الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

  

إبراهيم الزبيدي اعلامي عراقي من جيل الرواد يرأس تحرير جريدة اسبوعية تصدر في مشيغان بالولايات المتحدة

يكتب عمودا اسبوعيا في جريدة العرب اللندنية

مقالات سابقة

سوريا بين

 الضارب والمضروب

 إبراهيم الزبيدي

 من مجمل التصريحات التي خرجت من طهران حول الغزو الجوي الإسرائيلي الأخير لسوريا وتدمير 12 موقعا عسكريا تابعا للقوات الإيرانية ومليشياتها اللبنانية والعراقية لم نجد واحدا من جميع القادة النظام الإيراني يشير إلى علاقة إيران بها.

بالمقابل يباهي نتنياهو بأن إسرائيل "لن تسمح بأي تموضع عسكري إيراني في سوريا". ويقول: "أوضحنا للجميع أن قواعد الاشتباك الخاصة بنا لن تتغير بأية طريقة. سنواصل ضرب كل من يحاول ضربنا".

وكتب على صفحته على فيسبوك يقول، إن"إيران قامت اليوم بمثل هذه المحاولة. إنها خرقت سيادتنا. إنها أرسلت طائرة إلى أراضينا من سوريا. سلاح الجو أسقط تلك الطائرة، وضرب مركز السيطرة والتحكم الذي أطلقها. إسرائيل ضربت بقوة أيضا أهدافا إيرانية وسورية عملت ضدنا. هذا هو حقنا وواجبنا، وسنواصل ممارستهما وفق الحاجة. فلا يخطيءْ أحدٌ بذلك".

وليس هذا وحسب، بل وجه وزير الاستخبارات الاسرائيلي، يسرائيل كاتس، تهديدا صريحا لإيران قائلا: " إنها لو استمرت في التهديد والقيام بعمليات هجومية ضد إسرائيل من سوريا فان إسرائيل ستلقنها درسا لن تنساه ابدا".

وقال" إسرائيل غير معنية بالتصعيد، إلا أنها ستستمر في تطبيق الخطوط الحمراء، كما فعلت البارحة. إنها لن تُسلم بالتموضع الإيراني في سوريا، والمسّ بسيادتها، ونقل الاسلحة المتطورة لحزب الله في لبنان، وبناء القدرة المحلية لتصنيع وتطوير الصواريخ في لبنان، على يد ايران لحزب الله".

وهنا ليس ضروريا أن نشغل قراء العرب بالدوافع التي قادت إلى ما جرى بين إسرائيل وإيران وحزب الله والرئيس السوري الذي لأطلقت عليه صحيفة (قانون) الإيرانية لقب (الرئيس المخنث).

ورغم تسليمنا بأن غطرسة إسرائيل وتعدياتها على الدولة السورية، من نصف قرن أو يزيد، إجرام وعدوانٌ واستهتار وإهانة للسيادة الوطنية السورية، إلا أن العتب ليس عليها بل على النظام الذي يستأسد على شعبه ويتأرنب أمام المعتدين الغزاة، ولا يهمه غير بقائه في الحكم، ولو على الخوازيق.

فالطيران الإسرائيلي كان، ولا يزال، سيد الأجواء السورية، من أول أيام الحاكم الأب، وعلى مدى عُمر نظام وريثه، ولم يُغير طبيعته تلك حتى في ظل الوجود العسكري والأمني والسياسي للنظام الإيراني الذي ظل قادته العسكريون والمدنيون، معا، يفاخرون، في تصريحاتهم المتلاحقة، بقوة الدعم العسكري الذي يقدمونه لنظام الأسد.

 

ومن أهم تلك المفاخرت (العنترية) وأوضحها كان إعلانُ الجنرال محمد اسكندري قائد فيلق الحرس الثوري بمدينة ملاير في محافظة همدان وسط إيران الذي قال "إن الحرب في سوريا هي في واقع الأمر حرب إيران ضد الولايات المتحدة الأميركية".

ثم كشف قائد الحرس الثوري "حسين همداني" النقاب، بعظمة لسانه، عن تكوين 42 لواء و138 كتيبة تقاتل في سوريا لصالح بشار الأسد.

ومعروف أن قادة النظام الإيراني ومناصريه الإيرانيين والعراقيين واللبنانيين واليمنيين يبررون احتلالهم لسوريا والعراق ولبنان بأنه من أجل تحرير فلسطين، فلم يتوقفوا، منذ تسلم الخميني السلطة عام 1979، عن الهتاف بالموت لأمريكا، ولم يكفّوا عن التعهد بمحو إسرائيل.

وقد جاءتهم الفرصة الذهبية، مؤخرا، ماشية على يديها ورجليها، ولكنهم جبنوا ولم يترجموا تهديداتهم إلى جهاد إسلامي مقدس، كما كانوا يزعمون.

فإذا كانوا لا ينوون، ولا يجرؤون على رد الإهانة، في أقل تقدير، رفعا لعتب الجماهير السورية والإيرانية، فلماذا، إذن، تحرشوا بنتياهو، ولماذا أطلقوا طائرتهم المسيرة التي ثبت أنها مستنسخة من طائرة أمريكية من نوع Sentinel (الحارس) كانت قد أسقطت في إيران عام 2011؟

ولم يجد نائب القائد العام للحرس الثوري الإيراني، العميد حسين سلامي، ما يرد به على سؤال صحفي حول الغارات الإسرائيلية الأخيرة على المواقع العسكرية الإيرانية في سوريا سوى القول، وفقا لما نقلته وكالة أنباء تسنيم المقربة من الحرس الثوري: إن "إيران أصبحت قادرة على تدمير كل القواعد العسكرية الأمريكية بالمنطقة وإسرائيل".

وأضاف قائلا: "ليس لدينا تواجد عسكري في سوريا، وإن تواجدنا استشاري، حيث إن قدرة الجيش السوري على الدفاع عن أراضيه تكفي".

وقال: "أمريكا قامت بفرض حظرٍ على إيران، لكننا تقدمنا، واليوم يُمكننا، في هذه النقطة، تدمير جميع القواعد الأمريكية في المنطقة، وتحويل أرض الصهاينة إلى جحيم".

أما إسرائيل، من جانبها، فلم تشجب، ولم تندد، ولم تتوعد بأن ترد (في الوقت المناسب) على إسقاط إحدى طائراتها في سوريا بالمقاومات الإيرانية، بل هبت على الفور، وأرسلت طاراتها الحربية، علنا وفي وضح النهار، لتصفع الهيبة الإيرانية بسياطٍ من نار، ولتجعل السيادة الوطنية التي يتحدث عنها بشار الأسد خرقة بالية ليس لها قيمة.

ومنذ بدء النزاع في سوريا في 2011، وحتى يوم أمس قصف الطيران الإسرائيلي مئاتٍ من الأهداف العسكرية المهمة العديدة التابعة للجيش السوري ولحزب الله وإيران ومليشياتها في سوريا. وكثيرٌ منها لم تتحدث عنه إسرائيل.

ولولا خوفي من إطالة هذا المقال أكثر من اللازم لقدمت للقاريء سجلا موثقا بأخطر تلك الغارات على مطارات عسكرية ومدنية ومعامل أسلحة ومخابيء طائرات ومستودعات ذخيرة ومخازن صواريخ تحت أسماع الإيرانيين وأبصارهم، ومعهم حزب الله وباقي مليشياتهم الطائفية الإرهابية التي تباهي دائما بانتصاراتها البطولية، ولكن فقط على منازل السوريين التي هجرها شبابها ورجالها المقاتلون، ولم يبق فيها غير الأطفال والنساء والمسنين.

ومن عام 2011 وحتى أمس لم تردَّ القوات الإيرانية على أية غارة. أما نظام (الرئيس المخنث) فمن الثابت والاعتيادي أنه تعود على بلع الإهانات، أو على الزعم بأنه يحتفظ بحقه في الرد، ولكن في الوقت المناسب. وما زال العرب والمسلمون ينتظرون.

 في أربعينية

 مشروع الخميني

 إبراهيم الزبيدي

 

يقف النظام الإيراني، اليوم، على أعتاب أربعينيته التي يبدو أنها آتية ومعها ارتجاجات واهتزازات كثيرة يصعب عليه اجتيازها مثلما اجتاز ما قبلها.

ففي هذا اليوم، الحادي عشر من الشهر الحالي، تكون تسعة وثلاثون عاما قد صمدت خلالها فلسلفة الإمام الخميني في وجه العواصف التي ثارت في وجهها، حتى ظن ورثته المعممون المسلحون أنهم قد انتصروا فيها، وحققوا أهدافها، وتمكنوا من تصديرها إلى عواصم عربية مهمة، بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وأنهم أصبحوا أقرب، أكثر من أي وقت مضى، من استكمال احتلال عواصم عربية أخرى. حتى صدقوا أنفسهم وآمنوا بأن نظام إمامهم ووريث إمامهم سيُصبح، إن لم يكن قد أصبح فعلا، وليَّ أمر شعوب المنطقة كلها، والقادر على مناطحة القوى الدولية العظمى والانتصار عليها وإجبارها على الاعتراف به قوة إقليمية عظمى لا تقاوم.

وقد وقع في مثل هذه الوهم قبلَهم كثيرون، ثم اكتشفوا في النهاية أنهم كانوا يحلمون، وأن ما بنوه لم يكن أكثر من برج رملي على شاطيء بحرٍ هائج مسحته الموجة العاتية المفاجِئة، وهم غافلون.

ولا نريد هنا أن نفصل واقع الحال الذي جعل ورثة الإمام الخميني يتسللون إلى بغداد ودمشق، ويتمكنون من وضع أقدامهم في بيروت وصنعاء.

ولكن القاريء المتابع لأحداث المنطقة، في النصف الثاني من القرن الماضي، يعرف جيدا أنهم فشلوا في احتلال أية مدينة عراقية والبقاء فيها، رغم كل ما قدموه من قتلى ومصابين ومفقودين، وما أحرقوه من أموال طائلة لو أنفقوها على شعبهم لتمكنوا من احتلال قلوب المعوزين منهم، ولأغلقوا الباب على أية انتفاضات أو ثورات متوقعة ربما ستُسقطهم في يوم من الأيام.

فلولا الغزو الأمريكي للعراق، ولولا قرار الإدارتين الجمهورية والديمقراطية الأمريكية أن تغضا نظرَهما عن تدفق مليشيات النظام الإيراني ومخابراته، واستكمال هيمنته على الدولة العراقية بغطاء وكلائه العراقيين، لما تمكن من القفز من بغداد إلى دمشق، ومنهما إلى صنعاء.

ويكذب رئيس الوزراء حيدر العبادي، وينافق ويزور حين يدعي بأن  "نسبة تدخل إيران في صناعة القرارات العراقية يساوي صفراً".

فرفاقه (المجاهدون) في بدر والعصائب وحزب الله العراقي والنجباء وباقي مليشيات الحشد الشعبي لا يعترفون، فقط، بالتدخل الإيراني في كل صغيرة وكبيرة من شؤون العراق، بل يفاخرون بأن القرار النهائي في أي أمر عراقي كبير هو لولاية الفقيه.

وإيران، ذاتُها، وعلى ألسنة أغلب قادتها العسكريين والمعممين، تباهت مرارا وتكرارا بذلك التدخل.

ومؤخرا أعلن العميد حسين سلامي نائب قائد حرس الثورة، بصراحة، أن إيران تخطط لاستخدام الجيش العراقي في الدفاع عن أراضيها في صد أي هجوم أميركي عليها. مؤكدا أننا "نعتبر الجيش السّوري والعراقي العمق الاستراتيجي لنا".

ونكاية باعتراف العبادي الصريح بأهمية الدعم العسكري الجوي والبري الذي قدمته القوات الأمريكية والغربية الأخرى للجيش العراقي في حربه مع داعش، فإن قيادات مليشيات الحشد الشعبي تطالبه، وهو العبد المأمور، بطرد تلك القوات، وتهدد صراحة بقتالها إن لم تغادر قواعدها في العراق.

وسواء بقيت القوات الأمريكية أو غادرت فإن شيئا لن يحدث لتبديل الواقع المعاش في العراق. فإيران هي قوة الاحتلال الحقيقية الوحيدة المهيمنة على مفاصل الحياة المدنية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والتعليمية والثقافية فيه، ولا خلاص للشعب العراقي من أسرهاـ في المدى المنظور، بقواه الذاتية وحدها.

فإيران، بهيمنتها الكاملة على وزارة الداخلية والقوى الأمنية، لابد أن تكون وحدها القادرة على تقرير نتائج الانتخابات المقبلة، مهما بذلت القوى الوطنية التحررية من جهود. 

ومعنى هذا أن وكلاءها العراقيين، وكثير منهم يحملون الجنسية الإيرانية أيضا، باقون على رأس الوليمة، بل سيتسلمون مقاعد الأغلبية في البرلمان القادم، وسيكون الاحتلالُ الأجنبي الإيراني وجودا شرعيا بمباركة الممثلين المفترضين لإرادة الشعب العراقي.

ويتفق العراقيون والعرب والأجانب على أن سبيل الخلاص الأوحد الباقي لتحرير العراق وسوريا من هذا الواقع المزري لن يتحقق إلا بواحد من احتمالين،

إما أن يستبدل النظام الإيراني طبيعته العدوانية الاحتلالية بأخرى عقلانية واقعية مسالمة مع شعبه ومع دول الجوار، وهذا من رابع المستحيلات، أو أن يتحقق حلم الجماهير الإيرانية الديمقراطية وتهبَّ الانتفاضة الشعبية القادمة لتطيح بالنظام. وهذا أمر لا يتوقعه المتضررون من السلوك العدواني الإيراني وحسب، بل يحذر من حدوثه المحتوم قادةُ النظام الإيراني أنفسُهم، أكثر من غيرهم بكثير.

فقد أعرب رئيس مجلس خبراء القيادة الإيرانية، أحمد جنتي، عن قلقه بشأن مستقبل النظام في بلاده بعد الاحتجاجات التي طالب فيها المتظاهرون بتنحي المرشد الأعلى خامنئي، وأدت إلى مقتل وجرح العشرات، قائلا:

"أنا قلق بشأن ما سيحدث في الأعوام القادمة. علينا من اليوم أن نصل للشعب ونسمع آلامه، ولا نعزل أنفسنا عن المواطنين. الأوضاع المعيشية سيئة للغاية".

وذكرت وزارة الداخلية الإيرانية في تقريرها الذي رفعته إلى حسن روحاني أن "30% من الشعارات في الاحتجاجات كانت اقتصادية، و70% سياسية، وأن 75% من الناس كانوا متعاطفين مع المتظاهرين في 80 مدينة إيرانية".

هذا مع تزايد تأثيرات العقوبات الدولية على اقتصاد إيران المتعثر المُتعَب، وتراجع عملتها، وتوقف صادراتها النفطية والزراعية والصناعية إلى دول المنطقة، وازدياد المخاوف من اندلاع انتفاضة إيرانية في موسم الانتخابات المقبلة.

كل هذه العوامل، مجتمعة، تبرر لجوءَ القادة الإيرانيين إلى تأكيد تبعية العراق وسوريا لنظامهم، وتذكير أعدائهم، وهم كثيرون، بأنهم "قادرون على إطلاق عدد ضخم من الصواريخ، ومن كل الأنواع، في اتجاه أهدافها". و"ليس منطقياً أن يحصر أي بلد نطاق أمنه داخل حدوده، ونحن نعتبر الجيشين السوري والعراقي عمقنا الاستراتيجي".

والسؤال المهم، هل العراق وشعبه على موعد مع الحرية والانعتاق وانقشاع الكوابيس في أربعينية نظام الولي الفقيه؟ أللهم آمين.

 

 

أمريكا العراقية

 تقرر الرحيل

 إبراهيم الزبيدي

 

على عادتها أوقعت أمريكا العراقية أحباءها العراقيين والإيرانيين في حيص بيص.

فمسؤول في وزارة الدفاع يصرح بأن القوات الأمريكية سوف تبدأ بسحب قواتها تدريجيا، وسيبقى بعضها لتدريب الجيش العراقي، رغم أن  نائب القائد العام لحرس الثورة الايرانية العميد حسين سلامي يعلن صراحة، بنفس الوقت، أن الجيشين السوري والعراقي يشكلان العمق الاستراتيجي لإيران التي تقول إدارة ترمب إنها إرهابية ويجب ردعها وعقابها.

ومسؤول أمريكي آخر يلطف تصريح زميله فيُطمئن العراقيين قائلا، إن القوات الأمريكية لن تنسحب على الفور.

ومكتب حيدر العيادي يبشرنا بأكثر من ذلك، فيؤكد أن "القوات الأميركية المنتشرة في العراق شرعت بتنفيذ خطة لتقليص وجودها في البلاد."

ويقول المتحدث باسم حكومة حزب الدعوة "إن الخفض الذي يتم بالتنسيق مع الحكومة العراقية جاء نتيجة لانتهاء العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش، وبالتالي فلم يعد هناك أي مبرر لبقاء مستوى القوات الأميركية على حاله".

وفي الحالين، حالِ بقاء (بعض) القوات الأمريكية في العراق، أو حال رحيلها كلها، تُحرج أمريكا العراقية أصدقاءها العراقيين الذين ظلوا يؤكدون، منذ فوز ترمب بالرئاسة، أن الإدارة الجديدة حزمت أمرها، بجدٍ وتصميم، وقررت التصدي لإيران في العراق، زاعمين بأنَّ لهم علاقاتٍ خاصة مع الدائرة المختصرة المحيطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب. ولم يكتفوا بالعموميات، بل نشروا، بالتواريخ والأرقام والأسماء، سيناريو الحرب التي ستخوضها أمريكا ترمب مع إيران في العراق ابتداءً بتفليش الحشد الشعبي والمليشيات الإيرانية المتعددة الأخرى، وضبط الحدود العراقية مع دول الجوار، وبالأخص مع إيران، وقطع الجسر الذي أقامه النظام الإيراني بين طهران وشواطيء البحر الأبيض والبحر الأحمر بقوة السلاح.

ويبدو أنهم يعيشون في خيالات العصور الماضية، ويتوهمون بأن الرئيس الأمريكي قادر على أن يفعل ما تريد، متى يريد، وأينما يريد.

والذي يعيش في الولايات المتحدة الأميركية يعلم، أكثر من الذي لا يعيش فيها، بأن الذي يحكم أميركا ليس الرئيس ولا الكونغرس ولا أي وزير أو سفير، رغم أهميتهم، بل يحكمها الدولار وحده لا شريك له.

وللشركات الأمريكية الضخمة التي تُنتج سنويا ضريبة دخل بمئات المليارات من الدولارات وتقدمها للحكومة الفيدرالية لتمول بها نشاطاتها داخل أمريكا وخارجها أهداف ومصالح ومخططات قد لا تتفق مع تخيلات الرئيس ترمب وأمانيه، إن كان صحيحا أن له أهدافا مغايرة لأهداف تلك الشركات.

وليس سرا من الأسرار العصية أن تكون أمريكا الجديدة، كما كانت أمريكا القديمة، ولا تزال، بحاجة لإيران قوية مسلحة عدوانية في المنطقة، على الأقل في المدى المنظور.

هذا مع الإقرار بأنها تكره النظام الإيراني كره العمى، ولكنها لا تحب خصومه وضحايا إرهابه، كذلك.

ولتفسير هذه الأحجية نسارع إلى تذكير الجميع بسر إقدام صدام حسين على طرد الخميني وولده أحمد من النجف، عام 1978، ووضعِه على الحدود العراقية الكويتية، ثم تطوع فرنسا، بمباركة أمريكية بريطانية، لالتقاطه من الحدود، ونقله إلى باريس، ومنحه الحرية المطلقة في العمل السياسي المعارض لأسقاط الشاه، رغم أنه حليف معتمد في المنطقة لأمريكا وأوربا، وقدمت له من التسهيلات والإعانات والحمايات، وسمحت له بأن يستقدم الخبراء والمساعدين الذين يحتاجهم من شتى أرجاء العالم.

والسر الأخر الذي يحتاج إلى بلاغ مبين هو سر خداع الشاه وترحيله من إيران، ليهبط الخميني في طهران، بعد ذلك، ويتسلم السلطة المطلقة، في نفس الوقت الذي تسلم فيه صدام السلطة المطلقة في العراق، مع ما بينهما من ثارات وأحقاد شخصية مخزونة لا يمكن أن تغفل أمريكا وحلفاؤها عن استثمارها.

ومثلما احتاجت أمريكا لصدام لإنهاك الخميني فإنها احتاجت أيضا إلى الخميني لإنهاك صدام، واحتاجت لكليهما لإنهاك المنطقة.

ومن عناد كليهما غنمت الكثير من الأموال العربية والإيرانية، وخلَّصت إسرائيل من أكثر من مليون قتيل، ومليون جريح ومفقود، من المقاتلين العراقيين والإيرانيين، وأقلقت دول الخليج الغنية، وابتزت أموالها بذريعة منع إيران من احتلال العراق وتهديد أمنها.

ومع التسليم بأن الحرب المذهبية المشتعلة بين الشيعة والسنة، من أول تسلم خميني السلطة وإلى اليوم، هي نتاجُ تهور العنيديْن الدمويين، صدام والخميني، فليست أمريكا، ومعها حلفاؤها الغربيون، ببعيدة عن قدْح زنادها، أو على الأقل عن صب المزيد من زيوتها على نيران الاقتتال على الخلافة، أهي لعلي أم لأبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية، وهل هي للحسين أم ليزيد. 

والثابت تاريخيا أن أمريكا الجمهورية، وأمريكا الديمقراطية، من قبل أن تسقط نظام صدام حسين بثلاث عشرة سنة، قررت أن تمنح العراق لإيران، لكي تصبح الفزاعة التي تملأ الفراغ الذي سيتركه غيابه في المنطقة.

ومن يعود إلى تاريخ المعارضة العراقية سيجد أن أمريكا الديمقراطية، ثم أمريكا الجمهورية، وبحماس متطابق تماما، تسللت إلى أحزاب المعارضة ومؤتمراتها، واحتضنتها، وتولت الإنفاق عليها، وهي تعلم أن أحزابها وقادتها زراعة إيرانية خالصة لا تبديل لولائها الفكري والعقائدي والسياسي لولاية الفقيه، مهما حدث، وأيان كان دافعُ تكاليف (جهادها).

كما أنها خبرت قادة تلك المعارضة، وعرفت، بالأدلة والبراهين، أنهم منافقون، ومزورون، وجياع مال وسلطة بجنون، وأدركت أنهم، وهم خارج السلطة، يتقاتل بعضهم مع بعض، ويلفق بعضهم على بعض، ويسرق بعضهم من بعض، وأن العراق، لو حكمه هؤلاء المزورون والكذابون والمختلسون، لابد أن يصبح خرابة ملحقة بعقارات الولي الفقيه.

ومن أول غزوها للعراق وهي تدعم هؤلاء المتخلفين الفاسدين باسم الديمقراطية، وتغمض عينيها عن كل يفعله حزب الدعوة وأشقاؤه وشقيقاته المليشيات بالعراق وأهله من جرائم لم تتوقف الأمم المتحدة وغيرها عن إدانتها واعتبارها جرائم ضد الإنسانية لا يمكن السكوت عليها.

وحين قرر أوباما أن يسحب الجيوش الأمريكية من العراق كان لا يجهل أن حليفته إيران ستحتله كاملا، وتُلحقه بممتلكاتها، وتمحو تاريخه الحضاري العريق.

ثم ألم تلاحظوا أن ترامب الذي اتهم أوباما مرات ومرات بالتقصير والتراخي مع إيران في سوريا والعراق قد تحاشى وما زال يتحاشى أيَّ صِدام حقيقي معها أو مع ميليشياتها، وهو قادر على أن يفعل الكثير.

والظاهر، والله أعلم، أن الحاجة الأمريكية لا تزال ماسةً لوجود إيران قويةٍ وعدوانية ومُوقِدة لحروب من حروب في المنطقة، ولكن بشرط ألا تمس بسوء أيَّ عصب أمريكي في العراق ولبنان وسوريا وغيرها، وألا يُصيبَها الغرور والجنون والعقوق فتصبح خطرا على أمن إسرائيل.

وهنا نسأل، ماذا سيقول المبشرون بحربٍ أمريكية ضد الوجود الإيراني في العراق، هل ما زالوا مصدقين بأن ترمب يريد، أو يستطيع، أن يأمر جيوش أمريكا بغزو العراق، مرة ثانية، من أجل أن يطرد منه إيران، ويحرر أهله من كوابيسها وجواسيسها، لوجه الله تعالى، وحبا بسواد عيون العراقيين؟؟  

 

العراق في انتقال

إبراهيم الزبيدي

 

يخلق من الشبه أربعين. واحدٌ فقط من بين المجاهدين العراقيين المشمولين برعاية الولي الفقيه الأبوية يُشبه إلى درجة كبيرة رئيس وزراء إسرائيل الراحل إسحاق شامير، بدمامته وتكشيرته، وبنفسه المريضة المقفلة على كراهية كل من يرفض تعصبه الأعمى لأفكار وأحلام غير سوية، وليس فيها شيء من عقل وعدل وضمير. شامير العراقي قادم إليكم، أيها العراقيون، قائدا جديدا يتولى حكمكم بعد الانتخابات القادمة المقررة نتائجُها، خلفا للرؤساء الثلاثة، إبراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي، أبناء حزب الدعوة وقادته الكبار.

ورغم أن إيران كانت هي المرضعة الوحيدة لحزب الدعوة،ورغم أنه لم يقصر في إثبات ولائه لها طيلة السنوات الماضية، إلا أن ديمقراطية الحكم “الإيراني” للعراق بمشاركة هامشية دعائية مع أحزاب وقوى أخرى سنية وشيعية وكردية موالية لأميركا وتركيا والسعودية، قد انتهت صلاحيتها، وآن أن تُقام على أنقاضها دكتاتورية الحكم الإيراني المنفرد، برئيس وزراء عراقي ولكن إيراني، قلبا وقالبا، يتمتع بالقدر الكافي من الوقاحة وقلة الوطنية والحياء ليعلن نهاية الحكم بالمحاصصة الطائفية والعنصرية، وبداية حكم الميليشيات التي أنشأها الحرس الثوري الإيراني وقاسم سليماني، والتي لا تعمل بالشعارات والوعود الكلامية، بل باستخدام السلاح أو بالتهديد باستعماله، داخل قبة البرلمان، تنفيذا لتوصية الولي الفقيه.

يقول قيس الخزعلي، أحد قادة المعسكر الإيراني العراقي “عدد المقاعد التي سينالها ائتلاف الفتح سيجعل منه في المرحلة المقبلة أحد الائتلافات الأساسية والمؤثرة في اختيار رئيس الوزراء واتخاذ كل القرارات الأساسية التي تهم مصلحة البلد”. “إننا نملك رؤية واضحة ومشروعا سياسيا يقوم على أن الخلل الأساسي في العملية السياسية يكمن في طبيعة النظام البرلماني ومبدأ المحاصصة”.

بمعنى آخر أن إيران لم تعد تخدمها انتهازية حيدر العبادي الذي أمضى أربع سنوات وهو يمارس كل فنون التقية واللعب على الحبال، فيتظاهر مرة بموالاة الأميركان، وإعادة علاقات مع حاضنته العربية مرة أخرى، لشراء الوقت وتهدئة خواطر الغاضبين إلى أن يحين موعد الخلاص، وقد حان.

فقد أدى، هو ورفاقه في الحزب، دورهم كاملا، ومنحوا إيران الوقت الكافي اللازم لبناء حرسها الثوري العراقي الذي سيتسلم السلطة، ويحكم منفردا، ليس بالشرعية التي استمدها من جماهير الناخبين، بحرية ونزاهة، بل بقلة الذوق والضمير، وبأخلاق العصابات، وبالتلويح، علنا، بسطوة العمائم الإيرانية التي لن تسمح لأي عراقي، أيا كان، بأن يشاركها، بأي حصة، وبأي صيغة، في إدارة المستعمرة العراقية بعد اليوم.

وباستعراض المسلسل كله، من أول أيام مجلس الحكم سيء الصيت عام 2003 وإلى اليوم، لرأينا كيف بدأ العمل الإيراني الدؤوب في تهيئة الأجواء وتمهيد الطرق، وتغيير البُنى التحتية السياسية والأمنية والعسكرية والتعليمية والإدارية في العراق، خطوة خطوة، في انتظار أن يصبح في إمكان أولادها العراقيين النجباء المخلصين أن يرثوا الحكم من حزب الدعوة، ويقرأوا عليه وعلى تاريخه الطويل في خدمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية ألف سلام.

وها قد جاء موعد انتقال العراق النهائي من حكم الديمقراطية المزركشة الملونة إلى دكتاتورية اللون الواحد الفريد، ليُعلن خبر وفاة الدولة العراقية السابقة المتسامحة المتآلفة المتمدنة، ويبدأ عمرٌ جديد لولاية العراق الصغيرة الملحقة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، علنا ودون مواربة.

ولأول مرة في تاريخه، وربما في تاريخ المنطقة العربية كلها، سيقود البرلمان العراقي نواب مسلحون متخرجون في ميليشيات طائفية متمردة ومنفلتة لم يُعرف عنها احترامٌ لقانون، ولا إيمانٌ بدستور، سوى قانون السلاح، ودستور العقيدة الواحدة التي أوصاهم بفرضها على البلاد والعباد بالقوة جنابُ الولي الفقيه. وغدا، والغد قريب جدا، سترون لأول مرة في حياتكم، أيها العراقيون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحاق شامير وقد جلس على كرسي الرئاسة، وسبحان الذي يحيي العظام وهي رميم.

وعلى مرجعية السيد السيستاني وفرسان حزب الدعوة وحواري المجلس الإسلامي وفتيان عمار الحكيم ونواب مقتدى الصدر وأتباع إبراهيم الجعفري وأسامة النجيفي وإياد علاوي وسليم الجبوري وصالح المطلق ومشعان أن يتقاعدوا أو أن يقبلوا بالجلوس، في البرلمان القادم، في آخر صفوف المتفرجين والمصفقين والموافقين. هذا، أو في غياهب السجون. ألم نقل إن العراق في انتقال؟

كاتب عراقي

(العرب) لندن

 

المختار والعيار ونفاخ النار

إبراهيم الزبيدي

الأول تعرفونه وتعرفون أصله وفصله، وعُمق طائفيته وتعصبه وجهله وشراهته للمال العام والوجاهة والزعامة، وإصراره على قتل آخر حفيد ليزيد.

كما تعرفون تفانيه، بلا حدود، في خدمة وليه الفقيه. وتعلمون كم ركبه الغرور حتى تخيل نفسه وحيد زمانه الذي لم يخلق، بعد، من يُنزله عن كرسي الرئاسة المذهب، حتى بلغ به الوهم حدا أوعز فيه للمصفقين والمطبلين المستفيدين من جهله وتخلفه وغروره أن يطلقوا عليه لقب “مختار العصر”، تشبيها له بالمختار بن أبي عبيد الثقفي (622 – 686 م)، الذي طالب بدم الإمام الحسين وقتل كثيرا ممن شاركوا في قتله في الكوفة.

والمهم أنكم تعرفون جيدا كيف التقطه، من آخر الصفوف، سفير الولايات المتحدة آنذاك، زلماي خليل زادة، بعد أن أزهقت تفاهة إبراهيم الجعفري روح الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، (وكان الحاكم الفعلي لعراق الإسلام الإيراني الديمقراطي الجديد) فأمر باقتلاعه من رئاسة الحكومة، فلم يجد غير هذا المخلوق الغلط أمامه.

وتعرفون أكثر ما فعله بالعراق والعراقيين هذا المكشر دائما، والغاضب دائما، والمختصم دائما، والمستهين دائما بالجميع، والمتمرس، دائما، في توزيع تهم الخيانة والإرهاب والبعثية والصدامية على كل العراقيين، ما عدا أقاربه وأحبائه ومعاونيه ومستشاريه.

فقد أثبت، بسلوكه المزاجي الانفعالي غير المتزن وغير المستقيم، طيلة ثماني سنوات في الحكم، أنه أصغر كثيرا من الكرسي الذي جعله يتسلط على شعب عريق، كالشعب العراقي، متنوع المذاهب والطوائف والأديان والقوميات، وغني بالآلاف، وربما بالملايين، من أصحاب المواهب والكفاءات والخبرات، وحملة شهادات العلوم والفنون والآداب والاقتصاد والسياسة.

ورغم كل الذي جرى وصار في عهده غير المأمون في السنوات الثماني الغابرة، ورغم سقوطه المدوي، ها هو ما زال يشاكس وينافق ويشاغب، بالحلال والحرام، ويشعل الحرائق هنا وهناك، على أمل أن يركب على ظهورنا مرة ثالثة.

ولأن كيله طفح وصار عيبا وعبئا ثقيلا على الطائفة والمرجعية، وعلى الولي الفقيه، وعلى أميركا، صدرت الأوامر بتنحيته، وتتويج أحد رفاقه في حزب الدعوة، ملكا على العراق مكانه.

ومن قبل أن يجلس حيدر العبادي على الكرسي المُذهب جمح الخيال بكثير من العراقيين ومن العرب والأجانب، فتوهموا بأن العراق على يديْ هذا القادم الجديد سينام ليلة واحدة فقط ليفيق في صباحها التالي وهو بلا طائفية، ولا محاصصة، ولا عمولات، ولا صفقات، ولا مفخخات، وبأن المواطن، أي مواطن، سينعم بالحرية والكرامة، ويساوى في فرص العمل، وأمام القانون، فلا يكون هناك فرق، لا حكوميا ولا شعبيا، بين عضو في حزب الدعوة أو أي ميليشيا أو حزب متحالف معه تحت عباءة الولي الفقيه، وبين مواطن بلا حزب ولا مرجعية، وأن نوري المالكي وولده وصهريه ووزراءه ومستشاريه لن يطلع عليهم نهـار حتى نرى البطل الوطني الشجاع حيدر العبادي يسوقهم، جميعا، إلى سـاحة القضاء العادل المستقل، لا للانتقام والثأر، ولكن من أجل حماية الغد من الفساد والمفسدين، ومن الظلـم والظالمين، ولإثبات أن الدولة الجديدة ليست امتدادا لدولة مختار العصر، ولا تشرب من لبنها، ولا تعيش على هوائها المسموم، وأن رئيس الوزراء الجديد لا يخشى في الله لومة لائم، ولا يتستر على أحد، حتى لو كان من رفاقه في الحزب العتيد.

جمح الخيال بكثير من العراقيين ومن العرب والأجانب، فتوهموا بأن العراق على يدي حيدر العبادي سينام ليلة واحدة فقط ليفيق في صباحها التالي وهو بلا طائفية ولا محاصصة ولا عمولات ولا صفقات ولا مفخخات

حتى أوشكنا جميعا أن نصدق بأن هذا الحيدر العبادي سيفاجئنا بقرار خروجه العاجل من عباءة حزب الدعوة، وإعلان براءته من الطائفية، ليصبح رئيس وزراء جميع العراقيين، فيدخل التاريخ وهو حبيب الشعب وزعيمه الوطني الشريف.

ولكن شجرة الشوك لا تنتج التين والزيتون، والأفعى لا تقطر عسلا، أبدا. فهو، ومن أول أيامه في الرئاسة وحتى يوم أمس، ظل يثرم بصلا برؤوسنا، ويُمنّينا بالغد، وبالانتصار على الفساد والفاسدين، وعلى القائد الضرورة الذي سلمه خزينة الدولة فارغة، وأن عدم القضاء على الفساد والفاسدين سيُعيد تنظيم داعش من جديد، وأن السلاح لن يبقى إلا في يد الدولة.

وظل يدعو، دون كلل وملل، جميع الكتل السياسية إلى التعامل مع المواطنين بعدالة، وإلى عدم التفريق بينهم على أساس مذهب وعرق ودين.

ثم، وبعد سنوات من الوعود والتصريحات والتوضيحات يفجعنا هذا العيار بنكسة تشكيله ائتلاف “النصر” الذي وصفه بأنه “العابر للطائفية والتفرقة والتمييز، والذي سيعمل لكل العراقيين، وسيعزز وحدة البلاد وسيادتها الوطنية، ويصحح المسارات الخاطئة، ويحقق العدالة والمساواة بين العراقيين في الحقوق والواجبات”.

ثم يتبين أنه لا يستطيع أن ينتصر على الفساد ولا يحقق العدالة والمساواة إلا بالتحالف والتفاهم والتراحم والتلاحم مع كيان “الفتح” الذي يضم المنظمة الإنسانية الخيرية الرحيمة “بدر”، وقائدها الوطني الصادق الأمين “هادي العامري”، ومجلس همام حمودي، وثمانية من فصائل الحشد، وجماعة إبراهيم بحر العلوم، وكتلة الفضيلة، وتيار إبراهيم الجعفري، وحزب حسين الشهرستاني.

وحتى بعد أن انسحبت بدر ورفاقها المسلحون من ائتلاف “حيدوري” أعلن هادي العامري أن أسباب ذلك الانسحاب “فنية”، “وليست كما يشيع المتصيّدون في الماء العكر”. مؤكدا “للأمانة التاريخية أن علاقتنا مع رئيس الوزراء ستبقى أخوية صادقة، ونحن مستعدون للتحالف معه بعد الانتخابات”.

ألا ترون أيها القراء العراقيون الأشاوس؟ هل هناك لهذا الوطن الحزين وأهله الصابرين المحتسبين حظ أغبر من أن يصبح سلعة بائرة يتقاذفها ثلاثة من العيارين، الأول هو المختار، والثاني هو المحتار، والثالث نفاخ النار؟ تعازينا.

كاتب عراقي

 

 

رسالة إلى مالك الحزين

إبراهيم الزبيدي

يقول العرب والأجانب عن العراقيين إنهم ذوو طباع حادة، متمردون، مشاكسون، لا يصبرون على حاكم، ولا يقدر على قيادتهم سوى دكتاتور.

وهذه حقيقة. ويضاف إليها أنهم أنهوْا حياة حكامهم، جميعا، إما شنقا وإما دهسا وإما خنقا وإما إعداما بحبل أو برصاص، سواء منهم الذين استُقدموا من الخارج، أو الذين ولدوا في أحضانهم من أبنائهم العقلاء والمجانين.

لقد سبقوا غيرهم في تدبير الانقلابات العسكرية وتنفيذها، من أيام بكر صدقي 1936، ثم رشيد عالي الكيلاني 1941، والضباط الأحرار 1958، وأحداث الموصل وكركوك 1959، وبعث 1963، و“ردّة تشرين” 1963، وبعث 1968، ثم بعث 1968.

نعم. كل هذا صحيح وثابت بالتواريخ وبالأرقام. ولكنه صار ماضيا لا رجوع إليه. فالواقع الذي أنشأه الغزو الأميركي والاحتلال الإيراني في العراق يقول إن العراقيين تغيروا كثيرا، وصاروا أكثر شعوب الأرض سكوتا، هم الظلم والظالمون والفساد والفاسدون.

والدليل على هذا أن ما كنا نسمعه ونقرؤه ونراه من شعارات ووجوه ووعود في انتخابات 2005، وفي انتخابات 2010، وانتخابات 2014 ها نحن، في 2018، نسمع ونقرأ ونرى نفس الشعارات ونفس الوجوه ونفس الوعود التي لا تُنفذ، والعراقيون لا يصمتون فقط، بل ينتخبون نفس الجهلة والأميين واللصوص والمهربين والمهرجين، ولا يستحون.

مثالي على ذلك الآتي. منذ عام 2006 وحتى اليوم لم يستطع أحد أن يُسقط واحدا اسمُه نوري المالكي، أو حتى إخراجه من القصر الجمهوري، ومن المنطقة الخضراء، ناهيك عن مساءلته عن مسؤوليته المباشرة عن المظالم والهزائم التي قصمت ظهور العراقيين، طيلة سنوات رئاسته الأولى والثانية، وحتى وهو خارج الرئاسة، لا أميركا، ولا المرجعية، ولا المحتجون كل يوم جمعة في ساحة التحرير، ولا المتظاهرون الذين قذفوه بالحجارة والنعال في محافظات الجنوب.

وعلى امتداد ثلاث عشرة سنة لم تستطع الدنيا كلها أن تقنع القيادة في طهران بأنه ليس الحصان الرابح الذي يُعتمد عليه، وبأنها تخسر كثيرا حين تحمل على ظهرها تاريخه الملطخ بكل أنواع المثالب والغرائب والعجائب.

منذ 2006 حتى اليوم لم يستطع أحد أن يسقط نوري المالكي، أو حتى إخراجه من القصر الجمهوري، ومن المنطقة الخضراء

وعجزت الدنيا كلها عن جعلها تُصلح ذات البين بينها وبين الشعب العراقي، وبالأخص منهم الغاضبين عليه من أبناء المحافظات الجنوبية التي تتشدق بأنهم خاصرتُها وحـزام ظهـرها المتـين. ولأن النظـام الإيراني لا يحب الفضيلة ولا يكره الرذيلة، ولا يرفض الظلم ولا يقدس العدل، ولا يأنف من السـرقة، ولا يحتقر المـرتشي، ولا يرفض الطائفية والتعالي والغرور فلم يقم برمي نوري المـالكي في أقرب سلـة مهملات، من زمن طويل، من أول يوم له في الرئاسة.

ولكن لا ضمان ولا أمان لمن يجعل نفسه خادما لمحتل. وها قد جاءت الساعة، وصدر قرار الآمر الناهي وراء الحدود بأن يتبدل عليه الحال، وبأن يتركه رفاقه الأقربون والأبعدون، وبأن تنتهي دولته، لتقوم على أطلالها دولة أخرى، يقودها هادي العامري الأكثر قوة وسطوة، والأعمق ولاءً لولاية الفقيه. لم تشفع له خدماته التي لا تقدر بثمن. فقد سرق لها، وقتل أعداءها وخصومها، وخان وكذب وتآمر واحتال وجعل أعداءه عددَ الرمل والحصى، والمتربصين به أكثر.

ومؤكد جدا أن سقوطه سيريح كثيرين، ولكن المؤكد أكثر أنه هو لن يعرف طعم النوم إلا إذا أخذ ملياراته وهرب إلى أحضان الحبايب. ففي انتظاره ملفات لا تعد ولا تحصى عن مخالفات مالية وإدارية، وقرارات مجحفة ظالمة، وعن إهدار ثروات طائلة، وقتل كثيرين عمداً أو عن غير عمد.

لقد جعل العراق حديقة خلفية لإيران تتصرف بها كما تشاء، فتنشئ الميليشيات، وتسلح العصابات، وتفتعل الحرائق، وتفجر المراقد الشيعية والسنية معا، لإحداث الفتنة وتعميق العداوات بين مكوّنات الشعب العراقي، خدمة لأهدافها التوسعية. وغض النظر عن تهريب السلاح والمسلحين من إيران إلى سوريا، وأرسل الميليشيات الطائفية إلى سوريا لحماية عرش حليفه وحليف ولي نعمته الإيراني، الأمر الذي أطال أمد الحرب وزاد من تعقيدها، غير عابئ بما يشكله ذلك من مخاطر مستقبلية على أمن العراق نفسه في الغد القريب والبعيد.

وأخيرا هذه رسالتي إلى مالك الحزين. لن نقول لك اللهم لا شماتة، بل نقول هنيئا لك المذلة، ومريئا لك الهوان.

كاتب عراقي

 

 

إيران قبل، وإيران بعد

إبراهيم الزبيدي

 

لم يتوقع سوى القليل من المحللين والكتاب أن تؤدي المظاهرات الأخيرة، رغم جديتها واستمرارها وسعة انتشارها، إلى إسقاط النظام. ولكنّ كثيرين منهم كانوا متيقنين بأنها ستكون نقطة فاصلة بين إيران ما قبلها، وبين إيران ما بعدها. بالإضافة إلى أن صعوبة الظروف المعيشية والسياسية والاجتماعية هي التي أخرجت الجماهير عن صبرها، ودفعت بها إلى الاشتباك مع مجاميع الحرس الثوري القمعية، فإن النظام، بغبائه وغروره، أضاف أسبابا أخرى أكثر خطورة، ويصعب التكهن بقدرة الإيرانيين على نسيانها، ومسامحة النظام عليها.

استخدام الرصاص الحيّ لردع المتظاهرين وقتلُ بعضهم والتهديد بإنزال الجيش والمواجهات والمعارك التي حصلت بين الجماهير والحرس الثوري والاعتقالات الواسعة، خصوصا بين صفوف النساء المتظاهرات وطلاب الجامعات، لا بد أن تشعل المزيد من نيران الغضب الشعبي ومن إصرار الجماهير على المواجهة، ولا بد أن تدفع نظام خامنئي إلى انتهاج أحد سلوكين: فإما أن يزداد عنادا ويضاعف عنفه في الداخل وفي الخارج معا، لتأكيد قوته ومنَعته وصعوبة إسقاطه، وإما أن يُضطر إلى التخفيف، ولو جزئيا، من دعمه للميليشيات والأحزاب الخارجية، ثم يجبره ذلك على أن يُرخي قبضته، قدر المستطاع، على الحكومات التي تخضع لوصايته، لامتصاص النقمة ولتحقيق بعض التصالح مع الجماهير. ولكل حالة من الحالتين تداعياتها اللاحقة وإفرازاتها التي تحدد عمر النظام وطبيعة المعارك المقبلة التي ينبغي له، مرغما لا راغبا، أن يخوضها.

من الأدلة القوية على نجاح المتظاهرين في إصابة النظام بالذهول وبالخوف من أن تتحول الاحتجاجات إلى طوفان سياسي يُسقطه مثلما أسقط غيره في المنطقة:

*حالة الاستنفار القصوى والانفعال والتوتر والاضطراب التي جعلت جميع أجهزة النظام تسارع إلى عقد الاجتماعات والمشاورات لاتخاذ القرارات وإعداد الخطط التي يمكن أن توقف المد الجماهيري الذي اقتحم، لأول مرة، مدنا كانت عصية مثل قم وكرمنشاه، إضافة إلى العاصمة طهران. والأكثر تعبيرا عن الجدية التي عامل بها تلك الاحتجاجات هو إيعازه بإخراج عدد من المسيرات المؤيدة في عموم البلاد أغلبُ المشاركين فيها من طلبة الحوزات ومنتسبي الباسيج والحرس الثوري والموظفين وطلبة المدارس الذين تم نقلهم بحافلات حكومية، دعما للولي الفقيه، ورفضا لـ”مثيري الفتنة المخربين”.

*توافق جميع قادة النظام في الداخل ورؤساء الأحزاب والميليشيات المملوكة من قبله في الخارج على أن أصل الحراك تدخل أجنبي وعلى أن المتظاهرين عملاء. ولأول مرة يهرع النظام الذي عوّد العالم على التصرف بعنجهية وكبرياء واستكبار إلى مجلس الأمن الدولي طالبا منع أميركا والغرب من التدخل في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة، الأمر الذي ذكَّر الإيرانيين والعرب والعالم بتدخلاته الدموية الإرهابية في دول كانت آمنة قبل وجوده.

*التصريحات النارية المتلاحقة التي أطلقها كبار وكلاء النظام الإيراني وحلفائه العراقيين والعرب المعتمِدين في بقائهم وإثرائهم على رعايته. فقد أعلن أحد المعممين العراقيين أن الحراك (العميل) في إيران محاولة لإسقاط النظام الديمقراطي في العراق. وأعرب نوري المالكي عن “شجبه واستنكاره لأي تدخل خارجي في الشأن الداخلي لإيران، وأي دولة أخرى”. وطمأن حسن نصرالله، جماهير المتظاهرين الغاضبين في إيران بأنه يتقاضى راتبا قدره فقط 1300 دولار أميركي. إلا أنه لم يفصح عن المبلغ الذي تتقاضاه ميليشياته من طهران.

ومن الشواهد على جدية الخطر الذي يتهدد النظام الإيراني تحذير سيرجي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي لواشنطن، من محاولات التدخل في الشأن الداخلي الإيراني. كما ضم سلطان أنقرة، هو الآخر، صوته إلى صوت حلفائه الروس وأبدى استعداده لحماية النظام من السقوط.

والآن، وقد تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، واتضحت معالم المعارك المقبلة بين معسكر خامنئي وبوتين وأردوغان و(المجاهدين) العراقيين واللبنانيين والسوريين واليمنيين والأفغان، وبين شعوب إيران والعراق ولبنان وسوريا واليمن والبحرين ومصر وتركيا، فمن الغباء والجهل أن يظن أحد، مهما كانت قسوته وظلمه وجبروته، بقدرته على قهر كل هذه الشعوب.

كاتب عراقي

إبراهيم الزبيدي

 

 

أول الغيث الإيراني المرتقب

إيران بعد اليوم

 

إبراهيم الزبيدي

 

ظل المرتبطون، طائفيا أو عاطفيا، بالنظام الإيراني، يروّجون، بمناسبة ودون مناسبة، أن الملالي، بقيادة خامنئي، أثبتوا حنكة ودهاء وجدارة في السياسة وفنونها إلى الحد الذي جعلهم يحتلون أربع عواصم عربية، ويمسكون بمصائر شعوبها التي كانت عصية، بل يتلاعبون بأوروبا وأميركا، حتى أنهم تمكنوا من إرهابها وتركيعها وإجبارها على الاعتراف بقوة “جمهوريتهم الإسلامية”، والتعامل معها بحذر شديد.

وكنا نقول لهم إن تلك القوة هي مجرد وهم، لأن القوي الحقيقي هو الذي يعمق جذوره في الداخل، أولا، ثم يخرج، بعد ذلك، إلى حيث يشاء.

وقد علمنا التاريخ استحالة أن تستطيع دولة أن تخرج من حدودها لتحارب غيرها إن لم تكن آمنة على جبهتها الداخلية وحمايتها من أي اختراق. والأمثلة كثيرة، آخرها جمهوريات صدام حسين ومعمر القذافي وعلي عبدالله صالح وشاوشيسكو وآخرين.

ومن أول قيام دولة الخميني في العام 1979 أصبح سلاح مخابراتها وحرسها الثوري هو استخدام المال الإيراني لاستدراج الطائفة الشيعية في دول الجوار، واستغلال المغفلين والموتورين والجهلة الطائفيين المتعصبين من أبنائها، وتمويلهم وتسليحهم وتحريكهم لإثارة النزاعات المذهبية والقومية والدينية، وزعزعة الأمن فيها، وفرض إرادتها بقوة السلاح على الأوضاع السياسية فيها.

وهذا ما فعلته وتفعله في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين وفلسطين. ونسي المرشد الأعلى ورفاقه الملالي أن هذا السلاح ذو حدين، وأن في إمكان غيرهم أن يلجأوا إليه دفاعا عن النفس، بأي ثمن، خصوصا وأن الجبهة الداخلية في إيران، وفي ظل حكم الملالي بشكل خاص، أكثر من غيرها هشاشة وقابلية للاختراق.

ورغم أن إيران دولة كبيرة وغنية بشعبها ومواردها وتاريخها الحضاري العريق، إلا أنها، برغم انتصاراتها الظاهرية في خارج حدودها، وبرغم سعة انتشار حرسها الثوري وتكاثر وكلائها وميليشياتها في المنطقة، تنام على مئات القنابل الموقوتة القابلة للانفجار، ربما بشرارة طارئة لم يتوقعها شطار النظام الإيراني، ولم يحسبوا حسابها.

المرشد الأعلى يعتقد بقوة، ولا يقبل أي نقاش، بأن الشعب الإيراني سوف يتحمل أقسى أنواع الضنك والعوَز والبطالة، ويضحي بحريته وكرامته من أجل أن يرى رايات الخميني ترفرف على شواطئ البحر المتوسط والأحمر والخليج

وقد تكون المظاهرات الجماهيرية الأخيرة بدأت عفوية، وبسبب الغلاء والبطالة والفساد. ولكن من الصعب أن نعتقد بأن الأيدي الخفية الداخلية لم تبادر إلى استغلالها ومدها بالقوة والانتشار، ومنها وأهمها المعارضة الإيرانية، مجاهدو خلق، وجبهات وأحزاب وقوميات لم يرحمها النظام، ومارس ضدها كل أنواع القمع والتهميش.

هذا في الداخل. وفي الخارج هناك دول كبرى وصغرى عديدة تترقب فرصة ذهبية مثل هذه لتصب أنهارا من الزيت على أي نار تشب في منزل النظام الإيراني، لتَشفي غليلها، أو على الأقل لتشغله بنفسه، ليريح ولا يستريح.

ولو كان للملالي شيء من الحكمة، كما يدّعي عشاقهم الطائفيون، لتفرغوا لتعزيز جبهتهم الداخلية، أولا وقبل أي شيء، بالعدل والمساواة وعدم التمييز العرقي والطائفي بين إيراني فارسي وبين إيراني بلوشي وعربي وأذري وتركماني وكردي، وبتوزيع الدخل القومي، بعدالة، بين الأقاليم، وتحريم الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ.

تخيلوا حال إيران وحال شعبها وشعوب المنطقة والعالم أيضا، لو كان النظام الحاكم فيها سويا مسالما بَنّاءً يستثمر حيوية شعبه وإنجازاته وطاقاته الإبداعية العظيمة وثروات الدولة الإيرانية الطائلة في إسعاد شعبه وإعمار مدنه وقراه وتحديثها وإغنائها، وفي ترسيخ الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة، وفي نبذ الحروب والعنف والظلم والإرهاب، ولو نأى بنفسه وشعبه عن ثقافة العصور الجاهلية وعاداتها وطقوسها المتخلفة.

ثم دققوا معي في حجم إنفاق النظام الإيراني على إشعال الحرائق في العراق وسوريا ولبنان واليمن والسودان والبحرين وغيرها، وتدبير المؤامرات والدسائس والاحتراب، وتمويل وتسليح وتدريب المئات والآلاف من القتلة الإرهابيين، شيعة وسنة.

وابحثوا في آثار العقوبات الدولية على الاقتصاد الإيراني، وانعكاساتها المدمرة على حياة الإيرانيين. ثم فتشوا بعد ذلك عن الضرورة الوطنية والقومية والدينية التي حكمت على الولي الفقيه بأن يناطح العالم، ويدفعه إلى فرض تلك العقوبات وإغراق الملايين الإيرانية بالتعاسة. واحسبوا كم خسر المواطن الإيراني مما كان يكسبه في دول الخليج والمنطقة والعالم بسبب حكامه المشاكسين.

واستنادا إلى جميع تقارير المعاهد الدولية يتأكد أن أهم أسباب تعاسة الإيرانيين هو ارتفاع معدلات البطالة، وتقييد الحريات، فضلا عن الآثار السيئة للعقوبات الدولية المفروضة على النظام. وتكرر تلك التقارير القول، سنويا، إن الإيرانيين يحتلون المرتبة الأولى في الفقر وصعوبة الحياة المعيشية بين 19 بلداً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

فنصفُ المواطنين الإيرانيين عجزوا في العام الماضي عن توفير الطعام والسكن لأسرهم في بعض الأحيان.

وبرغم ذلك فإن المرشد الأعلى يعتقد بقوة، ولا يقبل أي نقاش، بأن الشعب الإيراني سوف يتحمل أقسى أنواع الضنك والعوَز والبطالة، ويضحي بحريته وكرامته من أجل أن يرى رايات الخميني ترفرف على شواطئ البحر المتوسط والأحمر والخليج.

وقد يكون هذا هو سر مباهاة الولي الفقيه وأعضاء حكومته وكبار قادة جيوشه وميليشياته بانتصاراتهم. وقد يكون، هو نفسُه أيضا، سِرَّ تهديداتهم للدول الكبرى والصغرى معا، واعتقادِهم بأنهم أدخلوا إيران إلى نادي الدول الكبرى التي تقرر مصير الكون. ويصاب بهذا الوهم كثيرون إذا كانت نفوسهم مريضة، وشخصياتهم ضعيفة، ولا يعرفون حدودهم. فالقصير يظن أنه طويل، واللص عفيف، والظالم عادل، والأرنب أسد، والقرد في عين نفسه وأمه غزال.

وخلاصة القول في هذه المقالة أن جمهورية الملالي الشطار المحنكين الأذكياء الأقوياء لن تعود هي نفسها بعد تظاهرات الأيام الأخيرة، حتى لو تمكن الحرس الثوري من وأدها بالرصاص الحي وقنابل الدخان.فهي إنذار كبير بجدية احتمال النهاية المقبلة ينبغي على المرشد الأعلى ورفاقه الملالي الآخرين الاستماع إليه، إن كانوا يعقلون.

كاتب عراقي

العرب - لندن

 

إبراهيم الزبيدي*

بعد صبر طويل أخرجت البطالة والفقر أهالي مدينة مشهد الإيرانية في مظاهرات حاشدة هاتفين مرددين “الموت لروحاني والموت للدكتاتور”. ومعروف أن صفة “الدكتاتور” تعني المرشد الأعلى، علي خامنئي، بشحمه ولحمه.

وتؤكد تقارير صحافية أن المظاهرات انتقلت من مشهد عاصمة محافظة خراسان رضوي، والتي تعد ثاني مدينة دينية بعد قم وتضم مرقد علي بن موسى الرضا ثامن أئمة الشيعة، إلى نيسابور ثاني أكبر مدينة في المحافظة. وحسب وسائل إعلام إيرانية، أصيب عدد من المحتجين في اشتباكات مع قوات مكافحة الشغب. كما اندلعت مظاهرات أخرى أوائل هذا الأسبوع في أصفهان وسط إيران احتجاجا على البطالة.

وحتى لو كانت هذه التظاهرات محدودة، أو حتى لو تمكن النظام من إجهاضها ومنع توسعها، فإنها لا بد أن تعود وتنطلق من جديد. فالجائع لن يصبر على جوعه طويلا، والمظلوم لن يسكت على ظلمه كثيرا. وهي، في كل أحوالها، استفتاءٌ شعبي ليس على سياسات النظام فقط بل على النظام نفسه.

والأهم والأخطر في هذه التظاهرات أن المتظاهرين لخصوا أسباب غضبهم بأن سياسات النظام الخارجية التي تقوم على إنفاق المال والرجال من أجل احتلال دول عديدة في المنطقة، وإخضاع أخرى تحت هيمنته في العالم، هي التي جرّت عليهم سياسات النظام الداخلية الفاشلة التي أدت إلى خنق المواطن اقتصاديا.

وقد اعترف أكثر من مسؤول كبير في النظام نفسه بأن ما يقارب خمسة وعشرين مليونا من الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر. وكان هتاف المتظاهرين “انسحبوا من سوريا وفكروا بنا” و“لا للبنان ولا لغزة، ونعم نعم لإيران” أكثر ما يزعج النظام ويخيفه.

ويعتقد كثيرون من الإيرانيين بأن وضعهم الاقتصادي لم يتحسن، بسبب سوء الإدارة والفساد، مع بقاء العقوبات الدولية الخانقة، رغم تراجع النظام عن مشروعه النووي، بعد كل ما كلف البلاد والعباد. ويقول مركز الإحصاءات الإيراني إن نسبة البطالة بلغت 12.4 في المئة خلال السنة المالية الجارية.

والآن تعالوا نتحاسب كم خسر الشعب الإيراني، وكم يخسر اليوم، وكم سيخسر غدا، من مال ورجال، في ظل نظام أقام وجوده كله، ويريد أن يجبر الشعب الإيراني بأجمعه، على التمسك بمنطلقات توسعية غير واقعية، وغير قابلة للتطبيق، ولا التحقيق؟

والسؤال الثاني، إلى أي مدى يمكن أن يصبر الإيرانيون على الفقر والظلم والقهر والقمع في الداخل، وعلى موت أبنائهم وهدر أموالهم في الخارج، في انتظار أن ينتهي النظام من تركيع شعوب الدول العربية العديدة التي يحاول احتلالها، ليعيد إليهم أبناءهم إليه سالمين، وليفتح لهم خزائن المستعمرات الجديدة وأسواقها، مثلما وعد ويَعد من زمن طويل، خصوصا وهو يرى ويسمع ويلمس خيبة أحلام النظام، وتعثر مشاريعه الاحتلالية، وعنفَ الصراع الدامي المستمر بين جيوش الولي الفقيه وميليشيات عملائه ووكلائه، وبين مجتمعاتٍ تدافع عن حريتها وكرامتها، وتسعى لدحر غُزاتها بكل ثبات وصمود وشجاعة وإباء؟

وعلى قدْر توسع دائرة انتشار جيوش “الدكتاتور” الإيراني وميليشياته تتضاعف أعداد الدول والشعوب التي تتآلف وتتجمع وتتحد من أجل استنزافه وإنهاكه وإسقاطه.

يضاف إلى ذلك كله أن العالم المتحضر الذي رفض إسلام الخليفة البغدادي المسلح بالسيوف والخناجر والمفخخات، يرفض أيضا وربما أكثر، إسلام الخميني الذي لا يقل تخلفا وتطرفا وعدوانية وهمجية عن تنظيم الدولة الإسلامية الكريه. والسؤال المهم، هل صحيح أن الدين الإسلامي، كما رآه الخميني والخليفة البغدادي دين قتل وتآمر واغتيال وتهريب ورشوة وفساد؟

خلاصة الكلام أن العصر يتجه نحو ترسيخ نظام الدولة المدنية الديمقراطية التي تُحرر المجتمع من سطوة العقيدة الواحدة، أو الحزب الواحد، أو الطائفة الواحدة. ونظام الخميني، كداعش، يصر على وقف هذه المسيرة، ومنع انتصارها وانتشارها.

وفي المجتمع الإيراني، رغم كل محاولات النظام اليائسة، تتجمع رياح الفكر الإنساني الديمقراطي الجديد، وخاصة في الأجيال الجديدة من الإيرانيين، ولا بد لها من أن تهبّ ذات يوم لتعصف بالفكر الظلامي الذي لا يريد مغادرة كهوف العصور الماضية.

ولعل أخطر ثلاثة تحديات تواجه الإرث الخميني المتشدد، اليوم، وأيٌ منها يهدد بقاءه، هي فقرُ الملايين من الإيرانيين وتفشي الفساد والظلم والتخلف داخل إيران ذاتها، وصمودُ الشعوب والحكومات العربية وأجنبية التي تعرضت وتتعرض لغزو النظام الإيراني وإرهابه، وصحوة شباب الإنترنت الإيرانيين المقبلة. إن هذا العصر هو عصر التمرّد على التخلف المفروض بالقوة على الشعوب، وموسم الكفر بتخاريف العجائز المُحنطة.

 *صحفي عراقي مخضرم يصدر جريدة اسبوعية باللغة الانكليزية في مشيغان

حيدر العبادي في أيامه المقبلة

إبراهيم الزبيدي

(الجماهير مثل النساء، تحب الرجال الأقوياء)

لن يستطيع سوى عالمٍ متضلع في تحليل النفوس وقراءة لغة أجسادها أن يخبرنا عن حقيقة الزهو الذي أصاب رئيس الوزراء حيد العبادي، هل هو طبيعي أم مفتعل، وهل يحق له أن يرتدي ثياب البطل الوطني المحرر المخلِّص البشير النذير، أم إنه عائم في شبر ماء.

ولو أجرى الرئيس العبادي أو مستشاروه دراسة أكاديمية معمقة لحقيقة الأحداث التي تَوهَّم بأنه صانعُها بذراعه وعقله وقلبه وعبقريته لتبين له ولهم أن الأحداث الثلاثة المهمة الجيدة التي حدثت في عهده، والتي أسعدت العراقيين، وأزاحت عنهم بعض الكوابيس، كانت ستحدث بوجوده أو بوجود غيره، حتى لو كان هذا الغير حجي راضي أو اسماعيل ياسين.

أما الحدث الأول فهو نهاية الاحتلال الداعشي لثلث الوطن. وقد كان تحرير الموصل آخر معارك النصر الأخير على هذا التنظيم الأحمق الذي توهم أنه قادر على قهر إرادة الذين اخترعوه وركّبوا أجزاءه المتناثرة، وسهلوا له الانتشار، ومكنوه من تهديد الباقي من العراق، والباقي من سوريا، ودولا عديدة أخرى في المنطقة، ما عدا إيران، ومَرَّروا له طوابيرَه الخامسة إلى أوروبا، بشكل خاص، واستخدموه لتركيع دولٍ وحكومات وأحزاب بعينها، ولاستنزاف أخرى. وحين أنجز مهمته انتهت صلاحيته للاستعمال، فقرروا رحيله، ورحل.

(بالمناسبة حصل العراق، في عهد حيدر العبادي، على ثلاثة مليارات وسبعمئة مليون دولار من المساعدات الأميركية، بزيادة قدرها ستمئة مليون دولار على ما تحصل عليه إسرائيل ذاتُها التي تعد الولاية الأميركية الواحدة والخمسين، وذلك لهزيمة داعش فقط لا غير.)

والحدث الثاني هو الانفراج النسبي الذي تحقق بين حكومة بغداد ودولٍ عربية مهمة، منها السعودية، ظلت منذ أيام احتلال الكويت عام 1990 تناصب العداء لعراق صدام حسين إلى يوم سقوطه في 2003. ثم اضطرت إلى مناصبة الحكومات المتعاقبة في العراق الجديد نفسَ العداء بسبب الوجود الإيراني الكاسح والصريح فيه، وتحوُّلِه إلى منصة إطلاق مؤامرات ودسائس وتدخلات واستفزازات ومخدرات ومفخخات إلى هذه الدول بهدف زعزعة استقرارها بإثارة النعرات الطائفية فيها، لإضعافها وتسهيل احتلالها، أو لاحتلال ما يتيسر من مدنها وقراها، كما حدث في اليمن وسوريا ولبنان. ومعروف أن هذا التقارب الجديد لم يكن مقدرا له أن يتم لولا قرارٌ إيراني أميركي مشترك تصعب معرفة غاية الدولتين (العدوتين الصديقتين) من صدوره، أيا كان رئيس الحكومة العراقية، وأيا كانت قدرته ومؤهلاته وخبراته، وأيا كان حزبه وطائفته وعِرقه ودينه.

أما الثالث فهو اللعبة المميتة التي استُدرج إليها رئيس الإقليم المنتهية رئاسته مسعود البارزاني، والتي دُفع لتولي قيادة تنفيذها، تمهيدا لإسقاطه، ولخلط أوراق الإقليم من بعده. وهذا الحدث الآخر أيضا كان سيحدث أيا كان الحاكم في بغداد، وأيا كانت مواصفاته.

وطبيعي أن تجعل هذه العواصف الثلاث جماهير العراقيين تنظر إلى حيدر العبادي باعتباره القائد الضرورة الجديد، والذي سيملأ الأرض عدلا ونزاهة ووطنية بعد أن ملئت جورا وفسادا وعمالة.

ومهما جادَلَنا كثيرون من الكتاب والمحللين المعجبن بشأن رئيس الوزراء فمما لا شك فيه أن لحكومة العراق الجديد أبوين اثنين واُمَّا واحدة، هما الحصانان الأميركي والإيراني، والفرَسُ العراقية الواحدة. فنصفه لإيران، ونصفه الآخر لأميركا، أيا كان رئيسها، ووفق مقدارٍ من التراضي والتوافق والتناغم المخفي، وبما تسمح به الظروف، رغم ما يبدو ظاهريا من وحدانية الوصاية الاحتكارية الإيرانية، والهيمنة الوحيدة لسلاح الحشد الشعبي على قرارات الحكومة الإسلامية ومشاريعها وتوجهاتها الحاضرة والمستقبلية.

والآن، وفي ضوء هذه الثوابت، فإن مأزق حيدر العبادي أعمق مما يعتقد أو يظن. فإن عليه، إن هو أراد البقاء في ثياب الامبراطور أمام جماهير العراق المنتصرة الصابرة، أن ينجزا ثلاثة انتصارات جديدة أهم من كل ما سبق، وهي:

أولا، قطع أوائل الرؤوس الكبيرة الفاسدة، حتى لو كانت من حزبه، وحتى لو كانت محمية بسلاح الحرس الثوري والحشد الشعبي علنا ودون مواربة. وفي هذه يبدو أن من الثابت المؤكد أنه لن يستطيع، ولا يريد. فمشاكسة القبضة الإيرانية الضاربة آخر ما يجرؤ عليه أو يفكر فيه.

وثانيا، جمعُ سلاح المليشيات وتسليمُه للدولة. وهو في هذه أيضا عاجز، تماما، حتى بعد أن استنجد بالمرجعية ونجدته بفتوى جعلِ سلاح الفصائل التي قاتلت داعش بيد الدولة. فقد أعلنت شخصيات إيرانية وعراقية معليا أن سلاح الحشد إيراني، وهو غير مشمول بفتوى السيستاني، وإن على حيدر العبادي أن يلعب بعيدا عنه.

والثالث، وهو الأهم، منعُ زعماء المليشيات من دخول البرلمان، حتى وإن سلموا للجيش بعضَ بنادق صيد العصافير وأبقوا سلاحهم الثقيل، وحتى أيضا إن ارتدوا ملابس مدنية واستقالوا من مليشياتهم، وهو أمر لا يمكن أن يخدع حتى صغار التلاميذ.

وقد صرح النائب عن عن كتلة بدر البرلمانية فالح الخزعلي، بأن "مشاركة قادة الحشد الشعبي في الانتخابات تحت مظلة الدستور تهدد مناصب الساسة المتعاطفين مع داعش، وأصحابَ المخططات الطائفية، لعدم إيمانهم بالتداول السلمي للسلطة"، مؤكداً أن "هذا الامر يُعد كابوسا يهدد دواعش السياسة". وعليه فإن "مجاهدين" أشداء سيدخلون البرلمان القادم بكل أسلحتهم الخفيفة والثقيلة، ولن يكون في مقدور نائبٍ يريد السلامة سوى الصمت أو الرقص لتسلية "المجاهدين".

وفي ضوء ذلك كله ينبغي على جماهير المعجبين بحيدر العبادي ألا يتفاءلوا كثيرا، وألا ينتظروا تغيير جديا وحقيقيا على يديه، مثلما حدث ويحدث على أيدي حكامٍ آخرين شجعانٍ وأبطالٍ وطنيين في دول عديدة أخرى يحترمون أنفسهم وشعوبهم ولا يبيعونهم قصورا من رمال.

 

إبراهيم الزبيدي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حكومة بغداد وحرائق الإقليم

إبراهيم الزبيدي

لا يفرح أحد بالفوضى وحرق المباني وتهشيم السيارات وتخريب المؤسسات، ولكن المسؤول عن كل ذلك، إذا ما حدث، هو الحاكم الذي لا يحترم شعبه ولا يخاف منه إذا غضب.

وتنفجر الجماهير الصابرة، عادة، حين تفقد صبرها. وقد تفقد وعيها أيضا، خصوصا إذا بلغ التعدي على حقوقها وكرامتها وحريتها ورزق عيالها حدودا لا يعود في طاقتها احتمالها. وقد كان متوقعا أن يحدث في بغداد والبصرة والعمارة والناصرية والنجف وكربلاء، من زمن طويل، ما حدث في السليمانية، مؤخرا، وفي مدن أخرى في الإقليم.

ومعنى هذا أن جماهير كردستان أكثر وعيا وشجاعة من جماهيرنا العراقية الأخرى، حين أعلنت أن الفاسدين ليسوا من حزب واحد، ولا من فئة أو عشيرة أو مدينة واحدة، وأن الكلام عن محاربة الفساد دون اجتثاثهم من جذورهم، وبحملة واحدة، دون تمييز بين فاسد وآخر، فإنه يظل كلاما لا قيمة له.

ولا تطالب الجماهير الكردية المتظاهرة بأكثر من إقالة الحكومة، ومحاربة الفساد، وتحسين الوضع الاقتصادي، وشعاراتها وهتافاتها أوضحُ رسالة كتبها المنتفضون بالقلم العريض “يسقط اللصوص”، “الموت للبارزاني”، “يسقط الطالباني”، “تسقط الحكومة الفاسدة”.

ولأن الفوضى قد اندلعت في السليمانية، بالإضافة إلى مناطق تابعة لمحافظة أربيل، فإن هذا يعني أنها ليست فبركة إيرانية تجعل السليمانية منطلقا لفرض هيمنتها على أربيل، بذريعة محاربة الفساد، بالتفاهم والتناغم مع من يقال عنهم إنهم أكراد حيدر العبادي وقاسم سليماني، بل إن بعض من ثارت عليهم السليمانية ومدنُ الإقليم الأخرى هم أكرادُ إيران وجواسيسها.

ويعني أيضا، أن جماهير كردستان آمنت، بعد صبر طويل، بأن الطاقم السياسي القديم، قد بلغ أرذل العمر وأصبح غير صالح للاستخدام، وأن عليه أن يرحل بالتي هي أحسن، أو بألسنة اللهيب وقناني الغاز.

وما يؤكد أنه واقعٌ جديد وليس معارك نفوذ بين هذا الحزب وذاك أن المتظاهرين لم يُؤمِّروا عليهم أي واحد من القادة السياسيين السابقين، حتى أولئك الذين عُرفوا بالنزاهة والوطنية، ومنهم، بل أهمُهم الدكتور برهم صالح الذي يحظى باحترام كبير ليس من جماهير الإقليم بل من ملايين العراقيين، ومن حكومات وجماهير عربية وأجنبية عديدة.

والسؤال المهم هنا، هل ستلد الجماهير الشعبية الغاضبة في كردستان قادتَها السياسيين الجدد الأصلح من الفاسدين، والأكثر نزاهة ووطنية، أم أنها، مثلُ شقيقتها العراقية الأخرى، ستهدأ غدا أو بعد غد، وتعود لسُباتها من جديد، أم تنتصر ثم نتبين بعد قليل أن الجبل تمخض فولد قادة لا يقلون عن أسلافهم فسادا وانتهازية وموتَ ضمير؟

والمحزن أن الجماهير في القسم الثاني من العراق لم توقظها انتفاضة كردستان على الفساد والفاسدين، وكان واجبا على نُخَبها السياسية التقدمية المنادية بحقوق الإنسان وسلطة القانون أن تُشعل انتفاضة مؤازِرة ومناصرة لشقيقتها في الإقليم.

وبالمناسبة، هدد رئيس الوزراء حيدر العبادي قائلا “لن نقف مكتوفي الأيدي أمام الاعتداء على أي مواطن في إقليم كردستان”، ولكنه وقف مكتوف اليدين والرجلين معا، حين هاجمت ميليشياتُ رفاقه في الحشد الشعبي وفي حزب الدعوة المتظاهرين في بغداد والناصرية والنجف والحلة والبصرة، بالهراوات والمسدسات والعصي المكهربة، وفعلت بها أكثر مما فعلته حكومة الحزبيْن الكرديين بمواطنيها الذين لا يريدون منها سوى الماء والزاد والكرامة وحسن السلوك.

والذي لا تنكره حكومة بغداد أن لها النصيبَ الأكبر في إخراج الجماهير الكردية عن صمتها، بالإجراءات الانتقامية التي اتخذتها، وبالعقوبات المتشددة التي تصرُّ على استمرار فرضها، حتى بعد أن تخلت الحكومة الكردية عن نتائج الاستفتاء، وأقرت بسلطة المركز على كل شؤون الإقليم، بذريعة الدفاع عن الشرعية والسيادة وهيبة الدولة وحدودها، الأمر الذي تسبب في ركود اقتصادي أجبر العشرات من الشركات المحلية على تصفية أعمالها، وطرد عمالها وموظفيها، مع غلق مطارات السليمانية وأربيل، وإرغام المسافر، من الإقليم وإليه، على العبور من مطارات أحزاب السلطة وميليشياتها.

يعني أن العبادي الذي يهدد بأنه لن يقف مكتوف اليدين عند الاعتداء على متظاهر كردي واحد لم يتردد، في الوقت نفسه، في خنق الملايين من المواطنين بحجة معاقبة رئيس الإقليم (المتقاعد) مسعود البارزاني. فكيف وأين ومتى تَزر وازرةٌ وِزرَ أخرى؟ عجايب!

كاتب عراقي

إبراهيم الزبيدي

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا