الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

*هيفاء زنكنة كاتبة وصحفية وناشطة عراقية تقيم في بريطانيا تكتب اسبوعيا في جريدة (القدس العربي)

مقالات سابقة للكاتبة

هل موقف الشباب العراقي

من « إسرائيل ودي»؟

هيفاء زنكنة

 

يروج نظام الاحتلال الصهيوني، بالتعاون الخفي وشبه العلني، مع عدد من حكومات الاستبداد العربية، لفكرة « السلام»، الآن، بدون الفلسطينيين. ترجمة هذه الفكرة، عمليا، هي استمرارية سياسته لتفريغ فلسطين، المحتلة، من أهلها حصارا وتهجيرا وقتلا. وهي سياسة، أثبتت العقود، فشلها الذريع. وما حملة التصفية الإجرامية الأخيرة ضد متظاهري مسيرات العودة، المطالبين بواحد من أبسط حقوق الإنسان، ألا وهو حق العودة إلى ديارهم، وإلغاء الحدود المختلقة بين أبناء الشعب الواحد، غير إثبات آخر على فشلهم من جهة وعدالة المطلب المتجسد بدماء الشهداء وحملات التضامن العربية والدولية الشعبية من جهة أخرى.
في محاولة لفتح منفذ يمرون من خلاله إلى شباب البلدان العربية، لكسر حلقة التضامن الشعبي، خاصة مع تزايد الانضمام العربي إلى حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها والمقاطعة الثقافية والأكاديمية ( أنظر: حملة استح لمقاطعة المنتجات الصهيونية في الأردن)، بادرت مؤسسات الأمن الصهيوني وأجهزته المختلفة، في السنوات الأخيرة، إلى استخدام صفحات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك وتويتر» والمدونات، بالإضافة إلى أجهزة الإعلام، لخلق ثغرة يستميلون من خلالها الشباب بأساليب متنوعة تتماشى مع عمر الشباب المستهدف والبلد الذي ينتمون إليه. 
بالنسبة إلى الشباب العراقي، جرت محاولات عديدة، منذ الغزو الانجلو أمريكي للبلد عام 2003 ، لمخاطبتهم وخلق أوجه لـ «التبادل والحوار الثقافي والسياسي» معهم، من قبل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، خاصة وأن سياسة المحتل الانجلو- أمريكي ، كانت واضحة وصريحة. «إنسوا فلسطين» مقابل ترسيخ أبوة الكيان الاستيطاني. وهو ما كان متوقعا في ظل المحتل البريطاني، صاحب وعد بلفور، والأمريكي الراعي اليومي، بمليارات الدولارات، لوجود إسرائيل. وهو ما حدث، بشكل جزئي، رسميا، سواء كان السبب هو الانشغال بمقاومة المحتل، أو انتشار إرهاب المحتل والحكومة وميليشياتها، أو إرهاب منظمات بذرت ف أرض العراق بعد الاحتلال، أو سياسة تشويه صورة الفلسطيني باعتباره «صداميا إرهابيا»، أو شراء ساسة عراقيين عرضوا أنفسهم للبيع. 
شعبيا، اختلفت الصورة. ففلسطين ليست رمزا عربيا وإسلاميا فحسب بل «إن القضية الفلسطينية جزء من النضال الوطني والاجتماعي للشعوب المقهورة» كما يذكر الكاتب العراقي كاظم محمد تقي. ليس هناك اختلاف في التعامل مع القضية الفلسطينية ولكن هناك تعاطفا عاما في التعامل مع قضية اليهود العرب العراقيين الذين تم تهجيرهم إلى إسرائيل جراء مؤامرة صهيونية حققت ما أرادت من خلال ترحيلهم. وهي نقطة مفهومة، لم تعد بحاجة إلى التوضيح لدى شعوب العالم، للتمييز بين الدين كدين وتأسيس دولة احتلال عنصرية تتبنى الدين. 
يقول أحد المعلقين العراقيين على صفحة «فيسبوك» خلقتها وزارة الخارجية الإسرائيلية «نحن ليس بيننا وبين اليهود أي عداوة. نرحب بهم كما نرحب بالديانات الأخرى ولكن المشكله مع الكيان الصهيوني المتطرف». تستغل الأجهزة الأمنية الدعائية الصهيونية مشاعر العراقيين تجاه اليهود العرب العراقيين، لابتكار طرق وأساليب متجددة، بين الحين والآخر، للتمدد الدعائي في الوعي الشعبي العام. ففي العام الماضي، حسب صحيفة الشرق الاوسط، ظهرت صفحة عامة على «فيسبوك» باسم « العراق مع إسرائيل»، « لم يُعرف صاحبها الحقيقي. ونُشرت فيها بيانات ومنشورات لمتعاطفين مجهولين مع إسرائيل لم يظهروا وجوههم أو أسماءهم الصريحة بل مرة ( أبو زين) وأخرى المفوض (أبو ضرغام) ومنشور فيها بيان غريب ممن يقولون أو يقول إنه متعاطف مع إسرائيل ضد الإرهاب الفلسطيني!
في 22 مايو/ايار، العام الحالي، فتحت صفحة بعنوان «سفارة جمهورية العراق في إسرائيل» أو «السفارة العراقية الافتراضية في دولة إسرائيل» – استخدمه هنا كما هو بأخطائه الإملائية – بتوقيت يتوافق مع مرور شهرين على بدء مسيرات العودة، ومع ارتفاع حملات التضامن مع مقاومة الشعب الفلسطيني. طبلت الصحافة الإسرائيلية لهذه « المبادرة» ، وبدأت تعزف على أكذوبة « ما بين الشعبين من أواصر وعلاقات تاريخيه تعود إلى آلاف السنين»، لتوحي بأن علاقة الشعب العراقي، بكل أديانه، تاريخية ليس مع أبنائه من جميع الأديان بل مع النظام الصهيوني. خطاب هذه الصفحة وغيرها يمثل سياسة النظام في تقديم نفسه « ضحية» تدافع عن نفسها ضد الإرهاب الفلسطيني، مبررا جرائمه في الاحتلال والقتل والتطهير العرقي، أمام العالم كله، بأنه حق من حقوقه المشروعة بخطاب يجعل من الجلاد ضحية. 
لإضفاء صبغة أكاديمية على مشاريع الأجهزة الأمنية يمتد التضليل الإعلامي ليشمل الباحثين عن الصفحة. تقول باحثة تدعى رونين زيدل في مقال نشر لها منذ أيام «أقام متصفحو العراق مؤخرا صفحة على الفيسبوك بعنوان «سفارة العراق الافتراضية في إسرائيل». وهي أكذوبة مبتذلة لأن بيان الصفحة يقول « أنشأت وزارة الخارجية هذه الصفحة» لجذب الشباب العراقي « للتقارب و العمل بجد كبير لصنع التاريخ معا «. من بين الادعاءات الترويجية الأخرى للصفحة، حسب الباحثة» يظهر عدد متزايد من الشباب العراقيين اهتمامهم بإسرائيل وديمقراطيتها وثقافتها». وتقول وزارة خارجية الكيان الصهيوني «إن حوالي ثلث أتباع موقع الوزارة باللغة العربية (حوالي نصف مليون) وإن العراقيين، وموقفهم من إسرائيل إيجابي بشكل عام وودي».
بعض الأكاذيب المذكورة مثل انجذاب الشباب إلى « ديمقراطية إسرائيل وثقافتها» مهترئة لفرط تكرارها، كما أن ذكر عدد «اتباع الموقع»، لايستحق التوقف عنده، فآلة إنتاجه أساسها دعائي مفضوح يستهين بعقلية الناس. أما القول بأن موقف الشباب العراقي « من إسرائيل إيجابي بشكل عام وودي»، فإن قراءة التعليقات على الصفحة، ومحاولة فرز ما هو حقيقي وزائف، يدحض ذلك. نجد أثناء مراجعتها، أن هناك قلة من المعلقين كتبوا متمنين زيارة إسرائيل ولكن ليس إعجابا بـ «ديمقراطيتها وثقافتها» بل شماتة على فساد الحكومات المتعاقبة منذ الاحتلال. وهو أساس لمنطق يشي بالإحباط واليأس يماثل منطق الملتحقين بالمنظمات الإرهابية كبديل وحيد لتخليص العراق من نكبته. أما أغلبية المعلقين من الشباب، فإن قراءة تعليقاتهم توضح الصورة. يقول أحدهم « يبقون صهاينه أعداء وتبقى فلسطين البوصلة مهما حاولوا حرفها أما من يريدهم فليذهب لهم» ، ليضيف آخر: «انتوا اغتصبتوا أرضهم رجعوها لهم وهلا بيكم». بحسرة، يقول شاب: « لو كانت هناك سلطة قويه و تطبق القانون بحذافيره لما كان حالنا هكذا لكن مع الأسف …» ، ولأدراك زيف ادعاء مؤسسي الصفحة بأن موقف الشباب العراقي « من إسرائيل ودي»، يختار أحد الشباب توجيه الرسالة التالية « هذه إلى المتعاطفين مع الكيان الصهيوني. نص المادة (201) من قانون العقوبات العراقي المرقم (111) لسنة (1969) بموجب قانون التعديل الثالث المرقم (130) لسنة (1975). ( يعاقب بالإعدام كل من حبذ أو روج مبادئ صهيونية بما في ذلك الماسونية، أو انتسب إلى أي من مؤسساتها أو ساعدها ماديا أو أدبيا أو عمل بأي كيفية كانت لتحقيق أغراضها).

كاتبة من العراق

 

 

 

ما لم يحدث في العراق

هيفاء زنكنة

 

انها المحاكمة الأولى التي تتم في البلاد العربية في مسار تحقيق العدالة الانتقالية. تونس هو البلد السباق في هذا المجال، نادر الحدوث، بعد ان قامت «هيئة الحقيقة والكرامة» التي تأسست في حزيران/يونيو 2014، بالتحقيق في القضية واحالة الملف الى القضاء. الملف المعني واحد من 62 ألف و713 ملف مودع لدى الهيئة، تم تبنيها بعد اجراء 49 ألف و637 جلسة سرية مع ضحايا انتهاكات حقوق الانسان المرتكبة في الفترة بين تموز/ يوليو 1955 وكانون الأول/ ديسمبر 2013. وهي حقبة زمنية طويلة شملت حكومات مرحلة ما بعد التحرر الوطني، الذي يتزامن ويتشابه في الكثير من تفاصيله وانجازاته واخفاقاته وما أدى اليه من صعود أنظمة دكتاتورية، مع العديد من الدول العربية، من بينها مصر وسوريا والعراق والجزائر واليمن وليبيا والسودان وتونس نفسها. مما يجعل متابعة مسار تحقيق العدالة الانتقالية، بتونس، ضروريا للتعلم من النجاحات وتدارك الإخفاقات. 
«إنها لحظة تاريخية، تبدأ من خلالها تونس مرحلة جديدة في مكافحة الإفلات من العقاب»، وصف زيد رعد الحسين، المفوّض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، اجراء المحاكمة الاولى. وهو حدث تاريخي يتجاوز حدود تونس ليصل بلدانا قلما تذوق مواطنوها معنى المواطنة، وتحقيق العدالة، وفق القوانين، بعيدا عن هيمنة الحكام القمعية، وسيطرة أجهزة الامن، المتمتعة بحصانة ممارسة القمع، بأشكاله، من الاعتقالات والتعذيب الى الاخفاء القسري والقتل. يتضمن ملف قضية كمال المطماطي، مساعد مهندس بفرع شركة الكهرباء والغاز في قابس، التي ينظر فيها القضاء التونسي، حاليا، كل هذه الانتهاكات مجتمعة. اذ تم القاء القبض عليه بتهمة النشاط النقابي والسياسي بحركة الاتجاه الاسلامي، عام 1991. تعرض للضرب منذ اللحظات الأولى لاعتقاله، وواصل رجال الامن ضربه في المركز حتى فارق الحياة. أوهموا الموقوفين معه بانه نقل الى وزارة الداخلية، بتونس، لاستكمال التحقيق معه، في حين انه كان جثة هامدة، وضعت في صندوق سيارة وتم تسليمها الى عنصرين أمنيين آخرين. تم طمس جثة كمال في اساس اسمنتي لقنطرة كانت قيد البناء في ذلك الوقت، طبقا لمعلومات من قيادات امنية. ولأن الجهات الأمنية أنكرت معرفتها بمصير كمال، واصلت والدته على مدى ثلاث سنوات، زيارة السجن بانتظام «أحمل القفّة (السلة) لابني، حريصة على أن يكون طبخ يديّ، هو طعامه. ثمّ اكتشفت الحقيقة! لم يكن يتناول شيئا من طعامي، لأنّه ببساطة، كان متوفّيا». اكتنف عمل الهيئة الكثير من الصعوبات كما صاحبتها منذ تأسيسها النقاشات والمناكفات السياسية والمجتمعية، الا انها حققت بعض النجاحات التي تستحق ان يحتذى بها. فقد تمكنت من كسر حاجز الصمت المحيط بانتهاكات وجرائم السلطة وأجهزتها الأمنية خلال عهدي الحبيب بورقيبة وبن علي. انتهاكات طالت أبناء الشعب على اختلاف انتماءاتهم العقائدية والسياسية. كما أوصلت اصوات الضحايا المهمشين الى الشعب التونسي، كله، والعالم أجمع، عبر جلسات الاستماع العلنية، المؤثرة بإنسانيتها، لتضع حدا لذريعة «لم اعلم». بات الكل يعلم. سمع وشاهد ورأى تفاصيل الاعتداءات، بضمنها الجنسية، على النساء والرجال. وقفت المرأة كضحية وشاهدة، باعتداد، رغم حزنها، لتساهم في ترسيخ نمط المقاومة في ظل الثورة: المطالبة بكشف الحقيقة وعدم السكوت على الظلم، ضد أيا كان. فربع القضايا الموثقة لدى الهيئة تقدمت بها نساء. 
في شهادتها، في سردها لتفاصيل، كتمتها لسنوات تمتد عقودا، تخلصت المرأة من محرمات الخوف والرهبة والخجل، ممن يجبرها على ان تكون بلا دور، وضعت اصبعها بعيون المعتدين لتقول بانها ليست المسؤولة عما أصابها، انها ليست المارقة، كما يحاولون ايهامها. 
هذا لم يحدث بالعراق. كانت هناك منذ التسعينيات، أي بداية الاعداد لغزو العراق، اوراقا ودراسات اكاديمية، لامست موضوع العدالة الانتقالية، فيما أطلق عليه اسم «عراق ما بعد صدام». ساهم في التقديم عراقيون، عاشوا في الغرب عقودا، وتعاون العديد منهم في مؤتمرات عقدتها ومولتها مؤسسات الإدارة الامريكية والبريطانية، تابعة لوزارتي الخارجية والدفاع، ومؤسسات «السلام» و»بناء الديمقراطية» المتفرعة عنها. بعد الغزو، تمت مكافأة المتعاونين بمناصب وزارية واستشارية وبرلمانية، تمكنوا خلالها من تأسيس «الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة» التي انجبت «الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث» وفقا لقرار رقم واحد، الذي اصدره حاكم الاحتلال العسكري بول بريمر، بعنوان «تطهير المجتمع العراقي من حزب البعث». اذ «اعتمد المسؤولون الامريكيون، في العراق، سياسة طموحة وواسعة النطاق لاجتثاث البعث، دون فهم تفصيلي لحزب البعث او الجيش العراقي او المؤسسات العامة او الخدمة المدنية او الأوضاع الفعلية العراقية او لما يفضله العراقيون، ولم يستعرضوا على ما يبدو السياسات البديلة المتاحة امامهم»، حسب تقرير «إرث مر»، الصادر عن المركز الدولي للعدالة الانتقالية.
شرعن قرار بريمر والهيئات المنبثقة عنه، عمليات اغتيال واعتقال وفصل كل من انتسب أو يشك بانتسابه الى حزب البعث. هكذا تم تحويل مفهومي «العدالة الانتقالية» و»المصالحة الوطنية» ومسارهما الى عملية انتقام واسعة النطاق، لاتزال مستمرة، على الرغم من مرور 15 عاما، على تنصيب النظام الحالي. ان تحويل مفهوم العدالة الانتقالية الى «طريقة هزيلة ترمي الى احياء مؤسسات الدولة» حسب المركز الدولي للعدالة، سببه الرئيسي هو ان العراق لا يزال بلدا محتلا، وليس من مصلحة أية دولة احتلال، تقوية مجتمع الدولة المحتلة. اذ ان قوتها في ضعفه. كما انها والحكومات العراقية المتعاقبة، لم تتوقف، منذ عام 2003، عن ممارسة أبشع انتهاكات حقوق الانسان (أبو غريب وعشرات المعتقلات السرية مثالا) وجرائم الحرب ضد الشعب (تدمير الفلوجة واستخدام اليورانيوم المنضب مثالا)، مما يوجب اخضاعهما الى المساءلة وعدم الإفلات من العقاب. ان تطبيق مسار العدالة الانتقالية، كما في تونس، يتطلب استقلال العراق، واستقراره، واستلام السلطة من قبل عراقيين مؤمنين، فعلا، بتحقيق العدالة وليس الانتقام، وان تبنى العملية على مشاورة ومساهمة أبناء البلد، أنفسهم، في اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لضمان حق الضحايا في معرفة الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وعدم التكرار، لضمان مصالحة ماضي العراق مع حاضره من أجل حماية مستقبله.

كاتبة من العراق

 

 

 

إلى الفائزين بالانتخابات‪:

ماذا عن هولوكوست

قصف الموصل؟

هيفاء زنكنة

 

لا يكاد يخلو يوم دون انتشال المزيد من الجثث من تحت الأنقاض، في المدينة القديمة، بالموصل، على الرغم من مرور عام، تقريبا، على اعلان حكومة حيدر العبادي الانتصار على منظمة الدولة الإسلامية (داعش). ومع انشغال المسؤولين والسياسيين بمماحكات تزييف الانتخابات، او عدم تزييفها، ظاهريا، والتنسيق فيما بينهم لإبقاء ذات الوجوه، بأقنعة مختلفة، في الحكم، عمليا، تم دفع الموصل، بعيدا، عن المسؤولية الحكومية والأخلاقية، ليعيش أهلها في ظلال موت من نوع مغاير، نتيجة الخراب والتلوث والاخطار الصحية، وحالة الإحباط، والوقوف على حافة الجنون يأسا. 
ليست هناك احصائيات دقيقة حول عدد الضحايا الذين لايزالون تحت الأنقاض. الا ان عمليات انتشال مئات الجثث من تحت الأنقاض في المدينة القديمة المستمرة، ورائحة تفسخ الموت القوية، تشير الى ان العملية أبعد ما تكون عن نهايتها. اذ ان وضع حد للمأساة ليس من أولويات الحكومة، وان كانت قد جعلت من إعادة اعمار الموصل شعارا للاستجداء في مؤتمر المانحين بالكويت. 
يقول متطوعون مدنيون أخذوا على عاتقهم مهمة انقاذ المدينة من الموت، انهم بحاجة ماسة الى المعدات التي تسهل عملية الانتشال وان حجم الكارثة أكبر بكثير من امكانياتهم المتواضعة، كما تبين اشرطة الفيديو المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، المؤكدة، في الوقت نفسه، ان عمليات الانتشال وان كانت ضرورية، كحل سريع إزاء تقاعس الحكومة عن القيام بواجبها، الا انها تتم بشكل لا يوثق، بشكل علمي صحيح، اعداد الضحايا وظروف قتلهم ناهيك عن هويتهم ودفنهم بشكل يليق بالكرامة الانسانية. 
عن عدد الضحايا، أخبر ضابط جهد الإنقاذ في غرب الموصل وكالة رويترز، في 12 أيار/ مايو، أن 763 جثة انتشلت خلال ثلاثة أيام فقط، وتحدث محافظ نينوى عن رفع 2838 جثة من تحت الأنقاض منذ تموز الماضي، تعود 600 منها إلى عناصر «داعش». وقاربت الأرقام في الأيام الأخيرة الخمسة آلاف، وقال الناطق باسم دائرة الدفاع المدني في الموصل (7 أيار/ مايو) ان «فرق الدفاع المدني في الموصل تمكنت من انتشال 22 جثة تعود لأطفال بأعمار متفاوتة». 
أدى انتشار أفلام عمليات انتشال، وتنامي التغطية الإعلامية الدولية، وازدياد نقمة الناس على بطء سيرورة العمل، الى مسارعة رئيس الوزراء، وهو الذي يعيش مرحلة المناورات للحفاظ على منصبه، بتشكيل لجنة « بأمره» تواصل عمليات الانتشال من تحت ركام المدينة. وهي خطوة كان من واجبه القيام بها فور اعلان الانتصار وليس بعد عام تقريبا. 
ان النقطة الاساسية التي ستحدد علاقة أهل الموصل وبقية المدن المنكوبة التي تعرضت لقصف طيران التحالف، بقيادة أمريكا، بأية حكومة مقبلة، هي الاعتراف بالمسؤولية عما جرى من خراب، وإصلاح الضرر، وعدم الاكتفاء برميها، كلية، على تنظيم « داعش». وكان واجب الحكومة العراقية ان تجد السبل الملائمة، مهما كانت صعوبة الامر، لحماية حياة المواطنين وتقليل فرص تعرضهم للخطر، لا المشاركة بقصفهم والطلب منهم عدم مغادرة المباني، كما فعل العبادي باعتباره قائدا للقوات المسلحة، فكانت النتيجة مجزرة دفن 300 شخص تحت ركام المباني، خلال يوم واحد، بذريعة وجود إرهابيين. وهي ذات الحجة التي استخدمتها قوات التحالف الأمريكي – البريطاني، في قصفها مدينة درسدن الألمانية، عام 1945، والحرب العالمية الثانية على وشك الانتهاء. سبب القصف الجوي خرابا هائلا وسقوط آلاف الضحايا، خلال ثلاثة أيام من رمي المدينة بثلاثة آلاف وتسعمائة طن من القنابل الحارقة، عالية التفجير، وتبين الوثائق التاريخية، باعتراف مسؤولين عسكريين ساهم بعضهم في تنفيذ العملية، بان الاهداف العسكرية الاستراتيجية، لم تبرر استخدام القوة المفرطة التي سببت تهديم المدينة وسقوط اعداد الضحايا، مما يجعلها جريمة حرب وليس تحريرا. مما دفع المؤرخين الى تسمية العملية» هولوكوست قصف درسدن». 
في الموصل، كرر التحالف الدولي، بقيادة أمريكا، ارتكاب الجريمة. ويوثق فريق موقع « ايروور»، البريطاني المختص، الحرب الجوية، بدقة، في العراق وسوريا، واصفا عدد ضحايا القصف الجوي الأمريكي، المدنيين، بالعراق « بأنه الأعلى منذ حرب فيتنام، ومع ذلك لا تبدي الحكومات الغربية والعراقية أي اهتمام بتوثيق اعداد الضحايا». استخدمت أمريكا لقصف الموصل، القاذفة الجوية بي 52، التي تعتبر رمز القوة العسكرية الامريكية، تستخدم فيما يعرف بـ «القصف البساطي»، وتم تحديثها لتُزود بالصواريخ والقنابل الموجهة بالليزر، وكان قصفها للموصل جزءا من تجربتها بعد التحديث. كما استخدمت طائرات أف 16 وأف-أي 18، وطائرات ريبر بدون طيار، بالإضافة الى مروحيات الأباتشي قاذفة القنابل. ليست هناك احصائيات عن كمية القنابل التي استخدمت وان ثبت استخدامها قنابل بوزن 500 رطل. واستخدامها كارثي في مدينة مكتظة كالموصل. الامر الذي دفع فريقا صحافيا هولنديا الى التقرير بان عدد الضحايا من المدنيين هو31 مرة أكثر من ارقام التحالف المعلنة. وإذا كان تنظيم داعش قد زرع الألغام، ولا يزال الكثير منها مدفونا تحت الركام، فان قوات التحالف رمت على المدينة» ذخائر أسقطت من الجو، قنابل تزن الواحدة 500 رطل، تخترق الأرض لمسافة 15 مترا أو أكثر»، حسب مدير برنامج الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام، مؤكدا « أن مجرد إخراج واحدة منها يستغرق أياما وأحيانا أسابيع». 
سيكون لتبعية المسؤولين والساسة العراقيين قوات التحالف حربها المختلقة ضد « الإرهاب» و صمت « النخبة» العراقية عن جرائم متكررة في العديد من المدن العراقية، بذريعة محاربة الإرهاب، بدون تمحيص الأسباب واثارة التساؤلات، انعكاسات خطيرة، مستقبلا، حين يجر المجتمع أنفاسه، فيصبح قادرا على المطالبة بالحقيقة وتحقيق العدالة للضحايا واهاليهم. ولن يتم ذلك في أجواء التلفيق السياسي، وحملات التضليل، وانعدام التوثيق. وهو من اساسيات عمل الحكومة وواجبها، لو توفرت النية لتحقيق المصالحة ووضع حد لروح الانتقام. اذ من المضحك مطالبة التنظيمات الإرهابية، وهي « الإرهابية» بحكم توصيفها وممارستها، بحماية حياة المواطنين، بينما لا يطبق الامر، نفسه، على الحكومات والدول. وهذا هو بالضبط ما عجزت عن تحقيقه حكومات الاحتلال المتعاقبة.

٭ كاتبة من العراق


 

 

روايات الأيدز والطائفية

من الصين إلى العراق

هيفاء زنكنة

 

الشيء الذي قادتني اليه الانتخابات العراقية ونتائجها هو الآتي: اثناء إطلاق تأسيس «بيت الرواية»، في مدينة الثقافة، بتونس، أخيرا، قدمت الكاتبة آمنة الرميلي ورقة عن كتابة الرواية اثناء الحروب والحروب الاهلية، وكيف أثرت، إيجابيا، وهنا المفارقة المؤلمة، على زيادة اصدارات وتحسن نوعية الرواية العربية، إلى مستوى جديد أهلها للترشح والفوز بجوائز عربية ودولية. قرأت، في ذات أسبوع إطلاق بيت الرواية، تقريرا عن ازدهار صناعة وتجارة التوابيت في كابول، عاصمة أفغانستان. وأفغانستان، كما هو معروف، البلد الذي نكبته حرب فرض الديمقراطية الأمريكية. سبب ازدهار صناعة التوابيت، في كابول، كما في البلاد العربية، العراق خاصة، هو ذاته الذي سبب ازدهار كتابة ونشر الرواية. انها الحرب. وإذا كان عدد الروايات المطبوعة بالعراق، منذ احتلاله عام 2003 وحتى اليوم، قد تضاعف عشر مرات، بالمقارنة مع ما كتب فيه منذ أوائل القرن العشرين، فان سبب الازدهار ليس راحة البال والرفاه والفرح بالحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، بل للعيش مع المأساة، في كل لحظة، والحياة بظل الخوف والقلق والموت القريب إلى حد استنشاق رائحته كما يشم المرء رائحة جلده. 
بسبب الحرب، كما الرواية العراقية، تضاعف عدد صناع التوابيت بكابول، عشر مرات، خلال العقود الأربعة الأخيرة. الا انهم لا يشعرون بالسعادة لازدهار تجارتهم المربحة. 
صانع التوابيت في كابول، يعيش، هو الآخر، حياة بائسة. يعبر عنها بصناعة توابيت من نوع خاص. انها صناعة مفروضة عليه كالديمقراطية. فالمسلم لا يدفن، عادة بالتابوت بل يتم الاكتفاء بلف الميت بالكفن. الا ان حرب أفغانستان جلبت للناس، بشكل متزايد، التفجيرات والقصف والالغام، فلم يعد بالإمكان وضع الاشلاء الممزقة في كفن بل بات وضعها في تابوت خشبي ضروريا، لتجميعها، كمحاولة، دنيا، للمحافظة على كرامة الفقيد. انها محاولة اهل الفقيد للإحساس بأنهم يدفنون احباءهم بشكل عادي يليق بهم.
في رواية « حلم قرية دنغ «، تتبدى العلاقة بوضوح كبير بين الرواية وصناعة التوابيت. حيث يكرس الروائي الصيني يان لي آنك، صفحات وصفحات، من روايته للكتابة، بالتفصيل، عن تجارة التوابيت، في أزمنة انتشار الموت، ولكن لسبب آخر، غير الحرب. نشرت الرواية في الصين عام 2006. وترجمت ورشحت لجائزة أفضل رواية مترجمة عام 2012. كتب آنك الرواية بصوت طفل في الثانية عشرة من عمره، تم تسميمه، انتقاما من والده، تاجر الدم المتنفذ، بقرية دنغ الواقعة، بمقاطعة هينان. وهي تجارة انتشرت في الصين في 1991 ـ 1995، لتزويد شركات الادوية بالبلازما واجراء التجارب. تم ذلك بعلم الحكومة وتشجيع المسؤولين، حيث شنت حملة لاقناع الفلاحين والفقراء، المتخوفين من بيع دمائهم، بانها عملية غير ضارة، لأن ما سيستخلص هو البلازما، فقط، بينما تتم إعادة بقية مكونات الدم إليهم. أدت سرعة إقامة نقاط سحب الدم في القرى، للتسويق التجاري، وافتقار الشروط الصحية، حيث كانت الإبر وأكياس الدم وغيرها من المعدات الملامسة للدم يعاد تدويرها واستخدامها، إلى انتشار فيروس الأيدز. وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2003، أصيب أكثر من 1.2 مليون شخص بالإيدز في مقاطعة هينان وحدها. 
تكمن أهمية الرواية في اختيار آنك الكتابة عن أعراض المرض الجسدية المخيفة بالتفصيل بالإضافة إلى تأثيره على الحياة اليومية لأهل القرية، علاقاتهم فيما بينهم، محاولتهم العيش يوما بيوم، تفتت النسيج العائلي والاجتماعي، وطغيان حالة الرعب عند إصابة أحد الافراد بالفيروس وخشية بقية افراد العائلة من انتقال العدوى إليهم، وانحدار القيم الأخلاقية والتقليدية. اذ كيف يمكن محاسبة الشخص المارق إذا لم يتبق له من العمر غير أشهر او بضعة أيام؟ 
اللافت للنظر تفاقم الصراعات بين المصابين أنفسهم، حتى وهم يعيشون عزلة ايامهم الأخيرة، ومعرفتهم بحتمية وفاتهم. وتتصاعد المنافسة ويزداد الصراع، بين أهل القرية، كلهم، المصاب منهم وغير المصاب، حين تحاول الحكومة، دفن فضيحة المرض بتوزيع توابيت مجانية. وتوكيل تاجر الدم، الذي بنى ثروته وسلطته على نشر الموت، بإدارة شؤون التوزيع. سرعان ما يجد التاجر الفاسد طريقة للتحايل والبدء بمنع توزيع التوابيت على المستحقين وبيعها إلى قرى أخرى بأسعار أعلى. تقود الحاجة والفقر اهل القرية إلى إيجاد حل سريع لدفن موتاهم. فشرعوا بقطع الأشجار، شجرة بعد أخرى، مهما كان عمرها، لصناعة توابيتهم بأنفسهم، حتى باتت القرية، أرضا جرداء بعد ان كانت مشهورة بأشجارها النادرة وازهارها الربيعية الزاهية. توقف الأطفال عن الذهاب إلى المدرسة بعد ان نهب أثاث المدرسة كله. صار التنافس هو اللغة السائدة سواء كان على وظيفة حارس المدرسة الخربة، او القوميسار الحزبي للقرية، أو مسؤول توزيع التوابيت الحكومية. ولم تتدخل الحكومة لوضع حد للفساد او الصراع، وبقي الحل الوحيد بيد جد الطفل الراوي ووالد تاجر الدم. فاختار الجد، حامل التقاليد والموروث الثقافي الأخلاقي، قتل ابنه المتاجر الفاسد بيده، ليضع حدا لما بدا موتا بلا نهاية.
تستند رواية « حلم قرية دنغ» على احداث حقيقية وقعت في سنوات أطلق عليها اسم «صناعة البلازما». وتستدعي، في الكثير من تفاصيلها، احداثا مشابهة، نلاحظها في عراق ما بعد الغزو. اذ انتشرت صناعة التوابيت، كما في كابول، لتجميع أشلاء ضحايا التفجيرات والقصف وتقطيع الاوصال، وكما في قرية دنغ، ازدهرت صناعة التوابيت، لكثرة الموتى. ضحايا الفساد. فالفساد المستشري، بالعراق، لا يقل ضررا عن فايروس مرض نقص المناعة وهو يغزو المؤسسات ويلتهم الخدمات ويسبب الموت. ولا تقل الطائفية ضررا عن المرض الوبائي، في تجفيفها ينابيع الحياة، فقد اثبت مرور 15 عاما على الاحتلال والحكم الطائفي، سريان المرض في البنية الاجتماعية، وتفكيكه الاواصر العائلية، وقدرته على تفتيت الوطن. «لو إنك اصغيت لي منذ البداية، جثوت على ركبتيك من اهل القرية لما الحقته بهم من دمار، لما كنا نعيش هذه الكارثة الآن»، خاطب الجد ابنه تاجر الموت الفاسد المتعجرف، أملا في ان يجنب القرية ما هو أسوأ. الا ان الابن أدار ظهره لوالده، وقد بدت على وجهه علامات الاحتقار، متوعدا أهل القرية بأنه لا يحتاجهم اطلاقا، وانه سيجلب من سيعاونه من خارج القرية. يأخذنا، هذا الحوار، بين الابن الفاسد ووالده المتمسك بالقيم الأخلاقية، إلى تماثل آخر مع الوضع العراقي. حيث يحتقر الابن اهل قريته مستنجدا بالآخرين، ويتمسك الجد بموروثه وأهله، ليكون الحل قطيعة دموية بين الاثنين. وهو حل، نأمل، ان يتجاوزه أهل العراق، بإيجاد طرق بديلة، لا يبدو أحدها حكم «المنتصرين» بالانتخابات الحالية.

٭ كاتبة من العراق


مقاطعة الانتخابات العراقية

أو تحمل الإثم المقبل

هيفاء زنكنة

يشير الوقوف عند بوابة الانتخابات العراقية، في 12 أيار/مايو المقبل، الى ان الدخول من خلالها سيبقي معظم ابناء الشعب، مهما حاولنا ضخ شحنة التفاؤل بالتغيير، في ذات الباحة الخربة التي يعيشون فيها الآن. الاسباب متعددة، من بينها: معظم المرشحين هم ذاتهم من النخبة الفاسدة التي غرزت اقدامها في الطائفية والعرقية والفساد منذ غزو البلد واحتلاله عام 2003. بعد مرور 15 عاما من صراعاتهم الدموية بين انفسهم وضد الآخرين من العراقيين مع محاباة المحتل الامريكي والايراني، بالامكان تلخيص « انجازاتهم» بانهم جعلوا من ارض العراق ساحة حرب بين امريكا وايران تسقيها دماء العراقيين. في ظلهم، لم يعد العراقي معروفا بعراقيته بل أصبحت هويته مسبوقة بصفات كان يشمئز منها في حياته السابقة. كان يعتقد انها صفات لا تليق به ولا يمكن استخدامها لأنها «عيب». صار العراقي المعتز بهويته الوطنية والدينية أما شيعيا أو سنيا. في ظلهم، نبع الارهاب. الناتج الطبيعي لمتلازمة الاحتلال والظلم. صارت المرأة الفخورة ببيتها وحديقتها الزاهية بالنخيل والورد الجوري، المرحبة دائما بالضيوف، وبتعليم ابنائها وتفوقهم، تحمل لقب «نازحة» تستجدي المساعدات «الانسانية». حولوا ملايين العراقيين الى نازحين يعيشون في العشوائيات والخيام. «يسكن في العشوائيات 3 ملايين و200 ألف شخص اي ما يمثل 10 بالمئة من سكان العراق»، قال وزير العمل والشؤون الاجتماعية، محمد شياع السوداني (23 نيسان 2018)، مبينا أن «هذه الأرقام مأخوذة عن احصائية دقيقة لاستراتيجية التخفيف من الفقر». يشير تقرير البنك الدولي للشهر الماضي الى «ارتفاع معدل الفقر بشكل حاد.. وتأثر النساء بشكل خاص نتيجة غياب الأمن الذي فرض عليهن قيودا في الحركة للوصل الى اماكن العمل والتعليم والصحة». حولوا العراق الغني بنفطه وثروته الزراعية وميزانيته البالغة 120 مليار دولار، سنويا، الى خرابة بينما يتم تهريب 800 مليون دولار، اسبوعيا، أما الى حساباتهم الخاصة في الخارج أو غسيل الاموال في المدن الاوروبية، عبر شراء العقارات، كما في لندن.
يتبين من رصد الحملات الانتخابية ان كل المرشحين، تقريبا، هم ذاتهم، ممن شاركوا في تحقيق «الانجازات» التي قادت الشعب ولا تزال الى الحضيض، وانهم، جميعا، بلا استثناء يتحدثون عن النزاهة والقضاء على الفساد. وان المرشحين «المستقلين»، على قلتهم، ينشطون ضمن قائمات انتخابية يترأسها فاسدون، لديهم خبرة 15 عاما، بالفساد السياسي والاداري. مما يجعل المستقل، رغم حسن الظن بنظافته، مجرد بيدق في لعبة، الفائز فيها معروف مسبقا. فلا عجب ان تتصاعد الدعوة الى مقاطعة الانتخابات، بدلا من المشاركة، كاسلوب افضل للتغيير، اذا ما كان التغيير هو ما يريده الشعب حقا.
واذا كانت هيئة علماء المسلمين ( 9 تشرين الثاني/نوفمبر)، هي التي دعت الى مقاطعة الانتخابات عام 2004، المتزامنة مع اقتحام قوات الغزو مدينة الفلوجة وتدميرها، اذ لا يمكن ان تقام انتخابات» على اشلاء القتلى ودماء الجرحى»، فان أصوات المقاطعة امتدت هذه المرة لتشمل شبابا ومنظمات مدنية متعددة، بالاضافة الى الشيخ جواد الخالصي، من المدرسة الخالصية، ببغداد، واحد مؤسسي المؤتمر التأسيسي الوطني الذي تم تشكيله اثر الاحتلال.
يرى الخالصي ان العملية السياسية التي شيدها الاحتلال « مشروع معلب قادم من الخارج»، وهي اساس البلاء الذي اصاب البلد من انقسام طائفي وعرقي، سماده الفساد. محذرا، في 16 نيسان/أبريل، من «الانشغال بالألاعيب السياسية التي تجري هذه الايام… وإنما الانشغال بإثبات استقلال البلد، وتحقيق الثوابت الكبرى وهي: الوحدة والهوية والاستقلال». داعيا الشعب العراقي (20 نيسان/أبريل)، لتخليص البلد من فتنة العملية السياسية التي رسمها الاحتلال، وان ما تحتاجه الأمة، في الحقيقة، اصبح ضحية مخططات الاحتلال والعملية السياسية والانتخابات الفاسدة. وذهب الخالصي، أبعد من ذلك، في 27 نيسان/ أبريل مؤكدا بأن «من يشارك في الانتخابات، ومن شارك، سابقاً، فإنه يتحمل الاثم الذي جرى على العراقيين طوال تلك الفترة، وسيتحمل اثم الفترة القادمة». وان «هناك هيئة تعمل بأمر الامريكان مشرفة على المشروع الانتخابي في العراق والأمر محسوم مسبقاً». يثير موقف الخالصي، وبقية المقاطعين، تساؤلا مهما حول كيفية تخليص الناس من المأساة الحالية، اذا لم تكن الانتخابات هي الطريقة الافضل؟ يقول الشاعر والمدون ابراهيم البهرزي ان «التغيير الوحيد الممكن هو باطلاق التصويت للافراد، حصرا، دون أحزاب وكتل، واعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة، على أمل أن يجد بعض الأحرار في هذه البلاد فسحة لتقديم وجوه جديدة غير ملوثة».
ويجيب مكتب الخالصي، مبينا ان ازاحة السياسيين الحاليين «من خلال صناديق الاقتراع، خدعة لا دليل على صحتها اصلاً، والأولى ضمان لنا سلامة الانتخابات ومن ثم نناقش المشاركة فيها». التساؤل الآخر، على من يراهن دعاة المقاطعة؟ يقول الخالصي، في 24 نيسان/ أبريل: «أراهن، لحد هذه اللحظة، على بعض أبناء الشعب العراقي الذين لم يتغيروا، وأراهن على امكانية تغيير البقية نحو الاحسن، من خلال الثبات والاستمرار والحفاظ على هذه النخب الطيبة التي ما زالت تؤمن بالرسالة». وختم قائلاً: «الشيء الاهم ان هناك اناسا كانوا يقولون ان يوم 9 نيسان هو يوم تحرير للعراق، والجيش الامريكي جاء محرراً، أما الآن لا يجرؤون على القول به، علناً، بعد ان قالوه في الماضي، وهذه هي مكاسب سببها ان بعض العراقيين رفضوا الانجرار خلفها وكشفوها وفضحوها». واذا كان التعاون مع المحتل، بكل المقاييس، جريمة لا تغتفر، فأن المساهمة، بأي شكل من الاشكال، في تخريب البلد والمجتمع، لا تقل عنه اجراما. ويكفينا ان نعلم ان هناك ثلاثة ملايين طفل، انقطع عن التعليم، في جميع أنحاء العراق. وان بعضهم لم يجلس يوما في صف مدرسي، وان أكثر من ربع الأطفال يعيشون في فقر مدقع، خاصة في المناطق الجنوبية والريفية الأكثر تضرراً (حسب اليونيسيف 2018)، في بلد بالغ الثراء، لندرك حجم الخراب الذي الحقه ساسة الاحتلال والعملية السياسية بمستقبل العراق، وكيف ان انتخابهم مشاركة في الجريمة.

كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

شهر للتضامن

مع العراق… لماذا؟

هيفاء زنكنة

 

هناك مبادرة غريبة بعض الشيء بالنسبة إلى عالمنا العربي، يتم الإعلان عنها، بالحاح، على صفحات التواصل الاجتماعي منذ أشهر. عنوان المبادرة « شهر التضامن مع العراق». سيتم إطلاق المبادرة مساء الخميس المقبل، في جامعة لندن. تستحق المبادرة الاهتمام لأنها تثير العديد من الأسئلة المرتبطة بماضي العراق، العقود الأخيرة منه، خاصة مرحلة التهيئة للغزو، وحاضره في سيرورة عملية الاحتلال السياسية وما تمخض عنها، ومستقبله في ظل مأسسة الطائفية، والفساد، والصراع الاثني، وانعكاساتها على بنية المجتمع المنهك جراء الحروب والاحتلال. فلماذا مبادرة شهر التضامن مع العراق، وكيف؟ 
تستهل الدعوة إلى إطلاق المبادرة تصريحا لدزمند توتو، كبير الأساقفة الجنوب افريقي، المعروف بنضاله ضد نظام الفصل العنصري، والذي وقف بقوة ضد الحرب على العراق، إلى حد رفضه حضور مؤتمر يشارك فيه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، واصفا إياه بأنه مجرم حرب. يقول توتو: «إن قرار الولايات المتحدة وبريطانيا، اللا أخلاقي، بغزو العراق عام 2003، استنادا إلى كذبة امتلاكه أسلحة للدمار الشامل هز العالم بأسره، وأحدث استقطابا لم يحدثه أي صراع آخر في التاريخ». تذكرنا الدعوة بأن قرار شن الحرب الانجلو ـ أمريكي لم يكن شعبيا، بل تظاهر الملايين في كل بلدان العالم عام 2003 معلنين رفضهم. حيث شهدت بريطانيا واحدة من أكبر المظاهرات بتاريخها ضد قرار رئيس الوزراء، حينئذ، في الوقوف بجانب قرار الإدارة الإمريكية برئاسة جورج بوش والمحافظين ـ الصهاينة الجدد. 
اليوم «بعد مرور 15 عاما على الغزو والاحتلال لاتزال آثار الحرب العدوانية بقيادة الولايات المتحدة على الشعب العراقي مستمرة، مسببة معاناة لا نهاية لها، بينما أصبحت حربا منسية في دائرة الدمار والعنف الذي ابتلت به بلدان المنطقة». وجوابا على لماذا شهر التضامن «ليبقى العراق في ذاكرتنا قضية في غاية الأهمية لملايين الضحايا الذين يستحقون العدالة، وضروري أيضا لاستعادة المبادئ الأساسية للسلام والاحترام المتبادل بين الأمم باعتبارها أساس القيم الإنسانية المشتركة لضمان مستقبل خال من كوارث الحرب. إنه للتذكير بجرائم الاحتلال في تهديم دولة وتفكيك مجتمع واستهداف ثقافة شعب، كي لا تتكرر الجريمة أبدا. « تؤكد الدعوة على أن الشهر ليس للتذكير بجريمة استهداف شعب ودولة فقط بل أيضا «للاحتفاء بتاريخ العراق، ومقاومة الشعب العراقي المتعددة المستويات، وطموح العراقيين في تحقيق السلام المبني على المساواة والعدالة». هذه هي أهداف إطلاق مبادرة «شهر التضامن مع العراق». وهي أهداف، أثبتت سنوات الاحتلال، مدى الحاجة إليها بعيدا عن المنفعة السياسية الآنية الظاهرة والمبطنة. 
ولدت فكرة « شهر التضامن» مع اقتراب ذكرى مرور 15 عاما على الغزو وأحساس عدد من الناشطين المناهضين للاحتلال، بأن العراق لا يعيش ذكرى حدث انتهى، بل إنه مستمر عبر ما أسس له من تخريب شامل يؤدي إلى أحداث يومية مأساوية، والأكثر من ذلك أن العراق، بات منسيا، عربيا ودوليا، حتى في ذكرى احتلاله. مثل مناسبة انطفأ وهجها، كادت جريمة « الصدمة والترويع» والشروع الممنهج بتدمير البلد وشعبه، أن تمر هذا العام، مثلا، كما السنوات السابقة، بصمت، باستثناء نشر بضع مقالات هنا وهناك، وإجراء مقابلات قليلة مع أصوات تبذل أقصى جهدها لإدانة ومراجعة جرائم، بقيت بلا محاسبة، لأن العالم، خلافا لما يشاع حول انشغاله بمآس أخرى، وحول جرائم تنظيم «الدولة الإسلامية»، لا يريد رؤية جرائمه في العراق، أو تذكرها، ناهيك عن الاعتراف بها. إذ ليس هناك في الإدارة الأمريكية أو الحكومة البريطانية ممن ساهم في تسويق الحرب، بحجة أسلحة الدمار الشامل، من لا يريد غسل يديه من جريمة، سببت قتل ما يزيد على المليون عراقي (هناك إحصائية جديدة تشير إلى 3 ملايين) وتشريد الملايين وبذر نبتة الإرهاب. 
الملاحظ، في الأعوام الأخيرة غياب أصوات ناشطين مخضرمين ضد الحصار والحرب من العراقيين وغير العراقيين، غيبها الموت أو الإرهاق أو خيبة الأمل أو إصابتهم بالطائفية. غابت، أيضا، أصوات مهللين للغزو باعتباره تحريرا، مصرحين بأنهم أصيبوا بخيبة أمل. لماذا؟ لأن من قاموا بتزكيتهم لم يثبتوا صلاحيتهم للوظيفة الموكلة إليهم، عبرالاحتلال، متعامين عن فشلهم الذريع في رؤية العراقيين كعراقيين وليس وفق التقسيم الطائفي ـ العرقي، مما ساهم في تهيئة الأرضية لتفتيت البلد.
في هذه الأجواء، ما الذي ستقدمه المبادرة التي ستقوم بإطلاقها مجموعة « تضامن المرأة العراقية» في لندن؟ تؤكد المجموعة، أولا، أنها جزء من المبادرة فقط، وكل ما تقوم به، حاليا، هو تنظيم إطلاقها، وأنها مبادرة بسيطة، ذخيرتها، استمرارية الموقف المناهض للحصار والحرب والاحتلال، وتمحيص نتائجها، داعية إلى تحقيق العدالة للشعب العراقي. وهو الموقف الذي وحد نشاطات منظمات التضامن مع الشعب العراقي، على مدى عقود. لذلك سيساهم في إطلاق المبادرة ممثلون عن «أوقفوا الحرب»، «عدالة للشعب العراقي»، «المحكمة الدولية»، «محكمة بروكسل» و«تضامن المرأة». سيلقي كلمة الافتتاح، دنيس هاليداي رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنساني في العراق عام 1998. الذي استقال من منصبه: «استقالتي كانت ضرورية بسبب رفضي قبول أوامر مجلس الأمن التي فرضت عقوبات إبادة جماعية على الأبرياء في العراق. إن استمراري في منصبي كان يعني تواطؤي في هذه الكارثة الإنسانية. كيف يبرر هذا العقاب الجماعي الذي هو العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة؟ لا يوجد بند في ميثاق الأمم المتحدة أو القانون الدولي يشرعن النتائج القاتلة لعقوبات حصار الأمم المتحدة الذي استمر 12 سنة طويلة على شعب العراق».
ومثل كل النشاطات النابعة من صميم الشعوب، سيعتمد تطوير هذه المبادرة على مدى التزام الأفراد والتجمعات والمنظمات المستقلة، المدركة لطبيعة الظلم الذي سببته حكوماتها للشعب العراقي، بالعمل التضامني لتحقيق العدالة على قدم المساواة.

٭ كاتبة من العراق

 

 

 

شيزوفرينيا حكام العراق

وسوريا حول «التدخل الخارجي»

هيفاء زنكنة

 

هناك شيء مضحك إلى حد البكاء في موقف النظام العراقي مما يجري بسوريا، من قصف وقتل للشعب وتدمير للبلد. موقفه من حزب البعث السوري، وأنشوطة التواجد الإيراني ـ الروسي من جهة والأمريكي ـ البريطاني ـ الفرنسي من جهة ثانية، فضلا عن الدول الفاعلة على الارض، من خلال ميليشيات وقوات قتالية و «جهادية» بأحجام تتناسب، طرديا، مع مدى الدعم العسكري و «الإنساني» الذي تتلقاه من عديد الدول، من بينها دول عربية «شقيقة»، تمتد من لبنان إلى السعودية ودول الخليج. 
تمتد تفاصيل مهزلة الموقف السياسي، المعبر عنه بتصريحات رئيس الوزراء حيدر العبادي ووزير الخارجية ابراهيم الجعفري إلى ما هو أعمق من التصريحات بصدد أحداث آنية. تبين التفاصيل موقف حزب الدعوة باعتباره ممثلا للطائفة الشيعية من جهة ومعاديا لحزب البعث الذي حكم العراق لعقود، وإستجارته بالقوى الخارجية لمساعدته على التخلص من النظام. وفر الاحتلال الأمريكي للعراق وقوانين الحاكم العسكري بول بريمر فرصة لا تعوض لحزب الدعوة، مع آخرين، للتخلص الجسدي من حزب البعث عن طريق التطبيق لقانون اجتثاث البعث، ولاتزال حملته في الاجتثاث مستمرة، حيث أصدر، أخيرا، قرارا بمصادرة املاك كل من يشك بانه كان بعثيا، وضمت القائمة اسماء شخصيات غادرتنا إلى العالم الآخر قبل وصول البعث إلى الحكم. 
استعادة هذه النقطة مهمة لفهم موقف حزب الدعوة الحاكم، بالعراق، متمثلا بتصريحات اثنين من قيادييه هما العبادي والجعفريّ، الداعم بقوة لنظام حزب البعث السوري سياسيا وعسكريا. لماذا؟ كيف يبرر حزب الدعوة موقفه من نظام البعث السوري وهو الذي لم يدخر سبيلا في الـتآمر، والتفجيرات، ومحاولات الاغتيال، والقتال في صفوف القوات الإيرانية ضد العراقية، للقضاء على حزب البعث العراقي؟ ترى، يتساءل السذج منا، هل هناك بعث أخضر وآخر أسود، للتمييز بين الموقفين، هل هي المهارة السياسية أم انه الولاء الطائفي المتجذر أبعد من الموقف السياسي؟
جوابا، يقول ابراهيم الجعفري في تصريح صحافي بعد اجتماع وزراء الخارجيَّة العرب في السعوديَّة «يجب أن نتكلـَّم بحجم شعبنا، فهذه ليست قضيَّة رئيس، أو وزير، أو رئيس وزراء، أو رئيس جمهوريّة، نحن نُدافِع عن الطفولة، والنساء، والشُيُوخ، والشباب». مما يجعلنا، ونحن نعيش ذكرى مرور 15 عاما على غزو واحتلال العراق، وصدور احصائيات جديدة تدل على سقوط 3 ملايين عراقي نتيجة الاحتلال والإرهاب الناتج عن الاحتلال، إلى التساؤل عن السبب الذي منعه عن الدفاع عن «الطفولة، والنساء، والشُيُوخ، والشباب» العراقيين، ضد غارات «الصدمة والترويع» الأمريكية، عام 2003، مادامت القضية ليست قضية رئيس؟ وتبلغ أقوال ابراهيم الجعفري، مرحلة تضع حدا لأي تساؤل منطقي، حين يقول محذرا أمريكا « هذا النوع من الأسلحة، وهذا النوع من السياسات الخرقاء لا يُمكِن منع تداعياتها، وتأثيرها». مُضيفا قبل ساعات من قصف سوريا «لا نسمح أن تتكرَّر هذه الحماقات». 
كيف؟ ما الذي سيقوم به النظام العراقي ليضع حدا لتكرار الحماقات الأمريكية، حسب الجعفري، على الرغم من تعاون حزب الدعوة مع أمريكا، سابقا، عبر سكوته على ضرب العراق بأسلحة سيبقى تأثيرها المميت، على مدى اجيال مقبلة، مثل اليورانيوم المنضب، أو حاليا عبر استمرارية وجود القواعد العسكرية والقصف الأمريكي تحت مسمى «التحالف الدولي»؟ وكيف ستكون العلاقة بين النظامين في ظل التحالفات، والنزاعات الدولية، والاقليمية والعربية، ومع ازدياد شيزوفرينيا الطائفية الدينية والعرقية والقبائلية، والاستعداد للتعاون مع الاجنبي على حساب القطيعة مع ابناء البلد الواحد، المصنفين بالإرهاب، فور اختلافهم مع اي نظام حاكم؟ 
في 5 كانون الاول/ ديسمبر 2017، قال العبادي، أن الحكومة تمتلك مشروعا كاملا لتأمين الحدود العراقية السورية، وأن القدرة العسكرية الكبيرة التي يمتلكها العراق، في الوقت الحالي، تنافس قدرات دول المنطقة. الا ان هذ التصريح يتناقض مع تواجد فصائل من ميليشيا الحشد الشعبي، التابعة لإيران، داخل سوريا لحماية النظام. ويتناقض مع صرف الحكومة العراقية رواتب المقاتلين البالغة ضعف رواتب مقاتلي الحشد داخل العراق.
ويتناقض مع استقبال الرئيس السوري بشار الأسد، مبعوث رئيس الوزراء مستشار الأمن الوطني العراقي، فالح الفياض، في 14 آذار/مارس 2018، واستلامه رسالة شفهية من حيدر العبادي، أكد فيها على «أهمية تعزيز التعاون والتنسيق بين البلدين الشقيقين في جميع المجالات ولا سيما في الجانبين السياسي والأمني». تدل هذه التصريحات المتناقضة مع الواقع، الذي تتحكم به إيران وأمريكا، كل حسب مصلحته، على ازدواجية المواقف ونجاح الساسة في تبني لغة موحدة، هدفها النهائي تضليل الشعوب أو الاستهانة بها. تضم هذه اللغة مفردات لها وهجها الشعبي، الذي يعود إلى مرحلة التحرر الوطني، مثل «السيادة» و«عدم التدخل الاجنبي». ومن يراجع خطب حيدر العبادي وابراهيم الجعفري سيجد صعوبة في العثور على خطبة بدون هذه المفردات التسويقية.
والحال مماثل لدى معظم ساسة الحكومات العربية، خاصة تلك التي توجد فيها قواعد عسكرية وقوات (عنوانها: مستشارون ومدربون) أمريكية وشركات أمنية خاصة. ومن اتيحت له فرصة الاستماع إلى كلمة مندوب سوريا الدائم لدى مجلس الأمن الدولي بشار الجعفري، يوم السبت الماضي، لأستوقفه تأكيده «أن بلاده لن تسمح لأي تدخل خارجي برسم مستقبل سوريا»، وهو ما يجب ان يكون بطبيعة الحال، لولا انه حاول بذلك، أما استغباء الناس أو تمرير تعريف جديد للتدخل الخارجي، يستثني فيه التواجد الإيراني ومقاتلي حزب الله والقواعد العسكرية الروسية، مما يعيد إلى الاذهان خطاب دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي السابق، يدين فيه التدخل الاجنبي بالعراق متصرفا وكأن العراق ملكا للدولة الغازية أمريكا. هنا، في العراق وفلسطين، علينا التوقف لفهم معنى المساعدة الغربية «الإنسانية» بقيادة أمريكا مع أي شعب عربي، ولنراجع معا قوائم خسارتنا البشرية والمادية كلما أنجز «التدخل الخارجي» واحدا من مهامه «الإنسانية». نتيجة الجرد معروفة: نحن الذين ندفع تكلفة قتلنا.

٭ كاتبة من العراق

 

 

 

الانتاج الفكري العراقي

وطائفية حزب البعث

هيفاء زنكنة

 

نعيش، حاليا، كعراقيين، مرحلة مظلمة، تختلط فيها الحقائق بالاكاذيب، وتجري فيها محاولات اعادة كتابة التاريخ، باستمرار، لاسباب متعددة، يلعب فيها تغير الاجندات السياسية وحاجة السياسيين إلى مأسسة وعي جماعي مستحدث، وهوية حسب الطلب، دورا كبيرا. يساهم في انجاح العملية، انحسار البحث الاكاديمي، العلمي الرصين، في اجواء خيبات الامل المتتالية، وحالة الاحباط العام، وانتشار الزيف الاعلامي، وعدم التدقيق في صحة ما ينشر على صفحات التواصل الاجتماعي.
تعزز هذه الاسباب، مجتمعة، تغيير السردية التاريخية، وفق الاهواء السياسية، وتصاعد العواطف، وشعبوية الشعارات، مما يشكل مواقف الناس من الاحداث التاريخية، القريبة والبعيدة. فتكون الحصيلة متطرفة في تصورالماضي والحكم عليه. فهو الفردوس المفقود بالنسبة إلى البعض وعذاب الجحيم بالنسبة إلى آخرين. وبينما تنشط شريحة من الناس بتنقية وتنظيف الماضي من مساوئه، متحسرة عليه، تماشيا مع مصلحتها، تقوم شريحة أخرى باختلاق الاكاذيب وتضخيم مساوئ الماضي عن ذات الفترة. مما يجعل صورة الماضي ملتبسة إلى حد كبير، في غياب النظرة الموضوعية ومصداقية المصدر ومراوغة الذاكرة. الأمر الذي يمنح عمليتي التدوين والتوثيق أهمية قصوى، إذا ما أراد الشعب المحافظة على تاريخه وفهم حاضره وبالتالي بناء مستقبله.
تزايدت الحاجة إلى التوثيق والتدوين كرد فعل على تصاعد فبركة الاكاذيب، في فترة التهيئة للغزو الاجنبي للعراق، التي انطلقت في تسعينيات القرن الماضي، ومع شروع المعارضة بحملاتها لتوفير الشرعية الاخلاقية للغزو والاحتلال، من خلال اختلاق المظالم، احيانا، وتضخيمها في احيان أخرى. هدفها الاساسي، الاستجارة بالاجنبي، للتخلص من نظام قدمته إلى العالم باعتباره نظاما يعتاش على التمييز الطائفي والعرقي، بل وذهب البعض ابعد من ذلك في التسويق الطائفي، خاصة، مدعين تجذر الطائفية لدى الشعب وان لا خلاص منها غير التحرير والديمقراطية. وهي اكذوبة تماثل اكذوبة أمتلاك العراق اسلحة الدمار الشامل وتهديده العالم خلال دقائق. الحقيقة هي ان النظام العراقي لم يكن طائفيا بل كان نظام حزب واحد بقائد واحد (باستثناء سنوات الجبهة الوطنية والقومية التقدمية) سلط قمعه السياسي، اعتقالا وتعذيبا، بـ«عدالة» منقطعة النظير، على كل من حاول مس نظام الحزب والقائد «الضرورة». الا انه، خلافا لحبكة المظلومية، لم يكن طائفيا كما بتنا نعرف الطائفية في «العراق الجديد». 
من الكتب الجديرة بالاطلاع، والصالحة لاثبات لا طائفية ولا عرقية العراق، فكريا ومجتمعيا، في عراق ما قبل الغزو، كتاب «النتاج الفكري العراقي لعام 1975»، من اعداد المكتبة الوطنية، واشراف وتقديم فؤاد يوسف قزانجي. 
تشير المقدمة إلى ان الانتاج الفكري لعام 1975، من خلال التجميع الببلوغرافي الدقيق، قد بلغ 1178 كتابا وهو «أقل من كتب عام 74 وذلك لأن عام 75 هو عام مجانية الكتب المدرسية وانشغال المطابع بطباعتها لكافة المراحل الدراسية». حيث طبعت دار الحرية الحكومية، لوحدها، مليون ونصف المليون نسخة من الكتب الثقافية والمدرسية. الملاحظ من الجرد السريع لقوائم الكتب المصنفة حسب الموضوع واللغة، انها كتب جادة، عموما، معنية بشتى صنوف المعرفة، احتل حقل العلوم الاجتماعية، مثلا، حيزا كبيرا، بلغ 457 عنوانا. وقد شهد عام 75، بسبب اعلان الجبهة بين حزب البعث والحزب الشيوعي والحزب الثوري الكردستاني، ازدهارا في طباعة كتب لمؤلفين من مختلف الانتماءات السياسية أو معنية بنتاجات شخصيات أو موضوعات عابرة للانتماء الحزبي الواحد. فمن بين كتب وزارة الاعلام البالغ عددها 93 : الشبيبي شاعرا لقصي سالم، وتاريخ الحركة الديمقراطية في العراق لعبد الغني الملاح، ومجموعة اعمال ومراجع الفارابي التي بلغت 13 كتابا، صدرت بمناسبة الاحتفال بذكراه في العراق والاتحاد السوفييتي. ومن بين الكتب العلمية والتطبيقية «القوى العاملة في القطاع الزراعي» لغانم حمدون. كما تم نشر 88 كتابا باللغة الكردية وستة بالتركمانية. وتفند المطبوعات الكثيرة في مجالي الدين تهمة الطائفية والتمييز الديني، من بين الكتب المنشورة لمؤلفين يستحقون التوقف عند موضوعاتهم واسمائهم: بحث موضوعي في الجبر والاختيار لمحمد كاظم مصطفوي، ونظرية البداء عند صدر الدين الشيرازي لعبد الزهرة البندر، ومسلم بن عقيل في الكوفة لكامل سلمان الجبوري، وبحوث حول علوم القرآن لمحمد السعدي النجفي، ومعجم رجال الحديث لابو القاسم الخوئي، الحياة بعد الموت لصلاح الدين عبد المجيد، عقد الفضولي في الفقه الإسلامي لعبد الهادي الحكيم، عرفانيات ميرزا غلام رضا، الإسلام سبيل السعادة لمحمد الخالصي، كتاب الطهارة لحسين الحسيني الشاهرودي، الاحكام الشرعية المطابقة لفتاوى فقيه الطائفة ومرجعها الاعلى لمحمد التقي الحسيني الجلالي، موجز احكام الحج لمحمد باقر الصدر والصلاة معراج المؤمن لعبد الرضا الشهرستاني. بالاضافة إلى كتب عن التصوف، والدين المسيحي من بينها: تاريخ دير مار متي للبطريرك اغناطيوس يعقوب الثالث. 
واذا كان النتاج الادبي هو احد المؤشرات على طبيعة المجتمع، فان فترة الانفتاح السياسي المؤقتة، في منتصف السبعينيات، بالاضافة إلى لا طائفية النظام، وفرت فسحة لنشر مطبوعات على غرار معالم جديدة في ادبنا المعاصر لفاضل ثامر. كنز الآخرة في مراثي العترة الطاهرة لفاطمة الوصيبعي. تحفة الباكين لمعصومة بنت الملا رضى، ابطال الشهادة على رمال كربلاء المقدسة لفاضل خضير الصفار، ايام صعبة ذكريات شيوعي من العراق لبهاء الدين نوري، تاريخ الجالية العراقية في المهجر لشمعون دابش، شذرات من مذكرات العلامة الفقيد الشيخ محمد رضا الشبيبي تقديم اسعد الشبيبي، ثورة النجف على الانكليز لحسن الاسدي، والاقلية اليهودية بالعراق خلدون ناجي معروف، بالاضافة إلى المطبوعات باللغة الكردية، واصدارات مركز الدراسات الفلسطينية. 
واذا كان هناك تنوع كبير وحرية في تصنيف الموضوعات، الا انها سرعان ما تنتفي عند تناول المطبوعات المصنفة تحت المطبوعات السياسية. حيث يقتصر الموجود على كتاب و3 كراسات تضم خطبا لاحمد حسن البكر (الرئيس) وكتابين وكراسين لصدام حسين (نائب الرئيس) وكتابين لميشيل عفلق، وثلاثة كتب للحزب الثوري الكردستاني، واربع مطبوعات للقيادة القومية والقطرية لحزب البعث. 
يعكس النتاج الفكري لعام 1975، طبيعة المجتمع العراقي بكل تنوعاته الدينية والمذهبية والعرقية وغناه الذي يبدو منسيا هذه الايام لفرط سموم التمييز والفساد المغروزة في عروقه، كما يبين القدرة والطاقة الخلاقة التي يتمتع بها، وامكانية استعادتها، فيما لو توفرت له، ولو فسحة صغيرة من الحرية السياسية والفكرية.

٭ كاتبة من العراق


 

 

فن العمالة

أو عمالة الفن في العراق

 

هيفاء زنكنة

 

نشر موقع جمعية التشكيليين العراقيين، خبرا عن زيارة وفد من الجمعية لرئيس الجمهورية فؤاد معصوم، يوم 28 آذار / مارس. ضم الوفد نائب رئيس الجمعية حسن ابراهيم وأمين السر قاسم حمزة فرهود وسعد الربيعي و محمد شوقي. 
كان من الممكن ان يمر الخبر، كما غيره، دون ان يلاحظه أحد، لولا نشره على صفحات التواصل الاجتماعي، واثارته تعليقات تراوح ما بين الاتهام بالنفاق والعمالة للمحتل والانحطاط الفني. فما الذي فعله الوفد بالضبط ليثير هذه الضجة؟ يشير بيان الزيارة إلى ان أعضاء الوفد، استعرضوا، خلال اللقاء، مشاريع الجمعية والمشاكل والمعاناة التي تواجه الفنانين ومتطلبات تسهيل مشاركة الفنانين المغتربين في معارض الجمعية. فعبر رئيس الجمهورية « عن الاستعداد لدعم الفنانين… ومفاتحة الجهات الرسمية ذات الصلة». ثم قدم الوفد لوحة تشكيلية هدية له « تعبيراً عن تقدير الفنانين لمواقفه الداعمة للثقافة ومبدعيها». 
هناك، طبعا، هلامية سياسية تحيط بتصريح رئيس الجمهورية حول دعمه للفنانين كما تحيط برد الوفد المثير للاستغراب حول طبيعة ونوعية « مواقفه الداعمة للثقافة ومبدعيها»، وتخويل اعضاء الوفد، انفسهم، النطق باسم المثقفين. 
الا ان معظم التعليقات على الفيسبوك، لا تتطرق إلى مصداقية التصريحات أو جوفائيتها بل إلى سبب آخر، وهو التساؤل عن دافع توجه وفد يمثل الفنانين العراقيين لزيارة سياسي، هو وجه من الوجوه المعروفة بتعاونها التاريخي مع المحتل، وتقديم هدية له، بتوقيت يستحق الادانة لا التكريم، أي بمناسبة مرور 15 عاما على الاحتلال، والشعب يعيش ما سببه الاحتلال، من خراب عمراني وبشري، باعتراف شعوب دول الاحتلال نفسها ؟ لا يجد قارئ التهم المتبادلة، بين فنانين اعضاء بالجمعية، أجوبة مقنعة مما يقوده إلى تساؤلات اضافية، على غرار: لم التعليقات الجارحة، وشخصنة المواقف، وتوجيه الاتهامات المعاكسة بالداعشية، ودعم الإرهاب باسم المقاومة… هل هذه هي المرة الاولى التي يزور فيها الفنانون مسؤولين حكوميين، أو يساهمون بمعارض تقام في سفارات دول، لعبت دورا باحتلال العراق وتدميره؟ ماذا عن المعرض الذي إقامته السفارة البريطانية، ببغداد، يوم 4 ـ 3 ـ 2018 « لنخبة من التشكيليات العراقيات وبالتعاون مع جمعية التشكيليين العراقيين وقد حضر المعرض مجموعة من الشخصيات وفِي مقدمتهم السفير البريطاني في بغداد والسيد فلاح العاني مدير العلاقات الثقافية ـ في وزارة الثقافة، والسيد محمد التميمي مدير عام دائرة المنظمات غير الحكومية والفنان قاسم السبتي رئيس جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين»؟ أليس هناك ما يثير المرارة في اقامة المعرض بمناسبة الاحتفال بيوم المرأة، وكأن المرأة العراقية تعيش الفردوس الارضي منذ « تحريرها» من قبل القوات البريطانية؟ 
ولكن، ما الذي يتوجب على الفنان، والمثقف عموما عمله، وهو يعيش تحت الاحتلال أو حكوماته بالنيابة؟ هل يبين رأيه صراحة فيعرض حياته وعائلته للخطر، أو يصمت، أو يماشي القوى الموجودة لحين انقضاء المحنة؟ هذه الاسئلة لا تقتصر على الفنان العراقي بل واجهها، عام 1940، جيل كامل من الفنانين والمثقفين الفرنسيين، الذين كانوا حتى ذلك الحين، يفتخرون بقيادة عاصمة العالم الثقافية، حين وجدوا انفسهم، بعد توقيع اتفاقية « سلام» مهينة، يعيشون تحت الاحتلال النازي وحكومة فرنسية متعاونة مع الاحتلال. 
كان الوضع معقدا. اختار الفنانون السورياليون مغادرة فرنسا هربا من التصفية الجسدية فاتهمهم المتعاونون مع الاحتلال بما هو أكثر من الجبن. اتهموهم بان فنونهم وكتاباتهم « المنحلة» مهدت الارضية لاحتلال فرنسا! كان هذا تبريرهم « الاخلاقي» لخيانة بلدهم أو التعاون، بدرجات مختلفة، مع المحتل، لتقويض الثقافة الفرنسية من الداخل، خاصة وان النازيين، كان يهدفون إلى محاربة الثقافة بنفس القوة المستخدمة لتحقيق الانتصار العسكري. 
يميز فريدريك سبوتس في كتابه « السلام المخجل: كيف نجح الفنانون والمثقفون الفرنسيون في البقاء تحت الاحتلال النازي»، بين العمالة السلبية والعمالة النشطة. فتحت « العمالة السلبية» يدرج سلسلة التنازلات التي يبديها «المجتمع الفني» للمحتل ووكلائه، المتراوحة بين الاستمرار في النشر، وأقامة المعارض، أو المشاركة في المسرحيات إلى القبول بالمنح والدعم المادي. أما « العمالة النشطة» فمعناها ان يتصرف المثقف كوكيل للدعاية الألمانية.
وحسب سبوتس « لم يكن هناك نقص في المتطوعين على جميع مستويات المجتمع الباريسي». من بينهم من كان يحلم بحل الماني للوضع السياسي المتدهور بفرنسا ما قبل الاحتلال. من بين أولئك الذين تم تعظيمهم في تلك الحقبة، كتابا وفنانين، قبلوا بشكل متكرر، دعوات كارل هاينز بريمر، نائب القنصل ومدير المعهد الالماني بباريس، إلى حفلات الاستقبال الفخمة في المعهد الألماني. وكان من أهم الأسماء النحات شارل ديسبياو، والشاعر والروائي أبيل بونار، وعازف البيانو ألفريد كورتوت، والكاهن جان مايول دي لوبيه. 
ان وضع الفنان والمثقف العراقي، على تعقيداته، ليس فريدا من نوعه، وان التاريخ، رغم التطورات العلمية المذهلة، وتغير هيكلة الجيوش وتحديث اساليب الحرب والهيمنة، لا يزال يكرر نفسه من ناحية تفاعلات السلوك الانساني. حيث تقودنا قراءة تفاصيل عن حياة الشعوب تحت الاحتلال إلى اكتشاف التماثلات إلى حد التطابق، احيانا. فموقف المثقف الفرنسي الحالم بالحل الالماني عبر الاحتلال مماثل لوهم مثقفين عراقيين بـ « التغيير» أو « التحرير « الامريكي.
واذا كان الكاهن الفرنسي لوبيه معروفا بتراتيله الدينية للغزاة وهم يؤدون التحية النازية « هايل هتلر»، فان أكبر وليمة حضرها قائد الاحتلال بول بريمر اقامها له رجل دين عراقي. وبينما كان دخان حرق المكتبات والمسارح والجامعات لايزال يغطي بغداد، وصدى قاذفات « الصدمة والترويع» يرعب الاطفال، وفي لحظة تماثل موسيقى الامبراطور نيرون وهو يراقب حرق روما 68 عاما قبل الميلاد، توجه اعضاء الفرقة السمفونية العراقية، منتصف كانون الأول/ديسمبر2003، إلى واشنطن، برعاية وزارة خارجية دولة الاحتلال، لاقامة حفل حضره وصفق له مجرم الحرب جورج بوش وزوجته، ووزير الخارجية كولن باول، وعددا آخر من المسؤولين الامريكيين، بحضور عضو مجلس الحكم عدنان الباججي، الذي يهوى الموسيقى الكلاسيكية ويعتبرها ضرورية لحياته، ولا يستطيع الاستغناء عنها، كما يذكر بمذكراته « في عين الاعصار». ما اود التأكيد عليه هنا، ان الامثلة المذكورة اعلاه، مثيرة للأسى، أكثر من غيرها، لأنها تمت بشكل تطوعي، ولم يخضع القائمون بها لأي ضغط كان، الا انها تبقى افعالا استثنائية، لا تشمل كل الفنانين أو المثقفين، فهناك من يخاطر بحياته لقول الحقيقة ومواصلة العمل بلا مساومة أو استخذاء، لأنه يؤمن بأنه يمتلك ثروة من الكلمات والالوان لا يستطيع الغزاة والطغاة، مهما حاولوا، الاستحواذ عليها.

٭ كاتبة من العراق

 

 

لماذا لا تصدر المرجعية

الشيعية فتوى لتحريم الفساد؟

هيفاء زنكنة

 

شعار واحد يجمع كل المرشحين للانتخابات العراقية المقبلة، في 12 أيار/مايو، وهو « القضاء على الفساد». وهو شعار اكتشف المرشحون، من الساسة المخضرمين، صلاحيته وشعبويته، في هذه المرحلة، فتخلوا عن الشعار الأمريكي «القضاء على الإرهاب». أقول المخضرمين لأن معظم المرشحين هم ذاتهم المنخرطون بالعملية السياسية ـ الطائفية، الفاسدة حتى النخاع، التي أسسها المحتل. وكلنا يعلم كم هي صعبة عمليات زرع نخاع بديل. اما بقية المرشحين فهم ممن تم استنساخهم، بقدرة الفساد المالي، ومناورات التكتلات الحرباوية، لخداع الشعب باسم الشعب، وتقديمهم في واجهات الاحزاب كما البضائع المعروضة للبيع او الاستئجار. لهذه الاسباب، انطلقت اصوات داعية إلى مقاطعة الانتخابات لعل ابرزها هو الشيخ جواد الخالصي، من المدرسة الخالصية بالكاظمية، الذي وصف «من يذهب إلى الانتخابات يؤكد أنه أحمق وجاهل، ويخون البلد خيانةً عملية… الآن لم يعد هناك مجال إلا لخداع الحمقى». مبينا ان الحل الوحيد، حالياً، هو «فضح هذه الانتخابات، وعدم خروج الناس من منازلهم خلال الانتخابات».
وبما ان للمرجعية الشيعية متمثلة بالمرجع الأعظم علي السيستاني، دورها الاستفتائي وابداء الرأي البارز في كل جوانب الحياة اليومية، بالعراق، من حكم أكل الجبن المصنوع في استراليا إلى مراجعة كتاب حاكم الاحتلال السابق بول بريمر، فإن عدم صدور فتوى صريحة لادانة الساسة الفاسدين وحظر التعامل معهم او انتخابهم، يثير التساؤل، خاصة وان المرجعية ناطقة عبر مكتبها وممثليها في كربلاء. ومن يطلع على موقع السيد السيستاني او كتاب «النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية» لوجد ان له رأيا في كل ما يجري. ومن المفهوم الا يتفق معه الجميع الا ان السيد أحمد القبانجي، وهو بحكم لقبه من سلالة آل البيت وقد تتلمذ في الحوزة الدينية ودرس الفقه والأصول بالنجف، بات صوتا لتساؤلات آخرين، حول كيفية انفاق المرجعية «الخمس» وحصولها عليه، مما يجعلها تتغاضى عن اتخاذ موقف حاسم يضع حدا للفساد، كما فعلت، مثلا، عند اصدار فتوى الجهاد الكفائي لمحاربة تنظيم «الدولة الاسلامية»، فسارع مئات الآلاف من الشباب، غير المدربين، إلى التطوع للقتال. 
تتردد هذه التساؤلات، الآن، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بعد ان كان من المستحيل مس المرجعية، لأنها وريثة الامام في عصر الغيبة وتتسم بقدسيته. الا ان وصول حال العراقيين، خاصة الفقراء والمهمشين، حتى في كربلاء والنجف، إلى حضيض الحياة، شجع على كسر حاجز الصمت حول استخلاص «الخمس» وأوجه صرفه، والاكثر اهمية من ذلك، عما اذا كان السكوت على الساسة الفاسدين سببه منحهم خمس ما ينهبونه من المال الحرام (نقدا وعقودا وسمسرة تصل الملايين) إلى المرجعية، بناء على الحكم الذي يتبعه ابناء الطائفة الامامية في ان «الخمس حق» و«لا يجوز التأخير في إخراج الخمس فإنه غصب حرام» حسب موقع السيد السيستاني. 
نقرأ في الموقع نفسه تحت (مستحقّ الخمس ): «يقسم الخمس نصفين نصف للإمام (عليه السلام) خاصة، ويسمّى (سهم الإمام) ونصف للأيتام الفقراء من الهاشميين والمساكين، وأبناء السبيل منهم ويسمّى (سهم السادة) ونعني بالهاشمي من ينتسب إلى هاشم جدّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من جهة الأب، وينبغي تقديم الفاطميين على غيرهم. وردا على كيفية التحقق من انتساب الشخص إلى هاشم، يقول السيستاني في (مسألة 619 ): يثبت الانتساب إلى هاشم بالعلم، والاطمئنان الشخصي، وبالبينة العادلة، وباشتهار المدعي له بذلك في بلده الأصلي، أو ما بحكمه».
قد يوضح منح « سهم السادة» كثرة انتشار لقب «السيد» بعد الغزو وانفتاح المرجعية على لعب دور سياسي، حيث أصبح بالامكان نيل لقب «السيد» بحضور شاهدين، ليكون اللقب مفتاحا لنيل الدعم وتمشية الامور. مما يقود إلى اسهام المرجعية، اقتصاديا، في إدامة أجيال من شريحة «مختارة» تتمتع بتمييزها، عن بقية العراقيين، على أسس لا علاقة لها بالكفاءة أو حقوق المواطنة. يبين موقع آية الله السيستاني ان نصف الخمس، أي سهم الامام، يصرف على تأسيس مدارس دينية ومجمعات سكنية للطلاب، حيث أولت مرجعية السيستاني «جل اهتمامها بالحوزات العلمية والمدارس الدينية، لما تضطلع به من دور كبير ومسؤولية خطيرة في حفظ ونشر مفاهيم وقيم مدرسة آل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)».
عدد من هذه المدارس والمجمعات موجود في النجف، الا ان المرجعية، كما يبدو «تنفق سنوياً على رواتب الحوزات العلمية مبالغ كثيرة في داخل ايران وخارجها. فيجري تأمين الرواتب الشهرية لأكثر من 300 حوزة علمية كبيرة وصغيرة في شتى أنحاء ايران، لاسيما في مدينة قم المقدسة التي يقطنها أكثر من 35000 طالب علوم دينية، ومشهد التي يسكنها أكثر من 10000 طالب واصفهان التي تضم أكثر من 4000 طالب بالاضافة إلى سائر الحوزات العلمية والمدارس والمراكز الدينية المنتشرة في شتى مناطق ايران». كما انشأت المرجعية مستشفى للعيون ومركزا للمعوقين، ليس بالعراق، بل في ايران. واضح هنا أن صراعات المرجعيات العراقية والايرانية يعتمد ضمان أو ترسيخ قواعد اجتماعية سياسية ـ دينية لهما في العالم، كما تفعل الدول دعما لسياستها الخارجية، بالاضافة إلى ان الارتقاء إلى مرتبة «المرجع» يتطلب ازدياد عدد الاتباع، فضلا عن درجة العلم.
واذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ان اتباع المرجعية منتشرون في جميع انحاء العالم، وان دفع الخمس واحد من اركان الاسلام لديهم، وان الشخص الذي لا يخمس حتى لو «اعطى الفقراء سنويا من امواله بشكل عشوائي وحجته ان الاموال التي تدفع في الخمس لا توزع على المحتاجين في بلاده»، لا تبرأ ذمته بذلك، وعليه محاسبة ما في امواله من الخمس، ثم الرجوع إلى المرجع او وكيله، لاستئذانه في الصرف، حسب جواب السيد السيستاني، لتبين ان كل الساسة الفاسدين، سراق ثروة البلد، يدفعون الخمس إلى المرجع. 
وبما ان حجم السرقات، بالعراق، وصل مليارات الدولارات، لابد وأن يصبح مردود الخمس ثروة لا يستهان بها، ولا يمكن الاستغناء عنها، مما يوفر الارضية الخصبة للتساؤلات المختلطة، احيانا، بالشكوك.
ويبقى السؤال الذي يطرحه فقراء واحد من دول المنطقة الغنية بحاجة إلى جواب، وهو: لماذا لا تصدر المرجعية فتوى لتحريم الفساد والتعامل مع الفاسدين، خاصة، بعد ان جرب الشعب حكم الفاسدين على مدى 15 عاما، وأيقن الجميع ان الفساد هو اساس الإرهاب، وان ما يعمل على تفتيت العراق مجتمعا وكيانا هو فساد ساسته؟

٭ كاتبة من العراق


 

 

 

العراق: بعد 15 عاما

من الاحتلال… ما العمل؟

هيفاء زنكنة

 

ان الرغبة كبيرة بنسيان غزو واحتلال العراق، من قبل العديد من الدول. تتحكم بها عوامل عدة، لعل أهمها هو اشتراك الدول المعنية بالغزو العسكري عام 2003، وما سبقه من تهيئة الرأي العام، في بلدان الغزو، بشكل منهجي، منظم، لقبول فكرة احتلال العراق كمشروع «انساني نبيل». باتت هذه الرغبة، بمرور الوقت، واقعا تضخم ليمتد إلى نسيان الشعب، مهما كانت معاناته كارثية واضحة، بل اصبح دفعه إلى زاوية مظلمة في الذاكرة الجماعية، ضرورة تتزايد بشكل طردي مع الظهور التدريجي للحقيقة حول دوافع الغزو، ولا شرعيته، وانفضاح الاكاذيب الذي رافقته، من حيازة العراق اسلحة الدمار الشامل، وتهديد بريطانيا بالفناء خلال 45 دقيقة، حسب رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، إلى تعاون النظام العراقي مع تنظيم « القاعدة»، حسب كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي، في عرضه الكوميدي ـ التراجيدي أمام مجلس الامن الدولي، في 7 شباط/فبراير 2003، إلى أكذوبة فرم النظام العراقي معارضيه بآلات يحشرون فيها من أرجلهم أولا، حسب النائبة العمالية آن كلويد، المتباكية على حقوق الانسان، عشية تصويت البرلمان البريطاني على قرار غزو العراق. 
قدمت اجهزة الاعلام الغربية في الفترة السابقة للغزو، في حملة مكثفة لتبريره ولاستقطاب الرضا الشعبي، جرعات يومية من المعلومات الكاذبة، تراوحت في نوعية صياغتها ما بين التضليلي الشعبوي، بألسنة الساسة الغربيين، والتضليلي الداعي إلى التدخل «الانساني» بألسنة العراقيين الموالين للغزو، والتضليلي المبتذل، بألسنة « اصدقائهم» الموعودين بصفقات النفط و«الاعمار»، مثل النائبة ايما نيكلسون التي كرمها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في 24/ 1/ 2008 بتعيينها مستشارة فخرية له للشؤون الصحية، وكرمها رئيس الوزراء البريطاني بتعيينها مبعوثة تجارية لدى العراق للاستفادة من علاقاتها ونشاطاتها التجارية المكثفة، بعد الغزو. 
بدا من الواضح، خلال 15 عاما الأخيرة، ان أسباب تنامي الرغبة بنسيان العراق بلدا وشعبا، لا تعود، كما يشاع، إلى انشغال العالم بمآس متعددة اضافية في سوريا واليمن وليبيا، بل هي محاولة الانظمة الامبريالية طمر فشلها في اخضاع الشعب وجعله منصة انطلاق لغزو بلدان أخرى، وان دفع الشعب ثمنا باهظا جراء سياسة «فرق تسد» وتحويل البلد إلى ساحة للصراع المستدام، بتعقيداته الاقليمية من جهة والمحلية الطائفية الميليشياوية من جهة أخرى. 
تستدعي هذه الصورة المعقدة، المغموسة بالفساد، المهدد للوطنية، وفي هذه المرحلة الشائكة التي يراها البعض، من اكثر المراحل التي عشناها خطورة على بلدنا وشعبنا، ومع تسرب روح الاحباط والانهاك بعد سنوات طويلة من الصمود والمقاومة، منذ التسعينيات، التوقف للتساؤل عما يتوجب علينا عمله، نحن الذين لم نغادر الوطن، رغم كوننا مقيمين خارجه، الذين وقفنا مع شعبنا في سنوات الحصار الجائر، اعتقادا منا بان الحصار يضعف الشعب وليس الحاكم بالضرورة، وناهضنا شن الحرب وغزو وطننا، منبهين إلى مخاطر الاستجارة بالاجنبي وفتح بوابة العراق للغزاة مع ادراكنا بمسؤولية الانظمة الاستبدادية في قمع المواطن والحط من كرامته؟
من هذه المحطة، ستنطلق، في الشهر المقبل، مبادرة «شهر التضامن مع العراق». وهي مختلفة عن العديد من المبادرات السياسية التي تم اطلاقها في السنوات الاخيرة، لكونها مظلة تمتد بظلها النشاطات التضامنية لعدد من المنظمات والشخصيات الاوروبية والعربية التي بدأت عملها التضامني مع الشعب العراقي على مدى عقود. من بينها منظمة التضامن السويدية، ومحكمة الضمير ببروكسل لتوثيق جرائم الحرب ضد العراق، و التحالف الدولي ضد الحرب، وشخصيات مثل دنيس هاليداي وهانز فون سبونيك، كلاهما استقالا من الأمم المتحدة احتجاجا على سياسة المنظمة تجاه العراق.
وقد شرعت منظمة «تضامن المرأة العراقية» التي تأسست عام 2004، بالخطوة الاولى في تبنيها اطلاق المبادرة يوم 26 نيسان/أبريل، بلندن، ملخصة في بيان لها الاسباب الداعية إلى هذا التأسيس المهم، مقتبسة كلمات كبير الأساقفة الجنوب أفريقي دزموند توتو، ضد الحرب على العراق: « إن قرار الولايات المتحدة وبريطانيا، اللاأخلاقي، بغزو العراق عام 2003، استنادا إلى كذبة امتلاكه أسلحة للدمار الشامل، هز العالم بأسره، وأحدث استقطابا لم يحدثه اي صراع آخر في التاريخ».
هذه الكلمات، لاتزال تجد صداها، اليوم، كما كان الحال حين تظاهر الملايين، في كل بلدان العالم، عام 2003، في أروع حركة مناهضة للحرب في التاريخ، كما سجلها السينمائي الوثائقي المعروف امير اميراني في فلمه الوثائقي الشهير « نحن الأكثرية». اليوم، بعد مرور 15 عاما على الغزو والاحتلال، لاتزال آثار الحرب العدوانية بقيادة الولايات المتحدة على الشعب العراقي، مستمرة، مسببة معاناة لا نهاية لها، وضحايا تزداد اعدادهم بمرور الايام. ففي دراسة حديثة قام بها نيكولاس ديفيز، مؤلف كتاب «دماء على أيدينا: الغزو الأمريكي وتدمير العراق» بالاشتراك مع ميديا
​​بنيامين، مؤسسة منظمة « كود بينك» النسوية، المعروفة بمطاردتها قادة الحرب على العراق، توصل الباحثان ومن خلال حساباتهما « المستندة إلى أفضل المعلومات المتاحة، إلى ان عدد الضحايا ليس بعشرات الآلاف، كما قد يتبادر إلى الاذهان، بل 2.4 مليون عراقي قتلوا منذ غزو عام 2003». فلنتذكر ان لكل ضحية عائلة وان لكل انسان قيمته التي لا تعوض لاهله واحبائه. وتوثيق عدد الضحايا واحدا من المسؤوليات التي يتوجب علينا، نحن المقيمين بالخارج الذين لا يتعرضون للمخاطر اليومية كما مواطنينا بالداخل، القيام بها، لئلا يتحول مفهوم العدالة إلى مزحة سمجة يتبادلها القتلة. وفي تلخيصها لأهداف اطلاق مبادرة «شهر التضامن مع العراق»، تحث منظمة « تضامن المرأة العراقية» المجتمعات الغربية على ابقاء « قضية العراق في ذاكرة العالم، لأنها قضية في غاية الاهمية، لملايين الضحايا الذين يستحقون العدالة، وهو فعل ضروري، أيضا، لاستعادة المبادئ الأساسية للسلام والاحترام المتبادل بين الامم، باعتبارها أساس القيم الإنسانية المشتركة، لضمان مستقبل خال من كوارث الحرب. 
انه للتذكير بجرائم الاحتلال في تهديم دولة، وتفكيك مجتمع، واستهداف ثقافة شعب، كي لا تتكرر الجريمة أبدا. انه، أيضا، للاحتفاء بتاريخ العراق، ومقاومة الشعب العراقي المتعددة المستويات، وطموح العراقيين في تحقيق السلام المبني على المساواة والعدالة».

٭ كاتبة من العراق

هل يوم المرأة

العالمي عالمي حقا؟

هيفاء زنكنة

 

بما ان التقويم الغربي مقسم إلى أيام مكرسة للاحتفالات التاريخية او المصنعة لأغراض الاستهلاك التجاري، وبما اننا في عصر البث التلفزيوني الفضائي والتواصل الاجتماعي وعولمة الاستهلاك، انتقلت الينا من الغرب احتفالات مستحدثة مثل الهالاوين (نهوض الموتى)، ويوم فالانتاين (الحب)، وعيد الام، ليلحقه عيد الأب بالاضافة إلى الاحتفالات الأقدم نسبيا مثل رأس السنة وعيد العمال وعيد المرأة، مع اضافة مفردة « العالمي» إلى العيدين الاخيرين. وقد شهد الاسبوع الماضي، احتفالات عديدة، في ارجاء العالم، بمناسبة عيد المرأة. من بين المحتفلين، نساء ومنظمات وساسة من البلدان العربية، تحدثوا باسهاب حول أهمية دور المرأة في المجتمع، وضرورة زيادة تمثيلها السياسي بينما أشار عدد من اجهزة الاعلام الغربية، خاصة في بريطانيا، على ما اعتبر تطورا في وضع المرأة العربية والمسلمة، والدليل هو السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة. 
يذكرني هذا التغزل الكاذب من الجانبين، ليوم واحد، سنويا، بقصة تكريم أو منح امرأة ما جائزة دولية مع التركيز على كونها عربية أو مسلمة. وهي مسألة رائعة، ان يتم تكريم أي انجاز، مبني على الكفاءة والخدمة العامة، بغض النظر عن دين او قومية او جنس المحتفى به. لكن الامور لا تسير بهذا الشكل حين يتعلق الامر بترشيح واختيار امرأة من البلاد العربية/الإسلامية. 
اذ غالبا ما تكون الجائزة انتقائية بامتياز، تقديرا لنشاطها في منظمة مجتمع مدني تناهض «العنف ضد المرأة»، مثلا، وتنحصر في زاوية أضيق حين يكون للعنف الأسري الأولوية في الترشح والفوز. 
يصاحب احتفالية منح جوائز، من هذا النوع، مثل يوم المرأة «العالمي»، ضجة اعلامية تجمع بين الشعور برضا المحسنين و فرحة المحتاجين. منبع شعور الرضا لدى مانحي الجائزة، انهم يقومون بعمل فريد من نوعه، حيث يتم منح الجائزة إلى إمرأة من « ذلك العالم» لتشجيعها على الخروج من ظلمة الاستغلال المجتمعي والأسري وبالتالي «تمكينها» من ولوج الحياة العامة، حسب رطانة مانحي الجوائز.
وتنبع فرحة الفائزة من توهمها بالتخلص، عبر تذكرة الجائزة، من عقدة الدونية المصاحبة، لابناء الشعوب المستعمَرة، بالاضافة إلى انه كلما ازداد الحديث عن العنف الأسري ازدادت فرصة الفوز وبالتالي تمكن الفائزة ومنظمتها من ضمان استمرارية الدعم المادي والدعوات إلى المؤتمرات الدولية. 
هنا، علينا التنبيه، إلى ان العنف ضد المرأة، بمستوياته المتعددة، لا يقتصر على بلداننا، بل انه «شكل من أشكال الإساءة التي تحدث على جميع مستويات المجتمع وفي جميع دول الإتحاد الأوروبي وفي المنطقة المجاورة» حسب البرلمان الاوروبي، حيث «تتعرض إمرأة من كل ثلاث نساء للعنف الجنسي و/أو البدني، كما تشهد واحدة من كل ثلاثة نساء سلوكا مسيئاً نفسياً من قبل شريك حميم. بينما واحدة من كل إثنتين تتعرض للتحرش الجنسي». ويشير تقرير البرلمان إلى ان «العنف ضد المرأة يسبب ضرراً شديداً للنساء والأسر والمجتمعات المحلية، في دول الاتحاد، ويتجسد حجم المشكلة في تكاليف اقتصادية تقدر بمبلغ مذهل سنويا».
ما الذي يجعلنا، في هذه الحالة، نتوقف بحذر عند احتفالات يوم المرأة ومنح الجوائز لناشطات يناهضن العنف الاسري، إذا كان ما يقمن به ضمن معالجة عالمية لمشكلة انسانية مزمنة؟
هناك اشكالية يثيرها الاحتفال بيوم المرأة ووصفه بالعالمية، المفترضة للمساواة، على الرغم من الاختلافات السياسية والاقتصادية الكبيرة بين الدول الامبريالية وغيرها. تتمثل الاشكالية باستغلال اليوم لاطلاق تصريحات وشعارات، جاهزة، هدفها تفكيك مأساة العنف العام التي يعيشها المواطن، وانتقائية التعامل مع جانب واحد، أي طمس الحقائق عبر التجاهل، أو التضخيم، أو تسليط الضوء على نقطة محددة، دون غيرها، مما يؤدي إلى حجب الحقيقة تحت ستار المساواة والدفاع عن حقوق المرأة، خاصة في البلدان المحتلة، ومناطق الحروب.
ويشكل الاستخدام الانكلو أمريكي لقضية «تحرير» المرأة العراقية، تبريرا للغزو والاحتلال، وسياسة المستعمر الاستيطاني الصهيوني تجاه الفلسطينيين، والقصف المستمر للشعبين السوري واليمني، وحرمان المرأة من ابسط حقوق الانسان، أي حق الحياة، نموذجا، يستحق التدريس لتعلم كيفية قراءة وتفكيك تبني الدول الكبرى، لحقوق المرأة في البلدان العربية والإسلامية، ومدى اقتراب الاحتفالات « العالمية» من مآسيها، بصورة حقيقية. 
في رسالتها من المعتقل، دعت الاسيرة النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني خالدة جرار، بمناسبة يوم المرأة العالمي، والمحكومة بالسجن الاداري القابل للتجديد حسب مزاج المحتل، النساء والرجال سوية « للنضال ضد العنف سواء عنف الاحتلال او العنف الاجتماعي بحق نسائنا». 
في ذات اليوم، وقفت شابة من مجموعة «تضامن المرأة العراقية»، في تظاهرة بمدينة « ريدنغ» البريطانية، لتفند الاطروحة الجاهزة حول حقوق المرأة وتمكينها، قائلة : « كيف يمكنك النهوض بحقوق المرأة عن طريق قصف المدارس والمستشفيات والكهرباء وإمدادات المياه؟ كيف يمكن للمرأة أن تناضل من أجل حقوقها في بيئة من الدمار وانهيار سيادة القانون كما يحدث في العراق؟ كيف يمكنك تمكين النساء عن طريق قصف المدن وخلق المزيد من الأرامل والأيتام؟ كيف يمكن للمرأة أن تقدم قضيتها عندما يتم تفكيك المؤسسات التي كانت تطبق القانون؟».
وفي تفصيل مدعم بالارقام، رسمت للمستمعين حال المرأة العراقية: « تشير الإحصاءات الصادرة عام 2009 إلى أن عدد الأرامل يبلغ مليونين، وعدد الأيتام 5 ملايين. ليس هناك تحديث لهذه الأرقام.
بالطريقة نفسها، يتم تجاهل عدد الوفيات بين المدنيين. لكن تقديرات أصدرتها شركة (
ORB) (شركة الإحصاء التي ترى وزارة الدفاع البريطانية أنها مناسبة لاستخدامها)، في أيلول/سبتمبر 2007، قدرت عدد المدنيين الذين قتلوا منذ عام 2003 بنحو مليون شخص.
تحولت مساحات شاسعة من البلد إلى مخيمات دائمة للاجئين. ووفقاً للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فإن هناك 2.5 مليون عراقي مهجر حالياً، ويحتاج 11 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية. إن النساء والأطفال يشكلون الجزء الأكبر من المواطنين الأكثر ضعفاً في المجتمع، فهل يمكنكم تصور ازدهار حقوق المرأة في مثل هذه الظروف؟»
واذا كان يوم المرأة عالميا حقا، فكم من الاحتفالات حول العالم، ساندت ودعمت نضال المرأة في بلداننا؟

٭ كاتبة من العراق

 

 

النازحون العراقيون…

ورقة لعب طائفية

هيفاء زنكنة

 

ما ان قرعت طبول الانتخابات، بالعراق، وبدأ الساسة يتنازعون حول من يتحالف مع من، وأي «المكونات» صالحة للاستخدام كشعار في الحملات الانتخابية، حتى طفت على السطح، مأساة النازحين التي ارادوها مطمورة تحت ركام المباني المهدمة. صار إيجاد حل لمأساة النازحين مطلبا انتخابيا، فكانت النتيجة تحويل النازحين ضحية انتخابية. تبدلت مأساة النازحين من العيش في المخيمات إلى مأساة بشكل آخر. حيث سارعت الحكومة، متمثلة بالقوات الأمنية وميليشيا الحشد الشعبي، بتطبيق سياسة العودة الاجبارية. 
صاغت الحكومة شكل المأساة الجديد، لعدة اسباب، الاول: تماشيا مع سياستها الهادفة إلى التخلص من مواطنين لم يجلبوا لها غير المتاعب، حسب خطابها الجيوسياسي في الغربلة الطائفية، التي اصبحت واقعا، فعليا، بعد مرور 15 عاما على تأسيس حكومات الاحتلال. السبب الثاني، هو الظهور، أعلاميا، بمظهر الحكومة الحريصة على حل مشكلة باتت، لفرط حجمها، سببا لجلب انظار المنظمات الدولية الانسانية وعدد من دول «التدخل الانساني»، خاصة، بعد ان احتفل الجميع بالانتصار على تنظيم ما يسمى «الدولة الإسلامية». ثالثا: السياسة الدولية الضاغطة حول ربط منح المساعدات والقروض بعودة النازحين. اذ تمت مناقشة الحاجة الماسة لإعادة الإعمار السريع، للعراق، مع المساعدة في إعادة النازحين إلى مناطقهم الأصلية، في مؤتمر الكويت الدولي لإعادة اعمار العراق الذي عقد أخيرا. 
من بين الشروط التي أكدت عليها منظمة الامم المتحدة في العراق، كجزء من الحل المطروح لمعالجة قضية اعادة النازحين، وبالتالي جمع الموارد لتحقيقها، ان تكون «العودة طوعية وآمنة ومستدامة»، اذا ما أريد تحقيق الاستقرار والسلام على المدى الطويل. فعودة النازحين لا تعني «مجرد العودة إلى المنازل وإنما العودة إلى المجتمع» وان كانت «الآثار التي تركتها السنوات الماضية لا تزال موجودة في جميع أنحاء البلاد: مدن متضررة بشدة، ومجتمعات مشتتة، وجيل من الأطفال معرض لخطر الضياع ووجود نحو.62 مليون نازح».
تمثلت استجابة الحكومة لنداءات النازحين، وتفاصيل حياتهم المأساوية، المطبوعة والمصورة، باطلاق التعهدات. تعهد رئيس الوزراء حيدر العبادي، وهو واقف على منصته الاسبوعية، بإعادة النازحين إلى منازلهم. وتحدث رئيس البرلمان سليم الجبوري، وهو جالس على منصته في البرلمان، عن ضمان مشاركة النازحين في الانتخابات البرلمانية في أيار/مايو المقبل. وسارع رؤساء «الكتل» باطلاق الوعود، من منابرهم الصحافية، حول ضرورة إغلاق جميع المخيمات قبيل إجراء الانتخابات.تنافس الجميع في سباق الفوز بكأس «مأساة النازحين» شعارا. ونشرت اجهزة الاعلام أخبارا تؤكد إن وزارة الهجرة العراقية وضعت آليات لضمان عودة النازحين إلى مناطقهم بعد تأهيل اماكن سكنهم.
خلال ضجة التصريحات والتعهدات والتوظيف السياسي للعديد من المآسي، تصاعدت اصوات نازحين محتجين بطريقة مختلفة عن السنوات الماضية. ففي السابق، كانت السياسة الشائعة هي منع عودة النازحين إلى مناطقهم، بعد انتهاء الاقتتال بسنوات، كجزء من سياسة التغيير الديموغرافي لتلك المناطق، بينما تقوم السلطات الحكومية، الآن، باجبار النازحين على مغادرة الخيام عن طريق قطع الدعم بشكل كامل عنهم اي حرمانهم من المواد الغذائية والوقود، لاعادتهم إلى مدن مهدمة تحتاج سنوات لتنظيفها من الالغام ومدها بالبنية التحتية، والى منازل، تشكل خطرا على حياتهم، أكبر بكثير، مما لو بقوا في الخيام. لذلك، وبسبب انعدام الأمن والخدمات، في غرب الموصل، مثلا، عادت حوالي 600 أسرة إلى مخيم الحاج علي، محافظة نينوى، خلال كانون الثاني/ يناير. 
وفي الوقت الذي انكرت فيه الحكومة اجبار النازحين على العودة، وبرر العبادي قائلا «ربما حدثت بعض حالات العودة القسرية الا أنها حالات فردية «، ذكر تقرير أصدرته ثلاث منظمات اغاثة تعمل بالعراق، هي لجنة الإنقاذ الدولية والمجلس الدنماركي والمجلس السويدي للاجئين بالعراق، في 28 شباط / فبراير، أن السلطات العراقية تجبر آلاف النازحين على العودة إلى ديارهم على الرغم من إمكانية تعرضهم لخطر الموت جراء الأعمال الانتقامية. وان «الكثير من حالات العودة تتم قبل الأوان، ولا تفي بمعايير السلامة الدولية والكرامة والعودة الطوعية». وأن «ما لا يقل عن 8700 نازح من محافظة الأنبار أجبروا على ترك المخيمات والعودة إلى مناطقهم في الأسابيع الستة الأخيرة من عام 2017». يشير التقرير، ايضا، إلى ان أكثر من نصف العراقيين النازحين موجودون في 61 مخيماً ولا يريدون العودة إلى ديارهم. 
وفي حال لم يفهم ساسة الحكومة العراقية معنى العودة الآمنة ولم يجب الامتناع عن سياسة الاعادة القسرية، يوضح لهم الأمين العام للمجلس الدنماركي للاجئين كريستيان فريز باخ: «العودة الآمنة والمستدامة تعني أنك تستطيع العودة إلى منزلك، وأن تكون آمناً وتحصل على المياه والتعليم والمساعدة الطبية. مع غياب حل امني وسياسي مستقر، وضمانات وإعادة إعمار، لا يسعنا وينبغي علينا ألا نرغم الناس على العودة». ما الذي تعنيه حقيقة ان نصف النازحين لا يريدون العودة إلى منازلهم، ونحن هنا نتحدث عن العراقي المعروف بصعوبة اقناعه حتى بالسفر لأنه سيشعر بالغربة؟ هذا يعني نجاح حكومات الاحتلال المتعاقبة في ترويع وإرهاب المواطنين، وزرع الفتنة بالاضافة الى، وهنا الطامة الكبرى، نجاحها في نقل فايروس روح الانتقام الذي شكل صلب وجودها منذ عودة ساستها مع المحتل. هذه العوامل المهددة لحياة النازح وحياة عائلته هي التي تمنعه من العودة إلى مكانه الذي يتحرق شوقا للعودة اليه.
هكذا، سيصبح التغيير الديموغرافي الذي سعت اليه حكومات الاحتلال، بكل السبل، واقعا، بامكان الحكومة الادعاء بانها ليست مسؤولة عنه بل انها تعمل على اعادة النازحين بكل الطرق الممكنة. وهو اسلوب يماثل ما تقوم به الحكومات عندما ترغب بخصخصة شركة عمومية مثل خطوط الطيران فتعمل تدريجيا على تدهور عملها إلى ان يصبح مطلب الناس بالنتيجة هو الخصخصة بدلا من المطالبة باجراء التحسينات. 
ان استخدام حياة النازحين كورقة لعب يتسلى بها ساسة الاحتلال، سيجر البلاد وما حولها إلى ما هو أعمق من الهوة الحالية، و« لن يكون هناك أمل في السلام في العراق ما لم تضمن السلطات عودة الناس بأمان إلى ديارهم»، كما حذر مدير المجلس النرويجي للاجئين في العراق، «من المأساوي أن نرى الناس يشعرون بأنهم في أمانٍ في المخيمات أكثر مما هم في منازلهم في الوقت الذي يفترض أن يكون النزاع قد انتهى».

٭ كاتبة من العراق

 

 

في عصر عولمة الظلم

وتواطؤ الصامتين

هيفاء زنكنة

 

هل هناك طعم واحد للظلم؟ هل لممارسة الانتهاكات والجرائم، بلا رادع قانوني أو أخلاقي، كتيبات توزع على الغزاة والمحتلين ومن يحكم بالنيابة، فتضمحل الفروق عند تفحص لا إنسانية النتائج؟ 
ثلاثة أحداث مرت في الأسابيع القليلة الماضية تقودنا إلى التساؤل حول تشابه طبيعة الظلم وتمحوره من شكل إلى آخر مهما اختلفت البلدان. تم الحدث الأول، فجر يوم الخميس 15 شباط/ فبراير، في فلسطين المحتلة، حيث أعتقل جنود الاحتلال الإسرائيلي الشاب الفلسطيني ياسين عمر السراديح، البالغ من العمر 33 عاما، فور محاولته الوصول إلى منزل خاله الذي تم اقتحامه من قبل الاحتلال. اعتدت عليه بالضرب المبرح، وتحديدا على معدته وظهره، أمام الجميع، وتم سحله وتقييده وأخذوه وهو لا يعاني من أي مرض، قال شقيق الشهيد سليمان. مساء، أبلغت سلطات الاحتلال عائلة الأسير ياسين، باستشهاده. في اليوم ذاته، في مدينة البصرة، جنوب العراق، تم الحدث الثاني. حيث اعتقلت القوات الأمنية المشتركة الشاب حازم مهلهل حسين، البالغ من العمر 35 عاما. تم، بعد ساعات من اعتقاله، إبلاغ عائلته بوفاته. لم يكن الشاب يعاني من مرض « وتوفي حازم بعد ساعات من اعتقاله في ظروف غير واضحة»، حسب مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في محافظة البصرة، داعيا اللجنة الأمنية في مجلس المحافظة إلى « فتح تحقيق بحادثة الوفاة، ومراعاة حقوق الإنسان، خلال حملات بسط الأمن من قبل الأجهزة الأمنية». قام مجلس المحافظة بتشكيل لجنة تحقيقية لتقصي وقائع الحادث. وإذا ما حدث وانتاب القارئ بعض الأمل، في إظهار الحقيقة، عبر لجنة التحقيق، فلابد أنه لا يعرف أن تشكيل لجنة تحقيق حول أي قضية كانت، يعني طمر القضية تحت كومة من اللجان. إنها ملح يُصب على الجروح.
يقودنا الحدثان، بواقعهما اللاإنساني، واختلاف الجهات المسؤولة، وكون الجهة الأولى قوة احتلال والثانية قوة أمن «وطنية»، إلى النظر أعمق في طبيعة الظلم، وتشابهه، وشموليته التي تدفع الكثيرين إلى القبول بمنظور، انطلق من أمريكا اللاتينية حول وجود استعمار خارجي، أوضح أشكاله الامبريالية والرأسمالية المتوحشة، واستعمار داخلي يتمثل بالأنظمة « الوطنية» القمعية في مرحلة ما بعد الاستعمار أو التحرر الوطني. تتحكم بالعلاقة غير المتكافئة بين الاثنين الحاجة إلى السوق ومصادر الطاقة من قبل الأول والحاجة إلى الحماية وديمومة البقاء في السلطة من قبل الثاني. كلاهما يمارس القمع بدرجات، وإذا ما اختلفت درجة القمع، فحسب الحاجة وتواطؤ الصامتين». من الصمت إلى التواطؤ ليس هناك سوى خطوة واحدة»، يقول جان بول سارتر. 
يتعلق الحدث الثالث لا بارتكاب جريمة القتل المتعمد، كما في حالة الشابين الفلسطيني والعراقي، بل بسلب حق الحياة، في المعتقلات. ففي فلسطين يسلب المحتل حياة المئات من الأسرى على مدى عقود. نائل البرغوثي، أقدم الأسرى في العالم، كان في التاسعة عشرة حين اعتقل وقد تجاوز، الآن، الستين. 
في العراق هناك معتقلون منذ عام الغزو، استنادا أما إلى وشايات « مخبر سري»، أو بتهمة الإرهاب. اعترف النظام بأن شهادات أكثر من 300 مخبر كاذبة، مما يعني أن الآلاف من ضحاياهم أما لايزالون في السجن أو أعدموا، ومع ذلك، لم تتم مراجعة الأحكام الصادرة بحق ضحاياهم. كيف ستتحقق العدالة؟ 
أما في أمريكا، فمعتقل غوانتانامو وصمة عار لا تمحى ببلد يمنح نفسه غزو بلدان أخرى لأنها لا تحترم حقوق الإنسان. في أمريكا، في ظل « العدالة الأمريكية»، حُكم على د. رافل ظافر، وهو طبيب عراقي أمريكي، متخصص في علاج الأورام السرطانية، في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2005، بالسجن مدة 22 عاما. اتّهم د. رافل بجمع تبرعات، وإيصال شحنات أغذية وأدوية إلى العراق، في سنوات الحصار التي أودت بحياة آلاف الأطفال. وهي جريمة بررتها وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت، عند سؤالها عما إذا كان هذا ثمنا يستحق الدفع لأسقاط النظام العراقي؟ فقالت نعم إنه يستحق». وهي الفترة التي استقال أثناءها اثنان من ممثلي الأمم المتحدة في العراق وهما دنيس هاليداي وهانز فون سبونك. عن سبب الاستقالة، صرح دنيس هاليداي قائلا: إن ما يحدث هو جريمة إبادة. استخدم مفردة إبادة لأنها سياسة متعمدة لتحطيم الشعب العراقي». لم ينكر د. رافل « تهمة» إرسال المساعدات، الموجهة ضده. وبينما قضى سنوات حكمه الأولى في سجن، على مقربة من مدينته، إلا أن تصاعد حملة الكراهية ضد المسلمين وسياسة « الحرب على الإرهاب»، أديا إلى وضعه في سجن مشدد الحراسة، مع محكومين مسلمين، ويطلق عليه أسم « غوانتانامو الصغير».
وعلى الرغم من تدهور صحته وإصابته بالعديد من الأمراض وتوفر فرصة تقديم طلب إلى الرئيس أوباما التماسا للرأفة والعفو، لكنه رفض القيام بذلك، قائلا: «كيف يمكن لشخص بريء مثلي أن يطلب تخفيف الحكم عن تهمة مزعومة، من مجرم، بغض النظر عمن يكون؟» 
هل مفهوم الظلم واحد؟ بالنسبة إلى الدول العربية، حاول تقرير الأمم المتحدة اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الاسكوا) المعنون «الظلم في العالم العربي والطريق إلى العدل» تقديم تحليل لظاهرة الظلم المستشرية في البلاد العربية، أسبابها وإيجاد السبل لمعالجتها. وجاء وأد التقرير المهم على يد الأمانة العامة للأمم المتحدة التي قامت بحجبه بعد يوم واحد من نشره في كانون الأول/ ديسمبر 2016. كان التقرير صريحا في تشخيصه طبيعة التوافق بين الاستبداد المحلي (أو الاستعمار الداخلي كما بات شائعا) والاستعمار الخارجي، وتحميلهما مسؤولية ما يدور في العالم العربي، من قتل المتظاهرين، والمعتصمين العزل، واضطهاد الناس على أساس الدين أو العرق، والانقسام الطائفي وانتهاك حقوق الإنسان، ونشر ثقافة مشوهة سواء ادعت انتماءها للحداثة أو للتراث تكرس الخضوع للاستبداد والبطش. بالمقابل، يؤبن الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيغليتز، الحائز على جائزة نوبل لعلوم الاقتصاد، العدالة « فبدلا من العدالة للجميع، نحن نتطور إلى نظام عدالة لأولئك الذين يستطيعون شراءها». فهل بإمكان الباحثين عن العدالة استعادة مسارها قبل ان تكون سلعة معروضة للبيع؟

٭ كاتبة من العراق

 

 

لن يحل العراقيون

مشاكلهم بأنفسهم!

 

هيفاء زنكنة

 

وافق وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يوم الخميس الماضي، على توسيع مهمته بالعراق. لماذا؟ لا يأتينا الجواب، كما هو مفترض، من الحكومة العراقية، باعتبارها حكومة البلد المعني المنتخبة ديمقراطيا، بل ان كل التوضيحات، المتوفرة، حتى الآن، صادرة عن قيادة الحلف والقيادة العسكرية الامريكية. «حتى يتم بناء الجيش كاملا» حسب ينس ستولتنبرغ، الأمين العام للحلف، وان «من مصلحة الناتو المساهمة في تعزيز الاستقرار وبناء القدرات العراقية». وسيكون اتجاه الناتو «نحو مهمة ثابتة في العراق من أجل بناء القدرات» و«حماية الشعب من صعود تنظيمات إرهابية جديدة أو ما شابه».
يتخلل هذه الصورة الوردية التي رسمها الأمين العام للناتو، نقاطا سوداء عديدة. تبدأ بالجهة المتقدمة بالطلب وتنتهي بالادعاء بحماية الشعب العراقي. 
من هي الجهة صاحبة فكرة التمديد؟ في الوقت الذي يؤكد فيه الأمين العام ان الحكومة العراقية هي التي تقدمت بطلب تمديد وتوسيع مهمات الناتو، صرح وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس بأن هذه الموافقة تمت بناء على طلب رسمي وجهته الولايات المتحدة، لحلفائها في الناتو، الشهر الماضي، للمساعدة في تحقيق الاستقرار، بالعراق، بعد ثلاثة أعوام من الحرب على تنظيم «داعش».
لا يبدو ذلك مستغربا، فقيادة الناتو، عمليا، أمريكية. ووجود الناتو، بالعراق، يعود إلى آب/أغسطس 2004، تحت مسمى «بعثة التدريب»، مهمتها المعلنة «التدريب لمساعدة قوات الأمن العراقية بالتعاون مع القوات المتعددة الجنسيات التي تقودها الولايات المتحدة». أي ان دخول الناتو إلى العراق تزامن مع احتلاله، وان تم الإعلان، كما هو الحال الآن، أن انشاء «البعثة»، التابعة كليا لسياسة الناتو، جاء بناء على طلب الحكومة العراقية المؤقتة، برئاسة أياد علاوي، وبقيت البعثة حتى نهاية عام 2011 مع الإعلان الرسمي لانسحاب القوات الامريكية، مع ربط البلد بالاتفاقية الأمنية ومعاهدة الإطار الاستراتيجي.
تتركنا تصريحات الأمين العام للناتو ووزير الدفاع الأمريكي، امام سؤال يتجاوز ما اذا كانت الحكومة العراقية قد طلبت توسيع المهمة أم لا، ليختزل الى: هل تم ابلاغ الحكومة بتوسيع مهمة الناتو؟ فرئيس الحكومة حيدر العبادي مثابر على التصريح بانه لا وجود لأية قوات أجنبية على ارض العراق، كما يواظب المتحدث باسم رئيس الحكومة على التأكيد بأنّه جرى تخفيض عديد المستشارين والمقاتلين والمدربين في التحالف الدولي بالعراق بشكل تدريجي. فإذا كانت الحكومة تعمل على تخفيض أعداد المدربين والمستشارين الاجانب، فعلا، فلم طلب ارسال المزيد من قوات الناتو، والحصول على موافقة الناتو لارسال بعثة مستشارين ومدربين، مهمتها « تطوير الأنشطة التدريبية الحالية، بتمويل أفضل وتواجد أكبر» كما صرح ستولتنبرغ؟ 
وكيف ستنفذ البعثة مهامها «الإنسانية»، المتعددة، المعلنة؟
يبدو ان قرب موعد الانتخابات يجعل الساسة العراقيين لا يرغبون بالتعليق على قرار الناتو، علنيا، بالتبني او التنصل، ولا يرغبون باستفزاز اية جهة كانت، سواء كانت الولايات المتحدة التي دمرت البلد استنادا على أكاذيب أو أيران التي جعلت من العراق، عبر ميليشياتها، ارضية صالحة لمفاوضاتها مع أمريكا. 
اذن، السكوت من ذهب، هو شعار الساسة الأول، ولتستقر قوات الناتو، أينما تشاء وكيفما تشاء. لا تقتصر الدعوة على قوات الناتو بل انها «مفتوحة لمساهمات الدول الشريكة من غير أعضاء الناتو»، أيضا، حسب السيد ستولتنبرغ، الذي تحدث بلغة المدافع عن أمن دول الناتو، قائلا إن «من الخطر ترك العراق مبكرا، فلو فعلنا ذلك الآن قد نضطر إلى العودة مستقبلا والانخراط في معارك، وهذا ما لا نرغب فيه»، محاولا ستر الفشل الذريع الذي منيت به «بعثة الناتو التدريبية»، داخل العراق، من عام 2004 إلى عام 2011، حيث قامت حسب ادعائها بتدريب 15 ألف ضابط عراقي، وأدارت 2000 ورشة تدريب عسكرية، وقيامها في أيلول / سبتمبر 2012، بالتوقيع على برنامج شراكة وتعاون مع الأجهزة الأمنية والعسكرية، وكانت النتيجة تسليم القوات العراقية مدينة الموصل إلى مقاتلي «داعش» بطريقة صارت تُدَرَس كنموذج مذهل لنتائج ذلك التدريب. 
ويأتي فشل النظام العراقي في الحصول على المنح، بقيمة 88 مليار دولار، التي تقدم بطلبها من مؤتمر المانحين، بالكويت، وتحويل المنح الضئيلة التي أعلنت إلى قروض تضاف إلى 128 مليار دولار مديونية حالية، ستقيد المواطن العراقي، على مدى أجيال مقبلة، نتيجة الفساد، ليضيف إلى قائمة الأسباب الموجبة للصمت، مهما كانت القوى التي تود تقاسم البلد والهيمنة على ثروته، ما دامت ستشبع نهم الفاسدين.
يعيدنا الصمت العراقي، الحالي، حول وضع العراق تحت هيمنة سياسة حلف الناتو إلى الماضي القريب، إلى ما حدث قبل 70 عاما في 15 يناير/ كانون الثاني 1948 حين وقعت الحكومة العراقية «معاهدة بورتسموث» في ميناء بورتسموث البريطاني. وكم يبدو الامس قريبا، حين نقرأ ان المعاهدة كانت تنص على السماح للجيوش البريطانية، بدخول العراق، كلما اشتبكت في حرب مع الشرق الأوسط، وحتمت المعاهدة ان يمد العراق هذه الجيوش بكل التسهيلات والمساعدات في أراضيه ومياهه وأجوائه. فثارت ثورة الشعب من شمال البلد إلى جنوبه، واستعيدت أجواء ثورة العشرين، احتجاجا وتظاهرا واعتقالا وسقوط شهداء، حتى تم اجبار الحكومة على الاستقالة وإلغاء المعاهدة كم يبدو الماضي بعيدا، إزاء الصمت الحالي لتسليم العراق لكل من هب ودب. 
لقد عمل المستعمر الجديد، بالتعاون مع طبقة الساسة الفاسدين، على تمزيق البلد طائفيا وعرقيا، حتى بات، بتمزقه ونفطه واستمرارية استخدامه، كبعبع للتخويف من «الإرهاب» بمسمياته المتعددة، ورقة مقايضة، للعديد من الدول الإقليمية والدولية. بات وجود «القوى الخارجية» ضرورة يتسابق الساسة على نيل رضاها والترويج لاستمرارية ابقائها. صار الشعار الاستعماري القديم عن عجز الأمم:» لن يحل العراقيون مشاكلهم بأنفسهم» بديلا للمقاومة. بل أصبح، وهنا يكمن نجاح الاخصاء، موضوعا للنقاش، حتى داخل بعض الأوساط الوطنية، اليائسة، من استرجاع اللحمة الاجتماعية بجهود وطنية. هذا الشعار هو الترجمة الحرفية لتصريح الأمين العام للناتو بان سبب نشوء «داعش»، بالعراق، هو انسحاب القوات الامريكية و« يجب أن نبقى لفترة طويلة»، متعاميا عن حقيقة ان ما جلب كل الخراب، بأنواعه، إلى العراق هو الاحتلال وان ترسيخ وجود القوات الامريكية بالإضافة إلى قوات الناتو، بشكل رسمي، مع وجود الساسة الفاسدين وميليشياتهم متعددة الولاء، سيجلب دمارا لا يعرف أحد مداه.

٭ كاتبة من العراق

 

 

مراحل محو

الذاكرة بالعراق

هيفاء زنكنة

 

تراجع الاهتمام الإعلامي العربي والدولي، بالعراق، بلدا وشعبا، في السنوات الأخيرة، إلى حد لم يعد يذكر الا في الصفحات الداخلية كخبر ثانوي قلما يسترعي الاهتمام. تزداد سطوره أو مساحته الإعلامية، فقط، حين يصاحبه تفجير يتجاوز عدد ضحاياه حدا معينا. للإحصائيات، في هذه الحالة، جاذبيتها الخاصة. كأن هناك كتيب إرشادات تم توزيعه على أجهزة الاعلام يتضمن كيفية طمر احتلال بلد وتدميره بأسلوب تدريجي، ناعم، لا يخدش ضمير المواطن. 
أمريكيا، هناك حرص عام على تطمين المواطن بأن ما تقوم به حكومته أخلاقي يهدف إلى نشر السلام ولو عن طريق الحروب. يحتل الاعلام دورا أساسيا في هذه العملية. يبين مقال نشره موقع « تروث آوت» ان أفضل وأسرع طريقة اتبعت لمحو جريمة غزو العراق واحتلاله من ذاكرة الشعب الأمريكي، هي عبر تقليص الاهتمام الإعلامي تدريجيا. كانت تغطية صحيفة «النيويورك تايمز»، الامريكية، لأحداث العراق، مثلا، قبل انسحاب القوات قد بلغت 1848 مقالة عام 2006. ونشرت 1350 مقالة عام 2007 ثم انخفض العدد إلى 359 في 2011. 
تقليص الاهتمام لم يتم عبر تقليل المقالات، فحسب، ولكن من خلال التحكم بنوعيتها ومصادرها. فاقتصار التغطية الصحافية على تداول الاخبار والتحليلات الجاهزة (بعد ترجمتها فيما يخص العالم العربي)، من وكالات انباء يعمل معظمها، في ظل سياسة «محاربة الإرهاب»، جعل المصادر الأولية المعتمدة للأخبار، هي القيادات العسكرية والرسمية وليست الصحافة، المستقلة. مما أدى إلى ضمور الصحافة الاستقصائية. 
وبينما دفع تحول العراق إلى ساحة حرب، مستديمة، إلى ابتعاد الصحافيين حفاظا على حياتهم، وحقق تهديد الصحافيين المستقلين، واستهدافهم، منذ أيام الاحتلال الاولى، نجاحا يحسب للمحتل الامريكي أولا ولميليشيات الأحزاب الحاكمة ومافيا الفساد، ثانيا. 
عربيا، حتى في البلدان التي تظاهرت شعوبها، بحماس، في الفترة السابقة للحرب، وساهمت بأكبر مظاهرة شارك فيها الملايين من جميع ارجاء العالم، ولأول مرة قبل الحرب، يلاحظ خفوت الأصوات او اختفاؤها. وتظهر الصورة بأكثر الوانها قتامة، عند مرور الذكرى السنوية لشن الغزو والاحتلال، حيث يفترض استعادة الذاكرة الشخصية والجماعية للجريمة الكبرى، فتمر الذكرى، كما في السنوات الأخيرة، بدون ان تلاحظ.
حيث مرت ذكرى الغزو، في العام الماضي، كأنه سر يجب ان يبقى طي الكتمان. 
الجانب الآخر الذي يتستر عليه الاعلام الغربي والعربي، بتعاون سياسي محلي، هو خروقات حقوق الانسان التي يعيشها المواطن بشكل يومي. بدءا من الاعتقال والتعذيب والاعدام وانتهاء بفرض العقوبات الجماعية. هناك سيرورة منهجية لمحو المسؤولية عن جهات إجرامية معروفة، هي جزء لا يتجزأ من الحكومة العراقية والأحزاب المشاركة فيها، بذرائع تتغير وفق الحاجة مع إبقاء صخرة «الحرب على الإرهاب» جاثمة على الصدور. يحاول عدد من المنظمات الحقوقية الدولية اختراق حاجز التضليل عبر تقاريرها الموثقة للانتهاكات والجرائم الا انها تبقى، على أهميتها، هامشية بالمقارنة مع أجهزة الاعلام التي تحتل مركزا، عاليا، في سلم أولويات الميزانيات العسكرية والحكومية. 
لهذا تكاثرت أجهزة الاعلام بسرعة نمو نبات الفطر وبالتحديد القنوات الفضائية. اذ يكفي ان تتجول بين القنوات الفضائية حتى تجد ان القنوات العراقية تحتل حيزا كبيرا بالمقارنة مع بقية البلدان. وهي، كما أجهزة الاعلام العربية، تعتمد على وجبة الاخبار الجاهزة من وكالات الانباء العالمية، كما بقية الدول العربية، وان كانت، والحق يقال، تتجاوزها بإضافة وصفة المحاصصة الطائفية والعرقية والميليشياوية. 
في الأسابيع الأخيرة، مثلا، تحدث العديد من المسؤولين العسكريين الأمريكيين عن ضرورة إبقاء القوات الامريكية في العراق إلى ان «يتم القضاء على داعش نهائيا»، أي لأجل غير مسمى، مما يذكرنا بالمعاهدة الاستراتيجية التي تم توقيعها مع الإدارة الامريكية عام 2011، وتمنح الإدارة الامريكية حقوقا تنزع كل مفاهيم السيادة عن العراق لأجل غير مسمى. سارع مكتب رئيس الوزراء، إلى اصدار بيان يكذب التصريحات، وان القوات الامريكية ستشرع بالانسحاب، فقامت أجهزة الاعلام العراقية والعربية بنشر البيان، كما هو بدون ان تقوم بتدقيق صحة الادعاء او اضاءة جوانب لم يتطرق اليها البيان، أو تقديم معلومات تساعد المواطن على معرفة، ما يجري فعلا، أو تشجيعه على تمحيص ما يقدم له. بعد يوم من اصدار بيان مكتب رئيس الوزراء، قامت الإدارة الامريكية بتكذيب التكذيب، مؤكدة بقاءها في العراق. وكان موقع «غلوبال ريسيرج» الأمريكي، قد أكد، في 23 كانون الثاني، وجود ستة قواعد عسكرية للولايات المتحدة في العراق وليست هناك نية لأغلاقها. ودخل قائد مليشيا «عصائب الحق» على الخط ليصدر إنذارا إلى القوات الامريكية بتحويل حياتهم إلى جحيم في حال بقائها إلى ما بعد الانتخابات. 
يساهم النقل الإعلامي الحرفي لهذه البيانات والتصريحات، من التباس الصورة لدى المواطنين، ويزداد الامر سوءا حين يتم بثها بلا تحليل موضوعي يوفر للمشاهد أرضية التفكير واثارة التساؤل. هنا يصبح الصمت، بمعنى عدم التحليل وابداء الرأي، تواطؤا في مسار التجهيل المتعمد ومحو الذاكرة الذي أسست له الصحافة الغربية، بامتياز منهجي، منذ تسعينيات القرن الماضي، استعدادا لغزو العراق، حسب مشروع القرن الأمريكي الجديد.
«ان الحرب على العراق من أكثر الجرائم خطورة، بلا شك، ضد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية»، يقول الدبلوماسي السويدي المخضرم سفيركر آستروم. جريمة أدركت الشعوب ضررها، مسبقا، فخرج عشرت الملايين للاحتجاج عليها في كل بلدان العالم قبل ارتكابها وبعده، مما أسهم، بشكل غير مباشر، في دعم المقاومة العراقية التي أفشلت مشروع القرن الأمريكي، واضطرته لترحيل اكثر من 185 الف جندي أمريكي من العراق.
استدعى طمس هذه الجريمة من دول العدوان تحويل الأنظار، بمراحل، تصنيع أكاذيب كبرى. كانت المرحلة الأولى اكذوبة أسلحة الدمار الشامل والخطر الماثل على أوروبا، وحقوق الإنسان والنساء، والثانية أكاذيب محاربة القاعدة و«فلول النظام السابق» التي اتهمت بها المقاومة العراقية الشعبية. ثم جاءت مرحلة فرق الموت التي اشعلها السفير الأمريكي جون نيغروبونتي وقائدا الفرق الخاصة اللذان عملا معه في السلفادور، كاستل وجون ستيل لتصور الصراع طائفيا واثنيا في العراق. بعد فترة، أنقذت الولايات المتحدة جلدها عبر انشاء عملية سياسية طائفية بالتجاذب مع إيران. مع انتفاضة الربيع العربي، عادت أمريكا فجرت العراق في ساحة الصراعات الإقليمية والدولية الأكبر تحت لافتات طائفية من جهة ولافتات محاربة إرهاب تنظيم «الدولة الإسلامية» من جهة اخرى.
الآن، في مسار محو الذاكرة، يقوم الاعلام المؤدلج، بالترويج اليومي، لأكذوبة ان كل الدمار الذي شهده العراق منذ التسعينيات وسنوات الحصار، وغزو 2003، والتعامل الوحشي مع المدن في مجرى التعامل مع المقاومة العراقية، هو نتيجة الحرب على تنظيم « الدولة الإسلامية» بما يضمنه ذلك من التغاضي عن المسؤولية القانونية الدولية والأخلاقية.
من هنا حاجتنا إلى استمرار تذكير أنفسنا والعالم بحقائق التاريخ القريب، لا رغبة بالانتقام ولكن لنعيد للعدالة مفهومها الحقيقي ولئلا تتكرر الجرائم.

٭ كاتبة من العراق

إلى الدول المانحة للعراق:

لا تتورطوا في موتنا البطيء

هيفاء زنكنة

 

يقول النظام العراقي انه بحاجة إلى 100 مليار دولار لأعاده اعمار المدن المدمرة جراء قتال تنظيم «الدولة الإسلامية»، وان على العالم توفير المال للنظام باعتبار انه «خاض حربا شرسة نيابة عن العالم».! 
ستكون هذه معزوفة النظام الرئيسية في مؤتمر الدول المانحة، الذي سيعقد في الكويت، منتصف الشهر الحالي، وتشارك فيه حوالي 70 دولة ومئات شركات الاستثمار التي أعلن عن توفير مغريات لها لجذبها إلى داخل العراق. وهو موقف يبدو في غاية النبل والوطنية من الحكومة، ويستدعي التشجيع والمساندة، من قبل الجميع. فمن ذا الذي لا يرغب بأعمار بلده، وإعادة النازحين إلى بيوتهم وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين؟ 
إذا كان الحال بهذا الشكل، لم يقوم عدد من الناشطين الشباب، من داخل العراق، بكتابة رسالة موجهة إلى الدول المانحة بعنوان «لا تقتلونا أكثر من مرة، ولا تتورطوا في موتنا البطيء»؟ 
لا يختلف الشباب في رسالتهم حول ان العراقيين جميعا يتطلعون إلى يوم يجدون فيه الإعمار قد حل في بلادهم مكان الخراب، ويحسون بالحياة كما يحس بها الآخرون، لكنهم يتوقفون متسائلين عن جدوى المؤتمر. لاسيما وانه ليس المؤتمر الأول الذي يتلقى فيه العراق، منذ عام 2003، مئات المليارات للإعمار، ولم ير الشعب أي اعمار.
تتضمن الرسالة تفاصيل مؤتمرات المانحين، سابقا، والمبالغ التي تم تقديمها إلى الحكومة العراقية لأغراض الأعمار الذي لم يتحقق وبقي سرابا لا يمكن الإمساك به. 
يأخذنا الشباب إلى مؤتمر مدريد للمانحين، في تشرين الأول/أكتوبر 2003، عام احتلال العراق قبل 15 عاما، بمشاركة 73 دولة و20 منظمة دولية، حيث تعهد المشاركون بتقديم 33 مليار دولار لإعمار العراق. تلاه، في العام نفسه، مؤتمر طوكيو للدول والجهات المانحة للعراق، الذي تم التعهد فيه بنحو 14 مليار دولار لإعادة الاعمار. ولا تقتصر حكاية «إعادة الاعمار» كذريعة للحصول على المُنح، قبل ولادة «داعش المنتظر» بسنوات، بل هناك، أيضا، مليارات الدولارات التي خصصها الكونغرس الامريكي ومساعدات صندوق النقد الدولي وقروض البنك الدولي، التي ستكبل العراقيين، بالفائدة المركبة، على مدى عقود مقبلة. 
آخر الأرقام التي أعلن عنها لإعادة إعمار العراق، موافقة البنك الدولي في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، عن موافقته على منح مساعدات مالية بقيمة 400 مليون دولار «لمساندة جهود التعافي وإعادة الإعمار والتأهيل لمرافق البنية التحتية ذات الأولوية من أجل استعادة تقديم الخدمات العامة في المناطق العراقية المحررة حديثا من قبضة تنظيم داعش».
إذا ما قمنا بعملية جمع بسيطة للأموال التي هطلت على العراق منذ الاحتلال، وبضمنها الأموال العراقية التي كانت محجوزة في صندوق الأمم المتحدة، من سنوات الحصار، لوجدناها تنافس ميزانيات دول العديد من الدول المجاورة، لكن العراق لم يعمر، حتى الآن، بل لم يتم صيانة ما بقي من منشآت بعد قصف الصدمة والترويع واستمر في الخدمة لحين، فأين ذهبت تلك الاموال؟
يؤكد العديد من تقارير منظمات النزاهة والشفافية الدولية بالإضافة إلى المحلية، والى تصريحات الساسة العراقيين، أنفسهم، خاصة حين يتبادلون الاتهامات، بأن الفساد هو الغول الذي يواصل التهام المنح والمخصصات والقروض وعائدات النفط. وهو يمتد ويتوسع، بمرور الوقت، حتى بات من الأعراف الاجتماعية فضلا عن السياسية والاقتصادية، بفضل نشوء طبقة جديدة من المقاولين تدعى «سماسرة الاعمار». مهمتهم مضاعفة قيمة المنشآت أو المشاريع التي يشرفون على إقامتها عدة أضعاف دون أن يكون هناك رقيب، وتُمرر الأرقام في ظل انتشار الفساد في المؤسسات الحكومية.
ويتم، أحيانا، تنفيذ مشاريع البنى التحتية، بحد أدنى من المواصفات، عبر مقاولات يتم بيعها من المقاول الرئيسي إلى مقاول آخر يقبض ثمنها من مقاول آخر، فيكون المبلغ الذي يصرف على المشروع متواضعا جدا مقارنة بالمبلغ الذي يضيع بين سلسلة وسطاء. وقد بلغ تقاسم أموال الاعمار بين السماسرة العراقيين والجهات الامريكية حدا جعل المفتش العام الأمريكي المختص بإعادة إعمار العراق، إلى التصريح في تقرير خاص، أن الحكومة الامريكية لم تتمكن حتى الآن من تحديد وجهة إنفاق 96 ٪ من تلك الأموال. ويعزو عصام الجلبي، وزير النفط السابق، عدم بناء مصاف جديدة للنفط إلى الفساد والسرقات السائدة في مقاولات ‏استيراد المشتقات النفطية مما أدى إلى إنفاق 30 مليار دولار بينما كان في الإمكان استخدام هذه المبالغ لانشاء ما لا يقل عن 6 مصافي عملاقة في ‏العراق.
ما يثير الانتباه، في رسالة «لا تتورطوا.. «، بالإضافة إلى رصدها كمية وكيفية تلاشي الأموال في فضاء الفساد، هو رصدها لنوعية المشاريع المطروحة من قبل النظام العراقي لإعادة الاعمار. فهي، حسب عديد التقارير المحلية والدولية أصلاً «لا يحتاجها العراقيون أو أنهم لا يريدونها». حيث «لم يتم التشاور حولها، بصورة كافية ومناسبة مع العراقيين، فضلاً عن أن الكثير منها كان يتوقف في منتصف الطريق، أو لا يتمكن العراقيون من الحفاظ عليه بعد اكتماله».
يخلص كاتبو الرسالة، بعد رسم صورة العراق الغارق في الصراعات السياسية، الدموية، بين الأحزاب المهيمنة وميليشياتها، وخراب البنية التحتية والخدمات الأساسية، وانتهاكات حقوق الانسان الجسيمة، إلى إن انعقاد مثل هذه المؤتمرات بات مصدر ضرر كبير للعراق وشعبه، لأنه يغطي على الواقع المرير، من خلال تطمين العالم بان هناك جهودا للإعمار، بينما تؤول الأموال إلى جيوب الفاسدين، لاسيما المسؤولين العراقيين الذين أحرزوا رقما قياسيا في سرقة المال العام والفساد. وللإجابة على سؤال ما هو الحل، تقدم الرسالة ثلاثة مقترحات. لعل أبرزها تأجيل دفع الأموال المستحصلة من هذه المؤتمرات لحين استقرار البلد، وان يتسلم زمام الأمور فيه من ليس فاسدا، أو تشكيل صندوق للإعمار بإشراف عالمي. 
قد لا تكون الحلول التي يقدمها كاتبو الرسالة مثالية، الا ان تشخيصهم لآفة الفساد وآثارها، ومناشدتهم مؤتمر المانحين، الا يشرعن الفساد، تستحق النظر، وان لم يتم التطرق إلى مسؤولية هذه الدول، على رأسها أمريكا وبريطانيا، في مأسسة الفساد والخراب إثر الاحتلال، مما يجعل حتى تسمية «مؤتمر المانحين» تضليلا متعمدا من قبل الدول المسؤولة عن الخراب، بعلم ومساهمة النظام العراقي.

٭ كاتبة من العراق

 

أمريكا في العراق:

استقروا فيه آمنين!

هيفاء زنكنة

 

تؤكد التصريحات الأخيرة لوزارة الدفاع الأمريكية(البنتاغون) نية الإدارة الأمريكية الإبقاء على القواعد العسكرية وتفعيل « الاتفاقية الأمنية والاستراتيجية» مع الحكومة الجديدة بعد اجراء الانتخابات. تتطابق هذه التصريحات مع واقع العمليات التي تخوضها أمريكا، داخل العراق.
فعلى الرغم من سيل خطب وتصريحات الانتصار والقضاء على «الدولة الإسلامية»، وتقديم الانتصار باعتباره قد تحقق «بأياد عراقية خالصة وببطولات وتضحيات العراقيين»، حسب رئيس الوزراء حيدر العبادي، فان طائرات التحالف لا تزال تقصف أماكن مختلفة من العراق، «لمطاردة فلول داعش الإرهابي». ولا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تُعلن عن انطلاق عملياتها المستمرة في سوريا والعراق، مما يثير التساؤل حول عديد البيانات الصادرة من الجانبين العراقي والأمريكي المتعلقة بالعمليات الموصوفة بانها مبنية على معلومات استخبارية دقيقة. وذلك لاستمراريتها، وكثرتها، واعداد الضحايا من المدنيين في الفترة التي أعقبت إعلانات الانتصار والاحتفال به. فما الذي حدث للوعود الكبيرة بالاستقرار والأمان والاعمار، في الفترة التي اُطلق عليها أسم «ما بعد داعش»؟ وما هو دور الصراعات بين الأحزاب والميليشيات المتنفذة في هذه الفترة، وهل هناك دور أمريكي بالإضافة إلى الإيراني؟ وما مدى صحة كون العمليات العسكرية والقصف يستهدفان، فعلا، بقايا تنظيم « الدولة الإسلامية»؟
بالنسبة إلى وعود الاستقرار، تكفينا عودة سريعة إلى ساحة الطيران، ببغداد، لندرك حجم أكذوبة الأمان الموعود الذي بات سرابا، ما ان يقترب منه المواطن حتى يتحول إلى مشروع موت فردي أو جماعي.
أدى تفجير ساحة الطيران الإرهابي إلى قتل وجرح 80 مواطنا، معظمهم من العمال الفقراء. في مرثية كتبها شوقي كريم حسن، يحدثنا بقلب يختزن وجعا لا حد له، عن بائع الشاي بشار الذي» جاء بغداد من مدينة الشطرة، جنوب العراق، ليسد رمق خمسة اطفال يحلمون بحياة تحفظ كرامتهم.
ظل بشار يمنح الحياة لروح المغني داخل حسن ممزوجا بأحزان الشطرة التي فارقها مكرها. كلما طلبت منه الشاي، ابتسم قائلا: قل لي علة حب أهل الشطرة للشاي والغناء. ونهيم معا في ذكريات قحط وفرار. اليوم، كان بشار بغاية الفرح لأنه قرر زيارة الاطفال والزوجة التي تنتظر، بعد ان وفر لهم ما وفر. وفجأة، تناثرت بسطية بشار. أغمض بشار عينيه محاولا استرجاع وجوه أولاده، لكنه فشل. فشل بعد ان وجد نفسه دون أطراف، دون ملامح. مات بشار. قتلته زمر الفساد التي تتقاتل من اجل نهب البلاد». 
إثر التفجير، أصدر الساسة العراقيون بيانات الاستنكار والادانة والاتهامات الجاهزة. شاركهم النحيب المفتعل سفراء وحكام دول عربية، ولم يقصر المسؤولون الإيرانيون والأمريكيون في ذرف كلمات الأسى. في ذات الوقت الذي تواصل فيه الميليشيات ترويع الناس والأمريكيون سياسة القصف واستهداف المدنيين، الذين لا يعلن عن قتلهم أو احصائهم أو الإشارة إليهم، ما دام مشجب «داعش» لايزال حيا يُغذى بالبيانات، والتصريحات المنمقة، والتطبيل الاعلامي. 
وعند تمحيص مدى استخدام مشجب داعش لتبرير القصف، يتبين من بيان للتحالف، في 12 كانون الثاني/يناير « ان قوات التحالف العسكرية في الفترة من 5 – 11 كانون الثاني/يناير 2018، نفذت 96 غارة تألفت من160 اشتباك ضد إرهابيي داعش في سوریا والعراق». ذلك ان قوة المھام المشتركة في عملية العزم الصلب «ملتزمة من أجل تحقيق الهزيمة الحتمية لداعش والحد من قدرتها على تأسيس شبكات جديدة أو إعادة الظهور في العراق وسوريا»، ويتوسع خطاب الترويع الإعلامي الأمريكي ليتضمن بالإضافة إلى تهديد داعش للعراق وسوريا، تهديدها «المجتمع الدولي ككل». مما يعيد إلى الاذهان حملة التضليل الإعلامي الأمريكي – البريطاني التي مهدت لغزو العراق، باعتباره يمتلك أسلحة الدمار الشامل القادرة على تهديد أوروبا خلال 45 دقيقة!
ان استخدام ذريعة حماية العالم يترجم على ارض الواقع، بأن لقوة المهام المشتركة أو الولايات المتحدة وحلفائها، المبرر الشرعي للبقاء على ارض العراق وسوريا مدة تفرضها هي، ووفق مصالحها الاقتصادية والسياسية والعسكرية. إبقاء حضور داعش، اذن، حيا أو ترهيب الدول والناس، بحضوره، ضرورة يتوجب المحافظة عليها لكل الجهات الراغبة بإبقاء العراق ضعيفا، ممزقا، تسهل الهيمنة عليه. سواء كانت الجهات محلية متحالفة مع الدول الإقليمية، أو الولايات المتحدة، أو كليهما معا. 
وفي الوقت الذي ينفي فيه النظام العراقي وجود قواعد عسكرية أمريكية، مؤكدا «أنه لا وجود لقوات مقاتلة من أي دولة على الأراضي العراقية» حسب حيدر العبادي، والاكتفاء بالإشارة البسيطة، أحيانا، إلى ما يسمى «الدعم الجوي»، تؤكد التصريحات الرسمية الأمريكية، من وزارة الدفاع (البنتاغون) بشكل خاص، بأن استمرار وجود القوات العسكرية ضروري، إلى ان يتم «القضاء كليا على داعش». 
وقد ذكر موقع «غلوبال ريسيرج» الأمريكي، في 23 كانون الثاني/يناير، ان هناك ست قواعد عسكرية للولايات المتحدة في العراق. وهناك ما يشير إلى انشاء قواعد أخرى. لن تكون هذه القواعد بالحجم السابق الذي كانت عليه قبل انسحاب قوات الاحتلال عام 2011، الا انها ستكون قادرة على تحقيق الأهداف المطلوبة ومنها السيطرة الجوية والاستخباراتية والاغتيالات بواسطة الطائرات بلا طيار. أهم القواعد العسكرية، حسب موقع «ميل اونلاين» البريطاني، هي: مطار صدام الدولي السابق خارج بغداد، وقاعدة تليل الجوية بالقرب من الناصرية، في الجنوب، والقاعدة الجوية المعروفة باسم اتش -1، في الصحراء الغربية، ومطار باشور في شمال العراق. ولموقع أتش 1 الاستراتيجي أهمية خاصة، حيث توجد فرق القوات الخاصة حاليا، لكونه على مسار خط أنابيب النفط إلى الأردن.
فهل هذه طريقة النظام العراقي المبتكرة في انهاء الاحتلال الأمريكي، الذي تحدث عنه محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الإسلامي الاعلى قائلا بأنه سيتم التخلص منه خلال ستة أشهر، وان التعاون معه مجرد تقاطع مصالح مؤقت، كما كرر قادة الأحزاب «الإسلامية» من بعده؟ ماذا عن «كلا… كلا لأمريكا»، شعار السيد القائد مقتدى الصدر دام ظله؟ وكيف ستتفاعل سياسة الحزب الشيوعي «العلماني» باعتبار الاحتلال «تغييرا» مع «كلا لأمريكا» في مرحلة التحالف «المدني» بين التيار الصدري والحزب؟ ماذا عن عموم الشعب العراقي؟ يبدو من متابعة اخبار انتشار القواعد العسكرية، بشكل علني، ان الاحتجاج ضدها آت من اجنحة في الإدارة الأمريكية وعدد من المنظمات الأمريكية والاوربية. أما صوت الشعب العراقي، كقوة رافضة، تساهم في تغيير القرار، ليس مسموعا بعد.

٭ كاتبة من العراق

كيف أصبحت

بلداننا بهذه الوساخة؟

هيفاء زنكنة

 

بدأت تظهر، منذ الآن، والانتخابات العراقية على مبعدة شهور، استخدامات لمفردة «الزبالة»، في الكتابات المتعلقة بالوضع السياسي، وتنافس القوائم الانتخابية، للدلالة على درجة التلوث بالفساد، التي تتميز بها القوائم والتحالفات، حتى يكاد المرء يشم رائحة الزبالة ولو عن مبعدة. مفردة الزبالة في العراق، اليوم، هي صنو الفساد السياسي، المتغلغل في جسد الحكومة والنظام ككل. للدلالة على تزاوج المعنيين، واليأس الشعبي العام من الإصلاح، استباقا للحملات الانتخابية، شاع استخدام «لو الذباب يترك الزبالة… حرامية العراق يتركون البوك (السرقة)».
مما يعيد إلى الأذهان، مظاهرات واحتجاجات الزبالة التي عاشتها العاصمة الجميلة بيروت، عام 2015، نتيجة عجز الجهات المسؤولة عن جمع القمامة، فتراكمت إلى حد اغراق العاصمة بها، ومعها انتشرت حالة الاحتجاج العامة، كما عودتنا بيروت، بأشكال إبداعية متعددة، من الفيسبوك والتويتر إلى الشعر والاغاني، مرورا باختيار ملكة جمال الزبالة، والتقاط السلفي مع الزبالة بعد ارتداء الكمامات الواقية من الرائحة الكريهة. كانت عناوين الصحف، يومها، متنوعة تجمع ما بين الغضب والإحباط والنقمة السياسية على الفساد، بأشكاله. قرأنا: بيروت تغرق في جبال من الزبالة، أكبر تجمع في تاريخ لبنان يتظاهر ضد الزبالة والطائفية، أزمة القمامة في لبنان، ورائحة لبنان زبالة. وكان لعائلة الرحباني مساهمتها بكلمات زياد الرحباني الجامعة بين رائحة الزبالة وفساد الساسة. وهو التشبيه الأقرب إلى ما يحدث بالعراق. حيث يقودنا جرد مقالات تجمع بين هَم السياسة والزبالة، إلى عناوين مثل: الزبالة والبرلماني بالعراق، العراق من اغنى دولة بالعالم إلى شعب يأكل من القمامة، تدوير العملية السياسية، وحكومة الزبالة وزبالة الحكومة «التي أوصلت زبالات الكوكب إلى رقاب أبناء العراق، ومكنت زبالات البلدان من احتلال أرض العراق في هجمة بربرية راح ضحيتها خيرة شباب الوطن» كما كتب أحمد حسن العطية.
برزت، أيضا، على مدى سنوات الاحتلال، قصائد، استخدمت فيها مفردة الزبالة للدلالة على بؤس الأوضاع المعيشية، مثل «قصيدة بحق الزبالة»، للشاعر سعد محمد الحسن البهادلي، يصف فيها قرية، على مقربة من مرقد الامام علي، تُرمى فيها قمامة مدينة النجف الأشرف، كما يصف حال الناس الذين يعتاشون على هذه القمامة. 
في مصر، بسبب أزمة زيادة القمامة والتلوث البيئي، حيث تتجمع في شوارع مصر، حوالي 75 مليون طن من القمامة كل سنة، اقام عدد من الشباب «مهرجان الزبالة»، كمحاولة تعليمية لغربلتها وإعادة تدوير ما هو صالح منها، وبالتالي جني المال في ذات الوقت الذي تتم فيه المحافظة على البيئة. 
وبينما ينظر المواطن العراقي بأسى إلى ماضي عاصمته النظيفة في السبعينيات، إلى حد ان عمال التنظيف كانوا يطرقون أبواب البيوت لجمع القمامة، فان أساه يبلغ ذروته، في بغداد ما بعد الغزو، كما كتب الكاتب والمترجم عبد الوهاب حميد رشيد «لا اتذكر يوماً في بغداد دون أن أشاهد أكواماً ضخمة من النفايات والأنقاض وهي تغلق الطرق الرئيسية في مناطق من العاصمة، خاصة ضواحيها. في بعض الأحيان تصل أكوام الزبالة ارتفاعات عالية بحيث تغلق المرور في المنطقة، في حين تُعاني الضواحي من الروائح الفاسدة، وأصبح انتشار الحشرات والأمراض اعتيادياً». 
ليست جميع البلدان العربية في مستوى واحد من ناحية النظافة بمعناها الواقعي والرمزي وبدرجة الفساد او مدى شعور الناس بالانتماء إلى المكان. ففي أزقة تونس القديمة، مثلا، لاتزال تقاليد تنظيف عتبات الدور وما حولها، كما في خمسينيات بغداد، مستمرة. 
كما يلجأ الأهالي، بتونس العاصمة، لمعالجة مشكلة الزبالة المتراكمة، إلى الغرافيتي، كشكل ابداعي شعبي، أثبت جدواه، أحيانا، لمعالجة ظاهرة تراكم الزبالة. يلجأ المواطن التونسي إلى الجدران، مهما كان نوعها، ومهما كانت سبل الوصول اليها، ليُسطر عليها رسالته المُلحة إلى الآخرين، محولا الجدار إلى موقع للمناشدة والعتاب والدعوة. انها محاولته لامتلاك حيز من الشارع، لاثارة الانتباه إلى مشكلة اجتماعية بلا تكلفة مادية. ولأن الغرافيتي لا يحمل توقيع صاحبه، تبقى هوية الناشط مجهولة مما يوفر له الحماية. 
يشعر المتجول في شوارع واحياء العاصمة التونسية، مدى رغبة بعض المواطنين بالمحافظة على نظافة المدينة. فيلاحظ رسائل الغرافيتي، خطتها على الجدران أيدي مواطنين، مناشدة أهاليهم التعاون لإيجاد حل لمشكلة/ ظاهرة تمس حياتهم جميعا. وقد نجحت الفنانة التونسية سولافة مبروك بتصوير العديد من المواقع، التي تعاني من مشكلة أكوام الزبالة المتراكمة، في الشوارع والاحياء السكنية مما يمنح العاصمة رائحة لا تليق بها. وتضمن الصور معرض أطلقت عليه أسم «غرافيتي… يرحم والديك».
لجأ الأهالي الذين أعيتهم السبل للمحافظة على نظافة مدينتهم، خاصة في الاحياء المحيطة بالمدينة العتيقة، إلى الغرافيتي، كأداة للتوعية والمناشدة والترجي والدعاء، مرة باللغة العربية الفصحى وأخرى بالعامية. ونرى ان عددا منها، ساهم، فعلا، في تخفيف المشكلة، في فترة أهملت فيها البلديات مسؤولياتها تجاه المواطن. 
للتوعية كتبوا «البول للكلاب يا ناس»، وهي مماثلة للغرافيتي العراقي الشائع «البول للحمير يا ناس». للمناشدة المؤدبة والترجي «الرجاء عدم وضع الفضلات هنا… وشكرا». ويتنوع الدعاء، في شدته وقسوته، حسب إحساس كاتب الغرافيتي بجدوى عمله أو لا جدواه، متنقلا من «لا ترحم والديه إلي يحط الزبلة هنا» و»لا ترحم والديه اللي يلوح الزبلة هنا» و»نعلبوه» إلى «الله لا يكَسبوا المال وهَنية البال إلي يرمي الزبلة هنا» و»لا ترحم عظم» كحد أقصى من العقاب. وإذا كان الوالدان، نظرا لقيمتهما المجتمعية، هما المستهدفان، غالبا، بالحرمان من الرحمة، فأن جدران العاصمة لا تخلو من منوعات بأخطاء املائية على غرار «ممنوع رمي الفظلات نهارا» أو الكتابة على سور يواصل سكانه رمي الزبالة عبره إلى الشارع «لا ترمي الزبلة من السور».
ولا يقتصر استخدام رسائل الغرافيتي على تونس. فلبيروت رسائلها الغرافيتية المشوقة، أيضا. من بينها ما عثر عليه، أخيرا، في منطقة الاشرفية، ويحمل رسالة واضحة بمغزاها الجامع بين الشتيمة والتوعية: «أكيد بهيم وبلا أخلاق كل من يرمي الاوساخ. يا صاحب الذوق، حافظ على نظافة مدينتك وبيئتك وصحتك». 
يعزو الكاتب البريطاني روبرت فيسك، وهو الذي اقام في البلاد العربية عقودا، وكتب عن الثورات والتدخل الأجنبي والأنظمة المستبدة، سبب مشكلة الزبالة إلى ان المواطن العربي لا يشعر بانه يملك شوارعه. يمس فيسك، بتحليله النابع من ربط مواقف الناس السياسية بالمسؤولية المجتمعية، جرحا عميقا بحاجة إلى النظر وإيجاد الحلول باعتبار النظافة قيمة حضارية في أي مجتمع. ونحن بحاجة إلى دراسات ميدانية تساعد المجتمع على فهم نفسه وما حوله، والا بقي حاله حال الفنانة المصرية شيرين رضا التي وجدت أن شوارع القاهرة، قد امتلأت بالقمامة، فتساءلت: «هي إزاي البلد بقت وسخة كدة؟».

٭ كاتبة من العراق

 

 

انتخابات العراق:

هل اعتذر حيدر العبادي؟

هيفاء زنكنة

 

نقل النائب العمالي البريطاني بول فلين رسالة السيدة روز جنتل، والدة جوردون جنتل، أحد الجنود الذين قتلوا في « حرب العراق»، إلى البرلمان البريطاني. خاطب النائب البرلمان، الأسبوع الماضي، قائلا بأن السيدة « أعربت عن أسفها لبيان الحكومة الذي يبدو أنه يعفي البرلمان من استنتاجات تقرير تشيلكوت. ونحتاج، كما دعت إلى ذلك، إلى اعتذار من هذا المجلس وهذا البرلمان. لم يكن رجلا واحدا. كانت المعارضة وثلاث لجان مختارة. كانوا من المشجعين لهذا الخطأ الفادح الذي ارتكبناه هذا القرن. أليس هناك اعتذار مناسب، يجب أن يتبعه قراءة أسماء 179 جنديا أرسلناهم إلى وفاتهم؟». 
لرسالة روز جنتل وخطاب النائب علاقة وثيقة بواقع العراق، الحالي، الذي لخصه هانز فون سبونيك، نائب الأمين العام للأمم المتحدة سابقا، قائلا « حيث لا يوجد بند من بنود حقوق الانسان لم يُنتهك». عبرت الرسالة عن استياء اسر الجنود البريطانيين الذين قتلوا في العراق لعدم تمكنهم من تأمين محاكمة رئيس الوزراء البريطاني الاسبق توني بلير بتهمة تضليل البرلمان بشأن قضية غزو العراق.
المعروف ان عوائل الجنود تشجعوا بإمكانية محاكمة توني بلير، بعد صدور تقرير تشيلكوت، الذي استغرق العمل فيه مدة سبع سنوات وتوصل إلى مساءلة موقف رئيس الوزراء السابق من قرار خوض الحرب ضد العراق، وان أكد ان الغرض منه لم يكن إدانة بلير لأن رئيس الوزراء يتمتع بالحصانة القانونية. ويشكل موقف الحكومة البريطانية خيبة أمل، كبيرة، لعوائل الجنود، الذين كانوا قد كلفوا محامين، للقيام بالإجراءات القضائية اللازمة، وجمع الأدلة لأثبات تضليل توني بلير للبرلمان في الفترة السابقة للغزو عام 2003.
وإذا كانت عوائل 179 جنديا قد قررت عدم السكوت على ما تعتبره جريمة بحق أبنائها، وهم جنود في جيش يستوجب الموت، وقامت بحملة لجمع مبلغ تدفعه للمحامين، فان النظام العراقي، بكل امكانياته المادية الهائلة، تلقى «تقرير تشيلكوت»، الموثق لحرب عدوانية، استندت على التضليل، بالصمت الكلي. كأن العراق لم يكن البلد المعني بالغزو والاحتلال، وما جلباه من خراب مستمر. كأن حياة ما يقارب المليون، من الضحايا المدنيين، أثرا من آثار ماض، لا يستحق التفكير أو المراجعة، أو، وهو الاصح، ثمنا يستحق الدفع للحصول على المناصب.
ما شجع العوائل على البحث في إمكانية تقديم توني بلير إلى القضاء، أيضا، هو صعود نائب عمالي نزيه، هو جيرمي كوربين، إلى رئاسة حزب العمال. أي ذات الحزب الذي قاد الحكومة البريطانية، في غزوها العراق، تحت قيادة الولايات المتحدة الامريكية. وكان واحدا من مواقفه الشجاعة، المتماشية مع ايمانه، بعدوانية الحرب، هو دعوته إلى مؤتمر صحافي، حضره عدد محدد من الناشطين وممثلي المنظمات المناهضة للحرب (كنت من بينهم)، بالإضافة إلى عوائل شهداء عراقيين، وعدد من أُسر الجنود البريطانيين القتلى، وعدد من الجنود الذين تركوا الجيش احتجاجا على احتلال العراق. وقف كوربين في المؤتمر الصحافي ليتحدث لبضع دقائق كعادته، معتذرا من الشعب العراقي لما أصابه نتيجة الحرب، ومن عوائل الجنود البريطانيين الذين قتلوا في حرب غير شرعية، مع الإشارة بانه سيواصل عمله في تحميل توني بلير مسؤولية اتخاذ القرار الكارثي. لم تضع كلمات كوربين نهاية لعذابات العراقيين، لكنها ستساعد يوما في التئام الجروح بين الشعبين العراقي والبريطاني، وربما ستفتح أبواب التعويضات، دوليا.
قارنوا ذلك بخطب حيدر العبادي» رئيس الوزراء ورئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة والقيادي بحزب الدعوة الشيعي» التي يرميها بوجوه أبناء الشعب، في خطاب اسبوعي متلفز، طويل كالعادة، بالإضافة إلى تصريحاته ومواعظه اليومية، المتلفزة، أيضا، في اجتماعات مع وزراء وقادة احزاب وميليشيات، ملتفين حوله « كالدمى الخرساء لا تعرف معنى الكلمات» كما يصف الشاعر التونسي الراحل منور صمادح. هل اعتذر العبادي من الشعب عن دور حزبه في غزو واحتلال البلد؟ هل اعتذر عن دور أمين حزبه نوري المالكي في غرز الطائفية البشعة، والفساد، واستباحة حياة كل من عارضه، التي جعلت منه مجرم حرب بامتياز حسب العديد من التقارير الحقوقية المحلية والدولية؟
ان إخبار عوائل الجنود البريطانيين القتلى بعدم إمكانية رفع دعوى ضد توني بلير، لأنه محصن قانونيا من المساءلة، قضية تهمنا كعراقيين، لانعكاساتها على امكانية محاسبة المسؤولين، قانونيا، عن غزو العراق، بضمنهم الساسة العراقيون الذين فتحوا الأبواب للغزاة، خاصة، من تسنم الحكم بالوكالة، والقصف بالبراميل المتفجرة بالوكالة، والاعتقال والتعذيب والاغتصاب بالوكالة، على رأسهم قادة حزب الدعوة، الطائفي، الفاسد. 
مما يجعلنا نتساءل عن البدائل وعما يتوجب علينا عمله إزاء الهراء الحكومي ـ الإعلامي المحلي، المُغلِف للفساد، وأنواع الجرائم الناتجة عن مأسسة الفساد من جهة، وتعدد أنواع « الحصانة» التي يتمتع بها البغاة، محليا ودوليا، والتي تراوح ما بين الحصانة القانونية (توني بلير وبوش مثلا) إلى الدينية ـ الإلهية (عصمة آيات الله وقادة الأحزاب الاسلامية، أدعياء ظل الله على الأرض)؟ التساؤل الثاني هو: كيف نُبعدُ شبح الإحباط واليأس من تحقيق العدالة قانونيا عن الناس، الذين يناضلون من اجل استمرار الحياة بأبسط متطلباتها؟ 
كتبت مرة: الخطوة الأولى هي عدم نسيان جريمة الغزو، والاستمرار بتذكير العالم بما يحدث للعراقيين جراءها. هنا تكمن مسؤولية المثقف والإعلامي والناشط المدني، وهي مسؤولية أخلاقية، تجعل من الصمت تسترا ومشاركة في جريمة ابادة لم تعد تحتمل الصمت، أو الحيادية، أو خلق التبريرات الآنية والتاريخية. فالاحتلال ليس وجهة نظر والكولونيالية، بأشكالها الجديدة، كما شخَص المفكر فرانز فانون، ليست نموذجا للعلاقات الفردية بل هي احتلال لأراضي قوم واضطهاد شعب. انه ليس تصرفا انسانيا. ثانيا: ان سلوك ساسة النظام العراقي، الحالي، ليس إنسانيا ولا أخلاقيا، تتجاوز انتهاكاته وجرائمه حدود ما يمكن تصوره.
حاليا، يقف صُناع النظام العراقي من الإدارة الامريكية والحكومة البريطانية إلى الجمهورية الاسلامية، على مبعدة مسافة، بانتظار ما ستتمخض عنه الشهور، القليلة، المقبلة، من تغيير للأقنعة. وهذا ما يجب رصده، وتوثيقه، وفضحه، والتحريض على تغييره. فلكل نظام تم تصنيعه اجنبيا، مدة صلاحية محددة، تنتهي بوجوب رميه لئلا ينتقل تعفنه إلى الجميع.

٭ كاتبة من العراق

 

 

هاشتاغ أنقذوا إسراء…

اللبوة الفلسطينية الجريحة

هيفاء زنكنة

 

في لحظة تاريخية معينة، قد يتحول ما يبدو في بداياته فعلا فرديا إلى حراك عام. في تونس، أدت تضحية البائع المتجول محمد بو عزيزي، بنفسه، إلى زحزحة صخرة، طالما جثمت على صدور التونسيين على مدى عقود. في سوريا، أدى اعتقال عدد من الأطفال إلى اشعال الشوارع بنيران الغضب المكبوت ضد نظام توارث القمع. في فلسطين، أراد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اخراج نفسه، من زريبة حماقاته المتتالية، عن طريق اعلان القدس، عاصمة للكيان الصهيوني، فهبت عليه رياح الغضب الفلسطيني- العربي- الدولي، التي تكاد تطمره وهو حي. 
لتطابق اللحظة التاريخية المواتية مع الفعل الفردي، علاقة كبيرة بصناعة الايقونة ـ الرمز أو دفنها. أو هذا على الأقل، ما جعل غيفارا، يتحدى الموت، كمناضل أولا ورمزا حيا للأجيال المقبلة ثانيا، متجاوزا بشبابه الدائم وقوة تحريضه على الثورة، مفهوم الأيقونة كنُصبٍ جامد. وإذا كان غيفارا، وكاسترو بدرجة اقل (ربما لأنه بقي على قيد الحياة) قد نجحا باحتلال مركز متميز في قائمة ايقونات الشعوب لسنوات طويلة، بسبب محدودية الانتشار الإعلامي التقليدي، فان سرعة انتشار الاخبار ونقل الاحداث عبر مواقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك، تويتر، يوتيوب… الخ) جعل من خلق وتصنيع وتفكيك الايقونات (كما هي الاخبار) مسألة آنية، وليدة اللحظة، إلى حد كبير، وحاملة لإيجابيات وسلبيات الولادة السريعة واختلاطها بالعواطف الجياشة والاجندات السياسية والاعلامية. 
تقدم لنا تغطية مقاومة القرار الأمريكي بجعل القدس عاصمة للكيان الصهيوني، فلسطينيا وعربيا ودوليا، جوانب إيجابية لكيفية توظيف نقل الاخبار والاحداث ساعة بساعة، وبالتالي البناء التراكمي للحراك الشعبي بين الفلسطينيين، أنفسهم، من جهة، والتواصل مع بقية الشعوب، من جهة أخرى. حيث تم نشر صور الاعتقالات والاغتيالات التي طالت المواطنين، المرة تلو المرة، لتصل اقصى انحاء الكرة الأرضية، فلم يعد هناك متسع لادعاء عدم المعرفة بطبيعة المُستعمر الاستيطاني. فما تجاهلته الصحافة خشية الحظر الصهيوني ـ الأمريكي وحتى الرسمي العربي المتواطئ معه، بثته مواقع التواصل بكل تفاصيله. فصارت للمظاهرات الفلسطينية ومواجهتها للمستوطن الصهيوني، وجوهها وصورها المعروفة حول العالم. تدريجيا، تحولت وجوه المقاومين او لحظات المواجهة بين القوة العسكرية الغاشمة، والجسد الفلسطيني المُسلح بإيمانه وحجارته، إلى ايقونات، تؤرخ اللحظة وترمز إلى ما هو أبعد من اللحظة. 
لحظة اعتقال فوزي الجنيدي (16 عاما) ابن مدينة الخليل. اقتياده، معصوب العينين، محاطا بجدار من 23 جنديا، مدججين بالسلاح، بعد ضربه. أصبحت اللحظة، صورة لا تُنسى لذعر المُستعمِر وهمجيته. انها صورة المُستعمِر، وليس الفلسطيني، محاصرا. في ذات الوقت، الذي انتشرت فيه صور الصبية عهد التميمي وأمها ونور ابنة عمها. تذكرني صورة عهد، في طفولتها، وهي تشترك مع عائلتها وأهل قريتها، في المظاهرات ضد المحتل، بقصة للأسيرة المحررة ايمان غزاوي، تقول فيها «يا إلهي! كم ينضج الاطفال في بلادي سريعا». 
بات حضور عهد، على صفحات التواصل الاجتماعي، خاصة، يوميا. بمرور الأيام تحولت الصبية بشعرها الكث، المنكوش، المُحتضن لملامح طفولية جميلة، إلى أيقونة للشباب المقاوم. تبناها العالم وقبل بها. صارت صورة ولوحة وملصقا جداريا وراية يرفعها المتظاهرون. تدريجيا، أيضا، أصبحت وسما عابرا للفرد، «هاشتاغ»، تسكنه أسيرات فلسطينيات، جريحات، مغيّبات في سجون الاحتلال، لم يحظين بمساحة القبول التي حظيت بها عهد. لأن « السياسيين وبعض المؤسسات الحقوقية، والمنظمات الدولية، وغالبية من وسائل الإعلام والنشطاء والمغردين يتجنبون الحديث عن الأسرى الجرحى من منفذي العمليات خوفا من اتهامهم «بالتحريض» أو «دعم الإرهاب». كتبت الصحافية الفلسطينية ميرفت صادق، المشاركة في حملة داعية إلى التنبيه إلى وضع الأسيرات الجريحات. يلخص تقرير مشترك لنادي الأسير الفلسطيني ومؤسسة الضمير لرعاية الأسرى، حال الأسيرات: لما البكري (17 عاما) اعتقلت مصابة بثلاث رصاصات في قدميها، عبلة العدم (46 عاما وأم لتسعة أبناء) اعتقلت، مصابة في الرأس والوجه والكتف، وفقدت النظر في عينها اليمنى، شروق دويات (20 عاما) اعتقلت بعد إصابتها برصاص في الكتف، أدى إلى انقطاع شريان رئيسي، جيهان حشيمة (38 عاما) اعتقلت بعد إصابتها بعدّة رصاصات في قدمها اليسرى، أمل طقاطقة (24 عاما) اعتقلت بعد إصابتها بالرصاص في الفخذ والصدر والخصر، وأقدمت مجندة اسرائيلية على ضربها في صدرها بكعب البندقية وهي تنزف، مما تسبب بكسور في قفصها الصدري. مرح باكير (18 عاما) اعتقلت بعد إصابتها بـ 13 رصاصة في يدها اليسرى، نورهان عواد (18 عاما) اعتقلت بعد أصابتها بأربع رصاصات في الفخذ الأيسر والبطن، وحلوة حمامرة (26 عاماً وأم لطفلة) اعتقلت مصابة بجروح خطيرة أدت إلى استئصال جزء من الكبد ومن البنكرياس والطحال والأمعاء.
تسللت الأسيرة المقدسية إسراءـ جعابيص (32 عاما أم لطفل) إلى الضمائر الحية، بوجهها المشوه حرقا، ويديها بأصابعها المبتورة، وخطواتها مقيدة اليدين والساقين، سائرة مرفوعة الرأس، محاطة بجنود الاحتلال، باعتداد من يتغلب على الألم في كل خطوة. اعتقلت إسراء بعد إطلاق النار على سيارتها، عام 2005، أثناء مرورها عبر حاجز «الزعيم» الاحتلالي المؤدي إلى القدس المحتلة مما أدى إلى انفجارها، واصابتها بحروق شديدة، شوهت وجهها، ورأسها، وصدرها. حكم عليها الاحتلال بالسجن لمدة 11 عاما. إسراء بحاجة ماسة للعلاج الذي يمتنع الاحتلال عن توفيره لها داخل المعتقل. تقول عائلتها إنها: «بحاجة لثماني عمليات عاجلة في عينيها ووجهها ولفصل أذنيها الملتصقتين برأسها، ولعلاج إصابات بالغة في يديها، بينما يرفض الاحتلال تحويلها للعلاج».
تعاني اسراء، بالإضافة إلى آلامها الجسدية المستمرة، من آلام نفسية جراء حرمانها من رؤية ابنها الوحيد معتصم، فقد منعه الاحتلال، في آخر زيارة، من رؤيتها برفقه خالته بحجة أنه لا يحمل الهوية المقدسية، التي سحبها منه بعد اعتقال والدته. معتصم لم يكمل عامه العاشر بعد، لكنه يعيش يوميات الاحتلال بأبشع صورها، صورة الحرمان من الأم وهي لا تزال حية. ما الذي سيحمله المستقبل لمعتصم، بطفولته الفلسطينية، في وضع كهذا؟ 
من إسراء إلى عهد، على مدى عقود من مقاومة الاحتلال، تبقى وجوه الاسيرات الفلسطينيات، مهما حاول المحتل تشويهها، أيقونات ذلك الجمال النادر، جمال المقاومة والصمود والاعتزاز بالكرامة الإنسانية.

٭ كاتبة من العراق

 

 

 

إما العراق وإما الفساد …

واحنا اخترنا الفساد!

هيفاء زنكنة

 

يُعَوِلُ ساسة الحكومة العراقية، على إشغال عموم الناس بيوميات التناحر، والاتهامات المتبادلة بينهم، من جهة، وانشغال الناس بأساسيات الحياة اليومية من سكن وعمل وصحة وتعليم، من جهة أخرى، لنسيان الفساد المالي والإداري الذي ينخر البلد، ويجعله يحتل مرتبة متميزة، بين الدول العشر، الأكثر فسادا بالعالم. بهذه الطريقة، يستطيع السياسي، الملتحف بدين أو طائفة أو قومية، أن يكذب، ويلفق، وينهب بينما يقف على منصة، آجرها من الضحايا، ليتشدق بالشفافية، والنزاهة، وشيء من ” الوطنية” وتخوين ” الآخر”.

تجلت هذه المعادلة بأقصى ابتذالها، في الآونة الأخيرة، مع تصاعد اتهامات الحكومة المركزية لإقليم كردستان بالفساد، في ذات الوقت، الذي أكد فيه رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي، في كلمة على هامش مؤتمر باريس للمناخ، أن “أهم اسباب دخول الارهاب الى العراق هو الفساد”.

أدى الاتهام الأول إلى امتناع الحكومة المركزية عن صرف رواتب الموظفين في الإقليم، بحجة وجود موظفين “فضائيين”، وهو مصطلح شاع استخدامه مع تنامي الفساد الحكومي بالمركز، للدلالة على إضافة أسماء وهمية الى قوائم الموظفين. وكان حيدر العبادي، نفسه، قد أشار الى أعداد “الفضائيين” الخيالية في الحكومة المركزية بالإضافة الى الجنود ورجال الامن والشرطة ومليشيا الحشد الشعبي. اذ ان نسبة موظفي الدولة إلى مجموع السكان هي الأعلى في العالم.

اكتفى العبادي، كعادته، بالتذمر مما يدور في مؤسسات الحكومة، بدون اتخاذ أي اجراء فعلي، متصرفا كأنه خارجها. فلا عجب ان يُصبح فيروس الفساد جزءا من تركيبة حكومة الإقليم حسب مقولة “إذا كان ربُ البيتِ بالدَفِ ناقرا، فشيمةُ أهل البيتِ كُلهم الرقصُ”. ولا عجب ان يطالب الإقليم بالحصول على نسبة أعلى من حصته المالية التي يستحقها من الميزانية العامة. أو هكذا يصرح ساسة المركز.

أدى الامتناع عن دفع الرواتب الى مظاهرات طالب فيها المواطنون، وأغلبهم من المعلمين، برواتبهم، فجوبهت المظاهرات بالعنف مما أدى الى سقوط شهداء واصابة آخرين. وهي جريمة جديدة تضاف الى سلسلة الجرائم الناتجة عن استهانة ساسة المركز والاقليم، معا، بحياة المواطنين واحتقارهم لأبناء الشعب. لنتذكر ان الطرفين كانا، حتى وقت قريب، يحتلان ذات السرير في غرفة تدعى “العملية السياسية”، الى ان أعلن مسعود البرزاني، رئيس الإقليم، رغبته بالطلاق. فأنتبه ساسة بغداد، فجأة، الى حقيقة ان حكومة الإقليم فاسدة، متعامين عن حقيقة ان فساد الإقليم واستشراء المحسوبين على الأحزاب أو المنسوبين للعوائل المالكة، وقوائم الموظفين والامنيين الموهومين هو في الواقع، انعكاس طبيعي، كما في المرآة، لفسادهم ببغداد وبقية محافظات العراق.

تقودنا “صحوة” المركز بصدد فساد الإقليم الى تصريح حيدر العبادي “ان أهم أسباب الارهاب في العراق هو الفساد”، الذي قدمه إلى العراقيين والعالم، كأنه اكتشاف خطير، موظفا إياه لتبرئة نفسه من المسؤولية عبر اتهامه آخرين لا يعرفهم، أو انه يعرفهم لكنه يتظاهر بانه لا يعرفهم. في كلا الحالتين، يتحمل العبادي المسؤولية باعتباره رئيسا للوزراء، وعلى من سبقه كذلك، لتعاونهم جميعا في جعل العراق حاضنة للإرهاب.

ان ضحالة ادعاءات ساسة ” العملية السياسية”، وعلى رأسهم رئيس الوزراء، بكشف قضايا الفساد، وتعاملهم معها، بعد مرور 15 عاما، تقريبا، على استلامهم السلطة، وكأنها وليدة اللحظة، وليس الأساس الذي بنيت عليه حكومات ما بعد الاحتلال، يثير الاشمئزاز.

ففي عام 2004، تم تأسيس مكتب تفتيش إعادة الاعمار، الذي كشف رئيسه ستيوارت بوين، بعد عام واحد، ان حجم الفساد، الناتج عن الاحتيال والتلاعب وسوء الإدارة، يزيد على أربعة مليارات دولار، وأن بعض هذه الاموال يستخدم في تمويل نشاط الجماعات المسلحة، بالإضافة الى فقدان 14 ألف قطعة سلاح كانت مخصصة لاستعمال الجيش العراقي. كما صرحت مفوضية النزاهة بانها تحقق في اختفاء أكثر من سبعة مليارات دولار من اموال الدولة. هذا هو حجم الفساد، الذي يعرفه العالم كله، للسنة الأولى بعد الغزو وقبل زيادات تصدير النفط، فما هي الحصيلة بعد 14 عاما؟

ففي هذه السنوات استمرت الحكومة بموظفيها ومشاريعها الوهمية بالتضخم بالتوازي مع ميزانيات “الدوائر الاقتصادية” في الأحزاب الغالبة التي تغطي على أي لصوصية توفر لها حصتها.  وتتناقض الأدلة حول حجم الأموال المنهوبة خلال ثماني سنوات من حكم رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي كما قبلها وبعدها. ففي آب 2015، صرح وزير النفط عادل عبد المهدي أن موازنات العراق منذ العام 2003 بلغت 850 مليار دولار، مؤكداً أن الفساد أفقد البلاد 450 مليار دولار وان ناتج الموظفين هو 20 دقيقة عمل في اليوم. فكيف يقاس حجم الخراب العمراني، والبشري، والمجتمعي الناتج عن فساد بهذا الحجم الهائل؟ وهل بإمكان أي مسؤول عراقي او أجنبي ألا يراه؟

سؤال آخر يصفع وجوه لصوص “العملية السياسية”: إذا كان أهم أسباب الإرهاب هو الفساد، كما تقولون، ومحاربة الإرهاب هي غايتكم، فلم لم تقوموا بمعالجة الفساد لوضع حد للإرهاب، بدلا من قصف المدن، وتهديمها الواحدة بعد الأخرى، وتشريد المواطنين من بيوتهم، ودفن الاحياء منهم تحت الأنقاض، وتعريض جيل كامل من الأطفال للصدمة والترويع والحرمان من التعليم؟ أم إن تخريب المدن وجه آخر للنهب بحجة إعادة الاعمار؟ خاصة وان ما كرسته الحكومة للإعمار هو 350 مليون دولار فقط، لكونها تُعَول على مؤتمر المانحين المرتقب عقده في الكويت، في العام المقبل، لتوفير ما بين 20 إلى 30 مليار دولار أخرى. ولكن، هل ستفي الدول المانحة بوعودها؟

في جواب لسؤال طرحه لورد جريفيز، يوم 19 من الشهر الحالي، في مجلس اللوردات، عن مساهمة الحكومة البريطانية بتكلفة إعادة إعمار المدن، بالعراق، أجاب لورد بيتس، وزير الدولة لشؤون المساعدات الدولية، قائلا: ” إن إعمار المناطق هو مسؤولية الحكومة العراقية”. واستطرد مؤكدا الموقف البريطاني “يعقد المسؤولون في المملكة المتحدة اجتماعات منتظمة مع الحكومة العراقية، لمناقشة احتياجات إعادة الإعمار، ويشجعون الحكومة على استخدام مؤتمر إعادة الإعمار الذي تستضيفه الكويت لجذب استثمارات القطاع الخاص.” مما يشير الى ان الدول المانحة التي لم يكن باستطاعتها نفي مسؤوليتها عن إعادة الاعمار وإدارة البلد، سابقا، باتت تتملص، الآن، بكل صفاقة، عن المسؤولية، تاركة الأمر بيد لصوص ساهموا ببذرهم، في أرض العراق، لتسهيل السيطرة عليه. لصوص يفتخرون باختيار الفساد وطنا وامة.

 

 

المؤتمرات الدولية في العراق…

مسؤولية الرجل الأبيض

نحو المتخلفين!

هيفاء زنكنة

 

تحتل مؤتمرات «السلم الأهلي»، و»المصالحة»، و»مكافحة الإرهاب» يوميات العراق. حيث لا يمر يوم بدون ان تقوم جهة ما بتنظيم مؤتمر دولي، سواء داخل او خارج العراق، بعناوين يعاد ترتيبها، حسب الحاجة، بينما يبقى المضمون واحدا، تقريبا، مع اجراء بعض التغييرات الطفيفة المناسبة للحقبة الزمنية والجهات المستفيدة.
هذه المؤتمرات مدعومة، ماديا، ومنسقة إداريا، من قبل دول أو جهات تابعة لدول او مؤسسات ومنظمات عالمية، عابرة للحدود الوطنية، لكل منها أجندتها الخاصة. تعلن الحكومات الداعمة عن عملها، تحت بند «المساعدات» أو «المساعدات الإنسانية» كما تفعل الحكومة البريطانية والولايات المتحدة الامريكية. تُسهل هذه العناوين الفضفاضة سياسة التدخل في شؤون الدول الأخرى، بدرجات متفاوتة، تصل إلى حد دعم ومساعدة الحكومات المستبدة والفاشلة، بمختلف الاشكال، ضد شعوبها. لا تقتصر هذه السياسة على الدول الكبرى ومؤسساتها الرسمية بل تمتد لتشمل عددا من المنظمات الدولية، مثالها الاوضح منظمة الأمم المتحدة، التي تعتمد، بميزانيتها الكبيرة، على دول صارت بضاعتها الأولى بيع مؤتمرات السلام صباحا، وشن الحروب مساء، ويعتمد اقتصادها على تصنيع وبيع السلاح وديمومة الحروب ناهيك عن السقوط الإنساني والاخلاقي. قد لا يشمل هذا التوصيف كل مؤسسات ومنظمات السلام ومأسسة الديمقراطية، العاملة في جميع انحاء العالم، الا انه، بالتأكيد، الصفة الغالبة على معظم المؤتمرات التي يشهدها العراق منذ سنوات، خاصة منذ ان أصبح شعار مكافحة الإرهاب الأداة الفاعلة لجلب الدعم، وما يجره من ديمومة الفساد وإرهاب الحكومات المحلية. يتم ذلك بالتغافل عن وجود الإرهاب المُستنفر، سابقا ولا يزال، عبر الظلم والطائفية، وبل وتم دعمه، سرا، من قبل السلطة لمنع الاحتجاجات السلمية في الماضي، مطالبة بالتدخل الاستعماري والإقليمي لإبقائها في السلطة.
ففي الأسبوع الماضي، شهد العراق مؤتمرين دوليين، من هذا النوع، بعنوانين مختلفين، ما زاد مضمونهما للشعب خردلة. عقد المؤتمر الأول، ببغداد، في 13 كانون الأول، تحت شعار «من أجل عالم بلا إرهاب»، بمشاركة واسعة من دول التحالف الدولي والاتحاد الأوروبي والمؤسسات العراقية المختصة. أكد البيان الختامي، على مجموعة نقاط تماثل ما يمكن استنساخه، من نماذج استمارات متوفرة على مواقع الانترنت تضم أفضل الصيغ للحصول على منحة مالية. أوصى البيان الختامي، اولا، بزيادة الدعم الدولي لإعادة أعمار العراق. والكل يعلم كم باتت اسطوانة «إعادة اعمار العراق» مشروخة ومستغلة بالدرجة الأولى لشرعنة الفساد بحيث لم تعد الصفحات تتسع لقوائم الساسة المشاركين بالنهب. وكان حيدر العبادي، قد أكد، على هامش مؤتمر باريس للمناخ، ان «اهم اسباب دخول الارهاب إلى العراق هو الفساد»، متعاميا عن حقيقة انه ليس مدير منظمة مجتمع مدني، بلا حول ولا قوة، بل انه رئيس الوزراء وقائد القوات المسلحة وقيادي حزب الدعوة، وأن الفساد وبالتالي الإرهاب الذي يتحدث عنه هو من صلب مسؤوليته.
اوصى البيان، أيضا، بـ»ضرورة معالجة آثار عصابات داعش النفسية والاجتماعية وتعزيز مقومات الأمن والسلم الأهلي». والكل يعلم، أيضا، ان هذه الصيغة الهلامية شائعة الاستخدام، لشرعنة جرائم المحتل وعملائه المحليين الذين لم يتوقفوا عن ارتكابها منذ غزو 2003 وحتى اليوم، وان الآثار النفسية والتمزق الاجتماعي لم يبذره تنظيم داعش، وان كانت جرائمه قد زادت الطين بلة، ووفرت لقوات الاحتلال الأمريكي والإيراني فرصة ذهبية لتهديم المدن المقاومة والتغيير الديموغرافي. 
أما إجابة الحكومة حول كيفية تعزيز الأمن والسلم الأهلي، فقد جاءت بشكل اعدام 38 شخصا بتهمة الإرهاب الجاهزة، ليضافوا إلى من سبقهم من المدنيين الذين دفع اعدامهم، نهاية أيلول، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الأمير زيد بن رعد الحسين، إلى القول بان الاعدامات قد روعته، وإن الأحكام نفذت في غياب الإجراءات القضائية النزيهة. تشكل اعدامات المدنيين المعلن عنها كأرقام بلا أسماء او تفاصيل غير غطاء «مكافحة الإرهاب»، جزءا من ممارسات وحشية يتم اخضاع المعتقلين لها في السجون المنتشرة، في ارجاء العراق، الخاضعة للميليشيات السائبة وعلى رأسها الحشد الشعبي وقوات الامن والاستخبارات والشرطة ووزارة العدل والداخلية والدفاع. وقد وصل اكتظاظ السجون حدا، دفع وزير الداخلية إلى اعلان خبر سار، أخيرا، عن توسيع عدد من السجون الحالية. ما هو موقف المؤتمرات الدولية، بالعراق، بحضور المسؤولين الحكوميين، عن هذه الحقائق المأساوية؟ لاشيء. انها مشغولة بثيمات لا تمس المسؤولين الحكوميين والذين يراهم الشعب العراقي أساس المأساة. وهذا ما جرى في المؤتمر الثاني الذي عُقد في ذات يوم المؤتمر الأول ولكن في مدينة النجف، نظمته بعثةُ الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ولجنةُ متابعة وتنفيذ المصالحة الوطنية في مكتب رئيس مجلس الوزراء وبتمويلٍ من حكومتي ألمانيا وهولندا، مركزا، كما يشير البيان الختامي على «معالجة التحديات التي تواجه المصالحة الوطنية العراقية في مرحلة ما بعد داعش».
نواجه، في هذا المؤتمر، ذات التزوير. وهو الذي يَسم كل هذه المؤتمرات، بشخوصها والجهات المنظمة والداعمة لها، مهما كانت ادعاءاتها، بسمة خطاب» ما بعد الحقيقة». حيث تتم اعادة كتابة الاحداث وفق سياسة « محاربة الإرهاب»، وأي خروج عليها يعني وسم الدولة او الأشخاص بتهمة الارهاب. 
فالعراق، حسب المؤتمر، كان يعيش الوئام والسلام قبل حزيران 2014. كان مقتل مليون عراقي تحت الاحتلال ووحشية الحكومات الطائفية المحلية ونزوح الملايين واعتقال وتعذيب مئات الآلاف، كان نعيما وسلاما أهليا، يُحسد عليه العراق في مرحلة ما «قبل داعش» والتي ستساعد جلسات المؤتمرات الدولية، بروحها الخيرية المتسامحة، على استعادتها في مرحلة ما «بعد داعش»!، خاصة وأنها تفترض ان العراقيين، انفسهم، غير قادرين على ذلك بأنفسهم. انها « مسؤولية الرجل الأبيض» إزاء الانسان المتخلف، ترتدي قناعا جديدا.
ان استهانة منظمي المؤتمرات بالشعب العراقي عبر تعاونهم مع حكومة يعرفون جيدا مدى طائفيتها وفسادها وقمعها، وتوفيرهم الرطانة « الإنسانية « لتغطية امتهانها الكرامة الإنسانية، لا يوازيه غير الفشل المتكرر للحركة الوطنية العراقية، خارج العملية السياسية، والتي لم تستطع، لحد الآن استثمار نجاح المقاومة البطولي في افشال الاحتلال، ومنعه من اكتساب أي جذور اجتماعية في بلدنا. اذ بقيت القوى المناهضة للاحتلال والطائفية متنافرة وأسيرة الصراعات الأيديولوجية القديمة الحقيقية والمتوهمة، وعقد الغرور، والتسلط لدى الزعامات القديمة. ان تدارك هذا الفشل ضرورة لا يمكن تأجيلها اذا ما اردنا الا تُستلب ارادتنا من قبل آخرين، بذرائع مختلفة، فالأمر اعمق من كونه صراعا سياسيا فقط، وعلينا جميعا تلمس بدايات الطريق. وخسارة جيل لن تعوض الا بموازاة استعادة الملايين من النازحين لمدنهم ومنازلهم ومدارسهم ونسيجهم الاجتماعي وقيمهم الأخلاقية.

٭ كاتبة من العراق

 

 

الإدارة الأمريكية والحكام

العرب… للحماقة ثمنها

هيفاء زنكنة

 

هل أدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مدى حماقته حين استعرض متباهيا، امام عدسات الكاميرات، توقيعه على جعل القدس «عاصمة لإسرائيل»؟ هل كانت خطوة استراتيجية مدروسة من قبل الإدارة الأمريكية في مسار أبوتها للمُستعمِر الاسرائيلي وحدث وصار ترامب وجهها القبيح أم انها واحدة من «زلاته» العديدة التي ارتكبها منذ توليه الرئاسة والتي انتهت بابتلاعها بعد حين؟ 
تراهن الإدارة الأمريكية، بالدرجة الاولى، سواء كان رئيسها جمهوريا او ديمقراطيا، ومهما كان لون بشرته، على تبني المُستعمر الإسرائيلي. أنه ذراع التوسع والاستيطان الامبريالي و»الواقعية» السياسية في المنطقة. أنه، أيضا، أداة الإرهاب لترويع كل من يناهض الوجود الامبريالي ويطمح، إلى تحقيق العدالة والسلام. فما ان يبادر شعب أو نظام بمقاومة سياسة الهيمنة والاستغلال، حتى يُقصف، إسرائيليا أو أمريكيا (لا فرق بينهما)، بحماية الفيتو الأمريكي، في مجلس الأمن، وتبا للقوانين الدولية. 
محليا، تراهن الإدارة الأمريكية، بالدرجة الثانية، على الحكام العرب، لينفذوا سياستها بالنيابة. فالحاكم العربي الذي كان، ذات يوم، بطلا في مرحلة التحرر الوطني، بات في مرحلة ما بعد الاستعمار، ومع ازدياد قمعه للشعب وتعاظم قطيعته مع المجتمع، بحاجة ماسة إلى حماية المُستعمر. فديمومة السلطة تتطلب مسح الذاكرة النضالية وتحويل الشعب إلى متلق لوجبات الشعارات السريعة. لهذا احتل توظيف القضية الفلسطينية، مركز الصدارة، على مدى عقود، في قائمة أكاذيب وتلفيقات الحكام العرب. حيث بذلوا اقصى جهدهم لا لتحرير فلسطين، حقا، بل لجعل الظلم اليومي الذي يعيشه الفلسطينيون ورقة توت، يغطون بها عورة تشبثهم بخدمة المُستعمر من جهة، واستبدادهم وقمعهم لشعوبهم من جهة ثانية. الا انهم فشلوا. استنبطوا وطبقوا، مع سادتهم، كل أساليب الترويع والإرهاب، في كل البلدان العربية وأولها فلسطين، من التمييز العنصري إلى سلب الحريات والتعذيب والعقاب الجماعي. الا انهم فشلوا. شردوا السكان قسرا وهدموا القرى وغيروا أسماء المدن ونصبوا الجدار وحواجز التفتيش. الا انهم فشلوا. فشلوا لأن الجانب الأساسي في معادلة الخنوع التي سُميت مع كل تنازل جديد «مفاوضات السلام «، تستهين دوما بالشعب الفلسطيني -العربي – الإسلامي وشعوب العالم المؤمنة بالعدالة.
هذه النظرة الدونية إلى الشعوب واولها الشعب الفلسطيني ـ العربي من قبل الإدارة الأمريكية، سببها الخلط المتعمد ما بين الشعوب والحكام، وهو خلط منهجي مقصود هدفه تصوير الشعوب راضية بسياسة الخضوع للمستعمر. 
هنا يقع على الشعوب عبئا إضافيا مضاعفا. فهي تحارب عدوين في آن واحد. الحاكم المحلي المستبد والعدو الخارجي الطامع بالهيمنة والاستغلال. 
هذه الصورة التي تصور الحاكم كممثل للشعب، الملتبسة عمدا، هي التي شجعت ترامب على منح ما لا يملك، على جعل القدس الفلسطينية، العربية، عاصمة لمُستعمر استيطاني، على توقيع وثيقة مخالفة للقوانين الدولية، في لقطة تلفزيونية يتم بثها في جميع انحاء العالم، رافعا الورقة امام عدسات المصورين كي يرى الجميع ما قام به. متباهيا بأنه حقق ما كان رؤساء أمريكا السابقون يحلمون به، متجاهلا حقيقة ان الشعب الفلسطيني لم يُصَبَ، يوما، في قالب الخنوع والرضى بما تعتبره الإدارة الأمريكية «سياسة الامر الواقع». 
خرج الفلسطينيون إلى شوارع مدنهم، كلها، ففلسطين هي كل الأرض وهي كل المدن، والقدس رمزها الجامع الموحِد. راهنت الإدارة الأمريكية، متمثلة بترامب، على همسات احتجاج الحكام العرب في سيناريو متفق عليه مسبقا، ولابد انها راهنت، أيضا، على عدد من المظاهرات العربية كرد فعل عاطفي غاضب، تتكفل مشاغل الحياة واستبداد الحكام ونزاعاتهم بإطفائه، الا انها لم تراهن على احياء جذوة النار في قلوب الناس العاملين على تحقيق العدالة، من جميع ارجاء العالم، حيث امتدت تظاهرات الغضب على الظلم من البلدان العربية إلى أمريكا اللاتينية إلى بريطانيا، البلد الذي سبق ترامب في ارتكاب أكبر جريمة بحق شعب، حين منح أرض فلسطين إلى الحركة الصهيونية بوعد بلفور.
قد تكون التظاهرات العربية، الحالية، رد فعل آنيا، الا ان القاء نظرة سريعة على مواقف الشعوب العربية منذ النكبة، حتى اليوم، يبين انها لم تتغير، حيث بقيت القضية الفلسطينية جوهر النضال الشعبي العام، وهذا هو السبب الرئيسي للضربات المتتالية التي تتلقاها الشعوب من الداخل والخارج. ومخطئ من يظن ان الغضب الفلسطيني سيخمد بانتهاء الاستجابة لدعوة الأحزاب والمنظمات الفلسطينية بأحياء أيام غضب. ويكفي ان نحصي عدد ضحايا العنف الصهيوني وممارساته القمعية المهينة ضد المواطن حتى ندرك انه حين يكتب: القدس عاصمتنا. قدسنا. ستبقى لنا. القدس عاصمة فلسطين الأبدية. فإنها ليست مجرد شعارات بل أحاسيس الفلسطيني المناضل الرافض للخنوع والاستسلام، التي يدفع ثمنها دما. وهي كما اثبتت سنوات مقاومة المستعمر ليست ابنة اللحظة بل مسيرة حياة أجيال مصرة على البقاء في ارضها، «فنحن هنا، ولو كنّا هناك/ وإن أخرجتمونا من الكلمات/ والخارطة، والذاكرة/ فنحن هنا / رغم استعارات المكان والزمان. نحن ملح الأرض/ وهذي الأرض لي/ والفجرُ القادم لي». تقول الشاعرة روز شوملي. وحتى إذا كان العالم قد اعترف بإسرائيل، يقول الكاتب علي مواسي «ومنحوا فلسطين لمجموعة مهاجرين مستوطنين دون أن يرجف لهم رمش أمام تهجير أهلها، ومنظّمة تحرير شعبنا اعترفت…
لكنّ فينا ومعنا من لم يعترف، ولن يعترف، ولا يهمّه اعتراف». وإذا كان دونالد ترامب قد تعود على ابتلاع زلاته بعد حين، فانه سيجد ان فلسطين ليست زلة بإمكانه ابتلاعها، كما غيرها، بل موسا حادا سيمزق بلعوم كل من يحاول ابتلاعها، وأن أي حديث عن أمن واستقرار الحكام العرب وأمريكا، ما لم يرتبط بإعادة الحق إلى أهله، هو مجرد هراء.

٭ كاتبة من العراق


 

 

كتاب فلسطين… لمواجهة

تجريد الفلسطيني من إنسانيته

هيفاء زنكنة

 

في عالم شبه آلي أصبح فيه صوت الزنانة (الطائرة بلا طيار) يهيمن على صوت الإنسان، وتجارب السيارات (بلا سائق) تبين أنها أكثر أمانا من الإنسان، ومع نجاح إنسان آلي بتقديم واحد من أهم البرامج الاذاعية البريطانية، وانتشار الكتابة السريعة على جدران الفيسبوك، من قبل الجميع بما فيها الروبوتات الذكية، والتي تنتهي غالبا بدون أن يقرأها أحد، ما الذي يدفع منظمي «جائزة كتاب فلسطين» إلى التمسك بالكتاب في عصر باتت سمته الرئيسية الوصف بـ«بلا»، أو «ما بعد»؟
يكمن الجواب في اسم الجائزة ومحتواها، فهي أولا وأخيرا عن فلسطين، الاحتفاء، كتابة، بفلسطين بكل جوانبها. الكتابة / فعل التدوين هو أحد مستويات مقاومة التمييز العنصري والتطهيرالعرقي، الذي يستهدف أي شعب كان، فكيف بالشعب الفلسطيني؟ إنها، أيضا، منصة تقديم الحقيقة عن فلسطين في عصر «ما بعد الحقيقة» الصهيوني، المتغلغل أمريكيا قبل « الترامبية» بكثير. لعل السبب المهم الآخر هو استمرار الكتاب في المحافظة على موقعه كأداة للتغيير وجذب القراء، في أكثر الأزمنة تسارعا في تعاقب الأحداث، بل واستمراريته في تخويف المستبدين مهما تعددت أساليب قمعهم المتطورة تكنولوجيا، فكانت مبادرة موقع «ميدل ايست مونيتر» باطلاق مبادرة «جوائز كتاب فلسطين» عام 2012 بإشراف الكاتبة والصحافية البريطانية فكتوريا بريتن. كانت الفكرة بسيطة وهنا تكمن قوتها. أن تكرس الجوائز السنوية لتكريم أفضل الكتب الجديدة، الصادرة باللغة الإنجليزية، ويتناول أي جانب من جوانب فلسطين، لتكون الجائزة جزءا من الجهود المبذولة لتقديم الأدب الفلسطيني، والعمل البحثي، والفني، للجمهور في جميع أنحاء العالم من خلال توفير منصة للمؤلفين للقاء الجماهير، ومناقشة عملهم مع الكتاب والأكاديميين الآخرين، وأن تكون كتبهم معروفة على نطاق واسع ومحل تقدير. بمرور الأعوام، مع ملاحظة النوعية المتميزة للكتب الفائزة وجدية لجنة التحكيم ومجلس الأمناء، ازداد عدد الكتب المرشحة ليصبح بحدود خمسين كتابا سنويا، تراوح في تصنيفها بين الأكاديمي، والتوثيقي والإبداع الفني والأدبي.
تكونت لجنة التحكيم لعام 2017 من الأكاديمي والصحافي د. إبراهيم درويش والناقد الأدبي والمحلل السياسي صبحي حديدي، والكاتب د. فيصل المقدادي والدبلوماسي ورئيس مؤسسة «العون الطبي للفلسطينيين» آلان وادامز. رشحت اللجنة، خلافا للمعتاد، تسعة كتب بدلا من سبعة لقائمة الجائزة القصيرة انعكاسا لغنى أنماط الكتب المقدمة من قبل دور النشر. أقيمت، في الأمسية السابقة لإعلان الفائزين، أمسية مفتوحة تكريما للمرشحين، ناقشوا خلالها كتبهم بحضور جمهور كبير، مع بروفيسور يوجين روجان من كلية سانت أنتوني، أكسفورد ود. دينا مطر من جامعة لندن.
فازت بالجوائز أربعة كتب متميزة. تحت تصنيف البحث الاكاديمي فاز كتابان. «غزة في ظل حماس: من الديمقراطية الإسلامية إلى الحكم الإسلامي» لبيورن برينر، وهو حصيلة بحثه على مدى ست سنوات وإجرائه المقابلات مع قادة ومسؤولي حماس ومعايشة أهالي غزة. ويمنح الكتاب القاريء باللغة الانجليزية الفرصة ليحكم بنفسه على منظمة حماس وقدرتها على إدارة الحكم بعيدا عن الاتهامات الجاهزة التي توسم بها المنظمة عادة. الكتاب الثاني هو: «القائد: فوزي القاوقجي والكفاح من أجل الاستقلال العربي 1914 ـ 1948» لليلى بارسونز. وهو «عن خيارات العربي في ظل انهيار الدولة العثمانية وبدايات المرحلة الاستعمارية وإعادة رسم المنطقة»، حاولت الباحثة من خلاله سرد قصة حياة جندي ظل يلاحق حلما ويغامر ويعاند الموت… وموضعة القصة في سياق تجربته العثمانية ومشاركته في الثورات السورية والفلسطينية وأخيرا قيادته جيش الإنقاذ الذي أثر على صورة البطل وجعله في عداد المسؤولين عن الكارثة» كما كتب د. إبراهيم درويش. 
ضمن تصنيف الإبداع الفني فاز كتاب «رسم مذبحة كفر قاسم» للفنانة الفلسطينية سامية حلبي. وهو كتاب يضم بالإضافة إلى رسومها، دراستها التفصيلية الموثقة عن وقائع وضحايا المجزرة اسما اسما، ليشكل الكتاب وثيقة تاريخية ـ فنية، مفصلة، عن واحدة من مجازر المستعمر الصهيوني. وفاز كتاب «عن اليهودي العربي وفلسطين وبقية الاقتلاعات»، لإيلا حبيبة شوحط، بجائزة أفضل مذكرات. يتضمن الكتاب مجموعة مقالات ودراسات، كتبت على مدى عقود، جمعت فيها ايلا، المولودة ببغداد عام 1959، بين السرد الشخصي والبحث الأكاديمي الدقيق كمحاولة لفهم الذات وإثبات هويتها كيهودية عربية بمواجهة النظرة الصهيونية المتمثلة باحتقار كل ما هو عربي وإن كان يهوديا وعلى الرغم من ادعاء الكيان الصهيوني تمثيل كل اليهود من جميع أرجاء العالم. 
«أنا يهودية عربية عراقية»، هكذا تعرف ايلا نفسها تأكيدا لهويتها التي عانت من التجزئة نتيجة التهجير القسري من العراق والتمييز العنصري في إسرائيل. فاختارت مغادرة إسرائيل والاستقرار في نيويورك والتدريس فيها. في كتاباتها، تؤكد ايلاعلى أن اليهود الأوروبيين في إسرائيل يشكلون «نخبة من العالم الأول تسيطر لا على الفلسطينيين فقط، بل على اليهود الشرقيين أيضاً. وكشعب يهودي من العالم الثالث يشكل المزراحيم أمة شبه مستعمرة داخل أمة».
وإذا كان كتاب إيلان بابيه «أكبر سجن على الأرض: تاريخ الأراضي المحتلة» لم يفز بأي جائزة، فلأن بابيه حصل على «جائزة الإنجاز مدى الحياة»، لكتبه العديدة ومواقفه كمؤرخ يهودي يهدف إلى تقديم الحقيقة، حول تاريخ إسرائيل وسياسة المستعمر الاستيطاني الصهيوني، وممارسات التطهير العرقي المستمرة تحت مسمى الدولة الديمقراطية، بشكل يومي، ضد الشعب الفلسطيني. يرى بابيه أن العقبة الرئيسية أمام الحياة المشتركة، في فلسطين، هي «أيديولوجية الدولة التي تجرد الفلسطينيين من إنسانيتهم». 
إن استمرارية ونجاح «جائزة كتاب فلسطين» هو أحد مستويات التضامن مع مقاومة الشعب الفلسطيني، من خلال تشجيع نشر وقراءة المزيد من الكتب عن فلسطين. إنْ نقرأ يعني إننا لسنا وحيدين، كما يقول الروائي والأكاديمي البريطاني سي أس لويس.

٭ كاتبة من العراق

لئلا يهدر دم العراقي عبثا

هيفاء زنكنة

 

أثناء استقباله المقرر الخاص للأمم المتحدة بحالات الاعدام والوفد المرافق لها، في 15 تشرين الثاني/نوفمبر، اعتبر حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي، ان انتهاكات حقوق الانسان، بالعراق، «قليلة»، واستنكر «عملية تضخيم بعض المؤسسات لانتهاكات حقوق الانسان» في ظل حكومته. 
تصريح كهذا يقودنا إلى تساؤلات عدة. لعل أهمها: كيف يتجرأ العبادي على اطلاق تصريح ينافي الحقيقة، بشكل مفضوح، في عصر بات فيه من السهل جدا تدقيق الحقائق؟ وهل انتهاكات حقوق الانسان بالعراق «قليلة» فعلا؟ 
ان لجوء الرؤساء والمسؤولين إلى الكذب والتلفيق ليس جديدا، ويعيده بعض الباحثين إلى عصور تاريخية سحيقة. حينها كان الساسة يلجأون إلى المواربة والحذلقة اللغوية والدبلوماسية لتزويق الاكاذيب تفاديا لوسمهم بالكذب. الجديد في الموضوع، الآن، هو عدم اهتمام المسؤول بكل هذا التعليب بل ينطق بما ينافي الحقائق، مباشرة، باسلوب أطلق عليه مصطلح «ما بعد الحقيقة»، حيث الحقائق الموضوعية أقل أهمية من جذب الناس شعبويا، أو تقديم الحقائق بشكل مجزأ مما يجعلها صالحة للتقديم كحقيقة متغيرة وفق منظور السياسي لـ«الحقيقة». يتم ذلك، خلافا للاساليب القديمة، بشكل صريح، يستفيد فيه المخاطب من اجهزة الاعلام، الناشطة على مدى 24 ساعة، وشبكات التواصل الاجتماعي القادرة على نشر كل ما يراد من أخبار أو تصريحات، والوصول إلى الملايين، خلال دقائق، بدون تدقيق في صحة الخبر أو مدى موضوعيته. أفضل الأمثلة في هذا المجال، هي تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اثناء حملته الانتخابية. سبقه إلى ذلك رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، في حملته المسعورة لاقناع الرأي العام البريطاني والعالمي بضرورة غزو العراق، لأنه قادر على تهديد العالم بـ«أسلحة الدمار الشامل خلال 45 دقيقة». ركل توني بلير الحقائق الموثقة حول عدم قدرة العراق على إنجاز اي شيء من هذا القبيل، ليخاطب الجماهير عبر استغلال مخاوفها. 
هل يمكن تفسير تصريحات العبادي حول قلة انتهاكات حقوق الانسان بل وتضخيمها أمام وفد حضر للقائه بعد لم يعد هناك مجال للصمت ازاء الانتهاكات، وفق نظرية «ما بعد الحقيقة»؟ لا يبدو ذلك. هناك أمر لا يقتصر على العبادي وحده، بل يشمل ساسة «العراق الجديد»، يجعلهم بعيدين عن المصطلحات المفاهيمية التي تنطبق على ساسة الغرب. فبالاضافة إلى الاكاذيب المتناقضة والتلفيقات الفجة، هناك جانب المساهمة، بشكل مباشر وغير مباشر، في سفك دماء ابناء شعبهم وتأجير ولائهم في مناقصات السوق. مما يجعل المصطلح الأصلح لوصفهم هو «أبناء الاحتلال الصغار» المقتبس من مفهوم «الرجل الصغير»، للمحلل النفسي الألماني فيلهلم رايش. يخاطب رايش «الرجل الصغير» الذي بنى بيته على الرمال، متسائلا: «الا يكفيك هذا العدد من الضحايا لتبدأ التفكير بطريقة صحيحة؟». 
أعداد الضحايا الكبير هو الذي دفع مقرر الأمم المتحدة إلى زيارة العبادي، بعد ان استهلكت دول التحالف الداعمة للنظام والمتغاضية عن جرائمه ذريعة «الحرب على الإرهاب» إلى حين. فالعراق واحد من بين خمس دول تسجل أعلى نسب تنفيذ حكم الاعدام في العالم. 
من بين انتهاكاته «القليلة» الموثقة: في 3 حزيران/يونيو، قامت ميليشيات «الحشد الشعبي» باختطاف ما يُقدّر بنحو 1300 رجل وصبي أثناء فرارهم من الصقلاوية الواقعة شمالي الفلوجة. وبعد ثلاثة أيام، ظهر 605 رجال وبهم علامات تعذيب، بينما لا يزال مصير 643 آخرين في طي المجهول. وتوصلت لجنة تحقيق شكلها محافظ الأنبار إلى أن 49 رجلاً قُتلوا رمياً بالرصاص أو حرقاً أو فارقوا الحياة نتيجة للتعذيب، حسب منظمة العفو الدولية. في آب / أغسطس، أعدم 36 رجلا وكانوا قد أُدينُوا بعد محاكمة، استمرت بضع ساعات، فقط، بعد استخلاص الاعترافات تحت وطأة التعذيب. وخلال يوم واحد في أيلول/ سبتمبر 2017، تم اعدام 42 شخصا بتهم «الإرهاب». هذه الحقائق، دفعت المنظمة إلى اصدار بيان عن الاعدام الجماعي، واصفة اياه بانه «استعراض مروع للجوء السلطات إلى عقوبة الإعدام في محاولة منها لإظهار أنها تتصدى للتهديدات الأمنية». وأن «تنفيذ عمليات الإعدام ليس هو الحل، ولن يجعل البلد أو شعبه أكثر أماناً». 
فندت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، في تموز/ يوليو 2017، اكذوبة العبادي بـ «تضخيم بعض المؤسسات للانتهاكات». حيث حثته على التحقيق في مزاعم انتهاكات حقوقية وقعت خلال العمليات العسكرية لاستعادة مدينة الموصل من تنظيم «الدولة» منبهة إلى انه «ينبغي منع حدوث مثل هذه الانتهاكات في المستقبل».
اضطر العبادي إلى تشكيل لجنة للتحقيق في الانتهاكات «لكن السلطات لم تكشف عن أي نتائج للتحقيق، أو تعلن عن أي إجراءات جنائية ضد الجناة». وقد شهد العام الحالي استمرار «تفشي التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة في السجون، ومراكز الاحتجاز التي تسيطر عليها وزارتا الداخلية والدفاع، والمنشآت التي تسيطر عليها الميليشيات»، وفي الوقت الذي ادانت فيه المنظمات الدولية جرائم تنظيم «الدولة الإسلامية» باعتبارها جرائم حرب، فانها وثقت، في الوقت نفسه ما ارتكبته «الميليشيات شبه العسكرية والقوات الحكومية من جرائم حرب وغيرها من الانتهاكات للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتركّز أغلبها ضد العرب السُنّة». ومن يتابع ما بدأت تتكشف عنه ممارسات المليشيات والقوات الحكومية، في الصحافة الاستقصائية، بالاضافة إلى المنظمات العراقية والدولية، في المدن المحررة من تنظيم «الدولة» سيدرك مدى وبشاعة التمييز الطائفي والعرقي الذي أسسه الاحتلال ويواصل ساسة النظام تغذيته، بمساعدة جلاديهم، خوفا من الحرية والكرامة. ان تقارير المنظمات الحقوقية المحلية والدولية حول الانتهاكات، بالعراق، ليست مضخمة بل انها تساعد على اسقاط قناع الكذب الذي يرتديه العبادي وساسة النظام، ممهدة لإبراز الحقيقة كاملة أمام العالم، والاهم من ذلك كله أمام الشعب العراقي، كله، بلا استثناء، لئلا تذهب دماء الضحايا، ثمنا، لبناء بيت على الرمال.

٭ كاتبة من العراق

 

 المزاد السري العلني

حول «إعمار» الموصل

هيفاء زنكنة

 

تركزت الأضواء، أثر اعلان تحرير الموصل، على إعادة اعمار المدينة التي اتفق الجميع على ان الخراب لحق بثمانين بالمئة من جانبها الأيمن، بضمنها الجسور والمستشفيات والماء والكهرباء والمدارس والبيوت السكنية والمباني الحكومية، ويفتقر جانبها الايسر إلى متطلبات الحياة الأساسية. مما حَوَل نصف المدينة، إلى أرض يباب تفوح منها رائحة الموت، ومقبرة للكثيرين من سكانها الذين قضوا تحت المباني المهدمة، جراء الاقتتال وقصف التحالف « الإنساني»، الهادف إلى «تحريرهم»، بقيادة أمريكا.
مثل مزاد علني، تعالت تخمينات تكلفة أعمار الخراب، في الموصل، خاصة، بينما يشير حال المدن المحررة الأخرى إلى انها لاتزال تعيش الخراب، ذاته، بكل تفاصيله، ومنه التخريب البشري المتعمد بعرقلة ومنع عودة النازحين إلى بيوتهم، بعد مرور عام على اعلان التحرير. ساهمت دول مانحة ومنظمات الأمم المتحدة والعديد من منظمات الاعانة والتنمية الدولية بالإضافة إلى النظام العراقي، في تقدير ميزانية «الأعمار». تراوحت الميزانية المطلوبة بين مليار دولار أمريكي إلى عشرة. وفر البنك الدولي مبلغ 400 مليون دولار، نهاية تشرين الأول/ أكتوبر، لمشارع استعادة الخدمات الأساسية في المدن المحررة من تكريت والرمادي وديالى، بالعراق، إلى سوريا. قراءة تفاصيل المشاريع وانجازات البنك الدولي، المتوفرة على الانترنت، والصور الزاهية، توحي بأن البلدين سيعيشان ازدهارا فردوسيا خلال فترة قياسية. الا ان واقع سير الأمور يوحي بالنقيض. وهذا لا يقتصر على المشاريع المدعومة من قبل البنك الدولي فحسب بل يمتد ليشمل كل الأطراف المساهمة الأخرى.
فالفوضى سائدة، أولا، نتيجة عدم التنسيق بين الجهات المتعددة (المنظمات الدولية والدول المانحة والنظام العراقي ومنظمات المجتمع المدني مثلا)، هناك، ثانيا، إحساس عام بعدم الثقة حول كيفية التصرف بالأموال. حيث أصبح الفساد (محليا ودوليا)، منذ الاحتلال عام 2003، هو العملة السائدة، خاصة في مجال الاعمار «التزويقي». وكانت لعقود الشركات والمؤسسات الأمريكية والبريطانية، فخر مأسسة الفساد ونشره عبر التعاون مع الساسة المحليين. وإذا كانت بعض جوانب الفساد الأمريكي والأمريكي – العراقي، خاصة، قد كشفت في السنوات الأخيرة، فان عقود الفساد مع إيران، كقوة احتلال ثانية، لاتزال مطمورة بقوة تحت العمائم. النقطة الثالثة هي اختلاف اجندات الدول والمؤسسات المانحة التي ابعد ما تكون عن الاحسان وتوزيع الصدقات والمتغيرة وفقا لمصالحها أولا وأخيرا. هذا كله يتم في غياب كُلي لمشاريع الاعمار والتنمية الوطنية واكتفاء الكفاءات العراقية، باستثناء الندرة، بطرح ملاحظات وأفكار سياسية عامة أكثر منها مشاريع قابلة للتحقيق الفوري وذات بعد استراتيجي تنموي، في آن واحد. 
بالنسبة إلى أجندات الدول المانحة، أمريكا، مثلا، هناك تغيير في صياغة سياسة برامج المساعدة. اذ لم تعد تَدَعي انها تهدف إلى «الاعمار» و»بناء الديمقراطية»، كما سوقت قبل وبعد الغزو. ستقتصر سياستها الجديدة على «إعادة الاستقرار» بدلا من «إعادة الاعمار» وقد تبنت الأمم المتحدة، في نشراتها، المصطلح نفسه. ما هو الفرق؟ وكيف سينعكس ذلك على حياة اهل الموصل والمدن المدمرة الأخرى التي كان للقصف الأمريكي دورا في تحويلها إلى أنقاض؟ 
يأتينا التوضيح من بريت ماكغورك، المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف العالمي لمكافحة داعش، في مؤتمر صحافي في آب/أغسطس 2017: 
«هذه ليست إعادة الإعمار؛ انها ليست بناء الأمة. الاستقرار هو إزالة الألغام…. إزالة الأنقاض بحيث يمكن للشاحنات والمعدات الوصول إلى المناطق التي تحتاج إليها. وهذا يعني الكهرباء، والصرف الصحي، والمياه، والضروريات الأساسية للسماح للسكان بالعودة إلى بيوتهم… الآن، نلتقي، أحيانا، بالمجالس المحلية ويقولون: «نريد من الولايات المتحدة، مساعدتنا في تشغيل المستشفيات، وتعملون، أيضا، على تشغيل نظام المدارس». فأقول: لا، نحن… لن نفعل ذلك. لقد تعلمنا بعض الدروس، ونحن لسنا جيدين جدا في ذلك، وأيضا هذه ليست مسؤوليتنا. ما سنفعله هو الاستقرار الأساسي». يثير توضيح ماكغورك للصحافيين حول تغيير اهداف سياسة الإعانة تساؤلات عديدة لعل أهمها هو: إذا كان ما يقوله صحيحا فلم زيادة عدد القوات العسكرية والمرتزقة ومستخدمي الشركات الأمنية؟ إذا كان الهدف هو إعادة الاستقرار، ألن يتم ذلك بسرعة أكبر وتكلفة أقل بواسطة تشغيل الايادي العاملة المحلية، أي توفير فرص العمل والكرامة للشباب مما يحميهم من مخاطر الانزلاق في منظمات تتغذى على سياسات التهميش والاقصاء؟
ويزيد من فوضى الوضع غموض ما تطرحه الجهات المختلفة وعلى رأسها مجلس الوزراء ومنظمات الأمم المتحدة. كلاهما يتصرفان وكأن اعمار الموصل، على الرغم من الواقع اليومي للمأساة، جاء كإعصار غير متوقع ومفاجأة أخذتهما على حين غرة. حيث استضاف برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، برعاية أمانة مجلس الوزراء، ندوة في بغداد بتاريخ 31 تشرين الأول/ أكتوبر. لماذا؟ لمناقشة آفاق التخطيط لإعادة إعمار الموصل، أي ما كان يجب القيام به قبل عام على الأقل، ليبدأ تنفيذه فور اخلاء المدينة من مقاتلي «الدولة الإسلامية»، إذا كانت نية الاعمار، بلا فساد مباشر او غير مباشر، حقيقية. المباشر هو العمولة التي يتقاضاها المسؤول المحلي، أيا كان منصبه، من العقود اما الفساد غير المباشر، فهو المصروفات الكبيرة على مؤتمرات وندوات، تتم فيها استضافة مسؤولين ومنظمات مجتمع مدني واعلاميين (غالبا ذات الوجوه) لتسويق مصطلحات ومفاهيم، قابلة للاستهلاك الدولي، ولا علاقة لها بواقع الناس المرير.
للتسريع في عملية الاعمار وإعادة النازحين إلى بيوتهم، تمت الدعوة من قبل افراد ومؤسسات عراقية، مثل «مؤسسة الموصل»، إلى اعتبار الموصل مدينة منكوبة، وطلب الحماية الدولية لفتح الطريق امام إعادة البناء والاعتماد على كفاءة أبناء الموصل المشهود لهم بالتقدم العلمي والحضاري والقدرة على البقاء على مدى العصور. 
أن عجز النظام عن معاملة العراقيين كمواطنين يتمتعون بحق الحياة والكرامة والمساواة امام القانون، يدفع الناس إلى البحث عن حلول، يفتقر بعضها إلى بعد النظر، وهذا ما يحدث، في العديد من المحافظات، وتشكل كارثة الموصل قمتها، في أجواء الصراعات الطائفية والعرقية وقمع مبادرات المجتمع الأهلي. ان تأخر اعمار المدن الخربة هو مسؤولية النظام الأولى، خاصة، بعد إزاحة شماعة «داعش». وتبقى لمبادرات أهل الموصل من الشباب الجامعي والمهنيين في نقاباتهم او مجاميعهم، أهميتها القصوى إذا ما نجحت، لا في إعادة الاعمار لوحدها فحجم الكارثة أكبر من ذلك، ولكن في تقديم الاقتراحات حول أولوية المشاريع ورصد تطبيقها، والتوعية المجتمعية لأستعادة ما أضعفته سنوات الاقصاء والاقتتال.

٭ كاتبة من العراق

 

قانون الأحوال الشخصية العراقي

بيد «فقهاء» النجف والوقف السني

هيفاء زنكنة

 

للمرة الثالثة، منذ احتلال العراق عام 2003، يُهَدَدُ قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959، المعمول به حتى الآن، بالتعديل، على الرغم من كونه واحدا من أفضل القوانين المُشَرعة عربيا. كانت المرة الأولى في كانون الأول/ ديسمبر 2003 حين استلم عبد العزيز الحكيم، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الشيعي، منصبه كرئيس لمجلس الحكم، تحت الاحتلال، لمدة شهر.
وكان واحدا من «إنجازاته» اصدار القرار137 القاضي بإلغاء قانون الأحوال الشخصية رقم 188 وإحالة شؤون المرأة والأسرة بكل تفاصيلها الحياتية من المحاكم المدنية إلى رجال الدين، كل حسب مذهبه، كخطوة أولى نحو مأسسة الطائفية عائليا. نَصَ القرار على» تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فيما يخص الزواج والخطبة وعقد الزواج والأهلية وإثبات الزواج والمحرمات وزواج الكتابيات والحقوق الزوجية من مهر ونفقة وطلاق وتفريق شرعي أو خلع والعدة والنسب والرضاعة والحضانة ونفقة الفروع والأصول والأقارب والوصية والإيصاء والوقف والميراث وكافة المحاكم الشرعية (الأحوال الشخصية) وطبقا لفرائض مذهبه». وأمر الحكيم بتنفيذ القانون منذ لحظة إصداره، متعاميا عن كونه أجيرا لدى المحتل، فبعد ان احتجت منظمات نسوية ولجأ عدد من «نسويات الاحتلال» اللواتي كن موعودات بحصة 40 بالمئة من المشاركة السياسية في مناصب الاحتلال، إلى بول بريمر، الحاكم العسكري الأمريكي لسلطة الاحتلال، تدخل لصالحهن واجبر المجلس على تجميد القرار.
كانت المرة الثانية أكثر تفصيلية. حين طرح حزب الفضيلة الشيعي، ممثلا بوزير العدل، حسن الشمري، مشروع القانون الجعفري إلى مجلس الوزراء في 27 تشرين الأول/اكتوبر 2013، ووافق المجلس على المسودة. ولم يتم تمرير القانون بسبب المعارضة القوية التي لم تقتصر، هذه المرة، على النسويات بل وتجاوزتهن إلى شرائح واسعة من الشعب والمنظمات الحقوقية داخل العراق وخارجه، بالإضافة إلى المنظمات الدولية مثل « هيومان رايتس ووتش». 
نصت المسودة على مواد يرى الكثيرون بأنها عَبَّدَت الطريق لممارسات « داعش» فيما بعد، ومن بينها ان يكون سن الزواج للفتاة هو التاسعة وللفتى 15 أو اقل، بموافقة الوصي. وشرعنة تعدد الزوجات، وتوفير الارشادات العملية حول تقسيم قضاء الليالي بين أربع زوجات. كما لا يحق للمسلم الزواج الدائم من غير المسلمة. مما يعني ان للرجل الحق في الزواج المؤقت او «زواج المتعة» والذي يتم عادة بحضور رجل دين، يصادق على مدته التي تتراوح ما بين بضع دقائق إلى سنوات، ويتم دفع مبلغ معين إلى المرأة بينما ينال رجل الدين العمولة. وتنص احدى المواد على حرمان المرأة من النفقة إذا لم يتمكن الرجل من الاستمتاع بها إذا كانت مسنة او صغيرة جدا. 
وها هي الرغبة بإجراء التعديلات، تعود من قبل نفس الجهة ولكن بصيغة أكثر ذكاء من سابقتيها حيث طُمست التفاصيل المباشرة، المثيرة للاحتجاجات الغاضبة، مثل تحديد سن الزواج بطفلة، بتشريع عام يحتمل كل ما أُريد تنفيذه سابقا.
صَوَت البرلمان يوم 31/10/2017 على مقترح قانون التعديل. ولم يتطلب الأمر أكثر من دقائق لحصول الموافقة. اذ قال رئيس الجلسة سليم الجبوري «هذا الموضوع ناقشناه لا يوجد داع مرة ثانية أن نأتي بمن يؤيد وبمن يعارض لأنه تم الاستماع إلى وجهات النظر بشكل كامل». كان الاعتراض الوحيد حول عدم اكتمال النصاب، فقال الجبوري: «ما هو وجه الاعتراض؟ أحسبوا العدد، أنتم موجودون وليس خارجين، لا تخرجوا، صوتوا وأنتم موجودون لأنه جرى فيه نقاش سابق، سوف أُعيد الفقرات السابقة وأُعلمكم أن هذا الموضوع تم النقاش فيه بشكل كامل، أصلاً أنتِ لم تكوني موجودة، الآن دخلت». وهي لقطة تُرينا سيرورة التصويت على قوانين وتشريعات تهدف إلى تغيير حياة المواطنين وتركيبة الاسرة والمجتمع، فيما يسمى « البرلمان»، بشكل « ديمقراطي» تم تصنيعه، خصيصا، لبلدان العام الثالث، المحكومة من قبل حفنة من التابعين المأجورين اما بشكل مباشر او غير مباشر.
يواجه التصويت على مقترح التعديلات، كما المرة السابقة، صرخات احتجاج من منظمات حقوق المرأة وخروج مظاهرات نسائية ضده، وحملات على مواقع التواصل الاجتماعي، بمشاركة عدد من نواب البرلمان. باعتبار أن قانون الأحوال الشخصية المعدل يتعارض مع المواد الدستورية التي «تحفظ للمرأة كرامتها وتحفظ للمواطن حقوقه من منطلق إنسانيته وتحافظ على هويته الوطنية»، على الرغم من معرفة الجميع بطائفية وهزالة الدستور.
فما هي التعديلات المقترحة؟ اهم تعديلين هما عن السماح للمسلمين بتقديم طلب إلى محكمة الأحوال الشخصية المختصة، لتطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية وفق المذهب الذي يتبعونه، وبالتزام المحكمة المختصة « بإتباع ما يصدر عن المجمع العلمي في ديوان الوقف الشيعي، والمجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السني، وتبعاً لمذهب الزوج»، كما « يلتزم المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي بإجابة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقاً للمشهور من الفقه الشيعي وفتاوى الفقهاء الاعلام، وعند عدم الشهرة يؤخذ برأي (المرجع الديني الأعلى) الذي يرجع اليه في التقليد أكثر الشيعة في العراق من فقهاء النجف الأشرف. د. يلتزم المجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السني بإجابة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقاً للمشهور من الفقه السني».
أي، باختصار شديد، نقل صلاحيات اتخاذ القرار بصدد الأحوال الشخصية وهي جوهر واساس الحرية الشخصية من المحكمة المدنية، وهو المعمول به حسب قانون 188، إلى رجال الدين على اختلاف تدرجات فهمهم و» فقههم» و «مرجعيتهم»، وتمريرها من جهة إلى أخرى طلبا « للاستيضاح»، وما سيفرض من هيمنة وتكريس للطائفية المقيتة المستهدفة لوحدة العائلة، خاصة مع تخصيص العمل بمذهب الزوج. 
تماثل اقتراحات التعديل الجديد التي تجنبت فخ التفاصيل الملزمة قانونيا مفهوم «التقية» المعلنة لغير ما هو باطني. مما أربك حملة المعترضين عليه. خاصة عند استخدام شعار زواج القاصرات وهو، في الحقيقة، غير مذكور صراحة في المقترح الجديد الحامل باحتمالات تأويلية مسيئة للمرأة بشكل مباشر وللعائلة والمجتمع. ويكفينا ان نراجع مسار حكم الأحزاب الطائفية وتجربة العيش في ظل « فقهاء» الدين، وارتباطهم بساسة الفساد المادي والديني والأخلاقي، خلال الأربعة عشر عاما الاخيرة، حتى نفهم مدى الغضب والذعر الذي يثيره اصدار تشريع يُخولهم اتخاذ قرارات حياتية، مصيرية، تمس حياة وحرية الجميع، وخاصة المرأة، مهما كان لون العمامة سوداء كانت ام بيضاء، فالعقلية المُغَلفة بها أو المستفيدة منها بدون ارتدائها، أخطر وأعمق بكثير من ظاهرها، وهذا ما يستحق النضال ضده من قبل الجميع.

٭ كاتبة من العراق

 

الجلسات العائلية في برامج

الحوار السياسي العراقية

هيفاء زنكنة

 

يلاحظ المتابع لبرامج الحوار السياسي العراقية على الفضائيات، وجود شكل «إعلامي» جديد في تقديم البرامج واختيار المشاركين، بدأ يبرز في العام الماضي، وانتشر بسرعة تسترعي الانتباه. للبرامج الجديدة وصفة، قد تبدو بسيطة، الا انها في الواقع، ذات مضامين تستوجب التدقيق. فالجانب الذي يطغي على الحوار السياسي المتعلق بحدث آني هو دعوة مشاركين ممن لا تغيب عنهم أضواء الاستديوهات من الساسة وأعضاء البرلمان وقادة المليشيات والمسؤولين، المتميزين بـ»الفهلوة»، أي الشطارة، في رمي الكلام الفارغ، بثقة عالية، على مقدم البرنامج أولا ومن ثم على الجمهور. هذه ميزة ضرورية لأن مدة البرنامج لا تقل، غالبا، عن الساعتين، والا كيف يتم حشو الزمن المطلوب؟ كما يتوجب عليهم عدم التذكير بالماضي لاستخلاص الدروس. الماضي خطر يجب تجنبه الا لغرض إطلاق اللعنات على العهد المُباد. 
من ناحية الشكل: يكون البرنامج بشكل جلسة أصدقاء أو شبه عائلية، يتبادل فيها المشاركون السلام والتحيات و»الله بالخير». ولم لا وهم مشاركون مُزمِنون في ذات البرنامج! تأخر الضيوف مقبول، بل وينهض مقدم البرنامج من كرسيه، أحيانا، إلى جهة معاكسة من الاستديو، للترحيب بضيف متأخر. يقبله ويعاتبه برقة و»ان شاء الله خير». يأتي جواب الضيف ليطمئن مقدم البرنامج والجمهور الذي يتنفس الصعداء. « الحمد لله على السلامة». فوصول الضيف وهو السياسي البارز إلى الاستديو، يعني انه لم يُختطف أو يُقتل مما يعني، بالنسبة إلى الجمهور، عدم نصب نقاط تفتيش إضافية يذوقون خلالها طعم الاهانة. «الحمد لله» اذن. ثم يبدأ مقدم البرنامج بتقديم تلخيص للضيف عما فاته من حوار، كل هذا والضيف المستضاف من بلد آخر، الجالس مثل صنم أمام عدسة الكاميرا، مركزا النظر عليها، في غرفة تشبه الصندوق، ينتظر بصبر، لا مثيل له، دوره في الكلام، وهو يعلم ان الأولوية دائما للمجتمعين في الاستديو. في لحظة سهو ينسى ان عدسة الكاميرا تترصده، بغدر، فيشاهده الجمهور وهو يحك صلعته ضجرا أو هو على وشك استخدام اصبعه لينظف انفه. لحظة السهو الإنساني هذه تُقربه من الجمهور الذي كان على وشك تغيير القناة مقررا البقاء، أملا في حركة تلقائية أخرى تُبعد عنه كابوس الثرثرة المتبادل بين المشاركين ومقدم البرنامج، على الرغم من ان مقدم البرنامج، والحق يقال، يبذل جهده ليقدم للجمهور، صورة مقبولة للنظر، بدءا من استخدام نصف علبة من مثبت الشعر إلى توزيع اللحية المشذبة على مساحة الوجه بمقاييس تُبعد عنه شبهة الانتماء إلى هذه الطائفة او تلك، في حقبة غزت فيها اللحية وجوه الرجال، ولكل لحية شكل يحدد الانتماء الديني والمذهبي.
يأخذنا الشكل الجديد إلى ما هو أساسي في البرامج السياسية وكيفية اختيار المساهمين وكفاءة الإعلامي ـ مقدم البرنامج. ومدى الاستفادة من دورات تدريب الصحافيين. 
هناك العديد من الدراسات حول تدريب الصحافيين العراقيين على العمل في المجال الإعلامي. جرت التدريبات في ورشات عمل نظمتها مؤسسات إعلامية غربية في المرحلة التي سبقت غزو العراق عام 2003 مباشرة واستمرت، بكثافة بدأت تقل تدريجيا، في السنوات التالية. كان للمنظمات الأمريكية مساهمتها في الدعم المادي والتدريب حسب خطابها المعلن في إيصال رسالة «النجاح الديمقراطي» إلى كافة الدول العربية فضلا عن الجمهور العراقي. اثبتت سنوات الاحتلال الأمريكي المباشر وغير المباشر، وتدخل القوى الإقليمية المتبدي ببروز قنوات فضائية ومحلية ذات سياسات، تُعنى بمصالح الدول والأحزاب والميليشيات، الداعمة للقنوات، إلى غياب جوهر الإعلام الحر أي الموضوعية والحيادية واستقلالية الرأي والعمل على إيصال الحقيقة إلى الجمهور. وإذا كان الجمهور متعطشا في أعوام الاحتلال الأولى لمتابعة الاخبار، تلفزيونيا خاصة، فانه، بمرور الوقت، لم يعد يكترث بما يقدم له لفرط الاستخدام الدعائي، والطائفي التحريضي، ونشر الأكاذيب المفضوحة حين باتت قنوات البث على مدى 24 ساعة، بدرجات متفاوتة، مجالس عزاء مكررة لموت الحقيقة. 
اختار معدو برامج الحوار السياسي الشكل « الشعبوي» الجديد الا انهم أبقوا، جميعا بلا استثناء، على خميرة الساسة والمسؤولين « الفهلويين» بالإضافة إلى قادة وناطقي الحشد الشعبي، الذين تمكنوا من تدجين حتى أكثر القنوات نفورا من مواقفهم الطائفية في التعامل مع المواطنين. في هذه البرامج، يتلاشى الخط الفاصل بين السياسي، على علاته، وعضو/ قائد الميليشيا الذي يواصل ارتكاب الجرائم الموثقة ويتفاخر، إعلاميا، بارتكاب المزيد. هكذا تساهم أجهزة الإعلام بشرعنة ممارساته خارج القانون، عبر استضافته ومنحه مساحة إعلامية واسعة تحوله من مجرم، يتباهى بجرائمه (مما ينفي عنه توصيف البريء حتى تثبت ادانته)، إلى رمز قيادي بطولي. 
ما هي غاية القنوات المعدة لبرامج تستضيف هذا النوع من المشاركين؟ تختلف الغاية حسب جهة ومصدر التمويل وكمية الإعلانات التي تحصل عليها، ولا أعني بالإعلانات التجارية فحسب بل الرسمية والحزبية المدفوعة. اثبت العديد من التقارير الراصدة لهذه المعطيات، ان عمل معظم القنوات يفتقر إلى الموضوعية، والحياد، والمصداقية بالإضافة إلى ضعف الحرفية المهنية. ويطغى على برامج الحوار التأجيج العاطفي، والتحريض الطائفي، وردود الأفعال الآنية، مما يجعل المشاهد محصورا في حيز معلوماتي مغلق يعاد فيه تدوير الكلام وفق مصطلحات سياسية، منتقاة كسلعة صالحة للاستهلاك السريع. تبدو هذه المفردات، المكررة، من قبل جميع المنخرطين بالعملية السياسية كأنها قد تم حفظها من كتيب تم توزيعه عليهم من مؤسسة أو ورشة تدريب للساسة حول كيفية الكذب على الناس من خلال أجهزة الإعلام. كلهم يتحدثون عن احترام القانون، العمل وفق الدستور، التصويت في البرلمان، قرار القائد العام للقوات المسلحة، أهمية الحوار، استقلال القرار العراقي، الوطنية، الموقف ضد الطائفية والعرقية. قد يختلف ترتيب هذه المفردات من متحدث إلى آخر، الا انها مضمون الرطانة الخطابية التي تقدمها كل برامج الحوار السياسي «الجديدة»، التي يعلم مُعدوها، جيدا، زيفها وبعدها كل البعد عن حقيقة ما يجري في بلد حكومته فاشلة، وأعضاء برلمانه لا يمثلون الشعب، وحياة الناس تتحكم بها ميليشيات معروفة بولائها لغير العراق، وعموم ساسته يتمسحون بقوتي الاحتلال الأمريكية والإيرانية اللتين حولتا العراق إلى ساحة حرب، حماية لأمنهما وشعبيهما. تغييب هذه الحقائق، في جلسات تلفزيونية، يُظهر فيها الساسة تحسن أدائهم، وسط أجواء يسودها الضحك وتبادل الطرف، خطير لأنه يساهم في تهيئة الأذهان، تدريجيا، لقبول الأكاذيب والافعال الاجرامية، المستهينة بمآسي الناس، باعتبارها أفعالا عادية، مألوفة، لا تستوجب المساءلة والادانة، مهما كانت نية القنوات الفضائية والنزوع نحو تقديم «الجديد» قويا.

٭ كاتبة من العراق

 

(تحرير) كركوك!

ماذا عن بغداد؟

هيفاء زنكنة

 

مع تسارع الاحداث، وتصاعد العنف وما يصاحبه من أزمة انسانية في إقليم كردستان العراق، ومع محاولتنا فهم الوضع، الحالي، يواجهنا إغراء كبير: ان تستغرقنا التفاصيل الداخلية والإقليمية إلى حد نسيان الوضع الدولي، مكررين ما كان الفيتناميون يقولونه اثناء حرب التحرير تفاديا للتطرق لانقسامات حلفائهم: « الوضع العالمي لايزال معقدا».
من التفاصيل، غير المفهومة، حتى لمناصري القضية الكردية، مغامرة (الحماقة أحد أبعادها) رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني. هل تم اسقاطه في فخ لم يدرك ابعاده، فوجد نفسه في حفرة عميقة، حفرها له أصدقاؤه وحلفاؤه، قبل اعدائه، ليتبع مسار والده الملا مصطفى، حين اُجبر على مغادرة العراق، عام 1975، بعد ان تخلى عنه حليفه شاه إيران محمد رضا بهلوي، إثر توقيعه اتفاقية الجزائر مع نظام البعث ببغداد؟ حفرة أعمق من تلك التي سقط فيها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين حين طمأنته السفيرة الأمريكية، عشية خوضه مغامرة غزو الكويت، بأن ما يحدث بين العراق والكويت شأن داخلي لا يعني أمريكا. وها هو العراق لايزال يدفع ثمن تلك الحماقة. 
في عام 1975، شاهدنا كيف تخلى آلاف البيشمركة عن أسلحتهم خلال أيام، مرددين: ليس للكرد من صديق غير الجبال. وها نحن اليوم، نرى التاريخ يكرر نفسه بمفارقتين مأساوية – كوميدية. المفارقة الأولى ان يقوم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، حزب الطالباني، بتوجيه صفعة لا مثيل لها، حين تحالف مع حكومة حزب الدعوة وإيران ضد البارزاني. المفارقة الثانية هي مغادرة بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني، مدينة كركوك، وما كان يطلق عليه مصطلح « المناطق المتنازع عليها»، خلال ساعات. انه مشهد نستحضر خلاله لجوء البارزاني عام 1996 إلى حكومة حزب البعث (العدو اللدود)، طالبا المساعدة ضد حزب الطالباني المدعوم، آنذاك، أيضا، إيرانيا.
مما يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقات بين الكرد أنفسهم. فهل التآخي الكردي بين الحزبين وهم تلاشى عند صخرة التحالف الاستراتيجي مع إيران؟ أم ان الخلاف بين الحزبين الكرديين حول تقاسم ثروة النفط، بكركوك، في العامين الأخيرين، كما الخلاف حول استخلاص الجمارك من تهريب البضائع في التسعينيات، أعمق من تحقيق حلم استقلال كردستان؟ هل الاستقلال الكردي لعبة سياسية واقتصادية يتم تحريكها، بين الحين والآخر، من قبل القيادات الكردية، بالتوافق مع تحالفات متحركة اقليمية ودولية، لأبقاء العراق ضعيفا، تنخره الصراعات مع الحكومة المركزية، المشغولة، غالبا، باستنباط طرق كفيلة بقمع الشعب؟
هذا ما بينته حماقة البارزاني الأخيرة. وإذا كان البارزاني مثالا فرديا، قد يجد منفذا من حفرته، مهما كان خروجه مهينا، الا ان التاريخ لا يرحم الدول عند سقوطها في حفرة الحماقات، الاتحاد السوفييتي نموذجا، حين اقتادته الولايات المتحدة إلى أفغانستان، بطُعم محاربة المجاهدين. لفهم سيرورة نصب الفخ، يقول بريجنسكي، مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي كارتر، في مقابلة معه عام 1998:
«وفقا للنسخة الرسمية من التاريخ، بدأت مساعدة وكالة المخابرات المركزية للمجاهدين، بعد غزو الجيش السوفييتي أفغانستان. ولكن الواقع، الذي بقي سرا حتى الآن، هو خلاف ذلك تماما: في الواقع، كان 3 تموز/يوليو 1979، أي قبل التاريخ الرسمي بعام، حين وَقَع الرئيس كارتر موافقته على تقديم المساعدة، السرية، لخصوم النظام الموالي للسوفييت في كابول. وفي ذلك اليوم نفسه، كتبتُ مذكرة للرئيس شرحت فيها أن هذه المساعدة ستحفز، في رأيي، التدخل العسكري السوفييتي… لم نضغط على الروس للتدخل، لكننا زدنا احتمال تدخلهم».
إذا اخذنا هذا المسار التاريخي بعين الاعتبار، وطبقناه على مجريات الاحداث المتسارعة بالعراق، عموما، من دحر المقاومة ضد الاحتلال إلى ولادة «الدولة الإسلامية» وما بعد الاستفتاء في إقليم كردستان، لوجدنا ان تقاطع المصالح، ليس وليد اللحظة، وهو ليس ابن النضال ضد نظام شمولي، كما انه لا يجري وفق أهواء او حماقات القادة. قد لا تكون أمريكا، مثلا، قادرة على كل شيء، وهي معرضة للسقوط في الكمائن، كغيرها، الا ان قدرتها على وضع عدة سيناريوهات في التعامل مع اعدائها وحلفائها، واستعدادها للتضحية بهم، مهما كانت درجة ولائهم، من اجل المحافظة على أمنها وهيمنتها، ساعد على بقائها دولة عظمى يتسابق القادة على نيل رضاها بشكل علني أو سري.
هذه التحالفات الأقرب إلى زواج المتعة لصالح أمريكا، هي التي جعلتها تساند العراق، بداية، اثناء الحرب العراقية الإيرانية، ثم مساندة إيران بالتعاون مع إسرائيل. ولم تكن أمريكا، حينها، ضد نظام الخميني لأنه كان، بنظرها مشروع حليف ضد الشيوعية، ولا يشكل التحالف معه خطرا إسلاميا على أمريكا، اذ «لا وجود، حقيقيا، للإسلام العالمي الموحد»، حسب تعبير بريجنسكي. وهو منظور، أثبتت سنوات ما بعد غزو العراق، صحته إلى حد بعيد مع تفكيك الدولة العراقية، ومأسسة التشرذم الطائفي، ونمو النفوذ الإيراني من خلال ميليشيات محلية، وبروز منظمات إرهابية إلى جانب الإرهاب الحكومي.
إقليميا، سارعت تركيا إلى توقيع اتفاق غير متوقع مع إيران، ووقفت جانبا بانتظار ما ستُسفر عنه الاحداث فيما يخص مدينة كركوك. واختارت أمريكا الوقوف جانبا، أيضا، واعلانها الحياد، قبل يومين من اجراء الاستفتاء، تاركة البارزاني عاريا الا من صداقة الجبال بعد ان وقع في فخ الوعود الأمريكية ـ الإسرائيلية (عبر «مستشاريه» خليل زاد وغالبريث) والفرنسية (عبر كوتشينر وليفي). وكان البارزاني قد فَسَر صداقة عدد من مسؤولي هذه الدول بأنه دعم سياسي دولي، متوهما، ان الصداقة تعني مصلحة البلد. فلا عجب ان يتقدم قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، ليكون القائد الحقيقي لعملية ادخال ميليشيات الحشد، خلال ساعات، إلى مدينة النفط وغيرها. ووقف مندوبا إيران بالعراق، هادي العامري (فيلق بدر) ومهدي المهندس (حزب الله)، تحت العلم العراقي، في لقطة تم اخراجها للاستهلاك الإعلامي، بعنوان «تحرير كركوك»، بينما ترفرف، في كل مكان آخر، وحتى على الآليات العسكرية، أعلام فصائل الميليشيات المسلحة، المتكاثرة بسرعة الارانب، الناشطة بحصانة لا مثيل لها خارج القانون، والتي تشكل خطرا يجعل خطر البارزاني على وحدة العراق نكتة سمجة، وادعاءات حيدر العبادي بالنصر، وإخلاء المدن من « الميليشيات» نكتة أكثر سماجة.

٭ كاتبة من العراق

 

 

إشكالية مصير نساء

وأطفال مقاتلي (الدولة الإسلامية)

هيفاء زنكنة

 

يثير اعتقال واحتجاز زوجات وأطفال مقاتلي « الدولة الإسلامية» من قبل قوات الحكومة العراقية إشكالية تتجاوز حدود العراق الى البلدان العربية والغربية التي انضم العديد من مواطنيها الى التنظيم أبان قوته واعلانه تأسيس «الدولة الإسلامية» في العراق والشام. 
تتجاوز الإشكالية، أيضا، القوانين المحلية والدولية الى الإنسانية، لأنها تتعلق بوضع خاص هو وضع النساء والأطفال، ويثير تساؤلات مهمة حول دور المرأة، عموما، في الحروب والنزاعات المسلحة ومقاومة الاحتلال، وكيفية التعامل معها، عموما، هل باعتبارها مسؤولة عن افعالها وخياراتها أم انها ضحية الخضوع للالتزامات والواجبات العائلية والزوجية؟
لا توجد احصائيات دقيقة عن عدد النساء المعتقلات أو اللواتي تم العثور عليهن أما مختبئات، في أقبية المنازل المهدمة، مع أطفالهن في مدينة الموصل، أو من قمن بتسليم أنفسهن في معركة تلعفر وغيرها. «أغلب النساء لا تتجاوز أعمارهن 20 عاما، أما الأطفال فأعمارهم في الغالب لا تتجاوز خمسة أعوام». حسب مصدر مسؤول، ويجري التحقيق معهن بينما تم قتل اغلب الرجال.
لا تتوفر الأوراق الثبوتية لهن ولأطفالهن. مما يشكل عائقا أو عذرا لعدم التعامل مع قضاياهن من قبل دولهن الأصلية، بشكل سريع. الا ان هناك تصريحات لمسؤولين عراقيين وأجانب وتحقيقات صحافية، تساعد على اعطائنا ارقاما تقريبية للأجنبيات واطفالهن فقط وليس للعراقيات او العربيات عموما، حيث يغلف الغموض اعداد الأخيرات لأسباب عدة.
بالنسبة الى الأجنبيات، وفقا لرويترز، هناك في العراق 1400 امرأة وطفل يشتبه في أنهم من عوائل مقاتلي «داعش»، وهم من تركيا، روسيا، شيشان، فرنسا وألمانيا. معظم الدول الاور,بية، خاصة فرنسا، جراء تعرضها لهجمات إرهابية، ليست على استعداد فوري للتعامل مع قضيتهم على الرغم من وجود حوالي 450 طفلا بينهم في سوريا والعراق. تدل مؤشرات بطء الاحداث فيما يتعلق بتقرير مصيرهم الى ان ما سيحدث هو تسليم الاطفال الى الدول التي ينتمون اليها، بينما ستحاكم النساء بتهمة الإرهاب، وعقوبتها الإعدام بموجب قوانين مكافحة الإرهاب العراقية. والاشكالية هنا حقيقية، فالقضاء العراقي يُصدر احكام الإعدام بالجملة مما دفع المفوض السامي لحقوق الإنسان، بالأمم المتحدة، زيد رعد الحسين الى التعبير عن هلعه ومخاوفه، أخيرا، إزاء تنفيذ حكم إعدام جماعي بحق 42 سجينا، في 24 أيلول/سبتمبر، وُجهت إليهم التهم بموجب قوانين مكافحة الإرهاب. وهي قوانين، يستخدمها العراق «لفرض عقوبة الإعدام على مجموعة متعددة من الأفعال التي لا ترقى إلى مستوى الجرائم الأشد خطورة». 
الأمر الذي يثير تساؤلا مشروعا عن مصير النساء فيما لو كان وجودهن مع ازواجهن من المقاتلين، بناء على التزامات زوجية أو عائلية كما تقول روسية معتقلة: «معظم النساء هنا جئن مع أزواجهن، لم نأت للقتال، أو للقتل، جئنا فقط للعيش»، أو حتى قيامهن بأمور إدارية أو ارشادية أو تنظيمية، كما يتضح من شهادة عدد من النساء، وعدم الاشتراك الفعلي بالقتال، سيستدعي تنفيذ حكم الإعدام ، على الرغم من تحذيرات المكتب الأممي لحقوق الإنسان المتكررة حول «انطواء النظام القضائي العراقي ككل على شوائب كثيرة لا تخوله السماح بتنفيذ هذه الإعدامات و عدم تقيد العراق بالتزاماته المعنية بحقوق الإنسان الدولية والمتعلقة بفرض عقوبة الإعدام خصوصا الالتزامات المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية». 
تُحتجز العوائل، حاليا، في معسكرات، يطلق عليها عمال الإغاثة اسم «مواقع عسكرية»، يقع أحدها في حمام العليل، قرب الموصل. من بين النساء حوامل ومرضعات. وقد نُقل عدد من الأطفال إلى دور الأيتام في بغداد. ولعل القناة الفضائية الروسية «روسيا اليوم» هي الوحيدة التي قامت بحملة للعثور على الأطفال الروس واعادتهم الى أقاربهم حيث ستتم رعايتهم وإعادة تأهيلهم، إذا كانوا في سن تسمح بذلك. 
اما بالنسبة الى العوائل العراقية، فيحيط مصيرها الشكوك في أجواء الفوضى والنزوح وانعدام الثقة والاشتباه وروح الانتقام، وان كانت القيم العشائرية ووجود قربى متفهمين قد ساعد على إيواء اعداد من النساء واحتضان الأطفال من قبل العائلة الممتدة. كما تقوم بعض منظمات الإغاثة بأبداء المساعدة ومحاولة إيواء الأطفال، خاصة، على الرغم من محاولة الجميع تجاهل المشكلة بحجة ان حجم كارثة الموصل، مثلا، لا يتيح مجالا للتفكير بزوجات وأطفال مقاتلي منظمة إرهابية. 
تعاني عوائل المقاتلين من بلاد عربية مصير العوائل الغربية ذاته، وان كانت اعدادها بالعراق أقل بكثير مما هو موجود بسوريا.
فعدد التونسيات المتواجدات في سوريا والعراق وليبيا، حسب وزارة الداخلية التونسية (كانون الثاني/يناير 2017) يبلغ حوالي 120 امرأة. سافر نصفهن رفقة أزواجهنّ، والنصف الآخر غير متزوجات ومن بينهن طالبات. عن قضية التونسيات، كتبت الاكاديمية التونسية د. آمال قرامي (المغرب 2017) ملخصة أحلام الملتحقات بالتنظيم بحثا عن «الأمة» ورغبتهن بعد تبدد الوهم بالعودة الى «الوطن»، مشيرة الى ضرورة مناقشة الملف وطنيا وان للموضوع أبعادا قانونية وحقوقية واجتماعية واستخباراتية وبحثية وإعلامية. مؤكدة على ضرورة مواجهة الحقيقة في معالجة القضية وعدم ارجاء النظر فيها والتكتم عليها.
ان انخراط الدول في حروب ونزاعات، مهما كانت مسمياتها، لا يعفيها من التزاماتها المحلية تجاه مواطنيها او الدولية، حسب الاتفاقيات الملزمة. ولحد الآن، ليس للحكومة العراقية برنامج للتعامل مع حالة النساء والأطفال بل وغالبا ما يتعامل القضاء العراقي مع الأطفال كبالغين، بدلا من رعايتهم وإعادة تأهيلهم، وهو اجراء يشير الى مستقبل مظلم ليس للأطفال فحسب بل الى البلد ككل كحاضنة لولادة «داعش» آخر وآخر. فمقياس المدنية والحضارة وتحقيق العدالة لا يقتصر على إنزال العقوبات بالمجرمين المسؤولين عن جرائمهم، سواء كانوا نساء او رجالا، بل في التعامل الإنساني العادل مع المتهمين والضعفاء المهمشين. ذلك إذا كانت النية حقيقية في معالجة جذور الإرهاب لا تمديدها.

٭ كاتبة من العراق

 

تساؤلات حول صلاحية السفير

العربي للدفاع عن حرية التعبير

هيفاء زنكنة

 

أصدرت ست منظمات حقوقية مصرية بيانًا عبرت فيه عن أسفها لترشيح السفيرة مشيرة خطّاب لمنصب مدير عام المنظمة الدولية للعلوم والثقافة «اليونسكو». وهي خطوة غير مألوفة في بلداننا حيث تسارع المنظمات والمؤسسات، عادة، لمباركة اية خطوة تدفع مسؤولا محليا للفوز بمنصب دولي. استندت الست منظمات وهي: الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، مركز النديم لمناهضة التعذيب، مركز أندلس لدراسات التسامح، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، ونظرة للدراسات النسوية، الى سببين. السبب الأول عام يتعلق بكون السفيرة مشيرة خطاب تحتل منصبا رسميا « ممثلة لدولة معادية لحرية التعبير وحرية استخدام الانترنت، تفرض الرقابة على الصحف وتحبس عشرات الصحافيين، والعاملين بالمجال الإعلامي، وتحجب مئات المواقع بقرارات بوليسية». السبب الثاني معني بمواقف السيدة مشيرة خطّاب بالتحديد وما يراه الموقعون «الصمت المتواطئ للمرشحة عن تعدي الحكومة المصرية السافر على حرية التعبير». وجاء في البيان عدة أحداث كان يجب اتخاذ موقف منها، من بينها إغلاق سلسلة مكتبات بالأحياء الشعبية، الا انها اختارت الصمت تجاهها.
إن اثارة قضية كهذه، من قبل منظمات حقوقية محلية، يُشكل ما يجب ان تقوم به منظمات المجتمع المدني تجاه الحكومات، أيا كانت، لصالح المواطن. وهو يصب، في هذه الحالة، في صلب عملها حين لا يتم الاكتفاء بالمساءلة القانونية بل يتعداها الى مساءلة الموقف الأخلاقي، المتبدي، بالإضافة الى الدور الفعلي، بصمت المسؤولين على انتهاكات حقوق الانسان، أما حفاظا على المنصب كما في معظم الدول العربية، أو حفاظا على المصلحة الشخصية ومحاصصة الفساد كما يحدث في العراق، اليوم، كنموذج يستحق ساسته الرصد. بل ويتعداه الى تحميلهم المسؤولية، في حال مساهمتهم، بأي شكل من الاشكال، بانتهاك حقوق الانسان، خاصة، دعاة تمثيل الشعب منهم. وقائمة انتهاكات وخروقات حقوق الانسان، بالعراق، طويلة. تبدأ من مداهمة البيوت والاعتقالات والتعذيب والتهجير القسري وتنتهي بأفق مظلم من قمع للحريات، تتخلله التفجيرات والقصف الجوي. المسؤولون كُثُر، وإن لم يشترك بعضهم بشكل فاعل فأن «التراجيديا الكبرى ليست الاضطهاد والعنف الذي يرتكبه الأشرار، بل صمت الأخيار على ذلك». كما يقول زعيم حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الراحل مارتن لوثر كنغ. يمثل الصمت تواطؤا في الفعل ودرعا واقيا للعديد من المسؤولين والنواب والأحزاب، يشهرونه، عند الحاجة، للظهور بمظهر أخلاقي، حين يتوجب عليهم اتخاذ موقف قد يكلفهم ثمنا ما. فالنائب العراقي يطلق صرخات الاحتجاج، الذي لا يعني التنفيذ بالضرورة، إذا ما ألَمَت بطائفته مشكلة، ويلتزم الصمت حيال ذات المشكلة عند طائفة أخرى. 
الصمت، هو سلاح معظم النائبات، أيضا. فمن بين 82 نائبة في البرلمان، أي ما نسبته 27 في المئة من الأعضاء، وهي نسبة نُحسد عليها، نكاد لا نسمع لمعظمهن نأمة احتجاج أو اعتراض مهما أصاب المرأة، ولن أقول الرجل، من مصائب. انهن سيدات الصمت، يتوارين خلف حجابه بانتظار أمر من الحزب أو فتوى دينية. والطامة الكبرى، انعكاس ذلك على تشريع القوانين، فمشروع إقرار قانون الحماية من العنف الاسري، مثلا، تطلب زيارة وفد من لجنة المرأة والطفل « الى المرجعية الرشيدة في النجف الاشرف واستحصال عدم معارضتها». 
وإذا حدث ونطقت احداهن فإنما لتدافع عن حزبها او منصبها مُكَذِبة الضحايا، لينطبق عليها المثل الإنكليزي القائل» هل من حاجة للأعداء بوجود هكذا أصدقاء؟»
مثال ذلك موقف عضو لجنة المرأة والطفل والأسرة النيابية هدى سجاد من التقرير الذي قدمته لجنة حقوق الإنسان النيابية في 2012/12/02 بخصوص الانتهاكات البشعة التي تتعرض لها السجينات، واصفة إياه بانه «مثير للمشاكل». وذهبت أبعد من ذلك لتقدم صورة مشرقة عن واقع، يعرفه العراقيون جيدا، وطالما وثقته المنظمات الحقوقية المحلية والدولية. قالت السيدة النائبة: « فالقائمون على السجون متعاونون مع السجينات بطريقة انسانية، إضافة إلى أنهم يجلبون الحليب وغيرها من المستلزمات لأطفالهن الرضع». 
في ذات الطريق، أي الاستهانة بكرامة المرأة، سارت النائبة عن محافظة نينوى جميلة العبيدي، حيث نطقت، في 1 آذار / مارس، مطالبة بتشريع قانون يشجع الرجال على تعدد الزوجات بل وصرف حوافز مالية لهم، مطالبة زميلاتها النائبات والنساء، عامة، الى رفع شعار «نقبل بعضنا شريكات لحماية بعضنا» ونبذ «ثقافة المرأة الواحدة» ، كطريقة لحل مشاكل « الارامل والعوانس والمطلقات» حسب منظور النائبة التي لا تجد حرجا في المساهمة بإعادة المرأة العراقية عشرات السنين الى الوراء بدلا من العمل مع بقية النائبات ، على الأقل، على إيجاد حلول وسن تشريعات تنموية اقتصادية تساعدها على تجاوز وضعها، الحالي، المتشابك مع سوء وضع المواطنين عموما. وماذا لو كانت الخطوة الأولى ضمان صرف راتب الزوج الراحل لبضع سنين تستعيد بها الأرملة توازن حياتها، او المعونات المادية للمرأة شخصيا بدلا من القبول في أسوأ أوقات ضعفها بزوج المستقبل؟ 
وإذا كانت خطوة النائبة قد تعثرت بعد ان جوبهت بالسخرية والنقد اللاذع عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبالتالي عدد من النائبات، الا ان ذلك لم يدفع البرلمانيات المعترضات الى البحث الجدي وإيجاد البديل لحل قضية الأرامل والايتام واعدادهم المتزايدة، بشكل مستمر، منذ احتلال البلد عام 2003. وتسللت رطانة « التضامن» مع المرأة بعد إضافة مفردات « تحقيق السلام» و» نبذ العنف» الى خطب كل النواب والساسة لتصبح جزءا لا يتجزأ من تصريحاتهم ومقابلاتهم ، كما هو خطاب منظمات المجتمع المدني والمنظمات النسوية خاصة. بات الخطاب، مكررا، مشروخا، يبدو وكأنه مكتوب من قبل شخص واحد، وفق صياغة جاهزة، ليس بالمستطاع الخروج عليها، والا غضبت الدول والمنظمات الدولية المانحة. الاهم من ذلك عدم وجود النية الصادقة لأحداث تغيير حقيقي لصالح المرأة كمواطنة تتمتع بحقوق الانسان، سواء كان المسؤول الحكومي ناطقا أو صامتا. 
قد لا تكون حالة السفيرة المصرية مشيرة خطاب مطابقة للوضع العراقي تماما، فلكل بلد خصوصيته، سواء على صعيد المسؤولية السياسية أو منظمات المجتمع المدني. الا ان خروج ست منظمات حقوقية ببيان مشترك يخرج على خطاب التأييد الرسمي، الحكومي والديني، يستحق التوقف عنده ولو من باب المراجعة، والرصد، والمقارنة، وطرح التساؤلات وعدم الاكتفاء بشن حملة «دول منظمات جاسوسية مش حقوقية».

٭ كاتبة من العراق

 

 

ما بعد الاستفتاء بالعراق…

أفي المقابر متسع لضحايانا؟

هيفاء زنكنة

 

بخوف شديد، يراقب المواطن العراقي قرع طبول الحرب، بعد اجراء استفتاء أقليم كردستان، متسائلا عما إذا كان هذا معنى مرحلة «ما بعد داعش»، فهو يعرف جيدا معنى تبادل الاتهامات وفرض العقوبات وما ستقود اليه من اقتتال طالما عاش في ظله.
فمن ولد في الخمسينيات يتذكر جيدا حرب الستينيات ضد «خفافيش الظلام»، أي المقاتلين/ المتمردين الكرد بقيادة ملا مصطفى البارزاني (والد مسعود البرزاني، رئيس الإقليم، وجِد رئيس وزرائه نيجرفان والعديد من مسؤولي الإقليم الآخرين). إذ كانت نداءات الحماسة المبثوثة في الإذاعة العراقية وقتها، منذ الصباح حتى المساء، تستنهض همم الجنود لقتال المتمردين «عليهم إخوتنا، عليهم». ولم يكن الرئيس الراحل عبد السلام عارف معروفا بالفهم واللباقة، لذلك لم يأخذه أحد بشكل جدي حين ألغى هوية الكرد القومية مصرحا بأنهم «عرب الجبال». 
وإذا كان مسعود البرزاني، قد اختار، بانتقائية سياسية، ان يتحدث اليوم عن جرائم الحكومات العراقية المتعاقبة ضد الكرد، فأنه تغافل عن ذكر الدستور العراقي لعام 1959، الذي نص على ان العرب والكرد شركاء في الوطن. وتناسى رفضا عاما من الشعب العراقي للحرب في كردستان عبر السنوات، كما تعامى عن سردية التعاون السري بين قيادة الكرد وإسرائيل، في الستينيات، في وقت مبكر جدا، من تاريخ التوافقات السرية مع الكيان الصهيوني، بوعي كامل لما للقضية الفلسطينية من قدسية مبدئية لدى الشعب العراقي، وبكون الكيان الصهيوني عدوا، والتعاون معه، كما في كل الدول، خيانة عظمى. تجاهل البرزاني، أيضا، ذكر ان حكومة حزب البعث «القومي العربي»، هي التي شَرَعت الحكم الذاتي للكرد عام 1970، وانه، أي البرزاني، لجأ إلى الحكومة المركزية، ببغداد عام 1996، عندما كان الاقليم تحت الحماية الدولية وبقية العراق تحت الحصار، مستنجدا لأنقاذه وحزبه ليس من «العرب» بل من مواطنيه وشركائه الكرد المنتمين إلى حزب آخر هو الاتحاد الوطني الكردستاني، بقيادة جلال الطالباني. ولم يكن اقتتال بيشمركة الحزبين، على مدى أربع سنوات، حوالي أربيل، اقل شراسة من هجوم جنود الحكومة المركزية في أي وقت سابق. 
والأهم من ذلك، تناسى البرزاني التلاحم الاجتماعي، التاريخي، المميز للمجتمع العراقي من شماله لجنوبه، المبني على التزاوج بين مختلف أبناء الشعب، بغض النظر عن القومية والدين والمذهب. اذ قلما توجد عائلة عراقية، في أية محافظة كانت، نقية القومية أو الدين أو المذهب. 
ويأتي تبرير البارزاني في مؤتمره الصحافي، الذي حظي بتغطية عالمية، عشية الاستفتاء، على الرغم من دعوات «التوسل» و»التهديد» المحلية والإقليمية والدولية، لتأجيله إلى حين، وليس الغائه، درسا بليغا في أعادة كتابة التاريخ بمنظور تلفيقي. اذ قدم البرزاني نفسه والساسة الكرد وهم يمتطون صهوة جواد أخلاقي، يبرئ ذمة القيادة الكردية ويغسل يديها من الجرائم، المرتكبة سوية مع بقية الساسة، في الحكومة المركزية، بحق الشعب العراقي، كله بلا استثناء، في أعوام الاحتلال. 
جرائم بشرية وتخريب متعمد لا على صعيد الدولة والبنية التحتية، فحسب، بل وعلى صعيد مأسسة الفساد، والتمييز الديني، والمذهبي، والقومي. حيث عملوا، بشراكة لا مثيل لها، على تجزئة القضايا الإنسانية، وصار الظلم أنواعا وأجناسا، تقع مسؤولية ادانته على ساسة طائفة أو عرق أو دين معين، دون غيره. فالسياسي الشيعي متخصص بالرطانة باسم طائفته والسني والكردي والتركماني واليزيدي لا يتطرقون، ولا يبكون، أو يغمى عليهم، في البرلمان الا دفاعا عن قوميتهم او طائفتهم. والأدهى من ذلك، قيام كل فئة باتهام الفئة الأخرى، بتكذيب وتضخيم المظالم، بدلا من اللجوء إلى القانون والتحقيق في صحتها، وبالتالي العمل على تحقيق العدالة.
هذه النقطة، أي شراكة الصمت، والمساهمة، بشكل مباشر وغير مباشر، في الجرائم التي ارتكبها وسَبَبها الاحتلال، والمصنفة حسب عشرات التقارير الدولية بانها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، اختار البرزاني تجاهلها مستفيدا من إمكانية تجييش العواطف، مُركزا على «جرائمهم» «ضدنا». وهو خطاب شعبوي، غالبا، ما يلجأ اليه القادة أو الساسة، عموما، في حالة احساسهم بخطر داخلي يهددهم. وهناك في صفحات التاريخ أمثلة لا حصر لهان حول الحاجة إلى خلق عدو خارجي يُشعر الشعب بالخطر، فيبادر الشعب بالالتفاف حول القائد، على الرغم من استبداده ومعارضتهم له، لشعورهم بأولوية الدفاع عن الوطن والأمن القومي. ولعل أوضح مثال على ذلك، شن الإدارة الأمريكية حملة «الحرب على الإرهاب» لتحويل الأنظار عن انخفاض شعبيتها، وأزمتها الاقتصادية الكبيرة، وتقلص دائرة تأثيرها عالميا. فصار تصنيع «العدو» ضرورة ملحة. وأثبت ساسة العراق، بعربهم وكردهم، انهم نجباء في تقليد السيد، في هذه المجال على الأقل. 
النقطة الجوهرية، الأخرى، التي تجاهلها البرزاني، مماثلا بذلك شركائه من ساسة العملية السياسية، ببغداد، هي الاستنجاد بحماية الأجنبي والتعاون معه على غزو البلد واحتلاله، ومن ثم نهبه، سواء كان الأجنبي قوة إقليمية او أرادة دولية. 
أبواب البلد مشرعة امام كل من هب ودب، كل حسب مصلحته: من أمريكا وبريطانيا إلى فرنسا وإيران وإسرائيل وتركيا. الحدود مهترئة تتناوب على قصف قراها تركيا وإيران، الأجواء تهيمن عليها طائرات التحالف وطائراته بلا طيار، الأرض تتنازعها الميليشيات والبيشمركة والقوات الإيرانية والأمريكية وقوات حكومة فاشلة وبقايا تنظيم «الدولة الإسلامية». الشعب منهك جراء الفقر، والبطالة، وإرهاب الحكومة، والتنظيمات المسلحة والطائفية، والتهجير القسري، بينما لا يكف الشريكان، في بغداد وكردستان، عن النزاع حول محاصصة الفساد، ويتباريان في تكرار خطابات القومية والاستقلال من جهة الإقليم والوطنية والسيادة من جهة بغداد، في محاولة لطمر حقيقة فسادهما وجرائمهما، في حفرة يغطيانها بالإسمنت، كما يفعل افراد عصابة المافيا حين يدفنون أحد ضحاياهم.
ان فرض العقوبات على الأقليم لن يؤثر على سلالتي القيادة الكردية، أي آل البرزاني وآل الطالباني، بل سيكون المواطن هو الخاسر الأول والأخير. اما المنتصر، وكما في كل حرب، سيكون هو مُصَنِع السلاح الدولي وسمسار الصفقات المحلي وهما متوفران ضمن الطرفين، المتدافعين للقتال، في أجواء استغفال واستهانة بالشعب المتعب إلى حد استعداده للتصويت للسيئ من الأسوأ وليس الخيار الأفضل. هذا الدفع لتكريس ما يبدو اختيارا مُغلفا بورق الانتخاب أو الاستفتاء، يتحمل شريكا العملية السياسية مسؤوليتها، وإذا كان رئيس الوزراء حيدر العبادي يتهم البارزاني بلا قانونية الاستفتاء ووضع الحكومة امام الامر الواقع، فأنه يتعامى عن حقيقة أنه هو وحزبه والساسة المحيطين به هم أبناء الأمر الواقع الذي فرضه المحتل، ولايزال، لتجسد حكومتا بغداد والأقليم حقيقة ان «شهاب الدين أسوأ من أخيه». وأملنا الا يقف أبناء الشعب صفوفا أمام المقابر لدفن ضحايا جدد، فالأرض لم تعد تتسع للمزيد من الموت.

٭ كاتبة من العراق


 

 

مجلس الأمن يدفن

جرائم غزو العراق

هيفاء زنكنة

 

أصدر مجلس الأمن، في 21 سبتمبر/أيلول، قرارا ينص على « تشكيل فريق تحقيق لجمع وحفظ الأدلة عن الجرائم الخطيرة التي ارتكبها تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) «. وهي خطوة كان بالإمكان ان تكون مهمة جدا، على مستوى أبعد مما تنص عليه، لتوثيق الجرائم، ومحاسبة مرتكبيها وتعويض المتضررين. أي كان بالإمكان ان تُصبح جزءا من تحقيق العدالة الانتقالية، من خلال العمل على كشف حقيقة أحداث ستبقى حية، لفرط بشاعتها وما سببته من أضرار، في ذاكرة العراقيين على مدى سنين مقبلة. فجاء اقتصار تحقيق مجلس الأمن بجرائم (داعش) انتقائيا يتوخى اضاءة زاوية واحدة من الجرائم المرتكبة بحق العراق بينما يُغلف بقية الجوانب بعباءة من الظلام.
هل هو قرار متعمد لطمر مسؤولية الدول، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، في غزو العراق وتفكيك دولته، وجيشه، ونصب حكومات طائفية فاسدة، لم تبق أي بند من بنود حقوق الانسان الا وانتهكته منذ عام 2003 وحتى اليوم، بذريعة محاربة الإرهاب؟ ألم يَطلع مجلس الأمن على سجل الجرائم التي ارتكبتها قوات الغزو الأنكلو أمريكي التي لو أُتيح وزنها لبلغت الأطنان؟ من التعذيب المروع في أبو غريب إلى استخدام اليورانيوم المنضب على المدن التي لاتزال مهدمة ونسائها يلدن أطفالا مشوهين، إلى جرائم المرتزقة الذين، باعترافهم، كانوا يتسلون بقتل المدنيين، إلى مجزرة حديثة وساحة النسور ببغداد، إلى قصف المدن باسم « التحالف الدولي» وتبرير وشرعنة قتل ودفن الضحايا من المدنيين تحت الأنقاض باسم «التحرير»؟ ألم يسمع قادة العالم « الحر» صوت منظمات حقوق الانسان العراقية المطالبة، المرة تلو المرة، منذ سنوات، بالتحقيق في جرائم لم يعد بالإمكان السكوت عنها؟ جرائم ترتكبها القوات الأمنية العراقية التي يشرف على تدريبها كل من أمريكا وبريطانيا بين دول أخرى ترفع راية الدفاع عن حقوق الانسان، عاليا؟ ماذا عن الأفلام والفيديوهات الموثقة لشهادات المعتقلين الذين يعانون من التعذيب بأنواعه والذي يمتد التعذيب إلى عوائلهم ليصبح عقوبة جماعية مدانة من كافة القوانين الدولية؟
قوبلت الجرائم المرتكبة، بأنواعها، وبضمنها سياسة التغيير الديموغرافي ومنع النازحين من العودة إلى مناطقهم وبيوتهم، وحملات التصفية الجسدية للصحافيين والعلماء والأكاديميين بالصمت المطبق. المفارقة، التي نشهدها الآن، ان الدولة التي قدمت مشروع القرار إلى مجلس الأمن هي بريطانيا بعد أن تعاونت مع النظام العراقي على إنشاء هيئة تحقيق في جرائم (داعش) بالعراق. ومنبع المفارقة انها ذات الدولة التي ساهمت بشن حرب عدوانية، غير قانونية ضد العراق، برئاسة توني بلير المتهم بأنه مجرم حرب، وارتكبت قواتها جرائم أوقفت التحقيق فيها، بعد ان تبين انها تجاوزت الادعاء بوجود « تفاحة فاسدة» واحدة. 
في تقريرها الأخير المعنون « مجلس الأمن: إهدار فرصة للعدالة الشاملة»، الصادر منذ أيام، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، إن مجلس الأمن الدولي ضيّع فرصة أساسية للتصدي لجرائم الحرب والانتهاكات الحقوقية المرتكبة من قبل مختلف أطراف النزاع في العراق. وأكدت بلقيس جراح، مستشارة أولى للعدالة الدولية في المنظمة أن التحقيق في الفظائع التي ارتكبتها (داعش) في العراق ضرورية «لكن تجاهل انتهاكات القوات العراقية والدولية لا تشوبه عيوب فحسب، إنما ينقصه أيضا بعد النظر. فالعدالة لازمة لجميع الضحايا الذين شهدوا تعذيب وقتل أحبائهم أو أُحرقت بيوتهم وقُصفت، بغض النظر عن الطرف المسؤول».
وإذا سايرنا مجلس الأمن بتناسي جرائم ما قبل داعش، فان الاستهانة بحقوق الانسان من قبل القوات العراقية وميليشيات الحشد الشعبي تبقى جسيمة في وضع يماثل الغابة في لا قانونيته. خاصة حين يلقى القبض على أحد الأشخاص المشتبه بانتمائه إلى داعش فيتعرض إلى التعذيب والاعدام الفوري بدون ان يقدم إلى القضاء. ولأن انتهاكات حقوق الانسان والاعدامات تمر بدون مساءلة، يسود الأحساس بين قوات الأمن والميليشيات بأنها تتمتع بالحصانة من العقاب مهما ارتكبت، وأنها خارج القانون. 
طالب الاتحاد الأوروبي و»مفوضية حقوق الإنسان»، بالأمم المتحدة، العراق بالانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، ما يسمح بملاحقات قضائية على الجرائم الجسيمة التي ارتكبتها أطراف النزاع جميعا، إلا ان رئيس الوزراء حيدر العبادي أخبر « هيومن رايتس ووتش»، في مارس/آذار 2016، إن العراق لا يعتزم الانضمام. وتعتقد المنظمة «أن السبب هو خشية أن تتمكن المحكمة من فحص الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها قوات الأمن الحكومية والشرطة الاتحادية وقوات الحشد الشعبي وقوات الأمن الكردية». وعلى الرغم من وعوده المتكررة، « لم يُظهر العبادي بعد محاسبة السلطات العراقية لجندي واحد على أعمال قتل وتعذيب العراقيين أو غير ذلك من الانتهاكات في هذا النزاع». 
وكان « مركز جنيف الدولي للعدالة» قد وثّق في جميع رسائله ونداءاته انتهاكات عديدة بحجّة محاربة تنظيم داعش، بما في ذلك التعذيب والاغتصاب والإعدام بإجراءات موجزة والاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القضاء.
ويشترك المركز مع المنظمة في دعوة الأمم المتحدة إلى إجراء تحقيقات مستقلّة بشأن الجرائم التي ارتكبت والضغط على الحكومة العراقية لمساءلة الجناة وتقديمهم للعدالة. والتذكير المستمر بأن انتهاكات قوات الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان و»قوات الحشد الشعبي» تعود إلى زمن بعيد، وإنها لاتزال مستمرة، في العديد من المناطق، آخرها محافظة تكريت التي هاجمتها قوات الحشد وأجبرت السكان على النزوح ونهبت البيوت، منذ أيام، وان المعركة ضد داعش أعطت هذه القوات المجال لتنفيذ انتهاكات تحت غطاء مكافحة الإرهاب.
وفي رسالة وجّهها، بتاريخ 13 تموز/ يوليو 2017، إلى السيد المفوّض السامي لحقوق الانسان، اكدّ مركز جنيف الدولي للعدالة أنّ التحالف الدولي بقيادة الولاياتِ المتحدة الأمريكيّة، والقواتِ العراقيّة قد ارتكبَا انتهاكاتٍ جسيمة وممنهجة، يضاف إلى ذلك الجّرائم البشِعة التي ارتكبتها ميليشيات الحشد الشّعبي. ولغرض وضع تدابير للمساءلة القانونية، طالبَ المركز إنشاء لجنة دوليّة مستقلة للتحقيق في الانتهاكات التي ارتكبت في العراق وانشاء محكمة جنائيّة دولية، لمحاكمة مرتكبيها وتحقيق العدالة للشعبِ العراقيّ.
ان قرار مجلس الأمن، الانتقائي سياسيا، الأحادي الجانب، لن يحقق العدالة التي يجب ان يتمتع بها جميع المواطنين، بلا استثناء، إذا ما أريد للعراق ان يتعافى من دورة العنف والإرهاب، سواء كان مرتكبوها افرادا او جماعات او دولا.

٭ كاتبة من العراق

 

 

كيف يعالج

العراق نفسيا وعقليا؟

هيفاء زنكنة

 

«أربعون في المائة من الأطفال العراقيين يعانون من أمراض عقلية». تقول د. الهام الدوري. وتواصل سرديتها لفاجعة الأمراض النفسية والعقلية، بالعراق، قائلة «كذلك الحال بالنسبة إلى 17 في المائة من الشباب، مما يجعل عدد الشباب المصابين بمستويات متباينة من الأمراض النفسية والعقلية يساوي خمسة ملايين وسبعة أعشار المليون، بالمقابل هناك 100 طبيب مختص، فقط، داخل العراق». وحين تتحدث د. الدوري فانها تدعم كل ما تقوله بالدراسات والاحصائيات عن فاجعة، تضيف بعدا جديدا، إلى حجم معاناة الشعب العراقي، على كل المستويات.
قد لا يكون التصريح صادما، لو ردده صحافي أو أديب، أو قام أي منا بالاشارة اليه، فربما نكون قد لاحظنا الاعراض، وان لم نكن من ذوي الاختصاص، وربما حاولنا ان نتندر على حالنا، فهذه طريقتنا كعراقيين، لايجاد السبل، مهما كانت ضيقة، لمواصلة الحياة. لكن سماع هذا من طبيبة ذات خبرة عملية كبيرة، ومستشارة بأعلى مستوى في وزارة الصحة البريطانية، كان له وقع يماثل من يحاول التنفس، وعلى صدره صخرة كبيرة لا يستطيع زحزحتها. هكذا شعر الحاضرون في الندوة العلمية التي أقامتها منظمة «تضامن المرأة العراقية»، بلندن، وعنوانها « تأثيرات الحرب النفسية والعقلية على العراقيين». فأي مستقبل لبلد يضم مثل هذه النسبة العالية من المرضى؟ كيف وصلنا إلى هذا الوضع المتردي؟ وما هو العلاج؟
هناك جوانب عدة للمأساة، يعود بعضها إلى الثمانينيات، فترة الحرب العراقية ـ الايرانية، وما تلاها من حروب وحصار وغزو وإحتلال. أثناء الحروب، تقول د. الدوري «نحن، غالبا، ما نركز على الجنود والجرحى، ولكن ليس كثيرا على الأحياء. حيث تخلق الظروف الحربية ذكريات وجروح تبقى فترة أطول من الحروب نفسها. أنها تخلق ذكريات مؤلمة تستغرق عقودا للشفاء، مما يسبب ارتفاع معدلات المرض العقلي». 
ان انتهاء الحرب، فشلا أو انتصارا، لا يعني التئام الجروح النفسية. اذ يبقى الأحياء ضحايا جروح داخلية، غير مرئية، وهذه مشكلة كبيرة، تعيق الاندمال، خاصة في مجتمعنا « الذي يعتبر العلاج النفسي والعقلي، أمرا معيبا أو وصمة عار، وهذا يعني أن العديد من الناس يتركون بدون دعم أو علاج، مما يسبب أعراضا جانبية تزيد من سوء وضعهم «حسب د. الدوري. وقد أدى تعاقب الحروب إلى عدم وجود وقت كاف للتعافي، مما سبب وجود «أجيال من العراقيين الذين لم يعرفوا سوى الحرب».
واذا كانت سنوات الحروب السابقة لعام 2003 قد سببت اصابة العراقيين بأعراض الاكتئاب واليأس والصدمة الملازمة لما بعد الحرب، فأن غزو العراق، بقيادة أمريكا، وحملة قصف «الصدمة والترويع»، وكما يشير العديد من الدراسات، ادى إلى «ارتفاع مقلق في الوفيات والاصابة بالعجز والنزوح». فعملية «تحرير» الموصل، لوحدها، أجبرت حوالي مليون شخص على ترك بيوتهم هربا من الوضع المخيف، وحولت المعركة المدينة إلى خرائب غير صالحة للسكن.
ما هي الأعراض العامة المعيقة للحياة الطبيعية؟ تلخص د. الدوري الأعراض قائلة: «الاكتئاب مشكلة متنامية بين الأمراض النفسية الأخرى. اضطراب ما بعد الصدمة مشكلة شائعة جدا في السنوات العشرين الأخيرة. وتنشأ هذه الحالة عندما يتعرض شخص ما لتجربة أو حادثة تهدد الحياة. وتشمل الأعراض استعادة ذكريات حية من الحدث المؤلم، والأرق والقلق فضلا عن الاحساس باليأس والاحباط».
أما الأثر النفسي للحرب والتشرد على الأطفال، خاصة، فقد تناولته جوان بيكر، منسقة منظمة « الأطفال ضحايا الحرب»، مشيرة اولا إلى ما يتعرض له الاطفال اثناء الحروب من أخطار جراء القصف الجوي للمناطق المدنية، والهجرة القسرية، سواء كانوا مع ذويهم أو اذا انفصلوا عن أولياء أمورهم. حينئذ يصبحون أهدافا سهلة للاتجار بالبشر والاختطاف والرق الجنسي والتجنيد القسري. يعاني الأطفال من الجوع خلال الحصار من قبل القوات المسلحة. استهداف المدارس الذي يؤدي إلى التسرب فيشعر الأطفال بلا جدوى التعليم. ولا يخفى تأثير الإجهاد المناخي على الأطفال حيث یعاني النازحون من الظروف المناخیة القاسیة، حين یعیشون في خیمة مؤقتة تحت قسوة حرارة الصیف والبرد شتاء. 
تسبب هذه الاوضاع غير الانسانية إلى انكماش الطفل نفسيا أو التصرف بشكل عدائي ضد الآخرين بالاضافة إلى القلق المستمر والكآبة واضطراب النوم. حيث يخشى الطفل النوم بسبب الصدمة والكوابيس. يصاب بعض الاطفال باضطرابات الكلام وعدم القدرة على التمييز بين الماضي والحاضر. فهم يستعيدون أهوالهم في كل وقت ولا يستطيعون الهروب منها ولا يركزون مما يعيق التعلم والقدرة على أداء المهام اليومية ولا يستطيعون الاسترخاء لاعتقادهم أن شيئا سيئا سيحدث سيئا.
إزاء هذا الوضع، ما الذي يجب عمله؟ 
«هناك حاجة ملحة لوضع الطب النفسي في خطط الرعاية بعد الحرب. وهذا أمر ضروري لأن الرعاية الصحية والبنية التحتية العراقية قد تضررت بشدة وأوجدت نقصا في الأطباء. يحتاج السكان إلى الحصول على الرعاية الصحية النفسية كجزء من عملية إعادة الإعمار والتي لا تعتبر من الأولويات، حاليا، بالمقارنة مع القضايا الطبية الأخرى. هناك، أيضا، حاجة ماسة لإنشاء مراكز رعاية الصحة العقلية»، هذه بعض مقترحات د. الدوري وتؤيدها جوان بيكر في وجوب توفير الرعاية النفسية والعقلية كأولوية في مجال الرعاية الصحية، بالاضافة إلى المساعدة الاجتماعية/الأمومية. بمعنى المساعدة في دعم الاستقرار الأسري، الضروري جدا لتوفير جو الأمان للطفل، هنا تبرز أهمية العمل السريع على اعادة النازحين إلى بيوتهم. إذ يمثل استقرار العائلة واعادة الاطفال إلى مدارسهم، نواة استقرار المجتمع. وتنبه جوان إلى أهمية ان تكون المدارس فعالة في سيرورة الرعاية وإعادة تأهيل الأطفال نفسيا وعقليا كخطوة أولى في اعادة تأهيل المجتمع. 
ان إيجاد علاج حقيقي للامراض النفسية والعقلية والتي بات من المؤكد انتشارها بين شريحة واسعة من المجتمع المرهق بالحروب والغزو، يتطلب مبادرات حكومية للعلاج الفردي والجماعي بالاضافة إلى المبادرات الفردية وحث المنظمات الدولية على تقديم العون. هذه الجهود، يكمل بعضها الآخر، فحجم المأساة أكبر من ان تقوم بها جهة واحدة، مع توفر بيئة آمنة بلا حرب. وهي ليست مهمة مستحيلة. فالتاريخ المعاصر يعطينا أمثلة عن شعوب تعافت بعد حروب مدمرة مثل ألمانيا واليابان وفرنسا. النقطة المهمة هي توفر النية الحكومية المبنية على الايمان بالشعب ووضع حد لروح الانتقام. وهذا ما نفتقده في الوقت الراهن.

٭ كاتبة من العراق

 

 

هل تختلف عنجهية المستبد

الكردي عن المستبد العربي؟

هيفاء زنكنة

 

«في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر الجاري سيتم التصويت على الاستقلال، لكن سيستمر الحوار مع بغداد بعد ذلك حول الحدود والنفط والمسائل الأخرى»، أكد مسعود البارزاني، رئيس إقليم كردستان، في العديد من مقابلاته الصحافية الأخيرة. سيستهل الاستفتاء، إذا ما تم تنفيذه، فترة فاصلة بين العراق الذي نعرفه، بحدوده، ووحدة أراضيه، وشعبه، والعراق الذي سيكون. عراق لا نعرف عنه غير تصريحات سياسية يطغى عليها الادعاء، والمزايدة، والفبركة، والتهديدات المختلطة بالأوهام والوعود، بتحقيق حلم مبطن بالمجهول. 
ظاهريا، هناك طرفان رئيسيان يتجاذبان البلد، هما الحكومة المركزية وحكومة الإقليم، في صراع يتخلله الابتزاز الاقتصادي والسياسي. كان الطرفان يعيشان شهر عسل في ظل «العملية السياسية» التي أسسها المحتل، إلى أن انخفضت أسعار النفط فأثر ذلك على محاصصة النهب وتهريب النفط المسكوت عنه من قبل الطرفين. فبرزت مع تدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع أصوات التذمر، والاحتجاج الشعبي على انتشار الفساد، والثراء الفاحش المحصور بأيدي القيادات الحزبية، أداة الابتزاز السياسي والاقتصادي التي تسميها الحكومة المركزية الروح «الوطنية» وتسميها رئاسة الإقليم الروح «القومية». فصار التوقيت، بالنسبة إلى البارزاني، مناسبا للمطالبة بالطلاق المؤجل/ الانفصال/ الاستقلال، من الطرف الذي توافق معه منذ تسعينيات المعارضة ضد نظام البعث. كانت السيرورة تدريجية وإن تظاهر ساسة الحكومة المركزية بالذهول لموقف البارزاني متهمين إياه بتقسيم العراق والعمالة لصالح قوى عالمية وعلى رأسها الصهيونية، متعامين عن حقيقة إنهم جميعا، بذات الوجوه والأحزاب، كانوا على مدى عقود يخططون لتقاسم الغنائم في المركب السائر نحو تفتيت البلد. 
من ذلك المركب، أكد البارزاني: « للحركة الكردية هدفان، هدف مرحلي، وهدف استراتيجي، الهدف المرحلي يناضل الشعب الكردي في الوقت الحاضر في سبيل الحصول على حقوقه مستندا إلى المبدأ القانوني للحكم المحلي القومي في نطاق الدولة العراقية. الهدف الاستراتيجي أن الشعب الكردي كان ولايزال أحد الشعوب الأصيلة القاطنة في منطقة الشرق الأوسط، وقد امتدت جذور وجوده عميقة عبر عصور موغلة في القدم. إن الاعتراف بحق تقرير المصير ليس سوى خطوة أولية في طريق التثبيت القانوني لحق تقرير المصير القومي». ليس هذا تصريحا أطلقه البارزاني منذ أيام بل في 3 شباط/فبراير 1991 ( مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط)، وهو واحد من تصريحات عدة رد بها، أثناء جولته الأوروبية، عام 1992، التي شملت بريطانيا وفرنسا وألمانيا، على سؤال: ماذا يريد الأكراد؟
كان ذلك عام 1992، ماذا عن اليوم، بعد أن تم تأسيس إقليم كردستان المستقل، عمليا، برئاسته وبرلمانه وجيشه؟ هل السؤال هو ماذا يريد الأكراد أو ماذا يريد البارزاني؟ وهو السؤال ذاته المطروح على الحكومة المركزية حين يدعي ساستها بأنهم يتحدثون باسم الشعب العراقي. هل يمثل البارزاني، الكرد، حقا، وأن «قرار الاستفتاء هو قرار شعب كردستان»، كما يدعي؟
تشير ملامح الوضع العام في الإقليم، على اختلاف مستوياته، سياسيا واقتصاديا ومجتمعيا، إلى هزالة ادعاء تمثيل الشعب من قبل أية جهة كانت، فكيف إذا كان ادعاء التمثيل سيقود إلى قرار مصيري لأمة محاصرة بمن يناهض القرار إلى حد الاستعداد للقتال، من الحكومة المركزية والميليشيات إلى إيران وتركيا ؟ 
يقول البارزاني «فشلنا في بناء الشراكة مع بغداد لذلك اضطررنا لهذه الخطوة»، هي نقطة تؤشر، بقوة، إلى الوضع داخل «دولة كردستان» في المستقبل القريب. فكردستان، مقسمة، حاليا، مناصفة، بين الحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادة البارزاني، وعاصمته أربيل، والاتحاد الوطني الكردستاني، برئاسة جلال طالباني وعاصمته السليمانية. بينهما يقف حزب « التغيير» الجديد محاولا إيجاد محط رجل، وليس هناك ما يدل على استعداد أي من الحزبين للتنازل حول المكاسب المالية والمناصب السياسية، وفي محاولة لقمع أي موقف معارض قام البارزاني، القائل «نحن الأكراد لا نستطيع العيش بدون الديمقراطية»، بإلغاء البرلمان المنتخب من قبل الشعب، واستوزر أفراد عائلته وعشيرته، مقابل عائلة جلال الطالباني في الجهة المقابلة والتي ورثت السيدة زوجته قيادة الحزب أثناء مرضه. فإذا كان هذا الانقسام مستعصيا ومستمرا، على الرغم من الاستقلال، شبه الكامل للإقليم، منذ غزو العراق عام 2003، فما الذي سيمنع البارزاني، مثلا، حال إعلان «الدولة» أن يعلن «فشل بناء الشراكة» مع السليمانية وبالتالي طلب المساعدة من قوى خارجية لضمها ومحاربة بيشمركة الأتحاد الوطني، كما فعل عام 1996 أثناء سنوات الاقتتال بين الحزبين وراح ضحيته خمسة آلاف من الكرد، فأرسل رسالة في 22 آب / اغسطس، إلى الحكومة العراقية برئاسة صدام حسين، طالبا مساعدة الجيش العراقي « لوضع حد لمؤامرة الاتحاد الوطني وإيران»، مبررا ما قام به ضد أهله من الكرد، بأنه» لوضع حد للانتهاكات بحق السيادة العراقية»! 
يقول البارزاني: « عراق الآن ليس جمهورياً ولا برلمانياً ولاديمقراطياً»، فنسمع صوت رابون معروف، المتحدث باسم حركة «لا للاستفتاء « التي انطلقت من السليمانية في 8 آب/اغسطس، متحدثا عن سلطة البارزاني: « سلطة تمارس الإهانة بشعبنا منذ 26 سنة وترتكب الخروق بحق الحريات ونهب الثروات والأموال العامة… سلطة سياسية وراثية قسمت وطننا على مجموعة من العوائل».
ماذا لو رفضت الحكومة المركزية وتركيا وإيران الحوار ووقفت أمريكا تتفرج جانبا ؟ سألت صحافية البي بي سي في مقابلة يوم 9 أيلول/ سبتمبر. فضاع البارزاني في غياهب «سنحاور» و»سنقاتل»، وكان ختام المقابلة قوله «استغرب أن يتدخل آخرون بشأن داخلي هو من حق الشعب الكردي في تحقيق مصيره»، كأن وصوله وساسة بغداد إلى الحكم لم يتم بواسطة تدخل ما يزيد على الثلاثين دولة بقيادة أمريكا! 
إن مأساة الشعب العراقي، لا تكمن في اختلاف القومية أو الدين أو المذهب، فالعائلة العراقية، نواة المجتمع، غنية بحكم التزاوج، عبر العصور، بكل هذا التنوع. ولاتزال. وطموح الناس بالحياة الكريمة واحد، على الرغم من كل حملات التشويه والتخويف التي يشنها الساسة، فصناعة الخوف مربحة ماديا وسلطويا. إن جوهر المأساة هو الحاكم المستبد واستجارته بقوى خارجية تحميه من أبناء شعبه وتقوي سلطته ولو ضحى بهم جميعا. وفهم الوضع السياسي الحالي بخصوص الاستفتاء وما سيقود إليه، يحتاج مراجعة تاريخ وحاضر ساسة الحكومة المركزية والبارزاني، وكيف ساهموا في خراب البلد، على ضوء تنامي نزعة الاستبداد والعنصرية المعجونة بالفساد، وكيف سيقومون، بـ « الأنا» المتضخمة لديهم، في قتل المزيد من أبناء الشعب الأبرياء.

٭ كاتبة من العراق

 

العراق يرتدي السواد…

صناعة الذاكرة الجماعية الجديدة

هيفاء زنكنة

 

تشير التقارير الحقوقية الدولية والمحلية، بشكل مستمر، إلى انتهاكات حقوق الإنسان، في العراق، خاصة في مجال حرية التعبير. في المقابل، بات من المألوف استنكار النظام لهذه التقارير واتهامها بالتلفيق والتزوير، وفي أحسن الاحوال، يقوم المتحدثون باسم النظام بانتقاء ما يرغبون بترويجه من التقارير وطمس البقية. وشهدت السنوات الأخيرة حصر كل ما يصيب المواطن من مصائب، حتى الخدمية منها، بفترة ما بعد حزيران/ يونيو 2014، أي تاريخ إعلان تأسيس «الدولة الأسلامية» في مدينة الموصل، في الوقت ذاته الذي يتم فيه التعامي عن إرهاب النظام وميليشياته، المتبدية فسادا وطائفية، وإرهاب المحتل المتبدي جرائم ونهبا.
إن انتقائية النظام في التعامل مع حرية التعبير ليست عفوية، بل هناك حملة منهجية، منظمة، لمسح أحداث كارثية مر بها المواطن العراقي، ولا يزال، منذ غزو بلده عام 2003، وليس منذ عام 2014 كما يروج. تهدف الحملة الدولية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والمحلية بقيادة النظام العراقي، إلى غرس أحداث مغايرة تحتل مركز الأولوية لدى المواطن وتعمل، تدريجيا، على تصنيع ذاكرة جماعية يتلقى المواطن أبجديتها عبر وسائط متعددة. إنها عملية تصنيع وأحلال حدث، بدل آخر، لخلق ذاكرة فردية وبالتالي جماعية ليست بالضرورة جزءا من السيرورة التاريخية العضوية للمجتمع، وما ينتج عنها من تراكم معرفي يساعد على الفهم، وتدارك الكوارث غير الطبيعية كالحروب، بل غايتها نشر روح الانتقام والتمييز الطائفي والقومي. 
تؤدي أجهزة الإعلام دورا مهما في تشكيل الذاكرة الفردية وبالتالي الجماعية. وقد أدى التطور التكنولوجي في وسائل الاتصالات والتواصل الاجتماعي، إلى تسريع التشكيل وإجراء تحولات جذرية في التكوينات الرمزية للذاكرة الجماعية. فالتكنولوجيا قادرة على المسح والتشويه والتضخيم بشكل سريع ومؤثر على وعي الفرد، خصوصا إذا افتقدت الحياة اليومية التفاعلات عبر الأجيال وبين السكان في أماكن إقامتهم وعملهم. سبب هذا، كما يذكر جفري أندرو باراش، في كتابه «الذاكرة الجماعية والماضي التاريخي» هو «قدرة هذه التكنولوجيات على محاكاة التجربة المباشرة، وخاصة عن طريق الصورة، حيث تجعل الواقع أكثر وضوحا من تحديدات الذاكرة الجماعية، وغموض الماضي التاريخي الذي يقع، دائما، بعيدا عن متناول الذاكرة الحية».
ومن منظور أعم وأشمل، يقترب من التأثير السياسي والايديولوجي (أي الذي يجمع بين الفكرة والعاطفة)، يؤكد عمل باراش على الطرق التي تختار بها وسائل الإعلام، وتحدد وتنقل أحداثا معينة، ومن ثم تمنحها أهمية تجعلها في متناول الجميع كنسخة تحمل رمزية، معينة، تناسب مصالح محددة. وهي أقرب ما تكون إلى تعريف د. نورمان فنلكلشتين لـ «صناعة الهولوكوست» باعتبارها «منشأ ايديولوجي صنعته مصالح محددة»، في هذه الحالة استثمار انتقائي لجرائم النازية السابقة وتعميمها للتغطية على جرائم الصهيونية الراهنة ولابتزاز أوروبا سياسيا وماليا كالتعويضات. 
وهذا ما يحدث، إعلاميا، في العراق، في ظل «الحرب على الإرهاب»، بقيادة أمريكا. حيث يتم نشر معلومات تحمل معاني تضليلية، يتم من خلالها توجيه الوعي العام، لتشكل ذاكرة جماعية، يعاد من خلالها ترتيب أحداث التجربة اليومية. فالعراقي المحاط، في كل لحظة، بطوفان أفلام وصور وأغان وبرامج تلفزيونية، تتمحور حول تاريخ غامض تطغى عليه الأساطير، تروم تغيير تاريخه، مصورة «الآخر» كعدو، لابد أن تترسب في ذاكرته صورة مستحدثة، مقولبة بأيديولوجيا تزاوج الطائفية بالفساد وتهدف إلى إشاعة الخوف. الخوف الذي يضعف المرء ويجعله أكثر عرضة لقبول الحماية من أي كان، خصوصا إذا كان يعيش مهددا بالحرب. 
ما يزيد من ترسيخ هذه الصورة ـ صانعة الذاكرة، الاحتفالات السنوية، والطقوس الجماعية، والمهرجانات، وإقامة النصب وزيارتها. وهي محطات مهمة في تاريخ الشعوب، غالبا، إلى أن تصبح من عوامل ديمومة المظلومية والابتزاز (الهولوكوست مثالا) والفاشية وتسويق الأكذوبة الجماعية على حساب الحقيقة، وتعجيل ذوبان الفرد بالمجموعة العقائدية ابتغاء الحماية والتخلص من المسؤولية الفردية. 
وإذا كان شهر العسل بين أجهزة الإعلام والنظام العراقي الفاسد قادرا على تغطية الكثير من الانتهاكات، بضمنها ما يمس العاملين في المجال الإعلامي نفسه، إلا أن حجم الانتهاكات المتزايد وهمجيتها، خدش الصورة الناعمة عن حرية التعبير وديمقراطية النظام المتوخى حفرها في ذاكرة الناس عن سنوات الاحتلال و «محاربة الإرهاب». 
ونقرأ في تقارير لجان الدفاع عن الصحافيين، عبر السنين، السابقة واللاحقة لإعلان «الدولة الإسلامية»: «في عام 2011 ظل العراق من أخطر البلدان في العالم على الصحافيين. وصنفت لجنة حماية الصحافيين العراق على رأس قائمتها لمؤشر الإفلات من العقاب لعام 2012 « الذي يركز على عمليات قتل المتظاهرين دون عقاب، وأفادت بأنه لم تحدث إدانات على جرائم قتل الصحافيين منذ عام 2003 «. وينطبق الأمر على السلطات العراقية وحكومة إقليم كردستان الموصوفة بأنها النموذج الحقوقي لبقية العراق. وكان العراق «أسوأ دولة» في مؤشر الإفلات من العقاب الصادر عن اللجنة حول حوادث قتل الصحافيين بدون تسوية، لعام 2013. إذ لم تصدر أية إدانة في أكثر من 90 جريمة قتل لصحافيين منذ عام 2003. أما تقرير الاتحاد الدولي للصحافيين الصادر عام 2016، فقد كرر وصف العراق بإعتباره أخطر دول العالم على الصحافيين. وأصدرت لجنة حماية الصحافيين الدولية، في 23 آب/ أغسطس، تنبيها ينص على أنه «على الرغم من انحسار تواجد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، لم تتحقق زيادة في الاستقرار في البلد، إذ أدى بروز الميليشيات الشيعية من جديد، إلى زيادة المخاطر العامة التي يواجهها الصحافيون في المنطقة»، استنادا إلى سجل الميليشيات «السيء في مجال حقوق الإنسان… حيث تم توثيق ممارسات ارتكبتها بعض هذه الوحدات من قبيل عمليات إعدام بإجراءات موجزة، واختفاءات قسرية، وتعذيب، وتدمير للبيوت» خاصة بعد أن «بات لزاماً على الصحافيين الحصول على موافقات عمل من هذه الوحدات العسكرية ومن الحكومة». وتحذر اللجنة من إمكانية لجوء الميليشيات «إلى العنف كوسيلة لفرض الرقابة على التغطية الصحافية بشأن موضوعات الفساد والعنف والإساءات وانتهاكات حقوق الإنسان».
هذه المخاطر المصاحبة لمرحلة « ما بعد داعش»، المهددة للصحافيين، يعيشها المواطن ويعرف طعمها منذ مرحلة « ما قبل داعش»، وستستمر، ربما، بتصنيفات مستحدثة تلائم تصنيع الذاكرة الجديدة لعراق لا يرتدي غير السواد.

٭ كاتبة من العراق

 

 

دفاتر الناصري عن العراق والفن وذهول الأحياء

هيفاء زنكنة

 

عشرات الكتب تنشر سنويا عن العراق، معظمها لمؤلفين أمريكيين كانوا أو لا يزالون يخدمون في الجيش الأمريكي. شاركوا، لفترات متفاوتة، أما بشكل مباشر في الغزو والقتال أو بشكل غير مباشر في فرهود (نهب) «الإعمار وبناء المجتمع المدني». هذه «التجارب» يتم تقديمها إلى العالم، باللغة الإنجليزية، من منظور المحتل كمحرر يحمل عبء القيام بـ « مهمة أنسانية» أو مغامرة يرتبط أفرادها بصداقة غير عادية لايفهمها أهل البلد المحتل، تدفعهم إلى مقاتلة «متمردين وإرهابيين»، أو كدرس عسكري في محاربة التمرد، يستحق التدريس لأجيال مقبلة من قوات التوسع الامبريالي.
ما يستدعي الملاحظة عند إجراء إحصائية بسيطة لعدد الكتب المنشورة هو كثرة الكتب المنشورة منذ الغزو عام 2003، وحتى اليوم، مقابل ندرة أو انعدام النشر عن المرحلة السابقة للغزو والتي هيأت الأرضية لأكبر عدوان عسكري تشنه أمريكا، منذ اندحارها في فيتنام في سبعينيات القرن الماضي. ينطبق الأمر على النشر عربيا وعراقيا. حيث لا يتجاوز عدد الكتب المنشورة، بأقلام عراقيين مستقلين، عن الفترة التالية للهجوم الثلاثيني الذي أعقب احتلال الكويت وإخضاع العراق للحصار القاتل ( 1991 / 2003)، أصابع اليد الواحدة. لعل أقربها إلى نفوس القراء، عابرا حدود العراق إلى العالم، عمل الفنانة الراحلة نهى الراضي «يوميات بغداد»، الذي بات توثيقا، يوميا، إنسانيا، لجريمة شاملة ضد شعب، جريمة يراد نسيانها وسترها بحجاب فولاذي، خشية المساءلة ذات يوم. 
هذا الحجاب يتم اختراقه بين الحين والآخر، بواسطة أصبع ديناميت يسمى كتابا. فالكتب، وهي المصنوعة من ورق، قدرة هائلة على كسر القيود، مهما كانت مادة صنعها، وتزداد قوتها متجاوزة حدود المكان والزمان، إذا ما كانت كتبا فكرية، إبداعية، أدبية وفنية، لمؤلفين تفشل الأيديولوجيا في قولبتهم، لتبقى كلماتهم، وألوانهم، حرة طليقة، مثل البلابل التي لا يمكن تدجينها. والألوان هنا بمعناها العادي البصري وليس المجازي. في روايته «درس الماني»، المنشورة في 1968، يتناول المؤلف الألماني زيجفريد ليز، خطر اللون على النظام النازي. بطل الرواية شرطي يسكن في قرية المانية نائية، همه الوحيد تأدية واجبه حتى حين يصله أمر بمراقبة ومنع صديق طفولته الرسام من الرسم. لا يفهم الشرطي سبب المنع وما هو مصدر الخطر، فصديقه لا يرسم غير اللوحات التجريدية. يستفسر من صديقه الفنان قبل إلقاء القبض عليه. «إنها الألوان… إنها الألوان»، يجيبه الفنان. 
عن قوة اللون ومسيرة حياة حافلة بالإبداع الفني والحب، أقرأ أحد الكتب القليلة، القادرة على إضاءة حقبة زمنية عن العراق يريد البعض ركنها في زاوية مظلمة، لا تذكر. «دفاتر فنان».
يتميز الكتاب بأنه نتاج حياة فريق كامل مكون من أثنين يجمعهما ( استخدم الفعل المضارع متعمدة) حب دائم يتبدى إبداعا عراقيا صادقا فنا وشعرا، هما الفنان الراحل رافع الناصري ورفيقة عمره الشاعرة والناقدة الفنية مي مظفر التي أشرفت مع صونيا مشجر على إعداد الكتاب، وكتابة مقدمته ونشره، باللغة الانجليزية، بطباعة فاخرة تليق بحرص رافع على قيمة كل تدرج لوني يمنحه الحياة. في مقدمة الكتاب، تبقى مي مظفر أمينة لفكرة التواصل الفني التي عالجتها في كتابها «الفن الحديث في العراق : التواصل والتمايز». هذه المرة، في سردية رحلة عمر رافع الناصري، بمحطاتها المختلفة، و»دفاتره» التي تضمنت يومياته اللونية والفكرية، على مدى عقود. رحلة بدأت واستمرت، بالنسبة إليهما معا، على أرض صلبة «ترسبت عليها سلسلة من الحضارات العظيمة… يبدو أن كل هذه الحضارات قد تجذرت في وجدان الفنان العراقي، وحفرت عميقا في تاريخ ذاكرته البصرية. كما أعانته على اتخاذ موقف فكري واضح إزاء الفن ووظائفه المتعددة»، كما وصفها رافع في كتابه «آفاق ومرايا مقالات في الفن التشكيلي». 
عن الدفاتر يقول رافع: «عام 1989 اقتنيت من بكين مجموعة من الدفاتر المطوية بقياس 625 35
x سنتيمترا، تقريبا. وبعد عودتي إلى بغداد رسمت بعض هذه المطويات بطريقة الرسم بالأصابع، وهي طريقة صينية للرسم بالحبر، وقد استخدمت الاكريليك بدلا من الحبر. وكل دفتر مكرس لمكان أحببته ومنها دفتر تكريت ودفتر بكين ودفتر لشبونة ودفتر أصيلة».
على مدى السنوات كثرت الدفاتر ـ المطويات المشابهة للمنحوتات التي يتوجب على المشاهد الدوران حولها لرؤيتها كاملة. تضمنت المطويات أعمالا للاحتفاء بالشعر والفن من المتنبي والواسطي إلى الجواهري ومحمود درويش وإتيل عدنان ومي مظفر. ويبقى لبغداد الشعر والفن، دفترها. « في عام 1991، رسمت أثناء الحرب دفترا بالحجم نفسه وهو عبارة عن أكف رافضة أو محتجة باللونين الأسود والبني وهي طبعا أكفي وأصابعي التي كنت أغمسها باللون وأضرب بها الورق بحركة سريعة وانفعالية». مع الألوان الغاضبة، المشحونة بعواطف جعلته لا يعرف النوم، ظهرت كلمات. نكاد نسمعها. إنها صوت الفنان صارخا وسط ذهول الأحياء. مع الكف الأسود والأصابع المنفصلة عن الكف بلونها الأحمر، نرى: « لا.. إنها لحرب قذرة». مع انفجار الأكف باللونين الأسود والرمادي وتطاير الألوان الحمراء، نرى: «بغداد تئن من جراحها». ويمتزج اللون البنفسجي بحافة سوداء أو يلطخه كما تأثير استخدام اليورانيوم المنضب، فنرى: « بغداد تعيش الهول والرعب والفزع والخوف والغضب والحقد… منذ الساعة الحادية عشرة مساء وحتى الرابعة فجرا. خمس ساعات من القصف والحديد والبارود بين أصوات مرعبة لطائرات وصواريخ».
وتضمن يوم 2 مارس/ آذار، في دفتر بغداد، الرقم 43 مكتوبا بخط طفولي كبير، بحبر يكاد ينفذ، وأربع نقاط سود شبه مصطفة على فضاء فارغ. في الزاوية اليمنى قطرة حبر أحمر بجانبها الرقم: 91.
نقرأ: « ثلاثة وأربعون يوما من الحرب… الحرب… ليست كالأولى ولا الثانية.. بل إنها الحرب الفريدة. هي ليست الثالثة ولكنها…الحرب (
THE WAR).
انتهت… وبدأ الأسوأ والأظلم». ما ندركه جيدا، الآن، أن 1991 هو العام الذي استهل الخراب الذي يعيش العراق في ظله اليوم. فهل هو الفنان يرى أبعد مما يراه الآخرون؟

٭ كاتبة من العراق

 

 

تحذير: لا تتحدثوا عن الترياق

والحشيش والكريستال بالعراق

هيفاء زنكنة

 

لم يعد انتشار تعاطي المخدرات وبيعها، بأنواعها من حبوب الهلوسة إلى الهيروين (الترياق)، خافيا على أحد في العراق. المسؤولون في الحكومة يتحدثون عن الآفة، في استديوهات البث التلفزيوني، على مدى ساعات وساعات. الأطباء يحذرون من تزايد أعداد الشباب المدمنين وعدم القدرة على توفير العلاج. رجال الشرطة والأمن يواصلون حملات المداهمة والاعتقال، للمدمنين وعصابات المتاجرة، على حد سواء. وزارة الداخلية تحذر من تفاقم الظاهرة التي أدت إلى ظهور ظاهرة جديدة أخرى في المجتمع هي اغتصاب الأطفال. منظمات المجتمع المدني، بالتعاون مع المنظمات الدولية، تقيم الندوات وورشات التوعية للمسؤولين (مع اهمال المدمنين)، لتنبيههم إلى المخاطر. واذا ما وضعت مفردتي المخدرات والعراق في آلة البحث الالكتروني «غوغل»، حتى يتجسد حجم الكارثة، متمثلا بآلاف العناوين الخاصة بالعراق، المتضمنة مفردات مثل: تعاطي، انتشارها بين الشباب، الإدمان، الدعارة، حبوب الهلوسة، الجنوب يشتكي، أطفال يتعاطون، تنامي تجارة المخدرات، إقليم كردستان، مدينة المخدرات، طريق المخدرات، من المسؤول، إيران، ومصنع للمخدرات.
هناك، أيضا، تحقيقات مصورة، ترينا حال الضحايا من الاطفال والشباب، ولوعة الاطباء لعدم توفر امكانية توفير العلاج، من داء صار تأثيره واضحا للجميع، في بلد كان، قبل ان يصل اليه الغزاة، واحدا من البلدان النظيفة من المخدرات. كانت هناك، بالتأكيد، حالات فردية، تبدت بتناول بعض العقاقير وشم الغراء، في الشهور السابقة للاحتلال، الا ان المجتمع، لم يعرف تعاطي المخدرات وتهريبها كظاهرة، متمددة بين شرائح مختلفة، بشكلها الحالي. مما يدفع إلى التساؤل عن الاسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه.
تشير اصابع الاتهام، في معظم التقارير، إلى ان إيران، تلعب دورا في انتشار المخدرات وتهريبها، لعدة أسباب، أولها ان الجمهورية الإسلامية، نفسها، تعيش في ظل تفشي استخدام المخدرات، وأكثرها شيوعا، لرخصه، هو الترياق (الهيروين)، البديل لتناول الكحول بسبب تحريم الأخير دينيا وقانونيا، وادعاء عدم وجود تحريم ديني صريح للترياق، لا يزيد عن كونه حيلة شرعية هزيلة، وتعبيرا عن خلل في المجتمع الإيراني يتغاضى عنه النظام الديني لتكريس مصلحته الخاصة. وثاني الأسباب كون إيران، سوقا وممرا للهيروين الأفغاني، الذي لم يعد خافيا تدخل المخابرات الأمريكية (السي آي أي) في تشجيع تسويقه. السبب الآخر هو توافد الزوار الإيرانيين إلى مدينة كربلاء، خاصة، لأداء مراسيم الزيارة، بأعداد هائلة، بدون تدقيقات حدودية، الأمر المشجع لمروجي المخدرات من الإيرانيين وغيرهم، بجلب بضائعهم، بحثا عن مستهلكين محليين أو عبورا إلى دول مجاورة. اذ يشكل العراق، كما ذكر تقرير مكتب مكافحة المخدرات التابع للأمم المتحدة، ممرا جيدا ومخزن تصدير في آن واحد، بسبب ضعف الرقابة الحدودية. اجتماعيا، هناك مقاتلي الميليشيات المدعومة إيرانيا أو التي تم تأسيسها في إيران منذ الثمانينات، التي تربى بعض افرادها والجيل التالي، على تعاطي الترياق والحشيش، باعتبارهما من الامور المقبولة ثقافيا ومجتمعيا، كما هو مضغ القات في اليمن، مع اختلاف التأثير والنتائج. وهم بحاجة إلى تغذية إدمانهم الذي ينعكس على موقفهم من تعاطي المخدرات وتداولها، بعد ان اصبح قادتهم ساسة متنفذين بالعراق.
لا يمكن حصر مسؤولية الجمهورية الإسلامية بالجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية فحسب، بل ان هناك مسؤولية سياسية ـ اقتصادية يتحملها، معها، بعد أن أسس لها، الاحتلال الانكلو ـ أمريكي وساسة الحكومة العراقية، بالاضافة إلى تنظيم « الدولة الإسلامية». فتجارة المخدرات، زراعة وتصنيعا وترويجا، مربحة لكل الاطراف المذكورة. وهناك أمثلة تاريخية تثبت ان توفيره في اسواق الدول المستعمرة، التي يراد اخضاعها، بلا مساءلة قانونية أو عقاب، ومع تردي الاوضاع الاقتصادية وتنامي روح اليأس والاحباط، يدفع الشباب إلى تعاطيه وتحويلهم إلى عبيد، مسلوبي الارادة، من السهل تسخيرهم للقيام بأي عمل يطلب منهم. وهل هناك ما هو أكثر عبودية من الخضوع للغزاة؟
أبرز مثال تاريخي، هو قيام التجار الانكليز بغمر الاسواق الصينية بالأفيون، منتصف القرن السابع عشر، وحين شرع المسؤولون الصينيون قوانين لمنع تعاطيه واستيراده، أعلنت بريطانيا الحرب على الصين التي أطلق عليها أسم «حرب الأفيون» باعتبار القوانين الصينية تجاوزا على التجارة العالمية الحرة. واليوم، يتم تدريس حرب الأفيون، في المدارس الصينية، باعتبارها بداية «قرن الإذلال» الاستعماري ـ الذي انتهى مع إعادة توحيد الصين بقيادة الرئيس ماو عام 1949. وتزودنا فضيحة إيران / كونترا ـ التي ساعد خلالها الكولونيل الأمريكي أوليفر نورث على اتمام صفقة بيع الأسلحة لإيران اثناء الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، لتمويل حرب الكونترا في أمريكا الوسطى ـ بمثال آخر يتبدى بقيام نورث باستخدام شركات نقل جوي وبحري معروفة بأنها ناقلات للمخدرات، في الوقت نفسه. كما أشارت تقارير عديدة إلى انخراط جنود الاحتلال الأمريكي، بالعراق، في تهريب وتوزيع وتعاطي المخدرات أنفسهم، وما سببه ذلك من مجازر، من بينها اغتصاب وحرق الطفلة عبير الجنابي وقتل كافة افراد عائلتها، قرب مدينة المحمودية، في 12 آذار/مارس 2006.
محليا، يشكل التهريب مصدرا مربحا جدا للاحزاب السياسية وميليشياتها، أما عن طريق المشاركة الفعلية بالتجارة أو التغاضي مقابل ثمن أو نتيجة ابتزاز. وفي ظل الفساد الكلي الشامل تتعدد الاساليب. فمقابل منع تناول الكحول، هناك قبول علني أو مبطن بتعاطي المخدرات. في احدى خطب عمار الحكيم، رئيس المجلس الأعلى الإسلامي، سابقا ورئيس حزب بيت الحكمة حاليا، وهو أحد الذين ترعرعوا في الجمهورية الإسلامية، ينصح الحكيم جمهور مستمعيه، في حزيران/يونيو 2017، عن وجوب تعاطي المخدرات « كالحشيش والكبسول والكريستال في الاماكن المخصصة لها» باعتبار «واذا ابتليتم فاستتروا»، محذرا الآخرين من التبليغ عنهم « لأن الله يحب الساترين».
لتوضيح سبب تعاون الادارة الأمريكية مع تجار المخدرات، وبالضرورة الأنظمة التي تتغذى على الفساد وما يجره من أنشطة غير مشروعة، يقول جوناثان وينر، المبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا : «ستتعامل، دائما، مع مهربي مخدرات وتجار أسلحة ومهربين أجانب… لأنهم من نوع الناس الذين ستعتمد عليهم لتنفيذ حرب سرية… وهذا صحيح بالنسبة لأية حكومة في أي مكان ـ سواء كنت تتحدث عن أفغانستان، كولومبيا، جنوب شرق آسيا أو بورما، إذ تميل لتحقيق أنشطتك إلى التعاون مع أشخاص يشاركون في أنشطة غير مشروعة أخرى، وهذه الأمور أقرب ما تكون إلى التماثل». مع وجود حكومة مخدرة بالفساد ودولة فاشلة، هذا هو، بالضبط، ما تقوم به الادارة الأمريكية والجمهورية الإسلامية، معا، في العراق.

٭ كاتبة من العراق

 

 

المساعدة الغذائية الأمريكية:

وجبة طعام لطفل قبل قصفه

هيفاء زنكنة

 

من بين التغييرات التي يعمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ادخالها منذ توليه الرئاسة، تغيير القوانين المتعلقة بالمساعدات الإنسانية الغذائية إلى العالم، بنوعيها المباشرة التي تتم عبر منظمة الغذاء العالمي للأمم المتحدة، وغير المباشرة التي تقوم بها المنظمات المحلية التابعة لمؤسسات الغوث الأمريكية ومنظمات المجتمع المدني. تقوم برامج المساعدات الغذائية للأمم المتحدة، بتوفير الغذاء لملايين الناس، اما بشكل مواد عينية أو مادية، كمساعدات عاجلة، كما في حالات الكوارث والحروب أو لمحاربة الفقر، وتشكل المساعدات الأمريكية حوالي 40 بالمئة منها. تقوم أمريكا بتقديم المساعدات، عموما، بشكل أغذية، تحمل ختم «هدية من الشعب الأمريكي». فهل هي هدية لاطعام المنكوبين وتأهيل المجتمعات الفقيرة، فعلا، ام انها خاضعة لأجندة سياسية واقتصادية، لا تساعد بل تعيق؟ 
أصدر ترامب أمرا بالغاء برنامجين كبيرين للعون الغذائي هما «غذاء من أجل السلام» الذي أسسه الرئيس ايزنهاور عام 1954 للتخلص من محاصيل الحبوب الفائضة عن حاجة أمريكا إلى الدول الفقيرة، و»برنامج ماكغوفرن الدولي للأغذية من أجل التعليم وتغذية الطفل» التابع لوزارة الزراعة، والاردن هي احدى الدول المستفيدة منه. جوبه الالغاء بمعارضة اتحادات المزارعين ومستخدمي المنتجات الزراعية وعمال التعبئة والنقل البحري، أي الجهات المستفيدة، بالدرجة الاولى، داخل أمريكا، من برامج المساعدات، فتم الغاء القرار. أصدر البيت الأبيض أمرا تنفيذيا يفرض نقل المساعدات الغذائية الأمريكية على متن سفن ترفع علم الولايات المتحدة بينما يقتضي القانون الحالي رفع نصف السفن العلم الأمريكي. بالاضافة إلى هذه التغييرات التي ستنعكس على ملايين النازحين والمهجرين في العديد من البلدان، من بينها سوريا والعراق واليمن والسودان، صرح رئيس منظمة الغذاء العالمي للأمم المتحدة دافيد بيسلي، قائلا في ظل الحرب بالعراق : «نحن في خطي الهجوم والدفاع الاماميين ضد التطرف والإرهاب». حيث ربط بيسلي المساعدات الإنسانية، بسياسة الأمن القومي و»الحرب على الإرهاب». وعلى الرغم من معرفة الكل ان المساعدات الإنسانية لم تكن يوما مجانية، ونظيفة من المصالح السياسية والاستغلال الاقتصادي، الا ان تصريحات الادارة الأمريكية، أخيرا، اعادت التساؤلات حول ماهية المساعدات، وفاعليتها على المستويين القريب والبعيد، ومدى ارتباطها بالمصالح الامبريالية. فما هو الخطأ في برنامج المساعدات الغذائية الحالي، وكيف يؤثر على مجمل برامج المساعدات، بضمنها برنامج الأمم المتحدة؟ 
يلخص تقرير أوكسفام – أمريكا بالاضافة إلى العديد من الدراسات الاقتصادية، من بينها دراسة لكاتارينا واهلبرغ، مستشارة تنسيق السياسات الاجتماعية والاقتصادية في منتدى السياسات العالمية، الوضع بأنه: 
أولا : 85 بالمئة من المساعدات المقدمة من برنامج الغذاء ليس هبة لوجه الله تعالى بل مشروط. فالولايات المتحدة تختار بانتقائية سياسية، مساعدة بلد ما دون غيره، وليس تبعا لحاجة الشعوب. ثانيا: شراء المعونة الغذائية في الولايات المتحدة نفسها اي من المزارع والتجار الأمريكيين انفسهم، وليس في مناطق اقرب لمن يحتاجها، ونقلها على متن سفن أمريكية، يعني انها «تجارة مربحة» وعملية ذات بعد تنموي اقتصادي داخل أمريكا. ثالثا: شراء ونقل المواد الغذائية من الولايات المتحدة يستغرق ما بين أربعة وستة اشهر للوصول إلى وجهتها النهائية. مما يجعل المساعدة غير ذات قيمة في حالات الطوارئ المفاجئة. رابعا: ان تكاليف النقل والشحن تجعل المعونة الغذائية الأمريكية أكثر تكلفة من شراء الأغذية أقرب إلى منطقة الحاجة. وفي الوقت الراهن، لا يصل المحتاجين غير 40 سنتا من كل دولار ينفق على الحبوب الأساسية للحصول على المعونة الغذائية، تنتهي غالبية الاموال في جيوب وسطاء. هذه اللوائح تحمي المصالح الخاصة، على حساب الجياع، حسب منظمة «اوكسفام – أمريكا». خامسا: تقوض المعونة الغذائية، غالبا، الإنتاج الزراعي المحلي في البلدان المستفيدة وتهدد الأمن الغذائي في الأجل الطويل. والواقع أن بعض البلدان المانحة قد وضعت برامج للمعونة الغذائية تعزز في المقام الأول مصالحها الداخلية بدلا من مساعدة الجياع. فعلى سبيل المثال، أنشأ المشرعون برنامج المعونة الغذائية في الولايات المتحدة لتوسيع أسواق صادرات الولايات المتحدة والتخلص من الفوائض الزراعية الناتجة عن إعانات المزارع المحلية. سادسا: تغير المعونة الغذائية، أحيانا، أنماط الاستهلاك في البلدان المتلقية. فنتيجة اغراق اسواق كوريا الجنوبية، مثلا، بالقمح الأمريكي أثر على زراعة المحاصيل المحلية التي باتت، بالنتيجة، ذات تكلفة أعلى من القمح. تباهى أحد مسؤولي وزارة الزراعة الأمريكية، قائلا: «لقد علمنا اكل القمح لناس لم يأكلوه من قبل». سابعا: تقوم أمريكا بتوفير المحاصيل المعدلة وراثيا المنتجة من قبل شركات الأعمال الزراعية الكبرى، مثل مونسانتو، كمساعدات غذائية، على الرغم من المخاوف المحيطة باستهلاك هذه المحاصيل ورفض عدد من الدول استلام هذه المساعدات، الا ان حاجتها في اوقات الكوارث خاصة والضغط الأمريكي يدفعها إلى القبول. وكانت «مونسانتو»، قد نجحت عام 2013، بتمرير ما يسمى بـ»قانون حماية مونسانتو» الذي يمنحها حصانة قانونية، إذ أصبح من الصعب مقاضاتها حتى لو ثبت أن منتجاتها تسبب أضرارا صحية وبيئية.
ما أثبتته برامج المساعدات والمعونة حتى الآن انها فشلت في القضاء على الجوع. وأثبتت فشلها في توفير المساعدة الملحة في العديد من حالات الكوارث الطبيعية والحروب. فهي، بمجملها، تقريبا، خاضعة لأجندات سياسية واقتصادية، تسبب، أحيانا، ضررا مستديما بدلا من العلاج. وسيزداد ضررها، إذا ما استمرت أهدافها وهيكليتها وطريقة تنفيذها بوضعها الحالي. حلا لهذا الوضع المتردي تقترح «أوكسفام» تحرير الأموال لشراء المزيد من الغذاء محليا، في حالات الطوارئ القصوى وإنهاء بيع المعونة الغذائية الأمريكية في البلدان النامية في الحالات غير الطارئة، لأنها، كما أثبتت عشرات الأمثلة على مدى عقود، تؤدي إلى قتل الناتج المحلي ويزيد المجتمع بطالة وفقرا واعتمادا على المساعدات الخارجية. 
النقطة الأهم، التي لا تشير اليها منظمات المساعدات الدولية، بضمنها الأمم المتحدة و»أوكسفام» معا، هي دور الدول الكبرى المانحة للمساعدات «الإنسانية» في شن الحروب وتصنيع النزاعات، ومسؤوليتها فيما بات معروفا بـ «صناعة الفقر» والذي يشكل تحصيل حاصل لصناعة الحروب وبيع السلاح. فما فائدة منح الطفل العراقي أو السوري، وجبة طعام مجانية في المدرسة، إذا كانت مدرسته ستقصف، بعد دقائق، بطائرات أمريكية؟

٭ كاتبة من العراق

 

سفيرة الأمم المتحدة بين المأساة

الايزيدية وواجب اسرائيل الاخلاقي!

هيفاء زنكنة

 

نادية مراد، شابة عراقية، عمرها 23 عاما، تم أختيارها في سبتمبر/ أيلول 2016، سفيرة الأمم المتحدة للنوايا الحسنة. سبب اختيارها للمنصب الفخري انها من الأقلية الأيزيدية، في العراق، التي تعرضت، إلى جريمة تهجير واغتصاب وقتل، تم وصفه بالابادة الجماعية، من قبل تنظيم «الدولة الإسلامية»، في مدينة الموصل، حيث قام التنظيم، عام 2014، باختطاف عدد كبير من النساء كسبايا، وكانت نادية واحدة من المختطفات اللواتي عشن مأساة البيع والاغتصاب المتعدد، الا انها تمكنت من الفرار، من جحيم الموت الجماعي، بعد ان لجأت إلى عائلة «مسلمة سنية مصلاوية»، ساعدتها على الهرب من الموصل، حسب شهادتها المتوفرة على اليوتيوب. 
في خضم الاقتتال والتهجير، في مدينة الموصل وضواحيها، وما صاحبها من تغطية اعلامية، محلية وعالمية، مكثفة، المسايرة لحملة « الحرب على الإرهاب»، صارت نادية، بملامحها السمحة، والسواد الذي ترتديه حزنا على أخوتها وأهلها وابناء طائفتها، بالاضافة إلى نحافتها ومنظرها الفتي، الذي يدفع من يلتقيها ويسمع حكايتها المأساوية، إلى الرغبة باحتضانها، أملا بحمايتها من بلاء آخر قد تتعرض له، صارت نادية الوجه/ الرمز المعروف انسانيا واعلاميا (جانبان قلما يلتقيان) للمأساة الأيزيدية. 
خلال فترة قياسية، تم تسليط الاضواء عليها، اعلاميا، كممثلة لمأساة أيزيدية، فقط، لا علاقة لها بمآسي بقية الموصل والعراق، عموما. ولم يحدث، الا نادرا، تقديم نادية كعراقية، فهي أما أيزيدية أوايزيدية كردية. قد يكون السبب، انها لاتزال تعيش فترة ما بعد الصدمة، وما تسببه من نسيان، أو انه خطأ اعلامي تم تناقله، بدون تدقيق صحته مع نادية، وهي المنغمرة بالاهتمام الاعلامي الغربي، المكثف، وحضور المؤتمرات، والسفر إلى بلدان متعددة، وخاصة بعد ترشيحها للفوز بجائزة نوبل للسلام وتعيينها سفيرة الامم المتحدة، دفعة واحدة. وهوتقدير تستحقه نادية، بعد ان انخرطت في العمل كناشطة حقوقية، كغيرها من نساء ورجال يرشحون لهذه المناصب، بعد مأساة إنسانية يمرون بها. الافتراض العام هنا، ان من يعيش تجربة قاسية، يدرك جيدا معنى اضطهاد الفرد والشعوب، وبالتالي، سيعمل، حسب امكانياته، على التوعية بمآسي التهجير والتعذيب والقتل والابادة، باذلا جهده لئلا تتكرر.
إزاء هذا الفهم المتفق عليه انسانيا، أجدني، منذهلة، لتوجه نادية إلى نظام الفصل العنصري ومشاركتها في مؤتمر أقيم في الكنيست، تعاطفا مع «الأقلية الأيزيدية في العراق». وانها دعيت لأن «من واجب إسرائيل الأخلاقي الاعتراف بالجريمة النكراء التي تعرض لها الإيزيديون، من منطلق تاريخنا والتزام مؤسسي الدولة بالوقوف إلى جانب كل شعب في العالم». حسب عضوالكنيست كسينيا سفاتلوفا.
هل هناك اسفاف واهانة لذكاء الناشطة الحقوقية نادية، قبل غيرها، اكثر من هذا؟ عن أي واجب أخلاقي يتحدث عنه ساسة نظام مبني على جثث أهالي البلد الفلسطينيين؟ كيف يمكن توقع العدالة من نظام مبني على أرض محتلة، وشعب تم تهجيره بأبشع الطرق، ومن بقي منه معرض للأسر والتعذيب والقتل، في كل لحظة من ساعات الليل والنهار؟ 
هل هي السذاجة التي قادت نادية إلى الوقوف، دامعة العينين، لتحدث أعضاء الكنيست الذين يمارسون سياسة التشريد والقتل، يوميا، بحق الفلسطينيين، عما تعرض له «شعبها» من تشريد وقتل؟ ربما لصغر سنها وقلة خبرتها. فكرت، لعلها، أيضا، لم تطلع على تاريخ المنطقة، ولا تعرف ما هي النكبة والنكسة ويوميات الاحتلال؟ لكنني استبعدت الفكرة حين استمعت اليها، قائلة في مقابلة تلفزيونية «لقد درست التاريخ»، فعن أي تاريخ تتحدث؟ هل هناك كتاب تاريخ، في بلادنا، لا يدرس تاريخ الحركة الصهيونية وكيفية احتلال فلسطين؟ ألم تقرأ عن مجزرة دير ياسين وكفر قاسم وغيرهما؟ والآن، ألم تستعد، ذلك التاريخ، لتتوقف عنده قائلة هذا يشبه ما حدث لشعبي، وعلي الا أسمح للمجرمين باستخدامي كصابونة رخيصة لغسل أيديهم من دماء شعب آخر؟ 
«لا اقبل لاحد ان يساوم على عملي، فعملي له اطار انساني ورسالة عالمية وساستمر للدفاع عن حقوق شعبي الايزيدي الذي يعاني من الاضطهاد، إلى جانب الدفاع عن كافة الفئات المستضعفة والمهمشة». هكذا بررت نادية موقفها، في بيان أصدرته، بعد ان استنكر الزيارة العديد من العراقيين. مضيفة: « لدي موقف حيادي من كافة الصراعات الدائرة في منطقة شرق الاوسط وملتزمة برسالتي الإنسانية للدفاع عن كافة المضطهدين وفي اي بقعة من العالم كانت».
تقول نادية انها ملتزمة بـ «الدفاع عن كافة المضطهدين وفي اي بقعة من العالم كانت». فلنستعد، معها، حصيلة هجوم أسرائيلي واحد فقط على قطاع غزة المحاصر، المعروف بأنه « اكبر سجن في العالم» لمليوني فلسطيني. المفارقة المؤلمة ان الهجوم والقصف الاسرائيلي عام 2014. أي ذات الفترة، تقريبا، التي تعرض فيها أهل الموصل ومن بينهم الايزيديون إلى الهجوم والتهجير الداعشي. نقرأ في تقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان حصيلة الهجوم الذي سماه الجيش الاسرائيلي «عملية الجرف الصامد»، ان هناك 1742 قتيلا، منهم 7431 مدنيا، أي ان اربعة من كل خمسة من الضحايا، في الخمسين يوما، وحدها، كانوا مدنيين، بينهم 530 طفلا و302 امرأة. والى جانب اكثر من الفي قتيل وقتها سقط من الفلسطينيين 10,870 جريح، بينما ثلث الأطفال الجرحى سيعانون من إعاقة دائمة. ولقد ابيدت عوائل فلسطينية بأكملها، وفقدت 145 عائلة فلسطينية 3 أوأكثر من أفرادها.
أما عن الدمار المادي، فهناك ما يزيد على 17 ألف منزل مدمر، وحوالي 100 ألف مهجر فلسطيني بلا مأوى، كثير منهم من اللاجئين إلى غزة، أصلا، بسبب الاحتلال الاسرائيلي والتهجير في 1948 و1951 و1967. دمر القصف الاسرائيلي 62 مسجدا بالكامل و109 جزئيا. ودمرت كنيسة فلسطينية جزئيا. كما دمرت 10 مقابر إسلامية ومقبرة مسيحية.
عدد الهجمات الإسرائيلية كانت: 210 8 صاروخ جوي، 736 15 قذيفة بحرية، و718 36 قذيفة برية. من بين ما استهدفته 9 محطات لمعالجة المياه، 18 منشأة كهربائية، 10 مستشفيات، 19 مركزا صحيا، 36 سيارة إسعاف.
ويعيش أهل غزة اليوم بعشر ما كان لديهم من الماء والصرف الصحي والكهرباء، وبأقل القليل من الخدمات الصحية. وفي مجال التعليم والثقافة فقد دمرت 222 مدرسة، منها 141 مدرسة حكومية و76 مدرسة تابعة للأونروا و6 جامعات، و48 جمعية. 
تقول نادية في بيانها «لدي موقف حيادي من كافة الصراعات الدائرة في منطقة شرق الاوسط». أقول: عزيزتي نادية. ان الموقف من قضايا الشعوب المضطهدة العادلة لايمكن ان يكون حياديا. والموقف من نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) المؤسس على قمع الفلسطينيين بسياسات وممارسات شتى بهدف فرض سيطرة جماعة عرقية عليهم يرقى إلى التطهير العرقي (كما حدث لشعبك)، لا يمكن ان يكون حياديا. تجاهل هذه الحقيقة، ومساواة الضحية (الفلسطيني) بالجلاد (اسرائيل) يقود إلى مسار خطر جدا، سينعكس سلبا ضمن منطق «الموقف الحيادي» فيساوي، ذات يوم، بين الضحية (الايزيدية) والجلاد (داعش)، وهذا، على الأقل، ما لن ترغبي بحدوثه.

٭ كاتبة من العراق

 

 

مئة ضابط أمن متورطون

في عمليات تعذيب في الموصل

 

هيفاء زنكنة

 

ذكر نائب رئيس مجلس مدينة الموصل دلدار الزيباري « أن هناك نحو مئة مذكرة توقيف صادرة من مجلس القضاء الأعلى ضد ضباط يعملون في أجهزة الأمن والجيش، بتهم تعذيب معتقلين وانتزاع اعترافات بالقوة في معتقلات مدينة الموصل» . وأن وزارة الدفاع لم تعمل على إحالة المتهمين في قضايا تعذيب ابناء الموصل رغم التأكيدات والوثائق الرسمية التي قدمها مجلس المدينة لهم . وأوضح أن تهمة الإرهاب ما زالت هي التهمة الموجهة لمعظم المواطنين من أبناء الموصل المعتقلين من الذين تم مداهمة دورهم واعتقالهم من دون مذكرات توقيف صادرة في حقهم».
يرجى الانتباه. تاريخ نشر الخبر هو 18 / 9/ 2010. أي قبل اربع سنوات من احتلال «داعش» للموصل، وخمس سنوات، قبل اعلان حيدر العبادي، رئيس الوزراء، الانتصار على «داعش»، وخمس سنوات قبل انتشار فيديوهات التعذيب والاعدام الفوري لمن تقبض عليهم قوات الجيش والميليشيات، بتهمة الانتماء الى داعش، من أهل الموصل، وقبل ان يصبح الصاق تهمة «الداعشية» بكل من يطالب بالتحقيق بجرائم التعذيب وسيلة للتغطية على ذنوب الصمت وانتقائية حقوق الانسان. وأن النقطة الاهم التي جعلتني أعيد نشر الخبر القديم، هي عدم تنفيذ مذكرة القاء القبض، وعدم مساءلة او معاقبة أي من المتهمين المائة، على الرغم من توفر الوثائق. وهذا هو، بالضبط، ما يحصل اليوم . 
فما أسس له المحتل من تعذيب بلا مساءلة في أبو غريب، وشرعنة بتسليم المعتقلين الى قوات أمنية عراقية «لاستخلاص» الاعترافات، وجعل تهمة الارهاب مسوغا لكل الممارسات الوحشية، اضافة لعدم تسجيل اعداد الضحايا ومنع نشر اي معلومات اخرى عما يجري، لايزال هو العملة المتداولة، حاليا. آخرها توثيق منظمة «هيومن رايتس ووتش» قيام القوات العراقية باحتجاز واعتقال ما لا يقل عن 1200 رجل وصبي في ظروف لا إنسانية من دون تهمة، وفي بعض الحالات تعذيبهم وإعدامهم بحجة انتمائهم إلى داعش» اثناء معركة الموصل، فقط.
فهل هي مسؤولية بضع تفاحات فاسدة فقط أم أنه الصندوق الذي وضعت فيه وحولها الى تفاحات فاسدة، كما تساءل عالم النفس الاجتماعي فيليب زمباردو؟ كيف الوصول الى الحقيقة حين يقف رئيس الوزراء، في مؤتمره الصحافي الأسبوعي (19 تموز / يوليو) متهما منظمات حقوق الانسان، من بينها منظمة « هيومان رايتس ووتش» و « العفو الدولية» ب «تشجيع الإرهابيين على قتل الأبرياء»، و «التحريض على الطائفية»، أو تسارع نائبة، معروفة، ببكائها وأغمائها، دفاعا عن «حقوق شعبها» الى اتهام المنظمات بانها «مدفوعة الثمن مسبقا»، ويتبرع «عسكري» بتبرير التعذيب والاعدامات الميدانية باعتبارها «تحدث في كل الحروب»، بينما يختفي أكاديمي خلف قناع «جرائم النظام السابق» ولا يتطرق الى انتهاكات النظام الحالي التي وصلت حد العقاب الجماعي وجرائم الحرب؟ كيف الوصول الى الحقيقة، والمسؤول يشارك النائب والمثقف، تصريحات الانكار بدلا من التحقيق، والقيام، ولو مرة واحدة، بالقاء القبض على المتهمين بجرائم التعذيب، ومعاقبتهم ان ثبتت عليهم التهم، ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه الخروج على القانون، والاكتفاء باطلاق التهم، جزافا، باسلوب تحريضي، شعبوي، ضد تقارير تغطي أحداثا موثقة بالتاريخ والمكان والصورة والفيديو، فهذا يدل أما على قصور عقلي، أو القبول الضمني بالجرائم ومنح مرتكبيها الحصانة لارتكاب المزيد، أو الاستهانة بانسانية المواطن وكرامته وحقه بالحياة، أو كل هذه الاسباب مجتمعة.
ليست هذه هي المرة الاولى التي يستهين فيها مسؤول عراقي بحق المواطنين بالحياة والكرامة. فحين جوبه رئيس الجمهورية السابق، جلال طالباني، بصور تعذيب المعتقلين من قبل قوات الاحتلال الامريكي، في أبو غريب، اعتبر التعذيب عاديا ولا يقارن بما كان يحدث في سجون صدام حسين، وكأن تعاونه مع المحتل في غزو العراق، كان للاستزادة وتنويع طرق التعذيب. أما نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق، فله ولطاقمه يعود الفضل باستشراء المعتقلات السرية في ارجاء البلد، من بينها سجن المثنى الخاضع لإشراف مكتبه العسكري مباشرة. للاطلاع على لمحة بسيطة، عما كان يجري فيها، هناك تقرير « العراق: المحتجزون يكشفون تفاصيل التعذيب أثناء الاحتجاز السرّي: مسؤولو الادعاء تواطئوا على كافة المستويات» في 27 أبريل 2010 . حيث تعرض المعتقلون، البالغ عددهم 430 وهم من اهل الموصل، بالاضافة الى الضرب والصعق بالكهرباء والحرمان من النوم الى «أساليب تعذيب أخرى إضافية. إذ وصفوا قيام بعض المحققين ومسؤولي الأمن باغتصاب بعض المحتجزين بمقشات خشبية ومسدسات، كما اغتصب المحققون المحتجزين الأحدث سناً، الذين تم نقلهم بعد ذلك إلى مواقع احتجاز مختلفة. وقال بعض الشبان إنهم أُجبروا على أداء الجنس الفموي للمحققين والحراس. كما أجبر المحققون بعض المحتجزين على الاعتداء جنسياً على أحدهم الآخر. وقام مسؤولو الأمن بجلد المحتجزين بأسلاك كهربية غليظة، ونزعوا منهم أظافر اليدين والقدمين، وحرقوهم بالأحماض والسجائر، وكسروا أسنانهم. وإذا استمر المحتجز في رفض الاعتراف، يهدده المحققون باغتصاب زوجته وأمه وشقيقاته وبناته. وتدوم جلسات الاستجواب عادة ثلاث إلى أربع ساعات، وتقع كل ثلاثة إلى أربعة أيام». وبعد أن كتبت الصحافة الاجنبية عن الانتهاكات، قالت الحكومة العراقية إنها ستحقق في « مزاعم التعذيب» . وكانت النتيجة: لا شيء. 
تأتي محاججة « المثقف» بأن التعذيب والاعدام الميداني سمة من سمات الحروب، صحيحة الى حد ما، لولا ان الشعوب المتحضرة، لادراكها مدى وحشية الحروب، عملت على مدى عقود، لوضع قوانين حرب دولية وانسانية تتوخى الحد من الوحشية، وفرضت على الدول والحكومات الموقعة على قوانين الحرب مسؤولية تطبيقها. الأمر الذي يجعل الحكومة العراقية مسؤولة عن التحقيق في صحة الانتهاكات وتجريم مرتكبيها لا انكارها، وحماية مرتكبيها، وتوجيه الاتهامات الى من يقوم بتوثيقها. 
لم تعد اسباب «الارهاب»، كما هي أسباب شن الحروب، سرا . وأكثرها وضوحا، أسباب تفشيه في بلادنا حيث يعيش المواطنون القهر، والظلم، والجريمة وانسداد أفق استرجاع الحقوق، واهانة الكرامة الانسانية، والتمييز بأنواعه. ووضع حد للارهاب يبدأ بإقناع المواطنين بأن هناك خيارا آخر غير اللجوء إلى العنف يمر عبر سيادة القانون والقضاء على التمييز بأنواعه، وتقع المسؤولية الأولى على عاتق الحكومة، يليها العسكري والاكاديمي، وليست المنظمات الارهابية، للاعتراف بذلك والعمل على تحقيقه .

٭ كاتبة من العراق

 

مصير ساسة النظام العراقي:

تفاحة فاسدة واحدة!

هيفاء زنكنة

 

فيديو1: جنود عراقيون يعذبون أسيرا يشبه في نحافته المرضية أسرى المعتقلات النازية. كما لو كانوا في حفلة، لا يكتفي حوالي عشرة منهم بالمراقبة بل ينتظر كل واحد منهم دوره، بفارغ صبر، للمساهمة بالتعذيب الجماعي. يسحلون الأسير ثم يرمونه من حافة جرف. بنشوة من حقق انتصارا، يحتفلون باطلاق النار عليه، وعلى أسير آخر، كانوا قد رموه سابقا. 
فيديو 2 : يمزق جندي وجه أسير بسكين. لولا البزة العسكرية، وعدم حرفية الاخراج، لظننا ان الجندي ارهابي من داعش.
فيديو 3: تعذيب أسير شبه عار قبل قتله. 
هذه نماذج من عشرات الفيديوهات الكابوسية التي قام الجنود العراقيون، أنفسهم، بتصويرها ونشرها على الانترنت، في الوقت الذي كان رئيس الوزراء حيدر العبادي يلقي فيه خطاب النصر ضد قوى «الظلام والوحشية والإرهاب»، في 10 تموز / يوليو. ولاتزال احتفالات القوات العراقية والحشد الشعبي بـ»النصر» مستمرة في الموصل ومدن أخرى بذات النمط. حيث وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الحقوقية الدولية، في تقريرها المعنون « العراق: موقع إعدام قرب المدينة القديمة في الموصل: يجب إجراء تحقيق ومعاقبة المسؤولين عن أي جرائم حرب» الصادر في 19 تموز/ يوليو، «احتجاز واعتقال القوات العراقية ما لا يقل عن 1200 رجل وصبي في ظروف لا إنسانية ومن دون تهمة، وفي بعض الحالات تعذيبهم وإعدامهم، بذريعة انتمائهم إلى داعش» بالاضافة الى «شهادات مفصلة عن التعذيب والقتل خارج القضاء بحق عناصر «داعش» المشتبه بهم، المأسورين من قبل عناصر الأمن والجيش العراقيين». 
ما يميز حالات التعذيب والقتل، في الموصل، عما تعودنا عليه في معتقلات النظام العديدة، في ارجاء العراق، كما يميزها عن سردية التعذيب تحت الانظمة السابقة، هو تصويرها ونشرها من قبل قوات الامن والجيش، مما يعني انها لم تعد معنية باخفاء بشاعة افعال، تعتبر خارج نطاق القانون وتستوجب المحاسبة، أولا، وأنها فخورة بما تفعله الى حد التصوير والنشر، ثانيا. فهي تعرف، جيدا، بأنها لن تخضع للمحاسبة، مما يمنحها الحصانة لتفعل ما تشاء على مستوى اعتقال وتعذيب وقتل الاشخاص ونهب البيوت وتفجيرها، كعقاب جماعي، لمجرد الاشتباه. فحرية التعذيب والقتل، مكفولة من قبل مؤسسات النظام، بدءا من مكتب رئيس الوزراء الى الهيئات الأمنية والقضائية، مرورا بأعضاء البرلمان، الذين يتعاملون مع مبادئ حقوق الانسان، باعتبارها مفصلة حسب الطائفة أو القومية التي ينتمون اليها، فقط، وليست للجميع . لذلك، بات انكار النظام لما يرد في التقارير الحقوقية من انتهاكات وجرائم، أو اتهامها بنشر الاكاذيب، أمرا عاديا. فرئيس الوزراء لا يجد حرجا في اتهام منظمات حقوق الانسان، بـ»تشجيع الإرهابيين على قتل الأبرياء» خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي، يوم 19 تموز/يوليو . أما من يذكر أرقاما، مغايرة لما يصدر عن النظام، عن اعداد الضحايا في الموصل، فهو متهم بترويجها « لتحقيق اهداف مشبوهة». ويشارك البرلمانيون في حملة توجيه الاتهامات ضد المنظمات الحقوقية، كل حسب دينه وقوميته. حيث تصدت النائبة فيان دخيل، الممثلة للايزيديين، يوم 10 تموز/يوليو، لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، متهمة اياها بأن تقاريرها أشبه بالسياسة «مدفوعة الثمن مسبقاً»، بعد ان نشرت المنظمة تقريرا ذكرت فيه ان حكومة إقليم كردستان قامت بترحيل أسر ايزيدية «قسرا» بسبب انضمام أقارب لها إلى قوات الحشد الشعبي.
لا يقتصر الانكار على النظام والبرلمانيين العراقيين بل تشاركهم السباق الولايات المتحدة الامريكية، ولكن بأسلوب «حضاري» بعض الشيء، تتجنب فيه ذكر مفردات التعذيب والاعتقال والاعدام، مستخدمة بدلا منها مفردة ناعمة، هي «تجاوزات». ففي 17 تموز/يوليو، بعد انتشار الفيديوهات، الفاضحة لسلوك القوات التي تفتخر امريكا وبريطانيا بتدريبها على احترام حقوق الانسان، أكدت وزارة الدفاع الامريكية «البنتاغون»، إنه لا يمكنها تأكيد صحة تقارير عن حصول « تجاوزات» من قبل القوات العراقية في الموصل. 
هل يثير كذا انكار الاستغراب؟ أتمنى، في قرارة نفسي، ان يكون الجواب نعم، لئلا نفقد أملنا بتطبيق مبادئ انسانية شاملة، عابرة للاوطان، للجميع بلا استثناء. لكن البرابرة، مهما حاولنا توقع الاسوأ منهم، يدهشوننا، دائما، بوحشيتهم. فما ارتكبه تنظيم «الدولة الاسلامية» بحق المدنيين، وحشي، بكل المقاييس. الا اننا يجب ألا ننسى ان ما سبقه من تعذيب وقتل لأسرى عراقيين، نساء ورجالا واطفالا، من قبل الامريكيين والبريطانيين، في سجن أبو غريب وغيره، وحشي بكل المقاييس أيضا. وما يجعل المحتل الامريكي، خاصة، سباقا، بامتياز، انه أسس لنوعية جديدة من السلوك الوحشي، الجامع ما بين عنصرية الاحتلال تجاه أهل البلد المحتل، كموقف عام، والنزعات السادية الفردية، المبررة بالضجر، والخوف من «الآخر»، والخضوع لسلوك الجماعة، مهما كان السلوك لا أخلاقيا، ومخالفا للقيم التي يعرفها الفرد. 
«انها بضع تفاحات فاسدة». كان التبرير الامريكي الرسمي، لواحدة من أكبر الفضائح التي واجهتها الادارة الامريكية، وهي تحتل بلدا بذريعة التحرير وتأسيس ثقافة احترام حقوق الانسان فيه. هل كانت الانتهاكات اللا انسانية نتيجة وجود «بضع تفاحات فاسدة»، أم كانت سياسة منهجية للادارة الامريكية؟ ما الذي يدفع «أفرادا أسوياء الى ارتكاب أفعال وحشية، كما في أبو غريب؟ فهل هي التفاحات الفاسدة أم الصندوق الذي وضعت فيه وحولها الى تفاحات فاسدة؟»، يتساءل عالم النفس الاجتماعي فيليب زمباردو. هذه التساؤلات تنطبق على مسار التعذيب والقتل، بعلم ساسة ومسؤولي النظام العراقي وحمايتهم، ولم نسمع منذ احتلال البلد لارساء حقوق الانسان، اعتقال ولو شخص واحد بتهمة انتهاك حقوق الانسان، مما يجعلنا ندور في حلقة، يأخذ فيها الافراد القانون بأيديهم، وينفذونه انتقاما وارتزاقا. وكلما طال الوقت بدون تحقيق العدالة، للجميع، سيزداد ضيق الحلقة، لتبتلع، ذات يوم، بوحشيتها، مسؤولي النظام نفسه.

٭ كاتبة من العراق


 

 

لئلا يكون المثقف العراقي

صمام أمان لجرائم النظام

هيفاء زنكنة

 

ما هو البديل اذن؟ كيف كان بالامكان القضاء على وحوش جاءوا من مختلف البلدان ليلتهموا المدينة ويعيثوا بها فسادا؟ تثار هذه الاسئلة، بقوة، كلما وصلنا مرحلة مفصلية، في حرب ما، تدور رحاها في بلداننا. وما أكثر الحروب!
يعيدنا التساؤل حول البديل، الى حروب مضت، عاشها بعضنا فنكب من نكب، ومن بقي حيا، يرى الآن، أجيالا تعاني من آثارها. اجيال لم تكن قد ولدت بعد يوم طرق مسامعنا السؤال لأول مرة، فالحروب، في العراق، مثلا، تتكاثر بسرعة الانشطار الأميبي. عاش جيل الثمانينيات جملة حروب، التهمت من كل عائلة فردا ، على الاقل، على اختلاف مسمياتها واسبابها وامتداداتها (المصطلح المفضل دوليا هو العنف والنزاعات) الحرب العراقية – الايرانية أو حرب الخليج الاولى (1980 – 1988)، غزو الكويت ثم الهجوم الثلاثيني في 1990، الحصار وسياسة الاحتواء الغربي قصفا ( 1990 – 2003)، غزو واحتلال البلد ( 2003 – حتى الآن)، الحرب ضد ما يسمى بالدولة الاسلامية ( 2014 – حتى الآن) . واحدة من هذه الحروب ، كافية لوسم الجيل بالامراض النفسية، والاعاقات الجسدية ، واليأس، والرغبة بالانتقام، فكيف بمن يعيش، منذ طفولته، في ظل هذه الحروب ولا يعرف سواها؟
خلقت الحروب شرخا بين من عاش فترة الخمسينيات ومن عاش الثمانينيات وما بعدها ، على صعوبة الفصل بين الاجيال. من عاش في الخمسينيات والعقدين التاليين، كان وان تعرض للقمع السياسي (لغة التداول اليومي) يحمل بداخله حلم التغيير، والامل بمستقبل أفضل، بمطر يهطل لسقي أرض يباب. وهو حلم استعاد بهاءه، لوهلة، مع حلول «الربيع العربي» حين خرجت الشعوب المقهورة ، ومن بينها الشعب العراقي، الى ساحات التحرير، مطالبة بحقها في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. بالمقابل، انحنى الحكام العرب، اكثر فأكثر، امام القوى الاجنبية مستنجدين الحماية بل وعودة الاستعمار علنا ومعها تزايد الخنوع. اموال الشعب صارت تصرف على شراء اسلحة متطورة لتصفية أبناء الشعب. بات جيل الحصار والحروب والغزو يتنفس ما يرومه المستعمر الجديد، أي التخلي عما حققته حركات التحرر الوطني ونالته بعد نضال طويل. هنا تبدى دور المثقف بحلته الجديدة. صارت عودة المستعمر لـ»تحرير» الشعوب من القمع الداخلي مطلبا ملحا لنخب سياسية – ثقافية بررت بناء القواعد العسكرية الامريكية، وقصف مدننا، بأموالنا. مرددة: والا ما هو البديل لحماية الشعب من أمراضه المتأصلة، وعنفه التاريخي المتوارث، ودولته التي تم لصقها قسرا، وجهله بثقافة الديمقراطية ؟ 
تحت تبريرات مضللة، بدأت ملامح خارطة «العراق الجديد» والمنطقة العربية تتضح، أمام أنظار الشعوب وهي ترى مثقفيها يستبدلون النضال ضد الامبريالية بتسويغ الوجود الامبريالي وسياسته كأمر واقع . لتحقيق النقلة، كان يجب ان تفقد النخبة المثقفة، البقية الباقية من وعيها النقدي وان واصلت ارتداء ملابس الامبراطور. ان تصبح صدى للسلطة والاعلام المعروض للشراء، ان تكون طبقة من التكنوقراط للترويج بيوتوبيا بطوباوية (ديمقراطية – حقوق الانسان) بدون التنبيه الى انتقائيتها وازدواجية معاييرها. يلوك افرادها شعارات، لا يجد المستعمر الجديد ضررا في السماح بترويجها، بل واستعارتها ليكررها في خطبه هو الآخر. فتلويث الحقيقة بالتلفيق، والكذب، والتضليل، مهمة ليست سهلة وتحتاج لانجاحها تحالفا ثلاثيا داخليا يضم السلطة السياسية والمثقف والاعلام، ولا تكتمل بدون دعم دعائي – استراتيجي من الخارج. مثال ذلك، حملات التضليل الاعلامي التي شهدها العالم، في حقبة التمهيد لغزو العراق واحتلاله، باعتبارهما «تحريرا» و»تغييرا» نحو الافضل وإنقاذا للعالم من خطر داهم ، حيث نشرت أجهزة الاعلام الغربية 50 قصة مفبركة، أعادت نشرها اجهزة الاعلام العربية اما كسلا او جهلا او تواطئا مع المحتل، لخصها الكولونيل سام غاردينر، الاستاذ في كلية الحرب الوطنية وكلية الحرب الجوية وكلية الحرب البحرية الامريكية، في تشرين الأول/اكتوبر 2003 ، بعنوان «الحقيقة من هذه المنصة: ملخص لدراسة التأثير الاستراتيجي، إدارة التصور، حرب المعلومات الاستراتيجية والعمليات النفسية الاستراتيجية في حرب الخليج الثانية». يضم التقرير تفاصيل الحملة الاعلامية السرية التي ساهمت في تضليل الرأي العام و» تسويق»الغزو العسكري للعراق. ساعدتها فيما بعد الصحافة العراقية « المستقلة»، تحت الاحتلال، في نشر اخبار ملفقة وقصص صاغها قسم العمليات النفسية الدعائية، بوزارة الدفاع الامريكية، عن الانقسام الطائفي و» انتصارات» القوات الامريكية و بناء «الديمقراطية» وايجابية وجود المحتل. «ما هو البديل»، ومن هو القادر على الاجابة حين يتساءل المواطن الغارق بزخات المعلومات المفبركة والهموم اليومية والرعب من ذلك «الآخر» المتوحش، الذي يتم تغيير اسمه من فترة الى أخرى، حسب الحاجة، الذي يتربص به، وبعائلته، وطائفته؟ من هو القادر على الاجابة حين يصبح «البديل»، وجبة طعام سريعة تم اعدادها مسبقا، خميرتها الفساد والطائفية. بديل متوحش لآخر متوحش. كأن وحشية 4000 غارة جوية لقوات التحالف الستيني وضعف ذلك العدد من الصواريخ والمدفعية، و100 ألف من الجنود والمليشيات، مبررة أكثر من مجانين او مجرمين في تنظيم الدولة، جاءوا من مختلف البلدان ليلتهموا المدينة ويعيثوا بها فسادا. هذه الجوانب من «البديل» لا تناقشها اجهزة الاعلام، بل تخفيها، بحرفية عالية او بشعبوية رثة (غير مهم)، ما دامت الغاية هي ديمومة الخوف والشلل العقلي. لذلك لا ينظر الى خارطة الدمار التي نشرتها الأمم المتحدة ليوم 11 تموز 2017 في الموصل بعد «التحرير»، ولا يتذكر المليون نازح من الجائعين العطشى، في قيظ تموز/يوليو، غير قلة تدرك وجود البديل لو توفرت النية لتفادي الكارثة. كيف تمكنت شعوب اخرى مرت بذات المآسي من لملمة نفسها واستعادة لحمتها متخلصة في الوقت نفسه من «وحوش جاءوا من مختلف البلدان ليلتهموا المدينة ويعيثوا بها فسادا»؟ 
هنا يأتي، دور النخبة الثقافية، المستقلة، المدركة لمسؤوليتها العامة، الفاعلة خارج عقل الحشود، الراصدة بوعيها النقدي ما يبدو «عاديا»، المتحدية للحلول الشعبوية الجاهزة، القادرة على طرح تساؤلات آنية تساعد على فهم الماضي واستشراف المستقبل، الرافضة ان تكون مطية لأيديولوجيا الفكر الواحد وتهميش ما عداه، وان تعمل على كسر جدار العزل الفكري المتمثل بـ»أما – أو» الذي طالما فرض علينا، داخليا وخارجيا، وحقق نجاحا باهرا في تقزيم الوعي ووضعه في قالب مناسب لكل أشكال الهيمنة والاحتلال. أما فيما يخص الحرب الحالية، لعل الخطوة الاولى في الاجابة على «ما هو البديل»، هو الا يكون المثقف صمام أمان لجرائم ترتكبها السلطة.
كاتبة من العراق

 

 

تظاهرات ومناورات

« الحرب على الارهاب»

في حقبة العودة إلى البربرية

هيفاء زنكنة

 

شملت مظاهرات يوم الجمعة 7 تموز/ يوليو 2017 عدة مدن عراقية. من ساحة التحرير ببغداد، إلى المدن الواقعة جنوب بغداد وهي الناصرية والسماوة والديوانية وكربلاء والنجف والكوت والبصرة. يمكن تلخيص مطالب المتظاهرين، الذين تتراوح اعدادهم ما بين العشرات والمئات، بما يلي: توفير الخدمات وعلى رأسها الكهرباء، تقديم الفاسدين المسؤولين عن تردي الخدمات إلى العدالة، تغيير مفوضية الانتخابات وقانون الانتخابات، مع الاحتفال «بتحقيق النصر على عصابات داعش الإجرامية وتحرير الموصل». وهي مطالب رفعها المتظاهرون، بمثابرة، على مدى العامين الأخيرين ووصلت ذروتها، في العام الماضي، حين أمر زعيم التيار الصدري أتباعه باقتحام المنطقة الخضراء ومبنى البرلمان، ثم نصب خيمته عند محيط المنطقة، ليحظى باهتمام اعلامي كبير. أيامها، التقطت له الصور وهو متمدد في الخيمة، ثم قرر المغادرة، فجأة، ساحبا نفسه واتباعه. 
أثرت هذه المناورات، بمفارقاتها المضحكة المبكية، التي سببت اختطاف وقتل عدد من المتظاهرين، على طبيعة التظاهرات ومدى فاعليتها، بالاضافة إلى أقتصارها على مطالب «أمينة»، خشية ان يساء فهمها من قبل التيار الصدري، كونه تيارا دينيا – شيعيا أولا ولأنه جزء لا يتجزأ من النظام ثانيا. هناك، أيضا، حاجة الجهات المنظمة للتظاهرات إلى حماية الميليشيا التابعة للصدر في بلد تحكمه الميليشيات.
ادت هذه العوامل إلى محدودية تمثيل التظاهرات لكل العراقيين، والى ضيق أفقها الحقوقي وبالتالي إلى قولبة المطالب ضمن ما هو مقبول، سياسيا وطائفيا، من قبل الاحزاب والمسؤولين والمرجعيات والميليشيات، أما حفاظا على حياة المتظاهرين وهي مسألة ضرورية، أو لوجود أجندات مفيدة ستجير لصالح هذه الجهة أو تلك، في الانتخابات المقبلة، خاصة حين تكون الجهة مشاركة في الحكومة أو العملية السياسية. 
ما تتضمنه المطالب مقبول في اللعبة السياسية. الكل يتحدث عن الفساد ومحاسبة الفاسدين وعلى رأسهم الفاسدون أنفسهم، بلا حرج. الكل يتحدث عن انقطاع التيار الكهربائي منذ 13 عاما، بلا جدوى. والكل متفق على اجراء الاصلاح والتغيير. مما يثير تساؤلا حول ماهية المطالبات نفسها، وعما اذا كانت لا تزيد عن كونها مجرد خدش للسطح دون ان تمس جوهر المأساة التي يعيشها المواطن، في كل انحاء العراق.
لتوضيح الصورة، قد يساعدنا ذكر بعض القضايا الملحة التي لم يحدث ومستها المطالب. لنبدأ بمأساة التضحية بالعراقيين، بالآلاف، في معارك «الحرب على الارهاب»، وتقديمها كأنتصار يتنافس منظمو التظاهرات على الاحتفال به، والقاء الخطابات الرنانة بدون البحث فيما سببته «الانتصارات» المزعومة من تهديم وخراب لمدن بكاملها، وعن جذور المأساة وكيفية معالجتها لئلا تتكرر ثانية وثالثة. متناسين ان العراق لم يكن مهدا للارهاب قبل غزوه واحتلاله، ومتعامين عن بربرية الغزاة، الوجه الآخر للارهاب ليصبح المتظاهرون، ولا اقول القيادات من التيار الصدري والحزب الشيوعي، بشكل غير واع جزءا من حملة اعلامية تعيق التفكير الواعي. 
«لقد اشتركت الامبراطوريات الحميدة والخبيثة في صنع ما تشهده حقبتنا من عودة إلى البربرية ساهمت فيها هذه الايام بحجة الحرب على الارهاب»، يقول الماركسي الراحل أريك هوبزباوم، أشهر المؤرخين المعاصرين في بريطانيا واوروبا. بحجة الارهاب، حقق العراق ارقاما قياسية بتنفيذ احكام الاعدام، والاعتقالات والتعذيب، واهانة الناس، وسحق كرامتهم، نزوحا وتهجيرا من مدنهم، بعد ان تم تقسيم خارطة البلد إلى مناطق سنية واخرى شيعية وكردية وو… ومناطق يتم مسح هويتها، يوميا، لتتأهل للتصفية النهائية في دوري المناطق المتنازع عليها. 
ماذا عن حقوق الانسان؟ «ليست هناك مادة واحدة من مبادئ حقوق الانسان لم يتم خرقها في العراق منذ احتلاله»، يقول مندوب الامم المتحدة السابق بالعراق هانز فون سبونيك. 
هل تفاجئنا انتقائية تطبيق حقوق الانسان؟ ليس الآن. ربما في سنوات البراءة الحقوقية، يوم كان لوقع «حقوق الانسان» موسيقى يطرب لها معذبو الارض (مع التقدير لفرانز فانون). اليوم، يتعرض من يطالب بتطبيق مبادئ حقوق الانسان، المنصوص عليها في كل دساتيرالدول، تقريبا، إلى الاتهام بالارهاب، وقد يفقد حياته جراء ذلك. تتغير التهمة حسب من يمتلك القوة محليا وعالميا. القوتان مترابطتان بحكم تبادل المصلحة السياسية والعسكرية وان بدتا، احيانا، على خلاف. فالحكومة المحلية بحاجة إلى القوة الدولية لحمايتها من شعبها، والدول الكبرى بحاجة إلى الحكومات المحلية لتكريس هيمنتها. وليس هناك ما هو أفضل من تسخير شريحة من ابناء الشعب أو الدول المضيفة (حسب الجنرال الامريكي دافيد بترايوس) لأداء المهمة. ولعل أوضح مثال على ذلك، قيام المحققين الامريكيين بتسليم المعتقلين العراقيين إلى قوات الأمن العراقية لتعذيبهم بدلا منهم. هكذا اصبحت مبادئ حقوق الانسان وتطبيقاتها ذات معان متعددة، متغيرة، مثل لون الحرباء. 
وتتهشم مبادئ حقوق الانسان إلى فتات يثير الأسى عند وصولها إلى بلادنا مع من ساوموا الارض بالسلطة ورضوا بالاحتلال «تحريرا» تارة و»تغييرا» تارة أخرى مرتكبين واحدة من أكبر الجرائم اللا أخلاقية. هكذا، في خضم التدهور الاخلاقي السريع، تحولت المبادئ الانسانية، النبيلة، من أداة انقاذ إلى أداة تمزيق للبلد وعقابا للشعب. تمت تجزئة القضايا الاساسية إلى حد لم يعد بالامكان التعرف عليها لكي تصبح مقبولة من الجهة الداعمة. الجهات الداعمة تريد من يسمعها ما تريد عن بناء الديمقراطية وازدهار حقوق الانسان. قسمت حقوق الانسان حسب الطائفة والدين والحزب السياسي القادر على التمويل ومحاصصة المناصب. باتت : لكم حقوقكم ولي حقوقي.
فقدت مبادئ حقوق الانسان شموليتها الانسانية العامة المحتضنة للجميع، وتمنع السلطة وأسيادها والميليشيات مبادرات التكافل الاجتماعي بين الناس وأيصال المساعدات بشكل أهلي إلى اللاجئين بملايينهم. ولننظر إلى الشلل الذي اصيب به المجتمع تجاه الكارثة التي اصابت أهالي المحافظات الوسطى، التي يتم نقلها، تلفزيونيا، بشكل حي إلى بقية ارجاء البلاد، مقارنة بالهبة العفوية التي تعودنا عليها في عقود ماضية. في منحدر الشلل المظلم انزلقت منظمات مدنية وناشطون حقوقيون اما سذاجة او عمدا لتسويغ الحصول على الدعم المادي المجزي وقبول شروطه ومتطلباته. بدلا من ان تكون، كما هو مفترض، صوت المظلومين والمهمشين، صوت المجتمع ككل، صوت الصارخين طلبا للاغاثة من معتقلات الموت المنهجي (سجن التاجي مثلا)، صارت بضجيجها الخطابي جزءا من آلة التسويغ والتضليل الشرهة.

٭ كاتبة من العراق

 

 

السؤال هو:

ماذا حدث قبل داعش؟

هيفاء زنكنة

 

اتخذت تصريحات مسؤولي الحكومة العراقية، في الأيام الأخيرة، منحى جديدا، فيما يخص محافظة نينوى، شمال العراق، وعاصمتها الموصل. تحاول التصريحات الاجابة على سؤال أريد منه طمس جبال المصائب الأخرى التي يعيش في ظلها المواطنون، وهو : ماذا بعد داعش ؟ فالانتصار على « الدولة الاسلامية»، على مبعدة بضعة أمتار، اذا أخذنا المقياس المكاني، أو عدة ايام، بالمقياس الزمني، مع اغفال المقياس البشري لاحصاء الضحايا من المدنيين والمتقاتلين. تتناوب على تقديم الأجوبة جهات متعددة من بينها الحكومة ( بشقيها المركزي واقليم كردستان) والميليشيات ( الحشد الشعبي بأقسامه الثلاثة والعشائر) والمتعاقدين من دول التحالف بقيادة أمريكا. 
في داخل العراق، يتبين عند مراجعة أجوبة المسؤولين الحكوميين والساسة الذين يغذون شراهة استديوهات البث التلفزيوني، على مدى 24 ساعة يوميا، بان لدى الجميع وصفة جاهزة لـ «مرحلة ما بعد داعش»، قد تختلف مسمياتها، الا انها ذات مضمون واحد، وهو:» اعادة اعمار الموصل». الوصفة الاولى، هي التي أعلنها الأمين العام لمجلس الوزراء في 14 حزيران/يونيو 2017، بعنوان «الخطّة الاستراتيجيّة لإعمار الموصل». تم الاعلان عنها قبل أسبوعين فقط، وبعد ان بات حجم الدمار العمراني والبشري «واحداً من أسوأ التطوّرات التي شهدتها الحملة لتحرير المدينة»، حسب ممثلة البرنامج الإنمائيّ لمنظّمة الأمم المتّحدة في العراق، وبلغ عدد النازحين رقما قياسيا، مما يعطينا فكرة عن مدى قدرة المسؤولين الحكوميين، على التفكير الاستراتيجي وجديتهم في تنفيذ الخطط والمشاريع، وتشكل مؤشرا لما هو آت في الايام المقبلة. 
نقرأ في بيان صادر من وزارة التخطيط، بأن الاعمار سيكلف 100 مليار دولار على مدى عشرة اعوام، حسب الخطة الاستراتيجية، أو عشرين عاما، حسب «خطّة اعادة إعمار المناطق المحرّرة»، التي لا تقتصر، افتراضا، على محافظة نينوى بل تمتد إلى محافظات أخرى، تعرضت مدنها، كما الموصل، إلى التهديم بمعدل 70 بالمئة من بيوتها ومؤسساتها إلى المستشفيات والمدارس والجامعات ومحطات تزويد الطاقة والمياه، أي عموم البنية التحتية، بالاضافة إلى مأساة النازحين، قبل وبعد القاعدة وداعش، الذين تحولت معسكراتهم المؤقتة إلى شبه دائمية، لما تدره من أرباح للعديد من الجهات. 
من يقرأ الخطة الاستراتيجية لا يلام اذا ما فكر بأن هناك حكومة وطنية تعمل اولا وأخيرا من اجل مصلحة مواطنيها وانها سائرة، لا محالة، في طريق اعادة اعمار المدن المحررة. فكل شيء على الورق يبدو رائعا، كما كانت خطة «تحرير» العراق واعماره الموعود خلال ثلاثة أشهر فقط (مرّت هذه الأشهرالثلاثة ووعودها خمسون مرة منذ الاحتلال، ونحن الآن في الشهر الـ 170 بعد «التحرير» والخراب هو هو في محافظات العراق كلها تقريبا، او يزداد!)، الا ان مراجعة بسيطة لـ « انجازات « الحكومة الحالية، قبل انبثاق «داعش»، سيعيد ترتيب الصورة، بعيدا عن الرطانة السياسية، ونزاعات المتسابقين على رفع راية الانتصار، ليجعل الاولوية لأسئلة على غرار : من الذي سيتحمل تكلفة اصلاح الخراب، شبه الكلي، للمدن؟ ومن الذي سينفذ مشاريع الاعمار، وأعادة الامن والاستقرار، وما هو أعمق من ذلك أي اعادة الثقة بالحكومة وتعويض الضحايا والبدء بمجريات العدالة الانتقالية بمراحلها المختلفة؟ 
هل هي الحكومة العراقية المعروفة، عالميا، بأنها من الاوائل في قائمة الدول الأكثر فسادا بالعالم، والموصوفة عالميا، أيضا، بأنها حكومة فاشلة تديرها الميليشيات المسلحة الناشطة خارج نطاق القانون، المتغذية على الثروة النفطية بينما يعيش ثلث الشعب تحت خط الفقر؟ ماذا عن الطائفية التي تنخر المؤسسات؟ كيف سينفذ مشاريع تأهيل بيوت النازحين من يسرق مساعدات النازحين ويبيعها لهم؟ كيف ستنفذ مشاريع الاعمار والاصوات تتعالى مطالبة بحصة، في غنيمة الموصل، ثمنا لـ « دماء شهدائنا»، كما يصرح قادة الميليشيات، أو ملكا لأقليم كردستان ثمنا ل « شجاعة البشمركة» أو لأنها من المناطق «المتنازع عليها»، ويوم الاستفتاء على انفصال الاقليم سيحل قريبا؟ 
تشير تصريحات المسؤولين إلى ان البنك الدولي سيمنح العراق قروضا جديدة، بالاضافة إلى قرض بريطاني بقيمة 10 مليارات جنيه استرليني، لتضاف إلى سابقاتها التي نعرف جيدا أين انتهت بينما سيتحمل المواطنون عبء تسديدها على مدى عقود. هناك حديث، ايضا، عن مساعدة دولية، والدول المانحة، كما يعرف الجميع، ليست منظمات خيرية بل تأتي مساعداتها مربوطة برزمة شروط لابد ان تنفذها الدولة المتلقية. يلخص الرئيس الامريكي دونالد ترامب هذه الرزمة تحت عنوان « النفط مقابل الاعمار». وهو تصريح يجب التعامل معه، بشكل جدي، اذا ما أريد للعراق ان يحافظ على ما تبقى من ثروته النفطية، خاصة بعد ان نفذ ترامب مشروع « العقود العسكرية مقابل الحماية» مع السعودية وبقية دول الخليج.
الى جانب عقود الادارة الامريكية، العسكرية والاستخباراتية، يتحدث المسؤولون العراقيون عن عقود مع شركات أجنبية، من ذات الدول التي ساهمت بتدمير العراق. ولا تقتصر العقود على شركات الاعمار بل تتضمن، بطبيعة الحال، الشركات الأمنية الخاصة التي اصبحت ضرورة من ضرورات العمل في مناطق «ما بعد النزاع»، كبديل رخيص لقوات الاحتلال في توفيرها المرتزقة / الحماية/ الحراسة/ ادارة المعتقلات/ التحقيق مع المعتقلين والعمليات القذرة. واذا كانت سمة النظام العراقي الاولى هي الفساد فأن مسؤولية مأسسة الفساد، بشكله الواسع، هو الاحتلال الانكلو أمريكي عبر عقود الشركات الاحتكارية واستشراء ظاهرة الافلات من العقاب. ومن المفيد مراجعة مشاريع الاعمار التي بقيت حبرا على ورق بينما تلاشت مليارات الدولارات فسادا، ومثالها ما كشفته صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، في 24 آذار/مارس 2013، عن عشر شركات عملاقة حققت أرباحاً طائلة قدرها 72 مليار دولار من خلال» مشاريع اعمار وخدمات دون أن تحقق تلك المشاريع أي شيء»، حسب السيناتور الديمقراطية كلير ماكاسكل.
الملاحظ في ضجة التصريحات والبيانات والصراع اليومي حول من الذي سيحصل على ماذا في «مرحلة ما بعد داعش» ان الساسة والمسؤولين العراقيين والامريكيين وبقية دول التحالف اختاروا التعامي الانتقائي عن سؤال كان يجب ان يكون هو الاول لو كانت نية اعمار العراق، وليس الموصل وحدها، صادقة. السؤال هو: ما الذي حدث قبل داعش؟

٭ كاتبة من العراق


 

 

عن حصار قطر و«الجزيرة»

واعتقال الدوريات الأكاديمية

هيفاء زنكنة

 

لديكم عشرة أيام لتنفيذ المطالب المذكورة والا… هذا الانذار العاجل ليس موجها من شركة كهرباء أو غاز إلى زبون تجاوز الفترة الاولى المحددة لدفع فاتورة الحساب ومدتها 4 أسابيع، عادة. انه انذار موجه من اربع دول هي المملكة العربية السعودية والامارات والبحرين ومصر، ضد دولة قطر التي كانت، حتى الأمس القريب، دولة « شقيقة» وعضو في إتحاد يضم « أشقاء». 
تضمن الانذار 13 مطلبا، حاولت الدول الاربع بساستها وخبراء القانون لديها، صياغتها، بعد اسبوعين من اعلانها « مقاطعة» قطر، الدولة المارقة بمنظور الدول الاربع، وما احاط ذلك من تخبط اعلامي، بغية توضيح الأسباب للرأي العام في البلدان الخمسة والمنطقة والعالم. فجاءت المطالب لتزيد الغموض غموضا، والمحاججة هلامية رخوة مثل بطن حلزون، خاصة، فيما يتعلق بتهمة مساندة الإرهاب والمطالبة بإغلاق شبكة «الجزيرة» الإعلامية والقنوات التابعة لها، بالاضافة إلى المطالبة باغلاق عدد من الصحف والمراكز الفكرية. جاء تسلسل الاحداث غريبا. بدأ بتنفيذ المقاطعة ثم الاعلان، بعد أسبوعين، عن المطالب، أي الاسباب الداعية إلى تنفيذ المقاطعة، يماثل التسلسل أصدار حكم الاعدام على شخص وتنفيذ الحكم به، ثم توجيه انذار اليه يطالبه باعلان التوبة. هذه هي صورة المنطق اللامنطقي التي يراد من الشعوب العربية المنهكة، أساسا، جراء نزاعات الحكام وخصوماتهم وتبعيتهم، الاقتناع بها ومسايرتها.
لننظر إلى تهمة الإرهاب. الملاحظ ان حزمة المطالب ملفوفة، بأناقة، بمصطلح « الإرهاب»، باعتبار دولة قطر داعمة له، و الدول الاربع الأخرى محاربة له. وهو تقسيم كونكريتي صلب، أسسته ادارة المحافظين الجدد الامريكية، وأطلقه الرئيس الامريكي جورج بوش بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، ليتم تقسيم الدول وحكوماتها إلى معسكرين لا غير : « اما معنا او ضدنا « تحت راية «محاربة الإرهاب». هذه الايديولوجيا، المفروضة، قسرا، من الخارج على شعوب المنطقة، هضمها الحكام العرب، مثل وجبة طعام سريعة، ثم اجتروها وتجشأوها على الشعوب، سياسيا واعلاميا، باعتبارها من بنات أفكارهم وسياستهم المناوئة للتطرف. 
من هذا المنطلق، تأتي تعليبة مطالب الدول الاربع، متماشية مع قالب «محاربة الإرهاب»، على الرغم من تآكله لكثرة استخدامه، تبريرا، وابتزازا، وشرعنة للقمع والقتل من قبل أشخاص ومنظمات ودول، حسب الحاجة والطلب. والويل الويل لمن لا ينضم إلى تحالفات القصف الجوي، والطائرات بلا طيار، واغتيالات العمليات الخاصة والفرق القذرة وتفجيراتها، واستخدام أسلحة اليورانيوم والفسفور الابيض، ناهيك عن القتل اليومي، المباشر، وغير المباشر، للفلسطينيين، بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، وتحالف الكيان الصهيوني، ومباركة الحكومات المحلية في العراق وسوريا واليمن ودول الخليج.
الملاحظ، ايضا، اصرار الدول الاربع على استخدام مصطلح « مقاطعة « توصيفا لاجراءاتها ضد قطر التي اعتبرتها « حصارا وعقوبات اقتصادية شديدة»، وهو اجراء أقرب إلى العقوبة الجماعية اذا ما روجعت التفاصيل. مايسترعي الانتباه هو استخدام هيئة الاذاعة البريطانية ( البي بي سي)، تعبير الحصار والعقوبات الاقتصادية في تغطيتها للحدث، مما يدفع إلى التساؤل عما يمنع الدول الاربع من ارسال انذار إلى الحكومة البريطانية للمطالبة باغلاق البي بي سي وقنواتها، كما الجزيرة، خلال عشرة ايام والا…
لا يمكنني الا عقد المقارنات البعيدة والقريبة التي تمس جرحا لم يندمل بعد عراقيا. ولأن العراق عاش اطول فترة حصار في التاريخ المعاصر، وصفه دنيس هاليداي، مندوب الامين العام للامم المتحدة بالعراق ( 1997-1998)، المستقيل احتجاجا، بانه « جريمة ابادة ضد الشعب العراقي»، ولأنني كنت من المناهضين بقوة لسياسة الحصار على الشعب مع معارضتي، في الوقت ذاته، لسياسة النظام العراقي السابق، يعيدني فرض الحصار على قطر، وترويجه، اعلاميا، وابتزاز وانزال العقاب بكل من يرفع صوته احتجاجا او معارضة، حسب قاعدة « أما مع أو ضد»، إلى كيفية تسويق امريكا حصارها الجائر ضد الشعب العراقي، بمساهمة دول عربية « شقيقة»، على مدى 13 عاما باعتباره « عقوبات اقتصادية»، حتى وهي تبرر قتل نصف مليون طفل جراء الحصار، باعتبار انه « ثمن يستحق الدفع»، بلسان وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت. كل ذلك الخراب البشري والمادي، تم بناؤه على أساس كاذب هو امتلاك العراق أسلحة دمار شامل تهدد العالم خلال 45 دقيقة! أليس هذا النموذج، الواضح، في التلفيق، والتضليل، ونتائجه الكارثية على الشعب العراقي وانعكاساته على بقية الدول العربية والعالم، درسا يدفع إلى تمحيص الخطاب الرسمي للقوى العظمى والدول المحكومة بالقطيعة مع شعوبها والتبعية لمن يزودها بالسلاح ضده، وهي سمات كافة الدول العربية بلا استثناء؟ الا تستحضر أجواء اتهام قطر بالإرهاب، اليوم، ذلك العراق الذي حكم عليه بالاعدام متهما بامتلاك اسلحة الدمار الشامل كذبا وزورا؟
تأخذنا ذات الاجواء المسربلة بالتهديد والابتزاز، إلى المطالبة باغلاق قناة الجزيرة وغيرها. فبالاضافة إلى كون حرية الرأي والتعبير من اساسيات حقوق الانسان، كيف يمكن تمحيص الخطاب الرسمي لأية دولة، وتقديم الحقائق، وتوسيع فسحة المعلومات بعيدا عن الخطاب السائد، واغناء وجهات النظر، بدون تعددية اجهزة الأعلام، ومراكز البحوث والدراسات، لتنمية الوعي النقدي ؟ الا يؤدي التخندق العقلي إلى جعل الشعوب أسيرة الخطاب الرسمي / الحزبي/ الايديولوجي، الواحد، المكرس لمسخ الآخر باعتباره عدوا يستحق التطهير؟ ترى ما الذي فكر به سياسيو الدول الاربع وهم يشترطون اغلاق قناة تلفزيونية قد لا يتفق معها الكثيرون، لكنها ضرورية ضرورة تعدد الاصوات والآراء؟ واذا كانت الانظمة العربية تعمل، عادة، على منع اجهزة الاعلام ومراكز الدراسات، بشكل شبه مستور، فأن تحويل اغلاق قناة الجزيرة والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى مطلب، علني، أساسي لرفع الحصار عن قطر، يشكل نقلة نوعية في تعامل الانظمة مع شعوبها لاسكات الاصوات المغايرة، مهما أختلفنا معها. وهل ستكون الخطوة التالية في كسر المستور الأعتراف الرسمي بالعلاقة مع الكيان الصهيوني العنصري وتحقيق أمنية مجرم الحرب نتنياهو بزيارة مكة المكرمة؟
ولأننا نعيش في عصر المفارقات المضحكة المبكية، اجدني غير قادرة على التخلص من غواية التساؤل عن مغزى الخبر التالي: صادرت السلطات المصرية، يوم الأربعاء الماضي، العدد 20 من دورية «عمران» للعلوم الاجتماعية، وهي دورية أكاديمية، صادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ترى كيف سيحمي منع الدراسات الاجتماعية، التي نحن من اضعف امم الأرض فيها، الشعب المصري والعربي، عموما، من خطر الإرهاب؟

٭ كاتبة من العراق

 

 

الصمت وأطفال الحرب القذرة

هيفاء زنكنة

 

هناك صمت سياسي واعلامي كلي، مطبق، يحيط باستخدام قوات التحالف، بقيادة أمريكا، سلاح الفسفور الابيض القاتل في مدينتي الموصل والرقة. هناك في الوقت نفسه، سيل من تصريحات سياسية واعلام يمتد على مدى ساعات الليل والنهار، يدين ويستنكر ما تستخدمه «الدولة الإسلامية» من أسلحة في ذات المدينتين. الضحية الاولى في كلا الحالتين هو المواطن. واعداد الضحايا من القتلى والمهجرين والنازحين في تزايد مستمر. لم يعد للارقام والاحصائيات معنى في سباق عبثي بين قوتين تحاول احداهما تحقيق « النصر» ضد الاخرى ورفع راية النصر وقوفا على تلال من اجساد المطمورة تحت ركام المباني حينا والمحروقة حينا آخر.
في مسابقة الموت هذه يتساوى الطرفان. الطرف الإرهابي الاول: التحالف الانكلو أمريكي الذي غزا، واحتل، وأسس الطائفية والفساد، مستثمرا روح الانتقام لدى الساسة المستوردين. هو المسؤول الاول، مهما حاولت الطبخات الاعلامية، ومؤسسات الدعاية الديمقراطية والتعبئة السايكولوجية ـ العسكرية تزويقه. الطرف الإرهابي الثاني هو من هيأ الاحتلال وجرائمه أرضية نشوئه من منظمات باتت تزداد جنونا وتوحشا بمرور الوقت. انها بإرهابها، الوجه الآخر لإرهاب دول استباحت شعبا وهدمت بلدا، وجعلت من الاعتقال والتعذيب والقتل ممارسة يومية برضى محلي ودولي بذريعة، تشكل اكبر استهانة بالعقل الانساني، وهي «محاربة الإرهاب».
تحت مظلة « محاربة الإرهاب» الواسعة، الخاضعة لكل التفسيرات الانتقائية، والتغطية الاعلامية الجاهزة، تتم الاغتيالات بواسطة الطائرات بلا طيار، كما في اليمن، وقصف المدن كما في غزة وسوريا والعراق. في العراق، قصف طيارون أمريكيون سكارى، تترنح طائراتهم يمينا ويسارا، مدينة الموصل، أخيرا، فأصدرت القيادة العسكرية الأمريكية، عند سقوط مئات الضحايا من المدنيين جراء قصف المباني، بأنهم انما كانوا يستهدفون اماكن لداعش بناء على معلومات عسكرية عراقية! 
وكان رد فعل النظام، بحكومته ونوابه، على التهمة الموجهة ضد القوات ( انتبهوا ليس ضد القصف )، تشبه وصوصة كتكوت حال خروجه من البيضة، تستمر لبضع ساعات ثم تختفي. الجريمة الحالية التي ترتكبها القوات الأمريكية هي قصف مدينتي الموصل والرقة بالفسفور الابيض. واذا كنا قد سمعنا، سابقا، وصوصة من الحكومة والنواب العراقيين، فاننا لم نسمع ولو ثانية منها هذه المرة. لماذا؟ هل لأن الفسفور الابيض مادة « ذكية» تتعرف على الداعشي فتلاحقه وتحرقه لوحده وان كان موجودا ضمن مجموعة من الناس؟ أم انه، لكونه صناعة أمريكية، مباركة من قبل الانظمة العربية، قادر على شد عزيمة المواطنين في قتالهم التنظيمات الإرهابية ؟ أم انه سلاح سريع آخر لتطهير مدن معينة من سكانها ؟
الفسفور الابيض، وهو ذخيرة متعددة الاستخدامات، ليس محظورا كسلاح كيماوي بموجب المواثيق الدولية، لكنه سلاح خطير يشكل ضررا مرعبا وطويل الأمد في المدن المأهولة، بغض النظر عن كيفية استخدامه، اذ يبقى في التربة، مسببا حرق جسم الإنسان بمجرد الملامسة. الا ان أمريكا لا ترى ضررا في استخدامه في حروبها المنتشرة على وجه العالم كما البثور على وجه مراهق. حيث استخدمته في حربها ضد فيتنام، وفي مدينة الفلوجة المقاومة عام 2004. واستخدمه الكيان الصهيوني ضد قطاع غزة المحاصر في 2009. في 2016، استخدم التحالف بقيادة السعودية في اليمن ذخائر الفوسفور الأبيض المدفعية. وكانت صحيفة « التايمز» البريطانية قد نشرت تقريرا بعنوان: «محررو الموصل متهمون باستخدام الفسفور» في أكتوبر 2016، اتهمت فيه « قوات التحالف» بالقاء قنابل الفسفور الابيض على قرية كرملش، قرب الموصل، حسب تقارير وصور وثقتها منظمة العفو الدولية التي ذكرت بانه على الرغم من أن قرية كرملش قد أخليت من سكانها، لكن الفسفور الأبيض يمكن أن يبقى في تربتها مشكلا خطرا على السكان بعد عودتهم إلى منازلهم فيها. 
لتوضيح صورة التأثير المخيف لاستخدام قنابل الفسفور الابيض، تقول دوناتيلا روفيرا الباحثة في المنظمة إن «الفسفور الأبيض قد يتسبب في جراح مروعة وحروق عميقة في العضلات تصل إلى العظام. واذا بقي بعضه لم يحترق الا جزئيا فانه يمكن أن يشتعل بعد اسابيع من استخدامه».
 على الرغم من كل التحذيرات التفصيلية عن آثار الفسفور الابيض المرعبة على الانسان ( أو ربما بسببها؟) عاودت القوات الأمريكية القاء القنابل الفسفورية على مدينة الموصل في 3 حزيران/ يونيو 2017، وضرب مدينة الرقة بسوريا في 9 يونيو 2017، مما أدى إلى مقتل 20 شخصا كانوا في أحد مقاهي الانترنت، حسب منظمة « هيومان رايتس ووتش»، الحقوقية الدولية.
التحذير الحقوقي الانساني متكرر من استخدامه « كسلاح حارق لمهاجمة أشخاص أو معدات في مناطق مأهولة»، وكون استخدام الفسفور الأبيض «يضيف مادة سمية جديدة في حرب قذرة عادة ما تستخدم المواد الكيماوية أسلحة فيها»، فما هو موقف الحكومات العربية « الوطنية» التي تدعي تمثيل شعوبها وحمايتهم؟ ليس هناك موقف محدد صريح. فالحكومات في معسكر واحد مع مستخدمي هذه الاسلحة ان لم يقوموا باستخدامها ضد شعوبهم بالنيابة. ورطانة الادانة والاستنكار، إذا ما أطلقت، لا تزيد عن كونها مجرد ذلك. 
ان ازدواجية مواقف الحكومات العربية من شعوبها، المحكومة بمتلازمة القمع والاستبداد، ناهيك عن ازدواجية سياسة الدول العظمى بصدد تطبيق الديمقراطية وحقوق الانسان الانتقائية، تكاد تدفع الشعوب العربية إلى الوقوف على حافة هاوية لا يرى غير قاعها. القاع المبطن باليأس والاحباط ونشوء طبقة جديدة من ساكني الخيام المهمشين على حافة الحياة الانسانية، ونسبة عالية منهم عرضة للتجنيد لأي جهة تمد لها يد المساعدة او السلاح. 
فما الذي سيحمله المستقبل لنا وللآخرين؟ هذه الطبقة المعرضة للتهديد والقصف اليومي بانواع الاسلحة المبيدة، المنسوج وجودها بالعوز وامتهان الكرامة، باطفالها المحرومين من التعليم والرعاية، هي التي ستصوغ مستقبل البلدان التي تقيم فيها ( حيث لاوجود لمعنى الوطن والمواطنة) ويمتد تأثيرها إلى العالم.

٭ كاتبة من العراق


سألوها

«لماذا تبكين على داعشي»؟

هيفاء زنكنة

 

« ذهبت إلى الجنود وسألتهم عن زوجي. قالوا إنهم لا يعرفون أي شيء. ثم رأيت 3 جثث على الأرض، من بينها جثتا والدي وزوجي. بدأت بالبكاء والصراخ. جاء [مقاتلو] الحشد وقالوا لي، «لقد قتلناهما ولم يعودا موجودين». طلبوا مني الذهاب والبقاء مع النساء. ذهبت إلى النساء ولكن بقيت أصرخ. جاء [مقاتل] الحشد وقال: «لماذا تبكين على داعشي»، وصوّب بندقيته إلى وجهي وقال، «سأقتلك هنا». هدأتني حماتي وغادر الحشد…». 
هذه الشهادة، واحدة من مئات وثقتها منظمة « هيومان رايتس ووتش» منذ العام الماضي، وأصدرت المنظمة الحقوقية الدولية، وهي ليست الوحيدة، تقارير عدة حول انتهاكات حقوق الانسان بالعراق، وصفت العديد منها بانها جرائم حرب، منذ بدء معركة الموصل في أكتوبر/تشرين الأول 2016.
وردت شهادة السيدة الموصلية التي لم يذكر اسمها حرصا على حياتها،  في تقرير «ميليشيات مدعومة من الحكومة ترتكب إعدامات ميدانية: لا تدخل أو استجابة من القوات الحكومية» ( كانون الاول / ديسمبر 2016). موسى وسعد كانا من بين الضحايا، وهما أب وابنه، من قرية الحاج علي قرب الموصل. قال أقاربهما إنهما كانا قد فرا مع أسرتيهما إلى قرية شيالة الإمام قبل 7 أشهر بسبب نزاع مع أحد الجيران وكانا يعيشان في مدرسة تستضيف أسرا نازحة. قالت الشاهدة، زوجة سعد، إنها عندما سمح للنساء للانضمام إلى أفراد عوائلهن من الرجال ، بعد أن فصلهم الحشد بداية، لم تر زوجها ولا والده. ولم يكن لأي منهما علاقة بأي تنظيم. وثق التقرير، أيضا، العثور على 26 جثة، على الأقل، لرجال معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي في مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة العراقية في مدينة الموصل ونواحيها. «صار العثور على جثت لرجال مكبلين ومعصوبي الأعين، متكررا في الموصل والمناطق القريبة منها وفي نهر دجلة، مما يثير القلق من وقوع إعدامات خارج نطاق القضاء على يد القوات الحكومية». قالت لما فقيه نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش.
في تقرير آخر، وثقت المنظمة جرائم سلسلة جرائم جديدة ارتكبتها قوات الحشد الشعبي ضد المعتقلين الهاربين من جحيم معارك الموصل ، ليكون مصيرهم التعذيب والإعدام الفوري بتهمة مناصرة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش). ففي 20 أبريل/نيسان 2017، قالت «رويترز» إنه طوال الأشهر الأخيرة، رأى سكان القيارة الواقعة على بعد 60 كم جنوب الموصل والتي تسيطر عليها القوات الحكومية سيطرة تامة منذ أغسطس/آب 2016، جثثا تطفو على نهر دجلة معصوبة الأعين ومكبلة الأيدي. وفي 21 مايو/أيار، قال مقاتل محلي لـ هيومن رايتس ووتش إنه رأى جثة أخرى مقيّدة وتطفو على النهر من جهة الجسر القريب من القيارة. يسيل نهر دجلة نحو الجنوب، ما يوحي بأن الجثث ألقيت في النهر شمال القيارة، ولكن لا يُمكن أن تكون من المناطق الخاضعة لسيطرة داعش نظرا لوجود سدود عديدة في النهر جنوبي الموصل».
هكذا سترتبط القرى في ذاكرة السكان لا باسمائها ومواقعها على الخارطة بل بما يرونه من جثث لضحايا من أهلهم أو ، وهو الأكثر إثارة للمرارة والألم، لضحايا مجهولين. هكذا، صارت مياه دجلة الخير والعطاء، حاملة لتوابيت متنقلة ترسم خارطة « العراق الجديد» بخطوطها الحمر. فحين زارت «هيومن رايتس ووتش» مستشفى القيارة، في منتصف مايس/ ايار 2017، بعد تلقيها صورا، تشير إلى وجود جثة شخص تم إعدامه ميدانيا، قال طبيبان للباحثين إنهم تلقوا أوامر من وزيري الصحة والدفاع بعدم الرد على أية استفسارات حول المشرحة أو السماح بأي زيارات. لم يذكروا السبب. قالوا فقط إنه «خط أحمر».
تخلص سارة لي وتسون، مديرة المنظمة فرع شمال افريقيا، في 27 مايو/ ايار إلى أن « الانتصار في المعارك لا يعني كسب الحرب من أجل عراق موحّد»، إثر انتشار فيديوهات وصور تُظهِر جنودا عراقيين ينتمون إلى «وحدة الاستجابة للطوارئ» الخاصة التابعة لوزارة الداخلية « يضربون محتجزين مُكبّلين ومعلّقين إلى السقف، بينما يهزأ العناصر منهم ويحتشدون حولهم ويصوّرون وحشيتهم باستهتار، مذكّرين بصور الجنود الأمريكيين الدنيئة في سجن أبو غريب. نرى أيضا جنودا ينفذون إعدامات جماعية بحق محتجزين مكبّلين «انتقاما منهم»، مثل العديد من القوات العراقية، في حقبة ما بعد صدّام، التي تقاتل المجموعات المسلحة. كما يقلّدون داعش نفسه، حيث أجبر الجنود العراقيون، بشكل غريب، أحد المحتجزين على إلقاء قسم الولاء لزعيم داعش قبل قتله». يلاحظ من مراجعة تقارير المنظمة، بالإضافة إلى تقارير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولي، أن المشترك بينها هو: أولا عدم إحساس الجنود ومقاتلي الحشد بالخوف من العقاب بل من الواضح أنهم يستمتعون بسادية جرائمهم ويتفاخرون بتسجيلها ومشاركتها على هواتفهم. ثانيا، على الرغم من ادعاء رئيس الوزراء حيدر العبادي بأنه حريص على عدم انتهاك حقوق الإنسان إلا أنه لم يعتقل أو يعاقب أيا من المسؤولين عن الانتهاكات حتى الآن، مع العلم أن أسماءهم معروفة. هناك مثلا الشخص المدعو علي عبد الحسين عبد، أحد المعذِّبين المصوَّرين، وهو خط الوصل بين وحدة الاستجابة وقوات التحالف ويُلقب بـ «علي مشترك . ثالثا، تتحمل الولايات المتحدة وأعضاء آخرين في « التحالف الدولي» المسؤولية، لمشاركتهم في عمليات عسكرية بالتعاون مع قوات الأمن المحلية، ولتسليحهم الحكومة بلا مساءلة حول حقوق الإنسان. من يقرأ تفاصيل الشهادات الموثقة ويرى الصور والفيديوهات سيعرف مدى وحشية التعامل مع المعتقلين والرغبة بالانتقام التي لا تقل بشاعة عن ممارسات مقاتلي «الدولة الاسلامية»، باستثناء أن الأخيرة منظمة إرهابية يحاربها العالم بينما يتمتع الحشد الشعبي بمباركة المرجعية، وشرعنة الحكومة العراقية، ودعم ومساندة إيران، وانتقائية التعامي الدولي عن انتهاكات حقوق الإنسان بحجة محاربة الإرهاب.
ليس «الإرهاب»، وخصوصا الظروف التي تدعمه وتنميه، مؤامرة عالمية جديدة أو بدعة ايديولوجية مختلقة، لا يمكن محاربته إلا بأثمان بشرية باهضة، إنما له أسبابه في أوقات القهر والظلم والجريمة وانسداد أفق استرجاع الحقوق. وإذا كان هذا هو الدرس الذي أثبتته جميع تجارب العالم، فلا ينفيه من أبناء جلدتنا إلا من أصابه العمى العنصري أو الطائفي أو الطمع المادي، بحيث لا يعبأ بسحق مدننا وتشريد شعبنا، كما الصهاينة والمستعمرين. 
تقع المسؤولية الأولى على عاتق الحكومة في إقناع المواطنين بأن هناك خيارا آخر غير اللجوء إلى العنف يمر عبر إثباتها سيادة القانون والقضاء على التمييز بأنواعه. والبدء كخطوة أولى في محاسبة الفظاعات التي ترتكبها قواتها الأمنية وميليشيا الحشد الشعبي.
كاتبة من العراق

 

 

الأموات لا يذكرهم الخطباء…

تنافس الساسة والميليشيات

ورجال الدين في العراق

هيفاء زنكنة

تسود في « العراق الجديد» حمى اعتلاء منصات الخطابة والوعظ وقراءة البيانات. حيث يتنافس الساسة من داخل وخارج الحكومة مع رجال الدين وقادة الميليشيات على اعتلاء منصات عالية تمنحهم الاحساس بالسلطة والقوة على ابناء الشعب، وتساعد على ستر الجرائم المرتكبة بحقه. 
 على المستوى الحكومي، يقف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، مرة كل اسبوع (بالاضافة إلى خطب المناسبات واعلان الانتصارات العسكرية) على منصة عالية، ليلقي خطبة عصماء على الشعب العراقي الذي يتلقفها عبر قناة « العراقية»، الرسمية، التي تبث الخطاب مباشرة، بينما تقتطف بقية القنوات الفضائية والمحلية بعض فقراته، بانتقائية، تتماشى مع درجة الاهتمام بفقرة دون غيرها أو مقدار الدعم المادي الذي تتلقاه القناة من مكتب رئيس الوزراء أو حسب خطها السياسي والطائفي، وغالبا، ما يتقدم الطائفي على السياسي او يتلاحم به إلى حد استحالة الفصل بين الاثنين. 
خطاب العبادي، ليس الوحيد الذي يتجرعه الشعب العراقي، اسبوعيا. حيث يحتل خطاب عمار الحكيم، رئيس التحالف الوطني الشيعي، يوما آخر من أيام الاسبوع. ففي كل يوم أربعاء، يعتلي الحكيم منصة في قاعة واسعة تضم مئات الموالين، متناولا من الموضوعات ما يراه ملائما لـ «علاج» ابناء الشعب من أمراضهم. واذا كان العبادي يخاطب الشعب عبر عدسة الكاميرا، فإن الحكيم يتفوق عليه من ناحية الحضور الجماهيري الحي بالإضافة إلى البث التلفزيوني.
تماثله المرجعية الدينية في استغلال الحضورين الجماهيري والتلفزيوني. فحصة المرجع الشيعي الاعلى السيد علي السيستاني ،هو يوم الجمعة، بالوكالة. اذ لا يحبذ المرجع الظهور الشخصي وان كان مواظبا على ايصال رسائله، بأنواعها، إلى الناس. حيث يعتلي المنصة، بدلا منه، عادة، ممثله في كربلاء الشيخ عبد المهدي الكربلائي، لايصال ارشاداته الاجتماعية والسياسية المغلفة دينيا، اما بشكل مباشر، كما حدث حين أصدر فتوى الجهاد الكفائي لمحاربة « الدولة الاسلامية» او بشكل غير مباشر حين قرر، في 5 شباط/ فبراير 2016، متحدثا من خلال وكيله الشيخ أحمد الصافي، ان لا تكون خطبته اسبوعية بل «حسب ما يستجد من الامور وما تقتضيه المناسبات»، اشارة إلى زعله من الحكومة التي لم تستمع لارشاداته، والاكتفاء «بالدعاء لاخواننا المقاتلين ( ميليشيا الحشد الشعبي) في جبهات المنازلة مع الإرهابيين». غير ان زعل المرجعية من حكومة العبادي لم يدم طويلا، فعاد وكيله إلى اعتلاء المنصة اسبوعيا.
المنصات أنواع. فبالاضافة إلى المنصات الفردية هناك منصات جماعية منصوبة وجاهزة للاعتلاء خارج قاعة البرلمان. يراها العراقي حين يزعل اعضاء حزب/ تيار/ كتلة برلمانية ما، فيصطفون كتلاميذ المدارس الابتدائية، للوقوف عليها والتناوب على القاء الخطب أو قراءة بيان او توجيه اتهامات بالفساد لنواب كتلة أخرى، أو الظهور بمظهر الوطني الحريص على مصلحة الشعب خلافا للآخرين، مع مراعاة ان تقف في الواجهة، دائما، أما نائبة واحدة أو اثنتان، لئلا يتهم حزب المنصة بأنه ذكوري.
من فوائد اعتلاء المنصة خارج القاعة، ان يحظى النواب الذين يعتلونها، بتسليط الضوء الاعلامي عليهم للمرة الثانية، بعد المرة الاولى التي يضمنها لهم البث التلفزيوني المباشر من داخل قاعة البرلمان. مما يؤكد الانطباع الشعبي العام بأن العملية، كلها، لا تزيد عن كونها صراعا على الظهور الاعلامي، خاصة وان المنصات مزودة بمايكروفونات معظم القنوات الاعلامية المرئية والمسموعة، ولا علاقة للصراع بمصلحة الناس.
بعيدا عن منصات الساسة ورجال الدين، هناك منصات الميليشيات. ولعل العراق، واحد من قلة من دول العالم، يعتلي فيها حفنة من قادة الميليشيات ذوي الولاء المطلق لدولة أخرى، منصات التصريحات والخطب، علنيا،، متى وأينما ارادوا، مما يكرس كونهم مالكي السلطة، أكثر من الحكومة. اذ لا يخلو يوم من تصريح او تهديد او اعلان انتصار، يطلقه « متحدث اعلامي» باسم ميليشيا الحشد الشعبي. ولميليشيا الحشد ( ما يزيد على 60 ألف مقاتل) التي اعلن نظام العبادي وجودها تحت مظلة حكومية، ظاهريا، ألويتها الخاصة ومديرية أمنها، ومكتبها الاعلامي وقائدها وتسليحها ومخصصاتها ومدربيها ومستشاريها الايرانيين، أي كل ما يجعلها خارج نطاق الدولة وقيادة الجيش والقوات الأمنية وأي مؤسسة من مؤسسات الدولة ولو شكليا. بل وللميليشيا رايتها التي ترفعها في عملياتها وهجومها على المدن وشعارها الخاص الذي يظهر وراء « المتحدث الاعلامي»، حين يعتلي منصة الخطابة. 
واذا كانت مهمة منصات الساسة ورجال الدين تقتصر على الوعظ والترويج السياسي و التحريض الطائفي « الناعم»، فان منصات الميليشيات، بادعاءات التحرير والانتصار والتطهير هي الوجه الآخر للطائفية الداعشية، ووجودها لا يقل خطرا على مستقبل وأمن العراق كبلد مستقل، يتمتع بالسيادة، من انبثاق « منظمة إرهابية» جديدة لا يكفون عن تهديد الناس بظهورها مستقبلا. 
ماذا عن عموم الناس؟ اصدر المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب احصائية بعدد الضحايا من المدنيين والعسكريين الذين سقطوا، في شهر أيار/ مايو الماضي وحده، جراء النزاع المسلح بين الحكومة وتنظيم الدولة، وضحايا انفجار السيارات المفخخة، والعبوات الناسفة، والقصف العشوائي وغارات طيران التحالف الدولي والحكومي، اضافة إلى الاعدامات الحكومية وعمليات الاغتيال والقتل خارج القانون، الذي تمارسه الميليشيات والاجهزة الحكومية، وقد بلغ عددهم (1157) شخصا. بينما سجلت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) استشهاد 354 مدنياً وإصابة 470 آخرين. ولعل سبب الاختلاف بين الاحصائيتين هو استثناء العسكريين من احصائية يونامي. ما يسترعي الانتباه، اكثر من غيره، ان من يعتلون منصات الخطابة ليرتلوا ترنيمات الانتصار، ويهيئون الارضية لانبثاق منظمات إرهابية أخرى، يتعامون عن ذكر حجم الخسارة البشرية الهائلة التي يتكبدها العراق، يوميا، ومن جميع الجهات، ثمنا لما زرعه الاحتلال، ومارعوه بأيديهم من طائفية وفساد. وسيبقى أطفالنا وشبابنا عملة مقايضة بأسلحة الميليشيات ووعاظ الشياطين وساسة حكومة ينخرها الفساد، مشغولة بحماية نفسها ومصالحها، على حساب الضحايا، ايا كانوا، ما لم يتحقق التغيير.

٭ كاتبة من العراق

 

 

 

كما في مانشستر… للضحايا

في بلادنا اسماء ايضا !

هيفاء زنكنة

 

لاحظنا، منذ الدقائق الاولى التالية لتفجير « مانشستر» الارهابي ، وما تلاه من أيام، الاهتمام الاعلامي المكثف، الرسمي والخاص، بذكر اسماء الضحايا واعمارهم، ومدارسهم، ووظائفهم، والاستشهاد باهاليهم، بالاضافة فيما بعد الى نشر صورهم واجراء مقابلات مع اصدقائهم وأقاربهم. أي كل ما يساعد على غرز وجودهم، وما حدث لهم، بالكلمة والصورة، في الذاكرة الجماعية للشعب البريطاني والعالم. هذه التغطية الاعلامية تدفع المتابعين على التماهي مع ضحايا التفجير ال22 ، وبينهم أطفال، كحضور انساني بريء مضاد لفعل ارهابي بشع. وهذا ما يجب ان يكون في جميع انحاء العالم حين تكون قيمة حياة الانسان هي الأعلى وتحمل مفهوما عالميا للجميع. 
مقابل ذلك، يتعرض أهلنا من العراق الى غزة، ومن سوريا الى ليبيا الى اليمن، على مدى سنوات تمتد الى عقود ، الى التفجيرات والقصف الجوي بأنواعه ، بأسلحة متطورة ( طائرات بلا طيار في غزة واليمن) وأخرى أقل تطورا وأشد فتكا (اليورانيوم المنضب والفسفور الابيض في العراق وغزة) وأخرى بدائية كالبراميل المتفجرة ( سوريا والعراق). ويبقى الضحايا نكرات، بلا اسم أو هوية. مجرد ارقام واحصائيات وجداول بيانية لاتعني شيئا. فما الذي يعنيه الجدول البياني، حتى لو كان لازدياد عدد ضحايا القصف الجوي ، مثلا، لقارئ خبر في صحيفة ؟ أنه لا يزيد عن كونه خبرا آخر، عن ضحايا مجهولين ، في بلد ما. ومن السهل جدا نسيان مجهولي الهوية وبالتالي محوهم من الذاكرة كأنهم لم يكونوا. هذا هو حال ضحايا الحرب الجوية ، في بلادنا، حيث يسقط مئات الضحايا ، يوميا، في سباق تخوض فيه قوات دول، بقيادة أمريكا، ما تسميه ب» الحرب على الارهاب» بالتحالف مع انظمة عربية، همها الاول حماية مصالحها على حساب الشعوب ونضالاتها، بحيث بات كل من يتجرأ على الاشارة الى عري الامبراطور مهددا بتهمة الارهاب الجاهزة. 
أخبرتنا صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، منذ أيام، إن 3100 مدني على الأقل لقوا مصرعهم إثر الغارات الجوية لـ»التحالف الأمريكي» على العراق وسوريا، منذ صيف 2014. مصدر الرقم هو منظمة « حروب جوية» التي ترصد ضحايا الغارات الجوية مستندة بذلك الى المصادر الرسمية. تحاجج المنظمة تصريح الجيش الامريكي بأن غاراته أسفرت عن مقتل 352 مدنيا فقط قائلة ان «عدد القتلى المدنيين هو ثمانية أضعاف ما تؤكده الولايات المتحدة» وان عدد الضحايا في تزايد مستمر، حيث ازداد ، حاليا، الى 100 شخص، يوميا، جراء ما يقارب 13 ألف غارة على العراق و 9 آلاف على سوريا. وذكرت المنظمة انها رصدت الغارات الروسية في جداول منفصلة. 
هذه الارقام ، مهمة ومن الضروري توثيقها. ولكن، من الذي سيتذكرها بعد مرور فترة من الزمن ، وربما بعد أيام، باستثناء قلة من الباحثين؟ ما الذي تعنيه هذه الارقام بالنسبة الينا، كأفراد عاديين، والى العالم الذي لا يريد معرفتها، أساسا، أما خشية تحميله مسؤوليتها أو لانشغاله بمشاكله الخاصة بعيدا عن مشاكل « الآخرين»؟ 
في الاسبوع، ذاته، اعترفت قيادة الجيش الامريكي ، بعد انكار وتنصل، بان أحدى غاراتها على مدينة الموصل، في 17 آذار/ مارس سببت، فعلا، مقتل 105 مدنيين. تؤكد منظمات رصد حقوقية عراقية وشهود عيان ان عدد الضحايا أضعاف ذلك. وهي مجزرة، بكل المقاييس الانسانية وقوانين الحرب، تستوجب المساءلة واخضاع مرتكبيها للعقاب ، فيما لو تم تطبيق القوانين الدولية والانسانية ، وهذا ما لن يحدث ما لم يتغير ميزان القوى الدولي، وما لم توجد في العراق حكومة وطنية مهمتها الاولى تمثيل مصلحة مواطنيها. الى ان يتم ذلك ، تواجهنا اسئلة عدة : ما الذي يتوجب علينا عمله لئلا نكرس استرخاص الحياة الانسانية ، لئلا تتم مقايضتها في سوق المصالح، وان نحافظ عليها كقيمة مطلقة لا تقبل المساومة؟ وكيف الاستفادة من الاحصائيات والارقام؟ 
الخطوة الاولى هي ضرورة توثيق الحدث بتفاصيله كاسم الضحية والعمر ووقت الاصابة وكيف. الخطوة الثانية اعلامية. ليكن الخبر ، بقدر الامكان، معززا بذكر اسماء الضحايا وجوانب من حياتهم. لا يصح تكويم الضحايا في قبور جماعية ، بأخبار وعناوين على غرار : « مقتل 20 مدنيا في قصف جوي على سوق شعبي غرب الموصل» و « 395 قتيلا و580 مصابا ضحايا الهجوم الأمريكي في النجف والكوفة « و « في قصف جوي .. مقتل تسعة مدنيين بينهم خمسة من اسرة واحدة في الموصل» ، دون ان يشار في أي من الاخبار، على اختلاف مصادرها، اسم أي من الضحايا. 
ان لكل ضحية اسما وعمرا وجنسا ومهنة وعائلة وأقارب، الكبار منهم والاطفال، « فلاطفال العراق احلامهم/ انهم ليسوا بلا احلام/ لأطفال العراق قلوب تنبض/ انهم ليسوا احصائيات حرب/ لأطفال العراق اسماء/ اسماؤهم ليست ضحايا ثانويين « كما يقول الشاعر الامريكي ديفيد كريغر، والعبور الى العالم الآخر لا يطمس هذه الحقائق، بل كل ما في الامر انها ستتحول الى مخزون في ذاكرة الاحياء، تتناقله من جيل الى آخر لا للانتقام بل لئلا تتكرر الجرائم. 
وهذا ما فعلته اجهزة الاعلام لضحايا تفجير مدينة مانشستر، وهذا ما يتوجب علينا عمله تجاه ضحايانا الذين لن يلتفت اليهم احد، ما لم نبادر بالعمل على تحويل استشهادهم الى احتفاء بحياتهم. اما افضل طريقة لتقريب الارقام والاحصائيات من اذهان الناس وابقائها حية فتتم عبر تضمينها سردية الاحداث التي يتعرض لها الضحايا لتصبح ، كما يذكر موقع « احصاء القتلى العراقيين» ( ترجمة غير حرفية لبادي كاونت)، وسيلة أخرى ، ايضا، لاثبات الحقيقة عبر التفاصيل المتعلقة بالافراد ، وجعلها ملكا للجميع مثل نصب تذكاري يؤمه الكل ، خاصة ذوي الضحايا ، حفاظا على ذاكرتنا وكرامتنا، في آن واحد.

٭ كاتبة من العراق

 

 

من جبل النار الى غزة…

أمهات وزوجات الأسرى

المضربين عن الطعام يقاومن

هيفاء زنكنة

 

سبعة وثلاثون يوما، مرت منذ بدء إضراب أسرى الحرية الفلسطينيين عن الطعام بتاريخ 17 نيسان/ ابريل. ماذا عن الغد؟
« تعبت من عد أيام الإضراب، 18 و19 و 200..» يقول أحد الأسرى الذين خاضوا تجربة الاضراب عن الطعام، سابقا: «في اليوم العشرين تشعر بأنك دخلت مرحلة اللاعودة، تبدأ بقراءة الفاتحة على روحك وروح رفاقك .. « … وكلما تلعثموا في قراءتها سهوا، أعادوها. كتبت الصحافية ميرفيت صادق، عن الاضراب في يومه العشرين، وهي ترصد وتوثق، مقاومة الاسير الفلسطيني في اضراب الكرامة. وهو ليس الاضراب الاول. مر به جيل بعد جيل من الاسرى، نساء ورجالا وأطفالا، تجاوز عددهم المليون ، منذ عام1967، حتى الآن. الاضراب أداة للمقاومة، حين يصبح الجسد ، في غياب كل سلاح آخر، السلاح الأخير، حين يعمل الإحتلال على تطويع الجسد ثم مسخ العقل ، اعتقالا، وخنقا للحركة، واهانة يومية في وطن تنبع فيه الحواجز وتتكاثر كما الاعشاب الضارة.
المقاومة مئات الأنواع. واضراب الاسرى عن الطعام، حتى يتم تنفيذ مطالبهم، هو واحد من وجوه المقاومة. وأبرز المطالب الأساسية: إنهاء سياسة الاعتقال الإداري، والعزل الانفرادي، ومنع زيارات العائلات وعدم انتظامها، والإهمال الطبي. 
اعتصام أهالي الاسرى، في مخيمات التضامن مع الاسرى في ارجاء فلسطين، وجه آخر للمقاومة. تم نصب الخيام أمام كنيسة المهد في بيت لحم. في نابلس جبل النار. في طولكرم. في غزة. ووسط البلد في رام الله. ملونة بصور الاسرى . خيام تذكرنا باستقبال الحجاج واقامة الافراح والمآتم. خيام تجمع كل الفلسطينيين، ففي كل بيت أسير أو أكثر من أسير. نساء ورجال واطفال يتناوبون الجلوس في الخيام، كما المرابطات والمرابطون في باحة الاقصى، يحمون باجسادهم وهتافات التكبير المسجد المبارك من دنس المستوطنين واستفزازاتهم. 
المتضامنون جالسون منذ الصباح حتى مشارف الليل. أهالي الاسرى يترقبون سماع اي خبر عن أحبائهم، خاصة، بعد ان توقف عدد منهم عن شرب الماء وتم نقل آخرين الى المستشفى. علقت على جدران الخيمة صور الأسرى. بلا ترتيب. صور صغيرة وأخرى كبيرة . تحيطها شعارات الصمود والمقاومة. امهات الاسرى يحتضن صور ابنائهم . « لم أحتضن ابني منذ 23 عاما. كان صبيا حين أعتقل»، تقول احدى الامهات وهي تضم الصورة الى صدرها بقوة، تمسدها، كما لو كانت تمسح على وجهه، لعلها تمنحه بعض الدفء لتحميه من آلام الجسد وبرده وجوعه وهو يستهلك نفسه.
 أغاني المقاومة هواء تستنشقه رام الله . يسكت المنشد فيخفت صوت المتحدثين في الخيمة. أرى المارة واصحاب الدكاكين المحيطين بساحة الاعتصام، يصغون بترقب، حين تمسك طفلة، ترتدي فستانا طويلا لونه ابيض، بالميكروفون. تحكي عن شوقها لوالدها الأسير. انها تحكي بلا دموع ثم ترفع شارة النصر باصابعها النحيلة. « يا الهي كم ينضج الاطفال سريعا في بلادي»، تقول الاسيرة المحررة ايمان غزاوي ( 11 عاما اعتقال). تريد اسيرة محررة أن تلقي قصيدة مهداة الى زوجها الاسير المضرب عن الطعام والذي لم تسمع منه منذ بدء الاضراب، الا ان ابنتها تذكرها بطول الطريق الى البيت. المحامية وفاء زوجة القيادي الاسير مروان البرغوثي، المحكوم عليه بالسجن خمسة مؤبدات و40 عاما، تواسي احدى الامهات. الاسيرات المحررات حاضرات بقوة. ايمان نافع ( 10 سنوات اعتقال) تتنقل بين الاهالي لتطمئنهم وهي نفسها بحاجة الى من يسمعها خبرا عن زوجها نائل البرغوثي (قضى 36 عاما في السجن وحكم عليه بالمؤبد و18 عاما) . الروائية عائشة عودة ( 10 سنوات اعتقال) بهدوئها الساحر. عطاف عليان ( 14 سنة اعتقال) غائبة لأنها كانت تستقبل زوجها الكاتب وليد الهودلي ، المحرر بعد اعتقاله اداريا للمرة .. كم؟ يأتي الجواب : لقد توقفنا عن العد. مي الغصين ( 10 سنوات) لا تعرف ما الذي حل بزوجها « ثمان سنوات مرت لا ادري كيف انقضـــت. ثمان سنوات و انا ابحث عنك في الوجوه صاحبة الظلال الطويلة». هل لايزال حيا؟ 
الأسرى في حالة صحية صعبة. يقول الاطباء ان المضرب عن الطعام مدة تقارب الشهر يفقد عشرة بالمئة من وزنه ويبدأ بالتقيؤ حتى اذا تناول الماء ، وتبلغ الآلام حدا لا يطاق. يقول المحامون الذين سمح لهم بزيارة 40 أسيرا فقط، ان من بين العقوبات التى فرضت على الأسرى المضربين إخراجهم إلى الساحات مكبلين، وتعريضهم للشمس الحارة من الغرف أثناء المداهمات التفتيشية التي تتكرر مرتين يومياً، ومنع الملح عنهم ، وإغلاق نوافذ زنازين العزل لحجب دخول أشعة الشمس. وينقل الاحتلال الاسرى من سجن الى آخر ( أحمد سعدات ونائل وعمر البرغوثي) بهدف تشتيتهم وإضعاف الإضراب.على الرغم من هذا كله، يقول المقاوم كريم يونس الذي قضى 35 عاماً في معتقلات الاحتلال «لن نتراجع حتى ولو لمونا جثثا». وأكد الأمين العام للجبهة الشعبية النائب الأسير « أحمد سعدات « على تمسك الأسرى بمطالبهم الجماعية وشرعية إضرابهم حتى تحقيقها. « أما ان ننتصر أو ننتصر» ، يقول مروان البرغوثي . يشاركه الموقف المضربون الذين بلغ عددهم الألفين. ولو كانت الحاجة فرحة، والدة نائل وعمر وفخري البرغوثي، حية لما رضيت بأقل من ذلك ، وهي التي قالت للحارس الصهيوني الذي ناداها فرخة: «أنا فرخة، بس خلفت ديوك عشان يلعنو أبوك» . 
 ماذا بعد؟ ان وحدة الموقف الجماعي، بين المضربين، كلهم، هـــــذه المرة، وروح التضامن المتبــــدية في ارجاء فلسطين، تفتح بابا للتفاوض، باعتبارهم أسرى حرب – حرية، من قبل المضربين أنفسهم، بعيدا عن رطانة الساسة ومناورات ما خلف الابواب على حساب حياة المضربين ومأساة أهاليهم. انها وحدة نضال ومقاومة تهز ما هو أكثر من صورة العدو الصهيوني التزويقية. انها، عبر تضحية الاسرى باعلى قيمة في الوجود، تفكك اساس دولة بنيت على نهب الارض والعنصرية. 
كاتبة من العراق

 

 

دور الطيارين السكارى

في قصف الموصل

هيفاء زنكنة

 

خَدَش تحقيق أجراه اثنان من المحققين الفيدراليين الأمريكيين ، حاجز الصمت المتفق عليه، عراقيا وأمريكيا، حول عمل ما تسمى بالشركات الأمنية في العراق، ليعيد الى الأذهان صورة بشعة لجرائم يتم ارتكابها والتستر عليها، بعد تغليفها بورق « أمن وحماية» السفارة الامريكية وقواعدها. أذ نشرت وكالة «اسوشييتد برس» للأنباء، تحقيقا، بناء على شهادة المحققين، اللذين تم طردهما حين أصرا على صحة نتيجة تحقيقهما الذي اقتضى عاما. كشفت الوكالة جوانب « مستورة» من عمل الشركة الأمنية « سالي بورت غلوبل» ، المتعاقدة مع الادارة الامريكية بعقد قيمته 686 مليون دولار لضمان أمن قاعدة بلد الجوية، التي تقلع منها مقاتلات أف -16 لمحاربة تنظيم الدولة الاسلامية. وثق التحقيق عمليات تهريب معدات ومولدات تقدر اسعارها بالملايين، والانخراط بتهريب نساء لاغراض الدعارة بين الجنود، والتهريب « الروتيني للمشروبات الكحولية بكميات هائلة . واقامة سهرات يتناول خلالها الجنود والطيارون كميات هائلة من الكحول، ووصلت الامور حدا بحيث قام احد الطيارين بقيادة طائرة ال أف 16 الحربية وهو ثمل فكانت تتمايل يمينا ويسارا في الجو». وأكد المحققان لوكالة الانباء ان ادارة شبكة التهريب، بانواعه، كانت تدار من « فندق برهان»، الواقع على مبعدة خمس دقائق من مطار بغداد، وان هناك حلقة دعارة أخرى، خاصة بمتعاقدي الشركة الامنية، وان لم يصرحا بتفاصيل اكثر عنها.
هناك صمت مطبق، في السنوات الأخيرة، حول تواجد وعمل الشركات الأمنية، بالعراق، على اختلاف مسمياتها من الشركات العسكريّة الأمنية الخاصّة، الى شركات الحماية الأمنية، مرورا بالمقاولين الأمنيين والمرتزقة وكلاب الحرب وجيوش الظل. الصمت مفيد ومجز لكل الاطراف المتعاقدة والمستفيدة من طبيعة عمل هذه الشركات. سواء كانت الجهة عراقية أو أمريكية او الشركات نفسها الحاصلة على العقود الكبيرة من جهات متعددة أهمها وزارة الدفاع الامريكية (البنتاغون) . حيث تنفذ هذه الشركات ، مهاما كانت تناط سابقا بقوات الجيش الامريكي وتكلفه حياة افراده بالاضافة الى التكلفة المادية العالية، واحتمال اثارة غضب الرأي العام الامريكي. أنها أرخص، خاصة، اذا كان مستخدموها من غير الامريكيين كما انها لا تخضع لقواعد الحرب وقوانينها في زمن خصخصة الحرب. النظام العراقي يتستر، بدوره، على تواجد المتعاقدين الأمنيين / المرتزقة لأنهم ارتكبوا جرائم بشعة موثقة، أجبرت الادارة العسكرية الامريكية على التحقيق فيها، فلم يعد من اللائق الا يعترض ساسة النظام على ما تظاهر « اهل الدار» بالاعتراض عليه، بالاضافة الى استفادة عدد من الساسة والمسؤولين من سمسرة العقود وغيرها. 
أن ما كشفه المحققان الامريكيان قد يكون فضيحة من وجهة نظريهما ووزارة الدفاع الامريكية لأنه يشكل اخلالا بالعقد المبرم بين الجهتين الا انه يجب ان يعامل كجريمة لا تحتمل السكوت، من قبل الحكومة العراقية ، التي يفترض فيها تمثيل الشعب وحمايته. انها جريمة من ناحيتين: الاولى تتعلق بحياة وعدد الضحايا المدنيين ، في مدينة الموصل وغيرها، جراء القصف المستمر ، من قبل طيارين يقودون طيارات الأف 16 وهم سكارى والطائرات تترنح يمينا ويسارا، فكيف يميزون بين الاهداف؟ بين المستشفى والجامعة والمبنى الذي تستخدمه داعش للذخائر؟ كم من المدنيين سقطوا وقادة « التحالف» مع المسؤولين العراقيين يهينون الناس بادعائهم « المحافظة على أمن المدنيين»؟
الناحية الثانية، هي قضية الاتجار بالبشر والدعارة التي ، مثل العديد من القضايا الانسانية والاجتماعية المهمة، دُفعت جانبا « لأننا نحارب الارهاب»، كما يردد لنا رئيس الوزراء حيدر العبادى كلما ازداد عدد المعتقلين ، وطفت على السطح جثث من يقتلون تعذيبا في المعتقلات. جاءت الاستجابة لنشر التحقيق، من عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية محمد الكربولي، ( 6 أيار/مايو) الذي أعلن عن « عزم» لجنته تشكيل لجنة للتحقيق بتقارير تحدثت عن «فضائح جنسية وسرقات» في قاعدة بلد الجوية، مبينا أن «حصول أي خروق داخل القاعدة يسيء لسمعتها وسمعة العراق هو أمر لا يمكن القبول به بأي شكل من الأشكال». ولأن العزم على تشكيل لجنة ومن ثم تشكيلها بات مشجبا لدفع القضايا المهمة الى خزانة مظلمة لا يصله أحد، بامكاننا القول ان مصير هذه اللجنة ، اذا شكلت ، سيكون مصير المئات من قبلها. بلا نتيجة، على الرغم من توفر نتيجة التحقيق الامريكي بتفاصيلها التي باتت متوفرة للجميع ، ومعرفة الاماكن التي تدار فيها شبكات التهريب والدعارة ومن بينها فندق البرهان الذي ، ما ان تضع اسمه على « جوجل»، حتى يخبرنا، عبر شركة الحجز « بوكنغ دوت كوم» بانه في موقع ممتاز من ناحية حرية التنقل السريع، فهو «داخل فندق مطار بغداد الدولي، ويضم بارا ومطعما مع بوفيه.. تحتوي الغرف على تلفزيون بشاشة مسطحة مع قنوات فضائية وتكييف وميني بار». يشكل توفر الحقائق ، المذكورة بالتحقيق الامريكي، أرضية ممتازة لمساءلة الشركات الامنية التي يحيط الغموض بعددها وان ذكر رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان حاكم الزاملي في 2 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2016 « هناك ، في محافظة البصرة، وحدها، 700 شركة، ما بين أجنبيّة ومحليّة، وفي حوزتها 17 ألف قطعة سلاح متعدّدة الأنواع، وإنّ 75 ألف عنصر أجنبيّ يعمل في تلك الشركات» ، ولابد ان تصويت البرلمان في 26 كانون الثاني/يناير من عام 2017 على مشروع قانون الشركات الأمنيّة، سيساعد في سير التحقيق . كل هذا ممكن ، طبعا، اذا توفرت النية الصادقة، لدى أصحاب القرار وكان همهم حماية المواطن في بلد يتمتع بالاستقلال والسيادة.

٭ كاتبة من العراق

 

 

 بين المرجعية الدينية في

العراق والمرجعية البوذية في فيتنام

هيفاء زنكنة

 

أصدر المكتب الاعلامي لرئيس الوزراء العراقي، في الخامس من أيار/ مايو بيانا رد فيه على تقارير وكالات الانباء الدولية والمحلية حول وجود قوات اجنبية بالعراق، جاء فيه « نحن نؤكد ان لا وجود لقوات مقاتلة مِن أية دولة على الاراضي العراقية». هذه كذبة واضحة وضوح الشمس الحارقة ببلادنا. لم يتمكن حتى المحتل المولع بالاكاذيب من هضمها. حيث أكد العديد من قادة جيش الاحتلال الامريكي والمتحدثين الرسميين والمواقع العسكرية، بالاضافة إلى مقتل عدد من الجنود الامريكيين، في مدن عراقية مختلفة، الوجود العسكري الامريكي القتالي على الارض كما هو الجو. وينطبق الامر، ذاته، على التواجد الايراني بشكل ميليشيات وجنود أيضا. ولا تدع تصريحات قادة الميليشيات والساسة الايرانيين ونقل جثث القتلى أي مجال للشك حول الحضور الايراني على الارض، بعيدا عن هراء رئيس حكومة فاشلة.
ثلاث جهات بحاجة إلى التوقف عندها لاستشراف درجات المناورة في الخطاب، من الديني « المقدس» إلى الكذب والتلفيق والتضليل السياسي مع مراعاة الاختلاف بين الجهات الثلاث. الجهة الاولى هي ساسة النظام الحالي، والثانية هي المرجعية الشيعية، والثالثة هي الادارة الامريكية برئاسة دونالد ترامب. 
بالنسبة إلى الجهة الاولى، لكل نظام سياسي لغته. وتكون اللغة المستخدمة في الخطاب السياسي، الأكثر خضوعا للتلفيق والأكاذيب والتطويع الايديولوجي، والأبعد عن المصارحة والصدق، اذا كان النظام في حالة حرب مع شعبه، لصالح قوى خارجية توفر له الحماية والديمومة، وهي اكثر الحروب انتشارا في منطقتنا. حيث تتداخل فيها مصلحة القوى الخارجية/ المحتل مع « السياسي»، لتكون الحصيلة سلة من المفردات الجاهزة، القابلة للتأويل المختلف، والملونة حسب مقتضيات الحاجة. غايتها الخديعة الاعلامية من جهة ومحاولة الضغط على عصب حساس في جسد الشعب، من جهة ثانية. ومن مصلحة النظام والمحتل، معا، ابقاء العصب حيا او احيائه اذا كان قد ضمر ومات. هذه الآلية في اختيار لغة الخطاب السياسي قد تكون مبنية على استراتيجية بعيدة المدة لدى البلدان الغالبة، تمنح شرائح من شعوبها او ناخبيها، فائدة اقتصادية، تسمح بتبرير الغزو، وتخريب البلدان ( ما دامت بعيدة وأهلها يفتقدون التحضر والديمقراطية!)، كما في الحروب الاستعمارية، أو قد تكون ذات علاقة بنشوء وتنامي مصلحة آنية لشريحة معينة في البلدان المغلوبة على امرها. فتقتضي، في هذه الحالة، مداعبة الحس الشعبوي ( الديني، المذهبي، العشائري، القومي)، أو ادعاء حماية الامن القومي، وتحشيد الناس بكل الاساليب المتاحة لخلق « طائفة» يسود بين افرادها مشاعر التهديد والخوف من « الآخر». وبالامكان تحقيق أقصى نجاح واسرعها فاعلية للهيمنة على البلدان المحتلة، اذا كان « الآخر» من اهل البلد نفسه. هذا ما تستند اليه حكومات الاحتلال، في العراق، منذ ان سلم الحاكم العسكري بول بريمر عصا الحكم بالنيابة إلى أياد علاوي. وعليه أسست الجيش، والميليشيات، وقسًمت مؤسسات الدولة، واستجدت قوات الاحتلال استجداء من ذات الادارة الامريكية التي خربت ونهبت، وزرعت الفتنة الطائفية والفساد، ورعت الارهاب. 
في الجهة المحاذية للساسة، تقف المرجعية الدينية التي تنازعت خطابها مواقف متناقضة تراوح ما بين الصمت المطلق والنطق بلا توقف. حيث اختارت الصمت المطلق ازاء غزو البلد وان تدوس بساطيل المحتل الانكلو أمريكي أرضه. حينئذ، لم تصدر عن المرجعية همسة « مقدسة» ضد فعل التدنيس التاريخي. وهل هناك ما هو أكثر تدنيسا من غزو الوطن؟ اختارت المرجعية الدينية الصمت حين نهب الغازي ما نهب، ووطأ المدن الموصوفة بـ « المقدسة». ايامها، تم نقل المرجع الاعلى إلى لندن، بسرعة، مغلفا بصمته. للاستشفاء، قيل من قبل أحد الناطقين باسمه. في ذات الوقت، استحضر صوت العلامة جواد الخالصي، قائلا « الاحتلال ليس وجهة نظر»، وارى صورة رجال الدين في أمريكا اللاتينية وهم يقاتلون قوات الغزو الامريكي، وأصغي لموقف « المرجع» البوذي الفيتنامي، قائلا « في كل يوم يمر على الحرب، تزداد الكراهية في قلوب الفيتناميين وفي قلوب من يملكون حسا انسانيا، ويجبر الأمريكيون حتى أصدقاءهم على أن يصبحوا أعداءهم. ومن الغريب أن الأمريكيين الذين يحسبون بعناية إمكانيات الانتصار العسكري، لا يدركون أنهم في هذه العملية يتكبدون هزيمة نفسية وسياسية عميقة. إن صورة أمريكا لن تكون أبدا صورة الثورة والحرية والديمقراطية، بل صورة العنف والعسكرة». كلمات « المرجع» البوذي هذه، قرأها « المرجع» الامريكي القس مارتن لوثر كينغ في اجتماع حاشد، ألقى فيه واحدا من اكثر خطبه ادانة لغزو بلاده لفيتنام، مفككا الخطاب الامريكي السياسي – الدعائي الذي يبرر الغزو وتدمير فيتنام وقتل الشعب الفيتنامي، قصفا وحرقا، بحجة محاربة الحزب الشيوعي. هذه المواقف الانسانية، من أكبر فعل ارهابي شهدته بلداننا وأشعل فتيل النار باعتراف حتى من ساهموا بارتكابه، لم تزر دار المرجعية العراقية يوما. ما قامت به، ويا ليتها التزمت الصمت، هو اصدار فتوى للجهاد ضد « الآخر»، وتوزيع مفاتيح الجنة مجانا، لتسبب مقتل آلاف الشباب، غير المدربين، بعد ان تم زجهم في معركة دموية دفعوا حياتهم ثمنا فيها. وبدلا من محاولة ايجاد حل انساني، ايا كان فحواه، لايقاف ماكنة الموت والدمار، وايقاف دورة الانتقام وتمزيق الوطن، بتنا نستمع، كل اسبوع، إلى ممثل المرجعية، الجالس بصحن الحسين، بكربلاء، بعيدا عن جحيم المعركة، وهو يطالب بـ» ادامة زخم المعركة مع داعش فان مضى الف علينا ان نرسل إلى ساحة المعركة الفا اخرين»، متماهيا بذلك مع «داعش» التي تدفع افرادها إلى معارك الموت جهادا ووعودا بحور العين، هي الأخرى. 
السؤال المهم هو: من هو المنتصر الحقيقي في هذه الحرب؟ بين أكاذيب رئيس الوزراء بعدم وجود قوات أجنبية مقاتلة على أرض العراق تضليلا للشعب لئلا يتساءل عن الثمن الذي سندفعه مستقبلا لهذه القوات الباقية بعد « الانتصار»، وحماس المرجعية لتغذية الموت بـ» ألف آخرين «، والتكهن بولادة سريعة لمنظمة ارهابية أخرى، يبدو ان الانتصار سيكون، ولو إلى حين، من نصيب امريكا التي تثمن حياة كل جندي من جنودها ولا ترسلهم إلى ساحة المعركة بالآلاف، بل وبات على الانظمة التي تطلب حمايتها ومساعدتها ( لقصف شعبها كما هو حال العراق) ، ان تتحمل «مزيداً من العبء» في مكافحة المتشددين، مع الالتزام بـ «خفض تكاليف الدماء والثروة الأمريكية في مكافحة الإرهاب»، حسب استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجديدة لمكافحة الإرهاب. ولسنا بحاجة إلى ذكر من هو الخاسر في هذه الصفقة.

٭ كاتبة من العراق

 

 

تبادل الأكاذيب بين الادارة

الأمريكية والنظام العراقي

هيفاء زنكنة

 

اعلنت القيادة العسكرية الأمريكية، يوم الاحد، عن مصرع جندي أمريكي قرب مدينة الموصل. وتناقلت وكالات الانباء الخبر، بعد اضافة جملة «ولم يذكر البيان أي تفاصيل أخرى». وهي مسألة تستحق الانتباه لأن مقتل أي جندي أمريكي، عادة، نشر تفاصيل أسمه ووحدته وتفاصيل حياته منذ الولادة حتى الموت، لتبقى ذكراه، خلافا لمواطني البلدان المحتلة المتعمد نسيانهم إلى حد الالغاء، راسخة في اذهان الجميع. فما الذي أستدعى التغيير او على الأقل تأجيل اصدار التفاصيل؟ 
هناك أولا مسألة التوقيت. حيث الادارة الأمريكية مشغولة بذكرى مرور 100 يوم على تنصيب دونالد ترامب رئيسا، وما أثاره الرجل حتى الآن، كاستعراضي من الدرجة الاولى، يستدعي التعامي عن سقوط العسكر الأمريكي في البلدان التي تم بيعها، إعلاميا، إلى العالم، كمحطات بارزة في طريق الهناء الديمقراطي. العراق السعيد هو أحد هذه البلدان. النقطة الثانية، هي ثنائية انسحاب ـ إعادة قوات الاحتلال. فاذا كان الرئيس الأمريكي السابق باراك اوباما قد عمل على اجلاء القوات من الباب، عام 2011، وابقاء «مستشارين ومدربين وقوات خاصة»، واعادة اعداد منها، تدريجيا، من الشباك، فان اعادتها إلى العراق، حاليا، لاتزال مستمرة، بشكل جرعات. حيث تقوم وزارة الدفاع (البنتاغون)، بالاعلان، بين الحين والآخر، عن ارسال 200 جنديا مرة، وارسال 400 او 600 مرة أخرى، كلما رأت الوضع يخرج من بين يدي الادارة، حتى وصل عدد قوات الاحتلال، بترحيب حار من النظام العراقي وساسته الذين جلبوا طاعون الاحتلال أساسا عام 2003، أعلى نسبة لهم منذ عام 2011. 
عند مراجعة الزيادات المعلنة، يلاحظ ان هناك غموضا يحيط بالعدد الحقيقي لقوات الاحتلال الأمريكي المتواجدة على الأرض في العراق. فالبنتاغون، حسب الموقع العسكري الأمريكي «آرمي دوت كوم»، لا يعلن، عادة، عن كل القوات المرسلة بحجة ان أرسالها مؤقت وليس دائما، وما هو مؤقت لا يتوجب الاعلان عنه. وكما هو معروف، يخضع مصطلح «مؤقت» للاستخدام وفق الاستراتيجية العسكرية لانجاز مهمة ما وليس حسب المدة الزمنية. هكذا اصبح تواجد قوات الاحتلال الأمريكي بغطاء التحالف الدولي، منذ سنوات، مثلا، مؤقتا، بحجة مساعدة العراق في محاربة الإرهاب (كنا نظن ان العراق يساعد أمريكا في محاربة الإرهاب!!) وتدريب القوات العراقية. 
يشمل ذلك القوات الموجودة في قواعد عسكرية مثل قاعدة عين الاسد، في محافظة الانبار، غرب العراق، والقوات الخاصة، والمرتزقة، بالاضافة إلى 1500 جندي من المزمع وضعهم على الحدود العراقية الكويتية. مما سيرفع عدد قوات الاحتلال إلى 10 آلاف، من مختلف الوحدات بضمنها المارينز، حسب صحيفة « ميليتري تايمز» المتخصصة بالشأن العسكري الأمريكي. وكانت الصحيفة قد أكدت مشاركة 100 من القوات الخاصة الأمريكية في القتال، على الارض، مع القوات العراقية، في معركة الموصل، وهم يرتدون الزي الاسود، تماشيا مع زي قوات النخبة العراقية. 
 هذه الأرقام لا تشمل المتعاقدين الذين تخفى أرقام المقاتلين منهم بين سجلات الحراس، والسواق، والميكانيكيين، والطواقم الطبية في الميدان و القواعد، ومجهزي الطعام والعتاد والعدد المتزايد من طواقم الطائرات المسيرة والروبوتات. هذا اضافة لحراس السفارات والقنصليات وملاكاتهم التموينية والميكانيكية المحسوبين على ملاك وزارة الخارجية، وعددهم يعادل عدد الديبلوماسيين. لذلك تتراوح تقديرات عديد الوجود العسكري الأمريكي في العراق بين الـ20 إلى الـ 30 الفا. 
ومن المفهوم أن ارقام الفرق الخاصة، مثل ما يسمى بالـ«ديلتا» والـ«نيفي سيلس»، واماكن وجودها تبقى سرية حسب القانون وطبيعة العمل، لكن من المشروع التكهن ان نسبة عالية منهم، وقد وصل عددهم تحت ولاية اوباما إلى الـ 70 الفا، هو في العراق وسوريا بدون إعلان. 
قد يظن البعض ان هذه المعلومات التفصيلية، على اختلاف الارقام، تؤكد للجميع بما لا يقبل الشك، ان القوات الأمريكية موجودة لا بشكل مستشارين ومدربين، فقط، بل انها تشارك في القتال الفعلي جوا وأرضا، وما مصرع عدد منهم، واعلان وزارة الدفاع الأمريكية عن مقتل أربعة جنود بين عامي 2015 و2016، غير دليل أضافي على الحقيقة. إلا ان هذه الحقيقة، تبدو غير كافية لرئيس الوزراء حيدر العبادي كلما وقف في حضرة الكاميرا، اسبوعيا، ليتفوه بأكاذيب تفوق من خلالها على سلفه الذي بات موضع اهزوجة « كذاب نوري المالكي كذاب». 
ففي 19 آذار/ مارس 2017، اي بعد أعوام من تواجد القوات الأمريكية على الارض، استمع العراقيون إلى العبادي قائلا: «القوات التي تقاتل داعش على الأرض هي قوات عراقية فقط». ويبدو انه استمرأ الكذب، فأضاف: أن «هناك بعض الحاقدين يقومون بالترويج كذبا لوجود جنود اجانب يقاتلون على الاراضي العراقية». وكان قبل ذلك قد تغلب حتى الادارة الأمريكية في فبركاتها الدعائية، حين استقبل وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، في 20 فبراير/ شباط، وأكد له مبتسما «ان لاوجود للقوات الاجنبية على ارض العراق»، وكأن الجنود الأمريكان من أبناء عمومته ودينه ومذهبه. 
واذا كانت وزارة الدفاع الأمريكية تكذب او لا توفر بشكل روتيني معلومات حول قدرات او قوات او مواقع او تحركات القوات داخل او خارج العراق «من اجل الحفاظ على المفاجأة التكتيكية وضمان الأمن التشغيلي وحماية القوة» وفقا لما ذكره المتحدث باسم البنتاغون لصحيفة «لوس أنجليس تايمز»، فما هو سبب هطول أكاذيب العبادي المفضوحة إلى حد الابتذال على الشعب العراقي الذي يدعي تمثيله؟
 هل هي الاستهانة بعقول الناس وافتراض الغباء المطلق أم انه بات، وهو ليس الوحيد بين ساسة النظام، يصدق نفسه و«كلامه المثقوب» كما يقول نزار قباني. وما كنا سنضيع الوقت بمتابعة أكاذيب الادارة الأمريكية وساسة «العراق الجديد» لولا انها تكلف الشعوب حياة أبنائها بالمئات، يوميا، وتقودها من كارثة إلى أخرى، لتصبح مسؤوليتنا رصد انعكاسات الأكاذيب على الشعوب وتوثيقها، لئلا نسقط في أحبولة تسويق الشعارات والرطانة الشعبوية، بحجة مكافحة الإرهاب، بلا تمحيص.

٭ كاتبة من العراق

 

 


تحرير الموصل…

البضاعة الأكثر مبيعا في الأسواق!

هيفاء زنكنة

 

لعل اكثر المفردات شيوعا في ضباب الحقبة الزمنية التي نعيشها، ومنذ ان قررت الولايات المتحدة، تبني سياسة المحافظين الجدد في شن الحرب على كل من تراه « ليس معها»، هي مفردة الإرهاب وما يصاحبها من اسماء وصفات تراوح في التصريحات والاجندات واجهزة الإعلام ما بين «الحرب» و»القضاء» و»دحر» و»هزيمة» الإرهاب. 
في هوة «محاربة الإرهاب»، سقطت الحكومات العربية الواحدة بعد الاخرى، قبل غيرها من الدول، لتجذب معها إلى مياه الايديولوجيا الآسنة الاحزاب والتيارات التقليدية العربية. صارت الطمغة التي يفتخر بها كل نظام عربي هو تسابقه لاثبات ولائه لمرجعية القوة العسكرية الأمريكية. أما الاحزاب المعروفة، تاريخيا، بعدائها للامبريالية والهيمنة والاستغلال الاقتصادي، المتفاخرة باستقلالها عما تسميه «النظم الرجعية الفاسدة»، فقد نزعت جلدها لتتعرى مزهوة بعرض محاسنها للمستعمر الجديد، على أمل السماح لها بالتقاط الفتات. من بين الفتات، التقطت الاحزاب، في العراق مثلا، الطائفية والعرقية، لتنافس الاحزاب والتيارات، حديثة الولادة، المؤسسة على الطائفية والعرقية. فمن الذي يتجرأ على الوقوف خارج خيمة «الحرب على الإرهاب»، غير الإرهابي القاعدي الداعشي؟ لم يعد «من ليس معنا هو ضدنا» شعارا بل واقعا تمارسه الانظمة وملحقاتها لصالح القوى الخارجية، لكتم انفاس من يتجرأ على التساؤل او المبادرة بتقديم البديل. هذا هو جوهر التحالف الدولي، المكون من 66 دولة برئاسة أمريكا، بضمنها أنظمة عربية، تخوض حربا ضد شعوبها بتهليل أو، في احسن الاحوال، صمت الاحزاب «الوطنية»، مما يشرعن، في كل لحظة قصف، ابادة الشعوب تجويعا وقتلا.
من كان يتصور اننا سنعيش في زمن يتم فيه حرمان مدينة عربية من الماء ولا يخرج الناس إلى الشوارع احتجاجا على حصار شعب يتم تنفيذ حكم الاعدام به امام انظار العالم؟ ما الذي يجعلنا صامتين لا نرى ولا نسمع ؟ هل هو قمع الحكام المستبدين واحتماؤهم بدروع القوى العظمى، من أمريكا وبريطانيا إلى روسيا، واستخذاء الاحزاب المحلية والقوى الاقليمية بالاضافة إلى حملة الترويع والترهيب بان من ليس معنا هو إرهابي بالضرورة؟ ام انها العوامل كلها مجتمعة؟
أهل حلب بلا ماء، بلا حياة. لم يعد كافيا الحصار والقصف بالبراميل المتفجرة والتجويع. حتى المياه باتت خطرا على النظام السوري وحلفاء «الحرب على الإرهاب». المنظمات الإنسانية تحذر من انتشار الاوبئة وغارات النظام وحلفائه لا تميز بين المدنيين والمقاتلين، بين البيوت والقواعد والمستشفيات. ومن بين صراخ الاطفال والنساء المحاصرين، نسمع صوت رئيس بعثة أطباء بلا حدود في سوريا، مذكرا العالم بأنه «لا يوجد مكان يمكن للمصابين والمرضى يذهبون إليه على الإطلاق. انهم يتركون للموت». 
أهل الموصل الفيحاء، شمال العراق، يقصفون يوميا تحت ذات الشعار: محاربة الإرهاب. لا احد يعرف بالضبط عدد الضحايا من المدنيين نتيجة قصف المدينة المكتظة بالسكان. فالقوات الأمريكية لا تحصي غير جنودها والنظام العراقي غير معني بحياة المواطنين وما قد يخدش سمعة حلفائه الغربيين والإيرانيين. وروسيا، التي يحرص اليساريون على التغاضي عن دورها في كوارث تقسيم المنطقة، حريصة على استعادة دورها كقوة عظمى ولتذهب الشعوب إلى الجحيم. أهل الموصل، مدينة العلم والروح الوطنية، يعرفون جيدا معنى العقاب الجماعي، فقد ذاقوه على ايدي قوات النظام العراقي قبل دخول مقاتلي الدولة الإسلامية في حزيران 2014، ثم عاشوا تفاصيله تحت وحشية الدولة الإسلامية وقصف قوات التحالف اللا انساني، الذي استخدمت خلاله، حسب صحيفة الواشنطن بوست، 23 أيلول/سبتمبر، استنادا إلى صور ومقاطع فيديو نشرها البنتاغون، الفسفور الابيض وهو مادة حارقة محرمة دوليا وتم استخدامها، باعتراف قيادة الاحتلال الأمريكي، اثناء قصف مدينة الفلوجة، غرب العراق، عام 2004. وهاهي نذر عقاب جماعي آخر تلوح في الافق القريب.
الكل يتحدث عن «تحرير» الموصل. البضاعة الاكثر مبيعا في سوق النخاسة السياسية. من الرئيس أوباما إلى رؤساء الدول الاوروبية ووزراء الخارجية إلى ساسة العراق وإيران، خاصة وان التنافس على الهيمنة على اقتسام العراق على أشده، ولكل جهة اتباعها وقواتها ومستشاريها. أصبح عدد «المستشارين» الإيرانيين والأمريكيين والبريطانيين وبقية حزمة التحالف عشرات الآلاف.
ومع تزايد ذعر السكان مما ستحمله الايام المقبلة من حملة انتقام على ايدي المتقاتلين ووصول ميليشيا الحشد الشعبي، يزداد عدد وزراء الدول « الحليفة»، والقادة القادمين إلى بغداد ليؤكدوا لشعوبهم، انهم مشاركون لاغنى عنهم في الحرب على الإرهاب، وان بقيت القيادة العامة بيد البنتاغون، الذي تبجح الناطق بإسمه ان عشرات الآلاف من طلعات الطيارت بلا طيار لتصوير الموصل توفر لهم خرائط تفصيلية بدقة 3 أقدام لكل المدينة، أي بدقة المتر الواحد، أي أنهم اصبحوا ادرى بالمدينة من أبنائها الذين لم يعودوا اكثر من ظاهرة جانبية في لعبة النابالم والفسفور والاجهزة الالكترونية المدمرة.
وزيرة الدفاع الالمانية، التقت رئيس الجمهورية لتناقش «التحضيرات لمعركة الموصل ودحر الإرهاب». وأعلن وزير الدفاع البريطاني بأن عملية محاصرة الموصل، يفترض أن تبدأ «خلال الأسابيع القليلة المقبلة، تمهيدا لتحريرها».
أما قائد القوات المركزية للقوات الأمريكية فقد تنقل ما بين بغداد وأربيل متعاملا معهما كبلدين منفصلين (كردستان والعراق) بجيشين منفصلين (قوات بيشمركه كردستان والقوات العراقية) ورئيسين لا يمثل احدهما العراق (فؤاد معصوم والبارزاني). كانت مهمته «بحث تفاصيل خطة تحرير الموصل» و»التنسيق مع الجيش الأمريكي في العملية». 
الملاحظ أن ايا ممن سيساهمون بـ»دحر الإرهاب» لا يتطرق إلى مصير المدنيين، وتشير كل الدلائل إلى ان «تحرير الموصل» سيماثل «تحرير» العراق عام 2003، بنتائجه الكارثية لكثرة الاصابع المنغرزة، وعنجهية ومطامع منفذيها، ونظرتهم الدونية إلى الشعب العراقي. ولعل أفضل مثال على صفاقة من يدعون الحرص على حقوق الانسان والديمقراطية، هو ممثل الامين العام للأمم المتحدة في العراق جورجي بوستن، مؤكدا (24 أيلول)، في بغداد، ان «التجربة الديمقراطية في العراق تعد فريدة من نوعها». فاذا بي أسمع صوت مغنينا الراحل عزيز علي، واصفا بغداد، البستان رائع الجمال والعطاء، وكيف غدت تحت الاحتلال البريطاني «يا وسفة عليها اليوم وكر غربان».

٭ كاتبة من العراق

 

 

مادلين اولبرايت

تطفو فوق الموصل

هيفاء زنكنة

 

في الأشهر التي سبقت غزو العراق عام 2003، أطلقت منظمات انسانية دولية، التحذير تلو التحذير، عن كارثة انسانية مقبلة سيعيشها المدنيون إذا ما تم شن الهجوم العسكري بدون الأخذ بنظر الاعتبار حياة المدنيين. لم تصغ الدول العظمى صاحبة القرار، أو الدول العربية التابعة لها، اذ لم تكن حماية المدنيين ومستقبلهم من اولوياتها، وأقصى اهتمام أولته للضحايا، عبر سنوات الاحتلال، وتنصيب حكومات محلية تحمي مصالحها، هو اعتبار المدنيين « ضحايا ثانويين» في مخطط يستحق التضحية بالملايين، ان اقتضى الأمر. ليطبقوا بذلك مقولة مادلين اولبرايت، وزيرة الخارجية الامريكية في فترة الحصار، في التسعينيات، بأن محاولة تغيير نظام صدام حسين، نعم، يستحق موت نصف مليون طفل عراقي. 
نعيش، هذه الأيام، استنساخ سياسة اولبرايت، بمستويات متعددة. بين ايدينا، اليوم، تحذير أصدرته لجنة الصليب الاحمر الدولي، في 29 تموز/ يوليو، عن استعداد ما يسمى بقوات التحالف، بقيادة أمريكا، والقوات العراقية من جيش وأمن، وميليشيات الحشد المدعومة ايرانيا، لاسترداد مدينة الموصل، ثاني مدن العراق، من تنظيم الدولة الاسلامية، موضحة بان العمليات العسكرية (معظمه قصف جوي)، ستؤدي إلى اجبار نحو مليون شخص إلى النزوح من ديارهم في الاسابيع والاشهر المقبلة، مما سيتسبب في مشكلة انسانية كبرى، آخذين بنظر الاعتبار ان هناك 10 ملايين عراقي يحتاجون إلى مساعدات انسانية الآن، منهم 3 ملايين ونصف المليون من النازحين الذين سيرتفع عددهم بشكل كبير عند انطلاق عملية استرداد الموصل، حسب روبير مارديني، المدير الاقليمي للجنة الدولية للصليب الاحمر في الشرقين الادنى والاوسط.
اثار مارديني، في تصريحه، ايضا، قضية معاملة الفارين من الاقتتال، ووجوب معاملتهم بشكل انساني. وكانت قوات النظام وميليشيات الحشد الشعبي، من بينها حزب الله وعصائب الحق وقوات بدر، قد اعتقلت وعذبت اعدادا من الفارين بالاضافة إلى قتل واختفاء المئات من سكان الفلوجة والصقلاوية، ويبقى مصير الكثيرين مجهولا حتى اليوم. والأدهى من ذلك، اساءة معاملة النازحين ومعظمهم من النساء والاطفال الذين تم فصلهم عن الرجال، وقصف مخيماتهم، التي من المفترض أن تكون محمية من الدولة. وكانت المنظمات الانسانية قد حذرت مما سيجري بناء على سيناريو « التحرير» السابق الذي انجزته قوات النظام والميليشيات في مدن أخرى. وها هي ذات المنظمات تصدر تحذيرها، من جديد، وسط اجواء النزاع المحموم حول السماح بدخول الميليشيات مدينة الموصل، بالاضافة إلى القصف الجوي « التحالفي»، خاصة بعد ان هدد قائد ميليشيا عصائب أهل الحق أن «من يعترض على مشاركة فصائل الحشد الشعبي في معارك التحرير سيسحق بالأقدام ولا يلومن إلا نفسه». وأعلن العميد أيرج مسجدي، المستشار الأعلى في الحرس الثوري الإيراني، السبت الماضي إن بلاده ستشارك رسميا في معركة الموصل، وأكد وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي دور ايران وانها « تقدم الدعم للقوات الامنية العراقية بصورة مباشرة وغير مباشرة من اجل تطهير الموصل». مما يعني، باختصار شديد، ان كل من هب ودب من الدول العظمى إلى الدول الاقليمية والميليشيات والمنظمات الارهابية التابعة لها، سيتنافس على «تطهير» و « تحرير» مدينة الموصل.
ولكن، ما هو رأي اهل الموصل انفسهم، بعيدا عن ساسة الحكومة الذين يدعون تمثيلهم، وعن اجهزة الاعلام المطبلة للحرب العالمية على الارهاب ( أمريكا وحلفائها) وتلك المقسمة، اقليميا حسب معادلة سنة – السعودية – شيعة – ايران، ومحليا، وفق محاصصة شيعة – سنة – اكراد بدون ذكر لبقية ابناء الشعب؟ 
صوت اهل الموصل غير مسموع، ايضا، بسبب القمع وتكميم الافواه الذي يمارسه ارهابيو «الدولة الاسلامية»، وألا يسمح بتمرير اية معلومة خارج نطاق اجهزة اعلامها، الا فيما ندر. هناك مثلا حوالي ثلاثة مواقع فقط، يخاطر اصحابها بحياتهم لنقل يوميات الرعب التي يعيشها اهل الموصل بالاضافة إلى الاتصالات الهاتفية الحذرة مع الاهل بالموصل. وتتغربل الصورة اكثر حين يتمكن احد السكان من الهرب ويختار الحديث، بشكل علني، عما يحدث. الصحافية هبة نزار واحدة ممن اختاروا الحديث بعدما اتهمها تنظيم الدولة الاسلامية بـ»الردّة»، ونجحت في الهرب من مدينتها الموصل. في مقابلة مع صحيفة « المدن» الالكترونية، تحدثت بالتفصيل عن بطش التنظيم، وكيف يحكم المدينة بالشفرة والسكين وما تتعرض له النساء من قيود لا علاقة لها بالاسلام. كما تحدثت عن استشراء الخوف مشيرة إلى ان اهالي المدينة لا يعانون من التنظيم فحسب بل ومن قصف التحالف الذي « يؤدي غالباً إلى كوارث». ففي إحدى المرات « دمّر القصف 25 منزلاً. تخيّل! حصلت كارثة في المدينة تشبه أحداث 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة. يومها ضرب التحالف مخازن للأسلحة وسط الأحياء الشعبية. انفجرت المخازن وبدأت الإنفجارات تتتالى لتدمّر كل شيء. يومها قامت المدينة ولم تقعد. لم يتحدث الإعلام عمّا حدث في ذلك اليوم. كنا نُقتل ونُذبح وسط سكوت الجميع». وحين سئلت هبة عن صحة مايقال بأن اهل الموصل لا يثقون بأحد، أجابت بمرارة تفطر القلب وليس لدي ما اضيفه عليها: « أعتقد أن هذا صحيح. لقد تركَنا العالم لمصير أسود بين الوحوش. يسألون اليوم ان كان أهل المدينة سيتعاونون مع الحشد الشعبي في حال دخوله. لا أظن هذا. تريد الناس دخول قوات جديدة إلى المدينة كي تفسح لهم مجالاً للهرب. لم يعد هناك أي مجال للثقة والناس متأكدة أنه في حال ذهب «داعش»، من الممكن أن يأتي ما هو أفظع منها في المستقبل».

٭ كاتبة من العراق

 

 

ما هي مسؤوليتنا

بعد تقرير تشيلكوت؟

 

هيفاء زنكنة

 

بعد مخاض اسطوري، استغرق سبع سنوات، صدر تقرير تشيلكوت عن شن الحرب على العراق، عن اسبابها وانعكاساتها على بريطانيا بالدرجة الاولى. منذ اصداره، حتى اليوم، كتبت عنه مئات المقالات، عرضا وتحليلا، في بريطانيا بشكل خاص، وعالميا بشكل عام، مع تغطية صحافية قليلة، نسبيا، من قبل اجهزة الإعلام العربي وتجاهله عراقيا إلا فيما ندر.
أعتبر الإعلام العراقي الرسمي التقرير المتعلق بغزو واحتلال العراق وانعكاساته الكارثية على الشعب، على كل المستويات، أمرا يعني بلدا آخر لم تسمع به الحكومة والساسة، واذا ما حدث وسمعوا عنه فأنه بقى بعيدا عن اهتماماتهم. وكما صرح العديد منهم قائلين: «اصبحت القضية من الماضي»، أي انهم أعتبروا مرور 13 عاما على الغزو والخراب اليومي المستمر، ماضيا لا يستحق حتى المراجعة أو التفكير، في ذات الوقت الذي لا يزالون يتنازعون فيه، بشراهة مصاصي الدماء، على خلافة يعتبرونها لم تحسم منذ ما يزيد على 1400 عاما. وماذا عن احتلال فلسطين؟ هل أصبح قضية من الماضي؟ 
بالنسبة إلى الإعلام غير الرسمي، كتب عدد من الصحافيين من داخل وخارج العراق، مقالات استعرضوا، في معظمها، التقرير بـ»حيادية» الموتى، أو كما وصف الكاتب الايطالي جيانريكو كاروفيجلو مرافعة نائب عام « تحدث لمدة 40 دقيقة بشكل مرتب ولم يقل شيئا». 
المفارقة هي ان افضل التحليلات والتغطية الإعلامية عن التقرير هي التي نشرت ونوقشت، باستفاضة، في البلدان التي ساهمت بالاحتلال، خصوصا بريطانيا. قد يكون منبع ذلك الاحساس بأن الحرب كانت عدوانية، ومبنية على اكاذيب اختلقها رئيس الوزراء السابق، بالتحالف مع أمريكا، كما دلت التظاهرة المليونية التي سبقت شن العدوان، وكانت اكبر مظاهرة في تاريخ بريطانيا، أو مراجعة من ساندوا الغزو، لأنفسهم، بعد ان تبينت لهم تكلفة الحرب البشرية والاقتصادية، أو بعد ان خلق الاحتلال حاضنة للإرهاب تمتد إلى اكثر من بلد عربي وتصل بآثارها إلى قلب الدول الغازية، أو لحرصهم على مؤسساتية الدولة وسيرورة اتخاذ القرار على أعلى المستويات وضمان العمل ضمن القوانين المحلية والدولية. أدى طرح هذه الاسباب اما منفردة او بشكل متداخل إلى اعادة النظر، من جديد، في اسباب الغزو وتفكيك حجم المسؤولية والنقد الذاتي للسياسة الخارجية الاستعمارية، وكما ذكر المرة تلو المرة، لتتجنب بريطانيا ارتكاب ذات «الخطأ» مستقبلا. وذهب جيرمي كوربين، رئيس حزب العمال، أبعد من ذلك حين وقف معتذرا من الشعب العراقي ومن عوائل الجنود البريطانيين الذين قتلوا بالعراق، مع الإشارة بانه سيواصل عمله في تحميل توني بلير مسؤولية اتخاذ القرار الكارثي. 
المهم، ان نشر التقرير، بالاضافة إلى تثبيت ما كنا نعرفه عن لا شرعية الغزو والاسباب الحقيقية للاحتلال، كسر حاجز الصمت على ما يجري في العراق، اليوم، نتيجة الاحتلال من قتل، وتهجير قسري، وتطهير ديني ومذهبي من قبل حكومة طائفية فاسدة بحجة الحرب على الإرهاب، وتسويق النظام باعتباره ديمقراطيا ممثلا للشعب.
ما هي الخطوة التالية؟ كيف سنتمكن كمثقفين وحقوقيين وإعلاميين وناشطين، سواء كنا داخل البلد أو خارجه، من اتخاذ خطوات عملية تؤسس لتقديم المسؤولين عن الغزو والاحتلال للمحاكمة والمطالبة بالتعويضات استنادا إلى أن قرار غزو العراق تم من دون أسس قانونية كافية؟ نقطة الانطلاق هي توثيق القضايا بشكل قانوني، مما يعني تنسيق العمل بين المواطن العراقي (أو مجموعة مواطنين) صاحب القضية مهما كانت (قتل، اختطاف، تعذيب، تهجير…الخ) والمحامي (أو الهيئة) المختص بالقانون العراقي ـ البريطاني ـ القانونين الإنساني الدولي وحقوق الإنسان الدولي. يشكل وجود المحامي ـ رجل القانون ضرورة مطلقة لأننا، ككتاب وناشطين، سنكذب إذا ما أدعينا قراءة مجلدات تقرير تشيلكوت وفهم مصطلحاته القانونية. وان كان هناك، حسب علمي، عدد من القضايا الفردية والجماعية الموثقة، كما تدل ملفات محكمة كوالامبور الرمزية لجرائم الحرب (تشرين الثاني/نوفمبر 2011 ) ومركز جنيف للعدالة الدولية، بالاضافة إلى وجود محامين عراقيين ودوليين مستعدين لمواصلة العمل. الوجه الثاني للعمل، هو عدم السكوت على جريمة الغزو والاستمرار بتذكير العالم بما يحدث للعراقيين جراءها. هنا تكمن مسؤولية المثقف والإعلامي والناشط المدني، وهي مسؤولية أخلاقية تجعل من الصمت تسترا ومشاركة في جريمة ابادة لم تعد تحتمل الصمت أو «الحيادية» أو خلق التبريرات الآنية والتاريخية. فالاحتلال ليس وجهة نظر والكولونيالية، باشكالها الجديدة، كما شخَص المفكر فرانز فانون، ليست نموذجا للعلاقات الفردية بل هي احتلال لأراضي قوم واضطهاد شعب. انه ليس تصرفا انسانيا. 
لقد اصاب رشاش جرائم الاحتلال، وما خلقه من إرهاب، كل العراقيين، ويهدد الوطن بالتفتت مجتمعيا، والتقسيم أرضا، ومن اجل من تبقى من كل العراقيين، علينا العمل، بكل السبل الممكنة والمتاحة، على مقاضاة المسؤولين عن الجرائم بضمنهم من عمل مع الاحتلال قبل الغزو وبعده من السياسيين العراقيين، ومن تستر ولا يزال على جرائمه بعد الغزو. ولا بد أن يخضعوا في نهاية الأمر للمساءلة والعدالة كحال اسيادهم الاستعماريين والطامعين الإقليميين. وان توجب التركيز، حاليا، على ابقاء قضية العراق حية لدى الرأي العام العالمي، لئلا يتم تغييبها سياسيا وإعلاميا، والعمل اليومي لاستثمار الكوة التي فتحها تقرير تشيلكوت، وهو بالمناسبة افضل مما توقعنا، من خلال استمرارية العمل مع المنظمات المناهضة للحرب (مؤتمرات وندوات ومقابلات إعلامية) ودعم خطوة عوائل الجنود البريطانيين القتلى في مقاضاة توني بلير كمسؤول عن مقتل ابنائهم. هذه خطوات حثيثة، نحن نعلم جيدا بانها لن ترفع عن كاهل اهلنا عبء الكوارث اليومية، بشكل فوري، إلا انها تعطينا الامل بمستقبل تتحقق فيه العدالة، قانونيا، وتضع حدا لدائرة العنف
والانتقام الذي زرعه الاحتلال.

٭ كاتبة من العراق

 

 

وقائع حياة الببغاء

في الإعلام البريطاني

 

هيفاء زنكنة

 

وصفت واحدة من اشهر مستشاري شركات العلاقات العامة، ببريطانيا، انتقائية الاعلام البريطاني في تغطيته للاخبار المفجعة، في انحاء مختلفة من العالم، بأنها تغطية خبر «الببغاء». وهو مصطلح لم اكن قد سمعت به سابقا. يعنى ان أي خبر يخص بلدا غير بريطانيا، ولو أدى الى تغيير النظام في بلد ما، أو سقوط الضحايا بالعشرات، لن يحظى بذات التغطية الاعلامية التي من الممكن ان ينالها فيما لو كان بين الضحايا ببغاء بريطاني. فوجود الببغاء البريطاني في موقع الحدث، وسرد قصة حياته، ولون ريشه، واصله وفصله ومماته، أو فوزه في مسابقة التقاط حبات عباد الشمس مع نشر صورته، هو الذي يستحوذ على اهتمام الجماهير وبالتالي يمنح الخبر قيمة «انسانية» استثنائية، ويوفر له انتشارا واسعا. 
تبدو نظرية «الببغاء» الانتقائية، ولنطلق عليها مصطلح «الببغائية» بأوضح صورها، عند متابعة الاخبار والبرامج السياسية التي تبثها الاذاعة البريطانية (البي بي سي)، مسايرة بذلك الأجندة السياسية الرسمية. حيث تتلاحم الببغائية مع الأجندة السياسية، بمهنية عالية، لتتسرب الى جمهور المستمعين، طوال ساعات البث، رسالة مغلفة بـ»الموضوعية والحيادية». 
هذه الرسالة هي التي ترسخ في اذهان المستمعين، عموما، خصوصا اذا كانت ذات علاقة بدول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، اي كل البلدان غير الاوروبية التي لا يعرف عنها البريطانيون الكثير، خلافا لما هو شائع عن الاطلاع المعرفي الغربي . وتحظى البلدان العربية، بحصة الأسد، في انتقائية الاخبار المبثوثة عنها، أو الاخبار التي يتم التعتيم عليها، كما هو حال العراق وفلسطين وسوريا واليمن، ما لم يتم استهداف أو اختطاف بريطاني، أو بلوغ اعداد ضحايا القصف والتفجيرات حدا لا يمكن السكوت عنه، مع مراعاة القاء اللوم على اهل البلد انفسهم وحجب أو تمويه الاسباب الحقيقية. فأهل هذه البلدان لا هم لهم غير الاقتتال والعنف هو لغة الحياة اليومية. قد لا تشير الاخبار بصراحة الى هذه « الحقيقة» الا ان كيفية صياغة الاخبار، وتقديمها، واختيار الساسة المتحاورين، وتخصيص الوقت، ومن الذي يحظى بالكلمة الاخيرة، هو الذي يرسخها، في أذهان المستمعين، لصالح «حيادية» السياسة البريطانية بل ودفاعها عن الشعوب والديمقراطية وحقوق الانسان. 
تمتد مظلة التعتيم الاعلامي لتشمل تقارير منظمات حقوق الانسان الدولية ومراعاة توقيت تقديمها بما يتماشى مع السياسة الخارجية البريطانية بالاضافة الى استخدامها، احيانا، كأداة ضغط على حكومات بلدان معينة.
فالتقارير الحقوقية الدولية بشأن العراق، مثلا، وانتهاكات حقوق الانسان اليومية فيه، وسقوط الضحايا نتيجة القصف سواء من قبل امريكا أو النظام، لا يتم التطرق اليها، لأن مشاركة بريطانيا في الغزو والاحتلال، وخطابها الرسمي ينص على انهم «حرروا» العراقيين وساعدوهم على تأسيس «الديمقراطية». والديمقراطية الوليدة، حديثا، حسب التعبير البريطاني المتداول، بحاجة الى وقت كاف لتنمو. ما لا يذكره الخطاب الرسمي، ان ديمقراطية سياسة الحرب على الارهاب، التي فرضت على العراق استنادا الى حفنة اكاذيب أمريكية – بريطانية، سببت، حتى اليوم، مقتل ما يقارب المليون ونصف مواطن اما بشكل مباشر او غير مباشر، وخربت البلاد، وزرعت فتنة الطائفية، ووفرت الارضية الخصبة لنمو التنظيمات الميليشياوية / الارهابية، وأسست الفساد العام الشامل من أعلى مستويات الحكومة حتى أدناها. وهذا ما اثبته تقرير تشيلكوت الذي صدر أخيرا عن شن الحرب على العراق، بعد سبع سنوات من التحقيق. الى متاهة الاكاذيب التي فككها تقرير تشيلكوت، تضاف التقارير المحلية والاتهامات المتبادلة بين ساسة « العراق الجديد»، عن حجم الخراب الذي ساهموا في تأسيسه واستشرائه طائفيا وفسادا. من بينها تقرير اللجنة الماليّة النّيابيّة، الصادر منذ ايام، عن تهريب حوالي (312) مليار دولار منذ عام 2006 إلى الشهر التّاسع من عام 2014، استناداً على البيانات والإحصاءات الموجودة عند اللجنة. خبر كارثي كهذا، حجما ومسؤولية وانعكاسا على علاقة بريطانيا والعراق، لم يحظ ولو بثانية واحدة من الاذاعة البريطانية « الحيادية المستقلة» على الرغم من ان حوالي 200 مليار دولار تم تهريبها الى الخارج، وقد تكون بريطانيا محطة رئيسية لاستقبال هذه الاموال. 
لا تقل معالجة اخبار البلدان العربية الاخرى، انتقائية وازدواجية معايير عن العراق، خاصة فلسطين المحتلة. فنعومة التعامل وكيفية اجراء المقابلات مع المسؤولين الاسرائيليين، حتى في عز حصارهم وقصفهم واغتيالهم الفلسطينيين، لم تعد خافية على أحد. ادى تعالى اصوات الاحتجاج على تغطية مأساة الفلسطينيين وفسح المجال للتبريرات الاسرائيلية الى اجراء تحقيق مستقل في حيادية البي بي سي. أوضح تقرير اللجنة أن «المحتوى الذي تقدّمه الهيئة فشل في رصد الصراع العربي- الإسرائيلي، بموضوعية، وبدلاً من ذلك عرض صورة منقوصة للأحداث، وبالتالي أصبحت التغطية في نهاية المطاف مضللة وخادعة»، و»إن تغطية الهيئة لا تعكس حجم التحدّيات والممارسات الوحشية التي يعانيها الفلسطينيّون تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي» وتقديم صورة تغيب عنها حقيقة التباين بين الوضع الفلسطيني والاسرائيلي اذ «أن أحدهما مسيطر والآخر يعيش تحت الاحتلال». 
لقد ساهم الاعلام البريطاني الرسمي (الاعلام الغربي عموما بحاجة الى الرصد) في تسويق احتلال العراق ومن قبله في شرعنة فرض الحصار عليه، مستخدما مفردات ومصطلحات على غرار التحرير بدلا من الاحتلال، وقوات التحالف بدلا من قوات الاحتلال، والارهابيين بدلا من المقاومة. كما عمل بجد على الغاء انسانية العراقي عن طريق تحويله الى رقم بلا وجه أو تاريخ، وتشييئه كصورة تغطيها تفجيرات من صنعه هو، لئلا يمكن التماهي معه او التعاطف مع مأساته. مرسخا، في اذهان الجمهور، ان حياة العراقي أقل قيمة من حياة الببغاء.

٭ كاتبة من العراق

 

 

 

كيف جعلوا

الحياة تابوتا في العراق؟

هيفاء زنكنة

 

هل نبالغ حين ننظر إلى واقعنا، ونرى الخراب وكيف ينعكس على وجه المرأة العراقية، كمدا ورمادا، فلا نكاد نعرفها، فنحمل المحتل ومن حفزه، وسايره في تأسيس الطائفية والعرقية والفساد، مسؤولية كل ما يجري من شمال العراق إلى جنوبه، من شرقه إلى غربه؟ هل تتسع مساحة الورق لسرد جرائمهم؟ كيف جعلوا الحياة تابوتا تحمله المرأة المتسربلة بالسواد، على كتفيها؟ تتساءل الأم والزوجة الموعودة بديمقراطية « العراق الجديد»، عن كيفية تحمل عبء الحياة يوما آخر. عن الفقر واليتامى. عن العثور على جثث الضحايا ودفنهم في الكرادة، النموذج المصغر لتعايش البغداديين. عن مجالس العزاء وملابس العزاء التي باتت زيا موحدا لكل العراقيات. عن التيه بين مخيمات النازحين على خارطة لم تعد تتسع للمزيد، عن أطفال هيروشيما – الفلوجة، المشوهين باليورانيوم، والاجساد الذائبة بالنابالم، عن بغدادنا المجزأة بالجدران الكونكريتية ونقاط تفتيش برجال يمررون الإرهابيين لقاء حفنة دنانير. تقول: كيف سيكون صباحنا، نهارنا، والليل الذي سيحتضننا بساعاته المظلمة؟ كيف اصبح السواد/ الظلام جزءا من جلودنا وملامح وجوهنا؟.
«إنّ قوماً ظالمِينَ، معَمَّمينَ، يطارِدونَ بَياضَ بغدادَ « يقول سعدي يوسف. هل من يوم آخر؟ ماذا عن أحبابنا حين يغادرون البيت إلى المدرسة، إلى العمل، أو لمجرد التسوق أو التمشي كما يفعل بقية البشر.. هل سيعودون أم سيصبحون خبرا في اشرطة الاخبار العاجلة، يذكرون لمدة عشر الثانية ثم يتلاشون؟ اجهزة الإعلام العربية مكتظة وأجهزة الإعلام الغربية تتفرج عن مبعدة. ضحايا تفجير/ قصف آخر؟ قنبلة، انتحاري، سيارة مفخخة، لغم، برميل متفجر، أو لعلها مادة متفجرة غير معلومة، كما قيل لنا أخيرا؟
اذ يواصل أهل ضحايا الكرادة بحثهم عن اجساد أحبائهم المتفحمة، ورائحة الموت يستنشقها الاحياء فلا يعرفون إذا كانوا، هم أنفسهم، لايزالون على قيد الحياة، والنائحات المفترشات ارض الجحيم ينثرن الرماد على رؤوسهن، ويخرج المعزون بحزن جماعي وتضامن يليق بأهل العراق، مطالبين بالتحقيق في الجريمة، يعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي، بعد ان رشقه اهل الضحايا بالحجارة والقناني والنعال، عن ثلاثة ايام حداد، وتمديد عطلة العيد، وتأجيل فتح التحقيق إلى ما بعد عطلة العيد! 
عن أي عيد يتحدث ساسة «العراق الجديد»؟ هل هناك بلد في العالم يتم فيه تأجيل التحقيق بجريمة، مهما كانت بسيطة، إلى ما بعد العطلة؟ فكيف بجريمة حصدت ارواح المئات من الشباب؟ إلا يؤشر فعل التأجيل والاستهانة بحياة الناس، إلى إرهاب الحكومة وميليشياتها أو فسادها وتسهيلها جرائم الإرهابيين ؟ 
هل سمع احدنا عن نتيجة اي تحقيق مستقل أجرته الحكومة منذ عام 2004 حتى اليوم؟ ماذا عن تقرير لجنة التحقيق الحكومية في اقتياد قوات الحشد الشعبي 643 شخصا من ناحية الصقلاوية، قرب الفلوجة، بعد فصلهم عن النساء، ولايزالون مفقودين ؟ ماذا عن ارتكاب قوات الحشد والجيش» إعدامات دون محاكمة وضرب للمحتجزين واختفاء قسري، وتشويه القوات الحكومية للجثث»؟ وكلها جرائم حرب، كما جاء، بتفاصيل موثقة مع شهود عيان ومسؤولين محليين وعمال أغاثة، في تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش «العراق: تكتُّم على سير التحقيقات في انتهاكات الفلوجة: انتهاكات جديدة تكّذب التوصيف الأمريكي بأنها «فظائع معزولة».
يكشف التقرير سيرورة تشكيل لجان التحقيق واعلان نتائجها الملفقة مما يؤكد سبب عدم ثقة المواطن العراقي بكل التحقيقات الحكومية الرامية، واقعا، إلى التستر على الجرائم، وحماية المسؤولين الحقيقيين، غالبا، عن طريق اتهام وادانة الابرياء. 
ففي 4 تموز/يوليو، فتح رئيس الوزراء حيدر العبادي تحقيقا عن الانتهاكات تجاه اهل الفلوجة، بعد ان تعالت استنكارات المنظمات الحقوقية الدولية، ليعلن بعد ثلاثة أيام عن اعتقالات غير محددة و»إحالة المتهمين بارتكاب تجاوزات إلى القضاء لينالوا جزاءهم وفق القانون». الحقيقة هي ان أيا من المسؤولين العراقيين «لم يوفر اي معلومات عن التحقيقات المزعومة، بما في ذلك توقيف أي شخص واتهامه». وكانت المنظمة قد وجهت اسئلة مهمة إلى الحكومة حول لجنة التحقيق، لم يُجب عنها. هذه الاسئلة هي: من يُجري التحقيقات ومن عيّن المحقّقين؟ هل تشمل ولاية التحقيق مسؤولية القيادة عن الانتهاكات؟ هل يتبع التحقيق لمجلس القضاء الأعلى أم أنه هيئة خارج نطاق القضاء؟ هل يرتكز التحقيق على القانون الجنائي العسكري أو المدني العراقي، وهل يشمل انتهاكات قوانين الحرب والجرائم ضد الإنسانية؟ كم تحقيقا فُتح حتى الآن وما النتائج؟ هل كانت هناك اعتقالات؟ إن وُجدت، فما رُتب ووحدات المتهمين، وما التهم؟ هل ستُعلَن النتائج والتوصيات النهائية؟
ماذا بعد الكرادة ؟ كيف نضع حدا للمجازر المقبلة، خاصة بعد ان بشرنا المسؤولون الأمنيون أن «تحرير المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم داعش الإرهابي لا يعني انتهاءه»؟ كم مرة تم الاعلان عن نهاية الإرهابيين الذين جلبهم الاحتلال، من القاعدة والزرقاوي والقاعدة الثانية او الدولة الإسلامية في العراق سابقا، وفي كل مرة تتعاظم التفجيرات ليقولوا انها نتيجة ضعف الإرهاب وتراجعه؟ أليس هذا أسلوب غسل اليدين من المسؤولية؟ مسؤولية نظام فاسد، حفر خندق الطائفية المقيتة، ولا يجد حرجا في حرق المواطنين كلهم، بلا تمييز، حماية لمصالحه. 
لم تعد الطائفية لباسا يستر عورة النظام. يوم الجمعة الماضي، طالب المتظاهرون، بتحقيق دولي ونددوا بالطائفية، كان رد النظام اطلاق الرصاص الحي واستخدام الغاز المدمع. عشرات الآلاف وقعوا على عريضة تطالب بالتحقيق الدولي أيضا. التحقيق، سواء كان محليا أو دوليا، حل آني ضروري احتراما لقيمة الانسان، وتطمينا لنفوس أهالي الضحايا، وخلق الأمل بوجود حل عادل للجميع. يجب اجبار النظام على التحقيق في جميع الجرائم والانتهاكات، من قبل أي طرف خلال الصراع، من داعش والميليشيات والقوات الخاصة، بسرعة وشفافية وفعالية، وبشكل مستقل، لتتم محاكمة من تثبت مسؤوليتهم الجنائية، وصولا إلى أعلى المستويات المسؤولة.

٭ كاتبة من العراق


 

 

خطر انقراض

الناشط السياسي التقليدي

 

هيفاء زنكنة

 

عشرات الايميلات تصلنا، يوميا، من أشخاص أو منظمات تدعونا للتوقيع على هذه الحملة أو تلك. تتراوح أصناف الحملات ما بين الاجتماعية البيئية كالدعوة الى حماية الحيتان الى السياسية كادانة جرائم الاستيطان الاسرائيلي والمطالبة باعادة الاستفتاء حول انضمام المملكة المتحدة الى السوق الأوروبية المشتركة، في اعقاب التصويت الشعبي لصالح الانسحاب، وبفارق يزيد على المليون صوت. جمعت حملة المطالبة باعادة الاستفتاء، التي تم اطلاقها بعد يوم من اعلان النتائج، على ما يزيد على الاربعة ملايين صوت خلال اسبوع واحد، بينما تجمع في ساحة الطرف الأغر، وسط لندن، بعد توجيه النداء للخروج الى الشارع، ويوم العطلة الاسبوعية، آلاف المحتجين، اي اقل بكثير من الموقعين على العريضة الألكترونية. فهل يؤشر هذا الى قرب انقراض عصر الناشطين المجتمعيين/ السياسيين وأساليبهم التقليدية التي تعتمد على التظاهرات والاعتصامات وتوزيع المنشورات، في الطرق العامة، وكل ما له صلة بالفضاء العام، بالاضافة الى سيرورة الاعداد وما يرافقها من مناقشات تؤدي الى التضامن الاجتماعي والاحساس بالتقارب السياسي والفكري والانساني عبر البلدان؟ كما رأينا من اعتصام البريطانيين المناوئين لسياسة التمييز العنصري في جنوب افريقيا( 1986 – 1990) ، واعتصام براين هٌو، الذي نام في الشارع مقابل مبنى البرلمان البريطاني، كل يوم بلا انقطاع، على مدى عشرين عاما ( 2001 – 2011)، حتى وفاته، احتجاجا على سياسة بريطانيا العدوانية ضد العراق، وبعد ان رأى معاناة الاطفال العراقيين تحت الحصار. هل يؤشر هذا، أيضا، الى احتضار أو موت الاحزاب السياسية التاريخية وأذرعها من المنظمات المجتمع – مدنية ؟ 
الصورة غير واضحة بعد، اذ تتداخل عوامل النجاح والاخفاق الى حد كبير. قد لا تنطبق نتائج الرصد على بلداننا، تماما، فنسبة مستخدمي الانترنت لاتزال قليلة نسبيا، قياسا بالغرب، اما لأسباب لوجستية كانقطاع التيار الكهربائي أو اقتصادية، أو الرقابة الأمنية وانعدام حرية النشاط السياسي مما يؤدي الى اعتقال وسجن الناشطين، ويجعل اطلاق الحملات السياسية على الانترنت محفوفة بالمخاطر، وأن بدرجة اقل من العمل السياسي المباشر، مهما كان سلميا. الا ان رصد تغير طبيعة النشاط السياسي في عصر الانترنت وما افرزه من اساليب جديدة، في الغرب، ضروري ومهم لأن تأثيره يمسنا بشكل مباشر وغير مباشر، بحكم تجاوزه حدود القرية والمدينة والبلد الى العالم المفتوح، ومهما كانت تحفظاتنا عليه. فمن ايجابيات النشاط السياسي عبر الانترنت، نجاحه في تجميع اكبر عدد ممكن من الناس، وبسرعة مذهلة، تماثل المعجزة مقارنة باساليب التواصل القديمة. وقد لاحظنا ذلك في المظاهرات المناوئة للحرب على العراق التي تم انطلاقها يوم 15 شباط / فبراير 2003، وقبل اسابيع من شن الحرب، لتصبح المظاهرة الكونية الأكبر، حيث جمعت ستة ملايين شخص عبر اكثر من 800 مدينة، في جميع ارجاء العالم، والاكبر في تاريخ بريطانيا كله بمليوني متظاهر بلندن، تحت شعار « ليس باسمنا». ساعدت زيادة اللجوء الى الإنترنت على توسيع الحركات الاجتماعية، والوصول الى اكبر عدد من الناس، وزيادة الوعي بما يدور كونيا، مؤدية الى ارتفاع نسبة الشفافية في العمل السياسي، اذ ما ان يتم بث معلومة على الانترنت، حتى يكاد يكون من المستحيل اخفاء الامر أو منع انتشاره، وان تمكن السياسيون، في الانظمة الفاسدة والمستبدة، من استنباط طرق جديدة لاخفاء الحقيقة عن شعوبهم. فاذا كانت الويكيليس بنشرها الملفات والايميلات المتبادلة بين الساسة والدبلوماسيين، على الانترنت، قد فضحت خفايا واسرار انظمة وساسة، الا ان هذه الجهات سرعان ما باتت تتوخى الحذر في استخدام الإنترنت كأداة للاتصال، وشرعنت القوانين لحماية مصالحها. 
السؤال الملح هو مدى فاعلية عرائض العالم الافتراضي، غير المتجسد في الشوارع وتحت انظار المسؤولين، وان تم توقيعها من قبل مئات الآلاف أو الملايين؟ تشير البحوث الى ان فاعليتها، في المجال السياسي، محدودة وأن لوحظ تحقيق بعض النجاح في الحملات التي تدور حول قيم ومتطلبات الحياة الشخصية والموضوعات «الناعمة». بل ان الحكومة البريطانية تعهدت رسميا بالنظر في مطالب الحملات اذا ما وقعها مئة الف شخص، خاصة اذا كانت الحملة تستهدف بلدانا بعيدة، ولا تؤثر جوهريا على الحسابات السياسية الآنية. كما ان استلام الحكومة للعريضة لا يضمن تنفيذ المطالب. واذا كانت مساندة منع صيد الفيلة، في افريقيا، مقبولة بل وقد تدعم من قبل الحكومة البريطانية، مثلا، الا ان وقف الحرب المخطط لها منذ عقود على العراق مستحيل، وان تظاهر ملايين الناس ضده، كما هي حملة مناهضة بناء المستوطنات في فلسطين المحتلة، وان وقع عليها الملايين. 
تؤثر على فاعلية الحملات عوامل عدة، من بينها: مدى وعي الناس بالقضايا السياسية والعامة والقدرة على التمييز ما بين النشاط الدعائي التحريضي والنشاط المرتبط بحياة الناس وطموحاتهم في تحقيق العدالة الاجتماعية. يساعد الوعي على فهم طبيعة عمل منظمات باتت متخصصة في مجال اطلاق الحملات السياسية، على غرار « آفاز» اي الصوت و«تشينج» أي التغيير. وهي منظمات تستقطب الملايين، من جميع انحاء العالم، وتدعي، على مواقعها الالكترونية، تحقيق بعض النجاحات. وهي تشجع اعضاءها على اقتراح الحملة التي يرغبون بشنها، مما يجعلها، عرضة للانتقاد لكونها تتصرف مثل سوبرماركت تديره مجموعة، همها الاول جذب الزبائن لتسويق بضائعها. وعلى الرغم من اعتراف الجميع بايجابية تطور العمل السياسي بوجود الانترنت الا ان هناك اصواتا تدعو الى التوازن بين التواصل عبر الانترنت مع التواصل البشري مما يعني، في الواقع، تمديد حياة الناشط السياسي، على الارض، الى حين. ومن الواضح ان النضال من اجل الحقوق الوطنية والحياتية، وهي جوهر مفاهيم العدالة والكرامة الإنسانية، سينتج مع الزمن استخدامات تنمي قدرات الناس، وتفرض على الدول، وعلى السياسيين ومن يدعمهم، الإلتزام الأكبر بما يدعونه وما يسطرونه في برامجهم أو قوانينهم.

٭ كاتبة من العراق تقيم في لندن

 

 

ما هو الفرق

بيننا وبين تنظيم الدولة؟

 

هيفاء زنكنة

 

ما هو الفرق بيننا وبين داعش إذا تخلينا عن اهل الفلوجة ؟ هذا ماقاله كارل شمبري، من المجلس النرويجي للاجئين ، الذي يعمل على مقربة من مدينة الفلوجة ، ضمن حملة المجلس لمساعدة نازحي الفلوجة، الذين بلغ عددهم 85,000 منذ 23 مايو/أيار. جاء تساؤل كارل في مقابلة مع برنامج « اليوم» ، راديو 4 ، البي بي سي الانكليزي ، بعد ان شرح الوضع المأساوي للنازحين وكيف هربوا من القتال والقصف المكثف ، ليواجهوا جحيم الموت عطشا وجوعا تحت درجة حرارة تجاوزت الاربعين مئوية. « ستصبح درجة الحرارة خمسين مئوية، خلال الايام المقبلة، ونحن غير قادرين على توفير الماء والطعام والدواء بالاضافة إلى الخيام للنازحين»، حذر كارل، مستطردا : « التقيت بأقارب أمرأة غرقت هي وأطفالها وهي تحاول عبور النهر هربا ، وأخرى أصيبت بطلق ناري فقتل طفلها الذي كانت تحمله بين ذراعيها» . وحين سألته مقدمة البرنامج عمن يعنيه بقوله «نحن»، اجاب بنفاد صبر : « كلنا . جميعا. المجتمع الدولي والمنظمات الانسانية ومنظمات المجتمع المدني. كلنا مسؤولون عن تقديم المساعدة لانقاذ حياة النازحين بأسرع وقت ممكن «. 
لم يشر كارل، إلى المسؤولية المشتركة للنظام العراقي والامريكي والميليشيات والقوات الايرانية ومن يقابلها من مقاتلي الدولة الإسلامية، فاولوية المساعدة الانسانية ، حتى في أشد مناطق الحروب شراسة، هي لحماية المواطنين وتوفير المستلزمات الحياتية الاساسية ، لحين انتهاء القتال . وليس كما يفعل النظام وشركائه، من اعتقال وتعذيب وقتل للنازحين الذين يتهمهم مسبقا بالإرهاب. 
ان ما يتعرض له اهل الفلوجة من انتقام ، سيتسرب إلى الموصل ، كما تشير الدلائل المستخلصة من عمليات « التحرير»، التي مارسها النظام ، في المدن الأخرى ، وهي السمة الاساسية لساسة النظام منذ تسنمهم السلطة. حيث باتت مفردة التحرير تعني ، عمليا، إبادة المدن وتهجير اهلها، ضمن استراتيجية تحويل العراق إلى دويلات رسمت خرائطها منذ تسعينيات القرن الماضي. ان ضرورة التأكيد على تحميل النظام العراقي المسؤولية الأولى فيما يحدث وحدث يعود إلى عدة اسباب، اهمها: ان مسؤولية اية حكومة ، خاصة من تدعي الديمقراطية بمعنى تمثيل الشعب، هي حماية الشعب. ولا يوجد قانون محلي او دولي، ينص على حماية فئة وتجريم ومعاقبة فئة أو فئات أخرى. هذه ممارسات عصابات أو تنظيمات إرهابية ، ولسنا بحاجة للنقاش حولها. 
النقطة الثانية هي مسؤولية الحكومة الممثلة للشعب عبر الانتخابات ( تذكروا ان الشعب العراقي لم ينتخب داعش كما ان داعش لا تدعي تمثيل العراقيين) حماية الدولة بمؤسساتها، وصيانة سيادة الدولة أرضا وجوا وحدودا، والا يتركها عارية، مستلبة، منهوبة، يطأها القاصي والداني بحجة الدفاع عن أمن دولة اخرى ضد الإرهاب، كما هو تبرير التدخل الامريكي، أو الدفاع عن وجود « مراقد مقدسة» ، كما هو التبرير الايراني. وكأن المراقد المقدسة، لكل الأئمة والاولياء ، لم تكن مقدسة، في قلوب وذاكرة كل العراقيين، عبر تاريخهم. وكأن الموروث الثقافي للشعب العراقي ، وهو لا يختلف بذلك عن بقية شعوب المنطقة، لا يكرّم حتى عين الماء التي حدث وشرب منها أحد الأولياء ذات زمن، أو الشجرة التي استراح بظلها ، فترى خرق النذور الخضراء (العلاَّقات) معلقة عليها ويزورها الناس، من اماكن بعيدة، للدعاء والتبرك والشفاعة ويحترم تلك العادات ويحميها بقية الناس الذين لا يمارسونها بأنفسهم.
في ظل إرهاب النظام وشركائه، بلغت معاناة أهل الفلوجة الباسلة حدا دفع العديد من منظمات حقوق الانسان إلى وصف ما يتعرضون له بالابادة وجريمة ضد الانسانية. من بينها مركز جنيف الدولي للعدالة، الذي اصدر، أخيرا، تقريره « الفلوجة: من داخل مذبحة الإبادة»، بين فيه حال النازحين من أهل الفلوجة استنادا إلى الاتصالات والرسائل التي يتلقاها المركز من اعضائه داخل العراق ومن خلال توثيق شهادات النازحين وتجميع اسماء المعتقلين والمغيبين والقتلى من النازحين، حيث « تمادت الميليشيات في جرائمها فراحت تعدم المئات من الأبرياء الذين لجأوا اليها، وتمثّل بجثثهم، بل انها أحرقت البعض وهم احياء، ودفنت آخرين وهم احياء ايضاً».
يشير التقرير إلى الجرائم التي ارتكبت في ناحية الصقلاوية، قرب الفلوجة، ايام 2 و3 و4 حزيران / يونيو، حيث اقتادت الميليشات عدداً كبيراً من الشباب والرجال الذين التجأوا اليها هرباً من المعارك واخضعتهم للتعذيب ، ثم اعدمت بدم بارد ، حسب ما تؤكدّه شهادات موثّقة للأشخاص الناجين، ما بين 200 إلى 300 شخص. وتلقى المركز تقارير تؤكد وقوع مجزرة ارتكبتها الميليشيات في منطقة (الزركة) الواقعة بين الفلوجة والصقلاوية. حيث هاجمتها يومي الخميس 3 والجمعة 4 حزيران/يونيو واعتقلت اكثر من 300 مواطن أعدمت 150 شابا منهم. وأقتيد الآخرون إلى جهة غير معلومة ولا يعرف مصيرهم لحد الآن.
الملفت للنظر في التغطية الإعلامية العراقية و العربية للجرائم المرتكبة بحق الفلوجة نقلها الببغائي لتصريحات الساسة العراقيين وقادة التحالف الدولي، التي تقلل من حجم الجرائم وتصفها بانها ممارسات فردية، او استثنائيّة. بينما تثبت الشهادات الموثقة لدى المركز بأن « الانتهاكات تُرتكب على نطاق واسع ومن معظم الميليشيات المشاركة في العمليات العسكرّية وباسناد ومشاركة فعليّة من الوحدات العسكرية والوحدات الأمنيّة وقادتها، وبعلم وسكوت المسؤولين السياسيين». 
وقد اضطر محافظ الأنبار صهيب الراوي للاعتراف بما ذكرته المنظمات الدولية عن إعدام 17 رجلا وإختفاء 600 في الصقلاوية، على الرغم من محاولات رئيس الوقف السني تبييض وجه النظام عن طريق الوقوف أمام الكاميرات وسؤال مئات المعتقلين المحاطين بالحرس عما إذا عوملوا بقسوة ، ليسمع بعد لأي ما يريده إعلاميا من أناس جل همهم البقاء على قيد الحياة. 
لئلا تتكرر الجرائم في مدن ومحافظات أخرى بذرائع تتغير حسب الحاجة ويكون المتضرر الاول فيها هو المواطن ، ولكي يكون هناك فرق حقيقي بين حكومة تمثل الشعب وتنظيم لا يمثله ، ولوضع حد لدائرة الانتقام الأعمى، قدم مركز العدالة عدة توصيات إلى المجتمع الدولي، منها: ايفاد لجنة تقصّي حقائق دوليّة، مستقلّة إلى العراق للتحقيق في جميع الإنتهاكات، تعيين مقرر خاص لحالة حقوق الإنسان ،حلّ ميليشيا الحشد الشعبي، والتوقف فوراً عن أي تعامل معها، وتفعيل الإجراءات القضائية ضد المتورطين بالجرائم والمتواطئين معهم.

٭ كاتبة من العراق

 

 

الدراسات العراقية المعاصرة:

مسؤولية المثقف في السنوات العجاف

 

هيفاء زنكنة

 

في خضم الأحداث المأساوية التي يعيشها العراقيون، يوميا، وتدهور مستوى الخدمات الأساسية المرتبطة بأولويات حقوق الانسان، ومنها في مجال التعليم، يبدو أن فتح كوة صغيرة من الأمل، مسؤولية لا يمكن للمثقف، ان يغض النظر عنها، لئلا يجهض احتمال ان يكون هناك مستقبل، ولئلا يموت الناس كمدا. فسحة الأمل التي أود الأشارة اليها، فيما يخص الوضع العراقي، هي اصدار عدد خاص من المجلة الدولية للدراسات العراقية المعاصرة ( IJCIS )، بمناسبة مرور عشرة أعوام على تأسيسها والصادرة عن «الرابطة الدولية للدراسات العراقية المعاصرة».
أسس الرابطة مجموعة من الأكاديميين والناشطين العراقيين والعرب والغربيين، بدعوة من بروفسورجاكلين اسماعيل وبروفسور طارق اسماعيل، وتم اللقاء الأول، عام 2004، بلندن، حيث تم الاتفاق على تأسيسها ووضع برنامجها واهدافها، ولعل أهمها: أن ترعى الرابطة الدراسات والبحوث المختصة بالشأن العراقي من اجل بناء الجسور بين الاكاديميين العراقيين من داخل وخارج العراق مع الجامعات ومراكز البحوث والدراسات الاجنبية، واستنادا إلى الرغبة في احترام القيم الاكاديمية الهادفة إلى فهم اعمق لعراق موحد، ديمقراطي، تعددي وغير طائفي.عراق مستقل من الاحتلال وأي تدخل اجنبي.
وجاء اصدار المجلة المحكمة أمرا مسلما به وضرورة اقتضتها الحاجة إلى تغطية نقص واضح، في الاوساط الاكاديمية، يعنى بالدراسات العراقية المعاصرة. وكان أحد اهداف الهيئة والدورية، معا، ومنذ البداية تشجيع المساهمات الأكاديمية العراقية العربية، ليكون للصوت العراقي، بحثا وتحليلا ومحاولة فهم لما يجري في العراق، موقعه العالمي، وأن يكون للصوت العراقي حضوره ورؤيته، وعدم اقتصار تمثيله على الغربيين فقط، مما اتاح مجالا، يفتح لأول مرة، أمام الأكاديميين والباحثين العراقيين، لرأب الصدع الأكاديمي/ المعرفي الذي بات ميزة لا تنكر بينهم وبين الأكاديميين، في بلدان أخرى، نتيجة سنوات الحصار والحروب والأحتلال الانكلو أمريكي وما صاحبه من استهداف منظم للعلماء والاكاديميين، حيث أغتيل ما يزيد على 400 أكاديمي وتربوي « للقضاء على النخبة الفكرية بما قد يشكل عملية ابادة للتعليم»، حسب هانز فون سبونيك، المبعوث السابق للامم المتحدة في العراق. 
المفرح في اصدار العدد الخاص من الدورية المحكمة، بالاضافة إلى غناها الاكاديمي البحثي المعرفي، هو مثابرة المؤسسين لها جاكلين وطارق اسماعيل (جامعة كاليغوري)، ورئيس تحريرها الحالي بروفسور ويليام حداد (جامعة كاليفورنيا)، التي لم تضعف على الرغم من تراجع الاهتمام السياسي العام بالعراق، بل والرغبة في نسيان وجوده، المنعكس بالتالي على الاوساط البحثية الاكاديمية ذات الارتباط الوثيق بالمنح والمساعدات المادية من المؤسسات ذات العلاقة. يفسر بروفسور رايموند بيكر، وهو أحد مؤسسي الرابطة، الصمت المحيط بالجرائم التي ارتكبت ضد العراق، ثقافيا وبشريا، بضخامة البؤس البشري الذي فرض عمدا وحجم الدمار الثقافي، ووجود مشروع تم التخطيط المسبق له لتنفيذ الدمار، بالاضافة إلى تلوث العلوم الاجتماعية السائدة، أكاديميا، باوهام التنمية والتحرر الامبريالي، مما يجعل من المستحيل اجراء تحقيق علمي منهجي اجتماعي في جريمة دولية سببت تدمير دولة قائمة وتقويض مؤسساتها الثقافية. 
لم تقتصر المثابرة على الدورية، وهي الوحيدة المختصة بالشأن العراقي، عالميا، بل وصاحبها الاصرار على مواصلة عقد مؤتمرات الرابطة، رغم الصعوبات المادية والتنظيمية، خاصة فيما يتعلق بحضور الاكاديميين العراقيين الذين يعانون من عرقلة أو استحالة الحصول على فيزا من العديد من بلدان العالم، ولو كان خروجهم للمساهمة في مؤتمر أكاديمي، مما يعيق التطور المعرفي وبناء الجسور مع الاوساط الاكاديمية. ويثير موقف عدم منح الفيزا للاكاديميين العراقيين المرارة، خاصة، إذا كان صادرا من بلد مثل مصر، يقدم نفسه للعالم كحاضنة للفكرالعربي والعروبة، وكما حدث عند انعقاد المؤتمر الأخير للرابطة في مصر، وهو موقف مماثل في سياسته لكيفية تعامل السلطات المصرية مع الفلسطينيين، ومنع تواصلهم مع العالم الخارجي. 
عقدت الرابطة خمسة مؤتمرات، كان أولها في لندن،2005، وآخرها بالقاهرة في 2015. تم فيها تقديم دراسات مختصة عن الشأن العراقي من قبل اساتذة وباحثين من جميع انحاء العالم من عراقيين وأوروبيين وعرب. كان من بين محاور المؤتمر الأخير الأقتصاد، القوى التقدمية بالعراق، استهداف الثقافة العراقية، الأدب والذاكرة في العهد الملكي، السينما والسياسة في الداخل والخارج، التعليم العالي والمجتمع المدني، العراق والولايات المتحدة والحرب على الإرهاب، بالاضافة إلى مائدة مستديرة حول امكانيات وصعوبات النشر الأكاديمي.
ان استمراية بقاء الرابطة ونجاح المجلة الأكاديمية المبني كله على العمل التطوعي البحت، لقلة من الاكاديميين العراقيين وغيرهم، يرينا، نموذجا بسيطا، لامكانية القيام بانجازات مهمة وبعيدة المدى، تخدم الصالح العام، العراقي والعالمي في آن واحد، مع تبني موقف سياسي سليم يضع صالح الشعب العراقي وتقدمه المعرفي بالدرجة الاولى. وهو ليس بالامر المستحيل إذا ما توفرت النية الصادقة. كما يدفعنا عمل الاكاديميين جاكلين وطارق اسماعيل، إلى تصور ما كان في امكان الاكاديميين العراقيين القيام به من انجازات في كافة مجالات المعرفة، لو توفرت لهم حكومة وطنية مخلصة تمثلهم وتدعم مبادراتهم، لا ان تستهدفهم بالقتل والتهجير تنفيذا بالنيابة لمخططات المحتل في انهاء الدولة وتفكيك مؤسساتها بأنواعها.
وهذا ما يلخصه ريموند بيكر في دراسة له نشرت في مجلة رابطة الدراسات: «فالمحتلون سواء كانوا من الروس او الالمان او الفرنسيين او الاسرائيليين أو الأمريكيين، فهموا، وفي كل مكان، ان انهاء الدولة سواء في بولندا او الجزائر او فلسطين او العراق، يعني الهجوم على الطبقة المثقفة. ان العلماء واساتذة الجامعات والشعراء هم تجسيد لافكار وذكريات ومشاعر انسانية تجمع حياة الامة في قلوب وعقول الشعب. لذلك يلوح اغتيال المثقفين في الافق، دائما، عندما يسير المحتل القوي نحو انهاء الدولة».

٭ كاتبة عراقية

 

 

رئيس الوزراء العراقي

)شريك ممتاز لأمريكا(

هيفاء زنكنة

 

بات مشهد حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي، ببزته العسكرية التي ترتديه، جزء لا يتجزأ من الحملة الاعلامية المكثفة لما يسمى بعملية تحرير الفلوجة. وهي المرة الأولى التي يظهر فيها العبادي بالزي الزيتوني الغامق كقائد عام للقوات المسلحة وان كان قد ظهر، في العام الماضي، في استديو قناة حزبه الفضائية المسماة « آفاق»، كبروفة، مرتديا زي المغاوير المرقط ومزينا حزامه بمسدس. يأتي ظهوره بالزي العسكري ليتماشى مع اعلانه الهجوم على مدينة الفلوجة المحاصرة، بذريعة تحريرها من قوات الدولة الاسلامية (داعش). 
سبق العبادي في ارتداء الزي العسكري، وقت الفشل السياسي، الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. وان كان الأخير قد خلع الزي حينا بحجة التمثيل السياسي ثم عاد الى ارتدائه حين بانت هزالة موقعه بدون الزي وشاراته. فالزي العسكري، بالنسبة الى الحكام العرب، المتفوقين، بامتياز، في تحويل شعوبهم الى وقود حروب طاحنة، بالنيابة عن القوى العظمى ولحماية مصالحهم، له دلالات كبيرة، خاصة عندما يزينون صدورهم بالشارات والرموز الملونة الدالة على مشاركاتهم في حروب، الكل يعلم بعبثيتها وانتصاراتها الوهمية. عموما، يبدو الهدف من ارتداء الزي العسكري من قبل القيادة السياسية لأي بلد هو رفع معنويات الجنود ومنح القوات الطاقة للدفاع عن الوطن والولاء له وحثه على التضحية في ساحة المعركة. 
هل تنطبق الصورة على العبادي؟ 
من الواضح ان من أسدى له النصح، من مستشاريه، بارتداء الزي العسكري والهجوم على الفلوجة، قد توخى تحسين صورته التي باتت تثير غضب المواطنين ومحط اهانة، في ساحات الاعتصام والمظاهرات، باعتبارها رمزا للنظام الحالي وعمليته السياسية المحتضرة، لعدة اسباب ورث بعضها من أسلافه، سدنة معابد الاحتلال، وساهم هو بتكريس بعضها الآخر بنفسه . لننظر الى عشرة من الاسباب الداخلية المتطورة عضويا منذ الإحتلال والمتسارعة التطور تحت ولاية العبادي.
أولا: عدم وجود دولة بالمعنى الحقيقي بمؤسسات وجيش وقوانين نافذة. ثانيا: الحكومة منخورة بالفساد، والطائفية، وصراعات الوزراء (واقاربهم) وقيادات الاحزاب والمنتفعين منهم . ثالثا: توريط البلد بالديون لعقود مقبلة سواء نتيجة توقيع عقود خدمات الانتاج النفطية أو القروض. اذ وافق، صندوق النقد الدولي، منذ ايام، على إقراض النظام 15 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات بالاضافة الى اقتراضه 1.9 مليار دولار من البنك الدولي قبل شهور بذريعة «تغطية نفقات إعادة إعمار المناطق المحررة من قبضة مسلحي تنظيم داعش». كما كشف السفير الامريكي في العراق ستيورات جونز عن قيمة قرض التسليح الامريكي وقيمته 2.7 مليار دولار بفائدة 4.5 بالمئة لشراء الاسلحة الامريكية. هذه القروض، ستنهب، لامحالة، كما نهبت مليارات الدولارات من قبلها، بينما سيتحمل الشعب عبء تسديدها وفوائدها الباهظة. رابعا: خزينة الدولة اصبحت خاوية، الفتات الباقي فيها، لا يكفي لدفع رواتب من ثم شراء ولائهم بالراتب من ملايين الموظفين والمستخدمين وقوات الجيش والأمن (ثلثهم من الفضائيين باعتراف العبادي)، بالاضافة الى ميليشيات الحشد الشعبي . خامسا: تصاعد الغضب الشعبي مع زيادة الفاقة في البلد المنتج للنفط وانعدام مشاريع التنمية وقتل الصناعة الوطنية. سادسا: سياسة الاقصاء والتهميش والتطهير الطائفي واتهام محافظات بكاملها بانها موالية لتنظيمات ارهابية. سابعا: الصراع السياسي الداخلي بين الاحزاب الطائفية والعرقية، حتى ضمن البرلمان، وما ترتب على ذلك من تشرذم وانسحاب برلمانيين واعتصام عدد آخر داخله. ثامنا: تنامي الخلاف بين التيار الصدري وكتلة الفضيلة وحزب الدعوة وميليشيا بدر مما ادى الى اغلاق مقرات بعضها البعض في المحافظات حسب تقاليد المناطق المغلقة وتبادل التهم بالتبعية لايران او لداعش والبعث واقتحام المنطقة الخضراء. تاسعا : تنامي نفوذ الميليشيات وازدياد عددها خارج القانون بحيث أصبحت اقوى من الحكومة من حيث السيطرة على الشارع وترويع المواطنين. عاشرا: غياب القانون وفساد القضاء جعل كل مواطن عرضة للاتهام بالارهاب مع ما يترتب على ذلك من تعذيب واعترافات مستخلصة جراء التعذيب. 
أما الاسباب الخارجية لهزالة صورة ودور العبادي فبالامكان اختزالها بعامل التبعية المزدوجة لأمريكا وايران وانعدام الولاء الوطني مقابل انتشار مقاتلي الدولة الاسلامية وعملياتهم الارهابية. هذه الاسباب، واستخدام قوات الأمن الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين في نهاية شهر أيار/مايو وقتل أربعة منهم واصابة تسعين آخرين، جعلت الهجوم على الفلوجة، رمز المقاومة ضد الاحتلال الانكلو أمريكي وحكوماته، ضرورة وحربا مقدسة لانقاذ البقية الباقية من ماء وجه العبادي ونظامه، تغطية لعجزه، ودفع خطر ميليشيات الحشد الشعبي عنه وحزبه (حزب الدعوة) بالاضافة الى تحويل انظار المحتجين على الفساد والمطالبين بالاصلاح. فمن يتجرأ على مواصلة التظاهر والمطالبة بانهاء الفساد القاتل «مندس، ينتمي الى جماعات معينة تـنوي القيام بتصعيد خطير في البلاد وهي في حالة حرب» حسب العبادي، وأدى تصاعد الاحتجاجات الى الهجوم على مقرات الاحزاب على تصاعد الاتهامات واستحضار تهم كانت تقتصر على شريحة معينة من ابناء الشعب. تهم على غرار «عصابات الحرس الجمهوري وفدائيي صدام ابان الحقبة البعثية المظلمة» و«جماعات خارجة عن القانون.. تقوم بتنفيذ اجندات خارجية» حسب نوري المالكي، أمين عام حزب الدعوة، و«بعثي أو داعشي»، حسب هادي العامري قائد فيلق بدر الايراني. أما عادل عبد المهدي، نائب رئيس الوزراء المقال، ووزير النفط سابقا، فقد كتب حاثا قوات الأمن على القيام بواجبها تجاه المحتجين» ان تردد القوات الامنية بواجباتها لحفظ امن المواطنين والمصالح والمكاتب بحجة عدم اراقة الدم هو اقصر واسرع طريق لاراقة الدماء». 
«العبادي شريك ممتاز لامريكا … نحن فخورون بشراكتنا مع العبادي»، يتعالى صوت السفير الامريكي بالعراق، متباهيا، وهو ينظر الى العبادي الغائص حتى ركبتيه بدماء الشباب العراقي، «اكثر من 60 ضربة جوية نفذها التحالف خلال الاسبوع الماضي منها 25 في الفلوجة».

٭ كاتبة من العراق


 

 

حصار الفلوجة بين

)مفاتيح الجنة( و)حور العين(

هيفاء زنكنة

 

بدأت صيحات استغاثة المهجرين من مدينة الفلوجة الأبية، المحاصرة، تصل إلى العالم الخارجي، مخترقة جدار الصمت، فجاءت الاستجابة المحلية والدولية، كالعادة، بشكل تصريحات وبيانات استنكار ناعمة، خشية الاتهام بدعم الإرهاب ومحاولة وأد «ديمقراطية» النظام العراقي. يتسابق، في ساحة الدم العراقية، الساسة العراقيون المدربون على الكذب في ورشات الديمقراطية وحقوق الانسان الانكلو أمريكية مع ناطقي البيت الابيض وموالي ولاية الفقيه وخدم الحرمين. 
الساسة العراقيون، المتنافخون شرفا، الذين فتحوا ابواب العراق للاستباحة، كما فتح من سبقهم ابواب القدس ( مظفر النواب)، هم الاكثر مهارة في هذا المجال. الكل يتبرأ من دم يوسف، من دم العراقيين، من دم أهل الفلوجة. الكل يغسل يديه بالكلور المعقم من أشلاء الضحايا الملتصقة بيديه حتى الأبد، راميا مسؤولية الابادة المنهجية المنظمة على «الآخر». يتغير اسم «الآخر» بتغير الحاجة إلى وجوده لاستئصال فئة بشرية معينة. 
الآخر، في سياق الاحتلال وحكوماته الطائفية الفاسدة بالنيابة، متمرد، مجرم، من أزلام النظام السابق، قاعدة، وداعشي. انه إرهابي لايستحق غير القتل، خاصة إذا كان طفلا أو أمرأة. فالطفل سينمو ليصبح إرهابيا بالضرورة، كما تخبرنا سردية التطهير الطائفي والعرقي. أليست نساء الفلوجة نموذجا لمدن تلد اطفالا يصبحون إرهابيين؟ لهذا تم رش المدينة باليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض وجيل جديد من النابالم. التقية تغلف ظاهر الساسة وفي باطنهم رغبة مخفية، بازالة الآخر لأنه سرطان تتوجب ازالته، صرح احدهم قائلا، أنه ثأر يمتد مثل نفق سري مظلم تم حفره منذ 1400 عام، يقول آخر. سنة وشيعة وعلمانيو العملية السياسية، تذوقوا طعم الدم المنسوج بنشوة السلطة، فلا يستطيعون العيش بدونه، يشيرون باصبع واحد متهمين الذئب: انه من أكل يوسف وفي زمن آخر، بعد يوسف بمئات السنين، أنه من أكل ليلى.
تتعالى استغاثة أهل الفلوجة من جحيم آلة القتل الثلاثية. أرضا: مقاتلو الدولة الإسلامية في داخل المدينة وميليشيات الحشد الشعبي خارجها. جوا: القصف الأمريكي. واذا كانت الدولة الإسلامية معروفة باستخدامها المدنيين كدروع بشرية فان الميليشيات والقوات الإيرانية ـ العراقية، المترصدة بالمدنيين عند هروبهم لا تقل إرهابا عمن هربوا منه. انهما، بالنسبة إلى المدنيين، وجهان لعملة واحدة، مهما حاول الساسة تجميل الصورة لصالح العملية السياسية. أما الحكومة العراقية، الموصوفة بالفاشلة حتى من قبل من بزرها، فانها تتأرجح ما بين الولاء للادارة الأمريكية ودولة ولاية الفقيه. الاثنان يفتخران بتدخلهما العسكري المباشر وتعاونهما المعلن، ارضا وجوا، في عملية التطهير المذهبي، والتغيير الديموغرافي، لاعادة رسم خارطة العراق وفق المحاصصة الطائفية والعرقية، تحت غطاء «بطلب من الحكومة العراقية». 
هل سيؤدي احتلال الفلوجة، أو ابادتها، ومن بعدها الموصل، من قبل النظامين الإيراني والعراقي بقصف أمريكي مكثف، وبتواجد الفرقة الذهبية المدربة أمريكيا، وحتى حشد العشائر، إلى التخلص من تنظيم الدولة الإسلامية؟ يخطئ من يظن ذلك، خاصة، وروح الانتقام باتت مغموسة بالدم لدى كل الاطراف، في غياب المساءلة القانونية وتحقيق العدالة، ومع تزايد ضحايا القصف والحصار والتجويع والاعتقال والتعذيب والتهجير القسري، في مناطق دون غيرها، ومع انكماش الروح الوطنية ازاء التكتل السياسي الطائفي والعرقي. ان المحاصصة، بانواعها، التي زرعها المحتل ورعاها ساسة الفساد المالي والاداري معه، تهدد عمق المجتمع العراقي بالتشظي ويزداد التهديد خطورة مع ازدياد عدد الضحايا من ابناء الشعب، ايا كانت خلفيتهم الدينية والمذهبية والعرقية. 
في فلوجة اليوم، حين يحاول السكان الهرب من إرهاب داعش، يواجهون إرهاب النظام. يتم فصل النساء والاطفال عن الرجال الذين يتم اقتيادهم إلى معسكرات الاعتقال. باعتراف حيدر العبادي، رئيس الوزراء بزيه العسكري المفصل اكبر من حجمه، الانتهاكات ضد المدنيين موجودة، ولكنها حالات فردية، يستدرك العبادي. هل هي حالة فردية قتل 13 شابا في الكرمة وتصوير رؤوسهم المقطوعة وتوزيع الافلام على اليوتيوب؟ ماذا عن اعتقال ما يزيد على 600 رجل واقتيادهم، بعيدا عن عوائلهم، إلى معسكرات تعذيب، كما ذكر محمد الكربولي، عضو اللجنة الأمنية بالبرلمان (قناة الحدث) مطالبا بتحديد المسؤولين ؟ ماذا عن مقتل 4 شبان تحت التعذيب ؟ ماذا عن المخفي من الانتهاكات؟ 
بعيدا عن الفلوجة، في مدينة الموصل، غارات التحالف الدولي مستمرة. الضحايا، غالبا، لايذكرون، فقتل 10 مدنيين مشرعن حسب قرار وزارة الدفاع الأمريكية الجديد حول»الأضرار الجانبية للقصف» الذي يقرره القادة الميدانيون، بدون حاجتهم لاستشارة الأعلى منهم.. يقول المتحدث باسم التحالف، ان القصف لا يستهدف غير داعش إلا ان واقع الحال يثبت العكس. تقول زوجة أخي وهي من الموصل: «وصلني امس، الاربعاء، خبر وفاة ابن خالتي (فائز شريف صالح ـ عمره 52 سنة) في المستشفى، بعد ان سقط صاروخ على بيته من قبل قوات التحالف، يوم 1/ 6. أدى الصاروخ إلى تحطيم البيت واصابة عائلته بجروح وكسور وكذلك مقتل 8 اشخاص من بيت جيرانه. كان هناك اكثر من صاروخ على المنطقة قرب مستشفى الخنساء في الموصل وعوائل اخرى قتلوا بالكامل (امرأة تقطعت جثتها عدة قطع والزوج كذلك والطفلة قسمت من بطنها نصفين، وقتلت عائلة اخرى في سيارتهم اثناء توجههم لدخول كراج بيتهم).
أحد ضحايا القصف على منازل الاساتذة، خلف جامعة الموصل، هو الدكتور ظافر رمضان مطر البدراني عميد كلية علوم الحاسوب والرياضيات السابق وزوجته». هل سيحاسب أحد على هذه الجرائم أم ان المجرمين يتمتعون بالحصانة القانونية، لأن قصفهم المواطنين يتم بناء على «دعوة الحكومة العراقية».
ان حرية ارتكاب الجريمة في بلد بلا قانون، تثير الاسئلة أكثر منها تقديم الحلول. ترى ما هو الفرق بين صبيان وشباب الدولة الإسلامية، الباحثين عن الشهادة أو وهم الاستحواذ على حور العين، وبين صبيان وشباب الحشد الشعبي الذين أغوتهم دعوة السيستاني للجهاد الكفائي وفتواه «ان من يضحي منكم يكون شهيداً»، مما يعيد إلى الاذهان صورة الاطفال الإيرانيين الذين كانوا يرسلون إلى الجبهة، اثناء الحرب العراقية الإيرانية، في مقدمة القوات لتتفجر باجسادهم الغضة العبوات، وهم يرتدون مفتاح الجنة حول اعناقهم بعد ان وعدهم «آية الله» الخميني بها ؟ أليسوا هم جميعا ابناءنا؟

٭ كاتبة من العراق

 

الفلوجة… مدن المقاومة لا تباد

هيفاء زنكنة

 

يقال بأن حصار مدينة الفلوجة، الواقعة على مبعدة 60 كيلومترا من بغداد، مستمر منذ عامين. يقال لنا، ايضا، ان من سيدخلها انما يفعل ذلك احسانا، لانقاذها من قبضة منظمة إرهابية تدعى داعش، وأن قصفها، وتهديمها، وتهجير نسائها، وأطفالها، سيحررهم من الحصار والجوع والمرض. هذه أكاذيب تستحق الرمي في حفرة التلفيقات التي ينتجها الساسة العراقيون ويعاد تدويرها إعلاميا. فهي تستند إلى منطق يماثل، في ابتذاله، ادعاء المحتل الصهيوني بأنه حين يستولي على اراضي الفلسطينيين انما يفعل ذلك لانشاء مصانع سيستفيد الفلسطيني من العمل فيها.
الحقيقة هي ان الفلوجة، طالما كانت ولاتزال شوكة في خاصرة الغزاة وحكامه بالنيابة. حصارها ليس وليد اليوم أو العامين الأخيرين، واعلان «تحريرها» شهده التاريخ مرات ومرات. ارتبط ادعاء تحريرها، دوما، برغبة الغزاة والحكام الفاشلين، بعدم قدرتهم على اخضاع أهلها الأباة. 
تخبرنا سردية الغزاة، من مرتزقة أمريكيين وميليشيات إيرانية، بأنهم يحاربون تنظيم الدولة، وأن معقلها هو الفلوجة، ليحموا أمن البلد ومواطنيه مما ينفي، بالضرورة، أولا: عن اهل الفلوجة حق المواطنة باعتبارهم إرهابيين ويشرعن ابادتهم، ثانيا: مما يعيدنا إلى سردية المحتل البريطاني في اربعينيات القرن الماضي ومن بعده الأمريكي، الذي صرح بانه انما جاء محررا وليس محتلا. وتكرار خطاب كهذا يؤكد ان مفهوم «الاحتلال» لم يعد خارجيا فحسب. 
الحقيقة هي، أيضا، ان الغزاة وحكامه بالنيابة يخشون الفلوجة لأنها، ببساطة، مدينة المقاومة التي رفض اهلها الخنوع حين قاوموا أكبر قوة عسكرية في العالم وأنزلوا بها الخسائرالفادحة. رفض اهلها ان يحنوا رؤوسهم ليلعقوا، كما فعل آخرون احذية المحتل الخارجي. ففلوجة المقاومة، التي حاول الغزاة ابادتها باليورانيوم المنضب والفسفور الابيض، وقصفها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بالبراميل المتفجرة، لا تحاصر وتقصف لأنها معقل للإرهاب وداعش. هل كان لداعش وجود في اربعينيات القرن الماضي حين قاوم اهل المدينة المحتل البريطاني، وحين اراد الأمريكان فرض ارادتهم عليهم، فقاتلوها ودفع شبابها حياتهم ثمنا، لا دفاعا عن انفسهم فقط بل عن ديمومة العراق وكرامته ؟ 
تبين حملات التضليل التي تطبخها وتبثها حكومات الاحتلال المتعاقبة، بدءا من حكومة أياد علاوي (علماني) إلى نوري المالكي وحيدر العبادي (كلاهما من حزب الدعوة الإسلامي)، ان هناك سياسة منهجية لمسح الفلوجة وابادة اهلها عن الوجود. فمن التصريحات الطائفية إلى الدعوات الصريحة للتخلص من اهلها الموصوفين حينا بانهم كالسرطان الذي يستوجب التخلص منه إلى الحصار والتجويع والقصف بأنواعه. كل التصريحات تشير إلى ان هناك خوفا مزمنا من المدينة المقاومة اما لوقوفها صامدة امام سياسة تغيير الهوية الوطنية العراقية او لأنها تذكر الساسة الخانعين بعار استخذائهم، اذ قلما يوجد من يرغب ببقاء من يذكره بحقيقته، أو لأنها المدينة المتنافس عليها أمريكيا وإيرانيا، أو لكل هذه الاسباب مجتمعة. 
مزق التدخل الإيراني الواضح في محاصرة وترويع اهل الفلوجة، غشاء التعمية الأخير الذي يتغلف به دعاة المقاومة والممانعة الإيرانية فضلا عن ادعاءات ساستها بأن وجود قاسم سليماني، القائد الفعلي لميليشيا ما يسمى بالحشد الشعبي، انما تم بناء على طلب من الحكومة العراقية. أليس هذا هو بالضبط ما تدعيه أمريكا ؟ ولم لا تشمل الدعوات بقية الدول العربية والإسلامية؟ 
اليوم، يواجه اهل الفلوجة خطر المجاعة ان بقوا في مدينتهم وخطر القتل على ايدي ميليشيات الحشد ان حاولوا الفرار. الأفلام التي يبثها عسكر النظام والميليشيات الإيرانية بما تحويه من جرائم يفتخرون بها قتلا وقطع رؤوس وسحل جثث الشباب العارية، على مشارف الفلوجة، مؤهلة للفوز في مسابقة الجرائم الانسانية التي أسس لها المحتل الأمريكي والبريطاني. 
أما الوضع الانساني للمدنيين، فيلخصه مصطفى الطربولي، المتحدث باسمهم قائلا في رسالة صوتية أرسلها من داخل المدينة المحاصرة: «نتعرض، الآن، لقصف المدفعية والراجمات وطائرات السوخوي المعروفة بانها غير دقيقة. أطلق علينا 2000 صاروخ، خلال الايام الأخيرة، مما ادى إلى تدمير البيوت على ساكنيها. لم نعد نتمكن من سحب القتلى تحت الانقاض.. لا نستطيع ايصال الجرحى إلى المستشفيات. الاطباء في مستشفى الفلوجة، يجرون العمليات بلا مخدر. نعاني من نقص الادوية والطعام. لا ماء ولا كهرباء. حين تم ارسال بعض المساعدات الينا استولت عليها قوات الحشد». ويناشد الطربولي العالم بالانتباه إلى مأساة المدنيين في الفلوجة، إلى ايقاف القصف الهمجي وايصال المساعدات. فكبار السن والاطفال بامس الحاجة إلى الغذاء والماء والدواء.
لقد حاول الطائفيون، منذ تسلمهم الحكم، محو الهوية الوطنية للعراقيين وبكافة الطرق وتحت مختلف الذرائع. فمن تغيير اسماء الشوارع والمدن وتهديم النصب العامة المشتركة للجميع إلى محاولة محو الذاكرة الجماعية للشعب عبر ادعاء امتلاك الرموز الدينية واقامة الشعائر وتحديد ايام الاحتفالات الرسمية. ومن اقصاء الناس وتهميش وجودهم إلى اجبارهم على النزوح للاستيلاء على مساكنهم وتغيير ملامح المجتمع المشتركة. ومن تغيير اسماء الاشخاص إلى القصف والحصار والتجويع. هناك، الآن، في الفلوجة 50 ألف مواطن محاصر من قبل نظام طائفي لا يعرف اي لغة غير التدمير وستر فساده عبر تحقيق انتصار وهمي، متعاميا عن حقيقة ان الشعوب لا تجتث والمدن الحية لا تباد. فحين حاصر جنود روما مدينة قرطاج مدة 3 سنوات، نجحوا في دخولها وتدميرها تدميراً شاملاً. ذبحوا معظم المدنيين ثم حرقوا كل ما تبقى في المدينة، هدموا جدرانها ثم حرثوا الأرض بالملح لكي لا ينمو فيها أي نبات بعد ذلك ولا يسكنها أحد. إلا انها، كما هي هيروشيما التي اراد الأمريكان مسحها بالقنبلة الذرية، نهضت من جديد.

٭ كاتبة من العراق

 

 

فلسطين الثقافة تقاوم

هيفاء زنكنة

 

بمواجهة الاحتلال العنصري، تقف الثقافة الفلسطينية، كقيمة انسانية عليا. كمقاومة تساندها حملات التضامن العربية والدولية، بمستوياتها المتعددة، مما دفع سلطات الاحتلال إلى اعتبار حملات المقاطعة الاكاديمية ومقاطعة البضائع والاستثمار، مثلا، خطرا استراتيجيا يهدد أمنها.
في العقد الأخير، بات العالم أكثر جرأة في مواجهة النظام العنصري باسرائيل وأقل خوفا من الاتهام بمعاداة السامية. مئات الكتب والدراسات الأكاديمية والمذكرات والروايات، تصدر، في جميع ارجاء العالم، سنويا، عن القضية الفلسطينية، لتٌذكر العالم بوجود الفلسطيني المقاوم على أرضه، والفلسطيني، المطالب في الشتات بأبسط حقوق الانسان: حق العودة. 
أحد أوجه التضامن الثقافي الدولي، بتنظيم عربي، هو «احتفالية فلسطين للأدب»، وهو مهرجان تأسس عام 2008، ويواصل نشاطه السنوي باشراف مؤسسته الكاتبة والروائية، أهداف سويف. تهدف الاحتفالية إلى «التعاون مع الفلسطينيين لكسر الحصار الثقافي الذي فرضه الاحتلال العسكري اﻹسرائيلي على الشعب الفلسطيني، وتعزيز العلاقات الثقافية بين فلسطين وباقي العالم». تستند آلية عمل المهرجان على دعوة عدد من الشخصيات الأدبية المرموقة في الغرب، إلى جولة بين المدن الفلسطينية، ليعيشوا بأنفسهم معنى ان تكون محتلا وأن تتحكم بوجودك، في كل لحظة، من ساعات يومك، قوى الاحتلال، المنصوبة في نقاط التفتيش وجدار الفصل العنصري والمستوطنين والعسكر الهمجي.
الوجه الآخر للمهرجان هو توفير فرصة اللقاء والتبادل الأدبي والثقافي، عموما، بين الادباء الأجانب والعرب والفلسطينيين من خلال المشاركة في تقديم الأنشطة على اختلافها من المحاضرات إلى قراءة الشعر والقصة والمذكرات والاحتفاء بالموسيقى والمسرح. الملاحظ، في برنامج العام الحالي، زيادة عدد الشعراء والادباء الفلسطينيين المساهمين، سواء المقيمين داخل فلسطين أو خارجها، وازدهار طاولات الكتب بالنتاج الادبي والمعرفي الفلسطيني إلى جانب الغربي والعربي. هناك، أيضا، اصوات فلسطينية شابة، إلى جانب المخضرمة، وتنوع في مجالات الابداع (وان كانت الكفة تميل لصالح الشعر) يدل على حيوية الثقافة الفلسطينية، حاليا، ويؤشر إلى مستقبل يوحي بالتفاؤل والأمل.
من بين المساهمين، الشاعر علي أبو عجمية، مؤلف «في سفر ينصت للعائلة»، والشاعر وكاتب قصص الأطفال خالد جمعة، مؤلف «مريم الخرساء». وآمنة أبو صفط وأسماء عزايزة بديوانها «ليوا». الروائية والشاعرة باسمة التكروري مؤلفة «يوميات تحت الاحتلال»، وجيهان بسيسو «ليس بالقرب من أي قوس قزح لَعِيْن: كتابات بدون تصاريح من الشرق الأوسط». والشاعر ريمي قنازغ، صاحب ديوان «قبل أن تسقط القنبلة التالية: الانتفاض من بروكلين إلى فلسطين».
ساهم الشاعر غياث المدهون مؤلف «الطريق إلى دمشق»، والشاعرة والناقدة ناتالي حنظل، كاتبة «مدونة المدينة والكاتب» لمجلة عالم بلا حدود. الشاعر الاسير المحرر
ياسر خنجر، مؤلف «سؤال على حافة القيامة» و»السحابة بظهرها المحني». الشاعر محمود ابو عريشة، مؤلف «كلمات ذات رائحة كريهة». ومصطفى قصقصي الذي اصدر، أخيرا، مجموعته الشعرية «في هجاء الأمل». 
روائيا، هناك ليلى العلمي مؤلفة «حكايات المغربي»، ومجد كيال مؤلف «مأساة السيّد مطر». وكان من المفترض اشتراك الكاتب الفلسطيني أحمد مسعود مؤلف «اختفى: الأحداث الغامضة لاختفاء مصطفى عودة»، إلا ان سلطات الاحتلال منعته من الدخول، على الرغم من جنسيته البريطانية، لأنه، بالاصل، من غزة.
في مجال الاخراج، ساهم خالد الناصري وساند السويركي، إعلاميا، ومحمد الشاهد، معماريا. أما أكاديميا، فكان أحمد جميل عزم، رئيس برنامج ماجستير الدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. احتفاء بالموسيقى، جاءت مشاركة هيكل، المنتج والملحن بالاضافة إلى جلمود، المنتج وعازف الإيقاع والمغني، والموسيقي والملحن مقاطعة الذي ساهم في تأسيس فرقة «تشويش». 
أما مسرح البسطة، المجاني، فانه يهدف إلى استعادة ملكية الشوارع والساحات والفضاء العام. يقول أعضاء المسرح: «الشارع انطلاقتنا وملقانا، نحتل شوارعنا ونحررها بالمسرح، نواجه سلطات الحواجز والتهميش، بالفن ننتصر». أنه مسرح سياسي اجتماعي شبابي مستقل، ممثلوه متطوعون، هدفه تقليص المسافة بين الفن والناس عبر دمج أشكال المسرح العربي القديم أو ما يسمى بمسرح «الفرجة» التراثي مع آليات المسرح الحديث. 
مع هذا الفريق الفلسطيني – العربي، يشارك كتاب وناشرون من جميع انحاء العالم، من بينهم الكاتب الايرلندي كولام ماكان، مؤسس منظمة لتبادل الحكايات، وجون ماكسويل كويتزي، من جنوب أفريقيا، الحائز على جائزة نوبل للأدب لعام 2003. فضلا عن الكاتب الأمريكي باري لوبيز، مؤلف «أحلام قطبية».
ولكن، هل للفن والأدب فعلا أهمية في زمن تبدو فيه النكبة مثل جلد حية يتجدد سنويا ؟ منذ بدايات القرن العشرين، قبل النكبة بعقود، والحركة الصهيونية ناشطة، خفية وجهارا، في تصنيع تاريخ جديد لفلسطين، يشرعن لها حق استباحة أرض وتشريد شعب. 
تاريخ يقتضي مسح الذاكرة أولا وانتظار نشوء أجيال جديدة من الفلسطينين، بلا ذاكرة. وهي سيرورة، يرسم تفاصيلها الكاتب التشيكي ميلان كونديرا، في كتاب الضحك والنسيان، قائلا: 
«الخطوة الأولى في تصفية شعب هي محو ذاكرته. تدمير كتبه وثقافته وتاريخه، ثم يقوم شخص ما بكتابة كتب جديدة، تصنيع ثقافة جديدة، واختراع تاريخ جديد. قبل مضي وقت طويل، ستبدأ الأمة بنسيان ما هي وما كانت عليه».
هذه صورة واقعية لخطوات ابادة ممنهجة عشناها ولانزال فلسطينيا، ويعاد تكرارها، في عراق الكولونيالية الجديدة. إلا ان نضال الشعب الفلسطيني ومقاومته المستمرة، على مدى سنوات الاحتلال العنصري، وبمختلف المستويات، ومنها الأدب والفن والمسرح والمتحف والعمارة، وضع حدا لصناعة أمة بلا ذاكرة وبلا تاريخ. أوقف سيرورة الابادة. متحديا بمخزون ثقافته الدمار.

٭ كاتبة من العراق


 

 

ا

 

 

زواج متعة آخر بين

امريكا والعراق الجديد

 

هيفاء زنكنة

 

بشرتنا الادارة الامريكية، منذ أيام، بسلامة وصول 25 من قوات البحرية الأمريكية (المارينز) الى بغداد، تلبية لطلب من وزارة الخارجية الأمريكية، لتعزيز أمن السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء.
ولم يصدر أي تعليق من النظام العراقي حول وصول المارينز، أو اذا ما كان رئيس الوزراء، أو احد المسؤولين قد تمت استشارته حول الموضوع، وان كانت وقائع الاسبوعين الأخيرين، من اقتحام المتظاهرين لتحصينات المنطقة الخضراء الى تبادل اطلاق النار، مساء الخميس، في المناطق القريبة من السفارة الأمريكية، بين قوات الرد السريع وحماية البوابة الرابعة في المنطقة المحصنة، تدل على تزايد قلق الادارة الامريكية على سلامة موظفيها داخل السفارة، وعدم ثقتها بقدرة القوات العراقية على حمايتهم، او لعله عدم اقتناعها بولاء القوات بعد ان وقفت القوات، التي طالما تفاخرت أمريكا بأنها دربتها وصرفت عليها الملايين، جانبا وهي تتفرج على المتظاهرين وهم يحتلون مبنى البرلمان، ويعتدون على عدد منهم، بل ووصل الحد بمن يحمل اعلى رتبة في الجيش العراقي، ان ينحني، ويقبل يد مقتدى الصدر.
لابد ان هذه اللقطة، التي تم بثها، في جميع انحاء العالم، المتزامنة مع مقتل ثاني جندي أمريكي من قبل الدولة الاسلامية، قد أوصل الادارة الامريكية الى مرحلة التفكير بسيناريو يختلف عما تعيشه هذه الايام من نكد مع ساستها العراقيين المتنازعين بلا حدود، وان تستعد لاستبدالهم بمستخدمين آخرين لتراهن عليهم، ولو الى حين، لحماية مصالحها. فتصريحات المسؤولين الامريكيين تشير الى استعدادها التخلي عن وجوه النظام الحالي، مبدية استعدادها للتعامل مع اية قوة تقدم عطاء يتماشى مع المصلحة الامريكية، ويحافظ في الوقت نفسه على ابقاء العراق بلدا ضعيفا تستهلكه النزاعات الداخلية، ولا تدع لمواطنيه القدرة على اتخاذ اية مبادرة للتغيير الحقيقي وبناء الديمقراطية. «العنف المستدام» أو «العنف المسيطر عليه»، هو جوهر السياسة الامريكية لا في العراق فحسب بل في مجمل البلاد العربية، وهو ما اعلن عنه، بصراحة، قائد الجيش الامريكي السابق، ورئيس وكالة المخابرات المركزية، دافيد بترايوس اثناء وجوده بالعراق. وهو شرط اساسي لاستدامة الهيمنة الخارجية والاستبداد الداخلي معا. أما الديمقراطية فهي مجرد شعار تزويقي يتم رفعه وخفضه، عند الحاجة وحسب الطلب. فخطر الديمقراطية الحقيقية، ان طبقت، خلافا لكل ادعاءات امريكا، أشد عليها من الارهاب، لأنه يهدد وجودها ومن يتعاون معها، وينهي نفوذها وسيطرتها على البلدان ذات الثروات الطبيعية، ومصادر الطاقة، والمواقع الاستراتيجية. فالديمقراطية، خاصة اذا إمتزجت بالعدالة الاجتماعية أو الاشتراكية، خطر على قوى الاستغلال والاستبداد لأنها ستمكن الشعب من استعادة صوته. 
لاتجد أمريكاغضاضة في نبذ «الحلفاء» حين تنتهي مدة صلاحيتهم فيصبحون عبئا عليها . حينئذ، نراها تنقلب عليهم بحجة عدم التدخل بالشأن الداخلي، وتقف متفرجة، على استعداد لعقد صفقة مع « حليف» جديد. وقد لا يتطلب الأمر اكثر من سحب الحماية الأمنية الأمريكية في أية لحظة. وهذه ما تشير اليه الاوضاع الحالية بالعراق، اذ اصبح المستخدمون، الحاليون، عبئا سياسيا واعلاميا وعسكريا، خاصة بعد ان انطفأ وهج تسويق «المظلومية» الطائفية والعرقية، وبعد ان وصل غضب ذات المظلومين عتبة السفارة . لذلك، اختار المتحدث العسكري الأمريكي، الكولونيل ستيف وارن، ان ينأى بنفسه وبالسفارة الامريكية عن النواب الهاربين من غضب المتظاهرين مؤكدا بأن السفارة لم تقم بحماية اي نائب وان مهمة التحالف تنصب على محاربة الدولة الاسلامية. 
هذه رسالة تذكير واضحة للساسة العراقيين، على اختلاف تعليبهم، بان الوجود الامريكي ليس لحمايتهم، مهما كانت درجة ولائهم لأمريكا، وأن اولوياتها تختلف عما يتوهمونه. وليكن في نبذهم حلفاء إستراتيجيين كشاه ايران أو حسني مبارك أو «صديقهم» الوفي أحمد الجلبي، عبرة لمن اعتبر، كما هو تعاملهم مع قائمة طويلة من رؤساء الدول العربية والاجنبية، حيث توفير أو سحب الحماية الأمنية، مع الإمساك بملفات الابتزاز المالي والجنسي التي توفرها أجهزة المخابرات الأمريكية أرخص وأسهل من خوض الصراعات في الشارع او التلاعب بالانتخابات. 
ليست هذه هي المرة الاولى التي ترسل فيها امريكا قوات اضافية لحماية سفارتها في المنطقة الخضراء. اذ أجاز الرئيس أوباما في 3 ايلول/سبتمبر 2014، إرسال 350 عسكريا إضافيًا، حسب بيان صحافي للبيت الابيض» لحماية منشآتنا الدبلوماسية وطواقمنا في بغداد. وقد اتخذ هذا الإجراء بناء على توصية من وزارة الدفاع واستشارة الوكالات الحكومية». الملاحظ ان البيان لا يتحدث، اطلاقا، عن استشارة الحكومة العراقية، ويعاملها كأنها غير موجودة، وأن العراق بمن فيه ولاية تابعة لأمريكا، أو لعلهم استشفوا من حماس الساسة العراقيين وكثرة حفلات العشاء في بيوتهم، انهم من أهل البيت حقا، وبالتالي يحق لهم معاملتهم كما يشاؤون. مما يستحضر المقاربة بين النيوكولونيالي الأمريكي والساسة العراقيين بزواج المتعة كعقد بين طرفين، قد يدوم من ساعة واحدة الى 99 عاما، يقرران فيه كمية المال التي ستتقاضاها الزوجة المؤقتة. 
«كان بامكانك ان تنتصر على جلاديك لو انك كنت في عمقك حيا ومعافى»، يقول فيلهلم رايش المحلل النفسي النمساوي مشخصا خنوع وذل من يسميه «الرجل الصغير»، العاجز عن فهم معنى الحرية أو ان يعيش بحرية. ساسة «العراق الجديد» مصبوبون في قالب الرجل الصغير. انهم من يخاطبهم رايش بقوله: «انت تحملهم نحو السلطة على ظهرك. انك وحدك من ترفع اسيادك، من تطعمهم، مع انهم اسقطوا كل الاقنعة. لقد قالوا ذلك بوضوح لك: انت انسان من الدرجة الثانية، انسان بلا مسؤولية، وعليك ان تظل كذلك». ولعل التجاهل والازدراء الذي تقابلهم به امريكا هو استحقاق طبيعي، لمن ير

 

 

إيران تقول

لأمريكا وجهك أسود

 

هيفاء زنكنة

 

من طرائف ما يجري في البلاد العربية، بلاد العجائب، ان يستنجد الحكام العرب بالقوى الخارجية عتادا واحتلالا، لحمايتهم من شعوبهم، منادين المحتل بالصديق تارة والشريك تارة أخرى. واذا كان الكرم العربي لا يجد ضيرا في استقبال اكثر من محتل في حقبة زمنية واحدة، فان قوى الاحتلال لا تتمتع بذات الكرم، لذلك نراها تتنازع فيما بينها، على تقسيم البلاد والثروات، ورسم خريطة جديدة وفق مصالحها، بحجج طالما استخدمت لتقسيم البلدان المستعمرة، والتي تراوح ما بين حماية « شعب» البلد المحتل إلى التصدي للتنظيمات الإرهابية، التي يتغير اسمها عند الحاجة وحسب الطلب. يتم تسويق الحرب والنهب والتقسيم، إعلاميا، بخطاب واحد من قبل كل القوى والدول، وهو عدم التدخل في الشأن الداخلي للدول المحتلة.
منذ ايام، مثلا، أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن ارسال 250 عسكريًا أمريكيا إضافيا إلى سوريا، للتصدي لتنظيم «داعش». وكانت أمريكا قد أرسلت 50 جنديًا من قوات العمليات الخاصة الأمريكية في العام الماضي، كخطوة « لزيادة دعم شركائنا في المنطقة بما في ذلك قوات الأمن العراقية بالإضافة إلى القوات المحلية السورية التي تقاتل تنظيم داعش». كرر اوباما في خطابه مفردات «التصدي» و»دعم الشركاء»، ثم أضاف إلى الخلطة البائتة بهارات «تدريب ومساعدة القوات المحلية»، ليغطي رائحة التدخل العسكري الذي كان معارضا له منذ بدء الثورة، كما كان معارضا لغزو العراق اثناء حملته الانتخابية. تتزامن زيادة القوات الأمريكية في سوريا مع اعلان زيادة القوات والتسليح والغارات الجوية في العراق تحت ذات التسويغ. واذا كان اوباما قد دخل على خط مساعدة شركائه بحجة القضاء على «نظام الأسد وتنظيم الدولة»، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يتحلى برمادية أوباما، لذلك جاء وقوفه بجانب النظام السوري صريحا ومباشرا وبلا تزويقات قصفا وسلاحا وأمنا بالاضافة إلى جعل روسيا صوتا إعلاميا لنظام الأسد، باعتبارها مدافعة أممية عن سيادة البلدان، بينما تتغافل عن ذكر مبيعات الأسلحة الروسية إلى النظام ووجود القاعدة البحرية الروسية في ميناء طرطوس. وبينما تهطل قنابل النظام على المدنيين السوريين، يتفرج اوباما وبوتين على المذابح معلنين للعالم بانهما يتمسكان «بوقف اطلاق النار الذي ينص عليه اتفاق وقف الأعمال القتالية الروسي الأمريكي المدعوم من الأمم المتحدة». خبراء الكذب الإعلامي/ السياسي في كلا البلدين، معهم الحلفاء في المنطقة، من إيران إلى السعودية، يكررون خطاب عدم التدخل في الشأن الداخلي. 
قمة المفارقة في ملهاة الموقف الإيراني، جاءت بعد ساعات من موافقة اوباما على ارسال العسكر إلى سوريا. الفرصة ذهبية ولا تفوت في تحشيد شعبوية المشاعر ضد دولة لم يعد شعار «الموت لأمريكا» يجد من يشتريه، كما اصبح طريق العودة إلى القدس ملتويا إلى حد لم يعد فيه ابناء الشعب الإيراني والسوري والعراقي، يعرفون أين هو موقع القدس بالضبط، اذ صرح وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان في حديث لقناة روسيا اليوم: «نعتبر هذه الخطوة الأمركية تدخلا سافرا وعدوانا وتتعارض مع الأعراف الدولية».
عن أية اعراف دولية يتحدث دهقان؟ ماذا عن التدخل الإيراني منذ انتفاضة السوريين عام 2011، وما هو تعريف عدم التدخل اذن؟ يقول دهقان عن التواجد الإيراني: «إنه ينحصر في تقديمنا المشورة، ونساعد في وضع الخطط، وندرب الجيش السوري انه مساعدة للحكومة السورية». لم يتحدث دهقان عن مئات المقاتلين القتلى، اعضاء الحرس الثوري، وفيلق القدس لوائي الصابرون والزينبيين، وقوات التعبئة الشعبية، الذين تدل اعدادهم على وجود عدد أكبر بكثير من المقاتلين على الارض وليس مجرد مستشارين. مع العلم ان «ارسال مستشارين ومدربين» يعني، واقعا، المشاركة في الحرب. وما الذي يعنيه، غير المشاركة في الحرب، قول علي اكبر ولايتي، مستشار الإمام الخامئني للشؤون الدولية، يوم 28 نيسان/أبريل» سیبقى الرئيس السوري بشار الأسد فی منصبه على مدى السنوات الـ 5 المقبلة، واستمرار بقائه فی منصبه یعد خطا احمر بالنسبة للجمهوریة الإسلامیة الایرانیة»؟
ويبدي ولايتي أسفه لأن «بعض الدول الغربیة وبالتنسیق والتعاون مع بعض الدول الرجعیة فی المنطقة تواصل ومنذ اکثر من 5 سنوات عدوانها على الحکومة الشرعیة فی سوریا». وذلك، حسب اعتقاده، هو سبب تواجد إرهابيين من 80 بلدا، في المنطقة، اليوم. 
هذا كله لا تعتبره إيران تدخلا في الشأن الداخلي لسوريا، وهو نسخة مطابقة لمفهوم عدم التدخل الأمريكي، ففي ذات اليوم الذي استنكر فيه دهقان ارسال القوات الأمريكية، صرح ممثل البنتاغون، مرددا ذات المفردات، بأن المهمة الأمريكية: «تنحصر في التدريب وتقديم المشورة ومساعدة القوات المحلية في محاربة داعش». 
تعيدنا هذه الرطانة إلى تصريح لوزير الدفاع الأمريكي السابق رونالد رامسفيلد، أحد مخططي غزو العراق الرئيسيين، اثناء ازدياد هجمات المقاومة ضد قوات الاحتلال، جاء فيه ان أمريكا تستنكر كل ما يمس السيادة العراقية، كما تقف ضد التدخل الاجنبي في الشأن العراقي! مؤديا دور الحريص وليس الغازي المحتل للعراق، في تضليل ممنهج يستهدف عامة الناس إلى حد تقديم نفسه كوطني عراقي أبا عن جد، وماعداه أجنبي. ويتضمن الاستثناء العراقيين المدافعين عن بلدهم وكرامتهم. 
حينئذ، كان رامسفيلد يروج لاحترام أمريكا للاعراف والقوانين الدولية والسيادة الوطنية، كما تفعل إيران وروسيا من جهة وأمريكا والسعودية من جهة أخرى، حاليا، في مسابقة أشبه ما تكون بلعبة منضدة (بينغ بونغ) زوجية. يتبادل فيها اللاعبون الضربات السريعة بالطلقات والقنابل والبراميل الحارقة على جسد الشعب السوري. وكل واحد منهم يقول: تدخلي أنا مساعدة أما تدخل الآخر فهو إرهاب. وستستمر اللعبة إلى ان ينهض الشعب المنهك ليقلب الطاولة على كل اللاعبين.

٭ كاتبة من العراق

 

 

ارشادات البنتاغون حول التضحية

بالمدنيين في سوريا والعراق

 

هيفاء زنكنة

 

في قرار لا يمكن للعقل ان يتحمله، حتى في عصر يتمتع فيه شرطي العالم الأمريكي بحق الغزو والاحتلال وتغيير الانظمة وتفكيك الدول، وافقت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) على توجيه الضربات الجوية ضد أهداف الدولة الإسلامية في العراق وسوريا حتى لو أدت إلى سقوط الضحايا من المدنيين وبدون الرجوع إلى القيادة العسكرية المركزية إذا ما تبين ان هدف الغارة الجوية يستحق ذلك.
كان البنتاغون قد فوض، منذ الخريف الماضي، بشكل غير علني، قيادة الحرب في سوريا والعراق صلاحية الموافقة على توجيه الضربات وان كان هناك خطر قتل مدنيين من السكان. إلا ان صدور الموافقة الرسمية من البنتاغون سيشرعن عمليات القتل، قانونيا، ويمنح القيادة العسكرية الحصانة من المساءلة في حالة قتل مدنيين وبمعدل عشر ضحايا لكل غارة. ويعتبر السماح بقتل مدنيين، بشكل علني، أمرا غير عادي، اذ غالبا ما تبذل الولايات المتحدة، جهدا إعلاميا كبيرا، لتغطية جرائمها، البشرية والمادية. وقلما تعلن عن اعداد ضحايا عملياتها من المدنيين، مثلا، واذا ما حدث واعلنت فانها تقلل من الارقام إلى اقصى حد، لتثبت حرصها الشديد على ارواح المدنيين، بالاضافة إلى مباهاتها بدقة تصويب طياريها، ووضوح أهدافها وكيف انها لا تستهدف في عملياتها غير الإرهابيين. وهي اكذوبة لم تعد اجهزة الدعاية والإعلام الأمريكية قادرة على تسويقها لفرط تكرارها. فاضطر البنتاغون ( 22 أبريل / نيسان) للاعتراف بقتل 20 مدنياً وجرح 11 في تسع غارات جوية على العراق وسوريا منذ ايلول/سبتمبر 2015 إلى شباط /فبراير2016، كمحاولة للتستر على اعداد الضحايا الحقيقية وحجم الخراب الذي سببه، باعتراف عدد من الخبراء العسكريين (يو أس توداي ـ 22 نيسان/ابريل) وقياسا بعدد الغارات الجوية التي بلغت منذ بدء الحملة ضد «داعش»، 7794 غارة في العراق و3745 في سوريا، وادت إلى تهديم ثمانية آلاف مبنى. آخذين بنظر الاعتبار ان القيادة العسكرية الأمريكية غير معنية بالضحايا جراء القصف الجوي العراقي بطائرات السوخوي الروسية.
ففي يوم 20 آذار/ مارس، شنت الطائرات الأمريكية غارة على جامعة الموصل، شمال العراق، بحجة استخدامها كمركز داعشي، مما سبب مقتل 90 مدنيا وجرح 145 آخرين. لم تلق هذه الجريمة أي تغطية إعلامية. لم تذكر اجهزة الإعلام اسماء الضحايا من الطلبة وكادر الجامعة والعوائل المقيمة على مقربة من الجامعة. لم نسمع، كما في سمعنا عن ضحايا داعش في بروكسل، كيف أثرت التفجيرات على حياة الاطفال والنساء وكيف يتوجب توفير الرعاية النفسية لهم. كل ما قرأناه، باستثناء التفاصيل التي تم تناقلها على مواقع التواصل الاجتماعي، هو بيان القيادة العسكرية الأمريكية، القائل «ولم تتوفر حتى الآن أي معلومات رسمية عن مقتل مدنيين». 
يتزامن اصدار موافقة البنتاغون مع اعلان وزير الدفاع الأمريكي آش كارتر ان قصف مواقع داعش، يؤدي إلى استنفاد مخزون الجيش الأمريكي من القنابل والصواريخ. اذ بلغ عدد القنابل المستخدمة في العراق وسوريا 20 ألف قنبلة حتى نهاية العام الماضي. ويحتاج البنتاغون لتعويض ما استخدمه حتى الآن إلى 45 ألف قنبلة وصاروخ موجه بالليزر، بتكلفة 40 ألف دولار لكل واحدة (تقرير يو أس توداي 22 نيسان/أبريل). لذلك يمكن قراءة موافقة البنتاغون على السماح بقتل المدنيين، وعدم حمايتهم حسب قوانين الحرب، كطريقة لتخفيض تكلفة ميزانية البنتاغون وبالتالي تخفيف العبء المادي على كاهل الادارة الأمريكية والشعب الأمريكي، ولتذهب القوانين الدولية والقيم الاخلاقية إلى الجحيم. 
وكان وزير الدفاع الأمريكي قد بشر العراقيين والسوريين بأن قاذفة القنابل وحاملة الرؤوس النووية بي 52، ستستخدم، أيضا، في الغارات الجوية، مؤكدا بان هذه الطائرة، التي ارتبط اسمها بحرب الابادة الأمريكية ضد فيتنام، ستستهدف المواقع «بذات الدقة التي شهدناها في مسرح الحرب خلال العامين الأخيرين». وفعلا، انطلقت المقاتلة من قاعدة العديد، بقطر، يوم 20 نيسان/أبريل، لقصف مخزن ذخيرة في ناحية القيارة، جنوب الموصل. مما يعيد إلى الاذهان اعلان الطيران الأمريكي عن نجاحه في قصف مخزن للعتاد، منتصف شباط/فبراير. ما لم يذكره البيان العسكري هو ان الطيران لم يقصف مخزنا لعتاد داعش بل مكان أقامة الحاج علي فتحي زيدان، النازح من شمال الموصل مع عائلات ابنائه. أدت «دقة» الاستهداف إلى ابادة ثلاث عائلات بالكامل، بينهم 13 طفلا تتراوح اعمارهم بين 6 شهور و 11 عاما، و4 نساء وازواجهن، وثمانية مسنين من بينهم الحاج علي فتحي.
وتسببت «دقة» الغارات الأمريكية على مدينة الموصل يوم 20 نيسان/ابريل، حسب مدير طوارئ المستشفى العام بالموصل، الدكتور مهدي الربيعي، باستشهاد أربع عوائل شرقي الموصل. حيث استلم الطب العدلي جثث 36 مدنيا بينهم 17 امرأة و11 طفلا. 
كل هذه الجرائم، ولم نسمع من الحكومة العراقية والبرلمان ومفوضية حقوق الانسان العراقية المفترض بهم تمثيل الشعب أي رد فعل. ان استهداف المدنيين بحجة محاربة داعش جريمة حرب مهما كانت جرائم الطرف الأول. فالواجب الأول لأية حكومة هو حماية حياة المواطنين وحقهم في البقاء وعلى حلفاء الحكومة الالتزام بذلك وليس التضحية بحياتهم حسب نظريات عسكرية قتالية، تتغير مصطلحاتها بين الفينة والأخرى، وفق مصالح القوى العظمى ومستخدميها من الحكومات المحلية. وقد ذاق اهل سوريا والعراق الأمرين من استهتار السياسة الأمريكية والمحلية معا، ودفعوا الثمن غاليا بحياة ابنائهم.
ان قصف المدن والتضحية بحياة المدنيين لن ينهي داعش أو اية منظمة أخرى، بل سيمدها بالحياة أمدا أبعد، وهذا مادفع الفريق الاول البريطاني مايك فلن للاعتراف بالفشل قائلا « لقد خلقنا باستخدامنا القصف من الإسلاميين المتطرفين عددا أكبر مما قتلنا».

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

محاولة

 للدخول في المتاهة العراقية

 

هيفاء زنكنة

 

بينما تنشغل أمريكا عبر مسؤوليها الذين يتوالى قدومهم إلى بغداد بإفهام الساسة العراقيين بالتركيز على الدرس الوحيد الذي يهمّها من كل ما يجري في المنطقة (أي مواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية») ينغمس أولئك الساسة في محاولات تغيير الوضع القائم، إما لإعادته إلى ما كان قبل استلام رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي زمام الأمور، أو للسير به إلى منحنى جديد.
تمثّلت محاولات التغيير مؤخرا باعتصام النواب العراقيين داخل البرلمان، وبالاحتجاجات الشعبية في مدينة الصدر وبغداد. ويتألف أغلب النواب المعتصمين من تيارات سياسية ثلاثة، يمثّل التيّار الأول منها جماعة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي فيما يسمى «ائتلاف دولة القانون» (والذي هو أكثر الائتلافات مناقضة لاسمه)، فيما يمثل التيار الثاني جماعة الزعيم الديني الشيعيّ مقتدى الصدر، ويمثل الثالث نواب ائتلاف «الوطنية» الذي يرأسه اياد علاوي.
بعد احتجاجات شعبية، شاركت فيها جماهير الصدر، وضمن محاولاته الإصلاحية أصدر حيدر العبادي في 9 آب/أغطس من العام الماضي قرارا بإلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية، مقيلا بذلك نوري المالكي وإياد علاوي وأسامة النجيفي، وهو ما يفسّر، جزئياً، تضامن جماعتي المالكي وعلاوي ضدّه في البرلمان.
شارك كل من المالكي وعلاوي، خلال عملهما رئيسين للوزراء في ضرب نفوذ «جيش المهدي» التابع للزعيم الصدر في مدينة النجف، وقد أدّت حملة الأول عام 2004 إلى تعرّضه لمحاولة اغتيال في النجف، وقام الثاني عام 2007 بمطاردة «جيش المهدي» أيضاً في البصرة والناصرية وبغداد، وبذلك كسب الزعيمان السياسيان عداوة الصدر وجماهيره.
وتلفت النظر محاولة زعيم «حزب الله» الشيعي اللبناني حسن نصر الله الأسبوع الماضي لمصالحة الصدر مع المالكي، والتي يمكن قراءتها في إطار محاولات إيران «ترتيب البيت الشيعيّ العراقي»، ويؤكد فشلها واندلاع حرب كلامية بين أنصار الزعيمين العراقيين أن الخرق الحاصل بينهما أكبر من قدرة نصر الله على الرتق.
يبدو غريباً، ضمن هذه الخلفيّة، أن تخرج جماهير الصدر إلى الشوارع وساحات الاعتصام وتحاصر الوزارات والمديريات في بغداد طلباً للتخلّص من الفساد وأربابه (وفي ذهن أصحابها نوري المالكي وأقرانه)، وأن يتوحّد نوابه مع نواب «أرباب الفساد» أولئك في البرلمان مطالبين بـ«الإصلاح»!، وفي الوقت الذي تطالب جماهير الصدر بحكومة «تكنوقراط» للخلاص من محاصصات الأحزاب، يحاول نوّاب الأحزاب تلك عرقلة تلك الحكومة وفرض شخصياتها.
وتناظرت الاحتجاجات المنددة برموز الفساد القديم مع اعتصامات النوّاب لنصل إلى تطوّر غرائبيّ لا يحدث، ربما، إلا في العراق، حيث قرّر اعتصام النوّاب المشكّلين من تلك الائتلافات المتنافرة جذريّاً، قبـل أيام، إقالة رئيس مجلس النواب سليم الجبوري والتهديد أيضاً بإطاحة رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، ورئيس الوزراء حيـدر العبادي نفسه، ومطالبــة أمريكـا وإيــران بعــدم التدخـل فـي الشـؤون الداخلية للعــراق!
لا يمكن، بالتأكيد، عزو أفعال النوّاب المعتصمين جميعها إلى قرارات زعمائها، فحسن النيّة يفترض وجود رغبة حقيقية لدى النوّاب للخروج من المتاهة التي يعيش فيها العراق، وينطبق الافتراض على جماهير الزعيم الصدر التي ضاقت ذرعاً بالفقر والفساد والفوضى والعنف والانحطاط السياسيّ العامّ.
غير أن تدقيقاً بتواريخ الساسة جميعهم لا يساعد كثيراً في الاستنتاج الآنف، فإذا كانت وقفة الزعيم الصدر الشجاعة ضد الاحتلال الأمريكي تحسب له وقد كلّفته بطش وعداوة خصميه الآنفين بحيث وصف المالكي عام 2008 «جيش المهدي» بأنه «أسوأ من القاعدة»، فلا يمكن، من ناحية أخرى، تجاهل مشاركات القوّات التابعة له في عمليات إجرام طائفية كبيرة مؤرخة وموثقة في أماكن عديدة.
على ذلك، يمكن القول إن ما يجمع الساسة العراقيين محاولة استخدام نوّاب البرلمان وجماهير الشارع لانتزاع حصّة أكبر في الكعكة السياسية، والأمنية، والماليّة، فالصدر يملك طموحاً كغيره بقيادة العراق، وتيّاره السياسيّ لم يحصل حتى الآن على وزارات سياديّة بعد رغم وجود عدد كبير من نواب تيّاره في البرلمان.
رغم جرأته التي تتجاوز الحدود بعض الأحيان، وخصوماته مع كافة الأطراف، بما فيها إيران والمرجعيّة الشيعية، فإن تحرّكات الصدر السياسية تفتقر للثبات، كما أنه معروف بالتراجع عن قراراته، وهو ما يجعله غير قادر على تشكيل تيّار شعبيّ عامّ يخرج من إطار «الشيعيّة السياسية»، مما يضطرّه، كما نرى، للتناقض في تحالفاته ولبلبلة حلفائه المفترضين وإفراغ الطاقة السياسية الكبرى الممكن للشعب العراقيّ أن يجترحها من الوصول إلى تغيير حقيقيّ.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

صار الوعظ مهنة

تدر على صاحبها الأموال

 

هيفاء زنكنة

 

من الشائع في عالم السياسة، بمعناها المباشر وغير المباشر، ان يتبنى السياسي، حالما تتم إقالته من منصبه أو يشارف على انتهاء مدة عقده ومنصبه، موقفا نقديا وحتى اخلاقيا من القضايا التي واجهته سابقا وتعامى عنها. وهو موقف يصفه الناس العاديون، ببساطة، قائلين « صار شريفا». فها هو اوباما، رئيس الدولة الاقوى في العالم، يتحدث، وهو على وشك مغادرة البيت الابيض، بعد حكم دام ثماني سنوات، بصراحة أذهلت العالم، عن رأيه بالحلفاء أكثر من الاعداء، وعن اخفاقات السياسة الأمريكية في العالم ومن هو المسؤول. بنفس النغمة، تحدث سير هيلاري سينوت، حاكم البصرة البريطاني إثر الاحتلال، الذي جمعتني به ندوة نظمها نادي الصحافة البريطانية ( 8 آب/اغسطس 2010)، بلندن، بعنوان « ماذا عن العراق بعد جلاء القوات؟ «. يومها كان سير سينوت قد تقاعد، فتحدث منتقدا السياسة البريطانية، بلهجة من كان مناهضا للحرب والاحتلال منذ لحظة نزوله من رحم أمه، وليس بعد تقاعده.
عراقيا، لدينا أمثلة كثيرة على تبدل الخطاب السياسي، خاصة، عند اقالة مسؤول حكومي أو، وهذا هو الشائع أكثر، هرب المسؤول خشية الاعتقال بعد اصدار امر باعتقاله بتهمة الإرهاب، كما حدث مع نائب رئيس الوزراء طارق الهاشمي. حينئذ يتحول الصوت التبريري الناعم لسياسة النظام وارتكابه كافة انتهاكات حقوق الانسان، مثلا، إلى صوت يجهر بالدفاع عن حقوق الانسان وكشف الحقيقة!
ما يجمع أوباما وسينوت والهاشمي هو كونهم سياسيين بمناصب رسمية. ماذا عن المثقف – الموظف؟ من بين المتأرجحين ما بين الموالاة تسويغا اثناء فترة التواجد في منصب حكومي، والمعاداة تحت ستار « كشف الفساد»، بعد الإقالة، يبرز شخص يدعى جابر الجابري، الذي تمت اعادته إلى منصب الوكيل الاقدم لوزارة الثقافة ومدير عام دائرة السينما والمسرح وكالةً، بعد إقالته عام 2012. كرس الجابري، السنوات الفاصلة ما بين الاقالة وإعادة التعيين، لنشاط محموم لفضح الفساد المالي والإداري في وزارة الثقافة. وهو أمر كان من الممكن ان يحسب له لولا أنه كان شاهدا صامتا وجزءا من ذات الوزارة على مدى سنوات ما قبل الإقالة.
أما في الفترة الفاصلة ما بين الإقالة واعادة التعيين، فقد رشح الجابري نفسه في الحملة الانتخابية للبرلمان، عام 2014، باعتباره « مناضلا كبيرا وشاعرا معروفا واجه دكتاتوريّة العهد البائد وعصابات الإنحراف والفساد في العراق الجديد». خلال الحملة الانتخابية، تغيرت لهجته التبريرية الناعمة دفاعا عن النظام، التي تميز بها طوال توليه المنصب، لتصبح مغلفة بايحاءات التضحية والشهادة و « الجهاد المر، في حجابات العبيد، لنعلمهم دروس الحرية والانعتاق». يتبدى ذلك بوضوح خلال مخاطبته، زملاءه السابقين في الوزارة، في رسالة مفتوحة، موجودة على موقعه، مذكرا اياهم « انني دفعت لأجلكم أثمانا غالية» وكيف « وقعت الوزارة وأحرارها وشرفاؤها تحت قبضة المجرمين والقتلة والسفلة والدوشمجية والسماسرة، والقوادين، بعد أن تمت الاطاحة بي».
المفارقة هي أن الجابري عاد ليتبوأ منصبه القديم ذاته في ذات الوزارة. وحسب علمنا، بقي طاقم الوزارة الوظيفي ( من احرارها إلى سفلتها وسماسرتها، حسب تعبيره) كما هو. فالتغيير مستحيل بحكم نظام المحاصصة. كما لم يتم تقديم أي ممن يتهمهم الجابري بتلك الاوصاف الحادة المهينة إلى القضاء. فكيف يواجه الجابري « المجرمين والقتلة والسفلة والدوشمجية والسماسرة، والقوادين» في الوزارة و « عصابات الإنحراف والفساد في العراق الجديد» ؟
إنه يواجههم، بشكل لا يختلف فيه عن أي موظف آخر في النظام العراقي أو أي نظام يماثله، عن طريق تحويل الانظار والاتهامات إلى العدو الخارجي. ففي مؤتمر صحافي له (4 نيسان / أبريل)، بمناسبة قرب انعقاد مؤتمر الإعلام العربي، ببغداد، حذر الوكيل الأقدم من ان « الإعلام العربي عمل كثيرا على تشويه صورة بغداد… صورة سوداوية صنعها إعلام مضلل وموجه ضد بغداد». هنا يختار الشاعر المناضل، رسم صورة تبعد عنه شبهة التغريد للنظام واصفا كل ما يكتب عن النظام وجرائمه، من تقارير موثقة، بانها موجهة ضد بغداد وليس النظام. لم يعد يكفي ان يقدم نفسه راعيا للعراقيين، مستعدا للشهادة من اجلهم، بل تلبسته شخصية الداعية لتطهير بغداد من الدنس الذي اصابها من الخارج / من العرب، من « الضباب واللون الاسود الكالح الذي يغلفها في الذهنية والرؤية العربية « وتحريرها من كونها « مجهولة ومبهمة، ولغزا كبيرا بالنسبة للعرب»؟
في خطابه الصحافي، يصبح الجابري، نموذجا للمثقف / الموظف، كائنا يستحوذ عليه وهم امتلاك الحكمة والحقيقة المطلقة. فهو يتهم ويحذر ويوجه الموعظة. انه يرشد الإعلام العراقي ليكون « حذراً ودقيقاً في نقل الصورة والواقع العراقي المضيء.. وما تحقق بشكل نفتخر به «، دون ان يخطر بباله التساؤل عما تحقق بالضبط، خلال شهور اعادته إلى وظيفته، من انجازات ثقافية وسياسية واقتصادية وفي مجال القضاء على الفساد مما يتوجب على العراقيين الافتخار به. هل يتسع المجال لسرد حجم الخراب الذي ساهم في انجازه وجعل بغداد « المكان الأسوأ في العالم لمعيشة البشر» حسب دليل ميرسر وليس الإعلام العربي كما يدعي ؟
ليس الجابري، فريدا من نوعه كواعظ – إعلامي. انها « مهنة تدر على صاحبها الأموال»، كما يذكر عالم الاجتماع علي الوردي، و « جلاوزة القلم» لايقلون سوءا عن « جلاوزة السيف»، لكن معرفة هذه البديهيات المتراكمة عبر العصور عن مسائل جوهرية، ومنها ما يتعلق بدور المثقف الانساني والمعرفي، لا تعني القبول بها، بل ضرورة رصد استمراريتها، واتخاذها اشكالا جديدة تتغير بتغير العصر وأدواته.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

كان الباشا واثقا

من النصر في الفلوجة!

هيفاء زنكنة

 

تتزايد، يوميا، نداءات الاستغاثة المنطلقة من مدينة الفلوجة ( محافظة الأنبار ، غرب العراق ) المحاصرة منذ شهور . فشحة الطعام، وصعوبة الحصول عليه، وقلة الدواء مع تزايد قصف النظام العراقي والتحالف الدولي بقيادة ألولايات المتحدة الامريكية، جعلا من المدينة، وسكانها البالغ عددهم حوالي مائة ألف، ضحايا كارثة إنسانية، شبيهة بما حدث في مدينة مضايا السورية. يزيد من حجم الكارثة ، منع العوائل ، بينهم الأطفال والمسنون، الهاربة من جحيم الحصار الى المدن القريبة، وخاصة بغداد، وترك النازحين بما تمكنوا من حمله ، في العراء، فترات طويلة، كأنهم بانتظار الحصول على فيزا لدخول بلد أجنبي وليس عاصمة بلادهم.
هذه ليست المرة الاولى التي تعيش فيها الفلوجة الحصار والقصف. ففي اربعينيات القرن الماضي، كانت الفلوجة رمزا لمقاومة المحتل البريطاني ، حياها شاعرنا معروف الرصافي « وسلاما عليك يا فلوجة». ومن بين تفجيرات براميل النظام الحالي الحارقة وأزيز الطائرات الأمريكية، وخطوات القوات البريطانية، يرتفع صوت الوالي العثماني داود باشا ( والي بغداد 1816-1183 ) وهو يدلي بتعليماته الى وكيله سيد عليوي وكبار الضباط، اثناء توديعهم قرب أبو غريب، قبل ارسالهم لغزو الفلوجة وما يحيط بها من الفرات الأعلى « لا نريد حربا طويلة ، يجب ان تكون الحرب خاطفة، ولا نريد نصرا صغيرا ، يجب ان يكون النصر كبيرا ومدويا» . 
« كان الباشا واثقا من النصر ، فقد اختار بعناية الهدف ومكان المعركة ، وأختار ايضا الوقت المناسب» علق الروائي عبد الرحمن منيف في « ارض السواد»، ولم يضع سيد عليوي خطة عسكرية بل ترك لضباطه ان يتصرفوا لأن كل ما يحتاجه الأهالي لإخضاعهم « هو تكسير الرأس». بعد أيام من فشل القوات في احراز النصر السريع ، قال الضباط لجنودهم « اذا رأيتم في الطريق رجلا ، حتى لو كان أعمى، اقتلوه. « سياسة الإبادة هذه، طبقها جنود الاحتلال، بعد حوالي مائتي عام. « كانت تعليماتنا وممارساتنا : اطلق النار على كل شيء يتحرك حولك»، يقول الجندي الأمريكي مايكل بليك. لم يقتصر القتل على فترة الحرب بل تفننوا باستخدام ادوات الموت المشعة، ليحصد اليورانيوم المنضب ، طويلا بعد انتهاء الحرب، حياة النساء والاطفال ويفوق تأثيره القاء القنابل الذرية على هيروشيما وناكازاكي في اليابان. فما الذي فعله النظام والمجتمع الدولي والامم المتحدة لرعاية الضحايا وتنظيف المناطق ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة المروعة ؟ 
لا شيء، يقول طاهر بومدرة، الرئيس السابق لمكتب حقوق الإنسان في بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق، في مقابلة مع الاعلامي العراقي سلام مسافر (2 ابريل / نيسان) ، « وصلتني تظلمات كثيرة من المتضررين نتيجة استخدام الاسلحة المشعة كاليورانيوم المنضب. فطلبت من منظمة الصحة العالمية بحث الأمر فأجابت بانها غير مختصة في هذا الموضوع وأنه لا يعنيها بينما هو ، في الحقيقة ، في صلب مهمتها. لكن، للأسف، كل من له علاقة يريد التهرب لما سيترتب عليه من مسؤولية. فالسفارة الامريكية لا تريد ان يتحدث احد عن تداعيات استخدام الاسلحة المشعة لذلك لا يتجرأ احد من الامم المتحدة على طرح الاشكال». 
ماذا عن الحصار الآن؟ 
ان ما يترتب على الحصار من امراض وموت ، عقوبة جماعية يفرضها النظام على مدينة تصارع من اجل البقاء، في ظل اقتتال الدولة الاسلامية وميليشيات الحشد الشعبي. وهما، اذا ما أردنا الدخول في لعبة احصاء الضحايا ، غير الانسانية ، وجهان لعملة إرهاب واحدة، مهما حاول البعض شرعنة احداهما على حساب الاخرى. يحظر القانون الدولي العقاب الجماعي وتنطبق أحكام القانون الإنساني الدولي (قوانين الحرب) على حالات النزاع المسلح. وتُعد ملزمة لجميع أطراف النزاع، بما فيها الميليشيات. تهدف هذه القواعد والمبادئ إلى توفير الحماية لكل من لا يشارك فعليا في الأعمال العدائية لا سيما المدنيين ومن سبق لهم المشاركة في الأعمال العدائية أو الجرحى أو من يستسلم أو يقع في الأسر بطريقة أو بأخرى. وترسم معايير السلوك الإنساني وتحد من الوسائل والأساليب المتبعة في تنفيذ العمليات العسكرية. والقانون الانساني الدولي صريح في ان كل ما يخالف ذلك ، بضمنه احتجاز الرهائن والحرمان التعسفي من الحرية يشكل جميعا جرائم حرب.
قانونيا، ، انتهك النظام العراقي، ولايزال، العديد من مواد القانون الملزمة ومن بينها، أولا: فشله أو امتناعه عن اداء دوره المفترض في حماية المواطنين وتوفير اساسيات الحياة لهم ، من طعام ودواء ومأوى، تحت كل الظروف بل وخاصة اثناء الحروب مهما كانت طبيعة القوى المتقاتلة. ثانيا، اطلاق يد الميليشيات المتمثلة بالحشد الشعبي وعدم اخضاعها للمساءلة القانونية. ثالثا، تصنيف المواطنين كإرهابيين واستهدافهم بحجة محاربة الارهاب وعدم فتح ممرات المساعدة الانسانية. 
وبينما يكتنف اعداد الضحايا الغموض ، تبين شهادات الاهالي المسربة الى ان تفاقم الحاجة اليومية للاساسيات وانتظار ما يسمى بمعركة « تحرير الفلوجة» يشل الحياة خاصة بعد « تحرير الرمادي» الذي ادى الى تهديم 80 بالمئة من المدينة. « قال بعض الذين تصادف وجودهم بين هيت والرمادي ، مقيمين أو مارين، ان المعركة لما احتدمت بين الطرفين سالت دماء لا تقل عن الامطار التي سقطت في الايام السابقة. ومياه النهر التي كانت عكرة ، حين استقبلت هذا المقدار من الدم، تحولت الى لون بني قاتم اقرب الى السواد. وقال هؤلاء انه لم يستثن احد من القتل، حتى الصبية، وعدد كبير من النساء والمسنين ، قتلوا، قتل الآلاف بل اكثر من ذلك. وقال سيد عليوي لجنوده لا نريد الأسرى .. ونحن لا نريد شهودا ولا من ينقل الاخبار « . 
فأصبحت أرض الفلوجة شاهدا ينقل الأخبار عن أهلها ، عن مقاومتهم، عن رفضهم احناء الرأس خضوعا للمحتل، فهل بامكان باشوات اليوم ، بفرضهم الحصار، قتل أرضها؟

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

خارج خيمة الصدر…

أين هو جلال الشحماني؟

 

هيفاء زنكنة

 

غطت الضجة الإعلامية التي اثارها، كما يصفه أتباعه « سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد المصلح القائد ممثل الشعب العراقي مقتدى الصدر ( أعزه الله) « عن نصب خيمة خاصة به بمحاذاة البوابة الداخلية للمنطقة الخضراء، على جرائم لم يتوقف النظام، ونواب ووزراء « سماحة حجة الإسلام… الخ»، الذين لايزالون جزءا منه، عن ارتكابها. أحدها اختطاف وتغييب جلال الشحماني. 
في آخر تعليق له على صفحته، على الفيسبوك، يوم 17 أيلول/ سبتمبر 2015، كتب جلال الشحماني : « اليوم شاركنا في مسيرة الاحرار التي انطلقت من ذي قار (جنوب العراق) حتى ساحة الحرية امام بوابة المنطقة الخضراء، ووقفنا بوجه الفساد في بوابة المنطقة الخضراء وسنستمر بتظاهراتنا حتى تكون لنا دولة مدنية، عصرية، تكون فيها خيرات العراق لكل العراقيين». 
بعد خمسة أيام، في 23 سبتمبر/أيلول، صرح مصدر أمني: « أن مسلحين مجهولين يستقلون ثلاث سيارات اقتحموا مطعما في منطقة الوزيرية، ببغداد، واختطفوا الناشط المدني جلال الشحماني وهو أحد المشاركين في تنظيم التظاهرات التي شهدتها العاصمة في غضون الشهرين الماضيين». إثر انتشار الخبر، تظاهر ناشطون من رفاق الشحماني في عدد من المدن، وأصدر عدد من الاحزاب بيانات استنكار، وأكد قائد عمليات بغداد أن «القوات الأمنية تبذل كل جهودها بغية الوصول اليه». وسرعان ما تلاشى الاهتمام بمعرفة مصير الشحماني لينتهي من كان، لفترة، وجها للتظاهرات في ساحة التحرير ببغداد ومدنا أخرى، في غياهب النسيان. تم تغييبه كأنه لم يكن.
لم يكن جلال عضوا في حزب طائفي أو علماني أو أي حزب مساهم في « العملية السياسية» في مرحلة الكولونيالية الجديدة. كان ناشطا مدنيا، وصفه البعض بالجرأة وآخرون بالتهور والسذاجة لإصراره على السير إلى ساحة التحرير، كل يوم جمعة، وبقائه مع عدد قليل من المطالبين بالاصلاح، على الرغم من المخاطر وتهديدات رجال الأمن واعتقاله عام 2011 الذي كتب عنه: 
« عندما أعتقلت في ليلة تظاهرات 25 شباط / فبراير2011؛ من قبل لواء بغداد الخاص بحماية المنطقة الخضراء؛ على الرغم من كوني حاصلا على إجازة للتظاهرات، أصابني الاحباط واليأس في ذلك اليوم الخالد؛ حيثُ أيقنتُ أن لا ديمقراطية في العراق؛ ولا حرية تعبير عن الرأي؛ متواجدة في عقلية وذهن وثقافة السلطة الحاكمة». واذا ما كانت تظاهرات محافظة الأنبار قد وسمت بالإرهاب والعنف، مما شرعن قتل المتظاهرين وقصف السكان بالبراميل المتفجرة من قبل رئيس الوزراء السابق، وأمين عام حزب الدعوة الحاكم ضمن التحالف الوطني، فما هي حجة اختطاف وتغييب شخص مثل جلال الذي كان يؤمن بـ « ديمقراطية العراق الجديد» والايمان بدستوره المشوه؟ كما يوضح : « بعد خروجي من الاعتقال؛ والصحوة من الصدمة المؤلمة؛ تحول الاحباط واليأس إلى ثورة غضب؛ من أجل الدفاع عن الحرية والديمقراطية، كان لابد من الاستمرار في التظاهرات؛ والتعبير عن الرأي بالطرق السلمية؛ وذلك من أجل ارساء وتفعيل الديمقراطية، لأن اليأس عند الاحرار يعني نجاح الدكتاتور؛ في قتل الديمقراطية الوليدة في بلادنا؛ لذا نحن مستمرون منذ أربع سنوات بالدفاع؛ عن الحق الذي كفله الدستور».
وهاهي المظاهرات التي ارادها المشاركون، منذ سنوات، كأداة سلمية للمطالبة بتغيير النظام الطائفي، الفاسد، الذي خرب وفتت البلاد، بكفاءة يحسده عليها الاستعمار، ودفع الكثيرون حياتهم ثمنا لها، قد اختطفتها الميليشيات اولا ثم قيادة احزاب وتيارات مشاركة في النظام، وفاعلة فيه فسادا ونهبا وجرائم، تراوح ما بين الاختطاف، والتعذيب بالمثقب، والاغتيال، ثانيا. في مهزلة مضحكة مبكية، بات وزراء النظام وقادة ميليشياته يطالبون بالتغيير. 
كيف؟ عن طريق الاعتصام أمام بوابة المنطقة الخضراء، ببغداد، حيث أكبر سفارة أمريكية في العالم وطاقم الحكم بالوكالة. وهو أمر رائع لو لم يكن مختطفو الاعتصام، من التيار الصدري إلى التيار المدني ( الحزب الشيوعي سابقا) معروفين بحرباوية المواقف المبررة بأنها « براغماتية».
في ظل مقتدى الصدر الذي طالما نجح، بتدخله في لحظات مشارفة النظام على الانهيار، في انقاذه وتمديد أجله، عن طريق اطلاق أتباعه في الشوارع، الذين يطلقون عليه القابا تقترب من الإلهي المقدس، نمت على مقربة من بوابة المنطقة الخضراء تظاهرة لا تشبه أي تظاهرة اخرى. انها مدينة من خيام ملونة، أنيقة، حديثة التصميم، مجهزة بكل ما يحتاجه « المعتصم». ينام في الخيام « معتصمون»، تطبخ لهم وجبات طعام مجانية. ويتبع « المعتصمون» تعليمات مشددة، موجودة على موقع الصدر، حول ارتداء زي موحد ويقتصر استخدام الخيم على من لديه « باج» أو تصريح من مكتب السيد القائد. وحين يتم فرش سجادة على الارض أمام خيمة بنفسجية، داخل سرادق يحاط بالقوات الأمنية، فهذا يعني انعقاد اجتماع أمني، أستخباراتي مشترك، بين هيئة المعتصمين والجهاز الأمني، رحب به السفير الأمريكي ؛ ستيورات جونز» لأننا واثقون من قدرة الأجهزة الأمنية على حماية السفارة، وهو حق مكفول بموجب اتفاقية فيينا». ولا تكتمل صورة الاعتصام بدون زيارة « سماحة السيد القائد أعزه الله»، المعتصمين أمام بوابات المنطقة الخضراء، للاطلاع على أوضاعهم»، أو القاء خطاب تهديد ووعيد ضد شركائه في العملية السياسية، واقفا في صندوق زجاجي مضاد للرصاص، محاولا بذلك تقليد حسن نصر الله. 
يشكل الاعتصام والتظاهر، بشكله الأخير، في العراق، ظاهرة تستحق الرصد والتحليل، مع التمني و»عسى ولعل» أن يكون وراء ما يبدو كمسرحية جانبية على الصراع الفعلي على الأرض والأموال والمناصب، مخرجا للتخلي عن العملية السياسية الفاشلة بأقل الخسائر للبلد ككل. ويأتي هذا المنظور لكون الإعتصام يدار بشكل منظم ومدعوم ماديا وأمنيا من قبل جهة رئيسية، فاعلة بشكل كبير، ضمن محاصصة النظام الفاسد، وتستند في شعبويتها على ذلك الدعم، وكيف تسلقت على أجساد ضحايا، افترشوا الارض، على مدى سنوات، مطالبين تحت شمس العراق الحارقة، والشتاء العاصف، بالتغيير وانهاء الفساد، وكان الشحماني، الغائب، المنسي، واحدا منهم.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

  

 

شهادات المعتقلين والاختفاء

القسري بين تونس والعراق

هيفاء زنكنة

 

خلال الاسبوع الماضي، أصغيت لمعتقلين عانيا من التعذيب بكافة اشكاله. يفصل ما بين الاثنين المكان والزمان واسم الجلاد وان تشابهت ممارساته. المعتقل الأول هو العراقي علي القيسي والثاني هو التونسي بشير الخلفي. لم يكن لقائي بالقيسي شخصيا بعكس الخلفي الذي التقيت به أولا عبر كتابه «دراكة ـ ستار يحجب الحقيقة»، عن تجربة الاعتقال والسجن مدة 17 عاما، ثم التقيت به شخصيا في ندوة أقامتها منظمة « ألسن»، بتونس، تحدث فيها عن كتابه الجديد «المدغور». 
قد لا يتعرف الكثيرون على القيسي عند اللقاء به شخصيا، او رؤية صوره المنشورة وهو يتحدث في الندوات. الا انهم ستعرفون عليه، حتما، حالما يرون صورته التي تم توزيعها في جميع انحاء العالم، واصبحت مطبوعة في الذاكرة الجماعية، عربيا وعالميا، كرمز للتعذيب في معتقل أبو غريب، ببغداد، من قبل قوات الاحتلال الأمريكي، وبصمت وتبرير الساسة العراقيين المتعاونين معه. علي شلال القيسي هو ذلك المعتقل الذي ارادوه بلا وجه ليحرموه من انسانيته، فاصبح وهو الموضوع على صندوق، مادا ذراعيه المربوطتين بالاسلاك الكهربائية جانبا، رمزا للأنسان المعذب، كاشفا عن الوجه القبيح لأدعياء حقوق الانسان. 
تزامن اصغائي للخلفي والقيسي مع انعقاد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فى جنيف، في دورته الحادية والثلاثين. فما يجمع الاثنان، بالاضافة إلى تعرضهما للاعتقال والتعذيب، اختيارهما النشاط في مجال الدفاع عن حقوق الانسان، كطريقة يواصلان خلالها نضالهما السلمي، لتحقيق العدالة والكرامة. فأسس القيسي جمعية «ضحايا الاحتلال الأمريكي في العراق» وأسس الخلفي جمعية «صوت الأنسان» لتكون «صوت الانسان ضد القهر والظلم والقمع وطمس الحقائق من اي…كائن كان».
اختارا ان تكون تجربتهما لا اداة انتقام يتماثلون من خلالها مع الجلاد بل مسارا يتسامون فيه على نزعات الانتقام، لأيمانهما بانها ستقود، بالنتيجة، إلى خرابين : شخصي وعام. خراب الذات والبلد. 
تحدث القيسي، في ندوة عقدها «مركز جنيف الدولي للعدالة»، عن أوضاع حقوق الانسان في العراق. مركزا، بصوت الشاهد الذي عاش تجربة مريرة لا تمحى من الذاكرة، على جرائم الاحتلال الأمريكي وكيف شرعنت استمرارية استخدام التعذيب، في السنين التالية، تحت مسميات وأعذار متعددة. في شهادته، وثق القيسي، بالصور، مظاهر قاسية من أساليب التعذيب وتحدّث عن حالات لمعتقلين آخرين، من بينهم اكاديميون ومثقفون، كانوا معه في السجن وتعرضوا لأبشع صنوف التعذيب. واكد ان الاحتلال، ورغم استخدامه كل هذه الأساليب البشعة، الا انه فشل فشلا تاما في التأثير على مواقف هؤلاء المعتقلين بل ان ذلك زادهم صلابة وإصرارا على موقفهم المبدئي.
يهدي بشير الخليفي كتابه الاول «دراكة» عن تجربة الاعتقال والتعذيب والحبس « لكل واحد رفع الصوت من غير ما يخاف من الموت… وكل انسان بتهمة «الفكرة» يشنقونه، ومن غير عنوان يدفنونه». مؤشرا بذلك إلى موضوع كتابه الثاني «المدغور» أي المخفي في مكان لا تصله العيون، والمطعون غدرا، عن ضحايا الاختفاء القسري، وأحدهم هو كمال المطماطي الذي يحكي الخلفي قصة اعتقاله وتعذيبه ومن ثم اختفائه، على مدى عشرين عاما، وانعكاسات ذلك على زوجته نفسيا وجسديا وقانونيا، اذ بقيت معلقة في برزخ مظلم من عدم المعرفة بمصيره ومعاناتها لعدم وجود وثيقة رسمية تثبت وفاته.
يتساءل كمال «هل سمعتم عن ميت بلا جثة ولا شهادة وفاة ؟ وتصر الوثيقة على اني موجود حي، رغم اني ميت»، تاركا للذاكرة الانسانية التي «لا يستطيعون طمسها أو تغيير معالمها لأنها حية إلى الأبد كما الحقيقة» مسؤولية سرد وتوثيق اختفائه والمطالبة بكشف الحقيقة. ليصبح كمال، كما بقية المختفين قسرا، وقضاياهم المعلقة، بالنسبة لبشير الخلفي والناشطين في مجال العدالة الانتقالية، هي الحقيقة. 
هل من امل بتطبيق العدالة الانتقالية بتونس مع تعرض سيرورتها للكثير من المصاعب بعد مرور خمس سنوات على الثورة؟
نعم، يؤكد بشير الخلفي «لأن تطبيق العدالة هو الذي سيجنب تونس فصلا مؤلما لا نريد أن يتكرر. وما مورس علينا يجب الا نمارسه على غيرنا». تم تقديم 27 ألف قضية إلى هيئة الحقيقة والكرامة حتى الآن. وأعداد ضحايا العهدين السابقين المتوجهين إلى هيئة الحقيقة والكرامة للإدلاء بشهادتهم وبما سُلِّط عليهم من انتهاكات طالتهم وطالت عائلاتهم، وكما ذكر أحد الضحايا على موقع الهيئة «يجب أن نتعاون جميعًا لمحاسبة الجناة ولكي يأخذ كل ذي حقٍّ حقّه، يجب الإدلاء بالشهادات على المظالم لحفظ الذاكرة وللتاريخ». 
وهذا ما يطمح اليه بشير الخلفي، وعدد آخر من ضحايا الاعتقال التعسفي الذين اختاروا كتابة تجاربهم المؤلمة ليطلع عليها الناس، وليوثقوا، لئلا يكرر التاريخ نفسه تعذيبا واهانة وسلبا للكرامة. ويشكل اعتراف محكمة تونسية يوم 30 حزيران/ يونيو 2015، بقتل كمال المطماطي بتاريخ 8/ 10 /1991، وحكمها بوفاته والأذن لعائلته باستخراج حجة وفاة، خطوة اولى نحو كشف الحقيقة في سيرورة تقتضي خطوات عدة و فترة طويلة لإنجازها كما لاحظنا في جنوب أفريقيا. 
بالمقارنة مع تونس، يغلف الصراع السياسي والمحاصصة الطائفية والعرقية حالات الاختفاء القسري، واذا ما حدث تحقيق فهو انتقائي على الرغم من تجاوز اعداد المختفين مئات الآلاف من كافة شرائح المجتمع. إذ لا وجود لنص قانوني يجرم ممارسة الاختفاء القسري. واعتبار الاختفاء القسري جريمة ضد الانسانية، كما تنص اتفاقية الأمم المتحدة، يطبق فقط على فترة حكم البعث ( 1968 ـ 2003) وكذلك قانون حماية المقابر الجماعية، تاركا كل ما حدث بعد الغزو، ربما باستثناء جرائم الدولة الإسلامية (داعش)، بلا تشريع قانوني، مما يمنح المجرمين من الميليشيات والقوات الامنية، حرية ارتكاب الجرائم بلا مساءلة أو عقاب، خالقا في ذات الوقت حاضنة طبيعية للظلم والانتقام.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

وتسألون لماذا لا تضحك

المرأة العراقية بعيدها!

هيفاء زنكنة

 

اليكم كيف سيتم الاحتفال الرسمي بعيد المرأة في العراق. سيقف حيدر العبادي، رئيس الوزراء وقادة حزب الدعوة الإسلامي، في قاعة مكتظة بالمسؤولين من الرجال، مع مراعاة جلوس الوزيرة اليتيمة في حكومته وعدد من النائبات في الصف الأمامي لتزيين القاعة والتقاط الصور والبث الاعلامي. لن يختلف خطاب العبادي، هذا العام، عن خطابه في العام الماضي، والعام المقبل ان بقي في منصبه أو جاء غيره من ابناء العملية السياسية.
مضمون الخطب الرسمية المضمر، ازاء المرأة، واحد، والخطاب المعلن لأغراض اعلامية واحد. الخطابان متوازيان لا يلتقيان، في ظل حكومات الاحتلال بالنيابة. لذلك ستبقى المرأة مهمشة، تعاني الإقصاء في الحياة العامة، وقد سلبت منها، كما يتم سلب ثروة البلاد فسادا، حقوقها وانجازاتها التي نالتها بنضالها عبر العقود السابقة للاحتلال وبدعم من رجال مؤمنين بكونها انسانة ومواطنة مساوية لهم حقوقا وواجبات. 
في خطابه، بمناسبة يوم المرأة، في العام الماضي، اجتر حيدر العبادي ان «المرأة تمثل رمز التقدم والتطور في البلاد، وهي من تصنع قادة البلاد والمجتمع «. وأشاد «بدور المرأة وهي تقف مع أخيها الرجل في ساحات القتال في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي». أهان العبادي المرأة عدة مرات. 
أولا لأنها المسؤولة عن صناعة « قادة» البلاد، أي حرامية البلاد، بمقياس الموجود حاليا. ثانيا : انه يخاطبها كمصابة بمرض الخرف. انها بلا ذاكرة تأخذها أبعد من اللحظة، حين يختزل نضالها متمثلا بمواجهتها تنظيم الدولة الأسلامية (داعش)، متعاميا عن جرائم الاحتلال وعملائه، منذ عام 2003، أي قبل ولادة داعش بزمن، ليبرّئ نفسه وشركائه من المسؤولية، غاسلا أيديهم، من دماء الضحايا، بصابون داعش المعقم. 
هل من صفحات تتسع لما مرت به المرأة وعائلتها من انتهاكات وجرائم خلال 13 عاما الأخيرة ونزلت بها إلى مستوى ان تكون حاملة للمآسي والفجيعة، وهي تدور بين المعتقلات وثلاجات الطب العدلي باحثة عن أحبتها، عن زوجها وولدها ووالدها؟
ماذا عن المعتقلات والنازحات مع اطفالهن في خيم الامم المتحدة او الخرائب المكتضة في المدن، او في المساجد ؟ عن رشاش الموت الذي بات يحصد شبابنا ايا كان دينهم او عرقهم او مذهبهم؟ هل من بيت ينعم بالأمان والطمأنينة؟
هل من صورة لعراقية لا ترتدي السواد على ضحايا اليوم رافعة يديها نحو السماء مرددة: «حسبي الله ونعم الوكيل»؟ 
إمعانا في رش الملح على الجروح، يبشر العبادي المرأة بمناسبة عيدها، بأنه «سيعمل على إطلاق سراح المعتقلات البريئات والمعتقلين الذين مرت فترة طويلة على احتجازهم». ترى ألم يخطر ببال رئيس الوزراء هذا، خريج بريطانيا، الموصوف بأنه ذو عقل علمي او مدني، أن يتساءل عن سبب وجود البريئات في المعتقلات والمحتجزين بلا محاكمة؟
أليس هذا اعتراف صريح، بجريمة ضد المواطنين، وتتوجب محاسبته عليها قانونيا، لو كان في العراق قضاء مستقل؟ ألا يعرف هذا العبادي كيف تعامل المرأة المعتقلة، وكذا الرجل، في المعتقلات السرية والعلنية ؟ وكيف يوقع المعتقل الذي يتفنن الجلادون بتعذيبه على كل الاعترافات المطلوبة، مهما كانت غرائبية، إلى حد الاعتراف بتفجير النفس عدة مرات؟
يعترف العبادي بوجود 164 «إرهابية» معتقلة. وبطبيعة الحال لا أحد يعرف حقيقة التهم وان كان تقرير هيومان رايتس ووتش المعنون «لا أحد آمن: انتهاك حقوق المرأة في نظام العدالة الجنائية العراقي»، الصادر أثناء انطلاق التظاهرات، عام 2014 في الأنبار، المطالبة باطلاق سراح المعتقلات، يلقي الضوء على حال المعتقلات وجاء في ملخصه: «إن السلطات العراقية تحتجز آلاف السيدات العراقيات من دون وجه حق، وتخضع الكثيرات منهن للتعذيب وإساءة المعاملة، بما في ذلك الانتهاك الجنسي. وكثيراً ما يلجأ القضاء العراقي الضعيف، المبتلى بالفساد، للاستناد في أحكام الإدانة إلى اعترافات منتزعة بالإكراه، كما تقصر إجراءات المحاكمات بدون المعايير الدولية. تعرض العديد من السيدات للاحتجاز طوال شهور أو حتى سنوات دون اتهام قبل العرض على قاض». وهو بالتحديد ما يعترف به العبادي، عن سذاجة أو استهانة، بعد عامين من التظاهرات وما تلاها من إرهاب حكومي، حين يعد بالعمل على إطلاق سراح «المعتقلات البريئات»، وان كان، ليس الوحيد في هلوسة اطلاق الوعود. اذ ينافسه أمين حزبه السابق نوري المالكي، في اجترار الوعود الرنانة «لمواصلة العمل من مختلف المواقع من أجل تحسين حياة النساء وظروف عملهن وتعليمهن وذلك في مجتمع حر عادل تتكافأ فيه الفرص أمام الجميع». 
فهل نضحك للتهريج الرسمي بمناسبة عيد المرأة أم نشارك، لفرط الأسى، في مجالس اللطم على مدى ألف عام مقبل؟
يقال إن الضحك أسلوب للمحافظة على النفس وسلامة العقل، وهي وصفة جربتها المرأة العراقية على مدى عقود الحروب والحصار ومقاومة الاحتلال والإرهاب، الا انها لم تعد قادرة على الضحك. فهي مسيجة بالخراب والموت المجاني والنزوح وفقدان الأمل. هذا هو الواقع الذي أردت تحاشي الكتابة عنه. لأنني أردت، بمناسبة العيد، ان اكتب عن المرأة بطريقة تليق بها وتحيي الأمل في النفوس، اذ ما الفائدة من زيادة الهم هما غير إصابتنا بالعجز والإحباط؟ أردت الكتابة عنها كمبدعة من الأدب والفن التشكيلي إلى السينما والمسرح.. عن الرائدات، اللواتي لايزلن يحملن مشعل الذاكرة الجماعية متوهجا، وعمن توجهن نحو العلوم ليصبحن مثالا يحتذى عربيا وعالميا، وعن الألق الذي يشع من وجوهن الفرحة بالانجازات. ولكن، كيف الاحتفال والوطن محتل، يخطط لتقسيمه كل من هب ودب، وربع أهله، انت واطفالك من بينهم، قد أجبروا على مغادرة بيوتهم؟ سامحينا أيتها المرأة المعطاء، فما من مساحة للاحتفال في القلب، الآن، ونحن نشارك مظفر النواب وجعه على مدينتنا : فيا مدن الناس… مدينتنا تبكي.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

العراقيون يمزقون خرائط التقسيم

هيفاء زنكنة

 

بين فترة وأخرى، وبشكل شبه ممنهج، يصدر مسؤولون أمريكيون، حاليون او سابقون، تصريحات عن ضرورة تقسيم العراق أو نهايته. ترافق التصريحات، أحيانا، خرائط لعراق تمزقه سكين او يقطعه مقص بحدود جديدة لمناطق تفرض التقسيم الطائفي والعرقي. إطلاق التصريحات وما يعقبها من نفي ونقاش، هو تهيئة لجعل الخريطة الجديدة، مع غياب الفعل المقاوم، أمرا مقبولا وواقعا لامفر منه. واذا ما صدقنا مقولة إن التاريخ يعيد نفسه بشكل مهزلة، ما نراه في عراق مابعد «تحرير» 2003 لا يثير الضحك إطلاقا. انه تكرار مبتذل لخرائط تقسيم البلاد العربية منذ 100 عام، ومايراد منه، الآن، ان يكون النموذج لما سيليه من تفاصيل سترسم مستقبلنا للسنين المقبلة. مستقبل سيرانا راحلين ونحن نجر الحسرات على ما كان كما فعل أجدادنا، في الماضي. الأمثلة كثيرة، إلا ان اكثرها حضورا في الأذهان، لتشابه الكثير من معطياتها مع الوضع الجيوسياسي الراهن، هو تقسيم البلاد العربية كغنيمة حرب وفق اتفاقية سايكس ـ بيكو.
كانت هناك إشارات سريعة عن العراق في محاضرة د. بسام عبد القادر النعماني، سفير لبنان لدى تونس، التي ألقاها في مركز جامعة الدول العربية في تونس الشهر الماضي، بعنوان «الوطن العربي بعد 100 عام من اتفاقية سايكس ـ بيكو، قراءة في الخرائط». ذكر النعماني ان الاتفاقية وخريطتها المتعارف عليها لم تكن واحدة بل حصيلة سلسلة من الخيارات والخرائط التي غربلت وأدت إلى الاتفاقيات والخرائط السرية التي تم تعديلها عدة مرات، وبضمنها اتفاقات سيفر ولوزان، أي حتى بعد التوصل في ما بينهم إلى الشكل النهائي الذي رسم للبلاد العربية حدودها، وكرس تقسيمها إلى دول لم تكن موجودة تحت الامبراطورية العثمانية. كانت بداية رسم الخارطة في بداية 1915 بين فرنسا وبريطانيا وروسيا التي كانت حصتها القسنطينية والمضائق الرابطة بين البحرين الأسود والمتوسط، والنهائية بين الدول الثلاث في أيار / مايو 1916. ما يثير الاهتمام وقتها، ويتكرر الآن، هو محاولة المسؤولين العرب (مهما كانت مناصبهم) التظاهر بعدم معرفة تفاصيل ما يجري، والتعامل معه بعد انكشاف الحقيقة، باعتباره مؤامرة استعمارية خارجية تتنافى مع موقفهم الوطني. الحقيقة هي انهم يعرفون ويشاركون، سلبا او ايجابا، مباشرة او بشكل مباشر، في الـتخطيط الاستعماري وتغييب ما تريده الشعوب. فمفاوضات اتفاقية او معاهدة سايكس – بيكو تمت بعلم الشريف حسين عن طريق تغذيته بالوعود تارة في مراسلات موثقة وعن طريق استغبائه تارة أخرى. صحيح انه احتج حين علم بخرق بريطانيا لوعدها بالاعتراف بدولة عربية مستقلة واحدة، يكون هو حاكمها بطبيعة الحال، إلا انه اختار الاستمرار بتأييد بريطانيا والثورة ضد الاتراك على الرغم من إصدار بريطانيا وعد بلفور بإقامة وطن يهودي في فلسطين، الأمر الذي كان يرفضه العثمانيون. 
في نهاية محاضرته، أشار النعماني، إلى ان محاولات التقسيم الجارية حاليا ليست جديدة، وان خرائطها المتعددة الخيارات ترسم وتنشرمنذ زمن. هنا يواجهنا سؤال ملح، أحاول تجنبه عادة لفرط مايثيره من مخاوف: هل العراق ماض نحو التقسيم فعلا ؟ وما هو الموقف العراقي الرسمي والشعبي منه؟ 
بدأ تداول فكرة التقسيم بعد الاحتلال الانجلو أمريكي، عام 2003، وتأسيس مجلس الحكم وفق محاصصة طائفية ـ عرقية، انعكست بشكل مباشر على مؤسسات الدولة، بكافة مستوياتها، والخطو التدريجي نحو استقلال اقليم كردستان كحقيقة واقعة، مقابل إنشاء اقليم «الجنوب». ومع فشل فكرة التقسيم الأولى نتيجة الرفض الشعبي، ولوضع حد للمقاومة ضد الاحتلال، سقيت الطائفية بسخاء عبر أحزاب فاسدة باتت تتنافس مع المحتل وتفاوضه سرا على تقسيم البلد. فصارت فكرة التقسيم حلا ناجعا يطرحه المحتل ليخلص الشعب من نفسه. كان هنري كيسنجر من أوائل «الحريصين» على سلامة العراقيين، فطرح فكرة تقسيم العراق إلى دويلات. تلاه جو بايدن، نائب الرئيس الأمريكي، مؤيدا فكرة الدويلات الكردية والسنية والشيعية ليجنب العراقيين محنة الاقتتال الطائفي العرقي. وهي الفكرة التي دفعها جانبا إلى حين داعيا إلى توحيد القوى لمواجهة الدولة الإسلامية. أما مجلة التايم الأمريكية فقد كشفت في تقرير بعنوان «نهاية العراق» عن تفاصيل خطة التقسيم: دولة كردستان في الشمال ودولة السنة بمحاذاة سوريا، أما الثالثة فللشيعة، ومكانها في الجنوب. وان بقيت بغداد مصدر خلاف. وصرح ريموند أديرنو، رئيس الأركان الأمريكي السابق (1 آب/أغسطس، 2015) بأن « تقسيم العراق ربما هو الحل الوحيد»، وأن «العراق لن يبدو في المستقبل كما كان عليه في الماضي».
هل معنى ذلك انهيار اتفاقية سايكس ـ بيكو؟ نعم، أكد مايكل هايدن، الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية، قائلا «ان ما نراه هو انهيار الحدود التي رسمت في معاهدات فيرساي وسايكس ـ بيكو» ملخصا الوضع «بأن سوريا لم تعد موجودة، والعراق لم يعد موجودا. ولن يعود كلاهما أبدا».
أما الموقف الرسمي لأحزاب العملية السياسية، سواء كانت شيعية او سنية، عرقية او علمانية، فإنه يجمع ما بين الادعاءات بالوطنية والمفاوضات السرية، مع أمريكا. تساندها دول اقليمية، يهمها استخدام دويلات المستقبل، كبيادق لصراع القوى في المنطقة. 
ولا يزال الموقف الشعبي، حتى الآن، بضمنه التيارات الوطنية المقاومة للاحتلال، العائق الأكبر أمام تنفيذ التقسيم، على الرغم من مرور 13 عاما على الغزو، وتشكيل حكومات احتلال بالنيابة، وتفشي الفساد المالي والإداري والأخلاقي والديني. في خضم هذه الأحداث، قد يتوهم دعاة التقسيم، العاملين خفية على رسم خرائط دويلات الطوائف، أنهم قادرون على تمزيق العراق، متعامين عن حقيقة ان من قاوم أكبر قوة عسكرية في العالم، وأجبرها على الانسحاب المبكر وإعادة هيكلة الجيش الأمريكي، سيكون قادرا على تمزيق خرائطهم ليبقى العراق موحدا، جامعا لكل مواطنيه.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

عروض مغرية لشراء

 الأعضاء البشرية من العراق

هيفاء زنكنة

 

لنظريات المؤامرة موقع متميز في فهمنا وتحليلنا للقضايا، من صغيرها إلى كبيرها، في البلاد العربية. ولا تقتصر على بلد عربي دون غيره. انها، على اختلاف مستوياتها، انعكاس لمخاوفنا وشكوكنا ازاء ما نواجهه ولا نجد، احيانا، تفسيرا منطقيا له. وهي، ان لم تكن ضمن حملة ذات اهداف ايديولوجية ووفق تصنيع دعائي مبرمج، الطبقة الأعمق، في الذات الانسانية، وبالتالي البنية الاجتماعية، للتحصن ضد ما يهدد وجودها.
لا ادري لماذا فكرت بنظرية المؤامرة وأنا اقرأ خبر ارجاء مجلس النواب العراقي، منذ ايام، التصويت على مشروع قانون تنظيم زرع الاعضاء البشرية ومنع الاتجار بها. ما فكرت به هو قسم الشائعات – التي يتداولها الناس عن المستشفيات الخاصة والعامة، وسماسرة الأعضاء البشرية، والساسة المتواطئين في تجارة، قد تقل ربحا عن صفقات السلاح والاجهزة الأمنية غير الصالحة للاستعمال، الا انها، بالتأكيد، مصدر غنى لا يعوضه الاعتماد على الراتب الحكومي فقط.
تمتد النظرية لتشمل احد اسباب فتح باب اللجوء إلى اوروبا. سألني احدهم عن سبب قبول الغرب، فجأة، لأعداد كبيرة من اللاجئين. فحدثته عن الضغوط السياسية والحاجة الاقتصادية و…قاطعني هامسا كأنه يفشي لي سرا: «انهم يحتاجون الاعضاء البشرية».
تبين لي من بحثي في الموضوع، ان لنظريته، مهما كان اسمها، أساسا حقيقيا سواء في داخل العراق أو خارجه، رغم عدم كونها العامل الأهم في الكارثة العامة لبلداننا. ففي داخل العراق، هناك سوق يديره سماسرة يرتزقون ببيع الأعضاء البشرية ضمن شبكة متداخلة من الأفراد، تتقاطع فيها المصالح، بدءا من الزبون الذي يعرض كليته، مثلا، للبيع، وانتهاء بالمشتري.
تدل الأخبار الموثقة الواردة، خاصة من العاصمة بغداد، بحكم تمركز المستشفيات الخاصة فيها، ان سوق بغداد للأعضاء البشرية، لم يعد سرا خفيا، وان ممارساته غير القانونية، معروفة على خارطة التهريب العالمية. وان المريض الغني لن يجد صعوبة في انتقاء الكلية التي يحتاجها. فالباعة كثر بسبب الفقر والحاجة المادية الماسة، والسماسرة متوفرون للتنسيق بين البائع والمشتري من جهة وبين المستشفى والجراح الذي يجري العملية والممرض الذي يوفر الرعاية الصحية من جهة أخرى. وقد لا تتم عملية البيع والشراء بعلم الجراح، الا ان سكوته والممرضين وكوادر المستشفيات، عن كيفية الحصول على الاعضاء، يساهم، في انتشار تجارة الاعضاء البشرية ويجعله شريكا فيها. وهي تجارة لا انسانية، مبنية على الاستغلال المادي، وتنتشر اثناء الحروب بسبب ضعف الرقابة الحكومية أو بالاتفاق مع الجهات الرقابية الفاسدة. وقد بلغ جشع المتاجرين بالاعضاء، بالعراق، حدا وحشيا حين باتوا يحصدون اعضاء ضحايا التفجيرات. وغالبا ما يقع الاحياء من باعة الاعضاء، المعوزين، في فخ الاحتيال ولا يحصلون على الثمن الذي قايضوا اعضائهم مقابله. فتكون خسارتهم مزدوجة. 
من بغداد إلى اقليم كردستان، وفرت مخيمات النازحين المحليين والمهجرين السوريين، مجالا واسعا للاستغلال والتجارة بالناس، فتوالت التقارير في الاقليم، باعتراف المسؤولين، عن انتشار عصابات تجارة البشر وبيع وشراء الكلى، وامتداد نشاطها عبر وسطاء إلى بغداد او بالعكس، على الرغم من اشتراط القوانين في كلا الجانبين على وجوب طوعية التبرع وبلا مقابل مع توفر شروط الرعاية الصحية للمتبرع. واذا كان العراق قد مهد، منذ غزوه عام 2003، لأن تشهد المنطقة عملية أكبر هجرة ونزوح منذ النكبة الفلسطينية عام 1948، فان عدد المهجرين السوريين بات يحتل المركز الأول في المأساة الكارثية، لتختلط وقائع استغلال المهجرين من قبل العصابات بانواعها. 
ففي تركيا، مثلا، القي القبض، نهاية كانون الاول/ديسمبر 2015، على الاسرائيلي بوريس وولفمان، المطلوب من قبل الانتربول، اثناء تواجده في اسطنبول ليقنع المهاجرين السوريين ببيع الكلى حسب صحيفة «دويتش فيل» الالمانية التي ذكرت تعليقا لسمسار لبناني بان ازدياد اعداد المهاجرين السوريين جعل «الباعة أكثر من المشترين». 
قد لا يكون سبب فتح ابواب الهجرة لطالبي اللجوء إلى اوروبا هو «حاجة الغربيين للاعضاء البشرية»، وفق نظرية المؤامرة، الا ان تقارير المنظمات الدولية، بضمنها الأمم المتحدة، تؤكد تزايد عصابات الاتجار بالبشر وبالتالي تجارة الاعضاء بشكل طردي مع زيادة اعداد النازحين والمهجرين. وهي تجارة عابرة للدول، كما يفصل تقرير البرلمان الاوروبي، لعام 2015، ويطلق عليها تسمية « سياحة زرع الاعضاء». وأشهرها، بين الدول العربية، حاليا، هي لبنان ومصر. وتشكل تجارة الاعضاء 12 بالمئة، من مجموع المتاجرة بالبشر، في اوروبا. وتتصدر اسرائيل قائمة الدول التي تنفذ فيها عمليات شراء الاعضاء والانسجة البشرية للزرع او للبحوث. 
كما تدل دراسة البرلمان الاوروبي لأربع قضايا تهريب فضائحية كبيرة، في العالم، ان مديريها اسرائيليون وتوازي ارباحهم ما يربحه مهربو المخدرات. اذ بينما يدفع الزبون، مثلا، مائة ألف يورو ثمنا لكلية، يتلقى البائع ثمنا ضئيلا ليحتفظ السمسار ببقية المبلغ ربحا صافيا. 
يذكر التقرير ان سماسرة الاعضاء بالعراق يتميزون عن غيرهم بعروضهم المغرية للزبائن بشكل صفقة متكاملة. اذ يشمل السعر النهائي كافة التكاليف منذ لحظة استخلاص العضو إلى زراعته والرعاية الكاملة للزبون. وانا اقرأ ان تجارة الاعضاء لا تزدهر الا بوجود الفساد الحكومي، بمستوياته، وغياب الوازع الاخلاقي، أتساءل: هل بقيت، في النفس مساحة لغير الغضب على فساد حكومة واحزاب وساسة يتفرجون على مأساة ساهموا، بشكل مباشر او غير مباشر، بخلقها؟ هل هناك قائمة جرائم عالمية بحق الشعوب لم يتصدرها النظام العراقي بعد؟ وهل من بديل للنازحين والمهجرين غير الهرب حتى ولو كلفهم ذلك بيع اعضائهم في بلدان تتحقق فيها نظريات المؤامرة؟

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

رسم مستقبل

 العراق بالنقاط الملونة

هيفاء زنكنة

 

لست ممن يجيدون قراءة الخرائط، عادة، ولكن خارطة العراق الملحقة بالتقرير الأسبوعي لـ»مؤسسة دراسة الحرب»، الأمريكية عن الوضع العراقي، من 2 -11 شباط / فبراير، لا تحتاج إلى خبير في علم الخرائط. تتناثر على وجه الخارطة، مثل حب الشباب على وجه مراهق، نقاط بيضوية ملونة. ترمز النقاط وألوانها، كمفاتيح لفهم الوضع العراقي المتشابك واتجاهاته، الى: النقطة الوردية بخطين متوازيين هي قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا. نقطة المليشيا الشيعية وردية سادة، القوات العراقية الخاصة خضراء، العشائر السنية ضد الدولة الإسلامية ( داعش) زرقاء، البيشمركة بنفسجية، وداعش، بطبيعة الحال، هي النقطة السوداء. 
هناك مفاتيح أخرى لتوضيح الوضع: هالة حمراء للدلالة على القتال العنيف، طائرة سوداء تبين مناطق قصف قوات التحالف، طائرة خضراء للقصف العراقي، وسيارة صفراء للاشارة إلى فشل عمليات انتحارية وتفجيرات. لا ادري إذا كانت للالوان التي تم انتقاؤها رمزية معينة، إلا انني اعرف بأن اختيار هذه الالوان، عسكريا، سيساهم، إذا ما تمعنا جيدا فيها وحاولنا فهم دلالاتها، في تغيير نظرتنا إلى الالوان كلغة رمزية وأداة تعبيرية. 
ما استوقفني في الخارطة، أكثر من غيره، وأنا احاول فرز النقاط الملونة عن بعضها، لكثرة تقاربها وتداخلها، أحيانا، وبعيدا عن القصف، بنوعيه، وعمليات القوات الخاصة واقتتال المليشيات والتفجيرات، وجود رموز تصويرية / ثلاثة أشكال انسانية موزعة في ارجاء العراق كله. تتخلل هذه الاشكال بقية الرموز، وبانتشار أكبر منها، للدلالة على مواقع المظاهرات في المدن الرئيسية، وهي معلومة قلما يتم الانتباه اليها، كما يجب. بل، غالبا، ما نجدها مبعثرة ومن الصعب التقاطها، في خضم احداث العنف والفساد والاقتتال اليومي، فضلا عن التجيير السياسي لهذه المظاهرة أو تلك. من الواضح ان هدف رسم الخارطة ليس التركيز، بشكل خاص، على المظاهرات، بل ان التقرير المقتضب الذي يرافقها، يركز على تصريح مدير الاستخبارات العسكرية الأمريكية الجنرال فنسنت ستيوارت، أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، القائل بأنه «من المستبعد تنفيذ عملية بقيادة العراق لاستعادة مدينة الموصل، معقل تنظيم الدولة الإسلامية، في العام الحالي». 
تأتي أهمية الخارطة من التنبيه إلى شيء معين اولا وتحليل العلاقة بين العناصر الموجودة على الخارطة ثانيا. يدل تحليل الخارطة من ناحية توزيع رموز المظاهرات على ان عددها أكبر مما تتم تغطيته إعلاميا، وانها لا تقتصر على منطقة معينة دون غيرها، كما يشاع من قبل ساسة النظام ويسوق إعلاميا. وان كثافتها في مواقع معينة، خاصة في جنوب العراق، في مدن البصرة والناصرية والعمارة والسماوة، بالاضافة إلى المدن ذات الرموز الدينية كالنجف وكربلاء، يتطلب دراسة العلاقة بينها وبين ادعاءات النظام واحزابه بأنه يمثل طائفة سكانية معينة، وأنه يعمل على إزالة المظلومية عنها وبناء الحياة الكريمة لها. اذ تشير المعلومات المتوفرة عن مطالب المتظاهرين والمعتصمين، في هذه المدن، كما هو حال المتظاهرين في غيرها، بأنها، على الاغلب، مطالب معيشية (دفع الرواتب المتأخرة لأشهر مثلا) وخدمية (توفير اساسيات الماء والكهرباء والمجاري)، ووضع حد للفساد المالي والاداري، وتوفير فرص العمل حسب الكفاءة، أي كل ما يحفظ للانسان كرامته وعزة نفسه.
لا تقتصر المظاهرات على وسط وجنوب العراق فحسب بل انها تمتد إلى شماله ايضا. فدفع الرواتب إلى الموظفين والمستخدمين متوقف او متأخر منذ اشهر في أقليم كردستان باعذار مختلفة منها ان الاقليم يعيش أزمة مالية خانقة بسبب قطع الحكومة المركزية مخصصات من موازنة الإقليم وانخفاض اسعار النفط. ماذا عن أموال السنوات التي شهدت ارتفاع اسعار النفط وشهر العسل مع الحكومة المركزية؟ لا يشير ساسة الأقليم إلى حجم الفساد الذي يسبحون فيه ولا يضاهيه حجما وانتشارا غير فساد الحكومة المركزية. وقد حاولت حكومة الاقليم شراء سكوت البيشمركة والاسايش (الأمن) عن طريق ضمان صرف راتبهم بينما قررت مؤخرا صرف نصف رواتب الموظفين (عددهم مليون ونصف في الاقليم) الذين لم يتلقوا رواتبهم منذ شهر ايلول / سبتمبر من العام الماضي. إلا ان مظاهرات الاحتجاج لم تتوقف. امتنع التدريسيون، في محافظة السليمانية، عن استلام نصف الراتب، موضحين بانه لن يكون كافيا لتغطية مصاريف الحياة، خاصة مع ارتفاع الاسعار وتصاعد الخلاف السياسي بين الأحزاب الكردية ولجوء مسعود البارزاني، إلى اثارة موضوعات على غرار الاستفتاء على تقرير المصير والاستقلال، لتغطية المشاكل المتغلغلة عميقا حول اقتسام المناصب والأموال والمحسوبية والمنسوبية خاصة بين الحزب الديمقراطي، بقيادة البارزاني والاتحاد الوطني بقيادة الحاضر الغائب جلال طالباني. ومع ازدياد الهوة بين غنى المسؤولين وعوائلهم من جهة وبقية الناس من جهة اخرى، ومع انعدام مشاريع التنمية الصناعية والزراعية، باتت المظاهرات الاحتجاجية حدثا متكررا، يجابه احيانا بالعنف من رجال الشرطة. 
وليس هناك ما هو أدل على وحدة مطالب الناس، في طول البلاد وعرضها، من الشعارات التي يرفعها المتظاهرون. ففي مدينة السليمانية، باقليم كردستان، كان الشعار:»يكفي… قلوبنا تمزقت.. ويكفي السرقة». وفي العاصمة بغداد: «لجنة النزاهة تحتاج النزاهة». وفي مدينة كربلاء: «يا نواب ألغوا تقاعدكم… إذا ما تلغوه نلغيكم». وفي مدينة الديوانية: «الأمام الحسين مو بس أكل ولطم، الأمام الحسين ثورة على الظلم». و في البصرة: «باسم الدين سرقونا الحرامية».
واذا كانت الشعارات المعبرة عن غضب الناس المهمشين والمسحوقين، والمكتوبة بأخطائها النحوية غير مرسومة على خريطة العراق إلا ان الوجود الانساني المتمثل بكثرة المظاهرات وانتشارها، في جميع ارجاء البلاد، واضح وضوح الشمس، ودلالته لا تخفى، على الرغم من عتمة القصف والتفجير وتقاتل مختلف القوى فيما بينها.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

أمريكا في الشرق الأوسط:

أصدقاؤنا اشرار ولكن

هيفاء زنكنة

 

في ظل مؤتمر الدول المانحة للاجئي سوريا (4 شباط/ فبراير ـ لندن)، صدر تقريران للامم المتحدة عن العراق. يشير الاول الى وجود عشرة ملايين، أي ما يقارب ثلث السكان، بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية، بما في ذلك 3.3 مليون شخص نازح، منذ كانون الثاني/يناير 2014 فقط، ولم يذكر التقرير الاعداد السابقة لهذا التاريخ .
يتواجد آلاف الاشخاص في المناطق المحاصرة من قبل القوات المتقاتلة، غير قادرين على الهرب من آلة القتل اليومي. وحذرت السيدة ليز غراندي، منسق الشؤون الإنسانية في العراق، من توسع الأزمة وازدياد الوضع سوءا في الأشهر المقبلة.
يوثق التقرير الثاني الصادر عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، بداية الشهر الحالي، عن مقتلِ 849 مواطنا وإصابة 1450 آخرين جراء أعمال الإرهاب والعنف والنزاع المسلح خلال شهر كانون الثاني/يناير 2016. وكان تقرير سابق، قد وثق قتل ما لا يقل عن 18802 مدني واصابة 36245 آخرين في الفترة الممتدة من 1 كانون الثاني/يناير 2014 الى 31 تشرين الأول/اغسطس 2015. وتحذر معظم التقارير من أن الأرقام الفعلية يمكن أن تكون أعلى بكثير من تلك التي تم توثيقها.
لا يتسع المجال هنا لتلخيص كافة التقارير. اذ لم نعد نتحدث عن تقارير حقوقية سنوية. فحجم الكارثة أكبر من انتظار تقرير سنوي. هناك تقارير شهرية ويومية وتحذيرات ونداءات دولية وعراقية، يتلاشى بعضها في ضباب التضليل الاعلامي، وتلاعبات الفساد، بينما يختفي البعض الآخر في كومة التقارير عن اولوية كارثة على أخرى، في ارجاء العالم. مما يدفع الى التساؤل عن جدوى هذه التقارير المتراكمة من منظمات باتت اقرب ما تكون الى معمل لانتاج الورق؟ وفي أجواء الاحباط واليأس العام والموت الجاهز أبدا لافتراس المزيد من الضحايا، قد يبدو من الصعب اقناع الناس بجدوى أية مبادرة بعيدة المدى، فكيف بتقارير لمنظمات لا تملك سلطة اجبار الدول على تنفيذ التوصيات الانسانية وعلى الرغم من توقيع الدول المعنية للمواثيق الدولية وادعاءاتها المستمرة في احترام حقوق الانسان ؟
تكمن أهمية هذه التقارير، العراق مثلا، في توثيقها تدهور الاوضاع المزمن، والقاء الضوء على مآسي الحياة اليومية التي يراد طمرها تحت مفردات الديمقراطية ومحاربة الارهاب، من النزوح والهجرة الى الموت المجاني نتيجة قصف «تحالف الدول الصديقة»، والقصف الحكومي العشوائي، والاقتتال مع منظمات تولد وتموت وفق أجندات سياسية، يتزاوج فيها المحلي بالاقليمي والغربي. وان بقيت المشكلة الاساسية التي تواجهها المنظمات، هي الهوة الواسعة ما بين التوصيات والجهات التي يتوجب عليها تطبيقها، وهي في الواقع: النظام العراقي ـ العاصمة بغداد، اقليم كردستان ـ العاصمة اربيل، قوات التحالف الدولي بقيادة امريكا ـ العاصمة المنطقة الخضراء ببغداد، الميليشيات ـ العاصمة طهران، الدولة الاسلامية (داعش) ـ العاصمة الموصل. بين هذه القوى المختلفة يحاول الناس ايجاد محط قدم لحماية انفسهم وعوائلهم والمحافظة على كرامتهم.
المفارقة الموجعة هي ان هذه القوى التي تتعامل مع بعضها البعض بسياسات تراوح ما بين النزاع والاقتتال وطلب الحماية، يجمعها عامل مشترك هو الاستهانة بالشعب وكرامته بينما تسوق ما تقوم به بحجة حماية الشعب من نفسه وشروره وارهابه. حماية الشعب من نفسه لأنه يحمل صليب الطائفية على ظهره منذ 1400 عام، وحمايته من شروره لأنه يحمل جينات العنف في تكوينه منذ ايام سرجون، وحمايته من ارهابه لأنه حاضنة للارهاب، والا ما معنى احتلال داعش، لثلث العراق ؟
يؤدي تكرار هذه المحاججات الى القبول بها كمسلمات بديهية، والى شرعنة كل فعل اجرامي ينفذه ساسة النظام وقوات داعش والاحتلال ودعاة التقسيم والميليشيات الارهابية.
اتعمد هنا استخدام صفة « الارهاب» على افعال كل القوى المذكورة، لأن ما قام به المحتل الانكلو أمريكي سواء بواسطة جنوده او مستخدميه من العراقيين أو ماسببه جراء الغزو، لايقل ارهابا عما ترتكبه بقية القوى.
ويجب الا تنسينا شعارات « محاربة الارهاب» والتستر على كل الجرائم بحجة محاربة داعش، اسباب الارهاب الحقيقية التي يعزوها الفيلسوف الامريكي أندري فيتشاك، الى السياسة الاستعمارية، المسؤولة «منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى الآن، عن مقتل ما بين 50 و55 مليون إنسان، بسبب حروب بدأتها الدول الغربية، أو انقلابات عسكرية صنعها الغرب، أو حروب أهلية تسبب في اندلاعها، بالإضافة إلى مئات الملايين من الضحايا الذين تأثروا بطريق غير مباشرة وماتوا في صمت، ولفّهم النسيان».
ويعتبر العراق، منذ غزوه عام 2003، وعلاقته بالدول الاقليمية، التطبيق الأفضل لسياسة امريكا الخارجية المتأرجحة ما بين الاصدقاء «الأشرار» والاعداء وادعاءات حقوق الانسان. امتداد لتطور السياسة الخارجية التي ضمنها الرئيس كارتر الاشارة الى حقوق الانسان. الأمر الذي اثار استياء المحافظين الجدد « لأنه يضعف العلاقة مع انظمة صديقة قد لا يعجبنا سلوكها (لأنها فاسدة وتعذب مواطنيها وتقتلهم) لكن بقاءها اساسي لمقاومة الشيوعية»، كما ذكر الصحافي الامريكي جورج باكر في كتابه « بوابة الحشاشين»، مضيفا ما قاله أحد المحافظين الجدد « قد يكون اصدقاؤنا اشرارا ولكن اعداءنا أسوأ منهم». وينطبق الأمر، تماما، على التقلب الأمريكي الراهن بين ايران وبلدان الخليج وروسيا والنظام السوري، وعلى امتداد المنطقة العربية الاسلامية، بعد تحول بعبع الشيوعية الى الارهاب الاسلامي، باستثناء حركة طالبان التي تفاوضها أمريكا كحليف محتمل.
هذا هو جوهر السياسة الامريكية في العراق، سابقا وحاليا، وعلى اللاهثين لتقديم انفسهم كبديل لـ»ألاصدقاء الأشرار» الحاليين ان يعوا ان مصيرهم لن يكون افضل بكثير ممن سبقهم في ظل سياسة خارجية بلا مبادئ اخلاقية.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

المثقف العربي وراية من ليس معنا

هيفاء زنكنة

 

بات شائعا، هذه الأيام، تصنيف الناس حسب مواقفهم (مع أو ضد) من دول معينة. تلي التصنيف الأولي مرحلة اطلاق النعوت المسيئة، أخلاقيا، والشتائم العامة، هبوطا في سلم الاتهامات إلى التكفير العقائدي والمذهبي.
نلاحظ انتشار هذه الخصلة الاقصائية بين «المثقفين»، أكثر من غيرهم وفي المجال الإعلامي. واذا كان الرئيس السابق جورج بوش هو الحائز على امتياز اطلاق شعار «من ليس معنا فهو ضدنا»، تهيئة لارضية غزو العراق عام 2003، واذا كان اليمين المتطرف الأمريكي، متمثلا بالمحافظين الجدد، قد نجح في تحويل الشعار إلى مفهوم تم تكريسه عمليا، فان النخبة العربية، من ساسة ومثقفين، بلعته بلعا، لتعيد افرازه، محليا، بأشكال تراوح ما بين الاتهام بالعمالة والطائفية.
بعيدا عن تبادل الاتهامات بين الساسة، تبدو أكثر التصنيفات الاقصائية وضوحا وفجاجة بين الكتاب والإعلاميين وبدرجة أقل بين الاكاديميين، ويتمركز التصنيف على الولاء / عدم الولاء لدول معينة دون غيرها. تضم قائمة الدول التي يستند عليها التصنيف كل من السعودية وقطر، عربيا ـ إسلاميا، أيران وتركيا، اقليميا ـ إسلاميا، بالاضافة إلى الولايات المتحدة، الامبريالية، واسرائيل الاحتلال الصهيوني العنصري. وبينما يبدو، طبيعيا، وضع النقاط على الحروف حين يتعلق الأمر بمن يتعاون مع الكيان الصهيوني أو يدعم سياسة التوسع والهيمنة الامبريالية الأمريكية، تختل الصورة حين يتعلق الأمر ببقية الدول وتصنيفاتها الشائعة ما بين الوهابية والفارسية والعثمانية وحتى الصهيونية.
ولا يجد البعض غضاضة في اضافة التصنيف الذي أرسته سياسة «مكافحة الإرهاب» كالقاعدية والداعشية إلى القائمة ليزيد من حجم التأثير المتوخى، وهو تأثير ضار بكل المقاييس.
فبالاضافة إلى تقوية الاحساس العام بامكانية التصنيف الاقصائي، واستسهال توزيع الاتهامات بلا مساءلة او عقاب، تتشكل الارضية لتحوير مفهوم حقوق الانسان، من كونه مفهوما عالميا يطبق على الجميع، بلا استثناء، إلى جعله «حق» فئة بشرية معينة دون غيرها. وتعتبر القوانين الاسرائيلية المثال الاكثر وضوحا في التمييز العنصري المعلب بـ«الديمقراطية»، اذ تنص كلها على تقسيم المواطنين إلى «اليهودي» و»غير اليهودي»، مع تغييب الفلسطيني تماما من ارضه.
تواجهنا مفارقة كبيرة عند تمحيص الاختلاف في علاقة الدول المصنفة اقصائيا بحقوق الانسان، حين نكتشف، عدم وجود اي اختلاف، اذ تتطابق سياستها القمعية تجاه مواطنيها. ولنأخذ مثالا بسيطا استرعى انتباهي، اثناء قراءتي لبيانات «منظمة الدفاع عن الصحافيين» الدولية، حول اطلاق سراح عدد من الصحافيين واعتقال واختطاف آخرين.
فخلال شهر كانون الثاني/ يناير، اطلقت السلطات التركية سراح الصحافي العراقي محمد اسماعيل رسول بعد اعتقاله مدة 133 يوما، في معتقل «أدنا»، بتهمة «مساعدة منظمة إرهابية»، اثناء تغطيته، احداثا في منطقة ديار بكر. وتحتل تركيا المركز الخامس في قائمة اكثر الدول اعتقالا للصحافيين، خاصة المحليين منهم. ولايزال جان دوندار، رئيس تحرير صحيفة جمهورييت اليومية، وإرديم غول مدير مكتب الصحيفة، بانتظار محاكمتهما، بتهمة «التجسس وإفشاء أسرار الدولة».
وهي تهمة، غالبا، ما تلجأ اليها الحكومات لاخراس الاصوات الصحافية المستقلة. ولايزال الاثنان في المعتقل بانتظار المحاكمة.
في الشهر نفسه، اطلقت إيران سراح الصحافي جيسون ريزائيان، مراسل صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، المعتقل لمدة 544 يوما، بتهمة «التخريب»، مسجلا بذلك رقما قياسيا على بقية الصحافيين المعتقلين بإيران، حسب المنظمة. وجاء اطلاق سراح ريزائيان ضمن صفقة سياسية حول تبادل معتقلين بين إيران وأمريكا.
ومثل تركيا، تعامل إيران مواطنيها، في غياب المساءلة والرادع القانوني، بقسوة اكبر من الاجانب، مهما كانت تهمهم (فالأقربون أولى بالمعروف)، اذ لايزال هناك 18 صحافيا إيرانيا معتقلا، حسب جول سايمون، مدير عام منظمة الدفاع عن الصحافيين. وتتصدر إيران قائمة الدول الاكثر اعتقالا للصحافيين منذ عام 2009 وحتى الآن.
أما في السعودية، فقد حكم على المدون رائف بدوي بألف جلدة والسجن 10 سنوات، لقيامه بإنشاء منتدى إلكتروني للنقاش العام ولاتهامه «بالإساءة للإسلام». ولايزال أشرف فياض، الشاعر الفلسطيني المقيم بالسعودية، محكوما بالاعدام، منذ عام 2013، عقب شكوى من مواطن سعودي زعم فيها أن فياض يدعو للإلحاد ويروج لأفكار التجديف، في ديوانه الشعري «التعليمات بالداخل» الصادر عام 2008. على الرغم من تأكيد فياض أن أشعاره «تدور فقط حولي كلاجئ فلسطيني.. وحول قضايا ثقافية وفلسفية. ولكن المتشددين الدينيين فسروها بأنها أفكار هدامة وضد الإله».
تقودنا هذه الأمثلة، وهي غيض من فيض، عن سياسات حكومات قمعية ضد مواطنيها وفي مجال واحد هو الإعلام، إلى التساؤل عن آلية عمل عقول «النخبة» لدينا، التي تقضي وقتها لا دفاعا عن حقوق الانسان، في اي بلد كان، وضمن منظور انساني واحد، بل في انتقائية ادانة نظام دون غيره وتوجيه الاتهامات، لمن يخالفهم، بغزارة تراوح ما بين الظلامية الوهابية، ومجوسية الفرس، والعثمانية الداعشية. ويتبدى ضرر التصنيف الاقصائي الجاهز في استخدامه غطاء يشغل الناس ويلهيهم عن النظر إلى جملة الاسباب التي لا بد من بحثها اثناء تقييم أي نظام، ومن بينها : خدمة الهيمنة الاستعمارية، تسليم مقدرات البلاد بيد أعدائها، التسلط الطبقي والنهب والفساد، وما يترتب على ذلك من تجهيل الناس ونشر المرض والجريمة في الحياة اليومية.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

دعوة الشيطان الأكبر للعشاء!

هيفاء زنكنة

 

يبدو ان هناك تحولا تدريجيا في الدعاء الموجه إلى القوة العليا – أمريكا، في صفوف نظام «العراق الجديد»، برمته، لايستثني طائفة او عرقا. فنمو هذه الطبقة التي تأسست مع الاحتلال وتربت على يديه، سواء كانت من خارج أو داخل البلد، أصابها اليتم المفاجىء حين غادرها الأب الذي تعهدها ووفر لها الحماية، ولو كان رحيله غير كامل.
انعكست حالة اليتم المستدامة على سلوك وتصريحات ابناء حكومات الاحتلال بالنيابة، خاصة، وانهم لم يتمكنوا من كسب الناس، وتأسيس قاعدة شعبية توفر لهم الاستقرار والطمأنينة، على الرغم من لجوئهم، بداية، إلى اطلاق تصريحات مضللة للشعب عن السيادة والديمقراطية وحقوق الانسان، والأدهى من ذلك عن التحرر والتخلص من المحتل/الأب، بدون استبداله بأحد. ولأن هناك تفاوت، بين المنخرطين في النظام، في درجة الاحساس باليتم لاسباب ترتبط بالحاجة الآنية، والتاريخية الأسطورية، والمصلحة الشخصية، ومستوى الانغماس بالفساد، وضعف الوازع الاخلاقي، بالاضافة إلى تصاعد الطائفية والعرقية المؤسسة لما يطلق عليه د. سعد محيو «مشاريع الدويلات الأقوامية»، مقابل خفوت الولاء الوطني، طرحت في الاسواق الشعبية للاستهلاك المحلي، شعارات تبين حالة الشيزوفرينيا بين المحتمين بالمنطقة الخضراء، أنفسهم، من جهة وبينهم وبين من يدعون تمثيلهم من سنة وشيعة، من جهة ثانية. شعارات، على غرار «كلا.. كلا للمحتل»، تنثر مثل «حامض حلو» الاحتفالات على رؤوس المواطنين، في ذات الوقت الذي ينام فيه مطلقو الشعارات في سرير المحتل، بحثا عن دفء الأبوة.
في مستوى آخر للنيات المبيتة لمستقبل العراق، استنادا إلى واقع الحال اليومي، يواجهنا سيل تصريحات مضللة، بحاجة إلى الرصد، يطلقها الساسة عبر مختلف اجهزة الاعلام، بعد تغليفها بملابس الامبراطور العاري، أي محاربة الارهاب أو القاعدة أو داعش أو… أي مسمى آخر يتم استنباطه لتمديد أجل الفساد، والاحتلال، والاستيلاء على النفط بعد تفتيت البلد، وهو الأمر السائر نحو التنفيذ.
هناك من يحاجج من بين قيادة المليشيات، لتبرير الترحيب بالمحتل، ايا كانت جنسيته، بأنهم يرحبون بأية مساعدة كانت من أي بلد كان، لحماية بغداد. مما يعيد إلى الأذهان اصواتهم وهم يستنجدون بمن هدم ودمر بغداد في عام 2003. فهل تكرار الاستجداء، تحت غطاء مغاير، أمر يشكل صلب هذه القوى أم انه مرض الزهايمر الذي محا من الذاكرة قصف « الصدمة والترويع» لبغداد وأهلها؟ واذا كانت مساعدة أمريكا لداعش، كما يؤكد أحد قادة المليشيات «ليست موضع شك»، فلم الاستنجاد بها إلى حد انزال القوات العسكرية على الارض كما حدث أخيرا؟
أما في داخل البرلمان، فأن الاصوات المؤيدة للاستنجاد باية قوة خارجية تساوي اصوات دعاة الانفصال والتقسيم لحماية هذه الفئة من تلك، وتلك من هذه، والديمقراطية من الارهاب. وتسارع وفود الساسة والاحزاب، بشكل علني وسري – علني، إلى الحج اما إلى أمريكا أو السعودية أو إيران. هاهو تحالف القوى العراقية ( تكتل سني)، يرحب ( 23 كانون الثاني)، بنشر قوات أمريكية برية لأنه « سيعجل من عمليات تحرير المدن السنية المغتصبة»، حسب عضو المكتب السياسي للتحالف النائب محمد الكربولي، الذي حاول تدارك الطائفية والاستنجاد بالمحتل، قائلا: «إن ترحيبنا بنشر قوات برية أمريكية ليس قبولا بنمط جديد من الاحتلال». ما هو أذن؟ الا يقودنا هذا التبرير المبتذل إلى من حاولوا بيع الاحتلال باعتباره تحريرا، متسترين بالمظلومية، أم ان عمالة 2003 صارت تحريرا في 2016؟
هل ترون الصورة معقدة؟ استمعوا، اذن، إلى رأي علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى الاسلامي الإيراني (24 كانون الثاني/يناير)، محاججا، اثناء وجوده ببغداد: «كانوا يقولون إننا نحارب لأنه ليس هناك ديمقراطية في سوريا، ولكن هل الديمقراطية مفقودة هنا؟»، يعني ان العراق يعيش الديمقراطية بأبهى صورها، مؤكدا، لمن قد ينتابه الشك، ان «المشكلة ليست مشكلة ديمقراطية» وأن العراق طلب المساعدة لمحاربة الارهاب فاستجابت إيران. ولن أدخل في تفاصيل المشكلة، حسب لاريجاني، لأنها ستجرنا إلى متاهة من الذي خلق أولا البيضة أم الدجاجة، الا ان متابعة جرائم المليشيات التي وصلت أعدادها الأربعين، المدعومة إيرانيا، أكبرها مليشيا بدر عصائب أهل الحق، وهي مليشيا لا تجد حرجا في توجيه التهديدات وارتكاب الجرائم يمينا ويسارا، تحت عباءة حركة المقاومة الاسلامية، سيرينا نوعية وكيفية «استجابة» إيران لنجدة النظام العراقي، ولمصلحة من.
ما الذي يعنيه اطلاق نداء الترحيب بعودة قوات الغزو؟ هل اندملت جروح الاغتصاب في معتقلات المحتل ومرتزقته؟ أم أن الاستهانة بالمظلومين باتت مألوفة ومقبولة، في زمن اصبح الولاء فيه لغيرالعراق عاديا، وتهمة الداعشية جاهزة لأخراس وتخويف أي صوت مغاير، ومفهوم الوطنية اجتهاد في الرطانة، ومقاومة المحتل عمل غير حضاري؟
يقول الشيوعي المخضرم آرا خاجادور، في كتابه الرائع «نبض السنين- حول الصراعات داخل الحركة اليسارية والوطنية العراقية»، ردا على ما يسميه الفهم اليساري المسطح للتحضر، الذي يطرح حاليا، ويرى فيه نموذجا للذين يزرعون ويوزعون الأوهام: «كأن الاحتلال ليس ذروة اللاحضارة، وما علينا الا ان نتوسل إلى الاحتلال لكي يخرج من بلادنا، وهو سوف لن يتوانى عن فعل ذلك». متوصلا إلى خلاصة مفادها: «ان اي تجاهل لوجود الاحتلال الجاثم على انفاس شعبنا هو سقطة أخلاقية مروعة قبل مئات التوصيفات المروعة الأخرى». وهذا هو، بالضبط، اساس البلاء الذي يمر به عراقنا، اليوم، ولن يتمكن شعبنا من الصمود امام أعاصير الطائفية واللاوطنية، ما لم يتم الاعتراف بهذا الاساس وضرورة التخلص منه، لا استدعائه والترحيب به كلما ارتدى قناعا جديدا.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

نحو رسم

خريطة العراق الجديدة

 

هيفاء زنكنة

 

في رسالة مصورة موجهة إلى العالم، نسمع شابا عراقيا من سكان محافظة ديالى، شمال شرقي بغداد، يترحم على استشهاد شقيقه ثم يوجه بقلب لم يعد يتسع للمزيد من الموت، نداء لانقاذ ديالى التي تتعرض للذبح «فالجثث بالشوارع. وسيارات الميليشيات تجول الشوارع وتنادي عبر مكبرات الصوت، تطالب السكان من السنة بالخروج، تأمرهم بالرحيل والا قتلوا». ثم يتحدث بغضب عن الساسة المشاركين بالعملية السياسية على اساس تمثيل السنة، قائلا: «أطلع. استقيل. وصلت الدماء حد الركبة».
حين استقتل عدد من الأحزاب العراقية، منذ بداية التسعينات، على استقطاب الدعم الانكلو أمريكي لما أطلقوا عليه تسمية «تحرير» العراق، كانت وعودهم لعموم الشعب ذهبية، لامثيل لها، تراوح ما بين الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان.
وعدوا المرأة بسلة مملوءة بحقوق المرأة والمشاركة السياسية، بعد ان قدموها للعالم كضحية تعاني من الحيف والجهل.
وكانت الوعود، لمن تغذوا على « مظلوميتهم» وحين فوجئوا بأنهم، اولا وأخيرا، عراقيون، وطنيون، لا يرضون التفريط بوحدة وطنهم، تنص على ان وجود القوات الاجنبية خط أحمر لن يتجاوز الستة شهور، بعدها سيكون العراقيون النموذج المضيء، ديمقراطيا، في الشرق الاوسط.
مضت الستة أشهر التي عرف بها التيار الصدري والحكيم، ومضى معها مايقارب 13 عاما. ومن كان طفلا في 2003، عام الغزو، صار شابا أجبر على النزوح والهجرة (ان لم يعتقل ويقتل)، وهو ينتظر انقضاء الفترة الموعودة، كما انتظر «فلاديمير» و»استراغون»، في مسرحية « بانتظار غودو « للكاتب الايرلندي صموئيل بيكيت. في أعوام الانتظار، صار المواطن كرة قدم، ترميها وتتبادلها وتدحرجها، اقدام 22 لاعبا في لعبة يتم تمديدها، كلما ظن المواطن انها أوشكت على الانتهاء.
يعيش المواطن اليوم كابوسا، دائما، بلا ملامح. واذا كانت منظمة داعش قد تم تبنيها، سياسيا وإعلاميا، لتكون الوجه الأبرز في ترويع المواطن وإرهابه، فان حصره في زنزانات كونكريتية، بلا منافذ، وتعذيبه وقتله، من قبل ميليشيات، يطبل ويزمر لها باعتبارها البطل المنقذ، لايقل وحشية عن داعش.
واذا كانت صفة «المظلومية» قد استغلت، سياسيا، بشكل مشوه ليسيء، في النهاية، إلى ذات الطائفة التي استنبطت من أجلها، فانها وبدلا من تجاوزها كشرط أساسي للمحافظة على وطن يتسع للجميع، تم تكريسها، تاريخيا وأبديا، في ظل حكومات طائفية تشرعن الافعال الانتقامية.
ان الصمت على وحشية وجرائم الميليشيات، جريمة لا تغتفر، كما هو الصمت على جرائم المحتل، ايا كانت جنسيته، كما هو الصمت على جرائم داعش، كما هو الصمت على جرائم نظام لم يعد يمثل غير مصالح ذاتية لحفنة من الفاسدين، على كل المستويات، وتجاوزت الفساد المالي والاداري. لم يعد الصمت ممكنا ازاء حملات الاعتقال والتعذيب والتهجير القسري والتغيير الديموغرافي والقتل. جرائم تتم جهارا بلا وازع أخلاقي أو خوف من مسؤولية قانونية. هل تتذكرون كيف كانت الحكومات قبل الويكيليكس والتلفونات المصورة، ترتكب جرائمها خفية أو تتستر عليها، فلا تنشر تفاصيلها الا بعد مرور ثلاثين عاما، مثلا، خشية غضب شعوبها والرأي العام العالمي؟ الانظمة العربية اليوم، مثالها الابرز سوريا والعراق، على خطى الكيان الصهيوني والأمريكي، لا تخشى في الاعتقال والقتل لومة لائم. قتلة اليوم، في العراق، من داعش والحشد الشعبي والميليشيات، يصورون جرائمهم ويجدون لذة لا تضاهى في سادية ما ترتكبه ايديهم. انهم يتباهون بنشر وتوزيع افلامهم وهم يعذبون ضحاياهم، مفتخرين بكونهم استنساخا عراقيا، بصبغة طائفية، لجرائم التعذيب الوحشية الأمريكية في أبو غريب.
ومع تزايد أعداد الميليشيات وتصاعد الصراع بين مافيات الفساد، ضمن النظام نفسه، تنطلق بين الحين والآخر تصريحات تشي بعمق الإرهاب الذي يمارسه النظام واجهزته الأمنية بدعوى مكافحة الإرهاب. فمن قلب النظام نفسه، صرح رئيس مجلس القضاء الأعلى مدحت المحمود ( 11 يناير 2016)، بأن مجموع الموقوفين في عموم العراق، خلال شهرين فقط، من العام المنصرم، بلغ (23316) شخصًا، وأن موظفي القضاء تمكنوا من انجاز القضايا المتعلقة بالإرهاب تحقيقاً ومحاكمة وبمعدلات قياسية بلغت 27545 دعوى في دور التحقيق و6362 دعوى انجزت في دور المحاكمة. مما يعني ان اعداد المعتقلين بتهمة الإرهاب (وعقوبتها الاعدام)، قياسية حقا، خاصة إذا ما اخذنا بنظر الاعتبار فساد النظام القضائي، والاتهامات الكيدية، واستخلاص الاعترافات بواسطة التعذيب وعدم توفر أدنى شروط المحاكمات العادلة والنزيهة، حسب تقارير مجلس حقوق الانسان في الامم المتحدة.
ان يوميات العنف والانتقام، باشكاله، تحجب عن المواطن الامل بالمستقبل وتشعره بالعجز الكلي، مما يدفعه في ظل حكومة عاجزة عن حماية حقوقه، نحو التطرف والعنف المضاد. فما الذي يتوقعه نظام، فاشي، فاسد، من مواطنيه حين يحاول تجريدهم من انسانيتهم وكرامتهم عبر التهميش والاقصاء؟
ما الذي يتوقعه من مدن استبيحت ودمرت وتم رشها باليورانيوم المنضب والفسفور الابيض، من قبل المحتل الأمريكي، كما حدث في الفلوجة؟ وها هي فلوجة المقاومة محاصرة منذ شهور والمستشفى العام يوجه النداء اثر النداء طلبا للادوية والمواد الطبية، كما تزداد المعاناة في نقص الكادر الطبي المتخصص وفي غرف العمليات الجراحية، التي تنعدم فيها المستلزمات الطبية لمعالجة الجرحى جراء تزايد اعداد المصابين بسبب القصف العشوائي المستمر، فضلا عن عدم وجود اي لقاحات للاطفال، وازدياد حالات الوفاة في صفوفهم بسبب الجوع وعدم توفر الحليب؟ ما الذي سيؤدي اليه حرق المساجد والمتاجر، والمنازل، وقتل المدنيين الأبرياء وهجوم الميليشيات الوحشي على مدينة المقدادية، في محافظة ديالى، حيث بلغ عدد ضحايا الاعتداءات الدامية للمليشيات حتى يوم السبت، 169 قتيلاً وعشرات الجرحى والمفقودين؟ لا اعتقد ان النظام سيحتاج عرافا يتنبأ له بمستقبله إذا ما واصل السير على طريق الانتقام هذا.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

منافسات المقابر

الجماعية في العراق

 

هيفاء زنكنة

 

استقبل أهالي مدينة تكريت، محافظة صلاح الدين، في العراق، العام الجديد، باعلان القوات الأمنية العثورعلى مقبرة جماعيّة تضم 46 شخصاً.. ولا يزيد عمرها عن الأربعة أشهر». وهو أعلان، كان من الممكن ان يساعد اهل الضحايا على معرفة مصير احبائهم المفقودين، لو تم التعامل مع الحدث المأساوي بشكل انساني يكرس الحقيقة. إلا ان التعامل مع هذه المقبرة، كما أثبت مسار التعامل مع عشرات المقابر التي تم العثور عليها منذ غزو البلد عام 2003 وحتى اليوم، لن يتعدى الجانب الإعلامي والتقاط الصور وعقد المؤتمرات الصحافية، وتجريد الحدث من أي لمحة انسانية عبر تجييره، سياسيا، لصالح هذا الحزب أو ذاك.
وبدت ملامح نسيان الضحايا وأهاليهم واضحة، حالما عثر على المقبرة. اذ اعلن مسؤول في اللجنة الأمنية في مجلس المحافظة، أنّ «الجثث نُقلت إلى وحدات الطب العدلي، لأجل تحليلها ومعرفة هويات أصحابها». بينما سارع عضو مجلس المحافظة، أحمد الجبوري، بدلا من انتظار نتائج التحليل، إلى اتهام تنظيم «داعش». في ذات الوقت الذي لم يستبعد فيه، عضو مجلس عشائر صلاح الدين، الشيخ محمود أنّ «تكون المقبرة من ضحايا الميليشيات التي لم تقل جرائمها عن جرائم داعش». ولأن تكريت كانت لفترة تحت سيطرة داعش زمنا، قامت خلالها بحملات اعتقال وخطف وتصفيات، ثم أصبحت تحت سيطرة ميليشيات «الحشد الشعبي» زمنا آخر، نفذت خلالها حملات اعتقال وخطف وتصفيات، بات تشخيص القتلة، ناهيك عن تقديمهم للعدالة، في جو يهيمن عليه الخوف والأكاذيب والتهويل والمبالغات والتدليس السياسي، أمرا غير مرغوب فيه.
وكما يتضح من كيفية التعامل مع قضية المقابر الجماعية، على ضبابية تعريفها، لم يبذل النظام اي جهد لكشف حقيقتها، سواء من ناحية عدد المقابر، ومواقعها، وحقبتها الزمنية وهوية الضحايا وعددهم، ومن المسؤول عنها، على الرغم من كون المقابر الجماعية واحدة من الأسباب التي طالما استخدمت لادانة النظام السابق، وحث المجتمع الدولي على التخلص منه، لتحقيق العدالة للضحايا والمظلومين من الشيعة والكرد ( مما استثنى السنة وجعلهم، بالنتيجة، من المسؤولين عن المقابر). فرئيس الوزراء البريطاني توني بلير أوصل رقم ضحايا نظام صدام حسين، في المقابر الجماعية إلى 400 ألف. مستندا إلى صحيفة حقائق أصدرتها الادارة الأمريكية، وكررها الرئيس الأمريكي بوش. زايد عليهما اياد علاوي، كما لو كان في مزاد علني، ليوصل الرقم إلى مليون، فتمت مكافأته، بعد الغزو، بتعيينه رئيسا للوزراء. ولم يتوقف يوما لذكر ضحايا نظامه والاحتلال، خاصة في الفلوجة. وأعلنت منظمة «هيومان رايتس ووتش» الدولية، ان عدد الضحايا هو 390 ألفا، وهو تقديري كما اعترفت هانيا المفتي، الباحثة في المنظمة: «استندت تقديراتنا على التقديرات. واستند هذا الرقم في نهاية المطاف في جزء منه على معلومات ظرفية جمعت على مدى سنوات». كما تنصلت الحكومة البريطانية (الغارديان 18 تموز 2004) من تصريح بلير، خاصة، بعد ان أثبت تحقيق استقصائي لصحيفة «الأوبزرفر»، حجم تضخيم الارقام واستخدامها من قبل الساسة في أمريكا وبريطانيا بالاضافة إلى المتعاونين معهم من العراقيين، اثر الغزو، لتغطية اكذوبة اسلحة الدمار الشامل.
ادت حملات التضليل الإعلامية ونبش القبور والتقاط الصور لمسؤولين يقفون على حافات حفر، متناثرة، في ارجاء العراق، ومن ثم ترك المواقع، مهما كانت هوية المدفونين وعددهم، بلا حفظ او حماية للأدلة، إلى تشويه قضية المفقودين الانسانية وتجيير معاناة اهاليهم لأغراض دعائية سياسية مبتذلة، والى تغييب الحقيقة. الأمر الذي ينعكس على بنية المجتمع ليمد جذور التقسيم العرقي والديني والطائفي حيث أصبح «أنا» البريء و»الآخر» هو المتهم. وهي مسألة خطيرة الابعاد لأنها تشرعن الحقد والانتقام والقتل. فالبحث عن الجناة ومقاضاة المسؤولين ومعاقبتهم وتعويض اهالي الضحايا هو صلب العدالة الانتقالية وتنقية الاجواء والمصالحة. ولتحقيق ذلك، لسنا بحاجة إلى المبالغات وتوجيه التهم الجاهزة. كلنا يعلم ان نظام صدام حسين ارتكب الجرائم ضد شعبه ولم يسلم حتى أهله، ولكن.. ماذا عن مقابر المحتل وحكوماته المتعاقبة؟ كيف نصف المقبرة الجماعية إذا كانت تضم رفات الجنود الذين قاتلوا الغزاة؟ والمقابر التي تضم رفات الجنود المنسحبين من الكويت عام 1991؟ وضحايا الاعدامات الجماعية في معتقلات وزارات الداخلية والعدل والدفاع برعاية نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق (حزب الدعوة)، بالاضافة إلى ضحايا الميليشيات وداعش؟ هذه الضبابية الناتجة عن تشويه الحقيقة تنقلنا إلى سؤال أكثر الحاحا وهو : كيف يتم التعامل مع ذوي الضحايا؟ هل ينظر إلى الضحايا، عبر الحقب، باعتبارهم شهداء وبالتالي تتوجب توفير الرعاية والتعويضات لذويهم؟
لا مجال للتفاؤل في هذا المجال. فالجنود الذين قاتلوا في الحرب العراقية الإيرانية وأعتبروا شهداء، في حينها، خلعت عنهم صفة الشهادة وما يترتب عليها من اعانة لعوائلهم مع مجيء النظام الموالي لإيران. وتم تشريع قانون « حماية المقابر الجماعية» الصادر في 12 آذار 2006، الذي يحصر صفة الشهيد بضحايا النظام السابق. الأمر الذي دفع عبدالستار رمضان روزبياني، وهو نائب مدعي عام سابق، وبالتأكيد ليس داعشيا أو من أزلام النظام السابق، إلى التساؤل: «فما هو الموقف لو اكتشفت مقابر جماعية حديثة أي حدثت بعد 9 نيسان 2003 أو انه قد ارتكبت من أحزاب أو جماعات أومن قبل القوات الأمريكية أو حتى من قبل قوات محسوبة على الحكومة العراقية فما هو الحكم والمركز القانوني للضحايا أو الشهداء؟»
ان سياسة توجيه التهم الجاهزة وعدم التحقيق في هوية الجناة ومقاضاتهم بعد جمع الأدلة سيكرس الطائفية السياسية والعرقية بابعادها الانتقامية الوحشية بينما يمنح المحتل صك الغفران على كل ما ارتكبه وساهم في خلقه.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

لأوهام الانتصار

على داعش آلاف الآباء

 

هيفاء زنكنة

 

حين نرى مدينة الرمادي التي أصبحت كتلة من الخرائب ببيوتها، ومبانيها الحكومية، وجوامعها، ومدارسها، وننظر بدقة لنميزها مما تبقى من المدن السورية، ومن قبلها مدينة الفلوجة، نرى مناظر الخراب الشامل في اليوم التالي « للقيامة»، كما تقدمها استديوهات هوليوود، في أفلام تحتل المرتبة الأولى، في شباك التذاكر، أمريكيا وعالميا، ويسارع الناس لمشاهدتها لأنها تمثل عالما غرائبيا، يسليهم ولا يمسهم. فالخراب الشامل، كخلفية لصعود البطل الامريكي القاهر، المنتقم، ثيمة هوليوودية مفضلة، تقع أحداثها في البلدان التي احتلتها أمريكا وحلفاؤها عسكريا، كما في فييتنام والعراق، الى ان أستلتها وقلدتها بتقنيتها العالية، الدولة الاسلامية. فهل هي آلة تصنيع وانتاج الموت تتحدى المخيلة، لتعيد انتاج الاحداث المرعبة، بأشكال وتنويعات تلائم مكانا وزمانا محددا، أم انها الاحداث الترويعية، مثل وجبات ماكدونالد السريعة، تقذف على الشعوب قذفا فلا يستطيعون مجاراتها؟ ما الذي يبقى من مدن تتعرض، يوميا، لقصف احدث الطائرات الامريكية، تحت راية التحالف الدولي الستيني، والذي قيل تبجحا انها بلغت 650 غارة على الرمادي وحدها، منها 150 غارة اثناء الهجوم الأخير، يضاف اليها البراميل المتفجرة لحكام يستقتلون لمحاكاة « الشيطان الأكبر» بدعوى محاربته؟
ما الذي يبقى من الانسان وهو يتلقى جرعات السموم جسدا وبيئة ومجتمعا؟ وكيف نتعامل مع الحياة والأمل بالمستقبل والموت الأسود، يفترس أهلنا ويغدر بالاحياء، وأن رفعوا رايات السلام البيضاء؟ هل يساعدنا اعادة تعريف المفاهيم كالوطنية، الخيانة، العمالة، الارهاب، والانتصار العسكري، على فهم ما يحيط بنا من جنون عبثي؟
كيف نصف اعلان الانتصار على مدينة بدأت سياسة مسحها وسكانها عن الوجود، منذ الغزو الأنكلو أمريكي في 2003، وليس كما يشاع ويرسخ كحقيقة الآن، منذ سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية قبل سبعة أشهر على المدينة، وزعماء العالم المسؤولون، بشكل مباشر وغير مباشر، عن ولادة التنظيم، يصفقون ويهللون، ويتبادلون التهاني لتحريرهم المدينة منه؟ الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني والكندي ووزراء الدفاع والأركان، في جميع انحاء العالم، عبروا عن فرحهم بالانتصار، والذي هو بالحقيقة نزيف دم عراقي مهما كان اسم الجهة المقاتلة. يقولون إنه انتصار للتحالف الدولي بقيادة أمريكا. حيدر العبادي، رئيس الوزراء، يقول إنه انتصار الجيش. ميليشيا الحشد الشعبي تدعي انه لولاها لما تم الانتصار. رئيس الوزراء الفرنسي وصفه بأنه الانتصار الأكبر.
في الرمادي، بين الخرائب، صار للنصر آلاف الآباء. لم يتحدث زعماء العالم عن محو 80 بالمئة من الرمادي، ومن قبلها 70 بالمئة من الفلوجة بيد قوات الاحتلال الامريكي والبريطاني، وليس تنظيم الدولة الاسلامية. عن معاملة الأهالي كرهائن سواء من قبل قوات الاحتلال أو الدولة الاسلامية أو النظام العراقي الذي بزها في ارهابه وترويعه وتهجيره المدنيين. المدن « المحررة» سابقا مثالا يحتذى.
يقول يان كوبيش، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، واصفا المناطق المحررة: « هناك في المناطق التي تم تحريرها من سيطرة داعش تقارير تفيد بحصول اعتقالات عشوائية، وعمليات قتل، وتدمير ممتلكات، وتقارير متزايدة، أيضاً، عن جهود لتغيير التركيبة السكانية لتلك المناطق على نحو قسري».
أين يمضي الهاربون من جور تنظيم الدولة ونازحو المدن – الخرائب « المحررة» اذن؟
يشير تقرير أصدره، مركز جنيف للعدالة، بعنوان « العراق: معارك الانبار، سياسة الأرض المحروقة والابادة الجماعيّة « الى معاناة النازحين الكارثية : « لقدّ عانى المدنيون في مدن الانبار اسوأ معاناة وتمثل جزءاً منها في عدم السماح حتى للفارين منهم الدخول الى بغداد في رحلة البحث عن مكان آمن. ومارست السلطات سياسة طائفية واضحة اكدنا في اكثر من مناسبة انها سياسة تطهير طائفي ممنهجة وموجهة تحديداً ضد سكّان مناطق بعينها تهدف الى تشريدهم قسرياً وحرمانهم من العودة الى مناطق سكناهم بعد مذابح جماعية ترتكبها ضد من لا يتمكن من الهروب».
هذا هو أحد جوانب « انتصار» النظام الذي يصفق له العالم الغربي بازدواجية معايير تزداد اسفافا، يوما بعد يوم. وهو الجانب الذي تؤكد كل التقارير الحقوقية، والانسانية، العراقية والدولية، على وجوب ايجاد حل جذري له. يقول يان كوبيش : « لا يمكن هزيمة داعش بالوسائل العسكرية، فقط، دون معالجة الأسباب الجذرية للعنف والفكر الذي يستند إليه التنظيم… فالفوارق، والحرمان والظلم وعدم المساواة تخلق إستياءً مشروعاً، ولا يمكن معالجة هذه الشواغل وغيرها إلا من خلال مشاركة متساوية، وتشمل الجميع في العمليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية، إستناداً على مبدأ الحقوق المتساوية والمساءلة والعدالة للجميع «. ويشير مركز العدالة الى انه كان بامكان السلطات العراقية ان تسلك طريق الحل السلمي للاوضاع قبل اللجوء الى الحل العسكري « فقد تظاهر الملايين من ابناء المناطق المهمشة، سلميا، منذ كانون الأول/ديسمبر 2012، مطالبين بحقوقهم المشروعة الا انهم جوبهوا بالرفض واتهم كل من شارك في التظاهرات، بانه ارهابي».
ويرى المركز ان الأمم المتحدّة تتحمل واجباً اخلاقياً وقانونياً بضرورة تشكيل لجنة تحقيق، دولية، مستقلة للتحقيق في الجرائم وتقديم المسؤولين عنها للعدالة، والعمل الفوري والجادّ لإيقاف مسلسل الدمار في البلد والذي يتحمل الاحتلال الامريكي المسؤولية الأولى عن كل ما جرى ويجري فيه منذ عام 2003.
ان سبب اقتباسي لهذه التقارير هو اعتقادي بان الحلول السلمية لما يجري في العراق غير مستحيلة ومطروحة بشكل واضح اذا ما توفرت النية الوطنية عراقيا واحترام القانون دوليا. واذا ما أريد للعراق ان يبقى بلدا موحدا، يتمتع فيه الجميع بالعدالة وحقوق المواطنة بعيدا عن الانتقام والاحباط والتطرف. عدا ذلك، سيبقى الحديث عن المصالحة والقضاء على الارهاب مجرد هراء.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

أسس أكذوبة المجتمع

العربي والمسلم في المهجر

هيفاء زنكنة

 

■ اذا كانت الحروب والنزاعات تلتهم 40 بالمئة من بلداننا داخليا، فانها لا ترحم، بانعكاساتها، من يعيش في المهجر. انها تتمدد وتتمطى لتفرض حضورها، وان بأشكال تختلف عن جحيم الحروب الداخلية. انها تتبدى، خارج وطننا، بشكل تجمعات في احياء سكنية محددة، أو غيتوات ( معازل)، تختلف عن الغيتوات التاريخية، النامية داخل مجتمع ما نتيجة القمع والاضطهاد وتسهيل السيطرة والتحكم بفئة بشرية معينة.
تتميز المجتمعات المنغلقة على نفسها أو الغيتوات الحديثة، الناتجة عن حروب الشرق الاوسط، خاصة، بكونها اختيارية، ويتحكم بها فيروس « فرق تسد» السياسي، اكثر منه العرقي أو الديني، الشائع خطأ، في بريطانيا، على سبيل المثال حيث، غالبا ما يلجأ المسؤولون البريطانيون، ومعظم اجهزة الاعلام، الى استخدام مصطلح المجتمع المسلم أو العربي ( لا يقولون المجتمع اليهودي) للاشارة الى العرب والمسلمين سواء كانوا من المهاجرين الجدد أو حتى المولودين منهم، عبر أجيال، في بريطانيا.
يتم التعامل مع هذه التجمعات، المتناثرة في مختلف ارجاء بريطانيا، باعتبارها وحدة، متماسكة، مترابطة العلاقات، يجمعها الدين الاسلامي او العرق الذي ينتمون اليه. وهو توصيف لا يقل خطورة عن وضع الناس في غيتوات مكانية لاحكام الهيمنة عليهم، أو رسم صورة نمطية لتسهيل كيفية النظر اليهم والتعامل معهم. فتكون النتيجة، مهما كانت الاسباب والنوايا انسانية صادقة، ان يعامل جميع المصنفين بانهم افراد مجتمع صغير داخل المجتمع الأكبر، يُصبغون بذات الصبغة، ويعاقبون جراء سلوك فرد او افراد، كما يعاقب طلاب الصف كله، اذا ما فشل المعلم بتشخيص ومعاقبة التلميذ المشاغب. من هنا تنبع تصريحات الساسة الغربيين العنصرية، مثالها بالدرجة القصوى ( هناك درجات أقل) تصريحات دونالد ترامب، المرشح في السباق الجمهوري للترشيح في انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة. ترامب لا يطلق التصريحات من فراغ (بمعيار التصنيف النمطي )، بل ينتقيها من سلة تحتوي نعوتا باتت جزءا لا يتجزأ من صورة المسلم العامة. كل ما فعله ترامب هو أنه استل من السلة واحدة من المفردات: اسلامي، ارهابي، داعشي، وقاعدة، ليجد بين جمهوره الأمريكي من يهلل لجرأته ويجد فيه خير من يمثله كرئيس في المستقبل القريب.
للأمانة، علينا ان نعترف بأن ترامب ليس فريدا من نوعه. لا أعني بين الغربيين فقط، فبينهم، على الرغم من تاريخ بلدانهم الاستعماري الطويل في بلادنا، من يضحي بحياته من اجل قضايانا مثل قضية فلسطين ومناهضة الحرب واحتلال العراق ومساندة الشعب السوري. ما أعنيه هو وجود من يدعم ترامب وغيره، في موقفهم الاقصائي التهميشي، ضد المسلمين، وساعد جورج بوش وتوني بلير في تسويق الحرب وغزو العراق، من بين « النخبة» في « مجتمعنا» الاسلامي – العربي، وهو، بحد ذاته، ما ينفي وجود مثل هذا المجتمع الموحد دينا وموقفا واجماعا، وليكن في رسائل الشكر التي وجهها « مثقفون» عراقيون الى جورج بوش بمناسبة احتلاله بلدهم، خير مثال. فما هو مصنف باعتباره مجتمعا اسلاميا – عربيا، في المهجر، هو عبارة عن مجموعة تكتلات بشرية، متناثرة، تختلف بقوميتها، ولغتها، ودرجة تدينها، وحقبة ومكان وسبب هجرتها. واذا كان سبب الهجرة سياسيا، فان نواة الغيتو الاختياري سيكون سياسيا، وان كان التلفع بالغطاء المذهبي أو الديني مفيدا، أحيانا، وحسب درجة تساهل ومصلحة دائرة الهجرة واللجوء البريطانية مع فئة دينية او قومية معينة.
وينطبق نموذج الهجرة بحقب زمنية – سياسية مختلفة على العراقيين، بدءا من سقوط العهد الملكي، في خمسينيات القرن الماضي، وما تلاه من انقلابات عسكرية وحروب وحصار حتى الاحتلال عام 2003. هجرة هذه الموجات من العراقيين واستقرارهم ببريطانيا، كأفراد على الغالب، واندماج الكثيرين منهم بفضل الدراسة والعمل، يدحض التصنيف البريطاني النمطي للمجتمع « المسلم « و « العربي» الموحد. وتزداد الصورة النمطية بعدا عن الواقع، حين نتابع نشاطات البعض المحمومة للتبرؤ من ذلك « المجتمع» المفروض فرضا، عبر وسائل نفسية، بطبقات متعددة، واعية ولا واعية. وتزداد الصورة تعقيدا اذا كان العربي و/ أو المسلم صاحب مؤسسة أو منظمة مجتمع مدني، اذ يتوجب عليه، في هذه الحالة، اثبات انه « معتدل «، وأن يكون التنديد بالارهاب الاسلامي ( اذ بات كل ارهاب اسلاميا بالضرورة) معركته الأولى لتجنب تعريض النفس الى التجريم والانتقاد، وابعاد الشبهة عن النفس، والأكثر من ذلك، احيانا، ايقاف الدعم المادي أو حجز الاموال.
في حال عراقيي المهجر، الذين طالما وجدوا أنفسهم على هامش التصنيف النمطي للمجتمع العربي – الاسلامي، طغى التمايز السياسي، ما بين الملكي والشيوعي والقومي والبعثي، حتى تسعينيات القرن الماضي، حين نثرت بذور الطائفية السياسية عبر منظمات وتحالفات شرعت تتلقى الدعم المادي بسخاء من الادارة الأمريكية بعد تمرير قانون تحرير العراق. فصار الشيوعي ( العلماني) شيعيا ليتهم القومي والبعثي ( العلماني) بأنه سني. ومع مرور السنين، وتكرار التهم والتضليل، والفساد، وازدياد مساحة الموت، وتقلص فسحة الحياة داخل الوطن، بنيت التمايزات الطائفية بأساطيرها وتهويماتها، والبحث عن التجمعات والتنظيمات الداعمة للطائفية، ويا للغرابة، في المهجر المستقر الآمن، أكثر منه الوطن بحربه واقتتاله.
ويزداد الصراع المباشر أحيانا والمموه في احيان أخرى بين النخب الدينية ضد العلمانية، والشيعية ضد السنية، والعكس بالعكس، بين النخب. تتبدى النشاطات من خلال منظمات ومراكز مدعومة بسخاء بالاضافة الى تقديم المنح الدراسية والدعم للبحوث « الاكاديمية»، حسب الطلب. هناك مثلا منظمة نسوية جعلت أولويتها شن حملة لخلع الحجاب لأنه يستفز البريطانيين، بينما ينشط أكاديميون، صامتون تجاه احتلال فلسطين والارهاب الاسرائيلي اليومي على الفلسطينيين، بتوقيع رسائل تدعو « المجتمع المسلم»، ببريطانيا، الى الاستيقاظ من غفوته والابتعاد عن الارهاب. فعن أي مجتمع مسلم يتحدثون؟

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

العراق: سيادة وطنية أم تاكسي؟

 

هيفاء زنكنة

 

ما أغرب ما نسمعه عن سيادة العراق. الكل يتحدث عن سيادة العراق وكيفية احترامها، بألفاظ تجمع ما بين اثارة الدهشة وتكريس مفهوم جديد للسيادة، يتماشى مع تفتيت دولة كانت ذات سيادة، ذات يوم. السيادة العراقية ، حاليا، هي تاكسي يركبه كل من هو قادر اما على دفع الأجرة او اجبار السائق على نقله مجانا. واذا كان هذا الربط بين السيادة والتاكسي ملتبسا بعض الشيء، فلأن واقع سيادة العراق نفسه ملتبس ومستعص على محاولات الفهم العقلانية. فرئيس الوزراء حيدر العبادي، مثلا، لايجد غضاضة في استجداء القصف من حوالي ستين دولة تطلق على نفسها اسم « التحالف الدولي» ، ويرحب باحتلال روسيا الاجواء العراقية وقصفها المدن ، ويدعو كل دول العالم للمشاركة في « مكافحة الارهاب» على ارض العراق ، بينما لا يتحرك قيد أنملة لتقليل ( لا اقول منع)، استشراء همجية ما يقارب ما وصلت أعدادها إلى 54 ، ميليشيا طائفية شيعية من فيلق بدر وعصائب الحق و كتائب حزب الله إلى فرق محلية ، مرتبطة تنظيميا ومدعومة عسكريا ، بايران، والتي تعلن ولاءها لولاية الفقيه الايرانية ، التي لا تعترف بالسيادة الوطنية وحدود الدول.
ويزداد مفهوم السيادة، في تصريحات العبادي، التواءً حين يحاول استخدامه لتغطية عقمه السياسي وعجزه عن اجراء أي اصلاح قد يمس منظومة الفساد، المنغرسة عميقا، في وجود الساسة والمسؤولين والحكومة ، على الرغم من التظاهرات المستمرة ، المطالبة بالاصلاح ووضع حد للفساد، خشية ان يستل احدهم ( قد يكون امريكيا أو ايرانيا أو عراقيا) ملفا، لتهديده بقائمة تهم ليس مهما مدى صحتها. لهذه الاسباب، اختار العبادي وحكومته، الانتفاض غضبا لسيادة العراق التي انتهكت ، حسب ادعاء النظام، من قبل قوات تركية. وتبدت حالة الغضب من اجل السيادة المنتهكة بأعلى درجاتها السوريالية حين تظاهرت ميليشيا بدر الارهابية ، تحت نصب الحرية ، في ساحة التحرير، ليخطب فيها رئيسها هادي العامري، الذي يفتخر بولائه للولي الفقيه، مدافعا ، بانبعاث حرباوي، عن سيادة العراق وضد أي تدخل أجنبي، باسم فصائل «المقاومة الإسلامية». مما يذكرني بخطاب مماثل لرامسفيلد، وزير الدفاع الامريكي السابق واحد المخططين البارزين لغزو العراق، قال فيه ، اثر غزو واحتلال قواته للبلد ، بأنه يرفض أي تدخل أجنبي في العراق! وما زاد من ابتذال التظاهرة انها تمت بحضور رئيس الوزراء السابق نوري المالكي القائل ان العراقيين فئتان هما:فئة الشهيد الحسين وفئة قاتله يزيد. ما تجدر الاشارة اليه ان العبادي والمالكي وقبلهما الجعفري ، قياديون بحزب الدعوة. فما الذي قادوا العراق اليه، وكيف حافظوا على سيادته؟
ان القاء نظرة سريعة على خارطة العراق، اليوم، ومناطقها المتنازع عليها، عرقيا وطائفيا ، بين حكومة بغداد وحكومة الأقليم وما تسمى بالدولة الاسلامية، بين قوات الحشد الشعبي والعشائر وقوات الأمن والجيش والشرطة والفرقة الخاصة ، بين الميليشيات والقوات (عفوا المدربين والمستشارين) الأمريكية والايرانية والروسية والاسرائيلية، سيجد ان حزب الدعوة عمل جاهدا على تفتيت العراق وتقديم معان للسيادة ما كانت ستخطر على بال أحد قبل غزو البلد، بدعوة من ذات المنتفضين لشرف وسيادة العراق المنتهكة ، اليوم.
ترى هل كانت الاستعانة بأمريكا وبريطانيا ، وتقديم المعلومات الكاذبة عن اسلحة الدمار الشامل ، والمشاركة بقوات الغزو وفتح الابواب للمحتل، والصمت، فيما بعد، على جرائمه، دفاعا عن العراق وسيادته؟ هل المراد ان يصاب الشعب بمرض خرف الشيخوخة – الزَهايْمَر، لينسى جرائم الاحتلال وحكوماته، وليصدق، في غياب الذاكرة، اعداد الوافدين المتزايدة، وحججهم عن الحرب ضد داعش او احترامهم للسيادة ، التي اصبحت مثل الجبن السويسري مليئة بالثقوب؟
إلى قائمة « الحريصين» على سيادة العراق، انضم ، أخيرا، رئيس الوزراء الإيطالي ، مصرحا، أن قوات عسكرية ايطالية ستتوجه إلى العراق للمشاركة في الخطوط الأمامية للحرب ضد داعش. وأكد وزير الدفاع الأمريكي خلال اجتماعه مع العبادي، « أن الولايات المتحدة تريد تعزيز قواتها لتسريع تحرير الرمادي ثم الموصل، لكنها في انتظار موافقة بغداد لأنها تحترم سيادتها». بينما أكدت وزارة الخارجية الروسية في بيان لها إن «الجانب الروسي عبر عن موقفه الحاسم بدعم سيادة العراق وسلامة أراضيه». ودخل رئيس الوزراء التركي على الخط ليقول بذات اللهجة: « إن التواجد التركي يأتي في إطار سيادة ووحدة الأراضي العراقية، ومكافحة الإرهاب». فهل بقيت دولة في العالم لم تركب تاكسي العراق لتصون سيادته؟
دعا ممثل المرجعية الدينية، في خطبة يوم 11 كانون الأول/ديسمبر، جميع الدول إلى احترام سيادة العراق وعدم إرسال جنود إلى أراضيه دون اتفاق واضح مع الحكومة. واضافت المرجعية، ان «هناك قوانين ومواثيق دولية تنظم العلاقة بين الدول، واحترام سيادة كل دولة هو من أوضح ما تنص عليه القوانين والمواثيق الدولية».
تضعنا هذه الخطبة ازاء تساؤلات عديدة، لعل أوضحها هو اذا كانت المرجعية تحمل مثل هذا الاحترام للقوانين والمواثيق التي تنظم العلاقة بين الدول واحترام سيادة كل دولة فلماذا لم تحرك ساكنا، ولم تنطق بكلمة واحدة ازاء أكبر حرب عدوانية، بلا أي مبرر قانوني، قادتها أمريكا، ضد دولة العراق عام 2003؟ أم ان المرجعية انتقائية في اطلاق دعواتها وفتاويها بالدفاع عن قوانين دون قوانين ، وعن دول دون دول ، وحسب … ماذا؟ الدين ؟ العرق؟ أم الطائفة؟
ماذا عن فسحة التظاهرات، المتنافس عليها جماهيريا مع الميليشيات؟ تقلصت مساحة ساحة التحرير بعد أن دنسه حضور الميليشيات الارهابية ، الا ان فضاء الحرية والأمل لم ينكمش. فالأمل ليس هاجساً صوفياً، بل عنصراً أخلاقياً موضوعياً فاعلاً في كل معادلات التغيير والإصلاح عبر التاريخ. حتى اليأس هو أمل مؤجل، كما يقول فارس كمال نظمي، عالم النفس الاجتماعي، مضيفا : أكاد أرى مستقبلنا المدني، تصنعه اليوم فكرةُ الأمل!

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

ديك الدهر

قد باض في بغداد… حكومة

هيفاء زنكنة

 

أخبرتني احدى الصديقات بأن هناك حملة تقوم بها سيدة بريطانية، بلندن، لجمع الملابس والاحذية المستعملة، للنازحين العراقيين. فتساءلت عما إذا كنا قد بلغنا قاع الهاوية أم ان هاويتنا بلا قاع؟
كيف تحول الشعب الذي كان يهدي الكتب والدفاتر والاقلام للشعوب العربية، والإسلامية، لتتعلم وتدرس إلى مستجد يجمع له ذوو الاحسان الملابس والاحذية المستعملة؟ كيف بات من كان متعودا على سكن البيوت، بحدائقها الواسعة، إلى نازح في غرف، بمبان خربة، وخيام، تتصدق بها المنظمات الخيرية، إذا كان محظوظا؟ من الذي يتحمل مسؤولية هذا التحول المذهل الذي يكاد يقترب بالعقل، لفرط لاعقلانيته، من حافة الجنون؟
ليس هناك من يتحمل المسؤولية. الكل بريء من فاجعة الملايين النازحة من العراقيين. الحكومة العراقية، الممثلة للشعب افتراضا، تـحمل تنظيم داعش المسؤولية، لتغسل يديها من مسؤولية التهجير في سنوات ما قبل داعش. وهي سنوات يعمل جميع المسؤولين عن التهجير القسري على محوها من الذاكرة. لم يعد هناك ذكر لجرائم الاحتلال وحكوماته. لم تعد هناك مسؤولية محتل أو قوات أجنبية. لم يعد هناك احتلال، اساسا، مهما كان عدد الدول التي تطأ العراق. مُحيت جريمة قتل ما يقارب المليون مواطن منذ عام الغزو في 2003. صار تاريخ الجرائم المرتكبة ضد الشعب، المعترف به رسميا، وبالتالي تحميل المسؤولية، هو يوم احتلال داعش (يسميه داعش تحريرا كما فعل غزاة العراق) لمدينة الموصل، شمال العراق، واعلان الدولة الإسلامية.
ويٌبعد مجلس النواب، الممثل للشعب افتراضا، عن نفسه المسؤولية. ليحملها المجتمع الدولي، داعيا اياه، بلسان سليم الجبوري، رئيس المجلس، إلى اتخاذ «موقف جاد تجاه أزمة النازحين، وأن يتحول موقفهم من محاولة التقييم إلى مساهم فاعل في معالجة مأساتهم». مما يجعل المجلس في حل من اتخاذ أي قرار، لتحسين وضع النازحين. وبلغ الاستخفاف بآلام النازحين، الذين يفتقدون المأوى والخدمات في درجاتها الدنيا، ويزداد بؤسا مع برودة وفيضانات الشتاء، ان يدلي الجبوري بتصريحه، في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر، خلال افتتاحه معرضاً مصوراً عن معاناة النازحين.
وقد أقيم المعرض في مبنى مجلس النواب. نعم، هذه هي الحقيقة الموجعة. أفتتح الجبوري معرضا مصورا يحكي معاناة النازحين لحضرات النواب. لماذا؟ هل حضرات النواب من السياح الأجانب؟ إلا يعرف النواب معاناة النازحين، ونشرات الأخبار، في الاستديوهات التي يكادون لا يغادرونها، لفرط اطلاقهم التصريحات، لا تخلو من أخبار النازحين ومناداتهم الحكومة والنواب ان يفعلوا شيئا من اجلهم؟ واذا كانت هناك سيدة ببريطانيا تعرف مأساة النازحين العراقيين وتعمل على التخفيف عنهم، ألا يعرف النواب حكاية النازحين؟ رحم الله الرصافي يوم قال: «ان ديك الـدهـر قـــد باض ببغــداد… وزارة»!
انسانيا، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، فرع العراق إن «النزوح داخل العراق يتزايد. ويحتاج النازحون إلى الدعم الشامل كون معظمهم فروا من منازلهم ولم يأخذوا معهم سوى الاشياء التي يستطيعون حملها». وافتتحت مفوضية الأمم المتحدة السامية، لشؤون اللاجئين، مخيما جديدا في محافظة الأنبار، يتسع لثلاثة آلاف نازح من مدينة الفلوجة، الذين تمنع الحكومة دخولهم إلى بغداد إلا بوجود كفيل وهو ما لا تفعله مع الاسرائيلي والإيراني. بينما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن الوكالات الانسانية الدولية «مفلسة» لكثرة النازحين والمهجرين العراقيين والسوريين. وقال عضو في مفوضية حقوق الانسان ان شتاء 2016 سيكون الاقسى على النازحين في العراق بسبب انعدام المساعدات المقدمة لهم. فلماذا لا تقوم الحكومة بتقديم المساعدات لهم، وهي المهيمنة على أعلى الميزانيات التي عرفها في تاريخه المعاصر؟
ان ما يختار رئيس مجلس النواب والأمين العام للامم المتحدة عدم التطرق اليه حول معاناة النازحين هو ان مسؤولية فشل العلاج الأولى أو على الأقل توفير الاساسيات للنازحين، تقع على عاتق الحكومة، على افتراض ان المأساة بدأت فعلا مع مجيء داعش. وسبب الفشل واضح وضوح الشمس، فالحكومة ومجلس النواب وساسة الاحتلال (بأنواعه)، غارقون في مستنقع الفساد المالي والاداري، ومصالحهم المافيوية وملفات التهديد والابتزاز، بضمنها الإبتزاز الجنسي كما يبدو، متشابكة، إلى حد لم يعد بالامكان تفكيك فاسد من فاسد أو تبرئة سياسي من آخر. فالكل يدعي أنه الشرف والصدق والنزاهة. والكل يدعي ان «الآخر» لص فاسد.
في ظل هذه الحكومة وما سبقها، بقيادة حزب الدعوة، وبمشاركة مجلس النواب بإسلامييه وعلمانييه، تمت سرقة 360 مليار دولار أو ما يعادل نصف عائدات نفط العراق تقريبا، خلال عشر سنوات فقط، حسب تقارير لجان في مجلس النواب. وخلال عام واحد، تم تهريب 550 مليون دولار من قبل شخص واحد. ولنتمكن من تصور انعكاس حجم هذه السرقات الرسمية على تحسين اوضاع النازحين، اقتبس ما كتبه احد القراء معلقا بان المبلغ المسروق يعادل تكلفة بناء 12 مليون وحدة سكنية بقيمة 30الف دولار للوحدة السكنية الواحدة. مما يعني ليس فقط حل مشكة السكن والمدارس والمرافق الخدمية في البلد ذي الـ35 مليون مواطن، بل يضع تحسين وضع النازحين وتزويدهم بما يحفظ كرامتهم، ومساعدة الاطفال على مواصلة التعليم، في إطاره: أمر ممكن التحقيق وليس مستحيلا كما يشاع، فيما لو توفرت النية الصادقة لحكومة ترى ان دورها الاول والأخير هو تمثيل المواطنين، ويتم تنظيفها من الساسة – اللصوص الذين يجدون في الشخص النزيه، حقا، تهديدا على وجودهم ومصالحهم. مع ادراكنا بأن تقديم المساعدات الإنسانية لن يوفر حلا جذريا. اذ يرتبط الحل باستعادة العراق سيادته على أراضيه وبناء دولة يتمتع فيها العراقي بالحرية والكرامة وحق المواطنة.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

زواج الثالوث

غير المقدس في العراق

هيفاء زنكنة

 

أعلن وزير الدفاع الأمريكي، آشتون كارتر، أخيرا، إن الولايات المتحدة سترسل قوات خاصة إلى العراق، مهمتها جمع معلومات استخبارية، تنفيذ غارات، الإفراج عن رهائن، وأسر زعماء داعش. وهو قرار « يجري بالتنسيق مع الحكومة العراقية». مما افرغ، مسبقا، تصريح رئيس الوزراء حيدر العبادي، حول عدم موافقة الحكومة على دخول القوات الأمريكية. فالعبادي وحكومته يعرفان، جيدا، بأن معاهدة الإطار الاستراتيجي والأمني، التي وقعتها حكومة نوري المالكي مع الادارة الأمريكية، عام 2008، تمنح الأخيرة صلاحيات أشمل بكثير مما يريد العبادي تغطيته بالرطانة الأعلامية. حيث تنص الجملة الاولى فيهما، على: « تحمي الاتفاقيتان مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط «.
عموما، هذه ليست المرة الاولى التي ترسل فيها أمريكا قوات خاصة أضافية، لتنفيذ عملياتها العسكرية والاستخباراتية سواء بعلم الحكومة العراقية او بدونها. أقول اضافية لأن قوات الاحتلال، لم تغادر العراق، كلية، بل بقيت أعداد منها متواجدة في معسكرات عدة، سواء بشكل علني او غير علني.
واذا كان جلاء آلاف القوات واغلاق المعسكرات الكبيرة، قد نجح في تقليص التكلفة المادية للاحتلال العسكري، بالاضافة إلى عدم المخاطرة بحياة جنودهم، فانه أدى إلى تجنيد سكان البلد «الأصليين» للقتال لصالحهم، كما فعل رئيس الوزراء البريطاني تشرشل حين كان مستعدا لأن يقاتل دفاعا عن مصالح الامبراطورية البريطانية، «حتى آخر هندي».
بطبيعة الحال، لا يمكن تنفيذ مثل هذه السياسة لصالح المحتل او الامبراط