الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

*هيفاء زنكنة كاتبة وصحفية وناشطة عراقية تقيم في بريطانيا تكتب اسبوعيا في جريدة (القدس العربي)

  

مقالات سابقة للكاتبة

سفيرة الأمم المتحدة بين المأساة

الايزيدية وواجب اسرائيل الاخلاقي!

هيفاء زنكنة

 

نادية مراد، شابة عراقية، عمرها 23 عاما، تم أختيارها في سبتمبر/ أيلول 2016، سفيرة الأمم المتحدة للنوايا الحسنة. سبب اختيارها للمنصب الفخري انها من الأقلية الأيزيدية، في العراق، التي تعرضت، إلى جريمة تهجير واغتصاب وقتل، تم وصفه بالابادة الجماعية، من قبل تنظيم «الدولة الإسلامية»، في مدينة الموصل، حيث قام التنظيم، عام 2014، باختطاف عدد كبير من النساء كسبايا، وكانت نادية واحدة من المختطفات اللواتي عشن مأساة البيع والاغتصاب المتعدد، الا انها تمكنت من الفرار، من جحيم الموت الجماعي، بعد ان لجأت إلى عائلة «مسلمة سنية مصلاوية»، ساعدتها على الهرب من الموصل، حسب شهادتها المتوفرة على اليوتيوب. 
في خضم الاقتتال والتهجير، في مدينة الموصل وضواحيها، وما صاحبها من تغطية اعلامية، محلية وعالمية، مكثفة، المسايرة لحملة « الحرب على الإرهاب»، صارت نادية، بملامحها السمحة، والسواد الذي ترتديه حزنا على أخوتها وأهلها وابناء طائفتها، بالاضافة إلى نحافتها ومنظرها الفتي، الذي يدفع من يلتقيها ويسمع حكايتها المأساوية، إلى الرغبة باحتضانها، أملا بحمايتها من بلاء آخر قد تتعرض له، صارت نادية الوجه/ الرمز المعروف انسانيا واعلاميا (جانبان قلما يلتقيان) للمأساة الأيزيدية. 
خلال فترة قياسية، تم تسليط الاضواء عليها، اعلاميا، كممثلة لمأساة أيزيدية، فقط، لا علاقة لها بمآسي بقية الموصل والعراق، عموما. ولم يحدث، الا نادرا، تقديم نادية كعراقية، فهي أما أيزيدية أوايزيدية كردية. قد يكون السبب، انها لاتزال تعيش فترة ما بعد الصدمة، وما تسببه من نسيان، أو انه خطأ اعلامي تم تناقله، بدون تدقيق صحته مع نادية، وهي المنغمرة بالاهتمام الاعلامي الغربي، المكثف، وحضور المؤتمرات، والسفر إلى بلدان متعددة، وخاصة بعد ترشيحها للفوز بجائزة نوبل للسلام وتعيينها سفيرة الامم المتحدة، دفعة واحدة. وهوتقدير تستحقه نادية، بعد ان انخرطت في العمل كناشطة حقوقية، كغيرها من نساء ورجال يرشحون لهذه المناصب، بعد مأساة إنسانية يمرون بها. الافتراض العام هنا، ان من يعيش تجربة قاسية، يدرك جيدا معنى اضطهاد الفرد والشعوب، وبالتالي، سيعمل، حسب امكانياته، على التوعية بمآسي التهجير والتعذيب والقتل والابادة، باذلا جهده لئلا تتكرر.
إزاء هذا الفهم المتفق عليه انسانيا، أجدني، منذهلة، لتوجه نادية إلى نظام الفصل العنصري ومشاركتها في مؤتمر أقيم في الكنيست، تعاطفا مع «الأقلية الأيزيدية في العراق». وانها دعيت لأن «من واجب إسرائيل الأخلاقي الاعتراف بالجريمة النكراء التي تعرض لها الإيزيديون، من منطلق تاريخنا والتزام مؤسسي الدولة بالوقوف إلى جانب كل شعب في العالم». حسب عضوالكنيست كسينيا سفاتلوفا.
هل هناك اسفاف واهانة لذكاء الناشطة الحقوقية نادية، قبل غيرها، اكثر من هذا؟ عن أي واجب أخلاقي يتحدث عنه ساسة نظام مبني على جثث أهالي البلد الفلسطينيين؟ كيف يمكن توقع العدالة من نظام مبني على أرض محتلة، وشعب تم تهجيره بأبشع الطرق، ومن بقي منه معرض للأسر والتعذيب والقتل، في كل لحظة من ساعات الليل والنهار؟ 
هل هي السذاجة التي قادت نادية إلى الوقوف، دامعة العينين، لتحدث أعضاء الكنيست الذين يمارسون سياسة التشريد والقتل، يوميا، بحق الفلسطينيين، عما تعرض له «شعبها» من تشريد وقتل؟ ربما لصغر سنها وقلة خبرتها. فكرت، لعلها، أيضا، لم تطلع على تاريخ المنطقة، ولا تعرف ما هي النكبة والنكسة ويوميات الاحتلال؟ لكنني استبعدت الفكرة حين استمعت اليها، قائلة في مقابلة تلفزيونية «لقد درست التاريخ»، فعن أي تاريخ تتحدث؟ هل هناك كتاب تاريخ، في بلادنا، لا يدرس تاريخ الحركة الصهيونية وكيفية احتلال فلسطين؟ ألم تقرأ عن مجزرة دير ياسين وكفر قاسم وغيرهما؟ والآن، ألم تستعد، ذلك التاريخ، لتتوقف عنده قائلة هذا يشبه ما حدث لشعبي، وعلي الا أسمح للمجرمين باستخدامي كصابونة رخيصة لغسل أيديهم من دماء شعب آخر؟ 
«لا اقبل لاحد ان يساوم على عملي، فعملي له اطار انساني ورسالة عالمية وساستمر للدفاع عن حقوق شعبي الايزيدي الذي يعاني من الاضطهاد، إلى جانب الدفاع عن كافة الفئات المستضعفة والمهمشة». هكذا بررت نادية موقفها، في بيان أصدرته، بعد ان استنكر الزيارة العديد من العراقيين. مضيفة: « لدي موقف حيادي من كافة الصراعات الدائرة في منطقة شرق الاوسط وملتزمة برسالتي الإنسانية للدفاع عن كافة المضطهدين وفي اي بقعة من العالم كانت».
تقول نادية انها ملتزمة بـ «الدفاع عن كافة المضطهدين وفي اي بقعة من العالم كانت». فلنستعد، معها، حصيلة هجوم أسرائيلي واحد فقط على قطاع غزة المحاصر، المعروف بأنه « اكبر سجن في العالم» لمليوني فلسطيني. المفارقة المؤلمة ان الهجوم والقصف الاسرائيلي عام 2014. أي ذات الفترة، تقريبا، التي تعرض فيها أهل الموصل ومن بينهم الايزيديون إلى الهجوم والتهجير الداعشي. نقرأ في تقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان حصيلة الهجوم الذي سماه الجيش الاسرائيلي «عملية الجرف الصامد»، ان هناك 1742 قتيلا، منهم 7431 مدنيا، أي ان اربعة من كل خمسة من الضحايا، في الخمسين يوما، وحدها، كانوا مدنيين، بينهم 530 طفلا و302 امرأة. والى جانب اكثر من الفي قتيل وقتها سقط من الفلسطينيين 10,870 جريح، بينما ثلث الأطفال الجرحى سيعانون من إعاقة دائمة. ولقد ابيدت عوائل فلسطينية بأكملها، وفقدت 145 عائلة فلسطينية 3 أوأكثر من أفرادها.
أما عن الدمار المادي، فهناك ما يزيد على 17 ألف منزل مدمر، وحوالي 100 ألف مهجر فلسطيني بلا مأوى، كثير منهم من اللاجئين إلى غزة، أصلا، بسبب الاحتلال الاسرائيلي والتهجير في 1948 و1951 و1967. دمر القصف الاسرائيلي 62 مسجدا بالكامل و109 جزئيا. ودمرت كنيسة فلسطينية جزئيا. كما دمرت 10 مقابر إسلامية ومقبرة مسيحية.
عدد الهجمات الإسرائيلية كانت: 210 8 صاروخ جوي، 736 15 قذيفة بحرية، و718 36 قذيفة برية. من بين ما استهدفته 9 محطات لمعالجة المياه، 18 منشأة كهربائية، 10 مستشفيات، 19 مركزا صحيا، 36 سيارة إسعاف.
ويعيش أهل غزة اليوم بعشر ما كان لديهم من الماء والصرف الصحي والكهرباء، وبأقل القليل من الخدمات الصحية. وفي مجال التعليم والثقافة فقد دمرت 222 مدرسة، منها 141 مدرسة حكومية و76 مدرسة تابعة للأونروا و6 جامعات، و48 جمعية. 
تقول نادية في بيانها «لدي موقف حيادي من كافة الصراعات الدائرة في منطقة شرق الاوسط». أقول: عزيزتي نادية. ان الموقف من قضايا الشعوب المضطهدة العادلة لايمكن ان يكون حياديا. والموقف من نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) المؤسس على قمع الفلسطينيين بسياسات وممارسات شتى بهدف فرض سيطرة جماعة عرقية عليهم يرقى إلى التطهير العرقي (كما حدث لشعبك)، لا يمكن ان يكون حياديا. تجاهل هذه الحقيقة، ومساواة الضحية (الفلسطيني) بالجلاد (اسرائيل) يقود إلى مسار خطر جدا، سينعكس سلبا ضمن منطق «الموقف الحيادي» فيساوي، ذات يوم، بين الضحية (الايزيدية) والجلاد (داعش)، وهذا، على الأقل، ما لن ترغبي بحدوثه.

٭ كاتبة من العراق

 

 

مئة ضابط أمن متورطون

في عمليات تعذيب في الموصل

 

هيفاء زنكنة

 

ذكر نائب رئيس مجلس مدينة الموصل دلدار الزيباري « أن هناك نحو مئة مذكرة توقيف صادرة من مجلس القضاء الأعلى ضد ضباط يعملون في أجهزة الأمن والجيش، بتهم تعذيب معتقلين وانتزاع اعترافات بالقوة في معتقلات مدينة الموصل» . وأن وزارة الدفاع لم تعمل على إحالة المتهمين في قضايا تعذيب ابناء الموصل رغم التأكيدات والوثائق الرسمية التي قدمها مجلس المدينة لهم . وأوضح أن تهمة الإرهاب ما زالت هي التهمة الموجهة لمعظم المواطنين من أبناء الموصل المعتقلين من الذين تم مداهمة دورهم واعتقالهم من دون مذكرات توقيف صادرة في حقهم».
يرجى الانتباه. تاريخ نشر الخبر هو 18 / 9/ 2010. أي قبل اربع سنوات من احتلال «داعش» للموصل، وخمس سنوات، قبل اعلان حيدر العبادي، رئيس الوزراء، الانتصار على «داعش»، وخمس سنوات قبل انتشار فيديوهات التعذيب والاعدام الفوري لمن تقبض عليهم قوات الجيش والميليشيات، بتهمة الانتماء الى داعش، من أهل الموصل، وقبل ان يصبح الصاق تهمة «الداعشية» بكل من يطالب بالتحقيق بجرائم التعذيب وسيلة للتغطية على ذنوب الصمت وانتقائية حقوق الانسان. وأن النقطة الاهم التي جعلتني أعيد نشر الخبر القديم، هي عدم تنفيذ مذكرة القاء القبض، وعدم مساءلة او معاقبة أي من المتهمين المائة، على الرغم من توفر الوثائق. وهذا هو، بالضبط، ما يحصل اليوم . 
فما أسس له المحتل من تعذيب بلا مساءلة في أبو غريب، وشرعنة بتسليم المعتقلين الى قوات أمنية عراقية «لاستخلاص» الاعترافات، وجعل تهمة الارهاب مسوغا لكل الممارسات الوحشية، اضافة لعدم تسجيل اعداد الضحايا ومنع نشر اي معلومات اخرى عما يجري، لايزال هو العملة المتداولة، حاليا. آخرها توثيق منظمة «هيومن رايتس ووتش» قيام القوات العراقية باحتجاز واعتقال ما لا يقل عن 1200 رجل وصبي في ظروف لا إنسانية من دون تهمة، وفي بعض الحالات تعذيبهم وإعدامهم بحجة انتمائهم إلى داعش» اثناء معركة الموصل، فقط.
فهل هي مسؤولية بضع تفاحات فاسدة فقط أم أنه الصندوق الذي وضعت فيه وحولها الى تفاحات فاسدة، كما تساءل عالم النفس الاجتماعي فيليب زمباردو؟ كيف الوصول الى الحقيقة حين يقف رئيس الوزراء، في مؤتمره الصحافي الأسبوعي (19 تموز / يوليو) متهما منظمات حقوق الانسان، من بينها منظمة « هيومان رايتس ووتش» و « العفو الدولية» ب «تشجيع الإرهابيين على قتل الأبرياء»، و «التحريض على الطائفية»، أو تسارع نائبة، معروفة، ببكائها وأغمائها، دفاعا عن «حقوق شعبها» الى اتهام المنظمات بانها «مدفوعة الثمن مسبقا»، ويتبرع «عسكري» بتبرير التعذيب والاعدامات الميدانية باعتبارها «تحدث في كل الحروب»، بينما يختفي أكاديمي خلف قناع «جرائم النظام السابق» ولا يتطرق الى انتهاكات النظام الحالي التي وصلت حد العقاب الجماعي وجرائم الحرب؟ كيف الوصول الى الحقيقة، والمسؤول يشارك النائب والمثقف، تصريحات الانكار بدلا من التحقيق، والقيام، ولو مرة واحدة، بالقاء القبض على المتهمين بجرائم التعذيب، ومعاقبتهم ان ثبتت عليهم التهم، ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه الخروج على القانون، والاكتفاء باطلاق التهم، جزافا، باسلوب تحريضي، شعبوي، ضد تقارير تغطي أحداثا موثقة بالتاريخ والمكان والصورة والفيديو، فهذا يدل أما على قصور عقلي، أو القبول الضمني بالجرائم ومنح مرتكبيها الحصانة لارتكاب المزيد، أو الاستهانة بانسانية المواطن وكرامته وحقه بالحياة، أو كل هذه الاسباب مجتمعة.
ليست هذه هي المرة الاولى التي يستهين فيها مسؤول عراقي بحق المواطنين بالحياة والكرامة. فحين جوبه رئيس الجمهورية السابق، جلال طالباني، بصور تعذيب المعتقلين من قبل قوات الاحتلال الامريكي، في أبو غريب، اعتبر التعذيب عاديا ولا يقارن بما كان يحدث في سجون صدام حسين، وكأن تعاونه مع المحتل في غزو العراق، كان للاستزادة وتنويع طرق التعذيب. أما نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق، فله ولطاقمه يعود الفضل باستشراء المعتقلات السرية في ارجاء البلد، من بينها سجن المثنى الخاضع لإشراف مكتبه العسكري مباشرة. للاطلاع على لمحة بسيطة، عما كان يجري فيها، هناك تقرير « العراق: المحتجزون يكشفون تفاصيل التعذيب أثناء الاحتجاز السرّي: مسؤولو الادعاء تواطئوا على كافة المستويات» في 27 أبريل 2010 . حيث تعرض المعتقلون، البالغ عددهم 430 وهم من اهل الموصل، بالاضافة الى الضرب والصعق بالكهرباء والحرمان من النوم الى «أساليب تعذيب أخرى إضافية. إذ وصفوا قيام بعض المحققين ومسؤولي الأمن باغتصاب بعض المحتجزين بمقشات خشبية ومسدسات، كما اغتصب المحققون المحتجزين الأحدث سناً، الذين تم نقلهم بعد ذلك إلى مواقع احتجاز مختلفة. وقال بعض الشبان إنهم أُجبروا على أداء الجنس الفموي للمحققين والحراس. كما أجبر المحققون بعض المحتجزين على الاعتداء جنسياً على أحدهم الآخر. وقام مسؤولو الأمن بجلد المحتجزين بأسلاك كهربية غليظة، ونزعوا منهم أظافر اليدين والقدمين، وحرقوهم بالأحماض والسجائر، وكسروا أسنانهم. وإذا استمر المحتجز في رفض الاعتراف، يهدده المحققون باغتصاب زوجته وأمه وشقيقاته وبناته. وتدوم جلسات الاستجواب عادة ثلاث إلى أربع ساعات، وتقع كل ثلاثة إلى أربعة أيام». وبعد أن كتبت الصحافة الاجنبية عن الانتهاكات، قالت الحكومة العراقية إنها ستحقق في « مزاعم التعذيب» . وكانت النتيجة: لا شيء. 
تأتي محاججة « المثقف» بأن التعذيب والاعدام الميداني سمة من سمات الحروب، صحيحة الى حد ما، لولا ان الشعوب المتحضرة، لادراكها مدى وحشية الحروب، عملت على مدى عقود، لوضع قوانين حرب دولية وانسانية تتوخى الحد من الوحشية، وفرضت على الدول والحكومات الموقعة على قوانين الحرب مسؤولية تطبيقها. الأمر الذي يجعل الحكومة العراقية مسؤولة عن التحقيق في صحة الانتهاكات وتجريم مرتكبيها لا انكارها، وحماية مرتكبيها، وتوجيه الاتهامات الى من يقوم بتوثيقها. 
لم تعد اسباب «الارهاب»، كما هي أسباب شن الحروب، سرا . وأكثرها وضوحا، أسباب تفشيه في بلادنا حيث يعيش المواطنون القهر، والظلم، والجريمة وانسداد أفق استرجاع الحقوق، واهانة الكرامة الانسانية، والتمييز بأنواعه. ووضع حد للارهاب يبدأ بإقناع المواطنين بأن هناك خيارا آخر غير اللجوء إلى العنف يمر عبر سيادة القانون والقضاء على التمييز بأنواعه، وتقع المسؤولية الأولى على عاتق الحكومة، يليها العسكري والاكاديمي، وليست المنظمات الارهابية، للاعتراف بذلك والعمل على تحقيقه .

٭ كاتبة من العراق

 

مصير ساسة النظام العراقي:

تفاحة فاسدة واحدة!

هيفاء زنكنة

 

فيديو1: جنود عراقيون يعذبون أسيرا يشبه في نحافته المرضية أسرى المعتقلات النازية. كما لو كانوا في حفلة، لا يكتفي حوالي عشرة منهم بالمراقبة بل ينتظر كل واحد منهم دوره، بفارغ صبر، للمساهمة بالتعذيب الجماعي. يسحلون الأسير ثم يرمونه من حافة جرف. بنشوة من حقق انتصارا، يحتفلون باطلاق النار عليه، وعلى أسير آخر، كانوا قد رموه سابقا. 
فيديو 2 : يمزق جندي وجه أسير بسكين. لولا البزة العسكرية، وعدم حرفية الاخراج، لظننا ان الجندي ارهابي من داعش.
فيديو 3: تعذيب أسير شبه عار قبل قتله. 
هذه نماذج من عشرات الفيديوهات الكابوسية التي قام الجنود العراقيون، أنفسهم، بتصويرها ونشرها على الانترنت، في الوقت الذي كان رئيس الوزراء حيدر العبادي يلقي فيه خطاب النصر ضد قوى «الظلام والوحشية والإرهاب»، في 10 تموز / يوليو. ولاتزال احتفالات القوات العراقية والحشد الشعبي بـ»النصر» مستمرة في الموصل ومدن أخرى بذات النمط. حيث وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الحقوقية الدولية، في تقريرها المعنون « العراق: موقع إعدام قرب المدينة القديمة في الموصل: يجب إجراء تحقيق ومعاقبة المسؤولين عن أي جرائم حرب» الصادر في 19 تموز/ يوليو، «احتجاز واعتقال القوات العراقية ما لا يقل عن 1200 رجل وصبي في ظروف لا إنسانية ومن دون تهمة، وفي بعض الحالات تعذيبهم وإعدامهم، بذريعة انتمائهم إلى داعش» بالاضافة الى «شهادات مفصلة عن التعذيب والقتل خارج القضاء بحق عناصر «داعش» المشتبه بهم، المأسورين من قبل عناصر الأمن والجيش العراقيين». 
ما يميز حالات التعذيب والقتل، في الموصل، عما تعودنا عليه في معتقلات النظام العديدة، في ارجاء العراق، كما يميزها عن سردية التعذيب تحت الانظمة السابقة، هو تصويرها ونشرها من قبل قوات الامن والجيش، مما يعني انها لم تعد معنية باخفاء بشاعة افعال، تعتبر خارج نطاق القانون وتستوجب المحاسبة، أولا، وأنها فخورة بما تفعله الى حد التصوير والنشر، ثانيا. فهي تعرف، جيدا، بأنها لن تخضع للمحاسبة، مما يمنحها الحصانة لتفعل ما تشاء على مستوى اعتقال وتعذيب وقتل الاشخاص ونهب البيوت وتفجيرها، كعقاب جماعي، لمجرد الاشتباه. فحرية التعذيب والقتل، مكفولة من قبل مؤسسات النظام، بدءا من مكتب رئيس الوزراء الى الهيئات الأمنية والقضائية، مرورا بأعضاء البرلمان، الذين يتعاملون مع مبادئ حقوق الانسان، باعتبارها مفصلة حسب الطائفة أو القومية التي ينتمون اليها، فقط، وليست للجميع . لذلك، بات انكار النظام لما يرد في التقارير الحقوقية من انتهاكات وجرائم، أو اتهامها بنشر الاكاذيب، أمرا عاديا. فرئيس الوزراء لا يجد حرجا في اتهام منظمات حقوق الانسان، بـ»تشجيع الإرهابيين على قتل الأبرياء» خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي، يوم 19 تموز/يوليو . أما من يذكر أرقاما، مغايرة لما يصدر عن النظام، عن اعداد الضحايا في الموصل، فهو متهم بترويجها « لتحقيق اهداف مشبوهة». ويشارك البرلمانيون في حملة توجيه الاتهامات ضد المنظمات الحقوقية، كل حسب دينه وقوميته. حيث تصدت النائبة فيان دخيل، الممثلة للايزيديين، يوم 10 تموز/يوليو، لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، متهمة اياها بأن تقاريرها أشبه بالسياسة «مدفوعة الثمن مسبقاً»، بعد ان نشرت المنظمة تقريرا ذكرت فيه ان حكومة إقليم كردستان قامت بترحيل أسر ايزيدية «قسرا» بسبب انضمام أقارب لها إلى قوات الحشد الشعبي.
لا يقتصر الانكار على النظام والبرلمانيين العراقيين بل تشاركهم السباق الولايات المتحدة الامريكية، ولكن بأسلوب «حضاري» بعض الشيء، تتجنب فيه ذكر مفردات التعذيب والاعتقال والاعدام، مستخدمة بدلا منها مفردة ناعمة، هي «تجاوزات». ففي 17 تموز/يوليو، بعد انتشار الفيديوهات، الفاضحة لسلوك القوات التي تفتخر امريكا وبريطانيا بتدريبها على احترام حقوق الانسان، أكدت وزارة الدفاع الامريكية «البنتاغون»، إنه لا يمكنها تأكيد صحة تقارير عن حصول « تجاوزات» من قبل القوات العراقية في الموصل. 
هل يثير كذا انكار الاستغراب؟ أتمنى، في قرارة نفسي، ان يكون الجواب نعم، لئلا نفقد أملنا بتطبيق مبادئ انسانية شاملة، عابرة للاوطان، للجميع بلا استثناء. لكن البرابرة، مهما حاولنا توقع الاسوأ منهم، يدهشوننا، دائما، بوحشيتهم. فما ارتكبه تنظيم «الدولة الاسلامية» بحق المدنيين، وحشي، بكل المقاييس. الا اننا يجب ألا ننسى ان ما سبقه من تعذيب وقتل لأسرى عراقيين، نساء ورجالا واطفالا، من قبل الامريكيين والبريطانيين، في سجن أبو غريب وغيره، وحشي بكل المقاييس أيضا. وما يجعل المحتل الامريكي، خاصة، سباقا، بامتياز، انه أسس لنوعية جديدة من السلوك الوحشي، الجامع ما بين عنصرية الاحتلال تجاه أهل البلد المحتل، كموقف عام، والنزعات السادية الفردية، المبررة بالضجر، والخوف من «الآخر»، والخضوع لسلوك الجماعة، مهما كان السلوك لا أخلاقيا، ومخالفا للقيم التي يعرفها الفرد. 
«انها بضع تفاحات فاسدة». كان التبرير الامريكي الرسمي، لواحدة من أكبر الفضائح التي واجهتها الادارة الامريكية، وهي تحتل بلدا بذريعة التحرير وتأسيس ثقافة احترام حقوق الانسان فيه. هل كانت الانتهاكات اللا انسانية نتيجة وجود «بضع تفاحات فاسدة»، أم كانت سياسة منهجية للادارة الامريكية؟ ما الذي يدفع «أفرادا أسوياء الى ارتكاب أفعال وحشية، كما في أبو غريب؟ فهل هي التفاحات الفاسدة أم الصندوق الذي وضعت فيه وحولها الى تفاحات فاسدة؟»، يتساءل عالم النفس الاجتماعي فيليب زمباردو. هذه التساؤلات تنطبق على مسار التعذيب والقتل، بعلم ساسة ومسؤولي النظام العراقي وحمايتهم، ولم نسمع منذ احتلال البلد لارساء حقوق الانسان، اعتقال ولو شخص واحد بتهمة انتهاك حقوق الانسان، مما يجعلنا ندور في حلقة، يأخذ فيها الافراد القانون بأيديهم، وينفذونه انتقاما وارتزاقا. وكلما طال الوقت بدون تحقيق العدالة، للجميع، سيزداد ضيق الحلقة، لتبتلع، ذات يوم، بوحشيتها، مسؤولي النظام نفسه.

٭ كاتبة من العراق


 

 

لئلا يكون المثقف العراقي

صمام أمان لجرائم النظام

هيفاء زنكنة

 

ما هو البديل اذن؟ كيف كان بالامكان القضاء على وحوش جاءوا من مختلف البلدان ليلتهموا المدينة ويعيثوا بها فسادا؟ تثار هذه الاسئلة، بقوة، كلما وصلنا مرحلة مفصلية، في حرب ما، تدور رحاها في بلداننا. وما أكثر الحروب!
يعيدنا التساؤل حول البديل، الى حروب مضت، عاشها بعضنا فنكب من نكب، ومن بقي حيا، يرى الآن، أجيالا تعاني من آثارها. اجيال لم تكن قد ولدت بعد يوم طرق مسامعنا السؤال لأول مرة، فالحروب، في العراق، مثلا، تتكاثر بسرعة الانشطار الأميبي. عاش جيل الثمانينيات جملة حروب، التهمت من كل عائلة فردا ، على الاقل، على اختلاف مسمياتها واسبابها وامتداداتها (المصطلح المفضل دوليا هو العنف والنزاعات) الحرب العراقية – الايرانية أو حرب الخليج الاولى (1980 – 1988)، غزو الكويت ثم الهجوم الثلاثيني في 1990، الحصار وسياسة الاحتواء الغربي قصفا ( 1990 – 2003)، غزو واحتلال البلد ( 2003 – حتى الآن)، الحرب ضد ما يسمى بالدولة الاسلامية ( 2014 – حتى الآن) . واحدة من هذه الحروب ، كافية لوسم الجيل بالامراض النفسية، والاعاقات الجسدية ، واليأس، والرغبة بالانتقام، فكيف بمن يعيش، منذ طفولته، في ظل هذه الحروب ولا يعرف سواها؟
خلقت الحروب شرخا بين من عاش فترة الخمسينيات ومن عاش الثمانينيات وما بعدها ، على صعوبة الفصل بين الاجيال. من عاش في الخمسينيات والعقدين التاليين، كان وان تعرض للقمع السياسي (لغة التداول اليومي) يحمل بداخله حلم التغيير، والامل بمستقبل أفضل، بمطر يهطل لسقي أرض يباب. وهو حلم استعاد بهاءه، لوهلة، مع حلول «الربيع العربي» حين خرجت الشعوب المقهورة ، ومن بينها الشعب العراقي، الى ساحات التحرير، مطالبة بحقها في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. بالمقابل، انحنى الحكام العرب، اكثر فأكثر، امام القوى الاجنبية مستنجدين الحماية بل وعودة الاستعمار علنا ومعها تزايد الخنوع. اموال الشعب صارت تصرف على شراء اسلحة متطورة لتصفية أبناء الشعب. بات جيل الحصار والحروب والغزو يتنفس ما يرومه المستعمر الجديد، أي التخلي عما حققته حركات التحرر الوطني ونالته بعد نضال طويل. هنا تبدى دور المثقف بحلته الجديدة. صارت عودة المستعمر لـ»تحرير» الشعوب من القمع الداخلي مطلبا ملحا لنخب سياسية – ثقافية بررت بناء القواعد العسكرية الامريكية، وقصف مدننا، بأموالنا. مرددة: والا ما هو البديل لحماية الشعب من أمراضه المتأصلة، وعنفه التاريخي المتوارث، ودولته التي تم لصقها قسرا، وجهله بثقافة الديمقراطية ؟ 
تحت تبريرات مضللة، بدأت ملامح خارطة «العراق الجديد» والمنطقة العربية تتضح، أمام أنظار الشعوب وهي ترى مثقفيها يستبدلون النضال ضد الامبريالية بتسويغ الوجود الامبريالي وسياسته كأمر واقع . لتحقيق النقلة، كان يجب ان تفقد النخبة المثقفة، البقية الباقية من وعيها النقدي وان واصلت ارتداء ملابس الامبراطور. ان تصبح صدى للسلطة والاعلام المعروض للشراء، ان تكون طبقة من التكنوقراط للترويج بيوتوبيا بطوباوية (ديمقراطية – حقوق الانسان) بدون التنبيه الى انتقائيتها وازدواجية معاييرها. يلوك افرادها شعارات، لا يجد المستعمر الجديد ضررا في السماح بترويجها، بل واستعارتها ليكررها في خطبه هو الآخر. فتلويث الحقيقة بالتلفيق، والكذب، والتضليل، مهمة ليست سهلة وتحتاج لانجاحها تحالفا ثلاثيا داخليا يضم السلطة السياسية والمثقف والاعلام، ولا تكتمل بدون دعم دعائي – استراتيجي من الخارج. مثال ذلك، حملات التضليل الاعلامي التي شهدها العالم، في حقبة التمهيد لغزو العراق واحتلاله، باعتبارهما «تحريرا» و»تغييرا» نحو الافضل وإنقاذا للعالم من خطر داهم ، حيث نشرت أجهزة الاعلام الغربية 50 قصة مفبركة، أعادت نشرها اجهزة الاعلام العربية اما كسلا او جهلا او تواطئا مع المحتل، لخصها الكولونيل سام غاردينر، الاستاذ في كلية الحرب الوطنية وكلية الحرب الجوية وكلية الحرب البحرية الامريكية، في تشرين الأول/اكتوبر 2003 ، بعنوان «الحقيقة من هذه المنصة: ملخص لدراسة التأثير الاستراتيجي، إدارة التصور، حرب المعلومات الاستراتيجية والعمليات النفسية الاستراتيجية في حرب الخليج الثانية». يضم التقرير تفاصيل الحملة الاعلامية السرية التي ساهمت في تضليل الرأي العام و» تسويق»الغزو العسكري للعراق. ساعدتها فيما بعد الصحافة العراقية « المستقلة»، تحت الاحتلال، في نشر اخبار ملفقة وقصص صاغها قسم العمليات النفسية الدعائية، بوزارة الدفاع الامريكية، عن الانقسام الطائفي و» انتصارات» القوات الامريكية و بناء «الديمقراطية» وايجابية وجود المحتل. «ما هو البديل»، ومن هو القادر على الاجابة حين يتساءل المواطن الغارق بزخات المعلومات المفبركة والهموم اليومية والرعب من ذلك «الآخر» المتوحش، الذي يتم تغيير اسمه من فترة الى أخرى، حسب الحاجة، الذي يتربص به، وبعائلته، وطائفته؟ من هو القادر على الاجابة حين يصبح «البديل»، وجبة طعام سريعة تم اعدادها مسبقا، خميرتها الفساد والطائفية. بديل متوحش لآخر متوحش. كأن وحشية 4000 غارة جوية لقوات التحالف الستيني وضعف ذلك العدد من الصواريخ والمدفعية، و100 ألف من الجنود والمليشيات، مبررة أكثر من مجانين او مجرمين في تنظيم الدولة، جاءوا من مختلف البلدان ليلتهموا المدينة ويعيثوا بها فسادا. هذه الجوانب من «البديل» لا تناقشها اجهزة الاعلام، بل تخفيها، بحرفية عالية او بشعبوية رثة (غير مهم)، ما دامت الغاية هي ديمومة الخوف والشلل العقلي. لذلك لا ينظر الى خارطة الدمار التي نشرتها الأمم المتحدة ليوم 11 تموز 2017 في الموصل بعد «التحرير»، ولا يتذكر المليون نازح من الجائعين العطشى، في قيظ تموز/يوليو، غير قلة تدرك وجود البديل لو توفرت النية لتفادي الكارثة. كيف تمكنت شعوب اخرى مرت بذات المآسي من لملمة نفسها واستعادة لحمتها متخلصة في الوقت نفسه من «وحوش جاءوا من مختلف البلدان ليلتهموا المدينة ويعيثوا بها فسادا»؟ 
هنا يأتي، دور النخبة الثقافية، المستقلة، المدركة لمسؤوليتها العامة، الفاعلة خارج عقل الحشود، الراصدة بوعيها النقدي ما يبدو «عاديا»، المتحدية للحلول الشعبوية الجاهزة، القادرة على طرح تساؤلات آنية تساعد على فهم الماضي واستشراف المستقبل، الرافضة ان تكون مطية لأيديولوجيا الفكر الواحد وتهميش ما عداه، وان تعمل على كسر جدار العزل الفكري المتمثل بـ»أما – أو» الذي طالما فرض علينا، داخليا وخارجيا، وحقق نجاحا باهرا في تقزيم الوعي ووضعه في قالب مناسب لكل أشكال الهيمنة والاحتلال. أما فيما يخص الحرب الحالية، لعل الخطوة الاولى في الاجابة على «ما هو البديل»، هو الا يكون المثقف صمام أمان لجرائم ترتكبها السلطة.
كاتبة من العراق

 

 

تظاهرات ومناورات

« الحرب على الارهاب»

في حقبة العودة إلى البربرية

هيفاء زنكنة

 

شملت مظاهرات يوم الجمعة 7 تموز/ يوليو 2017 عدة مدن عراقية. من ساحة التحرير ببغداد، إلى المدن الواقعة جنوب بغداد وهي الناصرية والسماوة والديوانية وكربلاء والنجف والكوت والبصرة. يمكن تلخيص مطالب المتظاهرين، الذين تتراوح اعدادهم ما بين العشرات والمئات، بما يلي: توفير الخدمات وعلى رأسها الكهرباء، تقديم الفاسدين المسؤولين عن تردي الخدمات إلى العدالة، تغيير مفوضية الانتخابات وقانون الانتخابات، مع الاحتفال «بتحقيق النصر على عصابات داعش الإجرامية وتحرير الموصل». وهي مطالب رفعها المتظاهرون، بمثابرة، على مدى العامين الأخيرين ووصلت ذروتها، في العام الماضي، حين أمر زعيم التيار الصدري أتباعه باقتحام المنطقة الخضراء ومبنى البرلمان، ثم نصب خيمته عند محيط المنطقة، ليحظى باهتمام اعلامي كبير. أيامها، التقطت له الصور وهو متمدد في الخيمة، ثم قرر المغادرة، فجأة، ساحبا نفسه واتباعه. 
أثرت هذه المناورات، بمفارقاتها المضحكة المبكية، التي سببت اختطاف وقتل عدد من المتظاهرين، على طبيعة التظاهرات ومدى فاعليتها، بالاضافة إلى أقتصارها على مطالب «أمينة»، خشية ان يساء فهمها من قبل التيار الصدري، كونه تيارا دينيا – شيعيا أولا ولأنه جزء لا يتجزأ من النظام ثانيا. هناك، أيضا، حاجة الجهات المنظمة للتظاهرات إلى حماية الميليشيا التابعة للصدر في بلد تحكمه الميليشيات.
ادت هذه العوامل إلى محدودية تمثيل التظاهرات لكل العراقيين، والى ضيق أفقها الحقوقي وبالتالي إلى قولبة المطالب ضمن ما هو مقبول، سياسيا وطائفيا، من قبل الاحزاب والمسؤولين والمرجعيات والميليشيات، أما حفاظا على حياة المتظاهرين وهي مسألة ضرورية، أو لوجود أجندات مفيدة ستجير لصالح هذه الجهة أو تلك، في الانتخابات المقبلة، خاصة حين تكون الجهة مشاركة في الحكومة أو العملية السياسية. 
ما تتضمنه المطالب مقبول في اللعبة السياسية. الكل يتحدث عن الفساد ومحاسبة الفاسدين وعلى رأسهم الفاسدون أنفسهم، بلا حرج. الكل يتحدث عن انقطاع التيار الكهربائي منذ 13 عاما، بلا جدوى. والكل متفق على اجراء الاصلاح والتغيير. مما يثير تساؤلا حول ماهية المطالبات نفسها، وعما اذا كانت لا تزيد عن كونها مجرد خدش للسطح دون ان تمس جوهر المأساة التي يعيشها المواطن، في كل انحاء العراق.
لتوضيح الصورة، قد يساعدنا ذكر بعض القضايا الملحة التي لم يحدث ومستها المطالب. لنبدأ بمأساة التضحية بالعراقيين، بالآلاف، في معارك «الحرب على الارهاب»، وتقديمها كأنتصار يتنافس منظمو التظاهرات على الاحتفال به، والقاء الخطابات الرنانة بدون البحث فيما سببته «الانتصارات» المزعومة من تهديم وخراب لمدن بكاملها، وعن جذور المأساة وكيفية معالجتها لئلا تتكرر ثانية وثالثة. متناسين ان العراق لم يكن مهدا للارهاب قبل غزوه واحتلاله، ومتعامين عن بربرية الغزاة، الوجه الآخر للارهاب ليصبح المتظاهرون، ولا اقول القيادات من التيار الصدري والحزب الشيوعي، بشكل غير واع جزءا من حملة اعلامية تعيق التفكير الواعي. 
«لقد اشتركت الامبراطوريات الحميدة والخبيثة في صنع ما تشهده حقبتنا من عودة إلى البربرية ساهمت فيها هذه الايام بحجة الحرب على الارهاب»، يقول الماركسي الراحل أريك هوبزباوم، أشهر المؤرخين المعاصرين في بريطانيا واوروبا. بحجة الارهاب، حقق العراق ارقاما قياسية بتنفيذ احكام الاعدام، والاعتقالات والتعذيب، واهانة الناس، وسحق كرامتهم، نزوحا وتهجيرا من مدنهم، بعد ان تم تقسيم خارطة البلد إلى مناطق سنية واخرى شيعية وكردية وو… ومناطق يتم مسح هويتها، يوميا، لتتأهل للتصفية النهائية في دوري المناطق المتنازع عليها. 
ماذا عن حقوق الانسان؟ «ليست هناك مادة واحدة من مبادئ حقوق الانسان لم يتم خرقها في العراق منذ احتلاله»، يقول مندوب الامم المتحدة السابق بالعراق هانز فون سبونيك. 
هل تفاجئنا انتقائية تطبيق حقوق الانسان؟ ليس الآن. ربما في سنوات البراءة الحقوقية، يوم كان لوقع «حقوق الانسان» موسيقى يطرب لها معذبو الارض (مع التقدير لفرانز فانون). اليوم، يتعرض من يطالب بتطبيق مبادئ حقوق الانسان، المنصوص عليها في كل دساتيرالدول، تقريبا، إلى الاتهام بالارهاب، وقد يفقد حياته جراء ذلك. تتغير التهمة حسب من يمتلك القوة محليا وعالميا. القوتان مترابطتان بحكم تبادل المصلحة السياسية والعسكرية وان بدتا، احيانا، على خلاف. فالحكومة المحلية بحاجة إلى القوة الدولية لحمايتها من شعبها، والدول الكبرى بحاجة إلى الحكومات المحلية لتكريس هيمنتها. وليس هناك ما هو أفضل من تسخير شريحة من ابناء الشعب أو الدول المضيفة (حسب الجنرال الامريكي دافيد بترايوس) لأداء المهمة. ولعل أوضح مثال على ذلك، قيام المحققين الامريكيين بتسليم المعتقلين العراقيين إلى قوات الأمن العراقية لتعذيبهم بدلا منهم. هكذا اصبحت مبادئ حقوق الانسان وتطبيقاتها ذات معان متعددة، متغيرة، مثل لون الحرباء. 
وتتهشم مبادئ حقوق الانسان إلى فتات يثير الأسى عند وصولها إلى بلادنا مع من ساوموا الارض بالسلطة ورضوا بالاحتلال «تحريرا» تارة و»تغييرا» تارة أخرى مرتكبين واحدة من أكبر الجرائم اللا أخلاقية. هكذا، في خضم التدهور الاخلاقي السريع، تحولت المبادئ الانسانية، النبيلة، من أداة انقاذ إلى أداة تمزيق للبلد وعقابا للشعب. تمت تجزئة القضايا الاساسية إلى حد لم يعد بالامكان التعرف عليها لكي تصبح مقبولة من الجهة الداعمة. الجهات الداعمة تريد من يسمعها ما تريد عن بناء الديمقراطية وازدهار حقوق الانسان. قسمت حقوق الانسان حسب الطائفة والدين والحزب السياسي القادر على التمويل ومحاصصة المناصب. باتت : لكم حقوقكم ولي حقوقي.
فقدت مبادئ حقوق الانسان شموليتها الانسانية العامة المحتضنة للجميع، وتمنع السلطة وأسيادها والميليشيات مبادرات التكافل الاجتماعي بين الناس وأيصال المساعدات بشكل أهلي إلى اللاجئين بملايينهم. ولننظر إلى الشلل الذي اصيب به المجتمع تجاه الكارثة التي اصابت أهالي المحافظات الوسطى، التي يتم نقلها، تلفزيونيا، بشكل حي إلى بقية ارجاء البلاد، مقارنة بالهبة العفوية التي تعودنا عليها في عقود ماضية. في منحدر الشلل المظلم انزلقت منظمات مدنية وناشطون حقوقيون اما سذاجة او عمدا لتسويغ الحصول على الدعم المادي المجزي وقبول شروطه ومتطلباته. بدلا من ان تكون، كما هو مفترض، صوت المظلومين والمهمشين، صوت المجتمع ككل، صوت الصارخين طلبا للاغاثة من معتقلات الموت المنهجي (سجن التاجي مثلا)، صارت بضجيجها الخطابي جزءا من آلة التسويغ والتضليل الشرهة.

٭ كاتبة من العراق

 

 

السؤال هو:

ماذا حدث قبل داعش؟

هيفاء زنكنة

 

اتخذت تصريحات مسؤولي الحكومة العراقية، في الأيام الأخيرة، منحى جديدا، فيما يخص محافظة نينوى، شمال العراق، وعاصمتها الموصل. تحاول التصريحات الاجابة على سؤال أريد منه طمس جبال المصائب الأخرى التي يعيش في ظلها المواطنون، وهو : ماذا بعد داعش ؟ فالانتصار على « الدولة الاسلامية»، على مبعدة بضعة أمتار، اذا أخذنا المقياس المكاني، أو عدة ايام، بالمقياس الزمني، مع اغفال المقياس البشري لاحصاء الضحايا من المدنيين والمتقاتلين. تتناوب على تقديم الأجوبة جهات متعددة من بينها الحكومة ( بشقيها المركزي واقليم كردستان) والميليشيات ( الحشد الشعبي بأقسامه الثلاثة والعشائر) والمتعاقدين من دول التحالف بقيادة أمريكا. 
في داخل العراق، يتبين عند مراجعة أجوبة المسؤولين الحكوميين والساسة الذين يغذون شراهة استديوهات البث التلفزيوني، على مدى 24 ساعة يوميا، بان لدى الجميع وصفة جاهزة لـ «مرحلة ما بعد داعش»، قد تختلف مسمياتها، الا انها ذات مضمون واحد، وهو:» اعادة اعمار الموصل». الوصفة الاولى، هي التي أعلنها الأمين العام لمجلس الوزراء في 14 حزيران/يونيو 2017، بعنوان «الخطّة الاستراتيجيّة لإعمار الموصل». تم الاعلان عنها قبل أسبوعين فقط، وبعد ان بات حجم الدمار العمراني والبشري «واحداً من أسوأ التطوّرات التي شهدتها الحملة لتحرير المدينة»، حسب ممثلة البرنامج الإنمائيّ لمنظّمة الأمم المتّحدة في العراق، وبلغ عدد النازحين رقما قياسيا، مما يعطينا فكرة عن مدى قدرة المسؤولين الحكوميين، على التفكير الاستراتيجي وجديتهم في تنفيذ الخطط والمشاريع، وتشكل مؤشرا لما هو آت في الايام المقبلة. 
نقرأ في بيان صادر من وزارة التخطيط، بأن الاعمار سيكلف 100 مليار دولار على مدى عشرة اعوام، حسب الخطة الاستراتيجية، أو عشرين عاما، حسب «خطّة اعادة إعمار المناطق المحرّرة»، التي لا تقتصر، افتراضا، على محافظة نينوى بل تمتد إلى محافظات أخرى، تعرضت مدنها، كما الموصل، إلى التهديم بمعدل 70 بالمئة من بيوتها ومؤسساتها إلى المستشفيات والمدارس والجامعات ومحطات تزويد الطاقة والمياه، أي عموم البنية التحتية، بالاضافة إلى مأساة النازحين، قبل وبعد القاعدة وداعش، الذين تحولت معسكراتهم المؤقتة إلى شبه دائمية، لما تدره من أرباح للعديد من الجهات. 
من يقرأ الخطة الاستراتيجية لا يلام اذا ما فكر بأن هناك حكومة وطنية تعمل اولا وأخيرا من اجل مصلحة مواطنيها وانها سائرة، لا محالة، في طريق اعادة اعمار المدن المحررة. فكل شيء على الورق يبدو رائعا، كما كانت خطة «تحرير» العراق واعماره الموعود خلال ثلاثة أشهر فقط (مرّت هذه الأشهرالثلاثة ووعودها خمسون مرة منذ الاحتلال، ونحن الآن في الشهر الـ 170 بعد «التحرير» والخراب هو هو في محافظات العراق كلها تقريبا، او يزداد!)، الا ان مراجعة بسيطة لـ « انجازات « الحكومة الحالية، قبل انبثاق «داعش»، سيعيد ترتيب الصورة، بعيدا عن الرطانة السياسية، ونزاعات المتسابقين على رفع راية الانتصار، ليجعل الاولوية لأسئلة على غرار : من الذي سيتحمل تكلفة اصلاح الخراب، شبه الكلي، للمدن؟ ومن الذي سينفذ مشاريع الاعمار، وأعادة الامن والاستقرار، وما هو أعمق من ذلك أي اعادة الثقة بالحكومة وتعويض الضحايا والبدء بمجريات العدالة الانتقالية بمراحلها المختلفة؟ 
هل هي الحكومة العراقية المعروفة، عالميا، بأنها من الاوائل في قائمة الدول الأكثر فسادا بالعالم، والموصوفة عالميا، أيضا، بأنها حكومة فاشلة تديرها الميليشيات المسلحة الناشطة خارج نطاق القانون، المتغذية على الثروة النفطية بينما يعيش ثلث الشعب تحت خط الفقر؟ ماذا عن الطائفية التي تنخر المؤسسات؟ كيف سينفذ مشاريع تأهيل بيوت النازحين من يسرق مساعدات النازحين ويبيعها لهم؟ كيف ستنفذ مشاريع الاعمار والاصوات تتعالى مطالبة بحصة، في غنيمة الموصل، ثمنا لـ « دماء شهدائنا»، كما يصرح قادة الميليشيات، أو ملكا لأقليم كردستان ثمنا ل « شجاعة البشمركة» أو لأنها من المناطق «المتنازع عليها»، ويوم الاستفتاء على انفصال الاقليم سيحل قريبا؟ 
تشير تصريحات المسؤولين إلى ان البنك الدولي سيمنح العراق قروضا جديدة، بالاضافة إلى قرض بريطاني بقيمة 10 مليارات جنيه استرليني، لتضاف إلى سابقاتها التي نعرف جيدا أين انتهت بينما سيتحمل المواطنون عبء تسديدها على مدى عقود. هناك حديث، ايضا، عن مساعدة دولية، والدول المانحة، كما يعرف الجميع، ليست منظمات خيرية بل تأتي مساعداتها مربوطة برزمة شروط لابد ان تنفذها الدولة المتلقية. يلخص الرئيس الامريكي دونالد ترامب هذه الرزمة تحت عنوان « النفط مقابل الاعمار». وهو تصريح يجب التعامل معه، بشكل جدي، اذا ما أريد للعراق ان يحافظ على ما تبقى من ثروته النفطية، خاصة بعد ان نفذ ترامب مشروع « العقود العسكرية مقابل الحماية» مع السعودية وبقية دول الخليج.
الى جانب عقود الادارة الامريكية، العسكرية والاستخباراتية، يتحدث المسؤولون العراقيون عن عقود مع شركات أجنبية، من ذات الدول التي ساهمت بتدمير العراق. ولا تقتصر العقود على شركات الاعمار بل تتضمن، بطبيعة الحال، الشركات الأمنية الخاصة التي اصبحت ضرورة من ضرورات العمل في مناطق «ما بعد النزاع»، كبديل رخيص لقوات الاحتلال في توفيرها المرتزقة / الحماية/ الحراسة/ ادارة المعتقلات/ التحقيق مع المعتقلين والعمليات القذرة. واذا كانت سمة النظام العراقي الاولى هي الفساد فأن مسؤولية مأسسة الفساد، بشكله الواسع، هو الاحتلال الانكلو أمريكي عبر عقود الشركات الاحتكارية واستشراء ظاهرة الافلات من العقاب. ومن المفيد مراجعة مشاريع الاعمار التي بقيت حبرا على ورق بينما تلاشت مليارات الدولارات فسادا، ومثالها ما كشفته صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، في 24 آذار/مارس 2013، عن عشر شركات عملاقة حققت أرباحاً طائلة قدرها 72 مليار دولار من خلال» مشاريع اعمار وخدمات دون أن تحقق تلك المشاريع أي شيء»، حسب السيناتور الديمقراطية كلير ماكاسكل.
الملاحظ في ضجة التصريحات والبيانات والصراع اليومي حول من الذي سيحصل على ماذا في «مرحلة ما بعد داعش» ان الساسة والمسؤولين العراقيين والامريكيين وبقية دول التحالف اختاروا التعامي الانتقائي عن سؤال كان يجب ان يكون هو الاول لو كانت نية اعمار العراق، وليس الموصل وحدها، صادقة. السؤال هو: ما الذي حدث قبل داعش؟

٭ كاتبة من العراق


 

 

عن حصار قطر و«الجزيرة»

واعتقال الدوريات الأكاديمية

هيفاء زنكنة

 

لديكم عشرة أيام لتنفيذ المطالب المذكورة والا… هذا الانذار العاجل ليس موجها من شركة كهرباء أو غاز إلى زبون تجاوز الفترة الاولى المحددة لدفع فاتورة الحساب ومدتها 4 أسابيع، عادة. انه انذار موجه من اربع دول هي المملكة العربية السعودية والامارات والبحرين ومصر، ضد دولة قطر التي كانت، حتى الأمس القريب، دولة « شقيقة» وعضو في إتحاد يضم « أشقاء». 
تضمن الانذار 13 مطلبا، حاولت الدول الاربع بساستها وخبراء القانون لديها، صياغتها، بعد اسبوعين من اعلانها « مقاطعة» قطر، الدولة المارقة بمنظور الدول الاربع، وما احاط ذلك من تخبط اعلامي، بغية توضيح الأسباب للرأي العام في البلدان الخمسة والمنطقة والعالم. فجاءت المطالب لتزيد الغموض غموضا، والمحاججة هلامية رخوة مثل بطن حلزون، خاصة، فيما يتعلق بتهمة مساندة الإرهاب والمطالبة بإغلاق شبكة «الجزيرة» الإعلامية والقنوات التابعة لها، بالاضافة إلى المطالبة باغلاق عدد من الصحف والمراكز الفكرية. جاء تسلسل الاحداث غريبا. بدأ بتنفيذ المقاطعة ثم الاعلان، بعد أسبوعين، عن المطالب، أي الاسباب الداعية إلى تنفيذ المقاطعة، يماثل التسلسل أصدار حكم الاعدام على شخص وتنفيذ الحكم به، ثم توجيه انذار اليه يطالبه باعلان التوبة. هذه هي صورة المنطق اللامنطقي التي يراد من الشعوب العربية المنهكة، أساسا، جراء نزاعات الحكام وخصوماتهم وتبعيتهم، الاقتناع بها ومسايرتها.
لننظر إلى تهمة الإرهاب. الملاحظ ان حزمة المطالب ملفوفة، بأناقة، بمصطلح « الإرهاب»، باعتبار دولة قطر داعمة له، و الدول الاربع الأخرى محاربة له. وهو تقسيم كونكريتي صلب، أسسته ادارة المحافظين الجدد الامريكية، وأطلقه الرئيس الامريكي جورج بوش بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، ليتم تقسيم الدول وحكوماتها إلى معسكرين لا غير : « اما معنا او ضدنا « تحت راية «محاربة الإرهاب». هذه الايديولوجيا، المفروضة، قسرا، من الخارج على شعوب المنطقة، هضمها الحكام العرب، مثل وجبة طعام سريعة، ثم اجتروها وتجشأوها على الشعوب، سياسيا واعلاميا، باعتبارها من بنات أفكارهم وسياستهم المناوئة للتطرف. 
من هذا المنطلق، تأتي تعليبة مطالب الدول الاربع، متماشية مع قالب «محاربة الإرهاب»، على الرغم من تآكله لكثرة استخدامه، تبريرا، وابتزازا، وشرعنة للقمع والقتل من قبل أشخاص ومنظمات ودول، حسب الحاجة والطلب. والويل الويل لمن لا ينضم إلى تحالفات القصف الجوي، والطائرات بلا طيار، واغتيالات العمليات الخاصة والفرق القذرة وتفجيراتها، واستخدام أسلحة اليورانيوم والفسفور الابيض، ناهيك عن القتل اليومي، المباشر، وغير المباشر، للفلسطينيين، بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، وتحالف الكيان الصهيوني، ومباركة الحكومات المحلية في العراق وسوريا واليمن ودول الخليج.
الملاحظ، ايضا، اصرار الدول الاربع على استخدام مصطلح « مقاطعة « توصيفا لاجراءاتها ضد قطر التي اعتبرتها « حصارا وعقوبات اقتصادية شديدة»، وهو اجراء أقرب إلى العقوبة الجماعية اذا ما روجعت التفاصيل. مايسترعي الانتباه هو استخدام هيئة الاذاعة البريطانية ( البي بي سي)، تعبير الحصار والعقوبات الاقتصادية في تغطيتها للحدث، مما يدفع إلى التساؤل عما يمنع الدول الاربع من ارسال انذار إلى الحكومة البريطانية للمطالبة باغلاق البي بي سي وقنواتها، كما الجزيرة، خلال عشرة ايام والا…
لا يمكنني الا عقد المقارنات البعيدة والقريبة التي تمس جرحا لم يندمل بعد عراقيا. ولأن العراق عاش اطول فترة حصار في التاريخ المعاصر، وصفه دنيس هاليداي، مندوب الامين العام للامم المتحدة بالعراق ( 1997-1998)، المستقيل احتجاجا، بانه « جريمة ابادة ضد الشعب العراقي»، ولأنني كنت من المناهضين بقوة لسياسة الحصار على الشعب مع معارضتي، في الوقت ذاته، لسياسة النظام العراقي السابق، يعيدني فرض الحصار على قطر، وترويجه، اعلاميا، وابتزاز وانزال العقاب بكل من يرفع صوته احتجاجا او معارضة، حسب قاعدة « أما مع أو ضد»، إلى كيفية تسويق امريكا حصارها الجائر ضد الشعب العراقي، بمساهمة دول عربية « شقيقة»، على مدى 13 عاما باعتباره « عقوبات اقتصادية»، حتى وهي تبرر قتل نصف مليون طفل جراء الحصار، باعتبار انه « ثمن يستحق الدفع»، بلسان وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت. كل ذلك الخراب البشري والمادي، تم بناؤه على أساس كاذب هو امتلاك العراق أسلحة دمار شامل تهدد العالم خلال 45 دقيقة! أليس هذا النموذج، الواضح، في التلفيق، والتضليل، ونتائجه الكارثية على الشعب العراقي وانعكاساته على بقية الدول العربية والعالم، درسا يدفع إلى تمحيص الخطاب الرسمي للقوى العظمى والدول المحكومة بالقطيعة مع شعوبها والتبعية لمن يزودها بالسلاح ضده، وهي سمات كافة الدول العربية بلا استثناء؟ الا تستحضر أجواء اتهام قطر بالإرهاب، اليوم، ذلك العراق الذي حكم عليه بالاعدام متهما بامتلاك اسلحة الدمار الشامل كذبا وزورا؟
تأخذنا ذات الاجواء المسربلة بالتهديد والابتزاز، إلى المطالبة باغلاق قناة الجزيرة وغيرها. فبالاضافة إلى كون حرية الرأي والتعبير من اساسيات حقوق الانسان، كيف يمكن تمحيص الخطاب الرسمي لأية دولة، وتقديم الحقائق، وتوسيع فسحة المعلومات بعيدا عن الخطاب السائد، واغناء وجهات النظر، بدون تعددية اجهزة الأعلام، ومراكز البحوث والدراسات، لتنمية الوعي النقدي ؟ الا يؤدي التخندق العقلي إلى جعل الشعوب أسيرة الخطاب الرسمي / الحزبي/ الايديولوجي، الواحد، المكرس لمسخ الآخر باعتباره عدوا يستحق التطهير؟ ترى ما الذي فكر به سياسيو الدول الاربع وهم يشترطون اغلاق قناة تلفزيونية قد لا يتفق معها الكثيرون، لكنها ضرورية ضرورة تعدد الاصوات والآراء؟ واذا كانت الانظمة العربية تعمل، عادة، على منع اجهزة الاعلام ومراكز الدراسات، بشكل شبه مستور، فأن تحويل اغلاق قناة الجزيرة والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى مطلب، علني، أساسي لرفع الحصار عن قطر، يشكل نقلة نوعية في تعامل الانظمة مع شعوبها لاسكات الاصوات المغايرة، مهما أختلفنا معها. وهل ستكون الخطوة التالية في كسر المستور الأعتراف الرسمي بالعلاقة مع الكيان الصهيوني العنصري وتحقيق أمنية مجرم الحرب نتنياهو بزيارة مكة المكرمة؟
ولأننا نعيش في عصر المفارقات المضحكة المبكية، اجدني غير قادرة على التخلص من غواية التساؤل عن مغزى الخبر التالي: صادرت السلطات المصرية، يوم الأربعاء الماضي، العدد 20 من دورية «عمران» للعلوم الاجتماعية، وهي دورية أكاديمية، صادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ترى كيف سيحمي منع الدراسات الاجتماعية، التي نحن من اضعف امم الأرض فيها، الشعب المصري والعربي، عموما، من خطر الإرهاب؟

٭ كاتبة من العراق

 

 

الصمت وأطفال الحرب القذرة

هيفاء زنكنة

 

هناك صمت سياسي واعلامي كلي، مطبق، يحيط باستخدام قوات التحالف، بقيادة أمريكا، سلاح الفسفور الابيض القاتل في مدينتي الموصل والرقة. هناك في الوقت نفسه، سيل من تصريحات سياسية واعلام يمتد على مدى ساعات الليل والنهار، يدين ويستنكر ما تستخدمه «الدولة الإسلامية» من أسلحة في ذات المدينتين. الضحية الاولى في كلا الحالتين هو المواطن. واعداد الضحايا من القتلى والمهجرين والنازحين في تزايد مستمر. لم يعد للارقام والاحصائيات معنى في سباق عبثي بين قوتين تحاول احداهما تحقيق « النصر» ضد الاخرى ورفع راية النصر وقوفا على تلال من اجساد المطمورة تحت ركام المباني حينا والمحروقة حينا آخر.
في مسابقة الموت هذه يتساوى الطرفان. الطرف الإرهابي الاول: التحالف الانكلو أمريكي الذي غزا، واحتل، وأسس الطائفية والفساد، مستثمرا روح الانتقام لدى الساسة المستوردين. هو المسؤول الاول، مهما حاولت الطبخات الاعلامية، ومؤسسات الدعاية الديمقراطية والتعبئة السايكولوجية ـ العسكرية تزويقه. الطرف الإرهابي الثاني هو من هيأ الاحتلال وجرائمه أرضية نشوئه من منظمات باتت تزداد جنونا وتوحشا بمرور الوقت. انها بإرهابها، الوجه الآخر لإرهاب دول استباحت شعبا وهدمت بلدا، وجعلت من الاعتقال والتعذيب والقتل ممارسة يومية برضى محلي ودولي بذريعة، تشكل اكبر استهانة بالعقل الانساني، وهي «محاربة الإرهاب».
تحت مظلة « محاربة الإرهاب» الواسعة، الخاضعة لكل التفسيرات الانتقائية، والتغطية الاعلامية الجاهزة، تتم الاغتيالات بواسطة الطائرات بلا طيار، كما في اليمن، وقصف المدن كما في غزة وسوريا والعراق. في العراق، قصف طيارون أمريكيون سكارى، تترنح طائراتهم يمينا ويسارا، مدينة الموصل، أخيرا، فأصدرت القيادة العسكرية الأمريكية، عند سقوط مئات الضحايا من المدنيين جراء قصف المباني، بأنهم انما كانوا يستهدفون اماكن لداعش بناء على معلومات عسكرية عراقية! 
وكان رد فعل النظام، بحكومته ونوابه، على التهمة الموجهة ضد القوات ( انتبهوا ليس ضد القصف )، تشبه وصوصة كتكوت حال خروجه من البيضة، تستمر لبضع ساعات ثم تختفي. الجريمة الحالية التي ترتكبها القوات الأمريكية هي قصف مدينتي الموصل والرقة بالفسفور الابيض. واذا كنا قد سمعنا، سابقا، وصوصة من الحكومة والنواب العراقيين، فاننا لم نسمع ولو ثانية منها هذه المرة. لماذا؟ هل لأن الفسفور الابيض مادة « ذكية» تتعرف على الداعشي فتلاحقه وتحرقه لوحده وان كان موجودا ضمن مجموعة من الناس؟ أم انه، لكونه صناعة أمريكية، مباركة من قبل الانظمة العربية، قادر على شد عزيمة المواطنين في قتالهم التنظيمات الإرهابية ؟ أم انه سلاح سريع آخر لتطهير مدن معينة من سكانها ؟
الفسفور الابيض، وهو ذخيرة متعددة الاستخدامات، ليس محظورا كسلاح كيماوي بموجب المواثيق الدولية، لكنه سلاح خطير يشكل ضررا مرعبا وطويل الأمد في المدن المأهولة، بغض النظر عن كيفية استخدامه، اذ يبقى في التربة، مسببا حرق جسم الإنسان بمجرد الملامسة. الا ان أمريكا لا ترى ضررا في استخدامه في حروبها المنتشرة على وجه العالم كما البثور على وجه مراهق. حيث استخدمته في حربها ضد فيتنام، وفي مدينة الفلوجة المقاومة عام 2004. واستخدمه الكيان الصهيوني ضد قطاع غزة المحاصر في 2009. في 2016، استخدم التحالف بقيادة السعودية في اليمن ذخائر الفوسفور الأبيض المدفعية. وكانت صحيفة « التايمز» البريطانية قد نشرت تقريرا بعنوان: «محررو الموصل متهمون باستخدام الفسفور» في أكتوبر 2016، اتهمت فيه « قوات التحالف» بالقاء قنابل الفسفور الابيض على قرية كرملش، قرب الموصل، حسب تقارير وصور وثقتها منظمة العفو الدولية التي ذكرت بانه على الرغم من أن قرية كرملش قد أخليت من سكانها، لكن الفسفور الأبيض يمكن أن يبقى في تربتها مشكلا خطرا على السكان بعد عودتهم إلى منازلهم فيها. 
لتوضيح صورة التأثير المخيف لاستخدام قنابل الفسفور الابيض، تقول دوناتيلا روفيرا الباحثة في المنظمة إن «الفسفور الأبيض قد يتسبب في جراح مروعة وحروق عميقة في العضلات تصل إلى العظام. واذا بقي بعضه لم يحترق الا جزئيا فانه يمكن أن يشتعل بعد اسابيع من استخدامه».
 على الرغم من كل التحذيرات التفصيلية عن آثار الفسفور الابيض المرعبة على الانسان ( أو ربما بسببها؟) عاودت القوات الأمريكية القاء القنابل الفسفورية على مدينة الموصل في 3 حزيران/ يونيو 2017، وضرب مدينة الرقة بسوريا في 9 يونيو 2017، مما أدى إلى مقتل 20 شخصا كانوا في أحد مقاهي الانترنت، حسب منظمة « هيومان رايتس ووتش»، الحقوقية الدولية.
التحذير الحقوقي الانساني متكرر من استخدامه « كسلاح حارق لمهاجمة أشخاص أو معدات في مناطق مأهولة»، وكون استخدام الفسفور الأبيض «يضيف مادة سمية جديدة في حرب قذرة عادة ما تستخدم المواد الكيماوية أسلحة فيها»، فما هو موقف الحكومات العربية « الوطنية» التي تدعي تمثيل شعوبها وحمايتهم؟ ليس هناك موقف محدد صريح. فالحكومات في معسكر واحد مع مستخدمي هذه الاسلحة ان لم يقوموا باستخدامها ضد شعوبهم بالنيابة. ورطانة الادانة والاستنكار، إذا ما أطلقت، لا تزيد عن كونها مجرد ذلك. 
ان ازدواجية مواقف الحكومات العربية من شعوبها، المحكومة بمتلازمة القمع والاستبداد، ناهيك عن ازدواجية سياسة الدول العظمى بصدد تطبيق الديمقراطية وحقوق الانسان الانتقائية، تكاد تدفع الشعوب العربية إلى الوقوف على حافة هاوية لا يرى غير قاعها. القاع المبطن باليأس والاحباط ونشوء طبقة جديدة من ساكني الخيام المهمشين على حافة الحياة الانسانية، ونسبة عالية منهم عرضة للتجنيد لأي جهة تمد لها يد المساعدة او السلاح. 
فما الذي سيحمله المستقبل لنا وللآخرين؟ هذه الطبقة المعرضة للتهديد والقصف اليومي بانواع الاسلحة المبيدة، المنسوج وجودها بالعوز وامتهان الكرامة، باطفالها المحرومين من التعليم والرعاية، هي التي ستصوغ مستقبل البلدان التي تقيم فيها ( حيث لاوجود لمعنى الوطن والمواطنة) ويمتد تأثيرها إلى العالم.

٭ كاتبة من العراق


سألوها

«لماذا تبكين على داعشي»؟

هيفاء زنكنة

 

« ذهبت إلى الجنود وسألتهم عن زوجي. قالوا إنهم لا يعرفون أي شيء. ثم رأيت 3 جثث على الأرض، من بينها جثتا والدي وزوجي. بدأت بالبكاء والصراخ. جاء [مقاتلو] الحشد وقالوا لي، «لقد قتلناهما ولم يعودا موجودين». طلبوا مني الذهاب والبقاء مع النساء. ذهبت إلى النساء ولكن بقيت أصرخ. جاء [مقاتل] الحشد وقال: «لماذا تبكين على داعشي»، وصوّب بندقيته إلى وجهي وقال، «سأقتلك هنا». هدأتني حماتي وغادر الحشد…». 
هذه الشهادة، واحدة من مئات وثقتها منظمة « هيومان رايتس ووتش» منذ العام الماضي، وأصدرت المنظمة الحقوقية الدولية، وهي ليست الوحيدة، تقارير عدة حول انتهاكات حقوق الانسان بالعراق، وصفت العديد منها بانها جرائم حرب، منذ بدء معركة الموصل في أكتوبر/تشرين الأول 2016.
وردت شهادة السيدة الموصلية التي لم يذكر اسمها حرصا على حياتها،  في تقرير «ميليشيات مدعومة من الحكومة ترتكب إعدامات ميدانية: لا تدخل أو استجابة من القوات الحكومية» ( كانون الاول / ديسمبر 2016). موسى وسعد كانا من بين الضحايا، وهما أب وابنه، من قرية الحاج علي قرب الموصل. قال أقاربهما إنهما كانا قد فرا مع أسرتيهما إلى قرية شيالة الإمام قبل 7 أشهر بسبب نزاع مع أحد الجيران وكانا يعيشان في مدرسة تستضيف أسرا نازحة. قالت الشاهدة، زوجة سعد، إنها عندما سمح للنساء للانضمام إلى أفراد عوائلهن من الرجال ، بعد أن فصلهم الحشد بداية، لم تر زوجها ولا والده. ولم يكن لأي منهما علاقة بأي تنظيم. وثق التقرير، أيضا، العثور على 26 جثة، على الأقل، لرجال معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي في مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة العراقية في مدينة الموصل ونواحيها. «صار العثور على جثت لرجال مكبلين ومعصوبي الأعين، متكررا في الموصل والمناطق القريبة منها وفي نهر دجلة، مما يثير القلق من وقوع إعدامات خارج نطاق القضاء على يد القوات الحكومية». قالت لما فقيه نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش.
في تقرير آخر، وثقت المنظمة جرائم سلسلة جرائم جديدة ارتكبتها قوات الحشد الشعبي ضد المعتقلين الهاربين من جحيم معارك الموصل ، ليكون مصيرهم التعذيب والإعدام الفوري بتهمة مناصرة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش). ففي 20 أبريل/نيسان 2017، قالت «رويترز» إنه طوال الأشهر الأخيرة، رأى سكان القيارة الواقعة على بعد 60 كم جنوب الموصل والتي تسيطر عليها القوات الحكومية سيطرة تامة منذ أغسطس/آب 2016، جثثا تطفو على نهر دجلة معصوبة الأعين ومكبلة الأيدي. وفي 21 مايو/أيار، قال مقاتل محلي لـ هيومن رايتس ووتش إنه رأى جثة أخرى مقيّدة وتطفو على النهر من جهة الجسر القريب من القيارة. يسيل نهر دجلة نحو الجنوب، ما يوحي بأن الجثث ألقيت في النهر شمال القيارة، ولكن لا يُمكن أن تكون من المناطق الخاضعة لسيطرة داعش نظرا لوجود سدود عديدة في النهر جنوبي الموصل».
هكذا سترتبط القرى في ذاكرة السكان لا باسمائها ومواقعها على الخارطة بل بما يرونه من جثث لضحايا من أهلهم أو ، وهو الأكثر إثارة للمرارة والألم، لضحايا مجهولين. هكذا، صارت مياه دجلة الخير والعطاء، حاملة لتوابيت متنقلة ترسم خارطة « العراق الجديد» بخطوطها الحمر. فحين زارت «هيومن رايتس ووتش» مستشفى القيارة، في منتصف مايس/ ايار 2017، بعد تلقيها صورا، تشير إلى وجود جثة شخص تم إعدامه ميدانيا، قال طبيبان للباحثين إنهم تلقوا أوامر من وزيري الصحة والدفاع بعدم الرد على أية استفسارات حول المشرحة أو السماح بأي زيارات. لم يذكروا السبب. قالوا فقط إنه «خط أحمر».
تخلص سارة لي وتسون، مديرة المنظمة فرع شمال افريقيا، في 27 مايو/ ايار إلى أن « الانتصار في المعارك لا يعني كسب الحرب من أجل عراق موحّد»، إثر انتشار فيديوهات وصور تُظهِر جنودا عراقيين ينتمون إلى «وحدة الاستجابة للطوارئ» الخاصة التابعة لوزارة الداخلية « يضربون محتجزين مُكبّلين ومعلّقين إلى السقف، بينما يهزأ العناصر منهم ويحتشدون حولهم ويصوّرون وحشيتهم باستهتار، مذكّرين بصور الجنود الأمريكيين الدنيئة في سجن أبو غريب. نرى أيضا جنودا ينفذون إعدامات جماعية بحق محتجزين مكبّلين «انتقاما منهم»، مثل العديد من القوات العراقية، في حقبة ما بعد صدّام، التي تقاتل المجموعات المسلحة. كما يقلّدون داعش نفسه، حيث أجبر الجنود العراقيون، بشكل غريب، أحد المحتجزين على إلقاء قسم الولاء لزعيم داعش قبل قتله». يلاحظ من مراجعة تقارير المنظمة، بالإضافة إلى تقارير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولي، أن المشترك بينها هو: أولا عدم إحساس الجنود ومقاتلي الحشد بالخوف من العقاب بل من الواضح أنهم يستمتعون بسادية جرائمهم ويتفاخرون بتسجيلها ومشاركتها على هواتفهم. ثانيا، على الرغم من ادعاء رئيس الوزراء حيدر العبادي بأنه حريص على عدم انتهاك حقوق الإنسان إلا أنه لم يعتقل أو يعاقب أيا من المسؤولين عن الانتهاكات حتى الآن، مع العلم أن أسماءهم معروفة. هناك مثلا الشخص المدعو علي عبد الحسين عبد، أحد المعذِّبين المصوَّرين، وهو خط الوصل بين وحدة الاستجابة وقوات التحالف ويُلقب بـ «علي مشترك . ثالثا، تتحمل الولايات المتحدة وأعضاء آخرين في « التحالف الدولي» المسؤولية، لمشاركتهم في عمليات عسكرية بالتعاون مع قوات الأمن المحلية، ولتسليحهم الحكومة بلا مساءلة حول حقوق الإنسان. من يقرأ تفاصيل الشهادات الموثقة ويرى الصور والفيديوهات سيعرف مدى وحشية التعامل مع المعتقلين والرغبة بالانتقام التي لا تقل بشاعة عن ممارسات مقاتلي «الدولة الاسلامية»، باستثناء أن الأخيرة منظمة إرهابية يحاربها العالم بينما يتمتع الحشد الشعبي بمباركة المرجعية، وشرعنة الحكومة العراقية، ودعم ومساندة إيران، وانتقائية التعامي الدولي عن انتهاكات حقوق الإنسان بحجة محاربة الإرهاب.
ليس «الإرهاب»، وخصوصا الظروف التي تدعمه وتنميه، مؤامرة عالمية جديدة أو بدعة ايديولوجية مختلقة، لا يمكن محاربته إلا بأثمان بشرية باهضة، إنما له أسبابه في أوقات القهر والظلم والجريمة وانسداد أفق استرجاع الحقوق. وإذا كان هذا هو الدرس الذي أثبتته جميع تجارب العالم، فلا ينفيه من أبناء جلدتنا إلا من أصابه العمى العنصري أو الطائفي أو الطمع المادي، بحيث لا يعبأ بسحق مدننا وتشريد شعبنا، كما الصهاينة والمستعمرين. 
تقع المسؤولية الأولى على عاتق الحكومة في إقناع المواطنين بأن هناك خيارا آخر غير اللجوء إلى العنف يمر عبر إثباتها سيادة القانون والقضاء على التمييز بأنواعه. والبدء كخطوة أولى في محاسبة الفظاعات التي ترتكبها قواتها الأمنية وميليشيا الحشد الشعبي.
كاتبة من العراق

 

 

الأموات لا يذكرهم الخطباء…

تنافس الساسة والميليشيات

ورجال الدين في العراق

هيفاء زنكنة

تسود في « العراق الجديد» حمى اعتلاء منصات الخطابة والوعظ وقراءة البيانات. حيث يتنافس الساسة من داخل وخارج الحكومة مع رجال الدين وقادة الميليشيات على اعتلاء منصات عالية تمنحهم الاحساس بالسلطة والقوة على ابناء الشعب، وتساعد على ستر الجرائم المرتكبة بحقه. 
 على المستوى الحكومي، يقف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، مرة كل اسبوع (بالاضافة إلى خطب المناسبات واعلان الانتصارات العسكرية) على منصة عالية، ليلقي خطبة عصماء على الشعب العراقي الذي يتلقفها عبر قناة « العراقية»، الرسمية، التي تبث الخطاب مباشرة، بينما تقتطف بقية القنوات الفضائية والمحلية بعض فقراته، بانتقائية، تتماشى مع درجة الاهتمام بفقرة دون غيرها أو مقدار الدعم المادي الذي تتلقاه القناة من مكتب رئيس الوزراء أو حسب خطها السياسي والطائفي، وغالبا، ما يتقدم الطائفي على السياسي او يتلاحم به إلى حد استحالة الفصل بين الاثنين. 
خطاب العبادي، ليس الوحيد الذي يتجرعه الشعب العراقي، اسبوعيا. حيث يحتل خطاب عمار الحكيم، رئيس التحالف الوطني الشيعي، يوما آخر من أيام الاسبوع. ففي كل يوم أربعاء، يعتلي الحكيم منصة في قاعة واسعة تضم مئات الموالين، متناولا من الموضوعات ما يراه ملائما لـ «علاج» ابناء الشعب من أمراضهم. واذا كان العبادي يخاطب الشعب عبر عدسة الكاميرا، فإن الحكيم يتفوق عليه من ناحية الحضور الجماهيري الحي بالإضافة إلى البث التلفزيوني.
تماثله المرجعية الدينية في استغلال الحضورين الجماهيري والتلفزيوني. فحصة المرجع الشيعي الاعلى السيد علي السيستاني ،هو يوم الجمعة، بالوكالة. اذ لا يحبذ المرجع الظهور الشخصي وان كان مواظبا على ايصال رسائله، بأنواعها، إلى الناس. حيث يعتلي المنصة، بدلا منه، عادة، ممثله في كربلاء الشيخ عبد المهدي الكربلائي، لايصال ارشاداته الاجتماعية والسياسية المغلفة دينيا، اما بشكل مباشر، كما حدث حين أصدر فتوى الجهاد الكفائي لمحاربة « الدولة الاسلامية» او بشكل غير مباشر حين قرر، في 5 شباط/ فبراير 2016، متحدثا من خلال وكيله الشيخ أحمد الصافي، ان لا تكون خطبته اسبوعية بل «حسب ما يستجد من الامور وما تقتضيه المناسبات»، اشارة إلى زعله من الحكومة التي لم تستمع لارشاداته، والاكتفاء «بالدعاء لاخواننا المقاتلين ( ميليشيا الحشد الشعبي) في جبهات المنازلة مع الإرهابيين». غير ان زعل المرجعية من حكومة العبادي لم يدم طويلا، فعاد وكيله إلى اعتلاء المنصة اسبوعيا.
المنصات أنواع. فبالاضافة إلى المنصات الفردية هناك منصات جماعية منصوبة وجاهزة للاعتلاء خارج قاعة البرلمان. يراها العراقي حين يزعل اعضاء حزب/ تيار/ كتلة برلمانية ما، فيصطفون كتلاميذ المدارس الابتدائية، للوقوف عليها والتناوب على القاء الخطب أو قراءة بيان او توجيه اتهامات بالفساد لنواب كتلة أخرى، أو الظهور بمظهر الوطني الحريص على مصلحة الشعب خلافا للآخرين، مع مراعاة ان تقف في الواجهة، دائما، أما نائبة واحدة أو اثنتان، لئلا يتهم حزب المنصة بأنه ذكوري.
من فوائد اعتلاء المنصة خارج القاعة، ان يحظى النواب الذين يعتلونها، بتسليط الضوء الاعلامي عليهم للمرة الثانية، بعد المرة الاولى التي يضمنها لهم البث التلفزيوني المباشر من داخل قاعة البرلمان. مما يؤكد الانطباع الشعبي العام بأن العملية، كلها، لا تزيد عن كونها صراعا على الظهور الاعلامي، خاصة وان المنصات مزودة بمايكروفونات معظم القنوات الاعلامية المرئية والمسموعة، ولا علاقة للصراع بمصلحة الناس.
بعيدا عن منصات الساسة ورجال الدين، هناك منصات الميليشيات. ولعل العراق، واحد من قلة من دول العالم، يعتلي فيها حفنة من قادة الميليشيات ذوي الولاء المطلق لدولة أخرى، منصات التصريحات والخطب، علنيا،، متى وأينما ارادوا، مما يكرس كونهم مالكي السلطة، أكثر من الحكومة. اذ لا يخلو يوم من تصريح او تهديد او اعلان انتصار، يطلقه « متحدث اعلامي» باسم ميليشيا الحشد الشعبي. ولميليشيا الحشد ( ما يزيد على 60 ألف مقاتل) التي اعلن نظام العبادي وجودها تحت مظلة حكومية، ظاهريا، ألويتها الخاصة ومديرية أمنها، ومكتبها الاعلامي وقائدها وتسليحها ومخصصاتها ومدربيها ومستشاريها الايرانيين، أي كل ما يجعلها خارج نطاق الدولة وقيادة الجيش والقوات الأمنية وأي مؤسسة من مؤسسات الدولة ولو شكليا. بل وللميليشيا رايتها التي ترفعها في عملياتها وهجومها على المدن وشعارها الخاص الذي يظهر وراء « المتحدث الاعلامي»، حين يعتلي منصة الخطابة. 
واذا كانت مهمة منصات الساسة ورجال الدين تقتصر على الوعظ والترويج السياسي و التحريض الطائفي « الناعم»، فان منصات الميليشيات، بادعاءات التحرير والانتصار والتطهير هي الوجه الآخر للطائفية الداعشية، ووجودها لا يقل خطرا على مستقبل وأمن العراق كبلد مستقل، يتمتع بالسيادة، من انبثاق « منظمة إرهابية» جديدة لا يكفون عن تهديد الناس بظهورها مستقبلا. 
ماذا عن عموم الناس؟ اصدر المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب احصائية بعدد الضحايا من المدنيين والعسكريين الذين سقطوا، في شهر أيار/ مايو الماضي وحده، جراء النزاع المسلح بين الحكومة وتنظيم الدولة، وضحايا انفجار السيارات المفخخة، والعبوات الناسفة، والقصف العشوائي وغارات طيران التحالف الدولي والحكومي، اضافة إلى الاعدامات الحكومية وعمليات الاغتيال والقتل خارج القانون، الذي تمارسه الميليشيات والاجهزة الحكومية، وقد بلغ عددهم (1157) شخصا. بينما سجلت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) استشهاد 354 مدنياً وإصابة 470 آخرين. ولعل سبب الاختلاف بين الاحصائيتين هو استثناء العسكريين من احصائية يونامي. ما يسترعي الانتباه، اكثر من غيره، ان من يعتلون منصات الخطابة ليرتلوا ترنيمات الانتصار، ويهيئون الارضية لانبثاق منظمات إرهابية أخرى، يتعامون عن ذكر حجم الخسارة البشرية الهائلة التي يتكبدها العراق، يوميا، ومن جميع الجهات، ثمنا لما زرعه الاحتلال، ومارعوه بأيديهم من طائفية وفساد. وسيبقى أطفالنا وشبابنا عملة مقايضة بأسلحة الميليشيات ووعاظ الشياطين وساسة حكومة ينخرها الفساد، مشغولة بحماية نفسها ومصالحها، على حساب الضحايا، ايا كانوا، ما لم يتحقق التغيير.

٭ كاتبة من العراق

 

 

 

كما في مانشستر… للضحايا

في بلادنا اسماء ايضا !

هيفاء زنكنة

 

لاحظنا، منذ الدقائق الاولى التالية لتفجير « مانشستر» الارهابي ، وما تلاه من أيام، الاهتمام الاعلامي المكثف، الرسمي والخاص، بذكر اسماء الضحايا واعمارهم، ومدارسهم، ووظائفهم، والاستشهاد باهاليهم، بالاضافة فيما بعد الى نشر صورهم واجراء مقابلات مع اصدقائهم وأقاربهم. أي كل ما يساعد على غرز وجودهم، وما حدث لهم، بالكلمة والصورة، في الذاكرة الجماعية للشعب البريطاني والعالم. هذه التغطية الاعلامية تدفع المتابعين على التماهي مع ضحايا التفجير ال22 ، وبينهم أطفال، كحضور انساني بريء مضاد لفعل ارهابي بشع. وهذا ما يجب ان يكون في جميع انحاء العالم حين تكون قيمة حياة الانسان هي الأعلى وتحمل مفهوما عالميا للجميع. 
مقابل ذلك، يتعرض أهلنا من العراق الى غزة، ومن سوريا الى ليبيا الى اليمن، على مدى سنوات تمتد الى عقود ، الى التفجيرات والقصف الجوي بأنواعه ، بأسلحة متطورة ( طائرات بلا طيار في غزة واليمن) وأخرى أقل تطورا وأشد فتكا (اليورانيوم المنضب والفسفور الابيض في العراق وغزة) وأخرى بدائية كالبراميل المتفجرة ( سوريا والعراق). ويبقى الضحايا نكرات، بلا اسم أو هوية. مجرد ارقام واحصائيات وجداول بيانية لاتعني شيئا. فما الذي يعنيه الجدول البياني، حتى لو كان لازدياد عدد ضحايا القصف الجوي ، مثلا، لقارئ خبر في صحيفة ؟ أنه لا يزيد عن كونه خبرا آخر، عن ضحايا مجهولين ، في بلد ما. ومن السهل جدا نسيان مجهولي الهوية وبالتالي محوهم من الذاكرة كأنهم لم يكونوا. هذا هو حال ضحايا الحرب الجوية ، في بلادنا، حيث يسقط مئات الضحايا ، يوميا، في سباق تخوض فيه قوات دول، بقيادة أمريكا، ما تسميه ب» الحرب على الارهاب» بالتحالف مع انظمة عربية، همها الاول حماية مصالحها على حساب الشعوب ونضالاتها، بحيث بات كل من يتجرأ على الاشارة الى عري الامبراطور مهددا بتهمة الارهاب الجاهزة. 
أخبرتنا صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، منذ أيام، إن 3100 مدني على الأقل لقوا مصرعهم إثر الغارات الجوية لـ»التحالف الأمريكي» على العراق وسوريا، منذ صيف 2014. مصدر الرقم هو منظمة « حروب جوية» التي ترصد ضحايا الغارات الجوية مستندة بذلك الى المصادر الرسمية. تحاجج المنظمة تصريح الجيش الامريكي بأن غاراته أسفرت عن مقتل 352 مدنيا فقط قائلة ان «عدد القتلى المدنيين هو ثمانية أضعاف ما تؤكده الولايات المتحدة» وان عدد الضحايا في تزايد مستمر، حيث ازداد ، حاليا، الى 100 شخص، يوميا، جراء ما يقارب 13 ألف غارة على العراق و 9 آلاف على سوريا. وذكرت المنظمة انها رصدت الغارات الروسية في جداول منفصلة. 
هذه الارقام ، مهمة ومن الضروري توثيقها. ولكن، من الذي سيتذكرها بعد مرور فترة من الزمن ، وربما بعد أيام، باستثناء قلة من الباحثين؟ ما الذي تعنيه هذه الارقام بالنسبة الينا، كأفراد عاديين، والى العالم الذي لا يريد معرفتها، أساسا، أما خشية تحميله مسؤوليتها أو لانشغاله بمشاكله الخاصة بعيدا عن مشاكل « الآخرين»؟ 
في الاسبوع، ذاته، اعترفت قيادة الجيش الامريكي ، بعد انكار وتنصل، بان أحدى غاراتها على مدينة الموصل، في 17 آذار/ مارس سببت، فعلا، مقتل 105 مدنيين. تؤكد منظمات رصد حقوقية عراقية وشهود عيان ان عدد الضحايا أضعاف ذلك. وهي مجزرة، بكل المقاييس الانسانية وقوانين الحرب، تستوجب المساءلة واخضاع مرتكبيها للعقاب ، فيما لو تم تطبيق القوانين الدولية والانسانية ، وهذا ما لن يحدث ما لم يتغير ميزان القوى الدولي، وما لم توجد في العراق حكومة وطنية مهمتها الاولى تمثيل مصلحة مواطنيها. الى ان يتم ذلك ، تواجهنا اسئلة عدة : ما الذي يتوجب علينا عمله لئلا نكرس استرخاص الحياة الانسانية ، لئلا تتم مقايضتها في سوق المصالح، وان نحافظ عليها كقيمة مطلقة لا تقبل المساومة؟ وكيف الاستفادة من الاحصائيات والارقام؟ 
الخطوة الاولى هي ضرورة توثيق الحدث بتفاصيله كاسم الضحية والعمر ووقت الاصابة وكيف. الخطوة الثانية اعلامية. ليكن الخبر ، بقدر الامكان، معززا بذكر اسماء الضحايا وجوانب من حياتهم. لا يصح تكويم الضحايا في قبور جماعية ، بأخبار وعناوين على غرار : « مقتل 20 مدنيا في قصف جوي على سوق شعبي غرب الموصل» و « 395 قتيلا و580 مصابا ضحايا الهجوم الأمريكي في النجف والكوفة « و « في قصف جوي .. مقتل تسعة مدنيين بينهم خمسة من اسرة واحدة في الموصل» ، دون ان يشار في أي من الاخبار، على اختلاف مصادرها، اسم أي من الضحايا. 
ان لكل ضحية اسما وعمرا وجنسا ومهنة وعائلة وأقارب، الكبار منهم والاطفال، « فلاطفال العراق احلامهم/ انهم ليسوا بلا احلام/ لأطفال العراق قلوب تنبض/ انهم ليسوا احصائيات حرب/ لأطفال العراق اسماء/ اسماؤهم ليست ضحايا ثانويين « كما يقول الشاعر الامريكي ديفيد كريغر، والعبور الى العالم الآخر لا يطمس هذه الحقائق، بل كل ما في الامر انها ستتحول الى مخزون في ذاكرة الاحياء، تتناقله من جيل الى آخر لا للانتقام بل لئلا تتكرر الجرائم. 
وهذا ما فعلته اجهزة الاعلام لضحايا تفجير مدينة مانشستر، وهذا ما يتوجب علينا عمله تجاه ضحايانا الذين لن يلتفت اليهم احد، ما لم نبادر بالعمل على تحويل استشهادهم الى احتفاء بحياتهم. اما افضل طريقة لتقريب الارقام والاحصائيات من اذهان الناس وابقائها حية فتتم عبر تضمينها سردية الاحداث التي يتعرض لها الضحايا لتصبح ، كما يذكر موقع « احصاء القتلى العراقيين» ( ترجمة غير حرفية لبادي كاونت)، وسيلة أخرى ، ايضا، لاثبات الحقيقة عبر التفاصيل المتعلقة بالافراد ، وجعلها ملكا للجميع مثل نصب تذكاري يؤمه الكل ، خاصة ذوي الضحايا ، حفاظا على ذاكرتنا وكرامتنا، في آن واحد.

٭ كاتبة من العراق

 

 

من جبل النار الى غزة…

أمهات وزوجات الأسرى

المضربين عن الطعام يقاومن

هيفاء زنكنة

 

سبعة وثلاثون يوما، مرت منذ بدء إضراب أسرى الحرية الفلسطينيين عن الطعام بتاريخ 17 نيسان/ ابريل. ماذا عن الغد؟
« تعبت من عد أيام الإضراب، 18 و19 و 200..» يقول أحد الأسرى الذين خاضوا تجربة الاضراب عن الطعام، سابقا: «في اليوم العشرين تشعر بأنك دخلت مرحلة اللاعودة، تبدأ بقراءة الفاتحة على روحك وروح رفاقك .. « … وكلما تلعثموا في قراءتها سهوا، أعادوها. كتبت الصحافية ميرفيت صادق، عن الاضراب في يومه العشرين، وهي ترصد وتوثق، مقاومة الاسير الفلسطيني في اضراب الكرامة. وهو ليس الاضراب الاول. مر به جيل بعد جيل من الاسرى، نساء ورجالا وأطفالا، تجاوز عددهم المليون ، منذ عام1967، حتى الآن. الاضراب أداة للمقاومة، حين يصبح الجسد ، في غياب كل سلاح آخر، السلاح الأخير، حين يعمل الإحتلال على تطويع الجسد ثم مسخ العقل ، اعتقالا، وخنقا للحركة، واهانة يومية في وطن تنبع فيه الحواجز وتتكاثر كما الاعشاب الضارة.
المقاومة مئات الأنواع. واضراب الاسرى عن الطعام، حتى يتم تنفيذ مطالبهم، هو واحد من وجوه المقاومة. وأبرز المطالب الأساسية: إنهاء سياسة الاعتقال الإداري، والعزل الانفرادي، ومنع زيارات العائلات وعدم انتظامها، والإهمال الطبي. 
اعتصام أهالي الاسرى، في مخيمات التضامن مع الاسرى في ارجاء فلسطين، وجه آخر للمقاومة. تم نصب الخيام أمام كنيسة المهد في بيت لحم. في نابلس جبل النار. في طولكرم. في غزة. ووسط البلد في رام الله. ملونة بصور الاسرى . خيام تذكرنا باستقبال الحجاج واقامة الافراح والمآتم. خيام تجمع كل الفلسطينيين، ففي كل بيت أسير أو أكثر من أسير. نساء ورجال واطفال يتناوبون الجلوس في الخيام، كما المرابطات والمرابطون في باحة الاقصى، يحمون باجسادهم وهتافات التكبير المسجد المبارك من دنس المستوطنين واستفزازاتهم. 
المتضامنون جالسون منذ الصباح حتى مشارف الليل. أهالي الاسرى يترقبون سماع اي خبر عن أحبائهم، خاصة، بعد ان توقف عدد منهم عن شرب الماء وتم نقل آخرين الى المستشفى. علقت على جدران الخيمة صور الأسرى. بلا ترتيب. صور صغيرة وأخرى كبيرة . تحيطها شعارات الصمود والمقاومة. امهات الاسرى يحتضن صور ابنائهم . « لم أحتضن ابني منذ 23 عاما. كان صبيا حين أعتقل»، تقول احدى الامهات وهي تضم الصورة الى صدرها بقوة، تمسدها، كما لو كانت تمسح على وجهه، لعلها تمنحه بعض الدفء لتحميه من آلام الجسد وبرده وجوعه وهو يستهلك نفسه.
 أغاني المقاومة هواء تستنشقه رام الله . يسكت المنشد فيخفت صوت المتحدثين في الخيمة. أرى المارة واصحاب الدكاكين المحيطين بساحة الاعتصام، يصغون بترقب، حين تمسك طفلة، ترتدي فستانا طويلا لونه ابيض، بالميكروفون. تحكي عن شوقها لوالدها الأسير. انها تحكي بلا دموع ثم ترفع شارة النصر باصابعها النحيلة. « يا الهي كم ينضج الاطفال سريعا في بلادي»، تقول الاسيرة المحررة ايمان غزاوي ( 11 عاما اعتقال). تريد اسيرة محررة أن تلقي قصيدة مهداة الى زوجها الاسير المضرب عن الطعام والذي لم تسمع منه منذ بدء الاضراب، الا ان ابنتها تذكرها بطول الطريق الى البيت. المحامية وفاء زوجة القيادي الاسير مروان البرغوثي، المحكوم عليه بالسجن خمسة مؤبدات و40 عاما، تواسي احدى الامهات. الاسيرات المحررات حاضرات بقوة. ايمان نافع ( 10 سنوات اعتقال) تتنقل بين الاهالي لتطمئنهم وهي نفسها بحاجة الى من يسمعها خبرا عن زوجها نائل البرغوثي (قضى 36 عاما في السجن وحكم عليه بالمؤبد و18 عاما) . الروائية عائشة عودة ( 10 سنوات اعتقال) بهدوئها الساحر. عطاف عليان ( 14 سنة اعتقال) غائبة لأنها كانت تستقبل زوجها الكاتب وليد الهودلي ، المحرر بعد اعتقاله اداريا للمرة .. كم؟ يأتي الجواب : لقد توقفنا عن العد. مي الغصين ( 10 سنوات) لا تعرف ما الذي حل بزوجها « ثمان سنوات مرت لا ادري كيف انقضـــت. ثمان سنوات و انا ابحث عنك في الوجوه صاحبة الظلال الطويلة». هل لايزال حيا؟ 
الأسرى في حالة صحية صعبة. يقول الاطباء ان المضرب عن الطعام مدة تقارب الشهر يفقد عشرة بالمئة من وزنه ويبدأ بالتقيؤ حتى اذا تناول الماء ، وتبلغ الآلام حدا لا يطاق. يقول المحامون الذين سمح لهم بزيارة 40 أسيرا فقط، ان من بين العقوبات التى فرضت على الأسرى المضربين إخراجهم إلى الساحات مكبلين، وتعريضهم للشمس الحارة من الغرف أثناء المداهمات التفتيشية التي تتكرر مرتين يومياً، ومنع الملح عنهم ، وإغلاق نوافذ زنازين العزل لحجب دخول أشعة الشمس. وينقل الاحتلال الاسرى من سجن الى آخر ( أحمد سعدات ونائل وعمر البرغوثي) بهدف تشتيتهم وإضعاف الإضراب.على الرغم من هذا كله، يقول المقاوم كريم يونس الذي قضى 35 عاماً في معتقلات الاحتلال «لن نتراجع حتى ولو لمونا جثثا». وأكد الأمين العام للجبهة الشعبية النائب الأسير « أحمد سعدات « على تمسك الأسرى بمطالبهم الجماعية وشرعية إضرابهم حتى تحقيقها. « أما ان ننتصر أو ننتصر» ، يقول مروان البرغوثي . يشاركه الموقف المضربون الذين بلغ عددهم الألفين. ولو كانت الحاجة فرحة، والدة نائل وعمر وفخري البرغوثي، حية لما رضيت بأقل من ذلك ، وهي التي قالت للحارس الصهيوني الذي ناداها فرخة: «أنا فرخة، بس خلفت ديوك عشان يلعنو أبوك» . 
 ماذا بعد؟ ان وحدة الموقف الجماعي، بين المضربين، كلهم، هـــــذه المرة، وروح التضامن المتبــــدية في ارجاء فلسطين، تفتح بابا للتفاوض، باعتبارهم أسرى حرب – حرية، من قبل المضربين أنفسهم، بعيدا عن رطانة الساسة ومناورات ما خلف الابواب على حساب حياة المضربين ومأساة أهاليهم. انها وحدة نضال ومقاومة تهز ما هو أكثر من صورة العدو الصهيوني التزويقية. انها، عبر تضحية الاسرى باعلى قيمة في الوجود، تفكك اساس دولة بنيت على نهب الارض والعنصرية. 
كاتبة من العراق

 

 

دور الطيارين السكارى

في قصف الموصل

هيفاء زنكنة

 

خَدَش تحقيق أجراه اثنان من المحققين الفيدراليين الأمريكيين ، حاجز الصمت المتفق عليه، عراقيا وأمريكيا، حول عمل ما تسمى بالشركات الأمنية في العراق، ليعيد الى الأذهان صورة بشعة لجرائم يتم ارتكابها والتستر عليها، بعد تغليفها بورق « أمن وحماية» السفارة الامريكية وقواعدها. أذ نشرت وكالة «اسوشييتد برس» للأنباء، تحقيقا، بناء على شهادة المحققين، اللذين تم طردهما حين أصرا على صحة نتيجة تحقيقهما الذي اقتضى عاما. كشفت الوكالة جوانب « مستورة» من عمل الشركة الأمنية « سالي بورت غلوبل» ، المتعاقدة مع الادارة الامريكية بعقد قيمته 686 مليون دولار لضمان أمن قاعدة بلد الجوية، التي تقلع منها مقاتلات أف -16 لمحاربة تنظيم الدولة الاسلامية. وثق التحقيق عمليات تهريب معدات ومولدات تقدر اسعارها بالملايين، والانخراط بتهريب نساء لاغراض الدعارة بين الجنود، والتهريب « الروتيني للمشروبات الكحولية بكميات هائلة . واقامة سهرات يتناول خلالها الجنود والطيارون كميات هائلة من الكحول، ووصلت الامور حدا بحيث قام احد الطيارين بقيادة طائرة ال أف 16 الحربية وهو ثمل فكانت تتمايل يمينا ويسارا في الجو». وأكد المحققان لوكالة الانباء ان ادارة شبكة التهريب، بانواعه، كانت تدار من « فندق برهان»، الواقع على مبعدة خمس دقائق من مطار بغداد، وان هناك حلقة دعارة أخرى، خاصة بمتعاقدي الشركة الامنية، وان لم يصرحا بتفاصيل اكثر عنها.
هناك صمت مطبق، في السنوات الأخيرة، حول تواجد وعمل الشركات الأمنية، بالعراق، على اختلاف مسمياتها من الشركات العسكريّة الأمنية الخاصّة، الى شركات الحماية الأمنية، مرورا بالمقاولين الأمنيين والمرتزقة وكلاب الحرب وجيوش الظل. الصمت مفيد ومجز لكل الاطراف المتعاقدة والمستفيدة من طبيعة عمل هذه الشركات. سواء كانت الجهة عراقية أو أمريكية او الشركات نفسها الحاصلة على العقود الكبيرة من جهات متعددة أهمها وزارة الدفاع الامريكية (البنتاغون) . حيث تنفذ هذه الشركات ، مهاما كانت تناط سابقا بقوات الجيش الامريكي وتكلفه حياة افراده بالاضافة الى التكلفة المادية العالية، واحتمال اثارة غضب الرأي العام الامريكي. أنها أرخص، خاصة، اذا كان مستخدموها من غير الامريكيين كما انها لا تخضع لقواعد الحرب وقوانينها في زمن خصخصة الحرب. النظام العراقي يتستر، بدوره، على تواجد المتعاقدين الأمنيين / المرتزقة لأنهم ارتكبوا جرائم بشعة موثقة، أجبرت الادارة العسكرية الامريكية على التحقيق فيها، فلم يعد من اللائق الا يعترض ساسة النظام على ما تظاهر « اهل الدار» بالاعتراض عليه، بالاضافة الى استفادة عدد من الساسة والمسؤولين من سمسرة العقود وغيرها. 
أن ما كشفه المحققان الامريكيان قد يكون فضيحة من وجهة نظريهما ووزارة الدفاع الامريكية لأنه يشكل اخلالا بالعقد المبرم بين الجهتين الا انه يجب ان يعامل كجريمة لا تحتمل السكوت، من قبل الحكومة العراقية ، التي يفترض فيها تمثيل الشعب وحمايته. انها جريمة من ناحيتين: الاولى تتعلق بحياة وعدد الضحايا المدنيين ، في مدينة الموصل وغيرها، جراء القصف المستمر ، من قبل طيارين يقودون طيارات الأف 16 وهم سكارى والطائرات تترنح يمينا ويسارا، فكيف يميزون بين الاهداف؟ بين المستشفى والجامعة والمبنى الذي تستخدمه داعش للذخائر؟ كم من المدنيين سقطوا وقادة « التحالف» مع المسؤولين العراقيين يهينون الناس بادعائهم « المحافظة على أمن المدنيين»؟
الناحية الثانية، هي قضية الاتجار بالبشر والدعارة التي ، مثل العديد من القضايا الانسانية والاجتماعية المهمة، دُفعت جانبا « لأننا نحارب الارهاب»، كما يردد لنا رئيس الوزراء حيدر العبادى كلما ازداد عدد المعتقلين ، وطفت على السطح جثث من يقتلون تعذيبا في المعتقلات. جاءت الاستجابة لنشر التحقيق، من عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية محمد الكربولي، ( 6 أيار/مايو) الذي أعلن عن « عزم» لجنته تشكيل لجنة للتحقيق بتقارير تحدثت عن «فضائح جنسية وسرقات» في قاعدة بلد الجوية، مبينا أن «حصول أي خروق داخل القاعدة يسيء لسمعتها وسمعة العراق هو أمر لا يمكن القبول به بأي شكل من الأشكال». ولأن العزم على تشكيل لجنة ومن ثم تشكيلها بات مشجبا لدفع القضايا المهمة الى خزانة مظلمة لا يصله أحد، بامكاننا القول ان مصير هذه اللجنة ، اذا شكلت ، سيكون مصير المئات من قبلها. بلا نتيجة، على الرغم من توفر نتيجة التحقيق الامريكي بتفاصيلها التي باتت متوفرة للجميع ، ومعرفة الاماكن التي تدار فيها شبكات التهريب والدعارة ومن بينها فندق البرهان الذي ، ما ان تضع اسمه على « جوجل»، حتى يخبرنا، عبر شركة الحجز « بوكنغ دوت كوم» بانه في موقع ممتاز من ناحية حرية التنقل السريع، فهو «داخل فندق مطار بغداد الدولي، ويضم بارا ومطعما مع بوفيه.. تحتوي الغرف على تلفزيون بشاشة مسطحة مع قنوات فضائية وتكييف وميني بار». يشكل توفر الحقائق ، المذكورة بالتحقيق الامريكي، أرضية ممتازة لمساءلة الشركات الامنية التي يحيط الغموض بعددها وان ذكر رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان حاكم الزاملي في 2 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2016 « هناك ، في محافظة البصرة، وحدها، 700 شركة، ما بين أجنبيّة ومحليّة، وفي حوزتها 17 ألف قطعة سلاح متعدّدة الأنواع، وإنّ 75 ألف عنصر أجنبيّ يعمل في تلك الشركات» ، ولابد ان تصويت البرلمان في 26 كانون الثاني/يناير من عام 2017 على مشروع قانون الشركات الأمنيّة، سيساعد في سير التحقيق . كل هذا ممكن ، طبعا، اذا توفرت النية الصادقة، لدى أصحاب القرار وكان همهم حماية المواطن في بلد يتمتع بالاستقلال والسيادة.

٭ كاتبة من العراق

 

 

 بين المرجعية الدينية في

العراق والمرجعية البوذية في فيتنام

هيفاء زنكنة

 

أصدر المكتب الاعلامي لرئيس الوزراء العراقي، في الخامس من أيار/ مايو بيانا رد فيه على تقارير وكالات الانباء الدولية والمحلية حول وجود قوات اجنبية بالعراق، جاء فيه « نحن نؤكد ان لا وجود لقوات مقاتلة مِن أية دولة على الاراضي العراقية». هذه كذبة واضحة وضوح الشمس الحارقة ببلادنا. لم يتمكن حتى المحتل المولع بالاكاذيب من هضمها. حيث أكد العديد من قادة جيش الاحتلال الامريكي والمتحدثين الرسميين والمواقع العسكرية، بالاضافة إلى مقتل عدد من الجنود الامريكيين، في مدن عراقية مختلفة، الوجود العسكري الامريكي القتالي على الارض كما هو الجو. وينطبق الامر، ذاته، على التواجد الايراني بشكل ميليشيات وجنود أيضا. ولا تدع تصريحات قادة الميليشيات والساسة الايرانيين ونقل جثث القتلى أي مجال للشك حول الحضور الايراني على الارض، بعيدا عن هراء رئيس حكومة فاشلة.
ثلاث جهات بحاجة إلى التوقف عندها لاستشراف درجات المناورة في الخطاب، من الديني « المقدس» إلى الكذب والتلفيق والتضليل السياسي مع مراعاة الاختلاف بين الجهات الثلاث. الجهة الاولى هي ساسة النظام الحالي، والثانية هي المرجعية الشيعية، والثالثة هي الادارة الامريكية برئاسة دونالد ترامب. 
بالنسبة إلى الجهة الاولى، لكل نظام سياسي لغته. وتكون اللغة المستخدمة في الخطاب السياسي، الأكثر خضوعا للتلفيق والأكاذيب والتطويع الايديولوجي، والأبعد عن المصارحة والصدق، اذا كان النظام في حالة حرب مع شعبه، لصالح قوى خارجية توفر له الحماية والديمومة، وهي اكثر الحروب انتشارا في منطقتنا. حيث تتداخل فيها مصلحة القوى الخارجية/ المحتل مع « السياسي»، لتكون الحصيلة سلة من المفردات الجاهزة، القابلة للتأويل المختلف، والملونة حسب مقتضيات الحاجة. غايتها الخديعة الاعلامية من جهة ومحاولة الضغط على عصب حساس في جسد الشعب، من جهة ثانية. ومن مصلحة النظام والمحتل، معا، ابقاء العصب حيا او احيائه اذا كان قد ضمر ومات. هذه الآلية في اختيار لغة الخطاب السياسي قد تكون مبنية على استراتيجية بعيدة المدة لدى البلدان الغالبة، تمنح شرائح من شعوبها او ناخبيها، فائدة اقتصادية، تسمح بتبرير الغزو، وتخريب البلدان ( ما دامت بعيدة وأهلها يفتقدون التحضر والديمقراطية!)، كما في الحروب الاستعمارية، أو قد تكون ذات علاقة بنشوء وتنامي مصلحة آنية لشريحة معينة في البلدان المغلوبة على امرها. فتقتضي، في هذه الحالة، مداعبة الحس الشعبوي ( الديني، المذهبي، العشائري، القومي)، أو ادعاء حماية الامن القومي، وتحشيد الناس بكل الاساليب المتاحة لخلق « طائفة» يسود بين افرادها مشاعر التهديد والخوف من « الآخر». وبالامكان تحقيق أقصى نجاح واسرعها فاعلية للهيمنة على البلدان المحتلة، اذا كان « الآخر» من اهل البلد نفسه. هذا ما تستند اليه حكومات الاحتلال، في العراق، منذ ان سلم الحاكم العسكري بول بريمر عصا الحكم بالنيابة إلى أياد علاوي. وعليه أسست الجيش، والميليشيات، وقسًمت مؤسسات الدولة، واستجدت قوات الاحتلال استجداء من ذات الادارة الامريكية التي خربت ونهبت، وزرعت الفتنة الطائفية والفساد، ورعت الارهاب. 
في الجهة المحاذية للساسة، تقف المرجعية الدينية التي تنازعت خطابها مواقف متناقضة تراوح ما بين الصمت المطلق والنطق بلا توقف. حيث اختارت الصمت المطلق ازاء غزو البلد وان تدوس بساطيل المحتل الانكلو أمريكي أرضه. حينئذ، لم تصدر عن المرجعية همسة « مقدسة» ضد فعل التدنيس التاريخي. وهل هناك ما هو أكثر تدنيسا من غزو الوطن؟ اختارت المرجعية الدينية الصمت حين نهب الغازي ما نهب، ووطأ المدن الموصوفة بـ « المقدسة». ايامها، تم نقل المرجع الاعلى إلى لندن، بسرعة، مغلفا بصمته. للاستشفاء، قيل من قبل أحد الناطقين باسمه. في ذات الوقت، استحضر صوت العلامة جواد الخالصي، قائلا « الاحتلال ليس وجهة نظر»، وارى صورة رجال الدين في أمريكا اللاتينية وهم يقاتلون قوات الغزو الامريكي، وأصغي لموقف « المرجع» البوذي الفيتنامي، قائلا « في كل يوم يمر على الحرب، تزداد الكراهية في قلوب الفيتناميين وفي قلوب من يملكون حسا انسانيا، ويجبر الأمريكيون حتى أصدقاءهم على أن يصبحوا أعداءهم. ومن الغريب أن الأمريكيين الذين يحسبون بعناية إمكانيات الانتصار العسكري، لا يدركون أنهم في هذه العملية يتكبدون هزيمة نفسية وسياسية عميقة. إن صورة أمريكا لن تكون أبدا صورة الثورة والحرية والديمقراطية، بل صورة العنف والعسكرة». كلمات « المرجع» البوذي هذه، قرأها « المرجع» الامريكي القس مارتن لوثر كينغ في اجتماع حاشد، ألقى فيه واحدا من اكثر خطبه ادانة لغزو بلاده لفيتنام، مفككا الخطاب الامريكي السياسي – الدعائي الذي يبرر الغزو وتدمير فيتنام وقتل الشعب الفيتنامي، قصفا وحرقا، بحجة محاربة الحزب الشيوعي. هذه المواقف الانسانية، من أكبر فعل ارهابي شهدته بلداننا وأشعل فتيل النار باعتراف حتى من ساهموا بارتكابه، لم تزر دار المرجعية العراقية يوما. ما قامت به، ويا ليتها التزمت الصمت، هو اصدار فتوى للجهاد ضد « الآخر»، وتوزيع مفاتيح الجنة مجانا، لتسبب مقتل آلاف الشباب، غير المدربين، بعد ان تم زجهم في معركة دموية دفعوا حياتهم ثمنا فيها. وبدلا من محاولة ايجاد حل انساني، ايا كان فحواه، لايقاف ماكنة الموت والدمار، وايقاف دورة الانتقام وتمزيق الوطن، بتنا نستمع، كل اسبوع، إلى ممثل المرجعية، الجالس بصحن الحسين، بكربلاء، بعيدا عن جحيم المعركة، وهو يطالب بـ» ادامة زخم المعركة مع داعش فان مضى الف علينا ان نرسل إلى ساحة المعركة الفا اخرين»، متماهيا بذلك مع «داعش» التي تدفع افرادها إلى معارك الموت جهادا ووعودا بحور العين، هي الأخرى. 
السؤال المهم هو: من هو المنتصر الحقيقي في هذه الحرب؟ بين أكاذيب رئيس الوزراء بعدم وجود قوات أجنبية مقاتلة على أرض العراق تضليلا للشعب لئلا يتساءل عن الثمن الذي سندفعه مستقبلا لهذه القوات الباقية بعد « الانتصار»، وحماس المرجعية لتغذية الموت بـ» ألف آخرين «، والتكهن بولادة سريعة لمنظمة ارهابية أخرى، يبدو ان الانتصار سيكون، ولو إلى حين، من نصيب امريكا التي تثمن حياة كل جندي من جنودها ولا ترسلهم إلى ساحة المعركة بالآلاف، بل وبات على الانظمة التي تطلب حمايتها ومساعدتها ( لقصف شعبها كما هو حال العراق) ، ان تتحمل «مزيداً من العبء» في مكافحة المتشددين، مع الالتزام بـ «خفض تكاليف الدماء والثروة الأمريكية في مكافحة الإرهاب»، حسب استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجديدة لمكافحة الإرهاب. ولسنا بحاجة إلى ذكر من هو الخاسر في هذه الصفقة.

٭ كاتبة من العراق

 

 

تبادل الأكاذيب بين الادارة

الأمريكية والنظام العراقي

هيفاء زنكنة

 

اعلنت القيادة العسكرية الأمريكية، يوم الاحد، عن مصرع جندي أمريكي قرب مدينة الموصل. وتناقلت وكالات الانباء الخبر، بعد اضافة جملة «ولم يذكر البيان أي تفاصيل أخرى». وهي مسألة تستحق الانتباه لأن مقتل أي جندي أمريكي، عادة، نشر تفاصيل أسمه ووحدته وتفاصيل حياته منذ الولادة حتى الموت، لتبقى ذكراه، خلافا لمواطني البلدان المحتلة المتعمد نسيانهم إلى حد الالغاء، راسخة في اذهان الجميع. فما الذي أستدعى التغيير او على الأقل تأجيل اصدار التفاصيل؟ 
هناك أولا مسألة التوقيت. حيث الادارة الأمريكية مشغولة بذكرى مرور 100 يوم على تنصيب دونالد ترامب رئيسا، وما أثاره الرجل حتى الآن، كاستعراضي من الدرجة الاولى، يستدعي التعامي عن سقوط العسكر الأمريكي في البلدان التي تم بيعها، إعلاميا، إلى العالم، كمحطات بارزة في طريق الهناء الديمقراطي. العراق السعيد هو أحد هذه البلدان. النقطة الثانية، هي ثنائية انسحاب ـ إعادة قوات الاحتلال. فاذا كان الرئيس الأمريكي السابق باراك اوباما قد عمل على اجلاء القوات من الباب، عام 2011، وابقاء «مستشارين ومدربين وقوات خاصة»، واعادة اعداد منها، تدريجيا، من الشباك، فان اعادتها إلى العراق، حاليا، لاتزال مستمرة، بشكل جرعات. حيث تقوم وزارة الدفاع (البنتاغون)، بالاعلان، بين الحين والآخر، عن ارسال 200 جنديا مرة، وارسال 400 او 600 مرة أخرى، كلما رأت الوضع يخرج من بين يدي الادارة، حتى وصل عدد قوات الاحتلال، بترحيب حار من النظام العراقي وساسته الذين جلبوا طاعون الاحتلال أساسا عام 2003، أعلى نسبة لهم منذ عام 2011. 
عند مراجعة الزيادات المعلنة، يلاحظ ان هناك غموضا يحيط بالعدد الحقيقي لقوات الاحتلال الأمريكي المتواجدة على الأرض في العراق. فالبنتاغون، حسب الموقع العسكري الأمريكي «آرمي دوت كوم»، لا يعلن، عادة، عن كل القوات المرسلة بحجة ان أرسالها مؤقت وليس دائما، وما هو مؤقت لا يتوجب الاعلان عنه. وكما هو معروف، يخضع مصطلح «مؤقت» للاستخدام وفق الاستراتيجية العسكرية لانجاز مهمة ما وليس حسب المدة الزمنية. هكذا اصبح تواجد قوات الاحتلال الأمريكي بغطاء التحالف الدولي، منذ سنوات، مثلا، مؤقتا، بحجة مساعدة العراق في محاربة الإرهاب (كنا نظن ان العراق يساعد أمريكا في محاربة الإرهاب!!) وتدريب القوات العراقية. 
يشمل ذلك القوات الموجودة في قواعد عسكرية مثل قاعدة عين الاسد، في محافظة الانبار، غرب العراق، والقوات الخاصة، والمرتزقة، بالاضافة إلى 1500 جندي من المزمع وضعهم على الحدود العراقية الكويتية. مما سيرفع عدد قوات الاحتلال إلى 10 آلاف، من مختلف الوحدات بضمنها المارينز، حسب صحيفة « ميليتري تايمز» المتخصصة بالشأن العسكري الأمريكي. وكانت الصحيفة قد أكدت مشاركة 100 من القوات الخاصة الأمريكية في القتال، على الارض، مع القوات العراقية، في معركة الموصل، وهم يرتدون الزي الاسود، تماشيا مع زي قوات النخبة العراقية. 
 هذه الأرقام لا تشمل المتعاقدين الذين تخفى أرقام المقاتلين منهم بين سجلات الحراس، والسواق، والميكانيكيين، والطواقم الطبية في الميدان و القواعد، ومجهزي الطعام والعتاد والعدد المتزايد من طواقم الطائرات المسيرة والروبوتات. هذا اضافة لحراس السفارات والقنصليات وملاكاتهم التموينية والميكانيكية المحسوبين على ملاك وزارة الخارجية، وعددهم يعادل عدد الديبلوماسيين. لذلك تتراوح تقديرات عديد الوجود العسكري الأمريكي في العراق بين الـ20 إلى الـ 30 الفا. 
ومن المفهوم أن ارقام الفرق الخاصة، مثل ما يسمى بالـ«ديلتا» والـ«نيفي سيلس»، واماكن وجودها تبقى سرية حسب القانون وطبيعة العمل، لكن من المشروع التكهن ان نسبة عالية منهم، وقد وصل عددهم تحت ولاية اوباما إلى الـ 70 الفا، هو في العراق وسوريا بدون إعلان. 
قد يظن البعض ان هذه المعلومات التفصيلية، على اختلاف الارقام، تؤكد للجميع بما لا يقبل الشك، ان القوات الأمريكية موجودة لا بشكل مستشارين ومدربين، فقط، بل انها تشارك في القتال الفعلي جوا وأرضا، وما مصرع عدد منهم، واعلان وزارة الدفاع الأمريكية عن مقتل أربعة جنود بين عامي 2015 و2016، غير دليل أضافي على الحقيقة. إلا ان هذه الحقيقة، تبدو غير كافية لرئيس الوزراء حيدر العبادي كلما وقف في حضرة الكاميرا، اسبوعيا، ليتفوه بأكاذيب تفوق من خلالها على سلفه الذي بات موضع اهزوجة « كذاب نوري المالكي كذاب». 
ففي 19 آذار/ مارس 2017، اي بعد أعوام من تواجد القوات الأمريكية على الارض، استمع العراقيون إلى العبادي قائلا: «القوات التي تقاتل داعش على الأرض هي قوات عراقية فقط». ويبدو انه استمرأ الكذب، فأضاف: أن «هناك بعض الحاقدين يقومون بالترويج كذبا لوجود جنود اجانب يقاتلون على الاراضي العراقية». وكان قبل ذلك قد تغلب حتى الادارة الأمريكية في فبركاتها الدعائية، حين استقبل وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، في 20 فبراير/ شباط، وأكد له مبتسما «ان لاوجود للقوات الاجنبية على ارض العراق»، وكأن الجنود الأمريكان من أبناء عمومته ودينه ومذهبه. 
واذا كانت وزارة الدفاع الأمريكية تكذب او لا توفر بشكل روتيني معلومات حول قدرات او قوات او مواقع او تحركات القوات داخل او خارج العراق «من اجل الحفاظ على المفاجأة التكتيكية وضمان الأمن التشغيلي وحماية القوة» وفقا لما ذكره المتحدث باسم البنتاغون لصحيفة «لوس أنجليس تايمز»، فما هو سبب هطول أكاذيب العبادي المفضوحة إلى حد الابتذال على الشعب العراقي الذي يدعي تمثيله؟
 هل هي الاستهانة بعقول الناس وافتراض الغباء المطلق أم انه بات، وهو ليس الوحيد بين ساسة النظام، يصدق نفسه و«كلامه المثقوب» كما يقول نزار قباني. وما كنا سنضيع الوقت بمتابعة أكاذيب الادارة الأمريكية وساسة «العراق الجديد» لولا انها تكلف الشعوب حياة أبنائها بالمئات، يوميا، وتقودها من كارثة إلى أخرى، لتصبح مسؤوليتنا رصد انعكاسات الأكاذيب على الشعوب وتوثيقها، لئلا نسقط في أحبولة تسويق الشعارات والرطانة الشعبوية، بحجة مكافحة الإرهاب، بلا تمحيص.

٭ كاتبة من العراق

 

 


تحرير الموصل…

البضاعة الأكثر مبيعا في الأسواق!

هيفاء زنكنة

 

لعل اكثر المفردات شيوعا في ضباب الحقبة الزمنية التي نعيشها، ومنذ ان قررت الولايات المتحدة، تبني سياسة المحافظين الجدد في شن الحرب على كل من تراه « ليس معها»، هي مفردة الإرهاب وما يصاحبها من اسماء وصفات تراوح في التصريحات والاجندات واجهزة الإعلام ما بين «الحرب» و»القضاء» و»دحر» و»هزيمة» الإرهاب. 
في هوة «محاربة الإرهاب»، سقطت الحكومات العربية الواحدة بعد الاخرى، قبل غيرها من الدول، لتجذب معها إلى مياه الايديولوجيا الآسنة الاحزاب والتيارات التقليدية العربية. صارت الطمغة التي يفتخر بها كل نظام عربي هو تسابقه لاثبات ولائه لمرجعية القوة العسكرية الأمريكية. أما الاحزاب المعروفة، تاريخيا، بعدائها للامبريالية والهيمنة والاستغلال الاقتصادي، المتفاخرة باستقلالها عما تسميه «النظم الرجعية الفاسدة»، فقد نزعت جلدها لتتعرى مزهوة بعرض محاسنها للمستعمر الجديد، على أمل السماح لها بالتقاط الفتات. من بين الفتات، التقطت الاحزاب، في العراق مثلا، الطائفية والعرقية، لتنافس الاحزاب والتيارات، حديثة الولادة، المؤسسة على الطائفية والعرقية. فمن الذي يتجرأ على الوقوف خارج خيمة «الحرب على الإرهاب»، غير الإرهابي القاعدي الداعشي؟ لم يعد «من ليس معنا هو ضدنا» شعارا بل واقعا تمارسه الانظمة وملحقاتها لصالح القوى الخارجية، لكتم انفاس من يتجرأ على التساؤل او المبادرة بتقديم البديل. هذا هو جوهر التحالف الدولي، المكون من 66 دولة برئاسة أمريكا، بضمنها أنظمة عربية، تخوض حربا ضد شعوبها بتهليل أو، في احسن الاحوال، صمت الاحزاب «الوطنية»، مما يشرعن، في كل لحظة قصف، ابادة الشعوب تجويعا وقتلا.
من كان يتصور اننا سنعيش في زمن يتم فيه حرمان مدينة عربية من الماء ولا يخرج الناس إلى الشوارع احتجاجا على حصار شعب يتم تنفيذ حكم الاعدام به امام انظار العالم؟ ما الذي يجعلنا صامتين لا نرى ولا نسمع ؟ هل هو قمع الحكام المستبدين واحتماؤهم بدروع القوى العظمى، من أمريكا وبريطانيا إلى روسيا، واستخذاء الاحزاب المحلية والقوى الاقليمية بالاضافة إلى حملة الترويع والترهيب بان من ليس معنا هو إرهابي بالضرورة؟ ام انها العوامل كلها مجتمعة؟
أهل حلب بلا ماء، بلا حياة. لم يعد كافيا الحصار والقصف بالبراميل المتفجرة والتجويع. حتى المياه باتت خطرا على النظام السوري وحلفاء «الحرب على الإرهاب». المنظمات الإنسانية تحذر من انتشار الاوبئة وغارات النظام وحلفائه لا تميز بين المدنيين والمقاتلين، بين البيوت والقواعد والمستشفيات. ومن بين صراخ الاطفال والنساء المحاصرين، نسمع صوت رئيس بعثة أطباء بلا حدود في سوريا، مذكرا العالم بأنه «لا يوجد مكان يمكن للمصابين والمرضى يذهبون إليه على الإطلاق. انهم يتركون للموت». 
أهل الموصل الفيحاء، شمال العراق، يقصفون يوميا تحت ذات الشعار: محاربة الإرهاب. لا احد يعرف بالضبط عدد الضحايا من المدنيين نتيجة قصف المدينة المكتظة بالسكان. فالقوات الأمريكية لا تحصي غير جنودها والنظام العراقي غير معني بحياة المواطنين وما قد يخدش سمعة حلفائه الغربيين والإيرانيين. وروسيا، التي يحرص اليساريون على التغاضي عن دورها في كوارث تقسيم المنطقة، حريصة على استعادة دورها كقوة عظمى ولتذهب الشعوب إلى الجحيم. أهل الموصل، مدينة العلم والروح الوطنية، يعرفون جيدا معنى العقاب الجماعي، فقد ذاقوه على ايدي قوات النظام العراقي قبل دخول مقاتلي الدولة الإسلامية في حزيران 2014، ثم عاشوا تفاصيله تحت وحشية الدولة الإسلامية وقصف قوات التحالف اللا انساني، الذي استخدمت خلاله، حسب صحيفة الواشنطن بوست، 23 أيلول/سبتمبر، استنادا إلى صور ومقاطع فيديو نشرها البنتاغون، الفسفور الابيض وهو مادة حارقة محرمة دوليا وتم استخدامها، باعتراف قيادة الاحتلال الأمريكي، اثناء قصف مدينة الفلوجة، غرب العراق، عام 2004. وهاهي نذر عقاب جماعي آخر تلوح في الافق القريب.
الكل يتحدث عن «تحرير» الموصل. البضاعة الاكثر مبيعا في سوق النخاسة السياسية. من الرئيس أوباما إلى رؤساء الدول الاوروبية ووزراء الخارجية إلى ساسة العراق وإيران، خاصة وان التنافس على الهيمنة على اقتسام العراق على أشده، ولكل جهة اتباعها وقواتها ومستشاريها. أصبح عدد «المستشارين» الإيرانيين والأمريكيين والبريطانيين وبقية حزمة التحالف عشرات الآلاف.
ومع تزايد ذعر السكان مما ستحمله الايام المقبلة من حملة انتقام على ايدي المتقاتلين ووصول ميليشيا الحشد الشعبي، يزداد عدد وزراء الدول « الحليفة»، والقادة القادمين إلى بغداد ليؤكدوا لشعوبهم، انهم مشاركون لاغنى عنهم في الحرب على الإرهاب، وان بقيت القيادة العامة بيد البنتاغون، الذي تبجح الناطق بإسمه ان عشرات الآلاف من طلعات الطيارت بلا طيار لتصوير الموصل توفر لهم خرائط تفصيلية بدقة 3 أقدام لكل المدينة، أي بدقة المتر الواحد، أي أنهم اصبحوا ادرى بالمدينة من أبنائها الذين لم يعودوا اكثر من ظاهرة جانبية في لعبة النابالم والفسفور والاجهزة الالكترونية المدمرة.
وزيرة الدفاع الالمانية، التقت رئيس الجمهورية لتناقش «التحضيرات لمعركة الموصل ودحر الإرهاب». وأعلن وزير الدفاع البريطاني بأن عملية محاصرة الموصل، يفترض أن تبدأ «خلال الأسابيع القليلة المقبلة، تمهيدا لتحريرها».
أما قائد القوات المركزية للقوات الأمريكية فقد تنقل ما بين بغداد وأربيل متعاملا معهما كبلدين منفصلين (كردستان والعراق) بجيشين منفصلين (قوات بيشمركه كردستان والقوات العراقية) ورئيسين لا يمثل احدهما العراق (فؤاد معصوم والبارزاني). كانت مهمته «بحث تفاصيل خطة تحرير الموصل» و»التنسيق مع الجيش الأمريكي في العملية». 
الملاحظ أن ايا ممن سيساهمون بـ»دحر الإرهاب» لا يتطرق إلى مصير المدنيين، وتشير كل الدلائل إلى ان «تحرير الموصل» سيماثل «تحرير» العراق عام 2003، بنتائجه الكارثية لكثرة الاصابع المنغرزة، وعنجهية ومطامع منفذيها، ونظرتهم الدونية إلى الشعب العراقي. ولعل أفضل مثال على صفاقة من يدعون الحرص على حقوق الانسان والديمقراطية، هو ممثل الامين العام للأمم المتحدة في العراق جورجي بوستن، مؤكدا (24 أيلول)، في بغداد، ان «التجربة الديمقراطية في العراق تعد فريدة من نوعها». فاذا بي أسمع صوت مغنينا الراحل عزيز علي، واصفا بغداد، البستان رائع الجمال والعطاء، وكيف غدت تحت الاحتلال البريطاني «يا وسفة عليها اليوم وكر غربان».

٭ كاتبة من العراق

 

 

مادلين اولبرايت

تطفو فوق الموصل

هيفاء زنكنة

 

في الأشهر التي سبقت غزو العراق عام 2003، أطلقت منظمات انسانية دولية، التحذير تلو التحذير، عن كارثة انسانية مقبلة سيعيشها المدنيون إذا ما تم شن الهجوم العسكري بدون الأخذ بنظر الاعتبار حياة المدنيين. لم تصغ الدول العظمى صاحبة القرار، أو الدول العربية التابعة لها، اذ لم تكن حماية المدنيين ومستقبلهم من اولوياتها، وأقصى اهتمام أولته للضحايا، عبر سنوات الاحتلال، وتنصيب حكومات محلية تحمي مصالحها، هو اعتبار المدنيين « ضحايا ثانويين» في مخطط يستحق التضحية بالملايين، ان اقتضى الأمر. ليطبقوا بذلك مقولة مادلين اولبرايت، وزيرة الخارجية الامريكية في فترة الحصار، في التسعينيات، بأن محاولة تغيير نظام صدام حسين، نعم، يستحق موت نصف مليون طفل عراقي. 
نعيش، هذه الأيام، استنساخ سياسة اولبرايت، بمستويات متعددة. بين ايدينا، اليوم، تحذير أصدرته لجنة الصليب الاحمر الدولي، في 29 تموز/ يوليو، عن استعداد ما يسمى بقوات التحالف، بقيادة أمريكا، والقوات العراقية من جيش وأمن، وميليشيات الحشد المدعومة ايرانيا، لاسترداد مدينة الموصل، ثاني مدن العراق، من تنظيم الدولة الاسلامية، موضحة بان العمليات العسكرية (معظمه قصف جوي)، ستؤدي إلى اجبار نحو مليون شخص إلى النزوح من ديارهم في الاسابيع والاشهر المقبلة، مما سيتسبب في مشكلة انسانية كبرى، آخذين بنظر الاعتبار ان هناك 10 ملايين عراقي يحتاجون إلى مساعدات انسانية الآن، منهم 3 ملايين ونصف المليون من النازحين الذين سيرتفع عددهم بشكل كبير عند انطلاق عملية استرداد الموصل، حسب روبير مارديني، المدير الاقليمي للجنة الدولية للصليب الاحمر في الشرقين الادنى والاوسط.
اثار مارديني، في تصريحه، ايضا، قضية معاملة الفارين من الاقتتال، ووجوب معاملتهم بشكل انساني. وكانت قوات النظام وميليشيات الحشد الشعبي، من بينها حزب الله وعصائب الحق وقوات بدر، قد اعتقلت وعذبت اعدادا من الفارين بالاضافة إلى قتل واختفاء المئات من سكان الفلوجة والصقلاوية، ويبقى مصير الكثيرين مجهولا حتى اليوم. والأدهى من ذلك، اساءة معاملة النازحين ومعظمهم من النساء والاطفال الذين تم فصلهم عن الرجال، وقصف مخيماتهم، التي من المفترض أن تكون محمية من الدولة. وكانت المنظمات الانسانية قد حذرت مما سيجري بناء على سيناريو « التحرير» السابق الذي انجزته قوات النظام والميليشيات في مدن أخرى. وها هي ذات المنظمات تصدر تحذيرها، من جديد، وسط اجواء النزاع المحموم حول السماح بدخول الميليشيات مدينة الموصل، بالاضافة إلى القصف الجوي « التحالفي»، خاصة بعد ان هدد قائد ميليشيا عصائب أهل الحق أن «من يعترض على مشاركة فصائل الحشد الشعبي في معارك التحرير سيسحق بالأقدام ولا يلومن إلا نفسه». وأعلن العميد أيرج مسجدي، المستشار الأعلى في الحرس الثوري الإيراني، السبت الماضي إن بلاده ستشارك رسميا في معركة الموصل، وأكد وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي دور ايران وانها « تقدم الدعم للقوات الامنية العراقية بصورة مباشرة وغير مباشرة من اجل تطهير الموصل». مما يعني، باختصار شديد، ان كل من هب ودب من الدول العظمى إلى الدول الاقليمية والميليشيات والمنظمات الارهابية التابعة لها، سيتنافس على «تطهير» و « تحرير» مدينة الموصل.
ولكن، ما هو رأي اهل الموصل انفسهم، بعيدا عن ساسة الحكومة الذين يدعون تمثيلهم، وعن اجهزة الاعلام المطبلة للحرب العالمية على الارهاب ( أمريكا وحلفائها) وتلك المقسمة، اقليميا حسب معادلة سنة – السعودية – شيعة – ايران، ومحليا، وفق محاصصة شيعة – سنة – اكراد بدون ذكر لبقية ابناء الشعب؟ 
صوت اهل الموصل غير مسموع، ايضا، بسبب القمع وتكميم الافواه الذي يمارسه ارهابيو «الدولة الاسلامية»، وألا يسمح بتمرير اية معلومة خارج نطاق اجهزة اعلامها، الا فيما ندر. هناك مثلا حوالي ثلاثة مواقع فقط، يخاطر اصحابها بحياتهم لنقل يوميات الرعب التي يعيشها اهل الموصل بالاضافة إلى الاتصالات الهاتفية الحذرة مع الاهل بالموصل. وتتغربل الصورة اكثر حين يتمكن احد السكان من الهرب ويختار الحديث، بشكل علني، عما يحدث. الصحافية هبة نزار واحدة ممن اختاروا الحديث بعدما اتهمها تنظيم الدولة الاسلامية بـ»الردّة»، ونجحت في الهرب من مدينتها الموصل. في مقابلة مع صحيفة « المدن» الالكترونية، تحدثت بالتفصيل عن بطش التنظيم، وكيف يحكم المدينة بالشفرة والسكين وما تتعرض له النساء من قيود لا علاقة لها بالاسلام. كما تحدثت عن استشراء الخوف مشيرة إلى ان اهالي المدينة لا يعانون من التنظيم فحسب بل ومن قصف التحالف الذي « يؤدي غالباً إلى كوارث». ففي إحدى المرات « دمّر القصف 25 منزلاً. تخيّل! حصلت كارثة في المدينة تشبه أحداث 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة. يومها ضرب التحالف مخازن للأسلحة وسط الأحياء الشعبية. انفجرت المخازن وبدأت الإنفجارات تتتالى لتدمّر كل شيء. يومها قامت المدينة ولم تقعد. لم يتحدث الإعلام عمّا حدث في ذلك اليوم. كنا نُقتل ونُذبح وسط سكوت الجميع». وحين سئلت هبة عن صحة مايقال بأن اهل الموصل لا يثقون بأحد، أجابت بمرارة تفطر القلب وليس لدي ما اضيفه عليها: « أعتقد أن هذا صحيح. لقد تركَنا العالم لمصير أسود بين الوحوش. يسألون اليوم ان كان أهل المدينة سيتعاونون مع الحشد الشعبي في حال دخوله. لا أظن هذا. تريد الناس دخول قوات جديدة إلى المدينة كي تفسح لهم مجالاً للهرب. لم يعد هناك أي مجال للثقة والناس متأكدة أنه في حال ذهب «داعش»، من الممكن أن يأتي ما هو أفظع منها في المستقبل».

٭ كاتبة من العراق

 

 

ما هي مسؤوليتنا

بعد تقرير تشيلكوت؟

 

هيفاء زنكنة

 

بعد مخاض اسطوري، استغرق سبع سنوات، صدر تقرير تشيلكوت عن شن الحرب على العراق، عن اسبابها وانعكاساتها على بريطانيا بالدرجة الاولى. منذ اصداره، حتى اليوم، كتبت عنه مئات المقالات، عرضا وتحليلا، في بريطانيا بشكل خاص، وعالميا بشكل عام، مع تغطية صحافية قليلة، نسبيا، من قبل اجهزة الإعلام العربي وتجاهله عراقيا إلا فيما ندر.
أعتبر الإعلام العراقي الرسمي التقرير المتعلق بغزو واحتلال العراق وانعكاساته الكارثية على الشعب، على كل المستويات، أمرا يعني بلدا آخر لم تسمع به الحكومة والساسة، واذا ما حدث وسمعوا عنه فأنه بقى بعيدا عن اهتماماتهم. وكما صرح العديد منهم قائلين: «اصبحت القضية من الماضي»، أي انهم أعتبروا مرور 13 عاما على الغزو والخراب اليومي المستمر، ماضيا لا يستحق حتى المراجعة أو التفكير، في ذات الوقت الذي لا يزالون يتنازعون فيه، بشراهة مصاصي الدماء، على خلافة يعتبرونها لم تحسم منذ ما يزيد على 1400 عاما. وماذا عن احتلال فلسطين؟ هل أصبح قضية من الماضي؟ 
بالنسبة إلى الإعلام غير الرسمي، كتب عدد من الصحافيين من داخل وخارج العراق، مقالات استعرضوا، في معظمها، التقرير بـ»حيادية» الموتى، أو كما وصف الكاتب الايطالي جيانريكو كاروفيجلو مرافعة نائب عام « تحدث لمدة 40 دقيقة بشكل مرتب ولم يقل شيئا». 
المفارقة هي ان افضل التحليلات والتغطية الإعلامية عن التقرير هي التي نشرت ونوقشت، باستفاضة، في البلدان التي ساهمت بالاحتلال، خصوصا بريطانيا. قد يكون منبع ذلك الاحساس بأن الحرب كانت عدوانية، ومبنية على اكاذيب اختلقها رئيس الوزراء السابق، بالتحالف مع أمريكا، كما دلت التظاهرة المليونية التي سبقت شن العدوان، وكانت اكبر مظاهرة في تاريخ بريطانيا، أو مراجعة من ساندوا الغزو، لأنفسهم، بعد ان تبينت لهم تكلفة الحرب البشرية والاقتصادية، أو بعد ان خلق الاحتلال حاضنة للإرهاب تمتد إلى اكثر من بلد عربي وتصل بآثارها إلى قلب الدول الغازية، أو لحرصهم على مؤسساتية الدولة وسيرورة اتخاذ القرار على أعلى المستويات وضمان العمل ضمن القوانين المحلية والدولية. أدى طرح هذه الاسباب اما منفردة او بشكل متداخل إلى اعادة النظر، من جديد، في اسباب الغزو وتفكيك حجم المسؤولية والنقد الذاتي للسياسة الخارجية الاستعمارية، وكما ذكر المرة تلو المرة، لتتجنب بريطانيا ارتكاب ذات «الخطأ» مستقبلا. وذهب جيرمي كوربين، رئيس حزب العمال، أبعد من ذلك حين وقف معتذرا من الشعب العراقي ومن عوائل الجنود البريطانيين الذين قتلوا بالعراق، مع الإشارة بانه سيواصل عمله في تحميل توني بلير مسؤولية اتخاذ القرار الكارثي. 
المهم، ان نشر التقرير، بالاضافة إلى تثبيت ما كنا نعرفه عن لا شرعية الغزو والاسباب الحقيقية للاحتلال، كسر حاجز الصمت على ما يجري في العراق، اليوم، نتيجة الاحتلال من قتل، وتهجير قسري، وتطهير ديني ومذهبي من قبل حكومة طائفية فاسدة بحجة الحرب على الإرهاب، وتسويق النظام باعتباره ديمقراطيا ممثلا للشعب.
ما هي الخطوة التالية؟ كيف سنتمكن كمثقفين وحقوقيين وإعلاميين وناشطين، سواء كنا داخل البلد أو خارجه، من اتخاذ خطوات عملية تؤسس لتقديم المسؤولين عن الغزو والاحتلال للمحاكمة والمطالبة بالتعويضات استنادا إلى أن قرار غزو العراق تم من دون أسس قانونية كافية؟ نقطة الانطلاق هي توثيق القضايا بشكل قانوني، مما يعني تنسيق العمل بين المواطن العراقي (أو مجموعة مواطنين) صاحب القضية مهما كانت (قتل، اختطاف، تعذيب، تهجير…الخ) والمحامي (أو الهيئة) المختص بالقانون العراقي ـ البريطاني ـ القانونين الإنساني الدولي وحقوق الإنسان الدولي. يشكل وجود المحامي ـ رجل القانون ضرورة مطلقة لأننا، ككتاب وناشطين، سنكذب إذا ما أدعينا قراءة مجلدات تقرير تشيلكوت وفهم مصطلحاته القانونية. وان كان هناك، حسب علمي، عدد من القضايا الفردية والجماعية الموثقة، كما تدل ملفات محكمة كوالامبور الرمزية لجرائم الحرب (تشرين الثاني/نوفمبر 2011 ) ومركز جنيف للعدالة الدولية، بالاضافة إلى وجود محامين عراقيين ودوليين مستعدين لمواصلة العمل. الوجه الثاني للعمل، هو عدم السكوت على جريمة الغزو والاستمرار بتذكير العالم بما يحدث للعراقيين جراءها. هنا تكمن مسؤولية المثقف والإعلامي والناشط المدني، وهي مسؤولية أخلاقية تجعل من الصمت تسترا ومشاركة في جريمة ابادة لم تعد تحتمل الصمت أو «الحيادية» أو خلق التبريرات الآنية والتاريخية. فالاحتلال ليس وجهة نظر والكولونيالية، باشكالها الجديدة، كما شخَص المفكر فرانز فانون، ليست نموذجا للعلاقات الفردية بل هي احتلال لأراضي قوم واضطهاد شعب. انه ليس تصرفا انسانيا. 
لقد اصاب رشاش جرائم الاحتلال، وما خلقه من إرهاب، كل العراقيين، ويهدد الوطن بالتفتت مجتمعيا، والتقسيم أرضا، ومن اجل من تبقى من كل العراقيين، علينا العمل، بكل السبل الممكنة والمتاحة، على مقاضاة المسؤولين عن الجرائم بضمنهم من عمل مع الاحتلال قبل الغزو وبعده من السياسيين العراقيين، ومن تستر ولا يزال على جرائمه بعد الغزو. ولا بد أن يخضعوا في نهاية الأمر للمساءلة والعدالة كحال اسيادهم الاستعماريين والطامعين الإقليميين. وان توجب التركيز، حاليا، على ابقاء قضية العراق حية لدى الرأي العام العالمي، لئلا يتم تغييبها سياسيا وإعلاميا، والعمل اليومي لاستثمار الكوة التي فتحها تقرير تشيلكوت، وهو بالمناسبة افضل مما توقعنا، من خلال استمرارية العمل مع المنظمات المناهضة للحرب (مؤتمرات وندوات ومقابلات إعلامية) ودعم خطوة عوائل الجنود البريطانيين القتلى في مقاضاة توني بلير كمسؤول عن مقتل ابنائهم. هذه خطوات حثيثة، نحن نعلم جيدا بانها لن ترفع عن كاهل اهلنا عبء الكوارث اليومية، بشكل فوري، إلا انها تعطينا الامل بمستقبل تتحقق فيه العدالة، قانونيا، وتضع حدا لدائرة العنف
والانتقام الذي زرعه الاحتلال.

٭ كاتبة من العراق

 

 

وقائع حياة الببغاء

في الإعلام البريطاني

 

هيفاء زنكنة

 

وصفت واحدة من اشهر مستشاري شركات العلاقات العامة، ببريطانيا، انتقائية الاعلام البريطاني في تغطيته للاخبار المفجعة، في انحاء مختلفة من العالم، بأنها تغطية خبر «الببغاء». وهو مصطلح لم اكن قد سمعت به سابقا. يعنى ان أي خبر يخص بلدا غير بريطانيا، ولو أدى الى تغيير النظام في بلد ما، أو سقوط الضحايا بالعشرات، لن يحظى بذات التغطية الاعلامية التي من الممكن ان ينالها فيما لو كان بين الضحايا ببغاء بريطاني. فوجود الببغاء البريطاني في موقع الحدث، وسرد قصة حياته، ولون ريشه، واصله وفصله ومماته، أو فوزه في مسابقة التقاط حبات عباد الشمس مع نشر صورته، هو الذي يستحوذ على اهتمام الجماهير وبالتالي يمنح الخبر قيمة «انسانية» استثنائية، ويوفر له انتشارا واسعا. 
تبدو نظرية «الببغاء» الانتقائية، ولنطلق عليها مصطلح «الببغائية» بأوضح صورها، عند متابعة الاخبار والبرامج السياسية التي تبثها الاذاعة البريطانية (البي بي سي)، مسايرة بذلك الأجندة السياسية الرسمية. حيث تتلاحم الببغائية مع الأجندة السياسية، بمهنية عالية، لتتسرب الى جمهور المستمعين، طوال ساعات البث، رسالة مغلفة بـ»الموضوعية والحيادية». 
هذه الرسالة هي التي ترسخ في اذهان المستمعين، عموما، خصوصا اذا كانت ذات علاقة بدول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، اي كل البلدان غير الاوروبية التي لا يعرف عنها البريطانيون الكثير، خلافا لما هو شائع عن الاطلاع المعرفي الغربي . وتحظى البلدان العربية، بحصة الأسد، في انتقائية الاخبار المبثوثة عنها، أو الاخبار التي يتم التعتيم عليها، كما هو حال العراق وفلسطين وسوريا واليمن، ما لم يتم استهداف أو اختطاف بريطاني، أو بلوغ اعداد ضحايا القصف والتفجيرات حدا لا يمكن السكوت عنه، مع مراعاة القاء اللوم على اهل البلد انفسهم وحجب أو تمويه الاسباب الحقيقية. فأهل هذه البلدان لا هم لهم غير الاقتتال والعنف هو لغة الحياة اليومية. قد لا تشير الاخبار بصراحة الى هذه « الحقيقة» الا ان كيفية صياغة الاخبار، وتقديمها، واختيار الساسة المتحاورين، وتخصيص الوقت، ومن الذي يحظى بالكلمة الاخيرة، هو الذي يرسخها، في أذهان المستمعين، لصالح «حيادية» السياسة البريطانية بل ودفاعها عن الشعوب والديمقراطية وحقوق الانسان. 
تمتد مظلة التعتيم الاعلامي لتشمل تقارير منظمات حقوق الانسان الدولية ومراعاة توقيت تقديمها بما يتماشى مع السياسة الخارجية البريطانية بالاضافة الى استخدامها، احيانا، كأداة ضغط على حكومات بلدان معينة.
فالتقارير الحقوقية الدولية بشأن العراق، مثلا، وانتهاكات حقوق الانسان اليومية فيه، وسقوط الضحايا نتيجة القصف سواء من قبل امريكا أو النظام، لا يتم التطرق اليها، لأن مشاركة بريطانيا في الغزو والاحتلال، وخطابها الرسمي ينص على انهم «حرروا» العراقيين وساعدوهم على تأسيس «الديمقراطية». والديمقراطية الوليدة، حديثا، حسب التعبير البريطاني المتداول، بحاجة الى وقت كاف لتنمو. ما لا يذكره الخطاب الرسمي، ان ديمقراطية سياسة الحرب على الارهاب، التي فرضت على العراق استنادا الى حفنة اكاذيب أمريكية – بريطانية، سببت، حتى اليوم، مقتل ما يقارب المليون ونصف مواطن اما بشكل مباشر او غير مباشر، وخربت البلاد، وزرعت فتنة الطائفية، ووفرت الارضية الخصبة لنمو التنظيمات الميليشياوية / الارهابية، وأسست الفساد العام الشامل من أعلى مستويات الحكومة حتى أدناها. وهذا ما اثبته تقرير تشيلكوت الذي صدر أخيرا عن شن الحرب على العراق، بعد سبع سنوات من التحقيق. الى متاهة الاكاذيب التي فككها تقرير تشيلكوت، تضاف التقارير المحلية والاتهامات المتبادلة بين ساسة « العراق الجديد»، عن حجم الخراب الذي ساهموا في تأسيسه واستشرائه طائفيا وفسادا. من بينها تقرير اللجنة الماليّة النّيابيّة، الصادر منذ ايام، عن تهريب حوالي (312) مليار دولار منذ عام 2006 إلى الشهر التّاسع من عام 2014، استناداً على البيانات والإحصاءات الموجودة عند اللجنة. خبر كارثي كهذا، حجما ومسؤولية وانعكاسا على علاقة بريطانيا والعراق، لم يحظ ولو بثانية واحدة من الاذاعة البريطانية « الحيادية المستقلة» على الرغم من ان حوالي 200 مليار دولار تم تهريبها الى الخارج، وقد تكون بريطانيا محطة رئيسية لاستقبال هذه الاموال. 
لا تقل معالجة اخبار البلدان العربية الاخرى، انتقائية وازدواجية معايير عن العراق، خاصة فلسطين المحتلة. فنعومة التعامل وكيفية اجراء المقابلات مع المسؤولين الاسرائيليين، حتى في عز حصارهم وقصفهم واغتيالهم الفلسطينيين، لم تعد خافية على أحد. ادى تعالى اصوات الاحتجاج على تغطية مأساة الفلسطينيين وفسح المجال للتبريرات الاسرائيلية الى اجراء تحقيق مستقل في حيادية البي بي سي. أوضح تقرير اللجنة أن «المحتوى الذي تقدّمه الهيئة فشل في رصد الصراع العربي- الإسرائيلي، بموضوعية، وبدلاً من ذلك عرض صورة منقوصة للأحداث، وبالتالي أصبحت التغطية في نهاية المطاف مضللة وخادعة»، و»إن تغطية الهيئة لا تعكس حجم التحدّيات والممارسات الوحشية التي يعانيها الفلسطينيّون تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي» وتقديم صورة تغيب عنها حقيقة التباين بين الوضع الفلسطيني والاسرائيلي اذ «أن أحدهما مسيطر والآخر يعيش تحت الاحتلال». 
لقد ساهم الاعلام البريطاني الرسمي (الاعلام الغربي عموما بحاجة الى الرصد) في تسويق احتلال العراق ومن قبله في شرعنة فرض الحصار عليه، مستخدما مفردات ومصطلحات على غرار التحرير بدلا من الاحتلال، وقوات التحالف بدلا من قوات الاحتلال، والارهابيين بدلا من المقاومة. كما عمل بجد على الغاء انسانية العراقي عن طريق تحويله الى رقم بلا وجه أو تاريخ، وتشييئه كصورة تغطيها تفجيرات من صنعه هو، لئلا يمكن التماهي معه او التعاطف مع مأساته. مرسخا، في اذهان الجمهور، ان حياة العراقي أقل قيمة من حياة الببغاء.

٭ كاتبة من العراق

 

 

 

كيف جعلوا

الحياة تابوتا في العراق؟

هيفاء زنكنة

 

هل نبالغ حين ننظر إلى واقعنا، ونرى الخراب وكيف ينعكس على وجه المرأة العراقية، كمدا ورمادا، فلا نكاد نعرفها، فنحمل المحتل ومن حفزه، وسايره في تأسيس الطائفية والعرقية والفساد، مسؤولية كل ما يجري من شمال العراق إلى جنوبه، من شرقه إلى غربه؟ هل تتسع مساحة الورق لسرد جرائمهم؟ كيف جعلوا الحياة تابوتا تحمله المرأة المتسربلة بالسواد، على كتفيها؟ تتساءل الأم والزوجة الموعودة بديمقراطية « العراق الجديد»، عن كيفية تحمل عبء الحياة يوما آخر. عن الفقر واليتامى. عن العثور على جثث الضحايا ودفنهم في الكرادة، النموذج المصغر لتعايش البغداديين. عن مجالس العزاء وملابس العزاء التي باتت زيا موحدا لكل العراقيات. عن التيه بين مخيمات النازحين على خارطة لم تعد تتسع للمزيد، عن أطفال هيروشيما – الفلوجة، المشوهين باليورانيوم، والاجساد الذائبة بالنابالم، عن بغدادنا المجزأة بالجدران الكونكريتية ونقاط تفتيش برجال يمررون الإرهابيين لقاء حفنة دنانير. تقول: كيف سيكون صباحنا، نهارنا، والليل الذي سيحتضننا بساعاته المظلمة؟ كيف اصبح السواد/ الظلام جزءا من جلودنا وملامح وجوهنا؟.
«إنّ قوماً ظالمِينَ، معَمَّمينَ، يطارِدونَ بَياضَ بغدادَ « يقول سعدي يوسف. هل من يوم آخر؟ ماذا عن أحبابنا حين يغادرون البيت إلى المدرسة، إلى العمل، أو لمجرد التسوق أو التمشي كما يفعل بقية البشر.. هل سيعودون أم سيصبحون خبرا في اشرطة الاخبار العاجلة، يذكرون لمدة عشر الثانية ثم يتلاشون؟ اجهزة الإعلام العربية مكتظة وأجهزة الإعلام الغربية تتفرج عن مبعدة. ضحايا تفجير/ قصف آخر؟ قنبلة، انتحاري، سيارة مفخخة، لغم، برميل متفجر، أو لعلها مادة متفجرة غير معلومة، كما قيل لنا أخيرا؟
اذ يواصل أهل ضحايا الكرادة بحثهم عن اجساد أحبائهم المتفحمة، ورائحة الموت يستنشقها الاحياء فلا يعرفون إذا كانوا، هم أنفسهم، لايزالون على قيد الحياة، والنائحات المفترشات ارض الجحيم ينثرن الرماد على رؤوسهن، ويخرج المعزون بحزن جماعي وتضامن يليق بأهل العراق، مطالبين بالتحقيق في الجريمة، يعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي، بعد ان رشقه اهل الضحايا بالحجارة والقناني والنعال، عن ثلاثة ايام حداد، وتمديد عطلة العيد، وتأجيل فتح التحقيق إلى ما بعد عطلة العيد! 
عن أي عيد يتحدث ساسة «العراق الجديد»؟ هل هناك بلد في العالم يتم فيه تأجيل التحقيق بجريمة، مهما كانت بسيطة، إلى ما بعد العطلة؟ فكيف بجريمة حصدت ارواح المئات من الشباب؟ إلا يؤشر فعل التأجيل والاستهانة بحياة الناس، إلى إرهاب الحكومة وميليشياتها أو فسادها وتسهيلها جرائم الإرهابيين ؟ 
هل سمع احدنا عن نتيجة اي تحقيق مستقل أجرته الحكومة منذ عام 2004 حتى اليوم؟ ماذا عن تقرير لجنة التحقيق الحكومية في اقتياد قوات الحشد الشعبي 643 شخصا من ناحية الصقلاوية، قرب الفلوجة، بعد فصلهم عن النساء، ولايزالون مفقودين ؟ ماذا عن ارتكاب قوات الحشد والجيش» إعدامات دون محاكمة وضرب للمحتجزين واختفاء قسري، وتشويه القوات الحكومية للجثث»؟ وكلها جرائم حرب، كما جاء، بتفاصيل موثقة مع شهود عيان ومسؤولين محليين وعمال أغاثة، في تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش «العراق: تكتُّم على سير التحقيقات في انتهاكات الفلوجة: انتهاكات جديدة تكّذب التوصيف الأمريكي بأنها «فظائع معزولة».
يكشف التقرير سيرورة تشكيل لجان التحقيق واعلان نتائجها الملفقة مما يؤكد سبب عدم ثقة المواطن العراقي بكل التحقيقات الحكومية الرامية، واقعا، إلى التستر على الجرائم، وحماية المسؤولين الحقيقيين، غالبا، عن طريق اتهام وادانة الابرياء. 
ففي 4 تموز/يوليو، فتح رئيس الوزراء حيدر العبادي تحقيقا عن الانتهاكات تجاه اهل الفلوجة، بعد ان تعالت استنكارات المنظمات الحقوقية الدولية، ليعلن بعد ثلاثة أيام عن اعتقالات غير محددة و»إحالة المتهمين بارتكاب تجاوزات إلى القضاء لينالوا جزاءهم وفق القانون». الحقيقة هي ان أيا من المسؤولين العراقيين «لم يوفر اي معلومات عن التحقيقات المزعومة، بما في ذلك توقيف أي شخص واتهامه». وكانت المنظمة قد وجهت اسئلة مهمة إلى الحكومة حول لجنة التحقيق، لم يُجب عنها. هذه الاسئلة هي: من يُجري التحقيقات ومن عيّن المحقّقين؟ هل تشمل ولاية التحقيق مسؤولية القيادة عن الانتهاكات؟ هل يتبع التحقيق لمجلس القضاء الأعلى أم أنه هيئة خارج نطاق القضاء؟ هل يرتكز التحقيق على القانون الجنائي العسكري أو المدني العراقي، وهل يشمل انتهاكات قوانين الحرب والجرائم ضد الإنسانية؟ كم تحقيقا فُتح حتى الآن وما النتائج؟ هل كانت هناك اعتقالات؟ إن وُجدت، فما رُتب ووحدات المتهمين، وما التهم؟ هل ستُعلَن النتائج والتوصيات النهائية؟
ماذا بعد الكرادة ؟ كيف نضع حدا للمجازر المقبلة، خاصة بعد ان بشرنا المسؤولون الأمنيون أن «تحرير المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم داعش الإرهابي لا يعني انتهاءه»؟ كم مرة تم الاعلان عن نهاية الإرهابيين الذين جلبهم الاحتلال، من القاعدة والزرقاوي والقاعدة الثانية او الدولة الإسلامية في العراق سابقا، وفي كل مرة تتعاظم التفجيرات ليقولوا انها نتيجة ضعف الإرهاب وتراجعه؟ أليس هذا أسلوب غسل اليدين من المسؤولية؟ مسؤولية نظام فاسد، حفر خندق الطائفية المقيتة، ولا يجد حرجا في حرق المواطنين كلهم، بلا تمييز، حماية لمصالحه. 
لم تعد الطائفية لباسا يستر عورة النظام. يوم الجمعة الماضي، طالب المتظاهرون، بتحقيق دولي ونددوا بالطائفية، كان رد النظام اطلاق الرصاص الحي واستخدام الغاز المدمع. عشرات الآلاف وقعوا على عريضة تطالب بالتحقيق الدولي أيضا. التحقيق، سواء كان محليا أو دوليا، حل آني ضروري احتراما لقيمة الانسان، وتطمينا لنفوس أهالي الضحايا، وخلق الأمل بوجود حل عادل للجميع. يجب اجبار النظام على التحقيق في جميع الجرائم والانتهاكات، من قبل أي طرف خلال الصراع، من داعش والميليشيات والقوات الخاصة، بسرعة وشفافية وفعالية، وبشكل مستقل، لتتم محاكمة من تثبت مسؤوليتهم الجنائية، وصولا إلى أعلى المستويات المسؤولة.

٭ كاتبة من العراق


 

 

خطر انقراض

الناشط السياسي التقليدي

 

هيفاء زنكنة

 

عشرات الايميلات تصلنا، يوميا، من أشخاص أو منظمات تدعونا للتوقيع على هذه الحملة أو تلك. تتراوح أصناف الحملات ما بين الاجتماعية البيئية كالدعوة الى حماية الحيتان الى السياسية كادانة جرائم الاستيطان الاسرائيلي والمطالبة باعادة الاستفتاء حول انضمام المملكة المتحدة الى السوق الأوروبية المشتركة، في اعقاب التصويت الشعبي لصالح الانسحاب، وبفارق يزيد على المليون صوت. جمعت حملة المطالبة باعادة الاستفتاء، التي تم اطلاقها بعد يوم من اعلان النتائج، على ما يزيد على الاربعة ملايين صوت خلال اسبوع واحد، بينما تجمع في ساحة الطرف الأغر، وسط لندن، بعد توجيه النداء للخروج الى الشارع، ويوم العطلة الاسبوعية، آلاف المحتجين، اي اقل بكثير من الموقعين على العريضة الألكترونية. فهل يؤشر هذا الى قرب انقراض عصر الناشطين المجتمعيين/ السياسيين وأساليبهم التقليدية التي تعتمد على التظاهرات والاعتصامات وتوزيع المنشورات، في الطرق العامة، وكل ما له صلة بالفضاء العام، بالاضافة الى سيرورة الاعداد وما يرافقها من مناقشات تؤدي الى التضامن الاجتماعي والاحساس بالتقارب السياسي والفكري والانساني عبر البلدان؟ كما رأينا من اعتصام البريطانيين المناوئين لسياسة التمييز العنصري في جنوب افريقيا( 1986 – 1990) ، واعتصام براين هٌو، الذي نام في الشارع مقابل مبنى البرلمان البريطاني، كل يوم بلا انقطاع، على مدى عشرين عاما ( 2001 – 2011)، حتى وفاته، احتجاجا على سياسة بريطانيا العدوانية ضد العراق، وبعد ان رأى معاناة الاطفال العراقيين تحت الحصار. هل يؤشر هذا، أيضا، الى احتضار أو موت الاحزاب السياسية التاريخية وأذرعها من المنظمات المجتمع – مدنية ؟ 
الصورة غير واضحة بعد، اذ تتداخل عوامل النجاح والاخفاق الى حد كبير. قد لا تنطبق نتائج الرصد على بلداننا، تماما، فنسبة مستخدمي الانترنت لاتزال قليلة نسبيا، قياسا بالغرب، اما لأسباب لوجستية كانقطاع التيار الكهربائي أو اقتصادية، أو الرقابة الأمنية وانعدام حرية النشاط السياسي مما يؤدي الى اعتقال وسجن الناشطين، ويجعل اطلاق الحملات السياسية على الانترنت محفوفة بالمخاطر، وأن بدرجة اقل من العمل السياسي المباشر، مهما كان سلميا. الا ان رصد تغير طبيعة النشاط السياسي في عصر الانترنت وما افرزه من اساليب جديدة، في الغرب، ضروري ومهم لأن تأثيره يمسنا بشكل مباشر وغير مباشر، بحكم تجاوزه حدود القرية والمدينة والبلد الى العالم المفتوح، ومهما كانت تحفظاتنا عليه. فمن ايجابيات النشاط السياسي عبر الانترنت، نجاحه في تجميع اكبر عدد ممكن من الناس، وبسرعة مذهلة، تماثل المعجزة مقارنة باساليب التواصل القديمة. وقد لاحظنا ذلك في المظاهرات المناوئة للحرب على العراق التي تم انطلاقها يوم 15 شباط / فبراير 2003، وقبل اسابيع من شن الحرب، لتصبح المظاهرة الكونية الأكبر، حيث جمعت ستة ملايين شخص عبر اكثر من 800 مدينة، في جميع ارجاء العالم، والاكبر في تاريخ بريطانيا كله بمليوني متظاهر بلندن، تحت شعار « ليس باسمنا». ساعدت زيادة اللجوء الى الإنترنت على توسيع الحركات الاجتماعية، والوصول الى اكبر عدد من الناس، وزيادة الوعي بما يدور كونيا، مؤدية الى ارتفاع نسبة الشفافية في العمل السياسي، اذ ما ان يتم بث معلومة على الانترنت، حتى يكاد يكون من المستحيل اخفاء الامر أو منع انتشاره، وان تمكن السياسيون، في الانظمة الفاسدة والمستبدة، من استنباط طرق جديدة لاخفاء الحقيقة عن شعوبهم. فاذا كانت الويكيليس بنشرها الملفات والايميلات المتبادلة بين الساسة والدبلوماسيين، على الانترنت، قد فضحت خفايا واسرار انظمة وساسة، الا ان هذه الجهات سرعان ما باتت تتوخى الحذر في استخدام الإنترنت كأداة للاتصال، وشرعنت القوانين لحماية مصالحها. 
السؤال الملح هو مدى فاعلية عرائض العالم الافتراضي، غير المتجسد في الشوارع وتحت انظار المسؤولين، وان تم توقيعها من قبل مئات الآلاف أو الملايين؟ تشير البحوث الى ان فاعليتها، في المجال السياسي، محدودة وأن لوحظ تحقيق بعض النجاح في الحملات التي تدور حول قيم ومتطلبات الحياة الشخصية والموضوعات «الناعمة». بل ان الحكومة البريطانية تعهدت رسميا بالنظر في مطالب الحملات اذا ما وقعها مئة الف شخص، خاصة اذا كانت الحملة تستهدف بلدانا بعيدة، ولا تؤثر جوهريا على الحسابات السياسية الآنية. كما ان استلام الحكومة للعريضة لا يضمن تنفيذ المطالب. واذا كانت مساندة منع صيد الفيلة، في افريقيا، مقبولة بل وقد تدعم من قبل الحكومة البريطانية، مثلا، الا ان وقف الحرب المخطط لها منذ عقود على العراق مستحيل، وان تظاهر ملايين الناس ضده، كما هي حملة مناهضة بناء المستوطنات في فلسطين المحتلة، وان وقع عليها الملايين. 
تؤثر على فاعلية الحملات عوامل عدة، من بينها: مدى وعي الناس بالقضايا السياسية والعامة والقدرة على التمييز ما بين النشاط الدعائي التحريضي والنشاط المرتبط بحياة الناس وطموحاتهم في تحقيق العدالة الاجتماعية. يساعد الوعي على فهم طبيعة عمل منظمات باتت متخصصة في مجال اطلاق الحملات السياسية، على غرار « آفاز» اي الصوت و«تشينج» أي التغيير. وهي منظمات تستقطب الملايين، من جميع انحاء العالم، وتدعي، على مواقعها الالكترونية، تحقيق بعض النجاحات. وهي تشجع اعضاءها على اقتراح الحملة التي يرغبون بشنها، مما يجعلها، عرضة للانتقاد لكونها تتصرف مثل سوبرماركت تديره مجموعة، همها الاول جذب الزبائن لتسويق بضائعها. وعلى الرغم من اعتراف الجميع بايجابية تطور العمل السياسي بوجود الانترنت الا ان هناك اصواتا تدعو الى التوازن بين التواصل عبر الانترنت مع التواصل البشري مما يعني، في الواقع، تمديد حياة الناشط السياسي، على الارض، الى حين. ومن الواضح ان النضال من اجل الحقوق الوطنية والحياتية، وهي جوهر مفاهيم العدالة والكرامة الإنسانية، سينتج مع الزمن استخدامات تنمي قدرات الناس، وتفرض على الدول، وعلى السياسيين ومن يدعمهم، الإلتزام الأكبر بما يدعونه وما يسطرونه في برامجهم أو قوانينهم.

٭ كاتبة من العراق تقيم في لندن

 

 

ما هو الفرق

بيننا وبين تنظيم الدولة؟

 

هيفاء زنكنة

 

ما هو الفرق بيننا وبين داعش إذا تخلينا عن اهل الفلوجة ؟ هذا ماقاله كارل شمبري، من المجلس النرويجي للاجئين ، الذي يعمل على مقربة من مدينة الفلوجة ، ضمن حملة المجلس لمساعدة نازحي الفلوجة، الذين بلغ عددهم 85,000 منذ 23 مايو/أيار. جاء تساؤل كارل في مقابلة مع برنامج « اليوم» ، راديو 4 ، البي بي سي الانكليزي ، بعد ان شرح الوضع المأساوي للنازحين وكيف هربوا من القتال والقصف المكثف ، ليواجهوا جحيم الموت عطشا وجوعا تحت درجة حرارة تجاوزت الاربعين مئوية. « ستصبح درجة الحرارة خمسين مئوية، خلال الايام المقبلة، ونحن غير قادرين على توفير الماء والطعام والدواء بالاضافة إلى الخيام للنازحين»، حذر كارل، مستطردا : « التقيت بأقارب أمرأة غرقت هي وأطفالها وهي تحاول عبور النهر هربا ، وأخرى أصيبت بطلق ناري فقتل طفلها الذي كانت تحمله بين ذراعيها» . وحين سألته مقدمة البرنامج عمن يعنيه بقوله «نحن»، اجاب بنفاد صبر : « كلنا . جميعا. المجتمع الدولي والمنظمات الانسانية ومنظمات المجتمع المدني. كلنا مسؤولون عن تقديم المساعدة لانقاذ حياة النازحين بأسرع وقت ممكن «. 
لم يشر كارل، إلى المسؤولية المشتركة للنظام العراقي والامريكي والميليشيات والقوات الايرانية ومن يقابلها من مقاتلي الدولة الإسلامية، فاولوية المساعدة الانسانية ، حتى في أشد مناطق الحروب شراسة، هي لحماية المواطنين وتوفير المستلزمات الحياتية الاساسية ، لحين انتهاء القتال . وليس كما يفعل النظام وشركائه، من اعتقال وتعذيب وقتل للنازحين الذين يتهمهم مسبقا بالإرهاب. 
ان ما يتعرض له اهل الفلوجة من انتقام ، سيتسرب إلى الموصل ، كما تشير الدلائل المستخلصة من عمليات « التحرير»، التي مارسها النظام ، في المدن الأخرى ، وهي السمة الاساسية لساسة النظام منذ تسنمهم السلطة. حيث باتت مفردة التحرير تعني ، عمليا، إبادة المدن وتهجير اهلها، ضمن استراتيجية تحويل العراق إلى دويلات رسمت خرائطها منذ تسعينيات القرن الماضي. ان ضرورة التأكيد على تحميل النظام العراقي المسؤولية الأولى فيما يحدث وحدث يعود إلى عدة اسباب، اهمها: ان مسؤولية اية حكومة ، خاصة من تدعي الديمقراطية بمعنى تمثيل الشعب، هي حماية الشعب. ولا يوجد قانون محلي او دولي، ينص على حماية فئة وتجريم ومعاقبة فئة أو فئات أخرى. هذه ممارسات عصابات أو تنظيمات إرهابية ، ولسنا بحاجة للنقاش حولها. 
النقطة الثانية هي مسؤولية الحكومة الممثلة للشعب عبر الانتخابات ( تذكروا ان الشعب العراقي لم ينتخب داعش كما ان داعش لا تدعي تمثيل العراقيين) حماية الدولة بمؤسساتها، وصيانة سيادة الدولة أرضا وجوا وحدودا، والا يتركها عارية، مستلبة، منهوبة، يطأها القاصي والداني بحجة الدفاع عن أمن دولة اخرى ضد الإرهاب، كما هو تبرير التدخل الامريكي، أو الدفاع عن وجود « مراقد مقدسة» ، كما هو التبرير الايراني. وكأن المراقد المقدسة، لكل الأئمة والاولياء ، لم تكن مقدسة، في قلوب وذاكرة كل العراقيين، عبر تاريخهم. وكأن الموروث الثقافي للشعب العراقي ، وهو لا يختلف بذلك عن بقية شعوب المنطقة، لا يكرّم حتى عين الماء التي حدث وشرب منها أحد الأولياء ذات زمن، أو الشجرة التي استراح بظلها ، فترى خرق النذور الخضراء (العلاَّقات) معلقة عليها ويزورها الناس، من اماكن بعيدة، للدعاء والتبرك والشفاعة ويحترم تلك العادات ويحميها بقية الناس الذين لا يمارسونها بأنفسهم.
في ظل إرهاب النظام وشركائه، بلغت معاناة أهل الفلوجة الباسلة حدا دفع العديد من منظمات حقوق الانسان إلى وصف ما يتعرضون له بالابادة وجريمة ضد الانسانية. من بينها مركز جنيف الدولي للعدالة، الذي اصدر، أخيرا، تقريره « الفلوجة: من داخل مذبحة الإبادة»، بين فيه حال النازحين من أهل الفلوجة استنادا إلى الاتصالات والرسائل التي يتلقاها المركز من اعضائه داخل العراق ومن خلال توثيق شهادات النازحين وتجميع اسماء المعتقلين والمغيبين والقتلى من النازحين، حيث « تمادت الميليشيات في جرائمها فراحت تعدم المئات من الأبرياء الذين لجأوا اليها، وتمثّل بجثثهم، بل انها أحرقت البعض وهم احياء، ودفنت آخرين وهم احياء ايضاً».
يشير التقرير إلى الجرائم التي ارتكبت في ناحية الصقلاوية، قرب الفلوجة، ايام 2 و3 و4 حزيران / يونيو، حيث اقتادت الميليشات عدداً كبيراً من الشباب والرجال الذين التجأوا اليها هرباً من المعارك واخضعتهم للتعذيب ، ثم اعدمت بدم بارد ، حسب ما تؤكدّه شهادات موثّقة للأشخاص الناجين، ما بين 200 إلى 300 شخص. وتلقى المركز تقارير تؤكد وقوع مجزرة ارتكبتها الميليشيات في منطقة (الزركة) الواقعة بين الفلوجة والصقلاوية. حيث هاجمتها يومي الخميس 3 والجمعة 4 حزيران/يونيو واعتقلت اكثر من 300 مواطن أعدمت 150 شابا منهم. وأقتيد الآخرون إلى جهة غير معلومة ولا يعرف مصيرهم لحد الآن.
الملفت للنظر في التغطية الإعلامية العراقية و العربية للجرائم المرتكبة بحق الفلوجة نقلها الببغائي لتصريحات الساسة العراقيين وقادة التحالف الدولي، التي تقلل من حجم الجرائم وتصفها بانها ممارسات فردية، او استثنائيّة. بينما تثبت الشهادات الموثقة لدى المركز بأن « الانتهاكات تُرتكب على نطاق واسع ومن معظم الميليشيات المشاركة في العمليات العسكرّية وباسناد ومشاركة فعليّة من الوحدات العسكرية والوحدات الأمنيّة وقادتها، وبعلم وسكوت المسؤولين السياسيين». 
وقد اضطر محافظ الأنبار صهيب الراوي للاعتراف بما ذكرته المنظمات الدولية عن إعدام 17 رجلا وإختفاء 600 في الصقلاوية، على الرغم من محاولات رئيس الوقف السني تبييض وجه النظام عن طريق الوقوف أمام الكاميرات وسؤال مئات المعتقلين المحاطين بالحرس عما إذا عوملوا بقسوة ، ليسمع بعد لأي ما يريده إعلاميا من أناس جل همهم البقاء على قيد الحياة. 
لئلا تتكرر الجرائم في مدن ومحافظات أخرى بذرائع تتغير حسب الحاجة ويكون المتضرر الاول فيها هو المواطن ، ولكي يكون هناك فرق حقيقي بين حكومة تمثل الشعب وتنظيم لا يمثله ، ولوضع حد لدائرة الانتقام الأعمى، قدم مركز العدالة عدة توصيات إلى المجتمع الدولي، منها: ايفاد لجنة تقصّي حقائق دوليّة، مستقلّة إلى العراق للتحقيق في جميع الإنتهاكات، تعيين مقرر خاص لحالة حقوق الإنسان ،حلّ ميليشيا الحشد الشعبي، والتوقف فوراً عن أي تعامل معها، وتفعيل الإجراءات القضائية ضد المتورطين بالجرائم والمتواطئين معهم.

٭ كاتبة من العراق

 

 

الدراسات العراقية المعاصرة:

مسؤولية المثقف في السنوات العجاف

 

هيفاء زنكنة

 

في خضم الأحداث المأساوية التي يعيشها العراقيون، يوميا، وتدهور مستوى الخدمات الأساسية المرتبطة بأولويات حقوق الانسان، ومنها في مجال التعليم، يبدو أن فتح كوة صغيرة من الأمل، مسؤولية لا يمكن للمثقف، ان يغض النظر عنها، لئلا يجهض احتمال ان يكون هناك مستقبل، ولئلا يموت الناس كمدا. فسحة الأمل التي أود الأشارة اليها، فيما يخص الوضع العراقي، هي اصدار عدد خاص من المجلة الدولية للدراسات العراقية المعاصرة ( IJCIS )، بمناسبة مرور عشرة أعوام على تأسيسها والصادرة عن «الرابطة الدولية للدراسات العراقية المعاصرة».
أسس الرابطة مجموعة من الأكاديميين والناشطين العراقيين والعرب والغربيين، بدعوة من بروفسورجاكلين اسماعيل وبروفسور طارق اسماعيل، وتم اللقاء الأول، عام 2004، بلندن، حيث تم الاتفاق على تأسيسها ووضع برنامجها واهدافها، ولعل أهمها: أن ترعى الرابطة الدراسات والبحوث المختصة بالشأن العراقي من اجل بناء الجسور بين الاكاديميين العراقيين من داخل وخارج العراق مع الجامعات ومراكز البحوث والدراسات الاجنبية، واستنادا إلى الرغبة في احترام القيم الاكاديمية الهادفة إلى فهم اعمق لعراق موحد، ديمقراطي، تعددي وغير طائفي.عراق مستقل من الاحتلال وأي تدخل اجنبي.
وجاء اصدار المجلة المحكمة أمرا مسلما به وضرورة اقتضتها الحاجة إلى تغطية نقص واضح، في الاوساط الاكاديمية، يعنى بالدراسات العراقية المعاصرة. وكان أحد اهداف الهيئة والدورية، معا، ومنذ البداية تشجيع المساهمات الأكاديمية العراقية العربية، ليكون للصوت العراقي، بحثا وتحليلا ومحاولة فهم لما يجري في العراق، موقعه العالمي، وأن يكون للصوت العراقي حضوره ورؤيته، وعدم اقتصار تمثيله على الغربيين فقط، مما اتاح مجالا، يفتح لأول مرة، أمام الأكاديميين والباحثين العراقيين، لرأب الصدع الأكاديمي/ المعرفي الذي بات ميزة لا تنكر بينهم وبين الأكاديميين، في بلدان أخرى، نتيجة سنوات الحصار والحروب والأحتلال الانكلو أمريكي وما صاحبه من استهداف منظم للعلماء والاكاديميين، حيث أغتيل ما يزيد على 400 أكاديمي وتربوي « للقضاء على النخبة الفكرية بما قد يشكل عملية ابادة للتعليم»، حسب هانز فون سبونيك، المبعوث السابق للامم المتحدة في العراق. 
المفرح في اصدار العدد الخاص من الدورية المحكمة، بالاضافة إلى غناها الاكاديمي البحثي المعرفي، هو مثابرة المؤسسين لها جاكلين وطارق اسماعيل (جامعة كاليغوري)، ورئيس تحريرها الحالي بروفسور ويليام حداد (جامعة كاليفورنيا)، التي لم تضعف على الرغم من تراجع الاهتمام السياسي العام بالعراق، بل والرغبة في نسيان وجوده، المنعكس بالتالي على الاوساط البحثية الاكاديمية ذات الارتباط الوثيق بالمنح والمساعدات المادية من المؤسسات ذات العلاقة. يفسر بروفسور رايموند بيكر، وهو أحد مؤسسي الرابطة، الصمت المحيط بالجرائم التي ارتكبت ضد العراق، ثقافيا وبشريا، بضخامة البؤس البشري الذي فرض عمدا وحجم الدمار الثقافي، ووجود مشروع تم التخطيط المسبق له لتنفيذ الدمار، بالاضافة إلى تلوث العلوم الاجتماعية السائدة، أكاديميا، باوهام التنمية والتحرر الامبريالي، مما يجعل من المستحيل اجراء تحقيق علمي منهجي اجتماعي في جريمة دولية سببت تدمير دولة قائمة وتقويض مؤسساتها الثقافية. 
لم تقتصر المثابرة على الدورية، وهي الوحيدة المختصة بالشأن العراقي، عالميا، بل وصاحبها الاصرار على مواصلة عقد مؤتمرات الرابطة، رغم الصعوبات المادية والتنظيمية، خاصة فيما يتعلق بحضور الاكاديميين العراقيين الذين يعانون من عرقلة أو استحالة الحصول على فيزا من العديد من بلدان العالم، ولو كان خروجهم للمساهمة في مؤتمر أكاديمي، مما يعيق التطور المعرفي وبناء الجسور مع الاوساط الاكاديمية. ويثير موقف عدم منح الفيزا للاكاديميين العراقيين المرارة، خاصة، إذا كان صادرا من بلد مثل مصر، يقدم نفسه للعالم كحاضنة للفكرالعربي والعروبة، وكما حدث عند انعقاد المؤتمر الأخير للرابطة في مصر، وهو موقف مماثل في سياسته لكيفية تعامل السلطات المصرية مع الفلسطينيين، ومنع تواصلهم مع العالم الخارجي. 
عقدت الرابطة خمسة مؤتمرات، كان أولها في لندن،2005، وآخرها بالقاهرة في 2015. تم فيها تقديم دراسات مختصة عن الشأن العراقي من قبل اساتذة وباحثين من جميع انحاء العالم من عراقيين وأوروبيين وعرب. كان من بين محاور المؤتمر الأخير الأقتصاد، القوى التقدمية بالعراق، استهداف الثقافة العراقية، الأدب والذاكرة في العهد الملكي، السينما والسياسة في الداخل والخارج، التعليم العالي والمجتمع المدني، العراق والولايات المتحدة والحرب على الإرهاب، بالاضافة إلى مائدة مستديرة حول امكانيات وصعوبات النشر الأكاديمي.
ان استمراية بقاء الرابطة ونجاح المجلة الأكاديمية المبني كله على العمل التطوعي البحت، لقلة من الاكاديميين العراقيين وغيرهم، يرينا، نموذجا بسيطا، لامكانية القيام بانجازات مهمة وبعيدة المدى، تخدم الصالح العام، العراقي والعالمي في آن واحد، مع تبني موقف سياسي سليم يضع صالح الشعب العراقي وتقدمه المعرفي بالدرجة الاولى. وهو ليس بالامر المستحيل إذا ما توفرت النية الصادقة. كما يدفعنا عمل الاكاديميين جاكلين وطارق اسماعيل، إلى تصور ما كان في امكان الاكاديميين العراقيين القيام به من انجازات في كافة مجالات المعرفة، لو توفرت لهم حكومة وطنية مخلصة تمثلهم وتدعم مبادراتهم، لا ان تستهدفهم بالقتل والتهجير تنفيذا بالنيابة لمخططات المحتل في انهاء الدولة وتفكيك مؤسساتها بأنواعها.
وهذا ما يلخصه ريموند بيكر في دراسة له نشرت في مجلة رابطة الدراسات: «فالمحتلون سواء كانوا من الروس او الالمان او الفرنسيين او الاسرائيليين أو الأمريكيين، فهموا، وفي كل مكان، ان انهاء الدولة سواء في بولندا او الجزائر او فلسطين او العراق، يعني الهجوم على الطبقة المثقفة. ان العلماء واساتذة الجامعات والشعراء هم تجسيد لافكار وذكريات ومشاعر انسانية تجمع حياة الامة في قلوب وعقول الشعب. لذلك يلوح اغتيال المثقفين في الافق، دائما، عندما يسير المحتل القوي نحو انهاء الدولة».

٭ كاتبة عراقية

 

 

رئيس الوزراء العراقي

)شريك ممتاز لأمريكا(

هيفاء زنكنة

 

بات مشهد حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي، ببزته العسكرية التي ترتديه، جزء لا يتجزأ من الحملة الاعلامية المكثفة لما يسمى بعملية تحرير الفلوجة. وهي المرة الأولى التي يظهر فيها العبادي بالزي الزيتوني الغامق كقائد عام للقوات المسلحة وان كان قد ظهر، في العام الماضي، في استديو قناة حزبه الفضائية المسماة « آفاق»، كبروفة، مرتديا زي المغاوير المرقط ومزينا حزامه بمسدس. يأتي ظهوره بالزي العسكري ليتماشى مع اعلانه الهجوم على مدينة الفلوجة المحاصرة، بذريعة تحريرها من قوات الدولة الاسلامية (داعش). 
سبق العبادي في ارتداء الزي العسكري، وقت الفشل السياسي، الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. وان كان الأخير قد خلع الزي حينا بحجة التمثيل السياسي ثم عاد الى ارتدائه حين بانت هزالة موقعه بدون الزي وشاراته. فالزي العسكري، بالنسبة الى الحكام العرب، المتفوقين، بامتياز، في تحويل شعوبهم الى وقود حروب طاحنة، بالنيابة عن القوى العظمى ولحماية مصالحهم، له دلالات كبيرة، خاصة عندما يزينون صدورهم بالشارات والرموز الملونة الدالة على مشاركاتهم في حروب، الكل يعلم بعبثيتها وانتصاراتها الوهمية. عموما، يبدو الهدف من ارتداء الزي العسكري من قبل القيادة السياسية لأي بلد هو رفع معنويات الجنود ومنح القوات الطاقة للدفاع عن الوطن والولاء له وحثه على التضحية في ساحة المعركة. 
هل تنطبق الصورة على العبادي؟ 
من الواضح ان من أسدى له النصح، من مستشاريه، بارتداء الزي العسكري والهجوم على الفلوجة، قد توخى تحسين صورته التي باتت تثير غضب المواطنين ومحط اهانة، في ساحات الاعتصام والمظاهرات، باعتبارها رمزا للنظام الحالي وعمليته السياسية المحتضرة، لعدة اسباب ورث بعضها من أسلافه، سدنة معابد الاحتلال، وساهم هو بتكريس بعضها الآخر بنفسه . لننظر الى عشرة من الاسباب الداخلية المتطورة عضويا منذ الإحتلال والمتسارعة التطور تحت ولاية العبادي.
أولا: عدم وجود دولة بالمعنى الحقيقي بمؤسسات وجيش وقوانين نافذة. ثانيا: الحكومة منخورة بالفساد، والطائفية، وصراعات الوزراء (واقاربهم) وقيادات الاحزاب والمنتفعين منهم . ثالثا: توريط البلد بالديون لعقود مقبلة سواء نتيجة توقيع عقود خدمات الانتاج النفطية أو القروض. اذ وافق، صندوق النقد الدولي، منذ ايام، على إقراض النظام 15 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات بالاضافة الى اقتراضه 1.9 مليار دولار من البنك الدولي قبل شهور بذريعة «تغطية نفقات إعادة إعمار المناطق المحررة من قبضة مسلحي تنظيم داعش». كما كشف السفير الامريكي في العراق ستيورات جونز عن قيمة قرض التسليح الامريكي وقيمته 2.7 مليار دولار بفائدة 4.5 بالمئة لشراء الاسلحة الامريكية. هذه القروض، ستنهب، لامحالة، كما نهبت مليارات الدولارات من قبلها، بينما سيتحمل الشعب عبء تسديدها وفوائدها الباهظة. رابعا: خزينة الدولة اصبحت خاوية، الفتات الباقي فيها، لا يكفي لدفع رواتب من ثم شراء ولائهم بالراتب من ملايين الموظفين والمستخدمين وقوات الجيش والأمن (ثلثهم من الفضائيين باعتراف العبادي)، بالاضافة الى ميليشيات الحشد الشعبي . خامسا: تصاعد الغضب الشعبي مع زيادة الفاقة في البلد المنتج للنفط وانعدام مشاريع التنمية وقتل الصناعة الوطنية. سادسا: سياسة الاقصاء والتهميش والتطهير الطائفي واتهام محافظات بكاملها بانها موالية لتنظيمات ارهابية. سابعا: الصراع السياسي الداخلي بين الاحزاب الطائفية والعرقية، حتى ضمن البرلمان، وما ترتب على ذلك من تشرذم وانسحاب برلمانيين واعتصام عدد آخر داخله. ثامنا: تنامي الخلاف بين التيار الصدري وكتلة الفضيلة وحزب الدعوة وميليشيا بدر مما ادى الى اغلاق مقرات بعضها البعض في المحافظات حسب تقاليد المناطق المغلقة وتبادل التهم بالتبعية لايران او لداعش والبعث واقتحام المنطقة الخضراء. تاسعا : تنامي نفوذ الميليشيات وازدياد عددها خارج القانون بحيث أصبحت اقوى من الحكومة من حيث السيطرة على الشارع وترويع المواطنين. عاشرا: غياب القانون وفساد القضاء جعل كل مواطن عرضة للاتهام بالارهاب مع ما يترتب على ذلك من تعذيب واعترافات مستخلصة جراء التعذيب. 
أما الاسباب الخارجية لهزالة صورة ودور العبادي فبالامكان اختزالها بعامل التبعية المزدوجة لأمريكا وايران وانعدام الولاء الوطني مقابل انتشار مقاتلي الدولة الاسلامية وعملياتهم الارهابية. هذه الاسباب، واستخدام قوات الأمن الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين في نهاية شهر أيار/مايو وقتل أربعة منهم واصابة تسعين آخرين، جعلت الهجوم على الفلوجة، رمز المقاومة ضد الاحتلال الانكلو أمريكي وحكوماته، ضرورة وحربا مقدسة لانقاذ البقية الباقية من ماء وجه العبادي ونظامه، تغطية لعجزه، ودفع خطر ميليشيات الحشد الشعبي عنه وحزبه (حزب الدعوة) بالاضافة الى تحويل انظار المحتجين على الفساد والمطالبين بالاصلاح. فمن يتجرأ على مواصلة التظاهر والمطالبة بانهاء الفساد القاتل «مندس، ينتمي الى جماعات معينة تـنوي القيام بتصعيد خطير في البلاد وهي في حالة حرب» حسب العبادي، وأدى تصاعد الاحتجاجات الى الهجوم على مقرات الاحزاب على تصاعد الاتهامات واستحضار تهم كانت تقتصر على شريحة معينة من ابناء الشعب. تهم على غرار «عصابات الحرس الجمهوري وفدائيي صدام ابان الحقبة البعثية المظلمة» و«جماعات خارجة عن القانون.. تقوم بتنفيذ اجندات خارجية» حسب نوري المالكي، أمين عام حزب الدعوة، و«بعثي أو داعشي»، حسب هادي العامري قائد فيلق بدر الايراني. أما عادل عبد المهدي، نائب رئيس الوزراء المقال، ووزير النفط سابقا، فقد كتب حاثا قوات الأمن على القيام بواجبها تجاه المحتجين» ان تردد القوات الامنية بواجباتها لحفظ امن المواطنين والمصالح والمكاتب بحجة عدم اراقة الدم هو اقصر واسرع طريق لاراقة الدماء». 
«العبادي شريك ممتاز لامريكا … نحن فخورون بشراكتنا مع العبادي»، يتعالى صوت السفير الامريكي بالعراق، متباهيا، وهو ينظر الى العبادي الغائص حتى ركبتيه بدماء الشباب العراقي، «اكثر من 60 ضربة جوية نفذها التحالف خلال الاسبوع الماضي منها 25 في الفلوجة».

٭ كاتبة من العراق


 

 

حصار الفلوجة بين

)مفاتيح الجنة( و)حور العين(

هيفاء زنكنة

 

بدأت صيحات استغاثة المهجرين من مدينة الفلوجة الأبية، المحاصرة، تصل إلى العالم الخارجي، مخترقة جدار الصمت، فجاءت الاستجابة المحلية والدولية، كالعادة، بشكل تصريحات وبيانات استنكار ناعمة، خشية الاتهام بدعم الإرهاب ومحاولة وأد «ديمقراطية» النظام العراقي. يتسابق، في ساحة الدم العراقية، الساسة العراقيون المدربون على الكذب في ورشات الديمقراطية وحقوق الانسان الانكلو أمريكية مع ناطقي البيت الابيض وموالي ولاية الفقيه وخدم الحرمين. 
الساسة العراقيون، المتنافخون شرفا، الذين فتحوا ابواب العراق للاستباحة، كما فتح من سبقهم ابواب القدس ( مظفر النواب)، هم الاكثر مهارة في هذا المجال. الكل يتبرأ من دم يوسف، من دم العراقيين، من دم أهل الفلوجة. الكل يغسل يديه بالكلور المعقم من أشلاء الضحايا الملتصقة بيديه حتى الأبد، راميا مسؤولية الابادة المنهجية المنظمة على «الآخر». يتغير اسم «الآخر» بتغير الحاجة إلى وجوده لاستئصال فئة بشرية معينة. 
الآخر، في سياق الاحتلال وحكوماته الطائفية الفاسدة بالنيابة، متمرد، مجرم، من أزلام النظام السابق، قاعدة، وداعشي. انه إرهابي لايستحق غير القتل، خاصة إذا كان طفلا أو أمرأة. فالطفل سينمو ليصبح إرهابيا بالضرورة، كما تخبرنا سردية التطهير الطائفي والعرقي. أليست نساء الفلوجة نموذجا لمدن تلد اطفالا يصبحون إرهابيين؟ لهذا تم رش المدينة باليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض وجيل جديد من النابالم. التقية تغلف ظاهر الساسة وفي باطنهم رغبة مخفية، بازالة الآخر لأنه سرطان تتوجب ازالته، صرح احدهم قائلا، أنه ثأر يمتد مثل نفق سري مظلم تم حفره منذ 1400 عام، يقول آخر. سنة وشيعة وعلمانيو العملية السياسية، تذوقوا طعم الدم المنسوج بنشوة السلطة، فلا يستطيعون العيش بدونه، يشيرون باصبع واحد متهمين الذئب: انه من أكل يوسف وفي زمن آخر، بعد يوسف بمئات السنين، أنه من أكل ليلى.
تتعالى استغاثة أهل الفلوجة من جحيم آلة القتل الثلاثية. أرضا: مقاتلو الدولة الإسلامية في داخل المدينة وميليشيات الحشد الشعبي خارجها. جوا: القصف الأمريكي. واذا كانت الدولة الإسلامية معروفة باستخدامها المدنيين كدروع بشرية فان الميليشيات والقوات الإيرانية ـ العراقية، المترصدة بالمدنيين عند هروبهم لا تقل إرهابا عمن هربوا منه. انهما، بالنسبة إلى المدنيين، وجهان لعملة واحدة، مهما حاول الساسة تجميل الصورة لصالح العملية السياسية. أما الحكومة العراقية، الموصوفة بالفاشلة حتى من قبل من بزرها، فانها تتأرجح ما بين الولاء للادارة الأمريكية ودولة ولاية الفقيه. الاثنان يفتخران بتدخلهما العسكري المباشر وتعاونهما المعلن، ارضا وجوا، في عملية التطهير المذهبي، والتغيير الديموغرافي، لاعادة رسم خارطة العراق وفق المحاصصة الطائفية والعرقية، تحت غطاء «بطلب من الحكومة العراقية». 
هل سيؤدي احتلال الفلوجة، أو ابادتها، ومن بعدها الموصل، من قبل النظامين الإيراني والعراقي بقصف أمريكي مكثف، وبتواجد الفرقة الذهبية المدربة أمريكيا، وحتى حشد العشائر، إلى التخلص من تنظيم الدولة الإسلامية؟ يخطئ من يظن ذلك، خاصة، وروح الانتقام باتت مغموسة بالدم لدى كل الاطراف، في غياب المساءلة القانونية وتحقيق العدالة، ومع تزايد ضحايا القصف والحصار والتجويع والاعتقال والتعذيب والتهجير القسري، في مناطق دون غيرها، ومع انكماش الروح الوطنية ازاء التكتل السياسي الطائفي والعرقي. ان المحاصصة، بانواعها، التي زرعها المحتل ورعاها ساسة الفساد المالي والاداري معه، تهدد عمق المجتمع العراقي بالتشظي ويزداد التهديد خطورة مع ازدياد عدد الضحايا من ابناء الشعب، ايا كانت خلفيتهم الدينية والمذهبية والعرقية. 
في فلوجة اليوم، حين يحاول السكان الهرب من إرهاب داعش، يواجهون إرهاب النظام. يتم فصل النساء والاطفال عن الرجال الذين يتم اقتيادهم إلى معسكرات الاعتقال. باعتراف حيدر العبادي، رئيس الوزراء بزيه العسكري المفصل اكبر من حجمه، الانتهاكات ضد المدنيين موجودة، ولكنها حالات فردية، يستدرك العبادي. هل هي حالة فردية قتل 13 شابا في الكرمة وتصوير رؤوسهم المقطوعة وتوزيع الافلام على اليوتيوب؟ ماذا عن اعتقال ما يزيد على 600 رجل واقتيادهم، بعيدا عن عوائلهم، إلى معسكرات تعذيب، كما ذكر محمد الكربولي، عضو اللجنة الأمنية بالبرلمان (قناة الحدث) مطالبا بتحديد المسؤولين ؟ ماذا عن مقتل 4 شبان تحت التعذيب ؟ ماذا عن المخفي من الانتهاكات؟ 
بعيدا عن الفلوجة، في مدينة الموصل، غارات التحالف الدولي مستمرة. الضحايا، غالبا، لايذكرون، فقتل 10 مدنيين مشرعن حسب قرار وزارة الدفاع الأمريكية الجديد حول»الأضرار الجانبية للقصف» الذي يقرره القادة الميدانيون، بدون حاجتهم لاستشارة الأعلى منهم.. يقول المتحدث باسم التحالف، ان القصف لا يستهدف غير داعش إلا ان واقع الحال يثبت العكس. تقول زوجة أخي وهي من الموصل: «وصلني امس، الاربعاء، خبر وفاة ابن خالتي (فائز شريف صالح ـ عمره 52 سنة) في المستشفى، بعد ان سقط صاروخ على بيته من قبل قوات التحالف، يوم 1/ 6. أدى الصاروخ إلى تحطيم البيت واصابة عائلته بجروح وكسور وكذلك مقتل 8 اشخاص من بيت جيرانه. كان هناك اكثر من صاروخ على المنطقة قرب مستشفى الخنساء في الموصل وعوائل اخرى قتلوا بالكامل (امرأة تقطعت جثتها عدة قطع والزوج كذلك والطفلة قسمت من بطنها نصفين، وقتلت عائلة اخرى في سيارتهم اثناء توجههم لدخول كراج بيتهم).
أحد ضحايا القصف على منازل الاساتذة، خلف جامعة الموصل، هو الدكتور ظافر رمضان مطر البدراني عميد كلية علوم الحاسوب والرياضيات السابق وزوجته». هل سيحاسب أحد على هذه الجرائم أم ان المجرمين يتمتعون بالحصانة القانونية، لأن قصفهم المواطنين يتم بناء على «دعوة الحكومة العراقية».
ان حرية ارتكاب الجريمة في بلد بلا قانون، تثير الاسئلة أكثر منها تقديم الحلول. ترى ما هو الفرق بين صبيان وشباب الدولة الإسلامية، الباحثين عن الشهادة أو وهم الاستحواذ على حور العين، وبين صبيان وشباب الحشد الشعبي الذين أغوتهم دعوة السيستاني للجهاد الكفائي وفتواه «ان من يضحي منكم يكون شهيداً»، مما يعيد إلى الاذهان صورة الاطفال الإيرانيين الذين كانوا يرسلون إلى الجبهة، اثناء الحرب العراقية الإيرانية، في مقدمة القوات لتتفجر باجسادهم الغضة العبوات، وهم يرتدون مفتاح الجنة حول اعناقهم بعد ان وعدهم «آية الله» الخميني بها ؟ أليسوا هم جميعا ابناءنا؟

٭ كاتبة من العراق

 

الفلوجة… مدن المقاومة لا تباد

هيفاء زنكنة

 

يقال بأن حصار مدينة الفلوجة، الواقعة على مبعدة 60 كيلومترا من بغداد، مستمر منذ عامين. يقال لنا، ايضا، ان من سيدخلها انما يفعل ذلك احسانا، لانقاذها من قبضة منظمة إرهابية تدعى داعش، وأن قصفها، وتهديمها، وتهجير نسائها، وأطفالها، سيحررهم من الحصار والجوع والمرض. هذه أكاذيب تستحق الرمي في حفرة التلفيقات التي ينتجها الساسة العراقيون ويعاد تدويرها إعلاميا. فهي تستند إلى منطق يماثل، في ابتذاله، ادعاء المحتل الصهيوني بأنه حين يستولي على اراضي الفلسطينيين انما يفعل ذلك لانشاء مصانع سيستفيد الفلسطيني من العمل فيها.
الحقيقة هي ان الفلوجة، طالما كانت ولاتزال شوكة في خاصرة الغزاة وحكامه بالنيابة. حصارها ليس وليد اليوم أو العامين الأخيرين، واعلان «تحريرها» شهده التاريخ مرات ومرات. ارتبط ادعاء تحريرها، دوما، برغبة الغزاة والحكام الفاشلين، بعدم قدرتهم على اخضاع أهلها الأباة. 
تخبرنا سردية الغزاة، من مرتزقة أمريكيين وميليشيات إيرانية، بأنهم يحاربون تنظيم الدولة، وأن معقلها هو الفلوجة، ليحموا أمن البلد ومواطنيه مما ينفي، بالضرورة، أولا: عن اهل الفلوجة حق المواطنة باعتبارهم إرهابيين ويشرعن ابادتهم، ثانيا: مما يعيدنا إلى سردية المحتل البريطاني في اربعينيات القرن الماضي ومن بعده الأمريكي، الذي صرح بانه انما جاء محررا وليس محتلا. وتكرار خطاب كهذا يؤكد ان مفهوم «الاحتلال» لم يعد خارجيا فحسب. 
الحقيقة هي، أيضا، ان الغزاة وحكامه بالنيابة يخشون الفلوجة لأنها، ببساطة، مدينة المقاومة التي رفض اهلها الخنوع حين قاوموا أكبر قوة عسكرية في العالم وأنزلوا بها الخسائرالفادحة. رفض اهلها ان يحنوا رؤوسهم ليلعقوا، كما فعل آخرون احذية المحتل الخارجي. ففلوجة المقاومة، التي حاول الغزاة ابادتها باليورانيوم المنضب والفسفور الابيض، وقصفها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بالبراميل المتفجرة، لا تحاصر وتقصف لأنها معقل للإرهاب وداعش. هل كان لداعش وجود في اربعينيات القرن الماضي حين قاوم اهل المدينة المحتل البريطاني، وحين اراد الأمريكان فرض ارادتهم عليهم، فقاتلوها ودفع شبابها حياتهم ثمنا، لا دفاعا عن انفسهم فقط بل عن ديمومة العراق وكرامته ؟ 
تبين حملات التضليل التي تطبخها وتبثها حكومات الاحتلال المتعاقبة، بدءا من حكومة أياد علاوي (علماني) إلى نوري المالكي وحيدر العبادي (كلاهما من حزب الدعوة الإسلامي)، ان هناك سياسة منهجية لمسح الفلوجة وابادة اهلها عن الوجود. فمن التصريحات الطائفية إلى الدعوات الصريحة للتخلص من اهلها الموصوفين حينا بانهم كالسرطان الذي يستوجب التخلص منه إلى الحصار والتجويع والقصف بأنواعه. كل التصريحات تشير إلى ان هناك خوفا مزمنا من المدينة المقاومة اما لوقوفها صامدة امام سياسة تغيير الهوية الوطنية العراقية او لأنها تذكر الساسة الخانعين بعار استخذائهم، اذ قلما يوجد من يرغب ببقاء من يذكره بحقيقته، أو لأنها المدينة المتنافس عليها أمريكيا وإيرانيا، أو لكل هذه الاسباب مجتمعة. 
مزق التدخل الإيراني الواضح في محاصرة وترويع اهل الفلوجة، غشاء التعمية الأخير الذي يتغلف به دعاة المقاومة والممانعة الإيرانية فضلا عن ادعاءات ساستها بأن وجود قاسم سليماني، القائد الفعلي لميليشيا ما يسمى بالحشد الشعبي، انما تم بناء على طلب من الحكومة العراقية. أليس هذا هو بالضبط ما تدعيه أمريكا ؟ ولم لا تشمل الدعوات بقية الدول العربية والإسلامية؟ 
اليوم، يواجه اهل الفلوجة خطر المجاعة ان بقوا في مدينتهم وخطر القتل على ايدي ميليشيات الحشد ان حاولوا الفرار. الأفلام التي يبثها عسكر النظام والميليشيات الإيرانية بما تحويه من جرائم يفتخرون بها قتلا وقطع رؤوس وسحل جثث الشباب العارية، على مشارف الفلوجة، مؤهلة للفوز في مسابقة الجرائم الانسانية التي أسس لها المحتل الأمريكي والبريطاني. 
أما الوضع الانساني للمدنيين، فيلخصه مصطفى الطربولي، المتحدث باسمهم قائلا في رسالة صوتية أرسلها من داخل المدينة المحاصرة: «نتعرض، الآن، لقصف المدفعية والراجمات وطائرات السوخوي المعروفة بانها غير دقيقة. أطلق علينا 2000 صاروخ، خلال الايام الأخيرة، مما ادى إلى تدمير البيوت على ساكنيها. لم نعد نتمكن من سحب القتلى تحت الانقاض.. لا نستطيع ايصال الجرحى إلى المستشفيات. الاطباء في مستشفى الفلوجة، يجرون العمليات بلا مخدر. نعاني من نقص الادوية والطعام. لا ماء ولا كهرباء. حين تم ارسال بعض المساعدات الينا استولت عليها قوات الحشد». ويناشد الطربولي العالم بالانتباه إلى مأساة المدنيين في الفلوجة، إلى ايقاف القصف الهمجي وايصال المساعدات. فكبار السن والاطفال بامس الحاجة إلى الغذاء والماء والدواء.
لقد حاول الطائفيون، منذ تسلمهم الحكم، محو الهوية الوطنية للعراقيين وبكافة الطرق وتحت مختلف الذرائع. فمن تغيير اسماء الشوارع والمدن وتهديم النصب العامة المشتركة للجميع إلى محاولة محو الذاكرة الجماعية للشعب عبر ادعاء امتلاك الرموز الدينية واقامة الشعائر وتحديد ايام الاحتفالات الرسمية. ومن اقصاء الناس وتهميش وجودهم إلى اجبارهم على النزوح للاستيلاء على مساكنهم وتغيير ملامح المجتمع المشتركة. ومن تغيير اسماء الاشخاص إلى القصف والحصار والتجويع. هناك، الآن، في الفلوجة 50 ألف مواطن محاصر من قبل نظام طائفي لا يعرف اي لغة غير التدمير وستر فساده عبر تحقيق انتصار وهمي، متعاميا عن حقيقة ان الشعوب لا تجتث والمدن الحية لا تباد. فحين حاصر جنود روما مدينة قرطاج مدة 3 سنوات، نجحوا في دخولها وتدميرها تدميراً شاملاً. ذبحوا معظم المدنيين ثم حرقوا كل ما تبقى في المدينة، هدموا جدرانها ثم حرثوا الأرض بالملح لكي لا ينمو فيها أي نبات بعد ذلك ولا يسكنها أحد. إلا انها، كما هي هيروشيما التي اراد الأمريكان مسحها بالقنبلة الذرية، نهضت من جديد.

٭ كاتبة من العراق

 

 

فلسطين الثقافة تقاوم

هيفاء زنكنة

 

بمواجهة الاحتلال العنصري، تقف الثقافة الفلسطينية، كقيمة انسانية عليا. كمقاومة تساندها حملات التضامن العربية والدولية، بمستوياتها المتعددة، مما دفع سلطات الاحتلال إلى اعتبار حملات المقاطعة الاكاديمية ومقاطعة البضائع والاستثمار، مثلا، خطرا استراتيجيا يهدد أمنها.
في العقد الأخير، بات العالم أكثر جرأة في مواجهة النظام العنصري باسرائيل وأقل خوفا من الاتهام بمعاداة السامية. مئات الكتب والدراسات الأكاديمية والمذكرات والروايات، تصدر، في جميع ارجاء العالم، سنويا، عن القضية الفلسطينية، لتٌذكر العالم بوجود الفلسطيني المقاوم على أرضه، والفلسطيني، المطالب في الشتات بأبسط حقوق الانسان: حق العودة. 
أحد أوجه التضامن الثقافي الدولي، بتنظيم عربي، هو «احتفالية فلسطين للأدب»، وهو مهرجان تأسس عام 2008، ويواصل نشاطه السنوي باشراف مؤسسته الكاتبة والروائية، أهداف سويف. تهدف الاحتفالية إلى «التعاون مع الفلسطينيين لكسر الحصار الثقافي الذي فرضه الاحتلال العسكري اﻹسرائيلي على الشعب الفلسطيني، وتعزيز العلاقات الثقافية بين فلسطين وباقي العالم». تستند آلية عمل المهرجان على دعوة عدد من الشخصيات الأدبية المرموقة في الغرب، إلى جولة بين المدن الفلسطينية، ليعيشوا بأنفسهم معنى ان تكون محتلا وأن تتحكم بوجودك، في كل لحظة، من ساعات يومك، قوى الاحتلال، المنصوبة في نقاط التفتيش وجدار الفصل العنصري والمستوطنين والعسكر الهمجي.
الوجه الآخر للمهرجان هو توفير فرصة اللقاء والتبادل الأدبي والثقافي، عموما، بين الادباء الأجانب والعرب والفلسطينيين من خلال المشاركة في تقديم الأنشطة على اختلافها من المحاضرات إلى قراءة الشعر والقصة والمذكرات والاحتفاء بالموسيقى والمسرح. الملاحظ، في برنامج العام الحالي، زيادة عدد الشعراء والادباء الفلسطينيين المساهمين، سواء المقيمين داخل فلسطين أو خارجها، وازدهار طاولات الكتب بالنتاج الادبي والمعرفي الفلسطيني إلى جانب الغربي والعربي. هناك، أيضا، اصوات فلسطينية شابة، إلى جانب المخضرمة، وتنوع في مجالات الابداع (وان كانت الكفة تميل لصالح الشعر) يدل على حيوية الثقافة الفلسطينية، حاليا، ويؤشر إلى مستقبل يوحي بالتفاؤل والأمل.
من بين المساهمين، الشاعر علي أبو عجمية، مؤلف «في سفر ينصت للعائلة»، والشاعر وكاتب قصص الأطفال خالد جمعة، مؤلف «مريم الخرساء». وآمنة أبو صفط وأسماء عزايزة بديوانها «ليوا». الروائية والشاعرة باسمة التكروري مؤلفة «يوميات تحت الاحتلال»، وجيهان بسيسو «ليس بالقرب من أي قوس قزح لَعِيْن: كتابات بدون تصاريح من الشرق الأوسط». والشاعر ريمي قنازغ، صاحب ديوان «قبل أن تسقط القنبلة التالية: الانتفاض من بروكلين إلى فلسطين».
ساهم الشاعر غياث المدهون مؤلف «الطريق إلى دمشق»، والشاعرة والناقدة ناتالي حنظل، كاتبة «مدونة المدينة والكاتب» لمجلة عالم بلا حدود. الشاعر الاسير المحرر
ياسر خنجر، مؤلف «سؤال على حافة القيامة» و»السحابة بظهرها المحني». الشاعر محمود ابو عريشة، مؤلف «كلمات ذات رائحة كريهة». ومصطفى قصقصي الذي اصدر، أخيرا، مجموعته الشعرية «في هجاء الأمل». 
روائيا، هناك ليلى العلمي مؤلفة «حكايات المغربي»، ومجد كيال مؤلف «مأساة السيّد مطر». وكان من المفترض اشتراك الكاتب الفلسطيني أحمد مسعود مؤلف «اختفى: الأحداث الغامضة لاختفاء مصطفى عودة»، إلا ان سلطات الاحتلال منعته من الدخول، على الرغم من جنسيته البريطانية، لأنه، بالاصل، من غزة.
في مجال الاخراج، ساهم خالد الناصري وساند السويركي، إعلاميا، ومحمد الشاهد، معماريا. أما أكاديميا، فكان أحمد جميل عزم، رئيس برنامج ماجستير الدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. احتفاء بالموسيقى، جاءت مشاركة هيكل، المنتج والملحن بالاضافة إلى جلمود، المنتج وعازف الإيقاع والمغني، والموسيقي والملحن مقاطعة الذي ساهم في تأسيس فرقة «تشويش». 
أما مسرح البسطة، المجاني، فانه يهدف إلى استعادة ملكية الشوارع والساحات والفضاء العام. يقول أعضاء المسرح: «الشارع انطلاقتنا وملقانا، نحتل شوارعنا ونحررها بالمسرح، نواجه سلطات الحواجز والتهميش، بالفن ننتصر». أنه مسرح سياسي اجتماعي شبابي مستقل، ممثلوه متطوعون، هدفه تقليص المسافة بين الفن والناس عبر دمج أشكال المسرح العربي القديم أو ما يسمى بمسرح «الفرجة» التراثي مع آليات المسرح الحديث. 
مع هذا الفريق الفلسطيني – العربي، يشارك كتاب وناشرون من جميع انحاء العالم، من بينهم الكاتب الايرلندي كولام ماكان، مؤسس منظمة لتبادل الحكايات، وجون ماكسويل كويتزي، من جنوب أفريقيا، الحائز على جائزة نوبل للأدب لعام 2003. فضلا عن الكاتب الأمريكي باري لوبيز، مؤلف «أحلام قطبية».
ولكن، هل للفن والأدب فعلا أهمية في زمن تبدو فيه النكبة مثل جلد حية يتجدد سنويا ؟ منذ بدايات القرن العشرين، قبل النكبة بعقود، والحركة الصهيونية ناشطة، خفية وجهارا، في تصنيع تاريخ جديد لفلسطين، يشرعن لها حق استباحة أرض وتشريد شعب. 
تاريخ يقتضي مسح الذاكرة أولا وانتظار نشوء أجيال جديدة من الفلسطينين، بلا ذاكرة. وهي سيرورة، يرسم تفاصيلها الكاتب التشيكي ميلان كونديرا، في كتاب الضحك والنسيان، قائلا: 
«الخطوة الأولى في تصفية شعب هي محو ذاكرته. تدمير كتبه وثقافته وتاريخه، ثم يقوم شخص ما بكتابة كتب جديدة، تصنيع ثقافة جديدة، واختراع تاريخ جديد. قبل مضي وقت طويل، ستبدأ الأمة بنسيان ما هي وما كانت عليه».
هذه صورة واقعية لخطوات ابادة ممنهجة عشناها ولانزال فلسطينيا، ويعاد تكرارها، في عراق الكولونيالية الجديدة. إلا ان نضال الشعب الفلسطيني ومقاومته المستمرة، على مدى سنوات الاحتلال العنصري، وبمختلف المستويات، ومنها الأدب والفن والمسرح والمتحف والعمارة، وضع حدا لصناعة أمة بلا ذاكرة وبلا تاريخ. أوقف سيرورة الابادة. متحديا بمخزون ثقافته الدمار.

٭ كاتبة من العراق


 

 

احتكار المآسي في

أولمبياد الضحايا العرب

 

هيفاء زنكنة

 

حضرت، في الاسبوع الماضي، نشاطين تضامنيين أولهما عن المهجرين السوريين في لبنان، نظمته جامعة فيينا، وساهم فيه أكاديمي مصري- لبناني. النشاط الثاني عن النازحين العراقيين والسوريين والفلسطينيين، داخل العراق، نظمته مجموعة «تضامن» مع المرأة العراقية، التي تأسست عام 2006، بلندن، من قبل ناشطات في مجال حقوق الانسان وتحقيق العدالة الاجتماعية ومبدأ المواطنة. 
أثار النشاطان اهتماما من المتابعين لأنهما عالجا موضوعا انسانيا واخلاقيا، بالاضافة إلى المسؤولية القانونية الدولية عن قضية لم يعد بالامكان تجاهلها واخفائها، بعيدا عن الغرب المحصن. إلا ان ملاحظتين، أبديتا اثناء النقاش، تستحقان الوقوف عندهما لما تحملانه من مضامين عميقة. 
الملاحظة الأولى، اثارها شاب غاضب بين حضورالنشاط الاول، اتهم فيه المنظمين باستبعاد الصوت السوري، مستطردا بانه كان بالامكان دعوته للحديث، مثلا، مع العلم ان ما قدمه الضيف الاكاديمي كان معلوماتيا مع ادانة السياسة الغربية. اما منظمات النشاط الثاني فقد تلقين اتهاما من نوع آخر، من قبل ناشطين في منظمة أخرى، تتضمن استنكار اقامة نشاط باللغة الانكليزية «مع عناصر لا هي عربية ولا هي مسلمة» وتشبيه النشاط التضامني عن النازحين بـ»الاستنجاد بالأمريكان والانكليز لتنفيذ كل هذا التدمير للعراق». مما دفعني إلى مراجعة تفاصيل ندوة «تضامن» لأفهم اسباب الاتهام، وانعكاساته على تشجيع أو احباط مبادرات العمل التضامني العراقي – العربي بشكل عام. 
ساهم في ندوة « تضامن»، على مدى اربع ساعات، أربعة متحدثين عراقيين، من بينهم بروفسور ياسين العيثاوي الذي تحدث عن «التغيير الديمغرافي والهوية الوطنية»، ود. فريال أحمد عن تجربتها في «العمل مع النازحين في اقليم كردستان»، والتربوي منذر الاعظمي عن «واقع النازحين الحالي بالخرائط»، بالاضافة إلى جوان بيكر عن «تأثير النزوح على تعليم ونفسية الاطفال» وهي ناشطة من منظمة «أطفال الحروب». أدار الجلستين والنقاش الحيوي الذي أعقب المداخلات، بريطانيان قضيا جل حياتهما في مناصرة القضية الفلسطينية ومناهضة الحرب على العراق هما مايك فيبس، المحرر في مجلة يسارية عمالية، ونشرة نصف شهرية تصدر عن منظمة «ضد إحتلال العراق»، وفيكتوريا بريتون، محررة صحيفة «الغارديان» سابقا. كما تم عرض فيلم بعنوان «غرباء في وطنهم»، عن اسباب النزوح ومسؤولية الاحتلال، والانظمة العراقية، وداعش عن نكبة المهجرين. ولأن الندوة مقامة بلندن، وليس ببغداد مثلا، وهدفها توعية ومخاطبة البريطانيين، عموما، وليس الاصغاء لأنفسنا فقط، كانت اللغة الانكليزية هي لغة الخطاب. السؤال المطروح اذن لماذا استفز النشاط الاكاديمي عن مهجري سوريا ونشاط «تضامن» بعض العاملين في حقل النشاط التضامني، مع اقراري بأن المخاوف من سلب أصواتنا حقيقية وليست محض احساس بالمؤامرة ؟ 
عند اجراء مسح سريع لعمل المنظمات التضامنية العراقية والعربية، في الغرب، تتبدى ملامح المنافسة والصراع الذي يطغى، أحيانا، على هدف التضامن الذي تأسست من أجله. أسباب ذلك كثيرة، لعل اهمها، أولا: غلبة الدافع الايديولوجي المترسخ عميقا في مؤسسي المنظمة « التضامنية»، مما يجعلها أسيرة الخطاب والموقف السياسي لحزب الاشخاص المؤسسين، مهما أدعت من استقلالية الموقف والقرار. ثانيا : الجهة الداعمة ومصدر التمويل الذي يتحكم بطبيعة عمل المنظمة، بدرجات متفاوتة، حسب درجة الحاجة لوجود منظمة تعالج موضوعا معينا دون غيره، في فترة زمنية معينة. 
ففي المرحلة السابقة لغزو العراق واحتلاله، مثلا، تم تأسيس عشرات المنظمات، في بريطانيا وأمريكا، وخلال فترة زمنية قياسية، لتسويق الاحتلال بحجة التحرير، وارساء الديمقراطية، وتطبيق حقوق الانسان. استخدمت هذه المنظمات لفترة محددة ثم تم قطع تمويلها بعد انتفاء الحاجة اليها. هناك، أيضا، نقطة ثالثة، تتعلق بشخصيات مؤسسي المنظمات. وهو جانب لا يولي ما يستحقه من اهتمام، عادة، أما لأننا نعتبر الهم الوطني كبيرا فنؤجل موقفنا من شخصيات لا نرضى العمل معهم في ظروف أو لأننا نستنكف من ذكرها باعتبارها ثانوية لا تستحق الذكر، مقارنة بالمواقف السياسية والاقتصادية. فنقوم بوعي او لاوعي بفصل العام عن الخاص ـ أي جوهر الكينونة الأنسانية / المجتمعية، مركزين على الظاهر السياسي الايديولوجي وستر الخصل الشخصية المخفية، ومن بينها الرغبة بالاستحواذ على السلطة والطموح الشخصي الكبير بالهيمنة والغيرة والحسد من الآخرين. ويصل الجانب الذاتي للناشطين، بأوضح صوره حين ينظر إلى ما يقدمه الناشطون الآخرون بعين «التنافس المهني»، والوصول إلى درجة اعتبار نشاط الآخرين تقليلا من دورهم. هنا تتحول المنافسة إلى تشويه واتهام للتقليل من اي نشاط لا يقودونه هم أنفسهم. وهو، بالحصيلة، انعكاس واضح لما تتميز به احزابنا السياسية.
تتداخل هذه العوامل، منفردة أو مجتمعة، مع عمل منظمات ومجموعات التضامن، في الغربة، وفي اجواء يطغى عليها الاحساس بالضعف، وخطر تعرض الهوية والانتماء للذوبان في المجتمعات الجديدة، بالاضافة إلى يأس المغتربين العام من قدرة الانظمة (واحيانا الشعوب) العربية على اجراء تغيير حقيقي لصالح المواطنين. فتنعكس على تفاصيل ويوميات العمل التضامني مهما تشابهت الاهداف النهائية، إلى حد يصبح فيه وجود بعض المنظمات، عائقا امام تحقيق الاهداف بل ومضرا. هذا مع افتراض حسن النية. 
يواجه العمل التضامني العراقي والعربي صعوبات جمة في البلدان الغربية لعل أهمها كيفية المحافظة على الاستقلالية المادية والفكرية، والابتعاد عن الادعاء بتمثيل الجميع في الوطن الأم وغيره، فالقضايا العادلة ملك للجميع ولا يمكن ان نجعل الدفاع عنها حكرا على فئة معينة، مهما كانت نواياها سليمة.
النقطة الأهم التي يتوجب علينا الاعتراف بها هي ان مآسينا على ضخامتها ليست فريدة من نوعها، فالتاريخ حافل بأمثلة كثيرة. وأن لا نقع، بحكم ضيق مساحة الاهتمام العام بكثرة المآسي، في مطب أحتكار المآسي والمزايدات وتشويه «الآخر» طمعا بالفوز في اولمبياد الضحايا.

٭ كاتبة من العراق

 

 

زواج متعة آخر بين

امريكا والعراق الجديد

 

هيفاء زنكنة

 

بشرتنا الادارة الامريكية، منذ أيام، بسلامة وصول 25 من قوات البحرية الأمريكية (المارينز) الى بغداد، تلبية لطلب من وزارة الخارجية الأمريكية، لتعزيز أمن السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء.
ولم يصدر أي تعليق من النظام العراقي حول وصول المارينز، أو اذا ما كان رئيس الوزراء، أو احد المسؤولين قد تمت استشارته حول الموضوع، وان كانت وقائع الاسبوعين الأخيرين، من اقتحام المتظاهرين لتحصينات المنطقة الخضراء الى تبادل اطلاق النار، مساء الخميس، في المناطق القريبة من السفارة الأمريكية، بين قوات الرد السريع وحماية البوابة الرابعة في المنطقة المحصنة، تدل على تزايد قلق الادارة الامريكية على سلامة موظفيها داخل السفارة، وعدم ثقتها بقدرة القوات العراقية على حمايتهم، او لعله عدم اقتناعها بولاء القوات بعد ان وقفت القوات، التي طالما تفاخرت أمريكا بأنها دربتها وصرفت عليها الملايين، جانبا وهي تتفرج على المتظاهرين وهم يحتلون مبنى البرلمان، ويعتدون على عدد منهم، بل ووصل الحد بمن يحمل اعلى رتبة في الجيش العراقي، ان ينحني، ويقبل يد مقتدى الصدر.
لابد ان هذه اللقطة، التي تم بثها، في جميع انحاء العالم، المتزامنة مع مقتل ثاني جندي أمريكي من قبل الدولة الاسلامية، قد أوصل الادارة الامريكية الى مرحلة التفكير بسيناريو يختلف عما تعيشه هذه الايام من نكد مع ساستها العراقيين المتنازعين بلا حدود، وان تستعد لاستبدالهم بمستخدمين آخرين لتراهن عليهم، ولو الى حين، لحماية مصالحها. فتصريحات المسؤولين الامريكيين تشير الى استعدادها التخلي عن وجوه النظام الحالي، مبدية استعدادها للتعامل مع اية قوة تقدم عطاء يتماشى مع المصلحة الامريكية، ويحافظ في الوقت نفسه على ابقاء العراق بلدا ضعيفا تستهلكه النزاعات الداخلية، ولا تدع لمواطنيه القدرة على اتخاذ اية مبادرة للتغيير الحقيقي وبناء الديمقراطية. «العنف المستدام» أو «العنف المسيطر عليه»، هو جوهر السياسة الامريكية لا في العراق فحسب بل في مجمل البلاد العربية، وهو ما اعلن عنه، بصراحة، قائد الجيش الامريكي السابق، ورئيس وكالة المخابرات المركزية، دافيد بترايوس اثناء وجوده بالعراق. وهو شرط اساسي لاستدامة الهيمنة الخارجية والاستبداد الداخلي معا. أما الديمقراطية فهي مجرد شعار تزويقي يتم رفعه وخفضه، عند الحاجة وحسب الطلب. فخطر الديمقراطية الحقيقية، ان طبقت، خلافا لكل ادعاءات امريكا، أشد عليها من الارهاب، لأنه يهدد وجودها ومن يتعاون معها، وينهي نفوذها وسيطرتها على البلدان ذات الثروات الطبيعية، ومصادر الطاقة، والمواقع الاستراتيجية. فالديمقراطية، خاصة اذا إمتزجت بالعدالة الاجتماعية أو الاشتراكية، خطر على قوى الاستغلال والاستبداد لأنها ستمكن الشعب من استعادة صوته. 
لاتجد أمريكاغضاضة في نبذ «الحلفاء» حين تنتهي مدة صلاحيتهم فيصبحون عبئا عليها . حينئذ، نراها تنقلب عليهم بحجة عدم التدخل بالشأن الداخلي، وتقف متفرجة، على استعداد لعقد صفقة مع « حليف» جديد. وقد لا يتطلب الأمر اكثر من سحب الحماية الأمنية الأمريكية في أية لحظة. وهذه ما تشير اليه الاوضاع الحالية بالعراق، اذ اصبح المستخدمون، الحاليون، عبئا سياسيا واعلاميا وعسكريا، خاصة بعد ان انطفأ وهج تسويق «المظلومية» الطائفية والعرقية، وبعد ان وصل غضب ذات المظلومين عتبة السفارة . لذلك، اختار المتحدث العسكري الأمريكي، الكولونيل ستيف وارن، ان ينأى بنفسه وبالسفارة الامريكية عن النواب الهاربين من غضب المتظاهرين مؤكدا بأن السفارة لم تقم بحماية اي نائب وان مهمة التحالف تنصب على محاربة الدولة الاسلامية. 
هذه رسالة تذكير واضحة للساسة العراقيين، على اختلاف تعليبهم، بان الوجود الامريكي ليس لحمايتهم، مهما كانت درجة ولائهم لأمريكا، وأن اولوياتها تختلف عما يتوهمونه. وليكن في نبذهم حلفاء إستراتيجيين كشاه ايران أو حسني مبارك أو «صديقهم» الوفي أحمد الجلبي، عبرة لمن اعتبر، كما هو تعاملهم مع قائمة طويلة من رؤساء الدول العربية والاجنبية، حيث توفير أو سحب الحماية الأمنية، مع الإمساك بملفات الابتزاز المالي والجنسي التي توفرها أجهزة المخابرات الأمريكية أرخص وأسهل من خوض الصراعات في الشارع او التلاعب بالانتخابات. 
ليست هذه هي المرة الاولى التي ترسل فيها امريكا قوات اضافية لحماية سفارتها في المنطقة الخضراء. اذ أجاز الرئيس أوباما في 3 ايلول/سبتمبر 2014، إرسال 350 عسكريا إضافيًا، حسب بيان صحافي للبيت الابيض» لحماية منشآتنا الدبلوماسية وطواقمنا في بغداد. وقد اتخذ هذا الإجراء بناء على توصية من وزارة الدفاع واستشارة الوكالات الحكومية». الملاحظ ان البيان لا يتحدث، اطلاقا، عن استشارة الحكومة العراقية، ويعاملها كأنها غير موجودة، وأن العراق بمن فيه ولاية تابعة لأمريكا، أو لعلهم استشفوا من حماس الساسة العراقيين وكثرة حفلات العشاء في بيوتهم، انهم من أهل البيت حقا، وبالتالي يحق لهم معاملتهم كما يشاؤون. مما يستحضر المقاربة بين النيوكولونيالي الأمريكي والساسة العراقيين بزواج المتعة كعقد بين طرفين، قد يدوم من ساعة واحدة الى 99 عاما، يقرران فيه كمية المال التي ستتقاضاها الزوجة المؤقتة. 
«كان بامكانك ان تنتصر على جلاديك لو انك كنت في عمقك حيا ومعافى»، يقول فيلهلم رايش المحلل النفسي النمساوي مشخصا خنوع وذل من يسميه «الرجل الصغير»، العاجز عن فهم معنى الحرية أو ان يعيش بحرية. ساسة «العراق الجديد» مصبوبون في قالب الرجل الصغير. انهم من يخاطبهم رايش بقوله: «انت تحملهم نحو السلطة على ظهرك. انك وحدك من ترفع اسيادك، من تطعمهم، مع انهم اسقطوا كل الاقنعة. لقد قالوا ذلك بوضوح لك: انت انسان من الدرجة الثانية، انسان بلا مسؤولية، وعليك ان تظل كذلك». ولعل التجاهل والازدراء الذي تقابلهم به امريكا هو استحقاق طبيعي، لمن ير

 

 

إيران تقول

لأمريكا وجهك أسود

 

هيفاء زنكنة

 

من طرائف ما يجري في البلاد العربية، بلاد العجائب، ان يستنجد الحكام العرب بالقوى الخارجية عتادا واحتلالا، لحمايتهم من شعوبهم، منادين المحتل بالصديق تارة والشريك تارة أخرى. واذا كان الكرم العربي لا يجد ضيرا في استقبال اكثر من محتل في حقبة زمنية واحدة، فان قوى الاحتلال لا تتمتع بذات الكرم، لذلك نراها تتنازع فيما بينها، على تقسيم البلاد والثروات، ورسم خريطة جديدة وفق مصالحها، بحجج طالما استخدمت لتقسيم البلدان المستعمرة، والتي تراوح ما بين حماية « شعب» البلد المحتل إلى التصدي للتنظيمات الإرهابية، التي يتغير اسمها عند الحاجة وحسب الطلب. يتم تسويق الحرب والنهب والتقسيم، إعلاميا، بخطاب واحد من قبل كل القوى والدول، وهو عدم التدخل في الشأن الداخلي للدول المحتلة.
منذ ايام، مثلا، أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن ارسال 250 عسكريًا أمريكيا إضافيا إلى سوريا، للتصدي لتنظيم «داعش». وكانت أمريكا قد أرسلت 50 جنديًا من قوات العمليات الخاصة الأمريكية في العام الماضي، كخطوة « لزيادة دعم شركائنا في المنطقة بما في ذلك قوات الأمن العراقية بالإضافة إلى القوات المحلية السورية التي تقاتل تنظيم داعش». كرر اوباما في خطابه مفردات «التصدي» و»دعم الشركاء»، ثم أضاف إلى الخلطة البائتة بهارات «تدريب ومساعدة القوات المحلية»، ليغطي رائحة التدخل العسكري الذي كان معارضا له منذ بدء الثورة، كما كان معارضا لغزو العراق اثناء حملته الانتخابية. تتزامن زيادة القوات الأمريكية في سوريا مع اعلان زيادة القوات والتسليح والغارات الجوية في العراق تحت ذات التسويغ. واذا كان اوباما قد دخل على خط مساعدة شركائه بحجة القضاء على «نظام الأسد وتنظيم الدولة»، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يتحلى برمادية أوباما، لذلك جاء وقوفه بجانب النظام السوري صريحا ومباشرا وبلا تزويقات قصفا وسلاحا وأمنا بالاضافة إلى جعل روسيا صوتا إعلاميا لنظام الأسد، باعتبارها مدافعة أممية عن سيادة البلدان، بينما تتغافل عن ذكر مبيعات الأسلحة الروسية إلى النظام ووجود القاعدة البحرية الروسية في ميناء طرطوس. وبينما تهطل قنابل النظام على المدنيين السوريين، يتفرج اوباما وبوتين على المذابح معلنين للعالم بانهما يتمسكان «بوقف اطلاق النار الذي ينص عليه اتفاق وقف الأعمال القتالية الروسي الأمريكي المدعوم من الأمم المتحدة». خبراء الكذب الإعلامي/ السياسي في كلا البلدين، معهم الحلفاء في المنطقة، من إيران إلى السعودية، يكررون خطاب عدم التدخل في الشأن الداخلي. 
قمة المفارقة في ملهاة الموقف الإيراني، جاءت بعد ساعات من موافقة اوباما على ارسال العسكر إلى سوريا. الفرصة ذهبية ولا تفوت في تحشيد شعبوية المشاعر ضد دولة لم يعد شعار «الموت لأمريكا» يجد من يشتريه، كما اصبح طريق العودة إلى القدس ملتويا إلى حد لم يعد فيه ابناء الشعب الإيراني والسوري والعراقي، يعرفون أين هو موقع القدس بالضبط، اذ صرح وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان في حديث لقناة روسيا اليوم: «نعتبر هذه الخطوة الأمركية تدخلا سافرا وعدوانا وتتعارض مع الأعراف الدولية».
عن أية اعراف دولية يتحدث دهقان؟ ماذا عن التدخل الإيراني منذ انتفاضة السوريين عام 2011، وما هو تعريف عدم التدخل اذن؟ يقول دهقان عن التواجد الإيراني: «إنه ينحصر في تقديمنا المشورة، ونساعد في وضع الخطط، وندرب الجيش السوري انه مساعدة للحكومة السورية». لم يتحدث دهقان عن مئات المقاتلين القتلى، اعضاء الحرس الثوري، وفيلق القدس لوائي الصابرون والزينبيين، وقوات التعبئة الشعبية، الذين تدل اعدادهم على وجود عدد أكبر بكثير من المقاتلين على الارض وليس مجرد مستشارين. مع العلم ان «ارسال مستشارين ومدربين» يعني، واقعا، المشاركة في الحرب. وما الذي يعنيه، غير المشاركة في الحرب، قول علي اكبر ولايتي، مستشار الإمام الخامئني للشؤون الدولية، يوم 28 نيسان/أبريل» سیبقى الرئيس السوري بشار الأسد فی منصبه على مدى السنوات الـ 5 المقبلة، واستمرار بقائه فی منصبه یعد خطا احمر بالنسبة للجمهوریة الإسلامیة الایرانیة»؟
ويبدي ولايتي أسفه لأن «بعض الدول الغربیة وبالتنسیق والتعاون مع بعض الدول الرجعیة فی المنطقة تواصل ومنذ اکثر من 5 سنوات عدوانها على الحکومة الشرعیة فی سوریا». وذلك، حسب اعتقاده، هو سبب تواجد إرهابيين من 80 بلدا، في المنطقة، اليوم. 
هذا كله لا تعتبره إيران تدخلا في الشأن الداخلي لسوريا، وهو نسخة مطابقة لمفهوم عدم التدخل الأمريكي، ففي ذات اليوم الذي استنكر فيه دهقان ارسال القوات الأمريكية، صرح ممثل البنتاغون، مرددا ذات المفردات، بأن المهمة الأمريكية: «تنحصر في التدريب وتقديم المشورة ومساعدة القوات المحلية في محاربة داعش». 
تعيدنا هذه الرطانة إلى تصريح لوزير الدفاع الأمريكي السابق رونالد رامسفيلد، أحد مخططي غزو العراق الرئيسيين، اثناء ازدياد هجمات المقاومة ضد قوات الاحتلال، جاء فيه ان أمريكا تستنكر كل ما يمس السيادة العراقية، كما تقف ضد التدخل الاجنبي في الشأن العراقي! مؤديا دور الحريص وليس الغازي المحتل للعراق، في تضليل ممنهج يستهدف عامة الناس إلى حد تقديم نفسه كوطني عراقي أبا عن جد، وماعداه أجنبي. ويتضمن الاستثناء العراقيين المدافعين عن بلدهم وكرامتهم. 
حينئذ، كان رامسفيلد يروج لاحترام أمريكا للاعراف والقوانين الدولية والسيادة الوطنية، كما تفعل إيران وروسيا من جهة وأمريكا والسعودية من جهة أخرى، حاليا، في مسابقة أشبه ما تكون بلعبة منضدة (بينغ بونغ) زوجية. يتبادل فيها اللاعبون الضربات السريعة بالطلقات والقنابل والبراميل الحارقة على جسد الشعب السوري. وكل واحد منهم يقول: تدخلي أنا مساعدة أما تدخل الآخر فهو إرهاب. وستستمر اللعبة إلى ان ينهض الشعب المنهك ليقلب الطاولة على كل اللاعبين.

٭ كاتبة من العراق

 

 

ارشادات البنتاغون حول التضحية

بالمدنيين في سوريا والعراق

 

هيفاء زنكنة

 

في قرار لا يمكن للعقل ان يتحمله، حتى في عصر يتمتع فيه شرطي العالم الأمريكي بحق الغزو والاحتلال وتغيير الانظمة وتفكيك الدول، وافقت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) على توجيه الضربات الجوية ضد أهداف الدولة الإسلامية في العراق وسوريا حتى لو أدت إلى سقوط الضحايا من المدنيين وبدون الرجوع إلى القيادة العسكرية المركزية إذا ما تبين ان هدف الغارة الجوية يستحق ذلك.
كان البنتاغون قد فوض، منذ الخريف الماضي، بشكل غير علني، قيادة الحرب في سوريا والعراق صلاحية الموافقة على توجيه الضربات وان كان هناك خطر قتل مدنيين من السكان. إلا ان صدور الموافقة الرسمية من البنتاغون سيشرعن عمليات القتل، قانونيا، ويمنح القيادة العسكرية الحصانة من المساءلة في حالة قتل مدنيين وبمعدل عشر ضحايا لكل غارة. ويعتبر السماح بقتل مدنيين، بشكل علني، أمرا غير عادي، اذ غالبا ما تبذل الولايات المتحدة، جهدا إعلاميا كبيرا، لتغطية جرائمها، البشرية والمادية. وقلما تعلن عن اعداد ضحايا عملياتها من المدنيين، مثلا، واذا ما حدث واعلنت فانها تقلل من الارقام إلى اقصى حد، لتثبت حرصها الشديد على ارواح المدنيين، بالاضافة إلى مباهاتها بدقة تصويب طياريها، ووضوح أهدافها وكيف انها لا تستهدف في عملياتها غير الإرهابيين. وهي اكذوبة لم تعد اجهزة الدعاية والإعلام الأمريكية قادرة على تسويقها لفرط تكرارها. فاضطر البنتاغون ( 22 أبريل / نيسان) للاعتراف بقتل 20 مدنياً وجرح 11 في تسع غارات جوية على العراق وسوريا منذ ايلول/سبتمبر 2015 إلى شباط /فبراير2016، كمحاولة للتستر على اعداد الضحايا الحقيقية وحجم الخراب الذي سببه، باعتراف عدد من الخبراء العسكريين (يو أس توداي ـ 22 نيسان/ابريل) وقياسا بعدد الغارات الجوية التي بلغت منذ بدء الحملة ضد «داعش»، 7794 غارة في العراق و3745 في سوريا، وادت إلى تهديم ثمانية آلاف مبنى. آخذين بنظر الاعتبار ان القيادة العسكرية الأمريكية غير معنية بالضحايا جراء القصف الجوي العراقي بطائرات السوخوي الروسية.
ففي يوم 20 آذار/ مارس، شنت الطائرات الأمريكية غارة على جامعة الموصل، شمال العراق، بحجة استخدامها كمركز داعشي، مما سبب مقتل 90 مدنيا وجرح 145 آخرين. لم تلق هذه الجريمة أي تغطية إعلامية. لم تذكر اجهزة الإعلام اسماء الضحايا من الطلبة وكادر الجامعة والعوائل المقيمة على مقربة من الجامعة. لم نسمع، كما في سمعنا عن ضحايا داعش في بروكسل، كيف أثرت التفجيرات على حياة الاطفال والنساء وكيف يتوجب توفير الرعاية النفسية لهم. كل ما قرأناه، باستثناء التفاصيل التي تم تناقلها على مواقع التواصل الاجتماعي، هو بيان القيادة العسكرية الأمريكية، القائل «ولم تتوفر حتى الآن أي معلومات رسمية عن مقتل مدنيين». 
يتزامن اصدار موافقة البنتاغون مع اعلان وزير الدفاع الأمريكي آش كارتر ان قصف مواقع داعش، يؤدي إلى استنفاد مخزون الجيش الأمريكي من القنابل والصواريخ. اذ بلغ عدد القنابل المستخدمة في العراق وسوريا 20 ألف قنبلة حتى نهاية العام الماضي. ويحتاج البنتاغون لتعويض ما استخدمه حتى الآن إلى 45 ألف قنبلة وصاروخ موجه بالليزر، بتكلفة 40 ألف دولار لكل واحدة (تقرير يو أس توداي 22 نيسان/أبريل). لذلك يمكن قراءة موافقة البنتاغون على السماح بقتل المدنيين، وعدم حمايتهم حسب قوانين الحرب، كطريقة لتخفيض تكلفة ميزانية البنتاغون وبالتالي تخفيف العبء المادي على كاهل الادارة الأمريكية والشعب الأمريكي، ولتذهب القوانين الدولية والقيم الاخلاقية إلى الجحيم. 
وكان وزير الدفاع الأمريكي قد بشر العراقيين والسوريين بأن قاذفة القنابل وحاملة الرؤوس النووية بي 52، ستستخدم، أيضا، في الغارات الجوية، مؤكدا بان هذه الطائرة، التي ارتبط اسمها بحرب الابادة الأمريكية ضد فيتنام، ستستهدف المواقع «بذات الدقة التي شهدناها في مسرح الحرب خلال العامين الأخيرين». وفعلا، انطلقت المقاتلة من قاعدة العديد، بقطر، يوم 20 نيسان/أبريل، لقصف مخزن ذخيرة في ناحية القيارة، جنوب الموصل. مما يعيد إلى الاذهان اعلان الطيران الأمريكي عن نجاحه في قصف مخزن للعتاد، منتصف شباط/فبراير. ما لم يذكره البيان العسكري هو ان الطيران لم يقصف مخزنا لعتاد داعش بل مكان أقامة الحاج علي فتحي زيدان، النازح من شمال الموصل مع عائلات ابنائه. أدت «دقة» الاستهداف إلى ابادة ثلاث عائلات بالكامل، بينهم 13 طفلا تتراوح اعمارهم بين 6 شهور و 11 عاما، و4 نساء وازواجهن، وثمانية مسنين من بينهم الحاج علي فتحي.
وتسببت «دقة» الغارات الأمريكية على مدينة الموصل يوم 20 نيسان/ابريل، حسب مدير طوارئ المستشفى العام بالموصل، الدكتور مهدي الربيعي، باستشهاد أربع عوائل شرقي الموصل. حيث استلم الطب العدلي جثث 36 مدنيا بينهم 17 امرأة و11 طفلا. 
كل هذه الجرائم، ولم نسمع من الحكومة العراقية والبرلمان ومفوضية حقوق الانسان العراقية المفترض بهم تمثيل الشعب أي رد فعل. ان استهداف المدنيين بحجة محاربة داعش جريمة حرب مهما كانت جرائم الطرف الأول. فالواجب الأول لأية حكومة هو حماية حياة المواطنين وحقهم في البقاء وعلى حلفاء الحكومة الالتزام بذلك وليس التضحية بحياتهم حسب نظريات عسكرية قتالية، تتغير مصطلحاتها بين الفينة والأخرى، وفق مصالح القوى العظمى ومستخدميها من الحكومات المحلية. وقد ذاق اهل سوريا والعراق الأمرين من استهتار السياسة الأمريكية والمحلية معا، ودفعوا الثمن غاليا بحياة ابنائهم.
ان قصف المدن والتضحية بحياة المدنيين لن ينهي داعش أو اية منظمة أخرى، بل سيمدها بالحياة أمدا أبعد، وهذا مادفع الفريق الاول البريطاني مايك فلن للاعتراف بالفشل قائلا « لقد خلقنا باستخدامنا القصف من الإسلاميين المتطرفين عددا أكبر مما قتلنا».

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

محاولة

 للدخول في المتاهة العراقية

 

هيفاء زنكنة

 

بينما تنشغل أمريكا عبر مسؤوليها الذين يتوالى قدومهم إلى بغداد بإفهام الساسة العراقيين بالتركيز على الدرس الوحيد الذي يهمّها من كل ما يجري في المنطقة (أي مواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية») ينغمس أولئك الساسة في محاولات تغيير الوضع القائم، إما لإعادته إلى ما كان قبل استلام رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي زمام الأمور، أو للسير به إلى منحنى جديد.
تمثّلت محاولات التغيير مؤخرا باعتصام النواب العراقيين داخل البرلمان، وبالاحتجاجات الشعبية في مدينة الصدر وبغداد. ويتألف أغلب النواب المعتصمين من تيارات سياسية ثلاثة، يمثّل التيّار الأول منها جماعة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي فيما يسمى «ائتلاف دولة القانون» (والذي هو أكثر الائتلافات مناقضة لاسمه)، فيما يمثل التيار الثاني جماعة الزعيم الديني الشيعيّ مقتدى الصدر، ويمثل الثالث نواب ائتلاف «الوطنية» الذي يرأسه اياد علاوي.
بعد احتجاجات شعبية، شاركت فيها جماهير الصدر، وضمن محاولاته الإصلاحية أصدر حيدر العبادي في 9 آب/أغطس من العام الماضي قرارا بإلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية، مقيلا بذلك نوري المالكي وإياد علاوي وأسامة النجيفي، وهو ما يفسّر، جزئياً، تضامن جماعتي المالكي وعلاوي ضدّه في البرلمان.
شارك كل من المالكي وعلاوي، خلال عملهما رئيسين للوزراء في ضرب نفوذ «جيش المهدي» التابع للزعيم الصدر في مدينة النجف، وقد أدّت حملة الأول عام 2004 إلى تعرّضه لمحاولة اغتيال في النجف، وقام الثاني عام 2007 بمطاردة «جيش المهدي» أيضاً في البصرة والناصرية وبغداد، وبذلك كسب الزعيمان السياسيان عداوة الصدر وجماهيره.
وتلفت النظر محاولة زعيم «حزب الله» الشيعي اللبناني حسن نصر الله الأسبوع الماضي لمصالحة الصدر مع المالكي، والتي يمكن قراءتها في إطار محاولات إيران «ترتيب البيت الشيعيّ العراقي»، ويؤكد فشلها واندلاع حرب كلامية بين أنصار الزعيمين العراقيين أن الخرق الحاصل بينهما أكبر من قدرة نصر الله على الرتق.
يبدو غريباً، ضمن هذه الخلفيّة، أن تخرج جماهير الصدر إلى الشوارع وساحات الاعتصام وتحاصر الوزارات والمديريات في بغداد طلباً للتخلّص من الفساد وأربابه (وفي ذهن أصحابها نوري المالكي وأقرانه)، وأن يتوحّد نوابه مع نواب «أرباب الفساد» أولئك في البرلمان مطالبين بـ«الإصلاح»!، وفي الوقت الذي تطالب جماهير الصدر بحكومة «تكنوقراط» للخلاص من محاصصات الأحزاب، يحاول نوّاب الأحزاب تلك عرقلة تلك الحكومة وفرض شخصياتها.
وتناظرت الاحتجاجات المنددة برموز الفساد القديم مع اعتصامات النوّاب لنصل إلى تطوّر غرائبيّ لا يحدث، ربما، إلا في العراق، حيث قرّر اعتصام النوّاب المشكّلين من تلك الائتلافات المتنافرة جذريّاً، قبـل أيام، إقالة رئيس مجلس النواب سليم الجبوري والتهديد أيضاً بإطاحة رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، ورئيس الوزراء حيـدر العبادي نفسه، ومطالبــة أمريكـا وإيــران بعــدم التدخـل فـي الشـؤون الداخلية للعــراق!
لا يمكن، بالتأكيد، عزو أفعال النوّاب المعتصمين جميعها إلى قرارات زعمائها، فحسن النيّة يفترض وجود رغبة حقيقية لدى النوّاب للخروج من المتاهة التي يعيش فيها العراق، وينطبق الافتراض على جماهير الزعيم الصدر التي ضاقت ذرعاً بالفقر والفساد والفوضى والعنف والانحطاط السياسيّ العامّ.
غير أن تدقيقاً بتواريخ الساسة جميعهم لا يساعد كثيراً في الاستنتاج الآنف، فإذا كانت وقفة الزعيم الصدر الشجاعة ضد الاحتلال الأمريكي تحسب له وقد كلّفته بطش وعداوة خصميه الآنفين بحيث وصف المالكي عام 2008 «جيش المهدي» بأنه «أسوأ من القاعدة»، فلا يمكن، من ناحية أخرى، تجاهل مشاركات القوّات التابعة له في عمليات إجرام طائفية كبيرة مؤرخة وموثقة في أماكن عديدة.
على ذلك، يمكن القول إن ما يجمع الساسة العراقيين محاولة استخدام نوّاب البرلمان وجماهير الشارع لانتزاع حصّة أكبر في الكعكة السياسية، والأمنية، والماليّة، فالصدر يملك طموحاً كغيره بقيادة العراق، وتيّاره السياسيّ لم يحصل حتى الآن على وزارات سياديّة بعد رغم وجود عدد كبير من نواب تيّاره في البرلمان.
رغم جرأته التي تتجاوز الحدود بعض الأحيان، وخصوماته مع كافة الأطراف، بما فيها إيران والمرجعيّة الشيعية، فإن تحرّكات الصدر السياسية تفتقر للثبات، كما أنه معروف بالتراجع عن قراراته، وهو ما يجعله غير قادر على تشكيل تيّار شعبيّ عامّ يخرج من إطار «الشيعيّة السياسية»، مما يضطرّه، كما نرى، للتناقض في تحالفاته ولبلبلة حلفائه المفترضين وإفراغ الطاقة السياسية الكبرى الممكن للشعب العراقيّ أن يجترحها من الوصول إلى تغيير حقيقيّ.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

صار الوعظ مهنة

تدر على صاحبها الأموال

 

هيفاء زنكنة

 

من الشائع في عالم السياسة، بمعناها المباشر وغير المباشر، ان يتبنى السياسي، حالما تتم إقالته من منصبه أو يشارف على انتهاء مدة عقده ومنصبه، موقفا نقديا وحتى اخلاقيا من القضايا التي واجهته سابقا وتعامى عنها. وهو موقف يصفه الناس العاديون، ببساطة، قائلين « صار شريفا». فها هو اوباما، رئيس الدولة الاقوى في العالم، يتحدث، وهو على وشك مغادرة البيت الابيض، بعد حكم دام ثماني سنوات، بصراحة أذهلت العالم، عن رأيه بالحلفاء أكثر من الاعداء، وعن اخفاقات السياسة الأمريكية في العالم ومن هو المسؤول. بنفس النغمة، تحدث سير هيلاري سينوت، حاكم البصرة البريطاني إثر الاحتلال، الذي جمعتني به ندوة نظمها نادي الصحافة البريطانية ( 8 آب/اغسطس 2010)، بلندن، بعنوان « ماذا عن العراق بعد جلاء القوات؟ «. يومها كان سير سينوت قد تقاعد، فتحدث منتقدا السياسة البريطانية، بلهجة من كان مناهضا للحرب والاحتلال منذ لحظة نزوله من رحم أمه، وليس بعد تقاعده.
عراقيا، لدينا أمثلة كثيرة على تبدل الخطاب السياسي، خاصة، عند اقالة مسؤول حكومي أو، وهذا هو الشائع أكثر، هرب المسؤول خشية الاعتقال بعد اصدار امر باعتقاله بتهمة الإرهاب، كما حدث مع نائب رئيس الوزراء طارق الهاشمي. حينئذ يتحول الصوت التبريري الناعم لسياسة النظام وارتكابه كافة انتهاكات حقوق الانسان، مثلا، إلى صوت يجهر بالدفاع عن حقوق الانسان وكشف الحقيقة!
ما يجمع أوباما وسينوت والهاشمي هو كونهم سياسيين بمناصب رسمية. ماذا عن المثقف – الموظف؟ من بين المتأرجحين ما بين الموالاة تسويغا اثناء فترة التواجد في منصب حكومي، والمعاداة تحت ستار « كشف الفساد»، بعد الإقالة، يبرز شخص يدعى جابر الجابري، الذي تمت اعادته إلى منصب الوكيل الاقدم لوزارة الثقافة ومدير عام دائرة السينما والمسرح وكالةً، بعد إقالته عام 2012. كرس الجابري، السنوات الفاصلة ما بين الاقالة وإعادة التعيين، لنشاط محموم لفضح الفساد المالي والإداري في وزارة الثقافة. وهو أمر كان من الممكن ان يحسب له لولا أنه كان شاهدا صامتا وجزءا من ذات الوزارة على مدى سنوات ما قبل الإقالة.
أما في الفترة الفاصلة ما بين الإقالة واعادة التعيين، فقد رشح الجابري نفسه في الحملة الانتخابية للبرلمان، عام 2014، باعتباره « مناضلا كبيرا وشاعرا معروفا واجه دكتاتوريّة العهد البائد وعصابات الإنحراف والفساد في العراق الجديد». خلال الحملة الانتخابية، تغيرت لهجته التبريرية الناعمة دفاعا عن النظام، التي تميز بها طوال توليه المنصب، لتصبح مغلفة بايحاءات التضحية والشهادة و « الجهاد المر، في حجابات العبيد، لنعلمهم دروس الحرية والانعتاق». يتبدى ذلك بوضوح خلال مخاطبته، زملاءه السابقين في الوزارة، في رسالة مفتوحة، موجودة على موقعه، مذكرا اياهم « انني دفعت لأجلكم أثمانا غالية» وكيف « وقعت الوزارة وأحرارها وشرفاؤها تحت قبضة المجرمين والقتلة والسفلة والدوشمجية والسماسرة، والقوادين، بعد أن تمت الاطاحة بي».
المفارقة هي أن الجابري عاد ليتبوأ منصبه القديم ذاته في ذات الوزارة. وحسب علمنا، بقي طاقم الوزارة الوظيفي ( من احرارها إلى سفلتها وسماسرتها، حسب تعبيره) كما هو. فالتغيير مستحيل بحكم نظام المحاصصة. كما لم يتم تقديم أي ممن يتهمهم الجابري بتلك الاوصاف الحادة المهينة إلى القضاء. فكيف يواجه الجابري « المجرمين والقتلة والسفلة والدوشمجية والسماسرة، والقوادين» في الوزارة و « عصابات الإنحراف والفساد في العراق الجديد» ؟
إنه يواجههم، بشكل لا يختلف فيه عن أي موظف آخر في النظام العراقي أو أي نظام يماثله، عن طريق تحويل الانظار والاتهامات إلى العدو الخارجي. ففي مؤتمر صحافي له (4 نيسان / أبريل)، بمناسبة قرب انعقاد مؤتمر الإعلام العربي، ببغداد، حذر الوكيل الأقدم من ان « الإعلام العربي عمل كثيرا على تشويه صورة بغداد… صورة سوداوية صنعها إعلام مضلل وموجه ضد بغداد». هنا يختار الشاعر المناضل، رسم صورة تبعد عنه شبهة التغريد للنظام واصفا كل ما يكتب عن النظام وجرائمه، من تقارير موثقة، بانها موجهة ضد بغداد وليس النظام. لم يعد يكفي ان يقدم نفسه راعيا للعراقيين، مستعدا للشهادة من اجلهم، بل تلبسته شخصية الداعية لتطهير بغداد من الدنس الذي اصابها من الخارج / من العرب، من « الضباب واللون الاسود الكالح الذي يغلفها في الذهنية والرؤية العربية « وتحريرها من كونها « مجهولة ومبهمة، ولغزا كبيرا بالنسبة للعرب»؟
في خطابه الصحافي، يصبح الجابري، نموذجا للمثقف / الموظف، كائنا يستحوذ عليه وهم امتلاك الحكمة والحقيقة المطلقة. فهو يتهم ويحذر ويوجه الموعظة. انه يرشد الإعلام العراقي ليكون « حذراً ودقيقاً في نقل الصورة والواقع العراقي المضيء.. وما تحقق بشكل نفتخر به «، دون ان يخطر بباله التساؤل عما تحقق بالضبط، خلال شهور اعادته إلى وظيفته، من انجازات ثقافية وسياسية واقتصادية وفي مجال القضاء على الفساد مما يتوجب على العراقيين الافتخار به. هل يتسع المجال لسرد حجم الخراب الذي ساهم في انجازه وجعل بغداد « المكان الأسوأ في العالم لمعيشة البشر» حسب دليل ميرسر وليس الإعلام العربي كما يدعي ؟
ليس الجابري، فريدا من نوعه كواعظ – إعلامي. انها « مهنة تدر على صاحبها الأموال»، كما يذكر عالم الاجتماع علي الوردي، و « جلاوزة القلم» لايقلون سوءا عن « جلاوزة السيف»، لكن معرفة هذه البديهيات المتراكمة عبر العصور عن مسائل جوهرية، ومنها ما يتعلق بدور المثقف الانساني والمعرفي، لا تعني القبول بها، بل ضرورة رصد استمراريتها، واتخاذها اشكالا جديدة تتغير بتغير العصر وأدواته.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

كان الباشا واثقا

من النصر في الفلوجة!

هيفاء زنكنة

 

تتزايد، يوميا، نداءات الاستغاثة المنطلقة من مدينة الفلوجة ( محافظة الأنبار ، غرب العراق ) المحاصرة منذ شهور . فشحة الطعام، وصعوبة الحصول عليه، وقلة الدواء مع تزايد قصف النظام العراقي والتحالف الدولي بقيادة ألولايات المتحدة الامريكية، جعلا من المدينة، وسكانها البالغ عددهم حوالي مائة ألف، ضحايا كارثة إنسانية، شبيهة بما حدث في مدينة مضايا السورية. يزيد من حجم الكارثة ، منع العوائل ، بينهم الأطفال والمسنون، الهاربة من جحيم الحصار الى المدن القريبة، وخاصة بغداد، وترك النازحين بما تمكنوا من حمله ، في العراء، فترات طويلة، كأنهم بانتظار الحصول على فيزا لدخول بلد أجنبي وليس عاصمة بلادهم.
هذه ليست المرة الاولى التي تعيش فيها الفلوجة الحصار والقصف. ففي اربعينيات القرن الماضي، كانت الفلوجة رمزا لمقاومة المحتل البريطاني ، حياها شاعرنا معروف الرصافي « وسلاما عليك يا فلوجة». ومن بين تفجيرات براميل النظام الحالي الحارقة وأزيز الطائرات الأمريكية، وخطوات القوات البريطانية، يرتفع صوت الوالي العثماني داود باشا ( والي بغداد 1816-1183 ) وهو يدلي بتعليماته الى وكيله سيد عليوي وكبار الضباط، اثناء توديعهم قرب أبو غريب، قبل ارسالهم لغزو الفلوجة وما يحيط بها من الفرات الأعلى « لا نريد حربا طويلة ، يجب ان تكون الحرب خاطفة، ولا نريد نصرا صغيرا ، يجب ان يكون النصر كبيرا ومدويا» . 
« كان الباشا واثقا من النصر ، فقد اختار بعناية الهدف ومكان المعركة ، وأختار ايضا الوقت المناسب» علق الروائي عبد الرحمن منيف في « ارض السواد»، ولم يضع سيد عليوي خطة عسكرية بل ترك لضباطه ان يتصرفوا لأن كل ما يحتاجه الأهالي لإخضاعهم « هو تكسير الرأس». بعد أيام من فشل القوات في احراز النصر السريع ، قال الضباط لجنودهم « اذا رأيتم في الطريق رجلا ، حتى لو كان أعمى، اقتلوه. « سياسة الإبادة هذه، طبقها جنود الاحتلال، بعد حوالي مائتي عام. « كانت تعليماتنا وممارساتنا : اطلق النار على كل شيء يتحرك حولك»، يقول الجندي الأمريكي مايكل بليك. لم يقتصر القتل على فترة الحرب بل تفننوا باستخدام ادوات الموت المشعة، ليحصد اليورانيوم المنضب ، طويلا بعد انتهاء الحرب، حياة النساء والاطفال ويفوق تأثيره القاء القنابل الذرية على هيروشيما وناكازاكي في اليابان. فما الذي فعله النظام والمجتمع الدولي والامم المتحدة لرعاية الضحايا وتنظيف المناطق ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة المروعة ؟ 
لا شيء، يقول طاهر بومدرة، الرئيس السابق لمكتب حقوق الإنسان في بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق، في مقابلة مع الاعلامي العراقي سلام مسافر (2 ابريل / نيسان) ، « وصلتني تظلمات كثيرة من المتضررين نتيجة استخدام الاسلحة المشعة كاليورانيوم المنضب. فطلبت من منظمة الصحة العالمية بحث الأمر فأجابت بانها غير مختصة في هذا الموضوع وأنه لا يعنيها بينما هو ، في الحقيقة ، في صلب مهمتها. لكن، للأسف، كل من له علاقة يريد التهرب لما سيترتب عليه من مسؤولية. فالسفارة الامريكية لا تريد ان يتحدث احد عن تداعيات استخدام الاسلحة المشعة لذلك لا يتجرأ احد من الامم المتحدة على طرح الاشكال». 
ماذا عن الحصار الآن؟ 
ان ما يترتب على الحصار من امراض وموت ، عقوبة جماعية يفرضها النظام على مدينة تصارع من اجل البقاء، في ظل اقتتال الدولة الاسلامية وميليشيات الحشد الشعبي. وهما، اذا ما أردنا الدخول في لعبة احصاء الضحايا ، غير الانسانية ، وجهان لعملة إرهاب واحدة، مهما حاول البعض شرعنة احداهما على حساب الاخرى. يحظر القانون الدولي العقاب الجماعي وتنطبق أحكام القانون الإنساني الدولي (قوانين الحرب) على حالات النزاع المسلح. وتُعد ملزمة لجميع أطراف النزاع، بما فيها الميليشيات. تهدف هذه القواعد والمبادئ إلى توفير الحماية لكل من لا يشارك فعليا في الأعمال العدائية لا سيما المدنيين ومن سبق لهم المشاركة في الأعمال العدائية أو الجرحى أو من يستسلم أو يقع في الأسر بطريقة أو بأخرى. وترسم معايير السلوك الإنساني وتحد من الوسائل والأساليب المتبعة في تنفيذ العمليات العسكرية. والقانون الانساني الدولي صريح في ان كل ما يخالف ذلك ، بضمنه احتجاز الرهائن والحرمان التعسفي من الحرية يشكل جميعا جرائم حرب.
قانونيا، ، انتهك النظام العراقي، ولايزال، العديد من مواد القانون الملزمة ومن بينها، أولا: فشله أو امتناعه عن اداء دوره المفترض في حماية المواطنين وتوفير اساسيات الحياة لهم ، من طعام ودواء ومأوى، تحت كل الظروف بل وخاصة اثناء الحروب مهما كانت طبيعة القوى المتقاتلة. ثانيا، اطلاق يد الميليشيات المتمثلة بالحشد الشعبي وعدم اخضاعها للمساءلة القانونية. ثالثا، تصنيف المواطنين كإرهابيين واستهدافهم بحجة محاربة الارهاب وعدم فتح ممرات المساعدة الانسانية. 
وبينما يكتنف اعداد الضحايا الغموض ، تبين شهادات الاهالي المسربة الى ان تفاقم الحاجة اليومية للاساسيات وانتظار ما يسمى بمعركة « تحرير الفلوجة» يشل الحياة خاصة بعد « تحرير الرمادي» الذي ادى الى تهديم 80 بالمئة من المدينة. « قال بعض الذين تصادف وجودهم بين هيت والرمادي ، مقيمين أو مارين، ان المعركة لما احتدمت بين الطرفين سالت دماء لا تقل عن الامطار التي سقطت في الايام السابقة. ومياه النهر التي كانت عكرة ، حين استقبلت هذا المقدار من الدم، تحولت الى لون بني قاتم اقرب الى السواد. وقال هؤلاء انه لم يستثن احد من القتل، حتى الصبية، وعدد كبير من النساء والمسنين ، قتلوا، قتل الآلاف بل اكثر من ذلك. وقال سيد عليوي لجنوده لا نريد الأسرى .. ونحن لا نريد شهودا ولا من ينقل الاخبار « . 
فأصبحت أرض الفلوجة شاهدا ينقل الأخبار عن أهلها ، عن مقاومتهم، عن رفضهم احناء الرأس خضوعا للمحتل، فهل بامكان باشوات اليوم ، بفرضهم الحصار، قتل أرضها؟

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

خارج خيمة الصدر…

أين هو جلال الشحماني؟

 

هيفاء زنكنة

 

غطت الضجة الإعلامية التي اثارها، كما يصفه أتباعه « سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد المصلح القائد ممثل الشعب العراقي مقتدى الصدر ( أعزه الله) « عن نصب خيمة خاصة به بمحاذاة البوابة الداخلية للمنطقة الخضراء، على جرائم لم يتوقف النظام، ونواب ووزراء « سماحة حجة الإسلام… الخ»، الذين لايزالون جزءا منه، عن ارتكابها. أحدها اختطاف وتغييب جلال الشحماني. 
في آخر تعليق له على صفحته، على الفيسبوك، يوم 17 أيلول/ سبتمبر 2015، كتب جلال الشحماني : « اليوم شاركنا في مسيرة الاحرار التي انطلقت من ذي قار (جنوب العراق) حتى ساحة الحرية امام بوابة المنطقة الخضراء، ووقفنا بوجه الفساد في بوابة المنطقة الخضراء وسنستمر بتظاهراتنا حتى تكون لنا دولة مدنية، عصرية، تكون فيها خيرات العراق لكل العراقيين». 
بعد خمسة أيام، في 23 سبتمبر/أيلول، صرح مصدر أمني: « أن مسلحين مجهولين يستقلون ثلاث سيارات اقتحموا مطعما في منطقة الوزيرية، ببغداد، واختطفوا الناشط المدني جلال الشحماني وهو أحد المشاركين في تنظيم التظاهرات التي شهدتها العاصمة في غضون الشهرين الماضيين». إثر انتشار الخبر، تظاهر ناشطون من رفاق الشحماني في عدد من المدن، وأصدر عدد من الاحزاب بيانات استنكار، وأكد قائد عمليات بغداد أن «القوات الأمنية تبذل كل جهودها بغية الوصول اليه». وسرعان ما تلاشى الاهتمام بمعرفة مصير الشحماني لينتهي من كان، لفترة، وجها للتظاهرات في ساحة التحرير ببغداد ومدنا أخرى، في غياهب النسيان. تم تغييبه كأنه لم يكن.
لم يكن جلال عضوا في حزب طائفي أو علماني أو أي حزب مساهم في « العملية السياسية» في مرحلة الكولونيالية الجديدة. كان ناشطا مدنيا، وصفه البعض بالجرأة وآخرون بالتهور والسذاجة لإصراره على السير إلى ساحة التحرير، كل يوم جمعة، وبقائه مع عدد قليل من المطالبين بالاصلاح، على الرغم من المخاطر وتهديدات رجال الأمن واعتقاله عام 2011 الذي كتب عنه: 
« عندما أعتقلت في ليلة تظاهرات 25 شباط / فبراير2011؛ من قبل لواء بغداد الخاص بحماية المنطقة الخضراء؛ على الرغم من كوني حاصلا على إجازة للتظاهرات، أصابني الاحباط واليأس في ذلك اليوم الخالد؛ حيثُ أيقنتُ أن لا ديمقراطية في العراق؛ ولا حرية تعبير عن الرأي؛ متواجدة في عقلية وذهن وثقافة السلطة الحاكمة». واذا ما كانت تظاهرات محافظة الأنبار قد وسمت بالإرهاب والعنف، مما شرعن قتل المتظاهرين وقصف السكان بالبراميل المتفجرة من قبل رئيس الوزراء السابق، وأمين عام حزب الدعوة الحاكم ضمن التحالف الوطني، فما هي حجة اختطاف وتغييب شخص مثل جلال الذي كان يؤمن بـ « ديمقراطية العراق الجديد» والايمان بدستوره المشوه؟ كما يوضح : « بعد خروجي من الاعتقال؛ والصحوة من الصدمة المؤلمة؛ تحول الاحباط واليأس إلى ثورة غضب؛ من أجل الدفاع عن الحرية والديمقراطية، كان لابد من الاستمرار في التظاهرات؛ والتعبير عن الرأي بالطرق السلمية؛ وذلك من أجل ارساء وتفعيل الديمقراطية، لأن اليأس عند الاحرار يعني نجاح الدكتاتور؛ في قتل الديمقراطية الوليدة في بلادنا؛ لذا نحن مستمرون منذ أربع سنوات بالدفاع؛ عن الحق الذي كفله الدستور».
وهاهي المظاهرات التي ارادها المشاركون، منذ سنوات، كأداة سلمية للمطالبة بتغيير النظام الطائفي، الفاسد، الذي خرب وفتت البلاد، بكفاءة يحسده عليها الاستعمار، ودفع الكثيرون حياتهم ثمنا لها، قد اختطفتها الميليشيات اولا ثم قيادة احزاب وتيارات مشاركة في النظام، وفاعلة فيه فسادا ونهبا وجرائم، تراوح ما بين الاختطاف، والتعذيب بالمثقب، والاغتيال، ثانيا. في مهزلة مضحكة مبكية، بات وزراء النظام وقادة ميليشياته يطالبون بالتغيير. 
كيف؟ عن طريق الاعتصام أمام بوابة المنطقة الخضراء، ببغداد، حيث أكبر سفارة أمريكية في العالم وطاقم الحكم بالوكالة. وهو أمر رائع لو لم يكن مختطفو الاعتصام، من التيار الصدري إلى التيار المدني ( الحزب الشيوعي سابقا) معروفين بحرباوية المواقف المبررة بأنها « براغماتية».
في ظل مقتدى الصدر الذي طالما نجح، بتدخله في لحظات مشارفة النظام على الانهيار، في انقاذه وتمديد أجله، عن طريق اطلاق أتباعه في الشوارع، الذين يطلقون عليه القابا تقترب من الإلهي المقدس، نمت على مقربة من بوابة المنطقة الخضراء تظاهرة لا تشبه أي تظاهرة اخرى. انها مدينة من خيام ملونة، أنيقة، حديثة التصميم، مجهزة بكل ما يحتاجه « المعتصم». ينام في الخيام « معتصمون»، تطبخ لهم وجبات طعام مجانية. ويتبع « المعتصمون» تعليمات مشددة، موجودة على موقع الصدر، حول ارتداء زي موحد ويقتصر استخدام الخيم على من لديه « باج» أو تصريح من مكتب السيد القائد. وحين يتم فرش سجادة على الارض أمام خيمة بنفسجية، داخل سرادق يحاط بالقوات الأمنية، فهذا يعني انعقاد اجتماع أمني، أستخباراتي مشترك، بين هيئة المعتصمين والجهاز الأمني، رحب به السفير الأمريكي ؛ ستيورات جونز» لأننا واثقون من قدرة الأجهزة الأمنية على حماية السفارة، وهو حق مكفول بموجب اتفاقية فيينا». ولا تكتمل صورة الاعتصام بدون زيارة « سماحة السيد القائد أعزه الله»، المعتصمين أمام بوابات المنطقة الخضراء، للاطلاع على أوضاعهم»، أو القاء خطاب تهديد ووعيد ضد شركائه في العملية السياسية، واقفا في صندوق زجاجي مضاد للرصاص، محاولا بذلك تقليد حسن نصر الله. 
يشكل الاعتصام والتظاهر، بشكله الأخير، في العراق، ظاهرة تستحق الرصد والتحليل، مع التمني و»عسى ولعل» أن يكون وراء ما يبدو كمسرحية جانبية على الصراع الفعلي على الأرض والأموال والمناصب، مخرجا للتخلي عن العملية السياسية الفاشلة بأقل الخسائر للبلد ككل. ويأتي هذا المنظور لكون الإعتصام يدار بشكل منظم ومدعوم ماديا وأمنيا من قبل جهة رئيسية، فاعلة بشكل كبير، ضمن محاصصة النظام الفاسد، وتستند في شعبويتها على ذلك الدعم، وكيف تسلقت على أجساد ضحايا، افترشوا الارض، على مدى سنوات، مطالبين تحت شمس العراق الحارقة، والشتاء العاصف، بالتغيير وانهاء الفساد، وكان الشحماني، الغائب، المنسي، واحدا منهم.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

بناء المعتقلات الاسرائيلية

كنموذج في العراق

 

هيفاء زنكنة

 

أثار خبر رضوخ أكبر شركة أمن في العالم جي فور أس»G4S» البريطانية، لضغوط حملة عالمية تشنها حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، منذ أكثر من أربع سنوات، الفرح (وهو عملة نادرة في زمننا هذا) في اوساط المؤمنين بعدالة القضية الفلسطينية وكل من يسعى لتحقيق الحرية والعدالة والعودة للشعب الفلسطيني. اذ قررت الشركة، إنهاء عقودها الإسرائيلية خلال 12 – 24 شهراً. والتي تتضمن عملها في سجون الاحتلال الاسرائيلية، حيث يتم تعذيب الأسرى الفلسطينيين وسجنهم دون محاكمة، وتوفير الخدمات والمعدّات الأمنية لحواجز الاحتلال ومستعمراته ومركز تدريب للشرطة الإسرائيلية.
وقد انضمت، في الأسابيع الأخيرة، منظمة اليونيسيف، في الأردن، وسلسلة مطاعم كبرى في كولومبيا إلى الجهات التي أنهت عقودها مع
G4S بعد حملات المقاطعة التي كشفت تواطؤ الشركة في جرائم نظام الاحتلال والاستعمار- الاستيطاني والأبارتهايد (الفصل العنصري) الإسرائيلي. يأتي النجاح الأخير في اعقاب سلسلة من النجاحات التي دفعت المحتل إلى اعتبار نشاطات المقاطعة خطرا أمنيا يستوجب المجابهة بكافة الاشكال ومنها محاولاته لتشويه سمعة الحركة، والضغط من أجل تمرير قوانين تمنع عمل الحركة في أوروبا والولايات المتحدة. 
من الناحية المادية، بلغت خسائر
G4S، منذ عام 2010، عقوداً تقدر بملايين الدولارات في عشرات الدول حول العالم استجابةً لنداء حركة المقاطعة إسرائيل، الا ان هذه الخسارة لم تمتد إلى العراق. اذ قرر مجلس وزراء «العراق الجديد»، في 16 شباط/فبراير، من العام الحالي، تمديد عقد الشركة في البلاد، الذي وقعته في العام الماضي بقيمة 187 مليون دولار، أي ما يعادل مائتي مليار دينار، على امل تجديده ليصبح واحدا من اكبر عقود الشركات الأمنية في البلد، في ذات الوقت، الذي اعلنت فيه منظمة اليونسيف الغاء عقدها. وقد تم تمرير خبر التجديد في نهاية بيان طويل صادر عن مكتب المجلس يتناول فيه مرور البلد بأزمة اقتصادية خانقة. 
فهل أراد مجلس الوزراء العراقي تعويض الشركة، التي ارتبطت، عالميا، بانتهاكات حقوق الانسان الفلسطيني واماكن اخرى، بالاضافة إلى فسادها وانتهاكاتها في العراق نفسه، عن خسارتها في الاردن، ام ان دور الشركة الاجرامي، في البنية التحتية للمستوطنات والأمن للمحتل العنصري، أمر عادي لا يستحق التوقف عنده واتخاذ موقف اخلاقي وانساني وقانوني منه؟ ما الذي حدث لروح دعم النضال الفلسطيني الذي تربينا عليه، كعراقيين، مؤمنين بأن القضية الفلسطينية بوصلتنا الاخلاقية، ومقياسنا لفهم انسانيتنا والآخرين؟
رسميا، لا يجد النظام العراقي حرجا في التعامل مع الشركة مهما كانت جرائمها. فحاضرها يتماهى مع حاضره. «معا نبني العراق» هو شعارها الناعم، لتوحي بانها قوة بناء واعمار بدلا من الشعب. وهي أقوى من الجيش والقوات الأمنية لأنها القادرة على «توفير الحلول الأمنية وتدريب الموظفين الموهوبين لتعزيز مكانتها على المدى الطويل في البلاد». وتفتخر الشركة بأرثها المتغلغل في «القطاعات الحكومية والقطاعات التجارية على حد سواء، في فترة ما بعد الحرب». وفي الوقت الذي اعلن فيه النظام ان عمل الشركة يركز بالدرجة الاولى على توفير الأمان للمستثمرين الدوليين، ومنهم شركات النفط والغاز، فإنها تذكر، على موقعها، انها تقدم «خدمات أمنية شاملة في مطار بغداد الدولي» ويمتد عملها، كما هو الحال في اسرائيل، ليشمل «إدارة التسهيلات للبنية التحتية الأساسية ومن ضمنها المحاكم وادارة السجون»، وأن الشركة مسجلة رسميا لدى وزارة الداخلية العراقية. وكأن سجل وزارة الداخلية الأسود فيما يخص المعتقلات والسجون وممارسة التعذيب حتى الموت، بأيد عراقية، ليس كافيا، لتقوم الحكومة بمنح عقود ضخمة لشركات أمنية لتساهم، بشكل مباشر وغير مباشر، كما في معتقلات الكيان الصهيوني، في منظومة الاعتقال وانتهاك حقوق الانسان وامتهان كرامته. أي اننا ندفع تكلفة تعذيبنا عقودا مجزية. ولعل الشعار الأصلح للحكومة والشركات الأمنية التي تتعاقد معها ان يكون «معا ننهي العراق».
يقابل هذه الصورة الرسمية القاتمة، مبادرات مجتمعية، تمنحنا، فسحة من الأمل قد تتسع مستقبلا لتشمل العراق كله. منذ ثلاثة اعوام، مثلا، أطلقت «المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي»، الهادفة لخلق صلات للتضامن بين المجتمع الدولي من جهة وبين المجتمع المدني العراقي ومنظماته من جهة اخرى، حملة « قاطعوا جي فور اس» ضمن حملة لمناهضة ووقف عمل الشركات الامنية الخاصة. وتطالب الحملة بوضع «اتفاقية دولية ملزمة للحد من الاعتماد على الشركات الخاصة في توفير الامن وكذلك لإخضاع ما هو موجود للمحاسبة. خصوصا بعد التجربة المريرة التي مرت بالعراق من جراء الاستعانة بمثل هذه الشركات، للأسف ما تزال الشركات الامنية الخاصة جزءا من واقع العراق الامني السيئ».
وبينما يزداد الوعي العام بضرورة محاسبة الشركات العسكرية والأمنية الخاصة على انتهاكاتها لحقوق الانسان بسبب الحصانة التي تمتع بها او الفجوة القانونية في اطار القانون الدولي، الا ان الدول الفاشلة التي لا تأتمن شعوبها، والشركات الاحتكارية عابرة البلدان، وشركات السمسرة المحلية اللاهثة وراء نسبة من غنائم الفساد، لاتزال تجد فيها الأداة الاصلح لحمايتها، متعامية عن كون الشركات الأمنية العالمية جزءا من شبكة مرتبطة عضويا بالأوساط الإستعمارية الأكثر تطرفا في الولايات المتحدة، و بإسرائيل كونها الملاذ الآمن لتلك الأوساط سياسيا وعسكريا. مما يعني تقديم اجهزة المخابرات بأشكال «وطنية» ما دامت تدار من خلف الستار كجزء من أكثر السياسات الإمبريالية خطرا. مما يعكس غباء الحكومات المتعاونة معها، ومن بينها العراقية، مقابل تصاعد الوعي العام بأن الضمان الوحيد لاي بلد هو الدولة الوطنية، مستقلة الإرادة، ذات إستراتيجيات بعيدة المدى اقتصاديا وتنمويا، وقوانين تعامل الانسان كقيمة عليا.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

شهادات المعتقلين والاختفاء

القسري بين تونس والعراق

هيفاء زنكنة

 

خلال الاسبوع الماضي، أصغيت لمعتقلين عانيا من التعذيب بكافة اشكاله. يفصل ما بين الاثنين المكان والزمان واسم الجلاد وان تشابهت ممارساته. المعتقل الأول هو العراقي علي القيسي والثاني هو التونسي بشير الخلفي. لم يكن لقائي بالقيسي شخصيا بعكس الخلفي الذي التقيت به أولا عبر كتابه «دراكة ـ ستار يحجب الحقيقة»، عن تجربة الاعتقال والسجن مدة 17 عاما، ثم التقيت به شخصيا في ندوة أقامتها منظمة « ألسن»، بتونس، تحدث فيها عن كتابه الجديد «المدغور». 
قد لا يتعرف الكثيرون على القيسي عند اللقاء به شخصيا، او رؤية صوره المنشورة وهو يتحدث في الندوات. الا انهم ستعرفون عليه، حتما، حالما يرون صورته التي تم توزيعها في جميع انحاء العالم، واصبحت مطبوعة في الذاكرة الجماعية، عربيا وعالميا، كرمز للتعذيب في معتقل أبو غريب، ببغداد، من قبل قوات الاحتلال الأمريكي، وبصمت وتبرير الساسة العراقيين المتعاونين معه. علي شلال القيسي هو ذلك المعتقل الذي ارادوه بلا وجه ليحرموه من انسانيته، فاصبح وهو الموضوع على صندوق، مادا ذراعيه المربوطتين بالاسلاك الكهربائية جانبا، رمزا للأنسان المعذب، كاشفا عن الوجه القبيح لأدعياء حقوق الانسان. 
تزامن اصغائي للخلفي والقيسي مع انعقاد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فى جنيف، في دورته الحادية والثلاثين. فما يجمع الاثنان، بالاضافة إلى تعرضهما للاعتقال والتعذيب، اختيارهما النشاط في مجال الدفاع عن حقوق الانسان، كطريقة يواصلان خلالها نضالهما السلمي، لتحقيق العدالة والكرامة. فأسس القيسي جمعية «ضحايا الاحتلال الأمريكي في العراق» وأسس الخلفي جمعية «صوت الأنسان» لتكون «صوت الانسان ضد القهر والظلم والقمع وطمس الحقائق من اي…كائن كان».
اختارا ان تكون تجربتهما لا اداة انتقام يتماثلون من خلالها مع الجلاد بل مسارا يتسامون فيه على نزعات الانتقام، لأيمانهما بانها ستقود، بالنتيجة، إلى خرابين : شخصي وعام. خراب الذات والبلد. 
تحدث القيسي، في ندوة عقدها «مركز جنيف الدولي للعدالة»، عن أوضاع حقوق الانسان في العراق. مركزا، بصوت الشاهد الذي عاش تجربة مريرة لا تمحى من الذاكرة، على جرائم الاحتلال الأمريكي وكيف شرعنت استمرارية استخدام التعذيب، في السنين التالية، تحت مسميات وأعذار متعددة. في شهادته، وثق القيسي، بالصور، مظاهر قاسية من أساليب التعذيب وتحدّث عن حالات لمعتقلين آخرين، من بينهم اكاديميون ومثقفون، كانوا معه في السجن وتعرضوا لأبشع صنوف التعذيب. واكد ان الاحتلال، ورغم استخدامه كل هذه الأساليب البشعة، الا انه فشل فشلا تاما في التأثير على مواقف هؤلاء المعتقلين بل ان ذلك زادهم صلابة وإصرارا على موقفهم المبدئي.
يهدي بشير الخليفي كتابه الاول «دراكة» عن تجربة الاعتقال والتعذيب والحبس « لكل واحد رفع الصوت من غير ما يخاف من الموت… وكل انسان بتهمة «الفكرة» يشنقونه، ومن غير عنوان يدفنونه». مؤشرا بذلك إلى موضوع كتابه الثاني «المدغور» أي المخفي في مكان لا تصله العيون، والمطعون غدرا، عن ضحايا الاختفاء القسري، وأحدهم هو كمال المطماطي الذي يحكي الخلفي قصة اعتقاله وتعذيبه ومن ثم اختفائه، على مدى عشرين عاما، وانعكاسات ذلك على زوجته نفسيا وجسديا وقانونيا، اذ بقيت معلقة في برزخ مظلم من عدم المعرفة بمصيره ومعاناتها لعدم وجود وثيقة رسمية تثبت وفاته.
يتساءل كمال «هل سمعتم عن ميت بلا جثة ولا شهادة وفاة ؟ وتصر الوثيقة على اني موجود حي، رغم اني ميت»، تاركا للذاكرة الانسانية التي «لا يستطيعون طمسها أو تغيير معالمها لأنها حية إلى الأبد كما الحقيقة» مسؤولية سرد وتوثيق اختفائه والمطالبة بكشف الحقيقة. ليصبح كمال، كما بقية المختفين قسرا، وقضاياهم المعلقة، بالنسبة لبشير الخلفي والناشطين في مجال العدالة الانتقالية، هي الحقيقة. 
هل من امل بتطبيق العدالة الانتقالية بتونس مع تعرض سيرورتها للكثير من المصاعب بعد مرور خمس سنوات على الثورة؟
نعم، يؤكد بشير الخلفي «لأن تطبيق العدالة هو الذي سيجنب تونس فصلا مؤلما لا نريد أن يتكرر. وما مورس علينا يجب الا نمارسه على غيرنا». تم تقديم 27 ألف قضية إلى هيئة الحقيقة والكرامة حتى الآن. وأعداد ضحايا العهدين السابقين المتوجهين إلى هيئة الحقيقة والكرامة للإدلاء بشهادتهم وبما سُلِّط عليهم من انتهاكات طالتهم وطالت عائلاتهم، وكما ذكر أحد الضحايا على موقع الهيئة «يجب أن نتعاون جميعًا لمحاسبة الجناة ولكي يأخذ كل ذي حقٍّ حقّه، يجب الإدلاء بالشهادات على المظالم لحفظ الذاكرة وللتاريخ». 
وهذا ما يطمح اليه بشير الخلفي، وعدد آخر من ضحايا الاعتقال التعسفي الذين اختاروا كتابة تجاربهم المؤلمة ليطلع عليها الناس، وليوثقوا، لئلا يكرر التاريخ نفسه تعذيبا واهانة وسلبا للكرامة. ويشكل اعتراف محكمة تونسية يوم 30 حزيران/ يونيو 2015، بقتل كمال المطماطي بتاريخ 8/ 10 /1991، وحكمها بوفاته والأذن لعائلته باستخراج حجة وفاة، خطوة اولى نحو كشف الحقيقة في سيرورة تقتضي خطوات عدة و فترة طويلة لإنجازها كما لاحظنا في جنوب أفريقيا. 
بالمقارنة مع تونس، يغلف الصراع السياسي والمحاصصة الطائفية والعرقية حالات الاختفاء القسري، واذا ما حدث تحقيق فهو انتقائي على الرغم من تجاوز اعداد المختفين مئات الآلاف من كافة شرائح المجتمع. إذ لا وجود لنص قانوني يجرم ممارسة الاختفاء القسري. واعتبار الاختفاء القسري جريمة ضد الانسانية، كما تنص اتفاقية الأمم المتحدة، يطبق فقط على فترة حكم البعث ( 1968 ـ 2003) وكذلك قانون حماية المقابر الجماعية، تاركا كل ما حدث بعد الغزو، ربما باستثناء جرائم الدولة الإسلامية (داعش)، بلا تشريع قانوني، مما يمنح المجرمين من الميليشيات والقوات الامنية، حرية ارتكاب الجرائم بلا مساءلة أو عقاب، خالقا في ذات الوقت حاضنة طبيعية للظلم والانتقام.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

وتسألون لماذا لا تضحك

المرأة العراقية بعيدها!

هيفاء زنكنة

 

اليكم كيف سيتم الاحتفال الرسمي بعيد المرأة في العراق. سيقف حيدر العبادي، رئيس الوزراء وقادة حزب الدعوة الإسلامي، في قاعة مكتظة بالمسؤولين من الرجال، مع مراعاة جلوس الوزيرة اليتيمة في حكومته وعدد من النائبات في الصف الأمامي لتزيين القاعة والتقاط الصور والبث الاعلامي. لن يختلف خطاب العبادي، هذا العام، عن خطابه في العام الماضي، والعام المقبل ان بقي في منصبه أو جاء غيره من ابناء العملية السياسية.
مضمون الخطب الرسمية المضمر، ازاء المرأة، واحد، والخطاب المعلن لأغراض اعلامية واحد. الخطابان متوازيان لا يلتقيان، في ظل حكومات الاحتلال بالنيابة. لذلك ستبقى المرأة مهمشة، تعاني الإقصاء في الحياة العامة، وقد سلبت منها، كما يتم سلب ثروة البلاد فسادا، حقوقها وانجازاتها التي نالتها بنضالها عبر العقود السابقة للاحتلال وبدعم من رجال مؤمنين بكونها انسانة ومواطنة مساوية لهم حقوقا وواجبات. 
في خطابه، بمناسبة يوم المرأة، في العام الماضي، اجتر حيدر العبادي ان «المرأة تمثل رمز التقدم والتطور في البلاد، وهي من تصنع قادة البلاد والمجتمع «. وأشاد «بدور المرأة وهي تقف مع أخيها الرجل في ساحات القتال في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي». أهان العبادي المرأة عدة مرات. 
أولا لأنها المسؤولة عن صناعة « قادة» البلاد، أي حرامية البلاد، بمقياس الموجود حاليا. ثانيا : انه يخاطبها كمصابة بمرض الخرف. انها بلا ذاكرة تأخذها أبعد من اللحظة، حين يختزل نضالها متمثلا بمواجهتها تنظيم الدولة الأسلامية (داعش)، متعاميا عن جرائم الاحتلال وعملائه، منذ عام 2003، أي قبل ولادة داعش بزمن، ليبرّئ نفسه وشركائه من المسؤولية، غاسلا أيديهم، من دماء الضحايا، بصابون داعش المعقم. 
هل من صفحات تتسع لما مرت به المرأة وعائلتها من انتهاكات وجرائم خلال 13 عاما الأخيرة ونزلت بها إلى مستوى ان تكون حاملة للمآسي والفجيعة، وهي تدور بين المعتقلات وثلاجات الطب العدلي باحثة عن أحبتها، عن زوجها وولدها ووالدها؟
ماذا عن المعتقلات والنازحات مع اطفالهن في خيم الامم المتحدة او الخرائب المكتضة في المدن، او في المساجد ؟ عن رشاش الموت الذي بات يحصد شبابنا ايا كان دينهم او عرقهم او مذهبهم؟ هل من بيت ينعم بالأمان والطمأنينة؟
هل من صورة لعراقية لا ترتدي السواد على ضحايا اليوم رافعة يديها نحو السماء مرددة: «حسبي الله ونعم الوكيل»؟ 
إمعانا في رش الملح على الجروح، يبشر العبادي المرأة بمناسبة عيدها، بأنه «سيعمل على إطلاق سراح المعتقلات البريئات والمعتقلين الذين مرت فترة طويلة على احتجازهم». ترى ألم يخطر ببال رئيس الوزراء هذا، خريج بريطانيا، الموصوف بأنه ذو عقل علمي او مدني، أن يتساءل عن سبب وجود البريئات في المعتقلات والمحتجزين بلا محاكمة؟
أليس هذا اعتراف صريح، بجريمة ضد المواطنين، وتتوجب محاسبته عليها قانونيا، لو كان في العراق قضاء مستقل؟ ألا يعرف هذا العبادي كيف تعامل المرأة المعتقلة، وكذا الرجل، في المعتقلات السرية والعلنية ؟ وكيف يوقع المعتقل الذي يتفنن الجلادون بتعذيبه على كل الاعترافات المطلوبة، مهما كانت غرائبية، إلى حد الاعتراف بتفجير النفس عدة مرات؟
يعترف العبادي بوجود 164 «إرهابية» معتقلة. وبطبيعة الحال لا أحد يعرف حقيقة التهم وان كان تقرير هيومان رايتس ووتش المعنون «لا أحد آمن: انتهاك حقوق المرأة في نظام العدالة الجنائية العراقي»، الصادر أثناء انطلاق التظاهرات، عام 2014 في الأنبار، المطالبة باطلاق سراح المعتقلات، يلقي الضوء على حال المعتقلات وجاء في ملخصه: «إن السلطات العراقية تحتجز آلاف السيدات العراقيات من دون وجه حق، وتخضع الكثيرات منهن للتعذيب وإساءة المعاملة، بما في ذلك الانتهاك الجنسي. وكثيراً ما يلجأ القضاء العراقي الضعيف، المبتلى بالفساد، للاستناد في أحكام الإدانة إلى اعترافات منتزعة بالإكراه، كما تقصر إجراءات المحاكمات بدون المعايير الدولية. تعرض العديد من السيدات للاحتجاز طوال شهور أو حتى سنوات دون اتهام قبل العرض على قاض». وهو بالتحديد ما يعترف به العبادي، عن سذاجة أو استهانة، بعد عامين من التظاهرات وما تلاها من إرهاب حكومي، حين يعد بالعمل على إطلاق سراح «المعتقلات البريئات»، وان كان، ليس الوحيد في هلوسة اطلاق الوعود. اذ ينافسه أمين حزبه السابق نوري المالكي، في اجترار الوعود الرنانة «لمواصلة العمل من مختلف المواقع من أجل تحسين حياة النساء وظروف عملهن وتعليمهن وذلك في مجتمع حر عادل تتكافأ فيه الفرص أمام الجميع». 
فهل نضحك للتهريج الرسمي بمناسبة عيد المرأة أم نشارك، لفرط الأسى، في مجالس اللطم على مدى ألف عام مقبل؟
يقال إن الضحك أسلوب للمحافظة على النفس وسلامة العقل، وهي وصفة جربتها المرأة العراقية على مدى عقود الحروب والحصار ومقاومة الاحتلال والإرهاب، الا انها لم تعد قادرة على الضحك. فهي مسيجة بالخراب والموت المجاني والنزوح وفقدان الأمل. هذا هو الواقع الذي أردت تحاشي الكتابة عنه. لأنني أردت، بمناسبة العيد، ان اكتب عن المرأة بطريقة تليق بها وتحيي الأمل في النفوس، اذ ما الفائدة من زيادة الهم هما غير إصابتنا بالعجز والإحباط؟ أردت الكتابة عنها كمبدعة من الأدب والفن التشكيلي إلى السينما والمسرح.. عن الرائدات، اللواتي لايزلن يحملن مشعل الذاكرة الجماعية متوهجا، وعمن توجهن نحو العلوم ليصبحن مثالا يحتذى عربيا وعالميا، وعن الألق الذي يشع من وجوهن الفرحة بالانجازات. ولكن، كيف الاحتفال والوطن محتل، يخطط لتقسيمه كل من هب ودب، وربع أهله، انت واطفالك من بينهم، قد أجبروا على مغادرة بيوتهم؟ سامحينا أيتها المرأة المعطاء، فما من مساحة للاحتفال في القلب، الآن، ونحن نشارك مظفر النواب وجعه على مدينتنا : فيا مدن الناس… مدينتنا تبكي.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

العراقيون يمزقون خرائط التقسيم

هيفاء زنكنة

 

بين فترة وأخرى، وبشكل شبه ممنهج، يصدر مسؤولون أمريكيون، حاليون او سابقون، تصريحات عن ضرورة تقسيم العراق أو نهايته. ترافق التصريحات، أحيانا، خرائط لعراق تمزقه سكين او يقطعه مقص بحدود جديدة لمناطق تفرض التقسيم الطائفي والعرقي. إطلاق التصريحات وما يعقبها من نفي ونقاش، هو تهيئة لجعل الخريطة الجديدة، مع غياب الفعل المقاوم، أمرا مقبولا وواقعا لامفر منه. واذا ما صدقنا مقولة إن التاريخ يعيد نفسه بشكل مهزلة، ما نراه في عراق مابعد «تحرير» 2003 لا يثير الضحك إطلاقا. انه تكرار مبتذل لخرائط تقسيم البلاد العربية منذ 100 عام، ومايراد منه، الآن، ان يكون النموذج لما سيليه من تفاصيل سترسم مستقبلنا للسنين المقبلة. مستقبل سيرانا راحلين ونحن نجر الحسرات على ما كان كما فعل أجدادنا، في الماضي. الأمثلة كثيرة، إلا ان اكثرها حضورا في الأذهان، لتشابه الكثير من معطياتها مع الوضع الجيوسياسي الراهن، هو تقسيم البلاد العربية كغنيمة حرب وفق اتفاقية سايكس ـ بيكو.
كانت هناك إشارات سريعة عن العراق في محاضرة د. بسام عبد القادر النعماني، سفير لبنان لدى تونس، التي ألقاها في مركز جامعة الدول العربية في تونس الشهر الماضي، بعنوان «الوطن العربي بعد 100 عام من اتفاقية سايكس ـ بيكو، قراءة في الخرائط». ذكر النعماني ان الاتفاقية وخريطتها المتعارف عليها لم تكن واحدة بل حصيلة سلسلة من الخيارات والخرائط التي غربلت وأدت إلى الاتفاقيات والخرائط السرية التي تم تعديلها عدة مرات، وبضمنها اتفاقات سيفر ولوزان، أي حتى بعد التوصل في ما بينهم إلى الشكل النهائي الذي رسم للبلاد العربية حدودها، وكرس تقسيمها إلى دول لم تكن موجودة تحت الامبراطورية العثمانية. كانت بداية رسم الخارطة في بداية 1915 بين فرنسا وبريطانيا وروسيا التي كانت حصتها القسنطينية والمضائق الرابطة بين البحرين الأسود والمتوسط، والنهائية بين الدول الثلاث في أيار / مايو 1916. ما يثير الاهتمام وقتها، ويتكرر الآن، هو محاولة المسؤولين العرب (مهما كانت مناصبهم) التظاهر بعدم معرفة تفاصيل ما يجري، والتعامل معه بعد انكشاف الحقيقة، باعتباره مؤامرة استعمارية خارجية تتنافى مع موقفهم الوطني. الحقيقة هي انهم يعرفون ويشاركون، سلبا او ايجابا، مباشرة او بشكل مباشر، في الـتخطيط الاستعماري وتغييب ما تريده الشعوب. فمفاوضات اتفاقية او معاهدة سايكس – بيكو تمت بعلم الشريف حسين عن طريق تغذيته بالوعود تارة في مراسلات موثقة وعن طريق استغبائه تارة أخرى. صحيح انه احتج حين علم بخرق بريطانيا لوعدها بالاعتراف بدولة عربية مستقلة واحدة، يكون هو حاكمها بطبيعة الحال، إلا انه اختار الاستمرار بتأييد بريطانيا والثورة ضد الاتراك على الرغم من إصدار بريطانيا وعد بلفور بإقامة وطن يهودي في فلسطين، الأمر الذي كان يرفضه العثمانيون. 
في نهاية محاضرته، أشار النعماني، إلى ان محاولات التقسيم الجارية حاليا ليست جديدة، وان خرائطها المتعددة الخيارات ترسم وتنشرمنذ زمن. هنا يواجهنا سؤال ملح، أحاول تجنبه عادة لفرط مايثيره من مخاوف: هل العراق ماض نحو التقسيم فعلا ؟ وما هو الموقف العراقي الرسمي والشعبي منه؟ 
بدأ تداول فكرة التقسيم بعد الاحتلال الانجلو أمريكي، عام 2003، وتأسيس مجلس الحكم وفق محاصصة طائفية ـ عرقية، انعكست بشكل مباشر على مؤسسات الدولة، بكافة مستوياتها، والخطو التدريجي نحو استقلال اقليم كردستان كحقيقة واقعة، مقابل إنشاء اقليم «الجنوب». ومع فشل فكرة التقسيم الأولى نتيجة الرفض الشعبي، ولوضع حد للمقاومة ضد الاحتلال، سقيت الطائفية بسخاء عبر أحزاب فاسدة باتت تتنافس مع المحتل وتفاوضه سرا على تقسيم البلد. فصارت فكرة التقسيم حلا ناجعا يطرحه المحتل ليخلص الشعب من نفسه. كان هنري كيسنجر من أوائل «الحريصين» على سلامة العراقيين، فطرح فكرة تقسيم العراق إلى دويلات. تلاه جو بايدن، نائب الرئيس الأمريكي، مؤيدا فكرة الدويلات الكردية والسنية والشيعية ليجنب العراقيين محنة الاقتتال الطائفي العرقي. وهي الفكرة التي دفعها جانبا إلى حين داعيا إلى توحيد القوى لمواجهة الدولة الإسلامية. أما مجلة التايم الأمريكية فقد كشفت في تقرير بعنوان «نهاية العراق» عن تفاصيل خطة التقسيم: دولة كردستان في الشمال ودولة السنة بمحاذاة سوريا، أما الثالثة فللشيعة، ومكانها في الجنوب. وان بقيت بغداد مصدر خلاف. وصرح ريموند أديرنو، رئيس الأركان الأمريكي السابق (1 آب/أغسطس، 2015) بأن « تقسيم العراق ربما هو الحل الوحيد»، وأن «العراق لن يبدو في المستقبل كما كان عليه في الماضي».
هل معنى ذلك انهيار اتفاقية سايكس ـ بيكو؟ نعم، أكد مايكل هايدن، الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية، قائلا «ان ما نراه هو انهيار الحدود التي رسمت في معاهدات فيرساي وسايكس ـ بيكو» ملخصا الوضع «بأن سوريا لم تعد موجودة، والعراق لم يعد موجودا. ولن يعود كلاهما أبدا».
أما الموقف الرسمي لأحزاب العملية السياسية، سواء كانت شيعية او سنية، عرقية او علمانية، فإنه يجمع ما بين الادعاءات بالوطنية والمفاوضات السرية، مع أمريكا. تساندها دول اقليمية، يهمها استخدام دويلات المستقبل، كبيادق لصراع القوى في المنطقة. 
ولا يزال الموقف الشعبي، حتى الآن، بضمنه التيارات الوطنية المقاومة للاحتلال، العائق الأكبر أمام تنفيذ التقسيم، على الرغم من مرور 13 عاما على الغزو، وتشكيل حكومات احتلال بالنيابة، وتفشي الفساد المالي والإداري والأخلاقي والديني. في خضم هذه الأحداث، قد يتوهم دعاة التقسيم، العاملين خفية على رسم خرائط دويلات الطوائف، أنهم قادرون على تمزيق العراق، متعامين عن حقيقة ان من قاوم أكبر قوة عسكرية في العالم، وأجبرها على الانسحاب المبكر وإعادة هيكلة الجيش الأمريكي، سيكون قادرا على تمزيق خرائطهم ليبقى العراق موحدا، جامعا لكل مواطنيه.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

عروض مغرية لشراء

 الأعضاء البشرية من العراق

هيفاء زنكنة

 

لنظريات المؤامرة موقع متميز في فهمنا وتحليلنا للقضايا، من صغيرها إلى كبيرها، في البلاد العربية. ولا تقتصر على بلد عربي دون غيره. انها، على اختلاف مستوياتها، انعكاس لمخاوفنا وشكوكنا ازاء ما نواجهه ولا نجد، احيانا، تفسيرا منطقيا له. وهي، ان لم تكن ضمن حملة ذات اهداف ايديولوجية ووفق تصنيع دعائي مبرمج، الطبقة الأعمق، في الذات الانسانية، وبالتالي البنية الاجتماعية، للتحصن ضد ما يهدد وجودها.
لا ادري لماذا فكرت بنظرية المؤامرة وأنا اقرأ خبر ارجاء مجلس النواب العراقي، منذ ايام، التصويت على مشروع قانون تنظيم زرع الاعضاء البشرية ومنع الاتجار بها. ما فكرت به هو قسم الشائعات – التي يتداولها الناس عن المستشفيات الخاصة والعامة، وسماسرة الأعضاء البشرية، والساسة المتواطئين في تجارة، قد تقل ربحا عن صفقات السلاح والاجهزة الأمنية غير الصالحة للاستعمال، الا انها، بالتأكيد، مصدر غنى لا يعوضه الاعتماد على الراتب الحكومي فقط.
تمتد النظرية لتشمل احد اسباب فتح باب اللجوء إلى اوروبا. سألني احدهم عن سبب قبول الغرب، فجأة، لأعداد كبيرة من اللاجئين. فحدثته عن الضغوط السياسية والحاجة الاقتصادية و…قاطعني هامسا كأنه يفشي لي سرا: «انهم يحتاجون الاعضاء البشرية».
تبين لي من بحثي في الموضوع، ان لنظريته، مهما كان اسمها، أساسا حقيقيا سواء في داخل العراق أو خارجه، رغم عدم كونها العامل الأهم في الكارثة العامة لبلداننا. ففي داخل العراق، هناك سوق يديره سماسرة يرتزقون ببيع الأعضاء البشرية ضمن شبكة متداخلة من الأفراد، تتقاطع فيها المصالح، بدءا من الزبون الذي يعرض كليته، مثلا، للبيع، وانتهاء بالمشتري.
تدل الأخبار الموثقة الواردة، خاصة من العاصمة بغداد، بحكم تمركز المستشفيات الخاصة فيها، ان سوق بغداد للأعضاء البشرية، لم يعد سرا خفيا، وان ممارساته غير القانونية، معروفة على خارطة التهريب العالمية. وان المريض الغني لن يجد صعوبة في انتقاء الكلية التي يحتاجها. فالباعة كثر بسبب الفقر والحاجة المادية الماسة، والسماسرة متوفرون للتنسيق بين البائع والمشتري من جهة وبين المستشفى والجراح الذي يجري العملية والممرض الذي يوفر الرعاية الصحية من جهة أخرى. وقد لا تتم عملية البيع والشراء بعلم الجراح، الا ان سكوته والممرضين وكوادر المستشفيات، عن كيفية الحصول على الاعضاء، يساهم، في انتشار تجارة الاعضاء البشرية ويجعله شريكا فيها. وهي تجارة لا انسانية، مبنية على الاستغلال المادي، وتنتشر اثناء الحروب بسبب ضعف الرقابة الحكومية أو بالاتفاق مع الجهات الرقابية الفاسدة. وقد بلغ جشع المتاجرين بالاعضاء، بالعراق، حدا وحشيا حين باتوا يحصدون اعضاء ضحايا التفجيرات. وغالبا ما يقع الاحياء من باعة الاعضاء، المعوزين، في فخ الاحتيال ولا يحصلون على الثمن الذي قايضوا اعضائهم مقابله. فتكون خسارتهم مزدوجة. 
من بغداد إلى اقليم كردستان، وفرت مخيمات النازحين المحليين والمهجرين السوريين، مجالا واسعا للاستغلال والتجارة بالناس، فتوالت التقارير في الاقليم، باعتراف المسؤولين، عن انتشار عصابات تجارة البشر وبيع وشراء الكلى، وامتداد نشاطها عبر وسطاء إلى بغداد او بالعكس، على الرغم من اشتراط القوانين في كلا الجانبين على وجوب طوعية التبرع وبلا مقابل مع توفر شروط الرعاية الصحية للمتبرع. واذا كان العراق قد مهد، منذ غزوه عام 2003، لأن تشهد المنطقة عملية أكبر هجرة ونزوح منذ النكبة الفلسطينية عام 1948، فان عدد المهجرين السوريين بات يحتل المركز الأول في المأساة الكارثية، لتختلط وقائع استغلال المهجرين من قبل العصابات بانواعها. 
ففي تركيا، مثلا، القي القبض، نهاية كانون الاول/ديسمبر 2015، على الاسرائيلي بوريس وولفمان، المطلوب من قبل الانتربول، اثناء تواجده في اسطنبول ليقنع المهاجرين السوريين ببيع الكلى حسب صحيفة «دويتش فيل» الالمانية التي ذكرت تعليقا لسمسار لبناني بان ازدياد اعداد المهاجرين السوريين جعل «الباعة أكثر من المشترين». 
قد لا يكون سبب فتح ابواب الهجرة لطالبي اللجوء إلى اوروبا هو «حاجة الغربيين للاعضاء البشرية»، وفق نظرية المؤامرة، الا ان تقارير المنظمات الدولية، بضمنها الأمم المتحدة، تؤكد تزايد عصابات الاتجار بالبشر وبالتالي تجارة الاعضاء بشكل طردي مع زيادة اعداد النازحين والمهجرين. وهي تجارة عابرة للدول، كما يفصل تقرير البرلمان الاوروبي، لعام 2015، ويطلق عليها تسمية « سياحة زرع الاعضاء». وأشهرها، بين الدول العربية، حاليا، هي لبنان ومصر. وتشكل تجارة الاعضاء 12 بالمئة، من مجموع المتاجرة بالبشر، في اوروبا. وتتصدر اسرائيل قائمة الدول التي تنفذ فيها عمليات شراء الاعضاء والانسجة البشرية للزرع او للبحوث. 
كما تدل دراسة البرلمان الاوروبي لأربع قضايا تهريب فضائحية كبيرة، في العالم، ان مديريها اسرائيليون وتوازي ارباحهم ما يربحه مهربو المخدرات. اذ بينما يدفع الزبون، مثلا، مائة ألف يورو ثمنا لكلية، يتلقى البائع ثمنا ضئيلا ليحتفظ السمسار ببقية المبلغ ربحا صافيا. 
يذكر التقرير ان سماسرة الاعضاء بالعراق يتميزون عن غيرهم بعروضهم المغرية للزبائن بشكل صفقة متكاملة. اذ يشمل السعر النهائي كافة التكاليف منذ لحظة استخلاص العضو إلى زراعته والرعاية الكاملة للزبون. وانا اقرأ ان تجارة الاعضاء لا تزدهر الا بوجود الفساد الحكومي، بمستوياته، وغياب الوازع الاخلاقي، أتساءل: هل بقيت، في النفس مساحة لغير الغضب على فساد حكومة واحزاب وساسة يتفرجون على مأساة ساهموا، بشكل مباشر او غير مباشر، بخلقها؟ هل هناك قائمة جرائم عالمية بحق الشعوب لم يتصدرها النظام العراقي بعد؟ وهل من بديل للنازحين والمهجرين غير الهرب حتى ولو كلفهم ذلك بيع اعضائهم في بلدان تتحقق فيها نظريات المؤامرة؟

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

رسم مستقبل

 العراق بالنقاط الملونة

هيفاء زنكنة

 

لست ممن يجيدون قراءة الخرائط، عادة، ولكن خارطة العراق الملحقة بالتقرير الأسبوعي لـ»مؤسسة دراسة الحرب»، الأمريكية عن الوضع العراقي، من 2 -11 شباط / فبراير، لا تحتاج إلى خبير في علم الخرائط. تتناثر على وجه الخارطة، مثل حب الشباب على وجه مراهق، نقاط بيضوية ملونة. ترمز النقاط وألوانها، كمفاتيح لفهم الوضع العراقي المتشابك واتجاهاته، الى: النقطة الوردية بخطين متوازيين هي قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا. نقطة المليشيا الشيعية وردية سادة، القوات العراقية الخاصة خضراء، العشائر السنية ضد الدولة الإسلامية ( داعش) زرقاء، البيشمركة بنفسجية، وداعش، بطبيعة الحال، هي النقطة السوداء. 
هناك مفاتيح أخرى لتوضيح الوضع: هالة حمراء للدلالة على القتال العنيف، طائرة سوداء تبين مناطق قصف قوات التحالف، طائرة خضراء للقصف العراقي، وسيارة صفراء للاشارة إلى فشل عمليات انتحارية وتفجيرات. لا ادري إذا كانت للالوان التي تم انتقاؤها رمزية معينة، إلا انني اعرف بأن اختيار هذه الالوان، عسكريا، سيساهم، إذا ما تمعنا جيدا فيها وحاولنا فهم دلالاتها، في تغيير نظرتنا إلى الالوان كلغة رمزية وأداة تعبيرية. 
ما استوقفني في الخارطة، أكثر من غيره، وأنا احاول فرز النقاط الملونة عن بعضها، لكثرة تقاربها وتداخلها، أحيانا، وبعيدا عن القصف، بنوعيه، وعمليات القوات الخاصة واقتتال المليشيات والتفجيرات، وجود رموز تصويرية / ثلاثة أشكال انسانية موزعة في ارجاء العراق كله. تتخلل هذه الاشكال بقية الرموز، وبانتشار أكبر منها، للدلالة على مواقع المظاهرات في المدن الرئيسية، وهي معلومة قلما يتم الانتباه اليها، كما يجب. بل، غالبا، ما نجدها مبعثرة ومن الصعب التقاطها، في خضم احداث العنف والفساد والاقتتال اليومي، فضلا عن التجيير السياسي لهذه المظاهرة أو تلك. من الواضح ان هدف رسم الخارطة ليس التركيز، بشكل خاص، على المظاهرات، بل ان التقرير المقتضب الذي يرافقها، يركز على تصريح مدير الاستخبارات العسكرية الأمريكية الجنرال فنسنت ستيوارت، أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، القائل بأنه «من المستبعد تنفيذ عملية بقيادة العراق لاستعادة مدينة الموصل، معقل تنظيم الدولة الإسلامية، في العام الحالي». 
تأتي أهمية الخارطة من التنبيه إلى شيء معين اولا وتحليل العلاقة بين العناصر الموجودة على الخارطة ثانيا. يدل تحليل الخارطة من ناحية توزيع رموز المظاهرات على ان عددها أكبر مما تتم تغطيته إعلاميا، وانها لا تقتصر على منطقة معينة دون غيرها، كما يشاع من قبل ساسة النظام ويسوق إعلاميا. وان كثافتها في مواقع معينة، خاصة في جنوب العراق، في مدن البصرة والناصرية والعمارة والسماوة، بالاضافة إلى المدن ذات الرموز الدينية كالنجف وكربلاء، يتطلب دراسة العلاقة بينها وبين ادعاءات النظام واحزابه بأنه يمثل طائفة سكانية معينة، وأنه يعمل على إزالة المظلومية عنها وبناء الحياة الكريمة لها. اذ تشير المعلومات المتوفرة عن مطالب المتظاهرين والمعتصمين، في هذه المدن، كما هو حال المتظاهرين في غيرها، بأنها، على الاغلب، مطالب معيشية (دفع الرواتب المتأخرة لأشهر مثلا) وخدمية (توفير اساسيات الماء والكهرباء والمجاري)، ووضع حد للفساد المالي والاداري، وتوفير فرص العمل حسب الكفاءة، أي كل ما يحفظ للانسان كرامته وعزة نفسه.
لا تقتصر المظاهرات على وسط وجنوب العراق فحسب بل انها تمتد إلى شماله ايضا. فدفع الرواتب إلى الموظفين والمستخدمين متوقف او متأخر منذ اشهر في أقليم كردستان باعذار مختلفة منها ان الاقليم يعيش أزمة مالية خانقة بسبب قطع الحكومة المركزية مخصصات من موازنة الإقليم وانخفاض اسعار النفط. ماذا عن أموال السنوات التي شهدت ارتفاع اسعار النفط وشهر العسل مع الحكومة المركزية؟ لا يشير ساسة الأقليم إلى حجم الفساد الذي يسبحون فيه ولا يضاهيه حجما وانتشارا غير فساد الحكومة المركزية. وقد حاولت حكومة الاقليم شراء سكوت البيشمركة والاسايش (الأمن) عن طريق ضمان صرف راتبهم بينما قررت مؤخرا صرف نصف رواتب الموظفين (عددهم مليون ونصف في الاقليم) الذين لم يتلقوا رواتبهم منذ شهر ايلول / سبتمبر من العام الماضي. إلا ان مظاهرات الاحتجاج لم تتوقف. امتنع التدريسيون، في محافظة السليمانية، عن استلام نصف الراتب، موضحين بانه لن يكون كافيا لتغطية مصاريف الحياة، خاصة مع ارتفاع الاسعار وتصاعد الخلاف السياسي بين الأحزاب الكردية ولجوء مسعود البارزاني، إلى اثارة موضوعات على غرار الاستفتاء على تقرير المصير والاستقلال، لتغطية المشاكل المتغلغلة عميقا حول اقتسام المناصب والأموال والمحسوبية والمنسوبية خاصة بين الحزب الديمقراطي، بقيادة البارزاني والاتحاد الوطني بقيادة الحاضر الغائب جلال طالباني. ومع ازدياد الهوة بين غنى المسؤولين وعوائلهم من جهة وبقية الناس من جهة اخرى، ومع انعدام مشاريع التنمية الصناعية والزراعية، باتت المظاهرات الاحتجاجية حدثا متكررا، يجابه احيانا بالعنف من رجال الشرطة. 
وليس هناك ما هو أدل على وحدة مطالب الناس، في طول البلاد وعرضها، من الشعارات التي يرفعها المتظاهرون. ففي مدينة السليمانية، باقليم كردستان، كان الشعار:»يكفي… قلوبنا تمزقت.. ويكفي السرقة». وفي العاصمة بغداد: «لجنة النزاهة تحتاج النزاهة». وفي مدينة كربلاء: «يا نواب ألغوا تقاعدكم… إذا ما تلغوه نلغيكم». وفي مدينة الديوانية: «الأمام الحسين مو بس أكل ولطم، الأمام الحسين ثورة على الظلم». و في البصرة: «باسم الدين سرقونا الحرامية».
واذا كانت الشعارات المعبرة عن غضب الناس المهمشين والمسحوقين، والمكتوبة بأخطائها النحوية غير مرسومة على خريطة العراق إلا ان الوجود الانساني المتمثل بكثرة المظاهرات وانتشارها، في جميع ارجاء البلاد، واضح وضوح الشمس، ودلالته لا تخفى، على الرغم من عتمة القصف والتفجير وتقاتل مختلف القوى فيما بينها.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

أمريكا في الشرق الأوسط:

أصدقاؤنا اشرار ولكن

هيفاء زنكنة

 

في ظل مؤتمر الدول المانحة للاجئي سوريا (4 شباط/ فبراير ـ لندن)، صدر تقريران للامم المتحدة عن العراق. يشير الاول الى وجود عشرة ملايين، أي ما يقارب ثلث السكان، بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية، بما في ذلك 3.3 مليون شخص نازح، منذ كانون الثاني/يناير 2014 فقط، ولم يذكر التقرير الاعداد السابقة لهذا التاريخ .
يتواجد آلاف الاشخاص في المناطق المحاصرة من قبل القوات المتقاتلة، غير قادرين على الهرب من آلة القتل اليومي. وحذرت السيدة ليز غراندي، منسق الشؤون الإنسانية في العراق، من توسع الأزمة وازدياد الوضع سوءا في الأشهر المقبلة.
يوثق التقرير الثاني الصادر عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، بداية الشهر الحالي، عن مقتلِ 849 مواطنا وإصابة 1450 آخرين جراء أعمال الإرهاب والعنف والنزاع المسلح خلال شهر كانون الثاني/يناير 2016. وكان تقرير سابق، قد وثق قتل ما لا يقل عن 18802 مدني واصابة 36245 آخرين في الفترة الممتدة من 1 كانون الثاني/يناير 2014 الى 31 تشرين الأول/اغسطس 2015. وتحذر معظم التقارير من أن الأرقام الفعلية يمكن أن تكون أعلى بكثير من تلك التي تم توثيقها.
لا يتسع المجال هنا لتلخيص كافة التقارير. اذ لم نعد نتحدث عن تقارير حقوقية سنوية. فحجم الكارثة أكبر من انتظار تقرير سنوي. هناك تقارير شهرية ويومية وتحذيرات ونداءات دولية وعراقية، يتلاشى بعضها في ضباب التضليل الاعلامي، وتلاعبات الفساد، بينما يختفي البعض الآخر في كومة التقارير عن اولوية كارثة على أخرى، في ارجاء العالم. مما يدفع الى التساؤل عن جدوى هذه التقارير المتراكمة من منظمات باتت اقرب ما تكون الى معمل لانتاج الورق؟ وفي أجواء الاحباط واليأس العام والموت الجاهز أبدا لافتراس المزيد من الضحايا، قد يبدو من الصعب اقناع الناس بجدوى أية مبادرة بعيدة المدى، فكيف بتقارير لمنظمات لا تملك سلطة اجبار الدول على تنفيذ التوصيات الانسانية وعلى الرغم من توقيع الدول المعنية للمواثيق الدولية وادعاءاتها المستمرة في احترام حقوق الانسان ؟
تكمن أهمية هذه التقارير، العراق مثلا، في توثيقها تدهور الاوضاع المزمن، والقاء الضوء على مآسي الحياة اليومية التي يراد طمرها تحت مفردات الديمقراطية ومحاربة الارهاب، من النزوح والهجرة الى الموت المجاني نتيجة قصف «تحالف الدول الصديقة»، والقصف الحكومي العشوائي، والاقتتال مع منظمات تولد وتموت وفق أجندات سياسية، يتزاوج فيها المحلي بالاقليمي والغربي. وان بقيت المشكلة الاساسية التي تواجهها المنظمات، هي الهوة الواسعة ما بين التوصيات والجهات التي يتوجب عليها تطبيقها، وهي في الواقع: النظام العراقي ـ العاصمة بغداد، اقليم كردستان ـ العاصمة اربيل، قوات التحالف الدولي بقيادة امريكا ـ العاصمة المنطقة الخضراء ببغداد، الميليشيات ـ العاصمة طهران، الدولة الاسلامية (داعش) ـ العاصمة الموصل. بين هذه القوى المختلفة يحاول الناس ايجاد محط قدم لحماية انفسهم وعوائلهم والمحافظة على كرامتهم.
المفارقة الموجعة هي ان هذه القوى التي تتعامل مع بعضها البعض بسياسات تراوح ما بين النزاع والاقتتال وطلب الحماية، يجمعها عامل مشترك هو الاستهانة بالشعب وكرامته بينما تسوق ما تقوم به بحجة حماية الشعب من نفسه وشروره وارهابه. حماية الشعب من نفسه لأنه يحمل صليب الطائفية على ظهره منذ 1400 عام، وحمايته من شروره لأنه يحمل جينات العنف في تكوينه منذ ايام سرجون، وحمايته من ارهابه لأنه حاضنة للارهاب، والا ما معنى احتلال داعش، لثلث العراق ؟
يؤدي تكرار هذه المحاججات الى القبول بها كمسلمات بديهية، والى شرعنة كل فعل اجرامي ينفذه ساسة النظام وقوات داعش والاحتلال ودعاة التقسيم والميليشيات الارهابية.
اتعمد هنا استخدام صفة « الارهاب» على افعال كل القوى المذكورة، لأن ما قام به المحتل الانكلو أمريكي سواء بواسطة جنوده او مستخدميه من العراقيين أو ماسببه جراء الغزو، لايقل ارهابا عما ترتكبه بقية القوى.
ويجب الا تنسينا شعارات « محاربة الارهاب» والتستر على كل الجرائم بحجة محاربة داعش، اسباب الارهاب الحقيقية التي يعزوها الفيلسوف الامريكي أندري فيتشاك، الى السياسة الاستعمارية، المسؤولة «منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى الآن، عن مقتل ما بين 50 و55 مليون إنسان، بسبب حروب بدأتها الدول الغربية، أو انقلابات عسكرية صنعها الغرب، أو حروب أهلية تسبب في اندلاعها، بالإضافة إلى مئات الملايين من الضحايا الذين تأثروا بطريق غير مباشرة وماتوا في صمت، ولفّهم النسيان».
ويعتبر العراق، منذ غزوه عام 2003، وعلاقته بالدول الاقليمية، التطبيق الأفضل لسياسة امريكا الخارجية المتأرجحة ما بين الاصدقاء «الأشرار» والاعداء وادعاءات حقوق الانسان. امتداد لتطور السياسة الخارجية التي ضمنها الرئيس كارتر الاشارة الى حقوق الانسان. الأمر الذي اثار استياء المحافظين الجدد « لأنه يضعف العلاقة مع انظمة صديقة قد لا يعجبنا سلوكها (لأنها فاسدة وتعذب مواطنيها وتقتلهم) لكن بقاءها اساسي لمقاومة الشيوعية»، كما ذكر الصحافي الامريكي جورج باكر في كتابه « بوابة الحشاشين»، مضيفا ما قاله أحد المحافظين الجدد « قد يكون اصدقاؤنا اشرارا ولكن اعداءنا أسوأ منهم». وينطبق الأمر، تماما، على التقلب الأمريكي الراهن بين ايران وبلدان الخليج وروسيا والنظام السوري، وعلى امتداد المنطقة العربية الاسلامية، بعد تحول بعبع الشيوعية الى الارهاب الاسلامي، باستثناء حركة طالبان التي تفاوضها أمريكا كحليف محتمل.
هذا هو جوهر السياسة الامريكية في العراق، سابقا وحاليا، وعلى اللاهثين لتقديم انفسهم كبديل لـ»ألاصدقاء الأشرار» الحاليين ان يعوا ان مصيرهم لن يكون افضل بكثير ممن سبقهم في ظل سياسة خارجية بلا مبادئ اخلاقية.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

المثقف العربي وراية من ليس معنا

هيفاء زنكنة

 

بات شائعا، هذه الأيام، تصنيف الناس حسب مواقفهم (مع أو ضد) من دول معينة. تلي التصنيف الأولي مرحلة اطلاق النعوت المسيئة، أخلاقيا، والشتائم العامة، هبوطا في سلم الاتهامات إلى التكفير العقائدي والمذهبي.
نلاحظ انتشار هذه الخصلة الاقصائية بين «المثقفين»، أكثر من غيرهم وفي المجال الإعلامي. واذا كان الرئيس السابق جورج بوش هو الحائز على امتياز اطلاق شعار «من ليس معنا فهو ضدنا»، تهيئة لارضية غزو العراق عام 2003، واذا كان اليمين المتطرف الأمريكي، متمثلا بالمحافظين الجدد، قد نجح في تحويل الشعار إلى مفهوم تم تكريسه عمليا، فان النخبة العربية، من ساسة ومثقفين، بلعته بلعا، لتعيد افرازه، محليا، بأشكال تراوح ما بين الاتهام بالعمالة والطائفية.
بعيدا عن تبادل الاتهامات بين الساسة، تبدو أكثر التصنيفات الاقصائية وضوحا وفجاجة بين الكتاب والإعلاميين وبدرجة أقل بين الاكاديميين، ويتمركز التصنيف على الولاء / عدم الولاء لدول معينة دون غيرها. تضم قائمة الدول التي يستند عليها التصنيف كل من السعودية وقطر، عربيا ـ إسلاميا، أيران وتركيا، اقليميا ـ إسلاميا، بالاضافة إلى الولايات المتحدة، الامبريالية، واسرائيل الاحتلال الصهيوني العنصري. وبينما يبدو، طبيعيا، وضع النقاط على الحروف حين يتعلق الأمر بمن يتعاون مع الكيان الصهيوني أو يدعم سياسة التوسع والهيمنة الامبريالية الأمريكية، تختل الصورة حين يتعلق الأمر ببقية الدول وتصنيفاتها الشائعة ما بين الوهابية والفارسية والعثمانية وحتى الصهيونية.
ولا يجد البعض غضاضة في اضافة التصنيف الذي أرسته سياسة «مكافحة الإرهاب» كالقاعدية والداعشية إلى القائمة ليزيد من حجم التأثير المتوخى، وهو تأثير ضار بكل المقاييس.
فبالاضافة إلى تقوية الاحساس العام بامكانية التصنيف الاقصائي، واستسهال توزيع الاتهامات بلا مساءلة او عقاب، تتشكل الارضية لتحوير مفهوم حقوق الانسان، من كونه مفهوما عالميا يطبق على الجميع، بلا استثناء، إلى جعله «حق» فئة بشرية معينة دون غيرها. وتعتبر القوانين الاسرائيلية المثال الاكثر وضوحا في التمييز العنصري المعلب بـ«الديمقراطية»، اذ تنص كلها على تقسيم المواطنين إلى «اليهودي» و»غير اليهودي»، مع تغييب الفلسطيني تماما من ارضه.
تواجهنا مفارقة كبيرة عند تمحيص الاختلاف في علاقة الدول المصنفة اقصائيا بحقوق الانسان، حين نكتشف، عدم وجود اي اختلاف، اذ تتطابق سياستها القمعية تجاه مواطنيها. ولنأخذ مثالا بسيطا استرعى انتباهي، اثناء قراءتي لبيانات «منظمة الدفاع عن الصحافيين» الدولية، حول اطلاق سراح عدد من الصحافيين واعتقال واختطاف آخرين.
فخلال شهر كانون الثاني/ يناير، اطلقت السلطات التركية سراح الصحافي العراقي محمد اسماعيل رسول بعد اعتقاله مدة 133 يوما، في معتقل «أدنا»، بتهمة «مساعدة منظمة إرهابية»، اثناء تغطيته، احداثا في منطقة ديار بكر. وتحتل تركيا المركز الخامس في قائمة اكثر الدول اعتقالا للصحافيين، خاصة المحليين منهم. ولايزال جان دوندار، رئيس تحرير صحيفة جمهورييت اليومية، وإرديم غول مدير مكتب الصحيفة، بانتظار محاكمتهما، بتهمة «التجسس وإفشاء أسرار الدولة».
وهي تهمة، غالبا، ما تلجأ اليها الحكومات لاخراس الاصوات الصحافية المستقلة. ولايزال الاثنان في المعتقل بانتظار المحاكمة.
في الشهر نفسه، اطلقت إيران سراح الصحافي جيسون ريزائيان، مراسل صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، المعتقل لمدة 544 يوما، بتهمة «التخريب»، مسجلا بذلك رقما قياسيا على بقية الصحافيين المعتقلين بإيران، حسب المنظمة. وجاء اطلاق سراح ريزائيان ضمن صفقة سياسية حول تبادل معتقلين بين إيران وأمريكا.
ومثل تركيا، تعامل إيران مواطنيها، في غياب المساءلة والرادع القانوني، بقسوة اكبر من الاجانب، مهما كانت تهمهم (فالأقربون أولى بالمعروف)، اذ لايزال هناك 18 صحافيا إيرانيا معتقلا، حسب جول سايمون، مدير عام منظمة الدفاع عن الصحافيين. وتتصدر إيران قائمة الدول الاكثر اعتقالا للصحافيين منذ عام 2009 وحتى الآن.
أما في السعودية، فقد حكم على المدون رائف بدوي بألف جلدة والسجن 10 سنوات، لقيامه بإنشاء منتدى إلكتروني للنقاش العام ولاتهامه «بالإساءة للإسلام». ولايزال أشرف فياض، الشاعر الفلسطيني المقيم بالسعودية، محكوما بالاعدام، منذ عام 2013، عقب شكوى من مواطن سعودي زعم فيها أن فياض يدعو للإلحاد ويروج لأفكار التجديف، في ديوانه الشعري «التعليمات بالداخل» الصادر عام 2008. على الرغم من تأكيد فياض أن أشعاره «تدور فقط حولي كلاجئ فلسطيني.. وحول قضايا ثقافية وفلسفية. ولكن المتشددين الدينيين فسروها بأنها أفكار هدامة وضد الإله».
تقودنا هذه الأمثلة، وهي غيض من فيض، عن سياسات حكومات قمعية ضد مواطنيها وفي مجال واحد هو الإعلام، إلى التساؤل عن آلية عمل عقول «النخبة» لدينا، التي تقضي وقتها لا دفاعا عن حقوق الانسان، في اي بلد كان، وضمن منظور انساني واحد، بل في انتقائية ادانة نظام دون غيره وتوجيه الاتهامات، لمن يخالفهم، بغزارة تراوح ما بين الظلامية الوهابية، ومجوسية الفرس، والعثمانية الداعشية. ويتبدى ضرر التصنيف الاقصائي الجاهز في استخدامه غطاء يشغل الناس ويلهيهم عن النظر إلى جملة الاسباب التي لا بد من بحثها اثناء تقييم أي نظام، ومن بينها : خدمة الهيمنة الاستعمارية، تسليم مقدرات البلاد بيد أعدائها، التسلط الطبقي والنهب والفساد، وما يترتب على ذلك من تجهيل الناس ونشر المرض والجريمة في الحياة اليومية.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

دعوة الشيطان الأكبر للعشاء!

هيفاء زنكنة

 

يبدو ان هناك تحولا تدريجيا في الدعاء الموجه إلى القوة العليا – أمريكا، في صفوف نظام «العراق الجديد»، برمته، لايستثني طائفة او عرقا. فنمو هذه الطبقة التي تأسست مع الاحتلال وتربت على يديه، سواء كانت من خارج أو داخل البلد، أصابها اليتم المفاجىء حين غادرها الأب الذي تعهدها ووفر لها الحماية، ولو كان رحيله غير كامل.
انعكست حالة اليتم المستدامة على سلوك وتصريحات ابناء حكومات الاحتلال بالنيابة، خاصة، وانهم لم يتمكنوا من كسب الناس، وتأسيس قاعدة شعبية توفر لهم الاستقرار والطمأنينة، على الرغم من لجوئهم، بداية، إلى اطلاق تصريحات مضللة للشعب عن السيادة والديمقراطية وحقوق الانسان، والأدهى من ذلك عن التحرر والتخلص من المحتل/الأب، بدون استبداله بأحد. ولأن هناك تفاوت، بين المنخرطين في النظام، في درجة الاحساس باليتم لاسباب ترتبط بالحاجة الآنية، والتاريخية الأسطورية، والمصلحة الشخصية، ومستوى الانغماس بالفساد، وضعف الوازع الاخلاقي، بالاضافة إلى تصاعد الطائفية والعرقية المؤسسة لما يطلق عليه د. سعد محيو «مشاريع الدويلات الأقوامية»، مقابل خفوت الولاء الوطني، طرحت في الاسواق الشعبية للاستهلاك المحلي، شعارات تبين حالة الشيزوفرينيا بين المحتمين بالمنطقة الخضراء، أنفسهم، من جهة وبينهم وبين من يدعون تمثيلهم من سنة وشيعة، من جهة ثانية. شعارات، على غرار «كلا.. كلا للمحتل»، تنثر مثل «حامض حلو» الاحتفالات على رؤوس المواطنين، في ذات الوقت الذي ينام فيه مطلقو الشعارات في سرير المحتل، بحثا عن دفء الأبوة.
في مستوى آخر للنيات المبيتة لمستقبل العراق، استنادا إلى واقع الحال اليومي، يواجهنا سيل تصريحات مضللة، بحاجة إلى الرصد، يطلقها الساسة عبر مختلف اجهزة الاعلام، بعد تغليفها بملابس الامبراطور العاري، أي محاربة الارهاب أو القاعدة أو داعش أو… أي مسمى آخر يتم استنباطه لتمديد أجل الفساد، والاحتلال، والاستيلاء على النفط بعد تفتيت البلد، وهو الأمر السائر نحو التنفيذ.
هناك من يحاجج من بين قيادة المليشيات، لتبرير الترحيب بالمحتل، ايا كانت جنسيته، بأنهم يرحبون بأية مساعدة كانت من أي بلد كان، لحماية بغداد. مما يعيد إلى الأذهان اصواتهم وهم يستنجدون بمن هدم ودمر بغداد في عام 2003. فهل تكرار الاستجداء، تحت غطاء مغاير، أمر يشكل صلب هذه القوى أم انه مرض الزهايمر الذي محا من الذاكرة قصف « الصدمة والترويع» لبغداد وأهلها؟ واذا كانت مساعدة أمريكا لداعش، كما يؤكد أحد قادة المليشيات «ليست موضع شك»، فلم الاستنجاد بها إلى حد انزال القوات العسكرية على الارض كما حدث أخيرا؟
أما في داخل البرلمان، فأن الاصوات المؤيدة للاستنجاد باية قوة خارجية تساوي اصوات دعاة الانفصال والتقسيم لحماية هذه الفئة من تلك، وتلك من هذه، والديمقراطية من الارهاب. وتسارع وفود الساسة والاحزاب، بشكل علني وسري – علني، إلى الحج اما إلى أمريكا أو السعودية أو إيران. هاهو تحالف القوى العراقية ( تكتل سني)، يرحب ( 23 كانون الثاني)، بنشر قوات أمريكية برية لأنه « سيعجل من عمليات تحرير المدن السنية المغتصبة»، حسب عضو المكتب السياسي للتحالف النائب محمد الكربولي، الذي حاول تدارك الطائفية والاستنجاد بالمحتل، قائلا: «إن ترحيبنا بنشر قوات برية أمريكية ليس قبولا بنمط جديد من الاحتلال». ما هو أذن؟ الا يقودنا هذا التبرير المبتذل إلى من حاولوا بيع الاحتلال باعتباره تحريرا، متسترين بالمظلومية، أم ان عمالة 2003 صارت تحريرا في 2016؟
هل ترون الصورة معقدة؟ استمعوا، اذن، إلى رأي علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى الاسلامي الإيراني (24 كانون الثاني/يناير)، محاججا، اثناء وجوده ببغداد: «كانوا يقولون إننا نحارب لأنه ليس هناك ديمقراطية في سوريا، ولكن هل الديمقراطية مفقودة هنا؟»، يعني ان العراق يعيش الديمقراطية بأبهى صورها، مؤكدا، لمن قد ينتابه الشك، ان «المشكلة ليست مشكلة ديمقراطية» وأن العراق طلب المساعدة لمحاربة الارهاب فاستجابت إيران. ولن أدخل في تفاصيل المشكلة، حسب لاريجاني، لأنها ستجرنا إلى متاهة من الذي خلق أولا البيضة أم الدجاجة، الا ان متابعة جرائم المليشيات التي وصلت أعدادها الأربعين، المدعومة إيرانيا، أكبرها مليشيا بدر عصائب أهل الحق، وهي مليشيا لا تجد حرجا في توجيه التهديدات وارتكاب الجرائم يمينا ويسارا، تحت عباءة حركة المقاومة الاسلامية، سيرينا نوعية وكيفية «استجابة» إيران لنجدة النظام العراقي، ولمصلحة من.
ما الذي يعنيه اطلاق نداء الترحيب بعودة قوات الغزو؟ هل اندملت جروح الاغتصاب في معتقلات المحتل ومرتزقته؟ أم أن الاستهانة بالمظلومين باتت مألوفة ومقبولة، في زمن اصبح الولاء فيه لغيرالعراق عاديا، وتهمة الداعشية جاهزة لأخراس وتخويف أي صوت مغاير، ومفهوم الوطنية اجتهاد في الرطانة، ومقاومة المحتل عمل غير حضاري؟
يقول الشيوعي المخضرم آرا خاجادور، في كتابه الرائع «نبض السنين- حول الصراعات داخل الحركة اليسارية والوطنية العراقية»، ردا على ما يسميه الفهم اليساري المسطح للتحضر، الذي يطرح حاليا، ويرى فيه نموذجا للذين يزرعون ويوزعون الأوهام: «كأن الاحتلال ليس ذروة اللاحضارة، وما علينا الا ان نتوسل إلى الاحتلال لكي يخرج من بلادنا، وهو سوف لن يتوانى عن فعل ذلك». متوصلا إلى خلاصة مفادها: «ان اي تجاهل لوجود الاحتلال الجاثم على انفاس شعبنا هو سقطة أخلاقية مروعة قبل مئات التوصيفات المروعة الأخرى». وهذا هو، بالضبط، اساس البلاء الذي يمر به عراقنا، اليوم، ولن يتمكن شعبنا من الصمود امام أعاصير الطائفية واللاوطنية، ما لم يتم الاعتراف بهذا الاساس وضرورة التخلص منه، لا استدعائه والترحيب به كلما ارتدى قناعا جديدا.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

نحو رسم

خريطة العراق الجديدة

 

هيفاء زنكنة

 

في رسالة مصورة موجهة إلى العالم، نسمع شابا عراقيا من سكان محافظة ديالى، شمال شرقي بغداد، يترحم على استشهاد شقيقه ثم يوجه بقلب لم يعد يتسع للمزيد من الموت، نداء لانقاذ ديالى التي تتعرض للذبح «فالجثث بالشوارع. وسيارات الميليشيات تجول الشوارع وتنادي عبر مكبرات الصوت، تطالب السكان من السنة بالخروج، تأمرهم بالرحيل والا قتلوا». ثم يتحدث بغضب عن الساسة المشاركين بالعملية السياسية على اساس تمثيل السنة، قائلا: «أطلع. استقيل. وصلت الدماء حد الركبة».
حين استقتل عدد من الأحزاب العراقية، منذ بداية التسعينات، على استقطاب الدعم الانكلو أمريكي لما أطلقوا عليه تسمية «تحرير» العراق، كانت وعودهم لعموم الشعب ذهبية، لامثيل لها، تراوح ما بين الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان.
وعدوا المرأة بسلة مملوءة بحقوق المرأة والمشاركة السياسية، بعد ان قدموها للعالم كضحية تعاني من الحيف والجهل.
وكانت الوعود، لمن تغذوا على « مظلوميتهم» وحين فوجئوا بأنهم، اولا وأخيرا، عراقيون، وطنيون، لا يرضون التفريط بوحدة وطنهم، تنص على ان وجود القوات الاجنبية خط أحمر لن يتجاوز الستة شهور، بعدها سيكون العراقيون النموذج المضيء، ديمقراطيا، في الشرق الاوسط.
مضت الستة أشهر التي عرف بها التيار الصدري والحكيم، ومضى معها مايقارب 13 عاما. ومن كان طفلا في 2003، عام الغزو، صار شابا أجبر على النزوح والهجرة (ان لم يعتقل ويقتل)، وهو ينتظر انقضاء الفترة الموعودة، كما انتظر «فلاديمير» و»استراغون»، في مسرحية « بانتظار غودو « للكاتب الايرلندي صموئيل بيكيت. في أعوام الانتظار، صار المواطن كرة قدم، ترميها وتتبادلها وتدحرجها، اقدام 22 لاعبا في لعبة يتم تمديدها، كلما ظن المواطن انها أوشكت على الانتهاء.
يعيش المواطن اليوم كابوسا، دائما، بلا ملامح. واذا كانت منظمة داعش قد تم تبنيها، سياسيا وإعلاميا، لتكون الوجه الأبرز في ترويع المواطن وإرهابه، فان حصره في زنزانات كونكريتية، بلا منافذ، وتعذيبه وقتله، من قبل ميليشيات، يطبل ويزمر لها باعتبارها البطل المنقذ، لايقل وحشية عن داعش.
واذا كانت صفة «المظلومية» قد استغلت، سياسيا، بشكل مشوه ليسيء، في النهاية، إلى ذات الطائفة التي استنبطت من أجلها، فانها وبدلا من تجاوزها كشرط أساسي للمحافظة على وطن يتسع للجميع، تم تكريسها، تاريخيا وأبديا، في ظل حكومات طائفية تشرعن الافعال الانتقامية.
ان الصمت على وحشية وجرائم الميليشيات، جريمة لا تغتفر، كما هو الصمت على جرائم المحتل، ايا كانت جنسيته، كما هو الصمت على جرائم داعش، كما هو الصمت على جرائم نظام لم يعد يمثل غير مصالح ذاتية لحفنة من الفاسدين، على كل المستويات، وتجاوزت الفساد المالي والاداري. لم يعد الصمت ممكنا ازاء حملات الاعتقال والتعذيب والتهجير القسري والتغيير الديموغرافي والقتل. جرائم تتم جهارا بلا وازع أخلاقي أو خوف من مسؤولية قانونية. هل تتذكرون كيف كانت الحكومات قبل الويكيليكس والتلفونات المصورة، ترتكب جرائمها خفية أو تتستر عليها، فلا تنشر تفاصيلها الا بعد مرور ثلاثين عاما، مثلا، خشية غضب شعوبها والرأي العام العالمي؟ الانظمة العربية اليوم، مثالها الابرز سوريا والعراق، على خطى الكيان الصهيوني والأمريكي، لا تخشى في الاعتقال والقتل لومة لائم. قتلة اليوم، في العراق، من داعش والحشد الشعبي والميليشيات، يصورون جرائمهم ويجدون لذة لا تضاهى في سادية ما ترتكبه ايديهم. انهم يتباهون بنشر وتوزيع افلامهم وهم يعذبون ضحاياهم، مفتخرين بكونهم استنساخا عراقيا، بصبغة طائفية، لجرائم التعذيب الوحشية الأمريكية في أبو غريب.
ومع تزايد أعداد الميليشيات وتصاعد الصراع بين مافيات الفساد، ضمن النظام نفسه، تنطلق بين الحين والآخر تصريحات تشي بعمق الإرهاب الذي يمارسه النظام واجهزته الأمنية بدعوى مكافحة الإرهاب. فمن قلب النظام نفسه، صرح رئيس مجلس القضاء الأعلى مدحت المحمود ( 11 يناير 2016)، بأن مجموع الموقوفين في عموم العراق، خلال شهرين فقط، من العام المنصرم، بلغ (23316) شخصًا، وأن موظفي القضاء تمكنوا من انجاز القضايا المتعلقة بالإرهاب تحقيقاً ومحاكمة وبمعدلات قياسية بلغت 27545 دعوى في دور التحقيق و6362 دعوى انجزت في دور المحاكمة. مما يعني ان اعداد المعتقلين بتهمة الإرهاب (وعقوبتها الاعدام)، قياسية حقا، خاصة إذا ما اخذنا بنظر الاعتبار فساد النظام القضائي، والاتهامات الكيدية، واستخلاص الاعترافات بواسطة التعذيب وعدم توفر أدنى شروط المحاكمات العادلة والنزيهة، حسب تقارير مجلس حقوق الانسان في الامم المتحدة.
ان يوميات العنف والانتقام، باشكاله، تحجب عن المواطن الامل بالمستقبل وتشعره بالعجز الكلي، مما يدفعه في ظل حكومة عاجزة عن حماية حقوقه، نحو التطرف والعنف المضاد. فما الذي يتوقعه نظام، فاشي، فاسد، من مواطنيه حين يحاول تجريدهم من انسانيتهم وكرامتهم عبر التهميش والاقصاء؟
ما الذي يتوقعه من مدن استبيحت ودمرت وتم رشها باليورانيوم المنضب والفسفور الابيض، من قبل المحتل الأمريكي، كما حدث في الفلوجة؟ وها هي فلوجة المقاومة محاصرة منذ شهور والمستشفى العام يوجه النداء اثر النداء طلبا للادوية والمواد الطبية، كما تزداد المعاناة في نقص الكادر الطبي المتخصص وفي غرف العمليات الجراحية، التي تنعدم فيها المستلزمات الطبية لمعالجة الجرحى جراء تزايد اعداد المصابين بسبب القصف العشوائي المستمر، فضلا عن عدم وجود اي لقاحات للاطفال، وازدياد حالات الوفاة في صفوفهم بسبب الجوع وعدم توفر الحليب؟ ما الذي سيؤدي اليه حرق المساجد والمتاجر، والمنازل، وقتل المدنيين الأبرياء وهجوم الميليشيات الوحشي على مدينة المقدادية، في محافظة ديالى، حيث بلغ عدد ضحايا الاعتداءات الدامية للمليشيات حتى يوم السبت، 169 قتيلاً وعشرات الجرحى والمفقودين؟ لا اعتقد ان النظام سيحتاج عرافا يتنبأ له بمستقبله إذا ما واصل السير على طريق الانتقام هذا.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

منافسات المقابر

الجماعية في العراق

 

هيفاء زنكنة

 

استقبل أهالي مدينة تكريت، محافظة صلاح الدين، في العراق، العام الجديد، باعلان القوات الأمنية العثورعلى مقبرة جماعيّة تضم 46 شخصاً.. ولا يزيد عمرها عن الأربعة أشهر». وهو أعلان، كان من الممكن ان يساعد اهل الضحايا على معرفة مصير احبائهم المفقودين، لو تم التعامل مع الحدث المأساوي بشكل انساني يكرس الحقيقة. إلا ان التعامل مع هذه المقبرة، كما أثبت مسار التعامل مع عشرات المقابر التي تم العثور عليها منذ غزو البلد عام 2003 وحتى اليوم، لن يتعدى الجانب الإعلامي والتقاط الصور وعقد المؤتمرات الصحافية، وتجريد الحدث من أي لمحة انسانية عبر تجييره، سياسيا، لصالح هذا الحزب أو ذاك.
وبدت ملامح نسيان الضحايا وأهاليهم واضحة، حالما عثر على المقبرة. اذ اعلن مسؤول في اللجنة الأمنية في مجلس المحافظة، أنّ «الجثث نُقلت إلى وحدات الطب العدلي، لأجل تحليلها ومعرفة هويات أصحابها». بينما سارع عضو مجلس المحافظة، أحمد الجبوري، بدلا من انتظار نتائج التحليل، إلى اتهام تنظيم «داعش». في ذات الوقت الذي لم يستبعد فيه، عضو مجلس عشائر صلاح الدين، الشيخ محمود أنّ «تكون المقبرة من ضحايا الميليشيات التي لم تقل جرائمها عن جرائم داعش». ولأن تكريت كانت لفترة تحت سيطرة داعش زمنا، قامت خلالها بحملات اعتقال وخطف وتصفيات، ثم أصبحت تحت سيطرة ميليشيات «الحشد الشعبي» زمنا آخر، نفذت خلالها حملات اعتقال وخطف وتصفيات، بات تشخيص القتلة، ناهيك عن تقديمهم للعدالة، في جو يهيمن عليه الخوف والأكاذيب والتهويل والمبالغات والتدليس السياسي، أمرا غير مرغوب فيه.
وكما يتضح من كيفية التعامل مع قضية المقابر الجماعية، على ضبابية تعريفها، لم يبذل النظام اي جهد لكشف حقيقتها، سواء من ناحية عدد المقابر، ومواقعها، وحقبتها الزمنية وهوية الضحايا وعددهم، ومن المسؤول عنها، على الرغم من كون المقابر الجماعية واحدة من الأسباب التي طالما استخدمت لادانة النظام السابق، وحث المجتمع الدولي على التخلص منه، لتحقيق العدالة للضحايا والمظلومين من الشيعة والكرد ( مما استثنى السنة وجعلهم، بالنتيجة، من المسؤولين عن المقابر). فرئيس الوزراء البريطاني توني بلير أوصل رقم ضحايا نظام صدام حسين، في المقابر الجماعية إلى 400 ألف. مستندا إلى صحيفة حقائق أصدرتها الادارة الأمريكية، وكررها الرئيس الأمريكي بوش. زايد عليهما اياد علاوي، كما لو كان في مزاد علني، ليوصل الرقم إلى مليون، فتمت مكافأته، بعد الغزو، بتعيينه رئيسا للوزراء. ولم يتوقف يوما لذكر ضحايا نظامه والاحتلال، خاصة في الفلوجة. وأعلنت منظمة «هيومان رايتس ووتش» الدولية، ان عدد الضحايا هو 390 ألفا، وهو تقديري كما اعترفت هانيا المفتي، الباحثة في المنظمة: «استندت تقديراتنا على التقديرات. واستند هذا الرقم في نهاية المطاف في جزء منه على معلومات ظرفية جمعت على مدى سنوات». كما تنصلت الحكومة البريطانية (الغارديان 18 تموز 2004) من تصريح بلير، خاصة، بعد ان أثبت تحقيق استقصائي لصحيفة «الأوبزرفر»، حجم تضخيم الارقام واستخدامها من قبل الساسة في أمريكا وبريطانيا بالاضافة إلى المتعاونين معهم من العراقيين، اثر الغزو، لتغطية اكذوبة اسلحة الدمار الشامل.
ادت حملات التضليل الإعلامية ونبش القبور والتقاط الصور لمسؤولين يقفون على حافات حفر، متناثرة، في ارجاء العراق، ومن ثم ترك المواقع، مهما كانت هوية المدفونين وعددهم، بلا حفظ او حماية للأدلة، إلى تشويه قضية المفقودين الانسانية وتجيير معاناة اهاليهم لأغراض دعائية سياسية مبتذلة، والى تغييب الحقيقة. الأمر الذي ينعكس على بنية المجتمع ليمد جذور التقسيم العرقي والديني والطائفي حيث أصبح «أنا» البريء و»الآخر» هو المتهم. وهي مسألة خطيرة الابعاد لأنها تشرعن الحقد والانتقام والقتل. فالبحث عن الجناة ومقاضاة المسؤولين ومعاقبتهم وتعويض اهالي الضحايا هو صلب العدالة الانتقالية وتنقية الاجواء والمصالحة. ولتحقيق ذلك، لسنا بحاجة إلى المبالغات وتوجيه التهم الجاهزة. كلنا يعلم ان نظام صدام حسين ارتكب الجرائم ضد شعبه ولم يسلم حتى أهله، ولكن.. ماذا عن مقابر المحتل وحكوماته المتعاقبة؟ كيف نصف المقبرة الجماعية إذا كانت تضم رفات الجنود الذين قاتلوا الغزاة؟ والمقابر التي تضم رفات الجنود المنسحبين من الكويت عام 1991؟ وضحايا الاعدامات الجماعية في معتقلات وزارات الداخلية والعدل والدفاع برعاية نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق (حزب الدعوة)، بالاضافة إلى ضحايا الميليشيات وداعش؟ هذه الضبابية الناتجة عن تشويه الحقيقة تنقلنا إلى سؤال أكثر الحاحا وهو : كيف يتم التعامل مع ذوي الضحايا؟ هل ينظر إلى الضحايا، عبر الحقب، باعتبارهم شهداء وبالتالي تتوجب توفير الرعاية والتعويضات لذويهم؟
لا مجال للتفاؤل في هذا المجال. فالجنود الذين قاتلوا في الحرب العراقية الإيرانية وأعتبروا شهداء، في حينها، خلعت عنهم صفة الشهادة وما يترتب عليها من اعانة لعوائلهم مع مجيء النظام الموالي لإيران. وتم تشريع قانون « حماية المقابر الجماعية» الصادر في 12 آذار 2006، الذي يحصر صفة الشهيد بضحايا النظام السابق. الأمر الذي دفع عبدالستار رمضان روزبياني، وهو نائب مدعي عام سابق، وبالتأكيد ليس داعشيا أو من أزلام النظام السابق، إلى التساؤل: «فما هو الموقف لو اكتشفت مقابر جماعية حديثة أي حدثت بعد 9 نيسان 2003 أو انه قد ارتكبت من أحزاب أو جماعات أومن قبل القوات الأمريكية أو حتى من قبل قوات محسوبة على الحكومة العراقية فما هو الحكم والمركز القانوني للضحايا أو الشهداء؟»
ان سياسة توجيه التهم الجاهزة وعدم التحقيق في هوية الجناة ومقاضاتهم بعد جمع الأدلة سيكرس الطائفية السياسية والعرقية بابعادها الانتقامية الوحشية بينما يمنح المحتل صك الغفران على كل ما ارتكبه وساهم في خلقه.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

لأوهام الانتصار

على داعش آلاف الآباء

 

هيفاء زنكنة

 

حين نرى مدينة الرمادي التي أصبحت كتلة من الخرائب ببيوتها، ومبانيها الحكومية، وجوامعها، ومدارسها، وننظر بدقة لنميزها مما تبقى من المدن السورية، ومن قبلها مدينة الفلوجة، نرى مناظر الخراب الشامل في اليوم التالي « للقيامة»، كما تقدمها استديوهات هوليوود، في أفلام تحتل المرتبة الأولى، في شباك التذاكر، أمريكيا وعالميا، ويسارع الناس لمشاهدتها لأنها تمثل عالما غرائبيا، يسليهم ولا يمسهم. فالخراب الشامل، كخلفية لصعود البطل الامريكي القاهر، المنتقم، ثيمة هوليوودية مفضلة، تقع أحداثها في البلدان التي احتلتها أمريكا وحلفاؤها عسكريا، كما في فييتنام والعراق، الى ان أستلتها وقلدتها بتقنيتها العالية، الدولة الاسلامية. فهل هي آلة تصنيع وانتاج الموت تتحدى المخيلة، لتعيد انتاج الاحداث المرعبة، بأشكال وتنويعات تلائم مكانا وزمانا محددا، أم انها الاحداث الترويعية، مثل وجبات ماكدونالد السريعة، تقذف على الشعوب قذفا فلا يستطيعون مجاراتها؟ ما الذي يبقى من مدن تتعرض، يوميا، لقصف احدث الطائرات الامريكية، تحت راية التحالف الدولي الستيني، والذي قيل تبجحا انها بلغت 650 غارة على الرمادي وحدها، منها 150 غارة اثناء الهجوم الأخير، يضاف اليها البراميل المتفجرة لحكام يستقتلون لمحاكاة « الشيطان الأكبر» بدعوى محاربته؟
ما الذي يبقى من الانسان وهو يتلقى جرعات السموم جسدا وبيئة ومجتمعا؟ وكيف نتعامل مع الحياة والأمل بالمستقبل والموت الأسود، يفترس أهلنا ويغدر بالاحياء، وأن رفعوا رايات السلام البيضاء؟ هل يساعدنا اعادة تعريف المفاهيم كالوطنية، الخيانة، العمالة، الارهاب، والانتصار العسكري، على فهم ما يحيط بنا من جنون عبثي؟
كيف نصف اعلان الانتصار على مدينة بدأت سياسة مسحها وسكانها عن الوجود، منذ الغزو الأنكلو أمريكي في 2003، وليس كما يشاع ويرسخ كحقيقة الآن، منذ سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية قبل سبعة أشهر على المدينة، وزعماء العالم المسؤولون، بشكل مباشر وغير مباشر، عن ولادة التنظيم، يصفقون ويهللون، ويتبادلون التهاني لتحريرهم المدينة منه؟ الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني والكندي ووزراء الدفاع والأركان، في جميع انحاء العالم، عبروا عن فرحهم بالانتصار، والذي هو بالحقيقة نزيف دم عراقي مهما كان اسم الجهة المقاتلة. يقولون إنه انتصار للتحالف الدولي بقيادة أمريكا. حيدر العبادي، رئيس الوزراء، يقول إنه انتصار الجيش. ميليشيا الحشد الشعبي تدعي انه لولاها لما تم الانتصار. رئيس الوزراء الفرنسي وصفه بأنه الانتصار الأكبر.
في الرمادي، بين الخرائب، صار للنصر آلاف الآباء. لم يتحدث زعماء العالم عن محو 80 بالمئة من الرمادي، ومن قبلها 70 بالمئة من الفلوجة بيد قوات الاحتلال الامريكي والبريطاني، وليس تنظيم الدولة الاسلامية. عن معاملة الأهالي كرهائن سواء من قبل قوات الاحتلال أو الدولة الاسلامية أو النظام العراقي الذي بزها في ارهابه وترويعه وتهجيره المدنيين. المدن « المحررة» سابقا مثالا يحتذى.
يقول يان كوبيش، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، واصفا المناطق المحررة: « هناك في المناطق التي تم تحريرها من سيطرة داعش تقارير تفيد بحصول اعتقالات عشوائية، وعمليات قتل، وتدمير ممتلكات، وتقارير متزايدة، أيضاً، عن جهود لتغيير التركيبة السكانية لتلك المناطق على نحو قسري».
أين يمضي الهاربون من جور تنظيم الدولة ونازحو المدن – الخرائب « المحررة» اذن؟
يشير تقرير أصدره، مركز جنيف للعدالة، بعنوان « العراق: معارك الانبار، سياسة الأرض المحروقة والابادة الجماعيّة « الى معاناة النازحين الكارثية : « لقدّ عانى المدنيون في مدن الانبار اسوأ معاناة وتمثل جزءاً منها في عدم السماح حتى للفارين منهم الدخول الى بغداد في رحلة البحث عن مكان آمن. ومارست السلطات سياسة طائفية واضحة اكدنا في اكثر من مناسبة انها سياسة تطهير طائفي ممنهجة وموجهة تحديداً ضد سكّان مناطق بعينها تهدف الى تشريدهم قسرياً وحرمانهم من العودة الى مناطق سكناهم بعد مذابح جماعية ترتكبها ضد من لا يتمكن من الهروب».
هذا هو أحد جوانب « انتصار» النظام الذي يصفق له العالم الغربي بازدواجية معايير تزداد اسفافا، يوما بعد يوم. وهو الجانب الذي تؤكد كل التقارير الحقوقية، والانسانية، العراقية والدولية، على وجوب ايجاد حل جذري له. يقول يان كوبيش : « لا يمكن هزيمة داعش بالوسائل العسكرية، فقط، دون معالجة الأسباب الجذرية للعنف والفكر الذي يستند إليه التنظيم… فالفوارق، والحرمان والظلم وعدم المساواة تخلق إستياءً مشروعاً، ولا يمكن معالجة هذه الشواغل وغيرها إلا من خلال مشاركة متساوية، وتشمل الجميع في العمليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية، إستناداً على مبدأ الحقوق المتساوية والمساءلة والعدالة للجميع «. ويشير مركز العدالة الى انه كان بامكان السلطات العراقية ان تسلك طريق الحل السلمي للاوضاع قبل اللجوء الى الحل العسكري « فقد تظاهر الملايين من ابناء المناطق المهمشة، سلميا، منذ كانون الأول/ديسمبر 2012، مطالبين بحقوقهم المشروعة الا انهم جوبهوا بالرفض واتهم كل من شارك في التظاهرات، بانه ارهابي».
ويرى المركز ان الأمم المتحدّة تتحمل واجباً اخلاقياً وقانونياً بضرورة تشكيل لجنة تحقيق، دولية، مستقلة للتحقيق في الجرائم وتقديم المسؤولين عنها للعدالة، والعمل الفوري والجادّ لإيقاف مسلسل الدمار في البلد والذي يتحمل الاحتلال الامريكي المسؤولية الأولى عن كل ما جرى ويجري فيه منذ عام 2003.
ان سبب اقتباسي لهذه التقارير هو اعتقادي بان الحلول السلمية لما يجري في العراق غير مستحيلة ومطروحة بشكل واضح اذا ما توفرت النية الوطنية عراقيا واحترام القانون دوليا. واذا ما أريد للعراق ان يبقى بلدا موحدا، يتمتع فيه الجميع بالعدالة وحقوق المواطنة بعيدا عن الانتقام والاحباط والتطرف. عدا ذلك، سيبقى الحديث عن المصالحة والقضاء على الارهاب مجرد هراء.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

أسس أكذوبة المجتمع

العربي والمسلم في المهجر

هيفاء زنكنة

 

■ اذا كانت الحروب والنزاعات تلتهم 40 بالمئة من بلداننا داخليا، فانها لا ترحم، بانعكاساتها، من يعيش في المهجر. انها تتمدد وتتمطى لتفرض حضورها، وان بأشكال تختلف عن جحيم الحروب الداخلية. انها تتبدى، خارج وطننا، بشكل تجمعات في احياء سكنية محددة، أو غيتوات ( معازل)، تختلف عن الغيتوات التاريخية، النامية داخل مجتمع ما نتيجة القمع والاضطهاد وتسهيل السيطرة والتحكم بفئة بشرية معينة.
تتميز المجتمعات المنغلقة على نفسها أو الغيتوات الحديثة، الناتجة عن حروب الشرق الاوسط، خاصة، بكونها اختيارية، ويتحكم بها فيروس « فرق تسد» السياسي، اكثر منه العرقي أو الديني، الشائع خطأ، في بريطانيا، على سبيل المثال حيث، غالبا ما يلجأ المسؤولون البريطانيون، ومعظم اجهزة الاعلام، الى استخدام مصطلح المجتمع المسلم أو العربي ( لا يقولون المجتمع اليهودي) للاشارة الى العرب والمسلمين سواء كانوا من المهاجرين الجدد أو حتى المولودين منهم، عبر أجيال، في بريطانيا.
يتم التعامل مع هذه التجمعات، المتناثرة في مختلف ارجاء بريطانيا، باعتبارها وحدة، متماسكة، مترابطة العلاقات، يجمعها الدين الاسلامي او العرق الذي ينتمون اليه. وهو توصيف لا يقل خطورة عن وضع الناس في غيتوات مكانية لاحكام الهيمنة عليهم، أو رسم صورة نمطية لتسهيل كيفية النظر اليهم والتعامل معهم. فتكون النتيجة، مهما كانت الاسباب والنوايا انسانية صادقة، ان يعامل جميع المصنفين بانهم افراد مجتمع صغير داخل المجتمع الأكبر، يُصبغون بذات الصبغة، ويعاقبون جراء سلوك فرد او افراد، كما يعاقب طلاب الصف كله، اذا ما فشل المعلم بتشخيص ومعاقبة التلميذ المشاغب. من هنا تنبع تصريحات الساسة الغربيين العنصرية، مثالها بالدرجة القصوى ( هناك درجات أقل) تصريحات دونالد ترامب، المرشح في السباق الجمهوري للترشيح في انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة. ترامب لا يطلق التصريحات من فراغ (بمعيار التصنيف النمطي )، بل ينتقيها من سلة تحتوي نعوتا باتت جزءا لا يتجزأ من صورة المسلم العامة. كل ما فعله ترامب هو أنه استل من السلة واحدة من المفردات: اسلامي، ارهابي، داعشي، وقاعدة، ليجد بين جمهوره الأمريكي من يهلل لجرأته ويجد فيه خير من يمثله كرئيس في المستقبل القريب.
للأمانة، علينا ان نعترف بأن ترامب ليس فريدا من نوعه. لا أعني بين الغربيين فقط، فبينهم، على الرغم من تاريخ بلدانهم الاستعماري الطويل في بلادنا، من يضحي بحياته من اجل قضايانا مثل قضية فلسطين ومناهضة الحرب واحتلال العراق ومساندة الشعب السوري. ما أعنيه هو وجود من يدعم ترامب وغيره، في موقفهم الاقصائي التهميشي، ضد المسلمين، وساعد جورج بوش وتوني بلير في تسويق الحرب وغزو العراق، من بين « النخبة» في « مجتمعنا» الاسلامي – العربي، وهو، بحد ذاته، ما ينفي وجود مثل هذا المجتمع الموحد دينا وموقفا واجماعا، وليكن في رسائل الشكر التي وجهها « مثقفون» عراقيون الى جورج بوش بمناسبة احتلاله بلدهم، خير مثال. فما هو مصنف باعتباره مجتمعا اسلاميا – عربيا، في المهجر، هو عبارة عن مجموعة تكتلات بشرية، متناثرة، تختلف بقوميتها، ولغتها، ودرجة تدينها، وحقبة ومكان وسبب هجرتها. واذا كان سبب الهجرة سياسيا، فان نواة الغيتو الاختياري سيكون سياسيا، وان كان التلفع بالغطاء المذهبي أو الديني مفيدا، أحيانا، وحسب درجة تساهل ومصلحة دائرة الهجرة واللجوء البريطانية مع فئة دينية او قومية معينة.
وينطبق نموذج الهجرة بحقب زمنية – سياسية مختلفة على العراقيين، بدءا من سقوط العهد الملكي، في خمسينيات القرن الماضي، وما تلاه من انقلابات عسكرية وحروب وحصار حتى الاحتلال عام 2003. هجرة هذه الموجات من العراقيين واستقرارهم ببريطانيا، كأفراد على الغالب، واندماج الكثيرين منهم بفضل الدراسة والعمل، يدحض التصنيف البريطاني النمطي للمجتمع « المسلم « و « العربي» الموحد. وتزداد الصورة النمطية بعدا عن الواقع، حين نتابع نشاطات البعض المحمومة للتبرؤ من ذلك « المجتمع» المفروض فرضا، عبر وسائل نفسية، بطبقات متعددة، واعية ولا واعية. وتزداد الصورة تعقيدا اذا كان العربي و/ أو المسلم صاحب مؤسسة أو منظمة مجتمع مدني، اذ يتوجب عليه، في هذه الحالة، اثبات انه « معتدل «، وأن يكون التنديد بالارهاب الاسلامي ( اذ بات كل ارهاب اسلاميا بالضرورة) معركته الأولى لتجنب تعريض النفس الى التجريم والانتقاد، وابعاد الشبهة عن النفس، والأكثر من ذلك، احيانا، ايقاف الدعم المادي أو حجز الاموال.
في حال عراقيي المهجر، الذين طالما وجدوا أنفسهم على هامش التصنيف النمطي للمجتمع العربي – الاسلامي، طغى التمايز السياسي، ما بين الملكي والشيوعي والقومي والبعثي، حتى تسعينيات القرن الماضي، حين نثرت بذور الطائفية السياسية عبر منظمات وتحالفات شرعت تتلقى الدعم المادي بسخاء من الادارة الأمريكية بعد تمرير قانون تحرير العراق. فصار الشيوعي ( العلماني) شيعيا ليتهم القومي والبعثي ( العلماني) بأنه سني. ومع مرور السنين، وتكرار التهم والتضليل، والفساد، وازدياد مساحة الموت، وتقلص فسحة الحياة داخل الوطن، بنيت التمايزات الطائفية بأساطيرها وتهويماتها، والبحث عن التجمعات والتنظيمات الداعمة للطائفية، ويا للغرابة، في المهجر المستقر الآمن، أكثر منه الوطن بحربه واقتتاله.
ويزداد الصراع المباشر أحيانا والمموه في احيان أخرى بين النخب الدينية ضد العلمانية، والشيعية ضد السنية، والعكس بالعكس، بين النخب. تتبدى النشاطات من خلال منظمات ومراكز مدعومة بسخاء بالاضافة الى تقديم المنح الدراسية والدعم للبحوث « الاكاديمية»، حسب الطلب. هناك مثلا منظمة نسوية جعلت أولويتها شن حملة لخلع الحجاب لأنه يستفز البريطانيين، بينما ينشط أكاديميون، صامتون تجاه احتلال فلسطين والارهاب الاسرائيلي اليومي على الفلسطينيين، بتوقيع رسائل تدعو « المجتمع المسلم»، ببريطانيا، الى الاستيقاظ من غفوته والابتعاد عن الارهاب. فعن أي مجتمع مسلم يتحدثون؟

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

العراق: سيادة وطنية أم تاكسي؟

 

هيفاء زنكنة

 

ما أغرب ما نسمعه عن سيادة العراق. الكل يتحدث عن سيادة العراق وكيفية احترامها، بألفاظ تجمع ما بين اثارة الدهشة وتكريس مفهوم جديد للسيادة، يتماشى مع تفتيت دولة كانت ذات سيادة، ذات يوم. السيادة العراقية ، حاليا، هي تاكسي يركبه كل من هو قادر اما على دفع الأجرة او اجبار السائق على نقله مجانا. واذا كان هذا الربط بين السيادة والتاكسي ملتبسا بعض الشيء، فلأن واقع سيادة العراق نفسه ملتبس ومستعص على محاولات الفهم العقلانية. فرئيس الوزراء حيدر العبادي، مثلا، لايجد غضاضة في استجداء القصف من حوالي ستين دولة تطلق على نفسها اسم « التحالف الدولي» ، ويرحب باحتلال روسيا الاجواء العراقية وقصفها المدن ، ويدعو كل دول العالم للمشاركة في « مكافحة الارهاب» على ارض العراق ، بينما لا يتحرك قيد أنملة لتقليل ( لا اقول منع)، استشراء همجية ما يقارب ما وصلت أعدادها إلى 54 ، ميليشيا طائفية شيعية من فيلق بدر وعصائب الحق و كتائب حزب الله إلى فرق محلية ، مرتبطة تنظيميا ومدعومة عسكريا ، بايران، والتي تعلن ولاءها لولاية الفقيه الايرانية ، التي لا تعترف بالسيادة الوطنية وحدود الدول.
ويزداد مفهوم السيادة، في تصريحات العبادي، التواءً حين يحاول استخدامه لتغطية عقمه السياسي وعجزه عن اجراء أي اصلاح قد يمس منظومة الفساد، المنغرسة عميقا، في وجود الساسة والمسؤولين والحكومة ، على الرغم من التظاهرات المستمرة ، المطالبة بالاصلاح ووضع حد للفساد، خشية ان يستل احدهم ( قد يكون امريكيا أو ايرانيا أو عراقيا) ملفا، لتهديده بقائمة تهم ليس مهما مدى صحتها. لهذه الاسباب، اختار العبادي وحكومته، الانتفاض غضبا لسيادة العراق التي انتهكت ، حسب ادعاء النظام، من قبل قوات تركية. وتبدت حالة الغضب من اجل السيادة المنتهكة بأعلى درجاتها السوريالية حين تظاهرت ميليشيا بدر الارهابية ، تحت نصب الحرية ، في ساحة التحرير، ليخطب فيها رئيسها هادي العامري، الذي يفتخر بولائه للولي الفقيه، مدافعا ، بانبعاث حرباوي، عن سيادة العراق وضد أي تدخل أجنبي، باسم فصائل «المقاومة الإسلامية». مما يذكرني بخطاب مماثل لرامسفيلد، وزير الدفاع الامريكي السابق واحد المخططين البارزين لغزو العراق، قال فيه ، اثر غزو واحتلال قواته للبلد ، بأنه يرفض أي تدخل أجنبي في العراق! وما زاد من ابتذال التظاهرة انها تمت بحضور رئيس الوزراء السابق نوري المالكي القائل ان العراقيين فئتان هما:فئة الشهيد الحسين وفئة قاتله يزيد. ما تجدر الاشارة اليه ان العبادي والمالكي وقبلهما الجعفري ، قياديون بحزب الدعوة. فما الذي قادوا العراق اليه، وكيف حافظوا على سيادته؟
ان القاء نظرة سريعة على خارطة العراق، اليوم، ومناطقها المتنازع عليها، عرقيا وطائفيا ، بين حكومة بغداد وحكومة الأقليم وما تسمى بالدولة الاسلامية، بين قوات الحشد الشعبي والعشائر وقوات الأمن والجيش والشرطة والفرقة الخاصة ، بين الميليشيات والقوات (عفوا المدربين والمستشارين) الأمريكية والايرانية والروسية والاسرائيلية، سيجد ان حزب الدعوة عمل جاهدا على تفتيت العراق وتقديم معان للسيادة ما كانت ستخطر على بال أحد قبل غزو البلد، بدعوة من ذات المنتفضين لشرف وسيادة العراق المنتهكة ، اليوم.
ترى هل كانت الاستعانة بأمريكا وبريطانيا ، وتقديم المعلومات الكاذبة عن اسلحة الدمار الشامل ، والمشاركة بقوات الغزو وفتح الابواب للمحتل، والصمت، فيما بعد، على جرائمه، دفاعا عن العراق وسيادته؟ هل المراد ان يصاب الشعب بمرض خرف الشيخوخة – الزَهايْمَر، لينسى جرائم الاحتلال وحكوماته، وليصدق، في غياب الذاكرة، اعداد الوافدين المتزايدة، وحججهم عن الحرب ضد داعش او احترامهم للسيادة ، التي اصبحت مثل الجبن السويسري مليئة بالثقوب؟
إلى قائمة « الحريصين» على سيادة العراق، انضم ، أخيرا، رئيس الوزراء الإيطالي ، مصرحا، أن قوات عسكرية ايطالية ستتوجه إلى العراق للمشاركة في الخطوط الأمامية للحرب ضد داعش. وأكد وزير الدفاع الأمريكي خلال اجتماعه مع العبادي، « أن الولايات المتحدة تريد تعزيز قواتها لتسريع تحرير الرمادي ثم الموصل، لكنها في انتظار موافقة بغداد لأنها تحترم سيادتها». بينما أكدت وزارة الخارجية الروسية في بيان لها إن «الجانب الروسي عبر عن موقفه الحاسم بدعم سيادة العراق وسلامة أراضيه». ودخل رئيس الوزراء التركي على الخط ليقول بذات اللهجة: « إن التواجد التركي يأتي في إطار سيادة ووحدة الأراضي العراقية، ومكافحة الإرهاب». فهل بقيت دولة في العالم لم تركب تاكسي العراق لتصون سيادته؟
دعا ممثل المرجعية الدينية، في خطبة يوم 11 كانون الأول/ديسمبر، جميع الدول إلى احترام سيادة العراق وعدم إرسال جنود إلى أراضيه دون اتفاق واضح مع الحكومة. واضافت المرجعية، ان «هناك قوانين ومواثيق دولية تنظم العلاقة بين الدول، واحترام سيادة كل دولة هو من أوضح ما تنص عليه القوانين والمواثيق الدولية».
تضعنا هذه الخطبة ازاء تساؤلات عديدة، لعل أوضحها هو اذا كانت المرجعية تحمل مثل هذا الاحترام للقوانين والمواثيق التي تنظم العلاقة بين الدول واحترام سيادة كل دولة فلماذا لم تحرك ساكنا، ولم تنطق بكلمة واحدة ازاء أكبر حرب عدوانية، بلا أي مبرر قانوني، قادتها أمريكا، ضد دولة العراق عام 2003؟ أم ان المرجعية انتقائية في اطلاق دعواتها وفتاويها بالدفاع عن قوانين دون قوانين ، وعن دول دون دول ، وحسب … ماذا؟ الدين ؟ العرق؟ أم الطائفة؟
ماذا عن فسحة التظاهرات، المتنافس عليها جماهيريا مع الميليشيات؟ تقلصت مساحة ساحة التحرير بعد أن دنسه حضور الميليشيات الارهابية ، الا ان فضاء الحرية والأمل لم ينكمش. فالأمل ليس هاجساً صوفياً، بل عنصراً أخلاقياً موضوعياً فاعلاً في كل معادلات التغيير والإصلاح عبر التاريخ. حتى اليأس هو أمل مؤجل، كما يقول فارس كمال نظمي، عالم النفس الاجتماعي، مضيفا : أكاد أرى مستقبلنا المدني، تصنعه اليوم فكرةُ الأمل!

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

ديك الدهر

قد باض في بغداد… حكومة

هيفاء زنكنة

 

أخبرتني احدى الصديقات بأن هناك حملة تقوم بها سيدة بريطانية، بلندن، لجمع الملابس والاحذية المستعملة، للنازحين العراقيين. فتساءلت عما إذا كنا قد بلغنا قاع الهاوية أم ان هاويتنا بلا قاع؟
كيف تحول الشعب الذي كان يهدي الكتب والدفاتر والاقلام للشعوب العربية، والإسلامية، لتتعلم وتدرس إلى مستجد يجمع له ذوو الاحسان الملابس والاحذية المستعملة؟ كيف بات من كان متعودا على سكن البيوت، بحدائقها الواسعة، إلى نازح في غرف، بمبان خربة، وخيام، تتصدق بها المنظمات الخيرية، إذا كان محظوظا؟ من الذي يتحمل مسؤولية هذا التحول المذهل الذي يكاد يقترب بالعقل، لفرط لاعقلانيته، من حافة الجنون؟
ليس هناك من يتحمل المسؤولية. الكل بريء من فاجعة الملايين النازحة من العراقيين. الحكومة العراقية، الممثلة للشعب افتراضا، تـحمل تنظيم داعش المسؤولية، لتغسل يديها من مسؤولية التهجير في سنوات ما قبل داعش. وهي سنوات يعمل جميع المسؤولين عن التهجير القسري على محوها من الذاكرة. لم يعد هناك ذكر لجرائم الاحتلال وحكوماته. لم تعد هناك مسؤولية محتل أو قوات أجنبية. لم يعد هناك احتلال، اساسا، مهما كان عدد الدول التي تطأ العراق. مُحيت جريمة قتل ما يقارب المليون مواطن منذ عام الغزو في 2003. صار تاريخ الجرائم المرتكبة ضد الشعب، المعترف به رسميا، وبالتالي تحميل المسؤولية، هو يوم احتلال داعش (يسميه داعش تحريرا كما فعل غزاة العراق) لمدينة الموصل، شمال العراق، واعلان الدولة الإسلامية.
ويٌبعد مجلس النواب، الممثل للشعب افتراضا، عن نفسه المسؤولية. ليحملها المجتمع الدولي، داعيا اياه، بلسان سليم الجبوري، رئيس المجلس، إلى اتخاذ «موقف جاد تجاه أزمة النازحين، وأن يتحول موقفهم من محاولة التقييم إلى مساهم فاعل في معالجة مأساتهم». مما يجعل المجلس في حل من اتخاذ أي قرار، لتحسين وضع النازحين. وبلغ الاستخفاف بآلام النازحين، الذين يفتقدون المأوى والخدمات في درجاتها الدنيا، ويزداد بؤسا مع برودة وفيضانات الشتاء، ان يدلي الجبوري بتصريحه، في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر، خلال افتتاحه معرضاً مصوراً عن معاناة النازحين.
وقد أقيم المعرض في مبنى مجلس النواب. نعم، هذه هي الحقيقة الموجعة. أفتتح الجبوري معرضا مصورا يحكي معاناة النازحين لحضرات النواب. لماذا؟ هل حضرات النواب من السياح الأجانب؟ إلا يعرف النواب معاناة النازحين، ونشرات الأخبار، في الاستديوهات التي يكادون لا يغادرونها، لفرط اطلاقهم التصريحات، لا تخلو من أخبار النازحين ومناداتهم الحكومة والنواب ان يفعلوا شيئا من اجلهم؟ واذا كانت هناك سيدة ببريطانيا تعرف مأساة النازحين العراقيين وتعمل على التخفيف عنهم، ألا يعرف النواب حكاية النازحين؟ رحم الله الرصافي يوم قال: «ان ديك الـدهـر قـــد باض ببغــداد… وزارة»!
انسانيا، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، فرع العراق إن «النزوح داخل العراق يتزايد. ويحتاج النازحون إلى الدعم الشامل كون معظمهم فروا من منازلهم ولم يأخذوا معهم سوى الاشياء التي يستطيعون حملها». وافتتحت مفوضية الأمم المتحدة السامية، لشؤون اللاجئين، مخيما جديدا في محافظة الأنبار، يتسع لثلاثة آلاف نازح من مدينة الفلوجة، الذين تمنع الحكومة دخولهم إلى بغداد إلا بوجود كفيل وهو ما لا تفعله مع الاسرائيلي والإيراني. بينما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن الوكالات الانسانية الدولية «مفلسة» لكثرة النازحين والمهجرين العراقيين والسوريين. وقال عضو في مفوضية حقوق الانسان ان شتاء 2016 سيكون الاقسى على النازحين في العراق بسبب انعدام المساعدات المقدمة لهم. فلماذا لا تقوم الحكومة بتقديم المساعدات لهم، وهي المهيمنة على أعلى الميزانيات التي عرفها في تاريخه المعاصر؟
ان ما يختار رئيس مجلس النواب والأمين العام للامم المتحدة عدم التطرق اليه حول معاناة النازحين هو ان مسؤولية فشل العلاج الأولى أو على الأقل توفير الاساسيات للنازحين، تقع على عاتق الحكومة، على افتراض ان المأساة بدأت فعلا مع مجيء داعش. وسبب الفشل واضح وضوح الشمس، فالحكومة ومجلس النواب وساسة الاحتلال (بأنواعه)، غارقون في مستنقع الفساد المالي والاداري، ومصالحهم المافيوية وملفات التهديد والابتزاز، بضمنها الإبتزاز الجنسي كما يبدو، متشابكة، إلى حد لم يعد بالامكان تفكيك فاسد من فاسد أو تبرئة سياسي من آخر. فالكل يدعي أنه الشرف والصدق والنزاهة. والكل يدعي ان «الآخر» لص فاسد.
في ظل هذه الحكومة وما سبقها، بقيادة حزب الدعوة، وبمشاركة مجلس النواب بإسلامييه وعلمانييه، تمت سرقة 360 مليار دولار أو ما يعادل نصف عائدات نفط العراق تقريبا، خلال عشر سنوات فقط، حسب تقارير لجان في مجلس النواب. وخلال عام واحد، تم تهريب 550 مليون دولار من قبل شخص واحد. ولنتمكن من تصور انعكاس حجم هذه السرقات الرسمية على تحسين اوضاع النازحين، اقتبس ما كتبه احد القراء معلقا بان المبلغ المسروق يعادل تكلفة بناء 12 مليون وحدة سكنية بقيمة 30الف دولار للوحدة السكنية الواحدة. مما يعني ليس فقط حل مشكة السكن والمدارس والمرافق الخدمية في البلد ذي الـ35 مليون مواطن، بل يضع تحسين وضع النازحين وتزويدهم بما يحفظ كرامتهم، ومساعدة الاطفال على مواصلة التعليم، في إطاره: أمر ممكن التحقيق وليس مستحيلا كما يشاع، فيما لو توفرت النية الصادقة لحكومة ترى ان دورها الاول والأخير هو تمثيل المواطنين، ويتم تنظيفها من الساسة – اللصوص الذين يجدون في الشخص النزيه، حقا، تهديدا على وجودهم ومصالحهم. مع ادراكنا بأن تقديم المساعدات الإنسانية لن يوفر حلا جذريا. اذ يرتبط الحل باستعادة العراق سيادته على أراضيه وبناء دولة يتمتع فيها العراقي بالحرية والكرامة وحق المواطنة.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

زواج الثالوث

غير المقدس في العراق

هيفاء زنكنة

 

أعلن وزير الدفاع الأمريكي، آشتون كارتر، أخيرا، إن الولايات المتحدة سترسل قوات خاصة إلى العراق، مهمتها جمع معلومات استخبارية، تنفيذ غارات، الإفراج عن رهائن، وأسر زعماء داعش. وهو قرار « يجري بالتنسيق مع الحكومة العراقية». مما افرغ، مسبقا، تصريح رئيس الوزراء حيدر العبادي، حول عدم موافقة الحكومة على دخول القوات الأمريكية. فالعبادي وحكومته يعرفان، جيدا، بأن معاهدة الإطار الاستراتيجي والأمني، التي وقعتها حكومة نوري المالكي مع الادارة الأمريكية، عام 2008، تمنح الأخيرة صلاحيات أشمل بكثير مما يريد العبادي تغطيته بالرطانة الأعلامية. حيث تنص الجملة الاولى فيهما، على: « تحمي الاتفاقيتان مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط «.
عموما، هذه ليست المرة الاولى التي ترسل فيها أمريكا قوات خاصة أضافية، لتنفيذ عملياتها العسكرية والاستخباراتية سواء بعلم الحكومة العراقية او بدونها. أقول اضافية لأن قوات الاحتلال، لم تغادر العراق، كلية، بل بقيت أعداد منها متواجدة في معسكرات عدة، سواء بشكل علني او غير علني.
واذا كان جلاء آلاف القوات واغلاق المعسكرات الكبيرة، قد نجح في تقليص التكلفة المادية للاحتلال العسكري، بالاضافة إلى عدم المخاطرة بحياة جنودهم، فانه أدى إلى تجنيد سكان البلد «الأصليين» للقتال لصالحهم، كما فعل رئيس الوزراء البريطاني تشرشل حين كان مستعدا لأن يقاتل دفاعا عن مصالح الامبراطورية البريطانية، «حتى آخر هندي».
بطبيعة الحال، لا يمكن تنفيذ مثل هذه السياسة لصالح المحتل او الامبراطورية او أية قوة ذات مصالح تتعارض مع مصلحة البلد، بدون وجود حكومة متعاونة مع «السيد» وتدين بالولاء له. هكذا دعمت أمريكا دورها، في العراق، في مرحلة ما بعد الانسحاب العسكري المباشر، بتوكيل ساسة بحاجة إلى حمايتها، وتفعيل سياسة القوة الناعمة، المعتمدة على التخادم او الإبتزاز او التوازنات المطبوخة بواشنطن. وهذه تدار بواسطة السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء ببغداد، التي لم يعد تذكر، وهي الاكبر في العالم، من ناحية المساحة والتسلح والكادر الوظيفي الذي يضم ادارة عسكرية (بزي مدني) ومخابراتية مشتركة، ويتمتع بالحصانة الدبلوماسية. وبامكان الادارة الأمريكية زيادة اعداد العاملين فيها متى شاءت وكيفما شاءت للالتفاف حول الغاء الحصانة للعسكريين. ان تنفيد المهام الضرورية ضمن السياسة الخارجية لم يعد مقتصرا على الغزو العسكري المباشر، ونموذجه العراقي الفاشل، بل بات يعتمد على تجميع المعلومات الاستخبارية ومن ثم تنفيد عمليات القصف الجوي، والاستهداف بواسطة الطيارات بلا طيار، وارسال فرق العمليات الخاصة.
في تصعيد للحرب الدعائية الاعلامية، أمريكيا ضد داعش، قال الجنرال جوزيف دنفورد، رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، مبررا ارسال القوة الجديدة بأنها ستسرع عملية جمع المعلومات «التي ستجعل عملياتنا أكثر فعالية بكثير». مما يجعلنا نتساءل عما كانوا يفعلونه، اذن، في العامين الماضيين ومن الذي كانوا يقصفونه باستمرار؟
واذا كان العبادي، كما أكد كارتر ووزير الخارجية جون كيري، مطلعا ومتعاونا مع السياسة الأمريكية، فإن الميليشيات، ذات التأسيس والولاء الإيراني، والممارسات الوحشية الموازية لتنظيم داعش، أعلنت انها ستقاتل القوات الأمريكية اذا ما نشرت بالعراق. هذه المليشيات، البالغ عددها حوالي 30 مليشيا، وابرزها عصائب الحق وكتائب حزب الله وفيلق بدر وسرايا السلام، تتلاعب بالحقائق، كما الادارة الأمريكية. اذ تتعامى عن حقيقة ان القوات الأمريكية موجودة، واقعا، بالعراق، منذ سنوات وانها، تنفيذا لسياسة أيران، لم تفعل اكثر من استخدامها التصريحات النارية، كأداة اعلامية، للتظاهر بمحاربة « الشيطان الأكبر». المفارقة الموجعة هي ان « الشيطان الأكبر» لم يكن موجودا، بالعراق، قبل الغزو الانكلو أمريكي عام 2003. وكان لساسة الاحزاب والمليشيات دور فاعل في الترويج لاستحضاره، منذ بداية، التسعينيات تحت مسميات مختلفة من بينها «قانون تحرير العراق». كما كان لهم دورهم الحاسم في شرعنة الاحتلال. وطالما عبر آيات الله الأيرانيون واتباعهم، بتصريحاتهم الموثقة، عن رغبتهم بالتعاون مع «الشيطان» في «تحرير» العراق لأنهم «أدرى به من غيرهم».
تطفو، الآن، على السطح، من جديد، تصريحات متضاربة بين الادارة الأمريكية وحكومة العبادي وحشد الميليشيات الممثلة لإيران، لتعكس حالة الشد والجذب بين أمريكا وأيران على ساحة بعيدة عنهما، جغرافيا، أي العراق، وفي ظل منظمة داعش التي لم يحدث ومست أيا منهما، مباشرة، بل وتشكل عامل منفعة لكليهما، ومن خلال التضحية بالعراقيين بالدرجة الاولى.
تتبدى اللعبة، بأوضح صورها، حالما تتضارب مصالح الطرفين، وباشكال مختلفة، تراوح ما بين العمليات الخاصة والتفجيرات والاغتيالات والتصريحات النارية. ويبقى العراقي هو الخاسر بامتياز. شهد العراق، مثلا، حالة تصعيد للتفجيرات، في الوقت الذي تفاوضت فيه الجمهورية الاسلامية مع الشيطان الأكبر بشأن الملف النووي. وبينما تمازح المفاوضون، امام الكاميرات، كانت اشلاء العراقيين تتناثر على ارصفة المدن. وحين شرع ملالي – ساسة إيران بحذف شعار «الموت لأمريكا» من خطبهم، تدريجيا، بعد التوصل إلى الاتفاق النووي، حظيت المدن العراقية بهدوء نسبي. ووصل الاتفاق الضمني حول تجنب التصادم بين القوات الأمريكية والميليشيات الإيرانية، اثناء قتالها داعش، حدا دفع مستشار وزارة الخارجية الأمريكية دريك شوليت إلى القول « لنكن صريحين. انهم يكرهون داعش اكثر مما يكرهوننا».
الى اين سيقودنا زواج المصالح الأمريكية – الميليشياوية الإيرانية، ووجود داعش، ومحاولة تقسيم العراق- الغنيمة، إلى اقاليم وفق محاصصات طائفية وعرقية بدعم أقليمي ودولي؟ ان من يمتلك الجواب هو الشعب العراقي، بروحه الوطنية، التي طالما قاومت، عبر العصور كل انواع الاحتلال والتفتيت. هذه الروح المقاومة هي التي تمنحنا الأمل على الرغم من الظلام المحيط بنا الآن.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

اللهم احفظ لنا بوتين ليواصل قصفنا

هيفاء زنكنة

 

في متاهة الأحداث المفجعة في بلادنا، يبدو مجيء صباح آخر لا يحمل في ساعاته مأساة جديدة أو مفارقة غرائبية موجعة للعقل والقلب، شبه مستحيلة. المفارقات الغرائبية تهطل على الناس كالمطر الأسود، بزخات لا يمكنهم فرزها أو التوقف للتفكير بها. فيصبح القبول بها هو الحل الواقعي الوحيد. ويصبح تسارع الأحداث هو المبرر لرخو مدارك دعاة القبول بالأمر الواقع على حساب الكرامة والوطنية والسيادة وإلا كيف نفسر مناشدة نخبة من مثقفين، وساسة، ورجال دين عرب ( بعد الترحيب الأجنبي)، بقصف بلدانهم، واحتلالها، من قبل حكومات ذات سياسة خارجية، فاشية، سواء كانت السياسة متسربلة بالرأسمالية أو الاشتراكية أو الطائفية الدينية!
القصف «الإنساني» الذي تستجديه النخبة العربية متنوع المصادر. هناك، قصف « التحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية»، المكون من 62 دولة (بضمنها السعودية والإمارات والأردن)، بقيادة أمريكا، المستهدف لسوريا والعراق، سوية أو على انفراد. هناك قصف التحالف العربي بقيادة السعودية المستهدف لليمن. وقصف روسيا لسوريا الآن والعراق على الطريق إذا ما استجابت روسيا لدعوات مناشدة النظام، خاصة بعد أن تجاوز القصف الروسي، لفرط ترقبه والرغبة فيه، مفهوم المساعدة «الإنسانية» ليستحوذ على بعد آخر، في صلب التقرب والتواصل الديني – الآلهي. وانتقل من مرحلة التمني الفردي إلى الدعاء، الرسمي، الجماعي. حيث قال آية الله موحدي كرماني في خطبة صلاة الجمعة الماضية، نيابة عن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي: «أدعو الله سبحانه وتعالى أن يمنّ على روسيا بنجاحات أكثر في القضاء على تنطيم «الدولة»»، فصرخ الحاضرون: آمين. مما شجع كرماني على استنباط سبب واقعي، يبرر به السمو الروحي المفاجئ لبوتين، فقال: «إن الوضع في سوريا يتحسن بعد هذه الغارات، وإن أكثر من مليون لاجئ سوري عادوا إلى أراضيهم عقب الغارات الجوية الروسية». السؤال هنا: إذا كان القصف الروسي قد أوجد الحل لمأساة مليون لاجئ سوري، خلال أسابيع معدودة من القصف، فلم لا يتبنى مجلس الأمن قرارا ملزما لبوتين، بإرسال طائرات السوخوي، لقصف أي بلد يعاني من مشكلة الهجرة، من الصومال إلى نيجيريا؟ أليس هذا حلا منطقيا؟
الحقيقة هي أن القصف الروسي، دفاعا عن مصالح القومية الروسية، السياسية والاقتصادية، ومنها منافسة أمريكا وبريطانيا على سوق تجارة السلاح، أضاف إلى كارثة الدمار، اليومي، أداة قتل جديدة، نجحت، حتى الآن، بقتل 550 مدنيا، في سوريا. وإذا كانت بريطانيا، المساهمة بقصف العراق، بمعدل 300 مرة من مجموع 1300 مهمة طيران سنويا، تقاتل الآن لتوسيع قصفها لسوريا، مزاحمة بذلك أمريكا وفرنسا وروسيا، في القصف، لتضيف إلى الإرهاب إرهابا، هل نلام إذا ما اعتقدنا أن هناك، حملة إبادة لأهلنا، بغض النظر عن سفسطة، منهجية، أو عفوية، أو تخبط القائمين بذلك؟
العالم كله يعرف، الآن، أن مقاتلي تنطيم «الدولة»، لم يعودوا يتواجدون في قواعد نائية خارج المدن. بل يتمركزون بين السكان لتجنب القصف المباشر. وكان وزير الدفاع الأمريكي السابق قد أشار إلى ذلك، في أيلول/ سبتمبر 2014. فلم الاستمرار بقصف المدن الآهلة بالسكان بل والعمل على زيادة القصف، كما تنوي بريطانيا، وكما تفعل فرنسا، قبل وبعد جريمة باريس؟ هل بالإمكان بناء سلام حقيقي عن طريق الانتقام؟
في هذه الحالة، ما هو الفرق بين الحكومات والمنظمات الإرهابية، إذا كان الكل يتعامل مع المدنيين كرهائن؟
لمحاولة جرد الفرق بين إرهاب وإرهاب، يستحق القراءة تقرير «الخليج أونلاين»، المعنون «أخطاء التحالف باستهداف مدنيي الموصل»، المنشور يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني. يقدم التقرير قائمة موثقة بالزمان والمكان، وأحيانا، بأسماء ضحايا قصف قوات التحالف، من أهل الموصل. تمثل القائمة، على كثرة الضحايا، غيضا من فيض، إذ ليس من صالح كلا الجانبين المتقاتلين إحصاء الضحايا. فكل قصف جوي، مهما كان ادعاء دقته واستهدافه تنظيم «الدولة»، ومع افتراض حسن النية، يؤدي بالضرورة، إلى سقوط ضحايا مدنيين، قد يكونون في محيط العملية أو في المنطقة ذاتها أو جراء الإصابة بشظايا التفجيرات. ففي الأشهر الثلاثة الأولى من 2015، مثلا، قتل أكثر من 30 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، بتكرار قصف طيران التحالف لسيارات أجرة كانت تقلهم إلى بغداد، هربا من تنطيم «الدولة». في 21 مايو/أيار 2015، قتل نحو 25 مدنياً أغلبهم نساء وأطفال، وأصيب أكثر من 50 آخرين إثر غارة جوية. في 29 ايلول/سبتمبر 2015 سقط 11 قتيلاً من المدنيين وأصيب 31 بغارة جوية استهدفت مقر دائرة الوقف السني في الموصل، الذي اتخذه التنظيم مقراً لديوان الدعوة والمساجد، إذ تم إطلاق صاروخ على مقر الديوان الذي يقع وسط سوق مزدحم، «وعندما هرع المدنيون بعد الضربة الأولى إلى سياراتهم للفرار، نفذت الطائرة ضربة أخرى على المرأب أسفرت عن ارتكاب مجزرة بحق المدنيين».
وبينما اعترف الجيش الأمريكي في السادس من يناير/كانون الثاني 2015، للمرة الأولى، باحتمال سقوط ضحايا مدنيين بغاراته على أراض في سوريا والعراق، سارع عبود العيساوي، النائب عن ائتلاف دولة القانون، للدفاع عن التحالف، معلنا عن «عدم وجود تأكيدات، حتى الآن، على سقوط مدنيين في قصف طائرات التحالف الدولي»!
الملاحظ، أيضا، أن أجهزة الإعلام الغربية والحكام العرب لا يتحدثون عن جرائم التحالف. ولم يحدث وأدانتها جامعة الدول العربية، كما لم يصدر أي مثقف يساري أو تيار ديمقراطي، عراقي، بيانا يعلن فيه، كما تم إزاء جريمة باريس، تضامنه مع أهل الضحايا ضد الإرهاب.
ولعل الأكثر خزيا من الصمت على إرهاب الدول هو ترحيب «المثقفين»، المعلن والضمني، بالجرائم المرتكبة تحت سياسة «محاربة الإرهاب»، مقدمين إياها كأنها ولدت من رحم مجتمعاتهم وقناعاتهم. هكذا، أصبح بوتين، الذي لا يقل استبدادا وانتهاكا للحقوق الأساسية عن الحكام المحليين والإقليميين، بطلا نتمنى عليه أن يقصفنا أكثر.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

 

بعد سن البلوغ في بغداد وسوريا

 

هيفاء زنكنة

 

اذا ابتعدنا قليلا، عن الآثار المادية للعنف اليومي من اقتتال وقصف وتهجير، وهو الظاهر المستشري في العديد من بلداننا، من سوريا والعراق إلى اليمن وليبيا والسودان، سيواجهنا سؤال مهم، قلما يتم التطرق إليه وهو: ماهي الآثار النفسية التي سيخلفها العنف، مستقبلا، على الناس، خاصة الأطفال؟
سنلاحظ، إذا أخذنا العراق نموذجا ينطبق على بقية البلدان، بروز صورة قاتمة، تحمل في ثناياها خطرا كبيرا ما لم يتم العمل الجدي على تداركه. وهذا ما يتناوله بحث علمي عنوانه «العلاقة بين خبرات الطفولة السيئة والمروعة على الصحة بعد البلوغ في بغداد»، أجراه د. أميل الشاوي و د. رياض الجبوري، وكلاهما مختصان في علم النفس المجتمعي. أجريت الدراسة خلال الفترة من كانون الثاني/يناير 2013 إلى نهاية كانون الثاني/يناير 2014، في بغداد. استجاب لاستطلاع البحث ألف شخص تتراوح أعمارهم بين 18- 59 سنة. الاناث تمثل النسب الأعلى (58٪) من العينة، 60٪ منهم لديهم دراسة جامعية أو دبلوم كأعلى مستوى تعليمي.
لا تقتصر الدراسة على عنف النزاعات والحروب فقط بل تتناول، أيضا، العنف الأسري والمجتمعي، وإنْ كان من الصعب، أحيانا، تفكيك آثار هذه الجوانب، كل على حدة، لفرط تداخلها. كما تعالج التاثيرات السيئة ومدى المرونة التي قد يتمتع بها الطفل مستقبلا. فالخبرات السيئة تقلل من إمكانية التعامل بشكل مرن مع ما يواجهه المرء. والمرونة، حسب خلاصة البحث، هي « القدرة على معالجة الأزمات، المواقف الصعبة والمهام التنموية».
يلخص الباحثان آثار ثلاثة عقود من الحروب والحصار والاحتلال. إذ كان (ولايزال) العنف هو السبب الرئيسي للوفاة لدى البالغين، الرجال، خاصة، بين سن 15 و 59 عاما، خلال الثلاث سنوات التالية للغزو، عام 2003.
إذ كان معدل الوفيات قبل الغزو 5.5 لكل 1000 شخص سنويا مقارنة مع 13.3 لكل 1000 شخص في 40 شهرا بعد الغزو. يتعرض الأطفال والشباب العراقي إلى ظروف كارثية، بدءا من المرض والجوع إلى الصدمات النفسية والإحباط والموت. إنهم، كما تشير الدراسة، يعانون من القلق، والاكتئاب والخوف من احتمال نشوب حرب، ويعانون من الكوابيس، و40 بالمائة منهم، فقط، يعتقدون أن الحياة تستحق أن تعاش. وأفاد بحث آخر أن الأطفال الذين تعرضوا للقصف الأمريكي لملجأ العامرية، عام 1991، لا يزالون يعانون من الحزن وخائفون من فقدان أسرهم لسنوات في أعقاب حرب الخليج.
ويستند البحث إلى تقارير العديد من المنظمات الدولية، من بينها استطلاع أجرته المنظمة الدولية للهجرة ووزارة المهجرين العراقية والهجرة، ذكر فيه : أن اسباب النزوح الرئيسية هي أما التهديدات المباشرة بالقتل (61٪)، وجود العنف (47٪)، والخوف (40٪). وكشفت دراسة أخرى عن ارتفاع معدل انتشار أعراض اضطراب ما بعد الصدمة المعقدة بين طلاب من جامعة بغداد. يخلص الباحثان من دراستهما إلى تعرض العراقيين، في بغداد، إلى مستويات عالية من العنف الأسري والعنف المجتمعي خلال فترة الطفولة مما يجعلهم أكثر عرضة من غيرهم لاستخدام المواد المهدئة أو المخدرة، محاولات الانتحار، أعراض الاضطرابات النفسية والأمراض العضوية المزمنة بعد مرحلة البلوغ. مما يجعل الحاجة « إلى اعتماد برامج علمية رصينة للتأهيل النفسي وذلك للتخفيف من السلبية للتعرض للعنف بمختلف أشكاله» ضرورة ملحة، حسب الدراسة. ذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، في 12 آذار/مارس، أن نحو 14 مليون طفل يعانون جراء النزاع المتصاعد الذي يجتاح المجتمعيْن السوري والعراقي، فإذا أضفنا إلى ذلك تدمير البنى التحتية، خاصة المدارس والجامعات والمستوصفات، فضلا عن إطالة أمد العمليات العسكرية وما يصاحبها من تغييرات اجتماعية ونفسية للمجتمع المستهدف، لوجدنا، كما يحذر د. الشاوي، أنها ستخلف نسيجًا اجتماعيًا ونفسيًا هشًا ومتمددًا ليشمل الأجيال المقبلة. مما يعني ولادة أجيال « منكسرة ومنعزلة اجتماعيًا أو مندفعة ومتهورة نحو استخدام العنف؛ حيث إن العنف يولد مزيدًا من العنف» و أثبتت الأبحاث الطبية « أن الآثار السلبية الناتجة من تعرض المجتمع للعنف والعمليات العسكرية قد تتعدى الجيل الحالي إلى أجيال قادمة طبقاً لنظرية «عدوى المشاعر» مما يسبب تراكمات نفسية واجتماعية رهيبة مستقبلية على المجتمع برمته، وقد تتعدى آثاره إلى دول المنطقة أيضاً».
ويصف أنطوني ليك، المدير التنفيذي لمنظمة اليونيسف، تأثير العنف المتواصل على أطفال العراق وسوريا، قائلا : « أضحت هذه التجربة المريعة كل ما يعرفه أصغر هؤلاء الأطفال، إذ تَــــلوّنت صورة العالم في أعينهم بالنزاع والحرمان، أما بالنسبة للشباب والبنات اليافعين الذين يمرّون بأعوام تكوّن شخصياتهم، لم يشوّه العنف والمعاناة ماضيَهم فحسب، بل يرسمان مستقبلهم أيضاً».
تساعدنا هذه الدراسات والتقارير الدولية على تشخيص آثار الوضع الحالي على المستقبل وليس التشاؤم، لأنها تحاول، عبر التوصيات، إيجاد الحلول، لتجاوز الحالة الراهنة، ولو نسبيا، لحين التوصل إلى حل جذري للمأساة المركبة. تؤكد معظم التوصيات على ضرورة إيجاد برامج مجتمعية، وتأسيس عيادات لعلاج الصدمات النفسية من إحباط، وفقدان الرغبة بالحياة بالإضافة إلى أعراضها الجسدية من إرهاق، وتشتت ذهني، وهلع، وعجز جنسي، وحالات تبول لا إرادي. أما بالنسبة إلى الأطفال، أبناء الحروب والتهجير، فإن العمل، ينصب، حاليا، في أوساط المهجرين، مثلا، على تمكينهم على التأقلم.
إن هذه المحاولات العلاجية، ضرورية، وقد تكون مفيدة على المدى القصير، وإنْ كان إنهاء الاقتتال ونزيف الدم اليومي، في بلداننا، هو الحل الجذري، والتعاون ما بين المؤسسات الحكومية، وكافة المنظمات المعنية، محليا ودوليا، هو المنقذ الحقيقي لمستقبل أطفالنا وبلادنا.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

في مجالس العزاء في باريس…

نحن لا نلوم ولا نبرر

هيفاء زنكنة

 

في أعقاب احداث باريس الدموية، ستقام مجالس عزاء، وقد يحضر، احدها، من تتوفر لديه الفرصة، من أهلنا. فمجالس العزاء والترحم على روح الموتى من معارفنا وجيراننا واجب تربينا عليه. حيث نصافح أهل الراحل أو الراحلة، نقرأ الفاتحة، ثم نجلس مع المعزين، بصمت، أشد وقعا من اعنف التفجيرات. تتخلل الصمت أحاديث متقطعة، مع الجالسة يسارا أو يمينا، همسا، لئلا يخدش حزن وألم اهل الراحل. هناك، غالبا، في مجالس العزاء، مسار للحديث شبه منظم، تكرس عبر تاريخ المآتم لدينا، ولا اعتقد ان من سيحضر مأتم باريس، سيخرج عليه. يبدأ الحديث، عادة، بسؤال خاص ينتقل منه المتسائل إلى العام. كيف رحل الفقيد؟ ما هي تفاصيل الايام الأخيرة ؟ ما هو تأثير ذلك على أهله واطفاله، ان كان لديه اطفال؟
تفاصيل، يتم تبادلها، بشكل شذرات، قد تكون صغيرة، إلا انها تبقي الراحل بأحسن صورة، في ذاكرة من يعرفه، وحتى من لا يعرفه، شخصيا، وحضر المأتم لسبب أو آخر. مسار احاديث مجالس العزاء تقود، أيضا، ولكونها فعلا اجتماعيا ونفسيا متعدد الجوانب والمستويات، إلى الحديث عن مصاب الآخرين، تخفيفا لمصاب من نمضي لتعزيتهم، خاصة إذا كان الراحل بمقتبل العمر، وكان رحيله مفاجئا بلا مرض يهيئ الاذهان للرحيل المتوقع. أصدقاء الشهيد الفلسطيني طارق النتشه (18 عاما)، مثلا، اختاروا إلا يجلسوا في مجلس العزاء، بل نسجوا اكليلا من الزهور وقدموه، بمسيرة صامتة، إلى أمه وهي واقفة، على مقربة من بيت العائلة الذي سيهدمه الاسرائيليون، كعقاب جماعي للعائلة، بعد قتل ابنها.
هنا، اسمع صوت الشاعر عبد الرحمن طهمازي، متسائلا: «أأبكي/ أبكي/ ابكي؟»، أسمع، أيضا، رد جلجامش على سؤال صاحبة الحانة عن سبب حزنه: «كيف لا تذبل وجنتاي ويمتقع وجهي/ ويملأ الأسى والحزن قلبي وتتبدل هيئتي/ فيصير وجهي أشعث كمن أنهكه السفر الطويل/ ويلفح وجهي الحر والقر وأهيم على وجهي في الصحارى/ وقد ادرك «مصير البشر» صاحبي واخي الأصغر… انه أنكيدو صاحبي وخلي الذي احببته حبا جما… فبكيته في المساء وفي النهار».
متنفسا للهموم، لنبكي مصابنا سوية، بمجلس عزاء، بباريس.
رحيل اقارب واصدقاء ومعارف. احتلال وتفجيرات وقتل عشوائي. يغادرنا من نحبهم إلى المدرسة أو العمل أو المقهى أو السوق فلا يعودون. أو تترصدهم ادوات القتل وهم جلوس ببيوتهم، فتتطاير سنوات العمر وأي أمل بالمستقبل.
في ذات يوم العمليات الإرهابية (إرهابية مادام ضحاياها من المدنيين مهما كان مرتكبها فردا او منظمة او دولة)، بباريس، حدث أمر مماثل ببغداد، لم يعره العالم أي أهمية ولم تفسح له مساحة ثوان ضمن نشرات الأخبار: «ارتفعت حصيلة التفجير الانتحاري الذي وقع داخل مجلس عزاء بمنطقة حي العامل إلى 17 شهيدا، و32 جريحا. حصيلة الضحايا مازالت قابلة للزيادة». في اليوم السابق له، كان تفجير برج البراجنة بلبنان. وحصيلة الضحايا بازدياد. هكذا، تواصل الأمهات حضور مجالس العزاء وقلوبهن متكلسة بطبقات من حزن متراكم عبر السنين. حزن حولهن إلى كتل من لون الحداد، لا يغادرنه حتى في لحظات الفرح النادر.
أربع سنوات من مجالس العزاء بسوريا. أربع سنوات من العيش بالخيام. سبعون عاما، أو أزيد، من المآتم اليومية بفلسطين. حوامل يلدن عند الحواجز. جدار العنصرية يخنق الانفاس. أطفال يحرقون قصفا وآخرون يحرقون في بيوتهم. علي سعد دوابشة (18 شهراً)، هاجم المستوطنون اليهود منزل عائلته في الضفة الغربية بقنابل حارقة. حرقوا الرضيع ثم كتبوا «انتقام» على جدران البيت.
أحمد مناصرة (12 سنة)، طفل أسير نراه في شريط فيديو يواجه التعنيف والترهيب والتهديد من ضابط مخابرات اسرائيلي ليعترف بانه كان سيقتل اسرائيليا. فلسطيني، في مقتبل العمر، يقتل جهارا أمام الكاميرات، لأنه مشتبه به. تحالف دولي من 60 دولة يقصف المدن العراقية والسورية. البراميل المتفجرة لا يطفئها الفرات. الاغتيال المافيوسي تقترفه الدول العظمى عن مبعدة بواسطة الطائرات بلا طيار (الزنانة بالفلسطيني) حرصا على نفسية عسكرها. العمليات الخاصة تنفذ مخترقة السيادة الوطنية. مليون ضحية بالعراق منذ احتلاله وما من امل في الافق.
بات الموت، في بلداننا، زائرا يقيم بيننا رغما عنا، حدثا، يوميا، مألوفا، إلى حد الابتذال في عاديته كما هو الشر الذي كتبت عنه حنة ارندت عندما حضرت محاكمة النازي العجوز ايخمان. لا يريد العالم الغربي رؤية شروره. فالقتلة لا ينظرون بعيون ضحاياهم، ولقطات اشلائهم المبعثرة تحمل تحذيرا كي لا تؤذي مشاعرهم. أي طفل يكبر في هذه الاجواء، وماهي أحلامه؟
منذ أربعة عقود كتب مؤيد الراوي، الذي غادرنا أخيرا، عن احتمالات الوضوح: «أهو الليل الذي لفني بعميق همومه/ أم هي بركة قلبي اسقطوا فيها حجرا. أهو الصباح الذي سجنوه؟ أم هو الوضوح الذي أسقطوا جناحه؟».
في فسحة الحياة المتقلصة يوميا، في اجواء يدافع فيها اهلنا عن بقائهم، ما هي احتمالات الرؤية بوضوح؟ يقول الكاتب الفلسطيني عاطف أبو سيف، وهو يأكل مع الزنانة، بينما تواصل اسرائيل قصفها غزة: «أنا سُجِنت ثلاث مرات واستشهد أخي؛ لكنني في الكتابة أسعى إلى الأنسنة المحضة، إلى التقاط معنى الحياة من بين الركام». ولأننا، جميعا، نريد لأطفالنا ان يواصلوا الحياة، ان يفتحوا للغد افقا من زهور الصحارى، اقول: في مجالس العزاء نحن لا نعاتب، ولا نلوم، ولا نبرر. لنتفادى الموت، موتنا والآخر، تعلمنا كيف نضمد الجراح.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

لئلا ننسى…

في ذكرى الفلوجة المقاومة

 

هيفاء زنكنة

 

تمر هذه الايام ذكرى معركة الفلوجة الثانية والنظام العراقي يحشد قواته، من جديد، لخوض معركة ثالثة ورابعة، في ربوعها بحجة استعادة المدينة من سيطرة «داعش»، في الوقت الذي يؤكد فيه متحدثون باسم المدينة بأن القصف العشوائي والقصف بالبراميل المتفجرة، المستمر منذ سنوات، يستهدف المدنيين عمدا، لأن المسلحين لا يبقون وسط المدن التي يسيطرون عليها بل يتوزعون على محيطها لرد التسلل للحكومي، وهو ما تم حتى اليوم. والنجاح الذي حققته حملات المنطقة الخضراء هو محاصرة المدنيين واجبار الآلاف منهم على النزوح إلى معسكرات ومبان لا تصلح لإقامة البشر.
لا احد يعرف ما الذي ستؤدي اليه العمليات العسكرية المتتالية، من قتل وتخريب نتيجة استشراء روح الانتقام والكراهية بين قوات النظام، وفي ظل حملة تضليل منهجية، أصبح فيها الفلوجي، «داعشيا» بعد أن كان «بعثيا»، بالامكان اجتثاثه، قانونيا، مهما كان عمره او جنسه. وفي ظل انتشار ميليشيات لم يعد احدنا قادرا على جرد اسمائها، لكثرتها، ولادعائها جميعا الدفاع عن الكينونة الإلهية، بالاضافة إلى وجود عدة آلاف من «المستشارين» الإيرانيين والأمريكيين ومرتزقة الشركات الأمنية، الذين خلافا لكل المستشارين بالعالم، لا يتم الكشف عن اسمائهم إلا حين يتم تشييعهم، ملفوفين بإعلام بلدانهم، تمر ذكرى معركة الفلوجة ملفوفة بالصمت المحلي والعالمي.
السبب؟ محليا، لأن الفلوجة لم تعد مجرد مدينة احتضنت بطولة مجاهديها وشهدائها ممن قارعوا المحتل وواجهوا أكبر قوة غزاة عسكرية، بالعالم، عام 2004 فقط، بل انها باتت، بنسائها، وأطفالها، وأجنتها من ورثة آثار القصف بالفسفور الابيض والنابالم و اليورانيوم المنضب، المشوهين على مدى سنين المستقبل، رمزا حيا لعار المتعاونين مع الغزاة، ساسة «العراق الجديد». فهي المدينة التي رفضت الخنوع ووقفت بإباء لتقاوم المحتل، مطالبة بخروجه، بينما كان ساسة الاحزاب الدينية والعلمانية وما تسمى بالمدنية، يساومون، ويقايضون بمصائب الناس وثروة البلد وتقسيمه.
دوليا، لا احد يريد ان يتذكر الفلوجة. اذ ليس من المعقول ان يحاول المجرم التذكير بجريمته أو تذكرها. ما يصبو اليه المجرم، عادة، هو طمر الجريمة بأية طريقة ممكنة ومحوها، إذا كانت على مستوى الدول والحكومات، من الذاكرة الجماعية. وهذا ما أشار اليه المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي حين كتب (21 كانون الثاني/يناير 2015)، مقارنا بين ردود الافعال على مقتل صحافيي شارلي إيبدو ومراسلي غزة والهجوم على مستشفى الفلوجة من قبل قوات المارينز في نوفمبر/تشرين الثاني 2004، وفق مفهوم الذاكرة الحية الذي «تم صنعه بعناية ليتضمن «جرائمهم ضدنا» وفي نفس الوقت يتم استبعاد «جرائمنا ضدهم» وبدقة، فالأخيرة ليس جرائم وإنما دفاع نبيل عن مثلنا العليا، التي تكون في بعض الأحيان عن غير قصد معيبة». اعتبر تشومسكي الهجوم، «جريمة حرب خطيرة». وتم نقل خبر الهجوم، في الصفحة الأولى من صحيفة «نيويورك تايمز»، مرفقا بصورة تظهر كيف أن «المرضى وموظفي المستشفى تم إخراجهم بسرعة من الغرف من قبل جنود مدججين بالسلاح وتم أمرهم بالجلوس أو التمدد على الأرض في الوقت الذي كان فيه الجنود بصدد تقييد أياديهم من الخلف. لقد تم تبرير ذلك الهجوم وما جرى في المستشفى واعتبر قانونيا باعتبار المستشفى «سلاحا دعائيا» بيد المسلحين. كيف؟ لأن المستشفى كان يصدر بيانات عن عدد الجرحى والقتلى. ان مهاجمة واغلاق المستشفى خرق خطير لمعاهدات جنيف التي تنص على وجوب حماية المستشفيات». الأكثر من ذلك، أعتبر جنود المارينز مهمتهم بالفلوجة فرصة للانتقام من « العصاة»، فقاموا بالتمثيل بجثث المقاومين، وتهديم سبعين بالمئة من بيوت المدينة ومحالها ومساجدها. وهو مؤشر إلى ما سيحدث، في المستقبل القريب، حين «تحرر» ميليشيات الحشد المشحونة بالحقد المدينة.
هذا غيض من فيض من الخروقات والانتهاكات التي ارتكبتها قوات الغزو الانكلو- أمريكي، بتسويغات ورضا ساسة عراقيين، لم يتغيروا منذ الاحتلال وحتى اليوم، بل يتم تدويرهم، بين الحين والآخر، بمناصب تحت مسميات مختلفة، امتصاصا لنقمة الشعب من جهة وبالتوافق فيما بينهم حسب محاصصة الفساد الطائفي- العرقي – السياسي، من جهة أخرى. كما نلاحظ، حاليا، من سيرورة التظاهرات الشعبية. واذا كان الهجوم الأمريكي على مستشفى الفلوجة عام 2004 قد أثار غضب الكثيرين، من بينهم آلاف المثقفين ومناهضي الحرب في ذات البلدان المساهمة بالغزو، فان ساسة الحكومة والبرلمان، اختاروا، بانتقائية مذهلة، التعامي عن حقيقة ما جرى ولايزال بالفلوجة متذرعين بوجود ازلام صدام اولا والقاعدة ثانيا وداعش ثالثا. مما منح الميليشيات شرعية حصار واعتقال وقتل الأهالي وتحويل المدينة الوديعة إلى ساحة حرب ودائرة عنف لا يبدو في الافق فكاكا منها، خاصة وان كل مواطن يقتل يترك وراءه، أيتاما وأرامل، لن يكون نصيبهم من فسحة الأمل، مع التشرد وغياب التعليم، واذا لم تتوقف الحرب ويستعيد العراق سيادته، أكبر مما تمتع به.
منذ احتلال العراق عام 2003 أمريكيا، ثم انتقاله التدريجي إلى الإحتلال المشترك والمتصادم مع إيران والميليشيات وقوات الدولة الأسلامية، ومدن العراق تدخل، الواحدة بعد الاخرى، فيما مرت به الفلوجة، إذ يعاني الملايين من أهالي ديالى وصلاح الدين ونينوى والانبار جل ما يعانيه الفلوجيون يوميا. في سيرورة خلق ذاكرة أضطهاد وظلم جماعية تقتضي ان نتذكرها لعدة اسباب: وفاء لصمود العراق بمواجهة الغزاة أولا ولكي نتعلم ونفهم ونتجنب ان تكون معاناة اهلها، سواء تحت الاحتلال او الحكومات العراقية بالنيابة، سببا «لمظلومية انتقامية»، يتم نقلها إلى الاجيال المقبلة، ثانيا.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

صراع رئيس الوزراء

العراقي مع الأنكشارية

هيفاء زنكنة

 

من يراقب حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي والقيادي في حزب الدعوة الشيعي، متحدثا في مؤتمراته الصحافية، التي يتم بثها عبر أجهزة الاعلام، بشكل يومي، لابد وان تنتابه، ولو للحظات، أحاسيس غريبة تجمع ما بين الرثاء والاشمئزاز، مماثلة لما يشعر به المرء وهو يشاهد فيلم «العراب»، حين يخطط اعضاء في المافيا لاغتيال رئيسهم الذي يستمر بمجالستهم، لأنه هو الآخر كان قد خطط لاغتيالهم. وهذا ما يحدث، تقريبا، في العراق اليوم. حيث لم يعد وصف النظام الحاكم بالمافيا أو الميليشيات المتنازعة فيما بينها على السلطة والمال مختلفا عليه. المختلف عليه هو نوعية ودرجة الحماية التي يتمتع بها كل سياسي أو حزب أو ميليشيا من الخارج ومقدار ما يستخلصه من مال من الداخل والخارج معا. لذلك يبدو التعويل على اصلاحات العبادي، في اي مجال كان، خاصة القضائي، والذي صرح العبادي بانه سيصلح نفسه بنفسه من الفساد والفاسدين، بدون ان يخبرنا كيف، مهزلة تضاف الى قائمة المهازل المتكاثرة كالفطريات في عراق الاصلاحات. من المهازل الأخرى، الحديث المشروخ عن «سيادة» العراق. في ذات الوقت، الذي يتنازع فيه العبادي، القائد العام للقوات المسلحة، افتراضا، مع قادة ميليشيا الحشد الشعبي وميليشيات أخرى بمسميات ترهق الذاكرة، بشكل علني، والبلد في حالة حرب على الارهاب، وقصف المدن مستمر من قبل قوات التحالف «ضد الارهاب» المكونة من ستين دولة . مع العلم ان خرقا واحدا للاوامر العسكرية أو الوضع الأمني لاي بلد، خلال الحروب، يستحق عقوبة الاعدام الفوري لفاعله.
أما في العراق، فكل «حاج « أو «مجاهد» يصرخ مهتاجا «أنا القائد»، ومعهم العبادي بمحاولاته الكاريكاتورية، التي بدت واضحة اثناء اجتماعه بقادة ميليشيا الحشد والعسكريين، يوم 22 تشرين الاول/اكتوبر، بمناسبة تحرير مدينة بيجي، التي توجد فيها اكبر مصفاة للنفط في العراق، والمرشحة لدخول كتاب غينيس للارقام القياسية في عدد مرات تحريرها من مقاتلي الدولة الاسلامية وسقوطها بايديهم.
أثناء الاجتماع، الذي تم بثه تلفزيونيا، ولسبب ما بلا صوت، بدا العبادي، بوضعه الأيمائي، مبالغا في اصراره على مواصلة الكلام وهو يحرك رأسه يمينا ويسارا، متوقعا ان يوافقه الجالسان على يمينه ويساره. بينما تجاهل الجالسان على يمينه ويساره، أي الحاج هادي العامري، قائد ميليشيا بدر وهيئة ميليشيا الحشد و الحاج ابو مهدي المهندس نائب العامري، النظر اليه متشاغلين أما بالنظر الى أيديهما أو حافة اليشماغ المرمي على كتفيهما حسب طريقة مقاتلي الحرس الايراني.
بدا العبادي، وهو يتصارع مع الحاضرين بلا صوت، مثل شخصية العم هادي، مدير سجن الكاف، بتونس، كما وصفه السجين السياسي فتحي بن الحاج يحيى، في كتابه «الحبس كذاب والحي يروح» عن تجربة الاعتقال اثناء تحت حكم الحبيب بورقيبة. كان العم هادي «رجلا قصير القامة، يميل الى البدانة، عريض الجبهة والوجه، له حمرة دائمة في وجنتيه فيخيل لك انه في حالة خجل أبدي…وحتى عندما يغضب يثير الضحك أكثر من اثارته للخوف. وقلة هم الرجال مثله الذين يجسمون درجة الصفر من السلطة بمعنى رولان بارت للكلمة».
مقابل العبادي، المجسم لدرجة الصفر من السلطة، لأنه حاول العثور على نقطة تحقيق المصالح الامريكية والايرانية معا (أنسوا المصلحة العراقية)، يقف «المجاهدان» هادي العامري وأبو مهدي المهندس، بتاريخهما المغموس بدماء العراقيين وقوتهما المستمدة مذهبيا وعسكريا من ايران، وولائهما الايراني الذي لايقبل المهادنة حتى مع شركائهم في الحكم. فالولاء المطلق لولاية الفقيه يمتلك قدسيته العليا. ازاءها يتجرد «المجاهد» من ذاتيته ووجوده ليصبح مشروع شهادة للأمام وما يمثله الامام فقط. فالامام، كما يقول العامري «هو الاسلام. اذا يقول حرب يعني حرب واذا يقول صلح يعني صلح». والحرب هي المطلوبة بالعراق من قبل ايران وبقية القوى الاقليمية والدولية، بأعذار مختلفة، وبميليشيات تصول وتجول بعلم الحكومة ورغما عنها أحيانا . وتعطينا رسالة ابو مهدي المهندس المفتوحة الى حيدر العبادي في اعقاب لقائهما الخاص، بعد معركة بيجي، مؤشرا على مدى قوة ميليشيا الحشد وقدرتها على توجيه الوعيد الى من يفترض به قائدا للقوات المسلحة ورئيسا للوزراء وان قوات الحشد تخضع لقيادته. مما يجعل مقولة «من ذا الذي يحميني من الحرس أنفسهم ؟» تتماشى مع وضع العبادي.
طالب أبو مهدي المهندس، في رسالته، بضرورة تسليمه مبلغ مليار دولار قائلا بان الحكومة خصصته لقواته ولم يتسلم منه غير ثلثه، مذكرا بتضحيات الحشد وضرورة تعويضهم وعوائلهم، وان « عمليات التحرير» لم تنته بعد وخطر داعش مستمر، مما يعني ان الحاجة الى وجود ميليشيا الحشد ستستمر باستمرار «الحرب على الارهاب» التي ستطول او تقصر حسب متطلبات خياطيها. ولم ينس العامري تذكير العبادي بمن هو الحاكم الحقيقي، قائلا: «انه لولا مساندة ايران وقائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني لما كانت الحكومة العراقية متواجدة في بغداد حاليا».
هذه العلاقة غير السوية بين حكومة بلا سلطة وميليشيات تزداد قوة ونفوذا، يوما بعد يوم، هي افضل مؤشر الى مستقبل أكثر ظلاما مما نراه في دول ما بعد الربيع العربي، المتنازع عليها ما بين الحكومات الجديدة وهيمنة الدولة العميقة بمنظماتها السرية والعلنية. ولعل اقرب مثال الى الوضع الحالي وتشكيلة توازن الرعب مستقبلا بالعراق حتى ولو ضمن البيت السياسي ـ الطائفي الواحد، هو علاقة السلطان العثماني بقوات الانكشارية . كانت القسطنطينية، كما يذكر المؤرخ فيليب مانسيل في كتابه عن تاريخ المدينة، ساحة حرب ليس بين السفارات والقوميات والأديان المختلفة فقط، بل ايضا بين السلطان وحرسه. اذ ساد بين الطرفين، توازن متغير قائم على الخوف والاحتياج، والقوة والضعف، والدم والذهب. كانت تصريحات السلطان تتملق قوات الانكشارية مرارا وتكرارا. وكما يتملق العبادي لميليشيا الحشد خوفا من سطوتهم، وصف السلطان الانكشارية بأنهم «قوات عظيمة تتكون من ابطال الدين الشجعان، تظللهم نعمة ظل الله على الارض وتقدير رجال الدين». واستمر تدهور الحال، على حساب الشعب، الى ان هرب السلطان الأخير في نهاية الامبراطورية تحت حماية حرس أجنبي. ولنتذكر هنا بأن سلاطين العراق الحاليين دخلوا البلاد، ايضا، تحت حماية حرس أجنبي.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

مسار التظاهرات العراقية

من المرجعية الشيعية الى الشيوعية!

هيفاء زنكنة

 

لايزال المحتجون على فساد ساسة النظام العراقي، المطالبون بالاصلاح، يواصلون تظاهراتهم كل يوم جمعة، باستثناء الجمعة الماضية، ببغداد، لتزامنها مع العاشر من محرم وتوجه مواكب العزاء الى كربلاء التي سارع الساسة ومثقفوقراط العملية السياسية الى اعلان بيعتهم لها. المظاهرات مستمرة على الرغم من مواجهة المتظاهرين العديد من الصعوبات كنقاط التفتيش وسد الطرق وتفريقهم بالقوة، بالاضافة الى تعرض عدد منهم للضرب والخطف والقتل.
بمرور الاسابيع، تطورت شعارات التظاهرات، ومطالب المتظاهرين في العديد من المدن، بضمنها الموصوفة بانها مقدسة ويدعي النظام تمثيلها وانقاذ أهلها من «المظلومية». توافق تطور مطالب المتظاهرين مع توجه المرجعية الشيعية بالدعوة الى وضع حد للفساد واصلاح النظام لتصبح التظاهرات، بشكل تدريجي، مظاهرات دعم واسناد لشخص رئيس الوزراء حيدر العبادي، باعتباره من يعول عليه لاجراء الاصلاحات ازاء « قوى الفساد» . في خضم التظاهرات، واختلاط الحابل بالنابل، صار العبادي هو المنقذ، خاصة، بعد ان أعلن عن نيته اجراء حزمة اصلاحات، بقيت مجرد تهويمات اعلامية، متناسين بان ولاء العبادي لحزبه، اي حزب الدعوة، الذي قاد البلاد والعباد الى الخراب خلال سنوات حكمه.
هكذا مرت الاسابيع والجماهير بانتظار الاصلاحات مما اتاح فرصة لساسة النظام بان يستردوا انفاسهم وأدخلوا الشعب، باساليب قمعية – اعلامية، في متاهة تشتيت الجهد الجماعي بالاضافة الى محاولات اختراق صفوف المتظاهرين، اذ دخلت على خط التظاهرات ميليشيات معروفة باجرامها الموثق، ووجهها السياسي الشعبوي كأسلوب لاستيعاب المطالب . كما حاول اختراق التظاهرات ساسة غارقون بالفساد، متظاهرين بالنقاء السياسي والاخلاقي . حاولت مجموعات من المتظاهرين التصدي لهذه المحاولات، ونجحت بافشال مشاركة الساسة الا انها، وبحكم ضعف الجهود التنسيقية الموحدة، وبروز وجوه اعلامية معينة على حساب الناشطين والمجموعات الأقل ظهورا اعلاميا، لم يكن بقدرتها مواجهة كل الحراب الموجهة ضدها، خاصة بعد ان لجأت أجنحة من النظام الى اسلوبها المعتاد أي الاختطاف والتعذيب والتصفية الجسدية، ضد كل من يرفع صوته مطالبا بالكرامة والعدالة، كما حدث في التظاهرات الجماهيرية السابقة ومنها مظاهرات واعتصامات ساحات الكرامة في الانبار والموصل نهاية عام 2012، واستمرت لعدة شهور، قبل ان يقوم رئيس الوزراء وأمين عام حزب الدعوة نوري المالكي، باستهداف المتظاهرين اعتقالا وقتلا وقصفا بالبراميل المتفجرة، متهما اياهم، كالعادة، بالارهاب والطائفية.
وثقت منظمة هيومان رايتس ووتش الدولية ما واجههه المتظاهرون حينئذ في تقاريرها، خاصة الحصار الذي فرض على مدينة الفلوجة ومذبحة الحويجة حيث «قامت عناصر من جنود الجيش والشرطة الاتحادية والقوات الخاصة بإطلاق النار على حشد من نحو ألف متظاهر، في 23 نيسان 2013، فقتلت أكثر من 50 شخصا» .
وهاهي المنظمة تعود اليوم لتصدر تقريرا عن المتظاهرين وما يتعرضون له، بعنوان «ضرب واختطاف متظاهرين في العراق، النيابة العامة تخفق في التحقيق» وثقت المنظمة في تقريرها حالات اختطاف وتعذيب لاجبار الناشطين على الاعتراف بانهم «ينتمون الى منظمة داعش الارهابية وان يكشفوا عن هوية ممول المظاهرة»، ومن ثم أخفاق النيابة في الاستجابة للشكاوى القضائية التي قدمها ضحايا تلك الاعتداءات في بغداد والناصرية، جنوب العراق، ومدينة الحلة. ولايزال الناشط المختطف جلال الشحماني مجهول المصير حتى الآن . ووصف المتظاهر أحمد الخيقاني والمحامي حسين كريم كيف داهمت شرطة مكافحة الشغب متظاهرين يطالبون بتحسين الخدمات وإنهاء الفساد وقطعت طريقين للإحاطة بالمتظاهرين الفارين ثم ضربت قوات الأمن المتظاهرين بالهراوات وصعقتهم بالصواعق الكهربية. وحين تقدم 60 متظاهرا مصابا بشكوى لدى النائب العام، أمر وكيل النيابة بفتح تحقيق جنائي مع المتظاهرين لمقاومة التوقيف وإتلاف ممتلكات عامة تقدر قيمتها بما يزيد على مليون دولار!
على الرغم من ذلك، تشير مجريات التظاهرات، ببغداد، الى امكانية استمرارها ولكن ضمن توافقات جديدة قد لا ترضي كل الذين خاطروا بحياتهم وجهدهم للمشاركة فيها حتى الآن. اذ تناقلت وكالات الانباء (المدى برس) خبرا عن لقاء مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري وكتلة الاحرار، «مع عدد من الناشطين المدنيين ومن بينهم الناشط جاسم الحلفي». طالب مقتدى الصدرفي مؤتمر صحافي مشترك: «الحكومة بحماية المتظاهرين وقادتهم والاستجابة لمطالبهم» بينما «لفت الناشط المدني جاسم الحلفي إلى ضرورة مشاركة المدنيين والإسلاميين المعتدلين في التظاهرات». وهو كلام رائع لولا ان مقتدى الصدر معروف بمواقفه السياسية الحرباوية. فهو الذي تدخل لانقاذ المالكي من غضب المتظاهرين عام 2011، وممثلي تياره وزراء في الحكومة التي يطالبها بحماية المتظاهرين، وهم مغلفون بالفساد بالاضافة الى جرائم وارهاب الميليشيا التابعة له. اما بالنسبة الى الحلفي، الذي اعتلى المنصة بجوار الصدر كناشط مدني، فهو عضو متقدم في الحزب الشيوعي. الحزب الباحث عن محط رجل منذ ان منحه حاكم الاحتلال الامريكي بول بريمر مقعدا بمجلس الحكم باعتباره شيعيا لا شيوعيا. ليحط من كرامته مرتين . الاولى لتعاونه مع المحتل والثانية لإهانته تاريخ الحزب الذي ارتبط بنضال الشعب وشهدائه ضد المستعمر والامبريالية.
لقد بدأت موجة الاحتجاجات الأخيرة في شهر تموز عفوية، على الرغم من محاولة البعض التشكيك في ان جزءا منها محم من قبل أجهزة أمن تابعة للعبادي، وان امريكا وحلفاءها ممن يسمون بالتيار المدني يسعون لإستثمارها في ضغوطهم لما يسمى باصلاح المسار. كما اشار آخرون الى فكرة أن هناك متعهدين للمظاهرات يعملون للإحتلال ويورطون حسني النية. الا ان مشاركة جهات شعبية وعمالية وعشائرية وفئات مهمشة عديدة كانت قد إنخرطت بدافع وطني ومطالب طبقية وشعبية متعددة، أدى الى تبديد الشكوك وارتفاع هامش الأمل بتحالف وطني واسع. ويمكن تمييز الحشود المختلفة المشاركة ، خصوصا في المحافظات خارج بغداد، بهتافاتها ونوعية لافتاتها البسيطة باخطائها الاملائية. ليأتي تقارب الصدريين مع ما يسمى بالتيار المدني في هذه الظروف. ان لقاءات كهذه تعيد الشكوك وقد تؤدي الى تحالفات يحصد طرفاها المغانم على حساب المتظاهرين المخلصين . وهو ثمن غال، الى حد انني آمل ان تثبت الايام المقبلة خطأ توقعاتي.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

لن تقهر القدس

يا فاطمة لأنها بقلوبنا

 

هيفاء زنكنة

 

لم تفارقنا القدس يوما. ما كان لبدر شاكر السياب نسيانها «والقدس ما للقدس يمشي فوقه صهيون بين الدمع والأشلاء»، ولا لأحمد مطر غير الاعتذار منها «يا قدس يا سيدتي معذرة فليس لي يدان، وليس لي أسلحة وليس لي ميدان، كل الذي أملكه لسان»، ولم يسلم أي حاكم عربي، ملكا كان او أميرا أو رئيسا، من غضب مظفر نواب. نحن نكتب ونسجل «كي لا يضيع الملمس الخارق لأناس صنعوا بعملهم اليومي ودمهم المبارك تاريخ شعبهم»، يقول سعدي يوسف. مع محمود درويش وسميح القاسم على رأس قائمة، امتزج الشعر والدم الفلسطيني بالعراقي مؤسسا الهوية الواحدة لجيلنا. آملين ان نعيش لنرى مستقبلا مختلفا، مؤمنين بان من حق اولادنا علينا ان يعيشوا بحرية وكرامة. فكيف تركنا القدس، هذه المرة، لوحدها ؟
من القدس الجليلة، الصامدة، كتبت الي فاطمة عبيدات، المعلمة المقدسية الشابة، التي كانت تقضي ساعات، كل يوم، للوصول من القدس حيث تسكن إلى رام الله لحضور ورشة «الصحافة الثقافية» التي أدرتها بمركز السكاكيني، منذ عامين. للزمن والمسافة، بفلسطين المحتلة، معان تختلف عن بقية العالم. معان يفرضها وجود الاحتلال العنصري بمعابره، ونقاط تفتيشه، وقواته التي تتسلى وتلتذ باهانة وقتل الفلسطيني. تقول ست فاطمة: «عم بكتبلك من وسط حالة العزل التام عن العالم الخارجي في القدس، كل شارع لدينا مقفل بسواتر اسمنتية، ممنوع نمشي أو نسوق أو نشتغل أو نخرج من بيوتنا، يتم اعدام كل مقدسي من قبل أي مواطن اسرائيلي في القدس، لدينا حالة من التردي في القدس تفوق مدى لغتي، أتمنى يكون الإعلام عندك ببريطانيا بفرجيكِ شو صاير لنا في القدس. اكتبي عنا. احكي عنا في القدس. طالبات المدارس كمان تم اعدامهن. صاروا يقتلونا ويتهمونا ويهدموا البيوت ويطردونا من القدس ويمنعوا تسليم جثامين الشهداء. مش قادرة اعبرلك عن حالة الموت والركود والوحدة يلي احنا فيها. ادعيلنا. احنا بحاجة للحماية الدولية وتحرك المؤسسات التي تعنى بالانسان. لا احد يتحرّك معنا».
كتبت فاطمة لتؤكد ما كتبه د احمد جميل عزم، الاستاذ في جامعة بير زيت، عن تزييف الحقيقة: «بدأ الإسرائيليون بتزييف عمليات طعن، وأفعال مقاومة. مثل ادعاء مستوطنين أن فتاة مدرسة في القدس تحمل سكينا لطعنهم، وأُطلق الرصاص عليها… وكذلك قصة الشاب الذي كان محتجزا لدى الشرطة الإسرائيلية ويكيلون له الإهانات، وعندما لم يعد يستطيع الصبر على الإهانات والتنكيل، هب يدافع عن نفسه، فأردوه برصاصات كثيرة».
هذه شهادات حية من ارض بات النضال فيها متجذرا كأشجار الزيتون. ويعيش أهل القدس، كبارا وصغارا، نساء ورجالا، كمقاتلين، في الخطوط الأمامية، للدفاع عن مدينتهم، مدينة كل العرب والمسلمين. فالمحتل يريد الهيمنة على المدينة، قلب فلسطين، بأي شكل كان، يساعده في تنفيذ سياسته سلطة محكومة باتفاقية باتت تعرف، بين الشباب الفلسطيني، بانها عورة يحاول الساسة الذين وقعوها سترها. تقف خلف السلطة أنظمة عربية تجتمع في قمم تقرر، فينزل المولود كما يصفه النواب «نصف عورة/ ونصف فم/ مبارك.. مبارك/ وبالرفاه والبنين/أبرقوا لهيئة الأمم». ثم تنبثق من وجوه المساومات لجان ولجان و»حي على اللجان»، ينشد أحمد مطر.
في هيئة الأمم، يسري قانونان. الأول للدول القوية والثاني للدول الضعيفة. حيث تصبح جريمة الابادة ضد الفلسطينيين مجرد «نزاع بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني» ثم يسدد الفيتو الأمريكي الضربة القاضية على اي قرار يحمل نفسا انسانيا واخلاقيا لصالح فلسطين.
هكذا تبقى تلميذات ست فاطمة ومدرستها معرضة لاقتحام قوات الاحتلال بانواعها. لنقرأ شهادة ست فاطمة عن يوم عادي في مدرستها: «ححكيلكم كيف سكرت الشبابيك لاحمي بناتي، وسديت الباب مثلي مثل كل معلمة، أساسا مكنتش بعرف شو صار لغيري، لأنه برقبتي كان 28 طالبة.انخنقنا ونحنا تحت زخ قنابل الصوت والغاز والصوت، وجابوا سيارة المياة العادمة يلي بترش مياه كيميائية قاتلة، جمّعت طالباتي بزاوية بعيد عن الباب والشبابيك، لأنه صار فيه حالات اختناق واغماء، طالبة من طالباتي صابتها حالة هيستيرية وركضت لعندي، آثار أصابعها على ساعدي باقية، حكتلي وهيه بتصيح، مبديش أموت يا مس، أنا خايفة ما تتركيني». ولأن الفلسطيني يحب الحياة «اذا ما استطاع اليها سبيلا»، تهدأ ست فاطمة من روع تلميذاتها قائلة: «بعد سنين حتكبروا وتتخرجوا،ولما أشوفكم حتكونوا تحكوا لأطفالكم وطفلاتكم، نحنا ومس فاطمة كنا على تراب القدس العظيم، صامدين على مقاعد الدراسة، لأنه بالعلم نحنا بنحيا، رح تكبروا وتتذكروا انه هاي الأرض ما بيسكنها إلا بشر من طينة خاصة، طينة ارادة الحياة».
أكاد أرى وانا اسجل هذه الشهادة شاعرنا محمود درويش يفتح «باب الحديقةِ كيْ يخرُجَ الياسمينُ إلى الطّرقاتِ نهارا جميلاَ». أرى، أيضا، كما رأى العالم كله، جريمة قتل شاب جهارا وامام اجهزة الإعلام. هكذا اصبحنا، جميعا بلا استثناء، شهودا على جريمة اغتيال حياة بريئة، فأين هي منصة الشهود لنقف وندلي بشهادتنا ضد الجناة؟ كيف انحدرت القيم والاخلاق إلى حد بتنا نتمكن فيه من النوم ويقظتنا تغطيها الدماء؟ أليس الصمت مشاركة بالجريمة؟
ماذا عنا؟ هل بامكاننا ان نقترب، نحن من نعيش خارج الارض المحتلة ولا نملك غير القلم سلاحا، من أفعال الصمود والمقاومة والشهادة بمفردات التضامن، بالقصائد، بالتوثيق وتسجيل الشهادات؟ تقول لي عراقيتي المعجونة عجنا بالحق الفلسطيني: قد لا ترتقي المفردات إلى مستوى الفعل ولكن الصمت يعني الاستسلام والخنوع والقبول بمسح الهوية وتزييف الحقيقة.
ووقوفنا متضامنين مع الحق الفلسطيني والبحث عن سبل نضال وتضامن واجب ومسؤولية مع ادراكنا بان ما حافظ على فلسطين، رغم جراحها، حتى الآن، هم أهلها. سلاح المرابطات المدافعات عن حرمة الأقصى هو التكبير. وما صان القدس، حتى الآن، غير عشق اهلها لها. لهوائها، لتربتها، لصخرتها، لرمزيتها، لتاريخها. قدسيتها التي تستمدها من أهلها الذين يبررون دفاعهم عنها واستشهادهم في سبيلها قائلين ببساطة مذهلة: لأنها القدس. كيف تدحر مدينة يحملها اهلها بقلوبهم؟

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

محاكمة توني بلير وجدلية

مقاومة الظلم في البلاد العربية

 

هيفاء زنكنة

 

نحن، في البلاد العربية، متهمون بالعنف حينا وعدم الاستعداد للديمقراطية حينا آخر، أو كلاهما في آن واحد. وغالبا ما يلجأ دعاة هذه المواصفات، من ساسة ومثقفين، إلى الاستنجاد بالغرب لتعليمنا وتخليصنا من جينات العنف، إلى حد الاستعداد لدفع الجزء الاعظم من ثرواتنا الطبيعية وميزانيات دولنا لشراء اسلحة وترتيب طلعات جوية لقصفنا وتحويل مدننا إلى خرائب لاتصلح لعيش الانسان. على الرغم من ذلك كله، نشهد، يوميا، كيف يواصل من لايزال قادرا على تحمل نتائج آلات الموت واستبداد الحكومات العربية، ومن يستطيع البقاء حيا، تكذيب الاتهامات واثبات العكس تماما. ومن يتابع اخبار دفاع الفلسطينيين والعراقيين والسوريين، مثلا، عن حقوقهم، حتى الموت وهم من اكثر الناس حبا بالحياة، يعرف ما أعنيه.
في حالة العراق، تشكل حالة ملاحقة ملف توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق، نموذجا يضاهي ما يفعله الفلسطينيون بحثا عن العدالة بمختلف السبل وتعاونا مع المناضلين العالميين من اجل العدالة ممن لايرون اننا سبب العنف بالعالم.
وسبب الأشارة إلى الملف، هو تداول استفتاء جديد على مواقع الانترنت، انطلاقا من سكوتلندا، طرح سؤال عما إذا كان يجب تقديم توني بلير، إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، بتهمة ارتكاب جرائم حرب، تتعلق بدور بريطانيا في الحرب على العراق التي «بلغ عدد ضحاياها أكثر من مليون شخص وشرد ما يقارب الاربعة ملايين، ودمرت منازلهم، ومعظمهم من المدنيين. في الوقت الذي يدعي فيه بلير بأن الفظائع التي ارتكبت في الحرب ضد العراقيين، ومعظمهم من النساء والأطفال، هي «أضرار جانبية»، وهو مصطلح استخدمه خليفته دافيد كاميرون، من حزب المحافظين لوصف جرائم الحرب في ليبيا. وتماطل لجنة تشيلكوت التي شكلت للتحقيق بدور بريطانيا في غزو واحتلال العراق باعلان النتائج ،على أمل أن يتبدد غضب الشعب، بمرور الوقت، ويتم نسيان الجرائم». يبقى سؤال العمل على محاكمة بلير، كمجرم حرب، حيا في اذهان وضمائر من ناهضوا الحرب على العراق، ومن أثبتت سنوات الاحتلال صحة رؤيتهم لنتائجها الكارثية. حيث لاتزال محكمة الضمير، ببروكسل، المكونة من شخصيات علمية واكاديمية وأدبية عراقية وعالمية ذات منزلة مرموقة، والتي ساهمت بعقد حوالي 12 جلسة في جميع انحاء العالم بين الأعوام 2004 ـ 2006 حول جريمة غزو وإحتلال العراق، تواصل عملها. فهي مستمرة بمثابرة تثير الاعجاب طيلة هذه السنين بالتوعية بحجم المأساة وفضح انتهاكات حقوق الانسان وتوثيق جسامة الخراب اليومي في ظل الاحتلال وحكوماته المتعاقبة في مواقعها على الانترنت والفيسبوك، وبمشاركة ناشطيها في الندوات والنقاشات حول استرجاع البشرية لحكم الشرعية والعدالة.
وكان لمحكمة كوالالمبور لجرائم الحرب، وهي مؤسسة غير حكومية تأسست في عام 2007، بمبادرة من رئيس وزراء ماليزيا الأسبق الدكتور محاضر محمد وتخصصت في معالجة آثار الحروب وإعادة تأهيل ضحاياها، دورها في متابعة قضية الحرب على العراق منذ عام 2009. انعقدت المحكمة في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، بحضور شهود ومحامين وناشطين عراقيين، وبمشاركة رجال قانون وقضاة مشهود لهم على المستويين المحلي والدولي، واصدرت حكما بادانة الرئيس الأمريكي جورج بوش وتوني بلير كمجرمي حرب، ارتكبا جرائم ضد الانسانية. نص الحكم على: «إن كلا المسؤلين خطّطا، وجهزا، وقاما بغزو العراق، البلد ذا السيادة، في خرقٍ واضح للقانون الدولي، وأرتكبا جرائم تعذيب وجرائم حرب، متجاهلين معاهدة جنيف وقانون الأمم المتحدة الخاص بالتعذيب».
ولم يخذل الأسقف المناضل ديزموند توتو العراقيين بل وقف، كما فعل في بلده جنوب افريقيا، بجانب الانسان وحريته وكرامته. فكان صوته عاليا واضحا ( الغارديان- سبتمبر/ أيلول 2012) في انتقاد الدمار المادي والبشري الناجم عن الحرب على العراق، وطالب بأحالة ملف توني بلير وجورج بوش إلى المحكمة الجنائية الدولية، متهما اياهما بالكذب بشأن أسلحة الدمار الشامل وان الغزو لم يجعل المنطقة اكثر استقرارا بل أكثر انقساما «من أي نزاع آخر في التاريخ»، بالاضافة إلى خلق ظروف صالحة لنزاعات أهلية واقليمية أوسع في المنطقة. ولم يقف التشكيك باستقلالية المحكمة الجنائية نفسها وكونها اداة للامبريالية الغربية اذ يقتصر عملها، غالبا، على معاقبة زعماء الدول الصغيرة، بينما تتجاهل الجرائم التي يرتكبها زعماء وقادة الدول الأكثر ثراء وأكثر قوة، عائقا امام مواصلة الجهود لاستغلال أي منفذ يتيح لنا تحقيق العدالة. حيث يعمل االناشطون الحقوقيون مع شخصيات دولية وقفت بجانب الشعب العراقي على مدى عقود تعود إلى فترة الحصار الجائر. مما يجعلنا نستحضر ضعف دور الأمم المتحدة وهيمنة الدول الكبرى عليها وتطبيق مفهومين للعدالة يتماشى مع مقياس قوة الدولة. يقول دنيس هاليداي، النائب السابق للأمين العام للأمم المتحدة بالعراق، عن موقف المنظمة ازاء اعلان الحرب على الحرب: «ينبغي على دول العالم التعبير بوضوح عن رفضها للحرب، كما ينبغي عليها أن تطالب بتطبيق القانون الدولي على جميع دول العالم. داخل الأمم المتحدة ليس هناك قوى صغيرة وقوى عظمى، جميع الدول متساوية أمام القانون الدولي».
وقد فتح انتخاب جيريمي كوربين رئيسا لحزب العمال البريطاني نافذة صغيرة من الامل على امكانية المحاسبة، خاصة وهو يكرر في تصريحاته بأنه واثق من ان بلير «شن حربا غير شرعية مما يجعله قد ارتكب جريمة حرب».
يؤكد هانز فون سبونيك، مساعد الأمين العام السابق للأمم المتحدة، تصريحات جيريمي كوربين، قائلا: «أصبح العراق مثالاً للدولة الفاشلة والتي تنافس في فشلها الدول الأخرى المحرومة كأفغانستان والصومال، وطبعا، فلسطين، للحصول على تاج البؤس… في العراق مأساة أنسانية لايمكن وصفها». وأن تطبيق الاجراءات القانونية على الجميع، عراقيين كانوا أم غير عراقيين، ضروري، فمواجهة العدالة ليست فقط لأولئك الذين خسروا». هذه السيرورة ة لاخضاع الجناة ممن تسببوا بتخريب بلد بكامله وأحالوه إلى ساحة صراع دام، إلى المساءلة، سلمية ومكملة لاشكال النضال الاخرى ضد الاحتلال وبالتعاون مع شعوب العالم المحبة للسلام، وهذا ما أكده الصديق هانز فون سبونيك في رسالة خاصة عن الاستفتاء حول محاكمة بلير: «بالنسبة الي لم يعد السؤال هو إذا ماكان يجب محاكمة بلير بل متى. نحن نعمل جاهدين لنتمكن من تحديد موعد لمحاكمته». مثبتا موقفه المبدئي «كي يطمئن الشعب العراقي بأنه ليس وحده في بحثه عن الأنصاف».

٭ كاتبة من العراق

 

 

 

هل تحتاج الدول العربية

وزارات حقوق الإنسان؟

 

هيفاء زنكنة

 

من بين مفارقات تنفيذ «حزمة» اصلاحات حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي، بسبب ضغوط التظاهرات الاحتجاجية الجماهيرية، وتبنيها من قبل المرجعية الشيعية، للقضاء على الفساد وتوفير الخدمات، إلغاء خمس وزارات من بينها حقوق الإنسان، وشؤون المرأة. وجوهر المفارقة هو كون الوزارتين من أهم اسباب تبرير غزو واحتلال العراق في 2003، بعد ذريعة أسلحة الدمار الشامل.
وخطابات الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش واعضاء تيار المحافظين الجدد والنسويات «الاستعماريات» الغربيات منهن والعراقيات، حافلة بالدعوة إلى «تحرير» المرأة العراقية و تكريس حقوق الانسان. كلا الادعائين سرعان ما انهار، ليقف كل من اصطف مع الغزاة، عاريا تماما بعد ان سقطت ورقتا التوت، وأيقن ساسة النظام ان الافلات من المسؤولية والعقاب ممكن ما داموا يتمتعون بحماية دول أخرى قادرة على التلاعب بالقانون الدولي.
عالميا، لم يثر الخبر أي اهتمام، فالعالم ـ وأعلامه – يشيح بنظره عن العراق متحاشيا النظر إلى ما اقترف، والكل مشغول بالإرهاب هنا وهناك، ومؤخرا بدخول روسيا على خط قصف سوريا رسميا. محليا، تباينت ردود الافعال حول الغاء الوزارتين. احتج البعض لأسباب محاصاصاتية سياسية وان جرت محاولات لبرقعتها بالغيرة على حقوق الانسان. وبينما رحب عدد من الكتاب بالغاء الوزارة لأنها لم تنجز أيا من مهامها، اعتبر الوزير محمد البياتي القرار غير قانوني وغير دستوري، كما قام مواطنون بقطع طريق بغداد – كركوك احتجاجا على إلغاء الوزارة وإحالة وزيرها المعين ضمن المحاصصة القومية، للتقاعد. معتبرين الالغاء استهدافا للحصة التركمانية بالحكومة. اقتصار الاحتجاج على الغاء الوزارة باعتبارها جزءا من المحاصصة السياسية، ومع صمت الأغلبية على الغاء وزارة طالما طالب الكثيرون بتأسيسها، يدفع إلى التساؤل عما إذا كان الصمت مؤشرا إلى يأس المواطنين أو لاجدوى الوزارة. يشير الواقع إلى ان كلا السببين جزء لا يتجزأ من يقين المواطن بفساد الحكومة وساستها أيا كانت الوزارات او الاحزاب وما تدعيه من تمثيل ديني او طائفي او قومي.
ان وزارة حقوق الانسان بالعراق ليست فريدة من نوعها في تخليها عن المواطن، اذ هناك في كل بلد عربي، تقريبا، وزارة مماثلة.
الهدف المفترض من تأسيسها هو، كما يدل اسمها، الدفاع عن حقوق الانسان/ المواطن. ولست هنا بصدد استعراض ما يعنيه مفهوم الحقوق وكيفية حمايتها والتوعية بها وتحقيق العدالة، فتقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والعربية، ومنظمات المجتمع المدني في كل بلد عربي، مهما كانت نوعية حكومته ودرجة ديمقرطيتها أو استبدادها، تفصيلية بما فيه الكفاية. إلا ان ما يعنينا، كمواطنين في بلدان أبتليت بالنزاعات والحروب والاحتلال ومحاولات التقسيم، هو مدى قيام الوزارات بواجبها.
يتبين من متابعة عمل الوزارات، في مختلف البلدان العربية، ان وجودها، في معظم الحالات، تزويقي وقد جاء نتيجة ضغط دولي على الحكومات وليس نابعا من رغبة حقيقية باحترام حقوق المواطن وكرامته. ويبدو التقصير واضحا في تنفيذ مهامها المفترضة واستخدامها، احيانا، كواجهة لحماية النظام وليس المواطن، بالاضافة إلى الانتقائية السياسية والأمنية في عملها مما ينعكس سلبا حتى على مفهوم حقوق الانسان ويلوث عمل منظمات المجتمع المدني المستقلة الساعية في ذات المجال.
تنطبق هذه المواصفات على الوزارة بالعراق بالاضافة إلى تميزها بجوانب أخرى تجعلها تحتل مركز الصدارة باستحقاق. من بينها اختلاق الاخبار وتوزيع المعلومات التضليلية التي تساهم بخلق اجواء الخوف بين المواطنين. ولاتجد الوزارة غضاضة في التستر (عمدا أو صمتا) على جرائم حكومية ومليشياوية، واهمال المطالبة بالتحقيق فيها بل واصدار بيان تهنئة ومباركة لما ترتكبه مليشيا كالحشد الشعبي (موقع الوزارة 26/7) من اعتقالات، وتعذيب، وحرقٍ للجثث معتبرة اياه انتصارا. وهي الجرائم التي استنطق عنها الوفد الحكومي العراقي في اجتماعات الدورة 55 لمجلس حقوق الانسان، بجنيف، في 14/8/2015 اذ تم التأكيد على مسؤولية الحكومة عن جرائم الميليشيات وما يسمّى «الحشد الشعبي»، ووجوب تقديم مرتكبي هذه الأعمال إلى القضاء. فمن البديهي ان تطبيق القانون هو من مسؤولية الحكومة وعليها ان تضمن خضوع حلفائها، كالحشد الشعبي، وان تضعه تحت ادارتها الكاملة. وكما أكد احد الخبراء بالمجلس: «لا يمكن ان نعيب على داعش اموراً ونقبل ان يقوم بها الحشد الشعبي».
واذا كانت منظمات حقوق الانسان متفقة على ان عقوبة الاعدام، في احسن الاحوال، وتحت اكثر النظم القضائية عدالة ونزاهة، لم تقلل من نسبة ارتكاب الجرائم والعنف في المجتمعات، فان وزارة حقوق الانسان العراقية طالما اكدت ايمانها بعقوبة الاعدام وأصدرت قبل ساعات من الغائها (14/ 8) بيانا اشادت فيه بالخطوة التي اتخذها رئيس الجمهورية فؤاد معصوم بالمصادقة على احكام الاعدام المتراكمة، واعتبر وزير حقوق الانسان هذه الخطوة إيجابية وأنها «تطبيق واضح لمبادئ حقوق الانسان المشروعة في المجتمع العراقي… وبذلك يتحقق الانصاف وتسود العدالة».
واذا ما تفحصنا سيرورة اصدار وتنفيذ احكام الاعدام بوتيرتها التي تضع العراق على قمة قائمة الدول المنفذة للاعدام، لوجدناها تطابق تقرير مجلس حقوق الانسان الذي بين فيه استخدام قانون مكافحة الإرهاب كأداة للتخلص من بعض الاشخاص، غالبا، على اساس طائفي وتطبيق احكام الاعدام بمحاكمات غير عادلة، لا تستغرق، أحيانا، سوى دقائق معدودة. ان حملة النظام المحمومة في اصدار احكام الاعدام بحق 44 تهمة، أبعد ما تكون عن تحقيق الانصاف والعدالة. انها حملة انتقام تتم بمباركة وزارة حقوق الانسان لتشكل استهانة بعقول المواطنين واحتقارا لمفهوم حقوق الانسان وكل العاملين على تحقيقه.
ان الغاء وزارة حقوق الانسان على الرغم من لاجدواها احيانا وضررها احيانا أخرى، ليس حلا. الحل هو في انتخاب حكومة وطنية تطبق القوانين، وحق المواطنة، ويكون صلب عملها تحقيق العدالة الاجتماعية واخضاعها للرقابة القانونية والشعبية، مهما كانت الظروف. حينئذ، فقط، يصبح لوزارة حقوق الانسان، كما بقية المؤسسات، دور انساني ورقابي ضروري.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

العراق: آه لو كان هناك

صينيا واحدا بين المتظاهرين!

 

هيفاء زنكنة

 

لم يترك المتظاهرون العراقيون طريقا سلميا إلا وسلكوه، للمطالبة بالاصلاح ووضع حد لجرثومة الفساد التي التهمت الاخضر واليابس في البلاد. خرجوا بالآلاف إلى شوارع وساحات المدن ليواصلوا احتجاجاتهم التي أستهلت، في 2003، وبعد تنصيب حكومة تمارس اهانة المواطن وسلبه كرامته لصالح المحتل الأمريكي والبريطاني بداية، وبمعية المحتل الإيراني لاحقا.
كان رد الحكومة «حزمة» وعود جوفاء وخطب لم تعد تقنع أحدا. وكلما ازداد اصرار المتظاهرين على مطالبهم، تمسك الساسة بكراسيهم، ورؤساء الاحزاب برطانتهم، وقادة المليشيات بوحشيتهم. في عراق، ارادوه بلا دولة وبلا مؤسسات، صارت الكلمة العليا لمليشيات ومرتزقة مشرعنة باسم حكومة شعارها «يا ثارات الحسين» من جهة ومنظمة إرهابية تريد بناء دولة «خلافة إسلامية» من جهة ثانية. كلاهما يتفنن بإرهاب المواطنين. وكلما برزت إلى الوجود اصوات تريد استعادة البلاد من السراق، لبناء ما يطمح اليه المواطن من تعليم وخدمات ومستقبل كريم، يهاجمها قطيع ضباع يستبسل دفاعا عن مصالحه ومصالح من يمثله.
منذ ثمانية أسابيع، والضباع تترصد بالمتظاهرين الذين تبنوا مطالب مظاهرة المدينة الأولى في البصرة بعد أن سقط فيها صريعا الشاب منتظر الحلفي في منتصف شهر تموز الماضي. جعلوا الوصول إلى اماكن التجمع شبه مستحيلة بحجة حماية المتظاهرين. هاجموا المعتصمين في المدن. اعتدوا عليهم بالضرب والسب والشتم بمدينة البصرة، مثلا، ثم حطموا خيم الاعتصام. اعتقلوا عددا من قادة التظاهرات، اختطفوا وعذبوا واغتالوا آخرين. اغتالوا اثنين من منظمي التظاهرات في البصرة وذي قار، جنوب العراق، هما مسلّم هيثم الركابي ووليد سعيد الطائي، برصاص مجهولين، فيما توفي الشيخ صباح الكرموشي، وهو من أبرز منظمي الاعتصامات في محافظة البصرة، متأثرا بجراحه جراء تفجير عبوة وضعت داخل سيارته.
واذا كان العالم، المتأهب دوما للغزو بحجة التدخل «الإنساني»، قد صمت على الانتهاكات الصارخة بحق المتظاهرين في السنوات الماضية، بعد ان نجحت الحكومة بتسويق التظاهرات بأنها طائفية أرهابية تهدد أمن المنطقة والعالم، فإن الصمت لا يزال مدويا، يحيط التظاهرات الحالية، على الرغم من فشل الحكومة، في نعتها بالطائفية الإرهابية، كالسابق، خاصة بعد ان أبدت المرجعية الشيعية رضاها، مما اوقع الحكومة في مأزق لا ينقذها منه غير اتهام المرجعية نفسها بالطائفية الإرهابية!
بجانب صمت الدول والعديد من المنظمات الدولية، هناك الصمت الإعلامي الدولي الذي طالما سمعناه، مطبلا ومزمرا للدفاع عن حقوق الانسان، ومن عاش، مثلي، في الغرب، يتذكر جيدا انتقائية اجهزة الإعلام في تحشيد الرأي العام مع شن الحرب على العراق «لانقاذ العالم من اسلحة الدمار الشامل، وتطبيق حقوق الانسان». أكثر اجهزة الإعلام صمتا، في بريطانيا، حاليا، هو ذاته الذي كان أكثرها صخبا وتغطية لانتهاكات حقوق الانسان قبل الغزو، أعني جهاز البي بي سي الإذاعي والتلفزيوني.
انتقائية الجهاز الإعلامي، الموصوف بالموضوعية، وبأنه المقياس الذي يتطلع اليه الكثيرون لمحاكاته، لا تفتأ تصدمنا، كما افعال البرابرة، على الرغم من توقعنا اياها. ففي الوقت الذي تهاجم فيه اذاعة البي بي سي الحكومة الصينية، في نشرت الاخبار، وعبر لقاءات مع ممثلي منظمات حقوق الانسان، وأكاديميين و»خبراء» بالشأن الصيني، لاعتقالها، مثلا، كاتبا صينيا ومحاكمته واصدار الحكم عليه علنيا، بشكل يغرس في ذهن المواطن البريطاني صورة حكومة قمعية لا هم لها غير تحويل سكان الصين البالغ عددهم ما يزيد على المليار مواطن صيني إلى سجناء رأي يعذبون ليلا ونهارا، نراهم يتعامون تعاميا مطلقا ازاء جرائم النظام الذي نصبوه، الذي وصفه هانز فون سبونيك، نائب الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة السابق بالعراق، بأنه «لم يبق بند من بنود حقوق الانسان لم ينتهكه». هذا لا يعني انني مع الحكومة الصينية في اعتقالها الكتاب او نشطاء حقوق الانسان، بل بالعكس، ما نصبو اليه ان تكون التغطية الإعلامية متوازنة ازاء أي انتهاك ضد أي شعب كان.
هناك، طبعا، عدد من المنظمات الحقوقية الدولية، التي تحاول اداء عملها، بعيدا عن المصالح السياسية وتمثيل الجهات الداعمة ماديا (وهو بلاء شائع بين منظمات المجتمع المدني)، من بينها «مركز جنيف الدولي للعدالة» الذي أطلق نداءً، طالب فيه الأمم المتحدّة بالضغط على السلطات العراقية لإطلاق سراح الناشط جلال تركي الشحماني الذي اختطف مع شخصين آخرين في بغداد، يوم 23/29/2015، من قبل مجموعة ترتدي ملابس الميليشيات اقتادته إلى جهة غير معلومة بعد ان قامت بإطلاق عيارات نارّية في الهواء لخلق حالة من الرعب في المنطقة. وسبقه اختطاف الناشط علي هاشم مع ضرغام محسن وعماد طه. ولم يرهب الاختطاف والتعذيب علي هاشم بل اصر على مواصلة التظاهر بعد اطلاق سراحه.
وعثر على جثة الناشط حيدر غازي الربيعي (35 عاما) ملفوفة بكيس ومربوطة بحبل بعد اطلاق النار عليه في محافظة ذي قار.
المعروف انه نادرا ما يتم التحقيق في الجرائم المرتكبة ضد المواطنين، خاصة جرائم الاختطاف والاغتيال، وقلما يجد المواطن من يدافع عن حقوقه مع استشراء الفساد في الجهاز القضائي وبعد أن انشأت الحكومة هيئة «الحشد الشعبي»، الذي بات أعلى سلطة وتحكما بحياة الناس من الجيش وبقية الأجهزة الأمنية على مساوئها جميعا.
عبر المنسق العام لمجلس حقوق الإنسان ضمن اعمال دورته الأخيرة عن قلقه من انتهاكات حقوق الانسان وركز المتحدثون على إرهاب داعش، بينما اعتبر المتظاهرون فساد الحكومة مساويا للإرهاب، مما يجعل «قلق» المنسق درعا يحمي المجلس من المسؤولية الدولية، كما يجعل ذريعة التحالف الروسي الإيراني السوري مع الحكومة العراقية، لمحاربة داعش وتغطية عار الحكومة في تنفيذ الوعود، كارثة أخرى تساوي كارثة الاحتلال الأمريكي بحجة تحرير العراقيين.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

من أين جاء

هذا الليل ليخرب العراق؟

 

هيفاء زنكنة

 

نشاهد في فيديو أنتشر عبر المدونات والفيسبوك (انظر مدونة أبو تمام)، هادي العامري، وزير النقل والمواصلات العراقي السابق، وعضو مجلس النواب الحالي، وقائد مليشيا بدر والحشد الشعبي، وهو يقاتل في صفوف الجيش الايراني ضد العراقي، في الثمانينات، اثناء الحرب العراقية الايرانية. مع العلم ان فيلق / ميليشيا بدر، تم تأسيسه وتدريبه بايران، ويضم عراقيين ممن تم تهجيرهم من قبل نظام البعث واسرى الحرب «التوابين». وقد دخلت الميليشيا العراق مع الاحتلال، لتشن حملة تطهير بشعة لكل من اعتبرته جنديا او طيارا شارك في الحرب ضد ايران.
أثار الفيديو تعليقات وتساؤلات كثيرة. تركز معظمها حول مفهوم الولاء للوطن وان تطرق بعضها إلى معنى الوطن نفسه. هل هناك معنى واحد للوطن أم هناك عدة معان أو أوطان، تختلف باختلاف الفرد وتجربته وذكرياته، وما يشكل هويته، وما تمثله بقعة الارض التي ولد وترعرع فيها، وتعلم لغتها؟
ما معنى الوطن لشخص أجبر على الهجرة من وطنه وانخرط في صفوف جيش يقاتل ضده وضد ابناء جلدته، هادي العامري نموذجا، وان كان ليس فريدا من نوعه؟
يقول هادي العامري، في الفيديو، ردا على سؤال مراسل في جهاز الإعلام الحربي الايراني، اثناء وجوده في جبهة القتال: «ننتظر الأوامر لتوجيه بعض الضربات المهلكة إلى العدو الغاشم. اثناء هذا وصلتنا الاخبار ان العدو يتقدم مع المنافقين فتحركت قواتنا. الحمد لله، وصلنا ومسكنا المنطقة ودافعنا اربعة ايام مقاومة عنيفة امام دفاع العدو المجنون».
وحين سأله المراسل، باللغة الفارسية، عن رأيه في وقف اطلاق النار، أجاب: «رأي الإمام أنه الآن وقف اطلاق النار، نحن مع الإمام حتى آخر قطرة دم. الإمام اذا يقول حرب فانها حرب، اذا يقول صلح فهو صلح. نعم نحن مع الإمام. الآن الإمام هو الذي يمثل الإسلام. نحن نعلم بان الإمام هو يمثل الإسلام. اذا الإسلام يحتاج الصلح نوافق، ولكن ان شاء الله، سنستمر بتوجيه الضربات المهلكة حتى آخر قطرة دم».
واذا كانت العلاقة بين المنفي قسرا والوطن، متعددة المستويات في تعقيدها، فالواضح، من هذا الفيديو، ان هادي العامري، ممثل الشعب في البرلمان، حاليا، غير معني بالتساؤل عن ماهية الوطن والولاء له، ولا يعنيه العراق إلا بكونه « عدوا»، ولا يعنيه التمييز ما بين الشعب والسلطة الحاكمة، وهذا اضعف الأيمان. فولاؤه وايمانه، كما يكرره، واضح، مطلق، لايقبل الشك. فهو، ومن معه، مع الإمام (الخميني أيامها، خامئني الآن) حتى آخر قطرة دم. انه الايمان بولاية الفقيه، والإمام، بالنسبة اليه هو الإسلام، على افتراض ان الإمام يمثل الشيعة والسنة معا.
الوطن، اذن، بالنسبة إلى العامري ومن هم على شاكلته، هو حيث يهيمن الإمام. ومن لا يتبع الإمام، ايا كان دينه او قوميته «عدو» يجب استئصاله. وهي نقطة مهمة جدا لفهم مسار التصفيات والانتقام المنهجي الذي تسلكه الميليشيات واحزابها منذ 2003. المفارقة هي ان العامري، بالاضافة إلى كونه نائبا بالبرلمان، هو قائد « الحشد الشعبي» الذي بات اقوى من الجيش ويحتل اعضاء من ميليشيا بدر مناصب وزارية، ومن بينهم وزير الداخلية محمد الغبان. كلهم يشاركون في حملات التطهير الانتقامية بحجة الدفاع عن الوطن ضد الارهاب. فعن اي وطن يتحدثون؟ وما الذي يعنيه الولاء للوطن لمن وصفهم الشاعر معروف الرصافي، بقوله: «لا يخدعنك هتاف القوم في الوطــن…فالقوم في السر غير القوم في العلن»؟
في «عائد إلى حيفا» يتساءل الكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني، عن مفهوم الوطن، قائلا: «يا صفية، هل تعرفين ما هو الوطن؟ الوطن هو ان لا يحدث هذا كله». ولأن وجود الفلسطيني مرتبط بوجود أرضه، ولأنه يستنشق عبير ارضه في كل ما يفعل، مهما اجبر على الهجرة ومهما طالت الغربة، مؤمنا بأن وطنه ملك له وحق له مهما استبد الحكام والاستعمار، يعود محمود درويش في يوميات الحزن العادي ليؤكد ماهية الوطن: «ما هو الوطن ؟هو الشوق إلى الموت من أجل أن تعيد الحق والأرض. ليس الوطن أرضا. ولكنه الأرض والحق معا. الحق معك، والارض معهم».
ولكن، ماذا عن العراقيين الذين اجبروا على الهجرة بسبب تداخل الاستبداد الداخلي بالهيمنة الخارجية، وقد تجاوزت اعدادهم الملايين؟
هل يبقى الوطن وطنا يستحق التضحية والعمل من اجله والتغني بامجاده أم انه سينمحي، تدريجيا، ازاء واقع الحياة الجديد، ليصبح الوطن ذكرى تتجسد بالأكلات والاغاني الحزينة؟ وهل سيعمل المنفي، يوم يعود، من اجل وطنه الأصلي أم البلد الثاني الذي استقر فيه وربما تعلم اطفاله فيه؟ هل سيكون ولاؤه لوطنه الذي يرى فيه من اذاقه المر أم البلد الثاني الذي وفر له الأمان، مهما كانت الاسباب؟ هذه بعض التساؤلات التي يعيشها المهاجر، غير السياسي، عادة. أما المهاجر السياسي فان مواقفه تساير خط حزبه سواء كان إسلاميا، طائفيا، قوميا أو علمانيا. وقد رأينا كيف تعاون اللاجىء السياسي والمثقف، مع سلطات بلدان اللجوء في امريكا وبريطانيا وايران، مساهما بتحشيد الرأي العام لغزو وطنه، بحجة تخليص العالم من اسلحة الدمار الشامل وارساء الديمقراطية. وكانت النتيجة: خراب الوطن. خراب تستر عليه إفساد الناس بالوظائف المؤقتة والوهمية، بفتات الأموال المنهوبة، المعطرة، بفتاوى دينية، حتى استنفدت أموال الدولة وبدأ التقشف وصراع اللصوص الكبار على الغنيمة المتضائلة، فلم يعد هناك الكثير للفتات.
الأمل، الآن، في صمود الجماهير المتظاهرة، لاستعادة الكرامة من فساد مس الجميع وخرب الوطن باسم الدين، مستحضرين ماقاله الرصافي: «لا لم تعد نجفٌ تفاخرُ باسمكم / لاكوفة، لا كربلا، لا بابلُ / ما انتمُ إلا بناءٌ ساقط / نتنٌ مليءٌ ارضة متآكلُ / انتم كأندلس الطوائفِ اُجهضتْ والموت اما عاجلٌ او آجلُ».

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

هدية من الشعب العراقي:

ثلاثة ملايين متطرف!

هيفاء زنكنة

 

ثلاثة ملايين طفل عراقي وما يقارب الثلاثة ملايين طفل سوري محرومون من التعليم. مليونان في ليبيا و3.1 مليون في السودان و 2.9 مليون في اليمن. الفروق بين الذكور والاناث، ضمن البقية من المتعلمين، كبيرة. 36٪ في المئة فقط من الفتيات في اليمن، على سبيل المثال، حصلن على قدر من التعليم الأساسي، حسب تقرير»التعليم في خط النار»، الصادرعن صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف)، 3 أيلول/سبتمبر 2015.
أي مستقبل ينتظر هؤلاء الاطفال ومجتمعاتهم وبلدانهم؟
ينص ميثاق حقوق الإنسان على ان تعليم الأطفال حق من حقوق الانسان الأساسية، ولا يحق حرمانهم من التعليم حتى اثناء الحروب والنزاعات. وتقدير قيمة التعليم في تطور الفرد سبقت الميثاق بفترة طويلة. يقول الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو « من يفتح باب مدرسة يغلق سجنا»، وطور الكاتب الأمريكي مارك توين، ذات الفكرة، قائلا: « كلما تغلق مدرسة، تفتح سجنا. ما تربحه في المكان الأول ستخسره في الثاني». مئات التقارير والدراسات المجتمعية، والنفسية، والاقتصادية، تؤكد أهمية التعليم في بناء الشخصية، وتطوير الفكر، ونقل المعرفة، ناهيك عن بناء وتنمية البلد واعتبار التعليم مصعدا للرقي الاجتماعي والحضاري. كيف تنعكس هذه المؤشرات على مستقبل اطفالنا وبلداننا؟ ماذا عن النازحين والمهجرين قسرا؟ ماهي مساحة التعليم المتوفرة للطفل / المواطن في بلد كسوريا مثلا، بعد ان قدم رئيس البلد مفهوما جديدا للمواطن كمبرر لحملات التهجير والنزوح والقتل. والعراق؟ ما هي الفسحة المتوفرة للتعليم للاطفال، في بلد يحكمه ساسة، لا يتورعون عن سرقة حتى خمس مرجعيتهم، وألحقوا الخراب ببلد كانت البلدان العربية تفتخر بمستوى التعليم فيه، ومساهمته برفع مستوى التعليم في البلاد العربية، عن طريق ايفاد المعلمين والاساتذة وكتب التعليم المجانية المختومة بختم «هدية من الشعب العراقي»؟
والآن، ما الذي ستكون عليه «هدية الشعب العراقي» للدول القريبة والبعيدة، وملايين اطفاله بلا تعليم ولا بيوت يقطنونها، ولايرون في المستقبل غير اليأس؟ أليس الواقع الحالي افضل مؤشر لما نخشى ان يكونوا عليه؟
أثبتت سنوات الاحتلال وحكوماته العراقية الفاسدة ان قضية التعليم ليست اولوية بل ان سياسة التجهيل هي الاولوية. واذا كانت سياسة المستعمر مبنية، عادة ،على قلة الوعي لإحكام سيطرته، واصلت الحكومات العراقية المتعاقبة ذات السياسة، فالجهل هو درع الساسة الفاسدين من وعي الشعب الذي يعرف حقوقه ويدرك معنى ان يكون مواطنا.
ولا يقتصر الامر، بالعراق، على غياب السياسة التعليمية، وخراب المباني المدرسية، وقلة الميزانية المكرسة للتعليم، واستهداف المعلمين بحملات اغتيال وتهديد اجبر الكثيرين على الهجرة، بل امتد إلى جانبين عمقا حجم المأساة، وهما حملات التهجير وتكريس الطائفية المدرسية.
من اوائل الخاسرين في حملات التهجير هم الاطفال والنساء، وبالتحديد من ناحيتي الصحة والتعليم. اذ يؤدي النزوح القسري والهجرة إلى تغيير الاولويات ليصبح ارسال الاطفال إلى المدارس في المرتبة الرابعة بعد تأمين المأوى والطعام والصحة. وبانعدام فرصة الذهاب إلى المدرسة، يفقد الطفل الاحساس بالامان ولقاء الاصدقاء بالاضافة إلى حرمانه من ادوات التعليم الاساسي، كالقراءة والتعبير اللفظي والحساب وحل المعضلات، وفحوى التعليم الاساسي كالمعرفة والقيم والسلوك، التي يحتاجها المرء ليكون قادرا على البقاء وتطوير قدراته. والمعروف أن فقدان سنة مدرسية واحدة يعادل إنخفاض مستوى الذكاء بدرجتين مئويتين بالنسبة للمعدل، وبالتالي فإن فقدان 5 أو أكثر من سنوات الدراسة تعني إنخفاض المستوى الذهني لنسبة كبيرة من الأطفال العراقيين إلى ما يسمى في الغرب بمستوى الحاجات التعليمية الخاصة، مقارنة بالتفوق الذي عرف به الشباب العراقي، على مد العصور، في المجال التعليمي. ان موجة الهجرة الجماعية الجديدة هي الرابعة في أقل من نصف قرن، فقد البلد خلالها الشرائح الأكثر حيوية وتمكنا حتى بالمستوى المتوسط، وتشمل عوائل شابة بأكملها. ويشكل القلق على تعليم الاطفال احد اسباب الهجرة. وليس حال النازحين من مناطق القتال أفضل، خاصة، بعد تشديد القيود على دخولهم بغداد والمحافظات القريبة، فصارت الهجرة حلما يسعون اليه مع كل من تأقلم مع وضع ما بعد الإحتلال، رضوخا للأمرالسياسي والطائفي الواقع أو لإستفادة ما، وكان يعول على استقرار الوضع.
أما تكريس الطائفية المدرسية، فقد تبدى بتغيير اسماء المدارس والتعليم بشكل طائفي ومحاولة تحويل المدارس إلى باحات لممارسة طقوس اللطم ومسيرات العزاء. وقد شهدت، شخصيا، كارثة التكريس الطائفي بين الاطفال في المدارس العراقية الموجودة، بلندن، وكيفية رفع رايات العزاء وحث الاطفال على ارتداء السواد حزنا على معركة تمت منذ ما يزيد على الالف عام. فما بالك بداخل العراق ووزارة التعليم ومؤسساتها خاضعة للمحاصصة الطائفية؟ ان نثر وزرع هذه البذرة، يشكل خطرا حقيقيا على بنية المجتمع ومستقبل البلد ككل. وعلى من يشكك بمدى الخطورة، ان ينظر إلى مثال ايرلندا ليرى كيف نجح الاستعمار الانكليزي في تفرقة وتقسيم الشعب الايرلندي. وما كان لبذرة التفرقة ان تنجح لولا تقسيم المدارس إلى كاثوليكية واخرى بروتستانية وعدم تشجيع الاختلاط. ولعل ما يبقي الامل حيا في النفوس بالنسبة إلى التعليم، هو ان خزين المعرفة والثقافة الذي تحمله الأجيال السابقة، لايزال حيا وقد ساعد، حتى الآن، على تعويض الأطفال عن فقدان المدارس وضعف المعلمين وخراب التعليم عموما. إلا ان هذا الخزين يتضاءل بمرور السنين مما يعني ان انقاذ التعليم هو إحدى المهام التاريخية لكل مشروع تغيير حقيقي. كما ان بذرة الطائفية بالمدارس، وان وجدت، لم تنتشر انتشارا كبيرا بعد واهمال المشكلة يؤشر إلى ان الآتي، ان لم نتدارك الأمر، سيكون اعظم وسيكون الخراب البشري اعمق من ان يتم اصلاحه في بضع سنوات مقبلة أو عبر تغيير عدد من المسؤولين الفاسدين.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

هل هدف المتظاهرين

في العراق تغيير هريرة؟

هيفاء زنكنة

 

هل تتذكرون حديث «الشعب يريد اسقاط النظام»؟ و»اذا الشعب يوما اراد الحياة…»، يوم استعادت مفردات الحرية والكرامة والعدالة مكانتها ونفضت عنها الجماهير صدأ الخوف والتدجين؟
هل نحتاج التذكير وجماهير ساحات الاحتجاج والتظاهر ضد الانظمة المستبدة، الفاسدة، في البلاد العربية، لاتزال تكررها بلهجات أهلها المتنوعة، في شوارع مدنها، مضافا اليها «طلعت ريحتكم» و»نواب الشعب كلهم حرامية» و»باسم الدين سرقونا الحرامية»، بينما تواصل الأنظمة اتهام الجماهير بالعمالة حينا والإرهاب حينا آخر ؟
مع ذلك، لنذكر. وليكن العراق نموذجا. لمطالب المواطنين تاريخ يحاولون طمسه في دولة الفساد. مظاهرة أهل الموصل في نيسان 2003، بعد ايام من الغزو. مظاهرة في النجف بعدها بايام ورمي جنود الاحتلال بالحجارة. النساء امام معتقلات الاحتلال وحكومات الاحتلال المتعاقبة (أو الاحتلالين منذ دخول الميليشيات الايرانية على الخط) منذ عام 2004.
تظاهرة اهل الفلوجة امام مدرسة ابتدائية مطالبين بعودة اطفالهم للدراسة واخلاء المدرسة من قوات الاحتلال الامريكي، فكانت النتيجة الهجوم الامريكي الاكبر منذ حرب فيتنام، وقتل الآلاف وتهديم 70 بالمئة من المدينة. وكانت لساحة التحرير ببغداد والموصل والبصرة والسليمانية مشاركتها في ساحات الانتفاضات العربية. فأتهم المتظاهرون بالإرهاب وتم اعتقال واغتيال عدد من قادتهم وتسويف المطالب عبر نداءات وكلاء المرجعية الشيعية، ولملمة ساسة العملية السياسية شتاتهم لمواجهة الشعب.
واليوم؟ يواصل الشعب النزول الى الشوارع ايمانا منه بمشروعية حقوقه. لايزال الشعب، ممثلا بمتظاهريه، هو المشكلة التي يستقتل النظام لمواجهتها بكل الطرق الممكنة.
من الترغيب الى الترهيب. من توزيع مياه الشرب للمتظاهرين الى حماية المنطقة الخضراء الى اغتيال عدد من المتظاهرين ليكونوا عبرة لمن يعتبر، الى تحشيد اجهزة الاعلام لتلويث التظاهرات بصبغات مختلفة تراوح ما بين «استهداف الدولة»، كما صرح رئيس الوزراء حيدر العبادي الى العمالة لـ «قوى خارجية»، خاصة، بعد ان فشلت تهمة الطائفية، كما نقلت قناة «السومرية»، المدعومة من قبل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي قضى سنوات حكمه مكرسا تقسيم العراقيين الى أمة «الحسين» وأمة «يزيد»، خبرا مفاده ان مخطط التظاهرات «يهودي صهيوني ماسوني» من أصل عراقي. حيث اختارت القناة، تحويل الأنظار عن طامة قلة الخدمات واستشراء الفساد في حكومات حزب الدعوة أو«العراق الجديد»، طيلة اثني عشر عاما، مقارنة بما نجح فيه عراقيو «العراق القديم»، بعد ستة اشهر من العدوان الأمريكي، عام 1990، الذي ألقى قنابل تعادل ثلاثة اضعاف القوة التدميرية لقنبلتي هيروشيما وناغازاكي على بغداد والمدن العراقية الاخرى في اعادة الكهرباء وسائر الخدمات واعادة بناء حوالي 120 جسرًا جرى قصفها.
ان اجواء المظاهرات مشجعة، حتى الآن، في لاطائفيتها وفشل الأحزاب الفاعلة ضمن النظام في الاستحواذ عليها تماما، وان نجح عدد منها باختراقها ويبدو ذلك واضحا من حملة رايات وشعارات «الديمقراطية» الصقيلة، الملونة، ذات التكلفة العالية، البعيدة عن امكانيات المواطن العادي حامل قطع الكارتون المخطوطة بيده. تعاني المظاهرات، أيضا، من عدم توحيد المطالب، وجعلها شاملة لكل المواطنين. فلكل فرد ولكل مجموعة ولكل محافظة أو مدينة مطالبها، مستهدفة رموز الفساد المحلية في المحافظة أو المدينة، مما يدل على عدم وجود خطة عمل استراتيجية لتوحيد المطالب او ترتيبها حسب الاولوية. هذا الضعف يشجع مناوئيها على استنفاد طاقة المتظاهرين في مسائل ثانوية، وتضعف قدرتهم على المواصلة وتحقيق الهدف الاستراتيجي.
المتظاهرون يحتاجون الى تحقيق نجاح ما مهما كان صغيرا، لشحن طاقتهم وليس تبديدها، ولاجهزة الاعلام، دور كبير في دعم أو تلويث واستغلال التظاهرات الجماهيرية، خاصة، عن طريق الفضائيات والنقل المباشر.
فقد قامت قناة «البغدادية»، ومقرها بالقاهرة، مثلا، بتبني سياسة دعم التظاهرات الداعية الى «الاصلاح والقضاء على الفساد»، سيرا على خطى المرجعية الشيعية أولا، ثم دعمت بحماس اعلان العبادي عن «حزمة» اصلاحات أثر دعوة «المرجعية الحكيمة» ثانيا، ثم شنت القناة حملة لالقاء القبض على المالكي بعد ذهابه، أو هربه، الى ايران، في اعقاب صدور تقرير برلماني عن مسؤوليته في سقوط مدينة الموصل بيد داعش، ثم بدأت حملة «تفويض» المتظاهرين للعبادي لتنفيذ الاصلاحات الموعودة، تلاها حملة المطالبة بالقاء القبض على رئيس القضاء الاعلى.
توالي هذه المطالب وبسرعة مع عدم تنفيذ النظام لأي منها، على الرغم من حماس القناة ولجوئها الى تكريس بثها كله لدعم التظاهرات، يقلل من ثقة الجمهور بالدور القيادي، الممثل للشعب، الذي رسمته لنفسها، مع احترامنا حسن النية. وكأن توالي المطالب وتغيير التركيز عليها، لم يكن كافيا، بدأت القناة بشن حملة تطالب بالقاء القبض على رئيس البرلمان، ومعاقبته بتهمة الخيانة، لأنه زار الدوحة، أخيرا، وسرت الشائعات بانه حضر مؤتمرا عقدته وزارة الخارجية القطرية، المتهمة بالإرهاب الداعشي، بحضور جهات معارضة للعملية السياسية ومنها حزب البعث، المتهم بانه داعش.
ولست معنية، هنا على الاقل، ببحث مجريات اللقاء او تبرئة رئيس البرلمان سليم الجبوري، فالأخير جزء من العملية السياسية الفاسدة وأية محاولة لتبرئة هذه او ذاك من ساستها، لن يؤدي الا الى تجزئة النضال الجماهيري، وبالتالي اشغال المتظاهرين بمسائل ثانوية هم في غنى عنها، ويكفيهم ما يتعرضون له من مخاطر تمس حياتهم.
ما يعنيني هو جدوى فتح جبهات كهذه وتأثيرها على ديناميكية الاحداث من أجل تحقيق الهدف الرئيسي للمتظاهرين، والتساؤل لا يعني قناة «البغدادية» وحدها. ان خلق شعارات المطالب المتعددة، وان كانت لتلبية حاجات شريحة من الناس، يشتت الجهود ويضعف حماس المتظاهرين، بينما يفتح ابواب التسويف والمماطلة واسعة امام الساسة، بالاضافة الى منح الفاسدين منفذا ووقتا لاتخاذ الخطوات المضادة لدحر المتظاهرين. حينئذ سيكون اقصى المنجز من تظاهرات كان المفترض منها تغيير النظام، هو تغيير هريرة بينما تبقى القطط السمان متنعمة بلحم الشعب.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

مسيرة الملح نحو

المنطقة الخضراء في بغداد

هيفاء زنكنة

 

قد يظن من يتابع التظاهرات العراقية، باسبوعها الرابع، انه ازاء غول لا يمكن قهره يدعى انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع درجة الحرارة. وان « الحكومة» متمثلة برئيسها حيدر العبادي وبدعم من المرجعية الدينية « غير الظاهرة للعيان»، تصارع الغول بأذرع متعددة، وبحسن نية، خاصة، وان العبادي لم يكف، إعلاميا، عن اصدار القرارات الداعية إلى « ترشيق» الحكومة يوما والى ادخال الجمهور إلى المنطقة الخضراء، في يوم آخر. ويبقى الواقع متمثلا بانهيار اقتصادي مثاله الابسط، حسب عبد الحسين العنبكي، مستشار الشؤون الاقتصادية في رئاسة الوزراء، توقف 17000 مصنع في القطاع الخاص عن العمل ويؤكد اصحابها ان اكثر من نصفها يمكن ان تعمل لو توفر الكهرباء.
فهل من المستحيل، حقا، ايجاد حل لمشكلة الكهرباء المستديمة منذ 2003؟ يعلمنا التاريخ بان توفر النية الصادقة يفتت المستحيل. ألم يتحد غاندي الامبراطورية البريطانية، في عز قوتها، مستخدما سلاحا بسيطا هو الملح الذي تنص قوانين الاحتلال على الا تستخلصه غير شركات المحتل، فقاد غاندي مسيرة شعبية إلى البحر ليستخلصه الناس بأنفسهم؟
يقول مهندس الكهرباء فارس الزيدي بأن حل المشكلة ليس مستحيلا فالعراق لا يفتقر الكفاءة والخبرة وأن كنا «ازاء شبكة ومنظومة فساد شيطانية لها فلسفتها وشريعتها» يتداخل فيها «كم هائل من الاكاذيب، لعب وتحايل بالارقام، خصخصة ونهب، عقود تمنح، مقاييس دولية تنتهك، استباحة او هدر لموارد طاقة طبيعية واستيراد مثيلاتها من الخارج».
يحتاج العراق، وما يلي تلخيص لما وضحه لي الزيدي كتابة، إلى استثمارحوالي 10 مليارات دولار لمضاعفة الطاقة الكهربائية الحالية، على افتراض ان الطاقة الوطنية الحالية تقارب العشرة آلاف ميغاوات. تصح هذه الارقام حتى في البلاد المتقدمة ذات الكلف العالية مثل الولايات المتحدة الأمريكية. وتعتمد لتقدير التكلفة الاجمالية للمحطة كاملة وتشمل حتى تكاليف الانشاء باستثناء تكاليف التشغيل وشبكات التوزيع المحلية او الوطنية.
ونلاحظ ان مشاريع كردستان الكهربائية، تقريبا، تتبع هذه التخمينات وان تشخيص الفساد كسبب للأزمة في بقية ارجاء العراق مكشوف. وهو ما أكده قاسم محمد، الناطق باسم اللجنة البرلمانية للنفط والغاز، في آب / أغسطس 2012، قائلا: «صرفت كردستان مليار دولار وزادت طاقتها الكهربائية الفي ميغاوات ونحن صرفنا سبعة وعشرين مليارا منذ عام 2003 وزادت طاقتنا الف ميغاوات فقط». كما صرح راسم اسماعيل، مستشار محافظ ديالى للبناء والاستثمار، لعراق «بزنس نيوز»، في 4 تموز/يوليو 2010، بأن المبالغ التي دفعت لإيران منذ عام 2004، عندما تم ربط خط كرمنشاه بالمحافظة، تكفي لبناء عشر محطات كهربائية بطاقة اجمالية 2250 ميغاوات.
وكانت تظاهرات 2010، قد دفعت النظام إلى تسليم حسين الشهرستاني وزارة الكهرباء اضافة لمنصبه كوزير للنفط، فوعد، لتهدئة المتظاهرين، بأن ازمة الكهرباء ستنتهي عام 2013، بعد اكمال أربع محطات جديدة. ووضع جدولا زمنيا «سيطفر فيه الكهرباء إلى عشرين الف ميغا في سنة 2013، ويبدأ العراق تصدير فائضه من الكهرباء». جملة الشهرستاني الأخيرة، أصبحت محط سخرية ونكات لم يشهد لها العراقيون مثيلا من قبل لتجاوزها مقياس الوعود الكاذبة الشائع بين الساسة. ثم اشتكى نوري المالكي ( فضائية العراقية الرسمية، 23 تموز/يوليو 2013)، بأن المسؤولين العراقيين المختصين في الكهرباء، أعطوه معلومات خاطئة :
« قالوا ان العراق ينتج، الآن، ثلاثين الف ميغاوات وان هذه الكمية تتجاوز الحاجة ويمكن تصدير الفائض « ملقيا اللوم على النواب وكيف انه وقع شخصيا « عقدا مع شركة جنرال اليكتريك لبناء محطات كهرباء تغذي المنظومة سبعة الاف ميغاوات، وآخر مع سيمنز لبناء محطات تنتج ثلاثة آلاف وثلاثمئة ميغاوات ،لكن تبين ان هنالك خللا وغباء من المختص الذي وافق على هذه العقود، والمحطات هذه تشتغل على الغاز والعراق ليس لديه غاز».
يتوقف الزيدي عند مقولة « ان العراق ليس لديه غاز». محاججا بأنها اكذوبة من السهل دحضها. فقد استلم اقليم كردستان 22 طوربينا من نفس التعاقدات، وتم نصبها وتشغيلها منذ امد، ومن غير المعروف ان في كردستان وفرة غاز!
كما ان العقد الذي وقعه الشهرستاني، نائب المالكي لشؤون الطاقة والكهرباء، في تشرين الثاني/نوفمبر سنة 2011، مع شركة شل الهولندية، بقيمة 18 مليار دولار، يضيء قضية وجود الغاز. ان عقدا بهذه القيمة لا بد ان يكون من وقعه هو رئيس الوزراء. ونشر د. فؤاد الامير، المستشار في مجال النفط، أبحاثا قيمة عن موضوعة الغاز والعقود الحكومية، تساعد على توضيح المسألة.
يقدر خبير النفط سعد الله الفتحي ان العراق يحرق 700 مليون قدم مكعب من الغاز، يوميا، من حقول البصرة، تقدر قيمته بنحو 70 إلى 100 مليار دولار. ويؤدي حرق الغاز إلى عدم تزويد محطات الكهرباء بما تحتاجه، مما يعني ضياع ثروة اقتصادية ضخمة، وآثارا بيئية خطرة، وأعباء ثقيلة على المواطنين نتيجة استيراد الغاز بأسعار باهضة من إيران.
ويخلص الزيدي إلى ما توصل اليه المتظاهرون، عبر التجربة اليومية المريرة، وهو ان جوهر نظام المحاصصة هو اذلال للمواطن و حرمانه لابسط حقوقه الحياتية، وجعلها سلعة للتضارب في صراعات سياسية تتبرقع بالدين، وان اغراق موضوع الكهرباء بعموميات الفساد محاولة لإنقاذ بارونات تخريب الوطن والمواطن من المحاسبة حول فضيحة صارخة بوزنها بالنسبة لخراب البلاد العام. فكلما كثرت مطالب وشعارات المتظاهرين، ازدادت فرصة التهويمات واستهلاك طاقة الناس، وقل تأثيرهم. وقد لا يتفق الكثيرون مع هذا الرأي، لكنه يحتمل النظر، كون مصدره خبيرا تقنيا يتحدث في إختصاصه، وهو ما يحتاجه العراق في جميع المجالات كل على حدة، ليخرج من دوامة الدمار التي أصابت جميع مجالات الانتاج.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

المتظاهرون العراقيون يتلقون

حزمة اصلاحات أم قصبا أجوف!

 

هيفاء زنكنة

 

زحفت شعارات المتظاهرين في 11 محافظة عراقية، منذ ثلاثة أسابيع ، من المطالبة بالتزود بالكهرباء، الى المطالبة بتقديم المسؤولين « الحرامية» الى القضاء، الى محاكمة القضاء الفاسد نفسه وتطهيره من المفسدين، الى اتهام رموز الأحزاب السياسية والدينية الحاكمة بالنهب وتدمير البلد ، في سيرورة توضح التطور التدريجي للمطالب المتوازية مع حجم الفساد الناخر لكل الحكومة ومؤسساتها ، واكثر مظاهره تبديا هو جحيم نقص الكهرباء، وعدم عمل المراوح ومكيفات الهواء وقلة الماء، بعد ان تجاوزت درجات الحرارة وما يحيط بها حدود التحمل الانساني. وبعد ان تجاوز صبر مواطني واحدة من أغنى الدول المدى ، وبعد اعتراف رسمي من الحكومة بتصاعد نسبة من يعيشون تحت خط الفقر الى 22.5٪ ، وبينهم ملايين النازحين ومن يعيشون على ما يلتقطونه من القمامة.
لنبدأ بملحمة الكهرباء. وصف احد المعلقين الامريكيين التظاهرات، ساخرا، بانها انتفاضة مكيفات الهواء ، إستمرارا لنهج الإعلام الغربي، السائد، في التخفيف من مسؤوليتهم في الكارثة العراقية ، ولعدم قدرتهم على التعامل مع نضال وطني خارج منظوري الإرهاب والطائفية. ولكن، هل هي مسالة مكيفات هواء فقط؟
ان الاحتجاج على انعدام التيار الكهربائي هو الشرارة التي يأمل المتظاهرون ان تجعل الارض صالحة ليبني الشعب بيته. فالتزود بالتيار الكهربائي لايعني تشغيل مكيفات الهواء، فقط، بل يعني القدرة على الانتاج والصناعة وتسيير المعامل وتنقية المياه وادارة المستشفيات. انه شريان الحياة وبدونه يعود البلد الى العصر الحجري. وما يزيد من حجم المصيبة هو توفر الاموال والعقود تم توقيعها مرات ومرات ، بالملايين، وأكبرها مع هيونداي الكورية وسيمنز الألمانية التي وصلت المليارات، والكهرباء لايزال سرابا يحلم به المواطنون في ايام جحيمهم. فما هو سر تأخر البلد بميزانيته الهائلة ان لم تكن بطون الساسة الفاسدين التي توسعت فلم تعد تشبع؟
المطالبة الثانية هي اصلاح الجهاز القضائي المسير سياسيا والفاسد الى حد النخاع. هناك عشرات التقارير الحقوقية العراقية والدولية، الموثقة لحجم فساد الجهاز القضائي الذي لا يتجرأ احد على تغييره، كونه أداة توافق الساسة والميليشيات على القتسام غنيمة السلطة عندما يتم ذلك الإتفاق، ولشرعنة سيطرة الكتلة الغالبة عبر التوافقات الأمريكية الإيرانية كما حدث في الولاية الثانية لنوري المالكي. انه ذات الجهاز الذي اصدر احكام الاعدام بحق مئات المواطنين المتهمين نتيجة استخلاص الاعترافات تحت التعذيب وتقارير المخبر السري، ذات الجهاز الذي ، بسببه، يطوي آلاف المعتقلين سنوات حياتهم في ظلمة السجون بلا جريمة، باستثناء التطهير الطائفي تحت راية رئيس الوزراء السابق وكانت رئاسة الجهاز القضائي بيدقه.
الجانب الثالث في سيرورة التظاهرات هي التغير التدريجي في الموقف من المرجعية الشيعية ورفض إستخدام الدين لحماية الفساد. فبينما وقفت المرجعية أو وكلاؤها الناطقون باسمها ( لأنها غير ظاهرة للعيان) مراقبة عن مبعدة تظاهرات الشعب على مر السنوات الماضية ، على تعدد مطالبها ، من بينها وضع حد للاعتقالات والتهجير القسري، ووقوف الأمهات الصابرات على ابواب السجون بانتظار اية معلومة عن احبتهن، نطقت المرجعية ، هذه المرة، لكي تحمي النظام الآيل للسقوط وان تم تقديم صوتها كدعم لمطالب المواطنين. وأبدى المتظاهرون كرما في تقدير موقف المرجعية وكل من يساندهم للقضاء على آفة الفساد. وسارع رئيس الوزراء حيدر العبادي للامساك بطوق النجاة الذي رمته له المرجعية مقدما ما تمت تسميته « حزمة» اصلاحات لا تزيد عن كونها ، عند تمحيص فحواها واستحالة آلية تنفيذها ، حزمة قصب أجوف. حزمة سرعان ما ادرك المتظاهرون لاجدواها فقرروا استمرار التظاهرات مطالبين بتنفيذ الوعود. اذ كيف يصلح الفاسد الفساد؟ وهل من الممكن ائتمان الحرامي على مقتنياتك؟
ردا على اصرار المتظاهرين، لملمت قيادة التحالف الحاكم شتات نفسها وانطلقت ، بعد اجتماع شامل لها، في 20 آب، باطلاق مناورة تستند الى أربعة محاور لاحتواء التظاهرات بعد ان عجزت عن اتهامها بالطائفية. المحورالأول هو اتهام المتظاهرين بالتعاون مع قوى خارجية ، كما ذكر هادي العامري ، رئيس ميليشيا بدر المدعومة ايرانيا (السومرية نيوز) ، وهو إتهام مجاني واسطوانة الانظمة القمعية المشروخة. المحور الثاني هو الاتهام بالارهاب: حيث صرح عمار الحكيم ( وهو المرشح لقيادة الائتلاف الشيعي الحاكم) بان التظاهرات ليست عفوية شعبية. بل خططتها داعش كمحاولة لتخفيف الضغط عليها ولإرباك الأمن في المحافظات الجنوبية خاصة في البصرة.
يصب المحور الثالث في زيادة التفجيرات في الأسواق والمناطق الشعبية ومن ثم اتهام المتظاهرين بها بشكل أو بآخر وعلى الأقل القول أن التظاهر يسمح للمندسين والأرهابيين، أو يستنزف القوى الأمنية . ويراهن المحور الرابع على مضايقة المتظاهرين والمعتصمين بمختلف الطرق بدءا من نصب نقاط التفتيش وسد الطرق امامهم، كما يحدث ببغداد، ومرورا بمداهمة الخيام وضرب المعتصمين، كما حدث في البصرة، بالاضافة الى فض الاعتصامات بالقوة واستخدام الهراوات ورشهم بالمياه من قبل « قوات الشغب» كما حدث بمدينة بابل وكربلاء، أو من قبل مسلحين تتنصل منهم أجهزة الأمن ، وما أكثرهم في دولة المليشيات.
ان التظاهرات والاعتصامات، الحالية، في 11 محافظة ، في مختلف ارجاء البلاد، استمرار لتظاهرات 25 شباط 2011 و 23 كانون الاول 2014 السلمية، التي تم قمعها بوحشية تميز بها النظام على مدى سنوات حكمه. وتأتي التظاهرات لتؤكد ان مذاق الظلم واحد وهي صوت الشعب المهمش ضد ساسة عاملوه على مدى 13 عاما باستهانة واحتقار. بينت المظاهرات، الى جانب إنخراط جماهير شعبية عمالية وكادحة واسعة، نضوجا شبابيا واضحا تجاه محاولات إستثمارها من قبل اطراف العملية السياسة الفاسدة ، وأطرافا إنتهازية أخرى، وبتعميم مواقف وطنية معادية للمحاصصة ومن اولوياتها استعادة الكرامة والعدالة والسيادة والثروة الوطنية ، ولن يتم ذلك الا بمواصلة الاعتصام وتفكيك مناورات الاحتواء والتزييف.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

قراءة في مبادرة هيئة علماء المسلمين لانقاذ العراق:

الشعب هو الضمان

 

هيفاء زنكنة

 

تتصاعد اصوات المتظاهرين في بغداد ومحافظات الجنوب مطالبة بوضع حد للفساد المستشري كالسرطان بين ساسة ومسؤولي النظام العراقي، ويرتفع سقف مطالب الناس من الكهرباء والخدمات الى منع استخدام الدين غطاء لسرقة المال العام والغاء العملية السياسية كلها. فيتملك الخوف هذا النظام وداعميه، فيعلن رئيس الوزراء عن الغاء بعض المناصب التوافقية سياسيا، ويطلق الوعود بقائمة اصلاحات طويلة زاد عليها رئيس البرلمان بقائمة أخرى بدون ان يتوضح لأحد كيف سيتم تطبيق هذه الاصلاحات من قبل ذات المسؤولين المنغمسين بالفساد والذي يدعي كل واحد منهم انه يملك ملفا يدين المسؤول الاخر بتهمة الفساد.
وفي الوقت ذاته تزداد التفجيرات الارهابية المستهدفة لحياة المواطنين، ويبدو مشروع الحشد الشعبي مماثلا في مصيره للجيش العراقي ذي التدريب الأمريكي الذي كلف 37 مليار دولار، وخلت الساحة للميليشيات التي اصبحت «عريقة» وصلدة بالمقارنة مع الجيش والحشد والشرطة وبقية المسميات، لتعكس حجم كارثة الفساد الأمني وانهيار الدولة. 
في هذا الوقت، أعلنت هيئة علماء المسلمين في العراق عن مبادرة تدعو فيها إلى « مشروع العراق الجامع»، واصفة إياه بأنه «الحل المناسب لإنقاذ العراق والمنطقة». تبين قراءة المبادرة (في موقع الهيئة.نت) انها ليست وليدة اللحظة بل واحدة من عدة مبادرات سبقتها لعقد مؤتمر يضم « القوى المناهضة للمشروع السياسي القائم في العراق وللهيمنة الأجنبية عليه» منذ إحتلال عام 2003 وهو العام الذي شهدنا فيه تأسيس هذه الهيئه أثر الغزو الأنكلو أمريكي عام 2003، من أكاديمين وخريجين في العلوم الشرعية وأئمة الجوامع غير ضالعين في السياسة، لكنهم أرتأوا أن واجبهم الشرعي والإرشادي مقاومة الإحتلال وتبعاته، وامينها العام الحالي هو د. مثنى حارث الضاري. لكن السنين التي مضت بينت انعدام امكانية استضافة مثل هذا المؤتمر من قبل الجامعة العربية وأي من الدول العربية مما أعاق تلك المبادرات الهادفة لإحياء العراق موحدا شعبا وارضا وهمّش القوى الساعية لها فيما بقيت الساحة مفتوحة للقوى المرتبطة بالعملية السياسية التي أسسها الإحتلال. 
تأتي المبادرة، حسب نصها، في مرحلة يشهد فيها العراق «وضعا بالغ الخطورة» في ظل «دولة فاشلة»، مبنية على المحاصصة العرقية والطائفية، دفعت المواطنين الى الانتفاضة اثر الانتفاضة منذ 25 / 2/ 2011 وحتى اليوم في ثلاث فورات سلمية تم قمعها بشتى السبل . وتراوحت اسباب الانتفاضات ما بين الغضب على الفساد المالي والاداري وأشكال الظلم الموثقة في عشرات التقارير الحقوقية المحلية والدولية، والتي لم يعد الشعب قادرا على تحملها، بالاضافة الى « توريط الشعب في حرب دموية لا ناقة له فيها ولا جمل، ينزف خلالها أبناؤه دماً عزيزاً». لذلك تجد المبادرة ان الحل بعد تجربة مداها أكثر من ثلاث عشرة سنة يكمن في تغيير أسس النظام السياسي القائم «وأي حل ترقيعي يبقي قواعد اللعبة السياسية القائمة الآن كما هي، ويبقي السياسيين على خطاياهم وأخطائهم لن يكون ناجعاً بالمرة؛ وسيقود العراق والمنطقة إلى مزيد من الهاوية».
ما الذي تقدمه المبادرة ؟
تدعو المبادرة، باختصار، على المستوى الداخلي الى «لقاءات تشاورية موسعة وعقد سلسلة من الندوات الموسعة بين كفاءات ونخب المجتمع وقواه المدنية الفاعلة، وقادة الرأي ومن ثم عقد مؤتمر عام للقوى العراقية المناهضة للمشروع السياسي القائم من اجل وضع رؤية مستقبلية شاملة؛ تضمن بناء إرادة حرة للشعب العراقي، وتنقله من واقعه الحالي إلى واقع العمل السياسي الحر والمستقل من خلال ميثاق للعمل المشترك، يقوم على أسس الوحدة، واستقلال القرار العراقي، ورفض التبعية للخارج القريب والبعيد، وتعزيز السلم المجتمعي. آلية التنفيذ هي: انتخابات حرة، بشروط تضمن نزاهتها ومشاركة العراقيين جميعاً فيها، وتفرز ممثلين حقيقيين عنهم؛ لكتابة دستور يحقق آمال أبناء الشعب جميعاً ويلبي طموحاتهم، ويضمن لهم التداول السلمي للسلطة». 
أما على المستوى الاقليمي والدولي فانها تدعو الى «تصحيح المسار الخاطئ في العراق» في إطار محددات أهمها: التمسك باستقلال العراق التام ووحدة أراضيه والمحافظة على هويته، واستناد سياساته في التنمية على المصالح المشتركة لمواطنيه، وبناء الدولة الحديثة وفق الأسس اللازمة لذلك: دستورياً وقانونياً واقتصادياً وأمنياً واجتماعياً وثقافياً بالاضافة الى الالتزام بالنهج التعددي وحرية الرأي. 
تؤكد الهيئة ان المبادرة ليست رد فعل على التظاهرات الشعبية، على أهميتها، بل انها نتيجة لقاءات ومشاورات استغرقت عدة شهور وتم الإعلان عنها منذ شهور. انها ليست قالبا جاهزا معدا لجمع التوقيعات والمنتفعين بل تمثل سيرورة عمل قابل للنمو من مرحلة اللقاءات التشاورية الى المؤتمر الوطني العام. ولكن، ما ضمان النجاح لمبادرة تنطوي على نقاط ضعف، اولها التشكيك بكونها جامعة لكل العراقيين، كونها صادرة عن هيئة دينية تمثل السنة، يحيطها الاعلام الرسمي بالتضليل، مهما كانت المبادرة ضرورية وتمثل المواطنين حقا ونوايا القائمين بها مخلصة للعراق؟ 
بعيدا عما اعتدناه من وعود سياسية رنانة، وبعيدا عن ادعاءات امتلاك عصا سحرية لتحقيق كل الطموحات واجراء التغيير بين ليلة وضحاها، أكدت الهيئة في مؤتمر صحافي على حقيقة بسيطة، غالبا، ما يتعامى عنها الساسة الا اذا ما جوبهوا بقرب زوال سلطتهم، وهي ان منبع التغيير الحقيقي هو الشعب والضمان الأكبر لتحقيق التغير هو الشعب ايضا. استنادا الى الايمان بان الشعب نفسه ليس طائفيا. ان مراهنة المبادرة الأولى والأخيرة هي ابناء الشعب العراقي الذين لم يتلوثوا بالفساد والمحاصصة الطائفية ولم يفتحوا ابواب بلدهم للغزاة. انها ليست مبادرة فوقية بل تتطلب لانجاحها مساهمة الجميع. هكذا تصبح عملية التغيير عضوية من داخل المجتمع الاهلي والمدني نفسه تبدأ بإزالة مخاوف الناس من الآثار التي قد تنتج عن التغيير وتطبيق العدالة لحفظ الحقوق بديلا للانتقام السائد الآن. هذه مسؤولية كبيرة ستطلق الايام المقبلة حكمها عليها.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

من الذي يحكم العراق؟

 

هيفاء زنكنة

 

عندما خرج العراقيون إلى الشوارع في 16 محافظة من مجموع 18 في عام 2011، نطق وكيل المرجعية «الصامتة»، غير المرئية لعموم الشعب، ليحذر المحتجين على سوء الخدمات والفساد، من استغلال تظاهراتهم من قبل «مندسين» يسيئون إلى العراق.
وكان نوري المالكي، رئيس الوزراء ايامها، المدعوم من قبل المرجعية، قد اصدر حكمه على المتظاهرين المسالمين بالإرهاب مصرحا عبر قناة ‘العراقية’ الرسمية، قبل يوم من تلك المظاهرة: ‘أدعو إلى عدم المشاركة في مظاهرة الغد لأنها مريبة… ان من يقف خلف المظاهرة الصداميون والإرهابيون والقاعدة’. وكانت النتيجة اطلاق النار على المتظاهرين وقتل 29 متظاهرا بينهم طفل. واعتقل نحو ثلاثمائة شخص فيهم صحافيون وفنانون ومحامون بارزون كطريقة للترهيب. إلى جانب المرجعية، وأعني هنا علي السيستاني، وقف مقتدى الصدر مقترحا، في اكثر لحظات الحكومة الطائفية تأزما، امهالها مدة مائة يوم لأجراء الاصلاحات. كان هذا، بالاضافة إلى حملات التهديد والاغواء والاعتقالات، سببا آخر لإلهاء المتظاهرين عن اهدافهم الاساسية وتمييع القضايا وبالتالي انهاء حملة المطالبة بالحقوق.
وكما قامت قوى النظام بالإلتفاف حول المطالبين بحقوقهم الاساسية، عام 2011، عادت ذات القوى، هذه المرة، ومنذ انطلاق التظاهرات الحاشدة في العديد من المدن، من شمال العراق إلى جنوبه، للالتفاف حولهم، بتكتيك مغاير للمرة السابقة. اذ لم يهاجم النظام المتظاهرين بالقوة ولم يرشهم بالرصاص، بل سارع ساسته، كلهم، إلى اعلان تضامنهم مع المتظاهرين ضد الفساد. وكأن الفساد جرثومة حطت على ارض العراق من الفضاء الخارجي ولا علاقة لهم به. فاستنكروا وأدانوا وشجبوا. سارع بعضهم إلى القنوات التلفزيونية، ليعلنوا، كما يفعل طيب القلب أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، عن «قلقهم» من الفساد الذي يعيق وصول التيار الكهربائي إلى ابناء الشعب المظلوم (وهو الاسم الرسمي، حاليا، للشعب العراقي).
هدد آخرون بفتح ملفات الفساد (للمرة العاشرة بعد المائة على الاقل!) ومحاكمة المسؤولين وابعاد غير الكفؤين. وبلغت خطوة احتواء التظاهرات وتمييع المطالب قمتها حين انضم ساسة الفساد، أنفسهم، من مسؤولين ومستفيدين من احزاب ومليشيات وحشد شعبي إلى ساحات الاحتجاج في المدن المختلفة، لينفذوا ما برعوا بتنفيذه خلال الـ13 سنة الماضية أي السرقة والنهب ورمي المسؤولية على الآخرين.
لم تسلم حتى الساحات وشعارات المتظاهرين ومطالبهم المشروعة من الايادي المتعودة على النهب. فجأة صارت مآسي الشعب مآسيهم. مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، كان من بين الذين صحوا من سباتهم على اصوات المتظاهرين. فدعا حيدر العبادي، إلى «تشكيل لجان مستقلة وبإدارته المباشرة، لإحالة ملفات الفساد والمفسدين للحكومة السابقة والحالية إلى الادعاء العام». متناسيا ان هذا بالضبط ما قام به المالكي ليخلق بطانة الفساد الخاصة به وان الدول والمؤسسات لاتبنى بهذه الطريقة. تبعه اسامة النجيفي، نائب رئيس الجمهورية، الذي جدد «دعمه لأصوات المتظاهرين» وضرب رموز الفساد وهو احد المتهمين بملف فساد ثقيل. وأكد رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، على «حق المواطنين بحرية التعبير الحر عن حقوقهم ومطالبهم ومحاسبة المفسدين». أما رئيس كتلة الدعوة النيابية، فقد طمأن العبادي بأن «الجماهير ستقف مع رئيس الوزراء في قراراته الخاصة بإبعاد المفسدين من واجهة الحكومة، وان عزيمة الشعب لا تقهر»، متعاميا عن حقيقة ان رؤساء الوزراء الثلاثة الذين اوصلوا العراق إلى هاوية التفكك والفساد الاداري والسياسي الحالي هم قادة حزب الدعوة، وان نداء «المرجعية الرشيدة» الذي تم توجيهه، إلى العبادي، للضرب بيد من حديد على المفسدين سيتطلب، كخطوة اولى، محاسبة قادة حزب الدعوة نفسه، مهما تظاهروا بادعاء الاصلاح.
أما حث « المرجعية الدينية العليا» رئيس الوزراء العبادي على «ان يكون اكثر جرأة وشجاعة في خطواته الاصلاحية» ومن ثم استجابته الفورية، باعلان التزامه الكامل بالتوجيهات القيمة للمرجعية الدينية التي عبرت عن هموم الشعب العراقي وتطلعاته، فإنه يبيّن، اولا: أدراك المرجعية بأن النظام على حافة الانهيار ازاء غضب الجماهير..
ثانيا: ان المطالبات لم تعد مقتصرة على الخدمات بل تعدتها إلى الدفاع عن حق الحياة. رابعا: ان من يحكم العراق، فعلا، ليس ما يسمى بالحكومة والبرلمان بل ذلك الكيان المسمى «المرجعية الدينية العليا»، القابع في بيت منزو بمدينة النجف، الذي لا يسمع الشعب صوته، الا عبر وكيل، ولم ير غير بعض صوره المضببة التي لايعرف احد تاريخها بالاضافة إلى فيلم تم تصويره اثناء نقله إلى لندن عندما قامت قوات الاحتلال الأمريكي بتدنيس ضريح الامام علي. ترى ما مدى معرفة هذه المرجعية بأمورالعراق والعالم بما فيه الإقتصاد والتكنولوجيا والسياسة الدولية والإقليمية والتوازنات العسكرية، أو حتى فهمها الإحصاءات والجغرافيا خارج اختصاصها في كتب الفقه؟ مع ذلك، يقدم النظام الحالي صورة المرجع غير المرئي، باعتباره مصدر الإلهام لسياسات الدولة الكبرى في قضايا مصيرية، إضافة لكونه أيقونة العواطف، العقائدية، الشعبوية، النقية.
انه «الذي يرى كل شيء»، لذلك تصبح طاعة فتاويه فرضا على المواطنين خاصة حين تتطابق مع متطلبات الساسة وتتماشى مع المحافظة على النظام الطائفي. ولعل اهم تساؤل سيوجهه جمهور المتظاهرين إلى انفسهم عند انفضاض التظاهرات، بانتظار تحقيق «الاصلاحات» الموعودة، هو عن فائدة وجود حكومة ومجلس نواب إذا ما كانت مرجعية السيستاني هي القادرة على تسيير الدولة بواسطة فتوى؟ لم الانتخابات؟ ماذا عن الدولة المدنية وحق المواطنة وحكم القانون؟ والأهم من ذلك، ماذا عن بقية الشعب العراقي، بتنوعه الديني والمذهبي، ازاء مرجعية تمثل مذهبا واحدا؟

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

منجنيق المهاجرين يدك

أسوار الامبراطورية العجوز

 

هيفاء زنكنة

 

تذمر رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون من محاولة عدد متزايد من المهاجرين دخول بريطانيا، بطريقة غير مشروعة، عبر القنال الإنكليزي، داعيا إلى إلى تعزيز اجراءات حماية الحدود والى بناء المزيد من الأسوار لتحذو بريطانيا بقية الدول الأوروبية في تحصين نفسها ضد المهاجرين ومعظمهم من أفريقيا وبلدان المشرق. هذه واحدة من خطوات سياسية عدة أثبتت فشلها، لسبب بسيط وهو التعامي عن رؤية الأسباب الحقيقية للمشكلة والاكتفاء بحلول سياسية ـ دعائية.
واذا ما تركنا جانبا حقيقة ان بريطانيا هي الأقل استقبالا للمهاجرين بين الدول الأوروبية، وأنها الأكثر استفادة من المهاجرين في بناء وتنمية البلد التي لولاهم لكانت بريطانيا العجوز مركونة في مأوى للعجزة، لوجدناها، لاتزال كما كانت منذ عدة قرون، الدولة الأكثر استغلالا للشعوب ومساندة للأنظمة الاستبدادية، خاصة، في الشرق الأوسط. انها الدولة التي تستحضر صورة الطاغية نيرون الذي حرق روما ووقف يعزف الموسيقى على نيران هدمها. وما لم تقف بريطانيا، كما بقية الدول الغربية، امام المرآة لترى صورتها وهي تخلق مأساة المهجرين، فلن تفيدها مئات الأسوار التي تحيط نفسها بها. بل ستنتهي، على الأغلب، سجينة ذات الأسوار التي بنتها متوهمة حماية نفسها.
ولننظر إلى ماسيقدمه المستقبل القريب لبريطانيا، والغرب عموما، ويدق اسوارها بمنجنيق الأسلحة التي ساهمت بصناعتها وتصديرها إلى تلك الدول التي ظنتها، حتى وقت قريب، بعيدة، نائية، تتقاتل شعوبها فيما بينها، بينما ينعم الغرب بالسيطرة عن مبعدة والفرجة باستمتاع، جلوسا على مدارج حلبات الصراع الوحشي.
لنبدأ أولا بفلسطين ومهاجريها منذ ستين عاما ويزيد. خمسة ملايين لاجىء لايحق لهم العودة إلى بيوتهم المصادرة من قبل كيان مشوه يسنده الغرب ويعتبره معه في قمة الحضارة البشرية. هذا الكيان ينمو على قاعدة مصادرة حياة بقية الفلسطينيين، يوميا، واحفاد الجيل الأول من لاجئيهم الذين يشردون من مخيماتهم الأولى والثانية فالثالثة في البلدان التي استضافتهم سابقا. ففلسطينيو الشتات العربي يطردون، مرارا، مع بقية الجماهير العربية المطرودة من قبل حكام يدعمهم الغرب كما يدعم خصومهم اياما ويحاربهم اياما اخرى. والشباب الفلسطيني، كحال بقية الشباب العربي، منجذب إلى الهجرة برا وبحرا وموتا، او للهجرة السياسية البطولية الاخرى للجهاد بعد ان سدت بوجهه بقية الأبواب. آخرها أغلاق متنفس الأنروا تدريجيا عبر امتناع الدول الغربية، المسؤولة عن قيام اسرائيل، عن دفع التزاماتها المادية على ضآلتها. اذ ان أمريكا تدفع 75 دولارا لكل لاجىء فلسطيني سنويا بينما تدفع لكل اسرائيلي ما يزيد على الألف دولار ومليون دولار لكل مستوطن يهودي روسي، حسب سلمان أبو ستة، رئيس مركز أرض فلسطين بلندن.
لنمرعلى العراق ثانيا حيث وقفت بريطانيا كتفا بكتف مع أمريكا، في غزو مبني على أكذوبة اسلحة الدمار الشامل قبل اثني عشر عاما. فجلب الغزاة الإرهاب والدمار. سببوا قتل ما يزيد على المليون مواطن وتهجير ونزوح الملايين، ولايزال القصف القاتل والصمت على جرائم النظام الذي زرعوه مستمرا. وقد تلاعبوا بإدعاءات توازن» المكونات الاثنية والمذهبية» المفترضة والحقيقية مع نخب فاسدة، بجميع أنواعها، من تلك «المكونات»، وتمت تصفية الإحتجاجات السلمية، فلم يبق امام الشباب الرافض للإنخراط في الصراع الدامي غير الهجرة.
ولنتوقف في سوريا، حيث الصورة العراقية نفسها أوهي أقسى. هناك 4 ملايين مهاجر وما يزيد على سبعة ملايين نازح داخل البلد. أي نصف السكان. استقبلت اوروبا ربع مليون لاجىء والبقية في خيام ومعسكرات الدول المجاورة.
هذه المأساة المخيفة في لا انسانيتها هي غيض من فيض، فالمأساة أكبر بكثير إذا ما تطرقنا إلى حملات الهجرة والنزوح من بقية البلدان العربية أو الشرق الأوسط أو أفريقيا، من غزو وحروب تمتد من السودان والصومال إلى اليمن.
ان مسؤولية الغرب في خلق حالة الهجرة والنزوح القسري، ماضيا وحاضرا، حقيقة، لا يمكن التعامي عنها. فالقلة فقط من المهاجرين من فلسطين وسوريا والعراق، مثلا، غادروا بلادهم لأسباب اقتصادية. وأول ما يحلم به المهجرون هو العودة إلى بيوتهم وأرضهم وأهلهم ومدارس أطفالهم. أي كل ما حرموا منه لأسباب فُرضت عليهم. السبب الرئيسي هو السياسة الغربية في التوسع والهيمنة الامبريالية، في تسويق السلاح، في الاستيلاء على ثروات وموارد الشعوب، في توفير الحماية والأمن للقيطة اسرائيل، عبر استثمار النزاعات والغزو والحروب. وما كان هذا سيتم لولا وجود حاضنة الامبريالية في البلاد العربية، أي الأنظمة الاستبدادية، حتى بات من الصعب الفصل بين تشابكات ثنائية الاستبداد الداخلي وهيمنة العدو الخارجي.
وبينما تتناثر اشلاء الشعوب بأسلحة الدول الكبرى وإرهابها المتبدي بأشكال مختلفة، من بينها الطائرات بلا طيار، يقف رؤساؤها ودعاتها متباهين بما يقدمونه من مساعدات « انسانية» للشعوب. نوعان من المساعدات: «مساعدات» معنوية يسمونها تحريرا وبناء الديمقراطية، و»مساعدات» مادية لا تتجاوز نسبة ضئيلة مما نهبوه أو ربحوه من الشعوب ذاتها. المساعدة «الانسانية» التي تقدمها الحكومة البريطانية للشعب العراقي، مثلا، هي 23 مليون جنيه لعام 2014، لتوزع على خمسة ملايين شخص بحاجة إلى المساعدة حسب قسم التنمية الدولية البريطاني. هذه الأرقام للمساعدات الإنسانية مقاربة لما يعلنه الأمريكيون والأوربيون للعراق وسوريا وبقية بلدان الحروب الأهلية التي يتحملون هم مسؤوليات إبتدائها. وهي لا تزيد عن تكاليف نصف ساعة، مما تنفقه الولايات المتحدة في ميزانيتها العسكرية حسب موقع مشروع الأولويات الوطنية الأمريكي الذي يتابع هذه الأرقام منذ 30 عاما. أن الحكومات الأوروبية تتحمل الآن وزر تلك الصناعات الحربية والأذرعة العسكرية والشركات الأمنية والتقنية الحديثة، ونسبة كبيرة منها أوربية، التي تدفع باستمرار نحو الحروب، لتجني آلاف المرات بقدر المساعدات الإنسانية التي تعلنها. ويمكن قياس ما تصرفه بريطانيا وبقية أوروبا على مصاريف أمريكا، سنويا، على حروبها في المنطقة. فالخمسة آلاف هجمة جوية أمريكية، في عام واحد، في العراق وسوريا، وتكاليف القواعد الأمريكية في المنطقة والمدربين للقوات العراقية والسورية والأردنية تقدر بـ 5 مليارات دولار، وهي قليلة نوعا ما مقارنة بما دخل في نفس الجيوب التي اغتنت وتغتني من تريليونات الدولارات التي صرفت منذ 2001.
ان أسوار كاميرون وغيره من زعماء اوروبا جزء من لعبة سياسية – إعلامية خطرة، يتم فيها تأجيج المشاعر العنصرية في اوروبا ضد الشباب المهاجر في نفس الوقت الذي يتم فيه استيعابهم التدريجي مع المؤهلات التي يمتلكونها. ومع استمرار السياسات الكولونيالية القديمة المؤججة للهجرة في بلداننا، وان بأسماء جديدة، سيكون من المستحيل على الغرب أن يحصد غير ما يزرعه.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

 

بين حانة ومانة

ضٌيعنا الحقيقة بالعراق

 

هيفاء زنكنة

 

نكاد نغرق بالاخبار والمعلومات التي تهطل علينا، بالدقائق، عبر اجهزة الاعلام وما يوازيها من مواقع التواصل الاجتماعي. صناديق الرسائل الالكترونية تحتج لكثرة الوارد اليها وتجاوز سعة التلقي المسموح بها، فنضطر الى المسح والالغاء، فيختلط الغث بالسمين ونخسر، احيانا، مصادر خبرية ومعلوماتية مهمة. اضافة الى كثرة وتوفر المعلومات بنوعيها المفيد والضار المزيف، نجد انفسنا بحاجة للتأني والتردد، اذا كنا نريد متابعة حدثا معينا، ازاء تعدد المصادر وضبابيتها وتهويماتها، الساذجة منها، احيانا، والمؤدلجة في احيان اخرى، وكلاهما يتطلب التمحيص والتدقيق.
نحن نعيش بسبب فوضى المعلومات وسيطرة بعض مصادرها بمواردها على الفضاء الاكبر في كابوس مشابه بشكل ما لما صوره الكاتب الانكليزي جورج اورويل في روايته الشهيرة 1984، من اختلاق السلطة لحالات حروب دائمة يتغير فيها الصديق الى عدو وبالعكس بين ليلة وضحاها، وحالات استنفار ضد الاعداء الداخليين الذين قد يكونون جيراننا وابنائنا، وحيث يكون الضحية جلادا او بالعكس. الفرق بين حالة الاعلام الشمولي في رواية اورويل وحالة تعدد مصادر الاعلام وتنافس السيطرة عليها، حاليا، هو مدى قدرتنا كمواطنين على التمحيص والمقارنة.
قراءة الخبر باتت مهمة ثقيلة، وما يصلنا بحاجة الى غربلة وغربلة. فالمصادر ملتبسة والرسائل مختلطة، فصناعة الخبر والترويج له تضخيما ليس صعبا. انه يشبه معامل صناعة البضائع المزيفة، بارخص الاسعار، في معامل الانتاج الصينية. هناك قوالب جاهزة لكل البضائع الملائمة لاي بلد تختاره. فما كان يتطلب التخطيط والتنفيذ وفق استراتيجية اعلامية معينة، صار اليوم جاهز الصنع في مكاتب الصحافيين او اي شخص لديه جهاز كمبيوتر. واذا كان لدمقرطة تدوين وتبادل الاخبار منافعها الجمة فان، لها، في الوقت نفسه مساوئها. ولعل اكثرها وضوحا هو محاولة اجهزة الاعلام منافسة مواقع التواصل الاجتماعي، في سرعة نقلها للمعلومة، مما ادى الى تدهور نوعية العمل ومصداقيته بدلا من ارتفاع المستوى. صار السباق محموما في نقل الاخبار بدون تمحيص، والى ان يتم تصحيح المعلومة الكاذبة الواردة بالخبر، يكون الخبر الكاذب قد رسخ في ذاكرة الناس وبات حقيقة مقبولة من الصعب مسحها حتى ان نٌشر تصحيح للخبر. تشير الاحصائيات الاعلامية الى ان نسبة ضئيلة جدا من القراء فقط يقرأون تصويب الاخبار او المعلومات غير الصحيحة، فيبقى التأثير النفسي لما ينشر اولا هو السائد حتى بعد تكذيبه. وقد وثق هذه الظاهرة كبار علماء علم النفس الاجتماعي بينهم دانييل كانيمان صاحب كتاب «التفكير: سريعه وبطيئه»، والذي بدا ابحاثه الاكاديمية في الجيش الاسرائيلي، ثم انتقل الى مجالات اخرى في امريكا وحازعلى جائزة نوبل على تحليله لهذه الظواهر في حقل التسويق وربطه الدعاية السياسية بالاشاعة وصناعة الاعلانات.
من بين العديد من الامثلة الاقل اهمية، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي، اخيرا، شريط فيديو، لحفل زواج ابنة مسؤول حكومي عراقي. تبدو فيه الابنة وهي تتقبل الهدايا من صف طويل من الضيوف. الهدايا عبارة عن قلادات واساور ذهبية. بعد انتهاء الفيديو، ومدته بضع دقائق، تصبح العروس مطوقة العنق واليدين بكيلوات من الذهب. انتشر الفيديو، بسرعة مذهلة، خاصة، وان اسم والد العروس كان قد ذكر، سابقا، مع سرقة مصرف ببغداد، وفي وقت وصل فيه عدد النازحين الثلاثة ملايين عراقي. تبين بعد ايام، عند تدقيق الخبر، انه ليس للمسؤول الكبير بنت بعمر العروس، وان الفيديو مفبرك. الا ان هذه المعلومة لم تضع حدا لتوزيع الفيديو الذي اصبح هو الحقيقة على حساب طمس الحقيقة. التزوير هنا بسيط جدا، اذ يقتصر على وضع عنوان كاذب فوق قصة حقيقية. وقد عرفنا هذه الظاهرة منذ سنين، وخصوصا منذ 2011 في عشرات اشرطة الفيديو، انتجتها اطراف القتال بعد قمع الانتفاضة السورية عن فظاعات النظام او الثوار، لم يكن لتكذيبها او تحليل التلاعبات فيها اي تأثير. ويسري الامر على ما يحدث في العراق واليمن ومصر وليبيا وبقية البلدان التي ابتلت بانظمة الفساد وتشويهات فعل الثورة الشعبية من قبل اطراف شتى. ولا يتبقى للمشاهد الا تصنيف مصادر الاعلام الى «ذات مصداقية « و»ضعيفة المصداقية « و»عديمة المصداقية».
اما بالنسبة الى اجهزة الاعلام العراقي، فاننا قلما نجد خبرا موثقا من مصادر صحافية ذات مصداقية. اذ ان معظم المصادر التي يتم نقل الاخبار عنها رسمية غايتها دعائية واضحة وغير معنية بالحقيقة، لأن الحقيقة، كعامل تنويري، تشكل خطرا على وجودها . هناك، ايضا، مفارقة نقل الاخبار المحلية من وكالات انباء اجنبية. فيتشكل وعي المواطن بما يدور حوله عبر عدسات ذات مرشحات لونية لا علاقة لها بالواقع. تستوقفنا المصادر الرسمية، لأنها، على الرغم من ضبابيتها الفاضحة ومصلحتها في التزوير الدعائي، مصدر كل الاخبار العسكرية والامنية. وتستند اجهزة الاعلام الى المصدر الرسمي اما بصفته كناطق رسمي او من خلال توزيع البيانات الصحافية. وقد تم، في الاونة الاخيرة، بروز ظاهرة نقل الاخبار العسكرية والامنية، خاصة، اما من قبل «جناح اعلامي» في احدى مليشيات الحشد الشعبي او من مصدر رسمي «رفيع المستوى».
واذا كانت الانظمة والحكومات العربية والغربية قد عثرت على فردوسها المفقود مجسدا بتنظيم الدولة الاسلامية ليكون العدو الذي يخيف الشعوب ويجعلها رهينة بايدى الحكومات، فان اجهزة الاعلام بتهافتها على جذب اكبر عدد من الجمهور وملء ساعات البث الطويلة ليلا ونهارا تساهم، بشكل او آخر، في تكريس صناعة الخوف والتزييف . ففي خبر نقلته وكالة «المدى برس»، العراقية، مثلا، بعنوان «خلية الصقور تعلن قتل المجهز الرئيس للانتحاريين في بغداد»، تستند الوكالة في نقلها الخبر الى «مصدر امني رفيع المستوى»، طلب عدم الكشف عن اسمه، ليكشف عن «تفاصيل عملية قتل المجهز والناقل الرئيس للانتحاريين في العاصمة بغداد» من قبل «قوة من الشرطة وخلية الصقور الاستخبارية». ويترك خبر الوكالة التي تقدم نفسها بانها ذات مهنية عالية وانها افضل من غيرها، في الساحة الاعلامية العراقية، القارىء في حيرة من امره. فبالاضافة الى المصدر الامني المجهول صاحب المصلحة الواضحة في تحسين صورة واداء الجهاز الامني، هناك «الارهابي» مجهول الهوية الذي يتم القاء القبض عليه بالاضافة الى «خلية الصقور» التي لايعرف القاريء عنها شيئا، باستثناء كونها «استخبارية»، وقد تكون اسما تجاريا لمعجون طماطة (بندورة) معلبة. هذا هو نوع الاعلام الذي يخاطب الجمهور ويدٌعي تشكيل وعيه . وهو الاعلام الذي عالجه المخرج التونسي غازي الزغباني في مسرحيته «بلاتو»، قائلا بلسان مسؤول احدى القنوات التلفزيونية عن علاقة الاعلام بالرأي العام: «الحقيقة لم تكتب يوما كما نريد، هناك ضغوطات تجبرنا على كتابة حقيقة ما، الشعب ايضا يبحث عن حقيقة نحن نصنعها له نحن نقدمها له، الشعب نخيفه لنطمئنه، تعليمات تحكمنا تعليمات واضحة تحكمنا واخرى مخفية نحن نصنعها، تعليمات، هي وراء كل حقيقة». وهل هناك ما هو اكثر اثارة، وتخويفا، وطمأنة في آن واحد، من القاء القبض على او قتل «ارهابيين» او عرضهم على شاشات التلفزيون للادلاء باعترافات تجذب المشاهدين اكثر من مسلسل «حريم السلطان»؟
ان معظم اجهزة الاعلام العراقية متواطئة مع النظام في تزييف الحقيقة، على كافة المستويات، ليبقى الشك بصحة الاخبار وغربلتها هو السلاح الافضل المتبقي لنا لفرز الحقيقة من ركام التزييف المؤدلج الذي لا يقل عن الارهاب ارهابا.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

لماذا يتوجب علينا

الاحتفاء بالاتفاق النووي؟

 

هيفاء زنكنة

 

في خضم هستيريا التصريحات الاعلامية الموالية لانتصار ايران واندحار أمريكا، أو العكس بالعكس، في مفاوضات التسلح النووي، وفي مئات المقالات والتعليقات التي سُفحت، من خلال اجهزة الاعلام، المتعطشة لملء بثها المستمر، على مدى 24 ساعة يوميا، في ارجاء العالم، وفي حلبة الصراع بين «مثقفي» دول الخليج و «مثقفي» اليسار العربي، الذين طالما تشدقوا بنضال الشعوب، كان الشعب الإيراني مغيبا، كما هي الشعوب العربية. وكأن «الحدث التاريخي»، كما تم تقديمه من لقطات شرفة المفاوضات بفيينا، ولقطات المفاوضين وهم يتبادلون الضحكات في قاعات تغص بالكاميرات، لا يمس حياة أي شعب. بدت البلدان مفٌرغة من الشعوب. فهل كان موسم الضحك بفيينا ضحكا على الشعوب ؟
اصبحت الحقيقة، استنادا الى الصور والعروض الاعلامية، جاهزة الصنع، تقول للعالم ان الفريق الإيراني المفاوض يمثل الشعب الإيراني كما يمثل كيري الشعب الأمريكي، كما بقية الوفود. ولكن، هل هذه هي الحقيقة فعلا أم انها الحقيقة المصٌنعة لايهام الشعوب بأن كل مايحدث لصالحها، ومن اجلها، ومن قبل من يمثلها؟ ولأركز على الشعب الإيراني لأنه، منذ سنوات، مركون في زاوية مظلمة لا يدخلها ضوء غير ضوء «المفاوضات» مع الشيطان الأكبر . 
من الضروري ان نذٌكر بأن النظام الإيراني، حاله حال الأنظمة العربية، لايمثل الشعب الإيراني بالضرورة، مهما قيل عن «ديمقراطية» الانتخابات، من قبل مناوئي الادارة الأمريكية. ألسنا، ابناء ديمقراطية الانتخابات في البلدان العربية؟
ان رطانة «مناهضة» الشيطان الأكبر وتنظيم المسيرات الرسمية في ذكرى سنوية بعنوان «يوم القدس»، لايجعل من النظام الإيراني الطائفي المستبد، بولاية الفقيه الممثل لسلطة الإمام الغائب، والمؤسسات التي يهيمن عليها الفقهاء المعينون من المرشد الأعلى، أقل قمعا للشعب الإيراني من غيره، أي نظاما مختلفا عن أي نظام عربي آخر يعتاش على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ولا يجعله نظاما محررا للشعوب، مهما كانت أوهام اليسار العربي وتبريراته . ان من يحرم شعبه من حرية التعبير وحرية العمل السياسي، وهما من الحقوق الأساسية التي لاغنى عنها في أية دولة، وفرض هيمنة مذهب ومعتقد ديني واحد لا يمكنه ان يحقق الحرية والكرامة للشعوب التي يطأها ببساطيل جهازه القمعي المسمى الحرس الثوري. ان حجة «مواصلة النضال ضد الغطرسة العالمية» كما يدٌعي مرشد الجمهورية الاسلامية علي خامنئي (وكالة انباء فارس 12 تموز)، حتى بعد التفاوض والأتفاق مع أمريكا التي يصفها بانها «تمثل تجسيداً حقيقياً للغطرسة العالمية، ومواجهتها جزء من تعاليم القرآن ومبادئ الثورة»، باتت عارضا من عوارض الشيزوفرينيا وتدجيل الحق بالباطل أو في أحسن الأحوال : تكريس العنف المبرر الذي يستمد قوته من واقع الممارسات القروسطية. 
لذلك يجب ان نحتفي بتوقيع الاتفاق النووي، لسبب جوهري، لأنه سيؤدي الى رفع الحصار عن الشعب الإيراني المخنوق مرتين. داخليا وخارجيا. أنه من يتلقى الضربات من جهتين. ان رمزية صور المفاوض الإيراني الضحوك، ليست موجهة الى العالم «المتغطرس» فحسب بل كانت موجهة، أيضا، الى الشعب الإيراني للاستهلاك الداخلي. الى أكثرية شرائح الشعب المسحوقة التي تعيش يوميات الحصار الاقتصادي ،المتبدية باستشراء الفساد وارتفاع الأسعار والبطالة، وانعكاسات ذلك من انتشار لاستخدام المخدرات وروح اليأس المستغلة بشعبوية الاستخدام الديني سياسيا. ان فرحة الناس بالاتفاق هي الفرحة برفع الحصار المكرس للوضع الاقتصادي المتدهور. بالأمل في ان تنتهي حلقة الاستنزاف اليومي وممارسة الطغيان على الشعب بأسمه. بتغليف حتى الهواء الذي يستنشقه الناس بورق تصدير «ثورة ولاية الفقيه» وتأسيس احزاب تبشيرية بأسم الله، وتصفية كل من يرونه معارضا لهذه السلطة الإلهية المتمثلة، على الأرض، بساسة لايقلون رياء وزيفا عن أي سياسي، علماني، أمريكيا كان أم عربيا. فمن بديهيات الأمور ان تلجأ الأنظمة القمعية، الهشة داخليا، الى ديمومة وجود العدو الخارجي لتغطية حرمانها الشعوب من الحريات، التي هي حق من حقوقها وليست منة يتم التفضل بها على الشعوب. ان خطاب خامنئي الأخير بحضور طلاب واساتذة الجامعات الإيرانية، يبين مساحة تدخل النظام في التعليم واخضاعه لتعاليم «آية الله» المدعوم من القضاء الثوري وحرسه الثوري . فمن الذي يجرؤ على عصيان «حكومة الله» وعدم الانضمام الى «حزب الله»؟ لمن يتجرأ، هناك الاعتقال والتعذيب والاعدام. اذ تشير منظمة العفو الدولية الى ان ايران تحتل المرتبة الأولى في العالم، في تنفيذ أحكام الإعدام في السنين 2007 الى 2012 . فقد وثقت 1663 حالة إعدام، وهوما يقارب أربعة أمثال الحالات في السعودية، أما تقرير المنظمة لعام 2014، فيسجل ان ايران والسعودية والعراق مسؤولة عن 95 بالمئة من مجموع الاعدامات بالشرق الاوسط وشمال أفريقيا. 
وباحتساب عدد الإعدامات بالنسبة لعدد السكان، تحتل ايران الموقع الأول، أيضا، متجاوزة السعودية والصين وحتى العراق، ذلك البلد الآخر الذي يتمدد فيه «روح الله». ولو أخذنا بالحسبان أن هذه الأرقام تأتي ثلاثين عاما بعد الفترة الثورية في ايران، حيث استتب الوضع الإسلامي لأصحابه وتمت تصفية خصومه، يمكننا تصور حجم الإعدامات والتصفيات في العقود الثلاثة السابقة سواء للتيارات الإسلامية أوالعلمانية أو على أعتراضات على الفساد والقمع، وما يجري بموازاة هذه الأرقام المرعبة على مستوى الحياة اليومية للإيرانيين.
في تقريرها العالمي لعام 2015، ذكرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية، «إنّ العناصر القمعية داخل قوات الأمن والاستخبارات والقضاء في إيران احتفظت بسلطات واسعة وارتكبت انتهاكات جسيمة للحقوق خلال عام 2014. اذ صعّد المسؤولون حملتهم على المعارضة على شبكة الإنترنت، وأنزلت المحاكم الثورية عقوبات قاسية، بما في ذلك أحكام الإعدام ضد المدوّنين ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي. أفادت التقارير أن المسؤولين أيضاً استهدفوا العديد من النشطاء والشخصيات المعارضة البارزة، وتتعرض النساء والأقليات العرقية والدينية في إيران، للتمييز في القانون والممارسة. وتُعتبر إيران أيضاً واحدة من أكبر السجون للصحافيين والمدوّنين في العالم، وتحجب الحكومة أيضاً بشكل منهجي المواقع الإلكترونية وتشوش بث الفضائيات الأجنبية.
ويقبع عشرات من النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان في السجن بسبب أنشطة سلمية أو مهنية». أو بتهم «المساس بالأمن القومي» و»الحرابة» و»الإفساد في الأرض». ان المواطن الجائع، العاطل عن العمل، الذي لا يجد الدواء لنفسه وعائلته، خلافا لما هو متداول، لا يستطيع التفكير بتأسيس احزاب معارضة او الانضمام الى ما هو موجود. انه عاجز عن المبادرة والتفكير بما هو أبعد من يومه، وأقصى ما بامكانه ان يفعله هو الحاق الأذى بنفسه، انتحارا، كما فعل محمد البو عزيزي، بتونس، أو الحاق الأذى بنفسه والآخرين تفجيرا. 
ان مساندة ودعم المواطن الإيراني، ضروري، اذا ما أريد له ان يثور على النظام الحاكم . ان رفع العقوبات الاقتصادية سيزيح عكاز التهديد الخارجي الذي يتوكأ عليه النظام ويتيح للشعب فرصة لجر النفس. واذا كانت الأنظمة قادرة على خداع الشعوب فان ديمومة الخديعة لا تطول. ولا بد ان يثور الشعب على المستبد مهما كانت ادعاءاته إلهية او ربوبية. والشعب الذي ثار على طغيان الشاه لن يعجز عن تغيير طغاة اليوم ليستعيد حريته وكرامته.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

النظام الإيراني يتساءل:

لماذا يكرهوننا؟

هيفاء زنكنة

 

ما هي بالضبط علاقة النظام الإيراني بالعراق؟ تحدث الجنرال حسين حمداني مستشار قائد الحرس الثوري الإيراني ونائب آمر قاعدة «الامام الحسين»، في خطاب ألقاه، يوم 8 تموز/ يوليو، عن العلاقة، قائلا: «في وقت مضى، كان هدفنا الاول الوصول الى البصرة التي لم نصل اليها. الآن، وبعونه تعالى، نحن نحارب اعداء الإسلام ليس في البصرة فحسب بل في بغداد وسامراء، وقد ذهبنا ابعد من ذلك، نحن نحارب اعداء الإسلام في بلدان البحر المتوسط.» ويعٌرف حمداني أعداء الإسلام بأنهم «أعداء ايران الاساسيون، مسلمو الأنظمة الصهيونية الأمريكية، أي، التكفيريين والسلفيين وطالبان». أما آلية انجازات ايران، فقد لخصها بقوله: «انجزت قواتنا دورا لاينكر في الانتصار على التكفيرين نتيجة حضور أولادنا بالعراق، كما في سوريا، وتأسيس الحشد الشعبي». 
المعروف ان الجنرال حسين الحمداني كان مسؤولا عن قوات الحرس الثوري بطهران التي قعمّت التظاهرات الشعبية، عام 2009. وهو معروف، أيضا، بوصفه المعارضين (شباط/ فبراير 2011 )، بانهم مجموعة غوغاء ويجب عليهم: «أن يعلموا أننا نعتبرهم أعداء للثورة الإسلامية وجواسيس، وسنتصدى لدسائسهم بقوة». هذا الجنرال، المتطرف، حتى بمقياس النظام الإيراني القمعي لكل من لايسير على صراط الملالي، هو أحد القادة الإيرانيين الذين ابتلينا بقتالهم في مدننا، دفاعا عن «الإسلام» ومن اجل «فلسطين»، ليس في البصرة فحسب بل وكما يتباهى، متفاخرا، في عاصمتنا بغداد وسامراء بالاضافة الى سوريا ودول البحر المتوسط. وتأتي تصريحاته لتؤكد، على الرغم من انكار رئيس الوزراء حيدر العبادي، أن قيادة ميليشيا الحشد الشعبي هي قيادة ايرانية والتي لولاها «لسقطت بغداد». 
يأتي خطاب الحمداني متزامنا مع نشر وكالة الانباء العراقية صورا لقاسم سليماني، قائد فيلق القدس، وهو، على مشارف الفلوجة اثناء الهجوم الكبير ( متى لم يكن الهجوم على الفلوجة كبيرا؟) ليقود أو «لاسداء المشورة» لمليشيا الحشد الشعبي والجيش والأمن المسنودة جويا بقصف القوة الجوية الامريكية والعراقية المزودة بأسلحة الدمار الشامل الحديثة ضد السكان، أي البراميل المتفجرة. 
كيف تترجم حرب ايران على اعدائها «التكفيريين السلفيين – اعداء الإسلام»، بالعراق، استنادا الى وجود القوات الإيرانية سواء بشكل فيلق القدس او الطيارين الإيرانيين المشاركين بقصف المدن العراقية، كما كشف، أخيرا، أن هناك 38 طيّارا إيرانيا يشاركون في العمليات العسكرية، أو المتطوعين او الموالين لهم، مع تباهي قادة الحشد الشعبي، علانية، بذلك؟
ما اختلافه عن وجود قوات الاحتلال الأمريكي كمستشارين ومدربين وداعمين للحرب ضد داعش دفاعا عن «الديمقراطية الوليدة»، وهل يكفي التحجج بالدفاع عن الاماكن المقدسة والأنظمة الاستبدادية لتغطية استراتيجية التوسع العسكري ؟
غالبا ما تلجأ الانظمة الاستبدادية، حالما تقترب شعوبها من إنضاج ظروف تحررها، الى خلق بعبع خارجي، يسٌوق بذريعة الدفاع عن الأمن القومي أو الوطن أو المقدس الديني. بضاعة أمريكا هي الديمقراطية وجمعها بين انفتاح الأسواق لرأسمالها ومصالحها القومية مع قناعات شعبها حول حرية الإنتخاب والخيارات الفردية. أما ايران، هل هناك ما هو أكثر نجاحا من الدفاع عن الأماكن المقدسة بالعراق ضد « التكفيرين- اعداء الإسلام»، لتجييش عواطف عامة الإيرانيين وتحشيدهم لارتداء كفن الشهادة، في ذات الوقت، الذي يسكت فيه البعض خشية مس المقدس والتعرض لارهاب اجهزة النظام القمعية؟ 
لقد اثبت التاريخ المعاصر أن جرعة التجييش العقائدية (بشقيها المتدين والعلماني) والمذهبية المركزة، وان تم حقنها من الخارج، مضمونة النجاح في خلق الفتنة، وشق صفوف العباد، نتيجة الاستثمار في خلق هويات مفتتة ومتصارعة فيما بينها . فيفقد، خلال فترة وجيزة من المنظور التاريخي، الوطن والتاريخ والثقافة، معناه ليحل محله النزاع القومي – الديني/ المذهبي والاستقتال على حيز مكاني، بثروة ستستنفد، وهويات تستند الى ذاكرة تختلط فيها الاسطورة بالوهم. هذه هي ملامح الواقع العراقي الذي ساهم بخلقه المحتل الامريكي – البريطاني – الصهيوني، ويتغذى عليه المحتل الإيراني الذي طالما صرح قادته بانهم عرضوا «مساعدتهم» على القيادة الامريكية في عملية «تحرير» العراق، الا ان الأمريكيين رفضوا المساعدة لأنهم ظنوا انفسهم قادرين على تحقيق الهيمنة على العراق خلال اشهر. فبات العراق ساحة لتصفية الحسابات مع وجود ساسة محليين بولاءات متعددة ما يوحدها هو عدم الولاء للعراق. 
ان ذريعة الدفاع عن الأماكن المقدسة هزيلة لأن ذات الأماكن كانت، عبر تاريخها، محمية من قبل أهلها، ولم يصبها سوء . واذا ما قامت دولة ما باحتلال دولة أو بلد آخر، تحت اية ذريعة كانت سياسية او دينية أو «أنسانية»، واعادت تأسيسها وفق حق عسكري أو إلهي موعود، بما تراه الأفضل لسكان ذلك البلد، ألا يضع منطق الحق هذا أمريكا واسرائيل وايران والسعودية، من بين دول أخرى، في سلة واحدة؟ هل الحق الإلهي الموعود حكرا على أيران؟ لكن الدولة الإسلامية برئاسة أبو بكر البغدادي تحارب تحت ذات الراية «الإسلامية»، راية بناء الدولة الموعودة وقتال «اعداء الإسلام»، في الشام والعراق وصولا الى بلدان الشرق الاوسط، أي ذات البلدان التي تتجسد فيها أحلام الحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج.
ان الصمت على الاحتلال الإيراني للعراق يساوي الصمت على الاحتلال الأمبريالي وجرائم الدولة الإسلامية، ولا يعني مناصبة الشعب الإيراني العداء أو التحالف مع الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني. ان من يعاني من استبداد النظام في بلده ثم يختار الوقوف بجانب نظام استبدادي آخر أو الصمت على جرائمه بحق شعبه لأنه يرفع راية «انسانية» أو يتعرض للهجوم من قبل دولة أخرى لايمكن ان يكون ساذجا بل اعمى البصيرة . 
لماذا يكرهوننا؟ كان السؤال الذي تتداوله الادارة الامريكية كلما وجهت اليهم المقاومة العراقية الضربة تلو الضربة. ما تعامت عنه الأدارة هو ان العراقيين لايكرهون الشعب الأمريكي، ولاحتى الثقافة الأمريكية ومساهماتها العلمية والتقنية، بل الغزو والاحتلال وتخريب بلدهم واهانتهم. لم تجلب قوات الغزو الأدب والموسيقى، بل الصدمة والترويع والطائفية والفساد. الجواب ذاته ينطبق على ايران. ألم نترب على سماع الغناء والموسيقى والشعر الإيراني؟ أي من وجبات الطعام لاتحمل وصفة ايرانية؟ والسجاد الإيراني الذي نعتبره الأرقى في العالم ؟ وزيارات الأئمة وأهل البيت؟ أليس هذا هو العمق الحضاري للعلاقة بين الشعوب؟
ولكن، هل هذه هي ايران التي نرى سياستها بالعراق اليوم ؟ أيران المليشيات بأمرة فيلق القدس وبدر، لايكاد افرادهما يفتحون عيونهم لفرط استهلاك المخدرات. ايران النظام الذي نحر الثورة وقتل وطرد ابناءها، فصار صنوا لأسوأ النظم الجامعة ما بين استبداد الانظمة العلمانية وشعبوية المشاعر الطائفية الفجة، بهدف توسع جمهورية «ولاية الفقيه» الإسلامية. ايران التي غادرها ادباؤها وفنانوها ومفكروها حفاظا على حياتهم وانجازاتهم. 
أين المخرج السينمائي محسن مخلمباف، الذي ساهم بتأسيس السينما الإيرانية الواقعية، ببساطتها الشاعرية المؤثرة؟ لماذا هاجر وهو الذي ناهض نظام الشاه واستبشر خيرا بالثورة الإسلامية فكان جوابها منع افلامه ؟ ولماذا إضطر أن يخرج فلمه التسجيلي عن تفاصيل حياة الخامنئي واولاده خارج بلده؟ والمخرج جعفر بناهي، صاحب فيلم «بالون»، الذي رسخ للسينما الإيرانية موقعا في السينما العالمية وتم منعه من الاخراج ووضعه تحت الأقامة الأجبارية بتهمة اخراج « افلام معادية للجمهورية الإسلامية» ؟ والقاضية شيرين عبادي، التي كانت مصرة على البقاء بايران مهما حدث، لتهاجر وتقف معتذرة عن سياسة بلدها في دعم النظام الاستبدادي بسوريا؟ 
هذه امثلة قليلة من قائمة طويلة، تدفعنا الى التأكيد، بان النظام الإيراني، حاله حال «الدولة الإسلامية» وغيرهما، ليس النموذج الذي نتوخاه لتحقيق العدالة والمساواة ببلادنا ولا في أي بلد آخر. اذ ليس بمقدور النظام القامع لشعبه ان يمنح شعبا آخر الحرية والكرامة مهما كانت شعاراته صاخبة.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

هل استئصال الفلوجة هو الحل؟

هيفاء زنكنة

 

منذ سنوات و»تحرير» مدينة الفلوجة ،التي تحتضن الفرات أو يحتضنها على بعد خمسين كيلومترا شمال غرب بغداد، جار بلا توقف. جيش الاحتلال الأمريكي «حررها» في عام 2004 مرتين، وواصل نوري المالكي «تحريرها» بشتى الطرق على مدى 8 سنوات من حكمه الموسوم بالطائفية والفساد والتبعية.
فقد تطور الامر بعد فض الإعتصامات السلمية التي استمرت طوال 2013 الى مجازر أمر المالكي بها بالتزامن مع مجزرة الحويجة على دجلة الى الهجوم، والقصف، والتهجير تصعيدا في سلسلة العقاب الجماعي بهم، وأخيرا رميهم بالبراميل المتفجرة. باختصار: حاول الغزاة ووكلاؤهم، في المنطقة الخضراء، ببغداد، كل السبل لتركيع المدينة الباسلة التي وقفت عام 2004 بوجه اكبر قوة عسكرية بالعالم وهجومها « الأشمل منذ حرب فيتنام»، بينما كان ساسة النظام العراقي» صباغو أحذية الغزاة» يستجدون رضاها. أصبحت الفلوجة، على علاتها، رمزا يمثل المقاومة من جهة ووصمة عار المتعاونين مع الغزاة. أيامها، كان « العلماني» اياد علاوي، رئيسا للوزراء، ليبزه، فيما بعد، « أسلامي» حزب الدعوة المدعو نوري المالكي. 
تعيش الفلوجة، اليوم، لحظاتها، مهددة بالارهاب بأنواعه. بدءا من ارهاب «الحكومة» وانتهاء بارهاب «الدولة الاسلامية» مرورا بمليشيات «الحشد الشعبي»، بالأضافة الى «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية و»فيلق القدس» بقيادة جمهورية ايران الاسلامية. تتم تهيئة ارضية الهجوم الكاسح لـ « تحريرها» اعلاميا وعسكريا. اجهزة الاعلام، تطبل على الايقاع الواحد: «تحرير» الفلوجة من ارهاب داعش. تتوالى التصريحات من «مصادر أمنية وعسكرية» عراقية عن اعدامات ومجازر واغتصاب وبيع للنساء في الفلوجة، فتختلط جرائم النظام بداعش، لتوظف في خدمة النظام وحشده، بدون ان يتمكن أحد من التحقق من صحتها. هل تتذكرون الخبر الملفق عن خطبة امام الفلوجة وقائد المجاهدين التي دعا فيها الى فك بكارة الفتيات قبل ان يقوم جنود الاحتلال الأمريكي بذلك عام 2004 ؟ هل تتذكرون كيف تم تناقل الخبر بسرعة مذهلة لتشويه صورة المقاومة وشيطنتها ووصمها بشكل يستمد طبيعته وقوته من مفهوم الشرف بالنسبة الى المجتمع العربي وحقوق المرأة العربية، مسلوبة الارادة، غربيا ؟ وكيف لقي الخبر رواجا اعلاميا كبيرا بين المنظمات النسوية الغربية؟ وسبب ذكري لهذا الخبر هو اصدار وزارة حقوق الانسان العراقية بيانا (2 تموز/ يوليو) عن بيع نساء سوريات في مدينة الفلوجة، بجوار جامع الفلوجة الكبير، وبأسعار زهيدة. ماهي صحة الخبر؟ وكيف ندققه، كنموذج للاخبار التي يصدرها مسؤولو النظام العراقي والتي غالبا ما يتم نشرها «نقلا عن» ؟ 
أولا: نفى وجهاء الأنبار، من بينهم الشيخ محمد البجاري ما ورد في تقرير وزارة حقوق الإنسان الأخير حول بيع سبايا سوريات في الفلوجة، متهما الوزارة بأنها جزء من المؤامرة ضد مدينة الفلوجة.
ثانيا: ان الجهة المصدرة للخبر وتوقيت اصداره يثيران الشكوك . فوزير حقوق الانسان محمد البياتي، حسب شهادته على موقع الوزارة، عضو في الشورى المركزية لـ «منظمة بدر» وأمين عام تنظيمات الشمال. و»منظمة بدر» هي مليشيا تم تأسيسها وتدريبها في ايران، منذ الحرب العراقية الايرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وولاؤها حسب تصريحات رئيسها هادي العامري يعود لايران وفيلقها المقاتل بالعراق. دخلت المنظمة العراق مع قوات الغزو الأمريكي ومارست، منذ عام 2003، جرائم وحملات اغتيال ممنهج، تجعلها الوجه الثاني للارهاب الداعشي. أو بالأحرى الوجه الأول كونها تسبق ظهور داعش بعشرين عام. الفرق بينها وبين داعش هو ان ارهابها «مُشرْعَن» من قبل الحكومة العراقية ومسكوت عليه دوليا، أي حلال، كما هو ارهاب الاحتلال الأمريكي الذي سبب قتل ما يزيد على المليون مواطن، وكما هو ارهاب الأنظمة العراقية المتعاقبة بالوكالة، وكما هو ارهاب «الحشد الشعبي» السائب. 
وزير حقوق الانسان، اذن، ليس شخصا مستقلا بحكم كونه قياديا في ميليشيا تصول وتجول بالبلد وهو أمين عام تنظيمات الشمال فيها (هل يعرف أحد ماهية هذه التنظيمات وانجازاتها الانسانية؟). فلا عجب ان لم تصدر الوزارة، يوما، بيانا تدين فيه قصف الحكومة لمستشفى الفلوجة 23 مرة ،خلال سبعة اشهر فقط، مسببة مقتل عدد من كوادره ومرضاه. 
أما رئيس وزير حقوق الانسان في فيلق بدر، هادي العامري، فانه في غنى عن ارتداء لبوس حقوق الانسان، اذ يرى نفسه وميليشياته المدعومة من ايران، اقوى من الحكومة وأحق منها بقيادة البلاد، مما يوفر له حرية اطلاق التصريحات كيفما شاء ومهما كانت ذات مضمون ارهابي ترويعي على غرار قوله (الصباح الجديد، 12 حزيران): «ان عملياتنا المقبلة ستكون في الفلوجة لإنهاء هذه الغدة السرطانية» او دعوته الى تهديم الفلوجة لأنها تمثل «رأس الأفعى» . 
واذا افترضنا ان ما يعنيه العامري هو تنظيم الدولة الأسلامية، فماهي آلياته و» الحشد الشعبي» وحكومة حيدر العبادي للتخلص من التنظيم و « تحرير « الفلوجة وكسب الدعم الشعبي ؟ الآلية المستخدمة، حتى الآن، هي القصف المدفعي والقصف الجوي بواسطة البراميل الحارقة. منذ مطلع شهر رمضان وقصف الفلوجة بالبراميل الحارقة مستمر بحجة التخلص من داعش . الحصيلة خلال اسبوعين: مقتل 90 مدنيًا وجرح 100 آخرين أغلبهم نساء وأطفال. واجبار الاهالي على النزوح قسرا. قال مصدر طبي في مستشفى الفلوجة العام ( 4 تموز/ يوليو): «استلمنا اليوم، جثث 21 مدنيًا بينهم 7 أطفال و5 نساء و26 جريحا بينهم 11 امرأة و6 أطفال نتيجة القصف العنيف لقوات الجيش بالمدفعية وقذائف الهاون والصواريخ على منازلهم في مناطق متفرقة من الفلوجة». وقتل يوم الأحد 76 مواطنا بغارات للجيش بمروحيات تحمل براميل متفجرة، واستهدفت أحياء سكنية بالفلوجة، بالاضافة الى ساحة ملعب نادي رياضي وسط الرمادي، بعد تجمّع عشرات الشبان، لمشاهدة لعبة المحيبس الشعبية الرمضانية (العربي الجديد – 5 تموز/ يوليو). 
ان حملات التهجير والقصف والعقاب الجماعي التي تتعرض لها الفلوجة بحجة تحريرها من داعش، لم تبدأ يوم دخول داعش او اي تنظيم آخر مهما كان أسمه، بل بدأ يوم وقفت المدينة باباء لتقاوم الغزاة، مدافعة عن كرامتها وعزة نفسها، يوم أقسم اهلها ان تكون الفلوجة مقبرة للغزاة . منذ ذلك اليوم وشعار «تحرير» الفلوجة، يعني استئصالها وابادة أهلها. فبالاضافة الى منهجية سياسة الأقصاء والعقوبات الجماعية التي مارستها قوات الاحتلال وحكوماته المتعاقبة وممارسات الميليشيات، هاهو اللواء الركن عبد الكريم خلف، المدير السابق لمركز العمليات في وزارة الداخلية، يبرر قتل المدنيين بالفلوجة (مقابلة مع الجزيرة 5 تموز) قائلا «أُنذر السكان فغادرها نصفهم. الباقون اما من داعش أو متضامنون مع التنظيم الارهابي». لاحظوا انه يتحدث عن مدينة يقطنها مائة ألف شخص وتساوي مساحتها مساحة لبنان، فاذا لم تكن هذه السياسة شرعنة للابادة الجماعية وتكريس ارهاب النظام، بشكل علني وعبر أجهزة الأعلام، فلا ادري ماهو معنى الأرهاب!
واذا كانت الفلوجة قد دفعت ثمن مواجهتها لارهاب الغزو الأمريكي غاليا، بشرا وبنية تحتية، فان قراءة يوميات مقاومتها على مدى السنوات، يؤشر الى انها لا تنوي قبول الارهاب حلالا كان أم حراما. وهو درس على حكومة العبادي وميليشيات الحشد الشعبي والائتلاف الدولي ـ الايراني استيعابه جيدا. فالقضاء على الارهاب والمصالحة الوطنية لن يتحققا عبر البراميل المتفجرة مهما كانت رطانة الساسة.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

الأعلام العراقي بين انتصارات

الفضائيين وأسنان العضاضات الحديدية

هيفاء زنكنة

 

تؤكد كل المصادر الحكومية وشبه الحكومية العراقية على استمرارية الانتصارات ضد مقاتلي الدولة الإسلامية، وأن تحرير «الاراضي المحتلة»، وهو مصطلح برز إلى الوجود أخيرا، سيتم إما خلال ساعات أو، بأسوأ الاحوال، خلال أيام. 
ففي كلمة متلفزة قال حيدر العبادي رئيس الوزراء (حزب الدعوة)، يوم 5 أيار/مايو : إن «الساعات القليلة المقبلة ستشهد انجلاء الحقيقة لصالح قواتنا الأمنية وأهلنا في محافظة الأنبار والمخلصين»، مؤكدا أن «العدو سيتجرع هزيمة منكرة بعد سلسلة الهزائم التي مني بها». وأن «بيجي تمثل آخر حصن لتنظيم داعش الإرهابي قبل تحرير مدينة الموصل»، مشيرا إلى أن «تحرير بيجي بالكامل بات قريبا». وأكد عمار الحكيم، رئيس المجلس الاعلى الإسلامي، خلال لقائه بالمرشد الإيراني علي خامنئي، ان «الانتصار على داعش قريب جدا». في ذات الوقت الذي رفض فيه المتحدث باسم المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء العراقية رافد جبور، في حديث إلى «النهار»، التكهن بموعد محدد لطرد تنظيم الدولة من المدن والمحافظات العراقية التي يسيطر عليها منذ حزيران الماضي. وفي ذات الوقت الذي وصفت فيه منظمة « اليونسيف» الوضع في العراق بأنه قريب من الكارثة، فهل تحققت الانتصارات الموعودة في بيجي والأنبار وتكريت؟ نعم، عشرات المرات. «هي بيجي لو ستاليننغراد؟»، تساءل احد المعلقين على صفحات التواصل الاجتماعي. 
هناك، أيضا، وعود بتحرير مناطق لم نسمع باحتلالها، اساسا، ناهيك عن عدم معرفة وجودها على خريطة العراق. فهل هي موجودة حقا أم انها مثل الجنود وقوات الأمن والموظفين «الفضائيين» المسجلين بالآلاف، ضمن سجلات الحكومة، ويقوم المسؤولون باستلام رواتبهم ومخصصاتهم؟ 
منذ يومين، مثلا، أعلنت قيادة عمليات بغداد عن تحرير « ست مناطق شمالي العاصمة من سيطرة داعش وهي الهورة، والخضراء، وغزيلة، ونهر اليابس، والبوشلال، وبستان البوحياة». وأحتفل الجنود راقصين في افلام عرضت على شاشة التلفزيون بينما ظهر أفراد ميليشيا الحشد الشعبي في لقطات وهم يطلقون نيرانهم على المجهول في أماكن لا يعرف أحد موقعها. وكنا نظن أن تكريت ومحافظة صلاح الدين قد تم تحريرها بعد ان غمرتنا اجهزة الإعلام الحكومية بسيلان انتصاراتها ليلا ونهارا، وبعد ان بلغنا قائد ميليشيا عصائب الحق « سماحة الشيخ» قيس الخزعلي أن «داعش أوهن من بيت العنكبوت». الا ان التصريحات الحكومية وتصريحات قيادة الميليشيات عن «جرائم عصابات داعش الإرهابية» في ذات المناطق التي تم تحريرها، تبين مدى حجم أوهامنا. 
يقودنا تمحيص تصريحات «المنتصرين» إلى ان تحرير المناطق «المحررة» يتم عدة مرات خلال الاسبوع. فحرب الكر والفر مغايرة للأشكال المتعارف عليها. انها حرب لتحرير المناطق المحررة واحتلال للمناطق المحتلة. بين تحرير وأحتلال، هناك زخم من تصريحات وأخبار تستدعي التوقف عند فبركتها الساذجة المضحكة المستندة، غالبا، على توليفة «أفاد مصدر مطلع». وهي توليفة يراد منها مواجهة الاستخدام الأعلامي الموصوف بالمتطور للدولة الإسلامية. 
هناك، مثلا، خبر تم توزيعه على الوكالات أخيرا، نصه: «أفاد مصدر مطلع ان الإرهابية الداعشية رجوة شعبان تقود، مايسمى بـ «العضاضات»، وهن النساء الداعشيات اللواتي يضعن طقم اسنان حديدي بافواههن لغرض عض النساء غير المخمرات». تم نشر الخبر من قبل العربية نت يوم 28 أيار/مايو 2015، «حسب ما نقله موقع «الصباح» عن مصدر قضائي من كركوك» بالاضافة إلى «المصدر المطلع». أي انه انتقل عبر ثلاث جهات قبل وصوله الينا. يدل البحث عن مصدر خبر العضاضات ان أول من أصدره هو قناة «السومرية نيوز» نقلا عن بيان صادر من وزارة حقوق الانسان العراقية في 7 كانون الثاني، كشفت فيه عن: «تشكيل تنظيم داعش فرقة نسوية مهمتها عض وقرص النساء اللواتي لا يرتدين خمارا في بعض مناطق غربي الأنبار الخاضعة لسيطرة التنظيم، مشيرة إلى أن امرأة تعرضت للإغماء نتيجة عضها من قبل إحدى نساء تلك الفرقة». وقالت الوزارة إن «عصابات داعش الإرهابية انشأت مجموعة تقدر بـ30 امرأة من جنسيات عراقية وسورية ولبنانية صنفت على ثلاث مجموعات هي العضاضات -القراصات- فريق الموت)». قد يبدو للمتابع، للوهلة الاولى، ان الغرض من اعادة انتاج الخبر، استنادا إلى مصادر متعددة، هو تكريس مضمون الخبر وتحويله إلى حقيقة يصدقها المتلقي، الا ان تعليقات القراء، في مختلف المواقع الالكترونية، تبين حجم الفشل الإعلامي الذي تلقاه مثل هذه التوليفات. اذ تساءل احدهم: لماذا النساء فقط؟ ماذا عن الرجال؟ وتساءلت طبيبة اسنان عن امكانية فحص اسنان العضاضات للتأكد من سلامتها من الأمراض، وختمها قارىء بقوله: «بعد قراءة الخبر ضحكت كثيراً، شكراً للعربية فقد عالجت بهذا الخبر تعصيبي وضيق صدري فضحكت كثيراً ههههه».
تعترف الادارة الأمريكية بفشلها في مواجهة إعلام تنظيم داعش المتميز بقدرته على انتاج الأفلام الترويجية والدعائية بأحدث الوسائل التقنية الجاذبة للشباب وعبر بث أخباره على حساباته على «تويتر» و»فيسبوك. أما اجهزة الإعلام العراقية فانها تواصل نشر وبث الأكاذيب المفضوحة مفترضة أولا أن الجمهور أمي ولايمتلك القدرة على فرز الأخبار، وتفترض، ثانيا، ان ما تقوم به هو جزء من الحملة الإعلامية الدعائية لمواجهة تنظيم داعش. غير ان مرور عام على اعلان تأسيس الدولة الإسلامية بعد هرب الجيش من مدينة الموصل وما تلاه من هربه من مدينة الرمادي، أثبت فشل الجهاز الإعلامي الرسمي والجهاز المدعوم من قبل الحكومة، سوية، ازاء داعش من جهة والشعب العراقي من جهة ثانية. فاذا كان التنظيم الإرهابي قد نجح في بث الرعب في صفوف افراد الجيش وقوات الأمن، من خلال افلامه وحملاته الدعائية، فان الإعلام الحكومى قد نجح في أن يخسر معظم ابناء الشعب، جراء اكاذيبه وحملات تضليله التي هي، اذا ما استعرنا تعبير الخزعلي، «أوهن من بيت العنكبوت».

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

أنظرُ الى نكبة فلسطين

والمقاومة فأرى العراق

هيفاء زنكنة

 

بمرور الايام، يتزايد لدي الاحساس، بالتشابه بين الوضع الفلسطيني والعراقي. كأن سريان القضية الفلسطينية في دمائنا، يجعلنا نعيش يومياتها في العراق، ولعل أحاسيسنا هي ، ايضا، انعكاس لمخاوفنا من ان تهجير الفلسطينيين وصناعة الهوية الزائفة للمحتل، وتكريسها في فترة زمنية قصيرة نسبيا، كان بروفة حية لما يمكن ان يحدث في بلدان عربية أخرى من بينها العراق. 
وحين اتحدث هنا عن الاحاسيس والمخاوف فانني اعني ما ينتاب جيلنا الذي تربى على الاعتقاد بأن الظلم الذي اصاب فلسطين أصابنا وأن مفهوم العدالة ثابت ومطلق لا يرتبط بوجود رئيس معين أو حتى زواله. بالنسبة الى العراق نقاط التشابه ، اليوم، كثيرة. فمن الأحتلال الهمجي الى الاعتقالات العشوائية والتعذيب والقتل . ومن التهجير والتغيير الديموغرافي الى نقاط التفتيش وبناء جدار العزل ومنع السكان من العودة الى بيوتهم. ومن يرى تغيير التوزيع السكاني على خارطة فلسطين منذ عام 1947 وحتى اليوم ويقارنها بخارطة « العراق الجديد» وسرعة التغير الديموغرافي منذ عام 2003 وحتى اليوم ، كمؤشر مستقبلي على التقسيم، سينذهل للسرعة القياسية وكيفيته ومدى التشابه الى حد التطابق، احيانا، مع ما رسمه ونفذه الاحتلال الصهيوني. 
لقد أراد المحتل الامريكي – البريطاني اعادة رسم خارطة المنطقة ، وكان له في الساسة المحليين أكبر عون، وفي تنصيبه حكومات تضطهد وتقمع شعوبها بينما تبتزهم باسم « المقاومة» و « الممانعة» دفاعا عن فلسطين ، اكبر استثمار يؤهله لأعادة التجربة في بلدان أخرى. الممارسات الصهيونية في فلسطين ، بالنسبة اليهم، تجربة ناجحة تستحق التكرار. فجاء احتلال العراق، كما صرح دونالد رامسفيلد، وزير خارجية امريكا السابق، لأنه : « عمل بالامكان تنفيذه». الا ان مقاومة الشعب للاحتلال حالت دون تنفيذ المهمة « السهلة» ، فتم الانتقال الى الخطوة الثانية: بذر الطائفية وخلطها بالارهاب والعمليات الخاصة وتشويه صورة المقاومة، بالاضافة الى منح أرض بغداد لأكبر سفارة أحتلال بالعالم . واذا كانت فلسطين مقسمة الآن، بين النظام الصهيوني المهيمن و السلطة الفلسطينية على بقعة ارض رمزية وحماس المسجونة في غزة المحاصرة ، فأن واقع الفساد والطائفية ، يشير الى ان تقسيم العراق سيعزف على ثلاثة اوتار، أيضا، هي السنة والشيعة والكرد. 
نقاط التشابه لا تنتهي هنا ولا تتوقف عند رسم الخرائط وتوزيعها على المنظمات الدولية التي تعيد تقديمها الى زبائنها من منظمات « المجتمع المدني» التي تعيد، بدورها، تقديمها الى الناس ، لتصبح ، تدريجيا ، الواقع الجديد ، مع اضمحلال وتلاشي الخارطة الاصلية. فالشركات الأمنية الخاصة التي نهبت الملايين وقتلت العراقيين تعمل في الارض المحتلة ، وتدريب القوات الخاصة الامريكية لفرق الموت وما يسمى بالفرقة الذهبية ولواء العقرب والذئب يقابله تدريب القوات الفلسطينية الخاصة . واذا كانت اتفاقية أوسلو قد « نظمت» العلاقة مع المحتل الصهيوني مقابل الفتات، فأن توقيع النظام العراقي للاتفاقية الأمنية ومعاهدة الاطار الاستراتيجي ، المتحكمة بالاوضاع السياسية والاقتصادية والامنية وحتى الثقافية ، منحت المحتل الامريكي مظلة شاسعة للهيمنة لأجل غير مسمى. واذا كانت أرض فلسطين قد أصبحت مستوطنة لكل من تريد اسرائيل جلبه، من أي مكان في العالم ، وحرمان ابن الارض من حق العودة، فأن مليشيات النظام العراقي تمنع النازحين ، المهجرين من مناطق سكناهم بسبب الاقتتال، من دخول مدن بغداد وكربلاء وواسط والديوانية وكركوك، وتعاملهم كأجانب في وطنهم ، في أكثر الاوقات شدة . وهل هناك ما هو أقسى من أجبارك على مغادرة بيتك، خلال ساعات، لتتوجه واطفالك نحو المجهول؟ في ذات الوقت، يدخل الإيرانيون بدون تأشيرة، ولا ضابط على إقامتهم في بغداد وبقية المدن العراقية. ويتمتع الاسرائيليون بذات الحق فيما يخص « السياحة» و « التزلج على الثلج الكردي» كما يذكر الصحافي الاسرائيلي تسفي بارئيل في مقاله المنشور في صحيفة القدس ( الصادرة بفلسطين) نقلا عن « ذي ماركر» يوم 31 أيار/ مايو . يستطرد بارئيل قائلا: « وفقا للموقع الالكتروني الرسمي لوزارة الداخلية الكردية ، فان الاسرائيليين بحاجة الى تأشيرة دخول، ولكن من خلال مكالمة مع موظف في وزارة السياحة الكردية ، فقد أوضح ان بامكان الاسرائيليين ان يتلقوا التأشيرة على المعبر من الجانب الكردي ، وهم غير مطالبين كبقية السياح بالتوجه الى القنصلية العراقية ، فهم مرحب بهم». 
هناك ، بالاضافة الى نقاط التشابه ، مفارقات عديدة تبرز حالما يدقق المرء بين القوى المسيرة لحال البلدين. فأمريكا هي الذراع الطولى لأسرائيل، أو العكس بالعكس، لكثرة تداخل المصالح بينهما . في ذات الوقت تدعم أمريكا النظام العراقي ومعها ايران التي ترى في أمريكا واسرائيل الشيطان الأكبر بينما تمتد ذراع اسرائيل ، خفية/ علنا عبر عقود النفط وتصدير السلاح والعتاد الحربي والتقني من إسرائيل إلى العراق عبر اقليم كردستان ، وتشير اللقاءات بين نتنياهو ونجرفان برزاني ( دورية مدل أيست كوارتيرلي – ربيع 2014) الى ان التمدد الصهيوني بات فعلا لا يستدعي الغضب أو الاستنكار. 
واذا ما عدنا الى المحافظين الجدد ومشروع القرن الامريكي الجديد الذي كان وراء غزو واحتلال العراق لوجدناه معجونا بصهيونية المحافظين التي يفتخرون بها، ويعتبرونها دافعا لامثيل له لتطبيق مشروع الهيمنة العسكرية الامريكية والقضاء على اي معارضة للسياسة الاسرائيلية. فهو مشروع مبني على تفتيت المنطقة الى دويلات أثنية ودينية والادهى من ذلك، كما نرى من تطبيقه في العراق، الى دويلات طائفية. 
ان ردود أفعال الفلسطينيين ، منذ النكبة وما قبلها بعقود ، وكذلك العراقيين منذ الاحتلال وما قبله بعقدين ، على الرغم من الصورة المتشائمة ، أحيانا، أعاقت حتى الآن ما يوصف بسهولة تنفيذ مشاريع الاحتلال . فالمقاومة مستمرة وعلى مستويات عدة من المقاومة المسلحة الى الثقافية الى المجتمع الأهلي والتشبث بالارض والبيت. واذا كان الكيان الصهيوني – الأمريكي قد نجح في تغيير ملامح خارطتي فلسطين والعراق ، فإن مستويات مقاومة المحتل في كلا البلدين، وبدعم شعبي من بلدان عديدة، تستحق ان تكون لها مواقعها على خارطة توزع في جميع ارجاء العالم. فواقع الشعبين يقول: صحيح اننا لم نحقق الانتصار الذي نطمح اليه بعد، الا اننا لن نندحر .

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

باعة معلبات الطوائف

 والإرهاب في العراق

هيفاء زنكنة

 

حذرت منظمة الصحة الدولية من التدهور السريع في اوضاع النازحين والمهجرين قسرا داخل العراق الذين تجاوز عددهم 3 ملايين ومع قرب نفاذ الميزانية المكرسة لتزويدهم باحتياجاتهم الصحية الاساسية. تم اطلاق نداء الاستغاثة ، بينما يزداد السباق المحموم بين ساسة النظام العراقي على تسليح أتباعهم ، سواء كانوا سنة أو شيعة أو كردا، على قاعدة « كل واحد يحود النار لخبزته» ، أي يدفع النار لينضج خبزه فقط ، وترجمتها بالواقع العراقي الملموس، كل واحد يريد السلاح لنفسه، دفاعا عن مصلحته على حساب الشعب والوطن ، بذريعة محاربة الأرهاب – المشجب الذي ، يتغير مصدره، بين فترة وأخرى ، حسب الطلب، بينما تبقى الحقيقة مدفونة تحت كراسي الساسة ، أو على الأغلب، في حسابات المصارف الأجنبية. 
الحقيقة هي ان أعداد ضحايا خدعتي « تحرير العراق» و « الحرب على الارهاب» ، وأكداس الأسلحة والذخائر التي إستخدمت وتستخدم فيهما، يزيد على المليون عراقي ، سواء من قتل بشكل مباشر أو نتيجة الاصابة بجروح ، بالاضافة الى ضحايا ما خلقه الاحتلال ورعاه مستخدميه من اقتتال طائفي – عرقي وبروز تنظيمات ومليشيات ارهابية. هذه حقيقة لم تعد تقبل الجدل. بل ان التقارير والاحصائيات المحلية والدولية ماعادت تختلف على الارقام بل يتركز اختلافها حول كيفية فقدان الحياة البشرية. هل هو القصف الجوي أو تفجيرات المفخخات أو الاقتتال المباشر أو الرمي العشوائي أو مداهمة السجون وقتل وحرق من فيها؟ ويجب ألا ننسى أن عدد الجرحى الذين يتجنبون الموت الفوري ، قد يصبح بعضهم معوقين مدى الحياة، بسبب الحالة المزرية للخدمات الصحية ، يعادل ثلاثة أمثال القتلى على الأقل. فكم من عائلة فقدت معيلها وحقها في العيش بكرامة؟ 
واذا كانت الحياة البشرية قد اصبحت ارقاما واحصائيات يتم تكرارها، بشكل آلي ، نزع عنها القيمة الأنسانية ، وأفقدها التأثيرالصادم، المحفز، لايجاد السبل لوضع حد لها ، فأن التكلفة المادية للحروب والصراعات ، بالاضافة الى اعادة بناء البنى التحتية بعد تخريبها، لاتزال تحتل مساحة واسعة من اهتمام الحكومات والمؤسسات ، خاصة ، تلك التي تقدم نفسها الى العالم باعتبارها دولا تخوض الحروب من اجل تحرير الشعوب، وارساء الديمقراطية وأنها « تحارب الارهاب من اجل الجميع « ، كما اصبحنا نسمع من رؤساء حتى الحكومات الافتراضية مثل العراق. فكلما تستدعي الأدارة الامريكية رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الى واشنطن لجر أذنه ، نجده يخاطب مسؤولي الادارة الامريكية مبررا وجوده ومستجديا السلاح، بقوله ان العراق يقاتل الأرهاب بالنيابة عن العالم ( يعني أمريكا) ، في ذات اللحظة التي تُسمع فيها اصوات التفجيرات بوسط بغداد ، ونرى سقوط المزيد من الضحايا ، وذووهم يتساءلون عمن خوٌل العبادي صلاحية تقديم العراقيين قربانا لبلد زرع بذرة الارهاب في العراق وغيره!
خطاب النظام، والعبادي ليس النموذج الوحيد بين الحكام العرب، يساهم في تطويل حياة الخدعة الكبرى التي أشرف على تصنيعها محافظو أمريكا الجدد، وجلهم من الصهاينة ، باسم « محاربة الارهاب» . ولأن معظم المحافظين الجدد وحتى العديد من المسؤولين في الادارة الامريكية هم من محتلي المناصب الاستشارية والعليا في كارتيل صناعة وتجارة السلاح ، صار جوهر سياسة محاربة الارهاب هو بيع السلاح . ويدلنا التسلسل المنطقي في الترويج لبيع السلاح الى خلق الحاجة اليه . وهل هناك ما هو أفضل من اشعال الحروب والنزاعات وتقسيم البلدان واستحداث المناطق المتنازع عليها وبالتالي الحروب الاهلية لبيع السلاح ؟ وهل هناك ما هو أفضل من ازدهار التجارة من خلال توفيرها لكل الاطراف المتقاتلة؟ وهل هناك أفضل من الاستثمار في ساسة فاسدين لا يرون أبعد من مصلحتهم الشخصية بتعليب الدين والطائفة والعرق؟
أن الفائز والمستفيد الأول من كل مشاريع التفرقة، والتقسيم، والحروب، هم تجار السلاح ومن يعمل معهم ، بدرجات، من شبكات بيع السلاح الى الوسطاء والمرتزقة الى الحكام اللصوص. ومع ان وجود هذه التركيبة قديم قدم رغبة البعض في الهيمنة الا انها تطورت في العقود الأخيرة ، بشكل سريع ومذهل ، نتيجة التقدم العلمي المستخدم عسكريا، وتزايد الدور الآلي على حساب الدور البشري، بالاضافة الى كونها باتت أقوى من الحكومات الوطنية . حيث يتحكم المتنفذون فيها، من خلال التعاون مع اجهزة الاستخبارات ، احيانا، بسياسات الدول الكبرى والصغرى على حد سواء. واذا كان الرئيس الأمريكي السابق الجنرال دوايت آيزنهاور، قد حذر من هيمنة التجمع الصناعي العسكري على الحياة في بلاده، في أواخر خمسينيات القرن الماضي، فقد أهمل ان يذكر دورها التخريبي القاتل على البلدان الأخرى، خاصة دورها في التسليح غير الشرعي وغير المعترف به قانونيا، ونراه باوضح صوره في الدول العربية والأفريقية.
تشهد الدول العربية ، في السنوات الأخيرة، زيادة مقتنياتها من السلاح على حساب الميزانية المكرسة للتنمية الاقتصادية والصحة والتعليم ، والذي غالبا ما تستخدمه أما ضد بعضها البعض أو ضد شعوبها. اذ تشتري دول الخليج 54 في المائة من واردات المنطقة من الأسلحة، بزيادة 71 في المائة، في الخمس سنوات الاخيرة. وأصبحت السعودية ثاني أكبر مستورد للأسلحة على المستوى العالمي، بعد أن تضاعفت وارداتها بنحو أربع مرات. وتعتبر الجزائر أكبر مستورد في القارة الأفريقية، يليها المغرب، حسب التقرير الصادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «سيبري» العام الحالي. ويشير التقرير الى ان الدول التي تتصدر قائمة التصدير الرسمي المعلن عنه هي أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا واسرائيل.
ان انعكاسات شراء الاسلحة على المجتمعات في الدول العربية كارثية وها نحن نراها بابشع صورها في سوريا واليمن وليبيا . أما في العراق، فأنها تتبدى ، لا في عدد الضحايا المتزايد يوميا فقط ، وفي استجداء المساعدات الصحية والغذائية والعراق من الدول الغنية ، بل يتجاوزه الى مشروع تقسيم العراق . هنا لا يمكن لوم الدول المصنعة للسلاح ولا كارتيلات المتاجرة به فحسب ، بل يجب تحميل النظام العراقي بكافة « مكوناته» مسؤولية الأبادة والتخريب ، ففي ظل حكمهم لا التحرير تم ولا القضاء على الارهاب سيتم.
٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

ماذا لو جرت الانتخابات

البريطانية في العراق؟

 

هيفاء زنكنة

 

كانت ليلة الخميس الماضي مذهلة بالنسبة الى متابعي الانتخابات العامة البريطانية. اذ جاءت النتائج منافية لكل التوقعات السياسية والأعلامية ومراكز استطلاع الرأي العام، العريقة، التي يصفها البعض بأنها مثل جلجامش «الذي رأى كل شيء» بمعنى انها تعرف كل شيء عن المصوتين، من أصولهم الأثنية الى نوع الزبدة التي يحبون تناولها، ناهيك عن مواقفهم السياسية وتفضيلهم انتخاب حزب او مرشح دون غيره.
وأنا أراقب عملية التصويت، ومن ثم البدء بفرز الاصوات، لحظة انتهاء التصويت، عبر البث التلفزيوني المباشر، وما حمله اعلان النتيجة تلو النتيجة في ارجاء المملكة المتحدة من مفاجآت غير متوقعة، من خسائر ونجاحات، وصعود مرشحين وهبوط آخرين، عشت حالة مقارنة مع حال الانتخابات العامة العراقية التي شهدناها منذ الاحتلال عام 2003.
ما استدعى حالة المقارنة بالدرجة الاولى هو توصيفها في كلا البلدين، بانها انتخابات تتم في ظل نظام ديمقراطي. ولن أدخل هنا في مقارنة هيكلية ومسار وقوانين نظام الانتخابات البريطاني مع العراقي، اذ سيبدو الاجحاف واضحا، فالأول نظام عريق في بلد بدولة لها مؤسساتها التي يتبدل الافراد فيها ولا تتبدل، بينما الثاني حديث الولادة في بلد بلا دولة ولا مؤسسات بل أفراد تم تفصيل المؤسسات على قياسهم، بالاضافة الى المفارقة الأساسية في التوصيف فبريطانيا بلد أمبريالي أحتل العراق مرتين خلال القرن العشرين وساهم في تحطيمه على كل المستويات . ولن أتطرق الى سيرورة الانتخابات أو أنواع الضغوط والأغراءات التي يتعرض لها المواطن العراقي خاصة، بل ستكون نقطة المقارنة عن لحظة اعلان نتائج الانتخابات، وردود افعال المرشحين الخاسرين منهم والفائزين، وبالتالي ردود افعال الاحزاب التي ينتمون اليها، ومن ثم تشكيل الحكومة الجديدة وعلاقتها بالمواطن.
في الانتخابات البريطانية، استقبل كل المرشحين اعلان نتائج فوزهم أو خسارتهم بهدوء واحترام لبقية المرشحين في حال فوزهم وبروح معنوية عالية في حال خسارتهم. كان من بين المرشحين المتنافسين على 650 مقعدا، رؤساء احزاب ووزراء حكومة ووزراء ظل ونواب برلمان، على مدى عقود، جنبا الى جنب مع مرشحين شباب جدد، اصغرهم كانت طالبة جامعية أسكتلندية في العشرين من عمرها. اللافت للنظر، في مواقف الخاسرين، سواء كانوا من حزب العمال الذي كان من المتوقع ان يقف على قدم المساواة مع حزب المحافظين الحاكم في المنافسة على تشكيل الحكومة، أو من الحزب الديمقراطي الليبرالي، ويشمل ذلك بعض قادة الحزبين، هو تضمن خطاب التنازل الذي لايزيد عن دقائق معدودة، أولا: تهنئة الفائز/الفائزة على الانتخاب، وثانيا: التطرق الى فشله والدعوة الى البحث في اسباب الفشل على المستويين الشخصي والحزبي. مما يعني، في لحظات الفوز المشحونة بالعواطف وقمة الجهد المبذول على مدى شهور، ان لم يكن سنوات، للحصول على اصوات الناس، أنه اقرار مطلق باحترام اختيار المصوتين وأعتراف بأن الخسارة مردها ليس الشعب بل النخبة السياسية وابتعادها عن تمثيل مايريده الشعب. هذا الأقرار باحترام حرية الأختيار هو جوهر الانتخابات الديمقراطية، وهو الذي دفع ثلاثة من رؤساء الاحزاب البريطانية الى الأستقالة من رئاسة احزابهم، وهم : أد ميليباند، رئيس حزب العمال (على الرغم من فوزه ب232 مقعدا)، و نك كلغ، رئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي، الذي فقد 38 مقعدا، ونايجل فاراج، رئيس حزب استقلال المملكة المتحدة، بعد أن فشل في الاحتفاظ بمقعده في دائرته الانتخابية. هكذا اعترف الثلاثة بمسؤوليتهم، وكان رئيس حزب العمال الذي طالما حكم البلاد، هو الأول، قائلا إنه يتحمل « المسؤولية كاملة عن هزيمة حزبه في الانتخابات».
بالمقابل، لم يحدث وأستقال مسؤول حكومي بالعراق . كل مسؤول ملتصق بكرسيه حتى آخر عراقي، استنساخا لما قاله رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل بأنه سيقاتل، دفاعا عن الامبراطورية، حتى آخر هندي. ومن الصعب ايجاد شبيه لمجريات الانتخابات « الديمقراطية» في العراق الجديد. فالوجوه هي ذاتها التي دخلت مع المحتل أو تعاونت معه، والانتخابات بمجملها عبارة عن لعبة كراسي ولسان حال كل سياسي يقول لن أتخلى عن هذا المقعد ما لم توفروا لي مقعدا آخر. نتائج الانتخابات، لا تعلن الا بعد مضي اشهر، وتشكيل الحكومة يمر بمخاض من الصراعات والتفجيرات الدموية والتخويف الميليشياوي، بالاضافة الى شكاوى التزوير التي وصلت، اثناء الانتخابات الاخيرة، الى ألفين شكوى بعد اعلان النتائج الأولية. ولا تعلن النتائج النهائية حتى تفرض التحالفات طائفيتها السياسية حسب درجة فسادها وسيطرتها على الوارد النفطي. ولاتنسوا مكافأة من تسببوا، اثناء حكمهم، بحملات الابادة وسرقة المليارات، بمناصب تتيح لهم مواصلة ذات المنوال. ولنا في اعادة تأهيل نوري المالكي وحزبه افضل مثال.
أما مقارنة موقف السياسي البريطاني بنظيره العراقي لحظة خسارته الانتخابات، فيستدعي جلسات عزاء للطم االوجوه والصدور معا. أذ يسارع الخاسر لأتهام الفائز بالتزوير ثم نراه بعد فترة وجيزة محتلا لمنصة النواب، خارج قاعة البرلمان، داخل المنطقة الخضراء، وهو يكيل الاتهامات لمنافسه، تليها لقاءات على عشاء دسم مع اعضاء حزبه او تحالفه للاتفاق على استراتيجية تشويه ناجحة لخصومه. ولا تكمل الصورة بدون ان يرابط الخاسر في استديوهات الفضائيات لاجراء مقابلات لاحصر لها، يهدد ويتوعد فيها بكشف «ملفات» تفضح فساد منافسه ومشاركته بـ «عمليات ارهابية» تستهدف تقويض «الديمقراطية» بالعراق. يستمر مسلسل التهديد والتشويه، على مدى شهور، حتى يضطر الطرف الآخر، على اجراء اتفاق يتيح للطرفين أو الاطراف (الشيعي والسني والكردي حسب التوصيف الرسمي) تقاسم الكعكة، وعلى الاغلب تحت ضغوط أمريكية أو ايرانية أو الأثنين معا. ويعتبر فوز القائمة العراقية، برئاسة اياد علاوي، بانتخابات عام 2010، وخسارة ائتلاف دولة القانون، التابع لرئيس الحكومة، نوري المالكي، نموذجا لايضاهى في رفض نتائج الانتخابات اذا لم تكن لصالح الطرف الاقوى. فبدلا من ان يهنأ المالكي علاوي وينسحب من منصبه، أدعى ان النتيجة مزورة «وأن جماعة مجاهدي خلق، قد استخدموا الأقمار الاصطناعية للتلاعب بالحواسيب المستخدمة لعد أصوات الناخبين»، حسب أما سكاي التي توجهت مع الجنرال الامريكي أوديرنو للقاء المالكي وتهنئته على اجراء الانتخابات.
يبدو مما تقدم أن مفهوم وتطبيق الديمقراطية يختلف من بلد الى آخر . ففي بريطانيا، تعتبر الانتخابات الحرة النزيهة وجه من اوجه الديمقراطية بينما تقدم الانتخابات، بالعراق، الى الشعب والعالم باعتبارها هي الديمقراطية مهما كانت درجة تزويرها والتلاعب بها. فمن المستحيل، مثلا، قبول التنفيذ العراقي للانتخابات ببريطانيا وأمريكا، الا ان الحكومتين لاتجدان غضاضة في تهنئة الشعب العراقي المسكين على مهزلة الانتخابات ونتائجها المفروضة عليه مع علمهما بأن ما يجري مجرد ملهاة دموية.
الأدهى من ذلك، ان معظم ساسة العراق الحاليين، الملتصقين بمقاعد الحكومة والبرلمان بالغراء، هم ممن قضوا عقودا في الدول الاوروبية وأمريكا وبريطانيا، وطالما غردوا المديح لديمقراطية بلدان اللجوء وتشدقوا برغبتهم بتطبيق ذات الديمقراطية بمجرد حصولهم على المساعدة لتغيير النظام غير الديمقراطي وصعودهم بديلا عنه. فما الذي حدث؟ كشفوا الأقنعة عن سياسة تهدف الى تقسيم البلد وإهانة شعبه عبر الاستماتة بروح الانتقام والفساد والصراعات الدموية التي تُبعد الناس، يوما بعد يوم، عن المحافظة على التوازن العقلي والجسدي. وبدلا من مراجعة مواقفهم (كما رأينا في انتخابات بريطانيا) وبحث أسباب التدهور نحو القاع الذي قادوا الناس اليه، وتحمل المسؤولية، نراهم، جميعا، يقفون على المنصات، متوهمين بانهم أعلى من الشعب، ليلوموا الشعب على عدم فهمه الديمقراطية التي يبيعونها اليه. متعامين عن حقيقة ان الديمقراطية في غياب الدولة الوطنية وحقوق المواطنة، عبارة عن تعليب فاسد لها، وهذا سبب رفض الشعب لهم ولها.

 

٭ كاتبة من العراق

 

 

هل أكلت ليلى الذئب…

ومن هو الساعي لتقسيم العراق؟

 

هيفاء زنكنة

 

في خضم الأحداث المصيرية، يختلط الكذب بالحقيقة والأنتهازية بالمبادىء ومناورات بيع الوطن بذريعة الدفاع عن أمنه. تتبدى هذه التناقضات، بأوضح صورها، في موقف النظام العراقي، حكومة وبرلمانا، من مشروع قرار لجنة الكونغرس الأمريكي بتمرير قانون المساعدات العسكرية للعراق بشروط، من بينها دفع 25 في المئة من هذه المساعدات مباشرة إلى قوات البيشمركة والعشائر السنية. في حين اشترط القانون، لصرف الـ 75 في المئة المتبقية للحكومة العراقية، أن تقدم وزارتا الدفاع والخارجية ما يثبت التزام الحكومة بالمصالحة الوطنية. وفي حال فشلتا في إثبات ذلك، يذهب 60 في المئة من المبلغ المتبقي للقوات الكردية والعشائرالسنية.
لنحاول تفكيك صورة القرار وانعكاساته . من ناحية العراق، اثار إصدار المشروع ردود افعال وتغطية اعلامية كبيرة غطت على جوانب انسانية وسياسية واقتصادية تم تمريرها كأحداث ثانوية إزاء خبر المساعدات الذي تم تقديمه كحدث أعظم. هناك أولا : كارثة النازحين من المحافظات المسيطر عليها من قبل داعش، المعرضة للقصف الجوي، وحملات الميليشيات الانتقامية فضلا عن سد منافذ الهرب امامهم ومقتل بعضهم في مناطق في بغداد. وهذه وصمة عار يتحمل وزرها الطائفيون، ونذير تصاعد خطير في وتيرة تمزق المجتمع العراقي. ثانيا: تزامن توقيت الاعلان عن المشروع مع إدراك الادارة الامريكية فشل نظام حيدر العبادي، الذي تم تقديمه للعالم، باعتباره «الشيعي المعتدل» ذي المشروع الوطني العراقي بالمقارنة مع سلفه نوري المالكي، على تحقيق المرجو منه والقضاء على الارهاب متمثلا بمنظمة داعش أو الدولة الاسلامية. تبدت حقيقة الفشل على كل المستويات وأهمها لعبة الكر والفر التي يقوم بها تنظيم داعش في المحافظات على الرغم من توفر «مئات الآلاف» من الجيش والحشد الشعبي وأنواع الميليشيات والفرقة الذهبية والقصف الجوي المستمر من قبل قوات التحالف بقيادة أمريكا. ثالثا: رفض البرلمان مشروع القرار باعتباره يخل بسيادة العراق واستقلاله والتدخل بشؤونه الداخلية. وهي نقطة تستحق النظر. اذ يؤكد تصويت البرلمان على رفض المشروع تسارع تآكل النظام وعمليته السياسية. حيث صوت التحالف الوطني (الكتلة البرلمانية الشيعية الأكبر داخل البرلمان) ضد مشروع الكونغرس بينما انسحب ممثلو الكرد واتحاد القوى (الكتلة السنية) لعدم الاتفاق على الصيغة النهائية. وينصب الرفض على بند تسليح «السنة والأكراد» وليس مشروع القرار ككل. فالمال المكرس للتسليح والبالغ 715 مليون دولار، اقل من 1 بالمائة قياسا بالميزانية العراقية التي تزيد على مائة مليار دولار (المنهوبة فسادا)، مرحب به بشرط تحويله لقوات الحكومة التي اكتشفت الإدارة الأمريكية هذا الإسبوع فيها إسماء 125 الف عسكري وهمي مستمرين في استلام رواتبهم إضافة لـ 60 ألف وهمي ذكرهم العبادي في أول أيام التحقيق في سجلات الجيش. ويتم هذا الرفض للتدخل الأجنبي عبر أسطوانة التظاهر الخطابي ودق طبول التمسك بوحدة العراق ومنع تقسيمه. رابعا : تؤكد التصريحات الصادرة من المسؤولين، أيضا، على الهوة العميقة الفاصلة بينهم وعلى تكريس الواقع التفتيتي الجديد المستند الى بناء القوة العسكرية. فبينما يستقتل حيدر العبادي من أجل التزود بالسلاح الامريكي عبر «حكومته» المهيمن عليها من قبل الميليشيات، يتباهى مصطفى سيد قادر، وزير «البيشمركة» بأقليم كردستان إن «الولايات المتحدة تعهدت بتسليح ثلاثة ألوية من قوات البيشمركة، ونحن سنطالبها بتزويدنا بالأسلحة الثقيلة وطائرات الأباتشي». خامسا: باستثناء الرطانة الخطابية، ودعوات حضور المؤتمرات، ومحاولاته المثيرة للشفقة في أن يبين من خلف المايكروفونات، يكاد حيدر العبادي أن ينكفئ على وجهه من فرط ضعفه، بينما تتمركز القوة بأيدي الميليشيات المدعومة والمنفذة لسياسة أيران بالوكالة.
ففي الوقت الذي يتحدث فيه العبادي عن استقلال حكومته ورفض التدخل بشؤون العراق الداخلية، وبأنه ليس هناك سلاح لا شرعي في العراق، يصرح هادي العامري، الامين العام لمليشيا بدر الأرهابية، وليدة أيران، والمتنفذ بميلشيا الحشد الشعبي: «أن الحشد الشعبي لن يأخذ اجازة من احد لدخول اي محافظة عراقية»، وتقتحم قوة من كتائب حزب الله، الإيرانية التمويل ايضا، مركز شرطة الدجيل، مطلقة سراح رفاقهم المتهمين بالنهب، ويضعون رجال الشرطة محلهم مصرحين أن لا أحد له الحق في إعتقالهم، والحبل على الجرار.
هذه التناقضات والضجة المصاحبة لأعلان مشروع الادارة الامريكية في الدعم المادي والعسكري للنظام العراقي، ليست أمرا جديدا كما ان الوجوه والاحزاب التي أعلنت عن موافقتها وتلك التي أعلنت عن رفضها ليست جديدة. أنها، والحق يقال، ثابتة، كما تدل مواقفها منذ التسعينيات وحتى اليوم، على استراتيجية الاستخذاء والاستنجاد بالقوى الخارجية حالما تتعرض مصالحها الذاتية للخطر مع بعض التلون المرحلي الحرباوي. أما مفاهيم الوطنية والاستقلال فانها لا تزيد عن كونها علكة يلوكونها حسب متطلبات الفساد وما يهدد وجودهم . أنها ذات الاحزاب، بايديولوجيتها الطائفية/ العلمانية، التي واصلت سياستها بعد الغزو وتحت الاحتلال، لتشرعن الاحتلال عبر توقيع معاهدة الأطار الاستراتيجي مع ادارة الاحتلال . وهاهم يتباكون ويلطمون على وجوههم وصدورهم ،الآن، متظاهرين بالحرص على الوطن ووحدته. فهل ظنوا حقا ان منظومة الاحتلال الأمريكي جمعية، خيرية، انسانية، مهمتها تحقيق الرفاه للمواطنين من خلال قواتها ومرتزقتها وسفارتها ومقر مخابراتها الأكبر في العالم، و»تبرع المستشارين والخبراء والمدربين»؟ وهل اعتقدوا ان «الشيطان الأكبر» سيتحول الى ملاك حارس حالما يطلبون منه ذلك؟
يقول المفكر والمناضل في حركة التحرير الجزائرية فرانز فانون في اجابة لسؤال مماثل «أن أبن آوى لايبدأ بشرب الحليب فجأة» كما يفسر العجز عن التغير من التبعية الى التحرر، بقوله: «الا انه يحدث ان يكون التدنس قد بلغ حدا لم يعد من السهل فيه التحرر من طوق المستعمر، اذ ان سلسلة الانخراطات الطويلة في صف المستعمر قد وصلت الى نقطة يصبح معها أي نكوص الى الوراء غير ممكن».
أن محاولة جو بايدن، نائب الرئيس الامريكي، وعراب مشروع تقسيم العراق، الحديث بنعومة حميمة مع العبادي عن التزام الادارة الامريكية بتسليح النظام، بينما بدأت الاخبار تتواتر عن تنفيذ بعض بنوده، يشير الى التقدم خطوة اخرى في لعبة المناورات ما بين الادارة والنظام وأيران، كما يشير الى الادراك المتأخر (كالعادة) بحجم الغضب الشعبي لما سيؤدي اليه المشروع، وليس الى تصويت 162 من مجموع 325 من أعضاء البرلمان ضد المشروع.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

توريث الحكم في اقليم

كردستان بين السلالتين!

 

هيفاء زنكنة

 

في رسالة إلى رئاسة البرلمان والحكومة والأحزاب السياسية، دعا مسعود بارزاني، رئيس أقليم كردستان العراق، إلى الوقوف بوجه مثيري الفتنة والداعين إلى تقسيم الإقليم. وهي دعوة تحمل العديد من المفارقات المؤلمة فيما يخص العراق ككل والأقليم، كونه جزءا من العراق، بشكل خاص.
لم تأت الرسالة، وفحواها مليء بالتحذير والتهديد والوعيد، من فراغ بل انها وليدة تراكمات قديمة ـ جديدة لصراع حزبين كرديين هما الديمقرطي الكردستاني بقيادة البارزاني والاتحاد الوطني بقيادة جلال الطالباني. كان الصراع قد وصل ذروته في التسعينيات حين تقاتل بيشمركة الحزبين، من أجل السيطرة على موارد التمويل والنفوذ، مما أدى إلى مقتل آلاف المواطنين، وكادت مدينة أربيل، عاصمة الأقليم، حاليا، والمعروف انها ضمن سيطرة حزب البارزاني، ان تسقط بيد الاتحاد الوطني لولا لجوء مسعود البارزاني إلى صدام حسين، رئيس النظام السابق، مستنجدا وطالبا المساعدة ضد غريمه الطالباني. وهو ما تم فعلا في 31 آب/ أغسطس 1996 حيث إحتل الحرس الجمهوري أربيل خلال ساعات، وفر الآلاف مما يسمى بالمعارضة العراقية الممولة أمريكيا، وتمت تصفية المئات منهم ومن أنصار الطالباني قبل إنسحاب الجيش العراقي وتسليم المدينة إلى البارزاني.
وكان للوصاية الأمريكية ـ البريطانية، دورها في إجبار الحزبين على التوصل إلى نوع من المصالحة السياسية العامة في إتفاق واشنطن في أيلول 1998 وخلق محمية آمنة وان بقي الأقليم مقسما، إلى حد ما، من ناحية توزيع النفوذ والمناصب والعقود، بين الحزبين. وبقي للفساد يد طولى وكأن الأقليم ملك صرف للسلالتين، ساعدهما في ذلك الهيمنة التدريجية على اجهزة الأعلام وحملات التخويف والترويع من «الآخر» القادم من خارج «حدود الأقليم».
واذا كان النظام العراقي، الحالي، منخورا من الداخل بالطائفية والفساد مما وفر الفرصة السياسية الذهبية للقوميين الكرد بشتى تياراتهم، للاقتراب من تحقيق طموحهم بالانفصال، فإن الفساد مقيم في الأقليم مغذيا طبقة من اقطاعيات فاسدة تتحكم بالعقود والمناصب عبر الانتماء إلى سلالات عائلية تترأسها سلالتا البارزاني والطالباني، على مدى عقود. هذا الفساد المتبدي بمظاهر عديدة ظاهرها وأبرزها عقود النفط وتهريبه، مع غياب الأنتاج الأقتصادي، واحتلال افراد عائلتي البارزاني والطالباني واقاربهما الوزارات والمناصب الرئيسية بحكومة الأقليم، لم يعد خافيا على الناس، اذ بدأت، في السنوات الأخيرة، همسات التذمر ترتفع لتتحول إلى صرخات احتجاج وتظاهرات. كان أهم مؤشرات ذلك حصول حزب التغيير المعارض، حديث التأسيس، على 25٪ من أصوات الناخبين في الأنتخابات الأخيرة في خريف 2013، متفوقا على كل من كتلة الطالباني والتيارات الإسلامية الثلاثة (حوالي 18 ٪ لكل منهما) وبالتالي توفر الجبهة المعطلة لأي من الحزبين على حدة وبالتالي يفرض عليهما التوافق ضد المعارضة الفاعلة الجديدة.
وكان تحول تيار التغيير إلى حركة مؤثرة شعبيا في المحافظات الثلاث وخارجها، وإستقرار أصوات التيارات الإسلامية الثلاثة مقابل تراجع الشيوعيين والإشتراكيين، قد فاجأ الحزبين، لكنه لم يدفعهما إلى اجراء تغيير سياسي واقتصادي حقيقي أو تحقيق تقارب جدي فيما بينهما لمواجهة هذا التطور الشعبي، مما يشير إلى تجذر الصراع بين الحزبين، وهو التجذر الذي غذاه الإرتباط التاريخي الإقليمي لجماعة الطالباني بإيران والبارزاني بتركيا. وإلى جانب ذلك استشراء الفساد الذي يتمحور على هيمنة «السلالة» في كل معسكر والمشاركات التجارية الخارجية والداخلية من جهة أخرى.
وبقيت العملة السائدة سياسيا، خاصة من قبل البارزاني ومع تهميش الطالباني بسبب المرض، هي التهديد بالانفصال أو الإستقلال (إذ يعتمد استخدام هذا المصطلح أو ذاك على الجهة التي تنتمي اليها) ومحاولة الاستحواذ على اقصى ما يمكن الحصول عليه من « المناطق المتنازع عليها».
واذا كان هذا هو المطلوب من قبل الكرد عموما، فما هو سبب رسالة البارزاني التي حملت تعابير تذكرنا بخطب وتهديدات القذافي (وهو واحد من نماذج عدة)، على غرار: أعداء الوطن والشعب الكردستاني، ظهور طرق دنيئة، الوقوف بوجه شعب كردستان، إثارة الفتن وإحياء التفرقة وتقسيم الإقليم، المحاولات ماهي إلا خيانة للشعب والوطن، وتنفيذا للأجندات والسياسات التي ينتهجها اعداء كردستان؟
السبب هو انتهاء الفترة الثانية لرئاسة مسعود البارزاني للإقليم، مما يعني انتخاب رئيس جديد اذا ما كان نظام الحكم في الاقليم ديمقراطيا يطبق الدستور، الذي حدد فترتين لرئاسة الإقليم لا يجوز تمديدها. إلا ان هذا لا يتماشى مع رغبة حزب البارزاني الذي يريد منح رئيسه فترة ثالثة عبر تغيير الدستور. أي ان يتم تفصيل الدستور وفق رغبات حزب حاكم أو رئيس متنفذ وكما يحدث في العديد من الدول العربية لتوريث الزعامة لأبناء الحاكم وعائلته وان كان النظام جمهوريا. مع التذكير بإختلاف جوهري، يبدو مغيبا في رسالة البارزاني وخطبه، وهو ان أقليم كردستان لم يصبح دولة أو جمهورية بعد بل لايزال جزءا من العراق.
الأدهى من ذلك، هو توجيه «السيد الرئيس» اتهاماته بالخيانة والعمالة إلى أجهزة الأعلام والصحافة التي تجرأت على مناقشة صحة تمديد فترة الرئاسة للفترة الثالثة ومخالفتها للدستور، وحاولت ضمن النقاش الدائر طرح حلول بديلة، من بينها العودة إلى اسلوب الحكم بأدارتين أحداهما في أربيل والثانية في السليمانية. مما يبرز إلى السطح النزاع القديم حول تقسيم السلطة بين الحزبين والذي لم يتمكنا من ايجاد حلول جذرية له، خاصة بعد فشلهما باقناع الناس بان سبب المصائب والفقر والتمايز الطبقي هو وجود العدو الخارجي وكل من يجرؤ على الاحتجاج او الدعوة إلى التغيير معرض للاتهام بالعمالة وتهديد « الأمن القومي والوطني».
لقد أثبت مسار حكم الحزبين الكرديين، منذ التسعينيات، وحتى اليوم، فشلهما في الخروج من حلقة الصراع على النفوذ والمصالح الحزبية والشخصية ناهيك عن تحقيق وعود الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي، على الرغم من تمتعهما بالحماية الامريكية ـ البريطانية، ونظام الفيدرالية، ووجود حكومة محلية ذات برلمان ودستور، ونسبة في الميزانية العامة لم تتح لسكان المنطقة من قبل، بالاضافة إلى عائدات عقود النفط والتهريب. لقد نجحت رئاسة الأقليم، حتى الآن، في استثمار عامل التخويف من «الآخر»، لاستقطاب سكوت المواطنين على واقعهم، الا ان الدلائل تشير إلى ان الرئاسة المتمثلة بمحاصصة الاقارب، ستكون بحاجة إلى ما هو أكثر من ذلك لتجاوز الصراع الداخلي المتجدد.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

أين ذهبت المليارات

يا مسؤولي العراق؟

 

هيفاء زنكنة

 

يشير تقرير منظمة الشفافية الدولية للعام الحالي بان العراق يحتل المرتبة 171 من مجموع 177 دولة. الدول التي تنافس العراق، من ناحية الفساد، هي ليبيا، السودان الجنوبي، السودان، أفغانستان، شمال كوريا والصومال. وهو «أنجاز» لايوجد ما يشير الى ان النظام الحالي، برئاسة حيدر العبادي، سيتمكن من تجاوزه، على الرغم من تقديم العبادي الى العراقيين والعالم، باعتباره إصلاحيا معتدلا ومختلفا عن نوري المالكي، رئيس الحكومة السابق، المعروف برعايته الأبوية الكريمة لكل أنواع الفساد.
ولأن مفردة الفساد باتت، لفرط استخدامها وعدم معاقبة أي مسؤول فاسد، مجرد وصف تجريدي لايستحق المساءلة، يبدو من الضروري العودة الى تعريف كلمة الفساد وكيف يتمثل وينتشر، وتأثيره على العراق ؟
إن اهم ما يمهد الأرضية للفساد، كونه الإستئثار الخاص بالمال العام، بكل انواعه، من الاداري والسياسي الى الاخلاقي المجتمعي، هي ان العراق بلد غني جدا، ذو اقتصاد ريعي، مما يعني ان الفئة الحاكمة، حالما تتمكن من الاستحواذ على مصدر الثروة، أي النفط، لن تحتاج الشعب، مهما تم ادعاء غير ذلك. حيث يصبح الشعب الواعي، الوطني، المستعد لبناء وحماية استقلال بلاده، والقادر على المبادرة بعيدا عن التحشيد الايديولوجي / الديني السياسي الأحادي القولبة، عبئا يجب التخلص منه. وهذا هو السائد حاليا .
إذ تستمر عملية توزيع الثروة الوطنية التي تم الإستحواذ عليها بتحويلها من وجوه الصرف المشروعة العامة، على مجموعة من ساسة عبر وكلائهم وشركاتهم الوهمية أو الحقيقية، وأحزاب، أذرعها ميليشيات فاشية السلوك والتطلع، مبنية على التمييز الطائفي، تستقطب الحشود عبر التجييش العاطفي والغرائزي، ولا يوحدها غير نفس الانتقام . هذا هو الشكل العام للفساد بنسخته المحلية العراقية غير المتناقضة مع تعريف منظمة الشفافية الدولية، بصدد الدول، في أنه إساءة استعمال السلطة للحصول على مزايا شخصية بشكل غير شرعي.
الفساد في الواقع السياسي يعني شراء المناصب الكبيرة، من الوزراء الى مدراء المؤسسات الى أدنى المراتب الحكومية. يعني توقيع العقود الوهمية وتعيين موظفين وهميين وضباط ورجال أمن «فضائيين». وقد أصبحت كلمة «فضائي» التعبير العراقي للشخصيات الإفتراضية التي تملأ الإنترنت والألعاب حيث يمكن لأي فرد إختلاق عشرات الأسماء لنفسه. واصبح الكثير من سجلات ودوائر الدولة العراقية، سواء في الجيش والشرطة ـ أو في التعليم والخدمات، كيانات إفتراضية لا تحوي الا القليل من الناس العاديين في الواجهة.
ويعني الفساد، أيضا، استخدام المال العام لتأسيس ميليشيات ودفع رواتبها لأغراض حماية مسؤول ما أو رئيس حزب أو تيار ضد آخرين. ويعني إغراق أجهزة الأعلام بمن هو مستعد للتهريج والكذب والتشهير حسب ما يصدر من أجهزة التعبئة النفسية والمخابراتية.
ويعني، الغاء مفهوم الكفاءات لصالح من يدفع أكثر. يعني التعامل مع الشركات الاحتكارية وفق مصالحها. يعني تكريس الطائفية عبر التمييز والاقصاء وتهميش فئة لصالح فئة أخرى. الفساد، يعني قدرة المستحوذ على مصادر الثروة، أن يلغي من يشاء ويزيد قوة من يشاء. وتتصارع مافيات الفساد فيما بينها إذا لم تتفق على محاصصة الغنيمة أو توزيع دوائر نفوذها. في ظروف كهذه يصبح الموظف والعامل النزيه مشكلة يجب حلها، أما بطرده أو إجباره على الإنتقال أوالهرب ، ويصبح من لديه الجرأة على كشف الفساد خطرا يجب إجتثاثه بتهمة سياسية أو مالية او بتفجير مقره بعملية إرهابية.
وتعتبر سيرورة انتهاك حقوق الانسان بدءا من حق الحياة والعمل الى حرية الحركة والتعليم والصحة والتعبير عن الرأي، من ضحايا الفساد الأولى. اذ حالما يعشش الفساد ويسري في مجتمع ما حتى يصبح كل فعل يومي مشروط التنفيذ بالقدرة على المشاركة بحلقة الفساد الدائرية. فمن يرفض دفع الرشوة، بعد التخرج، لن يحصل على عمل مهما كانت درجة كفاءته، والعائلة التي ترفض دفع مبالغ طائلة الى ضباط الأمن والشرطة لن تتمكن من معرفة مصير أبنها المعتقل، وضابط الأمن، ما كانت ستتم ترقيته لو لم يدفع رشوة يستوفيها، بعد التعيين، من أهالي المعتقلين. بمرور الوقت، أصبح الفساد المبدي بشكل رشوات صغيرة وكبيرة، حسب مقام المرتشى، هي العملة السائدة لتسيير كل نواحي الحياة، وتنعكس بالتالي على استسهال خرق القوانين وخلق قوانين بديلة في خدمة ديمومة الفساد ضمن واحد من أهم جوانب تطبيق القوانين وتحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين، اي الجهاز القضائي.
واذا كانت منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الاقتصادية والحقوقية تركز في تقاريرها على تأثير الفساد على التنمية وحقوق الإنسان وتنفيذ مسؤولياتها دوليا، فإن عجز الحكومة العراقية يتبدى بوضوح لاغبار عليه في الجانبين المحلي، تجاه المواطنين، والدولي من ناحية الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية. هذا العجز المستشري يشعر المواطنين باليأس وفقدان الأمل ويؤدي الى ما هو أخطر أي عدم القيام بأية مبادرة أما لأحساسهم المسبق بلا جدواها أو لعدم امكانيتهم تحقيقها الا عبر القبول بان يكونوا جزءا من منظومة الفساد أو السكوت على الفساد، خاصة وان من يتجرأ على فضح الرشى والمحسوبية والمنسوبية انما يعرض حياته للخطر بشكل يماثل عقوبة من يجرؤ على الافشاء باسرار المافيا أو الإبلاغ عن عملياتها.
ومن يرغب بمعرفة حجم وعمق الفساد فإن قراءة كتاب « الفساد في العراق» لموسى فرج، الرئيس السابق لهيئة النزاهة في العراق، ستعطيه أمثلة موثقة من قبل شخص عايش الفساد على مدى 11 عاما توصل أثناءها الى ان قادة الفساد هم الساسة والحكوميون الكبار، مشددًا على أن هذا الفساد كان في مقدمة الأسباب التي أفضت إلى سقوط ثلث العراق بيد داعش. وفي مقابلة صحافية معه أوضح موسى فرج بأن أكثر الامور اثارة للحزن ادراكه بأن حجم الموازنات المالية السنوية في العراق يفوق إجمالي أحجام موازنات خمس من دول الجوار هي: الأردن وسوريا ولبنان ومصر، في حين أن عدد سكان العراق لا يتجاوز ثلث عدد سكان مصر، لكن معدل الفقر في العراق يفوق معدلات الفقر في تلك الدول مجتمعة.
لعل هذه الحقيقة ومعرفة ان اساس الفساد هم المسؤولون هو الذي يدفع المواطنين الى التظاهر والاعتصام ورفع شعارات منددة بالفساد على غرار: «العراق اغنى دول العالم وشعبه افقر الشعوب» و»أين ذهبت المليارات يا مسؤولين». وهي خطوة أولى نحو ثورة الشعب على من يمتص دمائه ويغطي فساده الذي هو أساس الارهاب بالحرب على الارهاب.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

المجانين/ العقلاء

يرفضون مغادرة العراق!

 

هيفاء زنكنة

 

مرت في الاسبوع الماضي، يوم التاسع من نيسان/ابريل، ذكرى أحتلال بغداد. واذا كان احتلال العراق قد تم التخطيط له ، كما بات معروفا، الآن، منذ تسعينيات القرن الماضي، فإن الخراب الذي اصاب البلد وأهله ، بأيدي المحتل ومن تعاون معه وافرازاته من منظمات لم يكن لها وجود من قبل، تجاوز كل ما تم التخطيط له مسبقا لأخضاع البلد وأهله، والاستيلاء على ثرواته.
واذا كانت مدن عدة قد نالت نصيبها من الخراب العمراني، من بينها مدينتا الفلوجة والنجف، فأن ما اصاب بغداد العاصمة ، مس قلب البلاد ، ليترك جرحا عميقا ينزف ، كما دماء الضحايا السائلة على أرصفته وفي بيوته. اذ لا يمر يوم بدون ان يصاب طرف من أطراف المدينة بتفجير يضيف الى الخراب العمراني والأثري خرابا بشريا يمتد بين الناس على طول جدران التقسيم الطائفي ونقاط التفتيش والاقصاء ، ليزرع المرارة والغضب والتفرقة. حالات التوحش الموثقة ما بين ابناء البلد الواحد ، ممن تشاركوا العيش فيه بوئام على مدى تأسيسه وبنائه، تزحف مثل فايروس على وشك التهام جسد ضعفت مناعته.
هل سيتخلى العراقيون عن بلدهم وعاصمتهم ليتقاسمه ساسة ومحتلون لم يعرفوا ، يوما، معنى ان يكون المرء عراقيا؟ هل بتنا نعيش أيام ما قبل التقسيم؟ ماذا عن بغداد وأهلها رمز خلطة العراق كله بأديانه ومذاهبه وأعراقه؟ كيف سنعيش، كيف سنخاطب بعضنا البعض، كيف سنتحدث عن تاريخنا؟ ماذا عن الشهداء، عمن دافع عن العراق أو ناضل في سبيله على مر الحقب؟ هل سنقسم ذلك كله؟ ما هي الحدود الفاصلة بين تقسيم وآخر ، وأين سنضع من لا يريد ان يغادر مدينته او محافظته الى مدينة أخرى في بلد مستحدث باسم بلا تاريخ بعد ان تم تصنيفه بانه تابع لذلك البلد الجديد وأن هذا ما يريده وأن لم يعرف؟
لسنا الشعب الوحيد الذي يعيش اجواء مأساة التقسيم السياسي المفروض فرضا على الشعوب بمسميات دينية أو مذهبية أو عرقية. شبه القارة الهندية مرت بذلك وكذلك الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا ، حيث يتقنع السياسي بالديني والعرقي ويقدم بطبق من ذهب الى الشعوب باعتباره الحل الوحيد والأفضل لحسم النزاع واستعادة الأمن والأستقرار.
لعل أفضل من صور حياة الناس خلال وبعد التقسيم في الهند هو الكاتب الهندي سادات حسن مانتو الذي أجبر على مغادرة مدينته بومباي حيث كان كاتب سيناريو ناجحا الى البلد الجديد المسمى باكستان. في مجموعات قصصه القصيرة ، صور مانتو ، محنة الناس الذين أجبروا على مغادرة اماكن سكنهم وحياتهم وتدشين أكبر المجازر دموية على أرض شبه القارة الهندية بعد نجاح المخطط الاستعماري البريطاني في تقسيم الهند الى بلدين هما الهند وباكستان. على إثرها فرَّ المسلمون من الهند باتجاه باكستان وفرَّ بالمقابل السيخ والهندوس إلى الهند. وكان سادات حسن مانتو واحدا منهم، اذ اجبر على مغادرة مدينته بومباي الى باكستان ليموت هناك كمدا.
خلافا لما قيل للهنود، حينها ، وكما يقال للعراقيين الآن، لم يتم التقسيم بسلام ولم يؤد الى السلام المتوخى، أو وضع حد للنزاعات السياسية المغلفة بالتعصب الديني، حتى اليوم، بل أسفر عن مجازر سببت قتل أكثر من مليون شخص واغتصاب مئات الآلاف من النساء، كما أُحرقت بيوت وقرى، بل وأحياء بكاملها من المدن. قضى مانتو سنوات حياته الأخيرة وهو يكتب فاضحا أبعاد التعصب الديني/ السياسي وما تركه من آثار لا تنسى لفرط وحشيتها على حياة الضحايا من كلا الجانبين المسلم والهندوسي، بأسلوب يجمع ما بين التماهي مع تفاصيل التمزق الإنساني والخوف من هيمنة قوى غريبة على شخصياته وقدرتها على التصرف بشكل مروع نتيجة التعصب الديني.
ولعل واحدة من أجمل قصصه وأكثرها تأثيرا في النفس وتصويرا للامعقولية تنفيذ عملية تقسيم الهند، هي «توبا تاك سينغ» التي كتبها بالأردو، مع العلم ان لغتي الأردو والهندي ذات جذر موحد هو اللغة الهندوستانية القديمة، وحدث الفصل بينهما مع مجيء الاستعمار في أواخر القرن التاسع عشر، وهو فصل يعتمد على كتابة الحروف لا نطق الكلمات. ولايزال الناطقون باللغتين يتفاهمون بلا صعوبة.
تدور أحداث القصة في مستشفى للمجانين، يوم تقرر حكومتا الهند وباكستان تبادل السكان وفقا للتصنيف السكاني الجديد ، بعد عام من الانفصال. ويشمل القرار المجانين حيث يتم تقسيمهم الى مسلمين وهندوس وسيخ ، ومن بينهم توبا تاك سنغ وهو من السيخ الذين يجب نقلهم الى الهند.
غير ان توبا تاك سنغ لا يدرك مايدور حوله من تغيرات وكل ما يعرفه هو تشبثه بالمكان وبصديق مسلم يزوره بين الحين والآخر. في خضم الضجة المحيطة يبدأ بالتساؤل عن ماهية المكان الجديد الذي بدأ الحراس بالحيث عنه وأثار خوف الموجودين من المجانين سواء كانوا من السيخ او المسلمين او الهندوس. ثم تم وضع المجانين في حافلات لنقلهم الى نقطة حدودية معينة لأتمام عملية التبادل. حينئذ ، يبتعد توبا تاك سنغ بهدوء عن الجميع ، يتسلق شجرة ، يعجز الحراس عن أجباره على النزول فيبقى صارخا بأنه لا يريد الذهاب الى الهند او باكستان. ويتركنا حسن سادات مانتو بطعم مر ونحن ندرك بأن توبا تاك سينغ سيموت في تلك البقعة رافضا اقتلاعه من مدينته ولو تمثلت بمستشفى للمجانين.
في وضع مماثل لما يجري ، حاليا ، في العراق ومنذ عام 2003 ، قوبلت الجرائم التي ارتكبت في ظل ادارة الاحتلال البريطانية وبتعاون ساسة انفصاليين من المسلمين والهندوس، بالصمت من قبل المثقفين عموما الذين انحازوا لهذا الطرف أو ذاك ، متبنين التعصب الديني على حساب أنسانيتهم، باستثناء قلة من بينها مانتو الذي جعل المجنون صاحب الفكرة العقلانية الوحيدة في عالم سادت فيه سياسة الهيمنة الاستعمارية المبنية على « فرق تسد» والمصالح الضيقة الغبية للساسة المحليين وجنون التطرف الديني.
المؤكد هو ان تقسيم شبه القارة الى الهند وباكستان ومن ثم بنغلادش والتهديد بانفصال أقليم كشمير لم يضع حدا لأعمال العنف أو ، وهنا المفارقة ، لمشاعر الحنين الى الوطن الأول والرغبة بالعودة اليه. كما في حالة مسلمي قوجارات الراغبين بالعودة الى قراهم الأصلية.
لقد أثبتت سنوات الاحتلال وما صاحبها من دعوات الى انفصال هذا الاقليم أو ذاك ، ان هذه الدعوات سياسية / اقتصادية للاستحواذ على أقاليم يحولها امراء الطوائف الى اقطاعيات خاصة بهم بذرائع وشعارات طائفية تتغذى على الفساد. ما ثبت ، أيضا، وحتى الآن، رغم الضغوط الهائلة التي يتعرض لها الشعب العراقي، أنه متمسك بوحدة أرضه ووطنه.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

الخروج على عقلية الحشود

في مجال حقوق الإنسان

هيفاء زنكنة

 

تشوب التناقضات الصارخة مواقف المنظمات الحقوقية الدولية من انتهاكات حقوق الانسان بالعراق. فمنذ احتلال العراق ، عام 2003، ومنظمات حقوق الانسان المستقلة والناشطون في المجال الحقوقي، من عراقيين وأجانب، يطالبون الأمم المتحدة ومجلس الأمم المتحدّة لحقوق الإنسان، بتعيين مقرر عام لحقوق الانسان بالعراق ، على غرار عدد من الدول ، من بينها أيران، التي ترصد فيها الانتهاكات. الا ان هذا الطلب قوبل بالصمت الدولي لأنه يمس ممارسات حكومة تم غزو بلد لتثبيتها كنموذج ديمقراطي يحترم حقوق الانسان بشكل لا يعلى عليه، ولا يصح الاعتراف بأية خروقات والا توجب اعلان فشل النموذج الافتراضي الذي أستدعى تحطيم بلد باكمله من اجل تحقيقه بالأضافة الى رصد انتهاكات أمريكا ، نفسها. كما ان الدول العربية ودولا أخرى مسايرة للسياسة الأمريكية لا تؤيد مشروع اضافة دولة على اعمال المجلس كي لا تكون هي التالية. وفي الوقت الذي طالما وثقت فيه منظمتا ،هيومان رايتس ووتش، و ،العفو الدولية، خروقات داعش والاحتلال وحكوماته المتعاقبة ، كان لمجلس حقوق الانسان، بحكم تعامله الرسمي والبلوماسي مع الدول، موقف مختلف.
غير ان الصورة تغيرت بعد ان استولى تنظيم ما يُسمّى بـ (الدولة الإسلامية في العراق والشام ـ داعش) على عدد من المحافظات وازدادت الانتهاكات والجرائم بحق المواطنين العزل. وجاء وجود داعش ليصب الزيت على نار الطائفية والفساد وأنتهاكات حقوق الانسان المستشرية أساسا . ولأن النظام بحاجة ماسة الى الدعم الدولي لقتال داعش بعد ان أثبتت المعارك فشل جيشه واجهزة أمنه بالتصدي لها، ولأنه أراد ان يقدم نفسه كمدافع عن المواطنين وحقوقهم وتبرير التدخل الاجنبي قصفا وأرضا من قبل التحالف الدولي بقيادة أمريكا وفيلق القدس الأيراني، قام النظام بتقديم طلب الى مجلس حقوق الأنسان لرصد انتهاكات داعش.
وهي المرة الأولى التي تطالب بها (دولة) وضع حالة حقوق الإنسان لديها على جدول اعمال المجلس. وقد لبى المجلس الطلب وأصدر في ختام اعمال دورته الثامنة والعشرين 27/3/2015، قراراً وضع فيه، لأول مرة، حالة حقوق الإنسان في العراق على جدول اعماله. ويدين القرار انتهاكات وجرائم داعش، ويقرّر ابقاء حالة حقوق الانسان في العراق على جدول اعمال المجلس، بعد صدور تقرير بعثة تقصي الحقائق التي اوفدها المفوض السامي لحقوق الإنسان الى العراق وعملت هناك طيلة ثلاثة أشهر.
فرض الواقع المزري من ناحية حقوق الانسان على البعثة ، وكما أكدت فلافيا بانسيري، نائب المفوض السامي لحقوق الانسان، في كلمتها امام المجلس، الاشارة الى انتهاكات خطيرة ارتكبتها قوات الأمن والميليشيات المرتبطة بها، بما في ذلك التعذيب والهجمات العشوائية ضد المدنيين واستخدام الهجمات الجوية بمختلف الاسلحة، ومنها البراميل المتفجرّة من قبل القوات العراقية . وحثت العراق على اجراء تحقيق كامل في كل الانتهاكات، طالبة من المجلس أن يوصي بإحالة الوضع في العراق إلى المحكمة الجنائية الدولية.
تضمنت مساهمات ممثلي الدول في المجلس لوصف انتهاكات داعش، توصيفات على غرار: مثيرةٌ للصدمة، خطيرة للغاية، جرائم ضد الإنسانية، جرائم حرب ، هجمات مروعة، وأبادة جماعية خاصة ضد النساء والأطفال والأقليات.
الملاحظ عن الجلسة ، شبه الاتفاق العام بين المتحدثين من ممثلي الدول ومنظمات المجتمع المدني، على أولا أدانة جرائم داعش ، وثانيا ضرورة امتثال العراق للمعايير الدولية والتحقيق في جميع الانتهاكات بما يضمن تحقيق العدالة للجميع، والعمل على تحسين حالة حقوق الإنسان وحماية كل العراقيين دون تمييز او اقصاء.
كانت البرازيل جريئة في انتقاد القرار لأنه لم يتضمن ادانة واضحة لانتهاكات القوات الحكومية والمليشيات، وخاصة القصف العشوائي للمدن والتعذيب والتهجير وغير ذلك من جرائم الحرب. وفي الوقت الذي يسود فيه الخوف من الاتهام بالسكوت على جرائم داعش حتى بين بعض منظمات حقوق الانسان العراقية، واللجوء الى الصمت ازاء جرائم النظام، خرجت منظمة ،هيومن رايتس ووتش، على عقلية القطيع، لتنتقد التقرير قائلة بإنها وثقت ما ارتكبته داعش، بما في ذلك التعذيب، لكنها ترى ان سياسات الإقصاء من قبل الحكومة العراقية هي التي ساهمت في كل ما حصل وعبّرت عن أسفها لأن القرار الخاص بالعراق سيكون احادي الجانب وغير متوازن، اذ قد يفشل في الزام جميع الاطراف بحماية المدنيين، وقدّ يفشل في تلبية الحاجة إلى المساءلة عن الانتهاكات على أيدي الجماعات التابعة للحكومة. وأكد، مركز جنيف الدولي للعدالة، وعدد من منظمات المجتمع المدني ان صمت المجتمع الدولي وخاصة الهيئات المنشأة بموجب معاهدات حقوق الإنسان أدى إلى الوضع الحالي. وطالب بضرورة التحقيق في جميع انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت منذ عام 2003، وتقديم الجناة للعدالة بغض النظر عن هويتهم.
إن عامل التمييز والأقصاء هو سمة النظام الحالي وأساس الكارثة المنسوجة نسجا بالفتنة الطائفية التي عمل الاحتلال على رعايتها حماية لمصالحه ومصالح من عملوا معه على مدى عقود. وهو العامل الذي ينخر النظام من الداخل ولكن على حساب المواطنين. ويؤكد بيان منظمة العفو الدولية، الصادر يوم الخميس، المخاوف من لجوء قوات النظام وميليشياته، الى الانتقام الجماعي من السكان، اذ قاموا بتدمير وحرق ونهب بيوت واعدام مجموعة من السكان فور دخولهم المدينة. مما يؤكد بأن سياسة ، محاربة الأرهاب، لم تعد غير غطاء تلتحف به الانظمة القمعية لتمارس الارهاب، وأن التخلص الفعلي من الأرهاب ، بكل أشكاله، لن يتم بواسطة هذه الانظمة، كما لن يتم عبر المساومة على حقوق الإنسان.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

عليك ان تُغير اسمك بالعراق…

ومن الأسماء ما قتل

هيفاء زنكنة

 

هناك ظاهرة يزداد انتشارها، حاليا، بالعراق، تستحق المتابعة لفهم تأثير الوضع السياسي على الاجتماعي العام. ففي جرد سريع لصفحات الاعلانات في جريدة «الصباح» الرسمية العراقية، يوم الأثنين 23 آذار/ مارس، فقط، وجدت أنها تحتوي 19 أعلانا موقعا من قبل اللواء تحسين عبد الرزاق فليح، مدير الجنسية العام، بصدد أشخاص قدموا طلبات رسمية إلى المديرية يرومون فيها تبديل أسمائهم، مطالبا من لديه اعتراض على الدعوى مراجعة المديرية.
فما هي الاسماء ولم الرغبة بتبديلها في الوثائق الرسمية؟
اللافت للانتباه ان الاسم الاول الذي يراد تغييره بالنسبة إلى الذكور هو عمر. وغالبا ما يكون الطلب مقدما من قبل والدة أو والد عمر، وتأتي الصيغة بشكل واحد للجميع. ويحتل اسم عمار المرتبة الأولى من بين الاسماء الجديدة المقترحة كبدائل لعمر بالاضافة إلى أمجد ومعتز و عبد الله وكرار. ويحتل اسم سفيان المرتبة الثانية بين الاسماء التي يسعى حاملوها إلى تغييرها حيث طلب سفيان ناجي تغيير اسمه إلى وسام. أما علاء حاتم فقد طلب تبديل اسم أبنه من موسى الكاظم إلى موسى.
أما بالنسبة إلى الأناث، فهناك دعوى بتغيير أسم عائشة إلى لجين. ولا تقتصر الدعاوى على تغيير اسماء الافراد بل هناك من يسعى لتغيير لقبه العائلي. اذ قدم رائد جواد وشقيقه طلبا لتغيير لقبهما من الفيلي إلى العلوي.
المعروف ان تغيير الاسماء والألقاب ليس ظاهرة جديدة ولا تقتصر على العراق، ولأسباب عدة. ففي الغرب، تنتشر الظاهرة بين نجوم السينما والمسرح والفنانين عموما سعيا للعثور على اسم يجلب الانتباه ويسهل انتشاره بين الجمهور. هناك من يرغب، أيضا، بتغيير اسمه تماهيا مع من يعجب به من النجوم او لاعبي كرة القدم او القادة السياسيين او المفكرين. ويلجأ بعض المهاجرين عند استقرارهم في بلدان غير بلدانهم، إلى تغيير اسمائهم أما رغبة في الاندماج في المجتمع الجديد، او لكي يخفوا هويتهم، او ما يدل على بلدانهم الاصلية، او لصعوبة اللفظ، أو على الاقل لكي لايجذبوا الانتباه اليهم. حينئذ يصبح «مو» بديلا لأسم محمد وأليكس بدلا من علي وكلير بديلا لآمنة.
يشكل تغيير الدين أحد العوامل الداعية إلى تبديل الاسماء. فعند أعتناق اليهودية، يصر الحاخام على ان يحمل المعتنق اسما عبريا. ويصبح الاسم الاول ابراهيم للذكور وسارة للأناث للدلالة على التغيير الجذري في الفكر والهوية. ولا سيصح اختيار اسم، حسب رغبة الشخص، الا في الجيل الثاني من المعتنقين الجدد.
أما بالنسبة إلى الإسلام فليس هناك اجبار على تغيير الاسم الا اذا كان الاسم دينيا بحتا كاسماء القديسين مثلا. مع ذلك، يختار بعض المعتنقين الجدد تغيير اسمائهم، كما فعل الملاكم المشهور كاسيوس كلاي، الذي غير اسمه إلى محمد علي كلاي، والمغني البريطاني كات ستيفنز الذي اصبح يوسف أسلام.
ويعتبر القمع السياسي والعرقي والديني، اما بشكل منفرد أو جماعي، واما بشكل مشرعن قانونيا أو نتيجة خلق اجواء خوف وترويع، من الاسباب الرئيسية الداعية إلى تغيير الاسماء، للحفاظ على الحياة وللحصول على عمل أو أكمال الدراسة أو الزواج.
بالنسبة إلى العراق، علينا التمييز بين الحاجة إلى تغيير الأسم بسبب تشريع قانوني يميز بين المواطنين وبين جو الخوف العام الشائع حول استهداف فئة معينة وهذا ما يجري حاليا، اذ تنص القوانين على المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات بغض النظر عن القومية والدين والجنس. خلافا، مثلا، لما كان عليه الحال في بلغاريا. اذ كان القانون، تحت النظام الشيوعي، ينص على منع التحدث باللغة التركية للأقلية الناطقة بالتركية، إلى ان قرر الحزب الشيوعي الغاء القانون عام 1989 ومنح الاقلية التركية حق التخاطب واطلاق اسماء تركية على اطفالهم.
وشهد العراق المعاصر اطلاق أسماء تتماشى مع التغيرات السياسية العراقية والعربية أحيانا، بالاضافة إلى تبديل الاسم بآخر بما يساير الحزب المهيمن على السلطة في حينها.
وفي خمسينيات القرن الماضي، وما تلا ثورة 14 تموز 1958، شاعت اسماء مثل تضامن، تحرير، كفاح، سلام، وأمل، ولم يخل العراق من نهرو ولينين وجمال.
أما اثناء حكم حزب البعث ورئاسة صدام حسين فقد اصبح أسم صدام مرغوبا في العراق وعدد من البلدان العربية، وتسابق مواطنون لتبني القاب تقترب بهم من عشيرته أو اقاربه. فمن كان مقيما بمدينة الناصرية، جنوب العراق، صار يسمي نفسه «الناصري» ويدٌعي انه من تكريت.
الا ان ما تجدر الاشارة اليه هو، أولا: على اختلاف الحقب السياسية، وتعاقب الحكومات، كان العامل السياسي هو الطاغي على اطلاق وتبديل الاسماء. ثانيا: بقيت للاسماء العربية ذات الرمز الديني الاسلامي مثل محمد وبكر وحسن وحسين وعلي وعمر وعثمان، وصفات مثل الفاروق وكرار، واسماء القيادات الاسلامية التاريخية والعسكرية مثل طارق وخالد وسعد وزياد وقتيبة ونعمان ومثنى، مكانتها الثابتة وبشكل يوازي استنباط الاسماء الحديثة أو ذات العلاقة بالمتغيرات السياسية. كما نجد، أيضا، أسماء منذورة حصرا للأئمة مثل عبد الحسين وعبد الزهرة، وهي أقل شيوعا لكنها حاضرة.
وغالبا، ما تجد علي وعمر وفاطمة وعائشة ابناء عائلة واحدة سواء كانت في الموصل أو في النجف. ولا تقتصر هذه الحالات على العوائل التي يتزاوج فيها الشيعة والسنة. وهي حالات وصلت في بغداد والبصرة وغيرهما بنسب عالية وفي كل الطبقات، (ولاتزال حاضرة رغم الجو الطائفي). فالعراقيون، في الغالب، لا ينظرون إلى المذهب كحالة إقصاء لبعضهم البعض إجتماعيا أو في نظرتهم للشخصيات التاريخية.
الا ان الغزو الأنكلو أمريكي للعراق وسياسة فرق تسد الطائفية التي دعمتها احزاب بحاجة ماسة إلى الدعم الخارجي من جهة واستغلال الطائفية لتنمية قاعدتها الاجتماعية، أدى إلى تأسيس حالة تخويف باتت تمزق بنية المجتمع وتفرض سبلا لحماية النفس من الأذى والبقاء على قيد الحياة. ومن بينها تبديل الاسماء، التي باتت تصنف في أجواء الهستيريا الطائفية العام المتغذية على فساد غنيمة أموال النفط، باعتبارها أسماء سنية وأسماء شيعية. وبالتالي إلى اضطرار الكثيرين إلى تغيير اسمائهم إلى اسماء بلا مغزى ديني أو تاريخي، خشية استهدافهم على اساس اسمائهم او القابهم، خصوصا عند مراجعة الدوائر الرسمية، وحتى في التعامل مع التلاميذ في المدارس. إن حاجة المواطن إلى تبديل أسمه باسم آخر حماية لحياته يعني الوصول إلى هوة سيكون قرارها تفتيت الهوية الوطنية وتقسيم العراق.
وأذا لم يتم تدارك هذه الظاهرة الدالة على عمق الهوة، واذا استمر النظام الحالي بسياسته التجزيئية للمجتمع، فلن يكون مستبعدا محاسبة المواطن على عدد الحروف باسمه او قتله لأنه يرتدي ألوانا مغايرة لذائقة حكام الطائفة.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

وزير النفط العراقي:

أنا سياسي فاسد وأفتخر!

 

هيفاء زنكنة

 

صرح عادل عبد المهدي، وزير النفط العراقي، بداية الشهر الحالي، أن العراق مدين لشركات النفط بنحو 20 مليار دولار أمريكي، وهي مستحقات تشكل مبالغ كبيرة هائلة يجب دفعها مباشرة. وفي حال «لم نوفر المبالغ فهناك عقوبات ستحصل وتخفيض للإنتاج أو الذهاب إلى المديونية». المعروف أن من بين الشركات الكبرى المرتبطة بعقود خدمة، «توتال» الفرنسية و»شل» الهولندية و»اكسون موبيل» الأمريكية و»بي بي» البريطانية. ويأتي تصريح عبد المهدي لطمأنة شركات النفط متزامنا مع سعي وزير المالية، هوشيار زيباري، للقاء ممثلي مصارف عالمية لبحث سبل معالجة العجز المالي، ومن بينها إصدار سندات دولية للمساعدة في سد عجز الموازنة الاتحادية مع البدء بسداد مستحقات شركات النفط الأجنبية في الأول من نيسان/ أبريل المقبل.
يشكل اعتراف عادل عبد المهدي بحجم الديون سابقة، وان كان لم يشرح عواقبها تفصيليا، كما لم يتطرق الى مجمل ديون الحكومة العراقية بل اكتفى بذكر ديون شركات النفط لأنه المرض الأخطر الذي يجب العثور على علاج له وبكل الطرق الممكنة والا تم قطع شريان حياة الحكومة المعتمدة على الريع النفطي بنسبة 95 بالمئة.
لبيان حجم التخبط الاقتصادي المبني على الفساد والاستهتار بثروة الشعب، كتب عصام الجلبي، وزير النفط السابق، توضيحا بارقام تفصيلية، يشرح فيه ان هذا الدين: « تراكم نتيجة عجز الحكومة السابقة والحالية عن تسديد المطالبات المتراكمة بسبب أستثمارات شركات النفط الأجنبية المتعاقدة مع حكومة بغداد فقط (عدا تلك المتعاقدة مع الأقليم) ضمن جولة التراخيص الأولى بشكل أساسي والأجور المترتبة لها نتيجة عملياتها التشغيلية.
ويسدد هذا المبلغ اما نقدا أو كنفط خام وواضح أنه كلما يقل سعر النفط تزيد عدد البراميل التي يتقاضاها شركات النفط وعلى أفتراض سعر 50 دولارا لبرميل النفط العراقي فأن المديونية تعادل 460 مليون برميل لو سددت خلال سنة واحدة فسيعني تسليم 1.25 مليون برميل يوميا . وبأفتراض قدرة العراق على تصدير معدل 3 ملايين برميل يوميا (وهو ما لم يتحقق خلال شهري كانون الثاني وشباط حيث كان المعدل الفعلي هو 2.563 مليون برميل يوميا فقط حيث بلغ التصدير لشهر كانون الأول 2,535 ولشهر شباط 2.597 مليون برميل يوميا) فأن على العراق تسليم حوالي 41.6 ٪ من نفطه سدادا للديون للشركات أو بنسبة 48.7٪ لو أستمر المعدل الحالي! مع الأشارة الى محاولة الحكومة تأجيل قسم من هذه الديون! ولو أستمرت الشركات بأستثماراتها لتحقيق معدلات الأنتاج (المعدلة) فهذا يعني تصاعد حجم الديون والتي لن تعالج الا بزيادة حجم الصادرات وزيادة اسعار النفط! علما أن سعر النفط العراقي المتحقق لشهر كانون الثاني هو بحدود 41 دولارا للبرميل ولشهر شباط 47,43 دولار للبرميل». ويخلص الجلبي الى ان «هذه هي النتيجة الحتمية لعودة شركات النفط الأجنبية وأحلالها محل الجهد الوطني ! نصف نفطنا لسداد الديون». لا شك ان المواطن غير المختص لا يمكنه الخوض في هذه التفاصيل المالية والإقتصادية، لكنه يتساءل في الخلاصة: إذا دخلنا هذا المأزق بعد كل الجعجعات عن تطوير القطاع النفطي بتسليمه للشركات العالمية، فكيف سنخرج منه ؟ بل الأهم من ذلك هل ستستطيع الحكومة دفع رواتب موظفيها منذ الشهر الحالي بدون أن ترهن البلاد قطعة قطعة لمن هب ودب «قانونيا»كما رهنت النفط؟
من هو المسؤول عن هذه الكارثة التي سيتحمل الشعب العراقي نتائجها، على مدى عقود مقبلة، كما يتحمل الآن دفع تعويضات غزو الكويت؟ من هو المسؤول عن سرقة النفط واستشراء الفساد؟ وما وراء قبول النظام بتوقيع عقود كارثية كهذه؟
هناك مجالات أخرى لهدر وسرقة الثروة النفطية عدا هذه الصفقات الكارثية مع شركات النفط. وقد حاول وليد خدوري، المستشار لدى نشرة «ميس» النفطية (16 ديسمبر 2012)، توضيح صورة السرقات السابقة الأخرى، بشكل موثق، عبر الإجابة على عدد من الأسئلة، ومن بينها: «من ارتكب هذه السرقات؟ وهل سرقة ما قيمته مئات الملايين من الدولارات من النفط ممكنة من دون معرفة الجناة وعدم رفع دعاوى ولو غيابياً عليهم؟ أم هل الاستهتار بالمال العام أصبح شائعاً في ظل استشراء ثقافة الفساد؟»
يقول خدوري بأن المبالغ المسروقة ضخمة جداً، تتيح للسارقين تبييضها أو استعمالها لأغراض سياسية. وهم إذا اطمأنوا إلى سرقة مئات الملايين من الدولارات في الماضي من دون مساءلة أو محاسبة، ما الذي سيردعهم عن سرقة ملايين أخرى عند تبوئهم مناصب ومسؤوليات سياسية واقتصادية في المستقبل؟
يعتبروليد خدوري، ويتفق معه عصام الجلبي، بأن عدم وجود نظام قياس دقيق لتدفق النفط من الآبار وخطوط الأنابيب منذ 2003، فتح مجالا واسعا للسرقة. ويعني غياب المقاييس أن فارقاً نسبته واحد في المئة لحمولة ناقلة عملاقة، إمكان الحصول خلسة على كمية من النفط تعادل 500 شاحنة تحمل كل منها نحو ألف غالون. ومع غياب الرقابة الحكومية وانتشار الفوضى وهيمنة العصابات، أثر الاحتلال الامريكي، تنوعت طرق السرقة . فمن خرق أنابيب النفط وتخزين النفط في مرافق عامة الى سلب شاحنات النفط والمنتجات البترولية المنقولة براً. ومن تعاون السلطات المحلية الى توفير الحماية العشائرية مدفوعة الأجر لصالح احزاب مشاركة بالسلطة وشخصيات حكومية متنفذة سياسيا وأمنيا. وتصل خسائر العراق من النفط المسروق حوالي 120 مليار دولار، أي ما يزيد على الميزانية لمدة عام كامل، وبلغ في احدى السنوات معدل 60 ألف برميل نفط يوميا، حسب عصام الجلبي.
وفي مجال تحديد المسؤولية، لايمكن اغفال دور من وقعوا عقود النفط في اختزال حصة العراق في عقود الخدمات إلى 5٪ فقط خضوعا لمطالبة الشركات بتعويضها عما تسميه خسائرها جراء انخفاض اسعار النفط عالميا. وهي نسبة أدنى بكثير من النسبة الدنيا المتعارف عليها، عالميا، والبالغة ما بين 20 – 25 بالمئة.
أزاء هذه السرقات المفضوحة والعقود التي تركت لشركات النفط حرية الاستغلال كيفما تشاء، من هو المسؤول؟ يحمل الجواب مؤشرا مهما مفاده ان هذه الديون ستكون عقوبة مفروضة على الشعب وليس الحكام لأنهم قاموا بتأمين مستقبلهم من خلال السرقات في العقد الأخير. وقد تكلم بعضهم بصراحة أن أحدا من مشاركي العملية السياسية لن يصيبه ضرر لأنهم وعوائلهم قد ضمنوا لأنفسهم ثروات خارج البلد. يتهم مسؤولو النظام الحالي نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق. وكأنه كان يعمل في المريخ لوحده وليس مع نفس وزراء ومسؤولي النظام الحالي، مع تغيير طفيف في توزيع الكراسي. تنتقد لجنة النفط في مجلس النواب، مثلا، الحكومة السابقة، وتقول إنها أعطت شركات النفط مبالغ طائلة لبناء منشآت خدمية قرب حقول النفط، وتركت التنفيذ بدون رقابة كافية، كما فشلت الوزارة في إنشاء خزانات لحفظ النفط غير المصدَّر لأكثر من يومين، كما ان العقود أهملت ضمان تحميل الشركات جزءا من الخسارة في حال انخفاض سعر النفط.
لقد فتح أحد المواطنين موقعا على الشبكة البينية باسم «سياسي فاسد وأفتخر»، وهو توصيف بات شائعا، وبالتالي عاديا ومقبولا بين الناس لشيوع نموذج السياسي الفاسد الذي تتم استضافته في استديوهات الفضائيات فيتحدث عن فساد «الآخرين» ونظافته. يبدو لي أن إعتراف الساسة الحالي بكارثة الديون يندرج تحت هذا الموقع. في حملة التهويمات المتعمدة هذه ومع نفاذ المسؤولين من المسؤولية والمحاسبة، يبقى السؤال الاساسي، كيف سيتعامل العراقيون مع هؤلاء اللصوص ومستشاريهم بعد 12 عاما من النهب المنهجي؟

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

كيف سنوقّف جنون التوحش هذا؟

 

هيفاء زنكنة

 

 

اليكم هذه اللقطة. سبعة رجال يلتفون حول جثة مشوهة، وقد ربطوا الساقين بالحبال، وهم على وشك اما سحلها او تمزيقها. في خلفية الصورة، هناك رجل ينظر بلا مبالاة وكأن ما يقوم به رفاقه امر عادي جدا. في لقطة ثانية : ثلاثة رجال يرتدون أزياء وأقنعة باللون الأسود وهم يضطجعون في عربة عسكرية. يضعون احذيتهم على جثة شاب وهم يرفعون أصابعهم باشارة النصر. الأنطباع الأولي السريع هو لابد ان الرجال ينتمون إلى تنظيم داعش الأرهابي. لكن الحقيقة هي انهم ينتمون إلى «الفرقة الذهبية» العسكرية الخاصة، الملحقة بمكتب رئيس الوزراء العراقي باعتباره قائدا للقوات المسلحة. ومن يزور موقع الفرقة على الفيسبوك سيرى هذه «الانتصارات» معروضة بافتخار بينما لا يكف ساسة النظام عن التطبيل لأنسانية القوات المسلحة وميليشيا الحشد الشعبي.
اذا كان التعذيب في معتقل أبو غريب، باشراف جلادين أمريكيين، وفي معتقل الجادرية، ببغداد، بأشراف بيان جبر، وزير الداخلية السابق وهو من قياديي المجلس الإسلامي الاعلى، وفي معتقلات أخرى من بينها أقليم كردستان، قد أثار حملة استنكار وادانة، واذا كانت جرائم تنظيم «داعش» قد دفعت إلى تشكيل تحالف دولي لمحاربة التنظيم والقضاء عليه، فما الذي سيفعله العالم، عموما، والتحالف الدولي بقيادة أمريكا، خاصة، ازاء الجرائم التي ترتكبها قوات الجيش العراقي ومليشيا الحشد الشعبي ضد المواطنين في المناطق التي يسيطرون عليها، والتي لا تقل بشاعة وانتهاكا لحقوق الانسان من انتهاكات داعش؟
في تقرير تلفزيوني، من بين العديد من التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية العراقية والدولية، بثته شبكة «أي بي سي» الأمريكية، نرى أشرطة فيديو قام بتصويرها جنود ينتمون إلى فرقة الخاصة العسكرية «الفرقة الذهبية». وهي الفرقة التي تضم مجموعة من العراقيين ممن قام الجيش الامريكي بتدريبهم منذ أيام الغزو الاولى عام 2003، في معسكر بالاردن، ليكونوا اداة لحماية المحتل والنظام من المقاومة. واشتهرت باسم « الفرقة القذرة»، تباهيا، بما نفذته من عمليات خاصة واغتيالات باشراف العقيد جيمس ستيل الذي أشرف مع السفير الامريكي جون نغروبونتي على تأسيس وتدريب قوات عمليات خاصة مماثلة للقضاء على الحركات الثورية في أمريكا اللاتينية في فترة الثمانينات. تفتخر الفرقة، بقيادة اللواء فاضل البرواري، بشعارها «ان لم تعش الحياة العسكرية، اعلم انك لم تعرف الرجولة الحقيقية»، وانها تحتل المرتبة الثانية عشرة من بين اكثر الفرق العسكرية اثارة للرعب في العالم، حسب موقعها الالكتروني.
فما الذي يقدمه افراد هذه الفرقة « الذهبية»، فخر الجيش العراقي، ومعهم مليشيا الحشد الشعبي، من «انجازات» يفتخرون بها، هذه الايام، بحيث يقومون بتصويرها ووضعها على شبكات المواقع الاجتماعية ؟
يبين فيلم الشبكة التلفزيونية، بالتفصيل، تعذيب واعدام شابين. هناك، أيضا، تعليق رجل من برج مراقبة عسكري ومن ثم رمي جثته. هذه الصور والافلام الموثقة للجرائم تم تجميعها من مصادر عدة، من بينها مواقع افراد في الجيش والحشد الشعبي. ويبين التقرير أنه بحسب إشارات الطريق الظاهرة في بعض الصور، فإنها تظهر أن الرجل الذي وضعها يقاتل مع قوات الحشد الشعبي والقوات العراقية في تكريت، مثلا.
يظهر التقرير صورا لمقاتلين من الحشد وجنودا وهم يتباهون بوقوفهم بلقطات تذكارية متنوعة، أما بجانب رؤوس مقطوعة، أو وهم يحملونها، أو يدوسون عليها، أو وهم يعلقونها على مقدمة الدبابات الأمريكية الصنع. ولم يسلم حتى الاطفال من «احتفال» الجنود بالنصر. حيث نراهم وهم يعذبون، وسط هرج جماعي، صبيا مرعوبا تم تعليقه على باب بيت، ثم قتله قرب بيته.
بالأضافة إلى التحقيق التلفزيوني ومواقع الفرقة الذهبية والفيسبوك المزدانة بصور القتل، كشفت صحيفة «التايمز»، البريطانية، عن تفاصيل جرائم بشعة أخرى، يقوم جنود بنشر صورها وعرض اشرطة تصويرها، من بينها لقطات تظهر سحل جثة بواسطة عربة «همفي».
لماذا هذه الافعال الوحشية وما يحيطها من احتفالات بالتعذيب وتشويه الجثث وسحلها؟ هل صحيح انها جزء من حملة اعلامية مضللة لتشويه انتصارات الجيش العراقي والحشد الشعبي؟ لكن الصور واشرطة الفيديو معروضة على مواقع الجيش والحشد وبامكان الجميع التأكد منها. هل هي ممارسات بضع تفاحات فاسدة كما قيل لنا عن تعذيب المعتقلين في أبو غريب وغيره بالاضافة إلى المذابح التي هي ببساطة جرائم ضد الانسانية ؟ واذا قبلنا بهذه المحاججة الواهية، أليس من المعروف ان وجود تفاحة واحدة فاسدة في سلة، يؤدي إلى فساد كل التفاح بسرعة قياسية ؟ أليس من البديهيات ان غياب المحاسبة القانونية عن جريمة ما، وافلات المجرمين من العقاب سيؤدي، بالضرورة، إلى خلق أفراد/ حشود/ ميليشيات يطبقون قوانينهم الخاصة بهم؟
وهذا هو ما يجري في العراق اليوم. حيث باتت سياسة « الحرب ضد الإرهاب»، أفضل غطاء لطرفين : المحتل الأجنبي من جهة وللنظام القمعي من جهة ثانية. ومما يزيد تعلق المحتل والانظمة المحلية بهذه السياسة انها ذات أمد غير محدد، وانها ذات طبيعة غير محددة بحكم خضوع مصطلح الإرهاب لتفسيرات مختلفة، حسب قوة الجهة الراغبة بتبني هذه السياسة. فالأدارة الامريكية، مثلا، لا تعتبر اسرائيل دولة إرهابية، مع ان ممارساتها الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني تفقأ العيون، بل بالعكس تساندها وتدعمها ماديا وسياسيا. كما لم تشر إلى انتهاكات النظام العراقي لحقوق الانسان قبل وصول داعش، بل وشجعتها بشكل مباشر.
تشير وثائق ويكيليكس إلى ان الأدارة الامريكية شجعت على اثارة الفتنة الطائفية وتدريب القوات الكردية والشيعية (قبل ان يبدأوا استثمار قوات الصحوات) لحماية القوات الامريكية من هجمات المقاومة. وقد أطلق على الأمر العسكري الصادر بهذا الخصوص اسم « فراجو 242 « الذي يتضمن، ايضا، الاوامر المشددة بوجوب تجاهل تعذيب المعتقلين من قبل النظام العراقي.
هذا التنكيل أوالتوحش هو ما يصنع الإرهاب والتوحش المضاد يوميا وفي كل مكان. وقد ذكرنا الكاتب و البرلماني الألماني يورغن تودنهوفر بذلك في مقابلته الأخيرة مع قناة الجزيرة. فقال مستخلصا تجربة رحلاته ومقابلاته في غزة وأفغانستان والعراق وسوريا مستشهدا بالأرقام : كان عدد الإرهابيين الحقيقيين قبل إستهداف البرجين في نيويورك وغزو أفغانستان يعدّ بالمئات، وعددهم الآن، بعد الحروب ومعتقلات غوانتنامو وابو غريب والحرب ضد غزة حوالي المائة ألف.
هذا الفهم المتوارد بين الكثيرين من عقلاء العالم، من الفاتيكان إلى الليبراليين واليسارين والمنظمات الإنسانية كلها، يتوجه إلى الرأي العام والسياسيين الواعين بقيمة حياة الناس ومستواهم الحضاري، وليس إلى تجار الأسلحة وشركائهم في الجيوش والدول، والشركات الأمنية العالمية التي تشكل بمجموعها، وبالحروب المستمرة التي تغذيها بصرف النظر عمن يغلب أو يباد، أحدى أهم النشاطات الإقتصادية في العالم. كما لا يتوجه إلى الحكومات، في بلداننا، ومعظمها عصابات نهب عائلية تحت ستار الدين أو الممانعة الكاذبة، أو المذهب والمظلومية العتيقة، أوسيادة القانون الوهمية. هذه العصابات الحاكمة هي التي صنعت و تصنع الإرهاب بما تخلقه من ظلم يومي متوحش ضد أبناء بلدها، ولا تعبأ بما سيحل في البلد كونها ضمنت ثرواتها خارجه.
ان طائفية وفساد النظام الحالي وسكوته على جرائم وانتهاكات حقوق الانسان، التي لم تعد مثار جدل بل حقيقة موثقة، سبب رئيسي في مأساة العراق. ولن يتوقف تصاعد التوحش في العراق وسوريا و بقية بلداننا الا بمحاسبة المجرمين وتحقيق العدالة. فلا سلام أهلي، أو وطني، أو إقليمي ،أو عالمي، بدون العدالة، أو الأمل بتحقيق العدالة على الأقل.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

المنظمات النسوية

 

وحقوق المرأة والعدالة الانتقائية

 

هيفاء زنكنة

 

لا يستطيع من يقرأ بيانات المنظمات النسوية، العراقية، الناشطة، في مجال حقوق المرأة، وبيانات وزارة المرأة عن إنجازاتها، إلا أن يتساءل عما كانت هذه المنظمات والوزارة ستفعله لو لم تصبنا كارثة تنظيم «الدولة الإسلامية» – داعش. مما لا يقبل الشك إن جرائم داعش بحق المواطنين كارثية، وستؤثر على مستقبل العراق لسنوات مقبلة. وهي جرائم يجب أن يحاسب مرتكبوها وفق القانون، كما يحاسب مرتكبو الجرائم السابقة واللاحقة بحق كل مواطن، مهما كان دينه أو مذهبه أو قوميته أو جنسيته. فهذا هو المفهوم المتعارف عليه عند تطبيق القوانين في ظل الدول المؤسسة على احترام المواطن والتعامل معه وفق القوانين.
الملاحظ أن هذه المسائل الأساسية غائبة عن بيانات المنظمات النسوية الصادرة بمناسبة يوم المرأة العالمي، المصادف 8 آذار/ مارس، على الرغم من تقديمها، نفسها، باعتبارها مدافعة عن حقوق المرأة، متغاضية بذلك عن واحدة من أهم الأسس التي يجب تبنيها، إذا ما كان دافع العمل تغيير المجتمع كي تتمتع المرأة، حقا، بحقوقها كاملة، أي أن حقوق المرأة هي حقوق الإنسان. فمن بديهيات الدفاع عن حقوق الإنسان وجوب احترامها وصيانتها لا في أوقات السلم فحسب ولكن في أوقات الحروب والنزاعات، بشكل خاص، وأن يكون واجب العاملين في مجال حقوق الإنسان كشف الانتهاكات والخروقات بشكل موضوعي، غير مسيس أو مؤدلج، مهما كانت الجهة التي ترتكبها، وألا يكون العمل انتقائيا أو ذرائعيا بحجة محاربة الإرهاب أو حماية الأمن القومي.
من هذا المنطلق نجد أن معظم بيانات المنظمات النسوية، التي حصرت تحليلها لوضع المرأة العراقية المأساوي بفترة زمنية محددة ونتيجة جرائم جهة واحدة هي داعش، انتقائية في تجاهلها لكل الجرائم التي ارتكبت، وشملت المرأة، قبل تواجد داعش. أصبح وجود داعش هو الكفن الذي يغطي كل شيء وحرام رفعه للنظر إلى ما تحته. فمن يراجع بيانات المنظمات ذاتها، بمناسبة يوم المرأة العالمي، في الأعوام السابقة، سيجدها خالية من الإشارة بأصبع الاتهام إلى مرتكبي الجرائم، والاكتفاء بالقول: «نناشد بهذه المناسبة الحكومة والبرلمان». وهو موقف مؤسف، لأن من بين المنظمات من كان لها باع نضالي، تاريخي، طويل ضد الاستعمار، وكان الأجدر بها، لو كانت تمثل المرأة العراقية عموما، كما تدعي، أن تعمل من أجل الكل لا أن تغطي جرائم جهة (من بينها جرائم المحتل) وتدين جرائم جهة أخرى، مما يكرس في حصيلة الأمر مفهوم العدالة الانتقائية (خلافا للعدالة الانتقالية) وأساسها تمييز النظام الطائفي في التعامل مع المواطنين، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
في مثال قد يعكس سذاجة البعض، أرسلت شبكة النساء العراقيات (إطار نسائي غیر حكومي، كتجمع دیمقراطي مدني مستقل)، رسالة تهنئة إلى النائبة فيان دخيل بمناسبة نيلها جائزة «أنا بوليتكوفسكايا السنوية لعام 2014» التي تمنح للمرأة في مناطق الصراع، لأن فيان دخيل «عكست بمواقفها الشجاعة في المطالبة بحماية أبناء جلدتها من الإيزيديين والمسيحيين والشبك النازحين المحاصرين في بلدات وقرى محافظة نينوى، مثلاً رمزياً لشجاعة وإرادة النساء العراقيات في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي».
إن التناقض في صيغة تقدير الموقف من قبل الشبكة النسوية مثير للحيرة. فأن يقف المرء مطالبا بحماية أبناء من «غير جلدته» ومن مواطنيه هو الذي يستحق الإشادة، عادة، وإن كان، في حال نواب البرلمان، هو جزء لايتجزأ من صلب وظيفتهم. خاصة وأن واحدة من مشاكل البرلمان كونه يضم نوابا لاينطقون إلا إذا مست قضية ما أبناء عشيرتهم أو طائفتهم أو «أبناء جلدتهم» كما تنص رسالة الشبكة النسوية. بينما كان سبب اغتيال الصحافية الروسية أنا بوليتكوفسكايا، التي كان لي شرف معرفتها شخصيا، هو وقوفها ضد «ابن جلدتها» الرئيس الروسي بوتين لانتهاكه حقوق الإنسان ولأنه خاض حربا ظالمة بشعة ضد الشيشان، وانتقدت بقوة ترحيب الغرب بمساهمة بوتين في «الحرب على الإرهاب» وصمتهم على جرائمه. وهو الموقف ذاته الذي يسلكه الغرب، اليوم، تجاه النظام العراقي وانتهاكاته الصارخة لحقوق الإنسان. وكان أن دفعت بوليتكوفسكايا حياتها ثمنا.
ولا أتذكر أن النائبة فيان، التي كان بإمكانها أن تكون قدوة حقيقية في الدفاع عن حقوق المواطن العراقي، وقفت وبكت يوما في البرلمان، كما فعلت من أجل أبناء جلدتها (وما تعرضوا له جريمة نكراء)، لما يلحق المواطنين من ظلم والمواطنات من اعتقال كرهائن لحين تسليم أقاربهن أنفسهم للقوات الأمنية.
ويتبين انعكاس التمييز على إدانة جرائم دون غيرها أو الصمت على ارتكابها، في ارتفاع أصوات ضحايا يقولون: «ماذا عنا»؟ لماذا الصمت على جرائم الاعتقال والتعذيب والقتل داخل المعتقلات والتهجير القسري؟ ماذا عن اغتصاب النساء والرجال الذي بات سمة النظام الحالي وتخريب النظام القضائي والفساد المستشري من أعلى شخص بالنظام إلى كل المؤسسات؟ هنا، عندما تواجه هذه الأسئلة الإنسانية الملحة إما بالصمت أو الاتهام الجاهز بالإرهاب، تكمن بداية الانقسام الحقيقي في المجتمع وتفكك بنيته، وبالتالي تفكيك البلد، ولمنظمات المرأة مسؤولية كبيرة في توسيع الهوة أو ردمها، خاصة وأنها تقدم نفسها كمنظمات غير حكومية.
أقول تقدم نفسها لأن أكبر المنظمات غير الحكومية، الآن، أما أنها حكومية بمعنى حصولها على الدعم المادي الحكومي الذي ستموت بدونه إن لم يكن صوتها صدى لسياسة الحكومة، أو أن مؤسسيها، وهذه ظاهرة تنتشر خاصة بين المنظمات النسوية، يعملون كمستشارين لمسؤولي الحكومة الكبار، ويتلقون رواتب مغرية، مما يتنافى مع أبسط شروط عمل المنظمات غير الحكومية.
من المؤسف أن نرى اليوم اقتصار نشاط العديد من منظمات المجتمع المدني، بضمنها المنظمات النسوية، على الترداد الببغائي لخطاب الجهات المانحة للتمويل المادي ووقوعها في فخ تضليل الحقائق بدلا من من السعي لمعرفة الحقائق وتسليط الأضواء عليها، ليصبح دورها امتدادا للنظام الطائفي الفاسد.
إن التغيرات السياسية والمجتمعية، بعد العاشر من يونيو/حزيران 2014 حيث استولى تنظيم داعش على مدينة الموصل وهجر سكان المناطق المحيطة، خاصة المسيحيين والإيزيدين، جسيمة وانعكست بقوة على حقوق الإنسان، في جميع أرجاء العراق. فازداد التهجير القسري وانتشرت معسكرات النازحين، ومعظمهم من النساء والأطفال. كما تشهد حملات الخطف والقتل الانتقامية تصاعدا يمس الجميع. أصبح المواطن محصورا ما بين إرهاب أمريكا والنظام وميليشياته من جهة وداعش من جهة ثانية. وفي غياب الدولة والقانون، بات ملاذ المواطن للبقاء على قيد الحياة هو أهون الشرور. ولن يستعيد المواطنون عافيتهم، ومحاربة الإرهاب بأنواعه، وبناء ما تهدم واستعادة اللحمة الاجتماعية إلا بعملهم على تشكيل حكومة وطنية تسعى لتمثيل الشعب كله، رجالا ونساء، على أسس العدالة والمساواة، وليس الميليشيات وداعش والحشود السائبة، وليس بالتأكيد من خلال توسل الحماية بالقوات الأجنبية.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

ما الذي سيبقى من العراق لأحفادنا؟

هيفاء زنكنة

 

الفيديو المفجع لمجموعة رجال يهوون بفؤوسهم على رؤوس تماثيل في متحف الموصل وآخرون يستخدمون المثقاب الكهربائي لتحطيم وتفتيت الثور المجنح، هو فعل همجي متعمد يضع اللمسات ما قبل الأخيرة، على سيرورة وأد العراق الذي نعرفه.
أثارت عملية التحطيم التي يكشف موقع «عين الموصل» الموثق انها تمت بين شهري تموز/ يوليو وآب/اغسطس 2014، حملة استنكار أعلامية عالمية. برامج وندوات صحافية ومقالات. من كان صامتا على مدى سنوات، نطق. أختلطت أصوات الحريصين على العراق، شعبا وتاريخا، باصوات من ساهموا، عمليا، بتحطيم العراق وتسليمه الى البرابرة.
كلنا، نحن الذين وقفنا مناهضين بقوة ضد تسليم العراق الى المحتل، تحت أي ذريعة كانت، كنا نعلم ان عرض البلد للبيع في السوق مثل البضاعة، سيقلل من قيمته، تدريجيا، حتى يصبح بالنتيجة، معروضا مجانا، لمن يأخذه. العراق الذي تمت استباحته عدة مرات، منذ سنوات الحصار، بات اليوم، بضاعة مستهلكة بانتظار من يلتقطها. فكان مجيء الغزاة الجدد ملتفين بمعطف « أسلامي» لايقل دموية عن «أسلامية» مرافقي غزو 2003.
سيرورة هدم معالم الحضارة والتاريخ لم تبدأ يوم 10 حزيران/يونيو 2014، يوم هيمن مقاتلو داعش على مدينة الموصل وخلع «حماة الوطن» زيهم العسكري وتخلوا عن أسلحتهم ،هاربين بالآلاف بعد ان أذاقوا سكان المدينة مرارة الانتقام والأهانة والاعتقالات. هذه السيرورة المنهجية المتعمدة نمت تحت أنظار قوات الاحتلال وترعرعت في ظل حكوماته العراقية المتعاقبة. وهي نقطة أهمل ذكرها معظم المتحدثين عن جريمة داعش في متحف الموصل وغيره. لقد، اختاروا، على اختلاف مواقعهم، ومن بينهم إيرينا بوكوفا، المديرة العامة لليونسكو، الأشارة الى حجم الكارثة الحقيقي وتشخيص مرتكبيها منذ عام 2003، خشية تحميل قوات الاحتلال العسكرية، بقيادة أمريكا، المسؤولية المشتركة مع داعش في ارتكاب جرائم التطهير الثقافي ضد الشعب العراقي. ان جرائم داعش مرآة لجرائم المحتل وحكوماته وأي أخفاء لهذه الحقيقة هو محاولة لطمس جرائم حقبة ما عن طريق تسليط الضوء على جرائم حقبة اخرى، لتكون النتيجة مسح وجود العراق وشعبه الغني بقومياته وأديانه، حقبة بعد حقبة.
ألفباء التطهير التاريخي والثقافي المصاحب للاحتلال، بدأ بفتح ابواب المتحف الوطني العراقي للمخربين والمهربين وماتلاه من حرق ونهب لبقية المتاحف والمكتبات والمعارض والجامعات والبيوت الأثرية. ثم جاءت جريمة تحويل المواقع الأثرية التي تشكل ميلاد الحضارة الانسانية، الى مواقع عسكرية ومهابط للطائرات المروحية ومتاريس للدفاع عن وجود القوات، باعتباره اولوية مطلقة وتبا للآثار والحضارة والذاكرة. من بين المواقع مدينة أور (المعروفة باسم المقير)، جنوب غربي مدينة الناصرية، ومن أبرز آثارها الزقورة، طور المعابد الشهير. تعرضت أور، على مدى خمس سنوات من تحويلها الى قاعدة عسكرية الى كل انواع التخريب اليومي. ثم حلت كارثة أخرى عندما اعتبر قادة الاحتلال موقع مدينة بابل الاثرية موقعا استراتيجيا لهم وانزلوا فيه قواتهم فجرفوا المكان لمكاتبهم و لمهابط الهليكوبترات وتم تفتيت ماهو موجود ليتم ملء اكياس السواتر بها، مزيلين بذلك ما يشير الى الحضارة البابلية عبر الآثار. وبلغ عدد المواقع التي دمرها المحتل بشكل مباشر سبعة مواقع، متجاهلا بذلك القانون الدولي الذي ينص على أن استخدام المواقع الأثرية التاريخية كقواعد عسكرية، خلال فترة الاحتلال، انتهاكاً لميثاق لاهاي وبروتوكول عام 1954 وأن من واجب ادارة الاحتلال اتباع كل السبل لحمايتها.
واصلت الحكومات العراقية المتعاقبة سيرورة التخريب أما بشكل مباشر لأسباب طائفية أو إسطورية أخرى، أو غير مباشر بالإهمال وغض النظر عن مخاطر غياب الحماية للمواقع الآثارية التي كانت لعقود أو قرون بعهدة السكان المحليين الموثوقين بدعم وإشراف حكومي. استمر حفر ونهب المواقع الأثرية من قبل عصابات التهريب التي غالبا ما تتم بالتعاون مع رجال الأمن والشرطة. وتم ترك المواقع بلا حماية مما جعلها عرضة للسرقة والاتجار في الاسواق المحلية والعالمية. والتهم الفساد الحكومي ميزانية الدولة ليرمي كل ما له صلة بالثقافة وحماية الموروث الثقافي جانبا. فصارت الآثار والتحف تباع في الاسواق العالمية عبر شبكة الانترنت باسعار بخسة. وطال التخريب التماثيل والنصب والجداريات التي كانت تزين العاصمة بغداد . واذا كان الداعشيون قد حطموا تماثيل متحف الموصل لأنها تشغل الناس عن عبادة الله فأن طائفيي النظام رأوا في قطع رأس تمثال أبو جعفر المنصور، مؤسس مدينة بغداد، ثأرا لابد من نيله حتى بعد ألف عام. مما يذكرني بما كتبه د خالد عزب ( مكتبة الاسكندرية)، عن موقف العرب التاريخي بالآثار، قائلا: «لقد اهتم الأقدمون به، وبخاصة العرب، ونلمح هذا في العديد من الاطروحات في تاريخنا. فحينما شرع المعتضد بالله في هدم السور المحيط «بالمدينة المدوّرة» في بغداد، التي شيّدها ابو جعفر المنصور، هبّ البغداديون غضباً، وساروا الى الخليفة فقالوا: «يا أمير المؤمنين، فخُرنا، وذكرُنا، ومآثرُنا»، فأمر بوقف الهدم، وترك السور على ما هو عليه». وقد أعاد رئيس «حركة النهضة» الإسلامية في تونس، راشد الغنوشي، الى الأذهان موقف العلماء والصحابة من الأرث الحضاري في تعليق له على متحف الموصل، متسائلا: «هل الدواعش أعلم وأفقه من أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وجميع العلماء والصحابة الذين عاشوا في العراق أرض الحضارات، ولم يفكروا أبدا في تدمير إرث العراق الحضاري.. هؤلاء لا يمتون إلى الإسلام بصلة».
اذا ما نظرنا، اليوم، الى خراب العراق البشري والعمراني وتلاشي معالمه الحضارية، سنرى ان بعض الخراب قد مس الناس انفسهم. وهو نتيجة طبيعية لسنوات الحروب والحصار والاحتلال وما ترتب عليه من خيبة مستمرة لا تترك فسحة للامل. أما الخراب العمراني والتطهير الثقافي وما يحمله من عمق تاريخي وحضاري، فانه ضرورة من ضرورات ديمومة الأحباط لدى الشعب ودفعه الى القبول بكل ما يقدمه اليه المستعمر واتباعه. ليست صدفة، اذن، ان يستخدم المحتل مصطلح بناء «العراق الجديد»، لتوصيف استراتيجيته. ان مسح ما هو موجود على أرض البلد المحتل من آثار ومبان ونصب هو مسح للذاكرة والهوية الوطنية . وهو خطوة ضرورية لتصنيع الهوية الجديدة المستندة على تفسيرات «تاريخية» مستحدثة . وهو مماثل لما يقوم به الكيان الصهيوني تجاه الفلسطينيين. اذ يقوم بجرف القرى والمدن الأصلية وبناء مستوطنات لبلد يستند الى تاريخ ملفق لا اساس له.
ازاء الهجوم المكثف على تاريخ العراق وهويته، من جهات عدة، تجمع ما بين الاحتلال بانواعه وما أفرزه الاحتلال من حكومات طائفية وميليشيات وداعش، هل سيبقى العراق وما تبقى من أرثه الحضاري ميراثا لاحفادنا؟
ان استعادة العراق لاستقلاله والمحافظة على وحدته عبر حكومة وطنية ولاؤها الاول والاخير للعراق، هو المقياس. حينئذ، لن يكون مستحيلا، اعادة البناء وحماية الموجود والتنقيب والبحث بأيد عراقية، مهما كانت الخسائر الحالية.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة

 

 

الطائفية من ولاية الفقيه

إلى الدولة الإسلامية

 

هيفاء زنكنة

 

من مفارقات جغرافية وكينونة العراق، ان يكون بلدا تظلله، على اختلاف المسافة، ثلاث دول تستند بوجودها على الدين والطائفة، وليس الى مبدأ المواطنة وحق الإنسان في العيش حرا في بلده. فالكيان الصهيوني يستند الى اليهودية كقومية وأيران الى الطائفة الشيعية وولاية الفقيه والسعودية الى الطائفة السنية والوهابية. صراعات هذه الدول فيما بينها تتحكم، بدرجات متفاوتة، فيما يجري داخل العراق . بعضها تاريخي يعود الى قرون مضت والبعض الآخر، كما الكيان الصهيوني، حديث نسبيا. يضاف الى هذا المثلث، الأطماع الامبريالية واهدافها الثابتة تاريخيا للهيمنة على النفط والغاز، وتسويق السلاح، وحماية الكيان الصهيوني في آن. يتم تحقيق الهيمنة بذرائع يتم انتاجها وتبديلها حسب الحاجة، من خلال سلطات محلية يفضل أن تكون مؤقتة، تحكم بالنيابة وتتميز بإستعدادها للقمع بأشكاله، مهما كان الثمن وانعكاساته على البلد وأهله ومستقبله، مقابل الثروة والسلطة الفاحشة اليوم وليس غدا.
من هنا نشأت الحاجة الى تكريس الطائفية، وكان للاحتلال الانكلو أمريكي، دور فاعل بجعلها جزءا لايتجزأ مما بقي من تشكيلات يطلق عليها اسم مؤسسات الدولة والحكومة . الا ان جهود المحتل والاحزاب الطائفية باءت بالفشل، خلال سنوات الاحتلال الاولى، وبقي الصراع الطائفي محصورا ضمن طبقة الساسة واتباعهم المنتفعين بدون ان يغرز جذوره في تربة المجتمع. أثبت المجتمع وعيه المتقدم حتى على الاحزاب اليسارية والقومية ناهيك عن الأحزاب الطائفية التي هي بأمس الحاجة الى مد جذورها داخل المجتمع والادعاء بتمثيله. لمواجهة الفشل في زرع الطائفية، كان على القوى الخارجية ذات المصالح المتنافرة أحيانا والمتقاربة أحيانا اخرى، ان تعمل بسرعة فتم تعيين جون نيغروبونتي، عام 2004، سفيرا للمحتل ليقوم بنقل تجربة فرق الموت والتفجيرات والخطف التي اقترن اسمه بها في أمريكا اللاتينية،على مدى ثلاثين عاما، الى المناطق والمدن العراقية الرافضة للتقاتل الطائفي المطلوب.
مما يذكرنا بما قامت به الحركة الصهيونية، عام 1951، حين قامت بتفجير كنيس يهودي، بمنطقة البتاويين ببغداد لترويع اليهود الرافضين للهجرة والمصرين على عراقيتهم، ونجحت بتهجير آلاف اليهود، ساعدهم في ذلك رئيس الوزراء العراقي الذي وضع قانون اسقاط الجنسية بإيعاز من السفير البريطاني لتشجيع الهجرة اليهودية الى فلسطين . ونجح نيغروبونتي بعد غزو 2003 باثارة النعرة الطائفية وتصعيدها، من خلال تعيين زميله السابق في إدارة فرق الموت بأمريكا اللاتينية الكولونيل ستيل كمستشار أمني للحكومة العراقية . و تركز عمل ستيل على تأهيل فرق الموت العراقية مباشرة، أو بشكل غير مباشرعبر إختراق ميليشيا فيلق بدر وجيش المهدي لأغتيال مقاتلي المقاومة بدعوى تصفية رموز الحكم السابق الذي نسب الى الطائفية.
ضمن هذه المعطيات الداخلية والخارجية المتداخلة، كيف ننظر الى الطائفية؟
أثبت ما يزيد على العقد من الاحتلال وحكوماته المتكونة من طرفي المحاصصة الطائفية، بالاضافة الى لعبة الجذب والدفع بين أمريكا والسعودية وأيران، وما ترتب على ذلك من خلق الميليشيات وفرق الموت والعمليات الخاصة، ان الطائفية اداة أيديولوجية للهيمنة والسيطرة على السلطة وموارد النفط العراقي عبر آليات مختلفة من بينها الاستخدام العاطفي للدين، الادعاء بامتلاك الدعم الآلهي على الارض متمثلا بولاية الفقيه عند الشيعة وطاعة ولي الأمر عند السنة، الاحساس بالغبن التاريخي وتجييش العواطف تبعا لذلك. ولايمكن تحقيق هدف أيديولوجية الطائفية في الهيمنة السلطوية الا من خلال خلق قاعدة جماهيرية ذات هوية طائفية، توفر، خاصة في حال غياب الدولة وحقوق المواطنة، الاحساس بالانتماء الى مجموعة محددة تحمي نفسها بالتضامن مع بعضها ظالمين كانوا أم مظلومين، وما توفره المجموعة من حماية في شبكة علاقات اجتماعية تتميز بالطقوس، والاحتفالات، وتسهيل المعاملات، وتوفير فرص العمل. ويكون ثمن الانتماء الطائفي المحدد هو الغاء «الآخر». لا يتم الالغاء دفعة واحدة، خاصة، اذا كان المجتمع عريقا في تنوعه الديني والعرقي كالعراق. بل يتخذ الألغاء اشكالا مختلفة وبمستويات متفاوتة. يبدأ، عادة، بالتهميش المعيشي أو عدم توفير فرص العمل للجميع حسب الكفاءة، ثم الأستهداف السياسي وتوجيه التهم الجاهزة، التخويف والترويع للاجبار على النزوح القسري والهجرة، الحصر ضمن غيتوات او مناطق مغلقة، ارتداء ازياء معينة للدلالة على التمايز، الخطف والاعتقال العشوائي والتصفية الجسدية، وترويج الأشاعات لأثارة الخوف من « الآخر» وتجريمه .
ان الغاء « الآخر» يصبح سهلا اذا ما تم جعله محط اسقاطات غير مستساغة أو «منحطة» اجتماعيا وسياسيا ودينيا. حينئذ يجرد من انسانيته. لايعود «الآخر» انسانا بل «شيئا» أو مجرد كتلة جسدية تحتل حيزا من الفضاء الذي يجب امتلاكه والهيمنة عليه. انه عائق يجب ازالته وان يكون، في الوقت نفسه عبرة لـ «الآخر». لأزالته تستخدم كل الطرق المتاحة ومنها التقطيع والتشويه والحرق. وهذه أصبحنا نشاهدها اليوم كأفلام رعب يمثلها قتلة الدولة الإسلامية. لكننا يجب الا ننسى ان سابقاتها منذ 2003 كانت فرق الموت الامريكية والميليشيات المدعومة ايرانيا التي وفرت لغرض الترويع أمثلة، لاحصر لها، في الجثث التي تم التمثيل بها تقطيعا وحرقا.
لقد اعتبر جندي الاحتلال الامريكي قتل العراقيين عاديا «لأنهم ليسوا بشرا»، كما قال ستيفن دل الذي قام مع خمسة جنود آخرين بقتل الطفلة عبير الجنابي وحرقها بعد اغتصابها مع شقيقتها هديل (8 سنوات) ووالديها، عام 2006 . أما الآن، فأن مقاتلي الدولة الاسلامية يتفننون بتطوير اساليب من سبقهم، بشكل يجمع ما بين بشاعة جرائم المحتل وفرق الموت والارهاب، والاخراج الاستعراضي الهوليودي. انهم يلتفون بقناع طائفي ويدعون امتلاكهم قوة ألهية لتكفير «الآخر» وبالتالي انزال العقاب به سواء كان العقاب حرقا أو قطعا للرأس. «الآخر»، بالنسبة اليهم، عائق يجب التخلص منه لنشر ايديولجيتهم في مسار الاستيلاء على السلطة.
كيف ننجو من ايديولوجية الطائفية وجرائمها التي باتت تمس كل شرائح المجتمع؟
ان التعافي من أي ظاهرة مضرة وأجرامية، بشكل جذري وليس الادعاء بذلك بشكل تزويقي، يتطلب النظر في اسبابه في الحاضر والماضي مع تفادي العيش في ماضي يكاد يكون أسطوريا وضبابيا نسجته الفرق الدينية والسلطات المتناحرة عبر القرون . وبدون هذا التمييز بين ماض مؤرخ قريب يمس حياة الناس، وبين الماضي السحيق اصبحت محاولة الفهم، المطلوبة للتخلص من الطائفية، مجرد استرجاع لقصص متناقضة وتبرير للفشل وغسل اليد من مسؤولية الاخفاقات الحالية، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. فالاتكاء على الماضي والتماهي معه والتركيز على مأساة حقيقية كانت أم وهمية، افضل شاغل عن ر