الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

جعفر المظفر اكاديمي عراقي (استاذ جامعي سابق) ناشط في مجالات الثقافة

الأكراد .. عرب

 

جعفر المظفر


يحكى أن الملا مصطفي البارزاني كان قد إجتمع مع المرحوم عبدالسلام محمد عارف لغرض وضع حل للإقتتال الذي كان دائرا وقتها. الملا من ناحيته قضى وقتا وهو يشرح لعارف الأسس التي تؤكد على أن الأكراد شعبا بهوية قومية ولها من المقومات ما يجعلها متكافئة مع العرب أنفسهم. تحدث الملا عن الجغرافية المشتركة والتاريخ الواحد والإقتصاد والأمال الموحدة, وكان عارف يهز رأسه بالموافقة على كل ما كان يقوله الملا. الأخير وبعد أن أيقن من نجاح مطالعته سأل عارف بإبتسامة الواثق:
- ها كاكا عبدالسلام, هسة أكيد إنتة آمنت أن للأكراد قومية مستقلة وقائمة بحد ذاتها.
عبدالسلام لم يتردد في الإجابة :
إي والله كاكا كل كلامك صدق, بس آني عندي سؤال واحد لا غير.
وصلت إبتسامة الملا إلى ظهره من الخلف وإلى رقبته من الجانبين وإلى صدره من الأمام, واثقا أن القضية الكردية قد وجدت حلها في النهاية بعد هذا الشرح المتعب والمستفيض :
تفضل كاكا عارف وإسأل ما بدا لك.
قال عارف
أريد أسألك هُمَّة الأكراد موعرب ؟!

بعض مشكلتنا حتى هذه اللحظة أن البعض منا على الجانب العربي ما زال يحاول أن يقدم حلا للقضية الكردية على طريقة عبدالسلام عارف, أما الجانب الكردي فلا يخلو من العارفيين (نسبة إلى عبدالسلام عارف) الذين يدعون أنهم يملكون حق إقامة الدولة المستقلة لأنهم قومية مستقلة.

في خضم نقاشنا المحتدم في هذه الأيام كثيرون على الجانبين أضاعوا البوصلة الحقيقية التي يجب ان توجه الحوار وتديره. 
في رأي المتواضع أن بعض العراقيين من غير الأكراد يدخلون مدخلا صعبا إذا لم يقفوا أمام شرعية إجراء الإستفتاء في المناطق المسماة بالمتنازع عليها ويذهبون للحديث العام عن شرعية الإستفتاء من عدمه. البارزاني يعلم جيدا أن كركوك هي مربط الفرس. من سيحسم ورقتها سوف يربح البنكو. نقطة الضعف الحقيقية لدى دعاة الدولة الكوردية هي كركوك. 
لسنا الآن بحاجة إلى بحوث تاريخية حول حق الأكراد في دولة مستقلة من عدمه. كل ما حدث في المراحل الأخيرة وخاصة بعد سقوط المنطقة في يد داعش ومن ثم إستيلاء البيشمركة على كركوك وتصريحات البارزاني حول خارطة الدم يؤكد على تجاوز القيادة الكردية وتعديها على حقوق الآخرين.
كركوك ليست مدينة في عراق بل هي العراق في مدينة.
جعفر المظفر

 

 

بيت بلا أسوار

جعفر المظفر

هيأت لي نشأتي في حي (الخمسين حوش) من مدينة المعقل في البصرة أن أكون منذ أيامي الأولى عابرا للطائفية وتداعيات الإنحياز الديني أو القومي. صحيح أن الخمسين حوش كانت تحتوي كما يدل إسمها على خمسين دار, غير أننا, نحن الأطفال حينها, نجحنا أيما نجاح لتحويل الأسوار التي تحيط بكل بيت إلى أسوار إفتراضية. لقد بدى الحي وكأنه يلعب خارج مساحة الزمن العراقي. 
في منتصف الخمسينات من القرن الماضي أنشأ المرحوم الباشا سامي فتاح مدير المواني العام, ذلك الحي على أسس عصرية. الحي الذي ضم بيوتا صغيرة كان يعتبر نقلة حقيقية في حياة ساكنية الذين كان أغلبهم يعيش قبله في بيوت متواضعة. ثم أن تصميم الحي جاء بطريقة تكاملت فيه شوارعه وملحقاته وبيوته بشكل جعلته يبدو وكأنه يضم بيتا واحدا لا خمسين بيت, فلقد ضم الحي ساحة لكرة قدم قام أطفال الحي بتطويرها لكي تكون أيضا ساحة للرياضات الميدانية التي تتضمن الركض والقفز في المستطيل الرملي, وما شابه ذلك. وكانت الحدود الخلفية للحي هي نهر صغير يلتف بعد نهاية الحي في تلك الجهة لكي يحيطه من الجهة الأخرى جاعلا الحي يبدو وكأنه جزيرة سياحية يلتحق شارعها الوسطي بالشارع الذي يؤدي إلى أرصفة الميناء البحري, أما بوابة الحي الشمالية فكانت تحتوي على سينما صيفي ومسبح صيفي أيضا, وغير بعيد كان حي (الجاينة كامب) قد ضم دارأ للسينما الشتوية, أي المغلقة يقابله على الجانب الآخر ناديا عصريا رائعا هو نادي (البورت كلب .. اي نادي الميناء الخاص حينها بكبار الموظفين).
في ذلك الحي الذي كان عبارة عن بيت واحد بلا أسوار, والذي كان يضم عائلات مسلمة ومسيحية وصابئية, كردية وعربية وأرمنية وآثورية, والتي كانت شوارعه ومرافقه قد هيأت لكي تجعلنا, نحن الأطفال حينها, نعيش وكأننا عائلة واحدة, حتى كأنا حولنا بيوتنا إلى مكانات للنوم ليس إلا, نلجأ إليها حينما نتعب من اللعب والسباحة والمهرجانات الدورية, في ذلك الحي كان الوقت أسرع من أن يقف لكي يعلمنا الفرق بين المسيحي والمسلم, بين الأرمني والعربي والآثوري, ولذلك لم يكن صعبا أن يتزوج المسلم من مسيحية ويعيشان في نفس الحي أو بالقرب منه . ليس معنى ذلك أن العائلتين كانتا تتقبلان الأمر بشكل سهل, لكن علاقات الشارع كانت قد تغلبت على علاقات البيوت المغلقة .. لقد نجحنا نحن الأطفال, من مختلف الأديان والأجناس والإعراق, أن نخلق من خلال شارعنا المشترك لغة واحدة مشتركة هي اللغة العراقية الجامعة, التي إستطاعت أن تفرض ذاتها على لغات البيوت المختلفة. كان من حق إيشو توماس صديقي أن يدخل حديقة داري الصغيرة دون أن يضرب الجرس طلبا لإذن الدخول, ثم إذا به يشاركني أو أشاركه في بيته وجبة الأكل دون دعوة مسبقة.
لقد جعلتني البيئة التي نشأت فيها أقاوم كل أشكال العنصرية والتخلف الديني (لم أذكر الإنحيازات الطائفية إذ لم يكن لها أي ذكر في كراريس طفولتنا, ومن لم يكن يميز بين مسيحي ومسلم وبين آثوري وعربي, لم يكن على إستعداد للإستماع إلى اية لغة طائفية).

اليوم حينما أكتب عن قضية الإستفتاء الكوردي, وبالأمس حينما كتبت كثيرا عن الطائفية الشيعية أو السنية, أقول لمن يظن إنني اكتب بقلم عربي لا يا سيدي إنني أكتب بقلم خمسين حوشي. وأقول لمن يريدني ان أكتب بقلم شيعي لا يا سيدي أنا أكتب بقلم مَعْقلي (من مدينة المعقل). 
كلا القلمين هما قلمان بصريان عراقيان يريان العالم, كل العالم, من خلال بيت في الخمسين حوش.
وهو بيت كان بلا أسوار. 

نوري السعيد..

جدلية القاتل والمقتول

جعفر المظفر


سأقول.. إن لكل مرحلة تاريخية سياسية خصوصياتها وأحكامها وتداعياتها وإن الحكم الأساسي على الخطأ والصواب لا بد وأن يراعي كل مرحلة على حدة. 
لكني سأقول أيضا أن المراحل ليست حدية البدايات والنهايات بالشكل الذي يجعل كل مرحلة تاريخا قائما ومستقلا بذاته ولذاته, ولا علاقة له بالتواريخ الذاهبة أو الآتية, فالتاريخ رغم تمرحله هو واحد بمعنى تواصل المراحل مع بعضها, حتى على اختلافها, فما دامت هناك وحدة جدلية بين السبب والنتيجة فإن النتيجة في مرحلة سابقة ستتحول إلى سبب في مرحلة لاحقة, وسيؤدي السبب في المرحلة اللاحقة إلى نتيجة تبدأ بها مرحلة لاحقة أخرى.
بعض القراءات التاريخية الخاطئة تبدأ من هنا.. بمحاولة البعض دراسة كل مرحلة على حدة وكأنها مقطوعة عن سابقتها بحد السكين. أفضل ما لدينا هنا من أمثلة هو ما حدث صبيحة الرابع عشر من تموز من عام 1958 يوم تم قتل وسحل جثتي الوصي على العرش عبدالإله ومعه رئيس وزراء ذلك العهد نوري السعيد الذي وصل تأثيره إلى درجة أن تسمى العهد الملكي باسمه. قبل ذلك كان قد جرى قتل العائلة المالكة بوحشية سوف يظل العراقيون جميعا مسئولين, ليس عن إدانتها فحسب, وإنما أيضا عن التوقف أمامها بكل خشوع للترحم على الملك الشاب وعائلته وجعل مقتله مناسبة لتنقية النفس العراقية من موروث العنف الذي ما زال فاعلا. وستكون روح الملك الجميل حاضرة معنا بنقاء, مثلما سيكون الوفاء لها أجمل, فيما لو تم تجاوز جلد الذات إلى حالة نستطيع من خلالها مراجعة النفس بكل شفافية وصولا إلى معرفة أسباب العنف الموروث أو المكتسب لغرض تجاوزه.
لكن مأساة إبادة العائلة المالكة, رغم فظاعتها, ورغم الندم الذي تسببت به في نفوس الأغلبية المطلقة من العراقيين كانت ساهمت من ناحيتها بتأسيس قراءة عاطفية خاطئة لذلك التاريخ, فثمة من غيب من خلال تلك المأساة كل نواقص ذلك العهد وجعله, كما الملك, مجنيا عليه.
إن مقتل العائلة المالكة يجب أن يوضع خارج سياقات القراءة المنتجة لأحداث تلك المرحلة وإلا لغطت مأساويته على الأسباب الحقيقية لتلك الأحداث العاصفة ولحصل الحكم الملكي بالتالي على براءة قد لا يستحقها أبدا. 
ولكي أوجز سأقول أن العهد الملكي, تأسيسا على حجم المسؤوليات والأدوار لم يكن في الحقيقة حكما ملكيا وإنما كان حكما " سعيديا " بأكثر المقاييس, بسبب طغيان شخصية رئيس وزرائه المزمن نوري السعيد على كل الشخصيات الأخرى وارتباط دوره بكل السياسات التي أدت إلى الثورة.
إن هذه الحقيقة ستوفر لنا وصولا أسهل وأوضح لجريمة أخرى كانت قد أرتكبت في صبيحة الرابع عشر من تموز, ألا وهي قتل وسحل الوصي على العرش عبدالإله ونوري السعيد..نعم لقد كانت تلك جريمة حقيقة قانونية وأخلاقية بسبب أن القتل نفذ خلافا للقانون, حيث لم تجر لهذين الشخصين أية محاكمة كما جرت للعديد من شخصيات ذلك العهد, فتم قتل الأول في حديقة القصر مع بقية شخصيات العائلة المالكة, بينما تم قتل الثاني على يد الغوغاء الثوريين في اليوم التالي على الثورة. أما جانبها اللاإخلاقي فقد جسدته جريمة تعليق الجثتين وسحلهما بالحبال ومن ثم تقطيعهما في شوارع بغداد وأزقتها. 
لكن علينا أن نتذكر أن أحدا لم يتعرض لجثمان الملك الشهيد وجثامين بقية عائلته الذين تم دفنهم جميعا بسرعة, وظلت ذكراهم عالقة بحزن, لكنها مخفية تحت سطح المآسي اللاحقة التي مر بها الشعب العراقي, والتي منعت تلك الذكرى من احتلال مكانتها المؤثرة وجعلتها تنزوي إلى حين.
لكن على الجهة الأخرى سيكون مفيدا لنا أن نتذكر, برغم إدانتنا للجريمة بشكليها القانوني والأخلاقي, إن نوري السعيد وعبدالإله لم يكونا بعيدين أبدا عن إرساء العنف وزرع بذرة العنف المضاد الذي جرى تنفيذه بعد ذلك بهما. ومثال على ذلك فقد تم قبل مقتلهما, بأكثر قليلا من عقد ونصف, إعدام القادة الأربعة لثورة مايس عام 1941وهو حدث كان أعتبر يومها وطنيا, على الأقل بسبب الكراهية المتفشية للإنكليز. وإذا ما قيل أن الحكم الملكي كان محقا قانونيا بسبب أن ذلك كان جزء من عملية دفاع مشروعة عن النفس ضد أشخاص كانوا تآمروا عليه فإن إثمه الكبير كان تجلى بإقدامه على تعليق أولئك القادة الأربعة لمدة ثلاثة أيام أمام بوابة وزارة الدفاع, وهي ممارسة إجرامية وحشية لم يكن مقدرا لها سوى أن تعيد إنتاج العنف ضد الحكم في اللحظة المناسبة.
إن البقية من أركان الحكم كان قد جرى تقديمهم وقتها إلى المحاكمة حيث لم يجر أبدا تنفيذ الحكم بأي واحد منهم كما جرى مع السعيد وعبدالإله, ولنتذكر أيضا أن السعيد لم يكن حين قيام الثورة رئيسا للوزراء, لكن ذلك لم يكن قد شفع له, إذ ظل في نظر الشارع العراقي مسئولا بشكل أساس عن جرائم العنف وخاصة تلك التي علقت فيها جثث العقداء الأربعة.
والآن وحينما تجري محاولة رد الاعتبار للعهد الملكي وللكثير من شخصياته وإنجازاته فإنها يجب أن تتم بطرق غير تعويمية, أي أن يجري تشريحها بطريق معقول ومتوازن, فإذا ما تم مقارنتها بالجرائم التي ارتكبت في العهود التي تلته فإن ذلك يجب أن لا يكون مدعاة لنسيان أن العنف لا يقاس بحجمه وإنما بحدته, وإن جريمة واحدة قد تؤسس لعدة جرائم, وإن العنف يولد العنف, وبدون كسر حلقاته من خلال ممارسات ديمقراطية وقانونية وأخلاقية وثقافية صبورة فإن رحم العنف سيبقى ولادا.

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا