الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

*هيفاء زنكنة كاتبة وصحفية وناشطة عراقية تقيم في بريطانيا تكتب اسبوعيا في جريدة (القدس العربي)

 

مقالات سابقة للكاتبة

صورة السلطان قابوس في

حضرة رئيس وزراء «المستوطنة»

 

هيفاء زنكنة

كيف نقرأ صورة السلطان قابوس، الواقف منكمشا، في قصره، في العاصمة مسقط، مع نتنياهو، رئيس « مستوطنة إسرائيل»، إزاء خارطة غير واضحة المعالم رغم كونها مضيئة؟ ما هي دلالاتها بالنسبة إلينا، كمتلقين لخبر « سري» فاحت رائحته، وكشعوب تؤمن بالعدالة وحقها القانوني والأخلاقي، بمقاومة الظلم؟ ما الذي تعنيه صورة كهذه ودلالاتها لأبنائنا، لجيل شباب باحث عن قدوة تحتذى، في خضم سرعة تصنيع الهويات، التي تضاهي سرعة إعداد وجبة مكدونالد؟
تتناول الأسئلة، أيضا، كيفية استخدام الصورة من قبل وسائل الإعلام الإخبارية التابعة للسلطة في تشكيل الأخبار والسياسة والرأي العام. كما تنظر، في حال الاحتلال الاستيطاني وحملة التطبيع الرسمية العربية المكثفة، أخيرا، بمسميات مختلفة، عما إذا ستكون دلالات الصور المنشورة جزءا من سيرورة الحملة الصليبية المسماة « خطة القرن أو السلام»، دفعا للخطيئة الأزلية التي يحملها الغرب الأوروبي ويحاول من خلالها تنظيف نفسه من عار « الهولوكوست» الذي ارتكبه ثم جعل من أرض فلسطين وشعبها قربانا لنيل الغفران. ليصبح «الهولوكوست» الغربي أداة تسويغ لتطهير عنصري، ممنهج، ضد السكان الأصليين فيما يريدون تحويله إلى «مستوطنة إسرائيل». المستوطنة العنصرية حيث « الكل متساوون إلا أن البعض أكثر مساواة من غيرهم» كما يذكر الكاتب الإنجليزي جورج اورويل في روايته الشهيرة «مزرعة الحيوانات».
بالنسبة إلى صورة السلطان. كلنا يعرف أهمية الصورة وكيف أنها، تتجاوز، أحيانا، الخطب والتحليلات، وتختزل في لقطة واحدة، قد لا تستغرق عشر الثانية، آلاف الكلمات وحقبا زمنية كاملة. فجيفارا، بصوره، لايزال حيا بيننا، والطفلة الفيتنامية الراكضة عارية بجسدها المحروق بنابالم طائرات القصف الأمريكي، لاتزال تركض باكية ألمها في أفغانستان والعراق. وصور التعذيب في « أبو غريب» أعادت إلى الأذهان ممارسات المحتل الفرنسي في الجزائر. وأسقطت صور أطفال وشباب الانتفاضات الفلسطينية، وهم يواجهون الدبابات بحجارتهم، وبطائرات الورق، أسطورة التفوق الصهيوني. ولكن، ليست كل الصور المحفورة بالأذهان تنطق بمعاناة الناس أو تخلد فعلا شجاعا ونبيلا. فبعض الصور تسبب عكس ذلك، لذلك تحتاج صورة زيارة رئيس وزراء « مستوطنة إسرائيل»، إلى مسقط، يوم 25 تشرين الثاني/ أكتوبر، وبرفقته رئيس الموساد، قراءة خاصة تتجاوز كونها حدثا عابرا أو مجرد لقطة بروتوكول رسمي. أشير، بشكل خاص، إلى صورة السلطان واقفا مع نتنياهو إزاء خارطة مضيئة إلا أنها، وهنا المفارقة، التقطت من زاوية غيبت معالمها.

تبقى دلالة الصورة الأولى والأخيرة بالنسبة إلى عموم الناس في البلدان العربية والإسلامية هي السقوط الأخلاقي الجامع بين الرجلين مهما كانت التبريرات المصاحبة لعقد اللقاءات

يظهر في الصورة، الملتقطة يوم 25 تشرين الأول/اكتوبر، إذن، رجلان: أحدهما، أي السلطان، وهو الأقرب إلى عدسة الكاميرا، عجوز، ضئيل، بحاجة إلى من يسنده، يرتدي زيا وطنيا بلون غامق. استدارة وجهه نحو يمينه تزيد من ظلمة وجهه. يتكأ بيده اليسرى على طاولة أمامه، بينما يحمل باليد الأخرى عصا رفيعة، طويلة، نهايتها حمراء. اللافت للنظر أن يده تشبه جزءا من هيكل عظمي. يؤشر بالعصا على موقع في خريطة، تحتل مركز الصورة، إلا أننا لا نتمكن من رؤية تفاصيلها. يقف بجانبه رجل أصغر سنا، ممتلئ الجسد، يرتدي بدلة غربية حديثة فاتحة اللون. يضع يده اليسرى على الطاولة بقوة، ليس استنادا بل استحواذا، بينما يؤشر بيده اليمنى على مكان ما في الخريطة. يبدو نتنياهو بكامل الصحة والسيطرة على حركة جسده بالمقارنة مع الرجل الضئيل بجانبه. ملامح وجه نتنياهو واضحة وهو يبدي اهتماما فائقا بالموقع الذي يشير إليه السلطان بعصاه على الخريطة. الرجلان وحيدان تماما في عزلة مطلقة إلا من الخريطة ووجود رف من الكتب، في زاوية بعيدة من الصورة. نفهم من نظرات الرجلين أن الخريطة مهمة جدا ويبدو وكأنهما يتبادلان الحديث عنها. هل هي لحظة اقتسام الخليج العربي؟ ترى هل منح السلطان « ضيفه» ما لا يملكه ليزيد من التوسع الاستيطاني الصهيوني اليومي على حساب الأراضي الفلسطينية، في لحظة تماهى فيها الخنوع، وهو سمة يتمتع بها الحكام العرب بامتياز، مع هلعهم من أن يصبحوا أيتاما أمام شعوبهم؟ وإلا لم الخلوة؟ أين زوجة نتنياهو ورئيس الموساد، ورئيس هيئة الأمن القومي ومدير عام الخارجية يوفال روتيم، ورئيس ديوان رئيس الوزراء يؤاف هوروفيتس، والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء العميد أفي بلوت؟
من الذي التقط هذه الصورة المهينة عمدا حيث تم تقديم السلطان بشكل قلما يراه الآخرون؟ إنها، إذا استعرنا مقولة سوزان سونتاج عن التصوير «جريمة قتل ناعمة ومناسبة لوقت محزن وخائف». أشك أن يكون المصور عمانيا أو لعله عمانيا يعرف جيدا ما يفعله. يعرف أن « الصورة مشهد تمت إعادة انتاجه أو إنشائه»، كما يقول المفكر البريطاني جون بيرغر، مما يعني أن صورة السلطان ونتنياهو لا تزيد عن كونها إعادة تشكيل للقاءات طالما تكررت سابقا، سواء من قبل السلطان أو بقية الحكام العرب، وكل ما في الأمر الآن أن اللقاءات لم تعد سرية. لم تعد تمارس كالموبقات في الخفاء. إنه فعل تطبيع علني (وهو نعت في غاية التهذيب).
الصورة، كما هو معروف، رأي. فمن هو كاتب الرأي في الصورة؟ ولمن تم توجيهها؟ إنها موجهة، إلى الجمهور الغربي والعربي ـ الإسلامي معا. فوجود السلطان العجوز ببشرته الداكنة، وزيه الوطني الغامق، وضعفه الجسدي مقابل نتنياهو ببشرته البيضاء وبدلته الغربية وفضوله المركز على الخريطة (ونحن نعرف المغزى العميق للخريطة) هو تشكيل هوليوودي جاهز، يجمع بين رجل القرون الوسطى الموشك على التهاوي إزاء رجل أبيض (هكذا يقدم المستوطن نفسه) يرتدي بدلة الغرب «الحداثية».
بالمقابل، تبقى دلالة الصورة الأولى والأخيرة، بالنسبة إلى عموم الناس في البلدان العربية والإسلامية، هي السقوط الأخلاقي الجامع بين الرجلين، مهما كانت التبريرات المصاحبة لعقد اللقاءات. إنه سقوط أخلاقي يقف بمواجهته، تحديا، شباب المقاومة الفلسطينية ومساندوهم في حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (البي دي أس) في أرجاء العالم.

كاتبة من العراق

 

 

هل يمكن تطبيق العدالة

الانتقالية في العراق؟

هيفاء زنكنة

 

يحيلنا تعدد مصادر القوة والعنف، في عراق ما بعد الغزو الانكلو امريكي، ما بين الميليشيات وأحزابها وحكوماتها، الى تنوع أساليب طمس الحقيقة، من الإعلامي التضليلي، الناعم، الى الوحشي المتبدي باختفاء المعارضين والاغتيال والاعدامات الجماعية، بعد استخلاص اعترافات تلفزيونية عن تهم مختلقة.
ذلك كله يمر بلا عقاب، على الرغم من توفر قوائم بأسماء من تم اختطافهم، وتصفيتهم من الأكاديميين والصحافيين والعلماء وأئمة المساجد اثناء وجود قوات الاحتلال، بشكل مباشر، أو غير مباشر عبر المتعاونين معه من ساسة حكومات الاحتلال. هذه القوائم موثقة من قبل منظمات حقوقية، عراقية ـ دولية، أملا في مساءلة المجرمين في مسار تحقيق «العدالة الانتقالية»، في ظل حكومة وطنية، مستقبلا. وهو مسار تم الشروع بتنفيذ نسخة مشوهة منه، أثر الغزو وتحت الاحتلال، مباشرة، فاستخدم كأداة للانتقام تحت مسمى «اجتثاث البعث»، بأيدي ميليشيات وقوى خارجية، مؤديا الى شرعنة القتل والاقصاء، بدلا من ان يستعيد العراقيون عافيتهم الوطنية والشروع ببناء البلد المهدم.
ان تحقيق العدالة الانتقالية، ليس سهلا الا انه ليس مهمة مستحيلة. ولدينا أمثلة حققت خطوات ناجحة في بلدين عربيين هما المغرب وتونس، وبالإمكان الاستفادة من تجربتيهما إذا ما اخذنا بعين الاعتبار تمايزهما الجوهري عن الوضع العراقي، اذ يتمتع كلا البلدين بحكومة وطنية تبنت مسيرة تحقيق العدالة الانتقالية للجميع بلا استثناء، عبر حقب زمنية مختلفة تمتد، في حالة تونس، الى مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار الفرنسي. ولا تكون حصرا لفئة متضررة دون غيرها، كما لا يشرف عليها ذات الساسة الذين ساهموا أو أشرفوا أو كانوا في موقع المسؤولية حين ارتكاب الانتهاكات والجرائم. وهذا ما لم يتم في العراق، حين اقتصر تطبيق كيفية التعامل مع تركة الماضي، على النظر في قضايا ضحايا النظام السابق وتعويضهم وتجاهل قضايا وحقوق مئات الآلاف من ضحايا الغزو والاحتلال على مدى 15 عاما.
مما يثير تساؤلات جوهرية عديدة حول مفهوم «العدالة الانتقالية»، لا تمس فقط انتهاكات حقوق الانسان في حقبة محددة هي الانتقال من نظام دكتاتوري الى ديمقراطي. لكنها تمس، بشكل مباشر، في حالة العراق، ساسة الحكومة « المنتخبة» حاليا، استنادا الى سؤال أكثر تحديدا وهو: هل بالإمكان تطبيق « العدالة الانتقالية» في بلد محتل؟ وهل بالإمكان تنفيذها بشكل مستقل وشفاف من قبل ساسة تعاونوا مع الاحتلال ويتحملون مسؤولية الخراب المتراكم؟ الى أي حد سيكونون قادرين على كشف الحقيقة وقد انخرطوا بطمسها بدرجة أو أخرى، متغاضين عن الجريمة الأكبر، قانونيا واخلاقيا، في جميع بلدان العالم، أي التعاون مع المحتل؟

هل بالإمكان تنفيذ العدالة الانتقالية بشكل مستقل وشفاف من قبل ساسة تعاونوا مع الاحتلال ويتحملون مسؤولية الخراب المتراكم؟

تسري هذه التهم على معظم الساسة الذين تناوبوا على استلام المناصب منذ عام 2003، ولا تستثنى منها حكومة رئيس الوزراء الجديد عادل عبد المهدي، بل ربما تعنيه أكثر من غيره لأنه كان قد درس وأقام على مدى عقود في فرنسا، وهو أدرى من غيره بمعاقبتها الصارمة للمتعاونين مع الاحتلال النازي، الى حد دفع الرئيس شارل ديغول الى تأسيس المحاكم الاستثنائية الفرنسية سنة 1944، لا بهدف محاكمة المتعاونين مع الاحتلال النازي باعتبارهم قد ارتكبوا جريمة خيانة تخل بالوطنية، فحسب، بل لوضع حد لفوضى التصفيات خارج القانون. يعرف القانون الفرنسي جريمة خيانة الوطن بانها «القيام عمدا سواء بفرنسا او بالخارج بتقديم دعم مباشر او غير مباشر لألمانيا وحلفائها او الاضرار بوحدة الامة او بحرية الفرنسيين او بالمساواة فيما بينهم». الا تنطبق هذه المواصفات على المتعاونين مع الاحتلال سواء من خارج أو داخل العراق خاصة وانه كان قد صنف بانه « محتلا» بقرار من الأمم المتحدة؟
ولا بد ان عبد المهدي يعرف سلم العقوبات الذي حدده ديغول ليضع على رأسها الحرمان من حق الانتخاب والترشح للانتخابات والحرمان من الوظيفة العمومية او شبه العمومية ومن الوظائف السيادية. وسلكت تونس المسار نفسه فكان قانون «تحصين الاستقلال» الصادر عام 1957، الذي تم فيه تعريف المتعاون، تفصيلا، بانه “كل تونسي تعمد اعانة سلطات الحماية بصفة مباشرة او غير مباشرة قبل 31 تموز/يوليو 1954… وكل من باشر وظيفا في مصالح الامن او الصحافة او الاخبار وكل من شارك في المجلس الكبير او مجالس الاعمال او المجالس البلدية… وكل من شارك في تنظيم مظاهرة فنية او اقتصادية او سياسية او غيرها لفائدة الاستعمار». وجاء الحرمان من المشاركة بالانتخابات تصويتا وترشحا والحرمان من جميع الوظائف العمومية من أولويات العقوبة. فلماذا لم يتم الأخذ بهذه العقوبات إزاء المتعاونين العراقيين مع الاحتلال بل وباتوا يحتلون ذات المناصب التي يجب ان يحرموا منها؟
هذه العقوبات تم تطبيقها، فعلا بالعراق، ولكن وفق قانون المحتل فكان قانون «اجتثاث البعث» الذي أصبح خلافا للتجربة الفرنسية بعد التحرير والتونسية (1956 ـ 2011) حملة تطهير منهجية، كما وصفها تقرير المركز الدولي للعدالة الانتقالية: «إرث مر… دروس من عملية اجتثاث البعث في العراق». وشكلت حملة التطهير الخلفية لتأسيس « الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة» في عام 2008، التي لم تضع حدا زمنيا لعملية اجتثاث البعث، وبقي عملها، كما هو معنيا بملاحقة المتهمين بالانضمام الى حزب البعث، وان تخللها النظر في إعادة المفصولين ظلما الى وظائفهم، في ظل مناورات وصفقات سياسية في فترات الانتخابات، على الرغم من اسمها المقترن الى حد ما بالعدالة الانتقالية والمفترض ان يشمل انتهاكات وجرائم الحقب السياسية المختلفة.
إن أعمدة العدالة الانتقالية ترتكز على إظهار الحقيقة والمساءلة والمحاسبة والحيلولة دون تكرار الانتهاكات وانصاف الضحايا والمصالحة وان يتم ذلك وفقا لمعايير مقررة وطنيا. وهي النقطة الأكثر أهمية التي تعيدنا الى السؤال الملح: ماذا عمن تعاون مع المحتل، وماذا عن جرائم المحتل نفسه وكل الاضرار التي سببها؟ هل بإمكان المتعاونين معه مطالبته بالتعويضات، قانونيا، من اجل انصاف الضحايا؟

كاتبة من العراق

 

 

«من هم أعداؤنا  ومن هم أصدقاؤنا»

 في العراق؟

هيفاء زنكنة *

 

«العراق هو الرابط الذي يجمع بين العديد من القضايا ـ الإسلام مقابل الديمقراطية، الغرب مقابل محور الشر، القومية العربية مقابل بعض أنواع الثقافة السياسية المختلفة. إذا نجح الأمريكيون هنا، فإن هذا سيكون ضربة هائلة لكل شيء يرمز اليه الإرهابيون «. هذه الفقرة ليست مقتطعة من خطاب للرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الإبن أو وزير دفاعه دونالد رامسفيلد، في تسويقهما شن الحرب على العراق. أنه تصريح لبرهم صالح، رئيس العراق، حاليا، حين كان رئيس وزراء كردستان، استهل به كليفورد ماي، رئيس مؤسسة أبحاث مكافحة الإرهاب، في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، محاججته حول ضرورة استمرار احتلال العراق، في مؤتمر « الجهاد في العراق» الذي انعقد بواشنطن في 5 أيلول / سبتمبر 2003. أي بعد الغزو والاحتلال الانكلو أمريكي بما يقارب الستة أشهر. لخص كليفورد طبيعة المشروع الأمريكي مصنفا اهل منطقة معينة بالعراق كإرهابيين، قائلا “أليس من الأفضل أن نستقطبهم بالعراق ونقصفهم بطائراتنا في تكريت، بدلاً من ان يعبروا الحدود الكندية والمكسيكية بحثاً عن مراكز التسوق لتفجيرها كانتحاريين؟». اعتبر كليفورد ان المقاومة ضد الوجود الأمريكي كمحتل هي تفجيرات إرهابية «تشير إلى أن جهادًا عالميًا يجري الآن ضد الولايات المتحدة ـ مع نقطة ارتكازها في العراق»، متسائلا « من هم أعداؤنا؟ من هم أصدقاؤنا؟ ما هي السياسة التي يجب على الولايات المتحدة اتباعها للدفاع عن نفسها وفي النهاية تحقيق النصر؟». هذه التساؤلات لاتزال قائمة بالنسبة الى كليفورد ماي ومن يمثلهم، كما انها تستدعي طرح أسئلة أخرى والعراق مقبل، شاء أم أبى، على وجبة ساسة لعبوا أدوارا مهمة في تسويق الاحتلال وها هم، يتسنمون المناصب بأقنعة جديدة.
فمن هو كليفورد ماي؟ وما هو مضمون رسالة برهم صالح التي استخدمها لتلخيص موقف « مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»؟ وما هو سبب الاهتمام بالعراق قبل 15 عاما؟ وماذا عن الآن؟
كليفورد هو رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (
FDD). وهي منظمة، أفرادها من المحافظين الجدد، تأسست في أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر بهدف الضغط لشن «الحرب على الإرهاب» العدوانية في الشرق الأوسط والسياسات «الموالية لإسرائيل» في واشنطن. زعمت المجموعة في البداية أنها تشن معركة إيديولوجية مع «الحركة الإسلامية المتشددة» في «حرب عالمية… تشن ضد مجتمعات ديمقراطية». بينما تدعي أن مهمتها هي «تعزيز التعددية والدفاع عن القيم الديمقراطية ومحاربة الأيديولوجيات التي تدفع الإرهاب».
تعمل المؤسسة ضد الكيانات والقوى المعارضة للمشروع الأمريكي، خاصة «مشروع القرن الأمريكي الجديد»، التوسعي للمحافظين الجدد، في جميع أنحاء العالم، فتركز في عملها، بواسطة اللوبي النشط، والمؤتمرات « الاكاديمية والفكرية»، على التحريض ضد دول معينة باعتبارها، من أبرز أعداء أمريكا، وكونها « تحتضن عقائد متطرفة تغذي الإرهاب»، مركزة معظم أنشطتها في توجيه النقد والتحريض ضد هذه البلدان، الى حد التحريض على غزوها بعد تصنيفها كمعادية للمشروع الأمريكي « الديمقراطي» والصهيوني الاستيطاني بفلسطين.

الترحيب الأمريكي ـ الصهيوني، بالرئيس الجديد وتحول مقتدى الصدر من عدو الى شريك، يدل على ان اهتمام أمريكا بالعراق، لايزال ساري المفعول

فمؤسسة « الدفاع عن الديمقراطيات» معروفة بولائها المطلق لإسرائيل، وبتوجهاتها اليمينية المتشددة، وتتلقى تمويلا من منظمة المؤتمر اليهودي العالمي. حين قدم رئيسها كليفورد ماي طلبه الأول لتسجيل المؤسسة كمنظمة غير ربحية، في أمريكا، شرح أن هدف المؤسسة هو « توفير التعليم لتعزيز صورة إسرائيل في أمريكا الشمالية وفهم الجمهور للقضايا التي تؤثر على العلاقات العربية الإسرائيلية».
بالنسبة الى العراق، شنت المؤسسة حملة قوية لتسويق غزوه أو ما يسمونه «تحرير العراق»، وفق مشروع القرن الأمريكي الجديد. ففي 23 كانون الأول (ديسمبر) 2002 ـ نشر بول كريسبو، وهو ضابط سابق في مشاة البحرية وملحق عسكري، وزميل أقدم في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، موضوعا أكد فيه ان «النصر السريع في العراق يمكن أن يحوّل الشرق الأوسط». وان «العراق هو المركز الجغرافي ومركز الثقل الإستراتيجي للمنطقة.، وقد تم «تحييده بعد ان كان نظاما مارقا»، باحثا في إمكانية جعله « حليفا محتملا». وهو ذات المنظور الذي روج له برهم صالح، ولا يزال.
علينا الانتباه هنا الى انه ليس المنظور الليبرالي الذي يسقطه العديد من المحللين السياسيين على برهم صالح، كما فعلوا مع أحمد الجلبي الذي تم تلميعه بصبغتي الليبرالية والديمقراطية، بل انه منظور المحافظين الجدد، الذي يخطئ البعض حين يظنون انه انتهى مع إدارة بوش. فمشروعهم لايزال حيا ومتجددا من خلال مؤسسات فكرية واكاديمية وإعلامية يهيمن عليها الصهاينة، حماة إسرائيل، بقوة. وتكرس دورية « الحرب الطويلة» الصادرة عن المؤسسة، جهودها لتقديم تقارير وتحليلات عن الحرب الأمريكية الطويلة (المعروفة باسم الحرب العالمية على الإرهاب). ويتم إنجاز ذلك من خلال برامج مراسليها المعتمدين، وجمع الاخبار من جميع ارجاء العالم، والخرائط، والبث الالكتروني، وغيرها من وسائط التواصل المتعددة.
يتمثل مشروع المحافظين الجدد، بأوضح صوره، اذن، عبر عمل المؤسسة الدؤوب التي ترى ان ما حدث، بالعراق « أخطاء ـ رغم أنها هامة في بعض الحالات ـ لا تزال تكتيكية وقصيرة الأجل، وليست استراتيجية وطويلة الأجل». وأن الضبابية المحيطة بالوضع العام «لم تغير الأسباب التي دفعتنا الى خوض الحرب».
ان إزالة « ضبابية الوضع « بالعراق، يتطلب وجود ساسة عراقيين يواصلون عملها، لذلك، لاحظنا سيل المقالات المنشورة في الصحافة والمواقع اليمينية المتشددة ضد الإسلام، والمؤيدة لكيان الاحتلال العنصري، المؤسسة ومعهد المبادرة الأمريكي، المهللة لبرهم صالح بعناوين على غرار « الأكثر موهبة بين السياسيين الاكراد» و « على البرلمان العراقي اختيار برهم صالح رئيسا « وانه «الأفضل « ممن يستحسن التعاون معهم، على الرغم من صلاحياته المحدودة.
من جهة أخرى، رحب خليل زاد، أحد مهندسي الاحتلال البارزين والسفير الأمريكي السابق، بفوز تحالف مقتدى الصدر والحزب الشيوعي وحصولهم على 56 مقعدا في الانتخابات، واصفا مشاركة الصدر بالعملية السياسية التي كان ضدها، سابقا، باعتبارها نقطة تحول له من « متشدد الى قائد سياسي» وهو فعل « إيجابي. لأن تعريف النجاح هو تحويل الأعداء إلى شركاء بنائين». هذا الترحيب الأمريكي ـ الصهيوني، بالرئيس الجديد وتحول مقتدى الصدر من عدو الى شريك، يدل على ان اهتمام أمريكا بالعراق، لايزال ساري المفعول، وستشهد الأيام المقبلة صراعا دمويا بينها وإيران المحاصرة اقتصاديا، من خلال ميليشياتها، ولن يكون العراقيون غير ضحايا « أخطاء» او مجرد «خسائر» ثانوية.

 

 

البيئة والوعي الجماعي العراقي

بعيدا عن ساسة العشرين في المئة

هيفاء زنكنة

 

في الوقت الذي يستمر فيه ساسة «العراق الجديد» بالصراع على المناصب وكيفية الاستيلاء على أكبر حصة من اموال النفط وعقود الاعمار، يعيش العراقيون سجناء اللحظة. يكاد يكون ارتباطهم بالمستقبل سرابا لولا حرصهم على البقاء احياء من اجل أطفالهم.
ومن يتابع صرخات الاستنجاد والاستغاثة التي يطلقها الناس، يوميا، عبر أجهزة الاعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، سيتساءل عن البلد الذي يقطنونه، وعن الحكومة التي تدير شؤونهم. وسيخطئ من يظن انهم من سكان بلد مدقع الفقر يعاني من قحط الموارد الطبيعية. وسيكون مصيبا من يعتقد ان أولياء الامر فاسدون حتى النخاع وان حياة أبناء الشعب لا قيمة لها لديهم، وانهم يدركون جيدا مدى الخراب العمراني والبيئوي والبشري الذي ألحقوه بالعراق، لذلك أبقى كل واحد منهم أبناءه وكل افراد عائلته خارج «الوطن»، حرصا عليهم، لئلا يمسهم ما يصيب بقية الناس من أمراض ومخاطر.
فقد بات البلد بفضلهم وفضل آبائهم من الغزاة، بؤرة للتلوث، بأنواعه، والامراض والاوبئة، بحيث لم تعد الصفات المستخدمة، عادة، دوليا، مثل «أزمة» لوصف التدهور البيئي، تنطبق عليه. فما يتعرض له العراق من نقص في مستوى المياه والتصحر « كارثة « سيؤدي الى ان تصبح بلاد ما بين النهرين صفحة منسية من التاريخ، حسب منظمة اليونسكو. وهي كارثة يحذر منها خبراء عراقيون من بينهم د. كاظم المقدادي ود. هيثم الشيباني ود. محمد العبيدي. كلهم خبراء بيئة يواصلون رصد الوضع البيئي والكتابة عنه توضيحا وتوعية وتحذيرا، بالإضافة الى تقديم المقترحات الهادفة الى الجهات الرسمية، على أمل توفر النية الصادقة للإصغاء والأخذ بها.
تتسم الصورة التي يوضحها الخبراء بتفاصيل مخيفة. أبرزها شحة المياه وتلوثها والمواد المشعة. شحة المياه أسبابها عديدة، تبدأ بهيمنة إيران وتركيا على مصادرها سواء عن طريق بناء السدود او تحويل مجرى الأنهار. أدت الشحة الى العواصف الترابية وما تسببه من امراض تصيب الجهاز التنفسي. كما أدت الى زيادة سرعة التصحر ووصولها نسبة خمسة بالمئة سنويا. وهي نسبة خطيرة تؤدي انعكاساتها الى اعاقة الزراعة والهجرة وتغيير أنماط العيش وتزايد نسب البطالة. تقع مسؤولية هذا الجانب من الكارثة البيئية على عاتق الحكومة التي لم يكن همها، على مدى سنوات حكمها منذ عام 2003 وحتى اليوم، وضع خطة استراتيجية لإيجاد حل لمشكلة المياه مع الدول المجاورة. وهي مشكلة بجوهرها، سياسية قانونية. وكان بإمكان الحكومة إيجاد حل لها وفق القانون الدولي.

اتخذ المواطنون، في مقاطعتهم الانتخابات ومظاهرات البصرة، خطوة ايجابية نحو الارتقاء بالوعي الجماعي من المناشدة والترجي الى أخذ زمام المبادرة

الجانب الآخر المهمل هو اعمار البنية التحتية أي محطات تحلية المياه ومجاري الصرف الصحي، وهي من أهم ما تلتفت اليه الدول، عادة، إدامة وتوسيعا حسب زيادة السكان السنوية. وقد دمر بعضها عام 1991، ونفوس العراق وقتها نصف ما هو عليه اليوم، وتم إصلاحها وتشغيلها أثناء الحصار حتى 2003. حيث لا يوجد سوى 30 محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي في العراق، تعمل دون حدود الكفاءة المقبولة. بعض المحافظات لا توجد بها محطات. أدى نقص معالجة النفايات والرمي المباشر في الأنهار، إلى مستوى عال من التلوث، مؤديا الى انتشار الأمراض التي تنقلها المياه. وقد أكدت إدارة صحة البصرة أن مياه الشرب في أكثر من 70 في المائة من المناطق ملوثة وغير صالحة للاستهلاك البشري. ورصد البرنامج الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية 60 وباءً في مناطق مختلفة من البلد. فهل يستغرب العالم حين يثور أهل البصرة ضد كل ما يمثل النظام الذي لم يفعل شيئا إيجابيا لهم على مدى 16 عاما تقريبا بل وجردهم، وهم أهل المدينة الغنية بنفطها وتاريخها الحضاري، من كرامتهم، مختزلا إياهم الى استجداء ماء الشرب وإصابة الآلاف منهم بالتسمم والاسهال؟ ارقام المصابين مذهلة. تجاوزت الأسبوع الماضي المائة ألف، حسب دائرة الصحة في البصرة.
ولاتزال المشاكل على حالها، اليوم، على الرغم من المظاهرات والاعتصامات وصرخات المواطنين المطالبة بأبسط حقوق العيش الكريم. وما يزيد الطين بلة هو تبادل الاتهامات بين الوزراء والمسؤولين في الحكومة كمحاولة لتغطية الفساد، وتبييض الوجوه من المسؤولية. فمسؤولو البيئة مثلا يتهمون وزارتي النفط والكهرباء بتلويث البيئة بسبب عدم معالجة مخلفاتهما، حيث تصرف بشكل مباشر الى مياه الأنهر، بينما ترمي الوزارتان المسؤولية على مجالس المحافظات وعدم توفر الميزانية.. الى آخر ذلك من المهاترات التي تهدف الى اشغال المواطنين بدلا من إيجاد الحلول.
وإذا كان المحتل الأمريكي ـ البريطاني هو المسؤول الأول عن التلوث الاشعاعي والكيميائي، سواء عن طريق استخدام اليورانيوم المنضب في قصفه واستهدافه العراق في التسعينيات ثم عام 2003، فأن صمت المسؤولين العراقيين، الذين اشتركوا معه بذريعة « التحرير»، يحملهم المسؤولية أيضا. خاصة وانهم ساهموا بنشر التقارير وإطلاق التصريحات المضللة عن عدم مضار الاشعاع، بالإضافة الى عدم ممارستهم صلاحياتهم لإجبار دول الاحتلال على تحمل مسؤولياتهم القانونية وتنظيف المناطق المنكوبة، بينما تدل كل البحوث والتقارير العلمية الدولية والعراقية المستقلة على تأثير الاشعاع المرعب الذي وصفه عدد من العلماء بأنه يفوق التلوث الإشعاعي الناتج عن قنبلتي هيروشيما وناغازاكي، والمتبدي، عمليا، بزيادة حالات الإصابة بأمراض السرطان والتشوهات الخلقية للأجنة، والذي يخشى انتقال مضاره جينيا، واستمرار آثاره على مدى أجيال.
ما هو الحل؟ كل الحلول مرتبطة بوضع حد للفساد المالي والإداري والاخلاقي. الفساد المعشش في عقول وأجساد المسؤولين والذي انعكس على حياة الناس بشكل مصائب تبدو وكأن من المستحيل إيجاد حل لها. فما من مشروع، مهما كان حجمه وأهميته الا وامتدت اليه أصابع السراق من اعلى منصب بالحكومة الى أصغره، لتحوله الى هيكل فارغ من الادعاءات والحشو اللفظي، ومشاريع توفير المياه الصاحة للشرب وبناء محطات التصريف وصيانة المجاري والتزود بالكهرباء، واحدة من الأساسيات المهملة تماما. وقد اتخذ المواطنون، في مقاطعتهم الانتخابات ومظاهرات البصرة وبقية المدن، خطوة ايجابية نحو الارتقاء بالوعي الجماعي من المناشدة والترجي الى أخذ زمام المبادرة. وهي خطوة، إذا ما تلتها مبادرات مجتمعية وطنية أخرى، ستؤدي بالنتيجة الى التغيير السياسي الحقيقي وليس تدوير الوجوه الفاسدة، بنسبة انتخاب عشرين بالمئة، كما يجري الآن.

٭ كاتبة من العراق

 

 

ناشطون من أجل الإنسانية…

نحن كثرة وهم قلة

هيفاء زنكنة

ما هي شرعية محكمة شعبية، يؤسسها حقوقيون عاملون في بلدان مختلفة لوضع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس الوزراء البريطاني، جنبا الى جنب، في قفص الاتهام، لمحاكمتهما بتهمة شن حرب عدوانية وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في العراق؟ وإذا كان المشروع الأمريكي ـ البريطاني لغزو واحتلال العراق، هو لتحقيق الديمقراطية، كما تم الترويج له، وإذا كانت النهايات الفعالة للممارسات الإمبريالية، ستحقق الديمقراطية، وهي ما نصبو اليه أيضا، ما هو الفرق بين المشروع الديمقراطي الإمبريالي ومشروعنا؟ 
تساؤل آخر: ما هي هذه الديمقراطية؟ ومن هم «نحن»؟ ما هي حدود المسؤولية الدولية القانونية والأخلاقية لمساعدة الشعوب المقهورة تحت أنظمة قمعية؟
ما هي مفاهيم حقوق الانسان والمساعدة الإنسانية وكيفية استخدامهما لتبرير الحرب الإمبريالية والاحتلال، من منظور عقيدة المحافظين الجدد، متمثلة بتصريح دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي، عام 2002، أن «الحرب على الإرهاب هي حرب من أجل حقوق الإنسان»؟ 
هذه بعض الأسئلة التي تثيرها د عائشة شوبكشو في كتابها الذي صدر أخيرا، بعنوان « من أجل حب الإنسانية: المحكمة العالمية عن العراق». يعالج الكتاب، بمنهجية أكاديمية، تجمع ما بين علم الاجناس البشرية والعلوم السياسية، تجربة غير مسبوقة في نطاقها العالمي وبنيتها ورقيها، ضمن تقليد «محاكم المجتمع المدني»، لكونها شبكة لا مركزية وغير متداخلة من التعاون التضامني عبر القارات. 
وهي استمرارية من ناحية المفهوم، وان بتطبيق مغاير، لمحكمة الضمير التي أسسها المفكر البريطاني برتراند راسل عن الحرب الأمريكية ضد فيتنام بالتعاون مع الكاتب الفرنسي جان بول سارتر. 
اعتمدت د. شوبكشو في مؤلفها على تجربتها الشخصية كطالبة دكتوراة، وكناشطة حضرت الاجتماع التأسيسي للمحكمة، صيف 2003، الذي استغرق ثلاثة أيام، وحضره ناشطون من جميع انحاء العالم. ولها يعود الفضل في تسجيل كل ما دار في الاجتماع من نقاشات لتدارس كيفية وآلية التأسيس. كما حضرت وساهمت بصورة فعالة في جلسات المحكمة التي تم انعقادها في 12 مدينة، حول العالم، من بينها بروكسل ونيويورك ولشبونة وكيوتو باليابان. 
الكتاب، برأيي، وثيقة مهمة، عن تجربة شارك فيها مئات الناشطين من كتاب وقانونيين وفنانين ومؤرخين، ومن بينهم حوالي عشرين عراقيا، من داخل وخارج العراق، في حقبة شهدت احتلال بلدهم وارتكاب أبشع الجرائم بحق الناس وانبثاق المقاومة. تحاجج شوبشكو الادعاءات التي استخدمت لشن الحرب، من ناحيتي القانون الدولي والإنساني، بالإضافة الى المسؤولية الأخلاقية، مستعرضة مواقف العديد من المفكرين والفلاسفة والأكاديميين، من الحرب كأداة لتغيير الانظمة، بذريعة حمايتها وتحريرها، ومواقف وشهادات اما من ساهموا في المحاكمة او وقفوا ضدها او استصغروا مدى فاعليتها. 
جاء توقيت الاجتماع التأسيسي للمحكمة، في إسطنبول، بعد ان شهد العالم في 15 شباط/فبراير 2003، أكبر مظاهرة في تاريخ البشرية تتم قبل شن الحرب وليس اثنائها. شارك فيها الملايين ضد حرب كانوا يعرفون جيدا زيف ادعاءاتها. التظاهرة التي صورها مخرج الأفلام الوثائقية الإيراني أمير أميراني في فيلمه «نحن كثرة». وهو عنوان مقتبس من كلمة الروائية الناشطة الهندية أرونداتي روي «لاتنسوا! إننا كثرة وهم قلة. هم يحتاجوننا أكثر مما نحتاجهم».
للإجابة حول سؤال شرعية المحكمة، توصل المجتمعون الى ان شرعيتها هي مقاومة الشعب العراقي للاحتلال وحين «تفشل مؤسسات القانون الدولي الرسمية في التصرف، فإن من حق وواجب المجتمع المدني العالمي تشكيل محكمة تروي وتنشر الحقيقة عن حرب العراق». مما يقتضي تأسيس محكمة ضمير، قد لا تملك قوة التنفيذ القانوني، الا انها ضرورية» لقول الحقيقة ونشرها وإنشاء سجل تاريخي بديل لاحتلال العراق، بما في ذلك المقاومة العالمية لها». وأكد الروائي جون بيرغر أهمية إنشاء مثل هذه المحكمة، «اذ يجب الاحتفاظ بالوثائق لأن الجناة، بطبيعتهم، سيحاولون تدميرها. على كل شخص أن يؤرخ الموت والدمار الذي لا يوصف الذي تجلبه. على كل شخص تسجيل المعارضة الكبيرة لهذه الحرب، بحيث لا يصبح بالإمكان نسيان الجرائم». 
بعد مرور عامين، في حزيران 2005، عقدت الجلسة النهائية، باسطنبول، حيث تم تقديم أربع وخمسين شهادة وتقرير أمام لجنة التحكيم برئاسة الروائية والناشطة الهندية المعروفة أرونداتي روي، وبحضور آلاف المساندين والناشطين في مجال حقوق الانسان. في واحدة من أكثر اللحظات المؤثرة في المحكمة، دخل عدد من الناشطين العراقيين وهم يحملون راية، بشكل شريط سينمائي، طوله حوالي 22 مترا، مكون من صور جرحى وقتلى ومشوهي ضحايا الغزو واستخدام اليورانيوم المنضب. استمرت بعض اللجان الحقوقية المشاركة في عملها ضد الاحتلال حتى اليوم. وانتظم بعضها بدعم من مؤسسة راسل للسلام في محكمة بروكسل لجرائم الحرب. كما ساهمت في جلسات كوالالمبور الحقوقية التي ادارها رئيس وزراء ماليزيا مهاتير، ويستمرون في لقاءات دورية لشبكة مناهضة الحرب التي دشنت هذا العام مشروع «شهر التضامن مع العراق». 
من بين العراقيين الذين ساهموا في أعمال المحكمة أما كشهود أو خبراء أو ناشطين أو فنانين: ايمان أحمد، نرمين المفتي، سعاد العزاوي، فاضل البدراني، سلام عمر، رضا فرحان، كريم خليل، هناء البياتي، عبد الاله البياتي، وهناء إبراهيم.
الملاحظ ان عدد العراقيين كان، خاصة، في الاجتماعات التأسيسية، قليلا. ربما لصعوبة ومخاطر السفر والظهور الإعلامي في نشاط مضاد للاحتلال مع تزايد استهداف المناوئين له. مما جعل حضورهم، هامشيا، مقتصرا، أحيانا، على تقديم الشهادات. الأمر الذي لم يعتبره المشاركون مشكلة. توضح المؤلفة: «في رأيي، لأنه كان ينظر إلى «الإنسانية» على أنها المجتمع الأكبر الذي انتهكته الحرب على العراق». فأصبحت الحرب على العراق تهديدا للعالم. و«لتوظيف لغة القانون الدولي، اعتبرت الجرائم التي ارتكبت ضد الشعب العراقي جرائم عالمية ضد الإنسانية». وكما جاء في قرار ادانة الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير «الحرب على العراق هي حرب ضدنا جميعا». مما جعل الحضور العراقي، رمزيا، وحركة المجتمع المدني العالمي تمثله من خلال الدفاع عن نفسها. وهي نقطة مهمة تستحق النقاش والمراجعة بالإضافة الى تقييم المساهمة في المحاكمة ككل، الامر الذي لم يقم به حتى الآن، أيا منا، نحن الذين ساهموا في نشاط، بات جزءا من ذاكرة التضامن الإنساني العالمي. وان نواصل التحدي بنشاط تهدف استراتيجيته، الى استنزاف الامبريالية «فلنسخر منها، بفننا، بموسيقانا، بأدبنا، بعنادنا، بفرحتنا بالحياة، بخيالنا، بكل عزمنا وبقدرتنا على رواية تاريخنا»، كما تقول الرائعة ارونداتي راي.

٭ كاتبة من العراق

 

 


قتل المرأة في العراق حلال!

هيفاء زنكنة

 

أضيفت الى سلسلة التصفيات المستشرية، في جميع انحاء العراق، أخيرا، حملة تصفية، منهجية، تستهدف نساء يعملن في المجال العام. يفصل بين ارتكاب الجرائم فترة زمنية قصيرة لا تتعدى الأسابيع، وأحيانا، أياما معدودة. ففي شهر آب/ أغسطس أعلن عن وفاة اثنتين من خبيرات التجميل هما رفيف الياسري ورانيا الحسن في «ظروف غامضة»، بقيت بلا تفسير من الجهات المعنية. تلاها اغتيال ثلاث نساء هن الدكتورة سعاد العلي، عضو منظمة الود لحقوق الانسان، وكانت ناشطة بشكل خاص اثناء انتفاضة البصرة، على مدى شهور، وسحر الإبراهيمي مديرة مركز مساج والموديل تارة فارس ذات الحضور اللافت للانتباه على صفحات التواصل الاجتماعي. 
ولأن ما يجمع النساء المستهدفات هو العمل، في المجال العام، على اختلاف طبيعته، تم تسليط الضوء، على اغتيالهن أكثر من عمليات الاغتيال الأخرى سواء كانت سياسية أو بفعل الانتقام الشخصي، سواء من قبل افراد او ميليشيات أو جهات حكومية. ومع انتشار التفاصيل، بدون القاء القبض على الجناة او تقديم توضيح من الجهات المسؤولة، امتد تأثير اغتيالهن ليرسخ حالة الخوف بين النساء خصوصا بين الناشطات من جهة والنساء العاملات في مجال التجميل من جهة أخرى.. 
هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها استهداف النساء بالعراق، بل ان هناك من الاحصائيات والتقارير الحقوقية المحلية والدولية ما يثبت ان المرأة استهدفت، لمنعها من ممارسة أي نشاط عام أو غير عام، بشكل مستمر، ومستويات مختلفة، وبأشكال متعددة من الصعب حصرها، تراوح ما بين الاختطاف والقصف والتهجير والاعدام، منذ ان وطأ الغزاة أرض العراق، بذرائع مختلقة، كان من بينها «تحرير» المرأة. حتى باتت مفردة «التحرير» تساوي، عمليا، التحرير من الحياة. 
وإذا كان المحتل مسؤولا، بشكل مباشر، عن ارتكاب جرائم قتل واغتصاب شملت النساء والرجال، معا، بحكم طبيعة المحتل المبنية، بجوهرها، على تركيع أهل البلد المحتل، تحت مسمى ديمقراطية وحقوق انسان انتقائية فأن ساسة حكومات الاحتلال، العراقية، المتعاقبة، أضافت الى ذلك النكهة المحلية، المتمثلة بما يسمونه، تباهيا، «تقاليدنا وعاداتنا وموروثنا الديني». وكلها، كما أثبتت سنوات حكمهم، تقاليد وعادات وتشريعات دينية، منتقاة بشكل دقيق، لتلائم الساسة الذين نجحوا في مأسسة وتكريس قيما مجتمعية، جديدة، مبنية على الفساد العام، الشامل، لكل النواحي الأخلاقية والمالية والإدارية. هكذا ساهموا، بشكل فعال، في تخريب ما لم يتمكن المحتل من تخريبه بداية وهو اللحمة المجتمعية الوطنية وبوصلته الأخلاقية. 
من هذا المنطلق، وضمن الجدل الواسع الذي تخللته الشائعات والاقاويل، كتب البعض، على صفحات التواصل الاجتماعي، معلقا على حملة اغتيال النساء، باعتبارها استهدافا سياسيا منهجيا لبنية المجتمع. بينما كتب آخرون تعاملوا معها من منظور قمع حرية المرأة، وابقائها حبيسة التقاليد العشائرية البالية والفتاوى الدينية، وقتلها بذريعة الدفاع عن الشرف أو « غسل العار»، خاصة مع تزايد اعداد الشباب المنضمين الى الميليشيات، ذات القوة المطلقة، والمعصومة من العقاب بحكم قوة السلاح و»القوة الإلهية» المقدسة التي يتسربلون بها. 
وفي الوقت الذي تعددت فيه أسباب ادانة قتل النساء، عموما، تصاعدت، أصوات تركز على التمييز ما بين اغتيال امرأة وأخرى. أصوات من الواضح انها تؤيد، فكرة قتل نساء معينات، دون غيرهن، وتشرعن جريمة القتل وفق منظورها الشخصي أو المجتمعي أو الديني. هنا تصبح ادانة ارتكاب الجريمة مشروطة بتفسيرات تتيح للقتلة تنفيذ جريمتهم بل والتفاخر بها. لتصبح جريمة قتل المرأة وساما يتقلدونه وليس فعلا اجراميا يستحق المساءلة القانونية والعقاب. 
وقد برزت شرعنة قتل المرأة بأوضح صورها في محاولة البعض توجيه تهمة الدعارة الى المرأة ـ الضحية. كان من بينهم مقدم البرامج، في شبكة الاعلام العراقي، حيدر زويد، الذي أرسل تغريدة أثر اغتيال تارة فارس، واصفا إياها بأنها عاهرة. مما يمكن ترجمته، على ارض الواقع، بأنها استحقت القتل في وضح النهار. 
وهذه ليست المرة التي تقتل فيها امرأة أو يحط من قيمتها كإنسانة من خلال اتهامها وتلويث سمعتها بهذه التهمة. فقد شهدت مدينة البصرة، مثلا، منذ 2003 – 2008، حملة قتل جعلت النساء حبيسات البيوت رعبا. بلغ عدد ضحايا القتل، بأبشع صوره، ما يزيد على الثلاثمائة أمرأه، عثر على جثث، أغلبهن، في الشوارع بعد تعذيبهن. أيامها، عاشت نساء البصرة تحت سيف ميليشيات مسلحة أرادت اخضاعهن للمفهوم الميليشياوي للإسلام، واجبارهن على ارتداء الحجاب والامتناع عن وضع الماكياج أو الانتقام الشخصي او العشائري، وتم ذلك كله في ظل صمت حكومي مدو. من بين الميليشيات التي ساهمت في الحملة جيش المهدي وحركة ثار الله بالإضافة الى فيلق القدس من الحرس الثوري الإيراني. وكانت لمقولة مقتدى الصدر، قائد التيار الصدري، وجيش المهدي، التي تم بثها تلفزيونيا حول ارتداء الحجاب بأن كل شعرة ظاهرة من شعر المرأة ستكون نارا تلسع الحسين، اذنا شرعيا بجواز تهديد والاعتداء على كل من لا ترتدي الحجاب. 
الجدير بالذكر ان توجيه تهمة الدعارة لا يقتصر على المليشيات والتقاليد والتأثير الديني المتطرف، ولا تقتصر التهمة على العاملات في مجال عروض الأزياء أو خبيرات التجميل، بل طالما استخدمت، من قبل الأجهزة الأمنية، لعديد الحكومات، ضد الناشطات مجتمعيا أو المنخرطات بالنشاط السياسي، لمنعهن من مزاولة أي نشاط عام أو حتى العمل خارج البيت. فالمعروف، انه حالما يتم القاء القبض على المرأة حتى يبدأ رشها بالبذاءات واتهامها، مهما كانت خلفيتها الاجتماعية أو السياسية، بأنها عاهرة. وفي هذا يتساوى الجلاد الإسرائيلي الصهيوني مع أمثاله من الجلادين العراقيين والتونسيين، في التفنن بالبذاءة اللفظية والتعذيب الجسدي، كما حدثتني اسيرات فلسطينيات، محررات، وسجينات تونسيات، وعراقيات. انها أداة تشهير معروفة تستهدف اقصاء المرأة وتهميش دورها، بشكل عام، ولا تسلم منها أية امرأة مهما كان موقعها. ولن تتمكن المرأة، من التحرر من هذه الصبغة وغيرها من القيود، الا حين يتم إرساء دولة المواطنة وتطبيق القانون على الجميع بلا تمييز، وان يكون «الشرف» قيمة مجتمعية، يتميز بها ويحافظ عليها الجميع بلا تمييز أيضا.

٭ كاتبة من العراق

 

 

من فلسطين الى تونس…

المرأة حارسة الذاكرة الشعبية

هيفاء زنكنة

 

كان معرض «قول يا طير»، حول الذاكرة والرواية الفلسطينية، الذي أقامته مؤسسة الرواة للدراسات والأبحاث، بأشراف د. فيحاء عبد الهادي، في العام الماضي، برام الله، متميزا بكل المقاييس. اكان نتاجا لعمل المؤسسة الهادفة الى توثيق الرواية الفلسطينية، وتقديمها بكافة أنواع الفنون والوسائط المرئية والسمعية والمكتوبة والتفاعلية، كوجه من أوجه مقاومة المحتل، لاضاءة الحقيقة. 
روى المعرض حكايات المهجرين الفلسطينيين عام 1948 وشهادات من عاشوا الترحيل القسري، بشكل فني، أريد منه، بالإضافة الى التوثيق، ان يكون ابداعيا في التواصل مع المشاهد، كما أطلقت المؤسسة كتابين هما: «ذاكرة حيّة»، و«مرآة الذاكرة»، باللغتين العربية والإنكليزية، أعدَّتهما وحرَّرتهما د. فيحاء.
حاليا، تقوم المرأة التونسية بتبني طريق مماثل للتعبير والتوثيق والتواصل، على الرغم من اختلاف الوضع الشاسع، بين فلسطين وتونس. الا انها تعمل، كما أختها الفلسطينية، على استعادة حقها في كتابة تاريخ، طمس لأنه لا يساير الصورة الجاهزة المتداولة رسميا اما بفعل الاستعمار الاستيطاني، في حالة فلسطين، او الدكتاتورية في حال تونس. 
من بين هذه المحاولات، قيام سبع نساء تونسيات، بدعم من جامعة برمنغهام البريطانية والمركز الدولي للعدالة الانتقالية، بتنظيم معرض أفتتح، منذ أيام، بعنوان «القفة»، وهي السلة المستخدمة لنقل الطعام الى السجين. 
لماذا المعرض؟ تشير المنظمات الى أهمية استخدام الفن كوسيلة، غير تقليدية، اولا « لإبراز انتهاكات حقوق الإنسان التي طالت النساء في تونس زمن الديكتاتورية، وما تعرضن له من قمع ومعاناة ارتبطت بالقفة»، وثانيا، «لحفظ الذاكرة من خلال جمع التفاصيل التاريخية الدقيقة، وتسليط الضوء، بطريقة فنية، على الآثار التي خلفتها هذه الانتهاكات، خاصة على النساء حاملات «القفة» اثناء زياراتهن للسجون». فضلا عن «الاستفادة من مراجعة الماضي لبناء مستقبل يسوده العدل والعيش المشترك».
يتبين من شهادات النساء المشاركات ان للقفة دلالات رمزية متعددة ترتبط بالذاكرة الجماعية للنساء اللواتي أما تعرضن أنفسهن للاعتقال أو اصابهن رشاش القمع بسبب اعتقال احد افراد عوائلهن، لأسباب سياسية، في حقبة زمنية معينة. تقول المهندسة الفلاحية خديجة صالح: «قبل ان تكون القفة اداة لحمل حاجيات السجناء، هي جسر يربطهم بالعالم الخارجي. فهي الشاهد الناطق على المعاناة داخل وخارج السجن». اما السجينة السياسية الأستاذة نجاة القابسي فتقول: « كانت القفة، بالنسبة الي شخصيا، ساعي بريد، يحمل إلي محبة واهتمام عائلتي، ورمز كرامتي داخل السجن، ولم أدرك، حينئذ، كم كانت عبئا على عائلتي». أما الناشطة الحقوقية هالة بوجناح فتبين ان للقفة استخداما لغويا مغايرا اذ «تستخدم عبارة «هزّان القفة» او «حمل القفّة»، مثلا، كرمز للتونسيين الموالين للنظام القديم والذين اتخذّوا مهنة الوشاية والابلاغ عن جيرانهم أو أصدقائهم أو أفراد أسرهم الى أجهزة الدكتاتورية الأمنية، لقاء الحصول على امتيازات وفوائد مادية او غير مادية». وبينما تعرف هناء عبدولي، مسؤولة جمعية نسائية، معنى القفة بأنها: «حنين للحرية، حنين لمغادرة الأسوار، هي حلم الخلاص من الأوجاع والقهر والإذلال»، تنتقل الى أهمية توثيق دلالة القفة «لأنها ارتبطت بحياة جيل» مما يجعل نقلها الى الاجيال التالية، ضرورية لتؤرخ لحقبة من الاستبداد وما رافقه من انتهاكات جسيمة لحرمة الإنسان الجسدية والنفسية، ولكي لا ننسى عذابات المقهورين، لتبقى الإنسانية متحدة، لمواجهة أي انحراف أو تهديد لحرية الإنسان، أي إنسان». وتشاركها طالبة علم النفس هنيدة جراد المشاعر نفسها: «لا يمكننا فهم اليوم دون اخذ العبرة من الماضي، هكذا يصبح الحوار بين الاجيال ركيزة تمكن من تضميد الجروح وبناء مستقبل مشترك». 
«من خلال تصورات فنّية وابداعية يمتزج فيها الأمل بالألم» ارادت المشاركات تقديم شهاداتهن، حسب ناشطة المجتمع المدني هبة بن الحاج خليفة. ويخطئ زوار المعرض إذا ما حدث وتوقعوا رؤية لوحات او صور، عن معاناة النساء، معلقة على الجدران. فالمعرض غير عادي من ناحية التنظيم او حتى التسمية. انه، كما صممه وأشرف على تنفيذه «مخبر المتحف»، أقرب ما يكون الى متحف حي، يجسد مفهوم ودلالة القفة حسب شهادات النساء. حيث يتجول الزائر بين ما يشبه الزنزانات ليشاهد فيلما ويصغي لأصوات السجناء واغاني الصمود ويشاهد كيفية اعداد وجبات الطعام لتوضع بالقفة ثم يدور حول الباحة التي يتمشى بها السجناء. خلال تواجده في المكان المغلق بأضوائه الخافتة، يتقمص الزائر شخصية السجين. أنه السجين والزائرة معا، وهو حاملة القفة ومستلمها. عبر هذه الثنائية تلغى الفروق ليكون الهم واحدا، مشتركا. انه العالم الخارجي وغياهب السجن في آن واحد. أن استخدام الصوت والصورة والقضبان والاسلاك الشائكة، لخلق حالة من التماهي الإنساني، الرمزي، بين زائر المعرض والسجين الافتراضي، هو محاولة تعبيرية ناجحة عن تجربة المساهمات. تقول خديجة صالح: «بالنسبة إلي يعتبر المعرض نقطة تحرر من قيود داخلية وتعبيرا عن الحرية التي اكتسبناها بعد الثورة. فما يقع داخل السجن وحتى خارجه كنا نهمس به همسا، لم نعد كذلك. تحررنا من خوفنا ومن القيود النفسية التي حكمتنا، لننقل تجربتنا الى الجميع». هو، اذن، تجربة أولية، تصلح، ان تكون، مستقبلا، نواة لمتحف تونسي وطني، ليس عن الإحساس بالمظلومية بل عن الشجاعة والجرأة، عن الذاكرة المؤثثة بالتاريخ، ومقاومة الأنظمة القمعية، من اجل حرية الرأي والمعتقد، وان يكون، شاملا لكل الحقب السياسية ولمعتقلي الرأي أيا كان انتمائهم. هذه المشاريع، قد تبدو بسيطة وهي ليست قادرة على احداث تغيير فوري، الا ان المثابرة على القيام بها، ومواصلة العمل، سيؤدي، على المدى البعيد، الى احداث تغيير عضوي أعمق مما هو ظاهر، حاليا. انه واحد من آليات كسر الصمت والوقوف شامخي الرأس باعتداد وكرامة، إذ «لا يستطيع أحدٌ ركوب ظهرك إلا إذا كنتَ منحنياً» كما يذكرنا القس والناشط الحقوقي الراحل مارتن لوثر كينغ.

٭ كاتبة من العراق

 

 

صرخة

النائبة العراقية وحكايتها

هيفاء زنكنة

 

في «العراق الجديد»، وفي ظل واحدة من أكثر الحكومات فسادا، محليا وعالميا، هل يلام المواطن اذا ما انتابه الشك في سلوك الساسة المعششين منذ أكثر من 15 عاما، وهم يلتهمون أكثر مما يبلعون، ويتوقفون بين اللقمة واللقمة ليتبادلوا الاتهامات بالفساد والسرقة؟ آخر المهازل التراجيدية حدثت منذ أيام. 
على حين غرة، ارتفع صوت سيدة صارخا، واستمر الصراخ لدقائق. تبين لمشاهدي البث التلفزيوني العراقي الحي وغير الحي، فيما بعد، ان الصارخة هي نائبة تدعى ماجدة التميمي، وان حالة الصراخ انتابتها اثناء جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب. لم يتمكن المشاهدون من فهم ما قالته النائبة الا ان عددا من القنوات التلفزيونية أوضحت أنها كانت تصرخ ببقية النواب قائلة «كافي سرقة اصوات الشعب العراقي». وهي مسألة بحاجة الى توضيح لمن لم يحالفه الحظ بمشاهدة الجلسة او سماع الصراخ، الذي بات، مع الاسف الشديد، سمة من سمات النائبات العراقيات بينما يفضل النواب اللكمات والتراشق بقناني المياه الفارغة. فقد سبقتها النائبة آلاء طالباني (الاتحاد الوطني الكردستاني) وفيان دخيل (التحالف الكردستاني) التي جمعت ما بين الصراخ والاغماء. ولعل كثرة الضغط على النائبات، كونهن نساء، وعدم الاصغاء لما يتقدمن به من مقترحات او آراء، من بين الاسباب التي تدفعهن الى الصراخ كأسلوب لاجبار الآخرين على الاصغاء اليهن. وهو اسلوب لجأت اليه النائبة ماجدة التميمي يوم السبت الماضي، آملة ان يصغي لها النواب، أو إيصال صوتها الى ابناء الشعب، مستفيدة من معرفة ان جلسة البرلمان الخاصة هذه، التي تم التطبيل والتزمير لها عراقيا وعربيا ودوليا، على مدى شهور، ستبث تلفزيونيا. فهل حققت التميمي، كنموذج، ما ارادته من خلال ظهورها الاعلامي، لايصال رسالة محددة الى المواطنين فيما يخص المآسي اليومية التي يعيشونها، ودورها كنائب يفترض فيه تمثيل هموم وطموحات المواطنين، وتقديم برنامج مستقبلي؟ آخذين بنظر الاعتبار، انها ليست الوحيدة من بين النواب، ذكورا أو أناثا، ممن يعتاشون على الاضواء الاعلامية، مهما كان الثمن. 
لا أظن ذلك، مهما كانت رغبة الناس بتصديقها، في حقبة، يجد فيها المواطن، نفسه، مستعدا للتشبث بأية قشه، توفر له العيش الكريم، وتبعد كابوس الطائفية السياسية ومحاصصاتها ومأسستها للفساد. اسباب اخفاقها عدة، لعل اهمها فشلها الفاضح في اختيار التوقيت الملائم اولا، وتناقض ممارساتها النيابية مع تصريحاتها، ثانيا وانتمائها السياسي، ثالثا. بالنسبة الى توقيت اطلاق الصرخة في جلسة التصويت على اختيار رئيس للمجلس، جاء التوقيت مفضوحا بابتذاله، اذ انه تزامن مع الجولة الاخيرة من الصراعات على منصب، ومع اعلان انتصار خصوم حزبها بالضربة القاضية. فكان الفائز من كتلة منافسة (مدعومة ايرانيا) للتحالف الذي تنتمي اليه التميمي. يبدو ان النائبة لم تتحمل الخسارة، أو لعلها افترضت ان حزبها هو «النزيه النظيف»، فوقفت صارخة لتفضح، ما وصفته بسرقة الاصوات. وهي محقة طبعا فيما يخص عمليات التزوير المعروفة للجميع لكنها تعامت عن حقيقة كونها واحدة من المنخرطين بذات البرلمان ومناورات «الكتل». فقد كانت التميمي عضوا في مجلس النواب السابق ـ اللجنة المالية، عن التيار الصدري، بقيادة مقتدى الصدر، لمدة أربع سنوات، ولاتزال في ذات التيار الذي غير أسمه الى «سائرون» بعد تحالفه مع الحزب الشيوعي بقيادة ذات الصدر. 
وكانت قد تصدرت الاخبار منذ اسبوعين، في جلسة البرلمان الاستثنائية، يوم 8 أيلول/سبتمبر، للنظر بانتفاضة البصرة، حين قامت بتقديم مداخلة تفصيلية عن عقود الفساد، وهي الادرى بها، بطبيعة الحال، بحكم كونها عضوا في اللجنة المالية. وهي خطوة جيدة لولا انها واحدة من عديد (ان لم يكن كل) النواب الذين استباحوا عقول المواطنين بكثرة الحديث عن فساد «الآخرين» وتبييض وجوههم وايديهم الملوثة بالفساد. مدركين ان لا ضرر في ذلك، اطلاقا، في غياب المساءلة وانتشار الافلات من العقاب. بل ان مسؤوليتها أكبر من البقية لكونها مطلعة على تفاصيل كل ما يجري ولم تلجأ الى فضح الفاسدين الا في الاسابيع الاخيرة، في سيرورة الصراع السياسي الطائفي، الحاد، المعجون بالفساد، حول تشكيل ما يسمى بالكتلة الاكبر التي سيحق لها تشكيل الحكومة واختيار رئيس الوزراء. من بين «الحقائق» التي كشفت عنها في الجلسة «ان هناك أكثر من ستة آلاف مشروع وهمي ضمن موازنة 2014». السؤال الذي نكاد نسمع صرخته هو الآخر: لماذا لم تكشف هذه «الحقيقة» التي تعرفها منذ اربع سنوات؟ لماذا لم تعمل على تقديم ولو قضية فساد واحدة الى القضاء وهي العضوة المطلعة على التفاصيل في اللجنة المالية؟ ألسنا محقين اذا قلنا ان صمتها، على مدى سنوات عملها البرلماني، يثير من الشكوك حول اتهامها الآخرين، وان الصرخة تعالت للتغطية على الشكوك؟ 
بالاضافة الى الصرخة، قامت النائبة التميمي باجراء عدد من المقابلات لتوضيح موقفها، قائلة بانها رأت، بعينيها، كيفية تزوير التصويت وانها صورت الشخص المسؤول ويدعى أحمد الجبوري «ابو مازن» الذي قام باستلام توقيع النواب وتصوير اوراق التصويت ليتم الدفع لهم وفقها. وانها، تشعر بالخزي والعار لوجودها بين الفاسدين في هذا البرلمان. مما يدفعنا الى التساؤل: لماذا لا تستقيل؟ لماذا لا تتخلص من هذا الخزي والعار بخطوة بسيطة ستزيل عنها الاحساس بالعار وتربحها احترام الشعب، في الوقت نفسه، والاكثر من ذلك، انها ستكون قدوة في النزاهة واتخاذ الموقف المبدئي السليم لكل النواب نساء ورجالا، وعلى المدى البعيد، ستعيد للناس بعض الثقة بالنواب؟ ومن يدري، قد يقام لها، في المستقبل، نصبا، في احدى ساحات بغداد، تقديرا لنزاهتها وكونها أول نائبة تستقيل من البرلمان احتجاجا على الفساد؟

٭ كاتبة من العراق

 

 

البصرة: تدخل أمريكي

أم صراع شيعي ـ شيعي؟

هيفاء زنكنة

 

انتفاضة البصرة هي الحدث الاول الذي يشغل بال العراقيين الآن. فهي المركز الذي تقع على هامشه بقية الاحداث، منذ اندلاعها في 11 تموز/ يوليو للمطالبة بتوفير الخدمات وأهمها الماء الصالح للشرب والكهرباء، وتمثلت الاستجابة الاولية باطلاق النار على المتظاهرين مما ادى الى مقتل 12 متظاهرا واصابة العشرات.
غطت الانتفاضة، مع ازدياد عدد شهدائها وجرحاها، ومع انتشار الاصابة بالتسمم جراء تلوث مياه الشرب، على العديد من الامور المهمة التي تمكن الساسة من تمريرها، في غفلة من الناس المنشغلين بالمطالبة بايجاد حل آني، سريع، لانقاذ حياتهم وحياة عوائلهم. وبينما كان المتظاهرون والمعتصمون يواصلون الاحتجاجات، ويشعلون فتيل الغضب العارم، بمدينة البصرة وضواحيها، تمكنت الاحزاب وميليشياتها من تمرير نتائج الانتخابات المزورة ومأسسة هيكلية غريبة لنمط الحكومة المقبلة. فالمعروف، عادة، ان الاحزاب تؤسس منظمات وميليشيات كأذرع وملحقات تابعة لها، مهمتها تنفيذ سياستها، بشكل غير مباشر. الا ان الوضع الحالي، بالعراق، يشهد تغييرا جوهريا في هيكلية الاحزاب والميليشيات، انقلبت فيه الآية فأصبح الحزب ذراعا للميليشيا، يأتمر بأمرها، ويسير وفق ولائها لمن يزودها بالمال والسلاح. 
ان التكهن بما ستقود اليه انتفاضة البصرة صعب، خاصة، ونحن نستعيد كيف تعاملت حكومة حزب الدعوة الإسلامي، برئاسة نوري المالكي، مع متظاهري الفلوجة والرمادي وعموم الانبار والموصل، حين تم قصفهم بالبراميل الحارقة. كما نستعيد التعامل الوحشي مع متظاهري ساحة التحرير، ببغداد حين تم اعتقال وتعذيب وقتل العديد منهم. وكانت النتيجة، أينما خرج المواطنون للمطالبة بحقوقهم، استغلال دماء الشهداء من قبل جهات في العملية السياسية تتبنى إعلاميا هذا الحراك الشعبي كالتيار الصدري وعشائر المحافظات الغربية، للمقايضة بمناصب ومحاصصة سياسية وعقود نفط وسلاح.
الا ان صعوبة التكهن بما سيحدث لا يمنع من رؤية ما حققته الانتفاضة حتى اليوم. وهي انجازات بالغة الاهمية. الانجاز الاول هو التخلص من «المقدس» والتبعية له، سواء كان رمزا دينيا طائفيا عراقيا او إيرانيا، حيث مزق المتظاهرون غشاء القدسية وحرقوا صور وهياكل التبعية الطائفية. الانجاز الثاني هو كسر حاجز الخوف من الاحزاب والميليشيات التي تتخذ من طائفية الدين عباءة ترتديها وعمامة تمنحها «العصمة» لارتكاب ما تشاء ضد بقية البشر. فأحرقت مقرات ميليشيات «منظمة بدر» و«حركة إرادة» و«عصائب أهل الحق»، و«حركة النجباء» و«انصار الله الأوفياء» و«كتائب حزب الله» و«سرايا الخرساني» بالاضافة الى مقرات «حزب الدعوة» و«حزب الفضيلة» و«المجلس الأعلى».
الانجاز الثالث هو اجبارها كافة قادة الميليشيات والأحزاب ورجال الأعمال على الهرولة الى استديوهاتهم (فلكل ميليشيا قناتها التلفزيونية ولكل رجل اعمال قناته) اولا لادانة الفساد، وان كانوا هم أنفسهم أجنة رحم الفساد وثانيا لتقديم أنفسهم كشخصيات نزيهة، غير طائفية، تبذل جهدها لخدمة المواطنين. هنا اكتسبت الانتفاضة خواص الكلور المعقم ولو الى حين. ولها يعود الفضل في تغيير الخطاب والمواقف. وهنا يأتي دور الانجاز الرابع للانتفاضة الذي أجبر المرجعية، التي كانت سعيدة بالقاء موعظة اسبوعية على الملأ عبر وكلائها، ان تسارع، بعد حرق صورها، الى ارسال وكيلها السيد الصافي، يوم الجمعة الماضي، مؤكداً أن «السيد السيستاني أمرنا بشراء مضخات المياه من أموال المرجعية الدينية العليا». مع العلم ان «اموال المرجعية الدينية» مستخلصة من ابناء الطائفة ومنهم المتظاهرون انفسهم، وكان من الواجب صرفها عليهم، بدون منية، وقبل ان يدفعوا حياة ابنائهم ثمنا لها. 
الانجاز الخامس هو إبلاغ الميليشيات واحزابها الفاسدة بان استخدامها السلاح الطائفي الذي طوق رقاب الشباب بنير الدولارات الشهرية المغموسة بقدسية الطائفة والترهيب من «الآخر» لم يعد بذات الفاعلية السابقة. مما جعلها تعمق اتهاماتها بالإرهاب والاندساس من قبل قوى خارجية، وتلويث صورة المتظاهرين اعلاميا. صارت النبرة الاعلى هي تخويف اهل البصرة من «المندسين» وما سيجلبونه على اهل البصرة «المعروفين بطيبتهم». محاولين بذلك عزل المتظاهرين عن بقية السكان وترسيخ صورتهم كغرباء. وهو اسلوب استعماري قديم، غالبا ما يستخدم لاشاعة التفرقة واضعاف الحركات الثورية والانتفاضات الشعبية. هكذا، فجأة، وبعد 15 عاما، من حكم الاحزاب الطائفية التي تدعي تمثيل أهل البصرة، ومع عدم تنفيذ أي انجاز يضع حدا للذل اليومي لاهل مدينة النفط، أصبح كل الساسة والميليشيات يتسارعون للتباهي بانتمائهم الى أهل البصرة ووجوب مساعدتهم. 
مقابل هذه الانجازات تصاعدت، حملة الساسة وقادة الميليشيات باضفاء طابع الوطنية على انفسهم، وربط المتظاهرين بأجندات خارجية غير وطنية. فكثر المحذرون من التدخل الأمريكي على الرغم من الوجود الأمريكي الدائم المتمثل بما يزيد على 7000 «استشاري ومدرب»، باستثناء المتعاقدين الأمنيين والمرتزقة، حسب اعلان البنتاغون في الأسبوع الماضي، بانهم سيبقون الى ان «يستقر الأمن»، ولا يحتاج قرار بقائهم موافقة البرلمان لأنه ينفذ وفق المعاهدة الاستراتيجية. 
هناك، أيضا، متبرعون بالتخويف من الاحتلال الإيراني، في الوقت الذي يعلم فيه الجميع ان العراق محتل إيرانيا وانه ورقة تستخدمها إيران لتسوية نزاعها مع أمريكا. وتنبري جهة ثالثة للتخويف من التدخل التركي واقامتها معسكرات تدريب بعثية لقلب النظام «الديمقراطي». في ذات الوقت الذي تقصف فيه تركيا شمال العراق وتتدخل، متى شاءت، بحجة حماية أمنها من « الإرهابيين» الاكراد.
وأصدرت قيادة مليشيا الحشد الشعبي بيانا باسم «حركة النجباء»، يوم 9 سبتمبر، وصفت فيه ما جرى بانه «ليلة فتنة سوداء هدفها حل الحشد» متهمة القنصلية الأمريكية، بالبصرة، بادارة الاحداث وسقوط القتلى والجرحى. وان المليشيا لديها «الادلة القطعية بان القنصلية تدير الاحداث منذ عام 2013» وان ما تريده «هو اظهار صراع شيعي شيعي»، وهددت المليشيا بانها ستعمل «بحزم لإيقاف أي تآمر». 
وبطبيعة الحال، ليس من المستبعد وجود تدخل أمريكي ضمن صراعها القائم مع إيران، لا في البصرة فقط بل في جميع ارجاء العراق، الا ان هلوسة الحشد تثير تساؤلات عديدة، اهمها لماذا لم يثر الحشد مسألة التدخل الأمريكي قبل الآن خاصة وانه يدعي قيامها بذلك منذ خمسة أعوام؟ هل سكت الحشد لأنه كان متعاونا مع أمريكا تحت مظلة «التحرير»؟ 
ان مظاهرات واعتصامات اهل البصرة ومن قبلهم الفلوجة وبغداد وكربلاء، وكل المدن العراقية، على مر سنوات الاحتلال، ودفعهم الثمن غاليا، هي وجه آخر من أوجه المقاومة والتغيير العضوي المنبثق من داخل البلد نفسه، في مسيرة تحقيق الاستقلال الوطني ـ الاقتصادي، الشامل لكل المواطنين، بعيدا عن التقسيم الديني والطائفي والعرقي. ومع ادراكنا انها، قد لا تؤدي الى تحقيق ذلك كله في المستقبل القريب، الا انها، بالتأكيد، سببت من التغيير ما يعيق عودة الاوضاع الى سابق عهدها.

٭ كاتبة من العراق


 

 

العراق انتفاضة

لتنظيف الجحيم الارضي؟

هيفاء زنكنة

 

 

خلافا لما أشاعته الحكومة العراقية، لم يعد المتظاهرون والمعتصمون منذ شهر حزيران  ـ  يونيو، في مدينة البصرة، جنوب العراق، إلى بيوتهم بعد انحسار موجة الحر أو بعد ان تعبوا من النوم في اماكن الاعتصام. بل بقي المعتصمون، واستمر المتظاهرون، وبقيت مطالبهم الاساسية، التي تشكل قاعدة هرم حقوق الانسان واحتياجاته اليومية، ملحة ليس لأنها تشكل قيمة انسانية لا يفهمها الفاسدون من الحكام، بل لأنها، أيضا، حقوق مشروعة، في ملكية الثروة الوطنية العامة لواحد من بلدان النفط الغنية، بالعالم، الذي وصلت استهانة الحكومة به حد حرمان سكانه من المياه الصالحة للشرب. حرمان مستمر يؤدي، يوميا، إلى زيادة عدد المصابين بالتسمم وامراض المياه الملوثة، بأنواعها، حتى تجاوزت الآلاف، وان أصرت وزيرة الصحة، في ردها على المتظاهرين، بانهم يبالغون في رسم الصورة وان «هناك 1500 حالة تسمم واسهال، فقط، في المستشفيات»! ولم نسمع من الوزيرة بعد عن منع الكويت، استيراد وحظر المواد الغذائية من العراق، اضافة إلى منع المسافرين العراقيين من الدخول للكويت «كإجراء احتزازي بسبب انتشار مرض الكوليرا في العراق». وكانت مفوضية حقوق الانسان قد حذرت، في الاسبوع الماضي، من انتشار مرض الكوليرا في البصرة نتيجة زيادة الملوحة والتلوث المائي.

هذه التطورات دفعت المتظاهرين إلى اتخاذ خطوات جديدة، بعد ان ادركوا ان لا جدوى من الاعتصام امام مركز المحافظة الذي يضم اعضاء فاسدين، وأمام مكاتب الاحزاب، التي تضم اعضاء فاسدين. وبعد ان ادركوا عبثية الاصغاء إلى وعود الساسة وهم أساس الفساد، أو النواب وممثليهم، وهم جزء من تشكيلة الفساد المستشرية من قمة النظام إلى أصغر موظف فيه.

أدرك المتظاهرون، ان مطالبة الفاسدين بوضع حد للفساد، يعني، عمليا، مطالبة الفاسدين بالتخلص من أنفسهم، فكيف يحدث ذلك؟.لذلك، قرروا، بعد اسابيع من المظاهرات ومحاولة الاحزاب الهيمنة عليها، كما فعلت مع مظاهرات ساحة التحرير، ببغداد، بقطع الطرق الرئيسية، وآخرها قطع طريق رئيسي في منطقة كرمة علي ب‍البصرة، لمنع الشاحنات من عبور الحدود. والاعتصام، وهذا هو الاهم، امام المدخل الرئيسي لحقل نهر بن عمر النفطي، والتهديد باقتحام الحقل النفطي إذا لم ترد الحكومة على مطالبهم. يبين التهديد مدى اليأس من الوعود الحكومية خاصة فيما يتعلق بخريجي هندسة ومعاهد النفط العاطلين عن العمل في بلاد النفط. حيث يساهم قطاع النفط بـ 65٪ من إجمالي الناتج المحلي حالياً، إلاّ أن عدد العاملين به لا يتجاوز من العدد الكلي للقوى العاملة في البلاد، حسب تقرير الامم المتحدة. وهذه طامة كبرى يحاول المسؤولون طمرها لئلا يمسوا مصالح الشركات الاجنبية.

إن الوضع الحالي الذي يعيشه المواطنون، في ارجاء العراق، وليس البصرة وحدها، مأساوي في تفاصيله التي تتطلب حلولا آنية سريعة بالاضافة إلى التخطيط الاستراتيجي. فنقص مياه الشرب بحاجة إلى علاج فوري لانقاذ حياة الناس، عموما، والاطفال والحوامل، بشكل خاص. وايجاد فرص عمل للشباب ليس مستحيلا، فيما لو توفرت النية الصادقة، وأكتفى الساسة بسرقة خمسين ٪ من الثروة النفطية، فقط، بدلا من بلعها كلها، وأبقوا النصف للاستثمار الاستراتيجي والتنمية، مما سيؤدي إلى توفير العمل للخريجين.

من الناحية البيئية، يشكل نقص الماء والكهرباء وبقية الخدمات الاساسية، اعراض موت بيئي بطيء يعيشه البلد، منذ عقود، جراء الحروب وسنوات الحصار والغزو الانكلو ـ  أمريكي وتخريب «الدولة الإسلامية»، وقصف «قوات التحالف»، المدن بحجة تحريرها، الامر الذي سبب تدمير البنية التحتية واختلاط مياه المجاري بمياه الانهار.

 وتشير تقارير الامم المتحدة حول البيئة إلى ان 30٪ من الأسر، فقط، موصولة مع شبكة الصرف الصحي العامة، فيما تلجأ بقية الأسر إما إلى استخدام خزانات الصرف الصحي (40٪) أو المجاري المغطاة للتخلص من الفضلات.

 ولاتزال مخلفات الحرب السامة، بلا تنظيف، بل وتشهد البيئة تدفق مستويات عالية من الإشعاع والمواد السامة الأخرى. وتبين تقارير علمية عديدة ان استخدام أسلحة اليورانيوم المنضب، وهو معدن ثقيل مشع وسام، من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، خلال حربي 1991 و2003، وأطلاقه في أكثر من 1100 موقع، بما في ذلك في المناطق المكتظة بالسكان، لايزال واحدا من الاسباب الرئيسية في زيادة نسب الاصابة بامراض السرطان وولادة الاجنة المشوهة، على الرغم من الانكار الأمريكي والصمت الرسمي العراقي المتواطئ معه.

تذكر بعض التقارير ان تعرض بيئة العراق لضرر كبير ناجم عن السياسات الخاطئة للحكومة بشأن السكان وإدارة الموارد، بينما الاصح الذي تختار التقارير عدم ذكره هو ان الحكومات العراقية المتعاقبة منذ الغزو عام 2003 لم يكن همها، اطلاقا، الاهتمام او التخطيط او وضع سياسة حول البيئة، أو حتى الاهتمام بالشعب. همها الاول والاخير، كان ولايزال، هو نهب الاموال بأقصى سرعة ممكنة، وابقاء الشعب ضعيفا، بكل الطرق الممكنة، تستهلكه وتستنفد قواه الحاجات اليومية الملحة، لأنهم يعرفون جيدا، انه بمجرد ان يمتلك قواه الجسدية وقدرته على التفكير، سيثور عليهم ويقوم بتنظيف البيئة منهم.

تشير التقارير، أيضا، إلى إن سياسة الدول المجاورة في بناء سدود مخالفة للقوانين الدولية، كما فعلت تركيا، وسياسة إيران في تجفيف الانهار، مخالفة للقوانين الدولية، وشحة المياه هي احد اسباب مشكلة الملوحة والتصحر، الا ان ما لا تذكره هو الحاجة الماسة للتعامل السياسي الحكيم مع هذه السياسات، والتركيز عليها، لوحدها، يجب الا يعفي الحكومات العراقية من مسؤولية الفشل الهائل في الاهمال، وانعدام التخطيط، والانشغال بالفساد، والاكثر من ذلك كله التبعية السياسية لدول لا ترى في العراق غير ساحة لحل نزاعاتها. لذلك ليس عبثا ان تصف منظمة ادارة البيئة بالامم المتحدة العراق بأنه البلد الاكثر تلوثا بالعالم. ولأن الدول الخارجية المتنازعة لا تحتاج حلبات صراع، مكتظة بسكان، قد يسببون لها المشاكل، يبدو من المنطقي ابقاء العراق على حاله ملوثا، يموت سكانه ببطء وصمت وهم يعلمون «ان قضيتهم ستنسى»، حسب إيريك سولهايم، رئيس إدارة البيئة في الأمم المتحدة.

٭ كاتبة من العراق

 

 

هذا ما يفعلونه بالرجال…

فكيف النساء؟

هيفاء زنكنة

 

نقتبس، أحيانا، حين تصادفنا وقائع واحداثا، نجد ما يماثلها تاريخيا، مقولة كارل ماركس «التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة». لكن مراجعة عدد من الكتب والمذكرات والتقارير حول كيفية معاملة المعتقلين، بالعراق، منذ تأسيس الدولة، في عشرينيات القرن الماضي، وحتى اليوم، تشعرنا بأن مقولة العم ماركس بحاجة الى مراجعة. ولعل الاصح القول بأن التاريخ يعيد نفسه في المرة الثانية كمأساة أكبر. فخروقات حقوق الانسان، الموثقة، تكاد تصرخ بوجوهنا، تفاصيل مرعبة لممارسات لا انسانية، يرفض العقل تصديقها مما يدفع الانسان العادي، حماية له أو تهربا من المسؤولية واتخاذ موقف ما، الى التوقف عن قراءتها او حتى تكذيبها باعتبارها مبالغات لا تستحق الانتباه. وهي أفعال مورست طوال عقود، بلا استثناء، بدءا من حكومات الاحتلال البريطاني وحتى الحكومات الحالية، وليدة الغزو والاحتلال الانكلو ـ أمريكي وتشابكاته، الحالية، مع جمهورية إيران الاسلامية. 
المأساة تتكرر كمأساة بالنسبة الى المعتقلين، ويزيد في عمق جروحها، انها تنفذ بحزمة مسميات «التحرير وحقوق الانسان والعراق الجديد»، وتحت مظلة تدعى «الديمقراطية» التي تنفذ الينا من بين ثقوبها، أحيانا، تقارير مخيفة، عن التعذيب الوحشي الى حد القتل. آخرها تقريران أصدرتهما منظمة «هيومان رايتس ووتش»، الاول بعنوان «العراق: وكالة استخبارات تعترف باحتجاز المئات» الصادر في 22 تموز/ يوليو 2018، والثاني في 19 آب/ أغسطس 2018، والمعنون»العراق: شهادات مرعبة حول تعذيب معتقلين وموتهم». يستند التقرير الاول الى شهادة عالم الآثار فيصل جبر (47 عاما) الذي أعتقل في موقع أثري في شرق الموصل، وأقتيد إلى منزل من طابقين بالقرب من مكتب الأمن الوطني في الموصل. رأى جبر في الطابق الأرضي من المنزل 4 غرف تُستخدم كزنزانات لاحتجاز السجناء، فيها ما لا يقل عن 450 سجينا احتُجزوا معه، بحسب تعداد الأشخاص اليومي. احتُجز جبر48 ساعة، تحدث خلالها مع 6 رجال وصبي في الزنزانة معه، وأخبروه أن الجهاز احتجزهم لمدة تتراوح بين 4 أشهر وسنتين بتهمة الانضمام الى داعش. نفت وكالة الاستخبارات وجود المعتقلين عندما راسلتها المنظمة الا ان الوكالة اعترفت بعد ذلك في رد مكتوب بأن «الجهاز الامني يحتجز المعتقلين في مركز واحد في الموصل بموافقة «مجلس القضاء الأعلى» في نينوى، وأن جميع المعتقلين يُحتجزون بموجب أوامر توقيف قضائية، ويمثلون أمام قاضٍ خلال 24 ساعة من الاعتقال، ويُنقلون إلى سجون وزارة العدل عند الحكم عليهم». وهي عملية تفندها شهادات المعتقلين. 
أما التقرير الثاني فيضم شهادات معتقلين أتهموا بالانضمام الى «الدولة الاسلامية» وأطلق سراحهم بعد اشهر من التعذيب بدون توجيه تهمة. من بينهم محمود البالغ من العمر 35 عاما. 
سلم محمود نفسه إلى مسؤولي الاستخبارات في الموصل في كانون الثاني/ يناير، بعد أن أخبره صاحب العمل أن الاستخبارات قد أصدرت مذكرة توقيف بحقه. احتُجز 4 أشهر، لأنه اشتُبه في انتمائه إلى تنظيم «الدولة الإسلامية». أحتجز في زنزانة مساحتها حوالي مترين بثلاثة أمتار، مع 50 إلى 70 رجلا، احتُجز العديد منهم لعام كامل. تم تعليق محمود في وضعية «البزونة» (القطة) 6 مرات على الأقل أثناء احتجازه طوال ساعات. وخلال 4 مرات على الأقل، فقد وعيه قبل أن يتم إنزاله. في بعض الأحيان كان العناصر يدلقون الماء عليه قبل أن يعاودوا ضربه بكابلات معدنية. قال إنه عندما استعاد وعيه كان مستلقيا على الأرض، ورأى معتقلَين آخرَين، كليهما عاريين، راكعين في وضع «العقرب» وكانت أيديهما مربوطة خلف ظهريهما. مرة أخرى، أحضر الحراس 3 سجناء آخرين، وبدأ رجال الأمن بضرب اثنين منهم، ثم قاموا بتعليقهما من أيديهما، التي كانت مقيدة خلف رأسيهما، على خطافين بجوار نافذتين صغيرتين في الغرفة. كان واحدا بملابسه الداخلية، والآخر عاريا. بعد فترة من الوقت، أمر الضابط الأعلى رتبة في الغرفة رجال الأمن الآخرين بربط قنينة ماء بسعة لتر إلى خيط وتعليقها بقضيب كل منهما.
«بعد مرور 3 أشهر على احتجازي، ثبت أحد رجال الأمن كتفي، وأمسك آخر ساقي، والثالث الذي كان يرتدي قفازات أمسك مسطرة معدنية صغيرة تم تسخينها على موقد الشاي ووضعها على طول قضيبي. انتفضت من الألم، فحرقني رجل الأمن للمرة الثانية على خصيتي. أحرقوا المعتقل الآخر مرة واحدة على قضيبه أيضا. ذهبت إلى الطبيب بعد أن خرجت لأني ما زلت أعاني من ألم شديد، لا أستطيع ممارسة الجنس أو القيام بأي شيء، ولست متأكدا إذا كنت سأتحسن».
من يقرأ شهادة محمود، سيلاحظ صعوبة ان يحافظ الانسان على انسانيته في ظروف لا انسانية، وان كان لايزال قادرا على الاحساس بانحداره نحو هاوية قد تصنع منه جلاد المستقبل. يقول محمود: «أشعر بالخجل من الاعتراف بأنني بدأت أشعر بالحماسة كلما رأيت سجناء جدد يصلون، لأن ذلك كان يعني أن رجال الأمن سيكونون مشغولين معهم، ويتركوني وشأني». وحين مات احد المعتقلين بعد اعادته من جلسة تعذيب ورفض الحارس فتح الباب ونقل الجثة « عندما أدركنا أنه توفي، قمنا بشيء جعلنا نشعر بأننا لم نعد بشرا، حيث جردناه من ملابسه وأخذناها، لأننا كنا جميعا بحاجة ماسة إلى الملابس».
تسعة رجال ماتوا في زنزانة محمود نتيجة التعذيب. كان من بينهم رجل « ظل يقول لعناصر الأمن إن ليس لديه أي صلة بداعش، لكنه تزوج من امرأة ثانية، مما أغضب زوجته الأولى فبلغت عنه قائلة إنه ينتمي إلى التنظيم. بعد اربعة ايام من التعذيب أعاده حارس إلى الزنزانة، ولم يستيقظ في الصباح». 
كان هناك 3 زنزانات، إحداها زنزانة للنساء المحتجزات، وقد عرف محمود ذلك من أصواتهن. السؤال الذي يتبادر الى الذهن حال قراءة هذه الجملة هو: اذا كانوا يعاملون الرجال بهذه الطريقة… فما الذي تلقاه النساء؟ ولدى المنظمة، الآن، أسماء أربعة من المسؤولين عن التعذيب والجلادين وتم الابلاغ عنهم الى الحكومة. الا انها لم تتخذ أي اجراء ولو للتحقيق في تعذيب وقتل الابرياء. فهل سيكون من المجدي، لحث اعضاء البرلمان، باعتبارهم ممثلين للشعب، على المطالبة بالتحقيق ووضع حد لتعذيب المعتقلين، ولو من باب من يدري، قد يتم القاء القبض على أحدهم للتحقيق مستقبلا، وضع شاشة كبيرة خلف منصة جلوس رئيس البرلمان، بمواجهتهم تماما، لعرض شهادات المعتقلين وصور اجسادهم المشوهة، بشكل مستمر، على مدى تواجدهم بالبرلمان يوميا؟.

٭ كاتبة من العراق

 

 

العدالة الانتقالية في العراق…

متى يكون الشهيد إرهابيا؟

هيفاء زنكنة

 

ما هو عمر العنف في العراق؟ لا اتحدث هنا عن عراق سومر وامبراطوريات بابل وآشور، وبني العباس، بل العراق الحديث، عراق تأسيس الدولة. كيف نعَرف العنف ونصنف ضحاياه اذا اردنا تأسيس هيئة للحقيقة ورد الاعتبار؟ هل هو عنف الدولة ضد المواطنين أم هو عنف الحكومات المباشر، أو غير المباشر، من خلال عدم مساءلة مرتكبي العنف من قوى غير حكومية، تنشط بغياب الدولة؟ كيف بامكاننا تحديد الحقبة التي يتوجب مراجعتها، وهناك اجماع على الاختلاف، الاختلاف حتى حول تعريف الاحداث الحاسمة في تاريخ البلد؟ فما يراه البعض ثورة يراه آخرون انقلابا، وما يراه البعض رد فعل حكومي رادع ضد من يستهدف أمن الدولة، يراه آخرون جريمة نكراء بحق الشعب، ناهيك عمن هو الإرهابي أو الشهيد. 
من أين نبدأ اذا ما أردنا توثيق الحقيقة ورد الاعتبار لضحايا العنف والانتهاكات؟ ما هي نقطة البدء التي تقود إلى التخلص من الاحساس بالظلم، وما يترتب عليه من مظلومية ورغبة بالانتقام، لتقودنا إلى المصالحة بمعناها الانساني ؟ هل نبدأ من العهد الملكي الهاشمي عام 1921 أم من العهد الجمهوري في ثورة ( يسميها البعض انقلابا) 14 تموز/ يوليو 1958؟ نبدأ من حكم حزب البعث الأول عام 1963 أو القومي 64 أو البعث الثاني 64 ـ 2003؟ أو نكتفي بالتوثيق والمطالبة بتعويض البلد وأهله منذ غزوه واحتلاله عم 2003 حتى يومنا هذا؟
كل حقبة زمنية مر بها العراق منذ تأسيسه كدولة، تركت ضحايا ظلم بجروح لم تندمل. والمصيبة الاكبر ان نزيفها لم يتوقف بعد رحيل حامليها بل ورثتها الاجيال التالية، بعد ان حفرت في النفوس وتعمقت وباتت محملة بصديد الانتقام. هل نبدأ من العهد الملكي؟ من ضحايا الانتفاضات والاضرابات ضد الاحتلال البريطاني، اعدام قادة الحزب الشيوعي والاعتقالات؟ 
من سحل مسؤولي العهد الملكي في 14 تموز/يوليو أو سحل واعدامات القوميين، من قبل شيوعيين، بعد ذلك بشهور في الموصل وكركوك خصوصا؟ من محاولة اغتيال رئيس الوزراء عام 59 من قبل البعثيين وما تلاه من تصفيات لهم، إلى انقلاب (يسميه البعض ثورة) 8 شباط / فبراير 63 الذي قاموا خلاله بتصفية كل من اشتبهوا بانه حاول تصفيتهم من الشيوعيين؟ هل نبدأ بالعهد البعثي الثاني وتصفياته التي بدأت داخل الحزب نفسه، وعائلة أمين عام الحزب، وانتهت بابعاد من اطلقت عليهم اسم «التبعية» لأيران، وتصاعد عمليات حزب الدعوة الإرهابية (يسميها البعض استشهادية)؟ أم نترك هذا كله، ونبدأ منذ عام 2003، عام الغزو والاحتلال الانكلو ـ أمريكي (يسميه الشيوعيون تغييرا والاحزاب الإسلامية الحاكمة تحريرا)، الذي تسبب بوفاة ما يزيد على المليون مواطن، وتهجير اربعة ملايين، وتخريب مدن بكاملها، وتوفير البيئة لإرهاب الدولة والقاعدة وداعش والميليشيات؟ 
هل حالة الهياج والهستيريا وسحل الجثث هي بداية العنف ام انه تأسيس المجموعات المسلحة خارج سلطة الدولة على غرار المقاومة الشعبية في 1958 (الشيوعية) ام الحرس القومي في 1963 (البعثي)، او ميليشيات، ما بعد الغزو، التي يزيد عددها على 40 ميليشيا، أو منظمات القاعدة والدولة الإسلامية (داعش)؟ ماذا عن إرهاب قوات الغزو والاحتلال وقوات التحالف الدولي والقوات الإيرانية ؟ 
ومن هم الضحايا الذين يستحقون رد الاعتبار والكرامة وجبر الضرر؟ الشيوعي ام البعثي ام القومي أو الإسلامي، أو المبعد بحجة التبعية أو الكردي، حسب تصنيفات ما قبل الغزو، أو السني والمسيحي والايزيدي والشيعي، حسب انشطارات ما بعد الغزو؟ 
على الحكومة العراقية، الوطنية، المستقلة، ذات السيادة، المؤمنة بتحقيق العدالة لكل مواطنيها، مواجهة شبكة التناقضات هذه، كلها، حين تتخذ قرارا بتأسيس هيئة أو لجنة أو مؤسسة من اجل الحقيقة والمصالحة. النقطة الايجابية انها ليست الاولى من نوعها، بالعالم، لذلك بامكانها البناء على نجاحات تجارب شعوب، أخرى، وتجنب اخفاقاتها. هناك تجربة جنوب أفريقيا في تأسيس «لجنة الحقيقة والمصالحة» لكتابة التاريخ اعتمادا على قصص الضحايا، غطت فترة تقارب خمسة عقود، تحت نظام الفصل العنصري (ابارتايد). حيث قدم أكثر من عشرين ألف شخص شهاداتهم، وطلب سبعة آلاف مسؤول العفو. وتم في الارجنتين تشكيل اللجنة الوطنية للتحقيق في شأن الأشخاص المفقودين التي نجحت في التحقيق بجرائم أرتكبت، منذ ثلاثين عاما، وتم تقديم المسؤولين إلى القضاء، ورصدت تعويضات للضحايا. 
عربيا، لدينا تجربة المغرب، حيث تم انشاء المجلس الاستشاري لحقوق الانسان عام 1990 للنظر بحالات الاعتقال والاضطهاد والتعذيب منذ استقلال البلاد عام 1956، ومن ثم وضع آلية لتعويض ضحايا الانتهاكات. وفي عام 2004، تم إنشاء «هيئة الإنصاف والمصالحة « التي تحملت مسؤولية الكشف عن الحقيقة حول الانتهاكات السابقة وتقديم التعويضات للضحايا وعائلاتهم وتقديم توصيات للحيلولة دون حصول انتهاكات لحقوق الانسان مجددا. وعقدت جلسات استماع علنية للاستماع إلى روايات الضحايا ولإثبات الحقيقة عن حالات عديدة من الاختفاء القسري. ولكن، لم يمنح الضحايا الحق في الإفصاح عن أسماء الجلادين الذين تغيبوا عن الجلسات، ولم تعقد أية محاكمة لهذا الغرض. وعاشت تونس تجربة تشكيل «هيئة الحقيقة والكرامة»، بمسار توثيق قضايا الضحايا، وجلسات الاستماع العلنية، والنجاح بتقديم عدد من القضايا إلى المحاكم. 
الملاحظ في هذه التجارب، انها توخت، بعد تبني اسلوبها الخاص في التطبيق، «تحديد المسؤوليات وإرساء العدالة وتحقيق المصالحة»، كما في تعريف الأمم المتحدة للعدالة الانتقالية، تغطية انتهاكات حقب زمنية طويلة وتحت انظمة متعددة، منذ الاستقلال، في حالتي المغرب وتونس. كما ركزت على مسؤولية الحكومة، الحالية، أيا كانت، في وضع حد للانتهاكات، واصلاح المؤسسات، وشملت بتعريف «الضحية» كل شخص تعرض للانتهاكات.
أما ما جرى، بالعراق، سواء تحت الاحتلال المباشر او غير المباشر، فكان ولادة مشوهة لمفهوم العدالة، بكل المستويات. حيث أقتصر تصنيف «الضحية» على من عانى تحت نظام البعث، فقط، وتم تبني تصنيف «الشهيد» لضحايا الحقبة، نفسها، مما حرم عوائل آلاف الشهداء ممن ضحوا بحياتهم في الحرب العراقية ـ الإيرانية من حقوقهم. واذا كان التعويض المادي واحدا من آليات تحقيق العدالة الا انه ليس العامل الاول والأخير، كما حدث، بالعراق، اذ تم القفز على كل الآليات، والاكتفاء بتنفيذ آلية التعويض المادي المشروط بالحصول على تزكية أحد احزاب السلطة. الأمر الذي سبب، ولايزال، الحاق المزيد من الضرر بالضحايا، واستمرارية روح الانتقام، بدلا من تحقيق العدالة وجبر الضرر.

٭ كاتبة من العراق

حماية الأرشيف التونسي

ونهب الأرشيف العراقي

هيفاء زنكنة

 

أصدرت «هيئة الحقيقة والكرامة»، بتونس، بلاغا، في الاسبوع الماضي، موجها إلى أصحاب الملفات المودعة لديها من ضحايا انتهاكات حقوق الانسان والتي «لم يستوف فيها التحري نظرا لضعف المؤيدات». دعتهم في البلاغ إلى « تقديم مؤيداتهم أو شهاداتهم أو أي توضيحات إضافية كتابيا تؤيد تصريحاتهم وذلك لتجنب رفض الملفات التي تفتقر إلى مؤيدات كافية». 
يؤكد البلاغ عدة قضايا مهمة حول طبيعة عمل الهيئة التي تعتبر نموذجا يستحق المتابعة في بقية البلدان العربية ومنها العراق. أهم النقاط هي قيام الهيئة باجراء التحريات، بشكل دقيق، عن صحة تصريحات المتقدمين اليها كضحايا. 
ومن ثم توفير الفرصة لهم لتقديم ما يثبت قضاياهم قبل انتهاء عمل الهيئة. النقطة الثانية تتعلق بطبيعة عمل الهيئة والفترة الزمنية التي يغطيها عملها وكفاءة العاملين فيها. النقطة الثالثة تتعلق بما هو أشمل، أي أن الهيئة انجاز تونسي، وطني، بحت، تم بعد الثورة، بقانون خاص أقره ممثلو الشعب التونسي، لتوثيق ومعالجة انتهاكات حقوق الإنسان في عهدي الرئيس الحبيب بورقيبة (1957 ـ 1987) وخلفه زين العابدين بن علي (1987 ـ 2011)، وذلك «بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا ورد الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية». ويجري العمل، الآن، بعد انتهاء عمل الهيئة على تسليم أرشيف الهيئة، بكل الملفات، كاملا، وفي النسخة الاصلية إلى الارشيف الوطني وذلك «لأهمية الذاكرة وكيفية حفظها للأجيال المقبلة، لإنجاح مسار العدالة الانتقالية باعتبارها أداة للمصالحة الوطنية الحقيقية والمستدامة». 
ذكر هذه الحقائق مهم عند مقارنة تجربة الهيئة التونسية، التي واجهت عديد التحديات والمصاعب، بتجربة «مؤسسة الذاكرة العراقية»، التي يحمل هدفها المعلن، بعض التشابه مع هدف الهيئة التونسية، إلى ان توقف العمل فيها، بعد ثلاث سنوات من نقلها إلى بغداد. لماذا توقفت؟ هل لقلة الضحايا، وهم كثر، منذ عهد الاستقلال الوطني؟ 
عند اجراء المقارنة، يتضح زيف ادعاءات مؤسسيها وكيف نجحوا بالحاق الضرر بمفهوم الحقيقة والتوثيق والمصالحة الوطنية. فالمؤسسة، أولا، غير مستقلة من ناحية التمويل وبالتالي الإدارة. اذ اعتمدت، منذ تأسيسها بواشنطن، بالتزامن مع اصدار الادارة الأمريكية «قانون تحرير العراق»، على عقود نفذتها لصالح وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون). ثانيا، كيفية تجميعها للوثائق. تأسست، بداية، عام 1993، باسم» «مشروع البحوث والتوثيق العراقي»، بعد ان رافق باحث عراقي يدعى كنعان مكية منتج أفلام من الــ «بي بي سي»، لتصوير فيلم عن «حملة الانفال»، أثر اعلان أمريكا وبريطانيا شمال العراق منطقة آمنة. قام كنعان مكية، حينها، بشحن كل ما تمكن من الحصول عليه من الوثائق العراقية المهمة إلى أمريكا. كانت تلك خطوة « الباحث» الاولى في استمراره باخراج الوثائق والمخطوطات الاصلية والمذكرات والملفات، بانواعها، من العراق، بحجة كشف « الحقيقة» مما قد يساعد « على دمل جراح مجتمع عومل بقسوة سياسية على اعلى المستويات». وهي مهمة نبيلة، حقا، فيما لو كانت مستقلة فعلا، ومبنية على العمل لتحقيق العدالة لكل العراقيين، وكل حقب الانتهاكات وليس اقتصارها على فترة حكم واحدة، ولم تسخر لنهب ما هو ملك للشعب العراقي، ويشكل جزءا من ذاكرته الوطنية، وتسليمه كغنيمة إلى اجهزة مخابرات ذات الدولة التي قامت بغزو العراق وتخريب بنيته التحتية ،وسببت حرق ونهب المتاحف والمكتبة الوطنية والمعارض والجامعات. وكانت جمعيتا أمناء الارشفة الأمريكيين والكنديين قد أصدرتا بيانا، 22 نيسان/أبريل 2008، أدانت فيه عمل المؤسسة، بقوة، جاء فيه «ذهبت مؤسسة ذاكرة العراق، وهي منظمة غير حكومية مقرها الولايات المتحدة، إلى بغداد بعد فترة وجيزة من الغزو وبدأت في جمع أكبر عدد ممكن من الوثائق التي يمكن أن تجدها. بموجب قوانين الحرب، يمكن اعتبار ما قامت به من أعمال النهب، وهو أمر محظور بشكل خاص بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1907».
فكيف تقوم مؤسسة كهذه بتضميد جراح سنوات حكم البعث ( 1968 ـ 2003)، ونزيف دم الضحايا، منذ غزو البلد واحتلاله (2003 ـ حتى اليوم) لم يتوقف يوما، خاصة وأن مؤسسها مكية، نفسه، كان من المحرضين على الغزو، وهو الذي تبرع بطمأنة الرئيس الأمريكي جورج بوش، عندما تساءل عن موقف العراقيين من احتلال بلادهم، فهدأ مكية من روعه قائلا: «سيستقبلونك بالازهار والحلوى». وكتب في يومياته عن قصف بغداد في « حملة الصدمة والترويع»، في 2003، « ان صوت القصف موسيقى لأذني». 
المفارقة الأخرى، ان يتم تعيين مصطفى الكاظمي، عضو حزب الدعوة الإسلامي الحاكم، ومدير مشروع التاريخ الشفهي في المؤسسة، رئيسا لجهاز المخابرات. فما هي مصداقية التاريخ الذي يوثقه شخص غير محايد، يسيره الاحساس بالمظلومية، كما تدل مقابلات أجريت معه؟ ما هي مؤهلاته الوظيفية في هذا المجال الحساس؟ كيف قام بالتحري عن اصحاب الشهادات الشفهية وتأييد ما سجله؟ أم ان عمله لا يزيد عن كونه وجها آخر من أوجه الاستهانة بآلام الضحايا وعذاباتهم، مما سيؤدي بالنتيجة إلى فقدان الثقة بأي عمل مستقل يتوخى توثيق والمحافظة على الذاكرة الوطنية مستقبلا؟ 
ان الذاكرة الوطنية هي ذاكرة الشعب كله كما تدون وتدقق، ثروة من محفوظات تعود ملكيتها إلى الشعب كله، ليستخلص منها الدروس التي تجنبه تكرار المآسي وتمده بالقوة من اجل بناء المستقبل. في مجال حقوق الانسان، للارشيف دور أساسي في تحقيق العدالة وحفظ الأدلة ومنع مقترفي الجرائم من الافلات من العقاب، ومنع التزوير، والأفعال الكيدية، لتفادي خلق ضحايا جدد، وإهدار المال العام بدون تمحيص. ومن مسؤولية الحكومات المحافظة على الوثائق، والأرشفة السليمة للمحفوظات هي مفتاح لبقاء الأدلة وسلامتها. وهذا لم يحدث بالعراق، منذ ان قامت القوات الأمريكية بتجميع الوثائق العراقية عند غزو العراق للكويت عام 1990 وحرقها بذريعة العفن، حتى اليوم، حيث لاتزال ملايين الصفحات من الوثائق موجودة في أمريكا، بعد تصنيفها كوثائق سرية او جعلها متاحة لباحثين قام عدد منهم بترجمة ونشر صفحات منها، تم اختيارها وتحليلها بشكل انتقائي. وهي طامة تضاف إلى جرائم النهب والتخريب المتعمد، اذ تتعزز النظرة الدونية الينا، حين يحلل ويكتب الآخرون تاريخنا، وفق منظورهم الخاص، وبلغتهم، وايديولوجيتهم، بينما لا تتاح لنا فرصة الاطلاع على وثائقنا، لصعوبة وتعقيدات الوصول اليها في أمريكا، بينما المفروض ان تكون موجودة في مكانها الطبيعي وهو الارشيف الوطني العراقي. والاهم من ذلك كله، حين الشروع بتأسيس هيئة للحقيقة تستفيد من التجربة التونسية، ان يتم توثيق شهادات جميع الضحايا، بضمنهم ضحايا الاحتلال، ومن قبل عراقيون يعرفون معنى الوطنية.

٭ كاتبة من العراق

 

 

بعد أكثر من ربع قرن:

لماذا يخفون وثائق غزو الكويت؟

هيفاء زنكنة

 

تمر هذه الايام ذكرى غزو العراق للكويت في آب/ أغسطس 1990. الذكرى التي تعيدنا إلى يوم فقأ فيه النظام العراقي عينه بأصبع وعين الشعب بأصبع آخر، ليقود العراق والكويت وفلسطين ووحدة الصف العربي، الذي كان يتشدق بها، إلى مقبرة كتب على شواهدها: النهب، والقتل، وبذر روح الانتقام، والاستجارة بالاجنبي إلى حد القبول بالاحتلال.
لا تزال الدول العربية، تعيش، حتى اليوم، آثار لحظة تاريخية كان ولايزال وجهها الاول رئيس العراق السابق صدام حسين. هذا لا يعني ان الوجه كان خاليا من البثور الفاضحة للتدخل الخارجي، ومن سرديات أضيفت من الموالين والمعارضين للغزو، سواء كانوا عراقيين او عربا، الا ان القرار الاول كان للرئيس العراقي. منذ ذلك اليوم، وقائمة الاضرار التي اصابت العراق وكل البلاد العربية، بالاضافة إلى الخراب الذي اصاب الكويت بلدا وشعبا، في تزايد. لم يكن الغزو خطأ انتهى بانسحاب القوات العراقية، بل كان تمهيدا مجانيا لشرعنة كل الجرائم التالية التي حلت بالشعب العراقي. فمن قصف الجنود الجياع المنسحبين بطريق البصرة (طريق الموت) ودفن اعدادهم الكبيرة بالبلدوزرات، ففي ستة أسابيع، أسقط التحالف المكون من 39 دولة، أكثر من ضعف عدد القنابل الموجهة بالليزر التي تم إطلاقها فوق فيتنام الشمالية في تسعة أشهر، إلى الحصار، على مدى 13 عاما، الذي جعل المواطن العراقي ظلا لما كان عليه قبل التجويع المنهجي، إلى القصف الدوري بحجة « احتواء» النظام، إلى حرق النساء والاطفال وهم أحياء في ملجأ العامرية. ماديا، لايزال المواطن العراقي يدفع الثمن مليارات الدولارات تعويضا للتخريب الذي لحق الكويت ومن ثم تحرير الكويت من قبل القوات الأمريكية. لايزال المواطن العراقي يدفع ثمن رأس الخس الذي أكله الجندي الأمريكي وتم تقدير ثمنه بـ35 دولارا. وهي مفارقة مضحكة مبكية حين نقارن ذلك بالغزو الأمريكي للعراق، عام 2003، حيث قامت ذات القوات بتهديم البنية التحتية للبلد، وبلغت الخسارة البشرية جراء الغزو مليونا ونصف المليون انسان، وستبقى الاجيال المقبلة حاملة لتشوهات التعرض للاسلحة المحرمة واليورانيوم المنضب، ولم يحدث وصدر أي قرار دولي بتعويض الضحايا والبلد. 
الى جانب الخسارة البشرية والمادية، جراء غزو 1990، ذاق البلدان خسارة من نوع آخر نتيجة فعل استهدف توثيق الغزو وكتابة التاريخ وفق مصادره الأولية والقدرة على تحليل ما جرى بشكل علمي، بعيدا عن التضخيم من جهة والتكذيب من جهة أخرى. وهو فعل نفذته القوات الأمريكية باسلوب لم تسلكه حتى عند انتصارها ضد الجيش النازي واحتلال برلين. اذ قامت، من خلال وكالة مخابرات الدفاع، حينها «بعمل يستحق الثناء لجمع وتنظيم الوثائق العسكرية التي تم الاستيلاء عليها وجعل هذه المواد متاحة للمؤرخين والعلماء والمدربين العسكريين المحترفين» حسب معهد دوبوي للتوثيق التاريخي، في 10 أكتوبر/تشرين الاول 2017، الا ان «هذا التفاني تعثر عندما كان الأمر يتعلق بالحفاظ على الوثائق المستردة من ساحة المعركة خلال حرب الخليج 1990 ـ 1991» حيث دمرت ملايين الصفحات من الوثائق العسكرية العراقية التي تم جمعها خلال عملية «عاصفة الصحراء» من قبل وكالة استخبارات الدفاع (
DIA)، في عام 2002، بعد أن خزنت بشكل عرضها للتلوث بالعفن».
يمتد تاريخ الوثائق، المكونة من 12 مليون صفحة، من عام 1978 حتى عملية «عاصفة الصحراء» في 1991. جمعتها القوات الأمريكية من كل مكان بضمنها جيوب القتلى من الجنود العراقيين. وتتضمن المجموعة خططا وأوامر العمليات العسكرية ؛ الخرائط وقوائم الوحدات (بما في ذلك الصور الفوتوغرافية)؛ أدلة تبين التكتيكات والتمويه والمعدات والقواعد ؛ سجلات صيانة المعدات ؛ مخزونات الذخيرة، سجلات عقوبات الوحدة ؛ وحدة الأجور وسجلات الإجازات ؛ التعامل مع أسرى الحرب ؛ قوائم المعتقلين وقوائم المركبات المحتجزة؛ وغيرها من السجلات العسكرية. وتتضمن المجموعة، أيضا، بعض أدلة أنظمة الأسلحة الأجنبية بالاضافة إلى بعض سجلات مجلس قيادة الثورة ووثائق تعود إلى مجلس التعاون الخليجي.
وفقا لدوغلاس كوكس، المدعي العام وبروفسور قانون المكتبة في جامعة نيويورك، قسم القانون، بدأت وكالة استخبارات الدفاع بصنع نسخ رقمية من الوثائق.تم ذلك في الكويت والسعودية. ولكن، حين طلبت وزارة الخارجية نسخاً منها، قررت الوكالة، أنه يمكن قراءة 60٪ فقط من الأشرطة الرقمية المخزنة في النسخ الأصلي.
كان ذلك خلال محاولة لإعادة نسخ 40 ٪ من الوثائق فاكتشفوا أن المجموعة الورقية بأكملها قد تلوثت بالعفن مما اقتضى اتلافها كلها. وهي بادرة تخالف القانون من حيث قيامها باتلاف وثائق رسمية تعود ملكيتها للعراق.
قامت الوكالة بإنشاء مكتبة من المستندات المستنسخة ضوئيا والمخزنة في 43 قرصا مضغوطا وتصنيفها باعتبارها وثائق سرية لا يمكن لأحد الاطلاع عليها. ليس من الواضح، الآن، اذا كانت الاقراص لاتزال موجودة لدى الوكالة. كما لم يتم نقل أي منها إلى الأرشيف الوطني اعتبارا من عام 2012. تم توفير مجموعة من 725 ألف صفحة للباحثين بجامعة هارفرد بعد إلغاء تصنيفها كوثائق سرية عام 2000. ثم تم الغاء هذا الترتيب وإرسال المجموعة التي رفعت عنها السرية، فقط، إلى معهد هوفر في جامعة ستانفورد. 
يثير استيلاء القوات الأمريكية على الوثائق العراقية وكيفية تصرف وكالة الاستخبارات بها العديد من الاسئلة المهمة التي تستحق المتابعة، خاصة من قبل القانونيين والباحثين. اسئلة على غرار: لماذا لم تتم اعادة الوثائق إلى العراق، خاصة، وان الادارة الأمريكية تدعي «تحريره» وهناك مثال اعادة الوثائق الالمانية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لتصبح جزءا من الارشيف الوطني؟ لماذا لم تتم المحافظة على الوثائق من التلف والولايات المتحدة معروفة بتوثيقها السجلات اليابانية والالمانية وحتى وثائق الاتحاد السوفييتي من المناطق التي حررها الجيش الأمريكي اثناء الحرب العالمية الثانية؟ اما السؤال الأكثر أهمية الذي يهم الشعبين الكويتي والعراقي، لأنه سيساعد على كشف الحقائق، وفهم ما جرى، وبالتالي تنقية الاجواء بعيدا عن التضليل والتزييف، هو لماذا تصر وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية على ابقاء الوثائق، غير التالفة، مصنفة كوثائق بالغة السرية؟ وهو ذات السؤال الذي يثيره بروفسور القانون دوغلاس كوكس حين يقول» أن الفشل في الحفاظ على الوثائق الورقية الأصلية سيء بما فيه الكفاية، كما ان احتمال فقدان جزء أو كل المجموعة الرقمية في وكالة المخابرات، سيشكل أمرا فظيعاً ومحيراً. وأنه، من غير المنطقي، ابقاء هذه المجموعة مصنفة باعتبارها وثائق سرية بعد ربع قرن من انتهاء حرب الخليج». فما الذي ستكشفه الوثائق وتخشى أمريكا كشفه؟

٭ كاتبة من العراق

نريد الوطن…

عن أي وطن يتحدثون؟

هيفاء زنكنة

 

المظاهرات مستمرة بالعراق. ثمن المشاركة باهظ يدفعه الشهداء بحياتهم والاحياء بمخاطرتهم بحياتهم. على هامشها، تستمر تصريحات الساسة ورجال الدين المصطفين سوية في ادانتهم العنف والفساد، كأنهم ليسوا غارقين فيهما حتى النخاع، وكأن الضحايا يتساقطون نتيجة عنف غزا العراق من المريخ. بعيدا عن رطانة الساسة والمرجعية وحرباوية مقتدى الصدر والميليشيات، انطلقت اصوات، ربما لأول مرة، مؤيدة للمتظاهرين، بعد ان مشى اصحابها في ظل الحائط فترة طويلة. لم يعد الظل كافيا للحماية من اشعة الشمس الحقيقية. هناك، ايضا، اصوات حافظت على موقفها المبدئي ومساندتها للشعب، بأساليب متعددة، من بينها البرامج التلفزيونية المتهكمة من الساسة بشكل يثير الضحك. ولعل أكثر البرامج نجاحا في هذا المجال هو برنامج « بشير شو» (على القناة الالمانية العربية) من اعداد وتقديم أحمد البشير الذي يتناول هموم الناس ومشاكلهم الناتجة عن الوضع السياسي، بشكل نقدي ساخر، لم يكن معروفا لدى العراقيين، سابقا. 
لم يتهاون البرنامج، يوما، في وقوفه مع مطالب الناس، وهنا مصدر قوته، محافظا، في الوقت نفسه، على مضمونه الساخر وروح النكتة التي ازدادت، مع ازدياد النكبات الهابطة على رؤوس المواطنين، الا ان احدى حلقات البرنامج المهداة إلى «مظاهرات العراق. إلى البصرة وكربلاء والنجف و بغداد والمثنى وذي قار والى كافة المحافظات» كانت خالية من شحنة الضحك المنتظرة. فهل نهب ساسة الفساد الضحكات بعد ان عجزوا عن اسكات البشير، وبعد ان ادركوا قوة السخرية وقدرتها على كسرها حاجز الخوف والاضطهاد والقمع عن طريق تحطيم سطوة الشخصيات المهيمنة ووضعها بحجم يصبح من السهل الضحك عليه. 
«يوم بلا ضحك هو يوم ضائع»، يقول تشارلي تشابلن، والضحك، على قساوة الواقع، هو الذي جعلنا البشير، نشاركه فيه، عبر برامجه. فما الذي دفعه إلى التخلي، ولو في حلقة واحدة، عن الضحك؟ 
انه ذلك الخندق العميق، الذي يفصل عموم الشعب العراقي عن الحكومة، والذي عجز الشعب عن عبوره للامساك بالحكومة، لأسماعها مطالبه. وهو بالضبط عكس ما يجب ان يكون. فالطبيعي ان تقوم الحكومة بتلبية مطالب الشعب، لأنه واجبها وليس منة على الشعب أو احسانا، وان تردم الهوة التي قد تقوم بينهما، في حالات الفساد والظلم وعدم تطبيق القوانين واحترام حق المواطنة. وهذا ما لم يحدث، بالعراق، في ظل حكومات ما بعد 2003. وان كان هذا لا يعني تبرئة نظام ما قبل 2003 من المسؤولية. فالمواطن خاسر بكل المستويات. اذ امتهنت، على مدى 15 عاما الاخيرة، كرامته ولم يتم توفير الخدمات الاساسية الموعودة له، ولم تراع حقوقه كإنسان، وتبخر حق التعبير عن الرأي أمام ناظريه، وكيفية التعامل مع المتظاهرين، سابقا وحاليا، أفضل دليل على ذلك. 
من الطبيعي، اذن، ان يلجأ البشير، كما غيره من الاعلاميين المتضامنين مع المحتجين، إلى التحليل السياسي ورصد يوميات المظاهرات، وخطب ومقابلات الساسة، وكتابات المدونين، لغربلة الاخضر من اليابس، في ظل تسفيه المظاهرات و«الفوضى الاعلامية والتعتيم الحكومي، والصراعات السياسية، واستغلال مطالب الناس»، حسب تعبيره. فالسخرية والنكتة، ابنتا الاحباط واليأس والخوف والفقر والجوع والظلم، الناميتان كأداتين للمحافظة على البقاء، تراجعتا، لفترة وجيزة، ازاء الغضب، المباشر، الذي لم يعد بالامكان كبته. الغضب العارم الذي جعل الاحتجاج فعلا جسديا يستدعي ازاحة العوامل المسببة له، ومن بينها، الساسة وميليشياتهم ومراجعهم، الذين أهانوا واحتقروا كل خلية بشرية تنبض بالكرامة. ولم يستطع البشير الا ان يتوقف ليراجع مع عموم الناس أفضل السبل للتعامل مع باعة القيم والاخلاق والوطن. الوطن؟ 
يصرخ المتظاهرون من كافة الاعمار «ما نريد ماء او كهرباء.. هذه مسألة وطن… مسألة وطن… نريد الوطن». الوطن؟ ماهو الوطن؟ في «عائد إلى حيفا» يتساءل الكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني، عن الوطن، قائلا: «يا صفية، هل تعرفين ما هو الوطن؟ الوطن هو ان لا يحدث هذا كله»، مشيرا إلى عودة بطل القصة إلى شقته المحتلة، في حيفا، فيلتقي بابنه الذي فقده في خضم الاحتلال، ليجده وقد صار جنديا في الجيش الصهيوني. 
الوطن، اذن، في حالة العراقيين، هو الا يحدث كل هذا الامتهان لكرامتهم وهم اهل احدى أغنى الدول بالمنطقة. هو الا يستخدمه الجشعون الفاسدون ذريعة لنيل المنح والهبات والقروض، بينما يستجدي هو الحد الادنى من ضروريات الحياة، من حقوقه، من سراق تغولوا إلى حد سرقة الضحكات. هو ان يحطم الاصفاد التي البسوه اياها، باسم الدين تارة، ومحاربة الإرهاب تارة اخرى، لاجباره على القبول بالأمر الواقع. هو الا يصغي لباعة الترويع والترهيب من المظاهرات لأنها قد تقود إلى خروق دستورية، وعنف غير مشروع، وشعارات تحريضية. ولنستعيد ما قاله نلسون مانديلا، رجل السلام والحقيقة والمصالحة، حين فشلت الطرق السلمية في تغيير الواقع المهين لإنسانية الانسان: «ان المقاتل من أجل الحرية يتعلم بالطريقة الصعبة أن الظالم هو الذي يحدد طبيعة الصراع، وغالبا ما لا يجد المستضعف بديلا سوى استخدام نفس أساليب الظالم».
الوطن، اذن، هو ان يخرج العراقي إلى الشارع لأنه ملكه، وان يضع اصابعه بعيون كل من ساعد على اغتصاب البلاد ونهبها وتخريبها. خراب تستر عليه إفساد الناس بالوظائف المؤقتة والوهمية، بفتات الأموال المنهوبة، المعطرة، بفتاوى دينية، حتى استنفدت أموال الدولة وبدأ التقشف وصراع اللصوص الكبار على الغنيمة المتضائلة، فلم يعد هناك الكثير للفتات. الأمل، الآن، في صمود الجماهير المتظاهرة، إذا ما انضم اليها بقية ابناء الشعب، من أجل الحرية والكرامة فالحرية «لا تقبل التجزئة..لأن القيود التي تكبل شخصاً واحداً في بلادي إنما هي قيود تكبل أبناء وطني أجمعين»، كما يذكرنا الراحل مانديلا والعالم يحتفل بمئوية ميلاده.

٭ كاتبة من العراق


 

 

ما الذي ستحمله الأيام

المقبلة لمتظاهري العراق؟

هيفاء زنكنة

 

في الاسبوع الأخير، وصلت التظاهرات التي بدأت بشكل عفوي في مدينة البصرة، جنوب العراق، إلى بغداد، مرورا بكربلاء والنجف والديوانية والسماوة وبابل. وعلى الرغم من ان المظاهرات والاعتصامات، خاصة، بساحة التحرير، ليست غريبة على العاصمة التي تبنتها منذ عام 2011، بشكل دوري، تزامنا مع انتفاضات الدول العربية، الا ان انتقالها هذه المرة، بهذا الحجم، من انحاء اخرى من العراق إلى العاصمة يثير الانتباه. حيث شحنت مشاعرالغضب طاقة من كانوا مثابرين على الاحتجاج ضد الفساد، منذ سنوات، واصابتهم خيبة الامل من هيمنة الاحزاب على الحركة المدنية التي انطلقت، مستقلة، ثم تحولت إلى ورقة للمساومة على حساب الشباب الذين عرضوا حياتهم للتهديد والاعتداءات والخطف والقتل. 
تم تفريق المتظاهرين، يوم الجمعة، ببغداد، بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، حين حاولوا الاقتراب من «المنطقة الخضراء»، المحصنة إلى حد التقديس، أكثر من الاماكن الدينية المقدسة، لأنها تضم أكبر سفارة أمريكية بالعالم، وفي ظلها يقبع مسؤولو الحكومة العراقية وأعضاء البرلمان. أوفياء لمن يمدهم بالحماية من غضب الشعب. ومن يصغي إلى اصوات المشاركين بالتظاهرات سيعرف مدى ما تحمله المواطنون جراء فساد وفشل الاحزاب السياسية الحاكمة في تقديم أي شيء للمواطن خلال الخمسة عشر عاما المنصرمة، وان الاحتجاج على انقطاع الكهرباء والماء، المتفاقم، في قيظ تموز/ يوليو، هو فعل تأخر طويلا. المفارقة، اليوم، هي اتهام المتظاهرين المطالبين بأبسط الحقوق بأنهم «اعداء العراق» من ذوي «النوايا الخبيثة بعد أن اغاظهم النصر الكبير الذي حققته قواتنا الامنية البطلة في حربها ضد الإرهاب وأذنابه» حسب بيان لمركز الاعلام الامني. أما اطلاق الرصاص وقتل المتظاهرين، فانه «معلومات كاذبة وملفقة تصر بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي على نشرها»!
يتركز رد فعل الحكومة ورؤساء الاحزاب والميليشيات والمرجعية الدينية، على احتواء ما يسمونه «الأزمة» بأسلوبين. الاول هو الادعاء أنهم يحترمون حق الاحتجاج، الا أنهم ضد مشاركة « المندسين، الإرهابيين، التخريبيين، الداعشيين، البعثيين». وحين نتذكر ان قانون الإرهاب يشمل 44 تهمة، سندرك خطورة هذه الاتهامات وكونها تشرعن للحكومة والميليشيات ضرب واعتقال وقتل المتظاهرين، وتوفر للمرجعية ذريعة عدم اتخاذ موقف واضح من إرهاب الحكومة. 
الاسلوب الثاني هو اطلاق متحدثي الحكومة التصريح تلو التصريح حول «الاستجابة بشكل آني إلى قسم من المطالب» وتبرير ان القسم الآخر «يحتاج إلى وقت وتخصيصات مالية طائلة». ويأتي التأكيد الحكومي الرسمي بكليشيهات جاهزة مفادها: «وضع آليات عمل» و«امتلاكها برنامجا كاملا للنهوض بالواقع الخدمي للبلاد» و«تشكيل لجان حكومية لحل الاشكاليات» و« رسم مسار استراتيجي وتخصيصات مالية ستطلق لذلك». مما يجعلنا نتساءل: ترى لماذا لم تقم الحكومة بكل ذلك، خلال 13 عاما الاخيرة، قبل ان يدفع المواطنون حياتهم ثمنا؟ وهل يلام المواطن حين يصم أذنيه رافضا الاصغاء لوعود يعرف جيدا انها مجرد أكاذيب من حكومة فاشلة لا تزيد امكانية مسؤوليها، متمثلة برئيس الوزراء حيدر العبادي، القيادي بحزب الدعوة الاسلامي، على اطلاق فقاعات هوائية، باتت رائحتها تزكم الانوف؟ هل يلام المواطن اذا ما اراد التخلص من احزاب انحدرت به إلى جحيم الفاقة وامتهان الكرامة وتفتيت البلد إلى كانتونات طائفية تحكمها ميليشيات مستوردة ؟ كيف يتعامل المواطن مع حكومة يقول متحدثها الرسمي ان الحكومة تطالب المتظاهرين بالاحتجاج «وفق الأطر الدستورية بعيداً عن الخروقات»، بينما يرى وزراء الحكومة ومسؤولوها، كلهم بلا استثناء، وهم يسرقون، وينهبون، ويرتشون، ويأخذون العمولات، ويمولون الميليشيات، ويتنفسون الفساد بكافة انواعه، حسب مئات التقارير والاحصائيات المحلية والدولية، وحسب اعترافاتهم ضد بعضهم البعض؟ أم ان هذه الافعال تتم وفقا للدستور؟
لقد وصل عدد ضحايا الاحتجاجات، حتى يوم أمس، 13 قتيلا ومئات الجرحى. وأصدرت منظمة « العفو الدولية» بيانا أكدت فيه قيام القوات الحكومية باستخدام الذخيرة الحية في تفريق التظاهرات، وقتل متظاهرين سلميين بالإضافة إلى تنفيذها حملة اعتقالات تعسفية وممارسة عمليات تعذيب جسدي ضدهم. أثناء ذلك، عمدت الحكومة إلى قطع الانترنت لمنع انتشار اللقطات المصورة التي تظهر قمع السلطات للتظاهرات السلمية. وهو تعتيم متعمد منح القوات الحكومية تفويضا مطلقا لقمع المتظاهرين السلميين دون علم أحد.
دعت المنظمة السلطات العراقية «إلى وضع حد فوري لعمليات التعذيب، وإجراء تحقيق محايد لتقديم المسؤولين عن هذه الأفعال إلى المحاكمة». وهو ما لن تقوم به الحكومة اطلاقا، فالمعروف ايمان ساستها بضرورة التعذيب وان المعتقلين يستحقون ما يصيبهم، بضمنه القتل، لأنهم «إرهابيون». 
فما الذي ستحمله الايام المقبلة؟ تدل المؤشرات على ان الاحزاب الحاكمة وميليشياتها المسلحة المأجورة لن تتخلى بسهولة عن غنائم الفساد، وولائها الخارجي، وان اعلانها نية الاصلاح والقضاء على الفساد يعني، بالواقع، القضاء على نفسها. كما تذكرنا الاتهامات الموجهة ضد المتظاهرين بفترة الاعداد للقضاء على تظاهرات واعتصامات الفلوجة السلمية التي استمرت طوال عام 2013 وحتى اواخر 2014، فأمر نوري المالكي، رئيس الوزراء وأمين عام حزب «الدعوة الاسلامي»، بقصف الفلوجة بالبراميل المتفجرة وراجمات الصواريخ، وطائرات «سوخوي»، بحيث أجبر القصف العشوائي الأهالي على دفن قتلاهم في الحدائق والساحات القريبة منهم، ولم تستثن عمليات القصف المساجد والمستشفى الوحيد في الفلوجة الذي تم استهدافه 24 مرة. تجاوز، حينها، عدد الضحايا 700 قتيل وأكثر من 2350 جريحا، حسب الأرقام الرسمية، لمستشفى الفلوجة العام. 
المفارقة هي ان تهمة الإرهاب والداعشية التي وجهت إلى اهل الفلوجة والموصل وبقية المتظاهرين عام 2013، هي ذات التهمة الموجهة إلى متظاهري البصرة وكربلاء والنجف والسماوة والناصرية، اليوم. فهل سيكون مصير تظاهرات هذه المدن كالسابقات؟ الأرجح لا. فمساومات المحاصصة حول تشكيل الحكومة الجديدة، بعد مهزلة الانتخابات، وتدخل المرجعية الدينية وسفح الوعود بالأطنان، وحرباوية موقف مقتدى الصدر، رئيس التيار الصدري، بالإضافة إلى الترويع والاعتقالات والتعذيب، سيعيد المتظاهرين إلى بيوتهم، ويمد الفاسدين القدامى ـ الجدد بالحياة بضعة أشهر أخرى، لا غير.

٭ كاتبة من العراق

 

 

المتظاهرون بالعراق…

(مخربون إرهابيون إمعات!)

هيفاء زنكنة

 

«انهم يستحقروننا… لماذا الاحتقار؟»، يتساءل أحد المحامين الخمسين، الذين شاركوا في مظاهرات المدينة المعروفة بانها مركز المرجعية الدينية الشيعية. كل المشاركين هم من اهل النجف. حين لم يستجب أي مسؤول محلي لاحتجاجاتهم، توجهوا نحو المطار، كمحاولة لجلب انظار المسؤولين إلى مطالبهم التي لا تزيد عن التزود بالكهرباء والماء الصالح للشرب. كان جواب المسؤولين اتهامهم بالتخريب والإرهاب. وتم اطلاق النار عليهم. اثنان من المتظاهرين استشهدا وجرح 15 آخرين. قتيلان و40 جريحا في اشتباكات بين متظاهرين وقوات الأمن في كربلاء. «شهداء الحرية»، يقول المتظاهرون. «إرهابيون، مخربون» يقول المسؤولون. أنه رد الفعل المعتاد من الحكومات الفاشلة. 
مظاهرات النجف واحدة من عشرات المظاهرات التي عاشتها مدن اخرى، في الاسبوع الماضي. وهي تكرار لمظاهرات واعتصامات عاشها العراق على مدى 15 عاما، من الاحتلال. بدأت، هذه المرة، من محافظة البصرة، جنوب العراق، التي تحوي أضخم حقول وموانئ النفط، في بلد هو ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، بعد السعودية، بطاقة إنتاجية قدرها 4.8 مليون برميل يوميا. مع ذلك، يعيش سكانها فقرا مدقعا، واهمالا لا يليق حتى بحيوان. فالماء غير صالح للشرب والجفاف يهدد الاراضي الزراعية والتيار الكهربائي، لقلته، مصدر الهام للنكات والاغاني والشعر المرير. إيران وتركيا تتحكمان بكميات الماء، مصدر الحياة، كما تستفيد إيران من عقود تزويد الكهرباء مع تحكمها بالكمية. حيث يحصل المواطن على بضع ساعات من الكهرباء، يوميا، في صيف بلد هو الاول عالميا، من ناحية ارتفاع درجة الحرارة، اذ ترتفع في الظل إلى 55 درجة مئوية في شهري تموز وآب. واذا كان أهل مدينة الموصل، شمال العراق، مشغولين بجمع اشلاء القتلى الذين بلغ عددهم 5200 في الشهور الاخيرة، وبعد مرور عام على «تحريرها»، فأن مشكلة البصرة والنجف وبابل وكربلاء والناصرية والعمارة، هي البطالة، عموما، الخانقة لأي أمل قد يحمله الخريج. 
«في وضعنا هذا نحن لا نعيش بل نمرر الوقت فقط»، يقول احد الشباب في تعليق على الفيسبوك. مهندسو النفط الشباب، مثلا، لا يتم تعيينهم في البلد الذي يحوي اغنى حقول النفط، بل يتم استيراد المهندسين والعمال أما من الخارج أو تعيين غير المؤهلين نتيجة الفساد. حين تجمع المتظاهرون، على الطريق السريع بالقرب من محيط حقول النفط بجنوب غرب القرنة ـ 2، في الاسبوع الماضي، كان هدفهم الاحتجاج على عدم تعيينهم وهم المؤهلون، المهملون، المحتقرون في بلدهم، من قبل المسؤولين الفاسدين والشركات الاجنبية متمثلة بلوك أويل الروسية، وشركة اكسون موبيل. بدلا من الاصغاء لمطالبهم وتهدئة الامور، أتهموا بالإرهاب، وأطلق عليهم الرصاص. 
خشية امتداد الاحتجاجات، بدأت أصوات المسؤولين والمرجعية الدينية، بتقديم سردية بديلة للحقيقة، لتحريض عموم الشعب ضد المتظاهرين. تؤيد السردية التضليلية مطالب المتظاهرين، ظاهريا، بينما تدس، عمليا، اتهامات التخريب، وحرصها على «الممتلكات العامة»، ومن ثم حمايتها الوطن من «التدخل الاجنبي»، كأن العراق واحة للسيادة المتكاملة. 
ليست مظاهرات المدن، بضمنها النجف، هي الاولى من نوعها، كما ان سقوط الشهداء بيد السلطة التي تدعي تمثيل السكان، ليس الاول. ففي الاول من تموز/ يوليو، العام الماضي، اطلقت الشرطة النار على المتظاهرين، المحتجين على انقطاع التيار الكهربائي، مما أدى إلى وفاة شخصين وجرح آخرين. برر محافظ النجف، لؤي الياسري، اطلاق النار بأن التظاهرات كانت «تستهدف أمن الدولة والمرجعية العليا». الحقيقة هي وحسب شهود عيان ان «المتظاهرين تجمعوا عند مجمع سكني خاص بطلبة وأساتذة الحوزة الدينية وأحرقوا الإطارات وهتفوا بشعارات غاضبة قبل أن يُطلق عليهم النار». واذا كان التاريخ يعيد نفسه بشكل كوميدي فان المسؤولين وقادة الاحزاب الحاكمة، هبطوا به إلى حضيض المهزلة في اتهاماتهم الجاهزة. اننا نشهد نسخة من احتجاجات واعتصامات أعوام 2011 ـ 2013، في الفلوجة والحويجة والرمادي والموصل، التي تم وصفها بالإرهاب وتصفيتها بالمذابح مع صفقات لبعض رؤساء العشائر. واقترن ذلك بإغتيال الناشطين والقمع المصاحب بتلاعبات التيار الصدري، في مناطق عدة وفي بغداد خصوصا، وبمسار خاص في كردستان العراق. 
اليوم، يعود موال توجيه الاتهامات إلى المتظاهرين. حيث يصف عامر الخزاعي، القيادي بحزب الدعوة الإسلامي، مقتحمي مكتب حزب الدعوة الحاكم، بالبصرة، بانهم «مجرمون، آثمون، داعشيون، بعثيون… ويجب ان يعاقبوا». الحقيقة هي ان المحتجين هم من اهل البصرة الذين صبروا على الضيم والاهانة، طويلا، وربما اطول مما يجب، أملا بالاصلاح. فجاء احتلالهم للمكتب، تعبيرا عن نفاد الصبر على رمز للفساد، وتعبيرا عن تقززهم من أحزاب خسرت فرصتها التاريخية في تمثيل الشعب. وهو فعل يتوجب على الحزب الحاكم، فيما لو توفرت النية الصادقة، فهم أسبابه وايجاد الحلول، وبالتالي محاسبة المسؤولين عن حدوثه بدلا من اطلاق النار وتوجيه الاتهامات، المهينة، الجاهزة.
الملاحظ في هذه التظاهرات انها انتفاضة عفوية في المحافظات المحسوبة شيعية، بمشاركة رئيسية من الطبقة المتوسطة من محامين وجامعيين بالاضافة إلى الخريجين العاطلين. مما أجبر عددا من المسؤولين على الوقوف بجانبهم. خصومها هي الأحزاب الشيعية الحاكمة، في بلد بلا سلطة مركزية تقريبا. وأغلب الأحداث تقع في مواقع الفساد والتعسف مثل الحدود مع الكويت وإيران في البصرة والموانئ ومطار النجف ومراكز الأحزاب. لا تبدو للانتفاضة قيادة او شعارات خارج المطالب الخدمية، اي انها انفجار غاضب، فيه تيارات مختلفة، قد تتبناه جهات وقد تحول مساره تلاعبات متناقضة. التحالف الحاكم يتفتت ليس فقط على المستوى الوطني وإنما داخل كل محافظة وداخل كل مؤسسة. وقد لا يستطيع النظام السيطرة إذا ما اختارت قوات الشرطة والجيش الوقوف بجانب اهلهم من المتظاهرين، حينئذ قد تلجأ الاحزاب إلى الاستعانة بميليشياتها المسلحة، وقد يضطر النظام إلى تنفيذ اصلاحات سريعة لاستيعاب الرموز المهنية المحترمة من قبل الطبقة المتوسطة الشيعية. 
عموما، نحن على مشارف مرحلة جديدة، غير واضحة المعالم الآن. إلا ان الواضح، تماما، هو الغضب العارم الذي يشعر به المتظاهرون، مؤكدا على ان تغليف الفساد الاداري والمالي والاخلاقي، بمحاربة الإرهاب، واستناد الفاسدين على عكاز المظلومية، شارف على استنفاد صلاحيته. ولن يكون مصير الحكام الحاليين، المستهينين بكرامة المواطنين، افضل من المستعمر البريطاني، متمثلا بالحاكم العسكري كوكس، في عشرينيات القرن الماضي، الذي وصف العراقيين بأن « تسعة أعشارهم من الإمعات»، فكانت ثورة العشرين التي علمته وامبراطوريته درسا لا ينسى.

٭ كاتبة من العراق

 

طة «المتطرفين»!

هيفاء زنكنة

 

«نحن في خضم هياج عنيف، ونحن نشعر بالقلق… ان المتطرفين اتخذوا خطة من الصعب مقاومتها: وهي الاتحاد بين الشيعة والسنة، أي وحدة الإسلام، وهم يستغلون ذلك إلى أقصى الحدود… تقام احتفالات رمضان في مساجد الشيعة، احيانا، وفي مساجد السنة، أحيانا أخرى، ويحضرها اناس من الطائفتين معا… انها زاخرة بالقاء القصائد والخطب التي تمزج بين الدين والسياسة، وكلها تدور حول فكرة العداء للكفار».
ليس هذا واحدا من تغريدات الرئيس الامريكي دونالد ترامب التي يطلقها، بشكل يومي، بل ما كتبته مس بيل، مستشارة المندوب السامي البريطاني، بالعراق، في رسالة إلى أبيها، مؤرخة في الاول من حزيران 1920، اي قبل ثورة العشرين بشهر واحد، واصفة المتظاهرين بأنهم «متطرفون» وملخصة موقفا نراه اليوم، متبديا بصراحة غير معتادة، في السياسة الامريكية الخارجية، وهو التخوف من «وحدة الإسلام». واذا كانت «سياسة فرق تسد»، المتبدية بنشر الطائفية، قد فشل الاستعمار البريطاني في تجذيرها الا انها الاداة التي لجأ اليها المحتل الامريكي، بعد عام 2003، كهدف استراتيجي، للهيمنة على العراق. 
يرتبط شهر الصيف باذهان العراقيين بالثورات والانقلابات، وما يصاحبها من اختلاف المواقف تجاهها. فما يعتبره البعض ثورة، يراه آخرون انقلابا، والعكس بالعكس. الا ان ما يتفق عليه الجميع، تسمية ومضمونا، هو ثورة العشرين التي وقعت في 30 حزيران/يونيو 1920، المسماة الثورة العراقية الكبرى ضد الاحتلال الانكليزي. ولأن وضع العراق الحالي، سياسا واقتصاديا، يحمل الكثير من التشابه مع تلك الحقبة المهمة، من تاريخ العراقي المعاصر، فان استعادة بعض المعلومات التي ارتقى بها الزمن إلى مصاف الحقائق، قد تساعد على اضاءة جوانب، يبذل المستعمر الجديد، منذ غزو البلد واحتلاله في 2003، اقصى جهده، بميزانية ضخمة، وبمساعدة محلية، ابقاءها مظلمة لتخدير العقول، والقبول بكل ما يفرضه كواقع، يدعي أما ان من المستحيل تغييره او ان اهل البلد المحتل اضعف وأكثر انقساما من ان يتمكنوا من التغيير. 
كتابان بالغا الاهمية حول ثورة العشرين، يساعدان على فهم دور المستعمر في تهيئة الارضية للاحتلال الفكري، بالاضافة إلى العسكري والاستغلال الاقتصادي. الاول هو الجزء الخامس من «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث»، لعالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي، والذي يعتبر واحدا من اهم المراجع لفهم الشخصية والمجتمع العراقي، وقد خصص هذا الجزء لدراسة ثورة العشرين. الكتاب الثاني هو «ثورة 1920.. الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية في العراق» لاستاذ العلوم السياسية الراحل وميض نظمي. كلا الكتابين يستندان إلى مصادر مهمة توضح الاستراتيجية الاستعمارية البريطانية بأقلام وتصريحات واضعيها، من الساسة والمسؤولين العسكريين البريطانيين أنفسهم. وهي مسألة مهمة إذا ما اردنا فهم امتداد السياسة الاستعمارية، حاليا، سواء كان الاحتلال مباشرا او غير مباشر. 
ذكر علي الوردي مقولة مس بيل في سرده لتاريخ الثورة وسبره موقف المستعمر البريطاني من مشاركة العراقيين، الجماعية، بثورة العشرين، من النواب ووجهاء المجتمع ورجال الدين إلى رؤساء العشائر والمثقفين. كان تخوف مس بيل، حينئذ، من توحيد الصف العراقي، حقيقيا، خاصة وهي تعيش النمو العضوي المتسارع للثورة التي كانت الجماهير قاعدتها الاساسية. الجماهير التي «كانت في حالة هياج وتأثر»، نجحت في تحجيم دور المتعاونين مع المستعمر. كما حجمت دور مثقفين تماهوا مع المستعمر في وقوفهم ضد الاحتفالات الدينية المشتركة « لكنهم كانوا مضطرين إلى حضورها والى التبرع لها خوفا من غضب الجماهير» ولئلا يتهمهم الناس بانهم كفار او خونة. ويقتبس الوردي، للتوضيح، رسالة تلقتها المس بيل من « مثقف»، يخاطبها قائلا: «أنتم لا يمكن ان تتركوا الامور تجري على هذا المنوال الذي تجري عليه الآن…. اني ارغب كل الرغبة في تجنب ذلك من اجل مصلحتنا ومصلحتكم معا. اني انظر إلى الاجتماعات في المساجد بمقت شديد واعتبر بشكل خاص هذا المزج بين الدين والسياسة خطرا… ويمكن ان اقول استطرادا ان هذا الاتحاد المتباهى به بين الشيعة والسنة هو من ابغض الامور إلى نفسي.».. 
تأخذنا هذه الرسالة إلى أخرى مشابهة، تقريبا، من ناحية العلاقة بين المحتل والمثقف. حيث يتطوع المثقف، بدونية استخذائية، للتعامل مع المحتل وشكره على «تحريره». كما فعل عدد من المثقفين العراقيين، حين كتبوا يشكرون بوش وبليرعلى «مبادرتهما الشجاعة» لتحرير شعبهم. 
بالاضافة إلى سياسة التفرقة الطائفية التي استخدمها الانكليز، في العشرينيات واحتلال 2003، تكشف مذكرة المندوب السامي سير برسي كوكس، المعنونة «مستقبل ما بين النهرين»، المذكورة في كتاب د نظمي، ان القوى التي يستند اليها المستعمر لترسيخ هيمنته هي الطائفة اليهودية والوجهاء والاشراف العرب (لأنهم عنصر مفلس ومتأخر بعض الشيء) والملاكون الأغنياء وشيوخ العشائر. نفهم من ذلك ان جوهر السياسة هو الاعتماد على الاقليات الدينية، وهي ذات السياسة التي تبنتها ادارة الاحتلال الانكلو أمريكي لزرع الفتنة الدينية. والاهتمام بالوجهاء العرب، على الرغم من كونهم محتقرين من قبل الاداة الاستعمارية، بالاضافة إلى رؤساء العشائر. والى الانكليز يعود الفضل الاكبر في «انعاش وتعزيز النظام العشائري المزعزع» وتقوية «مركز الشيخ ونظامه العشائري» لجعل السلطة بيد شخص واحد وهذا الشخص هو الشيخ وتقوم الحكومة باختياره في كل حالة.
يعيش العراقيون، حاليا، نتائج السياسة الاستعمارية، طويلة المدى، التي نكبت بها منطقتنا كلها. فمن الطائفية إلى التمييز الديني والعرقي إلى استخدام الاقليات إلى ادعاء المساعدة الإنسانية. تم استخدامها، كلها، بأشكال ودرجات مختلفة، لمواجهة ثورة العشرين، في الماضي، كما اعيد تدويرها، بعد تحسينها لتلائم العصر، لمواجهة المقاومة ضد الاحتلال الانكلو أمريكي. الا ان العراقيين، على الرغم من عقود الحصار والحروب، وحملات التضليل الاعلامية، يقاومون سياسة الفتنة الاستعمارية ـ بأياد محلية، ليرتفع من ثورة العشرين صوت الشاعر حبيب العبيدي الموصلي مذكرا «قد سئمنا سياسة التفريق/ واهتدينا إلى سواء الطريق، يا عدوا لنا بثوب صديق، لست الا مزورا أجنبيا، فلماذا تكون فينا وصيا؟».

٭ كاتبة من العراق

ممارسة التعذيب…

نجاح التحالف البريطاني العربي

هيفاء زنكنة

 

لم يكشف تقرير لجنة الاستخبارات والأمن في مجلس العموم البريطاني، الصادر في 28 حزيران/يونيو 2018، أسرارا خفية عن « تساهل» الحكومة البريطانية مع «برامج تعذيب وترحيل معتقلين» عقب هجمات 11 سبتمبر. فكل المعلومات التي وردت في التقرير، تقريبا، بصدد مساهمة جهاز الاستخبار البريطاني، في ترحيل معتقلين والاطلاع على تعذيبهم، كان معروفا. شهادات العديد من المعتقلين، وتقارير منظمات حقوقية دولية ومحلية، بالاضافة إلى ما كشفته لجان مستقلة، قدمت ذات المعلومات الواردة في التقرير الحالي. عن دور الاستخبارات البريطانية، يقول المواطن البريطاني، معظم بيغ، الذي كان محتجزا في سجن غونتنامو مدة 3 أعوام، وأطلق سراحه عام 2005، بدون توجيه تهمة اليه: «كان عملاء الاستخبارات البريطانية يشاهدونني بأعينهم، وأنا معصوب العينين، ومقيد اليدين، وكانت بندقية تصوب إلى رأسي، وأهدد بإرسالي إلى سوريا أو مصر إذا لم أتعاون… كان هناك صوت امرأة تصرخ في الغرفة المجاورة، أخبروني إنها زوجتي وهي تتعرض هناك للتعذيب. عملاء الاستخبارات البريطانية يعرفون كل شيء عن هذا». وقد دأب الوزراء البريطانيون، العدل والخارجية خاصة، على نفي أن يكون لجهاز الاستخبارات البريطانية الخارجية (أم آي فايف) أو الداخلية (أم آي سيكس) أي دور في أعمال التعذيب، أو أن تكون قد تواطأت بها من قريب أو بعيد.
« تدين الحكومة البريطانية التعذيب في كافة الظروف، وإنني أدعو الحكومات في كافة أنحاء العالم للقضاء على هذه الممارسات الشنيعة. نحن نواصل جهودنا الكبيرة لمكافحة التعذيب، بما في ذلك دعم المنظمات الأهلية للعمل بشكل مستقل على رصد وتفقّد الأوضاع في مراكز الاعتقال. وإنني أهيب بكافة الدول التي لم توقع أو تصادق أو تطبق اتفاقية مناهضة التعذيب والبروتوكول الخياري أن تفعل ذلك. فباتخاذ هذه الخطوة تكون الدول قد أعربت بوضوح عن التزامها بإنهاء التعذيب وتحقيق العدالة لضحايا التعذيب وعائلاتهم»، قال وزير شؤون حقوق الإنسان بوزارة الخارجية، لورد أحمد، في حزيران/يونيو 2017، قبل عام بالضبط من صدور التقرير الحالي، ليقدم لنا نموذجا، عن زيف ادعاءات الحكومات «الديمقراطية» في مجال الالتزام بتطبيق حقوق الانسان في سياستها الخارجية. 
يستحق التقرير المتابعة لعدة أسباب. أنه يؤكد، رسميا، دور الاستخبارات البريطانية بمد جهاز الاستخبارات الأمريكي، خاصة، بالمعلومات، والمساعدة بتنفيذ الاعتقالات، ونقل المعتقلين إلى بلدان اخرى يتم فيها تعذيب المعتقلين، بالنيابة، عن الاستخبارات الأمريكية، بالاضافة إلى كونها شريكا في التحقيق مع محتجزين في معتقل غوانتنامو. تم كل ذلك تحت مظلة «الحرب ضد الارهاب»، بشكل يتنافى، غالبا، مع القوانين المحلية والدولية. واذا كان التقرير قد فند مزاعم وكالات الاستخبارات البريطانية، بأن الحالات التي وردت تفاصيلها كانت مجرد «حوادث منفردة»، فأنه لم يحدد مسؤولية جهاز الاستخبارات بشكل يقتضي المحاسبة، مكتفيا بديباجة تنص على أنه «لا توجد أدلة على سوء معاملة وكالة الاستخبارات البريطانية للمعتقلين مباشرة». وهذا نص كلاسيكي باحتوائه على مفردات «مباشر» و«لا توجد أدلة»، ويعيد إلى الاذهان الخط الاحمر الذي توقف عنده « تقرير تشيلكوت» حول مسؤولية شن الحرب العدوانية على العراق. حيث تم توزيع المسؤولية على عدة جهات، بطريقة سياسية محنكة، جعلت كل المسؤولين، من رئيس الوزراء السابق توني بلير، إلى الوزراء، والقادة العسكريين، غير خاضعين للمحاسبة القانونية جراء انتهاك القانون الدولي. 
النقطة الثانية التي تستدعي الانتباه، عند قراءة تقرير كهذا، هو تواطؤ الحكومة البريطانية مع حكومات قمعية، معروفة بانتهاكاتها حقوق الانسان، خاصة في العالم العربي. حيث عقدت الحكومة البريطانية مذكرات تفاهم واتفاقيات مع حكومات عربية تمارس الارهاب ضد شعوبها بحجة «الحرب على الارهاب»، محولة بذلك الانظمة العربية القمعية إلى انظمة ديمقراطية. ولا يخفى تواطؤ الإعلام البريطاني الذي يعتبر نفسه مميزا بمراقبته للقمع، ويبقى كشف التفاصيل ورصد التقارير مقتصرا على صحافيين وشخصيات مستقلة مثل السفير السابق كريغ مري. 
يوضح الموقف البريطاني من انتهاكات حقوق الانسان، بالعراق، وكيفية التعامل معه، مثالا على ازدواجية المواقف وزيف ادانة الحكومة البريطانية انتهاكات حقوق الانسان. يذكر تقرير لمكتب الكومنولث والسياسة الخارجية، عن حقوق الانسان، بالعراق (تم تحديثه عام 2017 )، «ظلت حالة حقوق الإنسان في العراق مصدر قلق بالغ». يعزو التقرير سبب ذلك إلى جرائم منظمة داعش و«الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الأمن الحكومية، بما في ذلك قوات الأمن العراقية، وقوات الأمن الكردية، وقوات الحشد الشعبي والميليشيات». قد يدور بخلد المتابع ان الحكومة البريطانية، مادامت تعترف بهذه الانتهاكات وتشعر بالقلق، ستحاول، ايجاد علاج سريع، لهذا الوضع المأساوي. الا ان ما تقوم به هو عكس ذلك تماما، ولا يقتصر الامر على العراق فقط. 
حيث زادت بريطانيا، في العامين الاخيرين، نسبة بيع الأسلحة والمعدات الدفاعية، من بينها ما يستخدم ضد المتظاهرين، إلى أنظمة قمعية، بالاضافة إلى ارسال المدربين والمستشارين واستقبال الساسة الفاسدين ذوي السجل الحافل بانتهاكات حقوق الانسان، ويعتبر العراق واحدا من هذه الدول. وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، ارتفعت صادرات الأسلحة إلى العراق بنسبة 83 بالمئة، بين الفترتين 2006 ـ 2010 و 2011 ـ 2015. اعتبارا من عام 2015، صار العراق سادس أكبر مستورد للأسلحة الثقيلة في العالم. ويخبرنا تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في العام الماضي «تحصل الميليشيات الشيعية المرتبطة بالحكومة العراقية على السلاح من 16 دولة على الأقل، بما في ذلك المملكة المتحدة»، اذ زودت بريطانيا العراق، في السنوات الأخيرة، بأسلحة قالت وزارة الدفاع البريطانية إنها موجهة لقوات البيشمركة الكردية، بالإضافة إلى الحكومة العراقية، بدون « ضمانات موثوقة بانها لن ينتهي بها الأمر في أيدي الميليشيات المدعومة من الحكومة العراقية والتي لها سجل مشين في مجال انتهاكات حقوق الإنسان».
يتبين لنا عند مراجعة سجل ويوميات السياسة الخارجية البريطانية انها لم تتغير كثيرا في جوهرها الامبريالي. الاولوية، لا تزال كما كانت. الربح المادي، مهما كان مصدره وما يسببه، هو الاول، بغطاء دعائي، محبوك بخبرة مئات السنين، عن احترام القوانين الدولية، والقيم الاخلاقية. أنها سياسة التهديم والتفرقة صباحا ومد يد الاحسان والمصالحة مساء. وتبقى مسؤولية تغيير هذه المعادلة، بالدرجة الاولى، على الشعوب المستغلة داخليا من قبل حكامها وخارجيا من قبل الاستعمار، على اختلاف أسمائه. ولابد لكل جيل ان يكتشف رسالته وسط الظلام فأما ان يحققها وأما ان يخونها، كما يذكرنا فرانز فانون.

٭ كاتبة من العراق

 

 

(غوانتنامو)… ويسألون

لماذا يكرهوننا؟

هيفاء زنكنة

 

إذا كان العالم مشغولا، هذه الايام بمطالبة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باطلاق سراح أطفال المهاجرين، ومعاملتهم بإنسانية، فان هناك حملة مطالبة أخرى، موجهة إلى ذات الادارة، وان لم تكن هي المسؤولة عنها. ففي هذا الشهر من عام 2002، تم افتتاح معتقل غوانتنامو. ولايزال بعد مرور 16 عاما وخمسة أشهر «رمزا للظلم وسوء المعاملة وتجاهل سيادة القانون»، حسب « اتحاد الحريات المدنية الأمريكي». وتعتبر الاوساط الحقوقية هذا المعتقل بداية انحراف مريع في سير العدالة والقانون، في أغلب بلدان العالم، كما على مستوى الشرعية الدولية. لذلك يرون التعامل معه رمزا، أيضا، لاسترجاع المسيرة الحضارية.
يطالب الاتحاد، ومعه العديد من المنظمات الحقوقية الدولية، باغلاق المعتقل الذي افتتح بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ ايلول. كان هدف اقامة المعتقل، في جزيرة غوانتنامو خارج الأراضي الأمريكية، أن يكون «خارج القانون»، بمعنى، احتجاز المشتبهين بالإرهاب، الذين تم بيع معظمهم إلى وكالة المخابرات المركزية، من قبل ميليشيات افغانية، مقابل «جوائز مالية»، ونقلهم للتحقيق، اولا، إلى سجون سرية تابعة للوكالة، في العديد من البلدان، من بينها تايلاند وأفغانستان وبولندا والمغرب، دون وجود ما يثبت مشاركتهم بعمليات إرهابية، واستجوابهم، واخضاعهم للتعذيب والمعاملة الوحشية، وابقاؤهم محتجزين بلا تحديد. 
منذ افتتاح المعتقل في عام 2002، أحتجز فيه 800 رجل وصبي، كلهم بلا استثناء من المسلمين، دون تهمة أو محاكمة، حيث قضى العديد منهم ما يقارب العشر سنوات في أقفاص وزنزانات، وتعرضوا، جميعا، للتعذيب الوحشي المهين، من بينه الاغتصاب، والايهام بالغرق الذي تبنته الادارة الأمريكية برئاسة جورج بوش، كأسلوب مقبول للتحقيق، في تحدٍ للقوانين والمعاهدات الدولية التي تنظم معاملة السجناء. 
وعلى الرغم من أن المحكمة العليا منحت المعتقلين حق السجناء، بمقتضى الدستور في حزيران/يونيو 2008، إلا أن هذه الحقوق تم إلغاؤها بقرارات من محكمة الاستئناف في الفترة بين عامي 2009 و 2011، مما جعل عملية الاحضار امام المحكمة بلا معنى، بل وزادت من معاناتهم، فالرحلة من وإلى قاعة المحكمة صعبة للغاية، ولا يستطيع الكثيرون الجلوس، لفترات طويلة، بسبب أشكال التعذيب الجنسي الحادة التي تعرضوا لها، حسب تقارير الاتحاد. فحين سمح باجراء عملية جراحية في المستقيم عام 2016 للمعتقل مصطفى الهوساوي، تبين أنه بسبب تعرضه للاغتصاب بشدة بعد اعتقاله في باكستان عام 2003، «كان عليه، عندما يكون لديه حركة أمعاء، للتغوط، أن يعيد إدخال أجزاء من المستقيم عبر فتحة الشرج مرة أخرى إلى تجويفه مما يسبب له نزيفا، وآلاما مبرحًة».
واذا كان تقرير اللجنة الخاصة بمجلس الشيوخ الأمريكي قد وثق بعض أساليب التعذيب التي تعرض لها المعتقلون، فانه لم يذكر التفاصيل كلها، كما تدل شهادة المعتقل الباكستاني ماجد خان التي جمعها محاموه، بعد ان وقع، بعد تعذيبه، على اعتراف بارتكابه خمس تهم، واستعداده للتعاون مع وكالة الاستخبارات. يقول خان ان الوكالة استخدمت أساليب من الاعتداءات الجنسية وأشكال تعذيب اخرى، حيث ابقى المحققون خان معلقا من يديه، عاريا ومغمورا في أحواض من الماء المثلج. «اعتُدي عليه جنسيا وهو معلق عارياً من السقف. هدد المحققون بضرب رأسه وهددوا بالاعتداء على أخته الصغيرة. عاش ماجد في ظلام دامس طوال معظم عام 2003، وفي الحبس الانفرادي من 2004 إلى 2006».
أما المعتقل الموريتاني محمد ولد صلاحي فقد تمكن من تدوين ما مر به، ونشره في كتاب «يوميات غوانتنامو»، موثقا بذلك عشر سنوات من احد أوجه «الحرب الأمريكية على الإرهاب». من بين ما تعرض له الحرمان المستمر من النوم، ومنعه من الصلاة، والانتهاكات الجنسية، والاغتصاب لتلقينه درسا في «الجنس الأمريكي». 
واحتجز الصحافي سامي الحاج مدة ستة اعوام ونصف، بالمعتقل، تعرض خلالها لأساليب مختلفة من العذاب «ضرب، أمور جنسية، إهانة ديننا، الحرمان من النوم… من كان يرفض تناول الطعام أو كان يرفض الإجابة على سؤال ما أثناء الاستجواب كان يعاقب. أحيانا يضعون المعتقلين في الماء، حتى يظنوا بأنهم سيموتون… أحيانا مع كلاب… أو مع مخدرات. بعض المعتقلين تم حقنهم بحقن تحرمهم من النوم وتجعلهم يهلوسون». وتزداد المعاملة قسوة إذا ما اضرب المعتقل عن الطعام. حيث يجبر، حينئذ، على التغذية القسرية عن طريق الشرج «لابقاء المعتقل على قيد الحياة»! 
اليوم، لا يزال في معتقل غوانتنامو الذي افتتحه وبارك اساليب التعذيب فيه، الرئيس الأسبق بوش عام 2002، 41 محتجزا، ورثهم الرئيس ترامب من سلفه الرئيس اوباما الذي كان واحدا من وعوده الانتخابية اغلاق المعتقل، الا انه لم ينفذ وعده. أطلق ترامب سراح معتقل واحد وهناك تسعة، صدر قرار الافراج عنهم، منذ سنوات، الا انه لم ينفذ حتى الآن. أما البقية، فانهم مصنفون كـ»سجناء إلى الابد». وهو تصنيف جديد خارج طريقة التعامل القانوني « لحرمان فرد من حريته: إما كمشتبه به جنائي، ليتم محاكمته في محكمة فدرالية ؛ أو أسير حرب، محتجز حتى نهاية الأعمال العدائية»، حسب اتحاد الحريات. ولايمكن اطلاق سراحهم الا حسب مزاج الرئيس، أو تغيير قانوني من قبل الكونغرس الأمريكي، أو قرار قضائي تاريخي. ولا يبدو ان أيا من هذه الاحتمالات متوقع تحت ادارة ترامب في الوقت الحاضر.
تركز الحملة الحالية على مطالبة ترامب على توجيه الاتهام أو إطلاق سراح أولئك الذين ما زالوا محتجزين، ومن ثم اغلاق المعتقل. اذ ان «كل يوم يظل غوانتنامو فيه مفتوحًا، هو علامة سوداء ضد فكرة أمريكا عن نفسها كدولة تقوم على سيادة القانون»، وان استمرار الحكومة الأمريكية في إدامة أسطورة «حرب بلا نهاية»، كمبرر مفترض لاحتجاز السجناء إلى أجل غير مسمى، من دون تهمة أو محاكمة « سياسة لا مبرر لها خاصة بعد ان اثبتت فشلها الكارثي على عدة جبهات». ويكفي ان ننظر إلى ما حدث في أبو غريب، وفي معتقلات التعذيب بالنيابة، المنتشرة كالبثور في الدول التابعة لسياسة الحرب الأمريكية على الإرهاب، حتى ندرك حجم العواقب على العالم وعلى أمريكا نفسها، جراء سياستها الخارجية، المتمثلة، بين أمثلة أخرى، بغوانتنامو وبدلات معتقليه البرتقالية.

٭ كاتبة من العراق

 

 

 

عاش/ يسقط

الحزب الشيوعي العراقي

هيفاء زنكنة

 

في عالم الإنتاج اليومي للأخبار وحملات تسويقها إلى الجمهور، لم يعد كون الانتخابات مزورة، مهما، رغم اعتراف الجميع بذلك. كما لم تعد محاولات مسح آثار التزوير عن طريق حرق مركز وأجهزة الاقتراع، أمرا مهما. ما بات مهما هو: ترسيخ تحالفات ما بعد الانتخابات لتكون طبق الأصل لما كانت. المهم، أيضا، التغطية الإعلامية بأن هناك عملية ديمقراطية تدعى الانتخابات، صرفت عليها ملايين ( أو بالأحرى مليارات) الدولارات، لتتباهى بها الدول التي احتلت البلد بحجة حماية أمنها. ولاتزال: أمريكا بمعسكراتها و« مستشاريها» تحمي أمنها في العراق. إيران بميليشياتها المتغلغلة في شرايين الحكومة وساستها، تحمي أمنها في العراق. تركيا، تقضم كل ما تستطيع قضمه، من أراضي العراق، بحجة حماية أمنها. هل من آخرين؟ القائمة تطول، وحجة «الحرب على الإرهاب» توفر ذريعة جاهزة لمن يريد. 
وإذا كان الشعب العراقي هو الخاسر الأول في ملهاة، استنزفت أموالا، كان بالإمكان صرفها لتوفير بعض الخدمات الأساسية للمسحوقين من أبناء الشعب، فإن الخاسر الثاني، حسب ردود الأفعال الإعلامية والرسائل المتبادلة على مواقع التواصل الاجتماعي، ليس الأحزاب التي تدعي تمثيل «السنة»، مثلا، وهي المتنافسة الرئيسية، بل الحزب الشيوعي كخاسر أكبر، وهنا المفارقة. وتزداد المفارقة حدة حين ندرك بأنه حزب موجود ضمن القائمة الفائزة بالانتخابات. فما معنى الخسارة هنا؟ 
معظم التعليقات الموجودة على عديد المواقع، مشحونة بمشاعر، متناقضة، تجمع بين الألم وخيبة الأمل والغضب والتبرير وبعض التشفي. ربما لأنها مكتوبة أما من قبل أصدقاء قدامى للحزب أو أعضاء سابقين أو حاليين، يجدون أنفسهم في حيرة من موقفه الأخير. تعكس التعليقات مواقف ونقاشات، معظمها جاد، لم يحدث وشهدها الحزب، سابقا، بهذا الشكل العلني. فأعضاء الحزب الشيوعي لايختلفون عن غيرهم من أعضاء الأحزاب العراقية الأخرى في تفضيلهم السكوت على الأخطاء والعثرات، حتى بعد مرور عشرات السنين على تركهم الحزب، نتيجة الاختلاف، وذلك لئلا يتهمون بعدم الولاء أو قلة الوفاء أو الخيانة، أو بذريعة «إنه ليس الوقت الملائم». ولنا في حزب البعث، مثال آخر. 
تسترجع التعليقات عن الحزب الشيوعي الإخفاق السياسي المتكرر، لحزب ساهم، تاريخيا، في محاربة الاستعمار والاستغلال، ودفع ثمنا، غاليا، لتحرير العراق من قبضة الامبريالية العالمية، وبناء العراق الحديث، مشيرة إلى تسارع الانحدار في ظل الاحتلال الذي نحت له منظرو الحزب مصطلح « التغيير». على هذا الأساس، تم تبرير( ليست هناك إحصائية عن عدد الأعضاء الحاليين) أن يكون السكرتير العام للحزب عضوا في مجلس حكم الاحتلال، ضمن المحاصصة الطائفية لا السياسية، أي لكونه شيعيا وليس شيوعيا، ومن ثم مشاركة ممثل للحزب في حكومات الاحتلال المتعاقبة، بمنصب رمزي. وفي الوقت الذي كان بإمكان الحزب الاستفادة من اليأس الشعبي العام تجاه الأحزاب الدينية ـ الطائفية ـ الفاسدة، وجذب الجماهير إليه كحزب يمثل طموح الناس بـ «دولة مدنية عصرية»، وهو المطلب الذي رفعته» تنسيقية حراك الاحتجاج المدني»، كحراك احتجاجي سلمي في شباط/ فبراير 2011 إلا أن الحزب اختار مواصلة الحراك تحت مظلة « التيار الصدري» مراهنا، خلافا لموقف العديد من المساهمين بالتنسيقية، على شعبية التيار واتباع السياسة البراغماتية في إمكانية التغيير من الداخل. 
أدى الالتفاف حول الحركة الاحتجاجية، وتقديم الحزبيين أنفسهم كقوة تمثل المدنيين، قادرة على إحداث التغيير، عبر مقايضة التيار الصدري، الذي نزل أعضاؤه بدورهم إلى الساحة، لتفريغ الاحتجاجات من محتواها الحقيقي، إلى انسحاب أعضاء مؤسسين للتنسيقية، احتجاجا، والصعود الإعلامي لحزبيين، لا يتجاوز عددهم العشرات، يقدمون أنفسهم كناشطين مدنيين.
فجاءت خطوة التحالف مع « التيار الصدري»، لخوض الانتخابات، ضمن تحالف « سائرون»، متوقعة، إذ راهن الحزب على شعبوية قائده مقتدى الصدر، على الرغم من معرفة الجميع بتقلباته النفسية المرضية، وأنه بنوابه ووزرائه ومسؤوليه، جزءا لايتجزأ من الحكومة الطائفية الفاسدة، كخطوة تقربهم من مراكز السلطة، عبر مسايرة التيار. كانت الحجة المعلنة من خوضهم الانتخابات ضمن « سائرون» أنها ستجلب نوابا جددا، سيعملون على كسر قالب المحاصصة الطائفية، وتجفيف منابع الفساد. فجاء الفوز بالانتخابات وتحرك « سائرون»، كما كان متوقعا، نحو صيغة تحالفات ما قبل الانتخابات، بفسادها وميليشياتها ومسؤولي مجازرها، لتجعل طعم الفوز مرا، ومثيرا للأسى، من قبل من بنوا آمالا على تحالف الحزب، والتعليقات الساخرة والنكات الفجة من قبل معارضيه.
يلخص الشاعر حميد قاسم مشاعرالأسى على صفحته على الفيسبوك مخاطبا أحد منظري التحالف: « هذا ليس لوما… ما أريد قوله إن الأسباب كما تعلم تقود إلى النتائج وكل المعطيات تشير بواقعية، ساعة بساعة، إلى ما سيحدث، وقد حدث، لم نكن عباقرة أو متنبئين لكننا كنا في عمق الحدث غير بعيدين عن الأحداث القريبة وتقلباتها وعواصفها بعد 2003 على معرفة بطبيعة سلوك ونهج القوى السياسية على أرض الواقع… هذه القوى التي تغير مواقفها كما يغير المرء سراويله الداخلية… هذا ما حدث وَقادَ الجميع إلى هذه الفوضى المبكية المضحكة، التي شبهتها قبل أن تحدث بـ الخطيئة». 
إن النقاشات الجادة الدائرة على صفحات التواصل الاجتماعي مهمة وضرورية خاصة حين تتناول بالنقد البناء سيرورة ومسارات الأحزاب التقليدية المعروفة بنضالها في حقبة التحرر الوطني ولكن، في الوقت نفسه، هيكليتها وبيروقراطيتها وتبعيتها، أحيانا. أنه كسر لحواجز السكوت المبنية على التخويف والتهديد بعدم الوفاء والخيانة. فأصبحت الأحزاب تدار من قبل حلقة مغلقة، من أشخاص يغذون وجودهم بادعاءات تمثيلهم للجماهير، وتضخيم أرقام أعضائهم وأنصارهم وضحاياهم. فمن منا يعرف مثلا عدد أعضاء الحزب الشيوعي أو حزب البعث أو الدعوة اليوم؟ هل من إحصائيات عن عدد أعضاء أي حزب لندرك حجمه الحقيقي، ومدى تمثيله للجماهير، وبالتالي قدرته على إحداث التغيير، بعيدا عن الرطانة باستديوهات التلفزيون؟ وما هو الدور الذي تلعبه الأحزاب التقليدية في قتل المبادرات الجديدة التي تشعر بأنها تهدد وجودها المزمن؟ يقول حميد قاسم «أتمنى أن نمعن النظر جيدا في مأساتنا، أن لا نفرط جميعا بما حدث من تطور في وسائل الكفاح السلمي وأن نتعظ بما حدث ويحدث»، قد لايكون ما يتمناه جوابا على التساؤلات، بالتحديد، إلا انه خطوة جادة، نحو ذلك.

٭ كاتبة من العراق


 

 

هل موقف الشباب العراقي

من « إسرائيل ودي»؟

هيفاء زنكنة

 

يروج نظام الاحتلال الصهيوني، بالتعاون الخفي وشبه العلني، مع عدد من حكومات الاستبداد العربية، لفكرة « السلام»، الآن، بدون الفلسطينيين. ترجمة هذه الفكرة، عمليا، هي استمرارية سياسته لتفريغ فلسطين، المحتلة، من أهلها حصارا وتهجيرا وقتلا. وهي سياسة، أثبتت العقود، فشلها الذريع. وما حملة التصفية الإجرامية الأخيرة ضد متظاهري مسيرات العودة، المطالبين بواحد من أبسط حقوق الإنسان، ألا وهو حق العودة إلى ديارهم، وإلغاء الحدود المختلقة بين أبناء الشعب الواحد، غير إثبات آخر على فشلهم من جهة وعدالة المطلب المتجسد بدماء الشهداء وحملات التضامن العربية والدولية الشعبية من جهة أخرى.
في محاولة لفتح منفذ يمرون من خلاله إلى شباب البلدان العربية، لكسر حلقة التضامن الشعبي، خاصة مع تزايد الانضمام العربي إلى حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها والمقاطعة الثقافية والأكاديمية ( أنظر: حملة استح لمقاطعة المنتجات الصهيونية في الأردن)، بادرت مؤسسات الأمن الصهيوني وأجهزته المختلفة، في السنوات الأخيرة، إلى استخدام صفحات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك وتويتر» والمدونات، بالإضافة إلى أجهزة الإعلام، لخلق ثغرة يستميلون من خلالها الشباب بأساليب متنوعة تتماشى مع عمر الشباب المستهدف والبلد الذي ينتمون إليه. 
بالنسبة إلى الشباب العراقي، جرت محاولات عديدة، منذ الغزو الانجلو أمريكي للبلد عام 2003 ، لمخاطبتهم وخلق أوجه لـ «التبادل والحوار الثقافي والسياسي» معهم، من قبل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، خاصة وأن سياسة المحتل الانجلو- أمريكي ، كانت واضحة وصريحة. «إنسوا فلسطين» مقابل ترسيخ أبوة الكيان الاستيطاني. وهو ما كان متوقعا في ظل المحتل البريطاني، صاحب وعد بلفور، والأمريكي الراعي اليومي، بمليارات الدولارات، لوجود إسرائيل. وهو ما حدث، بشكل جزئي، رسميا، سواء كان السبب هو الانشغال بمقاومة المحتل، أو انتشار إرهاب المحتل والحكومة وميليشياتها، أو إرهاب منظمات بذرت ف أرض العراق بعد الاحتلال، أو سياسة تشويه صورة الفلسطيني باعتباره «صداميا إرهابيا»، أو شراء ساسة عراقيين عرضوا أنفسهم للبيع. 
شعبيا، اختلفت الصورة. ففلسطين ليست رمزا عربيا وإسلاميا فحسب بل «إن القضية الفلسطينية جزء من النضال الوطني والاجتماعي للشعوب المقهورة» كما يذكر الكاتب العراقي كاظم محمد تقي. ليس هناك اختلاف في التعامل مع القضية الفلسطينية ولكن هناك تعاطفا عاما في التعامل مع قضية اليهود العرب العراقيين الذين تم تهجيرهم إلى إسرائيل جراء مؤامرة صهيونية حققت ما أرادت من خلال ترحيلهم. وهي نقطة مفهومة، لم تعد بحاجة إلى التوضيح لدى شعوب العالم، للتمييز بين الدين كدين وتأسيس دولة احتلال عنصرية تتبنى الدين. 
يقول أحد المعلقين العراقيين على صفحة «فيسبوك» خلقتها وزارة الخارجية الإسرائيلية «نحن ليس بيننا وبين اليهود أي عداوة. نرحب بهم كما نرحب بالديانات الأخرى ولكن المشكله مع الكيان الصهيوني المتطرف». تستغل الأجهزة الأمنية الدعائية الصهيونية مشاعر العراقيين تجاه اليهود العرب العراقيين، لابتكار طرق وأساليب متجددة، بين الحين والآخر، للتمدد الدعائي في الوعي الشعبي العام. ففي العام الماضي، حسب صحيفة الشرق الاوسط، ظهرت صفحة عامة على «فيسبوك» باسم « العراق مع إسرائيل»، « لم يُعرف صاحبها الحقيقي. ونُشرت فيها بيانات ومنشورات لمتعاطفين مجهولين مع إسرائيل لم يظهروا وجوههم أو أسماءهم الصريحة بل مرة ( أبو زين) وأخرى المفوض (أبو ضرغام) ومنشور فيها بيان غريب ممن يقولون أو يقول إنه متعاطف مع إسرائيل ضد الإرهاب الفلسطيني!
في 22 مايو/ايار، العام الحالي، فتحت صفحة بعنوان «سفارة جمهورية العراق في إسرائيل» أو «السفارة العراقية الافتراضية في دولة إسرائيل» – استخدمه هنا كما هو بأخطائه الإملائية – بتوقيت يتوافق مع مرور شهرين على بدء مسيرات العودة، ومع ارتفاع حملات التضامن مع مقاومة الشعب الفلسطيني. طبلت الصحافة الإسرائيلية لهذه « المبادرة» ، وبدأت تعزف على أكذوبة « ما بين الشعبين من أواصر وعلاقات تاريخيه تعود إلى آلاف السنين»، لتوحي بأن علاقة الشعب العراقي، بكل أديانه، تاريخية ليس مع أبنائه من جميع الأديان بل مع النظام الصهيوني. خطاب هذه الصفحة وغيرها يمثل سياسة النظام في تقديم نفسه « ضحية» تدافع عن نفسها ضد الإرهاب الفلسطيني، مبررا جرائمه في الاحتلال والقتل والتطهير العرقي، أمام العالم كله، بأنه حق من حقوقه المشروعة بخطاب يجعل من الجلاد ضحية. 
لإضفاء صبغة أكاديمية على مشاريع الأجهزة الأمنية يمتد التضليل الإعلامي ليشمل الباحثين عن الصفحة. تقول باحثة تدعى رونين زيدل في مقال نشر لها منذ أيام «أقام متصفحو العراق مؤخرا صفحة على الفيسبوك بعنوان «سفارة العراق الافتراضية في إسرائيل». وهي أكذوبة مبتذلة لأن بيان الصفحة يقول « أنشأت وزارة الخارجية هذه الصفحة» لجذب الشباب العراقي « للتقارب و العمل بجد كبير لصنع التاريخ معا «. من بين الادعاءات الترويجية الأخرى للصفحة، حسب الباحثة» يظهر عدد متزايد من الشباب العراقيين اهتمامهم بإسرائيل وديمقراطيتها وثقافتها». وتقول وزارة خارجية الكيان الصهيوني «إن حوالي ثلث أتباع موقع الوزارة باللغة العربية (حوالي نصف مليون) وإن العراقيين، وموقفهم من إسرائيل إيجابي بشكل عام وودي».
بعض الأكاذيب المذكورة مثل انجذاب الشباب إلى « ديمقراطية إسرائيل وثقافتها» مهترئة لفرط تكرارها، كما أن ذكر عدد «اتباع الموقع»، لايستحق التوقف عنده، فآلة إنتاجه أساسها دعائي مفضوح يستهين بعقلية الناس. أما القول بأن موقف الشباب العراقي « من إسرائيل إيجابي بشكل عام وودي»، فإن قراءة التعليقات على الصفحة، ومحاولة فرز ما هو حقيقي وزائف، يدحض ذلك. نجد أثناء مراجعتها، أن هناك قلة من المعلقين كتبوا متمنين زيارة إسرائيل ولكن ليس إعجابا بـ «ديمقراطيتها وثقافتها» بل شماتة على فساد الحكومات المتعاقبة منذ الاحتلال. وهو أساس لمنطق يشي بالإحباط واليأس يماثل منطق الملتحقين بالمنظمات الإرهابية كبديل وحيد لتخليص العراق من نكبته. أما أغلبية المعلقين من الشباب، فإن قراءة تعليقاتهم توضح الصورة. يقول أحدهم « يبقون صهاينه أعداء وتبقى فلسطين البوصلة مهما حاولوا حرفها أما من يريدهم فليذهب لهم» ، ليضيف آخر: «انتوا اغتصبتوا أرضهم رجعوها لهم وهلا بيكم». بحسرة، يقول شاب: « لو كانت هناك سلطة قويه و تطبق القانون بحذافيره لما كان حالنا هكذا لكن مع الأسف …» ، ولأدراك زيف ادعاء مؤسسي الصفحة بأن موقف الشباب العراقي « من إسرائيل ودي»، يختار أحد الشباب توجيه الرسالة التالية « هذه إلى المتعاطفين مع الكيان الصهيوني. نص المادة (201) من قانون العقوبات العراقي المرقم (111) لسنة (1969) بموجب قانون التعديل الثالث المرقم (130) لسنة (1975). ( يعاقب بالإعدام كل من حبذ أو روج مبادئ صهيونية بما في ذلك الماسونية، أو انتسب إلى أي من مؤسساتها أو ساعدها ماديا أو أدبيا أو عمل بأي كيفية كانت لتحقيق أغراضها).

كاتبة من العراق

 

 

 

ما لم يحدث في العراق

هيفاء زنكنة

 

انها المحاكمة الأولى التي تتم في البلاد العربية في مسار تحقيق العدالة الانتقالية. تونس هو البلد السباق في هذا المجال، نادر الحدوث، بعد ان قامت «هيئة الحقيقة والكرامة» التي تأسست في حزيران/يونيو 2014، بالتحقيق في القضية واحالة الملف الى القضاء. الملف المعني واحد من 62 ألف و713 ملف مودع لدى الهيئة، تم تبنيها بعد اجراء 49 ألف و637 جلسة سرية مع ضحايا انتهاكات حقوق الانسان المرتكبة في الفترة بين تموز/ يوليو 1955 وكانون الأول/ ديسمبر 2013. وهي حقبة زمنية طويلة شملت حكومات مرحلة ما بعد التحرر الوطني، الذي يتزامن ويتشابه في الكثير من تفاصيله وانجازاته واخفاقاته وما أدى اليه من صعود أنظمة دكتاتورية، مع العديد من الدول العربية، من بينها مصر وسوريا والعراق والجزائر واليمن وليبيا والسودان وتونس نفسها. مما يجعل متابعة مسار تحقيق العدالة الانتقالية، بتونس، ضروريا للتعلم من النجاحات وتدارك الإخفاقات. 
«إنها لحظة تاريخية، تبدأ من خلالها تونس مرحلة جديدة في مكافحة الإفلات من العقاب»، وصف زيد رعد الحسين، المفوّض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، اجراء المحاكمة الاولى. وهو حدث تاريخي يتجاوز حدود تونس ليصل بلدانا قلما تذوق مواطنوها معنى المواطنة، وتحقيق العدالة، وفق القوانين، بعيدا عن هيمنة الحكام القمعية، وسيطرة أجهزة الامن، المتمتعة بحصانة ممارسة القمع، بأشكاله، من الاعتقالات والتعذيب الى الاخفاء القسري والقتل. يتضمن ملف قضية كمال المطماطي، مساعد مهندس بفرع شركة الكهرباء والغاز في قابس، التي ينظر فيها القضاء التونسي، حاليا، كل هذه الانتهاكات مجتمعة. اذ تم القاء القبض عليه بتهمة النشاط النقابي والسياسي بحركة الاتجاه الاسلامي، عام 1991. تعرض للضرب منذ اللحظات الأولى لاعتقاله، وواصل رجال الامن ضربه في المركز حتى فارق الحياة. أوهموا الموقوفين معه بانه نقل الى وزارة الداخلية، بتونس، لاستكمال التحقيق معه، في حين انه كان جثة هامدة، وضعت في صندوق سيارة وتم تسليمها الى عنصرين أمنيين آخرين. تم طمس جثة كمال في اساس اسمنتي لقنطرة كانت قيد البناء في ذلك الوقت، طبقا لمعلومات من قيادات امنية. ولأن الجهات الأمنية أنكرت معرفتها بمصير كمال، واصلت والدته على مدى ثلاث سنوات، زيارة السجن بانتظام «أحمل القفّة (السلة) لابني، حريصة على أن يكون طبخ يديّ، هو طعامه. ثمّ اكتشفت الحقيقة! لم يكن يتناول شيئا من طعامي، لأنّه ببساطة، كان متوفّيا». اكتنف عمل الهيئة الكثير من الصعوبات كما صاحبتها منذ تأسيسها النقاشات والمناكفات السياسية والمجتمعية، الا انها حققت بعض النجاحات التي تستحق ان يحتذى بها. فقد تمكنت من كسر حاجز الصمت المحيط بانتهاكات وجرائم السلطة وأجهزتها الأمنية خلال عهدي الحبيب بورقيبة وبن علي. انتهاكات طالت أبناء الشعب على اختلاف انتماءاتهم العقائدية والسياسية. كما أوصلت اصوات الضحايا المهمشين الى الشعب التونسي، كله، والعالم أجمع، عبر جلسات الاستماع العلنية، المؤثرة بإنسانيتها، لتضع حدا لذريعة «لم اعلم». بات الكل يعلم. سمع وشاهد ورأى تفاصيل الاعتداءات، بضمنها الجنسية، على النساء والرجال. وقفت المرأة كضحية وشاهدة، باعتداد، رغم حزنها، لتساهم في ترسيخ نمط المقاومة في ظل الثورة: المطالبة بكشف الحقيقة وعدم السكوت على الظلم، ضد أيا كان. فربع القضايا الموثقة لدى الهيئة تقدمت بها نساء. 
في شهادتها، في سردها لتفاصيل، كتمتها لسنوات تمتد عقودا، تخلصت المرأة من محرمات الخوف والرهبة والخجل، ممن يجبرها على ان تكون بلا دور، وضعت اصبعها بعيون المعتدين لتقول بانها ليست المسؤولة عما أصابها، انها ليست المارقة، كما يحاولون ايهامها. 
هذا لم يحدث بالعراق. كانت هناك منذ التسعينيات، أي بداية الاعداد لغزو العراق، اوراقا ودراسات اكاديمية، لامست موضوع العدالة الانتقالية، فيما أطلق عليه اسم «عراق ما بعد صدام». ساهم في التقديم عراقيون، عاشوا في الغرب عقودا، وتعاون العديد منهم في مؤتمرات عقدتها ومولتها مؤسسات الإدارة الامريكية والبريطانية، تابعة لوزارتي الخارجية والدفاع، ومؤسسات «السلام» و»بناء الديمقراطية» المتفرعة عنها. بعد الغزو، تمت مكافأة المتعاونين بمناصب وزارية واستشارية وبرلمانية، تمكنوا خلالها من تأسيس «الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة» التي انجبت «الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث» وفقا لقرار رقم واحد، الذي اصدره حاكم الاحتلال العسكري بول بريمر، بعنوان «تطهير المجتمع العراقي من حزب البعث». اذ «اعتمد المسؤولون الامريكيون، في العراق، سياسة طموحة وواسعة النطاق لاجتثاث البعث، دون فهم تفصيلي لحزب البعث او الجيش العراقي او المؤسسات العامة او الخدمة المدنية او الأوضاع الفعلية العراقية او لما يفضله العراقيون، ولم يستعرضوا على ما يبدو السياسات البديلة المتاحة امامهم»، حسب تقرير «إرث مر»، الصادر عن المركز الدولي للعدالة الانتقالية.
شرعن قرار بريمر والهيئات المنبثقة عنه، عمليات اغتيال واعتقال وفصل كل من انتسب أو يشك بانتسابه الى حزب البعث. هكذا تم تحويل مفهومي «العدالة الانتقالية» و»المصالحة الوطنية» ومسارهما الى عملية انتقام واسعة النطاق، لاتزال مستمرة، على الرغم من مرور 15 عاما، على تنصيب النظام الحالي. ان تحويل مفهوم العدالة الانتقالية الى «طريقة هزيلة ترمي الى احياء مؤسسات الدولة» حسب المركز الدولي للعدالة، سببه الرئيسي هو ان العراق لا يزال بلدا محتلا، وليس من مصلحة أية دولة احتلال، تقوية مجتمع الدولة المحتلة. اذ ان قوتها في ضعفه. كما انها والحكومات العراقية المتعاقبة، لم تتوقف، منذ عام 2003، عن ممارسة أبشع انتهاكات حقوق الانسان (أبو غريب وعشرات المعتقلات السرية مثالا) وجرائم الحرب ضد الشعب (تدمير الفلوجة واستخدام اليورانيوم المنضب مثالا)، مما يوجب اخضاعهما الى المساءلة وعدم الإفلات من العقاب. ان تطبيق مسار العدالة الانتقالية، كما في تونس، يتطلب استقلال العراق، واستقراره، واستلام السلطة من قبل عراقيين مؤمنين، فعلا، بتحقيق العدالة وليس الانتقام، وان تبنى العملية على مشاورة ومساهمة أبناء البلد، أنفسهم، في اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لضمان حق الضحايا في معرفة الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وعدم التكرار، لضمان مصالحة ماضي العراق مع حاضره من أجل حماية مستقبله.

كاتبة من العراق

 

 

 

إلى الفائزين بالانتخابات‪:

ماذا عن هولوكوست

قصف الموصل؟

هيفاء زنكنة

 

لا يكاد يخلو يوم دون انتشال المزيد من الجثث من تحت الأنقاض، في المدينة القديمة، بالموصل، على الرغم من مرور عام، تقريبا، على اعلان حكومة حيدر العبادي الانتصار على منظمة الدولة الإسلامية (داعش). ومع انشغال المسؤولين والسياسيين بمماحكات تزييف الانتخابات، او عدم تزييفها، ظاهريا، والتنسيق فيما بينهم لإبقاء ذات الوجوه، بأقنعة مختلفة، في الحكم، عمليا، تم دفع الموصل، بعيدا، عن المسؤولية الحكومية والأخلاقية، ليعيش أهلها في ظلال موت من نوع مغاير، نتيجة الخراب والتلوث والاخطار الصحية، وحالة الإحباط، والوقوف على حافة الجنون يأسا. 
ليست هناك احصائيات دقيقة حول عدد الضحايا الذين لايزالون تحت الأنقاض. الا ان عمليات انتشال مئات الجثث من تحت الأنقاض في المدينة القديمة المستمرة، ورائحة تفسخ الموت القوية، تشير الى ان العملية أبعد ما تكون عن نهايتها. اذ ان وضع حد للمأساة ليس من أولويات الحكومة، وان كانت قد جعلت من إعادة اعمار الموصل شعارا للاستجداء في مؤتمر المانحين بالكويت. 
يقول متطوعون مدنيون أخذوا على عاتقهم مهمة انقاذ المدينة من الموت، انهم بحاجة ماسة الى المعدات التي تسهل عملية الانتشال وان حجم الكارثة أكبر بكثير من امكانياتهم المتواضعة، كما تبين اشرطة الفيديو المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، المؤكدة، في الوقت نفسه، ان عمليات الانتشال وان كانت ضرورية، كحل سريع إزاء تقاعس الحكومة عن القيام بواجبها، الا انها تتم بشكل لا يوثق، بشكل علمي صحيح، اعداد الضحايا وظروف قتلهم ناهيك عن هويتهم ودفنهم بشكل يليق بالكرامة الانسانية. 
عن عدد الضحايا، أخبر ضابط جهد الإنقاذ في غرب الموصل وكالة رويترز، في 12 أيار/ مايو، أن 763 جثة انتشلت خلال ثلاثة أيام فقط، وتحدث محافظ نينوى عن رفع 2838 جثة من تحت الأنقاض منذ تموز الماضي، تعود 600 منها إلى عناصر «داعش». وقاربت الأرقام في الأيام الأخيرة الخمسة آلاف، وقال الناطق باسم دائرة الدفاع المدني في الموصل (7 أيار/ مايو) ان «فرق الدفاع المدني في الموصل تمكنت من انتشال 22 جثة تعود لأطفال بأعمار متفاوتة». 
أدى انتشار أفلام عمليات انتشال، وتنامي التغطية الإعلامية الدولية، وازدياد نقمة الناس على بطء سيرورة العمل، الى مسارعة رئيس الوزراء، وهو الذي يعيش مرحلة المناورات للحفاظ على منصبه، بتشكيل لجنة « بأمره» تواصل عمليات الانتشال من تحت ركام المدينة. وهي خطوة كان من واجبه القيام بها فور اعلان الانتصار وليس بعد عام تقريبا. 
ان النقطة الاساسية التي ستحدد علاقة أهل الموصل وبقية المدن المنكوبة التي تعرضت لقصف طيران التحالف، بقيادة أمريكا، بأية حكومة مقبلة، هي الاعتراف بالمسؤولية عما جرى من خراب، وإصلاح الضرر، وعدم الاكتفاء برميها، كلية، على تنظيم « داعش». وكان واجب الحكومة العراقية ان تجد السبل الملائمة، مهما كانت صعوبة الامر، لحماية حياة المواطنين وتقليل فرص تعرضهم للخطر، لا المشاركة بقصفهم والطلب منهم عدم مغادرة المباني، كما فعل العبادي باعتباره قائدا للقوات المسلحة، فكانت النتيجة مجزرة دفن 300 شخص تحت ركام المباني، خلال يوم واحد، بذريعة وجود إرهابيين. وهي ذات الحجة التي استخدمتها قوات التحالف الأمريكي – البريطاني، في قصفها مدينة درسدن الألمانية، عام 1945، والحرب العالمية الثانية على وشك الانتهاء. سبب القصف الجوي خرابا هائلا وسقوط آلاف الضحايا، خلال ثلاثة أيام من رمي المدينة بثلاثة آلاف وتسعمائة طن من القنابل الحارقة، عالية التفجير، وتبين الوثائق التاريخية، باعتراف مسؤولين عسكريين ساهم بعضهم في تنفيذ العملية، بان الاهداف العسكرية الاستراتيجية، لم تبرر استخدام القوة المفرطة التي سببت تهديم المدينة وسقوط اعداد الضحايا، مما يجعلها جريمة حرب وليس تحريرا. مما دفع المؤرخين الى تسمية العملية» هولوكوست قصف درسدن». 
في الموصل، كرر التحالف الدولي، بقيادة أمريكا، ارتكاب الجريمة. ويوثق فريق موقع « ايروور»، البريطاني المختص، الحرب الجوية، بدقة، في العراق وسوريا، واصفا عدد ضحايا القصف الجوي الأمريكي، المدنيين، بالعراق « بأنه الأعلى منذ حرب فيتنام، ومع ذلك لا تبدي الحكومات الغربية والعراقية أي اهتمام بتوثيق اعداد الضحايا». استخدمت أمريكا لقصف الموصل، القاذفة الجوية بي 52، التي تعتبر رمز القوة العسكرية الامريكية، تستخدم فيما يعرف بـ «القصف البساطي»، وتم تحديثها لتُزود بالصواريخ والقنابل الموجهة بالليزر، وكان قصفها للموصل جزءا من تجربتها بعد التحديث. كما استخدمت طائرات أف 16 وأف-أي 18، وطائرات ريبر بدون طيار، بالإضافة الى مروحيات الأباتشي قاذفة القنابل. ليست هناك احصائيات عن كمية القنابل التي استخدمت وان ثبت استخدامها قنابل بوزن 500 رطل. واستخدامها كارثي في مدينة مكتظة كالموصل. الامر الذي دفع فريقا صحافيا هولنديا الى التقرير بان عدد الضحايا من المدنيين هو31 مرة أكثر من ارقام التحالف المعلنة. وإذا كان تنظيم داعش قد زرع الألغام، ولا يزال الكثير منها مدفونا تحت الركام، فان قوات التحالف رمت على المدينة» ذخائر أسقطت من الجو، قنابل تزن الواحدة 500 رطل، تخترق الأرض لمسافة 15 مترا أو أكثر»، حسب مدير برنامج الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام، مؤكدا « أن مجرد إخراج واحدة منها يستغرق أياما وأحيانا أسابيع». 
سيكون لتبعية المسؤولين والساسة العراقيين قوات التحالف حربها المختلقة ضد « الإرهاب» و صمت « النخبة» العراقية عن جرائم متكررة في العديد من المدن العراقية، بذريعة محاربة الإرهاب، بدون تمحيص الأسباب واثارة التساؤلات، انعكاسات خطيرة، مستقبلا، حين يجر المجتمع أنفاسه، فيصبح قادرا على المطالبة بالحقيقة وتحقيق العدالة للضحايا واهاليهم. ولن يتم ذلك في أجواء التلفيق السياسي، وحملات التضليل، وانعدام التوثيق. وهو من اساسيات عمل الحكومة وواجبها، لو توفرت النية لتحقيق المصالحة ووضع حد لروح الانتقام. اذ من المضحك مطالبة التنظيمات الإرهابية، وهي « الإرهابية» بحكم توصيفها وممارستها، بحماية حياة المواطنين، بينما لا يطبق الامر، نفسه، على الحكومات والدول. وهذا هو بالضبط ما عجزت عن تحقيقه حكومات الاحتلال المتعاقبة.

٭ كاتبة من العراق


 

 

روايات الأيدز والطائفية

من الصين إلى العراق

هيفاء زنكنة

 

الشيء الذي قادتني اليه الانتخابات العراقية ونتائجها هو الآتي: اثناء إطلاق تأسيس «بيت الرواية»، في مدينة الثقافة، بتونس، أخيرا، قدمت الكاتبة آمنة الرميلي ورقة عن كتابة الرواية اثناء الحروب والحروب الاهلية، وكيف أثرت، إيجابيا، وهنا المفارقة المؤلمة، على زيادة اصدارات وتحسن نوعية الرواية العربية، إلى مستوى جديد أهلها للترشح والفوز بجوائز عربية ودولية. قرأت، في ذات أسبوع إطلاق بيت الرواية، تقريرا عن ازدهار صناعة وتجارة التوابيت في كابول، عاصمة أفغانستان. وأفغانستان، كما هو معروف، البلد الذي نكبته حرب فرض الديمقراطية الأمريكية. سبب ازدهار صناعة التوابيت، في كابول، كما في البلاد العربية، العراق خاصة، هو ذاته الذي سبب ازدهار كتابة ونشر الرواية. انها الحرب. وإذا كان عدد الروايات المطبوعة بالعراق، منذ احتلاله عام 2003 وحتى اليوم، قد تضاعف عشر مرات، بالمقارنة مع ما كتب فيه منذ أوائل القرن العشرين، فان سبب الازدهار ليس راحة البال والرفاه والفرح بالحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، بل للعيش مع المأساة، في كل لحظة، والحياة بظل الخوف والقلق والموت القريب إلى حد استنشاق رائحته كما يشم المرء رائحة جلده. 
بسبب الحرب، كما الرواية العراقية، تضاعف عدد صناع التوابيت بكابول، عشر مرات، خلال العقود الأربعة الأخيرة. الا انهم لا يشعرون بالسعادة لازدهار تجارتهم المربحة. 
صانع التوابيت في كابول، يعيش، هو الآخر، حياة بائسة. يعبر عنها بصناعة توابيت من نوع خاص. انها صناعة مفروضة عليه كالديمقراطية. فالمسلم لا يدفن، عادة بالتابوت بل يتم الاكتفاء بلف الميت بالكفن. الا ان حرب أفغانستان جلبت للناس، بشكل متزايد، التفجيرات والقصف والالغام، فلم يعد بالإمكان وضع الاشلاء الممزقة في كفن بل بات وضعها في تابوت خشبي ضروريا، لتجميعها، كمحاولة، دنيا، للمحافظة على كرامة الفقيد. انها محاولة اهل الفقيد للإحساس بأنهم يدفنون احباءهم بشكل عادي يليق بهم.
في رواية « حلم قرية دنغ «، تتبدى العلاقة بوضوح كبير بين الرواية وصناعة التوابيت. حيث يكرس الروائي الصيني يان لي آنك، صفحات وصفحات، من روايته للكتابة، بالتفصيل، عن تجارة التوابيت، في أزمنة انتشار الموت، ولكن لسبب آخر، غير الحرب. نشرت الرواية في الصين عام 2006. وترجمت ورشحت لجائزة أفضل رواية مترجمة عام 2012. كتب آنك الرواية بصوت طفل في الثانية عشرة من عمره، تم تسميمه، انتقاما من والده، تاجر الدم المتنفذ، بقرية دنغ الواقعة، بمقاطعة هينان. وهي تجارة انتشرت في الصين في 1991 ـ 1995، لتزويد شركات الادوية بالبلازما واجراء التجارب. تم ذلك بعلم الحكومة وتشجيع المسؤولين، حيث شنت حملة لاقناع الفلاحين والفقراء، المتخوفين من بيع دمائهم، بانها عملية غير ضارة، لأن ما سيستخلص هو البلازما، فقط، بينما تتم إعادة بقية مكونات الدم إليهم. أدت سرعة إقامة نقاط سحب الدم في القرى، للتسويق التجاري، وافتقار الشروط الصحية، حيث كانت الإبر وأكياس الدم وغيرها من المعدات الملامسة للدم يعاد تدويرها واستخدامها، إلى انتشار فيروس الأيدز. وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2003، أصيب أكثر من 1.2 مليون شخص بالإيدز في مقاطعة هينان وحدها. 
تكمن أهمية الرواية في اختيار آنك الكتابة عن أعراض المرض الجسدية المخيفة بالتفصيل بالإضافة إلى تأثيره على الحياة اليومية لأهل القرية، علاقاتهم فيما بينهم، محاولتهم العيش يوما بيوم، تفتت النسيج العائلي والاجتماعي، وطغيان حالة الرعب عند إصابة أحد الافراد بالفيروس وخشية بقية افراد العائلة من انتقال العدوى إليهم، وانحدار القيم الأخلاقية والتقليدية. اذ كيف يمكن محاسبة الشخص المارق إذا لم يتبق له من العمر غير أشهر او بضعة أيام؟ 
اللافت للنظر تفاقم الصراعات بين المصابين أنفسهم، حتى وهم يعيشون عزلة ايامهم الأخيرة، ومعرفتهم بحتمية وفاتهم. وتتصاعد المنافسة ويزداد الصراع، بين أهل القرية، كلهم، المصاب منهم وغير المصاب، حين تحاول الحكومة، دفن فضيحة المرض بتوزيع توابيت مجانية. وتوكيل تاجر الدم، الذي بنى ثروته وسلطته على نشر الموت، بإدارة شؤون التوزيع. سرعان ما يجد التاجر الفاسد طريقة للتحايل والبدء بمنع توزيع التوابيت على المستحقين وبيعها إلى قرى أخرى بأسعار أعلى. تقود الحاجة والفقر اهل القرية إلى إيجاد حل سريع لدفن موتاهم. فشرعوا بقطع الأشجار، شجرة بعد أخرى، مهما كان عمرها، لصناعة توابيتهم بأنفسهم، حتى باتت القرية، أرضا جرداء بعد ان كانت مشهورة بأشجارها النادرة وازهارها الربيعية الزاهية. توقف الأطفال عن الذهاب إلى المدرسة بعد ان نهب أثاث المدرسة كله. صار التنافس هو اللغة السائدة سواء كان على وظيفة حارس المدرسة الخربة، او القوميسار الحزبي للقرية، أو مسؤول توزيع التوابيت الحكومية. ولم تتدخل الحكومة لوضع حد للفساد او الصراع، وبقي الحل الوحيد بيد جد الطفل الراوي ووالد تاجر الدم. فاختار الجد، حامل التقاليد والموروث الثقافي الأخلاقي، قتل ابنه المتاجر الفاسد بيده، ليضع حدا لما بدا موتا بلا نهاية.
تستند رواية « حلم قرية دنغ» على احداث حقيقية وقعت في سنوات أطلق عليها اسم «صناعة البلازما». وتستدعي، في الكثير من تفاصيلها، احداثا مشابهة، نلاحظها في عراق ما بعد الغزو. اذ انتشرت صناعة التوابيت، كما في كابول، لتجميع أشلاء ضحايا التفجيرات والقصف وتقطيع الاوصال، وكما في قرية دنغ، ازدهرت صناعة التوابيت، لكثرة الموتى. ضحايا الفساد. فالفساد المستشري، بالعراق، لا يقل ضررا عن فايروس مرض نقص المناعة وهو يغزو المؤسسات ويلتهم الخدمات ويسبب الموت. ولا تقل الطائفية ضررا عن المرض الوبائي، في تجفيفها ينابيع الحياة، فقد اثبت مرور 15 عاما على الاحتلال والحكم الطائفي، سريان المرض في البنية الاجتماعية، وتفكيكه الاواصر العائلية، وقدرته على تفتيت الوطن. «لو إنك اصغيت لي منذ البداية، جثوت على ركبتيك من اهل القرية لما الحقته بهم من دمار، لما كنا نعيش هذه الكارثة الآن»، خاطب الجد ابنه تاجر الموت الفاسد المتعجرف، أملا في ان يجنب القرية ما هو أسوأ. الا ان الابن أدار ظهره لوالده، وقد بدت على وجهه علامات الاحتقار، متوعدا أهل القرية بأنه لا يحتاجهم اطلاقا، وانه سيجلب من سيعاونه من خارج القرية. يأخذنا، هذا الحوار، بين الابن الفاسد ووالده المتمسك بالقيم الأخلاقية، إلى تماثل آخر مع الوضع العراقي. حيث يحتقر الابن اهل قريته مستنجدا بالآخرين، ويتمسك الجد بموروثه وأهله، ليكون الحل قطيعة دموية بين الاثنين. وهو حل، نأمل، ان يتجاوزه أهل العراق، بإيجاد طرق بديلة، لا يبدو أحدها حكم «المنتصرين» بالانتخابات الحالية.

٭ كاتبة من العراق


مقاطعة الانتخابات العراقية

أو تحمل الإثم المقبل

هيفاء زنكنة

يشير الوقوف عند بوابة الانتخابات العراقية، في 12 أيار/مايو المقبل، الى ان الدخول من خلالها سيبقي معظم ابناء الشعب، مهما حاولنا ضخ شحنة التفاؤل بالتغيير، في ذات الباحة الخربة التي يعيشون فيها الآن. الاسباب متعددة، من بينها: معظم المرشحين هم ذاتهم من النخبة الفاسدة التي غرزت اقدامها في الطائفية والعرقية والفساد منذ غزو البلد واحتلاله عام 2003. بعد مرور 15 عاما من صراعاتهم الدموية بين انفسهم وضد الآخرين من العراقيين مع محاباة المحتل الامريكي والايراني، بالامكان تلخيص « انجازاتهم» بانهم جعلوا من ارض العراق ساحة حرب بين امريكا وايران تسقيها دماء العراقيين. في ظلهم، لم يعد العراقي معروفا بعراقيته بل أصبحت هويته مسبوقة بصفات كان يشمئز منها في حياته السابقة. كان يعتقد انها صفات لا تليق به ولا يمكن استخدامها لأنها «عيب». صار العراقي المعتز بهويته الوطنية والدينية أما شيعيا أو سنيا. في ظلهم، نبع الارهاب. الناتج الطبيعي لمتلازمة الاحتلال والظلم. صارت المرأة الفخورة ببيتها وحديقتها الزاهية بالنخيل والورد الجوري، المرحبة دائما بالضيوف، وبتعليم ابنائها وتفوقهم، تحمل لقب «نازحة» تستجدي المساعدات «الانسانية». حولوا ملايين العراقيين الى نازحين يعيشون في العشوائيات والخيام. «يسكن في العشوائيات 3 ملايين و200 ألف شخص اي ما يمثل 10 بالمئة من سكان العراق»، قال وزير العمل والشؤون الاجتماعية، محمد شياع السوداني (23 نيسان 2018)، مبينا أن «هذه الأرقام مأخوذة عن احصائية دقيقة لاستراتيجية التخفيف من الفقر». يشير تقرير البنك الدولي للشهر الماضي الى «ارتفاع معدل الفقر بشكل حاد.. وتأثر النساء بشكل خاص نتيجة غياب الأمن الذي فرض عليهن قيودا في الحركة للوصل الى اماكن العمل والتعليم والصحة». حولوا العراق الغني بنفطه وثروته الزراعية وميزانيته البالغة 120 مليار دولار، سنويا، الى خرابة بينما يتم تهريب 800 مليون دولار، اسبوعيا، أما الى حساباتهم الخاصة في الخارج أو غسيل الاموال في المدن الاوروبية، عبر شراء العقارات، كما في لندن.
يتبين من رصد الحملات الانتخابية ان كل المرشحين، تقريبا، هم ذاتهم، ممن شاركوا في تحقيق «الانجازات» التي قادت الشعب ولا تزال الى الحضيض، وانهم، جميعا، بلا استثناء يتحدثون عن النزاهة والقضاء على الفساد. وان المرشحين «المستقلين»، على قلتهم، ينشطون ضمن قائمات انتخابية يترأسها فاسدون، لديهم خبرة 15 عاما، بالفساد السياسي والاداري. مما يجعل المستقل، رغم حسن الظن بنظافته، مجرد بيدق في لعبة، الفائز فيها معروف مسبقا. فلا عجب ان تتصاعد الدعوة الى مقاطعة الانتخابات، بدلا من المشاركة، كاسلوب افضل للتغيير، اذا ما كان التغيير هو ما يريده الشعب حقا.
واذا كانت هيئة علماء المسلمين ( 9 تشرين الثاني/نوفمبر)، هي التي دعت الى مقاطعة الانتخابات عام 2004، المتزامنة مع اقتحام قوات الغزو مدينة الفلوجة وتدميرها، اذ لا يمكن ان تقام انتخابات» على اشلاء القتلى ودماء الجرحى»، فان أصوات المقاطعة امتدت هذه المرة لتشمل شبابا ومنظمات مدنية متعددة، بالاضافة الى الشيخ جواد الخالصي، من المدرسة الخالصية، ببغداد، واحد مؤسسي المؤتمر التأسيسي الوطني الذي تم تشكيله اثر الاحتلال.
يرى الخالصي ان العملية السياسية التي شيدها الاحتلال « مشروع معلب قادم من الخارج»، وهي اساس البلاء الذي اصاب البلد من انقسام طائفي وعرقي، سماده الفساد. محذرا، في 16 نيسان/أبريل، من «الانشغال بالألاعيب السياسية التي تجري هذه الايام… وإنما الانشغال بإثبات استقلال البلد، وتحقيق الثوابت الكبرى وهي: الوحدة والهوية والاستقلال». داعيا الشعب العراقي (20 نيسان/أبريل)، لتخليص البلد من فتنة العملية السياسية التي رسمها الاحتلال، وان ما تحتاجه الأمة، في الحقيقة، اصبح ضحية مخططات الاحتلال والعملية السياسية والانتخابات الفاسدة. وذهب الخالصي، أبعد من ذلك، في 27 نيسان/ أبريل مؤكدا بأن «من يشارك في الانتخابات، ومن شارك، سابقاً، فإنه يتحمل الاثم الذي جرى على العراقيين طوال تلك الفترة، وسيتحمل اثم الفترة القادمة». وان «هناك هيئة تعمل بأمر الامريكان مشرفة على المشروع الانتخابي في العراق والأمر محسوم مسبقاً». يثير موقف الخالصي، وبقية المقاطعين، تساؤلا مهما حول كيفية تخليص الناس من المأساة الحالية، اذا لم تكن الانتخابات هي الطريقة الافضل؟ يقول الشاعر والمدون ابراهيم البهرزي ان «التغيير الوحيد الممكن هو باطلاق التصويت للافراد، حصرا، دون أحزاب وكتل، واعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة، على أمل أن يجد بعض الأحرار في هذه البلاد فسحة لتقديم وجوه جديدة غير ملوثة».
ويجيب مكتب الخالصي، مبينا ان ازاحة السياسيين الحاليين «من خلال صناديق الاقتراع، خدعة لا دليل على صحتها اصلاً، والأولى ضمان لنا سلامة الانتخابات ومن ثم نناقش المشاركة فيها». التساؤل الآخر، على من يراهن دعاة المقاطعة؟ يقول الخالصي، في 24 نيسان/ أبريل: «أراهن، لحد هذه اللحظة، على بعض أبناء الشعب العراقي الذين لم يتغيروا، وأراهن على امكانية تغيير البقية نحو الاحسن، من خلال الثبات والاستمرار والحفاظ على هذه النخب الطيبة التي ما زالت تؤمن بالرسالة». وختم قائلاً: «الشيء الاهم ان هناك اناسا كانوا يقولون ان يوم 9 نيسان هو يوم تحرير للعراق، والجيش الامريكي جاء محرراً، أما الآن لا يجرؤون على القول به، علناً، بعد ان قالوه في الماضي، وهذه هي مكاسب سببها ان بعض العراقيين رفضوا الانجرار خلفها وكشفوها وفضحوها». واذا كان التعاون مع المحتل، بكل المقاييس، جريمة لا تغتفر، فأن المساهمة، بأي شكل من الاشكال، في تخريب البلد والمجتمع، لا تقل عنه اجراما. ويكفينا ان نعلم ان هناك ثلاثة ملايين طفل، انقطع عن التعليم، في جميع أنحاء العراق. وان بعضهم لم يجلس يوما في صف مدرسي، وان أكثر من ربع الأطفال يعيشون في فقر مدقع، خاصة في المناطق الجنوبية والريفية الأكثر تضرراً (حسب اليونيسيف 2018)، في بلد بالغ الثراء، لندرك حجم الخراب الذي الحقه ساسة الاحتلال والعملية السياسية بمستقبل العراق، وكيف ان انتخابهم مشاركة في الجريمة.

كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

شهر للتضامن

مع العراق… لماذا؟

هيفاء زنكنة

 

هناك مبادرة غريبة بعض الشيء بالنسبة إلى عالمنا العربي، يتم الإعلان عنها، بالحاح، على صفحات التواصل الاجتماعي منذ أشهر. عنوان المبادرة « شهر التضامن مع العراق». سيتم إطلاق المبادرة مساء الخميس المقبل، في جامعة لندن. تستحق المبادرة الاهتمام لأنها تثير العديد من الأسئلة المرتبطة بماضي العراق، العقود الأخيرة منه، خاصة مرحلة التهيئة للغزو، وحاضره في سيرورة عملية الاحتلال السياسية وما تمخض عنها، ومستقبله في ظل مأسسة الطائفية، والفساد، والصراع الاثني، وانعكاساتها على بنية المجتمع المنهك جراء الحروب والاحتلال. فلماذا مبادرة شهر التضامن مع العراق، وكيف؟ 
تستهل الدعوة إلى إطلاق المبادرة تصريحا لدزمند توتو، كبير الأساقفة الجنوب افريقي، المعروف بنضاله ضد نظام الفصل العنصري، والذي وقف بقوة ضد الحرب على العراق، إلى حد رفضه حضور مؤتمر يشارك فيه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، واصفا إياه بأنه مجرم حرب. يقول توتو: «إن قرار الولايات المتحدة وبريطانيا، اللا أخلاقي، بغزو العراق عام 2003، استنادا إلى كذبة امتلاكه أسلحة للدمار الشامل هز العالم بأسره، وأحدث استقطابا لم يحدثه أي صراع آخر في التاريخ». تذكرنا الدعوة بأن قرار شن الحرب الانجلو ـ أمريكي لم يكن شعبيا، بل تظاهر الملايين في كل بلدان العالم عام 2003 معلنين رفضهم. حيث شهدت بريطانيا واحدة من أكبر المظاهرات بتاريخها ضد قرار رئيس الوزراء، حينئذ، في الوقوف بجانب قرار الإدارة الإمريكية برئاسة جورج بوش والمحافظين ـ الصهاينة الجدد. 
اليوم «بعد مرور 15 عاما على الغزو والاحتلال لاتزال آثار الحرب العدوانية بقيادة الولايات المتحدة على الشعب العراقي مستمرة، مسببة معاناة لا نهاية لها، بينما أصبحت حربا منسية في دائرة الدمار والعنف الذي ابتلت به بلدان المنطقة». وجوابا على لماذا شهر التضامن «ليبقى العراق في ذاكرتنا قضية في غاية الأهمية لملايين الضحايا الذين يستحقون العدالة، وضروري أيضا لاستعادة المبادئ الأساسية للسلام والاحترام المتبادل بين الأمم باعتبارها أساس القيم الإنسانية المشتركة لضمان مستقبل خال من كوارث الحرب. إنه للتذكير بجرائم الاحتلال في تهديم دولة وتفكيك مجتمع واستهداف ثقافة شعب، كي لا تتكرر الجريمة أبدا. « تؤكد الدعوة على أن الشهر ليس للتذكير بجريمة استهداف شعب ودولة فقط بل أيضا «للاحتفاء بتاريخ العراق، ومقاومة الشعب العراقي المتعددة المستويات، وطموح العراقيين في تحقيق السلام المبني على المساواة والعدالة». هذه هي أهداف إطلاق مبادرة «شهر التضامن مع العراق». وهي أهداف، أثبتت سنوات الاحتلال، مدى الحاجة إليها بعيدا عن المنفعة السياسية الآنية الظاهرة والمبطنة. 
ولدت فكرة « شهر التضامن» مع اقتراب ذكرى مرور 15 عاما على الغزو وأحساس عدد من الناشطين المناهضين للاحتلال، بأن العراق لا يعيش ذكرى حدث انتهى، بل إنه مستمر عبر ما أسس له من تخريب شامل يؤدي إلى أحداث يومية مأساوية، والأكثر من ذلك أن العراق، بات منسيا، عربيا ودوليا، حتى في ذكرى احتلاله. مثل مناسبة انطفأ وهجها، كادت جريمة « الصدمة والترويع» والشروع الممنهج بتدمير البلد وشعبه، أن تمر هذا العام، مثلا، كما السنوات السابقة، بصمت، باستثناء نشر بضع مقالات هنا وهناك، وإجراء مقابلات قليلة مع أصوات تبذل أقصى جهدها لإدانة ومراجعة جرائم، بقيت بلا محاسبة، لأن العالم، خلافا لما يشاع حول انشغاله بمآس أخرى، وحول جرائم تنظيم «الدولة الإسلامية»، لا يريد رؤية جرائمه في العراق، أو تذكرها، ناهيك عن الاعتراف بها. إذ ليس هناك في الإدارة الأمريكية أو الحكومة البريطانية ممن ساهم في تسويق الحرب، بحجة أسلحة الدمار الشامل، من لا يريد غسل يديه من جريمة، سببت قتل ما يزيد على المليون عراقي (هناك إحصائية جديدة تشير إلى 3 ملايين) وتشريد الملايين وبذر نبتة الإرهاب. 
الملاحظ، في الأعوام الأخيرة غياب أصوات ناشطين مخضرمين ضد الحصار والحرب من العراقيين وغير العراقيين، غيبها الموت أو الإرهاق أو خيبة الأمل أو إصابتهم بالطائفية. غابت، أيضا، أصوات مهللين للغزو باعتباره تحريرا، مصرحين بأنهم أصيبوا بخيبة أمل. لماذا؟ لأن من قاموا بتزكيتهم لم يثبتوا صلاحيتهم للوظيفة الموكلة إليهم، عبرالاحتلال، متعامين عن فشلهم الذريع في رؤية العراقيين كعراقيين وليس وفق التقسيم الطائفي ـ العرقي، مما ساهم في تهيئة الأرضية لتفتيت البلد.
في هذه الأجواء، ما الذي ستقدمه المبادرة التي ستقوم بإطلاقها مجموعة « تضامن المرأة العراقية» في لندن؟ تؤكد المجموعة، أولا، أنها جزء من المبادرة فقط، وكل ما تقوم به، حاليا، هو تنظيم إطلاقها، وأنها مبادرة بسيطة، ذخيرتها، استمرارية الموقف المناهض للحصار والحرب والاحتلال، وتمحيص نتائجها، داعية إلى تحقيق العدالة للشعب العراقي. وهو الموقف الذي وحد نشاطات منظمات التضامن مع الشعب العراقي، على مدى عقود. لذلك سيساهم في إطلاق المبادرة ممثلون عن «أوقفوا الحرب»، «عدالة للشعب العراقي»، «المحكمة الدولية»، «محكمة بروكسل» و«تضامن المرأة». سيلقي كلمة الافتتاح، دنيس هاليداي رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنساني في العراق عام 1998. الذي استقال من منصبه: «استقالتي كانت ضرورية بسبب رفضي قبول أوامر مجلس الأمن التي فرضت عقوبات إبادة جماعية على الأبرياء في العراق. إن استمراري في منصبي كان يعني تواطؤي في هذه الكارثة الإنسانية. كيف يبرر هذا العقاب الجماعي الذي هو العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة؟ لا يوجد بند في ميثاق الأمم المتحدة أو القانون الدولي يشرعن النتائج القاتلة لعقوبات حصار الأمم المتحدة الذي استمر 12 سنة طويلة على شعب العراق».
ومثل كل النشاطات النابعة من صميم الشعوب، سيعتمد تطوير هذه المبادرة على مدى التزام الأفراد والتجمعات والمنظمات المستقلة، المدركة لطبيعة الظلم الذي سببته حكوماتها للشعب العراقي، بالعمل التضامني لتحقيق العدالة على قدم المساواة.

٭ كاتبة من العراق

 

 

 

شيزوفرينيا حكام العراق

وسوريا حول «التدخل الخارجي»

هيفاء زنكنة

 

هناك شيء مضحك إلى حد البكاء في موقف النظام العراقي مما يجري بسوريا، من قصف وقتل للشعب وتدمير للبلد. موقفه من حزب البعث السوري، وأنشوطة التواجد الإيراني ـ الروسي من جهة والأمريكي ـ البريطاني ـ الفرنسي من جهة ثانية، فضلا عن الدول الفاعلة على الارض، من خلال ميليشيات وقوات قتالية و «جهادية» بأحجام تتناسب، طرديا، مع مدى الدعم العسكري و «الإنساني» الذي تتلقاه من عديد الدول، من بينها دول عربية «شقيقة»، تمتد من لبنان إلى السعودية ودول الخليج. 
تمتد تفاصيل مهزلة الموقف السياسي، المعبر عنه بتصريحات رئيس الوزراء حيدر العبادي ووزير الخارجية ابراهيم الجعفري إلى ما هو أعمق من التصريحات بصدد أحداث آنية. تبين التفاصيل موقف حزب الدعوة باعتباره ممثلا للطائفة الشيعية من جهة ومعاديا لحزب البعث الذي حكم العراق لعقود، وإستجارته بالقوى الخارجية لمساعدته على التخلص من النظام. وفر الاحتلال الأمريكي للعراق وقوانين الحاكم العسكري بول بريمر فرصة لا تعوض لحزب الدعوة، مع آخرين، للتخلص الجسدي من حزب البعث عن طريق التطبيق لقانون اجتثاث البعث، ولاتزال حملته في الاجتثاث مستمرة، حيث أصدر، أخيرا، قرارا بمصادرة املاك كل من يشك بانه كان بعثيا، وضمت القائمة اسماء شخصيات غادرتنا إلى العالم الآخر قبل وصول البعث إلى الحكم. 
استعادة هذه النقطة مهمة لفهم موقف حزب الدعوة الحاكم، بالعراق، متمثلا بتصريحات اثنين من قيادييه هما العبادي والجعفريّ، الداعم بقوة لنظام حزب البعث السوري سياسيا وعسكريا. لماذا؟ كيف يبرر حزب الدعوة موقفه من نظام البعث السوري وهو الذي لم يدخر سبيلا في الـتآمر، والتفجيرات، ومحاولات الاغتيال، والقتال في صفوف القوات الإيرانية ضد العراقية، للقضاء على حزب البعث العراقي؟ ترى، يتساءل السذج منا، هل هناك بعث أخضر وآخر أسود، للتمييز بين الموقفين، هل هي المهارة السياسية أم انه الولاء الطائفي المتجذر أبعد من الموقف السياسي؟
جوابا، يقول ابراهيم الجعفري في تصريح صحافي بعد اجتماع وزراء الخارجيَّة العرب في السعوديَّة «يجب أن نتكلـَّم بحجم شعبنا، فهذه ليست قضيَّة رئيس، أو وزير، أو رئيس وزراء، أو رئيس جمهوريّة، نحن نُدافِع عن الطفولة، والنساء، والشُيُوخ، والشباب». مما يجعلنا، ونحن نعيش ذكرى مرور 15 عاما على غزو واحتلال العراق، وصدور احصائيات جديدة تدل على سقوط 3 ملايين عراقي نتيجة الاحتلال والإرهاب الناتج عن الاحتلال، إلى التساؤل عن السبب الذي منعه عن الدفاع عن «الطفولة، والنساء، والشُيُوخ، والشباب» العراقيين، ضد غارات «الصدمة والترويع» الأمريكية، عام 2003، مادامت القضية ليست قضية رئيس؟ وتبلغ أقوال ابراهيم الجعفري، مرحلة تضع حدا لأي تساؤل منطقي، حين يقول محذرا أمريكا « هذا النوع من الأسلحة، وهذا النوع من السياسات الخرقاء لا يُمكِن منع تداعياتها، وتأثيرها». مُضيفا قبل ساعات من قصف سوريا «لا نسمح أن تتكرَّر هذه الحماقات». 
كيف؟ ما الذي سيقوم به النظام العراقي ليضع حدا لتكرار الحماقات الأمريكية، حسب الجعفري، على الرغم من تعاون حزب الدعوة مع أمريكا، سابقا، عبر سكوته على ضرب العراق بأسلحة سيبقى تأثيرها المميت، على مدى اجيال مقبلة، مثل اليورانيوم المنضب، أو حاليا عبر استمرارية وجود القواعد العسكرية والقصف الأمريكي تحت مسمى «التحالف الدولي»؟ وكيف ستكون العلاقة بين النظامين في ظل التحالفات، والنزاعات الدولية، والاقليمية والعربية، ومع ازدياد شيزوفرينيا الطائفية الدينية والعرقية والقبائلية، والاستعداد للتعاون مع الاجنبي على حساب القطيعة مع ابناء البلد الواحد، المصنفين بالإرهاب، فور اختلافهم مع اي نظام حاكم؟ 
في 5 كانون الاول/ ديسمبر 2017، قال العبادي، أن الحكومة تمتلك مشروعا كاملا لتأمين الحدود العراقية السورية، وأن القدرة العسكرية الكبيرة التي يمتلكها العراق، في الوقت الحالي، تنافس قدرات دول المنطقة. الا ان هذ التصريح يتناقض مع تواجد فصائل من ميليشيا الحشد الشعبي، التابعة لإيران، داخل سوريا لحماية النظام. ويتناقض مع صرف الحكومة العراقية رواتب المقاتلين البالغة ضعف رواتب مقاتلي الحشد داخل العراق.
ويتناقض مع استقبال الرئيس السوري بشار الأسد، مبعوث رئيس الوزراء مستشار الأمن الوطني العراقي، فالح الفياض، في 14 آذار/مارس 2018، واستلامه رسالة شفهية من حيدر العبادي، أكد فيها على «أهمية تعزيز التعاون والتنسيق بين البلدين الشقيقين في جميع المجالات ولا سيما في الجانبين السياسي والأمني». تدل هذه التصريحات المتناقضة مع الواقع، الذي تتحكم به إيران وأمريكا، كل حسب مصلحته، على ازدواجية المواقف ونجاح الساسة في تبني لغة موحدة، هدفها النهائي تضليل الشعوب أو الاستهانة بها. تضم هذه اللغة مفردات لها وهجها الشعبي، الذي يعود إلى مرحلة التحرر الوطني، مثل «السيادة» و«عدم التدخل الاجنبي». ومن يراجع خطب حيدر العبادي وابراهيم الجعفري سيجد صعوبة في العثور على خطبة بدون هذه المفردات التسويقية.
والحال مماثل لدى معظم ساسة الحكومات العربية، خاصة تلك التي توجد فيها قواعد عسكرية وقوات (عنوانها: مستشارون ومدربون) أمريكية وشركات أمنية خاصة. ومن اتيحت له فرصة الاستماع إلى كلمة مندوب سوريا الدائم لدى مجلس الأمن الدولي بشار الجعفري، يوم السبت الماضي، لأستوقفه تأكيده «أن بلاده لن تسمح لأي تدخل خارجي برسم مستقبل سوريا»، وهو ما يجب ان يكون بطبيعة الحال، لولا انه حاول بذلك، أما استغباء الناس أو تمرير تعريف جديد للتدخل الخارجي، يستثني فيه التواجد الإيراني ومقاتلي حزب الله والقواعد العسكرية الروسية، مما يعيد إلى الاذهان خطاب دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي السابق، يدين فيه التدخل الاجنبي بالعراق متصرفا وكأن العراق ملكا للدولة الغازية أمريكا. هنا، في العراق وفلسطين، علينا التوقف لفهم معنى المساعدة الغربية «الإنسانية» بقيادة أمريكا مع أي شعب عربي، ولنراجع معا قوائم خسارتنا البشرية والمادية كلما أنجز «التدخل الخارجي» واحدا من مهامه «الإنسانية». نتيجة الجرد معروفة: نحن الذين ندفع تكلفة قتلنا.

٭ كاتبة من العراق

 

 

 

الانتاج الفكري العراقي

وطائفية حزب البعث

هيفاء زنكنة

 

نعيش، حاليا، كعراقيين، مرحلة مظلمة، تختلط فيها الحقائق بالاكاذيب، وتجري فيها محاولات اعادة كتابة التاريخ، باستمرار، لاسباب متعددة، يلعب فيها تغير الاجندات السياسية وحاجة السياسيين إلى مأسسة وعي جماعي مستحدث، وهوية حسب الطلب، دورا كبيرا. يساهم في انجاح العملية، انحسار البحث الاكاديمي، العلمي الرصين، في اجواء خيبات الامل المتتالية، وحالة الاحباط العام، وانتشار الزيف الاعلامي، وعدم التدقيق في صحة ما ينشر على صفحات التواصل الاجتماعي.
تعزز هذه الاسباب، مجتمعة، تغيير السردية التاريخية، وفق الاهواء السياسية، وتصاعد العواطف، وشعبوية الشعارات، مما يشكل مواقف الناس من الاحداث التاريخية، القريبة والبعيدة. فتكون الحصيلة متطرفة في تصورالماضي والحكم عليه. فهو الفردوس المفقود بالنسبة إلى البعض وعذاب الجحيم بالنسبة إلى آخرين. وبينما تنشط شريحة من الناس بتنقية وتنظيف الماضي من مساوئه، متحسرة عليه، تماشيا مع مصلحتها، تقوم شريحة أخرى باختلاق الاكاذيب وتضخيم مساوئ الماضي عن ذات الفترة. مما يجعل صورة الماضي ملتبسة إلى حد كبير، في غياب النظرة الموضوعية ومصداقية المصدر ومراوغة الذاكرة. الأمر الذي يمنح عمليتي التدوين والتوثيق أهمية قصوى، إذا ما أراد الشعب المحافظة على تاريخه وفهم حاضره وبالتالي بناء مستقبله.
تزايدت الحاجة إلى التوثيق والتدوين كرد فعل على تصاعد فبركة الاكاذيب، في فترة التهيئة للغزو الاجنبي للعراق، التي انطلقت في تسعينيات القرن الماضي، ومع شروع المعارضة بحملاتها لتوفير الشرعية الاخلاقية للغزو والاحتلال، من خلال اختلاق المظالم، احيانا، وتضخيمها في احيان أخرى. هدفها الاساسي، الاستجارة بالاجنبي، للتخلص من نظام قدمته إلى العالم باعتباره نظاما يعتاش على التمييز الطائفي والعرقي، بل وذهب البعض ابعد من ذلك في التسويق الطائفي، خاصة، مدعين تجذر الطائفية لدى الشعب وان لا خلاص منها غير التحرير والديمقراطية. وهي اكذوبة تماثل اكذوبة أمتلاك العراق اسلحة الدمار الشامل وتهديده العالم خلال دقائق. الحقيقة هي ان النظام العراقي لم يكن طائفيا بل كان نظام حزب واحد بقائد واحد (باستثناء سنوات الجبهة الوطنية والقومية التقدمية) سلط قمعه السياسي، اعتقالا وتعذيبا، بـ«عدالة» منقطعة النظير، على كل من حاول مس نظام الحزب والقائد «الضرورة». الا انه، خلافا لحبكة المظلومية، لم يكن طائفيا كما بتنا نعرف الطائفية في «العراق الجديد». 
من الكتب الجديرة بالاطلاع، والصالحة لاثبات لا طائفية ولا عرقية العراق، فكريا ومجتمعيا، في عراق ما قبل الغزو، كتاب «النتاج الفكري العراقي لعام 1975»، من اعداد المكتبة الوطنية، واشراف وتقديم فؤاد يوسف قزانجي. 
تشير المقدمة إلى ان الانتاج الفكري لعام 1975، من خلال التجميع الببلوغرافي الدقيق، قد بلغ 1178 كتابا وهو «أقل من كتب عام 74 وذلك لأن عام 75 هو عام مجانية الكتب المدرسية وانشغال المطابع بطباعتها لكافة المراحل الدراسية». حيث طبعت دار الحرية الحكومية، لوحدها، مليون ونصف المليون نسخة من الكتب الثقافية والمدرسية. الملاحظ من الجرد السريع لقوائم الكتب المصنفة حسب الموضوع واللغة، انها كتب جادة، عموما، معنية بشتى صنوف المعرفة، احتل حقل العلوم الاجتماعية، مثلا، حيزا كبيرا، بلغ 457 عنوانا. وقد شهد عام 75، بسبب اعلان الجبهة بين حزب البعث والحزب الشيوعي والحزب الثوري الكردستاني، ازدهارا في طباعة كتب لمؤلفين من مختلف الانتماءات السياسية أو معنية بنتاجات شخصيات أو موضوعات عابرة للانتماء الحزبي الواحد. فمن بين كتب وزارة الاعلام البالغ عددها 93 : الشبيبي شاعرا لقصي سالم، وتاريخ الحركة الديمقراطية في العراق لعبد الغني الملاح، ومجموعة اعمال ومراجع الفارابي التي بلغت 13 كتابا، صدرت بمناسبة الاحتفال بذكراه في العراق والاتحاد السوفييتي. ومن بين الكتب العلمية والتطبيقية «القوى العاملة في القطاع الزراعي» لغانم حمدون. كما تم نشر 88 كتابا باللغة الكردية وستة بالتركمانية. وتفند المطبوعات الكثيرة في مجالي الدين تهمة الطائفية والتمييز الديني، من بين الكتب المنشورة لمؤلفين يستحقون التوقف عند موضوعاتهم واسمائهم: بحث موضوعي في الجبر والاختيار لمحمد كاظم مصطفوي، ونظرية البداء عند صدر الدين الشيرازي لعبد الزهرة البندر، ومسلم بن عقيل في الكوفة لكامل سلمان الجبوري، وبحوث حول علوم القرآن لمحمد السعدي النجفي، ومعجم رجال الحديث لابو القاسم الخوئي، الحياة بعد الموت لصلاح الدين عبد المجيد، عقد الفضولي في الفقه الإسلامي لعبد الهادي الحكيم، عرفانيات ميرزا غلام رضا، الإسلام سبيل السعادة لمحمد الخالصي، كتاب الطهارة لحسين الحسيني الشاهرودي، الاحكام الشرعية المطابقة لفتاوى فقيه الطائفة ومرجعها الاعلى لمحمد التقي الحسيني الجلالي، موجز احكام الحج لمحمد باقر الصدر والصلاة معراج المؤمن لعبد الرضا الشهرستاني. بالاضافة إلى كتب عن التصوف، والدين المسيحي من بينها: تاريخ دير مار متي للبطريرك اغناطيوس يعقوب الثالث. 
واذا كان النتاج الادبي هو احد المؤشرات على طبيعة المجتمع، فان فترة الانفتاح السياسي المؤقتة، في منتصف السبعينيات، بالاضافة إلى لا طائفية النظام، وفرت فسحة لنشر مطبوعات على غرار معالم جديدة في ادبنا المعاصر لفاضل ثامر. كنز الآخرة في مراثي العترة الطاهرة لفاطمة الوصيبعي. تحفة الباكين لمعصومة بنت الملا رضى، ابطال الشهادة على رمال كربلاء المقدسة لفاضل خضير الصفار، ايام صعبة ذكريات شيوعي من العراق لبهاء الدين نوري، تاريخ الجالية العراقية في المهجر لشمعون دابش، شذرات من مذكرات العلامة الفقيد الشيخ محمد رضا الشبيبي تقديم اسعد الشبيبي، ثورة النجف على الانكليز لحسن الاسدي، والاقلية اليهودية بالعراق خلدون ناجي معروف، بالاضافة إلى المطبوعات باللغة الكردية، واصدارات مركز الدراسات الفلسطينية. 
واذا كان هناك تنوع كبير وحرية في تصنيف الموضوعات، الا انها سرعان ما تنتفي عند تناول المطبوعات المصنفة تحت المطبوعات السياسية. حيث يقتصر الموجود على كتاب و3 كراسات تضم خطبا لاحمد حسن البكر (الرئيس) وكتابين وكراسين لصدام حسين (نائب الرئيس) وكتابين لميشيل عفلق، وثلاثة كتب للحزب الثوري الكردستاني، واربع مطبوعات للقيادة القومية والقطرية لحزب البعث. 
يعكس النتاج الفكري لعام 1975، طبيعة المجتمع العراقي بكل تنوعاته الدينية والمذهبية والعرقية وغناه الذي يبدو منسيا هذه الايام لفرط سموم التمييز والفساد المغروزة في عروقه، كما يبين القدرة والطاقة الخلاقة التي يتمتع بها، وامكانية استعادتها، فيما لو توفرت له، ولو فسحة صغيرة من الحرية السياسية والفكرية.

٭ كاتبة من العراق


 

 

فن العمالة

أو عمالة الفن في العراق

 

هيفاء زنكنة

 

نشر موقع جمعية التشكيليين العراقيين، خبرا عن زيارة وفد من الجمعية لرئيس الجمهورية فؤاد معصوم، يوم 28 آذار / مارس. ضم الوفد نائب رئيس الجمعية حسن ابراهيم وأمين السر قاسم حمزة فرهود وسعد الربيعي و محمد شوقي. 
كان من الممكن ان يمر الخبر، كما غيره، دون ان يلاحظه أحد، لولا نشره على صفحات التواصل الاجتماعي، واثارته تعليقات تراوح ما بين الاتهام بالنفاق والعمالة للمحتل والانحطاط الفني. فما الذي فعله الوفد بالضبط ليثير هذه الضجة؟ يشير بيان الزيارة إلى ان أعضاء الوفد، استعرضوا، خلال اللقاء، مشاريع الجمعية والمشاكل والمعاناة التي تواجه الفنانين ومتطلبات تسهيل مشاركة الفنانين المغتربين في معارض الجمعية. فعبر رئيس الجمهورية « عن الاستعداد لدعم الفنانين… ومفاتحة الجهات الرسمية ذات الصلة». ثم قدم الوفد لوحة تشكيلية هدية له « تعبيراً عن تقدير الفنانين لمواقفه الداعمة للثقافة ومبدعيها». 
هناك، طبعا، هلامية سياسية تحيط بتصريح رئيس الجمهورية حول دعمه للفنانين كما تحيط برد الوفد المثير للاستغراب حول طبيعة ونوعية « مواقفه الداعمة للثقافة ومبدعيها»، وتخويل اعضاء الوفد، انفسهم، النطق باسم المثقفين. 
الا ان معظم التعليقات على الفيسبوك، لا تتطرق إلى مصداقية التصريحات أو جوفائيتها بل إلى سبب آخر، وهو التساؤل عن دافع توجه وفد يمثل الفنانين العراقيين لزيارة سياسي، هو وجه من الوجوه المعروفة بتعاونها التاريخي مع المحتل، وتقديم هدية له، بتوقيت يستحق الادانة لا التكريم، أي بمناسبة مرور 15 عاما على الاحتلال، والشعب يعيش ما سببه الاحتلال، من خراب عمراني وبشري، باعتراف شعوب دول الاحتلال نفسها ؟ لا يجد قارئ التهم المتبادلة، بين فنانين اعضاء بالجمعية، أجوبة مقنعة مما يقوده إلى تساؤلات اضافية، على غرار: لم التعليقات الجارحة، وشخصنة المواقف، وتوجيه الاتهامات المعاكسة بالداعشية، ودعم الإرهاب باسم المقاومة… هل هذه هي المرة الاولى التي يزور فيها الفنانون مسؤولين حكوميين، أو يساهمون بمعارض تقام في سفارات دول، لعبت دورا باحتلال العراق وتدميره؟ ماذا عن المعرض الذي إقامته السفارة البريطانية، ببغداد، يوم 4 ـ 3 ـ 2018 « لنخبة من التشكيليات العراقيات وبالتعاون مع جمعية التشكيليين العراقيين وقد حضر المعرض مجموعة من الشخصيات وفِي مقدمتهم السفير البريطاني في بغداد والسيد فلاح العاني مدير العلاقات الثقافية ـ في وزارة الثقافة، والسيد محمد التميمي مدير عام دائرة المنظمات غير الحكومية والفنان قاسم السبتي رئيس جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين»؟ أليس هناك ما يثير المرارة في اقامة المعرض بمناسبة الاحتفال بيوم المرأة، وكأن المرأة العراقية تعيش الفردوس الارضي منذ « تحريرها» من قبل القوات البريطانية؟ 
ولكن، ما الذي يتوجب على الفنان، والمثقف عموما عمله، وهو يعيش تحت الاحتلال أو حكوماته بالنيابة؟ هل يبين رأيه صراحة فيعرض حياته وعائلته للخطر، أو يصمت، أو يماشي القوى الموجودة لحين انقضاء المحنة؟ هذه الاسئلة لا تقتصر على الفنان العراقي بل واجهها، عام 1940، جيل كامل من الفنانين والمثقفين الفرنسيين، الذين كانوا حتى ذلك الحين، يفتخرون بقيادة عاصمة العالم الثقافية، حين وجدوا انفسهم، بعد توقيع اتفاقية « سلام» مهينة، يعيشون تحت الاحتلال النازي وحكومة فرنسية متعاونة مع الاحتلال. 
كان الوضع معقدا. اختار الفنانون السورياليون مغادرة فرنسا هربا من التصفية الجسدية فاتهمهم المتعاونون مع الاحتلال بما هو أكثر من الجبن. اتهموهم بان فنونهم وكتاباتهم « المنحلة» مهدت الارضية لاحتلال فرنسا! كان هذا تبريرهم « الاخلاقي» لخيانة بلدهم أو التعاون، بدرجات مختلفة، مع المحتل، لتقويض الثقافة الفرنسية من الداخل، خاصة وان النازيين، كان يهدفون إلى محاربة الثقافة بنفس القوة المستخدمة لتحقيق الانتصار العسكري. 
يميز فريدريك سبوتس في كتابه « السلام المخجل: كيف نجح الفنانون والمثقفون الفرنسيون في البقاء تحت الاحتلال النازي»، بين العمالة السلبية والعمالة النشطة. فتحت « العمالة السلبية» يدرج سلسلة التنازلات التي يبديها «المجتمع الفني» للمحتل ووكلائه، المتراوحة بين الاستمرار في النشر، وأقامة المعارض، أو المشاركة في المسرحيات إلى القبول بالمنح والدعم المادي. أما « العمالة النشطة» فمعناها ان يتصرف المثقف كوكيل للدعاية الألمانية.
وحسب سبوتس « لم يكن هناك نقص في المتطوعين على جميع مستويات المجتمع الباريسي». من بينهم من كان يحلم بحل الماني للوضع السياسي المتدهور بفرنسا ما قبل الاحتلال. من بين أولئك الذين تم تعظيمهم في تلك الحقبة، كتابا وفنانين، قبلوا بشكل متكرر، دعوات كارل هاينز بريمر، نائب القنصل ومدير المعهد الالماني بباريس، إلى حفلات الاستقبال الفخمة في المعهد الألماني. وكان من أهم الأسماء النحات شارل ديسبياو، والشاعر والروائي أبيل بونار، وعازف البيانو ألفريد كورتوت، والكاهن جان مايول دي لوبيه. 
ان وضع الفنان والمثقف العراقي، على تعقيداته، ليس فريدا من نوعه، وان التاريخ، رغم التطورات العلمية المذهلة، وتغير هيكلة الجيوش وتحديث اساليب الحرب والهيمنة، لا يزال يكرر نفسه من ناحية تفاعلات السلوك الانساني. حيث تقودنا قراءة تفاصيل عن حياة الشعوب تحت الاحتلال إلى اكتشاف التماثلات إلى حد التطابق، احيانا. فموقف المثقف الفرنسي الحالم بالحل الالماني عبر الاحتلال مماثل لوهم مثقفين عراقيين بـ « التغيير» أو « التحرير « الامريكي.
واذا كان الكاهن الفرنسي لوبيه معروفا بتراتيله الدينية للغزاة وهم يؤدون التحية النازية « هايل هتلر»، فان أكبر وليمة حضرها قائد الاحتلال بول بريمر اقامها له رجل دين عراقي. وبينما كان دخان حرق المكتبات والمسارح والجامعات لايزال يغطي بغداد، وصدى قاذفات « الصدمة والترويع» يرعب الاطفال، وفي لحظة تماثل موسيقى الامبراطور نيرون وهو يراقب حرق روما 68 عاما قبل الميلاد، توجه اعضاء الفرقة السمفونية العراقية، منتصف كانون الأول/ديسمبر2003، إلى واشنطن، برعاية وزارة خارجية دولة الاحتلال، لاقامة حفل حضره وصفق له مجرم الحرب جورج بوش وزوجته، ووزير الخارجية كولن باول، وعددا آخر من المسؤولين الامريكيين، بحضور عضو مجلس الحكم عدنان الباججي، الذي يهوى الموسيقى الكلاسيكية ويعتبرها ضرورية لحياته، ولا يستطيع الاستغناء عنها، كما يذكر بمذكراته « في عين الاعصار». ما اود التأكيد عليه هنا، ان الامثلة المذكورة اعلاه، مثيرة للأسى، أكثر من غيرها، لأنها تمت بشكل تطوعي، ولم يخضع القائمون بها لأي ضغط كان، الا انها تبقى افعالا استثنائية، لا تشمل كل الفنانين أو المثقفين، فهناك من يخاطر بحياته لقول الحقيقة ومواصلة العمل بلا مساومة أو استخذاء، لأنه يؤمن بأنه يمتلك ثروة من الكلمات والالوان لا يستطيع الغزاة والطغاة، مهما حاولوا، الاستحواذ عليها.

٭ كاتبة من العراق

 

 

لماذا لا تصدر المرجعية

الشيعية فتوى لتحريم الفساد؟

هيفاء زنكنة

 

شعار واحد يجمع كل المرشحين للانتخابات العراقية المقبلة، في 12 أيار/مايو، وهو « القضاء على الفساد». وهو شعار اكتشف المرشحون، من الساسة المخضرمين، صلاحيته وشعبويته، في هذه المرحلة، فتخلوا عن الشعار الأمريكي «القضاء على الإرهاب». أقول المخضرمين لأن معظم المرشحين هم ذاتهم المنخرطون بالعملية السياسية ـ الطائفية، الفاسدة حتى النخاع، التي أسسها المحتل. وكلنا يعلم كم هي صعبة عمليات زرع نخاع بديل. اما بقية المرشحين فهم ممن تم استنساخهم، بقدرة الفساد المالي، ومناورات التكتلات الحرباوية، لخداع الشعب باسم الشعب، وتقديمهم في واجهات الاحزاب كما البضائع المعروضة للبيع او الاستئجار. لهذه الاسباب، انطلقت اصوات داعية إلى مقاطعة الانتخابات لعل ابرزها هو الشيخ جواد الخالصي، من المدرسة الخالصية بالكاظمية، الذي وصف «من يذهب إلى الانتخابات يؤكد أنه أحمق وجاهل، ويخون البلد خيانةً عملية… الآن لم يعد هناك مجال إلا لخداع الحمقى». مبينا ان الحل الوحيد، حالياً، هو «فضح هذه الانتخابات، وعدم خروج الناس من منازلهم خلال الانتخابات».
وبما ان للمرجعية الشيعية متمثلة بالمرجع الأعظم علي السيستاني، دورها الاستفتائي وابداء الرأي البارز في كل جوانب الحياة اليومية، بالعراق، من حكم أكل الجبن المصنوع في استراليا إلى مراجعة كتاب حاكم الاحتلال السابق بول بريمر، فإن عدم صدور فتوى صريحة لادانة الساسة الفاسدين وحظر التعامل معهم او انتخابهم، يثير التساؤل، خاصة وان المرجعية ناطقة عبر مكتبها وممثليها في كربلاء. ومن يطلع على موقع السيد السيستاني او كتاب «النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية» لوجد ان له رأيا في كل ما يجري. ومن المفهوم الا يتفق معه الجميع الا ان السيد أحمد القبانجي، وهو بحكم لقبه من سلالة آل البيت وقد تتلمذ في الحوزة الدينية ودرس الفقه والأصول بالنجف، بات صوتا لتساؤلات آخرين، حول كيفية انفاق المرجعية «الخمس» وحصولها عليه، مما يجعلها تتغاضى عن اتخاذ موقف حاسم يضع حدا للفساد، كما فعلت، مثلا، عند اصدار فتوى الجهاد الكفائي لمحاربة تنظيم «الدولة الاسلامية»، فسارع مئات الآلاف من الشباب، غير المدربين، إلى التطوع للقتال. 
تتردد هذه التساؤلات، الآن، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بعد ان كان من المستحيل مس المرجعية، لأنها وريثة الامام في عصر الغيبة وتتسم بقدسيته. الا ان وصول حال العراقيين، خاصة الفقراء والمهمشين، حتى في كربلاء والنجف، إلى حضيض الحياة، شجع على كسر حاجز الصمت حول استخلاص «الخمس» وأوجه صرفه، والاكثر اهمية من ذلك، عما اذا كان السكوت على الساسة الفاسدين سببه منحهم خمس ما ينهبونه من المال الحرام (نقدا وعقودا وسمسرة تصل الملايين) إلى المرجعية، بناء على الحكم الذي يتبعه ابناء الطائفة الامامية في ان «الخمس حق» و«لا يجوز التأخير في إخراج الخمس فإنه غصب حرام» حسب موقع السيد السيستاني. 
نقرأ في الموقع نفسه تحت (مستحقّ الخمس ): «يقسم الخمس نصفين نصف للإمام (عليه السلام) خاصة، ويسمّى (سهم الإمام) ونصف للأيتام الفقراء من الهاشميين والمساكين، وأبناء السبيل منهم ويسمّى (سهم السادة) ونعني بالهاشمي من ينتسب إلى هاشم جدّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من جهة الأب، وينبغي تقديم الفاطميين على غيرهم. وردا على كيفية التحقق من انتساب الشخص إلى هاشم، يقول السيستاني في (مسألة 619 ): يثبت الانتساب إلى هاشم بالعلم، والاطمئنان الشخصي، وبالبينة العادلة، وباشتهار المدعي له بذلك في بلده الأصلي، أو ما بحكمه».
قد يوضح منح « سهم السادة» كثرة انتشار لقب «السيد» بعد الغزو وانفتاح المرجعية على لعب دور سياسي، حيث أصبح بالامكان نيل لقب «السيد» بحضور شاهدين، ليكون اللقب مفتاحا لنيل الدعم وتمشية الامور. مما يقود إلى اسهام المرجعية، اقتصاديا، في إدامة أجيال من شريحة «مختارة» تتمتع بتمييزها، عن بقية العراقيين، على أسس لا علاقة لها بالكفاءة أو حقوق المواطنة. يبين موقع آية الله السيستاني ان نصف الخمس، أي سهم الامام، يصرف على تأسيس مدارس دينية ومجمعات سكنية للطلاب، حيث أولت مرجعية السيستاني «جل اهتمامها بالحوزات العلمية والمدارس الدينية، لما تضطلع به من دور كبير ومسؤولية خطيرة في حفظ ونشر مفاهيم وقيم مدرسة آل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)».
عدد من هذه المدارس والمجمعات موجود في النجف، الا ان المرجعية، كما يبدو «تنفق سنوياً على رواتب الحوزات العلمية مبالغ كثيرة في داخل ايران وخارجها. فيجري تأمين الرواتب الشهرية لأكثر من 300 حوزة علمية كبيرة وصغيرة في شتى أنحاء ايران، لاسيما في مدينة قم المقدسة التي يقطنها أكثر من 35000 طالب علوم دينية، ومشهد التي يسكنها أكثر من 10000 طالب واصفهان التي تضم أكثر من 4000 طالب بالاضافة إلى سائر الحوزات العلمية والمدارس والمراكز الدينية المنتشرة في شتى مناطق ايران». كما انشأت المرجعية مستشفى للعيون ومركزا للمعوقين، ليس بالعراق، بل في ايران. واضح هنا أن صراعات المرجعيات العراقية والايرانية يعتمد ضمان أو ترسيخ قواعد اجتماعية سياسية ـ دينية لهما في العالم، كما تفعل الدول دعما لسياستها الخارجية، بالاضافة إلى ان الارتقاء إلى مرتبة «المرجع» يتطلب ازدياد عدد الاتباع، فضلا عن درجة العلم.
واذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ان اتباع المرجعية منتشرون في جميع انحاء العالم، وان دفع الخمس واحد من اركان الاسلام لديهم، وان الشخص الذي لا يخمس حتى لو «اعطى الفقراء سنويا من امواله بشكل عشوائي وحجته ان الاموال التي تدفع في الخمس لا توزع على المحتاجين في بلاده»، لا تبرأ ذمته بذلك، وعليه محاسبة ما في امواله من الخمس، ثم الرجوع إلى المرجع او وكيله، لاستئذانه في الصرف، حسب جواب السيد السيستاني، لتبين ان كل الساسة الفاسدين، سراق ثروة البلد، يدفعون الخمس إلى المرجع. 
وبما ان حجم السرقات، بالعراق، وصل مليارات الدولارات، لابد وأن يصبح مردود الخمس ثروة لا يستهان بها، ولا يمكن الاستغناء عنها، مما يوفر الارضية الخصبة للتساؤلات المختلطة، احيانا، بالشكوك.
ويبقى السؤال الذي يطرحه فقراء واحد من دول المنطقة الغنية بحاجة إلى جواب، وهو: لماذا لا تصدر المرجعية فتوى لتحريم الفساد والتعامل مع الفاسدين، خاصة، بعد ان جرب الشعب حكم الفاسدين على مدى 15 عاما، وأيقن الجميع ان الفساد هو اساس الإرهاب، وان ما يعمل على تفتيت العراق مجتمعا وكيانا هو فساد ساسته؟

٭ كاتبة من العراق


 

 

 

العراق: بعد 15 عاما

من الاحتلال… ما العمل؟

هيفاء زنكنة

 

ان الرغبة كبيرة بنسيان غزو واحتلال العراق، من قبل العديد من الدول. تتحكم بها عوامل عدة، لعل أهمها هو اشتراك الدول المعنية بالغزو العسكري عام 2003، وما سبقه من تهيئة الرأي العام، في بلدان الغزو، بشكل منهجي، منظم، لقبول فكرة احتلال العراق كمشروع «انساني نبيل». باتت هذه الرغبة، بمرور الوقت، واقعا تضخم ليمتد إلى نسيان الشعب، مهما كانت معاناته كارثية واضحة، بل اصبح دفعه إلى زاوية مظلمة في الذاكرة الجماعية، ضرورة تتزايد بشكل طردي مع الظهور التدريجي للحقيقة حول دوافع الغزو، ولا شرعيته، وانفضاح الاكاذيب الذي رافقته، من حيازة العراق اسلحة الدمار الشامل، وتهديد بريطانيا بالفناء خلال 45 دقيقة، حسب رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، إلى تعاون النظام العراقي مع تنظيم « القاعدة»، حسب كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي، في عرضه الكوميدي ـ التراجيدي أمام مجلس الامن الدولي، في 7 شباط/فبراير 2003، إلى أكذوبة فرم النظام العراقي معارضيه بآلات يحشرون فيها من أرجلهم أولا، حسب النائبة العمالية آن كلويد، المتباكية على حقوق الانسان، عشية تصويت البرلمان البريطاني على قرار غزو العراق. 
قدمت اجهزة الاعلام الغربية في الفترة السابقة للغزو، في حملة مكثفة لتبريره ولاستقطاب الرضا الشعبي، جرعات يومية من المعلومات الكاذبة، تراوحت في نوعية صياغتها ما بين التضليلي الشعبوي، بألسنة الساسة الغربيين، والتضليلي الداعي إلى التدخل «الانساني» بألسنة العراقيين الموالين للغزو، والتضليلي المبتذل، بألسنة « اصدقائهم» الموعودين بصفقات النفط و«الاعمار»، مثل النائبة ايما نيكلسون التي كرمها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في 24/ 1/ 2008 بتعيينها مستشارة فخرية له للشؤون الصحية، وكرمها رئيس الوزراء البريطاني بتعيينها مبعوثة تجارية لدى العراق للاستفادة من علاقاتها ونشاطاتها التجارية المكثفة، بعد الغزو. 
بدا من الواضح، خلال 15 عاما الأخيرة، ان أسباب تنامي الرغبة بنسيان العراق بلدا وشعبا، لا تعود، كما يشاع، إلى انشغال العالم بمآس متعددة اضافية في سوريا واليمن وليبيا، بل هي محاولة الانظمة الامبريالية طمر فشلها في اخضاع الشعب وجعله منصة انطلاق لغزو بلدان أخرى، وان دفع الشعب ثمنا باهظا جراء سياسة «فرق تسد» وتحويل البلد إلى ساحة للصراع المستدام، بتعقيداته الاقليمية من جهة والمحلية الطائفية الميليشياوية من جهة أخرى. 
تستدعي هذه الصورة المعقدة، المغموسة بالفساد، المهدد للوطنية، وفي هذه المرحلة الشائكة التي يراها البعض، من اكثر المراحل التي عشناها خطورة على بلدنا وشعبنا، ومع تسرب روح الاحباط والانهاك بعد سنوات طويلة من الصمود والمقاومة، منذ التسعينيات، التوقف للتساؤل عما يتوجب علينا عمله، نحن الذين لم نغادر الوطن، رغم كوننا مقيمين خارجه، الذين وقفنا مع شعبنا في سنوات الحصار الجائر، اعتقادا منا بان الحصار يضعف الشعب وليس الحاكم بالضرورة، وناهضنا شن الحرب وغزو وطننا، منبهين إلى مخاطر الاستجارة بالاجنبي وفتح بوابة العراق للغزاة مع ادراكنا بمسؤولية الانظمة الاستبدادية في قمع المواطن والحط من كرامته؟
من هذه المحطة، ستنطلق، في الشهر المقبل، مبادرة «شهر التضامن مع العراق». وهي مختلفة عن العديد من المبادرات السياسية التي تم اطلاقها في السنوات الاخيرة، لكونها مظلة تمتد بظلها النشاطات التضامنية لعدد من المنظمات والشخصيات الاوروبية والعربية التي بدأت عملها التضامني مع الشعب العراقي على مدى عقود. من بينها منظمة التضامن السويدية، ومحكمة الضمير ببروكسل لتوثيق جرائم الحرب ضد العراق، و التحالف الدولي ضد الحرب، وشخصيات مثل دنيس هاليداي وهانز فون سبونيك، كلاهما استقالا من الأمم المتحدة احتجاجا على سياسة المنظمة تجاه العراق.
وقد شرعت منظمة «تضامن المرأة العراقية» التي تأسست عام 2004، بالخطوة الاولى في تبنيها اطلاق المبادرة يوم 26 نيسان/أبريل، بلندن، ملخصة في بيان لها الاسباب الداعية إلى هذا التأسيس المهم، مقتبسة كلمات كبير الأساقفة الجنوب أفريقي دزموند توتو، ضد الحرب على العراق: « إن قرار الولايات المتحدة وبريطانيا، اللاأخلاقي، بغزو العراق عام 2003، استنادا إلى كذبة امتلاكه أسلحة للدمار الشامل، هز العالم بأسره، وأحدث استقطابا لم يحدثه اي صراع آخر في التاريخ».
هذه الكلمات، لاتزال تجد صداها، اليوم، كما كان الحال حين تظاهر الملايين، في كل بلدان العالم، عام 2003، في أروع حركة مناهضة للحرب في التاريخ، كما سجلها السينمائي الوثائقي المعروف امير اميراني في فلمه الوثائقي الشهير « نحن الأكثرية». اليوم، بعد مرور 15 عاما على الغزو والاحتلال، لاتزال آثار الحرب العدوانية بقيادة الولايات المتحدة على الشعب العراقي، مستمرة، مسببة معاناة لا نهاية لها، وضحايا تزداد اعدادهم بمرور الايام. ففي دراسة حديثة قام بها نيكولاس ديفيز، مؤلف كتاب «دماء على أيدينا: الغزو الأمريكي وتدمير العراق» بالاشتراك مع ميديا
​​بنيامين، مؤسسة منظمة « كود بينك» النسوية، المعروفة بمطاردتها قادة الحرب على العراق، توصل الباحثان ومن خلال حساباتهما « المستندة إلى أفضل المعلومات المتاحة، إلى ان عدد الضحايا ليس بعشرات الآلاف، كما قد يتبادر إلى الاذهان، بل 2.4 مليون عراقي قتلوا منذ غزو عام 2003». فلنتذكر ان لكل ضحية عائلة وان لكل انسان قيمته التي لا تعوض لاهله واحبائه. وتوثيق عدد الضحايا واحدا من المسؤوليات التي يتوجب علينا، نحن المقيمين بالخارج الذين لا يتعرضون للمخاطر اليومية كما مواطنينا بالداخل، القيام بها، لئلا يتحول مفهوم العدالة إلى مزحة سمجة يتبادلها القتلة. وفي تلخيصها لأهداف اطلاق مبادرة «شهر التضامن مع العراق»، تحث منظمة « تضامن المرأة العراقية» المجتمعات الغربية على ابقاء « قضية العراق في ذاكرة العالم، لأنها قضية في غاية الاهمية، لملايين الضحايا الذين يستحقون العدالة، وهو فعل ضروري، أيضا، لاستعادة المبادئ الأساسية للسلام والاحترام المتبادل بين الامم، باعتبارها أساس القيم الإنسانية المشتركة، لضمان مستقبل خال من كوارث الحرب. 
انه للتذكير بجرائم الاحتلال في تهديم دولة، وتفكيك مجتمع، واستهداف ثقافة شعب، كي لا تتكرر الجريمة أبدا. انه، أيضا، للاحتفاء بتاريخ العراق، ومقاومة الشعب العراقي المتعددة المستويات، وطموح العراقيين في تحقيق السلام المبني على المساواة والعدالة».

٭ كاتبة من العراق

هل يوم المرأة

العالمي عالمي حقا؟

هيفاء زنكنة

 

بما ان التقويم الغربي مقسم إلى أيام مكرسة للاحتفالات التاريخية او المصنعة لأغراض الاستهلاك التجاري، وبما اننا في عصر البث التلفزيوني الفضائي والتواصل الاجتماعي وعولمة الاستهلاك، انتقلت الينا من الغرب احتفالات مستحدثة مثل الهالاوين (نهوض الموتى)، ويوم فالانتاين (الحب)، وعيد الام، ليلحقه عيد الأب بالاضافة إلى الاحتفالات الأقدم نسبيا مثل رأس السنة وعيد العمال وعيد المرأة، مع اضافة مفردة « العالمي» إلى العيدين الاخيرين. وقد شهد الاسبوع الماضي، احتفالات عديدة، في ارجاء العالم، بمناسبة عيد المرأة. من بين المحتفلين، نساء ومنظمات وساسة من البلدان العربية، تحدثوا باسهاب حول أهمية دور المرأة في المجتمع، وضرورة زيادة تمثيلها السياسي بينما أشار عدد من اجهزة الاعلام الغربية، خاصة في بريطانيا، على ما اعتبر تطورا في وضع المرأة العربية والمسلمة، والدليل هو السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة. 
يذكرني هذا التغزل الكاذب من الجانبين، ليوم واحد، سنويا، بقصة تكريم أو منح امرأة ما جائزة دولية مع التركيز على كونها عربية أو مسلمة. وهي مسألة رائعة، ان يتم تكريم أي انجاز، مبني على الكفاءة والخدمة العامة، بغض النظر عن دين او قومية او جنس المحتفى به. لكن الامور لا تسير بهذا الشكل حين يتعلق الامر بترشيح واختيار امرأة من البلاد العربية/الإسلامية. 
اذ غالبا ما تكون الجائزة انتقائية بامتياز، تقديرا لنشاطها في منظمة مجتمع مدني تناهض «العنف ضد المرأة»، مثلا، وتنحصر في زاوية أضيق حين يكون للعنف الأسري الأولوية في الترشح والفوز. 
يصاحب احتفالية منح جوائز، من هذا النوع، مثل يوم المرأة «العالمي»، ضجة اعلامية تجمع بين الشعور برضا المحسنين و فرحة المحتاجين. منبع شعور الرضا لدى مانحي الجائزة، انهم يقومون بعمل فريد من نوعه، حيث يتم منح الجائزة إلى إمرأة من « ذلك العالم» لتشجيعها على الخروج من ظلمة الاستغلال المجتمعي والأسري وبالتالي «تمكينها» من ولوج الحياة العامة، حسب رطانة مانحي الجوائز.
وتنبع فرحة الفائزة من توهمها بالتخلص، عبر تذكرة الجائزة، من عقدة الدونية المصاحبة، لابناء الشعوب المستعمَرة، بالاضافة إلى انه كلما ازداد الحديث عن العنف الأسري ازدادت فرصة الفوز وبالتالي تمكن الفائزة ومنظمتها من ضمان استمرارية الدعم المادي والدعوات إلى المؤتمرات الدولية. 
هنا، علينا التنبيه، إلى ان العنف ضد المرأة، بمستوياته المتعددة، لا يقتصر على بلداننا، بل انه «شكل من أشكال الإساءة التي تحدث على جميع مستويات المجتمع وفي جميع دول الإتحاد الأوروبي وفي المنطقة المجاورة» حسب البرلمان الاوروبي، حيث «تتعرض إمرأة من كل ثلاث نساء للعنف الجنسي و/أو البدني، كما تشهد واحدة من كل ثلاثة نساء سلوكا مسيئاً نفسياً من قبل شريك حميم. بينما واحدة من كل إثنتين تتعرض للتحرش الجنسي». ويشير تقرير البرلمان إلى ان «العنف ضد المرأة يسبب ضرراً شديداً للنساء والأسر والمجتمعات المحلية، في دول الاتحاد، ويتجسد حجم المشكلة في تكاليف اقتصادية تقدر بمبلغ مذهل سنويا».
ما الذي يجعلنا، في هذه الحالة، نتوقف بحذر عند احتفالات يوم المرأة ومنح الجوائز لناشطات يناهضن العنف الاسري، إذا كان ما يقمن به ضمن معالجة عالمية لمشكلة انسانية مزمنة؟
هناك اشكالية يثيرها الاحتفال بيوم المرأة ووصفه بالعالمية، المفترضة للمساواة، على الرغم من الاختلافات السياسية والاقتصادية الكبيرة بين الدول الامبريالية وغيرها. تتمثل الاشكالية باستغلال اليوم لاطلاق تصريحات وشعارات، جاهزة، هدفها تفكيك مأساة العنف العام التي يعيشها المواطن، وانتقائية التعامل مع جانب واحد، أي طمس الحقائق عبر التجاهل، أو التضخيم، أو تسليط الضوء على نقطة محددة، دون غيرها، مما يؤدي إلى حجب الحقيقة تحت ستار المساواة والدفاع عن حقوق المرأة، خاصة في البلدان المحتلة، ومناطق الحروب.
ويشكل الاستخدام الانكلو أمريكي لقضية «تحرير» المرأة العراقية، تبريرا للغزو والاحتلال، وسياسة المستعمر الاستيطاني الصهيوني تجاه الفلسطينيين، والقصف المستمر للشعبين السوري واليمني، وحرمان المرأة من ابسط حقوق الانسان، أي حق الحياة، نموذجا، يستحق التدريس لتعلم كيفية قراءة وتفكيك تبني الدول الكبرى، لحقوق المرأة في البلدان العربية والإسلامية، ومدى اقتراب الاحتفالات « العالمية» من مآسيها، بصورة حقيقية. 
في رسالتها من المعتقل، دعت الاسيرة النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني خالدة جرار، بمناسبة يوم المرأة العالمي، والمحكومة بالسجن الاداري القابل للتجديد حسب مزاج المحتل، النساء والرجال سوية « للنضال ضد العنف سواء عنف الاحتلال او العنف الاجتماعي بحق نسائنا». 
في ذات اليوم، وقفت شابة من مجموعة «تضامن المرأة العراقية»، في تظاهرة بمدينة « ريدنغ» البريطانية، لتفند الاطروحة الجاهزة حول حقوق المرأة وتمكينها، قائلة : « كيف يمكنك النهوض بحقوق المرأة عن طريق قصف المدارس والمستشفيات والكهرباء وإمدادات المياه؟ كيف يمكن للمرأة أن تناضل من أجل حقوقها في بيئة من الدمار وانهيار سيادة القانون كما يحدث في العراق؟ كيف يمكنك تمكين النساء عن طريق قصف المدن وخلق المزيد من الأرامل والأيتام؟ كيف يمكن للمرأة أن تقدم قضيتها عندما يتم تفكيك المؤسسات التي كانت تطبق القانون؟».
وفي تفصيل مدعم بالارقام، رسمت للمستمعين حال المرأة العراقية: « تشير الإحصاءات الصادرة عام 2009 إلى أن عدد الأرامل يبلغ مليونين، وعدد الأيتام 5 ملايين. ليس هناك تحديث لهذه الأرقام.
بالطريقة نفسها، يتم تجاهل عدد الوفيات بين المدنيين. لكن تقديرات أصدرتها شركة (
ORB) (شركة الإحصاء التي ترى وزارة الدفاع البريطانية أنها مناسبة لاستخدامها)، في أيلول/سبتمبر 2007، قدرت عدد المدنيين الذين قتلوا منذ عام 2003 بنحو مليون شخص.
تحولت مساحات شاسعة من البلد إلى مخيمات دائمة للاجئين. ووفقاً للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فإن هناك 2.5 مليون عراقي مهجر حالياً، ويحتاج 11 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية. إن النساء والأطفال يشكلون الجزء الأكبر من المواطنين الأكثر ضعفاً في المجتمع، فهل يمكنكم تصور ازدهار حقوق المرأة في مثل هذه الظروف؟»
واذا كان يوم المرأة عالميا حقا، فكم من الاحتفالات حول العالم، ساندت ودعمت نضال المرأة في بلداننا؟

٭ كاتبة من العراق

 

 

النازحون العراقيون…

ورقة لعب طائفية

هيفاء زنكنة

 

ما ان قرعت طبول الانتخابات، بالعراق، وبدأ الساسة يتنازعون حول من يتحالف مع من، وأي «المكونات» صالحة للاستخدام كشعار في الحملات الانتخابية، حتى طفت على السطح، مأساة النازحين التي ارادوها مطمورة تحت ركام المباني المهدمة. صار إيجاد حل لمأساة النازحين مطلبا انتخابيا، فكانت النتيجة تحويل النازحين ضحية انتخابية. تبدلت مأساة النازحين من العيش في المخيمات إلى مأساة بشكل آخر. حيث سارعت الحكومة، متمثلة بالقوات الأمنية وميليشيا الحشد الشعبي، بتطبيق سياسة العودة الاجبارية. 
صاغت الحكومة شكل المأساة الجديد، لعدة اسباب، الاول: تماشيا مع سياستها الهادفة إلى التخلص من مواطنين لم يجلبوا لها غير المتاعب، حسب خطابها الجيوسياسي في الغربلة الطائفية، التي اصبحت واقعا، فعليا، بعد مرور 15 عاما على تأسيس حكومات الاحتلال. السبب الثاني، هو الظهور، أعلاميا، بمظهر الحكومة الحريصة على حل مشكلة باتت، لفرط حجمها، سببا لجلب انظار المنظمات الدولية الانسانية وعدد من دول «التدخل الانساني»، خاصة، بعد ان احتفل الجميع بالانتصار على تنظيم ما يسمى «الدولة الإسلامية». ثالثا: السياسة الدولية الضاغطة حول ربط منح المساعدات والقروض بعودة النازحين. اذ تمت مناقشة الحاجة الماسة لإعادة الإعمار السريع، للعراق، مع المساعدة في إعادة النازحين إلى مناطقهم الأصلية، في مؤتمر الكويت الدولي لإعادة اعمار العراق الذي عقد أخيرا. 
من بين الشروط التي أكدت عليها منظمة الامم المتحدة في العراق، كجزء من الحل المطروح لمعالجة قضية اعادة النازحين، وبالتالي جمع الموارد لتحقيقها، ان تكون «العودة طوعية وآمنة ومستدامة»، اذا ما أريد تحقيق الاستقرار والسلام على المدى الطويل. فعودة النازحين لا تعني «مجرد العودة إلى المنازل وإنما العودة إلى المجتمع» وان كانت «الآثار التي تركتها السنوات الماضية لا تزال موجودة في جميع أنحاء البلاد: مدن متضررة بشدة، ومجتمعات مشتتة، وجيل من الأطفال معرض لخطر الضياع ووجود نحو.62 مليون نازح».
تمثلت استجابة الحكومة لنداءات النازحين، وتفاصيل حياتهم المأساوية، المطبوعة والمصورة، باطلاق التعهدات. تعهد رئيس الوزراء حيدر العبادي، وهو واقف على منصته الاسبوعية، بإعادة النازحين إلى منازلهم. وتحدث رئيس البرلمان سليم الجبوري، وهو جالس على منصته في البرلمان، عن ضمان مشاركة النازحين في الانتخابات البرلمانية في أيار/مايو المقبل. وسارع رؤساء «الكتل» باطلاق الوعود، من منابرهم الصحافية، حول ضرورة إغلاق جميع المخيمات قبيل إجراء الانتخابات.تنافس الجميع في سباق الفوز بكأس «مأساة النازحين» شعارا. ونشرت اجهزة الاعلام أخبارا تؤكد إن وزارة الهجرة العراقية وضعت آليات لضمان عودة النازحين إلى مناطقهم بعد تأهيل اماكن سكنهم.
خلال ضجة التصريحات والتعهدات والتوظيف السياسي للعديد من المآسي، تصاعدت اصوات نازحين محتجين بطريقة مختلفة عن السنوات الماضية. ففي السابق، كانت السياسة الشائعة هي منع عودة النازحين إلى مناطقهم، بعد انتهاء الاقتتال بسنوات، كجزء من سياسة التغيير الديموغرافي لتلك المناطق، بينما تقوم السلطات الحكومية، الآن، باجبار النازحين على مغادرة الخيام عن طريق قطع الدعم بشكل كامل عنهم اي حرمانهم من المواد الغذائية والوقود، لاعادتهم إلى مدن مهدمة تحتاج سنوات لتنظيفها من الالغام ومدها بالبنية التحتية، والى منازل، تشكل خطرا على حياتهم، أكبر بكثير، مما لو بقوا في الخيام. لذلك، وبسبب انعدام الأمن والخدمات، في غرب الموصل، مثلا، عادت حوالي 600 أسرة إلى مخيم الحاج علي، محافظة نينوى، خلال كانون الثاني/ يناير. 
وفي الوقت الذي انكرت فيه الحكومة اجبار النازحين على العودة، وبرر العبادي قائلا «ربما حدثت بعض حالات العودة القسرية الا أنها حالات فردية «، ذكر تقرير أصدرته ثلاث منظمات اغاثة تعمل بالعراق، هي لجنة الإنقاذ الدولية والمجلس الدنماركي والمجلس السويدي للاجئين بالعراق، في 28 شباط / فبراير، أن السلطات العراقية تجبر آلاف النازحين على العودة إلى ديارهم على الرغم من إمكانية تعرضهم لخطر الموت جراء الأعمال الانتقامية. وان «الكثير من حالات العودة تتم قبل الأوان، ولا تفي بمعايير السلامة الدولية والكرامة والعودة الطوعية». وأن «ما لا يقل عن 8700 نازح من محافظة الأنبار أجبروا على ترك المخيمات والعودة إلى مناطقهم في الأسابيع الستة الأخيرة من عام 2017». يشير التقرير، ايضا، إلى ان أكثر من نصف العراقيين النازحين موجودون في 61 مخيماً ولا يريدون العودة إلى ديارهم. 
وفي حال لم يفهم ساسة الحكومة العراقية معنى العودة الآمنة ولم يجب الامتناع عن سياسة الاعادة القسرية، يوضح لهم الأمين العام للمجلس الدنماركي للاجئين كريستيان فريز باخ: «العودة الآمنة والمستدامة تعني أنك تستطيع العودة إلى منزلك، وأن تكون آمناً وتحصل على المياه والتعليم والمساعدة الطبية. مع غياب حل امني وسياسي مستقر، وضمانات وإعادة إعمار، لا يسعنا وينبغي علينا ألا نرغم الناس على العودة». ما الذي تعنيه حقيقة ان نصف النازحين لا يريدون العودة إلى منازلهم، ونحن هنا نتحدث عن العراقي المعروف بصعوبة اقناعه حتى بالسفر لأنه سيشعر بالغربة؟ هذا يعني نجاح حكومات الاحتلال المتعاقبة في ترويع وإرهاب المواطنين، وزرع الفتنة بالاضافة الى، وهنا الطامة الكبرى، نجاحها في نقل فايروس روح الانتقام الذي شكل صلب وجودها منذ عودة ساستها مع المحتل. هذه العوامل المهددة لحياة النازح وحياة عائلته هي التي تمنعه من العودة إلى مكانه الذي يتحرق شوقا للعودة اليه.
هكذا، سيصبح التغيير الديموغرافي الذي سعت اليه حكومات الاحتلال، بكل السبل، واقعا، بامكان الحكومة الادعاء بانها ليست مسؤولة عنه بل انها تعمل على اعادة النازحين بكل الطرق الممكنة. وهو اسلوب يماثل ما تقوم به الحكومات عندما ترغب بخصخصة شركة عمومية مثل خطوط الطيران فتعمل تدريجيا على تدهور عملها إلى ان يصبح مطلب الناس بالنتيجة هو الخصخصة بدلا من المطالبة باجراء التحسينات. 
ان استخدام حياة النازحين كورقة لعب يتسلى بها ساسة الاحتلال، سيجر البلاد وما حولها إلى ما هو أعمق من الهوة الحالية، و« لن يكون هناك أمل في السلام في العراق ما لم تضمن السلطات عودة الناس بأمان إلى ديارهم»، كما حذر مدير المجلس النرويجي للاجئين في العراق، «من المأساوي أن نرى الناس يشعرون بأنهم في أمانٍ في المخيمات أكثر مما هم في منازلهم في الوقت الذي يفترض أن يكون النزاع قد انتهى».

٭ كاتبة من العراق

 

 

في عصر عولمة الظلم

وتواطؤ الصامتين

هيفاء زنكنة

 

هل هناك طعم واحد للظلم؟ هل لممارسة الانتهاكات والجرائم، بلا رادع قانوني أو أخلاقي، كتيبات توزع على الغزاة والمحتلين ومن يحكم بالنيابة، فتضمحل الفروق عند تفحص لا إنسانية النتائج؟ 
ثلاثة أحداث مرت في الأسابيع القليلة الماضية تقودنا إلى التساؤل حول تشابه طبيعة الظلم وتمحوره من شكل إلى آخر مهما اختلفت البلدان. تم الحدث الأول، فجر يوم الخميس 15 شباط/ فبراير، في فلسطين المحتلة، حيث أعتقل جنود الاحتلال الإسرائيلي الشاب الفلسطيني ياسين عمر السراديح، البالغ من العمر 33 عاما، فور محاولته الوصول إلى منزل خاله الذي تم اقتحامه من قبل الاحتلال. اعتدت عليه بالضرب المبرح، وتحديدا على معدته وظهره، أمام الجميع، وتم سحله وتقييده وأخذوه وهو لا يعاني من أي مرض، قال شقيق الشهيد سليمان. مساء، أبلغت سلطات الاحتلال عائلة الأسير ياسين، باستشهاده. في اليوم ذاته، في مدينة البصرة، جنوب العراق، تم الحدث الثاني. حيث اعتقلت القوات الأمنية المشتركة الشاب حازم مهلهل حسين، البالغ من العمر 35 عاما. تم، بعد ساعات من اعتقاله، إبلاغ عائلته بوفاته. لم يكن الشاب يعاني من مرض « وتوفي حازم بعد ساعات من اعتقاله في ظروف غير واضحة»، حسب مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في محافظة البصرة، داعيا اللجنة الأمنية في مجلس المحافظة إلى « فتح تحقيق بحادثة الوفاة، ومراعاة حقوق الإنسان، خلال حملات بسط الأمن من قبل الأجهزة الأمنية». قام مجلس المحافظة بتشكيل لجنة تحقيقية لتقصي وقائع الحادث. وإذا ما حدث وانتاب القارئ بعض الأمل، في إظهار الحقيقة، عبر لجنة التحقيق، فلابد أنه لا يعرف أن تشكيل لجنة تحقيق حول أي قضية كانت، يعني طمر القضية تحت كومة من اللجان. إنها ملح يُصب على الجروح.
يقودنا الحدثان، بواقعهما اللاإنساني، واختلاف الجهات المسؤولة، وكون الجهة الأولى قوة احتلال والثانية قوة أمن «وطنية»، إلى النظر أعمق في طبيعة الظلم، وتشابهه، وشموليته التي تدفع الكثيرين إلى القبول بمنظور، انطلق من أمريكا اللاتينية حول وجود استعمار خارجي، أوضح أشكاله الامبريالية والرأسمالية المتوحشة، واستعمار داخلي يتمثل بالأنظمة « الوطنية» القمعية في مرحلة ما بعد الاستعمار أو التحرر الوطني. تتحكم بالعلاقة غير المتكافئة بين الاثنين الحاجة إلى السوق ومصادر الطاقة من قبل الأول والحاجة إلى الحماية وديمومة البقاء في السلطة من قبل الثاني. كلاهما يمارس القمع بدرجات، وإذا ما اختلفت درجة القمع، فحسب الحاجة وتواطؤ الصامتين». من الصمت إلى التواطؤ ليس هناك سوى خطوة واحدة»، يقول جان بول سارتر. 
يتعلق الحدث الثالث لا بارتكاب جريمة القتل المتعمد، كما في حالة الشابين الفلسطيني والعراقي، بل بسلب حق الحياة، في المعتقلات. ففي فلسطين يسلب المحتل حياة المئات من الأسرى على مدى عقود. نائل البرغوثي، أقدم الأسرى في العالم، كان في التاسعة عشرة حين اعتقل وقد تجاوز، الآن، الستين. 
في العراق هناك معتقلون منذ عام الغزو، استنادا أما إلى وشايات « مخبر سري»، أو بتهمة الإرهاب. اعترف النظام بأن شهادات أكثر من 300 مخبر كاذبة، مما يعني أن الآلاف من ضحاياهم أما لايزالون في السجن أو أعدموا، ومع ذلك، لم تتم مراجعة الأحكام الصادرة بحق ضحاياهم. كيف ستتحقق العدالة؟ 
أما في أمريكا، فمعتقل غوانتانامو وصمة عار لا تمحى ببلد يمنح نفسه غزو بلدان أخرى لأنها لا تحترم حقوق الإنسان. في أمريكا، في ظل « العدالة الأمريكية»، حُكم على د. رافل ظافر، وهو طبيب عراقي أمريكي، متخصص في علاج الأورام السرطانية، في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2005، بالسجن مدة 22 عاما. اتّهم د. رافل بجمع تبرعات، وإيصال شحنات أغذية وأدوية إلى العراق، في سنوات الحصار التي أودت بحياة آلاف الأطفال. وهي جريمة بررتها وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت، عند سؤالها عما إذا كان هذا ثمنا يستحق الدفع لأسقاط النظام العراقي؟ فقالت نعم إنه يستحق». وهي الفترة التي استقال أثناءها اثنان من ممثلي الأمم المتحدة في العراق وهما دنيس هاليداي وهانز فون سبونك. عن سبب الاستقالة، صرح دنيس هاليداي قائلا: إن ما يحدث هو جريمة إبادة. استخدم مفردة إبادة لأنها سياسة متعمدة لتحطيم الشعب العراقي». لم ينكر د. رافل « تهمة» إرسال المساعدات، الموجهة ضده. وبينما قضى سنوات حكمه الأولى في سجن، على مقربة من مدينته، إلا أن تصاعد حملة الكراهية ضد المسلمين وسياسة « الحرب على الإرهاب»، أديا إلى وضعه في سجن مشدد الحراسة، مع محكومين مسلمين، ويطلق عليه أسم « غوانتانامو الصغير».
وعلى الرغم من تدهور صحته وإصابته بالعديد من الأمراض وتوفر فرصة تقديم طلب إلى الرئيس أوباما التماسا للرأفة والعفو، لكنه رفض القيام بذلك، قائلا: «كيف يمكن لشخص بريء مثلي أن يطلب تخفيف الحكم عن تهمة مزعومة، من مجرم، بغض النظر عمن يكون؟» 
هل مفهوم الظلم واحد؟ بالنسبة إلى الدول العربية، حاول تقرير الأمم المتحدة اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الاسكوا) المعنون «الظلم في العالم العربي والطريق إلى العدل» تقديم تحليل لظاهرة الظلم المستشرية في البلاد العربية، أسبابها وإيجاد السبل لمعالجتها. وجاء وأد التقرير المهم على يد الأمانة العامة للأمم المتحدة التي قامت بحجبه بعد يوم واحد من نشره في كانون الأول/ ديسمبر 2016. كان التقرير صريحا في تشخيصه طبيعة التوافق بين الاستبداد المحلي (أو الاستعمار الداخلي كما بات شائعا) والاستعمار الخارجي، وتحميلهما مسؤولية ما يدور في العالم العربي، من قتل المتظاهرين، والمعتصمين العزل، واضطهاد الناس على أساس الدين أو العرق، والانقسام الطائفي وانتهاك حقوق الإنسان، ونشر ثقافة مشوهة سواء ادعت انتماءها للحداثة أو للتراث تكرس الخضوع للاستبداد والبطش. بالمقابل، يؤبن الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيغليتز، الحائز على جائزة نوبل لعلوم الاقتصاد، العدالة « فبدلا من العدالة للجميع، نحن نتطور إلى نظام عدالة لأولئك الذين يستطيعون شراءها». فهل بإمكان الباحثين عن العدالة استعادة مسارها قبل ان تكون سلعة معروضة للبيع؟

٭ كاتبة من العراق

 

 

لن يحل العراقيون

مشاكلهم بأنفسهم!

 

هيفاء زنكنة

 

وافق وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يوم الخميس الماضي، على توسيع مهمته بالعراق. لماذا؟ لا يأتينا الجواب، كما هو مفترض، من الحكومة العراقية، باعتبارها حكومة البلد المعني المنتخبة ديمقراطيا، بل ان كل التوضيحات، المتوفرة، حتى الآن، صادرة عن قيادة الحلف والقيادة العسكرية الامريكية. «حتى يتم بناء الجيش كاملا» حسب ينس ستولتنبرغ، الأمين العام للحلف، وان «من مصلحة الناتو المساهمة في تعزيز الاستقرار وبناء القدرات العراقية». وسيكون اتجاه الناتو «نحو مهمة ثابتة في العراق من أجل بناء القدرات» و«حماية الشعب من صعود تنظيمات إرهابية جديدة أو ما شابه».
يتخلل هذه الصورة الوردية التي رسمها الأمين العام للناتو، نقاطا سوداء عديدة. تبدأ بالجهة المتقدمة بالطلب وتنتهي بالادعاء بحماية الشعب العراقي. 
من هي الجهة صاحبة فكرة التمديد؟ في الوقت الذي يؤكد فيه الأمين العام ان الحكومة العراقية هي التي تقدمت بطلب تمديد وتوسيع مهمات الناتو، صرح وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس بأن هذه الموافقة تمت بناء على طلب رسمي وجهته الولايات المتحدة، لحلفائها في الناتو، الشهر الماضي، للمساعدة في تحقيق الاستقرار، بالعراق، بعد ثلاثة أعوام من الحرب على تنظيم «داعش».
لا يبدو ذلك مستغربا، فقيادة الناتو، عمليا، أمريكية. ووجود الناتو، بالعراق، يعود إلى آب/أغسطس 2004، تحت مسمى «بعثة التدريب»، مهمتها المعلنة «التدريب لمساعدة قوات الأمن العراقية بالتعاون مع القوات المتعددة الجنسيات التي تقودها الولايات المتحدة». أي ان دخول الناتو إلى العراق تزامن مع احتلاله، وان تم الإعلان، كما هو الحال الآن، أن انشاء «البعثة»، التابعة كليا لسياسة الناتو، جاء بناء على طلب الحكومة العراقية المؤقتة، برئاسة أياد علاوي، وبقيت البعثة حتى نهاية عام 2011 مع الإعلان الرسمي لانسحاب القوات الامريكية، مع ربط البلد بالاتفاقية الأمنية ومعاهدة الإطار الاستراتيجي.
تتركنا تصريحات الأمين العام للناتو ووزير الدفاع الأمريكي، امام سؤال يتجاوز ما اذا كانت الحكومة العراقية قد طلبت توسيع المهمة أم لا، ليختزل الى: هل تم ابلاغ الحكومة بتوسيع مهمة الناتو؟ فرئيس الحكومة حيدر العبادي مثابر على التصريح بانه لا وجود لأية قوات أجنبية على ارض العراق، كما يواظب المتحدث باسم رئيس الحكومة على التأكيد بأنّه جرى تخفيض عديد المستشارين والمقاتلين والمدربين في التحالف الدولي بالعراق بشكل تدريجي. فإذا كانت الحكومة تعمل على تخفيض أعداد المدربين والمستشارين الاجانب، فعلا، فلم طلب ارسال المزيد من قوات الناتو، والحصول على موافقة الناتو لارسال بعثة مستشارين ومدربين، مهمتها « تطوير الأنشطة التدريبية الحالية، بتمويل أفضل وتواجد أكبر» كما صرح ستولتنبرغ؟ 
وكيف ستنفذ البعثة مهامها «الإنسانية»، المتعددة، المعلنة؟
يبدو ان قرب موعد الانتخابات يجعل الساسة العراقيين لا يرغبون بالتعليق على قرار الناتو، علنيا، بالتبني او التنصل، ولا يرغبون باستفزاز اية جهة كانت، سواء كانت الولايات المتحدة التي دمرت البلد استنادا على أكاذيب أو أيران التي جعلت من العراق، عبر ميليشياتها، ارضية صالحة لمفاوضاتها مع أمريكا. 
اذن، السكوت من ذهب، هو شعار الساسة الأول، ولتستقر قوات الناتو، أينما تشاء وكيفما تشاء. لا تقتصر الدعوة على قوات الناتو بل انها «مفتوحة لمساهمات الدول الشريكة من غير أعضاء الناتو»، أيضا، حسب السيد ستولتنبرغ، الذي تحدث بلغة المدافع عن أمن دول الناتو، قائلا إن «من الخطر ترك العراق مبكرا، فلو فعلنا ذلك الآن قد نضطر إلى العودة مستقبلا والانخراط في معارك، وهذا ما لا نرغب فيه»، محاولا ستر الفشل الذريع الذي منيت به «بعثة الناتو التدريبية»، داخل العراق، من عام 2004 إلى عام 2011، حيث قامت حسب ادعائها بتدريب 15 ألف ضابط عراقي، وأدارت 2000 ورشة تدريب عسكرية، وقيامها في أيلول / سبتمبر 2012، بالتوقيع على برنامج شراكة وتعاون مع الأجهزة الأمنية والعسكرية، وكانت النتيجة تسليم القوات العراقية مدينة الموصل إلى مقاتلي «داعش» بطريقة صارت تُدَرَس كنموذج مذهل لنتائج ذلك التدريب. 
ويأتي فشل النظام العراقي في الحصول على المنح، بقيمة 88 مليار دولار، التي تقدم بطلبها من مؤتمر المانحين، بالكويت، وتحويل المنح الضئيلة التي أعلنت إلى قروض تضاف إلى 128 مليار دولار مديونية حالية، ستقيد المواطن العراقي، على مدى أجيال مقبلة، نتيجة الفساد، ليضيف إلى قائمة الأسباب الموجبة للصمت، مهما كانت القوى التي تود تقاسم البلد والهيمنة على ثروته، ما دامت ستشبع نهم الفاسدين.
يعيدنا الصمت العراقي، الحالي، حول وضع العراق تحت هيمنة سياسة حلف الناتو إلى الماضي القريب، إلى ما حدث قبل 70 عاما في 15 يناير/ كانون الثاني 1948 حين وقعت الحكومة العراقية «معاهدة بورتسموث» في ميناء بورتسموث البريطاني. وكم يبدو الامس قريبا، حين نقرأ ان المعاهدة كانت تنص على السماح للجيوش البريطانية، بدخول العراق، كلما اشتبكت في حرب مع الشرق الأوسط، وحتمت المعاهدة ان يمد العراق هذه الجيوش بكل التسهيلات والمساعدات في أراضيه ومياهه وأجوائه. فثارت ثورة الشعب من شمال البلد إلى جنوبه، واستعيدت أجواء ثورة العشرين، احتجاجا وتظاهرا واعتقالا وسقوط شهداء، حتى تم اجبار الحكومة على الاستقالة وإلغاء المعاهدة كم يبدو الماضي بعيدا، إزاء الصمت الحالي لتسليم العراق لكل من هب ودب. 
لقد عمل المستعمر الجديد، بالتعاون مع طبقة الساسة الفاسدين، على تمزيق البلد طائفيا وعرقيا، حتى بات، بتمزقه ونفطه واستمرارية استخدامه، كبعبع للتخويف من «الإرهاب» بمسمياته المتعددة، ورقة مقايضة، للعديد من الدول الإقليمية والدولية. بات وجود «القوى الخارجية» ضرورة يتسابق الساسة على نيل رضاها والترويج لاستمرارية ابقائها. صار الشعار الاستعماري القديم عن عجز الأمم:» لن يحل العراقيون مشاكلهم بأنفسهم» بديلا للمقاومة. بل أصبح، وهنا يكمن نجاح الاخصاء، موضوعا للنقاش، حتى داخل بعض الأوساط الوطنية، اليائسة، من استرجاع اللحمة الاجتماعية بجهود وطنية. هذا الشعار هو الترجمة الحرفية لتصريح الأمين العام للناتو بان سبب نشوء «داعش»، بالعراق، هو انسحاب القوات الامريكية و« يجب أن نبقى لفترة طويلة»، متعاميا عن حقيقة ان ما جلب كل الخراب، بأنواعه، إلى العراق هو الاحتلال وان ترسيخ وجود القوات الامريكية بالإضافة إلى قوات الناتو، بشكل رسمي، مع وجود الساسة الفاسدين وميليشياتهم متعددة الولاء، سيجلب دمارا لا يعرف أحد مداه.

٭ كاتبة من العراق

 

 

مراحل محو

الذاكرة بالعراق

هيفاء زنكنة

 

تراجع الاهتمام الإعلامي العربي والدولي، بالعراق، بلدا وشعبا، في السنوات الأخيرة، إلى حد لم يعد يذكر الا في الصفحات الداخلية كخبر ثانوي قلما يسترعي الاهتمام. تزداد سطوره أو مساحته الإعلامية، فقط، حين يصاحبه تفجير يتجاوز عدد ضحاياه حدا معينا. للإحصائيات، في هذه الحالة، جاذبيتها الخاصة. كأن هناك كتيب إرشادات تم توزيعه على أجهزة الاعلام يتضمن كيفية طمر احتلال بلد وتدميره بأسلوب تدريجي، ناعم، لا يخدش ضمير المواطن. 
أمريكيا، هناك حرص عام على تطمين المواطن بأن ما تقوم به حكومته أخلاقي يهدف إلى نشر السلام ولو عن طريق الحروب. يحتل الاعلام دورا أساسيا في هذه العملية. يبين مقال نشره موقع « تروث آوت» ان أفضل وأسرع طريقة اتبعت لمحو جريمة غزو العراق واحتلاله من ذاكرة الشعب الأمريكي، هي عبر تقليص الاهتمام الإعلامي تدريجيا. كانت تغطية صحيفة «النيويورك تايمز»، الامريكية، لأحداث العراق، مثلا، قبل انسحاب القوات قد بلغت 1848 مقالة عام 2006. ونشرت 1350 مقالة عام 2007 ثم انخفض العدد إلى 359 في 2011. 
تقليص الاهتمام لم يتم عبر تقليل المقالات، فحسب، ولكن من خلال التحكم بنوعيتها ومصادرها. فاقتصار التغطية الصحافية على تداول الاخبار والتحليلات الجاهزة (بعد ترجمتها فيما يخص العالم العربي)، من وكالات انباء يعمل معظمها، في ظل سياسة «محاربة الإرهاب»، جعل المصادر الأولية المعتمدة للأخبار، هي القيادات العسكرية والرسمية وليست الصحافة، المستقلة. مما أدى إلى ضمور الصحافة الاستقصائية. 
وبينما دفع تحول العراق إلى ساحة حرب، مستديمة، إلى ابتعاد الصحافيين حفاظا على حياتهم، وحقق تهديد الصحافيين المستقلين، واستهدافهم، منذ أيام الاحتلال الاولى، نجاحا يحسب للمحتل الامريكي أولا ولميليشيات الأحزاب الحاكمة ومافيا الفساد، ثانيا. 
عربيا، حتى في البلدان التي تظاهرت شعوبها، بحماس، في الفترة السابقة للحرب، وساهمت بأكبر مظاهرة شارك فيها الملايين من جميع ارجاء العالم، ولأول مرة قبل الحرب، يلاحظ خفوت الأصوات او اختفاؤها. وتظهر الصورة بأكثر الوانها قتامة، عند مرور الذكرى السنوية لشن الغزو والاحتلال، حيث يفترض استعادة الذاكرة الشخصية والجماعية للجريمة الكبرى، فتمر الذكرى، كما في السنوات الأخيرة، بدون ان تلاحظ.
حيث مرت ذكرى الغزو، في العام الماضي، كأنه سر يجب ان يبقى طي الكتمان. 
الجانب الآخر الذي يتستر عليه الاعلام الغربي والعربي، بتعاون سياسي محلي، هو خروقات حقوق الانسان التي يعيشها المواطن بشكل يومي. بدءا من الاعتقال والتعذيب والاعدام وانتهاء بفرض العقوبات الجماعية. هناك سيرورة منهجية لمحو المسؤولية عن جهات إجرامية معروفة، هي جزء لا يتجزأ من الحكومة العراقية والأحزاب المشاركة فيها، بذرائع تتغير وفق الحاجة مع إبقاء صخرة «الحرب على الإرهاب» جاثمة على الصدور. يحاول عدد من المنظمات الحقوقية الدولية اختراق حاجز التضليل عبر تقاريرها الموثقة للانتهاكات والجرائم الا انها تبقى، على أهميتها، هامشية بالمقارنة مع أجهزة الاعلام التي تحتل مركزا، عاليا، في سلم أولويات الميزانيات العسكرية والحكومية. 
لهذا تكاثرت أجهزة الاعلام بسرعة نمو نبات الفطر وبالتحديد القنوات الفضائية. اذ يكفي ان تتجول بين القنوات الفضائية حتى تجد ان القنوات العراقية تحتل حيزا كبيرا بالمقارنة مع بقية البلدان. وهي، كما أجهزة الاعلام العربية، تعتمد على وجبة الاخبار الجاهزة من وكالات الانباء العالمية، كما بقية الدول العربية، وان كانت، والحق يقال، تتجاوزها بإضافة وصفة المحاصصة الطائفية والعرقية والميليشياوية. 
في الأسابيع الأخيرة، مثلا، تحدث العديد من المسؤولين العسكريين الأمريكيين عن ضرورة إبقاء القوات الامريكية في العراق إلى ان «يتم القضاء على داعش نهائيا»، أي لأجل غير مسمى، مما يذكرنا بالمعاهدة الاستراتيجية التي تم توقيعها مع الإدارة الامريكية عام 2011، وتمنح الإدارة الامريكية حقوقا تنزع كل مفاهيم السيادة عن العراق لأجل غير مسمى. سارع مكتب رئيس الوزراء، إلى اصدار بيان يكذب التصريحات، وان القوات الامريكية ستشرع بالانسحاب، فقامت أجهزة الاعلام العراقية والعربية بنشر البيان، كما هو بدون ان تقوم بتدقيق صحة الادعاء او اضاءة جوانب لم يتطرق اليها البيان، أو تقديم معلومات تساعد المواطن على معرفة، ما يجري فعلا، أو تشجيعه على تمحيص ما يقدم له. بعد يوم من اصدار بيان مكتب رئيس الوزراء، قامت الإدارة الامريكية بتكذيب التكذيب، مؤكدة بقاءها في العراق. وكان موقع «غلوبال ريسيرج» الأمريكي، قد أكد، في 23 كانون الثاني، وجود ستة قواعد عسكرية للولايات المتحدة في العراق وليست هناك نية لأغلاقها. ودخل قائد مليشيا «عصائب الحق» على الخط ليصدر إنذارا إلى القوات الامريكية بتحويل حياتهم إلى جحيم في حال بقائها إلى ما بعد الانتخابات. 
يساهم النقل الإعلامي الحرفي لهذه البيانات والتصريحات، من التباس الصورة لدى المواطنين، ويزداد الامر سوءا حين يتم بثها بلا تحليل موضوعي يوفر للمشاهد أرضية التفكير واثارة التساؤل. هنا يصبح الصمت، بمعنى عدم التحليل وابداء الرأي، تواطؤا في مسار التجهيل المتعمد ومحو الذاكرة الذي أسست له الصحافة الغربية، بامتياز منهجي، منذ تسعينيات القرن الماضي، استعدادا لغزو العراق، حسب مشروع القرن الأمريكي الجديد.
«ان الحرب على العراق من أكثر الجرائم خطورة، بلا شك، ضد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية»، يقول الدبلوماسي السويدي المخضرم سفيركر آستروم. جريمة أدركت الشعوب ضررها، مسبقا، فخرج عشرت الملايين للاحتجاج عليها في كل بلدان العالم قبل ارتكابها وبعده، مما أسهم، بشكل غير مباشر، في دعم المقاومة العراقية التي أفشلت مشروع القرن الأمريكي، واضطرته لترحيل اكثر من 185 الف جندي أمريكي من العراق.
استدعى طمس هذه الجريمة من دول العدوان تحويل الأنظار، بمراحل، تصنيع أكاذيب كبرى. كانت المرحلة الأولى اكذوبة أسلحة الدمار الشامل والخطر الماثل على أوروبا، وحقوق الإنسان والنساء، والثانية أكاذيب محاربة القاعدة و«فلول النظام السابق» التي اتهمت بها المقاومة العراقية الشعبية. ثم جاءت مرحلة فرق الموت التي اشعلها السفير الأمريكي جون نيغروبونتي وقائدا الفرق الخاصة اللذان عملا معه في السلفادور، كاستل وجون ستيل لتصور الصراع طائفيا واثنيا في العراق. بعد فترة، أنقذت الولايات المتحدة جلدها عبر انشاء عملية سياسية طائفية بالتجاذب مع إيران. مع انتفاضة الربيع العربي، عادت أمريكا فجرت العراق في ساحة الصراعات الإقليمية والدولية الأكبر تحت لافتات طائفية من جهة ولافتات محاربة إرهاب تنظيم «الدولة الإسلامية» من جهة اخرى.
الآن، في مسار محو الذاكرة، يقوم الاعلام المؤدلج، بالترويج اليومي، لأكذوبة ان كل الدمار الذي شهده العراق منذ التسعينيات وسنوات الحصار، وغزو 2003، والتعامل الوحشي مع المدن في مجرى التعامل مع المقاومة العراقية، هو نتيجة الحرب على تنظيم « الدولة الإسلامية» بما يضمنه ذلك من التغاضي عن المسؤولية القانونية الدولية والأخلاقية.
من هنا حاجتنا إلى استمرار تذكير أنفسنا والعالم بحقائق التاريخ القريب، لا رغبة بالانتقام ولكن لنعيد للعدالة مفهومها الحقيقي ولئلا تتكرر الجرائم.

٭ كاتبة من العراق

إلى الدول المانحة للعراق:

لا تتورطوا في موتنا البطيء

هيفاء زنكنة

 

يقول النظام العراقي انه بحاجة إلى 100 مليار دولار لأعاده اعمار المدن المدمرة جراء قتال تنظيم «الدولة الإسلامية»، وان على العالم توفير المال للنظام باعتبار انه «خاض حربا شرسة نيابة عن العالم».! 
ستكون هذه معزوفة النظام الرئيسية في مؤتمر الدول المانحة، الذي سيعقد في الكويت، منتصف الشهر الحالي، وتشارك فيه حوالي 70 دولة ومئات شركات الاستثمار التي أعلن عن توفير مغريات لها لجذبها إلى داخل العراق. وهو موقف يبدو في غاية النبل والوطنية من الحكومة، ويستدعي التشجيع والمساندة، من قبل الجميع. فمن ذا الذي لا يرغب بأعمار بلده، وإعادة النازحين إلى بيوتهم وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين؟ 
إذا كان الحال بهذا الشكل، لم يقوم عدد من الناشطين الشباب، من داخل العراق، بكتابة رسالة موجهة إلى الدول المانحة بعنوان «لا تقتلونا أكثر من مرة، ولا تتورطوا في موتنا البطيء»؟ 
لا يختلف الشباب في رسالتهم حول ان العراقيين جميعا يتطلعون إلى يوم يجدون فيه الإعمار قد حل في بلادهم مكان الخراب، ويحسون بالحياة كما يحس بها الآخرون، لكنهم يتوقفون متسائلين عن جدوى المؤتمر. لاسيما وانه ليس المؤتمر الأول الذي يتلقى فيه العراق، منذ عام 2003، مئات المليارات للإعمار، ولم ير الشعب أي اعمار.
تتضمن الرسالة تفاصيل مؤتمرات المانحين، سابقا، والمبالغ التي تم تقديمها إلى الحكومة العراقية لأغراض الأعمار الذي لم يتحقق وبقي سرابا لا يمكن الإمساك به. 
يأخذنا الشباب إلى مؤتمر مدريد للمانحين، في تشرين الأول/أكتوبر 2003، عام احتلال العراق قبل 15 عاما، بمشاركة 73 دولة و20 منظمة دولية، حيث تعهد المشاركون بتقديم 33 مليار دولار لإعمار العراق. تلاه، في العام نفسه، مؤتمر طوكيو للدول والجهات المانحة للعراق، الذي تم التعهد فيه بنحو 14 مليار دولار لإعادة الاعمار. ولا تقتصر حكاية «إعادة الاعمار» كذريعة للحصول على المُنح، قبل ولادة «داعش المنتظر» بسنوات، بل هناك، أيضا، مليارات الدولارات التي خصصها الكونغرس الامريكي ومساعدات صندوق النقد الدولي وقروض البنك الدولي، التي ستكبل العراقيين، بالفائدة المركبة، على مدى عقود مقبلة. 
آخر الأرقام التي أعلن عنها لإعادة إعمار العراق، موافقة البنك الدولي في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، عن موافقته على منح مساعدات مالية بقيمة 400 مليون دولار «لمساندة جهود التعافي وإعادة الإعمار والتأهيل لمرافق البنية التحتية ذات الأولوية من أجل استعادة تقديم الخدمات العامة في المناطق العراقية المحررة حديثا من قبضة تنظيم داعش».
إذا ما قمنا بعملية جمع بسيطة للأموال التي هطلت على العراق منذ الاحتلال، وبضمنها الأموال العراقية التي كانت محجوزة في صندوق الأمم المتحدة، من سنوات الحصار، لوجدناها تنافس ميزانيات دول العديد من الدول المجاورة، لكن العراق لم يعمر، حتى الآن، بل لم يتم صيانة ما بقي من منشآت بعد قصف الصدمة والترويع واستمر في الخدمة لحين، فأين ذهبت تلك الاموال؟
يؤكد العديد من تقارير منظمات النزاهة والشفافية الدولية بالإضافة إلى المحلية، والى تصريحات الساسة العراقيين، أنفسهم، خاصة حين يتبادلون الاتهامات، بأن الفساد هو الغول الذي يواصل التهام المنح والمخصصات والقروض وعائدات النفط. وهو يمتد ويتوسع، بمرور الوقت، حتى بات من الأعراف الاجتماعية فضلا عن السياسية والاقتصادية، بفضل نشوء طبقة جديدة من المقاولين تدعى «سماسرة الاعمار». مهمتهم مضاعفة قيمة المنشآت أو المشاريع التي يشرفون على إقامتها عدة أضعاف دون أن يكون هناك رقيب، وتُمرر الأرقام في ظل انتشار الفساد في المؤسسات الحكومية.
ويتم، أحيانا، تنفيذ مشاريع البنى التحتية، بحد أدنى من المواصفات، عبر مقاولات يتم بيعها من المقاول الرئيسي إلى مقاول آخر يقبض ثمنها من مقاول آخر، فيكون المبلغ الذي يصرف على المشروع متواضعا جدا مقارنة بالمبلغ الذي يضيع بين سلسلة وسطاء. وقد بلغ تقاسم أموال الاعمار بين السماسرة العراقيين والجهات الامريكية حدا جعل المفتش العام الأمريكي المختص بإعادة إعمار العراق، إلى التصريح في تقرير خاص، أن الحكومة الامريكية لم تتمكن حتى الآن من تحديد وجهة إنفاق 96 ٪ من تلك الأموال. ويعزو عصام الجلبي، وزير النفط السابق، عدم بناء مصاف جديدة للنفط إلى الفساد والسرقات السائدة في مقاولات ‏استيراد المشتقات النفطية مما أدى إلى إنفاق 30 مليار دولار بينما كان في الإمكان استخدام هذه المبالغ لانشاء ما لا يقل عن 6 مصافي عملاقة في ‏العراق.
ما يثير الانتباه، في رسالة «لا تتورطوا.. «، بالإضافة إلى رصدها كمية وكيفية تلاشي الأموال في فضاء الفساد، هو رصدها لنوعية المشاريع المطروحة من قبل النظام العراقي لإعادة الاعمار. فهي، حسب عديد التقارير المحلية والدولية أصلاً «لا يحتاجها العراقيون أو أنهم لا يريدونها». حيث «لم يتم التشاور حولها، بصورة كافية ومناسبة مع العراقيين، فضلاً عن أن الكثير منها كان يتوقف في منتصف الطريق، أو لا يتمكن العراقيون من الحفاظ عليه بعد اكتماله».
يخلص كاتبو الرسالة، بعد رسم صورة العراق الغارق في الصراعات السياسية، الدموية، بين الأحزاب المهيمنة وميليشياتها، وخراب البنية التحتية والخدمات الأساسية، وانتهاكات حقوق الانسان الجسيمة، إلى إن انعقاد مثل هذه المؤتمرات بات مصدر ضرر كبير للعراق وشعبه، لأنه يغطي على الواقع المرير، من خلال تطمين العالم بان هناك جهودا للإعمار، بينما تؤول الأموال إلى جيوب الفاسدين، لاسيما المسؤولين العراقيين الذين أحرزوا رقما قياسيا في سرقة المال العام والفساد. وللإجابة على سؤال ما هو الحل، تقدم الرسالة ثلاثة مقترحات. لعل أبرزها تأجيل دفع الأموال المستحصلة من هذه المؤتمرات لحين استقرار البلد، وان يتسلم زمام الأمور فيه من ليس فاسدا، أو تشكيل صندوق للإعمار بإشراف عالمي. 
قد لا تكون الحلول التي يقدمها كاتبو الرسالة مثالية، الا ان تشخيصهم لآفة الفساد وآثارها، ومناشدتهم مؤتمر المانحين، الا يشرعن الفساد، تستحق النظر، وان لم يتم التطرق إلى مسؤولية هذه الدول، على رأسها أمريكا وبريطانيا، في مأسسة الفساد والخراب إثر الاحتلال، مما يجعل حتى تسمية «مؤتمر المانحين» تضليلا متعمدا من قبل الدول المسؤولة عن الخراب، بعلم ومساهمة النظام العراقي.

٭ كاتبة من العراق

 

أمريكا في العراق:

استقروا فيه آمنين!

هيفاء زنكنة

 

تؤكد التصريحات الأخيرة لوزارة الدفاع الأمريكية(البنتاغون) نية الإدارة الأمريكية الإبقاء على القواعد العسكرية وتفعيل « الاتفاقية الأمنية والاستراتيجية» مع الحكومة الجديدة بعد اجراء الانتخابات. تتطابق هذه التصريحات مع واقع العمليات التي تخوضها أمريكا، داخل العراق.
فعلى الرغم من سيل خطب وتصريحات الانتصار والقضاء على «الدولة الإسلامية»، وتقديم الانتصار باعتباره قد تحقق «بأياد عراقية خالصة وببطولات وتضحيات العراقيين»، حسب رئيس الوزراء حيدر العبادي، فان طائرات التحالف لا تزال تقصف أماكن مختلفة من العراق، «لمطاردة فلول داعش الإرهابي». ولا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تُعلن عن انطلاق عملياتها المستمرة في سوريا والعراق، مما يثير التساؤل حول عديد البيانات الصادرة من الجانبين العراقي والأمريكي المتعلقة بالعمليات الموصوفة بانها مبنية على معلومات استخبارية دقيقة. وذلك لاستمراريتها، وكثرتها، واعداد الضحايا من المدنيين في الفترة التي أعقبت إعلانات الانتصار والاحتفال به. فما الذي حدث للوعود الكبيرة بالاستقرار والأمان والاعمار، في الفترة التي اُطلق عليها أسم «ما بعد داعش»؟ وما هو دور الصراعات بين الأحزاب والميليشيات المتنفذة في هذه الفترة، وهل هناك دور أمريكي بالإضافة إلى الإيراني؟ وما مدى صحة كون العمليات العسكرية والقصف يستهدفان، فعلا، بقايا تنظيم « الدولة الإسلامية»؟
بالنسبة إلى وعود الاستقرار، تكفينا عودة سريعة إلى ساحة الطيران، ببغداد، لندرك حجم أكذوبة الأمان الموعود الذي بات سرابا، ما ان يقترب منه المواطن حتى يتحول إلى مشروع موت فردي أو جماعي.
أدى تفجير ساحة الطيران الإرهابي إلى قتل وجرح 80 مواطنا، معظمهم من العمال الفقراء. في مرثية كتبها شوقي كريم حسن، يحدثنا بقلب يختزن وجعا لا حد له، عن بائع الشاي بشار الذي» جاء بغداد من مدينة الشطرة، جنوب العراق، ليسد رمق خمسة اطفال يحلمون بحياة تحفظ كرامتهم.
ظل بشار يمنح الحياة لروح المغني داخل حسن ممزوجا بأحزان الشطرة التي فارقها مكرها. كلما طلبت منه الشاي، ابتسم قائلا: قل لي علة حب أهل الشطرة للشاي والغناء. ونهيم معا في ذكريات قحط وفرار. اليوم، كان بشار بغاية الفرح لأنه قرر زيارة الاطفال والزوجة التي تنتظر، بعد ان وفر لهم ما وفر. وفجأة، تناثرت بسطية بشار. أغمض بشار عينيه محاولا استرجاع وجوه أولاده، لكنه فشل. فشل بعد ان وجد نفسه دون أطراف، دون ملامح. مات بشار. قتلته زمر الفساد التي تتقاتل من اجل نهب البلاد». 
إثر التفجير، أصدر الساسة العراقيون بيانات الاستنكار والادانة والاتهامات الجاهزة. شاركهم النحيب المفتعل سفراء وحكام دول عربية، ولم يقصر المسؤولون الإيرانيون والأمريكيون في ذرف كلمات الأسى. في ذات الوقت الذي تواصل فيه الميليشيات ترويع الناس والأمريكيون سياسة القصف واستهداف المدنيين، الذين لا يعلن عن قتلهم أو احصائهم أو الإشارة إليهم، ما دام مشجب «داعش» لايزال حيا يُغذى بالبيانات، والتصريحات المنمقة، والتطبيل الاعلامي. 
وعند تمحيص مدى استخدام مشجب داعش لتبرير القصف، يتبين من بيان للتحالف، في 12 كانون الثاني/يناير « ان قوات التحالف العسكرية في الفترة من 5 – 11 كانون الثاني/يناير 2018، نفذت 96 غارة تألفت من160 اشتباك ضد إرهابيي داعش في سوریا والعراق». ذلك ان قوة المھام المشتركة في عملية العزم الصلب «ملتزمة من أجل تحقيق الهزيمة الحتمية لداعش والحد من قدرتها على تأسيس شبكات جديدة أو إعادة الظهور في العراق وسوريا»، ويتوسع خطاب الترويع الإعلامي الأمريكي ليتضمن بالإضافة إلى تهديد داعش للعراق وسوريا، تهديدها «المجتمع الدولي ككل». مما يعيد إلى الاذهان حملة التضليل الإعلامي الأمريكي – البريطاني التي مهدت لغزو العراق، باعتباره يمتلك أسلحة الدمار الشامل القادرة على تهديد أوروبا خلال 45 دقيقة!
ان استخدام ذريعة حماية العالم يترجم على ارض الواقع، بأن لقوة المهام المشتركة أو الولايات المتحدة وحلفائها، المبرر الشرعي للبقاء على ارض العراق وسوريا مدة تفرضها هي، ووفق مصالحها الاقتصادية والسياسية والعسكرية. إبقاء حضور داعش، اذن، حيا أو ترهيب الدول والناس، بحضوره، ضرورة يتوجب المحافظة عليها لكل الجهات الراغبة بإبقاء العراق ضعيفا، ممزقا، تسهل الهيمنة عليه. سواء كانت الجهات محلية متحالفة مع الدول الإقليمية، أو الولايات المتحدة، أو كليهما معا. 
وفي الوقت الذي ينفي فيه النظام العراقي وجود قواعد عسكرية أمريكية، مؤكدا «أنه لا وجود لقوات مقاتلة من أي دولة على الأراضي العراقية» حسب حيدر العبادي، والاكتفاء بالإشارة البسيطة، أحيانا، إلى ما يسمى «الدعم الجوي»، تؤكد التصريحات الرسمية الأمريكية، من وزارة الدفاع (البنتاغون) بشكل خاص، بأن استمرار وجود القوات العسكرية ضروري، إلى ان يتم «القضاء كليا على داعش». 
وقد ذكر موقع «غلوبال ريسيرج» الأمريكي، في 23 كانون الثاني/يناير، ان هناك ست قواعد عسكرية للولايات المتحدة في العراق. وهناك ما يشير إلى انشاء قواعد أخرى. لن تكون هذه القواعد بالحجم السابق الذي كانت عليه قبل انسحاب قوات الاحتلال عام 2011، الا انها ستكون قادرة على تحقيق الأهداف المطلوبة ومنها السيطرة الجوية والاستخباراتية والاغتيالات بواسطة الطائرات بلا طيار. أهم القواعد العسكرية، حسب موقع «ميل اونلاين» البريطاني، هي: مطار صدام الدولي السابق خارج بغداد، وقاعدة تليل الجوية بالقرب من الناصرية، في الجنوب، والقاعدة الجوية المعروفة باسم اتش -1، في الصحراء الغربية، ومطار باشور في شمال العراق. ولموقع أتش 1 الاستراتيجي أهمية خاصة، حيث توجد فرق القوات الخاصة حاليا، لكونه على مسار خط أنابيب النفط إلى الأردن.
فهل هذه طريقة النظام العراقي المبتكرة في انهاء الاحتلال الأمريكي، الذي تحدث عنه محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الإسلامي الاعلى قائلا بأنه سيتم التخلص منه خلال ستة أشهر، وان التعاون معه مجرد تقاطع مصالح مؤقت، كما كرر قادة الأحزاب «الإسلامية» من بعده؟ ماذا عن «كلا… كلا لأمريكا»، شعار السيد القائد مقتدى الصدر دام ظله؟ وكيف ستتفاعل سياسة الحزب الشيوعي «العلماني» باعتبار الاحتلال «تغييرا» مع «كلا لأمريكا» في مرحلة التحالف «المدني» بين التيار الصدري والحزب؟ ماذا عن عموم الشعب العراقي؟ يبدو من متابعة اخبار انتشار القواعد العسكرية، بشكل علني، ان الاحتجاج ضدها آت من اجنحة في الإدارة الأمريكية وعدد من المنظمات الأمريكية والاوربية. أما صوت الشعب العراقي، كقوة رافضة، تساهم في تغيير القرار، ليس مسموعا بعد.

٭ كاتبة من العراق

كيف أصبحت

بلداننا بهذه الوساخة؟

هيفاء زنكنة

 

بدأت تظهر، منذ الآن، والانتخابات العراقية على مبعدة شهور، استخدامات لمفردة «الزبالة»، في الكتابات المتعلقة بالوضع السياسي، وتنافس القوائم الانتخابية، للدلالة على درجة التلوث بالفساد، التي تتميز بها القوائم والتحالفات، حتى يكاد المرء يشم رائحة الزبالة ولو عن مبعدة. مفردة الزبالة في العراق، اليوم، هي صنو الفساد السياسي، المتغلغل في جسد الحكومة والنظام ككل. للدلالة على تزاوج المعنيين، واليأس الشعبي العام من الإصلاح، استباقا للحملات الانتخابية، شاع استخدام «لو الذباب يترك الزبالة… حرامية العراق يتركون البوك (السرقة)».
مما يعيد إلى الأذهان، مظاهرات واحتجاجات الزبالة التي عاشتها العاصمة الجميلة بيروت، عام 2015، نتيجة عجز الجهات المسؤولة عن جمع القمامة، فتراكمت إلى حد اغراق العاصمة بها، ومعها انتشرت حالة الاحتجاج العامة، كما عودتنا بيروت، بأشكال إبداعية متعددة، من الفيسبوك والتويتر إلى الشعر والاغاني، مرورا باختيار ملكة جمال الزبالة، والتقاط السلفي مع الزبالة بعد ارتداء الكمامات الواقية من الرائحة الكريهة. كانت عناوين الصحف، يومها، متنوعة تجمع ما بين الغضب والإحباط والنقمة السياسية على الفساد، بأشكاله. قرأنا: بيروت تغرق في جبال من الزبالة، أكبر تجمع في تاريخ لبنان يتظاهر ضد الزبالة والطائفية، أزمة القمامة في لبنان، ورائحة لبنان زبالة. وكان لعائلة الرحباني مساهمتها بكلمات زياد الرحباني الجامعة بين رائحة الزبالة وفساد الساسة. وهو التشبيه الأقرب إلى ما يحدث بالعراق. حيث يقودنا جرد مقالات تجمع بين هَم السياسة والزبالة، إلى عناوين مثل: الزبالة والبرلماني بالعراق، العراق من اغنى دولة بالعالم إلى شعب يأكل من القمامة، تدوير العملية السياسية، وحكومة الزبالة وزبالة الحكومة «التي أوصلت زبالات الكوكب إلى رقاب أبناء العراق، ومكنت زبالات البلدان من احتلال أرض العراق في هجمة بربرية راح ضحيتها خيرة شباب الوطن» كما كتب أحمد حسن العطية.
برزت، أيضا، على مدى سنوات الاحتلال، قصائد، استخدمت فيها مفردة الزبالة للدلالة على بؤس الأوضاع المعيشية، مثل «قصيدة بحق الزبالة»، للشاعر سعد محمد الحسن البهادلي، يصف فيها قرية، على مقربة من مرقد الامام علي، تُرمى فيها قمامة مدينة النجف الأشرف، كما يصف حال الناس الذين يعتاشون على هذه القمامة. 
في مصر، بسبب أزمة زيادة القمامة والتلوث البيئي، حيث تتجمع في شوارع مصر، حوالي 75 مليون طن من القمامة كل سنة، اقام عدد من الشباب «مهرجان الزبالة»، كمحاولة تعليمية لغربلتها وإعادة تدوير ما هو صالح منها، وبالتالي جني المال في ذات الوقت الذي تتم فيه المحافظة على البيئة. 
وبينما ينظر المواطن العراقي بأسى إلى ماضي عاصمته النظيفة في السبعينيات، إلى حد ان عمال التنظيف كانوا يطرقون أبواب البيوت لجمع القمامة، فان أساه يبلغ ذروته، في بغداد ما بعد الغزو، كما كتب الكاتب والمترجم عبد الوهاب حميد رشيد «لا اتذكر يوماً في بغداد دون أن أشاهد أكواماً ضخمة من النفايات والأنقاض وهي تغلق الطرق الرئيسية في مناطق من العاصمة، خاصة ضواحيها. في بعض الأحيان تصل أكوام الزبالة ارتفاعات عالية بحيث تغلق المرور في المنطقة، في حين تُعاني الضواحي من الروائح الفاسدة، وأصبح انتشار الحشرات والأمراض اعتيادياً». 
ليست جميع البلدان العربية في مستوى واحد من ناحية النظافة بمعناها الواقعي والرمزي وبدرجة الفساد او مدى شعور الناس بالانتماء إلى المكان. ففي أزقة تونس القديمة، مثلا، لاتزال تقاليد تنظيف عتبات الدور وما حولها، كما في خمسينيات بغداد، مستمرة. 
كما يلجأ الأهالي، بتونس العاصمة، لمعالجة مشكلة الزبالة المتراكمة، إلى الغرافيتي، كشكل ابداعي شعبي، أثبت جدواه، أحيانا، لمعالجة ظاهرة تراكم الزبالة. يلجأ المواطن التونسي إلى الجدران، مهما كان نوعها، ومهما كانت سبل الوصول اليها، ليُسطر عليها رسالته المُلحة إلى الآخرين، محولا الجدار إلى موقع للمناشدة والعتاب والدعوة. انها محاولته لامتلاك حيز من الشارع، لاثارة الانتباه إلى مشكلة اجتماعية بلا تكلفة مادية. ولأن الغرافيتي لا يحمل توقيع صاحبه، تبقى هوية الناشط مجهولة مما يوفر له الحماية. 
يشعر المتجول في شوارع واحياء العاصمة التونسية، مدى رغبة بعض المواطنين بالمحافظة على نظافة المدينة. فيلاحظ رسائل الغرافيتي، خطتها على الجدران أيدي مواطنين، مناشدة أهاليهم التعاون لإيجاد حل لمشكلة/ ظاهرة تمس حياتهم جميعا. وقد نجحت الفنانة التونسية سولافة مبروك بتصوير العديد من المواقع، التي تعاني من مشكلة أكوام الزبالة المتراكمة، في الشوارع والاحياء السكنية مما يمنح العاصمة رائحة لا تليق بها. وتضمن الصور معرض أطلقت عليه أسم «غرافيتي… يرحم والديك».
لجأ الأهالي الذين أعيتهم السبل للمحافظة على نظافة مدينتهم، خاصة في الاحياء المحيطة بالمدينة العتيقة، إلى الغرافيتي، كأداة للتوعية والمناشدة والترجي والدعاء، مرة باللغة العربية الفصحى وأخرى بالعامية. ونرى ان عددا منها، ساهم، فعلا، في تخفيف المشكلة، في فترة أهملت فيها البلديات مسؤولياتها تجاه المواطن. 
للتوعية كتبوا «البول للكلاب يا ناس»، وهي مماثلة للغرافيتي العراقي الشائع «البول للحمير يا ناس». للمناشدة المؤدبة والترجي «الرجاء عدم وضع الفضلات هنا… وشكرا». ويتنوع الدعاء، في شدته وقسوته، حسب إحساس كاتب الغرافيتي بجدوى عمله أو لا جدواه، متنقلا من «لا ترحم والديه إلي يحط الزبلة هنا» و»لا ترحم والديه اللي يلوح الزبلة هنا» و»نعلبوه» إلى «الله لا يكَسبوا المال وهَنية البال إلي يرمي الزبلة هنا» و»لا ترحم عظم» كحد أقصى من العقاب. وإذا كان الوالدان، نظرا لقيمتهما المجتمعية، هما المستهدفان، غالبا، بالحرمان من الرحمة، فأن جدران العاصمة لا تخلو من منوعات بأخطاء املائية على غرار «ممنوع رمي الفظلات نهارا» أو الكتابة على سور يواصل سكانه رمي الزبالة عبره إلى الشارع «لا ترمي الزبلة من السور».
ولا يقتصر استخدام رسائل الغرافيتي على تونس. فلبيروت رسائلها الغرافيتية المشوقة، أيضا. من بينها ما عثر عليه، أخيرا، في منطقة الاشرفية، ويحمل رسالة واضحة بمغزاها الجامع بين الشتيمة والتوعية: «أكيد بهيم وبلا أخلاق كل من يرمي الاوساخ. يا صاحب الذوق، حافظ على نظافة مدينتك وبيئتك وصحتك». 
يعزو الكاتب البريطاني روبرت فيسك، وهو الذي اقام في البلاد العربية عقودا، وكتب عن الثورات والتدخل الأجنبي والأنظمة المستبدة، سبب مشكلة الزبالة إلى ان المواطن العربي لا يشعر بانه يملك شوارعه. يمس فيسك، بتحليله النابع من ربط مواقف الناس السياسية بالمسؤولية المجتمعية، جرحا عميقا بحاجة إلى النظر وإيجاد الحلول باعتبار النظافة قيمة حضارية في أي مجتمع. ونحن بحاجة إلى دراسات ميدانية تساعد المجتمع على فهم نفسه وما حوله، والا بقي حاله حال الفنانة المصرية شيرين رضا التي وجدت أن شوارع القاهرة، قد امتلأت بالقمامة، فتساءلت: «هي إزاي البلد بقت وسخة كدة؟».

٭ كاتبة من العراق

 

 

انتخابات العراق:

هل اعتذر حيدر العبادي؟

هيفاء زنكنة

 

نقل النائب العمالي البريطاني بول فلين رسالة السيدة روز جنتل، والدة جوردون جنتل، أحد الجنود الذين قتلوا في « حرب العراق»، إلى البرلمان البريطاني. خاطب النائب البرلمان، الأسبوع الماضي، قائلا بأن السيدة « أعربت عن أسفها لبيان الحكومة الذي يبدو أنه يعفي البرلمان من استنتاجات تقرير تشيلكوت. ونحتاج، كما دعت إلى ذلك، إلى اعتذار من هذا المجلس وهذا البرلمان. لم يكن رجلا واحدا. كانت المعارضة وثلاث لجان مختارة. كانوا من المشجعين لهذا الخطأ الفادح الذي ارتكبناه هذا القرن. أليس هناك اعتذار مناسب، يجب أن يتبعه قراءة أسماء 179 جنديا أرسلناهم إلى وفاتهم؟». 
لرسالة روز جنتل وخطاب النائب علاقة وثيقة بواقع العراق، الحالي، الذي لخصه هانز فون سبونيك، نائب الأمين العام للأمم المتحدة سابقا، قائلا « حيث لا يوجد بند من بنود حقوق الانسان لم يُنتهك». عبرت الرسالة عن استياء اسر الجنود البريطانيين الذين قتلوا في العراق لعدم تمكنهم من تأمين محاكمة رئيس الوزراء البريطاني الاسبق توني بلير بتهمة تضليل البرلمان بشأن قضية غزو العراق.
المعروف ان عوائل الجنود تشجعوا بإمكانية محاكمة توني بلير، بعد صدور تقرير تشيلكوت، الذي استغرق العمل فيه مدة سبع سنوات وتوصل إلى مساءلة موقف رئيس الوزراء السابق من قرار خوض الحرب ضد العراق، وان أكد ان الغرض منه لم يكن إدانة بلير لأن رئيس الوزراء يتمتع بالحصانة القانونية. ويشكل موقف الحكومة البريطانية خيبة أمل، كبيرة، لعوائل الجنود، الذين كانوا قد كلفوا محامين، للقيام بالإجراءات القضائية اللازمة، وجمع الأدلة لأثبات تضليل توني بلير للبرلمان في الفترة السابقة للغزو عام 2003.
وإذا كانت عوائل 179 جنديا قد قررت عدم السكوت على ما تعتبره جريمة بحق أبنائها، وهم جنود في جيش يستوجب الموت، وقامت بحملة لجمع مبلغ تدفعه للمحامين، فان النظام العراقي، بكل امكانياته المادية الهائلة، تلقى «تقرير تشيلكوت»، الموثق لحرب عدوانية، استندت على التضليل، بالصمت الكلي. كأن العراق لم يكن البلد المعني بالغزو والاحتلال، وما جلباه من خراب مستمر. كأن حياة ما يقارب المليون، من الضحايا المدنيين، أثرا من آثار ماض، لا يستحق التفكير أو المراجعة، أو، وهو الاصح، ثمنا يستحق الدفع للحصول على المناصب.
ما شجع العوائل على البحث في إمكانية تقديم توني بلير إلى القضاء، أيضا، هو صعود نائب عمالي نزيه، هو جيرمي كوربين، إلى رئاسة حزب العمال. أي ذات الحزب الذي قاد الحكومة البريطانية، في غزوها العراق، تحت قيادة الولايات المتحدة الامريكية. وكان واحدا من مواقفه الشجاعة، المتماشية مع ايمانه، بعدوانية الحرب، هو دعوته إلى مؤتمر صحافي، حضره عدد محدد من الناشطين وممثلي المنظمات المناهضة للحرب (كنت من بينهم)، بالإضافة إلى عوائل شهداء عراقيين، وعدد من أُسر الجنود البريطانيين القتلى، وعدد من الجنود الذين تركوا الجيش احتجاجا على احتلال العراق. وقف كوربين في المؤتمر الصحافي ليتحدث لبضع دقائق كعادته، معتذرا من الشعب العراقي لما أصابه نتيجة الحرب، ومن عوائل الجنود البريطانيين الذين قتلوا في حرب غير شرعية، مع الإشارة بانه سيواصل عمله في تحميل توني بلير مسؤولية اتخاذ القرار الكارثي. لم تضع كلمات كوربين نهاية لعذابات العراقيين، لكنها ستساعد يوما في التئام الجروح بين الشعبين العراقي والبريطاني، وربما ستفتح أبواب التعويضات، دوليا.
قارنوا ذلك بخطب حيدر العبادي» رئيس الوزراء ورئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة والقيادي بحزب الدعوة الشيعي» التي يرميها بوجوه أبناء الشعب، في خطاب اسبوعي متلفز، طويل كالعادة، بالإضافة إلى تصريحاته ومواعظه اليومية، المتلفزة، أيضا، في اجتماعات مع وزراء وقادة احزاب وميليشيات، ملتفين حوله « كالدمى الخرساء لا تعرف معنى الكلمات» كما يصف الشاعر التونسي الراحل منور صمادح. هل اعتذر العبادي من الشعب عن دور حزبه في غزو واحتلال البلد؟ هل اعتذر عن دور أمين حزبه نوري المالكي في غرز الطائفية البشعة، والفساد، واستباحة حياة كل من عارضه، التي جعلت منه مجرم حرب بامتياز حسب العديد من التقارير الحقوقية المحلية والدولية؟
ان إخبار عوائل الجنود البريطانيين القتلى بعدم إمكانية رفع دعوى ضد توني بلير، لأنه محصن قانونيا من المساءلة، قضية تهمنا كعراقيين، لانعكاساتها على امكانية محاسبة المسؤولين، قانونيا، عن غزو العراق، بضمنهم الساسة العراقيون الذين فتحوا الأبواب للغزاة، خاصة، من تسنم الحكم بالوكالة، والقصف بالبراميل المتفجرة بالوكالة، والاعتقال والتعذيب والاغتصاب بالوكالة، على رأسهم قادة حزب الدعوة، الطائفي، الفاسد. 
مما يجعلنا نتساءل عن البدائل وعما يتوجب علينا عمله إزاء الهراء الحكومي ـ الإعلامي المحلي، المُغلِف للفساد، وأنواع الجرائم الناتجة عن مأسسة الفساد من جهة، وتعدد أنواع « الحصانة» التي يتمتع بها البغاة، محليا ودوليا، والتي تراوح ما بين الحصانة القانونية (توني بلير وبوش مثلا) إلى الدينية ـ الإلهية (عصمة آيات الله وقادة الأحزاب الاسلامية، أدعياء ظل الله على الأرض)؟ التساؤل الثاني هو: كيف نُبعدُ شبح الإحباط واليأس من تحقيق العدالة قانونيا عن الناس، الذين يناضلون من اجل استمرار الحياة بأبسط متطلباتها؟ 
كتبت مرة: الخطوة الأولى هي عدم نسيان جريمة الغزو، والاستمرار بتذكير العالم بما يحدث للعراقيين جراءها. هنا تكمن مسؤولية المثقف والإعلامي والناشط المدني، وهي مسؤولية أخلاقية، تجعل من الصمت تسترا ومشاركة في جريمة ابادة لم تعد تحتمل الصمت، أو الحيادية، أو خلق التبريرات الآنية والتاريخية. فالاحتلال ليس وجهة نظر والكولونيالية، بأشكالها الجديدة، كما شخَص المفكر فرانز فانون، ليست نموذجا للعلاقات الفردية بل هي احتلال لأراضي قوم واضطهاد شعب. انه ليس تصرفا انسانيا. ثانيا: ان سلوك ساسة النظام العراقي، الحالي، ليس إنسانيا ولا أخلاقيا، تتجاوز انتهاكاته وجرائمه حدود ما يمكن تصوره.
حاليا، يقف صُناع النظام العراقي من الإدارة الامريكية والحكومة البريطانية إلى الجمهورية الاسلامية، على مبعدة مسافة، بانتظار ما ستتمخض عنه الشهور، القليلة، المقبلة، من تغيير للأقنعة. وهذا ما يجب رصده، وتوثيقه، وفضحه، والتحريض على تغييره. فلكل نظام تم تصنيعه اجنبيا، مدة صلاحية محددة، تنتهي بوجوب رميه لئلا ينتقل تعفنه إلى الجميع.

٭ كاتبة من العراق

 

 

هاشتاغ أنقذوا إسراء…

اللبوة الفلسطينية الجريحة

هيفاء زنكنة

 

في لحظة تاريخية معينة، قد يتحول ما يبدو في بداياته فعلا فرديا إلى حراك عام. في تونس، أدت تضحية البائع المتجول محمد بو عزيزي، بنفسه، إلى زحزحة صخرة، طالما جثمت على صدور التونسيين على مدى عقود. في سوريا، أدى اعتقال عدد من الأطفال إلى اشعال الشوارع بنيران الغضب المكبوت ضد نظام توارث القمع. في فلسطين، أراد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اخراج نفسه، من زريبة حماقاته المتتالية، عن طريق اعلان القدس، عاصمة للكيان الصهيوني، فهبت عليه رياح الغضب الفلسطيني- العربي- الدولي، التي تكاد تطمره وهو حي. 
لتطابق اللحظة التاريخية المواتية مع الفعل الفردي، علاقة كبيرة بصناعة الايقونة ـ الرمز أو دفنها. أو هذا على الأقل، ما جعل غيفارا، يتحدى الموت، كمناضل أولا ورمزا حيا للأجيال المقبلة ثانيا، متجاوزا بشبابه الدائم وقوة تحريضه على الثورة، مفهوم الأيقونة كنُصبٍ جامد. وإذا كان غيفارا، وكاسترو بدرجة اقل (ربما لأنه بقي على قيد الحياة) قد نجحا باحتلال مركز متميز في قائمة ايقونات الشعوب لسنوات طويلة، بسبب محدودية الانتشار الإعلامي التقليدي، فان سرعة انتشار الاخبار ونقل الاحداث عبر مواقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك، تويتر، يوتيوب… الخ) جعل من خلق وتصنيع وتفكيك الايقونات (كما هي الاخبار) مسألة آنية، وليدة اللحظة، إلى حد كبير، وحاملة لإيجابيات وسلبيات الولادة السريعة واختلاطها بالعواطف الجياشة والاجندات السياسية والاعلامية. 
تقدم لنا تغطية مقاومة القرار الأمريكي بجعل القدس عاصمة للكيان الصهيوني، فلسطينيا وعربيا ودوليا، جوانب إيجابية لكيفية توظيف نقل الاخبار والاحداث ساعة بساعة، وبالتالي البناء التراكمي للحراك الشعبي بين الفلسطينيين، أنفسهم، من جهة، والتواصل مع بقية الشعوب، من جهة أخرى. حيث تم نشر صور الاعتقالات والاغتيالات التي طالت المواطنين، المرة تلو المرة، لتصل اقصى انحاء الكرة الأرضية، فلم يعد هناك متسع لادعاء عدم المعرفة بطبيعة المُستعمر الاستيطاني. فما تجاهلته الصحافة خشية الحظر الصهيوني ـ الأمريكي وحتى الرسمي العربي المتواطئ معه، بثته مواقع التواصل بكل تفاصيله. فصارت للمظاهرات الفلسطينية ومواجهتها للمستوطن الصهيوني، وجوهها وصورها المعروفة حول العالم. تدريجيا، تحولت وجوه المقاومين او لحظات المواجهة بين القوة العسكرية الغاشمة، والجسد الفلسطيني المُسلح بإيمانه وحجارته، إلى ايقونات، تؤرخ اللحظة وترمز إلى ما هو أبعد من اللحظة. 
لحظة اعتقال فوزي الجنيدي (16 عاما) ابن مدينة الخليل. اقتياده، معصوب العينين، محاطا بجدار من 23 جنديا، مدججين بالسلاح، بعد ضربه. أصبحت اللحظة، صورة لا تُنسى لذعر المُستعمِر وهمجيته. انها صورة المُستعمِر، وليس الفلسطيني، محاصرا. في ذات الوقت، الذي انتشرت فيه صور الصبية عهد التميمي وأمها ونور ابنة عمها. تذكرني صورة عهد، في طفولتها، وهي تشترك مع عائلتها وأهل قريتها، في المظاهرات ضد المحتل، بقصة للأسيرة المحررة ايمان غزاوي، تقول فيها «يا إلهي! كم ينضج الاطفال في بلادي سريعا». 
بات حضور عهد، على صفحات التواصل الاجتماعي، خاصة، يوميا. بمرور الأيام تحولت الصبية بشعرها الكث، المنكوش، المُحتضن لملامح طفولية جميلة، إلى أيقونة للشباب المقاوم. تبناها العالم وقبل بها. صارت صورة ولوحة وملصقا جداريا وراية يرفعها المتظاهرون. تدريجيا، أيضا، أصبحت وسما عابرا للفرد، «هاشتاغ»، تسكنه أسيرات فلسطينيات، جريحات، مغيّبات في سجون الاحتلال، لم يحظين بمساحة القبول التي حظيت بها عهد. لأن « السياسيين وبعض المؤسسات الحقوقية، والمنظمات الدولية، وغالبية من وسائل الإعلام والنشطاء والمغردين يتجنبون الحديث عن الأسرى الجرحى من منفذي العمليات خوفا من اتهامهم «بالتحريض» أو «دعم الإرهاب». كتبت الصحافية الفلسطينية ميرفت صادق، المشاركة في حملة داعية إلى التنبيه إلى وضع الأسيرات الجريحات. يلخص تقرير مشترك لنادي الأسير الفلسطيني ومؤسسة الضمير لرعاية الأسرى، حال الأسيرات: لما البكري (17 عاما) اعتقلت مصابة بثلاث رصاصات في قدميها، عبلة العدم (46 عاما وأم لتسعة أبناء) اعتقلت، مصابة في الرأس والوجه والكتف، وفقدت النظر في عينها اليمنى، شروق دويات (20 عاما) اعتقلت بعد إصابتها برصاص في الكتف، أدى إلى انقطاع شريان رئيسي، جيهان حشيمة (38 عاما) اعتقلت بعد إصابتها بعدّة رصاصات في قدمها اليسرى، أمل طقاطقة (24 عاما) اعتقلت بعد إصابتها بالرصاص في الفخذ والصدر والخصر، وأقدمت مجندة اسرائيلية على ضربها في صدرها بكعب البندقية وهي تنزف، مما تسبب بكسور في قفصها الصدري. مرح باكير (18 عاما) اعتقلت بعد إصابتها بـ 13 رصاصة في يدها اليسرى، نورهان عواد (18 عاما) اعتقلت بعد أصابتها بأربع رصاصات في الفخذ الأيسر والبطن، وحلوة حمامرة (26 عاماً وأم لطفلة) اعتقلت مصابة بجروح خطيرة أدت إلى استئصال جزء من الكبد ومن البنكرياس والطحال والأمعاء.
تسللت الأسيرة المقدسية إسراءـ جعابيص (32 عاما أم لطفل) إلى الضمائر الحية، بوجهها المشوه حرقا، ويديها بأصابعها المبتورة، وخطواتها مقيدة اليدين والساقين، سائرة مرفوعة الرأس، محاطة بجنود الاحتلال، باعتداد من يتغلب على الألم في كل خطوة. اعتقلت إسراء بعد إطلاق النار على سيارتها، عام 2005، أثناء مرورها عبر حاجز «الزعيم» الاحتلالي المؤدي إلى القدس المحتلة مما أدى إلى انفجارها، واصابتها بحروق شديدة، شوهت وجهها، ورأسها، وصدرها. حكم عليها الاحتلال بالسجن لمدة 11 عاما. إسراء بحاجة ماسة للعلاج الذي يمتنع الاحتلال عن توفيره لها داخل المعتقل. تقول عائلتها إنها: «بحاجة لثماني عمليات عاجلة في عينيها ووجهها ولفصل أذنيها الملتصقتين برأسها، ولعلاج إصابات بالغة في يديها، بينما يرفض الاحتلال تحويلها للعلاج».
تعاني اسراء، بالإضافة إلى آلامها الجسدية المستمرة، من آلام نفسية جراء حرمانها من رؤية ابنها الوحيد معتصم، فقد منعه الاحتلال، في آخر زيارة، من رؤيتها برفقه خالته بحجة أنه لا يحمل الهوية المقدسية، التي سحبها منه بعد اعتقال والدته. معتصم لم يكمل عامه العاشر بعد، لكنه يعيش يوميات الاحتلال بأبشع صورها، صورة الحرمان من الأم وهي لا تزال حية. ما الذي سيحمله المستقبل لمعتصم، بطفولته الفلسطينية، في وضع كهذا؟ 
من إسراء إلى عهد، على مدى عقود من مقاومة الاحتلال، تبقى وجوه الاسيرات الفلسطينيات، مهما حاول المحتل تشويهها، أيقونات ذلك الجمال النادر، جمال المقاومة والصمود والاعتزاز بالكرامة الإنسانية.

٭ كاتبة من العراق

 

 

 

إما العراق وإما الفساد …

واحنا اخترنا الفساد!

هيفاء زنكنة

 

يُعَوِلُ ساسة الحكومة العراقية، على إشغال عموم الناس بيوميات التناحر، والاتهامات المتبادلة بينهم، من جهة، وانشغال الناس بأساسيات الحياة اليومية من سكن وعمل وصحة وتعليم، من جهة أخرى، لنسيان الفساد المالي والإداري الذي ينخر البلد، ويجعله يحتل مرتبة متميزة، بين الدول العشر، الأكثر فسادا بالعالم. بهذه الطريقة، يستطيع السياسي، الملتحف بدين أو طائفة أو قومية، أن يكذب، ويلفق، وينهب بينما يقف على منصة، آجرها من الضحايا، ليتشدق بالشفافية، والنزاهة، وشيء من ” الوطنية” وتخوين ” الآخر”.

تجلت هذه المعادلة بأقصى ابتذالها، في الآونة الأخيرة، مع تصاعد اتهامات الحكومة المركزية لإقليم كردستان بالفساد، في ذات الوقت، الذي أكد فيه رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي، في كلمة على هامش مؤتمر باريس للمناخ، أن “أهم اسباب دخول الارهاب الى العراق هو الفساد”.

أدى الاتهام الأول إلى امتناع الحكومة المركزية عن صرف رواتب الموظفين في الإقليم، بحجة وجود موظفين “فضائيين”، وهو مصطلح شاع استخدامه مع تنامي الفساد الحكومي بالمركز، للدلالة على إضافة أسماء وهمية الى قوائم الموظفين. وكان حيدر العبادي، نفسه، قد أشار الى أعداد “الفضائيين” الخيالية في الحكومة المركزية بالإضافة الى الجنود ورجال الامن والشرطة ومليشيا الحشد الشعبي. اذ ان نسبة موظفي الدولة إلى مجموع السكان هي الأعلى في العالم.

اكتفى العبادي، كعادته، بالتذمر مما يدور في مؤسسات الحكومة، بدون اتخاذ أي اجراء فعلي، متصرفا كأنه خارجها. فلا عجب ان يُصبح فيروس الفساد جزءا من تركيبة حكومة الإقليم حسب مقولة “إذا كان ربُ البيتِ بالدَفِ ناقرا، فشيمةُ أهل البيتِ كُلهم الرقصُ”. ولا عجب ان يطالب الإقليم بالحصول على نسبة أعلى من حصته المالية التي يستحقها من الميزانية العامة. أو هكذا يصرح ساسة المركز.

أدى الامتناع عن دفع الرواتب الى مظاهرات طالب فيها المواطنون، وأغلبهم من المعلمين، برواتبهم، فجوبهت المظاهرات بالعنف مما أدى الى سقوط شهداء واصابة آخرين. وهي جريمة جديدة تضاف الى سلسلة الجرائم الناتجة عن استهانة ساسة المركز والاقليم، معا، بحياة المواطنين واحتقارهم لأبناء الشعب. لنتذكر ان الطرفين كانا، حتى وقت قريب، يحتلان ذات السرير في غرفة تدعى “العملية السياسية”، الى ان أعلن مسعود البرزاني، رئيس الإقليم، رغبته بالطلاق. فأنتبه ساسة بغداد، فجأة، الى حقيقة ان حكومة الإقليم فاسدة، متعامين عن حقيقة ان فساد الإقليم واستشراء المحسوبين على الأحزاب أو المنسوبين للعوائل المالكة، وقوائم الموظفين والامنيين الموهومين هو في الواقع، انعكاس طبيعي، كما في المرآة، لفسادهم ببغداد وبقية محافظات العراق.

تقودنا “صحوة” المركز بصدد فساد الإقليم الى تصريح حيدر العبادي “ان أهم أسباب الارهاب في العراق هو الفساد”، الذي قدمه إلى العراقيين والعالم، كأنه اكتشاف خطير، موظفا إياه لتبرئة نفسه من المسؤولية عبر اتهامه آخرين لا يعرفهم، أو انه يعرفهم لكنه يتظاهر بانه لا يعرفهم. في كلا الحالتين، يتحمل العبادي المسؤولية باعتباره رئيسا للوزراء، وعلى من سبقه كذلك، لتعاونهم جميعا في جعل العراق حاضنة للإرهاب.

ان ضحالة ادعاءات ساسة ” العملية السياسية”، وعلى رأسهم رئيس الوزراء، بكشف قضايا الفساد، وتعاملهم معها، بعد مرور 15 عاما، تقريبا، على استلامهم السلطة، وكأنها وليدة اللحظة، وليس الأساس الذي بنيت عليه حكومات ما بعد الاحتلال، يثير الاشمئزاز.

ففي عام 2004، تم تأسيس مكتب تفتيش إعادة الاعمار، الذي كشف رئيسه ستيوارت بوين، بعد عام واحد، ان حجم الفساد، الناتج عن الاحتيال والتلاعب وسوء الإدارة، يزيد على أربعة مليارات دولار، وأن بعض هذه الاموال يستخدم في تمويل نشاط الجماعات المسلحة، بالإضافة الى فقدان 14 ألف قطعة سلاح كانت مخصصة لاستعمال الجيش العراقي. كما صرحت مفوضية النزاهة بانها تحقق في اختفاء أكثر من سبعة مليارات دولار من اموال الدولة. هذا هو حجم الفساد، الذي يعرفه العالم كله، للسنة الأولى بعد الغزو وقبل زيادات تصدير النفط، فما هي الحصيلة بعد 14 عاما؟

ففي هذه السنوات استمرت الحكومة بموظفيها ومشاريعها الوهمية بالتضخم بالتوازي مع ميزانيات “الدوائر الاقتصادية” في الأحزاب الغالبة التي تغطي على أي لصوصية توفر لها حصتها.  وتتناقض الأدلة حول حجم الأموال المنهوبة خلال ثماني سنوات من حكم رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي كما قبلها وبعدها. ففي آب 2015، صرح وزير النفط عادل عبد المهدي أن موازنات العراق منذ العام 2003 بلغت 850 مليار دولار، مؤكداً أن الفساد أفقد البلاد 450 مليار دولار وان ناتج الموظفين هو 20 دقيقة عمل في اليوم. فكيف يقاس حجم الخراب العمراني، والبشري، والمجتمعي الناتج عن فساد بهذا الحجم الهائل؟ وهل بإمكان أي مسؤول عراقي او أجنبي ألا يراه؟

سؤال آخر يصفع وجوه لصوص “العملية السياسية”: إذا كان أهم أسباب الإرهاب هو الفساد، كما تقولون، ومحاربة الإرهاب هي غايتكم، فلم لم تقوموا بمعالجة الفساد لوضع حد للإرهاب، بدلا من قصف المدن، وتهديمها الواحدة بعد الأخرى، وتشريد المواطنين من بيوتهم، ودفن الاحياء منهم تحت الأنقاض، وتعريض جيل كامل من الأطفال للصدمة والترويع والحرمان من التعليم؟ أم إن تخريب المدن وجه آخر للنهب بحجة إعادة الاعمار؟ خاصة وان ما كرسته الحكومة للإعمار هو 350 مليون دولار فقط، لكونها تُعَول على مؤتمر المانحين المرتقب عقده في الكويت، في العام المقبل، لتوفير ما بين 20 إلى 30 مليار دولار أخرى. ولكن، هل ستفي الدول المانحة بوعودها؟

في جواب لسؤال طرحه لورد جريفيز، يوم 19 من الشهر الحالي، في مجلس اللوردات، عن مساهمة الحكومة البريطانية بتكلفة إعادة إعمار المدن، بالعراق، أجاب لورد بيتس، وزير الدولة لشؤون المساعدات الدولية، قائلا: ” إن إعمار المناطق هو مسؤولية الحكومة العراقية”. واستطرد مؤكدا الموقف البريطاني “يعقد المسؤولون في المملكة المتحدة اجتماعات منتظمة مع الحكومة العراقية، لمناقشة احتياجات إعادة الإعمار، ويشجعون الحكومة على استخدام مؤتمر إعادة الإعمار الذي تستضيفه الكويت لجذب استثمارات القطاع الخاص.” مما يشير الى ان الدول المانحة التي لم يكن باستطاعتها نفي مسؤوليتها عن إعادة الاعمار وإدارة البلد، سابقا، باتت تتملص، الآن، بكل صفاقة، عن المسؤولية، تاركة الأمر بيد لصوص ساهموا ببذرهم، في أرض العراق، لتسهيل السيطرة عليه. لصوص يفتخرون باختيار الفساد وطنا وامة.

 

 

المؤتمرات الدولية في العراق…

مسؤولية الرجل الأبيض

نحو المتخلفين!

هيفاء زنكنة

 

تحتل مؤتمرات «السلم الأهلي»، و»المصالحة»، و»مكافحة الإرهاب» يوميات العراق. حيث لا يمر يوم بدون ان تقوم جهة ما بتنظيم مؤتمر دولي، سواء داخل او خارج العراق، بعناوين يعاد ترتيبها، حسب الحاجة، بينما يبقى المضمون واحدا، تقريبا، مع اجراء بعض التغييرات الطفيفة المناسبة للحقبة الزمنية والجهات المستفيدة.
هذه المؤتمرات مدعومة، ماديا، ومنسقة إداريا، من قبل دول أو جهات تابعة لدول او مؤسسات ومنظمات عالمية، عابرة للحدود الوطنية، لكل منها أجندتها الخاصة. تعلن الحكومات الداعمة عن عملها، تحت بند «المساعدات» أو «المساعدات الإنسانية» كما تفعل الحكومة البريطانية والولايات المتحدة الامريكية. تُسهل هذه العناوين الفضفاضة سياسة التدخل في شؤون الدول الأخرى، بدرجات متفاوتة، تصل إلى حد دعم ومساعدة الحكومات المستبدة والفاشلة، بمختلف الاشكال، ضد شعوبها. لا تقتصر هذه السياسة على الدول الكبرى ومؤسساتها الرسمية بل تمتد لتشمل عددا من المنظمات الدولية، مثالها الاوضح منظمة الأمم المتحدة، التي تعتمد، بميزانيتها الكبيرة، على دول صارت بضاعتها الأولى بيع مؤتمرات السلام صباحا، وشن الحروب مساء، ويعتمد اقتصادها على تصنيع وبيع السلاح وديمومة الحروب ناهيك عن السقوط الإنساني والاخلاقي. قد لا يشمل هذا التوصيف كل مؤسسات ومنظمات السلام ومأسسة الديمقراطية، العاملة في جميع انحاء العالم، الا انه، بالتأكيد، الصفة الغالبة على معظم المؤتمرات التي يشهدها العراق منذ سنوات، خاصة منذ ان أصبح شعار مكافحة الإرهاب الأداة الفاعلة لجلب الدعم، وما يجره من ديمومة الفساد وإرهاب الحكومات المحلية. يتم ذلك بالتغافل عن وجود الإرهاب المُستنفر، سابقا ولا يزال، عبر الظلم والطائفية، وبل وتم دعمه، سرا، من قبل السلطة لمنع الاحتجاجات السلمية في الماضي، مطالبة بالتدخل الاستعماري والإقليمي لإبقائها في السلطة.
ففي الأسبوع الماضي، شهد العراق مؤتمرين دوليين، من هذا النوع، بعنوانين مختلفين، ما زاد مضمونهما للشعب خردلة. عقد المؤتمر الأول، ببغداد، في 13 كانون الأول، تحت شعار «من أجل عالم بلا إرهاب»، بمشاركة واسعة من دول التحالف الدولي والاتحاد الأوروبي والمؤسسات العراقية المختصة. أكد البيان الختامي، على مجموعة نقاط تماثل ما يمكن استنساخه، من نماذج استمارات متوفرة على مواقع الانترنت تضم أفضل الصيغ للحصول على منحة مالية. أوصى البيان الختامي، اولا، بزيادة الدعم الدولي لإعادة أعمار العراق. والكل يعلم كم باتت اسطوانة «إعادة اعمار العراق» مشروخة ومستغلة بالدرجة الأولى لشرعنة الفساد بحيث لم تعد الصفحات تتسع لقوائم الساسة المشاركين بالنهب. وكان حيدر العبادي، قد أكد، على هامش مؤتمر باريس للمناخ، ان «اهم اسباب دخول الارهاب إلى العراق هو الفساد»، متعاميا عن حقيقة انه ليس مدير منظمة مجتمع مدني، بلا حول ولا قوة، بل انه رئيس الوزراء وقائد القوات المسلحة وقيادي حزب الدعوة، وأن الفساد وبالتالي الإرهاب الذي يتحدث عنه هو من صلب مسؤوليته.
اوصى البيان، أيضا، بـ»ضرورة معالجة آثار عصابات داعش النفسية والاجتماعية وتعزيز مقومات الأمن والسلم الأهلي». والكل يعلم، أيضا، ان هذه الصيغة الهلامية شائعة الاستخدام، لشرعنة جرائم المحتل وعملائه المحليين الذين لم يتوقفوا عن ارتكابها منذ غزو 2003 وحتى اليوم، وان الآثار النفسية والتمزق الاجتماعي لم يبذره تنظيم داعش، وان كانت جرائمه قد زادت الطين بلة، ووفرت لقوات الاحتلال الأمريكي والإيراني فرصة ذهبية لتهديم المدن المقاومة والتغيير الديموغرافي. 
أما إجابة الحكومة حول كيفية تعزيز الأمن والسلم الأهلي، فقد جاءت بشكل اعدام 38 شخصا بتهمة الإرهاب الجاهزة، ليضافوا إلى من سبقهم من المدنيين الذين دفع اعدامهم، نهاية أيلول، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الأمير زيد بن رعد الحسين، إلى القول بان الاعدامات قد روعته، وإن الأحكام نفذت في غياب الإجراءات القضائية النزيهة. تشكل اعدامات المدنيين المعلن عنها كأرقام بلا أسماء او تفاصيل غير غطاء «مكافحة الإرهاب»، جزءا من ممارسات وحشية يتم اخضاع المعتقلين لها في السجون المنتشرة، في ارجاء العراق، الخاضعة للميليشيات السائبة وعلى رأسها الحشد الشعبي وقوات الامن والاستخبارات والشرطة ووزارة العدل والداخلية والدفاع. وقد وصل اكتظاظ السجون حدا، دفع وزير الداخلية إلى اعلان خبر سار، أخيرا، عن توسيع عدد من السجون الحالية. ما هو موقف المؤتمرات الدولية، بالعراق، بحضور المسؤولين الحكوميين، عن هذه الحقائق المأساوية؟ لاشيء. انها مشغولة بثيمات لا تمس المسؤولين الحكوميين والذين يراهم الشعب العراقي أساس المأساة. وهذا ما جرى في المؤتمر الثاني الذي عُقد في ذات يوم المؤتمر الأول ولكن في مدينة النجف، نظمته بعثةُ الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ولجنةُ متابعة وتنفيذ المصالحة الوطنية في مكتب رئيس مجلس الوزراء وبتمويلٍ من حكومتي ألمانيا وهولندا، مركزا، كما يشير البيان الختامي على «معالجة التحديات التي تواجه المصالحة الوطنية العراقية في مرحلة ما بعد داعش».
نواجه، في هذا المؤتمر، ذات التزوير. وهو الذي يَسم كل هذه المؤتمرات، بشخوصها والجهات المنظمة والداعمة لها، مهما كانت ادعاءاتها، بسمة خطاب» ما بعد الحقيقة». حيث تتم اعادة كتابة الاحداث وفق سياسة « محاربة الإرهاب»، وأي خروج عليها يعني وسم الدولة او الأشخاص بتهمة الارهاب. 
فالعراق، حسب المؤتمر، كان يعيش الوئام والسلام قبل حزيران 2014. كان مقتل مليون عراقي تحت الاحتلال ووحشية الحكومات الطائفية المحلية ونزوح الملايين واعتقال وتعذيب مئات الآلاف، كان نعيما وسلاما أهليا، يُحسد عليه العراق في مرحلة ما «قبل داعش» والتي ستساعد جلسات المؤتمرات الدولية، بروحها الخيرية المتسامحة، على استعادتها في مرحلة ما «بعد داعش»!، خاصة وأنها تفترض ان العراقيين، انفسهم، غير قادرين على ذلك بأنفسهم. انها « مسؤولية الرجل الأبيض» إزاء الانسان المتخلف، ترتدي قناعا جديدا.
ان استهانة منظمي المؤتمرات بالشعب العراقي عبر تعاونهم مع حكومة يعرفون جيدا مدى طائفيتها وفسادها وقمعها، وتوفيرهم الرطانة « الإنسانية « لتغطية امتهانها الكرامة الإنسانية، لا يوازيه غير الفشل المتكرر للحركة الوطنية العراقية، خارج العملية السياسية، والتي لم تستطع، لحد الآن استثمار نجاح المقاومة البطولي في افشال الاحتلال، ومنعه من اكتساب أي جذور اجتماعية في بلدنا. اذ بقيت القوى المناهضة للاحتلال والطائفية متنافرة وأسيرة الصراعات الأيديولوجية القديمة الحقيقية والمتوهمة، وعقد الغرور، والتسلط لدى الزعامات القديمة. ان تدارك هذا الفشل ضرورة لا يمكن تأجيلها اذا ما اردنا الا تُستلب ارادتنا من قبل آخرين، بذرائع مختلفة، فالأمر اعمق من كونه صراعا سياسيا فقط، وعلينا جميعا تلمس بدايات الطريق. وخسارة جيل لن تعوض الا بموازاة استعادة الملايين من النازحين لمدنهم ومنازلهم ومدارسهم ونسيجهم الاجتماعي وقيمهم الأخلاقية.

٭ كاتبة من العراق

 

 

الإدارة الأمريكية والحكام

العرب… للحماقة ثمنها

هيفاء زنكنة

 

هل أدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مدى حماقته حين استعرض متباهيا، امام عدسات الكاميرات، توقيعه على جعل القدس «عاصمة لإسرائيل»؟ هل كانت خطوة استراتيجية مدروسة من قبل الإدارة الأمريكية في مسار أبوتها للمُستعمِر الاسرائيلي وحدث وصار ترامب وجهها القبيح أم انها واحدة من «زلاته» العديدة التي ارتكبها منذ توليه الرئاسة والتي انتهت بابتلاعها بعد حين؟ 
تراهن الإدارة الأمريكية، بالدرجة الاولى، سواء كان رئيسها جمهوريا او ديمقراطيا، ومهما كان لون بشرته، على تبني المُستعمر الإسرائيلي. أنه ذراع التوسع والاستيطان الامبريالي و»الواقعية» السياسية في المنطقة. أنه، أيضا، أداة الإرهاب لترويع كل من يناهض الوجود الامبريالي ويطمح، إلى تحقيق العدالة والسلام. فما ان يبادر شعب أو نظام بمقاومة سياسة الهيمنة والاستغلال، حتى يُقصف، إسرائيليا أو أمريكيا (لا فرق بينهما)، بحماية الفيتو الأمريكي، في مجلس الأمن، وتبا للقوانين الدولية. 
محليا، تراهن الإدارة الأمريكية، بالدرجة الثانية، على الحكام العرب، لينفذوا سياستها بالنيابة. فالحاكم العربي الذي كان، ذات يوم، بطلا في مرحلة التحرر الوطني، بات في مرحلة ما بعد الاستعمار، ومع ازدياد قمعه للشعب وتعاظم قطيعته مع المجتمع، بحاجة ماسة إلى حماية المُستعمر. فديمومة السلطة تتطلب مسح الذاكرة النضالية وتحويل الشعب إلى متلق لوجبات الشعارات السريعة. لهذا احتل توظيف القضية الفلسطينية، مركز الصدارة، على مدى عقود، في قائمة أكاذيب وتلفيقات الحكام العرب. حيث بذلوا اقصى جهدهم لا لتحرير فلسطين، حقا، بل لجعل الظلم اليومي الذي يعيشه الفلسطينيون ورقة توت، يغطون بها عورة تشبثهم بخدمة المُستعمر من جهة، واستبدادهم وقمعهم لشعوبهم من جهة ثانية. الا انهم فشلوا. استنبطوا وطبقوا، مع سادتهم، كل أساليب الترويع والإرهاب، في كل البلدان العربية وأولها فلسطين، من التمييز العنصري إلى سلب الحريات والتعذيب والعقاب الجماعي. الا انهم فشلوا. شردوا السكان قسرا وهدموا القرى وغيروا أسماء المدن ونصبوا الجدار وحواجز التفتيش. الا انهم فشلوا. فشلوا لأن الجانب الأساسي في معادلة الخنوع التي سُميت مع كل تنازل جديد «مفاوضات السلام «، تستهين دوما بالشعب الفلسطيني -العربي – الإسلامي وشعوب العالم المؤمنة بالعدالة.
هذه النظرة الدونية إلى الشعوب واولها الشعب الفلسطيني ـ العربي من قبل الإدارة الأمريكية، سببها الخلط المتعمد ما بين الشعوب والحكام، وهو خلط منهجي مقصود هدفه تصوير الشعوب راضية بسياسة الخضوع للمستعمر. 
هنا يقع على الشعوب عبئا إضافيا مضاعفا. فهي تحارب عدوين في آن واحد. الحاكم المحلي المستبد والعدو الخارجي الطامع بالهيمنة والاستغلال. 
هذه الصورة التي تصور الحاكم كممثل للشعب، الملتبسة عمدا، هي التي شجعت ترامب على منح ما لا يملك، على جعل القدس الفلسطينية، العربية، عاصمة لمُستعمر استيطاني، على توقيع وثيقة مخالفة للقوانين الدولية، في لقطة تلفزيونية يتم بثها في جميع انحاء العالم، رافعا الورقة امام عدسات المصورين كي يرى الجميع ما قام به. متباهيا بأنه حقق ما كان رؤساء أمريكا السابقون يحلمون به، متجاهلا حقيقة ان الشعب الفلسطيني لم يُصَبَ، يوما، في قالب الخنوع والرضى بما تعتبره الإدارة الأمريكية «سياسة الامر الواقع». 
خرج الفلسطينيون إلى شوارع مدنهم، كلها، ففلسطين هي كل الأرض وهي كل المدن، والقدس رمزها الجامع الموحِد. راهنت الإدارة الأمريكية، متمثلة بترامب، على همسات احتجاج الحكام العرب في سيناريو متفق عليه مسبقا، ولابد انها راهنت، أيضا، على عدد من المظاهرات العربية كرد فعل عاطفي غاضب، تتكفل مشاغل الحياة واستبداد الحكام ونزاعاتهم بإطفائه، الا انها لم تراهن على احياء جذوة النار في قلوب الناس العاملين على تحقيق العدالة، من جميع ارجاء العالم، حيث امتدت تظاهرات الغضب على الظلم من البلدان العربية إلى أمريكا اللاتينية إلى بريطانيا، البلد الذي سبق ترامب في ارتكاب أكبر جريمة بحق شعب، حين منح أرض فلسطين إلى الحركة الصهيونية بوعد بلفور.
قد تكون التظاهرات العربية، الحالية، رد فعل آنيا، الا ان القاء نظرة سريعة على مواقف الشعوب العربية منذ النكبة، حتى اليوم، يبين انها لم تتغير، حيث بقيت القضية الفلسطينية جوهر النضال الشعبي العام، وهذا هو السبب الرئيسي للضربات المتتالية التي تتلقاها الشعوب من الداخل والخارج. ومخطئ من يظن ان الغضب الفلسطيني سيخمد بانتهاء الاستجابة لدعوة الأحزاب والمنظمات الفلسطينية بأحياء أيام غضب. ويكفي ان نحصي عدد ضحايا العنف الصهيوني وممارساته القمعية المهينة ضد المواطن حتى ندرك انه حين يكتب: القدس عاصمتنا. قدسنا. ستبقى لنا. القدس عاصمة فلسطين الأبدية. فإنها ليست مجرد شعارات بل أحاسيس الفلسطيني المناضل الرافض للخنوع والاستسلام، التي يدفع ثمنها دما. وهي كما اثبتت سنوات مقاومة المستعمر ليست ابنة اللحظة بل مسيرة حياة أجيال مصرة على البقاء في ارضها، «فنحن هنا، ولو كنّا هناك/ وإن أخرجتمونا من الكلمات/ والخارطة، والذاكرة/ فنحن هنا / رغم استعارات المكان والزمان. نحن ملح الأرض/ وهذي الأرض لي/ والفجرُ القادم لي». تقول الشاعرة روز شوملي. وحتى إذا كان العالم قد اعترف بإسرائيل، يقول الكاتب علي مواسي «ومنحوا فلسطين لمجموعة مهاجرين مستوطنين دون أن يرجف لهم رمش أمام تهجير أهلها، ومنظّمة تحرير شعبنا اعترفت…
لكنّ فينا ومعنا من لم يعترف، ولن يعترف، ولا يهمّه اعتراف». وإذا كان دونالد ترامب قد تعود على ابتلاع زلاته بعد حين، فانه سيجد ان فلسطين ليست زلة بإمكانه ابتلاعها، كما غيرها، بل موسا حادا سيمزق بلعوم كل من يحاول ابتلاعها، وأن أي حديث عن أمن واستقرار الحكام العرب وأمريكا، ما لم يرتبط بإعادة الحق إلى أهله، هو مجرد هراء.

٭ كاتبة من العراق


 

 

كتاب فلسطين… لمواجهة

تجريد الفلسطيني من إنسانيته

هيفاء زنكنة

 

في عالم شبه آلي أصبح فيه صوت الزنانة (الطائرة بلا طيار) يهيمن على صوت الإنسان، وتجارب السيارات (بلا سائق) تبين أنها أكثر أمانا من الإنسان، ومع نجاح إنسان آلي بتقديم واحد من أهم البرامج الاذاعية البريطانية، وانتشار الكتابة السريعة على جدران الفيسبوك، من قبل الجميع بما فيها الروبوتات الذكية، والتي تنتهي غالبا بدون أن يقرأها أحد، ما الذي يدفع منظمي «جائزة كتاب فلسطين» إلى التمسك بالكتاب في عصر باتت سمته الرئيسية الوصف بـ«بلا»، أو «ما بعد»؟
يكمن الجواب في اسم الجائزة ومحتواها، فهي أولا وأخيرا عن فلسطين، الاحتفاء، كتابة، بفلسطين بكل جوانبها. الكتابة / فعل التدوين هو أحد مستويات مقاومة التمييز العنصري والتطهيرالعرقي، الذي يستهدف أي شعب كان، فكيف بالشعب الفلسطيني؟ إنها، أيضا، منصة تقديم الحقيقة عن فلسطين في عصر «ما بعد الحقيقة» الصهيوني، المتغلغل أمريكيا قبل « الترامبية» بكثير. لعل السبب المهم الآخر هو استمرار الكتاب في المحافظة على موقعه كأداة للتغيير وجذب القراء، في أكثر الأزمنة تسارعا في تعاقب الأحداث، بل واستمراريته في تخويف المستبدين مهما تعددت أساليب قمعهم المتطورة تكنولوجيا، فكانت مبادرة موقع «ميدل ايست مونيتر» باطلاق مبادرة «جوائز كتاب فلسطين» عام 2012 بإشراف الكاتبة والصحافية البريطانية فكتوريا بريتن. كانت الفكرة بسيطة وهنا تكمن قوتها. أن تكرس الجوائز السنوية لتكريم أفضل الكتب الجديدة، الصادرة باللغة الإنجليزية، ويتناول أي جانب من جوانب فلسطين، لتكون الجائزة جزءا من الجهود المبذولة لتقديم الأدب الفلسطيني، والعمل البحثي، والفني، للجمهور في جميع أنحاء العالم من خلال توفير منصة للمؤلفين للقاء الجماهير، ومناقشة عملهم مع الكتاب والأكاديميين الآخرين، وأن تكون كتبهم معروفة على نطاق واسع ومحل تقدير. بمرور الأعوام، مع ملاحظة النوعية المتميزة للكتب الفائزة وجدية لجنة التحكيم ومجلس الأمناء، ازداد عدد الكتب المرشحة ليصبح بحدود خمسين كتابا سنويا، تراوح في تصنيفها بين الأكاديمي، والتوثيقي والإبداع الفني والأدبي.
تكونت لجنة التحكيم لعام 2017 من الأكاديمي والصحافي د. إبراهيم درويش والناقد الأدبي والمحلل السياسي صبحي حديدي، والكاتب د. فيصل المقدادي والدبلوماسي ورئيس مؤسسة «العون الطبي للفلسطينيين» آلان وادامز. رشحت اللجنة، خلافا للمعتاد، تسعة كتب بدلا من سبعة لقائمة الجائزة القصيرة انعكاسا لغنى أنماط الكتب المقدمة من قبل دور النشر. أقيمت، في الأمسية السابقة لإعلان الفائزين، أمسية مفتوحة تكريما للمرشحين، ناقشوا خلالها كتبهم بحضور جمهور كبير، مع بروفيسور يوجين روجان من كلية سانت أنتوني، أكسفورد ود. دينا مطر من جامعة لندن.
فازت بالجوائز أربعة كتب متميزة. تحت تصنيف البحث الاكاديمي فاز كتابان. «غزة في ظل حماس: من الديمقراطية الإسلامية إلى الحكم الإسلامي» لبيورن برينر، وهو حصيلة بحثه على مدى ست سنوات وإجرائه المقابلات مع قادة ومسؤولي حماس ومعايشة أهالي غزة. ويمنح الكتاب القاريء باللغة الانجليزية الفرصة ليحكم بنفسه على منظمة حماس وقدرتها على إدارة الحكم بعيدا عن الاتهامات الجاهزة التي توسم بها المنظمة عادة. الكتاب الثاني هو: «القائد: فوزي القاوقجي والكفاح من أجل الاستقلال العربي 1914 ـ 1948» لليلى بارسونز. وهو «عن خيارات العربي في ظل انهيار الدولة العثمانية وبدايات المرحلة الاستعمارية وإعادة رسم المنطقة»، حاولت الباحثة من خلاله سرد قصة حياة جندي ظل يلاحق حلما ويغامر ويعاند الموت… وموضعة القصة في سياق تجربته العثمانية ومشاركته في الثورات السورية والفلسطينية وأخيرا قيادته جيش الإنقاذ الذي أثر على صورة البطل وجعله في عداد المسؤولين عن الكارثة» كما كتب د. إبراهيم درويش. 
ضمن تصنيف الإبداع الفني فاز كتاب «رسم مذبحة كفر قاسم» للفنانة الفلسطينية سامية حلبي. وهو كتاب يضم بالإضافة إلى رسومها، دراستها التفصيلية الموثقة عن وقائع وضحايا المجزرة اسما اسما، ليشكل الكتاب وثيقة تاريخية ـ فنية، مفصلة، عن واحدة من مجازر المستعمر الصهيوني. وفاز كتاب «عن اليهودي العربي وفلسطين وبقية الاقتلاعات»، لإيلا حبيبة شوحط، بجائزة أفضل مذكرات. يتضمن الكتاب مجموعة مقالات ودراسات، كتبت على مدى عقود، جمعت فيها ايلا، المولودة ببغداد عام 1959، بين السرد الشخصي والبحث الأكاديمي الدقيق كمحاولة لفهم الذات وإثبات هويتها كيهودية عربية بمواجهة النظرة الصهيونية المتمثلة باحتقار كل ما هو عربي وإن كان يهوديا وعلى الرغم من ادعاء الكيان الصهيوني تمثيل كل اليهود من جميع أرجاء العالم. 
«أنا يهودية عربية عراقية»، هكذا تعرف ايلا نفسها تأكيدا لهويتها التي عانت من التجزئة نتيجة التهجير القسري من العراق والتمييز العنصري في إسرائيل. فاختارت مغادرة إسرائيل والاستقرار في نيويورك والتدريس فيها. في كتاباتها، تؤكد ايلاعلى أن اليهود الأوروبيين في إسرائيل يشكلون «نخبة من العالم الأول تسيطر لا على الفلسطينيين فقط، بل على اليهود الشرقيين أيضاً. وكشعب يهودي من العالم الثالث يشكل المزراحيم أمة شبه مستعمرة داخل أمة».
وإذا كان كتاب إيلان بابيه «أكبر سجن على الأرض: تاريخ الأراضي المحتلة» لم يفز بأي جائزة، فلأن بابيه حصل على «جائزة الإنجاز مدى الحياة»، لكتبه العديدة ومواقفه كمؤرخ يهودي يهدف إلى تقديم الحقيقة، حول تاريخ إسرائيل وسياسة المستعمر الاستيطاني الصهيوني، وممارسات التطهير العرقي المستمرة تحت مسمى الدولة الديمقراطية، بشكل يومي، ضد الشعب الفلسطيني. يرى بابيه أن العقبة الرئيسية أمام الحياة المشتركة، في فلسطين، هي «أيديولوجية الدولة التي تجرد الفلسطينيين من إنسانيتهم». 
إن استمرارية ونجاح «جائزة كتاب فلسطين» هو أحد مستويات التضامن مع مقاومة الشعب الفلسطيني، من خلال تشجيع نشر وقراءة المزيد من الكتب عن فلسطين. إنْ نقرأ يعني إننا لسنا وحيدين، كما يقول الروائي والأكاديمي البريطاني سي أس لويس.

٭ كاتبة من العراق

لئلا يهدر دم العراقي عبثا

هيفاء زنكنة

 

أثناء استقباله المقرر الخاص للأمم المتحدة بحالات الاعدام والوفد المرافق لها، في 15 تشرين الثاني/نوفمبر، اعتبر حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي، ان انتهاكات حقوق الانسان، بالعراق، «قليلة»، واستنكر «عملية تضخيم بعض المؤسسات لانتهاكات حقوق الانسان» في ظل حكومته. 
تصريح كهذا يقودنا إلى تساؤلات عدة. لعل أهمها: كيف يتجرأ العبادي على اطلاق تصريح ينافي الحقيقة، بشكل مفضوح، في عصر بات فيه من السهل جدا تدقيق الحقائق؟ وهل انتهاكات حقوق الانسان بالعراق «قليلة» فعلا؟ 
ان لجوء الرؤساء والمسؤولين إلى الكذب والتلفيق ليس جديدا، ويعيده بعض الباحثين إلى عصور تاريخية سحيقة. حينها كان الساسة يلجأون إلى المواربة والحذلقة اللغوية والدبلوماسية لتزويق الاكاذيب تفاديا لوسمهم بالكذب. الجديد في الموضوع، الآن، هو عدم اهتمام المسؤول بكل هذا التعليب بل ينطق بما ينافي الحقائق، مباشرة، باسلوب أطلق عليه مصطلح «ما بعد الحقيقة»، حيث الحقائق الموضوعية أقل أهمية من جذب الناس شعبويا، أو تقديم الحقائق بشكل مجزأ مما يجعلها صالحة للتقديم كحقيقة متغيرة وفق منظور السياسي لـ«الحقيقة». يتم ذلك، خلافا للاساليب القديمة، بشكل صريح، يستفيد فيه المخاطب من اجهزة الاعلام، الناشطة على مدى 24 ساعة، وشبكات التواصل الاجتماعي القادرة على نشر كل ما يراد من أخبار أو تصريحات، والوصول إلى الملايين، خلال دقائق، بدون تدقيق في صحة الخبر أو مدى موضوعيته. أفضل الأمثلة في هذا المجال، هي تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اثناء حملته الانتخابية. سبقه إلى ذلك رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، في حملته المسعورة لاقناع الرأي العام البريطاني والعالمي بضرورة غزو العراق، لأنه قادر على تهديد العالم بـ«أسلحة الدمار الشامل خلال 45 دقيقة». ركل توني بلير الحقائق الموثقة حول عدم قدرة العراق على إنجاز اي شيء من هذا القبيل، ليخاطب الجماهير عبر استغلال مخاوفها. 
هل يمكن تفسير تصريحات العبادي حول قلة انتهاكات حقوق الانسان بل وتضخيمها أمام وفد حضر للقائه بعد لم يعد هناك مجال للصمت ازاء الانتهاكات، وفق نظرية «ما بعد الحقيقة»؟ لا يبدو ذلك. هناك أمر لا يقتصر على العبادي وحده، بل يشمل ساسة «العراق الجديد»، يجعلهم بعيدين عن المصطلحات المفاهيمية التي تنطبق على ساسة الغرب. فبالاضافة إلى الاكاذيب المتناقضة والتلفيقات الفجة، هناك جانب المساهمة، بشكل مباشر وغير مباشر، في سفك دماء ابناء شعبهم وتأجير ولائهم في مناقصات السوق. مما يجعل المصطلح الأصلح لوصفهم هو «أبناء الاحتلال الصغار» المقتبس من مفهوم «الرجل الصغير»، للمحلل النفسي الألماني فيلهلم رايش. يخاطب رايش «الرجل الصغير» الذي بنى بيته على الرمال، متسائلا: «الا يكفيك هذا العدد من الضحايا لتبدأ التفكير بطريقة صحيحة؟». 
أعداد الضحايا الكبير هو الذي دفع مقرر الأمم المتحدة إلى زيارة العبادي، بعد ان استهلكت دول التحالف الداعمة للنظام والمتغاضية عن جرائمه ذريعة «الحرب على الإرهاب» إلى حين. فالعراق واحد من بين خمس دول تسجل أعلى نسب تنفيذ حكم الاعدام في العالم. 
من بين انتهاكاته «القليلة» الموثقة: في 3 حزيران/يونيو، قامت ميليشيات «الحشد الشعبي» باختطاف ما يُقدّر بنحو 1300 رجل وصبي أثناء فرارهم من الصقلاوية الواقعة شمالي الفلوجة. وبعد ثلاثة أيام، ظهر 605 رجال وبهم علامات تعذيب، بينما لا يزال مصير 643 آخرين في طي المجهول. وتوصلت لجنة تحقيق شكلها محافظ الأنبار إلى أن 49 رجلاً قُتلوا رمياً بالرصاص أو حرقاً أو فارقوا الحياة نتيجة للتعذيب، حسب منظمة العفو الدولية. في آب / أغسطس، أعدم 36 رجلا وكانوا قد أُدينُوا بعد محاكمة، استمرت بضع ساعات، فقط، بعد استخلاص الاعترافات تحت وطأة التعذيب. وخلال يوم واحد في أيلول/ سبتمبر 2017، تم اعدام 42 شخصا بتهم «الإرهاب». هذه الحقائق، دفعت المنظمة إلى اصدار بيان عن الاعدام الجماعي، واصفة اياه بانه «استعراض مروع للجوء السلطات إلى عقوبة الإعدام في محاولة منها لإظهار أنها تتصدى للتهديدات الأمنية». وأن «تنفيذ عمليات الإعدام ليس هو الحل، ولن يجعل البلد أو شعبه أكثر أماناً». 
فندت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، في تموز/ يوليو 2017، اكذوبة العبادي بـ «تضخيم بعض المؤسسات للانتهاكات». حيث حثته على التحقيق في مزاعم انتهاكات حقوقية وقعت خلال العمليات العسكرية لاستعادة مدينة الموصل من تنظيم «الدولة» منبهة إلى انه «ينبغي منع حدوث مثل هذه الانتهاكات في المستقبل».
اضطر العبادي إلى تشكيل لجنة للتحقيق في الانتهاكات «لكن السلطات لم تكشف عن أي نتائج للتحقيق، أو تعلن عن أي إجراءات جنائية ضد الجناة». وقد شهد العام الحالي استمرار «تفشي التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة في السجون، ومراكز الاحتجاز التي تسيطر عليها وزارتا الداخلية والدفاع، والمنشآت التي تسيطر عليها الميليشيات»، وفي الوقت الذي ادانت فيه المنظمات الدولية جرائم تنظيم «الدولة الإسلامية» باعتبارها جرائم حرب، فانها وثقت، في الوقت نفسه ما ارتكبته «الميليشيات شبه العسكرية والقوات الحكومية من جرائم حرب وغيرها من الانتهاكات للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتركّز أغلبها ضد العرب السُنّة». ومن يتابع ما بدأت تتكشف عنه ممارسات المليشيات والقوات الحكومية، في الصحافة الاستقصائية، بالاضافة إلى المنظمات العراقية والدولية، في المدن المحررة من تنظيم «الدولة» سيدرك مدى وبشاعة التمييز الطائفي والعرقي الذي أسسه الاحتلال ويواصل ساسة النظام تغذيته، بمساعدة جلاديهم، خوفا من الحرية والكرامة. ان تقارير المنظمات الحقوقية المحلية والدولية حول الانتهاكات، بالعراق، ليست مضخمة بل انها تساعد على اسقاط قناع الكذب الذي يرتديه العبادي وساسة النظام، ممهدة لإبراز الحقيقة كاملة أمام العالم، والاهم من ذلك كله أمام الشعب العراقي، كله، بلا استثناء، لئلا تذهب دماء الضحايا، ثمنا، لبناء بيت على الرمال.

٭ كاتبة من العراق

 

 المزاد السري العلني

حول «إعمار» الموصل

هيفاء زنكنة

 

تركزت الأضواء، أثر اعلان تحرير الموصل، على إعادة اعمار المدينة التي اتفق الجميع على ان الخراب لحق بثمانين بالمئة من جانبها الأيمن، بضمنها الجسور والمستشفيات والماء والكهرباء والمدارس والبيوت السكنية والمباني الحكومية، ويفتقر جانبها الايسر إلى متطلبات الحياة الأساسية. مما حَوَل نصف المدينة، إلى أرض يباب تفوح منها رائحة الموت، ومقبرة للكثيرين من سكانها الذين قضوا تحت المباني المهدمة، جراء الاقتتال وقصف التحالف « الإنساني»، الهادف إلى «تحريرهم»، بقيادة أمريكا.
مثل مزاد علني، تعالت تخمينات تكلفة أعمار الخراب، في الموصل، خاصة، بينما يشير حال المدن المحررة الأخرى إلى انها لاتزال تعيش الخراب، ذاته، بكل تفاصيله، ومنه التخريب البشري المتعمد بعرقلة ومنع عودة النازحين إلى بيوتهم، بعد مرور عام على اعلان التحرير. ساهمت دول مانحة ومنظمات الأمم المتحدة والعديد من منظمات الاعانة والتنمية الدولية بالإضافة إلى النظام العراقي، في تقدير ميزانية «الأعمار». تراوحت الميزانية المطلوبة بين مليار دولار أمريكي إلى عشرة. وفر البنك الدولي مبلغ 400 مليون دولار، نهاية تشرين الأول/ أكتوبر، لمشارع استعادة الخدمات الأساسية في المدن المحررة من تكريت والرمادي وديالى، بالعراق، إلى سوريا. قراءة تفاصيل المشاريع وانجازات البنك الدولي، المتوفرة على الانترنت، والصور الزاهية، توحي بأن البلدين سيعيشان ازدهارا فردوسيا خلال فترة قياسية. الا ان واقع سير الأمور يوحي بالنقيض. وهذا لا يقتصر على المشاريع المدعومة من قبل البنك الدولي فحسب بل يمتد ليشمل كل الأطراف المساهمة الأخرى.
فالفوضى سائدة، أولا، نتيجة عدم التنسيق بين الجهات المتعددة (المنظمات الدولية والدول المانحة والنظام العراقي ومنظمات المجتمع المدني مثلا)، هناك، ثانيا، إحساس عام بعدم الثقة حول كيفية التصرف بالأموال. حيث أصبح الفساد (محليا ودوليا)، منذ الاحتلال عام 2003، هو العملة السائدة، خاصة في مجال الاعمار «التزويقي». وكانت لعقود الشركات والمؤسسات الأمريكية والبريطانية، فخر مأسسة الفساد ونشره عبر التعاون مع الساسة المحليين. وإذا كانت بعض جوانب الفساد الأمريكي والأمريكي – العراقي، خاصة، قد كشفت في السنوات الأخيرة، فان عقود الفساد مع إيران، كقوة احتلال ثانية، لاتزال مطمورة بقوة تحت العمائم. النقطة الثالثة هي اختلاف اجندات الدول والمؤسسات المانحة التي ابعد ما تكون عن الاحسان وتوزيع الصدقات والمتغيرة وفقا لمصالحها أولا وأخيرا. هذا كله يتم في غياب كُلي لمشاريع الاعمار والتنمية الوطنية واكتفاء الكفاءات العراقية، باستثناء الندرة، بطرح ملاحظات وأفكار سياسية عامة أكثر منها مشاريع قابلة للتحقيق الفوري وذات بعد استراتيجي تنموي، في آن واحد. 
بالنسبة إلى أجندات الدول المانحة، أمريكا، مثلا، هناك تغيير في صياغة سياسة برامج المساعدة. اذ لم تعد تَدَعي انها تهدف إلى «الاعمار» و»بناء الديمقراطية»، كما سوقت قبل وبعد الغزو. ستقتصر سياستها الجديدة على «إعادة الاستقرار» بدلا من «إعادة الاعمار» وقد تبنت الأمم المتحدة، في نشراتها، المصطلح نفسه. ما هو الفرق؟ وكيف سينعكس ذلك على حياة اهل الموصل والمدن المدمرة الأخرى التي كان للقصف الأمريكي دورا في تحويلها إلى أنقاض؟ 
يأتينا التوضيح من بريت ماكغورك، المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف العالمي لمكافحة داعش، في مؤتمر صحافي في آب/أغسطس 2017: 
«هذه ليست إعادة الإعمار؛ انها ليست بناء الأمة. الاستقرار هو إزالة الألغام…. إزالة الأنقاض بحيث يمكن للشاحنات والمعدات الوصول إلى المناطق التي تحتاج إليها. وهذا يعني الكهرباء، والصرف الصحي، والمياه، والضروريات الأساسية للسماح للسكان بالعودة إلى بيوتهم… الآن، نلتقي، أحيانا، بالمجالس المحلية ويقولون: «نريد من الولايات المتحدة، مساعدتنا في تشغيل المستشفيات، وتعملون، أيضا، على تشغيل نظام المدارس». فأقول: لا، نحن… لن نفعل ذلك. لقد تعلمنا بعض الدروس، ونحن لسنا جيدين جدا في ذلك، وأيضا هذه ليست مسؤوليتنا. ما سنفعله هو الاستقرار الأساسي». يثير توضيح ماكغورك للصحافيين حول تغيير اهداف سياسة الإعانة تساؤلات عديدة لعل أهمها هو: إذا كان ما يقوله صحيحا فلم زيادة عدد القوات العسكرية والمرتزقة ومستخدمي الشركات الأمنية؟ إذا كان الهدف هو إعادة الاستقرار، ألن يتم ذلك بسرعة أكبر وتكلفة أقل بواسطة تشغيل الايادي العاملة المحلية، أي توفير فرص العمل والكرامة للشباب مما يحميهم من مخاطر الانزلاق في منظمات تتغذى على سياسات التهميش والاقصاء؟
ويزيد من فوضى الوضع غموض ما تطرحه الجهات المختلفة وعلى رأسها مجلس الوزراء ومنظمات الأمم المتحدة. كلاهما يتصرفان وكأن اعمار الموصل، على الرغم من الواقع اليومي للمأساة، جاء كإعصار غير متوقع ومفاجأة أخذتهما على حين غرة. حيث استضاف برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، برعاية أمانة مجلس الوزراء، ندوة في بغداد بتاريخ 31 تشرين الأول/ أكتوبر. لماذا؟ لمناقشة آفاق التخطيط لإعادة إعمار الموصل، أي ما كان يجب القيام به قبل عام على الأقل، ليبدأ تنفيذه فور اخلاء المدينة من مقاتلي «الدولة الإسلامية»، إذا كانت نية الاعمار، بلا فساد مباشر او غير مباشر، حقيقية. المباشر هو العمولة التي يتقاضاها المسؤول المحلي، أيا كان منصبه، من العقود اما الفساد غير المباشر، فهو المصروفات الكبيرة على مؤتمرات وندوات، تتم فيها استضافة مسؤولين ومنظمات مجتمع مدني واعلاميين (غالبا ذات الوجوه) لتسويق مصطلحات ومفاهيم، قابلة للاستهلاك الدولي، ولا علاقة لها بواقع الناس المرير.
للتسريع في عملية الاعمار وإعادة النازحين إلى بيوتهم، تمت الدعوة من قبل افراد ومؤسسات عراقية، مثل «مؤسسة الموصل»، إلى اعتبار الموصل مدينة منكوبة، وطلب الحماية الدولية لفتح الطريق امام إعادة البناء والاعتماد على كفاءة أبناء الموصل المشهود لهم بالتقدم العلمي والحضاري والقدرة على البقاء على مدى العصور. 
أن عجز النظام عن معاملة العراقيين كمواطنين يتمتعون بحق الحياة والكرامة والمساواة امام القانون، يدفع الناس إلى البحث عن حلول، يفتقر بعضها إلى بعد النظر، وهذا ما يحدث، في العديد من المحافظات، وتشكل كارثة الموصل قمتها، في أجواء الصراعات الطائفية والعرقية وقمع مبادرات المجتمع الأهلي. ان تأخر اعمار المدن الخربة هو مسؤولية النظام الأولى، خاصة، بعد إزاحة شماعة «داعش». وتبقى لمبادرات أهل الموصل من الشباب الجامعي والمهنيين في نقاباتهم او مجاميعهم، أهميتها القصوى إذا ما نجحت، لا في إعادة الاعمار لوحدها فحجم الكارثة أكبر من ذلك، ولكن في تقديم الاقتراحات حول أولوية المشاريع ورصد تطبيقها، والتوعية المجتمعية لأستعادة ما أضعفته سنوات الاقصاء والاقتتال.

٭ كاتبة من العراق

 

قانون الأحوال الشخصية العراقي

بيد «فقهاء» النجف والوقف السني

هيفاء زنكنة

 

للمرة الثالثة، منذ احتلال العراق عام 2003، يُهَدَدُ قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959، المعمول به حتى الآن، بالتعديل، على الرغم من كونه واحدا من أفضل القوانين المُشَرعة عربيا. كانت المرة الأولى في كانون الأول/ ديسمبر 2003 حين استلم عبد العزيز الحكيم، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الشيعي، منصبه كرئيس لمجلس الحكم، تحت الاحتلال، لمدة شهر.
وكان واحدا من «إنجازاته» اصدار القرار137 القاضي بإلغاء قانون الأحوال الشخصية رقم 188 وإحالة شؤون المرأة والأسرة بكل تفاصيلها الحياتية من المحاكم المدنية إلى رجال الدين، كل حسب مذهبه، كخطوة أولى نحو مأسسة الطائفية عائليا. نَصَ القرار على» تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فيما يخص الزواج والخطبة وعقد الزواج والأهلية وإثبات الزواج والمحرمات وزواج الكتابيات والحقوق الزوجية من مهر ونفقة وطلاق وتفريق شرعي أو خلع والعدة والنسب والرضاعة والحضانة ونفقة الفروع والأصول والأقارب والوصية والإيصاء والوقف والميراث وكافة المحاكم الشرعية (الأحوال الشخصية) وطبقا لفرائض مذهبه». وأمر الحكيم بتنفيذ القانون منذ لحظة إصداره، متعاميا عن كونه أجيرا لدى المحتل، فبعد ان احتجت منظمات نسوية ولجأ عدد من «نسويات الاحتلال» اللواتي كن موعودات بحصة 40 بالمئة من المشاركة السياسية في مناصب الاحتلال، إلى بول بريمر، الحاكم العسكري الأمريكي لسلطة الاحتلال، تدخل لصالحهن واجبر المجلس على تجميد القرار.
كانت المرة الثانية أكثر تفصيلية. حين طرح حزب الفضيلة الشيعي، ممثلا بوزير العدل، حسن الشمري، مشروع القانون الجعفري إلى مجلس الوزراء في 27 تشرين الأول/اكتوبر 2013، ووافق المجلس على المسودة. ولم يتم تمرير القانون بسبب المعارضة القوية التي لم تقتصر، هذه المرة، على النسويات بل وتجاوزتهن إلى شرائح واسعة من الشعب والمنظمات الحقوقية داخل العراق وخارجه، بالإضافة إلى المنظمات الدولية مثل « هيومان رايتس ووتش». 
نصت المسودة على مواد يرى الكثيرون بأنها عَبَّدَت الطريق لممارسات « داعش» فيما بعد، ومن بينها ان يكون سن الزواج للفتاة هو التاسعة وللفتى 15 أو اقل، بموافقة الوصي. وشرعنة تعدد الزوجات، وتوفير الارشادات العملية حول تقسيم قضاء الليالي بين أربع زوجات. كما لا يحق للمسلم الزواج الدائم من غير المسلمة. مما يعني ان للرجل الحق في الزواج المؤقت او «زواج المتعة» والذي يتم عادة بحضور رجل دين، يصادق على مدته التي تتراوح ما بين بضع دقائق إلى سنوات، ويتم دفع مبلغ معين إلى المرأة بينما ينال رجل الدين العمولة. وتنص احدى المواد على حرمان المرأة من النفقة إذا لم يتمكن الرجل من الاستمتاع بها إذا كانت مسنة او صغيرة جدا. 
وها هي الرغبة بإجراء التعديلات، تعود من قبل نفس الجهة ولكن بصيغة أكثر ذكاء من سابقتيها حيث طُمست التفاصيل المباشرة، المثيرة للاحتجاجات الغاضبة، مثل تحديد سن الزواج بطفلة، بتشريع عام يحتمل كل ما أُريد تنفيذه سابقا.
صَوَت البرلمان يوم 31/10/2017 على مقترح قانون التعديل. ولم يتطلب الأمر أكثر من دقائق لحصول الموافقة. اذ قال رئيس الجلسة سليم الجبوري «هذا الموضوع ناقشناه لا يوجد داع مرة ثانية أن نأتي بمن يؤيد وبمن يعارض لأنه تم الاستماع إلى وجهات النظر بشكل كامل». كان الاعتراض الوحيد حول عدم اكتمال النصاب، فقال الجبوري: «ما هو وجه الاعتراض؟ أحسبوا العدد، أنتم موجودون وليس خارجين، لا تخرجوا، صوتوا وأنتم موجودون لأنه جرى فيه نقاش سابق، سوف أُعيد الفقرات السابقة وأُعلمكم أن هذا الموضوع تم النقاش فيه بشكل كامل، أصلاً أنتِ لم تكوني موجودة، الآن دخلت». وهي لقطة تُرينا سيرورة التصويت على قوانين وتشريعات تهدف إلى تغيير حياة المواطنين وتركيبة الاسرة والمجتمع، فيما يسمى « البرلمان»، بشكل « ديمقراطي» تم تصنيعه، خصيصا، لبلدان العام الثالث، المحكومة من قبل حفنة من التابعين المأجورين اما بشكل مباشر او غير مباشر.
يواجه التصويت على مقترح التعديلات، كما المرة السابقة، صرخات احتجاج من منظمات حقوق المرأة وخروج مظاهرات نسائية ضده، وحملات على مواقع التواصل الاجتماعي، بمشاركة عدد من نواب البرلمان. باعتبار أن قانون الأحوال الشخصية المعدل يتعارض مع المواد الدستورية التي «تحفظ للمرأة كرامتها وتحفظ للمواطن حقوقه من منطلق إنسانيته وتحافظ على هويته الوطنية»، على الرغم من معرفة الجميع بطائفية وهزالة الدستور.
فما هي التعديلات المقترحة؟ اهم تعديلين هما عن السماح للمسلمين بتقديم طلب إلى محكمة الأحوال الشخصية المختصة، لتطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية وفق المذهب الذي يتبعونه، وبالتزام المحكمة المختصة « بإتباع ما يصدر عن المجمع العلمي في ديوان الوقف الشيعي، والمجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السني، وتبعاً لمذهب الزوج»، كما « يلتزم المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي بإجابة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقاً للمشهور من الفقه الشيعي وفتاوى الفقهاء الاعلام، وعند عدم الشهرة يؤخذ برأي (المرجع الديني الأعلى) الذي يرجع اليه في التقليد أكثر الشيعة في العراق من فقهاء النجف الأشرف. د. يلتزم المجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السني بإجابة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقاً للمشهور من الفقه السني».
أي، باختصار شديد، نقل صلاحيات اتخاذ القرار بصدد الأحوال الشخصية وهي جوهر واساس الحرية الشخصية من المحكمة المدنية، وهو المعمول به حسب قانون 188، إلى رجال الدين على اختلاف تدرجات فهمهم و» فقههم» و «مرجعيتهم»، وتمريرها من جهة إلى أخرى طلبا « للاستيضاح»، وما سيفرض من هيمنة وتكريس للطائفية المقيتة المستهدفة لوحدة العائلة، خاصة مع تخصيص العمل بمذهب الزوج. 
تماثل اقتراحات التعديل الجديد التي تجنبت فخ التفاصيل الملزمة قانونيا مفهوم «التقية» المعلنة لغير ما هو باطني. مما أربك حملة المعترضين عليه. خاصة عند استخدام شعار زواج القاصرات وهو، في الحقيقة، غير مذكور صراحة في المقترح الجديد الحامل باحتمالات تأويلية مسيئة للمرأة بشكل مباشر وللعائلة والمجتمع. ويكفينا ان نراجع مسار حكم الأحزاب الطائفية وتجربة العيش في ظل « فقهاء» الدين، وارتباطهم بساسة الفساد المادي والديني والأخلاقي، خلال الأربعة عشر عاما الاخيرة، حتى نفهم مدى الغضب والذعر الذي يثيره اصدار تشريع يُخولهم اتخاذ قرارات حياتية، مصيرية، تمس حياة وحرية الجميع، وخاصة المرأة، مهما كان لون العمامة سوداء كانت ام بيضاء، فالعقلية المُغَلفة بها أو المستفيدة منها بدون ارتدائها، أخطر وأعمق بكثير من ظاهرها، وهذا ما يستحق النضال ضده من قبل الجميع.

٭ كاتبة من العراق

 

الجلسات العائلية في برامج

الحوار السياسي العراقية

هيفاء زنكنة

 

يلاحظ المتابع لبرامج الحوار السياسي العراقية على الفضائيات، وجود شكل «إعلامي» جديد في تقديم البرامج واختيار المشاركين، بدأ يبرز في العام الماضي، وانتشر بسرعة تسترعي الانتباه. للبرامج الجديدة وصفة، قد تبدو بسيطة، الا انها في الواقع، ذات مضامين تستوجب التدقيق. فالجانب الذي يطغي على الحوار السياسي المتعلق بحدث آني هو دعوة مشاركين ممن لا تغيب عنهم أضواء الاستديوهات من الساسة وأعضاء البرلمان وقادة المليشيات والمسؤولين، المتميزين بـ»الفهلوة»، أي الشطارة، في رمي الكلام الفارغ، بثقة عالية، على مقدم البرنامج أولا ومن ثم على الجمهور. هذه ميزة ضرورية لأن مدة البرنامج لا تقل، غالبا، عن الساعتين، والا كيف يتم حشو الزمن المطلوب؟ كما يتوجب عليهم عدم التذكير بالماضي لاستخلاص الدروس. الماضي خطر يجب تجنبه الا لغرض إطلاق اللعنات على العهد المُباد. 
من ناحية الشكل: يكون البرنامج بشكل جلسة أصدقاء أو شبه عائلية، يتبادل فيها المشاركون السلام والتحيات و»الله بالخير». ولم لا وهم مشاركون مُزمِنون في ذات البرنامج! تأخر الضيوف مقبول، بل وينهض مقدم البرنامج من كرسيه، أحيانا، إلى جهة معاكسة من الاستديو، للترحيب بضيف متأخر. يقبله ويعاتبه برقة و»ان شاء الله خير». يأتي جواب الضيف ليطمئن مقدم البرنامج والجمهور الذي يتنفس الصعداء. « الحمد لله على السلامة». فوصول الضيف وهو السياسي البارز إلى الاستديو، يعني انه لم يُختطف أو يُقتل مما يعني، بالنسبة إلى الجمهور، عدم نصب نقاط تفتيش إضافية يذوقون خلالها طعم الاهانة. «الحمد لله» اذن. ثم يبدأ مقدم البرنامج بتقديم تلخيص للضيف عما فاته من حوار، كل هذا والضيف المستضاف من بلد آخر، الجالس مثل صنم أمام عدسة الكاميرا، مركزا النظر عليها، في غرفة تشبه الصندوق، ينتظر بصبر، لا مثيل له، دوره في الكلام، وهو يعلم ان الأولوية دائما للمجتمعين في الاستديو. في لحظة سهو ينسى ان عدسة الكاميرا تترصده، بغدر، فيشاهده الجمهور وهو يحك صلعته ضجرا أو هو على وشك استخدام اصبعه لينظف انفه. لحظة السهو الإنساني هذه تُقربه من الجمهور الذي كان على وشك تغيير القناة مقررا البقاء، أملا في حركة تلقائية أخرى تُبعد عنه كابوس الثرثرة المتبادل بين المشاركين ومقدم البرنامج، على الرغم من ان مقدم البرنامج، والحق يقال، يبذل جهده ليقدم للجمهور، صورة مقبولة للنظر، بدءا من استخدام نصف علبة من مثبت الشعر إلى توزيع اللحية المشذبة على مساحة الوجه بمقاييس تُبعد عنه شبهة الانتماء إلى هذه الطائفة او تلك، في حقبة غزت فيها اللحية وجوه الرجال، ولكل لحية شكل يحدد الانتماء الديني والمذهبي.
يأخذنا الشكل الجديد إلى ما هو أساسي في البرامج السياسية وكيفية اختيار المساهمين وكفاءة الإعلامي ـ مقدم البرنامج. ومدى الاستفادة من دورات تدريب الصحافيين. 
هناك العديد من الدراسات حول تدريب الصحافيين العراقيين على العمل في المجال الإعلامي. جرت التدريبات في ورشات عمل نظمتها مؤسسات إعلامية غربية في المرحلة التي سبقت غزو العراق عام 2003 مباشرة واستمرت، بكثافة بدأت تقل تدريجيا، في السنوات التالية. كان للمنظمات الأمريكية مساهمتها في الدعم المادي والتدريب حسب خطابها المعلن في إيصال رسالة «النجاح الديمقراطي» إلى كافة الدول العربية فضلا عن الجمهور العراقي. اثبتت سنوات الاحتلال الأمريكي المباشر وغير المباشر، وتدخل القوى الإقليمية المتبدي ببروز قنوات فضائية ومحلية ذات سياسات، تُعنى بمصالح الدول والأحزاب والميليشيات، الداعمة للقنوات، إلى غياب جوهر الإعلام الحر أي الموضوعية والحيادية واستقلالية الرأي والعمل على إيصال الحقيقة إلى الجمهور. وإذا كان الجمهور متعطشا في أعوام الاحتلال الأولى لمتابعة الاخبار، تلفزيونيا خاصة، فانه، بمرور الوقت، لم يعد يكترث بما يقدم له لفرط الاستخدام الدعائي، والطائفي التحريضي، ونشر الأكاذيب المفضوحة حين باتت قنوات البث على مدى 24 ساعة، بدرجات متفاوتة، مجالس عزاء مكررة لموت الحقيقة. 
اختار معدو برامج الحوار السياسي الشكل « الشعبوي» الجديد الا انهم أبقوا، جميعا بلا استثناء، على خميرة الساسة والمسؤولين « الفهلويين» بالإضافة إلى قادة وناطقي الحشد الشعبي، الذين تمكنوا من تدجين حتى أكثر القنوات نفورا من مواقفهم الطائفية في التعامل مع المواطنين. في هذه البرامج، يتلاشى الخط الفاصل بين السياسي، على علاته، وعضو/ قائد الميليشيا الذي يواصل ارتكاب الجرائم الموثقة ويتفاخر، إعلاميا، بارتكاب المزيد. هكذا تساهم أجهزة الإعلام بشرعنة ممارساته خارج القانون، عبر استضافته ومنحه مساحة إعلامية واسعة تحوله من مجرم، يتباهى بجرائمه (مما ينفي عنه توصيف البريء حتى تثبت ادانته)، إلى رمز قيادي بطولي. 
ما هي غاية القنوات المعدة لبرامج تستضيف هذا النوع من المشاركين؟ تختلف الغاية حسب جهة ومصدر التمويل وكمية الإعلانات التي تحصل عليها، ولا أعني بالإعلانات التجارية فحسب بل الرسمية والحزبية المدفوعة. اثبت العديد من التقارير الراصدة لهذه المعطيات، ان عمل معظم القنوات يفتقر إلى الموضوعية، والحياد، والمصداقية بالإضافة إلى ضعف الحرفية المهنية. ويطغى على برامج الحوار التأجيج العاطفي، والتحريض الطائفي، وردود الأفعال الآنية، مما يجعل المشاهد محصورا في حيز معلوماتي مغلق يعاد فيه تدوير الكلام وفق مصطلحات سياسية، منتقاة كسلعة صالحة للاستهلاك السريع. تبدو هذه المفردات، المكررة، من قبل جميع المنخرطين بالعملية السياسية كأنها قد تم حفظها من كتيب تم توزيعه عليهم من مؤسسة أو ورشة تدريب للساسة حول كيفية الكذب على الناس من خلال أجهزة الإعلام. كلهم يتحدثون عن احترام القانون، العمل وفق الدستور، التصويت في البرلمان، قرار القائد العام للقوات المسلحة، أهمية الحوار، استقلال القرار العراقي، الوطنية، الموقف ضد الطائفية والعرقية. قد يختلف ترتيب هذه المفردات من متحدث إلى آخر، الا انها مضمون الرطانة الخطابية التي تقدمها كل برامج الحوار السياسي «الجديدة»، التي يعلم مُعدوها، جيدا، زيفها وبعدها كل البعد عن حقيقة ما يجري في بلد حكومته فاشلة، وأعضاء برلمانه لا يمثلون الشعب، وحياة الناس تتحكم بها ميليشيات معروفة بولائها لغير العراق، وعموم ساسته يتمسحون بقوتي الاحتلال الأمريكية والإيرانية اللتين حولتا العراق إلى ساحة حرب، حماية لأمنهما وشعبيهما. تغييب هذه الحقائق، في جلسات تلفزيونية، يُظهر فيها الساسة تحسن أدائهم، وسط أجواء يسودها الضحك وتبادل الطرف، خطير لأنه يساهم في تهيئة الأذهان، تدريجيا، لقبول الأكاذيب والافعال الاجرامية، المستهينة بمآسي الناس، باعتبارها أفعالا عادية، مألوفة، لا تستوجب المساءلة والادانة، مهما كانت نية القنوات الفضائية والنزوع نحو تقديم «الجديد» قويا.

٭ كاتبة من العراق

 

(تحرير) كركوك!

ماذا عن بغداد؟

هيفاء زنكنة

 

مع تسارع الاحداث، وتصاعد العنف وما يصاحبه من أزمة انسانية في إقليم كردستان العراق، ومع محاولتنا فهم الوضع، الحالي، يواجهنا إغراء كبير: ان تستغرقنا التفاصيل الداخلية والإقليمية إلى حد نسيان الوضع الدولي، مكررين ما كان الفيتناميون يقولونه اثناء حرب التحرير تفاديا للتطرق لانقسامات حلفائهم: « الوضع العالمي لايزال معقدا».
من التفاصيل، غير المفهومة، حتى لمناصري القضية الكردية، مغامرة (الحماقة أحد أبعادها) رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني. هل تم اسقاطه في فخ لم يدرك ابعاده، فوجد نفسه في حفرة عميقة، حفرها له أصدقاؤه وحلفاؤه، قبل اعدائه، ليتبع مسار والده الملا مصطفى، حين اُجبر على مغادرة العراق، عام 1975، بعد ان تخلى عنه حليفه شاه إيران محمد رضا بهلوي، إثر توقيعه اتفاقية الجزائر مع نظام البعث ببغداد؟ حفرة أعمق من تلك التي سقط فيها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين حين طمأنته السفيرة الأمريكية، عشية خوضه مغامرة غزو الكويت، بأن ما يحدث بين العراق والكويت شأن داخلي لا يعني أمريكا. وها هو العراق لايزال يدفع ثمن تلك الحماقة. 
في عام 1975، شاهدنا كيف تخلى آلاف البيشمركة عن أسلحتهم خلال أيام، مرددين: ليس للكرد من صديق غير الجبال. وها نحن اليوم، نرى التاريخ يكرر نفسه بمفارقتين مأساوية – كوميدية. المفارقة الأولى ان يقوم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، حزب الطالباني، بتوجيه صفعة لا مثيل لها، حين تحالف مع حكومة حزب الدعوة وإيران ضد البارزاني. المفارقة الثانية هي مغادرة بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني، مدينة كركوك، وما كان يطلق عليه مصطلح « المناطق المتنازع عليها»، خلال ساعات. انه مشهد نستحضر خلاله لجوء البارزاني عام 1996 إلى حكومة حزب البعث (العدو اللدود)، طالبا المساعدة ضد حزب الطالباني المدعوم، آنذاك، أيضا، إيرانيا.
مما يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقات بين الكرد أنفسهم. فهل التآخي الكردي بين الحزبين وهم تلاشى عند صخرة التحالف الاستراتيجي مع إيران؟ أم ان الخلاف بين الحزبين الكرديين حول تقاسم ثروة النفط، بكركوك، في العامين الأخيرين، كما الخلاف حول استخلاص الجمارك من تهريب البضائع في التسعينيات، أعمق من تحقيق حلم استقلال كردستان؟ هل الاستقلال الكردي لعبة سياسية واقتصادية يتم تحريكها، بين الحين والآخر، من قبل القيادات الكردية، بالتوافق مع تحالفات متحركة اقليمية ودولية، لأبقاء العراق ضعيفا، تنخره الصراعات مع الحكومة المركزية، المشغولة، غالبا، باستنباط طرق كفيلة بقمع الشعب؟
هذا ما بينته حماقة البارزاني الأخيرة. وإذا كان البارزاني مثالا فرديا، قد يجد منفذا من حفرته، مهما كان خروجه مهينا، الا ان التاريخ لا يرحم الدول عند سقوطها في حفرة الحماقات، الاتحاد السوفييتي نموذجا، حين اقتادته الولايات المتحدة إلى أفغانستان، بطُعم محاربة المجاهدين. لفهم سيرورة نصب الفخ، يقول بريجنسكي، مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي كارتر، في مقابلة معه عام 1998:
«وفقا للنسخة الرسمية من التاريخ، بدأت مساعدة وكالة المخابرات المركزية للمجاهدين، بعد غزو الجيش السوفييتي أفغانستان. ولكن الواقع، الذي بقي سرا حتى الآن، هو خلاف ذلك تماما: في الواقع، كان 3 تموز/يوليو 1979، أي قبل التاريخ الرسمي بعام، حين وَقَع الرئيس كارتر موافقته على تقديم المساعدة، السرية، لخصوم النظام الموالي للسوفييت في كابول. وفي ذلك اليوم نفسه، كتبتُ مذكرة للرئيس شرحت فيها أن هذه المساعدة ستحفز، في رأيي، التدخل العسكري السوفييتي… لم نضغط على الروس للتدخل، لكننا زدنا احتمال تدخلهم».
إذا اخذنا هذا المسار التاريخي بعين الاعتبار، وطبقناه على مجريات الاحداث المتسارعة بالعراق، عموما، من دحر المقاومة ضد الاحتلال إلى ولادة «الدولة الإسلامية» وما بعد الاستفتاء في إقليم كردستان، لوجدنا ان تقاطع المصالح، ليس وليد اللحظة، وهو ليس ابن النضال ضد نظام شمولي، كما انه لا يجري وفق أهواء او حماقات القادة. قد لا تكون أمريكا، مثلا، قادرة على كل شيء، وهي معرضة للسقوط في الكمائن، كغيرها، الا ان قدرتها على وضع عدة سيناريوهات في التعامل مع اعدائها وحلفائها، واستعدادها للتضحية بهم، مهما كانت درجة ولائهم، من اجل المحافظة على أمنها وهيمنتها، ساعد على بقائها دولة عظمى يتسابق القادة على نيل رضاها بشكل علني أو سري.
هذه التحالفات الأقرب إلى زواج المتعة لصالح أمريكا، هي التي جعلتها تساند العراق، بداية، اثناء الحرب العراقية الإيرانية، ثم مساندة إيران بالتعاون مع إسرائيل. ولم تكن أمريكا، حينها، ضد نظام الخميني لأنه كان، بنظرها مشروع حليف ضد الشيوعية، ولا يشكل التحالف معه خطرا إسلاميا على أمريكا، اذ «لا وجود، حقيقيا، للإسلام العالمي الموحد»، حسب تعبير بريجنسكي. وهو منظور، أثبتت سنوات ما بعد غزو العراق، صحته إلى حد بعيد مع تفكيك الدولة العراقية، ومأسسة التشرذم الطائفي، ونمو النفوذ الإيراني من خلال ميليشيات محلية، وبروز منظمات إرهابية إلى جانب الإرهاب الحكومي.
إقليميا، سارعت تركيا إلى توقيع اتفاق غير متوقع مع إيران، ووقفت جانبا بانتظار ما ستُسفر عنه الاحداث فيما يخص مدينة كركوك. واختارت أمريكا الوقوف جانبا، أيضا، واعلانها الحياد، قبل يومين من اجراء الاستفتاء، تاركة البارزاني عاريا الا من صداقة الجبال بعد ان وقع في فخ الوعود الأمريكية ـ الإسرائيلية (عبر «مستشاريه» خليل زاد وغالبريث) والفرنسية (عبر كوتشينر وليفي). وكان البارزاني قد فَسَر صداقة عدد من مسؤولي هذه الدول بأنه دعم سياسي دولي، متوهما، ان الصداقة تعني مصلحة البلد. فلا عجب ان يتقدم قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، ليكون القائد الحقيقي لعملية ادخال ميليشيات الحشد، خلال ساعات، إلى مدينة النفط وغيرها. ووقف مندوبا إيران بالعراق، هادي العامري (فيلق بدر) ومهدي المهندس (حزب الله)، تحت العلم العراقي، في لقطة تم اخراجها للاستهلاك الإعلامي، بعنوان «تحرير كركوك»، بينما ترفرف، في كل مكان آخر، وحتى على الآليات العسكرية، أعلام فصائل الميليشيات المسلحة، المتكاثرة بسرعة الارانب، الناشطة بحصانة لا مثيل لها خارج القانون، والتي تشكل خطرا يجعل خطر البارزاني على وحدة العراق نكتة سمجة، وادعاءات حيدر العبادي بالنصر، وإخلاء المدن من « الميليشيات» نكتة أكثر سماجة.

٭ كاتبة من العراق

 

 

إشكالية مصير نساء

وأطفال مقاتلي (الدولة الإسلامية)

هيفاء زنكنة

 

يثير اعتقال واحتجاز زوجات وأطفال مقاتلي « الدولة الإسلامية» من قبل قوات الحكومة العراقية إشكالية تتجاوز حدود العراق الى البلدان العربية والغربية التي انضم العديد من مواطنيها الى التنظيم أبان قوته واعلانه تأسيس «الدولة الإسلامية» في العراق والشام. 
تتجاوز الإشكالية، أيضا، القوانين المحلية والدولية الى الإنسانية، لأنها تتعلق بوضع خاص هو وضع النساء والأطفال، ويثير تساؤلات مهمة حول دور المرأة، عموما، في الحروب والنزاعات المسلحة ومقاومة الاحتلال، وكيفية التعامل معها، عموما، هل باعتبارها مسؤولة عن افعالها وخياراتها أم انها ضحية الخضوع للالتزامات والواجبات العائلية والزوجية؟
لا توجد احصائيات دقيقة عن عدد النساء المعتقلات أو اللواتي تم العثور عليهن أما مختبئات، في أقبية المنازل المهدمة، مع أطفالهن في مدينة الموصل، أو من قمن بتسليم أنفسهن في معركة تلعفر وغيرها. «أغلب النساء لا تتجاوز أعمارهن 20 عاما، أما الأطفال فأعمارهم في الغالب لا تتجاوز خمسة أعوام». حسب مصدر مسؤول، ويجري التحقيق معهن بينما تم قتل اغلب الرجال.
لا تتوفر الأوراق الثبوتية لهن ولأطفالهن. مما يشكل عائقا أو عذرا لعدم التعامل مع قضاياهن من قبل دولهن الأصلية، بشكل سريع. الا ان هناك تصريحات لمسؤولين عراقيين وأجانب وتحقيقات صحافية، تساعد على اعطائنا ارقاما تقريبية للأجنبيات واطفالهن فقط وليس للعراقيات او العربيات عموما، حيث يغلف الغموض اعداد الأخيرات لأسباب عدة.
بالنسبة الى الأجنبيات، وفقا لرويترز، هناك في العراق 1400 امرأة وطفل يشتبه في أنهم من عوائل مقاتلي «داعش»، وهم من تركيا، روسيا، شيشان، فرنسا وألمانيا. معظم الدول الاور,بية، خاصة فرنسا، جراء تعرضها لهجمات إرهابية، ليست على استعداد فوري للتعامل مع قضيتهم على الرغم من وجود حوالي 450 طفلا بينهم في سوريا والعراق. تدل مؤشرات بطء الاحداث فيما يتعلق بتقرير مصيرهم الى ان ما سيحدث هو تسليم الاطفال الى الدول التي ينتمون اليها، بينما ستحاكم النساء بتهمة الإرهاب، وعقوبتها الإعدام بموجب قوانين مكافحة الإرهاب العراقية. والاشكالية هنا حقيقية، فالقضاء العراقي يُصدر احكام الإعدام بالجملة مما دفع المفوض السامي لحقوق الإنسان، بالأمم المتحدة، زيد رعد الحسين الى التعبير عن هلعه ومخاوفه، أخيرا، إزاء تنفيذ حكم إعدام جماعي بحق 42 سجينا، في 24 أيلول/سبتمبر، وُجهت إليهم التهم بموجب قوانين مكافحة الإرهاب. وهي قوانين، يستخدمها العراق «لفرض عقوبة الإعدام على مجموعة متعددة من الأفعال التي لا ترقى إلى مستوى الجرائم الأشد خطورة». 
الأمر الذي يثير تساؤلا مشروعا عن مصير النساء فيما لو كان وجودهن مع ازواجهن من المقاتلين، بناء على التزامات زوجية أو عائلية كما تقول روسية معتقلة: «معظم النساء هنا جئن مع أزواجهن، لم نأت للقتال، أو للقتل، جئنا فقط للعيش»، أو حتى قيامهن بأمور إدارية أو ارشادية أو تنظيمية، كما يتضح من شهادة عدد من النساء، وعدم الاشتراك الفعلي بالقتال، سيستدعي تنفيذ حكم الإعدام ، على الرغم من تحذيرات المكتب الأممي لحقوق الإنسان المتكررة حول «انطواء النظام القضائي العراقي ككل على شوائب كثيرة لا تخوله السماح بتنفيذ هذه الإعدامات و عدم تقيد العراق بالتزاماته المعنية بحقوق الإنسان الدولية والمتعلقة بفرض عقوبة الإعدام خصوصا الالتزامات المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية». 
تُحتجز العوائل، حاليا، في معسكرات، يطلق عليها عمال الإغاثة اسم «مواقع عسكرية»، يقع أحدها في حمام العليل، قرب الموصل. من بين النساء حوامل ومرضعات. وقد نُقل عدد من الأطفال إلى دور الأيتام في بغداد. ولعل القناة الفضائية الروسية «روسيا اليوم» هي الوحيدة التي قامت بحملة للعثور على الأطفال الروس واعادتهم الى أقاربهم حيث ستتم رعايتهم وإعادة تأهيلهم، إذا كانوا في سن تسمح بذلك. 
اما بالنسبة الى العوائل العراقية، فيحيط مصيرها الشكوك في أجواء الفوضى والنزوح وانعدام الثقة والاشتباه وروح الانتقام، وان كانت القيم العشائرية ووجود قربى متفهمين قد ساعد على إيواء اعداد من النساء واحتضان الأطفال من قبل العائلة الممتدة. كما تقوم بعض منظمات الإغاثة بأبداء المساعدة ومحاولة إيواء الأطفال، خاصة، على الرغم من محاولة الجميع تجاهل المشكلة بحجة ان حجم كارثة الموصل، مثلا، لا يتيح مجالا للتفكير بزوجات وأطفال مقاتلي منظمة إرهابية. 
تعاني عوائل المقاتلين من بلاد عربية مصير العوائل الغربية ذاته، وان كانت اعدادها بالعراق أقل بكثير مما هو موجود بسوريا.
فعدد التونسيات المتواجدات في سوريا والعراق وليبيا، حسب وزارة الداخلية التونسية (كانون الثاني/يناير 2017) يبلغ حوالي 120 امرأة. سافر نصفهن رفقة أزواجهنّ، والنصف الآخر غير متزوجات ومن بينهن طالبات. عن قضية التونسيات، كتبت الاكاديمية التونسية د. آمال قرامي (المغرب 2017) ملخصة أحلام الملتحقات بالتنظيم بحثا عن «الأمة» ورغبتهن بعد تبدد الوهم بالعودة الى «الوطن»، مشيرة الى ضرورة مناقشة الملف وطنيا وان للموضوع أبعادا قانونية وحقوقية واجتماعية واستخباراتية وبحثية وإعلامية. مؤكدة على ضرورة مواجهة الحقيقة في معالجة القضية وعدم ارجاء النظر فيها والتكتم عليها.
ان انخراط الدول في حروب ونزاعات، مهما كانت مسمياتها، لا يعفيها من التزاماتها المحلية تجاه مواطنيها او الدولية، حسب الاتفاقيات الملزمة. ولحد الآن، ليس للحكومة العراقية برنامج للتعامل مع حالة النساء والأطفال بل وغالبا ما يتعامل القضاء العراقي مع الأطفال كبالغين، بدلا من رعايتهم وإعادة تأهيلهم، وهو اجراء يشير الى مستقبل مظلم ليس للأطفال فحسب بل الى البلد ككل كحاضنة لولادة «داعش» آخر وآخر. فمقياس المدنية والحضارة وتحقيق العدالة لا يقتصر على إنزال العقوبات بالمجرمين المسؤولين عن جرائمهم، سواء كانوا نساء او رجالا، بل في التعامل الإنساني العادل مع المتهمين والضعفاء المهمشين. ذلك إذا كانت النية حقيقية في معالجة جذور الإرهاب لا تمديدها.

٭ كاتبة من العراق

 

تساؤلات حول صلاحية السفير

العربي للدفاع عن حرية التعبير

هيفاء زنكنة

 

أصدرت ست منظمات حقوقية مصرية بيانًا عبرت فيه عن أسفها لترشيح السفيرة مشيرة خطّاب لمنصب مدير عام المنظمة الدولية للعلوم والثقافة «اليونسكو». وهي خطوة غير مألوفة في بلداننا حيث تسارع المنظمات والمؤسسات، عادة، لمباركة اية خطوة تدفع مسؤولا محليا للفوز بمنصب دولي. استندت الست منظمات وهي: الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، مركز النديم لمناهضة التعذيب، مركز أندلس لدراسات التسامح، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، ونظرة للدراسات النسوية، الى سببين. السبب الأول عام يتعلق بكون السفيرة مشيرة خطاب تحتل منصبا رسميا « ممثلة لدولة معادية لحرية التعبير وحرية استخدام الانترنت، تفرض الرقابة على الصحف وتحبس عشرات الصحافيين، والعاملين بالمجال الإعلامي، وتحجب مئات المواقع بقرارات بوليسية». السبب الثاني معني بمواقف السيدة مشيرة خطّاب بالتحديد وما يراه الموقعون «الصمت المتواطئ للمرشحة عن تعدي الحكومة المصرية السافر على حرية التعبير». وجاء في البيان عدة أحداث كان يجب اتخاذ موقف منها، من بينها إغلاق سلسلة مكتبات بالأحياء الشعبية، الا انها اختارت الصمت تجاهها.
إن اثارة قضية كهذه، من قبل منظمات حقوقية محلية، يُشكل ما يجب ان تقوم به منظمات المجتمع المدني تجاه الحكومات، أيا كانت، لصالح المواطن. وهو يصب، في هذه الحالة، في صلب عملها حين لا يتم الاكتفاء بالمساءلة القانونية بل يتعداها الى مساءلة الموقف الأخلاقي، المتبدي، بالإضافة الى الدور الفعلي، بصمت المسؤولين على انتهاكات حقوق الانسان، أما حفاظا على المنصب كما في معظم الدول العربية، أو حفاظا على المصلحة الشخصية ومحاصصة الفساد كما يحدث في العراق، اليوم، كنموذج يستحق ساسته الرصد. بل ويتعداه الى تحميلهم المسؤولية، في حال مساهمتهم، بأي شكل من الاشكال، بانتهاك حقوق الانسان، خاصة، دعاة تمثيل الشعب منهم. وقائمة انتهاكات وخروقات حقوق الانسان، بالعراق، طويلة. تبدأ من مداهمة البيوت والاعتقالات والتعذيب والتهجير القسري وتنتهي بأفق مظلم من قمع للحريات، تتخلله التفجيرات والقصف الجوي. المسؤولون كُثُر، وإن لم يشترك بعضهم بشكل فاعل فأن «التراجيديا الكبرى ليست الاضطهاد والعنف الذي يرتكبه الأشرار، بل صمت الأخيار على ذلك». كما يقول زعيم حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الراحل مارتن لوثر كنغ. يمثل الصمت تواطؤا في الفعل ودرعا واقيا للعديد من المسؤولين والنواب والأحزاب، يشهرونه، عند الحاجة، للظهور بمظهر أخلاقي، حين يتوجب عليهم اتخاذ موقف قد يكلفهم ثمنا ما. فالنائب العراقي يطلق صرخات الاحتجاج، الذي لا يعني التنفيذ بالضرورة، إذا ما ألَمَت بطائفته مشكلة، ويلتزم الصمت حيال ذات المشكلة عند طائفة أخرى. 
الصمت، هو سلاح معظم النائبات، أيضا. فمن بين 82 نائبة في البرلمان، أي ما نسبته 27 في المئة من الأعضاء، وهي نسبة نُحسد عليها، نكاد لا نسمع لمعظمهن نأمة احتجاج أو اعتراض مهما أصاب المرأة، ولن أقول الرجل، من مصائب. انهن سيدات الصمت، يتوارين خلف حجابه بانتظار أمر من الحزب أو فتوى دينية. والطامة الكبرى، انعكاس ذلك على تشريع القوانين، فمشروع إقرار قانون الحماية من العنف الاسري، مثلا، تطلب زيارة وفد من لجنة المرأة والطفل « الى المرجعية الرشيدة في النجف الاشرف واستحصال عدم معارضتها». 
وإذا حدث ونطقت احداهن فإنما لتدافع عن حزبها او منصبها مُكَذِبة الضحايا، لينطبق عليها المثل الإنكليزي القائل» هل من حاجة للأعداء بوجود هكذا أصدقاء؟»
مثال ذلك موقف عضو لجنة المرأة والطفل والأسرة النيابية هدى سجاد من التقرير الذي قدمته لجنة حقوق الإنسان النيابية في 2012/12/02 بخصوص الانتهاكات البشعة التي تتعرض لها السجينات، واصفة إياه بانه «مثير للمشاكل». وذهبت أبعد من ذلك لتقدم صورة مشرقة عن واقع، يعرفه العراقيون جيدا، وطالما وثقته المنظمات الحقوقية المحلية والدولية. قالت السيدة النائبة: « فالقائمون على السجون متعاونون مع السجينات بطريقة انسانية، إضافة إلى أنهم يجلبون الحليب وغيرها من المستلزمات لأطفالهن الرضع». 
في ذات الطريق، أي الاستهانة بكرامة المرأة، سارت النائبة عن محافظة نينوى جميلة العبيدي، حيث نطقت، في 1 آذار / مارس، مطالبة بتشريع قانون يشجع الرجال على تعدد الزوجات بل وصرف حوافز مالية لهم، مطالبة زميلاتها النائبات والنساء، عامة، الى رفع شعار «نقبل بعضنا شريكات لحماية بعضنا» ونبذ «ثقافة المرأة الواحدة» ، كطريقة لحل مشاكل « الارامل والعوانس والمطلقات» حسب منظور النائبة التي لا تجد حرجا في المساهمة بإعادة المرأة العراقية عشرات السنين الى الوراء بدلا من العمل مع بقية النائبات ، على الأقل، على إيجاد حلول وسن تشريعات تنموية اقتصادية تساعدها على تجاوز وضعها، الحالي، المتشابك مع سوء وضع المواطنين عموما. وماذا لو كانت الخطوة الأولى ضمان صرف راتب الزوج الراحل لبضع سنين تستعيد بها الأرملة توازن حياتها، او المعونات المادية للمرأة شخصيا بدلا من القبول في أسوأ أوقات ضعفها بزوج المستقبل؟ 
وإذا كانت خطوة النائبة قد تعثرت بعد ان جوبهت بالسخرية والنقد اللاذع عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبالتالي عدد من النائبات، الا ان ذلك لم يدفع البرلمانيات المعترضات الى البحث الجدي وإيجاد البديل لحل قضية الأرامل والايتام واعدادهم المتزايدة، بشكل مستمر، منذ احتلال البلد عام 2003. وتسللت رطانة « التضامن» مع المرأة بعد إضافة مفردات « تحقيق السلام» و» نبذ العنف» الى خطب كل النواب والساسة لتصبح جزءا لا يتجزأ من تصريحاتهم ومقابلاتهم ، كما هو خطاب منظمات المجتمع المدني والمنظمات النسوية خاصة. بات الخطاب، مكررا، مشروخا، يبدو وكأنه مكتوب من قبل شخص واحد، وفق صياغة جاهزة، ليس بالمستطاع الخروج عليها، والا غضبت الدول والمنظمات الدولية المانحة. الاهم من ذلك عدم وجود النية الصادقة لأحداث تغيير حقيقي لصالح المرأة كمواطنة تتمتع بحقوق الانسان، سواء كان المسؤول الحكومي ناطقا أو صامتا. 
قد لا تكون حالة السفيرة المصرية مشيرة خطاب مطابقة للوضع العراقي تماما، فلكل بلد خصوصيته، سواء على صعيد المسؤولية السياسية أو منظمات المجتمع المدني. الا ان خروج ست منظمات حقوقية ببيان مشترك يخرج على خطاب التأييد الرسمي، الحكومي والديني، يستحق التوقف عنده ولو من باب المراجعة، والرصد، والمقارنة، وطرح التساؤلات وعدم الاكتفاء بشن حملة «دول منظمات جاسوسية مش حقوقية».

٭ كاتبة من العراق

 

 

ما بعد الاستفتاء بالعراق…

أفي المقابر متسع لضحايانا؟

هيفاء زنكنة

 

بخوف شديد، يراقب المواطن العراقي قرع طبول الحرب، بعد اجراء استفتاء أقليم كردستان، متسائلا عما إذا كان هذا معنى مرحلة «ما بعد داعش»، فهو يعرف جيدا معنى تبادل الاتهامات وفرض العقوبات وما ستقود اليه من اقتتال طالما عاش في ظله.
فمن ولد في الخمسينيات يتذكر جيدا حرب الستينيات ضد «خفافيش الظلام»، أي المقاتلين/ المتمردين الكرد بقيادة ملا مصطفى البارزاني (والد مسعود البرزاني، رئيس الإقليم، وجِد رئيس وزرائه نيجرفان والعديد من مسؤولي الإقليم الآخرين). إذ كانت نداءات الحماسة المبثوثة في الإذاعة العراقية وقتها، منذ الصباح حتى المساء، تستنهض همم الجنود لقتال المتمردين «عليهم إخوتنا، عليهم». ولم يكن الرئيس الراحل عبد السلام عارف معروفا بالفهم واللباقة، لذلك لم يأخذه أحد بشكل جدي حين ألغى هوية الكرد القومية مصرحا بأنهم «عرب الجبال». 
وإذا كان مسعود البرزاني، قد اختار، بانتقائية سياسية، ان يتحدث اليوم عن جرائم الحكومات العراقية المتعاقبة ضد الكرد، فأنه تغافل عن ذكر الدستور العراقي لعام 1959، الذي نص على ان العرب والكرد شركاء في الوطن. وتناسى رفضا عاما من الشعب العراقي للحرب في كردستان عبر السنوات، كما تعامى عن سردية التعاون السري بين قيادة الكرد وإسرائيل، في الستينيات، في وقت مبكر جدا، من تاريخ التوافقات السرية مع الكيان الصهيوني، بوعي كامل لما للقضية الفلسطينية من قدسية مبدئية لدى الشعب العراقي، وبكون الكيان الصهيوني عدوا، والتعاون معه، كما في كل الدول، خيانة عظمى. تجاهل البرزاني، أيضا، ذكر ان حكومة حزب البعث «القومي العربي»، هي التي شَرَعت الحكم الذاتي للكرد عام 1970، وانه، أي البرزاني، لجأ إلى الحكومة المركزية، ببغداد عام 1996، عندما كان الاقليم تحت الحماية الدولية وبقية العراق تحت الحصار، مستنجدا لأنقاذه وحزبه ليس من «العرب» بل من مواطنيه وشركائه الكرد المنتمين إلى حزب آخر هو الاتحاد الوطني الكردستاني، بقيادة جلال الطالباني. ولم يكن اقتتال بيشمركة الحزبين، على مدى أربع سنوات، حوالي أربيل، اقل شراسة من هجوم جنود الحكومة المركزية في أي وقت سابق. 
والأهم من ذلك، تناسى البرزاني التلاحم الاجتماعي، التاريخي، المميز للمجتمع العراقي من شماله لجنوبه، المبني على التزاوج بين مختلف أبناء الشعب، بغض النظر عن القومية والدين والمذهب. اذ قلما توجد عائلة عراقية، في أية محافظة كانت، نقية القومية أو الدين أو المذهب. 
ويأتي تبرير البارزاني في مؤتمره الصحافي، الذي حظي بتغطية عالمية، عشية الاستفتاء، على الرغم من دعوات «التوسل» و»التهديد» المحلية والإقليمية والدولية، لتأجيله إلى حين، وليس الغائه، درسا بليغا في أعادة كتابة التاريخ بمنظور تلفيقي. اذ قدم البرزاني نفسه والساسة الكرد وهم يمتطون صهوة جواد أخلاقي، يبرئ ذمة القيادة الكردية ويغسل يديها من الجرائم، المرتكبة سوية مع بقية الساسة، في الحكومة المركزية، بحق الشعب العراقي، كله بلا استثناء، في أعوام الاحتلال. 
جرائم بشرية وتخريب متعمد لا على صعيد الدولة والبنية التحتية، فحسب، بل وعلى صعيد مأسسة الفساد، والتمييز الديني، والمذهبي، والقومي. حيث عملوا، بشراكة لا مثيل لها، على تجزئة القضايا الإنسانية، وصار الظلم أنواعا وأجناسا، تقع مسؤولية ادانته على ساسة طائفة أو عرق أو دين معين، دون غيره. فالسياسي الشيعي متخصص بالرطانة باسم طائفته والسني والكردي والتركماني واليزيدي لا يتطرقون، ولا يبكون، أو يغمى عليهم، في البرلمان الا دفاعا عن قوميتهم او طائفتهم. والأدهى من ذلك، قيام كل فئة باتهام الفئة الأخرى، بتكذيب وتضخيم المظالم، بدلا من اللجوء إلى القانون والتحقيق في صحتها، وبالتالي العمل على تحقيق العدالة.
هذه النقطة، أي شراكة الصمت، والمساهمة، بشكل مباشر وغير مباشر، في الجرائم التي ارتكبها وسَبَبها الاحتلال، والمصنفة حسب عشرات التقارير الدولية بانها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، اختار البرزاني تجاهلها مستفيدا من إمكانية تجييش العواطف، مُركزا على «جرائمهم» «ضدنا». وهو خطاب شعبوي، غالبا، ما يلجأ اليه القادة أو الساسة، عموما، في حالة احساسهم بخطر داخلي يهددهم. وهناك في صفحات التاريخ أمثلة لا حصر لهان حول الحاجة إلى خلق عدو خارجي يُشعر الشعب بالخطر، فيبادر الشعب بالالتفاف حول القائد، على الرغم من استبداده ومعارضتهم له، لشعورهم بأولوية الدفاع عن الوطن والأمن القومي. ولعل أوضح مثال على ذلك، شن الإدارة الأمريكية حملة «الحرب على الإرهاب» لتحويل الأنظار عن انخفاض شعبيتها، وأزمتها الاقتصادية الكبيرة، وتقلص دائرة تأثيرها عالميا. فصار تصنيع «العدو» ضرورة ملحة. وأثبت ساسة العراق، بعربهم وكردهم، انهم نجباء في تقليد السيد، في هذه المجال على الأقل. 
النقطة الجوهرية، الأخرى، التي تجاهلها البرزاني، مماثلا بذلك شركائه من ساسة العملية السياسية، ببغداد، هي الاستنجاد بحماية الأجنبي والتعاون معه على غزو البلد واحتلاله، ومن ثم نهبه، سواء كان الأجنبي قوة إقليمية او أرادة دولية. 
أبواب البلد مشرعة امام كل من هب ودب، كل حسب مصلحته: من أمريكا وبريطانيا إلى فرنسا وإيران وإسرائيل وتركيا. الحدود مهترئة تتناوب على قصف قراها تركيا وإيران، الأجواء تهيمن عليها طائرات التحالف وطائراته بلا طيار، الأرض تتنازعها الميليشيات والبيشمركة والقوات الإيرانية والأمريكية وقوات حكومة فاشلة وبقايا تنظيم «الدولة الإسلامية». الشعب منهك جراء الفقر، والبطالة، وإرهاب الحكومة، والتنظيمات المسلحة والطائفية، والتهجير القسري، بينما لا يكف الشريكان، في بغداد وكردستان، عن النزاع حول محاصصة الفساد، ويتباريان في تكرار خطابات القومية والاستقلال من جهة الإقليم والوطنية والسيادة من جهة بغداد، في محاولة لطمر حقيقة فسادهما وجرائمهما، في حفرة يغطيانها بالإسمنت، كما يفعل افراد عصابة المافيا حين يدفنون أحد ضحاياهم.
ان فرض العقوبات على الأقليم لن يؤثر على سلالتي القيادة الكردية، أي آل البرزاني وآل الطالباني، بل سيكون المواطن هو الخاسر الأول والأخير. اما المنتصر، وكما في كل حرب، سيكون هو مُصَنِع السلاح الدولي وسمسار الصفقات المحلي وهما متوفران ضمن الطرفين، المتدافعين للقتال، في أجواء استغفال واستهانة بالشعب المتعب إلى حد استعداده للتصويت للسيئ من الأسوأ وليس الخيار الأفضل. هذا الدفع لتكريس ما يبدو اختيارا مُغلفا بورق الانتخاب أو الاستفتاء، يتحمل شريكا العملية السياسية مسؤوليتها، وإذا كان رئيس الوزراء حيدر العبادي يتهم البارزاني بلا قانونية الاستفتاء ووضع الحكومة امام الامر الواقع، فأنه يتعامى عن حقيقة أنه هو وحزبه والساسة المحيطين به هم أبناء الأمر الواقع الذي فرضه المحتل، ولايزال، لتجسد حكومتا بغداد والأقليم حقيقة ان «شهاب الدين أسوأ من أخيه». وأملنا الا يقف أبناء الشعب صفوفا أمام المقابر لدفن ضحايا جدد، فالأرض لم تعد تتسع للمزيد من الموت.

٭ كاتبة من العراق


 

 

مجلس الأمن يدفن

جرائم غزو العراق

هيفاء زنكنة

 

أصدر مجلس الأمن، في 21 سبتمبر/أيلول، قرارا ينص على « تشكيل فريق تحقيق لجمع وحفظ الأدلة عن الجرائم الخطيرة التي ارتكبها تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) «. وهي خطوة كان بالإمكان ان تكون مهمة جدا، على مستوى أبعد مما تنص عليه، لتوثيق الجرائم، ومحاسبة مرتكبيها وتعويض المتضررين. أي كان بالإمكان ان تُصبح جزءا من تحقيق العدالة الانتقالية، من خلال العمل على كشف حقيقة أحداث ستبقى حية، لفرط بشاعتها وما سببته من أضرار، في ذاكرة العراقيين على مدى سنين مقبلة. فجاء اقتصار تحقيق مجلس الأمن بجرائم (داعش) انتقائيا يتوخى اضاءة زاوية واحدة من الجرائم المرتكبة بحق العراق بينما يُغلف بقية الجوانب بعباءة من الظلام.
هل هو قرار متعمد لطمر مسؤولية الدول، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، في غزو العراق وتفكيك دولته، وجيشه، ونصب حكومات طائفية فاسدة، لم تبق أي بند من بنود حقوق الانسان الا وانتهكته منذ عام 2003 وحتى اليوم، بذريعة محاربة الإرهاب؟ ألم يَطلع مجلس الأمن على سجل الجرائم التي ارتكبتها قوات الغزو الأنكلو أمريكي التي لو أُتيح وزنها لبلغت الأطنان؟ من التعذيب المروع في أبو غريب إلى استخدام اليورانيوم المنضب على المدن التي لاتزال مهدمة ونسائها يلدن أطفالا مشوهين، إلى جرائم المرتزقة الذين، باعترافهم، كانوا يتسلون بقتل المدنيين، إلى مجزرة حديثة وساحة النسور ببغداد، إلى قصف المدن باسم « التحالف الدولي» وتبرير وشرعنة قتل ودفن الضحايا من المدنيين تحت الأنقاض باسم «التحرير»؟ ألم يسمع قادة العالم « الحر» صوت منظمات حقوق الانسان العراقية المطالبة، المرة تلو المرة، منذ سنوات، بالتحقيق في جرائم لم يعد بالإمكان السكوت عنها؟ جرائم ترتكبها القوات الأمنية العراقية التي يشرف على تدريبها كل من أمريكا وبريطانيا بين دول أخرى ترفع راية الدفاع عن حقوق الانسان، عاليا؟ ماذا عن الأفلام والفيديوهات الموثقة لشهادات المعتقلين الذين يعانون من التعذيب بأنواعه والذي يمتد التعذيب إلى عوائلهم ليصبح عقوبة جماعية مدانة من كافة القوانين الدولية؟
قوبلت الجرائم المرتكبة، بأنواعها، وبضمنها سياسة التغيير الديموغرافي ومنع النازحين من العودة إلى مناطقهم وبيوتهم، وحملات التصفية الجسدية للصحافيين والعلماء والأكاديميين بالصمت المطبق. المفارقة، التي نشهدها الآن، ان الدولة التي قدمت مشروع القرار إلى مجلس الأمن هي بريطانيا بعد أن تعاونت مع النظام العراقي على إنشاء هيئة تحقيق في جرائم (داعش) بالعراق. ومنبع المفارقة انها ذات الدولة التي ساهمت بشن حرب عدوانية، غير قانونية ضد العراق، برئاسة توني بلير المتهم بأنه مجرم حرب، وارتكبت قواتها جرائم أوقفت التحقيق فيها، بعد ان تبين انها تجاوزت الادعاء بوجود « تفاحة فاسدة» واحدة. 
في تقريرها الأخير المعنون « مجلس الأمن: إهدار فرصة للعدالة الشاملة»، الصادر منذ أيام، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، إن مجلس الأمن الدولي ضيّع فرصة أساسية للتصدي لجرائم الحرب والانتهاكات الحقوقية المرتكبة من قبل مختلف أطراف النزاع في العراق. وأكدت بلقيس جراح، مستشارة أولى للعدالة الدولية في المنظمة أن التحقيق في الفظائع التي ارتكبتها (داعش) في العراق ضرورية «لكن تجاهل انتهاكات القوات العراقية والدولية لا تشوبه عيوب فحسب، إنما ينقصه أيضا بعد النظر. فالعدالة لازمة لجميع الضحايا الذين شهدوا تعذيب وقتل أحبائهم أو أُحرقت بيوتهم وقُصفت، بغض النظر عن الطرف المسؤول».
وإذا سايرنا مجلس الأمن بتناسي جرائم ما قبل داعش، فان الاستهانة بحقوق الانسان من قبل القوات العراقية وميليشيات الحشد الشعبي تبقى جسيمة في وضع يماثل الغابة في لا قانونيته. خاصة حين يلقى القبض على أحد الأشخاص المشتبه بانتمائه إلى داعش فيتعرض إلى التعذيب والاعدام الفوري بدون ان يقدم إلى القضاء. ولأن انتهاكات حقوق الانسان والاعدامات تمر بدون مساءلة، يسود الأحساس بين قوات الأمن والميليشيات بأنها تتمتع بالحصانة من العقاب مهما ارتكبت، وأنها خارج القانون. 
طالب الاتحاد الأوروبي و»مفوضية حقوق الإنسان»، بالأمم المتحدة، العراق بالانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، ما يسمح بملاحقات قضائية على الجرائم الجسيمة التي ارتكبتها أطراف النزاع جميعا، إلا ان رئيس الوزراء حيدر العبادي أخبر « هيومن رايتس ووتش»، في مارس/آذار 2016، إن العراق لا يعتزم الانضمام. وتعتقد المنظمة «أن السبب هو خشية أن تتمكن المحكمة من فحص الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها قوات الأمن الحكومية والشرطة الاتحادية وقوات الحشد الشعبي وقوات الأمن الكردية». وعلى الرغم من وعوده المتكررة، « لم يُظهر العبادي بعد محاسبة السلطات العراقية لجندي واحد على أعمال قتل وتعذيب العراقيين أو غير ذلك من الانتهاكات في هذا النزاع». 
وكان « مركز جنيف الدولي للعدالة» قد وثّق في جميع رسائله ونداءاته انتهاكات عديدة بحجّة محاربة تنظيم داعش، بما في ذلك التعذيب والاغتصاب والإعدام بإجراءات موجزة والاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القضاء.
ويشترك المركز مع المنظمة في دعوة الأمم المتحدة إلى إجراء تحقيقات مستقلّة بشأن الجرائم التي ارتكبت والضغط على الحكومة العراقية لمساءلة الجناة وتقديمهم للعدالة. والتذكير المستمر بأن انتهاكات قوات الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان و»قوات الحشد الشعبي» تعود إلى زمن بعيد، وإنها لاتزال مستمرة، في العديد من المناطق، آخرها محافظة تكريت التي هاجمتها قوات الحشد وأجبرت السكان على النزوح ونهبت البيوت، منذ أيام، وان المعركة ضد داعش أعطت هذه القوات المجال لتنفيذ انتهاكات تحت غطاء مكافحة الإرهاب.
وفي رسالة وجّهها، بتاريخ 13 تموز/ يوليو 2017، إلى السيد المفوّض السامي لحقوق الانسان، اكدّ مركز جنيف الدولي للعدالة أنّ التحالف الدولي بقيادة الولاياتِ المتحدة الأمريكيّة، والقواتِ العراقيّة قد ارتكبَا انتهاكاتٍ جسيمة وممنهجة، يضاف إلى ذلك الجّرائم البشِعة التي ارتكبتها ميليشيات الحشد الشّعبي. ولغرض وضع تدابير للمساءلة القانونية، طالبَ المركز إنشاء لجنة دوليّة مستقلة للتحقيق في الانتهاكات التي ارتكبت في العراق وانشاء محكمة جنائيّة دولية، لمحاكمة مرتكبيها وتحقيق العدالة للشعبِ العراقيّ.
ان قرار مجلس الأمن، الانتقائي سياسيا، الأحادي الجانب، لن يحقق العدالة التي يجب ان يتمتع بها جميع المواطنين، بلا استثناء، إذا ما أريد للعراق ان يتعافى من دورة العنف والإرهاب، سواء كان مرتكبوها افرادا او جماعات او دولا.

٭ كاتبة من العراق

 

 

كيف يعالج

العراق نفسيا وعقليا؟

هيفاء زنكنة

 

«أربعون في المائة من الأطفال العراقيين يعانون من أمراض عقلية». تقول د. الهام الدوري. وتواصل سرديتها لفاجعة الأمراض النفسية والعقلية، بالعراق، قائلة «كذلك الحال بالنسبة إلى 17 في المائة من الشباب، مما يجعل عدد الشباب المصابين بمستويات متباينة من الأمراض النفسية والعقلية يساوي خمسة ملايين وسبعة أعشار المليون، بالمقابل هناك 100 طبيب مختص، فقط، داخل العراق». وحين تتحدث د. الدوري فانها تدعم كل ما تقوله بالدراسات والاحصائيات عن فاجعة، تضيف بعدا جديدا، إلى حجم معاناة الشعب العراقي، على كل المستويات.
قد لا يكون التصريح صادما، لو ردده صحافي أو أديب، أو قام أي منا بالاشارة اليه، فربما نكون قد لاحظنا الاعراض، وان لم نكن من ذوي الاختصاص، وربما حاولنا ان نتندر على حالنا، فهذه طريقتنا كعراقيين، لايجاد السبل، مهما كانت ضيقة، لمواصلة الحياة. لكن سماع هذا من طبيبة ذات خبرة عملية كبيرة، ومستشارة بأعلى مستوى في وزارة الصحة البريطانية، كان له وقع يماثل من يحاول التنفس، وعلى صدره صخرة كبيرة لا يستطيع زحزحتها. هكذا شعر الحاضرون في الندوة العلمية التي أقامتها منظمة «تضامن المرأة العراقية»، بلندن، وعنوانها « تأثيرات الحرب النفسية والعقلية على العراقيين». فأي مستقبل لبلد يضم مثل هذه النسبة العالية من المرضى؟ كيف وصلنا إلى هذا الوضع المتردي؟ وما هو العلاج؟
هناك جوانب عدة للمأساة، يعود بعضها إلى الثمانينيات، فترة الحرب العراقية ـ الايرانية، وما تلاها من حروب وحصار وغزو وإحتلال. أثناء الحروب، تقول د. الدوري «نحن، غالبا، ما نركز على الجنود والجرحى، ولكن ليس كثيرا على الأحياء. حيث تخلق الظروف الحربية ذكريات وجروح تبقى فترة أطول من الحروب نفسها. أنها تخلق ذكريات مؤلمة تستغرق عقودا للشفاء، مما يسبب ارتفاع معدلات المرض العقلي». 
ان انتهاء الحرب، فشلا أو انتصارا، لا يعني التئام الجروح النفسية. اذ يبقى الأحياء ضحايا جروح داخلية، غير مرئية، وهذه مشكلة كبيرة، تعيق الاندمال، خاصة في مجتمعنا « الذي يعتبر العلاج النفسي والعقلي، أمرا معيبا أو وصمة عار، وهذا يعني أن العديد من الناس يتركون بدون دعم أو علاج، مما يسبب أعراضا جانبية تزيد من سوء وضعهم «حسب د. الدوري. وقد أدى تعاقب الحروب إلى عدم وجود وقت كاف للتعافي، مما سبب وجود «أجيال من العراقيين الذين لم يعرفوا سوى الحرب».
واذا كانت سنوات الحروب السابقة لعام 2003 قد سببت اصابة العراقيين بأعراض الاكتئاب واليأس والصدمة الملازمة لما بعد الحرب، فأن غزو العراق، بقيادة أمريكا، وحملة قصف «الصدمة والترويع»، وكما يشير العديد من الدراسات، ادى إلى «ارتفاع مقلق في الوفيات والاصابة بالعجز والنزوح». فعملية «تحرير» الموصل، لوحدها، أجبرت حوالي مليون شخص على ترك بيوتهم هربا من الوضع المخيف، وحولت المعركة المدينة إلى خرائب غير صالحة للسكن.
ما هي الأعراض العامة المعيقة للحياة الطبيعية؟ تلخص د. الدوري الأعراض قائلة: «الاكتئاب مشكلة متنامية بين الأمراض النفسية الأخرى. اضطراب ما بعد الصدمة مشكلة شائعة جدا في السنوات العشرين الأخيرة. وتنشأ هذه الحالة عندما يتعرض شخص ما لتجربة أو حادثة تهدد الحياة. وتشمل الأعراض استعادة ذكريات حية من الحدث المؤلم، والأرق والقلق فضلا عن الاحساس باليأس والاحباط».
أما الأثر النفسي للحرب والتشرد على الأطفال، خاصة، فقد تناولته جوان بيكر، منسقة منظمة « الأطفال ضحايا الحرب»، مشيرة اولا إلى ما يتعرض له الاطفال اثناء الحروب من أخطار جراء القصف الجوي للمناطق المدنية، والهجرة القسرية، سواء كانوا مع ذويهم أو اذا انفصلوا عن أولياء أمورهم. حينئذ يصبحون أهدافا سهلة للاتجار بالبشر والاختطاف والرق الجنسي والتجنيد القسري. يعاني الأطفال من الجوع خلال الحصار من قبل القوات المسلحة. استهداف المدارس الذي يؤدي إلى التسرب فيشعر الأطفال بلا جدوى التعليم. ولا يخفى تأثير الإجهاد المناخي على الأطفال حيث یعاني النازحون من الظروف المناخیة القاسیة، حين یعیشون في خیمة مؤقتة تحت قسوة حرارة الصیف والبرد شتاء. 
تسبب هذه الاوضاع غير الانسانية إلى انكماش الطفل نفسيا أو التصرف بشكل عدائي ضد الآخرين بالاضافة إلى القلق المستمر والكآبة واضطراب النوم. حيث يخشى الطفل النوم بسبب الصدمة والكوابيس. يصاب بعض الاطفال باضطرابات الكلام وعدم القدرة على التمييز بين الماضي والحاضر. فهم يستعيدون أهوالهم في كل وقت ولا يستطيعون الهروب منها ولا يركزون مما يعيق التعلم والقدرة على أداء المهام اليومية ولا يستطيعون الاسترخاء لاعتقادهم أن شيئا سيئا سيحدث سيئا.
إزاء هذا الوضع، ما الذي يجب عمله؟ 
«هناك حاجة ملحة لوضع الطب النفسي في خطط الرعاية بعد الحرب. وهذا أمر ضروري لأن الرعاية الصحية والبنية التحتية العراقية قد تضررت بشدة وأوجدت نقصا في الأطباء. يحتاج السكان إلى الحصول على الرعاية الصحية النفسية كجزء من عملية إعادة الإعمار والتي لا تعتبر من الأولويات، حاليا، بالمقارنة مع القضايا الطبية الأخرى. هناك، أيضا، حاجة ماسة لإنشاء مراكز رعاية الصحة العقلية»، هذه بعض مقترحات د. الدوري وتؤيدها جوان بيكر في وجوب توفير الرعاية النفسية والعقلية كأولوية في مجال الرعاية الصحية، بالاضافة إلى المساعدة الاجتماعية/الأمومية. بمعنى المساعدة في دعم الاستقرار الأسري، الضروري جدا لتوفير جو الأمان للطفل، هنا تبرز أهمية العمل السريع على اعادة النازحين إلى بيوتهم. إذ يمثل استقرار العائلة واعادة الاطفال إلى مدارسهم، نواة استقرار المجتمع. وتنبه جوان إلى أهمية ان تكون المدارس فعالة في سيرورة الرعاية وإعادة تأهيل الأطفال نفسيا وعقليا كخطوة أولى في اعادة تأهيل المجتمع. 
ان إيجاد علاج حقيقي للامراض النفسية والعقلية والتي بات من المؤكد انتشارها بين شريحة واسعة من المجتمع المرهق بالحروب والغزو، يتطلب مبادرات حكومية للعلاج الفردي والجماعي بالاضافة إلى المبادرات الفردية وحث المنظمات الدولية على تقديم العون. هذه الجهود، يكمل بعضها الآخر، فحجم المأساة أكبر من ان تقوم بها جهة واحدة، مع توفر بيئة آمنة بلا حرب. وهي ليست مهمة مستحيلة. فالتاريخ المعاصر يعطينا أمثلة عن شعوب تعافت بعد حروب مدمرة مثل ألمانيا واليابان وفرنسا. النقطة المهمة هي توفر النية الحكومية المبنية على الايمان بالشعب ووضع حد لروح الانتقام. وهذا ما نفتقده في الوقت الراهن.

٭ كاتبة من العراق

 

 

هل تختلف عنجهية المستبد

الكردي عن المستبد العربي؟

هيفاء زنكنة

 

«في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر الجاري سيتم التصويت على الاستقلال، لكن سيستمر الحوار مع بغداد بعد ذلك حول الحدود والنفط والمسائل الأخرى»، أكد مسعود البارزاني، رئيس إقليم كردستان، في العديد من مقابلاته الصحافية الأخيرة. سيستهل الاستفتاء، إذا ما تم تنفيذه، فترة فاصلة بين العراق الذي نعرفه، بحدوده، ووحدة أراضيه، وشعبه، والعراق الذي سيكون. عراق لا نعرف عنه غير تصريحات سياسية يطغى عليها الادعاء، والمزايدة، والفبركة، والتهديدات المختلطة بالأوهام والوعود، بتحقيق حلم مبطن بالمجهول. 
ظاهريا، هناك طرفان رئيسيان يتجاذبان البلد، هما الحكومة المركزية وحكومة الإقليم، في صراع يتخلله الابتزاز الاقتصادي والسياسي. كان الطرفان يعيشان شهر عسل في ظل «العملية السياسية» التي أسسها المحتل، إلى أن انخفضت أسعار النفط فأثر ذلك على محاصصة النهب وتهريب النفط المسكوت عنه من قبل الطرفين. فبرزت مع تدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع أصوات التذمر، والاحتجاج الشعبي على انتشار الفساد، والثراء الفاحش المحصور بأيدي القيادات الحزبية، أداة الابتزاز السياسي والاقتصادي التي تسميها الحكومة المركزية الروح «الوطنية» وتسميها رئاسة الإقليم الروح «القومية». فصار التوقيت، بالنسبة إلى البارزاني، مناسبا للمطالبة بالطلاق المؤجل/ الانفصال/ الاستقلال، من الطرف الذي توافق معه منذ تسعينيات المعارضة ضد نظام البعث. كانت السيرورة تدريجية وإن تظاهر ساسة الحكومة المركزية بالذهول لموقف البارزاني متهمين إياه بتقسيم العراق والعمالة لصالح قوى عالمية وعلى رأسها الصهيونية، متعامين عن حقيقة إنهم جميعا، بذات الوجوه والأحزاب، كانوا على مدى عقود يخططون لتقاسم الغنائم في المركب السائر نحو تفتيت البلد. 
من ذلك المركب، أكد البارزاني: « للحركة الكردية هدفان، هدف مرحلي، وهدف استراتيجي، الهدف المرحلي يناضل الشعب الكردي في الوقت الحاضر في سبيل الحصول على حقوقه مستندا إلى المبدأ القانوني للحكم المحلي القومي في نطاق الدولة العراقية. الهدف الاستراتيجي أن الشعب الكردي كان ولايزال أحد الشعوب الأصيلة القاطنة في منطقة الشرق الأوسط، وقد امتدت جذور وجوده عميقة عبر عصور موغلة في القدم. إن الاعتراف بحق تقرير المصير ليس سوى خطوة أولية في طريق التثبيت القانوني لحق تقرير المصير القومي». ليس هذا تصريحا أطلقه البارزاني منذ أيام بل في 3 شباط/فبراير 1991 ( مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط)، وهو واحد من تصريحات عدة رد بها، أثناء جولته الأوروبية، عام 1992، التي شملت بريطانيا وفرنسا وألمانيا، على سؤال: ماذا يريد الأكراد؟
كان ذلك عام 1992، ماذا عن اليوم، بعد أن تم تأسيس إقليم كردستان المستقل، عمليا، برئاسته وبرلمانه وجيشه؟ هل السؤال هو ماذا يريد الأكراد أو ماذا يريد البارزاني؟ وهو السؤال ذاته المطروح على الحكومة المركزية حين يدعي ساستها بأنهم يتحدثون باسم الشعب العراقي. هل يمثل البارزاني، الكرد، حقا، وأن «قرار الاستفتاء هو قرار شعب كردستان»، كما يدعي؟
تشير ملامح الوضع العام في الإقليم، على اختلاف مستوياته، سياسيا واقتصاديا ومجتمعيا، إلى هزالة ادعاء تمثيل الشعب من قبل أية جهة كانت، فكيف إذا كان ادعاء التمثيل سيقود إلى قرار مصيري لأمة محاصرة بمن يناهض القرار إلى حد الاستعداد للقتال، من الحكومة المركزية والميليشيات إلى إيران وتركيا ؟ 
يقول البارزاني «فشلنا في بناء الشراكة مع بغداد لذلك اضطررنا لهذه الخطوة»، هي نقطة تؤشر، بقوة، إلى الوضع داخل «دولة كردستان» في المستقبل القريب. فكردستان، مقسمة، حاليا، مناصفة، بين الحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادة البارزاني، وعاصمته أربيل، والاتحاد الوطني الكردستاني، برئاسة جلال طالباني وعاصمته السليمانية. بينهما يقف حزب « التغيير» الجديد محاولا إيجاد محط رجل، وليس هناك ما يدل على استعداد أي من الحزبين للتنازل حول المكاسب المالية والمناصب السياسية، وفي محاولة لقمع أي موقف معارض قام البارزاني، القائل «نحن الأكراد لا نستطيع العيش بدون الديمقراطية»، بإلغاء البرلمان المنتخب من قبل الشعب، واستوزر أفراد عائلته وعشيرته، مقابل عائلة جلال الطالباني في الجهة المقابلة والتي ورثت السيدة زوجته قيادة الحزب أثناء مرضه. فإذا كان هذا الانقسام مستعصيا ومستمرا، على الرغم من الاستقلال، شبه الكامل للإقليم، منذ غزو العراق عام 2003، فما الذي سيمنع البارزاني، مثلا، حال إعلان «الدولة» أن يعلن «فشل بناء الشراكة» مع السليمانية وبالتالي طلب المساعدة من قوى خارجية لضمها ومحاربة بيشمركة الأتحاد الوطني، كما فعل عام 1996 أثناء سنوات الاقتتال بين الحزبين وراح ضحيته خمسة آلاف من الكرد، فأرسل رسالة في 22 آب / اغسطس، إلى الحكومة العراقية برئاسة صدام حسين، طالبا مساعدة الجيش العراقي « لوضع حد لمؤامرة الاتحاد الوطني وإيران»، مبررا ما قام به ضد أهله من الكرد، بأنه» لوضع حد للانتهاكات بحق السيادة العراقية»! 
يقول البارزاني: « عراق الآن ليس جمهورياً ولا برلمانياً ولاديمقراطياً»، فنسمع صوت رابون معروف، المتحدث باسم حركة «لا للاستفتاء « التي انطلقت من السليمانية في 8 آب/اغسطس، متحدثا عن سلطة البارزاني: « سلطة تمارس الإهانة بشعبنا منذ 26 سنة وترتكب الخروق بحق الحريات ونهب الثروات والأموال العامة… سلطة سياسية وراثية قسمت وطننا على مجموعة من العوائل».
ماذا لو رفضت الحكومة المركزية وتركيا وإيران الحوار ووقفت أمريكا تتفرج جانبا ؟ سألت صحافية البي بي سي في مقابلة يوم 9 أيلول/ سبتمبر. فضاع البارزاني في غياهب «سنحاور» و»سنقاتل»، وكان ختام المقابلة قوله «استغرب أن يتدخل آخرون بشأن داخلي هو من حق الشعب الكردي في تحقيق مصيره»، كأن وصوله وساسة بغداد إلى الحكم لم يتم بواسطة تدخل ما يزيد على الثلاثين دولة بقيادة أمريكا! 
إن مأساة الشعب العراقي، لا تكمن في اختلاف القومية أو الدين أو المذهب، فالعائلة العراقية، نواة المجتمع، غنية بحكم التزاوج، عبر العصور، بكل هذا التنوع. ولاتزال. وطموح الناس بالحياة الكريمة واحد، على الرغم من كل حملات التشويه والتخويف التي يشنها الساسة، فصناعة الخوف مربحة ماديا وسلطويا. إن جوهر المأساة هو الحاكم المستبد واستجارته بقوى خارجية تحميه من أبناء شعبه وتقوي سلطته ولو ضحى بهم جميعا. وفهم الوضع السياسي الحالي بخصوص الاستفتاء وما سيقود إليه، يحتاج مراجعة تاريخ وحاضر ساسة الحكومة المركزية والبارزاني، وكيف ساهموا في خراب البلد، على ضوء تنامي نزعة الاستبداد والعنصرية المعجونة بالفساد، وكيف سيقومون، بـ « الأنا» المتضخمة لديهم، في قتل المزيد من أبناء الشعب الأبرياء.

٭ كاتبة من العراق

 

العراق يرتدي السواد…

صناعة الذاكرة الجماعية الجديدة

هيفاء زنكنة

 

تشير التقارير الحقوقية الدولية والمحلية، بشكل مستمر، إلى انتهاكات حقوق الإنسان، في العراق، خاصة في مجال حرية التعبير. في المقابل، بات من المألوف استنكار النظام لهذه التقارير واتهامها بالتلفيق والتزوير، وفي أحسن الاحوال، يقوم المتحدثون باسم النظام بانتقاء ما يرغبون بترويجه من التقارير وطمس البقية. وشهدت السنوات الأخيرة حصر كل ما يصيب المواطن من مصائب، حتى الخدمية منها، بفترة ما بعد حزيران/ يونيو 2014، أي تاريخ إعلان تأسيس «الدولة الأسلامية» في مدينة الموصل، في الوقت ذاته الذي يتم فيه التعامي عن إرهاب النظام وميليشياته، المتبدية فسادا وطائفية، وإرهاب المحتل المتبدي جرائم ونهبا.
إن انتقائية النظام في التعامل مع حرية التعبير ليست عفوية، بل هناك حملة منهجية، منظمة، لمسح أحداث كارثية مر بها المواطن العراقي، ولا يزال، منذ غزو بلده عام 2003، وليس منذ عام 2014 كما يروج. تهدف الحملة الدولية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والمحلية بقيادة النظام العراقي، إلى غرس أحداث مغايرة تحتل مركز الأولوية لدى المواطن وتعمل، تدريجيا، على تصنيع ذاكرة جماعية يتلقى المواطن أبجديتها عبر وسائط متعددة. إنها عملية تصنيع وأحلال حدث، بدل آخر، لخلق ذاكرة فردية وبالتالي جماعية ليست بالضرورة جزءا من السيرورة التاريخية العضوية للمجتمع، وما ينتج عنها من تراكم معرفي يساعد على الفهم، وتدارك الكوارث غير الطبيعية كالحروب، بل غايتها نشر روح الانتقام والتمييز الطائفي والقومي. 
تؤدي أجهزة الإعلام دورا مهما في تشكيل الذاكرة الفردية وبالتالي الجماعية. وقد أدى التطور التكنولوجي في وسائل الاتصالات والتواصل الاجتماعي، إلى تسريع التشكيل وإجراء تحولات جذرية في التكوينات الرمزية للذاكرة الجماعية. فالتكنولوجيا قادرة على المسح والتشويه والتضخيم بشكل سريع ومؤثر على وعي الفرد، خصوصا إذا افتقدت الحياة اليومية التفاعلات عبر الأجيال وبين السكان في أماكن إقامتهم وعملهم. سبب هذا، كما يذكر جفري أندرو باراش، في كتابه «الذاكرة الجماعية والماضي التاريخي» هو «قدرة هذه التكنولوجيات على محاكاة التجربة المباشرة، وخاصة عن طريق الصورة، حيث تجعل الواقع أكثر وضوحا من تحديدات الذاكرة الجماعية، وغموض الماضي التاريخي الذي يقع، دائما، بعيدا عن متناول الذاكرة الحية».
ومن منظور أعم وأشمل، يقترب من التأثير السياسي والايديولوجي (أي الذي يجمع بين الفكرة والعاطفة)، يؤكد عمل باراش على الطرق التي تختار بها وسائل الإعلام، وتحدد وتنقل أحداثا معينة، ومن ثم تمنحها أهمية تجعلها في متناول الجميع كنسخة تحمل رمزية، معينة، تناسب مصالح محددة. وهي أقرب ما تكون إلى تعريف د. نورمان فنلكلشتين لـ «صناعة الهولوكوست» باعتبارها «منشأ ايديولوجي صنعته مصالح محددة»، في هذه الحالة استثمار انتقائي لجرائم النازية السابقة وتعميمها للتغطية على جرائم الصهيونية الراهنة ولابتزاز أوروبا سياسيا وماليا كالتعويضات. 
وهذا ما يحدث، إعلاميا، في العراق، في ظل «الحرب على الإرهاب»، بقيادة أمريكا. حيث يتم نشر معلومات تحمل معاني تضليلية، يتم من خلالها توجيه الوعي العام، لتشكل ذاكرة جماعية، يعاد من خلالها ترتيب أحداث التجربة اليومية. فالعراقي المحاط، في كل لحظة، بطوفان أفلام وصور وأغان وبرامج تلفزيونية، تتمحور حول تاريخ غامض تطغى عليه الأساطير، تروم تغيير تاريخه، مصورة «الآخر» كعدو، لابد أن تترسب في ذاكرته صورة مستحدثة، مقولبة بأيديولوجيا تزاوج الطائفية بالفساد وتهدف إلى إشاعة الخوف. الخوف الذي يضعف المرء ويجعله أكثر عرضة لقبول الحماية من أي كان، خصوصا إذا كان يعيش مهددا بالحرب. 
ما يزيد من ترسيخ هذه الصورة ـ صانعة الذاكرة، الاحتفالات السنوية، والطقوس الجماعية، والمهرجانات، وإقامة النصب وزيارتها. وهي محطات مهمة في تاريخ الشعوب، غالبا، إلى أن تصبح من عوامل ديمومة المظلومية والابتزاز (الهولوكوست مثالا) والفاشية وتسويق الأكذوبة الجماعية على حساب الحقيقة، وتعجيل ذوبان الفرد بالمجموعة العقائدية ابتغاء الحماية والتخلص من المسؤولية الفردية. 
وإذا كان شهر العسل بين أجهزة الإعلام والنظام العراقي الفاسد قادرا على تغطية الكثير من الانتهاكات، بضمنها ما يمس العاملين في المجال الإعلامي نفسه، إلا أن حجم الانتهاكات المتزايد وهمجيتها، خدش الصورة الناعمة عن حرية التعبير وديمقراطية النظام المتوخى حفرها في ذاكرة الناس عن سنوات الاحتلال و «محاربة الإرهاب». 
ونقرأ في تقارير لجان الدفاع عن الصحافيين، عبر السنين، السابقة واللاحقة لإعلان «الدولة الإسلامية»: «في عام 2011 ظل العراق من أخطر البلدان في العالم على الصحافيين. وصنفت لجنة حماية الصحافيين العراق على رأس قائمتها لمؤشر الإفلات من العقاب لعام 2012 « الذي يركز على عمليات قتل المتظاهرين دون عقاب، وأفادت بأنه لم تحدث إدانات على جرائم قتل الصحافيين منذ عام 2003 «. وينطبق الأمر على السلطات العراقية وحكومة إقليم كردستان الموصوفة بأنها النموذج الحقوقي لبقية العراق. وكان العراق «أسوأ دولة» في مؤشر الإفلات من العقاب الصادر عن اللجنة حول حوادث قتل الصحافيين بدون تسوية، لعام 2013. إذ لم تصدر أية إدانة في أكثر من 90 جريمة قتل لصحافيين منذ عام 2003. أما تقرير الاتحاد الدولي للصحافيين الصادر عام 2016، فقد كرر وصف العراق بإعتباره أخطر دول العالم على الصحافيين. وأصدرت لجنة حماية الصحافيين الدولية، في 23 آب/ أغسطس، تنبيها ينص على أنه «على الرغم من انحسار تواجد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، لم تتحقق زيادة في الاستقرار في البلد، إذ أدى بروز الميليشيات الشيعية من جديد، إلى زيادة المخاطر العامة التي يواجهها الصحافيون في المنطقة»، استنادا إلى سجل الميليشيات «السيء في مجال حقوق الإنسان… حيث تم توثيق ممارسات ارتكبتها بعض هذه الوحدات من قبيل عمليات إعدام بإجراءات موجزة، واختفاءات قسرية، وتعذيب، وتدمير للبيوت» خاصة بعد أن «بات لزاماً على الصحافيين الحصول على موافقات عمل من هذه الوحدات العسكرية ومن الحكومة». وتحذر اللجنة من إمكانية لجوء الميليشيات «إلى العنف كوسيلة لفرض الرقابة على التغطية الصحافية بشأن موضوعات الفساد والعنف والإساءات وانتهاكات حقوق الإنسان».
هذه المخاطر المصاحبة لمرحلة « ما بعد داعش»، المهددة للصحافيين، يعيشها المواطن ويعرف طعمها منذ مرحلة « ما قبل داعش»، وستستمر، ربما، بتصنيفات مستحدثة تلائم تصنيع الذاكرة الجديدة لعراق لا يرتدي غير السواد.

٭ كاتبة من العراق

 

 

دفاتر الناصري عن العراق والفن وذهول الأحياء

هيفاء زنكنة

 

عشرات الكتب تنشر سنويا عن العراق، معظمها لمؤلفين أمريكيين كانوا أو لا يزالون يخدمون في الجيش الأمريكي. شاركوا، لفترات متفاوتة، أما بشكل مباشر في الغزو والقتال أو بشكل غير مباشر في فرهود (نهب) «الإعمار وبناء المجتمع المدني». هذه «التجارب» يتم تقديمها إلى العالم، باللغة الإنجليزية، من منظور المحتل كمحرر يحمل عبء القيام بـ « مهمة أنسانية» أو مغامرة يرتبط أفرادها بصداقة غير عادية لايفهمها أهل البلد المحتل، تدفعهم إلى مقاتلة «متمردين وإرهابيين»، أو كدرس عسكري في محاربة التمرد، يستحق التدريس لأجيال مقبلة من قوات التوسع الامبريالي.
ما يستدعي الملاحظة عند إجراء إحصائية بسيطة لعدد الكتب المنشورة هو كثرة الكتب المنشورة منذ الغزو عام 2003، وحتى اليوم، مقابل ندرة أو انعدام النشر عن المرحلة السابقة للغزو والتي هيأت الأرضية لأكبر عدوان عسكري تشنه أمريكا، منذ اندحارها في فيتنام في سبعينيات القرن الماضي. ينطبق الأمر على النشر عربيا وعراقيا. حيث لا يتجاوز عدد الكتب المنشورة، بأقلام عراقيين مستقلين، عن الفترة التالية للهجوم الثلاثيني الذي أعقب احتلال الكويت وإخضاع العراق للحصار القاتل ( 1991 / 2003)، أصابع اليد الواحدة. لعل أقربها إلى نفوس القراء، عابرا حدود العراق إلى العالم، عمل الفنانة الراحلة نهى الراضي «يوميات بغداد»، الذي بات توثيقا، يوميا، إنسانيا، لجريمة شاملة ضد شعب، جريمة يراد نسيانها وسترها بحجاب فولاذي، خشية المساءلة ذات يوم. 
هذا الحجاب يتم اختراقه بين الحين والآخر، بواسطة أصبع ديناميت يسمى كتابا. فالكتب، وهي المصنوعة من ورق، قدرة هائلة على كسر القيود، مهما كانت مادة صنعها، وتزداد قوتها متجاوزة حدود المكان والزمان، إذا ما كانت كتبا فكرية، إبداعية، أدبية وفنية، لمؤلفين تفشل الأيديولوجيا في قولبتهم، لتبقى كلماتهم، وألوانهم، حرة طليقة، مثل البلابل التي لا يمكن تدجينها. والألوان هنا بمعناها العادي البصري وليس المجازي. في روايته «درس الماني»، المنشورة في 1968، يتناول المؤلف الألماني زيجفريد ليز، خطر اللون على النظام النازي. بطل الرواية شرطي يسكن في قرية المانية نائية، همه الوحيد تأدية واجبه حتى حين يصله أمر بمراقبة ومنع صديق طفولته الرسام من الرسم. لا يفهم الشرطي سبب المنع وما هو مصدر الخطر، فصديقه لا يرسم غير اللوحات التجريدية. يستفسر من صديقه الفنان قبل إلقاء القبض عليه. «إنها الألوان… إنها الألوان»، يجيبه الفنان. 
عن قوة اللون ومسيرة حياة حافلة بالإبداع الفني والحب، أقرأ أحد الكتب القليلة، القادرة على إضاءة حقبة زمنية عن العراق يريد البعض ركنها في زاوية مظلمة، لا تذكر. «دفاتر فنان».
يتميز الكتاب بأنه نتاج حياة فريق كامل مكون من أثنين يجمعهما ( استخدم الفعل المضارع متعمدة) حب دائم يتبدى إبداعا عراقيا صادقا فنا وشعرا، هما الفنان الراحل رافع الناصري ورفيقة عمره الشاعرة والناقدة الفنية مي مظفر التي أشرفت مع صونيا مشجر على إعداد الكتاب، وكتابة مقدمته ونشره، باللغة الانجليزية، بطباعة فاخرة تليق بحرص رافع على قيمة كل تدرج لوني يمنحه الحياة. في مقدمة الكتاب، تبقى مي مظفر أمينة لفكرة التواصل الفني التي عالجتها في كتابها «الفن الحديث في العراق : التواصل والتمايز». هذه المرة، في سردية رحلة عمر رافع الناصري، بمحطاتها المختلفة، و»دفاتره» التي تضمنت يومياته اللونية والفكرية، على مدى عقود. رحلة بدأت واستمرت، بالنسبة إليهما معا، على أرض صلبة «ترسبت عليها سلسلة من الحضارات العظيمة… يبدو أن كل هذه الحضارات قد تجذرت في وجدان الفنان العراقي، وحفرت عميقا في تاريخ ذاكرته البصرية. كما أعانته على اتخاذ موقف فكري واضح إزاء الفن ووظائفه المتعددة»، كما وصفها رافع في كتابه «آفاق ومرايا مقالات في الفن التشكيلي». 
عن الدفاتر يقول رافع: «عام 1989 اقتنيت من بكين مجموعة من الدفاتر المطوية بقياس 625 35
x سنتيمترا، تقريبا. وبعد عودتي إلى بغداد رسمت بعض هذه المطويات بطريقة الرسم بالأصابع، وهي طريقة صينية للرسم بالحبر، وقد استخدمت الاكريليك بدلا من الحبر. وكل دفتر مكرس لمكان أحببته ومنها دفتر تكريت ودفتر بكين ودفتر لشبونة ودفتر أصيلة».
على مدى السنوات كثرت الدفاتر ـ المطويات المشابهة للمنحوتات التي يتوجب على المشاهد الدوران حولها لرؤيتها كاملة. تضمنت المطويات أعمالا للاحتفاء بالشعر والفن من المتنبي والواسطي إلى الجواهري ومحمود درويش وإتيل عدنان ومي مظفر. ويبقى لبغداد الشعر والفن، دفترها. « في عام 1991، رسمت أثناء الحرب دفترا بالحجم نفسه وهو عبارة عن أكف رافضة أو محتجة باللونين الأسود والبني وهي طبعا أكفي وأصابعي التي كنت أغمسها باللون وأضرب بها الورق بحركة سريعة وانفعالية». مع الألوان الغاضبة، المشحونة بعواطف جعلته لا يعرف النوم، ظهرت كلمات. نكاد نسمعها. إنها صوت الفنان صارخا وسط ذهول الأحياء. مع الكف الأسود والأصابع المنفصلة عن الكف بلونها الأحمر، نرى: « لا.. إنها لحرب قذرة». مع انفجار الأكف باللونين الأسود والرمادي وتطاير الألوان الحمراء، نرى: «بغداد تئن من جراحها». ويمتزج اللون البنفسجي بحافة سوداء أو يلطخه كما تأثير استخدام اليورانيوم المنضب، فنرى: « بغداد تعيش الهول والرعب والفزع والخوف والغضب والحقد… منذ الساعة الحادية عشرة مساء وحتى الرابعة فجرا. خمس ساعات من القصف والحديد والبارود بين أصوات مرعبة لطائرات وصواريخ».
وتضمن يوم 2 مارس/ آذار، في دفتر بغداد، الرقم 43 مكتوبا بخط طفولي كبير، بحبر يكاد ينفذ، وأربع نقاط سود شبه مصطفة على فضاء فارغ. في الزاوية اليمنى قطرة حبر أحمر بجانبها الرقم: 91.
نقرأ: « ثلاثة وأربعون يوما من الحرب… الحرب… ليست كالأولى ولا الثانية.. بل إنها الحرب الفريدة. هي ليست الثالثة ولكنها…الحرب (
THE WAR).
انتهت… وبدأ الأسوأ والأظلم». ما ندركه جيدا، الآن، أن 1991 هو العام الذي استهل الخراب الذي يعيش العراق في ظله اليوم. فهل هو الفنان يرى أبعد مما يراه الآخرون؟

٭ كاتبة من العراق

 

 

تحذير: لا تتحدثوا عن الترياق

والحشيش والكريستال بالعراق

هيفاء زنكنة

 

لم يعد انتشار تعاطي المخدرات وبيعها، بأنواعها من حبوب الهلوسة إلى الهيروين (الترياق)، خافيا على أحد في العراق. المسؤولون في الحكومة يتحدثون عن الآفة، في استديوهات البث التلفزيوني، على مدى ساعات وساعات. الأطباء يحذرون من تزايد أعداد الشباب المدمنين وعدم القدرة على توفير العلاج. رجال الشرطة والأمن يواصلون حملات المداهمة والاعتقال، للمدمنين وعصابات المتاجرة، على حد سواء. وزارة الداخلية تحذر من تفاقم الظاهرة التي أدت إلى ظهور ظاهرة جديدة أخرى في المجتمع هي اغتصاب الأطفال. منظمات المجتمع المدني، بالتعاون مع المنظمات الدولية، تقيم الندوات وورشات التوعية للمسؤولين (مع اهمال المدمنين)، لتنبيههم إلى المخاطر. واذا ما وضعت مفردتي المخدرات والعراق في آلة البحث الالكتروني «غوغل»، حتى يتجسد حجم الكارثة، متمثلا بآلاف العناوين الخاصة بالعراق، المتضمنة مفردات مثل: تعاطي، انتشارها بين الشباب، الإدمان، الدعارة، حبوب الهلوسة، الجنوب يشتكي، أطفال يتعاطون، تنامي تجارة المخدرات، إقليم كردستان، مدينة المخدرات، طريق المخدرات، من المسؤول، إيران، ومصنع للمخدرات.
هناك، أيضا، تحقيقات مصورة، ترينا حال الضحايا من الاطفال والشباب، ولوعة الاطباء لعدم توفر امكانية توفير العلاج، من داء صار تأثيره واضحا للجميع، في بلد كان، قبل ان يصل اليه الغزاة، واحدا من البلدان النظيفة من المخدرات. كانت هناك، بالتأكيد، حالات فردية، تبدت بتناول بعض العقاقير وشم الغراء، في الشهور السابقة للاحتلال، الا ان المجتمع، لم يعرف تعاطي المخدرات وتهريبها كظاهرة، متمددة بين شرائح مختلفة، بشكلها الحالي. مما يدفع إلى التساؤل عن الاسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه.
تشير اصابع الاتهام، في معظم التقارير، إلى ان إيران، تلعب دورا في انتشار المخدرات وتهريبها، لعدة أسباب، أولها ان الجمهورية الإسلامية، نفسها، تعيش في ظل تفشي استخدام المخدرات، وأكثرها شيوعا، لرخصه، هو الترياق (الهيروين)، البديل لتناول الكحول بسبب تحريم الأخير دينيا وقانونيا، وادعاء عدم وجود تحريم ديني صريح للترياق، لا يزيد عن كونه حيلة شرعية هزيلة، وتعبيرا عن خلل في المجتمع الإيراني يتغاضى عنه النظام الديني لتكريس مصلحته الخاصة. وثاني الأسباب كون إيران، سوقا وممرا للهيروين الأفغاني، الذي لم يعد خافيا تدخل المخابرات الأمريكية (السي آي أي) في تشجيع تسويقه. السبب الآخر هو توافد الزوار الإيرانيين إلى مدينة كربلاء، خاصة، لأداء مراسيم الزيارة، بأعداد هائلة، بدون تدقيقات حدودية، الأمر المشجع لمروجي المخدرات من الإيرانيين وغيرهم، بجلب بضائعهم، بحثا عن مستهلكين محليين أو عبورا إلى دول مجاورة. اذ يشكل العراق، كما ذكر تقرير مكتب مكافحة المخدرات التابع للأمم المتحدة، ممرا جيدا ومخزن تصدير في آن واحد، بسبب ضعف الرقابة الحدودية. اجتماعيا، هناك مقاتلي الميليشيات المدعومة إيرانيا أو التي تم تأسيسها في إيران منذ الثمانينات، التي تربى بعض افرادها والجيل التالي، على تعاطي الترياق والحشيش، باعتبارهما من الامور المقبولة ثقافيا ومجتمعيا، كما هو مضغ القات في اليمن، مع اختلاف التأثير والنتائج. وهم بحاجة إلى تغذية إدمانهم الذي ينعكس على موقفهم من تعاطي المخدرات وتداولها، بعد ان اصبح قادتهم ساسة متنفذين بالعراق.
لا يمكن حصر مسؤولية الجمهورية الإسلامية بالجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية فحسب، بل ان هناك مسؤولية سياسية ـ اقتصادية يتحملها، معها، بعد أن أسس لها، الاحتلال الانكلو ـ أمريكي وساسة الحكومة العراقية، بالاضافة إلى تنظيم « الدولة الإسلامية». فتجارة المخدرات، زراعة وتصنيعا وترويجا، مربحة لكل الاطراف المذكورة. وهناك أمثلة تاريخية تثبت ان توفيره في اسواق الدول المستعمرة، التي يراد اخضاعها، بلا مساءلة قانونية أو عقاب، ومع تردي الاوضاع الاقتصادية وتنامي روح اليأس والاحباط، يدفع الشباب إلى تعاطيه وتحويلهم إلى عبيد، مسلوبي الارادة، من السهل تسخيرهم للقيام بأي عمل يطلب منهم. وهل هناك ما هو أكثر عبودية من الخضوع للغزاة؟
أبرز مثال تاريخي، هو قيام التجار الانكليز بغمر الاسواق الصينية بالأفيون، منتصف القرن السابع عشر، وحين شرع المسؤولون الصينيون قوانين لمنع تعاطيه واستيراده، أعلنت بريطانيا الحرب على الصين التي أطلق عليها أسم «حرب الأفيون» باعتبار القوانين الصينية تجاوزا على التجارة العالمية الحرة. واليوم، يتم تدريس حرب الأفيون، في المدارس الصينية، باعتبارها بداية «قرن الإذلال» الاستعماري ـ الذي انتهى مع إعادة توحيد الصين بقيادة الرئيس ماو عام 1949. وتزودنا فضيحة إيران / كونترا ـ التي ساعد خلالها الكولونيل الأمريكي أوليفر نورث على اتمام صفقة بيع الأسلحة لإيران اثناء الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، لتمويل حرب الكونترا في أمريكا الوسطى ـ بمثال آخر يتبدى بقيام نورث باستخدام شركات نقل جوي وبحري معروفة بأنها ناقلات للمخدرات، في الوقت نفسه. كما أشارت تقارير عديدة إلى انخراط جنود الاحتلال الأمريكي، بالعراق، في تهريب وتوزيع وتعاطي المخدرات أنفسهم، وما سببه ذلك من مجازر، من بينها اغتصاب وحرق الطفلة عبير الجنابي وقتل كافة افراد عائلتها، قرب مدينة المحمودية، في 12 آذار/مارس 2006.
محليا، يشكل التهريب مصدرا مربحا جدا للاحزاب السياسية وميليشياتها، أما عن طريق المشاركة الفعلية بالتجارة أو التغاضي مقابل ثمن أو نتيجة ابتزاز. وفي ظل الفساد الكلي الشامل تتعدد الاساليب. فمقابل منع تناول الكحول، هناك قبول علني أو مبطن بتعاطي المخدرات. في احدى خطب عمار الحكيم، رئيس المجلس الأعلى الإسلامي، سابقا ورئيس حزب بيت الحكمة حاليا، وهو أحد الذين ترعرعوا في الجمهورية الإسلامية، ينصح الحكيم جمهور مستمعيه، في حزيران/يونيو 2017، عن وجوب تعاطي المخدرات « كالحشيش والكبسول والكريستال في الاماكن المخصصة لها» باعتبار «واذا ابتليتم فاستتروا»، محذرا الآخرين من التبليغ عنهم « لأن الله يحب الساترين».
لتوضيح سبب تعاون الادارة الأمريكية مع تجار المخدرات، وبالضرورة الأنظمة التي تتغذى على الفساد وما يجره من أنشطة غير مشروعة، يقول جوناثان وينر، المبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا : «ستتعامل، دائما، مع مهربي مخدرات وتجار أسلحة ومهربين أجانب… لأنهم من نوع الناس الذين ستعتمد عليهم لتنفيذ حرب سرية… وهذا صحيح بالنسبة لأية حكومة في أي مكان ـ سواء كنت تتحدث عن أفغانستان، كولومبيا، جنوب شرق آسيا أو بورما، إذ تميل لتحقيق أنشطتك إلى التعاون مع أشخاص يشاركون في أنشطة غير مشروعة أخرى، وهذه الأمور أقرب ما تكون إلى التماثل». مع وجود حكومة مخدرة بالفساد ودولة فاشلة، هذا هو، بالضبط، ما تقوم به الادارة الأمريكية والجمهورية الإسلامية، معا، في العراق.

٭ كاتبة من العراق

 

 

المساعدة الغذائية الأمريكية:

وجبة طعام لطفل قبل قصفه

هيفاء زنكنة

 

من بين التغييرات التي يعمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ادخالها منذ توليه الرئاسة، تغيير القوانين المتعلقة بالمساعدات الإنسانية الغذائية إلى العالم، بنوعيها المباشرة التي تتم عبر منظمة الغذاء العالمي للأمم المتحدة، وغير المباشرة التي تقوم بها المنظمات المحلية التابعة لمؤسسات الغوث الأمريكية ومنظمات المجتمع المدني. تقوم برامج المساعدات الغذائية للأمم المتحدة، بتوفير الغذاء لملايين الناس، اما بشكل مواد عينية أو مادية، كمساعدات عاجلة، كما في حالات الكوارث والحروب أو لمحاربة الفقر، وتشكل المساعدات الأمريكية حوالي 40 بالمئة منها. تقوم أمريكا بتقديم المساعدات، عموما، بشكل أغذية، تحمل ختم «هدية من الشعب الأمريكي». فهل هي هدية لاطعام المنكوبين وتأهيل المجتمعات الفقيرة، فعلا، ام انها خاضعة لأجندة سياسية واقتصادية، لا تساعد بل تعيق؟ 
أصدر ترامب أمرا بالغاء برنامجين كبيرين للعون الغذائي هما «غذاء من أجل السلام» الذي أسسه الرئيس ايزنهاور عام 1954 للتخلص من محاصيل الحبوب الفائضة عن حاجة أمريكا إلى الدول الفقيرة، و»برنامج ماكغوفرن الدولي للأغذية من أجل التعليم وتغذية الطفل» التابع لوزارة الزراعة، والاردن هي احدى الدول المستفيدة منه. جوبه الالغاء بمعارضة اتحادات المزارعين ومستخدمي المنتجات الزراعية وعمال التعبئة والنقل البحري، أي الجهات المستفيدة، بالدرجة الاولى، داخل أمريكا، من برامج المساعدات، فتم الغاء القرار. أصدر البيت الأبيض أمرا تنفيذيا يفرض نقل المساعدات الغذائية الأمريكية على متن سفن ترفع علم الولايات المتحدة بينما يقتضي القانون الحالي رفع نصف السفن العلم الأمريكي. بالاضافة إلى هذه التغييرات التي ستنعكس على ملايين النازحين والمهجرين في العديد من البلدان، من بينها سوريا والعراق واليمن والسودان، صرح رئيس منظمة الغذاء العالمي للأمم المتحدة دافيد بيسلي، قائلا في ظل الحرب بالعراق : «نحن في خطي الهجوم والدفاع الاماميين ضد التطرف والإرهاب». حيث ربط بيسلي المساعدات الإنسانية، بسياسة الأمن القومي و»الحرب على الإرهاب». وعلى الرغم من معرفة الكل ان المساعدات الإنسانية لم تكن يوما مجانية، ونظيفة من المصالح السياسية والاستغلال الاقتصادي، الا ان تصريحات الادارة الأمريكية، أخيرا، اعادت التساؤلات حول ماهية المساعدات، وفاعليتها على المستويين القريب والبعيد، ومدى ارتباطها بالمصالح الامبريالية. فما هو الخطأ في برنامج المساعدات الغذائية الحالي، وكيف يؤثر على مجمل برامج المساعدات، بضمنها برنامج الأمم المتحدة؟ 
يلخص تقرير أوكسفام – أمريكا بالاضافة إلى العديد من الدراسات الاقتصادية، من بينها دراسة لكاتارينا واهلبرغ، مستشارة تنسيق السياسات الاجتماعية والاقتصادية في منتدى السياسات العالمية، الوضع بأنه: 
أولا : 85 بالمئة من المساعدات المقدمة من برنامج الغذاء ليس هبة لوجه الله تعالى بل مشروط. فالولايات المتحدة تختار بانتقائية سياسية، مساعدة بلد ما دون غيره، وليس تبعا لحاجة الشعوب. ثانيا: شراء المعونة الغذائية في الولايات المتحدة نفسها اي من المزارع والتجار الأمريكيين انفسهم، وليس في مناطق اقرب لمن يحتاجها، ونقلها على متن سفن أمريكية، يعني انها «تجارة مربحة» وعملية ذات بعد تنموي اقتصادي داخل أمريكا. ثالثا: شراء ونقل المواد الغذائية من الولايات المتحدة يستغرق ما بين أربعة وستة اشهر للوصول إلى وجهتها النهائية. مما يجعل المساعدة غير ذات قيمة في حالات الطوارئ المفاجئة. رابعا: ان تكاليف النقل والشحن تجعل المعونة الغذائية الأمريكية أكثر تكلفة من شراء الأغذية أقرب إلى منطقة الحاجة. وفي الوقت الراهن، لا يصل المحتاجين غير 40 سنتا من كل دولار ينفق على الحبوب الأساسية للحصول على المعونة الغذائية، تنتهي غالبية الاموال في جيوب وسطاء. هذه اللوائح تحمي المصالح الخاصة، على حساب الجياع، حسب منظمة «اوكسفام – أمريكا». خامسا: تقوض المعونة الغذائية، غالبا، الإنتاج الزراعي المحلي في البلدان المستفيدة وتهدد الأمن الغذائي في الأجل الطويل. والواقع أن بعض البلدان المانحة قد وضعت برامج للمعونة الغذائية تعزز في المقام الأول مصالحها الداخلية بدلا من مساعدة الجياع. فعلى سبيل المثال، أنشأ المشرعون برنامج المعونة الغذائية في الولايات المتحدة لتوسيع أسواق صادرات الولايات المتحدة والتخلص من الفوائض الزراعية الناتجة عن إعانات المزارع المحلية. سادسا: تغير المعونة الغذائية، أحيانا، أنماط الاستهلاك في البلدان المتلقية. فنتيجة اغراق اسواق كوريا الجنوبية، مثلا، بالقمح الأمريكي أثر على زراعة المحاصيل المحلية التي باتت، بالنتيجة، ذات تكلفة أعلى من القمح. تباهى أحد مسؤولي وزارة الزراعة الأمريكية، قائلا: «لقد علمنا اكل القمح لناس لم يأكلوه من قبل». سابعا: تقوم أمريكا بتوفير المحاصيل المعدلة وراثيا المنتجة من قبل شركات الأعمال الزراعية الكبرى، مثل مونسانتو، كمساعدات غذائية، على الرغم من المخاوف المحيطة باستهلاك هذه المحاصيل ورفض عدد من الدول استلام هذه المساعدات، الا ان حاجتها في اوقات الكوارث خاصة والضغط الأمريكي يدفعها إلى القبول. وكانت «مونسانتو»، قد نجحت عام 2013، بتمرير ما يسمى بـ»قانون حماية مونسانتو» الذي يمنحها حصانة قانونية، إذ أصبح من الصعب مقاضاتها حتى لو ثبت أن منتجاتها تسبب أضرارا صحية وبيئية.
ما أثبتته برامج المساعدات والمعونة حتى الآن انها فشلت في القضاء على الجوع. وأثبتت فشلها في توفير المساعدة الملحة في العديد من حالات الكوارث الطبيعية والحروب. فهي، بمجملها، تقريبا، خاضعة لأجندات سياسية واقتصادية، تسبب، أحيانا، ضررا مستديما بدلا من العلاج. وسيزداد ضررها، إذا ما استمرت أهدافها وهيكليتها وطريقة تنفيذها بوضعها الحالي. حلا لهذا الوضع المتردي تقترح «أوكسفام» تحرير الأموال لشراء المزيد من الغذاء محليا، في حالات الطوارئ القصوى وإنهاء بيع المعونة الغذائية الأمريكية في البلدان النامية في الحالات غير الطارئة، لأنها، كما أثبتت عشرات الأمثلة على مدى عقود، تؤدي إلى قتل الناتج المحلي ويزيد المجتمع بطالة وفقرا واعتمادا على المساعدات الخارجية. 
النقطة الأهم، التي لا تشير اليها منظمات المساعدات الدولية، بضمنها الأمم المتحدة و»أوكسفام» معا، هي دور الدول الكبرى المانحة للمساعدات «الإنسانية» في شن الحروب وتصنيع النزاعات، ومسؤوليتها فيما بات معروفا بـ «صناعة الفقر» والذي يشكل تحصيل حاصل لصناعة الحروب وبيع السلاح. فما فائدة منح الطفل العراقي أو السوري، وجبة طعام مجانية في المدرسة، إذا كانت مدرسته ستقصف، بعد دقائق، بطائرات أمريكية؟

٭ كاتبة من العراق

 

سفيرة الأمم المتحدة بين المأساة

الايزيدية وواجب اسرائيل الاخلاقي!

هيفاء زنكنة

 

نادية مراد، شابة عراقية، عمرها 23 عاما، تم أختيارها في سبتمبر/ أيلول 2016، سفيرة الأمم المتحدة للنوايا الحسنة. سبب اختيارها للمنصب الفخري انها من الأقلية الأيزيدية، في العراق، التي تعرضت، إلى جريمة تهجير واغتصاب وقتل، تم وصفه بالابادة الجماعية، من قبل تنظيم «الدولة الإسلامية»، في مدينة الموصل، حيث قام التنظيم، عام 2014، باختطاف عدد كبير من النساء كسبايا، وكانت نادية واحدة من المختطفات اللواتي عشن مأساة البيع والاغتصاب المتعدد، الا انها تمكنت من الفرار، من جحيم الموت الجماعي، بعد ان لجأت إلى عائلة «مسلمة سنية مصلاوية»، ساعدتها على الهرب من الموصل، حسب شهادتها المتوفرة على اليوتيوب. 
في خضم الاقتتال والتهجير، في مدينة الموصل وضواحيها، وما صاحبها من تغطية اعلامية، محلية وعالمية، مكثفة، المسايرة لحملة « الحرب على الإرهاب»، صارت نادية، بملامحها السمحة، والسواد الذي ترتديه حزنا على أخوتها وأهلها وابناء طائفتها، بالاضافة إلى نحافتها ومنظرها الفتي، الذي يدفع من يلتقيها ويسمع حكايتها المأساوية، إلى الرغبة باحتضانها، أملا بحمايتها من بلاء آخر قد تتعرض له، صارت نادية الوجه/ الرمز المعروف انسانيا واعلاميا (جانبان قلما يلتقيان) للمأساة الأيزيدية. 
خلال فترة قياسية، تم تسليط الاضواء عليها، اعلاميا، كممثلة لمأساة أيزيدية، فقط، لا علاقة لها بمآسي بقية الموصل والعراق، عموما. ولم يحدث، الا نادرا، تقديم نادية كعراقية، فهي أما أيزيدية أوايزيدية كردية. قد يكون السبب، انها لاتزال تعيش فترة ما بعد الصدمة، وما تسببه من نسيان، أو انه خطأ اعلامي تم تناقله، بدون تدقيق صحته مع نادية، وهي المنغمرة بالاهتمام الاعلامي الغربي، المكثف، وحضور المؤتمرات، والسفر إلى بلدان متعددة، وخاصة بعد ترشيحها للفوز بجائزة نوبل للسلام وتعيينها سفيرة الامم المتحدة، دفعة واحدة. وهوتقدير تستحقه نادية، بعد ان انخرطت في العمل كناشطة حقوقية، كغيرها من نساء ورجال يرشحون لهذه المناصب، بعد مأساة إنسانية يمرون بها. الافتراض العام هنا، ان من يعيش تجربة قاسية، يدرك جيدا معنى اضطهاد الفرد والشعوب، وبالتالي، سيعمل، حسب امكانياته، على التوعية بمآسي التهجير والتعذيب والقتل والابادة، باذلا جهده لئلا تتكرر.
إزاء هذا الفهم المتفق عليه انسانيا، أجدني، منذهلة، لتوجه نادية إلى نظام الفصل العنصري ومشاركتها في مؤتمر أقيم في الكنيست، تعاطفا مع «الأقلية الأيزيدية في العراق». وانها دعيت لأن «من واجب إسرائيل الأخلاقي الاعتراف بالجريمة النكراء التي تعرض لها الإيزيديون، من منطلق تاريخنا والتزام مؤسسي الدولة بالوقوف إلى جانب كل شعب في العالم». حسب عضوالكنيست كسينيا سفاتلوفا.
هل هناك اسفاف واهانة لذكاء الناشطة الحقوقية نادية، قبل غيرها، اكثر من هذا؟ عن أي واجب أخلاقي يتحدث عنه ساسة نظام مبني على جثث أهالي البلد الفلسطينيين؟ كيف يمكن توقع العدالة من نظام مبني على أرض محتلة، وشعب تم تهجيره بأبشع الطرق، ومن بقي منه معرض للأسر والتعذيب والقتل، في كل لحظة من ساعات الليل والنهار؟ 
هل هي السذاجة التي قادت نادية إلى الوقوف، دامعة العينين، لتحدث أعضاء الكنيست الذين يمارسون سياسة التشريد والقتل، يوميا، بحق الفلسطينيين، عما تعرض له «شعبها» من تشريد وقتل؟ ربما لصغر سنها وقلة خبرتها. فكرت، لعلها، أيضا، لم تطلع على تاريخ المنطقة، ولا تعرف ما هي النكبة والنكسة ويوميات الاحتلال؟ لكنني استبعدت الفكرة حين استمعت اليها، قائلة في مقابلة تلفزيونية «لقد درست التاريخ»، فعن أي تاريخ تتحدث؟ هل هناك كتاب تاريخ، في بلادنا، لا يدرس تاريخ الحركة الصهيونية وكيفية احتلال فلسطين؟ ألم تقرأ عن مجزرة دير ياسين وكفر قاسم وغيرهما؟ والآن، ألم تستعد، ذلك التاريخ، لتتوقف عنده قائلة هذا يشبه ما حدث لشعبي، وعلي الا أسمح للمجرمين باستخدامي كصابونة رخيصة لغسل أيديهم من دماء شعب آخر؟ 
«لا اقبل لاحد ان يساوم على عملي، فعملي له اطار انساني ورسالة عالمية وساستمر للدفاع عن حقوق شعبي الايزيدي الذي يعاني من الاضطهاد، إلى جانب الدفاع عن كافة الفئات المستضعفة والمهمشة». هكذا بررت نادية موقفها، في بيان أصدرته، بعد ان استنكر الزيارة العديد من العراقيين. مضيفة: « لدي موقف حيادي من كافة الصراعات الدائرة في منطقة شرق الاوسط وملتزمة برسالتي الإنسانية للدفاع عن كافة المضطهدين وفي اي بقعة من العالم كانت».
تقول نادية انها ملتزمة بـ «الدفاع عن كافة المضطهدين وفي اي بقعة من العالم كانت». فلنستعد، معها، حصيلة هجوم أسرائيلي واحد فقط على قطاع غزة المحاصر، المعروف بأنه « اكبر سجن في العالم» لمليوني فلسطيني. المفارقة المؤلمة ان الهجوم والقصف الاسرائيلي عام 2014. أي ذات الفترة، تقريبا، التي تعرض فيها أهل الموصل ومن بينهم الايزيديون إلى الهجوم والتهجير الداعشي. نقرأ في تقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان حصيلة الهجوم الذي سماه الجيش الاسرائيلي «عملية الجرف الصامد»، ان هناك 1742 قتيلا، منهم 7431 مدنيا، أي ان اربعة من كل خمسة من الضحايا، في الخمسين يوما، وحدها، كانوا مدنيين، بينهم 530 طفلا و302 امرأة. والى جانب اكثر من الفي قتيل وقتها سقط من الفلسطينيين 10,870 جريح، بينما ثلث الأطفال الجرحى سيعانون من إعاقة دائمة. ولقد ابيدت عوائل فلسطينية بأكملها، وفقدت 145 عائلة فلسطينية 3 أوأكثر من أفرادها.
أما عن الدمار المادي، فهناك ما يزيد على 17 ألف منزل مدمر، وحوالي 100 ألف مهجر فلسطيني بلا مأوى، كثير منهم من اللاجئين إلى غزة، أصلا، بسبب الاحتلال الاسرائيلي والتهجير في 1948 و1951 و1967. دمر القصف الاسرائيلي 62 مسجدا بالكامل و109 جزئيا. ودمرت كنيسة فلسطينية جزئيا. كما دمرت 10 مقابر إسلامية ومقبرة مسيحية.
عدد الهجمات الإسرائيلية كانت: 210 8 صاروخ جوي، 736 15 قذيفة بحرية، و718 36 قذيفة برية. من بين ما استهدفته 9 محطات لمعالجة المياه، 18 منشأة كهربائية، 10 مستشفيات، 19 مركزا صحيا، 36 سيارة إسعاف.
ويعيش أهل غزة اليوم بعشر ما كان لديهم من الماء والصرف الصحي والكهرباء، وبأقل القليل من الخدمات الصحية. وفي مجال التعليم والثقافة فقد دمرت 222 مدرسة، منها 141 مدرسة حكومية و76 مدرسة تابعة للأونروا و6 جامعات، و48 جمعية. 
تقول نادية في بيانها «لدي موقف حيادي من كافة الصراعات الدائرة في منطقة شرق الاوسط». أقول: عزيزتي نادية. ان الموقف من قضايا الشعوب المضطهدة العادلة لايمكن ان يكون حياديا. والموقف من نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) المؤسس على قمع الفلسطينيين بسياسات وممارسات شتى بهدف فرض سيطرة جماعة عرقية عليهم يرقى إلى التطهير العرقي (كما حدث لشعبك)، لا يمكن ان يكون حياديا. تجاهل هذه الحقيقة، ومساواة الضحية (الفلسطيني) بالجلاد (اسرائيل) يقود إلى مسار خطر جدا، سينعكس سلبا ضمن منطق «الموقف الحيادي» فيساوي، ذات يوم، بين الضحية (الايزيدية) والجلاد (داعش)، وهذا، على الأقل، ما لن ترغبي بحدوثه.

٭ كاتبة من العراق

 

 

مئة ضابط أمن متورطون

في عمليات تعذيب في الموصل

 

هيفاء زنكنة

 

ذكر نائب رئيس مجلس مدينة الموصل دلدار الزيباري « أن هناك نحو مئة مذكرة توقيف صادرة من مجلس القضاء الأعلى ضد ضباط يعملون في أجهزة الأمن والجيش، بتهم تعذيب معتقلين وانتزاع اعترافات بالقوة في معتقلات مدينة الموصل» . وأن وزارة الدفاع لم تعمل على إحالة المتهمين في قضايا تعذيب ابناء الموصل رغم التأكيدات والوثائق الرسمية التي قدمها مجلس المدينة لهم . وأوضح أن تهمة الإرهاب ما زالت هي التهمة الموجهة لمعظم المواطنين من أبناء الموصل المعتقلين من الذين تم مداهمة دورهم واعتقالهم من دون مذكرات توقيف صادرة في حقهم».
يرجى الانتباه. تاريخ نشر الخبر هو 18 / 9/ 2010. أي قبل اربع سنوات من احتلال «داعش» للموصل، وخمس سنوات، قبل اعلان حيدر العبادي، رئيس الوزراء، الانتصار على «داعش»، وخمس سنوات قبل انتشار فيديوهات التعذيب والاعدام الفوري لمن تقبض عليهم قوات الجيش والميليشيات، بتهمة الانتماء الى داعش، من أهل الموصل، وقبل ان يصبح الصاق تهمة «الداعشية» بكل من يطالب بالتحقيق بجرائم التعذيب وسيلة للتغطية على ذنوب الصمت وانتقائية حقوق الانسان. وأن النقطة الاهم التي جعلتني أعيد نشر الخبر القديم، هي عدم تنفيذ مذكرة القاء القبض، وعدم مساءلة او معاقبة أي من المتهمين المائة، على الرغم من توفر الوثائق. وهذا هو، بالضبط، ما يحصل اليوم . 
فما أسس له المحتل من تعذيب بلا مساءلة في أبو غريب، وشرعنة بتسليم المعتقلين الى قوات أمنية عراقية «لاستخلاص» الاعترافات، وجعل تهمة الارهاب مسوغا لكل الممارسات الوحشية، اضافة لعدم تسجيل اعداد الضحايا ومنع نشر اي معلومات اخرى عما يجري، لايزال هو العملة المتداولة، حاليا. آخرها توثيق منظمة «هيومن رايتس ووتش» قيام القوات العراقية باحتجاز واعتقال ما لا يقل عن 1200 رجل وصبي في ظروف لا إنسانية من دون تهمة، وفي بعض الحالات تعذيبهم وإعدامهم بحجة انتمائهم إلى داعش» اثناء معركة الموصل، فقط.
فهل هي مسؤولية بضع تفاحات فاسدة فقط أم أنه الصندوق الذي وضعت فيه وحولها الى تفاحات فاسدة، كما تساءل عالم النفس الاجتماعي فيليب زمباردو؟ كيف الوصول الى الحقيقة حين يقف رئيس الوزراء، في مؤتمره الصحافي الأسبوعي (19 تموز / يوليو) متهما منظمات حقوق الانسان، من بينها منظمة « هيومان رايتس ووتش» و « العفو الدولية» ب «تشجيع الإرهابيين على قتل الأبرياء»، و «التحريض على الطائفية»، أو تسارع نائبة، معروفة، ببكائها وأغمائها، دفاعا عن «حقوق شعبها» الى اتهام المنظمات بانها «مدفوعة الثمن مسبقا»، ويتبرع «عسكري» بتبرير التعذيب والاعدامات الميدانية باعتبارها «تحدث في كل الحروب»، بينما يختفي أكاديمي خلف قناع «جرائم النظام السابق» ولا يتطرق الى انتهاكات النظام الحالي التي وصلت حد العقاب الجماعي وجرائم الحرب؟ كيف الوصول الى الحقيقة، والمسؤول يشارك النائب والمثقف، تصريحات الانكار بدلا من التحقيق، والقيام، ولو مرة واحدة، بالقاء القبض على المتهمين بجرائم التعذيب، ومعاقبتهم ان ثبتت عليهم التهم، ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه الخروج على القانون، والاكتفاء باطلاق التهم، جزافا، باسلوب تحريضي، شعبوي، ضد تقارير تغطي أحداثا موثقة بالتاريخ والمكان والصورة والفيديو، فهذا يدل أما على قصور عقلي، أو القبول الضمني بالجرائم ومنح مرتكبيها الحصانة لارتكاب المزيد، أو الاستهانة بانسانية المواطن وكرامته وحقه بالحياة، أو كل هذه الاسباب مجتمعة.
ليست هذه هي المرة الاولى التي يستهين فيها مسؤول عراقي بحق المواطنين بالحياة والكرامة. فحين جوبه رئيس الجمهورية السابق، جلال طالباني، بصور تعذيب المعتقلين من قبل قوات الاحتلال الامريكي، في أبو غريب، اعتبر التعذيب عاديا ولا يقارن بما كان يحدث في سجون صدام حسين، وكأن تعاونه مع المحتل في غزو العراق، كان للاستزادة وتنويع طرق التعذيب. أما نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق، فله ولطاقمه يعود الفضل باستشراء المعتقلات السرية في ارجاء البلد، من بينها سجن المثنى الخاضع لإشراف مكتبه العسكري مباشرة. للاطلاع على لمحة بسيطة، عما كان يجري فيها، هناك تقرير « العراق: المحتجزون يكشفون تفاصيل التعذيب أثناء الاحتجاز السرّي: مسؤولو الادعاء تواطئوا على كافة المستويات» في 27 أبريل 2010 . حيث تعرض المعتقلون، البالغ عددهم 430 وهم من اهل الموصل، بالاضافة الى الضرب والصعق بالكهرباء والحرمان من النوم الى «أساليب تعذيب أخرى إضافية. إذ وصفوا قيام بعض المحققين ومسؤولي الأمن باغتصاب بعض المحتجزين بمقشات خشبية ومسدسات، كما اغتصب المحققون المحتجزين الأحدث سناً، الذين تم نقلهم بعد ذلك إلى مواقع احتجاز مختلفة. وقال بعض الشبان إنهم أُجبروا على أداء الجنس الفموي للمحققين والحراس. كما أجبر المحققون بعض المحتجزين على الاعتداء جنسياً على أحدهم الآخر. وقام مسؤولو الأمن بجلد المحتجزين بأسلاك كهربية غليظة، ونزعوا منهم أظافر اليدين والقدمين، وحرقوهم بالأحماض والسجائر، وكسروا أسنانهم. وإذا استمر المحتجز في رفض الاعتراف، يهدده المحققون باغتصاب زوجته وأمه وشقيقاته وبناته. وتدوم جلسات الاستجواب عادة ثلاث إلى أربع ساعات، وتقع كل ثلاثة إلى أربعة أيام». وبعد أن كتبت الصحافة الاجنبية عن الانتهاكات، قالت الحكومة العراقية إنها ستحقق في « مزاعم التعذيب» . وكانت النتيجة: لا شيء. 
تأتي محاججة « المثقف» بأن التعذيب والاعدام الميداني سمة من سمات الحروب، صحيحة الى حد ما، لولا ان الشعوب المتحضرة، لادراكها مدى وحشية الحروب، عملت على مدى عقود، لوضع قوانين حرب دولية وانسانية تتوخى الحد من الوحشية، وفرضت على الدول والحكومات الموقعة على قوانين الحرب مسؤولية تطبيقها. الأمر الذي يجعل الحكومة العراقية مسؤولة عن التحقيق في صحة الانتهاكات وتجريم مرتكبيها لا انكارها، وحماية مرتكبيها، وتوجيه الاتهامات الى من يقوم بتوثيقها. 
لم تعد اسباب «الارهاب»، كما هي أسباب شن الحروب، سرا . وأكثرها وضوحا، أسباب تفشيه في بلادنا حيث يعيش المواطنون القهر، والظلم، والجريمة وانسداد أفق استرجاع الحقوق، واهانة الكرامة الانسانية، والتمييز بأنواعه. ووضع حد للارهاب يبدأ بإقناع المواطنين بأن هناك خيارا آخر غير اللجوء إلى العنف يمر عبر سيادة القانون والقضاء على التمييز بأنواعه، وتقع المسؤولية الأولى على عاتق الحكومة، يليها العسكري والاكاديمي، وليست المنظمات الارهابية، للاعتراف بذلك والعمل على تحقيقه .

٭ كاتبة من العراق

 

مصير ساسة النظام العراقي:

تفاحة فاسدة واحدة!

هيفاء زنكنة

 

فيديو1: جنود عراقيون يعذبون أسيرا يشبه في نحافته المرضية أسرى المعتقلات النازية. كما لو كانوا في حفلة، لا يكتفي حوالي عشرة منهم بالمراقبة بل ينتظر كل واحد منهم دوره، بفارغ صبر، للمساهمة بالتعذيب الجماعي. يسحلون الأسير ثم يرمونه من حافة جرف. بنشوة من حقق انتصارا، يحتفلون باطلاق النار عليه، وعلى أسير آخر، كانوا قد رموه سابقا. 
فيديو 2 : يمزق جندي وجه أسير بسكين. لولا البزة العسكرية، وعدم حرفية الاخراج، لظننا ان الجندي ارهابي من داعش.
فيديو 3: تعذيب أسير شبه عار قبل قتله. 
هذه نماذج من عشرات الفيديوهات الكابوسية التي قام الجنود العراقيون، أنفسهم، بتصويرها ونشرها على الانترنت، في الوقت الذي كان رئيس الوزراء حيدر العبادي يلقي فيه خطاب النصر ضد قوى «الظلام والوحشية والإرهاب»، في 10 تموز / يوليو. ولاتزال احتفالات القوات العراقية والحشد الشعبي بـ»النصر» مستمرة في الموصل ومدن أخرى بذات النمط. حيث وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الحقوقية الدولية، في تقريرها المعنون « العراق: موقع إعدام قرب المدينة القديمة في الموصل: يجب إجراء تحقيق ومعاقبة المسؤولين عن أي جرائم حرب» الصادر في 19 تموز/ يوليو، «احتجاز واعتقال القوات العراقية ما لا يقل عن 1200 رجل وصبي في ظروف لا إنسانية ومن دون تهمة، وفي بعض الحالات تعذيبهم وإعدامهم، بذريعة انتمائهم إلى داعش» بالاضافة الى «شهادات مفصلة عن التعذيب والقتل خارج القضاء بحق عناصر «داعش» المشتبه بهم، المأسورين من قبل عناصر الأمن والجيش العراقيين». 
ما يميز حالات التعذيب والقتل، في الموصل، عما تعودنا عليه في معتقلات النظام العديدة، في ارجاء العراق، كما يميزها عن سردية التعذيب تحت الانظمة السابقة، هو تصويرها ونشرها من قبل قوات الامن والجيش، مما يعني انها لم تعد معنية باخفاء بشاعة افعال، تعتبر خارج نطاق القانون وتستوجب المحاسبة، أولا، وأنها فخورة بما تفعله الى حد التصوير والنشر، ثانيا. فهي تعرف، جيدا، بأنها لن تخضع للمحاسبة، مما يمنحها الحصانة لتفعل ما تشاء على مستوى اعتقال وتعذيب وقتل الاشخاص ونهب البيوت وتفجيرها، كعقاب جماعي، لمجرد الاشتباه. فحرية التعذيب والقتل، مكفولة من قبل مؤسسات النظام، بدءا من مكتب رئيس الوزراء الى الهيئات الأمنية والقضائية، مرورا بأعضاء البرلمان، الذين يتعاملون مع مبادئ حقوق الانسان، باعتبارها مفصلة حسب الطائفة أو القومية التي ينتمون اليها، فقط، وليست للجميع . لذلك، بات انكار النظام لما يرد في التقارير الحقوقية من انتهاكات وجرائم، أو اتهامها بنشر الاكاذيب، أمرا عاديا. فرئيس الوزراء لا يجد حرجا في اتهام منظمات حقوق الانسان، بـ»تشجيع الإرهابيين على قتل الأبرياء» خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي، يوم 19 تموز/يوليو . أما من يذكر أرقاما، مغايرة لما يصدر عن النظام، عن اعداد الضحايا في الموصل، فهو متهم بترويجها « لتحقيق اهداف مشبوهة». ويشارك البرلمانيون في حملة توجيه الاتهامات ضد المنظمات الحقوقية، كل حسب دينه وقوميته. حيث تصدت النائبة فيان دخيل، الممثلة للايزيديين، يوم 10 تموز/يوليو، لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، متهمة اياها بأن تقاريرها أشبه بالسياسة «مدفوعة الثمن مسبقاً»، بعد ان نشرت المنظمة تقريرا ذكرت فيه ان حكومة إقليم كردستان قامت بترحيل أسر ايزيدية «قسرا» بسبب انضمام أقارب لها إلى قوات الحشد الشعبي.
لا يقتصر الانكار على النظام والبرلمانيين العراقيين بل تشاركهم السباق الولايات المتحدة الامريكية، ولكن بأسلوب «حضاري» بعض الشيء، تتجنب فيه ذكر مفردات التعذيب والاعتقال والاعدام، مستخدمة بدلا منها مفردة ناعمة، هي «تجاوزات». ففي 17 تموز/يوليو، بعد انتشار الفيديوهات، الفاضحة لسلوك القوات التي تفتخر امريكا وبريطانيا بتدريبها على احترام حقوق الانسان، أكدت وزارة الدفاع الامريكية «البنتاغون»، إنه لا يمكنها تأكيد صحة تقارير عن حصول « تجاوزات» من قبل القوات العراقية في الموصل. 
هل يثير كذا انكار الاستغراب؟ أتمنى، في قرارة نفسي، ان يكون الجواب نعم، لئلا نفقد أملنا بتطبيق مبادئ انسانية شاملة، عابرة للاوطان، للجميع بلا استثناء. لكن البرابرة، مهما حاولنا توقع الاسوأ منهم، يدهشوننا، دائما، بوحشيتهم. فما ارتكبه تنظيم «الدولة الاسلامية» بحق المدنيين، وحشي، بكل المقاييس. الا اننا يجب ألا ننسى ان ما سبقه من تعذيب وقتل لأسرى عراقيين، نساء ورجالا واطفالا، من قبل الامريكيين والبريطانيين، في سجن أبو غريب وغيره، وحشي بكل المقاييس أيضا. وما يجعل المحتل الامريكي، خاصة، سباقا، بامتياز، انه أسس لنوعية جديدة من السلوك الوحشي، الجامع ما بين عنصرية الاحتلال تجاه أهل البلد المحتل، كموقف عام، والنزعات السادية الفردية، المبررة بالضجر، والخوف من «الآخر»، والخضوع لسلوك الجماعة، مهما كان السلوك لا أخلاقيا، ومخالفا للقيم التي يعرفها الفرد. 
«انها بضع تفاحات فاسدة». كان التبرير الامريكي الرسمي، لواحدة من أكبر الفضائح التي واجهتها الادارة الامريكية، وهي تحتل بلدا بذريعة التحرير وتأسيس ثقافة احترام حقوق الانسان فيه. هل كانت الانتهاكات اللا انسانية نتيجة وجود «بضع تفاحات فاسدة»، أم كانت سياسة منهجية للادارة الامريكية؟ ما الذي يدفع «أفرادا أسوياء الى ارتكاب أفعال وحشية، كما في أبو غريب؟ فهل هي التفاحات الفاسدة أم الصندوق الذي وضعت فيه وحولها الى تفاحات فاسدة؟»، يتساءل عالم النفس الاجتماعي فيليب زمباردو. هذه التساؤلات تنطبق على مسار التعذيب والقتل، بعلم ساسة ومسؤولي النظام العراقي وحمايتهم، ولم نسمع منذ احتلال البلد لارساء حقوق الانسان، اعتقال ولو شخص واحد بتهمة انتهاك حقوق الانسان، مما يجعلنا ندور في حلقة، يأخذ فيها الافراد القانون بأيديهم، وينفذونه انتقاما وارتزاقا. وكلما طال الوقت بدون تحقيق العدالة، للجميع، سيزداد ضيق الحلقة، لتبتلع، ذات يوم، بوحشيتها، مسؤولي النظام نفسه.

٭ كاتبة من العراق


 

 

لئلا يكون المثقف العراقي

صمام أمان لجرائم النظام

هيفاء زنكنة

 

ما هو البديل اذن؟ كيف كان بالامكان القضاء على وحوش جاءوا من مختلف البلدان ليلتهموا المدينة ويعيثوا بها فسادا؟ تثار هذه الاسئلة، بقوة، كلما وصلنا مرحلة مفصلية، في حرب ما، تدور رحاها في بلداننا. وما أكثر الحروب!
يعيدنا التساؤل حول البديل، الى حروب مضت، عاشها بعضنا فنكب من نكب، ومن بقي حيا، يرى الآن، أجيالا تعاني من آثارها. اجيال لم تكن قد ولدت بعد يوم طرق مسامعنا السؤال لأول مرة، فالحروب، في العراق، مثلا، تتكاثر بسرعة الانشطار الأميبي. عاش جيل الثمانينيات جملة حروب، التهمت من كل عائلة فردا ، على الاقل، على اختلاف مسمياتها واسبابها وامتداداتها (المصطلح المفضل دوليا هو العنف والنزاعات) الحرب العراقية – الايرانية أو حرب الخليج الاولى (1980 – 1988)، غزو الكويت ثم الهجوم الثلاثيني في 1990، الحصار وسياسة الاحتواء الغربي قصفا ( 1990 – 2003)، غزو واحتلال البلد ( 2003 – حتى الآن)، الحرب ضد ما يسمى بالدولة الاسلامية ( 2014 – حتى الآن) . واحدة من هذه الحروب ، كافية لوسم الجيل بالامراض النفسية، والاعاقات الجسدية ، واليأس، والرغبة بالانتقام، فكيف بمن يعيش، منذ طفولته، في ظل هذه الحروب ولا يعرف سواها؟
خلقت الحروب شرخا بين من عاش فترة الخمسينيات ومن عاش الثمانينيات وما بعدها ، على صعوبة الفصل بين الاجيال. من عاش في الخمسينيات والعقدين التاليين، كان وان تعرض للقمع السياسي (لغة التداول اليومي) يحمل بداخله حلم التغيير، والامل بمستقبل أفضل، بمطر يهطل لسقي أرض يباب. وهو حلم استعاد بهاءه، لوهلة، مع حلول «الربيع العربي» حين خرجت الشعوب المقهورة ، ومن بينها الشعب العراقي، الى ساحات التحرير، مطالبة بحقها في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. بالمقابل، انحنى الحكام العرب، اكثر فأكثر، امام القوى الاجنبية مستنجدين الحماية بل وعودة الاستعمار علنا ومعها تزايد الخنوع. اموال الشعب صارت تصرف على شراء اسلحة متطورة لتصفية أبناء الشعب. بات جيل الحصار والحروب والغزو يتنفس ما يرومه المستعمر الجديد، أي التخلي عما حققته حركات التحرر الوطني ونالته بعد نضال طويل. هنا تبدى دور المثقف بحلته الجديدة. صارت عودة المستعمر لـ»تحرير» الشعوب من القمع الداخلي مطلبا ملحا لنخب سياسية – ثقافية بررت بناء القواعد العسكرية الامريكية، وقصف مدننا، بأموالنا. مرددة: والا ما هو البديل لحماية الشعب من أمراضه المتأصلة، وعنفه التاريخي المتوارث، ودولته التي تم لصقها قسرا، وجهله بثقافة الديمقراطية ؟ 
تحت تبريرات مضللة، بدأت ملامح خارطة «العراق الجديد» والمنطقة العربية تتضح، أمام أنظار الشعوب وهي ترى مثقفيها يستبدلون النضال ضد الامبريالية بتسويغ الوجود الامبريالي وسياسته كأمر واقع . لتحقيق النقلة، كان يجب ان تفقد النخبة المثقفة، البقية الباقية من وعيها النقدي وان واصلت ارتداء ملابس الامبراطور. ان تصبح صدى للسلطة والاعلام المعروض للشراء، ان تكون طبقة من التكنوقراط للترويج بيوتوبيا بطوباوية (ديمقراطية – حقوق الانسان) بدون التنبيه الى انتقائيتها وازدواجية معاييرها. يلوك افرادها شعارات، لا يجد المستعمر الجديد ضررا في السماح بترويجها، بل واستعارتها ليكررها في خطبه هو الآخر. فتلويث الحقيقة بالتلفيق، والكذب، والتضليل، مهمة ليست سهلة وتحتاج لانجاحها تحالفا ثلاثيا داخليا يضم السلطة السياسية والمثقف والاعلام، ولا تكتمل بدون دعم دعائي – استراتيجي من الخارج. مثال ذلك، حملات التضليل الاعلامي التي شهدها العالم، في حقبة التمهيد لغزو العراق واحتلاله، باعتبارهما «تحريرا» و»تغييرا» نحو الافضل وإنقاذا للعالم من خطر داهم ، حيث نشرت أجهزة الاعلام الغربية 50 قصة مفبركة، أعادت نشرها اجهزة الاعلام العربية اما كسلا او جهلا او تواطئا مع المحتل، لخصها الكولونيل سام غاردينر، الاستاذ في كلية الحرب الوطنية وكلية الحرب الجوية وكلية الحرب البحرية الامريكية، في تشرين الأول/اكتوبر 2003 ، بعنوان «الحقيقة من هذه المنصة: ملخص لدراسة التأثير الاستراتيجي، إدارة التصور، حرب المعلومات الاستراتيجية والعمليات النفسية الاستراتيجية في حرب الخليج الثانية». يضم التقرير تفاصيل الحملة الاعلامية السرية التي ساهمت في تضليل الرأي العام و» تسويق»الغزو العسكري للعراق. ساعدتها فيما بعد الصحافة العراقية « المستقلة»، تحت الاحتلال، في نشر اخبار ملفقة وقصص صاغها قسم العمليات النفسية الدعائية، بوزارة الدفاع الامريكية، عن الانقسام الطائفي و» انتصارات» القوات الامريكية و بناء «الديمقراطية» وايجابية وجود المحتل. «ما هو البديل»، ومن هو القادر على الاجابة حين يتساءل المواطن الغارق بزخات المعلومات المفبركة والهموم اليومية والرعب من ذلك «الآخر» المتوحش، الذي يتم تغيير اسمه من فترة الى أخرى، حسب الحاجة، الذي يتربص به، وبعائلته، وطائفته؟ من هو القادر على الاجابة حين يصبح «البديل»، وجبة طعام سريعة تم اعدادها مسبقا، خميرتها الفساد والطائفية. بديل متوحش لآخر متوحش. كأن وحشية 4000 غارة جوية لقوات التحالف الستيني وضعف ذلك العدد من الصواريخ والمدفعية، و100 ألف من الجنود والمليشيات، مبررة أكثر من مجانين او مجرمين في تنظيم الدولة، جاءوا من مختلف البلدان ليلتهموا المدينة ويعيثوا بها فسادا. هذه الجوانب من «البديل» لا تناقشها اجهزة الاعلام، بل تخفيها، بحرفية عالية او بشعبوية رثة (غير مهم)، ما دامت الغاية هي ديمومة الخوف والشلل العقلي. لذلك لا ينظر الى خارطة الدمار التي نشرتها الأمم المتحدة ليوم 11 تموز 2017 في الموصل بعد «التحرير»، ولا يتذكر المليون نازح من الجائعين العطشى، في قيظ تموز/يوليو، غير قلة تدرك وجود البديل لو توفرت النية لتفادي الكارثة. كيف تمكنت شعوب اخرى مرت بذات المآسي من لملمة نفسها واستعادة لحمتها متخلصة في الوقت نفسه من «وحوش جاءوا من مختلف البلدان ليلتهموا المدينة ويعيثوا بها فسادا»؟ 
هنا يأتي، دور النخبة الثقافية، المستقلة، المدركة لمسؤوليتها العامة، الفاعلة خارج عقل الحشود، الراصدة بوعيها النقدي ما يبدو «عاديا»، المتحدية للحلول الشعبوية الجاهزة، القادرة على طرح تساؤلات آنية تساعد على فهم الماضي واستشراف المستقبل، الرافضة ان تكون مطية لأيديولوجيا الفكر الواحد وتهميش ما عداه، وان تعمل على كسر جدار العزل الفكري المتمثل بـ»أما – أو» الذي طالما فرض علينا، داخليا وخارجيا، وحقق نجاحا باهرا في تقزيم الوعي ووضعه في قالب مناسب لكل أشكال الهيمنة والاحتلال. أما فيما يخص الحرب الحالية، لعل الخطوة الاولى في الاجابة على «ما هو البديل»، هو الا يكون المثقف صمام أمان لجرائم ترتكبها السلطة.
كاتبة من العراق

 

 

تظاهرات ومناورات

« الحرب على الارهاب»

في حقبة العودة إلى البربرية

هيفاء زنكنة

 

شملت مظاهرات يوم الجمعة 7 تموز/ يوليو 2017 عدة مدن عراقية. من ساحة التحرير ببغداد، إلى المدن الواقعة جنوب بغداد وهي الناصرية والسماوة والديوانية وكربلاء والنجف والكوت والبصرة. يمكن تلخيص مطالب المتظاهرين، الذين تتراوح اعدادهم ما بين العشرات والمئات، بما يلي: توفير الخدمات وعلى رأسها الكهرباء، تقديم الفاسدين المسؤولين عن تردي الخدمات إلى العدالة، تغيير مفوضية الانتخابات وقانون الانتخابات، مع الاحتفال «بتحقيق النصر على عصابات داعش الإجرامية وتحرير الموصل». وهي مطالب رفعها المتظاهرون، بمثابرة، على مدى العامين الأخيرين ووصلت ذروتها، في العام الماضي، حين أمر زعيم التيار الصدري أتباعه باقتحام المنطقة الخضراء ومبنى البرلمان، ثم نصب خيمته عند محيط المنطقة، ليحظى باهتمام اعلامي كبير. أيامها، التقطت له الصور وهو متمدد في الخيمة، ثم قرر المغادرة، فجأة، ساحبا نفسه واتباعه. 
أثرت هذه المناورات، بمفارقاتها المضحكة المبكية، التي سببت اختطاف وقتل عدد من المتظاهرين، على طبيعة التظاهرات ومدى فاعليتها، بالاضافة إلى أقتصارها على مطالب «أمينة»، خشية ان يساء فهمها من قبل التيار الصدري، كونه تيارا دينيا – شيعيا أولا ولأنه جزء لا يتجزأ من النظام ثانيا. هناك، أيضا، حاجة الجهات المنظمة للتظاهرات إلى حماية الميليشيا التابعة للصدر في بلد تحكمه الميليشيات.
ادت هذه العوامل إلى محدودية تمثيل التظاهرات لكل العراقيين، والى ضيق أفقها الحقوقي وبالتالي إلى قولبة المطالب ضمن ما هو مقبول، سياسيا وطائفيا، من قبل الاحزاب والمسؤولين والمرجعيات والميليشيات، أما حفاظا على حياة المتظاهرين وهي مسألة ضرورية، أو لوجود أجندات مفيدة ستجير لصالح هذه الجهة أو تلك، في الانتخابات المقبلة، خاصة حين تكون الجهة مشاركة في الحكومة أو العملية السياسية. 
ما تتضمنه المطالب مقبول في اللعبة السياسية. الكل يتحدث عن الفساد ومحاسبة الفاسدين وعلى رأسهم الفاسدون أنفسهم، بلا حرج. الكل يتحدث عن انقطاع التيار الكهربائي منذ 13 عاما، بلا جدوى. والكل متفق على اجراء الاصلاح والتغيير. مما يثير تساؤلا حول ماهية المطالبات نفسها، وعما اذا كانت لا تزيد عن كونها مجرد خدش للسطح دون ان تمس جوهر المأساة التي يعيشها المواطن، في كل انحاء العراق.
لتوضيح الصورة، قد يساعدنا ذكر بعض القضايا الملحة التي لم يحدث ومستها المطالب. لنبدأ بمأساة التضحية بالعراقيين، بالآلاف، في معارك «الحرب على الارهاب»، وتقديمها كأنتصار يتنافس منظمو التظاهرات على الاحتفال به، والقاء الخطابات الرنانة بدون البحث فيما سببته «الانتصارات» المزعومة من تهديم وخراب لمدن بكاملها، وعن جذور المأساة وكيفية معالجتها لئلا تتكرر ثانية وثالثة. متناسين ان العراق لم يكن مهدا للارهاب قبل غزوه واحتلاله، ومتعامين عن بربرية الغزاة، الوجه الآخر للارهاب ليصبح المتظاهرون، ولا اقول القيادات من التيار الصدري والحزب الشيوعي، بشكل غير واع جزءا من حملة اعلامية تعيق التفكير الواعي. 
«لقد اشتركت الامبراطوريات الحميدة والخبيثة في صنع ما تشهده حقبتنا من عودة إلى البربرية ساهمت فيها هذه الايام بحجة الحرب على الارهاب»، يقول الماركسي الراحل أريك هوبزباوم، أشهر المؤرخين المعاصرين في بريطانيا واوروبا. بحجة الارهاب، حقق العراق ارقاما قياسية بتنفيذ احكام الاعدام، والاعتقالات والتعذيب، واهانة الناس، وسحق كرامتهم، نزوحا وتهجيرا من مدنهم، بعد ان تم تقسيم خارطة البلد إلى مناطق سنية واخرى شيعية وكردية وو… ومناطق يتم مسح هويتها، يوميا، لتتأهل للتصفية النهائية في دوري المناطق المتنازع عليها. 
ماذا عن حقوق الانسان؟ «ليست هناك مادة واحدة من مبادئ حقوق الانسان لم يتم خرقها في العراق منذ احتلاله»، يقول مندوب الامم المتحدة السابق بالعراق هانز فون سبونيك. 
هل تفاجئنا انتقائية تطبيق حقوق الانسان؟ ليس الآن. ربما في سنوات البراءة الحقوقية، يوم كان لوقع «حقوق الانسان» موسيقى يطرب لها معذبو الارض (مع التقدير لفرانز فانون). اليوم، يتعرض من يطالب بتطبيق مبادئ حقوق الانسان، المنصوص عليها في كل دساتيرالدول، تقريبا، إلى الاتهام بالارهاب، وقد يفقد حياته جراء ذلك. تتغير التهمة حسب من يمتلك القوة محليا وعالميا. القوتان مترابطتان بحكم تبادل المصلحة السياسية والعسكرية وان بدتا، احيانا، على خلاف. فالحكومة المحلية بحاجة إلى القوة الدولية لحمايتها من شعبها، والدول الكبرى بحاجة إلى الحكومات المحلية لتكريس هيمنتها. وليس هناك ما هو أفضل من تسخير شريحة من ابناء الشعب أو الدول المضيفة (حسب الجنرال الامريكي دافيد بترايوس) لأداء المهمة. ولعل أوضح مثال على ذلك، قيام المحققين الامريكيين بتسليم المعتقلين العراقيين إلى قوات الأمن العراقية لتعذيبهم بدلا منهم. هكذا اصبحت مبادئ حقوق الانسان وتطبيقاتها ذات معان متعددة، متغيرة، مثل لون الحرباء. 
وتتهشم مبادئ حقوق الانسان إلى فتات يثير الأسى عند وصولها إلى بلادنا مع من ساوموا الارض بالسلطة ورضوا بالاحتلال «تحريرا» تارة و»تغييرا» تارة أخرى مرتكبين واحدة من أكبر الجرائم اللا أخلاقية. هكذا، في خضم التدهور الاخلاقي السريع، تحولت المبادئ الانسانية، النبيلة، من أداة انقاذ إلى أداة تمزيق للبلد وعقابا للشعب. تمت تجزئة القضايا الاساسية إلى حد لم يعد بالامكان التعرف عليها لكي تصبح مقبولة من الجهة الداعمة. الجهات الداعمة تريد من يسمعها ما تريد عن بناء الديمقراطية وازدهار حقوق الانسان. قسمت حقوق الانسان حسب الطائفة والدين والحزب السياسي القادر على التمويل ومحاصصة المناصب. باتت : لكم حقوقكم ولي حقوقي.
فقدت مبادئ حقوق الانسان شموليتها الانسانية العامة المحتضنة للجميع، وتمنع السلطة وأسيادها والميليشيات مبادرات التكافل الاجتماعي بين الناس وأيصال المساعدات بشكل أهلي إلى اللاجئين بملايينهم. ولننظر إلى الشلل الذي اصيب به المجتمع تجاه الكارثة التي اصابت أهالي المحافظات الوسطى، التي يتم نقلها، تلفزيونيا، بشكل حي إلى بقية ارجاء البلاد، مقارنة بالهبة العفوية التي تعودنا عليها في عقود ماضية. في منحدر الشلل المظلم انزلقت منظمات مدنية وناشطون حقوقيون اما سذاجة او عمدا لتسويغ الحصول على الدعم المادي المجزي وقبول شروطه ومتطلباته. بدلا من ان تكون، كما هو مفترض، صوت المظلومين والمهمشين، صوت المجتمع ككل، صوت الصارخين طلبا للاغاثة من معتقلات الموت المنهجي (سجن التاجي مثلا)، صارت بضجيجها الخطابي جزءا من آلة التسويغ والتضليل الشرهة.

٭ كاتبة من العراق

 

 

السؤال هو:

ماذا حدث قبل داعش؟

هيفاء زنكنة

 

اتخذت تصريحات مسؤولي الحكومة العراقية، في الأيام الأخيرة، منحى جديدا، فيما يخص محافظة نينوى، شمال العراق، وعاصمتها الموصل. تحاول التصريحات الاجابة على سؤال أريد منه طمس جبال المصائب الأخرى التي يعيش في ظلها المواطنون، وهو : ماذا بعد داعش ؟ فالانتصار على « الدولة الاسلامية»، على مبعدة بضعة أمتار، اذا أخذنا المقياس المكاني، أو عدة ايام، بالمقياس الزمني، مع اغفال المقياس البشري لاحصاء الضحايا من المدنيين والمتقاتلين. تتناوب على تقديم الأجوبة جهات متعددة من بينها الحكومة ( بشقيها المركزي واقليم كردستان) والميليشيات ( الحشد الشعبي بأقسامه الثلاثة والعشائر) والمتعاقدين من دول التحالف بقيادة أمريكا. 
في داخل العراق، يتبين عند مراجعة أجوبة المسؤولين الحكوميين والساسة الذين يغذون شراهة استديوهات البث التلفزيوني، على مدى 24 ساعة يوميا، بان لدى الجميع وصفة جاهزة لـ «مرحلة ما بعد داعش»، قد تختلف مسمياتها، الا انها ذات مضمون واحد، وهو:» اعادة اعمار الموصل». الوصفة الاولى، هي التي أعلنها الأمين العام لمجلس الوزراء في 14 حزيران/يونيو 2017، بعنوان «الخطّة الاستراتيجيّة لإعمار الموصل». تم الاعلان عنها قبل أسبوعين فقط، وبعد ان بات حجم الدمار العمراني والبشري «واحداً من أسوأ التطوّرات التي شهدتها الحملة لتحرير المدينة»، حسب ممثلة البرنامج الإنمائيّ لمنظّمة الأمم المتّحدة في العراق، وبلغ عدد النازحين رقما قياسيا، مما يعطينا فكرة عن مدى قدرة المسؤولين الحكوميين، على التفكير الاستراتيجي وجديتهم في تنفيذ الخطط والمشاريع، وتشكل مؤشرا لما هو آت في الايام المقبلة. 
نقرأ في بيان صادر من وزارة التخطيط، بأن الاعمار سيكلف 100 مليار دولار على مدى عشرة اعوام، حسب الخطة الاستراتيجية، أو عشرين عاما، حسب «خطّة اعادة إعمار المناطق المحرّرة»، التي لا تقتصر، افتراضا، على محافظة نينوى بل تمتد إلى محافظات أخرى، تعرضت مدنها، كما الموصل، إلى التهديم بمعدل 70 بالمئة من بيوتها ومؤسساتها إلى المستشفيات والمدارس والجامعات ومحطات تزويد الطاقة والمياه، أي عموم البنية التحتية، بالاضافة إلى مأساة النازحين، قبل وبعد القاعدة وداعش، الذين تحولت معسكراتهم المؤقتة إلى شبه دائمية، لما تدره من أرباح للعديد من الجهات. 
من يقرأ الخطة الاستراتيجية لا يلام اذا ما فكر بأن هناك حكومة وطنية تعمل اولا وأخيرا من اجل مصلحة مواطنيها وانها سائرة، لا محالة، في طريق اعادة اعمار المدن المحررة. فكل شيء على الورق يبدو رائعا، كما كانت خطة «تحرير» العراق واعماره الموعود خلال ثلاثة أشهر فقط (مرّت هذه الأشهرالثلاثة ووعودها خمسون مرة منذ الاحتلال، ونحن الآن في الشهر الـ 170 بعد «التحرير» والخراب هو هو في محافظات العراق كلها تقريبا، او يزداد!)، الا ان مراجعة بسيطة لـ « انجازات « الحكومة الحالية، قبل انبثاق «داعش»، سيعيد ترتيب الصورة، بعيدا عن الرطانة السياسية، ونزاعات المتسابقين على رفع راية الانتصار، ليجعل الاولوية لأسئلة على غرار : من الذي سيتحمل تكلفة اصلاح الخراب، شبه الكلي، للمدن؟ ومن الذي سينفذ مشاريع الاعمار، وأعادة الامن والاستقرار، وما هو أعمق من ذلك أي اعادة الثقة بالحكومة وتعويض الضحايا والبدء بمجريات العدالة الانتقالية بمراحلها المختلفة؟ 
هل هي الحكومة العراقية المعروفة، عالميا، بأنها من الاوائل في قائمة الدول الأكثر فسادا بالعالم، والموصوفة عالميا، أيضا، بأنها حكومة فاشلة تديرها الميليشيات المسلحة الناشطة خارج نطاق القانون، المتغذية على الثروة النفطية بينما يعيش ثلث الشعب تحت خط الفقر؟ ماذا عن الطائفية التي تنخر المؤسسات؟ كيف سينفذ مشاريع تأهيل بيوت النازحين من يسرق مساعدات النازحين ويبيعها لهم؟ كيف ستنفذ مشاريع الاعمار والاصوات تتعالى مطالبة بحصة، في غنيمة الموصل، ثمنا لـ « دماء شهدائنا»، كما يصرح قادة الميليشيات، أو ملكا لأقليم كردستان ثمنا ل « شجاعة البشمركة» أو لأنها من المناطق «المتنازع عليها»، ويوم الاستفتاء على انفصال الاقليم سيحل قريبا؟ 
تشير تصريحات المسؤولين إلى ان البنك الدولي سيمنح العراق قروضا جديدة، بالاضافة إلى قرض بريطاني بقيمة 10 مليارات جنيه استرليني، لتضاف إلى سابقاتها التي نعرف جيدا أين انتهت بينما سيتحمل المواطنون عبء تسديدها على مدى عقود. هناك حديث، ايضا، عن مساعدة دولية، والدول المانحة، كما يعرف الجميع، ليست منظمات خيرية بل تأتي مساعداتها مربوطة برزمة شروط لابد ان تنفذها الدولة المتلقية. يلخص الرئيس الامريكي دونالد ترامب هذه الرزمة تحت عنوان « النفط مقابل الاعمار». وهو تصريح يجب التعامل معه، بشكل جدي، اذا ما أريد للعراق ان يحافظ على ما تبقى من ثروته النفطية، خاصة بعد ان نفذ ترامب مشروع « العقود العسكرية مقابل الحماية» مع السعودية وبقية دول الخليج.
الى جانب عقود الادارة الامريكية، العسكرية والاستخباراتية، يتحدث المسؤولون العراقيون عن عقود مع شركات أجنبية، من ذات الدول التي ساهمت بتدمير العراق. ولا تقتصر العقود على شركات الاعمار بل تتضمن، بطبيعة الحال، الشركات الأمنية الخاصة التي اصبحت ضرورة من ضرورات العمل في مناطق «ما بعد النزاع»، كبديل رخيص لقوات الاحتلال في توفيرها المرتزقة / الحماية/ الحراسة/ ادارة المعتقلات/ التحقيق مع المعتقلين والعمليات القذرة. واذا كانت سمة النظام العراقي الاولى هي الفساد فأن مسؤولية مأسسة الفساد، بشكله الواسع، هو الاحتلال الانكلو أمريكي عبر عقود الشركات الاحتكارية واستشراء ظاهرة الافلات من العقاب. ومن المفيد مراجعة مشاريع الاعمار التي بقيت حبرا على ورق بينما تلاشت مليارات الدولارات فسادا، ومثالها ما كشفته صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، في 24 آذار/مارس 2013، عن عشر شركات عملاقة حققت أرباحاً طائلة قدرها 72 مليار دولار من خلال» مشاريع اعمار وخدمات دون أن تحقق تلك المشاريع أي شيء»، حسب السيناتور الديمقراطية كلير ماكاسكل.
الملاحظ في ضجة التصريحات والبيانات والصراع اليومي حول من الذي سيحصل على ماذا في «مرحلة ما بعد داعش» ان الساسة والمسؤولين العراقيين والامريكيين وبقية دول التحالف اختاروا التعامي الانتقائي عن سؤال كان يجب ان يكون هو الاول لو كانت نية اعمار العراق، وليس الموصل وحدها، صادقة. السؤال هو: ما الذي حدث قبل داعش؟

٭ كاتبة من العراق


 

 

عن حصار قطر و«الجزيرة»

واعتقال الدوريات الأكاديمية

هيفاء زنكنة

 

لديكم عشرة أيام لتنفيذ المطالب المذكورة والا… هذا الانذار العاجل ليس موجها من شركة كهرباء أو غاز إلى زبون تجاوز الفترة الاولى المحددة لدفع فاتورة الحساب ومدتها 4 أسابيع، عادة. انه انذار موجه من اربع دول هي المملكة العربية السعودية والامارات والبحرين ومصر، ضد دولة قطر التي كانت، حتى الأمس القريب، دولة « شقيقة» وعضو في إتحاد يضم « أشقاء». 
تضمن الانذار 13 مطلبا، حاولت الدول الاربع بساستها وخبراء القانون لديها، صياغتها، بعد اسبوعين من اعلانها « مقاطعة» قطر، الدولة المارقة بمنظور الدول الاربع، وما احاط ذلك من تخبط اعلامي، بغية توضيح الأسباب للرأي العام في البلدان الخمسة والمنطقة والعالم. فجاءت المطالب لتزيد الغموض غموضا، والمحاججة هلامية رخوة مثل بطن حلزون، خاصة، فيما يتعلق بتهمة مساندة الإرهاب والمطالبة بإغلاق شبكة «الجزيرة» الإعلامية والقنوات التابعة لها، بالاضافة إلى المطالبة باغلاق عدد من الصحف والمراكز الفكرية. جاء تسلسل الاحداث غريبا. بدأ بتنفيذ المقاطعة ثم الاعلان، بعد أسبوعين، عن المطالب، أي الاسباب الداعية إلى تنفيذ المقاطعة، يماثل التسلسل أصدار حكم الاعدام على شخص وتنفيذ الحكم به، ثم توجيه انذار اليه يطالبه باعلان التوبة. هذه هي صورة المنطق اللامنطقي التي يراد من الشعوب العربية المنهكة، أساسا، جراء نزاعات الحكام وخصوماتهم وتبعيتهم، الاقتناع بها ومسايرتها.
لننظر إلى تهمة الإرهاب. الملاحظ ان حزمة المطالب ملفوفة، بأناقة، بمصطلح « الإرهاب»، باعتبار دولة قطر داعمة له، و الدول الاربع الأخرى محاربة له. وهو تقسيم كونكريتي صلب، أسسته ادارة المحافظين الجدد الامريكية، وأطلقه الرئيس الامريكي جورج بوش بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، ليتم تقسيم الدول وحكوماتها إلى معسكرين لا غير : « اما معنا او ضدنا « تحت راية «محاربة الإرهاب». هذه الايديولوجيا، المفروضة، قسرا، من الخارج على شعوب المنطقة، هضمها الحكام العرب، مثل وجبة طعام سريعة، ثم اجتروها وتجشأوها على الشعوب، سياسيا واعلاميا، باعتبارها من بنات أفكارهم وسياستهم المناوئة للتطرف. 
من هذا المنطلق، تأتي تعليبة مطالب الدول الاربع، متماشية مع قالب «محاربة الإرهاب»، على الرغم من تآكله لكثرة استخدامه، تبريرا، وابتزازا، وشرعنة للقمع والقتل من قبل أشخاص ومنظمات ودول، حسب الحاجة والطلب. والويل الويل لمن لا ينضم إلى تحالفات القصف الجوي، والطائرات بلا طيار، واغتيالات العمليات الخاصة والفرق القذرة وتفجيراتها، واستخدام أسلحة اليورانيوم والفسفور الابيض، ناهيك عن القتل اليومي، المباشر، وغير المباشر، للفلسطينيين، بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، وتحالف الكيان الصهيوني، ومباركة الحكومات المحلية في العراق وسوريا واليمن ودول الخليج.
الملاحظ، ايضا، اصرار الدول الاربع على استخدام مصطلح « مقاطعة « توصيفا لاجراءاتها ضد قطر التي اعتبرتها « حصارا وعقوبات اقتصادية شديدة»، وهو اجراء أقرب إلى العقوبة الجماعية اذا ما روجعت التفاصيل. مايسترعي الانتباه هو استخدام هيئة الاذاعة البريطانية ( البي بي سي)، تعبير الحصار والعقوبات الاقتصادية في تغطيتها للحدث، مما يدفع إلى التساؤل عما يمنع الدول الاربع من ارسال انذار إلى الحكومة البريطانية للمطالبة باغلاق البي بي سي وقنواتها، كما الجزيرة، خلال عشرة ايام والا…
لا يمكنني الا عقد المقارنات البعيدة والقريبة التي تمس جرحا لم يندمل بعد عراقيا. ولأن العراق عاش اطول فترة حصار في التاريخ المعاصر، وصفه دنيس هاليداي، مندوب الامين العام للامم المتحدة بالعراق ( 1997-1998)، المستقيل احتجاجا، بانه « جريمة ابادة ضد الشعب العراقي»، ولأنني كنت من المناهضين بقوة لسياسة الحصار على الشعب مع معارضتي، في الوقت ذاته، لسياسة النظام العراقي السابق، يعيدني فرض الحصار على قطر، وترويجه، اعلاميا، وابتزاز وانزال العقاب بكل من يرفع صوته احتجاجا او معارضة، حسب قاعدة « أما مع أو ضد»، إلى كيفية تسويق امريكا حصارها الجائر ضد الشعب العراقي، بمساهمة دول عربية « شقيقة»، على مدى 13 عاما باعتباره « عقوبات اقتصادية»، حتى وهي تبرر قتل نصف مليون طفل جراء الحصار، باعتبار انه « ثمن يستحق الدفع»، بلسان وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت. كل ذلك الخراب البشري والمادي، تم بناؤه على أساس كاذب هو امتلاك العراق أسلحة دمار شامل تهدد العالم خلال 45 دقيقة! أليس هذا النموذج، الواضح، في التلفيق، والتضليل، ونتائجه الكارثية على الشعب العراقي وانعكاساته على بقية الدول العربية والعالم، درسا يدفع إلى تمحيص الخطاب الرسمي للقوى العظمى والدول المحكومة بالقطيعة مع شعوبها والتبعية لمن يزودها بالسلاح ضده، وهي سمات كافة الدول العربية بلا استثناء؟ الا تستحضر أجواء اتهام قطر بالإرهاب، اليوم، ذلك العراق الذي حكم عليه بالاعدام متهما بامتلاك اسلحة الدمار الشامل كذبا وزورا؟
تأخذنا ذات الاجواء المسربلة بالتهديد والابتزاز، إلى المطالبة باغلاق قناة الجزيرة وغيرها. فبالاضافة إلى كون حرية الرأي والتعبير من اساسيات حقوق الانسان، كيف يمكن تمحيص الخطاب الرسمي لأية دولة، وتقديم الحقائق، وتوسيع فسحة المعلومات بعيدا عن الخطاب السائد، واغناء وجهات النظر، بدون تعددية اجهزة الأعلام، ومراكز البحوث والدراسات، لتنمية الوعي النقدي ؟ الا يؤدي التخندق العقلي إلى جعل الشعوب أسيرة الخطاب الرسمي / الحزبي/ الايديولوجي، الواحد، المكرس لمسخ الآخر باعتباره عدوا يستحق التطهير؟ ترى ما الذي فكر به سياسيو الدول الاربع وهم يشترطون اغلاق قناة تلفزيونية قد لا يتفق معها الكثيرون، لكنها ضرورية ضرورة تعدد الاصوات والآراء؟ واذا كانت الانظمة العربية تعمل، عادة، على منع اجهزة الاعلام ومراكز الدراسات، بشكل شبه مستور، فأن تحويل اغلاق قناة الجزيرة والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى مطلب، علني، أساسي لرفع الحصار عن قطر، يشكل نقلة نوعية في تعامل الانظمة مع شعوبها لاسكات الاصوات المغايرة، مهما أختلفنا معها. وهل ستكون الخطوة التالية في كسر المستور الأعتراف الرسمي بالعلاقة مع الكيان الصهيوني العنصري وتحقيق أمنية مجرم الحرب نتنياهو بزيارة مكة المكرمة؟
ولأننا نعيش في عصر المفارقات المضحكة المبكية، اجدني غير قادرة على التخلص من غواية التساؤل عن مغزى الخبر التالي: صادرت السلطات المصرية، يوم الأربعاء الماضي، العدد 20 من دورية «عمران» للعلوم الاجتماعية، وهي دورية أكاديمية، صادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ترى كيف سيحمي منع الدراسات الاجتماعية، التي نحن من اضعف امم الأرض فيها، الشعب المصري والعربي، عموما، من خطر الإرهاب؟

٭ كاتبة من العراق

 

 

الصمت وأطفال الحرب القذرة

هيفاء زنكنة

 

هناك صمت سياسي واعلامي كلي، مطبق، يحيط باستخدام قوات التحالف، بقيادة أمريكا، سلاح الفسفور الابيض القاتل في مدينتي الموصل والرقة. هناك في الوقت نفسه، سيل من تصريحات سياسية واعلام يمتد على مدى ساعات الليل والنهار، يدين ويستنكر ما تستخدمه «الدولة الإسلامية» من أسلحة في ذات المدينتين. الضحية الاولى في كلا الحالتين هو المواطن. واعداد الضحايا من القتلى والمهجرين والنازحين في تزايد مستمر. لم يعد للارقام والاحصائيات معنى في سباق عبثي بين قوتين تحاول احداهما تحقيق « النصر» ضد الاخرى ورفع راية النصر وقوفا على تلال من اجساد المطمورة تحت ركام المباني حينا والمحروقة حينا آخر.
في مسابقة الموت هذه يتساوى الطرفان. الطرف الإرهابي الاول: التحالف الانكلو أمريكي الذي غزا، واحتل، وأسس الطائفية والفساد، مستثمرا روح الانتقام لدى الساسة المستوردين. هو المسؤول الاول، مهما حاولت الطبخات الاعلامية، ومؤسسات الدعاية الديمقراطية والتعبئة السايكولوجية ـ العسكرية تزويقه. الطرف الإرهابي الثاني هو من هيأ الاحتلال وجرائمه أرضية نشوئه من منظمات باتت تزداد جنونا وتوحشا بمرور الوقت. انها بإرهابها، الوجه الآخر لإرهاب دول استباحت شعبا وهدمت بلدا، وجعلت من الاعتقال والتعذيب والقتل ممارسة يومية برضى محلي ودولي بذريعة، تشكل اكبر استهانة بالعقل الانساني، وهي «محاربة الإرهاب».
تحت مظلة « محاربة الإرهاب» الواسعة، الخاضعة لكل التفسيرات الانتقائية، والتغطية الاعلامية الجاهزة، تتم الاغتيالات بواسطة الطائرات بلا طيار، كما في اليمن، وقصف المدن كما في غزة وسوريا والعراق. في العراق، قصف طيارون أمريكيون سكارى، تترنح طائراتهم يمينا ويسارا، مدينة الموصل، أخيرا، فأصدرت القيادة العسكرية الأمريكية، عند سقوط مئات الضحايا من المدنيين جراء قصف المباني، بأنهم انما كانوا يستهدفون اماكن لداعش بناء على معلومات عسكرية عراقية! 
وكان رد فعل النظام، بحكومته ونوابه، على التهمة الموجهة ضد القوات ( انتبهوا ليس ضد القصف )، تشبه وصوصة كتكوت حال خروجه من البيضة، تستمر لبضع ساعات ثم تختفي. الجريمة الحالية التي ترتكبها القوات الأمريكية هي قصف مدينتي الموصل والرقة بالفسفور الابيض. واذا كنا قد سمعنا، سابقا، وصوصة من الحكومة والنواب العراقيين، فاننا لم نسمع ولو ثانية منها هذه المرة. لماذا؟ هل لأن الفسفور الابيض مادة « ذكية» تتعرف على الداعشي فتلاحقه وتحرقه لوحده وان كان موجودا ضمن مجموعة من الناس؟ أم انه، لكونه صناعة أمريكية، مباركة من قبل الانظمة العربية، قادر على شد عزيمة المواطنين في قتالهم التنظيمات الإرهابية ؟ أم انه سلاح سريع آخر لتطهير مدن معينة من سكانها ؟
الفسفور الابيض، وهو ذخيرة متعددة الاستخدامات، ليس محظورا كسلاح كيماوي بموجب المواثيق الدولية، لكنه سلاح خطير يشكل ضررا مرعبا وطويل الأمد في المدن المأهولة، بغض النظر عن كيفية استخدامه، اذ يبقى في التربة، مسببا حرق جسم الإنسان بمجرد الملامسة. الا ان أمريكا لا ترى ضررا في استخدامه في حروبها المنتشرة على وجه العالم كما البثور على وجه مراهق. حيث استخدمته في حربها ضد فيتنام، وفي مدينة الفلوجة المقاومة عام 2004. واستخدمه الكيان الصهيوني ضد قطاع غزة المحاصر في 2009. في 2016، استخدم التحالف بقيادة السعودية في اليمن ذخائر الفوسفور الأبيض المدفعية. وكانت صحيفة « التايمز» البريطانية قد نشرت تقريرا بعنوان: «محررو الموصل متهمون باستخدام الفسفور» في أكتوبر 2016، اتهمت فيه « قوات التحالف» بالقاء قنابل الفسفور الابيض على قرية كرملش، قرب الموصل، حسب تقارير وصور وثقتها منظمة العفو الدولية التي ذكرت بانه على الرغم من أن قرية كرملش قد أخليت من سكانها، لكن الفسفور الأبيض يمكن أن يبقى في تربتها مشكلا خطرا على السكان بعد عودتهم إلى منازلهم فيها. 
لتوضيح صورة التأثير المخيف لاستخدام قنابل الفسفور الابيض، تقول دوناتيلا روفيرا الباحثة في المنظمة إن «الفسفور الأبيض قد يتسبب في جراح مروعة وحروق عميقة في العضلات تصل إلى العظام. واذا بقي بعضه لم يحترق الا جزئيا فانه يمكن أن يشتعل بعد اسابيع من استخدامه».
 على الرغم من كل التحذيرات التفصيلية عن آثار الفسفور الابيض المرعبة على الانسان ( أو ربما بسببها؟) عاودت القوات الأمريكية القاء القنابل الفسفورية على مدينة الموصل في 3 حزيران/ يونيو 2017، وضرب مدينة الرقة بسوريا في 9 يونيو 2017، مما أدى إلى مقتل 20 شخصا كانوا في أحد مقاهي الانترنت، حسب منظمة « هيومان رايتس ووتش»، الحقوقية الدولية.
التحذير الحقوقي الانساني متكرر من استخدامه « كسلاح حارق لمهاجمة أشخاص أو معدات في مناطق مأهولة»، وكون استخدام الفسفور الأبيض «يضيف مادة سمية جديدة في حرب قذرة عادة ما تستخدم المواد الكيماوية أسلحة فيها»، فما هو موقف الحكومات العربية « الوطنية» التي تدعي تمثيل شعوبها وحمايتهم؟ ليس هناك موقف محدد صريح. فالحكومات في معسكر واحد مع مستخدمي هذه الاسلحة ان لم يقوموا باستخدامها ضد شعوبهم بالنيابة. ورطانة الادانة والاستنكار، إذا ما أطلقت، لا تزيد عن كونها مجرد ذلك. 
ان ازدواجية مواقف الحكومات العربية من شعوبها، المحكومة بمتلازمة القمع والاستبداد، ناهيك عن ازدواجية سياسة الدول العظمى بصدد تطبيق الديمقراطية وحقوق الانسان الانتقائية، تكاد تدفع الشعوب العربية إلى الوقوف على حافة هاوية لا يرى غير قاعها. القاع المبطن باليأس والاحباط ونشوء طبقة جديدة من ساكني الخيام المهمشين على حافة الحياة الانسانية، ونسبة عالية منهم عرضة للتجنيد لأي جهة تمد لها يد المساعدة او السلاح. 
فما الذي سيحمله المستقبل لنا وللآخرين؟ هذه الطبقة المعرضة للتهديد والقصف اليومي بانواع الاسلحة المبيدة، المنسوج وجودها بالعوز وامتهان الكرامة، باطفالها المحرومين من التعليم والرعاية، هي التي ستصوغ مستقبل البلدان التي تقيم فيها ( حيث لاوجود لمعنى الوطن والمواطنة) ويمتد تأثيرها إلى العالم.

٭ كاتبة من العراق


سألوها

«لماذا تبكين على داعشي»؟

هيفاء زنكنة

 

« ذهبت إلى الجنود وسألتهم عن زوجي. قالوا إنهم لا يعرفون أي شيء. ثم رأيت 3 جثث على الأرض، من بينها جثتا والدي وزوجي. بدأت بالبكاء والصراخ. جاء [مقاتلو] الحشد وقالوا لي، «لقد قتلناهما ولم يعودا موجودين». طلبوا مني الذهاب والبقاء مع النساء. ذهبت إلى النساء ولكن بقيت أصرخ. جاء [مقاتل] الحشد وقال: «لماذا تبكين على داعشي»، وصوّب بندقيته إلى وجهي وقال، «سأقتلك هنا». هدأتني حماتي وغادر الحشد…». 
هذه الشهادة، واحدة من مئات وثقتها منظمة « هيومان رايتس ووتش» منذ العام الماضي، وأصدرت المنظمة الحقوقية الدولية، وهي ليست الوحيدة، تقارير عدة حول انتهاكات حقوق الانسان بالعراق، وصفت العديد منها بانها جرائم حرب، منذ بدء معركة الموصل في أكتوبر/تشرين الأول 2016.
وردت شهادة السيدة الموصلية التي لم يذكر اسمها حرصا على حياتها،  في تقرير «ميليشيات مدعومة من الحكومة ترتكب إعدامات ميدانية: لا تدخل أو استجابة من القوات الحكومية» ( كانون الاول / ديسمبر 2016). موسى وسعد كانا من بين الضحايا، وهما أب وابنه، من قرية الحاج علي قرب الموصل. قال أقاربهما إنهما كانا قد فرا مع أسرتيهما إلى قرية شيالة الإمام قبل 7 أشهر بسبب نزاع مع أحد الجيران وكانا يعيشان في مدرسة تستضيف أسرا نازحة. قالت الشاهدة، زوجة سعد، إنها عندما سمح للنساء للانضمام إلى أفراد عوائلهن من الرجال ، بعد أن فصلهم الحشد بداية، لم تر زوجها ولا والده. ولم يكن لأي منهما علاقة بأي تنظيم. وثق التقرير، أيضا، العثور على 26 جثة، على الأقل، لرجال معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي في مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة العراقية في مدينة الموصل ونواحيها. «صار العثور على جثت لرجال مكبلين ومعصوبي الأعين، متكررا في الموصل والمناطق القريبة منها وفي نهر دجلة، مما يثير القلق من وقوع إعدامات خارج نطاق القضاء على يد القوات الحكومية». قالت لما فقيه نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش.
في تقرير آخر، وثقت المنظمة جرائم سلسلة جرائم جديدة ارتكبتها قوات الحشد الشعبي ضد المعتقلين الهاربين من جحيم معارك الموصل ، ليكون مصيرهم التعذيب والإعدام الفوري بتهمة مناصرة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش). ففي 20 أبريل/نيسان 2017، قالت «رويترز» إنه طوال الأشهر الأخيرة، رأى سكان القيارة الواقعة على بعد 60 كم جنوب الموصل والتي تسيطر عليها القوات الحكومية سيطرة تامة منذ أغسطس/آب 2016، جثثا تطفو على نهر دجلة معصوبة الأعين ومكبلة الأيدي. وفي 21 مايو/أيار، قال مقاتل محلي لـ هيومن رايتس ووتش إنه رأى جثة أخرى مقيّدة وتطفو على النهر من جهة الجسر القريب من القيارة. يسيل نهر دجلة نحو الجنوب، ما يوحي بأن الجثث ألقيت في النهر شمال القيارة، ولكن لا يُمكن أن تكون من المناطق الخاضعة لسيطرة داعش نظرا لوجود سدود عديدة في النهر جنوبي الموصل».
هكذا سترتبط القرى في ذاكرة السكان لا باسمائها ومواقعها على الخارطة بل بما يرونه من جثث لضحايا من أهلهم أو ، وهو الأكثر إثارة للمرارة والألم، لضحايا مجهولين. هكذا، صارت مياه دجلة الخير والعطاء، حاملة لتوابيت متنقلة ترسم خارطة « العراق الجديد» بخطوطها الحمر. فحين زارت «هيومن رايتس ووتش» مستشفى القيارة، في منتصف مايس/ ايار 2017، بعد تلقيها صورا، تشير إلى وجود جثة شخص تم إعدامه ميدانيا، قال طبيبان للباحثين إنهم تلقوا أوامر من وزيري الصحة والدفاع بعدم الرد على أية استفسارات حول المشرحة أو السماح بأي زيارات. لم يذكروا السبب. قالوا فقط إنه «خط أحمر».
تخلص سارة لي وتسون، مديرة المنظمة فرع شمال افريقيا، في 27 مايو/ ايار إلى أن « الانتصار في المعارك لا يعني كسب الحرب من أجل عراق موحّد»، إثر انتشار فيديوهات وصور تُظهِر جنودا عراقيين ينتمون إلى «وحدة الاستجابة للطوارئ» الخاصة التابعة لوزارة الداخلية « يضربون محتجزين مُكبّلين ومعلّقين إلى السقف، بينما يهزأ العناصر منهم ويحتشدون حولهم ويصوّرون وحشيتهم باستهتار، مذكّرين بصور الجنود الأمريكيين الدنيئة في سجن أبو غريب. نرى أيضا جنودا ينفذون إعدامات جماعية بحق محتجزين مكبّلين «انتقاما منهم»، مثل العديد من القوات العراقية، في حقبة ما بعد صدّام، التي تقاتل المجموعات المسلحة. كما يقلّدون داعش نفسه، حيث أجبر الجنود العراقيون، بشكل غريب، أحد المحتجزين على إلقاء قسم الولاء لزعيم داعش قبل قتله». يلاحظ من مراجعة تقارير المنظمة، بالإضافة إلى تقارير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولي، أن المشترك بينها هو: أولا عدم إحساس الجنود ومقاتلي الحشد بالخوف من العقاب بل من الواضح أنهم يستمتعون بسادية جرائمهم ويتفاخرون بتسجيلها ومشاركتها على هواتفهم. ثانيا، على الرغم من ادعاء رئيس الوزراء حيدر العبادي بأنه حريص على عدم انتهاك حقوق الإنسان إلا أنه لم يعتقل أو يعاقب أيا من المسؤولين عن الانتهاكات حتى الآن، مع العلم أن أسماءهم معروفة. هناك مثلا الشخص المدعو علي عبد الحسين عبد، أحد المعذِّبين المصوَّرين، وهو خط الوصل بين وحدة الاستجابة وقوات التحالف ويُلقب بـ «علي مشترك . ثالثا، تتحمل الولايات المتحدة وأعضاء آخرين في « التحالف الدولي» المسؤولية، لمشاركتهم في عمليات عسكرية بالتعاون مع قوات الأمن المحلية، ولتسليحهم الحكومة بلا مساءلة حول حقوق الإنسان. من يقرأ تفاصيل الشهادات الموثقة ويرى الصور والفيديوهات سيعرف مدى وحشية التعامل مع المعتقلين والرغبة بالانتقام التي لا تقل بشاعة عن ممارسات مقاتلي «الدولة الاسلامية»، باستثناء أن الأخيرة منظمة إرهابية يحاربها العالم بينما يتمتع الحشد الشعبي بمباركة المرجعية، وشرعنة الحكومة العراقية، ودعم ومساندة إيران، وانتقائية التعامي الدولي عن انتهاكات حقوق الإنسان بحجة محاربة الإرهاب.
ليس «الإرهاب»، وخصوصا الظروف التي تدعمه وتنميه، مؤامرة عالمية جديدة أو بدعة ايديولوجية مختلقة، لا يمكن محاربته إلا بأثمان بشرية باهضة، إنما له أسبابه في أوقات القهر والظلم والجريمة وانسداد أفق استرجاع الحقوق. وإذا كان هذا هو الدرس الذي أثبتته جميع تجارب العالم، فلا ينفيه من أبناء جلدتنا إلا من أصابه العمى العنصري أو الطائفي أو الطمع المادي، بحيث لا يعبأ بسحق مدننا وتشريد شعبنا، كما الصهاينة والمستعمرين. 
تقع المسؤولية الأولى على عاتق الحكومة في إقناع المواطنين بأن هناك خيارا آخر غير اللجوء إلى العنف يمر عبر إثباتها سيادة القانون والقضاء على التمييز بأنواعه. والبدء كخطوة أولى في محاسبة الفظاعات التي ترتكبها قواتها الأمنية وميليشيا الحشد الشعبي.
كاتبة من العراق

 

 

الأموات لا يذكرهم الخطباء…

تنافس الساسة والميليشيات

ورجال الدين في العراق

هيفاء زنكنة

تسود في « العراق الجديد» حمى اعتلاء منصات الخطابة والوعظ وقراءة البيانات. حيث يتنافس الساسة من داخل وخارج الحكومة مع رجال الدين وقادة الميليشيات على اعتلاء منصات عالية تمنحهم الاحساس بالسلطة والقوة على ابناء الشعب، وتساعد على ستر الجرائم المرتكبة بحقه. 
 على المستوى الحكومي، يقف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، مرة كل اسبوع (بالاضافة إلى خطب المناسبات واعلان الانتصارات العسكرية) على منصة عالية، ليلقي خطبة عصماء على الشعب العراقي الذي يتلقفها عبر قناة « العراقية»، الرسمية، التي تبث الخطاب مباشرة، بينما تقتطف بقية القنوات الفضائية والمحلية بعض فقراته، بانتقائية، تتماشى مع درجة الاهتمام بفقرة دون غيرها أو مقدار الدعم المادي الذي تتلقاه القناة من مكتب رئيس الوزراء أو حسب خطها السياسي والطائفي، وغالبا، ما يتقدم الطائفي على السياسي او يتلاحم به إلى حد استحالة الفصل بين الاثنين. 
خطاب العبادي، ليس الوحيد الذي يتجرعه الشعب العراقي، اسبوعيا. حيث يحتل خطاب عمار الحكيم، رئيس التحالف الوطني الشيعي، يوما آخر من أيام الاسبوع. ففي كل يوم أربعاء، يعتلي الحكيم منصة في قاعة واسعة تضم مئات الموالين، متناولا من الموضوعات ما يراه ملائما لـ «علاج» ابناء الشعب من أمراضهم. واذا كان العبادي يخاطب الشعب عبر عدسة الكاميرا، فإن الحكيم يتفوق عليه من ناحية الحضور الجماهيري الحي بالإضافة إلى البث التلفزيوني.
تماثله المرجعية الدينية في استغلال الحضورين الجماهيري والتلفزيوني. فحصة المرجع الشيعي الاعلى السيد علي السيستاني ،هو يوم الجمعة، بالوكالة. اذ لا يحبذ المرجع الظهور الشخصي وان كان مواظبا على ايصال رسائله، بأنواعها، إلى الناس. حيث يعتلي المنصة، بدلا منه، عادة، ممثله في كربلاء الشيخ عبد المهدي الكربلائي، لايصال ارشاداته الاجتماعية والسياسية المغلفة دينيا، اما بشكل مباشر، كما حدث حين أصدر فتوى الجهاد الكفائي لمحاربة « الدولة الاسلامية» او بشكل غير مباشر حين قرر، في 5 شباط/ فبراير 2016، متحدثا من خلال وكيله الشيخ أحمد الصافي، ان لا تكون خطبته اسبوعية بل «حسب ما يستجد من الامور وما تقتضيه المناسبات»، اشارة إلى زعله من الحكومة التي لم تستمع لارشاداته، والاكتفاء «بالدعاء لاخواننا المقاتلين ( ميليشيا الحشد الشعبي) في جبهات المنازلة مع الإرهابيين». غير ان زعل المرجعية من حكومة العبادي لم يدم طويلا، فعاد وكيله إلى اعتلاء المنصة اسبوعيا.
المنصات أنواع. فبالاضافة إلى المنصات الفردية هناك منصات جماعية منصوبة وجاهزة للاعتلاء خارج قاعة البرلمان. يراها العراقي حين يزعل اعضاء حزب/ تيار/ كتلة برلمانية ما، فيصطفون كتلاميذ المدارس الابتدائية، للوقوف عليها والتناوب على القاء الخطب أو قراءة بيان او توجيه اتهامات بالفساد لنواب كتلة أخرى، أو الظهور بمظهر الوطني الحريص على مصلحة الشعب خلافا للآخرين، مع مراعاة ان تقف في الواجهة، دائما، أما نائبة واحدة أو اثنتان، لئلا يتهم حزب المنصة بأنه ذكوري.
من فوائد اعتلاء المنصة خارج القاعة، ان يحظى النواب الذين يعتلونها، بتسليط الضوء الاعلامي عليهم للمرة الثانية، بعد المرة الاولى التي يضمنها لهم البث التلفزيوني المباشر من داخل قاعة البرلمان. مما يؤكد الانطباع الشعبي العام بأن العملية، كلها، لا تزيد عن كونها صراعا على الظهور الاعلامي، خاصة وان المنصات مزودة بمايكروفونات معظم القنوات الاعلامية المرئية والمسموعة، ولا علاقة للصراع بمصلحة الناس.
بعيدا عن منصات الساسة ورجال الدين، هناك منصات الميليشيات. ولعل العراق، واحد من قلة من دول العالم، يعتلي فيها حفنة من قادة الميليشيات ذوي الولاء المطلق لدولة أخرى، منصات التصريحات والخطب، علنيا،، متى وأينما ارادوا، مما يكرس كونهم مالكي السلطة، أكثر من الحكومة. اذ لا يخلو يوم من تصريح او تهديد او اعلان انتصار، يطلقه « متحدث اعلامي» باسم ميليشيا الحشد الشعبي. ولميليشيا الحشد ( ما يزيد على 60 ألف مقاتل) التي اعلن نظام العبادي وجودها تحت مظلة حكومية، ظاهريا، ألويتها الخاصة ومديرية أمنها، ومكتبها الاعلامي وقائدها وتسليحها ومخصصاتها ومدربيها ومستشاريها الايرانيين، أي كل ما يجعلها خارج نطاق الدولة وقيادة الجيش والقوات الأمنية وأي مؤسسة من مؤسسات الدولة ولو شكليا. بل وللميليشيا رايتها التي ترفعها في عملياتها وهجومها على المدن وشعارها الخاص الذي يظهر وراء « المتحدث الاعلامي»، حين يعتلي منصة الخطابة. 
واذا كانت مهمة منصات الساسة ورجال الدين تقتصر على الوعظ والترويج السياسي و التحريض الطائفي « الناعم»، فان منصات الميليشيات، بادعاءات التحرير والانتصار والتطهير هي الوجه الآخر للطائفية الداعشية، ووجودها لا يقل خطرا على مستقبل وأمن العراق كبلد مستقل، يتمتع بالسيادة، من انبثاق « منظمة إرهابية» جديدة لا يكفون عن تهديد الناس بظهورها مستقبلا. 
ماذا عن عموم النا