الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

جــودت هوشيار  كاتب وناشط سياسي عراقي كردي

 

نصوص ثقافية سابقة

ثنائية الحياة والموت

في قصص إيفان بونين

 

جودت هوشيار

نبذة عن حياة وأعمال بونين

إيفان بونين (1870 ـ 1953) أحد الأعلام البارزين في الأدب الروسي الكلاسيكي، وقد بدأ حياته الأدبية شاعراً ، ولم يكن قد تجاوز العشرين من عمره حين نشرت مجموعة أشعاره الأولى، التي نال من أجلها " جائزة بوشكين "، ثم منح الجائزة ذاتها للمرة الثانية حين ترجم عن الشاعر الأمريكي (لونغفيلو) ملحمته الشعرية " هياواثا "

بيد أن بونين معروف في المقام الأول ككاتب نثر ممتاز، ويعد أهم كاتب للقصة القصيرة بعد تشيخوف. ويتميز أسلوبه بالثراء اللغوي والعمق السيكولوجي. بونين شأن تشيخوف يأسر القارىء في قصصه بوسيلة أكثر من أي متعة أخرى، إن قصصه مواقف آسرة وشخوص فريدة، فالكاتب يجذب إنتباهنا فجأة لما هو عادي تماماً ومألوف عندنا في خبرتنا اليومية والحياتية، ولما مررنا به في الماضي مرات عدة دون أن تصيبنا الدهشة لولا ذاكرته الفنية.

في عام 1909 ـ عندما كان في التاسعة والعشرين من العمر ـ منحته أكاديمية العلوم الإمبراطورية الروسية لقب أكاديمي تقديراً لإبداعه الأدبي، وهو شرف لا يحظى به، إلا القلة من العلماء والمبدعين.

نال بونين جائزة نوبل في الآداب لعام 1933، عقب صدور روايته " حياة ارسينيف " . و كان أول كاتب روسي يحصل على هذه الجائزة. وجاء في نص قرار منح الجائزة ما يلي: " بقرار من الأكاديمية السويدية تمنح جائزة الآداب لإيفان بونين لقاء الموهبة الفنية الحقة التي تمكن بواسطتها من إعادة خلق الشخصية الروسية بقالب نثري جميل " .

عندما تقرأ قصص بونين لا يمكنك إلا أن تفكر في لغز الوجود الإنساني ومواجهة الإنسان لمصيره المحتوم .

ثنائية الحياة والموت في قصص إيفان بونين

ثنائية الحياة والموت ، كانت واحدة من اهم الثبمات الرئيسية في ابداع ايفان بونين . وقد عالجها الكاتب بطرق مختلفة ، ولكنه في كل مرة توصل الى إستنتاج مفاده أن الموت جزء لا يتجزأ من الحياة.و ليس للأنسان عزاء أو سلوى ، لا في العمل ، ولا في الحياة الأسرية . الحياة اليومية روتينية ومملة، والعمل مرهق ، والناس غرباء بعضهم عن بعض . عندما يأتي الإنسان الى الحياة ، فأنه يندفع على الفور الى نهايته . العالم – هاوية ، مستنقع ، والموت مسألة صدفة . حياة الأنسان لا شيء بالمفارنة مع العالم . والانسان نفسه عاجز وضعيف بصرف النظر عن موقعه في السلم الأجتماعي .كل شيء في العالم زائف ووهمي ، والحقيقة الوحيدة هي الموت . ويرى بونين ان الحب هو مقاومة للموت وتجسيد للحياة  . ولكننا اذا تمعنا عن كثب في قصصه عن الحب ، نجد مفارقة واضحة ، وهي ان الحب السمة الرئيسية للحياة : من يحب ، يعيش حقاً . ولكن الموت يترصد للأنسان دائما في كل لحظة ، وفي كل مكان. ويرى بونين ان الحب العميق الجارف كونه تركيز للحياة واللحظة الاكثر توترا في الوجود الانساني ينتهي بالموت في أكثر الأحيان .

يأتي الإنسان الى هذا العالم ، عالم الفوضى ، لفترة جد قصيرة من الزمن ، والحياة توهب له لأسباب غير مفهومة لا يعلمها ، الا الله . والموت ينهي هذه الحياة على نحو مأساوي . وكل شيء يحدث مصادفة . وثمة ارتباط وثيق بين الحياة والحب والموت .

في مجموعة قصص بونين الرائعة " الدروب الظليلة " - التي اطلق عليها النقاد اسم  موسوعة الحب -  نجد إن النهاية التراجيدية امر طبيعي ، لأن الحب الحقيقي الجارف يقتل العشاق حتماً ، مما ينقذهم من خيبة الأمل . ولهذا لا نجد في " في الدروب الظليلة قصة واحدة تنتهي بالزواج . الزواج يحمل معه العادة التي تقتل الحب عاجلا ام آجلاً .

في العالم الذي صوره بونين في اقصوصة " اسطورة " شخصان : هو وهي . هي ميتة ، وهو على قيد الحياة ، ولكنه يعرف أنه سيموت أيضا في يوم ما . و سيأتي آخرون الى هذا العالم ، وهو يأمل أن يعد هؤلاء بدورهم الزمن الذي عاش فيه ، اسطورياً.

وتعد هذه الأقصوصة ، التي ترجمناها عن الأصل الروسي ، نموذجاً لنظرة بونين الى العلاقة ، التي لا تنفصم بين الحياة والموت .

أسطورة

على أنغام الأورغ والغناء - كان الكل يغني على وقع الأورغ أغنية  حلوة ، حزينة ، ومؤثرة  تقول : " ما أطيب الوقت معك يا الهي !" . على ايقاع الأورغ والغناء رأيتها فجأةً بجلاء واحسست بها .لا أدري من أين انبثق طيفها في خيالي بشكل مباغت وغير متوقع ، شأن كل ما يفاجئني  به خيالي في الحالات المماثلة ، على نحو يجعلني أفكر في الأمر طوال اليوم .

أعيش حياتها وزمانها . لقد عاشت في تلك الأيام الغابرة التي نسميها  العصور القديمة . ولكنها رأت هذه الشمس ذاتها التي أراها الآن ، وهذه الأرض التي أعشقها  ، وهذه المدينة القديمة ، وهذه الكاتدرائية ، والصليب الذي ما زال يسبح بين الغيوم ، كالعهد به في العصور القديمة . وسمعتْ الغناء نفسه الذي اسمعها الآن . كانت فتية ، تأكل ، وتشرب . وتضحك وتثرثر مع جاراتها ، وتعمل ، وتغني . كانت فتاة شابة ، فعروساً ، ثم أماً . ماتت قبل الأوان ، مثلما تموت النساء الرقيقات المرحات في ريعان الشباب غالباً . في هذه الكاتدرائية أقيم القداس على روحها . وها قد مرت قرون عديدة على رحيلها عن العالم الذي شهد منذ ذلك الحين كثيراً من الحروب الجديدة ، والبابوات الجدد ، والملوك والتجار والقساوسة والفرسان . في حين ان عظامها النخرة  ، جمجمتها الصغيرة الفارغة راقدة تحت الأرض ، كما رفات الآخرين . كم عددها في الأرض هذي العظام وهذي الجماجم ؟ ان كل الماضي البشري وكل التأريخ الإنساني حشود غفيرة من الموتى ! وسيأتي يوم سأنضم فيه الى جموعهم . وسأبث أنا أيضاً الرعب بعظامي وجثتي في مخيلة الأحياء ، كما فعلت تلك الحشود الغفيرة من الجيوش التي ستغرق الأرض يوم الحشر .. ومع  ذلك  سوف يعيش أحياء جدد بأحلامهم عنا نحن الموتى ، وعن حياتنا القديمة وزماننا القديم الذي سوف يبدو لهم رائعاً ، وسعيداً ، واسطورياً . .

            

 

 

 

التوظيف السياسي للأدب

الكلاسيكي في روسيا

 

جودت هوشيار

            

لعلنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا ، إن الأدب الكلاسيكي الروسي ، هو الإسهام الروسي الحقيقي في تطور الثقافة العالمية . فهو يحتوي على عدد كبير من الروائع الأدبية ، التي لا زالت تحتل مكانة مرموقة في الأدب العالمي . وهذه حقيقة يعترف بها كل متذوق للأدب الرفيع ، أتيح له الدخول الى العالم الساحر لعمالقة الأدب الروسي ، عالم  العواطف الجياشة والمصائر التراجيدية ، الزاخر بالقيم الإنسانية ، والأخلاقية ، والروحية المشتركة بين البشر ، بصرف النظر عن العرق والدين والثقافة ، لذا فهي مفهومة وممتعة لجميع محبي الأدب الحقيقي في العالم حتى يومنا هذا .

عندما اطلع القاريء الغربي على الأدب الروسي الكلاسيكي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وقع في عشق هذا الأدب. ولم يمض وقت طويل حتى شرع نقاد الأدب في أوربا ومن ثم في أميركا ، يتناولونه بالبحث والدراسة، وأخذ عدد كبير من الكتاب الغربيين يتعلمون منه تقنيات الكتابة .

كان  القرن الماضي ، قرن الأدب الروسي الكلاسيكي  في الرواية ،والقصة ،والمسرح ، والسينما. قرن تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف ، ولم يستطع أي أدب  قومي ، او وطني في ابعد زاوية من عالمنا الفسيح ، أن يتجنب تأثير هذا الأدب الملهم ، الذي ترجمت روائعه الى أكثر من (170) لغة من لغات العالم مرات عديدة ، وصدرت في طبعات متلاحقة ، وحولت الى افلام سينمائية ناجحة في هوليود وفي بقية انحاء العالم. ويكفي ان نقول ان السينما العالمية أنتجت ( 234 ) فيلماً ، مستوحاة من قصص ومسرحيات أنطون تشيخوف، منذ ظهور السبنما الصامتة وحتى اليوم .

الأدب الكلاسيكي الروسي ، هو أدب " الموضوعات الأزلية " ، فقد حاول الكتّاب الروس الإجابة عن أسئلة الوجود الأساسية : معنى الحياة ، وطبيعة الإنسان ، والخير والشر ،  ووجود الخالق . وحاول كل منهم الأجابة عن تلك الأسئلة بطريقته الخاصة ، وتجسيد البطل النموذجي لزمانه .

لن نستطيع أن نفهم روسيا ، وكيف وبماذا يفكر الروس ، من دون أن نقرأ لهؤلاء ولغيرهم من كبار الكتّاب الروس . حقاً لقد تغيّرالواقع السياسي ، والأقتصادي ، والأجتماعي ، والثقافي في روسيا كثيراً منذ ذلك الحين ، نتيجة للأحداث العاصفة ،التي شهدتها خلال تأريخها الحديث ، ولكن ( الروح الروسية ) بقيت تقريباً كما كانت في العصر الذهبي للأدب الروسي في القرن التاسع عشر .لأن تغيير الأنسان أصعب من تغيير الواقع المادي .

الإنسان – أي إنسان -   لا يتغير ، الا ببطأ شديد . فقد أخفق البلاشفة في خلق انسان سوفيتي وفق مقاييسهم القيمية طوال (73) عاما من التلقين الأيديولوجي . ولن نفهم روسيا اليوم ، ولا الروح الروسية ، الا بالرجوع الى الأدب الروسي الكلاسيكي ، وهذا صحيح الى حد كبير بالنسبة الى بقية شعوب العالم ، فالأدب الحقيقي يعكس العالم الروحي لأي شعب وثقافته .

كان الأدب الروسي هو المعبر الحقيقي عن الواقع الروسي ، وعن تطلعات الجماهير وطموحاتهم وآمالهم . وعن أفكار العصر التقدمية ، ولعب دوراً اساسياً في تشكيل وعي جمعي  يناهض الظلم ، ويسعى الى الحرية والعدالة الإجتماعية . وهو الذي هيأ المناخ العام للثورتين الروسيتين في شباط ، واكتوبر 1917) . ولعل ابلغ دليل على ذلك هو أن زعيم الثورة البلشفية فلاديمير لينين ، كتب قبل ثورة اكتوبر أربع مقالات عن أدب وآراء ليف تولستوي ، ودوره المؤثر في الأدب الروسي والعالمي ، وفي تنوير وإستنهاض المجتمع الروسي ، وبضمنها مقاله الشهير تحت عنوان " تولستوي كمرآة للثورة الروسية ". وكثیرا ما كان لينين يھاجم خصومه عن طريق مقارنتھم بشخصیات غیر محبوبة وأحیانا ھامشیة استمدھا من الأدب الروسي .

كان الكتّاب الروس دوما معلمي الشعب ، و" مهندسي الروح البشرية ". وكانت أعمالهم الأدبية بمثابة غذاء فكري وروحي للنخب الثقافية . ولما كانت المعارضة السياسية ، وكل وسائل التعبيرعن الرأي ، تقمع بشدة في ظل الأنظمة الروسية المتعاقبة ، فإن الأدب أصبح المتنفس الوحيد للمثقفين. ولعل هذا الدور العظيم الذي نهض به الأدب الروسي هو الذي دفع تلك الأنظمة الى توظيف الأدب كسلاح سياسي لخدمة مصالحها وأهدافها .

 كان القياصرة الروس وحكام الكرملين قراءاً نهمين للأعمال الأدبية – ليس لأنهم كانوا من هواة القراءة – بل من اجل فرز الأعمال ( المضرة ) بالنظام القائم - من وجهة نظرهم - عن تلك التي يمكن توظيفها لترسيخ وتعزيز هيمنتهم على السلطة . وحاولوا تحويل الادب الى اداة سياسية قوية ، وسنرى في الفقرات اللاحقة كيف جرى التوظيف السياسي لأهم الأعمال الأدبية الروسية الكلاسيكية .

القيصر رقيباً على شعر بوشكين

لم يكن أمير الشعراء الروس الكساندر بوشكين ( 1799 - 1837 ) على وفاق مع السلطة القيصرية ، بسبب تأييده لأنتفاضة ( 14 ) ديسمبر 1825 ، التي ّ تحدت تنصیب القیصر نیكولاي الأول . ومارس هذا الأخير شخصيا ، بعد توليه السلطة دور الرقيب على نتاجات بوشكين، ومنع نشر بعضها . وعانى الشاعر من النفي والتضييق . ويقال ان السلطة كانت وراء مصرعه في مبارزة خطط لها القصر الإمبراطوري بذكاء للتخلص منه.

النظام السوفيتي ثمّن عالياً قصائد بوشكين ، التي تغنى فيها بالحرية والعدالة ، منتقداً النظام القيصري : " أيها الحاكم المتغطرس أكرهك وأكره عرشك " وتأييده للديسمبريين ( ثوار انتفاضة ديسمبر 1825 ) ، كما أشاد البلاشفة بملحمته الشعرية الرومانسية " غافريليادا" التي كتبها الشاعر في عام 1821 ، عندما كان في ريعان الشباب ، وهي محاكاة ساخرة ولطيفة لبعض الأحداث الواردة في الكتاب المقدس حول (حواء وآدم ) و( السيدة العذراء ) ، وفيها مقاطع إيروتيكية رائعة عن الحب والجمال الأنثوي . وكان هدف النظام السوفيتي من هذه الإشادة هو الإيحاء للقاريء بأن بوشكين كان ملحداً ، وهذا تفسير مغرض لهذه الملحمة البديعة بصورها الأخاذة ، وطابعها المرح اللطيف، حيث تتجلى فيها عبقرية بوشكين المبكرة . أما قصائده الوطنية، التي يمجّد فيها روسيا القيصرية مثل قصيدة " الى المفترين على روسيا " و قصيدة " رجاء المجد والخير " فكان النظام السوفيتي يزعم ان الشاعر قد كتبها تحت ضغط الرقابة القيصرية .

وفي عهد بوتين نجد  تقييماً  يناقضً تماماً ، التقييم السوفيتي للمنجز الشعري لبوشكين ،حيث يرى النظام الحالي ان قصائد بوشكين الوطنية ، التي مجّد فيها روسيا العظيمة ،هي انجازاته الشعرية الحقيقية . أما مناداته بالحرية والعدالة، والدفاع عن الثوار الديسمبريين ، وعن المضطهدين في روسيا والعالم ، ومحاكاته للكتاب المقدس ، فهي في نظر النظام الحالي ، من طيش الشباب ، ومن أخطاء الشاعر الفظيعة. ويزعمون ان الشاعر نفسه قد ندم على كتابتها .

القيصر ليف تولستوي

كتب الكاتب والناشر أليكسي سوفورين (1834 – 1912 )  في دفتر يومياته بتأريخ 29 أيار 1902  يقول "  لدينا قيصران : نيكولاي الثاني ، وليف تولستوي . أيهما أقوى ؟ . إن نيكولاي الثاني ، لا يستطيع ان يهز عرش تولستوي ، ولا أن بفعل شيئاً ضده ، في حين أن تولستوي قادر بكل تأكيد على هز عرش نيكولاي وسلالته . انهم يلعنون تولستوي . والسينود ، أي ( المجلس المسكوني) غاضب عليه . ولكن بوسع  تولستوي ان يرد عليهم بمنشور سرعان ما يتلقفه الناس في روسيا ، وينشر في الصحف الأجنبية . جربوا ! من يستطيع أن يمس تولستوي بشعرة ؟

ان التأثير الطاغي لعملاق الأدب الروسي ، لم يقتصر على الشرائح المتنورة في المجتمع ، بل شمل معظم افراده . حتى الفلاح البسيط  ، الذي لم يكن يعرف القراءة والكتابة ، كان يعرف ان تولستوي كاتب عظيم ومصلح اجتماعي مهيب .

كانت علاقة تولستوي بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية سيئة . وكان يقول أن " ان الدين نبع ماء صاف ، ولكن رجال الدين يلوثونه ، ثم يقولون للناس تعالوا أشربوا من هذا الماء " .

كشف تولستوي زيف رجال الدين ، والكنيسة ، التي اتهمها بعدم مناصرتها للفقراء والوقوف مع القياصرة والظلم . فكفرته الكنيسة وأبعدتهُ عنها وأعلنت حرمانهُ من رعايتها عام 1901 .

وبطبيعة الحال فإن السلطة السوفيتية اعتبرت هذه العلاقة السيئة أمرأً ايجابياً . اما اليوم فأن نظام بوتين – المتحالف مع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية - يرى عكس ذلك تماماً ، ويعد موقف تولستوي من الكنيسة أمراً سلبياً للغاية . ولعل ابلغ دليل على محاولة بوتين التقرب من الكنيسة، هو ان الدولة تجاهلت الذكرى المئوية لوفاة تولستوي (1910 – 2010 ) انصياعاً لموقف البطريكية الأرثوذكسية ، التي رفضت عودة تولستوي اليها ، رغم اعترافها بعبقريته .

دوستويفسكي بين ستالين وبوتين

كان ستالين قارئاً نهماً ، ويقال أن مكتبته الشخصية في الكرملين كانت تضم نحو (30) ألف كتاب ، ومكتبته في بيته الريفي نحو (10) آلاف كتاب في شتى حقول المعرفة ، بينها أهم الأعمال الأدبية الكلاسيكية الروسية والعالمية . وكان يردد غالباً اقتباسات من نصوص الكتاب والشعراء الروس العمالقة ، ولكنه لم يكن بوسعه أن يغفر لدوستويفسكي رواية " الشياطين ". وهي رواية صدرت عام 1872 ، وترجمها سامي الدروبي الى العربية نقلاً عن اللغة الفرنسية في الستينات من القرن الماضي ، تحت إسم "الموسومون ". ويشير الاسم إلى السياسيين المهوسين بالعنف ، ويشبههم الكاتب بالذين أصابهم مسٌ شيطاني

تعد " الموسومون " من أفضل الروايات السياسية ،التى تتناول علاقة التنظيمات الثورية المعارضة بالطبقة الاستقراطية الحاكمة في الإمبراطورية الروسية ، حيث يصور فيها دوستويفسكي بعمق  سايكولوجي لا نظير له ، مدى توغل الأفكار اليسارية في المجتمع الروسي ، والصراع المرير بين طبقات الشعب. رواية تدين سفك الدم ، وإحراق المنازل من اجل احداث التغيير . وتسخر من المعارضة والليبراليين . وتعد هذه الرواية نبؤة تستشرف سلبيات الثورة البلشفية قبلَ وقوعها، ولهذا مُنعت الرواية وصودرت في الإتحاد السوفيتي ودول المعسكر الأشتراكي .وقد حاول البلاشفة بكل السبل ، التعتيم على عظمة دوستويفسكي ، وعدم اعادة نشر هذه الرواية والعديد من اعماله الادبية الأخرى .

كما منع البلاشفة نشر ( يومياتب الكاتب ) ، التي تتضمن هجوماً عنيفاً على الراديكالية الثورية . ولقيت رواية دوستويفسكي " مذكرات من البيت الميت " ، إنتقاداً شديداً ، لأن المعتقلات القيصرية كان يذكّر القراء بالمعتقلات السوفيتية .  

كان مما يقلق دوستويفسكي ، الألحاد والاباحية والانحلال ، لذا كان مؤلف " الجريمة والعقاب " يعد رجعيا في نظر الحزب الحاكم ،ومصيره التجاهل والاهمال . وكانت التهم الموجهة اليه ، هي : التشاؤم، الموقف العدائي من الثورة  ، اللاعقلانية ، والتدين . وهي الاسباب ذاتها التي تجعل من دوستويفسكي اليوم الكاتب المفضل لدى بوتين .

ان " الجريمة والعقاب " و العبيط " و" الشياطين " و" الأخوة كارامازوف " ليست مجرد روايات ، بل مؤشرات على ما يمكن أن يحدث لروسيا اذا لم تعد الى جذورها ، الى ما قبل عهد بطرس الأكبر .

التوظيف السياسي لآفكار دوستويفسكي

لا تمتلك روسيا البوتينية أيديولوحية عالمية مغرية وجاذبة ، كالتي كان الأتحاد السوفيتي يواجه بها الغرب الرأسمالي ، لذا فإنها تستعين بأفكار وآراء عدد من الكتّاب والفلاسفة الروس ، التي يمكن استخدامها لغايات سياسية .

يبدو بوتين أمام الكاميرات وفي لقاءاته مع الكتاب والشعراء الروس – على النقيض من ستالين - مفتونا بدوستويفسكي ، ويحاول استغلال رواية " الموسومون " في محاربة المعارضة ، الليبرالية منها واليسارية على حد سواء ، وضمان تأييد الناخبين الروس الذين ما زال أغلبهم يبجلون عمالقة الأدب الكلاسيكي .

وهذا الأفتتان الظاهري بدوستويفسكي ، هو الذي جعل الساسة والصحفيين في الغرب يعتقدون ان فلاديمير بوتين يؤمن بأفكار دوستويفسكي . ولكننا نرى أن الأمر مجرد استغلال لبعض جوانب أعمال هذا الكاتب العظيم لخدمة النظام الحالي في روسيا ، وهي الجوانب ذاتها التي إنتقدها النظام السوفيتي . حيث كان الكاتب العظيم يعتقد ان لروسيا رسالة سامية ، وهي تحرير الشعوب السلافية ، وتوحيدها بزعامة روسيا . بوتين يحاول اليوم تحقيق هذا الهدف بمعونة الكنيسة الأرثوذكسية ، وبالترويج لبعض آراء وأفكار دوستويفسكي ، التي تنسجم مع سعي بوتين من اجل استعادة روسيا لدورها كدولة عظمي في العالم .

خلال الحرب الروسية التركية (1877- 1878 )، أكد دوستويفسكي أن الحرب قد تكون ضرورية ، إذا كان من وراءها الحرية والخلاص. وأعرَب عن أمله في استعادة الإمبراطورية البيزنطية المسيحية.

و ذكر دوستويفسكي في مُذكَراته ،أن الشعب والقيصر يجب أن يكونا صفّاً واحداً: "بالنسبة للشعب، القيصَر ليس سلطة خارجيّة، أو سُلطة لبعض الناس ... بل هو قوّة وسلطة للجميع، ولتوحيد جميع الناس ".

ان ما يجذب بوتين في دوستويفسكي ليس العمق السايكولوجي لروايات الكاتب العظيم ، بل إفتتانه بدوستويفسكي البيزنطي، الذي طوّر في" الأخوة كارامازوف " وجهة نظر التصوف الأرثوذكسي، الذي يحلم بانتصار الكنيسة، والقضاء على الالحاد الثوري ، الذي يهدد دور ونفوذ الكنيسة في المجتمع .

ذات مرة وفي اجتماع عقده الرئيس بوتين مع محافظي الأقاليم في الإتحاد الروسي ، أوصاهم بضرورة قراءة روايات دوستويفسكي . وقال : " عليكم بتصفح كتابات دوستويفسكي حول العامل الافرو آسيوي في السياسة الروسية ، فهي ممتعة للغاية ، وكأنها كتبت اليوم . " وقد تبدو هذه النصيحة غريبة للغاية . ما علاقة مضامين تلك الروايات – التي كتبت قبل حوالي قرن ونصف - بإدارة الأقاليم في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ؟ . لقد كان لدوستويفسكي حسساسية بالغة ازاء التيارات الليبرالية والعدمية التي اجتاحت الثقافة الروسية والغربية ، ونصيحة بوتين دعوة صريحة لعدم التسامح مع مثل هذه التيارات في ايامنا هذه .

لا يشير بوتين الى تولستوي لا نادراً ، ويركز على أقوال دوستويفسكي ، الذي كان يؤمن بالتفوق الروسي . وهذ يناقض تماماً اعتقاد تولستوي بعالمية التجربة الأنسانية ، بغض النظر عن القومية ، والثقافة ، والدين . بوتين اختار دوستويفسكي ، الذي كان يعتبر روسيا أكثر الدول المتطورة روحياً  . ولا يقتصر تركيز بوتين على أفكار دوستويفسكي ، بل غالباً ما يشير في خطبه الى أقوال الفلاسفة الروس مثل سولوفيوف ، وبيردايف ، وخاصة ايلين ، الذين وقعوا تحت تأثير أفكار دوستويفسكي القومية .

أما تولستوي فقد كان وطنياً أحب شعبه دون مغالاة ،أو إحساس بتفوق الروس على الشعوب الأخرى  كما هو واضح في " الحرب والسلام ". وآمن بأن لكل شعب من شعوب العالم ثقافته المتفردة.

 

 

 

هل مات الأدب الروسي ؟

 

جودت هوشيار

 

تراجع الأدب الروسي - بعد تفكك الاتحاد السوفيتي - عن موقعه المتقدم في العالم عموما ، وفي العالم الناطق بالإنجليزية خصوصاً. ويقال ان القاريء الأميركي - من الجيل الجديد - يكاد يجهل هذا الأدب تماماً ولا يستطيع أن يذكر اسم كاتب روسي معاصر واحد. والسبب الرئيسي لهذا التراجع هو ان الادب الروسي اصبح اليوم ادباً محلياً بكل معنى الكلمة . 

الأدب المحلي الذي يكون مفهوما وقريبا من شعب واحد فقط  ، وغير ممتع بالنسبة الى بقية االشعوب ، يتحول – في أفضل الأحوال -  الى مجرد مصدر لعلماء الأنثروبولوجيا ولا يهم القاري الأجنبي . أما الأدب المحلي ، الإنساني الطابع ، الذي بعبر عن روح العصر ، ويثير أحاسيس مشتركة بين البشر وتجاوباً فكرياً يتفاعل في  كل بيئة مجردة من المكان والزمان ،فهوالذي بجذب انتباه القاريء بصرف النظر عن العرق والمعتقد واختلاف الثقافات .

نتائج غير متوقعة لألغاء الرقابة

مما يثير الدهشة حقاً ، ان الغاء الرقابة واطلاق حرية التعبير والنشر ، في اواخر حقبة (البريسترويكا ) لم يؤد الى ازدهار الأدب الروسي المعاصر، كما كان متوقعاً  ، بل على النقيض من ذلك أدى الى شيوع أدب التسلية الجماهيري الإستهلاكي ،  وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الرقابة أمر مفيد ، لأن ثمة أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وتكنولوجية  وراء ظاهرة الأدب المحلي الأستهلاكي وفي مقدمتها عزوف السواد الأكبر من الشباب عن قراءة الكتب الجادة المطبوعة وتفضيل الكتب الألكترونية أو سماع تسجيلها الصوتي عبر الأجهزة الذكية ، فالسماعات لا تفارق الشباب الروس حتى في عربات المترو في موسكو وسان بطرسبورغ .

الأدباء الذين كانوا ينشرون نتاجاتهم سراً داخل البلاد ( أدب الأندر غراوند ) كما  يسميه الروس ، لم يعد لديهم ما يعارضون به العهد الجديد ، وأدب ( الواقعية الأشتراكية ) عفا عليه الزمن ، وطوى النسيان أغلب كتّابه البارزين ،الذين كانوا نخبة صغيرة مرفهة في العهد السوفيتي ، تتمتع بامتيازات شبيهة بامتيازات القادة السياسيين في المكافآت والسكن والمعالجة في مستشلفيات خاصة ، وارتياد المنتجعات الجميلة على البحر الأسود صيفا ، ودور الراحة في المناطق المشمسة ذات المناخ المعتدل في جنوب البلاد شتاءاً . وكانت كتبهم المنشورة بأعداد هائلة تدر عليهم عائدات كبيرة . وبعد تعويم ( الروبل ) في عام 1992 فقدوا كل مدخراتهم التي تحولت الى أوراق لا قيمة لها. فعلى سبيل المثال كان الشاعر السوفيتي الشهير يغور إيسايف (1926 – 2013 ) - الحائز على أرفع جائزة أدبية سوفيتية لمرتين ، وهي جائزة ( لينين ) ، وعلى وسام بطل العمل الإشتراكي –له نفوذ كبير في اتحاد الكتّاب السوفيت ، وعضوا في هيئات تحرير كبريات المجلات الأدبية ، ولكنه وجد نفسه على حين غرة من دون عمل في العهد الجديد ، ومرّ بضائقة مالية شديدة ، بعد انهيار سعر الروبل ورفض دور النشر الخاصة الجديدة – التي حلت محل دور النشر الحكومية السوفيتية - نشر أي ديوان جديد له . كما أن المكافآت لقاء نشر قصائده في المجلات الأدبية أصبحت ضئيلة وتافهة ، لا تكفي لشراء كغم واحد من اللحم ، وعانى الأمرين في تحصيل ( لقمة العيش ) ، فلجأ الى تربية الدجاج في مزرعته في إحدى ضواحي موسكو لكسب ما يمسك عليه حياته وحياة اسرته . وتوقف عن كتابة الشعر .

ان مصير أغلب كتّاب الواقعية الأشتراكية لا يختلف كثيراً عن مصير الشاعر إيسايف ، وقد طواهم النسيان ، وأصبحوا في ذمة التأريخ .

 الادباء المهاجرون اخذوا ينشرون نتاجاتهم داخل روسيا ايضا ،وعاد العديد منهم الى الوطن بعد غيبة طويلة ، ومنهم الأدباء الذين اسقطت عنهم الجنسية السوفيتية. ولكن سرعان ما  زال سحرهم في العهد الجديد ، ،فإلإمبراطورية ، التي كانوا يحاربونها ، لم تعد لها وجود .

وجاء جيل جديد من الأدباء الشباب ، ضائع لا يعرف ماذا يريد ، وتحولت مهنة الكتابة الأستهلاكية الخفيفة الى تجارة رابحة ، لأولئك الذين يبحثون عن اسهل الطرق للحصول على المال ، و كانوا في السابق يمارسون مهناً اخرى ، ولا يفكرون يوما في إتخاذ الكتابة الأدبية مهنة لهم . ونزل الى الميدان الأدبي ضباط بوليس ورجال مخابرات متفاعدون ، يستمدون من خبراتم الوظيفية وتجاربهم الحياتية ، حبكات رواياتهم البوليسية والتجسسية  ولم يقتصر الأمر على الجنس الخشن ، بل اقتحمت صحفيات ونساء من شرائح ومهن شتى، وحتى ربات بيوت مجال الادب بسلاسل من الروايات الغرامية والبوليسية والخيالية ، التي لقيت رواجاً كبيرا لدى الجمهور الباحث عن ادب اللذة .

وفي الوقت الذي كان فيه الجمهور القاريء في الحقبة السوفيتية يتابع الإصدارات الجديدة لعدد محدود من الأدباء المعروفين ، ، ثمة اليوم مئات الأدباء من الجنسين - معظمهم في مدينتي موسكو و سان بطرسبورغ – وقد تحوّل كل منهم الى آلة لأنتاج رواية كل شهر أو شهرين للحصول على أكبر قدر من المال . وهم أعضاء في عدة  إتحادات جديدة للأدباء تشكلت بعد إلغاء اتحاد الكتاب السوفيت. وهي ( الإتحادات الجديدة )  تتناحر اليوم فيما بينها على ممتلكات الإتحاد السابق من بنايات ودور سكن في قرية الكتّاب (بريديلكينا) في ضواحي موسكو .

أدب الـ( غرافومانيا )  

لم يعد للأدب الروسي صلة بالواقع ويتسم بطابع  شديد الغرابة بالنسبة الى القاريء الأجنبي ، وتسود فيه ما تسمى الـ( غرافومانيا ) ، أي هوس الكتابة السطحية التي غالبا ما تكون فضفاضة ومملة،  حول أحداث عادية وأبطال لا يتميزون بشيء .

البعض من اشهر الكتاب الأستهلاكيين الروس المعاصرين لا يجيدون حتى اللغة الأدبية الروسية ، ونتاجاتهم مكتوبة بلغة سوقية أسوأ من لغة الصحافة الصفراء ، مما ينم عن ذوق فاسد . ولولا البهارات الأيروتيكية مثل الوصف التفصيلي للعلاقات الحميمة وشتى أنواع التجارب الرذيلة لما قرأ أحد كتاباتهم .

أما الأدب الروسي الخالي من البهارات الأيروتيكية والعبارات الفاحشة – الذي يمكن إعتباره إمتداداً للتقاليد الأدبية الروسية -  فإنه يتناول عددا من القضايا ، التي لم تعد تهم القاريء الغربي. مثل التعصب القومي الروسي ، أو  العيش وفق معايير الكنيسة الأرثوذكسية ، أو الإنسان في مواقف استثنائية ( الحرب ، و المعتقل ) . ويقصد بالحرب هنا المعارك الطاحنة التي جرت بين الجيشين الأحمر والهتلري خلال الأعوام الأربعة الأخيرة (1941-1945) من الحرب العالمية الثانية ، التي يطلق عليها الروس اسم ( الحرب الوطنية العظمى ) . وقد كتب عنها عدد لا يحصى من الروايات والدواوين الشعرية في العهد السوفيتي . أما وصف جحيم المعتقلات ، ومعسكرات العمل الأجباري الشاق فلم يعد فيه أي جديد بعد روايات سولجنتسن و" حكايات كوليما"  لفرلام شالوموف.

وتحتل موضوعة تفكك الإتحاد السوفيتي والحنين الى المجد الأمبراطوري الغابر مساحة واسعة في الأدب الروسي الجديد - فما زالت الإمبراطورية حية في الأذهان ، وحتى في الروايات الخيالية -

لأن روسيا مرّت في العقدين الأخيرين بسنوات عصيبة، تغيرت فيها ، ليس اسلوب الحياة فقط ، بل المعايير الأجتماعية والقيمية والجمالية أيضاً .ولا أحد اليوم يعرف بمن يثق ، وبماذا يتفاخر ، وماذا يفعل ، وكيف يحيا لاحقاً. وثمة ثلاثة إتجاهات في هذا المجال :

- محاولة فهم ووصف ما حدث وما يحدث الآن ، على أنقاض الإمبراطورية المنهارة .

- التعبير الفني عن مجتمع استهلاكي وضياع المثل العليا التي كانت تستشرفها النخب المثقفة .

- الإنسان الروسي الجديد ، الذي يتعلق بأذيال المطامع المادية و لديه المال ووسائل الترفيه ، ولكن حياته كئيبة . وأخذ يتساءل من جديد – السؤال الروسي التقليدي - ما العمل ؟.

تراجع وانعزال

تشير الأحصاءات الحديثة  الى أن ما يترجم من الأدب الروسي الى اللغة الإنجليزية لا يتجاوز 3% من اجمالي الأعمال الآدبية الأجنبية المترجمة الى هذه اللغة الأساسية في عالمنا المعاصر . ويكفي أن نقول أنه خلال العقدين الأخيرين لم يدخل أي كتاب روسي الى قائمة جائزة  افضل كتاب أجنبي مترجم   .(Best Tpanslated Book Award)

في حين حصل عليها اعمال ادبية مترجمة الى الانجليزية من آداب بلدان اوروبا الشرقية الأخرى التي تحتل مكانة متواضعة في الأدب العالمي .  

وعموما فإن نصيب الأعمال الأدبية الروسية من الجوائز الأدبية العالمية والأوروبية – منذ انهيار الإمبراطورية - جد قليل ، رغم ان مشاهير الأدباء الأستهلاكيين الروس يحصلون بإستمرار على الجوائز الأدبية الروسية المتعددة  التي ، يصعب حصرها لكثرتها ،وتتحكم فيها دور النشر والإشهار الروسية الكبرى .

الروايات الروسية المعاصرة تنشر في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا بأعداد قليلة من قبل دور النشر الصغيرة أوالجامعية ،وليس دور النشر الشهيرة  مثل ( بنجوين أو راندوم هاوس ، أو فارار وجيرو ) ،  ولا تعرض في المكتبات والمتاجر الشهيرة– ما عدا بعض روايات لودميلا  اوليتسكايا وميخائيل شيشكين – والأخير يقيم بشكل دائم في سويسرا -  بل في المكتبات الجامعية او على مواقع الأنترنيت  مثل موقع امازون .

أحياناً يمكن العثور على بعض روايات الخيال العلمي للكاتبين ( الروسيين ) بوريس اكونين وفيكتور بيليفين في هذه المكتبة او تلك ، ولكن ليس ثمة رواية روسية واحدة ضمن قوائم الكتب الأكثر رواجاً. والعالم لا يتابع نتاجات الكتاب الروس المعاصرين – كما كان الأمر في الماضي -  ولا يسوق كل النسخ المطبوعة منها رغم محدوديتها .

يقول اصحاب دور النشر  الروسية ، والكتاب الروس انفسهم ان ذلك ناجم عن ضعف الدعاية والترويج للأدب الروسي المعاصر في الدول الغربية. ولكن هذا الزعم غير دقيق بدليل ان الكتاب الروس الأستهلاكيين يقومون بتكليف المترجمين الغربيين بترجمة نتاجاتهم الى الأنجليزية ، كما يقومون بحملات دعائية مكثفة في الدول الغربية لترويج وتسويق نتاجاتهم ، ولم يبق في جعبتهم من سبيل الا وسلكوه لأغراء القاريء الغربي ، دون ان يحرزوا تقدما كبيرا في هذا المجال ، لأنهم يلحون عليه اقتناء وقراءة ما لا يحتاج اليه .

النقاد الروس - الذين يدورون في فلك دور النشر الروسية الكبرى – يعزون سبب ذلك الى السياسة ، ويقولون أن روسيا لم تعد عدوة أو منافسة للغرب ، ولهذا فالأدب الروسي المعاصر لا يحظى بإهتمام كبير في الغرب ، ولكن هذا تضليل متعمد ، الغرض منه الأيحاء بأن الأدب الروسي اليوم بخير ، وان السياسة الغربية الحالية ازاء روسيا هي التي تمنع انتشار الأدب الروسي في الغرب ، ولكننا نعلم أنه لا توجد أي رقابة على الأعمال الأدبية في الغرب ، لا يالنسبة الى الأدب الروسي ولا أي أدب آخر.، فمن يرتاد متاجر الكتب في العواصم الغربية يجد الكثير من الطبعات الحديثة للأعمال الأدبية لعمالقة الأدب الروسي الكلاسيكي ( تولستوي ، دوستويفسكي ، تشيخوف ، تورغينيف ) . وكذلك العديد من الكتب المكرسة لتحليل الوضع السياسي الراهن في روسيا البوتينية . وهذا يقودنا الى استنتاج جلي وهو أن القاريء الغربي ما يزال مهتما بما يحدث في روسيا اليوم ، ولكنه لم يعد يهتم بالادب الروسي الإستهلاكي ، الذي لا يعبر عن الواقع الروسي الراهن .

بعد برودسكي وسولجنتسن لا يوجد كاتب أو شاعر روسي واحد يحظى بنفس القدر من أعجاب القراء في الغرب . الجمهور الذي يقرأ الأدب الروسي ، حتى اليوم ، يتألف أساساً من المهاجرين والمغتربين الروس في الدول الغربية ، وحفنة من المهنيين في كل بلد غربي ، ومعظمهم من أساتذة وطلاب أقسام اللغة الروسية أو الأدب الروسي ، وكذلك الأجانب من خريجي الجامعات والمعاهد الروسية. 

يقول اصحاب دور النشر الغربية أنهم يريدون روايات روسية عن الواقع الروسي ، ولكن مثل هذه الروايات نادرة في الأدب الروسي المعاصر . ولم يظهر في روسيا خلال العقدين الأخيرين أي عمل أدبي ممتع ورفيع المستوى فناً وفكراً  ، يمكن أن يجذب انتباه القاريء الغربي العادي ، ويثير اهتمام النقاد الغربين ويدخل ضمن قائمة الكتب الأكثر رواجاً ، كما هو الحال مع الأعمال الأدبية الخالدة  لعمالقة الأدب الروسي الكلاسيكي.

مائة صنف من السجق وفكرة واحدة

اجرت  الصحفية والمترجمة  الفنلندية كريستينا روتكيرش – التي تكتب باللغتين السويدية والفنلندية - لقاءات صحفية مع احد عشر كاتبا روسيا مشهورا تحدثوا خلالها عن سيرهم الذاتية واعمالهم واساليبهم وتجاربهم في الكتابة ( بوريس اكونين ، يفجيني غريشكوفيتش ، أدوارد ليمونوف ، يوري ماملييف ، فيكتور بيليفين ، لودميلا بيتروشيفسكايا ، نينا سادور ، فلاديمير سوروكين ، تاتيانا تولستايا ، لودميلا اوليتسكايا ، ميخائل شيشكين )  . وقد جمعت روتكريش نصوص هذه اللقاءات في كتاب صدر قبل بضع سنوات في ستوكهولم باللغة السويدية بعنوان " لقاءات مع أحد عشر كاتبا روسياً "، ثم قامت بترجمة الكتاب الى اللغة الفنلندية ونشره تحت عنوان " مائة صنف من السجق وفكرة واحدة " . ان عنوان هذا الكتاب هو ( باروديا ) أي محاكاة ساخرة وتهكم على روسيا ، التي تسعى لبناء اقتصاد السوق . حيث تجد في متاجرها اليوم أصنافاً كثيرة من السجق ، الذي كان شحيحاً في الحقبة السوفيتية .ولكن الأدب الروسي يعاني اليوم من ظاهرة الـ( غرافومانيا )،  وشحة الأفكار الملهمة .. وبين احد عشر كاتبا لا يوجد من يكتب الأدب الحقيقي سوى شيشكين ، و اوليتسكايا ، التي يعرفها القاريء العربي بعد ترجمة روايتها الممتعة " سونيشكا" الى اللغة العربية . وهي روايتها الأولى التي نشرت في موسكو عام 1992 وترجمت الى العربية بعد حوالي ربع قرن . ولأولتسكايا روايات وقصص كثيرة ، وتحظى أعمالها بشعبية واسعة في روسيا والعالم حيث ترجمت الى أكثر من 25 لغة أجنبية ، وحصلت على عشرات الجوائز الروسية والأوروبية ، بينها جائزة " البوكر " في عام 2001.  .

شحة الأفكار والبؤس الإبداعي لنجوم الأدب الأستهلاكي هي نتيجة طبيعية لأنعزالهم عن الواقع الأجتماعي . هذا الواقع الحافل بالتناقضات الحياتية والإنسانية التي يمكن أن يستمد منها الكاتب الروائي والقصصي آلاف الحبكات الممتعة . ولكن للسوق قوانينها ، وهذا هو الحال في كل بلد يتحول فيه الأدب الى سلعة في السوق ، ولا يقتصر الأمرعلى روسيا وحدها. 

Attachments area

 

 

مفارقات المشهد

الأدبي الراهن في روسيا

 

جودت هوشيار

كانت الدعاية السوفيتية لا تمل من تكرار مقولة مفادها ، ان الشعب السوفيتي  يتصدّر قائمة الشعوب القارئة في العالم ، في حين إننا نعلم  أن معدل القراءة في الولايات المتحدة الأميركية وانجلترا وفرنسا واسبانيا وألمانيا وايطاليا كان أعلى من الإتحاد السوفيتي قبل انهياره و من روسيا حالياً . ولكن يمكن القول ان الشعب الروسي – وليس السوفيتي -  كان اكثر الشعوب القارئة للأدب الجاد وإهتماماً بالثقافة العالية والفنون الجميلة . وربما كانت  ندرة أدب التسلية والخيارات الترفيهية الأخرى أحد أسباب هذا الأهتمام  ، ولكن ليس السبب الرئيسي بأي حال من الأحوال

كان الأدب  الرفيع دائماً أحد أهم روافد تكوين الشخصية الروسية ، والأدباء العمالقة من شعراء وكتّاب كانوا معلمي الشعب ، ويلعبون دوراً كبيراً في تشكيل القيم الروحية والفنية والجمالية للجمهور القاريء . وهذا الدور هو الذي دفع الشاعر يفغيني يفتوشينكو الى القول ان" الشاعر في روسيا أكثر من شاعر " . و هوعنوان قصيدة شهيرة  له ذهب مثلاً يتناقله الأدباء والمثقفون الروس كثيراً . ويمكن القول أن الكاتب في روسيا كان أيضاً أكثر من كاتب .

لقد اتيح لي أن أعايش ذلك عن قرب عندما كنت طالباً في موسكو في الستينات من القرن الماضي . كانت قيمة أي شخص تقاس الى حد كبير وخاصة عند الجنس اللطيف بمدى عمق ثقافته العامة واطلاعه على روائع الآداب والفنون الروسية والأجنبية ، وكان من الصعب نيل اعجاب أي فتاة أو سيدة اذا لم يكن  المرء مطلعا على النماذج الرفيعة للآداب والفنون . وتحضرني في هذا السيلق طرفة حقيقية بطلها زميل عراقي كان يواصل دراسته في موسكو . فقد سمع هذا الزميل أن أفضل طريقة لكسب اعجاب الفتيات الروسيات هي ان تحدثهن عن انهماكك في قراءة الروائع الأدبية ومناقشة مضامينها معهن . تفاخر زميلنا امام صديقته الجديدة  بأنه يعكف الآن على قراءة رواية " آنّا كارينينا " لليف تولستوي . والمعروف أن الكاتب العظيم استهل هذه الرواية  بالفقرة الشهيرة التالية: “كل الأسر السعيدة تتشابه، ولكن كل أسرة شقية فريدة في شقائها " وبطبيعة الحال فإن الفتاة كانت قد قرأت هذه الرواية الرائعة ، ربما أكثر من مرة ، لأنها ( الرواية ) كانت ضمن مادة " الأدب " في المرحلة الثانوية . قالت الفتاة على أمل أن تعرف انطباع الطالب الأجنبي عن رائعة تولستوي:

كل الأسر السعيدة تتشابه، ولكن كل أسرة شقية فريدة في شقائها"

قال الطالب العراقي :

 - لم أصل بعد الى هذه الصفحة!

نظرت الفتاة اليه في دهشة وارتياب وتركته الى غير رجعة .

وقد اتسع نطاق الأهتمام بالأدب الجاد في الحقبة السوفيتية ليشمل الملايين من العمال والفلاحين الذين تعلموا القراءة والكتابة بعد فرض التعليم الألزامي .

ولكن النظام الشمولي كان يقمع المبادرات الشخصية وكان الادب عموما والمحظور منه خصوصاً بديلاً عن المعارضة السياسية الى حد كبير،  و يشكل عالما موازياً من الخيال أكثر رحابة، يستمتع القاري بالتجوال فيه و نسيان ما يعانيه من ضغوط نفسية وقمع للحريات الشخصية . و كان كل شخص شغوف بالقراءة  يتابع الأصدارات الثقافية الجديدة ، ويحاول بشتى السبل الحصول على نسخة من أي كتاب قيّم روسي أو أجنبي محظور ، ويلجأ أحياناً الى شراء الكتاب من السوق السوداء بأضعاف ثمنه الرسمي . فعلى سبيل المثال كانت نتاجات " فرانز كافكا " محظورة تماماً وغائبة عن الساحة الثقافية الروسية حتى سنة 1965 حين صدر مجلد يضم مختارات من رواياته وقصصه القصيرة المترجمة الى اللغة الروسية . وقد شاع خبر صدور الكتاب في موسكو بسرعة البرق . وفي اليوم المقرر لعرض الكتاب للبيع ،اصطف منذ الصباح الباكر طابور طويل من الراغبين في اقتناء نسخة منه امام كل متجر للكتب في موسكو . كان سعر الكتاب حوالي روبلين ، وقد نفد عشرات الألوف من النسخ خلال بضع ساعات .ومن حسن الحظ أنني  استطعت الحصول على نسخة منه بسهولة وان كان بثمن باهظ . كنت أعرف فتاة تعمل بائعة في " بيت الكتب " وهو اسم  أهم وأكبر متجر للكتب في وسط موسكو ، وكانت هي وسيلتي الرئيسية للحصول على الكتب الجديدة لأهم الكتاب والشعراء الروس والأجانب . قالت الفتاة أنها تستطيع الحصول على نسخة من كتاب كافكا بعشرين روبلاً ،  اذا كنتُ راغباً في ذلك . دفعت الروبلات العشرين  وأنا سعيد وممتن  للفتاة ، واليوم كلما ممدت يدي الى هذا المجلد في مكتبتي الشخصية تذكرت على الفور (صديقتي) الجميلة بائعة الكتب في قلب موسكو.

   الرقابة الأيديولوجية والتحدي للمحظور

الرقابة الأيديولوجية المتزمتة على المطبوعات كانت – ويا للمفارقة –  تشكل الذائقة الأدبية لملايين القراء في روسيا ، و تقدم خدمة مجانية لمؤلف أي كتاب  تقوم بمنعه من النشر . فيلجأ صاحبه الى نشره في احدى الدول الغربية ، مما يؤدي الى حظر تداوله في روسيا وتوبيخ الكاتب ، وربما زجه في أحد المصحات العقلية أو النفسية أو طرده من البلاد ، وإسقاط الجنسية السوفيتية عنه . وفي الوقت نفسه كان هذا الحظر أفضل دعاية مجانية لكتابه. كانت النسخ المتسربة من الكتاب الى داخل البلاد  تعاد طباعته على الآلات الكاتبة اليدوية أو تستنسخ سراً بوسائل بدائية حسب تقنيات الأستنساخ في تلك الفترة ، كنوع من التحدي للمحظور ، وتنتشر انتشار النار في الهشيم . لأن القراء كانوا يعتقدون أن الكتاب المحظور لا بد أن يكون جيدا أو مثيرا في الأقل . وكانت النسخة الواحدة تنتقل من يد الى يد بين عشاق القراءة حتى تبلى تماما .

الأدب والصدمات الأقتصادية

في زمن التحولات السياسية العاصفة ، والفترات الإنتقالية المضطربة تتوحش المجتمعات ، وينعكس ذلك بشكل كارثي على حال الثقافة والأدب ومدى الأقبال على القراءة ، حيث يعزف الناس – ما عدا قلة من المحترفين  - عن قراءة الأعمال الأدبية ، ويصبح الأمن والخبز الشغل الشاغل للغالبية العظمى منهم وليس شراء وقراءة الكتب  . وهذه حقيقة صارخة تتجلى بأوضح صورها في كل بلد تعرّض الى تغيرات دراماتيكية في انتقال السلطة أو أزمات اقتصادية خانقة ، وروسيا ليست استثناءاً من هذه القاعدة.

بعد تفكك الإتحاد السوفيتي شهدت روسيا في مطلع التسعينات العصيبة  ضائقة اقتصادية خانقة  ، وانخفاضاً في مستوى معيشة عموم المواطنين ، ما عدا فئة قليلة من الأثرياء الجدد ، الذين تفننوا في الأستيلاء على ثروات البلاد وممتلكات الدولة بأسم الخصخصة . كان هذا في عهد يلتسن، الذي شهد تجربة العديد من الصدمات الأقتصادية الفاشلة، والإتجاه نحو اقتصاد السوق ، وفي الوقت نفسه كان زمن اطلاق حرية التعبير الى حد كبير ، وإلغاء الرقابة الأيديولوجية على المطبوعات  ، وإلغاء دور النشر الحكومية  ، وتأسيس دور نشر خاصة ، وقد تحولت هذه الدور بمضي الزمن الى مؤسسات لا يقتصر عملها على نشر الكتب وتوزيعها فقط ، بل الترويج على نطاق واسع لمنشوراتها عبر وسائل الأعلام ، والأنشطة ( الثقافية ) .

 الأسعار المرتفعة لأصدارات تلك الدور في ظروف الأزمة الإقتصادية أدى الى تدني معدل القراءة . وتشير الأستبيانات الحديثة الى أن 40% من الروس لا يقرؤون الكتب قط، و50% منهم لا يشترونها ، و 34% منهم ليس في بيوتهم ولو كتاب واحد ، و80% من المواطنين لا يقرؤون الصحف والمجلات الورقية . ويفض الجيل الجديد القراءة الخفيفة والسريعة على صفحات مواقع التواصل الأجتماعي . وفي كل عام يتقلص عدد متاجر الكتب في موسكو والمدن الأخرى وما تبقى منها تقوم ببيع اللوحات الفنية والهدايا والقرطاسية الى جانب الكتب ، التي ما زالت تشغل مساحة كبيرة  فيها بطبيعة الحال ، وأحياناً نجد أن جزءا من المتجر قد تحول الى مقهى مزود بخدمات ( الواي فاي ) .

الأدب الأستهلاكي

  عندما يزور المرء اليوم  متاجر الكتب الرئيسية في موسكو سيرى صفوفا طويلة منتظمة من الكتب الجديدة على الرفوف ، مما يوحي – لأول وهلة -  بغزارة الأنتاج الفكري والأدبي ،  وخاصة الروايات - ذات ألأغلفة الملونة اللامعة ، والعناوين الجذابة -  التي تحمل صور حسناوات في اوضاع مثيرة ، و مصاصي دماء ، ورجال عصابات يطلقون النار . أغلفة وعناوين لا تعكس في أغلب الأحيان مضامين تلك الروايات الرديئة، التي لا علاقة لها بالأدب الحقيقي بأي شكل من الأشكال. فهي تضم بين دفاتها قصصاً ملفقة عن ( بطولات ) عصابات الجريمة المنظمة ، أو مغامرات  بوليسية أو جاسوسية أو حكايات ايروتيكية عن مغامرات  نسائية في المنتجعات الصيفية . كتابات تهدف الى إثارة الفضول والدهشة بلغة سوقية متدنية.  ،وتتضمن الكثير منها وصفاً لشتى أنواع العنف والشذوذ الجنسي والإنحراف السلوكي والإختلال النفسي والعقلي ، وشتى اشكال الغرائبية الفجة ، البعيدة كل البعد عن الواقعية السحرية لأدب بلدان أمريكا اللاتينية. ومعظم ما تنشره دور النشر والإشهار الروسية اليوم هو من هذا النوع السطحي من الأدب الأستهلاكي  . والمشكلة لا تكمن في وجود مثل هذا النوع من الأدب، فقد كان موجوداً طوال تأريخ الأدب ، وهو موجود اليوم في كل أنحاء العالم ، بل ويتصدر المبيعات ، وخاصة الروايات الشعبية ( البوب أرت )  التي يقبل عليها الناس لتمضية الوقت في صالات الإنتظار ، وفي عربات السكك الحديد ، وعلى شواطيء البحر ،  ثم يرمونها في سلة المهملات . وفي العادة لا يهتم النقاد كثيراً بهذا النوع من الأدب ، رغم رواجه ، بل يتركز اهتمامهم على الأدب الجاد . ولكل من هذين النوعين جمهوره .  أما في روسيا فلا يوجد ما يقابل طوفان الأدب الرخيص ، فقد أخذ كل من هب ودب يؤلف القصص والروايات الهابطة كأسهل طريقة للحصول على المال  . ونظراً لقة الإقبال على القراءة فقد انخفض عدد النسخ المطبوعة من كل كتاب ، بحيث لا يتجاوز عدة آلاف نسخة . وتدفع دور النشر الى المؤلف مكافأة  متواضعة تبلغ حوالي  (1000)  دولار عن رواية من مائة الف كلمة مثلاً . لذا يضطر المؤلف الأستهلاكي الى كتابة رواية كل شهر أو شهرين لسد نفقات معيشته وكثيرا ما يشتغل في مهن أخرى لا علاقة لها بالأدب . ما عدا شلة من نجوم الأدب الهابط الذين تتبناهم  دور النشر والإشهار التجارية الكبرى ، وتحولهم بفعل فنون الترويج والتسويق والتواصل الى ماركات رائجة في السوق .

جناية دور النشر على الأدب

أشهر كتاب الرواية في الأدب الروسي اليوم هم من صنع دور النشر الكبرى ،  التي يهيمن خبراؤها على لجان التحكيم للجوائز الأدبية ،  وتعمل ليل نهار حملات دعائية واسعة النطاق ، وعبر كل السبل لعدد قليل من الروائيين الإستهلاكيين والإحتفاء بهم ، ونشرالمقالات ( النقدية) المدفوعة الثمن عن أعمالهم ، واجراء المقابلات الصحفية  معهم . وقد اتقن هؤلاء(الكتّاب ) أنفسهم لعبة ( صنع كاتب شهير ) كماركة تسويقية رائجة ، فأخذوا يشاركون في االإحتفالات  والمهرجانات بالقاء كلمات أمام عدسات وسائل الإعلام ، ويلتقون بالجمهور القاريء في القاعات والنوادي وحفلات توقيع الكتب الجديدة ، وتقوم متاجر الكتب بوضع صورهم في واجهاتها ، كل هذا الجهد الدعائي الهائل يهدف الى تضليل المتلقي، والإيحاء له بأن هذا النوع من الأدب الرديء هو الأدب الحقيقي. فالميديا بشتى وسائلها الفعالة والمغرية هي سيدة الموقف ، تصنع الكتّاب المشهورين وتقدمهم طعما للقاريء الساذج . والروس اناس طيبون يثقون بالدعاية  التجارية المغلفة بمهارة .

ويلعب التلفزيون الروسي دوراً ممائلاً أو مكملاً  لدور دور النشر والإشهار ، فقد أصبحت قنواته العديدة ميدانا يصول ويجول فيه نجوم الأدب الأستهلاكي و النقاد المنافقون ،الذين تستضيفهم تلك القنوات ليتحدثوا عن أشياء ( مثيرة ) :  كيف يمضون أوقاتهم ، وماذا يأكلون ويشربون ، وأي الأزياء – من الماركات العالمية 

يرتدون . وكيف أن الحياة حلوة في المجتمع الإستهلاكي  . اما الذي لا يستطيع السكوت ويقول الحقيقة فلا فرصة امامه للظهور في التلفزيون .

التقد الأرتزاقي

من يطلع على مقالات ( النقاد ) الروس العاملين في خدمة دور النشر والإشهار ، ربما يتساءل بينه وبين نفسه : أيهما أسوأ الأدب الروسي الأستهلاكي أم النقد الإرتزاقي  المصاحب له  ؟ 

يفتقر المشهد الأدبي الروسي اليوم الى النقد الأدبي الحقيقي الذي خلق ليواكب الإبداع ، فهناك عدد كبير من تجار النقد الدعائي ، الذين يقومون بتدبيج مقالا ت في مديح فئة من الكتّاب المزيفين وتلميع صورهم بتكليف من تلك الدور . ليس في مقالات هؤلاء ( النقاد ) لا عرض لمحتوى العمل الأدبي ، ولا تحليل لمضمونه واسلوبه ، ولا تقييم لجوانبه الأيجابية والسلبية ، بل  كليشيهات مستهلكة من قبيل : " رواية رائعة " و " كاتب عبقري" و " اسلوب جديد " وما الى ذلك من العبارات الجاهزة، التي فقدت معناها الحقيقي في مثل هذه المقالات . ولا يوجد في  .روسيا اليوم سوى قلة نادرة من النقاد الذين يقومون بعرض موضوعي للأصدارات الجديدة.وتحليل مضامينها، وأساليب كتابتها . وهو نقد بنّاء يساعد القاريء في اختيار ما يستحق القراءة ، في هذا البحر المتلاطم من الأدب  الرديء.

ومثل هذا النقد البنّاء ، رغم ندرته يلقى ترحيباً من الجمهور القاريء الواعي الذي يميز بين الأدب الجاد والأدب الأستهلاكي  ، ولكن أصوات النقاد الحقيقين الهادئة تضيع  بين  ضجة الأصوات الصاخبة - للنقاد المزيفين ، والكتبة الأستهلاكيين أنفسهم - التي توهم القاريء بإن هؤلاء الكتبة ، هم الذين يمثلون الموجة الجديدة ( المبدعة ) في الأدب الروسي المعاصر . ولكن من هم أبرز ممثلي الموجة المزعومة ؟ . انهم مجموعة صغيرة لا يتجاوز عديدها عدد أصابع اليدين  بين  حوالي 750 روائيا وقاصا ينتجون الأدب الأستهلاكي . هؤلاء الكتبة المحظوظون يحملون  اسماء غير روسية ( بريليبين ، بيليفين ، أكونين ، وغيرهم ) من الطارئين على الأدب ، وهم يتفاخرون أنهم لا يقرؤون الأدب الكلاسيكي ، بزعم انتهاء صلاحيته ، بل انهم لا يمتلكون ناصية اللغة التي يكتبون بها ،  ولهذا تجد أن نتاجاتهم زاخرة بالأخطاء المضحكة - التي لا يرتكبها حتى تلميذ في المرحلة الإعدادية. من قبيل : " انفصل عن زوجته ، وأخذ يتعشى على معاش أمه " أو " أفرز الفلاح العرق بأعداد لا حصر لها " هذا ما كتبه  " زخار بريليبين " احد اشهر الكتاب الاستهلاكيين في روايته المعروفة  " سانكا ". ويزعم النقد المزيف أن نتاجات هذا الكاتب تعكس " فوضى الواقع " في حين انها لا تتعدى فوضى الكتابة كيفما أتفق  .

 هناك كاتب آخر أكثر مهارة من بريليبين اسمه فلاديمير سوروكين ولا يقل شهرة عن زميله صاحب " افراز العرق بأعداد لا حصر لها ".

سوروكين يشكل رواياته من مشاهد متنافرة ومتناقضة، و يستخدم قاموساً متدنياً لفظياً ومعنوياً يتضمن أحط الألفاظ والنعوت والشتائم ، وعلى نحو لا يختلف كثيراً عن الكتابات التي يدونها المراهقون على حيطان دورات المياه العامة. وهو مهتم فقط  بالنصف السفلي من جسم الإنسان ولا علاقة له  بالنصف العلوي أي بالعقل والقلب والعاطفة .

ثمة مثل روماني قديم يقول ان الورق يتحمل كل شيء ، ولكن مهما حاولت أن أنقل هنا مقاطع من كتابات سوروكين ، كأمثلة على انحداره الشائن ، و خوائه وضحالة فكره  ، فإن  قلمي لا يطاوعني . لأن كتاباته البورنوغرافية البذيئة  تفوح منها رائحة نتنة ومقززة تثير الغثيان .  اما بقية الشلة من نجوم الأدب الرديء فهم لا يختلفون كثيراً عن بريليبين وسوروكين ..

أوجه الأختلاف بين الأدب الحقيقي والأدب المزيف

الكاتب الحقيقي يخلق عالمه الخاص ، والأدب الحقيقي يستمد قيمته من جماليته و تعبيره عن عوالم الأعماق ، وكونه شهادة إنسانية عابرة للزمان والمكان ، ففي أساس كل ادب حقيقي هناك سعي لفهم الحياة وادراك قضايا الوجود الأنساني وايجاد الشكل الملائم لأيصال ذلك الى الجمهور القاريء. اما اساس الأدب الأستهلاكي فهو انتاج سلعة قابلة للبيع والتسويق . وثمة فرق جوهري آخر بين هذين النوعين من الأدب  يكمن في اختلاف الدافع للكتابة ، الذي يحدد علاقة المؤلف بالجمهور القاريء . الكاتب الحقيقي صادق مع نفسه ومع الجمهور القاريء .ويقول الحقيقة دائماً  ويصطدم بالسلطة أحياناً .

 يزعم اصحاب دور النشر والإشهار الروسية  ان الأدب الجاد لا يلقى رواجاً تجاريا ، وهذا ادعاء باطل، لأن ثمة العديد من الكتاب الروس المشهورين لمعت اسماؤهم بعد نشر نتاجاتهم في الغرب وترجمتها الى عدد من اللغات الحية في العالم .

إن الدافع الأساسي لتغليب الأدب الهابط واكتساحه للمشهد الأدبي الروسي هو تخدير وعي الجماهير ، وإلهاء الناس عن همومهم الحياتية ، وزرع الأنانية في النفوس  وتحويل المجتمع الروسي الى مجتمع مادي استهلاكي ، لا يعنى كثيراً بالقيم الأنسانية والأخلاقية والجمالية ،

الأصوات العالية اليوم في الساحة الأدبية الروسية،  ليس أصوات الكتاب المجيدين الذين لديهم ما يقولونه ، بل أصوات من تتاح لهم فرصة القول .، ولهذا السبب تحديدا ، فإن الأدب الأستهلاكي الروسي أشبه بأرشيف مستشفى للأمراض العقلية ، على حد وصف كاتبة و ناقدة روسية معروفة هي سفتلانا زامليلوفا . .

 الأدب الروسي الحقيقي المعاصر يقبع الآن في السراديب والأقبية ،أو ينشر في الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة .ولا يمكن القول أبداً ،ان ليس ثمة أدب حقيقي أو أدباء كبار في روسيا اليوم ،  فثمة العشرات منهم ، لكنهم وحيدون ومعزولون ومغيبون ، ليس اختياراً ، بل بفعل سياسة دور النشر الإحتكارية ، التي لا تهتم سوى بنجوم أدب التسلية ، ولكن تلك مسألة وقت فقط ، فروسيا زاخرة كالعادة باصحاب المواهب الأدبية الكبيرة الذين يحترمون ذواتهم ويربأون بأنفسهم عن مجاراة دور النشر التجارية وتقديم مواضيع محل الطلب . ويعملون  بكل جد لخلق أعمال أدبية جديرة بالتأريخ المجيد للأدب الروسي العظيم 

 

 

مصير الرواية في العصر الرقمي

جودت هوشيار

حق التجربة في الفن – حق مطلق ومقدس ، ومن دون ذلك ، يتحجر الفن في قوالب جامدة ومحنطة ، ويصبح عاجزاً عن الوفاء بحاجة التعبيرعن هموم اللحظة الحضارية ، والكشف عن التناقضات الجوهرية للواقع الإجتماعي ، والنفاذ الى أعماق الحياة ،  دائمة التغيّر والتحول .

الفن لا يصدر من معاناة قوية للواقع فقط ، بل لابد له أيضاً من اكتساب شكل موضوعي ملائم .وما يبدو من حرية الفنان وسهولة أدائه ، إنما هو نتيجة لتحكمه في مادته . وهذا التحكم ، إن هو الا ثمرة لتجارب إبداعية مضنية ، و إبتكار أشكال جديدة لأحتواء المضامين الجديدة ، التي لا تستوعبها الأشكال المستهلكة .وربما لا نجانب  الصواب ، إذا قلنا انه ليس ثمة فن عظيم بلا تجارب عظيمة وجريئة على صعيد الأشكال الفنية ، والأساليب ، والأدوات التعبيرية .

كان تطور الفن الروائي – كأي فن آخر – مرتبطاً دوماً بتجارب إبداعية  جديدة ورائدة. ويكفي أن نتذكر في هذا الصدد تجارب الروائيين الكلاسيكيين الروس والفرنسيين ، وتجارب الروائيين المحدثين : " يوليسيس" لجيمس جويس ، و" البحث عن الزمن الضائع " لمارسيل بروست ، والروايات الثلاث " القصر " و "المحاكمة " و " أميركا " لفرانز كافكا ، وروايات اخرى كثيرة .

 ولكن بعض التجارب الشكلية العقيمة في الأبداع الروائي ، التي يصعب قراءتها – ليس لأنها جديدة على صعيد الشكل والمضمون ،  بل لأنها -على النقيض من أنواع الروايات الإبداعية - أجزاء مفككة ، وليس فيها حبكة سردية واضحة ، ويغيب عنها منطق السبب والنتيجة ، ولا يعرف القاريء من هو البطل ، حيث يتركز الإهتمام على الأسلوب أو الشكل والهيكل . وهي تجارب صاحبتها ضجة اعلامية هائلة ، وأصابت القراء – حتى المثقفين منهم ، المتابعين لكل ما هو جديد حقاً في الأدب العالمي - بخيبة أمل شديدة.

قال  جان- بول سارتر على إثر أفول موجة " الرواية الجديدة "  : "ان الرواية قد وصلت الى طريق مسدود ، وانها في طريقها الى الزوال ، وهي الآن تحتضر ، وتفقد يوما بعد آخر أهميتها ومكانتها ، ولن يمضي زمن طويل حتى تحل محلها الألوان الفنية والأدبية الجديدة الأكثر قدرة على التعبير عن روح العصر ، وعلى التواصل والتأثير .وإن الادب الوثائقي او التسجيلي هو ادب المستقبل ، لأنه أكثر إستجابة لمتطلبات المجتمع ، وحاجات العصر ". كان سارتر على حق حين تنبأ ببروز الرواية الوثائقية ، التي احتلت في السنوات اللاحقة مكانة بارزة  في الأدب الروائي ، ولعل منح جائزة نوبل في الآداب لعام 2015 الى الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا الكسيفيتش خير دليل على ذك  ، وهي التي لم تكتب خلال رحلتها الأدبية التي ناهزت ثلاثين عاماً ، سوى الروايات الوثائقية . الكسيفيتش تلتقي مئات الأشخاص  وتستمع الى مئات القصص الموجعة التي تمزق القلب ، وتنتقي الحوادث والحقائق الأكثر أهمية ، وتعيد صياغتها بشكل فني ، ورواياتها لا تقل روعة وتأثيراً عن أي رواية كلاسيكية جيدة.

الرواية بشتى أنواعها ، وخاصة الرواية الخيالية لم تصل الى طريق مسدود ، على خلاف توقعات سارتر . وهي عصية على الموت .ولكنها تأثرت الى حد بعيد بالتطورات العاصفة التي حدثت في وسائل الإتصال الجماهيري ( السينما ، والإذاعة ، والتلفزيون ، والإنترنيت ، والوسائط المتعددة ) التي أصبحت مصادر أساسية لتقديم المعلومات وتلبية الحاجات الجمالية والثقافية للأنسان .ذلك لأن هذه الفنون الجديدة – وهي وليدة التورة المعاصرة في العلم والتكنولوجيا – تتميز عن الفنون الكلاسيكية ، وفي مقدمتها الرواية بعدة خصائص بالغة الأهمية . فهي قبل كل شيء فنون تتمتع بحيوية فائقة ، وسرعة عظيمة تجعل الفاصل الزمني بين خلق الأعمال الفنية ، وبين تقديمها الى المتلقي قصيرا للغاية ، بينما كان هذا الفاصل ، وما يزال طويلاً الى حد كبير بالنسبة الى الرواية  الورقية  المطبوعة . لنقارن مثلاً بين نقل أحد العروض المسرحية عن طريق التلفزيون ، وبين دفع الرواية المخطوطة الى المطبعة ، والمدة الزمنية التي تستغرقها عملية الطباعة والنشر والتوزيع ، وأخيراً إقتناء الرواية من قبل القاريء، وتفرغه لقراءتها .

ويمكن القول ان هذه الفنون قد ساعدت على إشاعة الديمقراطية الثقافية  ، وأتاحت الفرصة لملايين البشر للأطلاع على النتاجات الفنية ، بعد أن كانت هذه النتاجات حكراً على فئة صغيرة من المثقفين . وعلى الرغم من الزيادة  المضطردة في أوقات

الفراغ التي وفرها التقدم العلمي – التكنولوجي ، الا ان وسائل الاتصال والاعلام الحديثة مثل التلفزيون والإنترنيت ، وخاصة مواقع التواصل الإجتماعي ، تستحوذ على الجزء الأكبر من أوقات الفراغ لدى الجمهور الواسع - رغم أنها وسائل سلبية ، لا تترك أثراً في النفس ، ولا حاصلاً في الذهن -  ذلك لأن هذه الوسائل لا تتطلب الا جهداً ضئيلاً لأستيعاب البرامج ، التي تقدم من خلالها. وهذا أمر مهم للغاية ، لأن الحياة المعاصرة تميل الى التعقيد والتشابك ، وتفرض على الإنسان ضريبة باهظة من ذهته وأعصابه ، وتحاصره ، وتسلب حواسه ووقته بشتى الوسائل . ولهذا السبب تحديداً نجد الإنسان المعاصر لا يملك الوقت الكافي للقراءة ، الا في فترات قصيرة وعابرة ( في القطار أو الباص أو الطائرة أو قاعات الإنتظار). وقلما نجد اليوم شخصاً يخصص أمسية كاملة لقراءة رواية ما - اذا استثنينا بطبيعة الحال محترفي الأدب ، ونحن نتحدث هنا عن المتلقي العادي . ولم يحدث في التأريخ قط أن مارس فن من الفنون تأثيراً عظيما كالذي تمارسه اليوم وسائل الإتصال الحديثة .

لم يعد القاريء يبحث اليوم في الرواية عن الجوانب الغامضة لحياة الفرد او المجتمع في هذا البلد او ذاك ، أي انها لم تعد المصدر الوحيد للمعلومات ، كما كانت في الماضي . فثمة وسائل أخرى كثيرة أكثر قدرة على التوصيل الآني السريع . كما أن الرواية تخلت عن القيام بالوظائف التي أصبحت اليوم مادة لبعض العلوم الإنسانية كعلم النفس مثلاً . ولكن للرواية وظائف أخرى لا يمكن أن تنهض بها العلوم الإنسانية ، ولا الوسائل الإعلامية ، ولا الفنون الأخرى مجتمعة .

. ومن هذه الوظائف وصف وتحليل النفس البشرية في أدق خلجاتها وأوعى أحاسيسها ، والتي تختلف عن أية نفس بشرية أخرى .

ان وظائف ، الرواية كما الفنون الأخرى لا بد أن تكون فردية ، ممعنة في الفردية ، على العكس من وظائف العلوم الإنسانية ، التي تميل بطبيعتها الى التعميم . كما أن الرواية تقوم في الوقت ذاته بتحديد المعايير الجمالية والأخلاقية ، والبحث عن معنى الحياة ، ومصير المجتمع الإنساني . لهذا فإن الرواية لا يمكن أن تموت أبداً. فليس ثمة مجال علمي واحد يمكن أن ينهض بهذه الوظائف جميعاً.

ان الباحث العلمي – بصرف النظر عن المجال الذي يعمل فيه – يحاول الإلتزام بأقصى درجات الموضوعية ، وذاتيته المتفردة تخضع لمنهج البحث وأهدافه . أما الكاتب الروائي فإنه يحاول التعبير عن ذاته المتفردة بأعماله الإبداعية . ولهذا فان هذه الأعمال تعبرعن علاقة الكاتب الذاتية بعالم  الحقائق والقيم والأفكار ، التي تتكون منها الحياة الإنسانية. ولهذا السبب تحديداً ، نجد أن النصوص العلمية تفقد أهميتها بمرور الزمن ، أما روائع الآثار الفنية فانها خالدة . فالحقائق العلمية الجديدة تنفي سابقاتها ، أو تصححها ، أوتعمقها. ولكن لا يمكن لأية حقائق جديدة أن تسلب الآثار الفنية قيمتها وأهميتها.

حقا ان الروايات العظيمة تشكل مصدرا مهما للمعلومات عن العصور التأريخية ، كرواياتت تولستوي ومسرحيات شكسبير على سبيل المثال . ولكن القيمة الفنية لهذه الأعمال لا تتضاءل مع تعاظم معلوماتنا عن نابليون أو ريتشارد الثالث عن طريق المصادر التأريخية الموثوقة . وثمة مجالات فكرية وثقافية واسعة –تعالجها الرواية - ليس بوسع السينما أو التلفزيون أو أي وسيلة فنية أخرى أن تقتحمها . ولكن وجود هذه المنافسة يجب ان يكون حافزا للبحث عن اشكال جديدة لأحتواء المضامين الجديدة. وهذا يعني ان كتابة الرواية اليوم هي أصعب من أي وقت مضى .

لا يمكن للروائي المعاصر أن يكتب روايته ، كما كان يكتبها تولستوي او بلزاك أو فلوبير ، أو حتى جويس أو بروست أو كافكا . لأن الأدب الروائي كأي نشاط فكري وفني آخر للبشر وثيق الصلة بالظروف التأريخية . وان القوانين والأساليب والأنماط الإبداعية في أي مجال من مجالات النشاط الفكري الإنساني دائمة التغيّر والتطور . ولكن اذا كانت مهمة الرواية  قد أصبحت أكثر صعوبة وتعقيدا ، فإن ذلك يجب ان لا يقود الروائي الى التخلي عن المحاولات الإبداعية التجريبية . وليس ثمة طريقة أخرى لأحتفاظ الرواية  بمكانتها المتقدمة بين الأجناس الأدبية ، وإزدهارها في العصر الرقمي ، سوى البحث عن أشكال تعبيرية جديدة أكثر قدرة على التوصيل .

 

 

أشهر وصية في

التاريخ أَوقصة جوائز نوبل

جـودت هوشيار

             

الفرد نوبل – عبقرية علمية فذة ، يرتبط اسمه في المقام الأول باختراع الديناميت ومتفجرات اخرى  فتاكة ,وان كان له عدد كبير من الإختراعات المهمة الأخرى ، التي لا علاقة لها بالأنتاج الحربي ، ولكن اسم نوبل يقترن ايضا في اذهان المعاصرين وعلى نحو راسخ بجوائز نوبل العالمية ذات المكانة الرفيعة ،  والتي تأسست بناءاً على وصيته الشهيرة . ولا يعرف سوى عدد ضئيل من الناس كيف طرأت فكرة هذه الجوائز في ذهن نوبل , ذلك لأن حياته ظلت الى عهد قريب تكتنفها الاسرار ويلفها الغموض . ورغم ان اختراعاته المثيرة قد جلبت له مجداً عريضاً وثروةً طائلةً , فقد كشفت الدراسات التي أجريت مؤخرا , انه ظل الى اخر يوم في حياته يعاني من الوحدة والعزلة , وسنحاول في الفقرات اللاحقة القاء الضوء على حياته المليئة بالانجازات العلمية الباهرة من جهة والحزن والاحباط واليأس من جهة اخرى ، أضافة الى تصحيح بعض الآراء الخاطئة الشائعة عن أسباب قيامه بتخصيص ثروته الطائلة في سبيل التقدم العلمي والثقافي وتوطيد السلام في العالم ، هذه الاراء ، التي لا تمت الى الحقيقة بصلة , من قبيل الرأي السطحي القائل ان نوبل قد شعر بالندم للنتائج المرعبة التي ترتبت على اختراعاته العلمية ، فقرر التكفير عن (ذنوبه) بتأسيس الجوائز المعروفة بأسمه , ان الحقيقة أعمق من ذلك  بكثير , فقد أقدم الفرد نوبل على هذه الخطوة بعد معاناة طويلة على امتداد سنوات عديدة وجاءت كمحصلة طبيعية لفلسفته ونظرته الى الحياة واِلى مستقبل الجنس البشري .

المليونير الحزين

في ربيع العام 1876م نشرت احدى صحف فينا اعلاناً مثيراً بمقاييس ذلك العصر : "رجل كهل ، مثقف وثري  يقيم في باريس ويتقن عدة لغات اوربية , يبحث عن إِمراة في منتصف العمر للعمل بصفة سكرتيرة ومديرة منزل , وقد أستجابت لهذا الاعلان سيدة نمساوية أرستقراطية جذابة تبلغ من العمر (33) عاما ¸هي " بيرتا كينسكي" ، التي كانت في ذلك الوقت مضطرة للعمل كمديرة منزل لكسب قوتها .

 ربما أحست برتا بين السطور مدى الوحدة التي يعاني منها هذا السيد الكهل , وتبين ان الشخص الذي نشر الاعلان كان صادقا تماما , فقد كان ثريا ومثقفا فعلاً ، ويتقن عدة لغات اوربية , وإِن كان من الصعب وصف رجل في الثالثة والاربعين من عمره بالكهل . وحين التقيا في باريس ادركت بيرتا انه يبحث عن ما هو أكثر من مجرد سكرتيرة ، ربما عن زوجة , ومما يؤسف له ان بيرتا كانت تحب رجلاً آخر , وقالت ذلك لنوبل بصراحة , عندما سألها ان كان قلبها خاليا . وبعد اسبوع واحد من مباشرتها العمل عادت الى فينا ولكنها لم تسنطع ابدًا ان تنسى الباريسي الكئيب ، الذي كان من المحتمل أن تقترن به , لو شاءت ذلك وظلت صورة نوبل عالقة بذهنها : رجل لبق ومتواضع الى حد يكاد ان يكون تدميراً للذات , متقلب المزاج بشكل حاد وفجائي – من الانبهار الشديد الى الحزن العميق او اليأس .

لم يكن نوبل يشبه الاخرين من معارفها ،  وظلا صديقين طوال حياته وحتى لحظة وفاته , التي واجهها - بعد عشرين عاما من لقائهما فى باريس -  وحيدا في فيلته بايطاليا , كانت الفيلا فى البداية  تسمى " العش " و هى كلمة  توحي بوجود زوجين , وحينئذ اطلق على الفيلا أسم " نوبل" .  وعلى هذا النحو لم يتزوج ابدا , وأصبحت بيرتا التي لقبت فيما بعد بــ "البارونة فون زوتنر" كاتبة معروفة وداعية ناشطة في حركة السلام الاوربية , وربما كان ذلك  احد الاسباب التي دفعت نوبل الى تخصيص جائزة للسلام ، علاوة على الجوائز المكرسة للأنجازات العلمية والادبية , والتي تمنح سنويا تنفيذا لوصيته.

 في العام 1905م منحت جائزة السلام الى بيرتا ، التي وصفت نوبل بأنه : ( رجل قصير القامة , له لحية سوداء ناعمة وملامح وجه دقيقة , وعيناه الزرقاوان تلمعان بحيوية تحت حاجبين كثيفتين عندما كان في عنفوان شبابه , وبمضي الزمن اصبح تعبير وجهه ذاهلا ، ويكاد يكون حالما .  لم يكن يحب قط ، الوقوف أمام عدسات المصورين , ويتجنب لقاء الصحفيين ويبتعد عن الاضواء  ويحافظ دوما على مسافة بينه  وبين شركائه ومرؤوسيه , وبفضل أختراعاته الخطيرة , إِستطاع ان يجمع ثروة طائلة , كانت  تعتبر من أكبر الثروات خلال القرن التاسع عشر , هذه الثروة أصبحت أساس الجوائز الشهيرة التي أسسها . كان نوبل انسانا مجاملا ومرهف الحس ، ومحل أعجاب كل من عرفه تقريبا . وكانت امه شديدة التعلق به . ولكن شيئا ما في قرارة نفسه كان يجعل حياته  مليئة بالمرارة والاسى ، ويبعث على عدم الرضا عن نفسه , حيث لم يعرف الهدوء في حياته قط ، وليس أدل على ذلك من السيرة الذاتية المقتضبة التي كتبها نوبل :

-         الفرد نوبل : كان على الطبيب الذي أشرف على ولادته ان ينهي وجوده رحمةً به .

-         فضائله الرئيسية : عدم تكوين أسرة , رداءة هضم الطعام .

-         امنيته الوحيدة : ان لا يدفن حيا .

-         الحوادث المهمة في حياته : لا توجد .

لم تكن حياة الفرد نوبل تافهة  على الاطلاق , كما تبدو من هذه السطور الطافحة بالتهكم واليأس ،  بل انها كانت في الواقع محاطة بالدفء والحنان من قبل الاقارب وحافلةً بالانجازات العلمية ، التي أتاحت له جمع ثروة ضخمة ونيل شهرة مدوية . ولكن من طبع اي عبقري ان لا يرضى عن نفسه ابدا , اما الانسان النرجسي فعلى العكس من ذلك يتبجح بفضائله الموهومة ويكيل المديح لنفسه ان لم يجد احدا يفعل ذلك نيابة عنه .

عائلة نوبل

في العام 1827م  اقترن عمانوئيل نوبل (1801 – 1872م ) بكارولين اندرييتا السيل (1803-1889م) وانجبا اربعة اولاد : روبرت ( 1829م) لودفيك ( 1831م ) والفرد (21-10- 1831م واخيرا اميل (1842م ) .

 كان عمانوئيل نوبل مخترعاً موهوباً ورجلاً طموحاً ومغامراً ، وحياته مليئة بالانجازات العلمية والاختراعات المدوية والكوارث , اما كارولين اندرييتا السيل , فقد كانت امرأة قوية العزيمة ومرفأ العائلة في الاوقات العصيبة والشدائد .

وحين أفلس عمانوئيل في السويد , قررت هذه السيدة المكافحة فتح حانوت صغير لبيع المواد الغذائية مما ساعد على توفير الحد الادنى من متطلبات الحياة للعائلة , وأراد عمانوئيل نوبل ان يجرب حظه في بلد اخر , فسافر الى فنلندا في العام 1837م ولكنه لم يلق النجاح،  فشد الرحال في العام 1842م الى بطرسبورغ عاصمة روسيا القيصرية, حيث نجح في أقامة وتشغيل مصنع لأنتاج المكائن البخارية وانواع اخرى من المعدات .وكان اهم نجاح حققه في روسيا هو توقيع عقد مع وزارة الدفاع الروسية لتجهيز الجيش الروسي بانواع الاسلحة والأعتدة ، ولكن القدر تدخل هذ المرة ايضا , فقد انتهت حرب القرم (1853-1856م ) بين روسيا  والدولة العثمانية بانتصار روسيا ، وبذلك أنتفت الحاجة الى السلاح الذي كان يورده عمانوئيل نوبل , وقامت وزارة الدفاع القيصيرية بالغاء العقد الموقع  معه , وأضطر عمانوئيل للعودة الى السويد .وهنا في ستوكهولم انهمك بحماس شديد في اجراء التجارب ودراسة امكانية الاستخدام الستراتيجي للنتورجلسيرين وكانت هذ المادة قد أكتشفت قبل ذلك ب (14) عاما , ولكن لم يتم الاستخدام العملي لها .

نشأ الفرد نوبل طفلا عليلا يعاني من آلاّم في العمود الفقري وامراض اخرى ، ولك ذلك لم يمنعه من أظهار موهبة فائقة في سن مبكرة لتعلم اللغات الاجنبية .وقد تلقى تعليما ممتازاً على ايدي أساتذة متخصصين في بطرسبورغ ثم واصل دراسته لمدة سنتين (1850-1852م ) في كل من فرنسا وايطاليا . وقام بجولة في عدة دول اوربية منها المانيا , كما زار الولايات المتحدة الأميركية , وأكتسب خبرة عملية واسعة . وعلى الرغم من اعتلال صحته فقد كان دؤوباً  محباً للعمل ، وكان والده عمانوئيل  نوبل يسميه (الفرد اللبيب الدؤوب ). ومع مضي الزمن أصبح  يقدر العمل  أكثر فأكثر ، حيث كان يقول :" إن العمل يجعل كل شيئ رائعا " . كان يكره الدعة والخمول والكسل ويدرك على نحوعميق بأن كل ما ينجزه الانسان هو بفضل العمل الواعي الموجة نحو تحقيق غاية معينة وهدف محدد لذلك كان يخطط لكل خطوة يخطوها ويعرف ما يريد بالضبط .

الشاب اليافع أدرك ان الحياة ليست عملاً فقط  ،وأحس بذلك بقوة في باريس على وجه الخصوص.  وعرف (الفرد) سعادة الحب في هذه المدينة ، ولم يدم حبه طويلا . الذكرى الوحيدة عن هذا الحب هي قصيدة قصيرة ، فقد كان نوبل في مقتبل حياته يكتب الروايات والمسرحيات ويجرب الشعر , ومن المحتمل انه كان سينعم بمباهج ومرارة الحياة الزوجية ، ولكن حبيبته ماتت فجأة وتركت لوعة في نفس الفرد ، فقرر العدول نهائيا عن فكرة الزواج والعزوف عن مباهج الدنيا ليكرس حياته للأهداف النبيلة .

انجازات وكوارث

 في خمسينات القرن التاسع عشر تدرب وعمل (الفرد ) في مصنع والده في سان بطرسبورغ مع اخويه لودفيك وروبرت , لقد ظل الشبان الثلاثة في روسيا لبعض الوقت حتى بعد عودة والدهم الى السويد. ولقد كُلّف الفرد – بسبب معرفته اللغتين الانجليزية والفرنسية- بمهمة في كل من انجلترا وفرنسا , مهمة حساسة كتب لها الفشل مسبقا وهي الحصول على قرض مالي .

وفي هذ الفترة تقريبا اخذ ( الفرد ) يبدي اهتماما بعلم الكيمياء حيث تمكن من تسجيل براءة اختراع لأول مرة في عام 1857م وشرع باجراء التجارب بالاشتراك مع والده على مادة النتروجلسرين , وكان النجاح حليفهما اوعلى وجه الدقة حليف الفرد نوبل ، الذي بذل جهوداً مضنية وطويلة لأثبات ان الاختراع يعود اليه وليس لوالده , لقد كانت القوة التدميرية للنتروجلليسرين معروفة قبل ذلك ولكن لم يتمكن احد من تحقيق استخدامها العملي .

 ان توصل الفرد نوبل الى اختراع كبسولة التفجير، التي يمكن بواسطتها احداث تفجير في حاوية مملؤة بالنتروجلسيرين السائل كان على جانب عظيم من الاهمية .وقرر الفرد اشراك شقيقه الاصغر اميل – وكان مايزال تلميذا في المدرسة الثانوية – في هذه التجارب وتمكن الشقيقان من انتاج عدد محدود من هذ الكبسولات في مختبر صغير قرب مدينة ستوكهولم .

كان ذلك في عام 1863م  , وكانت هذه التجارب محفوفة بالمخاطر العظيمة ولكنهما واصلا عملهما دون كلل.  وبعد عام واحد وفي ساعة مبكرة من الصباح عندما كان الفرد في رحلة عمل خارج ستوكهولم ووالده مايزال يتناول طعام الافطار ،حدث انفجار هائل في المختبر ادى في الحال الى وفاة أميل وأربعة أشخاص اخرين , ولكن الفرد كان واثقا من النجاح ولم تثبط هذه الكارثة عزيمته ولم يتخل عن مشاريع اقامة مصانع في وطنه السويد وفي المانيا .وكان بعيد النظر سواء خلال الفترة الحرجة او في السنوات اللاحقة , عندما أنشأ مصانع في بلدان اوربا واميركا ,حيث تخلى عن حقوق براءة الاختراع لقاء مشاركته في ارباح المصانع المقامة في داخل وخارج وطنه , كان الانفجار في ستوكهولم  بداية لسلسلة طويلة من الكوارث المفجعة ،  التي كانت كافية – على ما يعتقد – للأقلاع عن فكرة انتاج النتروجلسرين على نطاق صناعي قبل ان يبدأ مثل هذا الانتاج فعلا , ان خزن ونقل النتروجلسرين كان أخطر مما كان يتصوره الفرد نوبل نفسه , ففي عام 1866م تناثرت في الهواء قرب سواحل بنما باخرة محملة بالنتروجليسرين وأدى الحادث الى مقتل (74) شخصا وبعد أقل من شهر واحد قتل (14) شخصا في انفجار مخزن في سان فرانسسكو ودمر انفجار هامبورغ المصنع الذي أقامه الفرد نوبل بعد مرور عام واحد فقط من الانتاج فيه . وحدثت انفجارات مماثلة في كل من نيويورك وسدني .

وعاد الفرد نوبل الى المختبر لإيجاد حل يضمن نقل وتداول وأستخدام النتروجليسرين بشكل اّمن . كان يبحث عن مادة صلبة على شكل مسحوق او الياف تمتص النتروجليسرين مما يزيل قابلية هذه المادة للأنفجار تلقائيا .واخيرا استقر رأيه على مادة تسمى (Kiese Lgur) ، التي تكون مع النتروجليسرين مادة أقل خطورة في التداول .  وأطلق نوبل على هذه المادة الجديدة أسم (ديناميت) وهي كلمة مشتقة من (ديناميك) اليونانية وتعني القوة . وعلى الفور تحولت مادة الديناميت الى اوسع المواد المتفجرة انتشارا في العالم , وأقام نوبل وشركاؤه المصانع في كل من النرويج , فنلندة , فرنسا , ايطاليا , النمسا , اسبانيا , الولايات المتحدة الامريكية , وبكلمة مختصرة في كل مكان يستخدم فيه المهندسون التفجير في حفر المناجم وشق الانفاق وكانت الارباح هائلة .  فعلى سبيل المثال لا الحصر دفعت شركة (بريتش ديناميت) الى المساهمين وبضنمهم الفريد نوبل أرباحا سنوية تتراوح ما بين 12% - 20% طوال (10) سنوات .

وارتفع انتاج الديناميت من 11 طن عام 1867م  الى 3120 طن عام 1874م . و كان تسجيل واستصدار شهادات براءات الاختراع وأبرام  عقود المصانع الجديدة يستنزف الكثير من وقت الفريد نوبل , ولكنه كان مهتما اكثر من اي شئ آخر بتجاربه المختبرية , كان رجل الافكار الجديدة ويبدو سعيدا حينما ينهمك في اجراء التجارب فقط ولا يغادر المختبر الا في وقت متاخر من الليل , وكان يقول "اذا طرأت في ذهني الف فكرة خلال عام واحد ، وتبين ان فكرة واحدة فقط من هذه الافكار ذات قيمة أكون راضيا ".

ولكن الواقع يثبت ان نتائج أعماله كنت مثمرة اكثر من ذلك بكثير ، حيث بلغ عدد الاختراعات التي توصل اليها خلال حياته (355) اختراعاً .

وبعد فترة قصيرة توصل الى مادة متفجرة أقوى سماها (الجيلاتين المتفجر) . وفي الثمانينات حصل على براءة اختراع مسحوق بدون دخان وتهافتت الجيوش الاوربية لشراء هذه المادة الجديدة , ان اهتماماته العلمية كانت اوسع من نطاق المواد المتفجرة .كان يقوم بتجارب كثيرة لأيجاد بدئل صناعية للحرير والجلد والمطاط وتجارب في مجالات اخرى .

نوبل المواطن العالمي

كان نوبل بطبعه وبحكم الضرورة مواطنا عالميا , ويتقن ست لغات اوربية اساسية , كان يحس كأنه في وطنه وبيته في معظم العواصم الاوربية , ففي بداية حياته العملية كان يقطن في هامبورغ ، ثم عاش فترة طويلة في فيلا انيقة في باريس. وفي اواخر حياته اقتنى فيلا كبيرة في أيطاليا وسكن فيها , كان دائم التنقل بين مدن اوربا في رحلات تتعلق بعمله ، وكذلك للمعالجة في المصحات .وأمضى الصيف الاخير من حياته في بيته في فيركبورن بالسويد , وقد أطلق عليه الكاتب الفرنسي فيكتور هوجو اسم (المليونير المتشرد) . وحين تقدم به العمر ، كان نوبل يشكو من الثمن الغالي الذي أضطر لدفعه ثمنا لحياته في التنقل الدائم , قال ذات مرة " انا أجدف بلا مقود أو بوصلة ، بقايا سفينة محطمة في عرض البحر".

 وفي رسالة الى خطيبته كتب نوبل يقول : " لم أكوّن أسرة . هذا المرفأ الحياتي الذي لا يقدر بثمن وليس لي اصدقاء يمكن ان احبهم ، ولا اعداء يمكن ان أكرههم " , كان نوبل يهوى سباق الخيل ، ولكنه كان جد معتدل في مراهاناته ، لم يكن يطيق التدخين والكحول ولعب القمار وكان أشبه بالناسك في عاداته .

كان يحاول دائما ان يستقبل ضيوفه بسخاء منقطع النظير .قال احد معارفه عن الولائم التي كانت تقام في بيت نوبل " أنها مأدب كبيرة تتيح لك أوسع الفرص لأختيار الاطباق وأنواع الخمور , كان أبو الديناميت لا يطيق الضوضاء , لذا فأن عجلات عربته كانت مغطاة بالمطاط كي لا تحدث أي قرقعة ."

نوبل العصامي كان يعتمد على نفسه في كل شي ، وينشد الاستقلال في آارائه ووجهات نظره , التي كانت تختلف عما هو تقليدي او سائد , كان ينظر نظرة شك وريبة الى كافة انواع الحكومات في اوربا وامريكا ، وحين تقرأ مؤلفاته العديدة يبدو لك انساناً يحاول ان يخفي اوهامه ، متوقعا ما هو أسوأ ويأمل - برغم لك – في مستقبل افضل , أما الموضوع الذي كان يشغل باله طوال حياته فهو بحثه المتواصل عن الحب ولكن دون جدوى . وبوسع عالم النفس ان يفترض ان أمه قد حجبت عنه النسوة الأخريات , كان الفريد وأمه أندرييتا متعلقين ببعضهما , وليس أدل على ذلك ان نوبل كان يحرص أشد الحرص ان يحضر الى السويد سنويا في يوم ميلاد أمه , وحين توفيت  كان عمره (56) سنة .وحسب قول نوبل : " كانت تحبني على نحو يعجز عنه الناس هذه الايام ، حيث ان الحياة الصاخبة تعمى كل الاحاسيس " ويتسم موقف نوبل تجاه المرأة بشئ من التناقض فقد كان مسحورا ومبهورا بالنساء ، وفي الوقت ذاته ينفر منهن .وهو الذي كتب عن المرأة يقول : " الجنس اللطيف ولكن المفزع ", وبرغم خجله المعهود فقد كان دائما مهتما بالنساء .

ملك الموت

أتيحت لألفريد فرصة نادرة ليقرأ نبأ وفاته وهو حي يرزق . حدث ذلك عندما توفى شقيقه لودفيك ، الذي جمع ثروة كبيرة من أستخراج النفط من الحقول الغنية قرب مدينة باكو الأذربيجانية, وقد التبس الامر على الصحفي الفرنسي الذي كتب مرثية للفقيد ، وظن ان المتوفي هو الفريد نوبل وأطلق عليه الصحفي أسم " ملك الموت ". ويعتقد البعض ان هذا التنبؤ المشؤوم قد عزز الى حد كبير ميل الفريد نوبل نحو مناهضة الحروب عن طريق النضال السلمي ، فقد أخذ يبدي أهتماما كبيرا بقضايا السلام  العالمي , وعلى مدى سنوات طويلة دافع نوبل عن اختراعاته امام نفسه وامام المجتمع .

لقد كان طوال حياته مناهضا للحرب ووصفها بانها " أكبر وأفظع جريمة " ولكنه في الوقت نفسه كان يؤكد ان الضحايا الانسانية حتمية عند أستخدام اي نوع من المتفجرات حتى لو كان ذلك من أجل هدف نبيل .

ولقد أيد اسهام (بيرتا فون زوتنر) في حركة السلام الاوربية برغم انه كتب اليها يقول " ان مصانعي تقرب نهاية المعارك على نحو أسرع من مؤتمراتكم , ومن  المحتمل جدا انه في اليوم الذي تظهر فيه امكانية لدى جيشين متقاتلين في افناء كل منهما الاّخر خلال ثوان معدودة ، فأن كل الامم المتحضرة تدير ظهرها للحرب ."

في العام 1891 غادر نوبل فرنسا الى ايطاليا بسبب سخط الفرنسين العارم واحتجاجهم ضد قيامه ببيع المسحوق عديم الدخان الى البلدان الاخرى , وفي أيطاليا ، واصل تجاربه على الالياف الصناعية والمواد المتفجرة في فيلته الواقعة قرب ساحل البحر في سان ريمو ، رغم أصابته بمرض القلب , وفي عدد من رسائله الموجهة الى معارفه تنبأ نوبل بموته ورسم صورة قاتمة للحظة وفاته : ( بين خدم غرباء حين لا يكون في جواره انسان قريب وحميم ) وفي أكتوبر 1896 أصيب بنزيف في الدماغ وخلال ثلاثة ايام لم يكن يستطيع الكلام الا بصعوبة شديدة وباللغة السويدية التي لم يكن احد من خدمه يفهمها , وفي العاشر من كانون الاول من العام 1896 وجده احد الخدم وقد فارق الحياة .

 وصية الفريد نوبل

ربما كانت وصية الفرد نوبل اشهر وصية في التاريخ فهي وصية فريدة ، ويمكن اعتبارها أهم اختراع توصل اليه حيث لم يسبق لأحد ان كرس امواله الطائلة لغرض نبيل ، هو تطوير العلم العالمي وتوطيد السلام وتكريم الادباء .

في العام 1895 أي قبل وفاته بعام واحد قام الفرد نوبل ودون الاستعانة بالمحامين بكتابة وصيته .

كان يعتقد ان الثروة الموروثة تؤدي الى زيادة العاطلين والكسالى ولهذا لم يخصص في وصيته سوى جزء صغير من ثروته ، لأقاربه وللمقربين منه ، أما بقية المبلغ فقد اوصى بإيداعه في البنك وتخصيص أرباحه  السنوية كجوائز تمنح كل عام لاولئك الاشخاص الذين قدموا خلال العام المنصرم أافضل الخدمات للإنسانية  . وتوزع جوائز نوبل – حسب الوصية – على خمسة حقول هي ( الفيزياء ، الكيمياء ، الطب أو الفسلجة ، ،\الآداب ، السلام ) . وفي عام 1968 الجهات المانحة للجوائز تخصيص جائزة سادسة في حقل الإقتصاد بناء على إقتراح بنك السويد لمناسبة مرور (300) سنة على تأسيسه .

ان طريقة اختيار المرشحين ومنح الجوائز تختلف قليلا عما جاء في وصية نوبل , حيث تمنح الجوائز ليس للأعمال المنجزة خلال العام المنصرم ، بل تلك المنجزة في الاعوام السابقة , اذا ظهرت اهميتها فيما بعد.  وهذا امر مريح للجهات المانحة والمجتمع الدولي , حيث تتيح هذه الطريقة حرية أوسع في أختيار الابحاث والانجازات الاكثر أهمية خلال فترة زمنية مفتوحة .

نشرت الوصية لأول مرة في أوائل كانون الثاني العام 1897 وأثارت ردود فعل متباينة في السويد والدول الاوربية الاخرى، سرعان ما تحولت الى ضجة حقيقية ، فقد  أتهمه القوميون السويديون بأنه قد خذل ابناء جلدته ، في حين أكد نوبل في وصيته بان تمنح الجوائز لأكثر الناس جدارة واستحقاقاً بصرف النظر عن الجنس والقومية والدين والحدود الجغرافية .

 استمرت الضجة التي أثارتها هذه الوصية , طوال فترة المحاكمات الطويلة بصددها ،والتي شهدت مشادات حادة بين الاطراف المتنازعة ( الجهات المانحة للجوائز وأقارب نوبل) حيث زعم البعض ان الوصية غامضة وغير قانونية  , في حين زعم البعض الاخر بأنه لا يحق لنوبل ان يتصرف بثروته على هذا النحو , ولم تهدأ الضجة التي أثارتها الوصية الا بعد حوالي أربع سنوات .وبحلول عام 1900 كانت كافة الاجراءات التحضيرية لعملية اختبار الفائزين الاوائل قد أستكملت , وقد تحددت اسماؤهم  بعد ذلك بعام واحد.

كان نوبل مالكا للعديد من الشركات ومساهماً في شركات صناعية اخرى ، وذاع صيته في الاوساط العلمية وبين رجال الاعمال والمال والسياسة في اوربا , ولكن شهرته العالمية الحقيقية جاءت مع اختراعه الاهم وهو وصيته , ولكن هذه الوصية لم تكن تنفذ لولا جهود راغنر سولمان - معاونه وسكرتيره وأحد أثنين أوكل اليهما نوبل تنفيذ وصيته .وعلى أية حال فقد حسمت المحاكم امر الوصية وتحقق حلم نوبل بأنشاء  صندوق لتمويل الجوائز المسماة بأسمه . وتولى سولمان رئاسة الصندوق اعتبارا من 1901 .

 وصندوق التمويل هذا ، منظمة غير حكومية ومستقلة ، تتلخص مهمتها الاساسية في تمويل الجوائز وضمان حقوق الجهات المانحة لها ، واخيرا اعداد اجراءات واحتفالات تسليم الجوائز للفائزين .

ان الجوائز تعكس ميول نوبل نفسه : العلوم التطبيقية , الادب , السلم  , كما تعكس نزعته الكوسموبوليتية , ان السمعة الممتازة لهذه الجوائز ربما تفسر بان الجوائز تعبر أصدق تعبير عن افكار نوبل النبيلة واهدافه واحلامه في الوصول الى "مجنمع عالمي يسوده الانسجام الذي لم يخلق بعد ، ولكنه سوف يتحقق حتما , كما يقول المؤرخ المعروف دونالد فلمنغ.

عملية الترشيح والاختيار لجوائز نوبل

 تبدأ عملية الترشيح للجوائز في خريف كل عام . حيث تقوم لجان  نوبل المتخصصة بتوجيه رسائل الى مئات العلماء والى الحائزين على جوائز نوبل في السنوات السابقة ، والى المراكز العلمية المتخصصة في شتى انحاء العالم تطلب منهم ترشيح الاسماء لجوائز العام المقبل , وتوجد (6) لجان لجوائز نوبل ثلاث منها في حقول الفيزياء والكيمياء والاقتصاد لدى الاكاديمية الملكية السويدية للعلوم ولجنة واحدة للطب والفسلجة لدى معهد كارولينا وأخرى للأدب في الاكاديمية السويدية ، وثالثة للسلام في البرلمان النرويجي , تتكون كل لجنة من (5) أشخاص تعينهم الجهة المختصة , ولكن من حق اللجان الاستعانة بخبراء مستقلين من ذوي الكفاءة العالية في مجالات تخصصاتهم .

 وفي شهر شباط تباشر لجان نوبل  بدراسة وتحليل الترشيحات الواردة أليها . و تعقد لهذا الغرض جلسات عديدة و مطولة ، و لكن يمنع منعا باتا ًتسجيل محاضرها . و تعد اللجان تقارير مسهبة عن أبرز المرشحين و ترفع توصياتها الى المراجع المعنية للبت فى الأختيار النهائى .

و تعلن أسماء الفائزين فى يوم ميلاد الفرد نوبل ، المصادف للحادى و العشرين من شهر تشرين الأول / أكتوبر ، و لا تعلن أسماء المرشحين الذين لم يقع عليهم الأختيار . و تتسم أعمال اللجان فى مراحلها الأساسية بالسرية التامة ، و يتم تقليد الجوائز للفائزين فى يوم و فاة نوبل ، المصادف للعاشر من شهر كانون الأول / ديسمبر. و يجرى تسليم جائزة السلام فى العاصمة النرويجية أوسلو بحضور ملك النرويج أو من ينوب عنه من أفراد العائلة المالكة .

أما بقية الجوائز ، فأنها تسلم الى الفائزين بها من قبل ملك السويد فى قاعة الحفلات للفيلارمونيا السويدية فى أجواء أحتفالية مهيبة .

الأنتقادات الموجهة الى لجان جوائز نوبل

تعرضت لجان جوائز نوبل – منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا – الى انتقادات لاذعة ، واسعة النطاق . و فى مقدمة الأنتقادات الموجهة الى هذه اللجان ، أنها تمنح الجوائز لشخصيات أدبية و علمية بارزة ، خلفوا أنجازاتهم الرئيسية ورائهم . و كما قال " برنارد شو " الحائز على جائزة الآداب لعام 1925 م ، ان الجائزة بمثابة طوق النجاة يرمى للسابح المهدد بالغرق بعد صوله الى الشاطىء بسلام ، فى حين أن نوبل ذكر فى وصيته بوضوح ، ان الهدف من منح الجوائز هو مد يد العون الى صفوة الموهوبين الواعدين .

 

 

الكاتب الذي ركعت مارلين

ديتريتش على ركبتيها لتحيّته

جــودت هوشيار

 

    الكاتب الذي سحر مارلين ديتريتش :

 قرأت في عام1963   – وانا طالب في موسكو – نتائج إستطلاع للرأي بين القراء الروس عن أحب كاتب الى قلوبهم . وكم كانت دهشتي عظيمة ، عندما تصدرالكاتب الروسي  قسطنطين باوستوفسكي القائمة، التي كانت تضم أشهر كتاب روسيا والعالم .  كنت قد سمعت بأسم هذا الكاتب أول مرة من مدرسة اللغة الروسية في الكلية التحضيرية بجامعة موسكو ، وغلب على ظني حينئذ انه من الكتاب الذين يحظون بمباركة رسمية . ونسيته بعد ذلك تماما . وقددفعني هذا الإستطلاع الى البحث عن أعماله الروائية والقصصية في متاجر الكتب بالمدينة، ولكن دون جدوى ، لأن كل كتاب جديد له كان ينفد بعد أيام من عرضه للبيع ، رغم صدوره في مئات الآلاف من النسخ . فما كان مني الا أن أبحث في المكتبة العامة القريبة من مسكنيعن نتاجاته . وما أن شرعت بقراءة أعماله حتى سحرني أسلوبه وعالمه القصصي ، الذي يشغل فيه وصف الطبيعة الساحرة لروسيا الوسطى جانباً كبيراً منه ، وهو لا يقص أحداثاً خطيرةأو وقائع عظيمة ، بل يجعل الأحداث الصغيرة ، والأشياء العادية مثيرة للأهتمام .قسطنطين باوستوفسكي (1892- 1968) كاتب غزير الأنتاج ، كتب عشرات الروايات والقصص الرائعة ،كما كتب للأطفال مجموعة من الحكايات الجميلة ، وحولت السينما الروسية العديد منقصصه ورواياته الى أفلام سينمائية ناجحة .وقد استوقفتني روايته الرائعة " الوردة الذهبية " (1955 )  المكرسة لجوهرالكتابة الإبداعية. وهي على شكل فصول مستقلة ، وكل فصل مكرس للحديث عن تجربة ابداعية معينة للمؤلف .وكما يقول في مقدمة الكتاب ، فأن هذه الرواية ليست بحثا في قواعد كتابة الرواية او القصة ، مؤكداًأنه لا وجود لمثل هذه القواعد ، بل يدعو القاريء الى الدخول في مختبره الإبداعي. وفي الفصل المعنون "ندوب على القلب " يتحدث عن خلفية كتابة أشهر قصة قصيرة له وهي " البرقية " عندما قضى عدة اشهر في دار امرأةعجوز مريضة ببلدة ريفية ، وتفرغ فيها للكتابة .ولكنه ازال نفسه من القصة ، وكتبها بالضميرالثالث ،واضاف اليها شخصيات من وحي الخيال . والقصة اعمق واغنى من الواقع بكثير. قراتقصة " البرقية " بتمعن ،واعدت قراءتها المرة تلو المرة ، وأنا مأخوذ بأناقة لغة الكاتب  وجمال اسلوبه ، وعمق تصويره السايكولوجي  ، الذي يحرك مشاعر القاريء ويترك في نفسه أثراً عميقاً، ويدفعه الى تأمل الحياة من حوله برؤية جديدة .ويبدو أنني لم أكن وحدي من هزتّه هذه القصة السايكولوجية ، فقد كرست المغنية والممثلة الألمانية- الأميركية الشهيرة مارلين ديتريتش ، اسطورة هوليود ، صديقة همنجواي وريمارك ،فصلاً كاملاً  في كتاب لها بعنوان " تأملات"(1985)، للحديث عن هذه القصة وكاتبها باوستوفسكي ولقائها بالكاتب في موسكو عام1964 ، عندما أحيت عدة حفلات غنائية على مسرح " دار الكتّاب . تقول ديتريتش: " ذات مرة قرأت قصة لباوستوفسكي – الذي لم اسمع به من قبل - بعنوان " البرقية " تركت في نفسي انطباعا قويا ، وجعلتني لا أنسى القصة ولا اسم كاتبها مدى الحياة . لم أعثر على  أعمال أخرى لهذا الكاتب المدهش . وعندما سافرت الى روسيا في جولة فنية ،ووطأت قدماي أرض مطار موسكو، أخذت أسأل عن باوستوفسكي .  كان هناك مئات الصحفيين الذين لم يوجهوا لي أي أسئلة غبية من قبيل الأسئلة التي ابتليت بها في البلدان  الأخرى . وكانت اسئلتهم مثيرة للأهتمام . استغرق حديثنا أكثر من ساعة ، وعندما وصلت الى فندقي ، كنت أعرف كل شيء عن باوستوفسكي . كان مريضا، وراقدا في المستشفى في ذلك الوقت . وقد قرأت لاحقاً  كلا المجلدين لسلسلة رواياته المعنونة " قصة حياة " وكنت منتشية بنثره الفني . قدمناعدة حفلات للكتّاب ، والفنانين ، والممثلين . واحياناً كنا نقدم أربع حفلات يومياً.وفي أحد هذه الأيام، وأنا خلف الكواليس ، أستعد للظهور على خشبة المسرح ، جاءت مترجمتي (نورا) ، وقالت. ان باوستوفسكي موجود في القاعة . لم اصدق ذلك . وقلت : "هذا مستحيل "،فهو يرقد الآن في المستشفي بسبب نوبة قلبية ، كما قيل لي في المطار. ولكن (نورا) أكدت: نعم أنه هنا برفقة زوجته . كانت الحفلة جيدة ، ولكنك لن تحقق ما تنشده ، عندما تحاول بكل جهدك أن يكون أدائك على أفضل وجه . طلبوا مني البقاء على المسرح، بعد انتهاء الحفلة. وفجأة صعد باوستوفسكي الدرج الى خشبة المسرح . ذهلت عندما رأيته شاخصاً أمامي ، وانعقد لساني ، ولم أستطع ان اتفوه بكلمة واحدة بالروسية . ولم أجد طريقة أخرى للتعبير عن اعجابي به سوى الركوع على ركبتي امامه. كنت قلقة على صحته ، وأريد أن يعود الى المستشفي حالاً . ولكن زوجته طمأنتني: " هكذا سيكون أفضل له . لقد بذل جهدأ كبيراً لكي يأتي لرؤيتك " . وقد توفي بعد ذلك بوقت قصير . بقيت لدي كتبه وذكرياتي عنه . كَتَبَ باوستوفسكي برومانسية ، ولكن بوضوح ، ومن دون تزويق . لست على يقين أنه معروف في أميركا ، ولكنهم سيكتشفونه يوماً. أنه من أفضل الكتاب الروس الذين أعرفهم . لقد التقيت به في وقت متأخر جدا." ويروي بعض الكتّاب الروس الذين حضروا الحفلة ذكرياتهم عن هذا الحادث  .وهم يختلفون في بعض التفاصيل ، ولكنهم يجمعون ،بان الجمهور أصيب للحظات بالذهول ، وساد القاعة الكبيرة صمت غريب ، ثم صرخت فتاة داخل القاعة بكلمات مبهمة ، دوّت بعدها عاصفة من التصفيق المتواصل . ويقول هؤلاء الشهود بأن ديتريتش ارتمت على المسرح جاثية على ركبتيها وأخذت تقبّل اليد التي كتبت قصة " البرقية " ، ثم وضعت يد باوستوفسكي على خدهاالمبللة بالدموع . كانت ديتريتش ترتدي فستاناً ضيقاً ، ابيض اللون ،وكان من الصعب عليها النهوض ، فساعدها بعض الحضور على ذلك ، ثم  خاطبت الجمهور قائلة : " كنت أحلم بلقاء باوستوفسكي، من اجل سداد دين له في عنقي ، وانا في غاية السعادة لأن حلمي قد تحقق ." ، كان في القاعة العديد من المصورين ، ولكنهم كانوا في حالة ذهول ولم يفطن احد منهم لألتقاط صورة لهذا المشهد النادر سوى احد الحضور ،الذي التقط صورة واحدة ، نشرت فبما بعد في الصحف السوفيتية . قصة" البرقية " :تتناول القصة الأيام الأخيرة في الحياة لأمرأة عجوز مريضةتدعى كاترينا بتروفنا ،التي  تعيش وحدها في دار بناها والدها الفنان التشكيلي الراحل في بلدة ( زابوريا )  بعد عودته من العاصمة الروسية القديمة بتروغراد .كانت كاترينا في شبابها في غاية الجمال والنشاط والحيوية ، زارت باريس مع والدها وعاشت فيها عدة أشهر،وشاهدت جنازة فيكتور هوجو ، وكانت لعائلتها علاقات اجتماعية واسعة بالفنانين والكتاب والشعراء ، اما اليوم فأنها تقضي ايامها في استعادة صور الماضي ، ولولا  بنت الجيران " مانوشكا" التي تأتي لأداء الأعمال المنزلية، ولولا عامل الإطفاء ، الذي يهيأ لهاالحطب للشتاء الروسي القاسي ، لماتت في غرفتها من البرد والجوع دون أن يدري بها أحد. ادارة البلدية حجزت على الدار بذريعة انها تراثية ، وعلى اللوحات الفنية الثمينة فيها . لكنها لا تبدي أي اهتمام ، لا بالدار ولا بصاحبتها . ناستيا الإبنةالوحيدة لكاترينا بتروفنا تعيش في لينينغراد ، المرة الأخيرة التي جاءت فيها لزيارةامها كانت قبل ثلاث سنوات . لم تكن كاترينا بتروفنا تراسل إبنتها الا ما ندر، فهي لمتكن راغبة في التدخل في حياة إبنتها، ولكنها كانت دائمة التفكير فيها .. ناستيا ايضاّلم تكن تكتب اية رسائل لأمها ، وتكتفي بأرسال حوالة مالية لها بمبلغ مائتي روبل كلشهرين أو ثلاثة اشهر . في اواخر اكتوبر،وفي ساعة متأخرة من الليل،  سمعت كاترينا بتروفنادقات على باب الحديقة ، وذهبت لتفتح الباب ولكن لم يكن هناك احد . في تلك الليلة كتبت رسالة لأبنتها ترجوها ان تأتي لزيارتها. كانت ناستيا تعمل سكرتيرة لأتحاد الفنانين التشكيليين ، وكان الفنانون يسمونها " سولفيك " لشعرها الأشقر وعيونها الوسيعة الباردة.عندما استلمت رسالة امها كانت جد مشغولة بتنظيم معرض للوحات فنان موهوب ومغمور اسمهتيموفييف ، ولهذا فإنها دست الرسالة في حقيبتها لتقرأها فيما بعد . الرسالة طمأنتهابأن امها ما زالت على قيد الحياة ما دامت قد كتبت لها رسالة. عند زيارتها لمرسم الفنان تيموفييف كان ثمة تمثال نصفي لجوجول وخيل اليها بأن جوجول يحدق فيها بنظرة تهكميةساخرة . انشغلت ناستيا اسبوعين كاملين في تنظيم المعرض . وخلال حفل الافتتاح جلبت ساعيةالبريد برقية عاجلة لها بتوقيع تيخون :" كاتيا تحتضر". لم تفهم فحوىالبرقية على الفور، الى أن قرأت اسم بلدة ( زابوريا ) التيصدرت عنها البرقية .. وكاتيا هي اختصار لأسم كاترينا . كوّمت ناستيا البرقية في قبضتها، وخيل اليها مرة اخرى ان جوجل ينظر اليها نظرة عتاب وتقريع. وفي مساء اليوم نفسه قررتالسفر الى ( زابوريا ) .توجهت الى محطة القطار مشيا على الأقدام ، كانت الريح المثلوجةتضرب وجهها ،ولكنها لم تكن تبالي بها . كانت كاترينا بتروفناطريحة الفراش منذ عشرة ايام وظلت "مانوشكا" الىجانب المريضة لليوم السادس . ذهب تيخون الى دائرة البريد في البلدة واخذ استمارة برقية، وفكر طويلا قبل ان يكنب شيئا ما على الاستمارة ،ثمّ جلبها لكاترينا بتروفنا وقرأفي رهبة : " انتظرني .انا في الطريق . اظل إبنتك المحبة دائما . ناستيا" شكرت كاترينا بتروفنا تيخون لكلماته الطيبة واستدارت تحو الحائط وكأنها قد غلبهاالنعاس. تم تشييع كاترينابتروفنا في اليوم التالي والذي حضره العجائز والصبيان . وفي الطريق الى المقبرة شاهدتالمعلمة الشابة في مدرسة البلدة  النعش، فتذكرت امها العجوزالتي تركتها وحيدة في المدينة. اقتربت المعلمة من النعش وقبلت يد كاترينابتروفنا الصفراء الجافة.وصلت ناستيا الى( زابوريا ) في اليوم الثاني لدفن امها . ووجدت بدلامنها كومة تراب على قبرها ، وغرفة فارغة باردة ومظلمة ظلت تبكي فيها طوال الليل .ومعحلول الفجر غادرت (زابوريا ) خلسة لكي لا يشاهدهااو يسألها أحد . وخيل اليها ان لا احد يستطيع ان ينزع عنها ثقل الذنب ،الذي لا يمكناصلاحه سوى امها الراحلة. هذه هي القصة التيابكت الكثيرين . وهي قصة كالجبل الجليدي ، لا يظهر منها على السطح سوى جزء بسيط والبقيةبين الاسطر وما ورائها . باوستوفسكي مثل تشيخوف وهمنجواي يترك القاريء ليكمل القصةينفسه كل على طريقته الخاصة،  اما الكاتب فيكتفيبالتلميحات والتفاصيل الدّالة . ومن هذه التفاصيل ان الفنانين كانوا يطلقون على ناستيااسم "سولوفيك " وهو اسم  بطلة مسرحية " بير جينت " للكاتب النرويجي هنريك ابسن.ومن قرأ هذه المسرحية يعرف المقصود ب"سولفيك ". ومن هذه التفاصيل ايضا ان كاترينا بتروفنا كانت تحمل دائما حقيبتها اليدوية، وتفتحها بين حين وآخر لتتطلعالى صورتها وهي شابة والى صورة ابنتها ، والى بعض الاوراق الرسمية يداخلها . وهذا تلميح إلى أن زوج كاترينا، الذي تجاهل المؤلف الاشارة اليه ربما يقبع في المعتقل وهذه الاوراق تخص قضيته . وثمة تلميح آخر وهو انكاترينا ، حين خيل اليها ان احدا يدق باب الحديقة ، في وقت متأخر من الليل و ذهبت لتفتحالباب ولم تجد احدأ ، انما كانت تنتظر عودة زوجها. والقصة زاخرة بهذه التفاصيل الموحية.باوستوفسكي أحدالكتّاب القلائل الذين حافظوا على استقلاليتهم وحريتهم الداخلية في ظروف بالغة القسوة في ظل النظام الستاليني الشمولي . لم ينتم الى الحزب الشيوعي ، ولم يكن عضوا في مجلس السوفييت الاعلى ،كما العديد من زملائه الكتّاب . بل أنه لم يكن عضوا قيادياً حتى في اتحاد الكتاب السوفييت. لم يكتب كلمة واحدة في مديح ستالين أو النظام البلشفي ، ولم يحاول التسويق لنفسه بالتملق لذوي النفوذ . وظل ضميره حياً ، يقظاً ، ونقياً . واستطاع أن يحافظ على سمعته ككاتب صادق وانسان نزيه.لم  يترجم شيء يذكر من أعمال باوستوفسكي الرائعة الى اللغة العربية ، رغم أنه ومنذ الخمسينات معروف عالميا ، وترجمت أعماله الى اهم لغات العالم ، وكان في مقدمة المرشحين لنيل جائزة نوبل للآداب لعام 1965 ، بل أن لجنة نوبل أتمت كل التحضيرات لأعلان فوزه بالجائزة ، ولكن الأتحاد السوفييتي مارس ضغطاً  دبلوماسياً واقتصادياً هائلاً على السويد ، لصرف النظر عن منح الجائزة لباوستوفسكي . وفعلاً أثمر ذلك عن منح الجائزة الى مرشح الدولةالسوفيتية ميخائيل شولوخوف.

 

 

 

البياتي في ذاكرة

طلبة البعثات في موسكو

 

جــودت هوشيار

 

لم أكن أتوقع قط أن يثير مقالي الأخير " عبد الوهاب البياتي في موسكو ... ملاحظات وإنطباعات " كل هذه التعقيبات ، التي وصلتني على بريدي الألكتروني  من كتاب وشعراء وصحفيين وخاصة من زملاء الدراسة في موسكو ، الذين يبدو أنني أثرت أشجانهم . وسأشير هنا الى بعض هذه التعقيبات مع ملاحظاتي حولها ، وهي كلها جديرة بالتدوين ،وربما سيستفيد منها من سيكتب الجديد عن سيرة البياتي وشعره المثير للجدل , لأنها تتعلق بشاعر احاط نفسه طوال عشرات السنين بهالة دعائية صنعها بمهارة لا نظير لها في تأريخ الشعر العربي .

قالت كاتبة صحفية أنني كنت قاسياً على البياتي ، ووصفت تفضيلي دراسة الهندسة بأنها بلوى . فقلت:

-  لو قرأت يا سيدتي ، ما كتبه الشاعر رشيد ياسين في كتابه " الثعلب الذي فقد ظله  " عن مهاجمة البياتي العنيفة لجميع الشعراء العراقيين والعرب, وعن الحجم الحقيقي لموهبته الشعرية ، وما كتبه الأستاذ الدكتور عبد الآله الصائغ عن بعض تجاربه المريرة مع البياتي ، لو قرأت كل ذلك ، لما كتبتِ هذا الكلام ،  فمقالي عن البياتي  ناعم بالمقارنة مع ذكريات الآخرين عن هذا الشاعر الذي ملأ الفضاء الثقافي والأعلامي العربي ضجيجا عن نفسه وشعره عندما كان على قيد الحياة ،ولم يعد أحد يهتم به اليوم أو يقرأ شعره.

ووصفت هذه الكاتبة – التي اكن لها الأحترام – تفضيلي دراسة الهندسة بدلا من الادب بأنها بلوى ابتلينا بها في العراق . ولا  أدري لماذا تكون الهندسة بلوى ، والدول تبنى ، والشعوب تتقدم بالعلوم والتكنولوجيا . أما الأبداع الأدبي فأن الأنسان يتعلّمه من محاولاته وتجاربه في الممارسة الدؤوبة لعملية الخلق الفني ومن امعان النظر في تجارب كبار الكتاب في العالم ، وليس عن طريق الدراسة الأكاديمية . كما أن العمل في مهنة أخرى يتيح للكاتب أن يكون في خضم الحياة ، ويكتسب تجارب حياتية تثري نتاجاته الأدبية ، ويؤمن له مستوى لائقاً من المعيشة ، وأن يكتب بحرية كما يشاء .ولا أدري لماذا قفزت الى ذهني – وانا اقرأ هذا التعليق – إحدى طرائف الشَّاعر الفيلسوف جميل صُدقي الزَّهاوي  في مجلس «المبعوثان» العثماني، الذي كان يناقش مسألة جباية الضَّرائب، وكانت أُوقفت أوقاف تمنح غلتها للأئمة الذين يقرأون «صحيح البخاري» في البواخر. وعلق الزهاوي على هذه المناقشات قائلاً : «إننا نعرف أن البواخر تسير بالبخار لا بالبخاري، فلماذا لا تُنفق تلك الواردات على نشر التَّعليم ليتقن النَّاس استعمال البخار ما دام هو الذي يُسيّر البواخر، بدل أن ننفقها على قراءة البُخاري، الذي ليس له في تسييرها منفعة» .

وكتب لي  شاعر عراقي مغترب يقول : " لقد كشفت الوجه الثاني للبياتي " وكانت اجابتي ان البياتي كان له وجه واحد لا وجهين . وجه عابس لا يعرف البسمة ،، فهو متجهم أبداً من دون سبب ، وهذا ما كان يلحظه على الفور كل من خالطه أوالتقى به ولو مرة واحدة في الحياة . واشك إن كان له في الحياة صديق مقرب حقاً. هذا هو الأنطباع العام عن البياتي لكل من عرفه. و الهالة التي احاط نفسه بها كرائد مجدد في الشعر العربي الحديث ، تبددت بعد رحيله ، لأنها كانت هالة خلقتها العلاقات النفعية المتبادلة بينه وبين النقاد المحيطين به ، وصغار الشعراء المقلدين له . لم أقرأ حتى الآن ، رغم مرور حوالي 17 عاما على رحيله مقالاً ايجابيا واحداً عنه .

وقال شاعر عراقي مغترب: أن البياتي كان دائما يركب الموجة السياسية والأيديولوجية الرائجة ، بما يعزز  مكانته الشعرية وذيوع اسمه . وكانت اجابتي لهذا الشاعر : " أنا أفهم أن يغيّر الأنسان قناعاته الفكرية واتجاهه السياسي أوالآيديولوجي بعد ظهور حقائق جديدة تعمّق وعيه ، وتزيل الغشاوة عن عينيه. وهذا لا يحدث في العادة بين ليلة وضحاها ، بل تدريجيا . فالأيمان بإتجاه آيديولوجي معين ، ليس قميصا تخلعه اليوم لتلبس غيره غداّ .

عندما وصل البياتي الى موسكو في نوفمبر 1959 كان النقاش في الأوساط الأدبية  ما يزال على أشده حول رواية ( دكتور زيفاغو ) التي نال عنها الشاعر الروسي العظيم بوريس باسترناك جائزة الآداب لعام 1958 . وكانت الرواية قد صدرت لأول مرة باللغة الروسية في روما في العام نفسه . لم يكن البياتي قد قرأ الرواية بطبيعة الحال ، وكان يجهل اللغة الروسية تماماً ، ولم يكن بوسعه قراءة أو فهم الترجمة الأنجليزية ، حتى لو كان قد حصل على نسخة منها ، لأن لغته الأنجليزية لم تكن أفضل من لغته الروسية ، ولكنه مع ذلك شن هجوما لا أخلاقيا شرسا ضد باسترناك والكتاب والشعراء الروس والأجانب ،ومنهم بابلو نيرودا ، وفرنسوا مورياك ، وأندريه موروا ، والبيركامو ، وجون شتاينبيك ، وبرتراند راسل ، و هوارد فاست وعشرات غيرهم من كبار كتاب وشعراء العالم ، الذين وقفوا الى جانب باسترناك في محنته. أما البياتي فقد كتب قصيدة هستيرية نشرها في الطبعة الأولى لديوان " كلمات لا تموت" ثم حذفها في الطبعات اللأحقة ، يقول فيها مخاطباً الروس :

 " يا اخوتي الخضر العيون/ اننا سنجعل من جماجم سادة البترول والعملاء والمتآمرين/ لعبا لأطفال الغد الضاحكين/ فليصنعوا الف زيفاغو والآف الدمى/ ومزيفي التاريخ والمتهرئين / انٌا سنجعل من جماجمهم منافض للسجائر" . وهذه الجمل لا تمت الى الشعر بصلة ، بل أنها نثر رديء كتب بلغة يترفع عنها أي مثقف .

 البياتي يجعل من جمجمة باسترناك – أعظم شاعر روسي في القرن العشرين - وجماجم من هبّ للدفاع عنه ( منافض للسجائر ) . ولم يخجل البياتي ولم يرف له جفن ، وهو يكتب هذه الأسطر في وقت يتشدق فيه بصداقته المزعومة لناظم حكمت - فقد كان صوت هذا الشاعر الأنساني العظيم في المحافل الثقافية الروسية ، في تلك الفترة ، أعلى الأصوات المدافعة عن باسترناك وحقه في الأبداع .

كان البياتي قبل سفره الى القاهرة في أواخر عام 1964 يعتبر نفسه شاعراً يساريا ، ويحشر نفسه ضمن الشعراء اليساريين الكبار مثل ناظم حكمت وأراغون ونيرودا ، ولكن عندما شرع بحزم حقائبه استعدادا للرحيل الى القاهرة نشر في الصحف اللبنانية والمصرية  عدة قصائد تقريرية مباشرة أشبه بالشعارات في مديح عبد الناصر . حدث هذا عندما كان آلاف اليساريين يقبعون في السجون المصرية ، ومات عدد منهم تحت التعذيب .

لكل طالب بعثة قصة مؤلمة مع البياتي . لم يكن احد منا يشعر بوجود ملحقية ثقافية عراقية في موسكو ترعى شؤوننا ، ولكننا كنا مضطرين لمراجعتها في قضايا رسمية تتطلب موافقتها ، كتغيير الأختصاص أو الأنتقال الى مدينة أو جامعة أخرى . وكان الشاعر -  نصير الضعفاء والمظلومين - حجر عثرة أمامنا ، لا يسهّل أمراً الا لقاء منفعة ! هؤلاء الطلبة الذين ترك البياتي ندوباً في قلوبهم ، عاتبوني بقسوة : لماذا لم تكتب عن مسألة مخصصاتنا المنهوبة ، وأنت تعرفها جيداً . قلت لأصدقائي – زملاء الدراسة : لو كتبت كل ما أعرف عن البياتي " لبدا الأمر وكأنني أنتقم منه.

 

كان كل طالب بعثة يستلم ( 90 ) ديناراً عراقياً سنويا ، لتغطية كلفة الملابس والكتب ( ما عدا الراتب الشهري الذي كان بالروبل الروسي ) . وكان الدينار في ذلك الوقت يعادل أكثر من ثلاث دولارات أو جنيها استرلينيا.

ملحقنا ( الثقافي ) كان يصرف مخصصات الملابس والكتب بالسعر الرسمي الروسي للدولار الأميركي ، الذي كان يعادل اقل من نصف روبل ، في حين كان سعر الدولار في السوق وفي المتاجر المخصصة للأجانب أكثر من ثلاث روبلات . وبعملية حسابية بسيطة فأننا كنا نستلم أقل من سدس المبلغ المخصص لنا. وعندما كنا نحتج ، كان المحاسب يقول لنا : " والله تستلمون ما تستلمون أنتم أحرار ". وكانت الحاجة تدفع بنا أحيانا الى استلام المبلغ على مضض . ولم يتغير الحال الا بعد أن إشتكى عدد منا لدى السفير العراقي في موسكو .

. وأمامي الآن رسالة أخرى مطولة من زميل كوردي ، درسنا معا سنة في الكلية التحضيرية. ثم تفرقت بنا السبل . بقيت أنا في موسكو وذهب هو الى لينينغراد  ، بعد تخرجنا عملنا معاً لعدة سنوات في منشأة هندسية في العراق،  قبل أن يشد هو الرحال الى المملكة المتحدة في أوائل السبعينات ، بعد أن أذاقته مديرية البعثات مرّ العذاب بسبب اهمال البياتي لواجباته الوظيفية تجاه ( طلبة البعثات ) . الرسالة أقرب ما تكون الى مذكرات أليمة ، لذا أقتطف منها بعض الفقرات فحسب . يقول الصديق في رسالته : " في صيف عام 1961 قدمت الى الملحقية عريضة اطلب فيها الموافقة على تبديل تخصصي من الهندسة الكهربائية الى الهندسة الميكانيكية ، ثم سافرت الى العراق ، وعندما رجعت بعد شهرين بقيت ليلة في موسكو . وفي اليوم التالي اقتنيت تذكرة سفر بالقطار لكي ارجع مساءا الى لينينغراد  ،  ثم ذهبت الى الملحقية . كانت معاملتي جاهزة ولا تحتاج الا الى نوقيع الملحق . سألني البياتي :

- متى رجعت من العراق ؟ قلت :

- البارحة .

- هل جلبت معك جريدة ( صوت الأحرار )

- نعم .

- وهل فيها مقالة عامر عبدالله حول كذا وكذا ؟

- نعم . قرأتها في الطائرة

- اجلب الجريدة ، وبعد ذلك سأوقع أوراقك !

- ولكن ليس لدي الوقت الكافي ، حيث أن موعد تحرك القطار الى لينينغراد بعد بضع ساعات.

- ان لم تجلب الجريدة لن أوقع على أوراقك !

ويمضي الصديق قائلاً : " لم أتمكن من من إقناعه ، فقررت السفر ، على أن اكمل المعاملة في وقت لاحق ، ولكن لم أرجع مرة أخرى الى أن حدث انقلاب 8 شباط وتم فصلي من البعثة وسحب جواز سفري لأسباب سياسية ، مع العلم أني لم أكن سياسيا ولم أنتم الى أي حزب طوال حياتي .

عندما رجعت الى العراق بعد اكمال دراستي في سنة 1966 ، تم اعتقالي حال وصولي الى المطار ولكن اطلق سراحي بعد منتصف الليل في اليوم نفسه ، بعد تدخل شخصيات كردية في بغداد . التحقت بكلية الأحتياط ، فأذا بهم يستقطعون ثلث راتبي الشهري لتسديد مصاريف البعثة . وبعد أن اكملت العسكرية وعينت في منشأة صناعية  قرب بغداد ، استلمت كتاباً من مديرية البعثات يتضمن الأستمرار في إأستقطاع ثلث راتبي ، لأنني غيرت فرعي من دون موافقة رسمية . وفي سنة 1971 قدمت استقالتي وغادرت العراق الى بريطانيا . مديرية البعثات طلبت من كفيلي أن يدفع المبلغ المتبقي من مصاريف البعثة ، لأنني لم اكمل سبع سنوات خدمة ، في حين انهم صرفوا عليّ أقل من أربع سنوات قبل أن يفصلوني . أكتب لك هذا لتعرف كم تعذبت مع البعثات . وكان نصف هذا العذاب بسبب عبدالوهاب البياتي ، حيث لم يقم بواجبه كما يجب . قرأت قصائد البياتي " رسائل الى ناظم حكمت " مما جعلني أتصور ان ناظم حكمت كان من أصدقائه المقربين . أعرف الطبيب الذي ذكرته فقد زرته في شقته مرة أو مرتين " .

 أكتفي بهذا القدر من رسائل زملائي ، لأنني لو سردت محتويات بقية الرسائل التي وصلتني لشغل ذلك صفحات عديدة

المجد الزائف يزول ، والشعر الرديء  يموت . وتبقى الذكرى ، حسنة كانت أم مؤلمة . رحم الله البياتي وغفر خطاياه.  

 

 

حوار مع زميلتي البولندية

 

جـودت هوشيار

 

هناك كتب تستحق أن يذوقها القاريء ، وكتب تستحق أن يلتهمها ، وكتب تستحق أن تمضغ وتهضم - فرنسيس بيكون

 

         لم أكن أتصور قط أن ألتقي بكريستينا ، زميلتي في جامعة الطاقة  بموسكو ، بعد حوالي ربع قرن من تخرجنا . المصادفة المحض هي التي قادتني الى اللقاء بها مجددأً. كانت المنشأة التي أعمل فيها قد تعاقدت على استقدام عدد من الخبراء البولونيين ، وكنا نحن المهندسين العراقيين نعمل معهم ، وقد تبين أن العديد من هؤلاء الخبراء قد تلقوا تحصيلهم العلمي في الجامعات الروسية. وكان بينهم خبير اسمه  فيكتور نوفاك.

ذات يوم ونحن نتناول طعام الغداء في مطعم المهندسين في المنشأة ، قال فيكتور دون مقدمات : ان زوجتي خريجة كلية الهندسة الكهربائية في جامعة الطاقة أي الكلية ذاتها التي درست فيها أنت ، وحين ذكرت لها أسمك صاحت : " يا الهي ما اصغر هذه الدنيا ؟ " .  وكانت مناسبة أن أدعوهما الى تناول المسقوف في مطعم يطل على نهر دجلة في بغداد . كان لقاءاً حارأ ومر الوقت سريعا ونحن نتذكر أيام الدراسة، وزملاءنا الروس والأجانب ، منهم من تولى مسؤوليات كبيرة في بلده ، ومنهم من هاجر الى الغرب . ساد الهدؤ للحظات وخيم علينا نحن الثلاثة سكون أشبه بالحزن . وقطعت كريستينا الصمت لتقول: بحثت في متاجر الكتب في بغداد عن كتب باللغتين الروسية والبولندية ، ولكن دون جدوى. وكما تعلم فأن في عواصم الدنيا مكتبات ، أو أجنحة خاصة بالكتب الأجنبية . أما هنا فلا تجد شيئا الا بعض الكتب الأنجليزية بشق الأنفس . وأنت تعلم أنني درست اللغة الفرنسية ، وانجليزيتي المتواضعة لا تسمح لي بقراءة وفهم الكتب بهذه اللغة .  

وأضافت بصوت خفيض : هل يمكن ان القي نظرة على مكتبتك ،وأن استعير منك بعض الروايات  الروسية أو المترجمة الى الروسية ،  فقد كنتَ تتحدث كثيراً عن روايات فلوبير ، وستندال ، وكافكا ، و بروست ،  وهيمنجواي ، وبونين وشعر لوركا ، وايلوار ، ويسينين ، وغيرهم .

قلت : يسرني ذلك ما رأيكما في تناول القهوة في بيتي هذا المساء .

وقفت كريستينا للحظات في عتبة باب غرفة مكتبتي المنزلية ، وأخذت تجيل عينيها على رفوف الكتب التي تغطي الجدران .وبادرتني بسؤال لم أكن أتوقعه ابدا. قالت بنبرة تشي بالشك والدهشة : هل قرأت كل هذه الكتب ؟

  قلت : كلّا ... لم أقرأ لحد الآن الا الجزء اليسير منها .

            فأزدادت دهشتها . وقالت اذن هل هي للزينة أم ماذا ؟

 قلت : كلا ليست للزينة ، ولكن الكتب بالملايين وعمر الأنسان قصير .

 – اذن لم كنت تبحث في مكتبات موسكو ، وربما تبحث اليوم في مكتبات بغداد عن هذا الكتاب او ذاك وتحاول الحصول عليه ولو بسعر مرتفع . لماذ هدرت وقتك ومالك على هذه الكتب – واشارت بيدها الى صفوف الكتب المتراصة على الرفوف -  اذا كنت لا تقرأها ؟.

            سيدتي:  أعتقد أن الكتب ثلاثة أنواع : كتب ينبغي أن تقرأ جزئيا . وكتب خفيفة تقرأ من دون الحاجة الى تركيز أو اهتمام كبير. وكتب – وهي قليلة ان لم تكن نادرة دوما وفي كل العصور - يجب أن تقرأ ، كما كتبت ، بتأن وأهتمام وتركيز ..

.أنني أنتقي الكتب بعناية ، ومع ذلك اقتنيت كتبا خدعتني عناوينها وأسماء مؤلفيها ، و كانت رائجة في حينها ، ويتحدث عنها الناس ، ويكيل النقاد لها المديح ، ولكنها كتب لا تستحق القراءة الجادة. وما اكثر الكتب التي طويتها الى الأبد لأن الصفحات الأولى منها لم تعجبني  ، بينها كتب لأدباء مشهورين ، فأنا احكم على النص واسلوبه ولا يهمني ان كان المؤلف شهيرا او مغمورا . قيمة الكتاب ليس في رواجه ولكن في قيمته الفكرية والفنية . ولحسن الحظ فأن عدد الكتب من هذا النوع محدود في مكتبتي .

- تقول ان الكتب القيمة قليلة ، وان مكتبتك لا تحوي سوى عددا محدودا منها ، ولكن أرى أمامي مئات الكتب ، ربما أكثر من ألفي كتاب ؟

- كما ترين فأن لديّ عدد كبيرنسبيا  من الكتب العلمية ، التي لا أحتاج اليها الا نادراً ، لأنني عند الحاجة أقرأ آخر الأصدارات في موضوع علمي معين يهمني الأطلاع عليه وليس الكتب الصادرة في السنوات الماضية ، التي تبلى جدتها ، وتتقادم مع الزمن. كما أن ثمة هنا الكثير من الكتب الجغرافية والموسوعات والمعاجم والأدلة والخرائط ، والكتب المصورة التي تتضمن اللوحات الفنية لهذا الرسام أو ذاك ، أو فترة تأريخية معينة لبلد ما ، مثل بلاد الرافدين أو مصر القديمة ، تلك الأوراق التي تنكرت على شكل كتب . واذا استثنينا هذه الكتب لن يبقى سوى نصف عدد الكتب الصالحة للقراءة والتي تتألف من كتب الآداب ، والفنون ، والفلسفة . و لم يتسنى لي قراءة القسم الأكبرمنها، بسبب طريقتي الخاصة في القراءة .

- انا لا افهمك . ثم التفت الى زوجها وسألته : هل فهمت شيئا يا فيكتور.

- سيدتي لا تتسرعي في الحكم ، دعيني اشرح لك طريقتي في القراءة . الكتب لا حصر لها ، ومشاغل الحياة ومتاعبها كثيرة ، وحتى لو تفرغ المرء طوال حياته الواعية للقراءة  ، فلن يستطيع أن يقرأ ويهضم سوى النزر اليسير مما هو منشور ومتاح من الكتب الجادة .  إن القراءة التي أقصدها ليست هي مجرد الأطلاع السطحي ، بل القراءة العميقة . انني أقرأ بتمعن وتركيز مجموعة مختارة  من الكتب ، الأكثر تحريكا للمشاعر ، تلك التي صمدت امام الزمن و ظلت مقروءة عبر العصور منذ ان وجدت الكتابة وحتى يومنا هذا ، واعيد قراءتها  مثنى وثلاث ورباع ، باقبال متزايد ، واكتشف فيها الجديد في كل مرة ،حتى يصبح ما أقرؤه جزءا من نفسي . وهذا الأسلوب لا يسمح بقراءة الكثير من الكتب ، لأن من المتعذر الجمع بين القراءة العميقة والقراءة الكثيرة الواسعة . " .

لو قرأنا عددا محدودا من الكتب بهذه الطريقة  أصبح من العسير علينا أن نطلع – الى جانب ذلك – على هذا الكم الهائل من النتاج الفكري والأدبي الذي تضخه المطابع ليل نهار . هذا الفيض الذي يزعم بعض المثقفين انهم قرأوه وتعمقوه . انا لا اشتت قراءاتي ، لذا فأن كل ما قرأ  يصبح ملكا لي واستخدمه في سهولة ويسر كلما دعت الحاجة اليه .

كان فيكتور يستمع الى حوارنا ، أنا وكريستينا ،ولم يتدخل كثيراً في النقاش . ولكن يبدو انه كان يرى الأمر من زاوية جديدة .وقال بصوت حاول ان يكون وديا ولبقاً: أن وتيرة الحياة المعاصرة تتسم بالسرعة ، والوقت لا يسمح بأستيعاب المطولات والمجلدات. ولا افهم كيف يمكن للمرء أن يقضي أياماً عديدة وربما أسابيع في قراءة رواية طويلة من عدة أجزاء ، مثل "الحرب والسلام"  في حين ان الحياة من حولنا  لا تقل متعة .

قلت : أعتقد ان الحياة ينبغي أن تكون مملوءة بالكتب النابضة بالحياة ، تلك التي تخفف من وطأة الحياة وتسرع في ادراكها ولا تكون بديلاً عتها ، فالكتاب للحياة وليس العكس. ان الكتب لا تغني عن تجارب الحياة ، لأننا نحتاج الى قسط من التجربة لكي نفهم الكتب حق الفهم . كما أن التجارب لا تغني عن الكتب ، لأن الكتب هي خلاصة مركزة لتجارب البشرية خلال آلاف السنين ، ولا يمكن ان تبلغ تجربة الفرد الواحد اكثر من عدة عقود ..

ان القراءة الواعية العميقة ، أو القراءة الفاعلة يكون في الوحدة والسكون .ربما قرأتما  رأي مارسيل بروست في اسلوب القراءة ، حيث يرى : " ان الكتاب أفضل من الصديق وأنفع من حديث الحكماء ، ذلك لأن السكون الذي يحيط بنا عند القراءة يحفظ علينا تفكيرنا قويا سليما بعيدا عن مؤثرات المتحدث فالسكون اذن ضروري لكل ما يثير فينا الفتنة والتفكير والاعجاب ، كما أن اللوح الفني لا نستطيع ادراك اسراره الا اذا تأملناه منفردين " . القراءة العجلى لا تترك أثراً في النفس ، ولا تلتصق بالذهن لفترة طويلة ، ولا تغير نظرتك للحياة ، أما الطريقة الواعية المتأنية فهي الوسيلة المثلى للمعرفة والثقافة ، لأنها تمتع النفوس وتغذي العقول وتحقق للأنسان انسانيته ، وتطور تفكيره وتعبيره ، وتزيد الحياة عمقاً

كان فيكتور وكريستينا ، يصغيان بأنتباه الى الحجج التي أسوقها لتبرير العدد المحدود من الكتب التي قرأتها . ثم التفت كريستينا نحوي وهي تقول : والآن دعني أستعير منك  بعض الكتب ان سمحت .

- هل لي أن أقترح عليكِ بعض الكتب التي أحبها ؟

- يسعدني ذلك!

- ما رأيك في رواية فلوبير " مدام بوفاري " التي أعتقد أنها أفضل رواية كلاسيكية فرنسية .   ورواية ستندال " الأحمر والأسود " ورواية ارويل " 1984 " و" مائة عام من العزلة " لماركيز ، وهي كلها مترجمة الى اللغة الروسية ، ترجمات ممتازة ومتكافئة.

قالت : هذه كتب قرأتها مترجمة الى اللغة البولونية . ثم تقدمت من الرفوف محاولة قراءة العناوين . قلت :

أني انظم مكتبتي حسب الحقول ( علوم ، آداب ، فنون ، فلسفة ، تأريخ ،... الخ ) بصرف النظر عن اللغة ، واذا كنت تبحثين عن الروايات والقصص فعليك معاينة حقل الآداب .

- هل لديك رواية " المعلم ومارغريتا " لبولغاكوف .

- أجل ولكنني قرأت الجز الأول منها فقط ، لأنها لم تعجبني كثيراً .

اختارت  كريستينا  رواية " المعلم ومارغريتا " و" المماشي الظليلة " لبونين  " و "امرأة في الثلاثين " لبلزاك ، والمؤلفات الكاملة للشاعرة الروسية العظيمة (تسفيتاييفا ). وقالت أنها معجبة بتسفيتاييفا ، أيما إعجاب ، لأن قصائدها رائعة ، وكل ما كتبته من شعر ونثر فني ومقالات ويوميات ورسائل لا نظير لها من حيث عمق الأفكار وروعة التصوير وصدق الأحاسيس وجمال الأسلوب .

- نِعمَ الأختيار سيدتي ، وأريد رأيك في " المعلم ومارغريتا " بعد قراءتها بطبيعة الحال، لأن الروس يعتقدون أنها أفضل رواية روسية في القرن العشرين ، وأنها البداية الحقيقية لأدب ( الواقعية السحرية ).  وأنا لا أصدق ذلك ! .

 

 

سحر الإستهلال الروائي الجاذب

 

جـودت هوشيار

            

الرواية الجيدة ، والممتعة حقاً ، تبدأ بجملة أو فقرة مشوقة، قد تكون مثيرة ، أو مدهشة ، أو مرحة ، أو حزينة  ، ولكنها قادرة على أن يجذب إنتباه القاريء وتحفيزه على مواصلة القراءة . الدراسات النقدية العربية ، التي عنيت بالأستهلال الروائي قليلة جداً، وان وجدت فهي شكلية في معظمها ، لا تعبر عن خصوصيات  الأستهلال ودلالته ووظيفته كأهم عنصر من عناصر البناء الروائي . بعض النقاد العراقيين ، الذين عالجوا موضوع الأستهلال الروائي ، أخذوا يبحثون عما قيل في الأستهلال في الكتب اللغوية والبلاغية العربية القديمة ، ولكن تلك الكتب تتحدث عن أهمية الأستهلال في المؤلفات والمصنفات عموما ، وليس عن الأستهلال الروائي . فالرواية الحديثة بمفهومها الحقيقي فن سردي غربي خالص ،ويقول النقاد الغربيون ان الرواية - كجنس ادبي مستقل - خرجت من رحم رواية سيرفانتس " دون كيشوت "، التي نشر جزئها الأول في العام 1605 . انتقل فن الرواية الى الثقافة العربية مع ما انتقل اليها من فكر الغرب وفنونه وآدابه في بواكير عصر النهضة العربية .

 الأستهلال في الرواية ( فيكشن ) شيء وفي غيرها من كتابات ( نون فيكشن ) شيء آخر تماماً ، وان كان التشويق مطلوباً في مفتتح أي رواية،أو كتاب أو دراسة أو مقال .

مفتتح الرواية أمر حيوي ، وبالغ الأهمية ، ويجب ألا يضجر القاريء بالعبارات المأثورة المبتذلة ( الكليشيهات ) وأن لا يقحم الكاتب فيه المقدمة التي يبرر بها عمله أوالوصف الممل أوالأستطراد غير الضروري ، بل أن يتضمن معلومات مهمة عن بطل الرواية أو احدى الشخصيات الرئيسية فيها  وأن يكون مركزاً ، وقصيرا وواضحا ، وضرورياً في سياق الرواية ، ومن ثم تطويره في عدة جمل لاحقة على نحو يثير الأهتمام والفضول ، لأن القراء لديهم الكثير من الكتب للأختيار من بينها . الأستهلال هو الذي يشكل عند المتلقي الأنطباع الفوري عن الرواية وهل تستحق أن تقرأ. .

من الخطأ استهلال الرواية بمفتتح درامي من اجل جذب انتباه القاريء ، لأن القاري لم يطلع بعد على القصة ولم يتعرف على شخصيات الرواية ، لذا لا يتفاعل مع الحوادث الدرامية ولا يتجاوب معها اذا كان لا يعرف شيئا عن المواقف والشخصيات .

ليس المهم في الرواية المعاصرة ،أن يكون الأستهلال وصفاً أو مشهداً أو حواراً ،أو فكرة جديدة أو حقيقة ما ، بل أن يكون قوياً ومثيرأ .  ومن العبث تصنيف الأستهلالات أو تبويبها في أنماط وقوالب محددة ، فلكل رواية استهلال خاص بها لا علاقة له بأي استهلال في أي رواية أخرى .

الأستهلال أصعب وأهم فقرة في أي رواية ، وقد عانى كبار الروائيين في العالم من معضلة العثور على الأستهلال المناسب عند شروعهم بكتابة رواية جديدة . يقول غابريل غارسيا ماركيز: " المشكلة الرئيسية تكمن في البداية . الجملة الأولى في الرواية أو القصة تحدد امتداد النص ، ونطاقه ، و نبرته ، وايقاعه ، واسلوبه . أصعب ما في الرواية – الفقرة الأولى .ما أن تتقن ذلك حتى تسير الأمور بأنسيابية وسهولة . في الفقرة الأولى أنت تحل معظم المشاكل التي تواجهك في كتابة الرواية – تحدد الموضوع والأيقاع .  لقد يحثت عن الجملة الأولى المناسبة لرواية " خريف البطريق " طوال ثلاثة أشهر. ولكن عندما وجدتها ، أدركت كيف تكون الرواية بأسرها . "

وكتب ايفان بونين ، يقول : " الرواية الجيدة تبدأ بجملة حقيقية . حقاً ان الجملة الأولى لها الدور الحسم ، فهي التي تحدد في المقام الأول حجم العمل وصوته ككل . واذا لم تنجح في العثور على  الصوت الصحيح ، فإنه لا مفر من تأجيل الكتابة أو التخلص مما كتبت ورميه في سلة المهملات .

اما ليف تولستوي ، فقد بدأ روايته الشهيرة " آنّا كارينينا بالجملة التالية الشهيرة ، التي دخلت الى المناهج الدراسية للفروع الأدبية في جامعات العالم  : " كل الأسرالسعيدة تتشابه، ولكن كل أسرة شقية فريدة في شقائها ". ثم أضاف " كل شيء اختلط في بيت آل اوبلونسكي " . وبعد كتابة هاتين الجملتين اسرع ليقول لأهل بيته : " لقد أنجزت الرواية " . حقاً لقد اتضحت حبكة الرواية امام عينيه كاملة فهو يعرف على وجه التحقيق ، ما الذي سيحدث لاحقاً ، وكيف سيكتب الرواية ؟

الجملة الأولى المثالية ، ليست مجرد استهلال ، أو بوابة للولوج الى عالم الرواية ، بل يرسم العمل اجمالاً ، كأنها الرواية كلها مضغوطة في جملة واحدة .  وكما قال وليم بليك "أن نرى العالم في حبة رمل". السطر الأول في رواية فرانز كافكا " التحول " التي  ترجمت الى العربية تحت عنوان " المسخ " يحتوي على مجمل مضمونها : ما أن استيقظ غريغور سامسا صباح أحد الأيام من أحلام مضطربة ، حتى وجد نفسه في فراشه وقد تحول الى حشرة عملاقة ." يمكننا أن نرى في هذا الأستهلال رحلة سامسا الداخلية ومحنته المؤلمة وموته في نهاية المطاف .

لا حاجة لكتابة وصف ممل للطبيعة أو وصف الأشخاص الذين لن يلتقي بهم القاريء في سياق الرواية ، على سبيل المثال، " رأيت جارتي من الطابق الثالث منحنية على رجل جريح تهمس له بشيء " ، هذه هي الأشارة الوحيدة الى الجارة ،في رواية روسية حديثة  ولا يرد ذكرها في الفقرات والفصول اللاحقة . في هذه الحالة تظل الجارة في ذهن القاريء ، ويحس بخيبة أمل كبيرة عندما يكمل قراءة الرواية حتى النهاية دون أن  يلتقي بها في النص ، ولو مرة واحدة . وكما قال أنطون تشيخوف : " لا يمكنك تعليق بندقية محشوة بالرصاص على الحائط، اذا لم تكن في نيتك أن تطلق النار لاحقاً "

لا ينبغي ان تبدأ الرواية بالمواعظ الأخلاقية أو التأملات الفلسفية لعدة اسباب منها ان القاريء لا يحب المواعظ وان الجرعة الفلسفية لا تعطى بشكل مركز بل ينبغي توزيعها بالتساوي على امتداد الرواية . ولا مجال في المفتتح للتفكير في معنى الحياة أو أن تسأل : ما العمل اذن !.

أحيانا يكون الأستهلال صورة حية يسهل تحويله الى لقطة سنمائية . صورة تركز على التفاصيل الصغيرة التي تدعونا للتعرف على حياة شخصية مهمة في الرواية ، لذا فأن الأستهلال يبدو وكأنه بداية لفيلم سينمائي تقودنا الى المشاهد الأخرى . صورة تستخدم فيها الأضاءة والنبرة ، لنقل المزاج السائد في الرواية الى القاريء .

لكل استهلال صوته المنفرد . نحن نحب أن نسمع القصص من رواة أو ساردين يتميزون بالصوت الحسن ، والأستهلال ينبغي أن يكون بصوت شخصية مهمة في القصة ، وهذا الصوت خاص برواية معينة ولا يتكرر أبداً في رواية أخرى.

المفتتح الجيد يثير اسئلة . القاريء يسأل من هم هؤلاء الناس ولماذا تصرفوا على هذا النحو . اذا بدأت مباشرة بالصراع لن يكون بوسعك ان تحقق هدفك ، لأن المشهد لن يجذب من دون سياق ؟

لتقرأ هذا الأستهلال الحاذق والمؤثر الذي يفتتح به ماركيز رائعته " مائة عام من العزلة " التي تتصدّر أفضل روايات القرن العشرين : " بعد سنوات طويلة ، وأمام فصيل الأعدام ، تذكر الكولونيل اوريليانو بوينديا ، عصر ذلك اليوم البعيد ، الذي اصطحبه فيه أبوه ، لكي يتعرف على الجليد " . " .

الأستهلال هنا ليس صاخباً ولكنه يجذب من حيث الحبكة والشخصية وخط الأنفتاح . لماذا يواجه الكولونيل   حكما بالأعدام رميا بالرصاص ؟ وأين كان يعيش ، ومتى أخذ أبنه ليكتشف الجليد ؟

ماركيز يمسك بتلابيب القاريء من الجملة الأولي . لنقرأ معاً هذا الأستهلال الذي بدأ به قصته الرائعة :" رحلة موفقة ، سيدي الرئيس : " جلس على مصطبة خشبية تحت الأوراق الصفراء في المنتزه المهجور ، متأملاً الوز ذي اللون المغبر ، وكلتا يديه على المقبض الفضي لعصاه ، وراح يفكر بالموت "

القاريء يسأل : من هو هذا الرجل ، ولماذا  يفكر بالموت ؟ الأوراق الصفراء المتساقطة في أواخر الخريف تلميح ذكي الى ما ينتظر الرجل في ايامه التي أوشكت على النهاية .

قد يكون الأستهلال محاكاةً ساخرة ، كما في رواية " كبرياء وهوى " لجين أوستن ، "حقيقة معترف بها عالمياً أن الرجل الأعزب صاحب الثروة الجيدة بحاجة إلى زوجة "

أما سكوت فيتزجيرالد فقد افتتح رواية " غاتسبي العظيم "  بالفقرة  التالية الموحية بما سيأتي:  " في سنوات صغري وطيشي، أخبرني والدي بنصيحة ظلّت تدور في رأسي منذ ذلك الحين: عندما تشعر بالرغبة في انتقاد أحد، تذكر فقط أن ما أتيح  لك في هذا العالم من مزايا لم يتح لغيرك من الناس" ..

قد يكون الأستهلال شاعرياً ينطبع في ذهن القاريء بنبرته وايقاعه . كما في رواية " لوليتا " لنابوكوف ، التي  تبدأ بالجملة التالية : " لوليتا ضؤ حياتي ، والنار المتوقدة في عروقي . لوليتا خطيئتي، وروحي . لو- لي- تا ، رأس اللسان حين يمضي في رحلة من ثلاث خطوات عبر الحلق ، ليدق ثلاثاً فوق اللسان ، لو – لي – تا " . هذا المفتتح العاطفي يكشف عن الفاجعة التي ستأتي .

أما الروائي العراقي أحمد سعداوي ، فقد افتتح روايته " البلد الجميل " ( بالجملة التالية : " نود أغنيتي التي رحلت . نصف تفاحتي ، سمكة أيامي اللائبة في بحيرة صمتي ، كلمتي التي اكررها مرارا. " وليس من الصعب للقاريء ان يلاحظ التطابق في الأيقاع بين "لوليتا" و"البلد الجميل" رغم اختلاف الكلمات .

وقد شبه الكاتب الروسي يوري بولياكوف الأستهلال الشاعري بالقبلة الأولى في الحب فهي تعد بما لا يمكن التنبؤء به .

استهل الكاتب المصري المبدع بهاء طاهر رواية " الحب في المنفى " بمقطع شاعري جميل ومركز ، وكأنه دعوة للقاريء للدخول الى عالم الرواية ، التي تعد من أروع الروايات العربية في القرن العشرين وقد وصفها أحد كبار النقاد المصريين بأنها كاملة الأوصاف ، الكاتب يستهل الرواية بهذا المفتتح المثير : " اشتهيتها اشتهاءً عاجزاً ، كخوف الدنس بالمحارم . كانت صغيرة وجميلة ، وكنت عجوزاً وأباً ومطلقاً . لم يطرأ على بالي الحب ، ولم أفعل شيئاً لأعبر عن إشتهائي . لكنها قالت لي فيما بعد : كان يطل من عينيك " . وكما نرى فأن الخيال الممتع يسري خفيفا لطيفا في ثنايا الرواية منذ البداية ، بطريقة تثير حب الأستطلاع إثارة متصلة ، والعبارات قصيرة ومحددة وواضحة يستريح لها القاريء وتغريه بمواصلة القراءة .

يتبين لنا من كل هذه الأمثلة  أن ، الأستهلال يتنوع ويتخذ أشكالاً مختلفة ،  وليس ثمة أي قواعد لكتابته . والواقع أن لكل رواية  جيدة استهلال خاص بها ، ينطبع فيى الذاكرة اذا كان قوياً ومؤثراً ،وعلى الروائي ان يتحلى بالصبر لأن البحث المضني عن الأٍستهلال الأفضل لروايته قد يستغرق وقتا أطول مما يتصور .

الروائي العراقي عموماً لا يتعب نفسه ولا يصرف الوقت الكافي ولا الجهد اللازم للعثور على الأستهلال البارع ، بأستثناء البعض منهم وفي مقدمتهم الروائي المبدع أحمد سعداوي ، حيث لم اجد في معظم تلك الروايات أي استهلال قوي ومؤثر يثير الرغبة في مواصلة القراءة ، فالرواية العراقية الحديثة ،غالبا ما تبدأ بموعظة أخلاقية أو حكمة ، أوحقيقة معروفة ، او وصف عادي، أو حوار ممل، فيفقد القاريء كل شهية لقراءة الرواية فيطويها في ضيق ويلقيها جانباً  وربما كان هذا أحد أسباب عزوف المتلقي العراقي عن اقتناء الروايات العراقية وقراءتها ، في حين أن الرواية العربية غير العراقية لها سوق رائجة نسبيا  ًفي العراق  .

 

 

 

حيّوا معي هذه السيدة العظيمة

جودت هوشيار

هذه السيدة إحدى أقوى المرشحات لنيل جائزة نوبل للسلام لعام 2016 ، وهي ليست ، لا سياسية بارزة ، ولا شخصية شهيرة ، ولا تشغل أي منصب حكومي ، بل إمرأة عجوز عمرها 85 عاما ، ولكنها عظيمة بكل المقاييس ، لأنها قررت أن تكرس حياتها لأنقاذ المهددين بالهلاك ، الذين لم تلتق بهم قط في حياتها ، ولكنها تحس أنهم أخوة لها في الأنسانية المعذبة ، أولئك الذين اجبروا على ترك أوطانهم والبحث عن بقعة آمنة في هذه الدنيا المضطربة .

اسم هذه السيدة (اميليا كامويزي) من جزيرة ( ليسبوس ) اليونانية ،وهي غادرت منزلها وتقيم منذ سنة تقريباً في خيمة على ساحل البحر . تستقبل اللاجئين القادمين من تركيا ، الذين استطاعوا الأفلات بشق الأنفس من بحر ايجة والوصول الى الجزيرة في حالة يرثى لها . تحتضنهم وتقدم لكل منهم بطانية pوشطيرة من الجبن ، وتحرص على اعطاء الأطفال الرضع الحليب الدافيء .

 تحدثت ايميليا الى مندوب صحيفة ( لا ريبوبليكا) الأيطالية عن ذلك اليوم الذي وصلت فيها سيدة منهكة القوى مع طفلها الرضيع الى ساحل الجزيرة ، وهي مبتلّة مع طفلها من قمة رأسيهما الى أخمص القدمين . أخذت اميليا الطفل و اسرعت لجلب الملابس الناشفة . أخذ الطفل يبكي ، وعندها ركضت صديقتها ( ماريتسا ) لأحضار الحليب ، ولكن الطفل رفض شربه ، لأن الحليب كان ساخنا جداً . قامت اميليا بتبريد قنينة الحليب في مياه البحر ، وعندئذ شربه الطفل في لحظة واحدة .

 هل فكرت هاتان السيدتان  يوما انهما ستكونان مرشحتين لنيل جائزة نوبل للسلام . تقول اميليا لقد تصرفت كأنسان . عندما يصل أي قارب الى الشاطي – وهي تأتي بالمئات يوميا - ، أنت لا تسأل نفسك ، ان كان اللاجئون وأطفالهم لديهم وثائق صحيحة ، ولا من أين قدموا ، ولماذا ؟ . انك تفكر في أحفادك، الذين هم في العمر نفسه . وحتى لو بلغت الخامسة والثمانين من العمر ، وتتكيء على عصاة عند المشي ، فإنك تعمل ما في وسعك ، لكي تقدم المساعدة الى من هم بأمس الحاجة اليها .

وعن الأتفاقية الأخيرة بين الأتحاد الأوروبي وتركيا ، التي تهدف الى وضع حد لتدفق الاجئين الى أوروبا ،  قالت اميليا : " انهم فقط نقلوا المشكلة من مكان الى آخر  . ينبغي وضع حد للحرب في سوريا . وعلى أوروبا أن تفتح الأبواب وليس غلقها بوجه اللاجئين  . أمي وأم ( ماريتسا ) سلكتا الطريق نفسه قبل مائة سنة تقريبا ، هاربتين ، من جحيم الإبادة الجماعية في مدينة أزمير الساحلية التركية ، ووصلتا الى هذه الجزيرة على قارب صيد خشبي محمل بالبشر فوق طاقته .

 ذات مرة،  قبل عدة أسابيع ، عندما غرق قارب محمل باللاجئين قرب الساحل ، قدر لأمرأة النجاة بأعجوبة ، وفور بلوغها الشاطيء وقعت في حضني . فكرت في أمي ، التي وصلت الى هذا الساحل قبل سنوات طوال . في تلك اللحظة خيل اليّ أنني أعانق أمي ."

 

 

من هو الكاتب الحقيقي ؟

جــودت هوشيار

منذ أن كتب مؤلف مجهول ( ملحمة جلجامش )  في القرن الثامن عشر قبل الميلاد - وهي أقدم قصة كتبها الإنسان - وحتى شيوع الأنترنيت قبل حوالي عشرين عاماً ، كان كتّاب النثر الفني قلة نادرة من أصحاب المواهب ، والمعرفة الموسوعية ، والخيال الخصب ، والحس الجمالي ، والأفكار الجديرة بالقراءة والتأمل . والى عهد قريب كان مثل هؤلاء الكتاب في العالم العربي محل اعجاب واحترام المثقفين الذين يتابعون أعمالهم الجديدة بشغف . وقد قيل (القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ) . رغم ما في هذه المقولة من اجحاف بحق بيروت الرائدة دائما في مجالات الفكر والأدب والفن . أما بغداد فلم تعد تقرأ كثيرا هذه الأيام ،رغم تكاثر الكتّاب كالفطر بعد المطر ، بحيث بات من الصعوبة بمكان فرز الكتّاب الحقيقيين عن الأدعياء ، الذين لا أثر في كتاباتهم  لأي فكرأو ابداع . ولم يعد الجيل الجديد يهتم بالنتاجات الأبداعية الأصيلة فكراً وفناً ، فهو يبحث في الأنترنيت وفي المجلات الخفيفة المزوقة عن توافه المعارف ، وغرائب الحوادث ، وطرائف النوادر وهي كلها أشبه بـوجبات (الفاست فود ) لا تترك أثراً في النفس ولا حاصلاً في الذهن . ثمة سمات يتصف بها الكاتب الحقيقي من خصائص نفسية ومعايير فنية وجمالية وأخلاقية  يلتزم بها ، على خلاف الكاتب الأستهلاكي السطحي الذي لا يهمه سوى تسويق نفسه و( كتاباته ) كأي سلعة في السوق . والفروق بين الأثنين جذرية ،لعل أهمها ما يلي :

  1 – دوافع الكتابة

الكاتب الحقيقي لا يكتب من اجل المال ، او المجد ، او الشهرة ، أو بدافع آيديولوجي معين ، بل لأنه مصاب بـ(مرض) الكتابة ، ويشتعل حماساً للتعبيرعما يختلج في ذاته ويشعر بضرورة ملحة في البوح للناس بما لم يكتبه أحد من قبل ، ولكونه قد التقى اناسا وتملكته احساسات ليس بوسعه ان لا يعبر عنها , هكذا تظهر للوجود النتاجات الأبداعية الممتعة.

سأل احدهم ليف تولستوي ذات مرة : كيف يستطيع الانسان ان يكتب بشكل جيد . فقدم له الكاتب نصيحتين ثمينتين :

اولا :  على الكاتب ان لا يكتب مطلقا عن موضوع غيرشائق بالنسبة اليه شخصيا.  

ثانيا : اذا اراد الكاتب ان يكتب عملا ابداعيا ما ولكن كان بوسعه ان لا يكتبه فمن الافضل ان يتخلى عن فكرته .

2 - الموهبة :

الموهبة الأدبية  وحدها ، أو الميل الى التعبير عن الأفكار والأحاسيس عن طريق الكتابة ،  غير كافية لخلق كاتب متمكن من أدواته ، الموهبة  قد تظهر في مجال الموسيقى والشعر في سن مبكرة ( موتسارت ، رامبو ، يسينين ). أما في القصة والرواية ، فأنها تحتاج الى الصقل والعمل الدؤوب لتنتج أثراً ذا قيمة

لو كانت الموهبة الفطرية وحدها كافية لكتب تولستوي " الحرب والسلام " و فلوبير " مدام بوفاري " و ستندال " الأحمر والأسود " في مقتبل العمر ، رغم ان هؤلاء الثلاثة يعدون من العباقرة الأفذاذ في فن الرواية .   تاريخ الأدب العالمي لا يقدم لنا مثلاً واحداً على ظهور رواية عظيمة لكاتب يافع . .

كان ميخائيل شولوخوف في الثالثة والعشرين من العمرفي عام 1928 حين نشر الجزء الأول من رواية " الدون الهاديء ". وقد شكك النقاد على الفور في ان يكون شولوخوف مؤلف هذه االرواية حقا ، لأن شابا يافعاً من أعماق الريف ، لم يشترك في الحرب الأهلية ، ولم يتلقى تعليما يعتد به ، ولا يمتلك الا القليل من  التجربة الحياتية لا يمكن أن يؤلف رواية طويلة وعظيمة كـ( الدون الهاديء ) ، وقد صدق حدسهم فقد تبين لاحقاً ، بعد البحث والتدقيق ، أن مخطوطة  الرواية تعود لضابط روسي قتل خلال الحرب الأهلية ، واستولى شولوخوف على المخطوطة واعاد كتابتها بخط يده . وقد سخر الكاتب الروسي سولجنيتسن الحائز على جائزة نوبل في الأداب لعام 1970 ، من شولوخوف قائلاً : " بالطبع فإن ميشا ( تصغير اسم ميخائيل ) ليس مؤلف  الدون الهاديء قطعاً ."

3 – العمل الشاق :

أن العباقرة لا يولدون ، بل يصبحون كذلك ، عن طريق العمل اليومي الدؤوب المثابر على مدى فترة طويلة من الزمن والأصرار على تحقيق الأهداف .

لا نجد بين كبار الكتاب من أصبح معروفا بين ليلة وضحاها . كل الكتاب العظام كانوا في البداية  يجربون طاقاتهم وادباء غير معروفين ، وكانت نتاجاتهم رديئة ودون مستوى النشر وتطورت فطرتهم الأبداعية بالممارسة والتجريب وومحاولتهم التعلّم لأكتساب التقنيات والأدوات ، وادمان المزاولة وطول العلاج.  الذي لا يكتب يوميا – وان كان كاتبا جيدا - يجف قريحته وينضب تدفق افكاره وما يكتبه بين حين وآخر يكون غثاً .

ليست الكتابة ، هواية يمارسها الكاتب بين حين وآخر حسب المزاج ،ولا طريقة لتزجية الفراغ والتسلي ولا مهنة عادية كسائر المهن ، بل عمل شاق يلتهم حياة الكاتب وينهك قواه . فهو يعيش حياتين – حياة عادية كالآخرين ، وحياة ابداعية مرهقة تستنزف طاقاته وتختلف كثيراً عن حياة الناس العاديين .

الأدب يملأ حياة الكاتب وليس خلال الساعات التي يكتب فيها فقط . الأدب يزيح كل الأعمال الأخرى . ليكرس نفسه ووقته وطاقته للأدب .

الكاتب الحقيقي يراجع ما كتبه أكثر من مرة . فالكتابة عموما ، والفنون السردية خصوصاً  تتطلب ارادة قوية ، وأقوى الأرادات هي التي تنتج أفضل النصوص . قد يقول بعض الكتّاب انهم يكتبون بسهولة ويسر ، ويقصدون بذلك الكتابة السطحية الرائجة التي يقبل عليها من يريد الأستمتاع بالقصص الميلودرامية أو روايات الحب الخفيفة ، التي لن تصمد أمام الزمن.

سئل الكاتب الأميركي مارك توين : كيف تُكْتَبُ الكتب الرائجة ؟  

- أوه ... !  أنه أمر جد بسيط . خذ قلما وورقة واكتب الأفكار التي ترد الى ذهنك . ولكن المهم في الأمر هو نوع الأفكار التي تكتبها .

الأفكار موجودة عند كل الناس ، ولكن ليس عند الكل القدرة على التعبير عن أي فكرة بوضوح وسلاسة وكثافة في جملة واحدة موجزة ، وكما قال تشيخوف فأن " الأيجاز صنو الموهبة . ".

الكاتب الحقيقي  من يجيد التعبير - الواضح والجميل في آن واحد عن افكاره وعواطفه  وعن زمانه ، ورؤيته للحياة والعالم ، ويمتلك حساسية مرهفة قادرة على تحويل الكلمات المألوفة الى كلمات يبعث على التفكير أو يلهب العاطفة والشعور.

4 – تقنيات الكتابة :

ليس للأدب – كأي فن آخر - قواعد محددة ولكن استيعاب تجارب الكتاب الكبار والتقنيات الفنية المستخدمة في نتاجاتهم ضرورية للكاتب – أي كاتب ، فالروائي او القاص الذي لم يدرس  التقنيات السردية من خلال تحليل الأعمال الأدبية الخالدة لكبار الكتاب ، كأنه يبدأ من الصفر . وكل كاتب حقيقي هو قاريء نهم ومتميز بالضرورة ،  لا يكتفي بقراءة النتاج الأدبي لمرة واحدة كأي قاريء عادي ، بل يعيد قراءته أكثر من مرة ليعرف : " كيف تمت صناعته ". واذا لم يكن عنده وقت للقراءة فلا يمكن أن يكون كاتبا .ً   

يقال بأن التقنيات الفنية يمكن تعلمها – الى حد ما - عن طريق التعليم أيضاً  وهذا يفسر انتشار الورش الأبداعية في أنحاء العالم التي يتحدث فيها كبار الروائيين عن تجاربهم ويقدمون النصح والأرشاد للمبتدئين في عالم الأدب . ولكني لا أعتقد بأن مثل هذه الورش يمكن أن تخلق كاتباً مبدعاً ، ما لم يتوافرعلى بذرة الموهبة وهوس الحكي . ثمة طريقة واحدة لتكون كاتبا جيدا ان تجلس وتكتب وتجرّب الى أن تكتب نصاً ذا قيمة فنية .

كان الروائي الأميركي الشهير سنكلير لويس (1885-1951) أول كاتب أميركي يحصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1930 ، وقد دعي ذات مرة  ليحاضر أمام مجموعة من الطلاب حول حرفة الكاتب والمهارات الأدبية . وقف على رأس الصف وسأل: “كم من الموجودين هنا لديه رغبة جادة في أن يكون كاتباً؟” وارتفع أمامه أيادي الحاضرين المشهرة. وعندئذٍ تساءل لويس : “حسنٌ، لماذا لا تعودوا جميعاً إلى بيوتكم لتكتبوا؟” قالها ثم خرج من القاعة

الكاتب يتعلم من  محاولاته وتجاربه الشخصية في المقام الأول وممارسته الدؤوبة للكتابة يوما بعد يوم ، لأن ترك الكتابة لفترة طويلة يؤدي الى جفاف القريحة ونضوب الطاقة الأبداعية تدريجياً . . ان القاعدة الذهبية للنجاح تكمن في أن يطور الكاتب نفسه ويتعلم من انجازاته ومن أخطائه ايضاً ، لأن من المهم له أن يعرف أيضاً ، ما لا ينبغي كتابته ، وأن يعيد كتابة نتاجه المرة تلو المرة . من يصدق أن عبقرياً مثل تولستوي كان يعيد كتابة نتاجاته وتعديلها وتنقيحها عشرات المرات أحياناً .

يقول ايليا اهرنبورغ في محاضرة القاها في معهد الأدب العالمي في موسكو عام 1949 : " عندما انجز رواية ما اعيد النظر فيها : احذف واعدل وانقح وبالنتيجة يتقلص حجم الرواية الى أقل من نصف حجمها الأولي . ولا أنشرها الا بعد أن أكون راضياً عنها " . "

5 – العزلة :   

الحكمة تولد في الصمت والأفكار تتدفق والمخيلة تنشط في العزلة الأيجابية المنتجة ، ولهذا فأن سمة مهمة أخرى للكاتب الحقيقي – العزلة أو الأختلاء بالنفس . وبطبيعة الحال فإننا لا نقصد بذلك العزلة عن حياة المجتمع   ، بل الأبتعاد عن المشاغل اليومية وعدم هدر الوقت الثمين وايجاد الوقت الكافي للكتابة. وثمة قول لفرانز كافكا ورد في احدى رسائله  يقول فيها : " أن كل أعمالي هي نتاج الوحدة " . "  .

قد يقول البعض ان ثمة العائلة وزملاء العمل والأقارب ، والأنشطة الأجتماعية  . كل هذا يمكن ان يكون موجودا . العزلة الحقيقية التامة – هي في الداخل . انها احساس لا يفارق الكاتب أبداً وطوال حياته يتعلم كيف يستخدمها على نحو صائب وصحيح . يتعلم النظر الى الاشياء من زاويته الخاصة حيث يرى فيها ما لا يراه الآخرون .

  6 – الأسلوب والصوت :

لا يقتصر مفهوم الأسلوب على الطريقة التي يسلكها الكاتب للتعبير عن أفكاره وعواطفه ، ففي العمل الفني ، تؤدي الكلمة وظيفتان ، اولهما حمل معلومة معينة ، وثانيها التأثير الجمالي في القاريء من خلال الصور الفنية ، وكلما كانت الصور أكثر اشراقاً ، كان تأثيرها أعمق وأقوى .

الكاتب الجيد يمتلك أسلوبه الخاص وصوته المتميز ، ولا يقلد كاتبا آخر ، لأن لكل شخص تجربته ورؤيته للعالم .. على الكاتب أن يعتمد على تجربته الخاصة . كتب جون براين – مؤلف رواية غرفة على السطح: “إذا كان لصوتك أن يُسمع وسط آلاف الأصوات، وإذا كان لاسمك أن يعني شيئاً بين آلاف الأسماء، فسيكون السبب الوحيد هو أنك قدمتَ تجربتك الخاصة صادقاً . قال الشاعر الروسي سيرجي يسينين : " لا تقلد صوت الكروان بل غني بصوتك ولو كان أشبه بصوت الضفدعة " .

كتب جون براين – مؤلف رواية غرفة على السطح: “إذا كان لصوتك أن يُسمع وسط آلاف الأصوات، وإذا كان لاسمك أن يعني شيئاً بين آلاف الأسماء، فسيكون السبب الوحيد هو أنك قدمتَ تجربتك الخاصة صادقاً.

الكاتب الذي لا يتميز بأسلوبه وموضوعاته وافكاره ،لن يحظى بأعجاب القاريء واهتمامه ويطويه النسيان ان عاجلاً أم آجلاً .

.

 

في حضرة ناظم حكمت

جــودت هوشيار

                                             

اذا كانت إيطاليا بلد الفنون التشكيلية ، وألمانيا بلد الموسيقى ، فإن روسيا بلد الشعر .. فقد كان الشعر على مدى مئات السنين أحد أهم روافد الثقافة الروحية للشخصية الروسية . وحين يجتمع عدد من الأصدقاء أو الزملاء  - سواء في مناسبة عائلية ، أو حول موقد النار في أعماق الغابة الروسية الساحرة في سفرة استجمام أو في بعثة جيولوجية – فأن الحديث لا يخلو عن الشعر والشعراء وقد يصاحبه العزف على الغيتار . ولا يقتصر الأمر على الشعراء الروس ، بل يرددون أحياناً أبيات من قصائد كبار الشعراء الأجانب مترجما الى اللغة الروسية شعراً. كم مرة سمعت في موسكو يرددون بعض أبيات شعر الشاعر التركي العظيم ناظم حكمت .

" أجمل الأيام ، تلك التي لم نعشها بعد

أجمل البحار ، تلك التي لم نبحر فيها بعد

 أجمل الأطفال ، هم الذين لم يولدوا بعد

 أجمل الزهور ، تلك التي لم نرها بعد

 أجمل الكلمات ، تلك التي لم أقلها لكِ بعد

 وأجمل القصائد ، تلك التي لم أكتبها بعد."

 ورغم أنني كنت وما أزال من عشاق شعر ومسرح ناظم حكمت ،وقرأت كل ما ترجم منها الى اللغة العربية ، غير أني سمعت تلك الأبيات لأول مرة ،  من فتاة روسية - ونحن على ظهر باخرة سياحية في صيف عام 1961 ضمن مجموعة طلابية من جامعتنا ، في ليلة صيف روسية بيضاء ، حين يظل الأفق مضيئا طوال الليل .

قضى حكمت حوالي 17 سنة في السجون التركية بسبب شعره الأنساني الجميل التي فسرته السلطة كشعر ثوري يروج للشيوعية . وفي اوائل 1951 أعلن الشاعر المشرف علىى الموت بسبب عجز في القلب ، الأضراب عن الطعام مطالباً بإطلاق سراحه . ولكن السلطة ظلت صمّاء . وكان حكمت آنذاك في حوالي الخمسين من العمر ، وأشهر شاعر تركي في داخل تركيا وخارجها .وخلال فترة الأضراب حاز على جائزة مجلس السلم العالمي وانتخب على إثرها نائباً لرئيس المجلس . واثيرت ضجة عالمية وطالب  كبار الكتّاب والشعراء والفلاسفة والمفكرين والفنانين في شتى انحاء العالم بضمنهم سارتر وأراغون ونيرودا وبيكاسو باطلاق سراحه .وقد اضطرت السلطة تحت ضغط الرأي العام العالمي الى الأستجابة لهذا المطلب ، ولكن وضعته  تحت الأقامة الجبرية والمراقبة . ثم تم استدعاؤه لأداء الخدمة الألزامية في الجيش ، رغم أنه كان مريضاً ، وسبق اعفائه من التجنيد لأسباب صحية  . وكان الهدف من وراء هذا الأستدعاء واضحاً وهو القضاء عليه ، عن طريق ما تتطلبه الخدمة الألزامية من تدريب عنيف . ولم يكن أمامه سوى الهروب من تركيا واللجؤ الى الأتحاد السوفييتي في حزيران 1951.

 شهرة حكمت سبقته الى موسكو حيث ترجمت قصائده  الى اللغة الروسية ونشرت على نطاق واسع منذ الثلاثينات من القرن العشرين ، وعرضت مسرحياته على مسارح موسكو وليننغراد وبقدومه الى موسكو أصبح على الفور محط أنظار الأوساط الأدبية في الأتحاد السوفييتي ، وقام برحلات  كثيرة الى شتى بلدان العالم .

لم تكن الحياة سهلة في الأتحاد السوفييتي في أوائل الخمسينات وأصيب بخيبة أمل في النظام الأشتراكي على النمط الستاليني ، ولم يكن يتوقع ان تكون الحياة في بلد إشتراكي بهذا البؤس ،  فقد اختفىت تلك الأجواء الفنية والأدبية المفعمة بالتجديد والأبداع الحقيقى الذي كان سائدا حينما كان طالبا في موسكو في العشرينات. واختفى اصدقاؤه من الكتاب والشعراء والمسرحيين و الفنانين الذين عرفهم في شبابه . منهم من تمت تصفيته ومنهم من كان يقضي سنوات السجن في معسكرات الأعتقال الرهيبة . وكان يزعجه ذكر اسم ستالين في قصائد الشعراء الروس ( الرسميين ) من دون مسوغ فني والتشويه المتعمد لقصائده المترجمة الى اللغة الروسية ، وصور ستالين في كل مكان .

 ذات مرة قال حكمت لصديقه الكاتب والشاعر ايليا اهرنبورغ :" إنني احترم جداً الرفيق ستالين ، ولكنني لا أحتمل القصائد التي تقارنه بالشمس . هذه ليست قصائد سيئة فقط ، بل تنم عن ذوق سيء ."

في شباط عام 1953 أصيب حكمت بأزمة قلبية وظل طريح الفراش في حالة حرجة لعدة أسابيع . وتقول الطبيبة التي كانت تعالجه ، وأصبحت في ما بعد على علاقة حميمة معه :" لقد نجا حكمت بأعجوبة اذا أخذنا بنظر الأعتبار مستوى الطب في ذلك الوقت " .

صراحة غير معهودة :

في أوائل الستينات- في فترة ذوبان الجليد . هبت رياح التغيير على روسيا في كافة مجالات الحياة ، وشرع الروس بفتح ابواب الستار الحديدي أمام الأجانب وخاصة الطلبة من بلدان العالم الثالث ومنها العراق . لم يكن يمر اسبوع دون أن احضر أمسية شعرية أو أدبية في هذه القاعة أو تلك . و لن أنسى ما حييت أمسية أقيمت لناظم حكمت في 18 تشرين الثاني 1961 في متحف ( ماياكوفسكي ) . (وأنا أنقل هنا ما كتبته في دفتر يومياتي في ساعة متأخرة من تلك الليلة بعد رجوعي اليالمدينة الجامعية حيث كنت أسكن ) .  كان الأزدحام شديداً واغتصت القاعة الصغيرة والممرات بعشاق الشعر . وقف الشاعر امام الجمهور المتلهف لشعره ، فارع القامة ، أشقر الشعر ، وعيناه الزرقاوان تلمعان ويبدو مفعماً بالحيوية وعلامات الرضى على محياه  ، قال الشاعر:

- أيها الرفاق!  أتذكر جيدا نلك الأمسية الشعرية في قاعة البولوتكنيك ، التي حضرتها بصحبة ماياكوفسكي  وقرأت شيئا من شعري لأول مرة أمام الجمهور الموسكوبي .كنت في التاسعة عشرة من عمري ، مرتعباً من قراءة شعري باللغة التركية ، ومتردداً جداً . ولكن ماياكوفسكي دفعني وقال :" تعال ايها التركي ، لا تخف . على اية حال  لن يفهموا شيئا ، ولكنهم سيصفقون لك ، لأنك شاعر ثوري .حقاً لم بفهموا شيئاً من شعري ولكنهم صفقوا لي بحرارة ، وكان ذلك أول تصفيق لي هنا .درست في موسكو وقضيت فيها  أجمل سنوات شبابي . وفيها أحببت وكتبت شعراً حقيقياً لأول مرة . رأيت في موسكو ( الأوبرا). وتعلمت الكثير والكثير من الأشياء لأول مرة هنا . تعرفت على مترجم اشعاري ، الشاعر أدوارد باغريتسكي ، ولهذا أعتبر نفسي موسكوبياً قديماً . سأبلغ الستين من العمر قريباً . أحاول كتابة الشعر والمسرحيات ورواية واحدة . ربما سأنجح في كتابة الشعر ، وستكون مسرحيتي سيئة ، وسأفشل في كتابة الرواية .

- ضحك في القاعة !

- والآن أسأل زملائي الشعراء المترجمين قراءة ما كتبته من قصائد في الآونة الأخيرة . وكأنها تقريري المقدم اليكم . ولكن قبل ذلك أريد أن أقرأ عليكم احدى قصائدي باللغة التركية وهي بعنوان  ( بحر قزوين) . هل أنتم موافقون ؟ . عندما يطلب مني قراءة شيء من شعري أمام الجمهور أختار هذه القصيدة القديمة لأنني لا أحفظ غيرها عن ظهر قلب . هذا اولاً ، ولأنها أسهل فهما من حيث الأيقاع ثانياً . الآن أنا لا اكتب مثل هذا الشعر . كنت اكتب هكذا عندما كنت في العشرين من عمري ".

كان كل من في القاعة يصغي بأنتباه وهم يحبسون أنفاسهم . وعندما انهي الشاعر كلامه ،  دوت عاصفة من التصفيق المتواصل .

ثم قرأت الشاعرة المترجمة ( فيرا بافلوفا ) مقاطع من مسرحية حكمت ( البانوراما الأنسانية ) . القاعة صامتة . لا نأمة ولا سعال ، ولا صوت تحريك مقعد .

 قال الشاعر : " استلمت الآن ورقة من احد الحاضرين يقول فيها  : " الرفيق ناظم ، نحن نحبك جداً ، ولهذا جئنا لنستمع الى أشعارك الرائعة ، ولنعرف رأيك في المسرح وعن حال الفن اليوم عموماً ."

ناظم حكمت : " بعد المؤتمر العشرين فتحت النوافذ على الحياة الثقافية في روسيا – هذه حقيقة ! ولكن ظهرت على هذه النوافذ مشبكات مختلفة في الآونة الأخيرة - هل هذا أمر طبيعي ؟ الجديد سينتصر حتماً .أنا متأكد من ذلك . وبالنسبة الى المسرح أيضاً . لقد شاهدت العصر الذهبي للمسرح السوفييتي ، قبل اربعين عاماً ، وعندما عدت الى موسكو في عام 1951 ، وجدت ان كل المسارح كأنها تطبق نظرية ستانيسلافسكي ، ولكن شيء ما قد اختفى منها ، ولا وجود لروح ستانيسلافسكي فيها  . واتضح ان المخرجين اللامباليين او غير الموهوبين يستخرجون نظرية ستانيسلافسكي من الخزانة كعمامة معقمة بالنفتالين .

في يدي ورقة أخري ، ولكني أريد أن أرى الشخص الذي يسألني ، لأن هذه مجرد ورقة . تسألون عن الفن التشكيلي .! . يبدو لي أن هذا الفن عالمي أكثر من أي فن آخر ، لأنه لا يحتاج الى الترجمة ، كما يحتاج  الشعر .  قد يكون الشعر المترجم جيداً أو سيئاً ، أما الفن التشكيلي فانه لا يحتاج الى الترجمة . لدينا في روسيا الكثير من الفنانين التشكيليين الشباب الموهوبين جداً ، ولكن كل الطرق مسدودة أمامهم ، وهم لا يستطيعون عرض لوحاتهم هنا أو في الخارج ، وليس بوسعهم حتى الحصول على الكتب الغربية عن الفن التشكيلي الحديث. البيروقراطيون يعتقدون ان الموهبة ليس بالأمر المهم ، وان المواهب غالباً ما تظهر بكثرة ، ولذا يمكن التعامل معها بخشونة . هذه هي جريمة الجهلة . الموهبة بحاجة الى المساعدة والرعاية وهي  تضيع من دونهما . لا ينبغي الزعل من البيروقراطيين ومن السلطة . في البحر الأسود نوع من الأسماك القوية ، ومن الصعب جدا اصطيادها . ولكن الصيادين يضربونها على خَيْشُومَها فتزعل ، وبذلك يسهل اصطيادها . أنفي كبير والحمد لله . ومهما تلقيت من ضربات على أنفي فانني اواصل الكتابة . "

ثم تحدث الشاعر عن منع عرض الكثير من مسرحياته في الأتحاد السوفييتي رغم انها تعرض بنجاح في العواصم الغربية ومنها  مسرحية " وهل كان هناك ايفان ايفانوفيتش ؟ ". وقال حكمت : " كلما سألت احدا من أصدقائي عن السبب ، لا أتلقى جواباً . كان يمكن أن أستاء وأتوقف عن الكتابة ولكنني واصلت الكتابة وكتبت بعدها مسرحية " أن تكون أو لا تكون " وهي مسرحية جادة للغاية . كتبتها وأنا افكر في مصير صديقي الكساندر فادييف وغيرها  كثير . اذا كنتَ حقاً كاتباً فلن تتوقف عن الكتابة . جلبت لي زوجة بولغاكوف روايته " المعلم ومرجريتا " وعدة مخطوطات أخرى له. نتاجاته ممنوعة من النشر أيضاً ، ولكنني على ثقة أن اولادكم سيقرؤن نتاجات بولغاكوف الممتازة و ستدخل ضمن المقرر الدراسي في المدارس في زمن احفادكم مثل نتاجات بوشكين ودوستويفسكي ."

رأيت ناظم حكمت للمرة الأخيرة في بيت الأدباء ( مقر اتحاد الكتاب السوفييت ) عام 1962 ،  في امسية مكرسة للأحتفال بالذكرى االستين لميلاده. جلس الشاعر على منصة الرئاسة وبجانبه الكاتب العالمي ايليا اهرنبورغ - الذي قدمه للحضور – اضافة الى بعض الشعراء الروس المشهورين .

كان ناظم حكمت يبدو مرهقاً ولكن سعيداً في الوقت ذاته . كانت القاعة تغص بمئات الأدباء والمثقفين ارتجل اهرنبورغ كلمة قصيرة هزت مشاعر الحضور، وتقدم ناظم ليلقي قصائده باللغة التركية ، كما فعل ذلك قبل اربعين عاما في قاعة البولوتيكنيك  - ولكن هذه المرة كانت قصائده مترجمة الى الروسية مسبقاً -   حيث يأتي بعده شاعر روسي مشهور ليلقي القصيدة ذاتها باللغة الروسية . وكان قد كتب قصيدة لمناسبة بلوغه الستين ، تحت عنوان " رؤيا" . وجاء صوته رخيماً وعذباً ، يشوبه بعض الحزن والأسى:

أنا الآن في الستين

 لم أكن أبلغ العشرين

 حينما رأيت حلماً

 وما زلت أراه كل حين

 أراه صيفاً

 أراه شتاءاً

 حينما يهطل المطر

 وحينما تتلبد السماء بالغيوم

 أستيقظ في هذا الحلم وأحيا

  وأقتفي اثره

 ما الذي لم يحرمني منه الفراق ؟

 إنتزع مني الأماني – بالكيلومترات

 والأسى بالأطنان

 شعر رأسي

 والأيادي التي صافحتها

 غير أني لم أفارق حلمي وحده

 تجولت في حلمي

 في أوروبا

 في آسيا

 في أفريقيا

 الأميركان وحدهم

 منعوني من الدخول

 أحببت كثيراً من الناس في حلمي

 من البحار

 من الجبال

 من السهول

 دهشت لأشياء كثيرة !

كان حلمي في السجن – نور الحرية

 وفي المنفى - تابل خبزي

 ومع إشراقة كل يوم

 مع أول خيوط الضياء

  كان حلمي – الحرية العظيمة لبلادي.

توفي ناظم حكمت في صبيحة يوم الثالث من حزيران 1963 عندما كان يمد يده الى صندوق البريد قرب باب شقته ليتناول جرائد الصباح التي كان مشتركاً بهاً , نقل جثمانه الى القاعة ذاتها التي شهدت الأحتفال بالذكرى الستين لمولده ، وجاءت جماهير غفيرة لألقاء النظرة الأخيرة عليه ، ودفن في مقبرة العظماء في موسكو . و ضريحه منحوتة على شكل انسان يحمل على ظهره صخرة كبيرة ترمز الى تركيا التي حملها معه اينما حل وعاش . هي من ابداع الفنان العالمي مارك شاغال. كلما زرت موسكو اقف خاشعاً امام ضريح ناظم حكمت  ، واشاهد كيف ان الناس من مختلف الجنسيات يضعون باقات الورود عليه وهم يقفون خاشعين ، وربما يرددون بينهم وبين أنفسهم بعض ابيات شعره السهل الممتنع .

في عام 2009 قررت الحكومة التركية اعادة الجنسية التركية الى شاعرها العظيم بعد اسقاطها عنه اثر لجوئه الى روسيا  . وعاد شعره المحظور سابقاً الى الجمهور التركي مجدداً، و حتى الرئيس التركي أردوغان يردد في خطبه احياناً ابياتا من شعره الجميل . احدث ناظم حكمت ثورة حقيقية في الشعر التركي محطماً القيود التقليدية التي كانت تكبله،  وقد اسبغ النقاد عليه لقب ( بوشكين التركي ) . تأثر العديد من الشعراء العرب بشعر ناظم حكمت منهم عبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري ونزار قباني ومحمود درويش .

.

.

 

 

عودة مدهشة

للروائية الأميركية هاربر لي

جــودت هوشيار

     

عادت الكاتبة الأميركية ( هاربر لي ) الى الأضواء من جديد بعد مضي 55 عاماً على نشر روايتها الأولى " أن تقتل طائراً محاكيا " في عام 1960 ، واعتزالها في بلدة ( مونروفيل ) الصغيرة بولاية الاباما . ففي مساء يوم 14 تموز 2015 تدفق عشاق الأدب على متاجر الكتب في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا من اجل إقتناء روايتها الثانية  " فلتعين لنفسك حارساً "  بعد الأعلان عن عرضها للبيع في تمام الساعة الثانية عشرة ليلاً . وفي الوقت نفسه عرضت في العديد من دول العالم ، الترجمات الألمانية والأسبانية والهولندية والدنماركية والنرويجية والسويدية والفنلندية والكورية للرواية الجديدة . وقالت دار النشر ( هاربر كولينز ) أن عدد نسخ الطبعة الأولى الأنجليزية قد بلغ مليوني نسخة ، ونفدت في فترة وجيزة . وتصدرت مبيعات الكتب في الولايات المتحدة لتصبح حدثاً أدبياً مشهوداً .

ومن اجل فهم سبب هذا الأقبال منقطع النظير على الرواية الجديدة " فلتعين لنفسك حارساً " لا بد من القاء بعض الضؤ على السيرة الحياتية والأبداعية للكاتبة ، والأهم من ذلك أن القاريء لن يفهم ولن يستطيع أن يقيًم الرواية الجديدة من دون قراءة الرواية الأولى . لأن أحداث الرواية الثانية تجري في الأمكنة نفسها ، كما ان معظم الشخصيات نعرفها من الرواية الأولى وان تغيرت حياتها في فترة زمنية لاحقة . أي اننا امام ( ثنائية روائية ) . والقاري الذي سبق له قراءة الجزء الأول من هذا العمل الأبداعي الكبير ، سيشعر بالصدمة حين يكتشف ان المحامي اتيكوس فينتش ،الذي تصدى للتمييز العنصري في الرواية الأولى سيبدو عنصرياً في الرواية الجديدة .

ولدت نيلي هاربر لى، فى28 نيسان 1926 ، في بلدة مونروفيل الصغيرة الجميلة في الجنوب الغربي من ولاية الاباما في عائلة بروتستانتية متدينة. وكانت الأبنة الصغرى للمحامي (اماسا كولمان لي والسيدة فرانسيس كانينجهام). كانت نيلي الأبنة الصغرى في عائلة لها اربعة اطفال ، ولد وثلاث بنات. عمل (اماسا كولمان لي ) فترة موظفا حكوميا ، ثم أصدر جريدة كان هو صاحبها ورئيس تحريرها قبل أن يتفرغ لممارسة مهنة المحاماة.

كانت نيلي في الخامسة من عمرها في عام 1931 عندما جرت في  بلدة سكوتسبورو ( ولاية الاباما) محاكمة تسعة شبان سود بتهمة إغتصاب امرأتين بيضاوتين ، ورغم التقرير الطبي الذي اثبت ان المرأتين لم تتعرضا الى الأغتصاب ، فأن المحكمة التي تشكلت من البيض حصراً ، حكمت على جميع المتهمين بالأعدام بإستثناء فتى قاصر كان في الثالثة عشر من العمر . وعلى مدى السنوات الست التالية نظرت محاكم الأستئناف في الطعون المقدمة ضد الحكم الأولي ، ونتيجة لذلك تم سحب معظم التهم والأفراج عن المتهمين ما عدا واحدا منهم . تركت هذه المحاكمة اثراً لا يمحى في نفس الصبية نيلي .

بعد أن أكملت دراستها في المدرسة الثانوية في مونروفيل التحقت بكلية هانتينجون للبنات في مونتغمري ، وكانت لمدة عام رئيسة تحرير مجلة فكاهية تصدرعن الجامعة . ثم درست الحقوق  في جامعة الاباما ولكنها تركت الدراسة ،  رغم أنها كانت طالبة واعية وناضجة التفكير . ثم قضت عدة أشهر في جامعة اكسفورد في انجلترا . لتعود بعدها  للأقامة في نيويورك والعمل كموظفة حجز في شركة طيران حتى نهاية الخمسينات، وكانت لديها شقة خاصة متواضعة في نيويورك .  وفي هذا الوقت نشرت عدة قصص قصيرة وكانت تسافر بين حين وآخرالى مونروفيل لتقضي بعض الوقت في منزل العائلة ، للأعتناء بوالدها المريض .

 وذلت يوم من شهر كانون الأول 1956 ، تلقت من صديقيها- مايكل براون ، ووليام براون -  مغلفا فيها صك بمبلغ يعادل اجمالي راتبها السنوي مع رسالة يقولان فيها : " لديك اجازة لمدة سنة كاملة ، تستطيعين خلالها أن تكتبي ما تشائين . عيد ميلاد سعيد " .

في هذا الوقت كان ابن بلدتها وصديق طفولتها ترومان كابوتي قد أصبح كاتباً معروفاً. وقال لها والدها ذات مرة : " لعلك تدركين أنه لا يمكن لبلدة صغيرة مثل مونروفيل أن تخرج كاتبين مشهورين في آن واحد . ولم تضيّع هاربر لي فرصة التفرغ لمدة سنة ، فقد كتبت خلالها روايتها الأولى " أن تقتل طائراً محاكياً " وتعالج فيها الكاتبة قضية الفصل العنصري التي عاصرتها في طفولتها ببلدتها (مونروفيل ) .أحدثت الرواية ضجة عند نشرها في عام 1960 ،أي في الوقت المطلوب تماماً ، عندما أصبحت هذه القضية الشغل الشاغل للرأي العام الأميركي .. وهذا أمر نادر الحدوث بالنسبة لعمل أدبي .

 لقي الكتاب ترحيبا حاراً من ألمع نقاد الأدب ، وبقى 848 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً. وحازت هاربر لي في عام 1961 عن هذه الرواية على أعلى جائزة أدبية في أميركا وهي جائزة ( بوليتزر).

في العام التالي( 1962 ) حقق الفيلم المقتبس من الرواية نجاحاً مذهلاً . وبعد عرض الفيلم هرع حشد من الشبان للألتحاق بكليات الحقوق في الجامعات الأميركية ، فقد أرادوا أن يصبحوا بعد التخرج على غرار الرجل الشهم والنبيل المحامي أتيكوس فينتش ( بطل الفيلم ) . وأصبح اسم أتيكوس النادر شائعاً في أميركا منذ ذلك الحين . وفاز الفيلم بثلاث جوائز أوسكار بضمنها جائزة أفضل ممثل حصل عليها غريغوري بيك عن دوره في القيلم حيث جسد فيه شخصية المحامي أتيكوس فينتش .ويعد هذا الفيلم واحداً من أعظم الأفلام في تأريخ السينما . كما احتل غريغوري بيك  – عن دوره في تجسيد شخصية اتيكوس فينتش - الموقع الأول في اللائحة التي اعدها معهد السينما الأميركي عن أفضل الممثلين الذين قاموا بأدوار البطولة في السينما الأميركية .

وقد صرحت هاربر لي  في عام 1964  ، بأنها لم تكن تتوقع لروايتها النجاح ، قائلة: "كنت آمل لها موتاً سريعاً ورحيماً على يد النقاد، لكن فى الوقت ذاته تمنيت أن تعجب شخصًا ما، بشكل كاف حتى يشجعنى، تمنيت القليل ونلت الكثير جداً، وبشكل ما كان هذا مرعباً ، مثل ذلك الموت السريع والرحيم الذى توقعت .

 ما الذي يميز هذه الرواية الرائعة ، التي يتوهم البعض أنها رواية للأطفال ، لأننا نرى فيها عالمنا بعيون الأطفال . وهي ليست رواية سيرة ذاتية ، بل أنها تصوّربعمق وبأسوب أدبي جميل محاكمة فتى زنجي بريء متهم بإغتصاب إمرأة بيضاء. وتروي أحدى مآسي الفصل العنصري في ولاية الاباما . وكانت للرواية تأثير هائل في الرأي العام الأميركي واصبحت اداة في النضال ضد شتى أشكال التمييز العنصري،وما زالت تحظى منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا بمقروئية عالية في كل أنحاء العالم . .

المجتمع الأميركي في الثلاثينات من القرن الماضي كان يقسم الناس الى بيض وسود أي الى أخيار وأشرار ، ولكن محاكمة توم روبنسون التي نراها في الرواية بعيون الأطفال - وخاصة الطفلة جان لويز -  شكلت نقطة تحول في النظر الى قضية التمييز العنصري .رؤية الأطفال لسير المحاكمة ، تعكس بجلاء موقف المؤلفة من هذه القضية . كان الجميع على قناعة تامة ، ان الدفاع عن الفتى الأسود توم روبنسون قضية خاسرة مسبقاً . وكان بطل الرواية ، المحامي ( اتيكوس فينتش ) يعرف هذا . ولكنه مع ذلك صمم على القيام بواجبه الأخلاقي والدفاع عن العدالة بدفاعه عن توم ، ورد الأعتبار اليه . قتل توم بينما كان يحاول الفرار . ولكن الفكرة التي نراها مجسدة في الرواية هي أن الناس عموماً أخيار وإن كان بينهم قلة نادرة من الأشرار . وهذه الفكرة هي التي تسبغ على كلمات أتيكوس قوة مؤثرة : " الشجاعة – هي ان تعلم مسبقاً إنك ستخسر، ومع ذلك تصمم على أداء واجبك حتى النهاية .لأن النصر ممكن أحياناً ، رغم أن ذلك يحدث نادرا "
ًيعبر إسم الرواية " أن تقتل طائراً محاكياً " عن فكرتها الرئيسية . الطائر المحاكي – على درجة من الوَداعة لا مثيل لها ، لا ينقر الثمار في الحديقة ، ولا يبني عشاً على شجرة ، وهو غريد متميّز بقدرته البارعة على محاكاة أصوات الطيور الأخرى ، وادخال السرور الى قلب الأنسان بغنائه الشجي ، لذا فإن قتل هذا الطائر الفريد  – خطيئة. أتيكوس فينتش حاول إنقاذ حياة الطائر المحاكي – توم روبنسون البريء ، والدفاع عن حقه في الحياة وعن كرامته ، والتصدي للكراهية والتمييز بين البشر ، والدعوة الى المحبة والعدالة.

الرواية حركت الرأي العام الأميركي " للوقوف بوجه كل أشكال التفرقة العنصرية . وصدرت في طبعات جديدة متلاحقة بين فترة وأخرى . وما زالت منذ ذلك الحين تلقى رواجاً عظيماً في شتى بلدان العالم ، حيث بيع منها منذ صدورها لأول مرة وحتى الآن حوالي ثلاثين مليون نسخة . وحسب استبيان أجرته مجلة ( المكتبة ) الأميركية بين القراء تبين أن " أن تقتل طائراً محاكياً " هي أفضل رواية في القرن العشرين " .

نالت هاربرلي شهرة غير متوقعة وصاخبة الى درجة أنها هربت منها الى بلدتها الأم مونروفيل في ولاية الاباما .، والتي وصفتها بشكل رائع في روايتها ، حيث عاشت فيها معظم حياتها .

وكان الناس يعتقدون أنها توفيت منذ زمن طويل ولكن كاتب سيرتها الذاتية تشارلز شيلدز قال في مقابلة صحفية عام 2006 أنها على قيد الحياة ,وتشارك بنشاط في الأعمال الخيرية لكنها ترفض لقاء الصحفيين , ولا تشارك في الحياة العامة ولم تجر أي مقابلة صحفية منذ عام 1965 . وطوال أكثر من نصف قرن لم تكتب هاربر أي اعمال ابداعية جديدة ، ما عدا بعض المقالات في اوائل الستينات . ولهذا فوجيء الجميع بالأعلان عن ظهور رواية ثانية لها تحت عنوان " فلتعين لنفسك حارساً ". ويرى معظم النقاد انها ليست رواية جديدة تماماً ، لأنها كتبت في عام 1957 . وهي على الأرجح مسودة الرواية الأولى. ولكن من يقرأ الرواية الجديدة بامعان سيكتشف أنها جزء مكمل لرواية " أن تقتل طائراً محاكياً ".

في الفصل الأول من " فلتعين لنفسك حارساً "  نرى جان لويز  شابة تبلغ من العمر 26 عاماً – تصل بالقطار  الى مسقط رأسها مدينة ( ميكومب ) ، من اجل التأثير في والدها – اتيكوس فينتش ، الذي يرفض أن يتقاعد  على الرغم من تقدمه في السن . صديقها هنري كلينتون – شاب يسعى لخطبتها -  يستقبلها في محطة القطار. "عانقها بقوة بين ذراعيه المفتولتين ووضعها امامه . أخذ يقبلها في البداية في شفتيها ، ثم بلطف في خذها . قالت جان لويز وهي تحاول إغاظته ، انها لا تمانع أن يكون صديقاً لها ، ولكنها لا توافق على الأقتران به . كانت تحبه تقريباً . " كلا هذا غير ممكن – فكرت بينها وبين نفسها – أنتِ إما مغرمة به أو غير مغرمة . الحب – الشيء الوحيد الواضح في هذا العالم . بالطبع هناك أنواع مختلفة من الحب ، ولكن مهما كان شكله . فان الحب اما ان يكون أو لا يكون " .

هنري كلينتون احدى الشخصيات الجديدة في " فلتعين لنفسك حارساً "  ، في حين اختفت من الرواية  بعض الشخصيات الأخرى . فعلى سبيل المثال (جيم) ، شقيق جان لويز ، وهوً احد الأبطال في رواية " أن تقتل طائراً محاكياً " مات مبكرا في الرواية الجديدة  ، ومع ذلك فأن أقوى صدمة للقراء هي التغيير الذي جرى في شخصية البطل الرئيسي في الروايتين ( اتيكوس فينتش )البالغ من العمر 72عاماً ، الذي أحبه القراء في الرواية الأولى ، لأنه كان انساناً مبدئياً ومثالياّ ، يؤمن ايماناً راسخاً بالعدل والأنصاف . أما في الرواية الثانية" فلتعين لنفسك حارساً " فأنه يبدوعنصرياً . فهو يقول مثلاً " الزنوج  المحليون كشعب ما زالوا في مرحلة الطفولة ". أو أنه يسأل ابنته : " هل أنتِ على استعداد لقبولهم في عالمك ". وجان لويز العائدة من نيويورك الى الجنوب تجد ان وجهات نظر والدها وصديقها هنري كلينتون حول مشكلة العنصرية تختلف اختلافا كبيرا عن وجهة نظرها .

" فلتعين لنفسك حارساً " عنوان مقتبس من أحد نصوص الكتاب المقدس ، بمعنى " أن كل انسان هو حارس ضميره ، ولا يوجد أي ضمير جمعي " وهذا ما قاله احد أبطال الرواية ( جيم ) لجان لويز . والذي يلخص معنى الرواية تماماً .

وقد نشرت صحيفة ( نيويورك تايمز) الأميركية الفصل الأول من الرواية الثانية . وحسب الحجوزات المسبقة في شركة ( امازون ) تصدرت  " فلتعين لنفسك حارساً "  مبيعات الكتب . وفي بلدتها الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها 5300 نسمة فان متجر الكتب فيها تلقى طلبات لحجز 7000 نسخة منها. ولأول مرة منذ سنوات طويلة أجرت هاربر لي لقاءا صحفيا وسمحت بتصويرها وتلقي التهاني.

في عام 2007 اصيبت هاربر لي يجلطة في الدماغ ، وشقيقتها الكبرى اليسا التي كانت تديرشؤونها توفيت في نهاية عام 2014عن عمر  ناهز 103 سنة، بعدها لم تتواصل هاربر لي مع العالم الخارجي . واعلنت بلدية مونروفيل عن وفاتها في 19 شباط 2016. رحلت الروائية التي اسرت قلوب الملايين من قراء رائعتها " أن تقتل طائراً محاكياً ".  وما يزال الجدل محتدما في الأوساط الأدبية في أميركا وأوروبا واليابان ودول أخرى حول الرواية الثانية . هل هي مسودة الرواية الأولى ، أم تكملة لها ، ولماذا  دب الخلاف بينها وبين صديقها وابن بلدتها الكاتب ترومان كابوتي بعد فوزها بجائزة ( بوليتزر ) في عام 1961 .  وماذا يقول القراء العاديون في انحاء العالم  عن الرواية الثانية . هذه مسائل يضيق عنها المجال هنا ، وقد نعود اليها في مقال قادم .

 

 

ترومان كابوتي ...

العبقري الذي جنى على نفسه

 

جودت هوشيار

 

يقال أن ثمة كاتبان فقط يعرفهما الشارع الأميركي وهما  ارنست همنجواي ، وترومان كابوتي . واذا كان معظم نتاجات هيمنجواي قد ترجم الى اللغة العربية ، فأن نتاجات كابوتي ، لم تحظ بالأهتمام ذاته في العالم العربي ، رغم حضوره الدائم في المشهد الثقافي العالمي بعد أكثر من ثلاثة عقود على وفاته ، وصدور مئات الطبعات الجديدة من أعماله الأدبية ،، و كتب عن سيرته الحياتية والأبداعية والعديد من الأفلام السينمائية المستوحاة من رواياته " افطار في تيفاني " و" بدم بارد " وغيرهما ، والتي فاز بعضها بجائزة الأوسكار.وكابوتي هو الكاتب المؤسس الحقيقي لجنس أدبي جديد يعرف بـ" الرواية غير الخيالية"

ولد كابوتي في نيو اورليانز العام  1924 . وكان في الرابعة من عمره عند طلاق والديه ، وارسلته امه الى خالته (  ناني فولك ) في مونوروفيل ( ولاية الباما ) . انتقلت فولك بصحبة الصبي الى نيويورك في عام 1931 ،ثم تزوجت رجل الأعمال الكوبي ( جوزيف غارسيا كابوتي ) الذي تبنى ترومان . .

تعلم كابوتي الكتابة في سن مبكرة ، ومنذ الثامنة من عمره بدأ بكتابة القصص القصيرة ، وفي الحادية عشرة من عمره ، كان يكتب من ست الى تسع ساعات يوميا . وقد تم في الآونة الأخيرة العثور على عدة كراريس مكتوبة بخطه في أرشيف (مكتبة نيويورك) تتضمن أقاصيص كتبها في سنوات المراهقة . وقالت صحيفة " نيويورك تايمس " أن هذه المسودات التي تحفل بتصحيحات على الهوامش ، تبدو مثيرة للدهشة ، لأننا نرى فيها عبقريا صغيراً يعمل ، وتكشف عن موهبتة المبكرة ورؤيته للعالم .

التحق ترومان بكلية "ترينيتي " ولكنه ترك الدراسة عندما كان في السابعة عشرة قائلاً : " أن الدراسة في هذه الكلية مضيعة للوقت ولم اتعلم فيها شيئا . والتحق للعمل كموظف بسيط في صحيفة (النيو يوركر).

كان العام 1945 سعيدا في حياة كابوتي ،فقد نشر عدة أقاصيص ، وتنبأ له النقاد بمستقبل واعد . وتعرف على الكاتبة الموهوبة ( كارسون ماكّاليرس ( 1917-1967) مؤلفة رواية " القلب – صياد وحيد " الصادرة عام 1940 ، و توثقت العلاقة بينهما ، فقد رأت كارسون في كابوتي روحاً قريبة من روحها واسلوب كتابتها ( التهكم ، السخرية ، أجواء القلق ، والشعور بالوحدة ) . واطلق النقاد على هذا الأتجاه الأدبي اسم " القوطية الجنوبية " ،حيث تتسم نتاجاتهما بخلفية جنوب البلاد.

وفي اكتوبر 1945 وقع كابوتي عقدا مع دار نشر كبرى هي " راندوم هاوس " لنشر روايته الأولى " اصوات أخرى ، غرف أخرى " ، وفي ربيع العام 1946 فاز بجائزة ( أو. هنري ) ، ورحل الى مدينة الكتّاب " يادو " للتفرغ لكتابة الرواية .ونشرت مجلة " لايف " في العام 1947 مقالاً عن الكتّاب الشباب في الولايات المتحدة الأميركية تصدرته صورة لكابوتي شغلت ثلثي الصفحة . وتحت الصورة النص التالي " ترومان كابوتي ابن (نيو اورليانز) يكتب قصصا لا تنسى" .

نشرت رواية " اصوات أخرى ، غرف أخرى " في خريف العام ذاته . والرواية حكاية صبي يبحث عن والده فيجد نفسه . وبعد سنوات من نشر هذه الرواية قال عنها كابوتي " أنها كانت محاولة عفوية ولا واعية لطرد الشياطين ، ولم أكن أدرك ان هذه الرواية – بأستثناء الوصف وبعض الحوادث – شبيهة بسيرتي الذاتية . وعندما أعيد قراءتها الآن أجدها خداعا للنفس لا يغتفر . "

تحدث النقاد عن الكتاب الأول لـ"الكاتب الأمريكي الأشهر." وقالوا عن الرواية انها (مثلية) وحداثوية منحطة ، وشبهوا كابوتي بفولكنر ، وأوسكار وايلد ، وادغار بو . وتصدرت الرواية قائمة أكثر الكتب رواجاً لمدة تسعة أسابيع ، حسب لائحة صحيفة ( نيويورك تايمز ). وكانت لها أصداء واسعة وأخذت رسائل القراء من كل أنحاء البلاد تنهال على المؤلف . وخصصت ( نيويورك تايمز) حقلا تحت عنوان " زاوية كابوتي " تنشر فيها آخر أخبار الكاتب الشاب مرة في الأسبوع .واذا لم تكن ثمة أية أخبار كانت الجريدة تقول : " كابوتي : لا شيء جديد عنه هذا الأسبوع ."

وكانت صورة كابوتي على الغلاف الأول للكتاب هي الأكثر إثارة للإعجاب: فتى وسيم ، وأنيق ، جالس على أريكة فكتورية الطراز ، ونظرته تعطي انطباعاً عن رجل عليم بكل شيء . وقد سمع المصور هارولد هالم - الذي التقط الصورة -  محادثة دارت بين سيدتين كانتا تتطلعان الى صورة كابوتي في واجهة متجر للكتب . قالت الأولى : " أقول لكِ أنه فتى يافع " . فردت الثانية : " وأنا أقول اذا لم يكن يافعاً فأنه خطر"

كان  ( اندي وارهول ) في العشرين من العمر ويعيش في (بيتسبرغ). وعندما رأى هذه الصورة تملكته رغبة عارمة في رؤية صاحبها والتعرف عليه ، وانهالت رسائله على كابوتي ، ثم جاء الى نيويورك ورابط عند باب منزل كابوتي ليلقي عليه نظرة عند خروجه. وفي نهاية المطاف أصبحا صديقين . كان وارهول رساما وقد أقام معرضه الفني الأول على قاعة " هيوج غاليري " في نيويورك في حزيران – تموز 1952 . وعرض فيه 15 لوحة فنية مستوحاة من قصص ترومان كابوتي .

شهرة كابوتي سبقته الى أوروربا ، التي زارها لمتابعة الأصدارات الجديدة من : "أصوات أخرى ... غرف أخرى " في فرنسا وانجلترا . وأجرت المجلات والصحف الفرنسية مقابلات معه ، وأصبح معروفا في الشارع الفرنسي ، حيث كان الناس يتعرفون عليه عندما كان يتجول في شوارع باريس .

كتب كابوتي ذات مرة : " كنت دائما اريد أن أكون كاتباً مشهوراً وثرياً " . وعندما التحق بكلية خاصة ، كان يكره الطلبة الأغنياء لأنهم لم يكونوا " ذوي أذواق جيدة " وكان معجباً بالأشخاص العصاميين الذين نجحوا في الحياة .  وكل من عرف كابوتي شخصيا يقول أنه كانت لديه قابلية مدهشة في كسب الأصدقاء من أول نظرة ، وفي أول لقاء . واستغل هذه القابلية في كسب قلوب النساء الشهيرات في المجتمع النيويوركي المخملي  . كلهن كن جميلات ، وثريات ، يلبسن وفق آخر صرعات الموضة . بينهن مارلين مونرو والزابيث تايلور.

في كانون الأول 1965 سافر كابوتي الى الأتحاد السوفييتي مندوباً عن النيويوركر لتغطية فعاليات فرقة فنية أميركية زائرة . وقد اصدر كابوتي في العام التالي كتابا عن زيارته تحت عنوان " الألهام يسمع " وهو كتاب يتصف بالسخرية المرحة والوصف البديع . وكان هذا تجربته الأولى في كتابة الرواية غير الخيالية . رفض ان يكتب تحقيقا صحفيا تقليديا وتعامل مع مادة الكتاب وفق تقنيات الفن الروائي . وبذلك سبق روّاد الصحافة الجديدة في استخدام التقنيات الفنية في الصحافة . وقال عن هذا الكتاب لاحقاً : " الألهام يسمع" وجه أفكاري في اتجاه آخر .اردت أن أكتب رواية صحفية ، واصنع شيئا هائلاً يتسم بقوة الحقيقة المقنعة ، وبتأثير مباشر ، مثل أي فيلم جيد، أو نثر حر ومعمق ، ودقيق كالشعر ."

 ولكن لم يكن الوقت قد حان لمثل هذه الرواية ، ذلك لأنه كان يعمل في كتابة روايته المشهورة " إفطار في تيفاني " (1958) . بطلة الرواية – هولي غولايتلي فتاة غريبة أخرى ، كان كابوتي يهوى الكتابة عنها وعن  فتيات يشبهن الأولاد . اللواتي من الصعب التخلص منهن ، وإن كان من السهل فقدانهن . كانت هولي تأمل أن تتناول وجبة إفطار في تيفاني يوما ما . وتيفاني اسم  ورد في نكتة تقول –  إن بحاراً لم يكن على دراية بالماركات الحديثة ، وسمع بأسم تيفاني ، وظن أنه اسم مطعم فاخر ، وتملكته رغبة في تناول وجبة افطار في هذا المطعم ، ولم يكن يعلم أنه ( تيفاني ) هو اسم مخزن مجوهرات .. بعد صدور الرواية قال نورمان ميلر ان ترومان كابوتي أفضل كاتب في جيلنا . "

في العام 1961 أنتجت هوليود فيلما بالعنوان ذاته . وكان كابوتي يرغب في قيام صديقته مارلين مونرو بدور البطولة فيه ولكن المخرج اختار أودري هيبورن . وجرى ادخال تعديلات كثيرة على الرواية . فعلى سبيل المثال البطل في الرواية كاتب ناشيء يعامل هولي بلطف ، ولم يرتبط بها ، اما في الفيلم فقد توجت علاقتهما بالزواج . ولقي الفيلم نجاخاً مذهلاً .

ولكن الشهرة المدوية لكابوتي في أميركا ومن ثم في العالم بأسره ، جاءت مع نشر روايته " بدم بارد " ولم تكن هذه الرواية العظيمة ستظهر ، لولا المصادفة المحض ،ففي عام 1959 قرأ كابوتي خبراً عن جريمة قتل عائلة من المزارعين في كانساس ،. في البداية اقترح كابوتي على صحيفة الـ(نيويوركر) ، أن يقوم بكتابة ساسلة مقالات عن هذه الحادثة المروعة . وبعد سفره الى بلدة هولكومب التي وقعت فيها الجريمة ، استولت عليه فكرة تأليف رواية عنها ، وقضى ست سنوات ، يحقق في هذه الجريمة الوحشية - التي كانت بلا معنى ، حيث لم يجد القتلة في المنزل أي مال ولم يسرقوا شيئاً – ويحلل كابوتي الظروف الأجتماعية والخلفية السيكولوجية التي دفعت القاتلين ديك هيكوك وبيري سمث الى اقتراف ما اقترفا . وأحدث نشر الرواية في العام 1965 ضجة كبرى ، وظلت لعدة أسابيع حديث الأوساط الثقافية والرأي العام الأميركي ، وسرعان ما تم تحويلها الى فيلم سينمائي في هوليود . وبلغت حصة كابوتي من ارباح الكتاب والفيلم معاً حوالي ستة ملايين دولار . ولقيت الرواية اهتماما مكثفا من النقاد ومن وسائل الأعلام . وقيل أنها رواية رائعة . وتوجه كتّاب كثر لتقليد كابوتي في صنيعه ومنهم نورمان ميلر .

قرر كابوتي الأحتفال بهذا النجاح الكبير على طريقته ، وأقام حفلاً هائلاً على شرف صاحبة صحيفة (واشنطن بوست ) كيت غراهام – أقوى إمرأة في الولايات المتحدة الأميركية – في 28 تشرين الثاني العام 1966 في فندق ( بلازا هوتيل) ،  ودعى الى الحفل (500) شخصية بارزة من وجوه المجتمع الأميركي. وكان الفنان الأميركي الشهير ملك ( البوب – آرت )  أندي وارهول ( 1928-1987) من ضمن المدعوين في حينه. وقال لاحقاً : "  عندما وصلت الى : بلازا "  اصبت بدهشة عظيمة . لم أر في حياتي مثل هذا العدد الكبير من المشاهير. أعتقد ان هذا كان أكبرتجمع للمشاهير في تأريخ العالم . "

وعلى العموم فأن هذه الأيام الذهبية لم تستمر طويلاً ، ذلك لأن كابوتي لم يكن سعيداً في حياته الخاصة قط , وسرعان ما انغمس في نمط العيش البوهيمي ، وأدمن الكحول والمخدرات والحبوب المنومة  . ومع ذلك كان يتهيأ لتفجير قنبلة أدبية أخرى – رواية " الدعوات المستجابة" ، وتعاقد مع دار نشر " راندوم هاوس " على نشر الكتاب عند اكتمال تأليفه . وباع الى هوليود حقوق تحويله الى فيلم سينمائي . ولكن العمل لم يكن يسير كما خطط له . وتأجل الموعد النهائي  لأكمال الرواية عدة مرات . وخلال عامي 1975-1976 نشر عدة فصول من الرواية في مجلة " اسكواير " . وكان الراوي أو سارد القصة ، جونز طفلاً يتيما ومن ثم كاتباً منحلاً ، شبيها بالمؤلف نفسه . أما الشخصيات النسائية في الرواية ، فقد كان من السهل التعرف عليهن، رغم تغيير أسمائهن ، فقد كن من نجوم هوليود أو صديقات المؤلف من سيدات المجتمع المخملي . وقد كشفت الرواية غسيلهن واسرارهن الشخصية على الملأ .

يقول كابوتي " ان أبطال الرواية هم أشخاص حقيقيون ، ولم أخترع أياً منهم . ولم تكتب كرواية عادية ، حيث تقدم الحقائق على أنها متخيلة ، بل أن نيتي كانت - على النقيض من ذلك -  نزع الأقنعة ، وليس صنعها ." نزع كابوتي الأقنعة عن الوجوه حقاً ، ولكن دفع ثمناً غالياً لذلك . انتحرت زوجة محافظ  ، وأدار الآخرون ظهورهم له . ونشرت مجلة " نيويورك " كاريكاتيراً على غلافها يصور كابوتي على هيئة كلب يعض يد سيدة مجتمع . والنص المصاحب يقول : " كابوتي يعض اليد التي تطعمه"

كان كابوتي أيضاً غاضباً: "يخيل اليهم أنني أعيش وفق قيمهم . أنا لم أعش هكذا أبداً . " ويبكي عندما يشرب ويقول نادماً : " لم أقصد الأساءة الى أي أحد ." . ولم يكمل كابوتي كتابة هذه الرواية أبداً ، فقد كان من الصعب عليه التركيز على عمله الأبداعي.

في عام 1979 قرر كابوتي بدأ حياة جديدة ، لا تعكرها اللهو الفاضح والأدمان ، وأصدر كتاب " موسيقى الحرباء "  الذي يتألف من بورتريهات لشخصيات أجرى معها حوارات من بينها مارلين مونرو ، وحوار مع نفسه يعلن فيه :" أنا مدمن كحول ومخدرات ، أنا عبقري " ، وقصة وثائقية تحت عنوان " نعوش محلية الصنع " . " موسيقى للحرباء " ظلت لمدة 16 اسبوعا على رأس قائمة الكتب الأكثر رواجاً ، وهذا حدث نادر بالنسبة لىكتاب خليط من القصص القصيرة والذكريات والتحقيقات .

في أوائل العام 1980 تحسنت صحته وفكر في مشاريع جديدة ولكنه لم يستطع أن يترك شرب الكحول وشم المخدرات ، رغم أنه كان يكرر دائماً أنها مضرة . دخل المصح عدة مرات وكان فيما مضى ، يبقى صاحيا بعد خروجه  لمدة عدة أشهر ، أما في سنواته الأخيرة فلم تكن صحوته تدوم لأكثر من يوم أو يومين ليعود بعدها الى تدمير نفسه . وكان يخيل اليه أن ثمة أشباحا تلاحقه في كل مكان في نيويورك. وقرر الأختباء في لوس انجلوس في منزل جوان كارسون حيث توفي في 25 أغسطس العام 1984 من التليف الكبدي ، ليتحول بعدها الى اسطورة دائمة الحضور في المشهد الثقافي في العالم ، حيث يعود الى الأضواء في كل مرة ينشر فيها شيء من نتاجاته غير المنشورة  أو مذكرات الآخرين عنه ، أوالكتب الجديدة عن سيرة حياته .

 

 

 

قصة

ميلاد عبقري جديد

جــودت هوشيار

تقديم :

أندريه موروا ( 1885-1967) كاتب فرنسي ، متعدد المواهب والأهتمامات ، غزير الأنتاج ، فقد أخرج خلال حياته الأبداعية ما يقرب من (200) كتاب ، بين رواية، ومجموعة قصصية ، وسيرة ذاتية ، وبحث تأريخي . وقد ذاعت شهرته عندما نشر روايته الأولى  " صمت الكولونيل برامل " (1917) والتي ترجمت في السنة ذاتها الى اللغة الأنجليزية في انجلترا وأميركا . وطرحت روايته الثانية " أجواء " ( 1928) وجهتي نظر المرأة والرجل في العلاقة الزوجية. ومن رواياته الأخرى «الحلقة العائلية " ( 1932) ، وغريزة السعادة " (1934) ، و"حالة لقراءة الأفكار " ( 1937) وغيرها كثير  . ورغم القيمة الفنية العالية لهذه الروايات ، واسلوب موروا الجذاب ، الا أن مكانته الأدبية ترسخت كثيرا عندما كتب سلسلة روايات عن السير الذاتية لمشاهير المؤلفين الفرنسيين والإنجليز ، شملت تراجم شيلي ، وڤولتير، وشاتوبريان ، وبايرون ، وجورج صاند ، وڤكتور هوگو ، وبلزاك ، وبروست ، وغيرهم. كما أن له مؤلفات تاريخية، لاقت رواجاً كبيرًا . انتخب موروا عام 1937 عضوا في الأكاديمية الفرنسية ..

كان موروا يتمتع بحسّ مرهف؛ ومن ثمّ لجأ إلى أسلوب فكاهي يخفف من وطأة الحقيقة المرة التي أراد قولها . وهذه القصة التي نقدمها اليوم ،تهكم ذكي وسخرية لاذعة من أدعياء الفن ، الباحثين عن الشهرة عن طرق تقليعات وصرعات ( الحداثة ) المزيفة التي يلجأ اليها من يفتقر الى الموهبة الحقيقية ويطبل لها مرتزقة النقد التشكيلي وتجاره والأعلام المضلل ، وأصحاب قاعات العرض . موروا يدين هنا ، ظاهرة تحويل الفن الى سلعة في السوق. والغريب في الأمر ان الفنان بيير دوش الذي وافق متردداً على القيام بدور هزلي من اجل الشهرة ، يندمج تدريجيا في هذا الدور - الذي رسمه له صديقه الكاتب للسخرية من (الحداثة ) الشكلية الفارغة - ، ويخيل اليه ،أن لوحاته ذات قيمة فنية حقاً وأنه  فنان عبقري . لا اريد أن أضيّع على القاريء الكريم متعة قراءة القصة هذه القصة الجميلة الساخرة ، التي حاولت عند ترجمتها الحفاظ على روح النص الأصلي وايقاعه .

القصة :

حين دخل الكاتب بول أميل غليز الى المرسم ، كان الفنان پيير دوش قد أنتهى لتوه من أنجاز لوحته الفنية الجديدة التي كانت تمثل منظرا طبيعيا في مقدمته باقة ورد في أنية زهور، وباذنجان في صحن . وقف الكاتب للحظات يرقب صديقه ،الذي كان منهمكا في العمل، ثم قال في نبرة قاطعة :
 كلا ! ليس هذا هو المطلوب !
 -

توقف الفنان عن النظر الى الباذنجان وتطلع الى ضيفه مندهشاً. فقال الكاتب مرة أخرى:

- كلا ثم كلا. لن تحرز أي نجاح عن هذا الطريق . لديك المهارة الفنية ، الموهبة ، الصدق ، ولكن كل ما تفعله ياعزيزي عادي .أن لوحتك لا تصرخ ، لا تذهل ، وهي لن تستوقف المشاهد الوسنان بين خمسة الاف لوحة معروضة في القاعة. كلا يا بيير دوش . لن تكون مشهورا أبدا ! وهذا أمر مؤسف .

- ولكن لماذا ؟ - تساءل بيير الطيب البسيط وهو يتنهد- أنا أرسم ما أراه ، وأحاول التعبير عما أشعر به. 
- وهل المشكلة تكمن هنا يا صديقي الساذج ؟: عندك زوجة وثلاثة أطفال . كل واحد منهم بحاجة الى ثلاثة الالف سعرة حرارية في اليوم , وعدد اللوحات المعروضة أكثر من عدد الراغبين في الشراء ، والجهلاء أكثر من المتذوقين .. ولما كانت المسألة على هذا النحو فأنه يتعين عليك يا بيير دوش أن تبحث عن الشيء الذي سيميزك عن عديمي الموهبة والفاشلين وعما يمكن أن ينقذك
 . .

أجاب بيير دوش :  بالعمل ، والصدق الفني في لوحاتي . 

          - لا تكن طفلا يا بيير ,  أن الوسيلة الوحيدة لهز مشاعر الحمقى هي أن تقوم بشيء هائل ... قل أنك ستسافر الى القطب الشمالي , أخرج الى الشارع بالبرنس والطربوش ، أعلن نفسك رائدا لمدرسة فنية جديدة ، اصرخ دفعة واحدة بحفنة من الكلمات والمصطلحات المختلفة : أكستير يوريزم ، الدينامية ، اللاوعي ،التجريد. أكتب عدة بيانات،أعلن أنك ترفض هذا الشيء أو ذاك : الحركة أو السكون ،اللون الابيض أو الاسود ، المربع أو الدائرة . أخترع الرسم الجديد الجبار الذي لا يعترف  سوى باللونين الاحمر والاصفر ، أو الرسم الاسطواني ، أو ألرسم المجسم المتعدد الاسطح , أو الرسم ذا الابعاد الاربعة.

وفي هذه اللحظة هب غبير زكي ناعم ينبيء بقدوم السيدة كوسنيفسكايا –الحسناء البولونية المغرية ، التي كان بيير دوش مفتوناً بعينيها البنفسجيتين . كانت السيدة كوسنيفسكايا , مشتركة في أغلى المجلات الفنية التي تعنى بنشر الصور الباذخة لروائع فنية مستنسخة من قبل رساميين ناشئين لا تزيد أعمارهم  المهنية عن ثلاث سنوات , ولم يرد أسم دوش النبيل في تلك المجلات ولا مرة واحدة ، لذا كانت السيدة كوسنيفسيكايا تستخف بأعمال دوش . أرتمت الضيفة على الاريكة وألقت نظرة خاطفة على اللوحة التي كان دوش قد شرع بالعمل فيها , وهزت خصلات شعرها الذهبي بضجر.

- كنت أمس في معرض ( الفن الزنجي في العصر الذهبي ) - قالت ذلك بصوتها الرخيم وهي تمطط كلمة الزنجي – يا لها من قوة تعبيرية هائلة ... يا له من فن رفيع

أشار دوش الى عمله الجديد ( البورتريه ) الذي كان راضيا  عنها , فقالت على مضض : -

-  لطيف جداً
 ثم نهضت في ضيق وغادرت القاعة مندفعة ، رشيقة ، صاخبة ، تتضوع بأريج شذى فواح .

قذف الفنان لوحة الالوان الى الزاوية وتهالك على الاريكة في يأس:

          - كلا ! من الأفضل للمرء أن يعمل وكيلاً لشركة تأمين ، أو موظفاً في أحد البنوك ، أو مفتشاً في البوليس ... أما الرسم ، فهذا آخر شيء يمكن أن يفكر فيه الأنسان . الحرفيون هم وحدهم الذين يفرحهم أعجاب الجهلاء بنتاجاتهم , والنقاد لا يحترمون الموهوبين ، بل الجهلاء.. ينبغي وضع حد لكل هذا !.

كان الكاتب بول - أميل يصغي طوال الوقت الى صديقه، ثم أطرق مفكرا وهو يدخن سيجارته , وأخيرا سأل صديقه الفنان : :

             - قل لي من فضلك:هل تستطيع أن تصرح بلهجة جادة للسيدة كوسنيقسكايا ولبعض الاشخاص الاخرين، أنك مشغول منذ عشر سنوات بالبحث عن أسلوب إبداعي جديد ؟

.. ؟ أنا -

            - أجل أنت .. أصغ  ! . سأخبر بذلك بعضا من "المختارين"  . كل ما تحتاج اليه هو عدة مقالات في مجلات معينة تعلن عن انشغالك  بإنشاء المدرسة الايدو – تحليلية في الفن، لأن كافة رسامي ( البورتريه) السابقين كانوا يركزون عن جهل على دراسة الوجه الانساني .وهذا محض هراء ! لأن تصوير الانسان على نحو صادق يكون  عن طريق رسم ما نتصوره عنه .. فعلى سبيل المثال يكون بورتريه كولونيل ما :  عبارة عن خلفية زرقاء - ذهبية تقطعها خمسة أشرطة كبيرة ، وثمة جواد في أحدى زوايا اللوحة وفي الاخرى عدة صلبان. أما  بورتريه رجل الصناعة , فأنه ينبغي أن يتكون من مدخنة وقبضة مشدودة تستند الى الطاولة. أتدري يابيير دوش ،ما الذي يمكنك أن تقدمه للعالم ؟ بوسعك أن تنجز عشرين لوحة أيديو – تحليلية في شهر واحد ؟

           

قال الفنان ذلك وهو يبتسم في حزن ! .

- بل وحتى في  ساعة واحدة !

قال الفنان ذلك وهو يبتسم في حزن ، ثم أردف قائلاً :

- ولكن ما يحزنني حقا ياغليز , هو أن كل شيء كان سيتغير لو كنت أنساناً أخر

            - هل نجرب ؟

  !لست أستاذا في الثرثرة -

            - اذن ما عليك - حين يطلب منك تقديم بعض الإيضاحات – الا أن تصمت برهة ، ثم اشعل غليونك ، واسحب منه نفساً وانفخه في وجه محدثك،  وقل له بكل بساطة العبارة التالية : " هل شاهدت يوما كيف يجري النهر ؟

- وماذا يعني ذلك ؟

لا شيء... لا شيء البته . ولهذا فأن الكل سيظن ان ثمة شيئاً ما ، وعندما سيكتشفونك ، ويفسرون أعمالك ويرفعونك الى العلا ، ستقص عليهم هذه الحكاية وتسخر منهم .

بعد مضي شهرين تم افتتاح معرض نتاجات بيير دوش , وأصاب نجاحا هائلا .. وكانت السيدة كوسنيفسكايا الرائعة ، المتدفقة الحيوية ، الصاخبة العبقة ، لا تتخلف خطوة واحدة عن صديقها العبقري الجديد بيير.وكانت طوال الوقت تردد :

- أه .. ياله من تعبير ، يالها من قوة ، يالها من دقة . كيف أستطعت ياعزيزي  أن تتوصل الى هذا التركيب ؟

صمت الفنان برهة وأشعل غليونه ونفث موجة كبيرة من الدخان وقال :

          - هل شاهدت يوما كيف يجري النهر  ؟

أرتعشت شفاه السيدة كوسنيفسكايا الرائعة ، وكان فيها وعد بالأفراح المغردة الجامحة. وفي ركن من صالة العرض وقف شاب أنيق ، يرتدي معطفا ذا ياقة من  الفرو - هو السيد سترونسكي , يخطب في الجمهور :

            - لابد أن ثمة شيئا ما هنا ، شيئا قويا جدا. ! قل لي يابيير دوش , كيف توصلت الى ذلك ..؟ وما الذي كان بمثابة حافز بالنسبة لك ؟ مقالاتي  ؟

تريث بيير دوش في الاجابة ، ثم نفخ الدخان في وجه محدثه مزهوا وقال :

          - هل شاهدت ياعزيزي يوما ، كيف يجري النهر ؟

صاح سترونسكي -

-  رائع ... رائع وبسيط .

وفي هذه الاثناء كان تاجر لوحات يتجول في أنحاء المعرض , ثم اقترب من الفنان وأمسك بذراعه وأنتحى به جانبا وقال له :

            صديقي العزيز أنت أنسان ماكر , وهذا الشيء يمكن  أستغلاله.سأشتري منك جميع اللوحات  المعروضة وخمسين لوحة كل عام , فما رأيك ؟

صمت دوش وأخذ يدخن وقد أرتسم على وجهه تعبير مبهم. وبدأ الجمهور يغادر القاعة تدريجيا ، وعندما أغلق بول  أميل غليز الباب وراء أخر زائر ، كانت صيحات الاعجاب ما تزال تأتي من السلم ، متباعدة  ولم يبق في القاعة سوى الكاتب والرسام. قال الكاتب في فرح غامر :

            ما رأيك الان أيها العجوز ؟ لكم كنا ماهرين في تدبير هذا الامر. أسمعت ما قاله ذلك الشاب الانيق  وما قالته كوسنيفسكايا والفتيات الثلاث ( المصبوغات اللواتي كن يردددن دونما انقطاع . ياللجدة , ياللجدة  , ياللجدة ! أه بيير دوش .. لقد كنت دائما أظن أن الغباء الانساني لا حدود له ... ولكن  هذا المعرض تجاوز كل توقعاتي .

            وأطلق الكاتب  ضحكة مجلجلة. قطب دوش وجهه ، ولما كان غليز لا يتوقف عن الضحك فقد صرخ به:

أبله !

تساءل الكاتب في غضب : -

أنا أبله ! بعد كل ما صنعته من أجلك ؟

                        تطلع الفنان باعتداد الى لوحاته  الايديو  - تحليلية , وقال بلهجة شخص واثق من نفسه :

            - أجل ياغليز. أنت أبله حقيقي ... فثمة شيء ما في نتاجاتي -

وحملق الكاتب في وجه الرسام مذهولا وقال له : -

            كلا ، هذا أكثر مما يمكنني أحتماله ، وصاح به : –

            تذكر يا بيير من الذي أوحى لك بالفكرة الجديدة ؟

سكت بيير برهة , ثم نفث الدخان وقال :

هل شاهدت يوما كيف يجري النهر .؟

 

 

أشهر الأخطاء المطبعية

في تأريخ الصحافة العالمية

 

جــودت هوشيار

 

الأخطاء المطبعية قديمة قدم الطباعة نفسها ، وهي طريفة في معظم الأحيان وتدخل المرح الى نفوس القراء  بتغيير الكلمات واعطائها معاني جريئة وجديدة . ففي عام 1648 نشر البروفيسور ( فلافيني ) اطروحة لاهوتية ، ورد فيها نص مقتبس من إنجيل متى: "وأنت ترى القذى في عين أخيك، ولا تشعر بالخشبة التي في عينك " . كانت الجملة منقولة نصاً باللغة اللاتينية . ولكن كلمة ( العين ) ocular تحولت بعد الطباعة الى كلمة كلمة culo التي لا تعني العين على الأطلاق في اللغة الأيطالية ، بل هي قريبة من الكلمة اللاتينية culus بمعنى العجيزة . ولم ينقذ فلافيني سوى الأعتذار العلني الذي أقسم فيه بأغلظ الأيمان ، أنه لم يحاول قط تحريف نص مقدس. وظل البروفيسور يلعن منضد الحروف حتى وهو على فراش الموت .

ولكن أخطاء الطباعة في الكتب مهما كانت غريبة وشنيعة وتحرج المؤلف ، وقد ينتابه الغضب أو الأمتعاض ، ولكنها تكون أحياناً ، مصدر مرح وترفيه للقراء ، اذا كانت المعاني الجديدة طريفة ومسلية ، ولكن مع ذلك  يظل تأثيرها محدوداً بالقياس الى الأخطاء المطبعية ، التي رافقت الصحف الأوروبية منذ ظهورها في القرن السابع عشر.ولم تختف حتى اليوم ،بعد إستخدام مكائن الطباعة الرقمية والكومبيوتر في العمل الصحفي.. ويمكن القول أنه لا توجد صحيفة ، مهما كانت شهيرة ويعمل فيها صحفيون أكفاء ، بمنجى عن الأخطاء المطبعية التي تحدث في العادة ، من جراء الأندفاع في العمل من اجل صدور الصحيفة في موعدها المقرر . وغالبا ما تحدث هذه الأخطاء نتيجة  تبديل أو حذف احد الحروف في كلمة ما ويؤدي الى افساد المعنى أو تغييره .

أخطاء الطباعة في الصحف والمجلات ،  شديدة التنوع ، متباينة التأثير ، والكثير منها أخطاء طريفة مثيرة للضحك أكثر من أي نكتة يمكن أن يتخيلها انسان ، وأخرى مزعجة أو مؤلمة لصاحب الشأن ، وبعضها يؤدي الى تداعيات ، قد تكون وخيمة ، خاصة اذا حدث عند تغطية أخبار أحد الملوك أوالرؤساء أو سياسي متنفذ. في الفقرات اللاحقة عينات مختارة من الأخطاء المطبعية الشهيرة التي وقعت فيها كبريات الصحف الغربية  والروسية .

في نهاية عام 1880 نشرت احدى الصحف الألمانية مقالاً سياسياً يتحدث عن سعي الأمير أوتو فون بسمارك للحفاظ على علاقات جيدة مع كل القوى المؤثرة . ولكن كلمة  (Machten) التي تعني القوى المؤثرة بالألمانية تم تبديلها خطأً بكلمة (Madchen التي تعني فتاة شابة أومراهِقة . أي أن السياسي العجوز الذي كان قد تجاوز السبعين عاما يسعى للحفاظ على علاقت جيدة مع كل المراهقات .

في الفترة ذاتها نشرت احدى الصحف الفرنسية  خبرا عن الحالة الصحية لسياسي فرنسي شهير - ، تقول فيه : " تحسنت الحالة الصحية للسياسي السيد (N) وانفتحت شهيته للأكل ونأمل أن تكون الرعاية التي يلقاها فخر دولتنا كفيلة باستعادة صحته وقوته " . ولكن بدلا من كلمة الرعاية (soin) طبعت كلمة (foin ) التي تعني ( القش ) باللغة الفرنسية . أي ان صحة السيد (N) تحسنت بضل تناوله القش في فترة النقاهة .

ولعل أشهر وأطرف خطأ مطبعي في تأريخ الصحافة هو ما حصل في نهاية القرن التاسع عشر ، عندما نشرت احدى الصحف الفرنسية اعلاناً عاديا عن تأجير مزرعة ، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان ، بعد أن حل حرف (f)  محل حرف (r) في كلمة المزرعة (ferme ) وبذلك تحولت الى ( femme) التي تعني ( المرأة ) باللغة الفرنسية ، واكتسب الأعلان معنى جديداً تماماً بصيغته الجديدة  " إمرأة جميلة للأيجار أو البيع ،عند التعامل معها بشكل صحيح خصبة للغاية "

(«Belle femme a vendre ou a louer; tres productive si on la cultive bien»)

وقد ورد ذكر هذا الخطأ المطبعي في كل طبعات موسوعة لاروس (Larousse) الفرنسية الشهيرة .

وفي الفترة نفسها كتبت جريدة ال(تايمز) اللندنية الشهيرة مقالاً عن الميول الدينية لرئيس الوزراء البريطاني آنذاك غلادستون تقول فيه أنه يؤمن ايماناً راسخاً بالمذهب الأنجليكاني (anglican)  .ولكن يبدو أن ذهن المنضد كان مشغولاً فطبع كلمة أفغاني ( afghan) بدلاً من كلمة ( anglican) ولم يفهم أحد من القراء ما هو هذا المذهب الأفغاني !.    

في عام 1940  كان الرأي العام الأميركي قلقاً على صحة الرئيس روزفلت ، ونشرت صحيفة ( الواشنطن بوست ) الأميركية خبراً على صدر صفحتها الأولى وبمانشيت كبير تقول فيه أن ( فرانكلين ديلانو روزفلت  في الفراش بسبب نزلة برد ) مع اختصار اسم الرئس : FDR IN BED WITH COLD. ، ولكن ما ظهر على الصفحة كان شيئاً مختلفاً تماما : FDR IN BED WITH COED   ( الرئيس في الفراش مع طالبة ) . ويقال أن الخبر كان مسلياً للرئيس روزفلت الذي اتصل بأدارة الجريدة طالباً ارسال مائة نسخة من الجريدة لغرض توزيعها على أصدقاءه . ولكن الرئيس لم يحصل ولا على نسخة واحدة ، فقد بادر مكتب التوزيع في الجريدة الى شراء كافة نسخ هذه الطبعة واتلافها ، وصدرت الجريدة في اليوم ذاته بطبعة جديدة بعد تصحيح عنوان الخبر بطبيعة الحال .

أكثر الأخطاء المطبعية خطورة على رؤساء التحرير ، تلك التي تمس الملوك والأباطرة ورؤساء الدول ، وهي بطبيعة الحال أخطاء عفوية غير متعمدة ، ومن أطرف وأخطر هذه الأخطاء ، ما حدث في أوائل القرن العشرين .- وهي السنوات الأكثر ليبرالية في تأريخ روسيا -  عندما نشرت صحيفة ( كيفسكايا ميسل) خبرأ عن زيارة الأمبراطورة الأرملة ماريا فيودوروفنا ( والدة الأمبراطور ) الى فنلندا ، في صدر صفحتها الأولى و تحت عنوان " مكوث الأمبراطورة الأرملة ماريا فيودوروفنا في فنلندا "ولكن حدث خطأ في كلمة (prebivaniya– الروسية وتعني مكوث) حيث حل حرف (o) محل حرف ( r) فتحولت كلمة مكوث الى كلمة (مُجامَعَةُ ) مما أثار الضحك في بعض الصالونات الأرستقراطية، وتم جمع ما تبقى من النسخ من الأسواق وصدرت الجريدة في اليوم التالي وفيها اعتذار شديد من العائلة المالكة ) .

كان الخطأ فظيعا ، وتم تقديم رئيس التحرير الى المحاكمة بتهمة إهانة العائلة المالكة . ولكن القصر الأمبراطوري الروسي أدرك بسرعة أن عرض القضية على المحكمة سيجعل هذا الخطأ على كل لسان وتلحق ضررا معنوياً فادحا بالأمبراطورة الأم ، لذا تم التكتم على الخطأ ، وصرف النظر عن المحاكمة . وكان ذلك عين العقل ومر الأمر بسلام ، ولم يتحول الى فضيحة مكشوفة تلوكه الألسن ، بفضل حكمة العائلة المالكة .

واذا كانت الأمبراطورة الأم لم يلحق بها أذى يذكر ، فأن شارل لويس بونابارت (إبن شقيق نابليون بونابارت )  اضطر أن يتعايش مع الخطأ المطبعي الذي لصق به طوال حياته .

 فقد اعتلى عرش فرنسا في عام 1852 ، بعد عودة الملكية الى فرنسا واتخذ اسم عمه الشهير ،  كوريث لسلالة نابليون . وفي الأيام التي سبقت حفل التتويج ، عملت المطابع الفرنسية بأقصى طاقاتها من اجل طباعة آلاف المناشير لأعلام المواطنين الفرنسيين بيوم تتويج ملك جديد على فرنسا . كان عنوان المنشور بالبنط الكبير " يحيا نابليون !!! " ولكن منضد الحروف – اليدوية في ذلك الوقت - لم يفهم   الخطوط العامودية المتجاورة الثلاث (!!!) ، وهي علامات التعجب وطبع بدلاً منها رقم واحد بالأرقام الرومانية  ثلاث مرات (I I I) .

في يوم التتويج جلس على العرش من عرفته فرنسا بأسرها بأسم نابليون الثالث ، رغم أنه لم يكن ثمة نابليون الثاني في التأريخ الفرنسي .

وقد حاول  البعض تبرير هذه التسمية بالقول ان لويس بونابرت اقترح أن يطلق عليه اسم بونابرت الثالث احتراما لذكرى ابن نابليون الذي كان يمكن من الناحية النظرية أن يحمل اسم نابليون الثاني لو امتد به العمر واسترد عرش والده ، ولكن المؤرخين لم يصدقوا هذا الزعم ، لأن الحقيقة لا تخفى .

ستالين وأخطاء الطباعة "

كل الصحف في الأتحاد السوفيتي كانت تنطق بأسم الحكومة أو الحزب أو المنظمات والأتحادات الخاضعة لهما ، ولم تكن هناك  صحيفة مستقلة واحدة . وكان جهاز المخابرات السوفيتي في عهد ستالين لا يتسامح مع أبسط خطأ مطبعي في المطبوعات الدورية وخاصة تلك التي لها علاقة بستالين. كان ثمة تعميم رسمي موجه لرجال الأمن بضرورة أن يكونوا في أقصى درجات اليقظة في النضال ضد العدو الطبقي الذي يحاول التسلل الى الصحافة ونشر الدعاية المعادية للسلطة السوفيتية تحت ستارالأخطاء المطبعية .

 ففي منتصف الثلاثينات من القرن الفائت نشرت جريدة ( ازفيستيا ) السوفيتية خبراً عن استقبال ستالين للسفير البولوني ، وقالت أن اللقاء كان ناجحاً . ولكن حدث خطأ عند طباعة كلمة السفير (росол ) بالروسية ، حيث سقط الحرف الأول وتحولت الكلمة الى (  осол) أي ( الحمار ) .

ولكن عندما قدّم رئيس جهاز الرقابة على المطبوعات تقريره عن الحادث الى ستالين ، إنزعج الأخير بعض الشيء ، وقال : "  لا تعاقبوا كادر الصحيفة لأنها قالت الحقيقة . فالسفير يستحق هذا الوصف فعلاً " .

واذا كان ستالين قد سمح لتحويل سفير الى حمار ، الا أنه لم يكن يتسامح مع أقل خطأ في طباعة اسمه ، مهما كان هذا الخطأ بسيطاً . ففي ذات مرة ورد اسم ستالين في صحيفة اقليمية بصيغة ( ستادين ) ، وكان جزاء العاملين في الصحيفة الفصل الجماعي . وفي حالة أخرى طبعت احدى الصحف المركزية  اسم ستالين بصيغة ( سالين ) فحكم على رئيس التحرير بالسجن خمس سنوات مع الأشغال الشاقة .  

ولكن أفدح خطأ في اسم القائد الملهم أرتكبته صحيفة تنطق بأسم منظمة الحزب في مقاطعة ( ماخاجكالينسكايا ) حيث جاء اسم ستالين بصيغة ( سرالين ) وهي كلمة بذيئة في اللغة الروسية العامية .

وأود أن اختم هذا المقال بعيداً عن كل ما يذكرنا بجوزيف فيساريونوفيتش جوغاشفيلي الذي عرف بأسمه المستعار ( ستالين ) .

في أواخر القرن التاسع عشر تسلل عدد من طلبة جامعة اوكسفورد الى مطبعة محلية تطبع كراساً عن حفلات الزواج . وكانت اللائحة تتضمن سؤالاً تقليدياً يوجهه الكاهن الى العروسين عند عقد قرانهما ، وهذا السؤال لم يتغير حتى يومنا هذا : هل يلتزم كلاكما بأن يحب ويحترم الآخر ما دمتما على قيد الحياة ؟ so long as you both shall live

 وقام الطلبة بتبديل حرف (v) في كلمة (live) بحرف (k)  فتغير معنى السؤال تماماً وأصبح كالآتي : (so long as you both shall like  أي ما دام كل واحد منكما يحب الآخر .وكانت فضيحة سجلتها كتب التأريخ اللاهوتي .

 

 

مكتبـة  سربستي .. صفحة

مشرقة من تاريخ أربيل الثقافي

 

جــودت هوشيار

 

متاجر الكتب ، أو المكتبات  ليست محلات تجارية وحسب ،بل  تلعب ايضاً دوراً تنويريا مهماً بتوفيرها الكتب والمطبوعات الأخرى ، التي تعد المصدر الأساسي للمعرفة والثقافة .وكلما زرت بلدا جديدا  احرص أن أجول داخل متاجر الكتب فيها .والتي تشغل أحياناً بنايات كبيرة ، وبعضها متعددة الطوابق ، وذات تصاميم وديكورات فنية رائعة ، تحوي عشرات الألوف من العناوين ، المرتبة حسب الحقول المعرفية ،  وبعضها يحتوى على مطعم أو مقهي ، وفيها مقاعد وأرائك للجلوس وتصفح الكتب من قبل الزبائن قبل اقتنائها ، وقد جهزت هذه المكتبات في الآونة الأخيرة باجهزة رقمية ، تستطيع من خلالها البحث عن الكتاب المنشود، فتحصل على نتيجة البحث على الفور . فأن كان الكتاب موجوداً ، ترى على الشاشة خريطة المكتبة والقسم ورقم الرف الذي يوجد فيه الكتاب المطلوب . وثمة مكتبات لا تقل أبهة وان كان اصغر حجما ومتخصصة في حقل معين من حقول المعرفة ( الطب ، الهندسة ، العلوم الصرفة ، الفن ... الخ ) .

اجواء هذه المكتبات رائعة ، حيث عبير الكتب الفواح وشذى أصص الورد العبقِ ، وتشعر فيها بعظمة العقل الأنساني وأنت تمشي بين رفوف الكتب وتتطلع اليها بحثأ عما يروق لك .

 وقد ظهرت في الآونة الأخيرة في البلدان المتقدمة ما يسمى بالتسوق الألكتروني ، حيث توجد الكثير من المكتبات الألكترونية التي تستطيع من خلالها شراء الكتاب - أي كتاب – لتصلك بعد بضع ساعات أو أقل اذا كنت في المدينة ذاتها  . ربما سأنسى  يوماً ما ، أسماء هذه المكتبات – الحقيقية منها والأفتراضية -   ولكني لن أنسى ما حييت إسم مكتبة " سربستي " ، العزيزة على قلبي وروحي ، أتذكرها كلما مددت يدي الى احد رفوف الكتب في مكتبتي المنزلية ، لأتناول كتاباً قديما وثمينا اقتنيته من هذه المكتبة الصغيرة مساحةً ، والكبيرة دوراً وتأثيراً في الحركة الثقافية في اربيل خلال خمسينات القرن الماضي ، أقول الخمسينات ، لأن ما سأتحدث عنه في الفقرات اللاحقة يرجع الى الفترة بين عامي (1954-1959 ) حيث سافرت في أواخر عام 1959 الى الخارج في بعثة دراسية ، وأنقطعت أخبار المكتبة عني .

  كانت مكتبة " سربستي " لصاحبها الطيب الذكر ، رؤوف معروف  لا تزيد مساحتها على عدة أمتار مربعة ، ولكنها كانت مركز الأشعاع الفكري والثقافي في مدينتنا العريقة أربيل ، خلال أواخر العهد الملكي وأوائل عهد ثورة 14 تموز . " سربستي " فتحت لنا بابا  رحباً الى عالم العلوم والثقافة. هذه المكتبة كانت جامعتي الأولى وجامعة معظم مثقفي أربيل في تلك الفترة .

الدور الثقافي والوطني لمكتبة " سربستي " :

تأسست المكتبة عام 1947 ، وكانت تقع مقابل مطبعة " كيو مكرياني " في قلب المدينة. وأول مكتبة في أربيل يحمل اسماً كورديا بالغ الدلالة ، يعبر عن طموحات الشعب الكوردي الى الحرية  .صحيح ان هذه المكتبة لم تكن الأقدم عمراً في أربيل ، فقد كانت ثمة عدة مكتبات أخرى ، بعضها أسبق منها  ، مثل مكتبة " هولير " لصاحبها شيخ محمد المعروف ب "شيخه شه ل"  وكانت متخصصة في بيع الصحف اليسارية والأصدارات الماركسية وتشغل دكانا أو ركنا صغيرا مستقطعا من أحد الدكاكين الملاصقة لبدن القلعة وأعتقد أنها كانت اشبه بوكر – تحت يافطة مكتبة -  للحزب الشيوعي السري المحظور في العهد الملكي،  اكثر من كونها مكتبة بالمعنى المعروف لهذه الكلمة . ومكتبة”العسكري" لصاحبها الضابط المتقاعد” فاروق عبد الرحمن ، ومكتبة”الجهاد“ لصاحبها عبد الوهاب الصائغ ، وهو من اهالي الموصل ، ومكتبة الأخوة الأسلامية - المقر المقنّع لتنظيم " الأخوان المسلمين " – حيث كنت تجد فيها كتب حسن البنا وسيد قطب ومنظري التنظيم الآخرين . هذه المكتبات الأربع الأخيرة لم تنهض بدور يذكر في اجتذاب المثقفين بالمقارنة مع مكتبة " سربستي " ذات الشهرة المدوية ، بفضل صاحبها ، الرجل الذكي، والنشيط في توفير ما يلبي حاجة القراء حقاً وبسرعة يحسد عليها ، كان يمكنك  اقتناء كتب المؤلفين العراقيين والصحف والمجلات العراقية في اليوم التالي لصدورها ، والمطبوعات المصرية واللبنانية بعد بضعة أيام ، وكان عدد المشتركين في الصحف والمجلات عن طريق " سربستي " كبيرأً.

" سربستي " كانت سباقة في عرض آخر الأصدارات الكوردية من كتب ومطبوعات دورية -على قلتها في ذلك الوقت-  ومنها دواوين الشعراء الكورد " حاجي قادر كويي ، بيره ميرد ، دلدار ، بي كه س ،  كوران ، هردي ، " وبعض الصحف الكردية مثل " زين " الصادرة في السليمانية ..

 المجلات والصحف الصادرة باللغة الكوردية في بغداد ، لم تكن تدوم طويلا في ظل النظام الملكي القمعي ، ولو راجعنا دليل الصحافة الكوردية نجد ان هذه الدوريات في السنوات التي نتحدث عنها ، كانت تحتجب بعد صدور بضعة أعداد منها اما بألغاء اجازاتها أو بمنع الأعلانات عنها ، هذا المنع كان يؤدي الى تعذر استمرارها في الصدور ، وكانت غالبيتها تعود الى شخصيات اجتماعية أو ثقافية كوردية . وربما الأستثناء الوحيد هو مجلة " كلاويز " التي دامت حوالي عشر سنوات ، لأنها كانت مجلة أدبية في المقام الأول وتتجنب الخوض كثيراً في غمار السياسة أو انتقاد السلطة القائمة بشكل مباشر وان كانت تنشر العديد من المواد القيمة المتعلقة بتأريخ الكورد ولغتهم وثقافتهم . وللتعويض عن شحة الكتب والدوريات الكوردية . كانت " سربستي " توفر الصحف اليسارية والوطنية التي تولي اهتماماً ملحوظاً بالقضية الكوردية ، وتنشر مقالات ونتاجات الكتاب والشعراء الكورد

" سربستي " كانت قبلة المثقفين في أربيل . ففيها كنت تجد  آخر الأصدارات من الكتب العربية ( العراقية ، المصرية ، اللبنانية ) لمؤلفين مشهورين مثل العقاد ، والمازني ، وطه حسين ، وسلامة موسى ، ونجيب محفوظ ، ومحمود تيمور ، وميخائيل نعيمة ، والشعراء شوقي ، والجواهري ، واحمد ناجي ، ومحمود طه المهندس ، والرصافي ، والزهاوي ... والقائمة تطول ) . وكان صاحب المكتبة يضع الأصدارات الجديدة على واجهة المحل . كما كانت المكتبة بمثابة الموزع الرئيس للمجلات الثقافية العربية مثل ( الهلال ، الثقافة ، الرسالة ) المصرية ، و( الآداب ، الأديب ، الطريق ) اللبنانية ، ( والثقافة الجديدة  قرندل ، الوادي ) العراقية  وكذلك المجلات المصرية العامة والفتية مثل (  روز اليوسف ، آخر ساعة ، المصور ، الأثتين ، الكواكب ، حواء ) وبعض المجلات الطبية مثل مجلة ( طبيبك ) السورية والعلمية مثل مجلة ( العلوم ) اللبنانية وغيرها .

كان صاحب المكتبة رجلاً وطنيا ، ولم يكن من السهل عليه الحصول على رخصة للمكتبة بهذا الأسم في زمن كان النظام الملكي يضيق الخناق على المطبوعات الكوردية من كتب ومجلات وجرائد . واسم المكتبة يدل على اتجاه صاحبها السياسي ، لذا كانت تحت رقابة أجهزة الأمن ، خاصة ، انه كان الموزع الرئيسي لصحف الأحزاب الوطنية وفي مقدمتها جريدة " الأهالي " الناطقة بأسم الحزب الوطني الديمقراطي برئاسة المرحوم كامل الجادرجي . وقد تعرضت " الأهالي " للحجب والألغاء عدة مرات . وكان الجادرجي يلجأ في كل مرة الى طلب الحصول على امتياز جديد للجريدة تحت اسم آخر قريب من اسم الجريدة الملغاة ( صوت الأهالي ، صدى الأهالي ) وتعاود الصدور من جديد . وكانت الرقابة في بغداد تحذف أحياناً بعض مواد الجريدة ، مثل المقال الأفتتاحي ، ولكن الجريدة تترك المساحة التي كانت تشغلها تلك المواد فارغة بيضاء ،  كشكل من أشكال الأحتجاج على الرقابة الحكومية . أجهزة الأمن في اربيل كانت تراقب المكتبة عن كثب لتحديد من يشتري الصحف اليسارية يوميا . والى جانب هذه الجريدة كانت هناك جريدة الزمان الرصينة ، وجريدة ( الشعب ) الموالية للحكومة . ولكن اغلب المثقفين في أربيل كانوا يتابعون بشغف ما تنشره جريدة الجادرجي ، الذي كان دائماً الى جانب الشعب الكوردي في النضال من اجل حقوقه القومية المشروعة . وتمتاز " سربستي " بميزة أخرى ، لم تستطع أية مكتبة أخرى في أربيل  مجاراتها ،  وهي انها كانت تقوم  بتوصيل الصحف والمجلات للمشتركين سواء في أربيل أو ضواحيها وفي تلك السنوات  رأيت السيد صالح – شقيق صاحب المكتبة – وهو يتنقل بين مصايف أربيل لأيصال المطبوعات الى المشتركين أو بيعها ، خاصة في شقلاوة خلال فصل الصيف حيث كان هذا المصيف الخلاب تزدحم بالمصطافين من الموصل وكوكوك وبغداد والمدن الأخرى  .

كانت المطبوعات من كتب ومجلات شهرية أو أسبوعية وصحف يومية تصل أربيل عن طريق خط قطار (بغداد – كركوك – أربيل) في حوالي الساعة العاشرة من صباح كل يوم ، وكنت ترى المثقفين الشغوفين بالقراءة أو متابعة الأحداث السياسية يتجمعون أمام مكتبة سربستي ويبلغ الزحام اشده في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحا ، حين يصل السيد صالح ، قادما من محطة القطار ومعه رزم الكتب والمجلات والصحف الصادرة حديثاً. فترى القراء يتسابقون الى أقتناء ما يعجبهم من هذا الغذاء الروحي الدسم . كنت في هذه المرحلة في المدرسة الثانوية ، وأحرص على اقتناء ثلاث مجلات هي الآداب اللبنانية والهلال المصرية والثقافة العراقية ، اضافة الى اصدارات دار الهلال الأخرى مثل سلسة ( روايات الهلال ) ،  وما زالت اعداد هذه السلسلة  في مكتبتي الشخصية أحتفظ بها ليس لمجرد الذكرى ، بل لأنها تضم خير ما في الأدب العالمي من روايات وقصص بشهادة الزمن .كما تمتاز ترجمة هذه السلسلة بمستوى رفيع ، يفتقر اليه من يتصدى لترجمة الروايات والقصص الأجنبية في أيامنا هذه .

القراءة بين الأمس واليوم :

تصدر في اقليم كوردستان اليوم مئات الكتب باللغة الكوردية سنويا في شتى حقول المعرفة ، والأدب والفن ، إضافة الى مئآت المطبوعات الدورية ومعظمها باللغة الكوردية أيضاً ، وفي العاصمة أربيل وحدها عشرات المكتبات ( متاجر الكتب ) الزاخرة بالأصدارات الحديثة ذات الطباعة الفاخرة ، ولكن هذه المكتبات تشكو من قلة روادها وشحة مبيعاتها ، رغم أن اسعار الكتب في أربيل - وخاصة اصدارات دور النشر الحكومية أو شبه الحكومية أو الصادرة عن المنظمات والجمعيات والأتحادات وبضمنها أصدارات الأكاديمية الكوردية واتحاد الأدباء الكورد – زهيدة بالقياس الى الدول المجاورة ، الا أن الأقبال على القراءة  ، أضعف مما كان في الماضي . وقد يبدر الى الذهن أن السبب يعود الى الأزمة المالية التي يمر بها الأقليم . ولكني أعتقد أن السبب الرئيسي لا يكمن في القدرة المالية للقراء بقدر ما يعود الى توافر وسائل الأعلام المختلفة ، الأكثر تشويقاً وجذباً وخاصة لفئة الشباب  ( الأنترنيت ، القنوات الفضائية ) ووسائل التسلية والترفيه العديدة . كما أن  الحياة المعاصرة وتعقيدها ،التي تتسم بدرجة عالية من التوتر النفسي  والأجهاد العصبي   لا تترك فسحة كافية من الوقت للقراءة الجادة - الوسيلة الفعالة لأكتساب المعرفة وتحصيل الثقافة -  وبأستثناء القيصرية الخاصة بالمكتبات في سفح قلعة أربيل التأريخية ، قلما تجد من يرتاد المكتبات الأخرى ( مقابل المدرسة الأيوبية ) أو يتابع صدور هذه المجلة أو تلك ، ربما بأستثناء مجلة " صوت الآخر " التي تنفد أعدادها من السوق فور طرحها للبيع في أربيل أيام الخميس . وهذه ليست مجاملة للمجلة التي أنشر فيها مقالاتي ، فأنا لا آجامل أحداً على حساب الحقيقة . وعلى الجملة يمكن القول أن معظم رواد قيصرية المكتبات اليوم هم من الكتاب والشعراء والأعلاميين أنفسهم ، على النقيض من جيل " سربستي " الذي كان يبحث عن الغذاء الروحي والثقافي ويتابع بشوق ولهفة كل اصار جديد في المجال الذي يستهويه ، دون أن يفكر يوما بالكتابة والنشر ، الا ما نذر .

الظاهرة التي أتحدث عنها لا تقتصر على اقليم كردستان ، بل هي ظاهرة عالمية الى هذا الحد أو ذاك .

المثقفون الأحياء من الجيل القديم – أطال الله أعمارهم – خريجي جامعة " سربستي " هم اليوم قلة نادرة ، يلوذون بصومعاتهم وينهلون من عصارة عقول عظماء الفكر والثقافة . هل ثمة زاد أثمن من هذا الغذاء الروحي ؟

 

 

هل يمكن للكتب أن تغيّر العالم ؟

جــودت هوشيار

               

هل يمكن للكتب أن تغبّر العالم حقاً ؟ قد يبدو هذا التساؤل غريباً لمن يعشق قراءة الكتب ، ولا يتصور حياته من دونها . ولكن  ثمة من يقول ، أن الكتب لا تغيّر شيئاً ، وهؤلاء في العادة لا يقرأون الكتب أصلاً ، وربما يجهلون أن ثمة عشرات الكتب التي غيّرت حياة الأفراد والمجتمعات ومسار التأريخ ، ولعبت الدور الحاسم في التقدم الحضاري للبشرية .

لم نكن نولي هذا الموضوع اهتماما لو كان جل من يستهين بدور الكتب في الحياة هم الناس البسطاء ، ولكن ثمة بعض العظماء الذين اصيبوا بخيبة امل بعد الكوارث التي شهدتها البشرية في العصر الحديث .   قال الشاعر الأنجليزي و.هـ. اودن ( 1907 -1973) " ان الكتب لا تلعب أي دور في الحياة . بدليل أن كل كتاباتي عن هتلر لم تنقذ حياة انسان واحد.

ولكن اودن لم يأخذ في الأعتبار ان فكرة " العرق النقي " ظهرت عند هتلر تحت تأثير أعمال فريدريش نيتشة (1844-1900)).

لقد نشرت مئات الكتب القيمة والرائعة في منطقة الشرق الأوسط خلال المائة عام الماضية .ولكن عند النظر الى ما يحدث في منطقتنا هذه الأيام من وحشية وحروب من الصعب العثور على اي علامة تشير الى ان الكتب تغير المجتمع نحو الافضل .ربما ينبغي الانطلاق من ان الكتب تغير الناس ومن ثم المجتمع.

تأثير الكتب في حياة الأفراد :

ان تصورالانسان للعالم وتشكيل شخصيته يعتمدان على عوامل كثيرة وبضمنها الكتب التي قرأها  ، ولكن ثمة كتب تؤثر ليس فقط على تصور الأنسان للعالم ولكن يمكنها أن تغيرحياته أيضاً. كلمات المؤلفين العظماء يمكن أن تغير وجهة نظر الشخص حتى الى الأشياء البسيطة والمألوفة. والكتاب - مصدر لا ينضب للمعرفة و للأنطباعات الجديدة ، غير المتوقعة في بعض الأحيان.الكتب الجيدة تعمق ادراكنا وفهمنا للعالم الذي نعيش فيه وتصقل ذائقتنا الجمالية ، وترسخ القيم الأخلاقية في ذواتنا ، وتكون مصدر الهام لنا ولو لبعض الوقت .

الكاتب التركي اورهان باموك الحائز على جائزة نوبل في الآداب لعام 2006 يقول في مفتتح روايته ( حياة جديدة ) :" قرأت ذات مرة كتاباً غيّر حياتي "

الفيلسوف الألماني  أرتور شوبنهاور ( 1788 – 1860 ، تحدث عن الناس الضالين الى الأبد في الحياة بعد قراءة رواية " دون كيشوت " لسرفانتس .

وكما تقول الروائية الأنجليزية  ماري آن إيفانس المعروفة بجورج اليوت  (1819 – 1880 ) ان الكتاب هو الأقرب الى الحياة.

الكاتب الارجنتيني كارلوس دومينغيز ( ولد عام 1955 ) يستهل روايته الشهيرة " البيت الورقي " بالمقطع التالي : " في ربيع عام 1998، اشترت بلوما لينون في محل لبيع الكتب في سوهو نسخة عتيقة من مجموعة قصائد للشاعر إميلي ديكنسون، وعندما وصلت إلى السوناتا الثانية،عند اول نقطة عبور للمشاة  صدمتها سيارة أودت بحاتها " . الكتب تغيّر مصائر البشر حقاً .

إن التطلع الى التغيير نحو الأفضل ، هو الذي يدفعنا لقراءة الكتب ، واذا لم نكن نؤمن بالتغيير ، لما كنا خسرنا الوقت والجهد والمال في إقتناء الكتب وقراءتها أو كتابتها . .

الكتب الأكثر تأثيراً  في تأريخ البشرية :

 الكتب شكلت وعي الإنسانية حتى في تلك الأيام، عندما لم تكن ثمة  أشكال أخرى لحفظ حكمة الاجيال. الكتب عموما والكتب السماوية المقدسة خصوصاً ( القرآن ، والأنجيل ، والتوراة ، ) - التي تحفظ حكمة العصور ، وتشكل عاداتنا الأجتماعية وتنظم المعايير الأخلاقية للأفراد والمجتمعات - أصبحت منهجاً ومرشدأً للعمل ولتحريك الجماهير الغفيرة ، وهي من دون أدنى شك أهم الكتب التي غيرت حياة البشرية ولا يزال تأثيرها عظيماً في عالم اليوم

 1 - القرآن الكريم مرشد ومنهج لحياة للمسلمين في أنحاء المعمورة ، وأساس الحضارة الأسلامية

  2 - الكتاب المقدس هو أساس الحضارة الأوروبية، التي تشكلت في رحم المسيحية .وهذا الكتاب – أو مجموعة الكتب على نحو أصح - لا تزال مصدرا للإلهام وتفسير معنى الحياة لمئات الملايين من الناس . وقد ترجم الى حوالي 2000 لغة ، وهو الكتاب الأكثر انتشاراً في العالم .

أقدم نسخة من الكتاب المقدس كان بحوزة العائلة القيصرية الروسية ( آل رومانوف ) . وبعد ثورة اكتوبر تم بيع هذه النسخة في عام 1920 بنصف مليون دولار وكان هذا مبلغا خياليا – في ذلك الوقت -  ثمنا لكتاب مخطوط .

3 - العهد القديم الذي ما يزال تأثيره قوياً على اليهود في كافة أنحاء العالم . كما أن الكتب الدينية الأخرى التي نبعت منها الفلسفات البوذية والكونفوشوسية في الهند والصين واليابان و جنوب شرق آسيا حددت ثقافات شعوب تلك المناطق .

وإضافة الى الكتب الدينية ، ثمة كتب علمية واقتصادية  وسياسية وفلسفية أسهمت على نحو فاعل وحاسم في التقدم الحضاري للبشرية . وتقوم الصحف والمجلات الشهيرة في الدول الغربية بين حين وآخر  باعداد لوائح بأهم ( عشرة أو خمسين أو مائة ) كتاب في التأريخ البشري ، ومهما كان عدد الكتب التي تحويها كل لائحة ، فأنها تتضمن حتما الكتب الدينية الرئيسية الثلاث التي أشرنا اليها فيما تقدم .

أما بالنسبة للكتب غير الدينية فأن الكتب العشرة التالية هي القاسم المشترك بين معظم تلك اللوائح ،

1 – "الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية "  اسحاق نيوتن  ( 1687) :

وضع هذا الكتاب الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية ولمعظم مبادئ الميكانيكا الكلاسيكية.

صاغ نيوتن قوانين الحركة وقانون الجذب العام التي سيطرت على رؤية العلماء للكون المادي للقرون الثلاثة التالية. كما أثبت أن حركة الأجسام على الأرض والأجسام السماوية يمكن وصفها وفق نفس مبادئ الحركة والجاذبية. وعن طريق اشتقاق قوانين كبلر من وصفه الرياضي للجاذبية، أزال نيوتن آخر الشكوك حول صلاحية نظرية مركزية الشمس كنموذج للكون .

 وبفضل هذا الكتاب ، غزا الأنسان الفضاء الكوني ووصل الى القمر ، وصنع الصواريخ التي تطلق الأقمار الصناعية الى الفضاء وتؤمن اليوم الأتصالات بين البشر . ولو لم يظهر هذا الكتاب في حينه لتغير حياة البشر ومسار التأريخ ، أو في الأقل ربما تأخر تحقيق هذه الأنجازات الى زمن غير معلوم .

2– " ميثاق الحرية العظيم " ، ممثلي الطبقة الحاكمة الأنجليزية ،  :1215

أصبح أساساً لوضع الدستور الأنجليزي ودساتير عدد من الدول مثل الولايات المتحدة الأميركية والهند .




 

 

 


عندما لا تثمر

المعاناة عن الحرية  !

جــودت هوشيار


الموقف الروسي السلبي من سفيتلانا ألكسيفيتش ، الحائزة على جائزة نوبل في الآداب لعام 2015 واعتبارها كاتبة مرتدة تنشر الغسيل الروسي الداخلي القذر في الخارج . ان دل على شيء فإنما يدل على أن روسيا تخشى الحديث عن المآسي التي شهدتها منذ ثورة اكتوبر في عام 1917 وحتى اليوم .

الروس في العادة بتكتمون على المحن والنكبات الفردية ،إلا في خلواتهم أو في نطاق ضيق من المقربين  في مساكنهم، وفي المطبخ تحديدا ، وهوالمكان المفضل لدى الروس للحديث عما لا يمكن الحديث عنه علناً في الأماكن العامة أو حتى بين الزملاء في مواقع العمل أو مع الغرباء .

 

الروس يشعرون بالحرج من الخوض في مثل هذه الأمور، ليس خوفاً من السلطة ، كما كان الأمر طيلة العهد السوفييتي ، بل لأن الأنسان الروسي معروف بقوة التحمل ،ويعتبر الحديث عن المشاكل الشخصية و صعوبات الحياة أوعن المرض أمراً مخجلاً . كما أن الكوارث والمصائب التي مر بها الشعب الروسي بعد الثورة البلشفية ، صورتها الدعاية السوفيتية كبطولات جماعية للشعب عموما وللجيش خصوصاً ، ولم يتطرق الكتاب السوفييت الذين اشتهروا برواياتهم وقصصهم عن الحروب التي خاضتها روسيا خلال القرن العشرين ، الى المآسي الفردية التي خلفتها هذه الحروب . حياة الفرد الواحد رخيصة في روسيا ، ولا قيمة لها على الأطلاق ، المهم هو البطولة الجماعية وحلم المجد الأمبرطوري .

 

جاءت الكسيفيتش لتنتهك هذا العرف السائد - كتمان المحن الفردية وتقديمها قربانا على مذبح مجد الدولة وسمعتها في الخارج – فهي تتحدث عن رجال ونساء واطفال سحقتهم آلة الحرب والقمع ، وعن ملايين البشر ، الذين ترك الزمن القاسي فيهم  ندوبا عميقة وجروحا نفسية لا تندمل حتى الموت .

كاتبة نزلت الى الشارع وجابت البلاد من قصاها الى اقصاها ،واستطاعت ، أن تجد طريقها الى قلوب الضحايا وتصغي بكل جوارحها الى أنات الحزاني وتمسح دموع المكلومين وتدون شهاداتهم ومونولوجاتهم الحزينة في لحظات البوح النادرة  ، ثم تختار ما تراه الأكثر أهمية وتصوغ رواياتها في نمط أدبي جديد مثير للجدل ، يمكن تسميته بـ( أدب الحقيقة ).

ما تكتبه الكسيفيتش ليست صحافة استقصائية ، ولا رواية تسجيلية - كما توهم بعض النقاد العرب الذين لم يسمعوا بأسمها قبل حصولها على جائزة نوبل ، ناهيك عن قراءة مؤلفاتها التي لم يترجم شيء منها الى العربية حتى الآن ، ودبجوا المقالات عنها بعد حصولها على الجائزة - بل رواية أصوات لشخصيات حقيقية. وهي لا تسرد الحقائق العارية والوقائع المجردة ، بل تكتب عن الأحاسيس البشرية بأسلوب أخاذ، ومهارتها الأدبية تحميها من الأنزلاق الى التقريرية والمباشرة.

أبطالها أناس من لحم ودم ، أحياء نحس بهم ونسمع رواياتهم المأساوية ، ونتعاطف معهم ونتألم من أجلهم. وليسوا من نسج الخيال. وتتجلى قدرة الكاتبة في التعاطف العميق مع أبطالها الحقيقيين وليس المتخيلين . فهي كما قالت أكثر من مرة ، لا تكتب عن الأحداث بأسلوب جاف  بل تعبّرعن معاناة الأنسان في اللحظات والمواقف المصيرية .

 

الكسيفيتش قادرة على الأمساك بعصب المشكلة ( النساء في الحرب ، التدخل الروسي في أفغانستان ،  كارثة تشرنوبل ، انتشار ظاهرة الأنتحار بين الشباب إثر انهيار الأمبراطورية السوفيتية ، ماكنة الدولة وبيروقراطيتها المهينة لكرامة الأنسان ) والتقييم الأخلاقي للأحداث.

  تقول الكسيفيتش في مقابلة مع مجلة ( أوغنيوك الروسية ) :" ان رأسمالنا الرئيسي هو المعاناة . هذا هو الشيء الوحيد الذي نستخرجه فعلاً وبأستمرار حتى يومنا هذا ، وليس النفط أو الغاز .وأظن إن هذا تحديداً هو الذي يجذب القاريء الغربي في رواياتي ويغريه ويصده في الوقت نفسه . هذه هي الشجاعة الفردية الحقيقية ، أن تعيش رغم كل شيء."

رواياتها كانت مزعجة للنظام السوفييتي ، كما هي اليوم مزعجة لنظام بوتين . فهي تكتب شهادات فردية مؤلمة ، مثل تلك التي تعود لعام 1937 عن أمرأة تعيش مع طفلتها الصغيرة ، وتلقي السلطة القبض عليها دون أن تكون قد ارتكبت ذنباً ، وتطلب عند اعتقالها من صديقتها -  التي لم تنجب أطفالا وتعيش وحيدة -  رعاية ابنتها الصغيرة . . الطفلة ترعرت وشبت  في بيت الصديقة،وعندما تم اطلاق سراح الأم، بعد 17 عاما من السجن وعادت الى مدينتها طلبت من السلطات السماح لها بالأطلاع على ملفها الشخصي. وكم كانت صدمتها عظيمة عندما تبين لها ان صديقتها – التي كانت تحلم بالأستحواذ على الطفلة-، هي التي وشت بها الى جهاز الأمن . ولم تتحمل الأم  الصدمة وشنقت نفسها

.

مثل هذه القصص بالمئات في كتب الكسيفيتش. إنها الأبر التي تغرز في النقاط الأكثر ايلاماً في الجسد الروسي . نقاط من المحظور الحديث عنها أو التطرق اليها . ثمة عقدة نفسية في الوعي الجمعي الروسي العاجز عن التعامل مع الصدمات ، والرافض للحديث عن المعاناة بأشكالها المختلفة كالإصابة بمرض السرطان ، أوالأعاقة أوالعجز، أوالتشوهات الخلقية ، ويعدها من المحرمات ، كأنما ثمة مخاوف من إنتقال عدواها الى الآخرين .

 

الجيل الجديد في روسيا ، لا يعرف الشيء الكثير عن حملات القمع والأضطهاد الستالينية ، الا بالسماع من الآباء والأجداد ، والمجتمع الروسي جبل على الصمت . في العهد الستاليني من الخوف ، ثم تحول هذا الى عادة متأصلة . لم يتحدث الروس عن الأهوال المرعبة ، ربما لكي ينسوها بسرعة . وحتى اليوم يبدو أن الوعي الجمعي الروسي لم يستوعب حتى الآن كل ابعاد تلك المحن القاسية ، وكلما اثير هذا الموضوع في الأعلام البوتيني الحالي نجد ان ثمة من يبرر الحملات الستالينية ، أو يشكك في مصداقية من يتحدث عنها أو يبدر الى ذهنه أن المنشقين بالغوا في رواية أحداثها . ولا ينم هذا التبرير أو التشكيك الا عن العمي الأخلاقي .

الروس بحاجة الى معرفة الحقائق المرة عن تأريخهم القريب ، وهي معروفة ومشخصة ، ولكن لا أحد يريد معرفة الحقائق التي تكتب عنها الكسيفيتش ، فهم يريدون استعراضات النصر ، ذلك لأنه من الصعب إقناعهم بأنهم يعيشون في زمن رديء . فهم يريدن أن يكون كل شيء جميلاً ، ومكللاً بالنصر .

 

معظم الكتاب السوفييت المشهورون كتبوا فقط ما كان يتماهى مع ما تريده السلطة : البطولة الجماعية ، وانتصارات الجيش الأحمر ، تلك الأنتصارات تحققت بعد التضحية بخمسين مليون انسان بين قتيل ومعاق وأسير ومفقود ، ومنعت السلطة نشر نتاجات الكتّاب ، الذين حاولوا الكشف عن الوجه الآخر المرعب للحرب وعن المآسي التي تحملها الشعب السوفييتي، وزجت ببعضهم في المعتقلات أوأجبرتهم على الأقامة في المصحات النفسية ، بدعوى الأختلال العقلي أوالأنحراف النفسي.

الكاتب الروسي فارلام شالاموف – الذي قضى أفضل سنوات عمره في المعتقلات الرهيبة – هو الأستثناء  الوحيد بين الكتاب الروس ، فقد كتب عن بشاعة المعتقلات وكيف أنها تشوه آدمية الأنسان :  الجلاد والضحية معاً ، على خلاف سولجنيتسن ، الذي كان يعتبر الأعتقال الطويل الأمد والعمل الأجباري في المعسكرات تطهيرأ للأنسان . ويقف كتب شالاموف كشاهد وحيد مرعب ، يخافون من لمسه. كما يخشون التطرق الى حصار لينينغراد خلال الحرب العالمية الثانية . حدث ذات مرة ان طرحت احدى الفضائيات الروسية سؤالا على مشاهديها عن جدوى الحفاظ على مدينة لينيغراد خلال الحرب الماضية بثمن جد باهظ ، وهو موت مليون ونصف المليون انسان نتيجة القصف الوحشي لطائرات هتلر الحربية للمدنيين العزل ، ومن الجوع والبرد والمرض خلال فترة الحصار . كان ذلك مجرد سؤال ولكن جوبه بردود فعل غاضبة  من وسائل الأعلام الأخرى وقطاع كبير من الرأي العام الروسي  .

الكسيفيتش تكتب الحقيقة التي تتقاطع مع التأريخ الروسي المدون ،  الذي يعاد كتابته من جديد ، المرة تلو المرة ، ليتلائم مع توجهات الزعيم الجديد الذي يتولى السلطة .ويكفي أن نقول ان المقرر الدراسي في التأريخ الروسي للمدارس والمعاهد والجامعات قد أعيد كتابته خمس مرات خلال العقود الثلاثة الأخيرة .

 

إن أي محاولة للكشف عن الخسائر البشرية الهائلة ،التي دفعها الشعب الروسي من دمائه ثمناً للنصر، خاضعة لرقابة داخلية ذاتية ، قبل الرقابة الرسمية . قد يتطرق،بعض وسائل الأعلام أحياناً الى هذا الموضوع الشائك ، ولكنه سرعان ما يختفي في قاع النسيان .

المجتمع الروسي لم يستوعب بعد ، ولم يستخلص العبر والدروس من تجارب الحروب الروسية في القرن العشرين ، من بوادابست وبراغ الى أفغانستان والشيشان . ولم يحاول أحد من الباحثين والمؤرخين الروس – حسب متابعتنا – التطرق بصراحة الى هذه الموضوعات.وهو أمر يتكرر اليوم مع الخسائر البشرية الروسية في أوكرانيا ، التي لا تهم أحداً .

ولكي تتضح الصورة أكثر ، نشير الى الأستيعاب الأميركي المؤلم لحرب فيتنام ، التي صدرت عنها عدد كبيرمن الكتب، والتقارير، والأفلام.

المواطن الروسي المخدر بالبروباغاندا الرسمية،  يشاهد على شاشات التلفزة الحكومية أو الموالية للحكومة –حيث لا توجد اليوم أي قناة تلفزيونية روسية معارضة – مقاطع الأفلام المعدة من قبل الأعلام الحربي عن بطولات المحاربين الروس في سوريا ، وهذه المقاطع مونتاج بارع صوّر وركّب من لقطات حاذقة على شكل ألعاب الحروب الرائجة هذه الأيام على الأنترنيت.

عندما فضحت الكسيفيتش في كتابها ( فتيان الزنك ) اسطورة بطولة الجنود السوفييت في الحرب الأفغانية، جوبهت بحملة ادانة واسعة وأقام المحاربون القدامى في بيلاروسيا محاكمة سياسية لها بتهمة اهانة المقاتلين .

ان عدم القدرة على استيعاب دروس الماضي والعجز عن ادراك أضرارها البالغة على الشعب الروسي يؤدي الى دوامة لا تنتهي من الخسائر المستمرة .

الكسيفيتش تساءلت في المقابلة ، التي اشرنا اليها فيما تقدم : " ما معنى المعاناة التي تحملناها ؟ وماذا تعلمنا منها ، اذا كانت تتكرر بأستمرار ؟ أنني أسأل نفسي عن هذا دائماً . بالنسبة الى الكثيرين ، المعاناة – قيمة في حد ذاتها ، وهي عملهم الرئيسي . ولكنها لا تثمر عن الحرية . "

أحد أعمق اسرار روسيا هو ان الضحايا البشرية الهائلة لم تكن مبررة بل كانت دون معنى .

الصبراللامحدود يعد فضيلة على مستوى الدولة . وستالين نفسه - عندما أقيمت في الكرملين يوم 24-5-1945 احتفال لمناسبة الأنتصار على الفاشية الألمانية - شرب نخب " صبر وتضحيات الشعب الروسي ". ان تقاليد العبودية القديمة وتقديس عنف الدولة وهيبتها متأصلة وراسخة في روسيا .

الكسيفيتش تقوّض الأتفاق الضمني الصامت بين المجتمع والدولة عن المعاناة الشعبية وتنتهك المحرمات في آداب الكلام . (نوبل) الكسيفيتش ضروري لروسيا كالهواء ومحاولة لتأهيل الناس ليتحدثوا عن معاناتهم ومعاناة الآخرين .

 

 

أربعة كتب جديدة

للدكتورة شكرية رسول

جــودت هوشـيار

 

صدرت مؤخراً في أربيل وفي يوم واحد أربعة كتب جديدة للأستاذة الدكتورة شكرية رسول ، وعلى نفقتها الخاصة ، وربما كان السبب في إصدار هذه الكتب دفعة واحدة ، هو أختصار ما يلاقيه المؤلف الكردستاني من متاعب في متابعة اعداد نتاجاته للنشر ، ومن ثم  بذل جهود كبيرة في توزيع ثمار عمله المضني وعصارة فكره ، حيث لا توجد في العاصمة أربيل ، دار توزيع للكتب سواء كانت حكومية أو تابعة للقطاع الخاص ، مما يشكل عقبة حقيقية ومأزقاً  للمؤلفين ، الذين يضطرون للبحث عن منافذ لتوزيع نتاجاتهم . ونادراً ما بسترجع المؤلف ولو جزءاً يسيراً مما أنفقه على طبع أعماله ، في حين نرى دور النشر والتوزيع في الدول الأخرى ، تسعى للتعاقد مع المؤلفين وتدفع لهم أتعابهم مقدماً مع جزء من الأرباح المتحققة بعد البيع ، وهي أرباح تتصاعد مع أصدار طبعات جديدة للكتاب . لذا فأن ما أقدمت عليه الدكتورة شكرية رسول من تضحية مادية والأهم من ذلك ، هذا النشاط الأبداعي جدير بالأعجاب حقاً ، في زمن يشهد تدني مستويات القراءة ، ويلوذ فيه الناس بالوسائط المتعددة ، هرباً من متاعب الحياة ، ليس في الأقليم وحده ، بل في الدول ( النامية ) عموماً .

الكتب الأربعة تضم أنماطاً أدبية وفكرية عديدة ( قصائد شعرية ، وقصص ، وبحوث مترجمة ، ومقالات وخواطر ) . وهذا إن دل على شيء ، فإنما يدل على سعة أفق وتنوع إهتمامات المؤلفة . ولكن ثمة خيط يربط هذه الأنماط جميعً وهو الأبداع بصوره المختلفة .

الكتاب الأول الموسوم " مجموعة قصص أجنبية " يضم 23 قصة وحكاية قصيرة، أغلبها مترجمة من اللغة الروسية في أوقات مختلفة. بينها قصص وحكايات لثلاثة من عمالقة الأدب الكلاسيكي الروسي والعالمي ( ليف تولستوي ، ايفان تورغينيف ، أنطون تشيخوف ) . وبعضها موجه للأطفال والشبيبة ليس للتسلية وتطوير ذائقتهم الأدبية فحسب ، بل استخلاص الدروس والعبر وتأمل معنى الحياة

إن الترجمة الأدبية من اللغة الروسية الى أي لغة شرقية ، عملية شاقة وشائكة – أقصد الترجمة المكافئة للنص الأصلي - ، وذلك بسبب الثراء الباذخ للغة الروسية ، ووجود كلمات لا يمكن ترجمتها بدقة لعدم وجود كلمات متطابقة المعني في اللغتين المنقول منها والمنقول اليها ، وإن كانت قريبة المعنى ، وذلك لوجود فوارق دقيقة جداً فيما بينها ، وخاصة الكلمات التي تدل على مفاهيم معنوية وروحية . وثمة تعابير وأقوال سائرة لا يمكن ترجمتها ولا نظير لها في أية لغة أخرى .

سألتُ د. شكرية ، كيف تترجمين ؟ ، أجابت بأنها تستوعب روح النص أوّلاً ، وفكرتها الأساسبة قبل الشروع بالترجمة ، وهذا هو أهم شيء في الترجمة عموماً ومن اللغة الروسية خصوصا ً ، وأضيف على ذلك ربما شرطاً آخر هو الأحساس بأيقاع النص ، والحفاظ عليه في العمل المترجم من البداية وحتى النهاية .وقد جاءت الترجمة معبرة عن روح النص وايقاعه ، ولغة في منتهى الفصاحة والجمال .

أما الكتاب الثاني  ( خفقات فلب ) فهو ديوان شعر يضم 25 قصيدة كتبت بين عامي ( 1971- 1992 ) .وفي المقدمة القصيرة التي كتبتها المؤلفة تقول : " هذا الذي تقرأه أيها القاريء ، كله أسرار وتطلعات أمرأة كوردية كتبتها من أعماق القلب ".

 قصائدها متنوعة المضامين (غربة الروح ، والغربة عن كردستان ، مأساة الهجرة المليونية في ربيع عام 1991 ، التغني ببطولات البيشمركة ) ، والحب ( بتنويعاته واشكاله المختلفة وفي مقدمتها حب الوطن وليس المعنى الدارج للكلمة حصراً) .

مسحة حزينة وحميمة تغلب على معظم قصائد الديوان . وهي تقول بأنها لا تعتبرنفسها شاعرة ، ولكن كل الكتّاب والأدباء جربوا في مقتبل الشباب كتابة الشعر،للتعبير سواء عن معاناتهم وأحزانهم أو سعادتهم وأفراحهم ، قبل أن ينصرفوا الى كتابة الرواية أو القصة القصيرة أو النقد الأدبي . وهي تكشف لنا سر لجوئها الى عالم الشعر للتعبير عما يختلج في نفسها أحيناً من مشاعر وأحاسيس جياشة ، وهي أن الشعر قد يكون أنسب أداة للتعبير عنها . وهي تتساءل الى أي نمط شعري تنتمي قصائدها ، هل هي شعر منثور أم شعر حر ؟

نحن نعرف من تأريخ الأدب أن الشعر قد ظهر قبل الفنون الأدبية الأخرى ، وكالسابق يتقدم على تلك الألوان الأدبية التي ظهرت بعده ويتطور بخطوات أسرع . الشعر وسع حدوده وامكاناته ، عندما حطّم تلك الجدران التي كانت قد بنيت حوله في الماضي . كيف يمكن دفع هذا الفن الذي لا تتسع له أية حدود ، الى داخل إطار التعريف الكلاسيكي ، فالشعر ليس كلاما منظوماً أو موزونا ومقفى ، لأن الشكل لا يجعل  من أي كلام منظوم شعراً . الشعر هو التعبير بالصور ، بغض النظر عن الشكل الذي يتخذه هذا التعبير ، والتجارب الشعرية الحديثة تثبت صحة ما نقول . قصائد الشاعرة شكرية رسول هي شعر حقيقي ، وليس المهم أن نلصق بها صفة معينة ، وان كانت أقرب الى قصيدة النثر .

الكتاب الثالث يحمل عنوان ( خريف القلب ) ،  يتضمن مجموعة متنوعة من المقالات والخواطر والأنطباعات  التي كتبتها المؤلفة في فترات مختلفة من حياتها ، وأعتقد أن قسما منها منشورفي الصحف والمجلات وبعضها مثل الكلمة ، التي ألقتها في أربيل عام 2006 في احدى الورش  workshop)) وهي تحت عنوان "ما أنا ومن  أنا " ؟ ترجمت الى اللغة الأنجليزية. والتي تتحدث فيها الكاتبة بلغة شاعرية عن قضايا المرأة وعذاباتها ومتاعبها ونضالها في المجتمعات الشرقية المغلقة ، المكبلة بالأعراف والتقاليد والعادات ، التي لا تنسجم مع ما ما بلغته المرأة من مكانة في المجتمعات المتطورة ، كما أنها تشيد بنضال المرأة الكوردية التي أقتحمت مجالات الحياة المختلفة في أقليم كردستان ، لذي يسعى للحاق بركب الحضارة البشرية المعاصرة . وليست هذه الكلمة وحدها بل أن معظم مواد الكتاب تتناول قضايا المرأة من خلال تجاربها الشخصية ومشاعرها واحساساتها المرهفة كأمرأة معتزة بشخصيتها ، ذات ملاحظة دقيقة لمظاهر الحياة وسلوك البشر وعلاقاتهم الأجتماعية في مجتمعنا الكردستاني .

وضمن المجموعة كلمة أو بتعبير أدق نداء وجهته المؤلفة في عام 1992 الى السيدة الراحلة دانيال ميتران " أم الكورد " تحت عنوان " من أطفال كوردستان الى السيدة ميتران " تشكرها على دعمها المتواصل للقضية الكردية في المحافل الدولية وتدعوها لبذل المزيد من أجل انقاذ الأطفال الكورد ودعم الشعب الكوردي وصولاً الى تحقيق أهدافه في الحرية والحياة الكريمة  والأستقلال . وفي مواضع كثيرة في الكتاب ثمة اشارات الى دور الحب في الحياة ، وتقول أن الحب بمعناه السامي والشامل هو بداية الحياة ونهايتها ومصدر للسعادة ونهر للأحزان في الوقت ذاته .

ولا أريد الأسترسال في الأشارة الى مقالاتها وخواطرها المكرسة لقضايا المجتمع الكوردستاني ، والمصاعب التي لاقتها من أجل حقها المشروع في الحصول على مرتبة " الأستاذية " في الجامعة . وهنا لا بد لي أن أقول ان التنافس والحسد موجودان لدى البعض في كل مهنة ، وهذا أمر طبيعي في كل مكان وزمان ، ولكن المؤلفة كأمرأة حساسة عانت معاناة رهيبة وصارعت وناضلت من اجل انتزاع حقها أسوة بالأساتذة الرجال الآخرين الذين نالوا مرتبة الأستاذية ومعظمهم ليس بأكثر منها عطاءاً وإنتاجاً ويشهد بذلك (32) كتاباً مطبوعاً لها قبل نيلها لقب البروفيسورة.

ولعل من أهم المقالات التي يتضمنها الكتاب مقال بعنوان " تطوير اللغة والثقافة الكردية من مهام برلمان وحكومة كوردستان " حيث تشيد المؤلفة بدور المثقفين الكورد في الحركة التحررية الكوردية وفي استنهاض الجماهير وخدمة المجتمع وتطوير الثقافة الكوردية ، وتشدّد على ضرورة العناية بهم وباللغة الكردية وضرورة الحفاظ على نقاوتها  من كل تشويه وتحريف . كتب هذا المقال في عام 1994 ، ولم تكن الأكاديمية الكوردية قد ظهرت للوجود بعد . صحيح أن قرارات البرلمان والحكومة مهمة في هذا المجال ، ولكنني أعتقد أن هذه هي المهمة الأولى والأساسية للأكاديمية الكوردية في المقام الأول .

إن وضع الأسس للغة كوردية موحدة ، لتكون لغة الآداب والعلوم والآداب ، مهمة علمية مباركة وإن كانت شاقة . ورغم أن الأقليم شهد عقد مؤتمرات وندوات عديدة مكرسة لهذا الموضوع،  الّا أن ذلك لم يؤد الى نتائج ملموسة على أرض الواقع . لذا فأن نداء د. شكرية رسول في محلها رغم مضي أكثر من عشرين سنة على صدوره، لأن المعضلة ما تزال قائمة ولم تحل حتى يومنا هذا . ولعل هذا النداء القديم – الجديد ، يكون حافزاً لبذل المزيد من الجهد العلمي في هذا المجال .

وتختم المؤلفة كتابها ببحث قصير شيق عن الشعر ومسيرة تقدمه ، تشير فيها الى أن الشعر من أقدم الأجناس الأدبية في كل آداب العالم وبضمنها الأدب الكوردي وأن للشعراء الدور الأهم في تطوره،  وتشير إلى دور الشاعر الخالد بيره ميرد في تقدم الشعر الكوردي واللغة الكردية ، وتورد المؤلفة طائفة من الكلمات والمصطلحات التي أدخلها الشاعر الى اللغة الكوردية منها ( به روه رده – التربية ، سه ره تا – البداية ، كريكار- عامل ، كه مته رخه م – مهمل (مقصر) ، وه ركيران – ترجمة ، سووته مه ني – وقود ، ئاكار – أخلاق ) وغيرها كثير .

أما الكتاب الرابع فهو ترجمة لكتابنا " ذخائر التراث الكوردي في خزائن بطرسبورغ " الى اللغة الكوردية. كتابنا صدر باللغة العربية في أربيل عام 2011 ونفد خلال فترة وجيزة ، وتؤكد د. شكرية رسول  الى ان اهمية هذه المخطوطات -  كما جاء في المقدمة - تكمن في أنها تعد حداً فاصلا في تأريخ  الأدب الكوردي وتأريخ الكوردولوجيا ، حيث أثبتت هذه المخطوطات الثمينة أن للكورد أدباً كلاسيكياً رائعا ، في حين كان الأعتقاد السائد بين المستشرقين قبل ذلك ، أن الأدب الكوردي يقتصر على التراث الشعبي بشتى ألوانه وصوره ،  ولم يكن أحد من المستشرقين يتوقع أن يكورد للكورد هذا الأدب الكلاسيكي الباذخ والقيم فكراً وفناً .، إضافة الى الآثار الأخرى في العلوم الأنسانية .

 يضم الكتاب ( 84 ) مخطوطة نفيسة محفوظة في مكتبات مدينة بطرس بورغ الروسية وتحليل مضامينها ، ومقارنتها بما هو موجود من مخطوطات كوردية في كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وكوردستان نفسها . كتابنا كانت نداءاً ، بل صرخة للأهتمام  بهذه المخطوطات وارسال فريق علمي الى روسيا لتصويرها في الأقل تمهيداً لدراستها وسد الثغرات في مسيرة العلم والثقافة الكوردية ، بيد أن نداءنا ذهب أدراج الرياح .

لقد يأسنا من التفاتة الجهات المسؤولة عن العلم والثقافة في أقليم كردستان الناهض ، ( وزارة الثقافة ، والأكاديمية الكوردية  وإتحاد الأدباء الكورد "  وغيرها، الى هذه الدرر ، التي تشكل خير ما في التراث الكوردي من آثار أدبية ولغوية وتأريخية وأثنوغرافية وإجتماعية وفولكلورية . وقد جاءت الترجمة الكوردية للكتاب ، بلغة كوردية رائقة وجميلة ، وسلسة في آن واحد . كما كتبت البروفيسورة الدكتورة شكرية رسول مقدمة قيمة للترجمة الكوردية ، وأرى من واجبي أن أشكرها على الجهد الكبير الذي بذلته سواء في الترجمة أو في إخراج الكتاب بحلة قشيبة . وأن اوجه اليها التحية من هذا المنبر الرصين .

 

 

يونيد أندرييف : قصة لا تنتهي

 

جــودت هوشيار

 

نبذة عن المؤلف :

يحتل ليونيد اندرييف (1871-1919) مكانة مرموقة في تاريخ الادب الروسي, ويعد من ابرز الكتاب الطليعيين  الروس في العقدين الاول والثاني من القرن العشرين، ومؤسس التعبيرية الروسية . وقد ذاعت شهرته بعد ان نشر عام 1901 قصة تحت عنوان  "ذات مرة" في مجلة " الحياة "  الروسية"

كتب اندرييف الى جانب القصة القصيرة عدة مسرحيات رائدة تتميز بقدر عال من الجدة والاصالة معا. وقد ترجمت اعماله خلال حياته وبعدها الى اهم اللغات الاوربية وتحظى بأهتمام النقاد والقراء كروائع ادبية لا تبلى جدتها ، ويمتاز معظم نتاجات أندرييف القصصية والمسرحية بالتشاؤم والقنوط. ويعالج عدد من أعماله موضوعات الوحدة والمعاناة الإنسانية. وتستكشف قصته القصيرة الأكثر شهرة " الضحكة الحمراء" (1904م) رعب وهول الحرب. أما روايته " القصيرة السبعة الذين شنقوا " (1908م) فتستقصي مشاعر خمسة ثوريين واثنين من القتلة، بينما ينتظرون إعدامهم. أما مسرحيتاه الأكثر شعبية فهما " حياة الإنسان  " (1906م)، و" الذي يتعرض للصفع "  (1915م،

تمّ تحويل العديد من قصصه الى أفلام سينمائية في روسيا وفي أميركا( هوليود ) كما أن مسرحياته تعرض حتى يومنا هذا في روسيا وبعض البلدان الأوروبية .. وحسب متابعتنا لم يترجم شيء من أعماله الى اللغة العربية ، وقد اخترنا احدى اهم قصصه القصيرة لتكون باكورة التعرف على ابداع هذا الكاتب الفذ . وكم من الأفذاذ الآخرين ينتظرون دورهم في الوصول الى القاريء العربي ، ولو بعد زمن طويل. فروائع الأدب العالمي جديد دوماً ..

2 - قصة لا تنتهي :

حين ايقظتني زوجتي , كنت قد غفوت بعد عذاب يوم طويل ومجهول ، فلاحت لي الشمعة التي كانت ترتعش في يدها,ساطعة كالشمس وسطالظلام .ووراء الشمعة كان ذقنها الشاحب يرتجف ويتعمق السواد في عينيها الواسعتين المجهولتين في هدوء وسكون . قالت : هل تدري....هل تدري؟ انهم يقيمون المتاريس في شارعنا

كان الهدوء من حولنا شاملا ونحن نحدق في عيون بعضنا البعض . عيوننا المجهولة. كنت أحس كيف أن وجهي يشحب. ذهبت الحياة الى مكان ما ثم رجعت مع ضربات القلب المتسارعة. كان الجو هادئا والشمعة تهتز.. الشمعة الصغيرة التي ذكرتني بسيف معقوف . سالتها : هل أنت خائفة ؟

ارتعش الذقن الشاحب ولكن عينيها ظلتا ساكنتين تتطلعان اليّ دون ان تطرفا , ورايت الان فقط كم كانت هاتان العينان مجهولتين ورهيبتين . منذ عشر سنوات وأنا أنظر اليهما وكنت أعرفهما أفضل مما أعرف عيني , غير أني أكتشفت فيهما الان شيئا لا أجد له أسما , كنت سأسميه الكبرياء. ولكن كان ثمة شيء آخر جديد تماما.

أخذت يدها بين يدي. كانت باردة ,فأخذت تضغط على يدي بقوة على نحو لم أعهده منها قط , وكان في هذا الضغط أيضاً شيء جديد تماما . سألتها : هل مضى عليهم وقت طويل هنا .

             – ساعة واحدة . تسلل أخي في هدوء , ربما خشي ان لا تسمح له بالذهاب .  

نهضت ودون سبب ما اغتسلت طويلا ، مثلما كنت أفعل في صبيحة كل يوم في العادة ، حينما كنت اتوجه الى عملي ,فتقف على مقربة مني والشمعة في يدها لتضيء لي المكان .ثم أطفأنا الشمعة واقتربنا من النافذة المطلة على الشارع . كان ذلك في شهر ايار ، في أوج الربيع , فأندفع عبر النافذة المفتوحة هواء لم يكن له من قبل وجود في المدينة الكبيرة القديمة . .

كانت المعامل والمصانع والقطارات متوقفة عن العمل منذ أيام , والهواء الخالي من الدخان مشبعا برائحة الحقول والبساتين اليانعة وربما الندى , لست أدري من أين تهب هذه الرائحة الشذية في الليل الربيعي ، عندما تتوغل بعيدا ..بعيدا في ضواحي المدينة ، وليس ثمة فنار أوعربة أو أي صوت من اصوات المدن فوق السطح الحجري اللامتناهي . اذا أغمضت عينيك ، خيل اليك انك في أحدى القرى . ثمة كلب ينبح. لم أسمع في حياتي قط نباح كلب في المدينة . ضحكت من فرط سعادتي ...

– هل تسمعين ؟ ثمة كلب ينبح ؟

عانقتني وهي تقول : انهم هناك في ناصية الشارع !

أطللنا من النافذة ورأينا حركة ما , لم نر أحداً،  بل حركة مراوغة كالظل. وعلى حين غرة سمعنا ضربات شيء ما : فأس أو مطرقة ، ضربات رنانة ،مرحة- كالتي تسمع في النهر أو في الغابة حين يصلّح قارب أو يشيد سد .

عانقت زوجتي بقوة وأنا أحس باقتراب موعد عمل مرح منغم ، بينما كانت هي في هذا الوقت تتطلع من فوق البناياات الى القمر الفتي ,المدبب القرن، المائل نحو الافول . قمر فتي ومضحك , مثل صبية تخشى ان تبوح لأحد بأسرارها وتبدو مشرقة في ضياء احلامها . قلت : ترى متى يستحيل القمر بدراً ؟

– لا داعي...لا داعي .. ينبغي أن لا تتكلم عن الذي سيأتي

– لماذا ؟

لأنه يخشى الكلمات , لنذهب من هنا . -

كانت الغرفة غارقة في الظلام ولم نكن نرى بعضنا البعض ، ولكننا كنا نفكر في الشيء ذاته . وعندما نطقت خيل الي ان الذي فعل ذلك هو شخص أخر . لم أكن مرتعبا ولكن صوت ذلك الانسان كان مبحوحا , كما لو كان يختنق من العطش

– ما العمل اذن ؟ ... والأطفال !

- سوف تظلين معهم , يكفيهم وجودك معهم , أما أنا فلا أستطيع البقاء

- وهل أنا قادرة على ذلك؟

اعرف انها لم تتحرك من مكانها , بيد اني احسست بوضوح أنها ذاهبة وبعيدة , ثم اصيح الجو باردا للغاية فمددت يديّ ولكنها أبعدتهما . قالت : للناس عيد كل مائة عام وها أنت تريد أن تحرمني منه ولا أدري لماذا؟

.- ولكن ربما ستقتلين ويفنى أطفالنا

ستكون الحياة رحيمة بهم ، وحتى لو ماتوا فانهم ...  

تلك التي نطقت بهذه الكلمات هي زوجتي , المرأة التي عشت وأياها عشر سنوات .بالامس فقط لم تكن تعرف شيئا سوى أطفالها , وتخشى بكل كيانها وجوانحها أن يصيبهم أي مكروه ..بالامس فقط كانت تتصيد البوادر الرهيبة للمستقبل . ما الذي حدث لها ؟ بالامس ! ولكنني , انا أيضا نسيت ما كان بالامس.

- اتريدين الذهاب معي؟

لاتغضب- كانت تظن أنكلامها سيسوؤني - لا تغضب , اليوم حين شرعوا بالطرق هناك , كنت ما تزال نائماً , فأدركت فجأة ان الزوج والاطفال والاشياء الاخرى بأسرها زائلة ...أنا احبك جدا – وجرت يدي في الظلام وشدت عليها بتلك الطريقة الجديدة المبهمة بالنسبة لي – ولكن الا تسمع , أنهم يطرقون..يطرقون كأن ثمة جدرانا تتهاوى , يالها من رحابة ، يالها من حرية.! الوقت الآن ليل ولكن يخيل اليّ ان الشمس ساطعة . كم بلغت من العمر ؟ ثلاثين عاما، أي أنني عجوز , ولكنني احس أنني مازلت فتاة في السابعة عشرة, تعرف الحب لأول مرة, وتحب رجلا ما حبا هائلا لا حدود له . :

قلت - يالها من ليلة .كأن المدينة أختفت . حقا لقد نسيت كم أبلغ من العمر.

- انهم ما يزالون هناك يواصلون الطرق ,وهذا شيء كالموسيقى ، كاللحن الذي حلمت به طوال عمري .لم أكن أدري من هو هذا الشخص الذي أحبه ، هذا الحب اللامتناهي الذي يود الانسان معه أن يبكي ويضحك ويغني – حب رحب وهائل , لاتحرمني من السعادة . دعني أموت مع الذين يعملون هناك، ويدعون ببسالة الى المستقبل ، ويبعثون الحياة في الجثث الهامدة.

- ليس ثمة وقت

- أتظن ذلك

أجل ، ولكن من أنت ، لم أعرفك من قبل قط . أأنت إنسان ؟

ضحكت ضحكة رنانة وكأنها في السابعة عشرة .

- وأنا أيضاً لم أكن أعرف هذا . ولكن قل لي أانت إنسان ؟

الأنسان ، يا له من كائن غريب وجميل . هذا الذي أرويه الآن حدث منذ زمن بعيد . ولن صدقني ، أولئك الذين يلوكون حياتهم الباهتة ويموتون دون أن يستيقظوا ! في ذلك الوقت لم يكن ثمة وقت . كانت الشمس تشرق وتغيب ، وعقرب الساعة يدور ولكن لم يكن ثمة وقت .وحدثت أشياء عظيمة ورائعة كثيرة آنذاك .لن يصدقني اولئك الذين ينلمون الآن حياتهم الباهتة نوماً ثقيلاً ، ويموتون دون أن يستيقظوا .

- ينبغي أن أذهب.

مهلاً .. سأطعمك . فأنت لم تتناول العشاء بعد ... ها أنت ترى كم أنا حصيفة ! غداً سأرتب مكاناً أميناً للأطفال وسأجدك.

- صحت : يا رفيق

             .– نعم يا رفيق

-           من  خلال النافذة هبّ هواء الحقول ، وأحياناً كانت تسمع ضربات الفأس المرحة . كنت جالساً الى طاولتي ، أتطلع عبر النافذة وأرهف السمع . كان كل شيء جديداً ، غامضاً يثير البهجة في قلب الأنسان . تطلعت الى الجدران فبدت لي شفافة ، وكأنني أحتوي الأزل بنظرة واحدة . رأيت الجدران تتداعى .انا الوحيد الذي كنت وسوف ابقى الى الابد . كل شيء سيزول ,ما عداي. وبدت لي الاشياء من حولي غريبة ومضحكة , ليس لها وجود حقيقي : الطاولة والطعام وكل الاشياء خارج ذاتي .سألتني زوجتي : لم لا تأكل ؟  .

-           .- الخبز ! يا للغرابة

تطلعت الى الخبز الصلب الجاف ،  ولسبب ما أصبح وجهها حزينا . كانت ما تزال تتطلع الى الخبز ، ثم عدلت مريلتها والتفتت قليلا الى ذلك الجانب حيث ينام الاطفال . سألتها : .

 – أتشعرين بالشفقة نحوهم؟ . هزت رأسها دون أن تحوّل نظرها عن الخبز .

- كلا ,ولكني فكرت في الحياة فيما مضى, لكم هي غامضة , وهذا هو كل مافي الامر - دهشت كشخص أستيقظ من نوم طويل وأجالت عينيها في الغرفة- كل شيء غامض . وكنا نعيش هنا. .

- كنت زوجتي

- وهناك أطفالنا

- هنا وراء الجدار توفى والدك

– أجل ، مات ، مات ، مات دون أن يستيقظ

بكت أصغر البنات سناً ،  ارتعبت من شيء ما . لكم بدا هذا الصراخ البرئ الساذج غريبا , هذا الصراخ الذي كان يطلب بأصرار ما يخصه وسط هذه الجدران الشفافة في وقت كانوا فيه هناك في الاسفل يقيمون المتاريس . قالت هامسة : .

- اذهب .

- أود لو قبلتهم

- أخشى أن توقظهم !

- كلا سأكون حذرا.

وتبين أن أكبرهم لم يكن نائما . سمع كل شيء وأدرك كل شيء . كان في التاسعة من العمر ، بيد أنه أدرك كل شيء . رمقني بنظرة عميقة صارمة . سألني بلهجة جادة رمقتني بنظرة عميقة صارمة . وسأتني بلهجة جادة وهو يفكر :

- هل ستأخذ سلاحك ؟

- أجل سأفعل

– - انه تحت المدفأة

كيف عرفت ؟ قبلني .هل ستذكرني؟

قفز من فراشه وهو في ردائه الليلي القصير , ساخناً كله من أثر النوم . وطوق عنقي بيدين دافئتين وناعمتين ورقيقتين . رفعت خصلات شعره ، وقبلته من عنقه الدقيق المتقد. قال : هل سيقتلونك ؟  . .

 – كلا سأعود

ولكن لم يكن يبكي؟ كان يبكي أحيانا حين أخرج من البيت في الاحوال الاعتيادية . هل مسه أيضا ذلك الشيء ؟ من يدري ؟ يالضخامة ما حدث في تلك الايام من أحداث عظيمة .نظرت الى الجدران والخبز والشمعة التي كانت شعلتها ترتعش . وأمسكت بيد زوجتي . الى اللقاء. .

- هذا هو كل ما في الامر

ثم غادرت البيت .كان الظلام يخيم على السلم وتفوح منه رائحة عفنة . حاصرتني الأحجار والعتمة من كل الجهات .تلمست طريقي وشعرت بذلك الجديد اللامرئي البهيج الذي أمضي اليه في سرور عارم لا حد له.

 

 

دموع فرح  تختصر مأساة شعب

جــودت هوشـيار

 

تلقّت الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا الكسيفيج نبأ فوزها بجائزة نوبل في الآداب لعام 2015 ، بينما كانت تقوم بعمل بيتي روتيني ، وهي كي الملابس في شقتها الصغيرة المتواضعة ، كما قالت للصحفيين إثر اعلان فوزها بالجائزة .

سفيتلانا - التي تسكن في عمارة ضخمة متعددة الطوابق ، أشبه بمجمع سكني ، يضم مئات الشقق ويقع بالقرب من وسط العاصمة مينسك -  معروفة  بين سكان المجمع بكياستها ولباقتها وحسن تعاملها مع جيرانها ومع الناس جميعاً . صحيح أنها دائمة السفر والتنقل بين العواصم الأوروبية لمتابعة الأصدارات الجديدة لكتبها المترجمة الى العديد من اللغات الأجنبية ، ولكن سكان المجمع كانوا على علم بعودتها الى مينسك ، وقد احتشدوا عند باب الخروج لتحيتها  فور علمهم بالنبأ السار. نزلت سفيتلانا وما أن فتحت الباب حتى سمعت احدى جاراتها تقول لأخرى  : " هل تعلمين ؟  سفيتلانا حصلت على نوبل مثل بونين ".

فشلت سفيتلانا في ايجاد قاعة ملائمة في المدينة لعقد مؤتمرها الصحفي الأول فور الأعلان عن فوزها بنوبل ، فقد أغلق النظام في وجهها كل المنافذ واضطرت الى عقد مؤتمرها الصحفي الأول بعد اعلان فوزها بالجائزة  في 8 اكتوبر ، في  مقر صحيفة " ناشا نيفا " المعارضة ، التي تشغل بناية صغيرة ، لا تتسع سوى لخمسين شخصا ، ولم تكن سفيتلانا تتوقع ان يحضر المؤتمر اكثر من هذا العدد ، في حين ان عدد الأعلاميين المحليين والأجانب الذين تدفقوا على مكان عقد المؤتمر بلغ أكثر من 200 اعلامي.

سيارة تابعة للسفارة السويدية في مينسك أقلّت سفيتلانا  الى مكان انعقاد المؤتمر الصحفي . كان الناس متجمهرين على جانبي الطريق في صفوف طويلة يحملون العلم الوطني وصور سفتلانا وهم يحيونها ودموع الفرح تنهمر من عيونهم حباً بوطنهم وزهواً بمواطنتهم ، التي جعلت من بيلاروسيا المنسية على كل لسان. ذهلت سفتلانا لهذا المشهد الفريد ، مشهد مواطنيها وهم يبكون من الفرح ، ولم تجد له تفسيراً ، سوى ان الشعب البيلاروسي المقهور الذي يعاني من وطأة حكم استبدادي ، ينتهز أي فرصة للتنفيس عن عواطفه المكبوته . ربما كان الترحيب الجماهيري الحار بسفيتلانا ، المعارضة العنيدة لنظام لوكاشينكو تعبيراً عن كراهيتهم وازدرائهم للدكتاتور .

عانت الشعوب التي كانت رازخة تحت الحكم السوفييتي أهوال ومصائب كثيرة . فقد  قتل حوالي عشرون مليونا من سكان البلاد واصيب أكثر من ضعف هذا العدد . بإعاقات دائمة ، خلال الحرب العالمية الثانية . ولا يعرف على وجه الدقة ، عدد الذين قضوا نحبهم في حرب النظام ضد الشعب ، أولئك الذين اعدموا رمياً بالرصاص أو امضوا سنواب طويلة في معتقلات ومنافي سيبيريا الرهيبة ، أو الذين هاجروا الى الخارج ، حيث لم تنشر أية أرقام رسمية عنهم لحد الآن ، رغم مرور حوالي ربع قرن على تفكك الأمبراطورية السوفيتية ، لأن السلطة تعتبرها من أسرار الدولة . صحيح ان جميع شعوب الأمبراطورية المنهارة عانت من ويلات الحروب والقمع والأستبداد  ولكن المصائب التي كابدتها بيلاروسيا الصغيرة المسالمة أفظع وأكثر ايلاماً . فبعد عقد ميثاق مولوتوف ريبنتروب ، في اغسطس 1939 ، احتلت القوات الألمانية والسوفيتية بولونيا في أوائل أيلول من العام ذاته وتم تقسيمها بين العملاقين . وجري اثر ذلك اعادة بيلاروسيا الغربية – التي كانت ملحقة ببولونيا في ذلك الوقت – الى بيلاروسيا . رحب الشعب البيلاروسي بعملية توحيد البلاد ، ولكن لم تمض سوى أيام قليلة حتى قامت السلطة السوفيتية بترحيل ما لا يقل عن 200 ألف من سكان بيلاروسيا الغربية الى مناطق نائية وإبادة حوالي 30 ألف من سكانها . وعندما هاجمت ألمانيا الهتلرية في 22 حزيران 1941، الأتحاد السوفييتي ،  تلقت بيلاروسيا الضربة الأولى وجرى احتلالها بشكل كامل من قبل جحافل الفاشست خلال الأشهر الأولى من الحرب .. وقاوم الشعب البيلاروسي الغزاة بضراوة ، ويكفي أن نقول أن ثلث سكان بيلاروسيا – ومعظمهم  من الرجال - قد قتلوا خلال الحرب العالمية الثانية ، سواء في جبهات الحرب أو خلال عمليات المقاومة البطولية . وتتذكر سفتلانا طفولتها البائسة في احدى البلدات البيلاروسية ، التي قتل جميع رجالها في الحرب ولم يبقى من سكانها سوى النساء والأطفال .

. وعندما انهارت الأمبراطورية السوفيتية تحررت الجمهوريات التي كانت ملحقة بها قسراً من ربقة موسكو ، ولكن ذلك كان تحررا ظاهريا لأن النظم الدكتاتورية ما زالت قائمة في العديد من تلك الجمهوريات وبضمنها بيلاروسيا التي يحكمها لوكاشينكو بيد من حديد منذ عام 1994 ، وقد أعيد (أنتخابه) قبل أيام للمرة الخامسة .

لوكاشينكو يعاني من عزلة دولية وحصار اقتصادي غربي خانق ويحاول هذه الأيام مغازلة الغرب ، وفعلا قام بمناورة بارعة ، بالأستجاب لطلب الأتحاد الأوروبي واطلاق سراح عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين بعد ( فوزه ) بالأنتخابات الأخيرة .  وهي مكرمة يذكرنا بمكرمات صدام . وبالمقابل ألغي الأتحاد الأوروبي القسم الأكبر من العقوبات التي كانت مفروضة على بيلاروسيا ، ومنها حظرسفر عدد كبير من أعمدة النظام الى الخارج ، ولكن رفع الحظر لم يشمل لوكاشينكو شخصياً .

بعد فوز سفيتلانا بجائزة نوبل وجد دكتاتور بيلاروسيا نفسه في ورطة حقيقية . الكاتبة الجريئة تحارب نظام لوكاشينكو بقلمها الجبار منذ سنوات عديدة وقد اضطرت الى مغادرة بيلاروسيا في عام 2000 ولم ترجع اليها ، الا في عام 2011 ، في فترة شهدت محاولات لوكاشينكو للتقرب من الغرب والقيام ببعض الأصلاحات الشكلية ومنها تخفيف القيود على المعارضين . قيل لسفيتلانا : لماذا عدت الى بيلاروسيا؟  أجابت : " اريد أن أكون مع شعبي في محنته. " ومنذ عودتها تجاهلها النظام تماماً ، كأنها غير موجودة .فهي ممنوعة من النشر في بلادها رغم أن نتاجاتها الرائعة فكراً وفناً تلقى رواجا منقطع النظير في بقية انحاء العالم . ورغم أنها كانت مرشحة قوية لنيل نوبل طوال السنوات الماضية ، الا أن فوزها أخيرأ وجه ضربة موجعة للوكاشينكو ،  الذي ظل حائراً لعدة ساعات .هل يهنئها بالفوز أم يتجاهلها كالعادة ؟، ولكن بعد أن انهالت مئات البرقيات والرسائل والمكالمات الهاتفية من أنحاء العالم على سفيتلانا  ، بينها برقيات عدد من رؤساء الدول ، أولهم الرئيس الألماني ، وبرقيات أشهر ادباء العصر ، ورسائل قرائها في شتى أنحاء العالم . وبعد ست ساعات على اعلان فوزها بالجائزة ، وجه لوكاشينكو برقية خجولة الى خصمه اللدود صاحبة نوبل يقول فيها : " ارجو ان تكون هذه الجائزة في مصلحة بيلاروسيا " .ولا شك انه يقصد بذلك مصلحة النظام .

سفتلانا سخرت من هذه التهنئة الباردة لأنها أتت بعد برقيات زعماء عدد من الدول الأوروبية ، وفي الوقت ذاته قالت أن لوكاشينكو استطاع التغلب على العائق النفسي وهنأها بالفوز رغم أنها ومنذ سنوات عديدة تعد من ألد خصوم النظام .

سفيتلانا حاصلة على أكثر من عشرين جائزة أدبية عالمية ، بينها جوائز المانية وفرنسية وأميركية  اضافة الى جائزة الدولة التقديرية التي منحت لها في فترة البريسترويكا ( 1987 )  ، عن روايتها ، متعددة الأصوات " للحرب وجه غير أنثوي"التي صدرت في موسكو عام 1985 - بدعم من ميخائيل غورباتشيف - بمليوني نسخة نفدت خلال فترة قصيرة .

سأل صحفي بيلاروسي سفيتلانا : " كيف ستتصرفين  بمبلغ جائزة نوبل ؟ .

 أجابت: " لقد اعتدت ان انفق مبلغ اية جائزة احصل عليها لأشتري بها حريتي ، وجائزة نوبل هي حماية لي من نظام لوكاشينكو " .

 

 

رائعة بونين :

الفجر طوال الليل

 

جــودت هوشيار

 

قصة " الفجر طوال الليل " رائعة أخرى من روائع أيفان بونين ترجمناها من الأصل الروسي ولم يسبق نشرها باللغة العربية . قصة تعد نموذجاً لا يجارى في فن القصة القصيرة . ليس ثمة كاتب آخر استطاع أن يعبر بعمق ورهافة عن المشاعر المتناقضة التى تنتاب فتاة شابة والأحلام التي تراودها في ليلة مصيرية من حياتها ، كما عبّر عنها بونين الفنان .

هذه القصة تعكس الفجوة العميقة بين الرغبات والأحلام وبين الواقع لبطلة القصة ( ناتاليا) ، فهي خلال ليلة صيفية واحدة قضتها وحدها في أحضان الطبيعة - عندما يظل الليل مضيئا حتى الصباح - تغيّر رأيها وتتوصل تدريجياً الى قرار حاسم برفض الزواج من خطيبها (سيفرس) . بينما كانت حتى الأمس تميل الى الأقتران به ، ولكنها مع حلول الصباح باتت تعلم جيدا وتدرك في قرارة نفسها أنها سترفض هذا الزواج ، فهو لم يكن فارس احلامها في يوم من الأيام .

المؤلف هنا يبين ليس تقلبات الشباب ، بل قرار البطلة المستقل ويرجع ذلك الى صدق احساسها الداخلي الذي أيقظ روحها ومشاعرها الشخصية العميقة الدفينة . هذه الحالة لا يمكن تفسيرها بكلمات بسيطة ، أي كيف إعتادت البطلة تدريجياً ومنذ الصغر على فكرة أنها ستصبح زوجة ( سيفرس ) ، ثم تقرر فجأة أن ترفضه .

يصوّر بونين الحالة العاطفية للبطلة من خلال عالم الطبيعة المحيط بها. هنا – كما هو الحال في معظم قصص بونين - يبرز قدرة المؤلف الفائقة على التعبير الشعري عن مشاهد الطبيعة ، التي ساعدته على الكشف عن العوالم الداخلية لأبطال أعماله وعن تنوع مشاعرهم .

عنوان القصة قد يبدو غريبا للقاريء العربي : كيف يمكن أن يكون الفجر طوال الليل ، حتى لوكانت ثمة ليال مضيئة في الصيف الروسي ؟ ولكننا نرى أن هذا العنوان رمزي الى حد بعيد ويشير الى النور الذي أضاء ذهن البطلة وأيقظ  روحها بعد قضاءها ليلة في أحضان الطبيعة مما ساعدها على إدراك الحقيقة وهي أن ( سيفرس )  ليس فارس أحلامها على الأطلاق .

------------------------------------

الفجر طوال الليل

قبيل الغروب هطل المطر غزيراً ، صاخباً ،  ورتيباً في الحديقة المحيطة بالدار.وعبر النوفذ المفتوحة في الصالة تسرّب عبير النباتات الربيعية الخضراء منعشاً ندياً .. وفوق السطح تصاعد دوي الصواعق والرعود المشحونة , المشربة بالحمرة ، بعد أن أنطفأ وهجها ، وتلبدت السماء  بالغيوم الداكنة .. ثم عاد الفلاحون من الحقل وقد بلل المطر معاطفهم وأخذوا بفصل أربطة الجياد من المحراث القذر قرب الزريبة ، ودفع قطيع الماشية الذي ملأ العزبة كلها بخواره وثغائه ، وفي الفناء كانت الفلاحات يركضن خلف الخراف وقد  شمرن أطراف أثوابهن فالتمعت أقدامهن البيضاء  فوق العشب . كان الصبي الراعي يطارد الابقار وهو يرتدي ملابس بالية ويعتمر قبعة عريضة الحوافي . وكان غريقا في الأعشاب البرية ، حتى قمة رأسه ، حين أخذت بقرة تصخب وتقفز الى الدغل .. هبط المساء وانقطع المطر ولكن أبي الذي كان قد ذهب الى الحقل منذ الصباح لم يعد بعد . .

 كنت وحيدة في البيت ، بيد أني لم أشعر حينذاك بالسأم قط ،  لأنني لم أكن بعد ، قد استمتعت لا بدوري كربة بيت ولا بحريتي بعد التخرج في المدرسة الاعدادية . كان أخي باشا قد التحق بالمدرسة العسكرية وأختي انيوتا ، تقيم في كورسك ، وكانت قد تزوجت  حين كانت أمي لا تزال على قيد الحياة . لقد أمضينا أنا ووالدي شتاءني الريفي الأول في شبه عزلة . ولكنني كنت شابة قوية البنيان , جميلة الى حد أنني كنت معجبة بنفسي لمجرد أنني أتنفس وأتحرك وأعدو بخفة وأؤدي هذا العمل المنزلي أو ذاك  أو أعطي توجيهاتي للخدم . وفي أثناء عملي في البيت كنت اترنم ببعض الالحان من تأليفي  فأتأثر بها وعندما أتطلع الى نفسي في المرأة أبتسم بلا وعي . ويبدو أن كل ما كنت أرتديه من ملابس يلائمني على الرغم من بساطتها .

وما أن توقف المطر حتى أرتديت تنورتي وألقيت الشال على كتفي وركضت نحو المطبخ حيث كانت الفلاحات يحلبن البقر . سقطت عدة قطرات من السماء على رأسي الحاسر ولكن السحب الخفيفة المجهولة المعلقة في الاعالي كانت قد تبددت . كان ثمة ضوء خافت شاحب غريب يشيع في فناء الدار ، كما يحدث عندنا دائما في أمسيات أيار . ومن الحقول كانت تهب نسائم مشبعة بطراوة العشب الندي مختلطة برائحة الدخلن المنبعث من مدفأة غرف الخدم . تطلعت للحظة الى الغرفة , فرأيت الفلاحين الشباب الذين كانو يرتدون المعاطف الجلدية البيضاء , جالسين حول المائدة وأمامهم أطباق الحساء , حين ظهرت في عتبة الغرفة نهضوا واقفين  أقتربت من المائدة وأنا ألهث من أثر الركض وسألت باسمة :

أين أبي ؟ هل كان في الحقل ؟

  قالوا في صوت واحد :

.كان هناك لفترة وجيزة , ثم رحل مع السيد سيفرس في عربة نقل خفيفة -

وهل  جاء  سيفرس ؟

 كنت على وشك أن أقول هذا وأنا مبهورة بزيارة سيفرس المفاجئة ولكنني صمتّ في اللحظة المناسبة ولم أقل شيئا , أومأت برأسي وأسرعت عائدة الى البيت .

حين أنهى سيفرس أكاديمية بطرس التحق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية الألزامية  . ومنذ طفولتي  كانوا يقولون أنني خطيبته ، ولهذا لم يكن في ذلك الوقت يروقني  قط . ولكن فيما بعد أخذت أفكر فيه كخطيبي المقبل , في شهر أب سافر للألتحاق بوحدته ، ثم جاءنا وهو يرتدي الزي العسكري ، والشارات الحربية تزين صدره ، وأخذ يتحدث عن ابداع نائب ضابط ، قصير القامة . .

.

وأخذت أعتاد على فكرة أنني سأصبح زوجته. شاب مرح ، أسمر ، وقد اصطبغ وجهه بالأسمرار لتعرضه الى أشعة الشمس ، وكان النصف الأعلى من جبهته فقط ناصع البياض , كان في نظري أنسانا ظريفا للغاية .

فكرت بانفعال : (ذن فقد أخذ اجازة !) . سرني ذلك ، فقد كان من الواضح انه جاء من أجلي وفي الوقت ذاته شعرت الضيق الشديد .

. عدت الى البيت على عجل لكي أهيىء طعام العشاء لأبي ولكنني ما أن دخلت البيت حتى رأيت أبي يذرع الغرقة جيئة وذهابا , ووقع خطاه يرن في أرجائها , ولسبب ما فرحت به على نحو غير مألوف , كانت قبعته مرفوعة نحو قمة رأسه ولحيته مشعثة وحذاؤه لطويل الساق وسترته ملطخان بالاوحال  , غير أنه بدا في تلك اللحظة تجسيدا للوسامة والرجولة .

 سالته ؟

             - لماذا لم تشعل النور ؟

انني يا تاتا – ناداني بالأٍسم  الذي كان يناديني به في طفولتي – لن أتعشى الليلة ، بل سأنام ، فقد هدني التعب ، ثم هل تعرفين كم الساعة الان ؟ ثم أن الليل الآن فجر ،وسيلتقي الفجر بالفجر ، كما يقول الفلاحون وأضاف ساهما :ً

             - - كالحليب .

 مددت يدي نحو المصباح , ولكنه أوما برأسه ورفع كأسه وأخذ يتطلع من خلاله الى ضوء الشفق كي يستوثق من عدم وجود الذباب فيها . بدأ يشرب الحليب، فيما كانت البلابل تغرد في الحديقة وعبر النوافذ المفتوحة على الجانب الشمالي – الغربي رأيت السماء البعيدة الخضراء  ، الفاتحة اللون فوق السحب الربيعية الرقيقة الحمراء ، جميلة التقاطيع . كان كل شيء على الارض مجهولا والسماء  ناعمة في العتمة الليلية الخفيفة . كان من الممكن رؤية كل شيء في الشفق الشاحب الذي لا ينطفىء  ؟ كنت أجيب على أسئلته حول شؤون البيت في هدوء , ولكن حين قال فجأة أن سيفرس سيزورنا غدا أحسست أنني أحمرّ، غمغمت :

             - لماذا ؟

            ،سيطلب يدك ، شاب لا بأس به ، ذكي ووسيم ، وسيكون زوجاً ناجحاً لقد شربنا نخب خطوبتكما

              لا تقل هذا يأبي – قلت ذلك وطفرت الدموع  من عينيّ  -

تطلع اليّ أبي طويلا , ثم قبل جبهتي وأتجه نحو باب غرفته وأردف باسما :

الصبح أكثر حكمة من المساء

2

كان الذباب الناعس الذي أثاره حديثنا , يطن على السقف  بخفوت وهو يغفو رويدا رويدا  . دقت الساعة أحد عشر دقة رنانة , حزينة . (الصبح أكثر حكمة من المساء ) , خطرت في ذهني كلمات أبي المهدئة ومن جديد  تملكني شعور بالراحة والحزن السعيد . نام أبي وساد الهدوء غرفته منذ وقت طويل ونام كل من في العزبة , كان ثمة شيء ما عذب في هدأة الليل بعد المطر , وفي  أغاريد البلابل وشيء ما رائع يشيع  في ضوء الليل الخافت البعيد . .

شرعت بترتيب المائدة بهدوء ، محاولة أن لا أثير أي جلبة وأنا أتنقل على أطراف أصابعي من غرفة الى أخرى . وضعت الحليب والزبدة والعسل في المدفأة الباردة في الممر وغطيت أدوات الشاي بمنشفة رقيقة وأتجهت نحو غرفتي دون أن أفارق الشفق والبلابل .

كانت نوافذ غرفتي  المجاورة لصالة الاستقبال مغلقة ولكنني كنت أرى الضوء الخافت في الصالة من خلال الباب المفتوح , حللت ضفائري وأسدلت شعري ثم جلست على فراشي لوقت طويل  جاهدة أن يستقر رأي على قرار ما ,   أغمضت عيني وأنا أتكيء على الوسادة  بمرفقي  وسرعان ما غلبني  النعاس .

 قال  شخص ما فوق رأسي :  ( سيفرس ) . أرتعشت فجأة فأفقت , سرت فكرة زواجي كرعدة باردة , حلوة وفظيعة في جسدي كله , لبثت فترة مستلقية  دون أن أفكر ، وكأنني  في غيبوبة , ثم خيل الي أنني وحيدة في العزبة بأسرها ومتزوجة , وفي ليلة ما كهذه الليلة يعود زوجي من المدينة ويدخل البيت ثم يبدأ بخلع معطفه في الممر ، فأنتبه ، ودون أن يسمع وقع خطواتي  أظهر في عتبة  غرفة النوم , فيرفعني على يديه الى الأعلى بفرح عارم.

خيل الي أنني أحبه , أنا لم أعرف سيفرس الا معرفة طفيفة , أما الرجل الذي أمضيت الليل معه في خيالي فلم يكن يشابهه ورغم ذلك فقد بدا لي انني أفكر بسيفرس ، الذي لم أره منذ فترة عام تقريبا والليل أضفى على صورته جمالا ، وجعله مرغوبا . كنت مستلقية ما أزال في أعماق العتمة  والهدوء وأنا أفقد الاحساس بالواقع أكثر فأكثر   : (شاب لا بأس به ذكي ووسيم ) كنت أبتسم وأتطلع الى ظلام العيون المغمضة حيث تتراقص وجوه وبقع مضاءة .

وفي الوقت ذاته كنت احس بحلول اعمق ساعات الليل . ماذا لو كانت (ماشا) في البيت لذهبت اليها الان وتحادثت معها طوال الليل . ولكن كلا ،  قلت لنفسي مرة أخرى ،  من الافضل أن أظل وحيدة ، سآخذها معي  حين أتزوج . 

تناهي الى سمعي من الصالة صوت واهن لتكسر شيء ما, تنبهت وفتحت عيني : بدت الظلمة في الصالة أكثر كثافة . كل شيء فيّ وفيما حولي تغيّر وأخذ يحيا حياة جديدة , حياة ليلية  خاصة ، تلك التي لن تكون مفهومة في الصباح . صمتت البلابل  ماعدا بلبل واحد كان قد بنى عشه في الشرفة هذا الربيع ، أخذ ينقر على مهل , البندول يتكتك بدقة وحذر ورنانة في الصالة والسكون في البيت كأنه أصبح أكثر توترا, أرهف السمع الى كل  نأمة وحفيف , أعتدل في  فراشي وأحس أنني في قبضة هذه الساعة الغامضة التي وجدت للقبل ،للمعانقات المختلسة  , وأخذت أكثر الافتراضات ، بعيدة الاحتمال تبدو لي طبيعية تماما , تذكرت فجأة أن  سيفوس كان قد توعدني مازحا  انه سيتسلل ذات ليلة الى حديقتنا  للقائي . ماذا لو كان جادا في كلامه ولم يكن يمزح ؟ ما ذا لو أقترب من الشرفة بإحتراس دون أن يشعر به أحد . وأخذت أحدق في الظلمة الواهنة بثبات وأنا أتكيء على الوسادة بمرفقي واتصور بتلذذ كل ما كنت سأقول  له بصوت هامس خافت يكاد لا يسمع . أفتح باب الشرفة و أنا أتلذذ بفقدان السيطرة على نفسي 

 وأسمح له أن ينقلني الى أعماق الحديقة الندية عبر رمال الممشى الرطب .

3

انتعلت حذائي وألقيت الشال على كتفي وحين خرجت بأحتراس الى  صالة الاستقبال  توقفت بجوار باب الشرفة وقلبي يخفق بشدة  وبعد أن أيقنت أن  الهدوء يخيم على البيت وأنه ليس ثمة  سوى دقات الساعة  الرتيبة وصدى شدو البلبل  , أدرت المفتاح في القفل دون ضجيج ،وللتو أصبحت أغاريد البلابل الصادحة في الحديقة مسموعة وأختفى السكون المتوتر . أخذت أتنفس ملء صدري وأعبّ بحرية النسائم الليلية الطرية المتبقية في الممشى بين أشجار البتولا الفتية .

سرت على رمال الممشى الرطبة في الظلام الخافت للغسق الداكن من أثر غيوم الشمال  . في أقصى الحديقة كانت ثمة عريشة  ليلك وسط أشجار الحور , كان الجو هادئا الى درجة كنت أسمع صوت تساقط قطرات الندى الباردة المتساقطة من الأغصان   المعلقة . كان  كل شيء غافيا يستمتع بغفوته , البلابل وحدها كانت تستعذب أغانيها الحلوة , وفي كل ظل كان يتراءى لي هيئة أنسان , وفي كل  دقيقة كان قلبي يجمد , وأخيرا حين أحتوتني عتمة العريشة واجهتني رائحة دفئها ، كنت واثقة تقريبا أن ثمة أنسان ما وسيعانقني بقوة وصمت ولكن لم يكن هناك أحد ... ووقفت وأنا أرتعد من الانفعال وأرهف السمع الى الحفيف الرقيق لاشجار الحور , ثم جلست على المصطبة الرطبة .كنت لاأزال أنتظر شيئا ما وأختلس النظرات الخاطفة الى الفجر الشاحب أحيانا  , ولمدة طويلة أحسست عن قرب وفي غموض بعبير السعادة من حولي ، ذلك الشيء الهائل المخيف - الذي نواجهه جميعا في هذه اللحظة او تلك على عتبة الحياة  مسنّي فجأة - ربما فعل ماكان ينبغي أن يفعل ، أن يمسي ويختفي , أذكر ان كل تلك الكلمات الرقيقة التي كانت نفسي مفعمة بها , قد أثارت أخيراًً الدموع في عيني. كنت وانا استند الى جذع شجرة حور رطبة التقط عزاء شخص ما وحفيف الاوراق الذي ينبعث ثم يموت ، وكنت سعيدة بدموعي الصامتة .

راقبت ذلك التحول الحميم عندما ينبلج الفجر من الليل

 رايت من خلل أشجار الكرز ، كيف أن الظلام أخذ يشحب وكيف أحمرت الغيمة الضاربة الى البياض في الشمال

أصبح الجو نديا , لففت الشال حول جسدي وأخذت السماء الرحيبة تضاء ، فبدت في العيون أكبر وأعمق .

 

 تضاء فبدت في العيون  أكبر وأعمق ,قطرات الندى الصافية ترتعش على زهرة .

كنت أحب شخصاً ما ، وكان حبي في كل شيء ، في برد الفجر وعبيره ، في طراوة الحديقة الخضراء ، وفي نجمة الصبح هذه . ها أنني أسمع قرقعة عربة نقل المياه المارة قرب الحديقة والمتوجهة الى النهر . ثم صياح شخص ما في فناء الدار ، صوت صباحي أجش . تسللت من العريشة ووصلت الشرفة بسرعة ، وفتحت الباب بخفة وهدؤ

 وركضت على أطراف أصابعي الى العتمة الدافئة لغرفة نومي . في الصباح كان سيفرس يصطاد الغراب في حديقتنا وخيل اليّ أن الراعي دخل الفناء وشرع بضرب القطيع بالسياط بيد أن هذا لم يمنعني من النوم العميق . وحين أفقت كانت الصالة تضج بالأصوات ورنين الأواني . ثم أقترب سيفرس من باب غرفتي وصاح بي : من المخجل أن تنامي الى هذا الوقت المتأخر يا تتيانا الكسييفنا ..

أحسست بالخجل حقاً . الخجل من مواجهته ، والخجل من رفض طلبه ، .أنني ادرك هذا الآن على نحو راسخ . أرتديت ملابسي على عجل ، تطلعت في المرآة الى وجهي الشاحب .

أجبته بكلمات ترحيب مازحة ، هي أول ما تبادرت الى ذهني ، ولكن صوتي كان واهناً الى درجة انه ربما لم يسمعه على الأرجح . .

 

 

بونين بالعربية ...

اكتشاف متأخر لكاتب رائع

جــودت هوشـيار

 

عرف غائب عن حياتنا الثقافية :

تقوم كبريات الصحف والمجلات الغربية ( تايم ، نيويورك تايمز ، الأندبيندنت ، لو فيغارو  ، لوموند وغيرها ) بين حين وآخر ، بأعداد لائحة بأهم مائة كتاب أثرت في المسيرة الحضارية للأنسان أو أعظم مائة رواية عالمية ، وما شابه ذلك من لوائح الكتب . ولو حاول أي باحث عربي ، أن يقلد هذا العرف الثقافي الجميل ،ويعد قائمة بأهم مائة رواية عالمية ، لعجز عن ذلك حتماً ، لأن ما ترجم الى اللغة العربية من هذه الروايات  لا يتجاوز 10% في أحسن الأحوال . فعلى سبيل المثال ، نرى ان ما يترجم الى اللغة الأسبانية من الكتب الأجنبية ، يتجاوز كثيراً ما يترجم الى اللغة العربية في (22) دولة عربية مجتمعة ، وذلك لسبب رئيسي وهو العزوف عن القراءة في العالم العربي . حيث لا يزيد ما يوزع من أفضل رواية عربية موضوعة أو مترجمة عن عدة آلاف نسخة . ولم يترجم شيء من نتاجات بونين الى اللغة العربية حتى السبعينات من القرن الفائت ، حين قمنا بترجمة عدة قصص لهذا المبدع الكبير، سنأتي على ذكرها في الفقرات اللاحقة .

الأدب الروسي المترجم الى العربية :

تعرّف القاريء العربي على أعمال الأدباء الكلاسيكيين الروس ( بوشكين ، ليرمنتوف ، غوغول ، تولستوي ، دوستويفسكي ، تشيخوف)  منذ أواخر القرن التاسع عشر  وخلال الحرب العالمية الثانية نشطت حركة ترجمة أعمال الكتاب والشعراء السوفييت المشهورين ( غوركي ، شولوخوف ، اوستروفسكي ، اهرنبورغ ، ماياكوفسكي وغيرهم .) وكانت دور النشر اليسارية هي التي تتولى مهمة ترجمة هذه الأعمال من اللغتين الفرنسية والأنجليزية لندرة العارفين باللغة الروسية في ذلك الحين . لذا غاب أسماء الكثيرين من أبرز الأدباء  والشعراء الروس المغضوب عليهم في الأتحاد السوفييتي ( بونين ، باسترناك ، زامياتين ، بابل ، يسينين ، ماندلشتام ، وتسفيتايفا وغيرهم ) .

في فترة ذوبان الجليد  أي عهد خروشوف ، سمح القسم الآيديولوجي في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي – المشرف على الحركة الثقافية والفكرية في روسيا وعموم الجمهوريات السوفيتية -  بنشر مختارات من نتاجات الأدباء غير الحزبيين ولكن بعد غربلة نتاجاتهم وحذف ما لا يعجب الرقابة الحزبية الصارمة وانتقاء ما لا يتعارض مع سياسة الدولة في المجال الثقافي ، وغالبا ما كانت هذه النتاجات تسبقها مقدمات ضافية تحاول تبرير حجبها عن القاريء حتى ذلك الوقت .

وبعد عودة الخريجين  العرب في جامعات الأتحاد السوفييتي ، في منتصف الستينات ، ظهرت الى الوجود نتاجات أدبية روسية من روايات وقصص وقصائد ودراسات نقدية مترجمة من اللغة الروسية . وكانت في معظمها نتاجات نشرت في الأتحاد السوفييتي بموافقة القسم الأيديولوجي ولم نجد مترجماً عربيا  قام بترجمة ما ظهر الى الوجود في الأتحاد السوفييتي خلال فترة ذوبان الجليد من نتاجات الكتاب والشعراء المغضوب عليهم ، هذه النتاجات التي كانت حديث الأوساط الثقافية في روسيا. ولكن لم يتطرق أي منهم الى تلك الأسماء حتى اليوم رغم أن أواخر عهد ( البريسترويكا ) أي نهاية الثمانينات من القرن الفائت ،  شهدت نشر الأعمال الأدبية الكاملة  للكتاب والشعراء الذين أعدمهم ستالين بتهم ملفقة أو قضوا أفضل سنوات عمرهم في منافي سيبيريا أو الذين هاجروا الى الدول الغربية وفي مقدمتهم أيفان بونين .  

وقد ظهرت في السنوات الأخيرة بعض الدراسات العربية عن أدب بونين تستند أساساً على أعمال النقاد السوفييت . رغم أن هؤلاء النقاد طواهم النسيان ، الأموات منهم والأحياء ، ولم يعد حتى الباحثون الروس والأجانب  في تأريخ الأدب الروسي يعيرون أي اهتمام لكتاباتهم المؤدلجة ، فقد كانوا أبواقاً للحزب الشيوعي ، ينهشون لحم كل من لا يخضع لأوامر الحزب القائد .ومن المؤسف حقاً أن معظم هؤلاء الخريجين لم يقرأوا في حياتهم سوى نتاجات الكتاب الذين حظوا بمباركة السلطة السوفيتية ، رغم أن نتاجات كل الكتاب والشعراء الروس تنشر اليوم في روسيا على الملأ بكل حرية ،و الباحث الحقيقي في أي مجال كان ، يفترض به أن يتابع كل ما هو جديد في تخصصه و لا يحبس نفسه في قفص الماضي الكئيب . .

نبذة عن حياة وأعمال بونين :

أيفان بونين (1870-1953) أحد الاعلام البارزين في الادب الروسي الكلاسيكي ، وقد بدأ حياته الادبية شاعرا وكان لم يتجاوز العشرين حتى نشرت مجموعة أشعاره الاولى , التي نال من أجلها (جائزة بوشكين) تم منح الجائزة ذاتها مرة ثانية حين ترجم من الشاعر الامريكي (لونفيلو) قصته الشعرية (هياواثا )) .

بيد أن بونين معروف في المقام الاول ككاتب نثر ممتاز ورائد جيل من كتاب القصة القصيرة في روسيا في النصف الاول من هذا القرن ويعد أهم كاتب للقصة الفصيرة بعد تشيخوف . ويتميز أسلوبه بالثراء اللغوي والعمق السيكولوجي .بونين شان تشيخوف يأسر القارىء في قصصه بوسيلة أكثر من أي متعة أخرى , أن قصصه مواقف آسرة وشخوص فريدة , فهو يجذب أنتباهنا فجأة لما هو عادي تماما ومأوف عندنا في خبرتنا اليومية والحياتية ، ولما مررنا به في الماضي مرات عدة دون أن تصيبنا الدهشة لولا ذاكرته الفنية .

في عام 1909ـ  عندما كان في التاسعة والعشرين من العمر – منحته اكاديمية العلوم الامبراطورية الروسية لقب اكاديمي تقديرا لابداعه الادبي ، وهو شرف لا يحظى به ، الا القلة من العلماء والمبدعين

رشح بونين لنيل جائزة نوبل للمرة الأولى عام 1923، ومن ثم في عام 1926، وبعدهما في عام 1930، وفاز بها عام 1933، عقب صدور روايته «حياة ارسينيف« و كان أول كاتب روسي يحصل على هذه الجائزة. ومما قيل في حفل تسليم الجائزة ما يلي: «بقرار من الاكاديمة السويدية تمنح الجائزة لايفان بونين على الموهبة الفنية الحقة التي تمكن بواسطتها من اعادة خلق الشخصية الروسية بقالب نثري جميل .

عندما تقرأ لبونين لا يمكنك الا أن تفكر في لغز الوجود الأنساني ومواجهة  الأنسان لمصيره المحتوم

هذه الميزات لعالم بونين الفني يقربه من تولستوي ، كما يقربه من تشيخوف ،الأقتضاب الشديد في السرد القصصي والثراء في تصوير التفاصيل المعبرة وقدرة الفنان على التقاط  دراماتيكية  الحياة اليومية وتدفقها .

قبل بونين كان وصف الطبيعة في الأعمال الروائية والقصصية – اعمال تورغينيف مثلا - مجرد ديكور لما يحدث في القصة ، أما الطبيعة في قصص بونين فأنه الحضن الذي تنشأ فيه المشاعر الروحية والأنسانية العميقة وتبقى محفورة في القلوب الى نهاية العمر . عندما نقرأ لبونين فكأننا نشم رائحة العسل ونستنشق نضارة الخريف ورائحة العشب و رائحة الكتب المجيدة – على حد وصفه – وحتى رائحة العصور القديمة .

يمتاز الحوار في قصصه بالدقة والتحديد في نقل اقوال ابطاله فأذا كان يصور الفلاح الروسي فهو يعرف اسلوب التعبير وملامح وخصال وعادات ليس الفلاح عموما وانما فلاح من منطقة معينة في روسيا . كل ذلك ضروري للكاتب لألتقاط ما هو مهم وأساسي في نفسية الأنسان وحياته وما هو أزلي .

. في أوائل القرن العشرين قال أنطون تشيخوف – الذي لم يكن يميل الى تقييم الأدباء المعاصرين له أو كيل المديح لأحدهم جزافاً – إن بونين كاتب فذ ، لا نظير له . وكل من يكتشف بونين لنفسه ، إنما يخطو خطوة نحو النضوج ." وقال مكسيم غوركي : " الأدب الروسي يبدو شاحباً لو خلا من بونين ."

 بونين بيني وبين الطاهر :

في منتصف عام 1973 صدر عن وزارة الثقافة العراقية كتابي المعنون " دراسات معاصرة " ،وتضمن الكتاب عدة دراسات مترجمة عن اللغة الروسية فيها إشارات الى نتاجات آخر عمالقة الأدب الروسي الكلاسيكي ايفان بونين . وبعد أيام قليلة من صدورالكتاب كتب الناقد الراحل د. علي جواد الطاهر ، استعراضاً نقدياً عنه في جريدة (الجمهورية) البغدادية – واعاد نشره في ما بعد في كتابه " وراء الأفق الأدبي الصادر في عام 1977.

 يقول الطاهر. أنه لم يحس بأنه يقرأ نصوصاً مترجمة ، بل نصوصاً كتبت باللغة العربية وأنني معجب  بعالم ايفان بونين القصصي، وأشيد به كثيراً في ملاحظاتي وتعليقاتي على هوامش الكتاب ، وانهي مقاله القيم بمطالبتي بترجمة نماذج من قصص بونين ، ليتم الأطلاع عليها كشواهد على ما أقول . هذه المطالبة وضعتني في موقف لا يحسد عليه ، ذلك لأن نرجمة بونين ليس بالأمر الهين،  لعدة أسباب ، منها ان لغة بونين تفقد كثيراً من رونقها وجمالها وبلاغتها بكل ما فيها من ظلال المعاني والصورعند ترجمنها ، كما أن الأندماج النفسي والتفاعل الخصب بين ابطال قصص بونين وبين اًلطبيعة الروسية الساحرة كامنة وراء الكلمات وبين الأسطر ، ناهيك عن صنوف التشبيه والمجاز والأستعارة التي لا نظير لها في اية لغة أخرى  ، كل هذا يجعل من ترجمة نتاجات بونين مهمة شاقة. ورغم ذلك فقد حفزني مقال الطاهر على ترجمة عدة قصص لبونين منها " ضربة شمس " التي تصف بجمال وروعة تأثير لحظة غرام بين امرأة فاتنة مجهولة الاسم وضابط  يمر باحدى المدن، وتترك لحظة الغرام هذه جرحا لا يندمل فيه رغم تقدمه في العمر.وأزعم أن هذه القصة أول نتاج لبونين مترجمة من اللغة الروسية مباشرة، وليس عن طريق لغة اخرى..

. نشرت القصة على ثلاث حلقات في صحيفة" المثقف الجديد" التي كانت تصدر عن " دار الثقافة والنشر الكردية " في بغداد . ولا ادري إن كان الناقد الراحل قد اطلع على هذه  الترجمة .لأنه لم يشر في مقاله الى أنه قد إطلع على نماذج من قصص بونين . ثم ترجمت قصة بونين الشهيرة " الدروب الظليلة " ونشرت في مجلة " شمس كردستان " في عام 1976 وهي عنوان أشهر مجموعة قصصية للكاتب نشرت في نيويرك عام 1943 .

بونين بالعربية :

قامت دار ( رادوغا ) السوفيتية الرسمية بنشر مجموعة " الدروب الظليلة " ، التي تضم أربعاً وثلاثين قصة قصيرة وطويلةفي عام 1987 بترجمة عبدالله حبه  ، وأعادت دار " المدى " نشرهذه الترجمة حرفياً عام 2004 ضمن سلسلة " مكتبة نوبل " رغم أن هذه المجموعة لا علاقة لها بجائزة نوبل التي نالها بونين في عام 1933عن روايته (حياة أرسينيف ) حصراً والمنشورة عام 1930، أما مجموعة " الدروب الظليلة " فقد صدرت عام 1944 . والغريب في الأمر أن دار " المدى " أشارت الى أنها تحتفظ بحقوق النشر، ولا أدري من منحها هذا الحق ، هل ورثة المؤلف أم دار " رادوغا " التي لم يعد لها وجود بعد انهيار الأتحاد السوفييتي . ؟ والأغرب من ذلك ان المقدمة التي كتبتها الناقدة " آنا ساكيانتس" زاخرة بالمغالطات على نهج النقد السوفييتي الذي كان يلوي عنق الحقيقة انسجاماً مع النهج الرسمي للحزب في النيل من المبدعين الحقيقيين .

ولحسن الحظ فأن الجيل الجديد من خريجي التخصصات الأدبية في الجامعات الروسية متحررون من الجمود العقائدي ويبدو أنهم مطلعون على الأدب الروسي الحقيقي جيدا وليس الأدب الأيديولوجي السوفييتي ، فقد قرأت في الآونة الأخيرة عدة مجاميع قصصية لبونين مترجمة الى العربية من الأصل الروسي وهي :

1 –  مجموعة " غرام ميتيا " وتضم اضافة لهذه القصة الطويلة ثلاث قصص أخرى منها " ضربة شمس " و " ناتالي " و " سيد من فرانسيسكو بترجمة شوكت يوسف وصدرت ضمن سلسلة ( ابداعات عالمية " عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت عام 2003

2- مجموعة قصص مختارة لبونين صدرت عن وزارة الثقافة السورية عام 2012 بترجمة محمود عبد الواحد .

ان هذه الترجمات ليست سوى بداية متواضعة أرجو أن تعقبها اصدارات أخرى ، خاصة ان هذه المجاميع الثلاث حظيت بمقروئية جيدة في العالم العربي .

 

 

فن الرواية بين الإبداع والصنعة

 

جــودت هوشـيار

         

قال أحد الروائيين الكورد - وهو يقدم لي نسخة من روايته الجديدة - أنه أخرج خلال السنوات القليلة الماضية أكثر من عشرين رواية ، بينها عدة روايات مترجمة من اللغة العربية . وكانت مناسبة للتعرف على عالمه القصصي  وتجربته الروائية ( الخصبة ) . ووجدتني أقول :

- كيف تكتب روايتك ، وهل تشكل تجربتك الذاتية وهمومك الروحية والأنسانية مادة أولية لها ، وما دور الخيال في العملية الروائية وخاصة في خلق الشخصيات ؟

- لا علاقة لتجاربي الذاتية وعالمي الروحي  بما أكتبه من روايات  ، فأنا أجمع لكل رواية المعلومات المطلوبة ، خلال ثلاثة أشهر من المصادر المختلفة وبضمنها أجراء مقابلات مع الناس الذين يمكن أن يقدموا لي معلومات جديدة عن موضوع الرواية .وأكتب روايتي الجديدة خلال الأشهر الثلاثة التالية ، أي أنني اخرج رواية جديدة كل ستة أشهر .

 وفكرت للحظات ، ان هذه الخصوبة نادرة بين كتّاب الرواية في العالم ، ويبدو انه يسير على خطى  الروائي جورج سيمنون ، الأغزر إنتاجا  في تأريخ الرواية ، والذي كتب 450 رواية، ولست على يقين إن كان الروائي الكوردي قد قرأ شيئاً لسيمنون " .مع فرق جوهري ان سيمنون لم يكن يجمع المعلومات من هنا وهناك ، بل تأخذ العملية الأبداعية لديه شكل الإلهام . وبذلت جهداً حتى لا يشعر صاحبي بما يدور في ذهني ولكي يستمر الحوار بيننا ، قلت :

- هل تتبلور عناصر الرواية بشخوصها وأحداثها في ذهنك قبل المباشرة بكتابتها ؟

- لا أفكر في  الرواية قبل كتابتها  ، بل أن كل جهدي ينصب على تنظيم المعلومات التي جمعتها من مصادر عديدة وإعادة ترتيبها وتنظيمها ,واوابتكار مواقف وحوارات  لشخصيات تنطق بهذه المعلومات.

لم أقل له ، اذن ما الفرق بين المقال والتحقيق الصحفي وبين الرواية اذا كان الجهد الأساسي للكاتب ينحصر في جمع المعلومات وتنظيمها ؟ . إن أغلب الروائئين الكبار في الأدب العالمي يؤكدون عند الحديث عن تجاربهم الروائية ، ان ولادة الشخصيات الحية ، هي أهم وأصعب ما صادفهم في العملية الروائية ، لأن الشخصيات الروائية ، ليست دمى يحركها ويستنطقها الكاتب كما يشاء .

 قلت : لمن قرأت من الروائيين الكلاسيكيين ، مثل فلوبير وستندال وتولستوي ودوستويفسكي وغيرهم ؟

 -  لم أقرأ ولن أقرأ أي رواية كلاسيكية ، فهؤلاء الذين ذكرتهم يصيبونني بالضجر والكآبة ، ولا أطيقهم . فالبيئة التي كتبوا فيها وشخوص رواياتهم لا تهمني في شيء !

نظرت اليه في دهشة واستغراب ، لأنني أعتقد ، إن من يرغب في كتابة الرواية لا بد له  أن يكون بالدرجة الأولى، قارئاً نهماً. و يقول الروائي الأميركي ستيفن كينغ: " إن لم يكن لديك وقت للقراءة، يعني أنك لا تملك الوقت أو أدوات الكتابة "

 أيعقل أن يتجاهل كاتب روائي قراءة روائع الأدب العالمي . ؟

 

وخلال  لحظات الصمت الذي ساد بيننا ، حاولت أن أجد له عذراً ، وقلت في سري لعله على صواب ، فالكاتب الروائي ينبغي أن ينسى كل ما قرأه ، ليكتب روايته . ولكن ماذا عن التقنية الروائية ! وكيف يمكن لأي روائي أن يتجاهل تجارب من سبقوه من اساتذة هذا الفن الصعب ؟

 

صحيح ان  ثمة مئات الطرق للبناء الروائي والسرد القصصي ، ولكن من لم يطلع على التجارب السابقة في الفن الروائي ، كمن يبدأ من الصفر ، او كأنه يكتب اول رواية في تأريخ الأدب .

 

وسألته أخيراً : اذن لمن تقرأ من الروائيين المعاصرين ؟ ومن هو الروائي المفضل لديك ؟

- أنا أقرأ الروايات العربية الحديثة ، وخاصة روايات الكاتب العراقي ... وقد ترجمت بعض رواياته الى اللغة الكوردية .

 لم أكن قد قرأت شيئاً لهذا الروائي الذي ذكره صاحبي . قلت له :

- لا استطيع أن أحكم على القيمة الفنية  لروايات لم أقرأها .

 

وفي معرض الكتاب الأخير في أربيل .اقتنيت كل ما وقع عليه نظري من روايات هذا الكاتب العراقي ، وقرأتها بأمعان ، وكلها من ذلك النوع الخفيف ، الذي يستهوي الجمهور العام – وليس الكتّاب أو المثقفين -  لما فيه من أحداث ومواقف مثيرة ، غير أنها ليست ذات قيمة فنية ،  روايات خفيفة لا تستحق الوقت الذي يهدر في قراءتها .  وأشبه بالوجبات السريعة  ( الفاست فوود ) . (يبتلعها) القاريء بسرعة وينساها بسرعة أكبر ، ،  ولا تصلح سوى لقضاء الوقت في المنتجعات وعلى شواطيء البحر ، وعربات القطار أو المترو . فقد عثرت ذات مرة على العديد من الروايات التي تركها أصحابها بعد الفراغ من قراءتها على مقاعد القطار المتوجه من بلدة ( بيتربرو  ) الى لندن.  كما أن أن القراء الأميركيين ، يفعلون الشيء ذاته ، ولا يحتفظون بمثل هذه الروايات بعد الفراغ من قراءتها  .

 

ولكن ما كتبه هذا الكاتب العراقي على الأغلفة الأخيرة لرواياته لأجتذاب القراء ، كان شيئا لا يصدق ، ولا علاقة له بمضامينها ، فهو يقول أنها روايات فلسفية واستكشاف للواقع العراقي بأسلوب متفرد وحديث.

ودفعني حب الأستطلاع الى قراءة سيرته الأدبية في موقع (ويكيبيديا، الموسوعة الحرة) ، وهي سيرة مطولة من عدة صفحات طافحة بالأدعاءات . ومن يقرأ ما كتبه عن نفسه ، يعتقد أن عبقرية جديدة قد ظهرت في العراق ، لا يقل شأناً عن عمالقة الأدب العالمي . والأغرب من ذلك هو تأكيده في كل مرة ، أن رواياته قد ترجمت الى اللغات الأجنبية ، وحازت على جوائز أدبية رفيعة . وقد حاولت عن طريق البحث في ( جوجول ) أن اعثر على رواية له مترجمة الى احدى اللغتين الأنجليزية أوالروسية ( وهما اللغتان اللتان أقرأ من خلالهما الأصدارات الجديدة في الخارج ) غير أني لم أعثر على ترجمة أجنبية لأي رواية لهذا الكاتب، في حين أن عددأ من رواياته قد ترجم فعلاً الى اللغة الكوردية.

 

ويقول في سيرته الذاتية ،  إن رواياته ، تنتمي الى ما يعرف بروايات ( ما بعد الحداثة )  وتنطوي على افكار فلسفية ، وأنه أول من إستخدم الأسلوب البرقي في الكتابة الروائية  !

 

لنترك الفلسفة جانباً ، لأنه لا علاقة لرواياته  بها ، لا من قريب ، ولا من بعيد ، ولكنني أتساءل إن كان قد قرأ روايات هيمنجواي واهرنبورغ وعشرات الروائيين الغربيين ، الذين استخدموا الأسلوب البرقي في الكتابة الروائية ، قبل أن يولد هو بعشرات السنين .كما أن مضامين رواياته وبنائها الفني واسلوبها السردي ، لا تنتمي بأي شكل من الأشكال الى رواية ( ما بعد الحداثة ) ولا الى الرواية الحديثة بأشكالها المتنوعة  ،. والأسوأ من ذلك ان رواياته أشبه بتقارير وتحقيقات صحفية مطولة  ، لا نرى فيها شخصيات نابضة بالحياة ولا القدرة على الدخول في أعماق النفس البشرية ورسم  ما تجيش به من لواعج وأهواء ومن طموحات وصراعات مستترة في العادة وراء مظاهر الحياة الخارجية .

 

ان الكتابة الأبداعية إن لم تكن نابعة من ذات الكاتب وتجربته ورؤاه ، واذا لم ينفعل بها فانها تكون مملة ، لأن مثل هذا المؤلف لا يعرف ابطاله ولا يفهمهم . ليس بوسع اي كاتب ان يكتب عن اي شيء وعن اي انسان . فهو لا يمتلك سوى حرية محدودة في اختيار  موضوعاته وابطاله , لان لكل كاتب مهما كان موهوبا حدودا لا يستطيع تجاوزها , ان ابداع الروائي يتحدد بالمجتمع الذي يعيش فيه . وبتجربته الماضية وخبرته الحياتية وشخصيته .

 

سأل احدهم الروائي  الروسي  ليف تولستوي( 1828 – 1910 )  ذات مرة : كيف يستطيع الانسان ان يكتب بشكل جيد . فقدم له نصيحتين ثمينتين :

 يتعين على الكاتب ان لا يكتب مطلقا عن موضوع غيرشائق بالنسبة اليه شخصيا:أولاً

ثانيا - اذا اراد الكاتب ان يكتب عملا ابداعيا ما ولكن كان بوسعه ان لا يكتبه ،  فمن الافضل ان يتخلى عن فكرته.

وفي مناسبة أخرى قال تولستوي "على المرء أن يكتب فقط حينما يترك قطعة من لحمه في المحبرة في كل مرة يغطس قلمه فيها" أي حينما يشعر بعمق شعوراً حقيقياً.

ا

   الرواية عمل إبداعي ولكل كاتب رؤيته الخاصة المتفردة , فهو يكتب الرواية ، لأنه يشعر بضرورة ملحة في البوح للناس ، بما لم يكتبه أحد من قبل ، ولأنه مصاب بمرض الكتابة ولكونه قد إلتقى أناساً وتملكته احسلسات ليس بوسعه أن لا يعبر عنها..

هكذا تظهر للوجود الروايات الممتعة التي تستحوذ على مشاعر القراء .

اذا تجاهل اي روائي نصائح تولستوي وكتب رواية دون ان يحس انها ضرورة روحية له وانه  كان بوسعه أن لا يكتبها  ،فأن نتاجه سيكون فاشلا و لن يستحوذ على مشاعر القراء , وسنجد بين ايدينا رواية يتوافر فيها شكلياً كل عناصر الرواية ولكنها تفتقر الى الحرارة الوجدانية ولا تحمل أي قيمة للقاريء .

 

يتميز الكاتب عن الاخرين بحساسيته المرهفة وحبه للناس واهتمامه بهم ولكن من السذاجة الاعتقاد انه قادر على فهم اي انسان , فالناس دونما استثناء- وبضمنهم الكتّاب يحسون بمعاناة الآخرين إتطلاقاً من تجاربهم الذاتية.

 

 ان الاحاسيس الغريبة على الكاتب , تلك التي لا تربطها وشيجة بطبيعة نفسيته  لا تستوقفه , واذا اراد الكاتب برغم ذلك ان يصفها, فإن مثل هذه النتاجات ستكون ضعيفة من حيث التعبير الفني , تشيع فيها البرودة .

ان عملية الشروع في كتابة الفصل الاول من الرواية تسبقها  ليس شهور الاعداد لها فحسب , ولكن ايضا آلام الكاتب وافراحه وحياته المفعمة بنجاحاته واخفاقاته وعلاقاته بالناس  .

 وهذا لا يعني ان الكاتب لا يصور في روايته سوى تلك الحوادث التي مرت به , بل على العكس من ذلك ، فالمؤلف يغير في العادة ليس فقط معاناته الشخصية وتجربته الذاتية فحسب ولكن ايضا مشاهداته , بيد انه يصف دائما الناس الذين يستطيع ادراك افكارهم واحساساتهم , ولكي يكون بمقدروه ادراك معاناة شخصيات الرواية يتعين عليه ان يكون هو شخصيا قد عانى من تجربة تمهد له الطريق لادراك هموم انسان اخر.

 

يرى كولن ويلسن ان : "  الفن، والرواية خصوصاً مرآة يرى فيها المرء وجهه بالذات. ذلك أن الكاتب عندما يجلس أمام حزمة من الأوراق وقلمه بيده، فإن السؤال الذي يواجهه ليس ببساطة ماذا أكتب؟ بل من أنا ؟ وماذا أريد أن أكون؟ وهدفه من الكتابة مرتبط بإحساسه بالذات. ...

 

كان جوستاف  فلوبير (1821 – 1880)  في بداية حياته الأدبية يؤمن ، بأن الراوي العليم بكل شيء ، يجب أن يكون موضوعيا في السرد القصصي ، وأن لا ينحاز الى أي شخصية من شخصيات روايته أو قصته .

وكتب يقول : " بوسعك أن تصور الخمر ، والحب ، والنساء ، شريطة – يا عزيزي –أن لا تكون سكرانا ، أو رجلاً ، أو جندياً. اذا تدخلت في الحياة ، فأنك لن تراها جيداً ، أو تعاني بسببها جدا  او تستمتع بها كثيرا ". هذه الكلمات كتبها فلوبير في عام 1850.

 

ولكن  عندما شرع بكتابة روايته العظيمة " مدام بوفاري " ، التي تمتاز بواقعيتها وروعة أسلوبها ،  أدرك أن الكاتب لا يمكن أن يكون موضوعيا وباردا ، فهو لا يكتب تقريرأ ، بل قصة   نابضة بالحياة ، فيها كل ما قال تولستوي أنه ضروري للكاتب الحقيقي ."

وبصدد شخصية بطلة الرواية (إيما بوفاري ) كتب  فلوبير الى احد اصدقائه يقول : " ان ايما هي- أنا ". وقد يبدو هذا الزعم سخيفاً لأول وهلة . ما الذي يجمع بين عازب كهل , متشائم , دائم التأفف , أشيب الشعر ، يمتلك ثقافة جمالية واسعة , وبين امرأة قروية طائشة , متهورة ، وسيئة السمعة ؟ . والحق ان فلوبير قد أضفى على شخصية ايما الكثير من العناصر الذاتية ، التي كان يمتاز بها هو شخصيا , وتدل على ذلك الرسائل المتبادلة بينه وبين اصدقائه , والمنشورة بعد وفاته . "

 

إن المبدأ الذي سمح للرواية بأن تكتسب الطابع الأنساني هو النظر الى الأشياء نظرة ذاتية وجعل الأشياء مثيرة للأهتمام . فهذا المبدأ ، هو الذي يجعلنا نقرأ الرواية مبهوري الأنفاس عن شيء ، هو في حد ذاته قليل الأهمية . "

 

 

 

احسان فؤاد .. الشاعر الذي

كان يحلم بالدولة الكوردية

 

جــودت هوشيار

 

ثمة بين اهل الفكر والثقافة اسماء مشهورة مدوية ، غزيرة الأنتاج ، تتفنن في تسويق نفسها بشتى الطرق . تتحدث عنها الناس ووسائل الأعلام . ولكن عندما تلتقي ببعض هؤلاء – ولا أقول كلهم - وجها لوجه وتتبادل معه حواراً ، سواء في مجال تخصصه ، أو أي موضوع فكري أو ثقافي ، يتغير الأنطباع -الذي  تركته لديك قراءة مؤلفاته ،  وترى ان نتاجاته أقوى تأثيراًمن شخصيته  بكثير ، فهو لا يمتلك أي سحر شخصي جذّاب ، ولا يؤثر فيك ، ولا يترك لديك ما يذكرك به .

وعلى النقيض من ذلك ، هناك مبدعون آخرون ، يعملون بصمت بعيداً عن الأضواء تتحدث عنهم انجازاتهم الأبداعية ، وان لم تكن غزيرةً، ، و يتمتعون  بسحر شخصي ، وحضور قوي ، تود أن  تصغي اليهم بشغف وهم  يتحدثون عما يشغل بالهم  أو ما يتطلعون اليه ، ويسعون لتحقيقه .وتترك كلماتهم المتوهجة والبليغة انطباعاً قوياً في نفسك ، لا يمحى عبر السنين .

الأكاديمي والمربي الكبير الراحل الدكتور أحسان فؤاد ( 1935– 2008 ) ، كان من الصنف الثاني ،شخصية جذابة  ، وحضور قوي ، ولكنه كان مقلاً في أنتاجه . ولكن اجيالاً من الشباب المتعلم قد تخرج على يديه ، كأستاذ للأدب الكردي وعميداً لكلية الآداب ، ومساعداً لرئيس جامعة السليمانية  في فترة معينة من حياتي ، سعدت بمعرفته وصداقته ، شاعراً رقيقاً ووطنياً يلتهب حماساً للقضية الكوردية .

، وقد احتفظت في ذاكرتي بصورته كشاعر موهوب وحالم ، وانسان رائع ، ظل طوال حياته يدافع عن القيم الأنسانية والروحية والثقافية  ، التي كان يؤمن بها بصدق واخلاص نادرين . هذا الشاعر الرقيق كان  يتحول الى مناضل شجاع عند الضرورة  ويخوض غمار الحياة بأرادته القوية .

يقال ان الأديب ، الذي يحيا في عالم الفكر والأدب والفن ، ويتأمل الحياة الأنسانية ومعناها ، يصبح أكثر انسانية من الآخرين ،وهذا ينطبق تماماً على الراحل الكبير  ولكن،عندما تتعرض تلك القيم التي يؤمن بها الى أي انتهاك ، فأنه يدافع عنها بكل ما أوتي من قوة وشجاعة . وهذا المزج بين الرقة حيناً و الصلابة حيناً آخر ، سمة بارزة لكل كاتب وشاعر وفنان حقيقي .

 

البداية :

 

كان ثمة عدد لا بأس به من الطلبة الكورد بين طلبة البعثات التي وصلت الى الأتحاد السوفييتي منذ أواخر عام 1959 ، وفي بداية عام 1961 جاءت مجموعة من طلبة الدكتوراه الكورد ( احسان فؤاد ، كاوس قفطان ، كمال مظهر ، عزالدين مصطفى رسول  ، أحمد عثمان ، نسرين فخري ) ولم تمض على وصولهم سوى ايام معدودة حتى تم عقد اجتماع للطلبة الكورد ، من اجل تأسيس فرع في الأتحاد السوفييتي لجمعية الطلبة الكورد في أوروبا . كان المد اليساري طاغياً بين الطلبة العراقيين في موسكو وكان ( اتحاد الطلبة العام ) هو الذي ينوب عن الطلبة العراقيين في الأتصال بالسلطات السوفيتية ذات العلاقة في الجامعة وفي وزارة التعليم العالي والسفارة العراقية . وكان الأتحاد يعارض تأسيس كيان طلابي خاص بالطلبة الكورد ويهدد بفصل أي طالب ينتمي الى جمعية الطلبة الكورد في أوروبا . ورغم ذلك فقد نجح الأجتماع المذكور في حشد الطلبة الكورد وراء جمعيتهم وتأسيس فرع الجمعية في موسكو ً، وكان للراحل احسان فؤاد الفضل الأكبر في نجاح الأجتماع والبدء في الأجراءات العملية  لأنشاء فرع الجمعية ، الذي أخذ يمارس نشاطه ، وعن طريقه كانت تصل الينا النشرة الصادرة عن المقر الرئيسي للجمعية في المانيا بعدة لغات أوروبية وفيها آخر أخبار كردستان والقضية الكوردية و مقالات عن النضال التحرري الكوردي .. وقد تفرق طلبة الدكتوراه الكورد – بعد اجتيازهم السنة التحضيرية – في كل من موسكو ولينينغراد وباكو . ولم أعد التقي بالراحل الكبير -لأنني كنت في موسكو وهو في لينينغراد - الا في المؤتمرات السنوية لجمعية الطلبة الكورد في أوروبا والتي كانت تعقد في ألمانيا في أغلب الأحيان .

 

لقاءات في بغداد :

 

بعد استكمال دراساتنا في روسيا وعودتنا الى العراق - حيث عمل الفقيد مدرساً للغة الكردية في كلية الأداب بجامعة بغداد وبعده رئيساً للقسم -  شاءت المصادفة المحض ان نسكن في شقتين متجاورتين في الطابق نفسه في عمارة حديثة على شارع السعون ، قريبة من أبو نواس . وكنا نلتقي بشكل شبه يومي ، و كانت أحاديثنا تدور حول الأدب والفن ، والوضع السياسي في العراق وآخر أخبار الثورة الكوردية . وتعد هذه الفترة من أخصب فترات حياة الراحل الكبير . فقد صدر له أول ديوان شعر تحت عنوان ( الزهرة البرية ) ( كولي كيوي ) ، كما قام بتحقيق رواية الشاعر أحمد مختار جاف ( مسألة ضمير ) ، التي كتبها بين عامي ( 1927 – 1928 ) . ويرى بعض النقّاد أنها أول قصة كوردية طويلة (  نوفيلا ) وكلا النتاجين طبعهما على نفقته الخاصة .

 اتذكر جيدا أنه كان معجبا للغاية بالدراسة التي كتبها ليف تولستوي ( ما الفن ) وكتب عنها ، فيما بعد عدة مقالات شائقة ، تنم عن ذهن متوقد وادراك عميق للمعنى الحقيقي للفن وأهميته في حياة الناس . وكلمة الفن هنا بمعناها الشامل ، أي الآداب والفنون جميعاً . ، كما أنه كان يتحدث كل اسبوع من  القسم الكوردي في اذاعة بغداد ، حول موضوع أدبي أو فكري كوردي . وقبيل بيان الحادي عشر من آذار  1970 لعب دوراً محورياً في تأسيس اتحاد الأدباء الكورد ، الذي بدأ أعماله  في 10/2/1970 وعقده مؤتمره الأول في 23 و24 حزيران 1970 في بغداد، وأقامت مهرجانات شعرية وملتقيات للقصة الكوردية وندوات أدبية في مدن كوردستان.

 

في عام 1973 تولى الراحل منصب المدير العام للثقافة الكردية ، وبذل جهداً عظيما في استقطاب خيرة المثقفين الكورد في بغداد للعمل في المديرية وأصدر صحيفة ( روشنبيري نوي - المثقف الجديد ) الأسبوعية ، الناطقة باسم المديرية ، التي سرعان ما أصبحت قبلة للكتاب والشعراء الكورد في بغداد وفي أرجاء كوردستان ، وكانت معظم صفحاتها باللغة الكوردية مع أربع صفحات داخلية باللغة العربية .

طلب مني الراحل الأسهام في تحريرها ، وكانت صحيفة رصينة وشيقة . وقد نشرت الجريدة لي 23 موضوعا خلال السنة الأولى من عمر الجريدة ، وكان من ضمن تلك الموضوعات ترجمة عدد من روائع القصص الأجنبية ، منها على سبيل المثال لا الحصر ، قصة ( ضربة شمس ) لأيفان بونين ، وكانت  أول قصة لهذا الكاتب العظيم تترجم من اللغة الروسية مباشرة وقصة ، ( ذكريات قرد ) لفرانز كافكا ،التي تتحدث عن قساوة البشر  ومقالات عن الأدب الكوردي في جمهوريات ما وراء القفقاس .وغيرها .

فى احدى جلساتنا على شاطيء دجلة ، سمعته يتحدث بأنبهار عن رواية ( الساعة الخامسة والعشرون ) للكاتب الروماني فيرجيل جيورجيو، وبطل الرواية يمثل أنموذجاً حقيقياً للإنسان المعاصر ، الذي يحيا بين فكي الآلة وتسارع الوقت والأحداث. في رواية جيورجيو صور لملايين الناس وهم يقتلون بوحشية في الحروب ، التي كانوا وقوداً لها ولا يعلمون كيف ولماذا ومن أشعلها.؟ وهي أحدى أهم الروايات التي تدين الحروب وما ينجم عنها. إنها إدانة للظالمين والفاسدين، وعطف على المضطهدين والمقهورين. هي لوحة من واقع تخللته ألوان الطبائع المختلفة .

 

كان الراحل شاعراً حالماً رقيقا ، يهز الشعر الجميل روحه وكيانه ، ويردد على مسامعي قصائد لعبدالله كوران وشعراء كورد آخرين . و كان غالبا ما يتحدث عن الشاعر حاجي قاري كويي – وهو موضوع اطروحته لنيل الدكتوراه - و يقول ان حاجي قادري كويي هو أحد ابرز الشعراء القوميين ، وكنت أقول له ان احمدي خاني قد سبق كويي في هذا المجال ، فيردعليّ ، ان ذلك صحيح ولكن الحس القومي يطبع معظم شعركويي أكثر من أي شاعر كوردي آخر .

 

هل الكورد أقلية في العراق ؟:

 

ذات يوم رأيته منفعلاً يقول لي في صوت متهدج : هل تدري ماذا يقول هؤلاء الشوفينيون في وزارة الثقافة ؟. قلت ، اهدأ اولاً ، ثم حدثني بالتفصيل عما جرى اليوم  ، وأخذ يسرد محتوى الجدل الساخن الذى جرى بينه وبين أحد المدراء العامين في الوزارة .

كان هذا المدير الجاهل ، يقول أن الكورد أقلية في العراق ! فرد عليه الراحل  أن شعب كوردستان يعيش على أرضه التأريخية وأي شعب على ارضه لا يمكن أن يكون أقلية ، مهما كان عدد نفوسه قليلاً أو كثيراً ، ولو ضم - ضد رغبته - الى بلد آخر أكثر سكاناً.

 

 قلت له يا صديقي : " محاولتك لن تجدي نفعاً مع هؤلاء ، لأنهم مصابون بالجمود العقائدي،  وشعارات الحزب القائد وأقوال زعمائه ، هي كل رصيدهم من الثقافة،  وان كانوا مدراء عامين في وزارة الثقافة .هناك يساريون يعطفون على القضية الكوردية ، بل أن بعضهم يقر شفاهاً  ، ان من حق الشعب الكوردي تقرير مصيره  بنفسه  ، ولكن ما ان تصل الأمور الى  منح الكورد بعض حقوقهم ، حتى يرفعون في وجه الكورد الشعارات الديماغوجية عن الوحدة الوطنية والعراق الموحد والنضال ضد الأمبريالية . واذا كان هذا ديدن اليسار ، فما بالك بالقوى القومية الشوفينية واليمينية الرجعية . الحرية يا صديقي تنتزع ولا تمنح . في الدولة المتعددة القوميات يتغني الحكام وهم في العادة – من القومية الأكبر في البلاد -  بالوحدة الوطنية لغمط حقوق القوميات الأخرى .

"

وهناك موقف شجاع آخر لهذ الشاعر الذي كان يحلم بالدولة الكوردية المستقلة ، فقد بذل جهدا عظيماً لأقامة المهرجان الثقافي الكوردي الأول في بغداد في عام 1974 ، وكان مهرجانا ثقافيا رائعا قدمت فيه عشرات المسرحيات وأبدعت الفرق الموسيقية والغنائية الكوردية في امتاع الجمهور البغدادي بأعذب الألحان الكوردية الأصيلة ، اضافة الى معارض الفن التشكيلي للفنانين الكورد وغيرها من الفعاليات الثقافية والفنية. وهذا المهرجان كان الأول والأخير من حيث أصالتها وتأثيرها الأيجابي ، وتوقيتها الصحيح واقامتها في قلب بغداد .صحيح ان وزارة الثقافة في الأقليم أقامت عدة مهرجانات ثقافية خلال السنوات العشر الماضية ، الا أنها كانت متواضعة جداً قياساً الى المهرجان الثقافي الكوردي الأول .

عقد المهرجان في وقت عصيب ، حينما كانت الأمور في شباط عام 1974 تتجه الى التأزم بين القيادة الكوردية وبين حزب البعث الفاشي . فقد القى الراحل الكلمة الأفتتاحية للمهرجان بحضور كبار قادة الحزب والدولة . وكانت كلمة رصينة ورائعة ، تتحدث عن أمجاد الكورد وتراثهم الثقافي والفني بأعتداد بالنفس وايمان راسخ بالهوية الكوردية المتميزة واستجلاء للتراث الثقافي الكوردي من عاشق لهذا التراث الثري .

والحق أنني كنت قلقاً عليه أشد القلق : من كان يتجاسر في ذلك الوقت العصيب البالغ التوتر حيث الأعصاب مشدودة ومتوترة ،والشعب الكوردي يترقب ما تؤول اليه الأمور بأنتهاء السنوات الأربع ، ومن ثم التطبيق المفترض للحكم الذاتي لكوردستان في الحادي عشر من آذار  1974 . ونحن نعرف  جيداً ، ماذا حدث في يوم انتهاء المدة المقررة ، حيث أصرت القيادة البعثية الفاشية عل اعلان الحكم الذاتي الكارتوني لمنطقة كوردستان .

وصدق حدسي ، فقد احيل الراحل الكبير على التقاعد بعد فترة وجيزة من انتهاء المهرجان . وحمدت الله لأن الأمر اقتصر عل الأحالة على التقاعد وليس ما هو أسوأ منه بكثير . !

 

ألقد اعتدنا نسيان خيرة مبدعينا وعلمائنا بعد رحيلهم وغمط حقوقهم ونسيان ما قدموه لشعبهم من خدمات جليلة .

هل فكرت جامعة السليمانية مثلاُ بأطلاق اسم الراحل الكبير على احدى قاعاتها أو تسمية احدى دفعات التخرج من الجامعة بأسمه ، وهل تقوم بلدية السليمانية بأطلاق اسمه على احد شوارع المدينة .أنه جدير بكل هذا وأكثر من هذا .

في الغرب ترى اسماء المبدعين والعلماء تنقش على لوحات من المرمر أو الرخام أو البرونز ، وتعلق على الجدران قرب ابواب المنازل والشقق التي كانوا يسكنون فيها ، وترى انصابا لهم في الميادين و شوارع بأسمائهم . وكما يقول الروس:" ان الكتاب والشعراء هم معلمو الشعب " ، ونحن نناشد – من هذا المنبر الرصين - الجهات المختصة ان تلتفت الى هذه المسألة ، ففي نهاية المطاف الشعب ،  يعرف بمبدعيه في كافة مجالات النشاط الأنساني .

أيها الراحل الكبير : هذا غيض من فيض ، مما امتلأ به قلبي وروحي من مشاعرعن تلك الفترة الخصبة ، التي كنا فيها نعيش في عالم الأدب والفن ونحلم بالغد الأفضل ، وكنت بجهودك تقرّب ذلك اليوم العظيم ، يوم الحرية والكرامة الأنسانية ، عندما يتولى الشعب الكوردي زمام اموره بنفسه ويعيش على ارضه التأريخية حراً مستقلاً . في ذلك اليوم العظيم سأردد اسمك بين اسماء كثيرة ناضلت وضحت من اجل اليوم الأغر المنشود .

ملاحظة : هذه السطور جاءت عفو الخاطر ، في الذكرى السابعة لرحيل هذا الأنسان الرائع المصادف الثاني من حزيران 2015 

 

 

 

ايليا اهرنبورغ

 وقوة الكلمة الصادقة

 

جــودت هوشيار

 

من الصعب أن نجد بين الكتاب الروس– بعد جيل العمالقة ، غوغل ، نولستوي ، تورغينيف ، دوستويفسكي ، تشيخوف ، بونين -  كاتباً أكثر شهرة في داخل روسيا وخارجها ، وأعمق تأثيراً في الأدب  الروسي في القرن العشرين من ايليا أهرنبورغ ( 1891 – 1967) .فقد كان طوال حياته الأبداعية  خالقاً للأشكال الشعرية والروائية الجديدة ، وجسراً ثقافيا، مهماً – ان لم يكن وحيداً - بين روسيا وأوروبا .

 لم تترجم من أعمال اهرنبورغ الى العربية سوى عدد محدود من رواياته ، ذائعة الصيت ، التي كتبها  في الأربعينات وأوائل الخمسينات من القرن العشرين ( سقوط باريس ، العاصفة ، الموجة التاسعة ،أقوى من الموت ، وذوبان الجليد وغيرها ) التي ترجمت الى العربية  - ليس من اللغة الروسية مباشرة ، بل من اللغتين الأنجليزية والفرنسية - وصدرت منها طبعات عديدة منذ أربعينات القرن الماضي وحتى عهد قريب ، ولكنني  ، أكاد أجزم ان الجيل الجديد من قراء العربية لا يعرفون عنه شيئاً يذكر ، مع أنه وحسب احصائية لمنظمة اليونسكو في أوائل الستينات من القرن الماضي ، كان الكاتب الأكثر شهرة في العالم ويحتل مكان الصدارة بين الروائيين العالميين من حيث مقروئية رواياته المترجمة الى عشرات اللغات الأجنبية .

  دور النشر اليسارية في العالم العربي ، قدمته ككاتب سوفييتي من مؤيدي النظام القائم . وجاء هذا الأنطباع الخاطيء لأن رواياته الرائعة فكراً وفناً ، حازت على أرفع جوائز الدولة السوفيتية وهي جائزة ستالين من الدرجة الأولى  ثلاث مرات ، ولأن دور النشر العربية المحسوبة على التيار اليساري ، هي التي قامت بترجمة ونشر رواياته ، مما ولد انطباعاً خاطئاً ، ان اهرنبورغ من مؤيدي الستالينية .

 والأسوأ من ذلك أن بعض المترجمين العرب، العاملين في دور الترجمة والنشر في موسكو - تلك الدور التي لم تكن تنشر في العهد السوفييتي سوى النتاجات التي كانت تتفق مع ايديولوجية الحزب الحاكم  ً و" الواقعية الأشتراكية " - حاولوا التقليل من شأن اهرنبورغ  وخيل اليهم ، ان كل من كان يحتل مكانة بارزة في العهد السوفييتي من كبار الكتاب والشعراء والفنانين ،ويحظى بتقدير واحترام الدولة السوفيتية فهو من كتاب السلطة ، غير جدير بالدراسة والتقييم. وهذه نظرة ساذجة وسطحية الى أبعد الحدود . فهم لا يعرفون شيئاً عن عذابات الكتّاب الروس الكبار وصراعهم الدائم مع السلطة واجهزتها الرقابية والأمنية ، ولا يعرفون شيئاً عن محنة اهرنبورغ وعذاباته على وجه الخصوص  ، حيث كان سيف السلطة مسلطاً عليه طوال وجوده في الأتحاد السوفييتي .

 الروايات التي حظيت بأهتمام اليسار العربي كانت ، تلك التي كتبها في فترة معينة من  حياته ، حين أحس – قبل غيره –بخطر النازية الألمانية على بلاده وعلى العالم ، فكتب روائعه ليس دفاعاً عن النظام القائم ، بل لفضح الفاشية بشتى صورها ، والوجه الآخر القبيح للرأسمالية ، التي خبرها ، حيث عاش في فرنسا وألمانيا وبلجيكا ، لسنوات طويلة ، وأكثر مما عاش في الأتحاد السوفييتي . روايات أهرنبورغ تصوّر ايضاً الواقع  السوفييتي الجديد بكل ما تحمله من آلام ومعاناة ومن بطولة الناس السوفييت وتفانيهم ، رغم كل المصاعب ، في بناء مستقبل أفضل .

أهرنبورغ كتب أكثر من مائة كتاب في مختلف أنواع الأدب من رواية ، وقصة ، و نقد ، وبحث .كما كتب الآف المقالات النارية خلال الحرب الألمانية -الروسية (1941-1945 ) تلك المقالات التي الهبت حماس المقاتلين السوفييت في جبهات القتال ,

اهرنبورغ حظي بمكانة عالمية ، وكان صديقاً مقرباً لأشهر أدباء وفناني العصر ، وكان حتى أوائل الثلاثينات من أشد معارضي النظام الشيوعي ، وكان يسخر من هذا النظام في رواياته الطليعية ومقالاته اللاذعة ، ولكن بعد استيلاء هتلر على السلطة في ألمانيا شعر بالخطر المحدق ببلاده وبالعالم الديمقراطي  وكان أمامه طريقان اما الأنحياز الى شعبه ووطنه والدفاع عنهما بقلمه الجبار أو الصمت ، فأختار الطريق الأول.

 وحسب علمي لم ينشر في العالم العربي أهم رواياته التي كتبها في العشرينات من القرن الماضي وهي اخصب فترة في تأريخه الأبداعي .

وما عدا بعض التعليقات المتناثرة هنا وهناك في الصحافة العربية لم أقرأ شيئا ذا بال عن هذا المبدع الكبير الذي كان الضمير الناطق لعذابات البشرية بايمانه الراسخ بالقيم السامية التي تعد القاسم المشترك لثقافت شعوب العالم . لقد عاني أهرنبورغ من النظام السوفييتي ، أشد المعاناة ومنع من النشر عدة مرات ، بسبب نقده اللاذع لكل النظم الشمولية ودفاعه هن الثقافة الأوروبية وعن كبار كتاب وفناني العالم  الذين منعت نتاجاتهم في الأتحاد السوفييتي في العهد الستاليني ، ومنهم هيمنجواي ومالرو وكافكا وبيكاسو ومودلياني وعشرات غيرهم.

البداية :

 شاعر مبدع ،كتب قصائد عاطفية رائعة ، ولكنه لم يشتهر بشعره ، بل برواياته وقصصه ، التي لفتت اليه الأنظار ، وأثارت جدلا واسعا  بين النقاد والقراء داخل البلاد وخارجها في آن ، منذ العشرينات من القرن الماضي .

 نثره الفني غطى على شعره الى الذي طواه النسيان تقريباً . ناثر رقيق وغزير الأنتاج ، وفي الوقت نفسه كاتب مقالات تعد نماذج رفيعة لأدب المقال . مقالاته أصبحت روائع في باب المقال الصحفي . وفي نثره الفني أخذ يحس على نحو متزايد بضغط الحداثة والأحداث الآنية الساخنة .

في الرابع عشر من حزيران عام 1940 دخلت القوات الألمانية باريس ، وفي ايلول 1941 شرع اهرنبورغ بكتابة رواية "سقوط باريس " حيث صدر الجزء الأول من الرواية في ربيع عام1941

اسلوب اهرنبورغ :

 كانت رواياته تجريبية لم يألفها النقاد والقراء السوفييت : مزيج من الأجناس الأدبية , وكان ذلك اسلوباً جديداً تماماً  في بناء الرواية حينذاك .

وتتجلى في تلك الروايات ، القدرة الأبداعية الفائقة والموهبة الصحفيّة العاليّة، إذ تبدو بعض فصول رواياته مزيجاً من النثر المشرق والتقارير الفنية ، بالغة الجمال . ورغم ذلك اعتبر بعض النقاد هذا الشكل الروائي مثلبة في معمار الرواية ، في حين اعتبره البعض الآخر ميزة مهمة .

ومن يطلع على آخر الأصدارات الروائية في الغرب في أيامنا هذه سيجد ان المزج بين الأجناس الأدبية ضمن الرواية الواحدة أمر شائع . وقد قرأت في الأيام الماضية ، رواية جديدة لكاتب عراقي ، كتب على الوجه الثاني لغلاف الرواية ، أنه لجأ الى المزج بين الأجناس الأدبية ضمن روايته ، واعتبر ذلك ابتكاراً جديدأً في الفن الروائي ، ولم يكتف بذلك ، بل زعم أن روايته هي آخر صيحة في رواية " ما بعد الحداثة " وأنه الرائد الأول لهذا الشكل الروائي في العالم العربي . وهذه مزاعم لا تستحق الوقوف عندها ، وقد أشرنا اليها لنبين ريادة أهرنبورغ لهذا النوع من الروايات .

ويمتاز نثر اهرنبورغ بما يسمى " الأسلوب البرقي " أي الجمل القصيرة الفعالة والمؤثرة .

وهو اسلوب ، سرعان ما أنتشر بين الروائيين بفضل اهرنبورغ وصديقه ارنست هيمنجواي .

 

ذوبان الجليد :

كان اهرنبورغ على دراية واسعة وعميقة بالثقافة الأوروبية وبكل الأتجاهات الفنية الحديثة في الغرب. وقد سمح له السوفييت بالأقامة في الخارج مراسلا لجريدة الأزفيستيا . ورغم ذلك لم يكن ستالينيا في يوم من الأيام .ولم يسمح لنفسه كتابة كلمة مديح واحدة للدكتاتور . فبعد أشهر قليلة من وفاة ستالين ، كتب روايته ، ذائعة الصيت " ذوبان الجليد " في عام 1953 ، وقد دخل مصطلح " ذوبان الجليد " ليس الى اللغة اليومية فقط بل الى العلوم السياسية والأجتماعية في كل أنحاء العالم ، بصفة مصطلح يرمز الى العهد السوفييتي الجديد ، المنفتح نسبياً.هذا المصطلح ما يزال يستخدم على نطاق واسع حتى يومنا هذا .

" ذوبان الجليد "  رواية تراجع الفترة الستالينية وكل ما جاءت به من تدمير للثقافة والمثقفين . ويقول بعض النقاد أن اهرنبورغ عبقري العناوين ، بمعنى أنه يختار عناوين نتاجاته لتعبر عن روح واجواء الفترة التي كتبت فيها ، فقد اطلق هذا المصطلح " ذوبان الجليد " على الفترة التي أعقبت وفاة ستالين وما تميزت به من قدر لا بأس به من حرية التعبير ، والخلق الأدبي والفني .

 الناس ، والأعوام ، والحياة :

 خلال السنة الثانية من فترة دراستي في موسكو( 1960 – 1967 )  . لفت نظري جدال واسع وساخن على صفحات المجلات والجرائد الروسية ،  حول الجزء الأول من مذكرات أهرنبورغ المعنونة " الناس والأعوام والحياة " الذي صدر في عام 1961 . وقد استطعت بشق الأنفس الحصول على نسخة من الكتاب . ومنذ ذلك الحين أخذت أتابع كل ما ينشره أهرنبورغ وما ينشر عنه في الصحافة الروسية .كما تسنى لي الحصول على نسخة من روايته الذائعة الصيت " ذوبان الجليد ". وقد يستغرب القاريء ، ما الصعوبة في أقتناء نسخ من أي كتاب صادر حديثا . وأقول ان الشعب الروسي من أكثر شعوب العالم عشقاً للقراءة وأي كتاب جدير بالقراءة – وان كان بمئات الألوف من النسخ -  ينفد فور صدوره ، ولا يمكن الحصول عليه الا بسعر مضاعف في السوق السوداء أو عن طريق ( الواسطة ) اذا كان لديك معارف يعملون في متاجر الكتب المنتشرة في المدينة التي تسكن فيها .

ذات مرة سأل صحفي غربي اهرنبورغ ،عما فعله الكتّاب السوفييت خلال ربع قرن من قيام الاتحاد السوفياتي فقـال: «لقد ربينا جيلاً من القراء».

 لقد توّج اهرنبورغ نشاطه الأبداعي بصدور مذكراته ، التي تعد  ، سجلاً حقيقياً  وصادقاً لوقائع العصر و مصدراً مهماً للغاية لفهم الكوميديا البشرية التي يطلق عليها اسم التأريخ ، وهي مذكرات تقرأ بشغف واهتمام ، لما تتضمنه ، من التأمل الفلسفي لوقائع الحياة العاصفة التي احياها الكاتب وسط الأحداث الخطيرة للقرن العشرين ولعلاقاته بكبارالساسة في الغرب وبرجال الدولة في بلاده وبأهم كتاب العصر وفنانيه ، في النصف الأول من القرن العشرين . ولعل من أمتع فصول هذه المذكرات ، تلك التي كرسها الكاتب للسنوات الأولى من حياته في باريس ، وسط الأجواء البوهيمية لمقهى ( روتوندا ) الشهير ، بين الكتاب والشعراء والفنانين الشباب – في ذلك الوقت -   حيث تعرف فيها على مبدعين كبار في شتى مجالات الآداب والفنون ، وأصبح العديد منهم ،  اصدقاء العمر بالنسبة اليه .. وهو يخصص فصلا كاملا لكل مبدع ، كما يتحدث عن معاناة الكتاب والفنانين والمسرحيين الروس في ظل النظام الستاليني .

كتاب الطاولة :

يطلق الروس مصطلح " كتاب الطاولة " على الكتاب الذي تضعه في متناول يدك على الطاولة وتقرأ فيه بين آونة وأخرى ، كلما احتجت اليه أو رغبت في اعادة قراءته ، لشدة حاجتك اليه أواعجابك به . وبالنسبة اليّ فأن كتاب طاولتي هو" الناس ، والأعوام ، والحياة " ففيه دروس بليغة لكل المثقفين ، ولكل من يعتز بثقافات الشعوب دون تمييز ، وبالقيم الأنسانية النبيلة

. كان اهرنبورغ يعتقد بأن غياب الدين عن الحياة الأجتماعية في الأتحاد السوفييتي ، قد ترك فراغاً روحياً هائلاً، لن تملأه سوى الثقافة وبخاصة الآداب والفنون ، وهذه الفكرة يتحدث عنها في مواضع عديدة من مذكراته الرائعة ، التي كانت التربة الخصبة ، التي نبتت ونمت فيها حركة " المنشقين الروس " منذ الستينات وحتى تفكك الأتحاد السوفييتي .

 قوة الكلمة الصادقة :

كان خطر الأعتقال والتصفية محدقاً بأهرنبورغ طوال فترة حكم ستالين . وكان كمن يسير على حبل مشدود . يقول بين الأسطر ما لا يمكن أن يبوح به صراحة ً ، فهو كان يوازن بين التعبير عما يفكر  فيه ويشعر به في ظروف النظام الشمولي المغلق ، وما يتوق اليه من أدب قادر على التأثير في الجمهور العام القاريء ، وبين قيود الرقابة التي كانت مفروضة على حرية التعبير ، وعلى نشاطات المبدعين والعلماء وعموم المثقفين . وكان يعتقد أن قول جزء من الحقيقة راهناً ، افضل وأقوى تأثيراً من قول كل الحقيقة بعد عشرين أو ثلاثين عاماً . لم ير اهرنبورغ سنوات " البريسترويكا " فقد غيبه الموت قبل ذلك بعشرين عاماً تقريباً ، ولكن كتاباته المؤثرة ، التي كان المثقفون الروس يتلقفونها بشغف ويطيلون التفكير فيها ،  أسهمت الى حد بعيد في التشريح الفكري للنظام السوفييتي الشمولي البائد .

اسم اهرنبورغ سوف يبقى حياً في ذاكرة الأجيال الروسية الصاعدة وفي سجل الثقافة العالمية ، وليس من قبيل المصادفة أبداً ، أن العديد من الكتب قد ظهرت في الغرب في السنوات الأخيرة عن حياة وأبداع هذا الكاتب الأنساني الكبير.

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا