الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

في مكتبه بالجامعة الأميركية في بيروت (حسين بيضون)

 

ساري حنفي: كلفة الاستبداد على الواقع العربي باهظة جداً

بيروت ــ عصام سحمراني

أصبح الأستاذ في علم الاجتماع في "الجامعة الأميركية في بيروت" ورئيس تحرير مجلة "إضافات"، الفلسطيني ساري حنفي، أول رئيس عربي للجمعية الدولية لعلم الاجتماع. تحاوره "العربي الجديد" حول أهمية هذا المنصب، خصوصاً بالنسبة للقضايا العربية التي حملها في أجندته الانتخابية، وحول قضايا سوسيولوجية وأكاديمية مختلفة

1- نبدأ من الجمعية الدولية لعلم الاجتماع بالذات، فما أهميتها وتأثيرها؟
الجمعية الدولية تأسست عام 1948 بدعم من اليونسكو، أي في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وما شهدت من إنشاء لمؤسسات دولية لها دور في السلام العالمي. كانت الفكرة هي الخروج من البوتقة التي بنت الخطاب "القومجي"، باعتباره هو الذي لعب دوراً في الأزمات بين الشعوب التي أدت إلى الحرب العالمية الثانية. وفكرة الجمعية بالذات تدويل العلوم، لأنّ فهمنا للعلوم هو فهم مرتبط بالإنسانية، فهي ظواهر موجودة في كلّ الأماكن وتنطبق عليها بعض القواعد، مع ملاحظة الفوارق ما بين القواعد الفيزيائية والقواعد السوسيولوجية. أهمية الجمعية أنّها تنتقل من الاختزالية القومجية في فهم الظواهر الاجتماعية باتجاه الانفتاح على البعد الإنساني. 

2- ما هو الأثر الذي يمكن أن يقدمه تسلّمكم رئاسة الجمعية الدولية لعلم الاجتماع طوال أربع سنوات مقبلة (2018- 2022) على مستوى القضايا العربية، لا سيّما أنّكم ضالعون ومهتمون شخصياً بقضايا اللاجئين وحركة المقاطعة والبحث العربي، وهي قضايا تتخذ عدة أبعاد؛ سياسية، واجتماعية، وأكاديمية؟
أجندتي الأساسية مبنية على ثلاث نقاط: أولاً "الجنوب الكوني"؛ إذ أنوي أن أجعلها أكثر تعددية، كي يتسنى للباحثين من جميع الدول، خصوصاً دول الجنوب، المشاركة، وليس فقط من خلال أوراق بحثية، بل على مستوى الإدارة واللجان المنبثقة عن اللجنة التنفيذية.. وهكذا. ضمن هذه النقطة يأتي العالم العربي، فهو مهمّش على صعيد مؤتمرات الجمعية. خذ مثالاً على ذلك، مقارنة مشاركة إيران وتركيا وإسرائيل في الشرق الأوسط بمشاركة كلّ العالم العربي، ففي المؤتمرات السابقة للجمعية، كان هناك خمسة مشاركين عرب فقط، مقابل 40 إيرانياً، و60 تركياً، و70 إسرائيلياً. هناك مشكلة اللغة، فأغلب المحاضرات بالإنكليزية ثم بالفرنسية والإسبانية؛ إذ إنّها اللغات الرسمية للجمعية، لكن هذا لا يمنع أنّ هناك تقصيراً في العالم العربي. دوري هو دفع المشاركة العربية، وأسجل هنا شكري للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية الذي أعطى منحاً لـ 8 باحثين عرب للمشاركة في المؤتمر، فارتفعت مشاركة العرب هذا العام إلى 10 أشخاص، وهي زيادة مهمة، لكنّه يبقى رقماً صغيراً. 
ثانياً، علم الاجتماع تاريخياً بصفته مناصراً للمجتمع المدني اتخذ الاتجاه اليساري، وهو أمر جيد، لكن يجب أن ننقده عندما يصبح هذا الاتجاه اختزالياً في النظرة إلى إمبريالية معينة، واختزالياً في المبالغة في فهم دور الاستعمار في إنتاجنا المعرفي، من دون الأخذ بعين الاعتبار المقاربة ما بعد الاستبدادية، فلكي نفهم الإنتاج المعرفي العربي يجب أن نأخذ بعين الاعتبار المقاربة ما بعد الكولونيالية، وكذلك المقاربة ما بعد الاستبدادية. مثال على ذلك: كيف نفهم الإنتاج المعرفي في بلد مثل سورية؟ هل فعلاً مشكلتنا كانت في أنّ أدواتنا التي نفكر بها هي أدوات فيبر ودوركهايم وبارسونز؟ لا، ربما أعيب على جامعتي (دمشق) أنّها لم تدرّسني جيداً منظّرين مهمين في النظرية الاجتماعية كابن خلدون ومالك بن نبي، لكنّ المشكلة الأساسية كانت في القمع الفكري وعدم إمكانية النشر إلاّ بما ترضى عنه الدولة، وتغييب كامل لسؤال الاقتصاد السياسي وقضية الاستبداد. إذاً، لا يمكن أن أفهم مسألة الإنتاج المعرفي في سورية من دون الأخذ بعين الاعتبار، وبشكل أساسي، الاستبداد أكثر مما يتعلق بأدوات الهيمنة الكولونيالية التي أجبرتنا على قراءة مواد معينة. والمثال عن سورية، لكنّها مشكلة عربية عامة، فدرجات الاستبداد في العالم العربي متفاوتة، وحتى في ظل الديمقراطيات هناك جوانب لم تدخلها الديمقراطية. فالديمقراطية مبنية على مبادئ معينة: حرية الرأي، تدوير السلطة، حرية العمل السياسي، وجود مجتمع مدني فعال، ويمكن أن نرى جوانب لا حرية رأي فيها، إذ من المسموح أن تتحدث بحرية رأي، لكن ممنوع أن تنتقد إسرائيل، إذ يتهمونك بمعاداة السامية، أو يقولون لك إنّ هناك قانوناً يحظر ذلك. لا نتحدث عن الاستبداد كمؤسسة كلية، بل عن الاستبداد داخل الديمقراطية. إذاً النقطة الثانية في الأجندة هي إعادة تظهير خطورة الاستبداد ودوره في تشكيل المعرفة السوسيولوجية. 
ثالثاً، في كلّ دول العالم ليست المشكلة فقط في إنتاج المعرفة بل في استخدام المعرفة. فالمعرفة لمن؟ ولماذا؟ فإذا كانت المعرفة للناس لا بدّ من البدء بالبحث الأكاديمي في مجلات مرموقة وبعدة لغات، لكن لا بدّ من حوار مجتمعي كي يستفيد الناس من البحث. النقطة الثالثة هي التأكيد على أهمية الأثر الاجتماعي للبحث العلمي، الذي يتطلب أدوات وسيطة، وقد أعلنت عن بوابة إلكترونية للأثر الاجتماعي للبحث العلمي في العالم العربي قبل 6 أشهر، وهذه البوابة ستكون لجميع السوسيولوجيين في العالم، إذ لا يكفي أن تنشر أكاديمياً، بل أين مساهماتك في صفحات الرأي ومشاركاتك التلفزيونية، وكيف تشارك في مرحلة اتخاذ القرار من خلال التوصيات والتفاعل مع المعنيين في الموضوع الذي تبحثه. 

3- في هذا الخصوص، هل يمكن الدفع باللغة العربية أيضاً في الجمعية؟
بدأت المجلتان الصادرتان عن الجمعية "السوسيولوجيا الراهنة" و"السوسيولوجيا الدولية"، في استقبال مشاركات مكتوبة بالعربية أو بغيرها، وتجري عملية التحكيم بلغة المشاركة الأصلية، لتجري بعد ذلك ترجمتها. كذلك، لدينا نشرة "الحوار الكوني" تصدر حالياً بـ17 لغة، من بينها اللغة العربية. وقد أذهلني كرئيس تحرير لمجلة "إضافات" بدء استخدام الباحثين العرب أدبيات أجنبية من خلال هذه المقالات، لأنّها مقالات قصيرة لسوسيولوجيين من العالم، وليس فقط المعروفين، بل من البرازيل والمكسيك والمجر مثلاً. مثل هكذا مطبوعة ساهمت في حوار جنوب- جنوب وليس فقط جنوب- شمال. 

4- من هنا ننتقل إلى واقع علم الاجتماع العربي، خصوصاً أنّكم تتولون منصب نائب رئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع، ورئاسة تحرير مجلة "إضافات، المجلة العربية لعلم الاجتماع"، بالإضافة إلى العمل الأكاديمي كرئيس لقسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والدراسات الإعلامية في الجامعة الأميركية في بيروت، بالإضافة إلى المساهمات البحثية العديدة والمتنوعة. فكيف تقرؤون هذا الواقع على صعيد البحث السوسيولوجي العربي وتأثيره في القضايا الكبرى؟
بدأت بالحديث عن مشكلة تؤرقني كثيراً لها علاقة بسيرة حياتي، إذ وُلدت وترعرعت في بلد فيه استبداد، بالإضافة إلى وراثتي هوية اللاجئ عن أهلي، فكانت لي حساسية خاصة للقضية الفلسطينية وقضية الصراع العربي - الصهيوني. فالاستبداد خطير جداً في العالم العربي، والخروج منه صعب جداً إذ شهدنا على صيرورته، وكيف أدى إلى حرب أهلية في سورية في المرحلة الثانية من الثورة، والأمر نفسه ينطبق على ليبيا واليمن. هناك دور للنفط ضد الديمقراطية، فدول عدة لعبت دوراً في الثورة المضادة والانقلابات، كما دعمت الإمارات والسعودية عبد الفتاح السيسي في مصر مثلاً. كلفة الاستبداد على الواقع العربي باهظة جداً. العالم العربي لديه مشكلة الفقر وعدم توزيع الثروة. فعلى مقياس "معامل جيني" يظهر الفارق الكبير جداً بين أغنى 5 في المائة وأفقر 5 في المائة في بلدان مثل مصر وتونس والمغرب واليمن. هناك أيضاً مشكلة طبقات اجتماعية، ففي لبنان مثلاً، الذي أعيش فيه، هناك تعاضد بين الطائفة والنخبة الاقتصادية المهيمنة، إذ لا يمكن أن نفهم ديناميات الفقر في لبنان من دون الأخذ بعين الاعتبار المؤسسة الزبائنية التابعة للطائفة والمؤسسة الزبائنية التي أنتجها التفاوت الطبقي. فأيّ تحليل جدي يجب أن يتناول النظام الطائفي، وفي الوقت نفسه الرأسمالية الجشعة التي لم تلعب فيها الدولة دور ضبطها. ففي النظام الرأسمالي تلعب الدولة دوراً أساسياً في ضبط وقوننة المنافسة الحرة، وحين تغيب القوننة تنمو الكارتلات والاحتكارات الفظيعة، وهو ما يفسر أنّ في لبنان أغلى خدمات هاتف محمول، فأين دور الدولة؟ أحاول أن أقول إنّ في العالم العربي إشكاليات لا يمكن فهمها إلاّ من خلال مقاربة ماركسية لأهمية صراع الطبقات والتفاوت بين الطبقات الذي يخلق مشاكل كثيرة، فقد أدى غياب العدالة الاجتماعية إلى الثورات العربية في أكثر من مكان. 

5- فهل المقاربة الماركسية هنا تدخل فيها متغيرات أخرى عدا عن الاقتصادية؟ 
في المجتمع العربي لدينا ثلاث مقاربات. تحدثنا عن الماركسية، لكن هناك أيضاً مقاربة تتعلق بالثقافة ودور الدين، فالدين يلعب دوراً أساسياً في ثقافتنا. وفي الوقت نفسه، هناك نخب يسارية تتشكل أخذت عن الغرب معاداة الدين، وهناك كثير من الباحثين في جامعات العواصم العربية من هذه النخب. فالمشكلة بين هؤلاء وبين شرائح واسعة من الناس تتبنى لغة مختلفة كثيراً عن لغة العلوم الاجتماعية يلعب خطباء الجوامع والمعرفة الدينية دوراً كبيراً فيها. وبالتالي، تتشكل نخب لا تتحاور مع بعضها، وعندما يأتي مجال للتغيير تدخل هذه النخب في مطاحنة قد تؤدي إلى انقلابات عسكرية، إذ يدّعي العسكر عندها أنّه أعلى من الخلافات بين هذا الفريق وذاك، كما في حالة مصر. إذاً، المطلوب من علم الاجتماع أن يلحظ أهمية الظاهرة الدينية وكيف ندخل علم الاجتماع الديني في كليات علم الاجتماع، وكيف نفهم القرآن والحديث بما يتناسب مع فهم الواقع، وكذلك، كيف ندخل العلوم الاجتماعية في كليات الشريعة أيضاً، وهو مشروعي الكبير حالياً، أي ربط العلوم الاجتماعية بالعلوم الدينية. الأديان تلعب دوراً أساسياً، فكيف نتعامل مع ذلك؟ يجب أن نواجه هذه القضية، ومواجهتها تكون أولاً وثانياً وثالثاً بالحوار، وليست على طريقة النعامة، وليست على طريقة نظرية العلمنة التي تفصل تماماً ما بين الفضاء العام المدني والفضاء الخاص الديني. كلّ النظريات الحديثة، كما خوسيه كازانوفا الذي يتحدث عن نظرية ما بعد العلمنة، ويقول إنّ الدين موجود طوال عمره في الثقافة العامة، فهو الغائب الحاضر في الفضاء العام. لذلك، لا أحبّ مصطلح "الإسلام السياسي" كأنّنا نقول إنّ الحركات الإسلامية لا يمكن أن تكون سياسية، فهي سياسية في التعريف مثل أيّ اتجاه إيديولوجي، إذ بإمكاني أن أنتقد توجهاتهم السياسية، لكن لا يمكن أن أقول لهم بادئ ذي بدء إنّ الإسلام بعيد عن السياسة. الأديان كلها تلعب دوراً في السياسة، فأنا مطلع تماماً على إسرائيل التي لديها نخبة علمانية مهمة، لكن كلّ سياساتها مربوطة بفهم معين للدين اليهودي وشعب الله المختار. 

6- في هذه الحالة، هل تذهب إلى أنّ الإسلام واحد، وليس هناك إسلام "معتدل، وسطي، سلمي، ديموقراطي، تنويري" بل كلّه متطرف كما يقول علي حرب؟
أشير أولاً إلى أنّني اكتشفت إنسانية علي حرب الكبيرة قبل أشهر في ندوة في الكويت، علماً أنّني من قارئيه. لكنّني أختلف معه في هذه النقطة وفي نقطة أخرى. في تلك الندوة، كنت أتحدث عن مفاهيم النهضة العربية المعاصرة وكيفية ربط العلوم الاجتماعية بالعلوم الدينية وإصلاح الفكر الديني، فرفع يده وقال: "من قال لكم إنّنا يجب أن نصلح الفكر الديني، دعه في ظلاميته كي نتخلص منه". لا أتفق مع ذلك، فهو يذكرني بمشهد من مسرحية، يقول: "أريد أن أغير كلّ الشعب" فهذا الشعب موجود بخيره وشره وهو متدين ويجب أن نتعامل معه، وفي لبنان اكتشفت كم أنّ المسيحيين متدينون أيضاً. إذاً، أختلف معه في نظرته إلى أهمية الظاهرة الدينية. كذلك، لا يمكنني أن أقول إنّ الإسلام واحد وكلّه هكذا، فما يحصل الآن في الإسلام حصل في كلّ الأديان والأيديولوجيات، فكيف تحولت الأيديولوجية القومية إلى معادية للحريات؟ بذلك، لا يمكنني أن أقول: أنا أرفض القومية العربية. كذلك، استخدمت المسيحية واليهودية كلغة كولونيالية. ففي جنوب أفريقيا كلّ حجج الاستعمار كانت تطهير الأرض من الوثنية. في كلّ الأديان والأيديولوجيات هناك لحظات يمكن أن تكون فيها فاشية، معادية للإنسان، ومعادية للحريات، ويجب تخليصها من هذه اللحظات. من خلال دراستي خطب الجمعة أشهد على خطورة اللاعقلانية فيها، وتعليم الناس على السمع والطاعة من دون حجة. يمكن أن أقول إنّ هناك مشكلة في طريقة تعلم الإسلام في مجتمعاتنا، لكن، لا أذهب مذهب علي حرب لأقول إنّ "كلّه عند العرب صابون" وكلّ الدين واحد وهو لا يؤدي إلاّ إلى "داعش"، فهذا الكلام غير صحيح. 

7- استكمالاً للحديث عن الإنتاج المعرفي، ذكرتم في كتابكم المشترك مع ريغاس أرفانيتس "البحث العربي ومجتمع المعرفة، رؤية نقدية جديدة"، تحت عنوان "الثقة بالعلوم" أنّ "في الوطن العربي، قلّ الباحثون الأفراد المهتمون بنقد علاقة العلم والبحث والتكنولوجيا بالمجتمع، ولم يستطيعوا أن يشكلوا حركة اجتماعية حول هذا الموضوع". أولاً، ما هو تفسيركم لقلّة هؤلاء الباحثين حول هذا الموضوع على أهميته؟ ثانياً، ما هي نتائج غياب هذا النقد على مستوى المجتمع؟
الثقة بالعلم لها طقوسها. إذ يجب تدريب الناس على المعرفة العلمية، وهو تدريب معاكس لنظرية المؤامرة. فمثلاً كيف ننظر إلى اليمن وسورية. فكأن الناس لديهم عدد من الصناديق هي صناديق الخير والشر، وفقط تضع الفاعلين في هذا الصندوق أم ذاك. هذا فشل للباحث الاجتماعي العربي في تدريب العامة على فهم صراعات معقدة مثل صراعات الوطن العربي الحالية. لهذا أتكلم عن طقوس للثقة بالعلم، أنّ العلم له بياناته وطريقته، فهل هذا متوفر في تلفزيوناتنا وإذاعاتنا وجرائدنا؟ مثال، في فرنسا عندما كانت قضية الحجاب الإسلامي، أسس الوزير لجنة أنجزت تقرير وايت بيبر على أساسها اتخذ القرار، وكان دائماً يعود إلى هذا التقرير. وفي مؤتمره الصحافي كان كلّ الباحثين الاجتماعيين معه. أما في لبنان في حلّ مشكلة النفايات، أين التقارير؟ أنا أعلم أنّهم طلبوا مثلها، لكن لم يخرج وزير ليقول إنّ هذا قرار باحثين مثلاً. الثقة بالعلم لها آلياتها وطقوسها، وهي غير موجودة لدينا، لذلك فإنّ الربط بين المعرفة وتطبيقاتها ربط ضعيف جداً. 

8- هل يمكن أن نربط مجدداً بين الاستبداد والعلماء هنا؟
سايكولوجية المستبد أنّه إنسان مكتفٍ بذاته، فهو يشعر أنّه أفهم من الآخرين، هو خائف ويبني حوله حاشية ممن يصفقون له. أتحدى إذا كانت مأسسة اتخاذ القرار ملحوظة في أيّ بلد عربي، باستثناء تونس والمغرب. هذا الأمر مرتبط بالاستبداد العربي. 


9- بالانتقال إلى الجانب الأكاديمي، في رأيكم، أين يذهب كلّ هؤلاء الخريجين العرب من أقسام علم الاجتماع في الجامعات العربية بعد تخرّجهم، علماً أنّ كثيرين من بينهم ينهون مرحلة الماجستير؟ هل هناك شرخ ما بين عدد الخريجين السنوي من جهة، والمراكز البحثية والمؤسسات الرسمية التي يفترض بها أن تستوعبهم بعد التخرج وتستفيد من إمكاناتهم العلمية والبحثية من جهة أخرى؟
من المفترض أن يذهب خريجو علم الاجتماع إلى ثلاثة أماكن: أولاً، الثقافة العامة، فيجب أن نعترف أن ليس كلّ ما ندرسه يجب أن يؤدي إلى سوق العمل، فهناك فن ليبرالي تقدمه الجامعة تخلق بموجبه أشخاصاً لديهم فكر نقدي، ويستفيد منه الرجل والمرأة في تعليم أبنائهم، وحتى يستفيد المجتمع منه في حال اتخذ سبيل النشر. ثانياً، يرتبط علم الاجتماع تاريخياً بمشروع الدولة للتحديث، كما فعل لبنان في عهد فؤاد شهاب (رئيس الجمهورية 1958- 1964)، من خلال تأسيس معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية الذي يهدف إلى إيجاد أشخاص يجرون استبيانات ويتجهزون لمشروع التنمية للدولة، وبالفعل، هناك من يعملون هذا العمل حالياً. ثالثاً، الدور النقدي، وهو ما لا تتوافر فيه فرص عمل كبيرة في العالم العربي، بسبب الاستبداد، إذ من يتبع ذلك يجد نفسه مهمشاً خارج المؤسسة، أو ينتقل من وظيفة إلى وظيفة من دون ثبات. 

10- بخصوص الدراسة في اختصاص أو اختصاصات علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية، هناك نظرة عامة، ولا أقول علمية، أنّ هذه الاختصاصات هي اختيار الطلاب الذين فشلوا في الانتساب إلى اختصاص آخر، فما تعليقكم على هذا؟ وهل من آفاق لتغيير مثل هذه النظرة؟
عندما ننظر إلى توزيع الموارد البحثية، يتضح لنا أنّ هناك، عبر التاريخ، إهمالاً لكلّ العلوم الإنسانية، فيحصر البحث العلمي في البحث الفيزيائي والكيميائي والبيولوجي والبيئي، من دون النظر إلى البحث السوسيولوجي. مع العلم أنّ العالم اليوم ينتقل إلى البينية بين العلوم، فلا دراسة للبيئة من دون استخدام أدوات علم الاجتماع. لكن، وبكلّ أسف، ما زالت السياسات العلمية العربية تهمش العلوم الاجتماعية، ففي الدول التي توجهك بحسب علاماتك تجد في أسفل السلّم الشريعة وعلم الاجتماع، اللذين يفترض أن يكونا مؤثرين من خلالك كخطيب جمعة، أو من خلالك كباحث نقدي للمجتمع وللسلطات كالدولة والمؤسسة الدينية المحافظة. مع ذلك، أقول إنّ الواقع العربي ليس مأساوياً في ما يتعلق بالعلوم الاجتماعية، خصوصاً في المغرب العربي، تحديداً تونس والمغرب، فهناك استطاع الباحثون أن يلعبوا دوراً رئيساً في عقلنة بعض السياسات. وقد وجدنا دوراً للباحثين الاجتماعيين في مرافقة الثورات العربية أيضاً، وهو الدور الهام والأساسي الذي لعبه، مثلاً، عزمي بشارة أيضاً في مرافقة الثورات العربية عبر قناة الجزيرة. 

11- بما أنّنا تطرقنا إلى الربيع العربي، هل فشلت ثوراته وانتفاضاته، في رأيكم السوسيولوجي؟
إذا لم تأتِ الثورات العربية أُكُلها إلاّ في تونس، وإلى حدّ ما في المغرب عبر الإصلاح الذي يجب أن يكون أكبر أيضاً، فهناك فشل للمشروع السياسي العربي. لكن، أدّعي أنّ هناك صيرورة جديدة معرفية، أو ثورة معرفية، فهناك ما انكسر في المجتمع، وهناك لأول مرة حوارات تجري الآن، لم نكن نسمعها إلاّ بين نخب كبيرة. مثال أول، هو الحديث عن الدولة المدنية، فلأول مرة أصبح الحديث عن فصل الدين عن الدولة يتجاوز النخب الصغيرة، وكأنّ هناك توجهاً لأخذ العلمانية من دون تجربتها الاستبدادية. مثال آخر، تقسيم المتدينين وغير المتدينين للنساء بين محجبة وغير محجبة، فلدى المتدينين يمثل الحجاب العفة والطهارة، ولدى غير المتدينين يمثل استعبادها. سابقاً، تحول الحجاب إلى رمز خطير، مع جانب قمعي في الاتجاهين، لكن الآن، لم يعد موضوع الحجاب بمثل هذا التضخيم الهائل. أختار كلماتي بدقة، فالحجاب مهم لدى المتدينين، لكن عرف بعضهم أيضاً، أن ليس في إمكاننا تقسيم العالم ما بين محجّب وغير محجّب، وهو ما بيّنه حزب النهضة في تونس الذي رشح امرأة غير محجبة، وكشف أنّه ليس حزباً للنساء المحجبات حصراً بل لجميع النساء. 

12- إذاً، ليس بالضرورة أن تقوم ثورات جديدة في الدول التي شهدت ثورات وفشلت، لكن الأهمية هي في التغيير المعرفي- الاجتماعي الذي حصل، وإن فشلت الثورات؟
تماماً، لكن هناك فكرة هامة جداً، وهي زمنية الثورات. فمثلاً، الثورة الفرنسية استمرت 82 عاماً. إذاً، لا يجب أن نجلد أنفسنا في النظرة إلى الثورات العربية. وحتى في انتفاضة هامة جداً بالنسبة لي هي الانتفاضة السورية، وهناك الآن عنجهية للنظام في الحديث عن انتصاره على المعارضة المسلحة، فإنّي مقتنع بأنّ النظام لا يمكن أن يحكم بالحديد والنار كما حكم في الخمسين سنة الماضية، ويوماً ما سيؤدي ذلك إلى إعادة الاعتبار إلى أهمية المجتمع المدني والتعددية والعلمانية. 


المصدر: العربي الجديد - لندن
https://www.alaraby.co.uk/file/getcustom/d59964c7-e47e-4c19-8e67-a8521e8f43ba/a2121204-f377-466a-80dc-a97ade40acf8

13- في الحديث عن سورية، تبرز أزمة اللاجئين، لكنّي سأسأل عن اللاجئين الفلسطينيين، انطلاقاً من سيرتكم بالذات، فما هي مآخذكم على النموذج اللبناني مقارنة بالنموذجين السوري والأردني مثلاً؟
هذا الموضوع عملت عليه طويلاً، وكنت قد أطلقت حملة كبيرة في العقد الأول للألفية هي "الحقوق المدنية والاجتماعية الاقتصادية الفلسطينية" في لبنان، وقد أسميناها بذلك، ليس لأننا لا نؤمن بحق العودة، بل لأننا نرى أنّ هناك عدم توازن في خطاب حق العودة، إذ كان يتخذ شكل خطاب تخديري، يستخدمه أقصى اليمين كحال جبران باسيل الذي يحكي عن حق العودة من الصباح حتى المساء على طريقة (اليميني الفرنسي) جان ماري لوبان الذي قال في أحد خطاباته: "أحب الأجانب كثيراً... أحب الأجانب كثيراً" وبعد صمت تابع: "... لكن أحبهم عندما يكونون في بلادهم". جبران باسيل أيضاً يحب الفلسطينيين والسوريين كثيراً، لكن عندما يكونون في بلادهم. أنا مستاء كثيراً من الطريقة التي تعاملت بها السلطات اللبنانية مع الفلسطينيين منذ عام 1948، فحرمانهم من الحقوق جعل رد فعلهم عنيفاً، فتحالفوا مع نصف اللبنانيين ضد النصف الآخر، وربما هو خطأ كبير، وأنا مسرور بإعلان عباس زكي في بيروت الذي اعتذر عن الدخول في الحرب الأهلية اللبنانية. لكن، في كلّ الأحوال لبنان نموذج تمييزي جداً في كيفية التعامل مع اللاجئ. تاريخياً، جرى الحديث فقط عن اليمين اللبناني المسيحي، لكنّ الجديد في كتاباتي، من خلال تحليل مضمون الخطاب، أنّ اللاجئين الفلسطينيين ليسوا على أجندة تيار المستقبل، أو حزب الله أو حركة أمل، فكلّهم عندما نأتي إلى موضوعات مثل حق العمل وحق التملك، لديهم موقف مخزٍ، علماً أنّني كنت مفاوضاً بخصوص حق العمل والتملك مع حزب الله ومع تيار المستقبل و14 آذار، وكلّ من تحدثنا معهم كانوا يضعون اللوم على اليمين اللبناني، لكنّهم جميعاً لا يضعون الفلسطينيين على أجندتهم، ولبنان لطالما كان استثناء إذا ما قورن بتعامل الأردن وسورية تاريخياً مع الفلسطينيين. 

14- سؤال أخير أذهب إليه من خلال اسم "ساري" بالذات، ففي جنوب لبنان، مقام معروف باسم النبي ساري، وهو يضمّ ضريحاً، وبات يضم مصلى ومزاراً توفى النذور فيه، بل إنّ "بركاته" تحمل طابعاً انتقامياً أيضاً، إذ تكثر حوادث السير على الطريق السريع المحاذي له والذي يقال إنّ أرضه اقتطعت من أرض المقام المبارك. سؤالي هو عن مدى فعالية علم الاجتماع والبحث العلمي عامة بما يحملان من طابع حداثي، في التأثير في البنية التقليدية العربية، وبالتالي في الذهنية التي تحمل طابعاً خرافياً سحرياً يتجلى في أشكال عدة؟
لا بدّ من إعادة الاعتبار إلى الدين الشعبي. ففي أميركا اللاتينية، ما زال الدين الشعبي ممأسساً وموجوداً في الحاضر ووجدان الناس في طقوسه وغيرها، وهو ما يظهر في الكرنفالات. في وطننا يجب أن نعيد الاعتبار إلى الدين الشعبي، على أنّه موجود، وليس معنى ذلك الترويج له. جزء من ذلك ظاهرة الأولياء والزوايا، وقد اختبرت في قراءاتي أنّ طرق المتصوفة لم تكن طرقاً للحضرات فقط، لكن كانت أيضاً منتجة لمعرفة معينة، فمثلاً ابن عربي ربط الفلسفة بالعلوم الإسلامية، وجلال الدين الرومي ربط المعرفة الدينية بالمعرفة الأدبية. التصوف تاريخياً كان ظاهرة هامة جداً، وتحوّل إلى شكل من أشكال الدين الشعبي الذي تختلط فيه الأساطير وقهر الفقر وقهر الاستبداد، وانطواء الذات العربية إلى أيّ فضاء تجد فيه روحانيات تحميها من مجتمع جشع وقمعي واستبدادي. وظاهرة الصوفية تتكاثر بأشكالها المختلفة، ومنها ما هو عقلاني، ومنها ما هو قريب إلى الإسلام العامي، وما هو أقرب إلى الفولكلوري الطقوسي. في هذا الإطار، فإنّ علم الاجتماع الديني هو أهم أداة لفهم التدين المعاش، الذي يمكن أن يكون لا علاقة له بالدين الأساسي. فمثلاً، كيف استخدم اليسوعيون في أميركا اللاتينية علم الاجتماع وأجروا استبيانات لفهم تديّن الناس. كذلك، يعلمنا علم الاجتماع احترام الآخر، أي التعددية، وأنا أسمّي علم الاجتماع "علم تأخير الحكم القيمي"، بمعنى أن نعرف كيف لا نبدأ بالحكم القيمي؛ ألاّ نبدأ بإدانة المثليين جنسياً، مثلاً، بل بفهم الظاهرة، وإذا كان لا بدّ من حكم قيمي فيكون في النهاية، علماً أنّي لا أدعو إلى مثل ذلك الحكم، سواء سلباً أم إيجاباً.

 
نبذة
البروفيسور ساري حنفي، رئيس الجمعية الدولية لعلم الاجتماع المنتخب أخيراً، هو أستاذ علم الاجتماع في "الجامعة الأميركية في بيروت" ورئيس تحرير "المجلة العربية لعلم الاجتماع، إضافات". حنفي فلسطيني الأصل، نشأ كلاجئ في سورية، ودرس في جامعة "دمشق" ثم في فرنسا، قبل أن يستقرّ في لبنان منذ عام 2005، وهو بالتالي يمثّل فلسطين، وسورية ولبنان في الوقت عينه. يعتبر حنفي الباحث العربي الأول الذي يحتل هذا المنصب، بعدما تولاه باحثون أميركيون وأوروبيون سابقاً.

 

 

 

 

سلامة كيلة: مآزق الأيديولوجيا

الماركسية تقدم لنا منهجًا يسمح بدراسة الواقع وفهم مشاكله وبالتالي البحث في طرق التطوير

اليسار أصبح لا يمتلك رؤية حقيقية للواقع،

 أصبح يعيش بأوهام ثقافوية أو سياسية تجعله بعيدًا عن حركة الشارع والصراع الواقعي

لا إمكانية لديمقراطية في مجتمع ريعي يهيمن عليه بنى مجتمعية لم تتطور

الفكر الإسلامي دعوة نكوصية

 

إشكاليات عدة يواجهها الفكر العربي منذ عصر النهضة لا تزال تطلّ برأسها وتتعمق أبعادها حتى بات الحديث عن أزمة الفكر العربي حديثًا معتادًا مكررًا اعتاد المثقفون أن يلوكوه بألسنتهم، فيما يظل الحديث عن تغيير فعلي محض أحلام، لم تنجح حتى ثورات ما أطلق عليه “الربيع العربي” في أن تدفع بالاتجاه نحوها.. أزمات تتعمق وأحلام تتهاوى وأيديولوجيات تتراجع لتحلّ محلها أخرى ربما تدفع بالأوضاع في المنطقة العربية نحو الأسوأ.

  حوار : حنان عقيل

 

في هذا الحديث مع المفكر الفلسطيني سلامة كيلة، الذي قدَّمَ العديد من الأبحاث والمؤلفات فيما يتعلق بالفكر العربي واليسار على وجه الخصوص، نحاول الولوج إلى الأسباب الكامنة وراء تراجع أيديولوجيات كانت لها الصدارة لتحل محلها أخرى لم تكن مطلبًا ثوريًا أو فكريًا بأيّ حال، لكنها شكّلت نكوصًا نحو الماضي بعدما صار الواقع بأسئلته الملحّة عصيّا على التفسير أو الفهم.. نبحث في جذور الأزمات التي تتبدى لنا الآن أوراقها الذابلة لنرى أي سبيل يجب على الأنتلجنسيا العربية ومن ثم الجموع أن تسلكه كي تنجو من أزمات حاضرها المستعصية.

في كتابه “مشكلات الماركسية في الوطن العربي” يقول كيلة “بعد التاريخ الطويل لانتصار الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي ثم اكتساحها ما يقرب من نصف سكان المعمورة تهتز صورتها فلا تعود ذلك المثال النموذج، فيتقهقر الاندفاع العفوي بل إنه يتجه إلى اللاهوت ذاته، إلى الدين حيث أصبح يبدو المثال الممكن الوحيد، بعدما تهاوت الأمثلة وفرغت الجعبة من متاعها الحديث، لتبدو كسرة الخبز القديمة، المتلونة بعفونة القرون، هي الحل، لأنها تشبع معدة فارغة بغض النظر عما ستفعله بعد لحظات”.. وها نحن الآن نعيش تلك اللحظات التي تلت تناولنا لذلك “الخبز العفن” ونبحث عن سبل التعافي من ذلك المرض الذي بات ينهش الجسد العربي.

في حواره مع “الجديد” يوضح سلامة كيلة الأسباب التي دفعته للقول بموت اليسار والعوار الذي أصاب الماركسية “الرائجة” وكيفية تحقيق التقدم انطلاقًا من الحل الماركسي، ثم يمّم شطر التيارات الفكرية الأخرى كالقومية والعلمانية والتجديد الديني للبحث عن أوجه العلل بها، مقدّمًا رؤيته للواقع الراهن انطلاقًا من فهم تاريخ الفكر وراهنه.

النهضة المجهضة

الجديد: في كتابك “النهضة المجهضة” تؤكد على ضرورة نفي كل الاتجاهات التي تطالب بتبني أيديولوجيا معينة لأنها ستسعى لمطابقة الواقع مع الأيديولوجيا المتبناة مسبقًا وليس دراسة الواقع من أجل فهمه.. ألا يتعارض ذلك مع الدعوة السابقة بضرورة التفكير من خلال الحل الماركسي؟ وكيف يمكن التأسيس للمنهج الذي تدعو إليه من أجل تجاوز أزمات العرب الفكرية؟

سلامة كيلة: كل الأفكار المسبقة التي لم تنتج عن دراسة ظروف ومشكلات الواقع وبالتالي تقديم الحلول التي تخصه هذه هي الأيديولوجيا التي أرفضها. الماركسية تقدم لنا منهجًا يسمح بدراسة الواقع وفهم مشاكله وبالتالي البحث في طرق التطوير، وهنا نحن علينا أن نبني رؤيتنا لهذا الواقع والتي تسمح بنقله لمرحلة مختلفة، أن يحقق التطور الضروري في هذا العصر. المنهج أولاً ولا إمكانية لتحقيق التقدم عبر تطور رأسمالي، ومن ثم على الماركسية أن تبحث في حلول عن كيفية تطوير المجتمع انطلاقا من فهم مشاكله ودفعه نحو أن يكون مجتمعًا حداثيًا يسير نحو الاشتراكية.

الجديد: هل ثمة أفكار من اليسار تعتقد بضرورة التخلي عنها في الوقت الراهن انطلاقًا من رؤيتك لمشاكل الواقع وطبيعة تغيره؟

سلامة كيلة: كل الماركسية الرائجة أعتبرها خارج التاريخ، وبالتالي لم تقدم ما هو مهم وركزت على الجانب السياسي في الصراعات، وراهنت على تطور الرأسمالية وأن يتحقق التطور في ظل رأسمالية وهذا مشروع وهمي. الآن يعاد نفس الكلام الذي كان يقال منذ سنوات ويعتبر أن الديمقراطية هي التي تجلب التطور رغم أنه لا إمكانية لديمقراطية في مجتمع ريعي يهيمن عليه بنى مجتمعية لم تتطور بما يسمح بأن تمتلك مصيرها في الإطار الديمقراطي فتنتخب دومًا من يعبر عن مصالحها رغم أنها الآن تمتلك طريقها في الإطار الثوري.

لا إمكانية للأحزاب اليسارية القديمة أن تعيد بناء ذاتها لأن عقلها دوغمائي، وهي أحزاب هرمة ويهرب منها الشباب، لكننا نلمس أن الثورات فتحت أفقًا لشباب وجد أنه صنع حدثًا تاريخيًا، فبدأ يشعر أن عليه أن يلعب الدور. هذا المناخ هو الذي سينتج يسارًا أكثر عمقًا ومعرفة.

هناك العديد من الدول التي عملت على تعميم الميل الأصولي المتخلف في الدين منذ سبعينات القرن الماضي

اليسار الإسلامي

الجديد: في السبعينات من القرن الماضي برز تيار أطلق على نفسه “اليسار الإسلامي” حاول الجمع بين مبادئ الإسلام وأفكار اليسار.. ما هي إشكاليات ذلك التيار برأيك؟ وإلى أي مدى تعتقد بنجاحه فيما سبق أو إمكانية نجاحه مستقبلًا؟

سلامة كيلة: كان هذا التيار ظاهرة محدودة، بعضها من منظور براغماتي أكثر منه عميقا. وعمليا انتهت كل هذه الأفكار، لأن الإسلام منظور ليس عقائديا فقط لكنه مشروع مجتمعي محدد بنص قرآني مجرد أن يتحول إلى السياسة سيلتزم بالنص القرآني لأنه لا اجتهاد لما فيه نص، وبالتالي أيّ تفسير سيسقط بالضرورة أمام فقهاء الإسلام المكرسين عملياً للدفاع عن النص والأسس القديمة، مثلا راشد الغنوشي انتهى أصوليا عندما وصل إلى السلطة مثل غيره من جماعة الإخوان المسلمين، بالتالي هي فكرة جاءت في لحظة أمام هزيمة 67 وهزيمة المقاومة الفلسطينية في الأردن، كان فيها تراجع لليسار وميل من بعض اليساريين الذين شعروا أنهم لم يفهموا التاريخ أو وعي الشعب فعادوا للتراث العربي الإسلامي كي يفهموا التاريخ وواقع الشعب مثل حسن حنفي وطيب تيزيني ومحمود إسماعيل وحسين مروة وغيرهم.

تجارب ريفية

الجديد: في حديثك عن التيارات القومية العربية، قلت إن الأهداف القومية تحولت إلى شعارات وغدت المفاهيم القومية جزءًا من مركب ذهني غير واقعي.. إلام ترجع إخفاق التيار القومي العربي؟ هل هناك قصور في منطلقاته الفكرية أم أن البيئة العربية ليست مناسبة له؟ وهل تعتقد بضرورة إحياء التيار القومي لمواجهة فكر الإسلام السياسي والمآلات المأساوية التي ترتبت عليه؟

سلامة كيلة: المسألة لا تتعلق فقط بالأفكار، تتعلق بمصالح الفئات الاجتماعية التي أسست هذا التيار. التيار القومي العربي كان له شقان: البعث وجمال عبدالناصر، البعث حزب تأسس في أربعينات القرن العشرين ومؤسسوه كانوا شيوعيين واختلفوا مع الحزب الشيوعي اللبناني في نقطتين؛ الوحدة العربية والعلاقة مع الاستعمار. من هذا المنظور تأسس تيار فكري خليط من جهة هو اشتراكي لكنه اعتبر القومية هي الأساس، هذا الفكر تغلغل لدى فئات وسطى مدنية وبالأخص ريفية وبالتالي تغلغل في الجيش عبر هذه الطبقات الريفية، وهنا مجال التشابه مع التجربة الناصرية فكان عبدالناصر ليس عضوا بالحزب لكنه يعبر عن طابع الضباط الريفي، يعبر عن أزمة الريف نفسها.

المشكلة في هذه التجارب أنّها عبّرت عن تجارب ريفية تريد نفي الماضي الإقطاعي أو شبه الإقطاعي الذي كان يتحكم بها، لكنها كانت تريد الحصول على الأرض والارتقاء الطبقي حينما وصلت إلى السلطة وبالتالي الوصول السريع إلى الثورة والتحوّل إلى فئات رأسمالية جديدة، من هذا المنظور حققت إصلاحًا زراعيًا وقطاعًا عامًا واسعًا وتعليمًا واسعًا ومركز ثروة كبيرة بيد الدولة، وبدأت فئات تنهب الثروة وهذا ما سُمّي بالفساد، الأمر الذي أدى لنشوء رأسماليات جديدة من هذه الفئات، لهذا أشرت إلى أن أزمة ذلك التيار هي أزمة الفئات الاجتماعية التي حكمت أكثر منها أزمة فكر.

على العكس من ذلك، كان الفكر يعبّر عن أزمة هذه الأحزاب التي طرحت القومية لكنها أرادت التملك الخاص، لهذا تحولت الأفكار الكبيرة إلى شعارات لأن الأولوية لديها كيف ترتقي طبقياً وتحصل على الأموال من الدولة التي تحكمها وتغطي نفسها بشعارات ونظام سياسي، هذا هو جوهر إشكالية الفكرة القومية التي كانت مرتبطة بنفي الإقطاع وتحوّلت إلى شعار يغطي ميلها لتكون فئات مالكة وليست معنية بالحرية.

أما بخصوص فكرة الإحياء في الوقت الراهن، فالمسألة القومية مسألة واقعية بالمنطقة العربية، الوطن العربي وطن مفكك ومجزّأ له تاريخ، هناك لغة واحدة، وثقافة تكونت عبر التاريخ، كل هذه العناصر جزء من تكوين الشعب العربي. لهذا عندما كان أيّ شخص يريد تقديم مشروع تقدّمي كان ذلك من خلال المشروع القومي، وهذا ما فعله محمد علي باشا في محاولة تحقيق سوق عربية. المسألة القومية هي جزء من وضع الناس وبالتالي عندما نتحدث عن التقدم والتطوير الاقتصادي بالضرورة لا بد أن تطرح المسألة القومية لأنه لا إمكانية لبناء صناعة في أيّ دولة عربية دون سوق كبيرة، يرتبط الشعور القومي بالمشروع المستقبلي المتعلق بأن تطورنا وتحقيق استقلالنا متعلق بأن تصبح هذه المنطقة مرتبطة.

في جانب آخر، وفي سياق تطور الهويات بالمنطقة بالتأكيد كانت في مرحلة الهوية الدينية هي الطاغية لأن الأيديولوجيا التي تعمّمت هي الإسلام وبالتالي أصبحت الهوية إسلامية، وكان يجب إخضاع القوميات الأخرى ليس فقط بالدين ولكن بالأيديولوجيا. أصبح الإسلام هو الإطار الموحّد كبديل عن القوميات، رغم أن شعور القومية ظل ينخر حتى المنظورات الدينية. مع الميل للنشوء الحديث أصبح واضحاً أن المنظور الديني كهوية انتهى وبالتالي أصبح المنظور القومي كهوية هو الأساس، وهذا ما حدث في أوروبا بالأساس، وقام النظام العالمي على أساس الأمة، تصبح مسألة تحديد الهوية من منظور قومي هي الأساس والدين يكون شأنا شخصيا ومن هنا تطرح مسألة العلمانية.

العقل والدين

الجديد: تكرر دعواتك لضرورة أن تكون ثقافتنا العربية الجديدة نتاجًا للتفاعل مع الغرب من خلال الاستيعاب وليس النقل، هل من إشكاليات ما قد تترتّب على استيراد العلمانية بصورتها في الغرب للمجتمعات العربية دون تغيير؟

سلامة كيلة: الفكر لا يرتبط بثقافة ما، حينما أخذ الأوروبيون ثقافة ابن رشد لم يقولوا هي خاصة بثقافة عربية لكنهم انطلقوا منها لتأسيس فلسفتهم. لا نستطيع أن نقول إن العلمانية هي اختراع أوروبي، على العكس من ذلك، حين ندرس تطور الفكر نرى أنه في نهاية الدولة العباسية دار صراع أساسي بين الإيمان والإلحاد، وردّ الفكر الأصولي الإسلامي بالحرب ضد الفلسفة، وهذا ما قام به الإمام أبو حامد الغزالي حينما حرّم الفلسفة وصارت العلوم هي علوم الدين. بعد قرنين من الزمان رد على ذلك ابن رشد معتبرًا أنه لا تعارض أو تناقض بين العقل والنقل، بين الفلسفة والدين، على العكس من ذلك هما شكلان لحقيقة واحدة. هنا ابن رشد وضع العقل في مواجهة الدين، هذه الفكرة هي التي تطوّرت في أوروبا وأسست العقلانية، لأن المدرسة الرشدية هي التي أسست هذا الفاصل والتي فرضت بالضرورة الوصول إلى العلمانية. من هذا المنظور ليس هناك علمانية يمكن أن نخترعها من تراثنا، وبالتالي علينا أن ننطلق من هذا التراكم الفكري الذي تحقق في أوروبا.

طبعا هناك تشدّد في العلمانية في بعض البلدان مثل تركيا وفرنسا، سبب التشدد هو أن الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا بالأساس كانت شرسة في مواجهة الحداثة فأصبح رد فعل الحداثة هو كيف نحجم ذيوع الدين، وأصبح هناك اقتحام حتى المجال الشخصي للناس، هنا إشكالية تخلط بين الإلحاد والعلمانية، في الواقع فصل الدين عن الدولة هو أساس ضروري في أيّ دولة حديثة.

ملحدون وعلمانيون

الجديد: ولكن هل تعتقد بأن هناك فهمًا صحيحًا للعلمانية لدى مثقفي العالم العربي؟ أليست العلمانية كما يطرحها كثير من المثقفين متصادمة مع الثقافات المحلية للشعوب العربية خصوصًا ما يتعلق بالهوية والدين؟

سلامة كيلة: في العالم العربي هناك ملحدون وليس علمانيين، للأسف عدد من يطرحون الفكرة العلمانية بشكلها الصحيح محدود، لهذا نلاحظ الفكر الإلحادي وهو ردّة فعل معاكسة للدين. الميل المتشدّد للأصولية والتيارات الإرهابية والإسلام السياسي ينتج عنهم ردّ فعل طبيعي لدى الشباب معاد للدين، وبالتالي هذا التيار يخدم التيار الديني المتشدد وليس العكس، لأن الإلحاد هو الانطلاق من فكرة الله، الدين يقول هناك إله بينما يقول الملحد ليس هناك إله، وبالتالي المعركة في هذا الجانب هي معركة وهمية لأن الإشكال في المجتمع ليس في الدين.

من هذا المنظور يحصر النقاش في فكر الدين ويجري تجاهل كل الإشكاليات، هو تيار يخدم استمرار هذا الشكل من الصراع حول فكرة الدين. المشكلة الأساسية لدينا في العالم العربي في الظروف المجتمعية الصعبة، ولم يكن الدين هو السبب الأساسي الذي تسبّب في ذيوع انتشار الإسلام السياسي كما شرحت آنفا.

نحن لازلنا في منطقة ردود الأفعال ولازلنا نفكر بمنطق القرون الوسطى، منطق أرسطو: الخير والشر، مع أو ضد، وبالتالي هناك دائما هويتان متصارعتان، هذه إشكالية العقل العربي إلى الآن فهو لا زال يعيش كما السلفيين، وكان الفكر الماركسي القديم واقعا في نفس الإشكالية في التعامل من منطق ردود الأفعال. العقل العربي محكوم بمنطق القياس، لديه فكرة يريد أن يخضع الواقع لها، إما بالدين لدى التيارات الإسلامية أو بأفكار لدى التيارات الأخرى، نحن نعيش بالفكر الذي تبلور مع نهاية الدولة العباسية، حتى الدين الذي نعرفه هو الذي تبلور في تلك الفترة وأسس لفكرة خذوا الحقائق من الألفاظ، هذا أسّس لتحول الدولة إلى دين شكلي، وجاء إلينا ابن تيمية وخيرالدين التونسي بفتاوى هائلة تحرّم كل شيء، هذا الدين الذي وصلنا هو دين الانهيار ولا زلنا نعيش في هذه المرحلة.

إشكاليات التجديد

الجديد: كيف تنظر لمشاريع التحديث الداعية لتأسيس حداثة إنسانية إنطلاقًا من مبادئ الدين الذي يقدم له قراءة جديدة معاصرة؟ هل يمكن أن تساهم تيارات الإصلاح الديني التوفيقية في الخروج من مآزق الفكر العربي؟

سلامة كيلة: المشكلة بهذا الموضوع هل يجب أن نبقى داخل إطار الفكر الإسلامي أم نعتبر أن هناك تطورًا حدث ويجب أن نتجاوز هذا الفكر؟ هذه إشكالية كلّ التيارات التجديدية، وهي أنها تبقى الفكر والمنظور المنهجي الذي حكم هذا الفكر بالأساس وتحاول أن تناور عبر التأويل، ولكن كل هذا خارج الفكر الحديث، وبالتالي نظل ندور داخل نفس الدائرة، وفي هذه الدائرة يكون أيّ أصولي هو أكثر قوة من أيّ تجديدي من هؤلاء لأنه يعود إلى النص وضرورة التقيّد به.

الفكر الإسلامي أصبح متجاوزًا بالضرورة، التجديد يعني أن نعود إلى الماضي ونبحث في الماضي وهذا أمر سيبقينا في إطار الماضي ولن يسمح لنا بأن نتطور، لا أستطيع مثلا أن ألغي منظور الدين الإسلامي للمرأة لأنه واضح في النص، ما فعله شخص مثل محمد شحرور عندما أعطى تصورا مختلفا وفهما جديدًا للدين لن يقتنع به أحد خصوصًا عندما يأتي أحدهم ويثبت عكسه بنص. لقد ضاع وقت طويل في الحديث عن التجديد باعتقادي دون فائدة.

موضة بلا مستقبل

الجديد: لكن أليس لهذه التيارات التجديدية أهمية ما فيما يتعلق بإعادة بناء وعي المجتمعات وفهمها للدين في إطار حداثي بعيدًا عن المنظور السائد الذي بات غير مناسب للواقع؟

سلامة كيلة: ممكن جزئيا في بعض المسائل أن تلعب هذه التيارات دورًا في محاولة خلخلة الوعي التقليدي، وبالتالي تفتح أفقًا عند الناس أن تفكر بمنطق مختلف سواء في إطار الدين أو غير الدين، لكن هل ذلك يستدعي أن نحصر المناقشات لأكثر من عقود في هذه النقطة وكأنها هي الحل لكل شيء فيما كانت ولا تزال تتفاقم المشاكل المجتمعية والسياسية وغيرها. المشكلة هنا أن هذا الأمر أصبح “موضة” وكل شخص يتحدث في هذا الأمر لأن الإعلام يهتم به ومن هنا نحن ندفع الناس للاهتمام بشيء ليس هو الأساس أو الأهم بالنسبة إليهم.

حلول وسط

الجديد: لماذا ظل الفكر العربي عاجزًا عن تأسيس وعي مطابق “جماهيري” على مدار تاريخه؟ وما السبيل نحو تحقيق ذلك برأيك؟

سلامة كيلة: في المنطقة العربية مع الأسف كل ما طرح مع نهاية القرن التاسع عشر لم يحمل على مصالح طبقة برجوازية هو أصلا يعبّر عنها، هذا إشكال السيطرة الاستعمارية التي فرضت أن يتحوّل تراكم الرأسمال الموجود لدى كبار ملاّك الأرض، فبدل أن يذهب إلى الصناعة ذهب إلى التجارة والخدمات، وبالتالي لم يؤسس مجتمعًا بديلًا لأن ما يؤسس ذلك المجتمع البديل هو تغيير النمط الاقتصادي كله إلى نمط صناعي حديث، ما جعل هذه البرجوازية التي حاولت الاستقلال عن الاستعمار لا تحمل هذا المشروع وتريد السلطة لتعزز مصالحها ولا تريد أن تؤسس صناعة حقيقية أو مجتمعاً حقيقياً. على العكس من ذلك كانت تدعم الميول الأصولية وتريد أن يبقى المجتمع بشكله التقليدي وأن يتقدم جزئياً في بعض الزوايا التي تحقق مصالحها. من هذا المنظور هذا الفكر تهمش، أتت الأحزاب القومية بحلّ وسط، وشكَّلت دولة مختلطة من العنصرين فيها شيء من الحداثة وفيها كثير من التقليد، أرادت تغيير الواقع لكن إلى حسابها. ومن ثم دمرت التجربة نفسها.

الميل الأصولي

الجديد: في الوقت الراهن يشكل الإرهاب الخطر الأكبر على العالم فيما يتم تعزيز أطروحات تؤكد أن التنظيمات الإرهابية هي نتاج ثقافة العنف الموجودة في الفكر العربي. هل تتفق مع تلك الأطروحات؟ أم أن هناك أبعادًا أخرى ترى أنها تسببت في تغول تلك الظاهرة؟ وما السبيل لمواجهتها فكريا وثقافيا؟

سلامة كيلة: حينما نتحدث عن الإرهاب يجب أن نرى الظاهرة كشيء مركّب، وهذه مسألة جوهرية. هل في الإسلام عناصر تشير لما يمارس من قبل هذه التيارات؟ في كل التاريخ القديم كانت هناك ميول للعنف من قبل النظم، لم يكن هناك مفهوم اسمه ديمقراطية أو حقوق إنسان أو قيم المجتمع التي تبلورت في عصر النهضة وبالتالي فبالضرورة في أيّ قانون سنلمس وجود جملة هذه العناصر في العقاب والأحكام، وبالتالي في ذلك الوقت كانت هذه هي القوانين السائدة وكان هذا الوعي المجتمعي هو المستوى الذي يصله.

حينما نبحث في الوضع الآن، يجب أن نلمس الظواهر بدقة شديدة، هناك تيارات تميل للعنف؛ تيارات فكرية مثل الوهابية التي هي أساس مجمل التيارات الإرهابية، هناك ميل لتطبيق الأحكام الدينية بشكل ميكانيكي فظ، وعودة لابن تيمية ومنظور الغزالي في تبسيط مبادئ الدين كما أشرت من قبل.

الظاهرة القائمة الآن لا تتعلق بالدين الإسلامي ذاته لأن الدين الإسلامي أيضًا كان في المجتمع موجودًا منذ قرون طويلة وكان هناك تعايش مجتمعي ولم تكن هذه الظاهرة موجودة، حتى حينما كان يشار لصراع طائفي كان البحث في الظاهرة يشير إلى أنه خلف هذا الصراع بعض المصالح الطبقية والصراعات العشائرية وبالتالي الدين كان يؤخذ كشكل ما، غطاء ما لحالة واقعية.

مع الأسف هناك العديد من الدول التي عملت على تعميم الميل الأصولي المتخلف في الدين منذ سبعينات القرن الماضي، كان تعميم الوهابية عنصرًا أساسيًا في فكر بعض الدول التي كانت تريد أن تدمّر كل الفكر القديم وكانت تريد أن تهيمن أيديولوجيا على المجتمع العربي عبر هيمنة الوهابية التي كانت تدفع باتجاه الميل العنيف للهيمنة على المجتمع.

هذا الشكل من الدين أداة لعب بأيدي أجهزة مخابرات، والجماعات الإرهابية من القاعدة إلى داعش وغيرهما هي اختراع أجهزة مخابرات لكن مع انهيار الوضع الاقتصادي المعيشي والتعليمي والتهميش في مناطق اجتماعية معينة كان من السهل أن يستقطب العديد من الشباب في حالة صنعتها أجهزة أمنية ولم تصنع من هؤلاء الناس، لم تكن الظاهرة نتاجا واقعيا مجتمعيا بالأساس، إنما كانت فعلا خارجيا استقطب قطاعات شبابية.

الآن يجب أن نبحث في هذه الظاهرة من منظور سوسيولوجي وليس من منظور ديني، لأن الشاب البسيط المهمش الذي يريد أن ينتحر من أجل الجنة، حينما نحلل الأمر نفسيا نجد أن هذا الأمر هوس جنسي لأن البيئة التي يعيش فيها هي بيئة قهر وكبت في مجتمع عالمي مفتوح، الحل لدى هذا الشخص أن يوهم نفسه أن هناك جنة يفجر نفسه من أجل الوصول إليها.

هناك أيضًا فئات مهمشة تريد أن تظهر في الصورة، في الخمسينات والستينات من القرن الماضي كانت الفئات المهمشة تذهب نحو اليسار الذي كان الظاهرة البارزة الموجودة بالصورة، لهذا نجد أن الإعلام الغربي والإعلام العربي بشكل واسع ركز على هذه التنظيمات، هذا الجوّ يسمح لبعض الفئات المهمشة أن تعتقد بأن وجودها هنا يحقق لها ذاتها. من ثم المشكلة لا تتعلق بمحاربة التطرف. ينبغي عدم دعم الأصولية المتخلفة في الدين وأن يصبح هناك فعل لدمج الفئات المهمشة في الصراع الواقعي المجتمعي وهنا يأتي دور اليسار بالأساس.

صراع مجتمعي

الجديد: ماذا عن القول بأن الثقافة العربية تحمل جذور العنف بداخلها؟

سلامة كيلة: هذه إشكالية مطلوب أن نقتنع بها نحن بينما هي غير موجودة في الواقع، لو كانت هناك بنية عنيفة لكان المجتمع العربي تدمّر منذ مئات السنين. في مصر نشأت ظاهرة الصراع الطائفي والأصولي في الفترة من العشرينات إلى الخمسينات من القرن الماضي عن طريق الإخوان المسلمين بدعم من القصر والإنكليز، ورغم ذلك كان اليسار يهيمن أكثر. منذ السبعينات القرن العشرين بدأ الحشد في هذا الاتجاه، بالتالي بدأ الصراع الحقيقي في تلك الفترة، إذا كان الوعي المجتمعي في عشرينات القرن الماضي أبسط كثيرا منه في سبعيناته ولم يحدث صراع طائفي، لماذا حدث بعد ذلك؟ لأن هناك فعلًا مقصودًا، المجتمعات العربية الريفية علاقتها بالدين ليست متعصّبة، هناك تسامح كبير بالدين والمجتمع العربي كان في الغالب ريفيًا، كان هناك ميل للتشدد الديني في الفئات التجارية المدنية لكنها كانت محصورة في دائرة المدن لذا كانت هي قاعدة الإسلام السياسي. أيضًا في الإسلام توجد آيات بها تشدد وهناك آيات بها مرونة وبالتالي كيفية استخدام الآيات يتعلق بمنظور مسبق لدى الفئات التي توظّف هذه الآيات، من هذا المنظور يجب أن ننظر للمسألة من زاوية الصراع المجتمعي القائم وليس من منظور الإسلام كدين أو ثقافة.

الجديد: في ظل التحوّلات العاصفة التي تمر بها المنطقة العربية وتساهم في تحريكها قوى غربية، هل يمكن الحديث عن دور ما يمكن للمثقف أن يضطلع به في تلك الفترة؟ وكيف يمكن التأسيس لجهد ثقافي جمعي في ظل حالة الشتات والخلاف بين أفراد النخب العربية؟

سلامة كيلة: السؤال هو أي مثقف نقصد؟ كلمة مثقف عامة وفوق التيارات الفكرية أيضا لأن هناك مثقفا يدافع عن مافيا الفئات الحاكمة، ومثقفا يعتبر أن الليبرالية هي الحل الأساسي بينما هي التي دمرت مجتمعاتنا، وهناك مثقف يحاول أن يطرح مشروعًا وهميًا، فأيّ مثقف يجب أن نتحدث عنه؟

أولا: تطوير الثقافة والوعي الفكري من المسائل الضرورية المهمة وهي ناقصة في مجتمعاتنا العربية، ثانياً المثقف الذي يستطيع أن يلعب دورًا هو الذي يرتبط بواقع الناس ويستطيع أن يفهم مشكلاتهم ويطرح تصورات حقيقية لمشكلات المجتمع في مستوياته المتعددة، كل هذا من دور المثقف الذي يجب أن يعبّر عن فئات المجتمع. للأسف هذا التيار ضعيف لأن اليسار القديم لم يستطع أن يلعب دورًا لكن نأمل أن تكون الثورات العربية قد حركت فئات من الشباب لتؤسس لثقافة مختلفة ووعي مختلف، وأعتقد بأن الفترة القادمة ستشهد ذلك من خلال طرح مشروع بديل حقيقي وإقناع الناس بهذا المشروع لتحقيق تغيير حقيقي في المجتمع، ومن المفترض أن يصير هناك توحيد لتلك الجهود لأنه لا بديل عن ذلك.

قضية المعرفة

الجديد: تلك الثورات التي نعوّل عليها في خلق تيار ثقافي بديل لم تكن سببًا لتوحيد جهود الأنتلجنسيا العربية بل أثبتت فشلها في أن تقوم بدور حقيقي في عملية التغيير. كيف تنظر إلى المسألة؟

سلامة كيلة: لم تكن هناك نخب ثقافية حقيقية موجودة، النمط الثقافي الذي كان سائدًا عند المثقفين لم يكن يفهم الواقع جيداً، كان هناك استعلاء ما على الناس، هناك عيش في برج عاجي يجعل المثقف يفكّر فيما هو بعيد عن المجتمع، قلة من بقيت تحاول أن تدافع عن الناس، لكن ما أعتقد بأنه أساسي المثقف الذي يمكن أن يتبلور في المرحلة القادمة لأن هناك الآن أجيالا من الشباب بدأت في تشكيل وعيها انطلاقا من أسئلة الواقع ليس فقط من الكتب، الآن من يقرأ كتابا من الشباب يريد أن يجيب على أسئلته لا أن يعرف فقط، والفرق بين المعرفة وإنتاج الفكر مسافة كبيرة، هذه المرحلة هي التي يمكن أن تنتج فكرًا مختلفاً وتنتج نخباً من المثقفين على كافة الأصعدة، أهمّ ما حققته الثورات أنها أطلقت ميلًا شديدًا لدى الشباب للمعرفة والبحث عن إجابات لأسئلة الواقع وهذه أهم مسألة لأي إنتاج فكري.

أسلمة التحولات

الجديد: انفجارات “الربيع العربي” بدت فرصة سانحة أمام اليسار كي ينهض من كبوته. فلماذا فشل اليسار العربي في أن يتصدر المشهد فيما نجح تيار الإسلام السياسي؟

سلامة كيلة: لأمر يتعلق بالظروف التي سبقت الانتفاضات العربية، من يشاهد الوضع العربي منذ سبعينات القرن الماضي؛ التحولات التي جرت في الأنظمة التي كانت تعتبر ذاتها يسارية أو اشتراكية نحو تعميم الليبرالية، والتصالح مع العدو الصهيوني ثم بعد ذلك انهيار الاتحاد السوفييتي. كل ذلك كان يشير إلى أن الموجة التي بدأت منذ أربعينات القرن الماضي وتوسعت في الخمسينات منه والتي أظهرت أن اليسار قوة أساسية سيطرت، تلك الموجة انكسرت. والأنظمة التي ادعت اليسارية انهارت وأصبحت ليبرالية بالأساس، والأحزاب التي اعتبرت نفسها يسارية كانت قد انهارت أو ضعفت إلى حد كبير مع هذه الأنظمة. لهذا كان واضحاً منذ سبعينات القرن العشرين أن اليسار يتراجع، ثم جاء انهيار الاتحاد السوفييتي كي يضع أساسًا أكبر لتوضيح انهيار هذا اليسار وتلاشيه تقريبا وتحوّله إلى أحزاب صغيرة.

في المقابل بدأت موجة الأصولية في سبعينات القرن الماضي أيضاً عبر دعم الأنظمة، وعبر أيضاً ميل لتعميم اللبرلة قام على أساس تدمير التعليم، وبالتالي تسطيح ثقافة الأجيال الجديدة إلى حد أن الأجيال التي ظهرت في تسعينات القرن الماضي وبداية القرن الجديد كانت ضعيفة الثقافة للغاية، وأصبح هناك هروب من التعليم أصلاً، وعادت الأمية لدى قطاع كبير في المجتمعات، ارتبط ذلك بميل بعض المجموعات الإسلامية لأن تلعب دوراً سياسياً في فلسطين بالأساس؛ حركة حماس التي ظهرت كأنها البديل عن المقاومة الفلسطينية أعطت رمزية ما للإسلام السياسي بعد أن كان قد تلاشى في السنوات السابقة، ثم أتت أحداث 11 سبتمبر 2001 لتظهر كأن الإسلام السياسي مناهض لأميركا، في نفس الوقت الذي بدأت تنظيمات الإسلام السياسي تلعب على وتر الديمقراطية.

في هذا الوضع كان واضحاً أن هناك قطاعًا مجتمعيًا قد تأسلم مع انهيار التعليم وانهيار الوضع الاقتصادي، وأن الإسلام السياسي بدأ يتخذ شكل اليسار القديم حيث بدأ يظهر كمعاد للإمبريالية، معاد للدولة الصهيونية ومعاد للأنظمة وأنه ديمقراطي، وأصبحت هناك صورة حول الإسلام السياسي هي بالأساس صورة لليسار، من هذا المنظور كان يتوقع أن يتصدّر الإسلام السياسي المشهد مع قيام الثورات العربية.

ومع الأسف لعبت قطاعات من اليسار دورًا أساسيًا للترويج لهذا الإسلام السياسي والتحالف معه، من هنا جاء انتصار الإسلام السياسي خصوصا أن الثورات أوضحت أن اليسار قد مات لأنه لم يتوقّع الثورات أصلا، بعضه شارك لكن بشكل شكلي جدا وبعضه وقف ضد الثورات، ومن ثم كان أمام الناس التي شاركت في الانتخابات أن الإسلام السياسي برمزيته وبشكله الذي تبلور في العقود السابقة يمكن أن يحمل لها بعض الحلول، لذلك نجح الإسلام السياسي في أحد عناصره نتيجة هذه الرمزية، رغم أن الأمور كانت أبعد من ذلك، فالنظم القديمة أيضا دعمت نجاح الإسلام السياسي لأنها كانت تريد أن تقيم صفقة بين وجودها وبين الإسلام السياسي من أجل تجديد النظام السياسي وليس من أجل تغييره.

يسار بلا رؤية

الجديد: لكن ألم يكن المناخ الذي وفّرته الانتفاضات العربية من حرية ورغبة في التغيير فرصة للمّ شتات اليسار ولو بالقدر اليسير؟

سلامة كيلة: للأسف حينما قلت إن اليسار قد مات كنت أقصد هذه الكلمة، اليسار أصبح لا يمتلك رؤية حقيقية للواقع، أصبح يعيش بأوهام ثقافوية أو سياسية تجعله بعيدًا عن حركة الشارع والصراع الواقعي، لهذا عندما ندرس وضع اليسار بعد الثورات نجد أنه كان يحكمه مساران أو خياران: خيار أول يتعلق بالتحول إلى الليبرالية أو التركيز على الديمقراطية وبالتالي اعتبار الديمقراطية هي أساس نشاطه، وهنا كان يبتعد عن الناس لأنهم كانوا يعيشون وضعًا انهياريًا على المستوى الثقافي والتعليمي ويعيشون أزمة مجتمعية بكل معنى الكلمة، بينما اليسار كان يركز على الديمقراطية والحرية وهي مبادئ تتعلق بمصالح فئة وسطى تريد أن تلعب دورًا ما في الشأن العام والسياسي، هذا الشق كان بعيدا عن واقع الصراع. الخيار الآخر كان التركيز على شعارات كبيرة كالصراع ضد الإمبريالية، وبالتالي تحوّل نشاطه إلى شعارات بعيدة عن الواقع ذاته، فركز على ما هو خارجي وبعيد دون أن يلمس المشكلات المجتمعية.

من هذا المنظور كان اليسار بشقّيه لا يعي الواقع أو مشكلات الناس ولا يعتقد بأن الناس من الممكن أن تقوم بثورة، وهذا ما كنت قد ناقشته مع تيارات اليسار في ذلك الوقت، حاول البعض أن يلملم ذاته ولكن بقي محكوماً بأحد الخيارين، وظل مقطوع الصلة مع الأزمة المجتمعية العميقة التي تتمثل بالأساس في النمط الاقتصادي المهيمن في المجتمع.

رأسمالية بلا صناعة

الجديد: في كتابك “مشكلات الماركسية في الوطن العربي” قلت إن “كل الحلول التي تبحث في الاستقلال والتقدم خارج إطار الحل الماركسي غير ممكنة ولا تعدو أن تكون وهما، والحل الماركسي هو الحل الوحيد الممكن، ولا يمكن تحقيق التقدم إلا في إطار البحث في طريق الوصول إلى الاشتراكية”.. ما الذي يجعلك تقصر عملية التغيير والتقدم في الوطن العربي على الرؤية الماركسية في ظل الأزمات التي عانتها ولا تزال تعانيها في سيرورتها التاريخية؟

سلامة كيلة: حين نبحث في مشكلات الواقع الاقتصادية، نجد أن النمط الاقتصادي العالمي فرض تشابهاً كبيراً في أوضاع المجتمعات، كيف يمكن أن نحل مشكلة مثل البطالة؟ يجب أن ننتج وسائل اقتصادية تستوعب البطالة، وبما أن الصناعة تستوعب الحجم الأكبر من العمالة ينبغي أن تكون السياسة المتّبعة توسيع بناء الصناعة، هنا يطرح السؤال: هل الرأسمالية الحاكمة معنية بتطوير الصناعة؟ ما ظهر في السنوات الماضية أن تلك الرأسمالية هي التي دمّرت الصناعة، ولا توجد فئات رأسمالية أخرى يمكن أن تحمل مشروعًا صناعيًا، وحينما فكّر بعضهم مثل طلعت حرب انتهت التجربة وهزمت، يجب أن يكون بناء الصناعة خارج إطار الاقتصاد المفتوح. مع قيام الصناعة لا بد من حلّ مشكلة الفقر وإعادة بناء المجتمع على أساس يعطي للناس حقوقهم.

الجديد: تقصد أن الجانب الاقتصادي الذي تطرحه الماركسية هو الخطوة الأولى نحو التقدم؟

سلامة كيلة: بناء الصناعة حجر أساس، لكن القصة ليست أولاً وثانياً في التطور التاريخي إلا في إطار محاولات التطور العام، إذا أصبح هناك نظام معنيّ بتطوير الصناعة وبنائها وتغيير مجتمعي لا بد أن يعمل على إعادة بناء نظام التعليم، أيضًا سيكون مطلوبًا البحث في سبل تطوير الزراعة لأننا نحتاج أن نعيش في زراعات لا أن نستورد حتى الخبز، المسألة شاملة لكن النقطة الأساسية تتمركز حول كيفية بناء قوى إنتاج تسمح بتحسّن أوضاع الناس.

مرحلة النهوض

الجديد: أنت صاحب تجربة فكرية ثرية. ولدت في فلسطين وتنقلت بين عواصم عربية عدة. ما الذي منحتك إياه النشأة في فلسطين ثم التنقل ما بين بغداد وعمّان ودمشق والقاهرة؟ أيّ عوالم جديدة اكتسبتها ثقافتك مع كل ترحال إلى بلد عربي؟

سلامة كيلة: ولدت في مدينة بير زيت في فلسطين، عشت في مرحلة نهوض تحرّري عربي، والدي كان يعتبر نفسه ناصريًا رغم أنه لم ينتم للحزب، اللحظة التي شعرت فيها أنني تحولت من طفل إلى رجل هي لحظة هزيمة 5 يونيو/ حزيران، كان عمري آنذاك 12 عامًا، عشت بداية الحرب وبداية دخول الاحتلال الصهيوني، منحتني تلك اللحظة فهم لمعنى مواجهة إسرائيل وتحرير فلسطين والعمل بالمقاومة، وكانت بيئة بيتي تجعلني أفهم الأمور من منظور عربي.

منذ تلك اللحظة أنهيت نفسي كطفل وبدأت الاهتمام بالسياسة، بعد ذلك ذهبت إلى بغداد لدراسة العلوم السياسية بعدما صارت همّي الأساسي وكنت معنيا بهذا المشروع: أن أشتغل بالفكر السياسي وتغيير هذا المجتمع، أعطتني بغداد هذه الحالة من التركيز على الثقافة، كانت مكتباتها زاخرة بكل أنواع الكتب، وكنت معنيا بالقراءة في مختلف مجالات التاريخ والسياسة والفكر، كنت معنيا ببلورة بديل مختلف عن الأحزاب القائمة.

بعد ذلك جاء استقراري في دمشق وصرت جزءًا من حركة التحرير الشعبية العربية، دمشق تعطي حياة أخرى، فقد كانت جزءًا أساسيًا من حياتي، عشت مرحلة انهيار المعارضة السورية والأحزاب العربية، كان تركيزي على المستوى الفكري في القراءة والكتابة والبحث، وبدأت أصدر أول كتبي من دمشق في العام 1983 كان كتاب “نقد الحزب” لمناقشة بنية الأحزاب الاستبدادية وكيف تكون غير استبدادية، ومن هناك بدأت حركة النشر وعشت تقريبا عشر سنوات في دمشق ثم فترة الاعتقال ثماني سنوات، ثم بعد ذلك عشت ربيع دمشق بعد عام 2000 بعد موت حافظ الأسد، ومرحلة تمرير بشار كوريث، وبدأت حالة حراك كنت جزءًا منها وعضوًا أساسيًا بمنتدى جمال الأتاسي.

كيلة: لست من الأشخاص الذين يعملون في السياسة ولا يعرفون عواقب ذلك

منذ العام 2007 بدأت أشعر أن المنطقة العربية متجهة نحو الثورة، وبدأ عملي من دمشق على هذا الأساس؛ مدى إمكانية بلورة أفكار جديدة، وأصدرت سلسلة “كراسات ماركسية” لأنني كنت معنيًا بالشباب في الأساس. توقعت أن تنطلق الثورات العربية من مصر، وعندما قامت ثورة يناير في مصر كنت مشاركًا فيها، أيضًا شاركت فيما بعد في الثورة السورية ونشطنا في دعم لجان التنسيق بعيداً عن الأحزاب التي دخلت في متاهات، وأصدرنا جريدة “اليساري” وبعد العدد الثاني اعتقلني النظام على هذا الأساس. بعد ذلك كانت القاهرة خيارًا لي بعد عودتي من المنفى في الأردن لأنها توفر لي فرصة البقاء ضمن دائرة الصراع والتواصل مع الكتل السورية والمصرية.

تجربة السجن

◄ الجديد: تم اعتقالك مرتين من قبل السلطات السورية، الأولى في عهد حافظ الأسد والثانية بعد الثورة السورية.. ما تأثير تلك التجربة عليك؟

سلامة كيلة: على المستوى النفسي لم يكن لتلك التجربة تأثير كبير عليّ لأنني دومًا أعدّ نفسي لدخول السجن، لست من الأشخاص الذين يعملون في السياسة ولا يعرفون عواقب ذلك، فمن يغيّر المجتمع عليه أن يتحمل نتائج ذلك. طبعا تظل تجربة الاعتقال صعبة، فقد خرجت من سجن تدمر مريضًا بالسرطان فضلًا عن التعذيب والضرب الذي لقيته في المرتين، لكن كل شخص يمكن أن يستفيد من تلك التجربة بشكل أو بآخر، خلال فترة الاعتقال قرأت كمية كبيرة من الكتب لم يكن ممكناً قراءتها خارج السجن كما كتبت العديد من الكتب.

كنت شاعرا

الجديد: ما هي أبرز الكتب التي ساهمت في تشكيل وعيك الثقافي باكرًا في شبابك؟ وهل من أدباء بعينهم تفضل القراءة لهم سواء من العرب أو غيرهم؟

سلامة كيلة: في مرحلة الشباب كنت أقرأ الشعر، وكدت أصدر ديوان شعر لكنني تراجعت عن هذا المسار، قلت إن هناك شعراء كثر في العالم العربي لكنني أميل لشيء آخر أهم، قرأت لمعظم شعراء سبعينات القرن العشرين وكبار الروائيين المصريين. في الثمانينات من القرن الماضي قرأت روايات أكثر وشعرا أقل. في السبعينات من القرن العشرين قرأت ثلاثة كتب مثّلت أهم التيارات الفكرية: كتاب “البيان الشيوعي” لماركس وأنجلز، و”الميثاق” لجمال عبدالناصر، و”معالم الحياة العربية الجديدة” لمنيف الرزاز. وبدأت أقرأ في التاريخ، وقرأت الماركسية أكثر في العراق فضلًا عن التاريخ الفلسطيني والعربي، وكنت أربط مفهوم النظري بالواقع والتاريخ، وهو ما أوصلني لكون الماركسية منهج تفكير يتجاوز منطق الشكل لمصلحة فهم كلية البنية من السياسة والاقتصاد والتاريخ.

كاتبة من مصر

 جريدة (العرب)  ينشر الحوار بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا