ذاتها شطبت فيلمين عربيين آخرين لأسباب سياسية فئوية بحتة، ولم تتصرف بنزاهة مهنية متوقعة منها

مع هذا من الواضح أن قرار بيروت فتح مجددًا باب النقاش حول علاقتنا كمواطنين عرب في إسرائيل مع الدول العربية، وكيف تتعامل معنا تلك الدول سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي. وسؤالي، بناءً على تجارب الماضي:
 
هل كانت لجنة المهرجان ستقبل الفيلم ومخرجته والممثلين، وكلهم حملة جوازات سفر إسرائيلية، حتى لو لم يحظ الفيلم بتمويل إسرائيلي؟ 
هل كانت بيروت ستقبلهم كما هم: عربًا يمثلون أقلية صامدة أم ستشترط عليهم الدخول الى أراضيها بشروط وفي طليعتها الحصول على جوازات سفر فلسطينية أو غيرها مثلًا؟     

بعيدًا عن قضية فيلم "أمور شخصية" وما رافقها من مفارقات عينية استجلبت  مواقف لها ما يبررها، وبعد أن قرأت ما كتب في هذا الشأن (بعض المقالات في المواقع المحلية) وبمعزل عن جميع التفاصيل التي خاضوا فيها والجديرة بالنقاش والتمحيص والتفكيك والمتابعة، أود أن أسجل موقفي ازاء اشتراط بعض الدول العربية والإسلامية علينا كعرب نحمل جوازات السفر الإسرائيلية بضرورة حصولنا على جواز سفر بديل ومقبول لدى تلك الدولة، وبدونه لن تسمح لنا تلك الدولة بدخول أراضيها حتى لو كان الواحد منا مقبولًا ومرحبًا به هناك ولا اعتراض على سيرته الذاتية وشهرته الوطنية. فلبنان على وجه التخصيص سمح ويسمح لمواطنين عرب يسكنون في إسرائيل دخول أراضيه بجواز سفر فلسطيني يستصدر خصيصًا لهذا الغرض.  

واذا كان من الطبيعي أن تحتفظ كل دولة سيادية بشروط يجب على الراغبين بزيارة أراضيها تلبيتها، واذا كنت متفهمًا لعدم استعداد لبنان او أي دولة أخرى تسويغ وقبول جواز السفر الإسرائيلي، حتى لو كان مفروضًا علينا كمواطنين في الدولة، فلماذا لا يُكتفى باصدار وثيقة على الحدود تمكن صاحبها من الدخول والخروج بسهولة، لا سيما إذا عرفنا أن إصدار جواز سفر فلسطيني هو ليس بحق معطى للمواطنين العرب في إسرائيل وإصداره شأن غير متاح بسهولة وبوفرة، وقد يعتبر مخالفة يعاقب عليها القانون؛ فإذا كانت النوايا تسهيل حياة مواطنين صمدوا وعاشوا محاصرين لعقود من القمع والملاحقة وإذا كانت تلك الدول تعتبرنا حقيقة أشقاء مرحبًا فينا على أراضيها فلماذا لا يفتشون عن بدائل تيسّر ولا تعسّر بدل أن يضعوا حواجز من الصعب تجاوزها بعد هذه السنين الطويلة من القطيعة  والفصل الحرام. (من الممكن الإفادة من تجربة تسهيل الحج إلى مكة كمثال على التسهيل وليس للتقليد).  

قد يكون استبعاد هذا الفيلم من مهرجان بيروت مبررًا، لكننا نعرف أن الحقيقة غير والواقع مغاير، فنحن العرب غير المهزومين ما زلنا ضحايا ذلك الجهل العربي المتفشي من زمن النكبة، ونحن العرب الذين لم تقدر عليهم، حتى الآن، حبائل الصهيونية، ما زلنا نعاني من مزايدات نخب في بعض الدول العربية تخشى أن ترى ذواتها في مرايا الهزيمة والعجز، ونحن الباقون كالصبار في هذا الشرق يجب ألا نستجدي  تأشيرة دخول إلى بلاد ربت إذاعاتها أجيالًا على الوهم والكذب وهي تردد "بلاد العرب أوطاني"، ونحن يجب أن نكف عن قطف رؤوسنا وموافقتنا على إبراز شهادة حسن سلوك تجيز لنا حرية الحركة في تلك البلاد، السجون.

معظم  الذين كتبوا في هذا الشأن عبّروا عن تفهمهم لمواقف الأنظمة العربية تجاه الأقلية العربية في إسرائيل وبعضهم، وهم قلة قليلة، طالب هذه الأقلية بضرورة التوقف عن غنج الادعاء بتميزنا كأقلية عانت وتعاني وبفرادة تجربتنا وموقفنا؛ أنا لست من هذه الفئة، وفي تقديري أن أكثرية المواطنين ليسوا مع هذا الرأي، فنحن لا عيب فينا سوى أننا رفضنا إغواء هسيس الجان، وآثرنا ما يقوله لنا الفجر في سماء جليلنا وكرملنا، وبقينا فيهما حماة للديار وللمواويل ولخوابي الأجداد.    

نعم إننا عرب مميزون وقصتنا مع أشقائنا العرب لم تكن من موّل فيلمًا أو "سرق رمانةً"، بل  كانت قصتنا وما زالت أين خيمتنا؟ أين خيمتنا؟
قد تكون بيروتكم تلك هي خيمتكم، لكننا كنا هنا في الناصرة واللد والرملة والجليل "سبعون مستحيل"، فإما أن تقبلونا يا عرب كما نحن، أو تعالوا وتعلّموا كيف نربي الأمل في مطارحنا ونحترم الانسان ونصون الوطن.

 

 

 

قيادة سياسة ومال

 

جواد بولس

 

تم يوم الاثنين الماضي ٢٠١٦/١٠/١٠ الإفراج عن النائب السابق في الكنيست سعيد نفاع بعد أن قضى عامًا كاملًا في سجون إسرائيل.

كنت في طريقي إلى سجن جلبوع القريب من تلك "الضيعة" التي كان "ينام في أفيائها نيسان"، فلقد تواعدنا، حفنة من الأصدقاء وأعضاء في اتحاد كتاب الكرمل، الذي يشغل سعيد منصب أمينه العام، أن نلتقي على باب السجن كي نكون شركاء معه في لحظة الفرح وانتصار الحياة.

الطريق من القدس إلى بيسان طويلة ومملّة. أحاول خلاله أن أقتل الرتابة لكنها كانت أقوى حتى من رومانسية عبدالوهاب وهو يفتش بخجل عمن يهدي حبيبته وردة حمراء. أنظر إلى الأفق، لم يكن بعيدًا فدائمًا كان يسير بمحاذاة النهر، لم أجده . في الجو غبار والرمادي كان طاغيًا. تملكني حزن.

 أمامي، من شدة القيظ، كانت ترتسم في الفضاء أشكال كتلك التي تتساقط من لوحات "دالي" البديعة. بعضها بدا كوجوه مشوّهة وغير مكتملة، وأخرى كانت تشبه الأجساد وهي تسير بتثاقل كالجمال المنهكة، صدورها كانت متجهة نحو الشرق ورؤوسها تنظر نحوي كأنها قطعت وركبت معاكسة. كانت تحدق بي  بنظرات يأس أو عتب. خفت من هذا المشهد الغريب وانتابني شعور بالضيق مع أنني لست من المتطيرين المرضى.

حاولت أن أستدعي تفاصيل زيارتي له في السجن حين جاءني أسيرًا ومبتسمًا كان يشع حيويةً. جلس قبالتي بهدوء، بياض شعره كان طبيعيًا وذقنه كث  ومهذب. كان متأنيًا بحديثه مجيدًًا بانتقاء المواضيع. تحدث بوقار لم يخدشه لباس السجن البني ولا فاصل الزجاج الذي وقف أصمّ بيننا.

شعر أنني خفت حين لاحظت أنه خسر عشرين كيلوغرامًا من وزنه، فطمأنني بشقاوة شاب: إنها الرشاقة المطلوبة يا أخي فأنا أمارس الرياضة بصرامة وبمنهجية. في السجن إما أن يذيبك اليأس والكسل وإما أن تصير كالسرو عنيدًا وممشوقًا، تلاعب الغيم وتحاول أن تطير مع البواشق نحو بلاد أحلامك؛ لا وقت عندنا للملل، فأنا أقرأ وأقرأ وأكتب وألعب الرياضة وبالنهارات أحلم كي تصير لياليّ نجومًا والغد فرسي المشتهاة.

جالسته ساعة. تحدثنا عن الخاص والعام وعن الوفاء والجحود وعن أشياء صغيرة وكبيرة. لقد كان متصالحًا مع ذاته وراضيًا عن دفعه ثمن قناعاته واختياراته، فهو، في البداية والنهاية قد زار سوريا كقائد لحزب آمن بالتواصل بين الأهل والأشقاء، لكن حزبه  تخلى عنه، فكان عليه أن يواجه مصيره إما كابن للحياة والكرامة وإما هاربًا ذليلًا ومهزومًا. اختار كما يجب أن يختار قيادي حر في حزب وطني،  وكما يجب أن تختار النخبة القدوة حين يبطش الظلم وتخون الليالي ويفر السمار: أن يكون نقطة نور تنساب على صفحة الأيام.

وأنا على باب غرفة الزيارة أخبرته أنني ما زلت أحتفظ بما كتبه لي عندما قرأ مقالتي السابقة عنه فقال: نعم ومازلت أقرأها حتى الدموع.

أخبار التاسعة صباحًا تتحدث في معظم اللغات عن استدعاء النائبين التجمعيين جمال زحالقة وحنين زعبي للتحقيق معهما في وحدة التحقيقات الخاصة "لاهاف" في ما نسب إلى بعض الناشطين وكوادر حزب التجمع من  شبهات حول تمويل الحزب في حملته الانتخابية الأخيرة عام ٢٠١٣. بعض المحطات العربية تعيد قراءة بيان لجنة المتابعة العربية العليا والتي نشرته على صفحتها الرسمية وفيه تهيب بالمواطنين لحضور التظاهرة الكبرى أمام مكاتب الشرطة في اللد، وشعار تلك المظاهرة: موحدون ضد الملاحقة السياسية وموحدون في محاربة العنف. ويؤكد البيان، كذلك، رفض سياسة الشرطة التي تتخاذل في محاربة العنف والجريمة بينما تلاحق العمل السياسي بكل ما أوتيت من قوة.

لولا عدم إيماني بنظرية المؤامرة ودورها المزمن في التسبب وإدارة أزماتنا المحلية لافترضت أن يدها الخفيّة خططت كي يكون يوم الإفراج عن النائب السابق سعيد نفاع هو ذاته يوم التحقيق مع النائبين جمال زحالقة وحنين زعبي في مكاتب وحدة التحقيقات الخاصة في اللد. لا سيما إذا استذكرنا كيف كانت بداية قصة أسر سعيد نفاع لشعرنا كيف تستعيد المفارقات، بعد انقضاء عام كامل، غرابتها وتكتسب طعمًا فريدًا يصح أن يدعى عند عامة الناس مجرد صدفة أو قد يكون نقرة على صفيح "نواقيس التاريخ" عند بعض المجربين وأولئك الذين لدغوًا من حبائل إسرائيل وحبالها.

لقد أمضى سعيد نفاع عامًا كاملًا في السجن الإسرائيلي، وذلك بعد إدانته في محاكم إسرائيل بزيارة دولة معادية، هي سوريا، والتخابر مع عميل أجنبي هو طلال ناجي، حين قام ووفد مؤلف من عشرات المشايخ المعروفيين والمواطنين العرب بزيارة إلى سوريا في إطار ما سمي في حينه زيارات التواصل مع الأهل والأشقاء. لقد سبق قرار الادانة وفي ٢٠٠٩/١٢/١٣  قرار المستشار القانوني لحكومة إسرائيل ماني مزوز تقديم لائحة اتهام بحقه ولم تثن المستشار عن ذلك حصانة النائب البرلمانية وكون قراره يشكل سابقة خطيرة.

من المفيد أن نتذكر أن قرار مزوز تقديم النائب نفاع للمحكمة قد تزامن مع قرار المكتب السياسي لحزبه، حزب التجمع، بفصله من صفوف الحزب لسببين ذكرا في قرار الفصل الصادر بتاريخ ٢٠١٠/١/١٤: قيامه بلقاء وليد جنبلاط في قبرص مع وفد من حركة التواصل، وعدم موافقته على التنازل عن عضويته في الكنيست للسيد عباس زكور، كما طالبته مؤسسات حزبه أن يفعل.

هكذا تزامنت الأحداث قبل أكثر من ستة أعوام وها هو التاريخ يعيد نفسه. فقد تكون هي نفس الصدفة أو ربما ذات النقرة على صفيح أجراس التاريخ الصامت وهي تتلو علينا دروسًا في الحكمة والقيادة والسياسة.

قبل وصولي للسجن وبعد استفساري عن ساعة الإفراج المحددة عن سعيد أخبرني ضابط مسؤول أنهم قرروا الافراج عنه من معتقل عكا، ولهذا فلقد نقلوه ليلًا إلى هناك تفاديًا للفوضى، كما حاول أن يشرح لي، التي قد تحصل أمام سجن جلبوع بعد أن علم المسؤولون أن بعض الأصدقاء والمتضامنين سيتجمعون هناك .

أخبرت زملائي الذين وصلوا قبلي إلى باحة السجن، فقرروا التوجه إلى مفرق قرية الرامه الجليلية حيث سيتجمع كل من جاؤوا للقاء الأسير، ومن هناك سيرافقونه إلى قريته بيت جن، ليلتقي الأحباء وعائلته التي انتظرت عند ذلك الغدير من دموع الشوق والحنين.

هنالك من خطط في إسرائيل الرسمية لإفساد فرحة سعيد وأصدقاء سعيد وليس لكونه حدثًا شخصيًا، بل لما له من دلالات وأثر على مفهوم القيادة السياسية الوطنية وما المطلوب والمتوقع منها، فسعيد نفاع سجن بتهمة سياسية واضحة وأدين عندما كان نائبًا في الكنيست، واختار ألا  يتوصل الى أي صفقة مع الدولة كانت قد تعفيه من قضاء عام كامل في السجن، وهذه، بحد ذاتها، سابقة هامة كتبت وغيري عن مدلولاتها في الماضي. لقد فشل المخططون، فللحرية عبق أقوى من رائحة العفونة، وصوت أعلى من هزيم الرعد، وصدى أدوم في نفوس الناس البسطاء الحقيقيين.

ما كنت أحشر موضوعين هامين في مقالة واحدة لولا أنني أعتبرهما مترابطين بشكل عضوي متين فكلاهما ذو علاقة بقضية القيادة ومسؤولياتها بين الجماهير العربية في إسرائيل ولهما تأثير على مكانة هذه القيادة وواجباتها.

فسعيد نفاع قد دفع ثمن كونه قائدًا سياسيًا لوحق ملاحقة سياسية واضحة من قبل المؤسسة الإسرائيلية التي انتقمت منه وأرست سابقة خطيرة كان عليه إما أن يقبل مواجهتها وإما أن ينحني أمامها ليمضي في طريقه قائدًا على مقاسات إسرائيلية وكرامة وهمية.

قضية نفاع لا تشبه بحيثياتها وأبعادها قضية التحقيق الجارية مع نشطاء وكوادر وقادة في حزب التجمع، فجميع هؤلاء يخضعون لتحقيق في قضايا تدور حول تمويل حزبهم في الجولة الانتخابية الأخيرة ومصادر وطرق "تثليمهذه المبالغ، وحزب التجمع ليس أول حزب يخضع لمثل هذه التحقيقات، فقبلهم خضعت أحزاب ونشطاؤها وبعضهم مثل عمري شارون، نجل أريئيل شارون، سجنوا بعد إدانتهم.

على جميع الأحوال ما أقوله لا ينفي وجود سياسة ملاحقة سياسية وتضييق على العمل الحزبي والحركي العربي في البلاد. وما أقوله لا ينفي تقصير الشرطة ومؤسسات الدولة تجاه المواطنين العرب في البلاد ولا تقصيرهم  في محاربة العنف والجريمة في مواقعنا، ولكن تحميل كل هذه المسائل في جعبة قضية التحقيقات الجارية مع نشطاء التجمع هو قرار خاطئ وسيضر بمصلحة الجماهير العريضة.

قد يكون هذا الخيار من مصلحة حزب التجمع ولكن أن ترفع لجنة المتابعة العليا وتتبنى شعارًا باسم كل العرب بأننا موحدون ضد الملاحقة السياسية وموحدون ضد الجريمة والعنف على خلفية التحقيقات الجارية فهذا إخفاق كبير وخلط خطير من شأنه ان يضر بكلتا المسألتين: الملاحقة السياسية ومحاربة العنف والجريمة. او على الاقل كان من الحكمة ان تنتظر المتابعة لنرى جميعنا نتائج التحقيق وكلنا نأمل أن لا يفضي إلا إلى إخفاق إسرائيلي مدوٍّ سيتبع ..

 

 

 

مات شمعون بيرس صدّقوا يا عرب!

 

جواد بولس

 

معظم الذين أشهروا رفضهم للمشاركة في جنازة شمعون بيرس أكدوا المعروف والمؤكد وبرروا الطبيعي والمتوقع، وجميعهم فعلوا ذلك مستعينين بسرد تاريخ الرجل منذ صباه حتى آخر يوم في حياته، وهو تاريخ، بقدر ما استفزهم وأغضبهم ومنعهم، بحق، من  المشاركة في الجنازة، سيبقى محفورًا في سجلات اليهود والحركة الصهيونية ودولة إسرائيل.

لقد اتخذوا قرارهم في البداية ثم رسموا الهدف وأطلقوا عليه سهامهم، فهل يعقل، هكذا كان سؤالهم الاستنكاري، أن نشارك في جنازة من كان له هذا التاريخ؟

قد تعد محاولتي لنبش هذه المسألة من زوايا أغفلها شبه النقاش الذي كان وطمرها ضجيج الأصوات المعلنة، مشاكسةً أو مشاغبة أو حتى استفزازًا لما بدا كإجماع عربي حاسم، لكنني سأحاول، رغم ذلك، إثارة القضية لإيماني بأهميتها، لا سيما وأنا ألمس فيها أبعادًا لم يستعرضها المشهد العام وتبعات غُيّبت أو غابت والخوض فيها سيثري تجربتنا ويفيدنا في وجه حالات طارئة ومعضلات سينتجها واقعنا الخاص في إسرائيل؛ هذا علاوة على ما سمعت من همهمات عاتبة ومنتقدة في مجالس عديدة لمقاطعة القائمة المشتركة بشكل عام، بينما خص البعض موقف الجبهة الديمقراطية للسلام والحركة العربية للتغيير، فهل كان موقف القائمة المشتركة محط إجماع جارف وبديهي، كما حاول أعضاؤها أن يقولوا؟

بدايةً أوضح أن نقاشي في هذا المقال هو مع موقف القائمة المشتركة وليس مع الأفراد أو المجموعات أو حتى مؤسسات قائمة وناشطة بيننا ولم تشارك في جنازة بيرس؛ فهذه ليست المرة الأولى التي تتبنى فيها القائمة موقفًا إزاء حدث عام وهام من دون أن يجتمع أعضاؤها ويتعبوا أنفسهم  بنشر بيان يعلل أسباب تبنيهم لهذا الموقف أو دواعي ذلك.

لقد فهم من تصريحات لبعض الأعضاء في القائمة، وأحسب أنها محاولة منهم لتبرير ذلك القصور، أنهم لم يكونوا بحاجة لعقد مثل هذا اللقاء، فمقاطعة القائمة للجنازة كانت الموقف الوحيد المفروغ منه! مع أنني أعرف أن  ما جرى كان مغايرًا وتصريحات هؤلاء غير دقيقة.

سكوت القائمة وعدم نشر بيان موجه أولًا للجماهير التي انتخبتها- ومن ثم للمواطنين اليهود في الدولة - يعد استسخافًا بالمواطنين وتصرفًا بفوقية مرفوضة وتكرار ذلك يعكس عدم احترامهم لمؤسساتهم الحزبية التي على ما يبدو أصبحت عندهم ليس أكثر من "زينات مملكات".

علاوة على هذه الجزئية الإجرائية الهامة تبقى المسألة الجوهرية هي الأهم والأصل، فهل حقًا كانت مقاطعة الجنازة هي خيار الجماهير العربية الأفضل الواحد والوحيد؟ وهل حقًا كانت هي الموقف المحسوم عند المؤسسات القيادية العربية والرأي السائد في الأوساط العامة والنخبوية؟ وعلى أي أساس صرح البعض ووصم من سيشارك في الجنازة بالعمالة؟ ألم يكن الواقع مغايرًا؟ 

يجب على قادة القائمة المشتركة، أو بعضهم، أن يستشعروا ما هي التغيرات الحاصلة بين الناس والمواقف الجديدة المتراكمة في صفوفهم. فقد يكون تفشي ظاهرة العزوف عن العمل السياسي بين القواعد الشعبية هي من أخطر التطورات التي أثرت وأدت إلى إبعاد المواطنين عن الأطر السياسية ورمت ببعضهم في أحضان الدولة أو اللامبالاة أو في حضن الحركات الإقصائية التي تنادي بضرورة مقاطعة الدولة ومؤسساتها؛ ولعل أبرز معالم هذه الحالة وأخطرها هو ما لاحظناه في انتخابات البلديات والمجالس العربية الأخيرة والتي جرت بعيدًا عن تأثير الأحزاب والحركات السياسية الشريكة في القائمة المشتركة ومداراتها، وأنتجت ما أنتجته من جيل رؤساء سلطات جديد شكلّوا حالة قيادة ما زالت معالمها تتبلور هناك في المساحات الرمادية المتفاعلة بين الدولة ومؤسساتها وبين المواطن الفرد ومصالحه، فمعظم هؤلاء الرؤساء لا ينتمون حزبيًا للقائمة المشتركة، ويتصرفون بشكل مستقل أو معاكس لسياساتها

من هنا قد تكون خطوة السيد مازن غنايم رئيس بلدية سخنين ورئيس لجنة رؤساء السلطات البلدية والمحلية العربية في إسرائيل والوفد المرافق له بتقديم واجب العزاء في موت بيرس وما قالوه على الملأ في ذلك المقام أسطع برهان على عدم صحة فرضيات ومبررات المشتركة التي سيقت باستخفاف وبعدم مسؤولية. فوفد المعزين  تكون من عشرات رؤساء المجالس والبلديات العربية الذين يمثلون فعليًا حوالي الربع مليون مواطن (وهو عدد سكان تلك البلدات بالتقريب)، مع العلم أن السيد مازن ومن معه حضروا معزين وتحدثوا باسم جميع الرؤساء العرب المنتخبين في إسرائيل، في حين لم نسمع عن أي اعتراض من رئيس سلطة محلية أو بلدية قبل الزيارة أو بعدها

لقد أحس النائب أيمن عودة بالخلل الحاصل فبادر في الرابع من الشهر الجاري، إلى نشر مقابلة لافتة ومطولة تحدث فيها في وسائل الاعلام عن دوافع اتخاذه لقرار المقاطعة. من الملاحظ أنه لم يكتف، كغيره من النواب، بايقاف المبررات على تاريخ بيرس الشخص، فشدد على أنه يحترم كل الآراء مضيفًا رفضه لتعامل المؤسسة الإسرائيلية معنا، ونحن أقلية قومية، بفوقية واستعلاء، ومؤكدًا رفضه للهيمنة والعنصرية، وجزمه أن المواطنة لا تتحقق بإلغاء الذات، وإيمانه  بضرورة الشراكة الحقيقية الكاملة في الدولة مع معرفته أن الطريق إليها وعرة، ثم عاد وشكر، في النهاية، من انتقد ومن لاحظ ومن أثنى على موقفه ونادى بضرورة مواصلة الحوار الوطني.

لن أناقش ما جاء في تلك المقابلة، فأغلب ما ذكره أيمن عودة سببًا لعدم مشاركته في الجنازة يصلح برأيي وبرأي من لم يتعمد وضع القرار قبل النقاش، مسوّغًا للمشاركة. كل ما ذكره قد يصير مبررًا للمشاركة إلا ما قاله بوجع شخصي وعام يبقى غير قابل للتفاوض والنقاش؛ فتاريخ الجنازة صادف مع تاريخ  إحياء هبة اكتوبر ٢٠٠٠ وفي هذا يقول أيمن بصدق واضح: "وقفت أمام أضرحة الشهداء وذهبت مع زوجتي وأبنائنا الثلاث لوضع الزهور على ضريح أخ زوجتي الصغير أسيل عاصله.. هل هناك من أساطين الإنسانية من فكر بأن أذهب لجنازة الوزير في حكومة براك سنة ٢٠٠٠ الذي لم يفكر بأن يعتذر، وفي اليوم الثاني أن أزور أضرحة ضحاياه أبنائنا". لا حق لأحد ولن يطالبك أحد على وجه المعمورة أن تشارك في الجنازة.

ولكن للسياسة حقها وعلى القائمة المشتركة حقوق وواجبات. ففي العام ٢٠٠٧ جرت انتخابات رئيس دولة إسرائيل وتنافس فيها ثلاثة من القادة الصهيونيين المعروفين: شمعون بيرس، رؤوڤين ريڤلن وكوليت أڤيتال. كانت الأحزاب العربية ممثلة بعشرة أعضاء (ثلاثة عن الجبهة الديمقراطية، وثلاثة لحزب التجمع وأربعة للقائمة العربية)، وقد شارك معظم النواب العرب في عملية التصويت. حصل بيريس على ٥٨ صوتا ولم ينجح في الجولة الأولى بنقصان صوتين. قبل بدء الجولة الثانية انسحب ريڤلين واڤيتال فانتخب بيرس بالاجماع وصار رئيسًا للدولة.

بعد تسعة أعوام مات بيرس الذي لم يكن موجودًا في جنازته، لكن القائمة المشتركة استحضرت تاريخه لتعلل غيابها مع أن تلك لم تكن جنازة فحسب، ولو كانت فقط كذلك فللأشخاص حق أن يختاروا مواقفهم ويغضبوا وأن ينسفوا في لحظات إنسانية حارقة كل الجسور والمرايا؛ ولكن على القادة السياسيين يبقى، عندما ترف أجنحة التاريخ، واجب استشراف الأمل والتمسك في الفرصة حتى وهي في عمق الجرح واللوعة. إنها القدرة على إماتة الموت الذي مهما كان أسود يجب، عند من يقود شعبًا، ألا يجمح خياله ويعطّله وألا يطفئ النوار والنور في القمم.

لقد شاركت أحزابكم في انتخاب رئيس دولة إسرائيل حين فاز فيها شمعون بيرس الحي فكيف تغيرت مواقف أحزابكم في ساعة الموت وتحولت "البديهية" من النقيض إلى النقيض.. من حقنا أن نعرف.

مات بيرس وحضر العالم بنفاقه وبعهره، نعم، لأنها لم تكن فقط جنازة مَن أغاظ العرب في حياته ونجح بشلّهم في مماته؛ ثم جاء رؤساء السلطات العربية - قادة في طور التكوين- للتعزية وكأني بهم يسعون وراء رفرفة الرمادي في الظل، فلا أظنني أنهم كانوا يعرفون ما يعرفه الشعراء: "وإن السراب كتاب المسافر في البيد، فلولاه، لولا السراب، لما واصلوا السير.. بحثًا عن الماء".. لكنهم مشوا بعكس خط سير القائمة المشتركة.

أنا لم أشارك في الجنازة والمشاركة فيها ليست هي الخيار المرغوب أو الطبيعي للعربي، ولكل فرد أو مؤسسة مدنية الحق باتخاذ قرارها ازاءها بدون أن يخضع قرارهم لمساءلة أو للتبرير، لكن استبعاد المشاركة في حالة القائمة المشتركة، وهي بيننا الجسم السياسي البرلماني التمثيلي، من غير دراسة أو نقاش كان قرارًا خلافيًا ومنقوصًا وتبريره بكونه مدعومًا من معظم الجماهير العربية فيه من التضليل قسط ومن عدم الدقة أقساط ويكفي ما قامت به لجنة الرؤساء دليلا، وهي ليست المؤشر الوحيد.

ما جرى في ذلك النهار كان غمزة من عين التاريخ الزائغة ومشهدًا من مشاهد الواقع التلفزيوني، واستعراضا على بيدر الأمم، فلا ضير لو حضرت أقليتنا، بجروحها، وبيدها مذراة صغيرة وقفة؛ لا أحد يطالب جميعكم بالحضور بأشخاصكم، لكنني على قناعة أنكم لو أردتم المشاركة لاهتديتم إلى حلول لا "تميت الذيب ولا تفني الغنم"، فمثلًا كان بامكانكم التوافق على انتداب من يمثل القائمة، أو فريق من المسؤولين في أحزابكم، أو أي بديل، على أن يسبق ذلك إعلان بيان بروح ما جاء في مقابلة أيمن عودة الهامة والمتأخرة.

للقائمة شخصية سياسية مستقلة وما شاهدناه على جبل هرتسل كان أقرب إلى مسرحية تليق بكل المسارح: ففيه من العبث التباسه ووجع الكوميديا فيه ومن التراجيديا خيبتها وحماقة القدر، كثيرون ممن حضروا جاؤوا ليشهدوا على انقضاء عهد وبعضهم ليكونوا شركاء في مواسم الحصاد الجديد.

أما الذين انتخبناهم غابوا وآثروا أن يتلوا علينا شواهد من تاريخ مقيت لبيرس الميت الذي مثلهم لم يحضر جنازته، لكن جميع من حضروا استذكروا، مثل نوابنا، تاريخه وتلوا علينا سيرته!

 

 

 

عمان هي الجمر والماء

 

جواد بولس

 

دائمًا أحببت أن أزور عمان، فهي عدا عن كونها قريبة إلينا ووصولها يعد نسبيًا سهلًا علينا، أشعرتنا، نحن الفلسطينيين الجليليين الأقحاح، أنها الأقرب لمن حُمّلوا شارة النكبة الكبرى ورقم النحس الأشهر الذي "وسمنا" به الأخوة وأسمونا (عرب ٤٨) بعد أن كنا عندهم عرب إسرائيل حاف!، واستقبلتنا دومًا بإلفة تلقائية ودفء طبيعي لافت ؛ مع دخولنا اليها كنا نذوب مباشرة  بين أهلها ونحس بأمن وأمان.

 عمّان كانت لكثيرين منا بمثابة الرئة التي أعادت لصوتنا إيقاع "العين" في العُرَب. في كل مرّة كنت أغادرها إلى حضن الوطن كان يتملكني، وأنا على ذلك الجسر الخشبي، حنين ورغبة بزيارتها مجددًا لأنني أحببتها ولم يفتش قلبي فيها عن سبب.

وصلتها قبل أسبوع ملبيًا دعوة د. أسعد عبد الرحمن، رئيس منتدى المدارس العصرية ومؤسسة فلسطين الدولية في عمان؛ صديق عرفته منذ منتصف التسعينيات، حين عاد إلى فلسطين مع من عادوا على أجنحة تلك "الأوسلو" التي ما زالت تغرق في بحر الالتباس، وبخلاف كثيرين عرفتهم لم يترك هو للتفاصيل، مهما كانت محزنة أو مخيبة ، قاسية أو مهمة، مجالًا لتحدّ من نشاطه الدؤوب وتمنعه من أن يستمر في مسيرة عطائه وتقديم ما يتيحه صدر عمان وغيرها لصالح قضيته الفلسطينية التي واكب محطاتها في الصدارة منذ الستينيات الأولى، وما زال حتى يومنا هذا .

اخترنا عنوانًا مرنًا لا يقيّدني بأحكام الأكاديمية التي لا أميل إليها منذ آثرت شغب المحاماة على برود النصوص الجاهزة والخطابة الرتيبة، ويتيح لي الخروج عن نص"المفكر" والمشي حافيًا حتى على أرصفة شائكة، فحيث يكون الوجع يكون التحدي أجدى وأنفع.

 "هل الحركة الفلسطينية أمام منزلق خطير كان تساؤلنا الذي حاولت معالجته أمام جمهور مميز حضر في  ندوتين متتاليتين، الأولى في قاعة المدارس العصرية، والثانية في النادي الأرتوذكسي.

ما أهون الإجابة على هذا السؤال، يقول المتعجل. فمن يتابع مجريات الأحداث في الأراضي الفلسطينية قد يحسم جوابه بأن القضية الفلسطينية  قد وصلت إلى ما بعد مرحلة المنزلق الخطر، وهي لذلك تواجه سؤال المصير أو: ماذا بقي من مشروع التحرر الوطني في زمن يعيش فيه الاحتلال الإسرائيلي، هكذا يبدو من بعيد وقريب، حقبته الذهبية ويمارس سيادته على الأرض الفلسطينية وأهلها بخفة وسهولة ومن دون مقاومة تذكر أو ثمن يدفعه. وهو يستفيد بالطبع من حالة انقسام فلسطينية داخلية دامية، لا يبدو أن الأطراف معنيون برأبها أو قادرون على ذلك؛  فحركة حماس المستأثرة والحاكمة في قطاع غزة فاقدة لقدرتها على اتخاذ قراراتها باستقلالية، لأنها عمليًا هي جزء من كل، أو حركة أسيرة للحركة الأم، وتخضع لمحاور القوة والدول الشريكة في رسم خوارط الشرق الجديدة، حيث تراجعت مكانة فلسطين فيها ولم تعد قضيتها الوطنية هي الواجهة والصمغ الموحد العربي والإسلامي، على الأقل ليس على مستوى اهتمام معظم الأنظمة اللاعبة في منطقتنا وبين كثير من الشعوب العربية والإسلامية المتشظية لقبائل متناحرة وحمائل متحاربة وملل متصارعة حتى الدم.

من جهة ثانية نجد حركة فتح، وهي الأكبر والأقوى والمرشحة لتكون راعية الوحدة وصانعتها، تعاني من ضعف شديد وتمزقات داخلية كثيرة تحول دون قدرتها على أن تقود عملية إعادة وحدة شطري الوطن المحتل واستعادة وحدة الشعب المنقسم بشكل عمودي خطير وأفقي أخطر . هذا علاوة على ضعف فصائل اليسار الفلسطيني التي فقدت مجتمعة من قوتها بشكل ملموس وكبير حتى كاد دورها يتلاشى أو يصبح هامشيًا بشكل مؤسف ومحزن.

ما أصعب الجواب على هذا التساؤل! يقول المتفكر. فمن يتايع ما يجري في الدول العربية وما آلت إليه أحوالها المتداعية، ومن يقرأ كيف تحولت الجامعة العربية من قلعة أريد لها أن تحمي العروبة وتجمع دولهم في وحدة من شأنها أن تصد عنهم كل شر وبلية، أصبحت عمليًا وكالة تابعة لتأثيرات خارجية وأداة يضرب بها الأخ أخاه في العروبة، ويجلد من خلالها المسلم أخاه المسلم، فلم تعد جامعة ولا عربية.

من يشاهد هذه التطورات الخطيرة المحيقة في فلسطين وبمصالحها الوطنية قد يتوصل، من خلال استقراء البواطن ومقابلة البدائل، إلى نتيجة أن القضية الفلسطينية ، رغم ما خططوا لها، لم تصل إلى نقطة اللاعودة أو إلى ذلك القاع الذي يؤدي إليه ما أسميناه بالمنزلق الخطير، ففي خوابيها ما زال بعض الزيت.

يالمقابل، إذا لم تجر الحركة الفلسطينية الوطنية بكل مركباتها الفصائلية وتلك النخب المستقلة مراجعة جذرية وإعادة حسابات شاملة، فقد ينجح مشروع من خطط لإنهائها  أو على الأقل سينجح بإبقائها تراوح على محاور الدم والوجع وضياع الأمل القريب. فنحن الذين نعيش في فلسطين نعي ونشعر، وعلى الرغم مما سيق أعلاه من تشخيصات صحيحة لضعف الحالة الداخلية الفلسطينية، وهو غيض من فيض، أن  إمكانيات النهوض الوطني الفلسطيني ما زالت واردة، وقد نشهد على ما يدعم هذه الاحتمالية قريبًا ونحن نقترب على بلوغ الاحتلال سن الخمسين.

كان تفاعل السادة الحضور في الندوتين مثريًا ولافتًا. وقد تكون مساهمة السياسي العريق والشخصية الفذة السيد عدنان أبو عودة في الندوة الأولى كاشفًا لما لمسه البعض قاسمًا مشتركًا ظهر بين العديد من المحاورين والسائلين، وذلك حين نبّه في مداخلة قصيرة، إلى غياب عامل " الزمن " في التفكير العربي السائد وخلو الذهنية العربية من أثره وتأثيره، على الرغم من أن السياسة مذ كانت أقرت بان " الزمن يغيّر الأولويات" ، فكيف لقوم لا يكترث لوجود هذا العامل في حياته أن يضع أولوياته النضالية السليمة .

 كل الحاضرين كانوا من داعمي الحق الفلسطيني،  لكنني نجحت بتشخيص محورين بارزين من هذا الجمهور المساند الكريم - رغم أنني كنت في عمان لكنني أفترض أنها حالة قائمة بتفاوت مقاديرها في جميع الدول العربيةالأول: مجموعة رغم مرونتها في استيعاب الطاريء وتمييزها بين الثابت والمتحول إلا أنها تشكو من نقص في المعلومات الأساسية خاصة بما يتعلق من مستجدات وتغييرات أخذت مجراها في بلادنا منذ كانت فيها إسرائيل بنظر أكثريتهم ليست أكبر من درنة طارئة أو دويلة مزعومة أجزموا في حينه على أن محوها سيكون مهمة هينة، وبين واقع هذه الدولة كما هي عليه الآن؛ فنقص المعلومات بهذه المقادير يحجب عن هؤلاء الداعمين قدراتهم على ممارسة عملية تحليل سليمة وتفكير صحيح واتخاذ المواقف الصائبة التي من شأنها أن تساعد الفلسطينيين على صمودهم ومقاومتهم للاحتلال الإسرائيلي بشكل عملي ناجع ومؤثر .

الفئة الثانية: هي من تلك الأجيال التي عاصرت النكبة والنكسة معًا أو إحداها، وخزنت في نفوسها رفضًا بنيويًا يحول دون خروج أصحابه من معادلات الماضي وقوالبه بعضهم يعرفون المستجدات بحذافيرها لكنهم يقاومون بإصرار هو أقرب علميًا إلى كونه حالة إنكار نفسية واضحة يعيشونها مقدّسين ذهنيات "تخثرت" منذ عقود ومقولات حفرت عميقًا في بئر الهزيمة الأولى؛ فمنهم من آمن باشتراكية عظمى رغم سقوطها ما زالوا يستجيرون بها وكأن خروتشوف وجيوشه تخيم على ضفاف النهر، ومنهم من آمن بالوحدة العربية وبالعروبة ماردًا رغم هزيمته ما زالوا يستحضرونه روحًا منقذة على أناشيد محمد سلمان وصحبه من ذلك الزمن الجميل حين كنا ننام ونصحو على "لبيك يا علم العروبة كلنا نحمي الفدا، لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلّما" .

 إنهم يعشقون فلسطين وفلسطين تحبهم كذلك، لكننا نؤكد أن هذه الدولة المارقة، إسرائيل، لن تهزم بالعشق والدعوات وأناشيد الحماسة وبالشعارات الجميلة، فالفلسطينيون الذين يعيشون في ظل أعقاب بنادق الاحتلال الإسرائيلي وموبقات سوائب المستوطنين يعرفون هذه الحقيقة برسم دمائهم المسفوكة وحياتهم البائسة وقهرهم وصمودهم بما يستطيعون إليه سبيلا.

كانت زيارتي لعمان هذه المرة بطعم شهي مختلف. قابلت فيها الأصدقاء والأقرباء الأحباء وأناس يهيمون حبًا ويتفانون بدعمهم لفلسطين الكئيبة. تبادلنا الأحاديث. توافقنا واختلفنا باحترام ومحبة وتقدير، ففي عمان وجدت كل القلوب تأخذك إلى فلسطين.

عدت إلى القدس، وفي صباح اليوم التالي أفقت على نبأ اغتيال الكاتب ناهض حتر. خفت على عمان وهي التي قلت فيها قبل سنوات:

 "في كل مرة أعود إليها تنسيني همومي وتأخذني إلى رصيف الفرح، ففيها لا أكون سائحًا يتوجس صيد الليالي. رحبة تكفي لإيواء الأمل. وديعة كما يشتهي عصفور. عمان أسقتنا حين جفف الأخوة البئر وتركونا فرائس" للصدأ" فإليها نخف كلّما احلولكت ليال وتثاقل عبث". أغضبني هذا القتل.

خفت على فلسطين، فعمان في القلب هي الجمر والماء.

يتبع..     

                    

 

 

 

عودة مواسم

 

الاستشهاد بالسكين

 

جواد بولس

 

بعد انقطاع ملحوظ، دام  بضعة أشهر، عادت مشاهد محاولات فلسطينيين طعن إسرائيليين تتصدر واجهات الأخبار المحلية، ومرّة أخرى لم يكن صعبًا أن نلاحظ أن معظم منفذي هذه العمليات، ذكورًا وإناثًا، لم يتجاوزوا سن النضج القانوني، أو كانوا في عشرينياتهم الأولى، وجميعهم انجرفوا على ظهر موجة متجددة اقتحمت، من عُرض بحر عات، عوالمهم الراكدة لتلحقهم بكوكبة خاضت التجربة قبلهم ومنهم من قضى، ومنهم ما زال يواجه ندوب جراحه أو إعاقاته الدائمة. إنها جولة أخرى من ردود فعل فلسطينية يحاول كثيرون سبر كنهها واكتشاف معالمها وحدودها،  والتحقق من قوة مفاعيلها الكامنة، وجميع المعنيين والمتابعين يتساءلون: هل تشهد فلسطين حالة مقاومة جديدة للاحتلال الإسرائيلي، أم أنها تعيش فصلًا من ظاهرة عابرة قد يُصطلح على تسميتها في المستقبل مواسم الاستشهاد المراهق!       

لوهلة قد تبدو أفعال هؤلاء الشباب المنفذة في عدة مواقع فلسطينية طبيعية عادية ومتوقعة أنتجتها حالة قائمة يحاول العالم، رغم شذوذها الصارخ، أن يبقيها واقعًا طبيعيًا ومقبولًا، فحاضر الفلسطينيين أسوأ من الماضي ، هكذا يحاول الأصدقاء وبعض الأشقاء والناصحين أن يقنعوا الفلسطينيين، ولكن المصيبة ، هكذا يسوّق الأعداء والمنتفعون وأصحاب المصالح الدخيلة والمستشارون المزيفون، أن مستقبل الفلسطينيين سيكون حتمًا أسوأ بكثير من حاضرهم الرمادي.

صناع اليأس عميان. ففي هذه المساحة بالذات تُشهر تلك السكاكين لتلعن العتمة وجلّاب العتمة متوهمة أنها تبقر بطنها وتنتزع من أحشائه بقعة الضوء. السواعد المرتجفة القابضة على النصال هي لفتية لم يفقدوا أملًا، فهم رضعوه من صدور أمهاتهم منذ ولدوا، وما انفكوا يحاولون عبثًا التعرف عليه وتربيته، وكأني بهم عاشوا دهورًا من البؤس والأسى في حفنة من عمر، ولم يكتشفوا بعد كيف تتوالد النراجس ضاحكةً؛  فتية سئموا تلك الأرصفة الحافية، فأطلقوا عجزهم نحو الغيم عساه يمطرهم بزخة تائهة، وكمشة من حلم نائم.

قد تكون هذه العمليات مجرد تجليّات غريزة الإنسان الأول التواقة روحه للشمس وللريح عاشق الحرية البدائية التي علّمت الفجر معنى الحكمة الأبقى : فلا يولد اليأس إلا توأمًا للأمل.

لقد ولد هادي في المستشفى القريب من المخيم قبل عشرين عامًا- حين كانت في البلاد  جثث الباصات الإسرائيلية تتشظى وتملأ الفضاءات دهشة وعذابات . صرخ صرخته الأولى في سماء غاب عنها النجم منذ خمسين عامًا . كانت ولادته ميسرة، وكان كل شيء في المستشفى والبيت يسير بإيقاع الدخان وبسكينة لا تتأثر بضجيج  المحيطين : القريب والبعيد؛ فللمخيمات الفلسطينية طقوسها لإدمان الحياة وترويض الفرح الذي تكون خياناته دومًا الأصعب.

عشرون عامًا مرّت. هرم معها هادي ولم يشخ مخيمه، فالأزقة هي نفس الأزقة، والشمس ما زالت تضربها، كزائرة خفيفة الظل، بنورها فتمحو قليلًا من طحالبها وترحل مسرعة كالوعد ومعلنة: هنا يا أهل الشمس، في مخيماتكم، حيث يكون الشقاء يكون البقاء. إنها حكمة الغلابى وأهل المخيمات التي يشربها كل مولود ووليدة من حليب قصائد  شاعرهم، شاعر اليأس والأمل، حين كان يصرخ متفائلًا بوجع: "لم نعد قادرين على اليأس أكثر مما يئسنا" .  

أنهى هادي تعليمه الثانوي واختار كلية للعلوم الفنية، فتخرج منها فنانًا متعدد المهارات والمواهب؛ يجيد الرسم ويؤثر معالجة جميع أشكال السماء وحالاتها، فتارة يجعلها  زرقاء صافية تميل إلى بياض لا يشبه بياض الكفن، مع أنها كانت تشعرك برقة بضرورة البكاء، وتارة أخرى سماءً ملأها خضرة اختلطت بترجرجات الكحلي، فبدت وكأنها وجه شيطان ضاحك عابس معا. في المخيم قد يصير الفن ضياعًا.

لم يكن رسامًا محترفًا فالرسم مكلف، والخبز في الحياة أولًا، والنضال يأتي ويلحق ولتنتظر الريشة وتبكي السماء

علاوة على عشقه للرسم فلقد تعلم هادي في الكلية فن الطبخ، وتخرج (شيفًا) ماهرًا، لكنه  لم يجد أين يمارس مهاراته فالناس في حاراته لا يخونون الطابون وورق العنب والزيت والتين والزيتون.

حاول أن يجد مكانًا بعيدًا يحقق فيه أمنياته ويعمل طباخًا أو حتى مجرد نادل ليكون قريبًا مما يحب، لكنه لم يحصل على تصريح دخول لإسرائيل، ولا على تصريح عمل فتحول مثل آلاف من أترابه إلى عاطل عن العمل يأكل الساعات والعدس، ويحلم كيف يصنع الشاتوبريان والفيليه وشوربة البصل .

كبر هادي ومعه جيل كامل استوعبوا أن المخيمات وفلسطين اليوم قد تصنع المهارة أو ربما المعجزات، لكنها أعجز من أن تستوعب المَهَرة وأضيق من حجم أمنية.

عاد إلى بيته مبكرًا، وليس كعادته توجه إلى سريره لينام. حاولت أمه أن تستدرجه وتعرف ما وراء زعله، لكنه طلب أن يقبل يدها ورجاها أن تتركه، فلقد كان نهاره متعبًا ولم يجد فيه مكانًا للعمل. ربتت أمه على كتفه محاولة إخراج بسمه من وجهه الحزين،  فباشرها بلمسة  حنونة وبرجائها أن تدعو له بالرضا، فهو يحبها حتى الخجل.

 أفاق على صوت أذان الفجر، توجه إلى مطبخ العائلة تسلح بسكينين، وبدأ مشواره نحو جدار المستوطنة القريبة منهم. وصل مع بزوغ الضوء الأول، كان خائفًا لا يريد الموت. لاحظ حركة جيبات عسكرية أمامه، فلبد وراء شجيرة قريبة وانتظر إلى أن يغيب العسكر. فكر بجدية في العودة إلى بيته والتنازل عن حلمه، لكنه خاف أكثر من البؤس والعوز والفشل. انتظر حتى هدأت الأجواء، ودخل من فتحة في الجدار إلى حيز المستوطنة. مشى قليلًا حتى رأى جيبًا عسكريًا واقفًا على جانب الطريق. انتظر كي يتحرك الجيب لكنه لم يفعل، فقرر أن يلقي حجرًا باتجاهه ليفحص إذا كان الجيب مسكونًا أم مهجورًا. لم يأته الرد. اقترب متسللًا، وفتح باب الجيب فهوى على وجهه بسطار السائق، وأصابه في منطقة العينين، وتلا ذلك هجوم ممن كانو في الجيب، فقفز جنديان مباشرة نحوه وأسقطاه أرضًا، وباشرا بضربه بأعقاب البنادق وبالخوذات. لم يتركوا ميليمترًا واحدًا إلا وتعمدوا تهشيمه وإسالة الدم منه .

لم يعرف متى فقد وعيه، لأنه أفاق وهو في المستشفى الإسرائيلي مضمدًا ومجبرًا في أطرافه، ورأسه لأنه يعاني من عدة كسور أخطرها ذلك الذي شج رأسه .

أهنئه بالسلامة، ينظر نحوي. شعرت أنه يريد البكاء، لكن الضمادات غطت طرفي عينيه. حرّك رأسه يمينًا وشمالًا بلوعة، ففهمت أنه  يقول مرة:   حتى الموت صار خرافة في فلسطين، ومرة ظننته يخبرني أنه لم يسعَ  إلى الموت اصلًا .. تركته لأطمئن عائلته أن هادي قد يصير قاصًا بعد هذه المغامرة.      

"اليأس خيانة مشروعة".. فلا تبحثوا بعيدًا في المدى، ولا تلهثوا وراء ما يخبئه اللوز في هضاب فلسطين، فما نراه من هجمات ليس إلا اشتعالات فردية تتطاير على أبواب فراديس مؤتملة سكنها من قبل أبطال التهاليل، كما خلدتهم  قصص الحكمة الحائرة بمجازيها الأبديين: قدسية ملتبسة، كقداسة أولئك العذراوات يقدمن قرابين على المذابح لاسترضاء السماء ولإسعاد البشر، ومغامرة عاصية تشبه نزق الخريف، حين يتخلص من خضرته الساحرة مسترضيًا دمع السواقي ليروي ربيعًا  نائمًا.

في الماضي عرفت فلسطين موجات من العمليات المنفذة بالسكاكين والبلطات، وكانت كثيرة وعلى جميع شفراتها كان ظلم المحتلين محفورًا وقمعه دافعًا واضحًا ومستورا،

أما اليوم وإن بقيت تلك دوافع مقبولة لكنها مرفقة بدوافع من صنع محلي، فيأس كثيرين من جيل كبر بلا أفق ورؤيا وحوافز للعيش شكل بلا شك السبب لمباشر عند بعض من ساروا على درب الضياع الطويل.. فلا تذهبوا بعيدًا في السؤال ولا تتلبكوا بل خذوا الحقيقة من عيون هادي الملأى ببقايا ذاكرة وبدمعة واقفة كماسة خرساء ناطقة بكل الحكاية وبكل ما ظننتموه عسرًا وأحجية.

 



 

 

 

هل تنتظر القدس رحيل بيرس؟

جواد بولس

 

قد تكون هذه آخر المعارك وأصعبها التي يخوضها شمعون بيرس الراقد على فراش المرض في وضع صحي حرج للغاية يصارع الموت وهو ابن الثالثة والتسعين عامًا قضى ثلثيها كأحد أبرز قادة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل؛ فلقد بدأ مشواره  الطويل وهو لم يكمل عقده الثالث حتى إن بلغه كان واحدًا من طاقم القيادة المتقدمة يعمل مع دافيد بن غوريون وليڤي أشكول وبعدهما دومًا في الصفوف الأولى وأحيانًا وحيدًا في قمة الهرم وهي إحدى الصفات التي حددها للقيادة:"فعندما تتطلع حولك ولن تجد في لحظات الشدة نَصوحًا صدوقًا اعرف أنك القائد". إنها على جميع الأحوال المعركة التي ستجهز على الجسد وتبقي ما خلّفه من إرث، يقض مضاجع الكثيرين ويسعد قومًا من المحظوظين، محفورًا في سفر التاريخ الذي لا يحفظ ودًا إلا لمن يحرثون أرضه بالفؤوس ولا يخلّد ذكرًا إلا لمن يزرع الملح في شقوق أيامه الدامية.

ليس من الصعب أو الفطنة أن يستبق أحد الفرح على هذا الموت المتوقع لرجل عاش مبحرًا على الجراح في سفن أحلامه ونام دومًا في خيمة الراعي الذي تمنى أن يكونه، ووسط بيوت قصيدة تاق أن يكتبها وهو يرعى النجوم، كما كان يصرح دومًا؛ فمسيرة شمعون بيرس تخزّن بواقعية مثلى, كمّا وكيفًا، جميع المتناقضات والمفارقات والقسمات وجينات حروب اليهود والعرب في العصر الحديث وتعكس، في نفس الوقت، باستفزازية متوحشة, كيف تكون مصائب قوم عند قوم فوائد أو تلك الفوارق بين قادة يموتون وشعوبهم كي يعودوا إلى الماضي بغباره وبهته، وبين قائد يستشرف، من أجل قومه، ضواحي الفانتازيا باصرار لا يعرفه الا الموج لأنهم "مصنوعون من المستقبل" كما أجاب ذات يوم على سؤال وجهه له الصحفي دان شيلون: من أي مادة أنت مجبول؟       

قد يكون استكراه العرب، في الماضي السحيق، للتشفّي من أجمل صفاتهم الانسانية التي سادت في عصور تألقهم الدارسة، فالعربي النبيل إن اقتدر وتحكّم في مصير غريم خاسر انتُظر منه العفو، لكننا ونحن نعيش في زمن الهزائم، قد يبلغ التشفّي حد الأمنيات ويغدو، عند البعض، منتهى الفرج المشتهى.

في الحقيقة لجأت إلى بيرس لا لأكتب عن شخصه، وهو تحد قد يتلقفه أحد الباحثين من مثقفينا والمهتمين بدراسة علمية مهنية ثاقبة ناقدة في علوم السياسة ونظم الحكم العصرية لا سيّما اذا كان "بطلها" وتاريخه يشكل مرآة لهزال بعض أضداده/ غرمائه أعدائه الآخرين، لكن نهايته، وهذا ما يهمني في هذه المقالة، قد ترسخ، بنظري، معنى البدايات الشاخصة أمامنا وتعري أزماتها المتداعية والمتفاعلة في ميادين حياتنا كعرب ألفوا شرق أوسط شاخ فبدأ منذ سنوات يراوح على تخوم صحارى ملتهبة جديدة  وكفلسطينيين قضوا أحايين طويلة يدعون السماء أن تحميهم من  "حضن" أشقائهم وأصدقائهم فهم بعدوّهم كفلاء!. 

موت بيرس ينهي عمليًا حقبة قرن من زمن الصراع ويخليها من آخر رموزها/الأعداء التقليديين على ما يحتمله هذا البيان من مجازات، وعلى النقيض، من تجسيدات واقعية تؤثر من خلال شخوصها على احداثيات مصيرنا بشكل مباشر وغيره؛ فالسؤال من يوم آدم، ما زال مفتوحًا على باب التأويل المطلق، وشاغله عن دور الفرد في صنع التاريخ كان وما زال يشغل بال الفَطَنة ويغيب عن عوالم الغفلة الموتورين.

سيرحل شمعون بيرس وقلبه على "أرض اسرائيل " أما عينه ستبقى حيث ما كانت دومًا: على القدس الكبرى، واليها سأصوب حدسي  في مقالتي هذه، فهو ومن سبقوه وواكبوه تفوقوا على "المستحيل" حين حلبوا أثداء تلك الأسطورة حتى جسّدوها أحجارًا وبشرًا وبشائر، يوم جاءت صرخة قائد جندهم، حفيد يوشع، في حزيران/يونيو الخسارة،  تعلن أن "جبل الهيكل بأيدينا". زأرة نسفت، عمليًا، أحلام أمة ما انفكت تلهث وتبحث كيف تداري نزيف نكستها وتتنتقل بعجز وبقصور بين الأزقة ومدن الملح وبين ردهات "القصور"؛  ففي ذلك اليوم السابع غفت النواطير على زند الفاجعة، وأخالني أنها لم تعد إلى صحوتها أو، يا لخوفي، أنهم قد لا يعودوا

لن تتغير، بعد بيرس، محاور التفوق الاسرائيلي وكل ما رسم وخطط في عهوده  كاستراتيجيات عليا، سيبقى على حاله، لكنني أرى أن أهداف تلك الاستراتيجيات ستصبح أكثر عرضة لضربات مباشرة أقسى وأبشع، فسياسة "الحرير أحيانًا والمجالخ دومًا" التي هندسوها ستندثر، ليتولى أمراء التوراة الجدد وأرباب الاقتصاد الخنازيري المتوحش، تنفيذ وصايا سمائهم  وجيوبهم وتقويض ما نتأ من بقايا أسوار أحياها بيرس وصحبه حول "أريحا" الكانتونة الصغيرة ومثيلاتها وشقيقتها المحاصرة أولًا غزة البعيدة. في كل المحاور دخان لكن القدس أول من وضع حبّها في طواحين إسرائيل المابعد بيرس!    

قد يعتبر بعض العرب والفلسطينيين أن كل من سيأتي بعد بيرس سيكون حتمًا للعرب أفضل، فلا أسوأ من بيرس ونهجه: خبث ودهاء مميزان، حلاوة لسان ثقافة وذكاء، مثابرة تجربة وعطاء. وقبل كل ذلك دأبه مدفوعًا ومتمسكًا بحكمة الحياة الأدوم، فلا يصير الفشل فشلًا إلا إذا أناخك وأعاقك وجعلك تستسلم له وألا تعاود المحاولة والاستمرار. كان خصمًا صعبًا والانتصار عليه وعلى مدرسته كان عسيرًا وعلى الأرجح مستحيلا، أولئك العرب يؤمنون أن مواجهة من سيأتي بعده ستكون أسهل، فكلما تمادى البطش وسفر وفاضت أنهر الدمع سيحصحص الحق ويتحقق النصر

يرحل بيرس وعينه على القدس وهذه تواجه منذ سنوات سياسة قمع وتفتيت جديدة قد تكون الأشرس في حملات اغتصابها المتعاقبة وأخطرها. فقادة إسرائيل الجدد قرروا نسف ما وضعته مدرسة بيرس من قواعد عامة وتصورات في قضية القدس، عندما تركوا هوامش ضامرة لتبقى "قدسًا" ما تعطى للعرب في لحظة استحقاق تاريخية قد تكون هزيلة لكنها ضرورية، ولذلك أبقى كل المتعاقبين على المدينة منذ احتلال شرقها في العام 67  على حد أدنى من الوضع القائم وحرصوا الا يمس طابع المدينتين: غربية يهودية تتطور بتسارع مضطرد وشرقية عربية أبقيت على غبائرها وستائرها، فالحواري العربية بقيت على عتمها وبكريتها، والشوارع تركت بلا أرصفة وبلا تطوير يذكر، والشرق عاش بشرقه والشارع رقم واحد كان بمثابة الحد بين كيانين متخيلين ومناطق خطوط التماس "خُثرت" على خرائبها وندوب الرصاص في واجهات بيوتها المهجورة شهدت على عمق الجريمة والهزيمة

هكذا كان إلى أن قرر أمراء الحرب الإسرائيليين الجدد أن يتخلوا عن الدهاء وعن فسحة أمل موهومة وعن أحلام من فكر أن يحمي مستقبل دولته في شرق أوسط جديد تكون فيه إسرائيل هي الأذكى والأقوى، شرطية على قادة ودول ضعيفة وتحظى في نفس الوقت برضا دول العالم لانها هي الجنة في أرض اليباب

فبيرس سيرحل ومعه سترحل آخر كواسر الغابة لأن إسرائيل الجديدة قررت أن القدس قدسها، لا شريك لهم فيها أحد، فلا أمل باقتسامها ولا حتى التنازل عن رسغ منها، ولذلك فالساعة عندهم أزفت، حسب ما أعلنه رئيس بلديتها وبعض الوزراء مؤخرا، وعلى العالم أن يعي ويفهم من هم أصحاب البيت الحقيقيون؛ إعلان سبقه وواكبه تنفيذ سياسات جديدة تستهدف ابتلاع كل منظومات الحياة المدنية بشكل مطلق لاكمال تطويق سكانها العرب والحاقهم، عن رضا منهم وقسرًا، بشكل حتمي ومحكم في سرات حياة الدولة والمدينة؛ فبعد اغلاق كل المؤسسات المدنية الخدماتية الفلسطينية شرعت إسرائيل برمي صنانيرها وبدأت تصطاد أسماكها في بحور الحاجة والعوز وضرورات البقاء، فسيطرت، بزحف مريع، على قطاعات الصحة والتعليم والرفاه والبناء والعبادة والتجارة وتوابعها، وهدمت ما كان معروفًا كمناطق تماس محرمة عليها وفق القانون الدولي وحولتها إلى مناطق عمران إسرائيلية ضخمة ربضت على أمعاء المدينة وموهت شرقها بغربها، وأرفقت مع ذلك تغييراً مدروسًا في سياسة البناء تجاه شرق المدينة حتى بدأنا نشهد مؤخرًا طفرةً متواضعة ومحدودة، لكنها جديدة، لمشاريع بنيان لصالح السكان العرب في العديد من حارات القدس الشرقية

لن يكون مستقبل القدس والفلسطينيين أسهل بعد رحيل بيرس، فالقضية لم تكن يوما مخايرة بين الحياة مع الثعالب أو الغزلان، وليس أن تعيش كفلسطيني وفق حكمة السلحفاة أو بله النعام، لأنها الغابة في أحكامها وفيها من الأفضل، دومًا، ان تكون أسدًا أو على الأقل باشقًا من بين الطيور أو نسرا، وفي جميع الاحوال ان فشلت ان تعرف كيف وأين وفي أي حضن تنام

لم انو كتابة مقال عن بيرس الذي ما زال حيًا، فالقضية لن تقف عند رحيله ولا باستقدام الفرح البارد على موته، فقضيتنا كانت طيلة تلك القرون ما جرى للعرب في عهد بيرس وقبله وستبقى بماذا سيجري للعرب ولنا الفلسطينيين ما بعد موته، فنحن مختلفون معه وقد نغضب منه أكثر بعد موته، لكنه سيرحل تاركًا عصرًا،  شئنا أم أبينا، بعض عجائنه، يا لحسرتنا، صبّت  في فواخيره وفواخير أمثاله من صناع الخزف المهرة والصاغة والسكابين.

انا لست من الشامتين ولا من مستقدمي الفرح الباهت وقد يكون الغاضبون من هذه النهاية كثر فالمعذرة من بعضهم، لكن للمقالة تتمة عن القدس والثورة ما بعد بيرس.

 

 

من كان منكم بلا خطيئة؟

 

جواد بولس

أجلس في مكتبي وأحاول ترتيب جدول ما بقي علي من مهام في ذلك النهار. دخل صديقي حمّاد بوجه متجهم. لم يتخذ مقعدًا وسألني إذا كنت أود مرافقتهم  لحضور جنازة  "أبو بطرس" مضيفًا: "إنه من جماعتكم وقد توفي اليوم فجأة. لقد كان أنسانًا رائعًا. يعيش مع زوجته بعد أن هاجر أولاده، إبان الانتفاضة الثانية". طلبت منه أن يشرب معي القهوة، فأنا  الآن لا أستطيع أن أرافقهم، مع أنني تذكرت بطرس حين دافعت عنه ورفيقه حماد في تلك السنوات الغابرة من النضال.    

خرج صديقي لغمّه، وبقيت في مكتبي لهمي. فقرأت نص مقابلة نشرتها وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا" في السابع من أيلول الجاري، مع اللواء جبريل الرجوب، نائب أمين سر حركة " فتح" ورئيس اتحاد كرة القدم الفلسطيني، يصرّح فيها على أنه يرى بالمسيحيين ملح الأرض، وأنهم يشكلّون مكوّنًا أساسيًا من النسيج الوطني الفلسطيني، فهم متواجدون في فلسطين قبل الإسلام ولقد وقفوا مع فلسطين، وحافظوا على فلسطينيّتهم وعروبتهم، ومضيفًا: "إذا ما أشعرني أي رجل دين مسيحي أني أخطأت فليس لديّ مشكلة من تقديم اعتذاري"، فيما يشبه الرد من طرفه، هكذا فهمت، على من طالبه بضرورة الاعتذار عن تصريح مضر له جاء في مقابلة أعطاها في الثالث من أيلول الجاري لاحدى الفضائيات المصرية، وأعادتها فضائية فلسطين بدون حساسية منها لنعته من صوّت من المسيحيين في الانتخابات الفلسطينية السابقة لحركة "حماس" على أنهم "مجموعة الميري كريسماس". ومع أن كثيرين أصرّوا على أن الرجوب لم يعتذر صراحةً من المسيحيين الذين شعروا بالإهانة إلّا أن ما قاله لوكالة "وفا" بحق المسيحيين الفلسطينيين يعكس، برأيي، رؤيةً شاملة إزاء الوجود المسيحي المشرقي من وجهة نظر تاريخية منصفة ووطنية صادقة على حد سواء.

شخصيًا لم أشعر بإهانة من تصريح الرجوب للفضائية المصرية، وسآتي على ذكر أسباب موقفي هذا، لكنني أتفهم كل من شعر بتلك الإهانة، ولا فرق عندي إن كانوا يعرفون شخصيته عن قرب، أو أنهم يجهلون تاريخ الرجل على ما يطويه من بياض ناصع يقق، أو رمادية ملتبسة استجلبت من البعض سهام الانتقاد عليه والتجريح الدامي أحيانًا.

حاولت أن أستفهم من خلال بعض الاتصالات كيف ولماذا بدأت تأخذ قضية ذلك التصريح "الرجوبي" تلك الأبعاد الخيالية، في حين مرّت قبله في قرانا وبلداتنا، عشرات المواقف الأخطر والتصاريح الأدهى عندما قيلت بحق المسيحية والمسيحيين ومن دون أن تستدرج ذلك الهرج وتلك الهجمة المتصاعدة أو حتى انتقادًا متواضعًا، فمثلًا حين منعت، ببعض القرى، بفتاوى ملزمة مشاركة المسلم بجنازة المسيحي لم تقم القيامة ولا صرخت قيادة، وحين أفتى من أفتى بتحريم مشاركة المسيحي أعياده سكتت العامة وتململت الخاصة وحين وحين .. والشواهد في قرانا موجعة وكثيرة، فلماذا في قضية الرجوب تحديدًا؟   هممت لترك مكتبي، لكن موظفتي أخبرتني أن أم حسن جاءت من بعيد، وتريد مقابلتي لبضع دقائق، فاستأذنت إدخالها. جلست أمامي بثوبها المطرز الساحر، ولمت شعرها بمنديل أبيض. مدت كفّها إلى فوق، سمراء كالأرض، ومتعبة مثل الفجر في قريتها، وقالت: "طنيب عليك يا بنيّي، موكلتك بحسن بدي تروّحلي اياه على العيد، مليش غيرو". سكتت وسكتُّ، فما نفع الحديث بعد هذا البيان؟ بدأت أفكر بما سأقوله لها، لكن رفيقتها التي دخلت معها وجلست قبالتي رفعت رأسها بصمت وبصوت هادئ لا يخرج إلا من حناجر أمهات يذبن من الحب قالت: "الله يخليك يا استاذ جايينك من آخر المعمورة وايدينا بزنّارك، قالولنا انو بِطْلع بايدك تروّح حسن. مع انك نصراني بس احنا بنثق فيك". قالتها بانسياب وبصدق كالطبيعة. ضحكتُ. وعدتهما بالخير وودعتهما. مضيت لأطوي ما تبقى من وجع.          

لقد عرفت جبريل منذ مطلع الثمانينيات ورافقته محاميًا لسنين طويلة كنت شاهدًا فيها على حياة واحد من رموز النضال الفلسطيني، خاصةً وهو يقود مع رفاقه في الحركة الأسيرة الفلسطينية أشرس المعارك دفاعًا عن الحق الفلسطيني والكرامة والعزة، وعرفته بعد تحرره وبعد أن قضى عشرين عامًا في الأسر صديقًا وقائدًا فتحاويًا فلسطينيًا عنده من الأحباء والمؤيدين وفرة، وله من الأعداء والمقرّعين وفرات؛ لكنني وبعيدًا عن هذه الفضاءات أؤكد أنه أطلق تصريحه بحق بعض المسيحيين، وهو بحسب جميع المقاييس لم يكن موفقًا، من غير قصد بالإهانة المتعمدة للمسيحية والمسيحيين ولا بتأثير طائفية بغيضة هو بريء منها.

تابعت تداعيات ما أضحت تسمى "أزمة الرجوب" فوجدت كثيرين ممن تحفظوا أو انتقدوا أو هاجموا الرجوب قد فعلوا ذلك بمشاعر صادقة وبمواقف إنسانية وطنية محقة، لكن كثيرين ممن انقضوا عليه  قد استغلوا تصريحه كي يمارسوا حروبهم السياسية ومناطحاتهم الفئوية بانتهازية مفضوحة، وينقلوها إلى ميدان استجلب فورانًا عاطفيًا عند كثيرين، مسيحيين وعلمانيين، يعانون وبحق من أسى واقع مقيت ورهيب؛ فمن خلال تأجيج هؤلاء لنار مستعرة أصلًا في شرقنا وبيننا، أخذوا يطلقون رماحهم على الرجوب الأوسلوي تارة، والمطبّع حينًا والمنسق الأمني أحيانًا، وبعضهم قفز على ظهر المسيحيين ليصل إلى أصحاب الرجوب في القيادة الفلسطينية والرئيس "أبو مازن" والفتحاويين "الانهزاميين"، وطفقوا يطلقون السهام والشعارات في محاولة لكسب جولة المقارعات المفتعلة بقضية لا شأن لها في هذه الحروب لا من بعيد ولا من قريب، حتى أننا وجدنا بعض الطائفيين المعروفين أو من يؤمنون بالإلحاد دينًا وطريقًا يهاجمون الرجوب باسم الدفاع عن المسيحية المضطهدة والمسيحيين المساكين، وباسمها عن الوطنية والوطن.     

لو لم يحمل ذلك المشهد عناوين المأساة كما يعيشها المسيحيون المشرقيون بشكل عام والفلسطينيون أيضا منذ سنين، ولو لم تنثر تلك الرياح بذور الخسارة والهزائم المقبلة لما تطرقنا إليها مطلقًا؛ لكنني رصدت ما استنفرته "الزلة" الرجوبية ليس في معرض الدفاع عن صاحبها، بل لأنني أرى أن معظم من انتقدوا تصريح الرجوب لم يقصدوا ولم ينجحوا بسبر قلب القضية الأساسية ولم يفككوا لغز المشكلة المؤرقة، وقد كشفتها، ربما بصورة عرضية في حالتنا، جملة يتيمة انفلتت بتلقائية وبأسلوب تقليدي يعرف به الرجوب-ولا يخلو من فظاظة- قالها هنا من دون أن يقصد الإساءة، ولا المزاح كما افترض بعض المحللين والأصدقاء.

القصة تبدأ وتنتهي في أننا نعيش في عصر يكون القول الفصل فيه للدين ولمن يقف على رقبته وباسمه يأمر وينهى، يحرم ويحلل. لن أفصل في مقالتي كيف نجح الدين في التحكم بجميع خلايا مجتمعاتنا البشرية (المسلمة، والمسيحية والدرزية) واستوطنت زفراته في كل مسامات أجسادنا، وذلك من قبل أن يولد الوليد وحتى مماته ودفنه وقبره وما بعد ذلك من فروض ومحرمات وتوابع.

الهيمنة للأقوى وللأكبر، والفضاء لمن سيطر على مفاصل الإنشاء والإنماء والتثقيف والتسمينالدين هو المحرك الأساسي في حياة الفلسطينيين، وكل ما يفعلونه ويقولونه هو من ثمار هذا الواقع وبروح من  ضبط مفاصله وإيقاعه، فصاحبي حماد يدعوني للمشاركة في جنازة واحد من "جماعتي" ، وأم حسن تقصدني على الرغم من أنهم قالوا لها إني "نصراني"، وجبريل لا يقصد الإساءة "لجماعة الميري كريسماس"، كلهم يتصرفون بشكل "طبيعي" والكارثة هي في "الطبيعي"، وليس بكون جميع تلك التجليات -وهي غيض من فيض ونقطة في بحور-  شواذ واستثناءات

إنه عصر التدين والتطيّف والتمذهب، فعندما يصبح الدين سلعة رائجة في الأسواق يتسوق الحاضرون وفق قوانين البيع والشراء، وتبقى الملامة على من فرط بمفاتيح "الوكالة"، وانبرى وراء دكانه والمصلحة. إنها ثقافة طردت ما كان مقبولاً وشائعًا فسادت وطغت والأكثرية شاهدت وانحنت

 واليوم ترانا نسمع من يكتفون، بعد كل عثرة أو غزة أو غزوة، بالنداء إلى عقد مهرجانات التسامح ومؤتمرات العيش المشترك، أو من يطلقون كليشيهات السعادة المعلبة  فيصبح "المسيحيون ضروريين للنسيج الوطني السليم"، و"المسيحيون إخوة للمسلمين في السراء والضراء وفي التضحيات وفي الوفاء"، و"المسيحيون أبناء لهذه الارض وهم من حافظوا على سمرتها وسرتها" .. هكذا بدأت الحكاية بالمسايرة، وتنتهي بالمسايرة، فهذه شواهد على زمن ولّى وأصوات من عوالم وتلفظ أنفاسها قبل الانقراض، ومخلفات مجتمعات كانت تعيش قدسية احترام الآخر وتصون حرمة التعدد الثقافي حين كان العلماني راوية القرية والشاعر فارسها والمعلم رسولا، وكان فيها الشيخ والخوري يدعوان البشر للخير والمحبة والألفة، فهما تربيا أيضًا في فضاءات كان فيها الدين لله والوطن للجميع والصلاة وسيلة فردية تصل من تاه برحم الحياة

لم أشعر بإهانة مما قاله جبريل، لأن القضية رهينة في رقبة مجتمع كامل وجميع من وقف على ذلك المنزلق وتهادن أو ساعد أو سكت عن الكبيرة الكبيرة؛ فمن كان منكم بلا خطيئة فليرمِ حمادًا وأم حسن بذلك الحجر!

 

 

 

 

ما تقوله

الروابي في فلسطين

 

جواد بولس

 

أثارت زيارة الفنان المتميز صابر الرباعي إلى فلسطين عددًا من القضايا الهامة التي تصدرتها مسألة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وذلك لما يستجلبه هذا العنوان من ردود موسمية عاصفة وسياسية ملتبسة تتسم في العادة بكونها سهلة الترويج وسريعة الانفلات، لا سيما تلك التي تتولاها مجموعات من المناضلين العاطفيين الذين يدافعون عن فلسطين بأفئدة تهيم عند نعومة الليل وتغرق في بحور من حب "بني عذرة"،  ومجموعات من المعارضين المحترفين البارعين في تطويع الشعار وصباغته بعيدًا عن معطيات الساحة والمرحلة وبمعزل عن ضرورات المصلحة الوطنية الحقيقية؛ ومن الملاحظ أن هؤلاء هم في الواقع قلة صاخبة تعلو أصواتها كصدى لموجة كاسحة تمضي بسرعة فترتطم على الصخر أو تهدأ في حضن شاطئ بعيد.

الإشكال أن "الهيصة" تخبو سريعًا وتتلاشى. العامة تنسى، ولكن في فضاءات الشرق يبقى ذلك الطنين المؤذي

عن الزيارة والتطبيع كتبت مقالتي في الاسبوع الفائت، فالقضية هامة من الدرجة الأولى، لكنها، وعلى الرغم من خطورتها، صارت "ملطشة" لكل نزق أو صاحب مأرب أو نزوة، ولم تحظ بما يناسبها من تشريح للمعطيات الحقيقية كما تواجهها القضية الفلسطينية ويعيشها الفلسطينيون في هذا الزمن القبيح؛ ومن المؤسف أن نجد ان هذه المعادلة، بمجاهيلها الكثيرة أضحت، مع السنين، كورقة إنجيل منسية مهملة خاصة من قبل من يعيشون جحيم الواقع الفلسطيني وعليهم تقع مسؤولية السعي، بهدي دوافعهم الوطنية والسياسية الصائبة، إلى وضع مساطر مجرّدة من كل مصلحة فئوية ضيقة من شأنها أن تساعد على تعريف وضبط محددات ذلك التطبيع المذموم من غير تأثر بأي شهوة حزبية ضيقة أو جهل أو ضغوطات لمزايدات واهية

معظم الذين هاجموا زيارة التونسي الجميل لفلسطين ضمّوا لهجومهم مدينة "الروابي" الفلسطينية فصارت هي أيضًا هدفًا لهجائهم وهجماتهم.

بعضهم فعلوا ذلك عن جهل مطبق بما تكونه مدينة الروابي هذه وكفعل تبرره لهم غريزة القطيع حين يندفع أفراده وراء من يجفل أولًا أو من يبدأ رحلة العطش والسراب في سهول "السافانا" القاحلة. بينما غالط آخرون بتعمد سافر وخطير وهاجموا الرباعي والروابي خدمة لأجنداتهم السياسية الغريبة عن واقع فلسطين المحتلة أو بدوافع لا تمت للمصلحة الفلسطينية بأية صلة أو قربى. وفي الحالتين أثارت العاصفة سؤالًا قد نعود إليه: من وكيف يصنع الرأي العام في فلسطين؟ 

فما كتبته جريدة "الأخبار" اللبنانية عن زيارة صابر الرباعي وحفله الوهاج في مدرج مدينة الروابي المبهر تخطى كل منطق إعلامي مهني نزيه وتعدى كونه موقفًا سياسيًا مبررًا قد يندرج فيما تتيحه حرية التعبير من هوامش وفرص حتى مع من لا يوافقهم العقيدة والرأي والموقف

فلقد كان الأولى بمن كتب: "لعل الفنان التونسي ظن نفسه في رحلة استجمام في ربوع ادارة "أبو مازن" المعنية بتجريد أي نزعة مقاومة في الضفة المحتلة"، أن ينأى عن هذا الغلو في التقريع الشخصي والابتعاد عمّا يشي بهذه الكمية من الحقد الرخيص على من يشغل منصب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح والسلطة الفلسطينية، فحتى لو كانوا في الجريدة على خلاف سياسي مع الرئيس محمود عباس كانت الكياسة تحتم احترام ما ومن يرمز إليهم الشخص، والمسؤولية تستوجب، عند من يحسبون أنفسهم أصدقاء للفلسطينيين، أن يحترموا أولًا هذا الشعب وقياداته ومن ثم ليحتفظوا بحقهم في معارضته سياسيًا وعقائديًا، فالقارئ كان يتوقع منهم بالذات أن يتعاملوا مع المشهد بمسؤولية أكبر فالقضية تبقى فلسطين ووجعها، وعليهم في "الأخبار" أن يدركوا أن لهجتهم المتعالية المستفزة قد مست مشاعر كثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني.

ومع يقيني أن السياسة تبقى عند البعض فنًّا في إدارة الهزائم أو الغنائم وبراعة في بيع الوهم والخواتم، أتساءل ماذا سيشفع حتى لهؤلاء حين يصير الجهل عندهم رايات للمقارعة وتهاليل للنوم في جوف الشعار.  فكيف يصبح واحد من أهم المشاريع الوطنية المقاومة لفكرة الاحتلال الإسرائيلي التأسيسية مجرد "مستوطنة" تنعت بنفس تحقيري، إن كان يعيب أحدًا فهو لا يعيب أصحاب المشروع الكبير اطلاقًا. ففي "الأخبار" اللبنانية نقرأ أن صابرًا: "لا يعرف البعد الرمزي ل"مستوطنة" الروابي "حيث أحيا حفلته"، هكذا كما ورد في الأصل.

قد تكون هفوة أو غفلة لأن من يكتب بهذه الصيغة لا يفقه، أما جاهلًا أو متجاهلًا، كنه الحركة الصهيونية منذ أطلق آباؤها المؤسسون حلم العودة إلى "أرض الميعاد" وحمله المردة الخارجون من قوارير الزمن التوراتي ليحط في فلسطين طائرًا على أجنحة شعاراتهم الشيطانية وأولها: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". من لا يعرف معنى أن يبني الفلسطيني حتى ولو كوخًا -فما بالكم  ببناء مدينة كاملة- في أرضه لا يعرف معنى الصمود وكيف تكون المقاومة عندنا.

إنها سياسة "المحو والإنشاء"، هكذا أسماها كثيرون من المحققين والباحثين وأوجزتها د. هنيدة غانم في دراسة قيمة نشرت في مجلة "الدراسات الفلسطينية" في خريف ٢٠١٣. وفيها نقرأ أن مقابل أكثر من (٤٠٠) قرية فلسطينية هدمت ومحيت أسماؤها بشكل كلّي أقيمت، منذ عام ١٩٤٨حتى خريف ٢٠١٣، أكثر من ألف مستعمرة يهودية (فقط داخل الخط الاخضر) ولحوالي (٣٥٠) منها أعطي اسم من الأسماء التوراتية القديمة، وذلك تنفيذًا لنهج مدروس باتقان ودراية محكمة من أجل محو الفلسطينيين كوجود بشري وتاريخي ومعنوي من وطنهم

أمّا في الضفة الغربية المحتلة عام ١٩٦٧ فقد دأب الاحتلال الاسرائيلي على تنفيذ سياسة استعمارية أكثر عدوانية وقمعية ومستهدفًا نفس الوجود الفلسطيني، تمامًا كما فعلت الحركة الصهيونية الأم مع السكان الفلسطينيين الأصليين في ١٩٤٨، ومن غير الصعب متابعة ما اقترفته تلك السياسات في حق المواطنين الفلسطينيين الذين جابهوها بمقاومة إنسانية يومية لامست حد الأساطير حتى غدا إنشاء سيرة تأوي قطيعًا من الماعز يعتبر مقاومة وافشالًا لسياسة المحو والإنشاء الكارثية

ومن مفارقات الصدف أن أكتب مقالتي هذه بالتزامن مع نشر تقرير الانتهاكات الإسرائيلية لشهر آب الفائت والصادر عن "مركز عبدالله الحوراني" التابع  لمنظمة التحرير، حيث نقرأ فيه عن هدم (١٠٤) منازل ومنشأة فلسطينية خلال شهر واحد في جميع محافظات الضفة الغربية والقدس الشرقية؛ منها (٣٧) منزلًا مأهولًا و( ١٧) منزلًا تحت الإنشاء و(٥٠) منشأة تجارية وزراعية وصناعية، بناؤها، كما قلنا، يحتسب، في عرفهم تحديًا، مقاومة وصمودًا .  

"الروابي"، لجميع من هاجمها وسخر منها، هي مدينة فلسطينية  تبنى بأساليب حضارية مميزة وبرؤى تستشرف نسائم المستقبل وتستهدف رفاهة المواطن الفلسطيني وسلامته، وهي معدة لاستيعاب أربعين ألف فلسطيني. تقام على سفوح تلال فلسطينية أنقذت من الابتلاع لأنها انتزعت من فكي الاحتلال؛ ولمن لا يعرف فعند إتمامها ستقطع عمليًا تواصل مجموعات من المستعمرات الإسرائيلية الصغيرة التي تبدأ من الشرق حتى تصل إلى منطقة رأس العين.

في فلسطين تبنى مدينة ويرسخ وجود وتشمخ حضارة وهذا هو الأهم وما سيبقى في ذاكرة التاريخ، وكل التفاصيل الصغيرة، على أهميتها، وما قيل في السر والعلن عن بدايات بنائها وعن المستفيدين من مداخيلها سواء من كبار البرجوازيين الفلسطينيين وأصحاب رؤوس المال الذي لا يعرف الشبع، هي قضايا قابلة للنقاش والتدقيق، لكنها تبقى في المحصلة وبالمقارنة فواصل في نص كبير غني ومتين وليس أكثر من هوامش ضامرة على صفحة العمران الكبيرة والمغامرة الجليلة؛ فالرؤية من وراء انشاء مدينة فلسطينية -هي عمليًا أول مجمع سكاني يبنى منذ مئات السنين في فلسطين-  تعتبر تجسيدًا لمعنى الوجود الفلسطيني وانعكاسًا للمفهوم المؤسس لفعل المقاومة ولمعنى الصمود الفلسطيني الفعلي في وجه الاحتلال الإسرائيلي ولمشروع الحركة الصهيونية الكبير.

شعب فلسطين بحاجة لمؤازرة الإخوة والأصدقاء وجميع أنصار الحرية وكرامة البشر، وأبناء هذا الشعب يشاهدون ما يجري في الدول العدوة والشقيقة والصديقة والممانعة والوسيطة، ولقد صمدوا وضحوا وما زالوا يواجهون العدو مباشرة والمكائد والمؤمرات والمزايدات وباعة الأوهام؛ وهم، لذلك، صاروا خبراء في فقه السقاية والعطش ويفرقون بين الفقاعة والرذاذ والطل والمطر، ويٓحذرون ممن يسخف صمودهم ويسخر من بناء مدينة زاهرة، سواء كان مغررًا به أو متجنيًا أو متجاهلًا لما يعرفونه هم ويعرفه البشر:  فمن وقف على مدرج روابي فلسطين قبّل جبين التاريخ وزرع حصًا في تاج الكرامة، ومن غنى من هناك لغزة والقدس وجنين لامس الشام على خد القمر، ومن رندح للحب وهز أجفان الحرية هو مقاوم وسند لفلسطين الأرض وليس صاحبًا لها في المجاز والمتاع والفكرة والسهر؛ لأن المقاومة عندنا، في فلسطين، تعني البقاء في الارض  والبناء في الروابي والغناء للسواعد السمر وللعيون السواهي ولأطفال يعشقون الورد ويربون الحجر.

كنت هناك وكانت الكوفية هناك وصوت شعب يحب الحياة ينادي من على كل رابية ومنحنى ووادي : "بأن البلابل لما تزل هناك تعيش بأشعارنا/ /  وما زال بين تلال الحنين/ وناس الحنين مكان لنا".

 

 

 

فلسطين الصابرة

 

جواد بولس

 

ماذا لو لم يقرر مكتب "وحدة التنسيق لشؤون المناطق" في جيش الاحتلال الإسرائيلي نشر صورة الضابط الدرزي هادي الخطيب برفقة الفنان صابر الرباعي في تلك اللحظة التي عرّت، مجددًا، جيفة حاضرنا في هذا الشرق الأخرق؟ كيف كانت ستنطلق وحدات "الفسابكة" الغاضبة وتتدافع إلى جانبها قوات "التواترة" في حملة هي وما سبقها من حروب العرب والعرب أغرقت سهوب فلسطين بالضحالة، وأعادت إلى فضاءاتنا زمجرة الصدى الأغبر الآتي من حناجر العدم.

ما هذه الحكمة الناقصة دومًا في ربوعنا؟ ولماذا نبرع في احتكار الهزائم وتسجيل الأهداف القاتلة في شباكنا؟

ما ضر الجميع لو تريثوا، ولو لمدة شهقة، ليتحققوا في مصلحة من ستكون الهجمة على صابر وزيارته إلى فلسطين المحتلة، لا سيما والجميع كان يعرف أن جيش الاحتلال كان من وراء نشر تلك الصورة اليتيمة؟ ما ضرّهم لو أجلوا "الهيصة" ليتساءلوا، ولو برفقة رشفة، لماذا نشرت الصورة  في وقت كانت أصداء الحفلة تدوي في سماء فلسطين المقحلة، وتجتاح نشرات الأخبار في فضائيات العرب والعجم وهي تعرض مشهدًا حضاريًا مقاومًا ينبض من قلب أرض، لا يريدها الأعداء إلا أن تكون دامية باكية بائسة عزلاء ومنسية، وتقارير الصحافة تستعرض صور آلاف من أبنائها التواقين للفرح والمتأهبين لمعارك الحرية والكرامة كلما استفزتهم حنجرة التونسي وهو يحيي تراب فلسطين ويصوب نحو قدسهم ويتوعد أصحاب النار بالفجر وبالثار.

وكي لا أفتح على نفسي مزاريب جهنم المجهزة في حواضرنا والجاهزة دومًا، أعرف بأن الكتابة عن الزيارة ومحطاتها كانت علي أسهل وأسلس بكثير لو لم تنشر إسرائيل تلك الصورة أو لو لم يوافق صابر الرباعي على التقاطها، حتى مع كل تخيلي لتداعيات تلك اللحظات المتسارعة وتفهمي للظرف الذي حصل- وكما جاء في البيان الصادر عن مكتبه؛ ولذلك تجدني اليوم آسف على وجودها، فناشرها كان على يقين أنها ستقلب الموازين التي بدأت وزناتها تميل لصالح شعب أرادوه أن يعيش في ظل الذل واليأس والخسارة، وهم كخبراء في قهر العزيمة العربية قدروا أن نشرها سيستدعي تفريغ تلك الصدور من غبطتها والأمل وملأها بالغضب والأسى، فعندها، هكذا رسموا وخططوا، سيصير الانتصار الصغير هزيمة كبرى؛ إنها مهارات العرب المزمنة التي أدمنوها من زمن نكسة وأجادوها في عصر نكبة، كما وانهم يجيدون العوم على شبر ماء والسباحة في برك التخوين والتشكيك والتخدير.

ويبقى "التطبيع" هو القضية القديمة الجديدة التي باسمها علل كل المزايدين والمقرعين والموبخين والمسفهين والمنتقدين والعاتبين والناصحين والغيورين، مواقفهم ضد زيارة الفنان التونسي الوسيم لفلسطين، فما هو هذا الشعار الملتبس وما المقصود منه وقد صار في مواقعنا يستل، على حين نزوة، كورقة "الجوكر"، لتتحول بيد ممسكها إلى عصا سحرية يُضرب بها رأس من يُستفرس في تلك اللحظة الحبلى فتشج رأسه.  

 فمثلًا، منع الرئيس الجزائري بوتفليقة في العام ٢٠١٠  زيارة وفد من عرب ال ٤٨ كان يرأسه رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية وبمشاركة مجموعة من الأسرى الأمنيين، الدخول إلى بلاده ليشاركوا في مؤتمر للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين، وكانت الحجة رفضه للتطبيع مع حملة جواز السفر الإسرائيليبينما لم تعتبر مشاركة وزير الطاقه الإسرائيلي، في حينه، عوزي لنداو في مؤتمر دولي كبير في دولة الامارات تطبيعًا. وقد نعود ونذكر بعشرات من الحالات التي أنتجها صندوق التطبيع  العجيب، فعندما قرر الدرويش زيارة الكرمل عيبت زيارته من بعضهم ودمغت على كونها تطبيعًا! وحين علا صوت القاسم في وسط تل ابيب وتمنى: "قاب قوسين لا قاب قوس وأدنى يا حبيبي وعدنا" أفتى بعض سدنة ذلك الصندوق على ان القاسم يطبع! والحالات عديدة وكثيرة لا مجال لحصرها هنا.

ولكن بعودة إلى قضيتنا سنجد أن صابرًا لم يكن أول من اتهم من الفنانين والمبدعين والأدباء بالتطبيع، فلقد سبقه إلى تلك القائمة كثيرون واجهوا نفس الرماح لمجرد انهم قرروا ملامسة الوجع من داخل الجرح الفلسطيني، فعندما زارت الفنانة هند صبري فلسطين اتهمتها مجموعات كثيرة في العالم العربي بالتطبيع، وحين زارها ابنها الروائي الكبير ابراهيم نصرالله عاب عليه بعض الراصدين زيارته لحضن الأم ووجهوا عليه قاذفات الكلام المر. إنهم كغيرهم من عشاق فلسطين لم يكتفوا بالهتاف من خلف الجدار،  فجاءوا إلى من يربون الحصى في حواكيرهم وزرعوا معهم سنابل الأمل وحدائق النور.

التطبيع ليس حالة معرفة بشكل حسابي دقيق أو ببديهية مطلقة. ولا شعارًا مستقلًا يرفع من دون قرينة تبدده أو تبرره أو تحظره؛ فاذا حيدنا تطبيع الحكومات والأنظمة العربية والاسلامية مع حكومة إسرائيل، كاستقراء لواقع تعيشه هذه الدول منذ سنوات، وبعد أن أفرغ هذا الشعار (لا للتطبيع) بشكل عملي من محتواه الأصلي والأصيل بسبب ما آلت إليه أوضاع هذه الدول بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو، وإذا ما استثنينا وضع وواقع المواطنين العرب في إسرائيل وذلك لخصوصية وضعهم القانوني والمعيشي، فعن أي تطبيع نحن نتكلم؟ 

فبعد إبعاد تلك الحالتين يبقى التطبيع العربي والدولي المحظور محصورًا في المفاعيل المدنية لتلك المجتمعات ومرهون بمسؤولية محركاتها الأساسية: مؤسسات مدنية أو نقابات مهنية على تنوعها أو معاهد أكاديمية وأشباهها وما إلى ذلك من أطر تمثيلية جامعة تتعهد بتنفيذ سياسة تحريم التطبيع وتطوير مواقفها لترتقي بها إلى مواقع حقيقية ومستويات من شأنها أن تؤثر على إسرائيل وسياساتها القمعية الاحتلالية.      

ولكن بعيدًا عن محاولة وضع مفاهيم شاملة لقضية التطبيع، وهي مسألة كتب فيها القليل بشكل علمي ومسؤول وشوّش فيها أكثر، ومن دون الدخول في تفصيل دقيق أو في محاولة لوضع قوائم مغلقة تجمل لمجموع الأفعال التي قد تحتسب تطبيعًا مع الاحتلال أو لا، ومع التأكيد على حصر موقفي في هذا المقال من الأفعال الفردية أوكد أنه من الضروري أن نرهن  كل فعل يمارس على الأرض المحتلة إلى مصلحة الشعب الفلسطيني، فاذا وجدنا أن العائد من ممارسة ذلك الفعل لا يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني بشكل واضح وحاسم أو إذا كان يخدم مصالح الاحتلال الإسرائيلي بشكل واضح أو محتمل، عندها يعتبر ذلك الفعل عملية تطبيعية جديرة بالإدانة والرفض. فالمسطرة يجب أن تبقى خاضعة لامتحان المصلحة العامة وفوقيتها على كل مصلحة أخرى سواء كانت فئوية أو تجارية أو حزبية، والاحتكام إلى تلك البوصلة من شأنه أن يمنع المزايدات والمهاترات والمغالطات ويمنع حتى الوقوع في فخ العواطف الصادقة النبيلة التي قد تثور وتجيش على بريق صورة مغرضة أو إشاعة مسمومة أو نبأ مدسوس أو مبتور.    

فسؤالي إلى جميع من هاجم الزيارة وخاصة أولئك المنفلتين بهستيرية مزعجة بعد نشر تلك الصورة، كيف يمكن قراءة الزيارة بشكل عام والحفل الغنائي الرائع المميز بشكل خاص، كنشاط تطبيعي وأين مصلحة الاحتلال الإسرائيلي فيه؟

وبعيدًا عن ثورة العاطفة ، وإن كانت حقيقية ومحقة، وردة فعل أصحابها بعد رؤية وسماع فنانهم وهو يغني في الليل في كامل نغاشته وحلو أصالته وبريق وسامته وتحليقه ووطنيته،  يقف في الصباح إلى جانب من يرمز للاحتلال الإسرائيلي البغيض، يبقى الحدث كله فلسطينيًا بامتياز  وحضاريًا بشكل استفز إسرائيل أولًا  وكل من راهن على "همجية" العرب وبساطة الفلسطينيين وقصور الفقراء، وحفلًا ناجحًا بجميع المعايير الفنية واللوجستية بصورة خيبت آمال من راهنوا على فشله؛ وكل من كان هناك شهد ليلة حاكت فيها فلسطين نجوم السماء وأرقصتها، فالفضاء كان يعج بالفرح والأمل كان يتنطنط بين الجبال الضاحكة، و"يا طير الطاير" شقت العتمة التي زرعها الاحتلال بخبث وبمثابرة منهجية شيطانية، وطرزتها أقمارًا من وجد وجوى وشوق لا يمكن لشعب يسعى للحياة واثقًا أن يمضي إليها من دون أن تضيء حنايا صدور أبنائه.

لم يتوقع الاحتلال ذلك الزحف الهادر من آلاف عشاق الحياة والسهر، وهو الذي افترض أن قمعه قد قضى على عشق الغناء عند هؤلاء البشر. لقد راهنوا على ليلة قد توازي في أحسن أحوالها عرسًا في حاكورة البلد فصدموا حين اكتشفوا أن القدس كانت في كل الروابي عرائس وكانت جارة القمر

إنه الفرح المقاوم أيها العرب، فجرحنا في فلسطين مكابر وعلمنا أن نهزم الهزائم بالقبضة، نعم، وبقلوب مؤمنة بالبسمة والمطر. إنه النشيد أيها العرب والمواويل رماح والحب الذي كالسيف، فمن لا يطير مع قلبه ليلحق "بزينة الزينات" لا يعرف من أين تمضي دروب الحرية ومن لا يعشق "أجمل النساء" لن يهتدي لا لغمده ولا إلى قدسه.

إنها المقاومة الآدمية الأساسية ضد كل محتل مارق: أن نعيش حياتنا الإنسانية بطبيعيتها اليومية وكما تتمناها العذارى ويمتطيها أجمل الفرسان، هكذا، صدقونا، سنصمد وسنهزم اليأس والاحتلال.

لقد كنت هناك وأحسست بتلك النغزة دقت في خاصرة العنجهية الاحتلالية. نغزة صحت عقولهم وألجأتهم إلى أم الوسائل، إلى الخديعة، فهم يعرفون أن العرب "فوّارو الدم" وطيّاشون "على شبر ماء" أو غرقى في طشت وهم.

لقد كان الانتصار في الروابي صغيرًا لكنه كان فلسطينيًا فأبقوه كذلك ومزقوا هتافات السراب والصورة الخديعة!

يتبع عن الروابي

 

 

 

فأين «حذام» الفلسطينية؟

 

جواد بولس

 

في صبيحة يوم الخميس الماضي كان من المقرر أن تستمع المحكمة في معسكر عوفر لطلب نيابة الاحتلال العسكرية بتثبيت أمر الاعتقال الإداري الجديد الصادر بحق الأسير عمر البرغوثي، من أجل إبقائه لمدة ثلاثة شهور إضافية، عليه أن يتممها ليصبح مجموع ما قضاه في هذه الجولة وراء القضبان ما يقارب العام.

ويعتبر الأسير عمر البرغوثي، ابن الثالثة والستين وهو من بلدة كوبر الفلسطينية من قضاء مدينة رام الله، من أبرز الأسرى الإداريين في سجون الاحتلال التي أمضى فيها، لغاية اليوم، ما مجموعه ستة وعشرين عاما كانت آخر ستة أعوام منها عبارة عن اعتقــالات إدارية متقطعة لم يخضع فيها للتحقيق بشبهات محددة ولم تسند له أي تهمة إطلاقًا.

لم يحضر عمر إلى قاعة المحكمة واكتفى بتزويد حراس السجن بقصاصة ورق صغيرة، صارت تعتبر إعلاما رسميا بعدم استعداد الأسير لحضور جلساته، مثله مثل عشرات من زملائه اختاروا ردة الفعل هذه، وأصبحوا في قاموس المحاكم العسكرية يدعون بـ»الرافضين»، أي من يتنازلون، عن يأس وملل، عن حقهم في حضور جلسات المحاكم على درجاتها: بدءًا من محكمة التثبيت مرورا بمحكمة الاستئناف العسكريتين وحتى محكمة العدل العليا الإسرائيلية.

إننا عمليًا بصدد ظاهرة مقلقة جديدة تترسخ معالمها مع مرور كل يوم، وأخطر ما تعكسه هذه الظاهرة هو موافقة القضاة على استنكاف الأسرى عن المشاركة في العملية القضائية، من دون أن يتساءلوا عن الأسباب الحقيقية لردة فعلهم، وترحيب ممثلي النيابات العسكرية والمدنية بالوضع الجديد، وكأنني بهم، قضاةً ونوابًا، يعتبرون ما حصل كأمر عادي لا بل كإزاحة عبء عن كواهلهم.

في السجون الإسرائيلية يقبع حوالي السبعمئة أسير إداري، وهذا رقم كبير جدًا يجب أن يقلق جميع المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الانسان، ويحث كل الجهات القيّمة على متابعة وتطبيق قواعد المواثيق الدولية التي تعنى بشؤون المواطنين الرازحين تحت الاحتلال؛ والقضية موجعة ليس بسبب تلك الأعداد الكبيرة فقط، بل لأن كل أسير منهم يعد عمليًا كحالة مأساوية إنسانية صارخة، فهؤلاء الأسرى ليسوا كباقي الأسرى الأمنيين الذين يعتقلون بعد الاشتباه بهم، ويحقق معهم ويتهمون بلوائح اتهام معرّفة ويدانون بأحكام محددة، قصيرة كانت أم طويلة، فالأسير الإداري يعتقل وهو يجـــهل عمليًا سبب اعتقاله ويزج به في السجن من دون أن يعرف موعد الإفراج عنه، وهذه الجــزئية هي أقسى ما يعيشه كل أسير إداري، خاصة اولئك الذين يواجهون منهم عمليات اعتقال مـــتكــررة تصـــل أحيانًا إلى سنوات طويلة، كما في حــالة عمر البرغـــوثي والأسرى: سالم دردساوي، سعيد نخلة، والنائب عبدالجابر فقهاء وغيرهم.

في هذه الأيام تتصدر قضية الأسير بلال كايد عناوين أخبار الحركة الأسيرة الفلسطينية، فهو قد أعلن إضرابًا عن الطعام منذ الثالث عشر من حزيران/ يونيو المنصرم، نقل على أثره وبعد تدهور حالته الصحية، إلى مستشفى «برزيلاي» الإسرائيلي، حيث ما زال يواجه هناك احتمالات الموت، كما يشهد على ذلك الأطباء والتجربة في حالات سابقة شبيهة.

من الطبيعي أن تستجلب هذه القضية اهتماما أكبر مما حصلته لغاية اليوم، ليس فقط بسبب حالته الخطيرة والمقلقة جدًا، إنما بسبب ما يميزها أيضًا من رعونة إسرائيلية سافرة؛ فبلال كايد، وهو من سكان قرية عصيرة الشمالية من قضاء نابلس، اعتقل عام 2002 وحكم عليه في محكمة عسكرية لمدة أربعة عشر عامًا ونصف العام قضاها كاملة واستعد في الثالث عشر من يونيو الفائت للحظة الإفراج عنه، لكنه فوجئ باستصدار أمر اعتقال إداري يقضي بإبقائه في السجن لمدة ستة أشهر إضافية، من غير تهمة اطلاقًا. صادقت محكمة عسكرية أولى على أمر اعتقاله ومثلها فعلت محكمة الاستئناف العسكرية ولسوف تُنظر قضيته في الاسبوع المقبل أمام هيئة من ثلاثة قضاة في المحكمة العليا الاسرائيلية.

ما جرى مع بلال هو العبث بعينه والاستعصاء المطلق على استيعاب معنى العدل البسيط والإنسانية، وربما هذا ما دفع بمنظمة العفو الدولية» أمنستي» يوم الثاني عشر من آب/أغسطس الجاري، لاصدار بيان خاص طالبت فيه السلطات الإسرائيلية باطلاق سراح بلال كايد أو بتوجيه تهمة له.

 بيان «أمنيستي» مهم لكنه غير كاف، فعلى المجتمع الدولي واجب للتحرك من أجل حماية حقوق الفلسطينيين من ممارسات الاحتلال، أو على الاقل في هذه القضايا العينية الصغيرة/ الكبيرة. فلمن تكتب أمنستي وتعلن: «أن الاعتقال الاداري ليس محظورًا في المطلق بموجب القانون الدولي، لكنه يجب الا يُستخدم إلا في حالات استثنائية وأن يخضع لضمانات صارمة، بيد أن إسرائيل ما انفكّت تستخدمه منذ عقود كبديل، وبهدف الاعتقال التعسفي لأشخاص لم يرتكبوا أي جريمة، ومن بينهم سجناء رأي. كما ان بعض الفلسطينيين احتجزوا بدون تهمة أو محاكمة وان استخدام الادلة السرية تحرم المعتقلين من إمكانية الطعن في اعتقالهم بشكل فعال امام المحكمة ومن حقهم في محاكمة عادلة.. فمنظمة العفو الدولية ترى ان استخدام إسرائيل اسلوب الاعتقال الاداري بحد ذاته ربما يصل إلى حد المعاملة القاسية أو اللانسانية أو المهينة».  نحن في فلسطين نعرف ما قالته أمنستي ونعيشه، فضحايا هذه الاعتقالات يملأون السجون الإسرائيلية، ونؤكد أن ما افترضته أمنستي ببيانها كاحتمال  وارد من عدة احتمالات هو الحقيقة بعينها والواقع القائم، فقضية عمر البرغوثي تشهد أن أسلوب إسرائيل في الاعتقال الاداري وصل إلى حد المعاملة القاسية واللانسانية الفاضحة ومعاناة بلال كايد وهو يواجه موته تصرخ أن نهج إسرائيل أكبر وأخطر من معاملة مهينة وغير عادلة.

لقد صرحت أمنستي مشكورة بما صرحته، لكنني على قناعة بأن الدواء لهذه القضية يبقى عند أصحاب الداء، وعلى الفلسطينيين أن يعاودوا تقييم مواقفهم ازاء سياسة الاعتقال الاداري الاسرائيلية، وعلى الجهات ذات الشأن والعلاقة أن تقرأ قرار عمر البرغوثي وصحبه  «الرافضين» الامتناع عن حضور جلساتهم بنظارة وطنية صحيحة وعليهم أن يسمعوا نداء أمعاء بلال والاخوين بلبول ومن معهم من المضربين بسماعات طبّية وطنية سليمة،  ففي النهاية لن يصح القول إلا إذا قالته «حذام» فأين حذام الفلسطينية؟

 

 

 

 

ما بعد بيان العلماء

 

جواد بولس

 

أصدر في نهاية الشهر الماضي مائة بروفيسور عربي/ة بيانًا بعنوان "فخار لن يكسر بعضه" عبّروا فيه عن موقفهم ضد مظاهر العنف المتفشية في مجتمعاتنا العربية المحلية مؤكدين على قلقهم من انتشار كافة أنواعه ومسجلّين رفضهم واستنكارهم لتلك الظاهرة وفي نفس الوقت حرصهم على سلامة أبناء المجتمع.

أثار النشر "عويصفة" عابرة شارك فيها مجموعة من الكتاب والصحفيين ومتابعي وسائل التواصل  الاجتماعي على أنواعها، حيث انتقد معظمعهم المبادرة والبيان وخّصوا بالنقد استنخاب المبادرين لمائة من حملة ألقاب البروفيسور فقط في خطوة عدت نخبوية استعلائية مكروهة، حسبما جاء في تلك المقالات أو التغريدات أو (البوستات).

كثيرون يجهلون تداعيات إصدار ذلك البيان وما سبقه من تفاصيل لو نشرت في حينه لمنعت أقساطًا من الهجوم عليهم ومحاولات التقريع والمس بمجموعة من خيرة أبناء مجتمعنا لا يملك أحد حقًا بأن ينكر عليهم حقهم في التعبير عن موقف جماعي إيجابي حتى لو كان للبعض، وأنا منهم، تحفظ على مضامين البيان التي جاءت فضفاضة وعمومية أو عن رغبة بأن يحتوي بيانهم مواقف أكثر فعالية ترافقها مقترحات عملية أو خطة عمل مهنية مفصلة هادفة.       

وللنزاهة علي أن أسرد ما كنت أعرفه من قصة هذا البيان الذي تطرقت إليه قبل نشره بأسبوعين في مقالتي "وكان عرس في الجليل" والمنشورة يوم ٢٠١٦/٧/٢٢). 

 فما عرفته من اتصال صديقين مبادرين للفكرة أنها جاءت بعد أن استُنفر بعض الأصدقاء من تداعيات مقالة كتبتها عن مصالحة تركيا وإسرائيل (نشرت في الثلاثين من حزيران) ومهاجمتي الخطيرة على أثرها من قبل الشيخ كمال الخطيب، بما يمثله كقيادي إسلامي مؤثر، وله دور في لجنة المتابعة العليا، ورسالتي الجوابية له. فلقد زودني المبادرون بنص بيان اختاروا له عنوانًا: "وجادلهم بالتي هي أحسن" وفيه صرّحوا ما يلي: "نحن الموقعين أدناه مثقفين وممثلين من المجتمع المدني الفلسطيني في الداخل، نعبر عن صدمتنا الكبيرة وقلقنا البالغ من حدة وقسوة النقاش الذي يتداول على صفحات التواصل الاجتماعي، خصوصا على صفحات شخصيات قيادية وسياسية ودينية في 
مجتمعنا، آخرها تبعات مقال الكاتب جواد بولس وردّ الشيخ كمال الخطيب رئيس لجنة الدفاع عن الحريات المنبثقة عن لجنة المتابعة العليا".  

لقد فرحت للمبادرة ووضعت ملاحظة بسيطة على النص، وانتظرت بيانهم النهائي، الذي وصلني في الرابع عشر من تموز/ يوليو، ففوجئت باستلامي نصًا مختلفًا عن الأصل ومغايرًا بفكرته وجوهره وبعنوانه الذي أصبح: "فخار لن يكسر بعضه". خاطبت من كانوا على تواصل معي، متحفظًا ومنتقدًا، وعبرت بعدها عما قلته لهم  في مقالتي المذكورة ومرددًا أن النص الجديد هو "عبارة عن نص إنشائي عار من أي موقف واضح وصريح. نص توفيقي سطحي لا يمنع من أن يوقع عليه حتى العنصري أو التكفيري أو المفتن. كان هذا نص العاجزين".

إنني مدين بهذا التوضيح لبعض من أصدقائي الموقعين على البيان وقد عتبوا على انتقادي الشديد له من دون أن يكونوا على علم بتفاصيل ما حدث معي، ومن دون أن أعرف من منهم كان يعمل في الحلقات الصغيرة على إعداد البيان وإنجازه للنشر، وعلى الرغم من انتقادي لما جاء في العريضة أؤكد أنني أفرق بين حقهم في التوقيع عليها وحريتهم المكفولة في التعبير عن مواقفهم، وأؤكد بأنني لست شريكًا مع من عاب عليهم أو على المبادرين بقصر المبادرة على حملة درجة البروفيسور، بل على العكس أقول عساها تكون، على نواقصها، حافزًا لغيرهم، من الأكاديميين والمثقفين والعاملين والناشطين الاجتماعيين والسياسيين كل من موقعه ومكانته، ليتقدموا بمبادرات مثيلة أو أنجع أو "أدسم" أو أكثر ثورية وإثراءً

على جميع الأحوال فلقد صدرت العريضة، وأثارت ما أثارته من نقاش وبعض الاهتمام الشعبي العام، وكان أهمه بنظري التفاتة السيد محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، لهذه المجموعة حين خاطب  أفرادها برسالة خاصة قال فيها: "إنني أنظر بإيجاب كبير إلى رغبة أي قطاع أو شريحة مجتمعية في تقديم مساهمته في تصويب أو دعم مسيرتنا الوطنية والاجتماعية والانسانية وتوقيعكم على العريضة الهامة يدخل في هذا الباب بالتأكيد".

 بقدر ما تحمله هذه الدعوة من احترام لمن وقع على ذلك البيان، فقد يجد فيها القارئ الحذق إهابة أو وربما إدانة لكثير من النخب والشرائح الاجتماعية، لا سيما المؤطرة في أحزاب وحركات سياسية- وبعضهم انتهز الفرصة للتهجم على من وقع البيان، واتهمهم بالتكبر والتجبر واستغلال الفرصة، بينما لم يرهم رئيس المتابعة يحركون ساكنًا في مواقعهم من أجل التصدي لظواهر العنف، لا بل قد نجد منهم من نجح بانتهازية مقيتة أن يتحالف أو يتشارك أو يوظف بعض منتجي ومفاعلي العنف في قراه وبلداته.  

لقد قيل الكثير في سوء أوضاعنا العامة وأسهب من أسهب في تشخيص ما يعانيه مجتمعنا من مخاطر وأمراض عضال تفتك فينا كل ليلة وكل يوم، وتبقى الدولة ومؤسساتها في حكم المسؤولين الرئيسيين عن جلّها، فعندهم يُخمّر الداء وفيروساته ومنهم يُحجب الدواء ويمنع، مع هذا فلا يمكن أن نستكين لهذه المقولة كي نعفي أنفسنا من المسؤولية الكبرى؛ وإن كان عندي انتقاد كبير لما جاء في بيان المائة أو ما غاب عنه أو غُيب لأغراض التوفيق والتجسير والتيسير، فلقد تجدني أوافق الموقعين حين كتبوا: "ندرك أجمعين مسؤولية ومصلحة من يتربص بنا في تنمية العنف بيننا إلا أننا نرفض أن يكون في ذلك مهرب من مسؤولياتنا الذاتية تجاه أبناء مجتمعنا.." قد لا يرضي هذا النص كثيرين من الناشطين السياسيين والمحترفين الحزبيين الذين اعتادوا على نصوص حصر المسؤولية في سياسات الدولة القمعية وممارساتها العنصرية وارتاحوا بعد ذلك وأناخوا، ومع صحة كل ما قيل ويقال في سياسات الدولة وعنصريتها، سأضم هنا صوتي إلى ما جاء في هذا النداء في هذه الجزئية،  فالمهم يبقى فيما علينا فعله في وجه آفة العنف المستشري، وأملي أن يستجيب كل من دعاه رئيس المتابعة  ليشاركه حلمه في السعي لبناء مستقبل يريده آمنًا لنا ومشرقًا، فهو قد أعلن: "أننا في لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، الإطار الجامع والوحدوي لكل القوى السياسية والتيارات الناشطة هنا، نعكف على عملية عميقة لمأسسة عملنا بشكل علمي في مختلف مجالات الحياة، وذلك إلى جانب مواصلة حمل مقتضيات العمل الوطني من أجل تجذير جماهيرنا في أرضها ومن أجل تحقيق حقوقنا المدنية والقومية".

على النبهاء أن يقرأوا النص بعناية وببصيرة فـ"لجنة المتابعة ما زالت في مرحلة البناء الأولي"، كما جاء في رسالة بركة، وهي في عمرها الجديد تسعى لمأسسة عملها بشكل علمي في مختلف مجالات الحياة إلى جانب دورها في النضال الوطني العام، وهذه دعوة من قائد لا يريد أن يبقى في القمة وحيدًا- لأنه قد يصاب بالسأم الوطني- ولا أن تبقى عهدة حريات المواطنين العرب مرهونة لموازين قوى سياسية ورثتها الجماهير من حقبة وطنية درست

وجه بركة دعوته إلى من وقع على بيان العلماء، ومنهم إلى من استفزته مبادرة العلماء، وكذلك إلى من لم يكترث لهذا وذاك، وكأني بندائه يقول: ها جاءكم الصوت فساعدوا من أجل مأسسة العمل بشكل منهجي وعلمي، وهي، لعمري، فرصتكم وإلا سيبقى بيانكم مجرد ورقة طيرتها الريح حين مرت من نافذة  ذلك البرج العالي.

 

 

 

 

الصليب الأحمر ليس عدوًا

جواد بولس

قبل يومين استأنفت بعثة الصليب الأحمر نشاط مكاتبها في القدس وذلك بعد أن علّقته، منذ السابع من آب الجاري، بدعوى اقتحام مجموعة من المتظاهرين الفلسطينيين مكاتبها الكائنة في منطقة الشيخ جراح وإعاقة عمل الموظفين على حد ما صرحت به في حينه، "أجاث ستريكر"، نائب مدير البعثة في القدس والضفة الغربية، مضيفةً أن "اقتحام مكتبنا غير مقبول ولذلك قررنا تعليق نشاطاتنا لحين حصولنا على الضمانات اللازمة للقيام بعملنا في ظروف آمنة" وأكدت على أن عمل مكاتبهم في الضفة الغربية لن يتأثر بهذا القرار.  

لقد كان واضحًا لكثيرين ممن يتابعون قضايا الأسرى أن المسؤولين في بعثة الصليب الأحمر سيجدون مناسبةً مواتية ليعاودوا فتح مكاتبهم في القدس واستئناف نشاطاتهم منها، فلقد شهدنا في الماضي أحداثًا مشابهة أدّى بعضها إلى جفاء ميداني مؤقت كان ينتهي دومًا بسرعة محسوبة وبعد استخلاص جميع الفرقاء عبرهم واستيعاب كل من مكانه ووفقًا لمصلحته على أن العلاقة بينهم متشابكة وموضوعية، فالضحية الفلسطينية، مهما قست تعابير وجعها وشذّت ردود أفعالها عن المألوف، لن تتنازل عما يوفره الصليب لها من خدمات وإسناد، والصليب بدوره كان يستعيد فقه البدايات، فهو قد ولد وصار أحمر منذ العام ١٨٣٦ ليكون في صف المظلومين ومع دماء ضحايا الحروب والاحتلالات الغاشمة.

لم تأت تداعيات القدس من فراغ أو كتعبير عن نزوة عرضية، فخلفية الأحداث المقدسية واكبتها نشاطات فلسطينية احتجاجية قامت بها مجموعات من الناشطين الفلسطينيين وعائلات الأسرى وجرى أهمها في ساحات مكاتب بعثات الصليب في مدن الضفة المحتلة، ومرد تلك الاحتجاجات كان اعلان المسؤولين في اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن قرارهم بتقليص عدد زيارات أهالي الأسرى لأبنائهم في سجون الاحتلال من إثنتين شهريًا إلى زيارة واحدة.

قرار الصليب شكل صدمة كبيرة في فلسطين وضربة قاسية لأحد أهم إنجازات الحركة الأسيرة التي صارعت في بداياتها من أجل احراز وتثبيت حق الزيارة بإطارها المتبع منذ عقود، فالغاء الزيارة الثانية هو في الحقيقة أشد من خيبة عادية نزلت على صفوف العائلات والأسرى، لا سيما والجميع يعرف حجم التعقيدات والتحفظات التي تضعها قوات الاحتلال الإسرائيلي في أثناء التجهيز لتنفيذ كل زيارة وخلالها وهي في الواقع عبارة عن عراقيل تستهدف إذلال العائلات وإفشال الزيارات بشكل كامل أو لبعض الأسر المشاركة.

ومرّة أخرى أعادت هذه المناكفة إلى مواقعنا تلك السجالات المعهودة حول دور لجنة الصليب الأحمر وما يقوم به وكلاؤها أثناء زياراتهم الدورية للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال أو في الميادين الأخرى التي تندرج في سلة المهام الموكلة لها.

فالمنظمة ناشطة منذ عقود طويلة في العشرات من الدول وفق الصلاحيات والمسؤوليات المنصوص عليها في المواثيق الدولية وهي بدورها عكفت على تأديتها كذلك في فلسطين المحتلة.

راوحت معظم النقاشات بين ما هو مأمول ومرغوب وما هو معقول ومقبول، ويبقى مثار أشهر التهم التي تنسب لأداء مندوبي الصليب متعلقًا بالسرية الكاملة التي يحيطون فيها أنفسهم ويغلفون بها تقاريرهم المعدة على أثر زياراتهم للأسرى خاصة في الأيام الأولى للاعتقال . فمندوبو الصليب يكونون بالعادة، في حالات الاعتقال الأمني، أول من يلتقي الأسرى في زنازين التحقيق وهم لذلك شهود العيان الحقيقيين على ما تمارسه أجهزة التحقيق الإسرائيلية، في حين يمنع، على الغالب، محامو الدفاع من مقابلة موكليهم وكذلك العائلات.            

بعض الجهات الفلسطينية تصر على أن بعثة الصليب في فلسطين وهي تمارس نشاطها بسرية وتتعمد عدم نشر تقاريها التفصيلية حول ما يشاهده مندوبوها في غرف التحقيق، تتواطأ عمليًا مع سياسة القمع الاحتلالي وتتستر على موبقات أجهزة التحقيق على أنواعها، وبعض هؤلاء ينادون بوجوب اتخاذ خطوات صارمة تصل حد المقاطعة التامة أو حتى طرد البعثات من فلسطين.

لقد رفض مسؤولو هذه المنظمة عبر السنين تلك التهمة وقام بعضهم بدحضها جملة وتفصيلا  وذلك من خلال لقاءات دعوا إليها مسؤولين في المنظمات الفلسطينية العاملة في الدفاع عن الأسرى الفلسطينيين وبعضها جرى في مقر المنظمة في جنيف وأخرى تمت في مكاتبها الرئيسية في فلسطين. في جميع هذه اللقاءات حاول المسؤولون تقديم شرح واف عن فلسفة عمل المنظمة واعتمادها السرية كعنصر موجب لإنجاز مهمتها الأولى وهي الوقوف إلى جانب ضحايا الاحتلالات والحرب ورصد ما تتكبده تلك الضحايا جراء سياسات القمع ومحاولة تغيير ذلك. وقد يكون ما قاله قبل سنوات نائب مدير العمليات في الصليب الأحمر السيد "دومنيك شتيلهارت" في لقاء مطول نشر على مواقع المنظمة، واضحًا ومقنعًا حيث عبر فيه عن قناعات منظمته، المبنية على خبرة سنوات طويلة، ومفادها: "أن السرية هي أداة أساسية تساعد اللجنة على مساعدة الأشخاص المتضررين من انعدام الأمن ومن العنف والنزاعات المسلحة وتمكننا من بناء الثقة والتواصل وإحداث تغييرات" إلى ذلك وفي نفس المجال أضاف موضحًا أن السرية "لا تعني الرضا. فإذا كنا لا نكشف عن بعض القضايا للعلن لا يعني ذلك أننا نلتزم الصمت"، لأن وسائل التأثير متعددة وبعضها قد يكون أكثر نجاعة من بيانات الشجب والاستنكار العلنية، مع أننا نشهد طفرة نوعية متميزة في عدد التقارير المهنية التي تعدها وتنشرها المنظمات العاملة في ميادين حقوق الانسان والدفاع عن الأسرى الفلسطينيين، وقد يكون  نشاط نادي الأسير الفلسطيني في طليعة تلك المنظمات لكنه ليس وحيدًا.

لم تنجح محاولات المسؤولين الفلسطينيين في ثني مسؤولي الصليب الأحمر عن قرارهم بالغاء مسؤوليتهم عن زيارة من الزيارتين وذلك رغم عدة اجتماعات حصلت بين الأطراف المعنية؛ وبمعزل عن صحة الأسباب الحقيقة التي دفعت المنظمة إلى التشبث بموقفها، ستبقى طريقتهم بإدارة الأزمة وما صاحبها من غموض نقطة تسجل في حقهم؛ فاذا كان العجز المالي لديهم هو الدافع لقرارهم، وفقًا لفهم بعض المشاركين في تلك اللقاءات، كان الأوجب والأولى بهم أن يعلنوا ذلك منذ البداية وعلى الملأ؛ فبعضنا يعلم أن المنظمة تعاني منذ سنوات من عجز أدى إلى تخفيض ميزانية البعثة العاملة في فلسطين بنسبة كبيرة، وبعضنا يعلم أن ميزانية تأمين الزيارتين للأسرى في فلسطين تكلف خزانة المنظمة حوالي الأربع وعشرين مليون شاقل في العام الواحد (حسب مصدر من اللجنة، والتقدير يشمل كل المصاريف المباشرة والمرافقة لتنفيذ الزيارتين)، وعلى الرغم من ذلك يبقى حق الأُسر بزيارة أبنائها مرتين على الأقل في الشهر أغلى من كل تلك المعوّقات، ويبقى انتظار الأسرى للحظات لقاءات أحبتهم أهم من كل الدوافع والسياسات، ما ظهر منها وما خفي.

في النهاية جاء حل الأزمة فلسطينيًا، فسيادة الرئيس محمود عباس تكفل بتأمين مصاريف الزيارة الثانية للأسرى، في موقف انحاز لصالح الوجع والأمل الفلسطينيين، مع أن بعض الناشطين السياسيين لم يستعذبوا ذلك القرار، فالأسرى، بعرف اولئك المنتقدين، فرسان الحرية المنشودة ويدفعون أغلى ما يملكه آدمي من أجل تلك الحرية والكرامة وهم ضحايا للاحتلال الذي عليه أن يتحمل مسؤولياته وفقًا لشرع الأمم ومواثيقها الإنسانية، واذا أعرض الاحتلال وتطاول بتغافل من "المجتمع الدولي" فلتقم تلك الدول  بواجباتها تجاه فلسطين المحتلة وأضعف تلك الواجبات وأرخصها تأمين بعض الملايين لأسرى تهضم حقوقهم وحقوق عائلاتهم بشكل يومي.

والخلاصة عندنا بسيطة معقدة فلسطين أدمنت نار الكواء وليلها طال وتجبر. وكل منزلة فيها تقع بين منزلتين وحيرتين: إذا طردنا الصليب ما بديلنا؟ وإذا لم يستجب الرئيس بدفع تكاليف الزيارة ما بديلهم؟ فيا ويل من قرر أن يدفع ويا ويله لو قرر أن لا يدفع. يا ويل من يرحب في الصليب ويا نار من يطرد الصليب !

ولمن نسي او تناسى أو غفل : أصل الحكاية في احتلال وحركة كانت تسمى وطنية وفصلها صار يسمى إختلالًا وهي تسمى حركة .

 

 

ليلة القبض

 

على عبد القادر السلوادي

 

جواد بولس

أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن الأسير عبد القادر كايد حماد بعد أن أنهى محكوميته والبالغة أحد عشر عامًا. كانت فرحة سلواد، قريته، كبيرة والأهل لم تسعهم الأرض، فعبد القادر عاد ليملأ نهارات أمه بالبسمات ولياليها نجومًا، وهي التي صبرت وانتظرت بحسرة عليه وعلى أخيه ثائر وأبيه اللذين ما زالا في السجن.

لم يرتو عبد القادر من رذاذ الزغاريد المتطاير بصحبة كؤوس المحبة وهي تدور طيلة الشهور الخمسة التي انقضت بسرعة في حين كان يحاول هو ترويض قلبه على غنج السنديانة في حارته واشتعال صدره مع كل زقزقة بلبل على شرفة صباحه الجديد.

طقوس الحرية الصغيرة في ظل الحراب طويلة وكبيرة وهي الشهادة الحية على أن فلسطين، التي ليست في المجاز، ستبقى لمن يدّخر الدمع ليوم الفرح ولساعات الولادة وليس لحاملي "الصارم المصقولا".

لقد جاوز عبد القادر عقده الثالث  وهو اليوم حر وأهل لأن يملأ الحقل سنابل، فوليفة روحه تنتظره فارسًا داهمًا من جهات الرعد.

وحين كان يعد الزنابق للقمر استغل جيش الاحتلال تواطؤ الليل وأغاروا على بيته بجنون وكأنهم يستعيدون كرامة سقطت على أعتاب بلدة مشاكسة أو يستردون عقدة من أصبع جندي نسوها هناك على حافة "عيون الحرامية" القريبة من غزوة  أخيه "الثائر". فأعراس فلسطين تتوالد في عمليات قيصرية .

اعتقلوه بناءً على أمر إداري وقعه قائدهم ويقضي بسجنه لأربعة شهور والشبهة، هكذا أقسم صاحب التوقيع، أنه نشيط في حركة حماس. باتت سلواد مكلومة على حافة الأمل، والعروس نامت مثل الأيائل وكانت تحلم بحوض من الفل أبيض وبضمة نرجس ناعس.

بعد بضعة أيام عرض ملفه على محكمة عوفر العسكرية. انتهت الجلسة ولم يجد القاضي في المادة السرية ما يعزز تلك الشبهة، مع ذلك فلقد قرر إبقاءه في السجن بعد أن "اكتشف" أن عبد القادر ناشط في تنظيم فتح ويخطر أمن وسلامة الاحتلال، هكذا بأبسط من  عطسة تتغير الشبهات ضد الفلسطيني ويبقى السجن واحدًا والسجان ذاته.

بعد أيام انعقدت، بناءً على طلبي، جلسة في محكمة الاستئناف العسكرية. حاول المدعي العسكري فيها تبرير ما حصل بتعابير ملتوية وبمماحكة مكشوفة لم تبقيا للقاضي مجالا وفسحة لتعليل تلك "الإشراقة" التي ارتكبها قاضي المحكمة الأولى، فقرر، مرغمًا، إلغاء أمر الاعتقال، مع ذلك فلقد أعطاهم مهلة لفحص الموضوع مجددًا.

لم يفرجوا عنه. فبعد يوم أصدر نفس القائد العسكري أمرًا جديدًا وصف فيه عبد القادر بأنه نشيط ضد الأمن الإسرائيلي ويعمل ضد سلامة الجمهور، مسقطًا عنه، هذه المرة، شبهة انتمائه لأحد التنظيمات الفلسطينية.

ومرة أخرى وجد قاض عسكري آخر نفسه أمام عبث غير مستساغ ومستحيل عصي على المضغ، وأمر بإبطال أمر الاعتقال الجديد. مباشرة قدمت النيابة العسكرية استئنافًا إلى محكمة الاستئناف في عوفر، نظر فيه هذه المرة قاض " قلع شرش الحيا" ويعيش، مع أنه قاض، بهوى نيابي وكعاشق لأمن الدولة حتى الدنف، فقبل موقف النيابة وأمر بإبقاء عبد القادر في السجن لمدة الأربعة شهور.

ضد هذا القرار "العجيبة" تقدمت بالتماس إلى محكمة العدل العليا. يوم الجلسة  لم يخف القضاة الثلاثة امتعاضهم من تداعيات القضية ومن أخطاء المسؤولين العسكريين، لكنهم أظهروا أيضًا عدم رضاهم من إصراري وقتالي العنيد، فكلّها قصة أربعة شهور كادت تنقضي.. فلماذا كل هذه الحرب !

دافعت نيابة الدولة أمامهم باستماتة عن جيشها، وأصرت على أن ما حصل كان عبارة عن أخطاء إنسانية محتملة ومحمولة، بينما كنت أجادلهم، بما أملك من صبر وغضب، وأصر على أننا نواجه تبريرات باطلة ونهجًا معطوبًا يسوغ، عمليًا، للمسؤولين العبث بحريات الفلسطينيين في حين تعمل الأجهزة القضائية جميعها مطايا لفرسان القمع وسروجًا لغزاوتهم.

بعد جلستين وأكوام من الخيبة والتعب، بادرني رئيس هيئة القضاة بنصيحتة المخيبة موصيًا أن أقبل بإبقاء موكلي في السجن لشهرين إضافيين وذلك بعد أن ينهي، بعد بضعة أيام، وجبة الأربعة الشهور الحالية، (بدل أربعة كانت مقترحة علي من النيابة وأنا رفضتها). قبل أن يسمع رفضي حاول تعزيز تبريره للاقتراح بصوت مذعور وبطعم كالعكر حين انطلق: "سيد بولس حتى لو أفرجنا عن موكلك اليوم، وقد تكون هذه هي  النتيجة الأصح والأعدل في هذه المعطيات،إلا أننا متأكدون أنهم سيعاودون اعتقاله بعد فترة قصيرة لمدة أطول مما نقترحه عليك الآن، فاقبل بعرضنا لأنه الأفضل لموكلك". ذهلت.

كانت هذه نصيحة محكمة نسيت أنها الأعلى، قالها قضاة إستضُبعوا وتملصوا بصراحة الضعفاء. حاولت أن أبلع ريقي وأستعيد اتزاني بتأن، نظرت صوب الثلاثة، فوجدت رؤوسهم مدلاة وكأنها سقطت عن رقابهم، وقفت قبالتهم منتصب القامة ورشقتهم متهكمًا، ومتسائلًا مع زفرة : ما فائدتكم إذًا؟

غابت عنا وجوههم فلم أتحقق إذا كانوا يحاولون استعادة لون وجناتهم الآدمي بعد أن بدا للجميع رماديًا كلون الرصاص.

ومضت الأيام ونال عبد القادر حريته بعد أربعة شهور بدون إضافة، فالنيابة العسكرية تراجعت عن نيتها إصدار أمر اعتقال جديد ضده، وزغردت أمه وكان في سلواد صهيل ونسوة رقصن كالفراشات ورجال حكّوا أنف التاريخ .

لقد خرج وهو على موعد مع القيد، بينما بقي في السجون أكثر من سبعمائة سجين إداري ما زالوا يخيطون قصة الحرير ويغزلون لنا، كدود القز، أثواب الحكمة وجدائل الصبر؛ بعضهم يخوض إضرابات عن الطعام ما زالت حلقاتها تتفتق، فمنهم من يضرب احتجاجًا على عزله في زنازين منفردة مثل الأسير وليد مسالمة، وآخرون، ومن أبرزهم الرفيق أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير  فلسطين، يضربون تضامنًا مع الأسير بلال كايد والذي بدأ إضرابه قبل خمسين يومًا وذلك على أثر رفض سلطات الأمن الإسرائيلية الإفراج عنه على الرغم من إنهائه مدة محكوميته الكاملة والبالغة أربعة عشر عامًا، وقيامها باستصدار أمر اعتقال إداري بحقه يقضي ببقائه في الأسر، في قصة تشبه ببعض ملامحها قصة ابن سلواد.

المضربون يصرخون ما فائدة تلك المحاكم وأي رجاء ننتظره من أولئك القضاة ويعيدوننا إلى سؤال البدايات الباحثة عن نهايتها المنطقية.

ففشل الاحتلال الإسرائيلي بتدجين الحركة الأسيرة الفلسطينية قد يعتبر من أبرز إخفاقات هذا الاحتلال، وبالمقابل من أغلى انجازات الشعب الفلسطيني الذي أستشعر أبناؤه، منذ مساء النكسة الأول، وبفطرة الشعوب المقاومة للظلم، أهمية بناء حركة أسيرة منظمة ومنضبطة تعمل كإناء واق يحافظ على صلابة وجودها الجمعي ويزود أفرادها بدروع واقية تحصنهم من سطوة الحنين إلى وطن صار وراء القضبان أبعد من حلم فراشة بالنور، وتحميهم من إدمان سجان لا يجيد إلا تراتيل العتم وتحركه غريزة الشهوة المزنزنة

لن أعالج هنا وضع الحركة الأسيرة ككل، بل سأحاول مجددا أن أضع تجربة الإضرابات الفردية عن الطعام تحت المجهر والنقاش، فأنا مقتنع، بعد هذا الكم الكبير من التجارب الفردية، أن الحركة الوطنية الفلسطينية وبنات المجتمع المدني الفلسطيني، لم يتناولوا تلك التجربة بما يليق بها من جدية وعناية ولم يتدارسوها بمسؤولية وطنية كافية، بل تركوها تتداعى بمحركاتها الذاتية وبقوى دفع عشوائية أحيانًا وبتلقائية عاطفية بأحايين أخرى.

لن أقلل من أهمية الإضرابات الفردية خاصة وقد حقق بعضها  انتصارات لأصحابها، رافقها أحيانًا، وهذا الأهم، استجلاب اهتمامات دولية وعربية وفلسطينية ملموسة غير مسبوقة؛، ولذلك فقد نجد بما يجري في حالة الأسير بلال كايد وما نلمسه من بداية تحركات متصاعدة في السجون وخارجها، فرصة مواتية ومتجددة من شأنها أن تبعث الأمل في قضية مناهضة الاعتقال الإداري.

سياسة المحاكم الإسرائيلية في قضية الاعتقال الإداري واضحة ومحسومة وهي تقف إلى جانب الاعتقالات وتبريراتها الواهية، وعلى أصحاب الشأن في فلسطين أن يتخذوا قرارًا قاطعًا إزاء صحة الاستمرار في التوجه بها إلى هذه المحاكم.

عُرِضت منذ أشهر على القيادات الفلسطينية ورقة مواقف تطرقت إلى مسألة الاعتقال الإداري وكيفية وجوب معالجتها بحساسية بالغة، وعلى الرغم من وضوح ما تضمنته الورقة لم تنجح تلك القيادات ببلورة موقف وطني حاسم.

غياب الموقف يسبب، في الواقع، كثيرًا من الخسائر الوطنية وأهمها ما يدفعه هؤلاء الأسرى من سهر مضن وجوع مهلك وقلق من مستقبل ملتبس.

سؤال عبد القادر كان لماذا إذًا جئتكم؟ وسؤال كايد اليوم لماذا إذا أجيؤكم؟ وسؤال الوطن، كان وما زال، لماذا وإلى متى سنلتمس العدل من سيد الغاب، والرحمة من السكين؟

 

 

حديث المقاهي في الناصرة

 

جواد بولس

 

لم ننتبه لعددهم، فلقد تحلقوا طاولةً من خلفنا وتناقشوا بصحبة القهوة وشقيقاتها. كانوا يتحدثون بصوت خفيت وخال من الإنفعالات، لكنهم لم ينجحوا بضبط إيقاع الجلسة فكان، بين حين وآخر، يفلت منهم ما يشبه الصراخ

كان عدنان، هكذا دعاه صاحبه حين قاطع كلامه، يصف بدقة كاريكاتيرست كيف بدت وجوه أعضاء المجلس البلدي في الناصرة عندما نهرهم رئيس بلديتها وأمرهم بمغادرة قاعة الإجتماعات معلنًا، بشكل مفاجئ، عن إنهاء جلسة البلدية التي انعقدت، في الثالث عشر من تموز الجاري، وفق أمر قضائي إستصدرته قائمة الجبهة لمناقشة قضية مركز المسن في المدينة. لم نفهم إذا كان عدنان مؤيدًا للرئيس أم معارضًا، مع أنه وصف المنظر بنبرة ممسرحة مستعرضًا كيف"سكسك" الجميع وتركوا المكان وكان في طليعتهم زملاء الرئيس من قائمة ناصرتي، وأضاف، قبل أن يوقفه سليمان، أن الناصرة بحاجة لرئيس "قد حالو جدع" ويفهمها

لم يوافقه سليمان بشكل تام، فهو بدوره عزا قوة الرئيس الحالي لما خلفته الحروب الطاحنة، التي دارت لسنوات طويلة بين نشطاء الجبهة مع نشطاء حزب التجمع، من عداوات وجروح ما زالت متقرحة لم تشفها الأيام ولا تشكيل القائمة المشتركة التي ألفت بين الرؤوس وأهملت الجذوع والأغصان، فعمليًا صار الرئيس قويًا لغياب معارضة سياسية حقيقية تحظى باحترام أهل الناصرة وتأييدهم، وذكّر سليمان رفاقه كيف خاطب السيد علي سلام جميع أعضاء الكنيست عن القائمة المشتركة حين وقف، في التاسع عشر من حزيران/ يونيو، أمام آلاف المحتفلين في آخر يوم من ليالي رمضان المنصرم، وأعلن قبوله تحدي القائمة المشتركة إذا ما قررت ترشيح منافس له في إنتخابات البلدية المقبلة، كما نشر في الأخبار، واعدًا الجماهير أنه سيهزم ذلك المرشح، ومتوعدًا "المشتركة"، لأنه واثق بما يملكه من رصيد كبير وهام هو : محبة أهل الناصرة له، وهذا ما لا تمتلكه الأحزاب السياسية التي خسرت أمامه في الإنتخابات الأخيرة.

حاولنا ألا نصغي لحديثهم والعودة إلى مواضيعنا، فلقد كان انتقالنا بينها أسرع من ايقاع الموسيقى التي ملأت فضاء المقهى الذي التقيت فيه إثنين من أصدقائي النصراويين في ظهيرة يوم الجمعة الفائت. في الخارج درجة الحرارة أعلى من معدلها العام، كما تردد في نشرات الأحوال الجوية، أما نحن فلم نشعر بذلك وقد ألهانا النقاش المتفرع بيننا وحولنا وطرّت بعض كؤوس البيرة جفاف حناجرنا

الناصرة كانت تفيق كطفلة تتحسس ضفائرها.     

أذكر أننا بدأنا الحديث عن محمود درويش ومقارنته الخرقاء بهتلر. فثلاثتنا نحب الدرويش ونُنقود كالحمام، كلّما نلتقي، الحب من طواحينه، كل حسبما تسعفه الذاكرة وتغويه الذكرى، فتجد رائفنا يتلو ما تيسر من دروس كاما سوترا في الإنتظار، ونبيل يستعذب "طباقه" لادوارد سعيد، وأنا تأخذني عتبات ستيني إلى منفاي وما أبقاه العمر من طل في العيون الشقية.

في مثل هذه المجالس يمر الوقت مخلفًا دهشة هشة وكسرات مواضيع كنا نعفناها بين ضحكاتنا ولم نشأ لملمتها، فليس من طبيعة الندمان إحتراف الجد والعبوس.

من "طباق" محمود اشتبكنا سريعًا مع واقعنا، نحن الجماهير العربية في إسرائيل، ومع أزمة هويتنا المتفاقمة، أو على وجه التحديد مع عوامل التأثير الفاعلة في تكوين هويتنا الوطنية، لا سيما بعد أن أصررت أن ما كان مسلّمًا به قد تصدّع، فاليوم قد تراجع "الفلسطيني" عن مكانته كمركب محسوم بارز في هويتنا المخروقة أمام الإسلامي الداهم الطاغي، والإسرائيلي المهزوز الملتبس المدفوع بيننا؛ ومن سيمعن التمحيص سيجد، هكذا قلت مستنفرًا صديقين مثقفين وطنيين، أن أقوى عاملين يؤثران في تكوين هوية الفرد الوطنية ومنها في هويتنا الجمعية هما: الحركات الإسلامية على تفرعاتها وتشكيلاتها المعلنة والسرية ووعاظها المتزمتين والعصريين من جهة، وبالمقابل ستجدان المؤثرات الإسرائيلية الموجَّهة علينا وبيننا، المباشرة منها والمخفية، كما يعكف على تصنيعها وتوريدها إلينا دهاقنة السياسيين الإسرائيليين ومخططو الاستراتيجيات العليا.   

يساندني في موقفي هذا تلك المشاهد لعروبة تتشظى فيما كنا نأمنه كعمقنا العربي، حيث تصطف اليوم مجتمعات تلك الدول قبائل وطوائف ومللا متناحرة، وفيها جيوش من القتلة يحاربون قتلة والعوائد: سبايا ونفط ورقاب ناس صارت أرخص من رقاب الماعز والبقر، ويساندني كذلك اندفاع غزة نحو المطلق وإبقاء الضفة تواجه مجهولها والعدم؛ فأنا لا أملك بينّة "علمية" تدعم موققي وأحساسي، قلت لرفيقيّ، إنها مجرد إنطباعات وقراءات لواقع أحوالنا كما نعيشها، بمرّها وأمرّها، ولتلك الضوابط القامعة التي تتجذر أمام أعيننا في قرانا

حاول نديماي اعتراض فكرتي ونفيها بخفة، لكنني ألححت مطالبًا بما لديهما من إثباتات معمدة في بساتين حاراتنا وملاعبها، وأكدت أنني غير مقتنع بما يسمى "دراسات وأبحاث" تجريها بعض جمعيات المجتمع المدني حتى وإن صدقت ببعض جوانبها، فهذا لا يشكل، برأيي، بينة موضوعية شاملة كافية تتعرض لتفاصيل حياة مجتمعاتنا المتشيئة جزيئياتها أمامنا، وكذلك لا أعتمد على ولا أثق بإستطلاعات رأي يحلو للبعض وصفها "بالمهنية" خاصة تلك التي أعدتها ونفذتها بعض معاهد البحث والدراسات الإسرائيلية، فواقع مجتمعاتنا يفقأ أعين جميع تلك الخلاصات ويفند نتائج تلك الدراسات، لا سيما ونحن نعرف، فوق كل ذلك وقبله، أن السياسة الإسرائيلية الممنهجة تعمدت تضخيم قضية هويتنا الفلسطينية حتى حوّلونا باستغلالها إلى طابور خامس يسعى إلى تدمير إسرائيل من الداخل، وعلى ظهر هذه "التهمة" مرروا ممارسات قمعهم العنصري ضدنا وسهلوا عملية إقصائنا عن حياة الدولة ومؤسساتها وضمنوا حرماننا من حقوقنا المترتبة على كوننا أقلية مواطنِة تنشد العيش بسلام وحرية وكرامة ومساواة.

لم نف هذه المسألة حقّها بشكل عميق وجدي، لكننا، وقبل انتقالنا لموضوع آخر، أجمعنا أن الهوية لا تعرف الجمود وهي أبدًا تتغير وتتبدل أو كما قالها محمود في طباقه: " إن الهوية بنت الولادة، لكنها في النهاية إبداع صاحبها لا وراثة ماض" .. 

علا صوت من الطاولة التي خلفنا فسكتنا. بنبرة موضوعية رصينة جيء على ذكر مقابلة طويلة أجرتها صحيفة الصنارة النصراوية في السادس من آب المنصرم، أكد فيها علي سلام أنه سيفوز في انتخابات ٢٠١٨ برئاسة  البلدية بالتزكية. ثم مباشرة  كانت مداخلة شابة استعرضتها لرفاقها بصوت ينم عن تجربة تنظيمية مصحوب بوجع؛ فهي، هكذا رشح من حديثها، كانت ناشطة جبهوية متحمسة، لكنها، كمئات مثلها، وجدت نفسها مهملة على الرصيف من غير حيّز فيما كانت تعده بيتها الدافئ الآمن، ولذلك توقفت عن تعريف نفسها بالجبهوية لأنهم: "أطفأوا قناديل جبهتنا الظافرة واستبدلوها بشموع  شاحبة تضيء مفاصل جسد متكلسة"، هكذا جاء صوتها من وسط صمت كان يقطر حزنًا وأنهت وهي على حافة الدموع: "الجبهة اليوم صارت جسدًا كهلًا هزيلًا. بعض رؤوسها نسوا أين تكون الجذور وكيف سقاها البناؤون الأوائل بالحب وبريق الانتماء الصادق للبلد، للكادحين وللبؤساء ولفقراء الشعب والوطنيين الصادقين. خسرنا القلاع حجرًا وراء حجر ولا من رقيب جزع أو حسيب قد عرف الفزع، فكيف من المعقول أن تمضي جميع تلك العواصف وتنزل في ساحاتنا كل الهزائم من دون مسؤول يحاسَب أو درس يستنخل كي تنتقى منه الحكمة والعبر. لقد أغفلوا البيت فنشأنا كاليتامى بلا خيمة وفرسان وحقولنا تركت بلا رعاة فعاثت جوارح الجو في أهرائنا، ونحن نجتر خوارق الآباء على عتبات مجد رمادي يتطاير ووطن يئن على مذابح المعابد وفي عتمة الفكر والفكرة". قالت وكأن في الجو كان نسر "يودع قمته عاليًا، فالإقامة فوق القمم تثير السأم.."  

أمامنا قصاصة من تقرير صحفي نشر قبل يومين في رأسه يبرز تصريح لرئيس مجلس عربي أعلن بإصرار أن إسرائيل "دولتنا، وعلينا أن نكافح من أجل ما نريد تحقيقه"، كانت تلك خلاصة تقرير أعدته "ذي ماركر" الإسرائيلية مع ثلاثة رؤساء سلطات محلية عربية هي : إكسال، طرعان وبسمة طبعون. وراءنا ينهي سليمان نقاشه بعد مداخلة صديقته التي كانت مرة جبهوية، ويضيف على ما قالته، أن المصيبة، برأيه، بدأت عندما لم تعترف جبهة الناصرة بفوز علي سلام، وباستخفاف قادتها بتلك الألوف التي أعطته ثقتها، وبمسيرتها المستمرة في ارتكاب الأخطاء، وانشغالها بمماحكات جانبية معه ومقارعاتهم الكيدية له، وذلك بدل تضميد الجراح واستخلاص العبر والعودة إلى ميادين الكفاح والالتحام مجددًا مع الناس. ومضى يقارن سلسلة الأخطاء جميعها بما قاله السيد علي سلام وردده مرارًا: "فأعضاء الكنيست لا يستطيعون التأثير على طفل واحد، القيادي الأول والوحيد الذي يؤثر على الشباب هو أنا والثاني هو الشيخ رائد صلاح". وأنهى هو حين كنت أردد بيننا" واصرخ لتعلم أنك ما زلت حيًا وحيًا..ابتكر جهةً أو سرابًا يطيل الرجاء".    

الناصرة في الظهيرة تغسل وجهها بماء العيون،

وفي المقهى جو من مرح وموسيقى. خلفنا أفاقت مجموعة شبان وصبايا على زمن جليلي مختلف. ويحاولون إذابة ثلوج الخيبة بدفء المفاجأة وبمصادقة السراب، بعد أن هجروا أوطانهم السياسية وخرجوا من شرنقات أحزابهم التي كادت أن تحولهم إلى أصنام أو عبدة للخدائع. لم يضيعوا، لم يخنعوا لكنهم لم يهتدوا بعد إلى من يحيك معهم أشرعة الأمان ولا من يبني لهم زوارق النجاة.

إنهم أولاد الحياة يفتشون عن زهرة قد تطل برأسها من بين جدران العبث، ففي "عالم لا سماء له تصبح الأرض هاوية" .. فمتى سينشدون: وداعًا لشعر الخسارة والألم؟

 

 

 

وكان عرس في الجليل

 

جواد بولس

 

في كل نيسان يستقيظ الجليل على ميعاده مع الفرح. فنيسان ينكش الشوق في مطارحنا ويبدد أجنحة الأرق السوداء، إنه مُطلق الأمنيات والموقد لنار ولائم  المحبة والتآلف. في الربيع تغزو مواسم الأعراس ساحات بلداتنا وقاعات الأفراح تصبح، لستة أشهر متتالية، عناوين و"مرابط" لآلاف البشر

كفرياسيف، قريتي الجليلية تعيش في مواسم الزواج المتكررة حياة غير اعتيادية، فعن لياليها يغيب النعاس وبين أنسجة حلكتها تنفلش الضوضاء وتنفرج فوضى، حتى إذا دنت ساعة التعب من جفونك همزتها زغرودة سابحة تنسرب إلى فراشك من هناك.. من بعيد وقريب وتنبئك كيف يذوب قلب أم انتظرت حلم ابنتها وتمنّت هاتيك اللحظة حين تكون فيها هي سيدة الزمن، أم العروس وكل التفاصيل بعد ذلك عندها شمم. إنها ليالي الجليل البيضاء يسهر الناس فيها على صوتين حتى الثمالة والوجع

كل قرية تزوج على طريقتها. الفوارق بينها كثيرة ومرد ذلك لأسباب عديدة، لكننا في كفرياسيف وبعض أخواتها نسعى، على طريقتنا، لقهر الموت والدوس على الملل بالفرح أولًا، وتلقف السعادة، في الحياة الدنيا، بعشقنا للموسيقى وللنسل يتوالد على أهداب الوتر وغنج النايات وذرية تكبر في كوخ يشبه كوخ ابن زحلة، سقائفه أكباش حبق "والريح عم يصفر فوق منو صفير.. وتخزّق بهالليل منجيرة قصب"، فنحن، رغم غدر الزمن ومكائد الخبثاء، ما زلنا نحب جليلنا "الما في متلو متيل"، ونصون قرية الشعراء ومنارة الأدب مثلما صانها الآباء والأجداد منذ توافد إليها ابن المثلث راشد حسين وصحبه وهو "حاملًا همًا في خاطري ضوضاء".

كلنا نتأهب للتحرك. زفة "هيثم" حفيد جبران وابن أدهم، ستكون في قاعة "الماس" في عكا. المدعوون، كما جرت العادة، هم من الأقارب والأصحاب والجيران وبعض أصدقاء العائلة من خارج القرية، وأولئك يصِلون مبكرين وليس كالكفارسة المحترفين في مط آذان الوقت حتى احمرار شحمته. ضمم الورد تزين مدخل القاعة وفضاءها، الطاولات مكسوة بالأبيض ومثلها كراسي الضيوف. في الجو عجقة غير مرئية، سوى  أنني، لهنيهة،  لاحظت رتلًا من الملائكة الباسمين يحرسون الزوايا العليا، وجوه بعضهم اكتست حمرة صهباء.

 توجهت نحو المنصة لأحيي أعضاء فرقة "الأحلام" الموسيقية وقبل أن أعانق مطربها تخيلت طيفًا يتوسط بهو القاعة وبقي هناك للحظة، وقعت عيناي على وجهه، فشعرت بحبور ووداعة سكنتني كطفل ينام بعد الرضاعة

حضر معظم المدعويين. تناسب عددهم مع ما توقعناه فسادت بيننا راحة وطمأنيية تحولت مع أول معزوفة وأغنية إلى هدير من النطنطات ألتي على حافة الضياع. بدأ الأهل بالنزول إلى الساحة . في وسطها برز رجل سبعيني، شعره بلون ياسمينة بلدية، بياضها أجمل من بياض بنت الكرمة حين يخالطها الماء، وجههه مدور، في وسطه شارب يشهد على شباب لم يولِّ، وخدان من بعيد تحسبهما بلون المنتور الشقي. ضحكته لا تنقطع وتخفي بعض أخاديد العمر وجناه. يمد يديه في الفضاء وكأنه يريد أن يلتقط لكل مدعوة ومدعو نجمة أو قمرًا. يميل يمنة فتتعلق يسراها على المدى ويحط يسراه فترقص اختها بدون تعب

بعد دقائق تضيق ساحة الرقص بالمشاركين ويفيض الفرح. يتقدم نحوي صديقنا الحيفاوي إلياس ويسألني مستفضلًا إن كان ذلك الشيخ عمي فقلت: كأنه، فهو مثل عمي أو ربما أكثر. إنه أبو الراجح محمد، جار العمر، فبيت والدي كان ظهره محروسًا ببيته، وصدره ملفوفًا ببيت المصطفى. كان من العسير أن أعرّفه على من كان يرقص معنا، فالجليل الذي كان يعرفه صديقي ويحبه مثلنا دار من حولنا

السبت صباحًا أفيق على صوت محام صديق يحدثني من القدس ويخبرني أنه وبعض الأكاديميين الناشطين في مجموعة مؤسسات مدنية قرروا إصدار بيان يشجبون فيه العنف الكلامي الآخذ بالتفشي في وسائل التواصل الاجتماعي بيننا وما استلحقه ذلك من اعتداءات وأعمال عنف ضد البعض ومواجهة نشاطات رياضية وتربوية وفنية في العديد من القرى والمدن العربية. سينادي البيان إلى احترام الآخر وحرياته الأساسية وفي طليعتها حرية الرأي والتعبير والإبداع والديانة وما إلى ذلك

باركت الخطوة وأدليت برأيي حول ما أتوقعه من النص ومن الزملاء المثقفين والأكاديميين لا سيما ونحن نلحظ في الآونة الأخيرة غيابهم التام والتجاءهم إلى خيمة الصمت وأروقة العجز القاتل. هذا على الرغم مما شهدناه في مواقعنا من حملات تكفير وهجوم على بعض الكتاب والصحافيين والفنانين والناشطين بسبب ما يؤمنون به وما كتبوه من مواقف وآراء ومقالات.

في الليل وصلنا إلى بيت ابن البلد هاشم الحج، أبو الورد. تبين أنه لم يكن يعلم عندما عين ميعاد زفة بكره بعرس هيثمنا

شباب بوجوه تملؤها سمرة ناعمة وبترحاب كريم يستقبلون الضيوف ويرافقونهم حتى مقاعدهم المعدة. الموسيقى تصدح وتُرقص الشجر والقمر وتستفزنا فنرقص مع هاشم وأولاده والكثير من المرافقين. يحيطوننا بزنانير من دفء جليلي أصيل واحترام وحب لم تقو عليه برودة الظلام ولا سطوة الظلاميين. رفعوا هاشم وأولاده على الأكتاف فرأيته يمسح دموع عينيه من بين بسمة تتسلل ويبسط يديه إلى السماء، كأنه يريد أن يمسك غيمة ويلتقط تناهيد الآباء

بعد جولة من تعب جاء وجلس إلى جانبي . بادرته معتذرًا أنني لن أستطيع حضور حفله غدًا لتضاربه مع ميعاد حفلنا، فقال ولسانه يقطر عسلًا: "معليش هيك أحلى، إخْوة وِتْجْوَّزو بيوم واحد". فقلت لجلسائي على الطاولة هذه هي كفرياسف إن حكت والجليل إن صاح وغنى.

في الغد لم أستلم من صديقي نص البيان المنتظر حتى كان المساء وكنا نعد أنفسنا للذهاب إلى الكنسية لاتمام مراسم الإكليل، فوصلني نص بيان مرسل من أصدقائي. قرأته وذهلت. كان عبارة عن نص إنشائي عار من أي موقف واضح وصريح. نص توفيقي سطحي لا يمنع من أن يوقع عليه حتى العنصري أو التكفيري أو المفتن. كان هذا نص العاجزين

هاتفت اثنين من المبادرين للفكرة وطالبتهما أن لا يضعا توقيعي على مثل هذه الوثيقة فهي ليست أكثر من نص تقليدي يصلح كي يتلى من على منابر وجهاء وقادة قبائل العرب

شرح لي صديقاي كيف تعاملت جمهرة الأكاديميين مع المشروع والفكرة وكيف أجهضت فذلكة المثقفين إمكانية وضع نص مقبول : مداخلات بعضهم ومناكفات آخرين ومزايدات الحالمين منعت ولادة الوثيقة التي كانت قد تكون حجر أساس لسور يجب أن يبنيه أهل البلاد ليصير سدًا يمنع وقوع الطامة الكبرى وما ينتظر من يؤمن منهم أن مولاه عقله

أنهينا الإكليل وعدنا إلى  البيت. على الشرفات وقف الجيران يحيون ويباركون وفي رأسي ينقر مطلع قصيدة ابن المثلث يوم جاء كفر ياسيف قبل ستة عقود، في زمن الحكم العسكري الإسرائيلي، وصدح متمنيًا "أليوم جئت وكلنا سجناء/ فمتى أجيء وكلنا طلقاء".. وقلت سنصير طلقاء عندما يتحرر العاجزون من خوفهم وقرشهم، وبقيت فرحًا لأننا زوجٰنا اليوم أخوين في الجليل: هيثم البولس وورد الحاج.

 

 

 

 

بسيخْوَطني ٣: في القيادة والفراغ

 

بين شاكيد ودرعي وكتيبة جند


جواد بولس

حفِل شهر رمضان المنصرم بعدد من الأحداث التي مرّت في فضاءات مجتمعنا العربي بهدوء، وبدون أن تترك أثرًا أو تبعث صدىً على المستويين الشعبي العريض والقيادي، وذلك على الرغم من كونها، برأيي، وسائل إيضاح لأخطر أزمة تواجهها الجماهير العربية في إسرائيل: أزمة القيادة السياسية

في تشخيص تلك الأزمة كتبت قبل أربعة أعوام مقالتين، وفيهما اقترحت على القيادات العربية وعلى الجماهير فكرة إجراء امتحانات البسيخْوَطنية، وضمّنتهما رزمة من المسائل والحالات الحياتية التي فرضها الواقع علينا، ونحن الذين صحونا ذات يوم من حلم الأزل الزهْري إلى رهان العدم الأسود: مواطنون عرب صمدوا أمام الخديعة، وما غرّتهم وعود إخوانهم الخلّب، فبقوا متشبثين بأمهم الأرض وبالوطن، مأوى الطمأنينة والعزة، متمردين على أصوات الشرق "الخفاقة في الشهب" ومتحَـدّين "بقبقة" الدم الصارخ من دير ياسين والطنطورة وعيلبون وأخواتها.

حياتنا اليوم في إسرائيل ليست كتلك التي سادت في سنوات الضياع وطيلة أيام التدجين والصهر، وإسرائيل اليوم دولة كبرى/ صغرى، والعرب فيها أقلية صغرى/ كبرى، ومواقع الاشتباك والتداخل بينها كدولة وبين مواطنيها العرب صارت لا تعدّ ولا تحصى، وكثير مما تطرحه البيادر من تحدّيات ومعاضل لا يجد من يضع له المساطر والحدود لإرشاد الناس إلى رأي وطني صائب وطريق السلامة، والملازم التي تمنعهم من البلبلة والفلتان والاختيارات البائسة والسير في سبل الندامة

في حينه كتبت في امتحان البسيخوطني الأول أن  "حياتنا أصبحت معقَّدة .. في الماضي، في زمن الجرح الأول، كانت الألوان طيفًا، واليوم كل لون صار أطيافًا. كان العميل من يسلّم معلّمًا في قرية عزلاء منسية تجرَّأ على قراءة "الاتحاد الشيوعية"، فيكون الخراب في بيته وله المنفى، واليوم من يحدد ماذا؟ وما العمالة وكيف تكون الخيانات؟

أربعة أعوام مرّت دون أن ينجح مجتمعنا بإنماء أجسام سياسية شعبية قيادية تمتلك رؤى شاملة وواضحة حول وجودنا كأقلية في دولة ما زالت "أمعاؤها" تستعصي هضمنا، أو جسم لديه تصوّرات حول مستقبلنا وبرامج عمل لا تعتمد على الشعارات الفراشية أو على الأدعية العصماء النارية تتلى من على المنابر يتيمة من غير قطران يرافقها ليشفي الجروح ويداوي النفوس المتعبة والمريضة.  

فاللجنة العليا للجماهير العربية  فشلت، لغاية اليوم، من استحداث نهج عمل جديد، وما زالت تراوح لاهثة على ذات السفوح وفي نفس الوهاد التي راوحت عليها، وفيها اللجنة في عهدها السابق؛ وعلى الرغم من تعويل الكثيرين على نتائج الانتخابات لرئاستها يتضح مع مرور الزمن أن ما ضمنته القوى السياسية والدينية المشاركة في مؤسساتها من مرابط ومفاصل أقوى من كل رئيس منتخب ومن إمكانية تحقيق أحلامنا الوردية المشتركة.

بالمقابل يقتصر نشاط اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية على مجموعة قضايا خدماتية تتفاوت قيم ريوعها حسب المنطقة والبلدة؛ وعلى أهمية هذه الريوع لا يجوز أن نتوقع من اللجنة أكثر مما تستطيع فعله ومن طاقاتها الحقيقية، ففاقد الشيء لا يعطيه، والجميع يعرفون أن الانتخابات لرؤساء السلطات والبلديات المحلية جرت في السنوات الأخيرة بمعزل عن تأثير الأحزاب والحركات السياسية الوطنية، وأفرزت في معظم المواقع رؤساء يخضعون لولاءات عائلية أو طائفية وفي طليعة حساباتهم حماية مصالح من دعموهم، ومن بينهم عناصر حكومية ومجموعات ضغط لا شأن لها في مصالح الوطن وحقوق الجماهير العريضة المدنية والقومية.  

وتبقى الأحزاب السياسية الرئيسية ضعيفةً ومتقهقرة، فعن فقدانها لمكانتها وأدوارها  كتبت في الماضي كثيرًا، ولن أضيف إلا أنني أزداد، وكثيرون معي، من يوم الى يوم، قناعة بحقيقة واضحة مفادها أن تاريخ صلاحية هذه الأحزاب والحركات، إن بقيت على ماهي عليه اليوم، قد نفد، ولم تعد مؤهلة وقادرة على  قيادة مجتمعنا إلى شواطئ السلامة والأمان

الفراغ الوطني يؤدي إلى تيه شعبي. وعن هذا التيه سأحدثكم، عن ثلاثة أحزان حزيرانية تفاعلت في فراغ وصمت "وطنيين" وأدت إلى وتوتة وبلبلة وخسارة.

 في الثالث والعشرين من حزيران/ يونيو المنصرم تزامن وقوع حدثين منفردين، وعلى الرغم من دلالاتهما العميقة لم يشغلا، بصورة جدية، عناية القيادات السياسية العربية والحركات الوطنية والإسلامية في البلاد، فالنشاطان انتهيا، ومعظم هؤلاء القادة يمارسون بانتهازية موجعة طقوس عجزهم في مشهد يعكس حالة الفراغ الوطني، ويبرز عوج التثقيف السياسي الهزيل وزيف شعابه؛ فلواء الشمال في نقابة المحامين الإسرائيليين دعا إلى إقامة حفل إفطار رمضاني في قاعة "ميس الريم" في قرية عرعرة التي في المثلث العربي، وذلك بمشاركة رؤساء المؤسسة القانونية والقضائية في الدولة تتصدرهم وزيرة القضاء شاكيد، ومعها رئيسة المحكمة العليا مريام نائور، وبحضور سعادة القاضي سليم جبران والمستشار القانوني للحكومة مندلبلاط وحشد من القضاة والمحامين والمحاميات العرب. جرى ذلك بالتزامن - بدون أي علاقة بينهما- مع إقامة حفل آخر  في رحاب القاعدة العسكرية "دوتان" وتحت "النصب التذكاري للجندي البدوي"، حيث أدى جنود الفوج السادس عشر العرب من هذه الكتيبة مراسم القسم والولاء لحماية والدفاع عن دولة إسرائيل ومواطنيها وحدودها. وكما ورد في الأنباء فلقد حضر الاحتفال أفراد عائلات الجنود الذين جاؤوا داعمين وفخورين بإبنائهم، وعن أحد هؤلاء المجندين نقلت المواقع تصريحًا يفيد: "أنا متشوق جدًا لهذه اللحظة التي بها سأحمل القرآن والسلاح لكي أقسم الولاء لدولتي .."

صفحات الجرائد الإسرائيلية والمواقع صدّرت ذلك الخبر بصورة للجنود، وهم يحملون السلاح بيد في حين يضعون الأخرى على القرآن لحظة أدائهم للقسم واليمين

جنود الكتيبة الصحراوية أقسموا أيمانهم، واحتفلوا مع عائلاتهم وعادوا إلى مواقعهم بدون أن يلتفت أحد لما جرى، في حين هاجمت وشتمت مجموعات صغيرة من ناشطين سياسيين ومحامين المشاركين في حفل الإفطار بسبب مشاركة وزيرة القضاء شاكيد وآرائها العنصرية ضد العرب

بفارق أيام وفي الثامن والعشرين من حزيران/ يونيو أغرقتنا الصحافة بنبأ عن إفطار رمضاني دعت إليه "الدائرة الإسلامية"  في قسم الطوائف في وزارة الداخلية الإسرائيلية، وذلك في نفس القاعة المذكورة في قرية عرعرة وبحضور ورعاية وزير الداخلية آريه درعي ( عن حزب شاس المتدين)، وبمشاركة جميع الأئمة والمؤذنين من مختلف أنحاء البلاد ومعهم العديد من رؤساء السلطات المحلية العربية والبلديات والشخصيات الاعتبارية. وكما جاء في الأخبار فلقد "زف" الوزير خبرًا مفاده أن وزارته أخذت على عاتقها مسؤولية تقديم خدمة نقل المسلمين من كل أنحاء البلاد للصلاة في المسجد الأقصى.

بدأ حفل الافطار وانتهى، وفي الشوارع تهاليل عيد ونعاس وأقلام الكتبة خرساء، علمًا بأن كل من قرأ الخبر شاهد مجموعة من الصور، وفيها يظهر المئات من رجالات الدين المشاركين والشخصيات القيادية وهم يصغون بجلال لكلمة الوزير درعي، وكذلك صور لتلك الحافلات وفي مقدماتها تظهر اليافطات وعليها كتب "وزارة الداخلية، قسم الطوائف، الدائرة الإسلامية".

من يقرر ماذا وكيف؟ كان السؤال وبقي. فأين الحكمة في مهاجمة وزيرة جاءت مدعوة بصفتها وتشتم في عرعرة، في حين يحج إليها وإلى أمثالها العشرات من المحامين الطالبين منصبًا قضائيًا أو ترقية أو توصية، ومعظمهم يصمتون ويغضّون الطرف عن إفطار شبيه يشارك فيه وزير الداخلية درعي. ومن مثلكم، يا معشر المحامين، يعرف ماذا تكون  هذه الوزارة وما سياساتها تجاه العرب؟ 

إنها أسئلة البسيخوطنية المستجدة، فالسنين لن ترحم، وإسرائيل لن تغفو، ولحاء الأيام سيلاحقكم، وصمغ الحقيقة وراءكم، لأن واقعنا مركب فكيف سنجد للحياة السبلا؟ 

 لقد سألت قبل أربعة أعوام:

"هل عمل العربي منّا في وزارة الشرطة متاح ومسموح؟ هل نطالب بأن يكون نائبَ قائد الشرطة العام عربيًا منّا؟ وإن كان ذلك محظورًا وطنيًا فهل نطالب أن يكون قائد المنطقة الشمالية عربيًا منّا؟ هل نقبل أن يكون قائد شرطة مكافحة المخدرات أو السير عربيًا منا؟ هل تملك قيادتنا موقفًا وردودًا؟ وماذا سيقول الشيخ والقائد والوطن لجاره لابس الكحلي إذا جاءهم سائلًا: ما هو صوت الوطن وماذا سيرضي الله يا جاري؟ أأنا مخطئ أم معيب أم خائن؟ أم هي الدنيا ونحن في مراكبها ساعون؟"

أعرضتم ومضت الأعوام حتى جاءنا ابن قانا لواءً،  فأين أنتم من سفور الواقع وحزم الأيام؟ 

وقد تغاضيتم أيضًا عن الصراخ وتناسيتم الحاح السؤال

"ماذا نقول لآلاف السواعد التي تخدم في مصلحة سجون إسرائيل؟ من أصغر السجّانين إلى أعلى المراتب والسلطة والنفوذ؟ آلاف لم يسعفهم حظ وما تسلّحوا بشهادة، فحوتهم وظيفة، وأعالتهم بمعاشات سمينة، فبنوا عائلات وولاءات. هل صمت الفراشات حل وموقف؟ وكيف لأولئك ألا يفهموا صمت الوطن كموافقة ورضا؟

ومضت الأعوام وفي الجيش كتيبة صحراوية تكبر وتخرج فوجها السادس عشر وتربي أبناءكم جنودًا ومنهم العقداء والعمداء والجنرالات فيحبون إسرائيل/ الوطن.

صمتكم هزيمة وبين الناس ضياع:

وعندما سألتكم قبل أعوام: "هل نسمح لمحامينا أن يعملوا بمكاتب نيابات الدولة أسوة بزملائهم اليهود؟ هل من حقنا أن نطالب بأن يكون نائب عام لواء الشمال عربيًا منا؟ أم هذه "ثقيلة" وخيانة؟ وإن كانت خيانة فهل نطالب من بدأ العمل في النيابة بالانسحاب؟" أعرضتم وتشاغلتم، فمضت الأعوام وجاءتكم شاكيد بعصاها وبالجزرة، فهل ستبقون أسيري عقالاتكم وتتهامسون في ظل الشجرة؟ 

من يقرر ماذا؟ يصرخ واقعنا وينادي على قيادة

 

 

 

 

فرسان الحرية

وتقرير اللجنة الرباعية

جواد بولس

قد يمسي تقرير اللجنة الرباعية الأخير، الصادر في مطلع تموز/ يوليو الجاري، وثيقة أخرى تضاف إلى مئات الوثائق التي أعدتها لجان دولية سعى أعضاؤها ومنتدِبوهم إلى وضع تصوّرات لحلول تشكّل مخارج مقبولة على أطراف النزاع العربي الإسرائيلي منذ بدايات القرن العشرين وحتى يومنا هذا.

 فمن الواضح أن معدّي هذا التقرير عملوا ككاميرات تقليدية نقلت، بآلية بالية، ما صادف عدساتها من وقائع وحولت ذلك إلى كلمات، مجرد كلمات، وهو لذلك لا  "يصلح أن يكون تقريرًا يؤدي للسلام"، على حد تعبير سيادة الرئيس أبو مازن حين تطرق باقتضاب لانعكاسات تلك الوثيقة.

"المجتمع الدولي" ممثلًا بمجلس الأمن ممثلًا بالرباعية الدولية ممثلة بأمريكا وروسيا وأوروبا وهيئة الأمم المتحدة، قرر بعد دهر من الإعراض المستفز وتناسي ما يجري على أرض فلسطين أن يبادر لوضع تقرير من شأنه أن يرصد العوائق الشاخصة في طريق تحقيق سلام دائم، ويوصي بشروطه من أجل التحرك صوب حل سيكون مبنيًا على إقامة دولتين: إسرائيل القائمة وفلسطين العائمة، ومن دون أن ينتبه كثيرون فلقد نجحت  قواميس الديبلوماسية الخبيثة بتكريس مصطلح حل الدولتين وتعمّد إطلاقه عاريًا من لباسه الأصلي، وبعد إسقاط ما كان يقال فيه كلازمة وكفاتحة بديهية: فالدولتان، كما كانتا دومًا، إسرائيل كما عرّفتها القرارات الدولية المتعاقبة منذ العام ١٩٤٨( والبعض يريدها وفقًا لحدود تقسيم عام ١٩٤٧)، وفلسطين في حدود ال ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية.

وإذا لم نكتف بالاشارة إلى هذا التحديث المتخابث، سنصطدم مع محتويات وثيقة خطيرة معدة، من ناحية بنيوية، بطريقة من شأنها أن تنسف عمليًا ما كان متعارفًا عليه ومعترفًا به عالميًا من تشخيصات ومرتكزات لعناصر النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وتُحل محلها رؤىً جديدة تشي بما يخطط ويرسم لمنطقتنا وتنذر بما سيسعى إليه هذا العالم أو تلك الشرعية الدولية المبهمة في محاولاتهم لحلحلة قضية فلسطين أو"تحليتها" أو تحليلها، قبل حلّها.      

وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فديريكا موغيريني رفعت سبابتها وحذرت الفلسطينيين جازمة: "هذه هي المرة الأولى منذ عشر سنوات التي نحدد فيها العقبات أمام السلام والشروط الواجب توفيرها لتحقيق سلام دائم وعلى زعماء الجانبين إظهار التزامهم وتنفيذ توصيات التقرير بحذافيرها، فاليأس سيقود لعنف إضافي". جاءت أقوالها  وهي تعرف أن التقرير يساوي الظالم بالضحية ، ويطالب الضعيف بثمن حريته المفقودة، ويعادل بين إسرائيل المحتلة، بفلسطين المحتلة وكأني بهم يتعمدون إغلاق "الفتحة"، ويستبدلونها بكسرات الخبز وبالمنن وأموال الحسنات

فالرباعية "اكتشفت" في تقريرها أن تحريض الفلسطينيين و"إرهابهم" وعدم إدانة قادتهم لذاك الإرهاب، يشكل عثرة كأداء في وجه السلام المنتظر تمامًا ، وبالتساوي مع نتائج الاستيطان الإسرائيلي وقضمه لأراضي فلسطين المحتلة وزحفه المستمر حتى السيطرة الكاملة على ٧٠٪ من الأراضي المصنفة بمنطقة (ج) والتي تشكل مساحتها الإجمالية ٦٠٪ من أراضي الضفة الغربية.     

والرباعية، بعضوية روسيا (أخصها لافتًا نظر عشاق "بوتين" وتعويلهم على عضلاته في إنقاذ العرب الطيبين من أنياب وحوش الغاب وسطوة أمريكا الكاسرة) تطالب "الجانبين بالعمل لمنع العنف وحماية أرواح المواطنين بما في ذلك عبر إستمرار التنسيق الأمني وتعزيز أجهزة الأمن الفلسطيني". ويرى أعضاؤها ان المسارات التي يتواجد عليها الإسرائيليون والفلسطينيون في الوقت الراهن تبعد احتمال تحقيق حل الدولتين، ولذلك يحملون مسؤولية هذا الضياع للطرفين بالتساوي

بعض المحللين اعتبروا قرار الرباعية في شباط المنصرم العمل على وضع هذا التقرير كخطوة مناكفة للمبادرة الفرنسية وآخرون، وهم برأيي، المحقون، اعتبروا القرار خطوة تكاملية مع المبادرة الفرنسية، فالتقرير خلا من دعوة الأطراف للعودة للمفاوضات وقد تكون "الحكمة" بنظر خيّاطي العالم الجديد وأرباب الدبلوماسية الحديثة، في تحميل الطرفين مسؤوليات متساوية عن تعثر التقدم في عملية سلام حقيقي، قد ترمي إلى  تفعيل الضغوطات عليهما ودفعهما، عمليًا، نحو المبادرة الفرنسية، وقد نجد التعويض عن غياب ذكر جميع المرجعيات القانونية، كمايطالب فيها دائمًا الفلسطينيون، بتلك الهمسة التي أقحمت ثناءٓ الرباعية على مبادرة السلام العربية بطريقة ضمنت صمت الأنظمة العربية من جهة، ومن جهة أخرى كتلويح في وجه إسرائيل الممانعة لما قد تكون عليه البدائل في المستقبل.

المهم أن الفلسطينين عبّروا عن استيائهم من تقرير الرباعية وعلى الرغم مما نشر عن قرار القيادة الفلسطينية ومقاطعتها للجنة الرباعية كجسم موحد، إلا أن مسؤولين في اللجنة المركزية لفتح وغيرهم أكدوا أن الفلسطينيين سيستمرون في التواصل مع الدول الممثلة في الرباعية؛ وبعض المصرحين وضع أصابعه على الجروح: فأمريكا وصفت بصاحبة اليد العليا وأوروبا غير موحدة، وتبقى روسيا صديقة لفلسطين، إلا أنها تضطر أحيانا للشرود ساعية وراء مصالحها الدولية والإقليمية، ومن أجلها تتساوق وتناور حتى لو على حساب فلسطين- كما جرى في حالة هذا التقرير السيئ وغير المنصف.             

لقد خلص التقرير إلى عدد من التوصيات أبرزها، برأيي، تلك التي أكدت على" الحاجة لبناء اطار أمني اقليمي" ومن أجله دعت دول الرباعية الطرفين إلى إقامة حوار على أساسه.

وبعودة إلى الواقع، فالمركب الفلسطيني يبحر في أقسى ظروف الطبيعة. السفينة الكبيرة تتخلع وزوارق النجاة تشتت ، والأمواج هادرة والبحر مسعور، لا يكف عن اللهاث والازباد ولا يشبع. قروش البحر وحيتانه تتربص بالسفينة لتنقض وتمزق ما تبقى من جسدها المنهك التائه، والبعض يريدها أختًا لسفينة نوح وملكة في الأساطير.

في التقرير إشارات كثيرة، وبرأيي المهم والبائس فيه أنه كشف إصرار "العالم" على اعتبار الإرهاب فلسطينيًا ، واعتباره عقبة وعثرة في وجه السلام وصنوه في الشر والخطيئة، الاستيطان.

ما يقلقني أن ما يسميه العالم إرهابًا فلسطينيًا ينفذه أبناء وبنات فلسطين، ومنهم من يقتل على الأرصفة أو على الحواجز أو يتطاير شظايا لحم تغذي العدم، ومنهم من يؤسر ويزج به وراء قضبان العتم. فلسطين تحتسب هؤلاء شهداء وفرسان حرية ، وإسرائيل تسميهم  إرهابيين. وقد لاحقتهم في الماضي وأصرت أن تحجب عنهم ما استحقوه من فلسطينهم، لكنها لم تنجح بسلب مكانتهم فحاولت أن تضرب أرزاقهم وحقوقهم المالية، حين أجبرت الدول المانحة أن يشترطوا على السلطة عدم استعمال أموالهم في دعم الأسرى وعائلاتهم.

مؤخرًا بدأنا نسمع مجددًاعن مبادرة  لحكومة إسرائيل تستهدف شريحة الأسرى والمحررين، ولا أستبعد، شروع إسرائيل بحملة  تتذرع فيها بما جاء في تقرير الرباعية، فإذا كان الإرهاب الفلسطيني عقبة فـ "الإرهابيون" عثرات ومن هناك ستكون رحلة فرسان فلسطين صعبة.

لن ينفع الرهان على الغيب.. لقد وصف نتنياهو كلام الرباعية عن الاستيطان بالخرافة، فهل ستبقى الحرية في فلسطين ومن يسعى في مناكبها أكبر من خرافة.

 

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

تركيا:

 

فلسطين يوك اسرائيل يس

 

جواد بولس

 

لقد توّج الإعلان عن اتفاق المصالحة التركية الإسرائيلية مسيرة جهود متواصلة استمرت لأكثر من خمس سنوات وصفها ممثل الحكومة الإسرائيلية في هذه المحادثات يوسي تشخنوفر بكونها تجربة لافتة وهامة، في حين أكد على أن نظيره التركي تصرّف طيلة هذه السنين بحزم ومهنيّة ، ولكن بإيجابية ظاهرة صوحبت دومًا بإرادة لتذليل جميع العثرات التي كانت تجابه الوفدين. وأكد المفاوض الإسرائيلي أن الطرفين سعيا بإصرار نحو ما توصلا إليه، فمنذ البداية لم يكن في حسابيهما الفشل، ولذلك فلقد عملا من أجل النجاح كمندوبين لدولتين حليفتين تحتم عليهما مصالحهما الإستراتيجية إنهاء ما بينهما من خلافات  والعمل المشترك في عدة ميادين، وعلى أكثر من جبهة، ومن أجل عدة أهداف مشتركة

كثيرون سيمرّون عن هذه التفاصيل وسيغفلونها عمدًا ، وبعضهم سيصلي ألا تقرأها العامة وألا تقع عليها أعين النقاد والمتابعين، لأنها تخبئ في ثناياها بذور الحقيقة، وتتستر على لحاء العِبر، أو ربما على روائح العهر السياسي وعفونة دهاليزه؛ فاليوم نعرف أن تركيا التي كان القائمون على نظام الحكم فيها وأولهم رئيس حكومتها رجب طيب أردوغان يعلنون، صباح ومساء، أنهم لن يناموا إلا بعد أن تصبح غزة حرّة بلا حصار وبلا وجع، كانوا عمليًا يرتقون في الخفاء أثواب البهجة والفرح ليلاقوا بها وحلفاءهم، وبينهم إسرائيل، شمس شرق أوسطهم الجديد، والذي ما زالت أواصره تقطّع في مطابخ السياسيين، من الشرق المجاهد والغرب المستكفَر، وتطهى على نار حطبها يهوي في قاصيون ، ونارها تشرب غازًا يسيل من حقول "لفياتان" ونفط إخوانه الممتدة على سواحل بحور الشرق الملتهبة.

 كم يحب هذا الشرق أن يحيا على الوهم، وأن يغتسل بماء الهزائم والتدليس والكذب. فلتركيا مصالح سياسية واقتصادية عليا وحكامها يعملون، وفق رؤاهم وعقائدهم، من أجل صونها والدفاع عنها، وهذا ما دفع عمليًا قادة حزب العدالة والتنمية التركي، لمجالسة حكام إسرائيل في الستر المكشوف والتفتيش عن طريق الخلاص. أما الغريب المستهجن فيبقى في مواقف وسلوكيات بعض قادة الجماهير العربية في إسرائيل الذين درجوا على مغازلة أردوغان ورفاقه في الحزب والنظام، وكالوا فيهم المديح بممالأة مستهجنة، وآخرون قرروا الحجيج إلى مقر سلطان العثمانيين ليبايعوه مؤملين منه ومن تركيا أن تقود العالم الإسلامي في وجه الذين يهددون المسجد الأقصى.

من يحاسب من ومن سيدفع الثمن؟ ففي أيلول المنصرم قام أربعة نوّاب من القائمة المشتركة بزيارة إلى تركيا التقوا فيها الرئيس أردوغان، وذلك من أجل تجنيده للدفاع عن المسجد الأقصى. شارك في الوفد كل من: جمال زحاقة، طلب أبو عرار، أحمد الطيبي وأسامه السعدي، بينما اعتذرت عايدة توما عن انضمامها إليهم معللة موقفها وموقف جبهتها الديمقراطية بضلوع قادة تركيا في تحالفات عسكرية مشبوهة وممارسة سياسات كريهة وسلبية خاصة في منطقتنا. عبّر الوفد عن ارتياحه من نتائج تلك الزيارة، لا سيما بعد أن خاطبوا أردوغان بما يليق بمقامه وآمالهم الخضراء وقالوا: "نخاطبك يا سيادة الرئيس بقائد العثمانيين، وأنتم بفضل الله العثمانيون الذين كانت لكم الأيادي البيضاء على فلسطين والمسجد الأقصى .. ولذلك نحن نرى أن بلاد القدس وفلسطين ترى في تركيا عونًا من أجل التخلص نهائيًا من الاحتلال ومن المستوطنين ومن الإرهاب الذي يحيط بالمسجد الأقصى"، هكذا قبل أقل من عام يخاطب وفد من أعضاء الكنيست العرب، الرئيس التركي كقائد مفدى للعالم الإسلامي، واليوم نصحو لنقرأ ونسمع ما يقوله بنيامين نتنياهو وهو يعلن على رؤوس الأشهاد أن إسرائيل وتركيا هما دولتان عظميان، وقطع العلاقات بينهما وعدم التعاون المشترك قد أضر بمصالحهما الحيوية، ويعدد على مسامع العالم جميع بنود الاتفاق التركي الإسرائيلي، والذي بموجبه سيبقى الحصار البحري على غزة مضروبًا، والقديم على قدمه: فجميع البضائع والمساعدات الإنسانية التي توافق إسرائيل على إدخالها لغزة ستحط أولًا في ميناء أشدود الإسرائيلي ومنه تنقل، بعد فحصها أمنيًا، إلى غزة المحاصرة. ما أجمل النسيان ما أقبح التناسي.    

و"ألمخفي أعظم"، قالت العرب. فمن يقرأ بنود الاتفاق المعلنة يتوصل إلى أن هذا الاتفاق يشكّل ضربة قوية للمشروع الوطني الفلسطيني، وهو عمليًا يكرس الانشقاق بين غزة والضفة المحتلة، والموجع أكثر أنه يتم  بمباركة ذوي القربى وبصفقة مع إسرائيل تعامل فيها غزة كإقليم منفصل عن عمقها الفلسطيني وككيان منقوص سيعيش تحت رحمة الرعاة والولاة والسلاطين. من الواضح أن قادة حماس استشعروا وقع الضربة وتبعاتها، وربما هذا ما يفسر صمتهم المطبق وعدم تعقيبهم على ما جرى، فهم أول من يدرك أبعاد وكنه الموقف التركي مقارنة بما كانوا موعودين به، أو ما كانوا يسمعونه على الأقل. أمّا المخفي هو ما "يتوخاه" أردوغان من قادة حماس في المستقبل المنظور وتوقعه أن يقبلوا ما توافق عليه مع إسرائيل خاصة ما يتضح من تصريح نتنياهو حول تعهد تركيا بمنع أي نشاط إرهابي أو عسكري من قبل حماس ضد إسرائيل من الأراضي التركية. نعم لقد قالوا من الأراضي التركية لكن المخفي قد يكون أعظم، فمنذ متى نشطت حماس في مقاومتها الفعلية  للاحتلال الإسرائيلي من الأراضي التركية؟ 

 

ما أجمل الفرس ما أتعس السرج.  

لم ينفرد وفد النواب العرب في التعبير عن عشقهم وافتتانهم بدور تركيا ورئيسها أردوغان، فلقد سبقتهم قيادات جماهيرية فلسطينية أخرى كانت من أبرزها الحركة الإسلامية الشمالية التي عُرف قادتها بعلاقاتهم المميزة مع قادة حزب التنمية والعدالة التركي وخاصة مع الرئيس أردوغان؛  فقبل بضعة أشهر (20/11/2015) أعلن نائب رئيس الحركة الإسلامية الشيخ كمال الخطيب والذي شارك شخصيًا بجنازة والدة الرئيس أردوغان: "أن قضية القدس ليست قضية فلسطينية ولا عربية فهي قضية إسلامية ونصرتها واجبة على جميع المسلمين ومن ضمنهم تركيا التي لعبت دورًا مشكورًا على صعيد القدس والأقصى" . هكذا ببساطة وبوضوح نشر على لسان الشيخ، ولم تكن هذه المرّة الوحيدة. فجاء الاتفاق التركي الإسرائيلي ومحا، في الواقع، ما قيل على لسانه ولسان قيادات أخرى أشادت بدور تركيا والتوقعات المأمولة منها في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وأحال الاتفاق ذاك التعويل إلى هباء منثور؛ فتركيا تتعهد بألا تلاحق جنود إسرائيل وضباطها في المحاكم الجنائية، وتركيا تتعهد أن تساعد إسرائيل على الانضمام  للمؤسسات والمحافل الدولية، وأن تتوقف عن معارضتها لذلك، وقد بدأت بتنفيذ وعدها مباشرةً بعد الإعلان عن الاتفاق المشترك، وتركيا تتعهد أن تتعاون مع إسرائيل على تسويقها للغاز المكتشف في حقل "لفيتان" وغيره، وتركيا ستنسق مع إسرائيل وغيرها من دول العالم وأنظمة المنطقة في القضايا الأمنية الحارقة المتفاعلة في منطقتنا وعلى حدودها من كل الجهات

لم نسمع منكم صوتًا ولا حتى تنهيدة، بعد مصالحة البلدين. فتركيا ياقادة ويا حضرات النواب تقول لكم بالتركي "المشبرح" وعلى مسامع جميع "الاخوة العرب": فلسطين يوك،إسرائيل يس وتركيا وبس. وأنتم ماذا تقولون؟ 

وتبقى التفاصيل براعم سيتبعها، عندما يحين القطاف، الثمر والخيبة والسهر،  وللبياض مدى واحد وشكل واحد، فأيدي تركيا لم تكن في فلسطين وشرقنا بيضاء، وتركيا لم تنتفض كغزالة مرعوبة حين أحرقوا منبر صلاح الدين والجامع الأقصى، وتركيا نامت كما نام نواطير القدس حين كانت تؤتى من مواجعها في كل يوم وليلة.

مع هذا لا شأن لي عند تركيا فلقد كانت وما زالت دولة تسعى وراء مصالحها مثل باقي الدول ومن أجلها تصالحت اليوم مع إسرائيل التي ما زالت تحتل الضفة الغربية والقدس وتحاصر غزة، لكن عتبي على من يبيعنا، نحن الجماهير العربية المواطنين في إسرائيل، السراب ويحاصرنا بمعسول الكلام، ويؤملنا بحلو الدعاء، وعلى من يهيب بالفلسطينيين أن "ينتظروا دفع تركيا بثقلها السياسي بعدما منح الشعب ثقته بقيادتها من أجل لجم الاحتلال، لأن تركيا شعبًا وقيادة أحق بالمسجد الأقصى وتربطهم علاقة تاريخية بمدينة القدس، ولا بد أن يترجم إلى سلوك واضح تفهمه إسرائيل جيدًا".

 

ما أهون الكلام ما أصعب الوفاء!  

كم قلنا أن الأقصى لن يتحرر إلا إذا تحررت المدينة بجميع روابيها وحواريها، فالقدس يا عرب قضية فلسطينية شاملة، وهي ليست فقط قضية إسلامية، وهي أم البدايات وسيدة النهايات، فلا تجعلوها عروسًا عذراء تتكور في حضن السلطان وتنتظر فتحه والنصر. دموع مريماتها علمتنا معنى البكاء عند افتضاض الصبح حين ينبلج أجهمَ وعبوسًا، وغبار أزقتها يخبئ سحر الفجر: لا يستورد التحرر ولن تكون الحرية إلا بلدية وطنية أصيلة.

وتبقى قصتنا، نحن جماهير ال ٤٨ مختلفة. فقلوبنا تنبض من أجل فلسطين والقدس، لكن رباطنا وارتباطنا سيبقيان كما كانا، في الجليل والكرمل والمثلث والنقب، ولن يكون لنا وطن آخر لا في الآستانة ولا في واشنطن ولا حتى في موسكو

كم من حجيج عقبه هجيج. صمتهم هناك في غزة ونابلس والخليل سيبقى همهم ودَينهم، لكنني لا أفهم صمت أولئك الذين شاركوا في مواسم الحج إلى تركيا وقادتها، وأولئك الذين وقفوا على جانب المسيرة، وتصرفوا كطيور"هزاز الذنب". فهل من أحد يفهمنا كيف كانت الجماهير العربية في إسرائيل ستستفيد من زياراتكم إلى أنقرة ومن مدائحكم لرئيس حكومتها أردوغان؟ أوليس من حقنا أن نعرف مواقفكم من تركيا وحكومتها بعد إعلان اتفاقها مع حكومة إسرائيل. من سيحاسب جميعهم ومن سيدفع الثمن؟

 

 

 

 

هرتسليا بين المقاطعة والمقارعة

 

جواد بولس

 

حفلت أجواء شهر حزيران الساخنة بحدثين أشغلا بال بعض المثقفين اليسارين ومن يتماحكون على أطراف مواقفهم من يمنة ويسرة، وشكّّلا، لزمن أقصر من نزوة، حطبًا لنار الحروب التي تشتعل من على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي وتستعر في سرعة " اللايك"، وتسكن مباشرة عند سكون كافها.

فبعض كتاب الأعمدة، في عدد قليل من الصحافة العربية العالمية، تطرقوا إلى مقابلة إشكالية أجراها الروائي العالمي اللبناني الأصل أمين معلوف مع فضائية i24 وهي منصة إعلامية متهمة بأنها أسسِت لتخدم إسرائيل وتدافع عن سياساتها واعتداءاتها، ولتجمّل وجهها أمام العالم، فهؤلاء الكتاب خطّأوا المعلوف على موافقته الظهور في تلك المقابلة، واعتبروا موقفه طعنة نجلاء في خاصرة سياسة مقاطعة إسرائيل الثقافية والإعلامية، لا سيما في هذه الأوقات ألتي خبَت فيها نيران المقاومات الميدانية الموجَّهة إلى صدر إسرائيل ولم يبق لمن حلموا، ذات مساء أغبر، بمناجيق الأمة العربية الكبرى تدك بضربة  قاضية أواصر الكيان الصهيوني القزم، إلا أن يعوّلوا على المقاطعة كوسيلة لخنق ذلك الكيان في مواجهة ستحسم، كما يبدو، في النقاط عند أزوف الساعة.

في تزامن مع تداعيات مقابلة المعلوف تناثرت بيننا شظايا معيرِكة أشعلت أوارَها مشاركة رئيس القائمة المشتركة في الكنيست الإسرائيلية النائب أيمن عودة في "مؤتمر هرتسليا" وإلقاؤه كلمة في الجلسة الافتتاحية منه.

 سهّل هذا التزامن على بعض المزايدين والمغرضين ومكّنهم من إقحام موضوع مقاطعة إسرائيل المنادى به في أوساط عالمية، وربط ذلك بخطوة النائب عودة، وبمشاركة وزير فلسطيني، عضو في م.ت.ف، في نفس المؤتمر، وكأننا نواجه ثلاث حالات متشابهة ومصيرها يجب أن يكون واحدًا كالحطب في أتون المعارضين المنتقدين: فمقابلة المعلوف حطب، ومشاركة وزير فلسطيني في مؤتمر هرتسليا حطب، وحطب- كذلك - مشاركة النائب عودة.

لن تشغلني، في هذا المقال، مقابلة الروائي معلوف مع تلك المحطة وما قيل فيها،  تقريظًا أو منافحةً، ولن أعالج هنا خيار الوزير الفلسطيني بالمشاركة في مؤتمر هرتسيليا، فالمسألتان جديرتان بالنقاش والتحليل والتقييم، لكنهما قضيتان مختلفتان بشكل جوهري وأساسي عن قضية مشاركة نائب في الكنيست الإسرائيلية في مؤتمر أكاديمي بارز ويحظى باهتمام واسع خاص وعالمي مشهود

كثيرون هاجموا النائب أيمن متذرعين في مشاركته في ذاك المؤتمر وبعضهم، ومن بينهم رفاق له في نفس الحزب والجبهة، كان سيفعل لو عرفوا مَن مِن فرق كرة القدم يشجع، أو من على أي مركب آخر، وآخرون أهالوا ما تيسر من صور الخيال والتضخيم فحوّلوا مؤتمر هرتسيليا إلى مفاعل ذري فيه تصاغ سياسات التفوق العسكري الإسرائيلي، ومن على منصاته تُبتكر الوسائل، وتُخط البرامج، وتوضع الخطط لدك حصون العرب وقلاعهم، ومعظم  هؤلاء الشطّاح والشطار فعلوا ذلك لأنهم يعرفون أن قلة من العرب ستقتفي أثر الحقائق، وأقل منهم سيدركون أن ما قيل ويقال من على منصات هذا المؤتمر يسجل، دون زيادة أو نقصان، ويبث حيًا في أشاريط تملأ قناة خاصة بهذه الفعالية ومخزنة على موجة "اليوتيوب"، وكل من يجيد في هذا العالم "فك الحرف" ويفهم ما يسمع، يستطيع، الآن الآن وليس غدًا،أن يشاهد ويسمع ويمحّص ويحلّل ويقيّم ويستنتج عن أي خطط عسكرية خطيرة تحدثوا هناك وما كان دور أيمن، مثلًا، أو من سبقوه على تلك المنصات من قادة عرب هذه الأقلية، في صناعة تلك الإستراتيجيات الخطيرة.   

المشكلة ليست عند أيمن ولن تتوقف على عتبات مؤتمر هرتسيليا ومنصاته، المشكلة ستبقى في صناعة الكذب ومصنّعيه بيننا وفي استخفافهم بعقلية البشر والتلاعب الديماغوغي في عواطف أمة مصابة بعجز مزمن وتستسهل أن تنام مهيضة ومجرّعة بإبر المورفين المحلَّى بالعسل الأسود، والمصيبة ستتفاقم في ظل غياب قيادة حقيقية واضحة واقفة كسيف من شمس، وفي ظل تلك المناخات التي تشكلت بين الجماهير العربية في إسرائيل، والتي أجازت لبعض الفئات والأفراد والمجموعات أن يخرجوا علينا لينصّبوا فلانًا شيخًا للوطنية وقائدًا مرجعيًا، وليصِموا علانًا بالعمالة والكفر. إنهم يفعلون ذلك لأنهم يدركون أن عِقدنا فارط وحجابنا الحاجز مفتوق وخيمة الجماهير ورقية مثقوبة والقطيع قد تفرق والفضاء عار، فلن يصدَّهم راعٍ ولن يتحقق أحد إذا كانت أصواتهم أصيلة أو دخيلة، سليمة أم مريضة، وطنية أو وطنجية ، هادفة أو مستهدِفة ، دافعة أو مدفوعة، منّا أم علينا؛ فلقد ضاعت طاسة البلد

لقد انعقد مؤتمر هرتسليا الأول عام ٢٠٠٠ وبادرت إليه "الكلية المتعددة المجالات في هرتسليا" والتي يرأسها أستاذ القانون أوريئيل رايخمان وبمشاركة " مدرسة لاودر للحكم والديبلوماسية والإستراتيجية" و"معهد السياسات والإستراتيجية"، ، ومنذ إطلاقه دُعي " بمؤتمر هرتسليا : ميزان المناعة والأمن القومي" وبدأت منصاته تستقطب أهم الشخصيات القيادية الأمنية والسياسية في إسرائيل إلى جانب أكاديميين باحثين في السياسة والمجتمع والعلاقات الدولية، محليين ومن جميع انحاء العالم . وبعد أن اقتنع منظموه أن من حق ممثلي الأقلية العربية ونخبها المشاركة وإسماع مواقفهم دون قيد أو شرط بدأ المنظمون يدعون قياديين عرب كان أيمن عوده  آخرهم وقد سبقه أخرون، كما يظهر من السجلات المنشورة على الملأ .  

مشاركة سياسين وأكاديميين ومتخصصين عرب في مثل هذه الفعاليات هي شأن طبيعي وهام ومبارك، خاصة اذا كان المتحدثون أصحاب موقف وطني سليم وواضح ورؤى تمثل وتعكس مطالب أكثرية المواطنين العرب وتدافع عن حقوقهم ألوطنية والمدنية، كما فعل في هذه الدورة أيمن عودة حين نقل رؤاه بلسان ذرب واضح أمين وعلى مسامع صناع القرار في اسرائيل وممثلي النخب الذين يؤثرون على تلك السياسات بشكل مباشر وغير مباشر

من باب النزاهة الموضوعية عليّ أن أوكد أن الأصوات ألتي انتقدت خطوة رئيس القائمة واشتراكه في مؤتمر هرتسليا لم تأت من مؤسسات القائمة المشتركة  ولا من أعضائها، ولا حتى من لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، أو من اللجنة القطرية للرؤساء، لا بل قرأنا دعم أمين عام الحزب الشيوعي الإسرائيلي السيد عادل عامر، وسكرتير الجبهة الديمقراطية السيد منصور دهامشة لخطوة رفيقهم أيمن عودة ودفاعهم عنها وتبريرها بشكل مبدئي؛ ومع أنني أقر بحق الجميع بمناقشة المشاركين في هذه الفعاليات وغيرها- على أن يمارسوا حقهم  وفق شروط النقاش الآمن والمعتمد على تفنيد الحجة والرأي وعلى احترام من يختلف معهم في الموقف والنتيجة-  إلا أنني لا أفهم مزايدة بعض رفاق أيمن في الحزب الشيوعي الإسرائيلي والجبهة الديمقراطية واعتراضهم على مشاركته، كما ولا أستوعب مزايدة بعض القومجيين عليه، خاصة من شارك منهم  في انتخابات الكنسيت الإسرائيلي، وهي المؤسسة التي بين جدرانها تنصهر خلاصات هذا الكيان: السياسية والقومية والرمزية، وكذلك لن أفهم كيف لمن يشارك في مؤتمرات عالمية في جامعات الغرب والشرق وتلك التي تقيمها جهات ومنظمات تابعة لأنظمة مستبدة أو مغرقة في عدائها للشعوب العربية ومصالح هذه الشعوب، أن يعيّروا من يشارك في مؤتمر هرتسيليا وأمثاله عندنا، وكيف لمن يعمل مدفوع الأجر في إدارات جمعيات ومجالس إدارة "موسسات أكاديمية"  و"معاهد أبحاث استراتيجية" و"مراكز دراسات وتخطيطات منهجية" ومعظمها مرتبطة من خواصرها بأموال حكومية أو شبه حكومية  في دول غير معروفة بحبها لفلسطين وشعب فلسطين، أن يزايد على نخبنا الوطنية وهم يحاولون أن يثبّتوا أواصر بقاءنا على هذه الأرض ومن على كل منصة تتاح ينقلون الوجع الفلسطيني بأمانة والحلم بإصرار والوعد بحزم وبدون تأتأة ومواربة.    

قرأنا ما كُتب في أمين معلوف وعنه، وقد يصير حطبًا، وقرأنا ما قيل في مشاركة وزير فلسطيني،بما عليها وما لها، لكنهما قضيتان لا شأن لهما ولا علاقة في مشاركة النائب أيمن عودة في مؤتمر هرتسليا، فنحن في المثلث والنقب والجليل والمدن المختلطة، نعرف ما لا يعرفه من يسكن في برجه المصفّح العاجي أو في دولة فاشلة أو قاصرة أو من يكتب من حضن ناشر مستبد، أو من يحبون فلسطين التي ما زالت عندهم كأجمل خاطرة . لجميعهم نقول
نحن هنا يا عرب سنبقى النار، ولسنا الحطب.      

 

 

 

 

صنّاع المناخات أصحاب القرارات

 

جواد بولس

 

التأم ظهر يوم السبت الرابع من حزيران المنصرم في كلية القاسمي في باقة الغربية، "مؤتمر إطلاق مشروع مكافحة العنف المجتمعي"  وذلك بمبادرة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل ولجنة مكافحة العنف المنبثقة عنها.

ولقد استهلت لجنة مكافحة العنف بيانها الختامي المنشور بعد انتهاء جلسات ذلك المؤتمر بتوجيهها كلمات الشكر لكل من شارك وخصت من بينهم بالاسم السادة:  محمد بركة رئيس لجنة المتابعة وأعضاء الكنيست يوسف جبارين وعايدة توما عن الجبهة الديمقراطية والنائب مسعود غنايم عن الحركة الإسلامية الجنوبية، وكذلك رئيس لجنة الرؤساء ورئيس بلدية سخنين السيد مازن غنايم وأربعة رؤساء آخرين ذكرهم البيان بأسمائهم، ليصبح لحضور جميع من ذكروا يالاسم أثر المرآة العاكسة والمكبّرة، فلقد حضروا كمشةً وأبرزوا حقيقة غياب معظم قيادات الجماهير العربية القطرية والبلدية والمحلية، وقد يكون هذا قصد من نص ذلك البيان .

يطيب للعرب أن يهنئوا في مثل هذه المناسبات، بمعزل عن النتائج ومساطر النجاح والفشل، وذلك من باب استقفائهم، مجازًا، لما نقلته الأجيال عن السالفين من طيب الكلام، مع أن الأصل قد قيل إطراءً في الحكّام والسلاطين حين يقضون في أمر ما ، فالمبادرون اجتهدوا وأطلقوا أمانيهم متبوعةً بسلسة طويلة من التوصيات وهم، لذلك، يستحقون المحاسبة حتى لو لم يحققوا الأهداف التي جاءوا من أجلها؛ فحجم القضية التي يواجهها المجتمع العربي، في الواقع، هي أكبر من حجم مؤتمر صغير  استشعر الداعون مقاساته المتوقعة فأسموه من باب التواضع والتقية وتفادي صيبة العين واللسان، " مؤتمر إطلاق مشروع.. " وآفة العنف المستشري في مدننا وقرانا، أعمق وأعقد من أن يحيط بها من حضروا وشاركوا وإن كانوا، كما قلنا، جديرين بالتحية ونصف الأجرين، لا أكثر

من يقرأ البيان الختامي لن يجد جوابًا واضحًا وصريحًا على ما هو العنف الذي جاءوا من أجل محاربته وما هي مصادره، وهذا ما أدى بشكل طبيعي لأن ينتهي المؤتمر من غير تقديم مقترح عملي متكامل واضح المعالم والهيكلة وقابل للتطبيق. أمّا بشرى إطلاق مشروع "تحصين المجتمع ومكافحة الارهاب"، كما زفها المؤتمرون للمواطنين والعالم، ستبقى ليس أكثر من شعار وزينة ومثل قطعة "الكنافة" العربية التي توزع في أفراحنا وأتراحنا على السواء .   

أية محاولة لتفكيك نص البيان وما احتواه من توصيات لن تفضي لأية نتيجة مطمئنة ولن تأتي بفائدة . فتوصيات الفصل الأول وجّهت إلى "داخل المجتمع الفلسطيني"، لكنها كتبت بلغة تعميمية (سوبرماركتية) تشبه لغة البيانات الشعبية العربية التقليدية تلك التي تقول بلغة الطير كل شيء ولا تقول بلغة البشر العاديين أي شيء .

في المقابل نجدهم قد ركّزوا في الفصل الثاني على النشاطات بين" المجتمع الفلسطيني والدولة"، لكنهم فعلوا ذلك بحشمة مقصودة وتعويمات توفيقية مألوفة تعكس،في الحقيقة، قصور وعبثية خطاب قياداتنا السائد، وتسفر عن  طبيعة الأزمة التي تعيشها هذه الهوية، تمامًا كما يحصل في كل مرّة تضطر هذه "الهوية" وأصحابها إلى مواجهة بعض تجليات إشكاليات تعريفاتها لمعنى المواطنة الكاملة للجماهير العربية وتطبيقاتها في دولة لا تستسيغ هضمنا، كما نحن، مواطنين كاملين، وكثيرون منا، على النقيض،لا يريدونها  لنا أمًا شرعيةً ولا درّة أو حتى حاضنةً مرخصةً، لكنهم يطالبونها بأن تعترف بنا أولادًا لها على أن تقبل هي أن تكون دولة لجميع مواطنيها؛ فما هي دولة المواطنين هذه وكيف ستكون وقد ولدت كبنت لصهيون ؟ 

         

صانع المناخ صاحب القرار            

 

قد يُنسى ما كان في باقة الغريية ويصير سطرًا في مرثية المحاجر والزيتون، وقد يضطر الباحثون إلى مراجعة ما حصل وكيف كانت الخواتيم، لكنني وبعيدًا عن تلك النهايات، أرى في غياب العشرات من رؤساء المجالس والبلديات العربية وأكثرية أعضاء الكنيست العرب، أوضح العواكس للأزمة الكبرى التي تهرّب من ملامستها محررو البيان، وتمنعوا من نبشها عاجزين، مع أنها تعصف بقوة في أواصر مجتمعنا.  

 

إنها أزمة المناخات الفاعلة والطاغية، فكل شيء في الحياة وفي الطبيعة يولد في  مناخ ما وبيئة، ومن يتحكم في ذاك ويؤمّن كيف تكون تلك ويخصّبها، يتحكم في الأعناق والأرزاق؛ فالدولة ومؤسساتها، بلا ريب، من صنّاع ما يسود بين العرب من مناخات، والقيادات العربية القطرية والمحلية ومؤسساتها هي كذلك، وهيئات المجتمع المدني ومؤسساته شركاء في تكوين بعضها، أما الحصة الوازنة تبقى للحركات والأحزاب الدينية ومؤسساتها ولبعض قادتها ووعاظها.

لم ينجح المؤتمر باختراق أي من تلك الساحات والأطواق، وفشل، عمليًا، في التمهيد إلى خلق مناخ عام منافس قد يشكل في المستقبل حاضنة للتغييرات المرتجاة كما توخي منه. فما جرى في مؤتمر باقة الغربية لم يكن أكثر من قرصة بعوضة في جسم فيل ضخم.

المشكلة أن البعض قد اكتفى بالتوصيف وبرروا عزوف القيادات الواسعة والجماهير العريضة وعدم مشاركتهم في المؤتمر بوجود هوة سحيقة بين تلك الجهات والجموع وبين مؤسساتها القيادية لا سيما التي دعت ورعت الحدث.

وعند التوصيف توقفوا بدون أن ينتبهوا إلى أن الكارثة تختمر في وجود تلك الهوّة،   وأنها تشكل عمليًا أحد أهم الصهاريج التي في جنباتها وعلى أبخرتها تتفاقس فيروسات الجريمة وتتوالد أمساخًا ضارية ، وفيها يفشو العنف ويتمظهر بيننا؛ فالقادة والنخب المتنفذة المتغيّبون، خاصة عشرات رؤساء البلديات والمجالس العربية، هم في الواقع سادة الساحات والشوارع وأبطال المنصات والمنابر والقابضون على مفاتيح اقتصاد بلداتهم ومراكز المنفعة والتوظيف والتعاقد والصرف والقبض، وكثيرون يعرفون أن بعضهم نجح في الوصول إلى موقعه بعد دك الحصون الوطنية وسقوط قلاعها في بلداتهم الحمراء ومثيلاتها وما تلاه من انحسار في دور الأحزاب السياسية الوطنية  وما أفضى إليه كل ذلك من واقع/مناخ جديد برزت فيه ثقافة الجريمة والعنف والرذيلة وقوامها: الاستعانة بثلل بشرية مشبوهة الأصول والدوافع، الاعتماد على سياسة "حكّيلي بحكيلك" حتى في العلاقات مع الدولة ووزاراتها، ومأسسة نظام الرشوة إلى أن بات الراشي والمرتشي والرائش أشخاصًا ذوي نفوذ تتقرب إليهم العامة والحشود لتأمين مصالحها وأمنها ولقمة عيشها .

إنها دورة المناخات وتقلباتها في حياتنا العامة: فصناع المناخات مهّدوا بعناية لولادة عهود رمادية جديدة تخلف ما أرساه الأوائل في حياتنا العامة وسلّموا العهدة لصناع مناخات جدد،من لحمنا ودمنا، والنتيجة: مجتمع كامل يعيش مقبوضًا عليه من مقتليه. فكيف إذن  سينجح مؤتمر غاب عنه كثيرون من صنّاع المناخات أصحاب النفوذ والبارود والثراء في تحصين المجتمع ومكافحة الجريمة؟    

لن يختلف اثنان على أن الدولة ومؤسساتها يضطلعون بأوفر الأقساط والمسؤولية عن خلق مناخات الجحيم وتوفير شروط تفشي الجريمة والعنف بيننا، وبما أن الجميع يجمع على هذه الحقيقة أستطيع القول إن المؤتمر لم ينجح بدق أبواب الدولة ولا أن يخلق فرصة للتفاعل الإيجابي مع أجهزتها ومؤسساتها ذات العلاقة والصلة، وفي طليعتها تلك الوزارات والجهات التي تقع على مسؤولياتها مهمة تنفيذ ما أوصى به المجتمعون في باب بين "المجتمع والدولة". ألمزايدات واختلاف وجهات النظر المبدئية بين المشاركين أدّى إلى إغلاق هذه النوافذ وتحويل كل ما قيل وما كتب في هذا الباب إلى مجرد شعارات مجففة خريفية باهتة ستسبب مزيدًا من الخسائر واستمرار التخبط والتهرب والعجز.

لقد أغفل المجتمعون دور بعض المجموعات الدينية، ومن يقف باسمها على المنابر وفي الهياكل والميادين، وتأثير بعضهم في تكوين مناخات أنتجت أفكارًا متزمتة متطرفة أدت إلى تصدع مجتمعاتنا وحدوث بعض الممارسات الخطيرة الضارة بمصالحها .

فظواهر التكفير المتزايدة وتصاعد عمليات القمع الديني والترهيب في العديد من قرانا ومدننا وتفشي الخطاب الطائفي العصبوي الجارح كلها عناصر ساعدت على خلق مناخ تحت قبته مورست وتمارس، جهارًا أو خفية، أعمال العنف على أشكاله : ضد الآخر المختلف وبينهم المثليين والنساء، وضد الفنون بأشكالها والمبدعين والرياضة والرياضيين والقائمة طويلة طويلة.

لم يخل المؤتمر من مشاركة أفراد كان وما زال لهم دور في تنمية ذاك الخطاب المتعصب وفي تكوين أحد أكثر المناخات طغيانًا في حياتنا العامة، ولذلك لم تكن توصية المجتمعين في البند الثامن " برصد جميع مظاهر العنف الذي  يستند إلى استغلال الدين وتحريف قيمه التي تمارس ضد أفراد أو فئات من نفس الدين أو بين الأديان ...."  أكثر من محاولة بائسة لصبغ واقعنا بالرياء والمواربة، وللتهرب من مواجهة قضية هامة يجب أن تناقش بروية ومسؤولية ونضوج وطني كامل. وهذا ما سأحاول القيام به في المستقبل

"الدنيا حانوت الشيطان" قالت العرب ! وأيامهم ثلاثة : معهود ومشهود وموعود ؛ فأمسنا، قبل مؤتمر العنف، بقاء في الوطن معهود، وحاضرنا، مع مؤتمر العنف، حيرة وإلتباس وتردد مشهود، ويبقى صنّاع المناخ هم أسياد العباد وأصحاب القرار، فمتى وكيف سيكون مستقبلنا جنى موعودًا؟       

 

 

 

القدس في حزيران ومر الكلام

 

جواد بولس

 

القدس دمعة شمس منسية . في الخامس من حزيران تستعيد ذاكرة الجراح وتنام كمدينة الهزيمة الدائمة  التي كلّما حمت ضلعًا في صدرها الهش المكشوف خانتها الجهات وغدرت فيها الرياح.

إنها المدينة العانس، تأوي إلى حضن جورية ندية، وتحلم، كالمجدلية وكأيائل صهيون، بولادة فجر يندلق كالأماني، لكنها تفيق مع أول السحر لتجد خاصراتها تدميها خناجر الأصحاب والأهل والأعداء.

ألقدس، يا عرب، مدينة عمياء. قناديلها أطفأها مطر من الكذب أسود ولهاث الشعراء الخلبوعروس الجبال، يا أيّها الحداة، صارت مثل السماء صمّاء أوقعها صراخ باعة الكلام وهو يلعلع فوق كثبان الصحاري وفي أسواق السبايا و الدخان والنار.

لا تواسوها، لا تواعدوها ولا تَرثوها فهي لن تلتفت إليكم ، وفي حزيران، وهي الشريدة الشاردة، لن تُعنى أحواشها بكم، فكل طفل وطفلة فيها يعرفون أنكم ليسوا أكثر من "بكاة تمدونها بالعويل والصياح "؛ أتركوها تداري نبض ترابها يسري في عروق نعنعها وحبقاتها ودعوها ترعى صليبها والأهلة فوق قناطرها التي ربّت عليها ضفائرها المقمرة.               

إنه يوم ليس ككل أيام القهر في حياة المقدسيين، فآلاف من الإسرائيليين اليمينيين العنصريين يزحفون فيه وفي كل سنة على وسائد سكانها الباكية ، ومنذ انتصرت "ستتهم"،على تقاويم الهجرات والميلاد والقمر، في مهزلة سميّت حربًا،  ينقضون على المدينة كجراد أهوج جائع ويدخلونها حاقنين يتدافعون في شرايينها كقطعان من الجواميس العطشى.

يصرخون ويغنون شاهرين قرونهم وحناجرهم ويرفعون حرابهم لتتمايل على أطرافها إسرائيل المنتصرة، ويرقصون "رقصة الأعلام" على عتبات بيوت أهلها المحاصرين ليستفزوا كبرياء مدينة مهيضة وليذكّروا أهلها: شيوخها، نساءها، شبابها وحتى الرضع بينهم، أن لتلك الشوارع الحزينة أسيادًا وأربابًا، وعندهم القول الفصل في كل بوابة وباب، ولهم الغناء إن أرادوا وأن شاؤوا لهم البكاء، والقهقهة لهم وعربدة السياط.

كنت في طريقي لحضور اجتماع  لإدارة جمعية "يد - بيد"، كنّا قد عيّناه منذ زمن، ومن غير أن ننتبه لما سيخيّم على المدينة في الخامس من حزيران. حركة المركبات مشلولة، وأوردة القدس سدّت بكلس المستوطنين وبغبار بساطيرهم. الأخبار تتناقل قرار قضاة المحكمة العليا الإسرائيلية الذين رفضوا التماسات تقدمت به جمعيات إسرائيلية ما زالت تؤمن أن العزة والرفعة في الحياة يجب أن تبقيا للإنسان وكرامته، فتوجهوا مطالبين إلزام منظمي مسيرة العربدة بتغيير مسار مظاهرتهم بحيث لا تخترق ألوفهم الأحياء العربية في البلدة القديمة، لا سيما بعد اعتداءاتهم الخطيرة على البشر والحجر في السنوات الماضية، لافتين أن السنة حددت المسيرة بمواقيت من المتوقع ان تتزامن وتتضارب مع حلول أول يوم في شهر رمضان.

رفض القضاة جميع ادعاءات الملتمسين ، فالقدس تاج عزتهم إيضًا وسيّدة الدهور وذهب السماء الذي لا يفنى، وأضافوا في قرارهم بعض الملاحظات المضحكة المبكية : فلقد أوعزوا للشرطة تقديم موعد بدء المسيرة بربع ساعة كي تنتهي قبل ميعادها بربع ساعة، وكذلك بأن تكون العصي التي سترفع عليها الأعلام الزرقاء البيضاء أقصر مما كانت عليه في السنوات الماضيه وذلك لمنع رافعيها من تحويلها إلى عصي تهوي على من يصادف تلك الجموع من العرب- كما حصل في  الماضي، وأكدوا أن على الشرطة منع المشاركين من الهتاف " الموت للعرب" وليحرق المسجد" . لكن في النهاية، وكما كان متوقعًا من محكمة فقدت بصيرتها  وتخلصت من روح العقل والمنطق، شكّل قرارها الضوء الأخضر لزرافات من سكارى الغطرسة وسمحت لهم أن يغزوا شوارع المدينة المزنرة بالعجز والقهر والصبر، ولحناجرهم أن تلقّح الفضاء بطلع كلّه كراهية سينبت حتمًا موتًا مؤجلًا .

بحماية القانون وبمؤازرة ألف من قوى الأمن والشرطة ومشاركة ساسة وقادة عاشت المدينة بضع ساعات من سكرين وتيه : أهل المدينة العرب في بيوتهم أسرى ورهائن، وغزاة زاحفون على أسنة الرماح وصكوك كتبت بمداد سفر " القضاة" التوراتي وما حفل به من حكايا وعجائب وأساطير .

عاشت مدينة إيلياء مساءً كله خبل، وحفلت شوارعها بطقوس من السحر المعتق ولّده  خيال يفيض بمجازات مستعارة من جحيم شمشونها الجديد وهو يدردب منتقمًا لعينيه المفقوءتين ويصرخ "علي وعلى أعدائي يا رب".

القدس تنهيدة قمر حالمة ، في أحشائها توالد التاريخ وأجهض مسوخًا دارسة، لكنها بقيت تؤوي عربًا هم في عرف ورثة ذلك الشمشون ليسوا إلا أحفادًا لأولئك الفلسطينيين الأوائل،  وعنهم وعليهم أن يدفعوا الثمن؛ لأن الرب، هكذا تؤمن تلك الآلاف العاصية، ما زال عندهم رب القضاة، وآخرهم كان شمشون الذي قضى وورّثهم النهر بضفتيه والنهم والمعجزة، ولفلسطين العرب حظ أهل الكهف وحكمة سيّافي الأعناق والزهور .

لن تتعرفوا اليوم إلى القدس يا من تعشقونها وأنتم "وشامى"، فنونكم سقطت عند حافات الرذاذ ومع اهتزاز القدود وفي جحيم القبل، ولن تحموها في صلواتكم الديغاتيلية السريعة المكررة كوجبات المسافرين في قطارات المدن البعيدة. لن تنقذوا أهلها بأدعية  جوفاء معلّبة ومبهرّة تلوكونها حين تأوون إلى مراتبكم التي من ريش ولحم وشبق وتذهبون إلى نومكم الصاخب حالمين بصهيل " الخرّد الغيد ".

القدس عاشت، منذ تقاتل وكلاء السماء على بلاط مذابحها، كزهرة برية وحيدة هجرها الحرّاثون وأهملوها ولم يسقها السقاؤون، فكبرت كعاشقة الدجى الوحشية حتى صار شوكها أبراجًا زرعت كبقايا شهب أزلية في شوارعها، وتناثر زهرها ضلوعًا في صدور أهلها، وعطرها تضوّع كنجمات الفلك، لا يشمّه إلا من يولد في ظل أسوارها، ويتكور في جوفها، أو يكبر على طريق آلامها وفي عتمة سراديب أسواقها  .

خففوا عنها من حبكم القاتل  كي لا تيأس، فكم حاولتم إرضاعها من أثدائكم  الهزلى، فأبت وشربت من عيون ناسها حتى صار الدمع عزة وكرامات، وصمدت المدينة  مخيبة أماني الفاتحين حتى لو تملكوا مفاتيحها إلى  حين

ملأتم أشعاركم بطيبها فقاومتم  في بحور" الخليل" وانتصرتم نصر البحتري على أطلسه العسّال، وعفّرتم أنوف غزاتها بصياحكم، وادّخرتم ذلك " الصارم المصقولا" ، في حين كان أهلها لا يسمعون في جنباتها إلا هسيس الجن، ويصحون على صفير الهراوات تهوي وتسطر أجساد شبابها وشيوخها، لكنهم صمدوا وساروا على هدي حماتها وفرسانها  وأميرهم الفيصل/ جرحها المفتوح.  

من المؤكد أن الكثيرين لم يقرأوا ما سمح بنشره في الخامس من حزيران الفائت، فبعد ثمان وأربعين سنة كشفت مقاطع جديدة من شهادات جنرالات جيش الاحتلال، نشرتها صحيفة هأرتس، وتضمنت تفاصيل محزنة ومؤثرة عمّا دار بينهم من نقاشات قبل وخلال حرب حزيران؛ اللافت  أن جميعهم كانوا مجمعين وحاسمين على أن الحرب قادمة لا محالة، وعلى أنهم سيمحقون جيوش العرب في ضربات ستكون أسرع من قضاء البرق الحارق، فها هو الجنرال عوزي نركيس، فاتح القدس، ومن كان قائد المنطقة الوسطى، يقول لضباطه قبل أيام من بدء الهجوم " أنا لا أعرف إذا كان سيحصل شيء ما، لكنني متأكد أنه فيما إذا حصل شيء ما فعنده  سنكنس كل العرب من الضفة "، ويضيف مهاتفًا تيدي كولك، رئيس بلدية أورشليم في ذلك الوقت، ومطمئنًا جازمًا : " هذه حرب، لكن كل شيء على ما يرام. سوف تصبح رئيسًا لبلدية أورشليم الموحدة".

وصار حزيران في شرقنا موعدًا مع الذل ومر الكلام  وصداه تذكارًا لتاريخ ينهق في آذان الغفاة  والدجالين؛  للمدينة صار رئيس واحد وكهّان مثل الغيم  وبأعداد الغربان ، لكنها بقيت طريدة ومقروحةً مقطعة؛  فغربها أورشليم يزهو كالطواويس المنفوشة وينتفخ من تخمة حضارة حامضة، والشرق قدس تنسكب كدمعة شمس منسية وعلى منعطفات شوارعها:  " في أقصى المدينة، كان اطفال التواريخ الحزينة، يجمعون الكتب والأخشاب واليتم، البراويز وأوتاد الخيام، علّها تصبح متراسًا، يسد الدرب في وجه الظلام".

وكل حزيران وأنتم نشامى            

على الأرض وفوقها.

 

 

 

نضال فيسبوكي مجرّم

 

جواد بولس

 

 لم يتردد ممثل الادعاء العسكري للاحتلال في إعطاء رده الواضح لقاضي محكمة الاستئناف في معسكر عوفر جازمًا: "بأننا قمنا بفحص جميع البيّنات المكشوفة والمتوفرة في ملف الدكتور عماد البرغوثي وخلصنا إلى استنتاج بأنها غير كافية لتقديم لائحة اتهام بحقه بتهم التحريض، فما كتبه على صفحته الخاصة في الفيسبوك لا يرقى لتثبيت التهمة ولا يضمن إدانته في المحكمة، وعليه فالنيابة العسكرية تصر على ضرورة إبقائه في السجن لمدة ثلاثة أشهر كما أمر القائد العسكري حين وقع على أمر اعتقاله الإداري، فوجوده وراء القضبان كفيل بدرء خطورته وتحييد إمكانية مساسه في أمن وسلامة الجمهور".

لم يقتنع القاضي برد النيابة وحاول أن يشرح للمدعي العسكري الذي كان يرافع بحماس احتلالي فولكلوري، أنه لا يجد سببًا مقنعًا لإبقاء الأسير في السجن لا سيما وهو يعمل محاضرًا معروفًا على مستوى كبير، فالتعبير عن الرأي من خلال صفحة خاصة بمواطن في واحدة من شبكات التواصل الاجتماعي لن يكون سببًا كافيًا لسجن ذلك الشخص إداريًا، حتى إذا لم نستسغ ما كتبه أو صرّح به.

مع نهاية المرافعات في ظهيرة يوم الخميس الفائت قرر القاضي، والذي يعمل في حياته المدنية محاميًا، قبول استئنافي وقضى بإبطال أمر الاعتقال الإداري بحق عماد البرغوثي على أن يدخل قراره حيّز التنفيذ يوم الأحد الذي وافق 29/5 المنصرم.

رحم الله ميكياڤيلي وبئس ذلك القضاء. لم يفرج عن عماد البرغوثي كما كان متوقعًا ففي ساعات الصباح الباكر سُحب عماد من سجن عوفر إلى مقابلة رجال الأمن، وأخضع إلى جلسة تحقيق قصيرة، ومن عندهم نقل مباشرة إلى قاعة المحكمة العسكرية في عوفر ليسمع هناك أن النيابة العسكرية تقدمت ضده بلائحة اتهام طويلة عريضة تنسب له فيها تهمة التحريض، وتطالب بإبقائه في السجن حتى نهاية الإجراءات القانونية ضده.

من مراجعة لائحة الاتهام تكشفت القصة بعريها وخبثها وعبثيتها. صفحته الخاصة على الفيسبوك تحولت، بقدرة قاهر قامع، للائحة اتهامه، وكل ما نشره عليها صار بعرف الاحتلال مادة تحريضية خطيرةً. فالنائب العام قام، عمليًا، بنسخ "بوستاته" التي كان يكتبها، في مناسبات مختلفة، معبّرًا عن رأيه في حدث استفزه أو حادث آلمه أو حديث لم يبق لصبره حظًا فنتأت أشواكه شوقًا وأماني وغضبًا.

في الواقع لم تكن قضية الدكتور عماد البرغوثي هي الأولى، ولن تصبح الأخيرة، فمنذ أواسط العام المنصرم شرعت أجهزة القضاء والقدر الاحتلالية بمواءمة جاهزيّتها ومعدّاتها لمواجهة هجمات جحافل "الفسابكة" و"التويتريين" المناهضين للاحتلال، والذين مضوا يقارعون موبقاته ببوستاتهم ولايكاتهم وأشعارهم وكاريكاتيراتهم وما شابه، الجهات المختصة استعدت في مسعاها للتصدي لهذه الظواهر كما يليق بخبرة احتلال لا يشيخ بل سيشرف على خمسينه بعد قليل وهو بكامل رصاصه والغطرسة.

 فبعد أن ألِفت شوارع فلسطين السكينة وصار ليلها ينام وهو يرضع الفحمة حتى التعب، وصحت أجيال اليوم على الأخضر وهو ينبعث في غزة ومن قوس سمائها في الضفة ينزلق قزح، تجرّد المشهد الفلسطيني، عمليًا، من غبار البيادر وتعرّى حتى من طيش الفَراش. الحياة في فلسطين، الكأنها محتلة، صارت تلاك برتابة السواقي وبسأمها، وقواميس شعبها تنكمش وفي مجالسها تتكسر اللغة ولا تنتفض، الأفعال تجز وترحل، فلا انطلق ولا اندفع ولا تظاهر ولا قاوم ولا احتشد، كلّها صارت أفعال ناقصة لا تأتي إلا بصيغة الماضي.

"الصاع بدّو صاعين والرطل بده رطل وأوقية"، قالت عجائزنا فنسينا نحن وهم حفظوها وفعلوا. إنه عصر الربيع والثورات الممكننة، قال مفكرونا وأفتى العلماء فأجادوا وأوهموا، وغردّت وراءهم أجيال و"ليّكوا" فناحوا وأشجنوا، بادلوا وتبدّلوا واستبدلوا: فلا شجب ولا احتجاج ولا غضب ولا أسف، لا أنهار من عرق ولا عيون تذرف الملح ولا تتجمل، بل هي ساحات حبلى بعجزها وبرعد الغيب ومقاه بفيسبوكاتها تتفجر.. وإسرائيل محتلة، بصاعيْها، على كل ناصية تتربص وفي محاكمها تقضي وتتجبر.

لقد تزامن موعد تقديم لائحة الاتهام بحق عماد البرغوثي مع تقديم النيابة لمجموعة لوائح مماثلة، ربما كان أبرزها ما قدّم بحق الأسير سامي الجنازرة والذي خاض اضرابًا طويلًا عن الطعام ضد اعتقاله إداريًا .

 ففي حركة مشابهة لما جرى مع عماد البرغوثي أبطلت النيابة العسكرية أمر الاعتقال الإداري بحق الجنازرة، وأنزلت ضده لائحة اتهام نسبت إليه فيها تهمة التحريض بعد أن نسخت، جريًا وراء موضة العصر، جميع بوستاته المنشورة على حسابه في الفيسبوك، فكل زفرة منه أمست تهمة، وكل تنهيدة صارت عثرة.

وعلى جبهة أخرى تزامنت هذه التطورات مع إعلان لافت وهام نشرته جمعية "بتسيلم" الإسرائيلية والناشطة، منذ ربع قرن، في متابعة بعض جرائم الإحتلال، وذلك من خلال قيامها بتقديم مئات الشكاوى وتحويلها إلى عناية الجهات العسكرية المختصة وفي مقدمتها النيابة العسكرية العامة والمستشار القانوني للحكومة .

"ورقة تين الإحتلال" هكذا أسمت "بتسيلم" تقريرها والذي أجملت فيه تاريخ عملها منذ خمسة وعشرين عامًا لتعلن في نهايته وللمرّة الأولى : كفى.. لن نتوجه إليكم بعد اليوم، فأنتم لستم أكثر من ورقة تين تتستر على جرائم جيش الاحتلال، ونحن في "بتسيلم" استدركنا، بعد ربع قرن، أننا كنا عمليًا وكلاء ثانويين لكم.

استعدادنا للتظلم أمامكم أجاز لكم الادعاء والتفاخر أمام العالم أنكم  تلاحقون الشكاوى وتحاسبون أفراد جيشكم بنزاهة وشفافية وجدية، أما استعدادنا ومحاولاتنا للتعاون معكم من أجل كشف الحقائق وملاحقة الجنود مرتكبي الجرائم، أعطتكم الفرصة والذرائع كي تقنعوا المحافل السياسية والقانونية في العالم أنكم تقومون بواجباتكم كدولة محتلة تراعي المواثيق الدولية ذات العلاقة والشأن، وبذلك نكون عمليًا قد ساعدنا على تحصينكم في وجه العدالة الإنسانية الدولية.

 نقولها بملء الصوت: "كفى! فأنتم شركاء فيما يجري في الأراضي المحتلة ومتسترون على ما يحدث من جرائم ، لقد كنتم مسوّفين حرفيين ومتهربين مهنيين، إنكم لستم أكثر من مراوغين.  

أنصح بقراءة تقرير منظمة "بتسيلم" لأنه يثير جملة من القضايا الهامة ويعطي للمهتمين فرصة للوقوف على تفاصيل عمل منظمة إسرائيلية عكفت على تقديم شكاواها ضد جنود اشتبهوا بارتكاب مخالفات جنائية بما فيه قتل الفلسطينيين، ويتيح للمعنيين فهم ما جاء في التقرير واضحًا أو ما خبّأته السطور،  لكنني وقد استذكرته في هذه المقالة لأؤكد خلاصته الذهبية فبتسيلم توصلت ، وإن كان بعد ربع قرن من عملها في هذا الميدان، أنهم بتعاطيهم وتعاونهم في تلك القضايا مع مؤسسات جيش الاحتلال القضائية وغيرها وفروا عمليا لهذا الجيش فرصة الاستفادة من هذا التعاون والتعاطي، فتلك الجهات لم تكن إلا أوراق تين تتستر على عورات الجنود وما يرتكبونه من جرائم. أما الأهم فكان وعي بتسيلم أنهم كانوا عمليًا ورقة  التوت ألتي غطت على أوراق تين الاحتلال ولذلك قرروا التوقف والابتعاد.

                

فإذا كانت مؤسسة المدعي العسكري العام والمستشار القانوني للحكومة أوراق تين، فما بالكم في المحاكم العسكرية لهذا الاحتلال وهي الطواحين التي تحت رحاها تمحق سنوات عمر فلسطين والفلسطينيين وتداس زهراتها في كل صبح ومساء؟ أمن غفاة يصحون؟ 

وأنا أكتب مقالتي أصدرت المحكمة العسكرية في عوفر قرارًا يقضي بحبس المواطن الفلسطيني ابن قرية الخضر، من محافظة بيت لحم،  بالسجن الفعلي لمدة عام كامل وبدفع ألفي شاقل كغرامة بعد إدانته بتهمة التحريض لأنه حيّا ونشر في خمس تغريدات/ بوستات على صفحته صورًا وفيديوهات لشهداء فلسطينيين أو لمن قاموا بعمليات طعن وما شابه. والعبرة لمن يعتبر .

إعلان بتسيلم قد يكون مهمازًا لمؤسسات شعب لم تتدارس منذ ستين عامًا جدوى تعاطيها مع محاكم الاحتلال وشروط هذا التعاطي الوطنية،  ففي هذه المحاكم العسكرية تتدحرج أكثر من خمسين لائحة اتهام كلها تعتمد على ما نشره أصحابها على صفحاتهم الخاصة و تنتظر قضاء الاحتلال وقدره، وهذا كما نعرف، قبل بتسيلم وبعدها، لن يرحم جيلًا هجر الساحات وجافى جدران المخيمات والمدن والتجأ إلى "حيطان" الفيسبوك وإلى صداقة شبكاتها العنكبوتية، فالاحتلال بقي هو الاحتلال حتى بعد أن تحوّل الشعار إلى "تغريدة" وصار الحجر"لايكًا" فستبقى تلك صاعات سيرد عليها جيش الاحتلال بصاعاته: برصاصه وقانونه وقضاته فإلى متى؟       

 

 

 

دروس في الفاشية

 

جواد بولس

 

لقد انضم رئيس حزب " يسرائيل بيتينو" إلى حكومة بنيامين نتنياهو التي سيشغل فيها منصب وزير الدفاع خلفًا لموشيه (بوغي) يعلون، وذلك في خطوة تباينت إزاءها ردود الفعل، فالبعض علّقها رايةً على عصا ببيبي الساحر، وآخرون أتبعوها بما سبقها من بهلوانيات سياسي ماكر مخادع، وقلّة استوعبتها كضربة أخيرة تهشّم ما بقي سالمًا من إناء دولة متصدع تتناثر أجزاؤه منذ سنين ، وتتدحرج الآن بتسارع مقلق صوب هاوية فحماء

ستكون لهذه الخطوة تأثيرات متعددة وأخطرها، بعيني، هي ما سيلحق بمصير المواطنين العرب في إسرائيل وبعدها بالأقلية اليهودية التي استشعرت ذلك الدرك الذي وصل إليه النظام الحاكم؛ ففي الجبهات الأخرى، وأقصد تلك الأحداث المتفجرة في منطقة الشرق الأوسط و في مناطق أخرى في العالم، تدار الأمور وتضبط وفقًا لقوانين تحكمها مصالح دولية واصطفافات سياسية جديدة بعضها سيستسيغ تقوية حكومة بيبي بدخول ليبرمان وحزبه أو حتى قد يكون منهم من دفع الاثنين إلى مخادع هذا الزواج؛ فكثيرون ممن كانت عندهم إسرائيل كيانًا صهيونيًا مزعومًا أمسوا، في عصر الربيع الأعجف، حلفاء لها وشركاء في مستقبل ما زالت أثوابه تُرفأ في مخايط العبث المبكي.

الأكثرية من المواطنين العرب في إسرائيل لم تلتفت لهذا التحول، بل نجدها ماضية في مواجهة شؤون حياتها اليومية وكأن ما يحدث لا يعنيها ولن يؤثر على مستقبلها بالمطلق. ويبقى الأخطر ذلك الانكماش المزعج الذي تمارسه معظم قيادات الجماهير العربية بصورة محزنة ومستفزة في ذات الأوان. فأين رؤساء البلديات والمجالس المحلية وأين طواقم ومسؤولو الجمعيات الأهلية وغير الحكومية وأين المفكرون والإعلاميون والمؤرخون وعلماء السياسة وأصحاب رأس المال والشركات الكبيرة؟ أفلم يستشعروا أنه أوان الشد والهمم

إن انضمام ليبرمان وزيرًا للدفاع وعلى حساب عضو قيادي في الحزب الحاكم وعسكري بارز في سجل وتاريخ حروب هذه الدولة-  ليس مجرد دخول لاعب تعزيز في الفريق اليميني المتطرف الذي يقوده نتنياهو زيادة في تحديه للمجتمع الدولي" ، كما جاء في تعقيب القائمة المشتركة في بيانها المنشور، بل هو حدث يشير إلى تفاعلات جوهرية في بنية نظام الحكم الإسرائيلي، ولأنه كذلك كان جديرًا بأكثر من بيان توصيفي يعلن لقارئيه بسطحية وسذاجة على أن دخول ليبرمان للحكومة ليس غريباً أو شاذاً بل كما قال المثل الشعبي ״وافق شنٌّ طبقة״. فالتنازل عن بوغي يعلون رغم مواقفه وتاريخه، يختم عمليًا مسلسلًا يخرجه نتنياهو منذ زمن وتعود مشاهده المبكرة عندما بدأ بإبعاد من سموا في حينه أمراء الليكود ومنهم بني بيغن وداني مريدور وغيرهم، وتلاه التخلص أو " إسقاط" قادة قدوا من مبادئ ذلك الليكود التاريخي التقليدي الذي مثل شريحة جمعتها عدة مقومات لم تعد معدة النظام الجديد قادرة على هضمها وبلعها، ومنهم سيلفان شالوم وغدعون ساعر ونعومي بلومنطال وهيرشزون واولمرط وغيرهم.

 غير أن ضم لاعب تعزيز لا يبرر التنازل عن "كابتن" الفريق لا سيما ونحن نعرف ما أعلنه هذا الكابتن على الملأ حين كتب في سيرته الذاتية التي أسماها " طريق طويل قصير" أنه توصل إلى استنتاج على " أن الشريك الفلسطيني يريد أن يعيش مكاننا وليس بجانبنا، وفي هذه الحالة لا تدعم تنازلاتنا الاستقرار بل تقوضه، ولذلك توصلت إلى خلاصة أنه، في حقيقة الأمر، لا يوجد لنا شريك لحل الدولتين"، ومع هذا لم يجد له مكانًا في فريق "الكيكبوكسينغ" الذي يقوده بيبي.

معرفتنا لماذا اختار نتنياهو وجوقته ليبرمان على حساب زميلهم هي قضية أساسية لأننا قد نتوصل بعد استكشافها إلى ما سيترتب على ذلك من نتائج وعواقب، وعندها ربما سننجح بوضع برامج عمل نضالية من شأنها أن تصد ما نتوجسه من مخاطر

القائمة المشتركة لم تقم بذلك لأنها قاصرة عن ذلك، فكل مركب من مركباتها يحمل موقفًا مبدئيًا مغايرًا إزاء ما يحصل وموقفًا مختلفًا بشكل جوهري لما تعنيه تلك الأحداث ولكيفية التصدي إليها

ويكفي كي نستبين تلك الفروقات أن نقرأ تلك البيانات الرئيسية الثلاثة، علمًا بأن كثيرًا من الأحزاب والحركات العربية غيّبت مواقفها وملأت أدراجها صمتًا ؛ فبعدما أكدت القائمة المشتركة أن ما حصل لم يكن أكثر من "وافق شن طبقة"  هاجم بيانها بوغي يعلون ووصفه بمجرم الحرب وهاجموا، كذلك، الإعلام الإسرائيلي ألذي وصف أخلاقية موقف بوغي بدفاعه عن الجنرال غولان وتصريحاته التي لم ترق لبيبي وحكومته العنصرية، في حين خلا بيانها من أي مقترح عملي لأي خطوة نضالية أو فكرة في هذا الاتجاه، وهذا في انسجام تام مع بيان النائب زحالقة الذي ضمنه هجومًا على بوغي يعلون مؤكدًا أن دخول ليبرمان إلى الحكومة هو كمن يضيف صفرًا إلى أصفار كثيرة، ومضيفًا على موقف المشتركة فكرة عمومية بعدما خلص إلى القول إن : "هناك وجه آخر لكل مصيبة. ووجود ليبرمان وزيرًا للأمن يسهّل فضح السياسات والجرائم الإسرائيلية، وهي فرصة للخروج بمبادرة جدية لعزل ومحاصرة ومعاقبة الحكومة الإسرائيلية " . لم يكشف لنا زحالقة من أين وكيف سيبدأ الحصار؟ أمن القرم أم من القرن ؟ من الصحراء وما تخبئه لنا من رياح أم ربما ننام أولًا والصباح رباح!   

أما بيان الجبهة الديمقراطية فكان مختلفًا بشكل جوهري إذ أن : "التجارب التاريخية تثبت أنّ الفاشية لا تبسط سيطرتها حين تمتلك أكثرية برلمانية فحسب، بل حين تخبو الأصوات وتنتكس الإرادات، وتنعدم المقاومة.. إنّ مطلب الساعة هو النضال العربي-اليهودي العنيد ضد الاحتلال والعنصرية " وهم لذلك ناشدوا كل المؤمنين بقيم السلام والمساواة والديمقراطية بضرورة العمل المشترك حيث: " لا نملك ترف اليأس. بل تقع علينا مسؤولية تاريخية وهي إنقاذ الشعبين من الكوارث المتربّصة، ووقف الحرب القادمة"  وعليه دعوا كل المواطنات والمواطنين، عربًا ويهودا، وكل القوى والمنظمات، للتجنّد لمظاهرة الألوف مساء السبت 28.5.2016في تل أبيب

إذن، فالمشتركة تنطق بما قل ولا يدل، لأنها ليست أكثر من خيمة تلم الأخوة غير الأعداء. والتجمع يُطمئن فليبرمان ليس أكثر من صفر يضاف على أصفار الحكومة، والحل   محاصرة ومعاقبة الحكومة الإسرائيلية.  

ويبقى ما تقترحه الجبهة موقفًا وطريقًا، رغم كونها تنظيمًا ضعيفًا ومفككًا، هو الفرصة والأمل. فكم قلنا أن جميع ضحايا الفاشية حلفاء.

ما يحصل في إسرائيل اليوم قد حصل في أوروبا من قبل، وهذا ما قصده نائب رئيس الأركان الجنرال يئير غولان حين صرح أنه " يشخص في إسرائيل تفاعلات حدثت في ألمانيا قبل سبعين عامًا"، فالنظام الإسرائيلي ينجز ما قامت به قبله أنظمة اوروبية فاشية حين أطبقت فكوكها كالملازم على مفارق ومفاصل الحكم، وقد تسنّى لها ذلك بعد أن تخلّصت أولًا من أعدائها التقليديين، كالشيوعيين والاشتراكيين وبني الأقليات والمختلفين، ثم أنهت ارتفاعها إلى رأس الحكم دائسةً على رقبات من حالفوها في البدايات مثل الليبراليين والمحافظين الذين لم يعد لهم مكاناً في نظام أسمته الحضارة بالفاشية .

من المفارقات أن نقرأ ما كتبه يعلون في سيرته إذ قال :" لقد تعلمت أنه في عالم  متغيّر بوتيرة متصاعدة وفي جميع مناحي الحياة، من لا يسأل نفسه في كل صباح ومساء: "ماذا تغير" يتحول إلى إنسان غير ضروري " . لم يسأل يعلون نفسه "ماذا تغير"  في إسرائيل خلال عقود طويلة من قمع شعب آخر، حتى وجد نفسه عالة على نظام حكم خدمه حتى طلوع الأرواح،  وهو ليس وحيدًا، فاليوم يتحرك واحد مثل ايهود باراك ليصف الحكومة بالفاشية، وكذلك يفعل روني دانييل وهو صحافي عرف بيمينيته البارزة  وسبقهم إلى ذلك الجنرال غولان ومئات آخرون، فكلهم بدأوا يشعرون أن رقابهم قد تداس، وقد يأتي دورها بعد رقاب العرب.         

وأخيرًا، لم يكن شن العرب فاشيًا ولا طبقته يهودية عنصرية، فإذا كان ليبرمان شنًا وافق طبقته، فليفتش كل "شن" منا عن "طبقته" ولنصرخ معًا يا كل ضحايا الفاشية اتحدوا.       

 

 


قصة كلب اسمه عنتر

جواد بولس

 

تسكن هنيدة وعائلتها في الشقة المقابلة لشقتنا في حي بيت حنينا الواقع شمالي القدس والقريب من حاجز قلنديا العسكري ومن سور الفصل الذي بعدما اكتمل بناؤه ضمنت إسرائيل محاصرة مدينة كانت محتلة وتقاوم، فصارت تعيش على ما يجيزه الاحتلال من مكرمات ويتيحه من مقومات تبقي سكانها الفلسطينيين ينامون على شفرة أمل مخشرم وعلى دعاء المتشائلين التائهين: ربنا احمنا من الأسوأ ومن السوس والجوع وأبق غربنا مشرعًا واحفظ بحرنا ويافا كي يكون وسائد لغمامنا المرتجى.

دخلت هنيدة علينا ومعها ثلاثة أولادها. كانت حزينةً، بل كانت تموت حزنًا، وزينها الصغير جلس أمامنا ولم يبك في بيتنا، لأن الأطفال في فلسطين يولدون وفي مآقيهم نجوم ويخزنون الدمع كي يذرفوه ليحيوا وردة حمراء نجحت في التسلل من شق جدار أرعن أو على صبح لم يفق في حاراتهم ذات نهار كسير.

"لقد قتل عنتر. وزين لا يلعب فقط مع عنتر، بل يعدو ويتسابق معه في الشوارع، يرمي له الكرة مرة، وأخرى يدوخ ويرتمي من شدة التعب.. عنتر هو كلب أولادي والليلة دخل جيش الاحتلال لاعتقال  شابة وشاب فقتلوا عنتر برصاصة في رأسه، من يستطيع أن يقول ما أراد أن يقوله كلب قبل موته؟"

كنت عائدًا من يوم عمل مضن يشبه، في الحقيقة، معظم أيامي أو حتى معظم أيام الفلسطينيين الغارقين في ليل من العدم، وفي بحور من أمل عاجز مزروع في حواكير البلاد كالصبار ومثله عنيد

نظرت في وجه لور، وكانت تحدق فيّ وكأنها مصغية لما كنا، أنا وأمها، نتحدث فيه، فما لها وذلك "الحزن الراديكالي/المطلق" على مخلوق بريء ككلب أليف وصديق لعائلة، أو ما تطرقنا إليه من أمور تهم الكبار وتشغل ليل ثرثراتهم، مثل ما نظّرت له "حنا أرنت"، عن الشمولية والرعب والإرهاب، مثلًا، أو ما يخطط له محتل غاصب أو حاكم مستبد أو نظام قامع وقاهر، وما هي أدوات سلطانهم.

حين تخاطبت نظراتنا حررت لور بسمة، تعادل في الحقيقة غصة جميلة، وسمرة وجهها المغموسة بخمرة الحزن، تكشفت ساعتها، بلون حبة توت برية، وجبينها العريض صار جارًا للقمر.

في الصباح الباكر اتصل معي بشار وأخبرني أن الصليب الأحمر أعلم والدته بأن زيارتهم لوالدهم القابع في سجن ريمون الصحراوي في النقب لاغية، وذلك على أثر نقل والدهم إلى سجن آخر. كانت العائلة قلقة ومضطربة فهم ينتظرون موعد الزيارة كما ينتظر الفلاح تنهيدة الفجر، وقد قاموا لضمانها بجميع ترتيباتهم والأصعب أن والدهم كان ينتظرهم بشوق لا يعرفه إلّا الشوق ذاته.

لم يخبروهم عن سبب نقله قبل الزيارة ولا عن مكان اعتقاله الجديد. أحسست بألم شديد وبغضب، وبدأت اتصالاتي مستفسرًا عمّا حصل وأسباب ذلك، لم أنجح إلا بعد ساعات حين أعلمني ضابط مسؤول في مصلحة السجون أنهم نقلوا مجموعة من الأسرى وبينهم جودة، والد بشار، إلى سجن آخر وذلك في خطوة عادية روتينية، فبعد أيام سيعيدونهم إلى سجن ريمون. ألمهم، هكذا لفتُّ نظر هنيدة، أن المسألة عندهم لا تتعدى كونها خطوةً عادية روتينية، فهم يتعمدون تحويل هذا القلق الفلسطيني إلى شأن يومي وعادي وهذه اللوعة والحسرة إلى هاجسين معاشين بروتينة مخدرة  .

وافقتني هنيدة وحاولت أن تشرح أن حزنها على ضحية لا حول لها ولا قوة بالضرورة هو "حزن مختلف، فهو حزن لا يقال ولا يحكى بل يعاش فقط في مسامات الروح المخبأة وفي اللاوعي الذي لا يخجل من إنسانيته الخام"، بلمحة خاطفة لاحظت أن لور تحاول أن تبدي قلقًا من كلامنا وتفاعلًا لكنها بقيت ساكنة وكأنها ما زالت تلاعب عنترًا.

وأنا في طريقي إلى رام الله وعند مروري في الحاجز شاهدت الجنود يوقفون، على جانب الطريق، سيارة وينزلون منها ركّابها الأربعة. أخذوا بطاقات هوياتهم وتركوهم ينتظرون تحت الشمس الحارقة. غاب الجندي في بطن أحد المباني الإسمنتية القريبة من نقطة التفتيش ولم يعد. بعد ساعتين أو أكثر عدّت من نفس المكان فوجدت أن الأربعة ما زالوا هناك ينتظرون بهدوء راهب وبدون أن يتكلموا بينهم. لم يقابلهم أحد ولم يتوجهوا إليهم بسؤال أو استفسار. بعد لحظات من وصولي خرجت جندية بعمر بندقية، وبلكنة "عغبية" سمجة أعادت البطاقات متمتمة  "طمام يلا غوخو من خون" (تمام يلا  روحو من هون ). فرح الأربعة بحرّيتهم وشكروا ربهم عليها لأن القصة لم تكن أكثر من "نقعة" عادية وانتهت على خير وبسلام.

"قد يرسم الحزن على كلب ويصير لوحة أو يعزف على ناي ويصير دمعًا لكنه لا يصير كلمة ولا لغة في ساحاتنا العامة"، حاولت هنيدة أن تبسّط أمامي حزنها وحزن أولادها وحقيقة مشاعرهم في تلك اللحظات، وأنا أوافقها وأزيد همي على همها، فبعد قصة الحاجز، هاتفني صديق مستفسرًا عن مكان انعقاد محكمة تمديد توقيف لأسيرين تريد عائلتيهما حضور الجلسة. لم أعط صديقي إجابة واضحة، فأنا لا أملكها بل أركض وراءها منذ ساعات.

قد تنعقد المحكمة في بيتح تكفا وعندها لا تستطيع عائلتاهما حضور الجلسة فهم من بلاد اليباب وبيتح تكفا من بلاد الأمل الأزرق والحلوى البيضاء، وقد تقام في محكمة عوفر أو ربما تلتئم في سالم، وعندها على العائلات أن تضمن ساعة وصولها؛ كل جهات الحيرة مفتوحة على اليأس والالتباس، وشرط ذلك أن نبقى كمحامين على "ربما وعسى"، وتبقى العائلات على "لو ونار" ويبقى المعتقلون في "ظلمة وسراب" وكلنا، الفلسطينيين، ندوخ  وراء قرار، والقرار عند السلطان، ولن يكون سلطان الا إذا أذل الرعية وأبقاها مدلاة على قرن الريح، كي تعيش بقلق، وتنام بخوف، وتفيق خاشيةً غضب الحجاب وسطوة الرعاة وإفك الدجالين وخساسة الوشاة ونميمة السهّاد.

بطرف إصبعها الصغير وبدون أن تثير انتباهنا مسحت لور ما حاولت أن تمنع سقوطه من طرف عينيها، وأنزلت كف يدها الصغيرة وحركته في الهواء أمامنا كقوس، أمالت رأسها بغنج، ورسمت مع هزة ناعمة من كتفها علامة استفهام خفيفة كانت أقرب إلى اعتذارها منا. لقد كانت لور تبكي بصمت وبجانبها زين ينظر نحو سجادة على الأرض شعره بلون الشمس وبياض وجهه صار مثل ضمة قرنفل زهرية وشفته السفلى تعض على أختها وتخبئ شهقة مكبوتة وأخته رامة أمامه تفكر: لماذ قتلوا عنتر!

"كيف أقول إننيأحزن على كلب قتل لأنه لا يفهم لغة البنادق؟" تساءلت هنيدة، فنحن  نعيش في زمن يقتل فيه البشر وتمعس كراماتهم مثل الناموس، فكيف يبكي فلسطيني كلبًا أردته رصاصة جندي حاقن؟ في النهاية هو ليس أكثر من كلب أليف كان يلاعب الأولاد في الساحات

إنه قتل البراءة المطلقة. فهو ليس أقل من كلب أليف كان يلاعب الأولاد في الساحات وليس أكثر. هذه هوة الحضيض الآدمي، أو إن شئتم قمة الوحشية البشرية، فالمحتل قد تخلّص من إنسانيته كي يتمكن ويحكم ويدوم ويستبد، وكي يضمن تفوقه وبقاءه يقوم في محاولات دؤوبة لا تتوقف وتستهدف إفراغ إنسانية الفلسطيني المحتل وتجويف بنيانه العواطفي الحسي، ليبقوا كأعواد قصب خاوية واهية عجفاء، فبعد أن استحكم في البر وفي الجو والبحر والهواء، وبعد أن زج قطعان البشر في زرائب قروية أو بلدية، وروّضهم على سلوك المعابر والمسارب والسعي وراء التساريح والتصاريح والأذون ودفع المهور والإتاوات، يحاول أن يقضم ويمحق مشاعر البشر الفردية ويطحنها لتصير رذاذًا هشًا متناثرًا في الهباء؛ فأنت فلسطيني، ولا تريد أن ترحل أو تموت، فعش بخوفك وبقلقك بذلّك وبحاجتك إلينا. اخنع ولا ترفع هامة واخضع ولا تهز سبابة.

"لا يوجد فلسطيني بريء فكل وليد فلسطيني هو مخرب كبير" هكذا يفكر المستبد المتغطرس القامع في مقولة تفضح كل شيء؛ فبراءة الآدمي، خاصة إن كان فلسطينيًا، نسبية ومخدوشة، وقد تستدعي قتله، إنما الكلب الأليف البريء بأي ذنب يقتل ؟

لقد فقدوا إنسانيتهم ووصلوا إلى حضيض الحضيض كما تكلمت عنه ابنة جلدتهم "حنة ارنت"،  لكنها كغيرها من بني البشر تحدثت أيضًا عن مصير كل طاغية، فما التاريخ إلا تاريخ أحرار يكافحون ضد قيود الذل والعبودية ويقفون في وجه من تجبر. إنها براءة الكون المطلقة ورماد الحياة وسيرورتها ألتي لا يمكن القضاء عليها.

 فتصوروا احتلالًا يقاتل ويقتل عنتر !

 

 

عماد الفيزيائي

 

جواد بولس

 

لا أعرف لماذا يختار جيش الاحتلال الإسرائيلي مواقع إقاماته في مناطق لم تُعدّها الطبيعة مساكنَ لترتاح في جنباتها البنادق والخوذات بين غزوة ونزوة؛ أعرف أن بعض تلك المعسكرات والثكنات والسجون ورثها المحتل قبل خمسين عامًا، عما خلّفته جيوش الإنكليز ومن سبقوهم من غزاة، والأخرى مجرد بعزقة (تبذير) محتل لما غنمت يمناه من أرض وعرض وفل ورمل وشجر

أصل إلى معسكر عوفر، أو كما نسميه نحن العرب على اسم البلدة الفلسطينية المجاورة له من الشمال بمعسكر "بيتونيا"؛ وكما في كل مرّة أجيء إلى هناك، إمّا  لزيارة السجن الذي يقبع فيه ألف أسير حرية فلسطيني، أو لحضور جلسة في إحدى قاعات المحكمة العسكرية الثماني، أفقد شهيّتي للابتسام والضجر. أحس بصدري ينكمش وخاصرتي تأكلها النار، فأتقدم كطيف وأخشى على زائدتي الدودية من الانفجار

أدخل من البوابة الجنوبية المعدّة لحملة بطاقات الهوية الزرقاء، وبعدها إلى البوابة الثانية فالثالثة والرابعة حتى السابعة. طريقي مسارب تشبه تلك التي يستعملها رعاة البقر ساعة يعيدون، بعد يوم استكلاء طويل، قطعانهم الكبيرة إلى الزرائب.

على يسار تلك البوابة ترقد ساحة حليقة الرأس محاطة بالأسلاك والباطون الباهت، وفيها عدد من المقاعد الخشبية التي يتكدس عليها وحولها العشرات من أهالي الأسرى الذين جاءوا لحضور محاكمات أبنائهم وأقاربهم. بعضهم ترك بيته منذ ساعات الفجر الأولى كي يضمنوا وصولهم إلى حاجز بيتونيا في التاسعة صباحًا. فمنه، بعد انتظار، سينقلون على دفعات ليتولى حرّاس السجون إدخالهم الى حيّز المحكمة، في البداية إلى غرف صغيرة حيث يفتشون بدقة وتدقيق، ومن هناك بهرولة إلى ساحة أخرى محاطة، هي أيضًا، بأسلاك وبوابات وباطون كالح، ومن ثم لوجبة انتظار جديد إلى أن تُنادى أسماؤهم لدخول إحدى قاعات المحكمة، أزواجًا أزواجًا، فليس من المسموح دخول أكثر من اثنين عن كل عائلة.  

بعد وصولي غرفة صقر، ضابط المحكمة المسؤول عن جلسات أوامر الاعتقال الاداري، فهمت أنني سأنتظر، لأن القاضي الذي سينظر في قضيتي قد تأخر، ولا شيء نفعله، أنا وموكلي المسجون إداريًا، الفيزيائي عماد البرغوثي، إلا أن نلوك الصبر.

في الساحة التي تتوسط مباني المحكمة الإسمنتية حركة نشطة لمجندات وجنود وقضاة ومدعين عسكريين، وكلهم يندفعون، كالكناغر بتقافز خفيف، وعلى وجوههم قسمات من زهو وراحة وبعضهم كان يبتسم ويضحك، ويدخلون إلى قاعة اجتماعات قريبة حيث كانوا يقيمون احتفالا متواضعًا، كما فهمنا بعد لحظات، لذكرى من مات منهم في حروبهم مع العرب وفي مناسبة يوم استقلال إسرائيل الثامن والستين

تجّمعنا، نحن المحامين الفلسطينيين، في زاوية قريبة من هناك، بعضنا يمج على سيكارته بهدوء رتيب وآخرون يشاركون في الحديث مع فناجين قهوتهم العربية التي أعدّوها في غرفة خصصت للمحامين، وجزء استسلموا لأشعة شمس رحومة نزلت علينا بعذوبة وكأنها تتذكر وتذكّرنا بتلك الهضاب التي نقف عليها، حين كانت عذراء وحافية من بساطير الجنود وخالية من دموع الأمهات تبكي أكبادها. حديثنا بطبيعة الحال، كان عن تلك التي صارت في الثامنة والستين، فالبعض أصر أنها معجزة التاريخ الحديث وآخرون حسموا على أنها طفرة عابرة لا محالة. احتدم النقاش، وكان يهدأ كلما عصف صوت التصفيق المنفلت من قاعة الاحتفال بآذاننا، فكنا نسكت ونصفن.

لم أشارك بشكل فعّال ومتواصل في تلك المقارعة، لانني كنت في ضيق من وقتي، وأتابع مع صقر موضوع جلسة الدكتور عماد البرغوثي الذي تطالب النيابة العسكرية المحكمة بتثبيت أمر اعتقاله إداريًا لثلاثة أشهر كاملة، فعلي أن أنهي تلك الجلسة وأذهب بعدها مباشرة إلى المحكمة العليا التي ستستمع إلي في قضية الأسير الإداري سامي جنازرة المضرب عن الطعام.

كان فهد، زميلي، يقص علينا كيف ولماذا يرى بإسرائيل معجزة، قالها بحزن وبنبرة منكسر نكبوية، وقد عاد بنا إلى  حيث كانت العبرية لغة ميّتة وأحياها اليهود في خطوة لم تعرف مثلها البشرية في العصور الحديثة، لأن اللغات البشرية تموت بالعادة وليس بالعكس، وأضاف كيف انتصرت جيوش صهيون على جيوش العرب، مرّة ومثنى وثلاث، وأقاموا دولةً عظمى بقوتها العسكرية والاقتصادية والثقافية وبإمكانيات تأثيرها على كثير من دول العالم وفي مقدمتها الدول العربية، فأين هي الجامعة العربية اليوم، وأين منظمة العمل الإسلامية و.. لم يعط نمر الفرصة لزميله كي ينهي فكرته، فانتزع، كالملقط، بإصبعيه عود سيكارته من بين شفتيه، وبحركة بهلوانية ألقاه على الارض، وبدأ، بمقدمة حذائه المغبر، يمعسه. كان ينظر، بوجه أحمر خالطته زرقة، كيف تتحرك قدمه بنصف دائرة وهي تمحق السيكارة بشدة. لم يرفع عينيه تجاهنا بل أطلق حُكمه وبصرخة قال: إسرائيل إلى زوال لاأعرف كيف ومتى، ولكن أعرف أن الرب والملائكة معنا وهم كفيلون بذلك

ناداني صقر مبشرًا أن عمادًا ينتظرني في القاعة وأن القاضي قد وصل، وعاصم، المدعي العسكري المناوب، في طريقه إلى القاعة. قبل أن أبتعد عنهم، وباستفزاز دعابي سألت النمر: إذا كان الله والملائكة معنا فمن مع إسرائيل ؟ وهل تعرفون ما هي الشعارات الثلاثة التي تزيّن قاعة الاجتماعات الرئيسية للجامعة العربية في القاهرة؟ لم أسمع ردودهم لانني دخلت القاعة حيث كان عماد الفيزيائي ينتظرني بساعدين مفتوحين كالأمل وبصدر يندف صدقًا وحياءً وحياة.

ببضعة جمل ببغائية طلب عاصم من القاضي أن يثبت أمر الاعتقال الإداري لمدة ثلاثة شهور. لم يخبرنا بأي جرم يسجن البرغوثي، ولا كيف ولماذا يشكل هو خطرًا على العامة، وبدل ذلك اكتفى المدعي بتقديم ملف سري لعناية القاضي فقط

كان عماد يجلس في وسط القاعة بوجه مرتاح، ويشبه وجوه البراغثة: صفحة شهباء مدوّرة ببيضاوية طفيفة تعلوها حمرة خوخية كحمرة الخجل، تصير قانية كلّما فاض قلبه حبًا ووجدا، شعر خفيف بلون الخروب اليانع تصاحبه صفرة خيط شمس نام في المفارق والعيون بنات للسماء الصافية

نظرت إليه وكان كما رأيته قبل أكثر من عام حين اعتقلوه وادعوا، كما في هذه المرّة، أنه خطير لأنه يحرض ويكتب ضد الاحتلال . لم ينكر عماد كرهه للإحتلال وعبّر عن إصراره على وجوب زواله. في حينه قبل القاضي دفاعي وقرر الإفراج عنه بعد أن قضى شهرين في السجن، فكرهُ الاحتلال لا يشكّل جرمًا، لا سيما وعماد يشهد أنه فلسطيني فخور وفيزيائي أكاديمي يقيم علاقات إنسانية وعلمية واسعة مع زملاائه في العالم وفي إسرائيل.                      

سمعني القاضي واستلم مني عريضة وقعها عشرات الفيزيائين والفلكيين في العالم الذين يشجبون فيها إعادة اعتقال عماد ويطالبون بضرورة الإفراج الفوري عنه. "لن تجد شيئًا في ذلك الملف اللعين، فعماد رجل يصرّح بما يؤمن وهو يعيش باستقامة أمام عقله وضميره  ومتصالح مع كرامته وعزته، ولذلك تراه يكتب ضد الاحتلال علنًا ولا يعمل في السر أكثر مما يجاهر فيه على الملأ ، أفرجوا عنه فاعتقاله وصمة عار على جبينكم". قلت للقاضي بصوت أعلى من صراخ زملائي الذين ما زالوا يتساجلون في الساحة ومن صوت تصفيق المحتفلين في القاعة القريبة منا

لم يطل عماد حديثه بعدي، فوقف، كما يقف الحق، هامة كالرمح، عينان كنجمتين، ووجنتان يغطيهما الورد، والصدر مندفع أمامه كالترس، وقال :" لن أضيف على ما قاله صديقي المحامي جواد، لكنني أود أن أؤكد أنني كفلسطيني لا أضمر الشر لأحد ولا المضرة ولا الأذى، لكنني أكره الاحتلال وأقف ضده وسأبقى هكذا إلى أن يزول عنا ونعيش بسلام كباقي الأمم". 

وأنا في طريقي لمغادرة ساحة المحكمة، وبجانبي صقر وأمامنا عاصم، لمحني زميلي ميشيل فأوقفني وأصر، باسم الزملاء الذين ما زالوا متحلقين هناك، أن أجيب على سؤاليّ اللذين أطلقتهما في الجو واختفيت، فقلت : على يمين صدر جامعتهم المفكّكة كتبت العرب:  " كنتم خير أمة أخرجت للناس" وعلى اليسار استنخبوا وكتبوا: " واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا" أما في الوسط فاختاروا الأهم والأعظم وكتبوا : " إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". سمعني زملائي، فصمتوا، فوجموا، فضحكوا، فبكوا، فبلّموا، وانتظروا إفادتي حول مَن مع إسرائيل إذا كان الله والملائكة معنا نحن العرب، لكنني بدعابة واخزة جديدة أردفت وقلت لهم :  اتركوا شيئًا لاحتفالات المئوية الأولى القادمة، فإسرائيل اختارت بعض مواقع جيوشها في الأماكن الأجمل لانها جاءت إليكم في عام نكسة لتبقى وتتجبر؛ والآن علي أن أصل إلى المحكمة العليا كي أدافع عن فارس حرية مهيضة آخر اسمه سامي الجنازرة، وعنه سوف أحدّثكم فيما سيتبع..         

 

 

Attachments area

 

 

لنا في كفركنا لواء

 

جواد بولس

 

بعد سلسلة حوادث القتل الأخيرة التي أسقطت عددًا من الضحايا ورفعت في قرانا ومدننا العربية منسوب الخوف والقلق وزعزعت، بدرجة غير مسبوقة، شعور المواطنين  بأمنهم العام وأفقدت معظمهم أحزمة الأمان والطمأنينة الفردية، بدأنا نشاهد براعم لحراكات محليّة في بعض المواقع، ومبادرات قطرية تقودها المؤسسات القيادية العربية وبعض الأحزاب والحركات السياسية وبعض مؤسسات المجتمع المدني على تنوّعاتها

قد يكون الاجتماع الذي قرأنا عنه مؤخرًا والذي عقد يوم الثلاثاء المنصرم في تل أبيب بين وفد مكون من محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية ومعه، مازن غنايم، رئيس اللجنة القطرية لرؤساء السلطات العربية، وطلب الصانع، رئيس لجنة المتابعة المكلفة بمكافحة العنف في المجتمع العربي وآخرين، مع روني الشيخ، مفتش الشرطة الإسرائيلية العام ومعه مجموعة من قادة الشرطة، هو واحد من المبادرات اللافتة والواعدة والتي قد تفضي إلى وضع آلية عمل من شأنها أن تشكل فتحًا لحقبة جديدة ولطريق قد يوصلنا إلى نتائج ملموسة في اتجاه الحد من تفاقم موجات العنف القاصمة لظهور مجتمعاتنا والمشوهة لقسمات هويتنا الوطنية.

 أقول ذلك من باب التمني وواضعًا " يدي على قلبي" لأنني أعرف أن اجتماعًا يتيمًا واحدًا لن يترك أثرًا، إذا لم تتبعه، على الأقل، لقاءات دورية مع قيادات الشرطة، على أن تكون مسبوقة ومصحوبة بخطط عمل تفصيلية عكفت القيادات العربية على وضعها مستأنسة ومستعينة بطواقم خبراء مهنيين ومحترفين، لا سيما بعد ما قرأنا أن الوفد العربي قد واجه قيادات الشرطة بحقيقة تقصيرها في مجابهة موجات العنف العاتية وحملوها كامل المسؤولية الناتجة، بالأساس، عن غرق أجهزة الشرطة، لعقود من الزمن، في فرضية عمل موجِّهة مفادها أن المواطنين العرب في إسرائيل هم أعداء للدولة، مما أدى، عمليًا، إلى نشوء حالة شاذة، شوّهت،  طبيعة العلاقة التي من المفروض أن تحكم عمل جهاز الشرطة في دولة حديثة قبالة مجموعة مواطنين جديرين بالعيش في طمأنينة وأمان. فبعد تحميل المسؤولية وكشف الأقنعة من المفروض أن نمسك المحاريث ونتحضر لمواسم الزرع عسانا ننعم بجنى البيادر وإلا، فعلى الأقل، ليأكل الأبناء وليسلموا.   

كثيرون باتوا يشعرون بعمق الهاوية التي نقف على شفاها، وكثيرون يبدون علامات صحوة وبدونها لا أمل لبداية السعي من أجل إنقاذ أنفسنا وحماية كراماتنا الشخصية والجمعية، فالصحوة مرحلة هامة لكنها قد تُجهٓض، وإذا أجهضت ستكون الضربة المرتدة وخيمة، وستتصدع مناعتنا ويتأذى مجتمعنا بشكل موجع، وستخور قوانا ويتمكن كل ذي ساعد وسكين من رقابنا وعيوننا.

فمن المؤهل والقادر والمستعد على رفع الراية وحمل الصليب، وفي يد من ستكون المطرقة والمنجل؟

إنه سؤال الأسئلة، لأن الاجتماع مع قادة الشرطة، على أهميته، يستكمن ويستبطن عمليًا مواقف سياسية وأيديولوجية ما زالت هامدة كالرماد، لكنها إن استعرت من شأنها أن تترك كثيرين من قادة المجتمع العربي ومؤيديهم خارج هذه التشكيلة والنهج أو حتى ضده

وقد تكون المعضلة ( الديليما) عند بعض القياديين أعوص إذا قرأوا ما جاء على لسان السيد طلب الصانع حين صرح أن "المسؤولين العرب سيلتقون قريبًا باللواء جمال حكروش الرئيس الموعود للمديرية المستحدثة في الشرطة لمكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي وسيتمحور النقاش حول ضرورة تغيير نهج وعقلية الشرطة في التعامل مع المواطنين العرب بالنظر إلى انعدام ثقتهم بها.." لم يبارك الصانع للواء حكروش في إعلانه هذا، فما موقف هيئات الأحزاب والحركات وقادتها من هذا الاجتماع؟ ويا حبذا لو سمعنا مباركتهم لهذا اللقاء الخطوة، وقبلها مباركتهم للواء جمال حكروش على فوزه بهذا المنصب الرفيع في سلك الشرطة.  

من الواضح أن تصريح السيد الصانع يثير مجموعة من التساؤلات الشائكة: فماذا يعني للمواطن العربي العادي أن يجلس محمد بركة ابن شفاعمرو ومازن غنايم ابن سخنين وطلب الصانع ابن النقب مع اللواء حكروش ابن قانا الجليل لمناقشة "ضرورة تغيير نهج وعقلية الشرطة في التعامل مع المواطنين العرب بالنظر إلى انعدام ثقتهم بها"؟ كيف من الممكن أن يُقرأ تصريح الصانع وأن يمر بدون أن يعلق عليه قادة تلك الأحزاب والحركات التي ما زالت تعارض عمل العرب في أجهزة الأمن الإسرائيلية، وهذا بأضعف الإيمان؟

 إنه سكوت شاذ إزاء حالة شاذة استدرجت تصريحًا شاذًا، وما دمنا في حلقة من المشاهد "الشاذة"  أشك بأن تنجح تلك اللقاءات وخوفي أن نشهد مرّة أخرى حفلة جديدة من إضاعة الفرص التي يجيدها العرب.      

فلقد دعوت في الماضي إلى ضرورة إعادة صياغة أطر ونظم علاقاتنا مع الدولة وأجهزة الحكم فيها ونوهت، مثلًا، لذلك الالتباس المدمج، حين نطالب دولة المواطنين دمجنا في سلك التوظيف الحكومي والقطاعات العامة وفقًا لنسبتنا من تعداد السكان، فإننا عمليًا، ونحن ندفع بهذا المطلب نشيح بانظارنا عما يستبطنه هذا "المطلب النضالي" من تساؤلات وإشكالات وجودية كبيرة وكثيرة؛ وعليه، بدون إعادة رسم المحاذير الوطنية العامة والإجازات في مقابلها، تبقى قرارت قياداتنا، خاصة فيما يتعلق بكيفية إدارة علاقتنا مع الدولة وأجهزتها (مثل الشرطة في حالتنا، القضاء، النيابة)، عفوية، وليس أكثر من ردود فعل أو قفزات ناتجة عن صدمات وضربات تهوي من حيث ندري ومن حيث لا ندري.

 فإذا كان الاجتماع مع المفتش العام للشرطة، والوافد إلى منصبه من كرسيه السابق في جهاز المخابرات العامة، ضروريًا ومباحًا، فلماذا لا يسعى القادة، كما اقترحت عليهم في الماضي، إلى وضع خطة شاملة للعمل مع ومقابل جميع من يقف على رأس أجهزة الحكم الفعلية في الدولة، لا سيما من لهم تأثير مباشر على حياتنا ومستويات معيشتنا، مثلالمستشار القانوني للحكومة، رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية، رئيس جهاز الأمن العام، المدعي العام للدولة، ومن مثلهم في ذلك المقام؟ لكن المشكلة أننا لن نستطيع التعاطي مع هذه الخيارات بمنهجية وعلم ومهنية، قبل أن يحدد سياسيونا بدايةً علاقة أحزابهم مع هذه الأجهزة وما موقفهم منها وما يريدونه، خاصة ومعظم قياديينا يصفونها بالمعادية ويطالبون بتحريمها وعدم التعاطي معها

من الصعب أن نجد حزبًا عربيًا واحدًا بيننا لا يعاني من انقسامات ظاهرة أو مخفية في عدة قضايا ومواقف، ومن الواضح أن جميع الأحزاب والحركات السياسية الناشطة بيننا تمر في أزمات عاصفة حول تشخيص هوياتها الحزبية، وبعضهم يدفع ثمن كونهم أبناء متبنين ّ لآباء في المنافي والصحاري، وأخرين يعانون من تزويجهم بزيجات متعة عابرة، ومنهم من يعاني عقدة فقدان الأب والخلية العائلية

أما القضية الفاصلة برأيي ستبقى كما كانت- على الرغم من أهمية حلب وبكين وبوتين والسيد وتركيا وطهران وواشنطن والهند والسند- هي البلد؛ فهروب مؤسسات وقادة الأحزاب السياسية والحركات الدينية من مواجهة عدد من المسائل الأساسية المتداعية وذات العلاقة المباشرة في مفاصل حياتنا اليومية، يضرب عمليًا في جذور هذه الأحزاب ويضع أسئلة جوهرية وتساؤلات حول مصائرها وحول أسباب وجودها، خاصة بعد كل المتغيّرات الحاصلة في العالم والمنطقة وفي فلسطين وإسرائيل، ولربما يرى البعض أن الحاجة قد دنت بشكل حقيقي وتراهم يطرحون سؤالهم المباشر والساخن حول أهلية هذه الأحزاب والحركات وقدرتها على التصدي لما يواجهه المجتمع من هجمات سلطوية ومن آفات يصنّع بعضها في مصانع الدولة وبعضها من إنتاج مجتمعاتنا المحلية أو حتى في مخامر بعض الأحزاب ودفيئات تلك الحركات

وأخيرًا، لنا في كفركنا لواء! فهل سيبارك قادة الأحزاب والحركات الشريكة في لجنة المتابعة العليا فوز اللواء جمال حكروش بمنصبه الرفيع أم لا؟ إنها قضية أبعد من حدود كفركنا والجليل فهل هذه الأحزاب معنية بمزيد من الألوية العرب في شرطة إسرائيل والقضاة في محاكم الدولة والمدعين العامين وقادة السجون والمفتشين في الموانئ البحرية والبرية والجوية وو؟ 

 إنها حياتنا يا قادة. فالدولة ترفضنا أولادًا شرعيين لهذه الأرض ولقد كنا وسنبقى في عيونها شواذّ، فهل ستنقذونا أنتم من هذا الشذوذ؟  

 

 

قمة مسيحية

 من أجل فلسطين وبعد!

جواد بولس

نقلت بعض مواقع الأخبار المحلية وبصورة محدودة جدًا نبأ افتتاح أعمال مؤتمر الكنائس الفلسطينية المحلية والأميركية وذلك في الواحد والعشرين من نيسان الجاري في مركز الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر في مدينة أطلانطا، ولقد عرفنا مما جاء في  الخبر اليتيم  أن الرئيس كارتر قد شارك في اليوم الثالث للمؤتمر وفي الجلسة الختامية وألقى فيها كلمة كانت بمعظمها في صالح القضية الفلسطينية، إذ حث الإدارة الأمريكية ومجلس الشيوخ على وجوب الترحيب بمساعي الفلسطينيين للتوجه إلى مجلس الأمن حيث لا يجب أن تقابل هذه المساعي بالڤيتو الأمريكي بل بالدعم والتأييد، كما وتوجه إلى الرئيس أوباما وطالبه بأن يعلن صراحةً معارضته للسياسة الإسرائيلية واستمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية

يتضح من قلة ما نشر من تفاصيل حول أعمال هذا المؤتمر وما سبقها من إعداد وتحضيرات، أنه التأم بحضور رؤساء تسع وعشرين كنيسة أمريكية وثمانية عشر من رؤساء منظمات تابعة لمجلس كنائس أمريكا ومجلس الكنائس العالمي ومجلس الكنائس اللاتينية الأفريقية، ومعهم شارك رؤساء الكنائس المحلية الأساسية : بطريرك الكنيسة اللاتينية العربي فؤاد طوال، رئيس أساقفة الكنيسة الأنجليكانية، العربي سهيل دواني، رئيس الاتحاد اللوثري العالمي ورئيس الكنيسة اللوثرية  العربي د. منيب يونان، والأب العربي إبراهيم فلتس نائبًا عن حارس الأراضي المقدسة، والبطريرك اليوناني ثيوفولوس، الكنيسة الاورتوذكسية، وكذلك شاركت شخصيات ناشطة في الحقلين السياسي والاجتماعي، ورئيس وأعضاء اللجنة الرئاسية للشؤون المسيحية.           

لقد أفاد الخبر المنشور أن المؤتمر جرى بأجواء داعمة للقضية الفلسطينية، توّجت بإعلان بعض الخلاصات العامة الإيجابية، مثل حث الإدارة الأمريكية على ضرورة تبنيها موقفًا متوازنًا وعادلًا يمهد إلى السعي بخطوات عملية باتجاه عملية ناجحة تفضي إلى حل النزاع وإلى سلام عادل ودائم، كما وأوصى المؤتمرون على ضرورة زيادة الزيارات المتبادلة وزيارة أفواج الحجاج، لا سيما إلى مدن فلسطين، أما  أبرز التوصيات، كما جاء على لسان الخبر، فكان تشكيل لجنة مشتركة للمتابعة وللإعداد لعقد قمة أخرى قد تلتئم  في فلسطين

من المؤسف أن ينعقد مثل هذا المؤتمر، الذي يبدو كمؤتمر هام ولافت، ونحن لم نسمع عنه من قبل ولا نعرف عن دواعي انعقاده وتفاصيل من حضر من رؤساء الكنائس الأمريكية وغيرهم من المشاركين، فرؤساء الكنائس المحلية العرب يشكلون حضورًا وازنًا من شأنه أن يبعث برسائل هامة إلى رعايا تلك الكنائس في الولايات المتحدة وحتى إلى الفضاءات الأوسع، مع أنني، في هذه الجزئية، كنت أوثر أن أرى بين المشاركين كهنة عربًا أو شخصيات وطنية تمثيلية عربية تمثل الوجود المسيحي العربي في أراضي ال ٤٨، خاصة الأورتوذكسي.

نحن في الشرق نعرف أن تشكيل لجان متابعة قد يكون أضمن الطرق لخنق قضية ما وأقصرها، وأقول ذلك خاشيًا، فانعقاد مثل هذا المؤتمر، في هذه الظروف العالمية القاسية، يشكل رافعةً إن صينت، بوعي ودراية، قد تصبح محطةً لما هو أكبر وأهم في حياة القضية الفلسطينية؛ وعلى جميع الأحوال من شأن هذه اللقاءات، إن أعد لها بشكل مهني ومدروس، أن تزيل طبقةً من ذلك الالتباس العربي العام والسائد ، حول تعريف من هو المسيحي/ النصراني،  فأكثرية العرب والمسلمين تنظر إلى المسيحيين في العالم وكأنهم عجنوا من الطينة ذاتها وصُبوا في نفس القالب، فأمريكا كلها ريجان وبوش، وأوروبا كلها ثاتشر، وكل هؤلاء ومعهم جميع النصارى في العالم هم أحفاد ريكاردوس، إفرنجة كافرين وأعداء.

قادة فلسطين لم يقعوا في مطب هذا التعميم، وانتبهوا دومًا إلى ضرورة وأهمية مخاطبة العالم والمسيحيين باسم فلسطين العربية، بمسلميها ومسيحييها، ولربما نجد أن الرئيس الراحل ياسر عرفات كان مؤسس هذه المدرسة والأبرع في رسم رؤاها الإنسانية الوطنية وتوطيدها كنهج كفاحي شامل، لكننا نشهد بعد رحيله  أن الرئيس محمود عباس ومعه القيادة الفلسطينية الحالية، يتمسكون في هذه الإستراتيجية ويولونها أهمية لافتة.    

قد نفهم أن مرد ذلك الموقف يعود إلى فهم وطني صحيح عند قيادة فلسطين التاريخية، ومفاده بالمختصر: أن ما يُدعى ب"العالم المسيحي" ما هو إلا كيان متخيل وهمي غير موجود بشكل محدد ومادي وموحد، واكتشفوا كذلك أن واضعي هذه التسمية تعمدوا، في الحقيقة، إلى ترسيخها في ذهنية العالم، هكذا بشكله المطلق، لأن ذلك يخدم سياساتهم ومآربهم، فحكام إسرائيل، على سبيل المثال، يعملون بجهد وبمنهجية وبخفاء وبذكاء، من أجل إقناع العرب والمسلمين بأن كل المسيحيين إخوة  وكلهم يعادون العرب ويقفون مع إسرائيل وسياساتها، وفي نفس الوقت وبنفس الخطورة يمارسون نفس السياسة مع المسيحيين، كل المسيحيين، ويحاولون إقناعهم أن العرب هم مسلمون وأن المسلمين هم أشرار وأن المسيحيين كاليهود ضحايا لهؤلاء الأشرار.  

من هنا كانت المحافظة على الوجود المسيحي العربي في فلسطين والدول العربية الأخرى يحمل بعدًا إستراتيجيا وجوديًا تنبهت له القيادات الفلسطينية وأبرزته بشكل لا يقبل المساومة أو التحريف، وإلا كيف نفسر إصرار تلك القيادة على ضرورة تحصين مقاعد برلمانية للمسيحيين ورئاسات مجالس بلدية وقروية حتى وإن كان سكان تلك المناطق المسيحية أقلية واضحة، إنها مصلحة وطنية قومية عليا وسياسة بعيدة النظر وعميقة الإنسانية وكفاحية صادقة.

من شأن قمة أطلانطا ومثيلاتها أن تضرب وتفكك مركبي المعادلة القاتلة الرائجة وتثبت أن :  المسيحيين ليسوا عالمًا واحدًا بل عوالم وأتواب، وأن في فلسطين شعبًا عربيا تعود جذور بعضه إلى ناصرة البشارة ومذود بيت لحم وطريق الآلام .

لقد سبقت قمة أطلانطا أحداث هامة جرت في بعض المحافل والكنائس المسيحية في العالم حين بدأت قياداتها الروحية تخطو بإيجابية نحو الحق الفلسطيني وفي مشهد يعكس تغييرًا واضحًا في سياسات تلك الكنائس القديمة حين كانت معظمها في صالح إسرائيلوربما كان الاحتفال في الفاتيكان الأكثر جذبًا لأنظار العالم، حين أعلن البابا فرنسيس الثاني في السابع عشر من أيار المنصرم عن قداسة راهبتين فلسطينيتين : ماري بواردي المولودة في الجليل وماري غطاس المولودة في القدس، وفي رسالة من الفاتيكان تعلن عن حرصه على أبناء فلسطين العرب وعن أهمية فلسطين وقدسية دور أبنائها وبناتها في إشعال نور الحق والعدل الإنساني.    

 لهذه التطورات أهمية بالغة على مستقبل الحق الفلسطيني، خاصة ونحن نشاهد كيف ينهار العالمان العربي والإسلامي، ولذلك على القيادة الفلسطينية وقيادات الجماهير العربية في البلاد، كل من موقعه، أن تولي هذه المسألة جل اهتماماتها وأن تقدمها إلى رأس أولويات العمل الوطني المنظم، ومن أجل إنجاح ذلك أكرر ما قلته في الماضي:  بأن الإعتماد فقط على لجنة رئاسية تعمل وفق رؤى وإمكانيات متواضعة لن يفيَ هذه المهمة حقها ووزنها، وشاهدي على ذلك ما لم نعرفه عن هذه القمة، قبل انعقادها وبعده .  

 

 

أم الفحم تصرخ:

أنا الشعب فأين المعجزة

جواد بولس

قبل ستة أعوام وعلى "صمت الحصاة في الدم"، كتبت مقالة سأقتبس بعض ما يلي منها، مع ما يستوجبه الحاضر من تغييرات طفيفة على النص كي يستقيم المعنى وتتحقق الغايات.

ستة أعوام مرّت وصوت العقل بيننا يخفت، ويبح مع كل طلقة تخترق اللحم الغض وتجلجل، والسماء سكرى تشلح مع كل شفرة خنجر تهوي على خاصرة روابينا الكواعب، زرقتها، لتصير فصولنا كلّها "خراريف" نيلية غضبى والشتاءات تنسكب حسرات تغرق ليالي العاجزين والثواكل

صار الرصاص عندنا سيّد المعادن، وعلى أبواب مدائننا " تدق الأكف ويعلو الضجيج". كما تغنى الشناوي في عام عز، وفي فراشنا يستوطن الخوف، ويمتلئ الأثير بالرياء الضاحك والدعاء المر، والخرس يُستنخب ملاذًا، والعمى بصيرة ، ويتوج الصمم  نباهة والانزواء يتمختر مراجل وشطارة

ستة أعوام مرّت لنصبح في بحر من زئبق ودخان ورصاص ، فقبل أم الفحم وبعدها سنحيي تاريخنا الشاحب ونكتبه بطباشير من وهم، لنشهد كيف يمحوه غزاة مجتمعاتنا الجدد بمحايات من خل ومن عدم . قبل ستة أعوام كتبت

٢٠١٠/١/٩    

"قائمة المهددين" كانت الهدية الأولى التي تلقتها جماهيرنا العربية مع مطلع العام الجديد. تضمنت هذه القائمة، وفقاً لما جاء في الأنباء، أسماءَ عدد من رؤساء المدن والقرى العربية، الذين يعيشون تحت التهديد المتواصل، مما استلزم تحذيرهم من قبل شرطة إسرائيل وإرشادهم ليتخذوا وسائل الحيطة والحذر ومطالبتهم باتباع جملة من التعليمات التي من شأنها أن تقيهم شر ما ينتظرهم، وتضمن سلامتهم، وهذا ما نتمناه.
قبل نشر هذا النبأ وبعد كل اعتداء عنيف أو دموي مباشر على البشر أو على المؤسسات، كما يحصل في معظم قرانا ومدننا العربية، تتعالى أصوات محقة وتتهم الشرطة الإسرائيلية بالتقاعس. وبعض هذه الأصوات، وصل إلى حد إتهام الشرطة على أنها شريكة بتأجيج وتائر العنف فهي غير معنية بمجابهته، وإلا، هكذا تتساءل تلك الأصوات، كيف تفسر الشرطة إخفاقاتها المزمنة بالكشف، في معظم حالات الجرائم المرتكبة بين وضد المواطنين العرب، عن الجناة رغم هذا العدد الكبير من الاعتداءات الخطيرة؟.
على الشرطة تقع المسؤولية الأولى في ملاحقة الجناة وعليها المسؤولية في الكشف عنهم واتخاذ كافة الإجراءات القضائية اللازمة لمعاقبتهم . لا يوجد مبرر مقبول أو معقول  لهذه الإخفاقات ولن يكفِِ إدعاء بعض قادة هذا الجهاز بضيق الحال وشح المصادر والقوى البشرية وما إلى ذلك من حجج سئمناها، لا سيما ونحن نخبر ونعيش " نجاعة" عصيها وقسوة ممارسات أفراد هذا الجهاز عندما يكون الأمر متعلقاً بهدم بيت عربي،على سبيل المثال، أو بالتصدي لمظاهرة أو مسيرة عربية، والشواهد على ذلك كثيرة.


حفظ الأمن العام وسلامة الجمهور هو من أهم أهداف عمل جهاز الشرطة في الدولة الحديثة، وأخطر ما يترتب من نتائج عندما تخفق الشرطة بتأمين هذه الأهداف، هو فقدان المواطن لثقته بهذا الجهاز، فما بالك وهنالك شعور سائد، تبرره جراح المواطنين التي نزفت مرارًا وسقوط الشهداء، بأن الشرطة متواطئة ومعنية بإغراق مجتمعنا في مستنقع العنف والاقتتال الداخلي؟إنها حالة مقلقة وخطيرة.

 

مع ذلك، فإن إبقاء الوضع السائد على ما هو عليه وتخمير شعور المواطنين العرب ومضاعفة ارتيابهم المبرر حول نوايا ومخططات جهاز الشرطة، كما ذكرنا أعلاه، يضر بالنهاية بمصالحنا الأساسية ويؤثر على شعاب حياتنا وفضاءات عيشنا، ولذلك يجب على قياداتنا الشعبية والجماهيرية والسياسية أن تتدارس إمكانيات تغيير هذا الواقع من خلال وضع خطط غير مسبوقة وشاملة، حتى لو كنا نعرف أن المؤسسة الرسمية معنية بابقاء الفاقة على ما هي عليه  .

في المقابل، لا تكتمل الصورة ولا يصح التشخيص إن حمّلنا كامل المسؤولية عن سوء واقعنا على كواهل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وسياساتها فقط، فكثيرون بيننا يشيحون أبصارهم، عمدًا أو خوفًا أو تقيّةً، عن مظاهر الفساد المستشري ومنابع العنف في مجتماعاتنا وعن سوء الإدارة في مؤسساتنا الجماهيرية والمدنية وفي مقدمتها بعض مجالسنا البلدية والمحلية.
فرئيس مجلس ينتخب وهو مرفوع على ظهر صفقات إنتخابية مشبوهة ومعروفة لمعظم الناس، ليمضي بعدئذٍ في مشوار رئاسته ونير هذه الصفقات معلق في رقبته، يكون عاجزاً وغير قادر على الوقوف في وجه ما ينهش أجساد قرانا ويقض مضاجع أهالينا.

ورئيس بلدية يستعين بزمر من البلطجية قبل وخلال وبعد معركته الإنتخابية، يعدم حقه بأن يشكو من عبث المعربدين العابثين في شوارع بلدته والمعتدين على أمن وسلامة المواطنين وحرمة بيوتهم.

ورئيس مجلس يعبث في موارد بلدته ليضمن، مثلًا،  ضمّ أرض مقربيه أو شركائه أو آسريه لمسطح القرية ويقوم بتفصيل الخرائط الهيكلية والمواقع الهامة في إدارته، على مقاسات من معه في دار السلم ومن في دار الحرب ضده، لا يستطيع أن يتحدى بأهلية بيكار ومسطرة لجان التنظيم المحلية واللوائية، حينما تبطش هذه بمسطحات قرانا لحساب تلك المنطرة أو ذلك الكيبوتس.
ورئيس يقسّم راتبه الشهري، على بعض من نوابه أو القائمين بأعماله أو رؤساء كتل معه ويدفع لهم فتاتاً، من وراء الكواليس، ليشتري دعمهم وصمتهم، لا يستطيع أن يستهجن صمت وتواطؤ الشرطة، كما نتهمها بعد كل حادثة وجريمة، ففي النهاية هذه الشرطة هي ذاتها، التي تغمز لأولئك الرؤساء وتهمس أمامهم" لقد دفناه سويًا" وتغض الطرف عما تقترفه يمنى إولئك الرؤساء وتمارسه يسراهم.
الدولة والشرطة مسؤولتان، في البداية والنهاية، وعليهما أن تؤمنا أمن وسلامة المواطن والمجتمع، وهما لا يفعلان ذلك، سيان إن تقصيراً أو عمداً. الثقة لدى الجماهير العربية في جهاز الشرطة مهزوزة وهنالك ما يبرر ذلك. إعادة وتأهيل هذه العلاقة واجب يقع على الدولة والشرطة أولاً، لكننا يجب أن نكون معنيين بذلك أيضاً وعلينا مهمة المحاولة في هذا الإتجاه. إسرائيل وشرطتها لن تندفعا لترميم هذه العلاقة وتحسينها طواعية، لكن هذا لا يعفينا من المحاولة الجادة والمسؤولة وهنا يبقى السؤال هل يستطيع كفنا بما اعتراه من صدئ الفساد أن يلاطم مخرزهم الصدئ؟"...

ست سنين عجاف مرّت ونحن نندفع على ذات المنزلق . حصادات الموت قصفت أعمار ما لا يشبعها من ورد ونرجس وزنبق. "ساحات البلد" هزمت، وصارت عتبات البيوت متاريس البشر الأمامية، والبيوت قلاعهم والسترة ملاجئ. ذاب "الكل" على فوهات البنادق وتشظوا، والعزوة الوطنية فتتتها عصي السماوات ونداءات القبائل، وطمستها زغردات الحمائل وشوهتها أعراس المصالح، ونحن، اللابدين في همسات الليل نرقد "ونسمع بين الضجيج سؤالًا، وأي سؤال وتسمع همهمة كالجواب وتسمع همهمة كالسؤال، أين؟ ومن وكيف إذًا؟". 

والكل يفتي والكل يجيب ويقولون: إسرائيل مجرمة والشرطة شريكة، الفقر مذنب، والإحباط قاهر،العولمة قدر والعنف مصير، البيت أصل غائب، والمدرسة حضن عار، كهنة كالحيط المائل، وأئمة تحترف التخويف والتكفير وتنذر، وقالوا: كلّهم جناة ولكن نحن نظفاء ومن هذا الدم أبرياء!

من كان هناك ولم يفلح لن يفلح في ستة أعوام أخرى، ومن كان يمشي في جنازات المغدورين وخنجره تحت أثواب الحداد لن يجلس تحت رايات الصبح والسلم وأجنحة الحمام، ومن صدأت حنجرته وهو يطلق تراتيل الذبح والنحر لن يكون في صف الهداة والسراة ولا من أهل الود والتمام . ستة أعوام مرت ولم نقتنع، أن البلاء قادم والدم غدار وهادر، فلنعلم اليوم قبل أن يصيح الديك ثلاثًا، أننا أصحاب هذا المهر والنهر والمهر وكل من حسب أن البيت آمن قد يفيق على صرخة نجمة فقأ عينها سيف فاجر.

 كيف ومن يوقف النزيف؟ سأعود إلى ذلك النشيد فهو من زمن لم يكن فيه التاريخ كاشح: " وصاح من الشعب صوت طليق، قوي، أبي، عريق، عميق، يقول: أنا الشعب والمعجزة، أنا الشعب لا شيء قد أعجزه، وكل الذي قاله أنجزه

فهيا لنقل : كفى للذل، كفى للعجز، كفى للخوف، كفى للموت ، وهيهات المعجزة

 

 

 

 

عرب: وحدة وقاصمها المشترك

 

جواد بولس

من القضايا التي استظهرها الإعلان عن حزب الوفاء والإصلاح كحزب سياسي إسلامي غير برلماني سينشط بين ظهرانينا، كانت تلك الأسئلة والتساؤلات المتعلقة بمكانة ودور الأحزاب والحركات السياسية العربية في البلاد، أو كما عبر عن ذلك محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة العليا، في كلمته التي ألقاها في المؤتمر الصحفي التأسيسي للحزب الجديد، حين تساءل بشكل مباشر : "هل هناك حاجة لحزب جديد؟ هذا السؤال هو سؤال هام، وهو ليس سؤالًا موجهًا فقط للقائمين على حزب الوفاء والإصلاح إنما لكل مجتمعنا ..".

لقد أصاب بركة حين حذر، في معرض إجابته على ذلك السؤال، من "ظل صناعة التنفير من العمل السياسي ومن عمل الأحزاب والدعوة إلى الفردانية وخصخصة الهم العام"، فكلنا نشاهد حالة عزوف شعبي جارف عن هموم السياسة العامة، ونشاهد كذلك أفواج هجرة جماعية من أحضان الأحزاب السياسية العربية وأهمّها الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وحزب التجمع الوطني؛ ومن الواضح أنه لا يمكن إعفاء قادة الأحزاب من مسؤولياتهم عن تلك الانهيارات التي هزت بنى وحصانة مجتمعنا الوطنية وخدشت خاصرة هويتنا الوطنية، التي عكف آباؤنا السياسيون الوطنيون على رتق ثوبها المنكوب وتوثيق عراها المهلهلة بالتضحيات الجسام.

انحسار دور الأحزاب والحركات السياسية الوطنية أصبح واقعًا يلقي بظلاله الثقيلة على قدرات مجتمعنا النضالية ونتائج ذلك تتفاعل، من يوم إلى يوم، بوتائر متصاعدة ووفقًا لمتوالية هندسية لئيمة وخطيرة. فالمؤسسة الإسرائيلية تعمل، بوسائل  وأدوات متنوعة، من أجل تعميق الهوة بين الجماهير وقياداتها الوطنية، وهي تستغل في معركتها هذه كثيرًا من عكاكيزها، وكذلك بعض الخراطيش والفقاقيع التي يلقيها، بغير مسؤولية، بعض القادة العرب وجنودهم في حقولنا وعلى بيادرنا وفي مشهد متكرر طالما سهّل مهمة العنصري الذي لا ينام قبل أن يطمئن على أن ضلعًا آخر من ضلوع قفصنا الصدري قد كسرت.

لم يكن سرًا أن كثيرين مثلي من مصابي الماضي العاجز استبشروا خيرًا بعد حالة التقهقر العام والدجل المتفشي، إذ استقدموا الفجر بعد انتخاب محمد بركة رئيسًا للمتابعة، فعقدنا على قيادته آمالا، واستمطرنا غيوم الورد والبركات. فهل ما زال ذاك الأفق رحبًا والربيع طلقًا؟   

الحكمة في الصيغة والحرفة عند الصائغ، فمن المعروف أن الفقهاء والعلماء في علم الكلام وفلسفة النص وفنّه، أولوا صيغة السؤال الأهمية القصوى والحاسمة، لأن الإجابة تولد دومًا ابنةً لتلك الحكمة وزينتها، فمن الطبيعي ألا يختلف عاقلان على أن "وجود أحزاب سياسية هو أمر مهم جدًا في حياة مجتمعنا"، كما أقر وبحق بركة في معرض إجابته على سؤاله المذكور، ولكنني أرى أن الوضع سيكون مغايرًا لو أختار بركة، أو الإعلاميون الذين حضروا ذلك المؤتمر، طرح السؤال بصيغة مغايرة، مثل : هل هنالك حاجة لتأسيس حزب إسلامي غير برلماني جديد؟  فهذه الصيغة أصح وأنسب في مناسبة مخصصة للإعلان عن تأسيس حزب إسلامي جديد سيعمل من خارج الكنيست.

تردد قادة الأحزاب الوطنية والحركات السياسية أو تحسسهم من وضع ومواجهة الأسئلة الصحيحة في عدة قضايا مصيرية وجوهرية، كان من أهم مسببات ضعف هذه الأحزاب وتراجع تأثيرها في المجتمع، فطيلة سنوات خلت تمنّعت القيادات من الخوض في: معنى ومضامين الوحدة العربية المحلية، دور الأحزاب والحركات الدينية وحاجة مجتمعنا إليها، علاقة مؤسساتنا الوطنية مع الدينية وكلّها مع الدولة ومؤسساتها، وسائل النضال، أهدافه المرجوة وساحاته، تعريف وتشخيص  للمخاطر وأولويات مواجهتها، تصنيف لمعسكرات الأصدقاء والحلفاء والأعداء، تحديد موقف من  ارتباط أحزاب وقيادات بأنظمة حكم خارجية، تحديد موقف من ضخ المال السياسي والديني في بعض "جيوب" مجتمعنا وما لصق به من مؤثرات تسربت وتسببت،أحيانًا، في شل أدمغة الفقراء المحتاجين وتحجيم حريات نخب متمكنة ومتسيّدة في مواقعها، وغيرها من القضايا التي ردمت تحت قبعة الإخفاء التي أسماها القادة جزافًا: الوحدة

لذي الحلم تقرع العصا،

 

وبالعودة إلى همنا في هذا المقال، فإننا سنجد قلة من كتابنا وصحفيينا قد تنبهت لأهمية تلك القضايا الحارقة ولما قد يؤدي إليه، مثلًا، الاعتراف شبه الطبيعي من قبل الجميع بحق مجموعة بشرية تعيش بيننا بإنشاء حركة أو حزب إسلامي سياسي سينشط بهدي الشريعة المسيّسة ويعمل من أجل إقامة دولة الخلافة، وما قد يستجلبه هذا الإعتراف، بالنزاهة والمثلية، من وجوب إعتراف مقابل بحق مجموعات دينية أخرى بإنشاء أحزاب دينية سياسية؛ فهل، على سبيل توضيح هذه الإشكالية، كان بركة وقيادات جماهيرنا الوطنية والإسلامية، سيشاركون، مثلًا، في مؤتمر صحفي تبادر إليه مجموعة مسيحية معروفة بمواقفها المعلنة على المنابر واليوتيوب، وذلك من أجل إعلانها عن تأسيس "حزب العشاء السري"، في حين يؤكد قادته أنه حزب سيعمل بمنظومة مسيحية وبهدي شريعة المسيح وتعاليم رسله الأكارم؟

لا أتذكر كثيرين قاموا بمواجهة هذه المعضلة "الديليما"، فالمجتمع العربي المحلي بلع جميع تلك الإشكالات بصمت مريب وبقصور صارخ، إلا أنني تذكرت، وأنا أكتب اليوم، ما كتبه الصحفي الأستاذ محمود أبو رجب، وهو  كاتب وصحفي متميز، تشدّك جرأته إلى ما يكتب، ويجبرك وعيه بمسؤوليته على احترام وتقدير قلمه، فهو، مع قلة نادرة، تطرق إلى إشكالية الأحزاب الدينية واشتباك صنانيرها في شباك حيزاتنا السياسية، وحسم أمره من فوائدها لمجتمعنا.

ففي مقالة نشرها في جريدة الأخبار الأسبوعية النصراوية بنيسان 2014  تحت عنوان" الحركات الدينية والسياسة " كتب: "هذا موقفي كان ولا يزال من الحركات الدينية ولكن من باب الإنصاف والعدل والنزاهة ومن باب من ساواك بنفسه فما ظلم أيدت إقامة حزب مسيحي، لكن هذا لا يعني أنني أويد التفرقة الطائفية..إنما يعني التأكيد على أن إقامة أحزاب سياسية على أساس ديني غير صحيح وليس بمصلحة الجماهير العربية في هذه البلاد..ومن هنا يجب إبعاد الدين عن السياسة".

صدق أبو رجب في إجابته وكان قد أصاب قبلها بوضع صيغة سؤاله، فهو وأمثاله نبّهوا سادة المجتمع من غير تأتأة، ولكنّهم فعلوها دون جدوى، فمعظم قياديينا آثروا دفء كوانين القبيلة وحماية الخيمة ونسوا ل"من كانت تقرع العصا". 

لقد أجاب بركة في ذلك المؤتمر الصحفي على سؤاله الثاني فيما إذا كانت الأحزاب العربية القائمة في مجتمعنا تكفي أو ما إذا بقيت هوامش وحاجة لولادة أحزاب جديدة؟ وفي معرض إجابته عدّد المبررات الموجبة لتأسيس حزب سياسي مقبول ومستساغ؛ لقد كان استكشافه متماشيًا مع هواجس الجماهير العريضة  وتساؤلهم الأعوص، فهل فعلًا ما زالت الأحزاب السياسية الفاعلة بيننا تؤدي وظائفها الوطنية؟ وهل يسد وجودها الحاجة المجتمعية ويغني عن إقامة أحزاب جديدة؟  

إجابة بركة كانت صحيحة وكذلك ما عدّده من مبررات، لكنها إجابة خلقت لدينا إشكالًا مزدوجًا، فمن جهة، لا ينطبق ما ساقه كمبررات على حزب سياسي ديني أيًا كان، فهذه الأحزاب بطبيعتها البنيوية تكون إقصائية وفئوية وغير منفتحة على قبول الآخر، ومن جهة ثانية، حين ندقق بمبرراته نستنتج أن الأحزاب القائمة في المجتمع العربي كادت تفقد مصداقياتها وأسباب وجودها، مما يضع قياداتها ومؤسساتها أمام خيار من اثنين: فإما أن يعيدوا بناء نظمهم ومنظوماتهم وتنظيمهم، وإما أن يتوقعوا لجوء الجماهير إلى خيار إقامة حزب أو أكثر "يغطي حيزًا سياسيًا وفكريًا، ويتحدث إلى جميع الناس رجالًا ونساءً، ومن كل المناطق ومن كل الانتماءات الاجتماعية، وأن لا يكون مطية لمآرب شخصية أو فئوية أو إقصائية على أي أساس كان" وذلك وفق رزمة المواصفات التي سمّاها بركة بالمبررات المطلوبة لإقامة حزب سياسي مقبول.

نحن في مرحلة سياسية حرجة وعلى عقلاء مجتمعنا أن يذوتوا فداحة الخطر وقربه منا، فمسؤولية رئيس لجنة المتابعة أكبر من المحافظة على وحدة عرجاء لا تحمي عظام أفرادها ولا مراعيهم، ومحمد بركة، وهو الجبهوي الوطني، ما زال يمثل عنوانًا لأمل الكثيرين ولإيمانهم أنه سيحمي، بوحدة كفاحية وطنية واقعية حقيقية، سقف الوطن وحرمات بيوتنا، وعليه، وهو السياسي الحاذق والمجرب والقادر،أن يتنبه، وهو يسعى وراء ذلك "القاسم المشترك"، على أن العرب تعيش اليوم واقعًا تتهادى حدوده على شفرات نصف رغبته الأول : فواقعنا قاصم ومشطور وغمدنا حارق والحلم مفقوء، أما ذاك "المشترك السحري" فلسوف يبقى الغائب المشتهى، وقد تجدونه في أثداء السماء وغيومها السوداء، أو مختبئًا في عباءات الملل أو نائمًا تحت عمائم النحل.

  قاسم العرب، اليوم، هو قاصم يا رفيقي، وهو بئر وصحراء غاضبة، تعويذة وناهد وبطر، لا شيء يجمعهم، ولا بينهم بِر ولا مشترك إلا الكفر وبكاء العين على جدودها العرب، وبعضهم  كان قد تعلم من صدق السراب وتنبّه من حكمة الرمل فنجوا وقالوا: لذي الحلم تقرع العصا!.                            

 

 

 

 

حزب جديد وصحيفة المتلمس

 

جواد بولس

 

أعلن في الحادي عشر من نيسان الجاري، في مدينة الناصرة، عن تأسيس حزب  "الوفاء والإصلاح"، والذي سيكون "حزبًا سياسيًا جماهيريًا غير برلماني يستلهم منظومته من القيم الإسلامية"، وذلك وفق ما جاء على لسان رئيس الحزب، الشيخ حسام أبو ليل.

الإعلان عن تأسيس هذا الحزب جاء في مؤتمر صحفي عقد في الناصرة، وذلك بعد أن تمت الدعوة إليه بنص وزع على وكالات الأنباء وأفاد بعمومية واضحة كما يلي: "يتشرف حزب الوفاء والإصلاح في الداخل الفلسطيني بدعوتكم لتغطية المؤتمر الصحفي للإعلان عن انطلاقته كحزب جديد على الساحة السياسية وذلك يوم الاثنين .. حيث ستتحدث قيادة الحزب ورئيس لجنة المتابعة السيد محمد بركة"، وفعلًا شارك محمد بركة في ذلك الحدث.

من اللافت أن الدعوة، التي لم تسبقها أية حملة ترويج أو تعريف أو تقديم، لم تسمِّ أسماء أولئك القادة، كما ولم يشر محرروها إلى أية تفاصيل أخرى فيما يتعلق بمنظومة هذا الحزب أو ببرامجه  السياسية أو رؤاه الاجتماعية أو مفاهيمه الثقافية أو خططه الاقتصادية. لقد كانت الدعوة أقرب إلى تلك البيانات السرية التي ألفناها في شرقنا خاصة في زمن الانقلابات وما رافقها من إثارة وضبابية.

معظم المواقع التي تطرقت إلى خبر تأسيس حزب "الوفاء والإصلاح"، خلصت على أنها خطوة نحت إليها الحركة الإسلامية الشمالية بعد أن قامت السلطات الإسرائيلية بالإعلان عنها كحركة محظورة؛ وبعض المعلّقين، مثل الإعلامي اللامع وديع عواودة، كتب "إن الشمالية قرّرت بحق تحاشي الصدام والمواجهة ومحاولة تفريغ القرار الإسرائيلي المستند لقانون الطوارئ من مضمونه بالخطوة خطوة وبهدوء، لا سيما بعدما تنبهت أن المجتمع العربي لم يبد الاهتمام المطلوب لعدة أسباب تتعلق بها وبه وبالعلاقات التبادلية"، وفي تلميح ذكي منه عن معنى تلك الخطوة في القراءة الإسرائيلية الأمنية الرسمية ينهي مقاله بسؤاله الكبير: "هل فعلا سيعتبر الإسلاميون الجدد من تجارب قديمة هنا وهناك لا سيما أن الصمت السلطوي ليس رضا بالضرورة"، فالصمت، هكذا نفهم، قد يكون رضا وقد لا يكون!   

من المفروض أن تستأثر خطوة تأسيس حزب سياسي جديد باهتمام ما، خاصة في مجتمع يتقلب وجعًا تحت ضربات السياط التي تحز بدنه دون هوادة، من كل شرق وغرب ومن تحت وفوق، وعلى الرغم من كونها حدثًا استثنائيًا في حياة المواطنين العرب في إسرائيل نراها مرّت بسرعة الزفرة، كعنة مريض ضاعت في ديوان تملأه الضجة وتسوده اللامبالاة. فأين قادة أحزابنا والقيمون على مؤسساتنا المدنية من فكرة تأسيس حزب إسلامي جديد؟ أين مفكرو الوطن وأكاديميوه المثقفون مما قاله المتحدثون الأربعة، أو ربما مما لم يقولوه؟ أين الذين سمعوا رئيس لجنة المتابعة يصرح باسمنا جميعًا ما صرّحه وتغافلوا عن مساءلته لماذا وكيف ومن أين له أن يعلن أن: "وجودي هنا بصفة رئيس لجنة المتابعة والتي تجمع الجميع تحت سقف واحد، وأنا متحيز للعمل الوحدوي في هذه البلاد، وأن المبرر لوجود الحزب أنه يأتي ليغطي حيزا، ويتحدث مع الجميع، وأنا من معرفتي بالقائمين على الحزب نرى أنهم يعملون لمصلحة الجميع، وليس لأهداف فئوية، ونحن نتمنى النجاح لهذا الحزب وتحقيق أهدافه"، فمن أين لرئيس المتابعة، محمد بركة،  تلك القناعة على أن القائمين على الحزب يعملون لمصلحة الجميع وليس لأهداف فئوية؟ ونحن مثله لم نقرأ ولم نسمع ولم نشاهد برنامج الحزب ومواقفه أزاء القضايا الأساسية التي تهمنا وتقع في صلب مصلحة الجماهير كما يفهمها كثيرون من بيننا، وعندما أقول "القضايا الأساسية" أعني: برنامج الحزب السياسي وموقفه من حل القضية الفلسطينية ومسألة الدولة الوطنية، مفهوم الحزب للسلطة المدنية وأحكامها ومصادر الشرعية فيها، مكان الثقافة على تفرعاتها وموقف الحزب منها، مكانة المرأة ودورها في العمل السياسي والاجتماعي، مكانة الحريات الفردية الأساسية، رأي الحزب في الآخر وفي الديني الآخر، موقف الحزب من إسرائيل ونظامها ومن الشراكة السياسية مع قوى يهودية إيجابية، وأخيرًا، ما هي منظوماته التي سيستلهمها من القيم الإسلامية، على حد تعبير رئيس الحزب، وكلنا يعرف كم فئة حولنا تتحدث باسم تلك القيم الإسلامية وإلى أين أفضى بعضها، وما إلى ذلك من مسائل لا يمكن إغفالها وعدم الوقوف عندها واستجلاء  كنهها قبل أن يعلن الرجل الأول في هرمنا السياسي، أو أي جهة أخرى، أن القائمين على هذا الحزب يعملون ليس لأهداف فئوية !      

مباشرة بعد القرار الإسرائيلي بحظر الحركة الإسلامية كتبت شاجبًا أنه "رغم اختلافي معها فأنا ضد القرار الإسرائيلي"، وها أنا أصرح من باب التأكيد ودرء السوء، على حق الإسلاميين، أسوة بكل مجموعة بشرية أخرى، بالانتظام في أطر حركية أو حزبية، لكنني أرى أن الإقرار بهذا الحق يوازيه حق الغير بالاختلاف معهم، ويلزمهم بقبول الانتقادات والنقاشات والتحاور، فأنا متيقن أن ما صرحوا به في المؤتمر الصحفي يخالف كثيرًا من معتقداتهم المعلنة ويخفي بعض المعطيات الأساسية ويموه من مواقفهم المشهرة من على أكثر من منصة ومنبر، فمن الملاحظ أن مداخلات المشاركين الأربعة باسم الحزب الجديد كانت مقتضبة وتلغرافية، وما كاشفوا به الجماهير جاء شحيحًا، وما أخفوه ولم يقل كان أكثر، وأهم مما قيل وكشف. مع هذا وإن كان ذلك مبررا، عند البعض، ومغفورا لهم لأنهم  يسعون إلى البقاء ناشطين في ما يتيحه الحيز القانوني الإسرائيلي، فلن يكون ما قاله محمد بركة  مقبولًا ولا لرئيس المتابعة العليا أن يصرح ما صرحه عن تلك المبادرة وهو يعلم، أو كان يجب أن يعلم، ما هي هويات المتحدثين السياسية، لأنها معلنة ومصقولة وقسماتها تملأ وسائل الإعلام وقنوات اليوتيوب. فحزب الوفاء والإصلاح لم ينشر ما ينطبق وتقييمات بركة ولا ما يساند توقعاته من ذلك الحزب كما أكدها، بل على العكس تمامًا، فالمتحدثون في المؤتمر الصحفي اكتفوا بنثر إشارات دقيقة تمكّن كل مستمع لها أن يفهمها على راحته وهواه ، فالإعلان  عن "ميلاد حزب الوفاء والإصلاح كحزب سياسي جماهيري غير برلماني يستلهم منظومته من القيم الإسلامية" يقول الكثير ولا يقول شيئا، وتأكيد رئيس الحزب، وهو الذي كان النائب الثاني لرئيس الحركة الإسلامية الشمالية، حرصه على "المحافظة على كافة ثوابتنا الوطنية"، يستدعي تهافت جميع أحرف الاستغاثة والنداء وعلامات التعجب والسؤال عن ماهية هذه الثوابت الوطنية، وعندما يتعهد المتحدثون على أنهم سيعملون على "خدمة جميع أهلنا في الداخل ومشاركتهم في الحزب وشعارنا وفاء وانتماء" تكاد أشرطة الفيديو المسجلة بنفس الأصوات والأفواه على اليوتيوب أن تنطق وتتقطع.

قد تكون مشاركة بركة في هذا الحدث من باب شعوره بتلك المسؤولية الأبوية على جميع فئات الشعب، وقد تكون رهانًا واستثمارًا في خيار يأمل أن يقود المؤسسين إلى تغيير مواقفهم السياسية وتبديل مواقعهم الاجتماعية، وقد تفهم على أنها سقطت مع ثمرة المخاجلة ومن تربطه ببعضهم وشائج صداقة، وقد تحتمل تفسيرات أخرى، لكنها على جميع الأحوال، تبقى، برأيي خطوة متسرعة وقرارًا غير محسوب بشكل صحيح

فليس من الصعب التعرف على مواقف رئيس الحزب الجديد المعلنة في جميع المسائل التي يجب أن تشغل بال محمد بركة الإنسان والشيوعي والقائد، فأشرطة اليوتيوب تطفح بخطب الشيخ وفتاويه، في الحب وأعياده، وفي النصارى واحتفالاتهم، وفي الوردة الحمراء وعشق الكرة، وآرائه فيمن لا يوافقه الموقف والعقيدة والايمان معلنة ومشهرة، وتبقى أكثرها إيجاعًا تلك التي وصف فيها رئيسٓ القائمة المشتركة، ورفيق بركة في الهوى والوجع، بالسوسة وبالقزم المتطاول، وبالمتخلف الهمجي.

للمبادرين حق بتأسيس حزبهم السياسي، ونقاشنا يبقى مع ما قاله بركة فكم كنا نريد أن ننضم إليك، يا رفيقنا، وأنت تتمنى للحزب الجديد النجاح في تحقيق أهدافه، لكننا ونحن نشاهد ما نشاهد ونسمع ما نسمع، كيف نفعل وقد نمسي كمن حمل صحيفة المتلمس؟

 فهل تعرف أشياء لا نعرفها ولا يعرفها الأثير والشعب؟

 

 

 

 

خطبة القضاء وانتظار القدر

 

جواد بولس

 

لم تصحُ الجماهير العربية في إسرائيل وقياداتها من تلك الصفعة المدويّة التي تلقتها، في الأسبوع المنصرم، من قبضايات الكنيست الداشعين، حين مرّرت الأكثرية اليمينية العنصرية، بالقراءة الأولى، قانونًا يجيز لأعضاء كنيست منتخبين  شطب عضوية نائب آخر حتى لو كان منتخبًا بشكل دستوري سليم من قبل مواطنين ناخبين مارسوا حقّهم في العملية الانتخابية العامة، وذلك في خطوة تفضي، في الواقع، إلى إفراغ العملية الانتخابية السياسية من مضمونها وتمحو نتائجها.

وحين كان البعض يسعى إلى ترتيب أفكاره ازاء ما ينهال على مجتمعنا العربي من ضربات ويحاول وضع مخططات لإنشاء سدود واقية من شأنها أن توقف ما قد يسببه ذلك الطوفان العنصري الجارف من دمار وعيث، فاجأت وزيرة القضاء أبناء جلدتها، أحفاد الأنبياء والقضاة، بهجومها الكاسح الذي استهدف، هذه المرّة، مكانة المحكمة العليا الإسرائيلية وقضاتها، على الرغم من كون هذه المحكمة، في الحقيقة، هي آخر معاقل نظام الحكم السابق والهاوي، وأهم مؤسسة فيه جُنّدت، لسنين طويلة، من قبل ساسة إسرائيل وبُناتها الأوائل، لتكون الحجة والتميمة والشفيعة لهم أمام العالم

فمحافل قضائية عالمية واسعة وهيئات جامعات عريقة، وفقهاء قانون مفلقين، من دول كثيرة في العالم، آمنوا واقتنعوا أن المحكمة الإسرائيلية العليا هي صرح عصري هام من صروح الفكر الحر، ومفاعل بارز ينتج العدل في شرق يقتل عنادله ويبقر أحلام عذاراه، وديوان للمظالم ينصف من يقصده بتبنيه القيم الإنسانية المثلى وقواعد القانون الدولية العصرية العادلة.

 نعم هي واحدة من تجاعيد العبث الذي مارسه العالم المابعد الحرب الكبرى، وأجاده قباطنته، لعقود من الزمن، في حين لم تنفع كل نداءاتنا، نحن الفلسطينيين، ولم تسعفنا جراحنا النازفة، ولا ما تكبدناه، من خلال اصرارنا على رفض الانتكاب، وكضحايا لسياسات حكومات عنصرية قمعية  قهرية متعاقبة، دافعت عنها تلك المحكمة بمنهجية ذكية وبتبريرية عنصرية مغلّفة، فتنكرت لحقوقنا الأساسية وعاملتنا كجناة رغم أننا نحن الضحايا والأقوياء، فصرنا بأحكامها غرباء وضعفاء. كنا أصحاب البلاد وحماة الديار وعشاق الأرض وهي سلبتنا ب"عدلها" المهزوم والمأزوم، البيادر والمحاجر والحقول

كانت محكمة إسرائيل العليا بممارساتها، إلى حد بعيد وفي أحايين كثيرة، درّة في تاج نظام القمع العنصري، ومبيّضة لسواد لياليه وأفعاله، ومع ذلك لم يتخيل خدمة القانون وهم في أبراجهم الفولاذية أن النزاهة تولد عارية، لا عرق لها ولا لون، ولم يتوقع مدّعو الحرية الهشة أن الإنصاف لن يقوم على سيقان من  البامبو، ولم يقتنع صائدو الأحلام أن العدل لا يتوالد في خوذات الجنود ولن يسكب من فوهات البنادق الجوعى وهي تصطاد أنات الدم النازف على أرصفة العهر والعجز، ولذلك  تفاجأوا حين واجهتهم  سيدة القضاء الأسير ووزيرته بأكثر من توبيخ فاضح وبأقل من تهديد ناطح، لكن بما يكفي كي يجعلهم يخافون، ويكفي خوف القضاة من الغزاة، فهي من مدرسة تاريخها علّم الانسان: أن لا حرية مع الخوف ولا عدل والسيف مغمود في سرتك، فرسالة الوزيرة ولّادة للقلق وللخوف وسهمها طيّرته بأوضح من خطبة الحجاج، حين لعلع لسان حالها وقال: اسمعوا يا قضاة، ويا بني إسرائيل، ويا من تحسبون أنفسكم أرباب الحكمة والعفة والطهارة، تفكّروا، تمهلوا وأحذروا، أفلم تقضوا في سننكم المذهبة  أن للبلاد سيفًا يحميها، وللأرض شعبًا يخلّصها من غبار السرو وينجيها من ريق الكروم ويحميها من بكاء الصبر والتين؟ أولم تعلنوا في صحائفكم المفضضة  أن الطير في صهيون هدهد سليماني فصيح  وغراب عاص يملك الفضاء والذكاء والبقاء؟ أولم تؤمنوا أن أيوبكم مات ولم يورث دمعه لأحد، فكيف نسيتم أن لا دمع في عيونكم كي تسكبوه ولا ندم، فأبوكم، الفيلسوف، علمنا كما علمكم، أن باطل الأباطيل باطل، وكل شيء كان باطلًا وما سيكون باطل.

 اسمعوا يا أحفاد قضاة يهودا وملوك السامرة هتاف السماء وعويل الهياكل وعودوا إلى مهاجعكم واكتبوا بخط الأنبياء، فلا حاجة كي نفهم ولا أن يفهمكم أحد، واوتروا أقواس حكمتكم البالية واطلقوها هباءً في الوديان، ولا تنتظروا ضحكات الملائكة ولا عودة تلك الناقة، فمن سبقوكم ما زالوا يفتشون عمن عقرها وعن نحيب القمر؛ يا قضاة من غار مجفف، كان الناس في زمانكم ورقًا ولا شوك فيهم ولا وخز، أما اليوم، في هذا الزمن الأبلق، فكل الناس شوك بلا ورق، فخذوا الحكمة من قاييين: ومن لا يصِر شوكة سيبقى لقمة في حلق العدم

إنني هنا أمامكم لأقول لكم  وللمرة الأخيرة: تاريخ استهلاككم قد نفد.. فسيروا على دروب الزريبة والأرض الحبيبة والزبيبة..كي تسلموا .. والبقية ستأتي.

احتجاجات بعض النخبويين الإسرائيليين بدأت تتهافت من على المنابر وفي عدة وسائل إعلام . من بينهم برزت مواقف بعض القضاة المتقاعدين وآخرين على رأس عملهم، وقد نجد بما قاله القاضي يتسحاك زمير وهو من الشخصيات القضائية البارزة في تاريخها، ما يجسّم وسع الهاوية التي نقف عند حدها، فهو، مستفزًا من هجوم الوزيرة، صرح بأنه لم يشهد اطلاقًا مثل هذه الهجمات النابية على المحكمة العليا في الماضي، وأضاف أنه إذا ما تم ما تريده الوزيرة فعندها سيصير نظام الحكم في الدولة دكتاتوريًا.

لن تنتهي قصتنا بما قالته وزيرة القضاء الإسرائيلية بحق المحكمة العليا الإسرائيلية، ولا عند من احتج وشجب واستنفر، فبالتوازي مع طلقات حنجرتها أتحفتنا الأخبار عن انهيار سدّ آخر من سدود حيّزنا العام، وذلك بعد أن عرفنا عن قيام العديد من أقسام الولادة في مستشفيات البلاد بفصل النساء اليهوديات عن العربيات، على الرغم من أن وزارة الصحة الاسرائيلية تحظر ذلك، وعلمنا أن من بين هذه المستشفيات التي تقوم بعملية الفصل العرقي هي : هداسا، شعاري تسيدك في القدس، ايخيلوف في تل أبيب  ومئير في كفارسابا. كذلك سمعنا كيف تشاوف عضو الكنيست عن "البيت اليهودي" بتسلئيل سمورتريتش، حين أعلن جهارةً عن رغبة زوجته، غير العنصرية، أن لا تكون مع والدة عربية بعد الولادة لأنها تبغي الراحة ولا تحتمل حفلات العرب

 للقصة توابع ستلحقنا، فنحن كأننا في كابوس. موجة عاتية تغرفنا من وسط لجة صاخبة وترتفع بنا حتى تخترق رؤوسنا قطعان من غيم أسود متسارع ومتناثر، وتهبط فينا بسرعة البرق فنرتطم بصخرة شرسة، ندوخ منها ولا نموت. وما أن نستجمع بقايا نفس نغرف ثانية على صدر موجة وحشية تحملنا وتندفع بنا صوب السماء، فتختفي ونبقى في الفضاء مدلين لا نعرف متى ستشج رؤوسنا

إنه زمن الشوك .. وقد قلنا وحثثنا: يجب الإعلان عن حالة من الطوارئ وعن ضرورة تأسيس مجلس إنقاذ فوري. لقد وجهت صرختي، في المقال السابق إلى رئيسي المتابعة والمشتركة، ولا أعرف كيف كان صداها لديهما، ولكنني أرى أن الفكرة ما زالت ملقاة على رصيف الفكر العام، وقد يتناولها من يشعرون، مثل كثيرين في هذه البلاد، أننا أمام سبع عجاف وأن الوقت وقت الحصاد عسانا نملأ أهراءنا بالحنطة والحكمة والأمل.

لقد سمعنا خطبة القضاء فهل ستنتظرون حتى تسمعوا خطاب القدر؟

 

 

 

 

مجلس  انقاذ  لعرب ٤٨

 

جواد بولس

 

نجاح حكومة بنيامين نتنياهو، يوم الإثنين الماضي، في تمرير قانون إقصاء أعضاء الكنيست لم يكن مفاجئًا، فحكومة نتنياهو تحظى بأغلبية سريعة "التوريب"، جاهزة الفوران والانسكاب. تركيبة الأحزاب التي تشكل إئتلاف الحكومة هي عبارة عن مجموعات من مستسيسين جوعى للحقد ومرضى بداء "العرب"، وشرهاء تستفز مجسّاتِهم رخامةُ العين وهي في الشرق تبكي على "رب" يهان مع كل طلعة شمس وضمور قمر.

فمن راهن على بقايا منطق إنساني وحسب أنه قد ينتصر في أروقة مؤسسة باتت تعمل كطاحونة تطحن كل حَب مبارك وتذيب كل حُب يؤلف، فهو في حكم الغافل، ربما سيصحو مع اللطمة القادمة، ساعة لن تسعفه شهقة ولن تستشفع له صرخة ولن يفيده بكاء.

ومن قامر على أن في الكنيست بقيت أكثرية يهمّها ماذا سيقول "العالم" عنّهم، يهودًا أحفاد الكوارث والضربات والوصايا، فهو أعمى لم يلحظ أن ذاك العالم صار خرافة وخرقة وأن الكنيست تعرف أن إذا كان هذا الكائن موجودًا فهو حاميها وليس عزوة للعربان الذين شتتهم الريح ونثرتهم ككثبان رمل عاشت حبيباتها منذ عصر البوادي، بتنافر وإيلاف في ربع عالم كان منذ ولد خاليًا، وكان سرابه أحلاماً.

إنها كنيست لا تنام إلا على عهد ووعد، تنقضّ على فرائسها مدمنةً لتروّضها أو لتؤذيها، ذلك ما أن يحرك راعيها عقلة في سبابته أو رجفة من أحد حاجبيه. فهم، هكذا يؤمنون، قد انتخبوا من أبناء شعبهم المختار وأوكلوا، بصكوك ربّانية ومن السماء، بمهمة إيصاد جميع المنافذ وسد الطرقات علينا، نحن المواطنين العرب في البلاد، وبوضع حجر الرخام البارد على قبر ذلك الحيّز الذي أتاح للإنسان الحرّ، في هذه الأرض التي رنّختها القداسة، أن يحيا على ضفة الحرّ الآخر ليبقى ماء الحياة بينهما جار والسماء شاهدة بريئة، والطير فوقهما سانحًا وسابحًا، والبرق ومّاض، والموت مستأخر وإن كان هو على الجميع دين مستحق وساخر.

ولكن، ولئن كان قرار الكنيست متوقعًا سيبقى ما حصل خطيرًا واليوم يومًا مشهودًا أسود وممضّا. فالقانون المشرّع يلغي، في الحقيقة، معنى العملية الانتخابية من مضمونها الفعلي، ويتيح لأعضاء كنيست إمكانية إلغاء عضوية عضو منتخب بشكل مباشر بأصوات مواطنين أصحاب حق الاقتراع، في وقت يعرف فيه الجميع أن سهام هذا القانون موجهة حصرًا، في هذه المرحلة، للأعضاء العرب.

نتيجة التصويت في ذلك اليوم كانت، على الرغم من كونها متوقعة، مقلقة ومستفزة ومثلها كان ما قيل من على منصة الخطباء في حق أعضاء الكنيست العرب، لا سيما في حق رئيس القائمة المشتركة، النائب أيمن عودة، فطبقة التحريض انهالت صوبه محشوة سمًا ومضامينه فهمت، حتى عند الأغبياء، كدعوة لهدر دم سافر لأيمن ورفاقه، يينما بقي صراخ بعض المهاجمين كطنين النواقيس الكبيرة حين تعلن عن اقتراب الخطر. لقد كان الهجوم العنصري كاسحًا ومباشرًا، ولأنه كذلك من المفروض أن يقض  نوم كل من شاهد أو سمع أو قرأ فذبذباته ما زالت تتطاير في الفضاء وتعلن، باسم النار، وبدون خجل: ها أنا قادمة لأشعل بيوتكم وساحاتكم  حرائق.

بعد كل ما سمعناه نعود ونؤكد، مرّة أخرى، أننا نسمع حشرجات نظام حكم تسلّم فيه بقايا ديمقراطية عرجاء روحها وتلفظ أنفاسها بتسارع قد يصير من المستحيل إيقافه أو حتى إبطاؤه.      

إننا نشهد ولادة إسرائيل جديدة، يهودية زرقاء، وهي الأقرب إلى ممالك يهودا والسامرة، كما جاءنا التاريخ بأخبارها، وكما زفتها إليه أجنحة الأساطير وألسنة الخيال الجامح؛ إنها إسرائيل التي ستنسى لغة الكلام، والسيف سيستبدل في أيدي ناسها القلم، والسكاكين محايات، والقوانين بيكارات من رصاص وورق، والمحاكم تفرم العدل كالبرّايات وكالمقاصل. إننا نعيش في زمن الفاشية.  

على أثر ما جرى في تلك الجلسة الصاخبة قرأنا بيانًا  نشرته القائمة المشتركة، وفيه أكدت: " أن التحريض الدموي السافر الذي شنه، عضو الكنيست آفي ديختر، على رئيس القائمة المشتركة، النائب أيمن عودة، إفلاس أخلاقي وسياسي.." ودانت القائمة بشدة، "  التحريض العنصري المتطرف .." وطالبت المستشار القضائي للحكومة " الإيعاز بفتح تحقيق جنائي ضد ديختر، بتهمة التحريض على القتل"  وأضافت: "أن ديختر سقط لقاع التحريض الخطير، وأباح دم النائب أيمن عودة.." وشددت: "على أنها تواصل النضال ضد الاحتلال والفاشية والعنصرية والكراهيةـ ومن أجل الديمقراطية والمساواة والعدل الاجتماعي للشعبين".

لن يضير أحد أن تؤكد المشتركة على ما أكدت عليه وأن تدين وتطالب وتشدد.. ولكن هذا لا يرقى إلى جسامة ما يتفاعل أمام أعيننا. إنه بيان مكرّر شبيه بعشرات البيانات السابقة التي صيغت ونشرت باسم المشتركة كبيانات تضامن واسناد معنوي مع زملاء النائب عودة عندما هوجموا في وقائع سابقة، وهي بيانات  تعكس عمليًا قسطًا من القصور في ابتكار وسائل عمل سياسي  ناجعة وبرامج مجابهة مؤثرة من شأنها أن تخترق الحصار المضروب علينا وهي بيانات قد تؤمن للقيادة فرص اللجوء الروبوتي إلى مغارة الضحية المعتدى عليها لتنزوي هناك وتمارس ما تتقنه الضحايا ضعيفة الرؤية وعديمة الرؤى: الثغاء والانتحاب بكل نوتات السلم الخطابي العربي الذي أورثنا إياه أجدادنا عبر تاريخ الانكسارات الحديثة المتلاحقة من زمن بلفور ومن تلاه من زرافات "البلافرة" الكثيرين. إنها الفاشية يا أخي 

 

إدانة ما جرى في الكنيست هو من باب أضعف الايمان، لكنه فعل لن يؤدي إلى صد أية ضربة يمينية قادمة ولن يمنع الهجمة القاسمة التي حتمًا ستأتي ولن تتأخر، حتى بعد أن أدانت ما جرى، بديبلوماسية خجلى، الوزيرة السابقة تسيبي ليفني، ومثلها فعل يتسحاك هرتسوغ حين وصف القانون على أنه: "قانون خطير يهز الديمقراطية الإسرائيلية ومرفوض من أساسه". 

فنحن نرى بحدقات عيوننا المتعبة، كيف وقادتنا يدينون ويشجبون ويشددون ويؤكدون، تمضي قوافل هؤلاء العنصريين مهرولة نحو صدورنا وخبطات بساطيرهم تهدر قاب فشخة من أصداغنا. فالبيانات قد تكون ضرورية لاستجراع قطرة من معنويات تائهة، والتهديد بكيلنا لصاعهم بصاعين قد يكون مفيدًا في حروب الردع الوهمية، واستهواء البكاء على أطلال خرائب كانت ذات يوم صروحًا من كراماتنا وعزنا، لن يثرينا  بمعلقات مزركشة عصرية، ولا برهط من الشراح الأكابر. فنحن نغرق في وحل الفاشية

إنه زمن يستصرخنا، نحن عرب هذه الأرض، وينادينا: كفوا عن استمناء أوهامكم وارتجال رجاءاتكم الخاوية. أتركوا دفاتركم العتيقة وابحثوا في قواميس العصر عن معاني جديدة للنضال، فحين تعدون أنفسكم وأولادكم بصد الفاشية لن يكفي لصدّها أو لعرقلتها بيانات من ورق ملون لا تزن في موازين النضال أكثر من وزن ريشة مشكوكة في تاج ملك  هندي أحمر يبكي عرشه المهزوم .. 

إننا بحاجة الى الخروج من كل قوالب الماضي وشعاراته العقيمة، فالوضع خطير ويستدعي الاعلان عن حالة من الطواريء، والعمل  على وضع خطة إنقاذ شاملة.

ومن أجل ذلك على رئيس لجنة المتابعة ورئيس المشتركة، برأيي، أن يعملا معًا بشكل فوري من أجل تشكيل مجلس إنقاذ  مؤلف من ٤٨ عضوة وعضو، على أن يكونوا من الشخصيات المشهود لها بالمكانة الفكرية العلمية والنزاهة الكفاحية الوطنية وسداد الرأي، والمعروفة بتجاربها الحياتية العصرية المميزة، والقادرة على وضع تصور واقعي مهني يرسم حدود الخطر الذي نواجهه، وقادرة، كذلك، على وضع خطة عمل كفاحية وواقعية من شأنها أن تدرأ ذلك الخطر، وليس بالضرورة أن تكون جميع المشاركات والمشاركون في هذا المجلس أعضاءً منضويين في حزب سياسي قائم أو حركة دينية أو سياسية ناشطة.

لن أسهب في تفاصيل الفكرة وسأبقيها هكذا للنقاش، ولكنني أقترح أن يكون المشاركون المختارون لعضوية المجلس، على قناعة سياسية كاملة بأن الخطر الفاشي المتنامي في إسرائيل هو أول المخاطر التي تواجهنا ومكانته هي الأولى في رأس سلم الأولويات النضالية وهي التي ستستلزم كل طاقات العمل الشعبي والجماهيري والكفاحي.

كذلك على من سيشارك في ذلك المجلس أن يؤمن بأن الجماهير العربية لوحدها، ومهما توحدّت،  لن تنجح في ايقاف ذلك التدهور الفاشي ، بالمقابل، قد تفلح في صد مخاطره إذا تضافرت جهود العمل في ثلاث ساحات أو جبهات بشكل متداخل ومتكامل : بين الجماهير العربية في البلاد، وداخل المجتمع اليهودي  وأمام الرأي العام الدولي وبالأخص الغربي منه.

فالاعلان عن حالة طواريء أمر الساعة، وتشكيل مجلس  للإنقاذ هو ضرورة ملحة. والبقية تأتي.. 

 

 

إرهاب في بروكسل

جواد بولس

ما جرى في بروكسل يوم الثلاثاء المنصرم هو عمل إرهابي مدان من غير تحفظ، وبدون لكن، وإنما، وعليه.. فلا دِين للإرهاب، وقتل الأبرياء جريمة منكرة تنافي جميع الأعراف الإنسانية والأخلاقية والشرعية.

بعد تفجيرات بروكسل قرأنا وسمعنا عشرات الخبراء والمتخابرين، والمحللين والمتحللين، والساسة والمسوسين، والناصحين والمنصَّحين، المغرضين والصيادين في بحور الدم، وكل واحد منهم أفتى وشرح، حذر ونصح، وعد وتوعد، لكن معظمهم أدلوا بدلائهم وهم في الحقيقة عراة وبعضهم جناة، فمنهم من فعلها ليغطي على موبقات يرتكبها بعيدًا تحت أجنحة العهر والتمادي، ومنهم، من أجل تبرير سياسة يرتق أثوابها الفاضحة في غياهب ملطخة، لا يعرف عنها رعاياهم، لأنها تحاك فيما وراء بحر من الظلمات، وآخرون أدانوا وهم يسعون في تنفيذ مخطط طبخوه، كسادة لهذا العصر الأرعن، في مراجل جشعهم وسطوتهم الخنزيرية القاتلة.

ما قيل في دم الضحايا الأبرياء قليل، وكثيرة مسقيّ بدموع من رياء وكذب، وملفوف، للتمويه، في لفافات مومياوات هامدة؛ فما نراه أمامنا ووراءنا وفي أحضاننا هو نتاج نظام عالمي جديد لم تعد قواميسنا المتهتكة تنفع لسبر كنهه وفهم مضامينه، فغرب هذا العصر هو ليس ذاك الغرب، والشرق لم يعد شرقًا، لأننا في قرية كبرى، تعيش ونعيش فيها على الماكرو والميكرو والنانو، وتحكمها العقول والشاشات، والأسلاك، والطائرات التي تسير وحدها بمخ ومخيخ وإشعاعات. واقع قريتنا/ قريتكم/ قريتهم وهمٌ وشظايا وسرابها واقع ومرايا، هي غابة كلها ملاعب وظلال، وتعجّ بأسواق للنهود والعهود التي تبرم بين المتآلفة جيوبهم، وبيوتها بواخر ومصاف، لياليها عقود وأرباح وهزائم، والهم فيها أرصدة في البنوك والعامة تحيا فيها بلا عزائم.

 قرية اليوم، كبيرة صغيرة، بعيدة قريبة، كقرى الجن في حكايات الشعراء والمجانين، تسكنها سباع ليست كالسباع، وبعض قرودها "خاوت" ضباعها، وثعالبها سادت كأنها ديم الروح هابطة من عند السماء، فصالت وتجبرت. والناس فيها " كانوا كالصخرة الصلدة تنبو عن صفحتها المعاول، ثم زحمها الدهر بمنكبه، فصدعها صدع الزجاجة ما لها من جابر فأصبحوا شذر مذر".

ما جرى في بروكسل موجع، ومحزن ومستفز. إنه إرهاب يستدعي عشرات الأسئلة، وكل الحيرة وخلاصة العجز. فباسم ماذا ومن أجل من يسفك ذلك الدم الحرام؟

كثر أجزموا أن الدين من تلك الجرائم براء، والبعض أكد أن الفَعَلة جاؤوا إلى هذا العالم من رحم نص ديني رائج، وتربوا على فكر فائر، وكبروا في تربة عقيمة وفضاءات بقيت بالنسبة لهم لا أكثر من ملاجئ باردة وصماء.      

فذاكرة الدم، ذلك الذي لا يسيل من سرتك، خرفة، ضعيفة ومتأنفة، ورائحته، تلك التي تنتعف من شرايين الغريبة والغريب، لا تعنيك أكثر من تحرش فم أبخر قرأت عنه في كتب الأمالي وفي حكايات الظرفاء والثقلاء، فمن سيتذكر أين تطاير اللحم في البدايات على مرأى من طيور السماء الساخرة من تكبّر البشر وحكمتهم الهزيلة في الإعراض وفي اللوذ إلى الصمت، حكمة الغفلة والسكارى، التي تشبه حكمة الأكباش قبل النحر؟ 

قبل بروكسل وقبل اسطنبول سقط الأبرياء في ساحات المدن المهمشة، التي عاشت لياليها على صفيح محترق وأعمدة من دخان آدمي. وكانت صناديق العجب فيها ملقاة في أزقة الحارات المدمنة على رائحة الطحالب حيث تسكن الفئران وتجاور أصدقاءها الذين من لحم وعظم، الوافدين من عوالم بقرَ القهرُ والخوف أحشاء مجتمعاتها وضخ قمعُ حكامها البرصَ في أدمغة شبابها، فنشأوا أجيال لم تتنسم عطر الحرية ولم تطرب على وشيش الكرامة،  فبقوا أجنة تنمو في داخل مشيمة التاريخ المنسي، ولم يتكشفوا يومًا على معنى الأمل، ولم يهتدوا كيف وأين يكون الأمان وتصحو هدأة البال .

 كانت صناديق العبث مغروزة كالرماح المسمومة ومنثورة بين أرجل سكان لندن وباريس وبروكسل وأخواتها، والناس فيها عن ذلك غافلون وماضون في دروب سعادتهم، صوب  غربهم حيث تطلع منه شمسهم كل يوم، وتغيب في شرق المساكين المتمزق وتدفن، في حين يستجمع حكّامهم، ورثة سايكس وبيكو، أطراف القدر ويصرونه في بقج  يعيدون خياطتها بمخارز لا تعرف الكلل ولا الرحمة، ويرسمونها أشباح دول عليلة تعيش كقطعان فيلة هزيلة أهلكها العطش في صحاري الشرق الجرداء.

معظم الدول وقادة العالم أدانوا العملية الإرهابية التي حصدت أرواح أكثر من ثلاثين ضحية، وقد يكون الأبرز منها والأغرب، برأيي، بيان وزارة الخارجية السورية الذي صرح أن: الجمهورية العربية السورية تدين بشدة الاعتداءات الإرهابية التي استهدفت العاصمة البلجيكية بروكسل وتعرب عن مواساتها وتعاطفها مع عائلات الضحايا الثكلى"

ومثله جاء بيان حزب الله اللبناني الذي : "دان فيه التفجيرات الإرهابية التي استهدفت العاصمة البلجيكية بروكسل، والتي زرعت الموت والدمار والخوف بين المدنيين الآمنين، وأدت إلى سقوط عدد كبير من الضحايا، ويعرب عن تضامنه الكامل مع الأبرياء عامةً، ومع بلجيكا وشعبها في هذه المحنة القاسية".

 إنه زمن الصناديق العجيبة، والعالم المقلوب، فالكل يرفع يديه إلى السماء ضارعًا، والمصيبة أنك لن تعرف من يستدعي لك بالسلامة أو يستخير ربه ليهديه إلى فرصة للقضاء عليك..إنه زمن ستكتب أيامه بحبر المصافي الأسود، أو بالأحمر الذي تؤثره الحرية شقيقة الفجر .

لن تكون جريمة بروكسل آخر الجرائم التي ستحصد أرواح ضحايا أبرياء، فنحن نعيش في زمن القتل والنار والبارود، زمن تجري فيه عمليات استئصال دول كاملة وتفتيت أكباد أخرى بالليزر والحوامض والكبريت. ونحن نشهد صراعات أنظمة حكم وحكّام  يدافعون عن مصائرهم وكراسيهم بكل ما تيّسر لأصحابها من مال وثروات وطنية وبطش وعتاد ومن خلال استعداد هؤلاء الحكام  للتحالف مع الشياطين، وهؤلاء الشياطين يتهافتون على الأرض من كل جهاتها، أفلم تروا كيف دان الغرب والشرق، المدان والديّان، الدائن والمدين، القاتل والبريء، جريمة مسرحها الغرب وفَعَلتها "مستغربون"، ولدوا في الغرب شرقيين، ونشأوا في غرب كله شرق .

 في الواقع إننا نشاهد دم الأبرياء في الغرب والشرق يسفك قرابين على مذابح حكام يرقدون على نواصي الريح الأربعة، وأرواح الضحايا تستثمر في بنوك أصحاب المصالح والجهلة في كل أرجاء المعمورة؛ إنه وقت الجريمة الناجزة، فعندما تخدر العقول بجرعات مصهورة من نصوص سماوية يصبها شيوخ السم والقتل مخمّرةً في مفاقس تلك الأزقة المطحلبة وعلى مسافة منها تجري أنهر عز ينداح يوميًا أمام من لا يعرفون معنى للأمل تُبرص عقول البشر وتصير أجسادهم مجرد مخازن يأس لحمية للديناميت والإيمان الأهوس بوعود خرقاء تدفعهم ليتشظوا على أرصفة الحضارة ويتفجروا في عمليات لا يصح أن تسمى إلا عمليات إرهابية عاقرة، فكل من يقتل نفسًا مصيره إلى هباء وعدم، ولا فرق إن كان مشرح الجريمة في الشرق أم في الغرب .

ما لبلجيكا لبلجيكا وما للجليل يبقى للمثلث والنقب وللأبناء، فعندنا خفتت أغلب أصوات الرعاة والدعاة والمتبرجين، بينما دان محمد بركة ، رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، المجزرة الإرهابية، مشدّدا على أن الإرهاب لا دين له، وبعد التأكيد على موقفه الواضح أضاف بركة قائلًا: "من الصعب أن لا نذكر أن حكومات الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة دعت وعملت من أجل ما أسموه الفوضى الخلاقة .. وأنتجت تنظيمات إرهابية لا دين لها سوى تعزيز العدوانية الغربية ضد هذه الشعوب، والآن يقوم المسخ على خالقه ليقدم خدمة كبيرة للغرب ويجعل شعار المرحلة محاربة الإرهاب وليس حرية الشعوب وخلاصها من الهيمنة والاحتلال المباشر وغير المباشر".

مايهمني كيف نحافظ على مجتمعنا هنا في المثلث والنقب والجليل معافى وبعيدًا عن هذه النار ونحن قاب قوس وأدنى من مراجلها؟ فلقد قال بركة إنها مسوخ تقدم  الخدمة الكبيرة للغرب،  وأرجعني إلى ما جرى في الغرب، في بروكسل، فلقد كان موجعًا، ومحزنًا ومستفزًا. لأنه إرهاب يستدعي عشرات الأسئلة، وكل الحيرة وخلاصات العجز. فباسم ماذا ومن أجل من يسفك ذلك الدم الحرام؟  نحن بحاجة إلى قواميس عصرية جديدة  أفلا يسفك  هذا الدم باسم سماء الشرق والدعاء لها: " طوفي وانشري شمسك في كل سما" أولم يؤذن الفجر على أيامنا  فصار " كل قيد حوله من دمنا جذوة تدعو قلوب الشهدا" .

نعم هو شرقنا : مساكب هذا اللحم المتفجر، ومناجم العبث المتناثر . 

 

 

 

اتركوا مانديلا من فضلكم

 

جواد بولس

 

على الرغم من تعمّدي الابتعاد عن متابعة أخبار منطقتنا المتوفرة بسهولة حولنا في مدينة الرجاء الصالح، التي جئناها بزيارة خاصة، فشلت بمهمتي أمام سطوة هواتفنا الذكية، وفي عالم بات محكومًا بشبكات عنكبوتية، تملأ حياتنا بوجبات "الجانك" الاعلامي المليئة بالكذب المالح والسموم المحلّاة.

فعلى شاشة هاتفي يظهر بسرعة البرق خبر تتداعى عناوينه، تباعًا، وتتحدث عن خلافات قادة التجمع مع النائب أيمن عودة، وأخرى عن مقاربات بين عزمي بشارة ومانديلا. لقد كانت تلك، هكذا تبين لاحقًا، عبارة عن مقتطفات حيّة من مقابلة طويلة ومثيرة أجراها الصحافيان، جاكي خوري وجيدي ڤايتس في صحيفة هآرتس العبرية، مع ثلاثة من قادة حزب التجمع، وممثليه في الكنيست الإسرائيلية جمال زحالقة باسل غطاس وحنين زعبي.

لم تحفل أقوالهم، في ذلك اللقاء، بما يناسبها من التفاتة جماهيرية، أو غيرها، وذلك على الرغم من وخز ما قاله النواب على الأقل في مجالين هامين: نظرتهم وموقفهم من رئيس القائمة المشتركة النائب الجبهوي أيمن عودة، وعلاقتهم بالنائب السابق عزمي بشارة، مؤسس حزب التجمع وأبيه وقائده الروحي.

وعلي أن أعترف أنني لو لم أكن موجودًا في حضرة صاحب الفرح الأسود، لربما لم أعر ذاك اللقاء مقالًا، رغم ما احتواه من محفزات على الكتابة والنقاش، ولبقيت في "سويتو"، صانعة القلق، قاهرة الوجع، وولّادة التحدي والألم.

فلقد أنهينا اجتماعًا لطيفًا مع ممثلين عن جمعية الأسرى السابقين في جنوب أفريقيا، وجلّهم من خريجي سجن "روبن آيلاند"، سيئ الصيت، وانطلقنا إلى"متحف الأبرتهايد"، ذلك الصرح الذي إن لم يزره السائح فقد  تبقى زيارته إلى جوهانسبورغ عمياء وعرجاء .

ضم اللقاء وفدًا عن "جمعية نادي الأسير الفلسطيني"، شارك فيه: رئيس النادي قدورة فارس، وعضوا مجلس إدارته، عبير الوحيدي، وأمجد النجار، وأنا كمدير للوحدة القانوية فيه، كما وشاركنا المدير التنفيذي ل"جمعية أحمد كاترادا" نيشان بالتون، والسيد حسونة الديرملي، المسؤول في سفارة فلسطين لدى جنوب افريقيا.

عندما ارتج هاتفي كنت واقفًا في فناء المبنى الرصاصي، قبالتي، على حائط من حجارة داكنة تذكّرك بلون الخجل في وجه عاشقة بيضاء واحتراق الشمس في ساعة مغيب افريقية، تنبسط صورة لنيلسون مانديلا، وهو ينظر إلى سهول خضراء تملأ الفضاء، حتى أنك تتخيلها لن تنتهي، وهي محاطة من جهتين بجبال معمّمة ببياض هابط من السماء كحليب فائر، ومانديلا، حارسها الأمين، يطل بقميصه المزركش، كجلد زرافة، عليه أشكال عشوائية مصبوغة بألوان التراب وموشحة بصفرة الأناناس، ينظر إلى بعيد، وعلى وجهه بسمة مرتاحة، كبسمة النبلاء، تظللها عينان قلقتان، وأمامه تنفرج جملة كتبها أبناء أمة تنحني أمام صلابة زعيمها وإصراره، وتقر بتضحياته، وتتعهد لمن عصر ظلام الليل والمستحيل فأخرج منهما العزة والنور مندلقًا في أرجاء قارة لم تعد تخجل بسوادها، وتعلن : " هامبا كاهلي، ماديبا.. وداعًا ماديبا، فنحن سنحترم إرثك ". وعلى بعد خطوتين من هناك، تقرأ على حائط آخر، خلاصة ماندلية نبيلة أخرى:" أن تكون حرًا ليس مجرد التخلص من القيود، بل أن تعيش أسلوب حياة وفي طريقة تحترم فيها وتعزز حرية الآخرين ".. ثم بعدها تدخل في ثنايا المستحيل، وترافق حكاية الألم الأسود، وكيف صيّره مانديلا ورفاقه تحديًا فحلمًا فأملًا فنشيدًا فحرية فوعدًا.. وعلى مدى ساعتين، أو أكثر، تتنقل ودمعك يصاحب شهقات الأمهات وهدير الفقراء، وتتعلم عن قصة شعب ورجال ومانديلا، الذي آمن، كما علّمه أجداده من قبيلة "الثيمبو"، ومنذ كان اسمه "روليهالاه" أو "صانع المشاكل" في لغة "الهوسا"، وردد أنه: "في بلدي نذهب إلى السجن أولا ثم نصبح رؤساء".

 

اللافت في المشهد بعد مقابلة النواب الثلاثة هو أنها مرّت في الساحة السياسية العربية المحلية كسحابة غاز من الهيليوم، تاركة رجاحة التخمين أن هذا هو ثمر الوحدة وثمن النخوة العربية والعزوة في خيمة القبيلة، ثمن تدفعه في الحقيقة، الجماهير في هذا العصر العصيب.

لا أكتب دفاعًا عن أيمن، لأنني فعلت ذلك في مقالات سابقة، ولكنني أعبر عن انزعاجي من صمت رفاقه في الجبهة والحزب. فما قاله قادة التجمع الثلاثة في أيمن وأكثر، يمسّهم بشكل مباشر، هذا عدا عن كونه يتناقض وأصول الزمالة الحزبية، ومن يقرأ السطور وما بينها يكتشف تأولات خطيرة بحق من يرأس قائمة العرب المشتركة، وقد قيلت بنبرة متعالية ومشحونة بإيحاءات استهدفت النيل من نظافته الوطنية والتشكيك في مواقفه السياسية. فأيمن ليس أكثر من ساذج أو: "شاب طموح مليء بالشغف والتفاؤل ويعتقد أننا اذا غيرنا قليلًا بطريقة تصرفنا سيتقبلوننا، هذه المفاهيم والتصورات بنظري ساذجة للغاية " أو هو شاب "رطب المغابن" يسترحم له ويسترفق فيه فمن : " ناحية ثانية نحن لا نريد أن نقمع هذه الأصوات الشابة الجديدة، وقد أكون مخطئًا ولكن أبو مازن أحب كثيرا طريقة أيمن عودة" والأهم، ما أفهمنا إياه النائب غطاس، مفككًا لنا شيفرات ما قاله زميله وموضحًا أنه: " سيأخذ بعض الوقت لحين يعلم أيمن عودة أيضا أن محاولاته لأن يكون مقبولاً ولطيفًا / وجيدًا لن تجدي نفعا..عندها سوف يستقيظ " .

يحيرني تطنيش الجبهة، كحزب يدعي الريادة الجماهيرية، وابتلاع قادته لهذا التقريع واستفياؤهم بصبر الذليل، فهل قرأ قادة الجبهة ورفاق أيمن كتاب هلل كوهين عن "العرب الجيدين" ؟ فبين إشاحة الوجه أو المناكفة والمجارحة تبقى المجادلة بالعقل والمحاورة بالحسنى أنجع وسائل التفوق السياسي الشعبي، فأين أنتم منها؟

أكتب هذه المقالة وأنا جالس في ساحة البيت رقم ٨١١٥، في شارع "فيكازي"في "سويتو"، أمامي بيت مانديلا المتواضع وعلى واجهته ما زالت أثار ثقوب رصاصات كان يطلقها عليه المجهولون. أنتظر وأقرأ وأعيد قراءة تصريح النائب غطاس لجريدة هآرتس وفيه يجزم على أنّه " إذا كان نلسون مانديلا يعلم قبل شهر من سجنه انه سيسجن لهرب "،  وأحسّ بالنار تأكل أحشائي .

لقد أدلى النائب غطاس بتصريحه عن مانديلا في سياق تبرير دفاعه عن موقفه وموقف حزبه من قضية هجرة عزمي بشارة إلى خارج الوطن، هجرةٌ يصرون أنها بمثابة نفي قسري، في حين  يتساءل آخرون عمّن نفاه وكيف ولماذا؟

لن أتطرق في هذه المقالة لتلك المسألة، فهي ليست شأننا هنا، مع أنها برأيي، لم تحظ في حينه بمعالجة وطنية مسؤولة ولم يناقشها ذوو الشأن والعلاقة نقاشًا مبنيًا على معطيات مثبتة وحقائق واضحة، بل راوح التطرق إليها بين ترويجيْن سطحييْن: منافحين باستماتة عن قرار الرحيل، وغامزين بخباثة عمّا طواه هذا القرار، وفي الحالتين علا هرج الشائعات المعومة ومرج التمنيات المجردة والادعاءات الغيبية؛ وبعيدًا عن كل ذلك، أرى أن مقاربة النائب غطاس آيثار النائب عزمي بشارة، كما كان وصفه في حينها وقراره، رغم كونه القائد وزعيم حزبه، مغادرة وطنه بعد جلسة تحقيق واحدة معه، وتنازله عن مواجهة محققيه ومصير قضيته، بأي قرار متخيل لمانديلا هو مغالطة متعمدة، فمساواة قرار بشارة المتجسد فعليًا مع افتراض وهمي ومتماد يتخيّل جزافًا ما كان مانديلا سيفعله لو عرف أنه سيسجن، هي ليست أكثر من محاولة تبرير هزيلة وموقف يجب أن يستجفى من كل حر وعاقل لما فيه من التجني الكثير والاعتداء أكثر .

فما هذا التعمشق الافتراضي على تاريخ رجل قضى في السجن ٢٧ عامًا لم يساوم فيها على مواقفه السياسية ولم يقايض حريته مقابل كرامة أمته وحرية بلاده و وتحرير شعبه.

فمن لا يعرف كيف وكم مرة لوحق مانديلا وحددت إقامته واعتقل، يجب أن يعلم  أن مانديلا اعتقل في المرة الأخيرة بعد عودته إلى جنوب أفريقيا وكان قد غادرها في الخفاء، وبعد أن أنهى تدريبات عسكرية مع رفاقه في الجزائر، فعاد إلى وطنه ليكمل نضاله وهو  متيقن أن رأسه مطلوب، لكنه اختار ولم يتردد وكان يعلم أن مصيره قد يكون في السجن أو تحت ثرى بلاده، عاد لأنه آمن بما علّم  : " أن الجبناء يموتون مرات عديدة قبل موتهم، والشجاع لا يذوق الموت إلا مرة واحدة".

لن أسترسل، وأنا هنا في حضرة الحقيقة، فتاريخ مانديلا أكبر من مقالة، ولكنني أكتب عن مسألة تتعلق بما أسميه "الصحة الوطنية" عندنا، والصدق الإنساني البسيط لدى قادتنا ونخبنا، فالمحزن، ليس فقط ذلك التصريح من النائب غطاس، بل ما رافقه من صمت فاضح يشوه فضاءاتنا الفكرية والقيمية، ويكشف عورة أساليبنا النضالية وماتحمله من هواجس وأسئلة وتساؤلات فكيف سنبني مجتمعًا سليمًا ومعظم قياداته يحترفون الاستعماء وتشميع الأذان، والاستجارة في دفء الأكاذيب التي تعشش تحت قنابيز بعضهم وبدلاتهم المستوردة ؟ وكيف سنشيّد وطنًا من غير استقامة علمية شائعة وشجاعة وطنية سائدة وعفة إخلاقية راجحة وصراحة ناجزة، وكيف سنصون بيوتًا من غير عزة واحترام للذات وللآخرين، وأي ميراث ستتركون للأجيال القادمة، فمانديلا ورفاقه في النضال تركوا لشعبهم وللبشرية إرثًا عظيمًا من ضمنه إيمانهم بما مارسوه وخبروه جراحًا على أجسادهم، وكما قال هو : " لقد تعلمت أن الشجاعة لا تعني غياب الخوف بل الانتصار عليه" ، فالشجاع ليس من لا يخاف بل من ينتصر على خوفه، ومانديلا، لمن لا يعرف، كان شجاعًا، من غير لبس وبامتياز، والبقية عندكم يا رفاق، وعند من يحترف الصمت تقية والبكاء حبل نجاة .

 

 

 

شكرًا مرسيل على هذا الوفاء

 

جواد بولس

 

يجلس قبالتي، عيناه متعبتان تشهدان على ليل كلّه خفقان وقلق، وعلى جبينه العريض يتراقص فرح لم ألحظه في تلك الثنايا منذ رحل توءم روحه، ذلك العاشق الذي من فلسطين، وترك خاصرتنا نازفة من فرط شوق وجوى

من فمه يتساقط الكلام ملفوفًا برقة توشّحه، بالعادة، كلّما نطقت شغاف قلبه وتكشفت نراجسه أو تهادت الذكرى. على شفتيه بسمة حائرة، تشبه بسمة الجيوكاندا، تثيرك بفيض من حنينها، وتتركك ملتبسًا على ضفة حلم زائغ، تعيش لوعتك مع فجره وحسرة الحسرة

وبدون مقدّمات، أغمض عينيه وبدأ يسرد علي قصة العشق الدرويشية وقواعده كما يهدل بها الحمام حين يطير من لهفة وحين يحط على شرفة الزمن السرمدي، أو ذلك الزمن الذي كان في أندلس الحب، وضياع الحواس إلّا الحاسة السادسة.

 في عمّان كان لقاؤنا، فإليها نأوي كلّما جف الطل في بساتيننا وأعتم صبح وغابت عن سمائنا نجمة آذار. إلى حضنها الدافئ نلجأ كي نجتمع مع أحباء لنا من بلاد العُرب التي لم تكن يومًا لنا، نحن أحفاد النكبة، سندًا ولا أوطانا، بيد أننا كنا وما زلنا الصفوة وعرب العرب، فالمحمود فينا والسماحة عندنا والتوافيق مواضينا، ومن عندنا أبرقت أول الحرب وتدفقت أعذب الأناشيد ومن الشعر تفتحت بواكيره ، ودروب السماء سلّت من ذرى هضابنا ومن بطون شعاب بوادينا، وملح الأرض منا وغضب البحر أزبد على شواطئنا، صفاء النبع كان دومًا هادينا، ونيسان تردد في ساحاتنا، والغنج اندلق من آذارنا، والخير ساح من تشاريننا.

نجلس في الطابق التاسع في أحد فنادق عمان، ومرسيل  ينقل لي ولجمانة تفاصيل دقيقة عن عمله الجديد الذي أسماه " أندلس الحب" ، والذي سيشهره للعالم في الثالث عشر من آذار وهو يوم ميلاد محمود درويش، وفي حفل توقيع خاص سيقام في بيروت، وبعدها تباعًا في عمّان وفي فلسطين وفي العالم أجمع.

"كان علي أن أنجز هذا العمل، فلقد وعدته بذلك قبل الرحيل، ولا أحلى من آذار ميعادًا للوفاء، تمامًا كما يفي اللوز ويداعب حيرة العاشقين ، واستحضارًا لزفرات الأندلس الذي كلّما تذكّرناه امتلأنا عطرًا ضوّعه، ملء الأفق، قديمًا، نوّار البساتين في الزهراء، حين راق مرأى الأرض في سهوب غرناطة الحمراء، واليوم، مع استذكارنا، يضج في المقلتين دمع ويخزها الشوك ويسيل منها الندم"، هكذا بنشاط اليمام يشرح لنا مزهوًا بجديده المميز، ويفيدني، مؤكدًا، أنه صبّ في هذا العمل خلاصة تجربته الموسيقية وعصارة وعده للدرويش، أمينًا على نبض شعره ووضوح دربه الذي ما زال يسير عليه، منذ تفجرت وعود العاصفة هديرًا في صدره، وثورةً على وطن في حقيبة. أسمعه يحدثني وكأنه ما زال ذلك الشاب البيروتي الجنوبي، الذي عاف حروب الأمراء وتمرد على تجّار الدم وسادة الخاوات على أرصفة الموانئ، وأنا، معه، أستعيد مسيرة الغيم ومحطات السهر،  وذلك رغم المشقة وعسر الحفر في صخور العرب، وأتذكر، في نفس الوقت،  كيف هجر الكثيرون تلك المنصّات الشاهقة واستعذبوا ملمس الحرير وأنفاس الليالي "الكلها"من أخضر ولبان وبخور.

 يذبحني هذا المرسيل، فهو كلما زادت زهور الحكمة في رأسه زاد حبًا لفلسطين، فعنده هي الباقية كما كانت : أمًا للحرية وابنتها في آن، وكلما كسرنا، نحن أبناء فلسطين ضلعًا في صدرها العاري، نجده يشعل أصابعه قناديل كي يزيل الغم عن ليل عذاراها وليضيء، في متعرّجاتها، منارات يأنس بوميضها البحّارة التائهون ويستجير في ظلالها العاثرون.

جاء الى عمّان كي يحقق أمنية سيّدة فلسطينية فاضلة، لم تعد تأبه لوعود الزمن وخيباته، يحتفل أولادها بعيد ميلادها الثمانين. وفي لفتة ذكية كتبت نيفين، احدى بنات السيدة سارة عناب، لمرسيل رسالة شخصية أذابت فواصلها  قلبه بالضربة القاضية، فأمها ناشطة فلسطينية، تعرفها ساحات بيت لحم وأزقة المخيم في الدهيشة وعايدة، كانت مع رفاقها ورفيقاتها، تجوب الساحات مرددة، كفلسطينيات كثيرات، قصائد الدرويش في الحب والخبز والثورة، بعد أن طارت على أجنحة ريشة مرسيل، خليفة العاشقين، وصارت عصافير تملأ سماء فلسطين وكل أرض تنشد الحرية والعزة والكرامة التي لا تعترف بحدود ولا بهوية ولا بجوازات السفر. كانت رسالة بطعم العناب وبسيطة، كما يليق بقلب كبير لعاشق يعرف أن سعادته تسكن على أنف ريشة وفي بطن العود وفي قلوب البشر، بضعة كلمات قبضت حروفها على رقبة الزمن وعطّلته وحالت دون سقوط القمر، بضعة كلمات وأمنية خضراء يتيمة اختصرت كل الوجع، فثار الوجد وانتفض مقام الصبا، وكما تمنى الأبناء وافق ولبّى النداء وصار الهدية والحلم وكان في غور الأردن فرح كبير، وطفل وديع اسمه مار سيل لا تسعده إلا النجمة حين تتلألأ فوق مغارة منسية، نام عنها الرعاة وهم حفاة،  في حقول كان اسمها فلسطين .                  

في طريق عودتنا إلى عمّان كان الغروب ساحرًا، للصحراء وقع صاخب رغم هدوئها ورتابة الذهبي الطاغي، فهي تبقيك أسيرًا لغموض خزنته الذاكرة ميراثًا من أبطالها القدامى وفرسان تعلمت عنهم فحفرت سيوفهم في الرأس لها مواقع، وراءنا صارت فلسطين بعيدة وكنا منها على مسافة جسر وفيروز وحجر، لم نشهد حركة سيارات نشطة كما لاحظنا في طريقنا إلى النهر، في الجو رائحة كسل وتعب .

 راجعنا تفاصيل الاحتفال وخلصنا إلى أن قرار مرسيل بتلبية الدعوة،  كان صائبًا، فإسعاد البشر هي وصية السماء لأبنائها الصالحين، وبدونها ما معنى الحياة ولمن تكون الأناشيد والثورات؟ .

ومن تلك التفاصيل وجدنا أنفسنا نعود إلى هاجسنا الدائم ورفيقنا الغائب الحاضر. فلقد سمعت مرسيل وهو يحدثني عن غضبه ممن يحاولون الاساءة لمكانة محمود درويش، وعن أولئك الذين يتعمدون طمر ذكرى ميلاده ورحيله بألواح من غبار وزجاج وطين. ففي شرقنا يجيدون نحر القرابين والرقص على دمائها في أعراس الجهل والحقد والمنافسات الرخيصة. كنا في السيارة نستذكر قصصنا معه وعنه ونضحك ملء الفضاء ونصمت عند حافة الدمع، وكنّا، بعد كل تنهيدة، نكتشف كم كان محمود شخصية فذة فريدة وكم كان بسيطًا صديقًا كريمًا وصدوقًا، وكنا نجمع على أنهم، ربما، لجميع هذه الصفات، ولأن قامته عالية وكبيرة، يبتكرون الذرائع والحيل الخسيسة، ويحاول بعضهم مس مقامه والتحرش بقامته، عساهم يصطبغون بقطرة من خدش سببته خرمشاتهم في ساقه الثابتة، وكنا نردد، من حين الى حين، بعض المقاطع من قصائده ونضيع غرقى في بحر من الاستعارات المستحيلة والتراكيب البسيطة العسيرة ونمتلئ شوقًا  وغناء ورضا، فلقد كنا مرّة حراس قلبه المقربين .   

وصلنا عمان الساهرة مساءً، وكما في كل مرّة نجيئها يكون لقاء الأحبة في بيت علي حليلة، الأمين والصديق الكريم

تجمعنا بضعة أصدقاء وضيوف صاحب البيت، للذكرى واجب وحضور، وللتذكر قواعد وأصول، "فالموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء" وقد كان حديثنا محمودًا والليل كتّام وقهّار، للعود سطوة وللريشة صولة ومشوار، للقصيدة نهارات والنشوة تتهادى أنهارا، مرسيل يعزف ويشدو ونحن مع ابراهيم ، صاحب الملهاة،( ولي معه عودة)،  نخف على ظهور خيوله البيضاء، ونجري صوب قناديل ملك الجليل الباقي لنا وفينا: وطن الأحلام وألأزقة الجريحة والطيور الشاردة، وحيث سيبقى الحمام يطير في ربوعه ويحط الحمام، فنحن مثل محمودنا رأينا في آذار العابق: " على الجسر أندلس الحب، والحاسة السادسة، على دمعة يائسة ، أعادت لنا قلبه "، فشكرًا  لك مار سيل ، يا ابن أمنا، على هذا الحب والوفاء، وكل آذار و"سارات" بلادي بخير، وكل آذار ونحن مع المحمود على ميعاد وعاصفة.

 

 

 

 

من يعيد لحياتنا الهيبة؟

 

جواد بولس

لولا قرار بلدية باقة الغربية بفصل المربي علي مواسي من سلك التعليم وتحريم استيعابه معلمًا في أي مدرسة من مدارس البلدة التابعة لسلطة البلدية، لما شهدنا تلك الموجة من بيانات الاستنكار والشجب الحزبية والمؤسساتية  والشخصية، التي نشرت مؤخرًا الكترونيًا، وعلى بعض المواقع. وللتأكيد، أود أن أذكٌر، أنني احتسبت هذه المسألة بعد وقوعها مباشرة، بأبعد من كونها محاولة قمع معلم، وأنا للحقيقة لا أعرفه، في قريته باقة الغربية، لأنه اختار عرض فيلم فلسطيني معروف لطلابه، واعتبرتها فصلًا جديدًا، يضاف إلى فصول مأساتنا الاجتماعية العامة المتداعية، وذلك لما اختزلته هذه الحادثة، من عناصر يمكن أن تشكّل بمجملها معالم تلك المأساة : حيّز المدرسة ومكانته في المجتمع العربي، المعلم ومكانته أمام طلابه ومشغليه ومجتمعه، قمع حرية التعبير، وشعور المعترضين عليها بحقهم بمنع ذلك التعبير حتى بقوة الذراع والسلاح، وعلمهم أن الغلبة لهم،  والآخرون إما ضعفاء أو مراؤون، تصرف مؤسسات المجتمع المحلي ازاء الحادثة، ردود فعل المسؤولين المباشرين عن المدرسة وفي طليعتهم رئيس البلدية الذي يستخف عمليًا بمن دعموه من حزب أو أحزاب سياسية من المفروض أن تعترض على أسلوب القمع الممارس، وأخيرًا، صمت وغياب الجهات الاسرائيلية الرسمية على كل ما يعنيه هذا من خبث وغش واصطياد في مياه مستوردة.  

فقبل قرار فصل المعلم من قبل المجلس البلدي ونشر البيان على الملأ، ترددت معظم تلك الأصوات، وبعضها تمنى أن تخبو نيران تلك القضية، وينام أطرافها على فراش الطبطبة والتعشيم المتبادل، أو ربما، في أحسن الحالات، تمنوا أن تنتهي هذه المناوشة العابرة، بعقد الراية البيضاء، التي هي عند العرب راية الصلح وسلام الدم على العصا.

إنها لعبة الأقنعة الخاسرة، وقانونها الأساسي البسيط: من يزرع الرياء فليحصد الخسارة والهزيمة، لأن القضية، لعلم من لم تطرطشه بعد بصقة عربيد أو لم تدوشه صرخة الطلقة الشاردة، كانت، برأيي، منذ زمن هي ضياع ساحات البلد، والقضية صارت بعد الضياع، في يد من تركنا عصمة البيت وحرمة الشارع والمدرسة والمراح والبيدر؟

ما جرى في باقة الغربية هو وجه من أوجه المأساة التي نغرق في ثناياها يومًا بعد يوم، وباقي  فصولها يهرق آهاتٍ في شوارعنا: رؤوس عذارى تقطع وتدحرج على أدراج من شرف ذكوري أحدب، حياة شباب صارت أرخص من عفطة عنز، يسقطون قتلى عوالم الغيب في ساحات خائفة، بينما تسيل الحياة حول جثامينهم بهدوء الروح كدمائهم، وبتردد الندم، مدارسنا مباحة لكل معارض وعارض ومعترض، أسواقنا تركت رهائن بيد أصحاب البلطة والفيل وقانونهم: ادفع بالتي هي أسخن !

 خسارتنا، كمجتمع، لا تقاس بالقطعة والصفقة، ففي كل المواقع، تحققت خساراتنا بالجملة، وليس فقط على طريقة الباقة وحادثتها الأخيرة، فعندنا مثلها وقبلها "باقات"، ومثل علي دفع كثيرون الأثمان بصمت العاجزين، أو انحنوا لقانون السوق الشائع، فصاروا معلّمين لأولادنا، ونفوسهم نفوس عبيد، أو أضحوا رجالًا في الواجهات، أو في البيوت، وفي العتمة كانوا دافعيها صاغرين، حين عز حولهم الأمان ولم يعد بيتهم حصنهم، والحلال في خوابيهم يقطر، والحرام عند غيرهم يسير.  

إنها لعبة الأقنعة الخاسرة، وقانونها الصارخ مثل الجوع : من يرض أن يكون ذيلًا سيعدم ،حقًا، مكانته في الصدارة والريادة والقيادة، فقبل البكاء على عروش أحزاب ولّت وتبخرت من مواقعها البلدية، علينا أن نسائل أصحاب تلك العروش البائدة، كيف ومتى ومن دعم أولئك الذين يحكمون اليوم في قرانا ومدننا، ويقررون مصائرنا ومصائر أولادنا؟ من مكّنهم من رقابنا، ومن يسّر لهم وأوصلهم سدات الحكم وأمسكهم نواصي السلطة والقرار؟ 

أما آن الأوان أن يقوم قادة أحزابنا العربية الوطنية بجرد حساب جريء ومكشوف حول أدوارهم  وأقساط أحزابهم ومؤسساتها، بدعم رئيس المجلس المحلي هذا أو رئيس البلدية ذاك، وهل سيتجرأ حزب بمكاشفة مصوتيه ومراجعة موقف ازاء رئيس مجلس استؤمن وطنيًا وخان الأمانة وأحلام داعميه من مصوتي ذاك الحزب، أو نكث بوعد وباع موقفًا وابتعد عن السرب الذي أوصله إلى تلك السماء والقبة ؟ هل من قيادي واحد يخرج علينا ويصرخ أننا دعمنا، في الحزب فلانًا، حتى صار رئيسًا عليكم، لكننا نقر اليوم أمامكم اننا أخطأنا، وتبيّنا أن من حسبناه رأسًا كان بالفعل ذنبًا، ومن استبشرنا بخيره سريًا كان في الواقع سرابًا وطيفًا خفيًا. متى سنشهد بداية الصحوة؟ متى تستعيد الهيبة سلطتها والمخافة همسها والتقوى حكمتها؟ 

انها لعبة الأقنعة الخاسرة، وقانونها الذي من وجع: أين تكون الأقنعة تذهب الهيبة ولا تكون . مأساتنا اليوم أننا نعيش في زمن رحلت عن أنفاسه الهيبة ، واستوطن الخوف تحت القناع ومعه.

فأبناء جيلي عاشوا على ضفاف الهيبة، تمرغنا بطيبها ورشفنا من جداولها حتى الأرب، تضمخنا بحنّائها، وعشقنا سفراءها حتى الطرب،  فما قيمة مجتمع لا يعرف المخافة والاجلال والتقوى والوفاء والأدب وهو ميراث الأشراف ومبدد التعب.

لقد عشت في قرية جليلية عرف أهلها معنى الهيبة وصانوها فصانتهم وأبقتهم أعزازًا كرامًا آمنين. عشنا في بيت من سعادة ودفء وأمان، فللأب هيبة وللأم  كل الحب والرأفة والحنان ، ونضجنا في الحارة، حيث للجيرة هيبة وحق وأمان، وركضنا في شوارع لفضاءاتها هيبة، للكهل وقار، للطفل حرمة، لضوء القمر صلاة، وللضفيرة الناعسة تنهيدة وأمان، في المدرسة، للمعلمين هيبة القديسين، وللمعلمات حمرة الخد وخفقان الشقي ورهبة الورد وأمان.. أنّى شططنا، كانت  الهيبة تقفز وتربي وتحرس، وكيف ولّينا وجوهنا كانت الهيبة تركض وتحمي وتردع .

كبرنا في مجتمع كانت سماؤه بلون الوطن وأرضه من وفاء وتراب ونرجس، وعشنا في قرى لم تعرف ساحاتها الأقنعة وكل ما هو فاسد ومفسد كان في حياة سكّانها  مستجفى ومستكره .

كنا صغارًا في زمن كان للقائد هيبة، ننام ونتمنى أن يطلع لنا وجهه في الحلم لنفيق على بحته، وكنا نصدق مايقولونه لنا في الصباح لأن الليل عندهم  نجوم ومناجل وسنابل، عشنا يوافع يكللنا الوطن بهيبة، فالرأس بيننا لا يخفى على أحد، والذيل ذيل حتى لو جاءنا في العلب منضدًا، طرنا شبابًا في زمن كان للضمير كيان وهيبة، فكنا لا نذوي إلا بعد أن نصلي للحب وللحمامة التي في الطاقة تدمع، وكبرنا.. حتى شهدنا رجالًا في زمن، استقوى فيه الأخ على أخيه وجاره ومعلمه، بما لم تنزله السماء من حجارة وحمم، وبسطوة السكين والقناع المزيف، فذهب خيرنا وتشتت ريحنا وصرنا في الأمم ضحكة وعبرة ، وتفشى بيننا أربعة- القليل منها كثير: النار، والعداوة، والفقر، والمرض، فكيف وقد صار كثيرها بيننا كثيرًا .

 فمن يعيد الهيبة إلى بيوتنا، إلى شوارعنا، إلى مدراسنا، إلى ساحات بلدنا، إلى قادتنا وأحزابنا؟ من ينقذنا من هذا الزمن العقيم، زمن الأقنعة حيث لا مروءة ولا وفاء ولا هيبة ولا قلم.         

 

 

وهل الدين

 إلا الرأي الحسن؟

جواد بولس

لن ينعم المتتبع لأخبار مجتمعاتنا العربية بفرح المفاجأة أو بطرب الدهشة؛ فالسكين ما زالت تسل برتابة الدعاء، من غمد الدم "الداشع" ، لتبقر خاصرة الورد وتربي الثكل، والقصيدة توءد من على منابر السماء التي باسمها ترفع الأيادي على كل من يتهم من قبل وكلائها على الأرض، بالكفر أو بخدش الحياء العام، ويكفي لتجريمه بالكبيرة عرض فيلم فلسطيني لافت، أو استعراض رقصة شعبية، أو إنشاد مغناة تمسح الحزن عن قباب بلداتنا ومن مخادع أبنائها.

كيفما ولّيت وجهك تطرشك رصاصة أطلقت في جدار الهوية، تلك التي هيكلتها قيادة فهمت معنى المخاضات والبقاء في أرض الوطن، وعرفت للوحدة معنى وهامشًا، فكل ما يخدم مصلحة الجماهير العريضة يكون، بالنظرية والتجربة وبالعلم والفطرة، وطنيًا وناصعًا ويراكم رصيدًا يصب في بنوك الأمل ويرفد عملية بناء أقلية تُركت،على رصيف النكبة، بقايا جسد ممزق، لامست قيامته، من بين حطام المؤامرة، المعجزة، لكنها، بحكمة جيل البنائين وشجاعتهم، صارت واقعًا: زنودًا، حناجر، مناجل، معاول، قصائد، وسنابل تفجّرت جنى وأقمارًا وشهدا.

لا شيء يسر القلب في أخبارنا المتداعية الملتهبة، ويبقى منبع القلق الأبرز غياب الأمن المجتمعي  وسلامة الفرد وحصانة بيته وعائلته وساحة البلد، تلك التي ألفتها وعاشتها قرانا ومدننا حتى في أحلك أيام النضال ومقارعة حكم عسكري حاول، لعقدين من الزمن، إذابة الباقين من أصحاب الأرض، أو تهجيرهم، ليلتحقوا بمن أفزعه نحر الأهل في ساحات القرى، كعيلبون ودير ياسين وأخواتها، أو بمن غرّرت بهم نداءات إخوتهم العرب ووعودهم الخلّب، بأن العودة إلى فلسطين قدر وحتم، والخيام، لا عليكم، إلى زوال قريب

لم تتشكل الهوية الوطنية لتلك الأقلية الباقية في وطنها، إلا تحت سقف خيمة أصيلة دقت أوتادها عميقًا في صخر البلاد، وأعمدتها كانت قيادات صممت على حماية تلك الجموع من الضياع ومن غيرة الملائكة، فشخّصت بمهارة بواطن المخاطر وموضعتها على سلّم أولوياتها، مخضعة الهامشي إلى الأساسي والصغير إلى الكبير. وبعد التشخيص جاء دور العمل، الذي تم بواقعية كفاحية لم تقبل التفريط ولا المقامرة، فحماية الكل تستوجب حماية الفرد، وصون العرض تبدأ وتنتهي بصون الأرض ، والشرف لا يقوم إذا صار الذيل رأسًا، والزعيم حتي يصير فإنه قد يذدنب!        

برأيي، يعيش الآن، العرب مواطنو إسرائيل، في عصر ما بعد الخيبة والاحباط، ودليلي على هذه الخلاصة المستفزة والمؤلمة، هو تواصل مسلسلات الرعب في شوارع قرانا، وعمليات انصهار الشباب واندماج  مهاجري القرى في مجتمعات المدن المختلطة وغيرها! والاعتداءات على مدارسنا ومشاهد المهانة في مجالسنا ومؤسساتنا العامة، وانحسار الحيز العام وخسارة ما كان يتيحه من حريات في ساحاتنا، واسوداد فضاءاتنا الثقافية والاجتماعية، التي صار يتصارع على وطئها عدة قوى لن نجد بينها تلك التي بنى أباؤها خيمتنا.

من علامات هذا العصر : التعود على ما هو قائم والتعايش معه بصداقة أثبتت تجارب الأمم أنها صداقة خادعة، فلن يتعايش حمل مع ذئب، ولا يمامة ترقد بجوار نسر أو حية، والأنكى أن البعض يفلسف ذلك الخنوع بشعارات وحدوية براقة زائفة، من جهة، ومن جهة أخرى، بتبريره وتعزيزه بفرضية خبيثة مفادها أن الآتي سيكون أسوأ، فاقبلوا بحكم اللطمة والسكين والقنبلة، لأن المخفي سيكون حتمًا أسفل وأخطر.

 ومن علامات هذا العصر المابعد الهزيمة والإحباط، نجد لجوء قطاعات واسعة من أبناء الشعب العاجزة والتائهة، إلى الفردانية، ومحاولة هؤلاء بمواجهة الخوف منها بالاحتماء في ظلام وحدانية/ فئوية تسوّغ للفارّين ايمانهم الواهم بصحة مقولة الضعفاء : "زيح عن ظهري بسيطة" ،أو، قد يكون هذا أشد خطورة : "رافق السبع حتى اذا بوكلك"، وما يسببه من التجاء هؤلاء إلى قواقع سامة مثل: العمالة مع الدولة، البلطجة  والانضمام إلى فرق الجريمة المتفشية أو التحالف معها والاستفادة من خدماتها، العائلية، الحمائلية ، الطائفية، وفرق التكفير الدينية .

من لا يرى أن جميع هذه العوامل والمفاعيل نجحت بدق أوتادها في خيمنا وأوغلت في احكام قبضاتها على مفاصل حياتنا وعلى فضاءاته العامة، فسيظل أعمى وغير أهل لقيادة هذه الجماهير لا سيما في هذا الزمن الرديء والمنذر بالمصائب.

ومن لا يرى تفشي تلك السرطانات المنتجة محليًا، والتي نجحت، إلى حد بعيد، بتحييد دور الأحزاب السياسية الوطنية وتقزيم تأثيرها على حياتنا السياسية والاجتماعية، فسيرضى بأداء قيادات هذه الجماهير غير المقنع، علمًا بأنه لا يرقى إلى حجم المخاطر التي تحيق بنا وبمصيرنا.

 لن أكرر ما قلته في مقالاتي السابقة، فسياسة الدولة وحكوماتها المتعاقبة وجميع الوزارات ومنظومة الحكم تسعى بمنهجية واضحة لضرب وجودنا كأقلية قومية وإقصائنا عن الحياة العامة للدولة وسحب صِدقية نضالنا وشرعيته من أجل نيل حقوقنا الوطنية والمدنية، وتبقى تلك السياسات هي الخطر الأساسي على سلّم المخاطر التي نجابهها؛ لكنني، إلى جانب وعيي بذلك، أوكد أن قيادتنا لن تنجح في مواجهة تلك السياسة العنصرية القبيحة، إذا لم تعد حسابات تحالفاتها الداخلية والخارجية، وتعريفاتها لسائر المخاطر الموجودة على ذلك السلّم. فبدون تشخيص جريء وصحيح لن تتوصل تلك القيادات إلى وضع برامج نضال صحيحة وكفيلة بدرء المخاطر وايقاف انزلاقنا على ذلك المنحدر الخطير.

لقد استبشرنا خيرًا بعد انتخابات رئيس لجنة المتابعة العليا، وانتخابات القائمة المشتركة، لكننا، لغاية الآن لم نلحظ أي تاثير يبشر ما استشرفناه من تغيير وما زلنا نلمس أن ما كان هو ما سيكون، وخوفنا ان تستمر قياداتنا بتقديم كل الخيارات الأكثر نجاعة، على مذابح الوحدة القبلية، قرابين وخسائر .

فنحن، كأقلية في دولة تهرول أكثرية مجتمعها نحو تبني نظام حكم فاشي، نعرف أن عمقنا العربي، الذي كان يومًا حلمًا موهومًا، أصبح الآن وهمًا مصلوبًا، ونعرف، أيضا أن امتدادنا الإسلامي، صار امتدادات على مد السيف والرمح والنظر، ونعرف أننا إذا  لم نصمد بحكمة محلية وصبر المجربين وتصميم من سقوا الفولاذ، قد نجبر على عبور النهر مرة ثانية، وقد نحظى بتغطية إعلامية نشطة وبمتابعة الرأي العام والمجتمع الدولي كما حصل في جميع مذابح القرن الماضي. فإذا أردنا ان لا نُنكب مجددًا وألا نكنس ثانية، علينا أن نهجر ما جُرّب وفشل، ونرتاد ونشجع على ما لم يجرّب .

 

 أبو حنيفة: وهل الدين إلا الرأي الحسن؟

يجب إعادة تعريف المخاطر التي تواجه مجتمعاتنا بدون تأتأة ورياء وانتهازية، فسياسة الدولة  ستبقى الخطر الأكبر وقمعها مصيبة المصائب، لكنها يجب ان لا تلغي صدارة سرطاناتنا المحلية، التي يجب ان تأخذ مكانها في رأس سلم الأولويات والمخاطر، وإن تم ذلك فستنجح قياداتنا في مواجهتها كما يجب.

فتعريف البلطجة خطرًا قاتلا يستوجب، مثلًا ،ان لا يتحالف قائد حزب وطني مع من تفوح من محيطه رائحة الجريمة! وتعريف الطائفية سمًا زعافًا، يستوجب فك تحالفات كثيرة مع قوى طائفية كان اقتراب هذا الحزب منها أو ذاك، مكسبًا سياسيا له على حساب سلامة الجمهور وأمنه العام ، وتعريف ملاحقة معلم لفكره أو تكفير فنان بفنه أو ترهيب مبدع ، كأخطار محدقة بمجتمعنا ككل، يؤدي بالحتم، إلى بناء تحالفات سليمة ولا تقوم على سيقان من البامبو !

السياسة السليمة علمتنا أن تعريف المخاطر وتحديد مواقعها الهرمية يؤدي إلى استنخاب الحلفاء الأقوياء وبالتالي إلى اعتماد برامج عمل واقعية كفاحية، وهذه تفضي إلى اختيار ساحات النضال الحقيقية، فنحن نعيش في زمن اشرئباب الفاشية، وهي الخطر الأول والثاني والثالث التي يجب مواجهتها، وهذا لن يحصل ما دمنا لا نفتش عن ضحاياها المفترضين في المجتمع اليهودي، ونسعى إلى استحلافهم الى جانبنا وضمهم معنا جنودًا في خنادق المستهدفين الطببعيين، حتى إذا عارض ذلك بعض العرب لأسباب قومجية أو مستلحفين بالدين  

كانت الأيام الماضية كسابقتها ندّافة بالوجع الأبيض وصاخبة بطرطشات الرصاص الذي غطى على صمت القيادات، وملاحقة الفكر وقمعه في مطارحنا، فسكوت جميع القادة والأحزاب والحركات على ما جرى، مثلًا، مع المعلم علي مواسي وملاحقته على خلفية عرضه فيلم عمر والاعتداء على حرمة المدرسه، هو جريمة، وباستثناء الجبهة والحزب الشيوعي وفرع التجمع المحلي، وليس مؤسسات حزب التجمع القطرية، سكتت اللجنه العليا والقائمة المشتركة وعشرات مؤسسات المجتمع المدني، في موقف يدل إما على خوف هذه الجهات أو على انتهازيتها، وكلا الاحتمالين، يصم القيادة بالأسود ويرمينا في مهاوي الردى.  

ما زلنا ننتظر ذاك التغيير المنشود وشجاعة قادة غائبة، فنحن،والحال هكذا، أمام خاتمة واحدة، وإن تعددت الشعاب إليها، فكلّها ستأخذنا في نفس الهاوية، سواء كانت إسرائيلية الصنع أو أنتجت بيننا محليًا!  

 

 

 

قطعن الخليليات مرج بن عامر

 

جواد بولس

 

رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية، في السادس عشر من شباط، وبعد عدة جولات من التقاضي المضني والمستفز، التماسًا قدمتُه باسم الأسير محمد القيق، المضرب عن الطعام منذ خمسة وثمانين يومًا، وفيه طالبتُ قضاة المحكمة بأن يسمحوا بنقله من مستشفى العفولة إلى مجمع فلسطين الطبي في مدينة رام الله المحتلة.

جاءت مطالبتي هذه بعد أن قضت هيئة مكونة من ثلاثة قضاة، في الرابع من شهر شباط، بتعليق أمر الاعتقال الإداري الصادر بحق محمد، على أن يبقى، مجبرًا، في مستشفى العفولة لتلقي العلاج هناك .

في نفس يوم صدور ذلك القرار أعلن محمد عن مواصلته إضرابه عن الطعام ورفضه القاطع لإجراء أي فحوصات طبية، وكذلك عن استمراره باعتماد الماء مشروبًا وحيدًا خاليًا من أي إضافات أو مدعّمات، فهو، هكذا أدّعيت في مرافعتي،  ومنذ لحظة تعليق أمر الاعتقال صار حرًا، وحقه أن يمارس حريته دون قيد أو شرط؛ يعيش كيف وأينما يشاء، ويضرب كيف ومتى شاء، أو يأكل، وهذا ما حرمه منه قرار المحكمة القاسي.

مرّة أخرى أكتب عن هذه القضية وأنا لا أعرف كيف ستنتهي، لكنني أشعر أنها كانت تجربة مختلفة عن سابقاتها، وذلك رغم أوجه الشبه الكثيرة بينها، فمحمد ما زال ماضيًا في إضرابه، وللبعض قد يبدو هذا، بعد التطورات الأخيرة، قرارًا ملتبسًا. ويرقد في مستشفى العفولة مرغمًا، يرفض إجراء الفحوصات الطبية أو تلقي العلاج المقترح من قبل طواقم المستشفى الطبيّة، وهو معرّض، هكذا كتب الأطباء في تقاريرهم اليومية، للموت الفجائي في كل وقت يسهو فيه القدر! وكل هذه تفاصيل تذكّر، للحقيقة ، بفصول الحكايات السابقة : من خضر عدنان إلى محمد علان، فهل حقًا تختلف هذه التجربة عن أخواتها وبماذا؟  

 أكْتم من لسان

قضية محمد القيق ليست هي القضية الأولى لأسير فلسطيني يعلن إضرابًا عن الطعام محتجًا على اعتقال تعسفي من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، ومن الطبيعي أن تتميّز كل حالة بعناصر خاصة وتنفرد بها وبمعطيات متفاوتة، لكنني أشعر أن هنالك بعض الفوارق والمؤثرات الطارئة الجوهرية التي ميّزت هذه القضية عمّا سبقها وقد تكون التفاسير التي سأسوقها، وراء تداعيات القضية منذ نقل القيق إلى العفولة ولغاية اليوم.

منذ البداية، برأيي، لم يكن مستشفى العفولة هو المكان المؤهل لرعاية أسير مضرب في مكانة القيق، فالمستشفى وطواقمه الطبية يفتقرون إلى التجربة والخبرة التي راكمتها مستشفيات أخرى استقبلت، في السنوات الماضية، عشرات الحالات من المضربين الفلسطينيين الذين أنهوا إضراباتهم باتفاقات مشرّفة مع الطرف الإسرائيلي، وبمساعدة المسؤولين في تلك المستشفيات الذين احترموا إرادات المضربين وحيواتهم. كما أنني وجدت أن المسؤولين في مصلحة السجون في المنطقة الشمالية  لم يكونوا مؤهلين لاستيعاب أزمة بحجم  تلك التي سبّبها إضراب القيق، وجهلوا كيف يتعاملون معها، لا سيما في الأيام التي كانت يجب أن تستغل لإيجاد حل ومخرج قبل تفاقم المواقف وتأجج العواطف وتعملق الأنوات .

 أمّا بعد أن علّقت المحكمة العليا أمر الاعتقال الإداري، فقد أمسى القيق مريضًا حرًّا يرقد في مستشفى قريب من التجمعات السكانية العربية، في حين يسمح لكل البشر بزيارته والتواصل معه وتوصيله مع جميع أرجاء المعمورة دون قيد أو شرط؛ وفعلًا بدأت وفود شعبية كثيرة برزت من بينها وفود عن الحركات الإسلامية وقادتها، بزيارته من دون انقطاع وعلى مدار الأربع والعشرين ساعة،  ومثلهم فعل نشطاء وقياديون في أحزاب وحركات ومؤسسات عربية أخرى. لقد تشكّلت في محيطه حالة استثنائية، أدت في الواقع، إلى نتيجتين متناقضتين : فمن جهة زوّدت تلك الجموع القيق بمعنويات فولاذية إيجابية، لكنها في الوقت نفسه كوّنت في داخله عالمًا متخيّلًا أو مشتهى، ومن جهة أخرى، شكلت أمامه، عن غير قصد، سواتر حجبت عنه إمكانية التفكير السليم والواقعي والدقيق؛ وفي جميع الحالات أتاح هذا التماس ولادة تجربة جديدة برز فيها دور بعض القوى السياسية العربية في إسرائيل وتفاعل قادتها، بتفان فاق كل تصور، مع الأسير المضرب وبتفاعل مباشر ونشط ومؤثر، وليس من باب التضامن والإسناد فقط، بل كعناصر منخرطة بشكل عضوي ومتماهية مع الحالة، حتى أن بعضهم تصرف، بموافقة القيق ورضاه، كأبيه الروحي وكسيّد الساحة وكصاحب المسألة، وأخذ يديرها بالمطلق، ويخيط عباءاتها بخيوط جليلية خضراء، وبحرير "مرجعامري" سماوي . وبعيدًا عن تلك القوى الخيّرة، ربما قد أتاحت تلك الحالة ظروفًا ميدانية سهّلت نشوء  فرص لدخول أو إدخال عناصر غريبة  أو مشاكسة أو مزايدة أو "دنفة" من حبّه وعلى مصيره.

بالمقابل، شهدنا في فلسطين المحتلة ما شهدناه في حالات الاضراب الفردي السابقة: في البدايات التباس ظاهر وتلكؤ في التعبير عن التضامن مع الأسير المضرب وغياب نشاطات إسناد شعبية واسعة ذات شأن وحضور. فصائل وحركات سياسية وطنية وإسلامية شبه غائبة عن الحدث، بينما نلحظ، من حين إلى حين، تمظهر  قياداتها أو ناطقيها، بتصريحات نارية هي، عمليًا، ضرائب كلامية عليلة. إعلام، بمعظمه غير مهني، يصطاد ويتلقف الأخبار، باستثناء قلة ما زالت تحترم المهنة والرسالة، بعفوية وسطحية من كل فم ويد، وأحيانًا يختلقونها، فتولد مشوّهة ومضرّة. مؤسسات حقوقية وغير حكومية تتسابق على تصنيع الخبر أو استنساخه وتصديره للشاشات والمواقع ، مملّحًا ومبهّرًا، وجل غاياتهم، إعلاء أسماء مسؤوليهم أو قادتهم، بينما تبقى الضحية، على الأغلب، ذاك الأسير المضرب ومصلحته. منابر ومنصّات تشيع الوهم في نفوس من يشاهدها ويسمعها حتى يخيّل لهم أن الثورة قاب شعار من كنسيت إسرائيل أو طلقة ! وأخيرًا، عن غزة سيحدثنا البحر، أما عن المحامين والمتحامين فحدّث ولا حرج، وتبقى  نضالات السجون، ففيها الصمت أجلّ لي وأسلم، لأن السالفين علمونا أنه قد:

" يموت المرء من عثرة بلسانه *** وليس يموت المرء من عثرة الرجل!"

لكل شيء إذا ما تم نقصان

لا أفشي سرًّا إذا قلت إنني عملت، كما في الحالات المشابهة التي سبقت، على أكثر من جبهة، وحاولت طرق أبواب عديدة ومسارات مجرّبة وغير مجرّبة، فالخيار القضائي لم يكن عنوانًا مأمولًا لدينا منذ البداية، ولم نجر وراءه طمعًا بعدل محكمة ولا بإنصاف نظام لم يُذقنا، منذ عقود، إلا المرارة والخيبة، لكننا نرتاده كهامش متاح يجب استنفاده، وكرافعة نستعين بها للوصول، أحيانًا، إلى أبواب بعيدة وموصدة.        

لم ننجح، لغاية كتابة هذه السطور، بالاهتداء إلى مخرج مقبول ينهي، بشكل رضائي، هذه الأزمة، وعلى الرغم من أن الجانب الإسرائيلي تمنّع وتعنّت، كما في حالات سابقة، من أن يبادر إلى طرح حلول ومخارج، إلا أننا كنا في محطتين حاسمتين قريبين من التوصل إلى اتفاق معقول ومشرّف، لولا تعثر تلك الفرص في ساحات مستشفى العفولة .

ما زلت أجهل الأسباب التي أدت إلى فشل التوصل إلى حل رأيته مشرّفًا، كما رآه كثيرون غيورون غيري، رغم أنه قد يكون بعيدًا عن الكمال، لكنه كان يضمن، في كل مرّة، الحياة لمحمد القيق وعودته الكريمة، وفي تاريخ معلوم وقريب، لأحبائه وشعبه، لكنني أجزم على أن الظروف الخاصة التي أحاطت فيه هناك، في العفولة، لم تساعده على اتخاذ القرار السليم، فبقينا نتلمس طريق الخلاص، وننام، بصعوبة، ونصحو ضارعين  أن لا تميد بنا الأرض، كما مادت بأهل "كليب".

أنا نادم لأنني لم أجد الفرصة  كي أشرح لمحمد عن العفولة وتاريخ مرجها العامر قبل أن يبيعه  "السراسقة" وأشكالهم، فهناك، قريبًا من أين يرقد ابن جبل الخليل، قُدمت بنات فلسطين قرابين على مذابح المؤامرة البريطانية والخيانة العثمانية والعمالة العربية، وما زال تراب المرج يحفظ تهاليل آباء بكوا عزتهم ونواح الأمهات على العذارى، فمن الجائز أن محمدًا ينام على سريره هناك ويسمع في لياليه الطويلة آهات ذاك الأسى يتنهد على كيف:

"قطعن النصراويات مرج بن عامر / ولما قطعن المرج فاض بالبكا" .

لقد أضعنا الوقت هناك في المرج، ولا أعرف على من من الأحباء أعتب، والعتاب كان دومًا حدائق المتحابين، لكنني لن أيأس وسأستمر، غاضبًا وحازمًا، في التفتيش عن حل يرضي أهل الأرض وبعدهم، حتمًا سترضى،السماء، وأخشى من أن أتجنى على أحد، والتجني كان دومًا رسول القطيعة والفرقة؛ فأنا أريد لمحمد الحياة لا الموت، وأن يعود إلى " فيحائه" والغار على رأسه إكليل فخار.

 

 

 

عندما تصير الحقيقة جثمانا

 

جواد بولس

في عدد من مقالاتي السابقة تناولت مجموعة من القرارات التي اتخذها، منفردًا، نائب من القائمة المشتركة أو، منفصلًا، أحد مركباتها، دون مشاركة باقي الأعضاء أو مشاطرة القرار من قبل كل الأحزاب الشريكة في القائمة، وكان دافعي وراء التطرق لتلك الظاهرة، (مشاركة النائب غطاس في أسطول الحرية، مقاطعة القائمة المشتركة لدعوة الرئيس ريفلن، زيارة النائب أيمن عودة لأمريكا وغيرها)، ما رافقها من عفوية مثيرة أو فصائيلة ضارة أو ما بدا عليها من تيه تنظمي يستوجب التفاتة وتقويمًا. واليوم، ها أنا أعود لأكتب عن واحد من فصول تلك الرواية الحزينة الذي سينسى، حتمًا، في زحمة الأسى الفوار، ويُترك للزمن بلا "عتاب ولا شجن".

 ففي مطلع شباط الجاري لبى نوّاب حزب التجمع الوطني الديمقراطي الثلاثة دعوة قدمتها، في الأصل، لجنة أهالي الشهداء في القدس لجميع أعضاء القائمة المشتركة.

 وكما في العديد من هذه المناسبات لم نقرأ قبل انفجار "المرارة"، عن تلك الدعوة ولا عما دار، إذا دار، حولها في أروقة القائمة المشتركة، من نقاشات، تَوأمت، في الواقع، رأسين وممارستين، فنوّاب التجمع انفردوا بقرارهم ولبوا الدعوة، بينما رفضها باقي زملائهم، وتركونا، نحن الشعب، نغرق في لجّة كلها التباس، ونعايش مشهدًا عبثيًا يزيد في وجوهنا حروقًا على نمش.

 وقبلما ألج إلى ما يثيرني في هذه الحادثة، أود التأكيد على حقيقتين هما أدوم من بديهية،  فلا نقاش حولهما، وإني إذ أوكدهما فهذا من باب الحيطة والحذر من سوء فهم القاريء أو من إعوجاج بنيوي في فهم البعض منهم؛ فاحتجاز الجثامين الفلسطينية والمماطلة الإسرائيلية بتسليمها إلى عائلاتها الثكلى عمل غير أخلاقي ولا إنساني ولا قانوني، ولا يفسره إلا حقد محتل باطش فقد البصر بعدما تعطلت بصيرته، والتضامن مع العائلات ومساندة مطلبها بتسليم الجثامين أمر مشروع ومفهموم ولا تشوبه غضاضة بالمطلق، وإن شئتم فهو واجب إنساني، هذا من جانب، ومن الجانب الآخر، كان انفلات جوقات النبّاحين على أعضاء الكنيست الثلاثة أمرًا طبيعيًا ومتوقعًا، ومن من السياسيين لم يتوقعه فهو في السياسة هاو أو مجازف، ومن استفزه ذلك،  كجندي الميادين، فهو في الحرب طبال وعازف .

 لقد كان غير الطبيعي هو استهجان البعض من  تلك الهجمات وانفعالهم من كونها قيدت من بيت رئيس حكومة إسرائيل بشخصه، حتى شملت أصغر الفاشيين في كل شارع وميدان وواد. استغراب المستغربين هو موقف غريب ومفجع، لأنه يعكس عمليًا قصورًا في تقييمهم، وبعضهم كتاب وإعلاميين وقادة، لواقعنا كعرب في الدولة،وعدم استشعارهم كم هي قريبة الهاوية، ولعله يفسر سبب انخراطهم المتكرر في نشاطات، بحرية وبرية، كانت نجاعتها منذ البداية، مجلجلة أو مستورة، موضع تشكك وتساؤل، وصارت نهايتها ورطة تعدت أطراف الحزب وشؤونه، فاستنفرت حناجر القبيلة وألزمت الشركاء بالتعاضد وبنصرة أخيك محقًا كان أم غافلًا نزقًا، والأنكى أنها أتاحت للبعض فرصًا، كما حصل أيضًا في لقاء نواب التجمع مع عائلات الشهداء، كي يعيدوا اكتشاف العنصرية الإسرائيلية ويكررونها مسوغات مستهلكة باهتة، في معرض دفاعهم عما قام به حزبهم وقادته .

 طعن اللسان أنكى من طعن السنان

 من المهم أن نوضح أن النقاش الذي استوجبه لقاء نواب التجمع مع لجنة أهالي الشهداء، لا يتمحور حول فعل التضامن واسناد مطالبة هؤلاء باستعادة الجثامين، بل بما أحاط هذا اللقاء من ذبذبات وضباب وتعتيم، ومن طريقة عرضه بلغتين وبصورتين تستهتران بعقول البشر وبأعضاء الحزب أولًا؛ فمن قرأ بيان التجمع، الصادر بعد تسعير هجمات اليمين وقادة الدولة عليهم، يستطع أن يشعر بلهجة زهو وطني وتشاوف على باقي النواب الذين لم يلبوا الدعوة، كما وأنه جاء خاليًا مما سمعناه في المؤتمر الصحفي الذي انعقد في الكنيست بمشاركة جميع أعضاء المشتركة ورئيس لجنة المتابعة العليا، وما استعرضته لائحة التجمع الجوابية التي قدمت إلى لجنة الطاعة دفاعًا عنهم وتفسيرًا لما قاموا فيه، والتي أتصور أنها مشابهة لما سمعناه شفهيًا منهم، إذ أنهم أكدوا على أن لقاءهم ذوي الشهداء كان لقاء عمل ! ولم يستهدف تعزية أولئك الأباء، ولا التعبير عن دعم النواب لما قام به أبناؤهم، وأردفوا، معززين ادعاءاتهم تلك، بواقع أن اللقاء تم في ناد عام وليس في بيوت العائلات أو في خيم العزاء، وهو ليس إلا مجرد تلبية لدعوة استهدفت فقط توصيل أصوات تلك العائلات إلى المسؤولين الإسرائيلين وخاصة إلى وزير الأمن الداخلي؛ علاوة على هذا، فلقد أضافوا وأفاضوا،أن وقوفهم دقيقة حداد وتلاوتهم  للفاتحة لم تكونا من أجل أرواح هؤلاء الشهداء وعليها، بل هي مجرد استجابة أوتوماتيكية لعادة متبعة عند العرب المسلمين تقضي بوقوف المجتمعين مع بداية كل حدث واحترامًا لجميع الموتى الفلسطينيين ومن قتلوا عبرالأجيال في خلال الصراع الاسرائيلي الفلسطيني

 يثيرني هذا التضارب الواضح بين ما استرصده، منذ البداية، حزب التجمع من وراء هذا اللقاء، وبين ما انتهى إليه في الواقع،  فحسب ما سمعناه وقرأناه على لسان قادته، كان اللقاء مجرد مهمة عمل برلمانية لأعضاء في كنيست إسرائيل مع عائلات فلسطينية مقدسية ثكلى استدعتهم لينقلوا صوتهم إلى ساسة إسرائيل بهدف استعادة الجثامين. ولم يكن هذا اللقاء من أجل التعزية ولا من أجل التضامن ولا حتى من أجل الترحم علم موتى تلك العائلات، لأن أعضاء الكنيست الثلاثة يعارضون  مبدئيًا وأخلاقيًا المس بالأبرياء، كانوا من كانوا ، هكذا كتبوا وأكدوا!   

 

شكوت وما الشكوى لمثلي عادة/

 ما استعرضته أعلاه يكشف عن عدة مساويء مستشرية في حياتنا السياسية، وهي ليست حكرًا على حزب التجمع، وأعود إلى ذكرها مرة تلو المرة لأنها أمراض مستفحلة  وتعود بالخسائر الجسيمة علينا كأقلية عربية في إسرائيل، ففي حالتنا هنا هي، من دون شك، أكبر من مجرد خلل  في تصرف حزبي أخلاقي مشروخ، وموقفين نقيضين مدعيين لا يتزاوجان: عمل برلماني إسرائيلي مجاز ومرغوب، أو اقدام وطني فلسطيني متميز ومشتهى، وكما جاء في الاعلانات الحزبية " تحد لتحريض نتنياهو وبينت وليبرمان ولن يغير التجمع مواقفه قيد أنملة".

 لم نسمع كيف عالجت  القائمة المشتركة شأن الدعوة التي وجهت إليها وكيف ولماذا أختلف الموقفان : ثلاثة أعضاء التجمع يلبون الدعوة وثلاثة أحزاب تستنكف عنهالكننا، وهنا القضية أخطر وأعوص، لم نقرأ لغاية اليوم ما يمكنه أن يفيد الشعب وينضجه، وأخشى أننا لن نقرأ عن ذلك أبدًا. فاذا صدق التجمع بما قاله في معرض تبريره للزيارة لماذا كانت منه كل هذه الهيصة والزفة الوطنية؟ واذا صدق إعلامهم بما كتبوا، فلماذا استنكف جميع النواب عن المشاركة في ذلك العمل الوطني المقاوم ؟

 ولكن تفيض النفس عند امتلائها

 القيادة الحكيمة هي التي لا تراوح بين مخاجلة ومزايدة،  فلقد كان من الطبيعي أن يقف جميع أعضاء القائمة المشتركة في وجه الانفلات الأرعن لتلك الجوقات الضارية على حزب التجمع ونوابه، ومن الطبيعي أن يؤكدوا على همجية تلك الهجمة وخطورتها، ولكن هذا لن يعفي القيادة الحكيمة من مواجهة هذه المغامرات المتكررة وغير المحسوبة، فالهجمة الفاشية في حالتنا هنا، هي ردة فعل، ويبقى الفعل هو شأننا وموضوعنا، وهو بحاجة إلى نقاش وخلاصات، ومع أننا على يقين أن العنصريين ليسوا بحاجة إلى أفعال منّا كي يجسدوا عنصريتهم، والفاشيون ماضون في منزلقهم من دون طعم تقدمه لهم "الضحية"، إلا أننا، وكما قلنا في الماضي نؤكد، أن أصحاب الحق  يجب أن يقاوموا جلاديهم بذكاء ودهاء وبفطرة سليمة تبقيهم كي يعيشوا ويستلوا حقوقهم بجدارة، وإلا فقد يموتون وهم يراوحون بين روايتين/ كذبتين وحقيقة !     

 

 

 

 

الكذب الحلال

 

جواد بولس

 

أكتب مقالتي وقد أنهى الأسير محمد القيق سبعين يومًا من الإضراب عن الطعام وهو يرقد، في هذه الأثناء، على سريره في مستشفى العفولة، مقيّدًا بيده اليمنى وساقه اليسرى، ويمارس، بخلاف سجّانيه، أرقى معاني الإنسانية وأقربها إلى قلب الحياة وجوهرها البدائي: الحرية العارية من شوائب النهم ومن خيالات الطيف الحزينة؛ فحريته ليست بحمراء "شوقي"، ولا خضراء كما أحبّها الدرويش، بل، بلون الحب سرمدية، هكذا رأيتها بأم عيني، وبطعم الفجر المستطير، حين يكون هذا احتمالًا أو شرفة على عمر يتناهى.      

في البدء كانت متسادا

قد أكون من المحظوظين لأنني واكبت في السنوات الخمس الأخيرة وتابعت قضايا معظم الأسرى الذين خاضوا إضرابات طويلة عن الطعام، وها أنا أشهد أنني انكشفت، خلال هذه السنين، على إحدى التجارب البشرية الاستثنائية والملحّة، وليس فقط لأنها تختزن في طيّاتها كثيرًا من المعاني القصية على الفهم، بل، وبالأصل، لأنها تنبعث وتتداعى على أرضيتين من مرايا صقيلة تلفّانك بالحيرة والالتباس، تمامًا كانبهارك حين يندلق النهار، غير مستأذن، من قفة العتمة، أو كما يكون الواقع، في الحقيقة، قناعًا لعبث خفي ومتأهب؛ فالمضربون، جميعهم، أعلنوا، كما يعلن اليوم محمد: حريتنا/ كرامتنا أو فليكن موتنا/ استشهادنا. وكأن حيواتهم، في هذا التجلّي النيزكي، تشظت إلى بقايا أقدار مقيتة، حتى صار موتهم مستنخبًا وخيارًا أشهى.

لا أعرف كيف ستنتهي قضية محمد القيق، فهو في حالة صحّية خطيرة للغاية، كما يشهد عليها الأطباء ويعلنون أنه يواجه عمليًا إمكانية سقوطه صريعًا لموت مفاجيء في كل لحظة، وعلى الرغم من وضوح هذا الإعلان ما زالت  نيابة إسرائيل تتمسك بموقفها وتطالب المحكمة العليا بإبقاء أمر الاعتقال الإداري على ما هو عليه.

والقضاة بدورهم يتخبطون بين ريحين: عجزهم في التصدي لسلطان الأمن وسطوته، وخشيتهم من أن يتذكرهم التاريخ كمن حكموا على فلسطيني بالموت وهو لا يعرف بأي ذنب "وئد"، ولم يعط الفرصة للدفاع عن نفسه، كما أمرت السماء وقبلت حكمها تلك الشعوب التي عافت قوانين الغاب ورفعة الظباة على الظباء!

وتبقى إسرائيل هي إسرائيل: جيش يملك دولة صارت سبية لاحتلال قوامه شعب يعيش في دروع لا تشبه دروع السلاحف، حافظوا على جينات أحفاد "متسادا"، ويح