الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

*هيفاء زنكنة كاتبة وصحفية وناشطة عراقية تقيم في بريطانيا تكتب اسبوعيا في جريدة (القدس العربي)

مقالات سابقة للكاتبة

العراق: اغتيال الصحافة

ولعبة تدوير الساسة

 

هيفاء زنكنة

 

الى قائمة الشهداء العراقيين، نساء ورجالا، أضيف منذ ثلاثة أيام، الصحافي أحمد عبد الصمد وزميله المصور غالي التميمي، اغتيلا، كما بات متعارفا عليه، رسميا بالعراق «برصاص مسلحين مجهولين» فروا الى «جهات مجهولة». تؤكد هذه الصيغة الجاهزة المبتذلة، الاستهانة بأهم حقوق الإنسان وهو حق الحياة، بالإضافة الى حرية الرأي. وتهدد، بالنسبة إلى الصحافيين، جوهر عملهم، فضلا عن حياتهم. فمن من الصحافيين يجرؤ، في أجواء الترويع والتهديد على ذكر حقيقة ما يجري؟ كيف سيتمكن الصحافي، المستقل، من المحافظة على حياته، إذا ما قدم خبرا مغايرا للتصريحات الرسمية الجاهزة؟ ماذا حدث لـ «العملية السياسية» المُغلفة بورق حقوق الإنسان الصقيل؟ أم أن هناك تعريفا جديدا للصحافي وعمله لا يعرفه غير ساسة «العراق الجديد»؟
يدل استخدام الناطقين الرسميين باسم الحكومة هذه الصيغة على وجود توليفة من ساسة فاسدين وميليشيات ومرتزقة يستهدفون من يشاؤون، بحرية كبيرة، ولعلهم من القلة التي تتمتع بحرية الحركة والتعبير عن رأيها، عن طريق اغتيال من يتجاوز الخطوط الحمراء التي رسموها، خارج حدود القانون والدولة. وهي قلة تتمتع بالحصانة من العقاب بحكم كونها «مجهولة»، ولم يحدث وتم تقديم أي من أفرادها الى القضاء في ظل حكومات ودولة ما بعد الاحتلال. دولة بُنيت على « المجهولين» و»الأطراف» وأهمهم « الطرف الثالث». حيث اُستحدث مصطلح « الطرف الثالث»، منذ انتفاضة تشرين/أكتوبر، ليكون مشجبا تُعلق عليه مسؤولية جرائم الاغتيالات «المجهولة»، المتزايدة، خاصة بين العاملين في أجهزة الإعلام. فخلال شهرين، فقط، من بدء الانتفاضة وثقت « الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحافيين» تعرض نحو مئة صحافي للاعتداء والضرب، مع تحجيم ومهاجمة المؤسسات الإعلامية، وما تلاه من اختطاف واغتيالات تجاوزت الأربعين.
لقي الصحافي عبد الصمد والمصور غالي حتفهما عقب انتهائهما من تغطية الاحتجاجات وسط مدينة البصرة، جنوب العراق. وكان عبد الصمد قد فَنَد، في آخر تقرير له، « مجهولية» الاغتيالات وحالات الخطف واعتقال المتظاهرين، مُحملا الحكومة المسؤولية، مبينا أن هوية «المجهولين» معروفة لدى الحكومة. رشحته تغطيته للاحتجاجات الشعبية ووقوفه بجانب المتظاهرين، للتصفية السريعة على أيدي «المجهولين» من «الطرف الثالث»، لأنه تجاوز خطوطها الحمراء. «الخطوط الحمراء» التي رسمت للصحافيين والعاملين بأجهزة الاعلام، على اختلافها، لكيلا يتجاوزها أحدهم مؤكدا استقلاليته وقدرته على تقديم الحقيقة.
يستحق مصطلح «الخطوط الحمراء»، كما «المجهولين» والطرف الثالث»، أن يضاف الى إنجازات حكومات الاحتلال المتعاقبة. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2009، مثلا، حاول «مجهولون» اغتيال الصحافي عماد العبادي. شفى العبادي بعد أن تمكن أطباء في ميونيخ من إخراج ثلاث رصاصات من دماغه. عند عودته الى الناصرية، مدينته الواقعة جنوب العراق، رحب به الأصدقاء. كان من بينهم، ابن مدينته المطرب المعروف حسين نعمة، الذي صرح قائلا «نبهته أن يخفف من الكلام. هناك خطوط حمراء». لم يُعلق العبادي، يومها، بل فضل عدم الكلام. ولم يكن الصحافي جواد سعدون الدعمي من قناة البغدادية الفضائية، محظوظا مثل زميله، حيث اغتاله «مسلحون مجهولون»، وهو داخل سيارته في حي القادسية جنوب غربي بغداد، في 24 أيلول/ سبتمبر 2007.

إن رفض المنتفضين لكل من ساهم في الحكومات السابقة والحالية و»العملية السياسية» ليس دعوة إلى الانتقام بل إلى طموحهم في تحقيق تغيير حقيقي وبناء وطن دفع الشعب، ولايزال، ثمنه غاليا

يكاد لا يخلو عام من تقرير دولي يوصي « الحكومة» بحماية الصحافيين وتوفير الأجواء لممارسة عملهم. ففي عام 2013، أشار تقرير، أصدرته «لجنة حماية الصحافيين الدولية»، إلى تصدر العراق، قائمة الدول التي يفلت فيها قتلة الصحافيين من العقاب. وأكد التقرير إن المنظمات الإرهابية ليست المسؤولة الوحيدة عن قتل الصحافيين بل هناك «مسؤولون حكوميون وعصابات منظمة تقوم بقتل الصحافيين أيضاً انتقاماً منهم على عملهم، ودون أن يواجهوا العدالة».
وفي 2016، قُتل 13 صحافيا، معظمهم أثناء تغطية المعارك مع تنظيم الدولة الإسلامية، حسب الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحافيين، إلا أن 179 صحافيا تعرضوا لأنواع مختلفة من الاعتداءات من ضرب وتهديد بالقتل من «جهات مجهولة» على خلفية نشر تقارير صحافية عن الفساد في بعض مؤسسات الدولة. أما «إحصائية شهداء الصحافة العراقية» التي وثقت استهداف الصحافيين، منذ عام 2003 حتى 2016، فقد بينت أن عدد الضحايا الكلي هو 277 صحافياً ومساعداً إعلاميا منهم 22 صحافياً أجنبيا، و»أن الصحافي العراقي مستهدف من كل الأطراف المتنازعة دون استثناء».
إن أجواء الترويع المحيطة بعمل الصحافيين وتقييد حرية حركتهم، والتعبير عن آرائهم، وملاحقتهم بالإضافة إلى التصفية الجسدية، وإفلات مرتكبي الجرائم من العقاب، يزيد من اللجوء إلى القتل كأداة سهلة ومضمونة لكتم الأصوات المستقلة، وتحديد المعلومات المتوفرة للجمهور، ودفن الحقيقة مقابل إشاعة الأكاذيب وتضليل الناس.
وإذا كانت هذه هي معالم الصورة العامة منذ 16 عاما، فإن حملة القمع والاغتيالات ازدادت، بقوة، منذ انبثاق انتفاضة تشرين، بموازاة ازدياد الوعي لدى المنتفضين، بأن الحقوق لا يمكن نيلها لفرد دون غيره ولا لفئة دون غيرها، وإذا ما حدث ونالتها الفئة فأنها لن تكون صالحة، على المدى البعيد، لبناء وطن يتسع للجميع، مهما كانت أساليب الإغواء والابتزاز وشعبوية الخطاب. ان وصول المنتفضين الى هذه الحقيقة وتمسكهم بها، يُخيف أعضاء الحكومة والبرلمان والميليشيات الى أقصى حد، فهو يهدد مصالحهم الشخصية التي بنوها على حساب الوطن، كما يهدد كل أوهام الطائفية وصناعة الهويات الفرعية المزيفة، التي عملوا بجد على إشاعتها، لإبقاء المواطن جاهلا بحقوقه ووطنه وبناء مستقبله.
سيرورة الانتهاكات ومنهجية كتم الأصوات وحرمان المواطن من حقوقه، هي التي تدفع المنتفضين الى رفض إعادة تدوير الساسة، حتى من قدم استقالته من البرلمان، أيام الانتفاضة، بعد المشاركة في غنائم الاحتلال وجرائمه أو مسايرته مدة 16 عاما، شكاً بدوافعهم، مثل قصي السهيل (القيادي في حزب الدعوة الشيعي الذي «استقال» من ليرشحوه لرئاسة الوزراء كمستقل)، ورائد فهمي (سكرتير عام الحزب الشيوعي ، ومنذ ثلاثة أيام، أياد علاوي، رئيس وزراء أول حكومة عينها حاكم الاحتلال بول بريمر، اللذان لم يبدر منهما ما يدل على انتقالهما الى صف الشعب شهوداً، بما لديهم من وثائق ومعلومات. إن رفض المنتفضين لكل من ساهم في الحكومات السابقة والحالية و»العملية السياسية» ليس دعوة إلى الانتقام بل إلى طموحهم في تحقيق تغيير حقيقي وبناء وطن دفع الشعب، ولايزال، ثمنه غاليا.

كاتبة من العراق

 

 

 

المنتفضون العراقيون بين

الشيطان الأكبر والأصغر

هيفاء زنكنة

 

وأخيرا، حدث ما كان العراقيون يتوقعون حدوثه. طفت على السطح همجية طرفين يقتتلان على أرض العراق، بعيدا عن أراضيهم ومواطنيهم. في بلاد استبيحت، تدريجيا، بالتعاون مع من فتح لهم أبوابها. يمنحون فيها حق «الشهادة» والقدسية لمن يريدون والتلويث بـ«الإرهاب» لمن لا يريدون. بين «شهادتهم» و «إرهابهم»، ساحات يقطنها منتفضون، لا يريدون الطرفين، الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر، بل يطالبون منذ الأول من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بوطن يتمتعون فيه بحقوق المواطنة، وسيادة الوطن عن طريق وضع حد للقواعد العسكرية لـ «الشيطان الأكبر» وميليشيات وساسة» الشيطان الأصغر».
جاء رد فعل النظام المنقسم ولاء أفراده بين الشيطانين، وحشيا وإجراميا. سالت على أرض الوطن دماء ما يزيد على الخمسمئة مواطن وعشرات الآلاف من الجرحى وآلاف المعوقين والمعتقلين. أُختطف ناشطون وناشطات وعُذب أطفال لاستخلاص اعترافات تدين آباءهم. شكك البرلمان والمرجعية بمطالب المنتفضين بداية وحين أُجبرا على الاعتراف بصحتها، شرع البرلمان بالتسويف والمماطلة بانتظار يأس المنتفضين وتخليهم عن ساحات بلادهم.
وعندما أُجبر رئيس الوزراء على الاستقالة بأمر من الشعب، وبانت دلائل اقتراب المنتفضين من تحقيق انتصارهم في التخلص من الشيطانين، كُتبت سيناريوهات جديدة للمناوشات واستعراض العضلات علنا، وتهيئة الأرضية لجولة جديدة للمفاوضات بين الطرفين سرا، بشرط القضاء على الانتفاضة. فقام الشيطان الأكبر بقتل الابن المفضل للشيطان الأصغر، أثناء زيارة سرية له « كضيف»، كما قيل لنا نحن السذج، ففاجأه الشيطان الأكبر بعدم الترحيب به ومن معه. إذ يرى الشيطان الأكبر نفسه أنه الأحق بالضيافة في العراق، أو كما يطلق عليه في قاموس الاستعمار الجديد «البلد المُضيف» وفق اتفاقيات موقعة مع أهل البيت.
مع تزايد التهديدات بتصعيد الاقتتال، في العراق، (لاحظوا ليس في طهران أو واشنطن)، ونجاح الشيطانين في تحويل الأنظار عن غضب الشعب ومطالبته بالوطن، خطب رئيس الوزراء المقال عادل عبد المهدي، في البرلمان، تضمنت من التناقضات ما يكاد يثير الشفقة عليه، لولا كونه مسؤولا، عن جرائم لا تغتفر بحق المنتفضين. ختم الخطبة بتقديم «خيار» انهاء الوجود الأمريكي بالعراق، واصفا إياه بأنه وجود أجنبي، وهو وصف يعيد إلى الأذهان خطابا لوزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد عام 2004، قال فيه إن مشكلة العراق الأولى هي وجود الأجانب فيه، مستثنيا طبعا قوات الاحتلال الأمريكي، ربما لأنه اعتبرها من «أهل البيت»، كما يفعل عادل عبد المهدي، الآن، حين ينصح بإخراج الأجانب، كأن سليماني وبقية القيادة الإيرانية الفاعلة داخل العراق بالإضافة الى الميليشيات هم مواطنون عراقيون أبا عن جد.

إن المعنى العميق لمطلب المنتفضين حين ينادون باستعادة الوطن هو التخلص من المحتلين الأمريكي والإيراني، وتواجدهما المباشر وغير المباشر، وما أنجباه من المشوهين المتنافسين

ولا أدرى كيف لم ينتب عبد المهدي الخجل وهو يتحدث عن ضرورة الحفاظ على السيادة، وهو يعرف، جيدا، أن قوات الاحتلال الأمريكي والميليشيات الإيرانية والقصف التركي، لم يفتأوا ينتهكون سيادة العراق بشكل دوري وجماعي منذ 16 عاما! فهل كان النظام العراقي بحاجة الى اغتيال سليماني ليدرك أنه محتل من قبل أمريكا؟ ليطالب بالانتقام والثأر والقصاص العاجل وإعلان الحداد ثلاثة أيام لارتكاب أمريكا جريمة اغتيال ستة افراد، بينما مرر جريمة اغتيال أكثر من 500 شاب بصمت لا يضاهيه صمت؟
إن طلب انسحاب القوات الأمريكية وإلغاء تواجد القوات الأجنبية ردا على اغتيال مواطن عراقي هو ما يجب أن يكون لو كانت هناك دولة ذات سيادة تحترم وتقدر حياة مواطنيها، ولو كان المستهدف مواطنا واحدا، وما كان يجب أن يحدث منذ سنوات حين سبب الاحتلال الأمريكي زرع الإرهاب بأنواعه، وفتح الأبواب مشرعة للشيطان الأصغر ليتعاونا سوية، عبر عملائهما، على زرع الطائفية والفساد والتجهيل المنهجي بديلا للتوعية والتعليم، والاحباط بدلا من الأمل والموت بديلا للحياة، حتى تجاوز عدد الضحايا المليون منذ عام 2003، وها هو، الآن، رئيس وزراء مستقيل، يواصل الاستهانة بالمنتفضين والتكلفة الغالية التي يدفعونها ، يوميا، ليقدم مهزلة دحضها أعضاء البرلمان، حين وقفوا في البرلمان، هاتفين بغوغائية مبتذلة أمام الشعب المنتفض في الساحات منذ شهور، وأمام تضحيات الآلاف من المواطنين دما واعتقالا وتعذيبا: «نعم نعم… سليماني، كلا كلا… أمريكا». كيف يمكن لهذه المجموعة، بتاريخها وحاضرها المخزي، أن تعمل على تحرير البلد من قيوده، وعلى تحرير الأمة من الأسر الذي أوقعوها، هم أنفسهم، فيه؟
إن المعنى العميق لمطلب المنتفضين حين ينادون باستعادة الوطن هو التخلص من المحتلين الأمريكي والإيراني، وتواجدهما المباشر وغير المباشر، وما أنجباه من المشوهين المتنافسين، فسادا وطائفية وخنوعا، ما يضاهي أكبر صراع مافيوزي في أي مكان بالعالم. وهو ما لن يتمكن النظام الحالي من تحقيقه، حيث بلغت درجة انغماسه في الفساد المادي والإداري والأخلاقي، وتوفر ملفات الابتزاز المعدة ضد بعضهم البعض، حدا يمنعهم، وإن ارادوا، من تطهير أنفسهم.
إن مطالبة المنتفضين بحقوقهم سببت صدمة كبيرة للشيطانين الكبير والصغير، كما هو فشل المماطلات ومحاولات مد المواطنين بالأوهام ليتقبلوا واقعهم البائس. وقد حاول الطرفان، بمعاونة الساسة المحليين، مسخ الشعب ليحقق كل طرف منهما انتصاره على الآخر، ليحققا مصالحهما في التوسع والاستغلال والمحافظة على سلامة وأمن مواطنيهما والسيادة الوطنية. يتبادلان الأدوار، يهدد أحدهما الآخر، أو يتغازلان، يكمل أحدهما الآخر، على خشبة مسرح يدعى العراق. في 7 كانون الأول/ديسمبر الماضي، تفاوضا لإجراء صفقة، تبعها تغريدة من ترامب قال فيها «شكراً لإيران على مفاوضات عادلة للغاية. هل رأيتم، يمكننا عقد صفقة معا». اليوم يُشهر تغريداته مهددا. وكان من الممكن أن تستمر المسرحية، لصالح الطرفين، لولا انتفاضة تشرين، وهي حصيلة سيرورة كل المظاهرات والاعتصامات، السابقة، ضد من نخروا الأحلام بوطن. ونواة الأمل التي ستحقق النصر، حتما، إذا ما واصل المنتفضون امتلاكهم للساحات، على الرغم من المخاطر الجسيمة التي يتعرضون لها. تتطلب لتجاوزها انضمام بقية أبناء الشعب إليهم بحركة اعتصام مدني، خاصة من قبل عمال النفط، لإيقاف مد الغزاة، أيا كانوا، بما يطيل بقاءهم. وليقوم شباب البلد ببناء وطن بحجم آمالهم وطموحاتهم، مستقلا ليتعاملوا مع بقية بلدان العالم، على قدم المساواة لا كالعبيد.

كاتبة من العراق

 

 

عراق الانتفاضة…

أين نحن ذاهبون؟

هيفاء زنكنة

 

من الصعب، ونحن على قرب يوم من بداية العام الجديد، التهرب من مراجعة أحداث العام الماضي واستشراف ما ستحمله الأيام المقبلة، بالنسبة الى الانتفاضة العراقية، الموشكة على دخول شهرها الرابع، خاصة بعد أن تحقق، فعليا، ما كان الجميع يتوقعه في تحويل مواقع في البلد، الى ساحات مناوشات واقتتال بين أمريكا وإيران. من ناحية المراجعة والتقييم الموضوعي، لا يختلف اثنان في أن الانتفاضة السلمية، حققت تغييرات، ذات أهمية كبرى، محليا وإقليميا، على الرغم من القمع الوحشي الذي تواجهه، يوميا.
محليا، أطلق الشباب الخريجون، والعاطلون عن العمل، والمهمشون صرخة احتجاجهم الأولى مطالبين بحقوقهم واستعادة وطنهم، بعد أن أدركوا أن المطالبة الجزئية المحصورة بمصلحة هذه الفئة أو الطائفة أو الشريحة المعينة دون غيرها لم تعد تجدي، وأنهم وصلوا قاع الطموحات والآمال التي يعيشها الشباب في معظم البلدان، فكيف ببلد غني كالعراق؟ وأدركوا أن انتماءهم الى حزب طائفي أو ميليشيا مسلحة أو الجلوس بانتظار تحقيق وعود العمل، بات مهزلة المهازل، واستهانة بعقولهم من قبل أحزاب فاسدة وحكومة تتحكم بها الميليشيات.
جاء هذا الإدراك بعد 16 عاما من بضاعة «الديمقراطية» والتخلص من المظلومية، فلا غرابة أن يختار المنتفضون الوقوف بعيدا (كالخائف من عدوى الإصابة بمرض خبيث) عن الأحزاب التي ساهمت بالعملية السياسية التي أسسها حاكم الاحتلال الأمريكي بول بريمر. رافضين تعيين أي شخص، كرئيس وزراء للحكومة الانتقالية، إذا كان ينتمي الى أي حزب، مهما كان، عمل ضمن إحدى حكومات الاحتلال منذ عام 2003 وحتى إجبار رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على الاستقالة في الشهر الماضي. يبين اتخاذ المنتفضين قرارا كهذا، انعدام الثقة بالأحزاب مجتمعة، مما يجردها من شرعية وجودها كممثلة للشعب، بكل مواطنيه، يتوجب عليها أن تلعب دورا فعليا في نيابة الشعب، وأن تكون عوامل فاعلة ذات أهمية مركزية في نظام ديمقراطي.
محليا، أيضا، تمكن المنتفضون، ذكورا واناثا، من تقديم الإجابة على سؤال طالما طرح، على مدى سنوات الاحتلال الأمريكي والحكومات الميليشياوية، المُلفعة بالسواد، وهو: أين هي المرأة العراقية؟ خلال الانتفاضة، وفي فترة وجيزة نسبيا، استعادت المرأة مكانتها المعتادة، جنبا الى جنب مع الرجل، مطالبة بالوطن والحقوق المهضومة، منادية: نازلة آخذ حقي وعراق… عراق، كلنا عراقية.
إقليميا ودوليا، هتف المنتفضون ضد التدخل الإيراني بميليشياته وأمريكا بقواعدها العسكرية ومرتزقتها. أدرك المنتفضون أنهم لن يستعيدوا الوطن إذا لم يكن مستقلا ويتمتع بالسيادة. وأن تحقيق مطلب الوطن يقتضي التخلص من الاستبداد الداخلي والتدخل الخارجي معا.

هناك نقاط أساسية يواصل المنتفضون التركيز عليها، وهي: اصرارهم على البقاء في الساحات والشوارع، مؤكدين في تصريحاتهم « حتى ننال حقوقنا» و«وفاء لدم الشهداء»

لم تمر هذه المنجزات بسهولة. دفع المنتفضون ثمنا غاليا جدا لتحقيق جزء من حملة التنظيف الداخلية والخارجية. بالمقابل تكاتفت قوى الفساد والاستبداد الداخلي والخارجي، متشبثة بمصالحها وما تعتبره غنيمة حرب من جهة، وساحة لتسوية النزاع والمفاوضات السرية، خاصة، بين أمريكا وإيران، من جهة أخرى. فشهدت ساحات التحرير استماتة متلازمة المستبد – المحتل في الدفاع عن وجودها ومصالحها المهددة. قتلت مئات الشهداء وجرحت عشرات الآلاف واعتقلت وعذبت آلاف المتظاهرين. استخدمت كل ما يتوفر لديها من قتلة وأسلحة محرمة ضد متظاهرين سلميين. وحين رأت اصرارهم وصمودهم على مواصلة الطريق الذي شرعوا بالسير فيه، لجأت الى حملة الاختطاف أولا والذي استهدف النساء لمنعهن من المساهمة بأي نشاط كان، ثم القتل بواسطة كاتم الصوت ثانيا. وقد فاقت أعداد ضحايانا ما سقط في أي بلد آخر في العالم شهد الانتفاضة في العقد الأخير من السنين، سواء بالعدد أو بالنسبة لعدد السكان.
إلى جانب الاستهداف الجسدي للمنتفضين، تستعين متلازمة المستبد – المحتل بمواقع التواصل الاجتماعي، لترويع المنتفضين واستهدافهم نفسيا، عبر حملات تشويه منهجية تتهمهم بالعمالة لقوى خارجية، الكيان الصهيوني وأمريكا، مثلا. يساهم في حملات التشويه والتشكيك بطبيعة الانتفاضة عدد من الأكاديميين والمحللين، إضافة، الى عدد من المؤسسات البحثية التي تدعي الموضوعية. يقوم السذج بتدوير ومشاركة هذه المقالات والبحوث، بدون التأكد من صحة مصدرها وتوثيقها. تُنشر هذه الرسائل لترويع وتخويف ومنع الناس من الانضمام الى المنتفضين، او دفع الموجودين على المغادرة. ولا تخلو مواقع التواصل من قنوات بث (يوتيوب)، تبث رسائل تتضمن « فضح» هذا المحتل ضد ذاك، ينفذها أشخاص يرون في أمريكا الخلاص من « الظلامية الإسلاموية»، أو يرون في إيران الخلاص من « الشيطان الأكبر». كلا الطرفين يدعيان الوطنية وانقاذ العراق.
إزاء هذا كله، ما الذي يُعَول عليه المنتفضون، خاصة، مع توقع زيادة الضغط السياسي عليهم للوقوف بجانب « الحكومة» وإلا اُتهمت بالخيانة؟ «الحكومة» التي صارت تُقدم نفسها باعتبارها «العراق» بعد أن استهدف طيران الاحتلال الأمريكي مواقع ميليشيا حزب الله التابع للمحتل الإيراني قبل يومين. فهل «الحكومة» أو مليشيا حزب الله، هي العراق حقا؟
هناك نقاط أساسية يواصل المنتفضون التركيز عليها، وهي: اصرارهم على البقاء في الساحات والشوارع، مؤكدين في تصريحاتهم « حتى ننال حقوقنا» و «وفاء لدم الشهداء». نيل الحقوق يعني في حكومة انتقالية، نزيهة، لم يخدم أفرادها أي احتلال، أمريكيا كان أو إيرانيا أو مُنزلا من المريخ (حسب تعبيرهم)، واجبها الأول هو تمثيل الشعب العراقي، كله، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم القتل، الذين يعرفهم المنتفضون ويُنكر النظام معرفتهم. أن شروط المنتفضين غير مستحيلة، وممكنة التحقيق، إذا ما توفرت الإرادة السياسية الوطنية، وتم وضع حد لمنظومة المحاصصة الطائفية والفساد، التي نخرت الدولة بكل مؤسساتها وتسربت، تدريجيا، الى بنية المجتمع، لتؤسس طبقة ساسة الأحزاب الحالية. كما شَرعت الأبواب للإرهاب، وكل من يرغب بقضم جزء من بلد، أصبح مفهوم السيادة فيه نكتة سمجة، أو قطعة قماش مهلهلة، تُستخدم، كما هو الدستور، لمسح الأوساخ السياسية. وأصبح كل مواطن مطالبا بإثبات وطنيته، عن طريق أما ان يكون مع أمريكا اذن هو ضد إيران، أو مع إيران اذن هو ضد أمريكا، متعامين عن حقيقة أن الاثنين مُحتلان للوطن، وإن بنسب متفاوتة.
في روايته الأخيرة، المعنونة «الأصل»، يحاول الكاتب الأمريكي المعروف دان براون، الإجابة على اثنين من أهم الأسئلة التي يواجهها الانسان عن الحياة: «من أين أتينا؟» و «أين نحن ذاهبون؟». يحيلنا السؤال الأول الى ضرورة معرفة أسباب الانتفاضة لأن «أولئك الذين لا يعرفون الماضي محكوم عليهم بتكراره»، كما يذكرنا الكاتب والفيلسوف الاسباني جورج سانتايانا، أما الإجابة على السؤال الثاني، فإنه محكوم بالأمل الذي يراهن عليه المنتفضون، ونحن معهم.

كاتبة من العراق

 

 

الفضائيات العراقية بين

الانتفاضة والابتذال الإعلامي

هيفاء زنكنة

 

أصبحت المقابلات التلفزيونية التي تجريها الفضائيات العراقية وعدد من القنوات العربية، مع شباب الانتفاضة، مرتعا خصبا أما لتمرير أجندة القنوات السياسية والربحية، وهي مسألة مفهومة، اذ ليست هناك أجهزة إعلام، تعمل كجمعيات احسان لصالح الشعوب، أو ساحة لاستعراض وتذاكي مقدمات ومقدمي البرامج ونشرات الأخبار، بذريعة « أن الشارع العراقي يتساءل»، وحين يدرك مقدم البرنامج، متأخرا، عادة، أن من يتحدث اليه هو الذي يمثل الشارع، يستدرك موجها سؤاله بصيغة تعميمية أكثر، على مستوى « هناك من يتساءل».
معظم هذه القنوات، تواصل تسويق نفسها، على الرغم من كل ما يدل على العكس، باعتبارها محايدة وموضوعية وتمثل صوت الشارع، فيستمرئ مذيعوها ومقدمو برامجها أداء أدوارهم، عن طريق الاستهانة بضيوف البرامج وبالتالي، ولطول ساعات البث، بعقول الناس. حيث برز، في الأسبوعين الأخيرين، إثر اقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، ومع تحقيق المنتفضين خطوتهم الأولى نحو التغيير واستعادة الوطن، الوجه الحقيقي للإعلام المخاتل، إزاء المنتفضين، عندما تتم استضافتهم من ساحات التحرير من مختلف أرجاء البلاد. فبدلا من الحديث عن مجريات الحياة اليومية للمنتفضين، وكيف يواصلون البقاء في الساحات والطرق، وتفاصيل التحكم بالمشاعر الإنسانية من غضب وخوف وتحد وهم يواجهون ويتعرضون لاستهداف وحشي، ورمي بالرصاص الحي، ورشهم بالغاز المسيل للدموع والذي يستخدم في مناطق الحروب، فقط، بالإضافة إلى رؤيتهم لزملائهم وأصدقائهم، وفي بعض الحالات أقربائهم، وهم يقتلون أمامهم أو يتم العثور على جثثهم بعد اختطافهم، بدلا من ذلك ، بتنا نرى عملية اخضاعهم، من قبل مقدمي البرامج ، لاستنطاق يذكرنا ببرامج أجهزة الإعلام الرسمية، التي يتم فيها استنطاق عضو عصابة أو إرهابي، بعد تعذيبه وتوقيعه على الاعتراف بطبيعة الحال.

معظم الفضائيات، تواصل تسويق نفسها، على الرغم من كل ما يدل على العكس، باعتبارها محايدة وموضوعية وتمثل صوت الشارع، فيستمرئ مذيعوها ومقدمو برامجها أداء أدوارهم، عن طريق الاستهانة بضيوف البرامج

شاهدنا، قبل أيام، نموذجا لأحد هذه المقابلات في فضائية، تواصل البث على مدى 24 ساعة يوميا. قدم البرنامج، ومدته ساعة، مذيع، أراد أن يثبت أنه صاحب سلطة على الضيف والجمهور، وأنه، وهذا هو الأهم سيحصل، شاء الضيف ام أبى، على الجواب الذي يريده، بالتحديد، لا أكثر ولا أقل. على مدى ساعة، دار المذيع، حول سؤال واحد بتنويعات استنطاقية متفاوتة، بمثابرة يحسد عليها. وهو ليس الوحيد بل بالإمكان اعتباره نموذجا لكثيرين غيره، من مقدمي البرامج العربية. أراد ان يعرف، بالضبط، بأسلوب استعراضي يجمع بين التهكم والجلوس بأوضاع مختلفة، لماذا لم يختر المتظاهرون، حتى الآن، متحدثا رسميا ناطقا باسمهم، يقوم بالتفاوض مع «الحكومة» لتحقيق مطالبهم، و… لماذا لا يخفف المتظاهرون من اصرارهم على المطالب؟
كان الناشط صبورا على الرغم من ملامح التعب البادية على وجهه. وكيف لا يتعب من قضى عدة اسابيع معتصما في ساحة مهددة بالموت، في كل لحظة، على أيدي الميليشيات والقوات الحكومية؟ كرر، المرة تلو المرة، مطالب المنتفضين وكيف أنها أساسية، يرتبط بعضها بالبعض الآخر، ولا يمكن المساومة عليها، خاصة بعد أن ختمت بدماء الشهداء. إنها حقوق غير مطروحة للمقايضة مع نظام فاسد استنفد مدة صلاحيته منذ سنوات، وصبر عليه أبناء الشعب حفاظا على السلم، وأملا في ان يستيقظ الفاسدون، يوما، ليدركوا مدى الخراب الذي جروا اليه العراق وأهله. كرر الناشط، أيضا، رفض المنتفضين لترشيح أي شخص ساهم، بطريقة أو أخرى، في العملية السياسية منذ عام 2003 أو ينتمي الى أحد الأحزاب المشاركة. فالخراب الذي أصاب البلد ليس مسؤولية فرد واحد بل مسؤولية نظام، وترشيح أحد أبناء النظام كرئيس للوزراء لإدارة الحكومة الانتقالية، هو ضحك على الناس، واستهانة واحتقار لا مثيل لهما للشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنا لاستعادة الوطن من أيدي الفاسدين. وكان الناشط موفقا، تماما، في استخدامه وصف النظام بالفساد باعتباره أساس القمع والاستبداد والطائفية والإرهاب. فالفساد، حسب ميثاق الأمم المتحدة، وقد تذوقه الشعب العراقي على مدى 16 عاما، هو الأخطر على استقرار المجتمعات وأمنها، والأسس الأخلاقية والعدالة وسيادة القانون. وذلك للصلات القائمة بين الفساد وسائر أشكال الجريمة، وخصوصا الجريمة المنظمة والجريمة الاقتصادية، بما فيها غسل الأموال، وتزوير العقود والتلاعب بموارد البلد، والتعيينات الوهمية وابعاد الاكفاء النزيهين المؤهلين لشغل الوظائف العامة، مما يهدد الاستقرار السياسي والاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة.
مر مقدم البرنامج مرورا عابرا على تشخيص الناشط عن الفساد والفاسدين، ليركز على السؤال الذي بات قبلة أجهزة الإعلام، ومحط استنطاق يثير الشك، هو الكشف عن ممثلي المنتفضين. حاول الناشط أن يبين خطورة مثل هذه الخطوة، وكيف أن المنتفضين مهددون بالاختطاف والقتل اليومي لمجرد تواجدهم في الساحة فكيف إذا ما تم الإعلان عن أسماء متحدثين او مفاوضين باسمهم؟ الا يكفي عدد المختطفين والقتلى حتى الآن؟ وإذا كانت الحكومة جادة بالاستماع للمنتفضين فلم لم تقم بأي خطوة سريعة لكسب ثقة الناس حتى الآن؟ لماذا يواصلون التأجيل وإقامة الاجتماعات في فنادق فخمة، يَدَعون فيها، تمثيل المنتفضين، ويتصرفون وكأن الحياة المشلولة تسير بشكل طبيعي في البلد؟ قوبلت توضيحات الناشط الهادئة المنطقية، بإصرار مقدم البرنامج على تكرار السؤال، مما دفع الناشط الى تذكيره بانه جالس في استديو خارج العراق، متمتعا بالأمان، حيث لا يمكن أن تطاله الميليشيات أو يد الغدر، مضيفا «أما أنا، فموجود مع الآخرين في ساحة نخاطر فيها بحياتنا، ولا ندري ما الذي سيحدث في الدقائق المقبلة، ومن منا سيكون القربان المقبل، مع هذا نحن مصرون على البقاء، وفاء للشهداء ولأنها الطريقة السلمية الوحيدة التي ستجعلنا نسترجع العراق من الفاسدين ونعيد بنائه».
من بين الإنجازات التي تحسب للانتفاضة، بالإضافة الى توحيد الناس بعيدا عن الطائفية، ونشر الوعي السياسي والاقتصادي، وتقوية الروابط المجتمعية والثقافية، مساهمتها بشكل يومي في تعرية الأحزاب وفضح زيف أجهزة الإعلام المستند، خلافا لما يشاع، ليس على الأجندة السياسية والتجارية لمالكيها فقط، بل على ابتذال العاملين فيها، ممن يقدمون أنفسهم كإعلاميين.

٭ كاتبة من العراق

 

 

من الذي

يريد عراقا قويا؟

هيفاء زنكنة

 

ما الذي ينتظره رئيس الجمهورية والبرلمان العراقي بعد اقالة رئيس الوزراء وحكومته، لترشيح بديل مؤقت يليق بمطالب وتضحيات المحتجين ودماء الشهداء؟ ما الذي سينفذه البرلمان، وهو المنتخب من قبل 18 بالمئة من المؤهلين للانتخاب، بينما يتواجد الـ 82 بالمئة منهم، حاليا، في ساحات المدن والمحافظات، احتجاجا على الطائفية والفساد والعمالة، التي غلفت حياة الشباب، الخريجين خاصة، خلال 16 عاما الأخيرة، في بلد يُعد واحدا من أغنى دول النفط المصدرة بالعالم، حيث يصدر 4 ملايين برميل يوميا، وتبلغ ميزانية حكومته 112 مليار دولار (ميزانية إيران للعام المقبل هي 35 مليار وسكانها ضعف سكان العراق) بينما لا يحمل خريج الجامعة، الذي يستشهد في ساحات الاعتصام، وفي جيبه اقل من الدولار يوميا؟
لنترك، جانبا، تاريخ الساسة العتيد في التعاون مع المحتل ومأسسة الطائفية ونهب ثروة البلاد. لنترك جانبا 16 عاما من تجريد المواطنين من الاحساس بالانتماء الى الوطن، وتصنيع الهويات الزبائنية، حيث الولاء لمن ينعم بالعمل او المال من أمراء الميليشيات ومافيات الفساد، ولنراجع سجلهم خلال الستة أسابيع الأخيرة، فقط، أي منذ اندلاع الانتفاضة في الأول من تشرين/ أكتوبر. ولنتبع مقولة « عفا الله عما سلف»، التي طالما كررها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم.
عند مراجعة سجل إنجازات رئيس الجمهورية والبرلمان والحكومة المُقالة (لاتزال سارية المفعول بانتظار تحقيق معجزة اختيار رئيس وزراء جديد)، خلال الستة أسابيع، تقريبا، من المظاهرات والاعتصامات السلمية (باعتراف العالم كله)، اقترفت منظومة « العملية السياسية»، أو «النظام الفاشي»، حسب المنتفضين، بشكل مباشر أو غير مباشر، أفعالا تجاوزت حدود الوصف بمفردات «الجرائم» و«الانتهاكات» التي توصف بها أفعال الأنظمة القمعية، عادة.
يضم سجل النظام، حتى اليوم، قتل ما يقارب 475 مواطنا وعشرين ألف جريح وآلاف المعتقلين، بالإضافة الى المختطفين الذين لا يُعرف مصيرهم. وهي أرقام تضمن الفوز الساحق للنظام العراقي على نظام الدكتاتور زين العابدين بن علي، بتونس، مثلا، والذي بلغ عدد ضحاياه، في الأيام السابقة للإطاحة به، 67 شهيدا. وتمت محاكمة الأمنيين الذين ارتكبوا الجرائم، بعد هربه، وهنا وجه التشابه مع بعض ما يجري حاليا في العراق «لأن القتلى الذين سقطوا برصاص الأمن خلال الثورة أصيبوا في أماكن قاتلة مثل الرأس والرقبة، وهذا يعني أن فعل القتل كان متعمدا وليس على وجه الخطأ»، حسب محامية عوائل الشهداء.

مهما كانت مسميات «الطرف الثالث» أو «المندسين»، والتي ترتب عليها استشهاد مئات الشباب في مجازر وحشية ارتكبت خلال وجود هذا النظام، وفشله في حماية المواطنين هو مسؤولية النظام. وأن أفراده، في ظل نظام وطني، سيحاكمون، بتهم القتل العمد والجرائم ضد الإنسانية

من بين «إنجازات» النظام، التي انغرزت عميقا بذاكرة الشعب، هي ارتكاب المجازر. اذ لم يعد معدل القتل اليومي، التدريجي، للمتظاهرين، يُشبع من تعودوا على شرب الدماء. فكانت مجزرة الناصرية، جنوب العراق، التي ذهب ضحيتها زهاء 32 قتيلاوأكثر من 225 جريحًا في 28 تشرين الثاني/نوفمبر، بينما قُتِل 15 متظاهرًا وجُرِح 157 آخرين في 30 تشرين الثاني/نوفمبر. تخللتها يوم 29 حملة تصفية المتظاهرين في مدينة كربلاء، استشهد خلالها 13 شخصا على الأقل وإصابة 865 آخرين. وأدى هجوم مسلحين على المتظاهرين، في ساحة الخلاني ومنطقة السنك، وسط بغداد، ليلة الجمعة 6 كانون الأول/ ديسمبر، الى مجزرة استشهد جرائها 25 شابا وجُرح نحو 130.
أدى استشراء القتل والاستهداف المنهجي للمتظاهرين الى استنكار عالمي بدءا من الأمين العام للأمم المتحدة الى فرنسا وكندا والولايات المتحدة، بالإضافة الى اصدار المنظمات الحقوقية الدولية، التقرير تلو التقرير، ادانة لاستمرار استخدام الذخيرة الحية ضد المتظاهرين مما أدى إلى ارتفاع عدد الوفيات والإصابات. ووصل الأمر بالبابا فرنسيس الى مناشدة « السلطات إلى الاستماع إلى صرخة الناس الذين يطلبون حياة كريمة وسلمية».
فمن هو المسؤول، اذن، عن ارتكاب هذه المجازر؟ يؤكد شهود عيان من بين المتظاهرين أنها ميليشيات مسلحة مدعومة إيرانيا، وأنها ميليشيا عصائب الحق وكتائب حزب الله. وتبين أشرطة فيديو عديدة مسيرة مؤيدي الحشد الشعبي، في ساحة التحرير، وهم يحملون السلاح وشعارات تأييد المرجعية مقابل المتظاهرين السلميين حاملي العلم. بينما يتهم الناطقون باسم النظام وكل ساسته، الطرف الثالث، او المندسين. ويقول المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي أنهم «مضمرو سوء يريدون تخريب العلاقة بين العراق وإيران». أما المتحدثون باسم البيت الابيض الأمريكي فالمسؤول الأول هو إيران. أما وكالة انباء «ارنا» الإيرانية الرسمية فقد ذهبت أبعد من ذلك متهمة المتظاهرين أنفسهم بكونهم قد تم تحريكهم من قبل أمريكا والسعودية وإسرائيل «بهدف تخريب علاقات إيران مع العراق وسوريا».
في غياب وجود أي تحقيق عراقي مستقل حول الجرائم، وحملات التشويه والتضليل والتلفيق المستمرة، وعدم تحميل المسؤولية لأي جهة كانت، تبقى كل الاحتمالات حول هوية مرتكبي الجرائم، واردة. فأبواب العراق مشرعة أمام كل من هب ودب، وأرضه مسرحا لصراع يكاد لا يهدأ يوما بين إيران وأمريكا منذ احتلاله عام 2003 وتأسيس «العملية السياسية». فإيران ممثلة بالميليشيات المسلحة المحصنة من العقاب، وأمريكا بقواعدها العسكرية ومخابراتها وقدرتها على تنفيذ العمليات الخاصة بواسطة «الشركات الأمنية». كلا البلدين يدافعان عن مصالحهما وأمنهما، بعيدا عن أراضيها. كلا البلدين مستعدين وقادرين على تنفيذ «العمليات القذرة»، بأشكالها، على حساب حياة العراقيين، لإثارة الفتنة وديمومة ضعف البلد. فالعراق الضعيف، المستهلكة ثروته البشرية والنفطية، في نزاع مستمر، منخفض الدرجة، مفيد لكلا الطرفين. فمن الذي يريد عراقا قويا؟
يلعب ساسة النظام، نفسه، أدوارهم بمهارة عالية. فهم لايزالون يجتمعون سوية، يتبادلون الابتسامات، ولا ينسون أن يستنكروا «استخدام العنف» ضد المتظاهرين، بعد أن يتأكدوا من وجود الكاميرات لالتقاط صورهم. آملين بالبقاء، على الرغم من تآكل وجودهم المنخور بالفساد ودماء الشهداء، وهم يعولون على كسب الوقت وتخدير المنتفضين بالوعود المهدئة. متعامين عن أن الحقيقة الوحيدة الثابتة هي ان ما يجري، مهما كانت مسميات وتوصيفات «الطرف الثالث» أو «المندسين»، والتي ترتب عليها استشهاد مئات الشباب وحتى الأطفال في مجازر وحشية ارتكبت خلال وجود هذا النظام، وفشله في حماية المواطنين هو مسؤولية النظام. وأن أفراده، في ظل نظام وطني مستقل، سيحاكمون، ان آجلا ام عاجلا، بتهم القتل العمد والجرائم ضد الإنسانية.

كاتبة من العراق

 

 

«المندس» الناعم والمسلح

في الانتفاضة العراقية

هيفاء زنكنة

 

يكثر الحديث الإعلامي والسياسي، فيما يخص انتفاضة تشرين/ أكتوبر العراقية، في الأيام الاخيرة، أثر إقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، عن «المندسين». لا يضاهيه في كثرة الترداد، حتى على مواقع التواصل الاجتماعي، بأنواعها، غير نعت «الذيول» المستخدم لتوصيف أتباع الاحتلالين الأمريكي والإيراني، وهو تعبير أجدى وأوضح لوصف التبعية الفكرية والعملية. وعلى الرغم من كثرة الترداد، ليس هناك تعريف محدد ومتفق عليه للمندسين، بل يتم استخدام التوصيف وفق ما يراه الفرد او المجموعة أو الحكومة، إزاء فرد او مجموعة أو حكومة أخرى، كل حسب انتمائه ومشاعره المتأججة، في حالة الافراد والمجموعات، والأجندة السياسية، المنهجية المتشابهة، في حالة الحكومات والدول. حيث تفتخر أجهزة المخابرات المركزية، في كل بلد، بقدرتها على اختراق او الاندساس بين صفوف المعارضين والثوار ومنظمات المجتمع المدني، أحيانا، ناهيك عن المنظمات الإرهابية، للدلالة على حفظها للأمن وحماية المواطنين.
وتتمثل ظاهرة الاندساس بين المتظاهرين السلميين بأكثر صورها وضوحا في ممارسات الكيان الصهيوني تجاه الفلسطينيين، اذ تثبت عدة فيديوهات موثقة، كيف يندس ملثمون بين المتظاهرين وهم يرشقون قوات الاحتلال بالحجارة، ثم يطلقون النار على المتظاهرين بينما تنشغل مجموعة منهم بعزل أحد المتظاهرين عن رفاقه وضربه بقسوة قبل اعتقاله. هؤلاء المندسون يسمون «المستعربين». أما في مصر، فقد رصد فيلم «المندس»، الوثائقي، قضية الاعتداء على المظاهرات من قبل من يُطلق عليهم «المواطنون الشرفاء»، لتتم اضافتهم الى المندسين المتعارف عليهم من بين قوات الأمن.
شغلت ظاهرة الاندساس حيزا كبيرا من مساحة التغطية الإعلامية للانتفاضة ومتابعة التغيرات الجوهرية التي تمكنت من تحقيقها خلال فترة قصيرة، وبتكلفة بشرية عالية، دفعت الرأي العالمي، الى الانتباه اليها، رغم اختيارها الاولي بالتعامي عنها. فمنذ اليوم الأول للانتفاضة والتصريحات الرسمية تخلط بتعمد بين المتظاهرين السلميين الذين لم يحملوا غير العلم العراقي سلاحا و«المندسين»، سواء كانوا وهميين أو من الميليشيات أو قوات الأمن. يكاد لا يخلو أي تصريح رسمي سواء من قبل رئيس الجمهورية والوزراء الى أصغر عسكري أو أمني في الحكومة من اتهام «المندسين»، بحيث أصبحت السردية العامة الجامعة بين الترهيب وتبرير القتل متشابكة الى حد كبير. وبات تناقض السردية من مسؤول الى آخر، وهم يعيشون حالة التخبط ووحشية رد الفعل إزاء الانتفاضة غير المتوقعة، يوقعهم بمسؤوليات قانونية لا يدركون هم أنفسهم مدى تورطهم فيها. ومن المتوقع، فيما لو نجح الشعب في تشكيل حكومة وطنية مستقلة، أن تستخدم التصريحات والأوامر والأفعال التي يتم توثيقها كأدلة في محاكمتهم كمجرمي حرب مسؤولين عن قتل مئات المتظاهرين وجرح الآلاف وإعاقة المئات بشكل دائم.

لقد أثبت المنتفضون، حتى اليوم، أنهم حملة الوعي الوطني، وأنهم، هم أنفسهم، المرجعية الحقيقية الناشطة لتحرير وبناء الوطن، مهما كانت محاولات الاندساس والتشويه وتدوير الوجوه القديمة

حسب التصريحات الحكومية، يظهر «المندسون» بين المتظاهرين بمسميات وأشكال متعددة، مما يمنح النظام حق اعتقالهم وخطفهم وقتلهم. حيث تحدث عادل عبد المهدي عن وجود «الخارجين على القانون»، أما المتحدث باسمه فقد وصفهم بأنهم «مخربون» وأصدر الأوامر باعتقالهم. وأعلن الناطق باسم مركز الإعلام الأمني « أن المندسين بين المتظاهرين استخدموا الحجارة وأطلقوا النيران ضد القوات الأمنية». ويأتي التناقض الأكبر في تصريح وزير الدفاع الذي اتهم «جهة ثالثة» في استهداف المتظاهرين بالأسلحة القاتلة، مما وسع من مفهوم الاندساس ليشمل، للمرة الأولى، الإشارة الى الميليشيات أو قوى خارجية «مجهولة الهوية» وسرعان ما تبنى رئيس الوزراء، الذي بات يوزع التهم يمينا ويسارا، كمحاولة لإنقاذ نفسه من المستنقع الذي حفره لنفسه، بإلقاء مسؤولية حملة اختطاف الناشطين من رجال ونساء بالإضافة الى لواء في الجيش، على «طرف ثالث»، في ذات الوقت الذي يُكذب الناطق باسم وزارة الدفاع تحسين الخفاجي التصريحات التي تدعي وجود أطراف مجهولة، أو عدم معرفة المندسين، لأن» مشاهدة التظاهرات من خلال أجهزتنا وطائرات المراقبة والكاميرات الممتدة في كل أنحاء بغداد تعطينا حركة كاملة للمتظاهرين والمندسين ومن يسيء الى القوات الأمنية والتظاهرات». فاذا كانت أجهزة وطائرات المراقبة والكاميرات توفر الحركة الكاملة للمتظاهرين والمندسين فلم لم تميز القوات الأمنية بينهم وبين المتظاهرين؟ وكيف صار هم قوات النظام قتل المتظاهرين بدلا من اعتقال المندسين؟
في خضم التصريحات الرسمية المفضوحة في بث الاشاعات لتشويه الانتفاضة السلمية، وللتغطية على جرائم النظام، برز نوع آخر من «الاندساس»، الذي يمكن وصفه بالناعم لأنه أكثر قدرة على الاندماج بالمنتفضين. وهو سلاح ذو حدين. حيث نزلت الى ساحات الانتفاضة وجوه كانت معروفة، قبل الغزو والاحتلال عام 2003، بتعاونها، على مستويات مختلفة، مع الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية، اما بشكل حزبي أو شخصي، لإضفاء الوجه العراقي على غزو البلد. وقد تمت مكافئة العديد منهم بمناصب استشارية، أما لرئيس الجمهورية او رئيس الوزراء. هذا على المستوى الشخصي أما على المستوى الحزبي، فقد كانت المكافأة بشكل مشاركة برلمانية، عبر تحالفات تَدَعي تمثيل الشعب. تتواجد هذه الوجوه في ساحات الانتفاضة، أحيانا، لوهلة قصيرة تكفيها لالتقاط الصور، لأثبات نظافة مواقفهم، وصدى لشعار «نحن مع مطالب المحتجين» الذي يردده كل ساسة « العملية السياسية»، بينما يتزايد سقوط الشهداء. ولا تخلو الساحات من وجوه حزبية تريد ركوب موجة التحرير، بعد اقصائها من «العملية السياسية»، التي كانت من أشد المؤيدين والمنظرين لديمقراطيتها عمليا وفلسفيا، وبعد ان فشلت في الحصول على مكاسب ترى نفسها جديرة بها.
ما هو الدور الذي سيلعبه «المندسون»، على اختلاف تسمياتهم، وتنوع طرق استغلالهم، سواء كانوا من مستخدمي السلاح او أصحاب الخطب الناعمة، بعد اقالة عادل عبد المهدي وحكومته بقوة المنتفضين المباركة بدماء الشهداء؟ لقد أثبت المنتفضون، حتى اليوم، أنهم حملة الوعي الوطني، وأنهم، هم أنفسهم، المرجعية الحقيقية الناشطة لتحرير وبناء الوطن، مهما كانت محاولات الاندساس والتشويه وتدوير الوجوه القديمة.

كاتبة من العراق

 

 

تهديدات الحاكم بأمره

ومسار الانتفاضة في العراق

هيفاء زنكنة

 

إذا ما حدث ولجأ أحدنا إلى «غوغل»، بحثا عن الأنظمة التي تستهدف المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي والقناصة، لوجدنا أن الكيان الصهيوني يحتل مركزا متقدما في استهدافه أبناء الشعب الفلسطيني، ولوجدنا، أيضا، أن النظام العراقي، بات منافسا حقيقيا في استهدافه المتظاهرين السلميين، مما يؤكد، بما لا يقبل الشك، ما نعرفه جميعا، وهو أن أنظمة الاحتلال والقمع، تستنسخ الإرهاب والممارسات الاجرامية.
فالمنتفضون في العراق المحتل أمريكيا وإيرانيا، كما في فلسطين المحتلة من قبل الكيان الصهيوني، ومنذ الأول من تشرين/ أكتوبر، يواجهون وهم يحملون حياتهم على أكفهم، الموت الذي يزرعه القتلة خشية امتداد الحياة.
وإذا كانت المقاومة الفلسطينية قد علمتنا أنها الحياة، فإن مقاومة المحتل الأمريكي، في الأعوام التالية لغزو العرق، قد علمتنا أن المقاومة تعني أن تكون موجودا، أن تكون إنسانا. وها هي انتفاضة تشرين/ اكتوبر، تبين انها، بوحدة تمثيلها للشعب، ومطالبتها بإسقاط النظام الطائفي الفاسد، وإنهاء الاحتلالين الأمريكي والإيراني، قد وصلت مرحلة التغيير النوعي لتراكم ما سبقها من مقاومة وحراك شعبي.
لئلا ننسى: كيف أثبتت التظاهرات، عراقيتها ووطنيتها، منذ الشهر الأول للاحتلال، عام 2003، حين تظاهر عدد من سكان مدينة الفلوجة أمام مدرسة ابتدائية مطالبين قوات الاحتلال بمغادرتها، رافعين شعار «أيها المحتلون القتلة سنخرجكم إن آجلا أم عاجلا». فتعاون المحتل مع الحاكم المحلي على إبادة المدينة واتهام أهلها بالإرهاب. أثمرت المقاومة المسلحة، البطولية، الدامية، رغم تشويهها بالطائفية بـ«العمليات السوداء» المدارة من الاحتلال، بسحب المحتل أغلب قواته وإبقاء وجوه محلية بالنيابة مشاركاً هذه المرة خصمه إيران. واستمرت التظاهرات، بشكل متقطع في كافة أرجاء البلاد بمطالب مختلفة لتعود، بقوة في 25 شباط (فبراير) 2011، تزامنا مع ثورات الحرية في تونس ومصر. جوبهت التظاهرات بالرصاص الحي فاستشهد 27 متظاهرا وتم اعتقال وتعذيب عشرات المتظاهرين. لئلا ننسى، كانون الثاني/يناير 2013، كيف وصف نوري المالكي، رئيس وزراء نظام «حزب الدعوة»، التظاهرات الشعبية والاعتصامات التي ساهم فيها ما يزيد على المئة ألف مواطن، على مدى أسابيع، بأنها «نتنة» وطائفية وأنها «فقاعة»، وهي «عملية تواصل مع جهات أجنبية» وأن المحتجين هم «أصحاب أجندات خارجية» متوعدا إياهم، وهو يزم شفتيه، بقوله: ‘انتهوا قبل أن تنهوا».
وهي اتهامات أطلقها أمين عام حزب مذهبي دينيا / طائفي سياسيا، بامتياز. أما بالنسبة إلى تهمة «التواصل مع جهات اجنبية» أو وفق «أجندات أجنبية»، فليس هناك، في العالم كله، من لا يعرف أن حكام « العملية السياسية»، وصلوا الى سدة مناصبهم بدبابات الاحتلال الانكلو أمريكي؟ فاذا لم يكن هذا تواصلا مع جهات أجنبية فما هو معنى التواصل والأجندة الاجنبية؟

الانتفاضة الحالية ليست وليدة شهر تشرين/ أكتوبر بل استمرارية المقاومة ضد المحتل والنضال الذي دفع آلاف المواطنين حياتهم ثمنا للوصول إليها اليوم، وأن ادعاء النظام الحالي أنه ليس مسؤولا عن خراب 16 عاما، استهانة أخرى بعقول الناس وبحياة الشهداء. وهذا ما أثبت المنتفضون انهم لن يسكتوا عليه هذه المرة

ولنتذكر أن الشعارات التي وصفها المالكي بأنها « نتنة» تضمنت المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين ووضع حد للتعذيب والإهانات اليومية واحتقار الناس، والترويع بتهم الإرهاب الجاهزة، ومعاقبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان المنهجية التي فاقت كل تصور، بحيث بات العراق على رأس قائمة الدول المنفذة لأحكام الإعدام في غياب نظام قضائي نزيه، حسب تقارير الأمم المتحدة.
ولنتذكر، كما أثبتت، تظاهرات الأنبار، أنها كانت منظمة من قبل لجان شعبية، أشرفت كل لجنة منها على أحد الجوانب العملية كالمحافظة على أمن وسلامة المتظاهرين، وتحديد مداخل التظاهرة، ومراجعة الشعارات والكلمات الخطابية لئلا تتعارض مع الروح الوطنية، بالإضافة الى الاشراف على توفير اماكن التواصل الاجتماعي ووجبات الطعام والمحافظة على نظافة المكان، وعلى الندوات التثقيفية في خيم الاعتصام. أي انها كانت وسابقاتها، على مدى 16 عاما، الأرضية الخصبة التي مهدت للانتفاضة الحالية، بتنظيمها الرائع، وروحها العراقية الأصيلة، وجرأة شبابها ودماء شهدائها.
واجهت الاعتصامات السابقة محاولات اختطاف واحتواء وتشويه متعددة، يكررها المتشبثون بغنيمة السلطة حاليا تجاه المنتفضين. مقابل حيوية المنتفضين وتنظيمهم « مدن الساحات»، المزودة بالأساسيات التي فشل النظام بتزويد البلد بها على مدى 16 عاما وبميزانية سنوية بحدود 120 مليار دولار، يقوم النظام بالدفاع عن وجوده ومصالح أفراده، مسخرا مختلف الأساليب الجامعة بين القمع الوحشي ونعومة الخطاب. يشمل القمع الوحشي الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي والقناصة، بالإضافة الى اغتيال الناشطين واختطافهم، خاصة الشابات. دعائيا، لجأوا الى توليفة خطر المنتفضين على البلد ونشر الفوضى وحرق الممتلكات العامة وتعطيل الحياة اليومية والعمالة لقوى خارجية.
أما الشكل الناعم للاحتواء، فقد تبدى بظهور عادل عبد المهدي، محاطا بساسة النظام، وهو يعلن « تفهمه» لمطالب المتظاهرين في ذات الوقت الذي « يحذرهم» من الفراغ السياسي وإحداث الفوضى وتعطيل ميزانية الدولة، ومحملا إياهم حرمان الأطفال من التعليم بسبب مشاركة المدارس في المظاهرات. هكذا ألقى مسؤولية الخراب على عاتق المتظاهرين، وبالتالي وباعتباره القائد العام للقوات المسلحة أفسح المجال لشرعنة قتلهم. معه، احتل بقية الساسة من نواب ورؤساء أحزاب وقادة ميليشيات، شاشات الفضائيات ليعلنوا، جميعا، «تضامنهم» مع المنتفضين، و«حرصهم» على حياتهم، في ذات الوقت الذي تواصل فيه قوات الأمن والمليشيات استهدافها لهم، وسقوط الشهداء من الشباب بشكل يومي. ولا تخلو الساحة الدعائية الإعلامية من وجوه مسؤولين سابقين، يعاد تدويرهم، حاليا، كمحاولة لاستبدال وجه بآخر، تحايلا على المتظاهرين، وانعكاسا، في الوقت نفسه لمدى تمزق النظام وخوف قادة أحزاب «العملية السياسية»، مما سيحمله المستقبل. انطلاقا من هذا، أعلنوا ما أطلقوا عليه «وثيقة الشرف» التي قابلها المنتفضون بالتهكم والسخرية. كما سخروا من دعوات النظام، سواء بلسان رئيس مجلس النواب أو « مثقفي» النظام، الى ترتيب لقاء لعرض طلباتهم وتوجيه «النصائح» لهم بانتخاب من يمثلهم ويتحدث باسمهم بشكل علني. وهي «النصيحة» التي لا يكف مقدمو البرامج التلفزيونية العراقية، عن تكرارها ببلادة ببغائية، ويرفضها المنتفضون جملة وتفصيلا لأنهم يعرفون جيدا ما الذي سيكون عليه مصير من سيتم الإعلان عن أسمائهم وأن الوضع الحالي يقتضي العمل التنسيقي الجماعي خاصة بعد أن أدركت النقابات والاتحادات الوطنية أن عليها المشاركة بالانتفاضة قبل أن يفوت الأوان. ومن يتابع مسار الثورة التونسية، سيجد أن وقوف اتحاد الشغل الى جانب الشباب، على تأخره، بالإضافة الى عدم تدخل الجيش، أحدث تحولا كبيرا في انتصار الثورة.
ان مراجعة مسارات التظاهرات في العراق، على مدى حقبة الاحتلال ومواصلة ذات الوجوه والأحزاب الهيمنة على السلطة، وموارد النفط، وتخريب التعليم، والصحة، والصناعات المحلية، وإفراغ البلد من عقوله، سيبين بوضوح أن الانتفاضة الحالية ليست وليدة شهر تشرين/ أكتوبر بل استمرارية المقاومة ضد المحتل والنضال الذي دفع آلاف المواطنين حياتهم ثمنا للوصول اليها اليوم، وأن ادعاء النظام الحالي أنه ليس مسؤولا عن خراب 16 عاما، استهانة أخرى بعقول الناس وبحياة الشهداء. وهذا ما أثبت المنتفضون انهم لن يسكتوا عليه هذه المرة.

كاتبة من العراق

 

 

المرأة العراقية:

«نازلة آخذ حقي»

هيفاء زنكنة

 

بعد سنوات من التغييب القسري، خرجت المرأة العراقية الى الشارع منتفضة بجانب الرجل. أجاب خروجها على سؤال ملح طالما طرحه متابعو المظاهرات والاعتصامات التي تغطي شوارع المدن وساحاتها منذ الغزو الانكلو – أمريكي وما تلاه من انتهاكات وجرائم. كان السؤال: اين هي المرأة العراقية؟ متضمنا سردية إنجازاتها، وهي المعروفة بنضالاتها التاريخية والمعاصرة؟ لماذا الغياب والبلد المحتل بأمس الحاجة الى صوتها؟ كيف تسكت من ساهمت ببناء العراق منذ عشرينيات القرن الماضي، وهي الرائدة في مجال التعليم، والأدب، والنشاط السياسي، والدفاع عن الوطن ضد الاستعمار والظلم والقمع؟
أثار خروج المرأة الى ساحات مدنها وهي تصدح «نازلة آخذ حقي»، اهتماما بالغ الأهمية في داخل العراق وخارجه. فالمرأة التي تتمتع بحرية الحركة في الفضاء العام هي المؤشر الحضاري لأهل البلد، بعيدا عن المتاجرة بحضورها من قبل الأنظمة القمعية.
نساء وفتيات من مختلف الأعمار، من مختلف المهن، خريجات وطالبات، ربات بيوت وعاملات، يشاركن، يوميا، في مظاهرات واعتصامات بشكل لم يشهدها العراق المحتل سابقا. في كل المظاهرات السابقة، منذ الاحتلال ثم في أعوام 2011 و2015 و2018، كان هناك، دائما، عدد لا يزيد على أصابع اليد الواحدة، من ناشطات المجتمع المدني، أو أمهات وزوجات المعتقلين، يقفن أمام معسكرات الاعتقال او المراكز الأمنية، أملا في أن يسمعن خبرا عن أحبائهن، مخاطرات بتعريض أنفسهن للامتهان والاذلال.
أما الآن وخاصة منذ 25 تشرين/ أكتوبر، فقد بات حضور المرأة جزءا لا يتجزأ من المطالبة باستعادة الوطن، بديمومة الانتفاضة، ونسغها المتصاعد في ساحات صارت مدنا بفضل مساهماتها. فهي التي ترسم، وتحاجج مقدمي البرامج التلفزيونية المشككين بأهمية الاحتجاجات وماهية المطالب، وتعالج الجرحى، وتعزف الموسيقى، وتشارك في أعداد الطعام وحملات تنظيف أماكن الاعتصامات. نراها بعينيها المحمرتين جراء الغازات المسيلة للدموع والقنابل الدخانية، وهي توزع قناني الماء لغسل عيون الآخرين المستهدفين مثلها.
تثير مشاركة المرأة في انتفاضة تشرين، تساؤلا آخر عن سبب عدم خروجها سابقا؟ أين كانت، بهذه الاعداد الكبيرة في حراك التظاهرات المتواصلة منذ عام الغزو؟ لقد استهدفت المرأة، بشكل خاص، بحملات الترهيب والترويع، المتبدية بالاختطاف والتعذيب ناهيك عن التحرش الجنسي والاغتصاب. وقائمة المعتقلات وتعرضهن لأبشع أنواع التعذيب منذ اليوم الأول للغزو، تحت مختلف الأسباب، طويلة. صار الحرص على سلامة المرأة، الى حد منعها من مغادرة البيت، أولوية المجتمع الذي يحمل، أساسا، الموروث المجتمعي لمفهوم الشرف، المجسد بالمرأة، والذي تستغله السلطات القمعية والاحتلال، كسلاح ضد المرأة وعائلتها وعشيرتها.
وجاء استهداف المرأة العاملات في المجال العام، خطفا وقاتلا، سواء من قبل أفراد أو ميليشيات أو جهات حكومية، ومع انتشار التفاصيل، بدون إلقاء القبض على الجناة أو تقديم توضيح من الجهات المسؤولة، ليرسخ حالة الخوف بين النساء، ومنعها من ممارسة أي نشاط عام.

لم تعد المرأة، كما بقية الشباب، مخدوعة بخطاب الأحزاب المنمق ووعود الحكومات الفاسدة. تعبت من التهجير القسري من بلاد هي ملكها ووطن استحوذ عليه الحرامية. فخرجت مع أشقائها الشباب الى الشوارع، ليعيدوا للعراق كرامته المتمثلة بهم

ولأن المرأة هي المسؤولة عن العائلة عند غياب الرجل قتلا او اعتقالا، لم تعد أولوية المرأة، كما السابق، المساهمة بالشأن العام، بل باتت أولوياتها متعلقة برعاية العائلة، وتوفير بعض الأساسيات الضرورية لمواصلة الحياة. ولايزال لحملات التهجير القسري وسياسة العقاب الجماعي، والعيش في المعسكرات تأثيرا يماثل الإصابة بالشلل وتفتيت القدرة على التفكير ابعد من اللحظة. ينطبق هذا الحال المأساوي على عموم النساء مما أدى الى انكفائهن بعيدا عن الفضاء العام.
بالمقابل، لعبت الطائفية ومحاصصاتها، دورا في استقطاب مجموعات نسوية، وكان لفساد الأحزاب السياسية تأثيره اختيار البرلمانيات اللواتي اقتصرت أدوارهن، غالبا، على ترديد سياسة أحزابهن وان كانت ضد المرأة، وامتد التأثير على الحراك النسوي العام، عبر المنظمات النسوية وتحديد أولوياتها، وفقا لأجندات الجهات الداعمة، سواء كانت داخلية أو خارجية.
ففي الفترة التي تلت ما بعد الغزو مباشرة، نشطت ضمن «العملية السياسية» التي صاغها المحتل، نسوة استعماريات اخترن أن يكن وجها للاحتلال واداة لتسويغ الغزو والحرب وبخطاب غالبا ما يستبدل أو يعارض القضايا الوطنية والاجتماعية والطبقية الأساسية بقضايا التمايزات الثقافية الأخرى الجنسوية أوالجندرية، مع أهميتها كجوانب على المجتمع الانتباه اليها في سياق تطوره لكنها تصبح بحال «كلمات حق أريد بها باطل» مقابل الصراع الوطني والاجتماعي الدموي العاتي.
اختفى هذا النوع من الناشطات، تدريجيا الواحدة بعد الأخرى، معلنات بان المجتمع العراقي ذكوري، ابوي، بعد أن تضاءلت حصتهن في الاستيزار الى الصفر، وأصبحت نسبتهن في البرلمان أداة تبييض وجه أمام الدول الغربية أكثر منها تمثيلا حقيقيا للمرأة وحافزا لتنشيطها وتوفير فرص العمل والانتاج.
ومع تبني قوات الاحتلال الأمريكي سياسة تفعيل تعاون المرأة العراقية التي قادها قائد قوات الاحتلال الجنرال دافيد بترياس، متبعا بذلك نصيحة مستشاره في مكافحة التمرد دافيد كيلكولان، القائل: «احصل على دعم المرأة فتفوز بدعم العائلة كلها. أملك العائلة، حينئذ تخطو خطوة كبيرة إلى الأمام في تعبئة السكان»، ومع استحداث «مبادرة دعم المرأة العراقية» التي أطلقها فيلق مهندسي قوات الاحتلال ويرتبط معظمها بالقواعد العسكرية، تحت شعارات «تمكين المرأة» و «مشاركة المرأة في بناء الاقتصاد». ومنح النساء المتعاونات عقودا بقيمة 180 مليون دولار، أدى هذا كله، خاصة في فترة تزايد عمليات المقاومة ضد المحتل، الى الحاق الضرر وتلويث سمعة عمل المرأة في المجال العام. وإذا اضفنا الى ذلك فرض رجال الدين السياسي (وكلهم رجال) تفسيراتهم الطائفية المتماشية لا مع التدين كمعتقد شخصي، بل مع سياسة الأحزاب المتبنية لهم، وغالبا ميليشياتها، على المرأة بكل تفاصيل حياتها منذ طفولتها وكيفية تزويجها الى تصويتها للانتخابات وتغسيلها عند وفاتها، لوجدنا أن كاهل المرأة كان ينوء بالكثير مما لا يحتمل، فبدت وكأنها تخلت عن ذاتها المقاومة.
إلا أنها عادت، مع بقية الشباب لتعيد إلينا الأمل. متألقة بشبابها لتكون، كما كانت، قوية، أبية، رافعة الرأس، وهي ترفض العودة الى البيت ما لم يتم تحقيق مطالب المنتفضين وهي منهم. في لحظات التعب والضعف الإنساني، تقف وهي ملتفة بعلم بلادها، لتقسم مع بقية الشباب بأنهم لن يكونوا للعِــدَى كالعبيد، مرددين « موطني»، بكلماته المتجذرة عميقا في الوعي العربي الجماعي، من فلسطين الى العراق. لم تعد، كما بقية الشباب، مخدوعة بخطاب الأحزاب المنمق ووعود الحكومات الفاسدة. تعبت من التهجير القسري من بلاد هي ملكها ووطن استحوذ عليه الحرامية. فخرجت مع أشقائها الشباب الى الشوارع، ليعيدوا للعراق كرامته المتمثلة بهم. العراق الذي لم يعودوا قادرين على تحمل رؤيته محتلا، مهانا، مستباحا.

كاتبة من العراق

 

 

على المغول الجدد

الرحيل فالعراق يسير بأهله

هيفاء زنكنة

 

لو أتيحت للرحالة المغربي ابن بطوطة أن يزور بغداد التحرير هذه الايام، قادما من القرن الرابع عشر، لوجد نفسه، كما نجد أنفسنا، إزاء لحظة إنسانية تاريخية، ستجعله يغير ما أمـلاه عـلى ابـن جُـزَي في «تـحـفـة الـنّـظّـار في غـرائـب الأمـصـار وعـجـائـب الأمـصـار». حين وصف رحلته الى العراق، قائلا عن بغداد «وهذه المدينة العتيقة وإن لم تزل حضرة الخلافة العباسية، ومثابة الدعوة الإمامية القرشية، فقد ذهب رسمها. ولم يبق إلا اسمها. وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل إنحاء الحوادث عليها والتفات أعين النوائب إليها كالطلل الدارس، أو تمثال الخيال الشاخص، فلا حسن فيها يستوقف البصر، ويستدعي من المستوفز الغفلة والنظر، إلا دجلتها التي هي بين شرقيها وغربيها كالمرآة المجلوة بين صفحتين، أو العقد المنتظم بين لبتين. فهي تردها ولا تظمأ ونتطلع منها في مرآة صقيلة لا تصدأ، والحسن الحريمي بين هوائها ومائها ينشأ».
ما لم يذكره ابن بطوطة ومن قبله الرحالة الاندلسي ابن جبير ان «مدينة دار السلام، وحضرة الإسلام، ذات القدر الشريف، والفضل المنيف، مثوى الخلفاء، ومقر العلماء»، التي اعتبر الإمام الشافعي أن مَن لم يدخلها «ما رأى دنيا، ولا رأى ناسا»، لم يبق الا اسمها، لأنها تعرضت الى أقسى حدث في تاريخها وهو غزو المغول عام 1258. حيث «وضعوا السيف في أهلها» كما ذكر المؤرخ ابن الفوطي ووجدها أحد المؤرخين «وقد رحل عنها سكانها، وبان عنها قطانها، وتمزّقوا في البلاد، ونزلوا بكل واد».
في تشابه مؤلم، سبب الغزو الأمريكي، عام 2003، الذي أسس للاحتلال المشترك مع إيران، لبغداد وبقية العراق، ذات الخراب البشري والعمراني الذي خلفه المغول. انها ذات البغداد. جعلها المغول الجدد على وشك التمزق طائفية وفسادا. مدارسها طينية ومستشفياتها مقابر للمرضى. نساؤها يخشين السير في الشوارع ورجالها معرضون للاعتقال والتعذيب والتغييب. يرحل عنها سكانها خوفا من القمع والقهر والموت. أغنياؤها يتمتعون بالملايين وفقراؤها من النساء والأطفال يتسابقون على التقاط ما يمكن التقاطه من القمامة. الخريجون عاطلون عن العمل. ثروة البلد يتشارك في نهبها الحاكم الفاسد وسادته. مظاهراته واحتجاجاته خلال 16 عاما، تقمع خطفا وقتلا لأنها «بعثية، إرهابية، داعشية، تخريبية». وتجاوز عدد ضحاياه أما قتلا بشكل مباشر أو نتيجة انعدام الخدمات الصحية المليون مواطن.
إنها ذات البغداد، عاصمة البلد الغني الذي يريد الغزاة، كما جيران السوء جميعاً، شرقا وغربا، شمالاً وجنوباً، ابقاءه مريضا، ضعيفا، جائعا، مستخذيا، بلا كرامة، عاجزا عن التفكير أبعد من يومه، ينخره عنف زرعوه وهم يحاولون اقناعه بانه هو السبب لأنه يحمل جينات العنف. الى أن نهض الشباب في الاول من تشرين/ اكتوبر.

نزل المزيد من المتظاهرين، نساء ورجالا، إلى ساحات المدن وجسورها، متعهدين باستمرار الاعتصامات، مهما كان الثمن، مطالبين باستعادة الوطن من أيدي من تصرفوا على مدى 16 عاما، بشكل يماثل المغول في دمويتهم

ليكون يوما سيؤرخ حدثا لم يشهده البلد منذ عاش العراق وبقية الدول العربية فرحة التحرر من الاستعمار. انتفض الشباب على الحكومة والأحزاب وقدسية المرجعيات ومليشيات الاحتلال. مدركين بان صمتهم ان استمر سينتهي بتدمير انفسهم، تدمير الانسان وحضارته التي صنعها عبر التاريخ. انتفضوا على الحاضر المرير، المتمثل لا بالنظام فحسب، بل وحتى أهاليهم الذين خدعتهم أوهام الطائفة، وصمتوا إزاء الخراب والموت البطيء بانتظار تحقيق الوعود. بانتظار غودو. انتظروا ولم يأت الموعود.
باستمرار الانتفاضة، سقطت الجدران الكونكريتية التي أسسها وبناها ويرعاها المحتل والحكام بالنيابة. معها سقطت قائمة التهم الجاهزة. باتت مجرد هراء. إلا أن هذا لا يعني أن النظام وشريكيه سيتنازلون بسهولة امام المتظاهرين، مهما كانت انتفاضتهم سلمية. وإذا كانت قائمة الشهداء قد بلغت 325 والجرحى عشرة آلاف، فان استمرار الاستهداف الوحشي للمعتصمين، بينما يتحدث ساسته عن الاصلاحات، يبين أنهم استساغوا طعم الدم ولن يتوقفوا عن شرب المزيد. ومن يقرأ بيانات وتصريحات رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، بعد إزالة العبارات المنمقة، الفضفاضة، وتجريدها من « سوف» وعود الاصلاح سيجد أن نية القضاء على الانتفاضة هي التي يريد النظام ومستشاروه وميليشياته الإيرانية، تنفيذه. بينما يقف «المستشارون» الأمريكيون، في معسكراتهم المتناثرة كالبثور على وجه العراق، بانتظار مشاركة الغنيمة.
فبعد أن وزع النظام وميليشياته قناصين عراقيين وإيرانيين على سطوح البنايات، واستخدم الرصاص الحي والغازات المسيلة للدموع المصنعة خصيصا للمعارك الحربية، انتقل الى مرحلة المراوغة اللفظية، والتهديد المبطن، والتستر بعباءة المرجعية وعدد من المثقفي قراط الطائفيين. كلهم يدعون، سوية مع عبد المهدي، انهم حريصون على سلامة المتظاهرين، وعلى الممتلكات العامة، والتعليم، والمستشفيات. في الوقت الذي يعرفون فيه جيدا انهم لم يكملوا أثناء حكمهم مشروعا حقيقيا واحدا (هناك طبعا آلاف المشاريع الوهمية)، وانحدر مستوى التعليم والصحة الى أسوأ المستويات في العالم (حسب المؤشرات الدولية)، وان حرصهم على حياة المتظاهرين تم تطبيقه على الارض بقتلهم. اما قطع الانترنت الذي يعني بان بإمكان النظام أن يقتل الناس كما يشاء بدون أن يطلع العالم الخارجي على جرائمه، فان عبد المهدي يبرره بقوله « لأنه يستخدم للترويج للعنف والكراهية والتآمر على الوطن وتعطيل الحياة العامة». كما يشرعن قتل المتظاهرين بذريعة ان النظام « في وضع دفاعي كامل» وانه «لا يستخدم النار بل أبسط الوسائل»، مستهجنا بحرقة المتهم البريء «ومع ذلك نُلام»! وليصب الملح على جروح المتظاهرين وذوي الشهداء وليقتل الشهداء مرة ثانية وثالثة، أطلق النظام عددا من المثقفي قراط ليجلسوا في استديوهات الفضائيات (عزت الشابندر، الشرقية، 8 تشرين الثاني/نوفمبر) مدافعين، عن جرائمه، بحجة ان القوة الخفيفة للدولة تحمي المؤسسات، والى حد لوم الضحايا (وهو نهج شائع لدى المحتل الصهيوني) في ذات الوقت الذي تم فيه قتل ستة متظاهرين، ونزل المزيد من المتظاهرين، نساء ورجالا، الى ساحات المدن وجسورها، متعهدين باستمرار الاعتصامات، مهما كان الثمن، مطالبين باستعادة الوطن من أيدى من تصرفوا على مدى 16 عاما، بشكل يماثل المغول في دمويتهم، وأطلقوا من وعود الاصلاح الكاذبة ما يجعل حتى ملابس الامبراطور العاري حقيقة بالمقارنة.

كاتبة من العراق

 

 

هل لمتظاهري

العراق برنامج محدد؟

هيفاء زنكنة

 

ما هي مطالب المنتفضين في ساحات التحرير في العراق؟ منذ انبثاق انتفاضة الشباب في الأول من تشرين الأول/ اكتوبر، في عديد المدن، ويكاد لا يخلو برنامج تلفزيوني، محلي أو عالمي، أو مقال صحافي من طرح هذا السؤال ومحاولة الإجابة عليه. وإذا كانت الإجابة، في أيام الانتفاضة الأولى، محصورة بأصوات المسؤولين الحكوميين وقادة الأحزاب والميليشيات (يقدمون أنفسهم كساسة)، فإنها لم تعد تقتصر على وجوه النظام أو حتى البرلمانيين الذين كانوا يقدمون أنفسهم باعتبارهم ممثلي الشعب. غاب النواب، اختفوا عن أنظار المشاهدين والجمهور عموما. سقطت أقنعة التجارة بمحنة «المظلومين» من داخل منظومة تجد أن بقاءها في السلطة هو الأولوية وأن الشعب لا يزيد عن كونه « فائض قيمة»، في بلد ريعي، ومن الأفضل التخلص منه، مهما كانت همجية الطرق المستخدمة.
بهذا المنطق، تمت شرعنة شراسة قمع المتظاهرين، المصرين على استعادة وطنهم وملكية شوارعهم بطرق سلمية، وأساليب إبداعية، قلما شهدها العراق سابقا. في المقابل «أبدع» النظام في استهدافه المتظاهرين، بدون تمييز بين الرجال والنساء والأطفال ما أدى إلى قتل 250 مواطنا وجرح عشرة آلاف، حتى الآن. وحين قام «فريق التحقق الرقمي»، التابع لمنظمة العفو الدولية، في 31 تشرين الأول/ أكتوبر «بتحديد الموقع الجغرافي وتحليل أدلة في مقاطع فيديو، صورت بالقرب من ساحة التحرير في بغداد، توثّق الوفيات والإصابات بما في ذلك اللحم المتفحم، والجروح التي انبعث منها «الدخان»، تبين أن أنواع قنابل الغاز المسيل للدموع التي أطلقتها شرطة مكافحة الشغب وقوات الأمن الأخرى، على المتظاهرين مباشرة، هي من نوعين مختلفين من بلغاريا وصربيا. ويبلغ وزنها 10 أضعاف ثقل عبوات الغاز المسيل للدموع. وعلى عكس معظم قنابل الغاز المسيل للدموع التي تستخدمها قوات الشرطة في جميع أنحاء العالم يتم تصميم هذين النوعين على غرار القنابل العسكرية الهجومية المصممة للقتال مما أدى إلى إصابات مروعة، وموت متظاهرين بعد أن أغرست القنابل داخل رؤوسهم. كما قال العديد من الشهود إن ما يصل إلى 10 قنابل – والتي يشير إليها المحتجون باسم « الدخانية» – يتم إطلاقها في الوقت نفسه على المناطق المزدحمة، وينبعث منها نوع من الدخان رائحته مختلفة عن أي قنابل غاز مسيل للدموع سبق أن شاهدوها. وقد وجد بحث أجرته المنظمة أنه نظرًا لوزنها وتركيبها، فإنها أكثر خطورة بكثير على المحتجين. وأكد خبير الطب الشرعي للمنظمة أنهم «لم يروا مثل هذه الإصابات الشديدة بسبب هذا من قبل».
يعيدنا استخدام هذه الأسلحة المخيفة والسموم وما تسببه من إصابات مروعة في صفوف المتظاهرين، إلى يوم 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2004، حين بارك رئيس الوزراء، آنذاك، أياد علاوي هجوم قوات الاحتلال الانجلو أمريكي على مدينة المقاومة الفلوجة بحجة تحريرها، مستخدمين اليورانيوم المنضب وجيلا جديدا من الفسفور الأبيض الذي يذيب أجساد الضحايا.

الساسة والمحللون الذين يحاولون الحط من قيمة التظاهرات وتشويه المطالبة بالسيادة والحرية والكرامة صاروا يتحدثون عن عدم وجود قيادة واضحة لها

ولايزال أهل الفلوجة، وبقية المدن التي تناثر فيها غبار الموت البطيء، يعانون من الارتفاع الملحوظ في مستويات التشوهات الخلقية عند الولادة، جنبا إلى جنب مع ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان وظهور أمراض وتغيرات غير عادية في نسبة الجنس عند الولادة، حسب تقارير علمية معروفة.
ولأن القتلة يتشابهون واصل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي سياسة سلفه فأمر بقصف المدينة بالبراميل المتفجرة، بحجة تخليصها من «الإرهاب»، ولكن مع بعض الاختلاف. لم يعد المحتل الأمريكي هو «السيد» الوحيد، بل بات «آية الله»، الجالس في طهران شريكا يمثله قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، الذي صار وجوده على الأرض العراقية ملحوظا أكثر من دوام النواب في البرلمان العراقي. ولأن سليماني يعرف جيدا أن خونة أوطانهم لايؤتمنون، حضر إلى بغداد، هذه الأيام، ليشرف بنفسه على أداء أتباعه من الميليشيات إلى الوزراء وقادة الأحزاب والنواب، عسكريا ودعائيا.
الملاحظ أن الساسة والمحللين الذين يحاولون الحط من قيمة التظاهرات، وتشويه المطالبة بالسيادة والحرية والكرامة، صاروا يتحدثون عن عدم وجود قيادة واضحة وانعدام البرنامج، بعد أن فشلت اتهاماتهم التي وأدت المظاهرات السابقة، وبعد أن بات للمظاهرات شعار موحد هو «نريد وطن»، يتفيأ في ظله الطلاب والعمال والأكاديميون والمهمشون وعدد من النقابات، وبات الحضور النسائي، ملمحا متميزا، متجاهلين حقيقة أن للانتفاضات ديناميكية تجعل النكوص إلى الوراء مستحيلا وأن التغيير حاصل لامحالة.
إن عدم وجود قيادة واضحة أمام عدسات الكاميرات وفي الاستديوهات ضروري إزاء القمع والإرهاب الرسمي. أما بالنسبة إلى المطالب والبرنامج، فقد تداولت مواقع التواصل الاجتماعي، في الأيام الأخيرة، ما الذي يعنيه المتظاهرون بـ «نريد وطن» ويتضمن برنامجا، من أهم نقاطه: استقالة الحكومة الحالية، تشكيل حكومة انتقاليّة مؤقتة لمدة ثلاثة أشهر فقط، وتتألف من شخصيات تتوفر فيهم أربعة شروط هي: أن يكونوا مستقلين ولم يسبق لهم العمل في أي حزب سياسي سابقاً. لم يسبق لهم العمل في أي حكومة أو مجلس نواب سابق، ولا في أي حكومة محلية أو مجلس محافظة، أن لا يتقدموا للترشيح في الانتخابات المقبلة ولا يشاركوا في الرعاية أو الترويج لانتخاب أي مرشّح، وأن يكونوا من المشهود لهم بالنزاهة والشجاعة والوطنيّة، وأن يتم تعديل قانون الانتخابات وتشكيل مفوضية مستقلة جديدة للانتخابات بنفس شروط أعضاء الحكومة الانتقاليّة، إجراء انتخابات جديدة ويكون موعدها قبل نهاية فترة الحكومة الانتقاليّة، أن يقوم مجلس النوّاب الجديد بتعديل الدستور بفترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، أن تتعهّد الحكومتان الانتقالية والدائمة بإجراء تحقيق عاجل حول الجهات والأشخاص الذين تسببوا بقتل المتظاهرين، وإنزال حكم القضاء العادل بهم، وتعويض أسر الشهداء والتكفل بعلاج الجرحى وتعويضهم، وأن يتعهّد مجلس القضاء الأعلى أن يتم فوراً إطلاق تحقيق «من أين لك هذا؟» بحق المسؤولين الحاليين والسابقين، وسائر موظفي الدولة، واسترداد الأموال من السرّاق مهما كانت الجهة التي تقف خلفهم.
تمنحنا هذه المطالب، ملامح وليس بالضرورة كل ما يمكن أن يعيد البلاد إلى أهلها، ليتمتعوا بكل حقوق المواطنين بلا استثناء، بالإضافة إلى السلام، إقليميا ودوليا. هل هذه أضغاث أحلام ونحن نرى أصبع كل من هب ودب مغروزة في غنيمة العراق؟ لا أظن ذلك. وبإمكان المتظاهرين تحقيقه إذا ما استمروا رافضين لحالة اللا كرامة والإهانة المفروضة عليهم. إنه ليس مشروعا من المستحيل تحقيقه من قبل المتظاهرين الذين نجحوا، خلال شهر واحد، من إسقاط المشروع الاستعماري الطائفي بمحو الهوية الوطنية، ومنظومة التمييز، وهيمنة الأحزاب الفاسدة، والخوف من الميليشيات وأوهام القدسية التي لا تمس.

كاتبة من العراق

 

 

شعراء الشوارع

يستعيدون عراقهم

هيفاء زنكنة

 

مع استمرار المظاهرات في عديد المدن العراقية، وإشهار النظام أدوات قتله بوجوه المتظاهرين، ومع سقوط المزيد من الشهداء، بشكل يومي، ومع حالة الخرس العربية المزمنة، برزت من صميم الانتفاضة، مستويات إبداعية متعددة لتتحدى نظام اللانظام، وعمليته السياسية الطائفية، الفاسدة، التي أسسها المحتل.
تنوعت مستويات الإبداع، التي طالما تميز بها الشعب العراقي، لتساهم في كسر حواجز الخوف والتقسيمات الطائفية والدينية والعرقية المفبركة. فمن الفن التشكيلي والكاريكاتير إلى الموسيقى والشعر والغناء إلى رفع شعارات تخطها الأيدي بحرقة قلب وغضب بات من المستحيل كبته. توحدت، هذه الأوجه المتعددة، جميعا، معبرة بالألوان، والمفردات، والصور عن الظلم والأمل والأحلام وحب الحياة. انضم الفنانون إلى المتظاهرين الشباب ليصرخوا بوجوه من استهانوا بكرامتهم بأن الشوارع ملكهم، والمدن ملكهم، وسيبقون فيها حتى يستعيدون الوطن. فالطغاة مهما تحصنوا بأسلحتهم، وأجهزة إعلامهم، وأموال فسادهم، ودعم سادتهم، يخشون الكلمة واللون وصوت المغني، خاصة إذا ما خضبتها دماء الشهداء.
وإذ ترحب الانتفاضة الجماهيرية بانضمام الطلاب والجامعات والأكاديميين ونقابة المحامين والمدرسين إليها، للتضامن مع من نزلوا إلى الشوارع يوم الأول من تشرين الأول/ اكتوبر وحتى اليوم، يقف أبناء الشعب متسائلين: هل نعيد اجترار الدموع ونلطم حتى إسالة الدم من صدورنا، وتحويل الشهداء إلى صور جامدة بلا حياة، ننساها بعد حين؟ رافضين للحلول الكاذبة ومقايضة الشهداء وتضحياتهم، يقول المتظاهرون: سنبقى وفاء لآمال الشهداء الذين سقطوا مطالبين بحق الكرامة وان يعيشوا سنوات تحقيق طموحاتهم في وطنهم. في شوارع مدنهم. أن يكتبوا قصائد أحلامهم بأنفسهم، لأنفسهم، ولأبناء شعبهم.
يقول المتظاهرون، في لحظات قتل زملائهم، وأجسادهم محروقة بالغاز: نحن أخوة الشهداء، وأهلنا في أرجاء الدول العربية يعرفون معنى ذلك جيدا، وهم يرفعون أجساد أبنائهم العارية إلا من دماء رصاص القناصين والغارات الجوية والغازات الخانقة لأنفاس شباب كل ما يريدونه هو بناء الأمل. هذه صباحات بلداننا ومساءاتها. نراها عبر شاشات التلفاز أو نعيشها ونحن نتساءل أي بلد عربي سيعيش الغدر والتنكيل اليوم؟ فلسطين؟ العراق؟ سوريا؟ أي البلدان هو؟ الشهداء متشابهون وخراب المدن متشابه. وآه… كم يتشابه الطغاة في أكاذيبهم وخنوعهم أمام أسيادهم الأجانب، واستئسادهم تجاه شعوبهم المقاومة الحية. ألم يكن شاعرنا الرصافي محقا بقوله «عبيد للأجانب هم ولكن على أبناء جلدتهم أسودُ»!
منذ الأيام الأولى للمظاهرات اختفى معظم الساسة وقادة الأحزاب وأعضاء البرلمان، باستثناء الخطاب الفضائي الذي ألقاه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي وملهاة رئيس البرلمان الحلبوسي حول تحقيقه مطالب الشباب، ارتدى بقية الساسة طاقية الإخفاء، ليصبح المجال مفتوحا أمام الشعب من جهة وأجهزة النظام القمعية والقتلة من الميليشيات الإرهابية من جهة أخرى.

منذ عام 2003، عام الغزو والاحتلال، والعراق ينتفض ويثور كالبركان الذي ما أن يهدأ لفترة حتى يستعيد توهجه وغليان نيرانه

إزاء صمت أجهزة الإعلام أو شراء سكوتها، سيطر الشباب المتظاهرون، داخل العراق، على الفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي ليتبادلوا وينشروا أخبارهم وما يحيط بهم، والتحليل والتعليق والصور والفيديوهات الناقلة للحدث الآني المباشر، التي غالبا ما ترفض أجهزة الإعلام الرسمية نشرها أو تقوم بنشرها بشكل انتقائي دقيق.
خارج العراق، في أمريكا وأوروبا، استحدث الشباب المتضامن مع المتظاهرين مجموعات «واتساب» تتابع وتتفاعل وتنظم التظاهرات أمام السفارات العراقية وأجهزة الإعلام الرئيسية كالبي بي سي ومقرات الحكومات ورؤساء الوزراء والأمم المتحدة. أبدعوا أساليب جديدة لجذب الانتباه إلى الإبادة التي يتعرض لها المتظاهرون داخل العراق، وإدانة الصمت الدولي، وتهرب الدول الغربية، وأمريكا خاصة من مسؤوليتها في غزو واحتلال العراق وتهيئة الأرضية للتقسيم والفساد والأرهاب.
مع الشباب المتظاهرالمستقل الذي لم يعد يطالب بالخدمات الأساسية باعتبارها أحلاما وطموحا بل حقا على الحكومة توفيرها، وقف عدد من فنانينا الكبار. لم تعد البلدان التي يقطنونها جدارا عازلا بينهم وبين المتظاهرين كما لم يعد اختلاف العمر فاصلا بين النشاط الإبداعي وانخراط الشباب في عملية التغيير، التغيير الضروري للتطوير المستمر في ديناميكية تعكس حب العراق.
خلال ايام قليلة أنتج الفنانون، ورثة الفن المعروف بمقاومته للاحتلال والقمع، عددا كبيرا من الاعمال الفنية، وفروها للجميع على صفحات الفيسبوك والانستغرام وكل مكان يجدون فيه متنفسا للحرية والتواصل مع المتظاهرين. رأينا فنانين يشاركون في المظاهرات، ورأينا آخرين عبر تخطيطاتهم ولوحاتهم ومنحوتاتهم. باتت أصوات المتظاهرين جزءا من الأعمال الفنية في لحظات اقتراب المخيلة والأحلام من الواقع. حملت أعمال الفنانين عناوين الشارع: لا لاغتيال المتظاهرين، نريد الوطن، قوات مكافحة الشغب وهي تداهم المتظاهرين، كلهم حرامية، نازل آخذ حقي، ولنا كلام آخر. وقد اختار منظمو المهرجان السنوي العالمي في مدينة ردينغ البريطانية، عشرين عملاً فنيا جديدا عن الانتفاضة لتعرض متزامناً مع ورشة حاشدة يوم الجمعة الماضي عن رحلة لتاريخ موسيقى العود العراقي كان مخططا لها منذ أشهر.
ضمن مجموعات الواتساب الشبابية باتت اللغة، بالتعليقات التغريدية القصيرة وأخطائها النحوية، سلاحا للتهكم من أعضاء الحكومة ومجلس النواب والأحزاب، وحتى المراجع الدينية التي تحاط عادة بالقدسية، مسها رشاش السخرية والتهكم. ولا تخلو صفحات التواصل من نقل دقائق ما يجري في الساحات والشوارع بأسلوب سردي يجمع بين المعلومة والتحدي والسخرية، بات منتشرا أثناء الانتفاضة. كتب أحد الشباب ناقلا إلينا خبر انضمام التلاميذ والطلاب إلى المتظاهرين:
«حدث تغيير كبير في العراق، خرج عشرات الآلاف من الطلاب من جميع مستويات التعليم في شوارع بغداد في احتجاج عام ينضم إلى المحتجين. حيث استيقظت الحكومة النايمة على صداع كبير، لا يمكنهم إطلاق النار على طلاب الصف الخامس الابتدائي بحقائب مدرسية من الرجل الحديدي!»
يهدد ساسة النظام العراقيين بالفوضى إذا ما استمرت المظاهرات وتم انضمام بقية شرائح الشعب إلى العصيان المدني، متعامين عن حقيقة أن وجودهم، بأحزابهم وميليشياتهم وولائهم لغير الشعب، هو الفوضى بعينها.

كاتبة من العراق

 

 

«إنه الوطن»…

يقول شباب العراق

هيفاء زنكنة

 

في الأسبوع الرابع من المظاهرات في العراق، التي شملت عديد المدن في أرجاء البلاد، وبعد استشهاد 200 متظاهر وجرح حوالي ثمانية آلاف، لم يعد المتظاهرون الشباب يطالبون، فقط، بتحسين الخدمات. تكلفة الحياة الثمينة دفعتهم إلى إعادة ترتيب الأولويات. تعافوا من المطالب الخدماتية منذ تصنيع «العملية السياسية» وليدة الاحتلال الانكلو أمريكي عام 2003. تراجعت مطالب الماء الصالح للشرب والكهرباء والخدمات الصحية، على أهميتها القصوى، وهي ليست منة حزبية أو حكومية، بل من أساسيات حقوق الإنسان، وقاعدة هرم الاحتياجات الإنسانية التي ترتقي بالشعوب، ليعود إلى الواجهة أحد المطالب التي برزت أثناء مظاهرات تموز/ يوليو 2018، مع اختلاف مهم. اذ عاد المطلب، أساسيا وبشكل جماعي أقوى وأعمق هذه المرة، وبالتزامن مع المطالبة بحرية الرأي والمساواة بين المواطنين. صارت الهمسة صرخة تنادي «نريد الوطن».
بعد أن أثبت المتظاهرون أنهم خارج الأحزاب، بأنواعها، والمرجعيات الدينية بأنواعها، وتجار الفساد والتبعية للمحتل بأنواعه، لم يعودوا بحاجة إلى إثبات نقائهم الديني والمذهبي ودفع تهم الاندساس والإرهاب والبعث، وبعد أن نفضوا عن أنفسهم الخوف من التهم الجاهزة، المانعة لخروجهم إلى شوارع مدنهم واستعادة ملكيتها (الشوارع ملك للناس، للشعب… أليس كذلك؟)، صار الشعار المختلف الذي شهد ولادة طبيعية، من صميم حراكهم ومبارك بقدسية دمائهم هو «نريد الوطن». مطلب تبناه الشباب في داخل وخارج العراق، لاستعادة ما سلب منهم، وامتد كما لاحظنا من مظاهرات لبنان، في الأيام الأخيرة، إلى بلدان أخرى، بينما تستمر تصريحات الساسة ورجال الدين في إدانة العنف والفساد، كأنهم ليسوا غارقين فيهما، وكأن الشهداء يتساقطون نتيجة تغير مفاجئ في درجات الحرارة وليس قناصة النظام.
«نريد الوطن»، مطلب عضوي يماثل بانتشاره «الشعب يريد اسقاط النظام»، متضمنا، في الوقت نفسه، ما هو أبعد من مجرد اسقاط النظام، ومأسسة المحاصة الطائفية وتوزيع أسهم الفساد. حيث يطمح المتظاهرون إلى البناء، إلى التوحيد بديلا لسياسة التفكيك الاستعمارية المنفذة بالنيابة. إلى العيش في وطن لا مقاطعات القرون المظلمة. إنهم، يعملون من أجل هدف، تم تغييبه عمدا، خلال سنوات الاحتلال وحكامه بالنيابة، ممن ساهموا، ولايزالون، في تفتيت مفهوم الوطن، والترويج للهوية «السائلة»، والولاء لمن يقدم «العرض الأفضل»، ما دام الوطن، حسب منظورهم، سينمحي، تدريجيا، إزاء القبول بالواقع الجديد.

بعد أن أثبت المتظاهرون انهم خارج الاحزاب، بأنواعها، والمرجعيات الدينية بأنواعها، وتجار الفساد والتبعية للمحتل بأنواعه، لم يعودوا بحاجة الى اثبات نقائهم الديني والمذهبي ودفع تهم الاندساس والإرهاب

سواء كان الواقع مضمخا بوعود ديمقراطية المحتل الأمريكي أو دكتاتورية ولاية الفقيه. كلاهما يريدان، بشكل أو آخر، اختزال الوطن ـ العراق بطبقات معانيه، المتعددة، العميقة في ثرائها، إلى ايديولوجيا السرير الحديدي المعد سلفا، كما صنعه الحداد وقاطع الطريق اليوناني بروكرست، الذي كان يهاجم الناس ويقوم أما بمط أجسادهم أو قطع أرجلهم ليتناسب طول أجسامهم مع سريره الحديدي. فالسياسة الاستعمارية الجديدة، لم يطرأ تغير كبير على فحواها: إنها تعتاش وترتزق على مغذي الحاكم المحلي، العبد الذي يحصل على ترقية، فيُسمح له بالخدمة في بيت السيد بدلا من الحقل، إذا كان يخدمه بإخلاص، كما وصف المغني الأمريكي الأسود هاري بيلافونتي رجلاً أسود آخر هو كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي أثناء غزو العراق.
انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوة المتظاهرين للمطالبة بحق لا ينص عليه ميثاق حقوق الإنسان، بهذا الشكل المباشر، الصريح : نريد الوطن. وهي خطوة أذهلت كل أحزاب «العملية السياسية»، من الإسلامية إلى العلمانية، ومن القومية إلى الشيوعية، والتي تاجرت جميعا بتحالفاتها، من انتخاب «ديمقراطي» إلى آخر، تحت شعارات ظاهرها محاربة الفساد والمحاصصة، وباطنها «معا من أجل المحاصصة والفساد». لم تعد التظاهرات مرهونة بخدعة نحن ضد الفساد، نحن نزهاء. نحن مع سيادة العراق، نحن وطنيون.
ولعل أكبر خدع الاحتواء التي عاشها المتظاهرون على مدى سنوات الاحتلال هي التي يطلقها «سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد مقتدى الصدر دام عزه»، الذي يروج له، بعد تحالف الحزب الشيوعي معه في الانتخابات والبرلمان، أنه «مدني». فالمعروف، ومن مراجعة بسيطة، لمجريات المظاهرات السابقة، أنه من يتدخل دائما، بالتعاون مع المرجعية الدينية، على انقاذ النظام، في لحظات اقتراب المتظاهرين من تحقيق التغيير. فهو الذي منح نظام نوري المالكي مهلة ستة أشهر لإجراء الاصلاحات الخدمية التي طالب بها المتظاهرون عام 2011 بعد أن كان رئيس الوزراء نوري المالكي نفسه قد طلب مهلة شهر واحد. ثم عاد ومنح المالكي مهلة أخرى بعد أن خرج المتظاهرون لمطالبة حكومة نوري المالكي بتقديم استقالتها، وكانت النتيجة احتواء المتظاهرين ووضع حد للمظاهرات عبر استخدام أجهزة النظام القمعية واختيار مقتدى الصدر الانزواء في إيران. وكرر التكتيك نفسه مع متظاهري البصرة وغيرها في سنوات تالية مغادرا العراق في لحظات الأزمات الحادة بذريعة الدراسة حينا وكتابة الشعر في حين آخر. وها هو يعود اليوم، بعد صمت لا يضاهيه غير صمت مرجعية النجف على قتل المتظاهرين وتزايد أعداد المختطفين والمعتقلين، واستنكار المنظمات الحقوقية الدولية، واصرار المتظاهرين على الاستمرار، محاولا أن يمدد بقاء ساسة العملية السياسية الفاسدين، وهو وتحالفه جزء لا يتجزأ منها، عبر تخدير الانتفاضة بشعاراته المعتادة «كلا كلا أمريكا» و «كلا كلا للفساد… نعم نعم للإصلاح».
يعلمنا التاريخ أن عمر مغازلة الأوهام وشعبوية الخطاب السياسي، ونشر سياسة القبول بالأمر الواقع، وتخويف المطالبين بتغييره بالفوضى، خدعة قد تنطلي على الشعوب لفترة إلا أنها لن تطول. وخدعة الاصلاح، بعد مرور 16 عاما من فقدان السيادة الوطنية وبؤس الحياة اليومية، والمشاريع الوهمية، لم تعد تنطلي على أحد مهما حاول الساسة تعليبها بشكل جذاب. وحين يخرج الشباب متظاهرين، مطالبين باستعادة ملكيتهم للوطن، فلأنهم يدركون أن دماء الشهداء لا تغسلها وعود القتلة، وأن التعويضات المادية لا تعيد للأمهات أبناءهم، ومنح الشهداء «منزلة الشهيد» من قبل القتلة هو امتهان لكرامة المنتفضين. وهو مخدر سيوفر للفاسدين المستغلين ديمومة بقائهم. وإبقاء المواطن في غيبوبة، مربوطا بآلة تنفس اصطناعي. إنه الميت الحي وهو المطلوب.

كاتبة من العراق

 

 

جينات العائلة العراقية

تنتفض في تشرين

هيفاء زنكنة

 

باستثناء المشاركة الرمزية في المظاهرات المليونية التي شهدها العالم في شباط/ فبراير 2003، معلنا بصوت واضح الرفض الشعبي، لشن الحرب على العراق، لم يساهم عراقيو الخارج، باستثناء قلة، وفي حالات نادرة، في مظاهرات او اعتصامات تساند وتدعم اي فعل شعبي، ينفذ داخل العراق، مهما كانت شرعيته القانونية والاخلاقية، وخاصة اذا كان يدعو الى اجراء تغيير حقيقي في هيكلية « العملية السياسية» أو اسقاط النظام. أسباب الصمت العلني كثيرة، أهمها ان معظم العراقيين المقيمين في اوروبا وأمريكا وصلوها لأسباب سياسية، وفق درجة القمع في حقب مختلفة، وليست اقتصادية كما في عديد البلدان العربية.
وقد نقل العراقيون معهم في رحيلهم الى بلدان الاقامة الجديدة حقائب ثقيلة من العقد والخلافات بالاضافة الى الولاء الايديولوجي الضيق والمحدود للأحزاب التي ينتمون اليها. ومع صعوبة التأقلم مع المجتمعات الجديدة، خلق كل حزب لأعضائه منظمات مجتمع مدني، جمعيات او منتديات او حسينيات او نواد، مهدت الأرضية منذ انشائها، لمأسسة غيتوات الطائفية سواء كانت علمانية أو دينية، خارج البلد استعدادا للعودة اليه بعد «التحرير».
حصلت معظم هذه المنظمات والمنتديات، منذ تسعينيات القرن الماضي، على التمويل من بلدان الاقامة. فكان من الطبيعي، ان يتعاملوا مع قضايا العراق، غالبا، وفق سياسة البلد وجهة التمويل. وازداد التحكم «الناعم» بهذه المنظمات والمنتديات، بعد اعلان أمريكا سياسة «الحرب على الإرهاب» وفرض السياسة على دول اخرى. فمن يتم تمويله من قبل مؤسسة بريطانية، مثلا، ليس من مصلحته وضع الاحتجاج على سياسة الحكومة البريطانية في العراق، واستفادتها من عقود النفط والسلاح الشركات الأمنية ضمن برنامجه. المنفعة الاقتصادية لصالح بريطانيا أرض محظور مسها. وتوجيه الاتهام الى استخدام التعذيب من قبل القوات البريطانية وهي ذاتها التي تدرب القوات العراقية على «حقوق الانسان»، ارض محظورة هي الأخرى، ومفهومة ضمنيا بدون الحاجة الى وضعها على الورق ضمن البرنامج المعلن لمنظمة المجتمع المدني. فبات معظم نشاط هذه المنظمات/ الجمعيات/ المنتديات يقتصر على تنظيم السفرات والحفلات وعروض الازياء ومناسبات الاعياد وذكرى تأسيس الحزب صاحب الجمعية، واستشهاد الامام الحسين، ومجالس العزاء. ولا تخلو البرامج من محاضرات تمس، بحذر، ما يجري في العراق وبشرط ألا تؤثر، بأي شكل من الاشكال، على «طمأنينة ورضا» عقول الحاضرين. واذا كان هناك ما يثير الغضب والحزن حول ما يدور في بلدهم الام فهو وجود «الإرهابيين» وانقياد «المتخلفين»، من ابناء الشعب، لهم.

الشباب العراقي قرر أن يأخذ زمام الأمور بيده، وألا يعتمد على الساسة والبرلمان والأحزاب، وأن ينزع عن رجال الدين، من أصغرهم إلى أكبرهم، رداء القدسية المذهبية

وكان لظهور تنظيم الدولة الاسلامية «داعش» واعلانه مدينة الموصل، شمال العراق، عاصمة له، الحد الفاصل لدى الكثيرين، لتناسي او التعامي أو غسل جرائم المحتل الانكلو أمريكي، بدءا من الاعتقال والتعذيب الى القتل المنهجي البطيء باليورانيوم المنضب وابادة مدن المقاومة. وفر تنظيم داعش الاداة الأفضل لمسح كل ما تم ارتكابه قبله، لتقتصر المطالبة بتحميل المسؤولية والعقاب عليه. ومع تشغيل الماكنة الاعلامية المحلية والاقليمية والدولية، بات تنظيم «داعش» التيزاب السائل لإذابة او غسل الذاكرة من كل ما حدث قبل حزيران 2014، واعادة تركيبها حسب المطلوب. انعكس ذلك على عراقيي الخارج سواء كانوا في البلاد العربية، المكممة لأفواه مواطنيها، اساسا، أو في اوروبا وأمريكا.
الا أن هذه الصورة، تغيرت تماما منذ الاول من تشرين/ اكتوبر، العام الحالي. اذ شهدت العواصم الاوربية وأمريكا عديد المظاهرات والاعتصامات المساندة لانتفاضة الشباب العراقي، الذي قرر أن يأخذ زمام الامور بيده، وألا يعتمد على الساسة والبرلمان والاحزاب، وان ينزع عن رجال الدين، من أصغرهم الى أكبرهم، رداء القدسية المذهبية. مطالبا بصوت واحد «نريد وطن»، مشخصا، بعيدا عن الولاءات الحزبية التقليدية، وبحكمة، توصل اليها عبر سنوات الصبر على الفاسدين، وانتظار صحوة ضمير المستحوذين على ثروة العراق باسم الدين ووجهه الطائفي البشع، ان من ينحني بخنوع امام «السادة» يستحق الركل.
فمن لندن الى جنيف الى موسكو وبرلين ومن باريس الى أثينا ومدريد وواشنطن ومن كندا الى استراليا وجميع بلدان اللجوء والهجرة، نظم شباب الخارج، المولود معظمهم خارج العراق، ولأول مرة، عديد المظاهرات المساندة لأخوتهم بالعراق. وقفوا أمام السفارات العراقية وفي الساحات العامة ومقرات الحكومات احتجاجا وتنديدا بسياسة النظام الفاسد، مطالبين بالتغيير، وبجرأة تجاوزت مخاوف آبائهم، مؤسسي جمعيات ومنتديات احزاب الخارج، باسقاط النظام. انبثقت المظاهرات، أكثر من كونها نظمت، بشكل عفوي، مشحون بالعواطف، اختلط فيها الغضب بالأسى، من قبل شباب بأعمار تماثل اخوتهم المتظاهرين بالعراق، ولم يحدث ان انخرطوا بأي حزب أو شاركوا باية مظاهرة سابقا.
خرجوا، اليوم بعد الآخر، مؤكدين تضامنهم، بشعارات أعدوها على عجل، وسهروا الليل لطباعة صور شهداء الانتفاضة بأنفسهم، تصرفوا وكأنهم يسابقون الزمن، في صياغة هتافات واعداد منشورات بعدة لغات، ليوصلوا اصواتهم الى مواطني اوروبا وأمريكا، ويتواصلون، في الوقت نفسه، مع اخوتهم المعرضين لخطر الموت قنصا، وهم يحملون راية الحرية لعراق خال من الاحتلال الأمريكي ـ الإيراني. كسروا حاجز الخوف من الاتهامات الجاهزة بالبعثية والداعشية والطائفية والإرهاب.
وهذا، بحد ذاته، انجاز كبير سيبقى رمزا لانتفاضة الشباب وان تمكن النظام الفاسد من دفعها جانبا الى حين. الانجاز الآخر هو نجاحهم في دفع منظمات وجمعيات الاحزاب التقليدية على الخروج من قوقعة مواقفهم الخجولة أو الانتهازية لئلا يفوتهم قطار الحرية.
فشباب الانتفاضة، سواء كانوا داخل أو خارج العراق، هم حاملو جينات العائلة العراقية، المعتادة، المكونة من كل القوميات والاديان والمذاهب في آن واحد. أراد الاستعمار الجديد وحكامه بالنيابة، تفكيكها، بذرائع مختلفة، ليتقاتل افرادها فيما بينهم، بينما يقف جانبا ملتذا بانتصاره، ففشل. وانتفاضة تشرين، سواء استمرت أم تأجلت الى حين، هي افضل دليل.

كاتبة من العراق

 

 

انتفاضة الشباب

تعيد للعراق عافيته

هيفاء زنكنة

 

اذا كان خروج شباب البلاد العربية الى الشوارع احتجاجا وثورة، قد فاجأ العالم في عام 2011، وتكاتفت لإعادة تشكيله وصياغته، وفق المطلوب، الحكومات المحلية المستبدة والقوى الاقليمية والعالمية، فان انتفاضة الشباب العراقي، الحالية، في يومها الثامن، لم تفاجئ احدا، وها هي محاولات اجهاضها جارية، كما سابقاتها، من قبل عدة جهات متداخلة بتوليفة ميليشياوية – سياسية – دينية محلية واقليمية، وحجج معجونة بالفساد المحلي والدولي.
ففي كل مرة يخرج فيها المتظاهرون الى الشوارع احتجاجا، لأسباب تبقى في جوهرها واحدة، على اختلاف المدن والمناطق العراقية، مطالبين بالخدمات الاساسية الضرورية لإدامة الحياة والكرامة، في بلد غني تبلغ ميزانيته السنوية 120 مليار دولار، ويتم فيه استيراد المهندسين والعمال أما من الخارج أو تعيين غير المؤهلين نتيجة الفساد، تقوم قوات الحكومة «الديمقراطية» وميليشيات الاحزاب المدعومة إيرانيا، بإطلاق النار على المتظاهرين، بينما يقف سادة «الديمقراطية» من الحكومة البريطانية الى الادارة الامريكية، جانبا، وهم يحصدون غنيمة الحرب والخراب الذي زرعوه عقودا وأسلحة.
قائمة المظاهرات السابقة طويلة وتمتد من شمال العراق الى جنوبه منذ غزوه واحتلاله عام 2003. وفي كل مرة يسقط فيها الشهداء، تتستر الحكومة وقادة الاحزاب المستفيدة باتهامات جاهزة. احتجاجات واعتصامات أعوام 2011 ـ 2013، في الفلوجة والحويجة والرمادي والموصل، تم وصفها بالإرهاب وانها بتنفيذ « القاعدة». متظاهرو البصرة في العام الماضي، وصفهم حزب الدعوة الإسلامي الشيعي، بأنهم «مجرمون، آثمون، داعشيون، بعثيون… ويجب ان يعاقبوا». واتهم رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي المتظاهرين، في أيلول/سبتمبر 2015، بالعمالة لـ «قوى خارجية» تريد «استهداف الدولة»، كما ساهمت قنوات إعلامية، يمولها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، بنشر خبرا مفاده ان مخطط التظاهرات «يهودي صهيوني ماسوني» من أصل عراقي. أما متظاهرو النجف، المدينة المعروفة بأنها مركز المرجعية الدينية الشيعية، المطالبين بالكهرباء والماء الصالح للشرب، عام 2018، فقد تم اطلاق النار عليهم، فاستشهد اثنان وجرح 15 آخرين، تلاها قتيلان و40 جريحا في مدينة كربلاء. برر المسؤولون جريمتهم بأن الضحايا كانوا «إرهابيين، مخربين».
على مدى السنوات، أثبتت حكومات «العملية السياسية»، انها لا تكتفي بإهمال مطالب المتظاهرين واطلاق النار عليهم أو رمي مدنهم بالبراميل الحارقة، بل تواصل تكميم اصواتهم عبر اعتقال وإغتيال الناشطين والعقاب الجماعي. ولجأت، في العام الماضي، الى قطع الانترنت، عدة ايام، منعا للتواصل الاجتماعي وايصال اخبار الانتهاكات والجرائم الى العالم الخارجي. هذه الآلية، بمستوياتها المتعددة، يتم تطبيقها، كلها، على المتظاهرين، حاليا، بعد تطعيمها بتقنية ارهابية جديدة لم تستخدم سابقا، وهي استخدام القناصين لاغتيال المتظاهرين بالإضافة الى رجال الشرطة والجيش، اذا ما حدث، ورفض أحدهم اطلاق النار على المتظاهرين، خاصة وهم يرون بأم اعينهم عدم حمل المتظاهرين لأي سلاح كان، واكتفائهم بالهتافات واعلان الغضب سلاحا.

ان العراق الذي أريد لشعبه الخنوع، ولثروته النهب، ولأرضه التقسيم، بذريعة الطائفية والعرقية، حي يرزق، بشبابه، ورثة تاريخه العريق وحضارته الممتدة عميقا في جذور الانسانية

ان استهداف المتظاهرين بالرصاص الحي ونشر القناصين ليس انتهاكا لحق الحياة الحياة فحسب بل جريمة ضد الإنسانية تتحمل السلطات مسؤوليتها.
ومن يتابع هتافات المتظاهرين سيجدها، كما كانت منذ تظاهرات بدء الاحتلال، تقريبا، باستثناء شعار «ارحلوا»، برمزيته الخاصة التي تبدت بتونس ومصر. فمن «باسم الدين باكونا (سرقونا) الحرامية» و«ما نريد واحد ملتحي، نريد واحد مستحي» للدلالة على زيف ادعياء الدين، و«طلعت ريحتكم» و« كل النواب حرامية»، للدلالة على استشراء الفساد بين الحكومة والنواب معا، الى «ايران برة برة بغداد تبقى حرة»، للدلالة على تبعية الحكومة للمليشيات المدعومة ايرانيا، وعدم الرضا العام عن سياسة التبعية والخنوع لأية قوة خارجية.
واذا كانت كثرة ترداد الشعار الاخير، في التظاهرات الحالية، هو الذي أوحى للساسة بأن يركزوا حملة تشويههم للمتظاهرين، وبالتالي تبرير قتلهم، على اتهامهم بانهم عملاء لامريكا والسعودية، فانهم يتعامون عن حقيقة هي ان ليس كل من ينتقد احتلال ايران للعراق هو مؤيد لأمريكا والسعودية، بالضرورة، وليس كل من ينتقد أمريكا هو مؤيد لإيران، وليس كل مناهض للكيان الصهيوني معاديا للسامية. لم تعد هذه الوصفات الجاهزة للتشويه سارية المفعول. فالشاب العراقي الذي يجد نفسه عاطلا عن العمل او يفتقد سبل العيش الكريم، وقد بلغت نسبة البطالة 40 بالمئة، بينما يتمتع ساسته، مهما كانت طائفتهم او عرقهم، بسرقة أو تمكين سرقة مليارات الدولارات، أمام ناظريه، وتحويل البلد الى ساحة صراع بين أمريكا وايران، لا يحتاج ان يكون عميلا لأحد ليفهم ويدرك وينتفض. أنه تجسيد لشعاره: «نازل آخذ حقي».
بالإضافة الى الاتهامات، حاول الساسة ورجال الدين، ولايزالون، تخدير المتظاهرين بالوعود الزائفة في سيناريوهات جاهزة الى حد اثارة التقزز. من بين رجال الدين، يحتل مقتدى الصدر المركز الاول في حرباوية المواقف والتي انضم اليها الحزب الشيوعي في تحالف غير مقدس، للفوز بالانتخابات الاخيرة التي ساهم فيها 18 بالمئة من السكان فقط، للدلالة على فقدان الثقة بكل سلة الاحزاب. واحتل رئيس البرلمان الحلبوسي، بجدارة، قمة الابتذال السياسي، قبل يومين، حين وجه دعوة للمتظاهرين لزيارته واخباره بمطالبهم، متظاهرا، في كوميديا من الدرجة العاشرة، بانه لا يعرفها، وكأن المظاهرات الحالية هي الاولى من نوعها في البلد، وكأن شهداء الاحتجاجات منذ 16 عاما، كانوا يتسلون بالموت.
ان العراق الذي أريد لشعبه الخنوع، ولثروته النهب، ولأرضه التقسيم، بذريعة الطائفية والعرقية، حي يرزق، بشبابه، ورثة تاريخه العريق وحضارته الممتدة عميقا في جذور الانسانية، ولم يتم لصقه بالغراء «الانكليزي»، خلافا لادعاءات الغزاة والمحتلين. الثمن غال، وصلت فاتورة الحرية خلال الاسبوع الاخير ما لا يقلّ عن 100 شهيد برصاص القوات الحكومية وميليشياتها، وجرح اكثر من 6000 واعتقال بحدود 650 شخصاً.
مع ذلك، ينهض العراق، في كل مرة من رماد القمع والارهاب، لينتفض، ويدفع في كل مرة دماء ابنائه قربانا من اجل عراق حر موحد، ليتخلص من نظام فاسد مبني على طائفية أسسها المحتل الانكلو أمريكي. الطائفية التي أرادوا بواسطتها تقسيم الاهل والارض، وها هم المتظاهرون يغسلونها بدمائهم من على وجه العراق المحتفي دوما بكل اهله.

كاتبة من العراق

 

 

مقارنة «شرعنة العنف»

بين بريطانيا والعراق

هيفاء زنكنة

 

«شرعنة العنف»، كان هو التعليق الأهم الذي أستخدم لوصف تبادل الاتهامات، بلغة لا تليق، بين نواب مجلس العموم البريطاني، في الأسبوع الماضي. كان الاجتماع الذي تراشق فيه النواب، والوزراء وعلى رأسهم رئيس الوزراء، مفردات، لم تستخدم، سابقا، هو الاول للمجلس بعد ان قضت المحكمة العليا، في بريطانيا، بعدم قانونية قرار رئيس الوزراء بوريس جونسون، بتعليق عمل البرلمان لمدة خمسة أسابيع. من بين المفردات التي تم التلفظ بها، وأعتبرت سابقة في تاريخ المجلس، « خيانة» و«متعاونين» و«الاستسلام» و«هراء»، عبر فيها رئيس الوزراء عن موقفه ازاء اعضاء البرلمان الآخرين، وخاصة ضد أعضاء تحدثوا عن مخاوفهم من تهديدات تلقوها بأشكال متعددة. دفع احتدام النقاش واسلوب الشجار حول «البريكست»، جون بيركو رئيس مجلس العموم الى القول في اليوم التالي أنّ الجدال حول البريكست قد هبط إلى مستوى متدنٍ لم يشهد له مثيلا طوال وجوده في البرلمان.
شهدت بريطانيا، في الثلاث سنوات الأخيرة، استقطابا سياسيا، وصل الى مرحلة العنف حتى بين افراد العائلة الواحدة، وهو حدث نادر في تاريخها المعاصر. يدفعنا هذا التصاعد الحاد في مشاعر البريطانيين تجاه قضية واحدة لا غير هي البريكست، والانقسام الشعبي ووصوله مرحلة التهديد والعنف الجسدي، خلال فترة زمنية قصيرة هي ثلاث سنوات فقط، الى النظر في الوضع العراقي، خاصة من نواحي التحريض على الانقسام وإثارة الكراهية، في الخطاب السياسي للنخبة، المفترض فيها تمثيل الشعب، ومدى نجاح التحريض في إشعال حرائق الفتنة وتجييرها لصالح هذا الحزب او ذاك.
علينا الاقرار بأن التحريض الدعائي / الطائفي/ العرقي المؤسس لتركيبة الأحزاب الحالية، يشهد نجاحا في تجييش العواطف الفجة المرتبطة بالطائفة والدين والعرق، من خلال شعبوية الخطاب، وتحويله الى تجارة يتم التعامل فيها مع المواطن باعتباره مستهلكا لبضاعة الحماية من كراهية «الآخر». وفق هذا المنظور، يوفر الحزب السياسي المهيمن على ثروة البلد، الحماية والعمل وسبل العيش للمواطن الذي ينتمي الى طائفته او دينه او قوميته، تأسيسا لقاعدته الشعبية وضمانا لرضوخ المواطن لإرادة قيادة الحزب. أحد العوامل الرئيسية في تسهيل نجاح الهيمنة الحزبية، خاصة اذا ماتوفر لها «التعاون» الخارجي، كون العراق بلدا ريعيا يعتمد في ميزانيته على النفط. فمن الذي يجرؤ على انتقاد حزب ساعد على منحه راتبا لقاء وظيفة وهمية، أو تعيينه وأقاربه في وظائف على حساب غيره، أو منحه منصبا يعرف جيدا انه لايستحقه من ناحية الكفاءة، ناهيك عن الأخلاق؟

التحريض الدعائي / الطائفي/ العرقي المؤسس لتركيبة الأحزاب الحالية، يشهد نجاحا في تجييش العواطف الفجة المرتبطة بالطائفة والدين والعرق، من خلال شعبوية الخطاب، وتحويله الى تجارة يتم التعامل فيها مع المواطن باعتباره مستهلكا لبضاعة الحماية من كراهية «الآخر»

أثبتت سياسة حكومات الاحتلال المتعاقبة منذ 16 عاما، ان خلق ونشر الكراهية ضرورة، لا يمكن الاستغناء عنها، بالنسبة الى السياسي حين يدرك عدم قدرته على تمثيل عموم الجماهير، وشكلت الرطانة السياسية – الطائفية جزءا لا يتجزأ من سيرورة التطويع والترويع والابتزاز لإنجاح الاستقطاب المفتت للبنية الاجتماعية، كطريقة للفوز على خصومه، وهي بالتأكيد الطريقة الامثل لخلق أجواء عنف تتيح له الوقوف، ضاربا بقبضة يده على صدره، دلالة تحقيق النصر. ويمثل نوري المالكي، الامين العام لحزب الدعوة الشيعي، حاليا، ورئيس الوزراء لدورتين سابقتين، نموذجا يستحق ان يوضع بجانب اهم مجرمي الحرب في العالم، لما زرعه من إرهاب نتيجة لغة التحريض التي مارسها، معتمدا على الشعارات التي أطلقها وحزبه لشحن وتأجيج العواطف. وكلها مصاغة لتعكس احساسه العميق بنقاء طائفته وسردية استحقاقها التاريخي للحكم. حيث ساهم أما شخصيا او من خلال أتباعه، بالنيابة، بطرح مقولات لاستفزاز بقية الشعب، ودفعهم الى الاحساس بهامشيتهم وما يصاحب ذلك، عادة، من الرغبة بالانتقام. كان استخدامه للرطانة الشعبية أداة جعلته يحتل المنصب الاعلى في الدفاع عن طائفته، وبطلا يطمأن مادحيه بانهم باقون في الحكم الى الأبد، وتبا للديمقراطية، ولا خوف عليهم ما دام هو موجودا، مكررا «هو يكدر واحد ياخذها حتى ننطيها»، أي هل هناك من يجرؤ على أخذ الحكم منا لكي نتخلى عنه، مؤكدا بأنه «شيعي» قبل أن يكون عراقيا، وداعيا الى تنفيذ احكام الاعدام، مباشرة، في الساحات، حال القاء القبض على «الإرهابيين». ومهددا باندلاع حرب أهلية في حال يتم «التلاعب بنتائج الانتخابات»، أي عدم فوز حزبه.
ولكن، أين الشعب العراقي في هذه الفوضى التي تنخر البلد نخرا؟ ليس بالامكان القبول بالجواب المغري، المتداول، حاليا، حتى بين المثقفين والسياسيين اليساريين، وهو لوم «الشعب المتخلف». وهو لوم يخفي، في أعماقه، الاحساس بالاحباط والغضب وفي نفس الوقت، تمنح اللائم أو موجه الاتهام، فرصة الوقوف على منصة أخلاقية أعلى من بقية الشعب، وتمكينه من الاستحواذ على صك عدم المسؤولية. لقد مرت أجيال من الشعب العراقي، بحروب لا يعفى من مسؤوليتها أحد، سواء من القوى العالمية اللاهثة خلف الثروات أو حماقات الحكام واستعدادهم لارتكاب الجرائم بشعارات وطنية او قومية. حفرت الحروب وما تلاها من حصار اختزل المواطن الى مستجد للطعام والدواء، جروحا لم تتح لها فرصة الاندمال بل الحفر أعمق مع الغزو وما جلبه من ساسة، يمكن تلخيص كل برامجهم السياسية بكلمة واحدة هي «الانتقام». لم يقتصر استخدام الرطانة السياسية – الطائفية – العرقية على نوري المالكي، ولم تنته بانتهاء فترة حكمه، اذ يكتظ البرلمان، اليوم، بهذا المالكي أو ذاك، حسب ما تجسده هيكيلية «المحاصصة الديمقراطية». فاذا كانت قضية البريكست قد قسمت البرلمان والشعب البريطاني الى مع وضد، خلال ثلاث سنوات، فان نواب البرلمان العراقي المقسم، وفق المحاصصة التي مأسسها المحتل الأمريكي مع نظيره البريطاني، يبنون حضورهم وتأهلهم لـ «تمثيل الشعب» على ادعاءات أحقية تاريخية سحيقة، واحاسيس تختلط فيها المشاعر القومية والدينية، وهي مشاعر لا خلاف حولها، لولا ارتباطها بالمصالح الفردية الفاسدة والمظلومية المزمنة، على حساب الوطن الجامع لكل مواطنيه، والتلاحم المجتمعي الصميم المبني على التزاوج والتاريخ المشترك. ان حالة «شرعنة العنف» التي تتم مناقشتها في بريطانيا كنتيجة لخلاف سياسي عمره ثلاث سنوات، وسط المطالبة باستقالة الحكومة المسؤولة بل وحتى معاقبة رئيس الوزراء، يعيشها العراق بمعنى أوسع وأشمل هو «شرعنة الإرهاب»، ولن تنتهي ما لم يتم التحرر من قبضة الطبقة المسؤولة سواء في الحكومة أو البرلمان.

كاتبة من العراق

 ماذا لا تساعد الحكومةالبريطانية المسيحيين العراقيين؟

هيفاء زنكنة

 

في مقابلة مع «راديو 4 ـ البي بي سي»، بلندن، صباح يوم الاحد الماضي، تحدث القس العراقي جرجيس، ضمن الفترة المكرسة للبرنامج الديني، عن مأساة المسيحيين في العراق، تعرضهم لشتى الضغوط، ومعاملتهم كأقلية من المستحسن التخلص منها، بأي طريقة كانت، بضمنها التهجير القسري والاغتيال. وكان حديثه مؤثرا حين أكد اختياره البقاء في العراق، لمساعدة الناس، على الرغم من كل التهديدات التي يتلقاها، متسائلا بأسى يعصر القلب بما معناه: أليس العراق وطن المسيحيين منذ العصور السحيقة؟
تحدث القس، ساردا قصته الشخصية، متجنبا الأرقام والاحصائيات، على أهميتها، لأنه من الصعب فهم معنى الأرقام والاحصائيات حين تتعلق بجوانب الحياة اليومية. وتزداد الصعوبة، حتى تكاد تكون مستحيلة، عندما ترتبط بالحياة الانسانية نفسها، وترتفع الأرقام لتتجاوز الآلاف، ما لم يتم ربطها بقصة، يمكن للمرء التماهي معها، بدرجة من الدرجات، لتقترب الأرقام من الأذهان. ولكن، كيف يمكن التقريب بين أعداد ضحايا الحروب وقصصهم، لاستيعاب محنتهم، وقد تجاوزت أعدادهم الملايين، وهي في نمو يزداد تسارعا بمرور الايام، لتشمل، بدرجة أو أخرى، في حصيلة الأمر، كل الناس على اختلاف قومياتهم وأديانهم؟ وكيف يمكن تلافي استخدام القصص الانسانية لاستغلال تعاطف الناس وتجييشهم لصالح أجندة سياسية محددة أو مشروع كولونيالي؟
يمنحنا تاريخ الكولونيالية وحاضرها الاستعماري الجديد، عديد الامثلة على استغلال ظلم الأقليات لتفتيت القضايا وجعل حتى أكثر القضايا إنسانية «غيتو» لما يطلق عليه «تنافس الضحايا»، للفوز بالحماية من ذات الجهة او القوة المسببة للمأساة أو من ترتكب ذات الجرائم ضد آخرين. فمن من الناس لم يتعاطف مع الشابة اليزيدية نادية مراد، التي مرت، بابشع الظروف على يد مقاتلي «الدولة الإسلامية»، وكيف باتت رمزا وصوتا للضحايا من أهلها وأتباع دينها؟ وكان من المفترض ان تكون صوتا للضحايا في جميع انحاء العالم، بعد تعيينها سفيرة للنوايا الحسنة من قبل الأمم المتحدة، وفوزها بجائزة نوبل، الا انها قبلت بتسخير مأساتها لصالح الكيان الصهيوني (تعمدا أم سذاجة؟) حالما دعيت لزيارته، بدعوة من نائبة صهيونية، لتتحدث في الكنيست عن مأساة «شعبها» والعمل مع « «الإسرائيليين» على انهاء الظلم ضده، متجاهلة بذلك الظلم المستمر الذي توقعه حكومات الكيان الصهيوني، الاستيطاني، العنصري، المتعاقبة ضد الشعب الفلسطيني، بمن فيه النساء الفلسطينيات. هكذا تتم تجزئة معنى «الظلم» ومفاهيم تحقيق العدالة وانهاء الاحتلال، وفق انتقائية منهجية تماثل حماية الغيتو العرقي أو الديني.

إذا كان النظام العراقي قد بذل أقصى جهده، منذ الاحتلال الذي لعبت فيه بريطانيا دورا رئيسيا، عام 2003، لمأسسة مجتمع تسود فيه طائفة واحدة، وأعداد المهجرين قسرا الكبيرة، فانها اختارت التعامي عن مسؤوليتها في الانتهاكات

يأخذنا نموذج نادية مراد، وهي ليست الوحيدة من نوعها، الى البناء الإعلامي حول القصة الشخصية، لجذب الانتباه الى قضية انسانية، واضاءة أحداث قلما يتم الانتباه اليها، اعلاميا، على الاقل، في خضم تسارع الاحداث اليومية المتأججة، فعلا، خاصة في بلداننا، أو المسيرة وفق أجندات سياسية واقتصادية، في جميع انحاء العالم. يقابل الجانب الإنساني الايجابي، فيها جانبا آخر يمنحها امكانية الاستخدام للتضخيم والمبالغة، وتعمل على الغاء قصص الآخرين، او التغطية على جوانب قد تكون اكثر اهمية من غيرها.
خلافا للكثيرين ممن يتم استدراجهم، إعلاميا، للتفوه وفق اجندات جاهزة، تحدث القس جرجيس، بعاطفة عن العراق وعن اسباب اختياره مواصلة العيش فيه، لافتا، في الوقت نفسه، الانظار الى مأساة تفريغ البلد من أهله. وهي نقطة مهمة جدا للدلالة على سياسة نظام يدعي الديمقراطية وتمثيل المواطنين، بينما يقمع معظم المواطنين، وتتنافى سياسته وفساده وممارساته الطائفية، مع أبسط مظاهر الديمقراطية وحقوق الانسان، بضمنها حرية المعتقد الديني. وهي النقطة الجوهرية التي تجاهلها البرنامج الديني الذي فضل إعلاميوه التمشي على سطح مأساة المسيحيين بالعراق بدون التعمق في الاسباب التي أدت الى التحول المذهل تجاههم، في بلد هم جزء لايتجزأ من تركيبته التاريخية. بالاضافة الى ذلك، تم، بعد مقابلة القس العراقي، تقديم موجز لتقرير أعده أسقف كنيسة تورورو فيليب ماونستيفن، بناء على تكليف وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت، بعد أن سادت حالة من الغضب حيال المعاملة السيئة والتهديدات بالقتل التي تلقتها الباكستانية آسيا بيبي بعد اتهامها بالتجديف في باكستان. يكشف التقرير، الذي تشكك جهات علمية بصحة طريقة التوصل الى نتائجه وإحصائياته، الى ان 80 بالمئة من المسيحيين يتعرضون للاضطهاد، وان «المسيحيين هم أكثر الجماعات تعرضا للاضطهاد الديني»، وأضاف جيريمي هانت، قائلا: «في بعض المناطق، يقترب مستوى وطبيعة الاضطهاد من التعريف الدولي للإبادة الجماعية». مبينا ان سبب الامتناع عن مواجهة هذه المشكلة هو «وجود قلق في غير موضعه حيال أن يكون الخطاب في هذه القضية صادرا من استعماريين عن دين يرتبط بقوى استعمارية أكثر من ارتباطه بالدول التي دخلناها كمستعمرين».
وهو محق طبعا فيما يخص ارتباط الدين، اي دين كان بالقوى الاستعمارية وسياسة الدول القمعية، فضلا عن الاستغلال الاقتصادي، حيث تشكل الحملة العسكرية التي شنها جيش ميانمار وأدت إلى مقتل الآلاف وتهجير أكثر من 700 ألف شخص من الروهينجا، الأقلية المسلمة، في ظل نظام «ديمقراطي»، أحد الامثلة الحية. كما هو العراق الذي اختاره وزير الخارجية للاستشهاد باحصائياته قائلا» تراجع عدد المسيحيين، في العراق، إلى 120 ألف مسيحي مقابل 1.5 مليون مسيحي قبل 2003». وكان المطران بشار متى وردة، رئيس أساقفة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، في زيارة له الى لندن، في 25 أيار/مايو، قد أكد «انه منذ الغزو الأمريكي للعراق الذي أطاح بنظام صدام حسين في عام 2003، تضاءل عدد المسيحيين بنسبة 83 في المئة»، مطالبا الحكومة البريطانية، في لقاء له مع وزير الخارجية، أن توفر مساعدة عاجلة للأقلية المسيحية.
ما هو نوع المساعدة التي قدمتها الحكومة البريطانية، حتى الآن، للمسيحيين العراقيين وغيرهم ممن يعانون من الاضطهاد والتمييز ومصادرة الحقوق بانواعها، باستثناء منح اللجوء لقلة منهم؟ والسبب؟ اذا كان النظام العراقي قد بذل أقصى جهده، منذ الاحتلال الذي لعبت فيه بريطانيا دورا رئيسيا، عام 2003، لمأسسة مجتمع تسود فيه طائفة واحدة، حسب كل التقارير الحقوقية المحلية والدولية، واعداد المهجرين قسرا الكبيرة، فانها اختارت التعامي عن مسؤوليتها في الانتهاكات والجرائم المرتكبة تحت الاحتلال بل واستمرت في بيع السلاح وتقديم الدعم المعنوي، والاكثر من ذلك الصمت على ممارسات النظام، في اجواء هيأت الارضية للإرهاب، وعدم اتخاذ اية خطوة رادعة بحق المسؤولين وعدد منهم من حاملي الجوازات البريطانية. وهذا ما لم يتطرق اليه مقدمو البرنامج البريطاني أو وزير الخارجية، عند الحديث عن مأساة المسيحيين، متجاهلين مأساة الشعب الذي يعيش آثار جريمة الاحتلال، بشكل يومي من إرهاب واغتيال واحكام اعدام وهدم للبنية المجتمعية، لبلد هو ملك لكل اهله وليس لطائفة أو دين أو عرق «مختار».

كاتبة من العراق

 

 

دموع أيام عاشوراء

و«هيهات منا الذلة»

هيفاء زنكنة

 

 

حفل الاسبوع العراقي السابق، على هامش أيام عاشوراء واحياء ذكرى استشهاد الحسين، بلقطات تجمع، مثل كل تظاهرة حاشدة، بالعواطف المتأرجحة ما بين النبل والاستغلال. هناك اولا لقطات الحشود، على اختلاف الجنس، المرتدية للزي الأسود من اعلى الرأس الى اخمص القدمين، السائرة مسافات طويلة متوجهة الى مدينة كربلاء، للمشاركة الجماعية بالطقوس المألوفة، وترداد «قراءات» ترشها المايكروفونات الضخمة، على المشاركين، بأصوات رجال يتنافسون فيما بينهم، على استعراض قدرتهم، على اعادة صياغة الحدث التاريخي، استدرارا لدموع المعزين. ويتجاوب معهم المعزون بكاء، فالدموع تخفيف عن الذنوب وكل دمعة تقربهم أكثر من نيل الثواب. ثواب المغفرة. ويتنافس «الرادود»، أي السارد، الفلاني مع العلاني على إيصال الجمهور الى ذروة الحزن المتبدي لا بالبكاء، فقط، بل حثه على المشاركة الجسدية، الفعلية، بأساليب مختلفة تراوح بين اللطم على الصدور وكفخ الرأس، في الايام الاولى، حرصا على طاقة جمهور المعزين، ثم التدرج الى ضرب الكتفين والظهر بالسلاسل وتطبير الرأس، حتى اسالة الدم، بعد ارتداء الكفن الابيض، في اليوم الاخير. يشكل الدم السائل بلونه القاني على الكفن الابيض، التماهي الاكبر مع مفهوم الشهادة كما تتجسد بتضحية الحسين بنفسه وأهله من اجل المبادئ. المفهوم الذي بات، عبر التكرار السنوي وتغذيته بالأساطير والطقوس، الاقتراب الأكبر من قدسية الحسين الشهيد واهل بيته ممن استشهدوا معه.
لا يقتصر اداء هذه الطقوس على العراق، فقط، بل يمتد الى دول اخرى، يوجد فيها اتباع المذهب الشيعي، بالدرجة الاولى، وان يصر اتباع المذهب السني على رمزية الحسين للجميع. يتسع الامتداد من إيران الى تركيا وباكستان وغيرها، مع اختلاف درجة الحاق الاذى الجسدي للمعزين بأنفسهم على وقع أصوات «الردادة» وانتشار البدع، وهي كثيرة، كنوع من المنافسة، في ابداء درجة التفاني بطاعة الأولياء، وتشكل رؤية احد المعزين للحسين في نومه، وأمره اياه باطلاق الرصاص على نفسه ثلاث مرات مع التأكيد له بانه سيبقى حيا، اللقطة الثانية التي خلفتها ايام عاشوراء لهذا العام، وهي النموذج الافضل للايمان الطقسي الغيبي وكيفية المساهمة في تصنيع المقدس، عبر العصور. انتشر فيديو الرجل الموعود بالحياة بعد اطلاق الرصاص على نفسه على مواقع التواصل الاجتماعي، منذ أيام، حيث شوهد وهو محاط بحشود تشجعه تكبيرا، الى ان اطلق النار على نفسه، فعلا، ومات.

يزداد العبء أطنانا على المثقف والمفكر المتدين، الباحث عن الحقيقة حول الحدث التاريخي ومعانيه، وسط ركام الطقوس والتشويه والاستغلال السياسي وصمت الفاسدين، خاصة، في بلد يتعثر تحت اقدام المحتلين

لا يكاد بلد في العالم يخلو من اقامة الطقوس الدينية، تأكيدا، ربما، لحاجة الانسان الى ممارسة الطقوس الجماعية، أيا كانت، سواء كانت ارتداء الملابس زاهية الالوان للتوجه الى الكنيسة صباح كل يوم أحد، او الى الجامع للصلاة الجماعية يوم الجمعة، او اصرار اليهود على عدم مغادرة البيت، واطفاء الكهرباء، والامتناع عن الطبخ او القيام باي عمل كان، كل يوم سبت، بالاضافة الى حلق شعر المرأة وارتداء الباروكة. هذه نماذج بسيطة للدلالة على ان العراق ليس شاذا أو متميزا، بشكل عام، بطقوسه وممارساته المذهبية أو الدينية. فلكل شعب، مهما كان عدد مواطنيه صغيرا، تنوعه الثقافي المتبدي بالشعائر والطقوس التاريخية أو حتى ما قبل التاريخية، بل وليس من المستبعد اعتبار الانتماء السياسي، في حقبة زمنية معينة، «دينا»، حسب قوة الاعتقاد به والاستعداد للتضحية بالحياة من أجله. ولاتزال صورة الحشود في الشوارع، بعد ثورة الرابع عشر من تموز، عام 1958، حية باذهان ابناء جيلنا، حين كان مصطلح المظاهرات المليونية يطلق على جماهير العراق الشيوعي، ايامها، ثم استخدم المصطلح لوصف المظاهرات المليونية ايام كان العراق «بعثيا»، وها هي الحشود المليونية تسير وتركض وتموت دوسا تحت الاقدام، في العراق «الشيعي».
الا ان الاختلاف نابع من تميز هذه الحقب كلها، ونحن لا نتحدث عن الماضي السحيق، بل عن العراق المعاصر الذي نعرفه حق المعرفة، بممارسة القمع. فما ان يستولي حامل قومية أو معتقد سياسي على السلطة، حتى تصبح اهم منجزاته قمع «الآخر»، والعمل، على اجتثاثه، بأبشع الطرق. وبدلا من توفير المجال لممارسة الحق الاساسي في حرية التعبير عن الرأي، للجميع، بلا استثناء، يصبح هذا الحق، بقوة السلطة القمعية، انتقائيا للصفوة الحاكمة وعوائلها ومريديها. وما يجعل انتقائية، عراق اليوم، منذ الاحتلال، الأكثر خطورة، هو توليفة مزج العقيدة المذهبية بالتمييز الطائفي وتغييب الآخر والفساد السياسي. واذا كان عدد من المفكرين والمثقفين المتدينين قد سخروا حياتهم لتنقية المذهب مما اصابه عبر العصور من تراكمات طقوسية وتنقيته من عوامل الفتنة، وتحويل الماضي الى حاضر، والوهم الى حقيقة، وهو ما يلجأ اليه الضعفاء في فترات الظلم انتظارا لتحقيق العدالة، فانهم يواجهون وبعد مرور 16 عاما على وصول «المظلومين» الى السلطة، مأزقا فكريا حقيقا يضعهم بمواجهة تحول الضحية الى جلاد، وتعريض حياتهم، انفسهم، للخطر بعد التخوين والتكفير العلني، وسط اجواء ترويع لا تقل إرهابا عن المكارثية الأمريكية ضد المتهمين بالشيوعية اثناء الحرب الباردة، مع اختلاف جوهري يجمع ما بين الدراما والكوميديا في آن واحد. فبينما يعاني كل من يدعو الى التعقل وتحكيم العقل في ممارسات واستغلال أيام عاشوراء، طقوسيا وسياسيا وتحويلها الى دجاجة تبيض الذهب، من التكفير، نرى سباقا من نوع آخر، يضم ادباء وشعراء وفنانين يتزاحمون على كتابة القصائد والنصوص ورسم اللوحات «اقترابا من شعاع عاشوراء» و«للتعبير عن الحزن للمأساة التي تعرض لها الإمام الحسين (ع) وأصحابه والولاء والاستفادة من معانيها الخلاقة في الحياة ومواجهة الطغاة من السلاطين والحكام على مدى التاريخ». ولم يخل حشد الادباء المبايعين من أديب شيوعي متقدم في مركزه الحزبي، مناديا بحرقة قلب «نحن أيتامك يا حسين». يحدث هذا والحزب متحالف سياسيا، مع تيار الصدر، الذي ارتكب من الجرائم، أعدادا لا تحصى، متمتعا بالحصانة الدينية. ليزداد العبء أطنانا على المثقف والمفكر المتدين، الباحث عن الحقيقة حول الحدث التاريخي ومعانيه، وسط ركام الطقوس والتشويه والاستغلال السياسي وصمت الفاسدين، خاصة، في بلد يتعثر تحت اقدام المحتلين، بينما يلطم قادته وينشجون بالبكاء هاتفين «هيهات منا الذلة».

كاتبة من العراق

 

 

 

تاجر سلاح أمريكي

يساوي مليون عراقي

هيفاء زنكنة

 

بينما يتبادل النواب العراقيون اتهامات الفساد بأصوات عالية، إما داخل البرلمان او خارجه، في استديوهات الفضائيات العراقية والعربية، بدون ان يخشى أحدهم المساءلة، وبأساليب وصلت، أخيرا، حد اتهام أحد النواب، بتغريدات وألفاظ نابية، زميلة له بممارسة الدعارة، نجدهم، في غمرة انشغالاتهم اليومية هذه، يتلقون بصمت أسطوري، أخبارا لها انعكاسات خطيرة على سيادة وتنمية العراق، ومن المفترض ان تكون من صلب وظيفتهم، التي يتلقون رواتبهم للقيام بها.
فمن جهة، تواصل تركيا قصف مناطق حدودية بحجة مطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني (البي كي كي)، ومن جهة أخرى تواصل إيران استخدام العراق كممر وسوق لبيع المخدرات وكسر الحصار الأمريكي المفروض عليها، بشتى الطرق، التي تراوح بين التدخل السياسي، ودعم المليشيات، والتفجيرات، والاغتيالات الإرهابية، في ذات الوقت الذي تتنعم فيه أمريكا والشركات الاحتكارية بالنفط بأرخص الاسعار، وسمسرة عقود السلاح، و ما يسمى بمشاريع اعادة الاعمار، بلا اعمار، منذ 16 عاما.
يأخذنا مصطلح «اعادة الاعمار» الى خبر تجاهله الساسة ومعظم أجهزة الاعلام العراقية، أخيرا، وتابعه الزميل العالم عماد خدوري، على موقعه الالكتروني. يشير الخبر الى خسارة العراق دعوى قضائية، بقيمة 140 مليون دولار، أقيمت ضده في الولايات المتحدة الأمريكية، قبل عشر سنوات. أقامت الدعوى شركة تدعى «واي اوك» للتكنولوجيا وأرملة ديل ستوفيل، وهو تاجر سلاح و«رجل أعمال» يملك مع شقيق له الشركة المذكورة، وكانت له علاقة وثيقة بأحمد الجلبي، أهم الأدوات العراقية للاحتلال الأمريكي. حصل ستوفيل على عقد، بقيمة 25 مليون دولار، من الحكومة العراقية لاعادة تأهيل عدد من الدبابات الروسية القديمة، كما كانت له علاقاته المتشابكة مع الادارة الأمريكية، ضمن مشروع اعادة اعمار العراق، الذي بلغت قيمته 125 مليار دولار، وتخلله الفساد الذي شمل كبار ضباط الجيش الأمريكي بالاضافة الى مسؤولين عراقيين. في احدى جولاته، داخل العراق، محاولا التشبه برامبو، وهو يحمل على كتفه رشاشة لا تفارقه، ويدخن سيجارا يضفي على شخصيته جانب التأمل فيما حوله، تم اغتياله، عام 2004، ولم يتم القاء القبض على قاتليه، وان اصدرت جهة أدعت انها من المجاهدين بيانا حول تنفيذها العملية. حينئذ، أصبح حاله حال آلاف العراقيين الذين تم اغتيالهم منذ الغزو الانكلو أمريكي للبلد عام 2003، من قبل «مجهولين»، وتقدر اعداد الضحايا بما يزيد على المليون شخص.

كان من أولى خطوات مجلس الحكم الانتقالي، إثر الاحتلال، تصريح عبد العزيز الحكيم، رئيس المجلس حينئذ، عام 2003، بأنه يجب على العراق دفع تعويضات الحرب لإيران البالغة قيمتها 100 مليار دولار عن خسائرها وضحايا الحرب العراقية الإيرانية

قبل إطلاق النار عليه، بعد خروجه من معسكر التاجي، شمال بغداد، وهو أحد أربع معسكرات منح رئيس الوزراء السابق نوري المالكي عقود خدماتها الكلية، عبر شركة يديرها وزوج ابنته باسم «آفاق»، الى شركة يديرها جنرال أمريكي متقاعد يدعى فرانك هلمك، كان ستوفيل قد تعاون مع لجنة التحقيق الفيدرالية، في أموال وعقود اعادة الاعمار، مقابل منحه الحصانة ضد المساءلة القانونية. فرسم ستوفيل للجنة، صورة تليق برواية ابطالها من المافيا، كما ذكر الصحافي الاستقصائي جيمس غلانز، في صحيفة « نيويورك تايمز»، في 15 شباط/فبراير 2009. تحدث ستوفيل بالتفصيل عن مئات الآلاف من الدولارات المحشوة بصناديق البيتزا، يتم تسليمها خلسة إلى مكاتب المقاولات الأمريكية في بغداد، وعشرات الالاف من الدولارات الموضوعة في أكياس ورقية التي يتم تسليمها كمكافآت الى مسؤولين في مناطق مختلفة من المنطقة الخضراء، حيث المركز الرئيسي للادارة الأمريكية بالعراق. وقام ستوفيل بتسليم اللجنة وثائق وملفات عن قادة أمريكيين كبار مسؤولين في مشروع اعادة الاعمار الأمريكي بالاضافة الى العراقيين، فتم اغتياله بعد شهر من ذلك، وتحولت القضية، تدريجيا، الى مطالبة الحكومة العراقية بالتعويضات التي تشمل ثمن عقد الدبابات الروسية والمحاماة وخسارة الشركة والقضاء على مدى عشر سنوات.
مما يضعنا امام مهزلة لا تضاهيها غير مهزلة انحطاط المهاترات والاتهامات الشخصية بين المسؤولين والنواب الى مستوى يمكن تسميته بـ«سياسة المجاري»، وانعكاس ذلك على الحكومة الحالية، وما تثيره أخبار على غرار فوز شركة وعائلة ستوفيل بالتعويضات من تساؤلات حول وجود حكومة اساسا بالمقارنة مع بقية الحكومات بالعالم، على اختلاف مستواها السيادي والتمثيلي للشعب. فاذا كان حال ستوفيل كضحية مماثلا لبقية الضحايا من العراقيين، على مدى 16 عاما الاخيرة، فان المطالبة بالتعويض عن مقتله بالاضافة الى قيمة العقد الذي لم تستوفه الشركة، وتحميل الحكومة العراقية المسؤولية، وقبول الحكومة المسؤولية وابعاد الشبهة عن الجنرالات وتجار الحروب الأمريكيين، يشكل اهانة لا تغتفر بحق الضحايا العراقيين الذين لم يحدث وطالبت الحكومة بحق، ولو مواطنا واحدا منهم، اغتالته قوات الاحتلال على الرغم من توفر الوثائق والشهود. وهذا ما شاهدناه في ملهاة دفع التعويضات الى كل فرد وشركة ومبنى تقدم بطلب التعويضات من العراق جراء احتلال الكويت. ولا تزال قائمة المطالبات مفتوحة على الرغم من مرور عقود عليها، و«تحرير» البلد من النظام الذي كان مسؤولا عنه، ودفع العراق مبلغ 52.4 مليار دولار حسب قرار الأمم المتحدة. وعلى نفس الخطى، كان من أولى خطوات مجلس الحكم الانتقالي، إثر الاحتلال، تصريح عبد العزيز الحكيم، رئيس المجلس حينئذ، في 2003، بأنه يجب على العراق دفع تعويضات الحرب لإيران البالغة قيمتها 100 مليار دولار عن خسائرها وضحايا الحرب العراقية الإيرانية. ولم يتوقف عبد العزيز الحكيم، وان كان هذا مفهوما باعتباره رئيس المجلس الاسلامي الاعلى المشكل بإيران، لحظة ليتساءل عمن سيدفع التعويضات للضحايا العراقيين، مؤسسا بذلك عقيدة، يستمرئ النظام الحالي ممارستها، وهي الاستهانة بحياة المواطن العراقي واحساسهم الداخلي بالدونية تجاه الآخرين. وهي السيرورة التي أدت الى تجاهل حياة مليون مواطن عراقي من قبل حكومته المنتخبة، افتراضا، مقابل دفع التعويضات لتاجر سلاح ومرتزق، ميزته ان حكومته لم تتخل عنه، مهما كانت الاسباب.

كاتبة من العراق

 

 

العراق: في بيتنا شخص مفقود

هيفاء زنكنة

 

في لقاء صحافي مع راديو «البي بي سي»، صباح الاول من ايلول/ سبتمبر، بمناسبة مرور 80 عاما على احتلال ألمانيا النازية لبولندا وإشعال فتيل الحرب العالمية الثانية، أكد السفير البولندي بلندن، على ضرورة مواصلة بلده المطالبة بتعويض ضحايا الغزو، عام 1939. ويشمل مصطلح الضحايا القتلى، والمختطفين، ومن اقتيدوا الى معسكرات العمل الاجباري، والمهجرين قسرا، وكل من اختفى ولم يسمع منه ذووه أو لم يعثر على جثته. يلخص هذا الموقف مفهوم العدالة والمثابرة على المطالبة به. فللضحايا وذويهم حقوق لا تسقط بمرور الزمن ومن واجب حكوماتهم المطالبة بها والعمل على تحقيقها.
في ظل الاحتفال بذكرى نشوب الحرب العالمية، وتعهد الدول العظمى على ألا تتكرر للمرة الثالثة، والعمل على تحقيق العدالة كشرط اساسي للاستقرار الأمني والسلام العام، مرت، خلال الاسبوع الماضي ذكرى يوم من نوع آخر. يوم التذكير بنكبة المفقودين. وهي ظاهرة تتميز بها، بشكل خاص، دول الشرق الأوسط (حيث يدور 40 بالمئة من الحروب والنزاعات بالعالم) وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. بهذه المناسبة رشح تقريران صادران عن منظمتين دوليتين هما «الصليب الاحمر الدولي» و«هيومان رايتس ووتش»، العراق باعتباره البلد الذي يضم أعلى رقم من المفقودين بالعالم، ففي كل بيت هناك شخص مفقود، جراء عقود من الحروب والصراعات.
وحسب تقرير منظمة « هيومان رايتس ووتش»، تقدر «اللجنة الدولية لشؤون المفقودين»، التي تعمل بالشراكة مع الحكومة العراقية لتحديد المفقودين وإعادتهم، أن عدد المفقودين في العراق يتراوح بين 250 ألف شخص ومليون شخص. منذ 2014، أخفى الجيش العراقي والقوى الأمنية العراقية قسرا رجالا عربا سُنة في إطار عمليات مكافحة الإرهاب بالإضافة إلى حالات أخرى. تقع مسؤولية الاختفاءات القسرية على عاتق مجموعة من عناصر الجيش والقوى الأمنية، حيث أن العديد منها حصل عند نقاط التفتيش أو في منازل المخفيين. لم تقدم السلطات العراقية أي معلومات حولهم بالرغم من طلب أُسرهم. كما لم تستجب السلطات لطلبات هيومن رايتس ووتش حول القنوات المتاحة للأسر للبحث عن أقاربهم. كما أوقف البرلمان مبادرتين لإصدار قانون جديد يحظر الاختفاء القسري كجريمة بعينها في 2015، ومرة
​​أخرى في 2017.
واذا كانت تنظيم «الدولة الاسلامية» قد ارتكب عديد الجرائم ضد المدنيين والتي تم تصنيفها، دوليا، كجرائم ضد الانسانية، فان الحكومة العراقية، تمارس ومنذ انتهاء القتال ضد التنظيم، اشكالا ومستويات متعددة من العقاب الجماعي لأُسر المشتبه بانتمائهم إلى التنظيم. حيث تتسع مظلة الاتهامات والاعتقالات والاعدامات، حسب اهواء ورغبات الانتقام الفردية والمسيسة للميليشيات والأحزاب، في غياب النظام القضائي النزيه، وهي حقيقة لم تعد بحاجة الى النقاش.
اذ يتم منع «عائلات عراقية يُتصور بأن لها صلات مع داعش، بسبب الاسم أو الانتماء القبلي أو الجغرافي، من الحصول على التصريحات الأمنية المطلوبة للحصول على بطاقات هوية ووثائق رسمية أخرى».

في العراق، يُمارس التعذيب على أوسع نطاق، ويطبّق فيه حكم الاعدام على الشبهات بعد محاكماتٍ سريعة غير عادلة، ويوضع مئات الآلاف من الأبرياء في السجون

ينعكس هذا العقاب الجماعي على حرية الحركة، والحق بالتعلم، والعمل، بالإضافة إلى الحق بالاستفادة من استحقاقات الرعاية الاجتماعية والحصول على وثائق الميلاد والوفاة الضرورية للإرث والزواج. مما يعني انهم، يعيشون في سجن يفتقرون فيه حتى الى الحقوق التي تكفلها القوانين للسجناء والمعتقلين.
وحين يصرح المسؤولون الحكوميون بان على العوائل التقدم بالشكوى واقامة الدعاوى القضائية لنيل حقوقهم، تثبت التقارير الحقوقية الموثقة استحالة ذلك، اذ يمنع « الحرمان من التصريحات الأمنية هذه العائلات من تقديم شكاوى للجان الحكومية لتعويض المتأثرين بالإرهاب والعمليات الحربية والأخطاء العسكرية، وتقديم دعاوى قضائية أو الاعتراض على مصادرة أراضيهم من قبل القوى الأمنية العراقية أو عائلات محلية أخرى»، ويصل العقاب حد الحرمان، في بعض الأحيان، من الحصول على المساعدات الإنسانية.
واذا كانت المرأة هي حاملة العبء الاكبر، عند فقدان الزوج وتغييبه، في رعاية العائلة من الابناء الى ذويها وذوي الزوج، فان تعرضها وهي تبحث عن المفقود من افراد عائلتها، عند غياب شخص آخر يقوم بذلك، قد اكتسب بعدا جديدا، منذ الغزو عام 2003، وتبدت ملامحه بشكل، يكاد يكون مألوفا ومقبولا رسميا، أثر اعلان الانتصار على تنظيم «الدولة الاسلامية». حيث باتت المرأة المحتاجة الى المساعدة أو المراجعة الرسمية، مهما كانت درجتها، مستباحة الجسد والكرامة لكل من يرى في نفسه ذرة سلطة. وتتدرج الاستباحة من التعنيف اللفظي الى الابتزاز الجسدي. من المؤسسات التي تسيطر عليها الميليشيات «المسيسة» الى حراس وقوات أمن المعتقلات والسجون، صارت المرأة غنيمة حرب وجسدا يتم من خلال امتهانه تحقيق الانتقام ضد «الآخر». فما نفذه تنظيم « الدولة الاسلامية» ضد المرأة الإيزيدية، لأنها تشكل «الآخر» المنبوذ الذي يستحق الاهانة عبر استباحة الجسد والهيمنة، يستمر ارتكابه، اليوم، ضد نساء المفقودين والمعتقلين والمتهمين بتهمة «الداعشية» الجاهزة، خاصة في «المدن المحررة»، مع فارق غالبا ما يتم تجاهله، وهو ان الفعل الاجرامي الذي نفذه تنظيم «الدولة الاسلامية»، اجمع العالم، كله، على ادانته ومحاربته وقصف مرتكبيه حتى الموت، ووضع أطفاله ونسائه في معسكرات يعاملون فيها كالحيوانات، بالاضافة الى تعويض ضحاياه، أما ضحايا الميليشيات والإرهاب الحكومي المباشر وغير المباشر، فانه يحدث داخل جدران كونكريتية من الصمت والانتقام المنهجي.
لكسر دائرة العنف والانتقام المهدد بالقضاء على العراق ككل، هناك أصوات حقوقية تطرح حلولا، يرون انها ستفتح كوة أمل لأهالي المفقودين والمعتقلين، وقد يتحقق من خلالها، اذا ما طبقت بنية صادقة، ما يساعد على استعادة اللحمة المجتمعية التي أصابتها عثة الطائفية والانتقام والفساد بالتآكل. أحد الحلول المطروحة، ما قدمه مركز جنيف الدولي للعدالة، في الدورة 41 لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الانسان ( 24 حزيران/يونيو 2019 )، في كلمة نبه فيها الى حجم وعمق انتهاكات حقوق الانسان، بالعراق، في ظل دولة « يُمارس فيها التعذيب على أوسع نطاق، ويطبّق فيها حكم الاعدام على الشبهات بعد محاكماتٍ سريعة غير عادلة، ويوضع مئات الآلاف من الأبرياء في السجون والمعتقلات لسنوات طويلة دون محاكمة. دولة التي يصل فيها الفساد الى بيع المناصب الوزارية، ومناصب المحافظين، ووكلاء الوزارات، والمدراء العامّين بلّ كل الوظائف العامة… دولة يُشرّع برلمانها قوانين للتمييز بين المواطنين في الرواتب والتقاعد والخدمات على أسس طائفية وسياسية». لهذه الاسباب، طالب المركز مجلس حقوق الانسان بدراسة حالة حقوق الإنسان في العراق، بشكل مفصل، وتعيين مقرّر خاص لها من قبل المجلس. قد لا تكون هذه الخطوة، حلا جذريا لكارثة المفقودين والمعتقلين وانقاذا لحياة القابعين في غياهب السجون بانتظار تنفيذ احكام الاعدام، الا انها خطوة قد تكسر حاجز الصمت المسربل للكارثة وتوثيقا لمحاسبة المسؤولين. قد لا يتشابه مصير العراق والمنطقة مع المصير الاوربي، حيث يستمر توثيق الجرائم وتحصيل التعويضات بعد 80 عاماً من حدوثها في ثلاثينيات القرن الماضي، لكن مبدأ العدالة واحد مهما اختلفت طرق تحقيقه.

كاتبة من العراق

 

 

قصف الكيان الصهيوني

للعراق ليس وجهة نظر

هيفاء زنكنة

 

الكيان الصهيوني يقصف مواقع منتقاة في العراق. ما كان سيشكل جريمة شخصية ووطنية لا تغتفر ضد كل مواطن عراقي، أيامنا، بات اليوم «وجهة نظر»، كما كان الاحتلال لديهم أنفسهم، تناقش على منصة مرفوعة خارج البرلمان للاستهلاك السريع وامتصاص الغضب، بتصريحات سياسية منمقة، سرعان ما تم وضعها في خانات التقسيم الطائفي والعرقي الجاهزة. فهل تجذرت هذه التقسيمات وأصبحت أعمق مما نظن فعلا؟ للتوضيح، لنأخذ نموذجا مصغرا.
من الشائع، على صفحات التواصل الاجتماعي، تبادل التهاني بالأعياد ومناسبات نجاح الابناء، والاحتفاء بما يحققه الاصدقاء وابناء الوطن الواحد عموما. فما ان تفوز فتاة بشهادة رياضيات، مثلا، في بلد أوروبي، أو ان ينجز شاب ورقة بحث، حتى نسارع الى تهنئة بعضنا البعض بالفوز. وهذا أمر طبيعي في مواقع كانت مهمتها، في البداية، تشجيع التواصل ومشاركة الافراح والاتراح. الا ان صيغة التعامل تغيرت حتى فيما يتعلق بتحقيق الانجازات الفردية. اذ برزت، في الآونة الاخيرة، ظاهرة جديدة، بين المتواصلين العرب والعراقيين خاصة. وهي ظاهرة خطيرة، في زمن تقسيم البلدان وتفتيت الهوية، وان بدت بريئة الغاية. إذ لم يعد ناشرو أخبار النجاح والتفوق، حتى لو كان الانجاز تفوقا مدرسيا في مرحلة الطفولة (الابتدائية والمتوسطة)، يكتفون بذكر اسم الشخص ونشر صورته ودرجة نجاحه، بل وإضافة قوميته ودينه ومن ثم الاسترسال في تفصيل مدى تعرض طائفته ومنطقته للعنف. وكيف أنه حقق النجاح على الرغم من ذلك كله. وغالبا، ما يلي نشر الخبر السعيد، بهذه الصيغة، تعليقات تزيد من جرعة التمييز الديني والقومي والطائفي، بلغة يُستدل منها ما هو أبعد من التهنئة بالنجاح. فهل يعكس هذا درجة تغلغل العنصرية الطائفية/ الدينية/ العرقية، في النفوس؟ والى أي حد ستؤثر هذه اللغة وصياغتها في تكوين الهوية الفردية للطفل أو الشاب، صاحب الانجاز، وانعكاسها على الهوية الجماعية للمجتمع، مستقبلا؟
هناك عدة مستويات لقراءة هذه الظاهرة. فالاحتفاء بالنجاح المدرسي حدث مجتمعي تقليدي يعتز به الأهل والاصدقاء يصل الى حد اقامة الحفلات واستقبال المهنئين ومنح الناجح الهدايا. فنشر اسم الناجح ـ المتفوق وصورته، يحملان في داخلهما، مسبقا، النجاح في التواصل مع الآخرين والاستجابة التلقائية، بلا حواجز، للصورة والحدث.
فالقارئ مهيأ، بحكم الموروث المجتمعي، للتعاطف، فهو يعرف جيدا معنى الاحتفاء بالنجاح وبوده المشاركة بفرحة الاهل والاصدقاء. تجعل، هذه الخلفية، من السهل جدا على من يرغب بتمرير رسالة معينة القيام ذلك. وهنا يأتي دور اللغة. ولا أعني تعدد اللغات بين قوميات مختلفة في البلد الواحد، حيث احتمال سوء الفهم موجود، بل استخدام اللغة الواحدة، ولكن بالتمايز في المفردات للدلالة على ذات الحدث. وهنا تكمن خطورة تناقل الاخبار وفق هيكلة لغوية جاهزة، بدون التمعن بدلالة المفردات، وامكانية تسخيرها للتشظي، حتى حين تستخدم لنقل خبر بسيط، هدفه الظاهر والمعلن تجميع الناس. فما هي ضرورة الاشارة الى ان المتفوق في امتحانات الاعدادية هو يزيدي أو كردي أو تركماني، ثم التشعب نحو المذهب بطريقة من الطرق، مع ملاحظة عدم استخدام مفردة «العراقي»؟ قارنوا ذلك بنشر صورة طالبة فلسطينية وقد كتب تحتها «الطالبة الفلسطينية شروق دويات، حكمت 16 سنة في سجن اسرائيلي». فلسطين، هنا، هي الهوية.

ما هي ضرورة الاشارة الى ان المتفوق في امتحانات الاعدادية هو يزيدي أو كردي أو تركماني، ثم التشعب نحو المذهب بطريقة من الطرق، مع ملاحظة عدم استخدام مفردة «العراقي»؟

اليس الأجدى نشر صورة المتفوق واسمه واسم مدرسته، ومدح وتكريم مدرسيه؟
طالما استخدم السياسيون اللغة كسلاح للدعاية والتحريض والتسويغ سواء اثناء الحملات الانتخابية أو أثناء الحروب. وهم الأكثر حرفية ومهارة في الاستخدام الممنهج للغة الاقناع وتمرير المعلومات ذات الاجندة المدروسة «فاللغة السياسية مصممة لتبدو الاكاذيب حقيقة والجريمة محترمة، وما هو هوائي صلب، وينطبق هذا على كل الاحزاب السياسية من المحافظة الى الفوضوية» حسب الكاتب الانكليزي جورج اورويل.
الأمر الذي يضع على كاهل المواطن العادي مسؤولية كيفية تلقي المعلومات واستيعابها، والاكثر من ذلك، مسؤولا عن تدويرها، في عصر شبكات التواصل الاجتماعي المشجعة على التدوير بدون تمحيص أو تدقيق للمعلومات، خاصة عند وجود صورة تستقطب الاهتمام أكثر من اللغة المصاحبة لها.
يساهم التدوير السريع، لأخبار بلغة ذات دلالة معينة، الى تصنيع هوية معينة، تتدرج باستخدام مفردات دالة ثقافيا، بالإمكان تشبيهها بلغة الازياء أو اللحى، وان كانت اللغة أعمق بكثير.
فالمسلم المتدين، مثلا، يكتب عند وفاة شخص ما «الله يرحمه»، أما غير المتدين/ العلماني فيقول «لروحه السلام». ويلاحظ، في اوقات النزاع والصراع الاهلي، أو تسنم فئة معينة للسلطة، تغييرا في المفردات ذات العلاقة بالهوية، لتصبح مفردات وطريقة نطق الجهة الأقوى هي السائدة. بالإضافة الى نمو الفجوة الدلالية الواضحة – الانقسام في معنى الكلمات، مما يؤدي، تدريجيا، الى تفتيت الهوية الموجودة.
قد يكون تقديم صورة المتفوق مصحوبة بتحديد القومية أو الدين أو المذهب، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر رموز تٌصنع هوية – هويات بديلة، تطبيقا لما يعرف بسياسات الهوية، والذي نراه بأوضح صوره في منظمات المجتمع المدني، حيث يتم تحديد الهوية التي يستند عليها عمل المنظمة، حسب العرق أو الدين أو الجنس أو الإثنية أو الأيديولوجية…الخ. ويكمن الخطر الأكبر في الأجندات السياسية المرافقة لتصنيع الهويات، بعيدا عن المحيط الاجتماعي ـ الثقافي، والمؤدية الى تقسيم البلد وتخريب المشترك التاريخي الحضاري وفق « المظلومية» الدينية أو المذهبية أو العرقية.
وتكتسب اللغة خصوصية فارقة عندما ترتبط بايديولوجيا حزب أو تيار سياسي. والامثلة كثيرة في معاناة العراق والمنطقة، خلال حوالي اربعة اجيال، من تيارات ايديولوجية مزقت النسيج الاجتماعي الغني بخلطته التاريخية المتبدية في تركيبة كل عائلة على الإطلاق. فالتيارات القومية العربية، مثلاً، تاجرت بمفاهيم عنصرية واصول قبلية نقية تقصي ولا تجمع، تحت شعارات الوحدة، وجاءت التيارات الإسلامية بالتقسيم الطائفي الاكثر خطورة، بالتكفير المتبادل، وباستدعاء المقدسات المزعومة وغير المزعومة، وفقدت التيارات العلمانية اليسارية، ومنها الحزب الشيوعي مثلا، بعد عقود من تمثيلها الصراع الوطني ضد الاستعمار مع النضال لتحقيق العدالة الاجتماعية والمواطنة البعيدة عن العنصرية والمذهبية، هذا التميز نتيجة فقدانها التدريجي للاستقلالية.
ليست هناك براءة في اللغة. فكل مفردة محملة بالمعاني، وتعتمد على كيفية استخدامها، لا لفهم الماضي والحاضر ولكن، وهذا هو الاخطر، في حال البلدان المهددة بالتقسيم المجتمعي، في تصنيع الذاكرة لمن سيحل محلنا مستقبلا. وقد يكون الطفل المحتفى بنجاحه هو حامل ذاكرة ما يوصف به حاليا من انتماء طائفي او عرقي، ليواصل حمل هوية فرعية مصنعة تنأى به عن الآخرين وان شاركهم بقعة الارض ذاتها. وهنا تكمن مسؤوليتنا، جميعا، في الانتباه الى ما تحمله اللغة من رسائل، وتجنب تدويرها المباشر، لأنها قادرة على تدوير ما هو أكثر من التهنئة البريئة. وقد تكون هذه خطوة بسيطة جدا لاستيعاب «وجهة النظر» حول نجاح الكيان الصهيوني في قصفنا.

كاتبة من العراق

 

 

كيف تنجح في

اخضاع بلد كالعراق؟

هيفاء زنكنة

 

من يتابع تصريحات الساسة واجراءات رجال الأمن والشرطة، بالعراق، التي ينثرونها على المواطنين، بين الحين والآخر، حول نوعية الملابس التي يجب على الرجال والنساء ارتداؤها، أو تصنيف المدن كمقدسة أو غير مقدسة وتسميتها وفق ذلك، وعما اذا كان وجود عازفة كمان، في احتفال رسمي، لافتتاح بطولة لكرة القدم، مخل بالآداب العامة وقدسية المكان أم لا، سيظن، حتما، ان البلاد بألف خير اقتصاديا وسياسيا وحضاريا، ولم يبق فيها ما يستحق المتابعة والاصلاح غير هذه الامور. فهم يعملون بجد على اقناع الآخرين، وربما أنفسهم، ان البنـــية التحتــــية للبـــلد، التي ساهموا بتخريبها، عن طريق التعاون مع المحـــتل ومأسسة الفساد، قد أعادوا اصلاحها، كما يرون في الطائفـــية التي ساهموا بغرزها في الجسد العراقي، إلى حد تغيــير شكل الوجه والمظهر واسماء الافراد والاماكن واضفاء «القدسية» على هذا المكان أو «العصــمة» على ذاك الشخص، حلا مثاليا لنقاء وطني ما كان بالامكان تحقيقه لولا وجودهم.
أما التهجير القسري وفق انتقائية الدين والمذهب والقومية، فيرونه، في قرارة أنفسهم، الحل الافضل للنقاء الطائفي الذي لا يقل ابتذالا ووحشية عن النقاء العنصري. واذا ما اتفقنا، افتراضا، مع القائلين بأن التمييز الطائفي والعرقي كان موجودا بالعراق، قبل الاحتلال، وربما، كما يقترح البعض، قبل مئات السنين، فان من المستحيل، لأي مواطن أو راصد للاوضاع، مهما كانت درجة معارضته للنظام السابق، انكار دور النظام الحالي في ايصال البلد المنهك، جراء الحروب والحصار، إلى هوة تهدد الكل بالابتلاع. إذ بات عراق، اليوم، بفضلهم، لايذكر الا بصيغة «الافعل» انحدارا.
فهو الاسوأ في قائمة الفساد العالمية، وهو الاقل أمانا للصحافيين، وهو الاكثر انتهاكا لحقوق الانسان، والادنى بمستوى التعليم والصحة، والاقل سيادة اذ تحتله قوات عدة دول في آن واحد وتقصـــفه دول اخرى، والاكثر تنفيذا لاحكام الاعدام، وسجـــونه ومعتقلاته الاكثر اكتظاظا، وليس هناك ما هو أكـــثر انتشـــارا من التعذيب فيه غير بسملة الساسة وقادة الميليشيات المسلحة، المدعومة داخليا من المرجعية الدينية وخارجيا من دول اقليمية أهمها إيران. وهي توليفة تجعل من رئيس الوزراء و «القائد العام للقوات المسلحة»، مجرد إطار لصورة تتحكم بها الميليشيات، لأنها الاقوى والأكثر هيمنة على الشارع والمؤسسات من قوات الجيش والشرطة والأمن معا. وهذه حقيقة، لم تعد مطروحة للنقاش.

ان انتشار شبكات بيع الاعضاء البشرية واستخدام الاطفال والنساء للتسول والدعارة بالاضافة إلى تحول العراق من بلد خال من المخدرات إلى أكبر ممر تهريب من ايران، يوازي ان لم يفوق تخريب البنية التحتية

لهذا، تلجأ أحزاب الحكومة، بين الفينة والفينة، إلى مناورات لتلهي الناس، وتستقطب الاهتمام الاعلامي. هدفها تغطية عجزها عن النظر في التدهور الكارثي، للبلد ككل، وتعاميها عن ايجاد حلول جذرية . وبما ان المستوى العقلي لأصحاب السلطة محدود ويقتصر على اختلاق الحيل وابتكار طرق للاستزادة من الفساد، سرعان ما تنقلب مناوراتهم لاشغال الناس ضدهم. كما في الضجة الكبيرة التي أثيرت حول ظهور عازفة كمان في حفل افتتاح بطولة كرة القدم، بمدينة كربلاء، التي بات اسمها، منذ الاحتلال، «كربلاء المقدسة». لم تكن المرأة عارية او كاشفة عن مفاتنها، ولم ترقص بمجون أو تغني بصوت شبق، كما الاتهامات الجاهزة، بل كل ما فعلته هو انها عزفت النشيد الوطني. فقامت الدنيا ولم تقعد. وطفت على السطح تعريفات عن القدسية والفضيلة وحرمة الاماكن والاخلاق، بينما يدفن ذات المعترضين، في اعمق الاعماق، استثماراتهم في شبكات تمتهن استغلال الأطفال في التسول، وتجارة الأعضاء البشرية، واستدراج النساء للعمل ضمن شبكات الدعارة.
وكأن التهجم على الموسيقى ليس كافيا، انشغلت شرطة مدينة كركوك، الواقعة شمال بغداد، بملاحقة مرتدي الشورت أو البرمودا، وهو سروال قصير يصل طوله حد الركبة، والذي يميل الشباب، خاصة، إلى ارتدائه، كبقية البشر، في ارجاء الكرة الارضية، عند ارتفاع درجات الحرارة صيفا، والتي تصل بالعراق إلى حد تذويب الاسفلت في الشوارع، وشي البيض عليه. قسوة الطبيعة هذه المتزامنة مع انقطاع التيار الكهربائي وانعدام الماء الصالح للشرب، في الجنوب ، خاصة، لم يمنعا المتحدث باسم وزارة الداخلية من التهديد بان: «إن ارتداء الشورت أو البرمودا ممنوع… وكل من يخالف سوف يحاسب». فكانت رد فعل الناس، شن حملة ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي مع التذكير بـ «فتاوى» ممنوعات ومحرمات تنظيم «داعش»، الذي اجتمعت 56 دولة على محاربته في العراق، بينما يحظى النظام الحالي بدعم ذات الدول، بدون الاشارة إلى أي من ممارساته «الداعشية».
واذ تواصل شرطة كركوك «محاربة الشورت»، واعتقال مرتديه، تعيش المحافظة روتين الجرائم اليومية من سرقات وابتزاز، وتهديد بلا انقطاع، في المدينة المتنازع عليها بسبب نفطها والمتنازع فيها، في الحقيقة، بسبب نفطها أيضا ولكن بعد تعبئته بحاويات القومية الملونة. كما يواصل المجرمون ارتكاب جرائمهم، بلا مساءلة وفي أجواء آمنة، بحماية أحزاب وميليشيات تستفيد، بنسب سمسرة مذهلة. من بين الجرائم التي تم توثيقها هي الاتجار بالاعضاء البشرية. حيث وثَّق المرصد العراقي لضحايا الاتجار بالبشر وجود وجود 27 شبكة اتجار بالبشر، يتخذ معظمها من إقليم كردستان ملاذاً آمناً، من بينها ثلاث شبكات تستغل مجموعات من الأطفال والنساء، للتسول في أزقة محافظة كركوك وشوارعها.
ان انتشار شبكات بيع الاعضاء البشرية واستخدام الاطفال والنساء للتسول والدعارة بالاضافة إلى تحول العراق من بلد خال من المخدرات إلى أكبر ممر تهريب من ايران، يوازي ان لم يفوق تخريب البنية التحتية التي نفذها المحتل الامريكي كاستراتيجية للحصول على عقود «اعادة الاعمار». وهو يمثل قفزة نوعية في كيفية تحويل العراق من دولة إلى «سوق حرة» للمتاجرة بالانسان جسدا وعقلا. اذ أكتشف المحتل و«خدم المنازل» ان العراق لم يرضخ قصفا واعتقالا وتفجيرا، فوجد في نشر هذه الشبكات امكانية تحقيق التخريب الداخلي من جهة والتظاهر بالانفتاح والاستقرار من جهة أخرى. ولأن كل ما تم تنفيذه من أساليب اخضاع عموم الناس لم تنجح حتى الآن (وان تركت جروحا)، والدليل تجدد استنباط اساليب القهر والاخضاع.
أن الخزين التاريخي الحضاري للبلد أعمق بكثير ولن ينضب حتى بهجرة وتشرد الملايين منذ الاحتلال، وقبله في سنين الحروب والإنقلابات. لكنها مسألة زمن، وأننا سنشهد عاجلا ام آجلاً ما الذي سيفرزه جهاز المناعة العراقي في مقاومته فـ «الجلادون من ورق مقوى»، كما يذكرنا، اذا نسينا، الشاعر الجزائري الفرنسي الراحل جان سيناك.

٭ كاتبة من العراق

 

 

العدالة والملح

في دفاتر تونسيات

هيفاء زنكنة

 

لمركز «العدالة الانتقالية الدولي» نشاطات في ست دول عربية، هي: الجزائر ولبنان وتونس والمغرب ومصر وفلسطين. كما قام المركز ببعض النشاط في العراق إثر الاحتلال لفترة لم تطل، إذ بات تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية، في ظل الاحتلال والحكومات المتعاقبة، أمراً مستحيلاً. خلافاً لذلك، شهدت تونس استمرارية نشاط المركز، بمستويات متعددة منذ الثورة عام 2011. نشاط تبدى بدعم عمل «هيئة الحقيقة والكرامة»، ومكافحة الفساد، وتعويض ضحايا الاستبداد.
وكان للمرأة حصة. مثال ذلك، مشروع «أصوات الذاكرة» الذي ضم أربعة أوجه، من بينها إقامة ورشة للكتابة الإبداعية، كانت حصيلتها إصدار كتاب «دفاتر الملح: كتابات تونسيات عن تجربة السجن السياسي». بواسطته، تمكنت المشاركات من تسليط الضوء» على كيفية تأثر الحياة العادية لمواطنة ما، بقسوة، عندما يكون أحد أفراد عائلتها هدفاً للقمع أو لأنها تجرّأت هي نفسها على الاختلاف»، حسب سلوى القنطري، مديرة المكتب بتونس، التي شخصت تحديا «لا يزال يشهده التحول الديمقراطي بتونس، وهو الانقسام الإسلامي العلماني» الذي يحدد الهوية بشكل صارم قائم على الأيديولوجية، ما يؤدي في النهاية إلى إنكار أيّ تعاطف أو تضامن محتملين مع «المختلف»، حسب تعبيرها.
عالجت الورشة تساؤلات كثيرة على غرار: هل بالإمكان الكتابة عن وجع الروح بشكل لا يحبط القارئ ويدفعه إلى وضع الكتاب جانباً؟ كيف نكتب تجربتنا إذن؟ كيف يمكن سرد الأحداث المستخلصة من الذاكرة، وغربلة الحقيقة، وتوثيق التجربة المريرة التي أرادتها السلطات القمعيّة عقابا لكلّ من يعارضها، على مدى عقود طويلة، والتواصل مع القارئ في الوقت نفسه؟ كيف الوصول إلى مستوى «الكتابة عن الضجر بدون أن نصيب القارئ بالضجر»، كما ينصح أحد النقاد؟ ولماذا تريد المشاركات الكتابة بهذا الشكل، أساساً، وقد قام معظمهن بتقديم شهاداتهن، رسمياً، سابقاً؟
كان من الواضح أنّهنّ يرغبن في الكتابة لعدّة أسباب، من بينها وبكلماتهن: توثيق التجربة من أجل حفظ الذاكرة الجماعيّة، والتوثيق للأجيال المقبلة، ونكتب لأولادنا، والتعريف بما حدث لنا وبتاريخنا، لإبراز ما جرى لآلاف السجناء من القفّة إلى المراقبة الإداريّة، ووفاء للضحايا ولاستمراريّة النضال بشكل جديد لإظهارالحقيقة، ولنتصالح مع أنفسنا والآخرين ضمن مسار العدالة الانتقالية، لئلا تتكرّر الجرائم، ولئلا يتكرّر التعذيب، ولتحقيق المصالحة والتواصل وقبول الآخر.. هذه الأسباب دفعت المشاركات إلى المواظبة على الكتابة وهن يتوخين تحقيق هدف الورشة العام الذي يطمح إلى تشجيع كل النساء على كتابة قصصهنّ بأنفسهنّ، ولا يُكتفى بما يكُتب عنهن بالنيابة. وأن تكون الكتابة مختلفة عن التدوين السائد لأغراض التوثيق وتسجيل الشهادات التي تستوجب دقة المعلومة لا المشاعر والمعاني. وأن يكتبن قصصهنّ بشكل إبداعيّ، وظلالها وعمقها الإنسانيّ التي غالباً ما يهملها كُتاب التاريخ، باعتبارها تفاصيل جانبية لا تستحقّ التسجيل. فلكلّ مشاركة قصّتها الاستثنائية، وكلّ ما تحتاجه هو تنمية التقنية الفنيّة الضروريّة لتدوين القصّة.

في بلادنا ذاكرة مليئة بالتفاصيل الموجعة تريد أن تُخرج إلى عامّة الناس ما اختزنته من لحظات كانت تبدو عابرة، لكنّها اندست عميقاً في التواريخ الفرديّة والنفوس المعذّبة

الملاحظ في الكتاب، حصيلة الورشة، أن كاتبات النصوص لسن جميعاً من المعتقلات السياسيات، بل شاركتهن الكتابة نساء عشن تجربة اعتقال أحد أفراد عائلتهن، وهن في سن تقل عن العشر سنوات، ما حفر في ذاكرتهن صوراً يختلط فيها الخوف مع الأسى والرغبة بالتغيير في آن واحد. نهى الديماسي، مثلاً، شهدت اعتقال والدتها واقتيادها بعيداً عنها وهي في سن الثالثة. وميلان حامي شهدت مأتم جدها بعد اعتقال والدها بحضور رجال الأمن: «كان من بين الحضور أناس لا يبكون. كانوا الوحيدين الذين يشبهونني. وقتها أحسست تجاههم بالاطمئنان. روعني نحيب من حولي، فخلت أنّ الصامتين سيكونون ملجأً لي. عرفت فيما بعد أنّهم من الأمن وأنّ المفرّ الذي اخترته كان نفسه يدعو إلى الفرار».
وسلافة مبروك استمعت إلى كلام والدها عن الأعين والآذان التي تراقبهم وتسمع كلامهم، بعد اعتقال شقيقها، فـ «تخيّلت جدران الغرف وقد التصقت الآذان بها، وعيون كبيرة وكثيرة فوق أشجار الزيتون تسترق السمع إلى حديثنا، أما أذنا الحارس وعيناه فأكبر بكثير. تخيلت أنّه بالإمكان أن يمدّها فتصل وراء بيتنا، ولا بدّ أنّه سيسمع كلام أمي وأبي عن بورقيبة الذي نهرانا عن ذكره. أحسست بالحيرة والخوف… فكيف لبيتنا الريفي الواقع وسط غابة الزيتون أن تصل إليه وتراقبه كل هذه العيون والآذان؟»
عن هذه التفاصيل والذاكرة، كتب الروائي والأكاديمي شكري المبخوت في تقديمه للكتاب: «فثمّة في بلادنا ذاكرة مليئة بالتفاصيل الموجعة تريد أن تُخرج إلى عامّة الناس ما اختزنته من لحظات كانت تبدو عابرة، لكنّها اندست عميقاً في التواريخ الفرديّة والنفوس المعذّبة. لم تكن هذه التفاصيل في ضمائر القرّاء مثلي موجودة إلاّ على نحو باهت ضبابيّ بين مصدِّق ومكذِّب. ولكنّها إذ تروى تبدو أوضح قليلاً علّها تمنح للمترجرج غير المتشكّل حبكة تكشف وجهاً من الحقيقة. فأن تروي الضحيّة مسارها الفرديّ يعني أنّ الذاكرات التي منعت من إخراج ما اختزنته من ألم ممضّ وأوجاع مبرّحة قد منحت فرصة لتقول وتعبّر عن سخطها وغيظها فتراكم العلامات الدالّة على التعسّف فتدين وتصرخ وتحتجّ وتطالب بنصيبها من الحقيقة الغائبة والمغيّبة».
إنّ ما كتبته النساء في «دفاتر الملح» يقربنا خطوة من فهم ما مررن به من ألم وحيرة وإحساس بالظلم والاضطهاد، من تساؤلات ربّما بقي بعضها بلا أجوبة. إلا أنّهن، وهذا هو الأهمّ، كتبن نصوصهنّ وهنّ مدركات، تماماً، أنّ هدف الكتابة ليس الانتقام أو طلب الغفران، بل وسيط التعافي عبر مشاركة الآخرين الحقيقة. وكشف الحقيقة هو أساس العدالة إذا ما أريد للمجتمع أن يتعافى، آخذين بنظر الاعتبار مسألة في غاية الأهمية، وهي أن الحقيقة «باعتبارها مطلباً أخلاقيّاً وسياسيّاً وقصّة تفتقر دائماً إلى حبكة دقيقة مفصّلة، لا يمكن تجزئتها ولا توظيفها سياسيّاً بالمعنى الحزبيّ للسياسة»، ما يقودنا إلى تساؤل يلخصه المبخوت «فأيّ الوجوه ستغلب وقد بدأت المصارحة؟ وأيّة هويّة جماعيّة جديدة سيبتكرها هذا المشروع السرديّ الجماعيّ وغيره من المشاريع الأدبيّة التي تعتمل هنا وهناك في بلادنا؟». وهو تساؤل عام لا يمكن إهماله إطلاقاً. تساؤل يشمل الجميع وليس النساء وحدهن. وكما هو معروف، إن مقياس نجاح أي كتاب، بعيداً عن الآنية، هو مدى ما سيثيره من تساؤلات تحفز على التفكير والمبادرة. فهل سيكون للملح في دفاتر النساء دور في بناء الحقيقة المشتركة؟

كاتبة من العراق

 

 

بين أمريكا والعراق…

الفاسد يعاقب الفاسد!

هيفاء زنكنة

 

نشر البنك المركزي العراقي تعميماً بتاريخ 24 يوليو/ تموز، أمر فيه المصارف العاملة في العراق بتجميد حسابات أربعة عراقيين «متورطين في قضايا فساد أو انتهاكات لحقوق الإنسان». العراقيون الأربعة هم: محافظ نينوى السابق، ومحافظ صلاح الدين السابق، وآمر كتيبة بابليون التابعة للحشد الشعبي، وآمر لواء 30 الحشد الشعبي.
كان من الممكن الاحتفاء بهذه الخطوة واعتبارها منطلقاً لتأسيس مسار حقيقي للقضاء على الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، لو كان قرار التجميد قد جاء تطبيقاً لقرار قضائي أو قانوني عراقي، إلا أنه صدر وجاء تطبيقه من قبل المصرف المركزي بشكل سريع (لعله الأسرع منذ احتلال البلد عام 2003) ليس نتيجة قرار عراقي، بل استجابة للعقوبات الأمريكية الصادرة بحق الأربعة الذين تتهمهم الإدارة الأمريكية بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان. جاءت هذه الخطوة في أعقاب سلسلة قرارات اتخذتها الإدارة الأمريكية، وأكدتها السفارة الأمريكية، ببغداد، لتبين التزامها « للعمل مع الحكومة العراقية وجميع العراقيين المناهضين للفساد وانتهاكات حقوق الإنسان المُرتكبة من قبل مسؤولين حكوميين.، كما أوضح سيغال ماندلكر، وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية. وكان نائب الرئيس الأمريكي، مايك بنس، قد أضاف بعداً «إنسانياً» آخر على القرار حين صرح قائلاً: «الولايات المتحدة لن تقف متفرجة بينما تنشر الميليشيات المدعومة من إيران الرعب». ولا تقتصر العقوبات على الأشخاص الأربعة فقط، بل شملت ما فرضته وزارة الخزانة الأمريكية على شخصين آخرين بتهمة تهريب أسلحة إلى ميليشيات عراقية يدعمها الحرس الثوري الإيراني، بالإضافة إلى شركة «موارد الثروة الجنوبية» المتهمة بتسهيل «وصول الحرس الثوري الإيراني إلى النظام المالي العراقي من أجل التهرب من العقوبات».
كل هذا تم خارج نطاق القانون والقضاء العراقي وكل ما له علاقة بالسيادة الوطنية، لكنه تم حسب «قانون ماغنتسكي العالمي»، وهو قانون تم تطويره عام 2017 ليخول الرئيس الأمريكي، بالإضافة إلى سلطاته الحالية، سلطة فرض عقوبات على المواطنين غير الأمريكيين، ومعاقبة المسؤولين الحكوميين الأجانب «الفاسدين والمتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان» في أي مكان في العالم.
وقد لاقى تطبيق القانون على عدد من «المارقين»، أشخاصاً وحكومات، ترحيباً من عديد المنظمات الحقوقية الدولية، ما شجع دولاً أخرى على تطبيقه. الأمر الذي يثير تساؤلاً حول عدم ترحيبنا به والتهليل لمنجزاته. فلم لا نحتفي بقرار سيؤدي، عند تطبيقه، إلى إنهاء فيروس الفساد المستشري بالنظام العراقي الحالي، كما يضع حداً لانتهاكات حقوق الإنسان التي طالما طالبنا بمحاسبة مرتكبيها؟
هناك أسباب عديدة لا تدعو إلى التفاؤل بهذا المنجز، تتضح أمامنا حالما نلقي نظرة سريعة على السياسة الأمريكية تجاه العراق في مرحلة ما بعد الاحتلال، وسيرورتها الحالية. هكذا نفهم المستقبل. فمن لا يقرأ الماضي سيبقى أمياً إزاء المستقبل. فجوهر العلاقة هو الاستغلال الإمبريالي (نفط، أمن الكيان الصهيوني، حلبة للمناوشات مع إيران واستنزاف لدول الخليج)، ساعدها في الاستمرار وجود نظام طائفي عنصري فاسد، غير معني بالسيادة الوطنية والوطن.

أحد الجوانب المهمة للعمل التضامني المتكافئ هو التمكن من كشف الاتفاقيات والمساومات الثنائية غير المعلنة، المقيدة، ومن ثم اتخاذ الإجراءات بصددها

نظام يتأرجح ما بين استجداء الحماية الأمريكية والإيرانية، لأنه يرى أن عدوه الأول هو الشعب. يغذي ديمومة هذه العلاقة النهب المنهجي لأموال البلد في سنوات الاحتلال الأولى، ومن ثم الفساد المتمثل بالعقود الضخمة، بقيمة مليارات، في مجالات الإعمار والسلاح والنفط والشركات الأمنية، التي تم منحها إلى شركات أمريكية بعد إعلان انسحاب القوات العسكرية، عام 2011. وتم التوقيع على معظمها في أثناء وجود نوري المالكي، أمين عام حزب الدعوة، رئيساً للوزراء مدة 8 سنوات، أشرف خلالها على تأسيس شبكة فساد منظم يقوم من خلالها رجال أعمال ومسؤولين حكوميين عراقيين حاليين وسابقين مرتبطين به، بالعمل مع شركات أجنبية مقابل دفع حصة معينة. وقد نشر موقع « ديلي بيست» الاستقصائي، المتابع لقضايا الفساد الأمريكية، في 24 يوليو/ تموز، تقريراً بعنوان «العلاقات المشبوهة لجنرال أمريكي متقاعد بالعراق». يضم التقرير تفاصيل دقيقة بأسماء الأشخاص والشركات والتاريخ والأماكن، عن شبكة العلاقات الخفية والعقود العسكرية والتجارية بين الجنرال فرانك هلمك، الذي كان من نجوم الاحتلال وتقاعد في 2011 ليصبح «رجل أعمال»، فتحت له علاقته بنوري المالكي أبواباً واسعة في مختلف الشركات المشبوهة المرتبطة بالنظام السياسي العراقي.
هذا غيض من فيض، يعطينا نموذجاً لنوعية العلاقة الفاسدة بين مسؤولي الإدارة الأمريكية والساسة العراقيين. فمنذ عام 2004، أي بعد عام من الغزو، تلاشى ما مجموعه 218 مليار دولار، أي أكثر من الناتج المحلي الإجمالي للعراق في العام السابق، في جيوب السياسيين ورجال الأعمال من الطرفين، وهو رقم رسمي يعتبره كثيرون ضئيلاً بالنسبة للتقديرات السابقة. وفي كل يوم تطفو على السطح معلومات جديدة، موثقة، عن الفساد المشترك وعلاقته بالإرهاب، وعن انتهاكات حقوق الانسان الصادرة عن منظمات حقوقية عراقية وأمريكية مستقلة، لتواجه جداراً من الصمت من الإدارة الأمريكية بل وإصراراً على مد النظام بالسلاح والحماية.
فهل يلام من لا يحتفي بالإعلان الأمريكي عن فرض العقوبات على أربعة عراقيين وشركتين، بتهمة الفساد والانتهاكات، حين اقتضت مصلحتها في مسار المناوشات مع إيران؟ كيف يمكن الوثوق بدولة غزت البلد وأسست للطائفية والفساد والإرهاب، وجعلته نموذجاً محفوراً بذاكرة العالم، لإجراءات التعذيب التي جعلتها الإدارة الأمريكية قانونية؟ كيف يمكن الوثوق بجلاد؟ بإدارة يقودها رئيس متهم بالفساد والاعتداءات الجنسية، يتباهى بصداقة ودعم وترسيخ الكيان العنصري الصهيوني، على حساب الشعب الفلسطيني، ولم يبق بند من بنود حقوق الإنسان لم ينتهك، داخل وخارج أمريكا، تحت رئاسته؟ رئيس عنصري يشكك حتى بالأمريكي إذا كان لون بشرته مختلفاً، ووالداه من بلد آخر، فكيف إذا كان عراقياً؟
وهل يلام من لا يثق بوعود وتصريحات رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، بعد إعلان العقوبات الأمريكية، وبعد أن أوعز المصرف المركزي بتنفيذها، ليصرح بعد ايقاظه، فجأة، من سباته العميق: «أحلنا ملف عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية على المستشارين القانونيين للبت بها»، وأن هناك «قضايا لم تحسم بمختلف مؤسسات الدولة بلغت بمجملها 4117 قضية»، لافتاً إلى وجود «1367 قضية فساد محالة إلى محاكم النزاهة»؟
ليس بالإمكان وضع الثقة بالفاسدين المحليين أو العالميين، والفساد في أدنى مستوياته وأقذرها حين يرتبط بالاحتلال والإرهاب. لذلك نرى تزايد الاعتصامات والمظاهرات، في أرجاء البلد، من قبل مختلف شرائح الشعب.
والحاجة ماسة جداً إلى التنسيق والتكاتف بين الجميع تحت الشعار الواقعي الموحد «الفساد يقتلنا»، بالإضافة إلى التنسيق مع منظمات التضامن والمنظمات الحقوقية خارج العراق، وبضمنها الأمريكية المستقلة، غير المرتبطة بالإدارة، المعنية بالشفافية والنزاهة وحقوق الإنسان. أحد الجوانب المهمة للعمل التضامني المتكافئ هو التمكن من كشف الاتفاقيات والمساومات الثنائية غير المعلنة، المقيدة، ومن ثم اتخاذ الإجراءات بصددها.

كاتبة من العراق

 

 

مئات المنظمات

الحقوقية في العراق:

الشعب إذن بخير!

هيفاء زنكنة

 

قد يتبادر إلى الأذهان عند قراءة تقرير منظمة «هيومان رايتس ووتش»، الصادر بداية الشهر الحالي عن حال المعتقلين والسجناء بعنوان «العراق: آلاف المحتجزين، منهم أطفال في أوضاع مهينة» ـ أن العراق خال من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، ما يمنح السلطات المحلية حرية مطلقة في انتهاك حقوق الإنسان، خاصة المعتقلين، بلا مساءلة، وأن هذه المنظمة هي الوحيدة التي ترصد الانتهاكات والخروقات، فيسهل التشكيك بتقاريرها أو تجاهلها، كما يحدث عادة.
التقرير مزود بصور مهولة لأجساد متراصة بأوضاع مشوهة أكروباتيكية، من الأحداث واليافعين، في سجون الرجال، و كما هي أجساد النساء والأطفال في سجون النساء. وهو ليس بالأمر المستغرب إذا ما علمنا أن الطاقة الاستيعابية القصوى لمراكز الحبس الاحتياطي الثلاثة في شمال العراق، مثلاً، هي 2500 شخص، بينما وصل عدد المحتجزين هناك، بحلول يونيو/حزيران، إلى 4500 سجين ومحتجز تقريباً، من بينهم 1300 شخص حُوكموا وأُدينوا وكان ينبغي نقلهم إلى سجون بغداد منذ ستة أشهر على الأقل. ووصل عدد السجينات بسجن النساء في بغداد 602 امرأة، بينما لا يتسع بناء السجن المتهالك لغير 200.
الحقيقة هي أن العراق لا يعاني من قلة المنظمات الحقوقية على الإطلاق، إذ إن هناك مئات المنظمات المحلية، بالإضافة إلى «المفوضية العليا لحقوق الإنسان»، وهي منظمة حكومية تقدم نفسها كهيئة مستقلة شكلت بموجب قانون عام 2008، لتعمل على «ضمان حماية وتعزيز احترام حقوق الإنسان وحماية الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور وفي القوانين والمعاهدات والاتفاقيات الدولية المصادقة عليها من قبل العراق». برلمانياً، هناك «لجنة حقوق الإنسان» المكونة من 12 نائباً (تم تعيينهم وفق نظام المحاصصة)، وتختص هذه اللجنة -حسب موقعها- بثلاث مهمات، من بينها «متابعة شؤون السجناء والمعتقلين في السجون».
دولياً، لدينا فروع 23 منظمة من منظمات الأمم المتحدة التي تغطي كافة جوانب حقوق الإنسان، وعدة منظمات حقوقية دولية تتابع الشأن العراقي، من بينها: منظمة العفو الدولية، وهيومان رايتس ووتش، ومراسلون بلا حدود، ومركز العدالة الانتقالية الدولي، وأطباء بلا حدود.
وأبرز المكاتب، عملياً، وأكثرها نفوذاً هو «مكتب حقوق الإنسان» في بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)- الذي تم تأسيسه وفقاً لولاية قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في حزيران 2018، للعمل على «تعزيز المساءلة وحماية حقوق الإنسان والإصلاح القضائي والقانوني من أجل توطيد سيادة القانون»، من خلال العمل «مع حكومتي العراق وإقليم كردستان والحكومات المحلية ومؤسسات حقوق الإنسان الوطنية والمجتمع المدني لتعزيز حقوق الإنسان بطريقةٍ حيادية»، أي وباختصار شديد، إنه يهدف إلى العمل مع كل من يتلفظ أو يدعي أو يمثل حقوق الإنسان من أعلى سلطة في الدولة الى أصغر مؤسسة، مروراً بمنظمات المجتمع المدني والدولي.
هذا كله غيض من فيض من منظمات المجتمع المدني التي يتخصص العشرات منها بشأن المعتقلين والمسجونين. ومن يراجع مواقع هذه المنظمات ويقارنها بما يعرفه تمام المعرفة عن حال المعتقلين اللاإنساني، في عموم البلد، لا بد وأن يتساءل عن جدوى هذا الكم الهائل من المنظمات المحلية والحكومية والدولية، والمواقع الإلكترونية، والمطبوعات الملونة بجداولها وإحصائياتها، والدعم المادي الكبير للمؤتمرات والورشات، والتغطية الإعلامية للوفود وزيارات التفقد لمراكز التأهيل والسجون، وإصدار البلاغات؟

تتراكم المظالم كما حدث في الماضي القريب والبعيد، وتنتقل إلى روح الانتقام، ويختلط العنف مع اللجوء إلى أي داعم خارجي أو إرهابي داخلي مهما كانت أهدافه، فتعود الدورة من جديد، وتسيل الدماء، ويتهدم البلد على رؤوس أهله

هناك، بطبيعة الحال، عدد من المنظمات المستقلة، فعلاً، الجادة في عملها، والتي غالباً ما يجد الناشطون فيها أنفسهم عرضة للتهديد والابتزاز والمضايقات وحتى الاختطاف. منظمات تحاول أن تجد لها حيزاً خارج حدود الفساد والاتهامات الجاهزة بالإرهاب. أما بقية المنظمات، وهي كثر، فإنها تتنافس فيما بينها على الدعم المادي الذي لا يصلها منفصلاً عن تبعية الأجندة السياسية – الطائفية – العرقية. أي أنها تمثل -بحكم التمويل الحزبي والحكومي والفساد- أداة لاستمرارية الخروقات والانتهاكات التي تتظاهر بمحاربتها، ولكن تحت غطاء تمويهي زاه يدعى الديمقراطية وحقوق الإنسان.
من يراجع أعمال هذه المنظمات سيجد صوراً عن لقاءات مع مسؤولين يبتسمون أمام عدسات أجهزة الإعلام وهم يقدمون دروع التقدير إلى ممثلي المنظمات الدولية وهم يؤكدون على «اعتماد السبل القانونية في استقبال الشكاوى والمناشدات ومتابعتها إلى حد إقامة دعاوى قضائية في حال عدم استجابة الجهات المعنية». ويتم تداول هذه التصريحات في القنوات التلفزيونية التي يزيد عددها على 200 قناة تابعة لأحزاب تلتحف بحقوق الإنسان، في الوقت ذاته الذي يستمر فيه التعذيب والاعتقال والموت داخل السجون المكتظة.
كيف يتعامل المواطن، ضحية الانتهاكات، وهو محاط بادعاءات الديمقراطية وحقوق الإنسان؟
النصيحة التي تسديها هذه المنظمات للمعتقلين هي اللجوء إلى القضاء. وهذا ما فعله الطالب علي حاتم السليمان ( 23 عاماً) الذي كان في طريقه من الفلوجة إلى بغداد، عام 2005، لإجراء الامتحانات، وتم اعتقاله في نقطة تفتيش بسبب تشابه اسمه مع شيخ عشيرة متهم بالإرهاب. تم اقتياده إلى مقر للجيش حيث عذب. يقول علي في شهادته التي كتبها مصطفى سعدون، رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان، بأنه حين تم تسليمه إلى أهله، بعد عشرة أيام من التعذيب، كانت كفاه قد أصيبتا بالغنغرينا، وعظام أصابعه مكسورة ولا يقوى على تحريك يديه، فكان الحل الوحيد هو بتر الكفين. نفد علي النصيحة، فأقام دعوى قضائية في المحاكم. حقق القضاء بما حصل معه، ثم ذهب إلى وزارة الدفاع أكثر من مرة لمقابلة قيادات عسكرية هناك على أمل نيل تعويض. ولا يزال بعد خمسة أعوام من المراجعات بلا تعويض وبلا مستقبل وبلا عقاب للجلادين.
إن وضع حد لهذه الممارسات الوحشية يعتمد، بالأساس، على وجود حكومة تسعى فعلاً لوضع حد لها، قانوناً وممارسة، وبدونها كما بينت تجاربنا وتجارب كل الشعوب، تتراكم المظالم كما حدث في الماضي القريب والبعيد، وتنتقل إلى روح الانتقام، ويختلط العنف مع اللجوء إلى أي داعم خارجي أو إرهابي داخلي مهما كانت أهدافه، فتعود الدورة من جديد، وتسيل الدماء، ويتهدم البلد على رؤوس أهله كلهم مرة أخرى. لن يتم تجنب دورة الانتقام والتخريب إلا بقيام حكومة يرى مسؤولوها أبعد من مصلحتهم الآنية المعجونة بالطائفية والفساد. إلى أن يتحقق ذلك، لعل الضغط على الأمم المتحدة لتعيين مقرر عام لحقوق الإنسان، وإرسال خبراء دوليين مستقلين للقيام بزيارات منتظمة لمواقع الاحتجاز، وإنشاء فريق من مفتشي السجون المستقلين لمراقبة الأوضاع ـ قد يكون خطوة بالاتجاه الصحيح.

كاتبة من العراق

 

 

العراق: «الشهداء»

لا يقتلون بالقصف الأمريكي!

هيفاء زنكنة

 

في كل يوم، يقدم لنا مسؤولو النظام العراقي، على اختلاف تدرجاتهم الوظيفية، مثالاً جديداً للاستهانة بالحياة البشرية والكرامة الإنسانية. ففي مقابلة تلفزيونية (قناة التغيير – 7 تموز) مع ناجحة الشمري، مدير عام مؤسسة الشهداء، بدرجة وزير، حول استحقاقات الشهداء وعن إمكانية شمول ضحايا «ملجأ العامرية»، بالاستحقاقات، حالهم حال بقية الضحايا الذين تتبناهم المؤسسة، وبعد أن بين لها الإعلامي أن الضحايا -ومعظمهم من النساء والأطفال- قتلوا جراء القصف الأمريكي المباشر، وهي حقيقة يعرفها الجميع.. قالت السيدة الشمري: لا يمكن اعتبارهم شهداء لأنهم ماتوا اختناقاً. وكان الملجأ قد استهدف بإحدى الغارات الأمريكية على بغداد، يوم 13 فبراير 1991، بواسطة طائرتين من نوع أف-117 تحمل قنابل ذكية، ما أدى إلى مقتل 408 مدنيين. يعيد تصريح السيدة الشمري إلى الأذهان تصريح سيدة أخرى، هي وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت، التي قالت عندما سئلت عن وفاة أكثر من نصف مليون طفل جراء الحصار الاقتصادي على العراق.. إنه ثمن مناسب للحصار.
أن تتلفظ وزيرة خارجية دولة فرضت عقوبة الحصار على العراق لأسباب سياسية واقتصادية، أمر قد يفهم، مهما كانت لا إنسانيته، ربما كمؤشر للدلالة على نجاح فرض سياسة القوة. أما أن يصدر من سيدة عراقية تمثل مؤسسة للشهداء العراقيين وتم تعيينها لأنها «ولدت من رحم شريحة ذوي الشهداء»، كما تذكر في سيرتها الذاتية، أي أنها عانت من استلاب حق الحياة، كما تدعي، وتفتخر بدراستها الشريعة الإسلامية وعملها ضمن عديد المؤسسات الدينية والحقوقية، فمن الصعب تقبل التصريح المستهين بحياة 408 ضحية، وحرمان عوائلهم من مستحقات هي من حقهم، خاصة وأن ساسة النظام وذويهم وذوي ذويهم يتمتعون بها، ومن ضمنهم السيدة الشمري التي تذكر في سيرتها أن «قافلة الشهداء في عائلتها تطول».
تم تعريف «الشهيد»، حسب القانون الذي سنه النظام الحالي: هو «ضحية نظام البعث المباد والحشد الشعبي وضحايا جرائم الإرهاب» فقط . ولأهله الحق إما بقطعة أرض أو تعويض مادي قدره 65 ألف دولار، والحصول على تقاعد، وعلاج ذوي الشهداء خارج العراق، ولأولاده أولوية القبول بالجامعات والبعثات الدراسية إلى الخارج، والحج، وأولوية التعيين في الوظائف الحكومية، حيث قامت مؤسسة الشهداء بتعيين (16000) من ذوي الشهداء في وزارات الدولة المختلفة.

 يجب ألا يكون رد الاعتبار للضحايا ورعاية ذويهم وتوفير الحياة الكريمة محط استهانة من قبل أية حكومة مهما كان توجهها السياسي. إنه جزء أساسي من سيرورة تحقيق العدالة

على هذا المنوال، وتحت تصنيف لقب «الشهيد»، الموظف طائفياً -بحكم إشاعة فكرة أن نظام البعث كان سنياً والإرهاب سنياً، والضحايا من الشيعة- قامت المؤسسة بالمصادقة على (48894) شهيداً، للفترة من 2/8/2007 ولغاية 01/11/2014، حسب تقرير المؤسسة للفترة المحددة، وسيكون الرقم أعلى بكثير لو ضم التقرير مصادقة المؤسسة على «الشهداء» طوال سنوات حكم البعث. بلغ عدد المستفيدين من عوائل الشهداء الذين تسلموا راتباً تقاعدياً (146475)، وهذا قبل أن تشرع المؤسسة بإضافة «شهداء» الحشد الشعبي، المؤسس بعد فتوى المرجعية بالجهاد عام 2014، بالإضافة إلى عشرات المليشيات المدعومة إيرانياً. بالمقابل، قام النظام الحالي بحرمان الجنود الذين قتلوا أثناء الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) من مخصصاتهم كشهداء، بالإضافة إلى عدم الاعتراف بقضايا ضحايا الحصار الجائر (1990 – 2003)، والغزو والاحتلال الإنجلو أمريكي عام 2003، وما ترتب على ذلك من إرهاب حصد الأرواح وزرع الفتنة الطائفية وهدم البنية التحتية.
كان بإمكان السيدة الشمري، وهي المسؤولة برتبة وزير، حسب قانون المؤسسة، والمفترض فيها تحقيق العدالة وتوفير فرص الحياة الكريمة لذوي الشهداء، أن ترد عند سؤالها عن ضحايا الملجأ قائلة إن القانون الحالي لا يعالج كل القضايا، مثلاً، وأملنا أن يتم تصحيح الوضع في المستقبل القريب. هذا، لو حرصت -طبيعة الحال- على مشاعر أهل الضحايا، على الأقل، أو توخت تحقيق العدالة لجميع الضحايا كخطوة أولى في مسار وضع حد للضيم والجور والتصالح مع الذات والمجتمع.
إن موقفاً كهذا، والسيدة الشمري، ليست نموذجاً فريداً من نوعه بين ساسة النظام، هو واحد من مجموعة مواقف تمييزية تدفع إلى تعميق الإحساس بالظلم والتهميش، وبالتالي إشاعة الفتنة الطائفية، يعززها الإحساس بتجيير مؤسسات ذات أهداف إنسانية، على غرار «مؤسسة الشهداء»، إلى وسيلة لمنح الامتيازات وبناء قاعدة اجتماعية طائفية تجسد سياسة النظام المنهجية في الانتقام وإرساء مفهوم انتقائي للعدالة، على كل المستويات. وإلا كيف تبرر مؤسسة تحمل اسماً كالشهداء، يتجذر عميقاً في الموروث الجماعي العربي والإسلامي، بالتضحية والدفاع عن الوطن، بعدم اعتبار من انضم إلى المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي – البريطاني شهيداً؟ كيف يمكن تجاهل بطولة من قاوم غزو تسبب بوفاة ما يزيد على المليون مواطن، وتهجير أربعة ملايين، وتخريب مدن بكاملها، وتوفير البيئة لإرهاب الدولة والقاعدة وداعش والميليشيات؟ ماذا عن ضحايا إرهاب مليشيات الأحزاب الحكومية؟ والمفارقة الأكبر، كيف يمكن تبرير أن يجرد من شارك كعسكري في الحرب ضد إيران في الثمانينيات من كونه شهيداً، بينما يمنح اللقب للأسير العراقي « التَواب» الذي أعلن توبته (اختياراً أو تحت التعذيب) وهو في معتقلات إيران، ثم تم إرساله إلى جبهة الحرب للقتال في صفوف القوات الإيرانية ضد العراقية؟ ماذا عن أهالي 1627 عسكرياً أسيراً توفوا في المعتقلات الإيرانية، و1616 ممن وجدت رفاتهم في مقابر على الحدود الإيرانية؟
يجب ألا يكون رد الاعتبار للضحايا ورعاية ذويهم وتوفير الحياة الكريمة محط استهانة من قبل أية حكومة مهما كان توجهها السياسي. إنه جزء أساسي من سيرورة تحقيق العدالة والتأسيس الحقيقي لمجتمع يعمل بجد على التخلص من العلاقات المرضية المشوهة الناتجة عن سياسة حكومات محلية وقوى عالمية تتغذى على تقسيم الناس وانتقائية العدالة حسب مقولة «كل الناس متساوون، لكن بعضهم متساوون أكثر من غيرهم»، للكاتب الإنكليزي جورج أورويل.

٭ كاتبة من العراق

 

 

ذوّبوا

 الليل يا أهل البصرة

هيفاء زنكنة

 

 عاد المتظاهرون، بمدينة البصرة في جنوب العراق، إلى الشوارع من جديد في الشهر ذاته تقريباً، كما في العام الماضي، كما لو كان سكان المدينة الغنية بالنفط، يستعيدون ذكرى تظاهراتهم واعتصاماتهم، التي لم تثمر شيئا في العام الماضي. عادوا، كما في الزيارة السنوية للأماكن المقدسة، وهم يحملون المطالب ذاتها: الخدمات الأساسية، كالتزود بالكهرباء والماء، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة التي قاربت خمسين درجة مئوية، وحق العمل. وأضيف إليها، هذه الأيام، مطلب إنصاف المتضررين من احتجاجات العام الماضي، ومحاسبة المتسببين. لا تخلو المظاهرات من أصوات منفردة تطالب بوضع حد لنفوذ الميليشيات المتحكم بحياة الناس أكثر من الحكومة.
كانت تظاهرات العام الماضي قد تأججت نهاية شهر حزيران/ يونيو، وواجهتها القوات الأمنية باستخدام الذخيرة الحية، وقتل متظاهرين سلميين، بالإضافة إلى تنفيذها حملة اعتقالات تعسفية وتعذيب المعتقلين. وصل عدد ضحايا الاحتجاجات إلى 13 قتيلاً ومئات الجرحى، واكتفى خلالها ساسة الحكومة بإطلاق التصريحات الهوائية والوعود الفارغة بحل المشاكل ووضع آليات عمل، وتشكيل لجان لمتابعة عمل لجان أخرى تم تشكيلها لتهدئة الغضب سابقاً، ورسم مسار إستراتيجي للنهوض بواقع الخدمات!
أصاب الصحافيين، خلال تغطيتهم الاحتجاجات وقضايا الفساد في العام الماضي، رشاش القمع؛ إذ قامت الأجهزة الأمنية، بين 14 تموز/يوليو و6 أيلول/سبتمبر 2018، بالاعتداء على سبعة صحافيين من جميع أنحاء العراق واعتقالهم، وتم إحراق مكاتب اثنين من وسائل الإعلام المحلية. وسجل تقرير للجنة حماية الصحافيين، ومقرها نيويورك، حالات مغادرة أربعة صحافيين محافظة البصرة، بعد أن قامت الميليشيات المسيطرة هناك بتهديدهم بالقتل.
بالنسبة إلى الوضع الحالي لا يبدو، حتى الآن، أن هناك اختلافاً كبيراً، سواء في سيرورة التظاهرات أو الاستجابة الحكومية؛ إذ أعلن المتظاهرون أنهم سيستمرون حتى تحقيق المطالب، ووجهوا النداء إلى مختلف شرائح المجتمع للخروج معهم، في الأيام المقبلة. بينما شرعت القوات الأمنية بإطلاق التهديدات ضدهم وضد الصحافيين في حال تغطيتهم المظاهرات. بل واستبقت الأحداث باعتقال كادر قناة السومرية المكون من مراسلة ومصور أثناء تصويرهم التظاهرات قبل أيام. ولم يتم إطلاق سراحهما إلا بعد تدخل وزير الداخلية شخصياً، مما يثير التساؤلات حول سلامة الصحافيين المستقلين في حال رفض وزير الداخلي التدخل، في بلد معروف بغياب القضاء النزيه، وعمل الصحافي في بيئة مسيّسة تعتبر وسائل الإعلام أدوات سياسية قبل أي شيء آخر. وكانت السلطات قد حذرت، في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وسائل الإعلام من إظهار عدم احترامها «للرموز الوطنية أو الدينية»، ما يجعل الصحافي عرضة للاعتقال والسجن حالما يكتب عن أي سياسي أو معمم «يقدم نفسه» كرمز وطني، الأمر الذي يرسخ، بقوة، مكانة النظام العراقي بين بقية الأنظمة العربية المبدعة في ابتكار أساليب تكميم أفواه أبناء الشعب عموماً والصحافيين خصوصاً. إذ ترى في الصحافي المستقل أداة تخشاها أشد الخشية إن لم تتمكن من شرائه، إما بالمال والتهديد والابتزاز والاعتداء الجسدي، أو الاختطاف والقتل.

من الواضح أن قائد عمليات البصرة ذا الرتبة العسكرية العالية لا يعتمد في عمله أو تصريحاته على احترام الدستور، بل على ترهيب وترويع المواطنين عموماً، ومنهم الصحافيون

ضمن هذا المسار، وقف قائد عمليات البصرة، قاسم نزال، أمام الكاميرات ليحذر وسائل الإعلام، قائلاً: «إن الإعلامي الذي نلزمه بتظاهرة غير مرخصة راح ايكون بالتوقيف موجود إن شاء الله»، ما معناه، باللهجة العراقية، أنه تهديد صريح للصحافيين بالاعتقال وما يترتب عليه، في حال تغطية الصحافيين للتظاهرات في محافظة البصرة، حسب مرصد الحريات الصحافية، الذي دعا «القائد العام للقوات المسلحة» إلى تبيان موقفه من التهديد، الذي يعتبر «مخالفة واضحة لبنود الدستور العراقي» الذي جاء في مادته الـ(38): «تكفل الدولة حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، وحرية الصحافة، بالإضافة إلى حرية الاجتماع والتظاهر السلمي».
من الواضح أن قائد عمليات البصرة ذا الرتبة العسكرية العالية لا يعتمد في عمله أو تصريحاته على احترام الدستور، بل على ترهيب وترويع المواطنين عموماً، ومنهم الصحافيون. ولا بد أنه -إما لغبائه المنسوج بالعنجهية أو لسذاجته- لم يسمع بوجود بدائل إعلامية بإمكان المتظاهرين اللجوء إليها في حال قيامه باعتقال الصحافيين. وهي بدائل أو أساليب تكمل ما هو موجود، توصلت إليها الشعوب لمناهضة القمع السلطوي المباشر. هناك، مثلاً، «صحافة المواطن» التي باتت منذ ما يزيد على العقد منافسة للصحافة التقليدية، أو مكملة لها، لتمتع ممارسيها بميزات قد لا تتاح للصحافي المحترف، خصوصاً إذا كان الصحافي عرضة للمراقبة والتهديد والمنع من ممارسة مهنته من قبل الأجهزة القمعية، كما هو حال الصحافيين المستقلين بالعراق مثلاً.
وشرعت «صحافة المواطن» الأبواب التي كانت مقتصرة على الإعلام التقليدي في نقل الأخبار وتحليلها. أما الآن فبإمكان كل مواطن يملك كاميرا أو هاتفاً جوالاً مزودا بكاميرا، أن ينقل الخبر إما بنفسه على صفحات التواصل الاجتماعي، «فيسبوك وتويتر وإنستغرام» وغيرها، بالصور والفيديو والمدونات والرسائل السريعة الناقلة للأخبار لحظة بلحظة، أو عبر التواصل المباشر مع أجهزة الإعلام التقليدية، وتزويدها بالصور والتعليقات والتحليل، أو تنبيهها إلى ما يجري من أحداث فور حصولها، كما لو كان المواطن مراسلاً من مكان الحدث. هذه الإمكانية المتوفرة للجميع ساعدت، في السنوات الأخيرة، على تغيير ميزان القوى بين المتظاهرين والقوات الأمنية، وقللت إلى حد ما من وحشية الإجراءات القمعية التي تمارسها هذه القوات، في البلدان العربية، ضد المتظاهرين سلميا. كما ساعدت على استقطاب أفراد جدد إلى الحركات الناشطة المطالبة بالتغيير السلمي لأوضاع لم يعد بالإمكان السكوت عليها.
في العام الماضي، أدركت الحكومة خطر هذا الأسلوب عليها، فعمدت إلى قطع الإنترنت لمنع انتشار الصور والفيديوهات المصورة التي جرى التقاطها، سواء من قبل المواطنين أو الصحافيين، والتي تظهر قمع السلطات للتظاهرات السلمية. وهو تعتيم متعمد منح القوات الحكومية تفويضاً بالقمع دون خشية انتشار الأخبار. إلا أن المتظاهرين يعرفون جيداً أن قطع الإنترنت لا يمكن أن يدوم إلى الأبد، ما يوفر لهم سلاحاً يضاف إلى بقية مستويات مقاومة الظلم والقمع والفساد، بشرط توخي المصداقية وألا يكونوا الوجه الآخر لعملية التزوير الحكومية.

كاتبة من العراق

 

 

علاقة الحب والكراهية

بين أمريكا وإيران

هيفاء زنكنة

 

مع تصاعد دقات طبول الحرب الأمريكية ضد إيران، بدأنا نسمع صداها، فرحًا، في قلوب شخصيات وأحزاب عراقية ترى في الحرب «تحريرًا» من الاحتلال الإيراني. بل وبلغت الحماسة بالبعض حدًا جعلهم يغردون ويتبادلون التهاني بقرب الخلاص، مهددين إيران بقوة أمريكا وضربات الرئيس ترامب التي لا ترحم. بيانات ورسائل على «فيسبوك» وصور كاركاتيرية، وهي مشاعر ومواقف قد يكون هناك ما يبررها بحجة إنقاذ البلد والتخلص من «الاحتلال»، لولا أن هذه المجموعات والأحزاب ذاتها وقفت بقوة عام 2003 ضد الاحتلال الأمريكي، الذي تبنته وبررته في الوقت ذاته أحزاب عراقية أخرى (ولا تزال)، بذريعة «التحرير» أيضًا. وهو تبادل سريع للمواقع والتغير في فترة زمنية قصيرة نسبيًا من منظور القيم الأخلاقية على الأقل، ويقدم صورة هلامية عن مبادئ كانت تعتبر، حتى وقت قريب، قيمًا ثابتة المعاني، لا يتطرق إليها الشك، في العلاقة بين الشعوب ومحتليها مهما كانت هوية المحتل.
فكيف تحول الغازي المحتل إلى المنقذ المنتظر؟ ما الذي يدفع هذه الأحزاب التي كانت مناوئة للاحتلال الأمريكي إلى الاستنجاد بأمريكا؟ وهل هناك ما يضمن ثبات السياسة الأمريكية تجاه شعوب المنطقة؟
في شبكة العوامل الداخلية والخارجية المتداخلة والمتصارعة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، بالإضافة إلى الصراع الديني-المذهبي الدامي، على غنيمة العراق، تبرز أكثر من غيرها تعقيدات علاقة أشبه ما تكون بعلاقة يتخللها هاجس الحب-الكراهية، بصعوده ونزوله بين الإدارة الأمريكية والنظام الإيراني. مهر المحب هو العراق، الوزة التي تبيض ذهبًا. تختلف هذه العلاقة عن الأمثلة التاريخية المعروفة بين المستعمِر والمستعمَر. إذ لم تتعرض إيران إلى احتلال أمريكي مباشر، كما العراق مثلًا، مما انعكس على نوعية العلاقة بين الطرفين. فتتم المناوشات، حتى عند صعودها إلى أسوأ مستوياتها، مهددة بالعنف والاقتتال في بيوت الجيران وليس في البيت الأمريكي أو الإيراني، كما رأينا في لبنان وسوريا والعراق.
هذا الصعود والنزول في العلاقة، ونقل ساحة الصراع إلى بيوت الجيران، ومن ثم التوصل إلى هدنة، بشكل أو آخر، يوضح عرض النظام الإيراني مساعدة أمريكا في تسهيل شؤون احتلال العراق، «فنحن أدرى بالعراق»، كما صرح مسؤول إيراني، حينئذ، لإغراء الإدارة الأمريكية بقبول النظام كشريك. كان الهدف هو أن يتم تجنب نقل الصراع بأي ثمن كان إلى داخل البيت الإيراني لحين استشراف ملامح وخارطة العلاقة المستقبلية، بعد «تنظيف» بيت الجيران ممن كان يعترض على وجودهما غير المرحب به.

علاقة أشبه ما تكون بعلاقة يتخللها هاجس الحب ـ الكراهية، بصعوده ونزوله بين الإدارة الأمريكية والنظام الإيراني

ما لم يكن حسبان الطرفين هو بروز المقاومة التي وإن لم تنتصر بمعنى التخلص الكلي من الاحتلال بشقيه الأمريكي والإيراني، إلا أنها نبهت الإدارة الأمريكية إلى وجود شعب لم يستقبل الاحتلال بالزهور والحلويات، كما طمأنها عراقيون قبل الغزو. ونبهت إيران إلى وجود أصوات مغايرة لمن راهنت على استقبالهم لها داخل البيت، بل ومنحها عقد ملكية الدار بكامله.
جرت سياسة الإقصاء الطائفي، وانبثاق المقاومة المسلحة، إلى لجوء المحتلين، الأمريكي والإيراني، إلى تقوية أدواتهما للهيمنة أولًا، ومن ثم تهيئة الأرضية للتوافق فيما بينهما على حساب العراق. فاستخدمت، بالإضافة إلى القصف والتفجيرات والعقاب الجماعي وحملات الاغتيال المستهدفة للأصوات المستقلة، أسلحة ذات مفعول أعمق وأكثر ضررًا على المدى البعيد من مجرد القتل المباشر؛ أسلحة تستنزف بنية المجتمع وتآخيه لتتركه منهكًا، غير قادر على المقاومة أو المبادرة، لا يطلب شيئًا في الحصيلة غير البقاء على قيد الحياة، مرددًا وهو يرفع يديه عاليًا باتجاه السماء: «حسبنا الله ونعم الوكيل».
أصبح العراق سوقًا مفتوحة على مدى 24 ساعة يوميًا، لميليشيات ومنظمات طائفية انبثقت كأذرع الأخطبوط، إما كأدوات معدة للتخريب الممنهج، أو كنتيجة حتمية للاحتلالين. فانتشرت الميليشيات المدعومة إيرانيًا، التي سارع بعض الشباب للانضمام إليها؛ لأنها وظيفة مضمونة الراتب في الحياة الدنيا، ومضمونة الفردوس في الحياة الأخرى. بينما سارع آخرون للانضمام إلى منظمات مسلحة؛ لأنها وعدتهم بدولة الخلافة في الحياة الدنيا، والفردوس في الحياة الأخرى. تكشف الوثائق المسربة، سواء من قبل «ويكليكس» أو غيرها، حجم اختراق هذا المحتل أو ذاك في هذه المنظمات، وحجم التسليح المتطور لكل الجهات من قبل مصادر التسليح ذاتها.
إن مرور 16 عامًا على الغزو الأمريكي الذي هيأ للاحتلال الإيراني، جذَّر انقسامًا مجتمعيًا يغذيه الفساد والمصلحة الفردية المرتبطة بهذه الفئة أو تلك، بحثًا عن الحماية الجسدية والمادية، بدون أن تمتد أو تتوسع لتشمل الجميع، قوامها الخوف من الآخر لدى البعض، والنظر إلى الماضي بنوستالجيا مرضية لدى البعض الآخر. وإذا كان مزيج الإحساس بالمظلومية والعجز عن أحداث التغيير وتغليب المصلحة الفردية/الفئوية على مصلحة الوطن، هو الذي دفع البعض إلى التحالف مع المحتل الأمريكي في غزوه لبلدهم، عام 2003، وإلى فتح الأبواب مشرعة للنظام الإيراني، فإنه هو ذاته عمليًا ما يدفع الأحزاب والشخصيات التي ناهضت الاحتلال الأمريكي إلى الترحيب بشن الحرب ضد إيران لإزالتها؛ لأنها-كما يحاججون- مرض الإيدز، أما أمريكا وإسرائيل فإنهما مرض الجدري! ما يعني، ضمنيًا، عرض أنفسهم كبديل للنظام الحالي.
إن الأحزاب التي تعاونت مع المحتل الأمريكي، عام 2003، لم تفكر أو لم تعبأ بما سيجلبه الاحتلال من خراب على الشعب والبلد. كما أن الأحزاب والشخصيات المهللة، حاليًا، لقصف إيران لا تفكر إطلاقًا بما سيجره ذلك من نتائج كارثية على الشعب العراقي أيضًا. فمن ناحية الهجوم الأمريكي، العراقيون أدرى من غيرهم بمعنى ذكاء الصواريخ ودقة الاستهداف واعتبار الضحايا خسائر جانبية. ومن ناحية «الدفاع» الإيراني، العراقيون أدرى من غيرهم بهمجية الميليشيات والسيارات المفخخة والتفجيرات والاغتيالات، فهل فكر مشجعو الإدارة الأمريكية بالفعل الأمريكي، ورد الفعل الإيراني على الشعب العراقي، وهو الرهينة على أرض لن تتوانى كل الأطراف عن استخدامها كساحة لتحقيق النصر؟ وماذا عن الشعب الإيراني؟ إذا كنا نحرص دائمًا على التمييز بين الحكومات العربية المستبدة والشعوب، فلمَ لا نفعل الشيء ذاته مع إيران؟
لحسن الحظ، أوقف الرئيس الأمريكي إطلاق الصواريخ على إيران قبل التنفيذ الفعلي بدقائق. لعل الرئيس الأمريكي، ترامب، أدرك أنه على وشك تجاوز خطوط اللعبة المحددة مع إيران.
مهما تكن الأسباب، هذه هي المرة الأولى التي يتنفس فيها الناس الصعداء، وأنا منهم، ليس إعجابًا بالإدارة الأمريكية؛ إذ إنها أساس البلاء الذي نعيشه، ولا حبًا بنظام الملالي الشمولي الذي لن يتقاعس عن إرسال أطفاله للموت، بعد أن يضع في أعناقهم «مفاتيح الجنة»، ولكن حرصًا على أهلنا في المنطقة كلها.

كاتبة من العراق

 

 

على شعوب الدول

الغربية أن تثور أيضاً

هيفاء زنكنة

 

عن أعداد اللاجئين جراء الحروب والاحتلال والاضطهاد، بأنواعها، أخبرتنا المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، منذ أيام، بأن إجمالي العدد وصل حوالي 71 مليون وهو أعلى رقم تسجله منذ 70 عاماً. مما يعني، إذا ما حاولنا تقريب الرقم الى الاذهان، أن هناك 37 ألف مشرد جديد، في العالم، يوميا، يلقى الكثير منهم حتفه وهو يحاول الوصول إلى أوروبا، بحثاً عن الأمان. مقابل ذلك، انخفض عدد المسجلين كلاجئين في مختلف الدول، حسب السياسة الحكومية المتبعة تجاه اللاجئين، مما يعني زيادة عدد مخيمات/ مجمعات/ دور القصدير/ كارافانات النازحين وتحولها، وهذه ظاهرة مرعبة، من مخيمات مؤقتة تفي بالحاجات الانسانية المؤقتة، الى أماكن بقاء دائمة، تمتد وتتوسع، عبر الاجيال، حاملة في أسس إنشائها معاني الظلم والتهميش والتمييز بأنواعه. ولأن بعض النازحين يولدون في المخيمات ويقضون معظمم حياتهم هناك، تصبح حياتهم ذاتها موسومة بكل ما هو غير مستقر، من التعليم والرعاية الصحية الى الطموح المستقبلي ومعنى الحياة.
من الحقائق المعروفة أن 40 في المئة من اللاجئين (خارج بلدانهم) والنازحين (داخل بلدانهم) في العالم، أي 28 مليون أنسان، هم من البلدان العربية، وبشكل أساسي من فلسطين (6) وسورية (13)، بالإضافة الى العراق (5) واليمن (2). وتعتبر مخيمات المهجرين الفلسطينيين المتوسعة، مع ولادة كل طفل، منذ النكبة عام 1948 وحتى اليوم، هي النموذج الأوضح لحياة انسان، يجبر على مغادرة بيته قسراً ويعيش حياة محكومة بمنعه من حق العودة جراء الاحتلال الاستيطاني.
أدى تجذر التعاون بين الدول الإمبريالية والأنظمة المستبدة في المنطقة العربية، في العقود الأخيرة، الى انتشار مخيمات النازحين واللاجئين على وجه خارطة المنطقة، مهددة إياها ببناء مدن من نوع جديد وولادة جيل جديد من السكان، سيكون همه الاول، إذا لم يتمكن من العودة إلى بيئته التي حرم منها، هو الهجرة بأي شكل كان وبأي ثمن كان.
ففي مخيم الزعتري، المقام في الأردن، لاستقبال اللاجئين السوريين منذ انتفاضة 2011، يولد يوميا ما بين 12-15 طفلاً، ويعيش فيه أكثر من 90 ألف لاجئ، ثلثهم ولدوا فيه، وحجمه بحجم مدينة في الأردن. ووصل عدد سكان مخيم دوميز 1، من السوريين في إقليم كردستان العراق، المنتصب أساسا لاستقبال ألف شخص فقط، إلى 33,000 نسمة، تبعه إنشاء مخيم دوميز 2، ثم مخيم ديباكة، الذي أنشئ لاستيعاب 5000 شخص، لكنه استقبل أكثر من 36 ألف في أقل من ستة أشهر مع زيادة النزوح من القرى والأقضية القريبة من الموصل.

أدى تجذر التعاون بين الدول الإمبريالية والأنظمة المستبدة في المنطقة العربية، في العقود الأخيرة، إلى انتشار مخيمات النازحين واللاجئين على وجه خارطة المنطقة

وإذا كانت القوى العظمى، بقيادة أمريكا، متفقة حول توفير الحماية للأنظمة العربية الاستبدادية التي تؤدي دورها في الهيمنة والاستغلال بالنيابة، مما يوضح حقيقة أن الغالبية العظمى لحالات اللاجئين طويلة الأمد في العالم موجودة في الدول النامية، فإنها تبدي بعض التفاوت الطفيف في قبولها للاجئين الهاربين من بلدانهم جراء سياستها الخارجية.
فبينما تميل الإدارة الأمريكية نحو تقليد الكيان الصهيوني في بناء جدران العزل العنصري ومنحه معنى أوسع ليشمل حظر حركة الشعوب، تمارس الحكومة البريطانية، الحليف الرئيسي لأمريكا في أوروبا، سياسة لا تقل عنصرية عن أمريكا، في قبولها اللاجئين، ولكن بأسلوب أقل عنجهية. ففي الوقت الذي استقبلت فيه بنغلادش، بميزانيتها القليلة، ما يزيد على المليون لاجىء من المسلمين الروهانجا، تضع الحكومة البريطانية شروطا قاسية لقبول اللاجئين وتخضعهم، لإجراءات تزيد من تدهور أوضاعهم النفسية، في حال قبولهم. من بينها إجراءات معيقة للم شمل الأسرة والذي نوقش قراره يوم 20 حزيران/يونيو الحالي، في البرلمان البريطاني، بعد أن طالب أحد النواب بإعادة النظر فيه وإجراء تعديلات عليه ليتماشى مع قوانين اللجوء الدولية، متسائلاً عما إذا كانت المملكة المتحدة والمجتمع الدولي قد قاما فعلاً بكل ما في وسعهما لحل هذه المشكلة.
هذا النقاش يقودنا الى التساؤل حول امكانية حل أية مشكلة كانت بدون معرفة الاسباب المؤدية اليها ومن ثم معالجتها، وما لم تتغير وجهة النظر الرسمية الأمريكية – الأوربية تجاه اللاجئين لتعترف بأنهم مضطرون لمغادرة بلدانهم لا حبا أو طمعا بأمريكا وأوروبا بل للمحافظة على حياتهم وحياة أبنائهم، من احتلال وحروب ونزاعات، غالباً ما يكون سببها هذه الدول نفسها. وبما أن هذا الاعتراف بعيد المنال، الى حين، ونظراً لتفاقم أعداد وسوء أوضاع اللاجئين، قدمت الأمم المتحدة وعديد المنظمات الدولية العاملة في هذا المجال برامج تؤكد على الالتزام بالتضامن الدولي وتقاسم المسؤولية، وبدأت بتنفيذ بعض بنودها وإن لا يزال معظمها مجرد حبر على ورق، خاصة بعد أن أصبحت مأساة اللاجئين تجارة رائجة ومصدر ربح لبعض الدول والشركات الكبرى والأفراد بالإضافة الى الفساد المالي الذي يلتهم أموال المعونات والمنح عبر الوسطاء.
تقترح لجان الأمم المتحدة أن الحل الوحيد هو العودة الطوعية، وان تعمل الحكومات الوطنية على احترام مبدأ العودة الطوعية، وضمان أمن العائدين، والحماية الكاملة لحقوقهم. محذرة من أن عودة اللاجئين الى الوطن قبل الأوان نتيجة عوامل الدفع من بلدان لجوئهم سينتهي بهم المطاف، على الارجح، في مجمعات مؤقتة بديلة، أو يعودون الى بلد اللجوء، أو أن يصبحوا مهاجرين غير نظاميين. كما يمكن أن تكون العودة غير الطوعية عاملاً مزعزعاً للاستقرار في بلدان الأصل، مما يعجّل بتجدد التوتر وحتى تجدد العنف. هذه الصورة تنطبق، أيضاً، على عودة النازحين إلى مناطقهم التي أجبروا على مغادرتها بعد تهديم بيوتهم لأسباب طائفية أو دينية أو عرقية.
ان ما تطرحه برامج الأمم المتحدة من حلول ستساعد على حل مأساة اللاجئين والنازحين ولكن فقط حين تتوافر إرادة سياسية حقيقية لمعالجة القضايا التي أدت الى النزوح واللجوء أساسا، من قبل المجتمع الدولي والحكومات الوطنية، وأن تعمل كل الجهات المعنية على وضع حد لمنهجية اعتبار المنطقة العربية سوقا لتصريف السلاح وثمنا لحماية الحكام الفاسدين. وهذا لن يتحقق بانتفاضات شعوبنا فقط، فقد انتفضت وثارت الشعوب العربية بما فيه الكفاية سواء ضد الاستعمار في حقبة ما قبل التحرر الوطني وضد الاستبداد في حقبة ما بعد التحرر. لن يتجسد الحل لإنهاء الظلم وتحقيق العدالة، على كل المستويات، ما لم تنتفض شعوب الدول الغربية، أيضاً، على حكّامها، لتغيير سياستها الخارجية والعمل سوية، مع بقية شعوب العالم، من أجل تغيير حقيقي.

كاتبة من العراق

 

 

العنف الجنسي

لا يقتصر على المرأة فقط

هيفاء زنكنة

 

لا يمكن للقوات الأمنية، بأمرة الأنظمة القمعية، إلا أن تلجأ إلى أكثر الأساليب انحطاطا لتكميم الأفواه والهيمنة على الشعب. هذه حقيقة لم يعد بالإمكان التشكيك بها، لأنها من صلب وجود هذه الأنظمة التي تتغذى على العنف، بأنواعه، وأكثره سفالة هو الاغتصاب الذي لم يعد يقتصر على النساء كسلاح لمنعهن من المشاركة بأي نشاط عام بل وامتد بممارساته الكريهة ليشمل الأطفال والرجال، في بلدان عديدة، تمزقها الحروب أو حين تشهد تظاهرات احتجاجية، مهما كانت سلمية مسارها. وما حدث في السودان، في الأسابيع الأخيرة، نموذج لسلوك الأنظمة القمعية حيث ارتكبت وحدة قوات التدخّل السريع «الجنجويد»، المتنفذة ضمن وحدات الأمن، والتابعة لنائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو، عديد الانتهاكات وبضمنها اغتصاب نساء ورجال، أثناء فض الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش منذ 3 يونيو/حزيران، حسب مصادر متعددة.
يكاد لا يخلو بلد عربي من الجرائم الوحشية ذاتها التي نشهدها، حاليا، في السودان، وإن كان على مستويين هما بسبب المشاركة في التظاهرات أو الاعتقال. فسجل العراق وليبيا وسوريا، حافل، يدل على خوف الأنظمة المزمن من شعوبها وحاجتها الماسة إلى سلب كرامة الشعوب بأي أسلوب كان. وليس هناك ما هو أكثر نجاحا، بالنسبة إليها، من الهيمنة على أجساد الضحايا لسحق الكبرياء وإذلالهم. وقد شهد العقد العربي الأخير، تطور آلية الحد من مشاركة أفراد الشعب، خاصة المرأة، في أي حراك اجتماعي، من التهديد بالضرب أو الاعتقال أو إعاقة الحركة إلى استخدام انواع كانت نادرة، نسبيا، كالاختطاف والقتل والاغتصاب. ففي العراق، أصبح اختطاف المتظاهرين وضربهم ومن ثم إطلاق سراحهم والسماح لهم بالحديث عما عانوه، ليكونوا أمثولة تخيف الآخرين، شائعا. كما، بين الحين والآخر، اختطاف أحد الناشطين وتغييبه، لتصل درجة الترويع حدا أقصى. وإذا كانت المرأة العراقية قد استحوذت على حصة كبيرة من التهديد بالقتل أو الاغتصاب، وتنفيذهما، فعليا، في حالة المعتقلات والسجينات، منذ غزو العراق عام 2003، فإن القتل والاغتصاب طالا الرجال أيضا، في سجون الاحتلال الأمريكي والبريطاني والحكومات العراقية على حد سواء. حيث أصبح التهديد بالاغتصاب أو الاغتصاب الفعلي، ضد الاثنين، معا، ليمس «الشرف» كقيمة اجتماعية وأخلاقية عالية، متناميا بشكل طردي مع ازدياد شراسة الأنظمة في استقتالها للدفاع عن مصالحها، وثقة الجناة بعدم محاسبتهم وتقديمهم للعدالة.
ويتطابق ما ارتكبه الجناة في لسودان ضد المرأة المشاركة في التظاهرات مع المرأة المصرية التي عاشت التجربة نفسها أثناء اعتصامات ميدان التحرير وأماكن أخرى، واحيانا لمجرد وجودها في الأماكن العامة، حيث انتشرت مجموعات التحرش التي تعتدي على الفتيات بطريقة منظمة مما دفع الحكومة إلى سن قانون يجرّم التحرش الجنسي بعد تزايد الضغوط لمكافحتها.

إذا كانت المرأة العراقية استحوذت على حصة كبيرة من التهديد بالقتل أو الاغتصاب وتنفيذهما فعليا، في حالة المعتقلات والسجينات، منذ غزو العراق عام 2003، فإن القتل والاغتصاب طالا الرجال أيضا

ويُعدّ العنف الجنسي ضدّ الرجال والفتية في سوريا من بين انتهاكات حقوق الإنسان التي قام «مشروع جميع الناجين» والأمم المتحدة بتوثيقها، بدءًا من سبتمبر/أيلول 2017 وحتى أغسطس/آب 2018، ليضاف إلى قائمة العنف الجنسي ضد المرأة والفتيات. وهي تفاصيل قلما يتم التطرق إليها من قبل الضحايا والمنظمات الحقوقية معا. حيث يقتصر عمل المنظمات على توثيق حالات العنف ضد الفتيات والنساء باعتبار الجناة رجالا، بالإضافة إلى «الصور النمطية السائدة حول «الرجولة» التي تُعزّز التصورات في أوساط العاملين في المجال الإنساني بأن بإمكان الرجال رعاية أنفسهم وأنهم ليسوا بحاجة إلى المساعدة»، كأن العالم كان بحاجة إلى رؤية صور التعذيب في «أبو غريب» وخاصة المجندة الأمريكية ليندي انجلاند بابتسامتها المنتشية وسط الضحايا العراة، ليعرف أن الجلاد واحد، أيا كان جنسه. ولا فرق في تأثير هذه الانتهاكات الجسيمة على نفسية الضحايا. حيث يعانون، حسب التقرير، من الإحساس بالعار، وفقدان الثقة بالنفس، واضطرابات النوم، والإحساس بقلّة الحيلة، والشعور بالارتباك، والتفكير في الانتحار. وينتاب الناجون من الرجال الإحساس بفقدان الذكورة ولوم الذات. وتُعزى هذه المشاعر إلى الثقافة المجتمعية والتوقعات السائدة من الرجال والفتية، باعتبارهم مسؤولين عن حماية أنفسهم وعوائلهم.
تبين شهادات عديد الضحايا سواء من المشاركين بالتظاهرات أو المعتقلين السياسيين بالإضافة إلى المنظمات الحقوقية المحلية والدولية أن الخطوة الأولى لوضع حد لهذه الانتهاكات البشعة هي كسر حاجز الصمت والعمل على مقاضاة الجناة. قد لا يكون هذا سهلا، لمن يعيش في ظل نظام قمعي أو احتلال، إلا أنه حق إنساني وقانوني وأخلاقي يجب عدم التخلي عنه مهما طالت السنين، إن لم يكن من أجل الضحايا أنفسهم فمن أجل أبنائهم، لئلا تتكرر المأساة. ولدينا في تقدم ثلاثة مواطنين كينيين، يمثلون آلاف الضحايا، بقضية ضد الحكومة البريطانية لأنهم تعرضوا للتعذيب من قبل قوات بريطانية أثناء انتفاضة الماو ماو في خمسينيات القرن الماضي، سابقة تستحق التقليد والتقدير. فقد ارتكبت هذه الجرائم في فترة الاحتلال البريطاني لكينيا قبل أكثر من ستين عاما، لكن الاغتصاب من الجرائم التي لا تسقط بمرور أي زمن، وقد استغرقت القضية سنوات، إلا أن الضحايا رفضوا التخلي عن حقهم، ونجحوا في أجبار الحكومة البريطانية عام 2013 على دفع تعويضات والاعتراف بممارسة التعذيب ضدهم ومن بينهم رجل تعرض للإخصاء وامرأة تعرضت للاغتصاب. وقدمت المحكمة سابقة قانونية من ناحية الإقرار بتجريم التعذيب الذي مورس على الضحايا، ذكورا أو أناثا، باعتباره عنفا جنسيا وليس جسديا فقط. ويوضح مركز العدالة الانتقالية الدولي مصطلح «الانتهاكات الجنسية» بأنه يمكن أن يأخذ أشكالا متعددة، بما في ذلك الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والاستعباد الجنسي والتعرية القسرية والإجبار على القيام بأفعال جنسية مع الآخرين. وهو تعريف ينطبق، بكل بساطة، على ممارسات سلطة الاحتلال الأمريكي ـ البريطاني والحكومات العراقية المتعاقبة، بالإضافة إلى بقية الأنظمة العربية القمعية. وسيبقى انتهاك الجسد أداة لسلب الكرامة الإنسانية، ما لم تتوصل الجماهير إلى التخلص من الأنظمة القمعية، وإقامة حكم يمثلها، تكون واحدة من مهامه الأولى مقاضاة الجناة، وخاصة أفراد قوات الأمن الذين يفترض بهم حماية الناس.

كاتبة من العراق

 

 

المظاهرات السلمية

بين لندن والسودان

هيفاء زنكنة

 

أكد إطلاق النار على المتظاهرين في الخرطوم وسقوط الضحايا ما نعرفه جيدا عن وحشية الأنظمة الاستبدادية المستندة إلى قوة السلاح، وخوفها العميق من أي حراك شعبي قد يستهدف هيمنتها، مهما كان مسالما. أكد، أيضا، أن الشعوب العربية تخوض مواجهة يومية، إزاء أنظمة تخاف مطالبة الشعوب بحقوقها وتتمترس خلف شعارات تسرقها من الشعوب نفسها، لتتفوه بها من على منصات مبنية من أجساد الضحايا. إنها أنظمة تعمل، بشكل منهجي، منذ عقود، على تغيير مفهوم « العدو». لم يعد العدو احتلالا أو استعمارا أو هيمنة أمبريالية، بل العدو هو الشعب، فهي تخاف شعوبها أكثر من الاحتلال والاستعمار وكل ما تربينا عليه من مفاهيم حول الوطن والوطنية. الشعب بمنطق الاستبداد و»الحرب على الإرهاب»، هو من يهدد الأمن وبالتالي يتوجب التخلص منه، بكل الطرق الممكنة.
وباستثناء الحالة الجزائرية الحضارية التي لم يستخدم فيها العنف ضد المتظاهرين قط في أشهر الاحتجاج الأربعة فإن القمع الوحشي، والتهجير القسري والاغتيالات هي ملامح أولية لخارطة انتهاكات مخيفة تعرض ويتعرض لها المواطن العربي في فلسطين والسودان واليمن والعراق والسعودية ومصر وسوريا والبحرين وليبيا. لينضم بذلك إلى الواقفين (بالكاد) تحت مظلة «عولمة العنف» في إيران وتركيا ومنها إلى افريقيا ودول أمريكا اللاتينية، على اختلاف درجات العنف، حسب تنويعات وابتكارات الأجهزة الأمنية المحلية والدولية.
من خراطيم المياه إلى الرصاص المطاطي إلى رش المتظاهرين بالرصاص الحي في العراق، واستهدافهم بواسطة القناصين والطائرات بلا طيار في غزة لتكون النتائج، على الرغم من استمرار الجماهير بالاحتجاج بطرق سلمية، غالبا، أما مخيبة للآمال ومحبطة للتوقعات أو بعيدة المدى، من ناحيتي التراكم الكمي واثارة الانتباه عالميا، ولا تمنح المتظاهرين حلولا تضع حدا لمعاناتهم، إلى حين، ليتمكنوا من استعادة قواهم وتوفر لهم فسحة للتفكير على المدى البعيد.
وإذا كانت التظاهرات مرتبطة بأذهاننا بمحاربة الاستعمار، وحاضرنا بمحاربة متلازمة الأنظمة الاستبدادية والاحتلال، فإن اللجوء إليها لا يقتصر على بلداننا، بل إنها أداة طالما استخدمت، ولا تزال، من قبل شعوب البلدان التي استعمرتنا للاحتجاج والمطالبة والدعوة إلى التغيير، مع فارق جوهري وهو أن هذه الشعوب تنزل إلى شوارع مدنها وهي تشعر بالأمان، وعلى الأغلب بأجواء احتفالية تزخر بالموسيقى والغناء وارتداء الأزياء التنكرية والأقنعة الساخرة وترفع شعارات تجمع ما بين الطرافة والمطالب الجادة. فهي تعلم بأن الشوارع والمدن والساحات العامة والبلاد بما فيها ملك لها، وأن الشرطة ( باستثناء حالات نادرة) موجودة لحمايتها.

شاهد المتظاهرون، عبر شاشات التلفزيون، قصف العراق ونهبه وتخريبه وسقوط ما يزيد على المليون قتيل ليعيش العراقيون حتى اليوم نتائج حرب عدوانية مبنية على الأكاذيب

على الرغم من هذه الفروق الأساسية بيننا و»بينهم»، يشير رصد عدد من المظاهرات الجماهيرية الحاشدة، في بريطانيا وأمريكا، مثلا، إلى بروز سؤال مهم يواجه منظميها المثابرين وهو عن مدى قدرة المظاهرات، كأداة فاعلة، على تغيير السياسات الحكومية؟ هل تؤدي إلى إحداث تغيير حقا؟ أم أنها مجرد طقس من طقوس الديمقراطية التي يجب ممارستها من جهة، ومنبع رضى للناس لأنها تمنحهم الإحساس بالمساهمة بعمل جماعي أو كونه مجرد تنفيس للغضب بحضور آخرين ممن يشاركونهم الرأي والموقف؟
مظاهرتان كبيرتان تستحقان النظر لمعرفة القدرة على التغيير الفوري. تمت الاولى في 15 فبراير/شباط 2003، أي قبل إعلان الحرب على العراق بشهر. وضمت حوالي 35 مليون شخص من جميع أنحاء العالم، خاصة في أوروبا وأمريكا، وكانت أكبر تظاهرة احتجاجية في تاريخ البشرية، تتم قبل نشوب الحرب وليس بعدها. وصفها صحافي نيويورك تايمز باتريك تايلر بأنها أثبتت أن هناك «قوتين عظيمتين في الكون هما الولايات المتحدة، والرأي العام في جميع أنحاء العالم». حينها، شهدت لندن خروج مليوني محتج إلى الشوارع معلنين رفضهم لشن الحرب. «ليس باسمنا»، كان الشعار الاول الذي يدين رغبة الحكومة البريطانية بالوقوف جنبا إلى جنب مع الإدارة الأمريكية في غزوها العراق. فهل حققت المظاهرة هدفها؟ وماذا كان رد فعل الحكومة البريطانية وهي الممثلة للشعب في بلد يعتبر من أمهات الديمقراطية في العالم؟
لم يتم إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين. إلا أن رئيس الوزراء توني بلير فعل ما هو أسوأ من ذلك. أهان المتظاهرين بقوله إن من حقهم التظاهر فبريطانيا بلد ديمقراطي، معتبرا غضب وكراهية الناس له ثمنا للقيادة وتكلفة قناعته بما يفعل. وبعد أيام، نفد ما أراده. شاهد المتظاهرون، عبر شاشات التلفزيون، قصف العراق ونهبه وتخريبه. وسقوط ما يزيد على المليون قتيل، ليعيش العراقيون، حتى اليوم نتائج حرب عدوانية مبنية على الأكاذيب.
المظاهرة الثانية هي التي تمت في الأسبوع الماضي، في لندن ومدن بريطانية أخرى، احتجاجا على زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واستقباله الاحتفالي الرسمي الكبير هو وعائلته من قبل الملكة. شارك في المظاهرة آلاف المحتجين الذين ساروا حيث كان ترامب مجتمعا برئيسة الوزراء البريطانية. أراد المتظاهرون أن يبلغوهما بأن وجود ترامب غير مرحب به وأن الدعوة الرسمية وما صاحبها من احتفاء لا يمثلان الشعب. كان الجو احتفاليا، وكان لحضور الشعارات المنددة بسياسة ترامب تجاه فلسطين والاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني مكانته، واختتم رئيس حزب العمال جيريمي كوربن المظاهرة بخطاب ندد فيه بسياسة ترامب العنصرية اللا إنسانية.
حققت المظاهرة نجاحا على مستويين. الأول هو تحديد حركة ترامب في العاصمة ومنعه من التجوال فيها بسيارته المصفحة الفارهة إلا لمسافة قصيرة جدا، واقتصر تنقله على الهليكوبتر خوفا على حياته. مما يذكرنا بهبوطه الليلي، بطائرة مطفأة الأضواء، أثناء زيارته القاعدة الأمريكية، في بغداد، نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2018، وكيف عبر عن امتعاضه وحزنه لطريقة الزيارة السرية. المستوى الثاني لنجاح المظاهرة هو إطلاقه واحدة من أكاذيبه عند سؤاله عن رد فعله تجاه المتظاهرين فأجاب نافيا وجودهم. كان حجم الكذبة كبيرا إلى حد دفع حتى مراسلي أكثر القنوات التلفزيونية تحيزا إلى تقسيم الشاشة، إلى نصفين يبين أحدهما ترامب وهو يكذب والنصف الثاني آلاف المتظاهرين تحت بالون وردي يمثل ترامب وهو يبكي كالطفل. صحيح أن هذه المظاهرات لم تنجح بمنع الزيارة، كما لم تمنع إقامة حفل التكريم إلا أنها نجحت في تحديد حركة رئيس أقوى دولة في العالم وساهمت بتعرية أكاذيبه.
ولأن الحكام الفاسدين يتغذون على الأكاذيب شاهدنا الشاشة ذاتها وقد تم تقسيمها إلى نصفين لنقل أخبار السودان. حيث العصيان المدني الشامل والشوارع الخالية تماما، كاستفتاء سلمي ضد المجلس العسكري، مقابل متحدث ترامبي الهوى باسم المجلس قائلا إن الحياة طبيعية ولا تغيير!

كاتبة من العراق

 

 

هل تهيئ أمريكا

ملفات ابتزاز حلفائها؟

هيفاء زنكنة

 

تختمر في أجواء استعدادات الادارة الأمريكية لشن حرب أخرى بعيدا عن أراضيها، أسئلة ملحة حول مدى وحجم التعاون أو الشراكة التي غالبا ما يتم ادعاؤها من قبل الادارة الأمريكية من جهة والحكام العرب من جهة أخرى. ولعل أكثر التساؤلات أهمية، هو مدى ودرجة التعاون الاستخباراتي بين وكالة الاستخبارات الوطنية الأمريكية واجهزة الاستخبارات العربية، وبالتحديد عما اذا كانت وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) تتقاسم آلية استخدام المعطيات والبيانات الحديثة المسماة « آر تي – آر جي» مع الدول العربية؟ ثم ما هي هذه الآلية التي باتت تربط الاستخبارات الأمريكية بمعظم الدول الغربية بلا استثناء؟ وما هي أهميتها بالنسبة الى الدول العربية؟ وهل تستخدمها أمريكا للحرب ضد الإرهاب فقط أم لإعداد الملفات لابتزاز حلفائها أيضا؟
ليس سرا قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على مراقبة المكالمات الهاتفية للاشخاص وتجميع المعلومات عنهم ومن ثم اتخاذ اجراء رادع بحقهم تحت ذرائع مختلفة، لعل اكثرها استخداما، منذ الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول هو « الحرب على الإرهاب». ويعود الفضل، بشكل خاص، لاثبات ما كان يعتبر نظرية مؤامرة يتداولها الموسومون بكراهية أمريكا الى أدوارد سنودن، موظف وكالة الاستخبارات الأمريكية ( سي آي أي) السابق الذي سرب تفاصيل برنامج مراقبة الولايات المتحدة للهواتف والإنترنت، والعسكري مانينغ واسانغ مدير ويكيليكس. كل واحد منهم يدفع، منذ سنوات، ثمن إظهار الحقيقة سجنا ونفيا، وفي حالة أسانج مواجهة ما لا يقل عن عشرين تهمة سيحاكم جراءها، اذا ما قامت السلطات البريطانية بتسليمه الى أمريكا.
كان لتسريبات سنودن وقع كبير على الادارة الأمريكية لأنها فضحت وأثبتت دورها في المراقبة اليومية المستمرة للمواطنين الأمريكيين بالإضافة الى المراقبة في فرنسا وايطاليا والمانيا. وتشير اعادة قراءة الوثائق المسربة من قبل موقع « انترسيبت» الاستقصائي المعروف بباحثيه، الى ان أمريكا ليست البلد الوحيد الذي استفاد من هذه الامكانية بل ان ما اهملته القراءة الاولية للوثائق، ويعاد تقييمه الآن، هو جانب التعاون المتبادل بين دول لم يكن معروفا عنها استخدام ذات الآلية مثل النرويج.

أكثر التساؤلات أهمية، هو مدى ودرجة التعاون الاستخباراتي بين وكالة الاستخبارات الوطنية الأمريكية وأجهزة الاستخبارات العربية

فضح سنودن قوة رقمنة تقاسم الاستخبارات، ووجود مركزين افتتحا بقاعدة بوغرام بافغانستان في تشرين الثاني/نوفمبر 2005. حيث بدأت هناك مهمة تطوير ما يعرف بـ « آر تي – آر جي» أي نظام معالجة البيانات التي أدخلت في عام 2007، من قبل وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA)، خلال احتلال العراق وأفغانستان، ومع تزايد قوة المقاومة العراقية. هذا النظام قادر على تخزين البيانات من مصادر عديدة، مثل الهواتف المحمولة والغارات والاستجوابات والإشارات التي يتم جمعها من أجهزة الاستشعار الأرضية، وكذلك بواسطة المنصات المحمولة جواً والطائرات بدون طيار والأقمار الصناعية. بواسطته أصبح لمحللي الاستخبارات، لأول مرة، القدرة على الوصول مباشرة إلى قواعد بيانات وكالة الامن القومي، ودمجها مع المعلومات الجديدة والبحث فيها وتحليلها. ومن ثم، وهذا هو الاهم، تبادلها مع القادة العسكريين المحليين في ذات الوقت الذي يتم فيه حدث ما ( الوقت الفعلي)، ويتطلب اتخاذ اجراء سريع، كالقصف أو قائمة بالأهداف المستهدفة بدون اللجوء الى بيروقراطية الأخذ والرد وانتظار الاوامر المكتوبة. واذا كانت افغانستان هي المختبر الاول لتجربة النظام المستحدث، حيث تفتخر القيادة الأمريكية بانها قتلت 6534 « عدو» في عام واحد، متجاهلة أعداد الضحايا المدنيين، فان العراق هو المكان الذي تم فيه التطبيق الاحدث لما وصفه الجنرال دافيد بترايوس، القائد العسكري للعراق سابقا، ورئيس السي آي أي السابق، بانه « اهم انجاز عسكري تم استخدامه حتى الآن.. وعامل رئيسي في نجاح عمليات « مكافحة التمرد»، متجاهلا هو الآخر مئات الآلاف من الضحايا المدنيين. وجاء النجاح، حسب بترايوس، بعد ان مكّن النظام وكالة الامن القومي ليس على مراقبة الاتصالات من العراق فحسب، ولكن أيضًا للهيمنة على أجهزة الهاتف والكمبيوتر العراقية، لفتح بوابة الوقت الحقيقي لتصبح كل المعلومات المتعلقة بالعراق متوفرة للمحللين والعسكر.
من أجل تغطية بغداد، حسب تقرير « انترسيبت»، كان يجب أن يكون النظام قادرًا على استيعاب 100 مليون «حدث مكالمة» أو سجلات بيانات وصفية، ومليون « صوت» أو تسجيلات للمكالمات الهاتفية، و 100 مليون سجل بيانات وصفية أخرى عبر الإنترنت – يوميًا. كما اقتضى تحولا تدريجيا في تجميع الاشارات التقليدية من جمع وتخزين فقط ما هو مطلوب للعثور على «الإبرة في كومة قش» إلى « تجميع كومة قش». أي جمع كل شيء وخزنه. وحسب الصحافي الاستقصائي غلين غرينوالد (15 تموز/يوليو 2013): « أن وكالة الأمن القومي تحاول جمع ومراقبة وتخزين جميع أشكال التواصل البشري». مما يعني انها تقوم بتحليل « نمط حياة» الاشخاص لا للاستهداف الآني فحسب بل لحين الحاجة. لذلك بلغ عدد المحللين بالعراق خمسة آلاف، يتم تمريرهم كمستشارين وفي افغانستان ثمانية آلاف.
استوقفني، كمثال على العمل الاستخباري، ما جاء ذكره في احد التقارير التي سربها سنودن والمتوفرة الآن على الانترنت، حيث فشل أحد المحللين في تحديد مكان تواجد عراقي « مشكوك بأمره»، لإلقاء القبض عليه، لأنه كان يتعمد تفكيك هاتفه الجوال حالما يقترب من مكان سكنه بحي الشعلة ببغداد، فقام المحلل بمتابعة اشارات هاتف زوجته وتكوين صورة عن تحركاتها وروتين ايامها ومن ثم ربطها بتحركات زوجها، الى ان تم القاء القبض عليه.
يعيدنا المثال الى التساؤل حول استعداد أمريكا لتوفير هذه الانظمة الاستخبارية المتقدمة لأجهزة استخبارات الدول العربية؟ وما هو دور الكيان الصهيوني وموقفه ازاء ذلك؟ وماذا عن الحكام والمسؤولين العرب الذين يرون في أمريكا حليفا لا يمكن الاستغناء عنه، إزاء نظام الهيمنة الجديد نسبيا إزاء مفهوم السيادة الوطنية؟ ما هي الاسرار التي سجلتها انظمة الاستخبارات الذكية عن نمط حياتهم وحياة افراد عوائلهم ربما ليس للتخلص منهم الآن ولكن… ما هي ضمانات عدم استخدام البيانات والمعطيات المحفوظة عنهم ككومة القش مستقبلا؟ وهل نحن هنا أمام مفهوم اوسع للابتزاز الامبريالي السهل بالجملة لكل من هو في موقع سلطة؟

كاتبة من العراق

 

 

كيف تشتري صمت

الحكومة البريطانية؟

هيفاء زنكنة

 

من الصعب، هذه الايام، العثور على خبر رسمي أو غير رسمي في أجهزة الاعلام البريطانية عن العراق. الا ان الشهور الأخيرة شهدت بعض المتابعة من جهات رسمية. فقد طرح أسقف كوفنتري، في الاسبوع الماضي، سؤالا على الحكومة، عن تقييمها للتقارير التي تفيد بأن حوالي 45000 طفل في مخيمات النازحين العراقيين، لا يحملون وثائق هوية مدنية، وما هو الموقف من الحكومة العراقية لضمان عدم استبعاد هؤلاء الأطفال من المواطنة والمجتمع العراقي في المستقبل؟ فكان جواب اللورد أحمد وزير الدولة، مصاغا بعناية دبلوماسية معتادة، بأن الحكومة البريطانية على دراية بالتقارير الإعلامية، وإن لم يتم التحقق من الأرقام المذكورة. وإن الحكومة مدركة لهشاشة وضع هؤلاء الأطفال ومخاطر استبعادهم من الجنسية العراقية والمجتمع في المستقبل. لذلك تستمر الحكومة ببيان قلقها للسلطات العراقية بما في ذلك أهمية الاعتراف الرسمي بجميع الأطفال. والمعروف ان عدد الأيتام، بالعراق، وصل حوالي 800 ألف طفل حتى نهاية 2017.
آخذين بنظر الاعتبار ان الحكومة البريطانية برئاسة توني بلير وقفت جنبا الى جنب مع الادارة الأمريكية برئاسة جورج بوش، مستخدمة «تحرير العراق»، وإرساء حقوق الانسان، من بين ذرائع الحرب، وان معظم الوزراء واعضاء البرلمان، الحاليين، يعترفون بان شن الحرب كان خطأ تاريخيا، سيكون السؤال البديهي: لم لا تتخذ الحكومة اجراءات ردع أكثر فاعلية، بصدد انتهاكات حقوق الانسان التي تمارسها الحكومة العراقية، ضد مواطنيها، والتي تمس بشكل خاص الشرائح الأكثر ضعفا في المجتمع كالاطفال؟ ما الذي يمنع الحكومة البريطانية من اتخاذ موقف واضح صريح، تجاه حكومات ما بعد «التحرير»، على الرغم من كثرة التقارير المحلية والدولية عن انتهاكات حقوق الانسان، وبضمنها تقارير منظمة الأمم المتحدة؟ ثم ما هي آلية الضغط التي تتحدث عنها الحكومة البريطانية فيما يخص الالتزام بحقوق الانسان القانون الدولي؟ وهل هناك سابقة في هذا المجال؟
هناك آليات ضغط عديدة بامكان الحكومة البريطانية اللجوء اليها اذا شاءت. ونعم هناك سابقة تتعلق بالعراق. حيث « شهد عام 2002 نشرًا غير مسبوق لوثيقة عن حالة حقوق الإنسان في بلد واحد. في تشرين الثاني/نوفمبر، نشرت وزارة الخارجية ملفًا عن انتهاكات حقوق الإنسان، بعنوان «صدام حسين: الجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان – تقرير عن التكلفة الإنسانية لسياسات صدام». جاء فيه تفاصيل عن التجاهل المنهجي للنظام العراقي لحقوق الإنسان لمواطنيه، بما في ذلك استخدامه للتعذيب واضطهاد الأقليات وعمليات القتل التعسفي المتكررة التي تحدث هناك». اذا كانت الحكومة البريطانية قد وقفت بهذا الشكل «الانساني الرائع» ضد سياسة النظام العراقي السابق في انتهاك حقوق الانسان لمواطنيه، لماذا السكوت الآن، وانتهاكات حقوق الانسان وصلت حدا لا يمكن السكوت عليه؟
هناك عدة أسباب، من بينها:

ما الذي يمنع الحكومة البريطانية من اتخاذ موقف واضح صريح، تجاه حكومات ما بعد «التحرير»، على الرغم من كثرة التقارير المحلية والدولية عن انتهاكات حقوق الانسان

أولا: ان القوات العسكرية البريطانية، نفسها، منغمسة في كثير من الخروقات وبعضها يصل حد ارتكاب جريمة حرب. وتعمل الحكومة جاهدة على تشريع قانون يمنع محاسبة القوات مهما كانت الجرائم التي ارتكبها افرادها في البلدان المحتلة.
ثانيا: عقود النفط الموقعة بين شركات النفط البريطانية ووزارة النفط العراقية لصالح الشركات وفي جو الفساد المستشري بلا محاسبة.
ثالثا: العقود التجارية، اذ تشهد الصادرات من السلع والخدمات البريطانية إلى العراق ارتفاعا مضطردا، بمعدل زيادة عشرة بالمئة سنويا. وكان وزير شؤون الشرق الأوسط، قد زار العراق نهاية كانون الثاني/يناير، مؤكدا: «تجمع بيننا طائفةٌ من الأولويات المشتركة والمتزايدة باطراد، ومن بينها الأمن والتنمية والسياسة الخارجية والتجارة». تبعه وزير التجارة الدولية، معلنا أثناء زيارته العراق في 14 نيسان/ أبريل أن المملكة المتحدة ستوفر دعما إضافيا قدره مليار جنيه إسترليني للشركات البريطانية العاملة في العراق.
رابعا: تصدير السلاح والمعدات العسكرية. هناك زيادة كبيرة في عدد تراخيص التصدير. فخلال أربع سنوات فقط، من 2013-2017، زاد إجمالي عدد التراخيص أكثر من 12 مرة من 46 إلى 559 ترخيصا.
خامسا: تعتبر العقود التي حصلت عليها الشركات الامنية العسكرية البريطانية، بعد الغزو، من غنائم الحرب الكبيرة. هناك 80 شركة عسكرية بريطانية تعمل في العراق، ويقال إن بعض الشركات الكبرى تدين بوجودها للأرباح المكتسبة في الحربين ضد العراق وأفغانستان. ولوجود الشركات الامنية أذرع متعددة تمتد ما بين توفير الحماية والأمن الى القتال كمرتزقة، وان تفضل الشركات والدول التي تستأجرها عدم الاشارة الى ذلك. ما تفضل ذكره للتعريف بنفسها، كما تفعل شركة «أيجز» البريطانية الشهيرة، هو «شركة بريطانية للأمن وإدارة المخاطر مقرها لندن… لدينا خبرة كبيرة وقاعدة عملاء عالمية… نحن مزود أمن رئيسي للحكومة الأمريكية». وتؤكد الشركة انها تعمل في العراق منذ عام 2004 ولديها «مجموعة كبيرة من عملاء قطاع النفط والغاز». تضاهيها بالعمل في حقول نفط البصرة، شركة «جي فور أس» البريطانية ذات التاريخ الطويل في إدارة نقاط التفتيش وسجون الاحتلال الصهيوني، حيث يتواصل التعذيب والمعاملة اللا إنسانية المهينة. وهي ذات الانتهاكات التي تعرض لها المواطن العراقي بالاضافة الى تدمير الممتلكات، وإساءة استخدام السلطة، وقتل المدنيين، كما في ساحة النسور ببغداد. وللشركة بالبصرة لوحدها 500 مسلح بأحدث الاسلحة و200 مصفحة عسكرية. وكان رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي قد منحها عقدا طويلا بعد ان تم الغاء عقود عالمية معها بسبب تاريخها السيئ.
يشير تقرير لموقع «رصد العنف المسلح» الى ان الشركات الأمنية البريطانية تعمل في 17 دولة من بين 30 دولة تدرجها وزارة الخارجية تحت تصنيف دول لا تراعى فيها حقوق الإنسان، وبضمنها العراق. فما الذي تفعله هذه الشركات هناك؟ ما هي الرقابة الموجودة في هذه العمليات، خاصة في بعض الأماكن التي تتورط فيها الحكومة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان؟ ومن الذي يدفع هذه الشركات؟ يجيب التقرير: لا نعرف. والسبب هو انها تمارس اعمالها وحتى عناوينها واسماء الشركات بطرق تضليلية، كما ان تأسيسها، غالبا، من قبل عسكريين سابقين او بالتعاون مع عسكريين بريطانيين، يجعل التوصل الى تشعبات اعمالها ومدى تدخلها بالشؤون الداخلية للبلدان التي تستأجر فيها، صعبا جدا.
أما ما يرش الملح على الجروح فهو اعلان وزير شؤون الشرق الأوسط، اليستر بيرت عن تخصيص 16 مليون جنيه إسترليني لصندوق الإصلاح وإعادة الإعمار في العراق. وهو مبلغ يقل عن واحد بالألف لايزيد عن كونه فتاتا بالمقارنة مع مما غنموه من شن الحرب وتدمير البلد، و ما يغنمونه وهم يعبرون عن «قلقهم» على وضع اطفال بلا وثائق.

كاتبة من العراق

 

 

ليس حبا بالنظام الإيراني

هيفاء زنكنة

 

لا مفر، هذه الأيام، مهما حاولنا، من متابعة أخبار التهيؤ العسكري لإشعال جحيم حرب جديدة بين أمريكا وإيران في العراق، أو استمرارية جحيم حرب دائرة، الآن، في اليمن وليبيا، فضلا عن الاستيطان الصهيوني في فلسطين. أكرر مفردة «جحيم»، فهذا العالم العربي، الذي يتفتت كالخبز البائت أمام أنظارنا، لا يزال متمسكا بإصرار أسطوري على الا تقل الحروب على أرضه عن أربعين بالمائة من حروب العالم. حروب تمطر على أهله قنابل، تزداد وزنا مع كل حرب جديدة وصواريخ غبية، مؤهلة ان تكون ذكية، لفرط استخدامها في دروس القتل.
فمن حقل القتل الأول، بفلسطين، تطايرت بذرة الموت الاستعماري الاستيطاني لتحط في العراق واليمن وسوريا وليبيا، برعاية محلية. قتل الأجنة والأطفال، بغزة، مثلا، تراه الحكومات العربية، خبرا عاديا مألوفا، لا يستحق حتى مقاضاة المجرمين على الرغم من انها، جميعا، تدعي وصولها الحكم عبر انتخابات ديمقراطية تمثل الشعب.
هذه الحكومات العاجزة عن حماية شعوبها، قادرة على تشكيل «تحالف» ضد شعوبها، نتيجته واضحة منذ البداية كما في اليمن: تجويع الناس وسقوط الضحايا من المدنيين أينما كانوا سواء في حفلات الزفاف والجنازات أو المستشفيات والمدارس. أفعال إجرامية متغطرسة، يتماهى خلالها، حاملو السلاح وصانعوه وباعته ومشتروه، وهم يرددون ذات الاعذار التي تجعل، من القتل، الخيار الوحيد، الذي لا حل غيره.
يقول رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، مبررا سقوط الضحايا الفلسطينيين، نتيجة القصف المكثف، بضمنهم الأطفال، انه يستهدف «العناصر الإرهابية في قطاع غزة». ولا يختلف كثيرا عنه، المستشار القانوني لـ«التحالف العربي»، حين يبرر مقتل 22 طفلا في غارة جوية للتحالف على اليمن بأن الغارات تمت استنادا إلى معلومات استخباراتية بأن الحافلة كانت تقل قياديين حوثيين، وهو ما يجعلها «هدفا عسكريا مشروعا». وهما لا يختلفان عن المتحدث باسم القوات الأمريكية حين يبرر مقتل 200 شخص، بمدينة الموصل، جراء غارة لها، في آذار/مارس 2017، قائلا إن ارتفاع أعداد الضحايا متوقع مع دخول الحرب على المتشددين أعنف مراحلها.
وإذا كان حكام المملكة العربية السعودية ودولة الامارات الحاليين يدفعون مليارات الدولارات لشراء الأسلحة الأمريكية، بالإضافة الى «أتاوة» الحماية والرعاية لهذا الجناح من القبيلة دون غيره، فان الإدارة الأمريكية تزود الكيان الصهيوني، بالمقابل، بالمساعدات العسكرية البالغة مليارات الدولارات، والحماية مجانا. مما يوضح بما لا يقبل الشك من هو الحليف الدائم ومن هو المؤقت، وكيف أسقطت هذه التحالفات مفهوم «السياسة فن الممكن»، الذي يلجأ اليه الحكام العرب لتبرير أفعالهم، الى «الاستئثار الممكن بالخنوع».

ما هو موقف الشعوب العربية إزاء استمرارية العقيدة الأمريكية بأن «العالم ساحة معركة» والاعتماد على الصواريخ وغارات الطائرات بدون طيار، بالإضافة الى العمليات السرية الخاصة المحفزة للاقتتال وإثارة الفتن والضغائن حتى بين أبناء الشعب الواحد، ووجود غربان السلاح والحروب الذين يقتاتون على الموت؟

من الواضح، أيضا، ان الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، مهما كانت الأوصاف الدونية التي تُطلق عليه، لا يختلف عن سلفه باراك أوباما، الذي امطرته البشرية بالمديح والثناء، أو سلفه «الصالح» جورج بوش حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية وحماية المصالح الأمريكية العسكرية وغيرها في المنطقة. فاذا كان الرئيس ترامب قد طلب، منذ يومين، التحضير الفوري لملفات عديد العسكريين الأمريكيين المتهمين أو المدانين بارتكاب جرائم حرب بما في ذلك العسكري الذي من المقرر محاكمته لقتله مدنيين عزلا أثناء خدمته بالعراق، لأنه يفكر في العفو عن هؤلاء الرجال في «يوم الذكرى» الذي يوافق 27 أيار/مايو والذي تحيي فيه الولايات المتحدة ذكرى جنودها الذين قتلوا في المعارك اذا كان هذا ما سيقوم به ترامب، ليشرعن قتل المدنيين في البلدان المحتلة او يرونها مهددة للمصالح الأمريكية، فان الرئيس أوباما كان قد سبقه الى تشريع برنامجين
للاغتيال بواسطة الطائرات بدون طيار، لصالح وزارة الدفاع والسي آي أي، في باكستان وأفغانستان واليمن والصومال والعراق، تحت ستار الحرب على الإرهاب، وبعد ان تمت تسمية «الاغتيال» بأنه «قتل مستهدف»، حسب وثائق مسربة كشفها جيريمي سكاهل، الصحافي الاستقصائي الأمريكي، في كتابه « الحروب القذرة».
ومن بين التفاصيل التي تم الكشف عنها في الوثائق المسربة أن تسعين بالمائة من الأشخاص الذين قُتلوا في الغارات الجوية بطائرات بدون طيار لم يكونوا هم الأفراد المستهدفين. وكشفت الوثائق، أيضًا، عن الإجراءات التي تم من خلالها تحديد الأفراد للقتل والتحرك من خلال عملية أطلق عليها اسم «سلسلة القتل»، وبترتيب مع الرئيس أوباما نفسه، تم وضع الأفراد في «دورة الاستهداف»، وهي نافذة مدتها شهران يكون للجيش الأمريكي فيها «السلطة» للقيام بعملية الاغتيال. ولن ننسى التشريع الاوبامي الذي منح فيه القوات المسلحة صلاحية توجيه الضربات الجوية ضد أهداف الدولة الإسلامية في العراق وسوريا حتى لو أدت إلى سقوط الضحايا من المدنيين، بمعدل عشر ضحايا لكل غارة، بدون الرجوع إلى القيادة العسكرية المركزية، إذا ما تبين ان هدف الغارة الجوية يستحق ذلك.
ما هو موقف الشعوب العربية إزاء استمرارية العقيدة الأمريكية بأن «العالم ساحة معركة» والاعتماد على الصواريخ وغارات الطائرات بدون طيار، بالإضافة الى العمليات السرية الخاصة المحفزة للاقتتال وإثارة الفتن والضغائن حتى بين أبناء الشعب الواحد، ووجود غربان السلاح والحروب الذين يقتاتون على الموت؟
ان آلية القتل قصفا واستخدام جيل جديد من الطائرات بلا طيار، هي السائدة الآن، وستكون، كما تشير، كل الدلائل، الى انها ستستمر كسلاح مفضل في الحرب / الحروب المقبلة، التي يتم الاستعداد لها، بحماس منقطع النظير، من قبل دعاة الحرب في أمريكا وإيران والسعودية، التي ستكون ساحتها العراق، ولن تكون السعودية او الامارات أو إيران بمنأى عنها. ولن تكفي كل الجدران التي يبنيها ترامب والكيان الصهيوني لحمايتهما.
وإذا كان مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، يعتقد ان الله قد أرسل ترامب لينقذ إسرائيل من إيران والسعودية تعتقد ان أمريكا ستخلصها من إيران أيضا، أليس من الواضح أين ستقع الحرب التالية؟ أليس ما يجري في فلسطين والعراق واليمن كافيا ليدرك غربان الموت من الحكام العرب المستجيرين بأمريكا ان هذه الحرب لو لم تكن ضد إيران لكانت ضد بلد عربي، لأن الإدارة الأمريكية بحاجة ماسة الى عدو يحميها من نفسها ويوفر لمموليها فرصة استثمار ثرواتهم؟
هذه الحرب، إذا حدثت، ستكون المصيبة الأكبر على الشعب العراقي الذي عاش من الحروب ما يجعل ذاكرته مثقوبة بالرصاص، وسينهي أي أمل بالتعاون مع شعب بلد مجاور يعاني هو الآخر من استبداد يماثل ما تعيشه الشعوب العربية. ليس حبا بالنظام الإيراني، فما فعله في العراق وعرضه مساعدة أمريكا على احتلاله وتخريبه، جريمة لا تغتفر، ولكن حرصا على ما تبقى من العراق، علينا الا نتعاون مع أمريكا والكيان الصهيوني، فتاريخهما وحاضرهما أفضل دليل على مخططاتهما مستقبلا.

كاتبة من العراق

 

 

للقاتل اسم والضحايا

العراقيون بلا أسماء

هيفاء زنكنة

 

أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في الأسبوع الماضي، عفوا عن ملازم اول بالجيش الأمريكي، محكوم بخمسة وعشرين عاما، لارتكابه جريمة قتل المواطن العراقي علي منصور، اثناء التحقيق معه كمتهم بالانتماء الى تنظيم القاعدة عام 2009. جاء العفو، حسب البيان، بعد ضغط عسكري وسياسي وشعبي كبير، باعتبار الملازم جنديا أمريكيا نموذجيا. ماذا عن الضحية العراقي علي منصور؟ ما الذي نعرفه عنه باستثناء تبرير القاتل بانه قتله دفاعا عن النفس؟ وفقا لوثائق المحكمة، أقتاد الملازم وفصيله علي منصور إلى منطقة صحراوية نائية، بالعراق، بعد ان قررت القيادة إطلاق سراحه. إدعى الملازم انه يستجوبه حول هجوم سابق على جنود أمريكيين، فأمره بالتعري ثم أطلق عليه النار في الرأس والصدر.
أثار قرار العفو غضب عديد المنظمات الحقوقية والسياسيين، بأمريكا، ولكن… ما هو رد فعل الحكومة العراقية والساسة وأعضاء البرلمان عن العفو، وهم يقرأون سيناريو تبرير القتل التافه، خاصة وان جريمة القتل المتعمد هذه، هي واحدة من قائمة طويلة من جرائم وانتهاكات قوات الاحتلال، التي تمر مرور الكرام، منذ 2003، بلا مساءلة من الجهة العراقية وغالبا ما يتم الالتفاف حولها بشتى الطرق «القانونية» أمريكيا؟
ماذا عن آخر المحاكم؟ فبعد أسبوعين، سيتم تقديم قائد العمليات الخاصة التابعة للبحرية الأمريكية، ادوارد غالاغار، للمحاكمة بتهم قتل مدنيين عراقيين، عام 2017، أثناء وجود القوات، على مقربة من مدينة الموصل، للقيام، كما يطبل رسميا، بمهمات «تدريبية واستشارية»، مساندة للقوات العراقية في الحرب ضد تنظيم «داعش». يعتبر هذا القائد واحدا من ابطال القوات الأمريكية الخاصة، وقناصا ماهرا، ونموذجا يحتذى بجرأته وشجاعته في محاربة أعداء أمريكا في أفغانستان والعراق، حاز جراءها على أوسمة شرف عديدة. الا ان مسار «بطولاته» توقف عندما تقدم سبعة من زملائه، الأقل رتبة منه، بالشكوى ضده لأنهم ما عادوا قادرين على تحمل ارتكابه جرائم قتل المدنيين في الموصل. الا ان القيادة رفضت الاصغاء إليهم حفاظا على سمعة الوحدة العسكرية التي يُفتخر بانها تضم نخبة الجيش الأمريكي. فثابر المشتكون، حتى تم الاستماع إليهم، خاصة بعد ان كشف عدد من الصحافيين تفاصيل جرائمه وحيثيات ارتكابها، فلم يعد أمام قيادة الوحدة من خيار غير اجراء التحقيق واعتقال المتهم وتقديمه الى المحاكمة.
يتبين من الشهادات، انه كان يقضي معظم وقته جاثما في أماكن القنص ليتمتع باصطياد المارة من المدنيين، حيث كان يصوب خمسة أو عشرة أضعاف القناصة الآخرين. أخبر قناصان المحققين أن غالاغار، أطلق في أحد الأيام، النار على فتاة ترتدي حجابًا مزينًا بالأزهار، كانت تسير مع فتيات أخريات على مقربة من ضفة النهر. ثم شاهدا الفتاة وهي تسقط على الأرض، ممسكة ببطنها، فسحبتها الفتيات الأخريات بعيداً. كما قام، مرة أخرى، بأطلاق النار على رجل عجوز كان يرتدي دشداشة بيضاء، وسقط الرجل على الأرض مضرجا بدمائه. سجلوا: نحن في الموصل عام 2017.

هل هي عقلية المُحتَل المبنية على الدونية والحط من قيمة أخيه المواطن، لكي لا يُذكره بما آل اليه من انحطاط، ام هو الخوف من كشف الحقيقة وتحميله مسؤولية المشاركة بجرائم يتكشف وجهها البشع يوما بعد يوم؟

يقول الشهود، كما جاء في تحقيق صحيفة « نيويورك تايمز»، أنهم شعروا بالقلق الشديد إزاء قيامه بإطلاق النار على المدنيين، الى درجة أنهم صاروا يطلقون طلقات تحذيرية، على بعد متر أو اثنين فقط من المدنيين، لإخافتهم حتى لا يتمكن قائدهم من اصابتهم. وفي أيار/مايو، من العام الماضي، حدث أمر لم يعد بإمكانهم السكوت عليه. إذ تم احضار جريح، عمره 14 عاما، الى الوحدة العسكرية اثناء احدى المعارك مع داعش. يقول افراد الوحدة إنهم وضعوه على الأرض وبدأوا بمداواته. اثناء قيامهم بذلك جاء القائد غالاغر وأبرز سكينًا خاصا كان يفضل حمله. وبدون ان يقول شيئا، على الإطلاق، قتل الأسير طعنا في الرقبة والجذع. بعد ذلك، جمع أفراد الفصيل كلهم حول وعلى جسد الصبي الميت وأمر بإقامة حفل تجنيد. وهو احتفال يتعين فيه على الجندي القيام بطقوس خاصة بإعادة التجنيد طوعًا وأن يرفع يده اليمنى ليقسم ولاءه وطاعته للدستور. وقام أحد افراد الفصيل بالتقاط الصور. سجلوا: نحن في الموصل ،2017، وهي الفترة التي شهدت تعاونا شاملا بين القوات الأمريكية مع الجيش والحشد الشعبي، قتالا على الارض وقصفا بآلاف الغارات الجوية في خمس محافظات وتنسيق الهجوم البري والدوريات المشتركة. ونتج عنها هدم بنايات كاملة بما فيها من سكان، ولا تزال جثث الضحايا تُسحب من تحت الأنقاض. كان من السهل، أثناءها، على المسلحين إيجاد الذريعة لارتكاب أي جريمة كانت بدوافع سادية شخصية او عنصرية أوسع.
ولعل ما يحز بالنفس ويحفر عميقا بالقلب، هو موقف الضباط العراقيين الذين عند جلبهم للشهادة نفوا حدوث الجريمة بل وأضافوا بأن جريمة القتل لا تتماشى مع شخصية القائد غالاغار! أي أن الضباط العراقيين كذَّبوا أفراد الفصيل الأمريكي الذين استيقظت ضمائرهم.
هذه، أيضا، ليست المرة الأولى المسجلة التي يتسلى فيها أحد قوات الاحتلال بقتل المدنيين ثم يدعي انه قتل «إرهابيا» أو انه ضحية ثانوية. ففي عام 2006، مثلا، قام العريف لورانس هاتشينز من سلاح مشاة البحرية وجنود آخرون بقتل هاشم إبراهيم عواد (52 عاما) ثم وضعوا بندقية كلاشنيكوف وجاروفا، بجوار الجثة للإيحاء، بأنه كان يخطط لزرع قنبلة. وتم تقديم العريف الى المحكمة التي حكمت بإطلاق سراحه.
يعيدنا تقديم قائد عسكري أمريكي للمحاكمة، هذه الأيام، بقضايا قتل مدنيين عراقيين، الى رد فعل الحكومة العراقية تجاه فضيحة التعذيب في سجن أبو غريب. جاء الرد بلسان رئيس الجمهورية الراحل جلال طالباني، الذي قال، بروحه المرحة، حين جوبه بصور تعذيب المعتقلين من قبل قوات الاحتلال الأمريكي: «عادي ولا يقارن بما كان يحدث في سجون صدام حسين»، مشرعنا بذلك، عمليات التعذيب والقتل، كسلوك رسمي منهجي، وكأنه شارك بـ«تحرير العراق» ليواصل ما هو «عادي» ولا يخرج عليه.
ان ما تقوم به الحكومة والبرلمان، حاليا، وهي متدثرة بالغطاء الديمقراطي ولجان حقوق الانسان، تجاه الجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال، أسوأ بكثير من موقف الطالباني المبتذل. لتصبح هوة الانحدار الأخلاقي والوظيفي بلا قاع.
بتنا نصغي، باستثناء قلة من الأصوات، الى مزيج من الصمت حينا ونفي حدوث الجرائم، أساسا، في حين آخر، ليتم التستر على جرائم حرب من واجب أية حكومة وطنية أن تلجأ الى المحاكم الدولية ومجلس الأمن والأمم المتحدة للمطالبة بحقوق الضحايا من مواطنيها. فهل حاول أحد أعضاء لجنة حقوق الانسان بالبرلمان، مثلا، معرفة أسم الفتاة ذات الحجاب المُوَرد أو العجوز الذي كان يرتدي دشداشة بيضاء، اللذين تسلى القائد الأمريكي بقتلهما؟ هل هما بلا أسماء؟ كيف يكون للقاتل أسما والضحايا بلا اسماء بلا هوية؟ فهل هي عقلية المُحتَل المبنية على الدونية والحط من قيمة أخيه المواطن، لكي لا يُذكره بما آل اليه من انحطاط، ام هو الخوف من كشف الحقيقة وتحميله مسؤولية المشاركة بجرائم يتكشف وجهها البشع يوما بعد يوم؟

كاتبة من العراق

 

 

إنهم يخشون

 الجنين الفلسطيني

هيفاء زنكنة

 

لم يتغير الكثير: القاذفات الإسرائيلية، الطائرات بلا طيار، القناصون، وحشية التدمير المنهجي، والهدف الرئيسي هو قتل المدنيين. شهداء غزة المقاومة يتزايدون. الزنانة، طائرات الاستطلاع، تغتال شابا في فالوجة غزة. لم تعد آلة الكيان الصهيوني النهمة تشبع من استهداف مقاتلين يدافعون عن ارضهم أو شبانا يطالبون بحقهم بالحياة والكرامة، أو محمد الدرة ابن العاشرة، أو الأطفال الأربعة من عائلة واحدة الذين مزقت جثثهم على رمال شاطئ غزة وهم يلعبون: اسماعيل (9 سنة)، وزكريا (10 سنة)، وعاهد (10 سنة)، ومحمد رامز (11 سنة).
يوما بعد يوم، ازدادت شهية الوحش، بات ينشد دماء الضحايا ممن هم أصغر سنا حتى وصل الرضع والأجنة ببطون أمهاتهم. فكانت الرضيعة صبا محمود أبو عرار (14 شهرا) وأمها فلسطين صالح أبو عرار (37 سنة) وجنينها الذي كانت تريد ان تسميه عبد الله.
في الأسبوع الماضي، شاهدنا، عبر قناة الجزيرة، صبا، وهي موضوعة في ثلاجة الموتى، محتضنة نفسها، في غياب الأم، كأنها نائمة ببراءة لولا معرفتنا المسبقة باغتيالها، ولولا كثرة عدسات التصوير المتحلقة حولها، لتودعها بصورة أخيرة بعد ان زينت أمها شعرها بضفائر صغيرة وورود ملونة. انها وجه غزة تحت 150 غارة خلال 24 ساعة.
في عام 2004، شاهدنا أبا يبكي وهو يحتضن النصف العلوي من جسد طفلته المحروق بجيل جديد من النابالم، رشته قوات الاحتلال الأمريكي على مدينة المقاومة، الفلوجة، غرب العراق.
في عام 2006، شاهدنا على الهواء مباشرة، عبر قناة الجزيرة، أيضا، كيف تمكن عمال الإنقاذ اللبنانيون، في قانا المتعرضة لقصف الكيان الصهيوني، من سحب جثث 27 طفلاً من تحت الأنقاض. شاهدنا رجلاً يحمل فتاة في الرابعة من العمر ترتدي ثوبًا بلا أكمام تزينه زهورا صغيرة. كان وجهها وذراعيها وساقيها العاريتين مغطاة بالتراب.
في ذات العام، أغتصب جنود الاحتلال الأمريكي الطفلة عبير قاسم الجنابي (14 عاما) من بلدة المحمودية، جنوب بغداد، ثم قتلوها وحرقوها سوية مع أمها وأبيها وشقيقتها الصغرى هديل (5 سنوات).
منذ عقود ونحن نرى وجوه الأطفال، يغطيها الموت، الواحد تلو الآخر، من بلد عربي الى آخر وهي جامدة، بعيون مفتوحة على سعتها، تحدق بنا، ذعرا. ضحايا يصبحون، كلهم، بلا استثناء، في لحظات الشهادة، طفلا واحدا، هو طفلنا. كم يتشابه ضحايا الجرائم البشعة! من جنين وغزة في فلسطين إلى الفلوجة وحديثة وإسحاقي في العراق إلى بيروت وقانا في لبنان، من تمكنت عدسات المصورين تخليد لحظاتهم الأخيرة مع من لم يحظ بتلك الثانية المجمدة بالزمن.
وفي كل مرة نغضب ونبكي الشهداء، من الأطفال، ونشعر بالذنب لأننا خذلناهم لأننا لم نحمهم، لأننا لم نوفر لهم فرصة ان يعيشوا سنوات عمرهم. لأننا لانزال أحياء. حتى نكاد والقلب يدمع دما، ان يخامرنا الشك: هل نحن القتلة؟ هل صحيح اننا لا نحب أطفالنا؟ هل يتوجب علينا الوقوف بين الجثامين والانقاض لطلب المغفرة قائلين: «سامحونا»؟

إن تجدد آليات محاربة الشعوب، بكل المستويات قصفا وقمعا وحصارا، يعني شيئا واحدا. إنها، على الرغم من كل الإمكانيات المادية والعسكرية، لم ولن تنجح. وإن روح مقاومة الشعوب الحية، للمستعمر والمستبد، هي الباقية

اثناء قصف بغداد في حملة «الصدمة والترويع» التي شنتها أمريكا ضد الشعب العراقي، عام 2003، وأمام منظر الخراب وحالة الخوف من ان يمحى العراق وأهله، خرجت امرأة أردنية، في أواسط العمر، الى الشارع، مرتلة مثل كاهنة بمعبد تحوك طلب المغفرة، قائلة: «سامحنا يا عراق».
نحن، أهل البلدان المحتلة، المستعمرة، المعرضة للقصف والاغتيالات، نغضب ونبكي ويخامرنا الشك لأننا لسنا غزاة إرهابيين، ننتشي بالموت. الارهابيون لا يتساءلون، لا ينتابهم الشك، لأنهم يتمتعون بالقتل ويطلقون صرخات الابتهاج لحظة سقوط الضحايا مضرجين بدمائهم. يطلق القاتل الصهيوني، ضحكات هستيرية مشتركة مع جنديين آخرين، في فيديو متوفر على اليوتيوب، بعد اصابته شابا فلسطينيا أعزل: «ها… ها… لقد أصبته ابن ال…»..
جنود جيش الاحتلال الاستيطاني، لا يقتلون لأنهم ينفذون الأوامر فقط، بل لأنهم يجدون لذة في القتل، كما تثبت افعالهم، وبتشجيع من المسؤولين. «أفضل الجنود الذين يضحكون وهم يطلقون النار»، يقول عضو الكنيست بيتسالئيل سموتريش. ويصف وزير الأمن صرخات الابتهاج بقتل الفلسطينيين بأنها «ردود فعل إنسانية»، ويؤيده وزير الدفاع قائلا انهم ينتمون الى «الجيش الأخلاقي بالعالم». وبينما تمتد وتتسع مستوطنات الكيان الصهيوني باحتقار كلي للقانون الدولي والاتفاقيات الدولية، يفتخر المستوطنون بتسجيل فيديو يحتفلون فيه بقتل الرضيع الفلسطيني علي دوابشة حرقا مع والديه وهم أحياء في قرية دوما بالضفة الغربية.
ماذا عن الحكومات والشعوب العربية؟ معظم الحكومات، ترى في زمن انحطاطها، ان فلسطين باتت عبئا عليها وليس احتلالا يجب التخلص منه. بعد ان كانت فلسطين في فترات التحرر الوطني جزءا لا يتجزأ من هوية الأمة والحق الذي لا يساوم عليه. وما كان عارا يتم التستر عليه وانكاره إذا ما كشف بات شرفا يتسابق الحكام على نيله بذريعة القبول بالأمر الواقع. وتبقى صورة السلطان قابوس، الواقف منكمشا، في قصره، في العاصمة مسقط، مع نتنياهو، رئيس «مستوطنة إسرائيل»، هي النموذج الأقوى للذل الذي انحدر اليه الحاكم العربي. في لحظة تماهى فيها الخنوع بالخوف من ان يترك وحيدا أمام شعبه. ماذا عنا؟ كيف تمكن الحاكم الذي نتفق على انه لا يمثلنا من خلع حتى ملابس الامبراطور أمامنا؟
علينا الاعتراف بان تعاون الحاكم العربي مع القوى الاستعمارية أعمق مما نتصور. وهي علاقة تتجدد فيها آليات محاربة الشعوب حسب الحاجة المرحلية. ويتماشى نجاحها مع قدرة الحاكم على استقطاب شرائح مجتمعية يرتبط بقاؤها ومصالحها به أو، وهو ما نراه بوضوح حاليا، تفتيت كل شعب الى عدة شعوب، وكل منها يعيش في غيتو يتم التحكم بحياة افراده الاقتصادية والأمنية، فلا يستطيع التفكير أبعد من الهم المعيشي اليومي. انها السياسة الاستعمارية القديمة « فرق تسد» بمسميات جديدة.
ان تجدد آليات محاربة الشعوب، بكل المستويات قصفا وقمعا وحصارا، يعني شيئا واحدا. إنها، على الرغم من كل الإمكانيات المادية والعسكرية، لم ولن تنجح. وإن روح مقاومة الشعوب الحية، للمستعمر والمستبد، هي الباقية. وإلا كيف يواصل الشعبان السوداني والجزائري الثورة وهم يرفعون العلم الفلسطيني بجانب اعلامهم؟ ولم تخش أكبر قوة عسكرية بالمنطقة الجنين الفلسطيني وهو الذي لم يولد بعد؟

كاتبة من العراق

 

 

رومانسية زمن

القتل في العراق

هيفاء زنكنة

 

من بين الأسئلة التي أثارتها قيادة «مكافحة التمرد» في العراق وأفغانستان، قبل وبعد غزو البلدين، سؤال بالغ الأهمية، وهو: كيف نكسب قلوب وعقول أهل البلدان «المضيفة»؟ قدمت القيادة العسكرية عديد الخطط، الآنية منها والاستراتيجية، في مؤلفات بات بعضها متوفرا للعامة، كجواب يعالج إشكالية الكراهية الطبيعية أو النامية تدريجيا عند اهل البلد، وان قام البعض بالترحيب بها بداية. وكما ان للعملة وجها آخر، واجهت الإدارة الأمريكية، بشقها السياسي، السؤال نفسه، ولكن بصيغة مختلفة وهي: كيف نكسب قلوب وعقول الشعب الأمريكي ورضاه على شن الحرب؟
اعتمدت الإدارة الأمريكية، لتحقيق مستوى معين من الرضا أو القبول، على مخطط استراتيجي شرعت به منذ التسعينيات. فأسست لذلك لجنة عمليات معلوماتية خاصة، استغلت بواسطتها كل مستويات الاستهداف الدعائي النفسي، من الاعلام الى الجامعات ومراكز الدراسات والبحوث ودور النشر. وكان لدور النشر أثر كبير في تبرير الحرب وان لم يحظ بذات الاهتمام الذي حظيت به أجهزة الاعلام من ناحية الرصد، بحكم سرعة وآنية التأثير الإعلامي السمعي والبصري، بالمقارنة مع بطء وعمق تأثير الكتب. تشكل هذه الجهود جانبا مما شخصه نعوم تشومسكي ونورمان هيرمان في كتابهما «صناعة الرضا»، المنشور عام 1988، عن تلاعب النخب المتحكمة بالعقل الجمعي الأمريكي منذ عشرينيات القرن الماضي.
منذ ان بدأت حملة التهيئة لشن الحرب على العراق، في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، وقائمة الكتب الأمريكية ـ البريطانية عن العراق في تزايد مستمر. وبعد ان كان عامة الأمريكيين والبريطانيين لا يفرقون بين العراق وإيران، إذ حالما تخبرهم أنك من العراق يأتيك التساؤل «إيران؟»، أصبح العراق بلدا يتصدر قائمة الأخبار والمطبوعات، خاصة حين سارع مهندسو الحرب الى تحشيد الأجواء الدعائية النفسية لتقديم صورة للبلد، تسوغ ارسال قواتهم للقتال فيه والتضحية بحياتهم من أجل «تحريره».
تزايد، أيضا، بمرور الوقت، اهتمام دور النشر باستقطاب المؤلفين، من عسكريين ومحللين سياسيين الى «خبراء» في معرفة الشرق الأوسط ونفسية العرب المسلمين، وإن لم ينطق أحدهم باللغة العربية غير كلمة « مرهبا». في تلك الأجواء، المنفتحة على سوق الحرب، باتت هناك فرصة لتسويق كتب كانت تقتصر في موضوعها، حتى ذلك الوقت، على البحوث الأكاديمية التي قلما يقرأها أحد من خارج الحلقة الأكاديمية المغلقة تقريبا. فسارعت دور النشر ومؤسسات الدراسات الاستراتيجية والبحوث والفكر، الى نشر كتب تعريفية بالعراق، تاريخا وحاضرا، واضافة تقارير القمع والاستبداد المناقضة لحقوق الانسان، والخطر المؤكد على العالم من بلد قادر على الوصول بأسلحة دماره الشامل الى الغرب، وبالتحديد بريطانيا، خلال 45 دقيقة، حسب خطب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير!
ومع تنوع مستويات التحشيد، دخل عالم النشر بحماس يكاد ينافس الاعلام البصري والسمعي لتأطير صورة بلد بحاجة الى التحرير والديمقراطية، وخلق وعي شعبوي يضاف الى الوعي التاريخي المترسب في الذاكرة الاستعمارية، عن عبء الرجل الأبيض وتحمله مسؤولية رفع مستوى وتمدين الشعوب المتخلفة.

اعتمدت الإدارة الأمريكية، لتحقيق مستوى معين من الرضا أو القبول، على مخطط استراتيجي شرعت به منذ التسعينيات. فأسست لذلك لجنة عمليات معلوماتية خاصة، استغلت بواسطتها كل مستويات الاستهداف الدعائي النفسي، من الإعلام الى الجامعات ومراكز الدراسات والبحوث ودور النشر

أكتسب الكتاب أهمية قصوى في مخاطبة شريحة مجتمعية قد تشكك أو لا تثق بدور الاعلام، الا انها مستعدة نفسيا لتقبل ما هو منشور بالكتب بحكم العلاقة التقليدية بين المثقف والكتاب. لذلك حققت كتب عدد من الباحثين والصحافيين المتخصصين نجاحا في تهيئة أرضية شن الحرب العدوانية والتقبل النفسي باعتبارها جزءا لا يتجزأ من السياسة الأمريكية في «الحرب على الإرهاب»، والمحافظة على الأمن الداخلي واصطياد «الإرهابيين» في بلد ناء بحيث لا يمكن ان يعرض حياة الأمريكي للخطر.
فتم اصدار كتب وتوزيعها بشكل كبير بموضوعات تعكس فكر المحافظين الجدد وخاصة محور دونالد رامسفيلد ـ دك تشيني- بول وولفوتز، الذين تصدروا مراكز صنع القرار في الإدارة الأمريكية.
شكل هذا المحور أساس عديد الكتب المبررة لشن الحرب والاحتلال، كحل وحيد لدمقرطة العراق، متجاهلين ما ستسببه الحرب من خراب بشري وعمراني وانعكاساتها على الاستقرار الاقليمي. كان هذا قبل الغزو أما بعده وتحت الاحتلال، فقد غزت الأسواق كتب من نوع مغاير، احتل عدد منها قوائم الكتب الأكثر مبيعا. اذ انضم الى مؤلفي الكتب اشخاص لم يكونوا يحلمون يوما بالكتابة ناهيك عن النشر. مرتزقة وجنود وضباط. نساء ورجال. سجناء ومدمنو مخدرات ومرضى يعانون من صدمة ما بعد الحرب. اذ أفرزت الحرب على العراق اعلى نسبة من جنود الاحتلال المصابين بصدمات وأمراض نفسية حتى بالمقارنة مع الحرب الأمريكية ضد فيتنام. لجأ معظم الجنود العائدين الى جنس المذكرات للكتابة عن تجربة القتال في العراق، وابراز روح التضحية و«الهوس بإخبار القراء أن الحرب مروعة» مع الإصرار على «ان كل الجنود أشخاص طيبون يبذلون قصارى جهدهم في وضع سيئ»، كما يذكر الصحافي توم بيتر في دراسة له. وكما يذكر الجندي السابق في العراق نيكو ووكر السجين حاليا بتهم ادمان وبيع المخدرات وعدة محاولات نهب للبنوك «مقارنةً بما كنت أفعله في العراق، بدا أن سرقة البنوك بمثابة أفعال أطفال. من الواضح أنه كان خطأ، وأنا أدرك ذلك الآن».
أنها مذكرات يسهب فيها كتابها بإظهار ما تعرضوا له من أخطار، ليكسبوا عطف القارئ الأمريكي حتى ان كانوا مجرمي حرب، متعمدين عدم ذكر العراقيين، أو ذكرهم بطريقة تبين بان موت العراقي محزن ولكن المأساة الحقيقية هي معاناة الجندي الأمريكي.
من بين الكتب التي لاقت نجاحا بعناوين تدل على مضمونها: زمن القتل بالعراق، بوابة قاتل بالعراق، كنا واحدا: جنبا إلى جنب مع مشاة البحرية الذين دخلوا الفلوجة، وفي الرمادي: القصة المباشرة لمشاة البحرية الأمريكية في أكثر مدن العراق دموية. وتمنح دور النشر مساحة كبيرة للجنديات اللواتي يكتبن مذكراتهن. اذ نشر لهن عناوين على غرار: أحب بندقيتي أكثر مما أحبك: شابات في الجيش الأمريكي، وعصبة شقيقات: أمريكيات بالعراق.
المفارقة الكبيرة التي نراها عند اطلاعنا على حمى نشر هذه النوعية من الكتب هي ان نشر الكتب العاطفية ببطولة مقاتلين ومرتزقة بالإضافة الى نشر المذكرات التي تسلط الأضواء على مفهوم البطل/ الجندي الذي يضحي بحياته من اجل نشر «القيم الديمقراطية»، نجح في استقطاب المخيال الشعبي الأمريكي والغربي عموما والفوز بقلوب وعقول الناس العاديين أكثر من كل حملات الترويج الدعائي بكثير. يقول مدير دار نشر «سورسبوكس»: «هناك الكثير من الاهتمام بقواتنا ودعمها. جميع الرومانسيات ذات الطابع العسكري تبيع بشكل جيد للغاية. يصنع الرجال العسكريون أبطالا كبارا، وتصنع النساء العسكريات بطلات رائعات».
الأمر الذي أكده استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث، بأمريكا، مبينا ان 91 بالمئة من الأمريكيين يشعرون بالفخر والاعتزاز بمن خدموا في الجيش، اثناء غزو واحتلال العراق، بينما كانت نسبة من وافقوا على غزو العراق هي 36 بالمئة فقط!

كاتبة من العراق

 

 

شكرا جوليان أسانج

هيفاء زنكنة

«احرقهم… نعم كلهم!»، يقول الجندي الأمريكي مشجعا زميله وهو يرش العراقيين الذين يتراكضون في الشارع، في بغداد الجديدة، تحت مروحية الاباتشي. يعجبه مرأى الضحايا على الأرض، فيصرخ فرحا «آه، نعم، أنظر إلى هؤلاء الأوغاد الميتين. منظر لطيف». وعندما اكتشفت قوات الاحتلال، فيما بعد، وجود طفلين بين الجرحى، قال المسؤول عن رش الضحايا بالرصاص، مبررا جريمته «حسنًا، إنه خطأهم… جلب أطفالهم إلى المعركة». ليس هذا الحوار واطلاق صرخات الفرح بالقتل المتعمد هو لقطة في فيلم هوليوودي. بل هو واحد من الأفلام والوثائق السرية التي كشفها الصحافي جوليان أسانج عام 2010، في تسريبات، ما بات يعرف بـ«ويكيليكس»، التي أدت إلى القاء القبض عليه من قبل الشرطة البريطانية، يوم الخميس 11 نيسان/ أبريل، بعد إخراجه عنوة من سفارة الاكوادور، في لندن، بعد سبع سنوات ونصف من بقائه لاجئا فيها. تم خلال سنوات لجوئه الكشف عن مئات الآلاف من الوثائق الأمريكية وغيرها الفاضحة لتبادل المعلومات التي طالما أريد لها ان تبقى طي النسيان، والا يطلع عليها المواطنون لما تحويه من مساس بحرية الفرد والرأي ومساحة التآمر عليه، غالبا، بذريعة «الأمن القومي».
كان الفيديو الذي كشف جريمة قتل 12 مواطنا عراقيا، عام 2007، بضمنهم صحافيون عاملون لدى وكالة أنباء رويترز، وهما نمير نور الدين ( 22 عاما) ومساعده سعيد شماغ ( 40 عامًا، متزوج. ترك أرملة وأربعة أطفال)، والذي ساعدت صحيفة «الغارديان» البريطانية، على توزيعه بشكل واسع، ومن ثم تناقلته أجهزة الإعلام، في جميع انحاء العالم، هو الذي سلط الأضواء بقوة على أهمية عمل فريق «ويكيليكس» التحقيقي الصحافي، المستند إلى حق حرية التعبير، وهو الذي جعل الادارة الأمريكية تطالب برأس الفريق أسانج، حسب فرضية إقطع الرأس تتخلص من الجسد، وبعد أن القت القبض على الجندي الأمريكي برادلي ماننغ، الذي قام بتسريب الفيديو، مع 750 ألف وثيقة عسكرية ودبلوماسية أخرى، إلى «ويكيليكس».
احتل الفيديو أهمية خاصة، أيضا، على الرغم من كشفه بعد مرور ثلاث سنوات على ارتكاب المذبحة، لأنه أوضح بالصوت والصورة، زيف الادعاءات عن « التحرير» و«انسانية» المحتل.
اذ بينت صرخات الابتهاج بحصد الأرواح من طائرة مروحية من طراز أباتشي (المرتبطة بالاذهان بالمجازر الأمريكية بفيتنام)، وبآلات القتل المتطورة، كيف تعتبر قوات الاحتلال نفسها: إنها فوق البشر. وكيف ترى العراقيين كأوغاد مجهولي الهوية، يحاولون الحاق الضرر بهم وهم الذين جاؤوا لـ« تحريرهم».

كان الفيديو الذي كشف جريمة قتل 12 مواطنا عراقيا، عام 2007، بضمنهم صحافيون عاملون لدى وكالة أنباء رويترز، هو الذي سلط الأضواء بقوة على أهمية عمل فريق «ويكيليكس» التحقيقي الصحافي، المستند إلى حق حرية التعبير

العراقيون، إذن، أوغاد، بلا اسماء، بدون إنسانية – وتجريدهم من إنسانيتهم، كفعل منهجي متعمد، ​​يجعل قتلهم سهلاً. هكذا، مارس المحتل الأمريكي والبريطاني التعذيب، بأبشع صوره، في سجن أبو غريب ومعسكر «بريد باسكت»، وارتكب المجازر في مدينة حديثة (التي تمت مقارنتها بمذبحة ماي لاي خلال حرب فيتنام) ؛ والاسحاقي (حيث قتل 11 مدنيا عراقيا في يونيو 2006) ؛ والفلوجة التي تم هدم 70 بالمئة منها، بالاضافة إلى اغتصاب وحرق الطفلة عبير الجنابي وعائلتها، ومن ثم اتهام « المتمردين السنة» ليغطي الغزاة جريمتهم. وغالبا ما يأتي أحدهم ليبرر جرائم قتل الاطفال بأن الخطأ هو «خطأهم»، أي اهل البلاد، لأنهم يجلبون الاطفال إلى أرض المعركة. ولأن جوهر المحتل واحد أينما كان، استمعنا إلى ذات التبرير من قبل ناطق باسم الكيان الصهيوني عندما وثقت كاميرا (قناة فرانس2) في 30 أيلول/سبتمبر 2000، جريمة قتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة ( 11 سنة)، وهو بحضن والده جمال، وسط قطاع غزة، لحظة بلحظة. حيث واصل جنود الاحتلال رشهما بالرصاص بعد أن اختبأ خلف برميل إسمنتي طلبا للحماية من عمليات إطلاق النار. إدعى متحدث الكيان الصهيوني، للتبرؤ من قتل محمد الدرة، بعد أن هزت صورته ضمير العالم «أن الفلسطينيين يضحون بأطفالهم لتشويه صورة إسرائيل»!
بالاضافة إلى الفيديو، نشرت منظمة «ويكيليكس» الاعلامية، يوم 22 أكتوبر 2010، أكبر تسريب عسكري سري في التاريخ، وهو نشر 391،832 من «سجلات حرب العراق»، التي توثق الحرب واحتلال العراق، من 1 يناير 2004 إلى 31 ديسمبر 2009 (باستثناء شهري مايو 2004 ومارس 2009) كما سجلها جنود الأحتلال في التقارير الرسمية، ووصفوا فيها الاحداث، كما رأوها وسمعوا عنها، دقيقة دقيقة. وهي أول لمحة حقيقية عن التاريخ السري للحرب التي كانت حكومة الولايات المتحدة مطلعة عليه طوال الوقت، حسب تعبير ويكيليكس.
توثق السجلات المنشورة في موقع
Iraq War Logs ))، بالتفصيل، وفاة 109،032 شخص في العراق، تتألف من 66،081 ‘مدني’ ؛ 23984 «عدو» (من يطلق عليهم اسم المتمردين) ؛ 15،196 «دولة مضيفة» (قوات الحكومة العراقية) و 3،771 «صديقة» (قوات التحالف). غالبية القتلى أي 60 بالمئة من 66 ألف هم من المدنيين. بلغ معدل القتلى 31 مدنيا في اليوم خلال فترة السنوات الست. للمقارنة، توضح «مذكرات الحرب الأفغانية»، التي أصدرتها ويكيليكس سابقا، والتي تغطي نفس الفترة، مقتل حوالي 20 ألف شخص. مما يجعل ضحايا العراق الموثقين لدى قوات الاحتلال خلال نفس الفترة، خمسة أضعاف العدد في أفغانستان لنفس النسبة السكانية. وغني عن القول ان أعداد الضحايا أكبر بكثير اذا ما حسبنا وفيات الجرحى بعد حين، وكذلك الوفيات نتيجة دمار المستشفيات وانتفاء الخدمات الطبية وسوء المواصلات.
هذه الأعداد المسماة بـ«الوفيات الإضافية» هي التي تم التعامل معها عالميا لتقدير نتائج الحروب السابقة، والتي استخدمت في تقديرات مجلة لانسيت الطبية المعروفة عالميا، عام 2006 عن وفيات العراق الإضافية، وهي 654 الف عراقي في السنين الثلاث الاولى للاحتلال.
بالنسبة الينا كعراقيين، للسجلات الأمريكية العسكرية التي كشفها جوليان اسانج، مهما كانت نسبة تسجيلها، أهمية قصوى، خاصة في مجال محاسبة المسؤولين عن شن الحرب ضد العراق كمجرمي حرب، والى ان يبادر عدد من الباحثين العراقيين بتفكيك الرموز المتعارف عليها عسكريا، التي استخدمت بكتابتها، ومن ثم ربطها بمجريات الاحداث والجرائم التي غطتها الصحافة، وتقديم ولو جريمة واحدة إلى المحاكم الدولية، إلى ان يتم ذلك اقول شكرا جوليان اسانج فلولا ما سربته لنا أنت وفريق منظمة «ويكيليكس» من سجلات جرائم بحق شعبنا، من حقائق عن الحرب الامبريالية القذرة، لما كان بامكاننا حتى ان نحلم بذلك.

كاتبة من العراق

 

 

حملات التضامن العالمي…

هل بامكانها تغيير العالم؟

 

هيفاء زنكنة

 

شهد الأسبوع الماضي، في لندن، ومدن عربية وغربية أخرى، مظاهرات لدعم مسيرة «العودة الكبرى» وذكرى «يوم الأرض» الفلسطيني الذي يرمز إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. كانت هناك وقفة احتجاجية، أمام سفارة الكيان الصهيوني نظمتها «حملة التضامن مع فلسطين» في بريطانيا، ودعت منظمة «أوقفوا الحرب» البريطانية بالمشاركة مع عدة منظمات تضامنية بريطانية ـ فلسطينية، الى مظاهرة ونشاطات، يوم 11 أيار/مايو، تقام في جميع ارجاء بريطانيا، بعنوان «موجود… أقاوم… أعود»، وهو عنوان يجمع بين الوجود الانساني وحق المقاومة وحق العودة الى الوطن. وهو شعار أطلقته المنظمة الاسبانية للتضامن مع الشعب العراقي، ومقاومته للاحتلال الانكلو ـ أمريكي عام 2003. كان الشعار «أنا أقاوم… انا موجود»، المقتبس بتصرف من مقولة للكاتب الفرنسي البير كامو، حيث يصبح الوجود وحب الحياة شكلين من أشكال المقاومة. واذا كانت حملات التضامن تقتصر، حتى وقت قريب، على التظاهرات والاعتصامات واقامة الندوات، فانها تطورت، أخيرا، لتمتد على مدى اسابيع وشهور، بهدف تجذيرها بالذاكرة، ومقارعة النسيان، كما في «اسبوع التضامن مع الشعب الفلسطيني» و«شهر التضامن مع العراق» الذي يمتد في شهري آذار/ مارس ونيسان/ أبريل، سنويا، للتذكير بجريمة الحرب العدوانية ضد العراق وأحتلاله، وللتعريف بنتائج الاحتلال من خراب بشري ومادي.
تتزايد هذه النشاطات التضامنية، الجامعة احيانا بين عديد القضايا العربية في آن واحد، وعلى رأسها الاحتلال الصهيوني لفلسطين، بشكل طردي مع تصاعد حمى الاستسلام والاستخذاء الرسمي العربي. ومن يراجع يوميات الخنوع الرسمي، الذي كان مستورا في الماضي وبات مكشوفا بلا خجل الآن، سيظن ان هناك مسابقة (أو لعلها صفقة العصر!) تتنافس على الفوز بها أنظمة الاستبداد والفساد.
في هذه الاجواء ومع التغطية الإعلامية المتصهينة، العربية والغربية معا، وتسويق «ديمقراطية» الانتخابات بالغزو والاحتلال، تبرز أسئلة على مستوى: ما هي اهمية هذه التظاهرات؟ ما هو جدوى الوقوف أمام سفارة كيان مستهتر بالقوانين الدولية، يحظى بدعم أمريكي، مع وجود حكام عرب يرون ان مهمتهم الأولى هي قمع شعوبهم، وجعلهم مستعدين لقبول الاستعمار؟ ثم ما هو معنى «التضامن»، وآلة القتل الامبريالية تتغذى على الضحايا بشكل يومي؟
يقدم تحالف «أوقفوا الحرب»، الذي يضم عدة منظمات بريطانية ـ فلسطينية، في دعوته الى اقامة نشاطات تضامنية متعددة، بعض الاجوبة عما يهدف اليه الفعل التضامني: « يحتاج الشعب الفلسطيني إلى تضامننا أكثر من أي وقت مضى، ويدعو إلى احتجاجات عالمية لحماية حقوقه الجماعية. مع استمرار (إسرائيل) في انتهاك القانون الدولي وانتهاك حقوق الإنسان، هناك مسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي في مساءلتها والضغط من أجل وضع حد لقمع الشعب الفلسطيني». كما يبين منظمو «شهر التضامن مع العراق»، وجها آخر لتنظيم الشهر، فأن يبقى العراق في الذاكرة، قضية في غاية الأهمية لملايين الضحايا الذين يستحقون العدالة، وهو ضروري للتذكير بجرائم الاحتلال في تهديم دولة وتفكيك مجتمع واستهداف ثقافة شعب، ولكي لا تتكرر الجريمة أبدا.

إن العمل التضامني، بمستوياته المتعددة، فعل أخلاقي، لا يستند الى المصالح الفردية، بل يستمد قوته من القيم الإنسانية المشتركة المناهضة للظلم والقمع والطغيان

على مستوى آخر، أنه مناسبة للاحتفاء بتاريخ ومقاومة الشعب العراقي، وطموح العراقيين في تحقيق السلام المبني على المساواة والعدالة. وهي مناسبة يشترك بها كل ناشط بمبادرته وتنظيمه ومن زاويته، ولا تسجل الا لمصلحة العراق كبلد في وعي ابنائه ووعي الانسانية ككل.
يربط التضامن بين ما هو اجتماعي، وسياسي، وأخلاقي، معا، في نهج سياسي متميز يعترف بمصادر القوة الاجتماعية من ناحية ومصادر الدافع الأخلاقي من ناحية أخرى.
هذه الأهداف الواضحة ذات اهمية قصوى لحث الجماهير على التفاعل الايجابي، والعمل على انجاز تغيير محدد من قبل مجموعة توحدت لهذا التغيير. مع مراعاة التأكيد على ان حملات التضامن العالمية سواء كانت سياسية أو إجتماعية، قلما تؤدي الى إحداث تغيير فوري، ونادرا ما تكون فاعلة لوحدها. والوعي بهذه النقطة يجنب الناشطين وعموم الناس خيبة الامل والاحباط المرتبطين بالرغبة برؤية نتيجة مثمرة فورية. ان حركات التضامن العالمي تهيئ الارضية للتغيير، لكنها نفسها لا تغير. ولانها تنبع من القاعدة الجماهيرية، وليس من قمة الهرم السلطوي، فانها تتوخى التوعية فضلا عن ممارسة الضغط السياسي. وتكمن قوتها، بعيدة المدى، في تمتين العلاقة والنضال المشترك بين شعوب الدول حتى الامبريالية منها. فلمدة أربع سنوات، في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، واصل المتظاهرون المناهضون للفصل العنصري احتجاجهم المستمر، ليلا ونهارا، خارج سفارة جنوب إفريقيا في لندن. ولا يمكن لأحد ان يدعي ان انهاء النظام العنصري أو اطلاق سراح نلسون مانديلا كان نتيجة الاعتصام، الا انه لايمكن لأحد ان ينكر أهمية تذكير الحكومة البريطانية المتواطئة مع النظام العنصري بأنها لا تمثل الشعب البريطاني كله، ولا ينكر أهمية احساس ضحايا التمييز العنصري بأن هناك من يتضامن معهم، فضلا عن تطوير أساليب التضامن من خلال استمرارية الاعتصام وسيرورته. وهذا هو ما يهدف اليه منظمو «شهر التضامن مع العراق»، في عامه الاول، ونراه، بشكل واضح، في نجاح حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (بي دي أس)، التي تأسست عام 2005، وشرعت بتوجيه نداء الى شعوب العالم، يطالبهم بدعمها كشكل رئيسي من أشكال المقاومة الشعبية السلمية الفلسطينية، وكأهم شكل للتضامن العالمي مع نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه. صحيح ان حملة المقاطعة لم تنجح بانهاء الاحتلال الا انها حققت نجاحا ملحوظا في قيادة حملة مقاطعة الكيان الصهيوني، على مختلف المستويات الاقتصادية والثقافية والفنية، الى حد دفع الكيان الصهيوني الى اعتبارها خطرا أمنيا يهدد بقائه.
يكمن نجاح حملة التضامن في وضوح الهدف وامكانية تحقيقه من قبل كل من لا يريد الوقوف بجانب المحتلين/ الطغاة/ الجلادين. هذه الامكانية تمنح الفرصة للاستمرارية وبالتالي خلق ديناميكية الأمل وعدم الاصابة بالاحباط واليأس ازاء جسامة المهمة. إن العمل التضامني، بمستوياته المتعددة، فعل أخلاقي، لا يستند الى المصالح الفردية، بل يستمد قوته من القيم الإنسانية المشتركة المناهضة للظلم والقمع والطغيان. ولكي نساهم جميعا في هذا الفعل الاخلاقي النبيل «لا يتعين علينا الانخراط في أعمال بطولية كبرى للمشاركة في عملية التغيير. الأعمال الصغيرة، عندما تضرب بملايين الناس، يمكن أن تغير العالم «، كما يذكرنا المؤرخ الاشتراكي الأمريكي الراحل هوارد زن.

كاتبة من العراق

 

 

هدية أمريكا إلى العراقيين…

كوكتيل الملوثات السامة

هيفاء زنكنة

 

احتل خبر علمي، في الاسبوع الماضي الموقع الثاني بعد « البريكست» في اجهزة الاعلام البريطانية. وتناول خبر ثان موضوعا مماثلا ولكن في أمريكا. وللخبرين علاقة وثيقة بالعراق والدول المحيطة به. تناول الخبر الأول نتائج الابحاث التي أجرتها جامعة « سنترال لانكشاير»، ببريطانيا، على مقربة من «غرينفيل تاور»، بلندن، الذي تعرض لحريق هائل أودى بحياة 72 من سكانه في حزيران/يونيو 2017.
أجريت الابحاث بعد ان اشتكى عدد من السكان المقيمين على مقربة من المبنى من مشاكل صحية تراوح أعراضها بين السعال المصحوب بالدم والامراض الجلدية وصعوبة التنفس. بعد مرور ستة أشهر على الحريق، تم تجميع عينات من التربة، فتبين إن مستويات المواد الكيميائية السامة التي أطلقها الحريق عالية وأن كثيرا منها سامة بشكل حاد أو مزمن، مما سيزيد من احتمال الاصابة بأمراض الربو والسرطان. وحين قام فريق من جامعة كاليفورنيا، في لوس أنجلوس، بتحليل عينات من التربة والحطام مأخوذة من ستة مواقع على بعد 1.2 كم من المبنى، كشفت الدراسة عن «تلوث بيئي كبير» في المنطقة المحيطة، بما في ذلك الرواسب الزيتية التي جمعت بعد 17 شهرًا. بناءً على مستوى المواد الكيميائية التي تم اكتشافها، خلص العلماء إلى زيادة خطر حدوث عدد من المشكلات الصحية لتلك الموجودة في المنطقة. وأوصوا باجراء فحص صحي، طويل الأجل، لتقييم أي آثار صحية ضارة للحريق وما أفرزه من مواد، على المدى البعيد، على السكان المحليين وحتى فرق الانقاذ وعمال التنظيف.
أما الخبر الثاني فمفاده تبنى الكونغرس الأمريكي مطالبات الجنود بالتعويضات المادية والرعاية الصحية، وهم الذين قاتلوا بالعراق وأفغانستان واصيبوا بالامراض جراء التلوث الناتج عن حرق النفايات في القواعد الأمريكية. وصفت السناتور آمي كلوبوشار، من الحزب الديمقراطي، حرق النفايات قائلة «هذا هو عامل جيلنا البرتقالي»، في إشارة إلى مبيد الأعشاب السام الذي رشته أمريكا على غابات فيتنام بين 1955 و 1975، للقضاء على المقاومة الفيتنامية، وأصاب رذاذه الجنود الأمريكيين ايضا، مسببا لهم أمراضا مستعصية.
لهذين الخبرين، علاقة وثيقة بالتلوث البيئي الهائل، المسكوت عنه رسميا، الذي يعيش في ظله المواطن العراقي. وقد يصلحان، بالاضافة الى ما هو متوفر من بحوث عراقية ودولية، كنقطة انطلاق لمحاكمة الدول التي استخدمت أنواع الاسلحة (وبعضها محرم دوليا) وما نتج عنها من تفجيرات واطلاق لملوثات سامة على مدى عقود بدءا منذ التسعينيات. ان ما توصل اليه العلماء من تأثير السموم الكيمياوية على السكان المقيمين على مبعدة كيلومترات من غرينفيل تاور نتيجة حريق تم حصره بشكل سريع بالمبنى نفسه ولم يمتد الى أماكن أخرى (وهذا ما يجب ان يكون حرصا على حياة المواطنين)، يشكل مقارنة مرعبة بما تعرض له العراقيون، في عديد الأماكن والمدن، على مدى عقود وليس أياما.

إن السموم الموجودة في الدخان الناتجة عن حرق النفايات في المنشآت العسكرية الأمريكية في العراق، يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في التسبب في سرطان قدامى المحاربين». وإن «نسبة الإصابة بالسرطان الأعلى بكثير تأتي من العراق الآن ومن أفغانستان أكثر من الحروب الأخرى

تشكل أصناف الاسلحة ونوعية القنابل والمواد الكيميائية التي تم استخدامها ضد العراقيين، من قبل قوات التحالف بقيادة أمريكا وبريطانيا، قائمة لا تساويها بطولها غير قائمة الامراض التي تغزو أجسادهم، وتتجذر في حالة النساء الحوامل وصولا الى الأجنة حيث أثبتت البحوث المستقلة قدرتها على التغيير الجيني.
من بين الأسلحة التي تم استخدامها، بالاضافة الى التجريبية، اليورانيوم المنضب، القنابل العنقودية والنيوترنية والحرارية، الفسفور الابيض (نوعه المحرم)، النابالم، وبحدود 19 ألف قنبلة « ذكية» و حوالي 9 آلاف «غبية». هذا جزء بسيط مما رصدته. د سعاد ناجي العزاوي، الاستاذ المشارك في الهندسة البيئية، في بحوثها وأوراقها العلمية العديدة. ومن أهم هذه البحوث 12 بحثا، حول التلوث الإشعاعي باليورانيوم المنضب في العراق، بعد حرب الخليج الأولى، واختيار أفضل المواقع لردم والتخلص من النفايات الصناعية والمشعة. توصلت في آخر ورقة علمية لها، بعنوان «نمذجة انتقال ملوثات اليورانيوم المنضب جنوب العراق»، الى استنتاجات مهمة من بينها ان التربة الملوثة بتركيز عال ومتوسط هي مصدر مستمر لانبعاث غاز الرادون الذي يستنشقه المواطنون بشكل مستمر. وان المناطق الملوثة بأكاسيد ونويدات انحلال اليورانيوم المنضّب بتراكيز عالية تعتبر مصادر تلوث مستمرة لأنها تصبح عالقة في الجو مع كل عاصفة رملية في المنطقة، مما يعرض السكان والبيئة الاحيائية لجرعات اشعاعية اضافية ترفع من مستويات معاملات الخطورة، للاصابة بالأمراض الناجمة عن مثل هذا النوع من التلوث.
واذا كان ما أطلقه حريق «غرينفيل تاور» من سموم، قد سبب أعراضا مرضية للسكان وهو مبنى واحد، فماذا عن قصف المدن (الفلوجة والموصل مثلا) و حرق قوات الاحتلال لمخلفاتها في حفر مكشوفة في 52 قاعدة عسكرية (بضمنها كردستان وكربلاء)؟ لم يعر المحتل اية اهمية للسموم التي نثرها الى ان ظهرت نتائجها على قواته. وكان لوفاة ابن جو بايدن، نائب الرئيس الأمريكي السابق، الذي كان ضمن قوات الاحتلال بالعراق، واصيب فيما بعد بسرطان دماغ من النوع النادر، تأثير اعلام، خاصة حين قال جو بايدن في مقابلة تلفزيونية مع «بي بي أس نيوز أوار» الأمريكية، بانه يعتقد «أن السموم الموجودة في الدخان الناتجة عن حرق النفايات في المنشآت العسكرية الأمريكية في العراق، يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في التسبب في سرطان قدامى المحاربين». وان «نسبة الإصابة بالسرطان الأعلى بكثير تأتي من العراق الآن ومن أفغانستان أكثر من الحروب الأخرى».
ومن يزور الموقع الحكومي للمحاربين القدامى الأمريكيين، سيجد معلومات مخيفة عن نوعية النفايات التي يحرقها المقاولون والجيش في حفر مفتوحة. من ضمنها: «المواد الكيميائية والطلاء والنفايات الطبية والبشرية وصناديق المعادن / الألومنيوم والذخائر وغيرها من الذخائر غير المنفجرة ومنتجات البترول ومواد التشحيم والبلاستيك والمطاط والخشب والأغذية الفاسدة. ويضاف الوقود النفاث كمعجل»، ويعتمد مدى انتشار الدخان على مواقع الحرق والرياح السائدة.
في أواخر صيف 2008، تم حرق 147 طنا من النفايات في اليوم، في قاعدة بلد لوحدها. وحسب الموقع الحكومي الأمريكي ان السموم المتصاعدة من الحرق تؤثر على الجلد والعينين والجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية والجهاز الهضمي والأعضاء الداخلية. وفي نوفمبر 2018 نشرت قناة « فوكس نيوز»، نتيجة دراسة علمية، عنوانها «قدامى المحاربين يعانون من وفيات عالية بسبب السرطان نتيجة التعرض لحرق النفايات في الهواء الطلق»، أعدها باحثون في جامعة أوغوستا في جورجيا، خلصت الدراسة الى ازدياد احتمال وتطور سرطانات خطيرة وأمراض أخرى.
مقابل ذلك، ماذا عن ضحايا السموم والتلوث من العراقيين؟ هناك تعتيم حكومي شامل يتغذى على الفساد الأمريكي – العراقي المشترك، ويبقى الأمل الوحيد، حاليا، هو بعض المبادرات الفردية المعنية بتجميع المعلومات ونتائج البحوث واعداد الملفات لمقاضاة المسؤولين، على أمل النجاح، كما في فيتنام، مستقبلا.

كاتبة من العراق

 

 

في الموصل…

جريمة وليست فاجعة

 

هيفاء زنكنة

 

انها المرة الأولى، منذ غزو العراق عام 2003، التي يقوم فيها محتجون بمطاردة رئيس الجمهورية، يخترقون حاجز حمايته وحرسه المسلح الخاص، ويجبرونه على الفرار، وهو على وشك الاختناق من صرخات الغضب، وموجة الأجساد التي انهكها الحزن. أجبروه على نزع ابتسامته، المستهينة بالناس عادة، ليرتسم على وجهه ذعر، صورته أجهزة الموبايل المرتفعة على الرؤوس. سجلت العدسات كيف بات همه الاول في تلك اللحظات، هو الهرب ممن افترض انه جاء ليكذب عليهم. زحف الى السيارة المصفحة التي تحمل أسم «حماية القائد». تجاذبته الايدي، وسُحبت سترته عدة مرات حين اراد الجلوس فيها. أراد المحتجون ان يعرف ان غرق الضحايا، بالموصل، جريمة وليس فاجعة، وانه، يجب ان يحاسب كما كل مسؤول، أيا كان منصبه، فالفساد معروف، والإرهاب معروف، والاستهانة بحياة المواطنين وحقوقهم لم تعد سرا خفيا، وان السمكة فاسدة من رأسها.
المحتجون هم أهل ضحايا العبٌارة التي أودى غرقها، منذ ايام، بحياة 120 شخصا، بينهم 62 امرأة و18 طفلا، كانوا قد ارتدوا ملابس العيد متوجهين الى جزيرة أم الربيعين، للاحتفال بعيد نوروز، ببدء الربيع، وعيد الأم. المحتجون هم من أهل الموصل، المدينة التي لايزال ضحايا «تحريرها قصفا»، تحت الانقاض، بعد مرور ثلاثة أعوام. المدينة التي يتحكم بحياة أهلها اليوم ميليشيات طائفية، ومحافظ فاسد يمتهن السمسرة، مع آخرين، في عقود «اعادة الاعمار» الوهمية، حاميا نفسه بكل الطرق وبضمنها اعتقال الصحافيين المستقلين وحصر موافقات التصوير والتغطية الإعلامية به شخصياً.
هل كانت زيارة الموت مفاجئة وغير معروفة الأسباب؟ من يراجع يوميات الموصل، منذ الاحتلال، وحتى اليوم، سيجد نفسه ازاء جواب مخيف. فالموت بأشكاله غير المبررة، المبتذلة، والوحشية، مقيم في المدينة. يتجول في أزقتها وغاباتها، قد يغادرها لوهلة الا انه سرعان ما يعود اليها متخفيا أو كاشفا عن أوجهه. فللموت، بالموصل أوجه متعددة. كان المحتل الأمريكي أولها حين أولت قوات الاحتلال للمدينة «رعايتها» وذلك لموقعها الخاص وتنوعها الديني والعرقي. ولأنها، مثل مدينة الفلوجة، رفضت الخضوع للمحتل وقاومته، بكل الطرق الممكنة، كما ينص ميثاق الأمم المتحدة بحق الشعوب بمقاومة الاحتلال. فكانت معركة الموصل في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي نجحت المقاومة فيها من استعادة ثلثي المدينة، الى ان تم أرسال 20 ألف جندي من الفرقة 101، المحمولة جواً، بقيادة اللواء ديفيد بترايوس، الذي تمت ترقيته فيما بعد الى منصب القائد العام للقوات الأمريكية، ومن ثم رئيس وكالة المخابرات الأمريكية (السي آي أي) مكافأة له على إنجاح سياسة «مكافحة التمرد» في الموصل أولا ثم بقية العراق. وأرسلت قوات الاحتلال، بالتعاون مع نوري المالكي رئيس الوزراء الذي كان يعرف نفسه بأنه «شيعي قبل ان يكون عراقيا» تعزيزات عسكرية لكبح «التمرد» مرة اخرى عام 2007.

عملت أجهزة الاعلام بحمية ومثابرة على التضليل وتخدير العقول، صاحبها فساد القضاء، لتوفير الحماية لساسة «العملية السياسية»، وارتكاب كل الخروقات والجرائم خارج نطاق القانون، بينما صار مصير أي شخص يحاول ولو اثارة التساؤل حول حقيقة ما يجري، الاتهام بالإرهاب

منذ ذلك الحين، وحتى العام الماضي، وعمليات قوات الاحتلال، سواء كانت أرضا أو جوا (بعد احتلال داعش للموصل في 2014) مستمرة تحت عناوين مختلفة ولمحاربة «أعداء» بأسماء تتغير بتغير المتطلبات. فاذا كان «العدو» في بداية الاحتلال هو البعثي والصدامي وضباط الجيش الصدامي المنحل، فأنه تحول تدريجيا الى الإسلامي الإرهابي، عضو تنظيم القاعدة، أولا ثم الدولة الإسلامية (داعش) ثانيا، ولاتزال ماكنة انتاج «العدو» ناشطة لتسويق عدو جديد.
بالتزامن معها، عملت أجهزة الاعلام بحمية ومثابرة على التضليل وتخدير العقول، صاحبها فساد القضاء، لتوفير الحماية لساسة «العملية السياسية»، وارتكاب كل الخروقات والجرائم خارج نطاق القانون، بينما صار مصير أي شخص يحاول ولو اثارة التساؤل حول حقيقة ما يجري، الاتهام بالإرهاب والعمالة بل والتصفية الجسدية.
وفي ظل الحكومات العراقية، ونتيجة للفساد المستشري، حسب التقرير الأخير لمرصد الحريات الصحافية الدولي، باتت «المؤسسات الحكومية تعتم على المعلومات، مما يعرض الصحافيين الى الخطر والملاحقة والتهديد، ولا سيما الساعين الى استحصال معلومات ووثائق متعلقة بالفساد المتعدد الاوجه، فغالباً ما تلجأ تلك المؤسسات إلى حظر نشر المعلومات ومنع تداولها». فتزايد عدد مكاتب «المتحدثين الرسميين» المختصين بتقديم البيانات حول «أنشطة» المسؤولين الايجابية فقط، بالإضافة الى منابر الاعلام الحزبية، بينما أغلقت الابواب امام الصحافيين.
هذه هي خلفية جريمة غرق العبارة. انها ليست « حادثا» مؤسفا أو كارثة بيئية نترحم فيه على أرواح الضحايا، نقيم مجالس العزاء وقد نقبض بعض التعويضات، ثم ننسى. بينما يواصل السراق النهب من جهة والجلوس في استديوهات القنوات الفضائية، متظاهرين بالنزاهة واتهام الآخرين بالنهب، من جهة أخرى. نحن ازاء عصابة تتقن الكذب على الشعب وتزوير الحقائق. إذ من الضروري تزوير التاريخ واضفاء صفة النبل على ما يرتكبونه.
وهذا هو بالضبط ما أعلنوا أنهم «سيقومون» به، إزاء «فاجعة العَبٌارة». أرسل رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، بعد ان رأى ما لحق برئيس الجمهورية برهم صالح، تغريدة الى رئيس البرلمان طالب فيها بإقالة محافظ نينوى «للاهمال والتقصير الواضحين في أداء الواجب والمسؤولية، ووجود ما يدل من تحقيقات تثبت التسبب بالهدر بالمال العام واستغلال المنصب الوظيفي». ووافق البرلمان على الطلب داعيا الى « تشكيل لجنة تحقيق». يهدف هذا القرار، كما هو واضح، الى القاء اللوم على ثلاثة أشخاص هم المحافظ ونائبيه، بعد ان اكتشف رئيس الوزراء، فجأة، وبقدرة قادر، اهمال وتقصير المحافظ، فأرسل تغريدته للاعلان عن اكتشافه وبيان نبل أخلاقه. غاية القرار الحقيقة هي طمر الفساد الأكبر، المتجذر بعمق المؤسسات الحكومية في كافة ارجاء العراق وليس الموصل لوحدها، بدءا من رأس السمكة حتى ذيلها.
أما الاعلان عن تشكيل لجان التحقيق أو فتح الباب لذوي الضحايا للمطالبة بالتعويضات، فانه مسخرة أخرى واستهانة لا مثيل لها بذكرى الضحايا وذويهم، فكلنا يعلم مصير مئات لجان التحقيق التي تم تشكيلها منذ الغزو وحتى اليوم. أنها لجان فضائية، حسب معجم العملية السياسية، واذا وجدت لغرض دفع مخصصات لأعضائها، فلم يحدث وتم الاعلان عن نتائجها. أما طلب اهل الضحايا بالتعويضات، فكلنا يعرف تكلفة التقدم بأي طلب كان الى أية جهة حكومية والذي من المستحيل انجازه بدون دفع مئات وآلاف الدولارات. إن ما قام به المحتجون، في أعقاب انتشال الضحايا، فعل نابع من فهم لما حدث والظروف التي ادت الى حدوثه، وهو أعمق من المخدر الذي تقدمه الحكومة والبرلمان.

كاتبة من العراق

 

 

هل نحن مسؤولون

عن مجزرة نيوزيلندا؟

 

هيفاء زنكنة

 

قيل وسيقال الكثير حول المجزرة التي ارتكبت اثناء صلاة الجمعة، يوم 15 مارس/ آذار، في مسجدين، في مدينة كرايست تشيرش، في نيوزيلندا. وقد يكون ما لن يقال أكثر. ففي لحظات الفاجعة الانسانية الجماعية، وحتى ما يليها، يصاب العقل بصدمة تعيقه عن رؤية الحدث بجوانبه المتعددة، وغالبا ما تكون الاستجابة العاطفية خليطا من حزن وألم وذعر وغضب واستعادة لذكريات مريرة، في آن واحد. يتبدى هذا بوضوح على المستوى الانساني ـ الفردي وامتداده الجماعي. فتكون ردود الافعال، الآنية والبعيدة في بعض الحالات، نوعا من التشبث الانتمائي بالمجموعة، أيا كانت. خاصة اذا استقطبت الفاجعة الاهتمام سياسيا واعلاميا، وبات مادة خصبة للتداول بين ساكني مواقع التواصل الاجتماعي.
توفرت هذه المواصفات، كلها، في ردود الافعال حول ارتكاب مجزرة الجامعين وما تلاها. فهي المرة الاولى التي يحدث فيها مثل هذا العمل الإرهابي في البلد الذي بدا للعالم، حتى لحظة المجزرة، كأنه يغفو، بسلام، بعيدا عما ينتاب البقية. جاء جرس الاستيقاظ، بشكل شاب ابيض، وصل الى نيوزيلندا من استراليا، مسلحا، سلاحه مجاز قانونيا، وليس لديه أي سجل في دوائر الشرطة او القوات الامنية او الاستخبارات، في كلا البلدين، على الرغم من تنسيق الاجهزة الامنية بينهما. نفذ جريمته بتخطيط دقيق الى حد ترتيب البث الحي، دقيقة بدقيقة، وهو يرتكبها. تكلف نداء التنبيه الى وجود «اليميني المتطرف»، حسب توصيفه محليا وعالميا، دماء ما يزيد على الخمسين ضحية وعشرات الجرحى، من مصلين مسالمين، نساء ورجال وأطفال، كانوا يظنون أنفسهم آمنين في المسجدين، يوم الجمعة.
تبين مراجعة سردية ظهور «الإرهاب»، المفاجئ في نيوزيلندا واستراليا، التي انتشرت بعد ارتكاب المجزرة، وجود ثقوب عميقة، أو فراغات واسعة في الفكر الغربي السائد. لعل أهمها هو تغاضي اجهزة الامن والاستخبارات الغربية، عموما، عن وجود وممارسات اليمين الابيض المتطرف، المركزة على نشر خطاب الكراهية ضد اللاجئين و«الاجانب» من غير البيض. فهي لا تتعرض لهم، مهما فعلوا تقريبا، بينما تتجه ملاحقتها ومراقبتها وتركيزها الأمني المكثف على المسلمين. حيث بات الإرهاب، سمة ملتصقة بالمسلم مهما كانت قوميته أو خلفيته العرقية. انه متهم بشكل أو آخر، حتى لو كان، قد ولد أو ترعرع في بلد اوروبي. انعكس هذا الوضع، تدريجيا، على عامة الناس، الذين يتشكل وعيهم عبر الخطاب الاعلامي والسياسي، لتسود شيطنة المسلمين ويصبح تصنيفهم كإرهابيين مقبولا ومألوفا بلا تمحيص.

للإرهاب منظمات وحكومات تمارسه. وأن تصبح المطالبة بالبحث عن جذوره وإيجاد الحلول هو الهدف، إذا ما أردنا ترسيخ ما يجمع الناس بعيدا عن «نحن» و«هم»

ولدينا أمثلة على توجيه اصبع الاتهام، اعلاميا، الى مسلمين، حال وقوع حادث يستهدف مدنيين في اية مدينة اوروبية، والى ان تظهر الحقيقة تكون صورة المسلم كإرهابي قد رسخت بالاذهان. أدى هذا الامر، ومع ظهور منظمات تستخدم الإسلام لستر جرائمها، والتشويه المنهجي المتعمد والاختراق المخابراتي أو «العمليات السوداء» المنسوبة الى حركات مقاومة الغزو والاحتلال، الى تحشيد قوى الامن لمراقبة المسلمين وملاحقة البعض، وتزايد حملات الضغط والمراقبة ضدهم، مما وفر للأبيض اليميني المتطرف حرية الحركة وعدم الملاحقة. لذلك، من الطبيعي، ألا يوجد سجل لمرتكب المجزرة الاسترالي (مع آخرين لابد قد تعامل معهم في رحلاته الى بلغاريا واسرائيل وتركيا وغيرها في مجرى اختيار موقع جريمته) وهو الذي قضى عامين في شراء السلاح والاعداد الدقيق لجريمته.
ان مجزرة المسجدين ليست حصيلة فعل فردي مختل، أو «تفاحة فاسدة»، كما قيل عن تعذيب المعتقلين من قبل قوات الاحتلال الامريكي، بسجن ابو غريب. انها حصيلة تغذية منهجية، سياسيا واعلاميا لـ «الإسلاموفوبيا»، على مدى عقود، من قبل جهات متعددة تراوح بين المحتل الاستيطاني، والغازي الامبريالي، وتجار السلاح والهيمنة على النفط مرورا بالحكام العرب المستبدين. أنه واقع بتنا نعيشه، تتخلله أصوات مستقلة انتبهت منذ وقت مبكر الى تأثير هذه السياسة، وتداعياتها الوخيمة، ومسؤولية أجهزة الاعلام في تناولها. وهذا ما أكد عليه الاعلامي البريطاني جيمس أوبراين، في حديثه عن المجزرة، قائلا في برنامجه الاذاعي في «أل بي سي»: «إن وسائل الإعلام تتحمل بعض المسؤولية عن إطلاق النار على المسجدين في نيوزيلندا… من خلال نشر مقالات تثير الكراهية ضد المسلمين». كمثال على ذلك، حدد جيمس مقالين، نشر الأول في صحيفة «الصن ـ
The Sun»، وهي الصحيفة الأوسع انتشارا في بريطانيا. إدعى كاتب المقال: «إذا كنا نريد السلام، فنحن بحاجة إلى قدر أقل من الإسلام»، أما المقال الآخر فنشر في مجلة The Spectator، الناطقة تقريبا باسم حزب المحافظين البريطاني، وحث فيه كاتب المقال على الخوف من المسلمين، قائلا: «لا يوجد ما يكفي من الخوف من الإسلام في حزب المحافظين». ويخلص جيمس أوبراين أن «مثل هذه المقالات ساعدت على خلق ثقافة يدخل فيها رجل إلى المسجد حاملا بندقية ويبدأ إطلاق النار».
ولكن، هل هناك تمييز ضد المسلمين، في بلد ديمقرطي، مثل بريطانيا؟ خلص تقرير صدر عن لجنة الحراك الاجتماعي في أيلول/سبتمبر 2017 إلى أن المسلمين يعانون على نطاق واسع من التمييز والعنصرية في مكان العمل، بسبب الخوف من الإسلام، على الرغم من تفوقهم على نظرائهم من غير المسلمين في التعليم. وما يقرب 50٪ من الأسر المسلمة في حالة فقر، مقارنة مع أقل من 20٪ من إجمالي السكان. سرد التقرير العوائق التي تحول دون النجاح، بما في ذلك الصور النمطية السلبية عن المسلمين. كشف التقرير أن النساء اللاتي يرتدين الحجاب يواجهن تمييزا خاصا بمجرد دخولهن مكان العمل. صرحت الأستاذة جاكلين ستيفنسون، من جامعة شيفيلد هالام، التي قادت البحث، أن «المسلمين يتم استبعادهم أو التمييز ضدهم أو خذلانهم في جميع مراحل انتقالهم من التعليم إلى العمل».
جمع رد فعل رئيسة الوزراء النيوزيلندية بين التأثر الكبير والاحساس بالصدمة جراء حدوث فعل «إرهابي»، في بلد كنيوزيلندا، واستنكار ان يكون مرتكب الجريمة «منا»، مخاطبة السكان المسلمين قائلة «انتم نحن». وهذا هو الموقف الانساني والسياسي السليم لمن يؤمن، حقا، بالتنوع البشري وحق العيش بأمان. وهذا هو بالضبط الموقف الذي يجب تبنيه عند إدانة الإرهاب، بأنواعه. وألا تقتصر الادانة على فئة أو مجموعة بشرية دون غيرها، فللإرهاب منظمات وحكومات تمارسه. وان تصبح المطالبة بالبحث عن جذوره وإيجاد الحلول هو الهدف، اذا ما أردنا ترسيخ ما يجمع الناس بعيدا عن «نحن» و«هم».

كاتبة من العراق

 

 

تاثيرات « عام العدس»

على الشعب العراقي!

هيفاء زنكنة

 

لا أظن أن هناك مواطنا، خارج حدود العراق، سيحظى بهدية من حكومته، تماثل ما حظي به المواطن العراقي. ولأن يوم المرأة لايزال طريا في الذاكرة، بعد مرور ثلاثة أيام،، يمكن اعتبار «الهدية»، بعد تغليفها بورق ملون، هدية خاصة للمرأة العراقية، تثمينا لدورها في المحافظة على بنية المجتمع. انها هدية صالحة لكل المناسبات والفصول والأعياد الدينية والتقليدية، ومنها شهر رمضان الكريم، كما أعلنت الأمانة العامة لمجلس الوزراء. الهدية الثمينة التي تناقلت أجهزة الاعلام تفاصيلها هي باقة عدس، عفوا، نصف كيلو عدس. ستقدمه الحكومة العراقية «دعماً للعائلة العراقية في الشهر المبارك»، حسب بيانها الرسمي.
وبما ان منجزات الحكومات، منذ غزو العراق عام 2003 حتى اليوم، تحمل في جوهرها، الاستهانة وازدراء المواطنين من جهة، وابتذال اللامنطق من جهة ثانية، تطورت عند المواطنين، بالمقابل، وكنوع من الدفاع عن سلامة البقية الباقية من العقل، موهبة جديدة، هي روح النكتة والتهكم والسخرية السياسية، والتي لم يكن المجتمع العراقي مشهورا بها، كما الشعب المصري، مثلا. فانتشرت النكات والكتابات السياسية الساخرة بالإضافة الى الكاريكاتير، بسرعة مذهلة، مستهدفة المحتل الأمريكي، بداية، لينضم اليه الإيراني لاحقا. تلاه التهكم اللاذع ضد الساسة الفاسدين وخاصة مستخدمي الدين الإسلامي، من الطائفتين، لستر سرقاتهم وفضائحهم «الدنيوية»، فضلا عن منظمة الدولة الإسلامية «داعش» التي واجهها المواطنون بنكات، اختلط فيها التهكم بالتقزز، من ممارساتها الهمجية. ولم يسلم المواطنون، أنفسهم، من استهداف أنفسهم أو بعضهم البعض، بروح السخرية المعجونة بالألم والحسرة، متجاوزين حدود اللياقة، أحيانا. صار البعض يمنح نفسه صفة المراقب، المستهجن لما يراه، غير المنتمي الى «الحشود». ليتمكن بذلك من تبرئة نفسه من المسؤولية، وامتطاء صهوة القيم الاخلاقية، متسائلا باستغراب اتهامي: كيف يسكتون على الضيم الذي يزداد وقعا عليهم كل يوم؟
وإذا كانت السخرية، السياسية خاصة، تهدف الى فضح الزيف والنفاق والفساد، فأنها، على الاغلب، لا تطرح حلولا، على الرغم من تعدد أشكالها ومستوياتها، مما يدفع الى التساؤل عن جدوى ممارستها؟
تشير متابعة انتشار روح التهكم والسخرية السياسية، في العراق اليوم، إلى ازدياد متابعيها، نتيجة تطورها بأشكال جديدة، مثل تصوير الفيديوهات القصيرة جدا، وتناقلها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. مما جعل ملكيتها عامة للجميع. لم تعد تقتصر، كما في الماضي، على «النخبة».
حيث باتت، بالإضافة الى كونها سلاحا لفضح تداعيات مواقف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، مثيرة للجدل، أو فساد مالي أو أخلاقي أو خيانة للوطن، أداة فاعلة يواجه بها أبناء الشعب التدهور السريع، غير المعقول، للقيم التي تربوا عليها، ومفارقات الواقع المرير، بتناقضاته وتشوهاته.

بما أن منجزات الحكومات، منذ غزو العراق عام 2003 حتى اليوم، تحمل في جوهرها، الاستهانة وازدراء المواطنين من جهة، وابتذال اللامنطق من جهة ثانية، تطورت عند المواطنين، بالمقابل، وكنوع من الدفاع عن سلامة البقية الباقية من العقل، موهبة جديدة، هي روح النكتة.

واقع ان يكون المرء ابن ثاني أكبر بلد منتج للنفط، بالمنطقة، بلغت ميزانيته للعام الحالي 88 مليار دولار، بينما يعيش ربع السكان و50 بالمئة من أطفال المحافظات الجنوبية تحت خط الفقر. بلد «لايزال 1.8 مليون من مواطنيه، يسكنون الخيام، بعد مرور أكثر من سنة على انتهاء العمليات القتالية» حسب منظمة الصليب الاحمر الدولي، في الشهر الماضي. وهي العمليات التي طالما استخدمت لتبرير الفساد الذي بلغ حدا بات فيه المسؤولون، أنفسهم، يحذرون من نتائجه وهم يتراشقون التهم. آخر المسؤولين «النزهاء» هو ملا بختيار، مسؤول الهيئةِ العاملة في المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني، الذي صرح، يوم 21 شباط، ان «حجمَ الفساد، وصلَ الى أكثر من 800 مليار دولار، منذ الاحتلال، وان عددَ المدارس المبنيةِ من طين فيهِ يبلُغ 60 الفَ مدرسة». بينما يتمتع الساسة وحواريهم بالغنى الفاحش. الغنى الذي بلغ حد أن يوزع احدهم على المدعوين لعرس ابنته، ليرات ذهبية بدلا من «الحامض حلو».
هذا الواقع المنسوج بالظلم، والتمييز الطبقي والعنصري العرقي والديني والطائفي، وتمكن المتورطين بقضايا الفساد الفاحش من الهرب إلى خارج البلاد أو بقائهم مطلقي السراح بموجب «قانون العفو العام»، مهد الأرضية لنمو روح السخرية والتهكم لابلاغ رسالة محددة مهما كان تأثيرها صغيرا. وتشكل ردة الفعل الساخرة على اضافة نصف كيلو العدس، الى الحصة التموينية، للتوزيع خلال شهر رمضان، وبعد ان نقصت مفرداتها تدريجيا، بعد الاحتلال، مثالا يثير الضحك، كاشفا، في الوقت نفسه، زيف الادعاءات الرسمية وعدم تطابقها مع الواقع.
بدأت حملة السخرية بنش بعض الناشطين وسم «عدس الحكومة يجمعنا». ليليه «حملة التبرع بالعدس للحكومة». كلاهما تصدرا قائمة انتشار التغريدات في العراق. وأدت منحة العدس الى النظر، من جديد، في كيفية تطبيق بعض القوانين الحكومية على المواطنين، فكتب أحدهم: «كل مواطن له الحق في استلام مادة العدس مالم يكون مشمولا بإجراءات المساءلة والعدالة». وتم إيضاح الشروط أكثر، بتعليق آخر: «من شروط استلام العدس في شهر رمضان المقبل، ان يكون المستلم من أبوين عراقيين بالولادة، وأن لا يكون قد استلم عدس في زمن النظام السابق».
لم يفًوت عدد من فناني الكاريكاتير العراقيين المشهورين، فرصة معالجة ثيمة العدس، فرسم الفنان أحمد المندلاوي عائلة مكونة من أربعة أفراد: أب وأم وصبي وفتاة، واقفون، كأنهم ينظرون الى المجهول، وهم ينشدون نشيدا حماسيا، يرتبط لحنه الشائع بالذاكرة الجماعية العربية، بعد استبدال كلماته المعروفة بمفردة العدس، ليصبح «العدس الساطع آت وانا بطني جوعان… العدس الساطع آت بحلول شهر رمضان». ونشرت صورة تمثل عادل مهدي، رئيس الوزراء، وهو جالس على الارض، مرتديا الدشداشة، متسائلا «والله دايخ بالعدس نطي ربع كيلو لو ميت (مئة) غرام… حيرة!»
وبينما اقترح أحد المؤرخين تسمية العام الحالي «عام العدس» موضحا « في أزمنة شيوع الأمية، كان الناس يؤرخون بالوقائع.. فيقولون «سنة الجراد». واليوم لشيوع الأمية بنسبة مرعبة اقترح ان يؤرخ للعام الذي نحن فيه بعام العدس». إرتأت الكاتبة بثينة الناصري ان يمتد الاقتراح ليشمل « ومن يولد له مولود ذكر في هذا العام سوف يسميه : عدس (إذا كان سنيا) وعداس (إذا كان شيعيا) و(عوديسو) إذا كان كلدانيا، وإذا كانت انثى فسوف تشيع اسماء : عدسة /عديسة/عدوس». كما صار البعض يتبادل التحيات التقليدية مطعمة بالعدس على غرار يا صباح أو يا مساء العدس.
أما على مستوى التضامن الدولي، فقد أخبرنا أحد النشطاء بأن شركة أديداس، المشهورة، متعددة الجنسيات، قررت أن تحذف حرفين (يد) من علامتها التجارية ليصبح أسمها «أداس» تضامنا مع شعب العراق. مما يستدعي، حتما، إطلاق هوسة عشائرية شعبية، يتم أداؤها ترحيبا اذا ما زار أحد مدراء الشركة البلد،: «ها…أخوتي… ها، أفرح يا شعبنا، البرلمان أنطاك أداس». يقودنا استعراض هذه النماذج الساخرة الى تساؤل يستحق التوقف عنده حول تأثيرها: هل هي مجرد تنفيس آني عن الغضب أم إنها نوع من المقاومة السلمية؟

كاتبة من العراق

 

 

عن يوم المرأة وجيل

عراقي بلا عُقد حزبية

 

هيفاء زنكنة

 

كما جرت العادة، ستقام بمناسبة يوم المرأة العالمي، احتفالات رسمية في معظم البلدان العربية. حيث سيقوم أولياء الامر من الحكام والساسة ورؤساء الأحزاب وأصحاب منظمات المجتمع المدني، بتلاوة المديح النسائي والتسبيح عليها وطليها بالثناء، وكيف انها تشكل نصف المجتمع ولولاها لما قامت للمجتمع قائمة… وأنها…. الى آخر الأسطوانة المشروخة، وهم ذات الحكام والساسة الذين يمارسون كل أساليب القمع والاضطهاد والتمييز ضدها، أما بشكل مباشر أو غير مباشر. فخطاب الوقوف بجانب المرأة والدفاع عنها كليشيه، تزويقية، ضرورية للأنظمة العربية للظهور بمظهر حضاري ومتمدن ونفي سمات التخلف والرجعية.
ولا يقتصر استغلال « قضايا» المرأة على الأنظمة، بل استنسختها، في ظل « الديمقراطية» منظمات المجتمع المدني، المتلقية للدعم بحجة «تمكين» المرأة والدفاع عن حقوقها. وكما جرت العادة، ما ان تشارف ساعات « يوم المرأة» على الانتهاء حتى يكرر المسؤول والسياسي وعوده بتحسين الأوضاع وإصدار القرارات بين يديه ويرميها بأقرب سلة مهملات. أما منظمات المجتمع المدني فإنها ستواصل خطاب التمكين الى أن ينتهي الدعم المالي المكرس للتسويق والذي وفر لأصحابها ما لم يكونوا يحلمون به لولا المتاجرة بقضايا المرأة.
هذا، بطبيعة الحال، لا ينطبق على كل منظمات المجتمع المدني، اذ يخوض عدد منها صراعا قد يستهلكها، أحيانا، من اجل الحفاظ على استقلاليتها المادية والعملية. كما تبرز، بين الآونة والأخرى، مجموعات مكونة من ناشطين، يجمعهم هدف الحراك من أجل الكل، بلا استثناء، وبلا تمييز بين المرأة والرجل، مما يعيدنا الى حقب حركات التحرر الوطني، التي شارك في خوضها ودفع ثمن التحرر من الاستعمار وهيمنته واستغلاله للشعوب، كل أبناء الشعب من الرجال والنساء معا. مثل هذه النشاطات، بآليتها وسيرورتها، المستقلة، تساعد على التشبث بالأمل، وابعاد شبح الأسى والإحباط العام، بعيدا عن « الأيام» المُختطفة من قبل الأنظمة والساسة.
من بين النشاطات التي نثرت حماسا، غير معهود، في الأسابيع الأخيرة، في الاوساط العربية، والعراقية خاصة، بلندن، وهي المنشغلة عادة بمراكمة المآسي، قيام مجموعة من الناشطين، بنشاط نوعي جديد، استحوذ على تغطية إعلامية متميزة، نسبيا، من قبل أجهزة الاعلام الغربية.
تضمن النشاط أوجها عدة. اعتصامات وأفلام وملصقات ومعرض وورشة فنية. فخلال شهر كامل، سبق افتتاح المتحف البريطاني معرضا بعنوان «أنا آشور بانيبال ملك العالم ملك آشور» عن الامبراطورية الآشورية، ومركزها نينوى عملت المجموعة (لا يزيد عدد أفراد نواتها على أصابع اليد الواحدة) على الاعتصام المتكرر داخل وخارج المتحف، بحضور مئات المشاركين، وتصوير كل ما يحدث ومن ثم نشر الأفلام والتصريحات والمقابلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي باستهداف مكثف. احتج الناشطون على تمويل شركة النفط البريطانية «بريتيش بتروليوم» للمعرض. وهي الشركة التي تركت آثار استغلالها البشع على كل البلدان التي عملت فيها، ومنها العراق «ووفقاً لوثائق الحكومة البريطانية الصادرة في عام 2011، كانت شركة بريتش بتروليوم مستقتلة للدخول إلى العراق قبل غزو عام 2003، حيث «مجال النفط الكبير». مما يجعل الشركة، متواطئة في حرب أسفرت عن مقتل مئات الآلاف من العراقيين وتشريد الملايين، حسب تصريح الناشطين.

خطاب الوقوف بجانب المرأة والدفاع عنها «كليشيه» تزويقية، ضرورية للأنظمة العربية للظهور بمظهر حضاري ومتمدن ونفي سمات التخلف والرجعية.

عند مراجعة تفاصيل نجاح المجموعة، والتغطية الإعلامية التي حظيت بها، من قبل صحف معروفة مثل « الغارديان» و«الاندبندنت»، وعدد من المواقع الفنية، نتوقف لنتساءل: ما الذي جعلها تحقق ما لم تتمكن نشاطات أخرى للجالية العراقية وغيرها من تحقيقه؟
هناك أسباب عديدة.
أولا: قامت المجموعة بعدة نشاطات متنوعة لتستقطب بذلك جمهورا متعدد الاهتمامات. ثانيا: تمت الاعتصامات داخل وخارج حيز غير سياسي، بل معروف، عالميا، باحتضانه للحضارات من جميع ارجاء العالم، بحيث ان « استعمارية» المكان، من ناحية الاستيلاء على كنوز وآثار البلدان المستَعمرة، مختلف عليها حتى بين الكثير من المثقفين الذين تعيش بلدانهم حروبا ونزاعات «أهلية». إذ يرون في المُستعمِر من يحافظ على الآثار في مكان واحد بينما يقوم أبناء البلدان، أنفسهم، بتهريب آثارهم لتباع في الأسواق العالمية وتُركن، الى الابد، في خزانات لا يمكن حتى القاء النظر عليها. ولم تستهدف الاعتصامات «حضارية» المكان بل تمويل المعرض لتضيء جانبا يحمل أقسى التناقضات.
ثالثا: لم يقتصر النشاط، بأوجهه المتعددة، الاحتجاجية والفنية، على تأثير سياسة الشركة على العراق، لوحده، بل فضح سياستها في بلدان مختلفة من العالم. هذه المعالجة أنقذت المجموعة من السقوط في «غيتو» الصراع بين الضحايا وتنظيم نشاطات تفتقد الى التواصل التضامني. وهو مطب كبير، بات سائدا في العقدين الأخيرين، حيث يتم جلب الانتباه الى مأساة بلد ما أو مجموعة بشرية أو أقلية أو جندر، دون ربطها بما يجري للآخرين في البلد نفسه أو في بقية ارجاء العالم، فتكون النتيجة تفتيت القضايا الإنسانية واستهلاك جهد الناشطين.
رابعا: رأينا في النشاط المتنوع عودة الى التضامن، بمفهومه الحقيقي، بين مجموعة من الناشطين الذين ينتمون الى بلدان مختلفة ويجمعهم الوعي بعولمة الاستغلال من قبل شركات احتكارية عابرة للأوطان، يهيمن عدد منها على الثروات الوطنية، بينما تقوم أخرى ببيع السلاح.
وتراعي كلها تبييض الوجوه بـ«المساعدة الإنسانية» وتوفير الدعم لنشاطات ثقافية وحضارية. ازدواجية هذه الأدوار، تطرق اليها منظمو الاعتصامات والمعرض بشعارات ذكية واعمال فنية رائعة، ساعدت الجمهور على النظر أبعد من الاعراض السطحية.
خامسا: ينتمي أفراد المجموعة التي قامت بالتنظيم، كونهم شبابا، الى جيل عراقي لا يحمل حقائب العُقد السياسية، وموروث صراعات الماضي، وانعكاساته على نشاطات المنتمين الى الأحزاب السياسية التقليدية. ما يحملونه هو حب العراق والاعتزاز بحضارته وعدالة قضيته، وهذا هو الأهم. وهم يماثلون، بذلك، الجيل الفلسطيني الذي وُلد وعاش، بعيدا عن الوطن، ولم يزر افراده فلسطين الا ان فلسطين، بالنسبة اليه، قضية عادلة، تمس جوهر الوجود الإنساني، ولا يمكن التخلي عنها الا إذا تجرد الفرد من انسانيته.

كاتبة من العراق

 

 

الإعدامات ودورات

الانتقام في العراق

هيفاء زنكنة

 

يتم بين الحين والآخر إطلاق نداءات استغاثة من داخل أحد السجون العراقية لجذب الانتباه الى ما يعانيه السجناء من أوضاع مزرية لا تليق «حتى بالحيوانات» حسب تعبير أحد السجناء الذي تمكن، أخيرا، من ابلاغ رسالته الى مصدر موثوق به، منبها الى نقل اعداد من الاحداث المعتقلين بتهمة الإرهاب، من مدينة الموصل، الى سجن الناصرية سيئ الصيت، لكثرة تنفيذ احكام الإعدام. طالب صاحب الرسالة «ذوي الضمائر الحية» والمجتمع الدولي بالتدخل لإنقاذ حياة الفتيان. يحيلنا هذا النداء وتهمة «الإرهاب» التي وسمت الفتيان، وعلى الاغلب اعترافاتهم، الى تصديق ناقل النداء حسب المعطيات المتوفرة حتى اليوم حول واقع المحاكمات الجائرة التي تتم في العراق، في ظل نظام قضائي يتسم بالعيوب العميقة، حسب تقرير لمنظمة «هيومان رايتس ووتش»، الحقوقية، حيث «يُحرم المتهمون، ولاسيما المشتبه في علاقتهم «بالإرهاب»، من حقهم في الحصول على الوقت الكافي والتسهيلات الكافية لإعداد الدفاع، وفي عدم تجريم النفس أو الاعتراف بالذنب، واستجواب شهود الادعاء. وتستمر المحاكم في قبول «الاعترافات» التي تُنتزع تحت وطأة التعذيب كأدلة. وحُكم بالإعدام على العديد من المتهمين الذين أُدينوا إثر محاكمات جائرة».
ولا تكتفي السلطات العراقية بإصدار وتنفيذ أحكام الإعدام بحق المعتقلين بتهمة «الإرهاب»، خاصة، بعد ان شرعنت المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) كل أنواع الانتهاكات بحجة محاربة الإرهاب، بل غالبا ما تشمل الاعتقالات المحامين الذين يدافعون عن المتهمين واتهامهم بأنهم أعضاء في التنظيم. ومع حرمان المعتقلين من التواصل مع ذويهم أو العالم الخارجي، عموما، صار من السهل على السلطات العراقية، تنفيذ الإعدامات دون نشر أي أرقام رسمية حول هوية المعتقلين أو جرائمهم أو مشاركة هذه المعلومات مع الجهات الفاعلة الدولية، مكتفية، أحيانا، بإصدار تصريح مقتضب ينص على «تنفيذ حكم الإعدام بعدد من الإرهابيين»، في حال تعرضها لضغط دولي يطالبها باحترام حقوق الانسان، مستهينة بذلك بواحد من أهم حقوق الانسان على الاطلاق وهو حق الحياة الذي تواصل انتهاكه، يوميا، بإعداماتها التي جعلتها تحتل المرتبة الرابعة في اعلى معدلات الإعدام في العالم، بعد إيران، والصين، والسعودية.
يشير فوز العراق بهذه المرتبة «العربية»، الى وجود هوس مرضي يدعى عقوبة الإعدام، ينتشر كما الطفيليات والاعشاب الضارة، بين حكام وساسة البلدان العربية، ولا يوجد في الأفق ما يدل على التخلص منه، إذا ما استمرت حالة الاستبداد السلطوي، واعتبار الشعوب أعداء غير جديرين بالحياة، على وضعها الحالي، ومع ازدياد تنفيذ أحكام الإعدام بأعداد متزايدة من الرجال ولا يستثني النساء، ويمتد، بلا استثناء أيضا، من مصر الى العراق الى المملكة العربية السعودية مرورا بسوريا، ليمنح خارطة الدول العربية لونا قانيا يُزيد من محنة شعوبها وتصاعد الإحساس بالظلم.

أمر رئيس الوزراء حيدر العبادي بتنفيذ أحكام الإعدام بشكل فوري في السجون بعد ثلاث ساعات فقط من تفجير الكرادة… وتم اعدام 65 محكوما، كانوا موجودين في السجن عندما تم التفجير الإرهابي

الاعدامات، اذن مستمرة وإصدار الاحكام بالإعدام يتزايد، في البلدان العربية وما يجاورها، بسرعة مخيفة تدفع العديد من الناشطين الحقوقيين والقانونيين، الى استخدام مفردات ادانة لم تكن واردة، في قاموسهم اللغوي سابقا، تجاه الحكومات التي حولت العقوبة من حكم نادر الإصدار الى فعل عادي قد يتعرض له أيا كان ولأي سبب كان. اذ يوفر القضاء العراقي، مثلا، للمسؤولين فرصة، لا مثيل لها، لانتقاء التهمة التي يراد منها إنزال عقوبة الإعدام، حيث يسمح بعقوبة الإعدام في نحو 50 ‏جريمة.
فبات من المتعارف عليه في تصريحات ناطقين باسم مجلس حقوق الانسان، بالأمم المتحدة، مثلا، استخدام مفردات على غرار «الإقدام على ‏إعدام الناس بالجملة هو امر بغيض وقذر، وكأنه مسلخ لصناعة اللحوم في مجزرة ‏للحيوانات»، لوصف سلسلة الاعدامات بالعراق و«مسلخ بشري» لوصف التصفيات الجماعية في السجون السورية.
إن اختيار 140 بلدا، من أصل 192 بلدا، عضوا في الأمم المتحدة، التخلي عن عقوبة الإعدام، ليس عبثا، بل ناتج عن دراية واقتناع بأن عقوبة الإعدام هي العقوبة النهائية القاسية واللاإنسانية والمهينة ـ في جميع الحالات بلا استثناء، باعتبارها تشكل انتهاكاً للحق في الحياة نفسه، وان تاريخ البشرية والبحوث ذات العلاقة، أثبتت بما لا يقبل الشك، بان الإعدام ليس رادعا لارتكاب الجرائم بل، غالبا، ما يؤدي الى ولادة جيل يحمل في داخله بذور الانتقام، في حال، اعدام الأبرياء. وهذا ليس مستبعدا إذا ما تم تنفيذ حكم الإعدام، بسبب خلفيات إيديولوجية أو سياسية أكثر من كونه حكمًا للردع. وهو ما نراه بوضوح في العراق. فالقضاء مُسير سياسيا، ينتهشه الفساد، وخاضع كالعبد لمزايدات هستيريا شعبوية الخطاب السياسي مما يساعد على استخدام أحكام الإعدام للترويع والترهيب وكوسيلةٌ لتصفيةٍ وتطهيرٍ عرقيّ تحت مظلة القانون. ففي تموز/ يوليو، مثلا، وفي اعقاب تفجير الكرادة، ببغداد، مثلا، أمر رئيس الوزراء حيدر العبادي بتنفيذ أحكام الإعدام بشكل فوري في السجون بعد ثلاث ساعات فقط من تفجير الكرادة، وتم اعدام 65 محكوما، كانوا موجودين في السجن عندما تم التفجير الإرهابي.
وبينما يواصل القضاء غير النزيه تنفيذ احكام الإعدام، تقوم السلطات بتغطية الانتهاكات التي ترتكبها أو تتعامى عن ارتكابها، من التعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري، ضد المواطنين، بالإعلان عن تشكيل لجان تحقيق. ولم يحدث ونشرت أيا من تلك اللجان، التي يتجاوز عددها المئات، النتائج التي توصلت إليها. وبدلا من ان تقوم السلطة ولجانها بالبحث عن الحقيقة والعثور على الجناة ومحاسبتهم قضائيا، يسارع المسؤولون، تخديرا لمشاعر الغضب الشعبي وتغطية لفشلهم، بتنفيذ احكام اعدام جماعية بمعتقلين، بعضهم موجود في السجن منذ سنوات، بعد أيام من كل تفجير إرهابي.
إذا كان هناك من درس علمنا إياه تاريخ العراق، خاصة، فهو ان تنفيذ أحكام الإعدام لن تحل مشاكل العراق ولن تضع حدا للإرهاب، مهما كان نوعه، بل انه أحد عوائق استعادة اللحمة الاجتماعية والمصالحة، بعد سنوات من تأجج المشاعر وبذر روح الانتقام المستغل سياسيا. أحد الأسئلة التي تستوقفنا عند البحث في عقوبة الإعدام وتعذيب المعتقلين، هو: كيف سيساعد اختطاف فتيان ونقلهم الى سجون، بعيدا، عن ذويهم، تحت طائلة قضاء غير نزيه، معروف بأحكامه الجائرة، الى المصالحة؟
يقول بيتر ماورير، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر (شباط/فبراير 2019) على وجوب اتباع الإجراءات القضائية وتوفير ظروف احتجاز لائقة تطبق بشكل منصف على جميع المحتجزين بصرف النظر عن الاتهامات الموجهة إليهم أو بلدانهم الأصلية. وإذا كانت السلطات جادة في مكافحة الإرهاب، فيتوجب عليها « الكشف عن مصير العدد الهائل من الأشخاص الذين لا يزالون في عداد المفقودين» الذين تصل أعدادهم مئات الآلاف.
«لقد التقيت في الموصل بعائلاتٍ تبحث عن أحبائهم المفقودين. أخبروني بما يعتصر قلوبهم من آلام يومية بسبب عدم معرفة مصير ذويهم. ولا بد للمجتمع ـ والسلطات العراقية ـ التصدي بشكلٍ مباشر لهذه المشكلات التي تؤجج العواطف».

كاتبة من العراق

 

 

من شباط إلى شباط…

أحزاب عراقية تحتضر!

 

هيفاء زنكنة

 

إذا كان شهر آذار/ مارس المقبل، هو شهر استحضار ذكرى الغزو الانكلو أمريكي والعدوان الاجرامي على العراق، فان لشهر شباط / فبراير، حيزا خاصا في الذاكرة الجماعية العراقية، لا ينافسه فيها غير شهر تموز/ يوليو. فشهر تموز يرتبط بتاريخنا السحيق بالإله تموز (الراعي)، الذي عاقبته عشتار آلهة الحب والحرب، عندما اكتشفت خيانته، بإنزاله الى العالم السفلي/ عالم الأموات ثم ندمت فأنقذته لتعيده الى الحياة ستة أشهر سنويا. والأول من تموز هو عيد ميلاد كل العراقيين، الذين لا يعرفون تاريخ ميلادهم. والرابع عشر من تموز، عام 1958، هو ميلاد الثورة (يسميها البعض انقلابا) ضد النظام الملكي، التي صاحبها قتل وسحل رموز العهد الملكي، بطريقة بشعة، غطت على جوانبها المشرقة.
والسابع عشر من تموز/يوليو، عام 1968، هو الانقلاب (يسميه البعض ثورة بيضاء) الذي جاء بحزب البعث العربي الاشتراكي الى السلطة بصحبة اعتقالات وتصفيات، وفي الثلاثين من تموز، بذات السنة، جرى انقلاب أخرى (يسميه البعض تصحيحا) صاحبته اعتقالات وتصفيات لقادة الانقلاب / الثورة الذي تم قبله بأسبوعين.
قد يتبادر الى الاذهان ان سلسلة هذه الاحداث (الدامية أو المشرقة حسب الانتماء الأيديولوجي لمن عايشها او منظور من يكتب عنها)، تُمكن شهر تموز من احتلال قمة الشهور التراجيدية في التاريخ العراقي المعاصر، وبلا منافس، الا ان أحداث شهر شباط الدامية، منذ عام 1949 وحتى اليوم، تثبت أنه ينافس شهر تموز، في مآسيه. كما تثبت أنه لايزال هناك متسع، في الذاكرة الجماعية العراقية، لتراجيديا الأسى والحزن والاحساس بالظلم الناثر للانتقام، على الرغم من اكتظاظها بعقدة الذنب وجلد الذات، للمساهمة أو السكوت (لا فرق) على مقتل الامام الحسين، منذ 1400 عاما. ومنذ ذلك اليوم، واجيال العراقيين تدفع «فوائد» دَيونِ لم يقترضوها.
في شهر شباط/فبراير، من كل عام تزورنا، الذكرى بعد الأخرى، وهي مخضبة بالموت. ففي 14 شباط، 1949، أعدم النظام الملكي تحت الوصاية البريطانية، مؤسس وقائد الحزب الشيوعي يوسف سلمان يوسف (فهد)، ورفيقيه زكي محمد بسيم وحسين محمد الشبيبي. وتم تعليق جثثهم في بغداد. وكان قد شنق قبلهم في الشوارع صلاح الدين الصباغ ورفاقه زعماء حركة مايو 1941 من قادة الجيش العراقي المتمرد على بريطانيا والوصي عبد الاله، وهم اول شهداء الحركة القومية العربية في العراق.
ووصل حزب البعث الى الحكم في 8 شباط/فبراير من سنة 1963، بشكل لا يقل عنفا. اذ استهل بإعدام رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم، بعد محاكمة صورية عاجلة في دار الإذاعة ببغداد، مع اثنين من مرافقيه، وعرض جثثهم، بطريقة مهينة، على شاشة التلفاز، في نفس اليوم. تلت ذلك حملة اعتقالات وتعذيب وتصفيات، طالت أعضاء ومؤيدي الحزب الشيوعي خاصة. وإذا كان الحزب الشيوعي يستعيد ذكرى « يوما لا يقارن ما ارتكب فيه من جرائم الا بما اقترفه الفاشيون والنازيون، وقد يكون فاقهم فيها… ويصعب تصور حجم الدماء الشيوعية الغالية التي سفحها الانقلابيون الفاشيون، وكم الارواح العزيزة التي ازهقوها»، ببيانات وتصريحات نارية، لا يذكر فيها تحالفه ومشاركته الحكم مع أولئك « الانقلابيين الفاشيين» بعدها ببضع سنوات وتصفية جميع القوى الأخرى هذه المرة.

قسمت الصراعات الدموية الضحايا الى « شهداء» يحملون ختما خاصا بأحد الأحزاب دون غيره. بات الشهيد ملكا خاصا خاضعا للتغييب أو المزايدات السياسية والاستغلال المادي. وبدت الصورة بأوضح صورها في فترة ما بعد الغزو. فصار «الشهيد»، في الأحزاب الطائفية، ورقة مقايضة للحصول على المناصب والعقود والابتزاز

يستعيد حزب البعث ذكراه، هو الآخر، ولكن كيوم ثورة “قوضت الحكم الديكتاتوري القاسمي بعد ان انحرف بثورة 14تموز 1958، عن مسارها الوطني والقومي». نُشرت تأكيدا لهذه النقطة، على مواقع التواصل الاجتماعي، صورا ‏ وُصفت بأنها « نادرة جدا لشهداء ثورة الشواف قبل وبعد إعدامهم. الثورة التي انتفض فيها اهل الموصل ضد الطاغية الدكتاتور عبد الكريم قاسم ودموية الحزب الشيوعي الذي قتل عشرات الآلاف من اهالي الموصل وكركوك ومناطق أخرى من العراق».
وذكر بيان أصدره حزب البعث، الأسبوع الماضي، بأن “الحزب قدم من اجل الثورة كوكبة من الشهداء الابطال»، كما تطرق الى ما اسماه «ردة 18-11- 1963 واصفا إياها بأنها» اقترنت بشن حملات قمعية ضد مناضلي حزب البعث العربي الاشتراكي الابطال من اجل اجتثاثه والقضاء عليه واعتقل آلاف البعثيين وتعرضوا للتعذيب والاعدامات والحرمان الوظيفي».
قسمت الصراعات الدموية الضحايا الى « شهداء» يحملون ختما خاصا بأحد الأحزاب دون غيره. بات الشهيد ملكا خاصا خاضعا للتغييب أو المزايدات السياسية والاستغلال المادي. وبدت الصورة بأوضح صورها في فترة ما بعد الغزو. فصار «الشهيد»، في الأحزاب الطائفية، ورقة مقايضة للحصول على المناصب والعقود والابتزاز.
ولم يقتصر شهر شباط على صراعات وتقاتل الأحزاب الرئيسية فحسب بل تعداها الى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أصدر الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، يوم 13 شباط/فبراير، عام 1991، أمره بقصف ملجأ العامرية المدني، ببغداد، بقنابل (ذكية) حرقت 800 طفل وامرأة اتخذوا من الملجأ ملاذا، من القصف اليومي المستمر، على بغداد، خلال التسعينيات. فأصبحت اجساد الضحايا المتفحمة شهادة حية على جريمة لم يحاسب عليها أحد. جريمة ستبقى «عارا على الإدارات الأمريكية المتعاقبة طالما انها لم تعتذر لذوي الضحايا، وطالما انّها لم تتخذ الاجراءات القانونيّة لمحاسبة المخطّطين والمنفذين لجريمة الحرب هذه»، حسب مركز جنيف الدولي للعدالة.
ان مسؤولية الحرب العدوانية ضد العراق، وهي الجريمة الدولية العليا كما عَرفٌتها المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تقع على عاتق الولايات المتحدة الأمريكية وشريكتها الأولى بريطانيا. وإذا كان الاحتلال قد قرر محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، كما صرح بنيامين ب. فيرينكز، أستاذ القانون، وأحد المدعين العامين للولايات المتحدة في المحاكمات العسكرية للمسؤولين الألمان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، في مقابلة أُجريت في 25 آب/أغسطس 2006 فانه « كان يجب محاكمة جورج دبليو بوش، أيضاً، لأن حرب العراق كانت قد بدأت من قبل الولايات المتحدة بدون إذن من مجلس الأمن الدولي». وعن إمكانية تحقيق العدالة قانونيا، قال: «يمكن أن تكون هناك دعوى مقنعة بأن الولايات المتحدة مذنبة بارتكاب الجريمة العليا ضد الإنسانية، لكونها حربا عدوانية غير شرعية ضد دولة ذات سيادة».
هذه الجريمة الدولية الأعلى، التي يصر البعض على اعتبارها «تغييرا»، شرذمت الأحزاب العراقية، المؤسسة قبل وبعد الاحتلال، وجردتها من آخر رابط يمنحها شرعية الوجود، وهو الوطنية وتمثيل العراقيين بشكل حقيقي. ليصبح شهر شباط، بتصريحاته الجوفاء وانتقائيته الشعبوية في النظر الى احداث تاريخية تتطلب تشخيص الحقيقة، نموذجا لاحتضار حزبي دام أمده. وستبقى مسؤولية اجبار الدول المعتدية على الاعتذار وتحمل مسؤولية الاضرار التي الحقتها بالبلد بشريا وعمرانيا، مؤجلة بانتظار استعادة الدولة وحكومة وطنية لا تحمل تابوت شهر شباط الثقيل على كتفيها.

كاتبة من العراق

 

 

«سيلفي» مثقفين

عراقيين مع رئيس الجمهورية

هيفاء زنكنة

 

كيف يمكن ألا نفتخر ونتباهى برئيس جمهورية يزور معرضا للكتاب ببغداد صحبة «السيدة الأولى» وهو يقف بين كُتاب وناشري وموزعي اهم أداة لنشر الثقافة والمعرفة، في بلد متعطش للنشر والكتابة والقراءة، بعد تحقيق «الانتصار» على الإرهاب؟ لماذا لا ننضم الى جموع المصفقين والمرحبين وملتقطي الصور و«السيلفي»، مع رئيس جمهورية أنيق، بوجه حليق، ولباس غربي (خلافا لمرتدي العمامة والدشداشة والشروال)، يتحدث اللغة العربية بطلاقة (وهو الكردي)، ويحضر صحبة زوجته (بينما يخفي بقية الساسة زوجاتهم أما في البيت أو خارج العراق)؟ كيف لا نؤيده، وهو يخاطب الوسط الثقافي العراقي والعربي والعالمي، بكلمات نبيلة هي جوهر ما يصبو اليه أي مثقف كان، خاصة، في بلداننا، مؤكدا: «ان حريةُ التفكيرِ والتعبير عن الرأي مكفولةُ دستورياً في العراقِ الديمقراطي تعززها حريةُ حركةِ الكتاب وتجاوزُ أيِّ رقابةٍ على الفكرِ»؟
كيف لا نهز رؤوسنا اعجابا بجرأته، وهو يقف مستنكرا بأسف شديد جريمة اغتيال الكاتب علاء مشذوب، في الأسبوع الماضي، الجريمة التي رأى انها تفرض عليه والمسؤولين والمجتمع « العملَ بجهد استثنائي لكشف الجناة والقبض عليهم وإحالتهم للعدالة، والعمل أيضا بجهد فاعل، أمنياً واستخبارياً وسياسياً واجتماعياً، لأن تكون هذه الجريمة دافعاً آخر لاجتثاث العنف والإرهاب وأي تهديد لحياة وأمن وكرامة المواطن»؟
أليس الأجدر بنا كمثقفين، اذن، الاحتفاء ببرهم صالح كرئيس جمهورية لا مثيل له، ونسارع لالتقاط الصور معه، لنمسك بلحظة تاريخية نادرة، استنادا الى هذه التصريحات الجامعة لمواقف سياسية مسؤولة وفكرية وثقافية، يؤكد فيها على «حريةُ التفكيرِ والتعبير عن الرأي… وحرية حركة الكتاب وتجاوزُ أيِّ رقابةٍ على الفكرِ»؟
ما الذي يمنعنا من ذلك؟ هل هو موقفنا منه كسياسي ساهم بشكل فاعل، على مدى عقود، في تسويق غزو واحتلال «بلده»، متعاونا مع محتل مسؤول، بالدرجة الأولى، عن الخراب البشري والعمراني، عن مأسسة التمييز الطائفي العنصري، وما تلاه من إرهاب لا يكاد يخلو خطاب له من ذكره؟ أما حان الوقت لأن نتخلص من اوهامنا، حول المفاهيم الديناصورية التي نحملها، كالوطن والوطنية والخيانة والعمالة، وأن نرضى بالأمر الواقع، كما يفعل آخرون، وان نؤمن، بما تم تصنيعه من هويات مستحدثة، وان الاحتلال لا يزيد عن كونه مجرد اختلاف في وجهات النظر؟
ما الذي يقف حائلا بيننا وبين القبول بـ«الأمر الواقع»، كما يجسده شخص رئيس الجمهورية، وتصريحاته التي تغطي كافة الأصعدة، من حرية التعبير والرأي الى توفير الحماية والأمن لمن يمارسها؟

ان قائمة ترهيب وقتل الصحافيين والكُتاب والناشطين طويلة، وأحدثها (ولن تكون الأخيرة) جريمة قتل الروائي والباحث علاء مشذوب التي سبقها اختطاف واختفاء الناشط المدني الشاب جلال الشحماني، وقتل الشاعر بكر علي، وسوران مامه حمه، وسردشت عثمان، ولسنا بحاجة الى ذكرها بالتفصيل للدلالة على قمع حرية الرأي والتعبير

الحائل الأول والأخير الذي لا يمكننا التعامي عنه حتى لو رضينا، كما يراد منا جميعا، بالأمر الواقع، هو ما يدحضه الواقع نفسه، المتبدي بالفجوة الصارخة بين الرطانة والتطبيق. بين الادعاء والممارسة، وبين الحقيقة والتظاهر بالحقيقة تبعا لمنطلقات نفعية انتهازية. والقاء نظرة سريعة على واقع «حرية التعبير»، في العراق، منذ شهر واحد فقط (ولن أقول منذ عام 2003)، وموقف المسؤولين السابقين واللاحقين، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، يُكذّب بما لا يقبل الشك، تصريحات برهم صالح في معرض الكتاب، لتتكشف، كما هي عارية، مبتذلة، بابتسامة واسعة تحسده عليها جوليا روبرتس، مستهينا، بالكتب ومؤلفيها وناشريها، وحرية الفكر والتعبير.
فخلال الشهر الماضي فقط، سجل المركز العراقي لدعم حرية التعبير (حقوق)، مقتل صحافي، بالإضافة الى 15 انتهاكاً بحق الصحافيين، والمتظاهرين. أبرزها اعتقالات متكررة لصحافيين يعملون في قناة
NRT، بإقليم كردستان، بناء على شكوى مقدمة من المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني، وفصل طلبة جامعيين بسبب التعبير عن آرائهم في الفيسبوك، بالإضافة الى ممارسة تحرشات من قبل قوات امنية، وتهديدات مبطنة على خلفية اعداد تقارير صحافية او تصوير مواد مرئية، واعتقال ستة متظاهرين في البصرة من قبل مفرزة تابعة لشرطة النفط، لمجرد طلبهم الموافقة على إقامة تظاهرة. وقدم مركز ميتروللدفاع عن حقوق الصحافيين، تقريره السنوي يوم 17 كانون الثاني/يناير، في مدينة أربيل، موثقا 349 انتهاكاً ضد الحريات الإعلامية في الإقليم فقط، بضمنها ضرب الصحافيين والهجوم المسلح من قبل قوات أمنية على بيوتهم وحرق مقار إعلامية، وإيقاف بث قنوات محلية.
وقام النظام في تموز/يوليو من العام الماضي، بقطع الانترنت، تبعها تقييد مقصود للوصول إلى منصات وسائل التواصل والإعلام الاجتماعية، في ارجاء العراق، عدة أيام، ردا على الاحتجاجات المطالبة بالخدمات الأساسية، ومنها الماء الصالح للشرب، في البصرة. وكان الهدف من هذه الخطوة هو كبح الاحتجاجات ووقف انتقادات الحكومة عبر الإنترنت.
ان قائمة ترهيب وقتل الصحافيين والكُتاب والناشطين طويلة، وأحدثها (ولن تكون الأخيرة) جريمة قتل الروائي والباحث علاء مشذوب التي سبقها اختطاف واختفاء الناشط المدني الشاب جلال الشحماني، وقتل الشاعر بكر علي، وسوران مامه حمه، وسردشت عثمان، ولسنا بحاجة الى ذكرها بالتفصيل للدلالة على قمع حرية الرأي والتعبير، فجريمة اختطاف او قتل واحدة في البلدان التي تتمتع بالحرية كافية لاستقالة مسؤولين وملاحقة المجرمين. أما في العراق، فأقصى ما يقوم به المسؤولون هو تحويل الجريمة الى خطاب «أسف واستنكار» تخديرا لمشاعر الناس الى ان يتم نسيان الجريمة في زحمة المآسي اليومية. فما هي مسؤولية المثقف المتميز بوعيه النقدي في هذه الحالة؟ هل هو ابداء الأسف والاستنكار كما يفعل الساسة، فيكون المثقف تابعا للسياسي، أو في أحسن الأحوال، واقفا بجانبه ليلتقط «سيلفي» كما حدث في معرض الكتاب، لنترك القيم الأخلاقية جانبا، لنترك «الوطن للجحيم والموت والعصابات والمخابرات»، كما يُذكرنا الروائي حمزة الحسن في نصه «من قتل علاء مشذوب؟»

كاتبة من العراق

 

 

العراقيون يرحبون

بعودة الأمريكان!

هيفاء زنكنة

 

جاء انتشار صور وفيديوهات القوات الأمريكية وهي تتجول متمتعة باسترخائها ببغداد، وبالتحديد في شارع المتنبي، قلب العراق الثقافي، إعلانا رسميا بأن الإدارة الأمريكية، لم تعد ترضى بفكرة التواجد المستور وأنها تصرخ بأعلى صوتها، معلنة عن حضورها العسكري المباشر بالإضافة إلى مرتزقة الشركات الأمنية.
وكانت زيارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى بغداد، نهاية العام الماضي، بدون الاتصال أو التواصل أو لقاء أي مسؤول عراقي، هي خطوة رسمية بحرق ذريعة المساعدة والتواجد» كمستشارين ومدربين»، والانتقال إلى مرحلة مطالبة المسؤولين العراقيين بالإقرار بفضل أمريكا في « التحرير» سواء عام 2003 أو 2017، خاصة وأن أمريكا، بمنظور الإدارة الأمريكية، سابقا وحاليا، تدفع الثمن غاليا بأرواح جنودها وأموال دافعي الضرائب. وتأتي المطالبة بدفع التكلفة وإلا… الموجهة إلى النظام العراقي مماثلة لمطالبة أو إنذار السعودية بدفع تكلفة حمايتها وإلا… الرسالة الموجهة إلى عديد دول العالم، تشمل النظام العراقي ومفادها أن هذه الخدمات ليست مجانية والولايات المتحدة الأمريكية ليست جمعية خيرية مسجلة عند هذا النظام أو ذاك.
هذه الشروط الواضحة وأهمها القبول بالحضور العسكري العلني وإعادة فتح المعسكرات وزيادة عدد القوات، وتصريح الرئيس ترامب، منذ يومين، بأننا لن نغادر العراق، يشكل نقلة نوعية في سياسة الولايات المتحدة الخارجية وهي مختلفة عن سياستها أثناء رئاسة باراك أوباما، التي ركزت على استثمار «القوة الناعمة» والعمليات الخاصة والقصف الجوي، والاكتفاء بأكبر سفارة في العالم ومستخدمي الشركات الأمنية الخاصة (المرتزقة) وعدد محدود من القوات العسكرية، كما كانت مسترخية في نظرتها إلى الواقع العراقي كساحة للنزاع أو الاقتتال مع إيران نتيجة توقيعها الاتفاق النووي، الذي قام الرئيس ترامب بإلغائه وإعادة فرض العقوبات عليها، وها هو يقول للعالم (متجاهلا الساسة العراقيين)، إنه يريد مراقبة إيران من القاعدة الأمريكية، باهظة الثمن، من العراق.
فما هو موقف الساسة العراقيين؟ إن إعلان الإدارة الأمريكية عن الحاجة إلى إقامة معسكرات إضافية وشروعها بذلك فضلا عن نشر أو تسريب صور وأفلام العسكريين الأمريكيين في أرجاء مختلفة من العراق، بالإضافة إلى بغداد، أخذ الساسة العراقيين وقادة الميليشيات على حين غرة وأحرجهم لأنه مزق الغشاء الذي طالما تستروا به حول السيادة والنفي المطلق حول وجود القوات الأمريكية. فمن منا لا يتذكر تصريح رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، مؤكدا: «لا يوجد أي جندي أمريكي مكلف بمهمة قتالية في العراق»، في الوقت الذي كانت القوات موجودة في قاعدة القيارة العسكرية الجوية، جنوب مدينة الموصل، ومن منا لا يتذكر تصريح معظم المسؤولين وقادة ميليشيا الحشد بأن الانتصار على مقاتلي «الدولة الإسلامية» (داعش) تم بأيدي قوات الحشد بينما تجاوز عدد غارات التحالف الجوية، بقيادة أمريكا، على مدينة الموصل لوحدها 12 ألف غارة بين يونيو/حزيران 2014 إلى 2017، فقط، وسببت مقتل آلاف المدنيين.

اليوم تتعالى أصوات السياسيين، من شيعة وسنة، وبقومياتهم، مشاركين في إطلاق صيحات الوطنية والحرص على «السيادة» والنزاهة

اليوم، تتعالى أصوات السياسيين، بقضهم وقضيضهم، من شيعة وسنة، وبقومياتهم، مشاركين في إطلاق صيحات الوطنية والحرص على «السيادة» والنزاهة.
وبينما تتصاعد حمى الخطاب الشعبوي إلى أقصى درجات التهديد والوعيد عند قادة الميليشيات المدعومة، إيرانيا، والتي باعتراف أبو مهدي المهندس، نائب رئيس ميليشيا الحشد الشعبي، لم تمس قوات الاحتلال الأمريكي سابقا، يسارع الساسة السنة، بمساعدة أجهزة إعلامهم، إلى الترويج بأن العراقيين يرحبون بعودة الأمريكان. ولا يكتفون بذلك، بل هناك من بات يروج لتصريحات «مسؤولين» أو «مصادر مطلعة» أن «الشارع السنّي يرحب تمامًا بالقوات الأمريكية وانتشارها في مختلف المدن والمحافظات السنية».
وإذا كانت ميليشيا الحشد (حسب ادعائها) قد هادنت قوات الاحتلال وسكتت على وجودها بذريعة محاربة الإرهاب أي «داعش»، وانتظر قادتها إلى أن قامت أمريكا بوضع عدد منهم ضمن قائمة الإرهاب، كما حدث للمهندس، فانقلبوا عليها، أو إلى أن بلغتهم الجهة الداعمة ـ إيران، بوجوب تغيير دفة المسار، فإن الساسة «السنة» المشاركين بالعملية السياسية، ومن يدعون تمثيل «الشارع السني»، كما ساسة الأديان والقوميات الأخرى، من أدعياء التمثيل للشعب بعد تفتيته، وجدوا ملاذهم في أحضان التفاوض السري مع المسؤولين الأمريكيين، بذريعة التخلص من النفوذ الإيراني، ليسقطوا أبناء الشعب في هوة «أما… أو» متناسين بانتقائية لا مثيل لها جرائم المحتل الأمريكي ومسؤوليته في مأسسة التمزيق الطائفي والفساد.
إن الاستنجاد بقوات الاحتلال الأمريكي، أو قوات ولاية الفقيه، بعد أن أثبتت الـ 16 سنة الأخيرة، بما لا يقبل الشك، رغبة كل منهما بالدفاع عن مصالحه وحل نزاعاته، على أرض العراق، جريمة لا تغتفر يرتكبها ساسة العملية السياسية على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم ضد العراق، ونتيجتها الحتمية تقديم أهله قربانا لصراع ابتلع حتى الآن، حياة ما يقارب المليون مواطن. كما أن النداءات والحركات الاحتجاجية المطالبة بالإصلاح لم تعد ذات فاعلية بل وباتت أداة يتم تسخيرها لصالح النظام وتخفيف الضغط عليه، بحكم توجهها نحو الاحزاب ذاتها المنغمسة بالفساد، خاصة مع هيمنة ميليشياتها على الشارع واختطاف أو قتل كل من يجاهر بالاحتجاج. وإذا كان دعاة «الاحتجاج المطلبي» المشاركين في اللعبة السياسية نفسها قد نسوا اختطاف الناشط جلال الشحماوي، وعدم العثور عليه حتى اليوم، من بين آخرين، ها هم يعاد تذكيرهم بجريمة اغتيال الروائي والباحث د.علاء مشذوب، عصر السبت، في مدينة كربلاء، حيث اخترقت جسده 13 طلقة. والجريمة التي ارتكبها: التذكير بمصاب العراقيين، وأهل مدينته التي عشقها، جراء الطائفية والفساد المستشري.

كاتبة من العراق

 

 

انهم يقتلون المجتمع

المدني في العراق!

هيفاء زنكنة

 

على مدى ثلاثة أيام تلقى عدد من رجال الدين من محافظة نينوى، شمال العراق «تدريبات مركزة على كيفية بناء السلام والتعايش والحد من الكراهية»، في ورشة أدارها « مشرف على عمليات بناء السلام» من منظمة مجتمع مدني تدعى «سند لبناء السلام». وتهدف المنظمة من خلال الورشة الى»بناء السلام» و«خلق فرص السلام»، بالإضافة الى «التسامح والتآلف والتعايش المجتمعي وفضاء الإنسانية». مما يعني ان المنظمة تفترض، إما بحسن نية أو لأن التمويل المتوافر يتطلب برنامجا كهذا، إن أهل الموصل، خاصة، ونينوى عموما، لم يحدث وأن عاشوا سوية بسلام وان المنظمة قادرة على تحقيق ذلك بقدرة مديرها ولقبه الرسمي «مشرف على عمليات بناء السلام». وهو لقب، ظننته قد استخدم، في البداية، من باب المزاح، في مجال مسميات نشاطات المجتمع المدني المستحدثة، إلا أن مواصلة القراءة أكدت ان المسألة جدية. ويستحق عمل المنظمة الذكر عند رصد مصادر تمويل المجتمع المدني بالإضافة الى النظر في ماهية المشاريع ومدى استجابتها للحاجة الفعلية للمجتمع، منذ الاحتلال عام 2003 وحتى اليوم.
الملاحظ ان منظمة «سند لبناء السلام» تأسست عام 2013 بدعم من «معهد الولايات المتحدة للسلام». وهو مؤسسة يتمتع أعضاء مجلسها بعلاقات وثيقة مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية. مما يضع علامة استفهام حول دور المعهد وماهية توفيره التمويل والدعم لمنظمات مجتمع مدني في بلد قامت أمريكا بغزوه، وهي المسؤولة الأولى عن تخريبه، بشريا وعمرانيا، بشكل مباشر وغير مباشر. وتصبح علامة الأستفهام أكبر حين يتم تمويل منظمات المجتمع المدني في البلد المحتل تحت شعار رنان هو «بناء السلام»، فعن أي سلام يتحدثون؟ هل هو ذات « السلام» الذي يحاول الكيان الصهيوني تسويقه، يوميا، بينما يدير آلة القتل المنهجي ضد الفلسطينيين؟ ألم يتم تفريغ السلام من فحواه النبيل بعد؟
مشروع آخر يستحق الاشارة، أنجزته منظمة مجتمع مدني تدعى «مؤسسة تجديد عراق لتنمية وتطوير الاقتصاد» تقدم نفسها باعتبارها « جادة في تطوير الوضع الاقتصادي والعلمي في العراق كمساهمة في بناء العراق الجديد». أما المشروع الذي أنجز نهاية العام الماضي، فهو «حملة تشجيع البدء المبكر للرضاعة الطبيعية»، حيث تدرب خلال يومين 20 شخصا من ملاكات الصحة على «تشجيع الأمهات العراقيات على ترضيع الأطفال حديثي الولادة». ويؤكد موقع المؤسسة على ان الحملة تمت بدعم «من الشعب الأمريكي» و«المؤسسات الإنسانية» ووزارة الصحة وبالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف). هذه المعلومات، تثير التساؤل حول ماهية المشاريع: فمتى توقفت الأمهات العراقيات عن إرضاع اطفالهن حديثي الولادة؟ حسب علمي، أنه إذا كانت هناك مشكلة فهي ان الأمهات يواصلن الارضاع لسنوات ما لم يكن هناك سبب صحي مانع وليس العكس. بالإمكان اعتبار هذه المشاريع نموذجاً مصغراً لمشاريع «إعادة الاعمار» على مدى أعوام الاحتلال.

لم تكن ولادة «المجتمع المدني» الذي برز بمنظماته وشبكة اتصالاته، في العراق المحتل منذ عام 2003، طبيعية

وفي كتابه «كانت نيتنا حسنة»، يكشف الدبلوماسي الأمريكي بيتر فان بورن، قائد فريق إعادة الإعمار التابع لوزارة الخارجية الأمريكية في العراق، عن قائمة طويلة من المشاريع الخيالية أو الوهمية التي قام بها فريق الإعمار وفي كلا الحالتين لم تكن ذات فائدة إطلاقاً للمجتمع العراقي بينما «كلفت دافع الضرائب الأمريكي أموالاً طائلة»، حسب تعبيره، وان كانت الأموال، في الحقيقة، مستخلصة من العراق نفسه.
يتساءل فان بورن أثناء تمحيصه طبيعة المشاريع: «إذا ما تم تعيينك مسؤولا عن «إعمار العراق»، هل ستنفق أموال دافعي الضرائب على لوحة جدارية في أخطر أحياء بغداد لتشجيع المصالحة من خلال الفن؟ ماذا عن إنشاء «مصنع الحليب» النائي المعزول الذي لا يستطيع العاملون فيه نقل الحليب إلى السوق؟ أو إدارة صف لتدريب العراقيات على صنع المعجنات وفتح المقاهي في شوارع قصفت وتفتقر إلى الماء والكهرباء؟».
وإذا كانت مئات المشاريع قد تم تجميدها بعد الانسحاب الجزئي لقوات الاحتلال عام 2011، فإن ما أسس له من فساد مالي بقي متغلغلاً، في بنية الحكومات العراقية ومؤسساتها، من أعلى المناصب القيادية الى أصغرها، ومقبولاً، عملياً، من قبل كل المنخرطين في العملية السياسية، وبات، وهنا الخطر الأكبر، مؤثراً، أيضاً، على طبيعة وعمل «المجتمع المدني»، بذات المواصفات وبدرجات قبول متفاوتة، محليا وعالميا.
لم تكن ولادة «المجتمع المدني» الذي برز بمنظماته وشبكات اتصالاته، في العراق المحتل منذ عام 2003، طبيعية. فباستثناء قلة من المنظمات المستقلة، فعلاً، جاءت ولادة معظم البقية مشوهة، بعدما أعلن ديك تشيني، وزير الخارجية، أن أي عمل مدني تدعمه جزء من سياستها الرسمية وليس كما تشاء المنظمات أو الناشطون. عدد منها كان جزءاً من القوة الناعمة لبلدان أخرى ساهمت بالغزو وكانت قد أسست في الخارج لتسويق الخطاب الدعائي لشن الحرب، ومن ثم تم تصديرها الى داخل البلد لترويج خطاب «بناء الديمقراطية». العدد الآخر، تم تأسيسه داخليا، في فترات تطلبت نشاطا دعائيا ترويجيا معينا، مثل تأسيس مئات المنظمات قبل الانتخابات لتصويرها بأنها «نزيهة وشفافة». هذه المنظمات تتلاشى حالما تنتفي الحاجة اليها وينتهي التمويل. وإذا كانت من أبرز مصادر الدعم والتمويل لمنظمات « المجتمع المدني» الناشطة داخل العراق هي وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي أي) ووزارة الدفاع (البنتاغون) ووزارة الخارجية الأمريكية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، في فترة الاحتلال الأولى فإن مسؤولية التمويل تقاسمتها منظمات أمريكية، مدعومة حكوميا، باشرت ذات المهمة وهي: المعهد الديمقراطي الوطني للشؤون الدولية، والمعهد الجمهوري الدولي، ومركز المشروعات الخاصة المستقلة، والمركز الأمريكي للتضامن الدولي من أجل العمل («مركز التضامن»)، وعدة منظمات أصغر مثل معهد الولايات المتحدة للسلام. مهمتها، على اختلاف أسمائها، تصدير السياسة الأمريكية تحت أغطية ملونة ومزركشة بالديمقراطية والمصالحة والسلام.
ولم يقتصر هوس تأسيس المنظمات على بلدان الاحتلال فقط، إذ سرعان ما اكتشف ساسة الحكومة العراقية أهميتها كأداة للتظاهر بالديمقراطية وحقوق الانسان أمام المجتمع الدولي والدول المانحة من جهة، ولإجهاض عمل المنظمات المستقلة من جهة أخرى. فباتت المنظمات الكبيرة المهيمنة على الساحة امتداداً طبيعياً للحكومة، اذ يحتل رؤساء عدد من أكبر منظمات المجتمع المدني المهيمنة على الساحة مناصب حكومية عليا، بالإضافة الى الأحزاب الفاسدة القادرة على التمويل، وتم تحويل «المجتمع المدني» من مجموعة من المنظمات التطوعية التي تنشأ وتعمل باستقلالية عن الدولة إلى واجهات لمن يدفع ناهيك عن تمثيل السياسة الخارجية لدول أخرى، والأدهى من ذلك حين تكون الدولة الممولة هي محتلة للبلد وعملت بمثابرة على تهديم بنيته التحتية وسببت مقتل مليون مواطن.
ان تدخل الأحزاب ووصاية الحكومة يعني موت المجتمع المدني فما بالك بالتدخل الأجنبي؟ ما بالك إذا كان الأجنبي هو المحتل الذي هدم البلد وعاد متظاهراً ببناء السلام من خلال منظمات ومشاريع تغذي قلة من المستفيدين أو السذج، وتمنع قيام مجتمع مدني فاعل يعمل على تشكيل الوعي ورفع المستوى الثقافي والتفكير المستقل والانجاز الحقيقي.

كاتبة من العراق

 

 

 

لماذا فشلت المظاهرات

العراقية حتى الآن؟

هيفاء زنكنة

 

بعد هدوء نسبي، عاد المتظاهرون للاحتجاج بمدينة البصرة، جنوب العراق. عادوا مطالبين بذات المطالب التي دفعوا ثمنها غاليا: حياة العشرات واعتقال ناشطين واختطاف آخرين لا يعرف مصيرهم. فمنذ شهر تموز/ يوليو، في العام الماضي، والمتظاهرون يطالبون بأبسط الخدمات من الماء الصالح للشرب والكهرباء إلى توفير فرص العمل ووضع حد للفساد المتفشي، بأنواعه، في مؤسسات الدولة. يتظاهرون في بلد هو ثالث أعلى بلد مصدر للنفط بالعالم، وتنطلق أصواتهم بغضب ومرارة ورجاء من محافظة تعتبر أم النفط في العراق. وحين تجاوز الإحساس بالظلم مداه وأستهدف المتظاهرون مراكز الأحزاب والأداة المحلية باعتبارها تجسيدا للفساد الإداري والسياسي، وكما في المرات السابقة، جوبهوا بالرصاص الحي والغاز المسيل للدموع.
في أيلول/سبتمبر، من العام الماضي، وبعد مظاهرات شهرين تحت أشعة الشمس الحارقة، هطلت على سكان البصرة، زخات من زيارات مسؤولين حكوميين وممثلي المرجعية الدينية بمدينة النجف، وهم يحملون أطنانا من الوعود لتحسين الأوضاع. الا ان أيا منها لم يتحقق. عاد المسؤولون إلى الاستكلاب حول المناصب وعاد ممثلو المرجعية لاعتلاء منصة خطبة الجمعة واعظين. اختفت الأموال وتبخرت الوعود. فقرر المتظاهرون، يوم الجمعة الماضي، العودة إلى الشارع للاحتجاج. وهذه ليست المرة الأولى التي تتصاعد فيها نيران الاحتجاجات إلى حد منح الناس أملا بالتغيير ثم يخفت وهجها تدريجيا ويعود من يعود إلى داره وقد أضيفت طبقة جديدة من خيبة الأمل إلى حياته. وشباب البصرة ليسوا الوحيدين الذين يخاطرون بحياتهم للاحتجاج على الأوضاع وتقديم قائمة مطالب، تبقى في مضمونها، واحدة. بل انهم حلقة في سلسلة مظاهرات واعتصامات لو قمنا برصدها واحدة واحدة لوجدنا إنها تجاوزت المئات، منذ غزو البلد عام 2003.
وزيارة قصيرة إلى آلة البحث «غوغل» ستقود الباحث إلى صور مذهلة لساحات وشوارع المحافظات والمدن العراقية المكتظة أحيانا بالمتظاهرين والخالية الا من العشرات في أحيان أخرى. احتجاجات تمتد من شمال العراق إلى جنوبه، من إقليم كردستان إلى مشارف حقول النفط الجنوبية. تدحض الصور وقائمة المظاهرات الطويلة، المتعددة، فكرة اقتصار الاحتجاجات على «إرهابيين» من محافظات تم وسمها إعلاميا ودعائيا بالإرهاب. إذ تزين الاحتجاجات خارطة العراق بمدنه من السليمانية إلى الموصل والرمادي وبابل والناصرية والبصرة مرورا ببغداد التي شهدت امتداد روح الربيع العربي اليها عام 2011 على مدى شهور من الاعتصامات في ساحة التحرير، بقلب بغداد، فيما أطلق عليه أسم سلسلة «جمعة الغضب».
توجهت المظاهرات نحو المحتل، بشكل خاص، في فترة الاحتلال الانكلو أمريكي المباشر (2003 ـ 2011)، خاصة في مدن غرب العراق (الفلوجة والرمادي مثالا) لتنتقل بمطالبها نحو الحكومات العراقية (المنتخبة ديمقراطيا افتراضا) في السنوات التالية، في بقية المدن، لتشمل توفير الخدمات والحقوق الأساسية، من تعليم وصحة وسكن، ونال إقليم كردستان نصيبه من الاحتجاجات ومواجهتها بالعنف من قبل قوات الأمن والشرطة.
ركن المحتجون إلى الصمت، خاصة، بعد ان أصدرت المرجعية الدينية بالنجف، فتوى الجهاد ضد الدولة الإسلامية (داعش)، وباتت «داعش» أداة مقبولة محليا ودوليا، قانونيا ودينيا، لاتهام أي محتج بالإرهاب والداعشية.

اعلان الحكومة العراقية النصر على منظمة « داعش»، ومجيء حكومة جديدة أطلقت الوعود بالشفافية والقضاء على الفساد، بسخاء حاتمي، وما تلاه من تلاشي الوعود، أعاد الإحساس بالظلم بين المحتجين إلى موقع الصدارة. فعادت الاحتجاجات المتناثرة في عدة مدن

الا ان اعلان الحكومة العراقية النصر على منظمة « داعش»، ومجيء حكومة جديدة أطلقت الوعود بالشفافية والقضاء على الفساد، بسخاء حاتمي، وما تلاه من تلاشي الوعود، أعاد الإحساس بالظلم بين المحتجين إلى موقع الصدارة. فعادت الاحتجاجات المتناثرة في عدة مدن.
عند مراجعة كثافة وتعدد الاحتجاجات، واستمراريتها في أرجاء البلاد على مدى طويل يقارب 16 عاما، ومع أعداد الضحايا الكبير وخطف الناشطين بالإضافة إلى قصف مدن المحتجين بالبراميل المتفجرة (في الفلوجة)، نجد أنفسنا أمام سؤال مُلح هو: لماذا لم تحقق المظاهرات والاعتصامات، المطالب التي لايزال المتظاهرون يطالبون بها؟
هناك، بطبيعة الحال، مجموعة عوامل متداخلة، من بينها تسرب النفس الطائفي إلى بعض المظاهرات وتدخل المرجعية الدينية لصالح الحكومة بحجة تهدئة الحال وشعبوية الخطاب السياسي للأحزاب المسيطرة بحكم الفساد بالإضافة إلى استخدام بعبع «الإرهاب».
الا ان أحد العوامل المهمة التي غالبا ما يتم تجاهلها هو محلية الاحتجاجات أو، بأحسن الأحوال، امتدادها الجزئي المستند إلى التحشيد الطائفي والعرقي بعد التغييرات السكانية التي مررت بعد الاحتلال وافرغت مناطق كثيرة من اختلاطها التاريخي الطبيعي. فحركات الاحتجاج في إقليم كردستان، مثلا، لا تدفع الشباب إلى الاحتجاج في الرمادي أو كربلاء أو البصرة والعكس بالعكس، حتى حين تكون المطالب واحدة وشاملة مثل القضاء على كابوس أو إرهاب الفساد أو المطالبة بالأجور وحق العمل. لا تطرح الحركات المحلية حلولا جذرية وطنية عامة للتغيير، وبسبب طبيعة مطالبها وكونها بلا قيادات ذات خبرة في تطوير سيرورة الاحتجاج نرى انها تصبح ضحية تلاعب الأحزاب والفساد إذ تستغل في الصراعات على المناصب، حالما تتم مساومتها لقاء تحقيق أحد المطالب حتى تتخلى وتستكين ثم تعاود الخروج إلى الشارع بعد حين، مما يجعلها بسبب هذا التذبذب عاجزة عن قلب المعادلة الموجودة وعاجزة عن كسب جمهور صامد.
الإشكالية الأخرى هي فشل هذه التحركات الاجتماعية في استقطاب شرائح المجتمع المختلفة بالإضافة إلى فشل قوى المجتمع المدني، النقابات خاصة، في الانضمام اليها، باستثناء شركة نفط الجنوب، برئاسة حسن جمعة. فاحتجاجات خريجي هندسة النفط الشباب الذين لا تقوم شركات النفط بتعيينهم هم وعمال النفط الآخرين بل تجلب العمال والمهندسين الأجانب، لم تشهد يوما انضمام نقابة المحامين أو المعلمين أو اتحاد الكتاب والصحافيين لمساندة احتجاجهم، ولا دورا لغرف التجارة لمناهضة الفساد والابتزاز وفرض النزاهة في المجال الاقتصادي اليومي. بينما تبين تجربة الإحتجاجات والانتفاضات الشعبية في العالم إلى ان دور المهنيين في تزعم التظاهرات تمنحها درجات من الانضباط والنضوج والحصانة من الإختراق والتلاعب. تشير التجربة العراقية حتى الآن إلى تجميد الاحتجاجات في أماكنها بدون ان تتمكن من قطع خطوة أخرى باتجاه التجذر المجتمعي والاحساس العام بانه لم يعد هناك من حل غير العمل الجماعي، من الخريجين الشباب والعمال والطلبة والفلاحين إلى المهنيين ونقاباتهم. والانتقال من مرحلة الاحتجاج إلى إنتفاضة للتغيير تبدأ بالعصيان المدني الشامل والاضراب العام وكل النشاطات النقابية المحلية والعامة المبرهنة على التحرر الفعلي من الطائفية والعرقية، المستندة على فكر يخرج من الاطار المحلي إلى العام، ومن المصلحة الفردية إلى الوطنية لا بمفهومها الدعائي الفارغ الذي يتشدق به الساسة الحاليون بل المفهوم الجامع الذي تربينا عليه يوم لم نكن نُعرف أنفسنا بالطائفة أو الدين بل بكوننا عراقيين.

كاتبة من العراق

 

 

تثقيف «أطفال داعش»؟

هيفاء زنكنة

ناقش برنامج إذاعي عراقي موضوع تثقيف اطفال داعش الذين عاشوا مع التنظيم خلال فترة سيطرته على بعض المدن والمحافظات العراقية لكي يتم زجهم في المجتمع مرة اخرى بدون افكار داعش التي زرعها في عقولهم. وهي فكرة يرحب بها على مستويين. الأول لأنقاذ الأطفال، وهم ضحايا حقيقيون، من مصير مظلم، من خلال تأهيلهم والثاني هو إنقاذ المجتمع من بروز طبقة جديدة من الإرهابيين. خلُص البرنامج الى ان مسؤولية أداء هذه المهمة الإنسانية ـ النفسية ـ التعليمية تقع على وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، بدون التطرق الى « إنجازات» الوزارة السابقة والحالية، ومدى قدرتها على تقديم أية خدمة كانت للمواطن. هنا نصل الى نقطة من الأفضل تسميتها باسمها الصحيح وهي استغفال المواطن إعلاميا، وهي نقطة تقتضي مهارة في التقديم تنتفي فيها « المسؤولية» الى حد لا يعود فيه مجال حتى لمفارقة المضحك المبكي. فمن خلال تكريس الساعة تلو الساعة لمقابلات « المسؤولين» المهرة في لعبة رمي المسؤولية على آخرين وبوجود مقدم برامج يناقش « الآن» دون العودة الى « الأمس»، صار المجال واسعا لكي تمارس معظم أجهزة الإعلام دورا كبيرا في التجهيل السياسي الممنهج وتزوير المعلومات ونشر الأكاذيب بشكل مغلف بالحقيقة، مستغلة انشغال المواطن بالهرولة خلف اساسيات الحياة من ماء وكهرباء وسكن.
يتبدى دور الإعلام التضليلي، بأشكال متعددة، منها، وهو الأذكى، عبر عدم تقديم الصورة كاملة، أحيانا، وفي التركيز على جانب واحد من القضايا وتضخيمه الى حد الغاء وجود بقية الجوانب، أحيانا أخرى. ومع هيمنة جو الخوف من تقديم الحقائق بعيدا عن الاتهامات المتبادلة بين فاسدين سياسيا ـ دينيا ـ أخلاقيا، يصبح حل المواطن الوحيد ان يرفع يديه باتجاه السماء باكيا مناديا « حسبي الله ونعم الوكيل».
نرى في تغطية خبر الحريق الذي اندلع في دار تأهيل الأحداث المشردات بمنطقة الاعظمية في بغداد، مثالا. مسؤولية من موت الفتيات حرقا وإصابة أخريات؟ كيف تمر جريمة بشعة كهذه بدون مساءلة؟ وهل هو الحدث الأول في سلسلة « إنجاز» وزارات مشغولة بنفي المسؤولية؟ ما الذي سيمنع تكرار جرائم مماثلة مستقبلا؟ وما هو دور الإعلام في تغطيتها؟
أدت أجهزة الإعلام دورها المعروف، عراقيا، بامتياز. وهو نشر التصريحات الرسمية، بدون مساءلة أو استقصاء، لعدة وزارات، الواحدة تلو الأخرى، من وزارة العدل الى الداخلية الى وزارة العمل والشؤون الداخلية، بالإضافة الى عدة مسؤولين، وكل جهة تدَعي قيامها بتحقيق عاجل، وكل العراقيين يعرفون ان « التحقيق العاجل» يعني، في الواقع، عدم التحقيق او، غالبا، التحرك السريع لطمس الحقيقة.

إن مأساة دار الحنان ودار الأحداث بالأعظمية تمثل نسبة قليلة من مآس وجرائم يعاني منها كل من تتكفل إحدى الوزارات بـ « رعايته» خاصة الأطفال والاحداث والمسنين

وواصلت أجهزة الإعلام تغطيتها «الجاهزة» حتى بعد تسرب معلومات تدين القائمين على إدارة الدار وعديد المسؤولين من قوات الأمن الى الساسة. وبلغت المهزلة الإعلامية ـ الحكومية أوج ذروتها حين نقلت أجهزة الإعلام، بلا مساءلة أيضا، تصريحا لوزارة العمل ذكر فيه ان ما حدث في دار تأهيل المشردات هو انتحار جماعي للفتيات. سبقه، قبل يوم تصريح لوزارة العدل حول قيام مجموعة من « المودعات المحكومات» بأعمال شغب نتيجة مشاجرة بينهن ادت الى وفاة ستة منهن. تلاها تصريح للوكيل الأقدم بوزارة العمل عن وجود ست جثث لفتيات نزيلات تتراوح اعمارهن بين 14 ـ 17 سنة في إحدى زوايا الغرفة محترقات بالكامل. مؤكدا اعتقال مديرة الدار وعدد من الحارسات والحراس لغرض التحقيق واجراء اللازم، وأنه لم يتبين وجود جريمة جنائية او خطأ بشري. وعادت وزارة العمل، يوم السبت، للتأكيد بأن الحريق كان مدبراً. وإن « 8 نزيلات» لقين مصرعهن وأصيبت 24 بجروح. وبنشاط محموم، يُحسد عليه، عاد وكيل الوزارة، الى منصة التصريحات، مساء السبت لينفي « الاشاعات» (يعني مواقع التواصل الاجتماعي) القائلة ان من اسباب اعمال الشغب والحريق تعود لسوء المعاملة وعدم توفير الخدمات الكافية للنزيلات، مؤكدا «توفير الخدمات والطعام بشكل كافٍ وفقا للمقاييس العالمية، فضلا عن حسن المعاملة «. مركزا على ان الدار محصن « من قبل الحرس والشرطة من الخارج مع عدم وجود تماس من قبلهم مع أي من المستفيدات في الداخل». وللنفي الأخير أهمية خاصة لأنه جاء ردا، على ما نشرته احدى الصحف وتم تناقله عبر الفيسبوك عن وجود شبكة منظمة للدعارة، يديرها ضباط فاسدون، بالتعاون مع موظفين حكوميين وإن الحريق “اندلع بعد شجار بين عدد من النزيلات، وموظفين في الدار، متورطين في إدارة شبكة دعارة تقدم خدمات جنسية لساسة وتجار، لقاء مبالغ مالية».
فأين الحقيقة؟ وكيف يمكن التوصل اليها وقد دفن جزء منها مع الضحايا والجزء الآخر محجوز مع بقية الأحداث، وبعضهم أطفال، وممنوع منعا باتا الحديث معهم؟ كل هذه الجرائم تتم بحق الاحداث والأطفال والعراق هو أحد الموقعين على اتفاقيات حمايتهما ومع وجود قانون عراقي يفصل تفصيلا دقيقا كيفية التعامل مع وحماية وتأهيل الأطفال والأحداث المشردين والجانحين. والأدهى من ذلك، هذه ليست الجريمة الأولى التي تمر بلا تحقيق او اعلان نتيجة تحقيق او مساءلة. فمن منا لا يتذكر جريمة «دار الحنان» للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، التابع لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، حين عثرت يوم العاشر من حزيران عام 2007، دورية للجيش العراقي برفقة مستشارين من الجيش الأمريكي، في الدار، شمال غرب بغداد، على 24 يتيما من ذوي الاحتياجات الخاصة، مقيدين الى اسرتهم، بعضهم منذ أكثر من شهر، غير قادرين على الوقوف والحركة بسبب حالة الهزال الناجمة عن المجاعة، كما تعرض بعضهم لاعتداء جنسي.
في حينها، طالبت النائبة جنان العبيدي (رئيس لجنة الصحة في مجلس النواب) بإجراء تحقيق عاجل لمحاسبة المسؤولين. فتم نسيان الجريمة. اليوم، أعربت عضو مفوضية حقوق الانسان فاتن عبد الواحد الحلفي، « عن قلقها حول الاحداث» وان كانت المفوضية بانتظار نتيجة تحقيق وزارة الداخلية. مما يعني، نسيان الجريمة.
إن مأساة دار الحنان ودار الأحداث بالأعظمية تمثل نسبة قليلة من مآس وجرائم يعاني منها كل من تتكفل إحدى الوزارات بـ « رعايته» خاصة الأطفال والاحداث والمسنين، سواء كانت وزارة العمل أو الداخلية أو العدل. مما يجعلنا نعرف مسبقا طبيعة التثقيف والتأهيل الذي سيحظى به « أطفال داعش»، كما بإمكاننا توقع المستقبل الذي سيجلبه الأطفال الينا جراء نوعية « التثقيف» الذي تنفذه الدوائر الرسمية!

كاتبة من العراق

 

 

 

الحكومة العراقية بين شعبوية

الخطاب ومسلخ الاعتقالات

هيفاء زنكنة

يتم بين الحين والآخر، تسريب خبر أو صورة لا يمكن نسيانها عما يعيشه المواطن العراقي، عموما، أو المعتقلون والسجناء بشكل خاص. حيث لا يُكتفى بحرمان المعتقل من حريته، وهو المطلوب من إبقائه رهين السجن، بل يتعداه الى حرمانه من كافة حقوقه وتجريده من إنسانيته. اذ يختزل المعتقل في بلادنا، إلى «شيء» يتسلى به الجلاد أما انتقاما أو إرضاء لنزعاته السادية أو تطبيقا لسياسة حكومية منهجية. ولا يمكن التمييز بين الأسباب بسهولة إذ غالبا ما تتداخل في ما بينها حيث يعزو الساسة منهجية التعذيب الى السلوك الفردي المختل أو كما برر قادة الاحتلال الأمريكي، عند فضح جلاديهم في أبو غريب، بأنه نتيجة وجود « بضع تفاحات فاسدة»!
ورغم إدراكنا إن التعذيب ليس غريبا على العراق، الا ان الاحتلال الانكلو ـ أمريكي أضفى عليه طابعا وحشيا مستحدثا، يليق بالتطورات « الحضارية» الامريكية والبريطانية مثل استخدام الموسيقى والعري والفيديو لتصوير إجبار المعتقلين على الممارسة الجنسية، وكانت تطورات نفسانية استحدثت لكسر كرامة ومعنويات السجناء المصنفين «متعصبين أخلاقيا». وتم ذلك بالتعاون مع الجلادين المحليين الفخورين بأساليبهم التقليدية.
من بين الصور المروعة التي تم تسريبها، أخيراً، ووجدت لها حيزاً في بعض وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي، وجود مئات المعتقلين، المتراصين جسديا، سواء كانوا على الأرض أو على أسرة ذات طابقين في عنبر بلا نوافذ وليس فيه سنتيمتر واحد فارغا. كيف يتنفسون؟ حركة الذراع تتطلب دفع المحيطين بمن يرغب برفع ذراعه. كل معتقل يشغل حيزاً لا يزيد على الربع متر مربع بينما توصي القوانين الدولية بأربعة أمتار مربعة كحد أدنى. هل النية قتلهم اختناقا؟ الوجوه شمعية بلا مشاعر. العيون جامدة، تحدق بلا شيء فاضحة مرحلة التشيؤ التي وصل اليها المعتقلون وهم على وشك الوصول الى نهاية يعرفونها. إنه الإعدام الذي تمهد له شعبوية الخطاب السياسي بحماس لا نظير له منذ الاحتلال عام 2003 باعتباره « مطلبا جماهيريا»، ويقف مسؤولو وزارة العدل والقضاة معتذرين من الشعب لأنهم تأخروا بتنفيذه لأسباب خارجة عن ارادتهم!
إن شعبوية الخطاب السياسي، المتبنى من قبل قائد أو حزب، يبدو ظاهريا، وكأنه إرضاء وتحقيق لرغبات الشعب، وكأنه تسليم السلطة الى الشعب، الا انه في جوهره لا يزيد عن كونه سياسة تدجين للشعوب. يتبناها الساسة أو يتزايد حماسهم لتبنيها، بشكل خاص، عندما يواجهون أزمة حقيقية قد تؤدي إلى ازاحتهم من مناصبهم ومواقع المسؤولية. حينئذ يبدأون التنقيب عميقا في الوعي الجماعي ليبرزوا الى السطح ما كان مطموراً منذ زمن بعيد أو تصنيع ما يرضي نزعات آنية يمسدون بها مشاعر الشعوب المنهكة والمنشغلة بتلبية الحاجات الأساسية فلا تعود قادرة على التفكير بما هو أبعد. يرسخونها في الوعي الجمعي عبر التكرار. وهو ما حدث في العراق بعد احتلاله. فالطائفية التي تبنتها أحزاب بلا جذور حقيقية في المجتمع العراقي، تصاعدت نتيجة ضخ الخطاب الشعبوي الطائفي ـ السياسي، اليومي، في مجتمع منغمر، بعد حروب وحصار واحتلال، بالمحافظة على البقاء، الذي يستحيل تحقيقه الا عبر الانتماء والاحتماء بهذه الاحزاب.

أعداد المعتقلين الهائلة في جحيم السجون والمعتقلات، وغالبيتهم من أبناء مذهب واحد، وبتهم جاهزة حيكت ضدهم منذ غزو العراق، يثبت أنها سياسة تخدير جماعي تستخدم لمنح الحكومة صورة من يأخذ بالثأر لصالح أهل الضحايا

في هذه السيرورة، بات من السهل على الأحزاب الطائفية تبرير كل ما يجري من فساد واعتقالات وحالات اختفاء، تحت ذريعة « الإرهاب»، برعاية الولايات المتحدة الامريكية. وبينما ينشغل الشعب بمشاهدة برامج تلفزيونية يبث من خلالها الساسة رسائلهم الشعبوية، بلغة تجمع ما بين الابتذال والبذاءة والقدح الأخلاقي، يتم تمرير قوانين تعاقب الشعب نفسه وتزيد من حالة الانقسام الديني والطائفي والعرقي والعشائري. من بين القوانين، المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب، وعقوبتها الإعدام، المُسَخر لأغراض طائفية سياسية وتصفية حسابات في ظل الافلات من العقاب. فلا عجب ان يتزايد عدد المعتقلين في سجون مكتظة مثل قطيع خراف بانتظار الذبح. وهي بالتحديد الصورة ألتي استنكرتها بشدة نافي بيلاي، المفوض السامي السابق لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في 19 نيسان/ابريل، 2013، واصفة الاعدامات في العراق بأنها «بغيضة وقذرة وتشبه مجازر ‏الحيوانات». وهو تصريح وتوثيق يجب التوقف عنده لسببين: الأول انه وصف حال المعتقلين قبل اعلان الدولة الإسلامية وإعلان الحكومة العراقية محاربتها الإرهاب متمثلا بداعش، في حزيران/يونيو 2014، وإتهام كل معتقل بأنه « داعشي». ثانيا، ازدياد الوضع سوءا حيث « أتاحت المعركة ضد داعش للحكومة العراقية وقوات حكومة إقليم كردستان حرية تنفيذ الانتهاكات الجسيمة تحت ستار مكافحة الإرهاب» حسب التقرير الأخير لمنظمة « هيومان رايتس ووتش» الذي أكدت فيه تنفيذ القوات العراقية إعدامات غير شرعية، وعذبت، وأخفت قسراً مئات المشتبه بهم… كما عمدت القوات العراقية إلى تعذيب وإعدام الأشخاص الذين تم أسرهم في ساحة المعركة وحولها مع إفلات كامل من العقاب، وفي بعض الأحيان حتى بعد نشر صور ومقاطع فيديو عن الانتهاكات على مواقع التواصل الاجتماع». وإذا كان هناك من يُسوّغ للحكومة وميليشيا الحشد الشعبي انتهاكاتها وجرائمها بحجة محاربة داعش فان « الانتصار» عليها واستبدال حكومة حيدر العبادي بحكومة عادل عبد المهدي لم يأت بجديد، إذ يشير التقرير إلى» ان السلطات العراقية تنفذ حاليا إعدامات من دون نشر أي أرقام رسمية أو مشاركة هذه المعلومات مع الجهات الفاعلة الدولية». وهناك أخبار تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي، منذ فترة، عن اعدام 70 سجينا، في يوم واحد، في سجن الحوت، بمدينة الناصرية، جنوب العراق. وهو سجن غالبا ما يتم تنفيذ الاعدامات فيه بشكل جماعي، بمباركة علنية من مجلس المحافظة ومليشيا الحشد الشعبي التي كلما تأخر تنفيذ الاعدامات، بسبب إعادة النظر بالقضايا مثلا، تهدد قوات الميليشيا باقتحام السجن وتنفيذ الاحكام بنفسها بحجة انه « مطلب شعبي».
تتغذى حكومة عادل عبد المهدي، غير المكتملة بعد، منذ ايامها الأولى على شعبوية الخطاب السياسي المناهض، ظاهريا، للخطاب الطائفي. الا ان أعداد المعتقلين الهائلة في جحيم السجون والمعتقلات، وغالبيتهم من أبناء مذهب واحد، وبتهم جاهزة حيكت ضدهم منذ غزو العراق، يثبت أنها سياسة تخدير جماعي تستخدم لمنح الحكومة صورة من يأخذ بالثأر لصالح أهل الضحايا. وقد تنجح آنياً إلا أنها ستقود، حتما، الى السقوط أكثر فأكثر في هاوية تمزيق البلاد.

كاتبة من العراق

 

 

ماذا وراء تغيير الكنيسة

الأنغليكانية خطابها حول

«المصالحة» في السياسة الخارجية؟

هيفاء زنكنة

 

حين ناقش مجلس اللوردات البريطاني يوم 14 كانون الأول/ ديسمبر الحالي، موضوع «المصالحة: دور السياسة الخارجية والدفاع البريطانية والتنمية الدولية»، أعطيت المنصة أولا لرجل دين يحتل المركز الأعلى في هرم الكنيسة الأنغليكانية وهو رئيس أساقفة كانتربري. كان هدفه، طرح فكرة مشاركة الكنيسة في مشروع الحكومة الهادف الى تضمين « المصالحة» بين الجهات المتنازعة في سياستها الخارجية.
ركز الأسقف، بعد تعريفه مفهوم المصالحة مستخدما مفردات «التسامح» و«المغفرة»، على أهمية الدور الذي تلعبه الكنيسة في عديد دول العالم، للمساهمة في مساعدة المجتمعات المتناحرة على المصالحة، مشددا على ضرورة التعاون الحكومي البريطاني مع الكنيسة ومنظماتها، في سيرورة تحقيق المصالحة، أذا ما تم تبني سياسة تجمع ما بين وزارتي الخارجية والدفاع وهيئة التنمية الدولية، بديلا للسياسة الحالية المستندة على تحقيق «الاستقرار، الأمان، والأمن».
في محاججته لإعطاء الكنيسة دورا رسميا في الهيئة المستحدثة، حول السياسة الخارجية والدفاع والتنمية، نوه رئيس الأساقفة أن 85 بالمئة من سكان العالم ينتمون الى أحد الأديان او يؤمنون بمعتقد ديني. وفي نقلة من الديني الى التجاري، أكد الأسقف على إن إحلال السلام، في العالم، هو « في مصلحة بريطانيا. فهو يوفر الفرص التجارية، ويُسهل التنمية، ويقلل من الهجرة وأعداد اللاجئين». وهي وجهة نظر أيدها بقية اللوردات الذين شاركوا في الجلسة، مؤكدين أهمية دور بريطانيا في تحقيق «المصالحة» بين أفراد المجتمعات المتنازعة، لما تجلبه المصالحة من استقرار يصب بالنهاية في مصلحة بريطانيا. وأن فشل المحاولات السابقة التي قادتها بريطانيا، وكلفتها ميزانية كبيرة، سببها حدة نزاعات واقتتال اهل البلدان أنفسهم، مما يستدعى، حاليا، تدخل بريطانيا لتحقيق المصالحة بينهم أولا. وهو ذات المنطق الاستعماري الاستعلائي القديم، الذي طالما استخدمته الامبراطورية لتبرير غزو البلدان والاستيلاء على ثرواتها، ولكن بلغة جديدة، تضم مفردات المصالحة والعدالة الانتقالية ومنظمات المجتمع المدني، لتمكنها من تشويه الحقيقة.
لم يشر رئيس الأساقفة وبقية اللوردات، الى ان استثمار بريطانيا في النزاعات والحروب، كما يدل الوضع الحالي، في الشرق الأوسط وأفريقيا، هو الأكثر ربحا لبريطانيا، خاصة، في مجالي تجارة السلاح وعقود النفط. وغالبا ما تلجأ الحكومة الى تغطية دورها في النزاعات والحروب، كما حدث بالعراق، مثلا، عن طريق ابراز « المساعدات الخارجية الإنسانية» إعلاميا. ولا تختلف بريطانيا كثيرا عن الولايات المتحدة في هذا المجال، حيث يذكر الموقع الإلكتروني للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (
USAID) بصراحة: «كان المستفيد الرئيسي من برامج المساعدات الخارجية الأمريكية دائمًا هو الولايات المتحدة. ساعدت برامج المساعدات الخارجية في إنشاء أسواق رئيسية للسلع الزراعية، وخلقت أسواقًا جديدة للصادرات الصناعية الأمريكية، ووفرت مئات الآلاف من فرص العمل للأمريكيين» ولم تذكر التغطية على مبيعات السلاح المتعاظمة دوما.

لم يشر رئيس الأساقفة وبقية اللوردات، الى أن استثمار بريطانيا في النزاعات والحروب، كما يدل الوضع الحالي، في الشرق الأوسط وأفريقيا، هو الأكثر ربحا لبريطانيا، خاصة، في مجالي تجارة السلاح وعقود النفط

وهو ذات الدور الاستعماري التاريخي الذي اشتهرت به بريطانيا والغرب، عموما، بمساعدة الكنيسة، ولا يزال مستمرا مع بعض التغيير الطفيف، وهو ما يُذكرنا به رجل الدين الجنوب أفريقي المطران دزموند توتو بقوله»: «عندما جاء المبشرون إلى أرضنا بالكتاب المقدس، أغمضنا عيوننا وصلّينا. عندما فتحنا عيوننا، كان لدينا الكتاب المقدس ولديهم أرضنا».
فهل تقترح الكنيسة، هنا، القيام، حقا بدور في اجراء مصالحة حقيقية بين أبناء الشعب الواحد المتنازع فيما بينه، أم انها تحاول استعادة دورها التقليدي والحصول على حصة من «الاستثمار»، بالشراكة مع الدولة، باعتبار منظماتها جزءا من القوة الناعمة، وهو المصطلح الذي أشار اليه عدد من اللوردات في سياق اعتبروه ايجابيا؟
اقترح رئيس الأساقفة في كلمته إقامة «وحدة مصالحة مشتركة تضم مجموعات عامة وخاصة ومنظمات دينية بشكل شراكة». مذكرا بنجاح الكنيسة في تحقيق المصالحة، خلال أيام، في مناطق نزاع مستمر بينما فشلت محاولات السياسيين على مدى أربع سنوات، مستشهدا بدور رؤساء الأساقفة في جنوب السودان، وان لم يذكر السياسة التي اتبعتها الكنيسة وبعثاتها التبشيرية ومنظماتها في تشجيع الانقسام الديني وحتى الطائفي، أحيانا، بين أبناء الدين المسيحي الواحد، ناهيك عن المساهمة بشكل أو آخر في تقسيم البلدان.
كما ذَكر مجلس اللوردات، بأهمية المنظمات المسيحية الأنغليكانية الفاعلة في 165 دولة بالشراكة مع 85 مليون شخص. منبها الى ضرورة دعمها ماديا فمعدل ما تحصل عليه «الأنغليكانية»، الثلاثينية «المتطوعة»، للعمل «الإنساني» في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، أقل من 4 دولارات في اليوم. مؤكدا بما لا يقبل الشك « ان المنظمات الدينية المسيحية موجودة قبل النزاع وأثناءه وبعده».
نوقشت كلمة رئيس الأساقفة بالتفصيل. حيث أتفق اللوردات، جميعا، على أهمية اضافة «المصالحة» الى السياسة الخارجية البريطانية وتحديد ميزانية لها، بالإضافة الى ميزانية «صندوق الصراع والاستقرار والأمن»، المعمول به، حاليا، والذي طالب المتحدث باسم حزب العمال تحويله الى «صندوق سلام»، والكشف عن تفاصيل الجهات التي تتلقاه وعلاقتها بحقوق الإنسان. وهي نقطة تستحق التوقف عندها لمراجعة سياسة بريطانيا الخارجية، المتميزة بازدواجية المعايير، تجاه بلداننا، بشكل خاص، تحت برقع «الديمقراطية»، ومساندة الأنظمة الاستبدادية في آن واحد.
وبلغت المناقشة قمة المفارقة حين تحدث إيرل هاو، وزير الدولة، وزارة الدفاع، ونائب رئيس مجلس اللوردات، مؤكدا أهمية تعزيز آليات العدالة الانتقالية، التي يمكن أن تشمل لجان الحقيقة، والعمليات القضائية، وآليات التعويض للضحايا، واعتبارها أمر أساسيا في عمل الحكومة البريطانية. واستطرد متحدثا عن تقديم «الدعم المباشر لمشاريع المصالحة المحلية على الأرض». مثالها: تمويل عملية مصالحة، في سهول نينوى وكركوك في العراق، والتي تشمل أحداث المجتمع المدني! ولم يغفل مسؤول الحكومة البريطانية عن ذكر صعوبات عملهم، لأن « الصراعات تصبح أكثر تعقيدًا يومًا بعد يوم: تصبح أكثر تدويلًا، وتصبح مجموعاتها المسلحة غير الحكومية أكثر تجزؤًا، وتصبح اقتصادات الحرب التي تنشئها أكثر قوة. « وهو، باختصار شديد، شكل آخر من أشكال التدخل الخارجي المهدد للسيادة الوطنية.
ما الذي يعنيه نقاش إضافة «المصالحة « الى السياسة الخارجية البريطانية بالنسبة الينا؟ انه يعني شيئا واحدا: قناع جديد لوجه قديم. استخدام مفاهيم نبيلة كالمصالحة والعدالة الانتقالية وتعويض الضحايا كأذرع للتدخل والاستغلال والقاء اللوم على اهل البلدان الأصليين لتغطية جرائم الغزو والاحتلال والتدخل في الشؤون الداخلية. ولمن يعاني من ضعف الذاكرة نذكر ان تأسيس الكيان الاستيطاني الصهيوني تم بوعد بلفور البريطاني، وان بريطانيا كانت شريكة أمريكا في غزو وتخريب العراق. واذا ما كانت جادة في تضمين المصالحة في سياستها الخارجية وبروح التسامح المسيحي الذي يدعو اليه رئيس الأساقفة،، مع الإقرار بحسن نية عديد القساوسة في الغرب، فالأجدر بها ان تبدأ بالاعتراف بجرائمها وتعويض ضحاياها.

كاتبة من العراق

 

 

بين التمييز الطائفي والتمييز

العنصري ـ العراق نموذجا

 

هيفاء زنكنة

 

قدم «مركز جنيف للعدالة»، في الاسبوع الماضي، تقريرا الى لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري ،في دورتها الحالية، المنعقدة من 26 تشرين الثاني/نوفمبر الى 14 كانون الأول/ ديسمبر. وقد ناقشت هذه اللجنة مذكرة الحكومة العراقية حول الحقوق الملزمة لكل الدول الاعضاء الموقعة على اتفاقية القضاء على التمييز العنصري.
تقرير مركز جنيف مهم ويستحق الدراسة لأنه يقدم منظورا جديدا لانتهاكات حقوق الانسان. فهو يستند في جوهره على المعلومات والوثائق والشهادات المتراكمة لديه اما كمصدر رئيسي أو غير رئيسي من تقارير المنظمات العراقية أو الدولية الحقوقية عن حال حقوق الانسان المنتهكة، بشكل يومي بالعراق، منذ الاحتلال. ويكاد يكون هناك شبه اجماع حول عجز الحكومة العراقية عن حماية حقوق المواطن لكونها حكومة فاسدة مبنية على المحاصصة الطائفية والعرقية، حتى بات ساسة الحكومة، أنفسهم، يستخدمون ذات اللغة في تصريحاتهم لا لتحسين اوضاع المواطنين بل لاستهداف بعضهم البعض.
يعزو المركز، سبب فشل الحكومة في التعامل مع المواطنين، وكونها سببا بالحاق الأذى بالمواطن بدلا من حمايته، وبالتالي تدهور عموم الوضع السياسي والاقتصادي، الى سياسة التمييز العنصري التي تمارسها الحكومة وتنعكس على الحياة اليومية بكل جوانبها. لتثبيت وجهة نظره هذه يلجأ المركز الى محاججة قانونية تستند الى دلائل مستخلصة من تقارير الأمم المتحدة نفسها بالاضافة الى الشهادات والافلام التي حصل عليها من خلال تعاونه مع العديد من منظمات المجتمع المدني داخل العراق وخارجه، ليعيد الى الاذهان استخدام التعبير ذاته لوصف الحال في جنوب أفريقيا، سابقا، وحكومة الاستيطان الصهيوني، حاليا.
يبدأ التقرير بمناقشة المقصود بتعبير التمييز العنصري ثم يحاول اثبات ممارسته، بالعراق، استنادا الى سياق القانون العراقي والدستور. اذ ينص تعريف اتفاقية القضاء على التمييز العنصري على ان «التمييز العنصري» هو «أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفصيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة».

يجب إجراء تحقيق دولي شامل ومستقل فيما يتعلق بجميع حالات إساءة المعاملة والتمييز وجميع انتهاكات حقوق الإنسان الأخرى في العراق، والا تقتصر على جرائم «الدولة الإسلامية»، حسب قرار مجلس الأمن، اذا ما أريد وضع حد لمعاناة الشعب العراقي وتحقيق العدالة بشكل حقيقي

يستوقفنا هنا عدم ذكر التمييز القائم على أساس المعتقدات الدينية والذي يستند اليه المركز في محاججته بأن العرب السنة وعدد من الأقليات معرضين للتمييز العنصري. لمحاججة هذا الاستثناء، يذكر المركز بأنه «في السياق العراقي يثير مفهوم التمييز العنصري في كثير من الأحيان التمييز على اساس المعتقدات الدينية. وبالنسبة للعديد من المجموعات العرقية، فان الدين يشكل جزءًا لا يتجزأ من هويته العرقية، وبالتالي فإن التمييز ضدّ مجموعة ما، والذي قد يستند إلى موقفٍ ديني، قد يصبح بالفعل تمييزاً على أساس العرق». مستندين الى سابقة مهمة وهي استخدام اللجنة الأممية (لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري) لمصطلح «الأثنية ـ الدينية»، في تقريرها السابق عن العراق، عام 2014، لوصف الحالات.
لا يغفل التقرير مسؤولية الاحتلال الانكلو أمريكي في مأسسة التمييز الطائفي والعرقي أثر الغزو عام 2003، خاصة حين لجأ الحاكم العسكري الأمريكي بول بريمر الى تقوية مركزه عبر اعلانه « التشاور مع المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني حول أي مسألة تتعلق بالعمل والسياسات الحكومية، من تكوين الحكومة إلى محتويات الدستور الجديد» متوصلا الى ان «التماس الرأي العام من رئيس جماعة دينية واحدة في اتخاذ قرارات السياسة العامة يتعارض مع المُثل الديمقراطية المتمثلة في المساواة في الحقوق والتمثيل العادل لجميع الآراء في صنع القرار الحكومي». مع ملاحظة أن مسؤولي الأمم المتحدة، خاصة، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، يواصلون هذا المنحى على الرغم من تناقضها مع دور الأمم المتحدة كجهةٍ محايدة وعلى الرغم من معارضة « العديد من السياسيين العراقيين، بمن فيهم أعضاء (من الشيعة) في البرلمان. إنهم يعتقدون أن إعطاء قائد ديني، هو نفسه لم يدّعِ أبداً أي خبرة في قضايا الحكم، مثل هذه السلطة الرسميّة سيكون عائقاً امام التطور السليم للنظامٍ الدستوري وسيادة القانون».
وعلى الرغم من أن الدستور العراقي (2005) يحظر التمييز العرقي، إلاّ أن نظام التمثيل الطائفي أصبح هو الاساس في توزيع المناصب في الدولة من رئيس الدولة الى الوزارات الى أبسط الوظائف بل والى تقديم الخدمات على اساس تمييزي ايضا. حيث حلّت المحاصصة الطائفية محلّ الكفاءة، ومع مواصلة تشريع القوانين لصالح الشيعة والأكراد (باعتبارهما ابناء المظلومية)، ومع بروز ظاهرة الانتساب الى « أهل البيت» ومعاملة المنتمين اليه بمحسوبية متطرفة، بات بقية المواطنين مهمشين في بلدهم ويتعرضون للتمييز. ويستخدم المركز لتعزيز وجهة نظره حول المقصود من تعبير التمييز العنصري «لذلك، فأن ما قد يبدو في البداية أنه تمييز على أساس الدين، وهو ما لا تشمله الاتفاقية، هو في الواقع تمييز على أساس النسب او الانحدار، والذي تغطّيه الاتفاقية». ويفصل التقرير التزامات الدول بموجب الاتفاقية مثبتا اخلال العراق بها، خاصة من خلال فشل الحكومة في القضاء على التمييز بكافة أشكاله، ووجوب عدم الانخراط أو رعاية أو حماية «أي عمل أو ممارسة للتمييز العنصري» بل حماية المواطنين وتوفير المساواة أمام القانون».
يقدم التقرير أدلة موثقة عن انتهاكات الحكومة اما بشكل مباشر او غير مباشر بواسطة الميليشيات المسلحة المسكوت عن جرائمها، ومن بينها اعتقال واحتجاز الأفراد على أساسٍ طائفي خالص وأن غالبية المُعتَقلين، من العرب السنة، يُحتَجزون في سجونٍ سرّية حتى لا تعرف أسرهم مكان احتجاز المُعتقل، ليثبت ان الحكومة لا تمتثل للمادة 2 من الاتفاقية التي تنص على استخدام «كل الوسائل المتاحة لها» لإنهاء التمييز العنصري. يخلص التقرير الى ان الحكومة والميليشيات المدعومة يستهدفون، كسياسة عامة « العرب السنة باختطافهم، وتهديد وقتل قادتهم الفكريين والدينيين والاجتماعيين، وإهانة رموزهم، وتدمير أو حرق أماكن عبادتهم (المساجد)».
يقدم المركز عدة توصيات مهمة موجهة الى الحكومة لوضع حد للتمييز العنصري وحالة امتهان الكرامة التي يعيشها المواطن، من بينها: الغاء الميليشيات، اصدار قانون لمنع خطاب الكراهية من قبل المسؤولين، والغاء محاصصة المراكز القيادية. أما بالنسبة الى الأمم المتحدة، فيجب إجراء تحقيق دولي شامل ومستقل فيما يتعلق بجميع حالات إساءة المعاملة والتمييز وجميع انتهاكات حقوق الإنسان الأخرى في العراق، والا تقتصر على جرائم «الدولة الإسلامية»، حسب قرار مجلس الأمن، اذا ما أريد وضع حد لمعاناة الشعب العراقي وتحقيق العدالة بشكل حقيقي.

كاتبة من العراق

 

 

جائزة «كتاب فلسطين»

وتفنيد الرواية الصهيونية

 

هيفاء زنكنة

 

كيف يمكن مواجهة وتحدي السردية ـ الرواية الصهيونية السائدة، عن تاريخ وحاضر فلسطين، عن شعب يمارس عشرات الانواع من المقاومة، اليومية، لمحتل يبني وجوده على رواية خيالية وهمية للتاريخ الفلسطيني، تستمر في تعريف التفكير السائد في أجزاء كثيرة من العالم، خاصة في الغرب؟ ما هي سبل تفنيد الرواية الصهيونية المهيمنة دعائيا واعلاميا، لئلا يعيد التاريخ الوهمي انتاج نفسه؟
عن هذه التساؤلات المهمة، تحدث رمزي بارود، المستشار الاعلامي ومؤلف كتاب «الارض الأخيرة: قصة فلسطينية»، في كلمته، كمتحدث رئيسي، في احتفالية جائزة «كتاب فلسطين» الدولية، لعام 2018، التي تمنحها «ميدل إيست مونيتور»، في المملكة المتحدة، منذ عام 2011، لأفضل كتاب جديد صادر بالإنكليزية عن فلسطين.
استلمت لجنة التحكيم التي تضم خمسة خبراء 44 كتابا عن فلسطين صدرت هذه العام وتراوح في موضوعاتها بين الاكاديمي والروائي والفني والمذكرات والسيرة الذاتية بالاضافة الى كتاب عن الطبخ الفلسطيني وكتاب للاطفال. تمنح الجوائز عادة الى تصنيف يضم الكتاب الاكاديمي والسيرة / المذكرات والادبي / الفني مع ترك الباب مفتوحا امام الكتاب الجيد ليفرض نفسه، أيا كان موضوعه إذا حدث وكان خارج التصنيف المحدد. لاحظت لجنة التحكيم ان ما يميز الكتب المستلمة، هذا العام، عن غيرها من الاعوام السابقة، وجود نسبة من الكتب المترجمة من العربية الى الانجليزية، وهي مسألة ذات دلالة مهمة خاصة وان حركة الترجمة الى اللغة الانكليزية (من اي لغة كانت، فكيف بالعربية، قليلة حتى بالمقارنة مع بقية اللغات كالالمانية والاسبانية. شجع هذا الزخم النسبي لجنة التحكيم على التفكير باضافة جائزة اخرى تكرس للكتب المترجمة.
يستحق استلام 44 كتابا عن موضوع واحد، التوقف عنده، خاصة إذا كان الموضوع عن قضية، تصرف ملايين الدولارات لمحاربتها، بشكل يومي، سواء من قبل اجهزة الاعلام والمنظمات الصهيونية، مباشرة، أو منظمات الرصد والمراقبة الناشطة في الجامعات ومراكز البحوث، واتهام كل من يتناول القضية الفلسطينية بالبحث او التأليف أو الدفاع حتى عن أبسط حقوق الشعب الفلسطيني، بتهمة «معاداة السامية» الجاهزة مثل ملصق رخيص. النقطة الثانية التي تستحق الذكر هي ان مؤلفي هذه الكتب هم ليسوا بالضرورة فلسطينيين، بل غربيين، من المملكة المتحدة وأمريكا وفرنسا وايطاليا، مما يؤكد حقيقة تستميت «دولة المستوطنة» في انكارها، وهي ان القضية الفلسطينية في جوهرها، قضية نضال من اجل العدالة.

كيف يمكن مواجهة وتحدي السردية ـ الرواية الصهيونية السائدة، عن تاريخ وحاضر فلسطين، عن شعب يمارس عشرات الانواع من المقاومة، اليومية، لمحتل يبني وجوده على رواية خيالية وهمية للتاريخ الفلسطيني؟

منحت الجائزة الاولى المكرسة للانجاز الاكاديمي مشتركة الى د. مها نصار، عن كتابها «إخوة متباعدون» و كولن أندرسن عن «بلفور في قفص الاتهام». تناولت نصار، الأستاذ مساعد في كلية دراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في جامعة أريزونا، كيفية قيام مثقفي الداخل الفلسطيني بالتواصل مع بقية الفلسطينيين في المنفى بالاضافة الى العرب، ومحاولاتهم لكسر نطاق العزلة المحيطة بهم. كتاب نصار حصيلة بحث سنوات في وثائق ونصوص أرشيفية بالاضافة الى مقابلات مثقفين عاشوا تلك التجربة منذ النكبة وحتى منتصف الستينات.
أما كتاب «بلفور في قفص الاتهام» فقد تم اختياره من بين عدة كتب عالجت موضوع وعد بلفور. وهو يصف عقودا من الخيانة والخداع ضد الشعب الفلسطيني وبالتحديد من قبل الحكومة البريطانية، بدءاً من آرثر بلفور و«إعلانه». يتم ذلك من خلال سيرة حياة الصحافي، جي أم جيفريز، الذي كشف عن الخيانة من خلال المقابلات والأبحاث في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي التي نشرها بكتابه المعنون «فلسطين: الواقع»، كاشفا بشكل توثيقي دقيق كيفية اقناع الصهاينة السياسيين البريطانيين والحكومات المتعاقبة لمساعدتهم على تحويل فلسطين ذات الاكثرية العربية إلى دولة يهودية.
نال د. رجائي بصيلة جائزة «أفضل كتاب مذكرات» عن كتابه «في أرض ميلادي: طفولة فلسطينية»»، عن الحقبة الزمنية التي سبقت عام النكبة 1948. كما تم تكريم د. سليم تماري، رئيس تحرير «فصلية القدس» وأستاذ علم الاجتماع في جامعة بيرزيت بجائزة «إنجاز العمر» لمساهماته المتميزة في التاريخ الاجتماعي لفلسطين. عن دراساته، يقول تماري: «أركّز دراساتي حول حداثة فلسطين والتحوّلات الاجتماعية، وبشكل خاص بروز الهوية الفلسطينية عند نهاية الفترة العثمانية. وكذلك طبيعة هذه الفترة والعلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة إبّانها. وعلاقة فلسطين مع البلاد الشامية والسلطنة العثمانية». وكان كتابه «المذكرات الجوهرية»، المكون من جزأين، وحرره رفقة عصام نصار، قد فاز بجائزة افضل كتاب مذكرات لعام 2014. وتتميز كتب تماري بتركيزها على سير ومدونات اشخاص مغمورين سياسيا. فجوهرية، مثلا، موسيقار نشر الموسيقى الشعبية بشكلٍ واسع في فلسطين، ودوّنها. كما قام بتدوين مشاهداته في بداية القرن العشرين في فلسطين. ولعل الاهتمام بتفاصيل حياة الناس العاديين «يسمح بالكشف عن جانب من النسيج الاجتماعي والثقافي العربي. الجزء الذي لا نقرأه في التاريخ الرسمي»، كما يقول تماري، هو ذاته الذي يدعو اليه رمزي بارود لأستعادة الرواية الفلسطينية وتفنيد الرواية الصهيونية التي تحركها دعائيا، اذ « يجب أن تركز القصة، الآن، بشكل كامل، على حياة ووجهات نظر الأشخاص العاديين ـ اللاجئون، والفقراء، والطبقة العاملة الفلسطينية». وليست هذه مسؤولية وواجب الفلسطينيين لوحدهم بل مسؤولية» كل من يرغب بتقديم فهم حقيقي لنضالنا التاريخي».
ان احتفالية « جائزة كتاب فلسطين»، بالكتب الصادرة باللغة الانجليزية عن فلسطين، وتكريم مؤلفيها، للسنة السابعة، هو خطوة عملية، بعيدة عن الرطانة الرسمية السائدة، لدعم نضال الشعب الفلسطيني، من خلال تشجيع الكتاب والناشرين على انتاج المزيد من الكتب عن فلسطين. كتب تتوخى البحث العلمي الرصين في الرواية السائدة، اعلاميا وسياسيا، لتبرير احتلال بلد وتطهيره من سكانه الاصليين. انها، ايضا، كتب توثق الحضور الفلسطيني وتفاصيل الحياة اليومية من خلال اليوميات والمذكرات والكتابات الأدبية، شعرا وقصة ورواية. انها بداية رحلة يعمل منظموها وكل المساهمين في رعايتها على استمرارها على الرغم من كل الصعوبات.

كاتبة من العراق

 

 

«رعاية الماضي وتدمير المستقبل»:

شراكة النفط البريطانية

والمتحف البريطاني حول العراق

 

هيفاء زنكنة

 

ما الذي اراده عدد من الناشطين حين دخلوا المتحف البريطاني وأدعوا بانهم لجنة ترحيب من شركة النفط البريطانية بريتيش بتروليوم (BP) ووقفوا يتبادلون الانخاب وهم يشربون، بدلا من النبيذ والشمبانيا، أقداحا من «النفط»، اثناء العرض الخاص المقام للصحافيين خلال افتتاح واحد من اهم المعارض عن حضارة آشور بعنوان حيث افتتح المتحف البريطاني اخيرا معرضا بعنوان «أنا آشور بانيبال ملك العالم ملك آشور» عن الامبراطورية الآشورية، ومركزها نينوى، شمال العراق؟ ما علاقة شركة النفط بالمتحف العريق؟ ولم الاحتجاج على معرض يبين للعالم حضارة وتراث العراق بعيدا عن السياسة والحروب؟
النقطة التي استرعت انتباه الناشطين ودفعتهم إلى تنظيم الاحتجاج بشكل مبتكر الاحتجاج هي وجود شركة النفط البريطانية «بريتيش بتروليوم» كجهة ممولة للمعرض. «ووفقاً لوثائق الحكومة البريطانية الصادرة في عام 2011، كانت شركة بريتش بتروليوم مستقتلة للدخول إلى العراق قبل غزو عام 2003، حيث «مجال النفط الكبير». إن تركيز الشركة على اهتماماتها ضمن خطط الغزو البريطانية يجعلها متواطئة في حرب أسفرت عن مقتل مئات الآلاف من العراقيين وتشريد الملايين، حسب تصريح الناشطين.
المسألة، اذن، أعمق بكثير من مجرد دعم جهة ما لنشاط ثقافي ـ حضاري بريء يهدف إلى التعريف بالحضارة وبناء الجسور بين الشعوب. ومبادرة الناشطين الاحتجاجية ليست نزوة مؤقتة بل سيرورة عمل يحمل أبعادا تضيء جوانب متعددة من نشاطات وفعاليات ثقافية ـ فنية، غالبا ما يتم تسويقها بشكل «انساني ـ حضاري». هذه النشاطات تقع ضمن ما يمكن توصيفه بانه جزء من عولمة «الاحتلال». اذ يقوم المحتل بتخريب بلد ما، ثم يسارع إلى «التبرع» بمساعدته «انسانيا» و«اعادة» بنائه بعد ان يجني عقودا خيالية، عرفانا بالجميل من الساسة المحليين، الفاسدين، الذين قام بتنصيبهم. هكذا أصبح احتلال الدول الغنية بمواردها، كالعراق، مهنة/ صناعة مربحة إلى أقصى حد، وأقلها تكلفة خاصة بعد أن أقنع المحتل، وهو خليط من سياسيين وصناعيين وتجار اسلحة وشركات نفط احتكارية وأكاديميين، الساسة العراقيين برعاية ما بذره من فتن عرقية ودينية ومذهبية.
للترويج لهذه الصناعة المؤسساتية العالمية، ولئلا تتهمهم شعوبهم بان دماء الشعوب المستعبدة تلطخ ايديهم بالدماء، يضطر محتكرو صناعة الاحتلال والحروب، إلى انجاز بعض «الاعمال الخيرية» لأهل البلد المحتل، معتمدين في الغالب على سذاجة أو طيبة أو خبث بعض من يعمل عندها في أقسام الإعلام والثقافة. فهناك جدوى دعائية واضحة مثلا في مساعدة خمسة من ذوي الاحتياجات الخاصة أو جلب ضحية تفجير في البلد الذي خربوه إلى أوروبا للعلاج، او جلب أكاديمي لحمايته من «الحرب الاهلية» في بلده، أو اقامة معرض عن «السلام» في سفارة بلد الاحتلال أو، على المستوى العالمي، رعاية مؤسسات ثقافية، ذات سمعة جيدة. هذه نماذج من نشاطات، شهدناها بصدد العراق منذ احتلاله، عام 2003، وصاحبتها تغطية إعلامية واسعة، تهدف إلى تبييض افعال الجهات المساهمة في الاحتلال وما سببته من خراب. وليس هناك مثالا افضل، في الوقت الحالي، من التعاون القائم بين «بريتيش بتروليوم بي بي» والمتحف البريطاني.

إن تركيز شركة النفط البريطانية بريتيش بتروليوم على اهتماماتها ضمن خطط الغزو البريطانية يجعلها متواطئة في حرب أسفرت عن مقتل مئات الآلاف من العراقيين وتشريد الملايين

قام المحتجون اثناء تواجدهم داخل المتحف باستقبال بشرب «شمبانيا النفط» لجلب الانتباه إلى العلاقة المشينة بين شركة النفط والمتحف البريطاني الذي «يسهّل تبييض أعمال الشركة في العراق، من خلال السماح للشركة برعاية معرض يقدمها كراع حميد وحارس للتراث العراقي» حسب بيان وزعه الناشطون توضيحا لاسباب احتجاجهم. من بين الاسباب الأخرى: مسؤولية بريتيش بتروليوم وشركات نفط أخرى عن التلوث البيئي ومنه تلوث المياه. كما أدت سياسة الشركة في تشغيل العمال الاجانب بدلا من العراقيين إلى تفاقم تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي، اذ بينما يمثل قطاع النفط 89٪ من ميزانية الدولة و99٪ من عائدات التصدير العراقية، إلا ان 1٪ فقط من الوظائف تمنح للعراقيين.
لم يكتف الناشطون بالاحتجاج على الدور الذي يلعبه المتحف البريطاني في استخدام الثقافة والتاريخ العراقيين لتغطية أعماله المشينة، وتبييض ممارسات شركة النفط، فقط، بل اعلنوا تضامنهم مع المتظاهرين في داخل العراق من اجل اساسيات الحياة ثم أوضحوا مطالبهم من المتحف البريطاني، المتضمنة إنهاء رعاية وتمويل شركة بي بي لمعارض المتحف البريطاني وبالتالي عدم الترويج لشعارات الشركة في المتحف. وقام الناشطون باعادة صياغة شعارات الشركة الترويجية وتقديمها بمضامين تفضح سياستها في العراق. من بين شعارات الناشطين المبتكرة، بذكاء، وقاموا باطلاقها باسم الشركة: «نحن على استعداد للقيام بكل ما يلزم للحفاظ على السيطرة على ثروة المنطقة ومواردها» و«نحن سعداء لأننا كنا قادرين على وضع اهتماماتنا في قلب غزو المملكة المتحدة للعراق عام 2003»، ولعل الشعار الاكثر اقترابا من واقع ما حققه الغزو هو «رعاية الماضي وتدمير المستقبل».
وبينما أكد متحدث باسم المجموعة أهمية أن ينهي المتحف رعاية الشركة، أثار في الوقت نفسه تساؤلا في غاية الاهمية حول وجوب افصاح المتحف عن «كيفية الحصول على القطع اللازمة لهذا المعرض»، خاصة وان القطع الأثرية المنهوبة من العراق منتشرة بأمريكا واوروبا وتباع، أحيانا، بشكل علني في المزادات العالمية، وكان آخرها الجدارية الآشورية المنهوبة من قصر ملكي آشوري، بمحافظة نينوى، قرب الموصل، شمال غرب العراق، ويعتقد أنها تعود للفترة 883 ـ 859 قبل الميلاد، وتم بيعها بمزاد كريستي بنيويورك.
«لن نسمح باستغلال الثقافة العراقية، خاصة، من قبل الجهات التي ساهمت في هذا الدمار»، كرر الناطق باسم المجموعة الجريئة التي نجحت في اثارة الاهتمام بقضية جوهرية يحاول الكثيرون اخفاء حقيقتها تحت ستار رعاية الثقافة والفن والحضارة والمساعدة الإنسانية. وهي حقيقة غزو العراق من أجل الهيمنة على نفطه كسبب أولي. واذا كان المساهمون في تدمير العراق قد خدعوا الناس لفترة الا ان دماء الضحايا الابرياء ستبقى ملتصقة بأيديهم « وﻟـﻦ ﺗﺘﻤﻜﻦ ﻛﻞ ﻋﻄﻮر الجزيرة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻣـﻦ إزالة رائحتها»، اذا ما استشهدنا بمقولة ليدي ماكبث، البطلة الشكسبيرية، التي اصابتها لوثة مرأى دماء ضحيتها على يديها.

كاتبة من العراق

 

 

 

تصنيع جيل الشباب حسب

الطلب في البلاد العربية!

 

هيفاء زنكنة

 

في فيلم وثائقي تونسي قصير عرض منذ أيام في مهرجان قرطاج السينمائي عن تأسيس الفرقة السيمفونية للشباب، عنوانه «اسمعني»، يقول أحد العازفين ردا على سؤال عما يريد أن يفعله مستقبلا، ما معناه «أريد أن أسافر، أن اغادر تونس».
يحيلنا جواب كهذا الى أسئلة عدة تنتصب امام عيوننا عن علاقة جيل الشباب بما يدور حولهم، سياسيا، وموقفهم من جيلنا، جيل الآباء، خاصة من كان منهم ناشطا سياسيا. كيف، اذن، يرى الشباب الجيل الاقدم/ الأكبر سنا، سياسيا، بعيدا عن الاحترام التقليدي المرتبط بالتقدم في السن المتجذر بالتربية العائلية والقرابة والموروث الاجتماعي والدين؟ كيف يرانا بتجربتنا التي تمتد عقودا في الماضي ولا يعرفها الجيل الحالي الا عبر رواية من سبقهم وبلا معايشة حقيقية؟ كيف يرانا من هم جزء منا الا انهم باتوا يعاملون كـ»آخرين» أو كطبقة شبه منفصلة عنا؟
لا توجد دراسات او تقارير للإجابة على هذه التساؤلات وان نشرت، خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة، مئات التقارير الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة، بكافة فروعها، ومنظمات دولية أخرى، عن الشباب، الذين تعرفهم المنظمة أنهم الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة. كما مضت المنظمات الدولية أبعد من ذلك بتأسيسها فروعا مختصة بشؤون الشباب، وحددت الأمم المتحدة يوم 12 آب/ أغسطس، من كل عام، للاحتفال بالشباب والدور المهم الذي يلعبونه في مجتمعاتهم حول العالم. وهي خطوات نبيلة، حقا، لو لم تقتصر، غالبا، على المشاركة « الاحتفالية»، التي تقوم بها الحكومات كجزء من بروتوكولات توقيع الاتفاقيات، الباقية أبد الدهر حبرا على ورق، أما بسبب هيمنة الدول العظمى على آلية تطبيق الاتفاقيات أو بسبب طبيعة الحكومات الاستبدادية، وسياساتها التي لا تقيم وزنا لشعوبها، بل تستخدم توقيع الاتفاقيات كأداة تزويقيه لنيل رضى الدول العظمى. مع ملاحظة ان الدول العظمى، نفسها، لا تقيم وزنا لهذه الاتفاقيات من ناحية الممارسة العملية. فالتعذيب لايزال يمارس، بأبشع صوره، حسب سياسة الحرب على الإرهاب، مثلا، مع بعض التنويع على الرغم من وجود اتفاقية «مناهضة التعذيب». فالولايات المتحدة لا تعذب معتقليها، بنفسها، بل تنقلهم الى سجون عربية وأفريقية، لتعذيبهم بالنيابة. وتوفر لنا مراجعة كيفية تطبيق الاتفاقيات عديد الأمثلة حول ممارسات لا إنسانية لا تزال تمارس في معظم بلدان العالم في ظل الإفلات من العقاب.
من خلطة الرؤية «النبيلة» للمنظمات الدولية وخشية الدول العظمى من وصول «الإرهابيين الشباب» اليها، بعد اعلان أدارة الرئيس الأمريكي «الحرب على الإرهاب»، ومع تصاعد حراك «شباب الربيع العربي»، ولد الاهتمام الدولي المكثف، غير المسبوق، بالشباب العربي، كظاهرة متميزة، كأن الشباب لم يكونوا موجودين سابقا. كأن من تجاوزوا حدود عمر (15 ـ 24) لم يكونوا أطفالا ولن يكونوا… ماذا؟ بصراحة، لا اعرف ما هو تصنيف من هو أكبر من 24 عاما. وان كنت متأكدة ان منظمة الأمم المتحدة ستجد لهم تسمية ما قريبا لتميزهم عن البقية في تقاريرها ومؤتمراتها.

الشاب الفلسطيني الذي يضحي بحياته يقف جنبا الى جنب مع والديه وأهله ورفاقه في الاعتصامات. كلهم يحملون ذات المبدأ ولا يشكل تقدم العمر حاجزا يفصلهم

أصبح «الشباب العربي» أو «الشباب في البلدان العربية»، فجأة، عنوانا لتقارير واحصائيات واستفتاءات ومؤتمرات وورشات تدريب. يكاد لا يخلو نشاط حكومي، أجنبي أو محلي، أو نشاط منظمة مجتمع مدني، أجنبية أو محلية، من ملامسة موضوع « الشباب» بشكل أو آخر.
احتلت مفردة « الشباب» مكان مفردة « المرأة» التي كانت شائعة لدى المنظمات الباحثة عن التمويل والدعم في الثمانينات من القرن الماضي، كما احتلت موقع مفردة « الديمقراطية» التي كانت لازمة ضرورية قبل وبعد احتلال العراق، مباشرة، وأزاحت مفردة «الإرهاب» التي التصقت بمعظم نشاطات العقد الأخير، من السياسية والاقتصادية الى الفكرية والثقافية. هذا لا يعني، ان مفردة « الشباب» كانت غائبة عن اللغة. الا انها لم يحدث ونالت هذا الاهتمام المركز، سابقا، من ناحية تنظيم المؤتمرات والورشات الدولية والنشاطات المحلية، الى حد اختلاق موضوعات وهمية، أحيانا، لكي يتم تضمين عنوان « الشباب». يقول مدربان تونسيان معتمدان من كلية موظفي منظومة الأمم المتحدة للعمل على التخطيط في مجال حقوق الإنسان والإدارة المستندة إلى النتائج، عام 2015: «هذه هي المرة الأولى التي ندرب فيها جمهوراً من الشباب وإنها حقاً لأول مرة في تونس!» وضمت الورشة متدربين من عشرين منظمة بمسميات تحمل كلها تقريبا مفردة «الشباب».
إزاء هذه المعطيات، والدفع القوي نحو تشكيل صورة لدور مستحدث، ما هو موقف بقية الناس البالغة نسبتهم 70 بالمئة من نسبة «الشباب» الذين يمثلون 30 بالمئة من مجموع 370 مليون نسمة، بعد ان أصبحوا شريحة تكاد تكون منفصلة عن البقية؟ وهل هناك تمايز حقيقي يصل حد القطيعة بين الأجيال، كما يقال لنا، أو اننا على وشك السقوط في فخ تصنيع تفتيت آخر؟ وما هي كيفية الخروج من المياه الراكدة التي بتنا مصنفين تحتها لأننا «هرمنا» كما صرخ الكهل التونسي الهائم في شارع «الحبيب بورقيبة»، بتونس، أيام الثورة الأولى؟
ليست هناك إجابات واضحة على هذه الأسئلة الا ان هناك دلائل تشير الى بعض الإجابات حول العالم العربي، على الاقل. هناك تفاوت في مواقف الشباب من شخص الى آخر ومن بلد الى آخر. فمقابل التونسي الراغب بالهجرة في قوارب الموت، وهي رغبة لا تقتصر على الشباب، هناك من يتشبث بالبقاء في تونس التي منحته التعليم ويرغب برد الجميل اليها، كما قالت العازفة الشابة في فيلم «اسمعني» وصفق لها الجمهور من كل الاعمار. والشاب الفلسطيني الذي يضحي بحياته يقف جنبا الى جنب مع والديه وأهله ورفاقه في الاعتصامات. كلهم يحملون ذات المبدأ ولا يشكل تقدم العمر حاجزا يفصلهم. انهم يعرفون جيدا ان حصار غزة وتهديد اهل القدس والخليل وإقامة الحواجز هي صناعة إسرائيلية ـ أمريكية، تهددهم منذ الطفولة وحتى الشيخوخة. آخر الحواجز هو وقف دعم منظمة الاونروا، صرح التعليم الفلسطيني. وهي ذات المأساة التي يواجهها اهل العراق واليمن وليبيا. التجهيل الممنهج هو الحاجز الحقيقي بين اهل البلد الواحد. فما الذي يعرفه الطفل العراقي الذي عاش 15 عاما تحت الاحتلال، محروما من اساسيات الحياة من الدراسة الى الرعاية الصحية الى المأوى والاحساس بالأمان. هل هو شاب بمقاييس الأمم المتحدة أم عجوز بمقاييس واقع التدهور السيزيفي العراقي؟
تشير هذه الدلائل، الى حقيقة بسيطة: حين يكون الناس في قاعدة الهرم، حيث يناضلون من اجل أساسيات البقاء على قيد الحياة والحفاظ على الكرامة، لا فرق هناك بين الشباب وكبار السن. ولن يتمكن المجتمع من تحقيق ذاته الا حين يتم جمع نسبة الثلاثين بالمئة مع السبعين بالمئة وليس تجزئتها.

كاتبة من العراق

 

 

صورة السلطان قابوس في

حضرة رئيس وزراء «المستوطنة»

 

هيفاء زنكنة

كيف نقرأ صورة السلطان قابوس، الواقف منكمشا، في قصره، في العاصمة مسقط، مع نتنياهو، رئيس « مستوطنة إسرائيل»، إزاء خارطة غير واضحة المعالم رغم كونها مضيئة؟ ما هي دلالاتها بالنسبة إلينا، كمتلقين لخبر « سري» فاحت رائحته، وكشعوب تؤمن بالعدالة وحقها القانوني والأخلاقي، بمقاومة الظلم؟ ما الذي تعنيه صورة كهذه ودلالاتها لأبنائنا، لجيل شباب باحث عن قدوة تحتذى، في خضم سرعة تصنيع الهويات، التي تضاهي سرعة إعداد وجبة مكدونالد؟
تتناول الأسئلة، أيضا، كيفية استخدام الصورة من قبل وسائل الإعلام الإخبارية التابعة للسلطة في تشكيل الأخبار والسياسة والرأي العام. كما تنظر، في حال الاحتلال الاستيطاني وحملة التطبيع الرسمية العربية المكثفة، أخيرا، بمسميات مختلفة، عما إذا ستكون دلالات الصور المنشورة جزءا من سيرورة الحملة الصليبية المسماة « خطة القرن أو السلام»، دفعا للخطيئة الأزلية التي يحملها الغرب الأوروبي ويحاول من خلالها تنظيف نفسه من عار « الهولوكوست» الذي ارتكبه ثم جعل من أرض فلسطين وشعبها قربانا لنيل الغفران. ليصبح «الهولوكوست» الغربي أداة تسويغ لتطهير عنصري، ممنهج، ضد السكان الأصليين فيما يريدون تحويله إلى «مستوطنة إسرائيل». المستوطنة العنصرية حيث « الكل متساوون إلا أن البعض أكثر مساواة من غيرهم» كما يذكر الكاتب الإنجليزي جورج اورويل في روايته الشهيرة «مزرعة الحيوانات».
بالنسبة إلى صورة السلطان. كلنا يعرف أهمية الصورة وكيف أنها، تتجاوز، أحيانا، الخطب والتحليلات، وتختزل في لقطة واحدة، قد لا تستغرق عشر الثانية، آلاف الكلمات وحقبا زمنية كاملة. فجيفارا، بصوره، لايزال حيا بيننا، والطفلة الفيتنامية الراكضة عارية بجسدها المحروق بنابالم طائرات القصف الأمريكي، لاتزال تركض باكية ألمها في أفغانستان والعراق. وصور التعذيب في « أبو غريب» أعادت إلى الأذهان ممارسات المحتل الفرنسي في الجزائر. وأسقطت صور أطفال وشباب الانتفاضات الفلسطينية، وهم يواجهون الدبابات بحجارتهم، وبطائرات الورق، أسطورة التفوق الصهيوني. ولكن، ليست كل الصور المحفورة بالأذهان تنطق بمعاناة الناس أو تخلد فعلا شجاعا ونبيلا. فبعض الصور تسبب عكس ذلك، لذلك تحتاج صورة زيارة رئيس وزراء « مستوطنة إسرائيل»، إلى مسقط، يوم 25 تشرين الثاني/ أكتوبر، وبرفقته رئيس الموساد، قراءة خاصة تتجاوز كونها حدثا عابرا أو مجرد لقطة بروتوكول رسمي. أشير، بشكل خاص، إلى صورة السلطان واقفا مع نتنياهو إزاء خارطة مضيئة إلا أنها، وهنا المفارقة، التقطت من زاوية غيبت معالمها.

تبقى دلالة الصورة الأولى والأخيرة بالنسبة إلى عموم الناس في البلدان العربية والإسلامية هي السقوط الأخلاقي الجامع بين الرجلين مهما كانت التبريرات المصاحبة لعقد اللقاءات

يظهر في الصورة، الملتقطة يوم 25 تشرين الأول/اكتوبر، إذن، رجلان: أحدهما، أي السلطان، وهو الأقرب إلى عدسة الكاميرا، عجوز، ضئيل، بحاجة إلى من يسنده، يرتدي زيا وطنيا بلون غامق. استدارة وجهه نحو يمينه تزيد من ظلمة وجهه. يتكأ بيده اليسرى على طاولة أمامه، بينما يحمل باليد الأخرى عصا رفيعة، طويلة، نهايتها حمراء. اللافت للنظر أن يده تشبه جزءا من هيكل عظمي. يؤشر بالعصا على موقع في خريطة، تحتل مركز الصورة، إلا أننا لا نتمكن من رؤية تفاصيلها. يقف بجانبه رجل أصغر سنا، ممتلئ الجسد، يرتدي بدلة غربية حديثة فاتحة اللون. يضع يده اليسرى على الطاولة بقوة، ليس استنادا بل استحواذا، بينما يؤشر بيده اليمنى على مكان ما في الخريطة. يبدو نتنياهو بكامل الصحة والسيطرة على حركة جسده بالمقارنة مع الرجل الضئيل بجانبه. ملامح وجه نتنياهو واضحة وهو يبدي اهتماما فائقا بالموقع الذي يشير إليه السلطان بعصاه على الخريطة. الرجلان وحيدان تماما في عزلة مطلقة إلا من الخريطة ووجود رف من الكتب، في زاوية بعيدة من الصورة. نفهم من نظرات الرجلين أن الخريطة مهمة جدا ويبدو وكأنهما يتبادلان الحديث عنها. هل هي لحظة اقتسام الخليج العربي؟ ترى هل منح السلطان « ضيفه» ما لا يملكه ليزيد من التوسع الاستيطاني الصهيوني اليومي على حساب الأراضي الفلسطينية، في لحظة تماهى فيها الخنوع، وهو سمة يتمتع بها الحكام العرب بامتياز، مع هلعهم من أن يصبحوا أيتاما أمام شعوبهم؟ وإلا لم الخلوة؟ أين زوجة نتنياهو ورئيس الموساد، ورئيس هيئة الأمن القومي ومدير عام الخارجية يوفال روتيم، ورئيس ديوان رئيس الوزراء يؤاف هوروفيتس، والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء العميد أفي بلوت؟
من الذي التقط هذه الصورة المهينة عمدا حيث تم تقديم السلطان بشكل قلما يراه الآخرون؟ إنها، إذا استعرنا مقولة سوزان سونتاج عن التصوير «جريمة قتل ناعمة ومناسبة لوقت محزن وخائف». أشك أن يكون المصور عمانيا أو لعله عمانيا يعرف جيدا ما يفعله. يعرف أن « الصورة مشهد تمت إعادة انتاجه أو إنشائه»، كما يقول المفكر البريطاني جون بيرغر، مما يعني أن صورة السلطان ونتنياهو لا تزيد عن كونها إعادة تشكيل للقاءات طالما تكررت سابقا، سواء من قبل السلطان أو بقية الحكام العرب، وكل ما في الأمر الآن أن اللقاءات لم تعد سرية. لم تعد تمارس كالموبقات في الخفاء. إنه فعل تطبيع علني (وهو نعت في غاية التهذيب).
الصورة، كما هو معروف، رأي. فمن هو كاتب الرأي في الصورة؟ ولمن تم توجيهها؟ إنها موجهة، إلى الجمهور الغربي والعربي ـ الإسلامي معا. فوجود السلطان العجوز ببشرته الداكنة، وزيه الوطني الغامق، وضعفه الجسدي مقابل نتنياهو ببشرته البيضاء وبدلته الغربية وفضوله المركز على الخريطة (ونحن نعرف المغزى العميق للخريطة) هو تشكيل هوليوودي جاهز، يجمع بين رجل القرون الوسطى الموشك على التهاوي إزاء رجل أبيض (هكذا يقدم المستوطن نفسه) يرتدي بدلة الغرب «الحداثية».
بالمقابل، تبقى دلالة الصورة الأولى والأخيرة، بالنسبة إلى عموم الناس في البلدان العربية والإسلامية، هي السقوط الأخلاقي الجامع بين الرجلين، مهما كانت التبريرات المصاحبة لعقد اللقاءات. إنه سقوط أخلاقي يقف بمواجهته، تحديا، شباب المقاومة الفلسطينية ومساندوهم في حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (البي دي أس) في أرجاء العالم.

كاتبة من العراق

 

 

هل يمكن تطبيق العدالة

الانتقالية في العراق؟

هيفاء زنكنة

 

يحيلنا تعدد مصادر القوة والعنف، في عراق ما بعد الغزو الانكلو امريكي، ما بين الميليشيات وأحزابها وحكوماتها، الى تنوع أساليب طمس الحقيقة، من الإعلامي التضليلي، الناعم، الى الوحشي المتبدي باختفاء المعارضين والاغتيال والاعدامات الجماعية، بعد استخلاص اعترافات تلفزيونية عن تهم مختلقة.
ذلك كله يمر بلا عقاب، على الرغم من توفر قوائم بأسماء من تم اختطافهم، وتصفيتهم من الأكاديميين والصحافيين والعلماء وأئمة المساجد اثناء وجود قوات الاحتلال، بشكل مباشر، أو غير مباشر عبر المتعاونين معه من ساسة حكومات الاحتلال. هذه القوائم موثقة من قبل منظمات حقوقية، عراقية ـ دولية، أملا في مساءلة المجرمين في مسار تحقيق «العدالة الانتقالية»، في ظل حكومة وطنية، مستقبلا. وهو مسار تم الشروع بتنفيذ نسخة مشوهة منه، أثر الغزو وتحت الاحتلال، مباشرة، فاستخدم كأداة للانتقام تحت مسمى «اجتثاث البعث»، بأيدي ميليشيات وقوى خارجية، مؤديا الى شرعنة القتل والاقصاء، بدلا من ان يستعيد العراقيون عافيتهم الوطنية والشروع ببناء البلد المهدم.
ان تحقيق العدالة الانتقالية، ليس سهلا الا انه ليس مهمة مستحيلة. ولدينا أمثلة حققت خطوات ناجحة في بلدين عربيين هما المغرب وتونس، وبالإمكان الاستفادة من تجربتيهما إذا ما اخذنا بعين الاعتبار تمايزهما الجوهري عن الوضع العراقي، اذ يتمتع كلا البلدين بحكومة وطنية تبنت مسيرة تحقيق العدالة الانتقالية للجميع بلا استثناء، عبر حقب زمنية مختلفة تمتد، في حالة تونس، الى مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار الفرنسي. ولا تكون حصرا لفئة متضررة دون غيرها، كما لا يشرف عليها ذات الساسة الذين ساهموا أو أشرفوا أو كانوا في موقع المسؤولية حين ارتكاب الانتهاكات والجرائم. وهذا ما لم يتم في العراق، حين اقتصر تطبيق كيفية التعامل مع تركة الماضي، على النظر في قضايا ضحايا النظام السابق وتعويضهم وتجاهل قضايا وحقوق مئات الآلاف من ضحايا الغزو والاحتلال على مدى 15 عاما.
مما يثير تساؤلات جوهرية عديدة حول مفهوم «العدالة الانتقالية»، لا تمس فقط انتهاكات حقوق الانسان في حقبة محددة هي الانتقال من نظام دكتاتوري الى ديمقراطي. لكنها تمس، بشكل مباشر، في حالة العراق، ساسة الحكومة « المنتخبة» حاليا، استنادا الى سؤال أكثر تحديدا وهو: هل بالإمكان تطبيق « العدالة الانتقالية» في بلد محتل؟ وهل بالإمكان تنفيذها بشكل مستقل وشفاف من قبل ساسة تعاونوا مع الاحتلال ويتحملون مسؤولية الخراب المتراكم؟ الى أي حد سيكونون قادرين على كشف الحقيقة وقد انخرطوا بطمسها بدرجة أو أخرى، متغاضين عن الجريمة الأكبر، قانونيا واخلاقيا، في جميع بلدان العالم، أي التعاون مع المحتل؟

هل بالإمكان تنفيذ العدالة الانتقالية بشكل مستقل وشفاف من قبل ساسة تعاونوا مع الاحتلال ويتحملون مسؤولية الخراب المتراكم؟

تسري هذه التهم على معظم الساسة الذين تناوبوا على استلام المناصب منذ عام 2003، ولا تستثنى منها حكومة رئيس الوزراء الجديد عادل عبد المهدي، بل ربما تعنيه أكثر من غيره لأنه كان قد درس وأقام على مدى عقود في فرنسا، وهو أدرى من غيره بمعاقبتها الصارمة للمتعاونين مع الاحتلال النازي، الى حد دفع الرئيس شارل ديغول الى تأسيس المحاكم الاستثنائية الفرنسية سنة 1944، لا بهدف محاكمة المتعاونين مع الاحتلال النازي باعتبارهم قد ارتكبوا جريمة خيانة تخل بالوطنية، فحسب، بل لوضع حد لفوضى التصفيات خارج القانون. يعرف القانون الفرنسي جريمة خيانة الوطن بانها «القيام عمدا سواء بفرنسا او بالخارج بتقديم دعم مباشر او غير مباشر لألمانيا وحلفائها او الاضرار بوحدة الامة او بحرية الفرنسيين او بالمساواة فيما بينهم». الا تنطبق هذه المواصفات على المتعاونين مع الاحتلال سواء من خارج أو داخل العراق خاصة وانه كان قد صنف بانه « محتلا» بقرار من الأمم المتحدة؟
ولا بد ان عبد المهدي يعرف سلم العقوبات الذي حدده ديغول ليضع على رأسها الحرمان من حق الانتخاب والترشح للانتخابات والحرمان من الوظيفة العمومية او شبه العمومية ومن الوظائف السيادية. وسلكت تونس المسار نفسه فكان قانون «تحصين الاستقلال» الصادر عام 1957، الذي تم فيه تعريف المتعاون، تفصيلا، بانه “كل تونسي تعمد اعانة سلطات الحماية بصفة مباشرة او غير مباشرة قبل 31 تموز/يوليو 1954… وكل من باشر وظيفا في مصالح الامن او الصحافة او الاخبار وكل من شارك في المجلس الكبير او مجالس الاعمال او المجالس البلدية… وكل من شارك في تنظيم مظاهرة فنية او اقتصادية او سياسية او غيرها لفائدة الاستعمار». وجاء الحرمان من المشاركة بالانتخابات تصويتا وترشحا والحرمان من جميع الوظائف العمومية من أولويات العقوبة. فلماذا لم يتم الأخذ بهذه العقوبات إزاء المتعاونين العراقيين مع الاحتلال بل وباتوا يحتلون ذات المناصب التي يجب ان يحرموا منها؟
هذه العقوبات تم تطبيقها، فعلا بالعراق، ولكن وفق قانون المحتل فكان قانون «اجتثاث البعث» الذي أصبح خلافا للتجربة الفرنسية بعد التحرير والتونسية (1956 ـ 2011) حملة تطهير منهجية، كما وصفها تقرير المركز الدولي للعدالة الانتقالية: «إرث مر… دروس من عملية اجتثاث البعث في العراق». وشكلت حملة التطهير الخلفية لتأسيس « الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة» في عام 2008، التي لم تضع حدا زمنيا لعملية اجتثاث البعث، وبقي عملها، كما هو معنيا بملاحقة المتهمين بالانضمام الى حزب البعث، وان تخللها النظر في إعادة المفصولين ظلما الى وظائفهم، في ظل مناورات وصفقات سياسية في فترات الانتخابات، على الرغم من اسمها المقترن الى حد ما بالعدالة الانتقالية والمفترض ان يشمل انتهاكات وجرائم الحقب السياسية المختلفة.
إن أعمدة العدالة الانتقالية ترتكز على إظهار الحقيقة والمساءلة والمحاسبة والحيلولة دون تكرار الانتهاكات وانصاف الضحايا والمصالحة وان يتم ذلك وفقا لمعايير مقررة وطنيا. وهي النقطة الأكثر أهمية التي تعيدنا الى السؤال الملح: ماذا عمن تعاون مع المحتل، وماذا عن جرائم المحتل نفسه وكل الاضرار التي سببها؟ هل بإمكان المتعاونين معه مطالبته بالتعويضات، قانونيا، من اجل انصاف الضحايا؟

كاتبة من العراق

 

 

«من هم أعداؤنا  ومن هم أصدقاؤنا»

 في العراق؟

هيفاء زنكنة *

 

«العراق هو الرابط الذي يجمع بين العديد من القضايا ـ الإسلام مقابل الديمقراطية، الغرب مقابل محور الشر، القومية العربية مقابل بعض أنواع الثقافة السياسية المختلفة. إذا نجح الأمريكيون هنا، فإن هذا سيكون ضربة هائلة لكل شيء يرمز اليه الإرهابيون «. هذه الفقرة ليست مقتطعة من خطاب للرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الإبن أو وزير دفاعه دونالد رامسفيلد، في تسويقهما شن الحرب على العراق. أنه تصريح لبرهم صالح، رئيس العراق، حاليا، حين كان رئيس وزراء كردستان، استهل به كليفورد ماي، رئيس مؤسسة أبحاث مكافحة الإرهاب، في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، محاججته حول ضرورة استمرار احتلال العراق، في مؤتمر « الجهاد في العراق» الذي انعقد بواشنطن في 5 أيلول / سبتمبر 2003. أي بعد الغزو والاحتلال الانكلو أمريكي بما يقارب الستة أشهر. لخص كليفورد طبيعة المشروع الأمريكي مصنفا اهل منطقة معينة بالعراق كإرهابيين، قائلا “أليس من الأفضل أن نستقطبهم بالعراق ونقصفهم بطائراتنا في تكريت، بدلاً من ان يعبروا الحدود الكندية والمكسيكية بحثاً عن مراكز التسوق لتفجيرها كانتحاريين؟». اعتبر كليفورد ان المقاومة ضد الوجود الأمريكي كمحتل هي تفجيرات إرهابية «تشير إلى أن جهادًا عالميًا يجري الآن ضد الولايات المتحدة ـ مع نقطة ارتكازها في العراق»، متسائلا « من هم أعداؤنا؟ من هم أصدقاؤنا؟ ما هي السياسة التي يجب على الولايات المتحدة اتباعها للدفاع عن نفسها وفي النهاية تحقيق النصر؟». هذه التساؤلات لاتزال قائمة بالنسبة الى كليفورد ماي ومن يمثلهم، كما انها تستدعي طرح أسئلة أخرى والعراق مقبل، شاء أم أبى، على وجبة ساسة لعبوا أدوارا مهمة في تسويق الاحتلال وها هم، يتسنمون المناصب بأقنعة جديدة.
فمن هو كليفورد ماي؟ وما هو مضمون رسالة برهم صالح التي استخدمها لتلخيص موقف « مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»؟ وما هو سبب الاهتمام بالعراق قبل 15 عاما؟ وماذا عن الآن؟
كليفورد هو رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (
FDD). وهي منظمة، أفرادها من المحافظين الجدد، تأسست في أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر بهدف الضغط لشن «الحرب على الإرهاب» العدوانية في الشرق الأوسط والسياسات «الموالية لإسرائيل» في واشنطن. زعمت المجموعة في البداية أنها تشن معركة إيديولوجية مع «الحركة الإسلامية المتشددة» في «حرب عالمية… تشن ضد مجتمعات ديمقراطية». بينما تدعي أن مهمتها هي «تعزيز التعددية والدفاع عن القيم الديمقراطية ومحاربة الأيديولوجيات التي تدفع الإرهاب».
تعمل المؤسسة ضد الكيانات والقوى المعارضة للمشروع الأمريكي، خاصة «مشروع القرن الأمريكي الجديد»، التوسعي للمحافظين الجدد، في جميع أنحاء العالم، فتركز في عملها، بواسطة اللوبي النشط، والمؤتمرات « الاكاديمية والفكرية»، على التحريض ضد دول معينة باعتبارها، من أبرز أعداء أمريكا، وكونها « تحتضن عقائد متطرفة تغذي الإرهاب»، مركزة معظم أنشطتها في توجيه النقد والتحريض ضد هذه البلدان، الى حد التحريض على غزوها بعد تصنيفها كمعادية للمشروع الأمريكي « الديمقراطي» والصهيوني الاستيطاني بفلسطين.

الترحيب الأمريكي ـ الصهيوني، بالرئيس الجديد وتحول مقتدى الصدر من عدو الى شريك، يدل على ان اهتمام أمريكا بالعراق، لايزال ساري المفعول

فمؤسسة « الدفاع عن الديمقراطيات» معروفة بولائها المطلق لإسرائيل، وبتوجهاتها اليمينية المتشددة، وتتلقى تمويلا من منظمة المؤتمر اليهودي العالمي. حين قدم رئيسها كليفورد ماي طلبه الأول لتسجيل المؤسسة كمنظمة غير ربحية، في أمريكا، شرح أن هدف المؤسسة هو « توفير التعليم لتعزيز صورة إسرائيل في أمريكا الشمالية وفهم الجمهور للقضايا التي تؤثر على العلاقات العربية الإسرائيلية».
بالنسبة الى العراق، شنت المؤسسة حملة قوية لتسويق غزوه أو ما يسمونه «تحرير العراق»، وفق مشروع القرن الأمريكي الجديد. ففي 23 كانون الأول (ديسمبر) 2002 ـ نشر بول كريسبو، وهو ضابط سابق في مشاة البحرية وملحق عسكري، وزميل أقدم في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، موضوعا أكد فيه ان «النصر السريع في العراق يمكن أن يحوّل الشرق الأوسط». وان «العراق هو المركز الجغرافي ومركز الثقل الإستراتيجي للمنطقة.، وقد تم «تحييده بعد ان كان نظاما مارقا»، باحثا في إمكانية جعله « حليفا محتملا». وهو ذات المنظور الذي روج له برهم صالح، ولا يزال.
علينا الانتباه هنا الى انه ليس المنظور الليبرالي الذي يسقطه العديد من المحللين السياسيين على برهم صالح، كما فعلوا مع أحمد الجلبي الذي تم تلميعه بصبغتي الليبرالية والديمقراطية، بل انه منظور المحافظين الجدد، الذي يخطئ البعض حين يظنون انه انتهى مع إدارة بوش. فمشروعهم لايزال حيا ومتجددا من خلال مؤسسات فكرية واكاديمية وإعلامية يهيمن عليها الصهاينة، حماة إسرائيل، بقوة. وتكرس دورية « الحرب الطويلة» الصادرة عن المؤسسة، جهودها لتقديم تقارير وتحليلات عن الحرب الأمريكية الطويلة (المعروفة باسم الحرب العالمية على الإرهاب). ويتم إنجاز ذلك من خلال برامج مراسليها المعتمدين، وجمع الاخبار من جميع ارجاء العالم، والخرائط، والبث الالكتروني، وغيرها من وسائط التواصل المتعددة.
يتمثل مشروع المحافظين الجدد، بأوضح صوره، اذن، عبر عمل المؤسسة الدؤوب التي ترى ان ما حدث، بالعراق « أخطاء ـ رغم أنها هامة في بعض الحالات ـ لا تزال تكتيكية وقصيرة الأجل، وليست استراتيجية وطويلة الأجل». وأن الضبابية المحيطة بالوضع العام «لم تغير الأسباب التي دفعتنا الى خوض الحرب».
ان إزالة « ضبابية الوضع « بالعراق، يتطلب وجود ساسة عراقيين يواصلون عملها، لذلك، لاحظنا سيل المقالات المنشورة في الصحافة والمواقع اليمينية المتشددة ضد الإسلام، والمؤيدة لكيان الاحتلال العنصري، المؤسسة ومعهد المبادرة الأمريكي، المهللة لبرهم صالح بعناوين على غرار « الأكثر موهبة بين السياسيين الاكراد» و « على البرلمان العراقي اختيار برهم صالح رئيسا « وانه «الأفضل « ممن يستحسن التعاون معهم، على الرغم من صلاحياته المحدودة.
من جهة أخرى، رحب خليل زاد، أحد مهندسي الاحتلال البارزين والسفير الأمريكي السابق، بفوز تحالف مقتدى الصدر والحزب الشيوعي وحصولهم على 56 مقعدا في الانتخابات، واصفا مشاركة الصدر بالعملية السياسية التي كان ضدها، سابقا، باعتبارها نقطة تحول له من « متشدد الى قائد سياسي» وهو فعل « إيجابي. لأن تعريف النجاح هو تحويل الأعداء إلى شركاء بنائين». هذا الترحيب الأمريكي ـ الصهيوني، بالرئيس الجديد وتحول مقتدى الصدر من عدو الى شريك، يدل على ان اهتمام أمريكا بالعراق، لايزال ساري المفعول، وستشهد الأيام المقبلة صراعا دمويا بينها وإيران المحاصرة اقتصاديا، من خلال ميليشياتها، ولن يكون العراقيون غير ضحايا « أخطاء» او مجرد «خسائر» ثانوية.

 

 

البيئة والوعي الجماعي العراقي

بعيدا عن ساسة العشرين في المئة

هيفاء زنكنة

 

في الوقت الذي يستمر فيه ساسة «العراق الجديد» بالصراع على المناصب وكيفية الاستيلاء على أكبر حصة من اموال النفط وعقود الاعمار، يعيش العراقيون سجناء اللحظة. يكاد يكون ارتباطهم بالمستقبل سرابا لولا حرصهم على البقاء احياء من اجل أطفالهم.
ومن يتابع صرخات الاستنجاد والاستغاثة التي يطلقها الناس، يوميا، عبر أجهزة الاعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، سيتساءل عن البلد الذي يقطنونه، وعن الحكومة التي تدير شؤونهم. وسيخطئ من يظن انهم من سكان بلد مدقع الفقر يعاني من قحط الموارد الطبيعية. وسيكون مصيبا من يعتقد ان أولياء الامر فاسدون حتى النخاع وان حياة أبناء الشعب لا قيمة لها لديهم، وانهم يدركون جيدا مدى الخراب العمراني والبيئوي والبشري الذي ألحقوه بالعراق، لذلك أبقى كل واحد منهم أبناءه وكل افراد عائلته خارج «الوطن»، حرصا عليهم، لئلا يمسهم ما يصيب بقية الناس من أمراض ومخاطر.
فقد بات البلد بفضلهم وفضل آبائهم من الغزاة، بؤرة للتلوث، بأنواعه، والامراض والاوبئة، بحيث لم تعد الصفات المستخدمة، عادة، دوليا، مثل «أزمة» لوصف التدهور البيئي، تنطبق عليه. فما يتعرض له العراق من نقص في مستوى المياه والتصحر « كارثة « سيؤدي الى ان تصبح بلاد ما بين النهرين صفحة منسية من التاريخ، حسب منظمة اليونسكو. وهي كارثة يحذر منها خبراء عراقيون من بينهم د. كاظم المقدادي ود. هيثم الشيباني ود. محمد العبيدي. كلهم خبراء بيئة يواصلون رصد الوضع البيئي والكتابة عنه توضيحا وتوعية وتحذيرا، بالإضافة الى تقديم المقترحات الهادفة الى الجهات الرسمية، على أمل توفر النية الصادقة للإصغاء والأخذ بها.
تتسم الصورة التي يوضحها الخبراء بتفاصيل مخيفة. أبرزها شحة المياه وتلوثها والمواد المشعة. شحة المياه أسبابها عديدة، تبدأ بهيمنة إيران وتركيا على مصادرها سواء عن طريق بناء السدود او تحويل مجرى الأنهار. أدت الشحة الى العواصف الترابية وما تسببه من امراض تصيب الجهاز التنفسي. كما أدت الى زيادة سرعة التصحر ووصولها نسبة خمسة بالمئة سنويا. وهي نسبة خطيرة تؤدي انعكاساتها الى اعاقة الزراعة والهجرة وتغيير أنماط العيش وتزايد نسب البطالة. تقع مسؤولية هذا الجانب من الكارثة البيئية على عاتق الحكومة التي لم يكن همها، على مدى سنوات حكمها منذ عام 2003 وحتى اليوم، وضع خطة استراتيجية لإيجاد حل لمشكلة المياه مع الدول المجاورة. وهي مشكلة بجوهرها، سياسية قانونية. وكان بإمكان الحكومة إيجاد حل لها وفق القانون الدولي.

اتخذ المواطنون، في مقاطعتهم الانتخابات ومظاهرات البصرة، خطوة ايجابية نحو الارتقاء بالوعي الجماعي من المناشدة والترجي الى أخذ زمام المبادرة

الجانب الآخر المهمل هو اعمار البنية التحتية أي محطات تحلية المياه ومجاري الصرف الصحي، وهي من أهم ما تلتفت اليه الدول، عادة، إدامة وتوسيعا حسب زيادة السكان السنوية. وقد دمر بعضها عام 1991، ونفوس العراق وقتها نصف ما هو عليه اليوم، وتم إصلاحها وتشغيلها أثناء الحصار حتى 2003. حيث لا يوجد سوى 30 محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي في العراق، تعمل دون حدود الكفاءة المقبولة. بعض المحافظات لا توجد بها محطات. أدى نقص معالجة النفايات والرمي المباشر في الأنهار، إلى مستوى عال من التلوث، مؤديا الى انتشار الأمراض التي تنقلها المياه. وقد أكدت إدارة صحة البصرة أن مياه الشرب في أكثر من 70 في المائة من المناطق ملوثة وغير صالحة للاستهلاك البشري. ورصد البرنامج الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية 60 وباءً في مناطق مختلفة من البلد. فهل يستغرب العالم حين يثور أهل البصرة ضد كل ما يمثل النظام الذي لم يفعل شيئا إيجابيا لهم على مدى 16 عاما تقريبا بل وجردهم، وهم أهل المدينة الغنية بنفطها وتاريخها الحضاري، من كرامتهم، مختزلا إياهم الى استجداء ماء الشرب وإصابة الآلاف منهم بالتسمم والاسهال؟ ارقام المصابين مذهلة. تجاوزت الأسبوع الماضي المائة ألف، حسب دائرة الصحة في البصرة.
ولاتزال المشاكل على حالها، اليوم، على الرغم من المظاهرات والاعتصامات وصرخات المواطنين المطالبة بأبسط حقوق العيش الكريم. وما يزيد الطين بلة هو تبادل الاتهامات بين الوزراء والمسؤولين في الحكومة كمحاولة لتغطية الفساد، وتبييض الوجوه من المسؤولية. فمسؤولو البيئة مثلا يتهمون وزارتي النفط والكهرباء بتلويث البيئة بسبب عدم معالجة مخلفاتهما، حيث تصرف بشكل مباشر الى مياه الأنهر، بينما ترمي الوزارتان المسؤولية على مجالس المحافظات وعدم توفر الميزانية.. الى آخر ذلك من المهاترات التي تهدف الى اشغال المواطنين بدلا من إيجاد الحلول.
وإذا كان المحتل الأمريكي ـ البريطاني هو المسؤول الأول عن التلوث الاشعاعي والكيميائي، سواء عن طريق استخدام اليورانيوم المنضب في قصفه واستهدافه العراق في التسعينيات ثم عام 2003، فأن صمت المسؤولين العراقيين، الذين اشتركوا معه بذريعة « التحرير»، يحملهم المسؤولية أيضا. خاصة وانهم ساهموا بنشر التقارير وإطلاق التصريحات المضللة عن عدم مضار الاشعاع، بالإضافة الى عدم ممارستهم صلاحياتهم لإجبار دول الاحتلال على تحمل مسؤولياتهم القانونية وتنظيف المناطق المنكوبة، بينما تدل كل البحوث والتقارير العلمية الدولية والعراقية المستقلة على تأثير الاشعاع المرعب الذي وصفه عدد من العلماء بأنه يفوق التلوث الإشعاعي الناتج عن قنبلتي هيروشيما وناغازاكي، والمتبدي، عمليا، بزيادة حالات الإصابة بأمراض السرطان والتشوهات الخلقية للأجنة، والذي يخشى انتقال مضاره جينيا، واستمرار آثاره على مدى أجيال.
ما هو الحل؟ كل الحلول مرتبطة بوضع حد للفساد المالي والإداري والاخلاقي. الفساد المعشش في عقول وأجساد المسؤولين والذي انعكس على حياة الناس بشكل مصائب تبدو وكأن من المستحيل إيجاد حل لها. فما من مشروع، مهما كان حجمه وأهميته الا وامتدت اليه أصابع السراق من اعلى منصب بالحكومة الى أصغره، لتحوله الى هيكل فارغ من الادعاءات والحشو اللفظي، ومشاريع توفير المياه الصاحة للشرب وبناء محطات التصريف وصيانة المجاري والتزود بالكهرباء، واحدة من الأساسيات المهملة تماما. وقد اتخذ المواطنون، في مقاطعتهم الانتخابات ومظاهرات البصرة وبقية المدن، خطوة ايجابية نحو الارتقاء بالوعي الجماعي من المناشدة والترجي الى أخذ زمام المبادرة. وهي خطوة، إذا ما تلتها مبادرات مجتمعية وطنية أخرى، ستؤدي بالنتيجة الى التغيير السياسي الحقيقي وليس تدوير الوجوه الفاسدة، بنسبة انتخاب عشرين بالمئة، كما يجري الآن.

٭ كاتبة من العراق

 

 

ناشطون من أجل الإنسانية…

نحن كثرة وهم قلة

هيفاء زنكنة

ما هي شرعية محكمة شعبية، يؤسسها حقوقيون عاملون في بلدان مختلفة لوضع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس الوزراء البريطاني، جنبا الى جنب، في قفص الاتهام، لمحاكمتهما بتهمة شن حرب عدوانية وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في العراق؟ وإذا كان المشروع الأمريكي ـ البريطاني لغزو واحتلال العراق، هو لتحقيق الديمقراطية، كما تم الترويج له، وإذا كانت النهايات الفعالة للممارسات الإمبريالية، ستحقق الديمقراطية، وهي ما نصبو اليه أيضا، ما هو الفرق بين المشروع الديمقراطي الإمبريالي ومشروعنا؟ 
تساؤل آخر: ما هي هذه الديمقراطية؟ ومن هم «نحن»؟ ما هي حدود المسؤولية الدولية القانونية والأخلاقية لمساعدة الشعوب المقهورة تحت أنظمة قمعية؟
ما هي مفاهيم حقوق الانسان والمساعدة الإنسانية وكيفية استخدامهما لتبرير الحرب الإمبريالية والاحتلال، من منظور عقيدة المحافظين الجدد، متمثلة بتصريح دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي، عام 2002، أن «الحرب على الإرهاب هي حرب من أجل حقوق الإنسان»؟ 
هذه بعض الأسئلة التي تثيرها د عائشة شوبكشو في كتابها الذي صدر أخيرا، بعنوان « من أجل حب الإنسانية: المحكمة العالمية عن العراق». يعالج الكتاب، بمنهجية أكاديمية، تجمع ما بين علم الاجناس البشرية والعلوم السياسية، تجربة غير مسبوقة في نطاقها العالمي وبنيتها ورقيها، ضمن تقليد «محاكم المجتمع المدني»، لكونها شبكة لا مركزية وغير متداخلة من التعاون التضامني عبر القارات. 
وهي استمرارية من ناحية المفهوم، وان بتطبيق مغاير، لمحكمة الضمير التي أسسها المفكر البريطاني برتراند راسل عن الحرب الأمريكية ضد فيتنام بالتعاون مع الكاتب الفرنسي جان بول سارتر. 
اعتمدت د. شوبكشو في مؤلفها على تجربتها الشخصية كطالبة دكتوراة، وكناشطة حضرت الاجتماع التأسيسي للمحكمة، صيف 2003، الذي استغرق ثلاثة أيام، وحضره ناشطون من جميع انحاء العالم. ولها يعود الفضل في تسجيل كل ما دار في الاجتماع من نقاشات لتدارس كيفية وآلية التأسيس. كما حضرت وساهمت بصورة فعالة في جلسات المحكمة التي تم انعقادها في 12 مدينة، حول العالم، من بينها بروكسل ونيويورك ولشبونة وكيوتو باليابان. 
الكتاب، برأيي، وثيقة مهمة، عن تجربة شارك فيها مئات الناشطين من كتاب وقانونيين وفنانين ومؤرخين، ومن بينهم حوالي عشرين عراقيا، من داخل وخارج العراق، في حقبة شهدت احتلال بلدهم وارتكاب أبشع الجرائم بحق الناس وانبثاق المقاومة. تحاجج شوبشكو الادعاءات التي استخدمت لشن الحرب، من ناحيتي القانون الدولي والإنساني، بالإضافة الى المسؤولية الأخلاقية، مستعرضة مواقف العديد من المفكرين والفلاسفة والأكاديميين، من الحرب كأداة لتغيير الانظمة، بذريعة حمايتها وتحريرها، ومواقف وشهادات اما من ساهموا في المحاكمة او وقفوا ضدها او استصغروا مدى فاعليتها. 
جاء توقيت الاجتماع التأسيسي للمحكمة، في إسطنبول، بعد ان شهد العالم في 15 شباط/فبراير 2003، أكبر مظاهرة في تاريخ البشرية تتم قبل شن الحرب وليس اثنائها. شارك فيها الملايين ضد حرب كانوا يعرفون جيدا زيف ادعاءاتها. التظاهرة التي صورها مخرج الأفلام الوثائقية الإيراني أمير أميراني في فيلمه «نحن كثرة». وهو عنوان مقتبس من كلمة الروائية الناشطة الهندية أرونداتي روي «لاتنسوا! إننا كثرة وهم قلة. هم يحتاجوننا أكثر مما نحتاجهم».
للإجابة حول سؤال شرعية المحكمة، توصل المجتمعون الى ان شرعيتها هي مقاومة الشعب العراقي للاحتلال وحين «تفشل مؤسسات القانون الدولي الرسمية في التصرف، فإن من حق وواجب المجتمع المدني العالمي تشكيل محكمة تروي وتنشر الحقيقة عن حرب العراق». مما يقتضي تأسيس محكمة ضمير، قد لا تملك قوة التنفيذ القانوني، الا انها ضرورية» لقول الحقيقة ونشرها وإنشاء سجل تاريخي بديل لاحتلال العراق، بما في ذلك المقاومة العالمية لها». وأكد الروائي جون بيرغر أهمية إنشاء مثل هذه المحكمة، «اذ يجب الاحتفاظ بالوثائق لأن الجناة، بطبيعتهم، سيحاولون تدميرها. على كل شخص أن يؤرخ الموت والدمار الذي لا يوصف الذي تجلبه. على كل شخص تسجيل المعارضة الكبيرة لهذه الحرب، بحيث لا يصبح بالإمكان نسيان الجرائم». 
بعد مرور عامين، في حزيران 2005، عقدت الجلسة النهائية، باسطنبول، حيث تم تقديم أربع وخمسين شهادة وتقرير أمام لجنة التحكيم برئاسة الروائية والناشطة الهندية المعروفة أرونداتي روي، وبحضور آلاف المساندين والناشطين في مجال حقوق الانسان. في واحدة من أكثر اللحظات المؤثرة في المحكمة، دخل عدد من الناشطين العراقيين وهم يحملون راية، بشكل شريط سينمائي، طوله حوالي 22 مترا، مكون من صور جرحى وقتلى ومشوهي ضحايا الغزو واستخدام اليورانيوم المنضب. استمرت بعض اللجان الحقوقية المشاركة في عملها ضد الاحتلال حتى اليوم. وانتظم بعضها بدعم من مؤسسة راسل للسلام في محكمة بروكسل لجرائم الحرب. كما ساهمت في جلسات كوالالمبور الحقوقية التي ادارها رئيس وزراء ماليزيا مهاتير، ويستمرون في لقاءات دورية لشبكة مناهضة الحرب التي دشنت هذا العام مشروع «شهر التضامن مع العراق». 
من بين العراقيين الذين ساهموا في أعمال المحكمة أما كشهود أو خبراء أو ناشطين أو فنانين: ايمان أحمد، نرمين المفتي، سعاد العزاوي، فاضل البدراني، سلام عمر، رضا فرحان، كريم خليل، هناء البياتي، عبد الاله البياتي، وهناء إبراهيم.
الملاحظ ان عدد العراقيين كان، خاصة، في الاجتماعات التأسيسية، قليلا. ربما لصعوبة ومخاطر السفر والظهور الإعلامي في نشاط مضاد للاحتلال مع تزايد استهداف المناوئين له. مما جعل حضورهم، هامشيا، مقتصرا، أحيانا، على تقديم الشهادات. الأمر الذي لم يعتبره المشاركون مشكلة. توضح المؤلفة: «في رأيي، لأنه كان ينظر إلى «الإنسانية» على أنها المجتمع الأكبر الذي انتهكته الحرب على العراق». فأصبحت الحرب على العراق تهديدا للعالم. و«لتوظيف لغة القانون الدولي، اعتبرت الجرائم التي ارتكبت ضد الشعب العراقي جرائم عالمية ضد الإنسانية». وكما جاء في قرار ادانة الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير «الحرب على العراق هي حرب ضدنا جميعا». مما جعل الحضور العراقي، رمزيا، وحركة المجتمع المدني العالمي تمثله من خلال الدفاع عن نفسها. وهي نقطة مهمة تستحق النقاش والمراجعة بالإضافة الى تقييم المساهمة في المحاكمة ككل، الامر الذي لم يقم به حتى الآن، أيا منا، نحن الذين ساهموا في نشاط، بات جزءا من ذاكرة التضامن الإنساني العالمي. وان نواصل التحدي بنشاط تهدف استراتيجيته، الى استنزاف الامبريالية «فلنسخر منها، بفننا، بموسيقانا، بأدبنا، بعنادنا، بفرحتنا بالحياة، بخيالنا، بكل عزمنا وبقدرتنا على رواية تاريخنا»، كما تقول الرائعة ارونداتي راي.

٭ كاتبة من العراق

 

 


قتل المرأة في العراق حلال!

هيفاء زنكنة

 

أضيفت الى سلسلة التصفيات المستشرية، في جميع انحاء العراق، أخيرا، حملة تصفية، منهجية، تستهدف نساء يعملن في المجال العام. يفصل بين ارتكاب الجرائم فترة زمنية قصيرة لا تتعدى الأسابيع، وأحيانا، أياما معدودة. ففي شهر آب/ أغسطس أعلن عن وفاة اثنتين من خبيرات التجميل هما رفيف الياسري ورانيا الحسن في «ظروف غامضة»، بقيت بلا تفسير من الجهات المعنية. تلاها اغتيال ثلاث نساء هن الدكتورة سعاد العلي، عضو منظمة الود لحقوق الانسان، وكانت ناشطة بشكل خاص اثناء انتفاضة البصرة، على مدى شهور، وسحر الإبراهيمي مديرة مركز مساج والموديل تارة فارس ذات الحضور اللافت للانتباه على صفحات التواصل الاجتماعي. 
ولأن ما يجمع النساء المستهدفات هو العمل، في المجال العام، على اختلاف طبيعته، تم تسليط الضوء، على اغتيالهن أكثر من عمليات الاغتيال الأخرى سواء كانت سياسية أو بفعل الانتقام الشخصي، سواء من قبل افراد او ميليشيات أو جهات حكومية. ومع انتشار التفاصيل، بدون القاء القبض على الجناة او تقديم توضيح من الجهات المسؤولة، امتد تأثير اغتيالهن ليرسخ حالة الخوف بين النساء خصوصا بين الناشطات من جهة والنساء العاملات في مجال التجميل من جهة أخرى.. 
هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها استهداف النساء بالعراق، بل ان هناك من الاحصائيات والتقارير الحقوقية المحلية والدولية ما يثبت ان المرأة استهدفت، لمنعها من ممارسة أي نشاط عام أو غير عام، بشكل مستمر، ومستويات مختلفة، وبأشكال متعددة من الصعب حصرها، تراوح ما بين الاختطاف والقصف والتهجير والاعدام، منذ ان وطأ الغزاة أرض العراق، بذرائع مختلقة، كان من بينها «تحرير» المرأة. حتى باتت مفردة «التحرير» تساوي، عمليا، التحرير من الحياة. 
وإذا كان المحتل مسؤولا، بشكل مباشر، عن ارتكاب جرائم قتل واغتصاب شملت النساء والرجال، معا، بحكم طبيعة المحتل المبنية، بجوهرها، على تركيع أهل البلد المحتل، تحت مسمى ديمقراطية وحقوق انسان انتقائية فأن ساسة حكومات الاحتلال، العراقية، المتعاقبة، أضافت الى ذلك النكهة المحلية، المتمثلة بما يسمونه، تباهيا، «تقاليدنا وعاداتنا وموروثنا الديني». وكلها، كما أثبتت سنوات حكمهم، تقاليد وعادات وتشريعات دينية، منتقاة بشكل دقيق، لتلائم الساسة الذين نجحوا في مأسسة وتكريس قيما مجتمعية، جديدة، مبنية على الفساد العام، الشامل، لكل النواحي الأخلاقية والمالية والإدارية. هكذا ساهموا، بشكل فعال، في تخريب ما لم يتمكن المحتل من تخريبه بداية وهو اللحمة المجتمعية الوطنية وبوصلته الأخلاقية. 
من هذا المنطلق، وضمن الجدل الواسع الذي تخللته الشائعات والاقاويل، كتب البعض، على صفحات التواصل الاجتماعي، معلقا على حملة اغتيال النساء، باعتبارها استهدافا سياسيا منهجيا لبنية المجتمع. بينما كتب آخرون تعاملوا معها من منظور قمع حرية المرأة، وابقائها حبيسة التقاليد العشائرية البالية والفتاوى الدينية، وقتلها بذريعة الدفاع عن الشرف أو « غسل العار»، خاصة مع تزايد اعداد الشباب المنضمين الى الميليشيات، ذات القوة المطلقة، والمعصومة من العقاب بحكم قوة السلاح و»القوة الإلهية» المقدسة التي يتسربلون بها. 
وفي الوقت الذي تعددت فيه أسباب ادانة قتل النساء، عموما، تصاعدت، أصوات تركز على التمييز ما بين اغتيال امرأة وأخرى. أصوات من الواضح انها تؤيد، فكرة قتل نساء معينات، دون غيرهن، وتشرعن جريمة القتل وفق منظورها الشخصي أو المجتمعي أو الديني. هنا تصبح ادانة ارتكاب الجريمة مشروطة بتفسيرات تتيح للقتلة تنفيذ جريمتهم بل والتفاخر بها. لتصبح جريمة قتل المرأة وساما يتقلدونه وليس فعلا اجراميا يستحق المساءلة القانونية والعقاب. 
وقد برزت شرعنة قتل المرأة بأوضح صورها في محاولة البعض توجيه تهمة الدعارة الى المرأة ـ الضحية. كان من بينهم مقدم البرامج، في شبكة الاعلام العراقي، حيدر زويد، الذي أرسل تغريدة أثر اغتيال تارة فارس، واصفا إياها بأنها عاهرة. مما يمكن ترجمته، على ارض الواقع، بأنها استحقت القتل في وضح النهار. 
وهذه ليست المرة التي تقتل فيها امرأة أو يحط من قيمتها كإنسانة من خلال اتهامها وتلويث سمعتها بهذه التهمة. فقد شهدت مدينة البصرة، مثلا، منذ 2003 – 2008، حملة قتل جعلت النساء حبيسات البيوت رعبا. بلغ عدد ضحايا القتل، بأبشع صوره، ما يزيد على الثلاثمائة أمرأه، عثر على جثث، أغلبهن، في الشوارع بعد تعذيبهن. أيامها، عاشت نساء البصرة تحت سيف ميليشيات مسلحة أرادت اخضاعهن للمفهوم الميليشياوي للإسلام، واجبارهن على ارتداء الحجاب والامتناع عن وضع الماكياج أو الانتقام الشخصي او العشائري، وتم ذلك كله في ظل صمت حكومي مدو. من بين الميليشيات التي ساهمت في الحملة جيش المهدي وحركة ثار الله بالإضافة الى فيلق القدس من الحرس الثوري الإيراني. وكانت لمقولة مقتدى الصدر، قائد التيار الصدري، وجيش المهدي، التي تم بثها تلفزيونيا حول ارتداء الحجاب بأن كل شعرة ظاهرة من شعر المرأة ستكون نارا تلسع الحسين، اذنا شرعيا بجواز تهديد والاعتداء على كل من لا ترتدي الحجاب. 
الجدير بالذكر ان توجيه تهمة الدعارة لا يقتصر على المليشيات والتقاليد والتأثير الديني المتطرف، ولا تقتصر التهمة على العاملات في مجال عروض الأزياء أو خبيرات التجميل، بل طالما استخدمت، من قبل الأجهزة الأمنية، لعديد الحكومات، ضد الناشطات مجتمعيا أو المنخرطات بالنشاط السياسي، لمنعهن من مزاولة أي نشاط عام أو حتى العمل خارج البيت. فالمعروف، انه حالما يتم القاء القبض على المرأة حتى يبدأ رشها بالبذاءات واتهامها، مهما كانت خلفيتها الاجتماعية أو السياسية، بأنها عاهرة. وفي هذا يتساوى الجلاد الإسرائيلي الصهيوني مع أمثاله من الجلادين العراقيين والتونسيين، في التفنن بالبذاءة اللفظية والتعذيب الجسدي، كما حدثتني اسيرات فلسطينيات، محررات، وسجينات تونسيات، وعراقيات. انها أداة تشهير معروفة تستهدف اقصاء المرأة وتهميش دورها، بشكل عام، ولا تسلم منها أية امرأة مهما كان موقعها. ولن تتمكن المرأة، من التحرر من هذه الصبغة وغيرها من القيود، الا حين يتم إرساء دولة المواطنة وتطبيق القانون على الجميع بلا تمييز، وان يكون «الشرف» قيمة مجتمعية، يتميز بها ويحافظ عليها الجميع بلا تمييز أيضا.

٭ كاتبة من العراق

 

 

من فلسطين الى تونس…

المرأة حارسة الذاكرة الشعبية

هيفاء زنكنة

 

كان معرض «قول يا طير»، حول الذاكرة والرواية الفلسطينية، الذي أقامته مؤسسة الرواة للدراسات والأبحاث، بأشراف د. فيحاء عبد الهادي، في العام الماضي، برام الله، متميزا بكل المقاييس. اكان نتاجا لعمل المؤسسة الهادفة الى توثيق الرواية الفلسطينية، وتقديمها بكافة أنواع الفنون والوسائط المرئية والسمعية والمكتوبة والتفاعلية، كوجه من أوجه مقاومة المحتل، لاضاءة الحقيقة. 
روى المعرض حكايات المهجرين الفلسطينيين عام 1948 وشهادات من عاشوا الترحيل القسري، بشكل فني، أريد منه، بالإضافة الى التوثيق، ان يكون ابداعيا في التواصل مع المشاهد، كما أطلقت المؤسسة كتابين هما: «ذاكرة حيّة»، و«مرآة الذاكرة»، باللغتين العربية والإنكليزية، أعدَّتهما وحرَّرتهما د. فيحاء.
حاليا، تقوم المرأة التونسية بتبني طريق مماثل للتعبير والتوثيق والتواصل، على الرغم من اختلاف الوضع الشاسع، بين فلسطين وتونس. الا انها تعمل، كما أختها الفلسطينية، على استعادة حقها في كتابة تاريخ، طمس لأنه لا يساير الصورة الجاهزة المتداولة رسميا اما بفعل الاستعمار الاستيطاني، في حالة فلسطين، او الدكتاتورية في حال تونس. 
من بين هذه المحاولات، قيام سبع نساء تونسيات، بدعم من جامعة برمنغهام البريطانية والمركز الدولي للعدالة الانتقالية، بتنظيم معرض أفتتح، منذ أيام، بعنوان «القفة»، وهي السلة المستخدمة لنقل الطعام الى السجين. 
لماذا المعرض؟ تشير المنظمات الى أهمية استخدام الفن كوسيلة، غير تقليدية، اولا « لإبراز انتهاكات حقوق الإنسان التي طالت النساء في تونس زمن الديكتاتورية، وما تعرضن له من قمع ومعاناة ارتبطت بالقفة»، وثانيا، «لحفظ الذاكرة من خلال جمع التفاصيل التاريخية الدقيقة، وتسليط الضوء، بطريقة فنية، على الآثار التي خلفتها هذه الانتهاكات، خاصة على النساء حاملات «القفة» اثناء زياراتهن للسجون». فضلا عن «الاستفادة من مراجعة الماضي لبناء مستقبل يسوده العدل والعيش المشترك».
يتبين من شهادات النساء المشاركات ان للقفة دلالات رمزية متعددة ترتبط بالذاكرة الجماعية للنساء اللواتي أما تعرضن أنفسهن للاعتقال أو اصابهن رشاش القمع بسبب اعتقال احد افراد عوائلهن، لأسباب سياسية، في حقبة زمنية معينة. تقول المهندسة الفلاحية خديجة صالح: «قبل ان تكون القفة اداة لحمل حاجيات السجناء، هي جسر يربطهم بالعالم الخارجي. فهي الشاهد الناطق على المعاناة داخل وخارج السجن». اما السجينة السياسية الأستاذة نجاة القابسي فتقول: « كانت القفة، بالنسبة الي شخصيا، ساعي بريد، يحمل إلي محبة واهتمام عائلتي، ورمز كرامتي داخل السجن، ولم أدرك، حينئذ، كم كانت عبئا على عائلتي». أما الناشطة الحقوقية هالة بوجناح فتبين ان للقفة استخداما لغويا مغايرا اذ «تستخدم عبارة «هزّان القفة» او «حمل القفّة»، مثلا، كرمز للتونسيين الموالين للنظام القديم والذين اتخذّوا مهنة الوشاية والابلاغ عن جيرانهم أو أصدقائهم أو أفراد أسرهم الى أجهزة الدكتاتورية الأمنية، لقاء الحصول على امتيازات وفوائد مادية او غير مادية». وبينما تعرف هناء عبدولي، مسؤولة جمعية نسائية، معنى القفة بأنها: «حنين للحرية، حنين لمغادرة الأسوار، هي حلم الخلاص من الأوجاع والقهر والإذلال»، تنتقل الى أهمية توثيق دلالة القفة «لأنها ارتبطت بحياة جيل» مما يجعل نقلها الى الاجيال التالية، ضرورية لتؤرخ لحقبة من الاستبداد وما رافقه من انتهاكات جسيمة لحرمة الإنسان الجسدية والنفسية، ولكي لا ننسى عذابات المقهورين، لتبقى الإنسانية متحدة، لمواجهة أي انحراف أو تهديد لحرية الإنسان، أي إنسان». وتشاركها طالبة علم النفس هنيدة جراد المشاعر نفسها: «لا يمكننا فهم اليوم دون اخذ العبرة من الماضي، هكذا يصبح الحوار بين الاجيال ركيزة تمكن من تضميد الجروح وبناء مستقبل مشترك». 
«من خلال تصورات فنّية وابداعية يمتزج فيها الأمل بالألم» ارادت المشاركات تقديم شهاداتهن، حسب ناشطة المجتمع المدني هبة بن الحاج خليفة. ويخطئ زوار المعرض إذا ما حدث وتوقعوا رؤية لوحات او صور، عن معاناة النساء، معلقة على الجدران. فالمعرض غير عادي من ناحية التنظيم او حتى التسمية. انه، كما صممه وأشرف على تنفيذه «مخبر المتحف»، أقرب ما يكون الى متحف حي، يجسد مفهوم ودلالة القفة حسب شهادات النساء. حيث يتجول الزائر بين ما يشبه الزنزانات ليشاهد فيلما ويصغي لأصوات السجناء واغاني الصمود ويشاهد كيفية اعداد وجبات الطعام لتوضع بالقفة ثم يدور حول الباحة التي يتمشى بها السجناء. خلال تواجده في المكان المغلق بأضوائه الخافتة، يتقمص الزائر شخصية السجين. أنه السجين والزائرة معا، وهو حاملة القفة ومستلمها. عبر هذه الثنائية تلغى الفروق ليكون الهم واحدا، مشتركا. انه العالم الخارجي وغياهب السجن في آن واحد. أن استخدام الصوت والصورة والقضبان والاسلاك الشائكة، لخلق حالة من التماهي الإنساني، الرمزي، بين زائر المعرض والسجين الافتراضي، هو محاولة تعبيرية ناجحة عن تجربة المساهمات. تقول خديجة صالح: «بالنسبة إلي يعتبر المعرض نقطة تحرر من قيود داخلية وتعبيرا عن الحرية التي اكتسبناها بعد الثورة. فما يقع داخل السجن وحتى خارجه كنا نهمس به همسا، لم نعد كذلك. تحررنا من خوفنا ومن القيود النفسية التي حكمتنا، لننقل تجربتنا الى الجميع». هو، اذن، تجربة أولية، تصلح، ان تكون، مستقبلا، نواة لمتحف تونسي وطني، ليس عن الإحساس بالمظلومية بل عن الشجاعة والجرأة، عن الذاكرة المؤثثة بالتاريخ، ومقاومة الأنظمة القمعية، من اجل حرية الرأي والمعتقد، وان يكون، شاملا لكل الحقب السياسية ولمعتقلي الرأي أيا كان انتمائهم. هذه المشاريع، قد تبدو بسيطة وهي ليست قادرة على احداث تغيير فوري، الا ان المثابرة على القيام بها، ومواصلة العمل، سيؤدي، على المدى البعيد، الى احداث تغيير عضوي أعمق مما هو ظاهر، حاليا. انه واحد من آليات كسر الصمت والوقوف شامخي الرأس باعتداد وكرامة، إذ «لا يستطيع أحدٌ ركوب ظهرك إلا إذا كنتَ منحنياً» كما يذكرنا القس والناشط الحقوقي الراحل مارتن لوثر كينغ.

٭ كاتبة من العراق

 

 

صرخة

النائبة العراقية وحكايتها

هيفاء زنكنة

 

في «العراق الجديد»، وفي ظل واحدة من أكثر الحكومات فسادا، محليا وعالميا، هل يلام المواطن اذا ما انتابه الشك في سلوك الساسة المعششين منذ أكثر من 15 عاما، وهم يلتهمون أكثر مما يبلعون، ويتوقفون بين اللقمة واللقمة ليتبادلوا الاتهامات بالفساد والسرقة؟ آخر المهازل التراجيدية حدثت منذ أيام. 
على حين غرة، ارتفع صوت سيدة صارخا، واستمر الصراخ لدقائق. تبين لمشاهدي البث التلفزيوني العراقي الحي وغير الحي، فيما بعد، ان الصارخة هي نائبة تدعى ماجدة التميمي، وان حالة الصراخ انتابتها اثناء جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب. لم يتمكن المشاهدون من فهم ما قالته النائبة الا ان عددا من القنوات التلفزيونية أوضحت أنها كانت تصرخ ببقية النواب قائلة «كافي سرقة اصوات الشعب العراقي». وهي مسألة بحاجة الى توضيح لمن لم يحالفه الحظ بمشاهدة الجلسة او سماع الصراخ، الذي بات، مع الاسف الشديد، سمة من سمات النائبات العراقيات بينما يفضل النواب اللكمات والتراشق بقناني المياه الفارغة. فقد سبقتها النائبة آلاء طالباني (الاتحاد الوطني الكردستاني) وفيان دخيل (التحالف الكردستاني) التي جمعت ما بين الصراخ والاغماء. ولعل كثرة الضغط على النائبات، كونهن نساء، وعدم الاصغاء لما يتقدمن به من مقترحات او آراء، من بين الاسباب التي تدفعهن الى الصراخ كأسلوب لاجبار الآخرين على الاصغاء اليهن. وهو اسلوب لجأت اليه النائبة ماجدة التميمي يوم السبت الماضي، آملة ان يصغي لها النواب، أو إيصال صوتها الى ابناء الشعب، مستفيدة من معرفة ان جلسة البرلمان الخاصة هذه، التي تم التطبيل والتزمير لها عراقيا وعربيا ودوليا، على مدى شهور، ستبث تلفزيونيا. فهل حققت التميمي، كنموذج، ما ارادته من خلال ظهورها الاعلامي، لايصال رسالة محددة الى المواطنين فيما يخص المآسي اليومية التي يعيشونها، ودورها كنائب يفترض فيه تمثيل هموم وطموحات المواطنين، وتقديم برنامج مستقبلي؟ آخذين بنظر الاعتبار، انها ليست الوحيدة من بين النواب، ذكورا أو أناثا، ممن يعتاشون على الاضواء الاعلامية، مهما كان الثمن. 
لا أظن ذلك، مهما كانت رغبة الناس بتصديقها، في حقبة، يجد فيها المواطن، نفسه، مستعدا للتشبث بأية قشه، توفر له العيش الكريم، وتبعد كابوس الطائفية السياسية ومحاصصاتها ومأسستها للفساد. اسباب اخفاقها عدة، لعل اهمها فشلها الفاضح في اختيار التوقيت الملائم اولا، وتناقض ممارساتها النيابية مع تصريحاتها، ثانيا وانتمائها السياسي، ثالثا. بالنسبة الى توقيت اطلاق الصرخة في جلسة التصويت على اختيار رئيس للمجلس، جاء التوقيت مفضوحا بابتذاله، اذ انه تزامن مع الجولة الاخيرة من الصراعات على منصب، ومع اعلان انتصار خصوم حزبها بالضربة القاضية. فكان الفائز من كتلة منافسة (مدعومة ايرانيا) للتحالف الذي تنتمي اليه التميمي. يبدو ان النائبة لم تتحمل الخسارة، أو لعلها افترضت ان حزبها هو «النزيه النظيف»، فوقفت صارخة لتفضح، ما وصفته بسرقة الاصوات. وهي محقة طبعا فيما يخص عمليات التزوير المعروفة للجميع لكنها تعامت عن حقيقة كونها واحدة من المنخرطين بذات البرلمان ومناورات «الكتل». فقد كانت التميمي عضوا في مجلس النواب السابق ـ اللجنة المالية، عن التيار الصدري، بقيادة مقتدى الصدر، لمدة أربع سنوات، ولاتزال في ذات التيار الذي غير أسمه الى «سائرون» بعد تحالفه مع الحزب الشيوعي بقيادة ذات الصدر. 
وكانت قد تصدرت الاخبار منذ اسبوعين، في جلسة البرلمان الاستثنائية، يوم 8 أيلول/سبتمبر، للنظر بانتفاضة البصرة، حين قامت بتقديم مداخلة تفصيلية عن عقود الفساد، وهي الادرى بها، بطبيعة الحال، بحكم كونها عضوا في اللجنة المالية. وهي خطوة جيدة لولا انها واحدة من عديد (ان لم يكن كل) النواب الذين استباحوا عقول المواطنين بكثرة الحديث عن فساد «الآخرين» وتبييض وجوههم وايديهم الملوثة بالفساد. مدركين ان لا ضرر في ذلك، اطلاقا، في غياب المساءلة وانتشار الافلات من العقاب. بل ان مسؤوليتها أكبر من البقية لكونها مطلعة على تفاصيل كل ما يجري ولم تلجأ الى فضح الفاسدين الا في الاسابيع الاخيرة، في سيرورة الصراع السياسي الطائفي، الحاد، المعجون بالفساد، حول تشكيل ما يسمى بالكتلة الاكبر التي سيحق لها تشكيل الحكومة واختيار رئيس الوزراء. من بين «الحقائق» التي كشفت عنها في الجلسة «ان هناك أكثر من ستة آلاف مشروع وهمي ضمن موازنة 2014». السؤال الذي نكاد نسمع صرخته هو الآخر: لماذا لم تكشف هذه «الحقيقة» التي تعرفها منذ اربع سنوات؟ لماذا لم تعمل على تقديم ولو قضية فساد واحدة الى القضاء وهي العضوة المطلعة على التفاصيل في اللجنة المالية؟ ألسنا محقين اذا قلنا ان صمتها، على مدى سنوات عملها البرلماني، يثير من الشكوك حول اتهامها الآخرين، وان الصرخة تعالت للتغطية على الشكوك؟ 
بالاضافة الى الصرخة، قامت النائبة التميمي باجراء عدد من المقابلات لتوضيح موقفها، قائلة بانها رأت، بعينيها، كيفية تزوير التصويت وانها صورت الشخص المسؤول ويدعى أحمد الجبوري «ابو مازن» الذي قام باستلام توقيع النواب وتصوير اوراق التصويت ليتم الدفع لهم وفقها. وانها، تشعر بالخزي والعار لوجودها بين الفاسدين في هذا البرلمان. مما يدفعنا الى التساؤل: لماذا لا تستقيل؟ لماذا لا تتخلص من هذا الخزي والعار بخطوة بسيطة ستزيل عنها الاحساس بالعار وتربحها احترام الشعب، في الوقت نفسه، والاكثر من ذلك، انها ستكون قدوة في النزاهة واتخاذ الموقف المبدئي السليم لكل النواب نساء ورجالا، وعلى المدى البعيد، ستعيد للناس بعض الثقة بالنواب؟ ومن يدري، قد يقام لها، في المستقبل، نصبا، في احدى ساحات بغداد، تقديرا لنزاهتها وكونها أول نائبة تستقيل من البرلمان احتجاجا على الفساد؟

٭ كاتبة من العراق

 

 

البصرة: تدخل أمريكي

أم صراع شيعي ـ شيعي؟

هيفاء زنكنة

 

انتفاضة البصرة هي الحدث الاول الذي يشغل بال العراقيين الآن. فهي المركز الذي تقع على هامشه بقية الاحداث، منذ اندلاعها في 11 تموز/ يوليو للمطالبة بتوفير الخدمات وأهمها الماء الصالح للشرب والكهرباء، وتمثلت الاستجابة الاولية باطلاق النار على المتظاهرين مما ادى الى مقتل 12 متظاهرا واصابة العشرات.
غطت الانتفاضة، مع ازدياد عدد شهدائها وجرحاها، ومع انتشار الاصابة بالتسمم جراء تلوث مياه الشرب، على العديد من الامور المهمة التي تمكن الساسة من تمريرها، في غفلة من الناس المنشغلين بالمطالبة بايجاد حل آني، سريع، لانقاذ حياتهم وحياة عوائلهم. وبينما كان المتظاهرون والمعتصمون يواصلون الاحتجاجات، ويشعلون فتيل الغضب العارم، بمدينة البصرة وضواحيها، تمكنت الاحزاب وميليشياتها من تمرير نتائج الانتخابات المزورة ومأسسة هيكلية غريبة لنمط الحكومة المقبلة. فالمعروف، عادة، ان الاحزاب تؤسس منظمات وميليشيات كأذرع وملحقات تابعة لها، مهمتها تنفيذ سياستها، بشكل غير مباشر. الا ان الوضع الحالي، بالعراق، يشهد تغييرا جوهريا في هيكلية الاحزاب والميليشيات، انقلبت فيه الآية فأصبح الحزب ذراعا للميليشيا، يأتمر بأمرها، ويسير وفق ولائها لمن يزودها بالمال والسلاح. 
ان التكهن بما ستقود اليه انتفاضة البصرة صعب، خاصة، ونحن نستعيد كيف تعاملت حكومة حزب الدعوة الإسلامي، برئاسة نوري المالكي، مع متظاهري الفلوجة والرمادي وعموم الانبار والموصل، حين تم قصفهم بالبراميل الحارقة. كما نستعيد التعامل الوحشي مع متظاهري ساحة التحرير، ببغداد حين تم اعتقال وتعذيب وقتل العديد منهم. وكانت النتيجة، أينما خرج المواطنون للمطالبة بحقوقهم، استغلال دماء الشهداء من قبل جهات في العملية السياسية تتبنى إعلاميا هذا الحراك الشعبي كالتيار الصدري وعشائر المحافظات الغربية، للمقايضة بمناصب ومحاصصة سياسية وعقود نفط وسلاح.
الا ان صعوبة التكهن بما سيحدث لا يمنع من رؤية ما حققته الانتفاضة حتى اليوم. وهي انجازات بالغة الاهمية. الانجاز الاول هو التخلص من «المقدس» والتبعية له، سواء كان رمزا دينيا طائفيا عراقيا او إيرانيا، حيث مزق المتظاهرون غشاء القدسية وحرقوا صور وهياكل التبعية الطائفية. الانجاز الثاني هو كسر حاجز الخوف من الاحزاب والميليشيات التي تتخذ من طائفية الدين عباءة ترتديها وعمامة تمنحها «العصمة» لارتكاب ما تشاء ضد بقية البشر. فأحرقت مقرات ميليشيات «منظمة بدر» و«حركة إرادة» و«عصائب أهل الحق»، و«حركة النجباء» و«انصار الله الأوفياء» و«كتائب حزب الله» و«سرايا الخرساني» بالاضافة الى مقرات «حزب الدعوة» و«حزب الفضيلة» و«المجلس الأعلى».
الانجاز الثالث هو اجبارها كافة قادة الميليشيات والأحزاب ورجال الأعمال على الهرولة الى استديوهاتهم (فلكل ميليشيا قناتها التلفزيونية ولكل رجل اعمال قناته) اولا لادانة الفساد، وان كانوا هم أنفسهم أجنة رحم الفساد وثانيا لتقديم أنفسهم كشخصيات نزيهة، غير طائفية، تبذل جهدها لخدمة المواطنين. هنا اكتسبت الانتفاضة خواص الكلور المعقم ولو الى حين. ولها يعود الفضل في تغيير الخطاب والمواقف. وهنا يأتي دور الانجاز الرابع للانتفاضة الذي أجبر المرجعية، التي كانت سعيدة بالقاء موعظة اسبوعية على الملأ عبر وكلائها، ان تسارع، بعد حرق صورها، الى ارسال وكيلها السيد الصافي، يوم الجمعة الماضي، مؤكداً أن «السيد السيستاني أمرنا بشراء مضخات المياه من أموال المرجعية الدينية العليا». مع العلم ان «اموال المرجعية الدينية» مستخلصة من ابناء الطائفة ومنهم المتظاهرون انفسهم، وكان من الواجب صرفها عليهم، بدون منية، وقبل ان يدفعوا حياة ابنائهم ثمنا لها. 
الانجاز الخامس هو إبلاغ الميليشيات واحزابها الفاسدة بان استخدامها السلاح الطائفي الذي طوق رقاب الشباب بنير الدولارات الشهرية المغموسة بقدسية الطائفة والترهيب من «الآخر» لم يعد بذات الفاعلية السابقة. مما جعلها تعمق اتهاماتها بالإرهاب والاندساس من قبل قوى خارجية، وتلويث صورة المتظاهرين اعلاميا. صارت النبرة الاعلى هي تخويف اهل البصرة من «المندسين» وما سيجلبونه على اهل البصرة «المعروفين بطيبتهم». محاولين بذلك عزل المتظاهرين عن بقية السكان وترسيخ صورتهم كغرباء. وهو اسلوب استعماري قديم، غالبا ما يستخدم لاشاعة التفرقة واضعاف الحركات الثورية والانتفاضات الشعبية. هكذا، فجأة، وبعد 15 عاما، من حكم الاحزاب الطائفية التي تدعي تمثيل أهل البصرة، ومع عدم تنفيذ أي انجاز يضع حدا للذل اليومي لاهل مدينة النفط، أصبح كل الساسة والميليشيات يتسارعون للتباهي بانتمائهم الى أهل البصرة ووجوب مساعدتهم. 
مقابل هذه الانجازات تصاعدت، حملة الساسة وقادة الميليشيات باضفاء طابع الوطنية على انفسهم، وربط المتظاهرين بأجندات خارجية غير وطنية. فكثر المحذرون من التدخل الأمريكي على الرغم من الوجود الأمريكي الدائم المتمثل بما يزيد على 7000 «استشاري ومدرب»، باستثناء المتعاقدين الأمنيين والمرتزقة، حسب اعلان البنتاغون في الأسبوع الماضي، بانهم سيبقون الى ان «يستقر الأمن»، ولا يحتاج قرار بقائهم موافقة البرلمان لأنه ينفذ وفق المعاهدة الاستراتيجية. 
هناك، أيضا، متبرعون بالتخويف من الاحتلال الإيراني، في الوقت الذي يعلم فيه الجميع ان العراق محتل إيرانيا وانه ورقة تستخدمها إيران لتسوية نزاعها مع أمريكا. وتنبري جهة ثالثة للتخويف من التدخل التركي واقامتها معسكرات تدريب بعثية لقلب النظام «الديمقراطي». في ذات الوقت الذي تقصف فيه تركيا شمال العراق وتتدخل، متى شاءت، بحجة حماية أمنها من « الإرهابيين» الاكراد.
وأصدرت قيادة مليشيا الحشد الشعبي بيانا باسم «حركة النجباء»، يوم 9 سبتمبر، وصفت فيه ما جرى بانه «ليلة فتنة سوداء هدفها حل الحشد» متهمة القنصلية الأمريكية، بالبصرة، بادارة الاحداث وسقوط القتلى والجرحى. وان المليشيا لديها «الادلة القطعية بان القنصلية تدير الاحداث منذ عام 2013» وان ما تريده «هو اظهار صراع شيعي شيعي»، وهددت المليشيا بانها ستعمل «بحزم لإيقاف أي تآمر». 
وبطبيعة الحال، ليس من المستبعد وجود تدخل أمريكي ضمن صراعها القائم مع إيران، لا في البصرة فقط بل في جميع ارجاء العراق، الا ان هلوسة الحشد تثير تساؤلات عديدة، اهمها لماذا لم يثر الحشد مسألة التدخل الأمريكي قبل الآن خاصة وانه يدعي قيامها بذلك منذ خمسة أعوام؟ هل سكت الحشد لأنه كان متعاونا مع أمريكا تحت مظلة «التحرير»؟ 
ان مظاهرات واعتصامات اهل البصرة ومن قبلهم الفلوجة وبغداد وكربلاء، وكل المدن العراقية، على مر سنوات الاحتلال، ودفعهم الثمن غاليا، هي وجه آخر من أوجه المقاومة والتغيير العضوي المنبثق من داخل البلد نفسه، في مسيرة تحقيق الاستقلال الوطني ـ الاقتصادي، الشامل لكل المواطنين، بعيدا عن التقسيم الديني والطائفي والعرقي. ومع ادراكنا انها، قد لا تؤدي الى تحقيق ذلك كله في المستقبل القريب، الا انها، بالتأكيد، سببت من التغيير ما يعيق عودة الاوضاع الى سابق عهدها.

٭ كاتبة من العراق


 

 

العراق انتفاضة

لتنظيف الجحيم الارضي؟

هيفاء زنكنة

 

 

خلافا لما أشاعته الحكومة العراقية، لم يعد المتظاهرون والمعتصمون منذ شهر حزيران  ـ  يونيو، في مدينة البصرة، جنوب العراق، إلى بيوتهم بعد انحسار موجة الحر أو بعد ان تعبوا من النوم في اماكن الاعتصام. بل بقي المعتصمون، واستمر المتظاهرون، وبقيت مطالبهم الاساسية، التي تشكل قاعدة هرم حقوق الانسان واحتياجاته اليومية، ملحة ليس لأنها تشكل قيمة انسانية لا يفهمها الفاسدون من الحكام، بل لأنها، أيضا، حقوق مشروعة، في ملكية الثروة الوطنية العامة لواحد من بلدان النفط الغنية، بالعالم، الذي وصلت استهانة الحكومة به حد حرمان سكانه من المياه الصالحة للشرب. حرمان مستمر يؤدي، يوميا، إلى زيادة عدد المصابين بالتسمم وامراض المياه الملوثة، بأنواعها، حتى تجاوزت الآلاف، وان أصرت وزيرة الصحة، في ردها على المتظاهرين، بانهم يبالغون في رسم الصورة وان «هناك 1500 حالة تسمم واسهال، فقط، في المستشفيات»! ولم نسمع من الوزيرة بعد عن منع الكويت، استيراد وحظر المواد الغذائية من العراق، اضافة إلى منع المسافرين العراقيين من الدخول للكويت «كإجراء احتزازي بسبب انتشار مرض الكوليرا في العراق». وكانت مفوضية حقوق الانسان قد حذرت، في الاسبوع الماضي، من انتشار مرض الكوليرا في البصرة نتيجة زيادة الملوحة والتلوث المائي.

هذه التطورات دفعت المتظاهرين إلى اتخاذ خطوات جديدة، بعد ان ادركوا ان لا جدوى من الاعتصام امام مركز المحافظة الذي يضم اعضاء فاسدين، وأمام مكاتب الاحزاب، التي تضم اعضاء فاسدين. وبعد ان ادركوا عبثية الاصغاء إلى وعود الساسة وهم أساس الفساد، أو النواب وممثليهم، وهم جزء من تشكيلة الفساد المستشرية من قمة النظام إلى أصغر موظف فيه.

أدرك المتظاهرون، ان مطالبة الفاسدين بوضع حد للفساد، يعني، عمليا، مطالبة الفاسدين بالتخلص من أنفسهم، فكيف يحدث ذلك؟.لذلك، قرروا، بعد اسابيع من المظاهرات ومحاولة الاحزاب الهيمنة عليها، كما فعلت مع مظاهرات ساحة التحرير، ببغداد، بقطع الطرق الرئيسية، وآخرها قطع طريق رئيسي في منطقة كرمة علي ب‍البصرة، لمنع الشاحنات من عبور الحدود. والاعتصام، وهذا هو الاهم، امام المدخل الرئيسي لحقل نهر بن عمر النفطي، والتهديد باقتحام الحقل النفطي إذا لم ترد الحكومة على مطالبهم. يبين التهديد مدى اليأس من الوعود الحكومية خاصة فيما يتعلق بخريجي هندسة ومعاهد النفط العاطلين عن العمل في بلاد النفط. حيث يساهم قطاع النفط بـ 65٪ من إجمالي الناتج المحلي حالياً، إلاّ أن عدد العاملين به لا يتجاوز من العدد الكلي للقوى العاملة في البلاد، حسب تقرير الامم المتحدة. وهذه طامة كبرى يحاول المسؤولون طمرها لئلا يمسوا مصالح الشركات الاجنبية.

إن الوضع الحالي الذي يعيشه المواطنون، في ارجاء العراق، وليس البصرة وحدها، مأساوي في تفاصيله التي تتطلب حلولا آنية سريعة بالاضافة إلى التخطيط الاستراتيجي. فنقص مياه الشرب بحاجة إلى علاج فوري لانقاذ حياة الناس، عموما، والاطفال والحوامل، بشكل خاص. وايجاد فرص عمل للشباب ليس مستحيلا، فيما لو توفرت النية الصادقة، وأكتفى الساسة بسرقة خمسين ٪ من الثروة النفطية، فقط، بدلا من بلعها كلها، وأبقوا النصف للاستثمار الاستراتيجي والتنمية، مما سيؤدي إلى توفير العمل للخريجين.

من الناحية البيئية، يشكل نقص الماء والكهرباء وبقية الخدمات الاساسية، اعراض موت بيئي بطيء يعيشه البلد، منذ عقود، جراء الحروب وسنوات الحصار والغزو الانكلو ـ  أمريكي وتخريب «الدولة الإسلامية»، وقصف «قوات التحالف»، المدن بحجة تحريرها، الامر الذي سبب تدمير البنية التحتية واختلاط مياه المجاري بمياه الانهار.

 وتشير تقارير الامم المتحدة حول البيئة إلى ان 30٪ من الأسر، فقط، موصولة مع شبكة الصرف الصحي العامة، فيما تلجأ بقية الأسر إما إلى استخدام خزانات الصرف الصحي (40٪) أو المجاري المغطاة للتخلص من الفضلات.

 ولاتزال مخلفات الحرب السامة، بلا تنظيف، بل وتشهد البيئة تدفق مستويات عالية من الإشعاع والمواد السامة الأخرى. وتبين تقارير علمية عديدة ان استخدام أسلحة اليورانيوم المنضب، وهو معدن ثقيل مشع وسام، من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، خلال حربي 1991 و2003، وأطلاقه في أكثر من 1100 موقع، بما في ذلك في المناطق المكتظة بالسكان، لايزال واحدا من الاسباب الرئيسية في زيادة نسب الاصابة بامراض السرطان وولادة الاجنة المشوهة، على الرغم من الانكار الأمريكي والصمت الرسمي العراقي المتواطئ معه.

تذكر بعض التقارير ان تعرض بيئة العراق لضرر كبير ناجم عن السياسات الخاطئة للحكومة بشأن السكان وإدارة الموارد، بينما الاصح الذي تختار التقارير عدم ذكره هو ان الحكومات العراقية المتعاقبة منذ الغزو عام 2003 لم يكن همها، اطلاقا، الاهتمام او التخطيط او وضع سياسة حول البيئة، أو حتى الاهتمام بالشعب. همها الاول والاخير، كان ولايزال، هو نهب الاموال بأقصى سرعة ممكنة، وابقاء الشعب ضعيفا، بكل الطرق الممكنة، تستهلكه وتستنفد قواه الحاجات اليومية الملحة، لأنهم يعرفون جيدا، انه بمجرد ان يمتلك قواه الجسدية وقدرته على التفكير، سيثور عليهم ويقوم بتنظيف البيئة منهم.

تشير التقارير، أيضا، إلى إن سياسة الدول المجاورة في بناء سدود مخالفة للقوانين الدولية، كما فعلت تركيا، وسياسة إيران في تجفيف الانهار، مخالفة للقوانين الدولية، وشحة المياه هي احد اسباب مشكلة الملوحة والتصحر، الا ان ما لا تذكره هو الحاجة الماسة للتعامل السياسي الحكيم مع هذه السياسات، والتركيز عليها، لوحدها، يجب الا يعفي الحكومات العراقية من مسؤولية الفشل الهائل في الاهمال، وانعدام التخطيط، والانشغال بالفساد، والاكثر من ذلك كله التبعية السياسية لدول لا ترى في العراق غير ساحة لحل نزاعاتها. لذلك ليس عبثا ان تصف منظمة ادارة البيئة بالامم المتحدة العراق بأنه البلد الاكثر تلوثا بالعالم. ولأن الدول الخارجية المتنازعة لا تحتاج حلبات صراع، مكتظة بسكان، قد يسببون لها المشاكل، يبدو من المنطقي ابقاء العراق على حاله ملوثا، يموت سكانه ببطء وصمت وهم يعلمون «ان قضيتهم ستنسى»، حسب إيريك سولهايم، رئيس إدارة البيئة في الأمم المتحدة.

٭ كاتبة من العراق

 

 

هذا ما يفعلونه بالرجال…

فكيف النساء؟

هيفاء زنكنة

 

نقتبس، أحيانا، حين تصادفنا وقائع واحداثا، نجد ما يماثلها تاريخيا، مقولة كارل ماركس «التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة». لكن مراجعة عدد من الكتب والمذكرات والتقارير حول كيفية معاملة المعتقلين، بالعراق، منذ تأسيس الدولة، في عشرينيات القرن الماضي، وحتى اليوم، تشعرنا بأن مقولة العم ماركس بحاجة الى مراجعة. ولعل الاصح القول بأن التاريخ يعيد نفسه في المرة الثانية كمأساة أكبر. فخروقات حقوق الانسان، الموثقة، تكاد تصرخ بوجوهنا، تفاصيل مرعبة لممارسات لا انسانية، يرفض العقل تصديقها مما يدفع الانسان العادي، حماية له أو تهربا من المسؤولية واتخاذ موقف ما، الى التوقف عن قراءتها او حتى تكذيبها باعتبارها مبالغات لا تستحق الانتباه. وهي أفعال مورست طوال عقود، بلا استثناء، بدءا من حكومات الاحتلال البريطاني وحتى الحكومات الحالية، وليدة الغزو والاحتلال الانكلو ـ أمريكي وتشابكاته، الحالية، مع جمهورية إيران الاسلامية. 
المأساة تتكرر كمأساة بالنسبة الى المعتقلين، ويزيد في عمق جروحها، انها تنفذ بحزمة مسميات «التحرير وحقوق الانسان والعراق الجديد»، وتحت مظلة تدعى «الديمقراطية» التي تنفذ الينا من بين ثقوبها، أحيانا، تقارير مخيفة، عن التعذيب الوحشي الى حد القتل. آخرها تقريران أصدرتهما منظمة «هيومان رايتس ووتش»، الاول بعنوان «العراق: وكالة استخبارات تعترف باحتجاز المئات» الصادر في 22 تموز/ يوليو 2018، والثاني في 19 آب/ أغسطس 2018، والمعنون»العراق: شهادات مرعبة حول تعذيب معتقلين وموتهم». يستند التقرير الاول الى شهادة عالم الآثار فيصل جبر (47 عاما) الذي أعتقل في موقع أثري في شرق الموصل، وأقتيد إلى منزل من طابقين بالقرب من مكتب الأمن الوطني في الموصل. رأى جبر في الطابق الأرضي من المنزل 4 غرف تُستخدم كزنزانات لاحتجاز السجناء، فيها ما لا يقل عن 450 سجينا احتُجزوا معه، بحسب تعداد الأشخاص اليومي. احتُجز جبر48 ساعة، تحدث خلالها مع 6 رجال وصبي في الزنزانة معه، وأخبروه أن الجهاز احتجزهم لمدة تتراوح بين 4 أشهر وسنتين بتهمة الانضمام الى داعش. نفت وكالة الاستخبارات وجود المعتقلين عندما راسلتها المنظمة الا ان الوكالة اعترفت بعد ذلك في رد مكتوب بأن «الجهاز الامني يحتجز المعتقلين في مركز واحد في الموصل بموافقة «مجلس القضاء الأعلى» في نينوى، وأن جميع المعتقلين يُحتجزون بموجب أوامر توقيف قضائية، ويمثلون أمام قاضٍ خلال 24 ساعة من الاعتقال، ويُنقلون إلى سجون وزارة العدل عند الحكم عليهم». وهي عملية تفندها شهادات المعتقلين. 
أما التقرير الثاني فيضم شهادات معتقلين أتهموا بالانضمام الى «الدولة الاسلامية» وأطلق سراحهم بعد اشهر من التعذيب بدون توجيه تهمة. من بينهم محمود البالغ من العمر 35 عاما. 
سلم محمود نفسه إلى مسؤولي الاستخبارات في الموصل في كانون الثاني/ يناير، بعد أن أخبره صاحب العمل أن الاستخبارات قد أصدرت مذكرة توقيف بحقه. احتُجز 4 أشهر، لأنه اشتُبه في انتمائه إلى تنظيم «الدولة الإسلامية». أحتجز في زنزانة مساحتها حوالي مترين بثلاثة أمتار، مع 50 إلى 70 رجلا، احتُجز العديد منهم لعام كامل. تم تعليق محمود ف