الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

·         جواد بولس محام كاتب وصحفي وناشط فلسطيني من كتاب (البلاد)

  

مقالات سابقة

كذبة إسمها

"الوضع الراهن"  في القدس

جواد بولس

قد يتحول تاريخ الثلاثين من آب الماضي إلى واحد من أيام فلسطين المشهودة في العصر الحديث. وعلى الرغم من أننا سننتظر طويلًا كي نتحقق مما ستفضي إليه نتائج تحقيقات النائب العام الفلسطيني، الدكتور أحمد براك، في الشكوى التي قدمها إليه عدد من الشخصيات الوطنية المعنوية والاعتبارية المسيحية، تبقى هذه السابقة، أي اتهام قيادة الكنيسة الأرثوذكسية في القدس، ممثلة برئيسها ثيوفيلوس وأعضاء مجمعه وأعوانهم ومستشاريهم، خطوةً تصويبية هامةً أسهمت ولو بقليل في أخراج قضية تسريب أوقاف هذه الكنيسة من غابات "المطر الأسود اليوناني الكنسي" وكشفها كنزيف فلسطيني موجع آن الأوان أن تواجه دماءه بمسؤولية جماعية وطنية ووحدة مسيحية جامعة، ويعاقب كل من كان مسببًا أو مستفيدًا أو شريكًا أو متعاونًا أو متواطئًا فيما  أسميته "مذبحة أراضي فلسطين المسيحية" المستمرة.

من اللافت أن تقديم الشكوى وما اشتملته من وثائق ومعطيات حول عدة صفقات بيع لجهات غريبة قد استحوذ على مساحات إخبارية ملحوظة في فلسطين وخارجها، كما وأثارت تفاصيل ما نشر من معلومات حول أطراف التعاقد المستفيدة من تلك البيوعات حمية العديدين من أبناء فلسطين البررة وقسم من مؤسساتها النقابية والمدنية الهامة، وقد نعتبر بيان نقابة المحامين الفلسطينيين من أبرز وأهم تلك البيانات وذلك ليس بكونه صادرًا عن نقابة لها مكانتها ووزنها الاعتباريين وصاحبة العلاقة المهنية في موضوع الشكوى القضائية، بل إضافة على ذلك، بسبب مضمون البيان  الواضح والحازم والذي لا يمكن إغفال روحه من اليوم فصاعدًا .

فموقف نقابة محامي فلسطين، بكل أطيافها، حول الوقف الأرثوذكسي في المدينة المقدسة يؤكد بأننا "أمام قضية وطنية خطيرة وهي ليست مجرد مسألة كنسية بل هي جزء من وطن" وبعد ذلك التأكيد الضروري والتشخيص الثمين تعلن النقابة "أن ما قام به البطريرك ثيوفيلوس وأعضاء المجمع خاصته يشكل مساسًا بالحقوق الموروثة والمصانة ومساسًا بالهوية الوطنية الفلسطينية، فالأوقاف المسيحية والإسلامية تشكل جزءًا مهمًا وأصيلًا من ترابنا وأرضنا وتاريخنا وهويتنا وأن التفريط بها يرقى إلى درجة الخيانة العظمى". أوجزوا وقطعوا على كل العابثين والمتلعثمين والمهملين والمغرضين طرق النفاق والتضليل والمهانة.

على الرغم مما أحرزته هذه المسألة من استنفار لقوى جديدة وضمها إلى صفوف من يحاولون منذ سنوات طويلة كشف مخطط الإجهاز الكبير على أملاك الكنيسة الأرثوذكسية في داخل إسرائيل وفي فلسطين ومحاولاتهم لاحباطه، ما زلنا نلحظ غياب الاهتمام المقنع في الأوساط الشعبية والمؤسساتية  المؤثرة وبين القادة والسياسيين الملزمين بالدفاع عن المصلحة الوطنية، وذلك على الرغم من تحذيراتنا المتكررة أن الشركاء في تلك المؤامرة الكبرى يندفعون بشهوتين لا تعرفان الرحمة ولا المهادنة ولا الشبع، فبعضهم متخصص بالانقضاض على ما يعتبرونه  مساحات استراتيجية تقع ضمن دوائر المصالح "الحمراء" للقيمين على تنفيذ سياسة الاستيطان الصهيوني التنيني الجشع، خاصة في حدود القدس الكبرى والمناطق ذات الخصوصية  التاريخية، وآخرون يلهثون وراء شهواتهم المادية الخنازيرية، التي لا يردعها ضمير إنساني.   

قد يكون الجهل الشعبي بمعطيات مسلسل التفريط في الكنيسة الأرثوذكسية  أحد أسباب ضعف المؤازة المرغوبة، وقد يكون يأس "الكمشة" العربية المسيحية الصغيرة وراء عدم تحرك هذه الأقلية المأمول، مع أننا شهدنا في هذه الجولة تصاعدًا في عدد الأصوات المسيحية المعارضة والشاجبة لما يحدث وفي طليعتها ما قرأناه من بيانات أجمعت على اصدارها معظم المجالس التمثيلية الأرثوذكسية في القرى والمدن الفلسطينية وتضمنت موقفًا يطالب العموم بضرورة مقاطعة ثيوفيلوس ورجالاته وعدم استقبالهم في كنائسنا وفي مجالسنا وفي حواضرنا.

لقد شكلت هذه "النهيضة" مشهدًا نضاليًا وطنيًا ومسيحيًا مبشّرًا لا لبس فيه ولا خدوش عليه وخلقت كذلك حالةً مدنية ورعوية تفيض بمشاعر العزة والتفاؤل، مما دعانا للاستغراب من سبب إصدار "بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس" بيانًا مشتركًا لا ينسجم مع تلك المواقف السائدة وخارجًا عن الإجماع الأرثوذكسي العربي الواسع.

مشكلتي مع البيان تبدأ بشكله وتنتهي بمضامينه الممغمغة والمهادنة، فلقد استهلوه بحكمة استلهموها من كتاب "أشعياء" إذ تعظنا " تعلموا فعل الخير. أطلبوا الحق، أنصفوا المظلوم" وقد كان أولى بهم توجيه تلك النصائح إلى زميلهم ثيوفيلوس فهو الذي نسي حكمة " أشعياء"، وهو المتهم الأول في قضايا بيع عقارات الكنيسة الأرثوذكسية، وبدل أن يفعلوا ذلك وجدنا اسمه يتصدر قائمة الموقعين على البيان ومن وراءه اصطفت تواقيع  باقي البطاركة ورؤساء الكنائس، في صورة دفعت كثيرين للتساؤل والاستهجان لا سيما من أولئك الذين لهم في تاريخ النضال الوطني أقساط، ولكنائسهم مساهمات مميزة في الذود عن التراب الفلسطيني ووقفات مشهودة ضد سياسات إسرائيل القمعية وخاصة الاستيطانية.

يبدأ النص معلنًا "نحن رؤساء الكنائس في القدس نلجأ اليوم إلى إصدار بيان عام يعبر عن قلقنا بشأن انتهاكات الوضع الراهن (الستاتيكو) الذي يحكم المواقع المقدسة ويضمن حقوق الكنائس وامتيازاتها .." فمن هذا الكلام لا نفهم عن أي انتهاكات يتحدثون وازاء أي مواقع مقدسة يبدون قلقهم، وقد يتبادر إلى الذهن أنهم يقصدون تلك الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى، فنحن لم نسمع عن إعتداءات إسرائيلية رسمية جرت بحق مواقع مقدسة كنسية مسيحية.

ثم ينتقلون بلغة ركيكة ومليئة بالتعابير والجمل التي يمكن تفسيرها على أوجه كثيرة ومتناقضة أحيانًا فيعلنون "..وفي ظل هذه الأمور فإننا نحن رؤساء الكنائس حازمون وموحدون في معارضتنا لأي عمل تقوم به أي سلطة أو جهة تسعى لتقويض القوانين والاتفاقات والأنظمة التي نظمت حياتنا على مدى قرون". من هي تلك السلطة أو الجهة التي "يهددونها" بحزم،  إن كانت إسرائيل هي المقصودة فلماذا تنكروا لإسمها ولم يشيروا إليه ولو بالترميز؟ أما اذا قصدوا غيرها، وهذا وارد وفقًا للنص، فهوياتهم  كثيرة وهي تبدأ بالتصويب نحو النائب العام الفلسطيني، وتنتهي بالمجالس الرعوية والمؤسسات الوطنية والمسيحية في فلسطين وغيرها.

ويحاولون بعد ذلك التعاطي بارتباك وبطريقة غير مهنية ومحزنة مع واحدة من أخطر القضايا الوطنية المتفاعلة في فلسطين، وهي ما نسميه بمؤامرة الإجهاز على جميع ممتلكات الكنيسة وبضمنها عقارات البلدة القديمة في القدس، فيعلنون: "وبما أن هناك إجراءات أخرى تشكل خرقًا واضحًا "للوضع الراهن" فإن قرار المحكمة المركزية الإسرائيلية في قضية "باب الخليل" ضد بطركية الروم الأرثوذكس المقدسية نعتبره غير عادل .. وهذه الإجراءات هي اعتداءات على الحقوق التي ضمنها دومًا الوضع الراهن (الستاتيكو) ." من كتب لهم ذلك البيان؟ وبأي لغة أم فكروا؟ هل افترضوا حقًا بإن من سيقرأ هذه "الهراءات" سيصفق لوطنيتهم المتلعثمة وانسانيتهم العرجاء؟ وهل بالتعبير عن "قلقهم" المحلق سيرضون مسيحهم وأهل البلاد؟ وهل قرأوا تعليل القاضية لقرارها قبل أن يكتفوا بنعته "بالغير عادل"  وهو قرار قضائي مفصلي وخطير  "يشرعن" عملية اغتصاب بابين من أبواب القدس،؟

لو قرأوا تفاصيل الرواية، كما وردت في القرار وكما نعرفها،  لما وافق بعضهم على وضع توقيعه وراء أو بمعية اسم ثيوفيلوس، وهو المسؤول الأول والأخير عن خسارة القضية وضياع تلك العقارات وغيرها .

كم كان أفضل لو لم يصدروا بيانهم وقد أنهوه بخفة غير مسؤولة بالدعوة للتضامن مع قضاياهم العادلة وضمان عدم بذل أي محاولات أخرى "من أي جهة كانت" لتغيير الوضع الراهن، فهم لا يقولون شيئًا يليق بالحدث، وكأني بهم يصرون على إفهامنا بأن "سهامهم" مصوبة نحو أكثر من جهة، فإسرائيل قد تكون عندهم واحدة منها لكنها ليست المتهمة الوحيدة بالاعتداء على المواقع الكنسية، فمن يا ترى غيرها هم المقصودون؟

أنصح المعنيين والبطاركة ورؤساء الكنائس في القدس بمراجعة مواقفهم وبيانهم لأنه برأيي، يتضمن مواقف سلبيةً ومغالِطة وسيبقى، حتى لو لم يكن ذلك مقصودًا،  مجرد محاولة  "لتنظيف" ثيوفيلوس ورجالاته ومعاونيه مما فعلوه ويفعلونه في حق أوقاف المسيحيين وتراب الوطن.

فمن يغيّر وضع العقارات المسيحية المقدسية التاريخي في فلسطين هم رؤساء الكنيسة اليونانيون ومعاونوهم وعلى رأسهم "زميلكم" ثيوفيلوس، ولا علاقة لتسريب هذه العقارات بما أسميتموه على وجه التعميم "وضعكم الراهن" بل هي طعنات في قلب مستقبل حلم/أمل سيبقى اسمه "فلسطين" ومعركة عل بقاء ما تبقى من وجود فلسطيني مسيحي كسيح؛ لأننا، كما أعلنت بوضوح نقابة محامي فلسطين "نحن اليوم أمام معركة وطنية بامتياز تتمثل بحماية أرض الوقف الأرثوذكسي وإننا في نقابة المحامين نقف صفًا واحدًا مع كل المدافعين عن عروبة فلسطين بأوقافها ومقدساتها وممتلكاتها في وجه المفرطين بها .."

هذا هو صوت الحق فمع من أنتم؟

 

 

متى سيقول الفلسطينيون: لا لمحكمة "العدل" الإسرائيلية؟

جواد بولس

كان الصباح في القدس عاديًا، فالمدينة تحاول أن تنفض عن رموشها آخر السواد وتفيق بكسل التين من نومها. تتحسس نهديها وتفتش عن جرعات هواء نقي يسعف رئتيها المتعبتين من ليل طويل لا يعرف الأحلام الجميلة.

 تحت نافذتي تتزاحم طوابير مركبات خاصة يسوقها أباء وأمهات يحضرون أولادهم الصغار للمدارس القريبة منا . شارع الحي ضيق وغير مستعد لاستيعاب هذه الهجمة الصباحية اليومية وما يصاحبها من حركات "نرفزة" تملأ الحي فوضى وصخبًا يوحي بأننا قريبين من بداية معركة " التحرير" الجديدة. 

أنظر من شباكي في الطابق الرابع فيدهشني سائق باص نقل صغير، وهو يترك مقعده ويقفز بخفة ضفدع جائع، ويدفع رأسه باتجاه سيدة كانت تقود المركبة التي أمامه و"يردح" في وجهها. من بعيد بدا كأنه يقاتل جنديًا إسرائيليًا، لكنني استوعبت من صراخه أنه كان "ينصح" تلك السيّدة بأن تذهب كي تتعلم السياقة من جديد فهي بليدة وتعطل بتأنيها حركة السير. 

أمامهما كانت عشرات السيارات تزحف ببطء نحو أبواب المدارس. وخلف باصه إمتد رتل من المركبات التي بدأ بعض سائقيها بالضغط على صافراتها فانطلقت حناجرها بألحان أجفلت سربًا من الحمام كان يستأمن شرفات بيوتنا، وأخافت، كذلك، غيمتين وقفتا فوقنا كحبيبين متعانقين.   

أغلقت نوافذ بيتي وعدت أراجع أوراق القضية التي سأذهب من أجلها إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية، لأحاول، مرّةً أخرى، أن أقنع ثلاثة قضاة بضرورة الإفراج عن موكلي، أبو همام ، محمد جمال نعمان علاء الدين النتشة.

أصل مدخل المحكمة فأجد طابورًا طويلًا من المجندين الإسرائيليين وقد اصطفوا في ساحتها الكبيرة أزواجًا أزواجًا من الذكور والإناث وانتظروا، كما كنا نفعل في مدارسنا صغارًا، بإذعان واضح تعليمات مدربيهم .

 في وجوه بعضهم ظهرت بقايا رقة ومسحة من طفولة. توجهت إلى واحدة كانت تقف بشكل عامودي ثابت وتنظر نحو المبنى بعينين تائهتين وحاولت أن أسألها عن الحكمة، في رأيها، من وراء  إحضارهم إلى " قصر العدل " وهم سيصبحون عما قليل جنودًا في جيش جل همه "ذبح" العدل والسيطرة على رقاب شعب آخر وإذلاله.

لم أنجح في الوصول إليها. على مقربة مني ومنها وقفت مجندة من أصول أثيوبية وسارعت بالتوجه إلي قائلة بحزم عسكري "سيدي سيدي لا تتكلم مع الأولاد ". حاولت أن أوجه إليها سؤالي فأعرضت ورفضت الدخول في التفاصيل واكتفت بافهامي أنهم يعرّفون هذه الأجيال بعد تجنيدهم مباشرةً، بمؤسسات دولتهم  المهمة ومن يدافع عنها من وجه الأعداء، وقد يكون، هكذا حاولت أن تفهمني السمراء، هذا المعقل ، بعد الجيش، أهمها. 

في البهو الأنيق هدوء وقلة من الناس . ممثل نيابة الدولة يبادرني بتحية الصباح . هو شاب نحيف أبيض الوجه في أواخر عشرينياته، يضع على رأسه " كيباة" سوداء. يقف مادًا يده  لمصافحتي بدماثة لا تغيّر من غضبي الظاهر على أسيادة ورؤسائه العسكريين والمدنيين . أمازحه مداعبًا وكفه بين أصابعي، بأن الدولاب سوف ينقلب في يوم ما وقد يصير "أبو همام" ورفاقه حكام البلاد وأصحاب الفرح والوجع والعدل. 

ينظر إلي متفحصًا فيما إذا كنت أتحدث بجدية أو لا. فأستطرد قائلًا " عندها ستأتيني كي أكون واسطتك عندهم. إنتبه كيف تعاملنا اليوم ". 

لا أعرف كم أثرت عليه كلماتي ولم يهمني ذلك، فما حيلة  "العاجز" إلا فطنة عابرة وحسن البيان وقصيدة عصماء ساحقة! لقد شعرت بعد كلامي إليه براحة ورضا. 

سألته فيما إذا أحضر أخبارًا مفرحة لموكلي! ابتسم بدون خجل ولا تكبر، وكأنه يقول لي، من مثلك يعرف الجواب. فسألته، ألم تشبعوا منه وهو الذي دفع ويدفع فاتورة إنتمائه الفلسطيني  وكقائد معروف في تنظيم "حماس" منذ أكثر من عشرين عامًا. 

أجلس في قاعة المحكمة على مقعدي ، تحيطني برودة ووحدة. في الجو أشم روائح القهر والخسائر.لم أشعر بهيبة من المكان كما كنت أشعر في سنوات عملي الأولى. حاولت أن أشغل بالي بقراءة أخبار عن شكوى يتقدم بها مئات الفلسطينين المسيحيين والمسلمين لدى النائب العام الفلسطيني ويطالبونه فيها بفتح تحقيق شامل بتهمة الخيانة وهدر الأموال العامة وذلك بحق مسؤولين في الكنيسة الأرثوذكسية المقدسية عن بيع عقارات وأراضي الوقف المسيحي ونقلها إلى جهات غريبة.   

كنت فرحًا وأنا أقرأ هذه الأخبار فتوقفت فرحتي عندما دخل القضاة على مهل وبحركات يحترفونها باسم الرزانة والاعتدال . قبلهم ادخل " أبو همام" وقد جيء به من سجن "رمون" الصحراوي. نظرت إليه فتخيلت أنه ولد وتلك البسمة مطبوعة على جبينه، لم يبد قلقًا . كانت إرادته تتكلم وصبره كنز لا يفنى . سألني عن جديد في قضيته وعرف أننا سنتابع فصول مسرحية الكذب والزيف .

هيئة القضاة لا تبشر بالخير ولا حتى بأنهم سيدعوني أخسر "بذوق" وبأناقة. رئيسهم حاول اسكاتي من البداية، مع أن قضيتي كانت الأولى في برنامج قصفهم الصباحي، فطلب أن لا أطيل وأسمح لهم أن ينتقلوا مباشرة إلى قراءة ملف موكلي السري. 

رفضتهم بغضب مصرًا على أننا لسنا بحاجة لهم إذا ما حصروا مهمتهم بقراءة الملفات السرية. صرخت فسكتوا وقلت لهم: أعطونا من وقتكم الذهبي ما يكفي لافراغ حقنة مسكن في جروح موكلي، وتظاهروا كأنكم تصغون لنا ولو من باب أصول الكذب عند الأكابر واحترامهم له، وأوهمونا بأنكم  جئتم من دون موقف مسبق ولو إجلالًا لعهر تاريخ الزيف عندكم وعلو عدل بنادقكم وغلبة رائحة البارود على العطر في أعناق الورد وعروق البنفسج.

فماذا تقولون لابن الستين هذا وانتم تبيحون دوس حريته منذ حوالي العقد من دون تهمة أو مواجهة أو محاكمة؛ أوَ لا تعرفون أن معاناته بدأت عندما اعتقله احتلالكم في المرة الأولى إداريًا في العام 1989 لمدة عام، ثم تلاه اعتقال آخر مماثل في العام 1994، ثم حكم في سنة 2002 لمدة ثمانية أعوام ونصف العام  وذلك بعد ادانته في محكمة عسكرية كقيادي كبير في حركة "حماس" وبكونه مسؤولًا عن عدة نشاطات وأعمال" عدائية ومعادية" . والأهم في الأمر أن كل ذلك القهر لم يزده بين أبناء شعبه إلا بهاءً وقدرًا ففي عام 2006 تم انتخابه، وهو أسير في سجونكم ، عضوًا في المجلس التشريعي الفلسطيني المعطل منذ ذلك التاريخ ، فأمضى فترة محكوميته كاملة لكن منطق الانتقام كان أقوى من الحق فأبقوه في السجن بأوامر اعتقال إدارية لمدة عامين ونصف إضافيين، حيث تم الافراج عنه فقط مع نهاية العام 2012 ليبقى حرًا لمدة ثلاثة شهور ناقصة، أعيد بعدها الى الأسر بأوامر اعتقال إدارية جددت تباعًا لمدة ثلاثة أعوام انتهت في شباط من عام 2016. فبقي حرًا لمدة سبعة شهو فأعادوه بعدها إلى الأسر إداريًا حتى يومنا هذا .

لم تتغير تقاطيع وجوههم، فأمثالهم يتقنون تغييب المشاعر وردمها في صدورهم ويحسنون لعب أدوار الحكماء المتعمقين في ذواتهم، حتى انهم يبدون أحيانًا كأصنام من شمع آدمي تفكر بسكينة وباتزان مستورين .

 أفرغوا القاعة من الجمهور واجتمعوا لوحدهم مع رجال المخابرات العامة، واطّلعوا، هكذا فهمت من قرارهم،  على ملف موكلي السري. 

أعادونا بعد نصف ساعة إلى القاعة التي بدت رمادية وجوّها صار أبرد، فقرأ علينا رئيس الهيئة قرارهم. سمعته وتذكرت طقوس الببغاوات وذكاءها. لا جديد تحت  قبة ذلك الهيكل فمنذ متى يغير الكهان تراتيل العبادة وقوانين السماء. 

رفضوا التماسنا وأبقوا أبو همام في الأسر لأنه ، هكذا كتبوا في قرارهم، يشكل خطرًا على أمن وسلامة الناس!! 

تركت صرحهم وكنت غاضبًا على أنفسنا وعلى أبناء شعبي وقادته، فمتى سيقاطعون هذه المحكمة، محكمة القمع العليا؟ متى سيستعيدون كرامة الحق والوطن ؟ ألم يكفنا خمسة عقود من الذل والتذلل وانتظار الدبس المراق؟ 

عندما وصلت محيط  بيتي  كانت ساعة انتهاء دوام المدارس. الشوارع "مجلوطة" والصافرات تملأ الفضاء فوضى وقهرًا. 

لم يبق حمام على شرفاتنا والدوري رحل إلى حيث سيجد أمانه. بهدوء أنتظر فكاك الأزمة وأمامي بعض السائقين يتنطنطون بين السيارات ويقومون بحركات تلائم نزلاء " المرستانات" وسيدات تجلسن وراء المقاود بحرقة وتفقد بعضهن أعصابهن فيتحولن ، والماكياج يسيح على خدودهن، لمصارعات لا يعرفن الخوف ولا الخجل. 

بجانبي يسير شيخ بصحبة عكازه، ينظر صوبي ويراني سارحًا ساهمًا ومن شفتي يسقط بعض الخسارة وتفر بسمة كسيرة، وقف للحظة وحياني بصوت خفيت وتمتم : "خَرْجنا، هيك بدها إسرائيل " وغاب في غابة من السيارات والغبار.              

 

 

رسالة إلى

الصديق محمد بركة

جواد بولس

بداية كل أضحى وأنت معزز بمزيد من الإصرار والصبر والحب وبعد،

مضى عامان بالتقريب، على انتخابك رئيسًا "للجنة العليا لمتابعة شؤون الجماهير العربية في إسرائيل"، وما زلت أذكر كيف أهملتُ حكمة التوازن في ريشة القلم واندفعتُ، حينها، كطفل يفلت في صباح العيد صوب الشمس، كي أحضن حلمي الذي توقعت أن يكون ويبقى حلمك؛ ففوزك بذاك المنصب كان بالنسبة لي ولكثيرين من أمثالي فوز جيل عاش "على أرصفة الوطن حين علمتنا تلك كيف تكون اللذة في التقاطنا "خبزنا الحافي"، وعليها تزودنا بالسعادة حين كانت تتنطنط حتى في جراحنا وعلى حافة شهقاتنا وهي ترتجف، قبلنا، في الهواء العاري".

كان ما ورثته أنت ثقيلًا، ومخازن أصحاب الأرض، عشاق الفجر والندى، أهدرتها، قبلك، زعامات اختزلت حرفة القيادة في ممارسة الوجاهة والخطابة والوقوف على الجراح وفي المنابر.

نجاحك في ترميم "قلعة الجماهير العربية " بدا للبعض، في معطيات المرحلة، صعبًا. لكننا، نحن رفاقك، عرفنا أن لكل مرحلة فارسها ووثقنا أنك فارس هذه المرحلة فقلنا: "كل البدايات صعبة وقد يبدو التغيير المنشود بعيدًا لكننا نرى أن لدى بركة اليوم ما يكفي من الإرادة والمقوّمات والمعطيات التي تمكّنه وتؤهله كقائد أن يزيل ما راكمته السنين من غبار غطّى وأخفى ما زرعه البناؤون الأولون، آباء بركة ورفاقه، في أراضينا من تحد لا يشيخ ووعد صدّاح بأن "لن تسقط هذه الأعلام / ما دمنا نغني ونقاتل".

سنه عن سنة والهاوية عم تكبر ..

مر عامان على ذلك الفرح وما بدا للكثيرين عسيرًا صار في الواقع شبه مستحيل، فلقد حططت على "كوكب" عصي ومستوطن منذ عصر الكراسي والمناصب. أرضه لا تعرف تضاريسها الشواغر ولا يقر أهلها بضرورة التغيير والتبديل، فكل حيز فيها عبارة عن "مقعد"، وكل مقعد صار  "حصنًا" وكل حصن أصبح ملجأً له كوشان وأصحاب ومناطر.

من أين سيأتينا الفرج؟ ومن سيكون قادرًا على قهر ما تختزنه جيناتنا العربية الصافية وذاكرة تاريخنا الصفراء؟ من سيكون في صفك ويسعى معك بصدره المكشوف لاحراز نصرك/ نصرنا على ذواتنا؟ وهل من "زيّاد" يقاتل "الطاغوت" على جبهة وعلى أخرى يحتفل حين ينتصر نشيده على صلاتهم؟ هذا السؤال قد يكون لهم لكنه عليك أيضًا فأنت اليوم القابض على القوس والنشاب والشعرة.

صديقي أبو السعيد، لقد تخيلنا كم ستكون مهمتك شاقة ومنهكة، فإسرائيل تتوحش بضراوة وساستها يتقدمون على ايقاعات مقام "عجم كرد" في دروب "يوشع"، وأوضاع الجماهير العربية  تدهورت في السنوات الأخيرة بشكل مقلق، والبعض يختار المقامرة والمغامرة والسير على المنزلقات الخطيرة ونحو السراب.

ما كان حرامًا باسم الأرض، حين كنا إخوة للنشيد، صار على مذابح الأهواء فكرة شريدةً وحشرجة دوري وقبرة، وما زرع في مساكب هويتنا الفلسطينية الزاهية، منذ علّم حنا وراشد وتوفيق وسالم وسميح ومحمود العالم والغزاة، كيف من بطن الهزيمة تكبر العزة وتشرئب السواسن وتستعاد الحنجرة، استئصل اليوم بمباضع مستوردة وبمعاول مسممة أو مسكرة، وما تكحلت به العيون من أجل الوطن وحُسب "مقدسًا" صار كفرًا أو خربشةً على وجه السماء والقمر.

لقد رحل "أيارنا" من ساحاته الدافئة، ونسيت أجيال "الواتساب" رقصة جورج "الدحبورة" الساحرة على "عين" كفرياسيف، وأطاحت أغاني أليسا وشكيرا بأهازيج النسوة البيض يشققن أبواب السماء ويُرقصن الملائكة الحمر على غنج المطارق والمناجل في شوارع البعنة والناصرة وأم الفحم؛ ورايات "أكتوبر" نزحت عن شوارعنا فصارت الخناجر فيها أعلامًا وزغاريد العصي أناشيد للحمائل وتناثرت حداءات عمال المصانع وتغير المعلمون في المدارس وبعض الطلبة أصبحوا أمساخًا "للعناتر".  النساء أعدن، على أجنحة التخلف والتواطؤ، إلى مراتبهن السماوية "الأصيلة"، فكما ولدن في زمن الرمل سيبقين عورات وناقصات وطلاسم، ومن ستزيح عن خط تلك "الظبية" سيبقر سيف الشرف خاصرتها وليمتلئ الفضاء دموعًا وتنهدات وعيونًا محملقة ونهودًا مجفلة.

من سيخرجنا من الغابة؟

دعني أعترف، يا صديقي، أنني  قررت كتابة هذه الرسالة بعد أن لفت أحد أصدقائنا القريبين انتباهي على أنني أكثر في مقالاتي، حسب رأيه، من انتقادي للقيادات العربية على جميع انتماءاتهم وهذا قد  "يصب في صالح المتقاعسين الذين لا يفعلون شيئًا في أي شأن ويوارون هروبهم باتهام القيادات بالفشل" ومع أن صديقي يقر بحقي وحق غيري بمناقشة القيادات ومعايرتها والتلويم عليها لكنه يشترط ذلك  "بأن يكون في السياق الصحيح فعكسه يعود بالفائدة على الباحثين عن مراكز قوى أخرى أو الذين يستفيدون من أجواء التمييع".

لن يختلف اثنان حول صحة نصيحة ذلك الصديق "النبيل"، فكيل الاتهامات جزافًا والانتقادات للقيادات العربية من دون سبب أو في غير السياق الصحيح يعتبر تجنيًا واعتداءً صريحًا، ويخدم أعداءنا، خاصة في أجواء استقواء بعض الجهات والأفواه المغرضة أو المأجورة أو المنفوخة وانهيالها، بمناسبة أو بدون مناسبة، على مؤسساتنا القيادية ومن يقف على رأسها.

من الضرورة التمييز بين أولئك "المخربين" وبين من ينتقد باسم المصلحة العامة محاولًا تقويم ما يراه خطأً وغير سليم، حتى لو لم يوافقه المنتقَدون، فالتوقف عن الانتقاد باسم ذلك الالتباس المحتمل مرفوض، فالمشكلة تبقى بنظري في صمت تلك القيادات ازاء ظواهر الاستقواء عليهم وتحديهم العلني من قبل من "بيسوى ومن بيسواش" ومن جهة  مدعين أو ساقطين أو مغرضين أو مدفوعين، ففي الآونة الأخيرة سمعنا وشاهدنا كثيرين يتهجمون بشدة ومن دون سبب ومبرر على  قيادات وطنية بالاسم أو على المؤسسات القيادية، ولم يحرك كثيرون من المعتدى عليهم ساكنًا، بل التزموا الصمت وكأنهم يتصرفون بنضج ومسؤولية والكل يعرف أن صمتهم نابع عن عجز وضعف ليس إلا.

في الواقع لقد ورد انتقادي الأخير للقيادات العربية بعد غياب موقفها في قضية تسريب عقارات الكنيسة الأرثوذكسية في القدس وغيرها، وقمت، بعد ملاحظة صديقي، بمراجعة موقفي ولم أجد فيه غضاضة، فالصمت في هذه القضية وفي مثيلاتها من القضايا العامة، يعادل قصورًا في مواجهتها وموافقة، في حالتنا، على تلك البيوعات الخطيرة خاصة وكلنا يعرف أن "لجنة المتابعة العليا" وغيرها من المؤسسات الوازنة اتخذت مواقف واضحة ومؤثرة في قضايا عامة ومنها قضية الأوقاف والأماكن  المقدسة الإسلامية.

لقد تزامن ما كتبه لي ذلك الصديق مع مشاهدتي لبعض وقائع مهرجان عرعرة الذي أقيم يوم الجمعه المنصرم، ٢٠١٧/٨/٢٥ وبدعوة من لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، ولجنة الحريات، واللجنة الشعبية عارة- عرعرة، وذلك تحت شعار "لا للاعتقالات الإدارية، لا للملاحقات السياسية".

اختياركم لاقامة مهرجان ضد قضية الاعتقالات الادارية والملاحقات السياسية حق لكم وواجب لا غبار عليه، لكنني تذكرت وأنا أشاهد ساحة المهرجان ما كتبته أنا عندما توليتَ منصب رئيس اللجنة، فتحسرت لأن قناعتي اليوم ضعفت، فأنت، هكذا يبدو  "عالق" في داخل تلك الحلقة العليا ولن تستطيع الخروج منها حتى لو أردت.

مع هذا، اسمح لي أن اسألك مستعلمًا أولًا، لماذا يجب أن تصدر الدعوة للمهرجان باسم "لجنة المتابعة" وباسم لجنة منبثقة عنها هي "لجنة الحريات"، فكل من يقرأ اليافطات يستنتج أننا ازاء لجنتين منفصلتين فهل من حكمة ومصلحة من وراء ذلك وما الداعي له؟ وثانيًا، إذا اعتبرت تلك الجزئية هامشية وتقنية، فكيف تشرح  ما شاهدناه من عملية فصل واضحة ومذلة بين الرجال والنساء الحاضرين في المهرجان، فالرجال تصدروا الصفوف والميدان والنساء أُلقين في الخلف من وراء فاصل.. فكيف وافقت على المشاركة في هذا المشهد وأنت نصير "الحريات" وحليف المرأة وحقوقها المتساوية؟

لقد سمعت خطابك في المهرجان وأنا أدعم موقفك الرافض للاعتقالات الإدارية والملاحقات السياسية بكل قوتي، وكذلك أوافق على توصيفك لخطورة تفشي ظواهر العنف بيننا وفي قرانا ومدننا، لكنني أتساءل ماذا فعلت لجنة المتابعة العليا، وكثيرون منا يعلمون أن في صفوفها من يصنّع عمليًا فتائل العنف وينتج مولدات الاعتداء على الآخرين؟

أعرف أنك تحمل أحلامًا كبيرة وأعرف أيضًا أنك قد بدأت مسيرة الألف ميل ببعض الخطوات الهامة، لكنني أخشى، بعد مرور عامين من شبه المراوحة التامة، أنك لن تستطيع الخروج من حلقة "المتابعة" ولجانها كما ورثتها، فبدون أحزاب سياسية ناضجة وواعية ومسؤولة وداعمة، وبدون رؤساء مجالس بلدية وقروية منتخبين بدعم أطر سياسية ووطنية، وبدون تأمين حماية للحيزات العامة وتحصينها من تدخل الدين السياسي في كل صغيرة وكبيرة، وبدون التزود بالجرأة على قول  اللاءات في وجه كل معتد على "المختلف الآخر" وكل مارق وعميل ومستزلم وحملة الخناجر والعرابيد، لن تستطيع أن تنقلنا إلى ذلك الساحل الذي لعبنا على رماله حين كنا عشاق "محمود وسميح وتوفيق ".

رجائي ألا تعتبر ما قلته هنا، يا رفيقي، مجرد انتقاد متحرش، بل هو في الحقيقة اعتراف مني بأننا أبناء "جيناتنا"، فأنا وأنت سنبقى رفاقًا للأمل ومولعين بدودة القز والحرير، ورغم الخيبة من المعطيات القائمة، ما زلت واثقًا بأن خيارك سيكون خيارنا، وأنك في النهاية حليف الحرية والشمس ومن يشقون في "الحقل والمحجر" وعاشوا رغم أو تحت أعواد المشانق.

وأخيرًا، أتمنى أن تبقى كالغيمة تندف خيرًا وبركة.          

 

 

الوقف المسيحي في

فلسطين أرض ووطن

جواد بولس

ما زالت مجموعات صغيرة من الفعّاليات العربية المسيحية  تواجه لوحدها تقريبًا آثار ما يتهافت علينا من أخبار صفقات بيع عقارات للكنيسة الأرثوذكسية تمتد من طبريا فقيساريا ويافا وبيت شيمش ولا تنتهي في بيت جالا وجاراتها.

وقد يكون أخطر هذه البيوعات ما نفذ وينفذ في القدس وهو ما أسميته سابقًا "بمذبحة الأرض العربية المسيحية في فلسطين ".

معظم المؤسسات التمثيلية العربية الأرثوذكسية في إسرائيل وفلسطين والأردن شجبت ببيانات صريحة عمليات التسريب الخطيرة التي نفذها المسؤولون اليونانيون المتحكمون في رقبة "أم الكنائس" وفي مقدمتهم البطرك ثيوفيلوس ومجمع مطارنته وبمساعدة عدد من المخططين ومستشاريه القانونيين العرب وغيرهم.

وقد لا نجد اليوم من "يجرؤ" على الدفاع عن ثيوفيلوس ورجالاته بشكل علني إلّا نفر قليل ممن أطعمت أفواههم فاستحت عيونهم وطأطأت جباههم، أو من الطامعين في "مكرمة"بطريركية هنا أو منفعة هناك، أو من الموظفين "الكبار" عند أصحاب النفوذ والقوة والمدفوعين بغرائز "العبيد" مسلوبي الإرادة والرأي القويم.   

منذ سنوات يقوم عدد من النشطاء الغيورين برصد ما يقترفه هؤلاء اليونانيون وأعوانهم بحق أرض الوطن ومكانة الكنيسة المشرقية ورعاياها العرب، ويَجمعون، بشقاء النمل وإصراره، الوثائق والمعلومات وينشرونها كي تصبح ملك البشر وفي عهدة التاريخ.

في الماضي كانت مهام هؤلاء أشبه بمن يفتشون عن ذاك "الأبلق العقوق"، فكل المتورطين والشركاء في صفقات الإحكار أو البيع تضافروا على ضرورة إخفاء الحقيقة والوقائع وعملت إلى جانبهم  طواقم إسناد مدربة تكفلت بأحكام المؤامرة وببث وتثبيت ما يخالف الرواية الصحيحة وقد نجحوا في مخططاتهم على الرغم مما كشف من معطيات مأساوية ودلائل دامغة على بشاعة الخسارة وخطورتها الوطنية والكنسية.

فلماذا وكيف كان لهم ذلك ؟

الأسود لا يليق بهم!

لسنوات حاولت كتائب الدفاع البطركية مَغمغة ما جرى ويجري بحق أوقاف الكنيسة، ومن أشهر ذرائعهم أنهم يقومون بتأجير العقارات بإجارات طويلة الأمد ولا يبرمون عقود بيع، ولذلك لا يمكن اعتبارهم مفرّطين أو مسرّبين أو مهرّبين لتلك العقارات.

لقد إنطلت هذه البدعة على كثيرين، خاصةً وأنها سوّقت من قبل "سحيجة" البطرك  وبعض ضعاف/ طيبي النفوس الذين أعماهم  إيمانهم وافتتنوا بلبسة "الأسود"، وكذلك بمساعدة عدة مؤثرات وعوامل وظفت في سبيل تمريرها، وقد أتينا على ذكرها في مقالات سابقة.

لم تكن تلك الادعاءات وغيرها سوى حجج واهية ومحاولات تجميل رخيصة لواحد من أخطر مشاريع الإجهاز على أكبر مخزون عقاري تملكه، في فلسطين الكبرى، مؤسسة خاصة، هي الكنيسة الأرثوذكسية المقدسية، مشروع سيفضي في نهايته إلى نقل تلك العقارات لصالح جمعيات استيطانية يمينية أو مؤسسات صهيونية عنصرية أو شركات تجارية إسرائيلية؛ ومن لم يستوعب تداعيات افتعال أزمة  البطريركية في العام ٢٠٠٥ ومغزى "برشتة " ثيوفيلوس وإجلاسه على سدة الكرسي البطريركي كان غافلًا أو مغفلًا أو مستغفلًا، فالحقائق كشفت في حينه والغايات فضحت والمخاطر وضعت أمام أصحاب الرأي والقرار في فلسطين والأردن والمؤسسات الوطنية والمسيحية.

إن نجاح ثيوفيلوس ورجالاته بترميد العيون وبتطييب النفوس طيلة أكثر من عقد دفعه إلى الإسراف في أفعاله وتعجيل إنجاز مشروعه وأوصله إلى درجة من "الثقة" بقوة ثوبه اليوناني الأسود التي لا تقر بحقوق عربية ولا بواجبات مسيحية مستقيمة

لقد مضت سنوات حكمه بسلاسة رغم تفاقم علاقته مع أبناء الكنيسة العرب. ومع أنه لم يف بما تعهد به للقيادة الفلسطينية والأردنية، لم تسائله جهة مسؤولة ولم تغمز هذه جانبه حتى عندما نشرت أخبار صفقات بيع عقارات الوقف، بل على العكس من ذلك، ففي كثير من الأحيان كان بعض المسؤولين يجدون له الأعذار والمبررات، كما حصل مرارًا من خلال مواقف وبيانات "اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس".

وعندما بدأت الصحافة العبرية بكشف خبايا صفقات البيع وتفاصيلها، اعترف وجاهر بفعلاته وبررها مستهترًا بعقول أحفاد "يوحنا" العرب، ربما لأنه يعتبر نفسه سليل "الشمس"، سيدًا حاكمًا، والفلسطينيين، أصحاب البلاد، ليسوا أكثر من رعايا لا كرامة لهم ولا عدد.

وحين توالت أخبار الصفقات وأوجعت القاصين والدانين بقي ثيوفيلوس ضيفًا مبتسمًا ومرحبًا به على موائد الكبار ونجمًا في المناسبات وفي الإحتفالات الوطنية الرسمية.

وعلى الرغم من معرفة الجميع أنه لم يكن لينجح بتنفيذ "مهمته" من غير وقوف معاونيه ومستشاريه القانونيين معه، كانوا هؤلاء يستقبلون في الستر والعلن وكما يليق بإصحاب "القرمزي" الناثرين رذاذهم في غمائم من بخور وسحب من طيب ومن عسل .

القضية ليست مجرد مسألة كنسية بل هي جزء من وطن،

في الواقع وعلى الرغم من ضعف ردود الفعل على ما نشر من صفقات بيع خطيرة بدأنا في الآونة الأخيرة نلحظ تبرعم وعي يشي بتذويت جهات مسيحية وإسلامية جديدة لأبعاد القضية وإقرارها بأن مسألة بيع عقارات الكنيسة الأرثوذكسية هي قضية وطنية خطيرة ويتوجب على جميع القوى والجهات الرسمية والسياسية أن توليها إهتمامًا فوريًا وجديًا.

كثيرون تنبهوا بشكل خاص على أن سيطرة جمعيات استيطانية يهودية يمينية على عقارات إستراتيجية في "باب الخليل" و"باب حطة"، كما جرى مؤخرًا، إضافة إلى سيطرتهم على عقارات أخرى داخل الأسوار، سيفرغ من مضمونه الفعلي الإدعاء حول حق إحلال السيادة الفلسطينية على القدس الشرقية وبضمنها على منطقة البلدة القديمة، وسيجهض، في نفس الوقت، المكاسب التي حققها المقدسيون في معركتهم الأخيرة وذلك لأن السيطرة اليهودية على ذينك البابين ستحكم الخناق على منطقة المسجد الأقصى.

في ندوة دعى إليها المجلس المركزي الأرثوذكسي والشباب العربي ألأرثوذكسي يوم الإثنين الفائت في رام الله وشارك فيها حضور واسع، برزت من بينه، بشكل لافت،  قيادات فصائل وطنية فلسطينية وشخصيات قيادية وإعلامية هامة، أجمع المنتدون على أن قضية الوقف الأرثوذكسي هي قضية وطنية؛ وتحت هذا العنوان كتب بعدها الصحفي عمر حلمي الغول مقالًا هامًا قال فيه أن "حماية أراضي الوقف الأرثوذكسي هي مصلحة إستراتيجية فلسطينية وهي معركة وطنية بإمتياز.." كما وأكد من خلال رؤية وطنية شاملة على ضرورة "ملاحقة كل من ساهم في تسريب أو بيع عقار من عقارات الكنيسة عبر القضاء الفلسطيني.. والعمل من قبل الكل الوطني، شعبيًا ورسميا، على عزل البطريرك ثيوفيلوس".

تركت هذه الندوة بحضورها المتنوع والمميز شعورًا بأن القوى الوطنية لا تقبل ما يقوم به ثيوفيلوس ورجاله وبأن هنالك بشائر خير وأمل على أن العتمة السائدة في "أم الكنائس" قد تنقشع قريبًا.

وفي تزامن مع تلك الندوة وبما يدعم تلك البشائر كتب قبل أيام غبطة البطريرك ميشيل صباح مقالة هامة جدًا بعنوان "بقاء المسيحية في القدس..والتصرف بالوقف" شرح فيها معنى وجود الكنيسة والوقف وعلاقة ذلك بأبناء الكنيسة، لكنه أكد بشكل واضح على أن "في يومنا هذا يسمع المؤمنون عن صفقات بيع وتأجير من قبل الكنيسة لها تبعات سياسية خطيرة عليهم وعلى الكنيسة.. بعض الأوقاف في باب الخليل وضعت في أيدي جماعات متطرفة من أهدافها إقصاء الفلسطيني المسيحي أو المسلم على السواء.."    

فثيوفيلوس ورجاله ليسوا أقوياء كما يشعر البعض بل هم يعرفون أن من يقف في وجههم ضعفاء وعاجزون، لأن المسيحيين العرب قلة قليلة غارقة في تيهها ويأسها، وقيادات "عرب الداخل" تلهث وراء "كرسي" ومنحة وندى ومطر، وفي فلسطين فقدت فصائل وحركات كثيرة بريقها والبصيرة والبصر، ويعيش شعبها في حيرة وضيق ويعاني من ذاكرة هرمة مشوشة ومن سوء الطالع وقسوة القدر، وبين "العامة" تبقى قضية أوقاف المسيحيين ليست أكثر من حرب بين الفرنجة والفرنجة، ولذلك لا شيخ يستنفر العباد ولا إمام يستمطر حجارة السجيل ولا خطيب يستشفع برب السماوات وليرع "بطرس بقره في حقول ديرهم".

أهي قضية دير ورعية وبشر؟

لا أبلغ، للإجابة على ذلك، مما كتبه ابن فلسطين، غبطة البطريرك ميشيل صباح، قبل أيام حين قال: "فالوقف هنا في فلسطين؟ الوقف أرض والأرض في فلسطين هي موضوع صراع. والوقف أرض فلسطينية، وتمريرها إلى شعب آخر في حالة حرب هو عمل حرب. هو خروج على الشعب، وعلى المؤمنين، وخروج على الكنيسة التي رسالتها رسالة عدل وسلام. تبديل ملكية الوقف، أي أرض الكنيسة هو عمل حربي، هو تجريد الكنيسة وتجريد المؤمنين وتجريد فلسطين جزء منها.."

اسمعوا يا أبناء فلسطين نداء "الصباح"، وعوا أن القضية ضياع للوطن. والوقف أرض. والأرض في فلسطين هي أوردة ووجع. وأنتم تقفون على رؤوسكم، كأعمدة من ملح، وتتابعون كيف يقيم الغزاة ولائمهم في شرايينكم  و"المجدليات" يبكين على أبواب الهزيمة. أما من قصيدة أما من راع وعلم!            

 

ما كان سوف يكون

جواد بولس

قبل أقل من عامين، وبعد مساع شاقة وجهود متواصلة ومضنية، ولدت القائمة المشتركة وذلك باتفاق أربعة أحزاب وحركات عربية تشارك في إنتخابات الكنيست الإسرائيلي هي: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديمقراطي والحركة الإسلامية الجنوبية والحركة العربية للتغيير، ومن المفيد أن نتذكر أن جميع من زفّوا للشعب هذه "البشرى" أجمعوا أن الولادة كانت عسيرة لكنها جاءت "تلبية لنداء الجماهير وحرصًا على مصالحها".

كثيرون تحفظوا من طريقة انجاز تلك "الوحدة" ومن كونها إناءً لا توثقه "أصماغ" متينة وبعضهم خشي وحذر من بذور الشقاق الذي تحتضنه "التربة القائمة" ومن احتمالات تفجره اليسيرة وما سيسببه ذلك، فيما إذا انفجر، من آثار مؤلمة بين الناس، ومن جواز إعادتهم إلى خنادقهم الجاهزة جنودًا في خدمة أحزاب تنافرت عقائدها وتنافست شعاراتها السياسية، والزج بهم في أجواء المشاحنات المهلكة، القديمة الجديدة، بين قادة اختلفت طبائعهم وتباينت دوافعهم.

في الواقع مرّت القائمة المشتركة في عدة أزمات داخلية عكست عمق التناقض القائم في مواقف الفرقاء السياسية، ومع ذلك تماسكت ولم يبادر أي طرف مهما كان "زعلانًا" ومهما كان سبب غضبه، إلى طلب "الطلاق"، لا بل عندما واجه "الإخوة الحلفاء" حدثًا أو موقفًا أو قضيةً عامة استدعت ردة فعل أو مبادرة موحدة ولم يجدوا لها قاسمًا مشتركًا، لاذوا إلى الصمت حينًا أو إلى غض النظر ملجأ وعدم تحريك الساكن في أحايين أخرى، حتى بدت القائمة، في كثير من المشاهد والمحطات الهامة، في وضع التباس وعاجزة عن تطوير حالة نضالية قيادية مؤثرة ورادعة.

لا نعرف كيف ستنتهي الأزمة الحاضرة، وفي رأيي مهما كان الحل الذي سيتوصلون إليه فإن الضرر العام قد تحقق وأهمه زيادة في منسوب عدم الثقة الشعبية بالأطر السياسية الفاعلة وبالعمل السياسي البرلماني الذي تمثله مركبات القائمة المشتركة، فالعقل السليم لا يستوعب هذا التعاطي المرضي مع أزمة  كان من المفروض أن تكون أهون أزمات الحالة العامة، التي عاشها ويعيشها المواطنون العرب في إسرائيل، فصارت شغل جميع القيادات والوجهاء الشاغل.

كن حكيمًا،

ما زلت مدينًا بالإجابة على الأسئلة التي أنهيت بها مقالتي السابقة، وسأفعل ذلك من باب النقاش الفكري العام آملًا ألا يفهم ذلك كتدخل مني في خيارات من يحاولون ايجاد مخرج للأزمة، فالأحقية تبقى للشركاء في الهم والغم، والأولوية لمن يشتكي الإجحاف والغبن.     

وأنا، كالكثيرين من عامة الشعب، لم ننكشف على تداعيات ما حدث خلال محاولات بناء القائمة ولم أتعرف على "روح"  ذلك الاتفاق ولا على ما كان قلبه أو كبده، لكنني قرأت مثل الجميع ما صرح به عرابو النجاح في التوصل إليه وجزمهم بحق في أن ذلك يعد "أقوى جواب سياسي على التدهور العنصري وسياسات اقصاء الجماهير العربية  والقائمة تعد بالخير وستقف في وجه التحديات التي يواجهها أبناء شعبنا". وعليه فمن الواضح أن الهدف الأسمى من وراء تلك الجهود كان مصلحة الجماهير والضرورة في توحيد القوى السياسية العربية والتقدمية لتشكيل سد منيع في وجه سياسات اليمين وممارساته  الضارية، ويقيني بأن هذه المصلحة ما زالت موجودة وملحة وتستدعي اخضاع جميع التفاصيل وكل جديد لم يُستشرف في حينه، تحت جناحي هذه المصلحة خاصةً وهنالك فوارق شاسعه بفهم الفرقاء لمعنى تلك "الروح" التي يتحدث الجميع نيابة عنها وباسمها.

قد تكون هنالك حاجة بالعودة إلى بعض الأبجديات الأولية للعمل السياسي البرلماني بشكل عام ولا سيما تلك المتعلقة بخيارات المواطنين العرب في إسرائيل، فالحزب أو الحركة السياسية التي تختار أن تخوض الانتخابات البرلمانية تسعى في الواقع الى السيطرة على زمام الحكم أو إذا تعذر ذلك أن تكون شريكة فيه أو أن تجد روافد مؤثرة لتضمن تحقيق ما من أجله خاضت تلك الانتخابات أو بعضه؛ أما أذا تبددت خياراتها هذه فيبقى أمامها أن تتحول  إلى معارضة فعالة أو إلى شريكة في العمل مع حلفاء آنيين من أجل اسقاط الحكومة واستبدالها بأفضل منها.

وبما أننا نعرف أن إمكانيات نجاحنا، كعرب،  في أن نصبح جزءًا رسميًا من نظام الحكم في إسرائيل مستحيلة، طبعًا ليس في الظروف السياسية القائمة حاليًا داخل المجتمع الإسرائيلي، يبقى أمام من يختار ويقرر أن يمثلنا في الكنيست خياران: العمل مع قوى أخرى على إسقاط حكومات اليمين العنصري أو إفشال جزء من ممارساتها ضدنا، والتأثير موضعيًا لإحقاق بعض المكاسب المدنية والمواطنية لصالح الجماهير أو لقطاعات منها.

فإذا توافقنا على هذه النظرة الشاملة قد نتفق أن للأحزاب، في حالة وجود القائمة المشتركة،  كأجسام تجسد رؤى سياسية وتعد الجماهير بتحقيقها ، أهمية أولى في التمثيل البرلماني، ولكن يبقى للأفراد فيها دور لا أقل أهمية ولا يمكن شطبه باسم  "قدسية" مبدأ المحاصصة الحزبية.

فجميع النواب يعملون باسم القائمة المشتركة وهي هناك باسم الجماهير كلها، أو هكذا يجب أن يكون،  وليس من باب المفهوم الضمني والأوتماتيكي أن  تتراجع هذه الفرضية عند اقدام المحاصصة الحزبية، مثلما يجري في هذه الأيام مع النائبين عبد الله أبو معروف وأسامه السعدي الذي أشاد الجميع ببروزه اللافت وبكونه الأنشط برلمانيًا وبتمثيله المميز، للقائمة المشتركة،  في الكنيست وفي لجانها، رغم مدة عضويته القصيرة.        

تختار بعض الأحزاب والحركات مرشحيها للكنيست بعد تفعيل أجهزتها وفروعها في القرى والمدن ومنها ينتخب المندوبون للمؤتمر العام الذي يصوت على مرشحيه للقوائم الانتخابية، وبرأيي يجب احترام هذه العملية وتشجيعها، فعكس ذلك قد يسبب في المرات القادمة رفض القواعد الحزبية تكرار تجربة القائمة الموحدة، ولذلك قلنا إن للمحاصصات الحزبية مكانتها واحترامها لكنها المفاجآت أحيانًا والممارسات غير المتوقعة والمحسوبة تستدعي في ساعات الشدة الاستعانة بمبدأ طالب ولكن " كن حكيمًا ولا تكن محقًا فقط".        

لجنة وفاق عليا أم لجنة متابعة عليا؟!

قامت "لجنة الوفاق" بدور المجسر الوطني، لكنها لم تنجح باقناع "الناس" أنها لا تمارس أيضًا بعض  أدوار الوجاهة التقليدية التي يتحسس منها كثيرون. ساهمت اللجنة بقسط رئيسي وأوصلت الجهات إلى بر التصالح والنجاة، فأعضاؤها مقبولون في المجتمع ويتمتعون بمكانات اجتماعية مشهود لها وبمواض تزيدهم رصيدًا وتأثيرًا، وقد بذلوا طاقاتهم لانجاز المهمة وحاولوا أن يكونوا منصفين بقدر ما تستطيع السياسة والعمل الشعبي إنصاف من يتعاطون به.

مع هذا فلقد تساءلت في الماضي عن مبررات استمرارها في متابعة شؤون القائمة المشتركة وعن مصادر شرعيتها الملزمة في هذه المهمة، (فإذا أرادوها كجسم دائم ذي صلاحيات ونفوذ يتوجب وضع دستور واضح لعملها)  فالأزمات التي عاشتها القائمة المشتركة والتي تواجهها اليوم ذات طابع سياسي واضح وتعكس وجود مشاكل جوهرية على رؤساء وقادة الأحزاب والحركات مواجهتها بمسؤولية وربما بمرافقة من "اللجنة العليا لمتابعة شؤون الجماهير العربية في إسرائيل"، التي لم تسمع صوتًا حاسمًا أو نصيحة أو رأيا قاطعًا بل غابت رغم الكسور المتعاظمة والتي ليس من الصحي "جبرها" دومًا على الطريقة العربية، ولا إحالتها لمسارات جهوية أو توافقية حتى لو كان المتولون تسليكها هم من خيرة الرجال وأنظفهم.

عرب وما كان سوف يكون،

وأخيرًا كشفت "أزمة المقاعد" الحالية واقعًا سياسيًا سيئًا  وأسقطت الأقنعة عن وشائج مقطعة بين "شركاء القضية" وواجهتنا بحقيقة واحدة قشيبة، هي أننا بعد سنتين من عمر هذه الوليدة قد نتمنى بقاء ما قالته جداتنا عن عرب رددوا قبلنا: "تيتي تيتي متل ما روحتي متل ما جيتي"، وأن لا يؤول الوضع للأسوأ.

سأنتظر الآتي وأصلي أن لا تصدُق جدتي هذه المرة!    

 

 

الكراسي أم المآسي

جواد بولس

ما زال مصير "القائمة المشتركة" مجهولًا ويعاني من حالة تعويم لافتة تركت كثيرين في حالة التباس واضح وبعضهم يتخبط في بحر من ردود الفعل المتضاربة وآراء سياسيين لا يوحدهم اتفاق على تشخيص مصادر وأسباب نشوء الأزمة، ولا إجماع حول سبل تفكيك جدائلها.

من أبرز ما تعتمد عليه حجج المنادين بوجوب تطبيق أتفاق الشراكة بين الأحزاب والحركات التي تآلفت قلوبها على حين "سكرة"، كان ما استحضروه من  تراث أجدادنا، سادة الصحاري، فمروآتهم استحدثت في أبهى مشاهدها وكأنها شهب تضيء عتمة ليلهم الفحمي، ووفاءهم استذكر كمسك لأيامهم لا أقلُ، وجميع القيادات، من طالب منهم ب"استخراج" روح الاتفاق ومن جرى في أعقاب فواصله وبين نقاطه، اصطفوا وراء لامية "السموأل" وذكّرونا كيف كان حرُّ العُرب، صاحبُ الوعد، يُصفّد بدينه، ورجالهم تربط بألسنتها. لقد نسوا أو تناسوا أن للروح في الصحراء ظلالًا وصولات وللحروف كرّات وجولات.

لا أنوي التطرق لأزمة القائمة المشتركة كما تطرق إليها كثر، وذلك لعدة أسباب وفي صدارتها يقف الوجع الذي في كبدي مما يجري في ساحاتنا ومواقعنا وما يُرسم لمصيرنا ويخطط لوجودنا في إسرائيل، ثم يليه مشاعر عدم الرضا من طريقة تعاطي المعنيين مع هذه المسألة وما سببته من امتعاض في  نفوس كثيرة؛ فكل المتورطين في تفاصيل الحكاية، منذ بداية تشبيك كبكوبة الصوف وحتى هرهرتها الحالية، ينقبون، في الحقيقة، وراء مصالحهم الحزبية الضيقة والشخصية الأضيق، ويحاولون ايهامنا أنهم يدافعون عن مصالح الناس ومستقبل العمل السياسي الوطني الذي سيتدمر إذا لم تحل القضية على طريقة المحذّر وستخسر الجماهير العربية العريضة مظلة منيعة قادرة على صد قمع حكومة إسرائيل وسياساتها الكارثية .

فإما أعطائي ما "يرضيني"، هكذا يبدو لسان حال الأغلبية ، وإما السقطة اللعينة والهزيمة!  

يجب احترام الاتفاقات،

من المدهش أن نرى إجماع سادة الأحزاب/ الفرقاء وجيوشهم حول تلك "البديهية" الاخلاقية، فالأخلاق، هكذا يبدو، مادة هلامية وعند معظمهم هي مجرد "أسواق" و"مجازات"  توجب احترام "العُقَد" وتنفيذ وصايا "العصا والكوفية" الموروثة قبل ولادة قوانين التجارة ورقود الحكمة عند رجلي السماء.

أكثرية السياسيين تحدثوا باسم القيم والذمم لكن بعضهم  تفرقوا سريعًا عند تخوم المصلحة وعلى بيادر السياسة، فهذه لها، من زمن الأشعري حتى يومنا هذا، شعاب ومنعرجات والكلام فيها ذو أجواف وكهوف تلاك فيها "الشعارات" كخرق، والعهود فنون.

كثيرون ممن صدقوا نوايا قادة أخافهم فجأة علو جسر "ليبرمان" العنصري ، أدهشتهم "دواحس" هذا العصر، وكان أولى بهم أن يسألوا عن "غبراوات" جداتهم، فجدتي ماتت وهي تقول : "عمرهن، يا ستي ، العرب ما بتوحدوا " ورحلت، وهي ابنة الأرض واللغة، مؤمنة بأن "الشراكات تركات".

من المؤسف أن تنشغل محركات المجتمع العربي في إسرائيل بإشكالية طرأت بسبب استقالة النائب التجمعي باسل غطاس بعد تورطه في قضية انتهت بحبسه لعامين، علمًا بأن جميع من كان مشاركًا في مرحلة بناء القائمة وترتيب مقاعدها، وكذلك أعضاء  "لجنة الوفاق" التي رعت في حينه عملية التفاوض، لم يتوقعوا ما حدث ولا أي نظير له.

وبدون التقليل من ضرورة ايجاد حل للإشكال القائم،  ومن المفضل أن يتم ذلك عن طريق التوافق الايجابي، يجب أن تبقى قضية مَن من الأعضاء الشركاء سيحتل هذا المقعد أو ذاك قضية ثانوية، لا بل من الحكمة  إخضاعها، في النهاية، إلى مجمل المعطيات وعوامل الخطر التي تحيط بوجودنا، أذ لا يعقل أن تتحول مسألة "كرسي"، على أهميتها، بين شركاء الوطن والمصير، إلى القضية المصيرية الوحيدة المدرجة على أولويات نوائبنا ونوابنا.

هل فعلًا طوشة الإخوان على رمانة؟

لقد كشفت هذه الأزمة زيف ما صرح به كثيرون من قياديي الأحزاب والحركات المشكّلة للقائمة المشتركة، فمع ولادتها وعدوا الجماهير أن تبقى هذه القائمة وتصمد، وأن تكبر وتتطور، وأن يصبوا في أحشائها مضامين سياسية حديثة تستشرف وسائل نضال مبتكرة ومدروسة، وتتبنى خطابات سياسية مرتكزة على واقعية كفاحية تكون قادرة على حماية الناس، فهل  نصدقهم؟ وهل حقًا كان هذا الوليد معدًا، حسب الشعار والنشيد، ليصير قلعة حامية وفنارًا هاديًا؟

كيف لنا أن نصدق ذلك وكلنا يُستنزف وهو يسمع ويشاهد كيف تتجلى الخلافات اليوم ومن أجل ماذا تُتنازع الولاءات وتدور المعارك ويعلو ضجيج النقاشات حول من أجدر الأحزاب بوراثة ريع ضربة نرد غير محسوبة ولعبة تمت في " طشت" الشيطان! فمن سيقتنع أن هذه "الطوشة"على رمانةٍ وليست القلوب كما كانت ملآنة أمست أكثر ملآنة!

نعيش في مرجل.

يتمادى تحتنا الخطر، وتتكاثر حولنا الزواحف، وتدمينا مفاقس الدم التي بيننا ويتعبنا رصاصها والثكل.

 تحاصر الفضائح نتنياهو وتنتظر الكواسر سقوطه والجوارح، وهو يستشعر طالعه القادم ويعرف ما البدائل، فكلما صارت النار أقرب إلى حرجه استشاط صوبنا واختارنا بامعان كأهون الطرائد.

البعض يحسبها من نزواته العابرة لكنها أكبر وأخطر وهو لن يكف عن مخططه، فالقريب من اللجة والهاوية يحاول أن يتخلص ممن يحسبهم طروحًا وأحمالًا زائدة.

صورة واقعنا جلية وقاتمة، ومن يجتهد قليلًا يستطيع قراءة خارطة تيهنا الناجزة. خارطة أعدتها الحكومات المتعاقبة وعززتها الكنيست بقوانين تحدد مسارات هبوطنا وأماكن الإنزلاق ووجهات الرحيل والسفر.

التربة في الدولة خصبة والمجتمع الاسرائيلي "مورّب" ضدنا وحاضر، وأسباب الإنقضاض الكبير "منعوفة" أمامنا والسؤال ييقى متى سيشرعون بخطواتهم الآتية من غير خوف أو تردد أو إعادة نظر خاصة وجزء كبير من القيادات  منهمك "بلعبة الكراسي" وآخرون يبحثون عن مشورة من المنفى أو عفو من شيخ أو سلطان.    

لم يمض أسبوعان على ما استعرضه نتنياهو مع مبعوثي الإدارة الأمريكية وما رشح عن ذلك اللقاء لا يتعدى عن كونه نقطةً صغيرة في زجاجة سم زعاف، وعلى الرغم من جسامة الخبر لم تحظ تفاصيله بأكثر من قلة من تعقيبات روتينية مكرورة اعتمدت على الشجب المألوف وبعضها مُزج بتهديد نتنياهو وحكومته بعظائم الأمور وببشرى تطمئن الجماهير والمؤيدين بالفرج والنصر القريب.

لا أعرف لماذ هذا القصور والتغاضي فمن يراهن على "ضمير العالم" أو استقامة "المجتمع الإسرائيلي" أو عدل السماء أو المحاكم الإسرائيلية ويتوقع أن تشكل هذه روادع في وجه حكومة إسرائيل القادمة سيكون واهمًا ويخيب ظنه.

فعلينا أن نفكر بما العمل في عهد ما بعد نتنياهو لإنه حتى لو بقي هو على رأس الحكم سيكون نتنياهو مختلفًا، ومن المفيد أن نتذكر أن كل ما يجري الآن في الأراضي الفلسطينية المحتلة بدأ عمليًا في زيارة خفية قام بها أرئيل شارون إلى البيت الأبيض واستعرض خلالها أمام الإدارة الأمريكية خططه لتقسيم الضفة المحتلة وفصلها عن غزة وخارطة مفصلة لشوارع الفصل العنصري ونقاط التفتيش وغيرها من تفاصيل حسبها كثيرون مجرد أحلام لصبية عابثين، فصارت كما نرى جحيمًا يعيش في أرجائه الفلسطينيون

تاريخ فلسطين مليء بمثل مشاهد هذا "الكسل الوطني" وتجارب مواضينا دامية  وكان أولى بمن شاركوا في مصارعة  "العقبان" على أعشاش السراب أن يعودوا إلى ساحات بيوتهم ومواقعهم ويبنوا قلاعهم ويشيدوا أبراجهم، فالطوفان آت.

وإخيرًا، قد يلومني البعض لأنني لم أطرح أسئلة كثيرة فرزتها أزمة القائمة المشتركة  ومنها إذا كانت الأولوية للمحاصصة الأسمية الحزبية فأين التقييم السليم للنائب النشيط المميز والمضحي والبارز؟ وما وزن المرشح الحزبي ومعنى إختيار الأحزاب لمرشحيها بعد عمليات إنتخاب داخليه قاسية ومضنية؟ وما هو دور ومكانة "لجنة الوفاق" ومن أين  تستقي مصادر شرعيتها؟ ولماذا لم تتعاط المؤسسات القيادية الرئيسية ومثلها مؤسسات المجتمع المدني مع أزمة مقاعد المشتركة، والأهم ماذا هم فاعلون في وجه ما صرح به نتنياهو وما تخطط له إسرائيل الكبرى؟ فالمجال ضيق والبقية ستأتي .

يتبع              

Attachments area

 

درب الضباب في القدس

جواد بولس

لم يعد تزامن الأحداث التراجيدية في مواقعنا شأنًا عابرًا، فتكرار مشاهد الدم بروتينية عبثية بغيضة دجّن مشاعرنا وبلّد عقولنا حتى تحوّل سواد الناس الأعظم إلى مجرد كائنات تستشفع القدر أن ينجّيهم من غضب السماوات، وتستمطر الرحمة والنجاة من حكم مسدس طائش أو "زغرودة" عصا عمياء، وتدعو الليل ألا يجبّ هدأةَ نعاسها مَن صاروا على السلامة قيمين وفي ساحات بلداتهم آمرين وناهين.

يعمينا رذاذ الروايات الحزينة ويفسد حسّنا فرط الوجع، ولكن من يحاول الابتعاد، ولو لمسافة شهيق، محملقًا في واقعنا من علٍ ومهملًا الزحمة في تفاصيل الرمل، سيرى أن ما يجري على أرض فلسطين عامة وبين المواطنين العرب في داخل إسرائيل على وجه الخصوص، يشبه، إلى حد القلق، ما حدث ويحدث في معظم الدول العربية المحيطة بنا.

وإذا ما حيّدنا الفوارق الطبيعية بين الحالتين (الدول العربية وحالتنا) سنجد أن  محاور المستهدفين والاستهداف واحدة، و"عناصر الخراب" متماثلة، ففي معظم الدول العربية قوّضت "قوى الظلام" بُنى تلك الدول، الضعيفة أصلًا، ونجحت بتفكيك عراها السياسية الإجتماعية الجامعة اللاحمة مما أدى إلى تحلل مجتمعاتها وعودتها إلى أشكال تكونها البدائية الأصلية.

فهوياتها القومية شوّهت أو محيت، ومكانة "الشعب" آلت إلى حالة من الالتباس دامية، في حين تقزم مفهوم القيادة الوطنية إلى مسخ وقناع يخفي وراءه أصناف "نخب" شتى كلها تتدافع برغبة جامحة نحو مقاليد السيطرة، لكنها بريئة، في الواقع، مما كانت الشعوب تحلم بالحصول عليه من كرامة فردية وعدالة إجتماعية وعزة قومية- في زمن كان للعروبة عرين، وللعلمانية مرافئ، وكانت العقول منابت للآفاق والأمنيات.

ألم نُصَب بالدائين: مجتمع يتشظى، وقيادات تتفلى وتصطاد عصافير الوهم والطيور المهاجرة؟

قبل أيام غادر ثلاثة مواطنين عرب من سكان أم الفحم بيوتهم الدافئة ومدينتهم إلى القدس، وقاموا بتنفيذ عملية مسلحة أطلقوا خلالها النار، في محيط المسجد الأقصى، على قوة شرطة إسرائيلية فقتلوا شرطيين إسرائيلين وجرحوا آخرين، وقُتلوا ثلاثتهم بنيران قوات الأمن الإسرائيلية.

العديدون ممن تطرقوا إلى هذه العملية أجمعوا على "شذوذها"، لكن معظمهم تحايلوا على طريقة وصفها، كما كانوا يتمنون، وذلك من خلال لجوئهم إلى بطون دوائر كلامية هشة تعكس أزمة الخطاب السياسي للعرب المواطنين في إسرائيل، وهو الذي يعنيني في هذه المسألة بخلاف من تناولها وتحدث عنها من الضفة الغربية المحتلة أو غزة أو العالم الأوسع.

وقبل التطرق إلى سحر "البيانات" التي صدرت في أعقاب العملية من اللافت أن نعرف أن "القائمة المشتركة" لم تصدر بيانًا يعبر عن موقفها من العملية التي اعتبرها الجميع حدثًا صاخبًا واستثنائيًا، وذلك على الرغم من كونها أكبر وأهم جسم سياسي قيادي ناشط بين المواطنين العرب في إسرائيل.

سكوت القائمة المشتركة واستنكافها عن إصدار بيان، مهما كان سيحمل من مواقف، يعد استهتارًا بناخبيها وقصورًا خطيرًا في فهم قيادييها لمعنى المسؤولية العليا ولوظيفة القائد، لا سيما في ساعات الشدة وعند المنزلقات الخطيرة.

أمّا "لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل" فلقد اختارت أن تمسك عصا "الحكمة" من وسطها، وعبرت في بياناتها، ومثلها فعل في الحقيقة عدد من  الأحزاب والحركات والمؤسسات الجماهيرية العربية، عن موقف "واسع الذمة" أخطأ عمليًا ما كان مرجوًا منه ولم يوصل رسالتها الرئيسية بوضوح.

فتلك البيانات يجب تقرأ كوحدة كاملة، من ديباجاتها إلى قفلاتها، مع العلم أنها ستفهم على خلفية ما سبقها من مناخات دعوية سادت في مدننا وقرانا، وعظات نارية حُمّلت في السنوات الأخيرة شحنات من التجييش المباشر جعلت من استشهاد الشباب في سبيل المسجد الأقصى غاية ترتجى وأمنية تستدعى.

لذلك قد يغدو في هذه الفضاءات تأكيد لجنة المتابعة في جمل يتيمة من بيانات مشحونة طويلة على أن من "حقنا وواجبنا الكفاح والنضال ضد الاحتلال وسياسات المصادرة والإقصاء، ونضالنا كان ويجب أن يبقى سياسيًا وجماهيريًا وشعبيًا"، مجرد محاولة للوشوشة العاقلة الخجولة في ميدان حرب أهوج!

كان من الضروري برأيي، فرز الجوهري من الهامشي وتقديم الواجب الملح على الحق المطلق والخروج إلى الجماهير المندهشة بموقف سياسي مباشر واضح، على الأقل من قبل من يؤمن بوجوب شجب العمليات العسكرية كوسيلة نضال شرعية بيننا في إسرائيل، وذلك بدون حاجة للتأكيد المسهب على كون القدس محتلة (هنالك من أصر أن يكتب القدس والأقصى وكأننا في صدد كيانين منفصلين) ولا التأكيد المطوّل على واجبنا في الكفاح ضد احتلالها في سياق معالجة هذه العملية وما رافقها من تداعيات ودقائق استوجبت مزيدًا من الحذر والحزم؛ فأولًا، القدس محتلة منذ خمسة عقود ومن غير المعقول والمقبول أن تفطن القيادات العربية في إسرائيل لكونها محتلة في المواسم السياسية العابرة أو بعد كل عملية تورط القدس وأهلها في مزيد من برك الدم والقمع الاسرائيلي، وثانيًا، لا علاقة طبيعية لكونها محتلة برفض أو تحفظ مصدّري البيانات المتعلقة بهذه العملية بالذات، فربط ذينك العاملين (كونها محتلة ورفضك للعملية) يضعف موقفك مرتين ويترك للجميع حرية الاجتهاد والتفسير والاسترشاد، فمن يؤيد العملية في سرّه يرى "الغمزة" معلقة على كتف "الكفاح" الذي دعا البيان إليه، ومن يشكك في جدية رفض كاتب البيان للعملية يرى "الزوغة" في غنج النضالات الشعبية المقصودة في النداء.

 إن عدنا إلى بيانات قادة لجنة المتابعة فسيتضح لنا أنهم أجزموا "أن نتنياهو يطبق مخططات مبيتة لإفراغ الأقصى من أصحابه" وكأن باقي نواحي وجنبات القدس العربية محررة في أيدي أصحابها الأصليين، والأهم فإن هذا اليقين لم يأت بجديد على ما قلناه منذ سنوات وجَعَلنا نقترح على من أصر إقحام الأقصى في وسط آتون الصراع وتحويله إلى النقطة الأسخن الوحيدة في القدس وفي فلسطين، أن يتنبهوا أنهم يفعلون عمليًا ما ينتظره منهم اليمين المتطرف وحكومة نتنياهو الحالية.

أما الحقيقة هي، على ما يبدو، أن المتابعة لم تستطع إصدار بياناتها إلّا على هذا الشكل وذلك لوقوعها تحت تأثير قوة الحركة الإسلامية الشمالية، فمن يدقق في النصوص لن تخفى عنه روح خطاب الحركة ونبض استعاراتهم ومداد محابرهم.

وقد نجد أحسن مثال على ذلك في لغة بيان المتابعة الذي صدر في يوم الاثنين الفائت بعد لقاء رئيسها السيد محمد بركة بالمرجعيات الإسلامية في القدس (من الغريب عدم إجراء اللقاء مع المرجعيات الوطنية والإسلامية المقدسية) وحين نقرأ في نهايته ".. فإننا سنتواصل مع أهلنا في القدس وفلسطين في هذا الثبات على العقيدة والايمان والدفاع عن المسجد الأقصى المبارك قبلة المسلمين الأولى ومسرى نبينا الكريم (صلعم)".. نرى كيف غابت كل القدس عن النص وغابت لجنة المتابعة الجامعة الموحدة .  

لا أهمية لنية كتبة البيان فروحه بدت للبعض فئويةً ضعيفة، وقد ينفع تذكيرهم، بهذا السياق، على أن  الأقصى لم يسقط بعد وبجهود أهل القدس ومن يعملون بمسؤولية وطنية عليا وبعقلانية سياسية ورشد مؤثرين لن يسقط، ولكن، بالمقابل، سقطت مواقع كثيرة في القدس وابتلعتها ماكينات التهويد الفظيعة، وأخرى ما فتئت تئن تحت شفرات بولدوزات حكومة نتنياهو،  فأين كانت الحشود، مثلًا، يوم صارت "ماميلا" المحاذية لباب الخليل، سوقًا تستقطب حوانيتها ومقاهيها جموع المتسوقين العرب الوافدين اليها، وأين كانت باصات المدد يوم جثمت فنادق الإسرائيلين وأعلامهم في حضن "الشيخ جراح" و أطبقت "بسجات زئيف" على "عناتا" المحاصرة وعلى "راس خميس"  و"بيت حنينا" المقطعة أوصالها، وساعة أحاطت "التلة الفرنسية" ب"العيسوية" وداعبتها كما يداعب دب جريزلي فريسته الأثيرة.

 فكل هذه "القداديس" هوت ولم يشد إليها المؤمنون والمناضلون لا رحالًا ولا حتى قبضة، ولم يجفف دموع أهلها لا خطيب ولا شيخ ولا ثائر!

البيانات المعوّمة تبقى مجرد ضرائب تحبّر على مذابح الشهرة والعجز، وإن لم يكن كافيًا كل ما ذكرت، فاليوم ونحن نشاهد الدماء البريئة تتطرطش في أزقتها الحزينة، تتعرى أمامنا فصول "مذبحة" كبيرة ضحاياها عشرات المواقع وآلاف الدونمات من أرض القدس المسيحية العربية، فها هي أخبار صفقات بيعها من قبل رؤساء الكنيسة اليونانيين وأعوانهم العرب تغزو عناوين الجرائد وتصلكم كحبات البندق، وألقوم على الأرائك والقادة على المنابر دون أن يعيروها غصة أو خطبة استنكار واحدة لرفع العتب.

ما جرى قبل أيام في القدس سيترك ندوبًا عميقة في وجه مدينة ثاكلة، وشجب العملية بوضوح والتحذير من مخاطرها كان ضرورة، ولو تم لجنّب القيادات مخاضات التخبط وعناءات الحرج ومحاولات الانقاذ والترقيع والتبرير، التي زادت الأوضاع تعقيدًا، كما شاهدنا مؤخرًا .

فلَكم قلنا في الماضي: الأقصى لن يكون حرًا إذا بقي تراب القدس مغتصبًا، ولن تكون القدس أخت الشهية إذا ما ضاعت أوقافها المسيحية وبقيت "قيامتها" تحت سطوة الغريب الأجنبي .

فالقدس لم تعد مطية عروبتكم. إنها جواز سفرنا إلى الحرية وجنة الوطن المشتهى، "فلا تسقطوا عنا جواز السفر".     

 

 

 

حين يقول أحفاد الرعاة

لا لبيع أملاك الكنيسة

جواد بولس

كنا في طريقنا إلى مدينة بيت ساحور ذلك الضلع المتين من مثلث مدائن فلسطينية شهد ترابها فصولًا من عزة شعب جريح وولادة المسيحية.

مدينة من أشهر ما فيها "رعاة الحقول"، فلقد بشرهم، في زمن النجمة، وكما جاء في الكتب، صوت من السماء وبفرح عظيم بولادة  "المخلص" فقدموا إلى جارتهم بيت- لحم ليروا الطفل مقمطًا في مذود فسمعوا الأصوات تملأ المكان مسبّحةً " المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة".

من حينها امتلأت نفوسهم بلحاء كرامة سرمدية وقلوبهم إصرارًا على صونها والذود عن أرض تشربت عرق فاديهم الذي طرد اللصوص من هياكل الرب، لتبقى نقية طاهرة لا تقبل السماسرة ولا المفسدين ولا ترضى بصحبة الخونة والفاسدين.

في طريقنا من القدس لاحقتنا أخبار صفقات بيع العقارات التي يقوم بها رؤساء الكنيسة الأرثوذكسية ومعاونيهم. كانت الإذاعات الإسرائيلية تنقل مقتطفات من قرار المحكمة الإسرائيلية الصادر لتوه في ملف عقارات "باب الخليل" وفهمنا أن جمعيات الاستيطان اليهودية كسبت القضية.

كنا ثلاثة في السيارة. سمعنا ما يكفي لمقتنا ولاستفزاز مشاعرنا فامتلأنا نبضًا وحسرة، خاصة بعدما استذكرنا فصول تلك المأساة وكيف اعتبر معظم المسيحيين العرب ومعهم أكثر قيادات فلسطين أن استقدام ثيوفولس ليرأس البطركية خلفًا للبطرك المعزول يعتبر نصرًا فلسطينيًا مظفرًا، وأغفل هؤلاء تحذيرات البعض، وكنا بينهم، من أن ما حصل يعد مؤامرة واضحة وهزيمة نكراء ستدفع فلسطين ثمنها غاليًا؛ فالمسألة، كما كتبنا للمسؤولين المعنيين وللناس، لم ولن تكون نحن مع أي بطرك، بل يجب أن تكون وتبقى من منهم معنا ومع حقوقنا وأملاكنا، وأكدنا للجميع، بالبراهين والوثائق، أن ثيوفولس لم يستجلب لأنه "معنا" والأيام ستكون الفيصل والحكم.

قرأنا قرار القاضية ولم نفاجأ إطلاقًا فكل من راهن على أن تنقذ المحكمة المركزية الإسرائيلية في القدس عقارات باب الخليل ليعود فدنقا "الإمبريال" و"البترا"  التاريخيان إلى ملكية البطركية الأرثوذكسية المقدسية، كان كسولًا أو ساذجًا، جاهلًا أو متجاهلًا للواقع وللحقائق ولما سبق تقديم تلك الدعوة من خطوات، قبل أكثر من ثمانية أعوام، ففي حينه امتلأت شوارع القدس وأزقتها برائحة المؤامرة التي حاكها من خطط واستهدف ابتلاع عقارات البطركية كلّها وليس فقط ذينك الفندقين .

والمصيبة أن الثقة التي أوليت لثيوفولس في البدايات ولرجالاته ومعاونيه ومحاميه من قبل مؤسسات مسيحية ووطنية وشخصيات فلسطينية قيادية لم تتزعزع على الرغم من نشر معلومات عن صفقات أتممها وعلى الرغم من استشعار مجموعة من القانونيين الفلسطينيين وشخصيات ومؤسسات مسيحية  كانت تتابع ما يجري في أروقة البطركية ذلك التسونامي الناجز والذي سيقضي على معظم ما تملكه الكنيسة من عقارات وليس فقط ما اشتهر بعقارات "ساحة عمر" ومعها منطقة "المعظمية" التي تقعد على صدر "باب حطة" ذي الموقع الإستراتيجي الهام في البلدة القديمة.

وقد تكون مراجعة البيان الذي أصدره المرحوم الدكتور المقدسي إميل الجرجوعي في آب ٢٠٠٦  تذكارًا لخطورة التواطؤ مع ما كان يجري في الكنيسة، فلقد حذر من مواقعه الهامة كرئيس "اللجنة الفلسطينية الخاصة لتقصي حقائق ووقائع ما يسمى بصفقة باب الخليل وبطركية الروم الأرثوذكس" وكعضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ونائب منتخب في المجلس التشريعي، قائلًا " لم يقم البطريرك الجديد بتنفيذ تعهداته والتزامه الموقع ..هذا وغيره يجعلنا نتخوف أن ما حدث وكان في الماضي هو ما سيحدث وسيكون في المستقبل .. ويزداد قلقنا على ضوء ما بلغنا عبر وسائل الإعلام ومن خلال معاينتنا لوثائق عديدة عن تسريب مجموعة جديدة من العقارات  داخل وخارج أسوار القدس." ..

لم يسمع له الوطن فبكت عليه ومن أجله السماء.

واليوم ننصح، قبل إطلاق البيانات الآسفة والباكية والمستهجنة، جميع المعنيين أن يعيدوا قراءة  ما كُتب لهم ويدرسوا بمهنية قرار القاضية كاملًا (٤٥ صفحة) وذلك كي يتيقنوا من صحة ما شرح  في حينه ويتحققوا من أن مصير تلك القضية كان محتومًا منذ بدايتها وخسارتها، بسبب طريقة إدارتها المتعمدة من قبل البطركية، كانت مؤكدة ؛ فالبطركية تنازلت عن ادعاءات دفاعية هامة وقوية ( تأتي على ذكرها القاضية في أكثر من موقع في القرار) والبطركية لم تستدع شهودًا مركزيين لتدعيم مواقفها وتفنيد حجج المستوطنين/ المدّعين، مما جعل القاضية تشير مرارًا إلى ضعف إستراتيجية دفاعها التي قد تبدو للخبراء المتمعنين مقصودة، فتلك النواقص، كما ذكرت القاضية، تعتبر بشكل عام من بديهيات قواعد التقاضي وأصول المحاكمات، فما بالكم إذا كانت ضرورية أثناء "حرب" تخاض على مصير بابين من أبواب التاريخ وتتربص بهما الكواسر وتتحين فرص ابتلاعهما.

في الواقع جاء قرار المحكمة كرشة ملح على جرح شعب نازف، فبرأيي أن المأساة أكبر حجمًا مما تصوره البعض أو قامروا عليه، وقد تكون إسرائيل قد قطعت شوطًا كبيرًا وضمنت، في السنوات العشر الماضية، انتقال مواقع إستراتيجية عديدة إلى ملكية مؤسسات "تابعة ومريحة" لها أو إلى سيطرة شركات مملوكة لرؤوس أموال صهيونية ضخمة ( قد يكون بعض المتعاونين العرب شركاء في هذه الشركات لكنهم يبقون هامشيين) وهي تقترب بخطى واثقة من  نسف موازين القوى الجغرافية والسياسية في القدس مستغلة وسيلتين رئيسيتين الأولى، اغتصاب الأرض الفلسطينية العربية وبناء المستوطنات عليها، والثانية، الحصول بصفقات كالتي نعرفها وسنعرف عنها، على أملاك الكنائس الخاصة وفي مقدمتها أملاك الكنيسة الأرثوذكسية بسبب حجمها ومواقعها الخطيرة في شطري القدس .

 كنا على حافة الغضب حين وصلنا قاعة الكنيسة الأرثوذكسية في بيت ساحور. حركة نشطة تملأ الشوارع والباحات المحيطة بها. على وجوه الناس حكايات ليل وسمرة عذبة وبقايا تعب. يقابلوننا بترحاب يجيده فقط من كانوا أحفادًا لرعاة الأمل وقطافين للعزة والسواسن.

يستقبلنا جلال برهم، رئيس النادي الأرثوذكسي ويخبرنا عن وجود مأتمين في المكان لكنه يؤكد أن ذلك لم يمنع  المواطنين من المشاركة في الندوة التي اختارت لها المؤسسات الأرثوذكسية الداعية عنوانًا لافتًا ومعبرًا " تسريب الوقف هو ضياع للكنيسة وقضية وجود وهوية ".

نعتلي منصة تتصدرها يافطتان. تشي الأولى بإصرار المكان وانتماء أهله  " فالبطركية المقدسية مؤسسة كنسية وليست وكالة عقارات" ومن الثانية ينطق الواجب وتتجلى الهوية " فالدفاع عن أملاك الكنيسة من البحر إلى النهر واجب وطني وديني ".

 أمامنا تنفرد قاعة رحبة ملأها أهل بيت ساحور وجيرانهم( بيت لحم، بيت جالا) بحضور مؤثر ومشرف. في الجو أشعر بتأهب ومن الوجوه يتطاير قلق مشوب ببشائر العزم، فأعرف أننا في أرض صان أهلها "عهد المغارة" ولن يهنوا.

قضينا قرابة الساعتين في حضرة الوجع والإرادة، وعندما تهافتت التساؤلات عرفنا أن حق التراب لن يضيع ووراءه مثل هذه الهمم، فأبو جريس، ساحوري تركت السنين في عينيه أثرًا للبرق، يسألنا "هل يحق لأي مواطن تقديم شكوى للنائب العام الفلسطيني؟" فهو على قناعة أن من باع أو ساعد أو ساهم في عملية البيع يعد خائنًا حسب القانون الفلسطيني وتجب محاسبته، ثم  يتبعه مغتاظًا أبو الياس، كهل يملؤه الشك اندفاعًا نحو الريح، ويحتج على سكوت المؤسسات والمجالس الملية الأرثوذكسية وعلى غياب دور الكهنة العرب.

وتتوالى الأفكار وتنجلي السحب ويتهيأ الجمع ليوم البيادر  .

 كان رفض الناس في بيت ساحور واضحًا وموقفهم يجزم بأن تسريب العقارات قضية وطنية ومسألة وجود وهوية عليهم متابعتها بصبر وبوحدة ومنهجية واتفقوا أن يبدأوا مسيرتهم بخطوتين: تقديم عريضة موقعة من السكان تطالب النائب العام الفلسطيني بمحاسبة المسؤولين وفق القوانين الفلسطينية،  والسعي من أجل مقابلة الرئيس محمود عباس كي يوصلوا له موقف المسيحيين العرب الحقيقي ويطلعوه على ما بين أيديهم من حقائق وبراهين.

 لقد أجمعوا إنها البداية مستذكرين نداء الراحل د. إميل جرجوعي الذي دعا قبل رحيله  " كل الغيورين المسؤولين من ذوي الصلة من أبناء شعبي ومؤسسات الرعية.. لنعيد النظر فيما جرى اتخاذه من مواقف وما تأتى عليها من نتائج لا يمكن أن نقبلها أو نتعايش معها..". فالحر يعاف الخوف ولا يعرف اليأس والمؤمنون يثقون بقدراتهم، " فكل شيء على المؤمن مستطاع".

يتبع     

 

 

حين يصير الفحم

في القدس حبرًا

جواد بولس

 

سأكتب ما يشبه الخربشات على صفحة تموز الفلسطيني وأعلم أن بحر الشرق هائج وقيظ الصحاري حولنا حارق والغيب لم يزل كما كان مكارًا وقاهرًا. لكنها هواجس أو مجرد ومضات في دروب أسموها في بلادي دومًا دروب الوجع. 

في القدس.

 لقد تبين  أن عملية إزالة البوابات الكهربائية من باحات المسجد الأقصى لم تعد الهدوء الذي توقعه حكام إسرائيل إلى أزقة وشوارع القدس المزنرة بحجارة التاريخ والغضب، فقضية قتل المواطنين الأردنيين بنيران حارس سفارة إسرائيل في العاصمة عمان ساهمت، من دون شك، بمساعدة نتنياهو وحكومته للنزول عن تلك الشجرة الحمقاء التي تعمشقوا عليها، لكن نتائجها، بالمقابل، لم تستقبل من قبل آلاف المعتصمين منذ أيام في حضن أحلامهم والملتحفين بردَ أمنياتهم، بردة فعل ايجابية وراضية، فهذه الجموع كانت على قناعة وثقة أن إسرائيل ستضطر، في مواجهة صمودهم، على التراجع عن قراراتها وستعيد وضع المسجد إلى ما كان عليه قبل الرابع عشر من تموز الجاري، ولذلك كان حريًا بالأردن، وفقًا لتوقعات الناس، أن يقايض على بديل أكبر وصفقة أدسم من إزالة تلك البوابات خاصة إذا ما انتبهنا إلى تشاوف القيادة الإسرائيلية المستفز واستعراضها ليقينها وثبات وعودها باستعادة ذلك الحارس، الذي ترك وراءه ضحيتين، بسرعة الطلقتين.

 لقد شعر"الشعب" بنغزة في خاصرته وبضياع فرصة انتظرها كي تسعف رئتي مدينة أضناهما الغبار وغطرسة المدمنين على دخان الحرائق.

سيكون عصيًا على من يتابع الأحداث في القدس وباسمها التكهن بما سينبئ غيمها وما ستطرح ميادينها، فيوم المدينة كأمسها وإغواؤها لم يزل كما جاء في الحكايات والكتب؛ أوَلم تكن فتّاحة للشهوات وقهارة الطامعين والغزاة؟ وعندما كانت سماواتها تغضب لا التمائم كانت تكفيها ولا الأحراز ولم تشبع نزواتها الأناشيد أو الصلاة، وحتى إذا تدافعوا على بوابتها سماسرةً أو جنودًا أو دواهي لم تلن ملامسها ولم تداهن، وإن عشقوا ضفائرها وهرولوا حراسًا لأثدائها ما خانت تموزها ولم تبع عتباتها وبقيت سيدة النار والنور، أخت بابل، ولادة للسنابل وصاحبة المجدليات وجرن القيامة وأم المعادن.

من الجائز، إن لم يكن عهرًا وعربدةً، أن يكون الرهان الإسرائيلي في التحرش الأخير بها ومحاولة الحكومة فرض وقائع جديدة في باحات أقصاها مدفوعًا بقراءة خاطئة لذلك الهدوء الفلسطيني الشعبي القائم بثبات لافت منذ سنوات طويلة، فرغم موبقات الإحتلال وقضمه لأراضيها وتقطيع أوصالها المذل وقمع أهلها وإخوانهم الفلسطينيين الممنوعين من زيارتها لم تثر القدس على قدر اذلالها، ورغم ما تواجهه مؤسساتها والوافدون إليها من صلف عسكري باد في جميع جنباتها وشوارعها ومضايقات كريهة ومستفزة يقترفها المستوطنون بشكل سافر وسافل في أغلب حاراتها لم تنتفض القدس شعبيًا ودفاعًا عن حرماتها، فطمّعت نتنياهو ووزراؤه بها وخططوا لضربتهم القاصمة وهو الذي كان يشعر بغياب قيادة وطنية مقدسية بارزة ومؤثرة ويعرف مدى توغل المؤسسات الإسرائيلية في شرايين وأنفاس سكانها الفلسطينيين. 

القضية إذًا كانت أكبر من مجرد نصب بوابات فحص أمنية استدعتها نتائج عملية دموية تراجيدية، إنها تجربة خطيرة وخبيثة لجس نبض المدينة ومحاولة هادئة للدوس على هامتها والإنتهاء من سحق قفصها الصدري بنعال فولاذية مقمطة بحرير، وخطوة أخيرة باتجاه تعريتها من حزام أمنها وأمانها بعد أن بدت لحكومة اليمين إنها غارقة في بحر من الضياع والعجز؛ لكنها فاجأتهم وانبعثت كالدهشة، فجاءت ردة فعل الناس مكايل مضاعفة لوزنات المعتدين وردودًا خالية من الغموض أو التردد حتى حلا المشهد وعلا صوت الحق صارمًا ومرددًا من الأعماق: إن تراودوها عروسًا نحن أهلها الفرسان نحوض عن كرامة الشهد في أحشائها والندى، وإن تريدونها هيكلًا نحن الساهرين من أجل عيونها سدنة وحراسًا ولأنبيائها الصدى، وإن تسرقوها نجمة نحن رياحينها لها حصونًا وأبناءها رياحًا وأمطارًا وحنظلا... ولكن!  

على أهمية المشهد المقدسي في هذه الأيام ومحاولات جهات عديدة بأخذ نصيبها أو مكانتها فيما يجري من تداعيات وتطورات تبقى الهواجس مقلقة والاحتمالات كثيرة، فعلى الرغم من بروز المرجعيات الدينية المقدسية الرسمية كعناوين وحيدة ذات قدرة وإصرار على قيادة الميدان وجموع المحتشدين بنجاح ملحوظ، تبقى المخاطر من عدم وجود قيادات وطنية علمانية شعبية مجربة إلى جانب تلك المرجعيات الدينية واردة وإمكانيات ظهور عناصر غير محسوبة  محتملة.

من الضروري مراجعة أحداث الأيام الأخيرة  واستخلاص العبر منها والحكم فإسرائيل حتمًا ستفعل ذلك كي تحسن وسائل قمعها المستقبلية ونجاعتها، وإذا لم تجر جميع المرجعيات والقوى السياسية والمؤسسات المدنية حساباتها إزاء ما يجري وما يجب أن يجري لحماية المدينة فسيستحيل إستمرار هذه الوقفة المبهرة، لغاية الآن، على حالها.

فهل ستستعيد "بهية المدائن" مكانتها كمقلع العواصف وبوابة الفرح والحزن الفلسطينيين؟   

أم الفحم،

 لقد بدأت هذه الأحداث بعملية بادر إليها ثلاثة مواطنين من مدينة أم الفحم قتلوا فيها شرطيين إسرائيليين وقتلوا هم بنيران قوات الأمن الإسرائيلي تاركين في الفضاءات ضجة عارمة وكثيرًا من الأسئلة والتساؤلات. 

لن نجد في داخل إسرائيل جهة أو مؤسسة عربية سياسية أشادت جهارة بعملية الشباب الفحماويين العسكرية التي نفذوها في الأقصى. 

معظم تلك القوى والحركات الوطنية والإسلامية دانت العملية أو تحفظت منها وجميعهم أجمعوا على أنها خربشة خارجة عن الإجماع العربي الذي يستثني مسألة الكفاح المسلح من وسائل النضال المقبولة عند الجماهير العربية في إسرائيل والتي يجب أن تقتصر فقط على أساليب النضال المدني والشعبي.

كل من اتخذ موقفًا من تلك الحادثة ربطه عضويًا بتجريم الإحتلال الإسرائيلي واتهامه بكونه السبب الذي يدفع بمثل هؤلاء الشباب للقيام بما قاموا به .

إن الاكتفاء بمعالجة هذه المسألة بالطريقة التي تمت هو شأن مقلق وعملية الربط الأتوماتيكية الشعاراتية (وإن كانت بجوهرها وبأحد أبعادها صحيحة) عكست قدرًا من التبسيط غير المريح ودللت على لجوء القيادات إلى أهون البدائل وأسلمها مبتعدين في الواقع عن مواجهة الظاهرة بشكل صريح وكما يمليه واجبهم ومسؤوليتهم الطبيعية تجاه أبناء مجتمعاتهم وحياتهم لا سيما الفئات المستضعفة منهم.   

فالاحتلال هو أصل كل الشرور وهو الجريمة الكبرى من غير نقاش وهذه بديهية متفق عليها. 

ومن الطبيعي، كذلك، الإقرار بأن تراكم أفعال الاحتلال وجرائمه تعمل كمولدات لمشاعر الرفض والكبت والقهر والاندفاع في نفوس كل من يشاهد تلك الممارسات أو يقع ضحية لها، لكن يقيني يقودني إلى قناعة بأن تلك الخمائر الاحتلالية لوحدها غير كافية لانضاج نفوس جاهزة للموت والإماتة كما حصل مع الشبان الفحماويين الثلاثة. 

فمن الطبيعي والانساني أن يمتلئ كل من يتعرض لمشاهد قمع المحتلين وعناصرهم غضبًا وتحفزًا للعمل ضد المحتل وقمعه، لكنه ليس من الطبيعي والمفهوم ضمنًا أن يصل هذا الفرد، مهما امتلأ مرارةً، إلى تلك المرحلة النفسية والإستعداد الفعلي لقتل نفسه والآخرين، فإلى ما يسببه الاحتلال وجنوده  تنضاف عوامل مجتمعية داخلية هي التي تدفع في النهاية تلك الشباب إلى الإقدام على "عملياتهم" . 

على القيادات أن تتوقف عند هذه النقطة بالذات وتحاول سبر مكنوناتها وتفكيك بناها في مسعى منها لمواجهة الظاهرة الآخذة بالإنتشار السريع في مجتمعاتنا، ولا أتصور أنهم سيستصعبون اكتشاف مجسات التأثير على تلك العناصر وعوامل التخمير الفعالة، خاصة بعد أن وضع  هؤلاء القادة أطراف أصابعهم على جزء من تلك المؤثرات حين عدوا بينها الفقر والبطالة  والجهل وما يجري من على بعض منابر التجييش الدينية التي تحترف نشر خطابات متزمتة مكرورة همها الدعوة للاقتصاص من الكفرة والتصدي للصليبيين والثأر للدين ورموزه المقدسة وفي طليعتها المسجد الأقصى على سبيل المثال. 

يجب أن نعترف بأن أعداد المستعدين للاستشهاد هي كبيرة جدًا وعلى القيادات أن تواجه الظاهرة وذلك من أجل سلامة مجتمعاتنا وصونًا لحيوات الشباب الذين سيسقطون ضحايا للإحتلال ولكن ليس للإحتلال وحده.

فليل القدس طويل وأهلها في هذه الأيام يكتبون أناشيدهم بمداد من فحم وهمّ وكرامة، وأم الفحم تواجه الصدمة بوجع وحيرة وأحوال قرانا ومدننا في الداخل أصعب مما يتصوره ثائر رومانسي أو صانع شعارات وأدعية، والسؤال الأهم سيبقى ما العمل؟

 يتبع   

 

 

 

"صفقة رحافيا" متى يؤمن توما؟

من سيحمي القدس وأملاك الكنيسة؟

جواد بولس

 كان السؤال الذي أنهيت به مقالتي في الأسبوع الماضي والتي كتبتها في أعقاب ما نشرته صحف إسرائيلية عن تفاصيل صفقة كبيرة نقل بموجبها المسؤولون اليونانيون المتحكمون برقبة الكنيسة المقدسية وبمساعدة مستشاريهم القانونيين العرب وأعوانهم، حقوقًا عقارية نفيسة في أرض تصل مساحتها إلى 528 دونماً من أثمن الأراضي والواقعة في القدس الغربية، هذه الصفقة باتت تعرف "بصفقة رحافيا".

من يرغب في استجماع المعلومات الدقيقة عن هذه الصفقة وعمّا سبقها من صفقات أبرمها هؤلاء في السنوات الأخيرة لن يجد صعوبةً في الحصول على ما يكفي منها وعلى براهين دامغة بشأنها، فكثير منها كشفته الصحف الإسرائيلية بالمعطيات الكافية ومعظمه نقل إلى عناية من يجب أن يتابعوه، على الضفة الفلسطينية، وذلك بحكم مسؤولياتهم الوطنية أو الشعبية والأخلاقية.

 أمّا نصيحتنا لأحفاد "توما" أولئك الذين يرفضون تصديق حدوث هذه الصفقات، رغم ما يستشعرونه ويعرفونه، فسنوجزها بأن يحكّموا عقولهم والمنطق، وأن يضعوا أياديهم في باطن الجرح عساهم يتحققون من فداحة الخسائر وجسامة الهزيمة وهي تنبعث من التراب المغتصب، فليس من الصعب، إذا أرادوا، أن يحصلوا على الوثائق من أقلام المحاكم الإسرائيلية أو من مكاتب تسجيل الأراضي، لأن بعض ملفات الصفقات أودعها المستفيدون  في مكاتب التسجيل والطابو كي يضمنوا حقوقهم حسب الأصول والقانون.

في الواقع لا حاجة لإزهاق مثل هذا الجهد فنحن، الفلسطينيين، نعايش نتائج تلك الصفقات أمام أعيننا، ونعيش فصول المأساة وهي تتداعى بطعم الدهشة والعجز وتنتقل بصليبها من محطة على درب آلام  تتلو محطة في القدس ويافا والرملة وعكا وقيساريا وغيرها؛ وما يزيدنا وجعًا علمنا بأن القيادة الفلسطينية اشترطت، قبل اعترافها بثوفوليس بطركًا على "أم الكنائس"، أن يحافظ على العقارات وأن يسلمها سجلًا رسميًا موثوقًا بجميع ما ملكت هذه الكنيسة وما تملك، فهل نفذ رغم مرور أكثر من عشرة أعوام تعهداته؟ هل سلمها السجل؟ وإذا فعل هل راجع الخبراء ما احتواه هذا السجل في الماضي مقارنة بما بقي منها في الحاضر؟ نحن نعرف الأجوبة على ذلك!

فكيف نجح وينجح المتورطون بإبرام مزيد من الصفقات التي تتراكم  عقود تصفياتها وما تدره من أطيان في خزائن المستفيدين منها؟

قد تجيب البديهة البشرية الصارخة في وجوهنا: "من فرعنك يا فرعون"  فهكذا كانت الحكمة في صدى التاريخ حين ردد تراتيل المجتمعات المذعنة الخانعة وهي تداري خوفها والخدائع وترقص على جراحها ذليلة وبرؤوس مقطوفة!     

تعودنا على أن يصاحب كل إعلان عن صفقة جديدة بعض المشاهد المستنسخة والمكرورة بطريقة نمطية حتى البلادة  ؛ في البداية يصمت المسؤولون في الكنيسة ومستشاروهم ويتمنعون عن التعقيب ولا يتعجلون حتى باطلاق "مويقف"خجول ازاء ما ينشر عنهم من أخبار، بالمقابل تبدأ فرق الأعوان والأبواق بنشر "بيانات توضيحية" بعضها لا يحمل تواقيع ملزمة ومعرّفة وأخرى تدبجها ثلل من المستكتبين العرب المستنجد بهم للدفاع عن البطرك ورجالاته، فيغرقنا بعضهم بتفاصيل جانبية تستهدف ضعاف النفوس، في حين يتخصص آخرون بإمطار فضاءاتنا "بدقائق تاريخية" مغلوطة أو مغرضة، وظيفتها جر عامة الشعب إلى متاهات لا أهمية لها.

بالتوازي مع ذلك تقوم  وحدات من الاحتياط ذات الخبرة في القصف العشوائي ، ببث الأقاويل والشائعات والتناقضات المصحوبة بالتساؤلات الوهمية؛ فالبطركية لم تبع عقارًا،بل قامت بإحكاره لمدة طويلة ( من خمسين عامًا إلى أكثر من مائتي عام) ! والبطركية إضطرت لإبرام الصفقة كي تحافظ على الأرض! والأرض أصلًا ليست عربية بل هي ملك  لليونانيين ! وإذا لم تنقذ البطركية ذلك العقار من خلال تلك الصفقة فحكومة إسرائيل كانت ستأخذه عنوة ! وما إلى ذلك من مقولات استعمارية استعلائية تستهبل الرعية المسيحية العربية وتستهر بقدرات " المواطنين المحليين" وتغفل  قناعاتهم بكون هذه الشائعات مجرد دسائس كاذبة لا صحة فيها ولا حتى مقدار نقطة مداد واحدة من "قافات" الحقيقة.

فالحقيقة واحدة  وحيدة لا لبس فيها ولا غبار عليها : أملاك الكنيسة الأرثوذكسية  القائمة في حدود إسرائيل تتبخر وتنفد، وكثير منها قد نقل وينقل إلى جهات غريبة وبطرق ملتوية وخطيرة، وريوعها تتدفق في جيوب أشخاص محدودين، وذلك من دون أن تؤخذ مصلحة الرعية المسيحية العربية بالحسبان ولا المصلحة الوطنية الفلسطينية القاضية بوجوب المحافظة عليها.

بعد نشر أخبار "صفقة رحافيا" بدأنا نقرأ ونشاهد فصول المسرحية المألوفة وهي تتوالى تباعًا كما توالت في الصفقات السابقة، ولقد وصلنا في هذه الأيام إلى المشهد قبل الأخير، إذ بدأنا نسمع عن تحرك بعض الجهات الرسمية ( الفلسطينية ، الأردنية )  ومطالباتهم بتوضيحات من قبل المسؤولين في البطركية حول "صفقة رحافيا"، وكما تعودنا فلن ننتظر المفاجآت، لأنه في رد البطركية على ما نشر بخصوص الصفقة ادعى بيانها ( عادة يأتي نشر مثل هذا البيان بعد جميع الخطوات الاستباقية المذكورة سابقًا) أن جهات في "اللجنة الرئاسية الفلسطينية العليا لشؤون الكنائس" كانت تعلم "بصفقة رحافيا"، ولذلك بات من المرجح أن "يقتنع" المسؤولون بأن رؤساء البطركية لم يفرطوا بأي عقار، وأنهم ومحاميهم ومستشاريهم ساهرون على سلامة تراب الوطن ويذودون بشراسة عن كل شبر وحجر، وبأن القدس فعلًا عروس عروبتهم، وهي في "الحفظ والصون"  وكل من قال إنها صارت تتكلم اليونانية والعبرية مخادع ومزايد ومغرض، لقد كانت بصليبها عربية، وللعرب ستبقى عاصمة الأبد بإذن ثيوفولس وهمة مطارنته و" مجمعهم المقدس" ومن لفهم بعطفه وكنفه ونعمه.

أكتب ساخرًا ولعلها سخرية الخائب، أو ربما مرآة لحيرة من وقف أمام الأبواب رافضًا أن يفض الطامعون والمتواطئون "غشاء بكارتها"؛ فأنا وكثيرون مثلي واكبنا "مذبحة الأرض المسيحية" خنجرًا بعد خنجر وصفقة تلتها صفقة، وصرخنا أمام العدم وما زلنا نصرخ : اصحوا يا مسيحيين يا عرب، فحقوقكم تذرى في بيادر الغريب، وقمحكم تدوسه في الليل ذئاب وتسرقه  في النهار اللئام وها هو مكدس في أهرائهم التي وراء البحور والجبال؛ وعوا، يا ملح الأرض، أنكم حفنة  تبر رماها الزمان ووجودكم في الوطن صار على كف بطرك و" أخوية"  توحدها دماء "هيلاس" وكرهها لكم، ومصيركم  بات أضعف من كرسي همزة يتيمة تتأرجح على "أجراس" صارت في مدن الشرق خرساء للأسف أو لكناء.

لا تقعوا في الفخ مرة أخرى فـ"توماكم" آمن بعد أن وضع يده في الخاصرة متحسسًا أثر الحربة، ومسيحكم كان يوصيكم وهو مطعون على الصليب : " طوبى لمن آمنوا ولم يروا"، فكيف لم تؤمنوا وأنتم ترون بأعينكم، يومًا بعد يوم، ضياع كنائسكم ونفاد أوقافكم وتيه سفنكم وصواريكم!

من ينقذ "أم الكنائس" من هذه العتمة، أفي تعريب الكنيسة دواء؟ 

كانت النسوة يلطمن وينحن على يسوع الحامل صليبه في شوارع القدس، فالتفت إليهن وقال: " لا تبكين علي يا بنات أورشليم، بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن".

 فيا عرب، أهل البلاد، ابكوا على أنفسكم، أو كونوا رأس الحربة واصرخوا بحنجرة واحدة كفى للقهر كفى للخسارة، لأن المسيحيين الأرثوذكس لن ينجحوا في حمل "الصليب" وحدهم، وعلى إخوانهم في الهم والحلم، مسلمين وعلمانيين، أن يقفوا معهم وإلى جانبهم، فالأوقاف، علاوة على قيمتها الوطنية، يجب أن تبقى مخزونًا يدعم المجتمعات المحلية وخاصة المسيحيين المشرقيين  ويساعد المحتاجين على البقاء في الوطن.

تجارب الماضي كانت مخيبة وما يحيط "بصفقة رحافيا" من إجراءات رسمية ونشاطات شعبية  تنذر بالسقطة مجددًا وبالفشل مع أننا بدأنا نقرأ ونسمع أصواتًا معارضة للصفقة ولسياسة الكنيسة اليونانية الرسمية بحق رعاياها العرب، وقد تكون من بينها لافتة تلك الأصوات التي تنادي مرة أخرى بضرورة تعريب الكنيسة، فهل في هذا الشعار سنجد ضالتنا ويكون الشفاء ويستعادالأمل ؟

أنا لا أومن بذلك .. يتبع

 

 

 "صفقة رحافيا"حطة على درب الآلام

جواد بولس

ما أشبه يومك يا قدس بأمسك. كنت في الشرق العروسة، أهلوك الغفاة، وضفائرك سلالم شوق للسماء. أجراس كنائسك مغازل ندافة للفرح. أبوابك ذاكرة  للتاريخ، والمآذن أعمدة من نار ونور. أمسك غدك، والأخبار تأتينا من عند من لم نزود!

فها هي الصحف ومواقع الأخبار الإسرائيلية تطالعنا مجددًا، بأنباء عن صفقات عقارية جديدة تمّت بين المسؤولين في الكنيسة الأرثوذكسية المقدسية وجهات يهودية عديدة،بموجبها حوّلت الكنيسة حقوقًا لها في العديد من العقارات والأراضي إلى تلك الجهات المعروف بعضها وغير المعروفين على الأغلب بسبب تسترهم تحت أسماء شركات مسجلة خارج البلاد ومجهولة التفاصيل وهويات أصحابها الشخصية.

في الواقع لا جديد في هذه الأخبار، فمن تابع ما جرى ويجري  منذ عشرة أعوام وأكثر في ميادين القدس المغتصبة وساحات هذه الكنيسة ودهاليزها المعتمة يعرف أن هذا النزيف لم يتوقف على الإطلاق، وأن رؤساء هذه الكنيسة اليونانيين، معززين ببعض المحامين والمستشارين والأعوان العرب وغيرهم، نفذوا عدة صفقات موجعة ليس فقط في القدس الغربية والشرقية بل في أملاك وقفية كثيرة تمتد من شمال فلسطين التاريخية  وحتى جنوبها.

ما الجديد إذًا في هذه المسألة ؟ وهل من الممكن إيقاف هذا "الجماح" أو استرجاع ما شملته تلك الصفقات، سواء ما بات مؤخرًا معروفًا باسم صفقة "رحافيا" أو ما سبقها في مدينة يافا( السوق، أندروميدا)  أو في قيساريا وطبريا وبيت شيمش وسوق "ماميلا" المجاور لباب الخليل في القدس ( ما كان يعرف بأرض الشماعة) أو في منطقة فندق وشارع "الكينغ ديفيد" وغيرها من عشرات المواقع الإستراتيجية الأثمن على أرض البسيطة والتي لا يمكن حصرها في مقالة واحدة وإن حبّرت حروفها بكل الوجع الأدمي والدهشة!

أو ربما قد يكون السؤال الأصح مَن معنيٌ بايقاف "مذبحة" هذا التراب المسيحي المستمرة منذ سنوات طويلة ؟ فعلى ما يبدو لم يتحرك أحد ذو أهلية بفعالية وبجدية كافية  لصد من قام ويقوم بهذه التصفية "الإسخريوطية"، التي على الرغم من محاولات التكتيم عليها أصبحت أخبارها عند أهل البلاد كأسرار "سقيفة حُبى".

من كان أولى بالتحرك والاعتراض؟

المستحقة الأولى وصاحبة المصلحة المباشرة في هذه الوقفيات هي الرعية العربية المسيحية الأرثوذكسية ( الفلسطينية والأردنية)، لكنها لم تنجح تاريخيًا، بسبب عدة عوامل موضوعية وذاتية، بتسجيل أي نصر مشرف، ولا حتى بتشكيل قوة ضاغطة رادعة تقف في وجه سطوة الرهبنة اليونانية المتحكمة في رقاب معظم الكنائس والممتلكات الوقفية على طول الوطن وعرضه.

قد يكون عدد هؤلاء المسيحيين المشرقيين الهامشي أحد أهم أسباب ذلك القصور والفشل،لكنه ليس الوحيد، ففي الأردن توجد خصوصيات تحدد هوامش تحرك تلك الأقلية الأرثوذكسية، وفي فلسطين واجه المسيحيون الأرثوذكس ملازم إسرائيلية وفلسطينية أحبطت في الماضي فرص تحركهم المؤثر وما زالت، على ما يبدو، تجهضه في أيامنا هذه .

علاوة على ذلك فإن نجاح رؤساء الكنسية اليونانيين بتجنيد أعوان لهم من بين المؤسسات الكنسية العربية والقيادات المجتمعية المحلية، خاصة في زمن الفضائح  الأخيرة، ووقوف هؤلاء "الوجهاء" إلى جانب مبرمي هذه الصفقات ودفاعهم عنهم، كان أحد العناصر التي سهّلت " المهمة " وضياع تلك العقارات.

همسة لقصار الذاكرة

لن يتوج بطريرك على رأس الكنيسة المقدسية إلا إذا اعترفت به حكومة إسرائيل والمملكة الأردنية والسلطة الفلسطينية( بعد العام ١٩٩٣)، ورضيت عنه حكومة اليونان.

 فإسرائيل عرفت كيف تمارس ضغوطها على البطاركة اليونانيين، بمن فيهم ثيوفولوس، ونجحت دومًا في مقايضة اعترافها بهم بعد استمالاتهم إلى جانبها سياسيًا وحصولها على مكاسب مادية عقارية كبيرة قلّصت، مع مرور السنين، ثروة هذه الكنيسة بشكل خطير ومستفز.

وفعلت الأردن ذلك لأسبابها، بينما لم تعترف فلسطين به إلا بعد أن وقع على رزمة من التعهدات كان التزامه بعدم التفريط في عقارات الكنيسة أهمها، والعمل على استرجاع عقارات كانت موضوع عقود وصفقات بغيضة، ووعده بتسليم السلطة سجلات تحتوي على قيود لجميع عقارات وممتلكات البطركية وتعهده بشروط أخرى لو نفذها لتوفرت الحماية للأملاك  وتوطدت مكانة الرعية العربية وتحولت بعدها  إلى شريكة كاملة في إدارة شؤون البطركية الدينية والمدنية.

في الواقع كانت أهمية إصرار الفلسطينيين واشتراطهم توقيع البطريرك على هذه التعهدات ليس فقط كمحاولة منهم لردعه والتضييق على فرص تكراره لفعلات الماضي، بل كتعبير عن نظرة القيادة الفلسطينية، ربما للمرة الأولى في التاريخ، وعن موقفها القاضي بأن التعاطي مع عقارات الكنيسة يجب أن يعتبر قضية وطنية عليا وليس مجرد  تفصيل مسيحي داخلي كما كان رائجًا في العقود الرمادية  الخوالي.

على الرغم من ذلك فلقد مرت السنين عجافًا، ولم يفِ البطريرك بوعوده وبما وقع عليه.  ومن حين لآخر كانت الصحافة العبرية تمطرنا بحبرها الأسود وبتفاصيل دقيقة عن صفقات أبرمها ورجالاته. ومن صفقة إلى صفقة كانت القدس تكمش والكنيسة تبهت والوطن "يباع ويشترى" وقوافل السماسرة والمرابين تصيح " فليحيَ الوطن".

من معني بإظهار الحقيقة ؟

الأَولى بمن يطالب في القدس عاصمة لدولته العتيدة ويصر على كونها رمزًا للعروبة  والسؤددا أن يتحرك لوقف هذا الانزلاق الخطير، لاسيما وفي فلسطين شكلت القيادة الفلسطينية لجنة "رئاسية عليا لشؤون الكنائس" كان يتحتم عليها ملاحقة هذه المسالة منذ عشر سنوات .

من القليل الذي نشر عن دور هذه اللجنة الرئاسية نستدل أن أعضاءها تابعوا بسطحية بعض جوانب ما نشر عن صفقات أبرمها البطريرك ثيوفولوس بمعاونة مستشاريه،  لكنها في الواقع  لم تتخذ أي إجراء جِدّي بحق من كان مسؤولًا عن تلك الصفقات لا بل في كثير من الأحيان فسّرت مواقفها كدعم لرؤساء البطركية، حتى عندما أصدرت في التاسع والعشرين من الشهر المنصرم بيانًا في أعقاب نشر معلومات تفصيلية عن "صفقة رحافيا" دأبت على تضمينه مواقف من شأنها أن تفسر كتفهم من جانبها لما قامت به الكنيسة وكتخفيف من مسؤولية من كان متورطًا في هذه الصفقة، لأنها أكدت " على أنه رغم الملابسات والتعقيدات التي أحاطت بهذه الصفقة.. ورغم إدراكها لعمق الأزمات المالية التي تعاني منها مختلف الكنائس، إلا أن بيع أو تأجير لممتلكات أو أراض تابعة لها لسداد عجز هو أمر غير مقبول، ولا يقدم حلا جذريا لانهاء العجز".

إنه موقف خطير وغير مبرر من لجنة فلسطينية راقية كان واجبها الدفاع عن أراضي القدس وحمايتها من أطماع المستعمر الأجنبي والطامع الجديد؛  فنحن في صدد صفقة نقلت بموجبها حقوق ثمينة وبأبخس الأسعار خاصة إذا عرفنا بأن تخمين هذه العقارات قدر قيمتها الحقيقة بمليارات الشواقل، ولقد كان من  الأجدر باللجنة الرئاسية أن تطالب هي بإدارة هذه الممتلكات أو بتولية جهات مسيحية عربية موثوقة لإدارتها لما في مصلحة الكنيسة ومؤسساتها ورعيتها.

من ينقذ ما تبقى من ملك وأمل؟              

حديث اللجنة عن أزمة الكنيسة المالية يعد ضربًا من الشطط، خاصة إذا ما عرفنا قيمة ما امتلكته وتمتلكه هذه الكنيسة من عقارات سواء ما كان جزءًا من صفقات أو ما زال ينتظر، فريوع بعض الصفقات كانت تكفي لإعالة مسيحيي الشرق جميعهم ولضمان معيشتهم سعداء وبرغد وكرامة، ولو اجتهد أعضاء اللجنة الرئاسية قليلًا لوقعوا على بعض تلك "الكنوز" ولأصابوا بعض الجيوب الممتلئة نعمًا ودنانير وباوندات.

من الواضح أن الرئاسة الفلسطينية ومن باب احترامها للمسيحيين ومكانتهم أقامت هذه اللجنة وأولتها ثقة كبيرة وجليلة، لكنه من الواضح أيضًا أن هذه اللجنة أخفقت بمهمتها وبواجبها، فتنكر البطرك لتعهداته وما يجري في أروقة الكنيسة الأرثوذكسية يحتم اتخاذ التدابير السريعة، وقد يفيد ويسعف، في البداية، إجراء تعديلات فورية على صفوفها وتعزيزها بقدرات جديدة وبخبراء أكفاء وعلى قدر المسؤولية، مع أن هذا الإجراء لوحده لن يكون كافيًا بالطبع.

 فمن سيحمي القدس وعقارات الكنيسة إذا؟

يتبع

 

كل القضية

 رواية مَن ستنتصر؟

جواد بولس

من المرجح أن تستأنف الإدارة الأمريكية، مع انتهاء إجازة عيد الفطر، ضغوطها على السلطة الفلسطينية في قضية الأسرى القابعين في سجون الاحتلال الإسرائيلي والمحررين منها، فالحكومة الإسرائيلية لن تتراجع عن محاولاتها بإلزام القيادة الفلسطينية وجرها إلى التوقف عن دعم الأسرى الفلسطينيين وقطع رواتبهم أو أية مستحقات أخرى تقاضوها هم أو عائلاتهم حسب العرف الثوري الذي كان سائدًا، أو بعد تأطير معظمه في قوانين فلسطينية شرّعت بعد أوسلو ويستمر التعاطي معها حتى أيامنا هذه.

فمن يدقق في هذه المسألة سيجد أن الادارة الأمريكية تعتبر نفسها  وتتصرف كوكيلة مؤتمنة على موقف الحكومة الإسرائيلية وتنقل بحرفية "ببغائية" ذرائع بنيامين نتنياهو، بينما لا تملك هي، في الواقع، أسبابًا موضوعية وسياسية متماهية لتبنّي هذه القضية من نفس المنطلقات والمفاهيم التي تحرّك اليمين الإسرائيلي والأهداف التي يريد تحقيقها من وراء ذلك .

فنتنياهو يعلن في كل مناسبة ومن على جميع المنصات أن الأسرى الفلسطينيين هم "إرهابيون" ودعمهم من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية هو بمثابة دعمها "للإرهاب" فإما أن تذعن السلطة  وتتراجع عن دعمهم، وإما أن تصنف هي بدورها كسلطة "إرهابية" يتوجب معاقبتها ماليًا وسياسيًا.

لم تجىء مطالبة نتياهو العنيدة والواثقة بشكل مفاجئ، فلقد قدّر أنه سينجح في إحراز مهمته، واليوم أكثر من أمس، خاصة وقد أفلح في تجنيد الإدارة الأمريكية الحالية لتبني موقفه بالكامل، وشخّص، قبل ذلك، في موقف السلطة بعض الإشارات " الإيجابية" التي ترجمها كاستعداد فلسطيني رسمي للتعاطي مع الموقف الإسرائيلي بشكل قد يفضي إلى تغيير الأمر الواقع، على ما يطويه ذلك من مخاطر ومخاسر وطنية جسيمة.

قبل سنوات جندت إسرائيل عدة جهات أوروبية رسمية وأمريكية قامت جميعها بالضغط على السلطة في قضية الأسرى، وقد نجح هؤلاء بمساعيهم وسجلوا مكسبًا مبدئيًا لم تقدر قيمته الفعلية حينذاك، فاقنعوا القيادة بإلغاء "وزارة شؤون الأسرى والمحررين" وتحويلها إلى هيئة أُلحقت نظاميًا في هيكلية منظمة التحرير، وذلك على أمل أن يحمي هذا التعديل  ظهر الفلسطينيين من وقع مطارق الإسرائيليين وينجيهم من غضبهم الجامح.

قد تكون وعود الأوروبيين وحلفائهم  في حينه صادقةً وإيمانهم حقيقي بأن شطب وزارة الاسرى سيحسن من مكانة الحكومة الفلسطينيه ويخفف بشكل جدي من الضغوط المفعلة على الرئيس محمود عباس، ولكن اقتناع الفلسطينيين بأن إسرائيل ستكتفي بهذا وتمضي قانعةً راضيةً نحو مستقبل المنطقة الوردي الموعود، كان وهمًا يعادل الرهان على صداقة العقرب أو إشباع النار بالحطب.

من يعتقد أن همّ إسرائيل من وراء هذه المطالبة هو التضييق المادي على الأسرى وعائلاتهم فهو مخطئ، لأن السلطة تدفع لأبنائها من خزينتها ومالهم،وبذلك تقوم بواجبها مثل ما تفعله كل حكومة مسؤولة تجاه مواطنيها، فكيف إذا كان المستحقون رهطًا من المناضلين الذين فدوا حرية شعبهم المنشودة بأعز ما يملكون؟

يعرف حكام اسرائيل هذه البديهيات، لكنهم يراوغون بحنكة ويمعنون أكثر بما يرغبون إنجازه، فهم يحاولون، من خلال هذه المواجهة أيضا،  تثبيت أواصر روايتهم  "التاريخية" وخلع أوتاد رواية الفلسطينيين الحقيقية، فالقضية كانت منذ فجر الصراع وما زالت حرب "روايات" وأيها ستصمد وستنتصر.

لقد خزنت مرايا  الشرق، من عهد المؤتمر الأزرق، أصداء أطماع الحركة الصهيونية العالمية في أرض فلسطين، يوم نسج قياديوها في بازل خطوط مؤامرة محكمة عمادها ابتلاع الارض وإفراغها ممَن سكن فوقها وتحتها، واتفقوا كيف تمحى جغرافية " الصبر والزيتون" بتواز مع  طرطشة حبر الرواية الاخرى وهو يرسم سمات فصلها الأول  تحت عنوان " شعب بلا أرض" وقصة  "الأرض بدون شعب" باعثًا في الفضاء أشجان تهليلة حزينة ما فتئت  تتكشف وتتداعى أمامنا يومًا بعد يوم.

لطالما كتبت في شأن الحركة الأسيرة الفلسطينية وعن تضحياتها المشرفة، لكنني أبرزت دومًا المعنى السياسي لوجودها ودورها المتميز في تشكيل الهوية الفلسطينية الجامعة والسليمة والتزام افرادها في مسيرة  كفاحية متواصلة في واحد من أهم ميادين المواجهة الطبيعية بين أوضح رموز الاحتلال والمنذورين لمقاومته اليومية.

لقد نجحت الحركة الأسيرة أن تبني شخصية الأسير الفلسطيني وفق عصبة من معايير قيمية صارمة والتزام إنساني وطني نقي وعالي المسؤولية، تحولت كلها عبر السنين إلى سد مانع  لحدوث أي انحرافات سلوكية فردية أو انهزامات وطنية وليدة حالات الأسر العادي، حتى صار اسم الأسير الفلسطيني مثارًا للفخر يشرف شعبه وجميع أحرار العالم ، وفي نفس الوقت ظل منتصبًا كغريم وازن يستجلب احترام وبنان سجانه؛ فالأسير كان مناضلًا بامتياز وبوصلة متأهبة ومرجعية لحقوق شعبه، ولذلك فرض احترامه على لغات العالم وحفلت به قواميس الأمم  كحامل لصليب الحق، الذي لم تخذله الحروف ولم تلتبس بشأنه الشرفات.

هذا هو لب الرواية، فأسرى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وإن ظهر  بينهم، عبر العقود، ندرة من  نشاز وشواذ، يبقون شيفرة الحقيقة الثابتة ولحاءها الغض وسهم الخلود الباقر صدر المزاعم والأساطير؛ ضجيجهم برق ورعد، صبرهم رقص السواسن في السفوح. دمعهم ياقوت على صدر الوطن وحين ينسكب تروى مزارع البقاء والصمود.

إنهم الأحرار الولدتهم أمهات يغار "عباد الشمس" من صفحة وجوههن الباسمات، وعلامات ساطعات على جبين النهار، فكيف ستحيلهم  صرخة  " ترامبية" بائسة إلى إرهابيين منبوذين، وتحولهم زمجرة باهتة من نتنياهو إلى سقاة للدم وحفارين في بطن الظلمة ؟

أوَ ليسوا ثوارًا كانوا وما زالوا رفاق الوعد؟ .

إنني على يقين بأن القيادة الفلسطينية سترفض شروط نتنياهو، فإسرائيل عرفت كيف تحترم "أبطال" حروبها ومعاركها الماضية، وخلّدت أسماءهم في سجلات ذاكرتها وعلى يافطات شوارعها وخشبات المسارح وألواح مدارسها، ولقد حظي بمثل هذا التكريم حتى من نسف من مقاتلي منظماتها  فندقًا أو دمر حافلة  وقتل عشرات المدنيين؛ وعلى  جبهة أخرى فما زالت وزارات  إسرائيل  تدفع من خزينة الدولة للسجناء، أو لعائلاتهم، الذين أدينوا بأحقر الجرائم وللقتلة على أنواعهم بمن فيهم عشرات أجرموا في حق الفلسطينيين الأبرياء.

 وإن كانت هذه حجة تقارع الحجة يظل الأهم موقف  فلسطين الذي يجب أن لا يساوم على صحة روايتها، فكما رفضت القيادة قبل مدة وجيزة مجرد التعاطي مع مطالبة نتنياهو واشتراطه على منظمة التحرير الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، هكذا يجب أن  يكون الموقف في قضية الأسرى،  فالشرطان يؤديان إلى نفس الهاوية والبئر، وكلاهما مرتبط "بصرة" الرواية الفلسطينية وبنخاع النضال من أجل الحرية والاستقلال، ولذلك من المتوقع أن يتساوى ازاءهما الموقف وباسمه تصرخ قيادة فلسطين وتجزم:  هذا حقنا وهذه روايتنا ولن نقبل بالتفاوض عليهما، فأسرى الكفاح الفلسطيني  كانوا النبض في عروق القضية وسيبقون الهداة لدروب الخلاص.

لا تفتشوا عن بدائل ولا تحاولوا إرضاء هذه الحكومة الجائعة ويكفيكم في تجارب الماضي موعظة ودرسًا، واعلموا أن السقوط في قعر الهاوية يبدأ بزلة وقد تكون زلة الشطار!                

 

 

المكشوف بين

العرب في إسرائيل

جواد بولس

                                                                       

في ظل الإجماع العريض القائم بين معظم الأحزاب والحركات والمؤسسات السياسية والمدنية الفاعلة بين الجماهير العربية في إسرائيل، ومن خلال اتفاق معظم قيادييها على تشخيص طبيعة نظام الحكم المتشكل في الدولة وما يبيته قادتها المتنفذون لمستقبل هذه الجماهير، سأعالج هنا، كما وعدت في مقالتي السابقة، سؤالًا  تمهيديًا آملًا أن يساهم في تغيير أنماط ألنقاش السائدة وجذبها إلى نواحٍ غير مألوفة وإن بدت للبعض "مشاغبة" أو ربما جريئة.

الشائع في قواميس السياسة وأروقة السياسيين العرب، أن يبدأ المتكلم منهم بالتأكيد على عنصرية الحكومة الإسرائيلية وعلى استعداء رئيسها والمتنفذين حوله للجماهير العربية التي يعتبرونها، جهارةً، عدوًا إسترتيجيًا مباشرًا يهدد أمن الدولة وسلامة مواطنيها اليهود. ويلي ذلك خطابُ التصدي والقسم، فالقادة تنذر إسرائيل وحكامها بالويل والثبور وبعظائم الأمور لأنهم مقتنعون بأن الجماهير "ستفهم الصخر إن لم يفهم البشر" ؛ وبما أننا تعودنا على تلك الممارسات المعادية وألفنا الردود عليها وصلنا في الحقيقة إلى حافة متاهات الدهشة وأمسينا نعيش حياة يحيطها العبث ويسكن في جنباتها القلق؛ فهل في هذا الواقع يملك المجتمع العربي، بمنظوماته السياسية المتحكمة في خواصره وقواعده الاجتماعية والدينية المتجذرة في تراثه وكيانه، قدرات موضوعية تؤهله وتمكنه من وضع حلول ناجعة وحقيقية لحالة الصدام القائم والمستمر مع أجهزة الدولة ؟ وهل تستطيع هذه الأجسام بهياكلها القائمة وبخطابات قاداتها المكرورة أن تبقي على إنجازات الماضي وتطور مكانة الجماهير إلى ما هو أحسن؟

من البديهي أن يكون الرد على هذه الأسئلة بالإيجاب وذلك ليس من باب التفاؤل الضروري كشرط أساسي من مقومات الصمود والبقاء وحسب، بل كدافع للاجتهاد على التغيير، ولقطع الطريق على قادة إسرائيل ومنعهم من تحقيق ما يخططون له..

من الممكن وبنظرة سريعة كاشفة تشخيص أربعة تيارات سياسية وفكرية متواجدة باشكال ووتائر متعددة بين المواطنين العرب، وربما  أوضحها، برأيي، هو التيار الإسلامي أو "الحالة الإسلامية"، على تباينات فروعها التكتيكية،  فيليه تيار تمثله الجبهة الديمقراطية، بما زالت تحافظ عليه   من  ميزاتها التاريخية، ثم التيار القومي الذي في فيئه ترتاح عدة  أطياف متفاوتة في قواها، ورابعهم  تيار"غير المنتمين" لجميع من سبق ذكرهم، وقد يكون هذا هو الأكثر تنوعًا من حيث عدد الفئات وحجمها الحقيقي..

أما إذا نظرنا إلى كيفية تعاطي قادة هذه التيارات مع مجمل القضايا الأساسية السياسية والاجتماعية  سنلحظ أنهم يمارسون نضالاتهم  المشتركة،  على الأغلب،  في تضاريس سياسية "مشوهة "  وبدوافع مموهة ، ففي كثير من الحالات يكون ما نسمعه أو ما نشاهده غير حقيقي وأقرب لكونه حالة مخادعة سأطلق عليها ظاهرة  "كأنّه" وهي أكثر الظواهر انتشارًا في جميع أماكن تواجدنا..

فإذا دققنا، على سبيل المثال، في تجربة القائمة المشتركة كمثال لإنجاز يعدّه البعض من أنفس ما أبدعته الجماهير العربية في إسرائيل، سنكتشف أعراض ظاهرة " كأنّه" وسنشعر بما سببه التكتيم عليها من فشل ومراوحة مضنية في وحل الشعار وعرقلة لتطوير أنماط من العمل السياسي المجدي، ذلك على الرغم من اتفاقنا على أن إقامة المشتركة كان حدثًا مميزًا وأن صمودها يعتبر نجاحًا، ولكن سيصبح إدمانها على أدائها السياسي بالمستويات والآليات القائمة غير كاف ومسألة فيها نظر. . 

 من الطبيعي أن تحمل هذه التيارات مواقف فكرية مختلفة وحتى متناقضة نظريًا ولكن من غير الطبيعي أن تمارس اختلافاتها بشكل عملي وعادي وشبه يومي، لا سيما إذا عددنا تلك القضايا الخلافية فسنجدها تغطي مساحة الحياة برمتها مثل : الموقف من تحديد المخاطر والاتفاق على أولوياتها، الموقف من دولة إسرائيل وعلى كيفية التعامل مع مؤسسات الحكم فيها، ماهية الخطاب الفاعل الشامل الذي يجب تبنيه وإلى من يجب توجيهه وكيفية العمل على تحقيقه، الموقف من حل القضية الفلسطينية، الموقف من القيادة الفلسطينية، الموقف من الأنظمة العربية، الموقف من طبيعة النظام الاقتصادي المرغوب، تعريف الحقوق الفردية الأساسية، الموقف من المرأة وحقوقها، الموقف من تعريف الحلفاء والأعداء على الساحة الدولية، الموقف من أهمية ومكانة التراث والابداع والفنون، الموقف من تعريف العنف المستشري في المدن والقرى العربية  والاتفاق على مسبباته وعلى الحلول لمواجهته، وغيرها من قضايا جوهرية بدون تناولها بحزم ووضوح لن ينجح أحد بمعالجتها وبمواجهتها. .

لن اتناول هنا تأثير جميع هذه التناقضات وسأكتفي بالإشارة إلى عيّنتين بارزتين تعاني القائمة المشتركة من الأولى بينما تصيب الثانية لجنة المتابعة العليا..

فمعظم الأحزاب والحركات الشريكة في القائمة أعلنت في برامجها ولوائح مبادئها عن ضرورة التعاون مع كافة القوى اليهودية في الدولة، أو كما جاء، على سبيل المثال،  في مبادئ حزب التجمع الديمقراطي الوطني" مع كافة القوى اليهودية التي تشاركنا التطلع إلى مستقبل مبني على المساواة التامة والاحترام المتبادل في دولة ديمقراطية مشتركة ومع قوى يهودية بخصوص قضايا عينية. "

على الرغم من وضوح الكلام، خاصة في نهايته، سنكتشف أن النص وضع بتقنية  "الكأنه" الضبابية وكي يتيح، ربما، فُسح التصرف الحر لمؤسسات الحزب حسب الظروف والمعطيات، كما حصل عندما هاجم قادة التجمع بحدة مواقف النائب أيمن عودة وفكرته المعلنة لإقامة جبهة عربية يهودية واسعة تقف ضد الاحتلال وفي وجه خطر الفاشية وتدعم حقوق المواطنين العرب في المساواة التامة القومية والمدنية..

لم يقتصر المشهد على موقف حزب التجمع المعارض لفكرة النائب عودة ومشاركاته في أعمال احتجاجية عربية يهودية، كان آخرها بعد مشاركته في مظاهرة ضخمة في تل أبيب  بمناسبة الذكرى الخمسين لحرب حزيران وضد الاحتلال، فالقادة الجبهويون التزموا الصمت من الهجوم على رفيقهم وبعضهم انضم إلى معسكر المهاجمين في موقف معاكس لمبادئ حزبهم القاطعة، والتي  كُرّرت قبل أيام فقط وأكدت مجددًا على ضرورة " إقامة أوسع تحالف يهودي -عربي في مواجهة الاحتلال وخطر الفاشية."

فهل تغيّرت الأحوال في زمن السراب هذا، وهل التحقت الجبهة أيضًا بموضة "كأنه" الساحرة والخطرة.

 وعساني أذكر هنا من اختاروا مزاولة العمل السياسي من داخل الكنيست الإسرائيلية  بأنهم اختاروا الوقوف على منصات مغايرة عن تلك التي اختارها من   رفضوا هذا الخيار متحسسين من الاعتراف بأحد رموز "الكيان الصهيوني"  وشرعيته السيادية الإسرائيلية.

فمن جنح للعمل تحت سقف القانون الإسرائيلي ومن قلب السلطة التشريعية تبنى  في الواقع  فرضية تقضي بتفضيله العمل السياسي من داخل "البيت" والمشاركة والتأثير على عملية التشريع وسيرورة الحكم، وذلك بغية تغيير النظام السياسي في الدولة، وصار واجبهم  يستدعي سعيهم الدؤوب وراء إيجاد الحلفاء وتجنيدهم سواء من أجل موقف سياسي عام أو من أجل "قضايا عينية" كما جاء في برنامج حزب التجمع المذكور

وبعيدًا عن جبهة الأحزاب وإشكالاتها، فما زلنا نأمل وننتظر نهوض لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل واحداثها للتغيير المنشود في بناها وفكرها وآليات عملها، اذ تكفي مراجعة عرضية لتصريحات من يقف على رأس لجنة "الحريات" المتفرعة عن لجنة المتابعة، وهو ليس الوحيد، لنعرف كم جارحة هذه التناقضات وعميقة،  فرئيس المتابعة وقائدها السيد محمد بركة، يكنّ الاحترام للرئيس محمود عباس  وللقيادة الفلسطينية، بينما يجزم زميله في قيادة المتابعة على أن " المرأة الزانية تتمنى لو كل النساء الشريفات مثلها حتى لا يعيرها أحد بزناها.." هكذا في صفحته الواسعة الانتشار ويضيف أن " أبو مازن يحاصر غزة ويطلب من الاحتلال أن يزيد حصاره لها لأنه وقع في دنس التسويات.. ولم تفعل ذلك غزة فأنه يريدها أن تكون مثله حتى لا يعيره أحد بأعماله المعيبة.. هكذا تتمنى المرأة العاهرة أن يكون حال كل امرأة شريفة.."

لا أتصور  أن مؤسسة رائدة خاصة إذا كانت في أهمية ومكانة لجنة المتابعة،  ستنجح بأداء مسؤولياتها بنجاعة في وقت يجل رئيسها شخصيًا ويحترم سياسيًا الرئيس محمود عباس والقيادة الفلسطينية بينما يقف جانبه في صدارة  هذه المؤسسة من يصف   هذه القيادة بغير "الشريفة" ويُقرع رئيسها بما وصف!!

نحن أمام مشهد أقل ما يستجلبه هو الالتباس،  لكنه في الواقع  أكثر تعقيدًا وادهاشًا ، واذا اضفنا عليه وضع بعض المؤسسات الأهلية والجمعيات التي سأفرد لها مقالًا مستقلًا، وواقع اللجنة القطرية لرؤساء المجالس والبلديات على ما فيها من خلل وضعف سيصبح الجواب على تساؤلنا أعلاه واضحًا، فهذه المؤسسات، ببناها القائمة وبمضامينها الحاليه، عاجزة عن وضع الحلول في وجه سياسة القمع الرسمية .

مع هذا ما زلنا نثق بمن وعدوا فبينهم من ولدتهم التجارب وتربوا على زنود طيّبة. وكم لا أريد لهذا التفاؤل أن يخيب..         

 

المستور بين

العرب في إسرائيل

جواد بولس

يعيش المواطنون العرب في إسرائيل واقعًا مركبًا مليئًا بتناقضات خادعة؛ فمن جهة قد يبدو للناظرين عن بعد أنهم يعيشون في "نعيم" ولا يعانون مما يعانيه معظم العرب في الدول العربية، ومن جهة أخرى لن يشعر ذاك الناظر بحالة القلق الدائم التي تسيطر على واقعهم، والخوف المزعج من مجهول خبيث ساكن بينهم. 

في مقالتي اليوم سألفت عناية القراء لثلاثة أحداث خطيرة، انتخبتها لرمزيتها ولكونها تحمل نفس الدلالات الحيّزية العامة والرسائل الخاصة إلى العرب في إسرائيل، وأنوه أنها ستكون الأولى.  

 وفي التالية سأحاول أن أتطرق إلى الحلول الممكنة أو إلى السؤال الأهم: هل يملك المجتمع العربي بمركباته البنيوية ومنظوماته السياسية والاجتماعية والدينية القائمة حلولًا أو قدرات موضوعية تؤهله وتمكنه من وضع حلول حقيقية لحالة الصدام الدائم مع معظم أجهزة الدولة؟       

لا أظن أن هنالك اختلافات جوهرية بين قيادات الأحزاب العربية البارزة والحركات والمؤسسات السياسية والمدنية فيما يخص تعريفها لطبيعة نظام الحكم المتشكل في إسرائيل، وما يبيّته لمستقبل المواطنين العرب، فكلهم يجمعون على أن القيّمين على هذا النظام لم يستنفدوا كامل مخططاتهم المعدة لمواجهة تحديات وجودنا كأقلية قومية تطالب بحقوق اجتماعية وسياسية، فردية وجماعية على حد سواء، وما زالوا، باجماع يميني ديني عريض وواضح، يتحيّنون فرصتهم "التاريخية" الفولاذية لإنزال ما قد تعذّر على الحكومات السالفة من ضربات مميزة لن تشبه ما سبقها في الحدة والقساوة والنتائج المرجو تحقيقها؛ وإذا كان أولئك القياديون العرب متفقين حول تشخيص المخاطر ويستشعرون عمق الهاوية، نجدهم، رغم ذلك، مختلفين حول أطواق نجاتنا، وأي الطرق كفيلة بإنقاذنا من "قصمة" وشيكة لظهورنا قد تكون "ثالثة الأثافي" في تغريبة بني فلسطين، وأختًا لـ"نكبة" تقدمت و"نكسة" تلت، وما أدراكم ما شر الثالثة، والعرب قد قالت قديمًا إن "الثالثة ثابتة".

لا مثل حزيران في شرقنا ينكأ الجرح ويوقظ الوجع الدفين، ولا "أيقونة" ككفرقاسم تتدلى على جدار العدم، وعلى صفحتها ما زال الدم ينزّ جارحًا سكينة الدهشة، وناثرًا طرطشاته على مفارق حياتنا التي لم تعرف رتابة المواطنة ولا لذة الملل منها؛ ففي مواجهات اندلعت، يا للمفارقة، في الخامس من حزيران بين قوات من الشرطة الإسرائيلية والأهالي في مدينة كفرقاسم استشهد الشاب محمد طه بعد أن أصيب بعيارات نارية أطلقها حارس المخفر الذي كان يخدم في قوات "حرس الحدود" قبل انتقاله إلى "جبهة" عمله الجديدة.

تفاصيل ذلك اليوم صارت نشارًا شبه منسي في قلب اللوعة، والحصيلة شهيد وعائلة ثكلى وشرطة تستعد إلى فصل حصاد في حزيران جديد..

كم كان قاسيًا هذا الموت وقد حسبنا أن كفرقاسم قد أنجزت وعدها، وزرعت، قبل ستين عامًا، في سماء الشرق ثماني وأربعين نجمة ما انفكت تتلو على جيرانها "حديث الملاحم، وذبح الأناسي ذبح البهائم، وقصة شعب تسمى: حصاد الجماجم ومسرحها، قرية، اسمها كفرقاسم..".

بعد ذلك المساء الذبيح مضت السنين ثقيلة فهل ستلحقها هذه الأيام وصدرها عارٍ تزينه دمعة حرّى قد تذكر أجيال التيه بمواسم الوجع والندم والحنين.

 تزامنت أحداث كفرقاسم مع حدثين آخرين بارزين يكملان في الواقع نقل رسائل الرصاص ويثبتان لمن ينتظرون رحمة الغيب ورضا الهياكل وسخاء المطر في صيف عربي طويل، أن ساعة الرمل قد عافت صبرها وشاخت شروخ أجراس المشرق بعد أن سكن في قلوبها الصدأ وبح الأنين. 

فقبل أيام شارك في فندق "همكابيا" في مدينة رمات غان، وزراء وأعضاء كنيست ونشطاء من حزب الليكود، وصل عددهم، حسب صحيفة هارتس العبرية، إلى ٤٠٠ شخص، في احتفالية لافتة باستفزارها، وذلك بمناسبة إشهار كتاب بعنوان "المكشوف والمستور عند عرب إسرائيل"، وهو من تأليف رافي يسرائيلي، الأستاذ  في قسم دراسات شرق آسيا في الجامعة العبرية، وفيه يحتج المؤلف على عدم زج المواطنين العرب في إسرائيل داخل معسكرات اعتقال مغلقة لأنه يعتبرهم مجرد "طفيليات تمتص ضروع الدولة". 

تخلل الحفل القاء بعض الكلمات التي ملأها أصحابها بالتحريض الدموي على العرب وعلى ممثليهم في الكنيست، وقد سلط المؤلف الضوء على العلاقة بين العرب والدولة مؤكدًا أنه "لم ير العرب يقفون في الطوابير من أجل التبرع بالدم للمصابين في حروب إسرائيل.. وهذا سلوك الطابور الخامس وليس سلوك المواطنين المخلصين.." فكيف، يا ترى، سيكون مصير أصحاب الطابور الخامس؟   

على جبهة أخرى فلقد أتم البروفيسور "اسا كاشير"  وضع وثيقة أسماها "الكود الأخلاقي" لحدود العلاقة بين النشاط السياسي والأكاديمي، وذلك بناءً على طلب وزير التربية والتعليم الإسرائيلي نفتالي بينت.

ركّزت الوثيقة على منع المحاضرين، زملاء المؤلف، في مؤسسات التعليم العالي من التعبير عن مواقفهم وآرائهم السياسية أثناء ساعات عملهم، ومنعهم كذلك، من التعاون مع "جمعيات معروفة بميولها السياسية"، وذلك في إشارة إلى منظمات حقوقية وجمعيات أهلية تعتبرها الحكومة الإسرائيلية معادية للدولة وسياساتها. 

من الجدير ذكره أن محاضر الفلسفة هذا هو نفسه الذي وضع قبل سنوات وثيقة "الكود الأخلاقي" للجيش الإسرائيلي والتي استجلبت، في حينه، انتقادات لما أجازته من هوامش رحبة للجنود سوّغت لهم إمكانيات اطلاق النار والقتل في الحروب والعمليات العسكرية، كما حصل فعلًا.   

كم قلنا إن ذاكرة عامة الناس قصيرة، خاصةً إذا انقسم معظم هؤلاء الناس بين من يركض وراء لقمة العيش وسعيه لتأمين أمنه الشخصي وسلامة أهل بيته، وبين من ذاقوا طعم الاستقرار الوظيفي ودفء فراش "النخبة" ومناعم اليسر الطبقية التي توفرت عندهم بعد استيعابهم تحت أجنحة الدولة وفي أسواقها ووزاراتها وكبرى الشركات.  

ما فعله أسا كاشير، نزولًا عند رغبة الوزير بينت، هو في الحقيقة اغلاق دائرة وتوثيق زرد الأنشوطة على رقبة الحرية وبقايا أكاديميين قاوموا التدجين، فقبل سبعة أعوام وعد وزير التربية والتعليم في حينه "جدعون ساعر" الليكودي بمتابعة تقرير خطير وضعته جمعية "إم ترتسو" اليمينية ورصدت فيه "جنايات" أكثر من مائة محاضر يهودي تعقبهم، أثناء عملهم في الجامعات، طلاب يمينيون زُرعوا خصيصًا للتجسس عليهم وتدوين تصريحاتهم "اليسارية الشاذة"، حينها أوصت الجمعية بمعاقبتهم ومنعهم من العمل في جامعات إسرائيل. 

ما نشهده اليوم قد يكون في الواقع رتوشًا أخيرة تضعها الحكومة على أقنعة الموت التي علّقت منذ سنوات على جدران منازلنا وفي ساحات مدننا وقرانا، وما يقوم به الوزير بينت ومعه سدنة الهيكل المشتهى، هو تثبيت لآخر دفعة من "أحزمة العفة"على كل حنجرة "نشاز" وكل فم "مارق" لا سيما في الجامعات والكليات التي ما زالت تحتضن بعض السنابل الساهمة، فالبيادر جاهز لانطلاق ألواح الدرس ولاحتفالات صيد الشحارير والعنادل؛ وإذا ما اعتقد البعض أن تصريح الوزير ساعر قبل سنوات كان مجرد شهقة قبل قيلولة العشى أفاق اليوم وشفرة السيف تهوي على الأعناق المتعبة  وتقطع شك العاجزين ب"يقين الظِّبات".

وإذا كان ذلك تذكارًا غير كاف فقد يفيدنا أن نستحضر كتاب "توراة الملك" الذي نشره قبل سبعة أعوام الحاخامان، يتسحاك شبيرا ويوسي إيليتسور، وشبهه البعض بمثابة المرشد لقتل الفلسطينيين، حيث ضمنوه مواقف الشريعة اليهودية ازاء  قتل "الأغيار" وأحكامها القطعية في تلك المسالة .

لقد مرت أقل من عشر سنوات وما كان مجرد توصيات في تقرير بدا للبعض أمزوحة صار نظامًا ملزمًا في جميع معاهد التعليم العليا؛ وإذا ما راهن بعض المتفائلين على أن يأخذ القانون مجراه ويقتص ممن روجوا علنًا لقتل غير اليهود يرى كيف صارت تعاليمهم طليقة تملأ الفضاء وطلقات تلعلع في الهضاب والروابي وساحات مدننا وقرانا.

هكذا في ضفتهم أما على الضفة المقابلة، فكنا نُجمع نحن العرب، منذ نَزْف أكتوبر إلى نحر حزيران، أن الداء عضال وأن الشفاء أمانٍ ويا لبؤس الحال!   

بين العرب من يدّعي أن ما كان قائمًا في إسرائيل قبل عشر سنوات قائم أيضًا الآن، وهنالك من يغذي هذه المقولة على الرغم من اقتناع الكثيرين بأن احتمال إقدام هذه الحكومة أو من سيخلفها، على اتخاذ خطوات تنفيذية بحقنا أو بحق جزء منا صارت وشيكةً، فكيف لمن يستهتر بذلك أن ينجح بدرء المصيبة؟  

مواجهة هذه المخاطر لا يكفيها طيب النوايا، والتوافق بين المرجعيات والوجهاء لا يشفع للقادة في فشلهم بإيجاد ولو جيب/حيّز واحد للحوار مع أي من مؤسسات الدولة، ولا يعفي قصورهم في التوصل إلى ابتكار خطاب قادر على إحداث اختراق في آذان المؤسسة الحاكمة أو في قلب الشارع اليهودي، وإن كان هذا الشارع أرعن والقيادة صلفة. 

 إذا عدمت القيادات أدوات الحوار أو النضال المجدي خاصةً في زمن الأزمات العصيبة ، ويئست من إيجاد خطاب جامع وفاعل، فهل تملك مؤسساتنا وهي في بناها وفكرها الحاليين أدوات تؤهلها لصد الخطر؟ فضحيّة لا تجيد غير الشكوى والصلاة والشعار مصيرها محتوم، واسألوا ملايين "الأكباش" التي تذبح على مرأى العالم وسمع السماء.

يتبع.       

 

 

 

خذوا من فلسطين

بعض الأمل يا عرب

جواد بولس

لم يمض أسبوعان على إعلان تعليق  قادة إضراب الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي خطوتهم الاحتجاجية حتى بدا أن كثيرين يتمنون طي هذه التجربة في ثنايا غبار الواقع ودمل ما كشفته من جراح نازفة بضمادات خبيثة الإغلاق؛ وقد يراهن بعض هؤلاء على ما يولّده شرقنا من  قضايا تتفجر تداعياتها على شكل مسلسلات خيالية يُعتقد أن ذبذباتها كفيلة بكتمان صراخ أمعاء المئات من  أبناء فلسطين البررة الذين خاضوا بجوعهم معركة البسالة ولم يهزموا بها، بعد أن صمدوا، رغم الظروف البائسة، مدة واحد وأربعين يومًا هي في الواقع عمر براعم الكرامة العربية المتجددة وتجلي دورة الحياة وانبعاثها، وذلك في زمن كاد يقنعنا فيه سادة القمع والاستبداد وأمراء الخذلان أن الظفر دومًا كان حليفًا للسياط، وأن صولة الباطل كانت أقوى من رفعة الحق، وأن العتمة، في تاريخ هذا الشرق التعيس، كانت أدوم من النور ومن أمنيات السواسن وشقائق النعمان .

في السابع عشر من نيسان المنصرم أفقنا على نبأ يفيد بأن مئات من الأسرى الفلسطينيين المحتجزين في سجون الاحتلال الإسرائيلي قد أعلنوا شروعهم باضراب مفتوح عن الطعام وقاموا بتسليم إدارة مصلحة السجون الاسرائيلية قائمة تتضمن مطالبهم، والتي تمحورت حول حقوق معيشية أساسية حرموا منها، وأكدوا أنهم ماضون في خطوتهم مهما كلّفهم ذلك من ثمن. 

لا ضرورة للعودة على جميع تداعيات تلك الأيام الأربعين، ولكن لا بد من التذكير ببعض محطاتها المركزية وما أحاطها من معطيات وظروف حذرتُ سابقًا من كونها غير مؤاتية، وهذا في أحسن الأحوال، ومعادية في معظمها. فالأشقاء العرب والمسلمين يغرقون في دمائهم وبعضهم يراقص دونالد ترامب بسيوف مشرعة في حلق الكرامة الإسلامية الذبيحة، وفلسطين شقت بـ"عصا موسى" الحديثة، فصارت شطرين تجري بينهما أنهار من وعود مسكرات وحسرات، وأما الحركة الأسيرة في السجون  فعاشت مؤخرًا في أخاديد وشقوق ممتلئة صدأ وشظايا وظلالًا لانكسارات الضوء الأصفر الآتي من أرض وطن عليل وصوره المشوهة.

مع كل ذلك تراها المذلة عندما تطفح وتتمختر في ساحات الأحرار، فيُستنفر الصبر ويُستقدم العزم ويصير الاقدام واجبًا والحرية خاصرة والكرامة عروس تمهر وتفتدى بالروح والمقل.      

فرغم تلك الظروف ورغم ردة فعل الإسرائيلين الأعنف في تاريخ هذه المعارك، لم تنجح الضربات بكسر المضربين،  وظل المئات منهم متمسكين بوقفتهم مصرين على أن المطالب تؤخذ غلابا، فلا عزل قياداتهم أثمر ولا الإمعان في "جرجرتهم" من سجن إلى آخر أسعف، ولا محاولات دق الأسافين بينهم أنتج، ولا حجبهم عن العالم الخارجي أفضى إلى هزيمة، فتيقنت إسرائيل أنها لن تفتّ صخرتهم ولن تكسر ضلعهم، وخلصت إلى أن التعاطي مع مطالبهم ضرورة، ومحاورة قيادتهم  بد لا مفر عنه، والتوصل إلى توافقات من شأنها أن تمنع وقوع الأسوأ والأخطر، هو أقصر الطرق وأسلمها.

من السابق لأوانه الحكم على مصداقية ما تعهد به الجانب الإسرائيلي والتزامه بتنفيذ ما وعد به مع أننا نعرف أن مصلحة السجون شرعت بتلبية بعض المطالب الخاصة في بعض السجون، لا سيما في تلك التي لم يضرب نزلاؤها، كمكيفات الهواء والتبريد وتخصيص مطابخ صغيرة مستقلة في الأقسام وغيرها من التفاصيل المتعلقة بقضايا حياتية يومية، مع ذلك تنتظر  قيادة الأسرى  بتفاؤل قلق ساعة تحقيق ما اتفقوا حوله،  ويؤكدون، في ذات الوقت، أن ذلك، في حالة إنجازه، سيضيف على ما أحرزوه على المستوى الاستراتيجي لغاية هذه الأيام ، فمعركتهم ، كما أفاد العديد من الأسرى الذين قمت بزيارتهم بعد إنهاء خطوتهم، أدت إلى استعادتهم للثقة بقوتهم وإثباتهم لأنفسهم أولا  وللسجان الإسرائيلي، كذلك، أن ما لا يؤخذ بالعرف وبالحق سيؤخذ بالإصرار وبالنضال والمثابرة، وأملهم بانعكاس هذه القاعدة الكفاحية على الحالة الوطنية العامة.

ما زالت تفاعلات الاضراب جارية ومن المبكر حصر نتائجه بقوالب وخلاصات قطعية، فقيادات الأسرى وكوادرهم يقومون بجمع ما أمكن من معطيات ويتأهبون لتمحيصها ودراستها من أجل الاستفادة منها في معارك المستقبل؛ والى أن نسمع منهم فصل المقال، من الضروري أن ندرك مستوى درايتهم في دقائق الأمور وتميزهم الناضج بين من وقف معهم بحق وحقيقة ومن باعهم موقفًا وشعارًا وصحيفة، فهم يثمنون جميع من دعم مطالبهم وساند قرارهم، وفي نفس الوقت يعرفون ما هي بواطن ضعفهم بعد أن كشفتها المفارقات،وكشفت معها  كثيرًا من التناقضات الفلسطينية ومواجعها، وربما بعض مهالكها.

لقد بين هذا الإضراب، في الحقيقة، عجز قوى جميع أطياف اليسار الفلسطيني ، فعدم انخراط الأسرى المحسوبين على هذا اليسار في الإضراب، إلا بشكل رمزي وثانوي، يقدم بينة ناجزة عمّا أصابه من هرم حوّل إمكانية خوضه للنضال الحقيقي إلى مجرد شعارات تردد من على المنصات وحَوَالات توقع بدون رصيد، وعكس، كذلك، واقع الحال الذي يعيشه اليسار في فلسطين وربما في العالم العربي الواسع، وهذا مشهد يختلف بجوهره عن موقف حركة "حماس" كما تكشّف في هذه التجربة، فقرارها، كحركة مقاومة إسلامية، أن تقف على جانب المشهد وخيارها أن لا تدفع بكوادرها للانخراط مع زملائهم المضربين الا بشكل محدود ورمزي، يبقى عمليًا بمثابة الصدى الأوجع لجرح فلسطين النازف وقرينة على أولويات حماس "الكفاحية" في صراعها مع المحتل الإسرائيلي وسجانيه. 

لقد  رصد الأسرى مجموعة من الضربات التي تلقوها بشكل مباشر وغير مباشر، فعلاوة على جميع أحابيل من واجههم في الخندق الإسرائيلي ومحاولات قمعهم الفاشلة، كان الالتباس في مواقف بعض القيادات الفلسطينية خاصة في الأيام الأولى للاضراب مؤلمًا ومحبطًا، ولكن يبقى موقف بعض زملائهم القياديين داخل الحركة الأسيرة هو الأشد مضاضةً، فمصلحة السجون استعانت ببعض تلك القيادات المتنفذة وجندتهم في محاولاتها للضغط على سائر الأسرى واقناعهم بعدم الانضمام إلى مواكب المضربين مستعملين في سبيل ذلك كل الوسائل والادعاءات وبهدف إفشال الإضراب والحاق الهزيمة بمن وقفوا على قيادته.

إنها المرة الأولى التي تشهد ساحة الحركة الأسيرة مثل هذه التجربة الخطيرة والممارسات الدخيلة، ولذلك يترقب الجميع  كيف ستنتهي فصول تلك المأساة وكيف ومن سيرتق ما تمزق من ذلك الجسد. 

على العموم، من الملاحظ أن شعورًا بالراحة ينتشر بين معظم الأسرى الذين شاركوا في الإضراب بينما قد نجد شعورًا من الندم بين بعض من لم يشاركوا فيه، ولكن من المؤكد أن الجانب الإسرائيلي، بسياسييه وخبرائه الأمنيين، والذي على ما يبدو قد راهن على عدم مقدرة الأسرى بتنفيذ إضراب بهذا الحجم والأهمية، تيقن، بعد هذه المعركة ، أن الحركة الأسيرة، ورغم التجاعيد والتشققات التي تعلو خدودها ، ما زالت تتحلى بعزيمة الشباب المناضلين وحكمة الشيوخ المتمرسين وإصرار عشاق الوطن والحرية، وليس من النباهة غمز جوانبها كتغماز التين. 

منطقتنا كقدر على نار وكل ما فيها يتقلب ويجهش، ورغم ذلك تراني عدت للكتابة في شؤون معركة فلسطينية قد تبدو للبعيدين صغيرة وجانبية، لكنني أفعل ذلك من باب الوفاء لمئات الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، أولئك الجنود المجهولين الذين خاضوا غمار ذلك التحدي الكبير وهم عمليًا يسبحون ضد جميع التيارات والأعاصير، ولافتًا، في ذات الوقت، عناية القراء إلى ما جرى في هذه الجبهة الأمامية المنسية التي خاضت فيها كتيبة صغيرة من الأحرار المصفدين، في زمن الهزائم الكبيرة، مواجهة قاسية وجسورة ضد ظلم المحتل الإسرائيلي بالمعنى الحقيقي للنضال ومن دون مجازات ولا تورية ولا التباس.

في كل الجبهات يقاتل العرب العرب ويذبح المسلمون المسلمين، إلا هنا وراء قضبان القمع قاوم فلسطينيون بأمعائهم الخاوية سياط المحتلين ووخز هراواتهم في معركة أصر بعض من تمنى لها الفشل أن يرفقها باسم فرد وقائد مع أنها بكل بساطة كانت وقفة كرامة ومجابهة سيد القمع والاستبداد، معركة ستبقى شامة عزة على خد شعب ووطن، وسوسنة من ربيع فلسطيني لن ينتهي. 

فخذوا بعض الأمل من فلسطين يا عرب.       

     

 

 

تبكيك القدس

يا زمن الفيصل

جواد بولس

في خطوة استفزازية واحتفاءً بالذكرى الخمسين على توحيد شطري مدينة القدس عقدت الحكومة الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، جلستها الأسبوعية يوم الأحد الفائت في ما يعرف بـ "أنفاق حائط البراق"  أو "حائط المبكى"-  كما يسمونه في تراثهم وأدبياتهم، ولقد بحث الوزراء المجتمعون في جلستهم سبل تعزيز الوجود اليهودي في المدينة، وناقشوا عدة مخططات لمشاريع جديدة تستهدف إحكام قبضتهم على العديد من المرافق السياحية في البلدة القديمة، ورصدوا في سبيل ذلك ميزانيات ضخمة تساعد على إنجاز ما قرروه من مشاريع ستسهل بدورها عملية وصول ملايين الزائرين إلى الأماكن التي يقدسونها، وتضمن إمكانيات آمنة للتواصل بينها وبين سكان البلدة القديمة من اليهود والوافدين من الخارج على حد سواء وتكثيف عمليات الاستيطان اليهودي فيها.

" في هذا المكان بنى الملك سليمان الهيكل الأول"، هكذا افتتح نتنياهو اجتماعهم وأردف قائلًا:  "إن اليهود العائدين من سبي بابل بنوا لاحقًا الهيكل الثاني الذي تحولت أنقاضه، بعد خرابه، إلى وجهة تطلعات شعبنا عبر الأجيال المتعاقبة. لقد مرت آلاف السنين، وعاد شعب إسرائيل إلى وطنه، وأقام دولته ويبني عاصمتها الموحدة " .

من الواضح أن اختيار حكومة إسرائيل تلك الأنفاق مكانًا لعقد جلستها الأسبوعية يضيف على مضامين القرارات الخطيرة المتخذة نفحةً من عنجهية واستفزاز مقصودين، ففي هذه المناسبة يستذكر العرب أوجاع نكستهم، وكيف حصدت إسرائيل، قبل خمسين عامًا، "طرابين" وحدة عروبية هشة وعوراء، ومحرزةً نصرًا عسكريًا مجلجلًا على جيوش العرب مكّنها من الاستئثار بما حلا لها من أرض وما عليها؛ هذا علاوة على ما تحمله هذه الخطوة الرعناء من دلالات تفضح، في الواقع، حالة النشوة والاستقواء التي يعيشها قادة إسرائيل بعد زيارة الرئيس ترامب، بداية إلى المملكة العربية السعودية والتي قوبل فيها كزعيم مطلق وقائد لتحالف ضم أكثر من خمسين دولة إسلامية، ومن ثم قدومه إلى إسرائيل وتصرفه فيها كما يليق بالحلفاء والندماء وشركاء الحاضر وأحلام المستقبل، لا سيما صلاته أمام  حجارة ذلك الحائط ودسه في شقوقها ورقةً تضمنت أمنياته ودعاءه.

وقد تكون حكومة إسرائيل قد اختارت أن تعقد اجتماعها في ذلك " الحوض المقدس" محاولةً منها للاستفادة وتثبيت انعكاسات الزيارة الدينية  ولترسيخ ما تدعيه منذ عقود، على أن هذه القدس هي ميراث اليهود عن سليمان الملك وأبيه داوود وإنجاز السماء بوعدها المذكور في الكتاب.  

في الواقع لقد عانت القدس الشرقية من ممارسات القمع الإسرائيلي منذ اليوم الأول لاحتلالها عام 1967، لكنها استطاعت أن تنجو بشكل نسبي ولافت، فأفشل صمود أهلها مخططات تفريغها من سكانها الفلسطينيين، وبالتوازي نجحت قياداتها الأصيلة بترميم بناها الإجتماعية والاقتصادية والسياسية مما أفضى إلى إعادة تأهيل مجتمع متماسك وثق عراه تحت سقف هوية فلسطينية واضحة سهلت على نخبه استرجاع رمزية  المدينة وموقعها كعاصمة للمشروع الوطني الفلسطيني ومركز سياسي ومدني هام تواصلت معه دول العالم ومؤسساتها بهاتين الصفتين، وكذلك فعل الفلسطينيون في جميع المدن والقرى والشتات.

لقد استمرت عملية البناء على مراحل حتى وصلت إلى ذروتها فيما سأسميه عصر "بيت الشرق" الذهبي، وخلاله استطاع الراحل الكبير وأمير القدس وفارسها فيصل الحسيني، ومعه كوكبة من قياديي المدينة وفلسطين، تحويل القدس الشرقية إلى كيان سياسي واجتماعي شبه مستقل عن السيادة الإسرائيلية، وفرض، بحنكة فريدة، هذا الواقع كحقيقة معيشة وملموسة.

لقد بنى فيصل الحسيني سياسته على توازنات دقيقة وقيادة حكيمة وشجاعة ونظافة قلب ويد مشهودة واستعداد خرافي للمواجهات بعيدًا عن المزايدات والمراهنات غير المحسوبة. وهو برؤيته الكفاحية الواقعية ووقفاته الميدانية العنيدة نجح  بخلق حالة من "الردع الإيجابي المتبادل" مع إسرائيل التي أبدى زعماؤها احترامًا لفيصل وحسبوا، بعد تجاربهم معه، حسابًا لردات فعله ولقدرته على زعزعة " السلامة العامة" والمسّ بـ "الهدوء العام".

ولعل سعيه من أجل الحفاظ على الوضع القائم، "الستاتوس كوو" في جميع الأماكن المقدسة يعد إنجازًا بالغ الأهمية، فهو ولسنين عديدة حرص بإصرار على تحييد هذه الأماكن، وفي طليعتها المسجد الأقصى، عن بؤر التنازع والتناحر مع القوى اليهودية، مدركًا أن زعامات إسرائيل اليمينيين الصهيونيين المتدينين يسعون من أجل إسقاط بعدي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الأبرزين، السياسي والقومي، وحصر النزاع في بعده الديني فقط، لأنهم  بذلك يعززون مواقعهم ويزيدون من إمكانيات انضمام حلفاء معهم، فعندما يلجأ الأطراف إلى أحكام السماء ستفتح هي طاقاتها وتمطَر الفتاوى وتكثر البدع ويسود الالتباس ويعسر الاجتهاد، بينما عندما يوقَف الصراع على بعده السياسي القومي، فالأرض "ستتكلم عربي"، وهي لغة أهل الوطن، والفلسطيني سيكون صاحب البيت وسيد المكان حتى لو أصرت إسرائيل على قمعه وغمط حقوقه.

لقد وافقت معظم القوى السياسية الوطنية والإسلامية في تلك السنوات على معظم هذه المبادئ وأصول القيادة والمواجهة حتى صار ذلك إجماعًا وسيّر العمل النضالي في القدس تحت مظلة "بيت الشرق" بكفاءته المشهودة.

لم تتغير قواعد اللعبة الا بعد رحيل الفيصل على أرض دولة الكويت، في الحادي الثلاثين من أيار قبل ستة عشر عامًا، فبعده بدأ مشوار التيه والضياع.

بالفعل، منذ رحيله والقدس الفلسطينية تخضع إلى عملية هدم شامل مبرمجة، استهدفت عزل المدينة عن محيطها الفلسطيني ومحاصرة أهلها وخنقهم بوسائل مبتكرة ومتعددة وبنفس الوقت تم الانقضاض على المؤسسات المدنية والجمعيات الأهلية وغير الحكومية  التي حُظر عملها من داخل القدس، فبعد وفاة فيصل أنزلت إسرائيل  ضربتها الأولى على "بيت الشرق" ، وهو أبو المؤسسات أو حاضنتها، وأغلقته من دون مقاومة تذكر، علمًا بأن نتنياهو نفسه قد فشل من قبل بإغلاقه بعد أن  قاد فيصل معركة بطولية سجلها التاريخ فحمى البيت وأهله.

لن آتي على ذكر ما أصاب المدينة بعد عقد ونصف من عصر فيصل الحسيني وزمن "بيت الشرق"  الذهبي، فالمدينة اليوم ليست تلك المدينة. الاستيطان اليهودي يتوغل في كل ناحية وجهة. كثير مما كان يجمع أهل المدينة على الخير والمقاومة والاجتهاد المفيد تبخر واندثر، وإسرائيل نجحت، إلى حد بعيد، بخلخلة البنى الإجتماعية الأصيلة، في حين فشل الفلسطينيون بتقديم نموذج لقيادة قادرة ومقبولة تجمع ولا تفرق، وأحلام المواطنين صارت كسيحة تصيح مع تسلل كل فجر وتندب.

فمن سيردع حكومة يرأسها حاوٍ، وإلى جانبه يقف رهط من أبناء الغيب ومعهم ثلة من حرس الكتاب تستحلف الرب وبه على العربان تستنجد؟

وهل سيقدر على أهل السماء غير أهل السماء؟

غيورورن كثر حذّروا من هذا الفراغ القيادي الوطني المدوي، وراقبوا بقلق بالغ  كيف تتفكك كل أحزمة الأمان المقدسية، وكيف بدأت في المدينة تنشأ محاور تأثير لا تعمل وفق مبادئ "الإجماع الفيصلية"، فاجتماعيًا برزت عناصر دخيلة لا تتقيد بقيم مجتمعنا الواقية ولا بتراثه الماسي وشرعت تزرع شرها في كل المنصات والمواقع ، وسياسيًا غابت النخب الوطنية الأصيلة و"تفرطشت "محلها أشباه قيادات أو نسخ مزورة بعقول مريضة ورؤوس مشوهة.

في مثل هذا الجفاف الوطني الكاسح  تهيأت الأجواء إلى حروب أجناد السماء،  فوجدنا نتنياهو يصرخ، "هنا بنى سليمان هيكله"، وقبالته يقسم الشيوخ على أن الملائكة تقف مع المسلمين فقط وستبني لهم دولة الخلافة، وقد يكون صوت الشيخ كمال الخطيب أبرزهم في هذا الشأن وهو الذي يؤكد مرة تلو المرة على أن القدس ستكون حتمًا عاصمة الخلافة الإسلامية، أو كما كتب قبل أيام على صفحته: " يوم أمس 29/5 كان يوم ذكرى فتح القسطنطينية من العام 1453 حيث تحولت من عاصمتهم الى إسطنبول عاصمتنا، ويوم 5.6 القريب سيكون يوم ذكرى احتلال القدس حيث تحولت القدس من عاصمتنا إلى أورشليم عاصمتهم...لكنها القدس حتما ويقينا ستعود بإذن الله ليس عاصمة للدولة الفلسطينية فقط، بل وإنما ستكون عاصمة دولة الخلافة الإسلامية الراشدة ، نحن إلى الفرح أقرب فابشروا ". 

هكذا إذًا فبعد أن غاب فيصل وتشتت ما كان إجماعًا مقدسيًا وهزلت المقاومة وضعف الصمود، علينا أن ننتظر من سيكون الأقوى والأغلب: أأحفاد سليمان الملك/ النبي وهيكلهم الموعود أم أصحاب دولة الخلافة وبشراهم بالفرح القريب؟ 

والى أن تحسم السماء أمرها سأتأسى على زمن ولّى وستبكي معي القدس على فيصل

 

 

الخط الفاصل

بين القدس والطيبة

جواد بولس

 

في تزامن عرضي نظّمت، خلال الأسبوع الفائت، المؤسستان السياسيتان القياديتان القائمتان بين المواطنين العرب في إسرائيل، مؤتمرين عامين، فدعت «لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية» إلى المشاركة في مؤتمر قطري تحت عنوان «الطاقات البشرية العربية – تنظيم وتفعيل قدرات مجتمعنا» انعقد في مدينة الطيبة في المثلث يوم السبت المنصرم 20 أيار الجاري. 
وبالتزامن معه تقريبًا دعت «لجنة القدس في القائمة المشتركة» وبالتعاون مع جامعة القدس، الجمهور لحضور «المؤتمر الدولي حول القدس، بعد خمسين عامًا من الاحتلال الإسرائيلي وآفاق مستقبلية»، كما جاء في نص الدعوة التي وزعت واحتوت على تفاصيل برنامج ثلاثة أيام انعقاد المؤتمر، من الواحد والعشرين لأيار وحتى الثالث والعشرين منه.
في الواقع لم نسمع كثيرًا عن «لجنة القدس» المنبثقة عن القائمة المشتركة منذ انتخابها في الكنيست قبل حوالي ثلاثين شهرًا، بيد أن ذلك لم ينتقص من أهمية المبادرة، لعقد مؤتمر دولي شارك فيه عشرات المهتمين والأكاديميين المتخصصين. ففيه ناقشوا بتفصيل جملة قضايا ذات علاقة بالقدس وقطاعات المعيشة فيها، ومنها التاريخية والسياسية والقانونية والصحية والاقتصادية وغيرها، ما أفضى، كما قرأنا في بيان المؤتمرين الختامي، إلى وضع توصيات بأربعة أبعاد مهمة لمستقبل القدس، هي البعد السياسي والمؤسساتي والاقتصادي والأكاديمي.
عن القدس وهمها سأعود وأكتب قريبًا، ولكن ستبقى أهمية ذلك المؤتمر مرهونة بقدرة الداعين على متابعة ما تمت مناقشته وتشخيصه وبقدرتهم، كذلك، على تطبيق ما أعلنوه من توصيات وتصورات عمل مستقبلية؛ ومع تمنياتي للقدس بنجاحهم، لكنني أتساءل ومثلي فعل البعض، حول مقومات القائمة المشتركة وطاقاتها الفعلية في تبني ومتابعة قضية القدس على تعقيداتها، والكل يعلم كيف أناخت هموم هذه المدينة، قبل المشتركة ولجنتها المتواضعة، جامعة الدول العربية ولجنة القدس الكبرى ومنظمة الدول الإسلامية وقممها الكثيرة، التي نثرت الرياح أكوام قراراتها، حتى غدت أمام أعين المقدسيين وأوجاعهم كأوراق الشجر في فصل خريف أهوج. 
على ضفة أخرى، كانت مبادرة «لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل»، وهذا هو اسمها الرسمي، خطوة لافتة ومبشرة، وتأتي، كما صرح رئيسها محمد بركة في «سياق الرؤية التي وضعتها لجنة المتابعة لاستنهاض أطر وإقامة أطر جديدة تساهم في العمل الباني للمجتمع، وبالاستفادة من الطاقات البشرية بيننا».
قد يكون حضور المئات من الشخصيات القيادية والمجتمعية وذوي الاختصاص، طوال أعمال المؤتمر، مؤشرًا على أهميته ومقياسًا لنجاحه، كما جاء في البيان الختامي، إلا أنها تبقى عوامل غير جوهرية، فالعبرة بالمضامين، والحكم الأخير على أهمية الحدث سيبقى ملكًا للمستقبل، ولما تخبئه لنا موجعات الدهر ودهاليز السياسة وشهواتها، وهذا ما يفهم، عمليًا، من تصريح بركة الثاقب حين أعلن: «نحن لا ننهي اليوم مؤتمرًا بل نبدأ مشروعًا».
يحمل اسم المؤتمر هواجس المبادرين إليه وإشكالاته ودلالاته الرئيسية، فهدفه الأول، رصد الطاقات البشرية التي تملكها الأقلية العربية في إسرائيل، وقد يعتبر هذا الأمر، بحد ذاته، منحى جديدًا يقوده محمد بركة، ومن قاموا معه على فكرة المؤتمر، في بحثهم عما عندنا من قدرات ومخازن طاقات بشرية، واعتبارهم ذلك قضيةً رئيسية بعدها يصير ما نحتاجه بحكم تحصيل الحاصل. 
أما الهدف الثاني، فهو يتمثل بالسعي من أجل تأطير هذه الطاقات بما يدعم الهيئات السياسية التمثيلية، ويخدم مصالح مجتمعنا، ويحوله إلى كيان حصين، وهي مهمة أشغلت في الماضي رفاق بركة، المعلمين الأوائل، وقيادات الجماهير العربية الذين حاولوا مرارًا إنجاز المهمة، فتصدّت لمحاولاتهم الدولة وأفشلتها. الهدف إذن بناء أطر أهلية وشعبية ومنظومات مدنية تتشارك على تحديد هدف جامع وتتفق على آلية تحقيقه، في حين تشرف المؤسسات السياسية القيادية، والمفاعيل الاجتماعية الناظمة، على تشبيك تلك المنظومات وتحويلها مجتمعة إلى دروع واقية في وجه سياسة الدولة العدائية أولًا، وبعدها في وجه وكلاء السوء على مختلف أصنافهم، الذين تنتجهم مجتمعاتنا المحلية.
يبرز نجاح المؤتمر بشكل خاص إذا ما تذكرنا أن لجنة المتابعة العليا ما زالت تعمل ببناها القديمة، وبمنهجية أرستها تحالفات تلك السنين؛ وكثيرون ما زالوا ينتظرون نجاح محمد بركة، كما تعهد، بتغيير تلك البنى واستبدالها بمؤسسة عصرية تعمل وفق رؤى حديثة ومطورة، وبمفاهيم تستشرف المستقبل وتؤدي، في البداية، إلى استعادة ثقة الجمهور بمؤسساته السياسية التمثيلية. فالحالة كما استعرضها المؤتمرون تبدو في أحد جوانبها مقلقة للغاية، حين تبين في استطلاع لرأي الجمهور بالهيئات الشعبية والرسمية أن 71%‏ من المستطلعين راضون عن أداء لجنة المتابعة العليا، إلا أن هذه النسبة اصطدمت بمعطى حول الثقة بها، فلقد تبين أن نسبة 24%‏ فقط يثقون بلجنة المتابعة، بينما حازت لجنة الزكاة مثلًا نسبة 26%‏، في حين كان نصيب الأحزاب العربية نسبة 14% فقط‏. من الواضح أن هنالك كمًا هائلًا من الملابسات والعوائق التي ما زالت تحول دون إحداث طفرة جدية في مكانة لجنة المتابعة، وتمكين رئيسها من تحقيق ما يؤمن به على المستوى السياسي والقيادي. بعض هذه الإشكالات ضمته السطور وبعضه غُيّب، بحكمة، لتسيير أعمال المؤتمر. 
ولعل ذلك «الخط» الفاصل في عنوان المؤتمر، يعكس إحدى هذه العقبات الكأداء. فمن الغريب أن يقرأ الناس عن مؤتمر يعنى بشؤون «الطاقات البشرية العربية – تنظيم وتفعيل قدرات مجتمعنا» من دون أن يعرفوا أي العرب هؤلاء؟ وأين تقيم هذه الطاقات؟ «ولأي جماعة تعود النا» الملصقة بمجتمعنا؟ فالمبادرون لم يقصدوا التحري عن جميع طاقات العرب الساكنين في جميع أوطان العُرب والعالم، ولذلك فإن تمنعهم من التعاطي مع الجغرافيا وإسقاطهم من العنوان كلمة «في إسرائيل» والاستعاضة عنها «بالخط» الفاصل، يدلل على عمق إحدى المشاكل التي تتخبط بها مركبات لجنة المتابعة. لقد استصعب المبادرون وضع عنوان المؤتمر، كما يقتضيه واقع المواطنين وتعكسه مكانتهم القانونية، لأن المؤتمرين جاءوا ليبحثوا عن «الطاقات البشرية العربية في إسرائيل» وعن « تنظيم وتفعيل قدرات مجتمعنا» المحلي، فهكذا كان سيستقيم المعنى و»يركب» السياق.
ما زال طريق بركة ورفاقه في الخندق طويلًا، وتذليل ما يعتريه من عثرات بحاجة الى صبر وحكمة وحنكة، فهو يعرف أن إسقاط «إسرائيل» من عنوان لمؤتمر يبحث كيف ستجند طاقات العرب فيها من أجل حمايتهم من ساسة إسرائيل، ومن أعدائهم الداخليين، لن يسهل الرحلة، كما أن الاكتفاء بتعداد رأسمالنا البشري لن يعفي القادة من مواجهة الأسئلة الكبيرة، فكيف يفسرون اكتشاف إحدى الدراسات لهذا الغنى في الطاقات البشرية العربية المحلية؟ كيف يرون نمو هذا الكم الهائل من هذه الشرائح والنخب في غضون عقود قليلة من الزمن؟ وهل هذا التطور يعد طبيعيًا؟ وهل حصل بدعم من الدولة وما معنى ذلك؟ أو ربما غصبًا عن أنف الدولة؟ وكيف تم ذلك؟
 كلنا يعرف أن واقع المواطنين العرب في إسرائيل، ليس فقط ورديًا كما قد يظهر من هذه الدراسة، ولكن عندما نقرأ أننا نملك 1300مدرسة، وأن نسبة مستحقي البجروت ( التوجيهي) أعلى من 50% ، وعدد الطلاب العرب في الجامعات خارج البلاد عشرة آلاف طالب، وعدد قضاة المحاكم العرب وصل عام 2014 إلى 52 قاضيا (كان العدد عام 1964 قاضيا واحدا)، وأن نسبة المحامين العرب تبلغ 7% ، وأنه في عام 1960 كان عدد الصيادلة العرب 26 فبلغ عددهم اليوم 2933 أي ( 36%‏ من عددالصيادلة في الدولة). وأنه في عام 1980 كان عدد أطباء الأسنان 25 طبيبًا، أما اليوم فيصل عددهم إلى 1751 بينما كانت نسبة الأطباء العرب عام 1970 (1%) (35 طبيبا فقط) أما اليوم فعددهم 4000 طبيب ( نسبة11%‏)، عندما نقرأ هذه المعطيات، يحق لنا أن نفخر ونعتز بكنوزنا البشرية، ولن يفيدنا أن نختبئ وراء «الخطوط» وفي ظل الالتباس، فواقعنا معقد وعلينا أن نواجه الحقائق والأسئلة الصعبة لنعرف كيف نحمي مستقبلنا على أرضنا.
سيبقى مؤتمر المشتركة حول القدس لفتة جميلة وموقفًا للتاريخ، أما مؤتمر الطيبة فهو، رغم كل شيء، علامة على الطريق وبداية البشرى. 
كاتب فلسطيني

 

 

 

خذوا الحكمة

 

من إضراب الايرلنديين

 

جواد بولس

 

لم يكن التكهن بمصير إضراب الأسرى الفلسطينيين القابعين في سجون الاحتلال مهمة يسيرة، فمنذ البداية كان الرهان على تداعياته عسيرًا، وكانت محاولة وضع تصور لنهاياته المحتملة كاللعب بالنرد وقراءة في الغيب.

لقد قلنا إن النجاح في التخطيط للإضراب وإقلاع سفينته في السابع عشر من نيسان المنصرم يُعَدان بمثابة تسجيل نصر فلسطيني وطني إستراتيجي هام، وذلك بعد حالة الوهن التي أصابت الحركة الأسيرة واستوطنت في صفوفها لأكثر من عقد ونصف من السنين العجاف، وكذلك بعد تأكد المسؤولين الإسرائيليين في مصلحة السجون، بسبب تلك الحالة المؤسفة، من عدم قدرة مجموعة من الأسرى على إنجاح خطوة بذلك الحجم والزخم، ورغم ذلك، ولأن الأمور تقاس دومًا بخواتيمها، دعَونا لهم بالسلامة، وتمنينا أن يصمدوا رغم جنون الموج في بحارهم، وغضب البرق فوق رؤسهم، وعبث الرياح وزمجرة العواصف في أوطانهم.   

ثلاثة وثلاثون يومًا انقضت ولم تخط إسرائيل الرسمية ولا مسافة قدم باتجاه فتح حوار جدي مع قيادة الإضراب، وكذلك لم تبدِ قلقًا لتفاقم أوضاع الأسرى وتدهور حالاتهم الصحية، بل على العكس، فلقد شاهدنا وما زلنا نشاهد كيف يتعمد معظم السياسيين الإسرائيليين إهمال الحدث، ولا يتطرقون إليه لا من بعيد أو قريب، في حين نسمع زملاء لهم يتقصدون مهاجمة الأسرى المضربين،ولا يفوّتون فرصة إلا ويكيلون فيها وعيدهم ووعودهم بإنزال أشد العقوبات وأقساها لمجرد أن تجرأ هؤلاء الفرسان وتحدوا رغبات "السيد"وعنجهيته .

كانت ردة فعل المؤسسة الإسرائيلية عنيفة بشكل غير مسبوق، فما نقل على لسان الأسرى، بعد أكثر من ثلاثة أسابيع منعوا خلالها من التواصل مع العالم الخارجي، كانت شهادات مقلقة وصفت ما عانوه من اعتداءات جسدية خطيرة على بعضهم وممارسات قمعية متنوعة استهدفت إذلالهم وتثبيط عزائمهم في محاولات بائسة لكسر وقفتهم البطولية وصمودهم الخارق .

قد يكون القرار بمنع المحامين من زيارة الأسرى المضربين لثلاثة أسابيع متواصلة من أخطر الممارسات التي رافقت الإضراب، فعلاوة على كونه خرقًا لجميع الأعراف وقواعد القانون على درجاته ومصادره، شكل ذلك الموقف سابقة في المس بمكانة المحامين ومنعهم من أداء واجبهم وسلبهم لأبسط الحقوق وأقدسها، وعلى الرغم من تدخل المحكمة العليا الإسرائيلية وإصدارها، في اليوم التاسع عشر للإضراب، قرارًا يعترف بحق الأسرى المضربين بلقاء محاميهم، إلا أننا لم ننجح، نحن المحامين، رغم وجود ذلك القرار، ولغاية اليوم، بتنفيذ زيارات إلا لأربعين أسيرًا من بين مئات المضربين.

معظم طلبات الزيارة التي تقدم بها المحامون في مساعيهم الدؤوبة  للتواصل مع الأسرى مُنيت بالفشل، وذلك لمراوغات مصلحة السجون الاسرائيلية  ومماطلاتها ووضعها بمنهجية مدروسة، العراقيلَ التي أدت عمليًا إلى عدم الاستجابة لتلك لطلبات  أو إلى تأجيلها أو إلغائها بحجج واهية ومبتذلة،وبأكاذيب متنوعة .

لقد نوهنا منذ البداية إلى إفتقار هذا الإضراب لعدة عوامل إسنادية كانت متاحة في تجارب الماضي وتحولت، في السنوات الأخيرة، إلى معادلات ومعطيات إشكالية وبعضها صار يشكل عوائق وعثرات؛ فالعالم الواسع منشغل بأزمات جدية لا تترك لقياداته احتياطي وقت لاستثماره في قضية، رغم  أهميتها الإنسانية الكبرى، تبقى في حسابات هؤلاء شأنًا محليًا، والأشقاء العرب منهمكون كل بتثبيت حكمه وتأمين مصالحه، ولم تعد قضية أسرى فلسطين على سلم  اهتماماتهم ، أما  فلسطين فتبقى حكايتها الأوجع والأغرب.

قبل ثلاثة أيام عقدت فصائل من منظمة التحرير الفلسطينية مؤتمرًا صحفيًا في مدينة رام الله أعلن فيه جميع المتحدثون عن مؤازرتهم المطلقة للمضربين ومطالبهم.

انتقد البعض عقد هذا المؤتمر بعد ثلاثين يومًا من إعلان الإضراب، وأشاد آخرون، رغم التأخر في عقده، بما أعلن فيه لا سيما ما جاء على لسان مفوض التعبئة والتنظيم وعضو اللجنة المركزية لحركة " فتح" د. جمال محيسن، والذي دعا باسم " فتح" كل الجماهير الفلسطينية للانخراط في التعبير عن تأييدهم للإضراب، وأهاب بهم وحضهم على الخروج للشوارع وإيصال رسالة واضحة للاحتلال الذي يجب أن لا ينعم مستوطنوه برغد العيش وحرية الحركة، خاصة  وأسرى الحرية يقبعون وراء القضبان، ويواجهون القمع وسلب حقوقهم الأساسية، على حد تعبيره.

من السابق لأوانه التحقق من فاعلية هذا المؤتمر والنداءات الصادرة عن القيادات الوطنية التي شاركت فيه، فالأيام المقبلة ستكون كفيلة بكشف مدى تأثيره، خاصة وقد غابت عنه الحركات الإسلامية وفي طليعتها حركة "حماس" الذي ما زال دورها الحركي والشعبي غائبًا بشكل ملموس، بينما يعيش الشارع الفلسطيني، بشكل عام، حالة من العزوف المَرَضي عن ممارسة النضال، والجماهير العريضة مصابة بكسل يومي طاغ ما انفك يتحول ببطء إلى حالة من "السبات الوطني" الذي يفضي تدريجيًا إلى قبول القائم على افتراض أن القادم قد يكون أسوأ.           

كثيرون يقرأون الواقع بتفاصيله الرمادية، ومثلهم تفعل إسرائيل وساستها الذين يتصرفون وفق تلك القراءات، فردة الفعل العنيفة داخل السجون وما رافقها من مواقف لوزراء ومسؤولين بدت صارمة ومتوعدة تنذر كلها، في الحقيقة، باحتمال وجود سيناريو خطير لديهم يقتفي طريق حكومة مارغريت تاتشر في مواجهتها، مع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، لإضراب المناضلين الإيرلنديين ونهايته المأساوية عندما سقط السجين بوبي ساندس، رمز الصمود والحرية، بعد ستة وستين يومًا على إضرابه عن الطعام والتحاق تسعة من رفاقه بعده وارتقائهم إلى العلا  .

بعض المؤشرات تدلل على احتمال  وجود ذلك السيناريو في أدراج السياسة الإسرائيلة ، وما نشهده من خطوات تصعيدية تقوم بها مصلحة السجون يشكل قرينة على ذلك، ففي الأيام الأخيرة قام ضباط  في بعض السجون بتكثيف خطوات القمع بحق الأسرى المضربين وبوضع مزيد من العراقيل في وجه المحامين، ومنعهم من الزيارة، وذلك بهدف تأمين استفرادها بهم، وعزلهم الكامل وما يشكله ذلك من ضغوط نفسية عليهم.

 أما قيام المسؤولين في سجن الرملة باغلاق نوافذ زنازين العزل لحجب دخول أشعة الشمس منها يعد الخطوة الأشد، برأيي، والتي تذكر بما فعله الضباط البريطانيون في زنازين بوبي ساندس ورفاقه، بعدما توصلوا في دراسة سيكولوجية إلى مدى تأثير تلك الخطوة على نفسيات الأسرى، واستخلصوا، في حينه، أن اغلاق النافذة  مهما كانت صغيرة تعني عمليًا اغلاق "فسحة الأمل" الذي ينسل كل فجر مع رزمة الضوء الأولى، ويتوالد في دورة لا تنتهي تماما- كما يولد الضوء من العتمة والصباح من الفجر. إنه الأمل الذي يمد الأسير، وهو يصارع بأمعائه الخاوية، بالعزيمة والإصرار والتشبث بالحياة.

لا أعرف إذا قرأ السجان الإسرائيلي سيرة الأحرار الإيرلنديين، وقد يكونون قد قرأوها،  لكنني أفترض أن كل طرق القمع تؤدي إلى نفس "الطاحونة"، ولذلك علينا أن نستلهم تلك التجرية ودروسها كي نمنع تكرارها في حالة إضراب فرسان فلسطين.

فخذوا الحكمة من إضراب الإيرلنديين. وأول ضمانات النصر هي صمود الأسرى أنفسهم، ويليها بنفس القدر والأهمية وقفة فلسطين معهم، كل فلسطين ومعها أحرار العالم .

 فهل ستشهد الأيام المقبلة ما كان ناقصًا ووعود العاصفة؟

 

 

 سكان بلا دولة، ما العمل؟

جواد بولس

استنكرت الكتلة البرلمانية للقائمة المشتركة، تبنّي اللجنة الوزارية للتشريع "قانون القومية" الذي بادر إليه، قبل أربع سنوات، رئيس الشاباك الأسبق وعضو الكنيست  الليكودي الحالي آفي ديختر. وُصف البيان القانون المذكور على أنه من "أخطر القوانين التي جرى طرحها في العقود الأخيرة"، وذلك لكونه نسخة عن قوانين (الأبرتهايد) التي سادت في جنوب أفريقيا، فمجيئه يهدف إلى تقنين سياسة الحكومة المعلنة والممارَسة منذ سنوات، والتي تسعى لجعل دولة إسرائيل والبلاد ملكًا للشعب اليهودي، وله وحده فقط، على ما يستدعيه هذا المبنى التشريعي من تبعات على المواطنين العرب تحديدًا وغير اليهود.

ربما أصابت القائمة المشتركة بنعتها هذا القانون "بالأخطر"، وذلك ليس لمضامينه الخطيرة فقط، بل لتعريفه كقانون أساس ذي المكانة الدستورية الأعلى المميزة وتفوقه على أي قانون عادي، هذا علاوة على تتويجه لسلسلة طويلة من التشريعات العنصرية التي سنتها الكنيست على مدار السنوات الماضية مواكَبة مع عملية تداخلت وتكاملت فيها التغيّرات الاجتماعية الجارية مع الإفرازات السياسية الجديدة داخل المجتمع الإسرائيلي، وأفضت، في الواقع، إلى تشكل منظومة حزبية سياسية "سُكّت" من معادن مغايرة عمّا ألفناه في الماضي،وأتاحت لركائزها وسفرائها التمكن من مفاصل الحكم بسلطاته المختلفة، وأهمها في الكنيست، "أم السلطات"، التي هيمن اليمين الجديد عليها بصورة مطلقة، مما أكسبه قوة قادرة على تمرير ما يحلو له من قوانين، وفرصًا لتوثيق سيطرته على السلطة التنفيذية، من أعلاها وحتى قواعدها العريضة، وهيأت له، كذلك، سهولة التغلغل في أحشاء الجهاز القضائي، وهي مهمة بات تحقيقها بالكامل قاب مواجهة أو أكثر، لكنها مضمونة الخواتيم، كما صرّحت بذلك وزيرة العدل التي لا تخفي مآربها، بل تتعمد إشهارها في كل مناسبة عن قناعة بقدرة معسكرها على إطباق أنياره فوق رقاب من سيبقون خارج ساحات الملك ولا يسحجون بعِصيّه.

لقد تزامن هذا النشاط التشريعي مع موجة اعتداءات ميدانية قامت بها مجموعات يهودية ضد أهداف عربية، فسوائب عصابات "تدفيع الثمن" أغارت على ممتلكات في حي شعفاط شمالي القدس، وتسببت بأضرار جسيمة لعدد من المركبات، وبنفس التوقيع اعتدوا على ممتلكات في قرية الناعورة القريبة من مدينة الناصرة، وسبق ذلك كشف أجهزة الأمن الإسرائيلية عن اعتقال ستة أعضاء في خلية يهودية بشبهة تعرّضهم للمواطنين العرب بهجمات تسلحوا فيها بالسكاكين والهراوات والعتلات.

القائمة طويلة ومؤلمة،  فتاريخ هذه الجرائم المتواصلة يمتد إلى عدة سنوات مضت، وتنفيذها تزامن دومًا، كما في هذه الأيام، مع حملات تحريض أرعن يشنها قادة اليمين ضد المواطنين العرب وضد قياداتهم ومؤسساتهم التمثيلية ويصحبها، كذلك، تمرير قوانين تشكل في الحقيقة مظلة رسمية تسوغ تلك الأفعال الإجرامية وتحمي منفذيها من معاقبة القضاء.

استرسلت قيادات الجماهير العربية وكل من شجب مثلهم "قانون القومية"، في تعدادهم لمثالبه ولانعكاساته التطبيقية الكارثية على مستقبل الجماهير العربية في البلاد، حتى أن القائمة المشتركة عدّت في بيانها المذكور دعم الحكومة للقانون بمثابة "إعلان حرب على المواطنين العرب وعلى مكانتهم وحقوقهم الأساسية" لأنه في الواقع يشرعن التفرقة العنصرية، ويكرس وجود نوعين من المواطنة، ويضفي على ذلك حالة دستورية فاضحة، فاليهود سيصبحون أسيادًا بحكم القانون، والمواطنون العرب سيبقون، بحكمه أيضًا، على هامش الدولة وأرصفتها العارية، أو كما أكد عضو الكنيست د، يوسف جبارين: "فإن القانون يتنكر لحقنا الأساسي بمواطنة متساوية في وطننا وبحقوقنا الجماعية، ويضعنا في خانة الغرباء في أرضنا.. بل يجعلنا سكانًا بلا دولة.." .

كلام صحيح وتشخيص سليم، لكنها خطوة متوقعة ونهاية "طبيعية"- أو قل حتمية لما سبقها من ممارسات عنصرية رسمية استشعر بعضنا، منذ سنوات، ما تنذر به، ولما سبقها. فقد سبقها كذلك اعتداءات شعبية سافرة حذرنا من خطورة تفشيها الطوفاني، ومن إغفال مؤسساتي صارخ لها عرّى سقوط السدود وانهيار منظومة القيم وصمامات الأمان التقليدية، ولأجل ذلك كله كانت صرختي منذ سنوات: احذروا، إنه منزلق خطر، وإذا ما أعددنا العدّة له فلسوف نصحو ونحن في داخل الجبّ أو قد نصير حطبًا لنار تلك الحرائق.     

لقد قلنا وكررنا مرارًا، قبل تشكيل القائمة المشتركة وبعدها، إننا نشهد عملية منظمة لسحقنا وللقضاء على وجودنا الجمعي وسلب حقوقنا الفردية، فأمام أعيننا كانت تولد نخب سياسية عنصرية مطعمة بجينات خبيثة مشبعة بالحقد والعنصرية،وكانت هذه تهيئ أجواءً مخمرة بشهوة الصياد للانقضاض على فرائسه، وتبني بكثير من الإمعان والرعونة حاضنات مجهزة لتفقيس فراخ الشر الجديدة التي كانت بدورها تنتج مخلوقات تطارد العرب وتعتاش على كراهيتهم وبغضهم، وتتكاثر بانشطارات متسارعة مكوّنة، بدورها، قيادات مطورة وأخطر في خصومتها وخصوبتها؛ لقد حدث ذلك ونحن، المواطنين العرب في الدولة، عاجزون عن ابتكار وسائل الوقاية الكافية، بينما كانت أعين بعض قادتنا شاخصة نحو ضفاف بعيدة، ومنهم من انهمك، كل لدوافعه، في استرضاء "آيدوله"، فهذا يمجد "بَـشّاره" ويدعو له بالنصر أسدًا، وذاك يستمطر رضا أردوغان وينتظر بعثه سلطانًا، وآخر يتمسح بعباءة الشيخ وينتشي ببخوره ومرّه ولبانه، وأخوه يبكي على نيل وعلى فرس ضاعت وضاعت قبلها "ساحة البلد"، وبين سيسي ومرسي سقطت قلاعنا وتهشمت "الكرسي".

هكذا بدت أحوالنا حين حسبنا لوهلة "هُنانا" هناك، فأفقنا اليوم على بيان يفيدنا أن دولتنا تعلن الحرب علينا !

فما العمل إذًا وكيف تكون نجاتنا وخلاصنا والنصر؟

لو عدنا إلى بيان القائمة المشتركة لقرأنا تأكيدًا على أنها "بصدد إطلاق حملة للتصدي للقانون برلمانيًا وشعبيًا ودوليًا .." هكذا من دون أن يزودونا بتفاصيل عن طبيعة تلك الحملة ولا عن آليات إقلاعها، بل أنهم اكتفوا باقفال بيانهم بدعوة عشوائية "إلى تشكيل أوسع تحالف في الكنيست وخارجها لإفشال القانون"  من غير تحديد معالم ذلك التحالف ولا من سيكون ضمنه أو نوعية أصماغه السياسية.

إغفال التطرق إلى هذه العناصر يجعل بيان القائمة المشتركة مجرد تصريح إعلامي محشو بشعارات فضفاضة لن تتحول إلى مجهود نضالي حقيقي من شأنه أن يرتقي إلى مستوى الخطر ولا أن يشكل بداية تحدّ له، وقد يكون الحرب بعينها!

من جهة أخرى قرأنا في بيان صادر عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحزب الشيوعي الإسرائيلي دعوةً صريحة إلى" إقامة أوسع تحالف يهودي-عربي في مواجهة الاحتلال والفاشية" وهو موقف تاريخي ميّز الجبهة الديمقراطية عن غيرها من الأحزاب والحركات السياسية العربية الناشطة على الساحة المحلية، لكنه افتقد في السنوات الأخيرة لبريقه ووهجه، حتى أمسى موقفًا ملتبسًا وضبابيًا أو توشيحًا باهتًا على صدر بيتهم وتحول بعد إقامة القائمة المشتركة إلى يافطة زينة سياسية ليس إلا؛ فمعظم شركاء الجبهة في القائمة لا يؤمنون، مثلها، بضرورة التحالف مع القوى اليهودية، ولدى بعضهم شروط حاجبة لإقامة مثل هذا التحالف وآخرون لن يقبلوا به عن عقيدة ومبدأ.

فإذا قرأنا البيانين بواقعية سياسية وبدون "لف ودوران"، وحققناهما على تلك الخلفيات، سنعرف لماذا تكتفي القائمة المشتركة بنشر مواقفها بخطابية فضفاضة، بينما تعلن الجبهة دعوتها الصريحة "لإقامة تحالف يهودي عربي يواجه الاحتلال والفاشية"، أما في الواقع فسيبقى بيان المشتركة مجرد صرخة تطلق في الهواء، وسيحال بيان الجبهة إلى غرفة التخدير أو الإنعاش، لأن إجماعًا عربيًا وطنيًا يؤمن أن الشراكة في القائمة أولى وأهم وأنفس من كل برنامج نضالي حقيقي على الأرض.

وكما علمنا تاريخ العقدين الفائتين، سنبقى الخاسرين نحن، عموم الجماهير التي تنام على وقع البساطير وتصحو على نداء القادة والبشرى بأنها الحرب على الأبواب! 

فما العمل؟

لا شك ان تشكيل القائمة المشتركة يعدّ إنجازًا في ظروف إقامتها، لكنها، ولإشكالات بنيوية وسياسية عميقة لم تستطع تخطيها ولا تذليلها، وضعتنا إزاء ظرف عبثي خطير، فقادتها أدخلونا في حلقة سياسية مفرغة، ويدورون فيها حول أنفسهم،ولا ينجحون في إنتاج حالة نضالية ذات وقع وقيمة، والأخطر أنهم فشلوا في اجتراح خطاب سياسي موحد ومؤثر وقادر على اختراق جدران البازلت التي وضعتها الدولة حولنا.

لا يوجد لدينا وقت للترف النزق ولا للمغامرات الرومانسية الثورية، فوفقًا "لقانون القومية" أصبحنا فعلًا "سكانًا بلا دولة"، وأعادتنا "البينتية الحديدية" إلى عوالم الاحتمالات الأثيرية، فالحاضر قلق وشفيف والمستقبل كالريشة خفيف، وكل الجهات مشرعة أمام مراوح "الترامبيزم" الوليد وأشقائه من عرب وترك وعجم   !

سؤالي لكم، وقبل أن تذهبوا الى نومكم هذه الليلة، ماذا أنتم فاعلون في الصباح؟ لا تصدروا بيانًا ولا تتناسروا وتتبوشقوا وببساطة ابدأوا بخطوة واحدة ودلونا على السبيل!

يتبع         

 

عيد وذاكرة وشعلة

جواد بولس

أثارت مشاركة البروفيسور أحمد عيد في إضاءة الشعلة عشية يوم احتفالات إسرائيل باستقلالها نقاشًا برزت بعض انعكاساته الحادة في مواقع التواصل الاجتماعي، بينما غابت معالجته الجدية عن معظم وسائل الإعلام العربية المحلية التي تناول بعضها الحدث، على الغالب، بتقريرية واضحة مصحوبة أحيانًا ببعض الانتقادات والتهجمات، وذلك على الرغم من كون البروفيسور عيد يمثل شريحة منتشرة في مفاصل الدولة، ويحمل أفرادها "جينات" متشابهة تمامًا، وتنتظر فرصة لإنبعاثها، أو لم يكتمل نموها لكنها موجودة  هناك. 

لم تكن مشاركة أحمد عيد في هذا الطقس جديدة، ففي سنوات ماضية شاركت فيه  شخصيات عربية وأوقدت بدورها الشعلة، واستجلبت موجات من الانتقادات تفاوتت حدتها ووتائرها، لكنها تميّزت أساسًا بالاستخفاف في عروبة من شاركوا وفي مكاناتهم الاجتماعية وأوزانهم الشعبية، أما في هذه المرة  فإننا نواجه مشهدًا مختلفًا تبرز فيه بعض  الخصائص الفريدة والمتعلقة بشخص أحمد عيد وبمكانته المهنية والأكاديمية والاجتماعية، وما يمثله بكل ذلك على نطاق مجتمعي أوسع، ففي سيرته الذاتية محطات متعددة من أهمها قيامه، وهو الطبيب العربي، في أول عملية ناجحة لزرع كبد أكسبته، عن جدارة واستحقاق، شهرة محلية وعالمية.

 لقد قدم إلى القدس، في أوائل السبعينيات، من قريته دبورية، التي تنام على الكتف الغربي لجبل الطور في منطقة الجليل الشرقي، ودرس في الجامعة العبرية ومنها تخرج طبيبًا وعمل وتقدم ونشر مئات الأبحاث العلمية، فصار من مشاهير الجراحين، ويقف حاليًا على رأس قسم الجراحة في مستشفى "هداسا".

 ليس من الصعب اكتشاف أعداد يشبهون في سيرهم  سيرة أحمد عيد وما تقولبت عليه هويته القومية، ويخضعون لذات العوامل الاجتماعية/ الاقتصادية؛ فقضية نمو هذه الشرائح  النخبوية واحتوائها في مصاهر الأكاديميا الحكومية وهوامشها الرحبة واستيعابها في كبرى الشركات الإسرائيلية وأسواق المال والهايتك، باتت واقعًا ملموسًا، ومولدًا لحالات، مثل حالة عيد، قد تبدو اليوم مجرد "أنوماليا" فردية، لكنها في الحقيقة أعمق من ذلك وأعمّ.   

قد يفضل كثيرون ألا أتعرض لهذه الحادثة وأتركها لتذبل في حوضها، وذلك عملًا بقاعدة " إذا ابتليتم فاستتروا" أو من باب إيمانهم بحكمة الرمل عندما يحتضن رأس النعامة الحائرة؛ لكنني قررت أن أكتب ما يشبه الرسالة غير الشخصية التي قد يقرأها صاحب الشأن، وقد لا يفعل، وستبقى مجرد تمرين وطني يختلف هذه المرة عما أسميته في حالات سابقة "تحديات سايكووَطنية"،  وهي، برأيي، عبارة عن تعقيدات يفرزها واقعنا المركب كمواطنين عرب في إسرائيل، فتهبط بيننا على شكل معاضلَ أحيانًا، وأحيانًا تكون مجرد التباسات خفيفة من السهل على من يواجهها بقليل من الحكمة والحنكة التخلص منها ومن توابعها. هذا أذا أراد فعل ذلك، أو إذا مكنته الظروف من ذلك، وللنزاهة أقول إنني أعرف أكاديميين اثنين عربيين رفضا عرض وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية، واعتذرا عن المشاركة في إضاءة الشعلة هذا العام رغم ما قد يلحق بهما وبعملهما من مضرّة وأذى.   

 فما هو حفل إيقاد الشعلة هذا؟

إنه احتفال سنوي رسمي يرعاه رئيس الكنيست وبانتهائه تنتهي عمليًا مراسم ما يسمى" يوم الذكرى لشهداء جيوش إسرائيل ولضحايا الأعمال العدوانية"  وتبدأ بعده مباشرة الاحتفالات بـ"يوم الاستقلال".

تقام المراسم على جبل هرتسل، قريبًا من ضريح بنيامين زئيف هرتسيل، ويشارك فيها كل قيادات الدولة من مدنيين وعسكريين، وتكون إضاءة اثنتي عشرة شعلة هي الحدث المركزي،لأن هذه المشاعل ترمز إلى أسباط إسرائيل الاثني عشر، وإلى قصصهم كما وردت  في "العهد القديم"، وأشبعت رموزًا صانها التاريخ  أساطير ووعودًا تبعث في الفضاء مع نار تلك المشاعل وتحملها أجيال تقفو أجيالًا .

في كل عام تختار اللجنة المكلفة اسمًا في ظله تقام الاحتفالات وبدلالاته يستلهم المستقبل وتصبغ العزائم،  فهذه السنة كانت الذكرى والفرح " بخمسين عامًا لتوحيد القدس" وكل الشخصيات التي دعيت لاضاءة المشاعل كانت لعلاقتها بهذا العنوان ومدلوله، ولما قدموه من أجل القدس وأهلها.

لقد فهمنا أن البروفيسور عيد يعتبر نفسه مقدسيًا وقد خدم سكانها، عربًا ويهودًا، واعترافًا من القيّمين على هذه الاحتفالية بدوره المقدسي وبعطائه دعوه ليكرموه، هكذا أعلن هو مرة تلو الأخرى، لكنه لم يكتف بتبرير اشتراكه بدوافع شخصية، ولو فعل ذلك لوجب تركه وشأنه، ففي حين عبر عن تفهمه لكل من انتقد مشاركته من إخوانه العرب، أصر في نفس الوقت وطالب من ناحيته " المجتمع العربي أن يتفهمه"،  كما صرّح أمام الإعلامي رمزي حكيم في مقابلة أجراها معه في الثامن والعشرين من الشهر المنصرم، في برنامج " التاسعة" والذي بث على قناة مساواة المحلية.

لقد تحدث البروفيسور عيد في مقابلته بصراحة لامست البساطة والسطحية وبخلط كثير من الأوراق والمواضيع، فهو يرفض أن يعرّف بالرجل السياسي، ولا يقبل أن توظف مشاركته لأغراض سياسية، وكل ما فعله يتلخص بقبوله دعوة لتكريمه كان من غير الممكن رفضها، أما إذا قامت إسرائيل باستغلال مشاركته لتبييض منصتها من عيوب توشحها حتى لو على حساب سمعته ومكانته، فهذا شأن لا يعنيه، وهو لا يؤمن برمزية الحدث ولا يولي للرواية المقصودة من وراءه  وزنًا، ولا أهمية عنده لعدد المشاعل وما تعنيه ولا ما يرافق أيقادها من تصريح يتلى على الملأ، لأنه طبيب يبقى همه صحة البشر وسلامتهم، وهاجسه الوحيد هو "اليومي" وهموم المواطن العادي شاغله.

لم يكن خياره صعبًا، كما قال،  فمباشرة عندما توجهوا إليه استجاب لهم ، لكنه اكتشف لاحقًا إشكالية مشاركته، فحاول أن يقنع مشاهديه بموقفه من خلال نقاش حضاري وهادف رافضًا أسلوب البعض الذي يعتمد على التجريح والتخوين والتهديد، وأصر أن العرب مشتتون وغير موحدين في موقف لم تفهم علاقته بتسويغ المشاركة، "ولأننا جربنا القديم"، على حد قوله ، ولم ينفعنا فيقترح علينا الجديد، وجديده أن نكون مواطنين صالحين و"نستعمل ما لدينا من أدوات ونسعى وراء التفاهم مع الدولة والمحاورة واستغلال حقوقنا الديمقراطية" من أجل تغيير واقعنا. لقد فاته أن الدولة هي التي لا تريدنا مواطنين كاملي الحقوق، وتسعى إلى إقصائنا وتفتيتنا، وأنه كعصفور وحيد خارج عن السرب لن يستطيع تغيير ولا حتى موقع قشة في عشه الذي هو أيضًا في مهب الريح .

جميل أن يكرم المجتمع رواده وأفذاذه، ولكن إذا كان فعلًا هذا هدف القيمين على الحفل فلماذا اختاروه في عام احتفالية "الخمسين على توحيد القدس" وهو عمليًا ليس مقدسيًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولماذا لم يختاروه مثلا في احتفالية العام المنصرم ( التي أشرك فيها عربي) وقد خصصت "للبطولة المدنية" أو في العام الذي سبقها ( وقد أشركت فيها عربية كذلك)  وقد أقيمت تحت شعار"رواد إسرائيليون".  

 بعض من يعرفون بروفيسور عيد حاولوا تفهمه والدفاع عن قراره  ومنهم من استعانوا بمقارنة فعلته وما يفعله عرب آخرون واجههم الواقع الإسرائيلي بمعضلاته، فقاربوا مثلًا بين خطوته وبين من يتراكضون وراء وظيفة في القضاء الإسرائيلي، ويقسمون يمين الولاء للدولة وقوانينها، أو ليوظفوا في نيابة الدولة وما تتطلبه تلك الوظيفة من ولاءات أو أولئك الذين يخدمون في الشرطة وحرس السجون، أو من يتوسل ليصير مفتشًا في المعارف أو رئيس قسم في مستشفى أو مسؤول في إحدى وزارات الدولة وماإلى ذلك من أماكن عمل كانت محرّمة على العرب ففتحت أبوابها وما رافق ذلك من "محفزات ومرغبات" ؛ هذاعلاوة على أننا تفهمنا قسم عضو الكنيست العربي للدولة وتعهده باحترام قوانينها والولاء لها ، فإذا قبلنا كل ذلك فلماذا نعيب على من يؤمن بدوره كمواطن صالح ويريد تغييرالواقع،أن يوقد لدولته الشعلة ويتمنى لها أن تحيا بعزة وفخار؟

بعض تلك القضايا قد تكون معاضل وأسئلة مناسبة في امتحانات السايكووَطني التي على قياداتنا أن تواجهها وأن تعيد مواقفها إزاءها، وبعضها قضايا تتشابك وتتقاطع مع كوننا مواطنين نسعى للحصول على حقوقنا المدنية والقومية، الفردية والجمعية، فمعظم نضالات الجماهير في الماضي والحاضر كانت ضد سياسة الدولة وقمعها وعدم إعطائنا حقوقنا الأساسية، مثل العمل والتعليم والحركة والعيش بكرامة ؛ لكن مشاركة مواطن عربي، لا سيما في مكانة البروفيسور ووعيه،  في إيقاد شعلة في حفل يكدس كل التناقضات مع وجوده هنا كعربي وفي تزامن مع يوم يتأسى فيه شعبه على تشريد آبائه وتهجير أبنائه، ويستذكر النكبة ومعانيها وفي حين تحاول الأجيال  أن تحافظ على وتحفظ شعلة ذاكرتهم متقدة كي لا تسقط بالتقادم أو بالنسيان، لا تعد ، تلك المشاركة، بمثابة مواجهة معضلة ولا حتى التباس خفيف، فإنها بديهية إنسانية واضحة لم تكن عسيرة على فهم مواطن عادي غير مسيّس، فكيف إذا واجهها نطاسي عصامي مجرب حكيم يداوي القلب والكبد؟

إنها حياتك وأنت حر ومسؤول عن خياراتك فيها، لكنه قد كان خيارًا سياسيًا ذا أبعاد عامة وسلبية، وحتى لو لم تعِ ذلك ولم تتقصده فسيبقى من المستحيل علينا أن نتفهمك    كما طالبتنا وتوقعت أن نفعل.

 

فرح فلسطيني

 غير في لندن

 

جواد بولس

 

كانت سفرتي إلى لندن هذه المرة أصعب من سابقاتها، فقضاء خمس ساعات على ارتفاع ثلاثين ألف قدم ومحشورًا في كرسي يشبه القفص، لم تعد مهمة عادية لمن اجتاز عتبة الستين بقلب هرم مسكون بوجع كثير، وبرئتين أعطبت أطرافهما سجائر الشباب وسمنة بغيضة فضاقتا حتى صارتا كرئتي عصفور.

دعاني "الإتحاد العام للجاليات الفلسطينية في أوروبا" "ولجنة حركة فتح إقليم بريطانيا" للمشاركة بندوة يقيمانها حول الحركة الأسيرة في سجون الإحتلال وليعرض خلالها فيلم "مروان" الذي أنتج مؤخرًا وعرض في فلسطين وغيرها.

وصلت لندن ووجدت بين المنظمين قلقاً، فلقد أعلموني عن تغيير مكان الندوة بعد تراجع  إدارة الفندق عن احتضانها راضخين لضغوطات " اللوبي الصهيوني"  وتهديداته.

في المطار استقبلتنا إبنة غزة والسفارة، ميسون الشرفا، وأخبرتنا أن فندقًا آخر اختير لإقامة النشاط وقد تعاقد المسؤولون فيه مع المنظمين على ذلك.

لندن في هذه الأيام تبدو كسيدة في خمسينياتها،لا تخفي إرباكها ولا تحتفي بأنوثتها الملتبسة، ورغم ذلك قد تحبها لأنها مأوى لوخز التاريخ وإغوائه وتذكار للحكمة وابنها الندم، ولأنها، رغم التجاعيد البارزة في صدرها، لا تخجل من ليلها وتنام على خواصر دامية وعلى دلع.       

"كيف تركت فلسطين؟" كان سؤال كل اللحظات والمحطات؛ هكذا سألت ميسون بعد لحظة لقائنا الأولى، وهكذا سألني الصديق إبن القدس ميشيل عبدالمسيح ، المحامي الشهير، الفلسطيني دومًا والبريطاني إقامة، الذي جاء مساءً ليصطحبنا الى أحد المطاعم القريبة من فندقنا.

إنه أصعب الأسئلة إذاما تعمدت الإجابة عليه بلغة النساك الذين لا يكذبون، لكنه أهونها إذا  نسلته من "كبكوبة" صوف جدتك؛ ففلسطين سيدة المدى وتنفس ألصبح عبر الأزمان، عند عتباتها تخثر التاريخ وفي أحشائها تكسّر، فكيف تركتها إذًا؟

تركتها جافلة تفتش عن نجاة وعن ثدي يحصّنها ولا يدمي شفاهها الغضة، تمامًا كما جفلت جدتي وجدتك عند أول النباح ولمّا غادرتهن القوافل وتبعت رائحة التوابل والوعود المسكرة، وتركتها غير واثقة من برق السماء وعواء الريح وشحوب القمر، فهي حبلى بفرح البسطاء وسذاجتهم  وبالزكام ، أما قدسها، تلك التي شربْتٓها أنت على مهل صغيرًا وحين كنتٓ تتمرمغ في تراب شوارعها القديمة، لم تعد، كما أخبرْتٓني وحلمُك، فهي اليوم، يا عبد المسيح، ليست غنجة "المجدلية" ترديك كما كانت تفعل في الصباح وتحييك عند أقدام المساء، قدسك رحلت في أعقاب تلك القوافل وتحت عباءات الغيوم، واستوطن في جنبات بيوتها الجريحة الضعف ونما الملح وطغى الرياء وفوق بواباتها تتنازع الأنبياء.

لم أنتبه لردة فعله على كلامي، فلقد انشغلت في متابعة سيل من رسائل زملائي المحامين العاملين معنا في نادي الأسير الفلسطيني وبعضها كان يوجز لي نتائج زياراتهم ، وأخرى تخبرني برفض إعطائهم من مصلحة السجون الإسرائيلية تصاريح لزيارة للأسرى المضربين، وذلك في مسعى  لتضييق الخناق وإحكام عزل الأسرى حتى عن محاميهم، بهدف كسرهم وهزيمتهم في الأيام الأولى "للمعركة".

نظرت إليه وقد ألقى برأسه على حائط كان وراءه، بدا مهمومًا وفي عينيه حنين للقدس ينافسه تعب واضح، وجهه اكتسى سمرة لم يغيرها ضباب لندن، وشاربه المميز كان يقظًا يخبيء تحته بسمة وشت بأنه، رغم الخسارات التي عاشها وعاشتها مدينته، لم يزل متفائلًا، فهو المحامي العنيد الذي يعرف طعم النصر خاصة ذلك الذي يحرز بعد الهزيمة والكبوات.

بعد لحظات من الصمت اقترح أن نختار ما سنأكل ليستأنف بعدها الكلام، فهذه المرة عليه الدور وإجابة تساؤلي: كيف ينجح اللوبي اليهودي بضغوطه و"نحن" عاجزون عن إفشاله في أبسط المهام حتى في لندن التي كانت ولم تزل عاصمة العرب الأثيرة وموعدهم مع الفجر البسام وحلبتهم للرقص مع العبث ومع لينات الملامس.

في صباح اليوم التالي أُخبرت أن الفندق الثاني تراجع عن موافقته على عرض الفيلم وإقامة الندوة  في إحدى قاعاته، خاضعًا، بدوره، لضغوطات "اللوبي الصهيوني" وبدعم، هذه المرة، من عناصر رسمية في الشرطة وبلدية لندن. في البداية انتشر الغضب بين المنظمين والحيرة ، لكنهم لم ييأسوا، بل، كما تبين لاحقًا، زادتهم هذه المطاردة إصرارًا وعزمًا، فباشروا بتوجيه الجمهور إلى مركز "البيت الفلسطيني" البعيد نسبيًا، وهناك تم عرض الفيلم وأقيمت الندوة بنجاح، رغم ما سبقها من تداعيات وإلغاءات وعراقيل، وهذا ما دفعهم إلى أعادة العرض والمحاضرة مرة ثانية في مقر الغرفة التجارية العربية البريطانية وبنجاح لا يقل عن سابقتها.

في الليل اجتمعنا، فلسطينيون قادمون من وطن معرض في كل لحظة للإنفجار أو ربما لتيهان جديد في دروب الغيب والسراب، ومنفيون يعيشون هناك على حافة العتمة بلا دلال ولا ترف ولا حتى راحة عادية، فالمنفى مكلف بالبؤس والركض وراء " الخبز الحافي"، ومهاجرون صارت لبعضهم لندن فضاءً يحميهم وبيتًا يأوي أحلامهم التي ما زالت تؤثث لياليهم بذوق فلسطيني رفيع وبنكهة البرتقال وطعم الزيت والزعتر.

سألوني عن الأسرى وإضرابهم وعن القدس وأسوارها وعن غزة ورام الله وعن الأمس والغد والذي بعده. أجبتهم بما أعرف ولم أخفِ ما يوجعني ويقلقني، لأنه، في الواقع، يوجعهم ويقلقهم؛ فعندهم ما عندنا من "فتح " وأفخاذها وحمائلها وبطونها، وعندهم "حماس" التي لا تشارك حتى وهي في المنفى في ندوة عن الأسرى، وعندهم أتباع "دحلان"  الذين يقاطعون نشاطًا عن نضالات الحركة الأسيرة  لأنه من تنظيم  "فتح أبو مازن" ، وعندهم فتحاويون يحسدون "مروان" على سجنه ويخشون من "نجوميته" واضرابه.

 هكذا في لندن وفي جميع أنحاء الشتات الفلسطيني، فهم فلسطينيون مثلنا، وإن كان هنا الصوت فهناك الصدى، وكل ما نجده هناك أوجدناه في البدء هنا: فمعظم الأسرى لم ينضموا  للإضراب لأنهم  أبناء في السجون لأباء طلقاء، وولاءاتهم دومًا لما تخطه  العصي في شوارع الوطن وميادينه وما يمليه الدم وتوثقه العرى، فقبائل "الحماس" لن تسير وراء قبائل "الفتح" ولن ترجو نصرها حتى لو كان على سجان يقمعهم ويقمع جميع الفلسطينيين معهم، وبعض بطون قبيلة "الفتح" لم تشارك في الإضراب لأنها ترفض أن تكون عونًا لفخذ "البرغوثي" وحلفائه من أل يونس وحميد وعويس وغيرهم، وبعيدًا عن السجون نرى في غزة إمارة وفي رام الله سلطة ولا يجمع بينهما سوى ضرائب الكلام وما تخبئه خوابي السياسة والدواهي .فكيف لا ينجح اللوبي الصهيوني بملاحقة عرض فيلم وندوة وحفلة ورقصة وعرس ومأتم في لندن والقدس وبرلين وأوتوا؟

ينجحون لأنهم كلٌ في واحد، وفي كل واحد كل، فالصهيوني في العالم يشعر بأن واجبه القومي يحتم عليه الوقوف في وجه أي نشاط فلسطيني، صغيرًا كان أم كبيرًا، وهو يقوم بدوره بلا علاقة لانتمائه السياسي الحزبي أو الحركي الفئوي الضيق؛ فما نسميه " باللوبي الصهيوني" هو في الواقع عبارة عن جسم متخيّل أو شخصية غازية "هيليومية" منتشرة هنا وهناك، أو كائن له آلاف الأذرع "الهيولية" التي لا ترى ولا تحس حتى تضرب وتخنق وتنسل على مهل.

بالمقابل سنجد في الجالية الواحدة لوبيات فلسطينية ولوبيات عربية وكلها تحارب كلها وتتناكف حتى يتحول مجرد عرض فيلم ومحاضرة إلى مهمة أصعب من رفع صخرة الحق على مسرح يصير عمليًا أعلى من جبل الجرمق.

لقد حللت قبل أربعة أعوام، في ذكرى يوم التضامن مع الأسير الفلسطيني، ضيفًا على الجالية الفلسطينية، وحينها شعرت أن لندن كلها صارت جالية، أما هذه المرة فوجدت الجالية جاليات ولندن تبتعد عنها وتتغير؛ فعدت إلى الوطن حزينًا، لكنني لم أخبر الأسرى عن مئات سيارات الأشقاء العرب وهي تملأ أرصفة الشوارع وواجهات الفنادق الفارهة، سيارات من صنع الجن وخياله تجوب بعنجهية وتكبّر مستفزين، وأصحابها يتكدسون في الغرف الوتيرة ويمارسون رياضات الضياع، ولن أخبرهم عن عذابات جالية صغيرة وصراعاتها، فللحقيقة، يحاول بعض بناتها وأبنائها أن يبقوا الشعلة مضاءةً وصوت الوجع الفلسطيني رنانًا في أرجاء مدينة تتصرف كأنثى في خمسينها.

لقد نجحوا بعرض فيلم "مروان" مرتين ومرتين جعلوا صوت الحرية الفلسطينية يصدح وذلك بعكس ما تمنته أنوف كثيرة، فصنعوا في لندن فرحًا فلسطينيًا صغيرًا.

ألم تكن أفراحنا في فلسطين دومًا صغيرة؟

 

 

 

 

ملاحظات أولية على

 

إضراب أسرى الحرية

 

جواد بولس

 

بعد مضي بضعة أيام على إضراب الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي نستطيع رصد مجموعة من الملاحظات الأوّلية والتي سيكون لوجهة تطورها تأثير بالغ الأهمية على مجريات هذه الخطوة ومآلاتها المرتقبة، فلقد قلنا إن النجاح بإعلان الإضراب والقدرة على الشروع فيه، في الوقت الذي حدد له، يعتبران إنجازًا هامًا ذا دلالات على واقع جديد/ قديم قد تكرسه الحركة الأسيرة الفلسطينية مستعيدةً من خلاله دورها الكفاحي ومكانتها التاريخية الخاصة ليس فقط على المستوى الوطني المعنوي، بل بكونها محركًا منتجًا لطاقة ذات " طعم" خاص رفدت من مواقعها نضال الشعب الفلسطيني، وبمكانتها الأثيرة دعمت، طيلة عقود خلت، ما يقدمه الطلقاء في ساحات صمودهم ومقاومتهم للاحتلال، وشكلت، كذلك، سدّا منيعًا أفشل جميع محاولات الاحتلال التي استهدفت تفتيت أواصر هذه الحركة والإعلان عن هزيمتها بطريقة كانت ستثبت للإسرائيليين وللعالم أن سلاسل السجن وعتمته أقوى من إرادة المقاومين ورموزههم القابعين وراء القضبان، على كل ما يعنيه هذا الإعلان في حياة شعب يمر في مرحلة تحرره الوطنية ومحاولاته للتخلص من نير الاحتلال.  

لقد راهن بعض "المتخصصين" الإسرائيلين في شؤون الحركة الأسيرة على ما بذلوه طيلة سنوات  بدأب مميز، وعلى الأسافين التي زرعوها بين مجموعات الأسرى وما حصدوه من نتائج ملموسة أرضت غرورهم  وأوهمتهم بطمأنينة  أوصلت بعضهم، على ما يبدو، إلى قناعة وإيمان بأن دعوة الأسرى للشروع بإضراب مفتوح عن الطعام لن تلقى تجاوبًا، وحتمًا ستفشل  في مهدها وقبل أن تنطلق إلى الفضاء، وعندما واجه  هؤلاء "الخبراء" حقيقة شروع المئات في الإضراب بمشاركة قيادات تاريخية بارزة ووازنة في الحركة الأسيرة، أصابتهم الصدمة فجاءت ردود فعلهم جنونية وانعكست باتخاذهم عدة خطوات قمعية فورية وقاسية تستهدف كسر شوكة المضربين وترويع باقي الأسرى لثنيهم عن فكرة الالتحاق بزملائهم كما يتوقع الكثيرون.

فمباشرة بعد إعلان الأسرى عن خطوتهم قامت مصلحة سجون الاحتلال بسحب عشرات المضربين من مواقعهم وتوزيعهم على عدة سجون، ووضعت بعضهم في  زنازين عزل، ومنعتهم من لقاء محاميهم بشكل يخرق كل القواعد المتبعة وأنظمة السجون نفسها، هذا علاوة على إخراج المئات من غرفهم وإفراغها من جميع المحتويات وإعادة الأسير اليها وهو بثيابه فقط وبغطاء لن يقيه برد الليالي وقساوتها.

 في التوازي مع هذه الحملة انبرى وزراء في حكومة نتنياهو وبقيادته إلى إطلاق حملة  تحريض سافرة ضد المضربين صاحبها زخم إعلامي مكثف تعمّد مشيعوه بث الدعايات المسيئة ونشر التهم الجارحة، فتارة ادّعوا أن مروان البرغوثي دفع بهذه المبادرة لأغراض ذاتية وخدمة لمصالحه السياسية الخاصة، وأحيانًا نشروا ما مفاده أن وراء الخطوة تقف محركات "دحلانية" مغرضة، كما وحاولوا بثبات تشويه عناوين الإضراب وحرفه عن سكته المعلنه ودمغه بأختام سياسية فصائلية هجينة مسخرين واقع عدم انضواء أكثرية الأسرى تحت خيمة المضربين كشاهد على حقيقة ما يدعونه.

وإلى جميع ذلك نجد أن الإعلام الإسرائيلي تصرف وفق طبيعته العنصرية المتجذرة، فباستثناء بعض الأصوات والأقلام القليلة تجند معظم الصحفيين فكتبوا وهيئوا رأيًا عامًا معارضًا بإجماع كامل ضد الإضراب وأجهضوا أية امكانية لتضامن كان في الماضي عسيرًا، فصار منذ اكتمال توحش المجتمع الاسرائيلي مستحيلا.  

بالمقابل استقبلت الأوساط الفلسطينية نبأ الشروع بالإضراب بحفاوة تفاوتت وتائرها بين حماس متدفق وبين تضامن "مزنّر" بحذر، فلقد شهدت الشوارع الفلسطينية والساحات في اليوم الأول مظاهر دعم جماهيري  مقبول كاد أن يتحول إلى بشارة بالمطر الشعبي المبارك القادم لولا انحسار مشاهده وغيابها الشبه كلي في الأيام التي تلت، ففلسطين تعيش في هذه الأيام متاعبها وهواجسها وحياتها من غير أن يصبح الاضراب جزءًا من "اليومي" المعاش فيها أو محرّكًا حقيقيًا لمواجعها، ولذلك من الصعب تجاهل حقيقة انعكاس الحالة الفلسطينية المشوشة العامة على "روح الإضراب" ونبضه. وقبل هذا وللتأكيد  نعود وننوه إلى الضعف الذي أصاب الحركة الأسيرة نفسها، وكذلك إلى ما يعتمل من مخاضات حبيسة في ساحات الوطن ودهاليزه، خاصة بعدما تحول الخلاف بين حركتي "فتح" و"حماسإلى شرخ عضوي أصاب الجسد الفلسطيني في الصميم، وأثر على الجماهير العريضة بشكل عمودي وأفقي وخلق حالة من " الشلل الوطني المقنع"، بينما تبقى، من ناحية أخرى، الخلافات الفتحاوية الداخلية عاملًا مقيّدًا يمنع  انفلات حالة نضالية مهيبة، وذلك مهما حاولت حناجر الفتحاويين، على اختلاف نبراتها ومواقعهم، تجميل المواقف وتسويق مشاعر الدعم والتضامن مع المضربين، ففي حسابات الربح والخسارة  لدى كثيرين من قيادات جميع الفصائل والحركات الفلسطينية التي أعلنت تأيدها للاضراب، لم يعد ربح " جيب وطني " لمعركة ضد المحتل بمثابة ربح للقضية والوطن، لأن مشروع التحرر الوطني أخضع، للأسف، منذ سنوات، لقوانين أسواق عديدة ومنها التساوق الفصائلي ولحساباتهم " الجارية المدينة" .

إنها مشاهدات أولية قد تطرأ عليها تعديلات كثيرة، وأهمها يتعلق بموقف الأسرى المضربين أنفسهم ومن ثم بموقف من تخلف منهم، فإصرار جميع المضربين على المضي في طريقهم، وهذا ما أعلنوه مرارًا، يعد ضمانة هامة لتحقيق مطالبهم أو جزء منها، ثم يأتي موقف باقي الأسرى وبعضهم أوصل رسائل علنية عبروا فيها عن استعدادهم للالتحاق في مسيرة الإضراب لا سيما إذا ما تنكرت مصلحة السجون لرفاقهم ولما قد يصيبهم من أذى.

أما الساحة الفلسطينية فستبقى بمثابة ،"الظهر" الأقوى للحركة الأسيرة، وعلى دعمها يقع الرهان ويعقد الأمل، لكن المشوار ما زال في بداياته والأسرى يناضلون في أجواء شعبية ملتبسة وفي مرحلة سياسية تفيض بالمجاهيل وبوفرة من الاحتمالات،  فإما أن يتحول  التردد الفصائلي والمؤسساتي والشعبي الواضح إلى مواقف دعم ناجزة تصرف فيها إعلانات التضامن  المنصاتية إلى نشاطات إسنادية كفاحية فعلية، وإما أن نبقى شهودًا في أعراس الخطابة في حين يترك الأسرى وحيدين في هذه المعركة يواجهون بواباتها المشرعة لكل جهات الريح.

من الواضح أن الانتقال إلى مرحلة الدعم الشعبي الحقيقي لإضراب الأسرى من شأنه أن يتحول إلى مفاعيل ضغط ومولدات طاقة قادرة، من جهة، على إمداد الأسرى بما يحتاجونه من جرعات أمل وإرادة وإصرار، ومن جهة أخرى،  قادرة على توصيل رسالة واضحة لإسرائيل ولجميع أنحاء العالم، ومفادها: كلنا في فلسطين أسرى ونضالنا من أجل الحرية يبقى الحلم والأمل وعهدنا والقسم  وقاسم الشعب المشترك.

لقد مرت أيام معدودة وما زال وقع الارتجاجات التي ولدها إعلان  الإضراب باديًا بوضوح ومتداعيًا على سطح المياه الراكدة في سهول فلسطين ووهادها، فعلى الرغم من شراسة الهجمة الإسرائيلية لم ينجح مروجو الشائعات والتهم بثني المئات من الانضمام للإضراب  ولا بتعطيل ما نشهده من مبادرات إسناد جماهيرية في محافظات الوطن،  كما ولم  ينجحوا بتثبيت افتراءاتهم وتحويلها الى شعارات رائجة في الفضاءات الفلسطينية، مع ذلك قد يكون أحد أسباب تلكؤ المد الشعبي الفلسطيني هو إصابة بعض محركات التجنيد المتمرسة وصاحبة الخبرات بفيروسات الدعاية الإسرائيلية خاصة ونحن نعرف أن لدى بعض تلك القوى الوطنية والإسلامية  استعدادًا صار أقرب " للفطرييؤدي بصاحبه إلى تصديق ما يقال ضد بعض قيادات الإضراب وبث ما يصدقونه على موجات يسمعها ويتأثر بها من يتبعهم من الجنود والمستفيدين ،  وثمة آخرون مصابون بعوارض مرض "متلازمة الأرائك " وهو مرض يسبب الخدر ويدفع المصابين به للابتعاد عن الساحات العامة وغبار الحارات واللجوء، في أقسى حالات الطوارئ، إلى الإجادة في فقه التعازي والإنابة  والخطابة.

إنها ملاحظات أولية، فمن الصعب التكهن متى وكيف سينتهي الإضراب،  لكننا نعرف، من التجربة وحكمة الفشل، أن نجاح المضربين وصمودهم رغم الضغوطات والمصاعب هو أول الشروط لربح الرهان،ويليه نجاح تلك الحلقات الضيقة التي تقود عمليات إسنادهم  في الخارج بإقناع أحرار العالم والجميع في فلسطين كلها، بأن الاضراب هو في صالح جميع الأسرى، وبأن ريعه سيبقى رصيدًا في حساب من يسكنون السجون في هذه الأيام ومن سيسكنونها  مستقبلًا، وهو كذلك خطوة متقدمة في إحياء ثقافة النضال ضد الاحتلال وهو أول الغيث الذي قد يعيد للنهر هديره وصفاءه بعد سنين من المحل والجفاف.

من لا يشعر بمدى الارتباك الإسرائيلي ونوبات الجنون التي أصابت بعض السياسيين ومن كانوا قريبين من حياة الأسرى وحاولوا إعادة هندستها وتدجينها ، لن  يستطيع تقدير معنى فشل الإضراب ووقع الخسارة وتأثيرها على مجمل مسيرة التحرر الوطني المصابة اصلًا بالعرج، ففي إسرائيل يراهنون كثيرًا على  ما يجيده  الاخوة الأعداء من إيذاء بعضهم بعضًا، وعلى قناعتهم، الناتجة عن عنجهية وسكر، بأن الفلسطينيين، وبعد خمسين عام  أدمنوا الاحتلال واستكانوا لتراتيله، وتوقفوا عن كونهم شعبًا وتحوّلهم إلى فرق وملل وفصائل بعضها أصيب "بمتلازمة الأرائك" وآخرى تتمنى ملمس تلك الأرائك وحشوها الناعم.

لقد صدّقوا وهمهم الأكبر واقتنعوا أن النمور في فلسطين صارت مواعز،  حتى أتاهم صوت فلسطين الحر من خلف الضباب فشقّ العتمة وقضّمضاجعهم وخلط أوراقهم، فأفاقوا على زئير حسبوه منقرضًا وزائلًا ،فهل، يا ترى، ستسمع فلسطين صرخة الوجع ونداء أبنائها؟ هل ستصغي إلى صهيل الحرية وهي تنشد:

إما الآن  الآن، وإما هذا الليل ليس بزائل!  

 

 

فتشوا عنه تجدوه

 

جواد بولس

 

لم تكن كتابة هذه الشهادة مهمة سهلةً علي، فاختزال تاريخ أكثر من أربعة عقود، تشابكَ فيه الشخصي والسياسي والمهني، بمقالة واحدة هو أقرب للعقاب أو أشبه بانتزاعك وعصرك لقطعة صغيرة من ذاكرتك الطافحة والمستفزَة بعد رحيل واحد من رفاق الدرب الذي كان دومًا قريبًا منك ولك حتى وهو "هناك" وليس "هنا" لأنه الصديق الحاضر كالترس يذود عن ظهرك إذا ما حاول النمّام، في ليلة ظلماء، خدشه، وكالرمح يفلق كبد كل ضيم إذا ما استغابك الخسيس وتطاول قزم من أقزام الوحل والزمن الرديء.

عرفت تيسير العاروري منذ منتصف السبعينيات، وقد جئت إلى قدس العرب لأتعلّم في كلية الحقوق في الجامعة العبرية، ولاهثًا وراء حلمي بأن أصير محاميًا يكذّب "ناي جبران"، فالعدل في الأرض، هكذا آمنت، تنقصه عزائم الرجال وألسنة الذرباء الذين لا يخشون ظالمًا، ولا يتملقون الجيوب والعصا على أعتاب حاكم مستبد

فلسطين التي أنجبت، في تلك الأعوام، تيسيرًا ورفاقه كانت محتلةً، لكنها كانت علمًا خفّاقًا يلتف به الأحرار في العالم، عشقًا وزهوًا وافتخارا، وكانت هاجسًا يقض مضاجع القادة وجميع الناس، وقضيةً شاغلةً بال كل الدنيا ومالئة دهاليزها بالوجع وبيادرها بالجنى وميادينها بالمطارق والمناجل والقصائد والنار

هكذا أتذكر فلسطين في تلك السنين، فيّاضة بالمنى وندافةً بالوعود والأمل. أرضًا عافت المحتل وشعبًا أقسم على تحريرها، وفصائل بألوان شتى وقد اختلفت على الكيف ولم تتقاتل على الكيلة والميزان والحشف.

كان تيسير محاضرًا للفيزياء في جامعة بير- زيت، لكننا، كناشطين في لجان الطلاب العرب، عرفناه أكثر قائدًا فلسطينيًا وناشطًا  بارزًا في الحزب الشيوعي الفلسطيني، ومناضلاً ميدانيًا عنيدًا ذاع اسمه بين من تقدموا الساحات والمنصات، وكذلك صاحب قلم أثرى في علمه الفضاء، فعاش حالة "المثقف العضوي" بتكامل واضح، إذ أنه لم يفصل بين النظرية وتجربته النضالية كما كان يمارسها في الحياة، في الحارات التي أحب أهلها البسطاء، وفي مواقع اتخاذ القرارات حتى دفع ثمنها سجنًا وحرماًنا وإبعادًا، فيما بعد، إلى خارج الوطن.

كنت ناشطًا في "جبهة الطلاب العرب " وهي واحدة من حركتين سياسيتين- الثانية كانت حركة أبناء البلد- قادتا نشاطات الحركة الطلابية في الجامعات في حقبة ذهبية من حياة نضال الجماهير العربية في إسرائيل، حتى تراخت أواصرها منذ منتصف التسعينيات، بالتقريب، وذلك نتيجة لما أصاب الحالة السياسية العامة من وهن وتراجع.

من موقعي في الجبهة الطلابية إلتقيت كثيرين من قادة الجبهة الوطنية الفلسطينية التي كانت تقود العمل الكفاحي في الأراضي المحتلة، بتواز وتكامل مع منظمة التحرير الفلسطينية. وقد قمت لاحقًا بتوطيد هذه العلاقات من خلال عملي متدربًا في مكتب المحامية اليهودية الشيوعية فيليتسيا لانجر، خاصة بعد أن تحول مكتبها في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات إلى عنوان للدفاع عن كل مناضل فلسطيني طالته يد المحتل، وكذلك إلى ما يشبه المقر ومكان الملتقى لأكثرية القياديين الوطنيين في ذلك الزمن. في مكتبها تعرفت جيّدًا إلى من أصبحوا فيما بعد أصدقاء لي في مسيرة طويلة، وصرت لاحقًا محاميًا لمعظمهم وبضمنهم كان الراحل تيسير العاروري، الذي تميّز باعتماده العقل بوصلة في نقاشاته المبدئية وبهدوئه الرزين وثقافته الواسعة.  

في ١٩٨٨/٨/٨ قامت سلطات الاحتلال باعتقال عشرات القياديين الفلسطينيين من جميع الفصائل الوطنية، وقد تبين فيما بعد أن  قائد الجيش الاسرائيلي كان ينوي نفيهم.

اعتقل تيسير من الشارع في مدينة رام الله ونقل مباشرة إلى سجن "الظاهرية" العسكري، ومنه بعد ثلاثة أيام نقل إلى سجن رام الله العسكري، وبعده إلى سجن "جنيد"، حيث أبلغوه، رسميًا، بوجود قرار صادر عن قائد المنطقة الوسطى،الجنرال عمرام متسناع، يقضي بإبعاده، أسوة بستة وعشرين مواطنًا فلسطينيًا آخر تم اعتقالهم كي يتم إبعادهم مثله بعد استنفاد الإجراءات "القانونية" بحقهم

أعطي السجن اسمه لقربه من بلدة الظاهرية القريبة من مدينة الخليل، وهو عبارة عن مركز توقيف قديم عرف بمواصفاته الصعبة وببيئته التي لا تناسب حياة الآدميين. استعمله جيش الاحتلال الإسرائيلي مركزًا للاعتقال والتحقيق مع آلاف من الأسرى الفلسطينيين، حيث روى كثيرون منهم قصصًا عن تعذيبهم وما عانوه من أهوال في غرفه البائسة

في العاشر من آب، أي بعد مضي يومين على اعتقال تيسير وصلت سجن الظاهرية لأزوره. كنا ننتظر على بوابة حديدية صغيرة، ونقوم بالصراخ كي يسمعنا الجنود. كان المدخل يوحي كأنك تدخل إلى حاكورة مهجورة من حواكير البلد، فكل شيء بدائي ومعالم الحضارة معدومة. رافقني جندي، تصرف بعدائية تلائم رائحة المكان، وأدخلني إلى قرنة منزوية، لم أنتظر طويلًا فقبل أن أتعود على الفوضى المنتشرة في كل الجهات، سمعت صوت "موسيقى الأصفاد" تقترب، فرفعت عيني، وكان يقف قريبًا مني مبتسمًا مع بوادر انزعاج تظهر وسط جبينه، شعره أشعث لم يحظ برعاية مشط، وعيناه تلمعان وفيهما كثير من الحديث والغضب.

تعانقنا، وروى لي كيف أوقفوا سيارته في وسط شارع في رام الله وأمروه بمرافقتهم، وأضاف تفاصيل عن تحقيق يجريه معه ضابط مخابرات يسمي نفسه "أبو النمر". لقد اشتكى من كثرة الافتراءات والكذب عليه.

تركته في الظاهرية وعدت كي أطمئن عائلته، واتفقنا على أن أتابع قضيته. لقد كان واضحًا لكلينا أنه في حالة صدور أمر إبعاد بحقه فيجب أن تكون مواجهته الرئيسية سياسية، فنفي إنسان من وطنه وانتزاعه من حضن عائلته هو قرار سياسي تعسفي غير انساني. مع هذا اتفقنا أن نستغل ما يتيحه ذلك "القانونكأداة من الجائز أن "نعزف" عليها لإثارة الضجة ونقل تداعيات القضية  للعالم علهم يعلمون ويفقهون

بعد مداولات ونقاشات طويلة قرر تيسير أن يعدّ مرافعة تفصيلية يواجه فيها أعضاء لجنة الاعتراضات العسكرية

وفعلًا قام بكتابة وثيقة نظمها كما يليق بسياسي حذق وبعالم فيزيائي أن يفعل. رد فيها على ما أسماه المدعي العسكري بالتهم الموجهة اليه، وكانت هي في الواقع أقرب لكونها افتراءات، فدحضها تيسير بالمنطق والبيّنة وبالفكر النير السليم.

لكنه وهو القائد السياسي كان يعي معنى اللحظة فأصر أن يشرح للجنة العسكرية عن أسباب اختياره بتقديم مرافعة أمامهم وهو يعرف بيقين أن قرار إبعاده هو قرار سياسي محض، فقال لهم: "ولكن وبعد أن استمعت للتهم العلنية والحجج التي تقدّم بها الادعاء العام، ساءلت نفسي: إذا كان في الشق العلني، الذي يستمع له المحامون واللجنة والمتهم (أنا) وبقية الحضور، يستطيع الادعاء العام أن يقدم كل هذه المغالطات والأكاذيب والتفاهات في محاولة سخيفة وبائسة ليضفي على عملية الإبعاد بعدًا قانونيًا، وأن لها ما يوجبها من الأسباب "الأمنيةفكيف سيكون بالتالي شكل ومحتوى المادة السرية وهناك لا رقيب ولا حسيب على الصدق والكذب".

أنهى المقدمة وبعدها ألقى على مسامع اللجنة مرافعة حصيفة فند من خلالها جميع أكاذيبهم. فعل ذلك بصوت مليء بثقة صاحب الحق، وبهامة مناضل فلسطيني كريم الأصل لم يتعود على تصعير الخد ولا على الطأطأة، وبلسان شيوعي مجرب لا يعرف التأتاة.

ما زلت أذكر كيف كان هو الإنسان الحر الذي تكلم بفرح السواسن والمناضل النقي الذي ضوّع صدقه عطرًا كنراجس عيبال؛ لقد صرخ وأصغت له ثلة من عساكر مدججة برائحة البارود وبالعنجهية؛ أذكره وهو يندفع أمامهم كالعاصفة وهي تكنس زيف التاريخ، وكالموج يمسح عن عتبات الزمن الأغبر نثار الخسائر فهو "التيسير" الذي آمن منذ كان "خشفًا" يلعب بسعادة وشقاوة في أزقة قريته الصغيرة الوادعة برهام أن "الهزائم ليست قدرًا" وأن النصر يجب أن يكون في النهاية للإنسان وليس لأعداء الإنسانية.

لقد واجه اللجنة  جازمًا أن قرار نفيه موصوم بثلاثة عيوبفكيف يمكن تبرير اقتلاع إنسان من وطنه ومن بين عائلته وأسرته الكبيرة؟ إنها جريمة أخلاقية صارخة لا يمكن  تسويغها بأي مسوّغ. وهي كذلك مخالفة قانونية تحظرها كل القوانين والمواثيق الدولية والسماوية وهي لذلك جريمة بعرف الأمم والسماء. وأما سياسيًا فهي حماقة كبرى ومغامرة، فإذا كان المحتل يعتقد أنه عن طريق إبعاد قادة من شعب يرزح تحت الاحتلال سيضمن بَعدهم  فراغًا سياسيًا وضياعًا، فهذا الظن خائب وواهم لأن التاريخ علم أن للحرية عزيمة لا تنضب وأن الاستبداد زائل.

لقد تم إبعاد تيسير، كما توقعنا، في أواخر آب سنة ١٩٨٩. فقضى في المنفى بضع سنوات استغلها في الكفاح ضد الاحتلال وفي إثراء مداركه العلمية والثقافية وبتقديم مزيد من الكتابة الفكرية. عاد مع آخرين إلى الوطن بعد أوسلو ليستمر، من مواقعه الجديدة القديمة، في مسيرة عطائه التي لم تتوقف حتى آخر يوم في حياته .   

لم يساوم تيسير في قناعاته، فكان يقينه الثابت أن الاحتلال هو عدو الشعب الفلسطيني الأول وهو إلى حد بعيد عدو الإسرائيليين أنفسهم. كانت مواقفه السياسية واضحة فبوصلته الفكرية وتجربته أوصلتاه، في معظم الأحيان، لاختيار الطريق الصحيح، وحبه للناس هداه دائمًا لأن يكون مع "المعذبين في الأرض" والبسطاء.

لقد عرفت تيسيرًا ورفاقه يوم كان الصبح في فلسطين نمّامًا وليلها عند المناضلين ستّارًا، فكنا إذا اجتمعنا صحبةً نتقاسم "كأهل الهوى" كسرة الخبز ورقصة الفجر ونحلم بمن سبقونا وسقوا الفولاذ كي "نعبر الجسر خفافًا"، وتصادقت مع تيسير حين كانت في سماء فلسطين سماء واحدة زرقاء صافية بعيدة، وفي الأرض نضال ووجع وبهجة وحب، الذي كان لونه كلون الحرية أحمر  .

كان تيسير الذي عرفته بسيطًا كزر فل أبيض في حوض أمه، دافئًا كدمعة زنبقة كسيرة عند المغيب، عنيدًا كموجة لا تنكسر ومتصالحًا كفرس تتهادى عند منحنى؛ عاش ك"سابق لعصره" وكعاشق لقضيته دنف أتعبته الأيام وخذلته الوعود فرحل قبل انبلاج الصبح، الذي ما زال غافيًا في حضن نجمة تنتظر همم رفاقه والفرسان وغناء القمر

أأقول لكم: لقد رحل قبل الأوان! وهل يرحل المناضلون العاشقون في الأوان؟

حكاية تيسير بسيطة، سنسمعها كلما اجتمعنا بصحبة "بنات الكرمة" وإن طال السهر، واذاما تنفست وردة وطربت غيمة ورقص حسون وعانق الغبار الشجر، سنسمعه يقول لجميعنا: أنا يا رفاقي لم أمت. ستجدونني كلما رف في ساحات الوطن علم، وكلما زغرد في قبضة حر قلم وحجر، وفي كل صرخة طفل يولد، وستجدونني، يا أصدقائي، في الأغاني والمراثي وفي احتدام القوافي وعند سقوط المطر. أنا لم أمت يا أحبتي فسيروا على الدرب تجدوني، فكل من سار عليها وصل

سلام عليك يا رفيقي يوم أحببت ويوم تعبت وسلام عليك يوم انتصرت.

 

 

 

إضراب الحرية في نيسان

 

جواد بولس

في السابع عشر من نيسان الجاري سيشرع مئات من أسرى الحرية الفلسطينيين بإضراب مفتوح عن الطعام، وهي خطوة قد تتحول إلى علامة فارقة في مسيرة الحركة الأسيرة، وذلك بعد سنوات شهد فيها العالم على انقسامات فيها وترهلها، وفي بعض جيوبها استوطن "النعاس"، وغُلّبت مصالح ضيقة لبعض أفرادها وفئاتهم، فاستأثروا برغد موهوم ومزيف سهّله عامدًا سجانهم الإسرائيلي الذي صار أقوى، وأخذت سهامه تتغلغل عميقًا في الجسد حتى كادت تصيب القلب منه والكبد!

لا يستطيع أحد أن يتكهن كيف وإلى أين سيمضي هذا الكفاح، فـ"للمجهولقوانين لا يتوقعها حتى العتاة وأسياد العتمة، وللمواجهات أشرعة لا تطالها شمس ولا يكشفها سهر، والرياح، حين تغضب، هكذا لقنتنا الطبيعة وعلّمنا الوجع، تكره الجدران وتهوى الرحيل إلى البعيد البعيد، حينها تقلع بمهارة حتى تمس شغاف السماء، ولا تستكين إلا بعد أن يُداوى القهر، وتهدأ نيران، ويرتفع الجبين، ويضحك القمر .

ربما لم يصدق الإسرائيليون نداء مروان البرغوثي الأول والذي أعلن فيه قبل أشهر أن في السابع عشر من نيسان القادم، وهو ذكرى يوم التضامن مع الأسير الفلسطيني، سيكون اليوم الأول لإضراب مفتوح عن الطعام ينفذه الأسرى في سجون الاحتلال، أو ربما عملت أذرع الأمن الإسرائيلية، طيلة هذه المدة، من أجل إجهاض الفكرة وإفشالها، فهم لم يعدموا الوسائل التي سخروها لهذه الغاية والهدف، ومعهم من الركائز المحلية "سدد ملآنة " تدعم مساعيهم، لكننا، وقد وصلنا إلى نهاية رصيف المجازفة  والرهان،  نرى بوضوح أن ما بذلوه لم ينجح، فنحن قاب يومين وصيحة من حناجر الأسرى تهدهد في سماء الوطن وتعلن:

" إننا قررنا خوض معركة الأمعاء الخاوية حفاظًا على كرامتنا، ومن أجل حقوقنا الإنسانية البسيطة، ولذا نهيب بكم للتعبير عن كل معاني التضامن ومساندة الإضراب التاريخي الذي ستقوده الحركة الأسيرة بكل فصائلها ودون استثناء وبقيادة موحدة لأول مرة منذ ١٥ عامًا.. "

لقد قلنا في الماضي إن المحتل لن يسجل في معاركه نصرًا منجزًا إلا إذا نجح، أولًا بإطفاء جذوة الأمل واقتلاعها من صدور ضحاياه، وإذا أحكم، ثانيًا، سلطانه على فضاءاتهم ونيرَه على رقابهم بحيث تفقد هذه الضحايا جميع هوامش المناورة وقدرتها على التسبب بمفاجأة جلادها؛ إنها حكمة الشعوب التي خاضت معارك التحرر وخلاصات تجارب حركاتها الأسيرة التي شابهت في ظروف كفاحاتها ما واجهته وتواجهه الحركة الأسيرة الفلسطينية، فإذا ما تقبلنا هذه المقاربات ووازينا بينها، سنعي، عندها، معنى خطوة الأسرى وأهمية قرارهم وتبعات نجاحه أو فشله.

فالإضراب المعلن يندرج، وفقًا للتعريفات المقبولة، كإضراب مطلبي، والوثيقة التي أعدتها قيادات وكوادر الأسرى حددت رزمة من المطالب التي على إدارة مصلحة سجون الاحتلال تنفيذها ولو بشكل جزئي، خاصة في ثلاثة موضوعات رئيسية: حق الأسرى في التواصل مع عائلاتهم ومطالبتهم، لأجل هذا الغرض، بتركيب هواتف عمومية في جميع السجون ووضعها تحت تصرفهم، واستعادة العائلات حقها المكتسب بزيارة أبنائها مرتين في الشهر الواحد كما كان متبعًا قبل المس بهذا الحق وإيقافه على زيارة واحدة، والتوقف عن إساءة معاملة عائلات الأسرى عند مرورها على الحواجز العسكرية وخلال تتميم إجراءات التفتيش عند دخولهم إلى السجون .

من الواضح أن الأسرى سيخوضون معركتهم في ظروف عالمية ومحلية صعبة للغاية، ففي كثير من الدول الغربية تتنامى مشاعر القلق والخوف وتواجه مجتمعاتها قلاقل خطيرة تفقد مواطنيها نعمة الاستقرار والشعور بالأمن والرخاء، بينما تعيش معظم الدول العربية حالات من الاقتتالات الدموية وبعض هذه الدول تحول إلى مسوخ وأشباه   كيانات، وفي دول العالم الإسلامي يعلو الرطن والأنين من وطاة الانقسامات المذهبية وانشطار الولاءات والاصطفافات في أحلاف هجينة عجيبة وغريبة في مشهد يذكرنا بعهود "الملل والنحل" وحروبات ملوك " الطوائف"؛ لجميع ذلك وقبله يجب أن نضيف ما تعانيه الحالة الفلسطينية من أزمات وما تواجهه من ضغوط وحصار .في هذه المناخات ستكون مسيرة المضربين شائكة ومضنية وأعقد؛

فالاحتلال الإسرائيلي صار أكثر توحشًا وممارساته الاقتلاعية تعرّت وعرّت سياسةٓ من يحكم وسيحكم إسرائيل الكبرى في السنوات المقبلة، تيّارات تمزج بين يمينية موغلة بعنصريتها وبين عقيدة دينية سافرة عن نواياها وهرولتها وراء تعاليم "ربانية" وفقها  كان ولم يزل الهيكل هو أقصى المنى.

في الواقع لقد نجحت الحركة الأسيرة الفلسطينية خلال عقود عمرها الأولى ببناء كيانها الوطني المميّز، ففي حين انتمت جميع كوادرها إلى فصائل العمل الكفاحي الفلسطيني، حافظت، عمليًا، قياداتها المتعاقبة على استقلالية بارزة زودتها بكل عناصر البقاء والقوة في وجه تأثيرات تفتيتية فلسطينية، وفي وجه، وهذا الأهم، قمع السجان ومكائد السياسة الإسرائيلية، التي شعر القائمون عليها أن الأسرى، بما طوروه من قيم نضالية وكوابح أخلاقية، شكلوا حركة تحوّلت إلى محمية وطنية حصينة، وحافظوا على إشعاعها ونورها خاصة في زمن الأزمات التي مر بها الواقع الفلسطيني، وتعمل ككاسر أمواج يمنع الارتطام مهما عصفت الأنواء، وكان البحر هائجًا؛ فلعقود متتالية حافظت الحركة الأسيرة على قوامها المقاوم وبقيت ضابطةً للإيقاع الوطني وقاسمٓ الشعب المشترك الذي كان يذكر الجميع، وفي كل الفصول، أن الاحتلال هو عنوان الأسى ومسبب النوائب وهو مولّد الذل والقاهر .   

لم يدم عز هذه الحركة، خاصة بعد اتفاقيات أوسلو، فلأسباب، لن نلجها في مقالتنا ، خسر الشعب الفلسطيني أهم روافد نضاله المنيعة، وذلك عندما سكن البرد مهاجع الأسرى وصارت الفئويات فراشهم، والمصالح ولاءاتهم .

لقد كانا عقدًا ونصف، كما جاء في بيان الأسرى، أعجفين، شهدنا فيهما جزْرًا موجعًا  وانحسارًا محزنًا، فضوء المنارة الأوضح في ساحات المواجهة اليومية خبا، وكثيرون ممن راقبوا تداعي الظاهرة  انتظروا، بلهفة وشوق، إعلان وفاتها، فبدأنا نسمع تعابير الفرح ونراها في وجوه بعض الضباط الذين حسبوا أن السجن قد انتصر على الإرادة، وهذا في حسابات الحرية وتخطيطهم يعادل نصرهم في " أم المعارك"..

هكذا يكتشف من يقرأ تفاصيل هذا التاريخ منذ أربعة عقود، ولذلك أعلم ومثلي كثيرون يقدرون ما هو وقع إعلان مروان البرغوثي ورفاقه خاصة في هذه الظروف، وأستطيع إن أجزم أن الأسرى، وقبل البدء بالإضراب، قد سجلوا انتصارًا إستراتيجيًا هامًا حين طيّروا رسالتهم الأولى، وقد تكون الأهم، ومفادها : نحن هنا. غفونا لنرتاح كما يحب الصبح ويعشق الندى لكننا سنعود كالساقية بحركتها، وكي نبقى منارة لشعبنا ولكل من يحلم مثلنا بالحرية والكرامة والعزة.

إنها ليست الرسالة الوحيدة، فالبعض مطّلع على عملية الضغط الكبير الذي تواجهه القيادة الفلسطينية وخاصة مؤسسة الرئاسة من إسرائيل مباشرة ومن أنظمة عديدة جندتها إسرائيل كي تطالب القيادة الفلسطينية بالتخلي عن تبنيها لقضايا الأسرى والتوقف عن دعمهم ودعم أسرهم، وفي هذا السياق يأتي إعلان الإضراب كإيذان بما يعد له الأسرى وما قد يتحول إلى حركة شعبية واسعة جارفة؛ فمطالبة القيادة الفلسطينية بالتخلي عن دعمها للأسرى والمحررين هي أشد المسائل خطورة في حياة شعب يعيش في فترة تحرر قومي، وتعادل، في فقه النضال، تجويف الصراع مع المحتل والتسليم بالهزيمة من غير الإعلان عنها، فالحركة الأسيرة، كما قلنا دائمًا، هي الظاهرة الطبيعية في واقع غير طبيعي، لأن الاحتلال هو الطاريء والآيل إلى زوال، أما سكان السجون فهم أصحاب القضية وعرابو المستقبل .

إنها معركة كرامة بمعناها الإنساني، المباشر والبسيط، لكنها، في الواقع، صرخة من حماة الضمير ليذكّروا مجددًا من غفا أو نسي أو استسهل أو تعود أو تواطأ، أنهم، بعد خمسين عامًا ما زالوا في صبح  ذلك "اليوم السابع"، وما كان ضروريا  في حينه ما زال ضروريًا، فالاحتلال كان خطيئة الخطايا وسيبقى بمثابة ثقب الشرق الأسود.

إنها صرخة أحرار قد تعيد التوازن إلى معادلة يريدها كثيرون أن تبقى مختلة ومخللة، وليس كالأسرى من يحس بطعمها المر والمالح، وليس مثلهم من يعرف كيف بالوجع يكوى الذل وتداوى بالتضحيات الغطرسة والعنجهية، ومن مثلهم يعرف أن الحرية في نيسان تزهر.      

 

 

ماذا يعني "تدويل"

المثلث والنقب والجليل؟

جواد بولس

في ثلاثة أخبار نشرت بتهميش بارز في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي  قرأنا كيف تضامن "العالم " هذا العام مع قضايا " فلسطينيي الداخل"؛ ففي بلغاريا بادرت سفارة فلسطين بالتعاون مع اتحاد الصحافيين البلغار إلى إقامة ندوة بمناسبة اليوم العالمي لدعم " الأهل في الداخل"، وبعدها بثلاثة أيام ، في الثالث عشر من شباط، أحيت سفارة فلسطين في بوخارست اليوم العالمي لدعم "حقوق الفلسطينيين في الداخل" ، حيث شارك في الندوتين السيد محمد بركة.

أما الجامعة العربية فقد أصدرت بيانًا أكدت فيه أنه " تنفيذًا لقرار مجلس جامعة الدول العربية بالدعوة إلى إحياء يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني تؤكد على دعم صمود فلسطينيي الداخل عام ١٩٤٨في أرضهم ودفاعًا عن حقوقهم .."

وعلى "جبهة " ثانية أقيم على شرف الاحتفاء بيوم التضامن العالمي "مع جماهير شعبنا في الداخل" مهرجان مركزي في رام الله وبالتزامن معه، في الرابع من شباط، أقيمت مهرجانات تضامن في غزة وبيروت وقلنسوة.

ما هو يوم التضامن العالمي هذا؟    

قد تعتبر المحاورة التي أجراها الصحفي وديع عواودة مع السيد محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب في إسرائيل،  ونشرت على صفحات جريدة القدس العربي في الرابع عشر من كانون الثاني المنصرم، واحدة من المقابلات الهامة التي أعطاها بركة بعد تسلمه موقعه القيادي الجديد، قبل ستة عشر شهرًا، وذلك لشمولية مواضيعها وما طرحه من مواقف واضحة أحيانًا، ولا أقل أهمية لتغييبه، أحيانًا أخرى، رأيه الصريح إزاء قضايا سئل عنها وآثر إغفالها أو تناولها بترميز يترك القاريء بين منزلتين ليشقى ويحتار على دروب المجاز وعسر التفسير وجنوح الفكر والخيال.   

قد يكون تشخيصه لخطورة ظاهرة تسفيه أدوات النضال والطعن في الأطر الوطنية التمثيلية الناشطة بين المواطنين العرب في إسرائيل، واحدًا من المواضيع الهامة المفصلية، لأنه يفضي، كما يجزم بركة، إلى " تجريدنا من كل عناصر التنظيم السياسي الجماهيري " ويساعد من يسعى إلى تفتيت وجودنا الجماعي ودك بنانا الإجتماعية والسياسية والتي بدونها لن تستطيع أقلية قومية الحفاظ على هويتها وتراثها والصمود في وطنها؛ وعلى أهمية ذلك التشخيص يتركنا بركة من غير دليل واضح يرشدنا إلى طريق النجاة، فهو يكتفي بتكرار بعض العناوين العريضة مرفقة بشذرات عما يزمع تنفيذه في المستقبل من دون أن يصرف ذلك في أرصدة معرّفة بزمانها ومكانها وآليات تطبيقها، بينما، بالمقابل، نجده يذكرنا مجددًا ببديهية لازمت وجودنا منذ "بُرشتت" إسرائيل في شرقنا وأمعن ساسستها في تشتيتنا ودق أسافين الفرقة في كل فخذ بيننا وبطن وظهر لنا، وعلى نثر بذور التشكيك بين الجماهير وبين قياداتها السياسية في جميع مواقعها الشعبية أو الحزبية أو النقابية، إلا من استقام منهم ومشى على وقع عصا "موسى العظيم" !

 إسرائيل ليست مسؤولةً وحيدة عن عزوف الجماهير عن السياسة فعندنا "من ذلك الخروب سده مليانه"!         

لن أتناول في مقالتي جميع المحاور التي وردت في تلك المقابلة، لكنني سأقف، علاوة على ما ذكرته، عند قضية " التدويل" التي جاء على ذكرها بركة وشكلت عنوانًا مثيرًا ولافتًا في مقابلته كان من المفروض أن يستفز قيادات الجماهير العربية أو على الأقل بعضها وبعض النخب المهتمة والمختصة في التنظير لوسائل النضال التي على جماهيرنا تبنيها في مسيرة كفاحها ضد سياسات القمع والقهر الإسرائيلية، لا سيما في عهد الحكومة الحالية التي تغمد سيوفها في حلوق العرب، وترمي، مميطة آخر رقعة من لثام القرصان، الأقمار في سمائنا وتستهويها كالورْق تسقط في رحلات العبث والصيد الجنونية .

في الواقع استحدث بركة ما أسماه " اليوم العالمي للتضامن مع فلسطينيي الداخل" وذلك بعد انتخابه رئيسًا للجنة المتابعة العليا وفي أعقاب حظر الحركة الإسلامية الشمالية وإعلانها حركة خارجة عن القانون، وقرر أن يكون الاحتفال بهذا اليوم في الثلاثين من كانون الثاني من كل عام آت.

لم أستوعب شخصيًا ماذا يعني الإعلان عن هذا اليوم؟ وإلى ماذا تهدف لجنة المتابعة العليا من ورائه؟ وما معناه الواقعي؟ وأي خطاب سياسي سيملأ  ثناياه؟ وإلى أي ضفة سيأخذنا؟

لكنني تساوقت، وأخال أن كثيرين مثلي، افترضوا أن الفكرة من ورائه هي خلق آلية نضال سياسية يكون مركزها الإعلام وأدواته، وروحها كشف الحقائق من على منصات "عالمية" ومن خلال تجنيد وسائل إيضاح مهنية ومعطيات موثقة يستعرضها الخبراء والنشطاء والقادة ( لغاية الآن معظم النشاطات العالمية كانت محصورة بمشاركة رئيس لجنة المتابعة السيد بركة) وذلك كي تكشف عن أوضاع الجماهير العربية وتفضح ما تعانيه من تمييز عنصري وسياسات قمعية في جميع ميادين الحياة، وعلى أمل أن "يصحو العالم من كبوته"، ويعبر عن دعمه وتضامنه وإسناده  لمطالب الأقلية العربية في العدالة والمساواة كمواطنين كاملي الحقوق المدنية الإسرائيلية والقومية الأقلياتية الفلسطينية؛ أي أنها خطوة في سبيل إستجلاب ضغط العالم الغافي على إسرائيل العنصرية من أجل تغيير سياساتها القمعية الممارسة بحق خُمس من مواطنيها العرب .

لم أقرأ عن موقف للجنة المتابعة العليا من شأنه أن يضيف مكنونًا سياسيًا جوهريًا يتعدى ما وصفته كمفهوم تعبوي جائز يبرره الإعلان عن يوم التضامن المستحدث؛ مع أن البعض نزع إلى إضفاء بعد "مشفّر" في لجوء محمد بركة، العضو القيادي في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، إلى وصف ذلك اليوم كتضامن مع "فلسطينيي الداخل" أو مع "جماهيرنا في الداخل"، وهؤلاء فسروا اختياره هذا بابتعاده عن إرثه الشيوعي وعن مواقف حزبه التقليدية من تعريف مكانة الأقلية العربية وعلاقتها القانونية والسياسية والمواطنية مع إسرائيل.

 لقد نفى بركة هذه الاحتمالية في مقابلته مع القدس العربي وأكد على انتمائه الشيوعي والجبهوي، لكنه، زوّد في نفس المقابلة المتابعين لممارساته القيادية بما يضعف نفيه أو يفنده، فهو حين يعلن أن يوم التضامن العالمي هو خطوة على طريق " تدويل" قضية الأقلية الفلسطينية يعزز تساؤل من تساءلوا عن وجهة لجنة المتابعة العليا وإلى أين يبحر معها بركة ومن معه ومعظمهم كانوا هناك وما برحوا مواقعهم ومواقفهم.

فماذا يعني "التدويل" في حالتنا؟

وهل خطر ببال مطلق التسمية مثلًا ما قرره العالم في حالة تدويل القدس وفق القرار ١٨١ وهل يطالب بمصير مشابه ؟

أو هل يطالب بالتوجه إلى المحافل الدولية لوضع الأقلية الفلسطينية تحت وصاية العالم ؟ وهل ستطالب عندها لجنة المتابعة بتجميد/ بتبديل مكانتنا/ جنسيتنا كمواطنين في دولة إسرائيل ولأي جنسية بديلة، فلسطينيةً مثلًا؟( تذكروا أن ليبرمان ينتظركم عند المنحنى!) يجب توضيح المقاصد فمن الواضح أن هذه ليست الإمكانيات الوحيدة التي يسوغها مطلب التدويل

ومن غير المقبول ولا المعقول أن تنفخ هذه الشعارات بهذه الطريقة، وتطلق من دون أن تربط للأمان، وترفق بما يبررها ويشرح عن فوائدها وعن أعراضها الجانبية إذا وجدت، وابقاؤها في الهواء الطلق كفقاعات الصابون هو فعل عديم المسؤولية، ورميها في دهاليز السفارات الشقيقة قد لا يضر لكنه لا يكفي؛ بينما يبقى إهمال رأي الشعب وقبول الجماهير للفكرة هو العنصر الأهم،  وهو ما قد يفسر عزوف هذه الجماهير عن مساندة المؤسسات القيادية والأحزاب السياسية  وابتعادهم عن الانخراط في ما يشبه المشاريع وما يشبه الابتكار.

لقد مر أكثر من عام على إنتخاب بركة رئيسًا جديدًا للجنة المتابعة، وأنا أومن، بخلاف بعض المغرضين ممن يهاجمون مؤسساتنا القيادية والأحزاب وقادتها بهدف التيئيس والتجريح والتفتيت، أنها أهم مؤسسة قيادية قائمة بين الجماهير العربية في إسرائيل، إلا أننا انتظرنا طويلًا لإحداث التغييرات التي وعد بهامحمد بركة، لكنه لم يف حتى يومنا بما وعد.

لم يكن انتخاب بركة لرئاسة لجنة المتابعة سهلًا، فلقد احتاج إلى ثلاث جولات وكثير من المناورات لضمان فوزه على منافسيه. قد يكون ما جرى في حينه عائقًا في وجه بركة وحائلًا دون إقدامه على ما هو يعرف أنه ضروري لإكساب لجنة المتابعة عناصر جديدة تضخ في شرايينها قوة الدفع الضرورية لإقلاعها، فلقد قلت في الماضي إنني وكثيرين مثلي عقدنا أكبر الآمال على انتخابه رئيسًا لأنه قائد مجرب محنك صبور ذكي حكيم، لكنني اليوم أخشى ألا ينجح في الإقلاع في هذه الأنواء، فما "ورثه" من يواطر ما زالت مدلاة من جميع جوانب سفينته الكبرى وتشكل عمليًا كوابح أمامه تعيقه كقبطان وتعرض سفينته/ سفينتنا إلى المخاطر والغرق.

في مقابلته المذكوره عدد بركة ما يكفي من المخاطر التي نواجهها كأقلية عربية في إسرائيل، فعلاوة على عزوف الناس عن السياسة الذي وصفه ب"الكارثة الإستراتيجية" أقلقه العنف المستشري بيننا والجريمة المعقدة والطائفية والفردانية وغيرها، لقد كان  كالنطاسي الحذق المجيد في تشخيص المرض، فهل سيشرع في اعداد الدواء؟

كان الناسك توما يقول : "لو كان الهدف الأعظم للقبطان هو الحفاظ على سفينته من الغرق لأبقاها في الميناء إلى الأبد"، فالسفينة سفينتنا، وبعيدًا عن التباسات "التدويل" ومتاهات " التدوير"، ارفع جميع المراسي وأقلع بها، فلقد إئتمنتَ قبطانًا عليها .

              

    

 

 


سبق السيف العدل

جواد بولس

تصويت الكنيست، قبل عدة أيام، على قانون شرعنة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة يبعث برسالة واضحة إلى جميع أرجاء العالم ومفادها أن إسرائيل "الجديدة" هي في الواقع إسرائيل "القديمة" ويذكّر، كذلك، من ظنوا أن قناعة المنتصرين في عام النكبة واكتفاءهم بما "لهطوا" من أراض، ستغدو النجمة المنيرة لدروب أبناء وأحفاد جدهم "اشعيا" الذي تنبأ أنهم "سيطبعون سيوفهم سككًا ورماحهم مناجل"، توهموا وخابوا؛ فحكمة إسرائيل الأولى كانت وما زالت "مخافة  ربهم" الذي سكنت كهنته وانتشرت مذابحه في جبال يهودا والسامرة، كما روى الدخان وحدثتنا الغربان.

سكة هذه الكنيست من الرماح مدت عارية كالترس ومثله هي صماء وعنيدة، فمن سيستهجن، مرة أخرى، من تمادٍ وشيك لأعضائها على حقوق الفلسطينيين لن يكون غبيًا، بل عاجزًا، في الدرجة الأولى، ومتواطئًا مع ما يبدو اليوم واضحًا وحتميًا في مشوار بدأ عمليًا قبل سنوات، ولو بشكل ملتبس وتدريجي، حين لم تلتزم حكومات إسرائيل المتعاقبة بما وقّعت عليه أمام جميع دول العالم وأممها.

مع ظهور نتائج الانتخابات الأخيرة بان جليًا أن معظم الأحزاب الإسرائيلية المنتخبة وبدعم من الأكثرية اليهودية في الدولة ماضية في سبيل ضم أرض الضفة الغربية المحتلة واخضاعها لسيطرة القانون الإسرائيلي بشكل رسمي و"مشرعن" وذلك بعد ضمهم للقدس الشرقية منذ العام ١٩٦٧؛ وبالتوازي، يتم الإبقاء، وفقًا لخطة محكمة، على "كُيَين" فلسطيني، إن شاء الفلسطينيون فليسموه دولة، وتحكم في جنباته سلطة وتتحكم، وإن شاء رجالها فليُكنوا رؤساء أو وزراء أو أمراء أو ما انتقوا، وليمارسوا صلاحياتهم المدنية والأمنية الخدماتية على مواطنيهم شريطة ألا تتمتع تلك المناطق بسيادة سياسية كاملة ولا باستقلال ناجز يخلف إحتلالًا منتهيًا.

بعد اعلان نتائج التصويت على قانون سلب الأراضي أصدرت عدة قيادات فلسطينية بيانات شاجبة هاجم أصحابها الخطوة الإسرائيلية واستنكروها. جلّها دُبج بدبلوماسية حريرية خلت من أي مقترحات عينية وعملية موجهة للساحة الفلسطينية الداخلية أو لجماهير الشعب العريضة، وحتى من أتى منهم على ذكر ضرورة مقاومة هذه المستجدات العدوانية  لم يصرف همساته إلى ما يضمن تحويلها رياحًا مقلعة أو مشاريع نضال جدية تكون على مستوى ما يجري من اغتصاب للأرض وقمع للبشر.

بتميّز طفيف قد يعكس بيان السيد ياسر عبد ربه، عضو اللجنة التنفيذية، وجهة نظر مغايرة، وقد تكون منتشرة، لكنها غير معلنة، في صفوف كثيرين من صنّاع السياسة الفلسطينية في هذه الأيام، فهو يعلن أن "الرد المباشر على هذه الخطوة يكون من خلال التطبيق الفوري للقرارات المؤجلة منذ سنتين للمجلس المركزي واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.. وفي مقدمتها وقف التنسيق الأمني وإعادة تحديد العلاقة مع إسرائيل في كافة المجالات وتقديم طلب لمقاضاة إسرائيل فورًا لدى محكمة الجنايات الدولية .." البعض يعزو وضوح هذه المطالب وعلو سقفها إلى ابتعاد السيد عبد ربه عن مواقع صناعة القرار المتقدمة، لكنها، مع ذلك، تبقى مؤشرًا على فرج قوس مروحة الإحتمالات الفلسطينية التي لا يمكن استبعاد اللجوء إليها في ساعات الحسم والصحوة، لا سيما إذا وجدنا أن أقواله تتلاقح مع ما قاله مثلًا، بلغة أكثر ضبطًا، د.محمد شتية، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومن المقربين إلى عمليات صنع القرارات، حين أكد: "أن الحديث عن تحميل المجتمع الدولي مسؤولياته مجرد كلام على ورق، بالوقت الذي نحتاج فيه إلى إستراتيجية جديدة تستند إلى الواقع الذي أدخلتنا فيه إسرائيل والولايات المتحدة". ومن اللافت أنه أدلى بتصريحه هذا وهو منتدب كواحد من خمسة قياديين (د.صائب عريقات، د.رياض المالكي، اللواء ماجد فرج، د. مجدي الخالدي) كانوا قد كُلّفوا يوم ٢٠١٧/١/٥ بصياغة ورقة تصورات وتوصيات يتم تقديمها إلى الرئيس محمود عباس وللقيادة الفلسطينية كخطة عمل متكاملة تستشرف إمكانية إقدام الإدارة الأمريكية على نقل سفارتها إلى القدس.

وضع الفلسطينيين، قبل هذا القانون، لم يكن سهلاً، بيد أنه لن يصير أصعب بسببه فقط، وكثيرون من السياسيين والمعلقين والنقاد والمعارضين درجوا، سالكين أهون المسالك، على تحميل أركان السلطة الفلسطينية وقادة حركة فتح خصيصًا وزر ما آلت إليه أوضاع الثورة وحالة الوطن وخبو نيران خيارها التاريخي في التحرر والاستقلال.

لا أستهدف تحليل تلك المواقف ومدى دقتها وصدقها ولا  كيف فندت القيادات تلك الاتهامات وصدّتها، لكنني أقترح على المعنيين العودة إلى ما نشر مؤخرًا في دراسة بعنوان " قرارات على مستوى التحدياتحملت الرقم ٢٠، قدّمها ونشرها مكتب د، صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية ل م ت ف، وقد ذيّلها بتوصيات اللجنة الخماسية المذكورة أعلاه.

تحتوي الورقة على مجموعة من الفصول والمضامين المهمة، لكن تميّزها الأكبر يكمن في كشفها عن وعي معدّيها لكل تفاصيل المشهد الفلسطيني المركب وتعقيداته وتأكيدهم على ما طرأ عليه من تآكل وما ينتظره من مكائد ومصائب؛ وهم مثل جميع من حذر على الملأ وتخوّف وانتقد أو هاجم واتهم السلطة وقياداتها، يقرون أن إسرائيل وحلفاءها يخططون لإقامة ثلاثة محاور ويعملون من أجل  تخثيرها على أرض الواقع وهي: وجود سلطة فلسطينية لكنّها بدون سلطة، إستمرار الإحتلال الإسرائيلي بدون كلفة، والإبقاء على قطاع غزة خارج إطار الفضاء الفلسطيني.

على هذه الخلفية استعرضت الورقة ٢٦ توصية، من أهمها، برأيي، تلك التي تحدثت عن "ضرورة البدء بتحديد العلاقات الأمنية والإقتصادية والسياسية مع إسرائيل تنفيذًا لقرارات المجلس المركزي، والتوصية بسحب اعتراف م.ت.ف، بدولة إسرائيل، وتبني خيار المقاومة الشعبية الشاملة وحمايتها ودعمها وتعزيز قدراتها ووضع إستراتيجية متكاملة لها، وتقديم طلب إحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية حول الإستيطان والعدوان على غزة وقضية الأسرى".

كثيرون سيؤثرون عدم التعاطي بجدية مع ما ورد في هذه الدّراسة اللافتة، بعضهم لمجرد المعارضة وآخرين لأسباب قد تكون وجيهة، فالسياسة ولادة للقهر والخذلان والظروف دوّارة كطواحين الهواء، لكنني أشير إلى أن توصية واحدة منها، على الأقل، قد بوشر العمل بها وذلك كما جاء في بيان رسمي صادر، قبل أيام ، عن مكتب د صائب عريقات وفيه يطالب المدعية العامة للمحكمة الدولية "بالشروع فورًا في اتخاذ الإجراءات المناسبة لفتح تحقيق قضائي في جرائم الإحتلال وفي مقدمتها جرائم الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي في أرض دولة فلسطين.."

كما قلنا فالحالة الفلسطينية معقدة وتقف على مفترق خطير أو ربما على منزلق أخطر، واستباق ما قد يحصل في عصر ما بعد الترمبية يحمل عناصر المقامرة، علمًا بأن جبهة دولية واسعة بدأت تتشكل ضد سياسة إسرائيل الجديدة مما يعطي الموقف الفلسطيني دفعة وازنة، لكنني وربما لهذا السبب، أسجّل، مرة اخرى، أسفي لغياب موقف القيادات الفلسطينية جميعها إزاء تعاطي الفلسطينيين مع أجهزة المحاكم الإسرائيلية لا سيما في القضايا التي قدمت للمحكمة الجنائية الدولية مثل الأسرى والاستيطان.

فكيف سيستوعب العالم جدية نداء منظمة التحرير وهو يسمع في نفس اليوم عن إصدار قرار في قضية قدّمها رئيس مجلس قرية  "ياسوف " الفلسطينية المحتلة وقد توجه ومعه بعض السكان بالتماس إلى "محكمة العدل الإسرائيلية" يطالبها به بإنصافهم وحمايتهم من اعتداء المستوطنين على أراضي القرية، التي أقاموا عليها بؤرة تعرف باسم "تبواح معراف"، أو كما فعل مثلهم رئيس بلدة سلواد الفلسطينية وبعض أهلها في قضية بؤرة "عمونة".

سوف تستغل إسرائيل هذه الوقائع وستدّعي أنها تقوم بواجباتها، وفقًا لقاعدة التكامل في الشرع الدولي، خاصة حين يلجأ إلى فيء عدلها المواطنون الفلسطينيون طواعية ومؤمنين بإنصاف قضائها وبرحمته!

في محكمة العدل العليا الإسرائيلية سبق السيف العدل، فإذا كان نداء الإحالة إلى المحكمة الجنائية جدّيًا سيبقى موقف القيادات الفلسطينية من توجه المواطنين الرازحين تحت الاحتلال لمحاكم الاحتلال مؤشرًا هامًا على حسن النية وحسن الأداء!

 

 

"بر وبحر"

 

من يجرؤ على الملام؟

 

جواد بولس

منذ بدء عرض فيلم "بر بحر" للمخرجة ميسلون حمود في قاعات السينما لم يتوقف النقاش حوله. بل بدت كمية النار التي استجلبتها قصته وكأنها غير مسبوقة في عالم صناعة سينمانا المحلية، على تواضع تاريخها ودفقها، علمًا بأن بعض تلك النيران  أشعلتها فئات وشخصيات لم تشاهد الفيلم على الإطلاق، واكتفت بتدعيم نداءاتها الشاجبة والمتوعدة وبياناتها المشهرة بما نقل اليهم شفاهة، أو قرأوه في السجالات السريعة الذوبان التي  يذريها على بيادر الصفحات الاجتماعية جيل ما زال بعض أفراده يسعى وراء فكرة عصية، ويحلم بعش من شوك، ويشقى من أجل مصير، وهم في كل ذلك لا على بر ولا على بحر!

من تخيّل أن تكون ردات فعل أكثرية أبناء مجتمعنا العربي المحلي مغايرة لما شاهدناه وقرأناه كان واهمًا أو غافلًا، ومن ترقب أن يجترح الفيلم حوارًا "حضاريًا"،  كما يتوقع أن تتصرف أقلية تتصارع بين ظهرانيها عدة عوامل وقوى تحاول نحت وصقل هوية أفرادها الجمعية كل على صورة ناحِتها ومثاله، أخطأوا، لأنهم لم ينتبهوا لولادة أجيال ونشوئها بينهم وإصرارها ألا تكون مثلهم، وعلى ألا تعيش في فقاعات مجتمعاتهم الهشة التي أسكرتها قهقهات السكاكين، وأوجع لياليها بكاء النايات وهي تداس تحت أقدام محترفي الكذب والرياء والمكابرات القاتلة.

تلك أجيال جاءت إلى هذه الدنيا فوجدت نفوسها تدجن في حضن الضياع، وتهندس وفقًا  لقواعد وضعها فرسان الأرض السمراء، وقد ورثوا بأسهم، الذكر، من سطوة عشيقتهم الأولى، الصحراء، التي روضوها حين كانت أنثاهم الشقية، وعشقوها متواطئين مع غيرتها واشتراطها ألا يبقوا الحرائر طليقات، بل يأخذوهن معهم سبايا ولهم مطايا ومحظيات.

إنه جيل "المفارق" الواسعة وعشاق محطات الالتباس المبهر ومسارات المجازات الساحرة، فلقد ولدوا وهم بكامل آدميتهم، وإذ بها تتناقص، ضلعًا بعد ضلع، مع كل يوم يمر ويمضي، وحين مرت على البلاد غيمة العرب اللقيطة؟ تمردوا وصرخوا مثل إخوتهم العرب: "كفاية" وتدافعوا نحو خطوط التماس، حيث الشمس لا تغيب، ولا يطل القمر إلا في النبيذ والنشيد والدخان، وعاموا في عوالم بلا شطآن وديعة، وطفقوا يبحثون عن أحزمة للأمان، وكأني أخشى عليهم وقد ابتعدوا عن تيه، فلجأوا إلى ضباب أو سراب . 

أعجب ممن فتشوا عن لغة للتفاهم والتصالح مع تلك المجتمعات في فيلم المخرجة ميسلون المبدعة الواعية، ابنة  دير-حنا، تلك القرية التي عرفت من النضال أحمره، واستغرب ممن حاولوا تخفيف أو تحريف وقع الصعقة التي اخترقت أبداننا مع أول دائرة دخان حررتها ليلى ( منى حوا) المحامية الشابة المدنية العنيدة الساحرة، من سيجارتها المستوطنة، باستفزاز لا يهدأ، فمها المليح القوي الصارم، فمن لم يشعر وكأنه ركب على قطار الجبال السريع ويهبط مع كل مشهد إلى هاويته هو، عليه العودة إلى بر الفيلم أو بحره،  مرة أخرى، ويفتش في المشاهد عن شهقة سقطت من " نور"، الأبية الحريصة الصامدة، ابنة أم الفحم (شادن قنبورة) أو على رمش حائر من عيون سلمى الترشحانية، المتصالحة مع نفسها الكادحة الصبورة (سناء جمالية)، حين كسته دموع خسارتها المحزنة.. فمن لم توعِّه تلك الصعقة فليعد عساه يكتشف العيون الظمأى واللغة التي لا تشبه لغتنا، لأنها بنت الصدمات والمنافي الاختيارية والحقيقة وهي تضرب خديك بأقوى من كف المسيح وتصرخ فينا: لا نريد منكم شيئًا أيها الرجال إلا أن تعترفوا بنا إناثًا وناسًا وبشرًا كاملات، إن شئنا أحبـبنا وإن ضعنا فشئنا، إن اهتدينا اعتلينا وإن عشقنا فمتنا، إن متنا وصلنا وإن وصلنا وصلنا، اتركوا لنا مجد أجسادنا ونور عقولنا وخذوا ما شئتم من زبد البحر وغرور السرو، دعوا تفاهاتكم عند رصيف الميناء المهجور، وعانقوا بهاء نصول سيوفكم على الخصور، ولكن اتركوا لنا زهو البساتين نربي فيها رماننا وسواسننا

لغة غير لكناء واضحة بسببها حاول البعض أن يهجم على الفيلم مجندين الجغرافيا والدين والقبلية البلدية، فمنهم من أتهم المخرجة بأنها تعمدت المس بمدينة أم الفحم وأهلها وقيمها، لكنها برأيي تهمة غير صحيحة، بل قد يكون العكس صحيحًا، "فنور" الفتاة المحافظة  لعبت دورًا مميزًا ولافتًا حافظت من خلاله على معتقداتها، كما تؤمن بها هي، وهي الطالبة النجيبة الرصينة التي كانت تدرس في الجامعة علوم الحاسوب، ورغم ما واجهته من "صدمة ثقافية" وأجواء غريبة على تربيتها المحافظة، لم تتخل عن تدينها  وصانت مكانة وسمعة عائلتها التي أحبتها وبقيت على حبها. بالمقابل قد نجد في تصرف وسام، وهو خطيب نور إساءةً  ذكورية لها أولا وأخيرا ولنفسه ولطريقة تدينه، وليس لدينه،وهو الذي لم يقاوم غريزته الذكورية، على الرغم من كونه داعية وناشطًا اجتماعيًا وقام باغتصاب خطيبته بمسكنها المشترك مع صديقاتها، ثم عاد إلى حياته الطبيعية وكأن شيئًا لم يكن، بل تفاعل مع  إغواء "ليلى" صديقة نور التي اتهمها وسلمى ، بسبب طريقة عيشهما المنفتح، بأنهما ساقطتان، فاوقعنه معًا وخيّرنه- إما الفضيحة، وإما أن يترك نور لنفسها، لأنها لم تعد تحبه خاصة بعد اغتصابها.

من ينوي مهاجمة الفيلم بسبب ما يقدمه في وجوهنا من واقع ومآسٍ، فسيجد الأسباب لذلك لأنه، كما قلت، فيلمنا لا يتحدث بلغة المجتمع السائدة، فلغة الناس، مثلهم، لعوب تمثل من يتحكموا في رقبة الحياة  وخصر الموت والمنتشرين في جميع مراكز القوى الذكورية المتسلطة على كل مقاليد الحكم: العائلية ،الدينية، التجارية، السياسية والاجتماعية، ومنها يديرون حيوات النساء- بالرغم من أنهم لا يقرون بذلك على الملأ، بل يدعي معظمهم العكس، لكنهم يصيرون ساعة الجد سواسية في العنف والزجر وأكثر .

فها هو زياد صديق ليلى المنفتح تفضحه الصدفة حين تجيء بمذاق عربي سخيف، وقد كانا يعيشان هو وليلى كحبيبين مثاليين، يفعل ما تفعل وتفعل ما يفعل، إلى أن شاءت الظروف أن تلتقي ليلى بأخته التي وصلت إلى تل أبيب سعيًا لتحرير ابنها وزوجها بعد اعتقالهما في الشرطة بسبب حيازتهما للحشيش، لكنها عندما رأت ليلى تشعل سيجارتها، كالرجال، أحتجت أمام أخيها، على تصرفها غير اللائق، وحرضته عليها، فسارع بتوبيخها وبمطالبتها بتغيير نهج حياتها، لأن مجتمع الطيبة، بلده،لا يشبه مجتمع تل أبيب.

مثله فعل أبو جورج  المسيحي الترشحاني عندما اكتشف وزوجته أن ابنتهم، سلمى، سحاقية وأن من ترافقها في زيارة البيت هي عشيقتها. صدمت العائلة، وهاج ربها،فطردوا الضيفة في الليل، وقام الأب بصفع ابنته وحبسها في غرفتها حتى تبرأ من مرضها.

كل من هاجم الفيلم متكئًا على توظيف الجغرافية أو دين البطلات والأبطال يكون قد تذرّع مستجيرًا بأهون سلاحين رائجين بين الجماهير العربية: الدين والبلد، فالحقيقة هي أن لغة الفيلم هي لغة السينما الواقعية، وبالتالي فكل شخصية من الشخوص فيه "تركب" وموجودة في كل قرية ومدينة وفي كل دين،  فأكثرية أفراد مجتمعاتنا كانوا سيتصرفون مثل أبي جورج لو علموا بأن ابنتهم سحاقية أو ابنهم مثليّ، وكثيرون من شباب قرانا كانوا سيتصرفون مثل زياد ويطالبون رفيقتهم  بتغيير حياتها اذا ما أرادت أن تعيش في بلده وبين أهله، وكثيرون مثل وسام يسمحون لأنفسهم بارتكاب "السبعة وأكثر" ويتحولون إلى جزارين ضد أخواتهم وحبيباتهم.

هذه هي أهم رسائل هذا الفيلم الجميل مع أنه يتضمن عدة حبكات لا مجال لذكرها هنا ومشاهد تشكل سوابق لا تخلو من الجرأة خاصة مشهد الاغتصاب المفجع وحياة الشباب في فضاءات تل ابيب الباهرة

في أحد تعريفاته عن الشعر وأبسطه- قال مرة محمود درويش: الشعر هو ذلك النص الذي إن أنهيته صرخت هذا شعر! وباستعارة منه سأقول بعدما  أنهيت مشاهدتي للفيلم صرخت بملء الفم "هذا هو الفيلم"،  فلقد أجبرتني بطلاته الثلاث أن أحبهن فلقد قاموا بأدوارهن بمهنية مقنعة، وكأنهن يعشن حياتهن الطبيعية. تماثلت معهن حتى عندما مارسن أعمالًا مستفزة  وألفاظًا نابية تمطها المخرجة أحيانا إلى أبعد الحدود متعمدة توظيف هذه التقنية لإخراج خالص القهر والغضب من دواخلنا سواء للتماثل معهن أو  لرؤية أحلامهن ومآسيهن.

تحاول أن تبتعد عنهن، تحزن ، تتماثل معهن وأخيرًا تحبهن، لأنك ترى كيف تصارع كل واحدة منهن مجتمعًا قاسيًا مداهنًا لعوبًا يحمي الذكورية حتى عندما تبطش أو تعتدي. لقداختلفت جبهات معاركهن، لكن النتيجة بقيت واحدة  فليلى تطرد زياد " التافه" من سيارتها بعدما عرت زيفه وفضحت ذلك الذئب الشرقي الساكن في عقله والمتربص تحت حاجبه الحاجز، وسلمى تترك بيت والدها وتعود إلى تل ابيب لتقابل حبيبتها مؤكدة أنها ستسافر إلى برلين وراء مستقبل ملتبس آخر، ونور تبقى تلك الفتاة المتدينة على طريقتها وتحب عائلتها وصديقتيها وكانت قد رفضت أن يعرفهما المغتصب بالعاهرات .

لم يدر بخلد صاحبة الفكرة أن تخرج عملًا دعويًا يروج لعقيدة ومبادئ دوغمائية محنطة، وهي لم تهدف إلى أن تقوم بدور "معلمة الأجيال" التي ترسم لطلابها الكسالى أو النبهاء معالم الطريق واحتمالات حل معادلات اجتماعية معقدة ومتعددة المجاهيل، فكل ما هدتنا إياه  كان قطعة مستفزة جميلة حزينة ناصعة عاصفة مثيرة واقعية حالمة  تضاهي بها أفلام الأمم لأنها ببساطة: إبداع فني راق.

في الحقيقة وفي أقل من شهرين شاهدت ثلاثة أفلام صنعت محليًا كان أولهم "مفرق ٤٨" للفنان المميز تامر نفار والذي تحدث عن مدينته اللد ومأساتها من خلال قصته الفريدة، تلاه فيلم للمخرجة النصراوية الفذة مها الحج التي روت  قصة عائلة نصراوية تواجه تعقيدات الحياة بسأمها وجمالها من "أمور شخصية"،  وآخرها كان هذا المسك الذي ضوعته ميسلون ونثرته من خلال عيون جميلات الجليل والكرمل والمثلث ومن على صدور فرسان هذا الزمن الذي وعلى رغم ما فيه من رداءة ما انفك يزودنا ببعض من صناع الجمال والحب والأمل المنشود.

 

 

 

كل بيوت العرب سواسية

 

أمام أسنان البولدوزور

 

جواد بولس

 

بعض هواة عملية "النق" الوطني المزمن نزعوا إلى تهميش قرار محكمة العدل العليا الإسرائيلية والذي صدر بقبول قاضيين التماسَ مؤسسة "عدالة"  المقدم بالنيابة عن عائلة المرحوم الأستاذ يعقوب أبو القيعان، ضحية رصاص أفراد شرطة إسرائيل، وحجة هؤلاء بإبطال الغرابة في القرار وايجابيته تعتمد على "الطبيعي" في حياة البشر وعلى "البديهي" في سلوك المجتمعات الإنسانية التي تضمن حق دفن الميت من دون معوّقات، وإجراء جنازة له من دون مهانة ومن غير شروط مقيدة وقاهرة .

لو كنا في إسرائيل  نعيش في واقع يسوده المنطق الإنساني العام وتتحكم في فضاءاته القيم والأخلاق الحميدة لما اضطرت أصلًا العائلة الثكلى بالتوجه إلى القضاء والمطالبة باسترجاع جثمان غاليها المقتول عمدًا وغدرًا، وبإجراء جنازة عادية له كما يليق براحل مضى فأضحت عائلته بدون رب يرعاها وبيت يأويها، لكننا نواجه في الحقيقة، نحن المواطنين العرب، قدرنا بقضائيه الأهوجين، واحد "يحطه السيل علينا من عل"، وآخر يحيطنا كالأشباح تسعى لقبض أرواحنا بلا هوادة  ومسح وجودنا بلا رأفة .

قرار المحكمة العليا الإسرائيلية كشف مجددًا بعض التناقضات الوجودية التي تعيشها الأقلية العربية من جهة والاشكالات الجوهرية التي تواجهها مؤسسات الدولة وخاصة جهازها القضائي، من جهة أخرى، لا سيما فيما يتعلق بمكانة هذه الأقلية وبمصير ومستقبل العلاقة بينها وبين  كيان الدولة ورغبات الأطراف الملتبسة دومًا وتراقص "بناديلها" بين نقطتين قصيتين: الإدماج المبهم والإقصاء العصي.

من يراجع بتمعن قرار المحكمة قد يكتشف بعضًا من معالم  تلك المفارقات وكيفية تعاطي القضاة معها ومسوغات تفكيكهم لها. بعض التفاصيل، إن فحصت بعيون منقبة ومجربة ، قد تبدو كومضات في سمائنا الناعسة وقد تصير مرشدًا لسراة يجيدون قراءة الليل ولغة العواصف، أو، على النقيض، مهلكة لمن سينتظرون فجرًا لم تغوه صياحات الديكة المتشاوفة، فنام وتأخر.

كتب االقاضي يتسحاك عميت القرار الأساسي، وسآتي لاحقًا على ما أورده كدعائم لقبوله موقف الملتمسين ، بينما عارضه القاضي سولبرغ، وهو "المستوطن" في غوش عتصيون والذي أثار تعيينه في العام ٢٠١٢ قاضيا في المحكمة العليا مشكلة واستجلب انتقادات كبيرة في أوساط إسرائيلية ودولية اعتبرت قرار لجنة التعيين تحديًا من المؤسسة السياسية اليمينية لموقف الأمم وللقانون الدولي الذي عرّف الاستيطان في الأراضي الفلسطينة المحتلة كجريمة حرب، بينما يبقى موقف القاضي أوري شوهم وانضمامه لقبول التماس العائلة المصابة لافتًا إذا ما عرفنا أنه شغل في الماضي منصب المدعي العسكري العام في إسرائيل. لن أتطرق باستفاضة إلى ما يعنيه هذا القرار وما تعكسه حيثياته من الناحية القانوية بالرغم من أهمية هذا البعد، لكن الحدث كما تجسد بأبعاده كلها يبقى بمثابة المشهد الشاذ( الأنومالي)، الذي ينبعث على خلفية تداعيات تراجيدية تنذر باحتمال سقوط الذرى وبضياع الدم في القيعان

نيابة الدولة العامة عملت على إقناع المحكمة بقبول موقف الشرطة وأذرع الأمن التي أصرت على أن السماح بإقامة الجنازة من غير شروط سيمس بأمن وسلامة الجمهور، وكأنها تستكمل إيقاع فرضية مفادها أن العرب لا يجيدون ممارسة الحزن إلا من خلال تحويله حجارة تقذف على الناس المسالمين وعنفًا يتبعثر على الطرقات والمفارق؛ إنها النهاية الحتمية لما بدأ ككذبة مرة  وكافتراء شيطاني صار بأعقابه المربي المسالم مخربًا والأب المكافح داعشيًا والحقيقة عذراء مغتصبة والرمل أخرس والعيون حولاء والسماء عاقر.  

 لا أعرف إذا حاول القضاة، قبل إجازتهم للجنازة، أن ينتقلوا ويجلسوا للحظة بجانب يعقوب أبو القيعان ليروه وراء مقوده وهو مصاب وعاجز عن الحركة، دمه القاني يتصبب كبكاء برقوقة حزينة فقدت تراب حوضها؛ كان يجيل بناظريه ويرى حوله أعدادا من الدمى اللحمية التي تشبه الضفادع السوداء الضخمة تقفز في الهواء كي تصطاد أسرابًا من الفراش الملون والحساسين، وقبل أن يغمض عينيه لمح من بعيد وجه رفيقة دربه تتقدم غزالين أو أكثر فطيّر لهم قبلة وقلبًا ومال كي ينام فتذكر وجه أمه السمراء ومد يده ليمسح عن خدها دمعة. انطفأ. اتكأ على حلمه وغاب.

أغمِضوا عيونكم وتخيلوا كم مرعب هذا الرعب وتخيّلوا كيف فارق يعقوب هذه الصحراء المضطجعة على حربة،  ومن ترك وراءه ليسود على أرض اليباب التي عشقها. سأسال القضاة، في ذات يوم، إذا فعلًا وجدوا يعقوب باسمًا كما كانت تقول الرملة لأختها أو عابسًا كما وشت الغيوم للهضاب

" إننا نعي أن الأجواء مازالت صاخبة وهنالك حساسية وتوتر قد يستغل من قبل جهات متطرفة.."، هكذا كتب القاضي عميت في قراره متعرضًا لادعاءات الشرطة ومخاوفها لكنه أضاف معللا رفضها قائلًا: " مع هذا أذكّر بالمفهوم ضمنًا، فالجنازة ستقام في النقب، وفي نطاق دولة إسرائيل ، عائلة المرحوم تتبع للطائفة البدوية التي يعتبر أبناؤها مواطنين  اسرائيليين محافظين على القانون، لا بل يخدم بعضهم في أذرع الأمن ،ولم نسمع ولا حتى صوت واحد منهم يمتدح عمليات الدهس .."        

 لم يكتف القاضي بما ذكرناه أعلاه فأضاف أن المحكمة سجلت أمامها تعهد العائلة ورؤساء سلطات منتخبين وأعضاء الكنيست التزامهم بالمحافظة على الهدوء العام خلال تقدم مسيرة الجنازة وعدم سماحهم  لأي كان بتسخين الأجواء والإخلال بالنظام العام.

لقد طالبت الشرطة تقديم بينات مكتومة في محاولة منها للاستفراد بالقضاة والتأثير عليهم لقبول موقفها، كما يجري عادة في الملفات ذات الصبغة الأمنية أو التي تعالج قضايا المواطنين الفلسطينيين في الضفة المحتلة وقطاع غزة.

كان اعتراض الدفاع على تلك المحاولة موقفًا صحيحًا ومشرفًا، أدى بلا شك إلى زج القضاة في خانة صعبة لا سيما بعدما  صمد مدير مركز عدالة المحامي حسن جبارين أمام ضغوطهم مؤكدًا على أن الملتمسين وهيئة الدفاع عنهم لا يحفظون لهذه الشرطة عهدًا ولا يثقون بتقيماتها السرية وهي التي جرّمت علنًا الضحية ساعة كان دمها ينزف وقبل أن تباشر باستقصاء الحقيقة واستجلائها. لقد رفض قاضيان اعتبار جنازة ضحية لمواطن في الدولة حدثًا خارجًا عن ذلك العقد الذي يجب أن يكون ممدودًا بين الدولة ومواطنيها، فنحن لا نعيش تحت حكم عسكري ولا في ظروف احتلال!      

قد يتحول هذا القرار إلى محطة هامة على طريق قدرة المواطنين العرب في مقارعة سياسة الحكومة قضائيًا،  ففيه ما يدل على استشعار بعض قضاة العليا بالخطر اليميني البوليسي الداهم كالسيل والذي سيقوض مكانتهم ويقتلع وجودهم تمامًا كما تقتلع الشفرات بيوت أم الحيران وقبلها بيوت قلنسوة، وبالمقابل فقد يصبح صوت القاضي سولبرغ هو الصوت الذي لن يعلو فوقه صوت في الشوارع وفي المحكمة العليا فتصير شريعة الاستيطان هي القضاء وما يقوله رصاص الشرطة هو القدر.

لقد أكثرت في الماضي من انتقاداتي لقرارت المحكمة العليا التي لم تسعف متظلمًا فلسطينيًا قرع أبوابها، بل وقفت دومًا في الخطوط الأولى المدافعة عن الاحتلال وسياساته  وآثرت ما أدعته أجهزة الأمن كذرائع سوغت قمع الفلسطينيين وحرمانهم من أبسط حقوق معيشتهم الأساسية، وما زلت أرجح ظني بأن المحكمة قد خسرت معركتها أمام جحافل اليمين المهاويس، مع هذا لا بد أن نقرأ قرارها في قضية " أبو القيعان" بتوجه إيجابي وثاقب، فهو على الرغم من محدوديته يشكل هامشًا ضيّقًا يتيح لنا نحن المواطنين العرب في الدولة فرصًا علينا دراستها وتطويرها، خاصة اذا فككنا ما عده القاضيان كأسباب دفعت بهما إلى رفض مطالب الشرطة وأهمها تلك الثقة التي أولياها لموقف القيادات العربية واحتساب مكانتها ووزنها في الشأن العام وفي الأحداث والساعات المفصلية.

صرخات أهل النقب عمومًا وأم الحيران خاصةً هي صدى لصراخ أهل قلنسوة التي ما زالت تئن تحت ركام بيوتها المهدومة، وهي تذكار لكل عربي لا ينام في المغار ويركا وكفركنا والجش وغيرها، من خشية "دبيب" البولدوزورات التي لا تكل ولا تفرق بين عربي وعربي لا بلون عيونه ولا بنوع عمامته ولا بعلو رتبته في "الخدمة" أو في الحقل والمحجر

إننا نشهد معركة أعادت تفاصيلها الينا بدايات سير العبث بأصنافه، وذكرتنا مجددًا بمصانع الكذب والوجع ومفاعلات تكريرها، لكنها معركة وحد ظلمها،كذلك، كل الضحايا وبعثت هوامش ضيقة في حياة أقلية نجحت إسرائيل بتفتيت بعض عظامها وتفريقها لملل وطوائف ولايجابيين وسلبيين، هوامش، رغم هشاشتها وندرتها، تفوق أهميتها، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار جميع المعطيات التي نواجهها، أهمية جادات الأشقاء العرب وأوهامها الموجودة في القصائد والأماني، وكرم اوتوسترادات بعض العواصم التي لن تفضي دروبها إلى بر قريب وواضح وآمن.

مياديننا ستبقى في أم الحيران وقلنسوة والمغار ووحدة الضحايا ضرورة وقدر يفتش عمن سيسعى ويزيل جميع ما يعوق بناءها، وتذكروا أن بعض معوقاتها نمت وتعيش  بيننا وفي مؤسساتنا ومواقعنا.  

 

 

 

 

بين "أم الحيران"

وقرية " المفجر" حلم!

جواد بولس

 

من الصعب، أو حتى شبه المستحيل، أن ينجح كاتب في تحييد مشاعره من أجل إخراج مقال لا تشوشه العواطف ولا تستفز حروفه تلك المشاهد والأصوات التي تملأ فضاءات الإعلام وشاشات التلفزة الإسرائيلية، خاصة وجميعها تعمل كفرقة تحميس مهنية في جيش تتنوع كتائبه، وتتضافر في النهاية جهود عناصرها في سبيل سحق الهدف/العدو

سيبقى ما جرى يوم الأربعاء الماضي على تلك الرمال الجنوبية راية دامية مرفوعة على طريق مشت عليه جموع غفيرة من "الحيارى"، ولن تكون  مأساة "أمهم" نهاية السواد ولا سقوط ابنها يعقوب آخر الضحايا أو نوبة الصحوة والانعتاق.

لا حاجة لطرق أبواب البديع، ولا استخارة أعطاف المجاز كي نجزم أن الحقيقة سالت على تلك الهضاب واضحة كصبح الحزينة، تنزاح عن ليلها العتمة، فينتعش الأسى في أحشائها ويبكي الدوري على شرفة نهدها الكسير.

سمعت صراخ من تواجدوا هناك، ووصفهم كيف في لحظة غضب كانوا أشبه بما قرأنا عنه في حكايات حروب آلهة اليونان العبثية، هجمت الدولة/الدبة وانقضت على أولادها/مواطنيها من دون أن تراعي قوانين الطبيعة ولا تعاويذ السماء. كانت الطلقات الأولى بمثابة استقدام  للفوضى وضمانة لقتل الأمل؛ الأخبار زفت نبأ التساوي في عدد الضحايا، وأكد الحُيّاد أن الدمع ينصفه الدمع. على المواقع  والشاشات رأت عيون الناس العاديين، في جميع أنحاء الدولة، مشاهد الغبار وهو يلف الوجع ويتستر على الخطيئة، البعض اندفعوا "والرماح نواهل" منهم،  فاستذكروا تاريخ التاريخ وطفقوا يحذرون إسرائيلَ به ويذكرونها بعنتره حين قال
"
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك/ إن كنت جاهلة بما لم تعلمي"
 
الشاشات تملؤها الخوذات تركب على أجسام ضخمة كخيل المغول، وتبدو كأنها مخلوقات أو أشباح شاركت في أفلام  "حروب النجوم"، وعلى أطراف المشهد تجهش حرائر البادية نادبة ضياع البلد وموت الولد

قادة الدولة  كانوا في معاقلهم يتابعون من على ذاك الجبل، ويراقبون متى وكيف سيبقرون بطن الفجر كي تسيح  حممه على رؤوس من رفعوه كاوية، وذلك بعد أن علموا أن المتفاوضين نجحوا بالتوصل إلى صيغة مقبولة على أهل أم الحيران، وكان من شأن تنفيذها في الصباح حسر الصدام ومنع وقوع الضحايا

في تلك اللحظات، وقبل  إتمام "الزفة" قرر "chaos- كاوس" تفجير الطمأنينة والسكينة، فكان صبح وكان ليل، فسادَ ظلام وعامت، مجددًا، الصحراء سابحة في  جوف العدم.

كثيرون لن ينسوا صورة الدم وهو يضمخ رأس ووجه رئيس القائمة المشتركة النائب أيمن عودة، فكأن من أصابه تعمد نقل رسالة سيّده " آريس" عصرِنا الدامي الممارسِ لحروبه بلا  كلل وانتقاماته المرة بلا حساب. قد يصير من المفارقات مشهد هذه الصورة ويتحول إلى آخر بيت في قصيدة الفخر والرثاء، فوجهه الحزين يقطع القول كما فعلت "جهيزة" ودمه يكاد يغرق حلمه، والجثث في الموقع تسد كل الطرق وتفرق حبال الأماني.

سيكون افتراضي أن كل من عارض فكرة العيش المشترك والنضال العربي اليهودي قد فرح أو شمت من صورة أيمن والدماء تغطي صفحة وجهه الأبيض، مجازفة أو مستفزًا للبعض، ولكنني أشعر أن بين الشامتين ( لا تحدث عن فرح شخصي وشماتة بشخصه بل بموقفه السياسي)  جهات عربية، وأعرف أنهم بين اليهود أكثر؛ وإذا كان وجه أيمن لا يكفي لتأجيج تلك المشاعر من الفرح الخبيث، فلقد شاهدنا بعدها جسد النائب أسامة السعدي، زميل أيمن ورفيقه، ملقى على التلة بعد الاعتداء عليه من قبل أصحاب الخوذات الخضراء، وهو يعاني من إغماءة  لا تترك للمؤمنين بحتمية العيش المشترك فسحةً كبيرة بل قد تدفعهم ، كرهبان خاشعين، صوب صومعات الخيبة ليمضوا بقية أعمارهم السياسية كيوحنا المعمدان الصارخ في براري فلسطين ووديانها، حين لم يسمعه أنس ولا أخذت بعناته الوحوش والكواسر.       

في تفاصيل الصراع الجاري على أم الحيران وجدت ما يخيفني. عناصر خساراتنا من الماضي تنبعث بكل لبسها وتمويهها وهشاشتها، وكأن القرية تستعيد على ركام بيوتها المهدمة تفاصيل سيناريو ما زال يبحث عن مخرج فذ لا تسقطه الكلمات ولا تغويه روائح الزبد البعيد.

وقد تكون بقية الرواية استنساخًا لما حدث في مواقع جربت تلك المخاضات وعثرت، خاصة ونحن نشاهد كيف يتحول سكان البلدة ومن كان عنهم ومعهم مدافعًا، في لحظة درامية، إلى "كومبارس"، بينما تعج الصدارة بأبطال يكدح كل واحد منهم بإقناعنا أنه كان باري القوس ومكتشف البارود وأنه صاحب الموقف الأصح

صدق الذين شخصوا دوافع الدولة بطرد أهل القرية وإحلال مستوطنة يهودية مكانهم، فوراء هذا الإمعان يتجسد فكر الحركة الصهيونية التي خططت للاستيلاء على الأرض وتهجير أو تشتيت أصحابها. وقد يصدق تكهن آخرين بأن ما يحدث من صدامات في أم الحيران قد يصبح مقدمة لفورة غضب تمتد إلى ما هو أبعد من النقب وأهله، كما حدث بعد قضية تهجير قرية أم السحالي التي اعتبرها الكاتب سليمان أبو إرشيد مقدمةً لانتفاضة القدس والأقصى في عام ألفين.          

مع هذا فأنا أرى أن دور النخب والقيادات يجب أن يتعدى مهمة تشخيص المخاطر وتأكيد نوايا إسرائيل العدوانية تجاه مواطنيها العرب. فالقضية الأهم ستبقى منوطة بإعطاء الحلول لهذه الجماهير المستهدفة  ووضع برامج نضال ناجحة في إفشال مخططات حكومة إسرائيل الحالية والإجابة على السؤال كيف من الممكن أن تمنع قيادات هذه الجماهير سوء المصير الذي ينتظر أم الحيران وغيرها، كما حدث من قبل "أم السحالي" أو مثلًا مع قرية عرب "المفجر"؟

ولمن نسي هذا الاسم أو لم يسمعه من قبل أذكر أننا بصدد قرية كانت تقع جنوبي مدينة حيفا، عند مصب نهر المفجر، وفي المكان الذي بنيت فيه محطة توليد الكهرباء في الخضيرة. كانت القرية مقامة على تلة بارتفاع ٢٥ مترًا وتشرف على البحر المتوسط..

 لم يهجرها سكانها العرب في عام النكبة، لكن سلطات إسرائيل لاحقت سكانها،  بذرائع مشابهة لحالة أم الحيران. حاصرت الدولة وأذرعها وجود القرية بكل الوسائل بما فيه قيام المصانع القريبة بضخ المياه العادمة إلى نهرها فتلوثت مياه الشرب عندهم

كان في القرية حتى العام ١٩٧٣مدرسة ابتدائية، لكنها هدمت بأمر من سلطات الإسرائيلية، فتشتت طلابها وعددهم ١٦٨ طالبًا وتوزعوا على مدارس كفرقرع وباقة وعارة وعرعرة. ثابرت إسرائيل على التضييق وملاحقة أهل  القرية ب"القانون" طورًا  و"بالكانون" أحيانًا، حتى اضطر آخر سكانها مغادرتها في العام ١٩٧٨، فهدمت بيوتها وأقيم مكانها متنزه، وانقطعت عنه المياه العادمة وصار مزارًا يحن إلى أصحابه

جئت على ذكر قرية" المفجر" لأنني وأبناء جيلي شاركنا في تلك السنوات وكنا طلابًا في الجامعات الإسرائيلية، في المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات ضد تهجيرها. مثلنا فعلت قوى عربية كثيرة. لم تنجح تلك النضالات في منع المأساة عن أهلها الذين تهجروا إلى عدة قرى محيطة. كانت تلك تجربة جديرة بالدراسة، ولا أعرف إذا ما قام  أحد من الأحزاب والحركات السياسية بدراستها هي أو غيرها؟ ومن منهم استخلص النتائج والعبر؟  لكنني أعرف ومثلي يعرف أبناء جيلي، أن قرية "المفجر" هدمت وهجر سكانها، وعندما شاهدت ما جرى مع أم الحيران وقرأت ما يكتب في ذلك، شخصت أمامي تلك الرايية وهي "تنده" على من ضيع فرصة الإفادة والتعلم من التجارب والخسارات.

جثمان يعقوب أبو القيعان، وأكوام حجارة البيوت المهدومة، ووجه أيمن عودة المكسو بالأحمر يعيدوننا إلى حيث المبتدأ والقضية المصير: كيف يمكن إنقاذ قرية "أم الحيران" من مصير مشابه لقرية "المفجر"؟

فإذا نجحنا بالإجابة عن ذلك عندها قد نخلّص الجماهير العربية من ويلات انتفاضة أخرى وتوابعها، رغم من سيفتش بين أعمدة دخانها ويسعى وراء مجد وأكاليل غار، هذا إلا إذا آمن البعض أن  هذه الأرض تشبه الغمد الذي لن يسع إلا سيفًا واحدًا
 
لست ممن يؤمنون هكذا، فبين أم الحيران والمفجر ينام حلم !      

  

 

 

 

أقاتل ويبكي؟

 

جواد بولس

"رغم قوة الأدلة التي كانت تدين كورنيليو كودريانو، الطالب بكلية الحقوق في جامعة ياش الرومانية والبالغ من العمر ٢٤ عامًا ، إلا أنه لم يكن يشعر بالقلق خلال انتظاره قرار المحلفين في محاكمته بتهمة القتل".

 هكذا يصف المؤرخ كيفن باسمور في مقدمة كتابه " الفاشية" إحدى الحالات التي كانت منتشرة في مستهل سنوات العشرين في أوروبا والتي يسوقها كمؤشرات مبكرة على استفحال الأنظمة الفاشية فيما بعد، فمؤرخون كثر وضعوا الغباء في طليعة العوامل المؤثرة على سيرورة التاريخ؛ وعندنا قد تكون العنجهية الإسرائيلية  المستديمة أبرز تجليات هذا الغباء القاتل، خاصة إذا عرفنا أن غباءها مكرر عن حالات تاريخية عاشتها بعض الشعوب التي ما زالت تدفع جراءها أثمانًا باهظة.   

من غير المعقول ألآ يكون هناك رابط يصل معظم الأحداث الفائرة على الساحة العامة الإسرائيلية والتي قد توحي للناظرين أنها مجرد تداعيات متفرقة لا يجمعها مولّد واحد، ولا تشحنها ذات المفاعلات، بينما هي في الواقع تقاسيم على مقام الوداع ترافق موسيقى "عامونة" أو لحن الموت يعزف في أزقة المخيمات الفلسطينية و"تفاريده" الموجعة، وهذه تؤكد للغافلين والجهلة والمغامرين من جماعاتهم أن من يعصون تعاليم سماء "يوشع" مصيرهم أن يصيروا قربانًا على رخام التاريخ البارد، ومن يضحي "بأزاريه" في سبيل استرضاء الأمم وضميرها الألكن سيُلقى في غياهب النسيان، ولن يتبقى من ذكراه غير نتف يطيرها  قوس منجّد هذا الزمن المنتوف على هضاب يهودا والسامرة.

فمن كان يتصور أن يتحول قاتل مارق إلى بطل يبعث بفعلته أسطورة داود "المرغم" على قتل جوليات الفلسطيني؟ وذلك حين صوب بندقيته، بهدوء الموت نفسه، إلى رأس جريح فلسطيني كانت دماؤه تتهادى ببطء لتحتضن ثرى مدينة أورثها أبوها أطول حرب جينية بين "أخوين" ضاعا على حافة قرن كبش ثاغٍ بيأس.

لا تحسبوا أن عملية قتل الجندي إيل أور ( اله النور !) أزاريا للشاب الفلسطيني عبدالفتاح الشريف وما تلاها من تداعيات في المحكمة العسكرية ونتائجها التي ما زالت تتفاعل، كانت مجرد حادثة عادية مثل تلك التي سبقتها أو ما سيأتي بعدها. ربما كانت صدفةُ توثيقها بواسطة المصور الفلسطيني عماد ابو شمسية، وتبني مؤسسة "بتسيلم" الإسرائيلية  لها هي من العوامل التي هيأتها لتتحول إلى مسرحية حية تستحضر تاريخ احتلال يمر بتحولات توحشية من يوم إلى يوم ، لكنني أرى أن ما فرضته مشاهد عملية القتل وتبعاتها كانت مسائل مؤجلة تفتش عما وعمن يدفع بها أو بما يشبهها إلى صدارة السجالات الجماهيرية الإسرائيلية والنقاشات السياسية والإعلامية، فحسم بضعة قضايا مبدئية عالقة تريد أكثرية الإسرائيليين حسمها صار هدفًا مركزيًا وهاجسًا تسعى وراءه تلك الجموع التي مثلها أزاريا وهو يطلق، دون أن يخشى كاميرا أو أحدًا، رصاصة الموت على جسد آدمي حي، ومعه من صرخوا ودافعوا عن حقه بقتل الفلسطيني، فهم مثله جنود في فرق الموت الجاهزة.

صرخات المستهجنين من "وقاحة" النيابة العسكرية في تقديم أزاريا إلى المحكمة صادقة، وشجب جوقات المحرضين لدور القضاة العسكريين ومن شهد ضد الجندي القاتل وتهديداتهم المنشورة على الهواء مباشرة حقيقية وجادة، وعلينا أن نصدق أن ذاك الجندي القاتل آمن بطبيعية على أنه يملك حق إنهاء حياة ذلك العربي وكل عربي، وأنه ينفذ وصية وواجبًا من دون أن يعاقب عليه، والأهم أنه كان مقتنعًا بيقين أن أكثرية أبناء شعبه من اليهود "الطيبين المؤمنين"مثله يؤيديونه ويدعمون حقه بقتل هؤلاء العرب، وحتى بطردهم من مدينتهم، لأنها مدينة إبراهيمهم وذريته من الأنبياء والصالحين، ولذلك نجده قد افترض هو وأبناء عائلته والمقربون ومن لف لفهم أن الدولة والجيش لن يضحوا به من أجل ما ادعوه لاحقًا وأسموه بمنظومة القيم الأخلاقية التي يجب أن تسود في صفوف جيش الإحتلال وتحكم تصرفات جنوده.

عملية قتل الشريف الفلسطيني هي مأساة عصرية تحاكي مآسي أزمان شهدت على استرخاص الجثث ومحاكمة الجندي أزاريا  مهزلة تستدعي فصول انهزامات العدل المخنث، ويبقى رهان البعض على معاقبة القاتل بما يستحق على فعلته رهان الخائبين، فنحن أمام آخر مسرحيات العبث وقريبين من فصلها النهائي حيث تدور فيه المعركة على مقاليد الحكم في دولة إسرائيل.

إنها المعركة الأهم، لأن رحاها تطحن ما بقي من عظام الجسد القديم. وهي منازلة على  قدس أقداس هذه الدولة  وعلى صورة أي جيش سينتصر ويسود، فبعد أن ضمنت الجحافل التي خرّجت أزاريا وأمثاله صدارتها في السلطتين التنفيذية والتشريعية، وبعد أن صارت طلائعهم تسكن داخل"عُرٓب" القانون وتراقص بخفة منظومة القضاء والمحاكم وتكاد تسقطها، جاء دور الجيش، فهم يعرفون أن لا قوة بدون خوذات تأتمر وتستعر وتمضي، ويعرفون، كما علمهم سفر الحروب يوشع، أنه بدون تلك البنادق لن يستو لهم ملك ولن يستقيم سلطان!

في البدء سقط اسحق رابين وذلك بعد أن زرع ورفاقه في قمم الهضاب الفلسطينية المحتلة حربًا وحقدًا وظمأً، فحصد ما زرعه من الدم والعدم. موته لم يتحول إلى عبرة، بل أدى إلى حالة من الهلع أوصلت كثيرين إلى مراضاة أرباب التخويف والانتقام وسادة العصا والمال، فالذي تملقهم أو ماشاهم نجا فعاش واحتفى، ومن تمرد ولو قليلًا و"انحرف" دفع الثمن، مثلما حصل مع البعض، وأهمهم كان إيهود أولمرت- الذي عرته النمائم وحاصرته التمائم، وفي ليلة غاب عنها قمره أمسى خائنًا للدولة، كما وصفه القضاء ساعتها، فحكم وسجن وانزاح غيمه عن جبال القدس التي صفت سماواتها وأمطرت على من ما زالوا يتدافعون على أبوابها صارخين: الموت الموت للخونة، والملك لابناء الله الأصفياء.

لم يكن اولمرت وحيدًا فبعده طويت أعلام زرقاء، ونكست رايات بيضاء وقد يكون ما يجري مع بنيامين نتنياهو في هذه الأيام هي قفلة  تلك الرواية: مسيرة الخوذات نحو الهيكل.

حلفاء نتنياهو من اليمين المنفلت يعتقدون أنه أنهى ما عليه من مهام، وغدا يشكل أمامهم عقبة تمنع تقدمهم نحو سدة حكمهم المطلق، فما يؤمن به نتنياهو وحزب الليكود لا يشبع وطر تلك الفرق، ولا يتماشى مع عقائدهم ومشاريعهم التي باتت مكشوفة ومعلنة، فهم مثلًا يعتبرون قائد أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي خائنًا، ومصيره يجب أن يكون كمصير إسحق رابين المقتول ، كما كتب البعض وأعلنوا بعد إدانة الجندي أزاريا.

أمام هذه الضغوطات يحاول نتنياهو أن يثبت أنه الأشرس ومثال اليميني القومي الأصلي، وبهذا الدافع يقرر أن يضرب بجميع عصيه ليكسر عظام أعداء الأمة والدولة، فيغير على بيوت قلنسوة العربية مسترضيًا فيالق "العامونيين" الجدد ومحاولاً احتواء غضبهم، كما ويبادر لكتابة "بوست" على صفحته الخاصة ليؤيد فيه إصدار عفو عن أزاريا الجندي القاتل، ويدعم ويدفع بعدة مشاريع قوانين تستهدف جميعها حقوق مختلف الأقليات وفي مقدمتها المواطنين العرب.

لقد استشعر نتنياهو ما يعد له من قادهم على ذلك المنزلق،  لكنه يدرك في ذات الوقت أن العودة إلى الوراء ستعرضه للسحق تحت الأقدام الزاحفة، بينما ستكون الهاوية قدره إذا ما استمر بانزلاقه الخطر.

قبل أيام طلب طاقم الدفاع عن الجندي القاتل أزاريا تأجيل جلسة المرافعات بشأن العقوبة، من اللافت أن الطلب قدم في أجواء تتسم بهجوم متصاعد على القضاة والنيابة والشهود وملاحقة المصور أبو شمسية وتهديده، وبعد جلسة تمت بين قائد الجندي المباشر وأبناء عائلته وصفت كجلسة تلطيف الأجواء بين الاطراف، وفهمنا مما نشر أن النائب العسكري قد اعترض على هذا الطلب،لكنه ضمّن إجابته شهادةً تفيد بأن أزاريا كان جنديا مميزًا وإيجابيًا لغاية يوم حادث القتل!

في العام ١٩٢٤ منعت الجموع انعقاد المحكمة في مدينة فوكسياني بسبب اندلاع أعمال شغب عنيفة، فقررت الدولة نقلها إلى قرية وادعة صغيرة اسمها تورنو سيفرين الواقعة على نهر الدانوب البعيد، وأملت أن تكون أجواؤها أكثر هدوءًا لإتمام المحكمة، لكن الآلاف من أنصار الفاشي كورديانو انتفضوا حتى كانت تبرئة القاتل هي نهاية المحكمة تمامًا، كما توقع هو وأمثاله، هكذا سجل التاريخ أحداث تلك القضية الصغيرة التي ذكرتني اليوم فيما يملأ شوارع فلسطين وحاراتها.

في الجو إشارات تشي بوجود محاولات لايجاد حل يرضى عنه أزاريا وتلك الجموع الصاخبة، فمهما يكن الحكم الذي سيصدر ستبقى عملية قتل الفلسطيني في هذه الأجواء مجرد "فدية" يسكت عنها قادة إسرائيل الخائفين على مصائرهم، وليست أكثر من حادثة ستطويها الأيام على رفوف محاكم نفر من فضاءاتها العدل، وهو الذي يطل علينا من السماء عاريًا  وملتبسًا.     

اننا نعيش في عصر قد تكون نهاياته شبيهة بما حصل في تلك الدول عندما انتصرت فيها فرق الموت على عشاق الحياة ساعة صمتت أكثرية البشر معتقدة أن الموت بصير وحكيم ! إنه عصر ما بعد نتنياهو.

 

 

 

 

 

الحركة الأسيرة.. ومضى عام آخر

جواد بولس

مع نهاية العام المنصرم أصدرت بعض المؤسسات الفلسطينية التي تعنى بشؤون الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي تقريرها السنوي، وفيه العديد من المعطيات الهامة التي تلقي الضوء على واحدة من أكثر حالات المعاناة التي عاشها ويعيشها الشعب الفلسطيني بكل شرائحه وطبقاته في الضفة المحتلة وقطاع غزة، ووفقًا لما أفادت به مصادر "نادي الأسير الفلسطيني"- وهي إحدى المؤسسات الرائدة والبارز نشاطها في ميادين الدفاع عن المعتقلين والأسرى والمحررين الفلسطينييننعرف أن حصيلة الاعتقالات الإسرائيلية  في العام ٢٠١٦ طالت ما مجموعه (٦٤٤٠) مواطنًا كان من بينهم ( ١٤٠امرأة و (١٣٣٢) قاصرًا.

يعتبر هذا التقرير مسحًا سنويًا مهنيًا شاملًا لممارسات جيش الاحتلال وأذرعه الأمنية ضد الفلسطينيين الرازحين تحت قوة بطشه، حيث يجد فيه قادة الفصائل الفلسطينية، إذا أرادوا، والمعنيون والمتابعون لقضية الأسرى وللحالة الوطنية العامة، علاوة على المعلومات الرقمية، دلالات ومؤشرات جوهرية تشي بحقيقة السياسة الإسرائيلية المخططة بعناية، وما تستهدفه من وراء موجات الاعتقال المتتابعة والتحقيق الدقيق وسجن الآلاف وراء قضبان العتمة والقمع، وليس فقط على صعيد من يعتقل.

عن بعضها سأكتب في مقالي هذا

قد يكون مقلقًا أو حتى مستفزًا أن نقرأ أن عدد الأسرى الأمنيين، كما يسميهم قاموس السجان الإسرائيلي، بلغ حتى نهاية العام ٢٠١٦ في السجون نحو (٧٠٠٠) سجين منهم (٣٠٠) قاصر و(٥٣) سجينة بينهن (١١) قاصرة، وقد نشعر بوخز حقيقي إذا تخيلنا أن وراء كل رقم من تلك الأعداد هناك حالة إنسانية صارخة، لكننا إذا تمعنا  فيما جاء من حقائق سيقت على سبيل التوصيف والتوثيق، سنجد أن الأهم من هذا وذاك يختبئ في ثنايا الكلام وبين السطور؛ فالاحتلال حاول عمليًا عن طريق تنفيذ اعتقالاته، كما وصفت في التقرير، أن يضع حدًا لما استشعره كبراعم لظاهرة نضالية فلسطينية جديدة، وذلك بعد أن أخضعت عيونه إحداثيات المٓشاهد التي رافقت الهبات في الشوارع والساحات لمباضع التحليل والاستقراء والدراسة، وبعد أن رصدت وحداته الخاصة مجمل التفاعلات والتأثيرات التي سببها النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، فلقد توصل متخصصوه إلى أن "حطب الثورة"، التي حسبها قادته قد انطفأت، تجددت نارها وانبعثت عن طريق أجيال من الفتية والشباب حديثي السن، من الذين بدأوا يتمردون على محاولات تدجينهم أو إبقائهم تحت جوانح آبائهم المتعبين، وعلى من سبقوهم من مقاتلين فتّ القهر في عزائمهم وأرقد اليأس آمالهم؛ فوفقًا لما جاء في التقرير المنشور  يتبين أن "فئتي الشباب والفتية كانتا الأكثر عرضة لعمليات الاعتقال إضافة إلى أنهما أكثر الفئات التي تعرضت لاعتداءات جسدية خلال حملات الاعتقال التي نفذها جيش الاحتلال بشكل يومي".

 لن يضل القارئ ما تخفيه هذه السياسة من غايات، لا سيما إذا تابعنا ما كتبه معدوه  حين وجدوا أن من تلي تلك الفئات المستهدفة كانت "فئة الأسرى المحررين الذين أعاد الاحتلال اعتقالهم بعد قضائهم لفترات متفاوتة سابقة في سجون الاحتلال"،  فاذا جمعنا بين هؤلاء الأسرى المحررين، من كانوا بناة الأمل وطلائع النضال في وجه الاحتلال، وبين الأسرى الفتية والشباب، من يحاولون رفع الرايات والسير في طريق الحرية البيضاء، نخلص إلى نتيجة واحدة وحيدة، وهي أن المحتل يهدد ويعلن بما لا يقبل الشك: مٓن تحرر منكم أيها الفلسطينيون مصيره مرة أخرى إلى عدم والعيش في الظلمة، ومن يرفض، في العام الخمسين لاحتلالنا القوي، ما قبلته نمور زكريا تامر في يومها العاشر سيذوق طعم أصفادنا الجاهزة ولن ينعم بحرية ولا بعيش عائلي رغد وجميل.         

من اللافت أن القدس كانت في السنتين الأخيرتين في قلب العاصفة وتصدر شبابها باب المواجهات مع قوات الاحتلال وأشعلوا مشاهد أعادت إلى الأذهان بعضًا من بريق أعوامها "الفيصلية" الذهبية الخوالي حين كانت شوارعها تنضح بالعزة وتضج بالعناد ورفض اصطباغها بالوان السياط والقمع والخنوع. فمنذ سنين وإسرائيل تحاول، بنجاح نسبي ملموس، تدجين أهلها وتبذل في سبيل ذلك جهدًا متواصلًا يرمي إلى تفتيت مجتمعها وتبديد وجوده الجمعي وإرفاق أعضائه كخلايا أحادية التكوين في الجسد الإسرائيلي النابض، وقد حققت سياسات إسرائيل نجاحات بارزة في هذه الميادين، خاصة في السنوات التي تلت رحيل أميرها فيصل الحسيني، وكثيرون بدأوا يشعرون بيأس كبير واستياء، فجاءت الخضة من مجموعات شبابها وهزت ما ساد من سكينة غير وادعة وروتين قاهر. تلك المجموعات، على محدودية أعدادها، انتصرت متمردة  لكراماتها المسحوقة، ورافضة العيش في ظل مرارة "اليتم" وجحود الأقرباء، فأعلنت تحديها لتمادي كتائب المستوطنين واعتداءاتهم الوحشية على كل شيء عربي في مدينتهم، على البشر والحجر والشجر، وفي حالة عجز مقدسية بدت للناظر، طيلة تلك السنوات العجاف، أن "العروس" ليست كما تنبأ لها "النواب"، المنفي في التيه والدخان والثلج، بل صارت تغتصب جهارًا نهارًا وليس فقط من وراء الأبواب.

على هذه الخلفية تأخذ قراءة ما جاء في التقرير عن القدس مناحي غير نمطية وأبعادًا أكثر وضوحًا لأننا نفهم أن "مواطني محافظة القدس كانوا الأكثر عرضة للاعتقال خلال العام ٢٠١٦، وذلك بواقع اعتقال (٢٠٢٩) مواطنًا مقدسيًا بينهم (٧٥٧) قاصرًا و(٧٩) إمرأة .." فوراء هذه الأرقام الاستثنائية تستتر سياسة الردع الإسرائيلية والتخويف، خاصة إذا علمنا أن كثيرين من المعتقلين قد أفرجت عنهم السلطات والمحاكم الإسرائيلية بشروط مقيّدة ضيّقت عليهم حرية الحركة والتنقل والعبادة والعمل.

لقد تعلمنا من تاريخ الشعوب المقاومة للاحتلال ومن إنجازات حركات أسراها السياسيين والذين سطروا مواقف حفظها تاريخ الأمم كأوسمة على جبين الإنسانية الوضاء، أن من أهم المكاسب التي يجب المحافظة عليها حتى في ساعات الشدة وإيصاد معظم المنافذ، نجد اثنين في الصدارة: ضرورة إبقاء جذوة الأمل حيّة تتقلب لو في الصدور فقط، وعدم التخلي عن عنصر المفاجأة الذي يجب أن يبقى مفاعلًا يحرك التاريخ حتى لو بدا كأنه يحتضر. من هنا يجب الحذر من خسارتها، بصبر وترو وحكمة ويقظة، فشعب يرزح تحت احتلال ويعيش بأوراق كلها مكشوفة لا أمل له في حرية ولا بدولة. ومن يراجع تجربة الأسرى الإيرلنديين، على سبيل المثال، أو الجنوب إفريقيين، سيرى كيف حافظ قادة تلك الحركات على هذين العنصرين وضمنوا نهايات لم يرغب بها غريمهم الذي تصرف أحيانًا وكأنه سيد الليل والنهار والعارف بالمخفي والقابض على كبد الأمل.

ما يحاول الاحتلال ضمانه واضح، فمن لا تكسحه عصا الاعتقال العادي، كما ورد أعلاه، يلاحق إداريًا ويسجن من غير تحقيق أو تهمة أو فرصة للدفاع عن نفسه كما يقر المنطق والقانون؛ فمن المعلومات التي أوردها التقرير يتبين أن هنالك تصعيدًا في سياسة الاعتقالات الإدارية، فقد تزايدت أوامر الاعتقال، خلال العام ٢٠١٦، بشكل ملموس حتى وصل عددها إلى (١٧٤٢) أمرًا، من بينها سنجد ( ٦٣٥أمرًا جديدًا، بينما وقع القائد العسكري على (٢٠) أمر بحق أسرى قاصرين، وعلى (٣) أوامر بحق نساء وعلى (٥) بحق نواب في المجلس التشريعي الفلسطيني وعلى (٩أوامر بحق صحفيين عاملين، وعلى (٤٠) بحق مواطنين مقدسيين، على الرغم من عدم استعمال هذه الوسيلة لعدة سنوات في نطاق مدينة القدس.

لن آتي على ذكر كل ما ورد من معطيات بشأن قضية الأسرى وما طرأ عليها خلال عام مضى، أو ما قد يصيبها في عام اندفع قبل أيام بملامح تشير أنه سيكون أسوأ بما يحمله من نوايا يفصح عنها معظم وزراء الحكومة الإسرائيلية وتبينه التشريعات المنجزة في الكنيست أو المخطط لإنجازها، ففقدان الأمل الفلسطيني هو غاية الغايات المرجوة مما يمارس من سياسات وما سيمارس، وفضح خزائن المستور الفلسطيني غاية أخرى تعتقد إسرائيل الرسمية أنها قاربت على تحقيقها، ولديها ما يكفي من أسباب تعزز قناعتها، خاصة ونحن نعرف كما يعرف قادة الحركة الأسيرة الذين كتبوا وتحركوا مؤخرًا: "في ضوء ما  وصلت إليه الحركة الأسيرة الفلسطينية من حالة الضعف والترهل والانقسام وغياب العمل المشترك والموحد منذ ما يزيد عن عشر سنوات"، وبعد استشعارهم لدرجة الخطر وجهوا الى جميع الأسرى وتنظيماتهم في السجون وثيقة هامة، حيث قام على تحريرها قادة من بينهم، وذلك في مسعى منهم لإحياء دور الحركة الأسيرة واستعادة قوتها ونبضها، لأنهم يعرفون أنه "في ظل الاستغلال المستمر من قبل سلطات السجون لهذا الواقع الصعب واستفرادها بكل سجن أو قسم أو فصيل أو مجموعة وانطلاقًا من القناعة التامة من أن الإرادة الجماعية للأسرى ترفض استمرار هذه الحال فلقد اتٰفق على أهمية العمل المشترك والتنسيق المكثف لتحقيق مطالبنا".

من يرغب في مساعدة الأسرى بشكل حقيقي ليدقق بما كتبوه وليقف معهم في معركة محقة عناوينها معروفة وسقوفها كذلك، فمن الطبيعي أن يقرأ القادة الفلسطينيون ما بين سطور التقرير وما تقوله النقاط على حروفه، أما الأسرى فلقد عاشوا ويعيشون التجربة في مآقيهم وعلى جفونهم ويعرفون أن الغاية من وراء سياسات الاعتقال وطرقها واضحة ونتائج ضعف الحركة الأسيرة، كما كتب معدو تلك الوثيقة الهامة، كانت وبالًا على منجزاتهم وآمالهم، ويعرفون كذلك أن نيسان قادم، فهل سيأخذون الحلم الفلسطيني إلى حيث تكون الريح؟

 

 

 

رسالة مفتوحة لمريام نائور

جواد بولس

سعادة رئيسة محكمة العدل العليا الإسرائيلية،

قد يبدو لك ولكثيرين غريبًا أو حتى مستهجنًا أنني اخترتك لتكوني عنوان رسالتي/ مقالتي الأسبوعية الأخيرة لهذا العام، ولربما كان أكثر انسجامًا أن أكتب عن واحد من تلك المواضيع البارزة التي تفاعلت مؤخرًا عندنا في فلسطين الكبيرة أو حصرًا بين المواطنين العرب في إسرائيل، علمًا بأن انتخاب واحدة من تلك المسائل الضاجة لم تكن مهمة صعبة، فأوضاعنا العامة مقلقة وتُبكي الغريب، وبعض قياديينا يتصرفون وكأننا في أحسن أحوالنا وفي قمة مجدنا، ومنهم من يندفع صوب النهر والوجع بشجاعة الرعد وهزيمه، حتى تخالهم شخوصًا من الأساطير يركبون جيادًا عيونهامغمّاة.

كان محفزي لكتابة هذه الرسالة ما قرأته عن خطابك في بيت رئيس الدولة في الثامن من الشهر الجاري، وذلك لأنني متيقن من أن بعض ما قلتِه على الملأ كان مستفزًا لبعض من حضر ذلك الاحتفال- حيث جرى في تنصيب عدد من القضاة الجدد المنضمين الى جهاز القضاء الذي تقفين على رأسه، خاصة وأنك تؤكدين أمام من يفلسف عنصريته ويسوّغها باسم الأرض والسماء أنه لا يمكن "فهم الدفاع عن المبادئ الأساسية وعن حقوق الانسان كأعمال غير ديمقراطية، فهي تجسيد للديمقرطية ذاتها.." فبهذا الكلام  أنت تستعْدين عمليًا كل من يتأهب، من الحاضرين والغائبين، للركوب على مركبات النار وإتمام حرثهم لأرض "المختلفين" ولتلقين "الطوابير الخامسة" دروس السادة والعبيد.

في الواقع ما جرى في بيت رئيس الدولة كان جولة إضافية في معركة فرضت عليك وعلى معظم قضاة المحكمة العليا، وذلك بعدما وصلت نيران قوى اليمين المدمر إلى أحراجكم وبيوتكم. فإحساسكم  بأن منظومة الحكم في إسرائيل قد استوطِنت عمليًا من قبل عناصر ظلامية عنصرية كان صادقًا، واستشعاركم بأن قادتهم يسعون إلى التسلط على جهاز القضاء لإحكام القبضة على رقبة الدولة وإقامة نظام حكم مستبد ديكتاتوري أو مملكة الأنبياء الموعودة، لم يُبقِ لكم فرصة ودفعكم إلى خوض هذه المواجهة الفريدة.

لم أكن هناك، ومع هذا يساورني شعور بأن من حضروا ووقفوا عند الحكمة فيما أكدته أمامهم قد غادروا المبنى، بعضهم آسفًا وبعضهم راضيًا، وهم على قناعة بأن وقتكم قد فات، فما كان ينتظركم وينتظرهم في الهواء وفي جنبات ليل القدس الفاحم كانت أصوات هي أقرب لفحيح "هيدرا" ذات الرؤوس القاتلة من صوت المعجزة والأمل؛ فمن هناك، من بيت الرئيس المقام على "دوار سلامة" وكيفما وليت وجهك، نحو القطمون أو المالحة أو هار-حوماه أو جيلو وأبعد وأبعد حتى تصلي هضاب "عمونة" وأخواتها، كان البرق والرياح تعلن أن صلاحية جهازكم وسلطتكم القضائية تقترب على النفاد ومصيرها أن تلتحق بأختيها التشريعية والتنفيذية، وذلك على الرغم أو ربما بسبب إعلانك أن: "حكم الأكثرية هو شرط ضروري للديموقرطية، لكنه شرط غير كاف، لأن انعدام الكوابح على قوة الأكثرية من الجائز أن يحول سلطتها إلى حكم مستبد"، فالمأساة، إذا كنت لا تدرين، أن الأكثرية اليهودية التي تتحدثين عنها وإليها تؤمن فقط "بالكراتوس" (بالسلطة) وأما "الديموس" (الشعب)، ليس اكثر من حناجر تصرخ وسواعد تبطش وأقدام تدوس على الحقوق ومن يطالب بها أو يدافع عنها.

عندما قررت توجيه رسالتي إليك تذكرت أنني خاطبت، قبل أكثر من ستة أعوام، الرئيسة السابقة للمحكمة العليا في رسالة مفتوحة عرفتُ بعد نشرها أنها قرأتها، وناقشتني بفحواها متذكرةً ما كتبته لها و: "كم صرخت في آذانكم.. كم مرة أكدت أنني أخاف عليكم؛ فأنا كإنسان أريدكم، أنت وزملاءك القضاة، أقوياء وسدنة لصفاء القانون الذي يحمي الضعيف من سلطان مستبد عاسف. وأكدت أنني كمواطن في الدولة أريدكم أقوياء، وأحتمي بقوتكم عندما يسلب حقي جورًا..وأنني كابن لأقلية قومية في هذه الدولة أريدكم ترسًا يصد عني مخالب تدميني وأنيابًا تجيد القبض على كل مقتل في جسدي".

هكذا كتبت لكم قبل ستة أعوام، داومت، كما تعرفين، خلالها على محاولاتي لإقناعكم بأنكم تسيرون على منزلق خطير، وأنكم ستدفعون ثمن مواقفكم، التاريخية والآنية على حد سواء، وحذرتكم مرارًا مما كنتم تحسبونه تعزيزات لبنيان دولتكم التي تشاوفتم أمامنا بديمقراطيتها الواهية، واستشرفت أنه سينقلب عليكم المنقلب وعلى كل يهودي سيتجرأ على رفع صوته يومًا بما لا ينسجم وأصوات "القطيع" وتلك الجوقات اليمينية العنصرية الناعقة وفرقها الضاربة، وكنت أردد على مسامعكم رغم امتعاضكم من وضوحي مؤكدًا أن: "تلك القوى كالعلقات، لا تكتفي ولا تشبع. فبطبيعتها تعيش على مزيد ومزيد".

كم مرة عُنفت، يا سيدتي، لأنني طالبت بمساواة حكم العربي مع حكم اليهودي ووُصفت بالوقح لأنني "تماديت" مستفسرًا ومتسائلًا لماذا التفرقة عندكم؟ فحاول زميل لك أن "يبوقني" بصراخه دون أن يأتي بأي حجة تفند "وقاحتي" أو تعلل سياستكم العنصرية. أمّا عندما كنا نتظلم باسم فلاح فلسطيني أو شيخ وقع ضحية لإرهاب يهودي لم نلق إلا الإعراض، ولم نسمع إلا الشعار المستفز : إنهم "أعشاب شاذة" وأعدادها قليلة! هلا ترين معنا كيف كانوا أقلية وصاروا بينكم وأصحاب الهضاب وحراس أبراج القلعة ! 

قصتنا، نحن العرب مع الجهاز القضائي للدولة طويلة وجديرة بأن تستقصى من بداياتها التي كانت قبل ولادتي كعربي بسنين قليلة، لأن القضاة شعروا، مثل باقي القيادات المؤسسة في الدولة الفتية، أنهم أصحاب البيت وحماة الحصن والحائضون عن قيم الكيان الجديد وبناة مجتمعه الآدمي العصري المؤمن بأسس الديمقراطية الغربية المنقوصة. حينها تبنّى رجالات القانون نظرية "الأمن" تمامًا كما هندسها ووضعها أمامهم جنرالات المؤسسة العسكرية والأمنية، وتجندوا من أجل ضمان إشاعة معانيها بشكل عملي، وتفوق مفاهيمها بشكل فعلي على كل قيمة قانونية أخرى وحق أساسي مهما علا شأنه المجرد، هذا علاوة على تقبل جيل القضاة المؤسسين، حتى ولو بالكتمان، للمفاهيم المؤسسة الرسمية التي صاغت علاقة الدولة وأجهزتها تجاه مواطنيها العرب، فالفرضية الطاغية في تلك البدايات قضت باعتبار العربي كائنًا سلبيًا وخارجًا عن واجبات منظومات الدولة الإدارية تجاه مواطنيها العاديين، إلا أذا اقتضت الحاجة عكس ذلك، لذلك نرى أن حقوق العربي الباقي في وطنه أجلت وهضمت بذرائع كثيرة ومتعددة، واحتسب بقاؤه خطأ تمنى الجهاز القضائي، مثل ساسة الدولة، أن يداوى، وليس بالضروة عن طريق مساواته الحقيقية بسائر المواطنين اليهود بل على العكس، عن طريق التضييق عليه وشرعنة تلك السياسات العنصرية ضده، وذلك بهدف تطفيش من عاندوا وبقوا .

من المؤسف أن نلحظ  دور الجهاز القضائي الذي كان شريكًا في معظم هذه التطبيقات الرسمية، شراكة اتسمت أحيانًا بجهارة مؤلمة وأحيانًا بتوليفات خبيثة، ففي حين كان القضاة يؤثرون ذرائع الأمن المطلق وباسمها يبررون سحق حقوق الأقلية العربية، كنا نصرخ ، كما صرخ السابقون منا، ليس هكذا يقام العدل ولا هكذا تبنى دول، وأمّا عما قدمه فقهاء القانون والقضاة من أجل ترسيخ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، فالحديث قد يبدأ ولن ينتهي، لأن دور المحكمة العليا في تجميل هذا الاحتلال البغيض وتمرير معظم موبقاته سيحفظه التاريخ وذاكرة شعب ما زالت تواجه جراحها، فللواقع كان معظم قضاة المحكمة المتعاقبين منذ العام ١٩٦٧مسؤولين  غير مباشرين عما مارسه الاحتلال المعرف في القانون الدولي وبين الأمم بالجريمة الكبرى.

سيدتي، لم يسعفني الصراخ، ولا ما كنت أقوله لكم مؤكدًا إننا قد نكون نحن العرب، أوائل ضحايا سياسات القمع والبطش الرسمية، لكننا لن نكون الأخيرين ولا نجاة مضمونة لأحد لأن صوت المسدسات والبساطير يصرخ في ساحاتكم منذرًاإما الخنوع والاستسلام وإما "أعواد المشانق" أو كما تنبأتُ قبل ستة أعوام وكتبت: " إن جهازًا قضائيًا يحتمي بحراس يرافقونه حتى أبواب غرف نومه، لن يقوى على ظالم وقاتل مهما برر ودافع وجهازًا قضائيًا لا يميز بين الضحية والجلاد لن يحمي حتى جلده مهما انحنى وطأطأ رأسه والهامة.."، فأكلت يوم أكل الثور الأبيض التي قصصتها عليكم في مرافعاتي، ولربما لم تذوتوا مغازيها- ستبقى حكمة ضحية ناجزة لضحية تنتظر على خط التماس.

اخترت أن أكتب لك وليس عما يؤرقني في قضايا مجتمعنا العربي لأهمية ما يجري بينكم وتأثيره علينا وعلى وجودنا ولإيماني إذا سقطتكم، رغم أنكم لم تنصفوا قضايانا كما أسلفت، سندخل في الظلمة والتيه الكبيرين، فلقد أخافني شعورك حين احتججت على موقف وزيرة القضاء ووصفت تصرفها تجاهكم كواحد يضع مسدسه على طاولة تفاوض بين طرفين غير أعداء، لقد كنتم أنتم القضاة هذا الطرف الآخر في مجازك الجميل المخيف، لكن كثيرين في الدولة عرفوا منذ عقود أن من يحاول قتل غريم سياسي كسكرتير الحزب الشيوعي مئير فلنر ولا يلفظه مجتمعه سيفتح الطريق لمن يضع القنابل بهدف قتل رؤساء بلديات فلسطينيين انتخبوا رسميًا في نابلس ورام الله وحلحول، وعندما تغض الدولة ومحاكمها عنهم الطرف ولا تعتبرهم جناة وقتلة سيمضي غيرهم في طريق البارود ويزرعون القنابل على عتبات كل من لا يتوافق معهم ، مثل البرفيسور زئيف شطيرنهال وغيره من اليهود الآدميين الملاحقين بسبب أرائهم، فتجارب التاريخ  أدلت بحكمتها وأجهل الجهال من عثر بجحر مرتين أو بجحر ومسدس!     

 

 

 

الشجاعة مقرون بها عطب

جواد بولس

 

ما جرى في لجنة الكنيست ظهيرة يوم الأربعاء الفائت كان متوقعًا ولم يكن صعبًا، كذلك أمر التكهن بنتيجة تصويت أغلبية النواب على توصية هذه اللجنة برفع حصانة النائب باسل غطاس (إذا كانت هنالك حاجة للتصويت)  وذلك تمهيدًا لاستنفاد إجراءات التحقيق معه والتي قد تفضي إلى تقديمه للمحاكمة.

لقد اختار النائب عن حزب التجمع الديمقراطي عدم المثول أمام تلك اللجنة في خطوة لاقت دعمًا من هيئات القائمة المشتركة التي أصدرت بيانًا تبرر فيه موقفها من وجوب تلك المقاطعة بكون الجلسة "تحريضية واستعراضية ومحكمة ميدانية نتيجتها معروفة مسبقًا".

في الحقيقة يليق بهذا التصريح أن يصير مربط الفرس! فإذا تنبأ النائب غطاس ومثله فعلت القائمة المشتركة برد فعل لجنة فرعية في الكنيست الإسرائيلي وأصابوا في حسهم وتقديراتهم، أفلم يكن من الأجدر به أن يتحسس منذ البداية ويستشرف ردود فعل قوافي اليمين وحداتها على ما سينسب إليه من أفعال؟ 

 أبعد من غطاس، القضية عامة  

على جميع الأحوال لو لم تكن لهذه القضية تبعات أبعد من مصلحة النائب غطاس الشخصية ومصالح حزبه  لم نتطرق إليها، لا من قريب ولا من بعيد، ففي النهاية كل من يزرع يحصد، الورد أو العاصفة، لكنها مغامرة فردية غير مسؤولة ومقامرة سياسية خطيرة، هذا إذا صح ما قاله القائم بأعمال  المستشار القضائي للحكومة، راز نزري، في معرض حديثه أمام لجنة الكنيست، مصرّحًا بأن أجهزة الأمن الإسرائيلي وفي أثناء زيارة النائب غطاس لأسرى أمنيين في سجن كتسيعوت الصحراوي، وثقت بشريط مصور عملية إدخال رسائل وأربعة مغلفات تحتوي على هواتف خلَوية وشرائح اتصال عديدة.

من السابق لأوانه التعاطي مع هذه القضية وفقًا لعناصرها القانونية المجردة، فهذا شأن القضاء والمدّعين العامين ومحامي الدفاع، وتبقى، من البداهة، كل الاحتمالات مشرّعة، ولنا في سوابق التحقيق ومحاكمات قادة المواطنين العرب أمثلةومواعظ؛ أما المثير في المشهد الراهن فيتعلق برد الفعل الأولي الذي اختطه النائب غطاس في لحظة تفجير المسألة في الإعلام الإسرائيلي حين أعلن، وقبل بدء التحقيق معه، أن ما نشر "هو جزء من الملاحقة السياسية لقيادة الجماهير العربية وجزء من ملاحقة التجمع الوطني والعمل السياسي بشكل عام"، لقد كان لافتًا أنه لم يتعرض للشبهات التي نشرها الإعلام بحقه على الرغم مما رافقها من تفصيل مهني أوحى بأننا في صدد قضية لا تشبه سابقاتها من قضايا التحريض اليميني الشعبوي الرخيص.  

في الإعلام بدأت ترشح معلومات ومعطيات سرّبت بهدف تأزيم حالة الإرباك التي أصابت قيادات الأحزاب والحركات السياسية العربية فغابت ردود فعل معظمهم،ولم يحركوا لسانًا ولا ساكنًا وحتى قادة حزب التجمع تصرفوا بتروٍ واتزان واضحين مكتفين بشجب محق لتصريحات المسؤولين الإسرائيليين الذين استغلوا الإعلان عن الحدث فوثبوا وانقضوا على باسل وحزبه وقائمته وقومه وجرموه ماضين في تمزيق ما بقي من ذاك الجسد وتقطيعه اربًا، بينما لم يبدأ التحقيق معه ليست هناك لائحة اتهام ولا قرار إدانة

الحكمة قبل الشجاعة

موقف النائب غطاس إزاء ما نشر ضده كان خاطئًا ومضرًا، فالانكار المجزوء والجارف العريض لم يكن خيارًا موفقًا ولم يسعفه ولا سهّل على حزبه مهمة صد الهجمة الشرسة، وفي نفس الوقت لم يسوغ لباقي القيادات السياسية فرصة التعاضد الحقيقي والدفاع العلني عنه، كما ومنع كثيرين من التعبير عن مؤازرته وإسناده بشكل ناجع ومؤثر في وجه هجمة / شبهة سرعان ما تبينت فيما بعد أنها ليست ملفقة من أساسها ومختلقة-  كما صرح واصفًا إياها النائب غطاس على أنها مجرد ملاحقة سياسية له ولحزبه

فبعد خروجه من جلسة التحقيق بدأت مفردات دفاعه  ومضامينها تتغيّر، وذلك كما قرأنا في بيان نشر باسمه معلنًا "أنه لن ولم يقم بأي مخالفة تتعلق بأمن الدولة أو مواطنيها، ولم تكن لديه نية تتعلق بهذا الجانب". ويؤكد أنه لم يقترف فعلًا من شأنه المس بأمن إسرائيل أو مواطنيها، لكنه، في نفس الوقت، لم يتطرق ولو بتلميح لشبهة تهريبه الهواتف الخلَويه والشرائح كما تدعي سلطات الأمن الاسرائيلية، وكأنه يترك هذه الاحتمالية لفهم القراء ويدعها محلقةً في الفضاء، وذلك كي يحتفظ بامكانية حشر الخلاف بينه وبين القضاء الاسرائيلي في مسألة تفسيرية حول كيف يكون المس في أمن إسرائيل، وليس حول حقيقة ما جرى فعليًا في تلك الغرفة المعدة لاصطياده كما يظهر.

من يقرأ بإمعان  تصريحَي النائب غطاس سيجد إشارات لما قد يؤول اليه العراك  مع الجهات الإسرائيلية في المستقبل، فقبل التحقيق وبما يتماشى مع نبرته التصعيدية أكد غطاس أن "زيارة الأسرى الفلسطينيين والاطمئنان عليهم هي حق لنا وواجب علينا ولن نتخلى عنه" مضيفًا بشكل حاسم ومتحدٍّ "أن ملاحقات الشرطة الباطلة وتلفيقاتها لن ترهبنا"، بينما نجده يتراجع، بعد جلسة التحقيق، ويختار تكتيكًا يحاول من خلاله تخفيف قواعد المواجهة، فحق زيارة الأسرى الأمنيين يَرِد عنده في باب "الواجب الأخلاقي الذي يقوم به ضمن مهامه البرلمانية وكقائد سياسي" وليس كممارسة وطنية ومقارعة  للسجان الإسرائيلي، لأنه مقتنع بأن "زياراته للأسرى وتواصله معهم هو عمل إنساني وأخلاقي بحت وهو ملتزم بهذه القضية لأخلاقيتها وعدالتها..فالأسرى هم بشر قبل كل شيء". قال ذلك متأخرًا، وصدق، فواجب من يستطيع الوقوف إلى جانب الأسرى الفلسطينيين لا غبار عليه، ومعاناة الأسرى المزمنة كبيرة  ومعروفة لا سيما في قضية حقهم بالتواصل مع أسرهم سواء من خلال ضمان وتائر الزيارات أو حرمانهم من  استعمال الهواتف العامة كما يسمح  للأسرى الجنائيين مثلًا.    

عندما اتهم النائب غطاس بتهريبه هواتف خلوية وشرائح كانت أمامه عدة خيارات للإجابة، وكلها تتناسب وتجتزأ من دوره كقائد سياسي في المجتمع ومن وعيه لمسؤوليته وتحسسه من تبعات ما يقوم به في المكان والزمان العينيين. لكن خياره المعلن قبل تفاقم القضية كان بمثابة المقامرة غير المحسوبة والمزايدة، بينما يحسب لجوءه المؤجل إلى الدوافع الانسانية والاخلاقية في زيارة الأسرى الفلسطينيين تبريريًا ولن يعوض الخسائر التي منيت بها مصالح الجماهير العربية.

لا تجعلونا لليمين لقمًا سهلة  

  قرأت بعض ما كتب في هذه المسألة، وقرأت تكرار حجة من لا يريدون الاعتراف بالخسارت الجسيمة التي سببها بعض قادة الجماهير المغامرين من دون مسؤولية قيادية عامة، وهم المصممون في مزايدات عقيمة على ركوب البحر بأشرعة حقوقهم المطلقة وشجاعتهم المفرطةوفي كل مرة نبتلى يذكرنا هؤلاء الكتاب والمحللون بأن اليمين الإسرائيلي باطش بطبعه، وصنانيره مدلاة في جهوزية قصوى، وهي ليست بحاجة إلى طعم نعلقه نحن عليها بأيدينا. ما قام به النائب غطاس استغله عتاة اليمينيين، فنجحوا بوضع ملازم على زيارات النواب للأسرى الأمنيين، فخسروا واحدًا من أهم الامتيازات عندهم، وخسر النواب حقًا ما كان في خدمتهمومن الطبيعي أن نفترض أن هذه الضربات هي بدايات تسخين المطارق وشحذ السيوف. وتبقى تلك الأصوات تبرر للزعامات حماقاتها في حين يمضي اليمين بشرائحه وهتافه ضاربًا بفأسين وجهل، فمن يرفض الاعتراف في ما يسببه طيش بعض زعاماتنا ليعُد ويقرأ مجددًا تاريخ محاكم قادة هذه الجماهير، في العقدين الأخيرين، ويرى كيف اختار أو اضطر أصحابها أن يواجهوها أو يتلافوها أو ينحنوا أمامها، ومن لا يريد أن يعترف بهذه الحقيقة ليتمعن كيف يصهر هذا اليمين الظامئ أوراق التهور ويحولها أنهارًا من مطر أسود تروي حناجره وتنعش سواعده

سكوتكم من فضة

ما انتقده هنا يتعلق بمكانة النائب غطاس العامة ونشاطه كشخصية قيادية معروفة يتعدى دورها موقعه في حزب التجمع، فلقد  أخطأ في هذه الأزمة،  وأساء  في إدارتها 

أرى أن على غطاس أن يتحمل كامل المسؤولية ويتصرف بحكمة وشجاعة ليدرأ العواقب عن حزبه وعن القائمة المشتركة وعن الجماهير الواسعة. كلنا يتفهم ضرورة التكافل بين رفاق الدرب وواجب التضامن مع من يواجه قمع السلطة وملاحقتها، بيد أن هنالك محطات في حياة البشر تستدعي الحسم خاصة حين تكون مصلحة الجماهير أعلى وأولى من مصالح الفرد ومصلحة الإطار الحزبي أغلى وأبدى من مستقبل الشخص أو القائد؛ فمن لا يستشعر إلى أين تهب رياح الجنوب الكتسيعوتية وكيف ستضرب سيفاجأ قريبًا بتشتت خيامنا وتمزقها، وحينها سنفيق في ليال سماؤها عارية ملأى بالنجوم الدامعة.

صمت الأحزاب والحركات السياسية والمؤسسات المدنية يشي بحرجهم ويكشف موقف جميعهم إزاء ما جرى، وبعضهم يعرف أكثر من جميعنا. فعلى هؤلاء القادة أن يكونوا حكماء، وليس فقط أصحاب حق، وشجعانًا مع علمهم أن "الشجاعة مقرون بها العطب".        

    

 

 

 

 

مات "نوعم" فلماذا نحزن؟

 

جواد بولس

 

"كم أحزنني هذا الموت المبكر"! كتب لي صديقي نبيل قبل حوالي العامين يعلمني بموت "نوعام كامينر" الذي كان شريكنا في حركة "كامبوس" الطلابية في الجامعة العبرية في القدس. في الواحدة والستين رحل وهو مؤمن بما ناضل من أجله طيلة أربعة عقود ومخلفًا "سمدار"- زوجة محبة وشريكة حياة ودرب، وابنين- متان وكرمل- يسيران على دربه وهدي وصاياه وإرثه الإنساني.

خبر صغير قرأته قبل أيام على صفحة الصديق محمد بركة الشخصية أعادني إلى ثنايا تلك الذاكرة الرمادية، وفي الخبر تفاصيل عن ندوة عقدت في تل أبيب بمناسبة مرور عامين على وفاة نوعام، حيث شارك فيها، إلى جانب بركة، مجموعة من أصدقاء ذلك الزمن الفريد والشركاء في النضال العربي/اليهودي في حقبة استعر فيها الصدام مع طلائع الحركة اليمينية العنصرية في إسرائيل- الذين شكلوا حركة نقيضة لحركتنا عرفت باسم "كاستل"، وقد برز من قيادييها تساحي هنغبي ويسرائيل كاتس وإيفيت ليبرمان، واشتهرت في هجماتها الضارية على الطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية وعلى حلفائهم من الطلاب اليهود، ومنهم نوعام كامينر وليف جرينيرغ وأودي أرنون وكثيرون مثلهم مؤمنون بوحدة الكفاح وبضرورة التصدي المشترك لقوى الظلام والبطش، وعلى الأخص ضد الاحتلال الإسرائيلي من عام ١٩٦٧.

في الحقيقة لم يُكتب كثيرًا وبشكل منهجي ومدروس عن تلك السنوات وما تخللها من أحداث جسام بدأت في أوائل السبعينيات واستمرت لعقد ونصف من الزمن. فالحركة الطلابية العربية الجامعية شهدت نجاحًا ملحوظًا في تأطير نشاطها ونضوجًا في واحدة من أهم تجارب العمل السياسي والاجتماعي، وذلك حينما استطاع قياديوها بناء ومأسسة لجان الطلاب العرب التي تصارع على التحكم في مقاليدها حركتان وحيدتان على الساحة  هما، "جبهة الطلاب العرب" التي كان الحزب الشيوعي، ذو النزعة الأممية، أهم مركّب فيها من جهة، و"حركة أبناء البلد" ذات النزعات القومية من جهة ثانية.

سيرة نوعام كامينر تكتنز كثيرًا من تاريخ ما يسمى باليسار اليهودي سواء من عرفوا أنفسهم بيساريين صهيونيين أو من تخلوا عن الصهيونية وعافوها لينضموا إلى أحزاب سياسية وحركات غير صهيونية مثل الحزب الشيوعي الذي استقطبت حركة شبيبته (بانكي) نوعم كامينر في مطلع حياته.

معظم المشاركين في الندوة المذكورة أكدوا على ما آمن به عمليًا نوعام كامينر ورفاق دربه، وأجمع الحاضرون على أنه حتى إذا كان عدد هؤلاء الرفاق قليلاً فتبقى الحاجة لإحياء درب النضال العربي اليهودي وصدّ قوى اليمين المستشري مهمة أولى وصعبة. هذه المهمة هي شرط مقيم ومؤسس في حياة جميع من يؤمنون بالشراكة الحقة وبالمشاركة السياسية المتساوية وبضرورة إنهاء الاحتلال وإحلال السلام وإحقاق حقوق الأقلية الفلسطينية المواطنة في اسرائيل، المدنية منها والقومية.

لا أعرف ماذا جرى في السنوات الأخيرة، ولماذا تغيرت أساليب النشاط وخفت الصوت بين صفوف الطالبات والطلاب العرب في جامعات إسرائيل، وعلى الرغم من كوني بعيدًا عن الأجواء الحقيقة إلا أنني أشعر ككثيرين بتغيير جذري في وتائر العمل النضالي  وأشكاله، بل إن البعض يلمس الخسارة الواقعة في الأرصدة التي تركتها أجيال البنائين في تلك السنوات الصاخبة والهامة.

من الطبيعي أن يتأثر عالم الكامبوسات الجامعية بما يحيط به من معطيات ومتغيرات اجتماعية وسياسية وغيرها، فصعود الحركات الإسلامية من جهة ونشوء جيوب هلامية الانتماء الوطني (وهذه لم تكن في زمننا) من جهة أخرى، وضعف قوة الجذب الجبهوية في مواجهة الصوت القومي العالي وغيرها من المؤثرات قد تكون أهم ما أثر على العلاقة بين القوى الطلابية العربية واليهودية المستعدة للتحالف في وجه اليمين وفصائله المتعددة والمتزايدة والقضاء على وجودها الحقيقي في أغلب المواقع

لا يمكن أن ننصف التجربة من دون أن نشير إلى أمراض اليسار اليهودي المزمنة والتي كان لها عظيم الأثر في إفشال العديد من التجارب النضالية، فتردد بعضهم  وشعور آخرين بفوقية مؤذية، وانتهازية فرق منهم نجحت في التذيّل حتى أرهقت التجربة وشوهتها، بل هناك ثنائية قيمية حكمت تصرفات مجموعات منهم وأفراد، كلها كانت عوامل أثرت بتفاوت على نجاح الفكرة أو فشلها، وذلك منذ بداية إقامة لجان التضامن المشترك، ومثل ذلك حصل مع قرية "بيتا" الفلسطينية التي حوصرت في ذلك العصر، أو مع لجنة التضامن الشهيرة مع جامعة "بير زيت"،  أو في المشاركة في حركة "كامبوس" الجامعية ودورها المميز في تلك السنين.

لمن يراجع سيرة نوعم كامينر سيجدها مغايرة ومميزة، وفيها ما قد يعطي الحائر دليله والسائل مراده، فهو بدون ريب يعكس صورة المناضل واليهودي المختلف الذي لا يكل رغم الفشل، ولا ييأس رغم الصعوبات وتعثر الفرص.

كانت بداياته، في أواخر السبعينيات، يهودية متأرجحة إلى أن صفا واتعظ وصحا، فرفض الخدمة في جيش الاحتلال بعد أن جربها وشهد ما يسببه هذا الجيش من دمار وعذابات لضحاياه العرب. سجن مرارًا لرفضه الخدمة العسكرية مؤْثرًا دفع حريته ثمنًا على أن يكون شريكًا في استعداء الإنسانية والعدل، ثم وقف مع الحق واضحًا ضد الاحتلال الاسرائيلي ومقتنعًا بضرورة الشراكة التامة الصادقة مع المواطنين العرب في إسرائيل. كان دائم الحماس الشبابي، لم يشخ ولم يهن.

بادر لاقامة عشرات التنظيمات السياسية والاجتماعية، فكلما كان يفشل أحدها سارع لإقامة آخر، هكذا حتى رحيله عن إرث غني وتجربة فذة يقدر على خوضها قلة من البشر. ربَّى أعداداً من الشبيبة الذين يقتدون بطريقه ويسيرون عليه، ونجد أبرزهم ابنه متان الذي يرفض الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال، ويدفع باسم ضميره والحق أقساطًا من حريته الشخصية تمامًا كما علمه والده، و خلّف عائلة تريد أن تعيش وتدع الآخرين يعيشون بحرية وكرامة وبشراكة واعية كاملة الخصال والخواص.

"لماذا نحن حزينون على موت نوعم" سألني صديقي، مذكرًا أننا لم نلتق به منذ سنوات طويلة، وبعضنا لم يعد مؤمنًا بتلك الأممية الناصعة، أو على الأقل ليس على تلك الطريقة الرومانسية الساذجة كما آمنّا بها ساعة وقفنا في ساحات الجامعات وهتفنا مع نوعم ورفاقه في وجه قوى اليمين: "الفاشية لن تمر" و"تحيا الأخوة العربية اليهودية".

في الواقع كثيرون من رفاق نوعم اليهود تركوا ذلك الدرب وابتعدوا عما هتفوا من أجله حين شاركوه حلم حركة "كامبوس" الطلابية أو تجارب كفاحية أخرى، ومنهم من كفروا بمبدأ الشراكة الأممية ووحدة المصير الإنساني، مثلهم فعل كثيرون من رفاقه العرب، فبعضهم عاف السياسة والسياسيين، وهناك من اختاروا عالم البيزنس وجهةً أو التيه طريقًا، وآخرون اهتدوا إلى سهولة مسالك الغيم ووعود السماء، بينما لبى غيرهم نداء علم العروبة فرهنوا جماجمهم لعزه سلما، وقلة من اليهود وأكثر من العرب ما زالت تؤمن أن المستقبل على هذه الأرض لن يسلم  إلا إذا كانت المسيرة مشتركة والشراكة حقيقية بين جميع من لا يقبلون الظلم والقمع والقهر.

لماذا حزنَا عندما مات نوعم إذن؟

 لقد كان وسيمًا سمرته الخفيفة تذكرني بعصافير الشرق، دائم البسمة يتنقل بخفة  قوس قزح وبجماله، يحافظ على هدوئه في جميع النقاشات، ومهما كانت النار قريبة من حرجهكان لا يتهرب من مواجهة الأسئلة ولا تردعه كثرة الاحتمالات. يحاول تفكيك المعادلات بصمت وروية ويفتش دومًا عن أصوب المسارات حتى وإن كان أوعرها، بصيرته صافية لا تشوهها مشاعر قومية ناعقة وبصره حاد يستعين ببوصلة تتجه نحو نجمة السعادة.

لم يسع وراء المطلق، ففتش عن عدل يكون من صناعه مع آخرين من طينته، لأنه عرف أن عدل السماء يبكي الجن وعدل الطغاة أكسح، آمن بالانسان قيمة لا بعدها ولا أعلى منها، فالارتفاع على أكوام من ذل الغير لا تؤدي إلا إلى الهاوية.

بكينا نوعم لأنه كان بسيطًا حقيقيًا متواضعًا وكان مرآتنا حتى وأن خشي البعض أن ينظر فيها. تذكرنا أننا لم نلتق به منذ سنين طويلة، لكننا شعرنا أننا قابلناه أمس، وأننا في الواقع لم نفترق عنه يومًا، ولم نرد ذلك الفراق.

لم أشارك في لقاء استذكاره في تل أبيب، لكنني أعرف أنه رحل في وقت عصيب وترك شذرات من إيمان تفتش عمن يتنشقها و تسأل عن عاشقيها، وقد يكون بعضها قد سقط في ذلك الملتقى حين تذكره الحالمون وكثيرون من الرفاق، وبينهم صديقه محمد بركة -الذي صار مع السنين رئيسًا للجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل،- والمؤمن مثله بتلك الشراكة وبذاك الدرب وبمستقبل أفضل رغم السواد.

لكن المشكلة كانت وستبقى عند من لا يرون في الشمس، فكيف سيرون في حالك الظلام؟               

      

 

 

 

وحدة غير كافية

 

جواد بولس

 

عندما كانت النيران تبلع ألسنتها وتتراجع عن سفوح الكرمل مفسحةً فضاءات أرحب لنعيق غربان التحريض على المواطنين العرب الذين سرعان ما أمسوا، مرة أخرى، عند أتباع "توراة الملك" جناة ومسؤولين عن تلك الحرائق، قرأنا إعلانا صادرًا عن "مؤسسة محمود درويش للإبداع" ومقرها في قرية كفرياسيف الجليلية تدعو فيه وبالتعاون والاشتراك مع المركز اليهودي - العربي في جامعة حيفا، الجمهورَ لحضور أمسية فنية وغنائية مخصصة لشعر شاعر فلسطين الكبير كما جاء في الدعوة.

أقيم الاحتفال في السابع والعشرين من الشهر المنصرم في قاعة كيبوتس الكابري،  ولبى الدعوة له  قرابة الخمسمائة إنسان كان نصفهم من اليهود، والآخرون عربًا لم يكن بينهم نائب واحد عن القائمة المشتركة أو قيادي بارز عن لجنة المتابعة العليا وأخواتها من المؤسسات الهامة، وذلك في مشهد يعكس حالة هذه القيادات وما يقفون على رأسه.

كان الحدث، كما وصفه المنظمون، عبارة عن احتفالية بشعر محمود درويش وتقدير لتراثه العظيم، ولم يكن اختيار التوقيت صدفة، بل متعمدًا في هذه الأيام العصيبة وعلى "خلفية أعمال العنف المتداعي في الأشهر الأخيرة في جميع أنحاء البلاد، وذلك لتمكين مجموعة مميزة من الشعراء والموسيقيين والممثلين والكتاب والأكاديميين من اليهود والعرب التعبير عن تقديرهم لأكبر شعراء فلسطين". فالمنظمون أطلقوها رسالة مقاومة حضارية وردًا سياسيًا حقيقيًا وصارخًا على غزوات أحزاب اليمين المحموم المشنونة على الأقلية الفلسطينية وعلى قياداتها ورموزها الثقافية - وفي طليعتهم صاحب الجدارية وتراثه.

مرّة أخرى نشهد حدثًا كبيرًا يعيدنا إلى إشكاليات ترافق أساليب النضال المتبعة من قبل الأحزاب والهيئات التنظيمية خاصة فيما يتعلق بالنشاطات العربية المختلطة  المشتركة وردود الأفعال إزاءها، فلماذا غابت القيادات، أو من ينوب عنها رمزيًا، عن ليلة كلها تحدٍ؟ لماذا غابوا لا سيما من يحترم منهم محمودًا أو من يؤمنون بالشراكة العربية اليهودية الحقة؟  

في البلاد تتوالى الأخبار عن ممارسات عنصرية تستهدف نزع الشرعية عن المواطنين العرب وتحاصر وجودهم في شتى مجالات الحياة ونواحيها؛ لم تعد تلك الاعتداءات هامشية ومنفذة في العتمة، بل أصبحت "رياضة قومية" منتشرة ترعاها فضاءات شعبية داعمة، وتحظى برضا معظم منظومات المؤسسة الحاكمة، فعلاوة على ما شهدناه في الأشهر الماضية من أحداث خطيرة، سمعنا مؤخرًا عن منع الحديث باللغة العربية في بعض باصات الجنوب، بينما يُطرد العمال العرب من شركات تجارية كبرى، وفي أخرى يُعلن عن عدم توظيف العرب فيها؛ وفي الشوارع يُعتدى على الفتية لمجرد كونهم عربًا، فنحن نواجه خطراً حقيقياً لم نقف أمامه من قبل.

لقد كان شعار "النضال العربي اليهودي" في وجه العنصرية والعنصريين، واحدًا من أقدم الشعارات التي لوّنت جادّات العمل السياسي في مسيرات قطاعات سياسية واسعة. مع ولادته وجد الشعار، محليًا وفي الخارج، معارضة شديدة ومختلفة الدوافع والمبررات، وقد نجد أشقاءنا في معظم الدول العربية أول من نسفوه بعصبية لا تقبل التفاوض ، ورفضوه مؤكدين عدم ايمانهم بوجود يهود صالحين وديمقراطيين تؤمَّل شراكتهم وتستحَبّ، مع أن الأوجع كان رأي هؤلاء الأخوة  فينا، نحن الأقلية الفلسطينية الباقية في وطنها، حين احتسبونا مجرد كمشة من سقْط العرب المرتدين والمتساوقين مع الكيان الصهيوني، لأننا لم ننزح  كباقي الراحلين شرقًا، فشنشنوا لنا وصرنا وفق قواميس وطنيتهم المنتفخة "عرب إسرائيل" لا أكثر ولا أقل

لن تكفي مقالة أسبوعية واحدة لمسح تاريخ التعامل مع هذا الشعار، والكشف - كيف تفاعلت معه أكثرية الأحزاب والحركات والهيئات السياسية العربية، فبعضها تميّز بتبني أيديولوجيات تعتمد على الشراكة الأممية والنضال العربي اليهودي، وكان أبرزها دور الحزب الشيوعي الإسرائيلي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وأخرى لم تتبنَ الشراكة مفهومًا سياسيًا مؤسسًا ومحركًا لبرامجها السياسية، لكنها لم تنفها عقائديًا، بل اتبعت في سبيل توظيفها صيغًا مشروطة جعلت من إمكانيات تجسيدها شبه مستحيلة، مثلما سنجد في مواقف وممارسات حزب التجمع الوطني الديمقراطي. بالمقابل فإن بيننا حركات دينية وأخرى تستبعد هذا الشعار وتنفي ضرورته، ولا تدرجه في حسابتها العملية، لأنه يتعارض مع عقيدتها الدينية أو تصوراتها السياسية لمستقبل النزاع العربي الإسلامي الإسرائيلي ونهاياته المرتجاة عندهم.

على جميع الأحوال، وبعد مراجعة بسيطة لهذا التاريخ الطويل سنخلص إلى أن هناك تراجعًا في مكانة الشعار وبونًا شاسعًا بين حفظه مكتوبًا على الورق وبين تطبيقه على أرض الواقع، وقد يتسع هذا الفرق، كما في حالة الجبهة الديمقراطيةوهي التنظيم الرائد والأبرز بحمله، ليقترب إلى ما يشبه القطيعة والجفاء.  

ولكي أقطع الطريق على كل من سيقفز صارخًا ومتسائلا عن أي قوى يهودية أتكلم؟ وأين سنجد ذلك اليسار الصهيوني الحليف؟

 أجيب بأنني وطيلة أربعة عقود من نشاطي السياسي والعام كنت شاهدًا على عدة محاولات لبناء هذه الشراكات، فبعضها كان ناجحًا وأدى وظيفته العينية في حينه، لكن معظمها فشل، وذلك نتيجة لمواقف "الشركاء" اليهود الانتهازية أو المتعالية أو القاصرة أو المغرضة؛ مع هذا ما زلت مقتنعًا، ككثيرين ممن حبّروا برامج تلك الأحزاب والمؤسسات، بضرورة العمل على خلق وتطوير مسارات نضالية تجيز إنجاح شراكات مؤثرة مع قوى يهودية قد نتفق معها حول أهداف بعيدة المدى، أو على تجاوز عقبة وخطر آنيين سيكون من العسير، إن لم يكن مستحيلًا، تخطيهما بقوانا العربية الذاتية- حتى وإن كانت أحزابنا مؤطرة بقائمة مشتركة، أو ربما بسبب هذه الوحدة!

مواقف عرب الخارج، على الرغم من تحسس كثيرين بيننا منها لا تعنيني في هذا المقال، وهي ليست هدفي من إثارة هذا الموضوع، فمنشأ القضية عندنا وعلاجها من مسؤولياتنا، لأن آثارها وتأثيرها كانا وما زالا علينا ولنا، ولذلك أرى أن من واجب جميع الأحزاب والمجموعات التي تؤمن بضرورة بناء التحالفات مع قوى يهودية أن تعلن موقفها مقرونًا من غير تردد بخطط عمل مقترحة تضمن تطبيقه فعليًا، ففي واقعنا المأزوم وفي وجه المخاطر الحقيقية التي نواجهها لم يعد كافيًا ما تقوم به هيئاتنا القيادية من نشاطات عربية، هذه النشاطات هي أقرب للتكرار الغريزي الذي لا يترك أي أثر على من يمارس بحقنا القمع والاضطهاد والملاحقة، ولليس له أثر على تمتين وحدتنا الجماهيرية وتحويلها إلى قوة وطاقة من شأنها أن تصد هجمات اليمين المتصاعدة ضدنا، فجميعنا يرى كيف صارت الأحزاب عاجزة عن تسيير مظاهرة نوعية واحدة أو إقامة مهرجان ذي وزن لافت، وكيف تحولت أغلب الوقفات الاحتجاجية على أرصفة الشوارع، هنا وهناك، مجرد مشهد روتيني عابر كومضات فلاشات الكاميرات التي تلتقط صور المشاركين التذكارية والشاهدة على إتمامهم  لواجباتهم  القيادية!

في المقابل علينا أن نرصد كيف استعدَت سياسات اليمين قطاعات يهودية واسعة ومن فئات وشرائح سكانية متنوعة. فقد تطرقت في الماضي لهذه الجزئية الهامة، وأشرت إلى  بعض الغزوات التي بادرت إليها جهات رسمية وجمعيات يمينية متخصصة بملاحقة اليساريين اليهود أو الخارجين عن الخط القومي الشوفيني والإجماع الصهيوني المتبلور بين غلاة المتدينين وعتاة العنصريين. وعلى جميع هؤلاء اليهود الملاحقين ينطبق نظريًا تعريف الحلفاء والشركاء في مقاومة قمع السلطة وأذرعها.   

قد تعترض قوى سياسية على هذا التوصيف، وهذا حقها، وقد لا تستجمع هذه الفكرة موافقة جميع مركبات القائمة المشتركة أو لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل، وهذا أمر مشروع وطبيعي، ولكنني مقتنع  أن الأحزاب والحركات والجماهيرالعربية اختارت طريق القائمة المشتركة كي تمكن أعضاءها من الدفاع عن حقوق المواطنين العرب وعن وجودهم، وفي رأيي لم يتحقق لهم هذا في الماضي ولن يتحقق ما داموا متمسكين بنفس أساليب العمل ووسائله.

لقد شاركت في الكابري مئات الشخصيات اليهودية البارزة يينهم الممثلون والمغنون والشعراء والكتاب والأكاديميون الذين وقفواعلى المسرح و"عاقروا" الدرويش كل على طريقته، فصارت الأشعار أعراسًا جليلية وصاعات من أمل ووردًا قذفت في وجه من استفزه حنين الشاعر إلى خبز أمه

لم تنجح التجربة القيادية العربية القائمة، بأشكالها وصورها، بايقاف تدهورنا الفعلي على ذاك المنزلق الخطر ونحو الهاوية، فعليهم أن يجربوا أنماطًا نضالية جديدة، أو أن يكسروا القوالب ويستبدلوها بما هو أجدى وأكثر مناعة وأصح بنى وأنفذ بصيرة، فأمر الساعة صيحة ونداء

يا ضحايا العنصرية اتحدوا.   

 

 

 

إنه الكرمل، صوت القبرة

 

جواد بولس

 

 هناك من فوجىء بل واغتاظ مما صرح به بنيامين نتنياهو وبعض وزرائه ضد مواطني الدولة العرب، وذلك على خلفية انتشار الحرائق في عدة مواقع ومدن عربية ويهودية، فهؤلاء يؤكدون مجددًا أنهم لم يستوعبوا طبيعة النظام الحاكم في إسرائيل، ولا ما يعتمده ساستها من آليات مجربة في تاريخ الأمم  وديماغوغيات مدروسة، وهي تستهدف تمتين نهجهم العنصري العدائي الذي لا ينمو إلا على ألسنة النيران وجلد الضحايا التي كانت وستبقى متهمة ومسؤولة عن كل ضيم يحل، وجريمة تتفشى، ومصيبة  تنزل على الدولة ومواطنيها، حتى لو كانت كل المؤشرات والدلائل تشير على استحالة صحة فِـرياتهم وعلى انعدام المنطق السويّ فيها.

ففي حين لمّح نتنياهو وبينيت وغيرهما، مع بدايات الحرائق، أن مواطنين عربًا تعمدوا إشعالها بدوافع قومية، نقرأ بيانًا نشرته قبل يومين الناطقة بلسان الشرطة الإسرائيلية تقول فيه: "إنه ولتفنيد الشائعات وتجنب تقديم البيانات التي لا أساس راسخ لها وحتى أن في بعضها تضليلًاً للجمهور أود أن أوضح أنه وفي الوقت الحاضر هناك عدد كبير من التحقيقات المفتوحة ذات الصلة بكل ما يتعلق بموجة الحرائق الأخيرة. وكذلك أؤكد أن مجرد التحقيق ليس بمؤشر على وجود جريمة الإحراق العمد" .

لا أفهم ما أهمية تعميم مثل هذا البيان في وقت متأخر، وكلنا يعرف أن من حرضوا على المواطنين العرب نجحوا عمليًا في جني وترصيد وزنات راجحة من مشاعر الكراهية، وقاموا بإيداعها في صناديق الحقد وحسابات أحزابهم التي لا تستطيع العيش في عالم السرو والصنوبر الأخضر، بينما تشتد سواعدها وتكبر قاماتها فقط في غابات النار وما تخلفه من نثار أسود ومراعٍ للقهر وللفيروسات المميتة. فوفقًًا لنفس الناطقة بلسان الشرطة وحسب ما أفاد به مسؤولون في مديرية سلطة الإطفاء والإنقاذ، تم تسجيل حرائق في نحو ١٧٧٣ ميدانًا في شتى أنحاء البلاد، وكفى بهذا المعطى برهانًًا على خطورة ما أشاعوه بحق المواطنين العرب خاصة إذا عرفنا أن عدد جميع من اعتقلوا لم يتجاوز الثلاثين في حين لم يثبت، حتى كتابة هذا المقال، أن منهم من تعمد إشعال النار لأسباب قومية أو عدائية .

المثير في كل ما حصل سنجده، مرّةً أخرى، في ردود فعل بعض الشخصيات العربية، المحلية والبعيدة في الخارج، التي عبرت في الصحافة والإعلام عن فرحتها الكبرى بتلك الحرائق ومنهم من ردد منتشيًا  ومؤكدًا، أن "إسرائيل تحترق"! وعززوا قناعتهم بكلام عن الملائكة ومن السماء، في حين كان آخرون يرون نهاية "الشيطان" تتحقق وهم سابحون على أجنحة المنى المتكسرة وراكبون على سنامات ملأى بالشحم والوهم وتجري وراء خيالات مريضة والسراب.

أحلام هؤلاء الأشقاء العرب المستلة من نيران تلتهم الكرمل، وتحريض نتياهو ورهطه على عرب الكرمل وأشقائه، هما وجهان لنفس العملة، بينما يبقى الفارق والحسم فيمن يتحكم بقذف هذه العملة في الريح، ويحدد ميعاد ووجهة سقوطها، فأنا على يقين أنهم حكام إسرائيل وساستها من أحزاب اليمين المغرقين في عنصرية لا تعرف حدًّا لشهوة الحقد والقمع، في حين يتبقى للعرب، كما دائمًا، حداءات السقوط والخسارة .

المحرومون من همس النجوم للقمر ومن فوح عطر البرتقال وسيّافو الزهور لن يميّزوا بين وجع أصحاب السنديان المحترق، وصمم من يقتلون عنفوانه الشاهد الباقي على مذابح تاريخنا، من عهد إيليا إلى عهد دافيد، والخاسرون لأوطانهم الحقيقية- لأنهم يعيشون في الظلمة ودهاليز القواقع وتحت سطوة استبداد يحسبونه خيار البشر الوحيد- لن يستوعبوا فقه الدمعة، وهي تتساقط ساخنة من عيني أيمن وحدقتي أحمد وأهداب جعفر؛ فما تعرى على سفوح الكرمل في تلك الليالي الحارقة كان، في الحقيقة، جذور الحكاية وأصل تغريبتنا المشقية، ومعها تكشفت أسراب الحجل التي سمعناها من مواقعنا وهي تكركر بين الشجيرات المقاومة وتؤكد لوجهي العملة إياها:

"نحن في حل من التذكار، فالكرمل فينا، وعلى أهدابنا عشب الجليل، لا تقولي: ليتنا نركض كالنهر إليها لا تقولي! نحن في لحم بلادي.. وهي فينا!".

  نعم هكذا كانت صرخات أيمن عودة مدوية تقض مضاجع السفهاء والعناتر وجميع العنصريين- فمن يحرق كرملنا.. من يحرق وطننا! إنها بلادنا، التي نفديها، ولن نقف كما لم نقف أبدًا على الحياد، ولن نكون شهودًا على رمادها وخرابها، فانظروا إلى بحرها لينبئكم من أين جاء ملح الأرض، والتفتوا نحو الصبر والتين والزيتون عساكم تكتشفون كيف التصقت السمرة في وجوهنا ووجوه أبنائنا.

 لم يكن أيمن الحيفاوي وحيدًا، فمثله صاح أحمد الطيباوي في وجه سكان "البيت اليهودي" وأشباههم، من ساسة وإعلاميين ومحللين، ومعنفًا جميع المصطادين في زلات القدر بأن : كفوا عن مدائحكم للحرب، أوقفوا أنهار الدم المشتهى في أحلامكم، فنحن هنا، في الكرمل والقدس والنقب، باقون لنحمي البلاد، بلادنا، من الصقيع والنار والبَرَد. هراء ما تشيعون وتحاولون نفثه وعبثًا ما ترددون.

كم أغاظهم حديث الوطن هذا وأفقدهم رشادهم. فالكرمل لم يكن في تلك الليالي مباحًا لعواءات الذئاب ونعيب البوم وبخلاف مواقع كثيرة كانت تأكلها النيران برزت المعركة لإنقاذه بملامح ساطعة مغايرة، فعلاوة على تلف العديد من البيوت وتهديد كثير من الأحياء السكنية ونزوح عشرات الآلاف عن منازلهم، عكست أحداثها جملة من المفارقات والمشاهد التي من شأنها أن تختزل طبيعة صراعنا، نحن المواطنين العرب، مع سياسات أجهزة الدولة وممارساتها القمعية تجاهنا في الحياة اليومية الروتينية وفي أوقات النوائب والرزايا كذلك.

فلقد جسد انخراط قادة عرب بارزين ووقوفهم في وسط ألسنة اللهب ومؤازرتهم الصادقة لأصحاب البيوت المنكوبة، حالة استثنائية لمعنى شعار النضال العربي اليهودي، في واحدة من تجلياته الطييعية القصوى والتي، في المقابل، حاول ساسة اليمين حجب مفعولها وتشويهها من خلال تحويل سهام هجماتهم ورشقها صوب من جسّدها في حضن الكرمل مثل أيمن عوده  وأحمد الطيبي اللذين اتهما من قبل معظم مغردي اليمين الفاشي كمن يسعرون النار في الليالي ويحاولون في النهارات إطفاءها.

إلى جانب عوده والطيبي وقف العشرات من أهالي حيفا العرب وأصحاب المهن والمطاعم والمؤسسات المدنية وجميعهم عملوا على مساعدة المنكوبين بما استطاعوا إليه سبيلا؛ ولربما نجد في ما قاله السيد جعفر فرح مدير عام مركز مساواة لحقوق المواطنين العرب في إسرائيل وصفًا لافتًا لما جرى في تلك الساعات،  فهو وكثيرون يعرفهم تواجدوا إلى جانب أهالي سكان الأحياء المنكوبة وقدموا لهم مختلف أصناف الدعم والمساندة.

وصفه لتلك التجارب المشبعة بإنسانية نقية وكيف كان تعاطي السكان اليهود معها جدير بالعناية والمتابعة، فعلاوة على بعدها الإخلاقي البارز، ينوه جعفر إلى ضرورة إيماننا، كأقلية عربية كبيرة، بقوتنا وبوزننا النوعي وتجسيد ذلك عن طريق إصرارنا على التفاعل مع الأحداث مهما كانت جسيمة، وقناعتنا بقدراتنا على التأثير من دون أن نتردد أو نخشى عواصف العنصريين وهجماتهم المسعورة.

جعفر الذي صرخ كصديقيه في وجه من حاول أن يحفر في الجرح ليفتش عن الكبريت العربي أصر أن يسائل بيبي نتنياهو عن الأهم وعمّا قدّمه لأهل حيفا التي شهدت أحراشها، قبل بضعة سنوات، حريقًا هائلًا أودى بحياة العشرات من المواطنين، واليوم  وبدل أن يجيب كرئيس حكومة على تساؤلات النازحين والمشردين من أهلها، أخذ يحرض هو وبعض وزرائه على المواطنين العرب في محاولة منه لابعاد الشبهات عنه في قضية الغواصات الألمانية وما شابها من شكوك  وقرف، لكن جعفر أكد للملأ أن حكومات اليمين وعلى الرغم من مرور السنين لم تفعل شيئًا يحمي سكان المدينة من شر الحرائق وعنصرية الساسة وأكاذيبهم.

كانت أيامًا عصيبةً. إسرائيل لم تحترق فيها. من أحرق "كراملها"، إذا كان هناك من تعمد احراقها، لا يعرف معنى الوطن ومن اغتبط وابتهج، وهو يشاهد ظلال النيران تلتهم خاصرتها وقلبها، لا يعي بأي واقع نعيش نحن العرب وما نواجهه من غطرسة ساساتها الرُعناء المأزومين الذين لا ينامون قبل أن يطمئنوا على حرق خشبة من أخشاب تلك الجسور الضعيفة التي ما زالت عالقة بيننا وبين مؤسساتها ومواطنيها اليهود.

مشاركة فرقة الإطفاء الفلسطينية ووقفة القادة والنشطاء والمواطنين العرب شكلت مبادرات حيوية في وجه الناريْن: نار الطببعة ونار العقول الفاسدة، والصرخات المدوية على الجبل كانت رسائل نضال مشترك عنيد وضرورات واقع مقلق، وشكلت دعائم لتلك الجسور المهترئة وردًا حازمًا على كل من حرض وأشعل النيران ومواقد السم والعنصرية.

أكتب هذا وأكاد أسمع، قبل أن أنهي مقالتي، همهمة المعارضين وتأولات بعض المتهجمين على كل عربي ساعد وانتخى، فلجميع هؤلاء أقول: كفى بالتاريخ واعظًا، ولجهّاله وما غفلوا النصيحة أن يراجعوا دروس النار من روما إلى برلين فبر مصر، وكيف استفاد الطغاة والحكام من السنتها وجيروها إلى أقراصهم

وللعقال والغيورين راحة الضمير وعرق الجبين ولهم أن يعلنوا: "عرفنا ما الذي يجعل صوت القبّرة، خنجرًا يلمع في وجه الغزاة، وعرفنا ما الذي يجعل صمت المقبرة ، مهرجانًا .. وبساتين حياة".

إنه الكرمل، يا اختاه، صوت القبرة وصمت المقبرة.

       

 

 

مؤتمر فتح وفجره المأمول

جواد بولس

قد تحمل ظاهرة استسهال الكثيرين الكتابة حول المؤتمر السابع لحركة "فتح" والمزمع عقده في التاسع والعشرين من الشهر الجاري عددًا من المؤشرات والدلائل، بعضها يبرره حاضر هذه الحركة بالمقارنة مع تاريخها ومكانتها كعمود الحركة الوطنية الفلسطينية الفقري، وبعضها يعكس هزال واقع الفصائل الفلسطينية الأخرى والمؤسسات القيادية على مختلف أصنافها وركائزها الشعبية أو النخبوية؛ وعلى جميع الأحوال سنجد أن بعض من كتبوا في هذه المسألة حرّكتهم غيرتهم الحقيقية على القضية الفلسطينية وآخرين من خوفهم على حركة "فتح" ومستقبلها، بالمقابل سنكتشف أن جزءًا استغلوا المناسبة، وحولوها إلى منصة للهجوم الموسمي، وذلك خدمةً لأجندات غريبة عن مصلحة فلسطين التي استظلوا بفيئها حين فتحوا نيرانهم على عدة جبهات- كان في طليعتها الرئيس محمود عباس المتهم عند هؤلاء بأنه يمضي إلى عقد هذا المؤتمر ضد إرادة الأكثرية الفتحاوية وخدمة لمصالحه الضيقة. علمًا بأننا إذا فتشنا في تاريخ بعض تلك الأقلام سنجدها قد اتهمت في الماضي الرئيس عباس نفسه بأنه يتهرب من استحقاق عقد هذا المؤتمر وإجراء انتخابات جديدة للجنة المركزية والمجلس الثوري الفتحاويين، هذا في حين لم تسلم من تلك الهجمات جميع معسكرات فتح الكثيرة سواء من تواجد منها على أرض الوطن أو غاب عنه وابتعد، ومعظم هذه الفئات الفتحاوية كانت وما زالت معنية في انعقاد المؤتمر.  

ومنعًا لأي تقوّل أو التباس أؤكد أنني لست عضوًا في تنظيم فتح أو في أي فصيل أو حزب سياسي آخر، وكان من الأسهل علي أن أضم صوتي لجميع من تعودوا مهاجمة وانتقاد فتح وقياداتها سواء من نشط منهم في منظمة التحرير أو من استأثر بكرسيه الوثير في مراكز السلطة، لكنني قررت الكتابة بشكل مغاير، لأن القضية لا تنحصر بحركة فتح ومستقبلها، ولكوني أعيش قريبًا من قلب الأحداث العاصفة والمتداعية في فلسطين التي ستصحو بعد أشهر قليلة على احتلال صار في الخمسين، ونكسة ما زالت كالقدر شاخصة في سماوات الشرق بعد أن محت أنضر أحلام العرب حين نزلت عليهم بسرعة اللعنة، وأفقدتهم أقفاصهم الصدرية فعادوا، كما كانوا، شعوبًا خدجًا وقبائل فائرة بدأت مسيرة إيابها على دروب قوافل أجدادها متقاسمةً السراب والصلوات والندى، وما أورثته الريح وظبات السيوف والصدى.

لا يمكن فصل ما يجري في فلسطين عما يحيط بها من تفاعلات وتطورات ويحاك بحقها من مؤامرات وخطط، فمن جهة سنجد الحروب الطاحنة في العديد من الدول العربية، التي شكلت ذات يوم عمقًا للقضية الفلسطينية، ما زالت مستعرة وأدت إلى اضعاف دور الجامعة العربية وتحولها عمليًا إلى مؤسسة جريحة ضعيفة، ومن جهة أخرى نجد التغييرات الحاصلة في سياسات كثير من أنظمة الحكم في الدول الأوربية وانتصار اليمين الأهوج الذي سيقوده دونالد ترامب من الولايات المتحدة، إلى جانب تفاقم قوة أحزاب اليمين المتطرف في إسرائيل خاصة تلك التي تؤمن بإسرائيل الكبرى، فكلها عوامل حاصرت القيادة والقضية الفلسطينية، وأفضت إلى أن تعيش فلسطين اليوم مرحلة عصيبة تواجه فيها مجموعة من الأخطار الحقيقية التي قد تؤدي إلى شطب مكاسب الشعب وما حققته ثورته خلال العقود الماضية خاصة ونحن نشهد ضعف قوى اليسار العربي والفلسطيني وتلاشي فصائله، حتى غدا بعضها مجرد كيانات هلامية أو وهمية، هذا علاوة على ما يشكله الانقسام الداخلي من تهديد على مستقبل المشروع الوطني والدولة الفلسطينية المستقلة علمًا بأن "رعايته"من بعض الدول الأجنبية تضاعف مضاره، وتضعف احتمالات إنهائه في المدى المنظور، وتبقي المصالحة المنشودة مجرد شعار

فمن ذا الذي يقف في وجه هذه الظروف شبه المستحيلة؟ ومن يتحمل مسؤولية الصمود في وجه ما يحاك من مكائد؟ ومن يفشل جميع الجهود الرامية إلى احتواء قضية فلسطين وتحويلها مجددًا إلى مجرد لقيطة تتناوشها الأهواء ومناورات الأشقاء والأعداء؟

في هذا العالم "المتبركن" من حولنا وفي هذه الظروف العربية والإسلامية والفلسطينية القاهرة والمعقدة وفي ظل استيحاش المحتل الإسرائيلي يكتسب قرار عقد المؤتمر السابع أهمية مصيرية كبرى، وهو لذلك لن يكون، برأيي، مجرد دورة سابعة في تاريخ الفصيل الأبرز من فصائل الثورة الفلسطينية، بل حدثًا يعادل مهمة إنقاذ الأمل الفلسطيني من ضياع وشيك؛ هكذا يجب أن يسجل هذا المؤتمر في صفحات الأيام،  وعلى جميع الفتحاويين المنتدبين لحضوره تحويل اللحظة، رغم ما شابها من عسر مخاض ومنافسة وترقب وخيبات وزعل، إلى عملية ولادة فذة تنجب مخرجات سياسية مسؤولة ومؤثرة وقيادة جديدة واعية وجديرة بتضحيات مائة سنة من نضال شعب تواق للحرية وباحتضان حلم جميع الفلسطينيين وأحرار العالم

إلى ذلك أقول إن للمشككين في دواعي انعقاد المؤتمر أسبابهم ومبرراتهم، وبعضهم يعتمد جروح الماضي براهين وقرائن محقة وصائبة، وللمنتقدين الغيورين خزائن من ندب ما زالت تعلو خد الوطن، ويكفيهم ما رشح من مثالب رافقت انعقاد المؤتمر السادس المنصرم، وللمستبعدين فائدة وطنية من انعقاده رائحة الهزيمة ونبض العجز المتأصل، ويبقى للمزايدين استعذابهم صوت الوجع مبرِرًا وإدمانهم طعم الكسل وسهولة التحليق على حافة الوهم  ووعوده. أما أنا فلقد اخترت عامدًا ومتوجسًا من هشاشة الفرح في مواقعنا، أن أثق بفتح المؤتمِرة وبمسؤوليتها أن تجيب على تساؤلات جميع تلك الفئات وتبرهن لهم كيف سيزغرد الفجر في رام الله ليفرح شعب فلسطين المكلوم الرافض للذل والمهانة.

قرأت معظم ما كتب عن وفي المؤتمر، أوافق على كثير من المخاوف والتحفظات التي ذكرها بعض الكتاب العارفين ببواطن الأمور والقريبين من واقع حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ فلقد غيبت القيادات منذ سنين النقاش في  مسائل حارقة وهامة ومعضلات أساسية وجوهرية في حياة شعب يقبع تحت احتلال، وإذا لم تناقش هذه المسائل بجدية سيتحول الاستمرار في إهمالها إلى جرعات سم قاتل وستلقي بهم في الهاوية.

لن يكون المؤتمر حلية رخيصة على جيد الوطنوعليه من المتوقع والمنتظر أن يجري المؤتمرون جردة حساب مسؤولة وشاملة وتقييمًا لتجربة السنوات الماضية لا سيما ما جاء باتفاقيات أوسلو وما تلاها وما أفضت إليه لغاية اليوم، وذلك من خلال استشراف مستقبل من شأنه أن يستنهض قوى الشعب اليائسة ومحركات الثورة الناعسة وعليهم العمل، كذلك، على وضع تصوراتهم حول وجهة النضال الفلسطيني ضد احتلال ما زال في قمة نشاطه وذروة قمعه وتلتهم عناصره أراضي فلسطين بجشع مطّرد وتربي مدارسه أجيالًا من عشاق الضغط على الزناد واصطياد الرياحين والنرجس.

على المشاركين، مهما كانت مشاربهم وولاءاتهم وأصول انتدابهم، أن يفككوا ويحددوا علاقة حركة فتح بثنائية السلطة ومنظمة التحرير، وعليهم توضيح موقع الحركة بين تينك المنزلتين وتشخيص ما أصابها من خدر في بعض أطرافها التي تاهت في عبثية ملتبسة، إذ آن أوان الكشف عن ملامحها وفرز دورها كحركة مقاومة وطنية ما زالت تشكل عمليًا الركيزة الأساسية في  مسيرة الشعب نحو التحرر

كتبت بتفاؤل ربما سيستفز البعض، فأنا لا أريد أن أكون من دعاة التيئيس والحفارين عن جذور الضياع المستشري والعجز الوطني الطاغي، وأنا أفعل ذلك باسم المصلحة الوطنية التي تستصرخ هذا التفاؤل والتأميل، ففتح لم تكن المسؤولة الوحيدة عن ذلك المنزلق الخطير وإن كان دورها الأكبر والأهم تبقى مسؤولية باقي الفصائل والحركات ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والنقابات والنخب الصامتة، ملموسة، فجميعهم شركاء فيما وصلت إليه القضية الفلسطينية التي تلهث، كما ذكرنا، على رصيف محطة مفصلية في حياة الشعب الذي عرف دوما كيف يتلمس دروب الحرية حتى صار قاب قوسين وأدنى من أبوابها الحمراء

لن أنضم إلى رتل الندابين ولا إلى رهط المشككين في جدوى هذا المؤتمر، فأنا أعرف كثيرًا مما عاب بداياته، ومن البدائل الأفضل لما انجز واختير، لكنني أعرف كذلك أن كثيرين ذاهبون إلى قاعة أحمد الشقيري في المقاطعة كي يمسكوا بشمس الحرية، وكي يعيدوا للكرامة الفلسطينة لون الفجر القرمزي وللأمل أجنحة النسور وتفاني الفراش، وهم لن يكونوا مجرد أصفار تتساقط من غربال ممزق.  

لن أصفق مع النعاة، لأنني متيقن أنه إذا فشل المؤتمر أو أفشل لن تكون فتح وحدها هي الخاسرة، فمعها ستبكي السنونوات في بيت جدي، وسيرحل الدوري عن بيادر الوطن، وسيرتعد عيبال وتنتحب القدس

فامضي يا فتح امضي، ولا تقبلي من التاريخ فتاته، وحولي قحط سنينك الخوالي ربيعًا وشلالات نور تفيض في ربى فلسطين الذبيحة من عهد بيلاطس إلى عهد ريكاردوس ومن عهد سليمان إلى عهد نركيس.

 

 

 

 

ترامب هناك، ترامب هنا

 

جواد بولس

 

على الرغم من انشغال العالم باختيار الأمريكيين دونالد ترامب رئيسًا لامبراطوريتهم المتأرجحة وما استدعته هذه النتيجة من دهشة في بعض الأوساط وخوف بين من شكّلوا رقعًا من جلد صوّب ناحيتها ترامب سهام حملته الانتخابية، يبدو المشهد على الساحة الإسرائيلية مغايرًا وبعيدًا عن تلك الهواجس والتخمينات والأماني، وكأني بحكام إسرائيل يعرفون ما لا يعرفه ذلك العالم المندهش والخائف وتراهم يرددون في فرحَين، صامت ومعلن، ما كان يردده ذلك الخليفة العباسي يوم كان يقف قويًا على شرفة امبراطوريته المترامية الأطراف ويناجي، مزهوًا، غيم السماء ويدعو له أن يمطر حيثما يشاء فلسوف يأتيه خراجه!

هكذا هي إسرائيل اليوم واثقة من عهد ترامب وحكمه الآتي ومتيقنة من أنها ستبقى كما كانت، أو ربما أكثر، مدللة أمريكا وحليفتها المنصورة.

كثيرون كتبوا مشخصين ما جرى في أمريكا كقفزة نحو اكتمال نظام رأسمالي متوحش مكشوف العورات ولكنها الأيام وحدها ستبقى كاشفة للمهالك والخبايا وللمسالك؛ وعلى جميع الأحوال سيكون الآتي علينا أعظم وقد نعتبر ما يجري في مواقعنا كمقدمات لمطر أسود غزير سيهطل على ساحاتنا.

في الواقع لم أنو الكتابة عن انتخاب ترامب إلا بقدر ما تشكله هذه الواقعة من مؤشر خطير لولادة حقبة تاريخية مستعرة قد تكون نتائجها على شرقنا أوخم وعلى القضية الفلسطينية أقسى وعلينا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، أخطر بما ستسوغه من تساهيل ورفع ما بقي من قيود قليلة عوّقت على حكام إسرائيل ومنعتهم من المضي في مخططاتهم الجهنمية تجاهنا ولكن ليس قبل إتمامهم هدم إسرائيل الناكبة التي عرفها حكام أمريكا حتى عهد ترامب الوليد وإنشاء كيان جديد يكون عبارة عن: مملكة إسرائيل الكبرى بقدسها وهيكلها، بجيشها وقضاتها، بسنهدرينها وشرعها.

من السهل تمييز ما يسعى لكسبه ممثلو اليمين المتطرف في دورة عمل الكنيست الحالية، فبمجرد انتهاء العطلة الصيفية وعودة النواب إلى العمل دفع هذا اليمين بعدد كبير من مقترحات القوانين التي تستهدف إنجاز ما خططوا له منذ سنوات وبدأوا في تنفيذه على صعيدين أساسيين: إقصاء المواطنين العرب عن مؤسسات الدولة وحجب الشرعية عنهم كأقلية قومية مواطنة في إسرائيل، وذلك عن طريق تطويقهم بقوانين عنصرية تسلبهم كثيرًا من حرياتهم الأساسية وتدفع بهم في أقفاص حديدية خانقة، ومن جهة ثانية، الإمعان في السيطرة على مقاليد الحكم والتركيز على تقويض سلطة النظام القضائي المستقل نسبيًا وعلى رأسه المحكمة العليا الإسرائيلية التي أصبحت منذ سنوات في قلب العاصفة والهدف الأبرز لهجمات قوى اليمين الذي لا يتردد ممثلوه في الكنيست والحكومة ونشطاؤه البارزون من الانقضاض وترهيب القضاة شخصيًا والتلويح بقضم ما تبقى لهم من صلاحيات وقوة، ومحاصرتهم بتشريعات تنتقص من  مكانة المحكمة  وتأثيرها الفعلي، هذا علاوة على نجاحهم، بالتوازي، في تعيين يمينيين موالين لهذه التيارات ولسياساتها سواء كانوا مستوطنين أو مجاهرين بمواقفهم من قبل استنخابهم قضاةً.

انهمك اليمين منذ مطلع الشهر الحالي بمحاولة تمرير قانونين عنصريين خطيرين وأصر ممثلوه على عرضهما في الكنسيت والتصويت عليهما رغم محاولة بعض أعضاء الائتلاف الحكومي اظهار تحفظهم الخجول أو السري أو حتى معارضتهم كما صرح في البداية وزير المالية كحلون إزاء تمرير قانون "التسوية" بكونه قانونًا قصد واضعوه المس بمكانة المحكمة العليا وقضاتها، لكن رفاقه في الحزب أيدوا في النهاية  القانون.

تم التصويت في القراءة الأولى، ونام المبادرون إليه آملين أن يمر قريبًا في القراءتين الثانية والثالثة. يهدف هذا القانون إلى شرعنة البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة بما في ذلك مستوطنة "عمونة" المقامة على أراضي فلسطينية خاصة والتي قضت المحكمة العليا يوم الاثنين الماضي، بوجوب إزالتها حتى تاريخ ٢٠١٦/١٢/٢٥، رافضة طلب الحكومة الإسرائيلية تأجيل البت فيها ومضيفةً على لسان رئيستها القاضية مريام نائور: "من المحظور عدم تنفيذ قرار الحكم بسبب خشية الدولة من التهديد والعنف". إنه قانون يشرعن النهب والسرقة والسلبطة ويحاول أن يلتف على المحكمة العليا وأن يقوض مكانتها ومكانة قضاتها.

أمّا التصويت على قانون منع الأذان بالقراءة التمهيدية لم ينفذ في الكنيست بسبب اعتراض وزير الصحة الراب يعقوب ليتسمان عليه ولما يحمله هذا القانون من عواقب وتقييدات على الشعائر الدينية اليهودية أيضًا. إنه قانون عنصري سياسي بامتياز يحاول تأجيج حروب الدين في مسعى من واضعيه لخلق نقاط تماس مع مواطني الدولة العرب.

لقد سبق تقديم هذين القانونين إطلاق اليمين لمبادرة تشريعية استهدفت تعديل قانون انتخاب قضاة المحكمة العليا وذلك من خلال تغيير قواعد العمل المتبعة حتى اليوم؛ ففي لجنة تعيين القضاة المكونة من تسعة أعضاء يشارك ثلاثة قضاة من المحكمة العليا وستة ممثلين عن نقابة المحامين والحكومة والكنيست. لن يُنتخب قاض للمحكمة العليا إلا إذا حظي بسبعة أصوات من أصل تسعة، والهدف من وراء هذا الشرط هو إبقاء قوة النقض للثلاثة قضاة في وجه تكتلات سياسية أو "مصلحجية" جائزة. لم يكن الاعلان عن مبادرة التعديل صدفةً فلقد جاء أيامًا قبل التئام هيئة المحكمة في قضية إخلاء مستوطنة "عمونة" ووفقًا للتعديل المقترح كان يكفي حصول القاضي المرشح على أكثرية عادية ليصبح قاضيًا مما يفقد عمليًا قضاة المحكمة العليا قوتهم ومكانتهم المميزة

لقد استُفزت المحكمة العليا من تلك المحاولة السافرة واعتبرتها إشارة تهديد قبل جلسة "عمونة"، مما حدا برئيستها مريم نائور إلى كتابة رسالة غاضبة وجهتها لوزيرة العدل شكيد وعملت على نشر فحواها في الإعلام. وفيها أعلنت عن توقيف جلسات التنسيق المتبعة مع الوزارة، وعن احتجاجها على محاولات تهديد القضاة وأضافت، بلغة قاسية غير مألوفة، أن صمت وزيرة العدل عن نشر مسودة القانون يفهم كأنه موافقة منها ويعتبر بمثابة وضع المسدس على طاولة القضاة بهدف ترويعهم وإخافتهم

في الحقيقة شهدنا في هذه الأيام أحد تجليات المعركة التي كانت صامتة بين اليمين وهيئة المحكمة العليا، والتي أصبحت مكشوفةً للعموم وهي، برأيي، آخر الجولات التي ستتلوها ضربات القوى الفاشية الصاعدة القادرة على قصم ظهر هذه المؤسسة  وتمكين جحافل اليمين المنفلش، هنا وفي العالم أجمع، من السيطرة على جميع مقاود الحكم والبقية تأتي

عقب هذه التطورات قرأنا كالعادة بعض بيانات الشجب والاستنكار. كان أبرزها ما نشره جهاز إعلام القائمة المشتركة. رغم عددها فلم نلمس جديدًا في مضامينها التي تجيئنا على الغالب بقوالب تقريرية مكررة، وبلغة تقليدية انتشلت من آبار شبه جافة ومن القواميس الجامعة من المحيط إلى المحيط، وهي تنتهي بالعادة بدعوة نواب المشتركة: "الجماهير العربية وتياراتها السياسية والوطنية وحركاتها الدينية والمجتمعية ومؤسساتها الأهلية إلى مواجهة السياسات والتشريعات العنصرية والفاشية التي تحاول حكومة اليمين المتطرف من خلالها انتهاك حقوق أهل البلاد الأصليين واقتلاع وجودهم "وهذا بعد تأكيدهم أن ذهنية الاستعمار متجذرة في صميم سياسة حكومة اليمين وأن المعركة لشطب القوانين لم تنته.

من اللافت أن نشهد تفاعل قضية "عمونة" على صعيدين إسرائيليين فقط: القضائي من خلال موقف المحكمة العليا الواضح والمثابر في وجه محاولات اليمين والحكومة  للالتفاف عليها وتطويقها، والسياسي من خلال نشاطات بعض أوساط اليسار اليهودي الذين يحتجون ضد الاستيطان بشكله العام وضد "عمونة" خصوصًا، وهذا كله يحدث بغياب أي نشاط يذكر من قبل الفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال وضحايا الاستيطان المباشرين، علمًا بأن قرار المحكمة العليا كان يمكن أن يشكل لاحتجاجاتهم مظلة ورافعة. غياب نشاطهم غير مبرر ويبعد نشطاء محتملين وجهات مساندة للقضية الفلسطينية ويشجع قوى اليمين وسوائب المستوطين على التمادي في موبقاتهم.     

وعلى محور آخر يبقى نداء القادة العرب لجماهيرهم وبالطريقة التي نشر وعمم بها مقلقًا، فكيف الوصول "إلى مواجهة السياسات والتشريعات العنصرية الفاشية" بهكذا خطابية عارية ومن دون أن ترفق بأي برنامج عمل نضالي واقعي تستعذبه هذه الجماهير وتنتخي لنبضاته وأصلًا من غير أي تحضيرات مسبقة من شأنها أن تصهر الجماهير وقاداتها في بوتقة نضالية سليمة ليصيروا معًا سدًا منيعًا في وجه ما نواجهه من سيل غاشم.

قلنا ونكرر واليوم صار النصل ناجزًا وأقرب من رقابنا: إننا نعيش في عصر تسوده "ترامبية" مقبلة مدبرة ولا تستحي، وأمامنا تتقدم قوى فاشية لا تتردد،وكما قرأنا، بوضع "مسدساتها" على طاولات قضاة الدولة.

فهل سنبقى نراوح حيث أَنخنا وأُنخنا وهل سنمضي حفاة في دروب دنيانا الموحلة ولُكناء من غير لغة تصلح لمواجهة هذا العصر القبيح الأزعر! من يرفع الياطر؟

 

 

 

مفارق ال ٤٨

 

جواد بولس

 

"العزيز تامر، سعدت بالتعرف عليك ليلة أمس . تأثرت من مشاهدتي لفيلم "مفرق ٤٨" وذلك بكونه تجربة لافتة وهامة لأسباب سوف أتناولها لاحقًا. لقاؤك والانكشاف على تجربتك قربتني من فضاءات كنت أجهلها وعشت عنها بعيدًا ربما بسبب فوارق السن واهتمامات مغايرة، فلم أع ما يشغل بال الأجيال الناشئة وكيف يحاولون مواجهتها. على جميع الأحوال فلقد قضينا معكم ليلة مميزة وأملي أن نلتقي قريبًا لإتمام الحديث وتربية الود الغافي بيننا". كان هذا نص رسالة بعثتها إلى الفنان تامر نفار بعد مشاهدتي لفيلمه "مفرق ٤٨"، والذي استضافته في القدس "جمعية مبادرات صندوق ابراهيم" وعرضته أمام عشرات من ضيوفها الوافدين من عدة دول أجنبية في ليلة تعمدت فيها إدارة الصندوق اطلاعهم على فيلم يروي قصة فرد، عائلة، مدينة ووطن بلغة تشبه أهل المدينة ومثلهم بسيطة وخالية من تنميقات البيان المفرط وزركشات البديع الذي لا تعرفه تلك الحارات وأهلها وبألوان تتحرك من قتامة موجعة إلى حمرة صادمة فبياض مستفز ومبك، لكنها لا تتركك بدون بقع ضوء وأمل مرتجفَين، يتحدث عنها مع الجمهور بعد العرض بطلا الفيلم الممثلان تامر نفار وسمر قبطي.

في الحقيقة لم أكن أعرف تامرًا بشكل شخصي من قبلُ ولم أتابع نتاجه الفني، مع أنني كنت أسمع باسمه وباسم فرقة "دام" المتخصصة بغناء "الراب" يتردد في لقاءات أولادي وأصحابهم، لكن الصورة اختلفت بعد أن استهدفته نيران ميري ريغف، وزيرة الثقافة في حكومة إسرائيل التي شنت عليه حملة شعواء ونادت بوجوب مقاطعة أعماله وعروضه بحجة أنه يحرض على الدولة ويعادي اليهود مستشهدة ببعض كلمات أغانيه الاحتجاجية و"تجرئه" على ترديد صرخة محمود الدرويش القديمة "سجل أنا عربي" وما تلاها من وجع الروح والقسم في وجه من أراد أن يبقي المحمود ذليلا ويجوّع أهله ليجبرهم باللحاق بمن اختاروا الشرق ملاذًا عندما وقفت الريح على ذلك المفرق في العام ١٩٤٨

في القاعة تجمع عشرات من الشخصيات اليهودية بفئات عمرية مختلفة، والداعمين لتلك الجمعية التي تهدف إلى إحداث تغيير إجتماعي وتعمل في اتجاه الدمج والمساواة بين الشعبين مواطني دولة إسرائيل وبناء مجتمع مزدهر وآمن وعادل. وحضر بعض العرب، منهم أصدقاء لثابت أبو راس المدير المشارك في جمعية ابراهيم، الذين لبوا دعوته وشاركوه تلك الأمسية الجميلة.

ينتهي الفيلم ويسود في القاعة صمت كذاك الذي يصاحب الصدمات، فمن الصعب أن تخرج كمشاهد وتتحرر من ذلك "المفرق" الذي يضعك عليه كتاب السيناريو وأصحاب الفكرة ، فبطل القصة "كريم" يواجه في حياته اليومية وفي سبيل حبه لفنه أعداءه الكثيرين ويمضي في التحدي، حتى شفا الهاوية، عنيدًا بايمان لا يخلو من سذاجة وطيبة محسوبتين وصارمًا كما يتقن العشاق والمبدعون .

قصته في الفيلم قريبة من قصة تامر اللداوي الحقيقي ورغم تصريحه أمامنا أنه أدخل عليها بعض التغييرات لكنها تبقى في النهاية شبيهة لواقع عاشته وتعيشه أجيال لم تفلح بالنجاة من الجحيم ولسيرة شاب طموح ذكي استطاع أن يفلت من السقوط رغم تلك النيران التي أحاطت بطفولته وبعائلته؛ وهي، كذلك، قصة اللد مدينة سقطت، كأخواتها، من خارطة وطن لكن بعضها لم ينجح بالخروج من ذلك المفرق، بل عانى من بقي فيه من نسيان الأشقاء وإهمالهم ومن ظلم الأغراب الجدد الذين وطأوها وعاملوها كمحظية لهم، والباقون من أهلها كانوا مجرد ذوات تعيش على ضفاف سكة حديد تقتل قطاراتها أطفالهم وصفيرها يذكر الصاحين منهم بأن "المفارق" ما زالت تنتظر رحيلهم إلى تخوم الصحراء أو سقوطهم في الغيم .

يجلس على يمين المسرح  ليس فيه من شكل الفلسطيني حصريًا إلا حنطيته، واضعًا ساقه اليمنى على يسراه في حركة تكمل مشهد الفنان الواعي لدوره المحسوب وتشي بشخصية إنسان مجرب ناضج لا يعير مظهره الخارجي اهتمامًا خاصًا، رأسه مغطى بقطعة قماش تشبه القبعة لكنها أقرب إلى كيس يلم  شعره، لونها كالأخضر الموحل تمامًا كلون ياقة بلوزته الرمادية، وجهه جميل رغم ما يغطيه من شعر ذقن خفيفة يذكر بشعراء البادية الوسيمين وتعلوه سهوة لافتة يستبدلها أحيانًا ببسمة واثقة. بنطاله جينس أزرق محكر ببياض فوضوي ينتهي عند حذاء رياضي بلونين. كان حاضر البديهة سريع الخاطر واثقًا في إجاباته على جميع الأسئلة التي حاورته بها المحامية   بشائر الفاهوم وتلك التي وجهها الجمهور وكان يتنقل بين الانكليزية والعربية والعبرية بخفة ووفق ما تطلبته الضرورة والحاجة من دون أن تبدو عليه علامات حرج أو ضيق أو تردد فهو فلسطيني بلا مساءلة ويغني من شعور داخلي ضد القهر والقمع والاضهاد مؤكدًا أنه غير سياسي بمعناها البسيط الطبيعي ولا يغني باسم التعايش فهذه ليست وظيفة المضطهدين الذين يسعون من أجل تأمين بقائهم على قيد الحياة والنجاة من الجحيم.            

بجانبه تجلس سمر حبيبته في الفيلم وشريكة أحلامه على الشاشة. فتاة من الناصرة سمراء مليحة تملأ كرسيها ضوءًا، بسمتها ساحرة تجيب على الأسئلة من دون تأتاة وبوضوح تمليه نفس تربت على العزة والثقة والإقدام فتحرك يسراها بغنج كأنها تبعد نجمات تساقطت من عينيها الناعستين وتضحك كما لم تستطع أن تضحك في نهاية الفيلم عندما هددها أولاد عمّها بالأسوأ اذاما أصرت على مشاركة حبيبها، كريم، الغناء في حفلته الكبرى.

صفق الحضور لهما بحرارة آدمية واضحة واحترام إنساني مميز لا يشبه برودة الاحتفاء الهوليوودي الباهت ولا بهرجته الزائفة. لقد كانا خير سفيرين لأهلهما ولأقلية مقهورة مقموعة ومضهدة في زمن يتخبط قادتها كاللاعبين على "الترامبولينا"، يقفزون في الهواء عاليًا ويحطون على رقعتها فترمي بهم إلى الأعلى هكذا من دون وجهة مدروسة محددة ومن غير هدى وسلامة. لم يتحدثوا بلغة السياسيين اللعوب أحيانًا والمنفّرة أحايين، بل كانوا بسطاء كالوجع، حقيقيين كالجمر، رقيقين كالحمام.

لقد كانت قصة الفيلم صادمة تماما كما هو واقع أحياء اللد العربية الفقيرة، تلك الأحياء التي ولد فيها تامر ابن فوزي النفار وسط عائلة متوسطة الحال وتحت رعاية  أب يضحي كي لا يشعر أبناؤه بنقص أو بعوز وأم أحاطته بالحنان والدفء وبالشدة فمنعت سقوطه وسقوط اخوانه في حقول الألغام المنتشرة في محيطه؛ كانت رقابة الوالدين أحزمة أمان وسلامة حافظت على أن يبقى على مسافة من الجمر لكنه لم يصح تمامًا إلا عندما سقط صديقه حسام بنيران الجريمة والطيش والعبث، فاللد كانت تعيش حالة من "اللخة والسلطة الدامية"، عندها قرر أن يطلق حنجرته في وجه الظلم والخفافيش.

لقد مست قصة الفيلم معظم محاور العبث الذي نعيشه في مواقعنا، ولقد تم استعراضها بجرأة مشهودة تمكننا أن نتبين بسهولة بواطن مآسينا ومفاعيلها الأهم، فالدولة وسياساتها تبقيان في الصدارة ومسؤوليتها عما لحق ب"كريم" وأهله وجيرانه من تشرد وتهجير وفقر وملاحقة وقمع  واضحة لا لبس فيها، وكذلك استفحال الجريمة والعنف والاجرام المنظم فكلها مرايا لواقع متشظ تعيشه قرانا ومدننا وتبقى الدولة هي المسؤولة الأولى عنه، لكن مجتمعاتنا ليست بريئة منه. وأما المرأة بيننا، فهي ضحية الضحايا، ذبيحة القهر والمفاهيم الموبوءة والتخلف المعتق .

هذه وغيرها من القضايا استعرضها فيلم "مفرق ٤٨" بصنعة راقية وبمشاركة عربية يهودية لفنانين سخروا الفن ومهاراتهم من أجل رسالة إنسانية عظمى. لم يسعفنا الفيلم بحلول لجميع ما استعرضته القصة من قضايا ومسائل، فصنّاعه يعون أن الحلول لهذه الاشكالات والمعضلات لا تتحقق في فيلم مهما كان دقيقًا ومحكمًا، لكنهم استكفوا بأن يضعوا أمامنا مرايانا لنرى واقعنا بجروحه وندبه ونيرانه عسى يفيق كل واحد منا ليطفئ النيران حوله كما حاول كريم/ تامر النفار أن يفعل.

لقد حصل الفيلم على بعض الجوائز العالمية لكن جمهور السينما في الدول العربية  سيحرم من مشاهدته على الأغلب، فعلى الرغم من إصرار تامر وسمر وسلوى نقارة التي جسدت في الفيلم دور أم كريم، على تعريفهم كفلسطينيين وهكذا فعل جميع من مثل معهم من العرب، وعلى الرغم من أن الفيلم يتحدث بالعربية وعن مشاكلنا نحن الأقلية العربية، إلا أن مخرجه يهودي وكذلك المشارك بكتابة السيناريو ووضع الموسيقى وغيرهم، وهذه الحقيقة ستمنع تصنيفه كفيلم فلسطيني وسيحظره لهذا السبب العرب في بلادهم .

ومرة أخرى نجد أنفسنا بين نارين: بين مطرقة العرب وسندان ميري ريغيف وسياسة الإقصاء المضاعفة؛ فنحن عرب العرب ما زلنا نتلقى ضربات القمع من مضطهدينا وطعنات الجهل من المزايدين علينا، لكننا رغم ذلك وذاك، سنبقى صامدين على مفرق ال ٤٨، وسنزور اللد وأخواتها ونحميها، كما دعاني تامر ووعد أن يبقى البيت بيتنا واللد ستبقى لدّنا.

 

 

لجنة في اسمها رسمها

 

جواد بولس

 

أثارت زيارة السيد محمد بركة رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل ومعه الدكتور منصور عباس نائب رئيس الحركة الإسلامية الجنوبية إلى قطر موجة من النقاشات التي اتسم بعضها بالحدة الزائدة عن الضرورة والمفيد

قد يكون عنصر المفاجأة  وعدم الإعلان المسبق عن هذه الزيارة من أهم مسببات تلك الزوبعة وما صاحبها من نشر معلومات كذّّب بركة بعضها بعد عودته إلى البلاد.

لن أسترجع مضامين الانتقادات التي وجهت لبركة ومنها تلك التي ركزت على مواقفه السياسية السابقة المعلنة إزاء الفرقاء المتخاصمين وأرض اللقاء، وأخرى تمحورت حول مبررات انخراطه في عملية مصالحة غير مكتملة المعالم وملتبسة الوجهات، ولا يعد  التدخل فيها ضرورة تستحوذ على إجماع واضح بين مركبات اللجنة التي يقف على رأسها؛ ولذا اعتبر بعضهم خطوته خلافية خارجة عن "الإجماع التوافقي" وعادلوها بمغامرة سياسية غير محسوبة شرخت أكثر مما ضمّدت، أو كما وصفها آخرون، كانوا أكثر حدة وغضبًا، بكونها مجرد قفزة لسياسي أوقعته " النخوة العربية" في مطب كان الأجدر ألا يقع فيه، لا سيما وبعضهم عرفوا أن بركة وعباس لم يتوجها إلى قطر وحيدين، بل برفقة وعند طلب بعض الأخوة الفلسطينيين المنخرطين في قضايا المصالحة منذ زمن طويل.      

بعيدًا عن هذا المشهد فإن الزيارة، بالأسلوب والإخراج اللذين رافقاها، قد كشفت برأيي واحدًا من أخطر المواضيع التي على الجماهير العربية ومؤسساتها القيادية السياسية والمدنية والاجتماعية أن تواجهها بجرأة ومسؤولية ونضوج: فهل حقيقة يضطلع المواطنون العرب في إسرائيل ومؤسساتهم التمثيلية بوزن سياسي حقيقي يخوّلهم ويجيز لهم أن يتصرفوا كرعاة لعمليات سياسية عابرة لولاية وجودهم الجغرافي والسياسي؟ وعلى مستوى آخر نجد أن الزيارة أقحمت تساؤلًا مقلقًا مفاده: هل استجدّت متغيرات جديدة على طبيعة علاقاتنا المحددة والمقبولة والملزمة مع منظمة التحرير الفلسطينية والتي أرست قيادات جماهيرنا التاريخية معالمها وفصّلت حدود ترابطها وتقاطعها وتباعدها وفقًا لمعطيات الزمان والمكان؟ فهذا ما قد توحي به هذه الزيارة ومعززاتها التي سيقت من قبل منفذيها.

هنالك ضرورة حيوية لإعادة النظر في دور الجماهير العربية وموقعها في المجريات العامة للقضية الفلسطينية وتفاعلاتها السياسية والميدانية، وضرورة الإجابة، كذلك،على ماهية مفهوم كوننا جزءًا من الحركة النضالية الوطنية الفلسطينية - بخلاف كوننا الطبيعي جزءًا من الشعب الفلسطيني- وما هي حدود هذه التبعية ومضامين هذا الانصهار وتداعياته على وجودنا كأقلية في دولة يستوحش فيها النظام ضدنا؟ وهل جميع مركبات اللجنة العليا متفقون على إجابة واحدة متشابهة على هذه الأسئلة الهامة؟ 

لقد انتقدت بعض القيادات السياسية زيارة بركة وعباس لقطر مؤكدين عدم اطلاعهم عليها وتغييبهم عن مجرياتها بالمطلق.

 إن هذه الجزئية، برأيي، تلقي الضوء على واحد من الإشكالات الجدية التي تعتري ساحة العمل السياسي والعلاقات بين المؤسسات القيادية السياسية والمدنية والمؤمل منها أن تكون شريكة في صنع القرار ووضع آليات النضال المشترك المنشود في هذه الأوقات العصيبة، فمن غير المقبول أن يتم تجاهل مواقف الأحزاب والحركات الناشطة بيننا إزاء هذه الاحتمالات السياسية والمسائل التي تكشف عنها الزيارة، لا سيما وكلّنا نعرف أن هنالك تباينات عميقة وجوهرية بين مركبات اللجنة العليا حول معظم القضايا العامة وتفاصيلها الكبيرة والصغيرة، بدءًا من مواقفهم من منظمة التحرير الفلسطينية، ومرورًا بمواقفهم من الفصائل خاصة من تنظيم "فتح" وقياداته وعلى رأسهم الرئيس محمود عباس، و"حماس" وارتباطها العضوي مع حركة الإخوان المسلمين، وانتقالًا إلى مفهوم النضال وموجباته، ثم الدولة الوطنية  الفلسطينية المأمولة وحدودها وطبيعة النظام المنتظر أن يقف على سدة الحكم فيها؛ هذا علاوة على ما ظهر من صراعات بين هذه الأحزاب والحركات المركبة للجنة العليا وتشتت ولاءاتها بين مختلف الأنظمة العربية والإسلامية والعالمية، تلك التي تتدخل في رأب الصدع الفلسطيني وأخرى تسعى إلى تعميق الجرح وإبقاء النزيف سيالًا.

لقد دافع محمد بركة عن سفره وما قام به في قطر باسم مصالحة الاخوة وضرورة السعي لإنهاء الخلاف الفلسطيني الفلسطيني، وهذه برأيه قضية لا يقف في وجهها حائل ولن يؤخره عن متابعتها رأي معارض أو موقف مغاير، فكل المبررات تتساقط أمام محاولة إعادة اللحمة للجسد الفلسطيني الواحد

لا أحد يستطيع أن يختلف مع بركة على ضرورة إنهاء الانقسام الفلسطيني الخطير، لكنني وكثيرين مثلي نعرف أن هذه الزيارة ومثيلاتها لن تحقق تلك الأمنية، ولن تضيف حتى حجرًا صغيرًا على جسر غير موجود فوق الهوة السحيقة التي حفرتها معاول دول غريبة متناهشة على رئتي فلسطين من أجل مصالحها، وبسياساتها الخبيثة تخطط إلى ترسيم شرق أوسط جديد وبعضها يضرب بمطارق العروبة وأخرى بمحاريث الإسلام؛ وما دام الحال هكذا وأسوأ، يحق للمنتقدين أن يسألوا وفد المتابعة

بأي مؤثرات يستطيع وفد وصل باسم لجنة منقسمة على حالها وتمثل جماهير مشتتة ومتعبة أن يتغلب على هذه الحواجز وينتصر على واقع مأزوم ومهزوم؟ فالقضية هي أكبر من "طوشة" أولاد بدأت خصامًا على "طابة" في الحارة وكبرت، وأعقد من خلاف أخوة أشعلته غيرة نسوة فاحتدم. إنها المعركة على فلسطين، على تلك الخانة على رقعة الشرق المبدد في حين يفترض فيه المحللون أنه على فلسطين انتظار دورها فقط بعد أن تضع حروب الأشقاء أوزارها وقد يكون ما جرى في لبنان مؤخرًا بداية الفرج، وربما ستكون سوريا اللاحقة، وهكذا إلى أن ينزاح عنا الغبار وينبلج الصباح .

 بالخلاصة، إنها لعبة ليس من صالحنا أن ندخل في متاهاتها.

ما كنا نتطرق للزيارة لو لم يصاحبها "أعراض جانبية" من شأنها أن تضر بوحدة المواطنين العرب في إسرائيل وبمصالحهم الأساسية.

فقد يكون باسم اللجنة الجواب الشافي لعدم ضرورة هذه الزيارة، لأنها  "لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل"، وقد قلنا في الماضي إنها بحاجة إلى ترميم شامل وإعادة بناء تنظيمي ومضاميني، فهي بمعان كثيرة قائمة كإرث مؤسساتي متصدع، وقد عملت،وقبل عصر بركة،  في ظروف مضت مسوغاتها وبمحركات نريد تغييرها.

 لا شك أن السعي في مواكب "الصلحات" غاية مباركة، ولكن قبله يجب أن نتفق على أبجديات وجودنا في إسرائيل وعلى تعريف أعدائنا وحلفائنا. وعلى كيفية صيانة حرياتنا، وقبله أن نتوافق حول قوالب حرياتنا؛ فأن يصدر، مثلًا، بيان يصرح فيه أن : "لجنة المتابعة لشؤون الجماهير العربية ترفض قطعيًا بإجماع مركباتها جرائم قتل النساء المسماة زورًا وبهتانًا: قتل على خلفية الشرف  أو أي خلفية أخرى"  يعد خطوةً إيجابية، لكنها ليست خالية من التورية و"الغنوجة"، فالبيان، برمته، هام لكنه ليس كافيًا، لأننا نعلم أي تصريحات سبقت إصداره، وبعضها جاء على لسان قياديين في اللجنة العليا بينهم وبين مفاهيم الحريات المعاصرة قرون من الزمن، ومنهم، على الرغم من موافقتهم على  إصداره ، ما زالوا يؤمنون أن المرأة عورة

سياسة الدولة ومخططات قادتها خطر محدق في وجودنا الجمعي وسلامة وأمن أفراد مجتمعاتنا في جميع قرانا ومدننا.إلى جانب ذلك يبقى قتل النساء عارًا على مجتمعنا، ووصمته لاصقة في جبين مؤسساتنا العاجزة على مواجهته بصدقية واستقامة وجرأةوالعنف المستشري في مواقعنا خطر وجودي على حصانة مجتمعاتنا واستقرارها المنشود.
التضييق المتعاظم على فضاءات حياتنا وانحسار الحيّزات العامة ظواهر قاهرة يشكو منها كثيرون، لكنهم لا يجدون الإسناد والدعم من أصحاب القرار والمقدرات العلمية والمادية. ويبقى تيهنا السياسي آفة الآفات التي تلقي بنا في المتاهات، وتشتت شملنا وتفتّ من قوانا. فهل الطريق إلى تركيا أكثر أمانًا منه إلى الشام، أم علينا أن نصاحب بوتين ونهجر أولاد عدنان، وهل نترك مياديننا في حيفا وكفرياسيف وصفد ونستظل في خضرة رام الله وخيم الصحراء ونعم السلطان؟   

هذه هي مشاكلنا وهي ذاتها مسؤولياتكم في اللجنة العليا، فلا بأس أن تذهبوا إلى قطر أو الى جنيف أو موسكو، ولكننا بحاجة قبلها للجنة متابعة سليمة قوية ومتجددة، ولرئيس لها كشاف عنيد، فحين انتخب بركة عقدنا عليه الأمل ولأننا رفاق ذات الطريق ما زلنا نؤمن أنه قادر على أن يكون الياطر الأوفق لسلامة سفينتا

نريد بركة قويًا فإذا كتب على صفحته في الفيس بوك ذات صباح، كما نقل الصحفي المعروف وديع عواودة في القدس العربي قبل أيام: "إن النساء اللواتي يشاركن في المناسبات الوطنية في المجتمع العربي هن بطلات، وكل من يعارض ذلك فلينظر في داخله" لا يضطر إلى محوها في المساء، فبركة مثلنا ما زال يؤمن أن المرأة ثورة، وفي أعدائها الاثم والعورة.

 

 

موت البنات.. وأين الشرف!

جواد بولس

 

كانت هدى كحيل، ابنة يافا، هي الضحية التاسعة التي قتلت منذ مطلع هذا العام، منضمةً إلى عشرات السيّدات اللواتي قضين بمعدل واحدة في كل شهر وذلك على خلفية ما يسمى عند العرب القتل باسم شرف العائلة

فالمجتمعات الذكورية العربية تواطأت تاريخيًا في أبشع محاولات تجميل عمليات قتل الأنثى العربية وتسويغ جرائم الذكور بحجة الدفاع عن العرض الذي جردت منه النساء واعتبر دومًا ملكًا للذكر وللعائلة والحمولة والقبيلة والقوم

وكما في كل جريمة حدثت في الماضي قرأنا هذه المرّة أيضًا فيضًا من البيانات الشاجبة والمستنكرة وشهدنا بعض النشاطات المحدودة والخجولة التي شاركت فيها، على الأغلب،النساء وناشطات في مجالي الدفاع عن حقوق الإنسان والمنظمات النسوية المنتشرة بيننا.

كثيرات من المتحدثات جئن على أسباب شيوع الظاهرة الخطيرة وبعضهن حاولن وضع الأصابع على الجروح في مسعى منهن وأمل أن يوقفن هذا النزيف المتعاظم في قرانا ومدننا في السنوات الأخيرة، وكأن شرف النساء العربيات اكتشف من جديد أو أنه صار أكثر عرضة للسلب مع تقدم الحياة الاجتماعية ودخول الحداثة والعصرنة والتطور إلى أماكن لم تنكشف في الماضي على ما يتيحه عالم الهايتك ووسائل التواصل الاجتماعي وأسواق العمل التي بدأ ربع السيدات يخضن غمارها.

ومن بين نداءات المتحدثين والمتحدثات بعد وقوع الجريمة الأخيرة كان نداء العاملة الاجتماعية والناشطة النسوية السيّدة سماح السلايمة لافتًا بما حمله من وضوح وشمولية، مع أنه جاء مكنوزًا ومقتضبًا. فلقد طالبت بضرورة تكثيف الجهود من أجل منع الجريمة وتطبيق القانون ومعاقبة المجرمين وأكدت على "ضرورة العمل على تربية أجيال أقدر وأفهم من الناحية النسوية" ووجهت حديثها إلى كل من "رجال الدين، والسياسيين، والسلطات المحلية، ولجنة المتابعة العليا للجماهير العربية الخالية من النساء تقريبًا". لا أعرف إذا كان ترتيب تلك العناوين مقصودًا منها لكنها حتى لو لم تقصد ترتيب تلك الجهات وفقًا لإمكانيات تأثيرها على مجتمعاتنا فإنني أراها قد أصابت بما فعلته لأنني أرى أن تأثير رجال الدين كان في المكانة الأولى لما يحظون به من إمكانيات تأثير ومنابر يبثون من فوقها تعاليمهم، ويتبعهم رجال السياسة والمؤسسات التمثيلية الكبرى وفي طليعتها لجنة الرؤساء ولجنة المتابعة العليا، فعلى جميعهم تقع المسؤولية الكبرى لمواجهة ظاهرة قتل النساء وعليهم أن يضعوا رؤاهم بحزم وبوضوح وأن يباشروا بتنفيذ ما يكفل البدء في السير على طريق أراه طويلًا وعدم الاكتفاء بمهرجانات الخطابة وببيانات الشجب والاستنكار التي تفيع كالسحاب بعد كل عملية قتل.        

كم أتوق وأتمنى أن يقع نداء سماح ورفيقاتها الناشطات في هذه الميادين على آذان صاغية وصدور مفتوحة وعقول مستعدة لتسيير إرادات المجتمع في وجه الجريمة والمجرمين .فأنا، في الحقيقة، لا أرى مخرجًا من هذه الآفة الضاربة جذورها في العقلية العربية منذ أن كانت البنت الوليدة عارًا على أهلها وقبيلتها، ولا أستشعر وجود مقوّمات جدية تبشر بنهوض جهات مؤثرة تعمل بحزم على نسف تلك الرواسب المعششة عميقًا في جينات العرب وتستهدف القضاء على الترب التي تنمو عليها السواعد القابضة على خناجر القتل وبلطات الإعدام، ويكفي أن نقرأ أن أكثر من نصف أبناء مجتمعنا يؤيدون قتل النساء بسبب شرف العائلة!  

أقول ذلك آسفًا ومستذكرًا عشرات حوادث القتل الأخيرة التي حصدت أرواحًا وتركت أحزانًا وأيتاما، فالسنين تمر والقتل يزداد وكأننا مجرد مجتمعات قاصرة أقرت عمليًا بعجزها وعدم قدرتها على تلمس نقطة ضوء بدل إدمانها على اقتفاء نقاط الدم المراق في عتمة حياتها الفاحمة.

أقول ذلك عن وجع وقد كتبت في الماضي أن "الحياة معهن أجمل" وصرخت في أحد مواسم الذبح الكريه أنني:   

كلّما أقرأ عن جريمة قتل يتيمة، سجّلت في حق "مجهول" أو قاتل باسم الشرف أقول: هنيئًا لك يا أيها الموت العاهر! فلك ما لنا ولك الكتائب والمجاهدون، بناة العزة/ الوهم وحماة الشرف المخبأ في شقوق أكعابهم/حوافرهم، أسياد التخلف والرياء، كهنة بابل والصحاري الخاوية. أغرف حتى البطر أو، يا ليت، حتى التعب.

وكلما ذبحت زهرة وبقر بطنها "مأمور الشرف" وسيّد العفة، لأنها خانت الرواية وما عادت تحتمل عتمة خوابي الزيت القديمة، أبكي على ماضٍ دفنوه حيّا في باحات بيوتهم وقصورهم وخيَمهم، وعلى حاضرٍ نسي المولّدون قطع حبل سرّته فبات طُرحًا مشوّهًا ناقص السمع أعشى البصر. حاضر يزهو برجالٍ عقولهم تتمدد بين أرجلهم ورجولتهم "تتعنطز"على حافة شواربهم المنتصبة، علماء بالادّعاء وفقهاء بالتشاوف والدم عندهم أرخص من "عفطة عنز".

الجرائم في حق النساء هي بمعظمها وليدة مجتمعاتنا وثقافتنا وقيمنا. لا أظن أننا نجيد خيارًا إذا أحلنا، كما نبرع دائمًا، مسؤولية هذه الظاهرة المأساوية وألحقناها فقط بالدولة الصهيونية وسياساتها العنصرية الجهنمية للنيل من مجتمعنا وضربه.

فالقصة تبدأ في البيت؛ كيف نفرح لمولودنا الذكر ونندب حظ الأنثيين. القصة تبدأ في البيت وكيف نضيء شموع الفخر والاعتزاز برجولة أطفالنا، فنحثّهم ليستعرضوا ذكاءهم الخارق ويدلوا على "حماماتهم"، موطئ الرجولة وضمان المستقبل. بينما لا نتوقف عن كيل التنبيهات والإرشاد والتعنيف إذا قفزت بنت وبان طرف فخذها أو إذا تحركت ولم تحافظ على التصاق الساق بالساق تكون الطامة كبرى وهي، هذه المسكينة الغضة الطفلة، تصير، بأعين مجتمع مريض، على حافة ارتكاب الرذيلة والسقوط في المعصية. هكذا وهن في عمر براعم اللوز والفل، فلكم أن تتصوروا ما حالهن إن تكعّب صدر أو نهد، وإن ماس قدّ وجاد عنق ! إنهن عالات ومناجم قلق، زواجهن سترة وملاذ، يجب التحرز عليهن وإخفاؤهن، وحتى إن أبلين بلاء الوطن وجب التعذر من ذاك القدر، فالحسناء عند العرب ترفع حجابها إذا غابت الرجال وبكى القمر

إنه البيت. إنّها الحارة وأبوابها. إنّها المدرسة. إنّها العائلة. إنّها الكنيسة. إنّه المسجد. إنه نحن، المجتمع. إنّها تربية وثقافة وموروث.

فما الذي يمنع لجنة المتابعة العليا من تبني مثل هذه المسألة الحارقة الدامية ومتابعتها؟ وما الذي يبعد سلطاتنا البلدية والمحلية من احتضان هذه القضية وايفائها حقها وتأمين ميزانيات تكفي لتأهيل وتشغيل طواقم خبراء في مواجهة الجريمة والقتل؟ وما الذي يثني مدارسنا من تخصيص ساعات وحصص ومربين أكفاء ومؤهلين لتوعية الأجيال وللحديث عن هذه الآفة؟ ولماذا لا يتبنى الكهنة والأئمة هذه المصيبة ويخصصوا لها عظات وعظات، فلهم يسمعون وإيّاهم يقتدون.

على كل من يستطيع التأثير من موقعه أو من منبر أو منصة أن يثير هذه القضية ويعبر عن رأيه فيها بوضوح حازم.

فشرفنا بكرامتنا وحريتنا وتقدمنا وعلمنا واحترام ذواتنا والآخرين. لم يكن شرفنا يومًا بين أرجل حرائرنا ولن يبق على ما انتصب من شوارب أو ذيول أحلام مخفقة.

فليفعل كل واحد منا ما يستطيع، علّنا نبني معًا مستقبلنا الآخر الذي لن يكون إلّا إذا قبلنا مشتَهيات الفراش، عرائس الخيال الجامح، شريكات درب وحياة ونضال. فمعهن الحياة أجمل.

لن أفيَ، مهما أزيد وأكتب، حق هذا الموضوع ولكنني أضم صوتي لكل صراخ ضحية ذبحت على مذبح التخلف والقهر والهزيمة. أضم صرختي إلى كل من تصرخ ويصرخ في وجه هذه الأشباح الواهمة بأنّها تدافع عن شرف عائلة وقبيلة وقوم".

مرت السنين سوداء. سقطت الزنابق وقتلت الفراشات تباعا. ما زال حالنا يُبكي السرو ويدمع محاجر السماء. فلن أضحك على حالي ولن أكون بائع أمل خاسر وموهوم لأنني لا أعرف من أين سيأتي الفرج وكيف ومتى سنصبح أمّةً لا تقتل وتبرر أنهر الدم باسم السماء وشرف مهزوم ومزعوم وتعيش في بحور من كذب ورياء ودجل!   

ما أسعدني ما أشقاني! قبل شهر احتفلت بولادة حفيدتي الأولى. مناسبة علمتني وأنا في الستين من عمري كيف يتجدد الفرح ويكون ندّافًا وكيف تتدافع الأقمار لتنير عتمة العمر بسعادة وقادة

بكت "لورنا" لتعلن بحتها أن لا حياة إلا تلك المنبعثة من قلب العدم ومن بحر الوجع والتيه. بكيت  فأخذتني الدمعة الى رفقة النجوم لأحلق معها عند حافة الكون، وعدت لأجدها أجمل الهدايا ونبعًا من ضوء وبركة

بدأ المهنئون يتصلون ويتمنون لي مزيدًا من السعادة، وللحفيدة عمرًا كعمر الريح والزهر. ما أسعدني.

بعضهم، أحفاد الصحاري وأبناء تلك النار، تمتموا في أذني ودعوا أن "يزينها الله قريبًا بالصبية الذكور"، وآخرون همسوا متعذرين لولادتها أنثى، وتمنوا علي بالصبر فبعده حتمًا سيأتي الفرج، وعندهم، عند اخوتي العرب، لا يكون الفرج الا ذكرًا ابن ذكر. ما أشقاهم.

أغاظوني لكنهم لم يقهروا نطنطة قلبي. وبّخت كثيرين وتوقفت حين استوعبت أنني أواجه أكثرية في مجتمع آمن أجداده أن في الدنيا سرورين لا ثالث لهما: حياة البنين وموت البنات، والأهم أن جداتهم آمنت بأن: موت البنات من المكرمات.     

فمتى سنصير شعبًا يحفل بالحياة وجديرًا بها؟

 

 

 

بيروت خيمتكم، الجليل خيمتنا

 

جواد بولس

 

بينما كنا نسمع  خبر استبعاد فيلم المخرجة النصراوية مها الحاج عن مهرجان بيروت للأفلام فاجأنا صديقي الطبيب وقالما زالت العرب تجهل حقيقة ما جرى في عام النكبة، فالمصيبة تكمن في عدم فهمهم الأساسي المتجذر وجهلهم المزمن في الأصول،  حيث تبقى التفاصيل هوامش لا تزيد ولا تنقص

كان معنا أسير سياسي محرر قضى عدة أعوام في سجون إسرائيل، بدأ يحدثنا كيف كانت خيبة أمله حين رفضت دولة الجزائر في العام ٢٠١٠ السماح لوفد من الجماهير العربية كان يرأسه رئيس لجنة المتابعة العليا، في حينه، السيد محمد زيدان دخول أراضيها للمشاركة في مؤتمر للتضامن مع الأسرى الأمنيين الفلسطينيين. كانت حجة سلطات الجزائر التي أعلنت على الملأ أن جميع أعضاء الوفد يحملون جوازات السفر الإسرائيليةولم يشفع لهم أن بعضهم كانوا قيادات معروفة في مواقعهم وآخرين أسرى فلسطينيين. كان بوسع الجزائر إيجاد حل بديل يمكّنهم من دخول البلد والاستغناء عن تلك البهدلة

كنا سبعة ننتمي لمشارب سياسية مختلفة. منا من كان شيوعيًا، أو ما زال، ومنا القومي ومنا الذي شرد، ومنا الحزبي، ومنا الذي انفلق. المهم أن كل واحد كان يحمل قصة عن حادثة جرت معه أو سمعها من قريب أو صديق. قصص تختلف بتفاصيلها لكنها تأخذنا إلى نفس البئر، حيث الحقيقة تصرخ لاهثة، فأشقاؤنا العرب لم يذوتوا بعد أننا، نحن الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، كنا أصل الحكاية وبقينا روح الرواية، وصمودنا على أراضينا هو المعجزة والسر والنهاية.    

أقدم الروايات استعاد تفاصيلها صديقي الطبيب. متهكمًا على تلك الأيام التي استذكر فيها أحداث تلك الرحلة البحرية الظريفة التي حدثت قبل نصف قرن. اللافت، هكذا أكد صديقنا، على أنه وبرغم مرور السنوات الطويلة ما زالت إمكانية تكرارها في أيامنا واقعية وممكنة، طبعًا مع ما يحتمه الواقع الجديد من تغييرات على فصول المشهد.

في أحد أيام صيف عام ١٩٦٦ غادر صديقي مع بعض رفاقه في الحزب الشيوعي على ظهر سفينة مبحرة من ميناء حيفا إلى ميناء ليماسول القبرصي، وذلك بعد أن فازوا بمنح دراسية مكنتهم كأبناء للكادحين من الدراسة في جامعات الدول الاشتراكية والتخرج منها أطباء ومهندسين وأكاديميين، وفي وقت كانت سياسة إسرائيل تعرقل إمكانيات انخراط مواطنيها العرب في الدراسات الجامعية والتقنية على أنواعها، وتتعمد إبقاءهم جهلة عساهم يصيرون عندها "حطابين وسقاة ماء". 

في قبرص استقبلهم موفد الحزب الشيوعي السوفياتي. وبعد إنهاء بعض الاجراءات البيروقراطية رافقهم إلى ظهر السفينة الروسية التي ستقلهم إلى حضن الأم الدافئ، حيث كانت الشمس، في موسكو، تشرق على كل الشعوب

أدخلوا إلى غرف أعدت لجميع الطلبة الوافدين من مختلف الدول العربية. جمعوا معًا وطُلب منهم تعريف أنفسهم. فقام كل وفد بتقديم رفاقه ولمحة عن حزبه ووطنه. عندما جاء دور صديقي ورفاقه شعروا بحرج كبير وإشكال كاد يسبب الاعتداء عليهم، فبعد الناصرة والبعنة وحيفا وكفرياسيف والرامة كان عليهم أن يأتوا على اسم الدولة التي جاءوا منها ولمحة عنها وعن حزبهم. كل محاولاتهم لاقناع رفاقهم العرب بأنهم عرب مثلهم وفلسطينيون باءت بالفشل. كبرت المشادة. الرفاق من الدول العربية اتهموا الرفاق الفلسطينيين، الذين أصبحوا على حين فجر دامٍٍ مواطنين في دولة صار اسمها إسرائيل، بالخيانة واعتبروهم إسرائيليين ومدسوسين؛ فكيف يمكن أن يكونوا عربًا وفلسطينيين ويعيشون في دولة إسرائيل المزعومة؟ (هكذا كان العرب يصفون إسرائيل). جميع الرفاق أصروا أن الفلسطينيين الأصايل يعيشون في الخيام وفي المنافي، ومن بقي هناك في الداخل ولم يرحل لا بد أن يكون متعاونًا أو مزروعًا أو متصهينًا.

كانت السفينة تمخر عباب البحر والصراخ من تلك القاعة يمور في زبد الموج ويتلاشى مع فرح النوارس في الجو

انتهت المعركة من غير أن تترك جرحى، وذلك فقط بعد تدخل الرفيق الأكبر وسعيه لتهدئة الأجواء وتصفيتها. كانت الرحلة طويلة تخللتها جولات من نقاشات مضنية أفضت في النهاية إلى نجاح صديقي ورفاقه بتوضيح ما كان يجهله الرفاق العرب وأهمه أن في الوطن الذي كان يسمى فلسطين بقيت أقلية فلسطينية عنيدة حكيمة، وبصمودها مهدت لأن يبقى هناك خلف الجسر والضباب وطن اسمه فلسطين.

من تلك القصة في الجزائر تنقّلنا إلى غيرها في قبرص وموسكو واليونان إلى أن وصلنا بيروت مجددًا ومهرجان أفلامها الذي استبعد القيّمون عليه هذا العام مشاركة فيلم "أمور شخصية" لمخرجته ابنة الناصرة، وذلك لأن إنتاج الفيلم تم بدعم مالي قدمه صندوق إسرائيلي رسمي وهي حقيقة أجبرت، على ما يبدو، المخرجة على تقديمه في مهرجان "كان" الدولي على أنه فيلم إسرائيلي.             

يلاحظ أن الاهتمام بهذا الخبر كان هامشيًا ولم يستدرج التفاتة إلا من قلة قليلة من المهتمين في شؤون الثقافة وهي الضحية الأشهر في عصر الانحطاط العربي الصدئ الذي نعيشه ونواجه مآسيه يومًا بعد يوم

قد تكون الحجّة التي تذرعت بها اللجنة لاستبعاد مشاركة  الفيلم، هذه المرة، حقيقية ومبررة مع أن اللجنة ذاتها شطبت فيلمين عربيين آخرين لأسباب سياسية فئوية بحتة، ولم تتصرف بنزاهة مهنية متوقعة منها

مع هذا من الواضح أن قرار بيروت فتح مجددًا باب النقاش حول علاقتنا كمواطنين عرب في إسرائيل مع الدول العربية، وكيف تتعامل معنا تلك الدول سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي. وسؤالي، بناءً على تجارب الماضي:
 
هل كانت لجنة المهرجان ستقبل الفيلم ومخرجته والممثلين، وكلهم حملة جوازات سفر إسرائيلية، حتى لو لم يحظ الفيلم بتمويل إسرائيلي؟ 
هل كانت بيروت ستقبلهم كما هم: عربًا يمثلون أقلية صامدة أم ستشترط عليهم الدخول الى أراضيها بشروط وفي طليعتها الحصول على جوازات سفر فلسطينية أو غيرها مثلًا؟     

بعيدًا عن قضية فيلم "أمور شخصية" وما رافقها من مفارقات عينية استجلبت  مواقف لها ما يبررها، وبعد أن قرأت ما كتب في هذا الشأن (بعض المقالات في المواقع المحلية) وبمعزل عن جميع التفاصيل التي خاضوا فيها والجديرة بالنقاش والتمحيص والتفكيك والمتابعة، أود أن أسجل موقفي ازاء اشتراط بعض الدول العربية والإسلامية علينا كعرب نحمل جوازات السفر الإسرائيلية بضرورة حصولنا على جواز سفر بديل ومقبول لدى تلك الدولة، وبدونه لن تسمح لنا تلك الدولة بدخول أراضيها حتى لو كان الواحد منا مقبولًا ومرحبًا به هناك ولا اعتراض على سيرته الذاتية وشهرته الوطنية. فلبنان على وجه التخصيص سمح ويسمح لمواطنين عرب يسكنون في إسرائيل دخول أراضيه بجواز سفر فلسطيني يستصدر خصيصًا لهذا الغرض.  

واذا كان من الطبيعي أن تحتفظ كل دولة سيادية بشروط يجب على الراغبين بزيارة أراضيها تلبيتها، واذا كنت متفهمًا لعدم استعداد لبنان او أي دولة أخرى تسويغ وقبول جواز السفر الإسرائيلي، حتى لو كان مفروضًا علينا كمواطنين في الدولة، فلماذا لا يُكتفى باصدار وثيقة على الحدود تمكن صاحبها من الدخول والخروج بسهولة، لا سيما إذا عرفنا أن إصدار جواز سفر فلسطيني هو ليس بحق معطى للمواطنين العرب في إسرائيل وإصداره شأن غير متاح بسهولة وبوفرة، وقد يعتبر مخالفة يعاقب عليها القانون؛ فإذا كانت النوايا تسهيل حياة مواطنين صمدوا وعاشوا محاصرين لعقود من القمع والملاحقة وإذا كانت تلك الدول تعتبرنا حقيقة أشقاء مرحبًا فينا على أراضيها فلماذا لا يفتشون عن بدائل تيسّر ولا تعسّر بدل أن يضعوا حواجز من الصعب تجاوزها بعد هذه السنين الطويلة من القطيعة  والفصل الحرام. (من الممكن الإفادة من تجربة تسهيل الحج إلى مكة كمثال على التسهيل وليس للتقليد).  

قد يكون استبعاد هذا الفيلم من مهرجان بيروت مبررًا، لكننا نعرف أن الحقيقة غير والواقع مغاير، فنحن العرب غير المهزومين ما زلنا ضحايا ذلك الجهل العربي المتفشي من زمن النكبة، ونحن العرب الذين لم تقدر عليهم، حتى الآن، حبائل الصهيونية، ما زلنا نعاني من مزايدات نخب في بعض الدول العربية تخشى أن ترى ذواتها في مرايا الهزيمة والعجز، ونحن الباقون كالصبار في هذا الشرق يجب ألا نستجدي  تأشيرة دخول إلى بلاد ربت إذاعاتها أجيالًا على الوهم والكذب وهي تردد "بلاد العرب أوطاني"، ونحن يجب أن نكف عن قطف رؤوسنا وموافقتنا على إبراز شهادة حسن سلوك تجيز لنا حرية الحركة في تلك البلاد، السجون.

معظم  الذين كتبوا في هذا الشأن عبّروا عن تفهمهم لمواقف الأنظمة العربية تجاه الأقلية العربية في إسرائيل وبعضهم، وهم قلة قليلة، طالب هذه الأقلية بضرورة التوقف عن غنج الادعاء بتميزنا كأقلية عانت وتعاني وبفرادة تجربتنا وموقفنا؛ أنا لست من هذه الفئة، وفي تقديري أن أكثرية المواطنين ليسوا مع هذا الرأي، فنحن لا عيب فينا سوى أننا رفضنا إغواء هسيس الجان، وآثرنا ما يقوله لنا الفجر في سماء جليلنا وكرملنا، وبقينا فيهما حماة للديار وللمواويل ولخوابي الأجداد.    

نعم إننا عرب مميزون وقصتنا مع أشقائنا العرب لم تكن من موّل فيلمًا أو "سرق رمانةً"، بل  كانت قصتنا وما زالت أين خيمتنا؟ أين خيمتنا؟
قد تكون بيروتكم تلك هي خيمتكم، لكننا كنا هنا في الناصرة واللد والرملة والجليل "سبعون مستحيل"، فإما أن تقبلونا يا عرب كما نحن، أو تعالوا وتعلّموا كيف نربي الأمل في مطارحنا ونحترم الانسان ونصون الوطن.

 

 

 

قيادة سياسة ومال

 

جواد بولس

 

تم يوم الاثنين الماضي ٢٠١٦/١٠/١٠ الإفراج عن النائب السابق في الكنيست سعيد نفاع بعد أن قضى عامًا كاملًا في سجون إسرائيل.

كنت في طريقي إلى سجن جلبوع القريب من تلك "الضيعة" التي كان "ينام في أفيائها نيسان"، فلقد تواعدنا، حفنة من الأصدقاء وأعضاء في اتحاد كتاب الكرمل، الذي يشغل سعيد منصب أمينه العام، أن نلتقي على باب السجن كي نكون شركاء معه في لحظة الفرح وانتصار الحياة.

الطريق من القدس إلى بيسان طويلة ومملّة. أحاول خلاله أن أقتل الرتابة لكنها كانت أقوى حتى من رومانسية عبدالوهاب وهو يفتش بخجل عمن يهدي حبيبته وردة حمراء. أنظر إلى الأفق، لم يكن بعيدًا فدائمًا كان يسير بمحاذاة النهر، لم أجده . في الجو غبار والرمادي كان طاغيًا. تملكني حزن.

 أمامي، من شدة القيظ، كانت ترتسم في الفضاء أشكال كتلك التي تتساقط من لوحات "دالي" البديعة. بعضها بدا كوجوه مشوّهة وغير مكتملة، وأخرى كانت تشبه الأجساد وهي تسير بتثاقل كالجمال المنهكة، صدورها كانت متجهة نحو الشرق ورؤوسها تنظر نحوي كأنها قطعت وركبت معاكسة. كانت تحدق بي  بنظرات يأس أو عتب. خفت من هذا المشهد الغريب وانتابني شعور بالضيق مع أنني لست من المتطيرين المرضى.

حاولت أن أستدعي تفاصيل زيارتي له في السجن حين جاءني أسيرًا ومبتسمًا كان يشع حيويةً. جلس قبالتي بهدوء، بياض شعره كان طبيعيًا وذقنه كث  ومهذب. كان متأنيًا بحديثه مجيدًًا بانتقاء المواضيع. تحدث بوقار لم يخدشه لباس السجن البني ولا فاصل الزجاج الذي وقف أصمّ بيننا.

شعر أنني خفت حين لاحظت أنه خسر عشرين كيلوغرامًا من وزنه، فطمأنني بشقاوة شاب: إنها الرشاقة المطلوبة يا أخي فأنا أمارس الرياضة بصرامة وبمنهجية. في السجن إما أن يذيبك اليأس والكسل وإما أن تصير كالسرو عنيدًا وممشوقًا، تلاعب الغيم وتحاول أن تطير مع البواشق نحو بلاد أحلامك؛ لا وقت عندنا للملل، فأنا أقرأ وأقرأ وأكتب وألعب الرياضة وبالنهارات أحلم كي تصير لياليّ نجومًا والغد فرسي المشتهاة.

جالسته ساعة. تحدثنا عن الخاص والعام وعن الوفاء والجحود وعن أشياء صغيرة وكبيرة. لقد كان متصالحًا مع ذاته وراضيًا عن دفعه ثمن قناعاته واختياراته، فهو، في البداية والنهاية قد زار سوريا كقائد لحزب آمن بالتواصل بين الأهل والأشقاء، لكن حزبه  تخلى عنه، فكان عليه أن يواجه مصيره إما كابن للحياة والكرامة وإما هاربًا ذليلًا ومهزومًا. اختار كما يجب أن يختار قيادي حر في حزب وطني،  وكما يجب أن تختار النخبة القدوة حين يبطش الظلم وتخون الليالي ويفر السمار: أن يكون نقطة نور تنساب على صفحة الأيام.

وأنا على باب غرفة الزيارة أخبرته أنني ما زلت أحتفظ بما كتبه لي عندما قرأ مقالتي السابقة عنه فقال: نعم ومازلت أقرأها حتى الدموع.

أخبار التاسعة صباحًا تتحدث في معظم اللغات عن استدعاء النائبين التجمعيين جمال زحالقة وحنين زعبي للتحقيق معهما في وحدة التحقيقات الخاصة "لاهاف" في ما نسب إلى بعض الناشطين وكوادر حزب التجمع من  شبهات حول تمويل الحزب في حملته الانتخابية الأخيرة عام ٢٠١٣. بعض المحطات العربية تعيد قراءة بيان لجنة المتابعة العربية العليا والتي نشرته على صفحتها الرسمية وفيه تهيب بالمواطنين لحضور التظاهرة الكبرى أمام مكاتب الشرطة في اللد، وشعار تلك المظاهرة: موحدون ضد الملاحقة السياسية وموحدون في محاربة العنف. ويؤكد البيان، كذلك، رفض سياسة الشرطة التي تتخاذل في محاربة العنف والجريمة بينما تلاحق العمل السياسي بكل ما أوتيت من قوة.

لولا عدم إيماني بنظرية المؤامرة ودورها المزمن في التسبب وإدارة أزماتنا المحلية لافترضت أن يدها الخفيّة خططت كي يكون يوم الإفراج عن النائب السابق سعيد نفاع هو ذاته يوم التحقيق مع النائبين جمال زحالقة وحنين زعبي في مكاتب وحدة التحقيقات الخاصة في اللد. لا سيما إذا استذكرنا كيف كانت بداية قصة أسر سعيد نفاع لشعرنا كيف تستعيد المفارقات، بعد انقضاء عام كامل، غرابتها وتكتسب طعمًا فريدًا يصح أن يدعى عند عامة الناس مجرد صدفة أو قد يكون نقرة على صفيح "نواقيس التاريخ" عند بعض المجربين وأولئك الذين لدغوًا من حبائل إسرائيل وحبالها.

لقد أمضى سعيد نفاع عامًا كاملًا في السجن الإسرائيلي، وذلك بعد إدانته في محاكم إسرائيل بزيارة دولة معادية، هي سوريا، والتخابر مع عميل أجنبي هو طلال ناجي، حين قام ووفد مؤلف من عشرات المشايخ المعروفيين والمواطنين العرب بزيارة إلى سوريا في إطار ما سمي في حينه زيارات التواصل مع الأهل والأشقاء. لقد سبق قرار الادانة وفي ٢٠٠٩/١٢/١٣  قرار المستشار القانوني لحكومة إسرائيل ماني مزوز تقديم لائحة اتهام بحقه ولم تثن المستشار عن ذلك حصانة النائب البرلمانية وكون قراره يشكل سابقة خطيرة.

من المفيد أن نتذكر أن قرار مزوز تقديم النائب نفاع للمحكمة قد تزامن مع قرار المكتب السياسي لحزبه، حزب التجمع، بفصله من صفوف الحزب لسببين ذكرا في قرار الفصل الصادر بتاريخ ٢٠١٠/١/١٤: قيامه بلقاء وليد جنبلاط في قبرص مع وفد من حركة التواصل، وعدم موافقته على التنازل عن عضويته في الكنيست للسيد عباس زكور، كما طالبته مؤسسات حزبه أن يفعل.

هكذا تزامنت الأحداث قبل أكثر من ستة أعوام وها هو التاريخ يعيد نفسه. فقد تكون هي نفس الصدفة أو ربما ذات النقرة على صفيح أجراس التاريخ الصامت وهي تتلو علينا دروسًا في الحكمة والقيادة والسياسة.

قبل وصولي للسجن وبعد استفساري عن ساعة الإفراج المحددة عن سعيد أخبرني ضابط مسؤول أنهم قرروا الافراج عنه من معتقل عكا، ولهذا فلقد نقلوه ليلًا إلى هناك تفاديًا للفوضى، كما حاول أن يشرح لي، التي قد تحصل أمام سجن جلبوع بعد أن علم المسؤولون أن بعض الأصدقاء والمتضامنين سيتجمعون هناك .

أخبرت زملائي الذين وصلوا قبلي إلى باحة السجن، فقرروا التوجه إلى مفرق قرية الرامه الجليلية حيث سيتجمع كل من جاؤوا للقاء الأسير، ومن هناك سيرافقونه إلى قريته بيت جن، ليلتقي الأحباء وعائلته التي انتظرت عند ذلك الغدير من دموع الشوق والحنين.

هنالك من خطط في إسرائيل الرسمية لإفساد فرحة سعيد وأصدقاء سعيد وليس لكونه حدثًا شخصيًا، بل لما له من دلالات وأثر على مفهوم القيادة السياسية الوطنية وما المطلوب والمتوقع منها، فسعيد نفاع سجن بتهمة سياسية واضحة وأدين عندما كان نائبًا في الكنيست، واختار ألا  يتوصل الى أي صفقة مع الدولة كانت قد تعفيه من قضاء عام كامل في السجن، وهذه، بحد ذاتها، سابقة هامة كتبت وغيري عن مدلولاتها في الماضي. لقد فشل المخططون، فللحرية عبق أقوى من رائحة العفونة، وصوت أعلى من هزيم الرعد، وصدى أدوم في نفوس الناس البسطاء الحقيقيين.

ما كنت أحشر موضوعين هامين في مقالة واحدة لولا أنني أعتبرهما مترابطين بشكل عضوي متين فكلاهما ذو علاقة بقضية القيادة ومسؤولياتها بين الجماهير العربية في إسرائيل ولهما تأثير على مكانة هذه القيادة وواجباتها.

فسعيد نفاع قد دفع ثمن كونه قائدًا سياسيًا لوحق ملاحقة سياسية واضحة من قبل المؤسسة الإسرائيلية التي انتقمت منه وأرست سابقة خطيرة كان عليه إما أن يقبل مواجهتها وإما أن ينحني أمامها ليمضي في طريقه قائدًا على مقاسات إسرائيلية وكرامة وهمية.

قضية نفاع لا تشبه بحيثياتها وأبعادها قضية التحقيق الجارية مع نشطاء وكوادر وقادة في حزب التجمع، فجميع هؤلاء يخضعون لتحقيق في قضايا تدور حول تمويل حزبهم في الجولة الانتخابية الأخيرة ومصادر وطرق "تثليمهذه المبالغ، وحزب التجمع ليس أول حزب يخضع لمثل هذه التحقيقات، فقبلهم خضعت أحزاب ونشطاؤها وبعضهم مثل عمري شارون، نجل أريئيل شارون، سجنوا بعد إدانتهم.

على جميع الأحوال ما أقوله لا ينفي وجود سياسة ملاحقة سياسية وتضييق على العمل الحزبي والحركي العربي في البلاد. وما أقوله لا ينفي تقصير الشرطة ومؤسسات الدولة تجاه المواطنين العرب في البلاد ولا تقصيرهم  في محاربة العنف والجريمة في مواقعنا، ولكن تحميل كل هذه المسائل في جعبة قضية التحقيقات الجارية مع نشطاء التجمع هو قرار خاطئ وسيضر بمصلحة الجماهير العريضة.

قد يكون هذا الخيار من مصلحة حزب التجمع ولكن أن ترفع لجنة المتابعة العليا وتتبنى شعارًا باسم كل العرب بأننا موحدون ضد الملاحقة السياسية وموحدون ضد الجريمة والعنف على خلفية التحقيقات الجارية فهذا إخفاق كبير وخلط خطير من شأنه ان يضر بكلتا المسألتين: الملاحقة السياسية ومحاربة العنف والجريمة. او على الاقل كان من الحكمة ان تنتظر المتابعة لنرى جميعنا نتائج التحقيق وكلنا نأمل أن لا يفضي إلا إلى إخفاق إسرائيلي مدوٍّ سيتبع ..

 

 

 

مات شمعون بيرس صدّقوا يا عرب!

 

جواد بولس

 

معظم الذين أشهروا رفضهم للمشاركة في جنازة شمعون بيرس أكدوا المعروف والمؤكد وبرروا الطبيعي والمتوقع، وجميعهم فعلوا ذلك مستعينين بسرد تاريخ الرجل منذ صباه حتى آخر يوم في حياته، وهو تاريخ، بقدر ما استفزهم وأغضبهم ومنعهم، بحق، من  المشاركة في الجنازة، سيبقى محفورًا في سجلات اليهود والحركة الصهيونية ودولة إسرائيل.

لقد اتخذوا قرارهم في البداية ثم رسموا الهدف وأطلقوا عليه سهامهم، فهل يعقل، هكذا كان سؤالهم الاستنكاري، أن نشارك في جنازة من كان له هذا التاريخ؟

قد تعد محاولتي لنبش هذه المسألة من زوايا أغفلها شبه النقاش الذي كان وطمرها ضجيج الأصوات المعلنة، مشاكسةً أو مشاغبة أو حتى استفزازًا لما بدا كإجماع عربي حاسم، لكنني سأحاول، رغم ذلك، إثارة القضية لإيماني بأهميتها، لا سيما وأنا ألمس فيها أبعادًا لم يستعرضها المشهد العام وتبعات غُيّبت أو غابت والخوض فيها سيثري تجربتنا ويفيدنا في وجه حالات طارئة ومعضلات سينتجها واقعنا الخاص في إسرائيل؛ هذا علاوة على ما سمعت من همهمات عاتبة ومنتقدة في مجالس عديدة لمقاطعة القائمة المشتركة بشكل عام، بينما خص البعض موقف الجبهة الديمقراطية للسلام والحركة العربية للتغيير، فهل كان موقف القائمة المشتركة محط إجماع جارف وبديهي، كما حاول أعضاؤها أن يقولوا؟

بدايةً أوضح أن نقاشي في هذا المقال هو مع موقف القائمة المشتركة وليس مع الأفراد أو المجموعات أو حتى مؤسسات قائمة وناشطة بيننا ولم تشارك في جنازة بيرس؛ فهذه ليست المرة الأولى التي تتبنى فيها القائمة موقفًا إزاء حدث عام وهام من دون أن يجتمع أعضاؤها ويتعبوا أنفسهم  بنشر بيان يعلل أسباب تبنيهم لهذا الموقف أو دواعي ذلك.

لقد فهم من تصريحات لبعض الأعضاء في القائمة، وأحسب أنها محاولة منهم لتبرير ذلك القصور، أنهم لم يكونوا بحاجة لعقد مثل هذا اللقاء، فمقاطعة القائمة للجنازة كانت الموقف الوحيد المفروغ منه! مع أنني أعرف أن  ما جرى كان مغايرًا وتصريحات هؤلاء غير دقيقة.

سكوت القائمة وعدم نشر بيان موجه أولًا للجماهير التي انتخبتها- ومن ثم للمواطنين اليهود في الدولة - يعد استسخافًا بالمواطنين وتصرفًا بفوقية مرفوضة وتكرار ذلك يعكس عدم احترامهم لمؤسساتهم الحزبية التي على ما يبدو أصبحت عندهم ليس أكثر من "زينات مملكات".

علاوة على هذه الجزئية الإجرائية الهامة تبقى المسألة الجوهرية هي الأهم والأصل، فهل حقًا كانت مقاطعة الجنازة هي خيار الجماهير العربية الأفضل الواحد والوحيد؟ وهل حقًا كانت هي الموقف المحسوم عند المؤسسات القيادية العربية والرأي السائد في الأوساط العامة والنخبوية؟ وعلى أي أساس صرح البعض ووصم من سيشارك في الجنازة بالعمالة؟ ألم يكن الواقع مغايرًا؟ 

يجب على قادة القائمة المشتركة، أو بعضهم، أن يستشعروا ما هي التغيرات الحاصلة بين الناس والمواقف الجديدة المتراكمة في صفوفهم. فقد يكون تفشي ظاهرة العزوف عن العمل السياسي بين القواعد الشعبية هي من أخطر التطورات التي أثرت وأدت إلى إبعاد المواطنين عن الأطر السياسية ورمت ببعضهم في أحضان الدولة أو اللامبالاة أو في حضن الحركات الإقصائية التي تنادي بضرورة مقاطعة الدولة ومؤسساتها؛ ولعل أبرز معالم هذه الحالة وأخطرها هو ما لاحظناه في انتخابات البلديات والمجالس العربية الأخيرة والتي جرت بعيدًا عن تأثير الأحزاب والحركات السياسية الشريكة في القائمة المشتركة ومداراتها، وأنتجت ما أنتجته من جيل رؤساء سلطات جديد شكلّوا حالة قيادة ما زالت معالمها تتبلور هناك في المساحات الرمادية المتفاعلة بين الدولة ومؤسساتها وبين المواطن الفرد ومصالحه، فمعظم هؤلاء الرؤساء لا ينتمون حزبيًا للقائمة المشتركة، ويتصرفون بشكل مستقل أو معاكس لسياساتها

من هنا قد تكون خطوة السيد مازن غنايم رئيس بلدية سخنين ورئيس لجنة رؤساء السلطات البلدية والمحلية العربية في إسرائيل والوفد المرافق له بتقديم واجب العزاء في موت بيرس وما قالوه على الملأ في ذلك المقام أسطع برهان على عدم صحة فرضيات ومبررات المشتركة التي سيقت باستخفاف وبعدم مسؤولية. فوفد المعزين  تكون من عشرات رؤساء المجالس والبلديات العربية الذين يمثلون فعليًا حوالي الربع مليون مواطن (وهو عدد سكان تلك البلدات بالتقريب)، مع العلم أن السيد مازن ومن معه حضروا معزين وتحدثوا باسم جميع الرؤساء العرب المنتخبين في إسرائيل، في حين لم نسمع عن أي اعتراض من رئيس سلطة محلية أو بلدية قبل الزيارة أو بعدها

لقد أحس النائب أيمن عودة بالخلل الحاصل فبادر في الرابع من الشهر الجاري، إلى نشر مقابلة لافتة ومطولة تحدث فيها في وسائل الاعلام عن دوافع اتخاذه لقرار المقاطعة. من الملاحظ أنه لم يكتف، كغيره من النواب، بايقاف المبررات على تاريخ بيرس الشخص، فشدد على أنه يحترم كل الآراء مضيفًا رفضه لتعامل المؤسسة الإسرائيلية معنا، ونحن أقلية قومية، بفوقية واستعلاء، ومؤكدًا رفضه للهيمنة والعنصرية، وجزمه أن المواطنة لا تتحقق بإلغاء الذات، وإيمانه  بضرورة الشراكة الحقيقية الكاملة في الدولة مع معرفته أن الطريق إليها وعرة، ثم عاد وشكر، في النهاية، من انتقد ومن لاحظ ومن أثنى على موقفه ونادى بضرورة مواصلة الحوار الوطني.

لن أناقش ما جاء في تلك المقابلة، فأغلب ما ذكره أيمن عودة سببًا لعدم مشاركته في الجنازة يصلح برأيي وبرأي من لم يتعمد وضع القرار قبل النقاش، مسوّغًا للمشاركة. كل ما ذكره قد يصير مبررًا للمشاركة إلا ما قاله بوجع شخصي وعام يبقى غير قابل للتفاوض والنقاش؛ فتاريخ الجنازة صادف مع تاريخ  إحياء هبة اكتوبر ٢٠٠٠ وفي هذا يقول أيمن بصدق واضح: "وقفت أمام أضرحة الشهداء وذهبت مع زوجتي وأبنائنا الثلاث لوضع الزهور على ضريح أخ زوجتي الصغير أسيل عاصله.. هل هناك من أساطين الإنسانية من فكر بأن أذهب لجنازة الوزير في حكومة براك سنة ٢٠٠٠ الذي لم يفكر بأن يعتذر، وفي اليوم الثاني أن أزور أضرحة ضحاياه أبنائنا". لا حق لأحد ولن يطالبك أحد على وجه المعمورة أن تشارك في الجنازة.

ولكن للسياسة حقها وعلى القائمة المشتركة حقوق وواجبات. ففي العام ٢٠٠٧ جرت انتخابات رئيس دولة إسرائيل وتنافس فيها ثلاثة من القادة الصهيونيين المعروفين: شمعون بيرس، رؤوڤين ريڤلن وكوليت أڤيتال. كانت الأحزاب العربية ممثلة بعشرة أعضاء (ثلاثة عن الجبهة الديمقراطية، وثلاثة لحزب التجمع وأربعة للقائمة العربية)، وقد شارك معظم النواب العرب في عملية التصويت. حصل بيريس على ٥٨ صوتا ولم ينجح في الجولة الأولى بنقصان صوتين. قبل بدء الجولة الثانية انسحب ريڤلين واڤيتال فانتخب بيرس بالاجماع وصار رئيسًا للدولة.

بعد تسعة أعوام مات بيرس الذي لم يكن موجودًا في جنازته، لكن القائمة المشتركة استحضرت تاريخه لتعلل غيابها مع أن تلك لم تكن جنازة فحسب، ولو كانت فقط كذلك فللأشخاص حق أن يختاروا مواقفهم ويغضبوا وأن ينسفوا في لحظات إنسانية حارقة كل الجسور والمرايا؛ ولكن على القادة السياسيين يبقى، عندما ترف أجنحة التاريخ، واجب استشراف الأمل والتمسك في الفرصة حتى وهي في عمق الجرح واللوعة. إنها القدرة على إماتة الموت الذي مهما كان أسود يجب، عند من يقود شعبًا، ألا يجمح خياله ويعطّله وألا يطفئ النوار والنور في القمم.

لقد شاركت أحزابكم في انتخاب رئيس دولة إسرائيل حين فاز فيها شمعون بيرس الحي فكيف تغيرت مواقف أحزابكم في ساعة الموت وتحولت "البديهية" من النقيض إلى النقيض.. من حقنا أن نعرف.

مات بيرس وحضر العالم بنفاقه وبعهره، نعم، لأنها لم تكن فقط جنازة مَن أغاظ العرب في حياته ونجح بشلّهم في مماته؛ ثم جاء رؤساء السلطات العربية - قادة في طور التكوين- للتعزية وكأني بهم يسعون وراء رفرفة الرمادي في الظل، فلا أظنني أنهم كانوا يعرفون ما يعرفه الشعراء: "وإن السراب كتاب المسافر في البيد، فلولاه، لولا السراب، لما واصلوا السير.. بحثًا عن الماء".. لكنهم مشوا بعكس خط سير القائمة المشتركة.

أنا لم أشارك في الجنازة والمشاركة فيها ليست هي الخيار المرغوب أو الطبيعي للعربي، ولكل فرد أو مؤسسة مدنية الحق باتخاذ قرارها ازاءها بدون أن يخضع قرارهم لمساءلة أو للتبرير، لكن استبعاد المشاركة في حالة القائمة المشتركة، وهي بيننا الجسم السياسي البرلماني التمثيلي، من غير دراسة أو نقاش كان قرارًا خلافيًا ومنقوصًا وتبريره بكونه مدعومًا من معظم الجماهير العربية فيه من التضليل قسط ومن عدم الدقة أقساط ويكفي ما قامت به لجنة الرؤساء دليلا، وهي ليست المؤشر الوحيد.

ما جرى في ذلك النهار كان غمزة من عين التاريخ الزائغة ومشهدًا من مشاهد الواقع التلفزيوني، واستعراضا على بيدر الأمم، فلا ضير لو حضرت أقليتنا، بجروحها، وبيدها مذراة صغيرة وقفة؛ لا أحد يطالب جميعكم بالحضور بأشخاصكم، لكنني على قناعة أنكم لو أردتم المشاركة لاهتديتم إلى حلول لا "تميت الذيب ولا تفني الغنم"، فمثلًا كان بامكانكم التوافق على انتداب من يمثل القائمة، أو فريق من المسؤولين في أحزابكم، أو أي بديل، على أن يسبق ذلك إعلان بيان بروح ما جاء في مقابلة أيمن عودة الهامة والمتأخرة.

للقائمة شخصية سياسية مستقلة وما شاهدناه على جبل هرتسل كان أقرب إلى مسرحية تليق بكل المسارح: ففيه من العبث التباسه ووجع الكوميديا فيه ومن التراجيديا خيبتها وحماقة القدر، كثيرون ممن حضروا جاؤوا ليشهدوا على انقضاء عهد وبعضهم ليكونوا شركاء في مواسم الحصاد الجديد.

أما الذين انتخبناهم غابوا وآثروا أن يتلوا علينا شواهد من تاريخ مقيت لبيرس الميت الذي مثلهم لم يحضر جنازته، لكن جميع من حضروا استذكروا، مثل نوابنا، تاريخه وتلوا علينا سيرته!

 

 

 

عمان هي الجمر والماء

 

جواد بولس

 

دائمًا أحببت أن أزور عمان، فهي عدا عن كونها قريبة إلينا ووصولها يعد نسبيًا سهلًا علينا، أشعرتنا، نحن الفلسطينيين الجليليين الأقحاح، أنها الأقرب لمن حُمّلوا شارة النكبة الكبرى ورقم النحس الأشهر الذي "وسمنا" به الأخوة وأسمونا (عرب ٤٨) بعد أن كنا عندهم عرب إسرائيل حاف!، واستقبلتنا دومًا بإلفة تلقائية ودفء طبيعي لافت ؛ مع دخولنا اليها كنا نذوب مباشرة  بين أهلها ونحس بأمن وأمان.

 عمّان كانت لكثيرين منا بمثابة الرئة التي أعادت لصوتنا إيقاع "العين" في العُرَب. في كل مرّة كنت أغادرها إلى حضن الوطن كان يتملكني، وأنا على ذلك الجسر الخشبي، حنين ورغبة بزيارتها مجددًا لأنني أحببتها ولم يفتش قلبي فيها عن سبب.

وصلتها قبل أسبوع ملبيًا دعوة د. أسعد عبد الرحمن، رئيس منتدى المدارس العصرية ومؤسسة فلسطين الدولية في عمان؛ صديق عرفته منذ منتصف التسعينيات، حين عاد إلى فلسطين مع من عادوا على أجنحة تلك "الأوسلو" التي ما زالت تغرق في بحر الالتباس، وبخلاف كثيرين عرفتهم لم يترك هو للتفاصيل، مهما كانت محزنة أو مخيبة ، قاسية أو مهمة، مجالًا لتحدّ من نشاطه الدؤوب وتمنعه من أن يستمر في مسيرة عطائه وتقديم ما يتيحه صدر عمان وغيرها لصالح قضيته الفلسطينية التي واكب محطاتها في الصدارة منذ الستينيات الأولى، وما زال حتى يومنا هذا .

اخترنا عنوانًا مرنًا لا يقيّدني بأحكام الأكاديمية التي لا أميل إليها منذ آثرت شغب المحاماة على برود النصوص الجاهزة والخطابة الرتيبة، ويتيح لي الخروج عن نص"المفكر" والمشي حافيًا حتى على أرصفة شائكة، فحيث يكون الوجع يكون التحدي أجدى وأنفع.

 "هل الحركة الفلسطينية أمام منزلق خطير كان تساؤلنا الذي حاولت معالجته أمام جمهور مميز حضر في  ندوتين متتاليتين، الأولى في قاعة المدارس العصرية، والثانية في النادي الأرتوذكسي.

ما أهون الإجابة على هذا السؤال، يقول المتعجل. فمن يتابع مجريات الأحداث في الأراضي الفلسطينية قد يحسم جوابه بأن القضية الفلسطينية  قد وصلت إلى ما بعد مرحلة المنزلق الخطر، وهي لذلك تواجه سؤال المصير أو: ماذا بقي من مشروع التحرر الوطني في زمن يعيش فيه الاحتلال الإسرائيلي، هكذا يبدو من بعيد وقريب، حقبته الذهبية ويمارس سيادته على الأرض الفلسطينية وأهلها بخفة وسهولة ومن دون مقاومة تذكر أو ثمن يدفعه. وهو يستفيد بالطبع من حالة انقسام فلسطينية داخلية دامية، لا يبدو أن الأطراف معنيون برأبها أو قادرون على ذلك؛  فحركة حماس المستأثرة والحاكمة في قطاع غزة فاقدة لقدرتها على اتخاذ قراراتها باستقلالية، لأنها عمليًا هي جزء من كل، أو حركة أسيرة للحركة الأم، وتخضع لمحاور القوة والدول الشريكة في رسم خوارط الشرق الجديدة، حيث تراجعت مكانة فلسطين فيها ولم تعد قضيتها الوطنية هي الواجهة والصمغ الموحد العربي والإسلامي، على الأقل ليس على مستوى اهتمام معظم الأنظمة اللاعبة في منطقتنا وبين كثير من الشعوب العربية والإسلامية المتشظية لقبائل متناحرة وحمائل متحاربة وملل متصارعة حتى الدم.

من جهة ثانية نجد حركة فتح، وهي الأكبر والأقوى والمرشحة لتكون راعية الوحدة وصانعتها، تعاني من ضعف شديد وتمزقات داخلية كثيرة تحول دون قدرتها على أن تقود عملية إعادة وحدة شطري الوطن المحتل واستعادة وحدة الشعب المنقسم بشكل عمودي خطير وأفقي أخطر . هذا علاوة على ضعف فصائل اليسار الفلسطيني التي فقدت مجتمعة من قوتها بشكل ملموس وكبير حتى كاد دورها يتلاشى أو يصبح هامشيًا بشكل مؤسف ومحزن.

ما أصعب الجواب على هذا التساؤل! يقول المتفكر. فمن يتايع ما يجري في الدول العربية وما آلت إليه أحوالها المتداعية، ومن يقرأ كيف تحولت الجامعة العربية من قلعة أريد لها أن تحمي العروبة وتجمع دولهم في وحدة من شأنها أن تصد عنهم كل شر وبلية، أصبحت عمليًا وكالة تابعة لتأثيرات خارجية وأداة يضرب بها الأخ أخاه في العروبة، ويجلد من خلالها المسلم أخاه المسلم، فلم تعد جامعة ولا عربية.

من يشاهد هذه التطورات الخطيرة المحيقة في فلسطين وبمصالحها الوطنية قد يتوصل، من خلال استقراء البواطن ومقابلة البدائل، إلى نتيجة أن القضية الفلسطينية ، رغم ما خططوا لها، لم تصل إلى نقطة اللاعودة أو إلى ذلك القاع الذي يؤدي إليه ما أسميناه بالمنزلق الخطير، ففي خوابيها ما زال بعض الزيت.

يالمقابل، إذا لم تجر الحركة الفلسطينية الوطنية بكل مركباتها الفصائلية وتلك النخب المستقلة مراجعة جذرية وإعادة حسابات شاملة، فقد ينجح مشروع من خطط لإنهائها  أو على الأقل سينجح بإبقائها تراوح على محاور الدم والوجع وضياع الأمل القريب. فنحن الذين نعيش في فلسطين نعي ونشعر، وعلى الرغم مما سيق أعلاه من تشخيصات صحيحة لضعف الحالة الداخلية الفلسطينية، وهو غيض من فيض، أن  إمكانيات النهوض الوطني الفلسطيني ما زالت واردة، وقد نشهد على ما يدعم هذه الاحتمالية قريبًا ونحن نقترب على بلوغ الاحتلال سن الخمسين.

كان تفاعل السادة الحضور في الندوتين مثريًا ولافتًا. وقد تكون مساهمة السياسي العريق والشخصية الفذة السيد عدنان أبو عودة في الندوة الأولى كاشفًا لما لمسه البعض قاسمًا مشتركًا ظهر بين العديد من المحاورين والسائلين، وذلك حين نبّه في مداخلة قصيرة، إلى غياب عامل " الزمن " في التفكير العربي السائد وخلو الذهنية العربية من أثره وتأثيره، على الرغم من أن السياسة مذ كانت أقرت بان " الزمن يغيّر الأولويات" ، فكيف لقوم لا يكترث لوجود هذا العامل في حياته أن يضع أولوياته النضالية السليمة .

 كل الحاضرين كانوا من داعمي الحق الفلسطيني،  لكنني نجحت بتشخيص محورين بارزين من هذا الجمهور المساند الكريم - رغم أنني كنت في عمان لكنني أفترض أنها حالة قائمة بتفاوت مقاديرها في جميع الدول العربيةالأول: مجموعة رغم مرونتها في استيعاب الطاريء وتمييزها بين الثابت والمتحول إلا أنها تشكو من نقص في المعلومات الأساسية خاصة بما يتعلق من مستجدات وتغييرات أخذت مجراها في بلادنا منذ كانت فيها إسرائيل بنظر أكثريتهم ليست أكبر من درنة طارئة أو دويلة مزعومة أجزموا في حينه على أن محوها سيكون مهمة هينة، وبين واقع هذه الدولة كما هي عليه الآن؛ فنقص المعلومات بهذه المقادير يحجب عن هؤلاء الداعمين قدراتهم على ممارسة عملية تحليل سليمة وتفكير صحيح واتخاذ المواقف الصائبة التي من شأنها أن تساعد الفلسطينيين على صمودهم ومقاومتهم للاحتلال الإسرائيلي بشكل عملي ناجع ومؤثر .

الفئة الثانية: هي من تلك الأجيال التي عاصرت النكبة والنكسة معًا أو إحداها، وخزنت في نفوسها رفضًا بنيويًا يحول دون خروج أصحابه من معادلات الماضي وقوالبه بعضهم يعرفون المستجدات بحذافيرها لكنهم يقاومون بإصرار هو أقرب علميًا إلى كونه حالة إنكار نفسية واضحة يعيشونها مقدّسين ذهنيات "تخثرت" منذ عقود ومقولات حفرت عميقًا في بئر الهزيمة الأولى؛ فمنهم من آمن باشتراكية عظمى رغم سقوطها ما زالوا يستجيرون بها وكأن خروتشوف وجيوشه تخيم على ضفاف النهر، ومنهم من آمن بالوحدة العربية وبالعروبة ماردًا رغم هزيمته ما زالوا يستحضرونه روحًا منقذة على أناشيد محمد سلمان وصحبه من ذلك الزمن الجميل حين كنا ننام ونصحو على "لبيك يا علم العروبة كلنا نحمي الفدا، لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلّما" .

 إنهم يعشقون فلسطين وفلسطين تحبهم كذلك، لكننا نؤكد أن هذه الدولة المارقة، إسرائيل، لن تهزم بالعشق والدعوات وأناشيد الحماسة وبالشعارات الجميلة، فالفلسطينيون الذين يعيشون في ظل أعقاب بنادق الاحتلال الإسرائيلي وموبقات سوائب المستوطنين يعرفون هذه الحقيقة برسم دمائهم المسفوكة وحياتهم البائسة وقهرهم وصمودهم بما يستطيعون إليه سبيلا.

كانت زيارتي لعمان هذه المرة بطعم شهي مختلف. قابلت فيها الأصدقاء والأقرباء الأحباء وأناس يهيمون حبًا ويتفانون بدعمهم لفلسطين الكئيبة. تبادلنا الأحاديث. توافقنا واختلفنا باحترام ومحبة وتقدير، ففي عمان وجدت كل القلوب تأخذك إلى فلسطين.

عدت إلى القدس، وفي صباح اليوم التالي أفقت على نبأ اغتيال الكاتب ناهض حتر. خفت على عمان وهي التي قلت فيها قبل سنوات:

 "في كل مرة أعود إليها تنسيني همومي وتأخذني إلى رصيف الفرح، ففيها لا أكون سائحًا يتوجس صيد الليالي. رحبة تكفي لإيواء الأمل. وديعة كما يشتهي عصفور. عمان أسقتنا حين جفف الأخوة البئر وتركونا فرائس" للصدأ" فإليها نخف كلّما احلولكت ليال وتثاقل عبث". أغضبني هذا القتل.

خفت على فلسطين، فعمان في القلب هي الجمر والماء.

يتبع..     

                    

 

 

 

عودة مواسم

 

الاستشهاد بالسكين

 

جواد بولس

 

بعد انقطاع ملحوظ، دام  بضعة أشهر، عادت مشاهد محاولات فلسطينيين طعن إسرائيليين تتصدر واجهات الأخبار المحلية، ومرّة أخرى لم يكن صعبًا أن نلاحظ أن معظم منفذي هذه العمليات، ذكورًا وإناثًا، لم يتجاوزوا سن النضج القانوني، أو كانوا في عشرينياتهم الأولى، وجميعهم انجرفوا على ظهر موجة متجددة اقتحمت، من عُرض بحر عات، عوالمهم الراكدة لتلحقهم بكوكبة خاضت التجربة قبلهم ومنهم من قضى، ومنهم ما زال يواجه ندوب جراحه أو إعاقاته الدائمة. إنها جولة أخرى من ردود فعل فلسطينية يحاول كثيرون سبر كنهها واكتشاف معالمها وحدودها،  والتحقق من قوة مفاعيلها الكامنة، وجميع المعنيين والمتابعين يتساءلون: هل تشهد فلسطين حالة مقاومة جديدة للاحتلال الإسرائيلي، أم أنها تعيش فصلًا من ظاهرة عابرة قد يُصطلح على تسميتها في المستقبل مواسم الاستشهاد المراهق!       

لوهلة قد تبدو أفعال هؤلاء الشباب المنفذة في عدة مواقع فلسطينية طبيعية عادية ومتوقعة أنتجتها حالة قائمة يحاول العالم، رغم شذوذها الصارخ، أن يبقيها واقعًا طبيعيًا ومقبولًا، فحاضر الفلسطينيين أسوأ من الماضي ، هكذا يحاول الأصدقاء وبعض الأشقاء والناصحين أن يقنعوا الفلسطينيين، ولكن المصيبة ، هكذا يسوّق الأعداء والمنتفعون وأصحاب المصالح الدخيلة والمستشارون المزيفون، أن مستقبل الفلسطينيين سيكون حتمًا أسوأ بكثير من حاضرهم الرمادي.

صناع اليأس عميان. ففي هذه المساحة بالذات تُشهر تلك السكاكين لتلعن العتمة وجلّاب العتمة متوهمة أنها تبقر بطنها وتنتزع من أحشائه بقعة الضوء. السواعد المرتجفة القابضة على النصال هي لفتية لم يفقدوا أملًا، فهم رضعوه من صدور أمهاتهم منذ ولدوا، وما انفكوا يحاولون عبثًا التعرف عليه وتربيته، وكأني بهم عاشوا دهورًا من البؤس والأسى في حفنة من عمر، ولم يكتشفوا بعد كيف تتوالد النراجس ضاحكةً؛  فتية سئموا تلك الأرصفة الحافية، فأطلقوا عجزهم نحو الغيم عساه يمطرهم بزخة تائهة، وكمشة من حلم نائم.

قد تكون هذه العمليات مجرد تجليّات غريزة الإنسان الأول التواقة روحه للشمس وللريح عاشق الحرية البدائية التي علّمت الفجر معنى الحكمة الأبقى : فلا يولد اليأس إلا توأمًا للأمل.

لقد ولد هادي في المستشفى القريب من المخيم قبل عشرين عامًا- حين كانت في البلاد  جثث الباصات الإسرائيلية تتشظى وتملأ الفضاءات دهشة وعذابات . صرخ صرخته الأولى في سماء غاب عنها النجم منذ خمسين عامًا . كانت ولادته ميسرة، وكان كل شيء في المستشفى والبيت يسير بإيقاع الدخان وبسكينة لا تتأثر بضجيج  المحيطين : القريب والبعيد؛ فللمخيمات الفلسطينية طقوسها لإدمان الحياة وترويض الفرح الذي تكون خياناته دومًا الأصعب.

عشرون عامًا مرّت. هرم معها هادي ولم يشخ مخيمه، فالأزقة هي نفس الأزقة، والشمس ما زالت تضربها، كزائرة خفيفة الظل، بنورها فتمحو قليلًا من طحالبها وترحل مسرعة كالوعد ومعلنة: هنا يا أهل الشمس، في مخيماتكم، حيث يكون الشقاء يكون البقاء. إنها حكمة الغلابى وأهل المخيمات التي يشربها كل مولود ووليدة من حليب قصائد  شاعرهم، شاعر اليأس والأمل، حين كان يصرخ متفائلًا بوجع: "لم نعد قادرين على اليأس أكثر مما يئسنا" .  

أنهى هادي تعليمه الثانوي واختار كلية للعلوم الفنية، فتخرج منها فنانًا متعدد المهارات والمواهب؛ يجيد الرسم ويؤثر معالجة جميع أشكال السماء وحالاتها، فتارة يجعلها  زرقاء صافية تميل إلى بياض لا يشبه بياض الكفن، مع أنها كانت تشعرك برقة بضرورة البكاء، وتارة أخرى سماءً ملأها خضرة اختلطت بترجرجات الكحلي، فبدت وكأنها وجه شيطان ضاحك عابس معا. في المخيم قد يصير الفن ضياعًا.

لم يكن رسامًا محترفًا فالرسم مكلف، والخبز في الحياة أولًا، والنضال يأتي ويلحق ولتنتظر الريشة وتبكي السماء

علاوة على عشقه للرسم فلقد تعلم هادي في الكلية فن الطبخ، وتخرج (شيفًا) ماهرًا، لكنه  لم يجد أين يمارس مهاراته فالناس في حاراته لا يخونون الطابون وورق العنب والزيت والتين والزيتون.

حاول أن يجد مكانًا بعيدًا يحقق فيه أمنياته ويعمل طباخًا أو حتى مجرد نادل ليكون قريبًا مما يحب، لكنه لم يحصل على تصريح دخول لإسرائيل، ولا على تصريح عمل فتحول مثل آلاف من أترابه إلى عاطل عن العمل يأكل الساعات والعدس، ويحلم كيف يصنع الشاتوبريان والفيليه وشوربة البصل .

كبر هادي ومعه جيل كامل استوعبوا أن المخيمات وفلسطين اليوم قد تصنع المهارة أو ربما المعجزات، لكنها أعجز من أن تستوعب المَهَرة وأضيق من حجم أمنية.

عاد إلى بيته مبكرًا، وليس كعادته توجه إلى سريره لينام. حاولت أمه أن تستدرجه وتعرف ما وراء زعله، لكنه طلب أن يقبل يدها ورجاها أن تتركه، فلقد كان نهاره متعبًا ولم يجد فيه مكانًا للعمل. ربتت أمه على كتفه محاولة إخراج بسمه من وجهه الحزين،  فباشرها بلمسة  حنونة وبرجائها أن تدعو له بالرضا، فهو يحبها حتى الخجل.

 أفاق على صوت أذان الفجر، توجه إلى مطبخ العائلة تسلح بسكينين، وبدأ مشواره نحو جدار المستوطنة القريبة منهم. وصل مع بزوغ الضوء الأول، كان خائفًا لا يريد الموت. لاحظ حركة جيبات عسكرية أمامه، فلبد وراء شجيرة قريبة وانتظر إلى أن يغيب العسكر. فكر بجدية في العودة إلى بيته والتنازل عن حلمه، لكنه خاف أكثر من البؤس والعوز والفشل. انتظر حتى هدأت الأجواء، ودخل من فتحة في الجدار إلى حيز المستوطنة. مشى قليلًا حتى رأى جيبًا عسكريًا واقفًا على جانب الطريق. انتظر كي يتحرك الجيب لكنه لم يفعل، فقرر أن يلقي حجرًا باتجاهه ليفحص إذا كان الجيب مسكونًا أم مهجورًا. لم يأته الرد. اقترب متسللًا، وفتح باب الجيب فهوى على وجهه بسطار السائق، وأصابه في منطقة العينين، وتلا ذلك هجوم ممن كانو في الجيب، فقفز جنديان مباشرة نحوه وأسقطاه أرضًا، وباشرا بضربه بأعقاب البنادق وبالخوذات. لم يتركوا ميليمترًا واحدًا إلا وتعمدوا تهشيمه وإسالة الدم منه .

لم يعرف متى فقد وعيه، لأنه أفاق وهو في المستشفى الإسرائيلي مضمدًا ومجبرًا في أطرافه، ورأسه لأنه يعاني من عدة كسور أخطرها ذلك الذي شج رأسه .

أهنئه بالسلامة، ينظر نحوي. شعرت أنه يريد البكاء، لكن الضمادات غطت طرفي عينيه. حرّك رأسه يمينًا وشمالًا بلوعة، ففهمت أنه  يقول مرة:   حتى الموت صار خرافة في فلسطين، ومرة ظننته يخبرني أنه لم يسعَ  إلى الموت اصلًا .. تركته لأطمئن عائلته أن هادي قد يصير قاصًا بعد هذه المغامرة.      

"اليأس خيانة مشروعة".. فلا تبحثوا بعيدًا في المدى، ولا تلهثوا وراء ما يخبئه اللوز في هضاب فلسطين، فما نراه من هجمات ليس إلا اشتعالات فردية تتطاير على أبواب فراديس مؤتملة سكنها من قبل أبطال التهاليل، كما خلدتهم  قصص الحكمة الحائرة بمجازيها الأبديين: قدسية ملتبسة، كقداسة أولئك العذراوات يقدمن قرابين على المذابح لاسترضاء السماء ولإسعاد البشر، ومغامرة عاصية تشبه نزق الخريف، حين يتخلص من خضرته الساحرة مسترضيًا دمع السواقي ليروي ربيعًا  نائمًا.

في الماضي عرفت فلسطين موجات من العمليات المنفذة بالسكاكين والبلطات، وكانت كثيرة وعلى جميع شفراتها كان ظلم المحتلين محفورًا وقمعه دافعًا واضحًا ومستورا،

أما اليوم وإن بقيت تلك دوافع مقبولة لكنها مرفقة بدوافع من صنع محلي، فيأس كثيرين من جيل كبر بلا أفق ورؤيا وحوافز للعيش شكل بلا شك السبب لمباشر عند بعض من ساروا على درب الضياع الطويل.. فلا تذهبوا بعيدًا في السؤال ولا تتلبكوا بل خذوا الحقيقة من عيون هادي الملأى ببقايا ذاكرة وبدمعة واقفة كماسة خرساء ناطقة بكل الحكاية وبكل ما ظننتموه عسرًا وأحجية.

 



 

 

 

هل تنتظر القدس رحيل بيرس؟

جواد بولس

 

قد تكون هذه آخر المعارك وأصعبها التي يخوضها شمعون بيرس الراقد على فراش المرض في وضع صحي حرج للغاية يصارع الموت وهو ابن الثالثة والتسعين عامًا قضى ثلثيها كأحد أبرز قادة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل؛ فلقد بدأ مشواره  الطويل وهو لم يكمل عقده الثالث حتى إن بلغه كان واحدًا من طاقم القيادة المتقدمة يعمل مع دافيد بن غوريون وليڤي أشكول وبعدهما دومًا في الصفوف الأولى وأحيانًا وحيدًا في قمة الهرم وهي إحدى الصفات التي حددها للقيادة:"فعندما تتطلع حولك ولن تجد في لحظات الشدة نَصوحًا صدوقًا اعرف أنك القائد". إنها على جميع الأحوال المعركة التي ستجهز على الجسد وتبقي ما خلّفه من إرث، يقض مضاجع الكثيرين ويسعد قومًا من المحظوظين، محفورًا في سفر التاريخ الذي لا يحفظ ودًا إلا لمن يحرثون أرضه بالفؤوس ولا يخلّد ذكرًا إلا لمن يزرع الملح في شقوق أيامه الدامية.

ليس من الصعب أو الفطنة أن يستبق أحد الفرح على هذا الموت المتوقع لرجل عاش مبحرًا على الجراح في سفن أحلامه ونام دومًا في خيمة الراعي الذي تمنى أن يكونه، ووسط بيوت قصيدة تاق أن يكتبها وهو يرعى النجوم، كما كان يصرح دومًا؛ فمسيرة شمعون بيرس تخزّن بواقعية مثلى, كمّا وكيفًا، جميع المتناقضات والمفارقات والقسمات وجينات حروب اليهود والعرب في العصر الحديث وتعكس، في نفس الوقت، باستفزازية متوحشة, كيف تكون مصائب قوم عند قوم فوائد أو تلك الفوارق بين قادة يموتون وشعوبهم كي يعودوا إلى الماضي بغباره وبهته، وبين قائد يستشرف، من أجل قومه، ضواحي الفانتازيا باصرار لا يعرفه الا الموج لأنهم "مصنوعون من المستقبل" كما أجاب ذات يوم على سؤال وجهه له الصحفي دان شيلون: من أي مادة أنت مجبول؟       

قد يكون استكراه العرب، في الماضي السحيق، للتشفّي من أجمل صفاتهم الانسانية التي سادت في عصور تألقهم الدارسة، فالعربي النبيل إن اقتدر وتحكّم في مصير غريم خاسر انتُظر منه العفو، لكننا ونحن نعيش في زمن الهزائم، قد يبلغ التشفّي حد الأمنيات ويغدو، عند البعض، منتهى الفرج المشتهى.

في الحقيقة لجأت إلى بيرس لا لأكتب عن شخصه، وهو تحد قد يتلقفه أحد الباحثين من مثقفينا والمهتمين بدراسة علمية مهنية ثاقبة ناقدة في علوم السياسة ونظم الحكم العصرية لا سيّما اذا كان "بطلها" وتاريخه يشكل مرآة لهزال بعض أضداده/ غرمائه أعدائه الآخرين، لكن نهايته، وهذا ما يهمني في هذه المقالة، قد ترسخ، بنظري، معنى البدايات الشاخصة أمامنا وتعري أزماتها المتداعية والمتفاعلة في ميادين حياتنا كعرب ألفوا شرق أوسط شاخ فبدأ منذ سنوات يراوح على تخوم صحارى ملتهبة جديدة  وكفلسطينيين قضوا أحايين طويلة يدعون السماء أن تحميهم من  "حضن" أشقائهم وأصدقائهم فهم بعدوّهم كفلاء!. 

موت بيرس ينهي عمليًا حقبة قرن من زمن الصراع ويخليها من آخر رموزها/الأعداء التقليديين على ما يحتمله هذا البيان من مجازات، وعلى النقيض، من تجسيدات واقعية تؤثر من خلال شخوصها على احداثيات مصيرنا بشكل مباشر وغيره؛ فالسؤال من يوم آدم، ما زال مفتوحًا على باب التأويل المطلق، وشاغله عن دور الفرد في صنع التاريخ كان وما زال يشغل بال الفَطَنة ويغيب عن عوالم الغفلة الموتورين.

سيرحل شمعون بيرس وقلبه على "أرض اسرائيل " أما عينه ستبقى حيث ما كانت دومًا: على القدس الكبرى، واليها سأصوب حدسي  في مقالتي هذه، فهو ومن سبقوه وواكبوه تفوقوا على "المستحيل" حين حلبوا أثداء تلك الأسطورة حتى جسّدوها أحجارًا وبشرًا وبشائر، يوم جاءت صرخة قائد جندهم، حفيد يوشع، في حزيران/يونيو الخسارة،  تعلن أن "جبل الهيكل بأيدينا". زأرة نسفت، عمليًا، أحلام أمة ما انفكت تلهث وتبحث كيف تداري نزيف نكستها وتتنتقل بعجز وبقصور بين الأزقة ومدن الملح وبين ردهات "القصور"؛  ففي ذلك اليوم السابع غفت النواطير على زند الفاجعة، وأخالني أنها لم تعد إلى صحوتها أو، يا لخوفي، أنهم قد لا يعودوا

لن تتغير، بعد بيرس، محاور التفوق الاسرائيلي وكل ما رسم وخطط في عهوده  كاستراتيجيات عليا، سيبقى على حاله، لكنني أرى أن أهداف تلك الاستراتيجيات ستصبح أكثر عرضة لضربات مباشرة أقسى وأبشع، فسياسة "الحرير أحيانًا والمجالخ دومًا" التي هندسوها ستندثر، ليتولى أمراء التوراة الجدد وأرباب الاقتصاد الخنازيري المتوحش، تنفيذ وصايا سمائهم  وجيوبهم وتقويض ما نتأ من بقايا أسوار أحياها بيرس وصحبه حول "أريحا" الكانتونة الصغيرة ومثيلاتها وشقيقتها المحاصرة أولًا غزة البعيدة. في كل المحاور دخان لكن القدس أول من وضع حبّها في طواحين إسرائيل المابعد بيرس!    

قد يعتبر بعض العرب والفلسطينيين أن كل من سيأتي بعد بيرس سيكون حتمًا للعرب أفضل، فلا أسوأ من بيرس ونهجه: خبث ودهاء مميزان، حلاوة لسان ثقافة وذكاء، مثابرة تجربة وعطاء. وقبل كل ذلك دأبه مدفوعًا ومتمسكًا بحكمة الحياة الأدوم، فلا يصير الفشل فشلًا إلا إذا أناخك وأعاقك وجعلك تستسلم له وألا تعاود المحاولة والاستمرار. كان خصمًا صعبًا والانتصار عليه وعلى مدرسته كان عسيرًا وعلى الأرجح مستحيلا، أولئك العرب يؤمنون أن مواجهة من سيأتي بعده ستكون أسهل، فكلما تمادى البطش وسفر وفاضت أنهر الدمع سيحصحص الحق ويتحقق النصر

يرحل بيرس وعينه على القدس وهذه تواجه منذ سنوات سياسة قمع وتفتيت جديدة قد تكون الأشرس في حملات اغتصابها المتعاقبة وأخطرها. فقادة إسرائيل الجدد قرروا نسف ما وضعته مدرسة بيرس من قواعد عامة وتصورات في قضية القدس، عندما تركوا هوامش ضامرة لتبقى "قدسًا" ما تعطى للعرب في لحظة استحقاق تاريخية قد تكون هزيلة لكنها ضرورية، ولذلك أبقى كل المتعاقبين على المدينة منذ احتلال شرقها في العام 67  على حد أدنى من الوضع القائم وحرصوا الا يمس طابع المدينتين: غربية يهودية تتطور بتسارع مضطرد وشرقية عربية أبقيت على غبائرها وستائرها، فالحواري العربية بقيت على عتمها وبكريتها، والشوارع تركت بلا أرصفة وبلا تطوير يذكر، والشرق عاش بشرقه والشارع رقم واحد كان بمثابة الحد بين كيانين متخيلين ومناطق خطوط التماس "خُثرت" على خرائبها وندوب الرصاص في واجهات بيوتها المهجورة شهدت على عمق الجريمة والهزيمة

هكذا كان إلى أن قرر أمراء الحرب الإسرائيليين الجدد أن يتخلوا عن الدهاء وعن فسحة أمل موهومة وعن أحلام من فكر أن يحمي مستقبل دولته في شرق أوسط جديد تكون فيه إسرائيل هي الأذكى والأقوى، شرطية على قادة ودول ضعيفة وتحظى في نفس الوقت برضا دول العالم لانها هي الجنة في أرض اليباب

فبيرس سيرحل ومعه سترحل آخر كواسر الغابة لأن إسرائيل الجديدة قررت أن القدس قدسها، لا شريك لهم فيها أحد، فلا أمل باقتسامها ولا حتى التنازل عن رسغ منها، ولذلك فالساعة عندهم أزفت، حسب ما أعلنه رئيس بلديتها وبعض الوزراء مؤخرا، وعلى العالم أن يعي ويفهم من هم أصحاب البيت الحقيقيون؛ إعلان سبقه وواكبه تنفيذ سياسات جديدة تستهدف ابتلاع كل منظومات الحياة المدنية بشكل مطلق لاكمال تطويق سكانها العرب والحاقهم، عن رضا منهم وقسرًا، بشكل حتمي ومحكم في سرات حياة الدولة والمدينة؛ فبعد اغلاق كل المؤسسات المدنية الخدماتية الفلسطينية شرعت إسرائيل برمي صنانيرها وبدأت تصطاد أسماكها في بحور الحاجة والعوز وضرورات البقاء، فسيطرت، بزحف مريع، على قطاعات الصحة والتعليم والرفاه والبناء والعبادة والتجارة وتوابعها، وهدمت ما كان معروفًا كمناطق تماس محرمة عليها وفق القانون الدولي وحولتها إلى مناطق عمران إسرائيلية ضخمة ربضت على أمعاء المدينة وموهت شرقها بغربها، وأرفقت مع ذلك تغييراً مدروسًا في سياسة البناء تجاه شرق المدينة حتى بدأنا نشهد مؤخرًا طفرةً متواضعة ومحدودة، لكنها جديدة، لمشاريع بنيان لصالح السكان العرب في العديد من حارات القدس الشرقية

لن يكون مستقبل القدس والفلسطينيين أسهل بعد رحيل بيرس، فالقضية لم تكن يوما مخايرة بين الحياة مع الثعالب أو الغزلان، وليس أن تعيش كفلسطيني وفق حكمة السلحفاة أو بله النعام، لأنها الغابة في أحكامها وفيها من الأفضل، دومًا، ان تكون أسدًا أو على الأقل باشقًا من بين الطيور أو نسرا، وفي جميع الاحوال ان فشلت ان تعرف كيف وأين وفي أي حضن تنام

لم انو كتابة مقال عن بيرس الذي ما زال حيًا، فالقضية لن تقف عند رحيله ولا باستقدام الفرح البارد على موته، فقضيتنا كانت طيلة تلك القرون ما جرى للعرب في عهد بيرس وقبله وستبقى بماذا سيجري للعرب ولنا الفلسطينيين ما بعد موته، فنحن مختلفون معه وقد نغضب منه أكثر بعد موته، لكنه سيرحل تاركًا عصرًا،  شئنا أم أبينا، بعض عجائنه، يا لحسرتنا، صبّت  في فواخيره وفواخير أمثاله من صناع الخزف المهرة والصاغة والسكابين.

انا لست من الشامتين ولا من مستقدمي الفرح الباهت وقد يكون الغاضبون من هذه النهاية كثر فالمعذرة من بعضهم، لكن للمقالة تتمة عن القدس والثورة ما بعد بيرس.

 

 

من كان منكم بلا خطيئة؟

 

جواد بولس

أجلس في مكتبي وأحاول ترتيب جدول ما بقي علي من مهام في ذلك النهار. دخل صديقي حمّاد بوجه متجهم. لم يتخذ مقعدًا وسألني إذا كنت أود مرافقتهم  لحضور جنازة  "أبو بطرس" مضيفًا: "إنه من جماعتكم وقد توفي اليوم فجأة. لقد كان أنسانًا رائعًا. يعيش مع زوجته بعد أن هاجر أولاده، إبان الانتفاضة الثانية". طلبت منه أن يشرب معي القهوة، فأنا  الآن لا أستطيع أن أرافقهم، مع أنني تذكرت بطرس حين دافعت عنه ورفيقه حماد في تلك السنوات الغابرة من النضال.    

خرج صديقي لغمّه، وبقيت في مكتبي لهمي. فقرأت نص مقابلة نشرتها وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا" في السابع من أيلول الجاري، مع اللواء جبريل الرجوب، نائب أمين سر حركة " فتح" ورئيس اتحاد كرة القدم الفلسطيني، يصرّح فيها على أنه يرى بالمسيحيين ملح الأرض، وأنهم يشكلّون مكوّنًا أساسيًا من النسيج الوطني الفلسطيني، فهم متواجدون في فلسطين قبل الإسلام ولقد وقفوا مع فلسطين، وحافظوا على فلسطينيّتهم وعروبتهم، ومضيفًا: "إذا ما أشعرني أي رجل دين مسيحي أني أخطأت فليس لديّ مشكلة من تقديم اعتذاري"، فيما يشبه الرد من طرفه، هكذا فهمت، على من طالبه بضرورة الاعتذار عن تصريح مضر له جاء في مقابلة أعطاها في الثالث من أيلول الجاري لاحدى الفضائيات المصرية، وأعادتها فضائية فلسطين بدون حساسية منها لنعته من صوّت من المسيحيين في الانتخابات الفلسطينية السابقة لحركة "حماس" على أنهم "مجموعة الميري كريسماس". ومع أن كثيرين أصرّوا على أن الرجوب لم يعتذر صراحةً من المسيحيين الذين شعروا بالإهانة إلّا أن ما قاله لوكالة "وفا" بحق المسيحيين الفلسطينيين يعكس، برأيي، رؤيةً شاملة إزاء الوجود المسيحي المشرقي من وجهة نظر تاريخية منصفة ووطنية صادقة على حد سواء.

شخصيًا لم أشعر بإهانة من تصريح الرجوب للفضائية المصرية، وسآتي على ذكر أسباب موقفي هذا، لكنني أتفهم كل من شعر بتلك الإهانة، ولا فرق عندي إن كانوا يعرفون شخصيته عن قرب، أو أنهم يجهلون تاريخ الرجل على ما يطويه من بياض ناصع يقق، أو رمادية ملتبسة استجلبت من البعض سهام الانتقاد عليه والتجريح الدامي أحيانًا.

حاولت أن أستفهم من خلال بعض الاتصالات كيف ولماذا بدأت تأخذ قضية ذلك التصريح "الرجوبي" تلك الأبعاد الخيالية، في حين مرّت قبله في قرانا وبلداتنا، عشرات المواقف الأخطر والتصاريح الأدهى عندما قيلت بحق المسيحية والمسيحيين ومن دون أن تستدرج ذلك الهرج وتلك الهجمة المتصاعدة أو حتى انتقادًا متواضعًا، فمثلًا حين منعت، ببعض القرى، بفتاوى ملزمة مشاركة المسلم بجنازة المسيحي لم تقم القيامة ولا صرخت قيادة، وحين أفتى من أفتى بتحريم مشاركة المسيحي أعياده سكتت العامة وتململت الخاصة وحين وحين .. والشواهد في قرانا موجعة وكثيرة، فلماذا في قضية الرجوب تحديدًا؟   هممت لترك مكتبي، لكن موظفتي أخبرتني أن أم حسن جاءت من بعيد، وتريد مقابلتي لبضع دقائق، فاستأذنت إدخالها. جلست أمامي بثوبها المطرز الساحر، ولمت شعرها بمنديل أبيض. مدت كفّها إلى فوق، سمراء كالأرض، ومتعبة مثل الفجر في قريتها، وقالت: "طنيب عليك يا بنيّي، موكلتك بحسن بدي تروّحلي اياه على العيد، مليش غيرو". سكتت وسكتُّ، فما نفع الحديث بعد هذا البيان؟ بدأت أفكر بما سأقوله لها، لكن رفيقتها التي دخلت معها وجلست قبالتي رفعت رأسها بصمت وبصوت هادئ لا يخرج إلا من حناجر أمهات يذبن من الحب قالت: "الله يخليك يا استاذ جايينك من آخر المعمورة وايدينا بزنّارك، قالولنا انو بِطْلع بايدك تروّح حسن. مع انك نصراني بس احنا بنثق فيك". قالتها بانسياب وبصدق كالطبيعة. ضحكتُ. وعدتهما بالخير وودعتهما. مضيت لأطوي ما تبقى من وجع.          

لقد عرفت جبريل منذ مطلع الثمانينيات ورافقته محاميًا لسنين طويلة كنت شاهدًا فيها على حياة واحد من رموز النضال الفلسطيني، خاصةً وهو يقود مع رفاقه في الحركة الأسيرة الفلسطينية أشرس المعارك دفاعًا عن الحق الفلسطيني والكرامة والعزة، وعرفته بعد تحرره وبعد أن قضى عشرين عامًا في الأسر صديقًا وقائدًا فتحاويًا فلسطينيًا عنده من الأحباء والمؤيدين وفرة، وله من الأعداء والمقرّعين وفرات؛ لكنني وبعيدًا عن هذه الفضاءات أؤكد أنه أطلق تصريحه بحق بعض المسيحيين، وهو بحسب جميع المقاييس لم يكن موفقًا، من غير قصد بالإهانة المتعمدة للمسيحية والمسيحيين ولا بتأثير طائفية بغيضة هو بريء منها.

تابعت تداعيات ما أضحت تسمى "أزمة الرجوب" فوجدت كثيرين ممن تحفظوا أو انتقدوا أو هاجموا الرجوب قد فعلوا ذلك بمشاعر صادقة وبمواقف إنسانية وطنية محقة، لكن كثيرين ممن انقضوا عليه  قد استغلوا تصريحه كي يمارسوا حروبهم السياسية ومناطحاتهم الفئوية بانتهازية مفضوحة، وينقلوها إلى ميدان استجلب فورانًا عاطفيًا عند كثيرين، مسيحيين وعلمانيين، يعانون وبحق من أسى واقع مقيت ورهيب؛ فمن خلال تأجيج هؤلاء لنار مستعرة أصلًا في شرقنا وبيننا، أخذوا يطلقون رماحهم على الرجوب الأوسلوي تارة، والمطبّع حينًا والمنسق الأمني أحيانًا، وبعضهم قفز على ظهر المسيحيين ليصل إلى أصحاب الرجوب في القيادة الفلسطينية والرئيس "أبو مازن" والفتحاويين "الانهزاميين"، وطفقوا يطلقون السهام والشعارات في محاولة لكسب جولة المقارعات المفتعلة بقضية لا شأن لها في هذه الحروب لا من بعيد ولا من قريب، حتى أننا وجدنا بعض الطائفيين المعروفين أو من يؤمنون بالإلحاد دينًا وطريقًا يهاجمون الرجوب باسم الدفاع عن المسيحية المضطهدة والمسيحيين المساكين، وباسمها عن الوطنية والوطن.     

لو لم يحمل ذلك المشهد عناوين المأساة كما يعيشها المسيحيون المشرقيون بشكل عام والفلسطينيون أيضا منذ سنين، ولو لم تنثر تلك الرياح بذور الخسارة والهزائم المقبلة لما تطرقنا إليها مطلقًا؛ لكنني رصدت ما استنفرته "الزلة" الرجوبية ليس في معرض الدفاع عن صاحبها، بل لأنني أرى أن معظم من انتقدوا تصريح الرجوب لم يقصدوا ولم ينجحوا بسبر قلب القضية الأساسية ولم يفككوا لغز المشكلة المؤرقة، وقد كشفتها، ربما بصورة عرضية في حالتنا، جملة يتيمة انفلتت بتلقائية وبأسلوب تقليدي يعرف به الرجوب-ولا يخلو من فظاظة- قالها هنا من دون أن يقصد الإساءة، ولا المزاح كما افترض بعض المحللين والأصدقاء.

القصة تبدأ وتنتهي في أننا نعيش في عصر يكون القول الفصل فيه للدين ولمن يقف على رقبته وباسمه يأمر وينهى، يحرم ويحلل. لن أفصل في مقالتي كيف نجح الدين في التحكم بجميع خلايا مجتمعاتنا البشرية (المسلمة، والمسيحية والدرزية) واستوطنت زفراته في كل مسامات أجسادنا، وذلك من قبل أن يولد الوليد وحتى مماته ودفنه وقبره وما بعد ذلك من فروض ومحرمات وتوابع.

الهيمنة للأقوى وللأكبر، والفضاء لمن سيطر على مفاصل الإنشاء والإنماء والتثقيف والتسمينالدين هو المحرك الأساسي في حياة الفلسطينيين، وكل ما يفعلونه ويقولونه هو من ثمار هذا الواقع وبروح من  ضبط مفاصله وإيقاعه، فصاحبي حماد يدعوني للمشاركة في جنازة واحد من "جماعتي" ، وأم حسن تقصدني على الرغم من أنهم قالوا لها إني "نصراني"، وجبريل لا يقصد الإساءة "لجماعة الميري كريسماس"، كلهم يتصرفون بشكل "طبيعي" والكارثة هي في "الطبيعي"، وليس بكون جميع تلك التجليات -وهي غيض من فيض ونقطة في بحور-  شواذ واستثناءات

إنه عصر التدين والتطيّف والتمذهب، فعندما يصبح الدين سلعة رائجة في الأسواق يتسوق الحاضرون وفق قوانين البيع والشراء، وتبقى الملامة على من فرط بمفاتيح "الوكالة"، وانبرى وراء دكانه والمصلحة. إنها ثقافة طردت ما كان مقبولاً وشائعًا فسادت وطغت والأكثرية شاهدت وانحنت

 واليوم ترانا نسمع من يكتفون، بعد كل عثرة أو غزة أو غزوة، بالنداء إلى عقد مهرجانات التسامح ومؤتمرات العيش المشترك، أو من يطلقون كليشيهات السعادة المعلبة  فيصبح "المسيحيون ضروريين للنسيج الوطني السليم"، و"المسيحيون إخوة للمسلمين في السراء والضراء وفي التضحيات وفي الوفاء"، و"المسيحيون أبناء لهذه الارض وهم من حافظوا على سمرتها وسرتها" .. هكذا بدأت الحكاية بالمسايرة، وتنتهي بالمسايرة، فهذه شواهد على زمن ولّى وأصوات من عوالم وتلفظ أنفاسها قبل الانقراض، ومخلفات مجتمعات كانت تعيش قدسية احترام الآخر وتصون حرمة التعدد الثقافي حين كان العلماني راوية القرية والشاعر فارسها والمعلم رسولا، وكان فيها الشيخ والخوري يدعوان البشر للخير والمحبة والألفة، فهما تربيا أيضًا في فضاءات كان فيها الدين لله والوطن للجميع والصلاة وسيلة فردية تصل من تاه برحم الحياة

لم أشعر بإهانة مما قاله جبريل، لأن القضية رهينة في رقبة مجتمع كامل وجميع من وقف على ذلك المنزلق وتهادن أو ساعد أو سكت عن الكبيرة الكبيرة؛ فمن كان منكم بلا خطيئة فليرمِ حمادًا وأم حسن بذلك الحجر!

 

 

 

 

ما تقوله

الروابي في فلسطين

 

جواد بولس

 

أثارت زيارة الفنان المتميز صابر الرباعي إلى فلسطين عددًا من القضايا الهامة التي تصدرتها مسألة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وذلك لما يستجلبه هذا العنوان من ردود موسمية عاصفة وسياسية ملتبسة تتسم في العادة بكونها سهلة الترويج وسريعة الانفلات، لا سيما تلك التي تتولاها مجموعات من المناضلين العاطفيين الذين يدافعون عن فلسطين بأفئدة تهيم عند نعومة الليل وتغرق في بحور من حب "بني عذرة"،  ومجموعات من المعارضين المحترفين البارعين في تطويع الشعار وصباغته بعيدًا عن معطيات الساحة والمرحلة وبمعزل عن ضرورات المصلحة الوطنية الحقيقية؛ ومن الملاحظ أن هؤلاء هم في الواقع قلة صاخبة تعلو أصواتها كصدى لموجة كاسحة تمضي بسرعة فترتطم على الصخر أو تهدأ في حضن شاطئ بعيد.

الإشكال أن "الهيصة" تخبو سريعًا وتتلاشى. العامة تنسى، ولكن في فضاءات الشرق يبقى ذلك الطنين المؤذي

عن الزيارة والتطبيع كتبت مقالتي في الاسبوع الفائت، فالقضية هامة من الدرجة الأولى، لكنها، وعلى الرغم من خطورتها، صارت "ملطشة" لكل نزق أو صاحب مأرب أو نزوة، ولم تحظ بما يناسبها من تشريح للمعطيات الحقيقية كما تواجهها القضية الفلسطينية ويعيشها الفلسطينيون في هذا الزمن القبيح؛ ومن المؤسف أن نجد ان هذه المعادلة، بمجاهيلها الكثيرة أضحت، مع السنين، كورقة إنجيل منسية مهملة خاصة من قبل من يعيشون جحيم الواقع الفلسطيني وعليهم تقع مسؤولية السعي، بهدي دوافعهم الوطنية والسياسية الصائبة، إلى وضع مساطر مجرّدة من كل مصلحة فئوية ضيقة من شأنها أن تساعد على تعريف وضبط محددات ذلك التطبيع المذموم من غير تأثر بأي شهوة حزبية ضيقة أو جهل أو ضغوطات لمزايدات واهية

معظم الذين هاجموا زيارة التونسي الجميل لفلسطين ضمّوا لهجومهم مدينة "الروابي" الفلسطينية فصارت هي أيضًا هدفًا لهجائهم وهجماتهم.

بعضهم فعلوا ذلك عن جهل مطبق بما تكونه مدينة الروابي هذه وكفعل تبرره لهم غريزة القطيع حين يندفع أفراده وراء من يجفل أولًا أو من يبدأ رحلة العطش والسراب في سهول "السافانا" القاحلة. بينما غالط آخرون بتعمد سافر وخطير وهاجموا الرباعي والروابي خدمة لأجنداتهم السياسية الغريبة عن واقع فلسطين المحتلة أو بدوافع لا تمت للمصلحة الفلسطينية بأية صلة أو قربى. وفي الحالتين أثارت العاصفة سؤالًا قد نعود إليه: من وكيف يصنع الرأي العام في فلسطين؟ 

فما كتبته جريدة "الأخبار" اللبنانية عن زيارة صابر الرباعي وحفله الوهاج في مدرج مدينة الروابي المبهر تخطى كل منطق إعلامي مهني نزيه وتعدى كونه موقفًا سياسيًا مبررًا قد يندرج فيما تتيحه حرية التعبير من هوامش وفرص حتى مع من لا يوافقهم العقيدة والرأي والموقف

فلقد كان الأولى بمن كتب: "لعل الفنان التونسي ظن نفسه في رحلة استجمام في ربوع ادارة "أبو مازن" المعنية بتجريد أي نزعة مقاومة في الضفة المحتلة"، أن ينأى عن هذا الغلو في التقريع الشخصي والابتعاد عمّا يشي بهذه الكمية من الحقد الرخيص على من يشغل منصب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح والسلطة الفلسطينية، فحتى لو كانوا في الجريدة على خلاف سياسي مع الرئيس محمود عباس كانت الكياسة تحتم احترام ما ومن يرمز إليهم الشخص، والمسؤولية تستوجب، عند من يحسبون أنفسهم أصدقاء للفلسطينيين، أن يحترموا أولًا هذا الشعب وقياداته ومن ثم ليحتفظوا بحقهم في معارضته سياسيًا وعقائديًا، فالقارئ كان يتوقع منهم بالذات أن يتعاملوا مع المشهد بمسؤولية أكبر فالقضية تبقى فلسطين ووجعها، وعليهم في "الأخبار" أن يدركوا أن لهجتهم المتعالية المستفزة قد مست مشاعر كثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني.

ومع يقيني أن السياسة تبقى عند البعض فنًّا في إدارة الهزائم أو الغنائم وبراعة في بيع الوهم والخواتم، أتساءل ماذا سيشفع حتى لهؤلاء حين يصير الجهل عندهم رايات للمقارعة وتهاليل للنوم في جوف الشعار.  فكيف يصبح واحد من أهم المشاريع الوطنية المقاومة لفكرة الاحتلال الإسرائيلي التأسيسية مجرد "مستوطنة" تنعت بنفس تحقيري، إن كان يعيب أحدًا فهو لا يعيب أصحاب المشروع الكبير اطلاقًا. ففي "الأخبار" اللبنانية نقرأ أن صابرًا: "لا يعرف البعد الرمزي ل"مستوطنة" الروابي "حيث أحيا حفلته"، هكذا كما ورد في الأصل.

قد تكون هفوة أو غفلة لأن من يكتب بهذه الصيغة لا يفقه، أما جاهلًا أو متجاهلًا، كنه الحركة الصهيونية منذ أطلق آباؤها المؤسسون حلم العودة إلى "أرض الميعاد" وحمله المردة الخارجون من قوارير الزمن التوراتي ليحط في فلسطين طائرًا على أجنحة شعاراتهم الشيطانية وأولها: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". من لا يعرف معنى أن يبني الفلسطيني حتى ولو كوخًا -فما بالكم  ببناء مدينة كاملة- في أرضه لا يعرف معنى الصمود وكيف تكون المقاومة عندنا.

إنها سياسة "المحو والإنشاء"، هكذا أسماها كثيرون من المحققين والباحثين وأوجزتها د. هنيدة غانم في دراسة قيمة نشرت في مجلة "الدراسات الفلسطينية" في خريف ٢٠١٣. وفيها نقرأ أن مقابل أكثر من (٤٠٠) قرية فلسطينية هدمت ومحيت أسماؤها بشكل كلّي أقيمت، منذ عام ١٩٤٨حتى خريف ٢٠١٣، أكثر من ألف مستعمرة يهودية (فقط داخل الخط الاخضر) ولحوالي (٣٥٠) منها أعطي اسم من الأسماء التوراتية القديمة، وذلك تنفيذًا لنهج مدروس باتقان ودراية محكمة من أجل محو الفلسطينيين كوجود بشري وتاريخي ومعنوي من وطنهم

أمّا في الضفة الغربية المحتلة عام ١٩٦٧ فقد دأب الاحتلال الاسرائيلي على تنفيذ سياسة استعمارية أكثر عدوانية وقمعية ومستهدفًا نفس الوجود الفلسطيني، تمامًا كما فعلت الحركة الصهيونية الأم مع السكان الفلسطينيين الأصليين في ١٩٤٨، ومن غير الصعب متابعة ما اقترفته تلك السياسات في حق المواطنين الفلسطينيين الذين جابهوها بمقاومة إنسانية يومية لامست حد الأساطير حتى غدا إنشاء سيرة تأوي قطيعًا من الماعز يعتبر مقاومة وافشالًا لسياسة المحو والإنشاء الكارثية

ومن مفارقات الصدف أن أكتب مقالتي هذه بالتزامن مع نشر تقرير الانتهاكات الإسرائيلية لشهر آب الفائت والصادر عن "مركز عبدالله الحوراني" التابع  لمنظمة التحرير، حيث نقرأ فيه عن هدم (١٠٤) منازل ومنشأة فلسطينية خلال شهر واحد في جميع محافظات الضفة الغربية والقدس الشرقية؛ منها (٣٧) منزلًا مأهولًا و( ١٧) منزلًا تحت الإنشاء و(٥٠) منشأة تجارية وزراعية وصناعية، بناؤها، كما قلنا، يحتسب، في عرفهم تحديًا، مقاومة وصمودًا .  

"الروابي"، لجميع من هاجمها وسخر منها، هي مدينة فلسطينية  تبنى بأساليب حضارية مميزة وبرؤى تستشرف نسائم المستقبل وتستهدف رفاهة المواطن الفلسطيني وسلامته، وهي معدة لاستيعاب أربعين ألف فلسطيني. تقام على سفوح تلال فلسطينية أنقذت من الابتلاع لأنها انتزعت من فكي الاحتلال؛ ولمن لا يعرف فعند إتمامها ستقطع عمليًا تواصل مجموعات من المستعمرات الإسرائيلية الصغيرة التي تبدأ من الشرق حتى تصل إلى منطقة رأس العين.

في فلسطين تبنى مدينة ويرسخ وجود وتشمخ حضارة وهذا هو الأهم وما سيبقى في ذاكرة التاريخ، وكل التفاصيل الصغيرة، على أهميتها، وما قيل في السر والعلن عن بدايات بنائها وعن المستفيدين من مداخيلها سواء من كبار البرجوازيين الفلسطينيين وأصحاب رؤوس المال الذي لا يعرف الشبع، هي قضايا قابلة للنقاش والتدقيق، لكنها تبقى في المحصلة وبالمقارنة فواصل في نص كبير غني ومتين وليس أكثر من هوامش ضامرة على صفحة العمران الكبيرة والمغامرة الجليلة؛ فالرؤية من وراء انشاء مدينة فلسطينية -هي عمليًا أول مجمع سكاني يبنى منذ مئات السنين في فلسطين-  تعتبر تجسيدًا لمعنى الوجود الفلسطيني وانعكاسًا للمفهوم المؤسس لفعل المقاومة ولمعنى الصمود الفلسطيني الفعلي في وجه الاحتلال الإسرائيلي ولمشروع الحركة الصهيونية الكبير.

شعب فلسطين بحاجة لمؤازرة الإخوة والأصدقاء وجميع أنصار الحرية وكرامة البشر، وأبناء هذا الشعب يشاهدون ما يجري في الدول العدوة والشقيقة والصديقة والممانعة والوسيطة، ولقد صمدوا وضحوا وما زالوا يواجهون العدو مباشرة والمكائد والمؤمرات والمزايدات وباعة الأوهام؛ وهم، لذلك، صاروا خبراء في فقه السقاية والعطش ويفرقون بين الفقاعة والرذاذ والطل والمطر، ويٓحذرون ممن يسخف صمودهم ويسخر من بناء مدينة زاهرة، سواء كان مغررًا به أو متجنيًا أو متجاهلًا لما يعرفونه هم ويعرفه البشر:  فمن وقف على مدرج روابي فلسطين قبّل جبين التاريخ وزرع حصًا في تاج الكرامة، ومن غنى من هناك لغزة والقدس وجنين لامس الشام على خد القمر، ومن رندح للحب وهز أجفان الحرية هو مقاوم وسند لفلسطين الأرض وليس صاحبًا لها في المجاز والمتاع والفكرة والسهر؛ لأن المقاومة عندنا، في فلسطين، تعني البقاء في الارض  والبناء في الروابي والغناء للسواعد السمر وللعيون السواهي ولأطفال يعشقون الورد ويربون الحجر.

كنت هناك وكانت الكوفية هناك وصوت شعب يحب الحياة ينادي من على كل رابية ومنحنى ووادي : "بأن البلابل لما تزل هناك تعيش بأشعارنا/ /  وما زال بين تلال الحنين/ وناس الحنين مكان لنا".

 

 

 

فلسطين الصابرة

 

جواد بولس

 

ماذا لو لم يقرر مكتب "وحدة التنسيق لشؤون المناطق" في جيش الاحتلال الإسرائيلي نشر صورة الضابط الدرزي هادي الخطيب برفقة الفنان صابر الرباعي في تلك اللحظة التي عرّت، مجددًا، جيفة حاضرنا في هذا الشرق الأخرق؟ كيف كانت ستنطلق وحدات "الفسابكة" الغاضبة وتتدافع إلى جانبها قوات "التواترة" في حملة هي وما سبقها من حروب العرب والعرب أغرقت سهوب فلسطين بالضحالة، وأعادت إلى فضاءاتنا زمجرة الصدى الأغبر الآتي من حناجر العدم.

ما هذه الحكمة الناقصة دومًا في ربوعنا؟ ولماذا نبرع في احتكار الهزائم وتسجيل الأهداف القاتلة في شباكنا؟

ما ضر الجميع لو تريثوا، ولو لمدة شهقة، ليتحققوا في مصلحة من ستكون الهجمة على صابر وزيارته إلى فلسطين المحتلة، لا سيما والجميع كان يعرف أن جيش الاحتلال كان من وراء نشر تلك الصورة اليتيمة؟ ما ضرّهم لو أجلوا "الهيصة" ليتساءلوا، ولو برفقة رشفة، لماذا نشرت الصورة  في وقت كانت أصداء الحفلة تدوي في سماء فلسطين المقحلة، وتجتاح نشرات الأخبار في فضائيات العرب والعجم وهي تعرض مشهدًا حضاريًا مقاومًا ينبض من قلب أرض، لا يريدها الأعداء إلا أن تكون دامية باكية بائسة عزلاء ومنسية، وتقارير الصحافة تستعرض صور آلاف من أبنائها التواقين للفرح والمتأهبين لمعارك الحرية والكرامة كلما استفزتهم حنجرة التونسي وهو يحيي تراب فلسطين ويصوب نحو قدسهم ويتوعد أصحاب النار بالفجر وبالثار.

وكي لا أفتح على نفسي مزاريب جهنم المجهزة في حواضرنا والجاهزة دومًا، أعرف بأن الكتابة عن الزيارة ومحطاتها كانت علي أسهل وأسلس بكثير لو لم تنشر إسرائيل تلك الصورة أو لو لم يوافق صابر الرباعي على التقاطها، حتى مع كل تخيلي لتداعيات تلك اللحظات المتسارعة وتفهمي للظرف الذي حصل- وكما جاء في البيان الصادر عن مكتبه؛ ولذلك تجدني اليوم آسف على وجودها، فناشرها كان على يقين أنها ستقلب الموازين التي بدأت وزناتها تميل لصالح شعب أرادوه أن يعيش في ظل الذل واليأس والخسارة، وهم كخبراء في قهر العزيمة العربية قدروا أن نشرها سيستدعي تفريغ تلك الصدور من غبطتها والأمل وملأها بالغضب والأسى، فعندها، هكذا رسموا وخططوا، سيصير الانتصار الصغير هزيمة كبرى؛ إنها مهارات العرب المزمنة التي أدمنوها من زمن نكسة وأجادوها في عصر نكبة، كما وانهم يجيدون العوم على شبر ماء والسباحة في برك التخوين والتشكيك والتخدير.

ويبقى "التطبيع" هو القضية القديمة الجديدة التي باسمها علل كل المزايدين والمقرعين والموبخين والمسفهين والمنتقدين والعاتبين والناصحين والغيورين، مواقفهم ضد زيارة الفنان التونسي الوسيم لفلسطين، فما هو هذا الشعار الملتبس وما المقصود منه وقد صار في مواقعنا يستل، على حين نزوة، كورقة "الجوكر"، لتتحول بيد ممسكها إلى عصا سحرية يُضرب بها رأس من يُستفرس في تلك اللحظة الحبلى فتشج رأسه.  

 فمثلًا، منع الرئيس الجزائري بوتفليقة في العام ٢٠١٠  زيارة وفد من عرب ال ٤٨ كان يرأسه رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية وبمشاركة مجموعة من الأسرى الأمنيين، الدخول إلى بلاده ليشاركوا في مؤتمر للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين، وكانت الحجة رفضه للتطبيع مع حملة جواز السفر الإسرائيليبينما لم تعتبر مشاركة وزير الطاقه الإسرائيلي، في حينه، عوزي لنداو في مؤتمر دولي كبير في دولة الامارات تطبيعًا. وقد نعود ونذكر بعشرات من الحالات التي أنتجها صندوق التطبيع  العجيب، فعندما قرر الدرويش زيارة الكرمل عيبت زيارته من بعضهم ودمغت على كونها تطبيعًا! وحين علا صوت القاسم في وسط تل ابيب وتمنى: "قاب قوسين لا قاب قوس وأدنى يا حبيبي وعدنا" أفتى بعض سدنة ذلك الصندوق على ان القاسم يطبع! والحالات عديدة وكثيرة لا مجال لحصرها هنا.

ولكن بعودة إلى قضيتنا سنجد أن صابرًا لم يكن أول من اتهم من الفنانين والمبدعين والأدباء بالتطبيع، فلقد سبقه إلى تلك القائمة كثيرون واجهوا نفس الرماح لمجرد انهم قرروا ملامسة الوجع من داخل الجرح الفلسطيني، فعندما زارت الفنانة هند صبري فلسطين اتهمتها مجموعات كثيرة في العالم العربي بالتطبيع، وحين زارها ابنها الروائي الكبير ابراهيم نصرالله عاب عليه بعض الراصدين زيارته لحضن الأم ووجهوا عليه قاذفات الكلام المر. إنهم كغيرهم من عشاق فلسطين لم يكتفوا بالهتاف من خلف الجدار،  فجاءوا إلى من يربون الحصى في حواكيرهم وزرعوا معهم سنابل الأمل وحدائق النور.

التطبيع ليس حالة معرفة بشكل حسابي دقيق أو ببديهية مطلقة. ولا شعارًا مستقلًا يرفع من دون قرينة تبدده أو تبرره أو تحظره؛ فاذا حيدنا تطبيع الحكومات والأنظمة العربية والاسلامية مع حكومة إسرائيل، كاستقراء لواقع تعيشه هذه الدول منذ سنوات، وبعد أن أفرغ هذا الشعار (لا للتطبيع) بشكل عملي من محتواه الأصلي والأصيل بسبب ما آلت إليه أوضاع هذه الدول بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو، وإذا ما استثنينا وضع وواقع المواطنين العرب في إسرائيل وذلك لخصوصية وضعهم القانوني والمعيشي، فعن أي تطبيع نحن نتكلم؟ 

فبعد إبعاد تلك الحالتين يبقى التطبيع العربي والدولي المحظور محصورًا في المفاعيل المدنية لتلك المجتمعات ومرهون بمسؤولية محركاتها الأساسية: مؤسسات مدنية أو نقابات مهنية على تنوعها أو معاهد أكاديمية وأشباهها وما إلى ذلك من أطر تمثيلية جامعة تتعهد بتنفيذ سياسة تحريم التطبيع وتطوير مواقفها لترتقي بها إلى مواقع حقيقية ومستويات من شأنها أن تؤثر على إسرائيل وسياساتها القمعية الاحتلالية.      

ولكن بعيدًا عن محاولة وضع مفاهيم شاملة لقضية التطبيع، وهي مسألة كتب فيها القليل بشكل علمي ومسؤول وشوّش فيها أكثر، ومن دون الدخول في تفصيل دقيق أو في محاولة لوضع قوائم مغلقة تجمل لمجموع الأفعال التي قد تحتسب تطبيعًا مع الاحتلال أو لا، ومع التأكيد على حصر موقفي في هذا المقال من الأفعال الفردية أوكد أنه من الضروري أن نرهن  كل فعل يمارس على الأرض المحتلة إلى مصلحة الشعب الفلسطيني، فاذا وجدنا أن العائد من ممارسة ذلك الفعل لا يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني بشكل واضح وحاسم أو إذا كان يخدم مصالح الاحتلال الإسرائيلي بشكل واضح أو محتمل، عندها يعتبر ذلك الفعل عملية تطبيعية جديرة بالإدانة والرفض. فالمسطرة يجب أن تبقى خاضعة لامتحان المصلحة العامة وفوقيتها على كل مصلحة أخرى سواء كانت فئوية أو تجارية أو حزبية، والاحتكام إلى تلك البوصلة من شأنه أن يمنع المزايدات والمهاترات والمغالطات ويمنع حتى الوقوع في فخ العواطف الصادقة النبيلة التي قد تثور وتجيش على بريق صورة مغرضة أو إشاعة مسمومة أو نبأ مدسوس أو مبتور.    

فسؤالي إلى جميع من هاجم الزيارة وخاصة أولئك المنفلتين بهستيرية مزعجة بعد نشر تلك الصورة، كيف يمكن قراءة الزيارة بشكل عام والحفل الغنائي الرائع المميز بشكل خاص، كنشاط تطبيعي وأين مصلحة الاحتلال الإسرائيلي فيه؟

وبعيدًا عن ثورة العاطفة ، وإن كانت حقيقية ومحقة، وردة فعل أصحابها بعد رؤية وسماع فنانهم وهو يغني في الليل في كامل نغاشته وحلو أصالته وبريق وسامته وتحليقه ووطنيته،  يقف في الصباح إلى جانب من يرمز للاحتلال الإسرائيلي البغيض، يبقى الحدث كله فلسطينيًا بامتياز  وحضاريًا بشكل استفز إسرائيل أولًا  وكل من راهن على "همجية" العرب وبساطة الفلسطينيين وقصور الفقراء، وحفلًا ناجحًا بجميع المعايير الفنية واللوجستية بصورة خيبت آمال من راهنوا على فشله؛ وكل من كان هناك شهد ليلة حاكت فيها فلسطين نجوم السماء وأرقصتها، فالفضاء كان يعج بالفرح والأمل كان يتنطنط بين الجبال الضاحكة، و"يا طير الطاير" شقت العتمة التي زرعها الاحتلال بخبث وبمثابرة منهجية شيطانية، وطرزتها أقمارًا من وجد وجوى وشوق لا يمكن لشعب يسعى للحياة واثقًا أن يمضي إليها من دون أن تضيء حنايا صدور أبنائه.

لم يتوقع الاحتلال ذلك الزحف الهادر من آلاف عشاق الحياة والسهر، وهو الذي افترض أن قمعه قد قضى على عشق الغناء عند هؤلاء البشر. لقد راهنوا على ليلة قد توازي في أحسن أحوالها عرسًا في حاكورة البلد فصدموا حين اكتشفوا أن القدس كانت في كل الروابي عرائس وكانت جارة القمر

إنه الفرح المقاوم أيها العرب، فجرحنا في فلسطين مكابر وعلمنا أن نهزم الهزائم بالقبضة، نعم، وبقلوب مؤمنة بالبسمة والمطر. إنه النشيد أيها العرب والمواويل رماح والحب الذي كالسيف، فمن لا يطير مع قلبه ليلحق "بزينة الزينات" لا يعرف من أين تمضي دروب الحرية ومن لا يعشق "أجمل النساء" لن يهتدي لا لغمده ولا إلى قدسه.

إنها المقاومة الآدمية الأساسية ضد كل محتل مارق: أن نعيش حياتنا الإنسانية بطبيعيتها اليومية وكما تتمناها العذارى ويمتطيها أجمل الفرسان، هكذا، صدقونا، سنصمد وسنهزم اليأس والاحتلال.

لقد كنت هناك وأحسست بتلك النغزة دقت في خاصرة العنجهية الاحتلالية. نغزة صحت عقولهم وألجأتهم إلى أم الوسائل، إلى الخديعة، فهم يعرفون أن العرب "فوّارو الدم" وطيّاشون "على شبر ماء" أو غرقى في طشت وهم.

لقد كان الانتصار في الروابي صغيرًا لكنه كان فلسطينيًا فأبقوه كذلك ومزقوا هتافات السراب والصورة الخديعة!

يتبع عن الروابي

 

 

 

فأين «حذام» الفلسطينية؟

 

جواد بولس

 

في صبيحة يوم الخميس الماضي كان من المقرر أن تستمع المحكمة في معسكر عوفر لطلب نيابة الاحتلال العسكرية بتثبيت أمر الاعتقال الإداري الجديد الصادر بحق الأسير عمر البرغوثي، من أجل إبقائه لمدة ثلاثة شهور إضافية، عليه أن يتممها ليصبح مجموع ما قضاه في هذه الجولة وراء القضبان ما يقارب العام.

ويعتبر الأسير عمر البرغوثي، ابن الثالثة والستين وهو من بلدة كوبر الفلسطينية من قضاء مدينة رام الله، من أبرز الأسرى الإداريين في سجون الاحتلال التي أمضى فيها، لغاية اليوم، ما مجموعه ستة وعشرين عاما كانت آخر ستة أعوام منها عبارة عن اعتقــالات إدارية متقطعة لم يخضع فيها للتحقيق بشبهات محددة ولم تسند له أي تهمة إطلاقًا.

لم يحضر عمر إلى قاعة المحكمة واكتفى بتزويد حراس السجن بقصاصة ورق صغيرة، صارت تعتبر إعلاما رسميا بعدم استعداد الأسير لحضور جلساته، مثله مثل عشرات من زملائه اختاروا ردة الفعل هذه، وأصبحوا في قاموس المحاكم العسكرية يدعون بـ»الرافضين»، أي من يتنازلون، عن يأس وملل، عن حقهم في حضور جلسات المحاكم على درجاتها: بدءًا من محكمة التثبيت مرورا بمحكمة الاستئناف العسكريتين وحتى محكمة العدل العليا الإسرائيلية.

إننا عمليًا بصدد ظاهرة مقلقة جديدة تترسخ معالمها مع مرور كل يوم، وأخطر ما تعكسه هذه الظاهرة هو موافقة القضاة على استنكاف الأسرى عن المشاركة في العملية القضائية، من دون أن يتساءلوا عن الأسباب الحقيقية لردة فعلهم، وترحيب ممثلي النيابات العسكرية والمدنية بالوضع الجديد، وكأنني بهم، قضاةً ونوابًا، يعتبرون ما حصل كأمر عادي لا بل كإزاحة عبء عن كواهلهم.

في السجون الإسرائيلية يقبع حوالي السبعمئة أسير إداري، وهذا رقم كبير جدًا يجب أن يقلق جميع المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الانسان، ويحث كل الجهات القيّمة على متابعة وتطبيق قواعد المواثيق الدولية التي تعنى بشؤون المواطنين الرازحين تحت الاحتلال؛ والقضية موجعة ليس بسبب تلك الأعداد الكبيرة فقط، بل لأن كل أسير منهم يعد عمليًا كحالة مأساوية إنسانية صارخة، فهؤلاء الأسرى ليسوا كباقي الأسرى الأمنيين الذين يعتقلون بعد الاشتباه بهم، ويحقق معهم ويتهمون بلوائح اتهام معرّفة ويدانون بأحكام محددة، قصيرة كانت أم طويلة، فالأسير الإداري يعتقل وهو يجـــهل عمليًا سبب اعتقاله ويزج به في السجن من دون أن يعرف موعد الإفراج عنه، وهذه الجــزئية هي أقسى ما يعيشه كل أسير إداري، خاصة اولئك الذين يواجهون منهم عمليات اعتقال مـــتكــررة تصـــل أحيانًا إلى سنوات طويلة، كما في حــالة عمر البرغـــوثي والأسرى: سالم دردساوي، سعيد نخلة، والنائب عبدالجابر فقهاء وغيرهم.

في هذه الأيام تتصدر قضية الأسير بلال كايد عناوين أخبار الحركة الأسيرة الفلسطينية، فهو قد أعلن إضرابًا عن الطعام منذ الثالث عشر من حزيران/ يونيو المنصرم، نقل على أثره وبعد تدهور حالته الصحية، إلى مستشفى «برزيلاي» الإسرائيلي، حيث ما زال يواجه هناك احتمالات الموت، كما يشهد على ذلك الأطباء والتجربة في حالات سابقة شبيهة.

من الطبيعي أن تستجلب هذه القضية اهتماما أكبر مما حصلته لغاية اليوم، ليس فقط بسبب حالته الخطيرة والمقلقة جدًا، إنما بسبب ما يميزها أيضًا من رعونة إسرائيلية سافرة؛ فبلال كايد، وهو من سكان قرية عصيرة الشمالية من قضاء نابلس، اعتقل عام 2002 وحكم عليه في محكمة عسكرية لمدة أربعة عشر عامًا ونصف العام قضاها كاملة واستعد في الثالث عشر من يونيو الفائت للحظة الإفراج عنه، لكنه فوجئ باستصدار أمر اعتقال إداري يقضي بإبقائه في السجن لمدة ستة أشهر إضافية، من غير تهمة اطلاقًا. صادقت محكمة عسكرية أولى على أمر اعتقاله ومثلها فعلت محكمة الاستئناف العسكرية ولسوف تُنظر قضيته في الاسبوع المقبل أمام هيئة من ثلاثة قضاة في المحكمة العليا الاسرائيلية.

ما جرى مع بلال هو العبث بعينه والاستعصاء المطلق على استيعاب معنى العدل البسيط والإنسانية، وربما هذا ما دفع بمنظمة العفو الدولية» أمنستي» يوم الثاني عشر من آب/أغسطس الجاري، لاصدار بيان خاص طالبت فيه السلطات الإسرائيلية باطلاق سراح بلال كايد أو بتوجيه تهمة له.

 بيان «أمنيستي» مهم لكنه غير كاف، فعلى المجتمع الدولي واجب للتحرك من أجل حماية حقوق الفلسطينيين من ممارسات الاحتلال، أو على الاقل في هذه القضايا العينية الصغيرة/ الكبيرة. فلمن تكتب أمنستي وتعلن: «أن الاعتقال الاداري ليس محظورًا في المطلق بموجب القانون الدولي، لكنه يجب الا يُستخدم إلا في حالات استثنائية وأن يخضع لضمانات صارمة، بيد أن إسرائيل ما انفكّت تستخدمه منذ عقود كبديل، وبهدف الاعتقال التعسفي لأشخاص لم يرتكبوا أي جريمة، ومن بينهم سجناء رأي. كما ان بعض الفلسطينيين احتجزوا بدون تهمة أو محاكمة وان استخدام الادلة السرية تحرم المعتقلين من إمكانية الطعن في اعتقالهم بشكل فعال امام المحكمة ومن حقهم في محاكمة عادلة.. فمنظمة العفو الدولية ترى ان استخدام إسرائيل اسلوب الاعتقال الاداري بحد ذاته ربما يصل إلى حد المعاملة القاسية أو اللانسانية أو المهينة».  نحن في فلسطين نعرف ما قالته أمنستي ونعيشه، فضحايا هذه الاعتقالات يملأون السجون الإسرائيلية، ونؤكد أن ما افترضته أمنستي ببيانها كاحتمال  وارد من عدة احتمالات هو الحقيقة بعينها والواقع القائم، فقضية عمر البرغوثي تشهد أن أسلوب إسرائيل في الاعتقال الاداري وصل إلى حد المعاملة القاسية واللانسانية الفاضحة ومعاناة بلال كايد وهو يواجه موته تصرخ أن نهج إسرائيل أكبر وأخطر من معاملة مهينة وغير عادلة.

لقد صرحت أمنستي مشكورة بما صرحته، لكنني على قناعة بأن الدواء لهذه القضية يبقى عند أصحاب الداء، وعلى الفلسطينيين أن يعاودوا تقييم مواقفهم ازاء سياسة الاعتقال الاداري الاسرائيلية، وعلى الجهات ذات الشأن والعلاقة أن تقرأ قرار عمر البرغوثي وصحبه  «الرافضين» الامتناع عن حضور جلساتهم بنظارة وطنية صحيحة وعليهم أن يسمعوا نداء أمعاء بلال والاخوين بلبول ومن معهم من المضربين بسماعات طبّية وطنية سليمة،  ففي النهاية لن يصح القول إلا إذا قالته «حذام» فأين حذام الفلسطينية؟

 

 

 

 

ما بعد بيان العلماء

 

جواد بولس

 

أصدر في نهاية الشهر الماضي مائة بروفيسور عربي/ة بيانًا بعنوان "فخار لن يكسر بعضه" عبّروا فيه عن موقفهم ضد مظاهر العنف المتفشية في مجتمعاتنا العربية المحلية مؤكدين على قلقهم من انتشار كافة أنواعه ومسجلّين رفضهم واستنكارهم لتلك الظاهرة وفي نفس الوقت حرصهم على سلامة أبناء المجتمع.

أثار النشر "عويصفة" عابرة شارك فيها مجموعة من الكتاب والصحفيين ومتابعي وسائل التواصل  الاجتماعي على أنواعها، حيث انتقد معظمعهم المبادرة والبيان وخّصوا بالنقد استنخاب المبادرين لمائة من حملة ألقاب البروفيسور فقط في خطوة عدت نخبوية استعلائية مكروهة، حسبما جاء في تلك المقالات أو التغريدات أو (البوستات).

كثيرون يجهلون تداعيات إصدار ذلك البيان وما سبقه من تفاصيل لو نشرت في حينه لمنعت أقساطًا من الهجوم عليهم ومحاولات التقريع والمس بمجموعة من خيرة أبناء مجتمعنا لا يملك أحد حقًا بأن ينكر عليهم حقهم في التعبير عن موقف جماعي إيجابي حتى لو كان للبعض، وأنا منهم، تحفظ على مضامين البيان التي جاءت فضفاضة وعمومية أو عن رغبة بأن يحتوي بيانهم مواقف أكثر فعالية ترافقها مقترحات عملية أو خطة عمل مهنية مفصلة هادفة.       

وللنزاهة علي أن أسرد ما كنت أعرفه من قصة هذا البيان الذي تطرقت إليه قبل نشره بأسبوعين في مقالتي "وكان عرس في الجليل" والمنشورة يوم ٢٠١٦/٧/٢٢). 

 فما عرفته من اتصال صديقين مبادرين للفكرة أنها جاءت بعد أن استُنفر بعض الأصدقاء من تداعيات مقالة كتبتها عن مصالحة تركيا وإسرائيل (نشرت في الثلاثين من حزيران) ومهاجمتي الخطيرة على أثرها من قبل الشيخ كمال الخطيب، بما يمثله كقيادي إسلامي مؤثر، وله دور في لجنة المتابعة العليا، ورسالتي الجوابية له. فلقد زودني المبادرون بنص بيان اختاروا له عنوانًا: "وجادلهم بالتي هي أحسن" وفيه صرّحوا ما يلي: "نحن الموقعين أدناه مثقفين وممثلين من المجتمع المدني الفلسطيني في الداخل، نعبر عن صدمتنا الكبيرة وقلقنا البالغ من حدة وقسوة النقاش الذي يتداول على صفحات التواصل الاجتماعي، خصوصا على صفحات شخصيات قيادية وسياسية ودينية في 
مجتمعنا، آخرها تبعات مقال الكاتب جواد بولس وردّ الشيخ كمال الخطيب رئيس لجنة الدفاع عن الحريات المنبثقة عن لجنة المتابعة العليا".  

لقد فرحت للمبادرة ووضعت ملاحظة بسيطة على النص، وانتظرت بيانهم النهائي، الذي وصلني في الرابع عشر من تموز/ يوليو، ففوجئت باستلامي نصًا مختلفًا عن الأصل ومغايرًا بفكرته وجوهره وبعنوانه الذي أصبح: "فخار لن يكسر بعضه". خاطبت من كانوا على تواصل معي، متحفظًا ومنتقدًا، وعبرت بعدها عما قلته لهم  في مقالتي المذكورة ومرددًا أن النص الجديد هو "عبارة عن نص إنشائي عار من أي موقف واضح وصريح. نص توفيقي سطحي لا يمنع من أن يوقع عليه حتى العنصري أو التكفيري أو المفتن. كان هذا نص العاجزين".

إنني مدين بهذا التوضيح لبعض من أصدقائي الموقعين على البيان وقد عتبوا على انتقادي الشديد له من دون أن يكونوا على علم بتفاصيل ما حدث معي، ومن دون أن أعرف من منهم كان يعمل في الحلقات الصغيرة على إعداد البيان وإنجازه للنشر، وعلى الرغم من انتقادي لما جاء في العريضة أؤكد أنني أفرق بين حقهم في التوقيع عليها وحريتهم المكفولة في التعبير عن مواقفهم، وأؤكد بأنني لست شريكًا مع من عاب عليهم أو على المبادرين بقصر المبادرة على حملة درجة البروفيسور، بل على العكس أقول عساها تكون، على نواقصها، حافزًا لغيرهم، من الأكاديميين والمثقفين والعاملين والناشطين الاجتماعيين والسياسيين كل من موقعه ومكانته، ليتقدموا بمبادرات مثيلة أو أنجع أو "أدسم" أو أكثر ثورية وإثراءً

على جميع الأحوال فلقد صدرت العريضة، وأثارت ما أثارته من نقاش وبعض الاهتمام الشعبي العام، وكان أهمه بنظري التفاتة السيد محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، لهذه المجموعة حين خاطب  أفرادها برسالة خاصة قال فيها: "إنني أنظر بإيجاب كبير إلى رغبة أي قطاع أو شريحة مجتمعية في تقديم مساهمته في تصويب أو دعم مسيرتنا الوطنية والاجتماعية والانسانية وتوقيعكم على العريضة الهامة يدخل في هذا الباب بالتأكيد".

 بقدر ما تحمله هذه الدعوة من احترام لمن وقع على ذلك البيان، فقد يجد فيها القارئ الحذق إهابة أو وربما إدانة لكثير من النخب والشرائح الاجتماعية، لا سيما المؤطرة في أحزاب وحركات سياسية- وبعضهم انتهز الفرصة للتهجم على من وقع البيان، واتهمهم بالتكبر والتجبر واستغلال الفرصة، بينما لم يرهم رئيس المتابعة يحركون ساكنًا في مواقعهم من أجل التصدي لظواهر العنف، لا بل قد نجد منهم من نجح بانتهازية مقيتة أن يتحالف أو يتشارك أو يوظف بعض منتجي ومفاعلي العنف في قراه وبلداته.  

لقد قيل الكثير في سوء أوضاعنا العامة وأسهب من أسهب في تشخيص ما يعانيه مجتمعنا من مخاطر وأمراض عضال تفتك فينا كل ليلة وكل يوم، وتبقى الدولة ومؤسساتها في حكم المسؤولين الرئيسيين عن جلّها، فعندهم يُخمّر الداء وفيروساته ومنهم يُحجب الدواء ويمنع، مع هذا فلا يمكن أن نستكين لهذه المقولة كي نعفي أنفسنا من المسؤولية الكبرى؛ وإن كان عندي انتقاد كبير لما جاء في بيان المائة أو ما غاب عنه أو غُيب لأغراض التوفيق والتجسير والتيسير، فلقد تجدني أوافق الموقعين حين كتبوا: "ندرك أجمعين مسؤولية ومصلحة من يتربص بنا في تنمية العنف بيننا إلا أننا نرفض أن يكون في ذلك مهرب من مسؤولياتنا الذاتية تجاه أبناء مجتمعنا.." قد لا يرضي هذا النص كثيرين من الناشطين السياسيين والمحترفين الحزبيين الذين اعتادوا على نصوص حصر المسؤولية في سياسات الدولة القمعية وممارساتها العنصرية وارتاحوا بعد ذلك وأناخوا، ومع صحة كل ما قيل ويقال في سياسات الدولة وعنصريتها، سأضم هنا صوتي إلى ما جاء في هذا النداء في هذه الجزئية،  فالمهم يبقى فيما علينا فعله في وجه آفة العنف المستشري، وأملي أن يستجيب كل من دعاه رئيس المتابعة  ليشاركه حلمه في السعي لبناء مستقبل يريده آمنًا لنا ومشرقًا، فهو قد أعلن: "أننا في لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، الإطار الجامع والوحدوي لكل القوى السياسية والتيارات الناشطة هنا، نعكف على عملية عميقة لمأسسة عملنا بشكل علمي في مختلف مجالات الحياة، وذلك إلى جانب مواصلة حمل مقتضيات العمل الوطني من أجل تجذير جماهيرنا في أرضها ومن أجل تحقيق حقوقنا المدنية والقومية".

على النبهاء أن يقرأوا النص بعناية وببصيرة فـ"لجنة المتابعة ما زالت في مرحلة البناء الأولي"، كما جاء في رسالة بركة، وهي في عمرها الجديد تسعى لمأسسة عملها بشكل علمي في مختلف مجالات الحياة إلى جانب دورها في النضال الوطني العام، وهذه دعوة من قائد لا يريد أن يبقى في القمة وحيدًا- لأنه قد يصاب بالسأم الوطني- ولا أن تبقى عهدة حريات المواطنين العرب مرهونة لموازين قوى سياسية ورثتها الجماهير من حقبة وطنية درست

وجه بركة دعوته إلى من وقع على بيان العلماء، ومنهم إلى من استفزته مبادرة العلماء، وكذلك إلى من لم يكترث لهذا وذاك، وكأني بندائه يقول: ها جاءكم الصوت فساعدوا من أجل مأسسة العمل بشكل منهجي وعلمي، وهي، لعمري، فرصتكم وإلا سيبقى بيانكم مجرد ورقة طيرتها الريح حين مرت من نافذة  ذلك البرج العالي.

 

 

 

 

الصليب الأحمر ليس عدوًا

جواد بولس

قبل يومين استأنفت بعثة الصليب الأحمر نشاط مكاتبها في القدس وذلك بعد أن علّقته، منذ السابع من آب الجاري، بدعوى اقتحام مجموعة من المتظاهرين الفلسطينيين مكاتبها الكائنة في منطقة الشيخ جراح وإعاقة عمل الموظفين على حد ما صرحت به في حينه، "أجاث ستريكر"، نائب مدير البعثة في القدس والضفة الغربية، مضيفةً أن "اقتحام مكتبنا غير مقبول ولذلك قررنا تعليق نشاطاتنا لحين حصولنا على الضمانات اللازمة للقيام بعملنا في ظروف آمنة" وأكدت على أن عمل مكاتبهم في الضفة الغربية لن يتأثر بهذا القرار.  

لقد كان واضحًا لكثيرين ممن يتابعون قضايا الأسرى أن المسؤولين في بعثة الصليب الأحمر سيجدون مناسبةً مواتية ليعاودوا فتح مكاتبهم في القدس واستئناف نشاطاتهم منها، فلقد شهدنا في الماضي أحداثًا مشابهة أدّى بعضها إلى جفاء ميداني مؤقت كان ينتهي دومًا بسرعة محسوبة وبعد استخلاص جميع الفرقاء عبرهم واستيعاب كل من مكانه ووفقًا لمصلحته على أن العلاقة بينهم متشابكة وموضوعية، فالضحية الفلسطينية، مهما قست تعابير وجعها وشذّت ردود أفعالها عن المألوف، لن تتنازل عما يوفره الصليب لها من خدمات وإسناد، والصليب بدوره كان يستعيد فقه البدايات، فهو قد ولد وصار أحمر منذ العام ١٨٣٦ ليكون في صف المظلومين ومع دماء ضحايا الحروب والاحتلالات الغاشمة.

لم تأت تداعيات القدس من فراغ أو كتعبير عن نزوة عرضية، فخلفية الأحداث المقدسية واكبتها نشاطات فلسطينية احتجاجية قامت بها مجموعات من الناشطين الفلسطينيين وعائلات الأسرى وجرى أهمها في ساحات مكاتب بعثات الصليب في مدن الضفة المحتلة، ومرد تلك الاحتجاجات كان اعلان المسؤولين في اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن قرارهم بتقليص عدد زيارات أهالي الأسرى لأبنائهم في سجون الاحتلال من إثنتين شهريًا إلى زيارة واحدة.

قرار الصليب شكل صدمة كبيرة في فلسطين وضربة قاسية لأحد أهم إنجازات الحركة الأسيرة التي صارعت في بداياتها من أجل احراز وتثبيت حق الزيارة بإطارها المتبع منذ عقود، فالغاء الزيارة الثانية هو في الحقيقة أشد من خيبة عادية نزلت على صفوف العائلات والأسرى، لا سيما والجميع يعرف حجم التعقيدات والتحفظات التي تضعها قوات الاحتلال الإسرائيلي في أثناء التجهيز لتنفيذ كل زيارة وخلالها وهي في الواقع عبارة عن عراقيل تستهدف إذلال العائلات وإفشال الزيارات بشكل كامل أو لبعض الأسر المشاركة.

ومرّة أخرى أعادت هذه المناكفة إلى مواقعنا تلك السجالات المعهودة حول دور لجنة الصليب الأحمر وما يقوم به وكلاؤها أثناء زياراتهم الدورية للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال أو في الميادين الأخرى التي تندرج في سلة المهام الموكلة لها.

فالمنظمة ناشطة منذ عقود طويلة في العشرات من الدول وفق الصلاحيات والمسؤوليات المنصوص عليها في المواثيق الدولية وهي بدورها عكفت على تأديتها كذلك في فلسطين المحتلة.

راوحت معظم النقاشات بين ما هو مأمول ومرغوب وما هو معقول ومقبول، ويبقى مثار أشهر التهم التي تنسب لأداء مندوبي الصليب متعلقًا بالسرية الكاملة التي يحيطون فيها أنفسهم ويغلفون بها تقاريرهم المعدة على أثر زياراتهم للأسرى خاصة في الأيام الأولى للاعتقال . فمندوبو الصليب يكونون بالعادة، في حالات الاعتقال الأمني، أول من يلتقي الأسرى في زنازين التحقيق وهم لذلك شهود العيان الحقيقيين على ما تمارسه أجهزة التحقيق الإسرائيلية، في حين يمنع، على الغالب، محامو الدفاع من مقابلة موكليهم وكذلك العائلات.            

بعض الجهات الفلسطينية تصر على أن بعثة الصليب في فلسطين وهي تمارس نشاطها بسرية وتتعمد عدم نشر تقاريها التفصيلية حول ما يشاهده مندوبوها في غرف التحقيق، تتواطأ عمليًا مع سياسة القمع الاحتلالي وتتستر على موبقات أجهزة التحقيق على أنواعها، وبعض هؤلاء ينادون بوجوب اتخاذ خطوات صارمة تصل حد المقاطعة التامة أو حتى طرد البعثات من فلسطين.

لقد رفض مسؤولو هذه المنظمة عبر السنين تلك التهمة وقام بعضهم بدحضها جملة وتفصيلا  وذلك من خلال لقاءات دعوا إليها مسؤولين في المنظمات الفلسطينية العاملة في الدفاع عن الأسرى الفلسطينيين وبعضها جرى في مقر المنظمة في جنيف وأخرى تمت في مكاتبها الرئيسية في فلسطين. في جميع هذه اللقاءات حاول المسؤولون تقديم شرح واف عن فلسفة عمل المنظمة واعتمادها السرية كعنصر موجب لإنجاز مهمتها الأولى وهي الوقوف إلى جانب ضحايا الاحتلالات والحرب ورصد ما تتكبده تلك الضحايا جراء سياسات القمع ومحاولة تغيير ذلك. وقد يكون ما قاله قبل سنوات نائب مدير العمليات في الصليب الأحمر السيد "دومنيك شتيلهارت" في لقاء مطول نشر على مواقع المنظمة، واضحًا ومقنعًا حيث عبر فيه عن قناعات منظمته، المبنية على خبرة سنوات طويلة، ومفادها: "أن السرية هي أداة أساسية تساعد اللجنة على مساعدة الأشخاص المتضررين من انعدام الأمن ومن العنف والنزاعات المسلحة وتمكننا من بناء الثقة والتواصل وإحداث تغييرات" إلى ذلك وفي نفس المجال أضاف موضحًا أن السرية "لا تعني الرضا. فإذا كنا لا نكشف عن بعض القضايا للعلن لا يعني ذلك أننا نلتزم الصمت"، لأن وسائل التأثير متعددة وبعضها قد يكون أكثر نجاعة من بيانات الشجب والاستنكار العلنية، مع أننا نشهد طفرة نوعية متميزة في عدد التقارير المهنية التي تعدها وتنشرها المنظمات العاملة في ميادين حقوق الانسان والدفاع عن الأسرى الفلسطينيين، وقد يكون  نشاط نادي الأسير الفلسطيني في طليعة تلك المنظمات لكنه ليس وحيدًا.

لم تنجح محاولات المسؤولين الفلسطينيين في ثني مسؤولي الصليب الأحمر عن قرارهم بالغاء مسؤوليتهم عن زيارة من الزيارتين وذلك رغم عدة اجتماعات حصلت بين الأطراف المعنية؛ وبمعزل عن صحة الأسباب الحقيقة التي دفعت المنظمة إلى التشبث بموقفها، ستبقى طريقتهم بإدارة الأزمة وما صاحبها من غموض نقطة تسجل في حقهم؛ فاذا كان العجز المالي لديهم هو الدافع لقرارهم، وفقًا لفهم بعض المشاركين في تلك اللقاءات، كان الأوجب والأولى بهم أن يعلنوا ذلك منذ البداية وعلى الملأ؛ فبعضنا يعلم أن المنظمة تعاني منذ سنوات من عجز أدى إلى تخفيض ميزانية البعثة العاملة في فلسطين بنسبة كبيرة، وبعضنا يعلم أن ميزانية تأمين الزيارتين للأسرى في فلسطين تكلف خزانة المنظمة حوالي الأربع وعشرين مليون شاقل في العام الواحد (حسب مصدر من اللجنة، والتقدير يشمل كل المصاريف المباشرة والمرافقة لتنفيذ الزيارتين)، وعلى الرغم من ذلك يبقى حق الأُسر بزيارة أبنائها مرتين على الأقل في الشهر أغلى من كل تلك المعوّقات، ويبقى انتظار الأسرى للحظات لقاءات أحبتهم أهم من كل الدوافع والسياسات، ما ظهر منها وما خفي.

في النهاية جاء حل الأزمة فلسطينيًا، فسيادة الرئيس محمود عباس تكفل بتأمين مصاريف الزيارة الثانية للأسرى، في موقف انحاز لصالح الوجع والأمل الفلسطينيين، مع أن بعض الناشطين السياسيين لم يستعذبوا ذلك القرار، فالأسرى، بعرف اولئك المنتقدين، فرسان الحرية المنشودة ويدفعون أغلى ما يملكه آدمي من أجل تلك الحرية والكرامة وهم ضحايا للاحتلال الذي عليه أن يتحمل مسؤولياته وفقًا لشرع الأمم ومواثيقها الإنسانية، واذا أعرض الاحتلال وتطاول بتغافل من "المجتمع الدولي" فلتقم تلك الدول  بواجباتها تجاه فلسطين المحتلة وأضعف تلك الواجبات وأرخصها تأمين بعض الملايين لأسرى تهضم حقوقهم وحقوق عائلاتهم بشكل يومي.

والخلاصة عندنا بسيطة معقدة فلسطين أدمنت نار الكواء وليلها طال وتجبر. وكل منزلة فيها تقع بين منزلتين وحيرتين: إذا طردنا الصليب ما بديلنا؟ وإذا لم يستجب الرئيس بدفع تكاليف الزيارة ما بديلهم؟ فيا ويل من قرر أن يدفع ويا ويله لو قرر أن لا يدفع. يا ويل من يرحب في الصليب ويا نار من يطرد الصليب !

ولمن نسي او تناسى أو غفل : أصل الحكاية في احتلال وحركة كانت تسمى وطنية وفصلها صار يسمى إختلالًا وهي تسمى حركة .

 

 

ليلة القبض

 

على عبد القادر السلوادي

 

جواد بولس

أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن الأسير عبد القادر كايد حماد بعد أن أنهى محكوميته والبالغة أحد عشر عامًا. كانت فرحة سلواد، قريته، كبيرة والأهل لم تسعهم الأرض، فعبد القادر عاد ليملأ نهارات أمه بالبسمات ولياليها نجومًا، وهي التي صبرت وانتظرت بحسرة عليه وعلى أخيه ثائر وأبيه اللذين ما زالا في السجن.

لم يرتو عبد القادر من رذاذ الزغاريد المتطاير بصحبة كؤوس المحبة وهي تدور طيلة الشهور الخمسة التي انقضت بسرعة في حين كان يحاول هو ترويض قلبه على غنج السنديانة في حارته واشتعال صدره مع كل زقزقة بلبل على شرفة صباحه الجديد.

طقوس الحرية الصغيرة في ظل الحراب طويلة وكبيرة وهي الشهادة الحية على أن فلسطين، التي ليست في المجاز، ستبقى لمن يدّخر الدمع ليوم الفرح ولساعات الولادة وليس لحاملي "الصارم المصقولا".

لقد جاوز عبد القادر عقده الثالث  وهو اليوم حر وأهل لأن يملأ الحقل سنابل، فوليفة روحه تنتظره فارسًا داهمًا من جهات الرعد.

وحين كان يعد الزنابق للقمر استغل جيش الاحتلال تواطؤ الليل وأغاروا على بيته بجنون وكأنهم يستعيدون كرامة سقطت على أعتاب بلدة مشاكسة أو يستردون عقدة من أصبع جندي نسوها هناك على حافة "عيون الحرامية" القريبة من غزوة  أخيه "الثائر". فأعراس فلسطين تتوالد في عمليات قيصرية .

اعتقلوه بناءً على أمر إداري وقعه قائدهم ويقضي بسجنه لأربعة شهور والشبهة، هكذا أقسم صاحب التوقيع، أنه نشيط في حركة حماس. باتت سلواد مكلومة على حافة الأمل، والعروس نامت مثل الأيائل وكانت تحلم بحوض من الفل أبيض وبضمة نرجس ناعس.

بعد بضعة أيام عرض ملفه على محكمة عوفر العسكرية. انتهت الجلسة ولم يجد القاضي في المادة السرية ما يعزز تلك الشبهة، مع ذلك فلقد قرر إبقاءه في السجن بعد أن "اكتشف" أن عبد القادر ناشط في تنظيم فتح ويخطر أمن وسلامة الاحتلال، هكذا بأبسط من  عطسة تتغير الشبهات ضد الفلسطيني ويبقى السجن واحدًا والسجان ذاته.

بعد أيام انعقدت، بناءً على طلبي، جلسة في محكمة الاستئناف العسكرية. حاول المدعي العسكري فيها تبرير ما حصل بتعابير ملتوية وبمماحكة مكشوفة لم تبقيا للقاضي مجالا وفسحة لتعليل تلك "الإشراقة" التي ارتكبها قاضي المحكمة الأولى، فقرر، مرغمًا، إلغاء أمر الاعتقال، مع ذلك فلقد أعطاهم مهلة لفحص الموضوع مجددًا.

لم يفرجوا عنه. فبعد يوم أصدر نفس القائد العسكري أمرًا جديدًا وصف فيه عبد القادر بأنه نشيط ضد الأمن الإسرائيلي ويعمل ضد سلامة الجمهور، مسقطًا عنه، هذه المرة، شبهة انتمائه لأحد التنظيمات الفلسطينية.

ومرة أخرى وجد قاض عسكري آخر نفسه أمام عبث غير مستساغ ومستحيل عصي على المضغ، وأمر بإبطال أمر الاعتقال الجديد. مباشرة قدمت النيابة العسكرية استئنافًا إلى محكمة الاستئناف في عوفر، نظر فيه هذه المرة قاض " قلع شرش الحيا" ويعيش، مع أنه قاض، بهوى نيابي وكعاشق لأمن الدولة حتى الدنف، فقبل موقف النيابة وأمر بإبقاء عبد القادر في السجن لمدة الأربعة شهور.

ضد هذا القرار "العجيبة" تقدمت بالتماس إلى محكمة العدل العليا. يوم الجلسة  لم يخف القضاة الثلاثة امتعاضهم من تداعيات القضية ومن أخطاء المسؤولين العسكريين، لكنهم أظهروا أيضًا عدم رضاهم من إصراري وقتالي العنيد، فكلّها قصة أربعة شهور كادت تنقضي.. فلماذا كل هذه الحرب !

دافعت نيابة الدولة أمامهم باستماتة عن جيشها، وأصرت على أن ما حصل كان عبارة عن أخطاء إنسانية محتملة ومحمولة، بينما كنت أجادلهم، بما أملك من صبر وغضب، وأصر على أننا نواجه تبريرات باطلة ونهجًا معطوبًا يسوغ، عمليًا، للمسؤولين العبث بحريات الفلسطينيين في حين تعمل الأجهزة القضائية جميعها مطايا لفرسان القمع وسروجًا لغزاوتهم.

بعد جلستين وأكوام من الخيبة والتعب، بادرني رئيس هيئة القضاة بنصيحتة المخيبة موصيًا أن أقبل بإبقاء موكلي في السجن لشهرين إضافيين وذلك بعد أن ينهي، بعد بضعة أيام، وجبة الأربعة الشهور الحالية، (بدل أربعة كانت مقترحة علي من النيابة وأنا رفضتها). قبل أن يسمع رفضي حاول تعزيز تبريره للاقتراح بصوت مذعور وبطعم كالعكر حين انطلق: "سيد بولس حتى لو أفرجنا عن موكلك اليوم، وقد تكون هذه هي  النتيجة الأصح والأعدل في هذه المعطيات،إلا أننا متأكدون أنهم سيعاودون اعتقاله بعد فترة قصيرة لمدة أطول مما نقترحه عليك الآن، فاقبل بعرضنا لأنه الأفضل لموكلك". ذهلت.

كانت هذه نصيحة محكمة نسيت أنها الأعلى، قالها قضاة إستضُبعوا وتملصوا بصراحة الضعفاء. حاولت أن أبلع ريقي وأستعيد اتزاني بتأن، نظرت صوب الثلاثة، فوجدت رؤوسهم مدلاة وكأنها سقطت عن رقابهم، وقفت قبالتهم منتصب القامة ورشقتهم متهكمًا، ومتسائلًا مع زفرة : ما فائدتكم إذًا؟

غابت عنا وجوههم فلم أتحقق إذا كانوا يحاولون استعادة لون وجناتهم الآدمي بعد أن بدا للجميع رماديًا كلون الرصاص.

ومضت الأيام ونال عبد القادر حريته بعد أربعة شهور بدون إضافة، فالنيابة العسكرية تراجعت عن نيتها إصدار أمر اعتقال جديد ضده، وزغردت أمه وكان في سلواد صهيل ونسوة رقصن كالفراشات ورجال حكّوا أنف التاريخ .

لقد خرج وهو على موعد مع القيد، بينما بقي في السجون أكثر من سبعمائة سجين إداري ما زالوا يخيطون قصة الحرير ويغزلون لنا، كدود القز، أثواب الحكمة وجدائل الصبر؛ بعضهم يخوض إضرابات عن الطعام ما زالت حلقاتها تتفتق، فمنهم من يضرب احتجاجًا على عزله في زنازين منفردة مثل الأسير وليد مسالمة، وآخرون، ومن أبرزهم الرفيق أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير  فلسطين، يضربون تضامنًا مع الأسير بلال كايد والذي بدأ إضرابه قبل خمسين يومًا وذلك على أثر رفض سلطات الأمن الإسرائيلية الإفراج عنه على الرغم من إنهائه مدة محكوميته الكاملة والبالغة أربعة عشر عامًا، وقيامها باستصدار أمر اعتقال إداري بحقه يقضي ببقائه في الأسر، في قصة تشبه ببعض ملامحها قصة ابن سلواد.

المضربون يصرخون ما فائدة تلك المحاكم وأي رجاء ننتظره من أولئك القضاة ويعيدوننا إلى سؤال البدايات الباحثة عن نهايتها المنطقية.

ففشل الاحتلال الإسرائيلي بتدجين الحركة الأسيرة الفلسطينية قد يعتبر من أبرز إخفاقات هذا الاحتلال، وبالمقابل من أغلى انجازات الشعب الفلسطيني الذي أستشعر أبناؤه، منذ مساء النكسة الأول، وبفطرة الشعوب المقاومة للظلم، أهمية بناء حركة أسيرة منظمة ومنضبطة تعمل كإناء واق يحافظ على صلابة وجودها الجمعي ويزود أفرادها بدروع واقية تحصنهم من سطوة الحنين إلى وطن صار وراء القضبان أبعد من حلم فراشة بالنور، وتحميهم من إدمان سجان لا يجيد إلا تراتيل العتم وتحركه غريزة الشهوة المزنزنة

لن أعالج هنا وضع الحركة الأسيرة ككل، بل سأحاول مجددا أن أضع تجربة الإضرابات الفردية عن الطعام تحت المجهر والنقاش، فأنا مقتنع، بعد هذا الكم الكبير من التجارب الفردية، أن الحركة الوطنية الفلسطينية وبنات المجتمع المدني الفلسطيني، لم يتناولوا تلك التجربة بما يليق بها من جدية وعناية ولم يتدارسوها بمسؤولية وطنية كافية، بل تركوها تتداعى بمحركاتها الذاتية وبقوى دفع عشوائية أحيانًا وبتلقائية عاطفية بأحايين أخرى.

لن أقلل من أهمية الإضرابات الفردية خاصة وقد حقق بعضها  انتصارات لأصحابها، رافقها أحيانًا، وهذا الأهم، استجلاب اهتمامات دولية وعربية وفلسطينية ملموسة غير مسبوقة؛، ولذلك فقد نجد بما يجري في حالة الأسير بلال كايد وما نلمسه من بداية تحركات متصاعدة في السجون وخارجها، فرصة مواتية ومتجددة من شأنها أن تبعث الأمل في قضية مناهضة الاعتقال الإداري.

سياسة المحاكم الإسرائيلية في قضية الاعتقال الإداري واضحة ومحسومة وهي تقف إلى جانب الاعتقالات وتبريراتها الواهية، وعلى أصحاب الشأن في فلسطين أن يتخذوا قرارًا قاطعًا إزاء صحة الاستمرار في التوجه بها إلى هذه المحاكم.

عُرِضت منذ أشهر على القيادات الفلسطينية ورقة مواقف تطرقت إلى مسألة الاعتقال الإداري وكيفية وجوب معالجتها بحساسية بالغة، وعلى الرغم من وضوح ما تضمنته الورقة لم تنجح تلك القيادات ببلورة موقف وطني حاسم.

غياب الموقف يسبب، في الواقع، كثيرًا من الخسائر الوطنية وأهمها ما يدفعه هؤلاء الأسرى من سهر مضن وجوع مهلك وقلق من مستقبل ملتبس.

سؤال عبد القادر كان لماذا إذًا جئتكم؟ وسؤال كايد اليوم لماذا إذا أجيؤكم؟ وسؤال الوطن، كان وما زال، لماذا وإلى متى سنلتمس العدل من سيد الغاب، والرحمة من السكين؟

 

 

حديث المقاهي في الناصرة

 

جواد بولس

 

لم ننتبه لعددهم، فلقد تحلقوا طاولةً من خلفنا وتناقشوا بصحبة القهوة وشقيقاتها. كانوا يتحدثون بصوت خفيت وخال من الإنفعالات، لكنهم لم ينجحوا بضبط إيقاع الجلسة فكان، بين حين وآخر، يفلت منهم ما يشبه الصراخ

كان عدنان، هكذا دعاه صاحبه حين قاطع كلامه، يصف بدقة كاريكاتيرست كيف بدت وجوه أعضاء المجلس البلدي في الناصرة عندما نهرهم رئيس بلديتها وأمرهم بمغادرة قاعة الإجتماعات معلنًا، بشكل مفاجئ، عن إنهاء جلسة البلدية التي انعقدت، في الثالث عشر من تموز الجاري، وفق أمر قضائي إستصدرته قائمة الجبهة لمناقشة قضية مركز المسن في المدينة. لم نفهم إذا كان عدنان مؤيدًا للرئيس أم معارضًا، مع أنه وصف المنظر بنبرة ممسرحة مستعرضًا كيف"سكسك" الجميع وتركوا المكان وكان في طليعتهم زملاء الرئيس من قائمة ناصرتي، وأضاف، قبل أن يوقفه سليمان، أن الناصرة بحاجة لرئيس "قد حالو جدع" ويفهمها

لم يوافقه سليمان بشكل تام، فهو بدوره عزا قوة الرئيس الحالي لما خلفته الحروب الطاحنة، التي دارت لسنوات طويلة بين نشطاء الجبهة مع نشطاء حزب التجمع، من عداوات وجروح ما زالت متقرحة لم تشفها الأيام ولا تشكيل القائمة المشتركة التي ألفت بين الرؤوس وأهملت الجذوع والأغصان، فعمليًا صار الرئيس قويًا لغياب معارضة سياسية حقيقية تحظى باحترام أهل الناصرة وتأييدهم، وذكّر سليمان رفاقه كيف خاطب السيد علي سلام جميع أعضاء الكنيست عن القائمة المشتركة حين وقف، في التاسع عشر من حزيران/ يونيو، أمام آلاف المحتفلين في آخر يوم من ليالي رمضان المنصرم، وأعلن قبوله تحدي القائمة المشتركة إذا ما قررت ترشيح منافس له في إنتخابات البلدية المقبلة، كما نشر في الأخبار، واعدًا الجماهير أنه سيهزم ذلك المرشح، ومتوعدًا "المشتركة"، لأنه واثق بما يملكه من رصيد كبير وهام هو : محبة أهل الناصرة له، وهذا ما لا تمتلكه الأحزاب السياسية التي خسرت أمامه في الإنتخابات الأخيرة.

حاولنا ألا نصغي لحديثهم والعودة إلى مواضيعنا، فلقد كان انتقالنا بينها أسرع من ايقاع الموسيقى التي ملأت فضاء المقهى الذي التقيت فيه إثنين من أصدقائي النصراويين في ظهيرة يوم الجمعة الفائت. في الخارج درجة الحرارة أعلى من معدلها العام، كما تردد في نشرات الأحوال الجوية، أما نحن فلم نشعر بذلك وقد ألهانا النقاش المتفرع بيننا وحولنا وطرّت بعض كؤوس البيرة جفاف حناجرنا

الناصرة كانت تفيق كطفلة تتحسس ضفائرها.     

أذكر أننا بدأنا الحديث عن محمود درويش ومقارنته الخرقاء بهتلر. فثلاثتنا نحب الدرويش ونُنقود كالحمام، كلّما نلتقي، الحب من طواحينه، كل حسبما تسعفه الذاكرة وتغويه الذكرى، فتجد رائفنا يتلو ما تيسر من دروس كاما سوترا في الإنتظار، ونبيل يستعذب "طباقه" لادوارد سعيد، وأنا تأخذني عتبات ستيني إلى منفاي وما أبقاه العمر من طل في العيون الشقية.

في مثل هذه المجالس يمر الوقت مخلفًا دهشة هشة وكسرات مواضيع كنا نعفناها بين ضحكاتنا ولم نشأ لملمتها، فليس من طبيعة الندمان إحتراف الجد والعبوس.

من "طباق" محمود اشتبكنا سريعًا مع واقعنا، نحن الجماهير العربية في إسرائيل، ومع أزمة هويتنا المتفاقمة، أو على وجه التحديد مع عوامل التأثير الفاعلة في تكوين هويتنا الوطنية، لا سيما بعد أن أصررت أن ما كان مسلّمًا به قد تصدّع، فاليوم قد تراجع "الفلسطيني" عن مكانته كمركب محسوم بارز في هويتنا المخروقة أمام الإسلامي الداهم الطاغي، والإسرائيلي المهزوز الملتبس المدفوع بيننا؛ ومن سيمعن التمحيص سيجد، هكذا قلت مستنفرًا صديقين مثقفين وطنيين، أن أقوى عاملين يؤثران في تكوين هوية الفرد الوطنية ومنها في هويتنا الجمعية هما: الحركات الإسلامية على تفرعاتها وتشكيلاتها المعلنة والسرية ووعاظها المتزمتين والعصريين من جهة، وبالمقابل ستجدان المؤثرات الإسرائيلية الموجَّهة علينا وبيننا، المباشرة منها والمخفية، كما يعكف على تصنيعها وتوريدها إلينا دهاقنة السياسيين الإسرائيليين ومخططو الاستراتيجيات العليا.   

يساندني في موقفي هذا تلك المشاهد لعروبة تتشظى فيما كنا نأمنه كعمقنا العربي، حيث تصطف اليوم مجتمعات تلك الدول قبائل وطوائف ومللا متناحرة، وفيها جيوش من القتلة يحاربون قتلة والعوائد: سبايا ونفط ورقاب ناس صارت أرخص من رقاب الماعز والبقر، ويساندني كذلك اندفاع غزة نحو المطلق وإبقاء الضفة تواجه مجهولها والعدم؛ فأنا لا أملك بينّة "علمية" تدعم موققي وأحساسي، قلت لرفيقيّ، إنها مجرد إنطباعات وقراءات لواقع أحوالنا كما نعيشها، بمرّها وأمرّها، ولتلك الضوابط القامعة التي تتجذر أمام أعيننا في قرانا

حاول نديماي اعتراض فكرتي ونفيها بخفة، لكنني ألححت مطالبًا بما لديهما من إثباتات معمدة في بساتين حاراتنا وملاعبها، وأكدت أنني غير مقتنع بما يسمى "دراسات وأبحاث" تجريها بعض جمعيات المجتمع المدني حتى وإن صدقت ببعض جوانبها، فهذا لا يشكل، برأيي، بينة موضوعية شاملة كافية تتعرض لتفاصيل حياة مجتمعاتنا المتشيئة جزيئياتها أمامنا، وكذلك لا أعتمد على ولا أثق بإستطلاعات رأي يحلو للبعض وصفها "بالمهنية" خاصة تلك التي أعدتها ونفذتها بعض معاهد البحث والدراسات الإسرائيلية، فواقع مجتمعاتنا يفقأ أعين جميع تلك الخلاصات ويفند نتائج تلك الدراسات، لا سيما ونحن نعرف، فوق كل ذلك وقبله، أن السياسة الإسرائيلية الممنهجة تعمدت تضخيم قضية هويتنا الفلسطينية حتى حوّلونا باستغلالها إلى طابور خامس يسعى إلى تدمير إسرائيل من الداخل، وعلى ظهر هذه "التهمة" مرروا ممارسات قمعهم العنصري ضدنا وسهلوا عملية إقصائنا عن حياة الدولة ومؤسساتها وضمنوا حرماننا من حقوقنا المترتبة على كوننا أقلية مواطنِة تنشد العيش بسلام وحرية وكرامة ومساواة.

لم نف هذه المسألة حقّها بشكل عميق وجدي، لكننا، وقبل انتقالنا لموضوع آخر، أجمعنا أن الهوية لا تعرف الجمود وهي أبدًا تتغير وتتبدل أو كما قالها محمود في طباقه: " إن الهوية بنت الولادة، لكنها في النهاية إبداع صاحبها لا وراثة ماض" .. 

علا صوت من الطاولة التي خلفنا فسكتنا. بنبرة موضوعية رصينة جيء على ذكر مقابلة طويلة أجرتها صحيفة الصنارة النصراوية في السادس من آب المنصرم، أكد فيها علي سلام أنه سيفوز في انتخابات ٢٠١٨ برئاسة  البلدية بالتزكية. ثم مباشرة  كانت مداخلة شابة استعرضتها لرفاقها بصوت ينم عن تجربة تنظيمية مصحوب بوجع؛ فهي، هكذا رشح من حديثها، كانت ناشطة جبهوية متحمسة، لكنها، كمئات مثلها، وجدت نفسها مهملة على الرصيف من غير حيّز فيما كانت تعده بيتها الدافئ الآمن، ولذلك توقفت عن تعريف نفسها بالجبهوية لأنهم: "أطفأوا قناديل جبهتنا الظافرة واستبدلوها بشموع  شاحبة تضيء مفاصل جسد متكلسة"، هكذا جاء صوتها من وسط صمت كان يقطر حزنًا وأنهت وهي على حافة الدموع: "الجبهة اليوم صارت جسدًا كهلًا هزيلًا. بعض رؤوسها نسوا أين تكون الجذور وكيف سقاها البناؤون الأوائل بالحب وبريق الانتماء الصادق للبلد، للكادحين وللبؤساء ولفقراء الشعب والوطنيين الصادقين. خسرنا القلاع حجرًا وراء حجر ولا من رقيب جزع أو حسيب قد عرف الفزع، فكيف من المعقول أن تمضي جميع تلك العواصف وتنزل في ساحاتنا كل الهزائم من دون مسؤول يحاسَب أو درس يستنخل كي تنتقى منه الحكمة والعبر. لقد أغفلوا البيت فنشأنا كاليتامى بلا خيمة وفرسان وحقولنا تركت بلا رعاة فعاثت جوارح الجو في أهرائنا، ونحن نجتر خوارق الآباء على عتبات مجد رمادي يتطاير ووطن يئن على مذابح المعابد وفي عتمة الفكر والفكرة". قالت وكأن في الجو كان نسر "يودع قمته عاليًا، فالإقامة فوق القمم تثير السأم.."  

أمامنا قصاصة من تقرير صحفي نشر قبل يومين في رأسه يبرز تصريح لرئيس مجلس عربي أعلن بإصرار أن إسرائيل "دولتنا، وعلينا أن نكافح من أجل ما نريد تحقيقه"، كانت تلك خلاصة تقرير أعدته "ذي ماركر" الإسرائيلية مع ثلاثة رؤساء سلطات محلية عربية هي : إكسال، طرعان وبسمة طبعون. وراءنا ينهي سليمان نقاشه بعد مداخلة صديقته التي كانت مرة جبهوية، ويضيف على ما قالته، أن المصيبة، برأيه، بدأت عندما لم تعترف جبهة الناصرة بفوز علي سلام، وباستخفاف قادتها بتلك الألوف التي أعطته ثقتها، وبمسيرتها المستمرة في ارتكاب الأخطاء، وانشغالها بمماحكات جانبية معه ومقارعاتهم الكيدية له، وذلك بدل تضميد الجراح واستخلاص العبر والعودة إلى ميادين الكفاح والالتحام مجددًا مع الناس. ومضى يقارن سلسلة الأخطاء جميعها بما قاله السيد علي سلام وردده مرارًا: "فأعضاء الكنيست لا يستطيعون التأثير على طفل واحد، القيادي الأول والوحيد الذي يؤثر على الشباب هو أنا والثاني هو الشيخ رائد صلاح". وأنهى هو حين كنت أردد بيننا" واصرخ لتعلم أنك ما زلت حيًا وحيًا..ابتكر جهةً أو سرابًا يطيل الرجاء".    

الناصرة في الظهيرة تغسل وجهها بماء العيون،

وفي المقهى جو من مرح وموسيقى. خلفنا أفاقت مجموعة شبان وصبايا على زمن جليلي مختلف. ويحاولون إذابة ثلوج الخيبة بدفء المفاجأة وبمصادقة السراب، بعد أن هجروا أوطانهم السياسية وخرجوا من شرنقات أحزابهم التي كادت أن تحولهم إلى أصنام أو عبدة للخدائع. لم يضيعوا، لم يخنعوا لكنهم لم يهتدوا بعد إلى من يحيك معهم أشرعة الأمان ولا من يبني لهم زوارق النجاة.

إنهم أولاد الحياة يفتشون عن زهرة قد تطل برأسها من بين جدران العبث، ففي "عالم لا سماء له تصبح الأرض هاوية" .. فمتى سينشدون: وداعًا لشعر الخسارة والألم؟

 

 

 

وكان عرس في الجليل

 

جواد بولس

 

في كل نيسان يستقيظ الجليل على ميعاده مع الفرح. فنيسان ينكش الشوق في مطارحنا ويبدد أجنحة الأرق السوداء، إنه مُطلق الأمنيات والموقد لنار ولائم  المحبة والتآلف. في الربيع تغزو مواسم الأعراس ساحات بلداتنا وقاعات الأفراح تصبح، لستة أشهر متتالية، عناوين و"مرابط" لآلاف البشر

كفرياسيف، قريتي الجليلية تعيش في مواسم الزواج المتكررة حياة غير اعتيادية، فعن لياليها يغيب النعاس وبين أنسجة حلكتها تنفلش الضوضاء وتنفرج فوضى، حتى إذا دنت ساعة التعب من جفونك همزتها زغرودة سابحة تنسرب إلى فراشك من هناك.. من بعيد وقريب وتنبئك كيف يذوب قلب أم انتظرت حلم ابنتها وتمنّت هاتيك اللحظة حين تكون فيها هي سيدة الزمن، أم العروس وكل التفاصيل بعد ذلك عندها شمم. إنها ليالي الجليل البيضاء يسهر الناس فيها على صوتين حتى الثمالة والوجع

كل قرية تزوج على طريقتها. الفوارق بينها كثيرة ومرد ذلك لأسباب عديدة، لكننا في كفرياسيف وبعض أخواتها نسعى، على طريقتنا، لقهر الموت والدوس على الملل بالفرح أولًا، وتلقف السعادة، في الحياة الدنيا، بعشقنا للموسيقى وللنسل يتوالد على أهداب الوتر وغنج النايات وذرية تكبر في كوخ يشبه كوخ ابن زحلة، سقائفه أكباش حبق "والريح عم يصفر فوق منو صفير.. وتخزّق بهالليل منجيرة قصب"، فنحن، رغم غدر الزمن ومكائد الخبثاء، ما زلنا نحب جليلنا "الما في متلو متيل"، ونصون قرية الشعراء ومنارة الأدب مثلما صانها الآباء والأجداد منذ توافد إليها ابن المثلث راشد حسين وصحبه وهو "حاملًا همًا في خاطري ضوضاء".

كلنا نتأهب للتحرك. زفة "هيثم" حفيد جبران وابن أدهم، ستكون في قاعة "الماس" في عكا. المدعوون، كما جرت العادة، هم من الأقارب والأصحاب والجيران وبعض أصدقاء العائلة من خارج القرية، وأولئك يصِلون مبكرين وليس كالكفارسة المحترفين في مط آذان الوقت حتى احمرار شحمته. ضمم الورد تزين مدخل القاعة وفضاءها، الطاولات مكسوة بالأبيض ومثلها كراسي الضيوف. في الجو عجقة غير مرئية، سوى  أنني، لهنيهة،  لاحظت رتلًا من الملائكة الباسمين يحرسون الزوايا العليا، وجوه بعضهم اكتست حمرة صهباء.

 توجهت نحو المنصة لأحيي أعضاء فرقة "الأحلام" الموسيقية وقبل أن أعانق مطربها تخيلت طيفًا يتوسط بهو القاعة وبقي هناك للحظة، وقعت عيناي على وجهه، فشعرت بحبور ووداعة سكنتني كطفل ينام بعد الرضاعة

حضر معظم المدعويين. تناسب عددهم مع ما توقعناه فسادت بيننا راحة وطمأنيية تحولت مع أول معزوفة وأغنية إلى هدير من النطنطات ألتي على حافة الضياع. بدأ الأهل بالنزول إلى الساحة . في وسطها برز رجل سبعيني