الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

جواد بولس كاتب فلسطيني محامي  ناشط في مجال حقوق الانسان  (من كتاب البلاد)

العرب في إسرائيل

والمقاطعة المستحيلة

جواد بولس

 

في أعقاب الهجوم الذي تعرّض له الفنان الأردني/الفلسطيني عزيز مرقة، بعد تقديم عرضه الفني في قرية كفر ياسيف الجليلية في السادس عشر من كانون الأول/ ديسمبر المنصرم، وبعد اضطراره للاعتذار أمام مهاجميه من ناشطي ما يسمى «اللجنة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل من الداخل» (BDS 48) وغيرهم من أعضاء حركات المقاطعة – نشرت ابنة كفر ياسيف، الفنانة اللافتة أمل مرقص، على صفحتها تعقيبًا صاخبًا، أنهته بفقرة غاضبة ومغضبة فكتبت: «بكفي قرفتونا! مش هيك بتتحرر فلسطين! ما حدا علّم أبوي وإمي وستي من قبلهم كيف يكونوا وطنيين داخل وطنهم، ولا احتجناكم تشرحوا لنا معنى الصمود بالوطن، لأننا صمدنا أكثر منكم.. ولا احتجنا مشورتكم ليكتب ويبدع توفيق زياد وإميل حبيبي ومحمود درويش وسميح القاسم وليرسم عبد عابدي وليبدع المخرج رياض مصاروة والآلاف غيرهم».
أحدثت صرخة هذا «الأمل/الوجع» تفاعلًا لافتًا على وسائل التواصل الاجتماعي، فأيّدها الكثيرون وهاجمها آخرون؛ ولكن مناكفات أكثرية مهاجمي ذلك الإعلان بقيت أسيرة لخلفيات المشاركين الحزبية والسياسية الضيقة، وبعيدة عن سبر روح ذلك الوجع ومناقشة أسبابه.
لا أنوي هنا طرح قضية «صراع الأيديولوجيات» المحلي، رغم أهميتها وتأثيرها على حجب إمكانيات خوض نقاش موضوعي ومثمر بين الفرقاء، لاسيما في قضايا خلافية مهمة. فالمؤسف، في حالتنا، هو كيف تتناول مفاعيل مجتمعنا القيادية والنخبوية قضية حارقة، اختار لها بعضهم اسمًا مغالطًا حين أطلقوا عليها اسم الحركة «لمقاطعة اسرائيل من الداخل». ورغم الأضرار التي تُسبّبها بعض أنشطة هذه المجموعات، التي تدعو إلى المقاطعة على أنواعها، ما زالت مواجهتها أو مناقشتها أو تقييمها يجري بإهمال واضح أو باستخفاف مستفز أو بمزايدات معهودة؛ فحملات مقاطعة الأدباء والمبدعين والفنانين العرب والعالميين، للنشاطات الثقافية بيننا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، تعدّت كل الحدود وتجاوزت المنطق؛ وباتت، في بعض تجلياتها، كالسيل.. ما أغشمه وما أضر منه!
على جميع الأحوال، فإنّ عزيز مرقة لم يأت إلى كفرياسيف مطبّعًا، بل على العكس تماما؛ فهو حين وقف على المسرح قرب ساحة السوق الكفرساوية الشهيرة وحيّا فلسطين، وهو يضم كوفيتها بعفوية ساحرة، روّى حناجر الشباب بحماس وأسقاها حبًا أعاد إلى ربوع الجليل وعد أبائنا الصادق. كان المشهد مؤثرًا ولن تنافسه نداءات المقاطعة ولا ضجيجها؛ فهناك، في بقعة الضوء الجليلية العصية على النسيان، وقفنا، طيلة أربع ليال عامرة، على أهداب النشيد، وتذكرنا سمرة الشاعر راشد حسين، حين رفع قبضته/الجمرة، في أواخر خمسينيات القرن الماضي، ودفعها نحو صدر الحاكم العسكري الاسرائيلي ورمى بعدها، على الملأ، وعد الأحرار وقال: «اليوم جئت وكلنا سجناء، فمتى أعود وكلنا طلقاء؟».
لست متأكدًا كم من الحاضرين يعرفون مثلنا، نحن أبناء ذلك القلق، ماذا يعني فيض الفرح في ساحات البلد؟ ولست متأكدًا كم تعرف أجيال اليوم، مثلنا ومثل ما يعرفه كل من غنّى صغيرًا، كأمل مرقص وأترابها، على بيادر الحرية الحمراء وشرب العزة من عيون ماء تلك القرى الأبيّة، بأن بعض السواعد قد تلاطم المخارز؛ لكنني رغم قطيعة البعض مع ذلك الماضي، على قناعة بأن حضور عزيز مرقة وغناءه بين أهله في الجليل، بخلاف لو غنى في احتفال ترويجي لمؤسسة صهيونية مثلًا، لم يكن تطبيعًا مع الاحتلال؛ وبأنّ صوته بقي نقشًا على صفحة هوية جيل لا تخشى الهرطقات المستوردة ولا السفسطائية المراهقة. اعتذر عزيز مرقة أمام من هاجموه فأحزننا وأبكى النجوم في السماء؛ لأنها، ربما هو لا يعرف، شاهدة على مسيرة جيل يصحو ليقفو أثر جيل «عزيز»، وليغني كما غنى «السالم» «والسميح» «والمحمود» «والراشد»؛ ولتردد معهم الناس «يا كفرياسيف أردتِ لقاءنا، فتوافدت للقائك الشعراءُ».. والمغنّون والفنانات والأدباء. القضية لم تبدأ بزيارة عزيز مرقة ولن تنتهي عندها؛ وكما قلنا في السابق، فقد أدرك، فيما يبدو، من بادر إلى إقامة لجنة المقاطعة المذكورة والناشطة تحديدًا داخل إسرائيل، وجود تعقيدات في خطابها ستمنع حتمًا ترجمته على أرض الواقع. فبعد أن أجازوا للناس العمل في ثلاثة ميادين ملتبسة، كما أوضحنا في مقالتنا السابقة، ورسموا لها حدودًا مائية، تساءلوا كيف يمكن إذن الإسهام في حملة المقاطعة داخل اسرائيل؟

إخضاع المجتمع داخل اسرائيل لمفاهيم المقاطعة الثقافية محاولة عاقر لا تؤدي إلى إنجازات تصب في صالحنا

أنصح القراء أن يراجعوا مجموعة المعايير التي نشرتها اللجنة، وطالبت الناس الالتزام بها؛ فجميع ما ذكروا يثير، برأيي، ما لا يمكن حصره من التساؤلات والأسئلة، في مقالة ولا في عشر مقالات، ويستدعي، بالتالي، رفضه بشكل قاطع؛ ببساطة، لأن محاولة إخضاع مجتمعنا في داخل اسرائيل لمفاهيم المقاطعة الثقافية هي محاولة عاقر لا يمكن أن تلد مخارج واقعية مقبولة، ولا أن تؤدي إلى إنجازات تصب في صالحنا، والى خسائر بحق إسرائيل. لا يكفي أن يحظروا علينا كمواطنين في اسرائيل أن «نمثّل الدولة أو مؤسساتها الخاضعة للمقاطعة في المحافل الإقليمية والدولية»، بل عليهم أن يشرحوا لنا كيف يتّسق هذا الحظر ونضالنا للحصول على جميع حقوقنا المدنية، وعلى نصيبنا من الوظائف في جميع مرافق الدولة ومؤسساتها، وعلى حصصنا المتساوية في مقدرات الدولة ومصادر الدخل فيها؟ إن مجتمعنا يفاخر بتحصيل أبنائه العلمية، ويطالب، بحق، بأن تستوعب مؤسسات الدولة وأسواقها التشغيلية هؤلاء الرواد بأهلية كاملة، وبما يليق مع كفاءاتهم العلمية والمهنية. لقد بلغت نسبة الأكاديميين، بين المليون والنصف مليون عربي في اسرائيل 12.1%، حسب التقرير السنوي الصادر، في نهاية العام المنصرم عن «جمعية الجليل». واذا توقفنا مليًا عند هذا المعطى، سنجد أن آلافًا من بين هؤلاء الأكاديميين يتبوّأون مناصب عليا في عشرات الشركات الكبرى والمعاهد العلمية العليا والمستشفيات والمصانع والمحاكم والمصارف. وعليه، كيف يتوقع واضعو قواعد المقاطعة أن يتصرف العربي رئيس بنك لئومي – «البنك القومي الإسرائيلي» – الأكبر من بين مصارف اسرائيل، إزاء منصبه، خاصة وقد فاز به مؤخرا بعد منافسة شرسة مع عدة مرشحين يهود زاحموه على هذا المنصب؟ وكيف سيمتنع البروفيسور حسام حايك أن يمثّل المعهد التطبيقي للعلوم (التخنيون) في المحافل الدولية، وألا يستعرض إنجازات هذا الصرح العلمي الذي يقف بين طلائعيّيه بعض الاساتذة العرب البارعين؟ خاصة إذا عرفنا أن حسام حايك قد انتخب قبل أيام، بجدارة لا بواسطة تدخل مختار أو عقيد أو وزير أو أمير، من قبل مجلس عام المعهد، كعميد عام لدراسات التأهيل (اللقب الاول) وهو منصب يتضمن المسؤولية على عشرة آلاف طالب وعلى 1500 محاضر.
وكيف كان المواطن العربي، ابن كفر ياسيف، البروفيسور ميخائيل كرينّي، الذي شغل منصب عميد كلية الحقوق في الجامعة العبرية مثلا، سيقاطع تمثيل جامعته الصهيونية في «أنشطة تنظمها وترعاها المؤسسات الصهيونية الدولية في إسرائيل أو في الخارج»؟ وهو لم يكن العميد الوحيد في جامعات الدولة، أو هل يوفر، في رأي لجنة المقاطعة، القضاة العرب العاملون في سلك القضاء الإسرائيلي «غطاءً فلسطينيًا، أي «ورقة توت»، لمن يخالف معايير المقاطعة»؛ وهل ستطالبهم اللجنة بالاستقالة؟ أم أن على اللجنة ملاحقتهم ومطالبتهم بأن يقسموا يمين الولاء لفلسطين أو لآل عثمان أو للشام أو لقطر؟ وكيف سيرفض عشرات رؤساء أقسام التطبيب العرب في مستشفيات الدولة، أن يرأسوا أو «يشاركوا في وفود اسرائيلية (رسمية أو برعاية منظمات صهيونية عالمية) في زيارات دولية» وألا يستعرضوا منجزاتهم العلمية الرائدة في العالم؟ لن استرسل في إعداد هذه القوائم، ففي كل مجال وميدان نضع إصبعنا عليه، سنجد أن الحديث عن «المقاطعة الثقافية» هو ضرب من باب التعجيز وممارسة رومانسية ستغرقنا بشعارات لا طائل تحتها وستخلق بيننا البلبلة وتزرع الفرقة.
وبحسب «جمعية الجليل»، فقد عبّر 82.5% من الأفراد المقيمين في البلدات العربية غير المختلطة عن درجة أعلى من الرضا عن حياتهم في الدولة! وأعتقد أن التمعن فيما يحمله هذا المعطى من مؤشرات، سيمكّن القيادات والمسؤولين من رسم خرائط علاقاتنا المرجوّة، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، مع الدولة؛ وفي المقابل، مع حلفائنا ومع أعدائنا على حد سواء. وإلى أن نصل ذلك الجسر بأمان، لن أقبل بوصلة إلا ما علمتنا اياه كفر ياسيف، التي آوى إلى حضنها، قبل عزيز مرقة، بعقود، العشاق والكادحون والمناضلون والشعراء، بعد أن أحسوا، كما عبّر بالنيابة عنهم حبيبها الدرويش في كتابه «حيرة العايد»، انها «البيت والطريق» وبعد أن دلّتهم في تلك الأيام: « على بوصلة الشمال، على أوّل الوعي، وعلى أوّل الطريق وعلى أوّل الخطوات؛ على السجن الأوّل، وعلى حرياتنا الصغرى، وعلى طموحاتنا الأولى وعلى خياراتنا الصعبة، وعلى أوّل الكتابة، وعلى ما يدلّنا على أننا جزء من جماعة قومية، أيام كان انتماؤنا لمصلحة الشعب العامة، لا للعائلة أو القبيلة أو الطائفة».
فلا خوف، إذن، على ضياع من يدخلها آمنًا، لأنه سيبقى محصنًا وعصيًّا على أي «تطبيع».
كاتب فلسطيني

 

 

العرب في إسرائيل

 ولعنة التطبيع

جواد بولس

 

انتشرت في بعض القرى والمدن العربية في السنوات الأخيرة، ظاهرة إقامة أسواق عيد الميلاد (كريسماس ماركت) قد تكون أبرزها، منذ سنتين، تلك السوق التي بادر إليها ورعاها المجلس المحلي في قرية كفر ياسيف الجليلية.
وقد شهدت مسارح السوق مشاركة عشرات الفنانين والفنانات العرب المحليين، إلى جانب عدة فرق استعراض مسرحية شهيرة، فتنوعت العروض واستهدفت جميع فئات الأعمار من أطفال وشباب وبالغين.
وعاشت البلدة حالة من الفرح الراقي، خاصة بعد أن استقطبت فعاليات سوقها آلافًا من أهلها، ومن أهل القرى المجاورة، على جميع انتماءاتهم الطائفية وشرائحهم الاجتماعية، ومثلهم عشرات آلاف الوافدين إليها من كل حدب وصوب. نجحت هذه الأسواق، رغم حداثتها، بخلق حالة من التفاعل الاجتماعي العريض المحمود، وتحوّلت إلى مشهد ثقافي حضاري جاذب ومعاكس لحالة السبات والنكوص، التي سادت غالبية تلك البلدات؛ كما شكلت روافع اقتصادية مهمة للمشاركين المباشرين فيها، ولكافة مرافق البلدة على حد سواء. مع ذلك ورغم إيجابياتها الواضحة، واجهت هذه الأنشطة، كما كان متوقعًا، تضييقات وتهجّمات مختلفة، وقفت وراءها قوى عديدة، مختلفة الدوافع والمآرب؛ فرفض بعضهم الفكرة من أصلها وهاجمها، لأسباب عقائدية وسياسية مبطنة؛ في حين انتقدها آخرون أو هاجموا بعض محطاتها بحجج واهية، استفزت منظّمي الحدث، ولم تحظَ بقبول الناس. هذا ما حدث، هذا العام، عندما أصدرت لجنة تسمى «اللجنة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل من الداخل» (
BDS 48) بيانًا هاجمت فيه، في الثامن عشر من ديسمبر المنصرم، مشاركة الفنان الأردني/ الفلسطيني عزيز مرقة، لأنه «أصرّ على المشاركة في مهرجان «كريسماس ماركت» الذي أقيم في بلدة كفر ياسيف، الواقعة في أراضي 1948 في الفترة الواقعة بين 12-16 ديسمبر 2019 ، حيث تمثل هذه المشاركة خرقًا لمعايير المقاطعة الثقافية، ومعايير زيارة الفنانين/ات والمثقفين/ات العرب، كون المهرجان ينظم برعاية جهات إسرائيلية رسمية، كوزارة الثقافة والرياضة وشركات وبنوك متورطة في الجرائم الإسرائيلية ضد شعبنا الفلسطيني مثل، بنك «مركنتيل» الإسرائيلي المتورط في بناء المستوطنات ودعمها»، كما جاء في بيانها المعلن. وقد أثار هذا البيان موجة ردود فعل غاضبة، لا سيّما بعد أن تبيّن أن مُصدريه لم يتوخوا الدقة فيما نشروا؛ فقد قام بعضهم بتزوير القرائن التي أرفقوها لدعم موقفهم المذكور، مثل فبركتهم المغرضة لصورة الفنان على ملصق دعاية مزيف ؛ إذ تبيّن لاحقا أن أمسية عزيز مرقة قد نظمت بتمويل حصري من المجلس المحلي في كفر ياسيف، وهو مؤسسة عريقة يقف اليوم على رأسها المحامي شادي شويري، وهو شخصية وطنية مشهود لها، ومن دون دعم رعاة إضافيين؛ فالحفل لم يدرج ضمن البرنامج الأصلي المعلن على الملأ، الذي استمر من 12 إلى 15 ديسمبر، وذلك «مراعاة من المنظمين للوضعية الخاصة للفنان» كما جاء في بيان خاص أصدره رئيس المجلس، ردًّا على بيان لجنة المقاطعة.
على جميع الأحوال، وبدون تفنيد التفاصيل ولا التدقيق بمن يقف وراء تلك الحملة ومدى مصداقيتها، فإننا نواجه، مرة أخرى، فصلًا ملتبسًا من رواية مختلف عليها وحولها، حيث تحاول مجموعة صغيرة فرض أجندتها الخاصة على مجتمع كامل، وتسمح لنفسها، باسم وطنية سائلة، بملاحقة فنانين وأدباء ومثقفين، بحجة محاربة التطبيع الثقافي مع دولة الاحتلال، بوسائل قد تصل في بعض الأحيان، بسبب ظروف معيشة هؤلاء الفنانين في دولهم العربية، إلى حد تخويف هؤلاء الفنانين بأساليب تقترب من الابتزاز.

تحاول مجموعة صغيرة فرض أجندتها الخاصة على مجتمع كامل، وتسمح لنفسها، باسم وطنية سائلة، بملاحقة فنانين وأدباء ومثقفين

وقبل أن أمضي في مناقشة هذه المسألة عينيًا، وجب عليّ التوضيح والتأكيد على أنني أتطرق في هذه المقالة لقضية ما يسمى «محاربة التطبيع الثقافي» الذي يتعلق بنشاطاتنا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل فقط؛ ولا شأن لها بحملات المقاطعة العالمية أو بما يجري داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وقد ناديت، وكثيرون مثلي في الماضي، كما ندعو اليوم، إلى مناقشة هذه القضية بشكل جذري شامل مسؤول؛ لأن التسليم بها، كواقع واضح المضامين والمآلات، لا يخدم مصالحنا العليا كمواطنين في إسرائيل، ولا يضر بمصالح إسرائيل، كما يدّعي أصحاب هذه الدعوات، بل ينفعها ويصبّ في صالحها وصالح دعايتها في كثير من الحالات. لم تغب تلك الإشكالية عن بال من بادروا إلى الإعلان عن تشكيل تلك اللجنة، بل أشاروا لها في وثيقتهم التأسيسية، حينما طرحوا تساؤلا مفاده أن «أول ما يتبادر إلى الذهن لدى قراءة عنوان هذه الوثيقة، أن تطبيقها في داخل دولة إسرائيل أمر مستحيل، فكيف يستطيع الفلسطينيون/ات مواطنو/ات الدولة أن يقاطعوا/يقاطعن ما يدور حولهم/ن من حياة تجارية واقتصادية وثقافية وحياتية يومية؟» ثم يجيبون على تساؤلهم فيقولون: «ليس الأمر كذلك، لأن معايير المقاطعة الخاصة بفلسطينيي الداخل (48) تختلف عنها في أماكن وجود الأجزاء الأخرى من الشعب الفلسطيني (67 والشتات)». لا أعرف الكثير عن هذه اللجنة ولا عن ظروف تأسيسها، أو عمّن ينشط في صفوفها، وما هي خلفيّاتهم أو حدود تجاربهم؛ ولكن على جميع الأحوال، لا يستطيع أحد أن ينكر حق المبادرين للإعلان عن إقامة لجنتهم، وحقهم في انتقاء المعايير بالشكل الذي فعلوه؛ بيد أن صمت وتقاعس وكسل ورياء معظم التيارات السياسية والمؤسسات والجمعيات، واللجان والنخب السياسية والثقافية القائمة والناشطة بين المواطنين العرب في إسرائيل، تبقى هي المشكلة الحارقة والمستفزة؛ فلولا هذا الصمت/العجز لما تركت نداءات «اللجنة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل من الداخل» العصا الغليظة الوحيدة المرفوعة في وجه من لا يتساوق، صاغرًا، مع مواقفهم؛ أو من لا يقبل تفسيرهم/تقييمهم لأي نشاط ثقافي قرروا معارضته، لأنه لا يتوافق، على الأغلب، مع مبادئهم السياسية الفئوية؛ أو من يرفض ذرائعهم الأيديولوجية، الكيديّة في بعض الأحيان، أو المدفوعة بوقود «أولترا- راديكالي» في أحيان أخرى.
لقد أعلنت اللجنة في وثيقتها المذكورة بأنها «وانطلاقًا من خصوصية وضع فلسطينيي 48، تميّز حركة المقاطعة، على سبيل المثال، بين مفهومي حقوق المواطن/ة والتطبيع». ثم جاءت على ذكر ثلاثة تصاريح فقط، يُحدّد بحسبها عرّابو هذه الوثيقة هوامش عمل المواطنين العرب في إسرائيل؛ فلا مانع مثلا «من الحصول على ميزانيات ثقافية وفنية وصحية وغيرها، من الوزارات الحكومية كحق طبيعي للمواطنين كدافعي ضرائب». ثم نقرأ ما يذكّرنا بنصوص «المطوّعين» القوميين، عن وجود أذون لنا بالإبقاء على علاقاتنا اليومية المعتادة، كفلسطينيين من 48، مع اليهود – الإسرائيليين، شريطة أن تبقى تلك العلاقات محصورة في أماكن العمل والدراسة والمشافي والمؤسسات وغيرها؛ فهذه العلاقات، في هذه الأماكن، لا تشكل تطبيعًا؛ كما لا يشكل النضال المشترك مع القوى الإسرائيلية المعادية للصهيونية ضد الاحتلال والابرتهايد تطبيعًا! تثير قائمة التصاريح الضامرة التي أجازتها هذه الوثيقة جملة من التساؤلات؛ فعلاوة على أسلوبها المدّعي المتعالي، فإنها تبث نوعًا من الاستسخاف بحقوق المواطنين العرب في إسرائيل، وقياداتهم ورموزهم السياسية والثقافية، وعدم احترام إرثهم وهويتهم الوطنية، وتاريخ نضالاتهم وصمودهم، منذ النكبة وحتى يومنا هذا، في وطنهم. علاوة على ذلك، وإذا دققنا في نصوص هذه الوثيقة، سنجد فيها غموضا وتناقضات واضحة، وأنها تتيح فرصا تسمح بتأويلها كيفما اتفق. فعلى سبيل المثال إذا كان استلام الميزانيات الثقافية من الوزارات الحكومية الإسرائيلية مسموحًا، كما جاء في الوثيقة، فلماذا يدعو أصحابها إلى مقاطعة من يشارك في نشاطات ثقافية، سبق و»أجازوا» تمويلها من وزارات حكومية كما تقدّم؛ خاصة إذا لم يكن هنالك خلاف حول فوائد هذه النشاطات الثقافية والاجتماعية والسياسية، بل كانت محط إجماع واسع بين المواطنين العرب وبين مؤسساتهم الرائدة في إسرائيل. ثم إذا كانت العلاقات بين العرب واليهود مسموحة في أماكن العمل والدراسة والمشافي والمؤسسات الإسرائيلية، فما مصير العلاقات في جميع المواقع الأخرى، التي تمليها ظروف الحياة المعيشية والضرورات الطبيعية اليومية في إسرائيل؟ هل سيكون الحل في ثنايا كلمة «وغيرها» التي جاءت بعد أسماء المواقع التي أجيزت فيها تلك العلاقات العربية اليهودية؟
وأخيرًا، إذا أجيز النضال اليهودي العربي المشترك ضد الاحتلال، وكان هدف هذه الإجازة الأول والأخير هو مقاومة الاحتلال وكنسه، فلماذا استثنيت منه تلك القوى اليهودية، التي تعرف نفسها بأنها صهيونية، بينما تعلن، في الوقت ذاته، عن وقوفها بشكل حازم ضد الاحتلال وضد سياسة الابرتهايد؟! لا يمكن اعتبار هذه الوثيقة «ألواح الوصايا العشر» فمن الواضح أن الذين رتقوا تفاصيلها قصدوا تفصيلها على مقاساتهم فقط، وتعمدوا توشيتها بخيوط عقائدية لا تجمع الناس تحت سقف القواسم العريضة المشتركة، بل على العكس من ذلك تماما. تساءل دعاة المقاطعة في وثيقتهم، كيف، إذن، يمكن الإسهام في حملة المقاطعة داخل الدولة؟
لقد حاولوا الإجابة بالغموض والتحيّز نفسيهما، وعن ذلك سأكتب لاحقا، لكنني إلى أن أفعل، الأسبوع المقبل، أجزم منذ اليوم بان مطالبة الفنان عزيز مرقة بمقاطعة احتفالات كفر ياسيف كانت مخطئة ومن غير وجه حق؛ ولو استجاب لها عزيز، لكانت إسرائيل، بلا أدنى شك، الرابح الأوحد؛
وعن ذلك وغيره سيتبع..
كاتب فلسطيني

 

 

خدوش على صفحة

هوية ملتبسة

جواد بولس

لا أكتب هنا مقالة علمية في مسألة الهوية الفلسطينية بكل تعقيداتها وتفرعاتها وما يعتريها من خضّات وتشوّهات محزنة؛ فكل ما في الأمر أنني أضع بعض «الخربشات» على صفحة تعاني، كما نشهد، بعض انكساراتها المؤلمة والمقلقة.

فلسطين تاريخ من الملابسات المزمنة

أشهد منذ سنوات كيف تتغير حياة الفلسطينيين بتسارع أسطوري؛ وأخالهم باتوا يعانون من أعراض فقر دم وطني مزمن، فيهابون، بسببه، سطوة المجهول، ويلجأون بسببه أيضًا، بعد كل هزيمة إلى خيمة الالتباس الوطني، فيحسبونها منقذهم أو قدرهم المحتوم. تجولت خلال أسبوع واحد في عدة مدن وقرى فلسطينية، فأرهقني ما سمعت وأوجعني ما شاهدت فيها. المقلق أن الناس تعيش هذا الواقع بحالة من استسلام طبيعي، ومن دون حيلة أو قدرة على مواجهته. ويعتبر البعض أن الانقسام القائم بين غزة ورام الله هو مصدر الخلل، والمسبب الرئيسي لفقدان التوازن الأهلي ولتمزق الهوية؛ بينما أراه أنا نتيجة حتمية لما سبقه من تطورات، أفقدت معظم الفصائل الوطنية والحركات الدينية أدوارها الطبيعية، وحوّلتها إلى مجرد كائنات هشة تسوّق بضائع منتهية الصلاحيات. يقترب العام من نهايته ولا نعرف، نحن والفلسطينيين أخوتنا، على أي ريح سنقف؛ فالصراعات الداخلية بينهم تحتدم، وتأثيراتها تتداعى ولا تترك أحدًا معافى أو واثقًا بالغد، وتحت أي سقيفة سيكون موعدنا.

يقترب العام من نهايته والصراعات الداخلية تحتدم، وتأثيراتها تتداعى ولا تترك أحدًا معافى أو واثقًا بالغد

 نابلس.. هوية من نار

شهدت جامعة النجاح الفلسطينية، في الحادي عشر من الشهر الجاري، حدثًا أقل ما يقال في تداعياته أنه محرج؛ لكنه أكثر تعقيدًا وعمقًا واستفزازًا. لقد احتضنت الجامعة فعاليات ثقافية متنوعة، دامت ستة عشر يومًا، تحت عنوان، يا للعبث، «مناهضة العنف ضد النساء». من الطبيعي أن تقوم مؤسسة بمكانة وحجم جامعة النجاح بالتحقق من هويات جميع الفرق والفنانين المدعوين للمشاركة في هذا الماراثون الاجتماعي الثقافي، الذي أطلق ربما بلحظة رومانسية، ضد ممارسة العنف بحق النساء في مجتمعنا، ودعمًا لمكانتهن الطبيعية. ولا يعقل أن يبرر عميد كلية الفنون الجميلة الدكتور غاوي غاوي، قرار إدارة الجامعه بإيقاف العرض بالطريقة التي تم بها، لأنه لم «تكن تتوفر لديها المعلومات الكافية عن شكل عرض «عشتار»، ولكل مجتمع خصوصياته وقوانينه وأنظمته التي تتناسب مع عاداته وتقاليده». وحتى لو فوجئت إدارة الجامعة «بشكل العرض»، كما قرأنا، لا تملك هي حق اعتراضه «على الهواء» ولا مخاطبة الحضور بالطريقة المهينة، كما حصل، وذلك حتى لو آمن الدكتور غاوي بأن «هذه الجامعة تحترم نفسها، وهذه الجامعة لها قوانينها… اللي عاجبه عاجبه واللي مش عاجبه ميجيش على الجامعه». رغم ما أثاره هذا الحدث من امتعاضات وانتقادات – شاعت في الأساس ضمن هوامش محصورة، يتابعها ويتأثر بها بعض المعقبّين في وسائل التواصل الاجتماعي – بقيت تفاصيله بعيدة عن هواجس الناس، ولم تستدِر كذلك، مواقف معظم الحركات السياسية الفلسطينية وقيادييها؛ ولم تحرك «دماء» غالبية المؤسسات المدنية المنتشرة في أرجاء فلسطين التاريخية، التي كان من المتوقع ان تتصدر الواجهات وتشجب ما جرى في الجامعة.
فاجأتنا، في المقابل، إدارة الجامعة بإصدارها بيان قالت فيه «إن ما حدث في حفل اختتام فعاليات 16 يومًا لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، لا يمثل سياسة الجامعه»، وأضافت أنها شكلت لجنة تحقيق لتقف على جميع الملابسات التي حدثت خلال الحفل. تبقى إذن قضيتنا في فلسطين المحتلة معلّقة الى أن نتعلم فن الوقوف على أنف الملابسات.

كفرياسيف ومشهد الموت

قبل بضعة أعوام توفي أبو العبد، بعد إصابته بمرض عضال لم يمهله طويلًا. كان أديبًا وسيمًا ودمثًا، أحبه أهل القرية وتنافسوا على منادمته، فقد عاش بقلب مفطوم على حليب حب الناس وعلى طيب معاشرة الفقير قبل الغني. بانتشار نبأ وفاته سكن الحزن شوارع القرية، وتعطلت ساحاتها. دقت أجراس الكنيسة موسيقاها الحزينة معلنة بدء طقوس الجنازة. امتلأ صحن الكنيسة بالمشيّعين، وبعضهم حضر من قرى ومدن قريبة وبعيدة.
مشينا وراء النعش المحمول، بالتناوب، على أكتاف بعض أصدقاء الراحل وعلى أكتافنا، نحن أبناء عائلة الفقيد. في منتصف الطريق همس بأذني ابنه الباكي سائلًا عن بعض أصدقاء والده، الذين توقع مشاركتهم في الجنازة. أجبته بهدوء أننا حتما سنجد العم أبا حسين ورفاقه ينتظرون مع آخرين في محيط المقبرة. تقبل العبد جوابي ولم يستزد؛ فهو، على ما يبدو، لم يكن يعرف ولم يشعر، لبعده عن القرية، أن كفرياسيف التي عشقها والده قد استُهدفت وقد نخرها بعض العطب. أصابها الجهل، كما أصاب أخواتها الفلسطينيات ونخختها العملة، وإدمان الناس رائحتها العفنة، فصارت قرية عاجزة عن حماية أهلها، ومجتمعًا متقوقعا يتنفس بدون مناعة، ويقبل القسمة والتشظي، تمامًا كما حصل مثلًا في «مشهد موت» أبي العبد، الذي عمل على إخراجه صاحب فتوى دينية قضت، بدون التباس، بأن تتحول الجنازات في قرانا إلى طائفية.

كفرياسيف، في مشهد الورد

بتزامن مع حادثة «عشتار» في جامعة النجاح، وبعد مضي سنوات على مشهد الموت الجليلي، احتضان قرية كفرياسيف نشاطا ثقافيًا اجتماعيًا اقتصاديًا كبيرًا يرعاه مجلسها المحلي للمرة الثانية تحت اسم «كريسماس ماركت 2019»؛ في إشارة إلى أن البلدة ستستمر «إذا ما استطاع أهلها إلى ذلك سبيلا»، في تنظيم هذه الفعاليات، كما يليق بمواسم الإبداع والفرح، وبقيمتهم الإنسانية المطلقة».
استمرت الاحتفالات أربعة أيام وليال، شاركت فيها قطاعات واسعة وشرائح عديدة من داخل البلدة، إلى جانب عشرات آلاف الزائرين الذين وفدوا إليها من جميع أنحاء البلاد؛ كما اعتلت مسارحها فرق الرقص والتمثيل وعدد من المغنين والمغنيات، فتحول مركز القرية الى مسرح واحد كبير، تتحرك في جنباته الجموع بسعادة وطمأنينة تخلو منها أسواق أوروبا الميلادية، أو ساحات أمريكا أو حتى «مولات» دبي وبيروت التقليدية. لم يفتش الناس الآتون إلى ليالي كفرياسيف عن آلهة ليقاتلوها ولا عن ربات كعشتار وعناة، بل صنعوا من أحلامهم قبابًا وحلقوا منها، بدون أي التباس، نحو شطآن الأمنيات.

ذكريات هوية
ولدت في كفرياسيف في سنة «العدوان الثلاثي»؛ وعشنا فيها أيامًا جميلة وصعبة. اشتهرت قريتي الصغيرة بمكانتها الثقافية الفريدة، وبحب أهلها للعلم وعشقهم للحرية. فتن الكاتب الكبير أميل حبيبي بالقرية وبمناعة سكانها الوطنية، فصرخ من حرقته، في أواخر خمسينيات القرن الماضي ونادى «تكفرسوا يا عرب» وقصد أن يسير العرب في أثر هذه القرية، ويعتنقوا هويتها التقدمية العربية المنيعة الأصيلة. عشقها «شعراء المقاومة»، كما وصفهم لاحقًا غسان كنفاني، فأطلقوا حناجرهم في سمائها سهامًا ضد الخوف، ورتقوا لنا، في وقت مبكر، عباءتنا الوطنية، ورسموا في صدورنا معالم هويتنا السياسية. كبرت قبل فتاوى الشقاق الطائفي، وعلى هدي تعاليم حكمائها؛ فكان مولانا عقلنا، الذي أفهمنا أن التسامي بالعطاء، وأن الدفاع عن منارتنا واجب، شريطة ألا نحرم الآخرين حقهم في الدفاع عن منارتهم أيضًا.
غادرت القرية في منتصف السبعينيات لألتحق بالجامعة العبرية، وسكنت القدس، فاستقبلتني مثلما تستقبل المدن الجريحة  «غرباءها الآخرين». كانت علاقتنا متوترة في الخفاء، وتشبه كثيرًا علاقة الأب مع ابنه المتبنى، حيث تنقصها دومًا صراحة الروح للروح وتفصل بين وريديهما خاصرة ضامرة تنغزها أنياب ذلك الالتباس الفلسطيني القاهر الفتاك.
كتبت مجرد خربشات، غير مرتبة، من فيض وجع ونحن نستقبل أيام ميلاد الطفل الفلسطيني الأسمر الذي دفع حياته في مشهد ملتبس تاركًا لبعض العالم يقينًا ولآخرين كل أنواع الغضب والملابسات. فكل ميلاد وانتم ونحن فوقها لا في باطنها.
كاتب فلسطيني

 

 

جامعة بيرزيت تبدد الحلم

جواد بولس

 

لا تُبقي أخبار منطقتنا الكبيرة، فرصة لعامة الناس كي يتابعوا تفاصيل الأحداث اليومية المتداعية في مواقعهم؛ حتى لو شكّلت تلك الأحداث عمليًا عوارض لأمراض خطيرة تتفشى في أجساد المجتمعات، أو نذائر على اقتراب التسونامي الهدّام من آخر شواطئهم الآمنة.
يعيش الإسرائيليون منذ شهور تبعات فشل إقامة الحكومة، بعد جولتَي انتخابات مثيرتين؛ ويتأهبون للذهاب، في مطلع مارس/آذار المقبل، إلى جولة انتخابية ثالثة قد تفضي نتائجها إلى تأسيس مرحلة سياسية جديدة لا نعرف إلى أين ستأخذ الدولة، ومعها سائر منطقة الشرق الأوسط؛ ولا كيف ستؤثر علينا، نحن المواطنين العرب في الداخل، أو على مستقبل الفلسطينيين المتواجدين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وعلى مصيرهم في ظل حل الدولتين أو باحتمال وأده، كما تشير بعض الدلائل الحالية.
ورغم أن المناطق الفلسطينية المحتلة ستتأثر، بدون شك، بنتائج الانتخابات الإسرائيلية وبهوية الحكومة المقبلة، إلا أن الحياة في هذه المناطق مستمرة بأشكالها المعقدة والمتناقضة والمحيّرة في أغلب الأحيان. يتحدثون، في الأراضي المحتلة، عن احتمال إجراء انتخابات فلسطينية عامة، ويراها البعض قريبة، بينما أراها أنا شبه مستحيلة؛ فمن يتابع ما تفعله حركة حماس في قطاع غزة، ويقرأ عن تفاصيل مفاوضات وفدها المتواجد في مصر، يشعر بأن «أحاديث السرايا» ليست «كأحاديث القرايا»؛ ومن يعش مثلنا، في رام الله وجاراتها، يعرف أن فكرة إجراء الانتخابات ما زالت غير ناضجة داخل صفوف حركة فتح، ويعرف، كذلك، أن الحالة السياسية الفلسطينية غير مختمرة. لا توجد في الواقع جماعات ضغط وازنة معنية بتغيير الواقع، أو مؤهلة لإحداث التأثير الحقيقي والتسبب بإجراء الانتخابات على ما قد تؤدي إليه من عواقب أو تحققه من مكاسب، حسب من سيكون الرابح ومن المهزوم.
لجأتُ إلى هذه المقدمة كي أعالج نبأً فلسطينيًا محليًا نشر، رغم أهميته، بشكل هامشي. ومع أن الخبر لم يشغل إلا مساحة «إنشين» في المواقع الإخبارية الفلسطينية، إلا أنه هزّني وأغضبني وأعادني إلى تاريخ ناصع عاشته فلسطين قبل بضعة عقود. في الماضي، عندما كان للاحتلال الإسرائيلي «رونق» وكان وجوده يشكل تناقضًا أساسيًا وصداميًا مع الوجود الفلسطيني، كان نشر خبر عن إغلاق حرم جامعة بير زيت يسبّب أزمة دولية، ويحرك جوًا من التضامن داخل بعض الجيوب العاقلة الإسرائيلية الصغيرة، ويؤدي بالاساس، إلى ردود فعل شعبية وفصائلية فلسطينية كانت تتطور، كما حصل مرارًا، إلى صدامات مع قوات الاحتلال. لكننا نعيش اليوم في زمن «الخوف العادي» والوهم؛ فننام في رام الله، على أحاديث الهدنة الحماسية؛ وفي غزة يفيقون على قصص التنسيق الأمني الضفوية، حتى صار عالم الفلسطيني مقلوبًا ؛ فيحاول الناس الإقلاع عن أحلامهم، ويمشي الناجون من لعنتَي الانتماء والانحراف ورؤوسهم إلى الوراء، فلا يعرفون اسم بير زيت إلا لأنه يشبه اسم ذلك الإبريق، بطل الحكاية الشعبية الشهيرة، الذي كانت أمهاتنا يملأنه لنا، قبل المنام، زيتًا وعبثًا فلا يشبع ولا يطفح إلا عندما كنا نصاب بالنعاس وننام.
كنت في عملي في رام الله عندما اتصل بي صديق عتيق، وسألني مستهجنا إذا كان ما قرأه في أحد المواقع الفلسطينية صحيحًا. لم أسمع بالخبر الذي أفاد، كما قرأ صديقي، بأن» إدارة جامعة بير زيت تقرر إخلاء الجامعة على وجه السرعة وإغلاقها أمام طلابها». اتصلت مباشرة مع أحد طلاب الجامعة، فأكد لي أن الخبر صحيح وان إغلاق الجامعة، جاء في اعقاب قرار اتخذه مجلس إدارتها في اجتماع طارئ عقد في يوم نشر النبأ، يوم الأربعاء الماضي، بحجة «قيام مجموعة من الطلبة بتحطيم وتكسير مدخل الجامعة الغربي»، كما جاء في الخبر. «ولممارستهم عملا يخالف أنظمة وقوانين الجامعة وقرارات إدارتها، ولما لهذا العمل من تداعيات على سلامة الطلبة والعاملين ومجتمع الجامعة».

قد تصبح بير زيت ضحية الواقع الفلسطيني المأزوم ومزايدات اليساريين وسبات «الثوريين» وأوهام الإسلاميين

شعرت بغربة تصفعني؛ رغم انني عشت، في المدينة، كالدوري، مقيمًا على أهدابها المتعبة. فهمت أن إدارة الجامعة ترفض مظاهر العسكرة، مثل مسيرات الملثمين المدججين، بما يشبه الأسلحة داخل الحرم، بينما تصر بعض الكتل الطلابية على ممارستها، رغم انهم يعرفون أن الاحتلال قد يستغلها لضرب الجامعة وإغلاقها. أحسست بأنني فقدت لغتي، وأن المفردات التي عشت على موسيقاها قد انقرضت. لم تعد رام الله اليوم شبيهة بتلك، صاحبة الأشجار والبيوت الأنيقة؛ التي كنا ندخل قلبها الدفئ لنصل إلى قرية بير زيت الجميلة والواثقة، ولكي نودع، في حضنها، بعضًا من أحلامنا الفتية. لم تكن جامعة بير زيت، بالنسبة لأبناء جيلي مجرد مؤسسة تعليمية فلسطينية، يأتيها الذين لم يحالفهم الحظ بالحصول على فيزا أجنبية ومنحة للدراسة خارج الوطن؛ أو ملجأ لأولئك الذين منع الاحتلال سفرهم فدخلوها من باب الرحمة أو على سبيل «أضعف الإيمان». كنا، في سبعينيات القرن الماضي، طلبة في جامعات إسرائيل، وكانت هي أكثر من معهد عالٍ للتدريس، وأكبر من صرح نقف على «صاريته» لنقارع بها عنجهية الاحتلال، ونعرّي تبجح دولته التي تدّعي أنها مهد للحريات الأكاديمية. أتيناها حجاجًا لنتزود بأطعمة الفراديس، ولنهتدي بنورها وهو ينثال من سمائها الزرقاء، حاملًا على أمواجه عطرها الساحر، فكانت عروقنا تتجرعه وجبات من كرامة ووطنية صافية. كم كنت أرغب أن أُحدثكم عن «بير زيتي» التي تعرفت فيها على أجمل الرفاق، ومعا، في أفيائها، خبرنا كيف يمكن أن تصير الأماني أوتادًا والقصائد رماحًا والقبضات سهامًا من ماس.
قرأت، وأنا أعدّ مقالتي، أن إدارة جامعة بير زيت أعلنت عن استئناف التدريس كالمعتاد في الجامعة، «من أجل منح الفرصة للحوار بين إدارة الجامعة والطلبة». لم أفرح لهذا النبأ، لأنني أشعر وأعرف، مثل كثيرين يتعاطون مرارة الواقع الفلسطيني، بأن المعركة التي وقعت بين إدارة الجامعة وقسم من طلابها كانت بمثابة الطعنة التي سددها بعض «الأخوة الأعداء» في خاصرة أمهم فلسطين. الموجع أن ما حدث يعتبر مشهداً عاديًا سيمر مثلما مرّت مئات المناكفات والمشادات والاحتكاكات والاعتقالات والاعتداءات الفلسطينية الفلسطينية، وسيندمل مع الجراح التي نكأها عميقًا في قلب الأمل الفلسطيني. تسير بير زيت في طريق صعب قد تفقد في نهايته امتيازها كصرح مدّ ويمدّ طلابه بالعلم وبالمناعة الوطنية؛ فالجامعة تواجه الأنواء من كل الجهات ومن داخلها ايضًا، وقد تصبح ضحية الواقع الفلسطيني المأزوم ومزايدات اليساريين وسبات «الثوريين» وأوهام الاسلاميين؛ فمعظم الناس والتنظيمات والفصائل والحركات والمؤسسات يمارسون الرياضة الوطنية في فلسطين المحتلة، وهم يلتقطون الأنفاس بين اللقمة والنقمة.
كانت بير زيت عقل فلسطين الراجح، وهويتها المشتهاة، وسيفها المشهر أبدًا في وجه الاحتلال وعساكره؛ لكنها هي ابنة فلسطين الجريحة التي لا تستطيع أن تصمد وحيدة في عالم «القواقع» المتفطرش، والمنفلشة رموزه ببركة الاحتلال ووفقًا لهندسته. لقد قرأت معظم البيانات الصادرة عن جميع فرقاء الأزمة، وأدركت أن قضية فلسطين تعيش كوابيسها، وتعاني جامعتها الأشهر قصة ذلك الإبريق ولعنة العبث العدمي واختلاط المفاهيم؛ فحتى اللغة التي بات الاطراف يستعملونها في مخاطبة بعضهم، صارت هجينة وغريبة عن ماضيها وعني. وهنت فلسطين حين أعدمت نخبها «العقل»، وحين خاطت لجثمانه كفنًا من ريح ومن سراب؛ وستسقط بير زيت لأن فيها من يعبث بالقدر، ومن لا يستطيع أن يحدد من هو العدو ومن الصديق والحليف.
ينشغل الإسرائيليون بقضاياهم الكبيرة ويتركوننا، نحن المواطنين العرب، نغرق في دمائنا، وفي اقتتالنا على امتلاك السماء؛ وينشغل الفلسطينيون برحيل غزة وبلهاث رام الله، فتمضي البلاد ومعها الجامعة نحو ذلك المجهول.
سأستمر في حبي لرام الله محاولًا ألا يدميني شوكها، وألا تهزمني حواجزها؛ وسأدخل قلبها المتعب كي أعود، كما كنا نفعل، إلى تلك القرية الوادعة، وأنبش فيها مقابر الذكريات، فعساني، مثل من يشتاقون معي إلى طلوع فجر بنفسجي، أجد بقايا مستقبل منسي وعطر عشيقة كان اسمها حرية وأثرًا للفراشات.
كاتب فلسطيني

 

 

التعليم العربي:

بين برجي بابل وبيزا

جواد بولس

 

أُعلنت مؤخرا نتائج الامتحان الدولي لتقييم الطلبة الثانويين، المعروف عالميًا باسم «بيزا»، وظهر، مرة أخرى، تدنّي مستوى التحصيل العلمي للطلاب في المدارس العربية، قياسًا بالمدارس اليهودية؛ كما أثبتت النتائج وجود تراجع في مستوى تحصيلهم، بالمقارنة مع تحصيلهم في السنوات السابقة.
حظي الخبر، كما كان متوقعًا، بردود الأفعال التقليدية نفسها التي نسمعها ونشاهدها في مثل هذه الحالات المحرجة؛ فالمحافل الواسعة والمؤسسات العامة الناشطة بين المواطنين العرب في إسرائيل، عاشت يومها بشكل طبيعي وكأنّ الخبر لا يعنيها ولا يتعلق بمصائر أولادها ومستقبلهم؛ بينما سارعت، في المقابل، بعض الجهات القريبة من موضوع التربية والتعليم إلى ترحيل المشكلة بشكل أوتوماتيكي، وإلى تحميل المسؤولية عنها للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، التي سعت، بسياساتها العنصرية، لخلق هذه الفجوة، وما زالت تسعى للإبقاء عليها؛ فالتمييز الحكومي المتعمّد في رصد الميزانيات وإهمال قطاع التعليم عند العرب أدّيا إلى هذا التخلف، وإلى تجفيف عقول طلابنا وانحرافاتها. أمّا وزارة التربية الإسرائيلية، ومعها بعض المسؤولين الحكوميين الكبار، فعبّروا بدورهم عن عدم رضاهم من النتائج التي فاجأتهم، كما صرحوا، لأنهم قاموا برصد ميزانيات ضخمة، على حد تعبيرهم، في سبيل تحسين ظروف سلك التعليم العربي، ورفع مستوى التربية في المدارس العربية؛ أو كما أعلن، على سبيل المثال، وزير التربية والتعليم رافي بيرتس حين قال: «بالنسبة للوضع في المجتمع العربي، فإنّ الأمر يلزمنا بإجراء فحص عميق وجذري. لقد استثمرت وزارة التربية الكثير من الموارد والميزانيات في المجتمع العربي، وهذه المعطيات لا تتلاءم مع حجم الاستثمار». لقد خلص الفرقاء، رغم الاختلافات العميقة بينهم، إلى ضرورة تشكيل لجنة فحص/ تحقيق خاصة بهذا الموضوع، كي تدرس الوضع على حقيقته وتقف على أسباب ذلك التخلف والفشل.
لن يختلف اثنان على أن النتائج المعلنة تعكس واقعًا تربويًا محليًا مريضًا؛ فنحن، المواطنين العرب، نعيش تبعات ذلك التقهقر، وندفع أثمانه الباهظة في حياتنا اليومية؛ فمع نشوء أجيال جديدة من الجهلة والمشوهين تربويًا تتضرر هوياتنا الجامعة وتعيش مجتمعاتنا حالة من الانكسارات الذاتية والتشتت، وكذلك تضرب مناعاتنا السياسية والاجتماعية، فيشيع الخوف وتهرم روح الانتماء السليمة، وتقصر الطرق إلى عوالم العنف والجريمة وتنتشر الرذائل والمخدرات. لا اختلف مع من يرون بجميع الحكومات الاسرائيلية عنوانًا لهذه القضية/ المأساة، لكنني، مع ذلك، أرفض أن نكتفي بهذا التشخيص، وأن نبرئ أنفسنا مما يحصل لنا وبيننا؛ فأنا وأترابي تعلمنا، قبل خمسين عامًا، في مدارس متواضعة جدا، لم تعرف ساحاتها إلا الغبار في الصيف والوحل في الشتاء؛ لم نملك سيارات ولا درّاجات ولا هواتف خليوية. كانت غرف تدريسنا عارية من جميع كماليات هذا العصر، لكنها كانت ملآى بأنفاس معلمين آمنوا بقدسية رسالتهم وبمسؤوليتهم لبناء أجيال صُبّت أرواحها في قوالب من الكرامة الوطنية، ودُجّجت بالثقة والتوق للمعرفة وبالرغبة الإنسانية الفطرية لاكتساب العلم، والمضي نحو شق صدور المستقبل والانطلاق حيث لا يوجد مستحيل.
لقد كنا أولاد حاراتنا وحماة بلداتنا، حيث لم يفرقنا جامع ولا خطبة شيخ، ولم تبعدنا كنيسة ولا عظة كاهن. لقد كانت أفراحنا صغيرة وبسيطة لكنها كانت مواسم عز وبهجة، بينما كانت أتراحنا غصات تجمع وتؤلف. كان المال وسيلة ضرورية للحياة وللفرح الطييعي القنوع، لكنه لم يتحول ابداً إلى حالة من «الهوس» أو إلى خناجر تقتل الطيبة وتغتال المروءة في نفوسنا. تعلّمنا ونير الحكم العسكري البغيض جاثم على عقولنا؛ لأن إسرائيل الفتية أتقنت، كما تتقن اليوم، الشراسة وباقي فنون العنصرية. بقي أباؤنا في الوطن فخذلوا حلم الصهاينة الأوائل. خطط قادة إسرائيل لرحيل من عصا أوامر السيف ولم يرضَ الخيانة؛ أما الذين رفضوا وبقوا، فليعيشوا كعبيد في حضن الأسياد أو كسيقان قصب كسيحة وسقاة في مزارع العنجهية والقمع.

مع نشوء أجيال جديدة من الجهلة والمشوهين تربويًا تتضرر هوياتنا الجامعة وتعيش مجتمعاتنا حالة من الانكسارات الذاتية والتشتت

كبرنا كقصائد مزروعة في السماء ونشأنا، رغم الشحة والشقاء وهجر «الأشقاء» ومزايداتهم، أحرارًا نعرف كيف نحمي فراشاتنا من لسعات البرد، وكيف نصلّي للورد كي يزهر أحمر وكيف يذكّرنا بخدود نحلاتنا فنسكر.
لماذا تتذرعون إذن وتحتمون مع كل هزيمة بظل ذلك الشبح البعيد القريب؟ ولماذا تتنصلون من الفشل وتتهربون من عجزكم وتبكون على دم غد وئيد؟ فجميعنا نعرف كم كانت وما زالت إسرائيل ظالمة وعنصرية ومقيتة، لكنها، رغم كل ذلك، فشلت في تبديد إصرارنا، وفي تحويلنا إلى فتات من ريح؛ فكبرنا، أوفياء لوصية الصبر والسرو والطين، وركضنا حفاة نحو الشمس، وقفزنا بين زخات الجراد كعنادل على بيادر الأجداد. لم تحبّنا إسرائيل في يوم من الأيام وحين أبكتنا سقينا كرومنا بالدمع وبتناهيد الأمهات الكادحات. لم نهزم إلا عندما تخلينا عن وصية الأباء الذين تخرجوا من مدارس العزة والقهر وخرجوا نبهاء من شرايين النكبة، وفهموا وأفهمونا أن بالعلم وباحترام العقل يصمد الإنسان ويسعد.
كم تغويني خدعة الاستطراد، لكنني على قناعة أن مشكلتنا لم تبدأ بنشر نتائج امتحانات «بيزا» ولا بدلائلها، ولا بما تنذر منه أو تفضي إليه؛ فمصيبتنا كبيرة ولا أرى لها في الأفق حلاً ولا مخرجاً وشيكاً؛ ولا أعرف، أصلًا، من قادر عندنا ومن معنيّ بفحصها بأمانة وباستقامة وبمهنية لا تدين للجبن ولا للرياء، وبعدها فلنسع إلى الحرب والقتال. لم أكن، في الحقيقة، على دراية بتفاصيل وبتاريخ امتحان «البيزا» المذكور، إلا أن تداعيات نشر نتائجه الأخيرة شدّتني. مع كثير من الحذر، أعلن أنني غير متأكد من كونه وسيلة تقييم بريئة وملائمة لأوضاع طلابنا ومدارسنا ونظام تعليمنا الحالي. لقد بدأت فكرته كمشروع استجلائي بادرت اليه بعض الدول، مثل استراليا، بهدف فحص قضية « تنوّر» الطلاب، ابناء الخامسة عشرة، في ثلاثة مجالات تعليمية: التنوّر القرائي (في لغة الأم) والتنور في موضوع الرياضيات وأخيرًا، التنور في العلوم. كان الهدف من فحص مسألة التنوّر هذه، التي تحتاج بحد ذاتها إلى مزيد من التوضيح والشرح في حالتنا، الكشف عما اكتسبه الطلاب من مهارات معرفية سيحتاجونها في حياتهم عندما يبلغون سن الرشد. لن أسهب فالتفاصيل كثيرة؛ لكنني على قناعة بأن السواد الأعظم من المواطنين العرب لا يعرفون شيئًا عن هذا الامتحان ولا عن تاريخه، منذ أطلق قبل زهاء عقدين، أو من أشرف ويشرف عليه، وما هي أهدافه وكيف ومن يعمل على تطبيق خلاصاته، وما إلى ذلك من أسئلة تضعنا أمام تساؤل جوهري حول غاياته المنشودة ومدى مطابقتها لأجهزتنا التربوية والتعليمية المحلية. فالسؤال المركزي يبقى، برأيي، هل وكيف تفيدنا هذه التجربة، ومن هو المكلف باستقصاء نتائجها ومتابعة مخرجاتها، خاصة ونحن نقرأ عن اتساع الفجوة، من عام إلى عام، بين الطلاب العرب والطلاب اليهود وباقي طلاب الدول المشاركة في التجربة.
لسنا بحاجة إلى روما ولا إلى قيصرها، ولا إلى «كاميرا» جديدة كي تصوّر لنا أوضاع البؤس في مدارسنا، وكي تذكرنا بسقوط الخيمة وبانتحار العقل؛ لأننا ببساطة نحصد ما نزرع، فالعرب الحكيمة حذرت جميع الغارقين في دماء الحياة وفي طيّباتها أنهم «هوسى والزمان أهوس»، وأهل الكهف لم يسمعوا اصلًا ببيزا ولا ببرجها المائل.
كاتب فلسطيني

 

 

سامي أبو دياك

وموت أمنية فلسطينية

جواد بولس

 

بدأنا نراجع تفاصيل الالتماس الذي قدمته الوحدة القانونية في «هيئة شؤون الأسرى والمحررين»، باسم الأسير سامي أبو دياك؛ بعد أن «بشّرتنا» سكرتارية «محكمة العدل العليا» الإسرائيلية، صباح الاثنين الفائت، بقبول الطلب، وتقديم موعد الجلسة وتعيينها في الثاني من ديسمبر/كانون الأول المقبل، بدلا من موعدها الأصلي الذي كان مقررا في السادس من يناير/كانون الثاني المقبل.
قرأنا، مرّة أخرى، تداعيات القضية، وتحققنا من دقة الوقائع التي أوردناها؛ وتمنّينا أن يصمد جسد الأسير أبو دياك أسبوعا إضافيًا، كيما نمضي إلى معركتنا مع طواحين الهواء الإسرائيلية؛ فعسانا ننجح، باسم الوجع، بإقناع هيئة المحكمة بالإفراج عن أسير فلسطيني أكله المرض، ويعيش أيامه الأخيرة على أمل أن «ينعم» بالموت في حضن والدته وفي أرجاء بيته وتراب قريته.
ولد سامي قبل ثمانية وثلاثين عامًا في قرية «سيلة الظهر»، ففتح عينيه على صباح عبوس، لا يعرف طعم اكتمال الفرح. نشأ في بلدة فلسطينية تجيد كسائر أخواتها، لغة الغبار؛ ومشى مثل أترابه، نحو ماض لصيق كظل لشبح غد رمادي كسيح.
هو ابن لجيل تربى، بفطرة الفوضى، على قيم شوّهها الاحتلال، وعلى حالة كل ما فيها «سائل» وملتبس؛ فلا معنى للحب ولا لصفائه إلا إذا واجه نقيضه الدامي، ولا قيمة للحياة إلا إذا تحققت على عتبات الموت.. موتك أو موت نقيضك.
كان في الثانية والعشرين من عمره عندما قرر دفع حصته في الذود عن شرف الوطن؛ فقتل ثلاثة من عرب  «باعوا روحهم وضاعوا»، حسبما جاء في لائحة اتهامه، وحُكم، في أعقاب ذلك، في محكمة الاحتلال العسكرية لثلاثة مؤبدات وأكثر.
كبر في السجن، كما تكبر الأيائل في الأسر؛ عالمهم مدىً من مجازات واخزة، وأيّامهم مجرد انكسارات لأضواء خافتة تبعثها بقايا أرواحهم الحزينة. كان سامي يتغطى بنتف من فجر أبيض، ويتنفس تحتها كما يفعل دود القز، فيفيق كل يوم محلقًا على شيفرة ضوء ساحر وبعيد.
لم يواجه سامي الأسير عبء السؤال وحيرة الشك، ولم تشغله هواجس العدل الآدمي ولا غضب السماء؛ فالتفكير الرويّ، وانت في حلق اليأس، ترفٌ لا يجيده إلا الفلاسفة والشياطين، لاسيّما إذا كنت مثله، تعيش على أهداب ثورة تقاوم النعاس والخبل.
بدأت صحته تتراجع بشكل ملحوظ عام 2015؛ وبعد عدة فحوصات وجد الأطباء انسدادًا في أمعائه فأخضعوه لعملية، أوهمتهم بأن حالته في تحسن؛ لكنهم اكتشفوا بعد الانتهاء من الاجراءات المخبرية انه مصاب بسرطان الأمعاء، وأن القدر قد قرر، هذه المرّة، أن يتدخل وكأن قضاء الاحتلال كان مجرد طعنة في الهواء.
بعد إعلامنا بسوء وضعه الصحي قمنا، طاقم المحامين، بتقديم طلب للإفراج المبكر عنه لأسباب مرضية وخسرنا، كما كنا نتوقع، الجولة الأولى فعاودنا المطالبة بعد عامين. وزودنا اللجنة المتخصصة بمجموعة تقارير أعدّها الاطباء الذين كانوا يعالجونه في المستشفيات الإسرائيلية، وكذلك بعض الاخصائيين الخارجيين الذين توجهنا إليهم، ففحصوه وقرروا أن وضعه قد وصل إلى مرحلة حرجة، وأن مرض السرطان قد انتشر في عدة أعضاء داخلية من جسده.
استمعت اللجنة لادعاءات المحامين وقرأت التقارير الطبية التي قدمت أمامها؛ لكنها، رغم قناعتها بأنه مصاب بالسرطان، وبأن احتمالات علاجه وشفائه معدومة، رفضت الإفراج عنه بتبنّيها ذرائع نصّتها أياديهم المجبولة من جبص وطين.
وهن جسد سامي بشكل ملحوظ حتى بدا لنا في الزيارات الأخيرة كالظل؛ فقررنا تقديم طلب إفراج جديد، إلا ان لجنة الإفراجات رفضت التعاطي معه بالمطلق، بمقتضى تعليمات قانون «مكافحة الإرهاب» الذي كانت الكنيست قد صادقت عليه عام 2018 وحظر بموجبه على لجنة الإفراجات التعاطي مع طلبات إفراج عن الأسرى المحكومين بالسجن المؤبد، على خلفية ضلوعهم في عمليات قتل «إرهابية».

الظلم أعمى والأمل باقٍ كنطفة ستكبر حتمًا هناك عند حفاف الغيب، حيث سأكون شبحًا يقضّ ليل الظالمين

حاولنا التوجه مرة أخرى لتلك اللجنة بادعاء أن ليس للقانون أثر رجعيّ، فقضية الأسير سامي كانت منظورة أمامهم قبل صدور ذلك القانون، إلا ان أعضاءها رفضوا حتى مجرد استلام الطلب. لم يتبقّ أمامنا إلا تقديم طلب عفو من قائد جيش الاحتلال؛ فأمنية الأسير، الذي باتت أيامه معدودة، هي أن يموت في حضن والدته وبين أهله.
قدمنا الطلب وانتظرنا أكثر من شهر؛ إلا أننا لم نتلقّ أي رد أو إشعار عليه، فاضطررنا إلى تقديم التماس لمحكمة «العدل» العليا الاسرائيلية. قدمنا الالتماس في أوسط أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، وعلمنا بان سكرتارية المحكمة عينت موعدا للجلسة يوم السادس من يناير 2020 المقبل. شعرنا بمهانة وبخيبة أمل؛ فإرجاء موعد الجلسة لأكثر من شهرين، فيه رسالة واضحة للملأ، مفادها: وما ضر أن يموت الفلسطيني وتموت معه الأماني، ولماذا لا تبكي أمه وهي تدفن في حضنها غصة!
لم نرضَ بقرارهم، فطالبنا بتقديم موعد الجلسة محذرين من أن جميع الشواهد تؤكد أن الملتمس، سامي أبو دياك، يعاني من وضع صحي حرج؛ وأنه، في الواقع، يترنح على شرفة العمر، ويستعدّ لرحلته المقبلة إلى قلب العدم. فرحنا عندما استلمنا قرار تقديم الجلسة وخشينا، في الوقت نفسه، لعنة القدر.
قضيت ليلتي وأنا أتمرن على أوقع وأبلغ المرافعات التي عليّ أن ألقيها، بعد عدة أيام، على مسامع القضاة الثلاثة. حرت في غابة من النصوص والخيارات وجرّبت أمام مرآتي خطبة المحارب: «لم آتيكم لأنني مؤمن بعدلكم»، قلت، «فلطالما كنتم الذراع الطولى التي حملت بطش الاحتلال وأذلّت به شعب المقهورين، وأوقعته على أفئدة الأمهات وعلى مهج اليتامى الفلسطينيين. أنا هنا لأصرخ في آذانكم عساني أستحضر طائر البرق من ركام التاريخ ليأتي ويرقص أمامكم رقصة الموت، فتروا، ساعتها، كيف يذوي الحنين هناك في الغرف الباردة، وتزهر شقائقَ حمراء في قلوب أجيال لم تولد بعد، وينتشر عطره آمالا «سامية» على هضاب جنين. احكموا كما شئتم، فالارض عارية والسماء حبلى والبقية أبدية عند من يحمي الندى من عبث السيافين».
كانت خطبة نارية قاسية، لجأتُ بعدها إلى حيلة المراوغ فأضفت: «جئتكم باسم الأمّهات الباكيات اللائي لا يرجون من الحياة سوى ضمة أخيرة لارواح أبنائهم الذابلة.  لا تحدثوني عن قوانينكم الجائرة ولا عن من نصَّ، في غابر الأزمان، إن العين بالعين وإنّ السن بالسن؛ ولا تأخذوني إلى بستان آدم وجنته العاثرة، ولا إلى حكمة الدم في لحم قايين، فكل ما أريده منكم هو أن تدعوا ساميًا يموت بعيدًا عن عيونكم الضاحكة».
لم أشعر متى أغمضت عينيّ ولا متى نمت على الكنبة. أفقت في ساعة مبكرة من صباح ثلاثاء سوداء قاهرة، فسمعت أن سامي قد سلم الروح ورحل. تملكني حزن شديد؛ وتذكرت مسيرة الهزائم الطويلة التي ما فتئتُ أخطو على دروبها منذ أربعة عقود، ولم ألق عليها إلا قصاصات ورق صفراء وعليها اسماء ناس وماس.
لم أجد ما سأقول للقضاة الذين كانوا سينتظرونني على شوك، سوى وصية شاب أسمر كان قد وُلد في حقول البارود، وعاش وهو يتقلى في قهر ومن غضب؛ فصرخ، قبل الرحيل، وقال: «لا تدعوا الشماتة، يا اخوتي، تذيب صدروكم؛ فالظلم أعمى والأمل باقٍ كنطفة ستكبر حتمًا هناك عند حفاف الغيب، حيث سأكون شبحًا يقضّ ليل الظالمين، ونجمة تضيء لأمي ليل دموعها، وتمسح العتم عن روابي خلاني».
كاتب فلسطيني

 

 

القدس مدينة

 الحجارة الباكية

جواد بولس

 

أغارت عناصر من قوى الأمن الإسرائيلية، قبل أيام، على عدد من المؤسسات المقدسية؛ ثم أعلنت، بعد تفتيشها ومصادرة بعض محتوياتها، عن إغلاقها، وذلك بمقتضى أمر صادر عن وزير الأمن الداخلي، جلعاد أردان، وفقًا لصلاحياته حسب ما يسمى بقانون تطبيق الاتفاق الانتقالي في الضفة الغربية وقطاع غزة (تحديد نشاطات) لعام 1994.
من بين ضحايا هذه «الغارة»، التي لن تكون الأخيرة في المدينة، كان مبنى مستأجر في حي «الصوانة» من قبل شركة «الأرز للإنتاج الفني»، وهي شركة تقدم خدمات تقنية لفضائية تلفزيون فلسطين الرسمية؛ ومكاتب مديرية التربية والتعليم؛ ومدرسة دار الأيتام الإسلامية التي تعمل تحت إدارة ومظلة دائرة أوقاف القدس، التي تم اعتقال مديرها سمير جبريل.
سينسى العالم بعد أيام ما حصل، فهذه الهجمة لن تُحدث ردود فعل مأساوية، محلية أو عالمية؛ كما لن تستثير مشاهدُ الجنود الإسرائيليين، وهم يقتحمون المباني ويعبثون في محتوياتها، هممَ «الثوّار» أو سهام فيالق المنافقين؛ ولن تجِد إسرائيل، بالتالي، نفسها مجبرة على إعادة حساباتها وسياساتها تجاه القدس الشرقية، وتجاه سكانها، رغم ما ستسمعه من بيانات شجب وتنديد قاسية ومن أناشيد الغضب والوعيد. لقد حذرنا، منذ سنوات، من تأثير ممارسات إسرائيل في القدس المحتلة، وقلنا إن المدينة تخضع لعملية اغتصاب بشعة، وإنها تقف على حافة الضياع. قد يقول قائل بأن مطامع وسياسات إسرائيل، أزاء القدس، لم تختلف طيلة العقود الماضية؛ فمنذ لحظة احتلالها الأولى عام 1967، أعلنت حكومة إسرائيل ضمّها كعاصمة أبدية لها؛ لكننا، في الوقت نفسه، نعرف أنها، رغم محاولاتها الدؤوبة لابتلاع المدينة، لم تنجح عمليًا في تحويلها إلى مدينة واحدة؛ وبقيت القدس الشرقية، على الأقل حتى مطلع الألفية الثالثة، فلسطينية النبض بدون رتوش، وعالمية الأبواب والقباب بدون خدوش.
ونعرف، كذلك، أن أهلها ومجتمعها وقفوا وراء قادتهم الأوفياء كالطود متماسكين في وجه العواصف، وواجهوا، وهم موحدون حول هوية وطنية واضحة جامعة، كل هجمات إسرائيل على مدينتهم؛ فصمدوا لأنهم كانوا يتنفسون معًا أنسام الحرية الحمراء، ويعرفون مَن هو العدو ومَن الصديق، ويبحرون صوب شاطئ الأمل، برايات وبيارق موحدين. لم يترك «العالم» القدس تقاتل لوحدها، فأحاطوها بحضن دب جائع. مدّ الأعداء إلى نحرها الرماح فنزفت كالعروس على مهل؛ وغز «الأشقاء» في خواصرها خناجرهم، فبكى على جيدها الياسمين؛ نامت عذراء الشرق، مخدّرة من أدعية بعض وعاظ السلاطين، وأفاقت مذعورة على طرطقة فضة «يهودا» وعلى صراخ باعة الحمام وتعاويذ النخاسين.

عرف القائمون على تنفيذ وإنجاح المشروع الصهيوني الكبير بأن الطريق إلى النصر سيصبح سهلًا بعد تشظية الوجود الجمعي المقدسي الفلسطيني

تلقف قادة إسرائيل هدية السماء بفرح وبخبث عظيمين، وأحسوا وهم أحفاد يوشع وقابيل، أنهم يمسكون بقرون «أطلس» وبأن الزمن صار تحت أقدامهم تبرًا ورمادًا، فبدأوا ينهشون أضراعها ويتقدمون في شرايينها على وقع الحديد والمزامير. لا وقت، في هذه المقالة، لعد المقاصل ولإحصاء الوعود ولتسمية جميع «خضراوات الدمن»؛ فنحن نعيش عصر العجز العربي، ونشاهد، منذ اكتشفت المنابر سحر الكذب والرياء، هزائم العرب؛ ونرى كيف تدفع قدسنا أمامهم «لبيلاطس» جزيتها فيتقاسمها مع جميع خلانه من غيلان المال والدم، وأمراء الشهوة والنار. علمت إسرائيل أن فوزها بالجغرافيا والتراب فقط لن يحوّلها إلى «أميرة» الشرق، ولا الى جارة للقمر، ولا إلى «سيدة» الأحلام والنحاس؛ فسعت بمثابرة ثعلب وبمراوغة ذئبة، إلى تقطيع أوردة أمل المقدسيين، وإلى تشتيت لحمتهم الوطنية والسيطرة على بواطن يأسهم وإلى الدخول عميقًا في جيوبهم والاستيطان في صدورهم.
لم تنجح في مساعيها، رغم البطش والرش، إلا بعد رحيل فارس القدس الوفي فيصل الحسيني، عندما قامت مباشرة بعد وفاته بإنزال ضربتها الماحقة الأولى، حين أعلن وزير أمنها الداخلي في شهر أغسطس/آب من سنة 2001 عن اغلاق «بيت الشرق»، وعدة مؤسسات فلسطينية مؤثرة ومهمة، كان من بينها «الغرفة التجارية الصناعية العربية» و»المجلس الأعلى للسياحة» و»مركز القدس للتخطيط» و»مركز تطوير المشاريع الصغيرة» و»مركز أبحاث الأراضي» و»نادي الأسير الفلسطيني» وغيرها من المؤسسات المدنية التي كانت تقدم خدماتها المتنوعة لأهل القدس وللفلسطينيين عمومًا. لم تقم إسرائيل بإغلاق تلك المؤسسات صدفة، وبدون غاية استراتيجية مدروسة؛ فساساتها أولئك الذين يخططون معاركها، استهدفوا كسر عامودها الفقري، وحدة المجتمع المقدسي، وهويته الفلسطينية الجمعية، التي شكلت في الواقع، العقبة الرئيسية في وجه تمرير مخططات إسرائيل فيها، وأفشلت تفريغ المدينة من سكانها العرب، وتوحيد شطري المدينة وإخفاء حقيقة كونها مدينتين مختلفتين ومشطورتين بحراب الاحتلال. لقد عرف القائمون على تنفيذ وإنجاح المشروع الصهيوني الكبير بأن الطريق الى «نون» النصر سيصبح سهلًا بعد تشظية الوجود الجمعي المقدسي الفلسطيني، وأن هذا لن يتحقق الا إذا استطاعت إسرائيل القضاء على منظومة عمل المجتمع المدني ومؤسساته الناشطة في القدس، بشكل مستقل وتقدم خدماتها للناس بعيدًا عن وزارات الاحتلال وعن بلديته.
كانت هذه الجمعيات والمراكز على أنواعها تفرز ما يشبه الصمغ الوطني داخل المجتمع المقدسي وتمتّن، من خلال نشاطاتها وعلاقاتها المباشرة، أواصر الهوية الفلسطينية الواحدة، وتنمّي روح الانتماء الكلّي والترابط العضوي بين الأفراد، وبعضهم، وبينهم وبين مؤسساتهم؛ فعمليًا لم تتوقف أهمية ما كانت تقدّمه هذه المؤسسات على الدعم المادي والمعنوي، لانها شكّلت مظلة واقية، رسمت تحتها خرائط الأمل الشعبي ونمّت مشاعر الإيمان بالمصير المشترك، فصار للصمود في المدينة معنى، ولحياتهم فيها هدف سامٍ وقناعة بأنهم ماضون على طريق التخلص من الاحتلال والحصول على الاستقلال في دولتهم المستقلة. لم يكن «بيت الشرق» مجرد مؤسسة أهلية اجتماعية مدنية عادية، أو رمزًا سياسيًا فلسطينيًا هامشيًا، بل شكّل طيلة سنوات وجوده «ضدًا» للوجود الإسرائيلي، ودليلًا قاطعًا، أقر به البعيد قبل الداني، على أن القدس الشرقية هي مدينة فلسطينية تستطيع أن تدير جميع شؤونها كعاصمة لدولة فلسطين العتيدة. لقد تحول «البيت» مع السنين، بجهود الفيصل ومعه ثلة من القادة والشخصيات المقدسية الوفية والمنتمية، إلى قبلة القضية الوطنية، وإلى الخيمة الجامعة والمظلة الواقية، التي وفرت للمقدسيين بوصلة للاسترشاد وللنضال الوطني السليم ، وسببًا للانتماء النقي ومثالًا للتضحية والعطاء.
لم يحمِ الفلسطينيون «بيتهم» كما حماه فيصل ورفاقه ومقدسيو ذلك الزمن؛ فبعد نجاح الاحتلال الإسرائيلي بإغلاقه وإغلاق عدد من المؤسسات المؤثرة معه، غدت مهمة القضاء على ما تبقى من جمعيات ومراكز فلسطينية، سياسية واجتماعية مدنية، عملية سهلة، كما رأينا خلال العقدين الأخيرين، وكما شاهدنا في الأسبوع الأخير.
تغلق إسرائيل المؤسسات الفلسطينية بمقتضى قانون شرّعته بعد اتفاقيات أوسلو، وحظرت فيه ممارسة أي نشاط فلسطيني في المدينة ذي علاقة اياً كانت مع السلطة الفلسطينية ووزاراتها، أو مع منظمة التحرير ودوائرها. لا أعتقد أن المشكلة تتوقف عند عتبات هذا القانون، بل المصيبة بمن خنعوا لسياط هذا القانون، فإسرائيل تتصرف بعنجهية فرعونية مفرطة، لأنها تعرف أن المدينة منهكة، ولا يوجد من هو قادر أو معنيّ بشكل حقيقي بصدها. لقد خلق فيصل وجيله ميزان ردع متبادل مع الاسرائيليين، فأجبرهم على احترامه وعلى التصرف وفقًا لقوانينه؛ وعاش مؤمنًا بحق شعبه بدولة مستقلة في حدود يونيو/حزيران 1967 فلم يزايد ولم ينتظر الخلاص المدعوم بالوهم والدولار؛ ولم يكتفِ بالدعاء حتى تهبط طيور الرعد والنار لإنقاذ المدينة، بل خاض جميع معاركه من أجل الكرامة والصمود اليومي، لأنه كان يعرف أن من لن يناضل في سبيل «مدينته» وهو حر كالعواصف والجبال، سيبكيها يومًا وهو عبد…
كاتب فلسطيني

 

 

مواطنون

بين صاروخين

 

جواد بولس

 

تتكرر سيناريوهات العبث في فلسطين وتتشابه مشاهد الفصول الدموية حتى التعب.
تتبدل أسماء الضحايا في شوارعها، وتبقى غزة مفردة رديفة للوجع وللقهر. لم تشِخ ذاكرة الرمل على شواطئها الذهبية، ولم تهزم الريح موجها العنيد. لم يترك القدر لأهلها خيارًا إلا البقاء عند تخوم الأمل الأزرق، فينامون على موسيقى الفجر ورعد القذائف ولا يخافون عزيف الجن.
قبل أيام أفاقت غزة على صوت الموت، وعلى نثار الملح ينقر على خدود الغد. بعد دقائق من انتشار نبأ اغتيال إسرائيل للقائد في حركة الجهاد الإسلامي بهاء أبو العطا، وقتل عدد من أفراد أسرته معه، غرقت فضاءاتها بسيل من أقلام المحللين والمعلّقين والمفكرين، الذين أسهبوا في تحليل الحدث، وفي وصف خلفياته، واقتفاء غايات ودوافع بنيامين نتنياهو الشخصية من ورائه؛ فأجمع معظم هؤلاء على أنه اختار التوقيت الأمثل في محاولة جديدة منه للتملص من مواجهة القضاء ومحاكمته، من خلال تفعيل الضغوطات على جميع الأحزاب الصهيونية، خاصة على حزب «الأزرق والأبيض»، وإجبار رئيسه، الجنرال غانتس، باسم حالة طوارئ مختلقة ووهمية، على قبول خيار حكومة الوحدة الوطنية، وفقًا لما طرحه رئيس الدولة رؤبين ريفلن .
وقد زعم بعض الإعلاميين الإسرائيليين، بأن قرار اغتيال القائد الجهادي أبو العطا كان قد اختمر في عقل نتنياهو ليلة العاشر من سبتمبر/أيلول الماضي؛ بعد أن أجبره حراسه على قطع خطبته الانتخابية التي كان يلقيها أمام مئات من داعميه في مدينة أسدود الجنوبية. لقد تزامنت خطبته مع سقوط عدة رشقات صاروخية أطلقت من جهة غزة نحو مدينتي أسدود وعسقلان المتجاورتين، وأدّت تلك الهجمات إلى فتح الملاجئ وإلى احتماء المواطنين فيها. كانت صور بنيامين نتنياهو التي بثت على جميع شاشات الفضائيات الإسرائيلية، وهو يُدفع ويبتعد بهرولة عن المنصة، ومناظر انفراط الحفل وهروب الحاضرين، مهينة له وجارحة لأناه المنفوخة، ومناقضة لصورة «السوبرمان» التي عمل على ترسيخها منذ سنوات، وحاول تسويقها لعامة الناس ورعاعها. لا شك أن هذه الحادثة أثّرت في قرار نتنياهو أو ربما قد حسمته.

نسمع كل يوم ما تكرره معظم الفصائل الفلسطينية، حين يؤكد قادتها على أن عدوهم واحد، بينما نراهم يتصرفون، وكأنهم عشرون «قبيلة»

في الحقيقة لا تعنيني دوافع نتنياهو فهي كثيرة وموجودة عنده أصلًا. كما لا تهمني المسوغات التي استعرضها قادة الأجهزة الأمنية أمام حكومتهم، وأقنعتهم بضرورة تنفيذ عمليات الاغتيال، واستعدادهم لإدارة جولة من المناوشات الدامية الجديدة على حساب أهل غزة؛ فأنا مستفَزّ بالأساس من مواقف دول «شقيقة» عربية وإسلامية بدأت تتدخل وتتلاعب في شعاب غزة؛ ومن مواقف حكومات وفصائل وتنظيمات محلية وشرق – أوسطية وعالمية، آثرت الصمت أو اكتفت، في أحسن الأحوال، بإصدار بيانات شجب خجولة؛ علمًا بأنها لو أرادت لكانت تستطيع التأثير على إسرائيل، أو مناصرة أهل غزة بشكل حقيقي وفعلي.
نسمع كل يوم ما تكرره معظم الفصائل الفلسطينية، حين يؤكد قادتها على أن عدوهم واحد، بينما نراهم يتصرفون، خاصة في وقت المحن، وكأنهم عشرون «قبيلة» وظل لمستحيل. لن تفيدنا المكابرة ولا الإنكار؛ ففي كل عام يمر، تبتعد غزة عن القدس ورام الله. وقد يستهجن البعض ما أقول، لكنني مقتنع به تماما؛ فرغم تشابه الاعتداءات الإسرائيلية بظواهرها وانعكاساتها، وبلون الدم الغزّي المسفوك، لم تستهدف إسرائيل «العدو» نفسه في جميع غزواتها، ولم توصل الرسائل نفسها، ونراها قد حققت بعد كل «حركشة» إنجازًا مغايرًا ؛ ففي هذه المرّة، مثلًا، تعمّدت إسرائيل، بشكل رئيسي، إيصال رسائلها لمن يقف خلف «حركة الجهاد الإسلامي»، وهذا ما قد يفسّر صمت كثير من الدول الإسلامية، التي ترى إيران الصفوية عدوّها؛ ويفسر ايضًا صمت بعض الحركات والفصائل الإسلامية وشيوخها، التي تستظلّ بعباءة السلطان، وتدعم حلمه باستعادة دولة الخلافة الكبيرة.
لن استرسل في شرح هذه الأبعاد السياسية الكبرى، ولن أراجع ما قال قادة الفصائل بعد كل معركة، وبعد نشر قوائم الشهداء والجرحى، وإحصاء الخسائر، ولن أرهقكم بمن غيّبوا عن «بوستاتهم» قضية غزة، أو شرّحوها وفق اهوائهم الفئوية؛ فأنا أعرف مثلكم بأن هذه الجولة ستنتهي قريبًا، وليس من الصعب التكهن بذلك، وأعرف أن جميع الأطراف والفرقاء سيعلنون مباشرةً، بعد انتهاء «المعركة»، عن انتصارهم فيها وعن سحقهم لآمال ومخططات عدوهم؛ فاسرائيل ستتبجح بأنها نجحت في تلقين كتائب الجهاد ومن وراءها درسًا؛ وبأنها علّمت غزة كيف عليها أن «تتواضع»، وأن تعرّف حدودها، وألا تتحرش بأمن اسرائيل وتعتدي على سلامة مواطنيها؛ وستعلن، في المقابل، جميع الفصائل في غزة وفي طليعتها «حركة الجهاد» على أنها صمدت في وجه العدوان وأفشلت مآرب اسرائيل، بل إن صواريخ الجهاد نجحت بتقويض حالة الاستقرار الداخلية، وخلخلة مشاعر الأمن العام والفردي الإسرائيلي.
أما أنا فسأكرر، بعيدًا عن حسابات الدم المهدور، ما أكده علم السياسة، وما قلناه بعد مواجهات الماضي الموجعة، بأن اسرائيل لم ولن تنتصر في عدوانها المارق على غزة، لأن الطرف القوي عسكريًا، إن لم يقضِ على عدوه الضعيف عسكريًا، لن يُعدَّ منتصرًا؛ وفي المقابل، إذا لم يستسلم الطرف الضعيف عسكريًا ولم يمحق سياسيًا، فهو الذي يُعدّ منتصرًا وفق فقه التاريخ وفي أحلام البسطاء. ويبقى ذلك الانتصار موهومًا أو على الاقل منقوصًا؛ إذ قلنا بعد انتهاء الجولات السابقة، إن «انتصار» الغزّيّين في المعركة، لن يصير حقيقيًا إذا لم يُفضِ إلى إعادة اللحمة والهواء لرئتي فلسطين/ الوطن؛ ولا يصحّ اليوم إلا أن نؤكد مجددًا، آسفين على ذلك، مع فارق مؤلم ومستجد، وهو أن حكام غزة سمحوا خلال الأعوام الماضية بتحويل أرض القطاع إلى ساحة تتنازعها الدول الكبيرة، وبعض الدول الصغيرة الشقيقة الحليفة لتلك الدول؛ وهم بهذه الحالة رهنوا مصائر أهلهم لتلك المصالح الغريبة وأخضعوها لجهات تعمل بدوافع خارجية، وذلك كما ظهر في التحركات الأخيرة التي قادتها، هذه المرة، حركة الجهاد الاسلامي.
ما حدث في غزة يُبعد مساعي الوحدة الفلسطينية، ويجهض فرصة إجراء الانتخابات التي كانت أصلًا محاولة عسيرة ومتعثرة؛ لكنه، فوق كل ذلك، ألحق وسيلحق أضرارا جسيمة فيما حققه المواطنون العرب خلال معركة الانتخابات الاخيرة للكنيست. ورغم قناعتنا بأن حزب الجنرالات، أزرق وأبيض، كان بعيدًا عن تحقيق طموحاتنا السياسية، إلا أن نجاحه في وجه نتنياهو تعدى أهمية كونه جزئية انتخابية هامشية وضيقة، وذلك لأننا اعتبرنا أن فشل نتنياهو ومعسكره قد يتحول إلى بداية مسيرة نحو الافضل، أو على الأقل، انجازًا قد يوقف زحف اليمين والفاشية نحو نظام حكم كارثي على وجودنا وعلى مستقبلنا في الدولة. أما اليوم فنحن نرى كيف جنّد نتنياهو سقوط هذه الصواريخ على المدن الاسرائيلية؛ ونجح، بسبب ذلك، بتمتين موقعه السياسي؛ وبالمضي، بخطى حثيثة، نحو اكتساب شرعيته من جديد وشرعية حكم اليمين المستبد، واستعادة مكانته كقائد لا يستغنى عنه، على ما قد تعنيه عودته إلى رأس هرم السلطة وتبعاتها علينا.
كم قلنا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، إننا نقف مع وجع غزة، ونقول اليوم، رغم إننا بين نيران صاروخين، كما قال ابنها معين بسيسو لعينيها «حينما أرسف بالأسوار في كل مساء، ولَكَم مرّ مساء مساء، ويحوم الليل كطائر في منقاره خيط ضياء، لنجوم لا أراها في السماء، يفرد القلب جناحيه بعيدا ويطير لبساتينك يا غزتي الخضراء في ليل الجحيم».
فنحن مع غزة عندما تتوجع..ولكن، يا ترى، من معنا؟
كاتب فلسطيني

 

 

 

خيمة الإصرار والأمل

جواد بولس

أنهى نوّاب القائمة المشتركة يوم الثلاثاء الفائت إضرابهم عن الطعام، وأزالوا خيمة الاعتصام التي نصبوها لمدة ثلاثة أيام كاملة أمام مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي.
زرت خيمتهم متضامنًا، أسوة بعشرات الوفود والشخصيات التي سافرت على طريق الندى، من شمال البلاد وجنوبها، لتعبّر عن موقفها ضد الجريمة والعنف المتفشّيين في القرى والمدن العربية، أو ربما لتسعف ضمائرها من عذابات الانتظار على «سين» اليأس ومن آهات التيه في دهاليز العجز.
أخطأ كل الذين هاجموا الخيمة وسكّانها؛ وأنا لا أعني من يحترفون التشهير محتمين برداء «وطنية» عذراء عارية وأبدية فحسب، بل أقصد أولئك الذين يدّعون أحقية القيادة ويحاولون اكتسابها عن طريق تقزيم كل خطوة، أو قرار يتخذه قادة القائمة المشتركة، حتى لو انضمت إليه، كما في هذه الحالة، لجنة متابعة شؤون الجماهير العربية في إسرائيل واللجنة القطرية لرؤساء المجالس المحلية والبلدية العربية في البلاد. أمضيت في الخيمة بضع ساعات ذكّرتني كيف كنا ونحن طلّاب جامعيون نتظاهر في ذلك الموقع، ونقطع الطرقات، على موكب رئيس الحكومة مرة، وعلى وزير المالية مرّات، محتجين على قرار حكومي عنصري بحقنا، نحن المواطنين العرب، أو ضد ضريبة مستحدثة كنا، نحن الطلاب وأهلنا الكادحين وإخوتنا فقراء الشعب، ضحاياها.
كل من دخل الخيمة شعر بدفء خفيف ومريح، وأحسّوا مثلي، بأنه ليس القلق وحده يجمعنا بل هنالك شيء ما جميل ينتظرنا على منحدرات الأمل المفقود، وأن هذا «الشيء» قد يقودنا نحو وجهة الخلاص التي ما زالت بعيدة.
كان المضربون عن الطعام يستقبلون الوافدين مثل أصحاب العرس؛ يتحركون بنشاط متثاقل وبطفولة بشوشة وصادقة؛ كان بعضهم يهزأ من جوعه ويستذكر القساوة في إغواء التفاح؛ ورغم قلة الخبرة في ممارسة طقوس النضال المختلط والموحد، حرصوا جميعًا على أن يعايشوا تاريخية اللحظة بعفوية طموحة وبحدس سليم، فأوحوا للضيوف بأنهم، رغم اختلاف منابع الهم والرؤى، يكوّنون رهطًا متجانسًا، وأنهم مصممون، رغم مشاكسات الماضي وحداثة التجربة، على المضيّ برويّة وحذر، في فج الضباب، والسير في طريق عساه يقودهم، رغم المشقة والظلمة، نحو تحقيق ذواتهم وايقاف نزيف الدم السائل من شرايين مجتمعنا.
لم تتحوّل الخيمة إلى مزار شعبي يضج بألوف الزائرين، لكنها أصبحت عنوانًا يصعب اغفاله أو غض النظر عن وجوده، ونجحت، بالتالي، في استقطاب عدد من رؤساء المجالس والبلديات العربية، وممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني والى جانبهم، عدد من أعضاء الكنيست اليهود من أحزاب مختلفة، الذين جاءوا، في ما يشكل سابقة لافتة ومرضية، ليعبّروا عن تضامنهم ووقوفهم ضد سياسة الحكومة وفشلها في مواجهة عصابات الإجرام الناشطة داخل مجتمعنا العربي، وضد إهمالها في معالجة ظواهر العنف وملاحقة العابثين بالقانون وبالسلم الأهلي. كان حضور وسائل الإعلام المحلية والعبرية والدولية بارزًا ومهمًا؛ وشكّلت إشارات تضامن السائقين والعابرين اليهود من أمام الخيمة «لفتة» إيجابية مدّت الحاضرين بوجبة من التفاؤل، وعززت قناعتهم بأهمية خطوتهم ونجاحها النسبي في جذب عناصر جديدة من الرأي العام، وتجنيدهم لصالح قضايا المواطنين العرب، وضد السياسات العنصرية الحكومية بحقهم.
قد نسميها «خيمة الإصرار» على الحياة بكرامة وبدون خوف ووجع، وهي رغم صغر حجمها، توسطت وواجهت، بمجازية غير مقصودة، مكتب رئيس الحكومة، ومبنى المحكمة العليا الإسرائيلية، وهما السلطتان المسؤولتان، مع ثالثة الأثافي الكنيست، على تعاسة المواطنين العرب وعلى معاناتهم الطويلة والدائمة. كان مبنى المحكمة وراءنا، لكن أطياف قضاتها سكنت الخيمة فأشغلتنا مواقفهم المستفزة على الاغلب والملتبسة أحيانًا، خاصة عندما عبّر بعض الحاضرين عن ارتياحهم من قرار تلك المحكمة الصادر في أواخر أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، والقاضي بإلزام المستشار القانوني للحكومة بتقديم لائحة اتهام ضد الشرطي، الذي قتلت رصاصته الشاب خير الدين حمدان ابن قرية كفركنا الجليلية عام 2014.

«محكمة العدل العليا الإسرائيلية» لم تعد عنوانًا لتظلمات المواطنين العرب، بعد حشوها المتعمّد بقضاة يمينيين معروفين بمواقفهم السياسية المنحازة

لم يقرأ معظم الناس تفاصيل ذلك القرار، ولم يربطوا بينه وبين قرار المحكمة نفسها، الذي أجاز، قبل أيام، ترحيل الناشط الحقوقي عمر شاكر، بذريعة تأييده لمقاطعة جميع إفرازات الاحتلال الإسرائيلي وممارساته غير الشرعية. حاولتُ وبعض الحقوقيين الذين تواجدوا في الخيمة أن اشرح بأن الصدفة فقط أفضت إلى «انتصار» الدم العربي على رعونة السياف ومحكمته العليا، ونصحت السامعين بالانتظار لنرى كيف ومتى سيدفع ذلك الشرطي القاتل جزاءه، فالأمور، هكذا علمنا القهر، تحكمها خواتيمها وتبقى أماني المظلومين منابت للورد أو للخيبات أحيانًا.
«عندما يستعمل شرطي قوة قاتلة يتطلب الصالح العام تحقيقًا قضائيًا»، هكذا كتب قاضيان، أحدهما عربي، من أصل ثلاثة في تبرير قرارهما المذكور. لم يوافقهما القاضي الثالث، نوعم سولبرغ، وهو مستوطن في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ فلو ترك الأمر له لقضى بعدم وجود ضرورة لفتح ملف القضية، بعد أن أغلقها المستشار القانوني للحكومة. إنه قاض يميني وأيديولوجي لا يخفي مواقفه السياسية، بل يلجأ اليها، سرّاً وعلانية، في تبرير قراراته المسيّسة، مثلما فعل، مع زميليه، في قضية عمر شاكر الذي كان يمثل ويعمل من رام الله باسم منظمة «هيومان رايتس ووتش» وهي واحدة من أكبر المنظمات التي تدافع عن حقوق الإنسان في العالم. لقد كتبتُ وأكدتُ في الماضي على أن «محكمة العدل العليا الإسرائيلية» لم تعد عنوانًا لتظلماتنا، نحن المواطنين العرب، ولا ملجأ لضحايا قمع الاحتلال وممارساته الوحشية اليومية؛ فهذه المحكمة/المؤسسة فقدت مصداقيتها منذ سنوات لكنها تعرّت مؤخرًا بشكل سافر وذلك بعد حشوها المتعمّد بقضاة يمينيين معروفين بمواقفهم السياسية المنحازة.
لم تخفِ وزيرة القضاء السابقة اييلت شاكيد، ولا من سبقها، مخططاتها من أجل السيطرة على جهاز المحاكم الإسرائيلي وفي طليعته «المحكمة العليا»؛ فقد صرّحت، في أكثر من مناسبة وعلى الملأ، بأنها تسعى بإمعان لتغيير موازين القوى لصالح اليمين، عن طريق إدخال قضاة موالين، مثل نوعم سولبرغ وشريكته في قرار عمر شاكر، القاضية يعيل فيلنر، وهما ليسا الوحيدين. يسكن القاضي سولبرغ في إحدى مستوطنات «جوش عتصيون»، على ما تستدعيه وتعنيه هذه الحقيقة من تبعات ومفاهيم؛ ولا تسكن زميلته القاضية فيلنر في إحدى المستوطنات، لكنها بدأت حياتها العامة عام 1977 كناشطة في محاولة الاستيطان الأولى التي قادتها وبادرت إليها حركة «غوش ايمونيم» الدينية اليمينية الشهيرة، في منطقة سبسطية القريبة من مدينة نابلس.
أسوق هذه المعلومات كي أقنع من ما زالوا يؤمنون بأن المحكمة العليا الإسرائيلية لم تنه عملية انحرافها الكامل عن طريق العدل النسبي والمنقوص الذي طبقته في تعاملها مع قضايانا وقضايا إخوتنا الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967؛ وكي أوكد على أن القرار بقضية المرحوم خير الدين حمدان لم يكن إلا محض صدفة. كنت واضحًا أمام من سمعوني في الخيمة، فنحن نواجه ظواهر الإجرام والعنف في بلداتنا، لكننا نعيش في واقع دولة معظم مؤسساتها تستعدينا وتهملنا، فمعركتنا كبيرة ومتعددة الجبهات.
كانت الخيمة عنوانًا للأمل وبرقةً في عتمة تزداد فحمتها، إنها البداية، هكذا أجمع القادة المضربون، ودعوة لمن لا يدمنون مهنة اليأس والتيئيس لينضموا بخطى صغيرة وواثقة على درب طويل يجمعنا، فجميعنا يعرف كيف قد تكون نهايته.
كاتب فلسطيني

 

 

لنصلِّ من

أجل لبنان وفلسطين

جواد بولس

 

فاجأت الاحتجاجات الشعبية، التي ما زالت تتفاعل في معظم المناطق اللبنانية، وفاقت توقعات جميع المراقبين والمحللين ومتعاطي «كار» السياسة محليًا وعالميًا. وبعيدًا عمّا ستفضي إليه من نتائج وتبعات، فقد فجّرت مشاهد الميادين الثائرة ينابيع أحلامنا بعد أن وصلنا، نحن العرب أهل الشرق، إلى حافة العطش والضياع في عتمة اليأس وركام الأمل.
قد نختلف حول كثير من التفاصيل التي نشاهدها أو نجهلها، لكننا يجب أن نتفق على أن تلك الحشود قد أطلقت قبضاتها وحناجرها سيوفًا لتهوي وتقطع حبال المشانق التي لفها أرباب الطوائف اللبنانية على أعناق شعب سالت دماء أبنائه على مذابح سياسيين جشعين، قاموا باختطاف الدولة والاحتفاظ بها كرهينة خدمة لمصالحهم ولفسادهم ولكسبهم غير المشروع.
لقد هتفت الجموع ضد الفساد والفاسدين، وضد الطائفية ومن ربّاها لتصبح قوقعتهم السحرية، فيتقاتل في أحشائها ابناء الوطن الواحد، ويعيش على سطحها جميع الساسة المتوحدين على دين الدولار ومنافع الإقطاع البغيض.
كانت الحرية عنوان تلك الميادين، ومحرّكًا لعودة الوعي إلى مكانته الإنسانية ولأخذ دوره في بناء المجتمع المدني السليم، والدولة الوسيطة المنصفة الحامية.
شدّتنا شاشات الفضائيات وتفاعلت معها شرائح الناس، فتفاوتت ردود الفعل بيننا، وتضاربت الأماني، لأننا في النهاية، كسائر العرب نولّي علينا سادة من طينتنا، ونحتكم لأمراء من طوائفنا المحلية ووجهاء من قبائلنا. ففي حين كان عرش الاستبداد في لبنان يترنّح، وكان نور العقل يفج حلكة الجهل والتجهيل، كنا نمارس، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، من مواقعنا، طقوس الظلام ذاته، وكانت فئات بيننا تطعن خاصرة حرّيتنا في وضح النهار، وتدوس على زنابقها في «ساحة البلد». لم يمض وقت طويل على قضية منع  ظهور الفنان تامر نفار على مسرح مدينة أم الفحم، حتى تكرر المشهد معه في قرية كابول الجليلية حين أُعلن، قبل أيام، عن إلغاء عرض فني كان سيقدمه تامر ضمن أمسية خيرية مخصصة لصالح جمعية مرضى السرطان.

عندما يحاصر التهديد والنيران مسارح البلد وفنانينها وساحاتها، لا يحق له التذمر من جور سلطان أجنبي، ولا الشكوى من بطش عدو غاشم

مضت القصة من دون أن تستثير أي ردود فعل حقيقية وجدّية؛ فباستثناء ندرة من بيانات الشجب الخجولة، لم نسمع صوت «المجتمع الحر»، ولا خرير الأحزاب أو ضجيج النخب المثقفة أو هزيم الطلائع الفيسبوكية الثائرة، كما سمعناها يوم خرجوا شاهرين بوستاتهم في وجه الوزيرة العنصرية ريغف، بعد أن أصدرت عدة قرارات قمع عنصرية بحق مسارح وفنانين عرب، وألغت عروضهم، أو حجبت عنهم الميزانيات الحكومية بتهمة عدم ولائهم للدولة.
لن نحصل على حقوقنا، نحن العرب في إسرائيل، ما دمنا نتصرف بهذه العقلية الهزيلة والمزيّفة وما دمنا نعيش بفيء ازدواجية معايير معيبة ومشينة؛ فمن يواجه الوزيرة العنصرية ريغف بصلابة ويدافع عن حقه في التعبير الحر، وفي الإبداع وفي الرقص وفي التمثيل، ويصمت، في الوقت نفسه، وهو عاجز أو مداهن أو خائف أو منتفع، عندما تضرب مطرقة الظلّام فنانًا كتامر نفار، أو غيره؛ أو عندما يحاصر التهديد والنيران مسارح البلد وفنانينها وساحاتها، لا يحق له التذمر من جور سلطان أجنبي، ولا الشكوى من بطش عدو غاشم.
كم قلنا ان للحرية سماء فسيحة واحدة وأن لها أرضا تقبّل نعال من يدقها بأرجل من نور وبهامات وضّاءة مكللة بالكرامة، وبألسن حرة ذربة، لا تحيد عن درب الحق ولا تمالق جائر.
لقد عرفنا، في حينه، أن مجلس بلدية أم الفحم كان وراء قرار منع عرض تامر نفار؛ وسمعنا، في حينه أيضًا، حجج البلدية في ذلك ولم نقبلها؛ بيد أنّ القضية تطوّرت بعد تدخل محكمة حيفا المركزية وإصدار قاضيها الاسرائيلي لأمر يلزم، باسم حرية التعبير، بلدية أم الفحم بإتاحة العرض كما كان مقررًا، ولكن رفض تامر نافر أن يظهر تحت «عباءة» هذا القرار الاسرائيلي، فانتهت الحادثة بصورة تجمع الفرقاء المتخاصمين، وهم متصالحون وباسمون.
أما قصتنا في كابول فمختلفة أكثر وأعقد؛ ففي ردّ على إلغاء فقرة الفنان تامر نفار قال رئيس المجلس المحلي: «إن المجلس المحلي لم يتدخل جملة وتفصيلا في أي برنامج ثقافي يقوم بتنظيمه المركز الجماهيري في كابول» وأضاف موضّحًا وآسفًا  لأحد المواقع الاخبارية: «إن الحوار دار بين الأهالي عن طريق شبكة التواصل الاجتماعي، بين مؤيد ومعارض، الامر الذي أدى الى إلغاء الأمسية الفنية الخاصة بتامر نفار». قد لا نعرف حقيقة ما حصل، مثلما عرفنا تفاصيل ما حدث في أم الفحم، ولن نعلم من تدخل وفرض هذه النتيجة، لكننا نعرف بيقين أن الواقع يحمل في طياته «مؤشرًا مقلقًا»، وذلك كما وصف عضو ادارة المركز الجماهيري في كابول، وأكّد على أن: «تكرار مثل هذا المنع يعبر عن عقلية قمعية خطيرة تهدد بإخراس أصوات مختلفة قد يكون لها أثر سلبي على جيل الشباب».
لسنا في لبنان، ولكن ستقتلنا سياسة الإعراض المنتشرة بيننا وسيدمينا إدمان مؤسساتنا القيادية على دفن رؤوسها في صدر الخوف وفي حضن المنفعة؛ وسيقضي إسكات محركات المجتمع المدني وتواطؤ بعضها على منجزاتنا المكتسبة؛ فقد وصلنا اجتماعيًا إلى القعر ولن نخرج منه إلا إذا صرنا أحرارًا.
ولأولئك الذين نسوا طعم الحرية ننصحهم بمتابعة الشاشات اللبنانية، حيث ينتشر الأمل؛ فالحرية، وإن تمظهرت أحيانًا بأقنعة ملتبسة، تعشق دومًا صخب النشيد وتنطلق على أجنحة النغم، فيمشي الى جانبها الاستقرار على أرجل من فرح ومن حب. لقد حملت إلينا الاشرطة مشاهد من وحدة غير مألوفة في تاريخ لبنان الحديث، ونقلت بعض عدسات المصورين لقطات لمجموعات تغني وترقص وتستعرض أجسادها بخلاعة لا تناسب جسامة الحدث.
بعضنا ضحك على ما شاهد، وتندر آخرون على جينات الشعب اللبناني وخصصوصيته في عشق الحياة ومراقصة القمر؛ لكنني، رغم سيل التعقيبات، فتنت وكثيرون عندما شاهدنا شيخا لبنانيا جليلا وسمعناه ، في تسجيل شاع وانتشر، يحذّر من مواقف مَن حاولوا تسخيف ما يحصل في شرايين لبنان بسبب بعض مظاهر الرقص والخلاعة والغناء؛ فتساءل مستهجنًا بحق، أهذا كل ما يهمكم مما تشاهدون؟ ألا تهم مظاهر الوحدة اللبنانية الجبارة التي لم يعرفها لبنان منذ أكثر من ثلاثين سنة؟ لقد تعرفت الناس أخيرًا على بعضها فصار الشيعي قادرًا على دخول طرابلس والخروج منها سالمًا والعكس ايضًا صحيح.
يحاول اللبنانيون الخروج من قطعان أرباب الطوائف، ليحاربوا الطائفية والفساد؛ فحيّى الشيخ الجموع وخص قطاعات الشباب الذين سبقوا «جميع المشايخ ورجال الدين المحزبين إلى حالة الوعي»؛ فبدون هذا الوعي سيكون الدمار وتُفقد الحرية وتداس الكرامات.
سنصلي من أجل لبنان؛ ونتساءل من سيرفع عندنا هذه الراية ويصرخ كما أهاب هذا الشيخ وأكّد: «أنتم يا أركان المجتمع المدني بكل مركباته حتى بملحديكم، أنتم الاحرار. لديكم، كملحدين، مشكلة مع ربكم ولكنكم احرار» .
الحرية يجب أن تمتدح .. فمن يهب بلادنا، فلسطين، عقلا يأخذنا إلى ذلك الشاطئ القريب الآمن، ولسانا لا يسكت في وجه سلطان ظالم ولا يتردد أمام أخ عابث وقامع.
لنصلي من أجل لبنان..
ومن أجل فلسطين.
كاتب فلسطيني

 

 

العظماء لا يموتون

جواد بولس

لا للرثاء أكتب، بل لأتشرف بعطر ذكراه ؛ فالعظماء لا يُرْثَون لأنهم دموع الأزل الباقية.

كان اسم بسام الشكعة، بالنسبة لأبناء جيلي، يعني حرية فلسطين الحمراء؛ وكان صوته صهيل المدى، إن جلجل لا يتركك تائهًا في مساحات الحيرة، وإن قضى لا يبقيك متسكّعًا في حضن ذلك الالتباس الحافي.

عرفته قائدًا عروبيًّا واثقًا بالفجر حتى عندما كان الآخرون يلتحفون العتمة ويخشون حفيف الشجر وهسيس الليل. وعشت، لسنوات، قريبًا منه فوجدته نبعًا صافيًا حرًّا، وانسانًا لا يخشى في قول كلمة الحق سيفًا؛ وفارسًا يرقّ قلبه لكل من قصده شاكيًا من سطوة الأيام والأنام.

كنت ، في أواخر سبعينيات القرن الماضي، نشيطًا في الحركة الطلابية الجامعية وبدأت من موقعي أتعرّف على جيل القيادات الفلسطينية في وقت مبكر ؛ ثم صرت متدربًا فمحاميًا في مكتب المحامية الشيوعية التقدمية فيليتسيا لانجر ، حيث التقيت بكبار قادة فلسطين في ذلك الزمن، وفي طليعتهم صاحب الابتسامة الهادئة والجبين العريض بسام الشكعة.

حاول أعداء فلسطين، وعلى رأسهم الاحتلال الاسرائيلي، أن يضعضعوا مكانته القيادية وأن ينالوا من تأثيره السياسي بجميع الوسائل والأحابيل والطرق؛ فلجأوا بخبث، في البدايات، إلى افتعال وتأجيج الصراعات العائلية النابلسية المحلية، لكنهم فشلوا وبقي بسّام رقمًا صعبًا وعلمًا حاضرًا في كل واقعة وحدث، واسمًا وازنًا على كل منصة ومنبر .

لم يخفِ بسام انتماءه السياسي العروبي القومي الناصع، فاستغلّ الوشاة والمغرضون صدقه وأشاعوا أن ولاءه أولًا لسوريا ولبعثها، على حساب فلسطين وشعبها؛ إلا أنه لم يلتفت إلى تلك السفاهات، ومضى على طريق النضال كما تشهد حياته الزاخرة بالتضحيات الجسيمات.

قالوا عنه أنه ارستقراطي وابن لعائلة مترفة ؛ فلم يكترث لذلك أيضًا، بل وقف في وجه العاصفة وتصدّر الميادين؛  وأقام مع رفاق الدرب  "لجنة التوجيه الوطني" التي شكلت دعامةً لمشروع التحرر الوطني الفلسطيني ووتدًا ثبّت دور منظمة التحرير الفلسطينية وما عنته من وحدانية تمثيل الشعب وأهداف كفاحه الوطنية.

عرف أعداء فلسطين أهمية قائد مثل بسام الشكعة وقوة تأثيره الشعبي، وبعد أن فشلوا في إسكاته وفي ثنيه عن مواصلة الكفاح ضد الاحتلال وضد أعوانه، حاولوا منع الناس من التواصل معه، فنصبوا على باب بيته في نابلس حاجزًا عسكريًا، كانت مسؤولية جنوده التنكيد على من يدخل لزيارته ومن يخرج منها. أرادوا ترهيب الزائرين فكانوا يسجلون أسماءهم وتفاصيلهم الخاصة حتى يلاحقوههم. لقد فشلوا مرة أخرى ولم يحققوا اهدافهم بل على العكس تمامًا، فأعداد الزوّار، رغم التنكيل، كانت تتزايد، وبقيت دار بسام عنوانًا للأحرار وللناس وبقي صاحبها "أبًا للنضال" .

شكّل بسام الشكعة، مع ثلة من القادة الوطنيين الفلسطينيين، حالة متميّزة في تاريخ الكفاح الفلسطيني دامت لسنوات طويلة ؛ كنت أنا شاهدًا على جزء مما كانت تعنيه تلك التجربة الفريدة حين اعتُمدت، في بداية ثمانينيات القرن الماضي، من قبله ومن قبل رفيق دربه، الراحل الكبير وحيد حمد الله، رئيس بلدية عنبتا، لأكون محاميًا للدفاع عن أصحاب الأراضي التي صادرها الاحتلال بحجة أنها "أراضي دولة".

تابعت معهما عشرات القضايا وشاهدت بأم عيني كيف كانا ينتفضان اذا سمعا بأمر مصادرة جديدة أو بخيانة صاحب أرض ضعفت ذمته فسرّب أرضه للمستوطنين. لم تكن الخيانة، في ذلك العصر، عنده وعند أترابه ، القادة الوطنيين، مسألة فيها وجهة نظر .

لقد كانوا قادة أوفياء، فشكّلوا مظلّةً وطنية واقية وحصنًا منيعًا حموا تحت سقفه من كان يلجأ اليهم، وعلّقوا على جدرانه سورًا أفادت كيف تكون التضحية سموًّا والعطاء فريضة والوفاء للوطن عربونًا للخلاص.

لقد عرفته معلّما سياسيًا فذًا يستعين بعقله في الشدائد؛ وخبِرْتُهُ صديقًا وفيًا يعطي من قلبه نبضة ومن عروقه وردة كما فعل عندما تجشم عناء السفر الى بلدتي ليشارك في فرحي.

كان العرق يتصبب من جبين ضيفي العزيز  وهو يمشي ببطء متكئًا على عكازتيه وبرفقته، أم نضال ، شريكته في الكفاح وفي العناء وفي الأمل. عاتبته على المجيء وقد كان عائدًا من جولة العلاج في فرنسا.  ضمّني إلى صدره فشعرت انني أملك الدنيا. 

لا أعرف ماذا تعرف أجيال اليوم عن تلك الملاحم التي سطرها جيل تحدّى، بكبرياء الأحرار ، "جنازير دبابة الفاتحين" وغطرسة الرصاص، فوصل بارودها إلى عتبات بيوتهم.

يبكيني جهل "أجيال اليوم" وقطيعتهم عن ذلك التاريخ الناصع من حياة شعبنا؛ ويقلقني فقدانهم لجهات الريح وليواطر الأمل؛ فلقد ضحّى بسام الشكعة، وأمثاله، من أجل استقلال فلسطين والعيش في ربوعها بكرامة، وقاوم بصلابة لم تلن؛ وحتى عندما قطع بارود الفاشيين ساقيه، مضى ماشيًا نحو الشمس بقامة من نور وبعزم من نار.

لقد عرفته انسانًا وقائدًا وصديقًا، فلسطينيًا روى بدمائه تراب الوطن/ نابلس التي أحبها وعاش فيها وسيبقى؛  فالعظماء يرحلون، لكنّهم لا يموتون لأنهم دموع السماء الزكية الأزلية.

 

Attachments area

 

 

ليل هبة البارد والطويل

جواد بولس

 

لم أحمل لها بشارةً، لكنني وعدتها بزيّارتها قريبًا في سجنها، ووعد المحامي للأسير الأمني أمانة يجب أن توفى مهما كانت الظروف. وصلت بوابة معتقل الجلمة في ساعات الظهيرة ، كانت شمس الجليل قريبة من رأس جبل الكرمل، وكان الحَرّ على الأرض شديدًا. عرّفت عن نفسي فأدخلتني السجّانة إلى غرفة الاستقبال وطلبَت، بأدب، أن أنتظر لأنها أخبرت المسؤولين بوجودي، وهم يفحصون مع الجهات المسؤولة إذا كانت لدي موافقة لزيارة الأسيرة هبة اللبدي.
غرفة الانتظار ضيقة. يوجد فيها كنبتان وجهاز كهربائي يضخ الماء البارد والساخن، لكنني لم أتشجع على استعماله رغم شعوري بالعطش. كنت لوحدي. لم أشعر بالضجر، فشاشة هاتفي الذكي كانت جليستي الظريفة، بينما أبقاني ضجيج أبواب الحديد، وهي تفتح وتغلق بغضب وبوتيرة لافتة، في حالة تأهب مستمر وقلق. توجهت، بعد نصف ساعة من الانتظار، إلى السجانة مستوضحًا عن أي جديد، فأخبرتني بوجود موافقة على زيارتي، ولكنها تنتظر وصول السجان الذي سيرافقني إلى داخل المعتقل لأنه يتناول وجبة غذائه.
أعرف غرفة الزيارة في معتقل الجلمة جيّدًا، فهي تشبه كشك هاتف عمومي قديم يتسع لشخص واحد. يجلس فيها المحامي على كرسي وأمامه فاصل زجاجي سميك متعب للنظر ، ثم يتلوه فراغ ينتهي بشباك مقطع بمربعات حديدية صغيرة ستجلس من ورائها الأسيرة. على يميني هاتف سأتواصل بواسطته مع موكلتي، وورائي باب حديدي يذكرني بأبواب خزنات البنوك القديمة، أو بقصص الأقبية التي قرأنا عنها في روايات الإثارة الشهيرة.
حاولت أن استغل وقت انتظاري بترتيب ما سأقول لهبة، وكيف سأعيد إليها الثقة والأمل، خاصة بعد شعوري عندما قابلتها قبل أيام في قاعة محكمة عوفر، بأنها تائهة ولا تعرف ماذا يحصل معها وكيف ستخرج من هذا النفق المظلم. لم يكن معي سوى بضع أوراق نشرنا فيها شهادتها حول ظروف اعتقالها، كنت أقرأ التفاصيل وأشعر بما عانته بعد أن جاءت تحمل أملًا، فعاشت كابوسًا بشعًا لم ينته بعد. كانت هبة اللبدي في طريقها من عمان إلى فلسطين، برفقة أمها وخالتها، لحضور زفاف قريبتها عندما اعتقلتها قوات الأمن الاسرائيلية، في العشرين من أغسطس الماضي، على نقطة الحدود مع الأردن، حين وصلت جسر الملك حسين في الساعة التاسعة صباحًا، وكانت تحلم بقضاء خمسة أيام من الفرح في أحضان عائلتها. فصلوها عن أمها وأدخلوها إلى غرفة جانبية وقاموا بتفتيشها وهي شبه عارية، بعد أن رفضت إنزال ملابسها الداخلية. عصبوا عينيها وقيّدوا رجليها ويديها ونقلوها إلى معسكر جيش قريب. أبقوها في الشمس لمدة نصف ساعه ثم أدخلوها إلى غرفة فيها مجندتان. فتشوها مرّة أخرى وسألوها عن صحتها. كانت هبة مضطرّة لقضاء حاجة خصوصية، لكن الجندية رفضت إبقاءها وحدها، وأصرّت أن ترافقها، فدخلت معها غرفة المرحاض الضيقة. شعرت هبة بحرج شديد وعانت، وهي تمر بظرف صحي طارئ، من انتهاك بشع لخصوصيتها.

وعدتني أن ترجع إلى زنزانتها لتحلم بالزنابق، ووعدتها أن نبقى معها

نقلوها إلى معتقل المسكوبية ثم إلى معتقل بيتح – تكفا الذي وصلته بحدود الساعة الثامنة مساءً. كانت منهكة جدًا وتعاني من تبعات حالتها الصحية. لم تسترح في زنزانتها سوى نصف ساعة، جاءوا بعدها وأخذوها لجولة التحقيق الأولى، التي استمرت حتى ساعات فجر اليوم التالي. قضت على هذه الحالة مدة ستة عشر يوما من دون أن تقابل محاميها. كانت معظم جلسات التحقيق معها تمتدّ إلى ساعات طويلة وتتمّ وهي مقيّدة ومربوطة إلى كرسي مثبّت في الأرض. كادت تفقد وعيها أكثر من مرة لولا نوبات الآلام في ظهرها وصراخ المحققين الذين كانوا يحيطونها بكراسيهم القريبة ويتعمدون ملامسة رجليها. كانوا يستفزونها بالشتائم ويتفّون عليها ويصفونها بنعوت مهينة ويهددونها باعتقال اختها وامها، وبابقائها في الزنازين حتى تتعفن.
لقد مارسوا ضدها كل ضروب التحقيق، فحتى لعبة المحقق الجيد والمحقق السيئ جربوها، وتركوها، أكثر من مرة، في زنزانة صغيرة قذرة ومليئة بالحشرات، حيث كانت تصحو أحيانًا والصراصير والنمل على ملابسها. كانت حيطان الزنزانة إسمنتية وخشنة والفرشة رقيقة وبدون غطاء ووسادة، والضوء مشتعل طيلة الأربع والعشرين ساعة، والتهوية معدومة والرطوبة غير محتملة. كان الحمّام كالقبر والأكل ليس كأكل البشر، وكل وسائل التعذيب والقهر كانت مجازة في سبيل إكراهها على التوقيع على الاعتراف والإدانة.
لم تعترف رغم قساوة التحقيق، فنقلت من هناك إلى سجن مجدّو وبعده إلى معتقل الجلمة، ثم أعادوها إلى زنازين بيتح – تكفا، حيث أكملت فيها مدة خمسة وثلاثين يومًا من دون أن يحصل محققوها على أي أثبات يورطها في أي جرم كان أو مخالفة أمنية. أصدروا ضدها، في الرابع والعشرين من سبتمبر الماضي، أمر اعتقال إداري لمدة خمسة شهور ، بذريعة أنها تشكل خطرًا على أمن المنطقة وعلى سلامة الجمهور. فوجئت هبة بهذا القرار، فأعلنت بعد يومين منه اضرابًا كاملًا عن الطعام محتجة على استمرار اعتقالها ومطالبة بالافراج عنها وبإعادتها إلى موطنها الاردن.
لم أشعر بأن سجانًا كان يقف ورائي حين كنت أراجع التفاصيل وانتظر قدومها. فجأة سألني، فتوقفت عن متابعة باقي فصول قصة العذاب: هل تتذكرني؟ وأردف، قبل أن يسمع ردي السلبي، بأنه يعرفني منذ أكثر من ربع قرن حين كان يرافق الأسرى الفلسطينيين من وإلى المحاكم العسكرية. أأشفق عليك؟ قلت له بما يشبه الدعابة، فأنت، على ما يبدو، محكوم أكثر من أسراك بالمؤبد، لأنك تنام في بيتك وتحلم بالسجن وبطرطقة أبوابه الحديدية ووقع المفاتيح على الأقفال، بينما ينام الأسرى الفلسطينيون ويحلمون بالحرية، ويشعرون بدفء فراش امهاتهم وبحنان زوجاتهم. رأيت في عينيه وميضًا يشبه نوبة الغضب، أو ربما إشارة النعم. لم يجبني فقد تراجع وأغلق عليّ الباب لأبدأ زيارتي لهبة.
أدخلتها سجّانة شقراء، بدت غير ودودة، وأقعدتها على الكرسي وراء ذلك الشباك الحديدي المقطّع. كانت يداها مقيدتين وفي يمناها زجاجة ماء بلاستيكية. طلبتُ فك قيدها قبل بداية اللقاء، فعادت السجانة وأفهمتني بلهجة عاتبة انها تعرف وظيفتها.. وفكت القيد. باشرتني هبة بابتسامة بعثت في نفسي طمأنينة، واخبرتني انها ما زالت مضربة عن الطعام وترفض أن يفحصها أي طبيب. صار صوتها أخفض وفيه مسحة حزن وغصة، فهي قلقة وتريد أن تعود إلى أحضان عائلتها والوطن. كانت رغم الوجع في صوتها صلبةً وسخرت من معذبيها، فحتى عندما أخبرتني انها لم تستحم منذ حوالي الاسبوعين ضحكت كما تضحك الفراشات.
أخبرتها أننا ما زلنا ننتظر قرار قاضي محكمة عوفر العسكرية في طلب النيابة بتثبيت امر اعتقالها إداريًا لمدة خمسة شهور بحجة انها تشكل خطرًا على أمن المنطقة. لقد حضرت هبة الجلسة التي انعقدت في الاسبوع الماضي وسمعت كيف أحرج محامي الدفاع ممثلَ النيابة حين سأله، إذا كان السبب في استمرار سجنها هو خطورتها على أمن المنطقة، فلماذا لا يطلق سراحها لتعود إلى وطنها الاردن حيث لن تشكل خطرًا عليكم؟ لم يتلقّ القاضي إجابة واضحة، فأمر بضرورة حضور من ينوب عن جهاز المخابرات العامة عساه يزوّد المحكمة بردّ شاف على هذه المسألة.
سمعتني بهدوء. حاولت أن أطمئنها فأعلمتها بأن تفاصيل قصتها نشرت بشكل واسع، وأن الاخبار أفادت بأن الاردن يطالب، بشكل رسمي وحازم، بالافراج عنها، ونحن نتوقع أن يحصل ذلك قريبًا. وعدتني أن ترجع إلى زنزانتها لتحلم بالزنابق، ووعدتها أن نبقى معها وبأنني سأطالب الآن إدارة المعتقل بنقلها كي تستحم في حمام لا يوجد فيه رقابة كاميرات كما يوجد لديها. طبعتُ كفي على الزجاج مودّعًا ففعلت مثلي وتواعدنا أن نلتقي قريبًا. قابلت مدير المعتقل وشكوته سوء حالتها، فأمر، بدون تردد، أن تنقل إلى «حمّام آمن».. وملائم. شعرت بحمامة تحط على كتفي .عدت مسرعًا إلى القدس كي أصل إلى بيتي قبل البدء بإغلاق الطرقات، كما يفعلون في كل يوم غفران فيُذيقون أهل القدس الشرقية طعم العيش في الجيتوات..
وهذه قصة أخرى.
كاتب فلسطيني

 

 

خوف ورياء وقتل

جواد بولس

 

في حادثة دامية بين مجموعتين من سكان قرية مجد الكروم الجليلية، يوم الثلاثاء المنصرم، قتل شقيقان وجرح آخرون ما زالوا يتلقون العلاج في أحد المستشفيات الإسرائيلية. قد تكون هذه الجريمة تدبيرًا ساخرًا من أحابيل القدر، أو نقرة من مهمازه الأزلي على خاصرتنا الضعيفة الدامية، فلقد وقعت الحادثة البشعة بالتزامن مع الفعاليات الشعبية، التي أعلنتها بعض البلدات العربية، احتفاءً بذكرى مرور تسعة عشر عامًا على «هبة أكتوبر» التي قتلت فيها شرطة إسرائيل، في اكتوبر/تشرين الأول عام 2000، ثلاثة عشر مواطنًا عربيًا.
كانت ردود فعل الشرطة على المظاهرات التي انطلقت في عدة مدن وقرى عربية، احتجاجًا على دخول شارون إلى المسجد الأقصى، واستفزازه الذي أدّى إلى تفجير انتفاضة القدس والأقصى، وحشية واجرامية، حتى إنها أجبرت، في حينه، المؤسسة الحاكمة على إقامة لجنة تحقيق رسمية برئاسة قاضي المحكمة العليا ثيودور أور، فصارت اللجنة تعرف باسمه. حظيت توصيات اللجنة بقليل من الاهتمام ومن المتابعة، ثم أهملت رغم أهميتها، شأنها شأن كثير من الوثائق ذات العلاقة بواقعنا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل.
وقد كُتب الكثير عن تلك الأيام السوداء، وعن تداعياتها الخطيرة، ثم مرت السنون ولم نعد إليها إلا من باب استحضار الذكرى السنوية والتأكيد فيها مجددًا على ما أجمع عليه معظم المحلّلين والمفكرين والمثقفين بيننا، حين وصفوا، وقتها، ما قامت به قوات الأمن كشارة لإعلان حرب سافرة، تستعدي فيها الدولة عرقيًا خُمس مواطنيها من العرب. لا يختلف عاقلان على صحة هذا التوصيف، الذي كان صحيحًا في حينه ولم يزل، فشرطة إسرائيل نفّذت خلال العقود الماضية ضد الأقلية العربية سياسات الحكومات المتعاقبة العنصرية والقامعة، وطوّرت اتجاههم، من جهتها، مفاهيم منهجية، صارت في السنوات الأخيرة أكثر تطرفًا ودموية، ولكن اكتفاءنا، بالمقابل، بترديد هذا التشخيص من على كل منصة، ومع سقوط كل قتيل بنيران بعضنا، فيه قرينة على عجز مجتمعنا عن مواجهة الأسئلة الصعبة، أو ربما على استسلامه أمام حكم السكين وقضائه، وفي الوقت نفسه فيه دلالة على ضعف القيادات وبعض النخب الفاشلة في تأدية أدوارها الحقيقية، وفي حماية الناس وتأمين سلامتهم وأمنهم الفردي.
لقد احتضن تراب الوطن، منذ أحداث اكتوبر عام 2000، جثامين ما يقارب الألف وأربعمئة رجل وامرأة، كانوا قد ولدوا وتربوا على أحلامه/أوهامه، ولكنهم قتلوا بخناجر ورصاص أشقاء لهم كبروا، مثلهم، في أحشائه. كان سبتمبر/أيلول الأخير من خوفه أشد أصفرارًا، وناحبًا من كمية النزف، ففيه لوحده أردى أبناء مجتمعنا «المعطاء» أرواح ثلاثة عشر من بنيه وبناته الطيبين، في ما قد يعتبر تخاطرًا حزينًا أو مستفزًا يحاكي عدد قتلى ذلك الأكتوبر المجيد.
تقاس الأمور بخواتيمها، أو في قاموس الشقاء بعدد الضحايا المزهقة أرواحها، وهذا ما يدفعني، اليوم، إلى أن أطرح مرّة أخرى، تساؤلي المرهِق والملحّ، من أين وكيف سيأتينا الفرج والنجاة، ما دمنا نعلق على «صدر بيتنا» بقداسة مخدوشة شعارنا «لا للعنف لا للقتل ولا للجريمة» ونكمله «بعجز» وشعار «لا للشرطة اللعينة»؟
عشرون عامًا مرت وأكتوبر ما زال بضحاياه «مجيدًا» كأيلول وباقي فصول الندم.

إذا كان دور الشرطة في الأزمة الحالية وجهًا للهزيمة، فإن فقدان مجتمعاتنا لمعظم مظلاته الاجتماعية والسياسية الذاتية الواقية، يعدّ وجهها الثاني

كان هذا الأسبوع ثقيلًا علينا. غزت أخبار رصاصه القاتل في القرى والمدن العربية المواقع الاخبارية وخلقت جوًا من الرعب المستفز. دعت، في أعقاب موجة القتل الاخيرة، لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب في إسرائيل، إلى عقد اجتماع طارئ في قرية مجد الكروم المكلومة، وأعلنت في أعقابه الإضراب العام في جميع مرافق الحياة في مواقعنا العربية. أخطأ من انتقد قرار الإضراب هذه المرّة، فنحن بحاجة إلى موقف قيادي صارم، يستجلب حوله التفافًا سياسيا شعبيا واضحا، ويكشف للملأ قوة الوحدة التي بدونها لن ينجح المجتمع بتحجيم ظاهرة العنف ومواجهة حالات القتل المنفلت. من الواضح أن الاكتفاء بخطوة الإضراب لوحدها لن يحقق ما نرجو وما ننتظر، بل سيعيدنا إلى مواجهة الاسئلة الوجودية الحقيقية الصعبة. لقد تطرق الكثيرون في الماضي إلى جذور ظاهرة العنف، وشخّصوا أسباب تفشيها في مجتمعنا، على اختلاف وتنوّع مصادرها، وعلى الرغم من كثرة المؤتمرات التي عقدت، والدراسات التي أنجزت، لم ينجُ المجتمع من مخلفات ظواهر العنف ومن حالات القتل المتزايدة.
إذن، ليست مشكلتنا في تشخيص حالتنا أو في اكتشاف ما أدّى إلى ولادتها وانتشارها، فمجتمعنا صغير وعدد قرانا ومدننا العربية محدود، والكل منا يعرف، كما تعرف الشرطة، ما يجري في كل حارة وشارع وقبو، لكننا مجتمع مأزوم ومشلول لأنه مصاب بداءي الخوف والرياء. لقد دفع غياب الشرطة عن ساحات الجريمة وإهمالها المتعمد وعدم ملاحقتها للجناة، شرائح كثيرة من المجتمع إلى العزوف عن الشؤون العامة، وإلى عدم الاكتراث بما يجري في الحيزات الرحبة ومن ثم إلى التجائهم نحو العيش بفردانية، زودتهم بشعور موهوم من الأمان الفردي.
واذا كان دور الشرطة في الأزمة الحالية وجهًا للهزيمة، فإن فقدان مجتمعاتنا لمعظم مظلاته الاجتماعية والسياسية الذاتية الواقية، يعدّ، بلا شك، وجهها الثاني. وإذا كان الخوف سيّد العجز المستشري بيننا، فالمداهنات الاجتماعية والسياسية لبعض آباء ومولدي مفاعيل العنف ومنابته القاتلة تعدّ، بدورها، مفقسته الدافئة. لن ننجح في الخروج من أزمتنا الخانقة اذا استمررنا في معالجتها بالأساليب الفاشلة نفسها. ولن يكون من الصعب ابتكار وسائل دفاعية وهجومية جديدة، إذا عقدت القيادات الصادقة عزمها على فعل ذلك، أما أنا فسأساهم ههنا بتقديم مقترحين، على أمل أن يساعدا ذوي الشأن على التقدم إلى الامام ولو خطوة واحدة.
*الأول ، تشكيل مجلس طوارئ أعلى، على ألا يكون بين أعضائه سياسيون فاعلون في أحزابهم وفي مواقعهم الفصائلية. يكلف هذا المجلس بوضع خطة للتواصل مع جميع مؤسسات الدولة وفي طليعتها وزارتا الأمن الداخلي والقضاء، بهدف إجبارهم/ إقناعهم على القيام بواجباتهم تجاه حماية أمن المواطن وسلامة المجتمع. كما يجب الاتفاق والتوافق على ضمان طريقة للتواصل الصحي بين هذا المجلس وباقي المؤسسات القيادية في مجتمعنا.
*والثاني ، تشكيل طاقم من الخبراء والفنّيين، بدون الكشف عن أسمائهم، وتكليفهم بوضع خريطة مفصلة لبؤر العنف الناشطة بيننا، ومصادره وارفاقها بمقترحات عملية غير تقليدية لمواجهتها.
لسنا أول مجتمع يواجه هذه الظواهر ويعاني من نتائجها، فقد جربتها قبلنا أمم أخرى واضطرت إلى معالجتها بوسائل استثنائية، أملتها أجواء الخوف السائد واحتمالات الانتقام الفردي، وأملاها كذلك تقيّد الأطر السياسية القيادية التقليدية الفاعلة في أحزمتها الهوياتية المتخثرة، وتخبطها في التناقضات القائمة بين مصلحة المجتمع المدنية الآنية وسلامته وآماله السياسية المستقبلية.
كاتب فلسطيني

 

 

العرب في

 إسرائيل بين نارين

جواد بولس

 

تتوالى الأخبار علينا كزخات الماء في غابات المطر؛ فما أن انتهت القوائم من مقابلة رئيس الدولة، حتى انشغلنا بخروج حزب التجمع عن موقف حلفائه في القائمة المشتركة، وامتناعه عن ترشيح غانتس لتركيب الحكومة المقبلة. دارت النقاشات وتباينت الآراء، فحذّر البعض من إرساء سابقة ستجيز لكل حزب أن يخرج في المستقبل عن إجماع رفاقه، ما سيضعف الوحدة ويضعضع متانتها، وذهب آخرون إلى أن الخطوة كانت محكمة وتمّت بالتنسيق مع حزب كاحول- لافان، ثم أعلنت لجنة الانتخابات العامة النتائج النهائية، فربح حزب الليكود مقعدًا على حساب حزب يهدوات هتوراه.
وفي المقابل بموازاة ذلك كلّه لم تنقطع أخبار سقوط القتلى في قرانا، حتى وصل عددهم إلى ثمانية في أربعة أيام فقط. إننا نعيش في عالمين؛ تبني شاشات التلفزيون والحواسيب أوّلهما بينما نواجه الثاني في جميع لحظات حياتنا وفي كل خطوة نخطوها. لم تنتبه جمانة حينما كانت تفتش مع صديقتها على زاوية آمنة في أحد المقاهي الشهيرة في المركز التجاري الكبير، للرجل الذي كان يجلس إلى الطاولة المجاورة وراءهما. سمعهما تتحدثان بالعربية فقام عن كرسيه واقترب كثيرًا وسألها بلهجة عدائية «هل أنت مع القائمة المشتركة؟». كان رجلًا في الخمسينيات من عمره يلبس بنطالًا قصيرًا لونه أزرق مخططًا بالأبيض وفوقه سترة بلون صدأ النحاس؛ لاحظت، عندما رفع يده في وجهها، أن ساعده مطوّق بساعة رياضية لون حزامها أصفر، وقريبًا منها كان خنصره يختنق بخاتم بارز يشبه خواتم سماسرة القمار والرهانات الكبار.
«هل يزعجك انني مع القائمة المشتركة؟» سألته جمانة. لم يدعها تكمل جملتها وراح يصرخ في وجهها ويشتمها ويطالبها بأن تترك إسرائيل وتعود إلى غزة؛ «عودي إلى هناك على جمل فأنتم لا يليق بكم إلا الجمال». كان شرسًا ومخيفًا وحين استقام ودفع صدره إلى الأمام، بدا لها لون وجهه كالنبيذ الرديء الذي يميل إلى حمرة قانية تخفي سمرة هي لون وجنتيه الشرقيتين الأصلي. بدأت جمانة وصديقتها تتحركان نحو باب المقهى وهو يلحق بهما. ربما كان في عقده السادس، شعره أبيض خفيف يغطي جانبي رأسه وعيناه مدورتان كعيني ذئب جائع. «إذهب أنت من حيث جئت» أجابته بثقة صاحب البيت. غضب حتى صار كلامه أكثر حدة. نظرت جمانة نحو امرأة سألتها عما يحدث فحاول أن يضربها من الخلف ولكن صديقتها مدّت ذراعها وصدته. أنهت جمانة قصتها الموجعة، حين كانت الشاشات تنشر خبرًا عاجلًا عن تكليف رئيس الدولة ريفلن لنتنياهو بتركيب الحكومة.

كان المناخ السياسي مقلقًا وخطيرًا وبسببه اختارت الأحزاب والحركات السياسية أن تتبنى نهجًا نضاليًا وحدويًا

لم يكن الخبر أمرًا مفاجئًا أو قرارًا غريبًا؛ فبعد أن تبيّن أن الناخبين الإسرائيليين لم يحسموا خياراتهم بشكل قاطع، وبعد أن اتضح أن صناديق الاقتراع أنتجت واقعًا سياسيًا معقدًا وملتبسًا، وبعد أن استرجع نتنياهو هوامش واسعة تساعده على المناورة وتتيح له فرصًا لاستعادة مكانته، كالرجل القوي القادر على قيادة معسكر اليمين العنصري والفاشي، بعد كل ذلك فقد صار محتملًا أن نفيق لنجد أنفسنا، نحن المواطنين العرب، واقفين في محطة القطار السريع نفسها التي كنا على رصيفها قبل السابع عشر من سبتمبر/أيلول الجاري. بدأنا نناقش تداعيات الخبر وفي الجو شعور من الخيية أو ربما الخوف؛ لقد أحسست، هكذا قلت لأصدقائنا، ساعة أعلن الفرقاء عن بناء القائمة المشتركة من جديد، أن جميع من سعى في سبيل إنجاح المهمة كان مدفوعا بوازع من ضميره الوطني وبشعوره /خوفه من فداحة الهزيمة الكبرى التي كان سيمنى بها مجتمعنا، لو خضنا الانتخابات ونحن على حالة التشرذم التي كانت سائدة، وفي أجواء الاقتتال الفصائلي التي خاضتها معسكرات حزبية هرمة، وجنود كانوا يبيتون على حافة اليأس والتيه. فهل سيذهب كل ذلك سدى؟
لم يخفِ نتنياهو وحلفاؤه، في السنوات الأخيرة، شروطهم المستفزة لقبولنا كمواطنين في الدولة؛ ولم يتركوا لأي عاقل منا أي فسحة للوقوع في الخطأ أو للمغامرة بنزق؛ ففِرق الموت، التي أنعشها تحريضه وتحريض حلفائه، أنجزت رحلات صيدها جهارة، ولاحقت فرائسها في الشوارع، وفي الحدائق العامة وفي الشطآن، وفي المراكز التجارية؛ ولم توفر، على الجبهات الأخرى، كتائب الأمر بالطاعة وفرض الولاء جهدًا في محاصرتنا في الكنيست وفي الوزارات وفي المحاكم و»قراقيشها» .
كان المناخ السياسي مقلقًا وخطيرًا وبسببه اختارت الأحزاب والحركات السياسية أن تتبنى نهجًا نضاليًا وحدويًا، فاصطفوا جماعةً وراء شعار الحملة الانتخابية الأبرز والأهم وهو، «إسقاط نتنياهو ومعسكره والتصدي لنهجهم»، مؤثرين السير في طريق ضيق يجمعهم بدل أن يتمترسوا آحادا في خنادق الوهم الوسيعة، أو التحليق على أجنحة رعودهم المهيضة. أجمعنا على أن ما أحرزته القائمة المشتركة يعد إنجازًا ، خاصة إذا تخيلنا بدائله وتأثيرها على مستقبلنا. تحاول بعض الجماعات التي قاطعت الانتخابات أو بعض الناقدين والمحللين تحميل القائمة المشتركة المسؤولية عن نتائجها، وفي هذا تجنٍّ وتنكر للمكاسب التي تحققت، حتى لو اعتبرناها متواضعة؛ ويهاجم البعض المشتركة متهكمًا على وحدتها الهشة، أو شامتًا أو مزايدًا على موقفها بعد الانتخابات. أما المؤسف أنهم يفعلون ذلك وهم واقفون على الضفة، ويصفقون للسيل رغم انه يجرف نبتهم ويهد قبابهم؛ فنحن لم نسمع من جميع من تفّه تجربة المشتركة الأخيرة، كيف عساهم أن يسعفونا، إذا تمكن الجراد الفاشي واستوطن على رقبة الدولة، وما إذا جاءت جحافله لتستتوبنا، نحن العرب، أو لتأمرنا بطاعتهم أو بدفع الجزية للدولة اليهودية، إما عن رضا، وإما ونحن صاغرون؛ أو إذا رفضنا، كيف سنقاتلهم وبأي وسائل؟ لم يقل أحد أن إسقاط نتنياهو ونهجه قد يفضي إلى دحر اليمين الإسرائيلي أو اختفائه، ولم يدّع طرف بأن حزب «كاحول- لافان» ورئيسه غانتس هم زهرات من مشاتل اليسار.
كان واجبنا ولم يزل أن نتصدى للطرف الأسوأ وأن نحاول صد الأخطر؛ ومن لا يرى في معسكر نتنياهو انه أخطر الخطرين، فهو إما غاف أو حالم ينظر للواقع بعين من زجاج أو من سراب، ومن يستخفّ بما يُعدّونه لنا فليقرأ كيف نجحت كتائب الموت السوداء، في بناء أمجادها في برلين من جماجم ناس حالمة، ومن نوايا أناس قامروا على طيبة غيب شيمتُه الغدر. لم تكن القضية بالنسبة لنا ولن تكون أي اليمينين حليفنا؛ فأمامنا كل الجهات عدم، والواقع كالسيف مشهر، إما في حلوقنا أو في أيادينا؛ ولا خلاص لنا ولا خُلاصات إلا في تعاليم الندى للعطش أو في رقص الديوك، أو في العشق على طريق النحل والصدى. كان إغواء الصلاة في الشرق مذ سحرت عشتار صدر الفجر وأرقصت مزامير داوود خواصر العذارى، ومذ أغشت عصا موسى عيون المدى.
الأحلام جميلة لكنها لن تحصل بلا نوم، والنوم في مواقعنا عسير بدون هدأة البال والاستقرار؛ والأشجار تموت واقفة لكنها أبرك وأفيد وهي خضراء ماوية؛ فلا وقت لدينا للمزايدات ولا لليأس؛ ومن يرى الفاشية غيمة عابرة، فليقنع ويكتف بلعنها من شرفته ولينتظر حبر القمر؛ ومن يراها نزوة عربيد ثمل، فليحاول إغراقها بالبصاق أو فليدع عليها بالبرص. نحن بين نارين، نار أعدائنا ونارنا، وستكون نجاتنا ممكنة إذا أطعنا عقولنا وتخلينا عن مداعبة القدر.
اتصل مئات الأصدقاء، يهودًا وعربًا، بجمانة وبنا ليعبروا عن تضامنهم وعن شجبهم للاعتداء عليها وعلى صديقتها. بعضهم حثنا على تقديم شكوى لدى الشرطة مع أن معظمهم أكدوا أنها لن تفيد. كان مريحًا أن نشعر بوجود الأصدقاء والحلفاء بين ركام الحطام، وجميلًا أن نسمع إنهم يحبوننا وإنهم يشعرون مثلنا كضحايا يجب أن تنتفض إزاء فكي وحش لاحق جمانة في المقهى، لا لأنها عربية فحسب، بل ولأنها صوتت للقائمة المشتركة.
كاتب فلسطيني

 

 

خلاصات أولية

من معركة لم تحسم

جواد بولس

 

 انتهت المعركة الانتخابية الإسرائيلية وظهرت خريطة الأحزاب الفائزة بها، وكذلك قائمة النواب الذين سيمارسون أدوارهم على مسرح السلطة التشريعية، التي ستتولى، بعد إعلان لجنة الانتخابات المركزية عن النتائج النهائية، تنفيذ مهامها الجسيمة، وفي طليعتها تحديد شكل نظام الحكم في الدولة. كذلك فإنها ستحدد علاقات مؤسساتها السيادية مع جميع المواطنين، وبضمنهم نحن المواطنين العرب، لاسيما بعد أن كنا، لسنوات طوال، حطبًا يُحرق على مذابح عنصرية جشعة خُصبت فيروساتها في دهاليز الكنيست، وأطلقت من على منابرها لتبعث نيرانًا قاتلة في الشوارع وفي فضاءات الدولة.
قد تُعد الكتابة، عن معركة لم يركد غبارها بعد، مغامرة عجِلة أو اندفاعًا يستبق العواقب؛ لكنني سأتطرق في هذه المقالة إلى بعض الخلاصات الأولية التي تكشفت معالمها مباشرة بعد صدور النتائج شبه النهائية. وأرى الحديث عنها ممكنًا لأنه لا يرتكز على دقة الأرقام، وعلى مؤشراتها، وأراه ضروريًا لتفنيد مقولات روجها البعض حين أصروا على إقناعنا بأن مهمة التصدي للفاشيين باتت قضية مستحيلة، وبأن محاولاتنا للدفاع عن حقوقنا ونيلها بهذه الأساليب المستهلكة، يشبه جرينا وراء السراب، أو إدماننا على تعاطي الوهم.
حاول الكثيرون تثبيط عزائم الناخبين العرب بحجة أن معسكر نتنياهو عصي على الكسر وأنه يمثل «حالة سياسية ناجزة» لا فائدة من مواجهتها عن طريق «اللعبة البرلمانية» فاقترحوا علينا مقاطعتها من دون أن يعطونا أي بدائل كفاحية عملية لمواجهة مخاطر تلك الحالة السياسية العضال. وبمنأى عما ستفضي إليه نتائج صناديق الاقتراع النهائية، وعلى من سيلقي رئيس الدولة ريفلن مهمة تركيب الحكومة المقبلة، وما سيحصل بعدها، بوسعنا اليوم أن نعلن أن المواطنين العرب ومعهم بعض القوى اليهودية قادرون على إفشال أو على الأقل إعاقة زحف الأحزاب اليمينية الفاشية التي يقودها بنيامين نتنياهو. لقد توقع نتنياهو وحلفاؤه فوزهم الساحق وحصولهم على أكثرية مطلقة تخولهم تركيب حكومة يمينية خالصة، تقف على ساقيها، الديني المتزمت والقومي العنصري ذي النزعات الفاشية الواضحة؛ لكنهم فشلوا بتحقيق ذلك، ويواجهون صعوبات جمة في استعادة سلطتهم المطلقة على سدة الحكم. ويشعر نتنياهو، في الوقت نفسه، بأن احتمالات مقاضاته وحبسه صارت أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.

المواطنون العرب ومعهم بعض القوى اليهودية قادرون على إفشال أو على الأقل إعاقة زحف الأحزاب اليمينية الفاشية

هذه واحدة من خلاصات ما حدث في السابع عشر من سبتمبر/أيلول الجاري، وهي حقيقة واضحة، حتى لو أنكرها الذين نادوا إلى مقاطعة الانتخابات؛ فالأحزاب والحركات السياسية العربية، ومعها عدة قوى يهودية، قادرة على صد نتنياهو وعلى عرقلة مخططاته العنصرية الجهنمية؛ ولو آمنوا بذلك منذ لحظة الإعلان عن موعد إجراء الانتخابات وذوتوا هذه القدرة وعملوا بهديها، لحصلوا على نتائج مغايرة بشكل أفضل، ولتوفرت إمكانيات أكبر للتأثير على مجريات الأحداث وولادة خريطة حزبية سياسية جديدة داخل إسرائيل. لذا فإن جميع الأحزاب مطالبة بإجراء تقييم لمواقفها ونشرها على الملأ؛ فهذا حق للمواطن وحاجة لضمان سلامة العمل في المستقبل.

هل فعلا لا يمكن اختراق الشارع اليهودي؟

لقد ساد في السنوات الأخيرة شعور بأن «الشارع/المجتمع اليهودي» أغلق جميع الأبواب في وجهنا، نحن المواطنين العرب، ويرفض الاستماع إلى مطالبنا والتعاطي مع شكاوينا مهما كانت أساسية ومحقة. هنالك ضرورة لدراسة هذه الفرضية والتحقق من صحتها والوقوف على أسبابها، وفي مقدمتها بلا شك سياسة التحريض الأرعن التي قادها بنيامين نتنياهو نفسه، ومعه أعضاء حزبه والى جانبهم حلفاؤهم من أحزاب وحركات اليمين الفاشي. رغم اتساع ظاهرة استعداء المواطنين اليهود للمواطنين العرب في اسرائيل، شعرنا خلال معركة الانتخابات الأخيرة بوجود بوادر لصدوع في ذلك الجدار الفولاذي؛ فبعد إعادة تشكيل القائمة المشتركة، وانضباط قادتها وسلوكهم بشكل ناضج ومسؤول، وبعد أن نجحوا باستعادة ثقة قطاعات واسعة من الناس بهم وبها، وتحولها إلى عنوان سياسي مقبول لتمثيلهم في الكنيست، شعرنا بحصول تغيير طفيف تجاه شرعية مطالب المواطنين العرب، وتجاه حقوقهم المسلوبة. لقد خلق الالتفاف الجماهيري حول القائمة المشتركة واقعًا سياسيًا جديدًا سرعان ما فرض نفسه، رغم قصر الوقت، على عدة قطاعات وشرائح يهودية صهيونية، حتى اضطرت بعض الشخصيات القيادية والنخبوية والإعلامية أن تتطرق إلى مسألة الوجود العربي داخل الدولة، بمنطلقات إيجابية غير مسبوقة وأن توليه التفاتة، وصلت احيانًا حد «مجاملتنا» ولو بشكل خجول أو مضطرب، كما جاء على لسان النائب جانتس، رئيس حزب كاحول لافان.
قد يستخف البعض بهذه الأصوات ويقلل من أهميتها أو يسخر من صغر أحجامها وتأثيرها؛ لكنني، على عكسهم، أعلق آمالًا عليهم وأطالب القيادات بضرورة التواصل مع جميعهم؛ فمن يرفض التمترس وراء جدار الكراهية العمياء، ومن يصر على الخروج من حظيرة القطيع، ويتوقف عن ممارسة حرفة شيطنة العرب واستعدائهم، هو حليفي وعليّ أن أستميله إلى جانب قضيتي، إذ قد يصبح رفيق دربي. لقد ساهم خطاب رئيس القائمة المشتركة النائب أيمن عودة في استجلاب كثير من المواقف المساندة، وفي صحوة وتغير جهات كانت معادية لنا؛ وهنالك ترقب لما سيفعله وكيف سيطور مواقفه في هذه القضية المهمة، خاصة بعد أن أثبتت قطاعات واسعة من الجماهير العربية وفاءها، إذا وجدت عنوانًا أهلًا له؛ وأثبتت أنها مع قادة أكفاء وخطاب سياسي جريء وسليم، لا تعرف المستحيل ويمكنها اختراق الفولاذ وهدم جدران القمع والحقد والعنصرية.

لنفرح ولكن..

يحق لنا أن نفرح ولو قليلًا فهذا حقنا؛ على أن نتذكر اننا، رغم ما أنجزناه، ما زلنا نواجه في «غرفة الانعاش» المخاطر والأعداء؛ وسواء عاد نتنياهو إلى الحكومة أو لم يعد، سيبقى طريقنا نحو بر الأمان طويلًا وعسيرًا. لقد كانت معركتنا محلية ودارت رحاها حول من سيحكمنا أو يشاركنا أو يطردنا، ولم يكن شأنها صفقة القرن، كما قالوا، ولا همها أي هاجس دخيل أو علم بعيد؛ تصرفنا كمجتمع عاقل وحكيم فنجحنا، رغم جميع المعوقات والعثرات، باستعادة توازننا؛ الذي لن يدوم طويلًا إذا لم تباشر فورًا قيادات القائمة المشتركة وجميع من ساهم في هذه المعركة، في وضع خطة طوارئ تضمن المحافظة على ما اكتسب. علينا أن نتفق على من هم أعداؤنا كي نصل إلى حلفائنا وإلى أصدقائنا، فبدون استخلاص العبر، سنعود إلى بطن العدم؛ وما أشطرنا في ممارسة الخسارة والندم. ستكون مهمتهم صعبة ومعقدة، ولكن بدون أن يتفقوا على قواسم مشتركة تمنع اقتتالهم على كل صغيرة وكبيرة، سيصطدمون قريبًا بعشرات الحواجز والحفر، وسنشاهد مجددًا فصولًا جديدة من سيرة الخيبة والخسارة.
لن تتغير الدولة في تعاملها معنا بضربة نرد واحدة، وقد يكون ما أحرزناه في هذه الانتخابات نصرًا صغيرًا، كان من الممكن أن نجعله كبيرًا لولا نسبة المقاطعين بيننا.
ليس من الحكمة أن ننتظر حتى قدوم معركة الانتخابات المقبلة لنواجه مرة أخرى نداءات المقاطعة؛ فالعمل وفق برنامج مدروس لمواجهتها والتقليل من تأثيرها هو أمر الساعة؛ لأننا نعلم أن لهذه المسألة تداعيات تتعدى قضية المشاركة في الانتخابات.
يتبع..

 

 

الانتخابات في إسرائيل،

يوم الحسم، نداء الواجب

جواد بولس

 

 في السابع عشر من أيلول الجاري سيحسم ملايين المواطنين الاسرائيليين، يهودًا وعربًا، نتيجة الانتخابات العامة، وسيختارون من سيمثلهم في الكنيست القادمة وكيف ستبدو دولة اسرائيل في العقد القادم. وسنصحو، نحن المواطنين العرب، على فجر جديد، يسعى بعضنا لأن يكون مختلفًا، كي يصحبنا نحو كروم الأمل ؛ بينما ، في المقابل، يرى الكثيرون بيننا على أن نهارنا سيبقى باردًا كالموت، لا يحمل ذرة من بشرى ولا بسمة ندى للحالمين.

انها نبوءة الغضب، ينقلها إلينا أولئك الذين ينادون بمقاطعة الانتخابات عن قناعة عقائدية، ويصرّون على أن المشاركة بها تعدّ خطيئة من الكبائر ؛ ويدعو اليها، عن مبدئية هرمة، من يحسبون المشاركة بها اعترافًا بشرعية كيان ما زال في عرفهم، رغم ضياع الحصان، باطلًا ومزعومًا.

"لا تشاركوا أيّها العرب" يعلو ضجيج من يؤمن ألا فائدة نجنيها من هذه اللعبة الاسرائيلية الداخلية التي لن تغيّر نتائجها، مهما كانت، من مرارة واقعنا ؛ فحتى لو سقط بنيامين نتنياهو وحزبه، فلن ترزقنا الصناديق بأحسن منه، لأنه، وفقًا لجميع هذه المدارس، كل اليهود هم صهاينة وكل الصهاينة أعداء أو "جراثيم"- حسب أحد أوصافهم المُستحدثة - وسواسية في الجريمة. وإن وجدنا بينهم "غزالًا" أحمر يدعى "كسيف"  فهو الاستثناء الدال على رواج وثبات القاعدة.

لا تشاركوا أيها المسلمون وأيها العرب" هكذا يهيب نداء الذين يؤثرون تأبط الأماني وهي ترقص على حد الظبات، أو أولئك الذين ينتظرون تفتح الوردة على شرفة دارهم من دون أن يزرعوها في التراب من قبل.

أنا ساغرس، بعد أيام ، حبتي في صدر القدر مؤمنًا أن قليلًا من الاصرار والعمل خير من نهر تنظير وأجدى من قناطير رومانسية طاهرة ؛ سأزرعها وأنا أردد نصيحة السلف الحكيم، بأضافة "ورقة" من القطران فعساها تسعف الجمل !

كانت تلك مقدمة ضرورية لأوضح موقفي من مقاطعة آلاف من  العرب الذين يعيشون في فيء مواطنة اسرائيلية وينأون بأنفسهم طواعية، مدفوعين بعقيدة او بمبدأ او بقناعة انعدام الجدوى، عن ممارسة حقهم الإنساني والأساسي في التأثير على شكل النظام الذي سيحكمهم، وعلى صورته وقوته ؛ مع ذلك فلقد قلت مرارًا انهم يمارسون حقهم  بالمقاطعة وانني لا أكتب هنا ولم أكتب من قبل كي أقنعهم بضرورة التصويت، وذلك رغم اختلافي معهم ورؤيتي بأن مواقفهم تسهل على القوى الفاشية الاسرائيلية تنفيذ مآربها وموبقاتها، لا ضدنا نحن العرب فحسب، بل بحق كل يهودي وصهيوني لا يقف معهم في نفس خنادق الدم؛ فشاهدوا حجم ما تبذله قوى اليمين المستوحش من أجل ثني الناخبين العرب أو تقليص أعدادهم او ترهيبهم او استمالتهم أو تحييدهم بجميع الوسائل والبدع، وفي نفس الوقت محاربتهم  وتخوينهم "لأعدائهم" من اليهود.

لن اقاطع الانتخابات، وأدعو الجميع الى التصويت للقائمة المشتركة مؤكدًا أن كلما زادت قوتها، تنقص قوة أحزاب اليمين الفاشي، وتتراجع امكانياته بتحقيق برامجه السياسية والاجتماعية التي يعلنها نتنياهو وحلفاؤه بشكل سافر. هؤلاء  يوضحون لنا وللعالم أنهم عازمون على "مط" حدود اسرئيل حتى يزنرها النهر والبحر من الخاصرتين، ثم يسقفون دولتهم بأسفار التوراة حتى تصبح مصدر التشريع والالهام السلطاني الأكبر، على ما سيتبع ذلك من استحقاقات حياتية ويومية شرحها لنا في الآشهر الأخيرة عدد من الحاخامين القياديين، مبيّنين حكم الاغيار الغرباء، مثلنا، في دولة يهودية ومصائرهم المترنحة بين الموت الزؤام أو العبودية الخالصة.

يخطيء من يصر على أن اعتبار جميع اليهود صهاينة، ويخطيء كذلك من يؤكد على أن جميع الصهاينة سواسية؛ فهذه التعميمات مرفوضة من الناحية الاخلاقية والسياسية، وهي توازي تمامًا تعميمات العنصريين اليهود ضد العرب او المسلمين او الشيوعين وغيرهم؛ ومرفوضة لأنها تخلق بلبلة كبيرة  بين الناخبين العرب وتساعد على اقناع المترددين والمتأرجحين والتائهين منهم بتبني موقف المقاطعة؛  فما دامت كل الأحزاب اليهودية متشابهة اذن ما الفائدة من التصويت لأحداها وماذا اذا سقط نظام نتنياهو وحلفاؤه من غلاة اليمينيين والمتزمتين الدينيين ؟

وإذا كان جميع  اليهود صهاينة وكل الصهاينة متشابهين، فما الفرق اذن بين سموطريتش وجانتس وزاندبرغ وكسيف ؟ ولماذا لا نقاطع؟  أو لماذا، على النقيض، لا يصوت عشرات آلاف العرب لحزب "كاحول لافان" أو لليبرمان؟ فكلهم في الصناديق "بلاء".

لم يدحض قادة المشتركة بشكل قاطع تلك الدعايات ولم يتصدوا لها صراحةً،  فباستثناء صوت رئيس القائمة النائب ايمن عودة الجريء والقاطع، كان صمتهم كالرصاص أطلقوه على سيقانهم؛ فبدون مواجهة هذه المسائل بشكل حازم وحاسم ستخسر القائمة آلاف المصوتين، ومثلهم من الممتنعين ، وقد يكتشفون ذلك بعد فوات الأوان.

ستحتاج الجماهير العربية، بعد انتهاء الانتخابات، الى أكبر عدد من الحلفاء اليهود والصهاينة، خاصة اذا نجح غلاة اليمينين والمتزمتين المتدينين باقامة الحكومة؛ أمٌا اذا لم ينجحوا فستتسع آفاق تأثير القائمة المشتركة بشكل كبير وستصبح امكانيات تأثيرها على سيرورة العمل السياسي في الدولة واقعية أكثر من أي وقت مضى.

علينا ان نقر بوجود فوارق سياسية واجتماعية كبيرة بين الأحزاب الصهيونية وحتى بين الشخصيات القيادية في داخلها ؛ فعندما يصرح،  بني بيغن ودان ماريدور ودان تيخون، مثلًا، وهم ثلاثة رموز بارزة في تاريخ حزب الليكود، وأعمدة تاريخية في الحياة العامة الاسرائيلية، عن رفضهم التصويت لنتنياهو ولحزب الليكود، لا يمكننا إغفال هذا المنعطف والاستخفاف بمعانيه، خاصة اذا فهمنا انهم يخشون على مصير نظام الحكم الديمقراطي في دولتهم.

قد يقول قائل ان ديمقراطيتهم ليست ديمقراطيتنا، وأن تاريخهم كقادة يمينيين تقليديين ما زال ينبض، وأنهم كانوا شركاء بما نفذه ذلك اليمين في حقنا وحق ابناء شعبنا الفلسطيني، فكل هذا صحيح لكنني  لن استخف بما قالوا، فاذا خاف هؤلاء من الآتي فما عسانا ان نفعل؟  وكيف نتصرف؟ نفتش عن حلفاء ونوجدهم.

اعرف ان كثيرين لن يوافقوني الرأي وبعضهم قد يشرع بحفلة تطبيل وتزمير لن أعيرها أي اهتمام؛  لأنني أفضل التحديق في واقعنا ومحاولة قراءة حاضر هؤلاء القادة على ان اكتفي بنبش مواضيهم.

الشيء بالشيء يذكر وفي التاريخ لنا عبر ، فقد يفيدنا ان نتذكر قفزة الجنرال ماتي بيلد المثيرة والكبيرة عندما تحول من بطل في حروب اسرائيل الى حليف مؤسس "للحركة التقدمية" وشريك فيها مع اهم الشخصيات القيادية القومية  العربية التي نشطت  بيننا.

لقد دعوت أولًا إلى ضرورة المشاركة في التصويت والى دعم القائمة المشتركة تحديدًا بلا تحفظ ولا تردد ؛ لكنني أعرف أن البعض لن يصوت للقائمة المشتركة بسبب وجود حساسية لها أو لأحد مركباتها، فالامل من هؤلاء ان يصوتوا لحزب ميرتس، الذي يبقى، رغم مواقفه السلبية في بعض المحطات التاريخية، أفضل الأحزاب وأقربها إلى العديد من قضايانا الأساسية وقضايا شعبنا الفلسطيني حيث برز في الدفاع عنها وتبناها نوابه في الكنيست، وكان ابرزهم في السنوات الأخيرة النائب عيساوي فريج. ادعو للتصويت لهم وليس لغيرهم من  الأحزاب العربية الصغيرة لأنها من المؤكد لن تعبر عتبة الحسم.

أعرف ان انضمام الجنرال ايهود باراك لحزب ميرتس سبب خيبة أمل كبيرة في صفوف كثيرين من داعميه العرب واليهود على حد سواء؛ فرغم اعتذاره الشهير من الجماهير العربية ستبقى شخصيته الدموية نازفة في أذهان كل أحرار العالم ومحفورة بالرصاص على شواهد ضحاياه العرب ؛ ولكن ، مع ذلك ورغم المرارة، فأنني اعتقد أن انضمامه، في هذه الظروف السياسية الخطيرة والعاصفة، لحزب ميرتس يعكس حصول تحول ايجابي لافت في مفاهيمه السياسية وأرى في اختياره الطوعي مقدار ربح لما يمثله حزب ميرتس في الخارطة السياسية الإسرائيلية ولجميع القضايا التي يتبناها ويدافع عنها.

ستبقى خطوته خلافية ومحطًا للشك والريبة، وسيبقى هو شخصية مرفوضة، وبحق، من قبل معظم المواطنين العرب؛ بينما قد يعرّف يهود كثر خطوته بالمثيرة ويعتبروها "تنازلًا" جديًا من قبل شخصية يمينية صقرية قررت الهجرة من مواقعها في بقاع الدم والانتقال الى السكن على سفوح الندم. والقول سيبقى قيد الشك والرهان على المجهول فقط .

التصويت للقائمة المشتركة واجب وحصولها على أكبر عدد من المقاعد فيه قوة للناس ومصدر للثقة بمستقبل أفضل سيصير مشرقًا اذا استخلص قادتها العبر ولن يعودوا الى قوالبهم السالفة؛ فنحن لن نغفر لهم ولن ننسى، وحسابنا معهم سيبدأ بعد ركود الغبار وقبل هبوب العاصفة ونزول أول المطر.

 

 

 

 

 

انتخابات

الكنيست، خطاب العقل

 

جواد بولس

 

من المتوقع ألّا يكفّ بنيامين نتنياهو عن محاولاته لتوسيع دوائر الدعم لحزبه، ولا عن إصراره على تذليل جميع العقبات التي يرى أن من شأنها أن تفشل فوز معسكره في الانتخابات المقبلة.

لم تبدأ مسيرة الجنوح اليميني العنصري في اسرائيل ووصولها إلى حالة الاختمار الفيروسي الخطير ، مع بداية طريق بنيامين نتنياهو السياسية؛ لكنه بدون شك أحد أهم وأبرز السياسيين الصهاينة الذين سعوا بإمعان إلى ترسيخ دولة تتماهى حدودها مع ما وعدت به السماء أنبياء بني اسرائيل، وتتحرّك في فضاءاتها، بشهوة وبشوق، أرواح ابنائها اليهود الأمينين. 

لقد كانت دوافع نتنياهو في المعارك الانتخابية السابقة قومية نهمة وعنصرية حتى حدود الدم؛ وكانت تستهدف إحكام سيطرة اليمين الفاشي المنفلت، على جميع مفاصل النظام ونقلها من كيان يدّعي أنه ديمقراطي ويهودي إلى دولة تفاخر بكونها يهودية نقية، لا يتستر قادتها وراء أي حجاب من الديبلوماسية الزائفة ولا تتلوّى مؤسساتها على وقع نايات "مجتمع دولي" افتراضي أضاع بقايا ضميره في صحاري العهر البعيدة. 

ومن المؤكد أن مطامعه، في الانتخابات المقبلة، لن تتغير. فنصر أحزاب اليمين العنصري هو غايته ؛ وإشباع نرجسيته وأناه المنفوختين سيبقى، كما كان ، بمثابة تحصيل الحاصل وانجازه الشخصي المبهر ؛ لكنه، مع ذلك ، يعرف، كما نعرف نحن أيضا، بأن تداعيات المعركة المقبلة، بخلاف سابقاتها، ستحسم مصيره الشخصي بالمعنى الدقيق، وليس مصير مستقبله السياسي فحسب؛ فمسألة فوز حزبه وحلفائه في الانتخابات وتكليفهم له، بعد انتهائها في الثامن عشر من ايلول/سبتمبر الجاري، بمهمة تركيب الحكومة الجديدة ونجاحه في ذلك، سينقذه من مواجهة الاتهامات الجنائية الخطيرة التي إذا ما أدين بها سيسجن وسينهي مسيرته السياسية كمجرم وراء  القضبان.

لن يتورّع نتنياهو من القيام بكل ما يخطر على بالنا وما يغيب عنه؛ فما زلنا نشهد ما يفعله في الأيام الأخيرة وما يعد به وكيف يسعى لاستقطاب القادة اليمينيين وضمان أصوات أتباعهم؛ وكيف يعلن يوميًا، بدون خجل أو وجل، عما سيدفعه لهم من عوائد مادية أو سياسية، آملًا، بسبب ذلك، أن يضمن تربّعه، مرّة أخرى، على كرسي رئاسة الحكومة، وإلّا فبديل ذلك، كما قلنا، سيكون جلوسه، بصحبة الحسرة، على "برش" معدّ لكبار الرؤساء المدانين بالجرائم، حيث لن يجد سيجار ًا ولا شامبانيا، بل نوبات من التنهد وموجات من الوجع.

كان لا بد من هذه المقدمة لتوضيح حجم الخطر الذي سنواجهه، نحن المواطنين العرب، في حالة نجاح معسكر نتنياهو واستئثاره بمقابض السلطة؛  فهو وجميع من معه يعلنون، بلا تأتأة وبشكل لا يقبل التأويل، أن مرحلة تدجيننا، كغرباء عرب في ديارهم، قد انتهت، وعلينا، بعد تشريع قانون القومية وأشقائه، أن نقبل باليهود أسيادًا لنا وأن نحتفي نحن، من أجل مصلحتنا، بدور وبمكانة العبيد.

قد يظنّ البعض أنني أبالغ عندما أكتب عن فظائع النظام المقبلة، أو أنني أشجّع على تهليع وتيئيس الناس؛ لكنني أهيب بمن يجيدون فهم المقروء أن يراجعوا مجددًا جميع تلك القوانين التي شرّعتها الكنيست في السنوات الأخيرة، راجيًا ممن شعروا وتحققوا من خطورتها عدم المراهنة على اعتبارها مجرد نزوات من حبر ستنسى في خزائن الرحمة الاسرائيلية أو داخل ثنايا التاريخ ؛ وأدعو، في نفس الوقت، جميع من أصيبوا بداء التعب واستقراف السياسة، أو بلعنة الكسل والخيبة، أو بعارض فتور المشاعر والأحاسيس، أن يعدلوا عن قرارهم بمقاطعة الانتخابات.

يجب الإصغاء جيّدًا لشراسة مواقف زعماء اليمين وأفعال رسلهم، الحاليين منهم في الحكومة أو القادمين؛ فمن يسمع عظات أبائهم الروحيين وفتاوى كهنتهم المتزمتين، سيتيقن أننا، كمواطنين عرب، لا نملك هوامش للتمنّي الواهم وليس لدينا فرص للمقامرات وللمزايدات وللعبث ؛ فنتياهو جريح نازف وهو بحاجة حرجة ، كي يضمن بقاءه في مقام المواطن الأول، لجميع أولئك الراقصين على الهضاب الساخنة أو يتدافعون في حملات صيد العرب كما نراها في شوارع القدس أو في ساحات العفولة وفي صفد.

سيسمح لهم نتنياهو وحزبه أن يشفوا غليلهم على حساب شراييننا نحن المواطنين العرب، لأنه، إن لم يكن مثلهم، فهو يعرف انه بدونهم وبدون بطشهم، سيصير غبارًا على سفوح الماضي وشظايا ذكرى وطيف ذليل.

 

ماذا فعل  لنا أعضاء الكنيست العرب !

يتذرع بعض مقاطعي الانتخابات بعدم أهمية التمثيل النيابي العربي في الكنيست، فيتخذون بظل هذه المغالطة موقفًا عدميًا يبقيهم يوم الانتخابات في البيوت أو يخرجهم للاستجمام في أحد الشطآن،  أو لرحلة شواء، مستغلين يوم العطلة، بصحبة اليأس والنرجيلة. 

لن أعدّد كل الأسباب التي ساعدت على انتشار  هذه المقولة وتحوّلها الى أحد أهم العوامل في تبني قطاعات واسعة من المواطنين العرب لموقف مقاطعة الانتخابات بعد أن مارسوها لدورات عديدة.

عملت أجهزة الدولة الموكلة على نشر هذه الفرية بذكاء لافت، ونجحت بترسيخها في جيوب سكانية عديدة فتبنتها قطاعات واسعة حتى ضاعت "طاسة"  الحقيقة بين داع للمقاطعة عن عمالة وعن إغراض، وبين مضلَّل أو مؤمن بها عن جهالة أو عن يأس أو عن "مجاكرة" أو عن احتجاج ؛ وعلى جميع الأحوال فلقد ربحت ماكنة الدعاية الصهيونية، من جراء ذلك، معركة هامة؛ وسجلنا، نحن المواطنين العرب، بالمقابل، هزيمة جديدة في سجل هزائمنا الطويل.

لقد ساهمت قيادات الاحزاب والحركات السياسية والدينية في رواج ذلك الشعار؛ ففي حين كانت ماكنات الاعلام الحكومية الاسرائيلية وأبواقها المحلية تراكم تأثيرها شعبيًا، كانت القيادات العربية غارقة في صراعاتها الداخلية أو تلهث، مستنزَفة، في سباقاتها على مسارات الولاءات الملتبسة، في مشهد ساعد على إبعاد الناس عن تلك الحلبات المزعجة.

 لقد عاشت مجتمعاتنا حالة من العجز السياسي ومن عقم القيادات؛ وأما اليوم، وبعد اعادة تركيب القائمة المشتركة وبسبب ظواهر اخرى، كلي أمل أننا في طريقنا للخروج من ذلك المأزق القاتل.

 لن أكتب هنا في اسباب ذلك الترهل والضعف، لأن مقصدي، ونحن أمام مرحلة مفصلية، هو اقناع هذا الفريق من المقاطعين بضرورة مشاركتهم في التصويت المقبل، لأنني ارى بوجود النواب العرب في الكنيست ومعهم من يدعم قضايانا الأساسية وحقوق الشعب الفلسطيني، ضرورة بديهية تمارسها ومارستها معظم الأقليات التي تناضل من أجل بقائها في وطنها وحصولها على حقوقها المدنية؛ ويكفينا أن نرى، كبرهان على صحة ما قلت، كيف تسعى احزاب اليمين بكل طاقاتها وخدعها وتحاول إقصاء الأحزاب والحركات السياسية العربية عن الكنيست، وكذلك تحاول تخفيض نسبة المصوتين العرب او سرقة ضعاف النفوس والمنتفعين لصالحها.

لقد فشلت الاحزاب العربية في السنوات السابقة بصدّ تلك الدعاية الخبيثة وبصدّ غيرها من الدعايات التي أثّرت سلبًا على روح الجماهير وأدّت الى عزوفها والى تنامي نداءات المقاطعة بشكل طردي ومقلق؛ أما اليوم فيجب، فيما تبقى من وقت، العمل المبرمج والصارم على محاورة أوسع القطاعات المتكاسلة واقناعها على أن اهمية مشاركتها لا تتوقف فقط على أهمية وجود أكبر  عدد من النواب العرب وحلفائهم الحقيقيين، بل لأنها أيضًا تعدّ فعلًا ضروريًا من واجب الانسان الحرّ والواعي ممارسته؛  وهي كذلك تعتبر استجابة لحاجة وجودية يمليها العقل من اجل تحقيق ذات كل فرد فاعل في تحديد صورة وشكل المجتمع الذي سيعيش فيه.

أدعو اذن الناس للتصويت واحترم، في نفس الوقت، حق من ينادي بالمقاطعة لأسباب مبدئية او عقائدية. احترم حقهم لكنني لا أوافقهم على نتيجته لانني أشعر بأن مقاطعتهم تسهل على قوى اليمين الفاشية تنفيذ مآربها وموبقاتها.

 حول هذه المسألة وحول موقف من يدّعي بأن كل اليهود صهاينة وبأنّ كل الصهاينة سواسية سوف أكتب لاحقًا، فهل حقًا علينا ان نتعامل مع سموطريتش وأشكاله مثل تعاملنا مع نيتسان هوروفتس، رئيس حزب ميرتس، ورفاقه؟

يتبع .. 

    

 

القائمة المشتركة، خطاب التفاؤل

جواد بولس

 

تتزايد في الآونة الأخيرة الدلائل على خروج القائمة المشتركة من أزمتها القاسية ونجاحها النسبي بتخطي تبعات خسارتها لثقة الناس وعودتها كعنوان شرعيّ مقبول وموحّد جدير بأصوات الناخبين العرب، رغم اختلاف منابتهم السياسية والعقائدية وتباين أطياف أحلامهم المنشودة.

لا طائل اليوم في التدقيق بأسباب تلك الأزمة ولا في سبر أغوار هذه التحوّلات الايجابية، الذاتية أو الموضوعية؛ لكنني أجزم بأن مواقف قيادات القائمة المشتركة، في بعض المحطات المفصلية وتمترس كوادر أحزابهم من خلفها وخوضها لصراعات "قبلية" دامية، كانت من أهم أسباب توليد تلك الأزمة؛ وستكون، إذا تغيّرت وتحسّنت، من أهم أسباب نجاتها من السقوط المدوّي ومن الاندثار الحتمي الوشيك، كما كان متوقعًا لها في الأشهر الماضية.

رغم بوادر الانقلاب الحميد الذي تشهد عليه بعض ساحات بلداتنا، لاحظنا مؤخرًا أن بعض قيّاديي القائمة المشتركة لم يذوّتوا، بعد، خلاصات فشل المحاولة السابقة؛ وما زالوا يجيزون لأنفسهم ، رغم ثبوت حقيقة ضمور أحجامهم الانتخابية، أن يتصرفوا وفق دوافع ذلك الماضي التناحري ومساطره السقيمة، ويخاطرون بإفشال محاولات انقاذ التجربة المنبعثة، وبإعادة الرأي العام إلى مربع الاشمئزاز المعلن وفقدان الثقة. ولقد برزت عوارض هذا النهج، بشكل واضح ومقلق، بعد مقابلة النائب أيمن عودة لصحيفة "يديعوت أحرونوت" الاسرائيلية وردود فعل عدد من القيادات عليها.

سيُفرح استئناف المناكفات بين مركبات القائمة المشتركة جميع الأحزاب اليمينية الصهيونية وسيقوّي، في نفس الوقت، نداءات الداعين الى مقاطعة الانتخابات ؛ بينما، بالمقابل، سيساهم الوفاق الحقيقي بينهم في احياء رغبات من فقدوا شهواتهم السياسية وفي استعادتهم إلى "الأحضان العامة" كعناصر اجتماعية ناشطة ومؤثرة في الاتجاهات الصحيحة.

لا يملك قادة المشتركة متسعًا من الوقت لمزيد من التجارب ومن الرهانات الفارهة، فالانتخابات ستجرى في السابع عشر من أيلول/سبتمبر المقبل، وكي لا يسقطوا في أول امتحان "بسيخو-وطني"، قادم لا محالة، سيكون من الحكمة أن يحصّنوا مبادرتهم الحالية ببرنامج يضمّنوه توافقاتهم الأساسية في ميادين العمل السياسية والاجتماعية والثقافية ؛ خاصة بعد أن خبروا طبيعة الحُفر التي أفشلتهم في تلك المسيرة حين كانوا معًا ولم يكونوا، فتناكفوا، كالديوك السكرى، على حفافها حتى وقعوا وأوقعونا فيها.

لن يتحمّل مؤيدوهم خديعة انتخابية جديدة، ولن يغفروا لهم مجرد اكتفائهم بالتوافق على ترتيب مقاعدهم النيابية، بينما لم يكاشفوا الناس بحقيقة التكتيم على اختلافاتهم على المضامين السياسية الرئيسية وحول برامج عملهم "المشترك" في المستقبل؛ فمن الأجدر والانصاف، في هذه الحاله، ان يعلنوا للملأ، قبل موعد الانتخابات، عن سعة تلك المسافات التي بينهم كيما يعرف كل مصوت لقائمتهم المشتركة انه يدعم، عمليًا، مرشحي حزبه وليتوقع ، بعدها، عودة حروب الألسن في "برج بابل" هذا العصر

وبعيدًا عن تلك الهواجس والنصائح، فإنني سأدعم القائمة المشاركة في التصويت وأرى في نجاحها انجازًا من شأنه أن يخدم مصالح المواطنين العرب في اسرائيل ويتيح لهم منصّات ستساهم في مقارعة نوابها لوكلاء تيارات اليمين الفاشي على أجناسهم، وتمنحهم فرصة استغلال تلك المنابر كروافع لفضح موبقات الحكومة والتصدي لسياستها أو على الاقل تحجيمها وإعاقتها بقدر المستطاع والمتاح.

أنني اعتبر  أن عملية اقناع مقاطعي التصويت يجب أن تتصدر اجندات جميع نشطاء الأحزاب والحركات والمؤسسات الداعمة للقائمة المشتركة، ومهمة ثني المقاطعين يجب أن تبقى طارئة وملحّة، خاصة بين من ابتعدوا وهجروا الصناديق  كتعبير عن امتعاضهم من ممارسات قادة أو أنصاف قادة  الأحزاب والحركات السياسية والدينية، أو احتجاجًا منهم على مواقفهم القطرية وتلك التي مارسوها على المستوى البلدي والمحلي.

لقد استغلت عناصر كثيرة أجواء الغضب الشعبية التي سببتها تلك السلوكيات ونجحت في استثمارها  وتطويرها الى درجات وصلت حد المطالبة بخلع الشرعية عن تلك القيادات وعن أطرها التنظيمية؛ فنجاح المشتركة، في هذا السياق، سيضمن إفشال هذه المحاولات البائسة؛ مع اننا، للتنويه وللتأكيد ، يجب أن نميّز  بين ما خططت له جهات حكومية وصهيونية يمينية معادية ومعروفة، وأعوانهم من بين العرب، وبين مواقف فئات وشرائح عربية رفعت شعارات مناوئة للقائمة ومحرّضة على قياداتها حيث كان بعضها مدفوعًا بمشاعر نقدية سليمة وصادقة أو بحسن النوايا وبالغيرة الشعبية الطيبة.

رؤساء المجالس والبلديات جناح من أثنين

وعلى صعيد آخر فأنني على قناعة بأن دور رؤساء البلديات والمجالس المحلية العربية سيكون، في هذه المعركة، مفصليا وذلك رغم الصدوع التي ضربت هذا القطاع الهام من أبناء شعبنا في العقدين الآخيرين.

فقد عبّر عن هذا الأمل النائب أيمن عوده حين كتب، في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، على صفحته وقال  "بعد مهرجان كفر ياسيف أشعر بالتفاؤل. بهذه الانتخابات نحن مليون مصوّت يا نتنياهو. شعبنا سيفعلها "

لقد جاء هذا التصريح بعد نجاح مهرجان افتتاح المعركة الانتخابية في قرية كفر ياسيف الجليلية وهي تستعيد مع المحامي شادي شويري، رئيس مجلسها الجديد، ومع القائمة المشتركة، أيام  تلك القرية / القلعة التي كانت "شوارعها بلا أسماء"، وكانت تظلل شعراء الحرية الحمراء يأتونها  "وهم سجناء" ، كما صدح في ساحتها الشاعر راشد حسين، وتنتظر عودتهم "وهم طلقاء".

وبعد كفر ياسيف شدّت انتباهي زيارة النائب أيمن عوده لمدينة الطيبة؛ فعلاوة على استقباله بحفاوة من قبل أهلها رحب به رئيس بلديتها المحامي شعاع منصور وأعلن على الملأ وبحزم: " كلنا جنود من أجل المشتركة" وأضاف تعهده بالعمل على اخراج الناس للتصويت لها.

انها بشائر تستدعي الرعاية الواعية والملاحقة ؛ فطائر الرعد لن يحلق في سماواتنا من جديد الا بجناحيه الأصيلين: تمثيل سياسي واع ومشرّف في الكنيست، وقيادات محلية تعيش وتعمل بهدي ما زرعه آباء جيل البقاء والنقاء حين علمونا أن لا  "خدمات بدون كرامات ".

وأخيرًا، لا بد من همسة في آذان من أساءوا تقدير مخاطر  ما يتداعى في مواقعنا وأخطأوا قراءة خوارط الدم النافر والغبار المتناثر في شوارعنا؛ فكل عمل وحدوي يتأهب لمواجهة معركة شرسة من نظام حكم لا يخفي مخططاته القمعية والاقتلاعية تجاه مواطني الدولة العرب، يلزمه بوصلة سياسية مسؤولة تتخلص من نزعات المقامره ومن ترهات المزايدة ومن فذلكات الارتجال؛ وكل اصرار على محاربة العنف المتفشي في بلداتنا  والانتصار عليه، بحاجة الى قائد عنيد، ذكي، صارم، ليّن ، لبق، مثقف ، قلق، أديب، مجرب، متواضع وقادر على ركوب الريح وعلى احتضان الورد وعلى اجتراح الوعد وعناق القمر .

يتبع..

 

 

 

تقول الحياة:

يبقى الغناء أدوم وأنبل

جواد بولس

 

ألغت بلدية أم الفحم حفل الفنان تامر نفار، الذي كان مقررًا أمس في المركز الجماهيري على خشبة مسرح وسينماتك المدينة، بعد أن أكتشف رئيس وأغلبية أعضاء المجلس البلدي «أنّ مضامين أغنيات الفنان بعيدة كل البعد عن الجانب الديني والأخلاقي والتربوي والثقافي المتعارف عليه في أم الفحم؛ ولاحتوائها عبارات ومصطلحات وأفكار لا تتلاءم ولا تتناسب مع قاموسنا الثقافي والحضاري والمجتمعي، على أقل تقدير»، حسبما جاء في بيانهم الذي تناقلته الأخبار والمواقع.
كانت شبكات التواصل الاجتماعي أبرز الساحات التي شهدت معارك بين من انتقد وشجب ورفض القرار، ومن دافع عنه؛ وقد اتسمت لغة بعض المعقّبين، كما بات دارجًا «ومألوفًا» في مثل هذه المشاهد، بالعنف والبذاءة والتقريع، فجاءت بعيدة عن آداب الحوار «الثقافي والحضاري والتربوي» المُجدي كما هو جدير بأقلية مضطهدة، تنام جائحة على سياسات قمعها وسلب حقوقها، وتصحو ناعقة على ضحايا سقطت برصاصها فتلعق دماء خناجرها.
مواقفي في قضايا الحرّيات معلنة ومعروفة، وقد دافعت عنها مرارًا وجهارا، ولم ألُذ بالصمت تقيّة ولا أتخذت الجبن يومًا ياطرًا ولا مرسى؛ وعليه فإنني، اليوم، كما كنت في أمسي، أقف مع حق المغني في الغناء، حرًا بلا قيود؛ وأستطيع، بالمقابل، أن أتفهم كل فرد من مجتمعنا لا يحب غناء تامر، أو ينتقد أسلوبه ورسالته، أو يقاطع حفلاته ولا يشارك فيها؛ لكنني أعرف، كما يعرف الكثيرون أننا بعيدون عن هذه المعادلة الإنسانية الحضارية بُعد قايين عن هابيل؛ فالقضية بيننا وعندنا أعمق وأعقد، وهي لم تبدأ مع أغنية «سلام يا صاحبي» ولن تنتهي مع «راجع عالبيت»، حتى إذا تراجعت بلدية أم الفحم عن قرارها أو أُرغمت بالقضاء بالتراجع، واستطاع «ابن مفرق الـ 48» أن يجنّ على المسرح كحصان وحشي.

الحرية هي القيمة العليا، وهي لا تتجزأ، والحق في الحياة مقدس واحترام الآخر المختلف هو أساس العدل

لم يفاجئني قرار بلدية ام الفحم، وكما قلت مرة، فإنّ قادة الحركات الإسلامية السياسية، ومن يدور في أفلاكهم هم أناس متصالحون مع ذواتهم لا يهادنون بعقائدهم، بل يفاخرون بها على كل منبر، واذا تمكنوا من موقع للقرار نهم يعملون بهدي عقيدتهم، ويسعون لتحقيق أهدافهم بدون مواربات ولايهامات. المشكلة، بهذا المعنى، ليست عندهم بل لدى من لم يحمِ قلاعه حتى وهو يراها تهوي برجًا بعد قنطرة، ولدى من بوّر حقوله وهجر دروبها ليتيه في أحضان العجز. لا أعرف كيف ستتصرف مؤسساتنا القيادية ومعظم جمعيات المجتمع المدني، أزاء القرار الذي اتخذته بلدية أم الفحم، رغم مساسه بمكانة «الحيّز العام» بمفهومه المدني الواسع، وتنكره لحقوق مئات المواطنين الفحماويين، الذين اختاروا حضور الحفل واشتروا سلفاً جميع بطاقاته، ورغم قمعه لحقوق فنان موهوب يشكل وفرقته «دام» حالة مسرحية إبداعية لافتة، تشهد عليها جماهيريته المثبتة في ميادين بلداتنا من أقصى الشمال وحتى الجنوب. معظم تلك الهيئات، وأخص منها هنا «اللجنة العليا لمتابعة شؤون الجماهير العربية» و»القائمة المشتركة» و»اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية» تعاني من إشكاليات بنيوية عسيرة ومتأصّلة ستمنعها من اتخاذ مواقف صريحة معارضة لقرار بلدية أم الفحم؛ لن ننتظر المفاجآت لأننا خبرنا، في عدة سوابق شبيهة، صمت أو مداهنة تلك الأحزاب والحركات، وتنكرها للدفاع عن الحريات الفردية والفئوية المسلوبة في بلداتنا؛ فكيف ننسى كم مسرحية منعت لأن بطلتها كانت أنثى؟ أو كم مهرجان رقص عورض لكونه فعالية «مختلطة» ورجسًا، أو أيام رياضية «فاضحة» ألغيت.. وغيرها وغيرها.
هل ننتظر على همزة الأمل؟
رغم تشاؤمي لا أعرف لماذا يساورني شعور بأننا مقبلون على عاصفة قد تلد بيننا صحوة ستقودنا إلى ربيع حقيقي. لن يحدث هذا قبل معركة الانتخابات المقبلة في السابع العشر من سبتمبر/أيلول المقبل؛ لكننا، رغم غبارها، نستطيع أن نرى البراعم تزهر في حواكير جديدة، وأن نسمع الضجيج يسيل من أقلام بدأ أصحابها يشعرون بفداحة الخسائر، وبذل الهزائم ويخشون من فقدان «ساحات بلداتنا» ومن سحق مناعاتنا التي حافظت علينا كأقلية، حين عرفنا كيف نصمد كيف نصون قيم الحرية والتعددية والكرامة الوطنية؛ وكيف نحترم الرأي المغاير، ونربي أبناءنا على أصول التعايش مع الآخر المختلف، ولماذا يجب أن يفصلوا بين ما للأرض وللتراب وما للغيب وللسماء.
لم تقبل كل هيئات أم الفحم السياسية والاجتماعية بقرار البلدية، فأصدرت عدة جهات بياناتها المندّده والمعارضة والمدافعة عن فضاء البلد وعن حرية الفكر والتعبير عن الرأي، تمامًا كما هو متوقع من مجتمع يتفانى أعضاؤه من أجل بقائه حرًا وصامدًا في وجه سياسة القمع والتشريد والتدجين. إلى جانب التحرك الفحماوي كان محمد بركة من أوائل من أصدروا بيانًا ضد قرار البلدية، قال فيه « تامر نفار فنان ملتزم بشعبه وبقضية شعبه وهو يحمل أسلوبه الفني الخاص به… من يريد ان يحضر عرضه فليحضر، ومن لا يريد فهذا حقه، أما منع العرض فهذا غير مقبول.. لا يليق ببلدية أم الفحم أن تقف في مربع الحظر نفسه مع ميري ريغف التي قادت وتقود حملة تحريض لشطب تامر نفار بسبب مواقفه السياسية الوطنية». إنه بيان مهم رغم كونه تصريحًا شخصيا، لن يصدر مثله عن لجنة المتابعة العليا، التي يرأسها محمد بركة، لأننا نعرف أن في داخلها جهات متوافقة مع قرار إلغاء الحفل، فهذا الموقف هو أضعف الإيمان عندهم.
لا تنفرد لجنة المتابعة العليا بهذه الإشكالية المكتومة، التي، على ما يبدو، لا مفر من مواجهتها وتفكيكها، ولكن ليس على حساب سلامة المجتمع وحصانته، ولا على حساب حقوق الأفراد والتحكم في مجاري الهواء وحبسه عن رئات الناس، كما كان الوضع في السنوات الماضية. لم تشفع لمحمد بركه مكانته القيادية، ولا شراكته في اللجنة العليا مع حلفاء من أصدروا القرار في بلدية ام الفحم؛ فقد هاجمته جموع المعقّبين بشراسة وزجَره بعضهم بألا يتدخل كغريب في شؤون بلدهم، ولم يوفروا في حقه مذمة ولا شتيمة ولا تجريحا.
ما أشبه اليوم بالأمس، فقد شهدنا في وقائع سابقة مثل هذه التهجمات، أو حتى هدر دم من تجرأ وعبّر عن إيمان ومعتقد بأن عقله هو مولاه الأكيد، وأن الحرية هي القيمة العليا، وأنها لا تتجزأ، وأن الحق في الحياة مقدس واحترام الآخر المختلف هو أساس العدل. ما أبعد الأمس.. فبيان محمد بركة لم يكن وحيدًا؛ بعده صدرت بيانات أخرى، كان أبرزها بيان «الجبهة الديمقراطية» و»الحزب الشيوعي»، الذي دافعا فيه، بلغة فائقة الكياسة والدبلوماسية، عن حق الفنان تامر نفار بالغناء، ورفضا فيه قرار البلدية وتمنيا على رئيسها الغاءه. لقد قالوا قولهم ومضوا، فهل ستفعل مثلهم القائمة المشتركة وسائر القيادات؟ أم ستترك مصائرنا أسيرة لأهواء إسرائيل ولعدل محاكمها وقضائها؟
ننتظر..
كاتب فلسطيني

 

 

حين وقف مرسيل ومحمود

على مسرح جرش

جواد بولس

كنت متعبًا وأقاوم، في ردهة الفندق التي لا تعرف طعم النوم، نعاسي اللحوح. انتصف ليل عمان ولم يبق في شوارع المدينة سوى القلق والساعون، بشقاء وبسهر، وراء لقمة الصبح، وبعض السمّار الذين لم يهتدوا إلى صدر نحلتهم فطفقوا يفتشون عن ركن قرمزي يلمّهم حتى يفرش لهم الفجر ذراعين من ندى وسفرجل. 

لم أحضر في الماضي أمسيات مهرجان جرش الأردنية ؛ فأبناء جيلي فُطروا على حب جلسات الطرب المحلية، أو كما أسميناها، معبّرين عن أمانينا المهزومة، بليالي الأنس ومجالس "الصهبجية ".

علمت أن الصديق مرسيل خليفة سيشارك في إحدى ليالي المهرجان الرئيسية، فتواصلنا وكان الحنين جسرًا بيننا ولهفة تموز غنجة لا تقاوم. ترددت قبل التواعد على اللقاء فالرحلة إلى الاردن لم تعد سهلة بالنسبة لي؛ السفر لمدة ساعتين ثم إتمام المعاملات وتعقيداتها في جهتيّ المعبر الحدودي، وبعدها استقلال التاكسي لعمان، كلّها صارت همًّا لمن صادَق، مثلي، بعد ستينه، الكنبة واستأمن الوحدة وعبّ الحكمة من بين دفّتي كتاب.

غلبني الشوق؛ فعمان كانت بالنسبة لنا، نحن العرب الجليليين الأقحاح، ملاذًا مدّنا بكل أسباب الفرح، وحُضنًا جمعنا بأعز "الدراويش" والأصدقاء. عمان التي صارت، بعد ذاك الآب الأسود، مأوى للذكريات، بقيت عندنا، رغم تزاحم الغمام، سماءً يرجو رضاها اليمام وقصيدة زاهية معلّقة على أطراف الصحراء.

زرتها مرارًا وكان مذاقها بصحبته أشهى. لا أذكر جميع تواريخ لقاءاتي بمحمود درويش فيها؛ لكنني لن أنسى يوم أنبأوني أن صحته في أمريكا قد تعقدت وبعض الأخبار أنذرت بحدوث الأسوأ. كنت في عمان لإجراء بعض التدابير واستعد لعودتي إلى البلاد حيث كنا ننتظر رجوعه من هيوستن معافى وسليمًا؛ فلقد أكد لنا، على لسان أطبائه، بأن العملية ستكون بسيطة وشبّهها، من باب المداعبة الذكية، بليس أكثر من مسألة  "كي القميص". 

في التاسع من آب عام 2008 فشلت العملية؛ وضاق قلب العاشق بالحياة وفاض من الدنف فحلّق نحو تلك القمة الشاهقة حيث ما زال هناك ينبض بالحكمة وبالحب وبالأسرار، وصاحبه يعيش بيننا ولم يرحل عنا أبدًا. لا أقول ذلك من باب المبالغة أو المجازية المألوفة، أو من دوافع دينية وايمانية؛ فلسوف يشهد معي جميع الأصدقاء على أننا لم نجتمع يومًا، منذ ذاك الآب، في أي مناسبة أو لقاء أو محض مصادفة، إلا وكان محمود الشقي، الدمث، النبيل، الغاضب، الجميل، المندفع، الأنيق، الكسول، المجتهد، الصديق، الصدوق، الكريم، المتواضع، القوي، المثقف، المستفز، المسالم، الحليم، العنيد، المتسامح، القلق، الذكي، المتأني، الواثق، المتسائل، الباحث، الحازم، المتردد، الصبور، الغيور، الرقيق، العاصف، السمح، موجودًا معنا وبيننا يشاركنا الأحاديث والقصيد والغناء والرأي الصريح ويفتي في شؤون الدنيا والهوى والوطن والدين.   

قضي الأمر ؛ فمرسيل في جرش يعني موعدا مع الجوى واغفاءة على صدر الريح والوجع.

أحسسنا بحدوث فوضى خفيفة، فتبيّن أن بعض الموظفين ومنظمي المهرجان قد خرجوا لاستقباله في مدخل الفندق ثم عادوا وهو يتقدمهم. كان عوده ملقىً، كالعادة، على كتفه وهو يمشي ببطء على ايقاع ريشة تنقر خصر وتر.

بدا منهكًا أو ربما كان سارحًا يفتش عن لحن عصيّ في حلق العدم. تقدم نحونا مبتسمًا كطفل. احتضنني بدفء وسلّم كما يسلّم زهر اللوز على الحسون؛ مرّت لحظتان من فوضى اللقاء، لا أكثر، حتى استعدنا توازن المكان؛ فبدأ يسألني عن صمت النايات في بلدي، وكنت أحاول أن أنسى عتاب الخشب للنهر وعذابات جواز السفر.

سألته عن ضيعته "عمشيت" التي زوّرني حاراتها وحكى لي قصص أزقتها الساحرة وعن بحرها العتيق. ذكّرته بجبيل وبمينائها الذي يشبه ميناء عكا، وبطريقنا إلى بشرّي جبران. تذكّرت أمامه كيف صليت أنا وأصحابي على أدراج بعلبك حين وقفنا هناك غير مصدقين أنفسنا ورددنا مع صوت فيروز : "هون نحنا هون ، لوين بدنا نروح، يا قلب يا مشبك بحجارة بعلبك، عالدهر عاسنين العمر ".  

برقت عيناه ؛ استل مداد روحه وحدثني عن وطنه الذي من نتف الورد وعن رفاق له "كانوا يعبرون الجسر في الصبح خفافًا" حيث كانت أضلعه "تمتد لهم جسرًا وطيد". كان غاضبًا على جميع تجار بلاده الفاسدين وباعة الشرق الفرّيسي أكثر من غضب بحر على أصدافه الفارغة. لم يكترث لأراجيفهم حين رفض أن يفتتح أمسيته في مهرجان بعلبك بالنشيد الوطني اللبناني وعندما. افع عن حرية التعبير والغناء، فلامه المزايدون والانتهازيون والطائفيون والمفتنون وطالبوا بمحاكمته من أجل قصيدة ونوتة؛ فردّ، على كل من هاجمه وعلى من ادّعى غيرةً على المسيح بلغة لا يجيدها إلا الأحرار الحقيقيون وقال لهم : "كنا نذهب الى الكنيسة حفاة وكانت أرجلنا ناعمة كالحرير ؛ كثيرا ما كنا نحلم بالمسيح الذي لنا. المسيح الذي لا تأسره المؤسسات المتحجرة ولا تتاجر به حضارات قاتلة. أين وجه المسيح في هذا الاجتماع الصارخ مع صور القديسين والجموع؛ لم أجده لم أجد من تطلعت لأجده لأنه كان قد هجر دنياكم ومات ضد الموت كله. سيدي: إحمل صليبك واتبعنا على الارض".

كان فمه وهو يقرأ قريبًا من وجهي وكانت تناهيده تخرج برقة الفل وعيناه مكسوّتين بحنان ملائكي. كنت انظر إليه وأقاوم دمعتين حرّتين في كبدي.  

في الغد تجمّع عشرات الصحفيين في قاعة اعدت خصيصًا للقائه. سألوه عن بعلبك وعن تمرده غير المألوف في زماننا ولماذا رفض أن يغني "كلنا للوطن". كان حازمًا كالنور، فعرّى الرياء في بلاده ومقت الطائفية وتمنى، بالمقابل، لجميع اللبنانيين أن "يصبحوا على وطن".

لم ننتظر طويلًا حتى حضر محمود درويش إلى القاعة وملأها بهجة وضجيجًا. راحت الأسئلة تنهال على مرسيل وكلها تتمحور حول علاقته مع محمود درويش وتلك التبادلية الوثيقة بين موسيقاه وقصائد الشاعر. كان مرسيل ذكيًا ومباشرًا وصادقًا فأكد لهم بحفاوة كيف استفادت موسيقاه من القصيدة الدرويشية وكيف، من ثم، استفاد الناس من أغنياته. أجاب بتواضع ولم يخفِ حبه الكبير لمحمود فأكّد على عفوية العلاقة بينهما وصدقها خلال مسيرة بدأت منذ أكثر من أربعة عقود وما زالت حيّة لن تموت.

لقد واجه الأسئلة بجرأة وبشفافية كما يليق بالانسان الحر والمطلق وبالمبدعين الحقيقيين الذين لا يُعرفون الا بطبيعة واحدة اسمها الحياة.

جاء المساء وامتلأ مدرج جرش الجنوبي. لاحظت ان الجمهور مثّل بحضوره ثلاثة أجيال متعاقبة. الأول مَن تفتحت عيناه على مرسيل الثورة والتمرد وعلى قيم الحرية القصوى ورفض الهزيمة والكفاح؛  والثاني مِن جيل تعمّد في أجران من الحب وفي معابد التضحية والوفاء؛ والثالث هو الجيل الذي سيحمل رايات الوعد ويرفض الذل وسياسات قطف الراس وتصعير الخدود؛ فجميعهم جاءوا ليمدوا، مثله ومثل خليله الحاوي، أضلعهم جسورًا  "من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق، إلى الشرق الجديد".

دخل الخليفة على ايقاع الأكف وهي تصفق له وفاءً، وكان هو ينحني للعهد واجلالا لتاريخ يقظ ولحاضر ملتبس؛ وكان يستقبل بكلماته الرقيقة رفيقه محمود درويش ويحييه ويوقفه معه على المسرح.  ويغني اشعاره فيعلّما الجماهير كيف بمقدورهم أن يصحوا على وطن وكيف سيكون نشيده الوطني، فيرددون وراءه فكّر بغيرك  "وأنت تعد فطورك فكّر بغيرك ، لا تنسى قوت الحمام، وانت تعود لبيت بيتك فكر بغيرك لا تنسى شعب الخيام..". ينتشي فضاء جرش ويعلو الهدير "على ايقاع السماع في مكان يلد المكان ويكلله بنسيم الريح وبانكسار الضوء على الوجوه".

وقفا أمامنا، هو ومحمود درويش، وثالثهم كان "باخوس" صانع الفرح القديم؛ ووقفنا آلافًا لا تريد لهذا الغناء أن ينتهي؛ وصلّينا بدموعنا من أجل أولادنا ومن رسموا لهم في الشرق خريطة الانسان وحاولوا بناء وطن من عزة لأمة صماء وسيّجوه بالحب وبالحرية وبالوفاء.

ودّعته ولا أعرف إن كنت سأرجع مرة أخرى إلى عمّان وسألت: يا حبنا، هل تدوم؟

فوقنا في طريق الغور رقص سرب من طيور الصحراء، كانت تزقزق، فسمعتها تغني لأجمل حب وتقول: "وجدنا غريبين يومًا وسنبقى رفيقين دوما".. فالى ملتقى.           

 

 

غصات… غصة الموت…

غصة أطفال العيساوية

جواد بولس

 

ننام على صوت الرصاص ونفيق نحصي في بلداتنا، أعداد الثواكل الجديدات ونجفف عيون اليتامى المحملقة في ظهر الغيب؛ يبكي النرجس قلوب «شقيقاته» المبقورة، ويفرح الناجون منا بصبح بطيء، يبسطون أكفهم نحو الغيم، ويتمتمون كلامًا من سفر الغبار، ويشكرون لأنّهم كانوا «أصغر من هدف.. وأكبر من نحلة تتنقل بين زهور السياج».
كل يوم قتيل بيننا وقاتل مجهول، والملح يجري في شراييننا كمجرى السم في الروح النبيلة. نعيش، نحن المواطنين العرب، في إسرائيل ونعرف أننا لسنا لديها إلا «عابرين في كلام عابر»، أو أصغر من طيف عقرب صالٍ؛ ونذهب إلى ضفاف خبزنا خائفين من غضبة الريح وهي تزمهر مع كل صرخة رصاصة «طائشة»، وتنتشي عند أكعاب خناجرنا النهمة.

لن ننجو من لعنات القتل والعنف بيننا إذا ما بقينا نردّد خطاب الضحية ونُلام على ما تفعله أو لا تفعله الدولة تجاهنا

كيف الخلاص؟ ونحن مجرد مجتمع مهشّم ينبّش رجاله قبور مستقبلهم في لحم أمسهم، وتفتش نساؤه عن نجاتهن في تراتيل السراب، وفي ثنايا القصائد البائدة.
لا خلاص! ما دام الرجال وحدهم عندنا قوّامين على ساعات الرمل، وعلى حصاد الخضرة في خواصر الشجر؛ ويُستقبلون، رغم رائحة العرق، على العتبات، كسعاة للبرق وقطافين للرعد وحماة للأثر؛ لا نجاة! إذا ما استمر الجناة يلوكون، بزهو، في المجالس سير فتوحاتهم الفاقعة ويفرّقون، على الضعفاء، دمى الدم تمائم للسلامة، وأدعية الدجل عرابين للوفاء؛ ويداعبون، بعد كل فتح، شواربهم المنتصبة بين سيقان الحرير وعلى بحّات الوتر..لا خلاص! إذا ما بقيت النساء يمضين كبنات الجبال في عروق صحراء جائعة، وتهوين، كطيور الحجل الخائفة، عند أقدام النهر.
لا سيّد بيننا إلا الموت! فالليل يصهل في فراشنا خائفًا، ولا يجد غمدًا يحميه من رجع الصدى، والنجوم تبكي أمام قهقهات الرماح الراقصة بشوق وبغريزة وبفيض وطر.
كنت في طريقي إلى عملي حين بدأت أتابع تفاصيل حادثة قتل رجل وزوجته أمام أعين طفلهما، ابن السابعة، في بلدة اللقية الصحراوية الجنوبية.
يبدأ المذيع بعدّ الضحايا العربية التي سقطت في الشهر الأخير فقط، ولا ينتهي إلا بعد أن تعب الأثير وطقت حنجرته. ضيف «أجندته»، هذا الصباح، كان قياديًا عربيًا حزبيًا معروفًا، سأله المذيع بحسرة واضحة ووجع: كيف يمكن إيقاف شلال الدم النازف من النقب الصامد حتى أعالي جليلنا الأشم؟ لم أسمع في ردّه جديدًا. بدأ القيادي بتلاوة اللازمة التي يعرفها الجميع، يؤكد فيها على أننا مجتمع يعاني، منذ اكثر من سبعين عامًا، ظلم الدولة اليهودية وقمع أجهزتها، ومن سياسات التجهيل وطمس معالم هويتنا؛ ثم ينتقل تباعًا إلى باقي أجزاء الحكاية ، فبعد تحميل الدولة، بحق، كامل المسؤولية، يعِدنا سيادته بالعمل على وضع قضية العنف في مجتمعنا في صدارة برامج عمل جميع الأحزاب العربية؛ ذاك لأن استفحال العنف كما نختبره على جلودنا سيوصلنا إلى هاوية سحيقة، وسيفقدنا فشلُنا في مواجهته أهليتنا للعيش كمجتمع، وأبناء شعب يقاتل من أجل بقائه ونيل حقوقه المدنية والقومية. لا غبار على هذا الكلام؛ فكم قلنا إن الدولة هي المسؤولة الأولى عن أمن مواطنيها وعن سلامتهم، وكم اتهمناها بإهمالها المتعمد وبقصورها في تأمين حياتنا في الشوارع وفي الساحات وفي البيوت؛ وكم فنّدنا مزاعم الشرطة وأثبتنا كونها شريكة في ما نواجه، نحن المواطنين العرب، من الجرائم وحالات القتل والعنف المتفشي بيننا، لأنه لا يجد من يصدّه.
لكننا قلنا، إلى جانب ذلك، مرارًا وأكدنا على أننا لن ننجو من لعنات القتل والعنف بيننا إذا ما بقينا نردّد خطاب الضحية ونلوّم على ما تفعله أو لا تفعله الدولة تجاهنا من دون أن نسعى إلى ابتكار وسائل من شأنها أن تسعفنا، وأن تضمّد جراحنا وتنقلنا إلى شاطئ السلامة، لنجدّ السير على بداية الطريق الصحيح.
مرّت الأعوام ولم ننجح في اجتراح «المعجزات»، حتى وجدنا أنفسنا اليوم في وسط أتون حارق، نعاني من الهزائم والفوضى الخانقة، حتى تحول سؤال «الكيف» إلى هل حقًا يمكن وقف ذلك الشلال؟ وهو تساؤل مشروع حتى لو وسم برسم العجز والتشاؤم. أخشى اننا لا نملك ناصية المستقبل، وأخشى أكثر لأننا لن نملكها في القريب المنظور؛ فحتى نصير مجتمعًا/ شعبًا، علينا أن نتقن همسة القلب للقلب، وأن نمسح عن جبين الوردة أثر الأقدام الهمجية؛ وعلينا أن نقدّس الحياة بمعانيها المطلقة ونعلي مراتبها فوق كل مزمور؛ أو كما علّمنا من كان في شعابها بصيرا، الدرويش والأمين حين قال: «سنصير شعبًا، إن أردنا ، حين نعلم أننا لسنا ملائكة، وأن الشر ليس من اختصاص الآخرين؛ سنصير شعبًا، إن اردنا، حين يؤذَن للمغني أن يرتل آية من «سورة الرحمن» في حفل الزواج المختلط؛ وسنصير شعبًا حين نحترم الصواب وحين نحترم الغلط». لسنا من ذلك قاب قوس، ولا أكثر؛ لأن المسافات، في بلادي، تقاس بطول عنق المسدس وبعرض وسط الخنجر.

أطفال العيساوية

من ظن أن إسرائيل تحاصر المقدسيين بجرعات موزونة ومقطعة، لا يشعر كيف تذبح المدينة المقدسة من الوريد إلى الوريد. في الأمس كتبنا عن غصتنا في «وادي الحمص» واليوم أكتب عن نحيب «العيساوية» وعن صمود أهلها، رغم الملاحقات والقمع والحصار ومحاولات التهجير. «العيساوية» قرية كبيرة ضمتها إسرائيل بعد حرب يونيو/حزيران إلى مدينة القدس الكبيرة، فصارت حيًا من أحيائها يبلغ عدد سكانه عشرين ألفًا.
يعاني أهل العيساوية بشكل يومي وقاس الكثير؛ فبسبب مجاورة بيوتهم لبيوت الحي الاستيطاني اليهودي المعروف باسم «التلة الفرنسية» ولمباني الجامعة العبرية، أمعنت اسرائيل بتضييق خناقاتها على الحي، فحاصرت سكانه داخل منطقة ضيقة، وحظرت عليهم البناء خارجها ولاحقتهم فتحولت حياتهم إلى جحيم. قاوم أهل العيساوية هذه السياسة بوتائر تحتدم أحيانا وتخبو أحيانا أخرى. منذ اكثر من شهرين نشاهد موجة جديدة من الاحتكاكات التي ما زالت ذراها تتشابك؛ فقوات الشرطة والأمن الاسرائيلية تغزو بشكل يومي شوارع البلدة وتعيث بين أهلها الخوف وتعتقل العشرات منهم. برزت في مشاهد الاعتقال الأخيرة عمليات اعتقال عدد من أولاد الحي صغار السن، حتى غزت تلك المشاهد معظم الشاشات الفضائية وغدت حطبًا للمواقع الاخبارية ولشبكات التواصل على أنواعها. ستبقى مشاهد استدعاء أولئك الأولاد الفلسطينيين وصمة عار على صفحة دولة إسرائيل، وستحفظ كجنايتها الكبرى بحق الانسانية والطفولة.
في المقابل رأينا كيف انتشى كثير من الفلسطينيين ورقصوا طربين على وقع تلك الصور؛ ومنهم من تغنى ببطولات الاطفال الذين سيفلون ببسماتهم حديد المحتل ويذيبون ببراءتهم صلافته. فالطفل الفلسطيني، هكذا تشاوف البعض، جندي مقاتل يواجه دبابة المحتل ووحشيته. أفهم لماذا يوظف الفلسطيني في هذا العصر البائس «جبروت» البراءة وهي تقارع جبروت ووحشية المحتل، لكنني، رغم تفهمي الكامل لسحر ذاك المجاز، ولدغدغة الاستعارة، سأبكي على تلك الطفولة المذبوحة وسأبقي غصتي في الحلق كي لا تصير جرحًا يفضح.

٭ كاتب فلسطيني

 

 

 

غصّات: وعد صائب

وغصة وادي الحمص

جواد بولس

 

ستبقى صور نسف وتدمير بيوت الفلسطينيين سكان حي "وادي الحمص" في قرية صور باهر المجاورة لمدينة القدس، قابعة في الذاكرة كقابس يشحن صاحبه بشعورين مهينين هما الخوف والعجز ؛ فهدم البيوت العربية وتشريد أهلها كانا من مشاهد النكبة المروّعة، ثم ما تلاهما من عمليات قمع حرصت إسرائيل على الايغال في تنفيذها، لاعتقادها بأنها أنجع الوسائل لتدجين المواطن الفلسطيني ولتلقينه كيف عليه أن يعيش داخل حدود كهفه ويقبل بما يطعمه سيّده وبما يسقيه.

 لكل مأساة زمانها وروحها ونزفها المختلف؛ وضحية؛ وقصة هذا "الوادي" تعكس خلاصة من سيرة السراب الفلسطيني الذي يولد، كحلم أبطال الملاحم، من اليأس، فيصير عثرة فعذابًا فزفرات فضياعًا. 

كان الصباح فوقنا، في القدس ، أسود والوجع مهمازًا ينقر خواصرنا. السماء، كالقبور، جميلة وهادئة، فعبثًا نفتش عن معنى بين ثناياها وعن قطرة ندى. لا صوت في المدى إلا صدانا وتنهيدة ناي.

سبعون مضت والحروف ما زالت مدلّاة من أعناقنا كتمائم تسترضي آلهة تؤثر، كما كانت، رقصة النار على دمع البرتقال .. وخمسون طويت وما فتىء "اسماعيل" يفتش عن أبيه في الفيافي، و"اسحق" يمضي نحو حلمه النحاسي ويغزو أرض "الغرباء" مدجّجًا بالبرق وبالمزامير وبالسياط.

لقد استفزت العملية الاسرائيلية في "وادي الحمص" قلوبًا كثيرة لا مجال لتعدادها؛ لكنني سأتوقف هنا عند لافتتين بسبب ما تعنياه، لا لأصحاب البيوت المنكوبة فحسب، بل لمستقبل البلاد ومن سيبقى عليها أو من سيدفن في ترابها.

عقدت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية اجتماعًا طارئًا "لمتابعة أحداث جريمة الحرب الاسرائيلية المرتكبة بحق أبناء الشعب في القدس المحتلة، وتحديدًا في منطقة وادي الحمص وصور باهر" .

حمّل الدكتور صائب عريقات ، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، في أعقاب ذلك الاجتماع، إسرائيل والادارة الامريكية، المسؤولية عن جرائم هدم منازل ومنشآت الفلسطينيين في القدس المحتلة؛ وأضاف بأن المنظمة "ستضع آليات لالغاء كافة الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني"؛ وأعلن، في تصريح يعدّ سابقة فارقة وبالغة الأهمية، بأن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير "ستوقف التعامل مع جهاز محاكم الاحتلال الاسرائيلية باعتبارها أداة رئيسية لتنفيذ سياسات الاحتلال ولترسيخه".

لم يفصح الدكتور صائب عن أية تفاصيل عملية حول توقيت البدء بتنفيذ ذلك القرار، أو حول كيفية "التوقف عن التعامل مع جهاز المحاكم" وعن أية محاكم إسرائيلية سيشملها القرار. وعلى جميع الأحوال، يشكل هذا الموقف برأيي نقطة تحوّل جدّية في الموقف الفلسطيني الرسمي؛ قد تؤدي، في حالة تنفيذها الحقيقي، إلى تداعيات ايجابية، من شأنها أن تعيد لمفهوم نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال بعضًا من مضامينه الوطنية الحقيقية الصائبة، وقد تنقله الى حالة كفاحية سياسية جديدة خالية من لبس المفارقات التي خلقتها مرحلة "الحمل الواهم"، لا سيما بعد تقويض حكومات اسرائيل لجميع الأسس التي أرستها "اتفاقية أوسلو" وبعد أن لاكت تلك الحكومات ما بقي من فتات ذلك العهد ولعقت، بشكل تام، جميع آثاره فأردت كل الآمال التي عقدت عليه. 

لن يحتمل هذا المقال سرد تاريخ هذه المحاكم وما ارتكبته، خلال ما يزيد عن خمسة عقود، من موبقات بحقوق أبناء الشعب الفلسطيني؛ فهي، كما صرح الدكتور صائب، وجدت لتكون "أداة رئيسية لتنفيذ سياسات الاحتلال ولترسيخه" ؛ وقد كانت كذلك في ممارساتها اليومية.

على منظمة التحرير أن تمضي في  تنفيذ ما أعلن باسمها، وعليها وضع برنامج واضح يفضي، بدون تسويف، الى وقف التعامل مع "محكمة العدل العليا الاسرائيلية" ومع جهاز "المحاكم العسكرية" على جميع تفرّعاته.

أخصّ، في البداية، هاتين الجهتين لدورهما التاريخي السافر والمثبت كذراعين أنيطت بهما، منذ ساعة انشائهما، مهمة تسويغ سياسات سلب حقوق الشعب الفلسطيني وترويض أبنائه واحتوائهم في "زرائب" ترفع على أبوابها، أمام العالم، رايات العدل، لكنها  تعاملهم بتشاوف السيّد على عبده المسجون داخل أقبية القمع والظلم والاذلال.      

لقد بنى سكان "وادي الحمص" بيوتهم في منطقة صنفتها اتفاقيات أوسلو كمنطقة( أ ) حيث لا تملك فيها اسرائيل صلاحيات في الشؤون المدنية على الاطلاق.

حصل الفلسطينيون على تراخيص لبناء بيوتهم من سلطة التنظم الفلسطينية وفقًا للاجراءات المتبعة  في المناطق المصنّفة كمناطق( أ ) ؛ ورغم ذلك، اصدر قائد جيش الاحتلال أمرًا يقضي بعدم السماح لهم بالبناء هناك أو بالسكن في بيوتهم المكتملة، معلّلًا قراره بتهديد تلك البيوت لأمن اسرائيل بسبب قربها من جدار الفصل.

تظلّم المواطنون المحتلون أمام محكمة تسمّى "محكمة العدل العليا" في محاولة منهم لاقناع ثلاثة من خدمة مخططات الاحتلال، بأنهم، اي الملتمسون، أصحاب الحق والأرض، وبأن وجودهم، مع عائلاتهم هناك، لا يشكٌل خطرًا على أمن اسرائيل وعلى سلامة سكانها.

لم يصغ إليهم القضاة، لا بل عاملوهم بعجرفة كجنود يخدمون دولة اليهود. رفضوا الالتماس وأجازوا هدم عشرات المنازل المأهولة؛ فتفوّق أمن اسرائيل، مجدّدًا، على جميع الاعتبارات الانسانية، وتربع مكانه فوق جميع المواثيق الدولية؛ لأن القائد العسكري ، كما كتب القاضي مزوز ناسفًا ما تبقى من ركام "نرويجي"، يستطيع "انفاذ صلاحياته بذرائع أمنية حتى داخل مناطق ( أ، ب) وذلك يشمل حقه بتحديد امكانيات البناء لأسباب امنية وعسكرية". وأضاف جازمًا بوضوح "كل بناء يقام بعكس أمر عسكري اسرائيلي سيُعدّ بناءً غير مشروع وذلك حتى لو كان موقعه داخل مناطق (أ ، ب) فليس بوسع التصريح المعطى من قبل سلطة التنظيم الفلسطينية أن يمس أو أن يقلل من صلاحيات القائد العسكري" !

لقد قطع "مزوز" قول كل حليف أو خطيب؛ وبقيت غصة الوادي ووعد صائب .    

غصة اسماعيل وشهادة يوڤال

عندما كانت الجرافات تهدم أحلام المواطنين، وكان الطغاة ينتعلون ضمائرهم، والناس يسعون ،كالطير، وراء أرزاقهم، وكنا في فلسطين نفيق على دبيب النمل في شراييننا، كتب صحفي يهودي من موقع "الغزوة" شهادته فقال : " أشعر بتعب نفسي كبير. أمضيت ليلتي في صور باهر. شاهدت بأم عيني كيف يدمرون لاسماعيل حياته ومأواه. اسماعيل رجل طيب وحساس. لقد خطط كل تفاصيل بيت احلامه.. هكذا أخبرني في الساعة الثالثة فجرًا وقبل وقوع الكارثة. حينها كانت أرجله ترتعد وكان يصلي ويتمنى، حتى آخر لحظة، ألا يهدموا البيت..

اختار لون الورد لخشب خزائن المطبخ وتأكد أن تكون جدران غرفة طفلته الصغيرة عازلة للضجيج وللبرد، فهو يحب ابنته كثيرًا. لقد ارسلها لتنام في بيت جدها وأبقى بجانبه أبناءه يترقبون مثله بخوف وصول الوحوش اليهم" .

اسمه يوفال وقد يكون صحفيًا مغمورًا في مجتمعه، لكنني أشعر بأن ما دوّنه سيبقى خرطشة كتبت بمداد من روح سيحفظها التاريخ دليلًا على تغوّل شعبه بعد أن  "تمسكن فتجبّر وتنمّر" وشهادة على من هو القاتل ومن المقتول. 

 اقتحم عشرات من أفراد الشرطة البيت فكتب يوفال : "أرى كيف ملأ الغضب والمهانة عيني اسماعيل وعيون أولاده ؛ فعندما دفعنا الجنود بقوة الى الخلف، صرخ الأولاد فاقشعر جسدي واحمرت عيونهم من الغاز المسيل للدموع. احتضنهم اسماعيل وكان ينتفض ويبكي.."

"كان عنف الجنود فظيعًا؛ هدمت اسرائيل البيوت. اسرائيل العنصرية والمستعمرة ..إسرائيل التي اخجل أنا أن اكون مواطنًا فيها".

نفذ الاحتلال جريمته في وضح النهار، وتسابقت الشاشات على نقل الصور حتى تلاشت آخر حبة غبار في حلق العدم، وجلس الصيٌادون يحصون فرائسهم وفلسطين كانت متكئة على كتف الريح .. ابنة العاصفة وولّادة الزهر.

 بدأت الشمس ترتفع فوق القباب الخضر، تجفف مطر العيون المتعبة وتسافر في رحلتها الأبدية بين وعد صائبٍ وغصة الوادي.     

 

 

 

Attachments area

 

غصّات ، ربحي الأسير

ونصّار الشهيد

جواد بولس

 ربحي

وصلت القاعة رقم أربعة في مبنى محكمة العدل العليا الاسرائيلية وجلست في مقعدي أنتظر احضار الأسير ربحي شهوان ودخول القضاة لتبدأ مناقشة التماسي بالافراج عنه، بعد أن أمضى في السجن الاداري مدة عام ونصف من دون أن يحقق معه ومن دون أن تقدم بحقه لائحة اتهام؛ وذلك على الرغم من أن المخابرات  أدّعت، حين أصدرت بحقّه بتاريخ 25/1/2018 أمر الاعتقال الأول ، على أنه مقرّب من خلية تابعة لتنظيم داعش، كانت نشطت في مسجد القرية.   

كنت متأكدًا من النتيجة ؛ لكنني كنت مصرّاً أكثر على مواجهة القضاة لكي أقول لهم ما سبق وقلته لمن سبقوهم منذ أربعة عقود، كنت فيها شاهدًا على تيه الفلسطيني في غابة الزمن المتوحش، بينما كانوا هم قنّاصة الأمل وصيّادي الفرائس العاجزة.

بجانبي جلست دانة، حامية الوعد ووريثة الهمّ المشتهى ،كانت هادئة كعادتها لكنها لم تخفِ مشاعرها ازاء المكان وأصحابه ؛ فهي ترفض أن تقفو أثر جيلنا وهي معصوبة الأعين حتى لو قيل فيه، كما أفهمتُها ذات مرة ، بأنه "أصبر على الذل من وتد" .

أدخلوا ربحي إلى القاعة محاطًا بثلاثة سجّانين فبدا بينهم كحمامة في قفص تحرسه وعول ؛ جسمه نحيل ووجهه أبيض يميل إلى صفرة الرمل وشعره منثور بإهمال مقصود كمن ترك بيته مسرعًا للقاء حبيبة.  رأيته مثل أبناء جيله، أولئك الذين يحبون مسلسلات "النتفلكس" ويتابعون مباريات التنس ومنافسات "جوكوفيتش وفيدرر ". 

صافحته بحرارة وتلقيت منه أجابات واضحة على أسئلتي. سمعته واثقًا وصادقًا ونجحت مرّة أو أكثر أن أرى ابتسامته تعلو وجهه الطفولي الذي لا يشي بسنيّ عمره العشرين.

أخبرته أن نيابة الدولة اقترحت عليّ أن أسحب التماسي مقابل تعهدها بالافراج عنه بعد أربعة شهور لكنني رفضت عرضها وجئت اليوم كي "أقاتلهم" من أجل تحريره الفوري. أحسست أنه لم يستوعب المشهد بشكل دقيق ، فسألني عن والديه وعن عالمه الصغير لأنه مقطوع عن الدنيا ويقضي أيامه في جناح الأسرى الفتحاويّين في سجن النقب الصحراوي .

قرر القضاة، ربما لحظّي، أن يفتتحوا نهارهم بمناقشة ملفي، وربما لأنهم أرادوا "غربلتي" بسرعة كي يعودوا إلى ما يهمّهم أكثر ويشعرهم بكونهم قضاة لا مجرد سيّافي ورود وحفاري وجع .

أعرف أنهم لا يحبون سماع ما سأقول، لكنهم يعرفون، بالمقابل، أنني لن اتنازل عمّا جئت من أجله ؛ فلقد تخطّيت، من زمن، تلك المرحلة التي كانوا يستقوون فيها على كياستي ويسكتوني بعصا "حكمتهم" المدّعاة.

وقفت أمامهم في تلك الردهة الضيقة التي أرضها من حق صلب ومن وجع المقموعين ؛ كان صدري مدفوعًا نحوهم ومنه يضوع عطر كرامات المظلموين ويصرخ من حنجرتي ضمير التاريخ الذي يئدونه على مذابح عدلهم الأكتع. كنت أرى الظلم ينثال من مآقيهم وأشعر بالبرودة تسيل من وجوههم صوبي؛ لكنني وقفت هناك على حافة الضوء كمن "رماه الدهر بالأرزاء" طودًا لا يضيره " تكسر النصال على النصال"، وبدأت مرافعتي.

 "هل قرأتَ ما كتبت نيابة الدولة في ردها على التماسك سيّد بولس ؟ فلماذا لا تقبله وننتهي من هذه القضية" - قاطعني بصوت خفيض ورزين القاضي عميت رئيس الهيئة، متوقعا أن أقبل "نصيحته"  المؤدّبة.

رفضتها لأنها بالنسبة لموكلي ليست إلا كرمًا أسود؛  فربحي، الذي جئت اليوم  مستنصرًا له، قد دفع من حياته سنة ونصف من دون أن يعرف تهمته وبدون أن يعطى فرصة ليدافع عن نفسه. لقد اعتقل قبل أن يكمل عقده الثاني، وزج به غضًا في صحراء سادتها الرمل والغبار اللذين سيُنسيانه حتمًا معنى السذاجة والنقاء؛ فهناك لا ينجو الا من يتخذ الخشونة مهجعا والضراوة وسيلة للحياة.

تحاول القاضية الجالسة على يمين رئيس الجلسه، أن تسكتني وتقترح  عليّ أن ينتقلوا مباشرة لمعاينة ما يسمونه "الملف السري" كي يستطيعوا اصدار قرارهم بسرعة.

 أقاطعها، بغضب واضح، مؤكّدًا رفضي لطريقتهم في معالجة هذه القضايا؛ فلجوؤهم الروبوتي الى ذلك "الملف السحري" لا يعني إلا استسلامهم أمام سطوة "الأمن" المغلق وإلغاء دورهم كقضاة تأتيهم الناس طلبا للعدل وللإنصاف.

أمضي في مرافعتي وأسأل لماذا لم يحقق مع الأسير بما ينسب إليه من شبهات؟ وكيف يستطيع هو وأمثاله بأن يثبتوا أنهم أبرياء؟ وكيف لي كمحام ان أقنعكم بأن الاعتقال الادراي لم يُعدّ أصلًا لمثل هذه الحالات وهو في عرف الانسانية وسيلة قمعية مرفوضة لا يلجأ اليها النظام الا في حالات نادرة واستثنائية قصوى؟

كنت مسترسلًا إلى أن  تدخل القاضي مزوز محاولًا اسكاتي واقناعي برأيه بأن في بعض الحالات لا داعي للتحقيق مع الأسير فقد تكون الأمور واضحة لا تحتاج إلى مزيد من الفحص والتدقيق. أقاطعة بتنهيدة صاخبة ومستهجنة متسائلًا باشمئزاز:  كيف لقاض أن يتفوه بمثل هذا الموقف؟فحتى نيابة الدولة تخجل أن تدعي ذلك ، فكيف لك أن تتبنى موقفًا نيابيًا أكثر من النيابة" ؟

انتظرت، للحظة، متوقعًا أن ينتهر "وقاحتي" لكنه لم يفعل اذ مال عليه رئيس الجلسة ووشوشه فصمت حتى نهاية الجلسة.

ورفعت الجلسة. لم يفاجئني قرارهم الذي صدر آخر النهار، فأنا جاهز للضجر الأخضر، كابن الساقية، ولأنه  "ما مرّ يوم أرتجي فيه راحة / فأَخبره إلّا بكيت فيه على أمسي" .

رفضوا التماسي بعد أن قرأوا بدقيقتين ملف الأسير السري فوجدوا بأن ربحي شهوان يشكل خطرًا على أمن وسلامة الجمهور ؛ لكنهم وجدوا، كذلك، بقدرة لا يمتلكها الا الملائكة أو المبصرون ، أن ذلك الخطر سينقطع بعد أربعة شهور، وعندها سوف يحرر ليعود إلى أهله حاملًا شهادة الصحراء وليردد مع الدرويش ما علمته قوافي المعلقات ويقول "لا أرض تحملني ، فيحملني كلامي طائرًا متفرعا مني، ويبني عش رحلته أمامي في حطامي ..".

ما أقرفهم ! قالت يمامتي الصغيرة وكانت تداري غصة نفرت من عينها. ربّتّ على عباءتها المضاءة بالنجوم  وقلت، محاولًا إخفاء غصتي، يا بنيتي : "ما العز إلا تحت أثواب الكد" وأنت ما زلت في بداية هذا الطريق الجبلي الوعر، فصوني عبراتك للفرح  واجعليها "بين الضلوع جذوة نار وخلال الأجفان مزنة ماء" ولا تهني بل أرقصي معها دائمًا عند حفاف القمر.

نصّار

في التاسع عشر من حزيران المنصرم اقتحموا منزل العائلة في بلدة بيت فجار في محافظة بيت لحم واعتقلوه بعد أن حطموا الأثاث وزرعوا البيت خرابًا ورعبًا. وضعوه في زنزانة منفردة في معتقل الجلمة. مددوا توقيفه لسبعة أيام تلتها سبعة أخرى وهو ممنوع من لقاء محام.

في العاشر من تموز/ يوليو الجاري طلبوا تمديد توقيفه لاثني عشر يوم في محكمة سالم العسكرية، لكنهم لم يحضروه لأن وضعه الصحي لم يسمح بنقله من "سجن مجدّو"؛ فقررت المحكمة اجراء الجلسة وسماع الطلب داخل السجن.

يكتب القاضي في محضر الجلسة، بأنه وجد الأسير، نصّار طقاطقة،  "ملقى على حمالة ولا يتفاعل معهم على الاطلاق ويضيف انه كان واعيًا". قرر القاضي تمديد توقيفه لثمانية أيام على أن يتم فحصه طبيًا وذلك حتى موعد أقصاه السادس عشر من الشهر الجاري وفقًا لانظمة مصلحة السجون.

في فجر السادس عشر استشهد نصّار طقاطقة داخل سجون الاحتلال وهو في الثلاثين من عمره.

مع انتشار النبأ تواصلنا مع جميع الجهات وطالبنا تزويدنا بكل التفاصيل منذ يوم احتجازه الأول وحتى لحظة مماته، كما وطالبنا بضرورة تشريح جثمانه بحضور طبيب فلسطيني.

لم يكن نصّار أول شهيد يسقط وهو محتجز وراء قضبان القمع الاحتلالية ولن يكون آخرهم ؛ وليس من شأن هذه المقالة التوثيق لهذا التاريخ الدموي ولا الحديث عن مسؤولية السجان الاسرائيلي الذي لم يلاحق بسبب جرائمه ولم يعاقب عليها لغاية الآن . ما أثارني ودفعني لأكتب عن غصتي الحارقة في هذه المقالة هي دمعة أمه الثاكلة التي بكت بحرقة لم تُبقِ حيًا ينعم في سكينته.

لا أعرف كيف ستنتهي هذه القضية ومن سيدفع الثمن عن جريمة راح ضحيتها من أمسى شهيدًا سيذهب، كما تعد الرواية، مع رفاقه الشهداء إلى النوم ونحن نقول لهم "تصبحون على وطن من سحاب ومن شجر ، من سراب ومن ماء .. فناموا لأحرس أحلامكم من خناجر حراسكم وانقلاب الكتاب على الانبياء..."   

ما أصعبها غصة، ما اقساها تضحية، ما أحلاها سرابًا وأمنية.        

 لم تنته الغضات....  

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

غصّات فلسطينية:

«القائمة المشتركة»

وذكرى توفيق زياد

جواد بولس

 

أُصبنا بنوبة فرح كبيرة عندما فشل بنيامين نتنياهو بتركيب حكومته، واضطراره إلى حل الكنيست المولودة حديثًا، والإعلان عن جولة انتخابات ثانية ستجرى في السابع عشر من سبتمبر/أيلول المقبل؛ في سابقة مثيرة لم تشهدها إسرائيل من قبل.
بعضنا فرحَ شماتةً بالرجل الذي لم يُخفِ تشاوفه على مواطني الدولة العرب، واستعداءه المكشوف لهم، والتحريض عليهم بوجبات من العنصرية المنفلتة، بعد تحويلهم إلى «فزّاعات» شيطانية يخيف بها المواطنين اليهود ويستفزّ مشاعرهم الدفينة.
والبعض فرحَ لاعتقاده أن الجماهير العربية كسبت فرصةً جديدة للمّ شمل قبائلها، بعد أن مزقته مؤامرات ومغامرات وحماقات ورهانات قادة القائمة المشتركة في ثلاثة أعوام وجودها، وقبل جولة الانتخابات السابقة، حيث لم ينجحوا، رغم جميع التصريحات والوعود والتطمينات، بالعودة إلى «بيت الطاعة» مخيّبين آمال من آمن بأن الوحدة في قائمة هي «سدرة المنتهى»، أو ربما عصا موسى القادرة على فجّ بحار العداوة الممدودة بينهم، وعلى نقل جميعنا إلى «أرض ميعادنا» المشتهاة.

لقد عجزوا مرة أخرى ولم يعلنوا، عن تذليل العقبات التي ما زالت تعيق إعادة بناء القائمة المشتركة

وهنالك فئة شعرت، في أعقاب فشل إعادة تركيب المشتركة، بأن «أيّام اللولو» العربية المألوفة قد ولّت؛ فطفقوا يعدّون أنفسهم لامتطاء عنق المستقبل ولحصاد بيادر جافَتها مواسم العز والجنى.
على جميع الأحوال، فقد أتاح فشل نتنياهو المذكور لفئات عديدة فرصة لإعادة النظر ولاستخلاص العبر؛ لكنه هيّأ للبعض، في الوقت ذاته، فرصة لبناء «عرائش» سياسية جديدة، كان بعضنا قد تكهّن بأنها تتخمر تحت قناطر عقودنا الهرمة، إلى أن صار إنباتها من ضرورات ساحاتنا المحلية، وحتمًا ناضجًا ينتظر فقط لحظةً مؤاتية كي ينطلق كالسهم نحو أحضان القدر. لقد عجزوا مرة أخرى ولم يعلنوا، حتى كتابة هذا المقال، عن تذليل العقبات التي ما زالت تعيق إعادة بناء القائمة المشتركة.
من الواضح أن الجماهير ستحاسبهم جميعا ولن تميّز بين جانٍ وصادق أو مغرور؛ فالتفاصيل لن تقنع إلا المقتنعين ولن تستفز البراهين إلا المستفَزين، بينما ستُرصّد الخسارة عجزًا في بنوك التاريخ، وتتكدّس قناطير الخيبة في خوابي المدّعين والتائهين. إنّ ما يجري أمام أعيننا ليس مجرّد مخاضات عادية يمارسها فقهاء بالسياسة، ويرسم معالمَها دهاةٌ في التفاوض ويخططها قادة لا يشق لهم غبار ولا «يقعقع لهم بالشنان»؛ فبعض العصاة هم مجرد هواة يعبثون برميات نرد عبثية، وجزء من أولئك يلعبون بالنار بجانب وسائد أطفالنا، ويتصرّف آخرون كما قالت العرب: «فنفسي وبعدي الطوفان»؛ والمصيبة انهم يقرأون مثلنا عن أثر ما تقترفه حماقاتهم، وعمّا تسبّبه أطماعهم، ولا يعيرون مشاعر العامة لفتةً أو اهتماما، وكأنهم قد اقتنعوا بما قلناه منذ شهور، وهو أننا نطلّ، من دون شك، على نهاية «المغامرة المشتركة» ونرافق تهاوي ذيول رحلتها التي كانت تشبه رحلة النيزك بعد أن يولد ويشتعل ويخبو بأسرع من رمشة. لقد كبرت الغصة في حلوقنا؛ فحتى لو نجح الخبراء والوسطاء والوجهاء بتضميد جراح أولئك «الإخوة الأعداء»، وبجبر عظام كراسيهم الساحرة، لن يبقى في قناديلهم زيت ولا في جعابهم ورد ولا خمر. سوف يصحون على خرابات « بُصرى» الدامية، وعلى أطلال ستشهد كيف تسقط الذرى وكيف لا يُبكى على وطن أضاعه نساؤه ورجاله.

 توفيق زياد

تلقيت دعوة من مؤسسة توفيق زياد في الناصرة للمشاركة، في الخامس من يوليو/تموز، في حفل إحياء الذكرى الخامسة والعشرين «لرحيل القائد والشاعر توفيق زياد».
قررت الحضور بلا تردد، متخلّيًا، هذه المرة، عن موقفي بعدم المشاركة في احتفاليات كثيرة، لرغبتي بالابتعاد عن ضوضائها، وعن ممارسة طقوس صارت مكرورة ومزعجة، ولا تنصف المحتفى بهم، ولا تعطّر حاضرهم ولا ذكراهم.
وصلت قاعة مدرسة راهبات مار يوسف متأخرًا بسبب «جلطات» الشوارع التي منعت كثيرين مثلي من الوصول في الوقت المحدد، فدلفت مسرعًا ولم انتبه لكثير من الوجوه التي مررت بها، ولا لمن وقفوا في مدخل القاعة ليستقبلوا المحتفين؛ كنت مطرقًا وساهمًا. حاولت قبل جلوسي على مقعدي إقفال شريط أحداث طويل رافقتني فصوله خلال مشواري إلى الناصرة.
لتوفيق زيّاد مكانة أثيرة عندي، وفي نفوس أبناء جيلي، خاصة بين طلاب الجامعات الجبهويين الذين خاضوا معارك الكرامة في وجه الفاشيين في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم. أبو الأمين، صاحب الوسامة الشقية، لصيق في ذاكرتنا مثل جين خفي يسكنك ويبقى فيك فلا تشعر به إلا عندما يهاجمك داء الحنين القاسي. كانت ذكرياتي معه قليلة، فالثمين قليل، ورغم مرور السنين ما زلت استحضرها، مع بعض رفاق الدرب الثابتين، بنوع من الفرح القاني، كذاك الذي تمارسه المرافئ، وهي تودّع سفن العاشقين.
كان برنامج الحفل معقولًا ورزيناً؛ نالت فيه الموسيقى حيّزًا وافرًا، وأضفى الغناء معها على الحسرات ظلاً بديعًا. آثر المنظمون إبقاء القاعة مظلمة، وأضاءوا المسرح بمهنية واضحة، فرقصت الشموع وناغت ضمم الزهور الزاهية. وعلى غير عادات العرب، اكتفى المنظمون بكلمتي ترحيب، فحيّت السيدة نائلة زياد، شريكة حياة «ابو الأمين»، الحفل باسم المؤسسة الراعية، وبعدها خاطب الحفل عادل عامر، باسم الحزب الشيوعي. كلمتان قصيرتان عن حياة عريضة كالمدى. كنت أسمع بين فقرة وأغنية تصفيقًا، ولكن ذروة الليلة كانت حين عرض على الشاشات فيلم وثائقي عمل على إنتاجه وإخراجه الشاب سري بشارات وبالتنسيق مع مخرجة الحفل مها الحاج ابنة الناصرة المتألقة.
لن تفي الكلمات ما رأينا في قرابة العشرين دقيقة؛ فقد أطلّ علينا زيّاد كبطل من الأساطير ينفض العدم، ويغزو خواصر الأمل، ويصفعنا بسياطه المجدولة بنسغ المقاتلين البسطاء الذين لا يهابون مواجهة إلا اذا كانت مع دمعة أم ثاكلة، أو أمام عبرة طفلة جائعة. في دقائق مرّت كلسعة نار كاوية، ساحت دموع الرجال وتنهدت النساء. نقلتنا الصور من منصة إلى منصة ومن ميدان إلى ميدان، حيث كان أبو الأمين واقفًا في جميعها كالبوصلة يرشد الجموع نحو قلب العاصفة ويزرع الريح في قلوب الناشئة.
بكينا بصمت وشكرنا رأفة العتمة. كنا كلما صرخ الزياد نمتلئ حسرة وشوقًا وأسى؛ وكنا كلما هزت سبابته شباك المستحيل نغور في كراسينا خوفًا من أن يمدها نحونا ويهيب «أناديكم». لم نشاهد فيلمًا عاديًا بل كانت تلك تراتيل سماء تلاها أمامنا ندّاف الأمل وسيد الميادين العاصية؛ كانت الدموع حارقة؛ فما سمعناه كان أقرب إلى لوائح اتهام واضحة بحق كل من هجر تلك الدروب وتخلّى عن «القابلة»؛ لقد رأيناه قائدًا يصوّب ناره دومًا نحو الطغاة ولم يهادن؛ وشاهدنا كيف كان يرفع قبضاته في وجه من حاولوا، باسم الدين، زرع الفتنة وتأليب «الفقراء» على «الكفار» الحمر، فواجههم كنمر «سرحان العلي» ولم يساوم؛ وتابعناه عاشقًا للوردة الحمراء ولصدور الحياة، مصرًّا على أن المرأة كانت وستبقى لحاء السعادة الأنضر؛ ولم يبع في ذلك موقفًا مقابل قبّرة أو زنبقة؛ وشاهدناه واثقًا بأن البقاء على هذه الأرض لن يتمّ إلا بنضال مشترك يقوده الأحرار من كل قوم وشعب وعرين.
كانت الليلة جميلة كخميلة ساحرة؛ ذهبت إليها مدفوعًا بحدسي وقلقي؛ وخرجت، قبل إشعال الضوء، ممتلئًا بغصات وحسرات، فمضيت أفتش عن وعد وأسأل من يهبنا قائدًا يرفض أن يغمز جانبه كتغماز التين ويأبى أن يقايض جديلة بصك غفران، أو أن يقعقع له بالشنان. أعرف أن بعض الرفاق سيرفعون حواجبهم مفترضين انني تطفلت على زيّادهم؛ وأعرف، بالمقابل، أن آخرين من معسكر «الرفضاء» سيتهمونني بداء المغالاة والولاء «للطغاة». لجميعهم أقول إنني استحضرت «توفيقي» الخاص، القائد الإنسان، والشاعر الإنسان، فغالبتني غصتي؛ ومن لم يشعر بها مثلي فليعد وليشاهد، مرات ومرات، ذلك الفيلم/الوثيقة فعساه يجد ضالته أو ربما أسمه مدرجًا ضمن لوائح الاتهام.
لم تنته الغصات..
كاتب فلسطيني

 

 

حاج يرأس البنك

القومي الإسرائيلي

جواد بولس

 

انتخب أعضاء مجلس إدارة «بنك لئومي» الإسرائيلي، بأكثرية حاسمة، ابن مدينة الطيبة الدكتور سامر حاج يحيى رئيسًا عليهم، خلفًا لدافيد بروديت، أحد ألمع الأسماء المعروفة في عالم المصارف الإسرائيلية ورجالات المال وأسواقه.
لديّ شعور بأن أغلبية المواطنين العرب في إسرائيل تقبّلت الخبر بروح إيجابية وناضجة وبحيادية عامة؛ رغم الغرابة التي رافقت اختيار «حاج» لهذا المنصب، وكانت في الواقع، محرّكًا لبعض الإثارة الشعبوية العربية وللنقاشات المألوفة في تلك «العوالم الافتراضية» التي يتساوى فيها العالِم والجهول.
في هذه القضية فرادة معينة تميّزها عمّا صار أقرب إلى كونه مشهدًا عريضًا تمتد ملامحه بوضوح أمامنا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، وتُشكل عُقَدُه مفاصل حياتنا العامة، وتتركنا في حالة إرباك بين حالتين سياسيتين رسميتين متناقضتين. فمن الوريد إلى السكين تعمل الدولة، من خلال مؤسساتها الحاكمة وسياسات حكوماتها المتعاقبة، بشكل ممنهج وعلني، على إقصائنا عن «أحضانها»، وعلى سحق شرعية نضالاتنا من أجل حصولنا على حقوقنا الكاملة وتحاول، من جهة أخرى، «هضم» قطاعات واسعة من بيننا والزجّ بها في «أحشائها»، ودمجها في مرافقها، واستيعاب فئات أخرى في مواقع كانت محظورة علينا، كعرب، لأسباب عنصرية وقمعية.
لم تعُد هذه المسألة محصورة في استمالة أفراد «وحرقهم» على بيادر القرى والمدن العربية، ولا على من وَجدوا في مختلف الأجهزة الأمنية ملجأ شخصيًّا ومصدر رزق، لولاه لبقوا على أرصفة العوز، أو لهلكوا على حافة «أميّتهم»، فمنذ سنوات ونحن نعيش سيرورات جديدة، ستفضي حتمًا إلى واقع آخر، يمرّ في هذه الأيام بمرحلة انتقالية حبلى بكل الصخور والشواطئ.
لن يتطرق هذا المقال، بطبيعة الحال، إلى تلك العملية المتداعية، ولن يحلل أسباب تشكّلها، ولا إلى دوافع الدولة من تبنّيها، أو إلى ماهية المتغيّرات التي حصلت، خلال سبعين عامًا، وتحصل داخل بنى مجتمعيّ الدولة. اليهودي وشعوره، ربما بنضوج «دولاتي» وبقوة تسمح له «بالتضحية»، التي قد تكون مغرضة، في هوامش كانت موصدة أمام المواطنين العرب؛ والعربي، في المقابل، وما أصابه من تحوّلات سياسية واجتماعية واقتصادية، أثّرت لا في سلوك أفراده فحسب، بل ساعدت على تنمية شرائح ونخب جديدة، بدأت تهتدي بمنظومات مفاهيم ومصالح متوالدة ومحدّدة، بشكل تلقائي وطبيعي، لعلاقتها بالدولة ومصيرها فيها.
لا يشبه اختيار ابن المثلث رئيسًا على مجلس إدارة «بنك لئومي الإسرائيلي» ما سبقه من تعيينات حظيت بها، عن جدارة تامة، أعداد كبيرة من الأكاديميين/ات والمهنيين/ات العرب، الذين استوعبتهم مئات المواقع والوزارات والشركات الحكومية والعامة والجامعات والكليات والمستشفيات والمصانع وغيرها من المؤسسات الرائدة والمهمة؛ فبنك لئومي يحظى بمكانة وبرمزية لافتتين، لا بسبب كونه واحدًا من أكبر المصارف والمحركات الاقتصادية المؤثرة والوازنة في الدولة وخارجها فحسب، بل لأنه يعد وريثًا لأحد إفرازات «الهستدروت الصهيونية» التي أنشأت عام 1902 البنك «الأنكلو- فلسطيني» الذي أصبح، بعد عام 1948 «بنك لئومي ليسرائيل» الحالي، ومعناه الحرفي «البنك القومي الإسرائيلي».
استفز انتخابُ هذا العربي الطيباوي لرئاسة البنك اليهودي «جيش الإنقاذ» الجديد فانقضّت بعض فرقه المتمترسة على هضاب الفيسبوك عليه وعلى جميع من تجرأ على تهنئته أو عبّر عن رأيه بأن انتخابه يعدّ خطوة إيجابية جديرة بالتحليل والتقييم، خاصة على ضوء جميع المستجدات الحاصلة في مواقعنا، كما أسلفت.
لقد تعودنا في السنوات الأخيرة على صمت القيادات ومعظم النخب العربية، وهي تقبع في قواقعها، حيث تعوّدت فيها على السكينة والأمان، ولم يعد يعنيها ما يجري في ساحاتنا العامة، أو على أرصفة شوارعنا أو أمامنا على مسارح البلد؛ فبعد انتخاب الدكتور سامر حاج يحيى لمنصبه، حافظت تلك القيادات والنخب على رصيدها من العجز، وغابت عن المشهد، بينما عجّت الصحافة العبرية ونقلت بالتفصيل ما يتوجب على مجتمعهم معرفته تقديرًا منهم لأهمية الحدث، ولرفعة المنصب ولتميّز الشخص الذي خاض مواجهة وتحدى ثلاثة مرشحين آخرين نافسوه على المنصب، لكنه تغلب عليهم بجدارة وبدون «تنزيلات» حملات نهاية الموسم.
يبلغ عدد أعضاء مجلس ادارة البنك اثني عشر مديراً؛ قرر ثلاثة منهم منافسة حاج يحيى، فحاز هو، بعد عملية تصويت سرية، على خمسة أصوات، بينما حاز أوهد موراني صوتا واحدا، رغم إشغاله في الماضي لمنصب مدير عام وزارة المالية؛ ومثله حاز يتسحاك شرير صوتا واحدا، وكذلك حاز مولي بن تسفي صوتا واحدا، رغم انه شغل منصب رئيس قسم الميزانيات في وزارة الدفاع ومستشارًا ماليًا خاصا لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي.

في زمن تتغير فيه إسرائيل للأسوأ وتهرول يمنةً نحو الهاوية؛ تفتح لنا «قبضاتها» أرصفة لنقف على حوافيها ونتأمل في نهاياتها

 تم اختيار الدكتور سامر الحاج يحيى رغم كونه عربيًا، لا كما يحلو لبعض العرب أن يدّعوا، بسبب كونه عربيًا وبهدف تجميل وجه مصرفهم ودولتهم العنصرية.
لقد أشادت كل وسائل الإعلام العبرية بمكانة الدكتور سامر العلمية البارزة، وبتحصيله الأكاديمي المبهر وبتجربته العملية الدولية والمحلية الواسعة وبمهنيته المثبتة وبتفوقه، بسبب كل ذلك، على جميع منافسيه، رغم امتلاك كل واحد منهم لسيرة ذاتية غنية بحد ذاتها.
لقد استوقفني ما كتبه رئيس «مركز السايبر» في جامعة تل أبيب ورئيس «وكالة الفضاء الاسرائيلية» بروفيسور يتسحاك بن يسرائيل حين قال قبل يومين: «قد يكون ذلك مفهومًا ضمنًا، ولكن من المهم أن أؤكد على أن حاج يحيى نافس مرشحين في مجلس إدارة يستطيع كل واحد منهم أن يقود البنك، لكنه لم ينتخب لكونه عربيًا، إنما لأنه كان الأفضل من الجميع. ولقد انجزت إسرائيل هذا الاسبوع فصلًا مهمًا في عملية نضوجها». هل كان ذلك فعلًا شاهدًا على نضوج إسرائيلي، أم مجرد ضربة خفيفة على جناح قدرنا الملتبس بين نقيضين؟ ففي زمن تتغير فيه إسرائيل للأسوأ وتهرول يمنةً نحو الهاوية؛ تفتح لنا «قبضاتها» أرصفة لنقف على حوافيها ولنتأمل في نهاياتها. كم قلنا إن الإصرار على نيل كامل حقوقنا المدنية سيبقى قضية خلافية شائكة، خاصة عند أولئك الذين يترددون في حسم مواقفهم أزاء الدولة وأزاء مؤسساتها، أو لدى غيرهم ممن يرفضون إعادة تقييم مواقفهم بعد رحلة القوافل نحو جبال الضوء البعيدة، فأنا أعرف أن حياتنا، بعد سبعين سمان، أصبحت أكثر تعقيدًا، ونحن لم نعد أولاد تلك «الكتاتيب» نجلس في العراء ونردد الأناشيد وننتظر الفرج يأتينا من الشرق. يرمينا واقعنا الإسرائيلي في كل يوم بمعضلات هي إفرازات طبيعية لحياتنا المركبة، وقد تكون رئاسة مواطن عربي لإدارة «البنك القومي الإسرائيلي» عند البعض، واحدة من تلك المعضلات.
أنا شخصيًا لا أراها كذلك ولن أتردد بتهنئة الدكتور سامر حاج يحيى على جميع منجزاته وتفوّقه، وآخرها فوزه الحالي بمنصب رئيس إدارة هذا البنك، وهو منصب رفيع وحساس ومؤثر ولا يشبه، كما قلنا، ما سبقه من تعيينات. لقد استسهل البعض حسم مواقفهم بخفة، وتفّهوا الحدث وأكّدوا على أنها لعبة إسرائيلية وحاولوا، بدون أي اعتبار للحقائق، المسّ بالشخص وعايروه بفوزه، وأغفلوا حتى ما رواه قبل دخوله للمنافسه؛ فقد كان يستطيع البقاء في أمريكا حيث كان يعمل بأعلى المراتب والرواتب، لكنه آثر العودة إلى وطنه لأن أبناءه، كما صرّح، «قد وصلوا إلى مرحلة من عمرهم أجبرتني أن أقرر هل سيصبحون أمريكيين؟ أم نعود لنعيش مع أبناء عائلتنا في الطيبة؟».
قرر سامر العودة إلى طيبة المثلث وألا يبقى غريبًا في المنفى ويمضي عمره كآلاف العرب الناجحين، أو ربما كنجم ساطع على قمة أمريكية، يعود إلى بلده زائرًا ومغتربًا فيلحن بضاده ويقرص حروف «سام» ويلوكها؛ كانت عودته مباركة ومنافسته إنجازا ينضم إلى إنجازات جميع من بقوا على أرضهم وصارعوا «التنين» وانتصروا على نيرانه، وهم قابضون على الجمر، وعلى ناصيات النجاح وبعضهم صار رايات مرفوعة على سطوح المؤسسات الصهيونية، رغم أنف القمع والقهر والعنصرية. لقد تحفظ البعض من اعتبار انتخاب الحاج رئيسًا لادارة البنك «كأنجاز تاريخي لمجتمعنا العربي» ويستحق رأيهم وقفة واحتراما ففيه «طعم» ووجهة نظر؛ لكنني ورغم ذلك اعتبر أن ما حصل كان «تاريخا» صنعه فرد مميز يستحق أن نبارك له إنجازه الشخصي الكبير.
كاتب فلسطيني

 

 

في موديعين والعفولة وكرم السلام،

العنصرية واحدة والفاشية لا تتجزأ

جواد بولس

  

 في خطوة نادرة أعلن الجنرال شارون أفيك المدعي العسكري الإسرائيلي العام، في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، عن اتخاذ قرار يقضي بشطب لائحة الاتهام التي كانت النيابة العسكرية العامة قد قدمتها بحق المواطن الفلسطيني، محمود قطوسه، ابن قرية دير قديس، متّهمةً إياه بتنفيذ جريمة اغتصاب طفلة يهودية تبلغ من العمر سبع سنوات.

 وتصدرت تفاصيل هذه القضية واجهات الاعلام اليهودي بكل قنواته، وتحوّلت  إلى مسألة رأي عام صاخبة داخل الأوساط اليهودية؛ بينما بقيت مهملة على رصيف "الشارع" العربي وذلك على الرغم من تفاصيلها المستفزة وتداعياتها الخطيرة بما تعكسه من مؤشرات حول "عمق" العنصرية الرسمية والشعبية التي تعدّت مرحلة اختمارها الفيروسي المخبري ووصلت إلى حالة من الجهوزية المسْخية الكاملة، المستعدة لاتمام مهمتها في شيطنة الفلسطينيين، وبضمنهم بطبيعة الحال نحن المواطنين العرب داخل إسرائيل، وملاحقتهم/نا ككائنات مضرّة من عالم الحيوانات والحشرات التي لا ينفع معها سوى الابادة أو الطرد أو الاخصاء،  على طريقة "الحلول النهائية" المعهودة.

قد يكون اليأس سببًا يبرّر للبعض ذلك العزوف الشعبي وعدم تفاعل قطاعات عربية واسعة مع ما رافق هذه القضية من مشاهد منفّرة ؛ وقد يدّعي آخرون أن لا جديد في عالم "العدل الاسرائيلي" المستحيل، فقبل اصطياد "قطوسة "وقع كثير من أبرياء العرب في شباك العبث العنصرية ؛ أو ربما لم تظهر لكثيرين العلاقة واضحة بين ما جرى في مستوطنة "موديعين عيليت" وبين ما جرى ويجري في مواقعنا وفي واقعنا.

فقد يعتقد قوم بيننا أنّ ما يجري "هناك" لا يعنينا "هنا" لاننا قد جبلنا، نحن المواطنين العرب، في الجليل وفي مرج ابن عامر وفي المثلث وفي النقب، من طينة أخرى وصار عودنا  أندى وعطرنا أفوح، كعطر الزعتر والسنديان.إنّهم مخطئون؛

وقد يختار غيرهم ألصمتَ أو يؤثر الانبطاح طمعًا برأفة الدب وبغفلته أو أملًا بغفوته. هؤلاء واهمون وحالمون؛ فنحن، أصحاب التين والصبار، يجب أن نعرف كيف نصمد ونمضي نحو شمسنا ولا " نلدغ من فرح مرتين"، وكيف نحمي الضوء في صخر كنعان، ونسهر، كالندى، في حضن نرجس عيونه لا تنام كي لا نسقط من حفاف القدر.

ما بين موديعين وعفولة وكيرم شالوم  

اعتقلت الشرطة الاسرائيلية محمود قطوسة في الاول من أيار الماضي وحققت معه بشراسة وعاملته، منذ اللحظة الأولى، كمجرم وكمغتصب. كانت حظوظه باثبات براءته، التي صرخ باسمها في كل جلسة تحقيق أو أمام قاض، شبه معدومة، فالفلسطيني،  منذ أيام "آدم"،  متهم بالخطيئة؛ ومن لا يصدق فليسأل شوارع القدس عن صليب "الناصري" وعن دموع مريم.

في السادس عشر من الشهر الجاري قدّمت النيابة العسكرية لائحة اتهام لا يستطيع من يقرأها إلا أن يتقزز  ويتمنى جهنمًا لكل "محمود وأحمد "؛ فلقد قام المتهم ، وفق ما جاء في اللائحة، في مستوطنة موديعين عيليت باغواء طفلة كان يعرفها من المدرسة التي يعمل فيها  منذ عشر سنوات كآذن، ونجح بجرها بالقوة الى بيت في المستوطنة حيث كان ينتظره هناك عدد من أصدقائه.ثم عرّاها على أصوات ضحكهم ورفعها بمساعدتهم فامسكوا بأيديها وبأرجلها وضربوها كي يسهلوا عليه تنفيذ فعلته المشينة.

ضجّت عناوين الصحافة والاعلام العبري بنبأ الكشف عن فلسطيني، بعقده الخامس، قام باغتصاب قاصرة يهودية بوحشية وبدون رحمة وهي تستجديه بعجز وببكاء.

لم يبق أحد لم يقرأ التفاصيل التي عملت معظم الصحافة العبرية على"تبهيرها"  وابرازها وهي مصحوبة بتحاليل محرّضة على مجموعة من "حثالات البشر" الذين قاموا بفعلتهم النكراء ليس لأنهم مجرمون ومنحرفون بل لانهم فلسطينيون نفذوا عملية ارهابية بدوافع قومية ضد طفلة يهودية غضة !  

شرعت جوقات السياسيين بتوظيف القضية من أجل تأجيج المشاعر القومية العنصرية اليهودية المرضية، مستهدفة، في فترة ما قبل الانتخابات، غرائز تلك القطعان المهيئة نفوسها على الانقضاض على جميع العرب.

لم ينتظر رئيس الحكومة حتى إدانة المتهم، وسارع  بعض وزرائه، مثل ايفيت ليبرمان، بالتأكيد على أن "هذه ليست بيدوفيليا (اشتهاء الاطفال) انما ارهاب خالص ، من اقسى انواع الارهاب .."  ومثله أكد أردان، وزير الأمن الداخلي، بأنه ليس لديه "شك بان المتهم في هذه الجريمة النكراء قد تغذى هو ومن ساعدوه على التحريض والكراهية التي يرضعونها لدى السلطة الفلسطينية بشكل يومي".

فرقعت العناوين المسمّة وامتلأت فضاءاتنا بطرطشات الأحمر ؛ لكنّها لم تكن الأنباء الدامية الوحيدة، ففي نفس يوم تقديم اللائحة شارك عشرات الناشطين اليمينيين اليهود وبينهم رئيس وأعضاء المجلس البلدي المنتخبين في مدينة العفولة أمام بيت عائلة عربية كانت قد نجحت بشراء بيتها في المدينة بشكل قانوني وعادي.

طالب المتظاهرون بطرد العائلة العربية في مسعى منهم لضمان نقاء مدينتهم وحماية روحها اليهودية، وذلك بعد أن أقسم الرئيس ومعه جميع الاعضاء بعد انتخابهم على أن يحافظوا عليها نظيفة من غير اليهود وألا يسكنها العرب.

وقف محمود قطوسة أمام القاضي وصرخ للمرة الألف أنه بريء لكنه كان كمن يصرخ في واد فلم يصدقوه، وأصرّت النيابة العسكرية على ضرورة اعتقاله حتى نهاية محاكمته.

لم تكتمل فرحة الظالمين هذه المرة. انحاز الحظ، على عادته، للضحية وذلك بعد أن تمادت  المنظمات اليهودية اليمينية خلال حملتها المسعورة وهاجمت بشراسة ما أسموه مؤسسات "اليسار اليهودي" واتهمتهم بالرياء وبالصمت المريب ازاء الجريمة. تحفز بعض الصحفيين وبدأوا يلاحقون تطورات القضية عن كثب فبدأت تتكشف لهم عيوب الرواية الرسمية ونواقصها وظهرت فيها عدة تناقضات واضحة. صار صراخ الفلسطيني مسموعًا لدى البعض وطغى العبث وفاحت روائحه من ثنايا الحكاية.

كبرت الشكوك وتعرّت الحقيقة، حتى لم تعد النيابة العامة قادرة على الدفاع عن موقفها، فاضطرّ المدّعي العسكري العام، بعد ازدياد موجات التساؤل والاستهجان، ان يعلن عن سحبه للائحة الاتهام والافراج عن محمود قطوسة بعد ٥٥ يومًا في الاعتقال .

لم يتحدّث الجنرال باسم العدل ولم يتطرق إلى حق الفلسطيني بأن يبقى بريئًا إلى أن تثبت ادانته. لقد كان همّه الوحيد أن يبحث لماذا فشلت عناصره بمهمتها وكيف أخفق المحققون في عملهم، فوعد بأن يتحققوا مما حصل ويستخلصوا العبر !

سيكون وعده صادقًا وستكتشف الهفوات وستردم الثغرات وستقفل الدوائر وسيصبح محمود  قطوسة آخر الأبرياء الأحياء.

نجا قطوسة بأعجوبة رغم سطوة القمع واستيطان العنصرية في عظام المجتمع وفي دهاليز مؤسسات الدولة؛ ففي نفس اليوم الذي تحدثت فيه الصحافة العبرية عن ابطال لائحة الاتهام بحق ابن دير قديس، نشرت جريدة "معاريف"  تحقيقًا عن ضابط بدوي (و.ه) دافع بجسده عن كيبوتس كيرم شالوم القريب من غزة، ونال، بسبب تضحياته الجسيمة وبطولاته الجمّة، أوسمة ورتبًا ونياشين.

ما كشفته الجريدة كان سرًا خبأه الضابط بدافع الخجل، فهو يشعر بالمهانة بعد أن رفض أهل الكيبوتس، الذي دافع عنه بجسده، قبول طلبه للانتقال مع عائلته والسكن معهم رغم أنهم نشروا  اعلاناً يستكتبون الراغبين بتقديم طلباتهم لدراستها.

لم تستغرق عملية الرفض، وفق ما قاله هذا الضابط، اكثر من لحظة انتهائه للفظ اسمه، فمباشرة أجابته المتحدثة "اسمع.. هذا لا يلائم مجتمعنا".

قد تكون تفاصيل هذه الحادثة مهمة وجديرة بالمتابعة، فلقد كاد الرجل أن يخسر حياته مرتين وهو يدافع عن سكان تلك المنطقة، وتبوأ، خلال مدة خدمته في الجيش والتي استمرت طيلة ٢٣ سنة مواقع قيادية مرموقة، لكنها ، وكما يقول بلسانه، لم  تشفع له فبقي ابن الحاء والضاد وهي حروفة غير مرغوبة في حلوق الأسياد العنصريين.

العنصرية لا تتجزأ والفاشية لا تتلكأ. وصل محمود إلى قريته فأجلوا فيها طقوس الحزن ليفرحوا به حرًا وجريحًا ؛ وبقي العقيد البدوي مع أوسمته الوهمية مواطنًا يغتسل في مهانته لأنه كان وسيبقى كائنًا طارئًا على مشروع لا يقبل القسمة على اثنين ؛ وستمضي مدينة العفولة نحو ظلامها وتغرق فيه كما غرقت كل المدن التي لاحقت فيها أشباح الموت سكانها اليهود وطردتهم وقتلتهم؛ وعلّق جلادوها، في الجامعات وفي المصانع وفي ساحات البلد للأحرار أعواد المشانق.

 

 

 

 

 

المشتركة في غرفة

الإنعاش من جديد

جواد بولس

لم يعلن حتى تاريخ كتابة هذه السطور عن اعادة تشكيل القائمة المشتركة، رغم ما ورد من تطمينات على ألسنة من تحدث في الاعلام باسم جميع مركباتها، حيث أكد هؤلاء  أن كل اللقاءات، سواء كانت ثنائية أم رباعية، جرت في أجواء ايجابية وبنوايا تؤكد على الإلتزام بإعادة بناء القائمة المشتركة استجابة لإرادة أبناء الشعب واستعادة لثقتهم، ومن أجل مواجهة تحديات المرحلة.

تدفعني كل المؤشرات الموضوعية باتجاه المراهنة على أن إعلان الأربعة، مهما تأخر ، سوف يتم، لا لأنّهم تغيّروا أو "بدّلوا تبديلا"  بل لأنهم جرّبوا معنى الرقص على حبال النار وأنت تتقلى من غير منطاد يحميك من السقوط مباشرة في فوهة البركان. 

يعتقد كثيرون بأن فشل نتنياهو في تركيب حكومته الأخيرة قد أتاح للقادة العرب فرصة تاريخية لبناء "قائمة الارادة الشعبية" من جديد، وهي التي بعودتها ستكفل لهم ولنا زهور الجنة السياسية ؛ لكنني أختلف مع هؤلاء وأصر أن الهوّة الموجودة بين الجماهير وبين قادتها البرلمانيين هي أعرض من حزام قائمة مشتركة وأعمق من نَفَس القبيلة المشتهى. والى ذلك لنا عودة.

لن تُفتح لنا، كمواطنين في دولة يصر معظم قادتها على استعدائنا العرقي، أبواب المستقبل الآمن إلا إذا قرعناها بأكفّ صحيحة وواثقة، وإذا واجهنا من يحاول أن يوصدها في وجوهنا بحنكة وبحكمة وبإصرار عار من دهون الرياء السياسي ومواده التجميلية الواهية.

فهل هذا ما سيفعله قادة الأحزاب الأربعة قبل أن يعلنوا عن اتفاقهم حول ترتيب المقاعد ؟ وهل فعلًا سينجحون بوضع برنامج عمل سياسي يمكّنهم من تأدية واجباتهم السياسية في حيّزات محدودة، من أصلها، داخل البرلمان الصهيوني، بخلاف نضالهم من أجل تثبيت حقوق المواطنين العرب المدنية في الساحة المعدّة، من أصلها، لهذه المواجهة والمهام ؟

لن أقامر على هذه المسألة، فتجارب الماضي علمتني أن أبقى حذرًا وقنوعا وألا  "أحلق شاربي وأجازف"، لكنني، رغم الخيبة، سأعاند حدسي وأنتظر قلقًا على "سبع وسائد محشوة بالسحاب".   

لا شك لديّ بأن معظم من تطرق إلى عمل القائمة المشتركة، سواء بالنقد أو بالنصيحة، شعر، منذ ولادتها، بوجود ذلك الخلل الجوهري والبنيوي، الذي، رغم قصر مدة عملها وما تخلله من انجازات محدودة ، أظهر مدى نحولها وعرّى خناجرها المخبأة تحت العمائم وفي صدور عباءات القصب. وقد يكون ما قاله جمال زحالقه، النائب السابق عن حزب التجمع، قبل أيام، خير عاكس لهذه المشاعر الدفينة، فهو، كباقي ممثلي الأحزاب المفاوضة، أكد على نقاوة أجواء اللقاءات التي تمّت مؤخرًا ، لكنه نبّه "أنهم قرروا البدء في "الحوار بالاتفاق على البرنامج السياسي للقائمة المشتركة وهيكلتها وبنائها على أسس متينة .." 

لا شك أنها محاولة منه لطمأنة الجماهير "المقروصة" ولإقناعها بضرورة دعم المشتركة لأنها ستكون هذه المرة "غير شكل" ; فلندعو لهم بحسن الختام، أو على طريقة عاشق ابنة العنب "نرجو الإله ونخشى طير ناباذا".

تقع على عاتق الفرقاء في المشتركة مسؤولية جسيمة وخطيرة كبرى، لأنها على جميع الأحوال ، ستسجل كإحدى المفارقات الكبرى في تاريخ العمل السياسي بين المواطنين العرب في اسرائيل؛ لكنها ستعادل ، في المقابل،  هزيمة في حال فشلهم بإعادة لحمتها ونجاح عملها مجددًا ؛ فقبل أربعة أعوام وعندما "استجابت" القيادات لرغبات جماهيرها ، شعر الناس، بشكل تلقائي وطبيعي، بأن شراكة "الأخوة الأعداء" ستؤمن لهم" أطواق النجاة " وستزوّدهم بدروع واقية وتمضي بهم نحو شطآن السلامة؛ وعليه فعلى قدر وجبة الأمل يكون الوجع وتسطو الخيبة ويجنّ التيه.

لا أعرف كيف سيجسّر الفرقاء على الخلافات العقائدية والجوهرية القائمة بينهم،  وأوكد أن من أهمّها، كما كتبت في الماضي، هي مسألة النضال المشترك مع القوى اليهودية التي تقف ضد الاحتلال الاسرائيلي، وتدعم حقوقنا المدنية بدون تحفظ أو اشتراط؛  فهذه القضية ليست شكلية بالمرة لأنها تحدد ميادين نضالاتنا وأساليبها، وتهدينا الى من هم أعداؤنا ومن حلفاؤنا، سيان من كان منهم بيننا أو من يجلسون على عروش ممالكهم وإماراتهم أو يستبدّون، كسلاطين المذابح، بشعوبهم.

لم يمهلنا ايفيت ليبرمان فرصة لنختبر تجرية "الرأسين"، وذلك بعد أن "خلق" لنا جسدًا مُغريًا بأربعة رؤوس. لقد أفشل ليبرمان زميله نتنياهو ومنعه من تركيب حكومة، فأعادنا مرة أخرى إلى واقعنا الطيني الملتبس، الذي انتج عالمًا من التابوهات تتحكم فيه "أصنام" مقدّسة وتدير معاركها، كما في الأساطير ، وتضع مساطرها لعامة الناس، فمن يقبلها يعش ولو كان على حدود البؤس، ومن يسائلها يحارب كما في الأسفار السوداء، ومن يرفضها يحاسب كما حاسبت محاكم التفتيش كل من كان حرًا ولم يرض إلا أن يكون عقله مولاه.

لقد عشنا قبل "المشتركة" وكانت حياتنا السياسية ثرية وواعدة، وذلك رغم ما رافقها من عثرات ونكوص وخسائر؛ لكنهم، وفي ليلة ظلماء، نسجوا  لنا رواية "الشعب يريد المشتركة" فغدت هذه شعارات السماء المقدسة وضعوها على رقابنا أنشوطة مجدولة بالوهم، مَن شدّها قتلته، ومَن حلّها أسقطته، ومن أبقاها أبقته حتى لو عاش كسيحًا.

لم أكن يومًا ولست اليوم ضد "المشتركة" بل ناديت علنًا وجهارًا بدعمها؛ لكنني انتقدتها عندما رأيت منها اعوجاجًا وكنت مدفوعًا برغبتي وبهاجس تحويلها إلى إطار جبهوي سياسي عريض قادر على "رص الصفوف" مع من يقف معنا من يهود يؤمنون بدعم حقوقنا الأساسية، وفي طليعتها حقنا في الحياة الكريمة وفي البقاء الآمن وفوق أرضنا/وطننا.

لقد قلت مرٌة ان "القائمة المشتركة" ليست بقرة مقدسة، فحاجتنا اليها تكون بمقدار ما تقدّمه من أجل صمودنا وفي سبيل مواجهتنا لسياسات اسرائيل الشيطانية ضدنا؛ مع ذلك يجب الا يمنع وجودها تطوير أو إقامة أطر سياسية أو حزبية جديدة تكون قادرة على ضخ دعمها في الاتجاه الصحيح.

أقول هذا وأعي ضرورة تنبّهنا وتمييزنا بين من يعلن كلمة حق أو موقف يراد بها باطل، وبين من ينشط ويجتهد ويبادر وهو مدفوع بوطنيته الحقة وبغيرته المثبتة على أبناء شعبه ومصالحهم.

لن أتطرق هنا الى نوايا بعض الأكاديميين والمثقفين الذين أعلنوا عن ممارسة حقهم وعزمهم على إقامة أحزاب جديدة، أو عن رغبتهم يالترشح مع القائمة المشتركة، كشرط لدعمها أو الى لجوئهم، في حالة فشلهم، الى خيار  الحزب الجديد؛ فمحاولات أسعد غانم ورياض اغبارية، أو مساعي مجموعات أخرى لإقامة حزب عربي-يهودي جديد، لم تكن هي الأولى في هذا المضمار، ذلك أننا شهدنا قبلها محاولات كثيرة، أذكر منها مثلاً الاعلان عن إقامة حزب "الوفاء والاصلاح" الإسلامي في العام 2016 والذي تم بحضور وبمباركة محمد بركة،  رئيس لجنة المتابعة العليا.

لن تحِلّ حملات التقريع والتعنيف وتوبيخ تلك الشخصيات والأعلام في ميادينها الأكاديمية والشعبية أزمة الاحزاب وعوارض تكلس هياكلها ونفاد قيمة عقائدها، ولن ينقذهم التهكم على هؤلاء المفكرين وحملة الشهادات العليا؛ فجميعنا يعلم أن "الحالة السياسية" القائمة بين الجماهير العربية في اسرائيل تمر بأزمة قاتلة، ولكم نوّهنا في الماضي إلى اعراضها، وحذّرنا من نتائجها. ومع تقديرنا لدور ومكانة القائمة المشتركة ، فلقد تبيّن لنا، بالتجرية وبالبرهان، أنها، لوحدها غير قادرة على مواجهة الداء والنوائب، هذا إذا لم تتحول هي، كما شاهدنا، الى مولد للخيبات وإلى عبء يجثم على صدور هذه الاقلية، التي عرفت أن تصمد قبلها وبدونها وتفتش اليوم كيف "الوصول إلى حماها وهل في اليد حيلة".

سنعود الى معالجة تلك المبادرات السياسية والحزبية اللافتة في وقت لاحق، وذلك كي نعطي، في هذه الأثناء، جميع الفرقاء فرصة للتوصل إلى مخارج واضحة عساها تضمن وحدتهم الصحيحة وتمكنهم من استعادة بعض ثقة الجماهير، فهي التي كانت وستبقى أم البدايات وأم النهايات.       

  

 

 

عقارات باب

الخليل ومسرح العبث

جواد بولس

 

أصدرت المحكمة العليا الاسرائيلية قبل أسبوعين قرارها النهائي فيما يعرف بقضية تسريب عقارات باب الخليل، أو ساحة عمر، حيث رفضت بموجبه الاستئناف الذي قدمتة بطريركية الروم الأرثوذوكس المقدسية ضد قرار المحكمة المركزية الذي أقرّ يوم 30/7/2017 بقانونية تلك الصفقات وبحق الشركات الاستيطانية اليهودية فيها.

لقد نصحنا في حينه أن يقرأ المعنيّون حيثيّات قرار المحكمة المركزية في القدس كي يقفوا على صحة ما قلناه مذ فجّرت الصحافة العبرية القنبلة التي فضحت وجود تلك الصفقات في العام 2005 وما تلاها من تداعيات.  لقد رصدنا التداعيات في مجموعة تقارير مهنية سلّمت لأصحاب الشأن وللمعنيين، وأشارت ، بشكل لا يقبل التشكيك، إلى وجود مؤامرة خطيرة حيكت بمهارة مستهدفة التسلط على أوقاف الكنيسة المقدسية وهي أكبر مالك خاص للأوقاف في فلسطين التاريخية، كما حصل عمليًا في العشر سنوات الفائتة.

لقد حذرنا  في حينه من أن مشاركة الكنيسة في إجراءات القضية بالطريقة التي تمّت لن تكون إلا خطوة لرفع العتب ومن أجل إضفاء ختم القضاء الاسرائيلي على صفقات ولدت بالخطيئة ؛ وفي نفس الوقت تسليح المسؤولين في الكنيسة، المتّهمين بتورطهم في تلك الصفقات، بصك يفيد بأنهم حاولوا الدفاع من أجل انقاذ العقارات، الا أن القضاء الاسرائيلي العنصري الجائر وقف إلى جانب الجمعيات الاستيطانية وسهّل مهمتها بالاستيلاء على أنفَس المواقع  والإجهاز على ما تمتلكه البطريركية في أخطر عملية أسميناها ، "مذبحة العقارات الكبرى".

مرّت الأعوام في مطارحنا خرساء. كانت القدس تفقد كل يوم بكارة من بكاراتها وتنتظر بلهفة من ينقذها من وخز الخناجر ونباح الحناجر التي لا تكل ولا تتعب.

كانت الأماني هباءً والرهانات على أصحاب النخوة والضمائر مجرد أوهام، فلم يتغيّر شيء على مسرح العبث والمشاهد تتكرر برتابة الحياة في الغاب، وأمامنا يتوالد الممثلون من شرنقات تتجدد ولا تموت؛ والمخرجون، كشياطين الليل، يتجبّرون بالعباد ويطعمون أفواه سادة هي أجشع من فأرة حبلى.

سأنصح ، مرّة أخرى، أن يقرأ الخلق ما جاء في قرار المحكمة العليا، ليروا مجددًا كيف "دافعت" البطريركية عن حقوقنا؛ فعسانا نتجنّب المقارعات والمناكفات التي تحصل بالعادة بعد كل خسارة مدوية، اذ يحوّلها بعض الخبراء في علوم الشرق وفي تاريخه إلى نصر مظفر وخارق .  فبعد صدور القرار باشرت كتائب الدفاع وتلميع البطريرك ورجاله هجومها على المحكمة، كما كان متوقعًا، وسارعوا الى تبجيل ما قدّمه محامو البطريركية باسم موكلهم الغيور على مصلحة عقارات فلسطين والمدافع عن الوطن، حتى أحتسب بعضهم جهوده في تعداد المعجزات والبطولات. ثم قرأنا بأسف، تمامًا كما قرأنا قبل عامين، بيان بطاركة الكنائس في القدس يتقدمهم اسم ثيوفولس وهم يهاجمون محاكم اسرائيل وقضاتها وكأن شيئًا لم يحصل داخل أروقة البطريركية وجميع الحيثيات التي ناقشها القضاة في المحكمتين لم تكن سوى افتراءات أو مجرد خزعبلات أوجدوها بأنفسهم تجنيًا واعتباطًا.

لن يناقش عاقل دور المحاكم الاسرائيلية في تسويغ سياسات اسرائيل الرسمية، خاصة فيما يتعلق بحقوق المواطنين العرب وبالتحديد في كل ما يتعلق بملكية الاراضي والعقارات التي شرعنت القوانين التعسفية سرقتها والاستحواذ عليها؛ ولكن بين هذه الحقائق والواقع وبين ما كشفته الوثائق والبيّنات والشهادات في هذه المحكمة يوجد بعد شاسع، فالبطريركية خسرت استئنافها بعد تنازلها الطوعي عن معظم ادّعاءاتها الأولية كما أوردها محاميها في ذلك الوقت "ريناطو ياراك" يوم 18/6/2007 حين بعثها للشركات مدّعيًا بشكل يستدعي التساؤل ، بعد عامين من افتضاح القضية، بطلان الصفقات، فحينها أشار الى وجود عيوب جوهرية في التوكيل المعطى لباباديموس وهو الرجل الأهم ّ في هذه المسألة ، وكذلك ادّعى بأن المشترين لم يدفعوا مقابل العقارات ، وشكك ايضًا في حقيقة توقيع باباديموس على العقود باسم البطريركية وأهليته لذلك ، وبأن البدل المدفوع مقابلها كان أقل من اسعارها في السوق بما يبطل صحتها، وانهى بضرورة ابطالها لان المجمع المقدس ، السينود، لم يصادق عليها، كما يقتضي قانون البيع في الكنيسة.

لقد تنازلت البطريركية عن معظم هذه الادعاءات، كما كتب قاضي المحكمة العليا مكررًا استغرابه كما عبرت عنه قاضية المحكمة المركزية، واستبدلت البطريركية ادعاءاتها في نهاية العام 2014، بشكل مفاجيء، بادعاء يفيد بأن الصفقات ملوثة وفاسدة لأنها ابرمت بعد أن وعد باباديموس، من قبل عطيرت كوهانيم، برشوة مقدارها مليون دولار وكذلك برشوة للبطريرك المعزول  ايرينيوس.

لن اثقل عليكم بكلام من عندي وساكتفي بالعودة الى ما كتبه القضاة في قرارهم وفيه ما يكشف ويقنع ويوجع:

" فلم تثبت البطريركية ادعاءاتها.. ولم تأتِ بأية بينة تشير الى فساد شخصي ضد ايرينيوس ولم تثبت أن باياديموس تسلم رشوة... لم تستدع البطريركية للشهادة لا باباديموس ولا ايرينيوس علمًا  بأن باباديموس تقدم بمبادرته بطلب الى المحكمة في العام 2010 لضمّه كطرف في التقاضي كي لا يقوم الاطراف بتشويه سمعته واسمه غيابيًا ، وفي خطوة مستهجنة لم يوافق محامو البطريرك ثيوفولس على طلبه بل تعمدوا ترك القرار للمحكمة، التي رفضت بدورها الطلب مشيرة الى استهجانها من موقف البطريركية.

" لم يستطع المطران أريستارخوس، الذي ظهر كشاهد باسم البطريركية ، الادلاء بأية شهادة حول تسلم باباديموس لرشوة أو وعد بها، وذلك لأنه لم يكن شريكًا حقيقيًا في تفاصيل القضية ساعة حصولها". 

ثم أضاف القضاة في قرارههم: "إن الادعاء المركزي ، ان لم يكن الوحيد المتبقي، الذي وضعته البطريركية على طاولتنا يتعلق بفساد تلك الصفقات الثلاث نتيجة لوعد قطع لبابديموس على شكل رشوة ؛ وبالنسبة لايرينيوس لم تحضر البطركية أي بينات تشير الى تورطه الشخصي في عملية فساد مالي" .            

" لم تعتمد البطريركية في ادعائها ضد قانونية الصفقات الا على ادعاء الرشوة وذلك في مراحل متأخرة من اجراءات المحاكمة ( التي استمرت تسعة أعوام) حيث تنازل محاموها عن معظم الادعاءات الاخرى التي ضمنها المحامي ياراك في رساته عام 2007" .

" على جميع الأحوال فلقد أوضح الكاهن ايسيخيوس في شهادته أمام المحكمة، بعد أن عرف على نفسه كمدير للدائرة المالية وكنائب للبطريرك، بأن المشكلة الوحيدة مع تلك الصفقات كانت انها نفذت من قبل ايرينيوس بدون موافقة السينود/المجمع المقدس" ولم يتطرق في شهادته الى موضوع الرشوة.

 في النهاية فلقد اقرت المحكمة بأن البطريركية لم تنجح ياقناعها بوجود رشوة لباباديموس، وذلك ليس فقط لعدم استدعائه للشهادة بل لعدم استدعائها ايضا لممثل شركة "عطيرت كوهنيم"،  ماتي دان،  والذي، حسب الادعاء، كان هو صاحب العرض في رشوة باباديموس ؛ في حين  "لم يظهر أمامنا أي دليل ولم يُدّعَ بالاصل، بأن أيًا كان قد قام برشوة ايرينيوس ماليًا بل  كانت الرشوة، حسب ادعاء البطريركية، متمثلة باعطائه وعدًا باعتراف دولة اسرائيل به كبطريرك على الكنيسة" .

قامت المحكمة بتفنيد ذلك الادعاء واثبتت بما قدم أو ما لم يقدم لها، عدم صحته، حيث تبين مما قدم لها من وثائق انه " بتاريخ 18/1/2004 أوصى طاقم الوزراء الاسرائيلي الخاص بقضية اعتراف اسرائيل بايرينيوس كبطريرك ثم قبلت الحكومة الاسرائيلية بعد اسبوع هذه التوصية واقرتها." وذلك بدون علاقة مع ما قامت به عطيرت كوهانيم ، كما جاء في القرار.

لقد كتب القضاة في النهاية ما مفاده: " لقد فشلت البطريركية باثبات ادعائها بإن جميع الاموال المدفوعة مقابل الصفقات لم تودع في حساباتها، فلقد اتضح بأن الأموال دفعت، اما بواسطة شيكات بنكية أو حوالات اودعت في حسابها مباشرة؛ وبناءً عليه فلا تستطيع البطريركية ان تمسك الحبل بطرفيه فتدعي، من جهة ، ببطلان الصفقات ومن جهة اخرى تحتفظ لنفسها بالاموال" .

ثم يكتب القضاة: " لقد قامت البطريركية بتقديم شكوى ضد باباديموس بحجة انه سرق دفاتر شيكاتها وقام باستعمالها بدون اذن ملائم، ولكن، مع هذا،  ولأسباب نجهلها ، لم تقدم البطركية أية شكوى ضده بخصوص القضية التي أمامنا..  ولذلك وعلى هذه الخلفية، فان موقف البطركية وخيارها بعدم تقديم شكوى ضده يستدعي الاستهجان.. " 

لن اثقل عليكم بمزيد مما كتبه القضاة في سبع عشرة صفحة كاملة، فلهذه الأسباب التي ذكرت ولغيرها، كما جاء في القرارين، رفضت المحكمة استئناف البطركية وثبتت عمليًا، كما توقعنا، حقوق الشركات الاستيطانية في العقارات موضوع الدعوى.

أما لنا فلم يبق إلا أن نقول لمن يريد أن يسمع وللتاريخ : لم تكن تلك الصفقات نهاية السقوط، فمذبحة العقارات الفلسطينية استمرت ومستمرة، وقبالتها يقف أهل البلاد كثلاثة قرود الصين وهم لا يرون ولا يتكلمون ولا يسمعون.

 

يتبع ....                    

 

 

لوحدنا لا نستطيع ولكن

بدوننا لا يمكن أن يحدث التغيير

 

جواد بولس

 

شارك النائب أيمن عودة مساء السبت المنصرم 25/5/2019، في المظاهرة الضخمة التي دعت إليها أحزاب المعارضة اليهودية، من أجل الديمقراطية وضد فساد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وحلفائه، الذين يخططون لتشريع قوانين من شأنها أن تعطّل مكانة المحكمة العليا ودور القضاء، وأخرى تضمن حصانته وحمايته من تقديم لوائح اتهام ضده قد تفضي إلى إدانته في المحاكم والحكم عليه بالسجن الفعلي.
لو لم يلبّ النائب عودة دعوة المنظمين للمشاركة في هذه المظاهرة المهمة، ولو أصغى لمن حثّه على مقاطعتها، أو لمن ضغط عليه خلسةً، أو زايد عليه جهارًا، لأثبت أنه غير جدير بالموقع القيادي الذي يتبؤه، ولا أهلًا لآمال أولئك الذين يدعمون «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة»، وهي الاطار السياسي الأوسع جماهيريةً بين المصوّتين العرب للكنيست الإسرائيلي، والداعي إلى ضرورة الحفاظ على الشراكة السياسية المتكافئة والحقيقية بين المواطنين العرب والمواطنين اليهود في الدولة، كتجسيد للفكر الجبهوي الراسخ، الذي يدمج على طريقته، بين مكانة مواطنتنا الاسرائيلية وانتمائنا القومي كجزء من أبناء الشعب الفلسطيني.
لقد أتاحت لنا هذه المظاهرة فرصةً مبكّرة للتخيّل كيف سيكون الموقف ازاءها لو نجح الفرقاء في خوض انتخابات الكنيست بقائمة مشتركة واحدة؛ خاصةً بعد أن لاحظنا هذا الكم من الصمت المريب وهو «ينطق» في أفواه بعض القياديين؛ وقرأنا عن الردود السياسية المغمغمة أو المعارضة، حيث برز منها هجوم النائب امطانس شحادة، أمين عام حزب التجمع الديمقراطي، واستهجانه الشديد لمشاركة زميله النائب عودة فيها، فكيف «يمكن لأي قائد عربي أن يشارك في تلك المظاهرة وتحت هذا الشعار.. ما هذا؟ هل الرغبة في مخاطبة الشارع الاسرائيلي تفوق أي شيء؟ ألا يمكن كبح هذ الخلل في فهم المجتمع والسياسة في اسرائيل!» على حد تعبيره.
وقبل الحديث عن موقف حزب التجمع أو الحركة الإسلامية لابد من الإشارة، بامتعاض، إلى غياب موقف معلن وصريح من قبل «الحزب الشيوعي الإسرائيلي» ومثله من قبل «الجبهة الديمقراطية» التي يقف النائب ايمن عودة في مقدمتها.
لا معنى لسكوتهم، ولا بتأتأتهم الخجولة، إلا بكونها أوضح الأعراض لسقمهم التنظيمي المزمن؛ فكيف لحزب/جبهة – آمنت مذ قامت بمبدأ النضال العربي اليهودي، ونظّرت من البدايات لضرورة التلاقح والنضال من أجل نيل المواطنة الاسرائيلية الكاملة، وفي الوقت نفسه العمل على بناء الهوية الفلسطينية المتوازنة – أن يترك قائده البارز في الساحة وحيدًا، ليقارع سهام نتنياهو السامة وهي ترميه لكونه «مخرّبًا» يُعيب بمشاركته تلك المظاهرة، ويواجه في الوقت نفسه، على جبهة أخرى، مقارعات «رفاقه»و «إخوته» بالحجة والإصرار.

«نتنياهو مأزوم وخائف بسبب فهمه للمعادلة التي نطرحها بقوة في كل منصة. فحين نطرح نحن المواطنين العرب ثقلنا السياسي لن يبقى هو في الحكم»

لم يفاجئني موقف حزب التجمع الذي لم يتغيّر حتى خلال سنوات الشراكة في اطار القائمة المشتركة في الكنيست الماضية؛ فلطالما شهدنا خلافات بين مركباتها، لاسيما عندما واجهت وعالجت مواضيع لها علاقة بقضية الشراكة السياسية العربية -اليهودية، أو بمحاور علاقاتنا، كمواطنين وأقلية قومية، مع الدولة ومؤسساتها السيادية. فما أعلنه النائب شحادة في تعقيبه على مشاركة النائب عودة، يعكس بوضوح ويذكّرنا مجددًا بعمق الهوة السياسية الحقيقية التي تفصل بين «الندّين»، وتكشف عن واحد من أهم الأسباب التي عطلت عمل القائمة في حينه، وحوّلتها مع أسباب أخرى، إلى جسم سياسي كسيح، صار وجوده عالة على «أهله» أو وسيلة لتكسب أصحابه على حساب المصلحة الجماهيرية العليا. للحقيقة فأمين عام حزب التجمع تحدث مدفوعًا بواجبه القاضي بالدفاع عن مفاهيم حزبه السياسية المعروفة، وحسب منطقه المشروع؛ ولا غضاضة في ذلك سوى أنني شعرت، كما في المرات السابقة، بوجود تلك الإشكالية العضوية في عرى الخطاب وتماسكه والعسر في إمكانيات صرفه جماهيريًا. من يقرأ تصريح النائب شحادة يفهم أن حزب التجمع يعارض مشاركته في تلك المظاهرة، ويعارض كذلك مشاركة غيره من الأحزاب العربية فيها؛ ولكن لن يُفهم، من تصريحه، بشكل قاطع وواضح، ما هي أسباب تلك المعارضة، لاسيما إنها تأتي على لسان من يمثل حزبًا يختار، عن قناعة فكرية، خوض الانتخابات النيابية الاسرائيلية، ويشارك فيها كابن شرعي للنظام السياسي القائم في الدولة، بينما يتنكر لما تمليه عليهم تلك «الولادة» من تبعات وواجبات تجاه من انتخبوهم، وأهمها النضال في سبيل بناء نظام حكم سليم وديمقراطي، يقوم على أسس المساواة المدنية الحقيقية، ويحترم سلطة القانون، ويعمل بهدي قيم العدل الاجتماعي.
هذه هي الغاية من اللعبة السياسية البرلمانية، وهي تتيح في حالتنا لكل نائب أو تلزمه أن يعمل على إسقاط أو إفشال إقامة حكومة لا يختلف اثنان على أنها كانت وستكون من أخطر الحكومات علينا نحن الجماهير على الاطلاق. فما الغلط إذا أرادت «الأحزاب الإسرائيلية التي شاركت وتحدثت في المظاهرة، تجنيد المجتمع الإسرائيلي ضد نتنياهو» بسبب سعيه «لسن قوانين تحميه من الخضوع للمحاكمة في تهم الفساد»؟ وحتى إذا لم تكن تسعى كي «تبني نظامًا ديمقراطيًا حقيقيًا»، بل لأن رعاتها «يعتقدون أن نتنياهو يشكل خطرا على الديمقراطية الاسرائيلية، أي اليهودية، ولذلك يجب تغييره»، كما صرّح؛ فهل في هذه الحالة يجوز له كنائب عربي «أصلاني/ أقلاني» أن يستهين أو يلغي أهمية تلك الأهداف، التي من أجلها نظمت المظاهرة؟
ثم إذا كان النائب شحادة مقتنعًا بأن «الديمقراطية الإسرائيلية» تعني الآن وستبقى تعني في المستقبل «الديمقراطية اليهودية» فقط، فكيف سيسوّغ أسباب مشاركة حزبه في عملية تعتبر، بلا شك، واحدة من أهم تجليات المواطنة والديمقراطية الانتخابية؟ وإذا لم يكن إسقاط حكومة نتنياهو هدف هذه المرحلة؛ فماذا سيكون الهدف؟
على جميع الأحوال سيبقى ما قاله النائب عودة في المظاهرة، وكيف استقبلته الحناجر هناك، وتعقيب افتتاحيات الإعلام الاسرائيلي ومعظم قيادات الأحزاب المشاركة أكبر دليل على صحة قراره وأهميته؛ حتى إذا استعان بعض المنتقدين بحقيقة تلكؤ الرعاة بدعوته، يبقى اضطرارهم لدعوته في النهاية هو المؤشر الأهم الجديد الذي يعكس تغييرًا، قد يكون طفيفًا، في داخل بعض الجيوب الصهيونية كما رأينا، مثلًا، في إعلان القيادية في حزب العمل، شيلي يحيموفيتش حين قالت «على أن مظاهرة خالية من العرب هي خضوع للعنصرية ولتحريض اليمين». ومثلها جاء في تعقيب رئيسة حزب ميرتس ياعيل زندبيرغ، مؤكدة على أن «الشراكة العربية اليهودية، بالاخص في محاربة فساد نتنياهو وسعيه لهدم سلطة القانون، لا تعبر فقط عن العدل، إنما ايضًا عن الحكمة».
ستبقى صرخة أيمن عودة أبرز ما قيل من على تلك المنصة، وستتحول إلى مفتاح للأمل في مستقبل مشرق «فوحدنا لا نستطيع التغيير ولكن بدوننا لا يمكن أن يحدث التغيير».
وأخيرًا ، عليّ أن أعترف بأنني أخطأت حين توقعت بعد انتخابات الكنيست الماضية أن «الساحر» نتنياهو سينجح، رغم جميع العثرات، بإقامة حكومة يمينية متطرفة، فساعتها، عندما كتبت ذلك، لم أر أن في قنديل الجماهير ما زال بعض الزيت وفتيل من إرادة؛ واليوم لقد فشل نتنياهو وقد لا ينجح بالعودة إلى صدارة المشهد، لأن كل الاحتمالات فتحت من جديد.
لم تكن لهذه المقالة صلة بقرار حل الكنيست، لكنها ولدت مع مفارقة لافتة، فلقد أشار أيمن عوده قبل تلك المظاهرة، وبعد أن هاجمه وهاجمها نتنياهو، قائلًا «إن نتنياهو مأزوم وخائف بسبب فهمه للمعادلة التي نطرحها بقوة في كل منصة. فحين نطرح نحن المواطنين العرب ثقلنا السياسي لن يبقى هو في الحكم». ربما ساهمت تلك المظاهرة في إفشال نتنياهو وربما لم تساهم؛ لكنها شكّلت موديلًا للعمل السياسي المختلف يجب، كي يكون مؤثرًا، أن يعتمد على وقوفنا على ساقين: مواطنتنا الاسرائيلية وهويتنا الفلسطينية، فالأولى حامية لنا والثانية بوصلة.
أمامنا ، كمواطنين عرب في اسرائيل، تحدّيات كبيرة وخطيرة فهل وكيف سنطرح، بعد ثلاثة شهور، قوتنا؟ وهل سنعرف كيف نصعد ولو درجة واحدة من قعر الهاوية؟
يتبع ..
كاتب فلسطيني

 

 


أمير مخول، أسير

محرر ام أسير سابق؟

جواد بولس

كنت أنتظره خلف زجاج غرفة الزيارات الخاصة بنا، نحن المحامين، في سجن "جلبوع". كان نيسان قد أشرف بكذبته، وربيعه ما زال غافيًا في حضن الأرض. شعرت بهدوء لم ينتابني في زياراتي السابقة له، وقلت عساه الفرح بانتصار الفجر على رعونة العتمة وطيشها، أو ربما هو صوت الحياة الأدوَم، وبيانها للحمقى بأن الأمل سيبقى أقوى من القهّار مهما تجبّر، وبأن الارادة، اذا كانت حرّة، لن يقوى عليها لا "غول" ولا  مارق ولا مخاتل مهما توهم.

بعد شهر من زيارتي سيطوي أمير مخول تسع سنوات قضاها وراء القضبان، وسيغدو طليقًا ويمضي ليلملم أوراق أحلامه ويستعيد لغة البحر وتراتيل قوس قزح ؛ فالأسر أبكم، ووقته أجوف قادر على امتصاصك بدون رحمة، إلا إذا استرشدت أمامه بحكمة النمل ومضيت فيه واثقًا كالسلحفاة ونمت على وسادة قلبك حالمًا بالعطش وبالدموع المزهرة، هناك على سفوح الكرمل الأخضر.

كانت ابتسامته أعرض من باب الغرفة وصدره العالي يسبقه نحوي. وضع يده على لوح الزجاج فوضعت يدي وتصافحنا مصافحة الورد للندى؛  فهنا في هذا المكان الأصم تدربت المشاعر على اختراق السراب والتواصل كالفراش عندما يراقص أنغام الشذا.

لم نستطع اختزال الوجع في عجالة. كنت أسأله عن بعض خلاصات تجربته وتقييمه السريع لمجملها؛ فهو، بالنسبة لي، سجين غير عادي وصديق مختلف.

كنت أعرفه قبل "سَجنته"، وأطللت خلالها على ما كنت أجهل فيه، وربما هو قد فعل مثلي.

انه أسير يتمناه محام قضى أربعين عامًا على أنف الخيبة؛ فلقد نجح أمير أن يستوعب، ليس بالمعنى التقني فقط، أن السجن عبارة عن فراغ هائل، فإما أن يملأك هو بالعدم ويسلب منك روحك وانسانيتك، وإما أن تملأه أنت بالمعنى لتبقى ذلك الانسان الحر المنتج العاقل.

كان يتكلم معي بثقة المقروص وبشفافية رافقت جميع لقاءاتنا السابقة. كنت أزوره  لأطمئن عليه ولنناقش ما يقلقنا من قضايا عامة وخاصة، تلك التي تتعلق بأحوال الحركة الأسيرة الفلسطينية، وما يمر عليها من ظروف داخلية مأساوية صعبة ومحاولات قمع رهيبة واختراقات اسرائيلية مقلقة.

حدّثني، في هذه الزيارة عن خوفه، ابن التاسعة، المزمن، على افراد عائلته وعن ذلك الثمن القاسي الذي دفعوه من دون أن يكونوا شركاء في "غفلته" ؛  وحدّثني عن مشاعره في كل مرّة  كان يرحل فيها عن الدنيا قريب من أقربائه الأحباء، وكيف كانت تتجسد وقتها الحسرة في لحظة كلّها غضب، ويتمرد القلب على صاحبه رغم اتفاقهما بضرورة تعليب العواطف والدم وحفظهما في خزائن الغبار البعيدة.

كان يتكلم بوعي الخبير وبتفاؤل المعلم؛ لقد آلمته بعض مظاهر الجهل والأمية السياسية المنتشرة بين الأسرى الفلسطينيين، فمعظمهم  "لم يروا بحرًا في حياتهم "وكبروا وفي داخل عقولهم "يعيش ويعشش ذلك الجدار" .

لقد تذكّر كيف، عندما رحلت أمه، جاءه عن الأسرى رسول ليستفسر كيف يُعزّى المسيحيون في أمواتهم، فبعضهم، الذين لم يقابلوا مسيحيًا في حياتهم - هكذا أخبرني بحزن وبابتسام - عاملوه كمسيحي ومن عرب إسرائيل.

أفرج عن أمير في الخامس من أيار / مايو الجاري، فكان ذلك يومًا مميزًا وخاصًا في حياته وحياة أهله ورفاقه وأصدقائه، وفيه صار، وفقًا لقاموس المبني للمجهول والشائع بين الناس "أسيرًا محررًا"، مع انه قضى كامل فترة محكوميته بالتمام.

سأعود إلى قضية "الأسير السابق" أمير مخول في المستقبل، لا سيّما وأنه وعد بأن يصدر كتابين سيتطرق فيهما الى تجربة اعتقاله وما سبقها وما يترتب عليها، على ما اتوقع.

كلي أمل أن يغني أمير  مكتبتنا بمادة ستشكّل، باعتقادي، علامة فارقة عند كل من يهتم بقضايا الأسرى الأمنيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وبشكل خاص بموقع الأسرى الأمنيين من المواطنين العرب في إسرائيل وتقييمه لهذه "الظاهرة". 

تشغلني قضية استعمال وانتشار مصطلح "الحركة الأسيرة الوطنية في الداخل"  وذلك لما تعنيه هذه التسمية وتعكسه من مضمون يتعلق بمكانتنا القانونية ، نحن الجماهير العربية، في الدولة، وتأثير ذلك على مستقبلنا لا سيما في عصر الحكومة المرتقبة.

تحاكي هذه التسمية نظيرتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ حيث أسس الأسرى الفلسطينييون في الاراضي المحتلة منذ العام 1967 ، وبدعم فصائلهم وشعبهم، ما اصطلح على تسميته "الحركة الأسيرة الفلسطينية" وذلك في محاولة لخلق "شخصية اعتبارية معنوية" يواجهون بها ومن خلالها مساعي الاحتلال الاسرائيلي بتكريس واقع، يكون فيه الأسير الفلسطيني المقاوم للاحتلال "مجرمًا" أو "ارهابيًا" أو "مخربًا" ويحاكم وفق قوانين المحتل ويسجن في سجونه بهذه الصفة/التسمية ، وليس لأنه مناضل يقاوم الاحتلال بحق كما يؤهله لذلك القانون الدولي ومواثيقه المعروفه وكما يتوجب عليه كابن شعب يسعى لكنس الاحتلال وازالته كليًا.

لا أتصور أن غالبية من يردد هذه التسمية ويطلقها على مجموعة الأسرى من العرب في إسرائيل يعي حقيقة ما تعنيه وما انعكاساتها على ذهنيات الناشئة في مجتمعه،  وما يترتب عليها، فيما بعد، من مواقف سياسية خاصة بين الاحزاب والحركات التي تتبنى هذه التسمية.

لقد لفتت هذه المسألة انتباهي وأنا أسمع في السابع من أيار/مايو تحية عادل عامر ، أمين عام الحزب الشيوعي الاسرائيلي، عندما حضر على رأس وفد رفيع من المكتب السياسي للحزب مهنئًا أمير بحريّته.

مع تقديري لكون المناسبة مجرد فرصة للتهنئة وليست منصة للخطابة السياسية، لكنني ، مع ذلك، لمست خلطًا واضحًا في كيفية تناولها من قبل الرجل الأول في حزب، له أو يجب أن يكون عنده "خطاب" سياسي مميز وواضح يشهره حتى في هذه المقامات ويؤكد فيه على التمييز بين الوقوف إلى جانب "الفرد" الأسير والتعبير عن السرور بحريته وبعودته الى احضان أهله وابناء شعبه، وبين الحديث عن ضرورة وجود "حركة أسيرة وطنية" ، تتبوأ مهامها في سبيل التحرير والاستقلال وتكون مستعدة لدفع أغلى الأثمان والتضحية بالأنفس.  وقد رافق الحديث عن"الحركة الوطنية الأسيرة" إشارة إلى دور الشهداء والفوارق بينهم وبين الأسرى، في مشهد قد يضع المستمعين في حالة التباس مقيت، ويبقي على البلبلة في مساحة تحتاج الى توضيح وحزم، على الاقل من قبل قادة حزب كانت مواقفه السياسية في كل ما يتعلق بأساليب نضالاتنا كأقلية قومية في اسرائيل، معروفة ومعلنة بوضوح، بما فيها ما يخص واجباتنا تجاه ابناء شعبنا ومسيرته في مقاومة الاحتلال والتخلص منه. 

لن يشفع لقادة الحزب التذرع بضروريات الكياسة وباحترام المكان؛ فلقد كان من الاجدر أن يشار، بما يمليه الذوق السياسي المقبول ، إلى موقف الحزب في هذه القضية الشائكة، لأن من يصرّ على ضرورة "وجود حركة وطنية أسيرة"حتى داخل اسرائيل، وما يعنيه وجودها "كشخصية مقاومة اعتبارية" في الداخل، عليه أن يُفهمنا ما هي أهداف هذه الحركة السياسية التي يقاوم أفرادها لتحقيقها كما يقاومون، وكيف يتوافق ذلك مع كوننا مواطنين في إسرائيل؛ وما تتيحه، بالمقابل، هذه الحالة من ردود فعل لاسرائيل في حقنا أو ضدنا؟  

لقد دعا عادل عامر أمير مخول ليأخذ دوره القيادي الجماهيري، وتمنى عليه أن يفعل ذلك من خلال صفوف الحزب الشيوعي.

لا أعرف أي وجهة سياسية حزبية سيختارها أمير، لكنني على قناعة أن تجربة أسره القاسية أنضجت في داخله براعم قد تطرح قريبًا جناها في مواقعنا، وتساعدنا على اعادة تقييمنا لبعض تجاربنا.

لقد أثارني عندما تحدث عن ايمانه بضرورة التكافل بين الناس والتضامن مع الآخرين؛ وعن انشغاله المستمر في الموقف من "اليهود" وعن الحاجة في الحوار مع "اليمين"  اليهودي لأن اليسار استعلائي وسلبي، وعن خيبته من تعامل القيادات العربية مع "المسألة الدرزية" بعد قانون القومية. 

أنهيت زيارتي له وقد امتلأ قلبي سرورًا؛  فعندما سألته، للمرة الأولى منذ اعتقاله، اذا كان قد تفاجأ عندما زرته أول مرة وذلك بعد انتقادي علنيًا "لسقطته" في حينها؛  أجابني: "لا ، على العكس، دافعت عن موقفك وعن حقك أمام الجميع"،  فأمير الذي عانى وتعلم، يتصرف كقائد يعرف "أن طريق الجماهير العربية الكفاحي في إسرائيل، كما أرساه أباؤنا السياسيون المؤسسون، قد أثبت جدارته؛ ويعرف،كذلك، كمن يستشرف مستقبلًا أفضل لجميع الاولاد، أن هنالك ضرورة لاعادة تقييم التجربة. وهنا يعيش الأمل.

 

النكبة وما أدراك ما النكبة

جواد بولس

 

حاولت ألّا أعير النص، الذي كتبته ابنتي على صفحة الفيسبوك الخاصة بها في ذكرى النكبة الفلسطينية، أي اهتمام خاص، لافتراضي أن نشرها لا يخرج عن ضرورة التعبير الطبيعي في مناسبة، رغم أنها الحادية والسبعون، تستحق هنيهة من فيض الروح، والتفاتة قلب وردة غضة نحو غزالتها الشريدة في ليل حالك وطويل، كلّه انتظار وأمل مكدّس.
لكنني عدت إلى ذلك النص بعد أن قرأت أن مؤسّسة الدراسات الفلسطينية عَقَدت في مدينة لارنكا القبرصية يومي 10 و11 مايو/أيار الجاري ندوة مغلقة تحت عنوان «ماهية المشروع الوطني الفلسطيني»، شارك فيها عدد من الأكاديميين والباحثين الفلسطينيين القادمين من فلسطين ومن خارجها. لم تنشر، حتى الآن، أوراق الندوة، ولا أي معلومات تشير إلى مضامين محاورها؛ لكننا نستطيع، بناء على ما نشرته صفحة المؤسسة، أن نستشفّ ما كانت الدوافع والدواعي التي حدت بمنظّمي الحدث، لاختيار ذلك الموضوع المهم كعنوان للتمحيص وللنقاشات؛ فمن منا لا يشعر بضياع البوصلة الوطنية وبالتيه، ومن لا يقرّ باختلاف المقاصد والغايات، يعيش إما في عالم من الخيال أو في واقع من الرمال.
ستبقى إثارة المسألة خطوة إيجابية ومفيدة، وذلك على الرغم مما أتوقعه من عدم تأثير الندوة، العملي والفعلي، على صنّاع القرار وعلى من بقي من قادة الفصائل الوطنية والحركات الإسلامية الفلسطينية. ورغم تشاؤمي، أتمنى أن يشكل نجاح المجتمعين بوضع  تشخيص لبعض أعراض الأزمة المقلقة من ناحية، واقتراحهم لمخارج ولتوصيات لمواجهتها من ناحية ثانية، حافزًا يدفع بأُولي الألباب الصالحين وأصحاب الضمائر والقادة الوطنيين الأكفاء إلى إعادة حساباتهم وإعداد برامجهم النضالية من جديد.
بعيدًا عن لارنكا وما سيصدر عن لقائها، سأتناول في هذا المقال بعض الظواهر اللافتة التي نشأت، مع السنين، بين المواطنين العرب في إسرائيل، وأعتقد أنها تشكل أيضًا مؤشرات على ضياع بوصلة هذا الجزء من الشعب الفلسطيني السياسية، وعلى تحرّك أفراده في شعاب من غير هاد وبدون رشاد، وتشي بوجود حالة تتبلور فيها هوياتهم السياسية وقناعاتهم الاجتماعية بشكل عشوائي، وعن طريق ردات الفعل الاعتباطية وجيشان العواطف واندفاعها.
فما أدراك ما النكبة؟ لا تعيش أكثرية المواطنين العرب في إسرائيل في حالة تشكل فيها النكبة عنصرًا حياتيًا ملموسًا أو هاجسًا ملحًا يرافقهم خلال مسيرتهم المعيشية، ويؤثر على خياراتهم السياسية؛ فباستثناء من حسبوا كلاجئين أو مهجرين في أوطانهم وذريتهم، سنجد قلة قليلة من المواطنين الذين يعيشون «حالة الانتكاب» ويذوّتون معانيها وتأثيراتها ويترجمون ذلك إلى مواقف قيمية أو سلوكية أو نفسية أو سياسية. لا غرابة في ذلك، فبين الجماهير العربية في اسرائيل لا نجد، في الواقع، إجماعاً على معنى النكبة وعلى مكانتها وما كانت مسبباتها وما ترتب على حدوثها من تبعات ومن حقوق. قد يعتبر معظم المواطنين العرب، البالغين والناضجين، أن النكبة ، هكذا بمعناها البديهي والمطلق، هي مصدر للحزن وللتشرد وللقهر وللظلم وللخيانة، لكنهم لا «ينتمون» إليها ولا يعيشونها كعامل مؤثر في مدارات حياتهم؛ وهي، بهذه الحالة، ليست مركبًا حاسمًا في مبنى هوياتهم السياسية، مع انها قد تكون عاملًا في نفسيات بعضهم المهزومة.
سنجد إلى جانب هاتين الفئتين بين العرب في إسرائيل من لا يعرف عن النكبة شيئا، أو قد يعرفون بعضًا من رذاذها فقط، أو أنهم قد سمعوا عنها من مصادر معادية، نجحت في تشويه الحقائق عنها، ودفعت بهؤلاء إلى اتخاذ مواقف سلبية ومعادية ومستفزة مرفوضة على الإطلاق. قد نكون بحاجة إلى زيادة في عدد الندوات والدراسات، التي تعالج قضية النكبة ومعانيها المنتشرة بين المواطنين العرب في اسرائيل؛ فهذه القضية، مثلها مثل غيرها من القضايا المهمة، قد أهملت أو سخّرت لأغراض سياسية حزبية فئوية، ولم تجد من يرعاها بالشكل الصحيح؛ وأخشى أن تواجه مصير ما ستواجهه قضايا مصيرية أخرى، لا تجد في حالة الضياع القيادية المستشرية بيننا من يؤطرها ويرعاها بالشكل الذي يخدمها أولًا، ولا يضر بمصالح الجماهير العربية، وما ينتظرها من سوء، تخطط لتنفيذه الحكومة اليمينية الفاشية المقبلة.

من لا يشعر بضياع البوصلة الوطنية ومن لا يقرّ باختلاف المقاصد والغايات، يعيش إما في عالم من الخيال أو في واقع من الرمال

تاريخنا لا يتوقف عن دورانه، ومجتمعاتنا حية لا تنام على مُرّ ولا تقبل إلا بأنفاس الموج حلمًا ومأوى؛ فكلنا نلاحظ كيف بدأت ترتفع في الآونة الأخيرة أصوات  تعبر عن مقتها لواقعنا، وتصرخ من حناجر تائهة وتوّاقة لدماء الغيم؛ لقد اصطلحوا على تسميتهم بناشطي «الحراكات الشعبية» أو بجنود شبكات التواصل الاجتماعي؛ ومهما كانت المسميات، يبقى جميع هؤلاء أبناء حالة من «الإفاقة الشبابية» التي ما انفكت تأخذهم بعيدًا وتعيدهم إلى جوف مربعات «الهزيمة الأولى» حيث وضعت النكبة نطفتها فكبرت حتى تكوّنت شخصية العربي الذليلة الكسيرة المنكوبة.
إنهم شرائح مجتمعية جديدة ما زالت تبحث عن مراسيها في شوارع المدينة الإسرائيلية، وعلى أرصفة موانئ بعيدة. إنهم ابناء الغضب المأزوم وسعاة البرق، ماضون نحو الشفق، ولن ينتظروا نصائح الحكماء ولا مواعظ الشيوخ والفقهاء؛ فبعد أن اكتشفوا حطام قصص الأجداد وعنّات اللجوء وسكرات الذلّ وعربدات السلطان، قرروا أن يتمرّدوا على الرماد، وأن يمتشقوا أعواد المشانق ليحوّلوها إلى مصابيح، عساها تنير لهم عتمة الالتباس وتحررهم من عجز الوسائل؛ فالفرح عند العاشقين يسكن، هكذا علمتهم الوسائد، في غبار السرو وبين نثار النيازك. لا أعرف من سيجيبنا «ما النكبة» بعد واحد وسبعين عامًا؟ وكيف جاءت وإلى اين تمضي؟ لكنني أشعر أنها كروح السماء في الأرض باقية، ومرآة الملائكة وهم في طريقهم إلى قلوب البشر القاسية. النكبة لعنة من لا يتّعظ من عويل قلبه الدامي والمفطور عند أقدام السيوف المعربدة، وهي  للودعاء الصابرين أم حانية.
ما النكبة وكيف يأتيها الأولاد وهم حفاة وعراة؟
لم تعِش مثلما عاش أهل المخيمات، ولا حتى مثل من يسعون وراء قرص الشمس حتى يخبزون رغيف عيشهم. عاشت في ظل عدل ضائع وحلمت مثل اترابها بان تنام كالغزالة وتصحو على شرفة الندى. فاجأتني عندما كتبت  على صفحتها  مستذكرة نكبة أكبر منها بخمسين عام فقالت: «71 عاما من القوة 71 عاما من الكفاح.. من المقاومة.. من التضامن.. من الظلم.. من الصراع على هويتنا، على أرضنا، على حريتنا، على حقوقنا وعلى وجودنا. كانت النكبة وستبقى جزءًا منا.. هي ليست مجرد ذكرى أو جزءا من التاريخ. فاليوم نحن نتذكر ونحترم أولئك الذين قضوا واولئك الذين نجوا.. واولئك الذين يعيشون تحت الاحتلال والذين اقتلعوا ..شعلتنا لن تخبو ابدًا».
ما النكبة؟ لا ضير في  الندوات ولا في الدراسات ولا في خلاصات المثقفين .. ولكن سيبقى المصير أقوى اذا كتبته ابنة لنكبة، لم تكن النكبة أمها.
كاتب فلسطيني

 

 

 

"منتدى الحقوق المدنية"

أفكار خارج المألوف

جواد بولس

 

    من المتوقع أن تقرر المحكمة المركزية في اللد أطلاق سراح المستوطن المتهم بقتل الأم الفلسطينية، المرحومة عائشة رابي، وتحويله الى الحبس المنزلي، وذلك على الرغم من طلب النيابة العامة تمديد اعتقاله حتى نهاية الاجراءات القانونية ضده.

لا يشكّل نشر هذا الخبر المستفز حالة استثنائية في المشهد الاسرائيلي العام؛ فمثله من أخبار باتت في حكم الشواهد اليومية على انتقال المجتمع الاسرائيلي، بمعظم فئاته المدنية والدينية، ومؤسساته الشعبية والرسمية، من مجتمع عنصري تقليدي، وتحوّله إلى مجتمع فاشي جاهز  لاقتراف جميع الحلول من أجل التخلص نهائيًا من مشكلة وجود العرب "المستوطنين" في الدولة اليهودية، وذلك لايمانهم بأن هؤلاء العرب ليسوا إلا مجموعة بشرية وضيعة، تشوّش بوجودها نقاوة أبناء العرق اليهودي الذين خلقوا ليكونوا وليبقوا أسيادًا حاكمين، وفقًا لما نسمعه مرارًا وتكرارًا على لسان عشرات الحاخامات المتنفذين والمؤثرين ومن تلامذتهم السياسيين الجدد الذين يتأهبون لاستلام مقاود السلطة والحكم في الدولة.

يجمع قادة الأحزاب والحركات السياسية والدينية وجميع ممثلي النخب العربية ومؤسّسات المجتمع المدني على خطورة الأوضاع القائمة وما تنذر به من احتمالات خرقاء سيواجهها المواطنون العرب في أسرائيل؛ يتفق جميعهم على تشخيص الحالة، إلا أنهم يختلفون على أساليب المواجهة وآلياتها؛ ورغم ما تبذله بعض الجهات من محاولات جدية لتفكيك عناصر الأزمة ووضع الخطط لمواجهتها، لم ينجحوا بالإهتداء إلى أي بوصلة واعدة ولا باكتشاف الوصفة الشافية.

لا اعتقد ان القصور بالتوصل إلى رؤى صحيحة وضامنة وناجعة ومجمع عليها هو محض صدفة أو مجرد تعثر  آني سوف يتغلبون عليه في المستقبل القريب ؛ فالتوحش داخل المجتمع الإسرائيلي لا يجري بمعزل عن التصدّع الكبير الحاصل في هويتنا الاجتماعية السياسية وما رافقه من انهيارات في البنى والمفاعيل الواقية، على اختلاف أدوارها، وفي المرجعيات التي شكلت مظلات بانية ورادعة أمّنت، من جهة، لأبناء المجتمع دور النجمة الهادية والمرشد الصارم والأمين، وشكٌلت، من جهة ثانية، قوة رادعة ضد من حاولوا زعرعة البنيان أو اختراقه أو العبث بالمسلّمات الوطنية الهوياتية الموحِّدة والجامعة.

لن تفلح الأطر السياسية والدينية والمجتمعية التقليدية القائمة داخل المجتمع العربي في إسرائيل باجتراح المعجزات أو بابتكار زوارق نجاة حقيقة، خاصةً اذا بقيت هذه الأطر أسيرة لمفاهيمها السياسية ولعقائدها الموروثة والنافدة المفعول وتعمل وفق مصالح ضيقة ومناهج تنظيمية عاجزة أثبتت عدم ملائمتها لمتغيّرات العصر ولقوانين المجتمع ولوسائل التواصل والتأثير الحديثة ؛ وهي، بهذا المعنى، أصبحت، باعتقادي، جزءًا من المشكلة ولم تعُد قادرة على انتاج أدوات للحل.

لن نراهن على ما يبيّته لنا قادة إسرائيل وحكومتها القادمة، فإعطاب منظومات الحكم بات أمرًا جليًا، وما يجري داخل أروقة المحاكم ومنظومة القضاء الاسرائيلي يُعدّ آخر البراهين على أن مقاصلنا صارت منصوبة وأن "عشماوي" ينتظر رقابنا بفرح السيوف القواطع. فما العمل؟  

لقد تناولت في الماضي قضية الأحزاب العربية وتطرقت إلى حاجتها لمراجعة برامجها السياسية وإلى إعادة نظرها في بعض أبجديات عملها، خاصة فيما يتعلق بالقواعد الناظمة لعلاقات المواطنين العرب بالدولة وبمؤسسات الحكم فيها وما يتفرع عن هذه القضية من ضرورات للتحركات السياسية وميادينها، وما تتطلبه هذه من تحالفات نضالية وشعارات سياسية حكيمة وملائمة.

فنحن كأقلية قومية تناضل في سبيل حقوقها المدنيّة والوطنية بحاجة إلى وجود أحزاب وحركات سياسية كفاحية وأصيلة تمثل وتنتمي لقضايا المواطنين وتدافع عنها ؛ ونحن بحاجة كذلك لأطر جامعة عليا وطنية وفوق حزبية شريطة أن تنبع ضرورة وجودها من مصالح الجماهير ويتلاءم أداؤها مع خصوصيات هذه المرحلة من حياتهم.

يرى البعض بأن اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية ولجنة المتابعة العليا لقضايا المواطنين العرب في اسرائيل موجودتان وكافيتان لتلبية هذه الضرورات رغم ما يعتري نشاطهما من نواقص وقصور ومثالب؛ ويقترح آخرون حلولًا من شأنها تحسين الأحوال وإنقاذ اللجنتين من حالة الركود ومن سوء المصير ويجتهد البعض في سبيل ضمان مهمة الإصلاح قيام المواطنين العرب بانتخاب أعضاء ورئيس لجنة المتابعة، وذلك كمخرج كفيل لاعادة تأهيلها وتمكينها من تنفيذ مهامها بقوة وبنجاح أكيدين.

لا أعرف كيف ستنقذ هذه الانتخابات مستقبل لجنة اقيمت قبل أربعة عقود في ظروف تاريخية محددة كاستجابة لحاجات أملَتها معطيات واقع عاشه المؤسّسون في بداية ثمانينيات القرن الماضي، ووفقًا لرؤى تحكمت فيها موازين قوى سياسية واجتماعية كانت مؤثرة في حينه ولم تعد قائمة في هذا الزمن.

لن اخوض في تفاصيل هذه المسألة، فأنا على يقين بأنّ إجراء انتخابات مباشرة للجنة المتابعة سيكرّس نهج انفصال المواطنين العرب عن الدولة وعن مؤسساتها، وهذا بالطبع ما يدفع بالقوى السياسية والدينية التي تنادي بضرورة تبني هذا المقترح ؛ ولكن علاوة على ذلك يجب أن نخشى مما سيرافق عملية الانتخابات من ممحاكات وتنابذات وبغضاء ستتفشى في مدننا وفي قرانا، لأننا ما زلنا مجتمعًا محافظًا تتحكم في تصرفاته قوانين العشائر وتقتله قداسة الطوائف وتغرقه عبادة الفصائل؛ فتاريخنا أكبر معلم واسألوا عن ذلك من عاشه من قبل يوم "السقيفة" وحتى هذا الربيع الخرِف

لقد أراد مقيمو لجنة المتابعة، بحكمتهم وباستشرافهم تداعيات تلك المرحلة، تزويد العرب "بقلعة جامعة" ونجحوا في مهمتهم إلى مدى بعيد جدًا؛  لكنها الأيام تتبدل والضرورات تتغير والجسم يشيخ وأشك أن تبرئه أمنيات قادة يراهنون على جسور من ورق.

نحن بصدد موضوع يحتاج إلى أكثر  من مقال ومن كتاب، لكنني، رغم العجالة، ساختصر وسأقول رأيًا بعيدًا عما قد يحصل للجنة المتابعة العليا ولمستقبلها.

نحن بحاجة، كأقلية قومية تواجه سياسات حكومية عنصرية وممارسات شعبية فاشية، إلى اقامة إطارين جديدين قد يساهمان في تحصين مجتمعنا، داخليًا وخارجيًا، ويزوّدانه بوسيلتين تعزيزيتين في وجه سياسات الاقتلاع الحكومية وفي تمتين أواصر هويته المشوشة. إطاران قد يؤدّيا إلى إعادة مكانة "الهيية العامة" إلى شوارعنا والاحترام "لساحة البلد".

 الأول: "مجلس علماني" يعكف على نشر ثقافة إنسانية واسعة ووطنية هادفة ويذود عن مكانة العقل والتعدّدية الفكرية والعقائدية وينادي من أجل تنمية مجتمع متكافل يقوم على قيم الفضيلة والعدل والمساواة والسلام، ولا يشكّل فيه مطلب فصل الدين عن الشؤون السياسية والمدنية والحقوقية العامة سببًا للعداوات وللاقتتال؛ فالدين والتدين وفقًا لنظام هذا المجلس حقان مكفولان واحترامهما واجب على الجميع ولا وصاية من أي انسان على الآخر.

أما الاطار الثاني فهو اقامة " منتدى الحقوق المدنية"  وهو جسم سيرتكز بالأساس، لا فقط، على مجموعة من الحقوقيين ومن بعض المهنيين المتخصصين في مجالات أخرى، يقوم بمتابعة والنضال من أجل  قضايا الحقوق المدنية للمواطنين العرب في أسرائيل.

القصد من وراء الفكرة هو ايجاد ذلك الحيز الفاصل بين النضال السياسي المباشر من أجل مكانة الجماهير العربية وحقوقها القومية، وتلك الحقوق المدنية النابعة من مواطنة هذه الجماهير في الدولة، وذلك من خلال وضع آليات عمل متشابكة ومتكامله وغير متعارضة أو معطِّلة بين شقّي المعادلة.

قد يشكّل هذا الجسم، في توليفة مناسبة وتخطيط سليم، حلقة واصلة بين دور اللجنة القطرية للرؤساء وأي اطار تمثلي سياسي جامع قد يتفق على اقامته أو تحديثه كما يجري الحديث مثلًا بخصوص لجنة المتابعة العليا

لقد أثبتت السنوات الماضية انّ دور الأطر القيادية القائمة لم يعد فعالا كما تقتضيه مصلحة الجماهير ولا بحجم المخاطر التي ألمّت بمجتمعاتنا، كما وفشلت جميع محاولات رتق وجبر  هذه الأجسام، حتى أمسينا نعيش واقعًا عبثيًا فقد فيه المجتمع كوابح حمايته الأساسية وفقد المواطن شعوره بالأمن ويالمستقبل الواضح؛ ولذلك أحاول هنا اطلاق فكرة عساها تنال قسطًا من النقاش الهاديء والتطوير؛ فنحن، في النهاية، بحاجة إلى من يذود عن قيمنا  الانسانية الأصيلة ويحافظ على مكانة "الحيّز العام" وعلى حريات الفرد الأساسية؛ وفي نفس الوقت نحن بحاجة إلى إعادة تعريف ما تكون المصلحة الحقيقية للمواطنين العرب في إسرائيل ، ومن ثم كيف نمضي في الكفاح من أجل الدفاع عنها

 

 

«المشوهون»

جواد بولس

 

سينجح بنيامين نتنياهو بإقامة حكومته المقبلة مع حلفائه الطبيعيين، رغم ما نسمعه عن وجود بعض العثرات التي تعيق تقدمه نحو خط النهاية؛ فمعظم مماحكات الأحزاب المتفاوضة تدور حول ما سيدفعه «السيّد» للعملاء، وهو في هذه الحرفة «معلم المعلمين» وصاحب الخبرة في حياكة ضفائر السلطة وترويض «النمور» قبل دخولها إلى قصر السلطان.
ستكون هذه حكومة يمينية عنصرية غير مسبوقة في نهمها للتجبّر بمن ليسوا من «رعاياها «، وفي إصرارها على دوس حق «الخارجين عن طاعتها» بتربية أحلامهم البريئة، وفي محاربتها لما تبقى من هوامش ضيقة للتنفس خارج مزارعها، وبعيدًا عن أقفاصها. صارت إسرائيل بعد الانتخابات الأخيرة أكثر عتمة، لكننا على الرغم من ذلك، نجد أن الأحزاب والحركات السياسية العربية تتصرف كأنها ممالك لا تقهر، ويتقاذف رؤساؤها الاتهامات بينهم، كأنهم قادة لجيوش جرارة يغار منها ابن مقدونيا الكبير ويتمناها «تيمور» الأمير. حسم معظم المحللين العرب مواقفهم ازاء ما حصل في الانتخابات الاسرائيلية الأخيرة، واختلفوا كما يليق بكبار المفكرين والمثقفين؛ بينما تمترس المحزبون والدعاة والمجندون في قلاعهم ولسان حالهم يقول: «نفوسنا وبعدنا الطوفان». لقد وعدت قلة من النخبويين والقياديين الغيورين بأن تتدارس تفاصيل التجربة بموضوعية، لتقوم باستخلاص العبر وتقدير معالم الخسارة، لإيمانهم بأن الوقوف على التفاصيل وعلى المسببات يُعدّ أمرًا ضروريًا، ليس بغرض الكشف عن المذنبين وتقديمهم للمحاكمة، بل من أجل تشخيص المرض وتفاديه، عساهم ينقذون مستقبلًا، بات يترنح على قرون «أطلس» هذا الزمن. لن ينجحوا في مهمتهم إلا إذا واجهوا جملة من المسائل الأساسية التي حان وقت معالجتها بجرأة، ومواجهتها بوضوح وبدون رياء؛ وسأتطرق في ما يلي لبعضها، ولكن هذا لا يكفي.
حدْس الناس لا يخطئ، خاصة إذا اعتمد على كيف ووجهت هزائم الماضي؛ فعلى الأغلب ألا تحاسب الأحزاب هيئاتها القيادية كما لم تحاسبهم في الأمس، وألا يدفع مسؤول ثمن فشله في هذه الانتخابات كما لم يدفع عما سبقه.
لا يوجد بين المواطنين العرب تنظيم يمتلك هيئات قادرة على إجراء مراجعة ذاتية وجدّية، من شأنها أن تفضي إلى مجازاة المسؤول على نجاحه أو محاسبته عن فشله؛ ومعظم الأطر الحزبية، أو شبه الحزبية، لا تمتلك ثقافة تنظيمية مؤسساتية عريقة كفيلة بإنتاج الضرورة لمثل هذا الفحص ولإنجاح هذه المهمة؛ فأكثرية هذه التنظيمات مارست «حزبيّتها» أو «حركيّتها» تحت عباءة «صاحبها» أو برعاية قائدها/مؤسسها الأوحد؛ وعلى الرغم من أننا نستطيع أن نستثني من هذا الواقع تنظيم «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواه» ومركبها الأبرز «الحزب الشيوعي الإسرائيلي»، إلا أنني أشك، لأسباب قد نخصص لها مقالا منفردا في المستقبل، في أن ينجح قائدها الأبرز النائب أيمن عودة، رغم رغبته الحقيقية، بتنفيذ وعوده بإجراء تقييم جذري وشامل لتداعيات الأزمة السياسية الأخيرة ولمستقبل العمل السياسي البرلماني وغيره.
لقد استحضرت الأشهر الأخيرة إلى ساحاتنا، مجددًا، عوارض أزمة الأحزاب والحركات السياسية التقليدية العربية، بعد أن كشفت عنها، بشكل واضح، نتائج الانتخابات الأخيرة للسلطات البلدية والمحلية؛ فلقد أشرنا، في حينه، إلى ما «قالته» صناديق الاقتراع في معظم قرانا ومدننا، وأكدنا أن الجماهير نأت، عمليًا، عن تلك الأحزاب، التي لم تعد تستثير رغباتها السياسية، ولا تستنفر أمانيهم الاجتماعية؛ وذلك ببساطة لأنها اصبحت أطرًا هرمة تعمل بآليات متكلسة ووفق برامج «فكرية» منبتّة فاقدة لصلاتها بالواقع العام وبالمتغيّرات التي حصلت داخلنا، وبعلاقة مؤسسات الدولة بأبناء مجتمعاتنا على جميع الأصعدة والمستويات. فكيف يصنّف ويعرّف المحللون هوية أحزابنا والحركات السياسية والدينية العربية الناشطة في داخل مجتمعنا العربي المحلي؟ وهل في رأي هؤلاء المحللين والنقاد ما زالت هذه الأحزاب حاضرة وقادرة على تأدية أدوارها الاجتماعية والسياسية في الذود عن وجودنا وعن مستقبلنا؟ وكيف ستفعل ذلك؟
وعلى الجبهة الثانية، أجمع ناشطو معظم الأحزاب وجيوش وسائل «الشقاق الاجتماعي» على عدم وجود يسار صهيوني في إسرائيل، وعدم أهلية من يعرّفون حزبهم يسارًا كحزب «ميرتس» مثلًا؛ وجنّد هؤلاء هذه المقولة كذريعة لدعم نداءاتهم بضرورة مقاطعة الانتخابات. وقامت هيئات جميع الأحزاب المشارِكة في الانتخابات برفض نداءات المقاطعة، في حين لم تتطرق معظمها لقضية اليمين واليسار ولحيوية التمييز بينها، ولمن يضع الحدود بينها ووفقًا لأي معايير ولأي مساطر؟ لم يكن ذلك مجرد سهوة، بل كان عارضا لتفشي الأزمة نفسها عندنا، فهل فعلًا لا يوجد لابن العرب يسار سياسي حقيقي؟ وما تأثير ذلك على آفاق العمل السياسي والحزبي وعلى هوامش التحالفات بين الجماهير العربية من جهة، وبينها وبين القوى السياسية القائمة في المجتمع اليهودي؟

عوارض أزمة الأحزاب والحركات السياسية التقليدية العربية، كشفت عنها نتائج الانتخابات الأخيرة للسلطات البلدية والمحلية

أشرت في الماضي إلى حصول انعطاف حاد في مجتمعنا نحو اليمين، حتى غدا خاليًا من قوى اليسار التقليدية أو من بدائلها، على كل ما يعنيه هذا الأمر من تشوّهات اجتماعية وسياسية واقتصادية، وتأثيرها على الهوية الحقيقة للفرد وللمجتمع.
فعندنا من التيارات القومية تشكيلة واسعة، مثل ما عندهم، ولدينا عدد من التيارات الدينية السياسية على تفرعاتها واختلاف عقائدها وأهدافها السياسية. وتحاول، إلى جانبهم، بقايا حركات يسارية أو شبه يسارية أن تعيش، بعد أن فقدت معالم طريقها الأصلية، وأضاعت قواسم رفاقها المشتركة حتى اختلفوا في ما بينهم على معنى المقاومة وما تكون الثورة ومن هو المنقذ ومن المستبد. فمن وجد منكم يسارًا حقيقيًا بيننا، ليدلني إليه.
إنها مسألة مهمة، خاصة عند من يسعى لتشخيص علل مجتمعنا، مستشرفًا حياة سياسية واعدة وعملا حزبيًا من شأنه أن يخدم أبناء المجتمع ويحافظ على هويتهم الجامعة ويمثل مصالحهم على المستويين المحلي والقطري. يمكنني إضافة عشرات المواضيع والعناوين السياسية والاجتماعية التي تنسّكنا عن معالجتها باستقامة فكرية، حتى أوصلنا انحرافنا وعزوفنا عنها إلى حالة عجزنا الحالية وضياعنا؛ فلأكثر من عقدين كان اليساريون شهودًا على تحلل عراهم الوثقى، ولم يواجهوا مصيرهم، بل فضّل بعضهم الركض وراء سراب الشام، واستفيأ آخرون خيمة الأمير، وقصد بعض الحالمين ود موسكو طامعين بظل من الأساطير. نحن مجتمع مشوه! ومعذرتي من الأديب الطلائعي، توفيق فياض، صاحب رواية «المشوهون»؛ فلقد أعلنها في روايته قبل حوالي الستة عقود؛ ورغم اختلاف المحاور والعوارض ومرور الأعوام، نستطيع اليوم أن نحملق في مرايانا المهشمة ونرى كيف تسخر الأقدار من جبننا ويحرج منا الرياء.
وأخيرًا، ماذا بعد؟ أحقًا كل العرب يمينيون وحسب؟ وكل اليمينيين أخوة وحلفاء؟
وماذا سيقول الجبهويون وحلفاؤهم لمن يدعوهم، وهذا مجرد مثال عابر فقط، كما فعل أعضاء الكنيست السابقون الثلاثة (حاييم أورون وديدي تسوكر عن حزب ميرتس وإبراهم بورغ عن حزب العمل) لإقامة حلف سياسي يتوافق فيه على برنامج عمل أساسي من غير حاجة إلى التعهد المتبادل أيديولوجيا أو فكريًا، أو كما كتبوا قبل أيام في جريدة «هآرتس» وشرحوا: «فقط توافقات بين الشركاء على برنامج عمل: مساواة مدنية تامة، إنهاء للاحتلال عن طريق حل الدولتين، وإقامة إطار برلماني مشترك.. فالفكرة هي مبادرة إلى مشروع سياسي وفكري.. حلف بين المواطنين.. سد من الأحزاب يحاول التصدي لانسلاخ العرب عن دولة إسرائيل ولانسلاخ دولة إسرائيل عن مواطنيها العرب». أليست هذه فكرة شبيهة لمشروع دولة لجميع مواطنيها؟
كاتب فلسطيني

 

 

والقول ما قالت الأمعرية

جواد بولس

 

يحتفل الشعب الفلسطيني، في السابع عشر من إبريل/نيسان من كل عام، بيوم الأسير الفلسطيني؛ وتشهد جميع محافظات الوطن، على مدار أسبوعين كاملين، سلسلة من الفعاليات والنشاطات الشعبية والرسمية، التي تقام ليؤدي المشاركون فيها تحية المجد لأبناء الحركة الأسيرة، وليتوّجوهم بأكاليل الغار، عرفانًا بما قدّموا ويقدّمون من تضحيات في سبيل نيل الحرية الفلسطينية وكنس الاحتلال الإسرائيلي.
تعيش فلسطين، في هذه الأيام، كما في كل عام، حالة من الفرح العذري الملتبس، وتحتضنه، كما تحتضن الأم ضفائر ابنتها العروس، برفق وبحفنة دموع، وتزنّره بنور وبحناء ونار. إنه نيسان الفلسطيني، فيه تنفتح أبواب السماء فينهمل منها الحنين ويهوي الجوى، ليزهرا، على عتبات البيوت، شوقًا شفيفًا وأملاً مؤجلاً.
لن يفهم البعيدُ عن أرض الوجع كيف تكون تباريح السواسن في نيساننا، ولن يستوعب من لا يعيش في أرض الأساطير، قاتلة الأنبياء، معنى رجفة الفلّ على شرفة «أم يوسف، الأمعرية»، وهي تجلس فوق ركام بيتها وتعدّ نجوم «السماء السبعة» وتقسم أن تقهر عدوّها ببسمتها المعذبة الشقية فحسب.
قد لا يناسب « الأدب» مقالًا يعالج «تردد إبريل» في هذه الذكرى ويداوي لواعجها، وقد لا تفيد الكتابة عنها بمباضع البديع وبالزخرف؛ فالواقع في الأراضي الفلسطينية رماديّ كالصخر، والمعطيات عليها مستفزة كمرض عضال، والقهر مستفحل واحتلال الغريب مستحكم بعربدة وخبث لم نعهدهما مذ وطئ ذلك الحزيران اللئيم حرير خواصرنا. كل بيت في فلسطين المحتلة شرَق بدمع الشهادة أو بكى، على وداع أعزائه، حين كانوا يمضون على طريق الجمر، ويدفعون ضريبة العز والوفاء، سجناءَ وراء قضبان القهر وتحت سياط الجلّاد.
تشير احصائياتنا إلى أن قرابة المليون أسير دخلوا سجون الاحتلال منذ عام 1967، بينما يصل عدد من يقبعون اليوم فيها إلى قرابة خمسة آلاف وسبعمائة أسير، من بينهم مئتان وخمسون طفلاً/ حدثاً، علاوة على ستة وثلاثين طفلا مقدسيًا نُقلوا للاعتقال المنزلي، وخمسة قاصرين محتجزين في ما يسمى بالإصلاحيات أو «مراكز الإيواء» ؛ وكذلك هنالك سبع وأربعون أسيرة وما يقارب الخمسمئة أسير إداري، وعدد كبير من المرضى، بينهم بضع عشرات ممن يخشون غفوة القدر ويعيشون كشهداء على «همزة» الريح وجنونها ..لن استرسل بتزويدكم بالأرقام وبتصنيف الفئات والمسميات، عِلمًا بأننا شعب يحب الإحصائيات، ويجيد مضغها في المناسبات ومن على المنابر؛ ولكنّ واقع الحركة الأسيرة، بمجملها، مقلق ومريض، فهي تمر بمرحلة حرجة وتواجه مؤامرة مصيرية خطيرة. ليس من الصعب أن نفهم لماذا يحاول قادة اسرائيل وساستها بذل هذه الجهود الجبارة في محاولات مستمرة منهم لكسر شوكة الحركة الأسيرة، وملاحقة أفرادها المحررين؛ فمن يفتش عن الأسباب الحقيقية سيجدها مطوية في صفحات تاريخ هذه الأجيال، التي اختارت طوعًا، رغم فداحة الثمن، أن تناضل ضد الاحتلال، وتؤكد بخيارها وعبر مواجهاتها المباشرة – وهنا العبرة والخلاصة – على أن العدو الأول للشعب الفلسطيني ولمصالحه كان، ولمّا يزل، الاحتلال، وهو فقط؛ وعلى جميع الفلسطينيين، بدون أي استثناء، تحييد كل التناقضات وكل المناكفات القائمة بينهم، ومواجهة الخطر الأساسي الكبير؛ فبدون كنس الاحتلال ستبقى كل المسارات الفئوية/الفصائلية مجرد فذلكات سرابية وجرعات مخدرة، وبدون الوحدة النضالية الحقيقية الجامعة، ستكون كل أنماط الحياة المقترحة مشوهة ومنقوصة، وستتحول جميع الزيجات «العرفية» مع الاحتلال مصدرًا للذل والهزائم.

«من ينشد العيش بدون احتلال سيدفع نصف قلبه للأسى، ويربّي في نصفه الآخر الوعد بفرح مؤجل، لكنه آتٍ ذات يوم»

للحقيقة وللأمانة لم تتخلّ فلسطين الرسمية عن أبناء الحركة الأسيرة، وقد احتضنت منظمة التحرير الفلسطينية تاريخيًا، وما زالت، جميع كوادر الأسرى وحاولت أن تنصفهم بشتى الوسائل وعلى جميع المستويات؛ فقادة المنظمة آمنوا بأهمية وبدور الحركة الأسيرة التاريخي، وبما يمثله وجودها، وطنيًا وسياسيًا، وبكونها النقيض الواضح والحاضر دومًا لوجود الاحتلال ولهدوئه واستقراره. لقد تبنّت السلطة الفلسطينية، منذ إنشائها، أبناء الحركة الأسيرة، وتصرّف قادتها بما يمليه واجب وضمير «السيادة السياسية» الوطنية، حتى لو كانت منقوصة، تجاه أبنائها وتجاه أفراد عائلاتهم، وتمسّكوا بموقفهم، وما زالوا، رغم شراسة هجمة الحكومة الاسرائيلية الأخيرة، وموقف الولايات المتحدة الأمريكية وعناصر دولية أخرى؛ فقادة السلطة على قناعة صحيحة بأن أي تنازل أمام المطالب السياسية الإسرائيلية المهينة، يعني في الواقع هزيمة رواية «الثورة الفلسطينية» أمام «الرواية الصهيونية» بما يفضي إليه ذلك من عبث، فالمناضل الفلسطيني سيتحوّل إلى إرهابي ومجرم، وسيصير المستوطن اليهودي الغاصب صاحب البيت الشرعي.
كنت أراجع تداعيات الأزمة والانقسامات التي يواجهها الأسرى في سجون الاحتلال، وانا في طريقي إلى مكتب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، الدكتور صائب عريقات، لحضور لقاء، دعا إليه ممثلي الدول الأجنبية لدى فلسطين بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني. هاتفت، وأنا بمحاذاة مخيم الأمعري، أم «يوسف أبو حميد»، وهي التي سميتها قبل سنوات «وردة من الأمعري»، كي أطمئن عليها في هذه المناسبة.
كان صوتها كصوت الورد الناتئ في شقوق المخيمات، ينبض بالقوة ويشحنني بالثقة وبالحزم. شكرتني على الاتصال وشكرت قبلي ربها ورجته أن يبقى رحومًا. طمأنتني عن صحتها وذكّرتني بما قالته لي في زيارتي السابقة لبيتها : «المهم يا استاذ ألا تُظهر ضعفك، وألا تدع عينيك تدمع أمامهم؛ فنحن سنبقى أقوياء إذا تبسمنا في وجوههم، حتى وهم يهدمون بيوتنا ويقتلون أبناءنا؛ نحن سننتصر على جبروتهم بصمودنا وبتضحياتنا، لأنهم الضعفاء، فأصحاب الحق أقوى من الطغاة، وأولادي وكل ما أملك فداء للكرامة ولفلسطين». لم أجبها. صمتّ كمن عقل لسانه. خفت أن أدمع وخفت أن تخذلني حنجرتي، فهي أم «لعبد المنعم»، الذي سقط شهيدًا في عام 1994 ولستة أبناء أسرى: ناصر ونصر وشريف ومحمد ناصر؛ وجميعهم محكومون في محاكم عسكرية منذ سنوات بالسجن المؤبد لعدة مرات؛ و»إسلام» الذي اعتقل في مايو،أيار المنصرم ويواجه تهمة قتل جندي إسرائيلي حضر وكتيبته ليعتقلوا اخاهم السادس «جهاد» اعتقالا اداريًا، من بيتهم في الأمعري، الذي بات، بعد أن هدمه جيش الاحتلال في ديسمبر/كانون الأول المنصرم، ركاما.
لم ينتظر سكوتي طويلًا إذ سمعتها تقول برقة الأم الحزينة «طبعًا أنا أبكي.. البسمة سلاحي أمامهم فقط، لكنني أم وأحب أولادي، وأموت شوقًا لرؤيتهم، وأتمنى أن أحتضنهم في كل لحظة… هذا قدرنا وهذه خياراتنا، فمن ينشد العيش بدون احتلال سيدفع نصف قلبه للأسى، ويربّي في نصفه الآخر الوعد بفرح مؤجل، لكنه آتٍ ذات يوم .»
دخلت قاعة الاجتماعات في مبنى منظمة التحرير. حضر عن الجانب الفلسطيني ممثلون عن معظم المؤسسات الرسمية والأهلية، التي تدافع عن الأسرى، وحضر كذلك معظم ممثلي الدول الاجنبية. تمنيت لو كانت «أم يوسف الأمعرية» حاضرة لتختصر بحكايتها كل زيف التاريخ وتخاطبهم «ببسمتها» وبنصف قلبها الدامي، عساهم يفهمون كيف سيزهر الحق في نيسان، وكيف سيغلب صوت الحرية أزيز الرصاص. لا أعرف إذا كانت علامات الدهشة ما زالت بادية على وجهي؛ لكنني وقفت أمامهم ورفعت رأسي، كما أوصتني تلك الأم الأمعرية، وأطلقت لساني في الفضاء فجاء وقع نداه على إيقاع ابريل وتنهيدة أم سرمدية. لم نسمع منهم اعتراضًا على ما قلناه، فقد أصغوا إلينا «بهدوء دبلوماسي» مزعج وواضح، ثم انسحبوا ببرود بروتوكولي مألوف. بعضهم يعرف مثلنا أن التاريخ سيتذكر «وردة الأمعري» ولن يسامح من داس على قلبها، وبعضهم سيتجاهل الحكمة في الربيع ليبقوا غارقين في عارهم وأسرى لمصالحهم ولموازين قوى دولية وهمية مدفوعة بقوانين المداهنة والرياء.
فهل سيكون القول ما قالت الأمعريّة؟
كاتب فلسطيني

 

 

انتخابات الكنيست

هل من مفاجأة؟

جواد بولس

 

 لم تحمل نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلية أي مفاجآت غير متوقعة أو شاذة في جوهرها؛ وهي بهذا المعنى قد شكّلت محطة جديدة، لن يتوقف عندها قطار الفاشية الإسرائيلية المندفع بجنون واضح نحو الهاوية؛ كما أنها عكست حجم الضياع المستفحل بين المواطنين العرب، وهم يواجهون مرحلة سياسية واجتماعية واقتصادية انتقالية جديدة، نحو مستقبل مبهم. ومن جهة أخرى عرّت حقيقة وجود التنافر العميق، أو حتى التنابذ، بين هويّات معظم الأحزاب والحركات السياسية العربية، التي طلبت ودّ تلك الجماهير ودعمها في الانتخابات، وبين مجمل التغييرات الفكرية والنفسية والهويّاتية، التي باتت تحرّك فعليًا ولاءات الناس، وتتحكم في سلوكهم الاجتماعي وفي خياراتهم السياسية.
من غير المجدي أن نفعل ما يفعل البعض، حين يؤكدون للقراء أنهم أصابوا عندما تنبأوا بالذي سوف يحصل؛ ولن أتعاطى، في هذه المقالة، مع المخاطر الجسيمة التي تنذر بها تشكيلة الحكومة المتوقعة وما سيتبعها، بدون شك، من تداعيات كارثية علينا كأقلية قومية، ستواجه، من غير سواتر، أنياب الفاشيين الذين سيخيّرونا بين الاذعان الكامل لدولتهم اليهودية، ونحن صاغرون، أو المقاومة على ما يعنيه هذا الخيار من احتمالات، قد تكون خرقاء ورهانات على وفاء الريح وجنون القدر.
لن أناقش مَن حسم بصرامة، بأنّ تفكيك القائمة المشتركة كان أهم سبب وراء عزوف نصف المواطنين العرب، وقرارهم مقاطعة الانتخابات؛ ولن أوافق من اتهم النائب الطيبي بحصول تلك الكارثة، أو من أدّعى بأن الدكتور منصور عباس كان مسببها ومسؤولًا عن وقوعها؛ وذلك، ببساطة، لأنني لم أر بالقائمة المشتركة، بخلاف فكرة الوحدة السياسية والعمل المشترك السليم، منقذًا للجماهير من الغرق الوشيك، ولا بوصلة آمنة وكفيلة بتوجيهنا نحو مرفأ السلامة وبر الأحلام. ومن المنطلق ذاته لن أعاتب من دعوا إلى مقاطعة الانتخابات، سواء فعلوا ذلك عن قناعة فكرية أو عن إيمان ديني، أو نتيجة احتجاج وغضب، أو حتى إذا كانت نواياهم مريضة أو مغرضة؛ فالمشكلة، في رأيي، ليست بمن دعا وحرّض واستشاط وانفعل، بل لماذا نجح هؤلاء وفشلت الأحزاب، قيادات وهيئات، بإقناع من قاطعوا، وحضّهم على التصويت والتأثير والمشاركة في ترسيم الحاضر وصنع المستقبل.
عشرون عامًا يقود «بنيامين» شعبه ويعيده إلى أحضان «إيله». يعلمهم فقه الذبائح ومعنى تقديم القرابين، ويعدهم بالمجد والخلاص؛ يسير كالفاتحين ووراءه يهرول أبناء «يوشع» ويتنشقون روائح الفاشية وغبار المعارك، ويحلقون على أجنحة شهواتهم صوب حدود سرمدية تغور في صحارى شرق عاقر. عشرون عامًا كان فيها اليأس ينخر مضاجعنا. لم نسمع سوى طنين الشعارات التقليدية الخاوية، وحفيف أوراقنا البالية. أجيال تولد في عوالم طينية لا تعرف من القيم سوى الرياء والخديعة والجحود، والسعي وراء المصلحة والسطوة، ومن أجلها كل الوسائل حاضرة. فنحن وإسرائيل وحدنا في مهاجع الجوع وفي بساتين السهر؛ نحن وخياراتنا على دروب الحكمة، أو في مهالك العدم . لم يقم بيننا «ناطور» أمين ولم يسعفنا «معلم» صادق، فعشنا على هدى «زند أجرب» وصلينا كي لا نقع فريسة للعصا، أو ضحايا لعربدة رصاصة تائهة منا وبيننا. كل عناوين الخسارة كانت مكتوبة أمامنا على جدران قرانا والمدن. الحمقى أغفلوها وغطاها المنتفعون بمناديل من زبد، ومضوا إلى ساحات عجزهم، أما المقامرون فقد أغفلوها في طريقهم إلى «مجالس الندماء» التي تكرر أحلامهم نشواتٍ وتخفق من أجلهم الزمن. أرادونا أن نقتنع بأن الجماهير مجرد قطعان من أغبياء، تنسى وتلهث، تنام وتهمل.
لكننا قلنا، هي الجماهير حية تنذر مرة وتحذر مرارًا، وإذا ما جهلت فيجيئكم غضبها طوفانا؛ إنهم أحفاد من حوّلوا أيار البلاد إلى وهج الصدى وخطّوه أحمر الآفاق، وجعلوه لون الشهوة وسجّلوه في المآقي كشهر الورد والردى؛ وهي الجماهير التي لبّت، في آذار، نداء أمنا الأرض فغارت بعده «عشتار» من عذراوات الجليل، وبكت من تناهيد قانا ومن دموع سخنين، فصار زهر لوز الكرمل جواز سفر الصالحين وتميمة المقاتلين. لا تفتشوا عن أسباب هزائمكم في حقول الغير، فسوس الخشب منه وفيه. كم قلنا إنه لن تقوم لنا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل قائمة، إلا اذا واجهنا واقعنا بجرأة وباستقامة ومسؤولية، وتخلينا عن مداهنة بعضنا وفقأنا عيون الكذب وتوقفنا عن البكاء على الأطلال، وعن التسامح مع من يغتصب أعراض بكارات أفكارنا ومواقفنا، ويخيفنا قبل كل هزيمة صائحًا: « انتظرني يا بيبي نتنياهو عند المنحنى، فسأعود مع إخوتي، بعد أن يستعيدوا أوصال أوردتهم المقطعة، كي نطيح برأسك ونرميه في مزابل القدر».

إذا لم يقم من يستخلص العبر بشكل صحيح ستكون خاتمتنا، في ظل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، سيئة ومصيرنا صعبا

للتيه قواعد وأصول، وللبقاء قوة وغرائز وفصول. جموع الناس لن تكون قطعانًا الا اذا كان راعيها من وهم وسراب وزبد، فلقد آن الأوان أن يقوم بيننا راع وحكيم وصادق لينفض عن شرايين هويتنا غبار الندم وليقول للغفاة هيّا وللمزايدين كفى ويمضي نحو قمة الجبل. لقد كشفت انتخابات الكنيست ما أظهرته انتخابات الأمس البلدية والمحلية، واذا لم يقم من يستخلص العبر بشكل صحيح ستكون خاتمتنا، في ظل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، سيئة ومصيرنا صعبا. لقد استرجع مجتمعنا عناصر تكوينه البدائية السلبية، فأخذ أبناؤه يستكينون لرحمة السماء فقط، ويحتمون بحضن القبيلة وينتعشون في ظل العائلة ويرجون رحمة المصلحة ومن يؤمّنها.
إننا نعيش أزمة هوية خطيرة ونفقد عمليًا ما نجح آباء شعبنا المؤسسون ببنائه بعد أن ردموا في بدايات خمسينيات القرن الماضي مخلفات هويات قدّست الخاص عن العام. نحن نرى مجددًا انكسارًا في الهوية الوطنية، ونرى تفكك أواصر المؤسسات القطرية القيادية، وفقدانها لدورها المؤسس، فقد غاب عمليًا دور لجنة المتابعة العليا بشكل بارز ومقلق، وغاب كذلك دور اللجنة القطرية للرؤساء وغيرها من الهيئات. لقد كشفت نتائج الانتخابات كذبة حجم الأحزاب حين ظهرت قواها الحقيقية، ورغم ذلك ما زال بعضها يتشدّق ويقدّم قادتُه للجماهير نصائح ويسدي كتّابهم لنا المواعظ المستوردة من أفواه مفكرين يستقزمون وجودنا في بلادنا، ويتهكمون على نضالنا ونضالات من سبقونا.
لقد كان تصرف الأحزاب ناتجًا عن ضعفها، ولم يكن ضعفها ناتجًا عن تصرفاتها؛ فنتائج الانتخابات تعيدنا حتمًا إلى مواجهة أسئلتنا الكبرى وأهمها ما يتعلق بضرورة وجود هذه الأحزاب بهياكلها الحالية وهيئاتها القاصرة.
يتبع …
كاتب فلسطيني

 

 

 

سأصوت، لن أقاطع

جواد بولس

ستتوجه جموع الناخبين الاسرائيليين في التاسع من الشهر الجاري إلى صناديق الاقتراع لتنتخب من سيمثلها في الكنيست  القادمة، وتقرر عمليًا مَن سيتولّى مقاليد الحكم في دولة باتت، رغم صغر حجمها الجغرافي والديموغرافي، تشكل ركيزة أساسية في عمليات ترسيم الخرائط الاقليمية السياسية والاقتصادية والعسكرية. كما وتؤثر، كذلك، بدرجة كبيرة، على تداعيات الأوضاع الداخلية، وأحيانًا على مصائر الدول وأشباه الدول في منطقة الشرق الأوسط وفي عدة مناطق أخرى من العالم.

لا تشغل قضية الانتخابات الإسرائيلية، فيما يبدو، بال المجتمعات العربية في الدول المجاورة، ولا، بالتأكيد، بال المجتمعات في الدول الاسلامية، رغم  تأثير نتائجها المفترض على مصير علاقات حكومة اسرائيل الجديدة مع تلك الدول؛ وقبلها على"قضية العرب والمسلمين الأولى" ؛ أعني فلسطين والقدس وأقصاها.

 قد يكون مردّ هذا الإعراض توافق مصالح زعماء تلك الدول الاستراتيجية مع المؤسسة الحاكمة  والتي ستحكم في إسرائيل؛ ومن جهة اخرى، نتيجة لسوء تقدير مجتمعاتها وقصورها في تقييم قيمة المشاركة السياسية الشعبية الحرة واستنفاذ الشعب لحقه بالانتخاب، وذلك لأنها عبارة عن مجتمعات عاشت تاريخيًا وتعيش ليومنا في ظل أنظمة حكم مستبدّة حرصت على "تعقيم" وسلب إرادات أبنائها وإبقائهم مخلوقات مهزومة ومدجّنة وجموع من العاجزين.  

بدأت مقالتي بهذه الاشارة كي أؤكد على قناعتي المعلنة دومًا بأننا نحن، المواطنين العرب في إسرائيل،كنا وما زلنا وسنبقى أصحاب هذا "العرس" أو ربما هذا  "المأتم"؛ وبالتالي سنكون نحن أول ضحايا نتائجه أو من بين المستفيدين منها.

يجب أن نقرأ بمسؤولية وبحكمة وبحنكة ماذا تخبّيء لنا أيام إسرائيل المقبلة، فمن يتمعن بمواقف الأغلبية اليهودية الناجزة وببرامج معظم الأحزاب الصهيونية المشاركة في الانتخابات المعلنة سيكتشف بسهولة ما معنى ما قاله "الحكيم" عندما حذّر من حسن النوايا والتمسك بقدسية الحق، فبعضها قد يقود أصاحبها أحيانًا إلى الجحيم.

لا أقول ذلك من باب التهويل الدعائي أو التخويف الأجوف؛ فأنا، مثل الأغلبية منكم، لا أرى فروقًا جوهرية بين معظم الأحزاب الصهيونية والدينية المتنافسة في هذه المعركة، واذا ما استثنينا حزب "ميرتس" الصهيوني اليهودي-العربي ، سنجد أن الحزبين الأساسيين المتناطحين، حزب "الليكود" بزعامة بنيامين نتياهو و حزب الجنرالات "كحول لفان" بقيادة بني جانتس، يتشابهان، بشكل أو بآخر، في توجهاتهما العقائدية والسياسية العامة وفي تخريجاتهما القانونية ازاء طبيعة وجودنا كمواطنين في الدولة وشروط بقائنا فيها كأقلية قومية غير يهودية.

لكن المشكلة لا تنتهي عند هذه الجزئية التي يشدّد عليها دعاة مقاطعة الانتخابات ويوظفونها كمبرر يدعمون به حجتهم حول عبثية التصويت وعدم أهميته؛ فابقاء هذا النداء "كصرخة يوحنا" في برية الفاشية الزاحفة قد يؤدي بنا إلى التهلكة ويسهل على الأحزاب اليمينية الفاشية، التي تجاهر بضرورة طردنا من الدولة، مهمتها.

لا يمكن أن نقوم، في واقعنا المعقد، بوظيفة الكاميرا الاجتماعية فقط، ولا بدور الرسامين الانطباعيين، ونلتزم بتشخيص طبائع أعدائنا ووصف خطورة سمومهم ثم نقرّر مقاطعتهم والابتعاد عن مواقعهم وهي في الواقع مواقعنا أيضًا.

لا يعقل أن يتعاطف مجتمع أو قطاعات واسعة منه مع نداءات المقاطعة، مهما كانت دوافعها، من دون أن يقترح أصحابها بدائل متكاملة وواقعية وقابلة للتطبيق تضمن استمرار وجودنا في وطننا.

يجب أن نرى الفوارق بين هذه المعركة الانتخابية وبين ما سبقها؛ فبعد شرعنة حقوق المستوطنين اليمينيين العنصريين وتصالح أغلبية المجتمع الاسرائيلي مع قياداتها وادماجهم كشركاء طبيعيين في جميع منظومات الحكم، بما فيها كقضاة في المحكمة العليا وفي قيادات الجيش وفي اذرع الأمن الأخرى، بدأنا نشهد كيف تجري عملية "شرعنة" مجموعات سياسية يعرّفها القانون الاسرائيلي كمنظمات إرهابية منعت لسنوات عديدة من حق مزاولة أي نشاط سياسي أو اجتماعي على الاطلاق.

فكيف يتوقع، والحال بهذه الخطورة، أن يتعاطف مجتمع أو شرائح منه مع نداءات المقاطعة، مهما كانت دوافعها صادقة أو عبثية أو مغامرة، في حين ان هنالك احتمالاً جدياً بأن نستطيع، اذا رفعنا نسبة تصويتنا، أن نعزّز قوتنا ونزيد من فرص تصدّينا لقوى اليمين الفاشي الزاحفة ؟

القضية لن تكون اسقاطنا لليمين أو لا ، فلقد تخلصنا من مفاضلة الأحزاب اليمينية وتصنيفها بحسب مكانتها في سلم العنصرية، لكننا  أصبحنا نواجه معسكرات يمينية ضخمة تتنافس فيما بينها على ضمّ كتائب جديدة يُشهر بعضها برامج عنصرية فاشية؛ فبدون "الكاهانيين" و"الفيجليين" و"السمورطتشيين" ، مثلًا، لن ينجح نتياهو بإقامة حكومته وقد يضطر مثله معسكر جانتس لسلوك هذا الطريق أيضًا حسب الاستطلاعات، ولكن زيادة نسبة أصواتنا قد تتسبب بسقوط هذه الأحزاب.

أعرف أن لليأس، عند الشباب،  من السياسة والسياسيين، سلطانا؛ وأعرف أن جرح الكرامة الوطنية بينهم يولّد لديهم رغبات جامحة وفضاءات سابحة؛ واعرف أن العجز مفتاح لفرج مؤجل وأخ للسراب؛ لكنني أعرف ايضًا كيف "ضاعت فلسطين" على مشارف "العقالات" وتحت أقدام الخواجات، وكيف طارت فراشاتها على ايقاعات الطبول والقصائد وغنج الندى وصهيل الأرامل والامهات. وأعرف، بالمقابل، كيف ولماذا بقينا على صدورهم في وطننا كالصبار، وكيف رسَونا في سماء الشرق كورد الملاءات.

أنا لا أنكر  على أحد حقه بالغضب ولا بضرورة الشك واهمية الاحتجاج؛ فلولاها جميعًا لبقيت الناس عبارة عن كثبان من طين وغبار تسوقها الريح كلما هبت هوجاء، وتذيبها دموع السماء؛ ولكن، يزعجنا هذا الردح بين معسكرات المقاطعين وبين من ضدهم؛ بين من يتمسك بحق الفل أن يموت وحيدًا وبصوت العنادل في الوهاد وبحة الكمنجات وبين من يصر على أن يقارع "داهود" في عقر داره وبالصرخة وبالوقفة وبالقصيدة وبيوم الارض وبالدماء في اكتوبر وفي الأول من أيار، ولا يكتفي بما نقلت الاسطورة عما فعل الحجر "بجوليات". 

 قبل أيام، خلال نقاش جمعني ببعض الأصدقاء المؤيدين والداعين لمشاركة المواطنين في الانتخابات المقبلة، تحدّى صديق مثقف وواع ومسؤول خيالنا وقال: تصوّروا لو يقاطع جميع العرب هذه الانتخابات ؟

توقفنا مليّاً وفككنا الفكرة بهدوء وبوجع واجمعنا على أنه بالخيال وحده لن ننجو من الخسارة ولن نوقف النزيف ونمنع المذبحة، فمقاطعة كهذه شاملة يجب أن تكون في الواقع وجهاً آخر لفكرة العصيان المدني الذي لا يمكن اطلاقها على أهداب عيون رامدة ولا من جوف صدور مكلومة وهادرة. انها مشروع شعب بحاجة الى أرض وبحر وسماء ولا يكفيها بعض الدعاة والشعراء والحالمين والرهبان.

أنا سأصوّت لقائمة "الجبهة والتغيير" وأدعو الجميع أن يصوتوا لها او لقائمة "الموحدة والتجمع"؛ ولأولئك الذين ربّوا حساسية لهاتين القائمتين،لا تقاطعوا وصوّتوا لقائمة "ميرتس"؛ فرغم ما يقال بحقها من جراء رداءة مواقف قادتها في بعض المحطات المفصلية، تبقى بديلًا أفضل من اجميع الأحزاب الصهيونية الأخرى.

لقد كتبت في هواجس من اجازة مرضية بأنه، "ولوهلة قد يظن المراقب أن قضية الانتخابات البرلمانية في إسرائيل هي مجرد حدث ثانوي لا أهمية له في خضمّ ما يجري من تفاعلات صاخبة وأحداث دامية في جميع أرجاء العالم ؛ وبالتالي فأهمية ما ستحققه القائمتان العربيتان اللتان تخوضان هذه الانتخابات سيكون بحجم خربشة هزيلة على صفحة هذا التاريخ.

هناك من يروّج لهذه المشاعر وهم يعرفون أن الواقع مختلف ومغاير ، وهنالك من يغذيها برومانسية ثورية أو لايمانهم الغيبي بأن النصر على إسرائيل، هذا الكيان المزعوم" بات قاب قوس ودعاء، والعدل، هكذا يؤمنون، رغم قهقهة الأيام، من سنن الحياة وفضائلها غير الزائلة.

لم أوافق في الماضي مع من يلغي ضرورة مشاركتنا، نحن المواطنين العرب،  في الانتخابات الاسرائيلية، أما اليوم فلقد تعززت قناعتي كثيرًا بأهمية هذه المشاركة لأن لنتائجها تأثيرا كبيرا على مستقبلنا وعلى مكانتنا في الدولة، لا سيما إذا تخيّلنا كيف ستتطاوس إسرائيل الجديدة كقلعة في المدى عامرة، وكيف ستقف جيوشها حماةً لقصور أخوتها العرب المستعربة والعاربة !

كل من تابع الأخبار رأى كيف يبتلع ليل إسرائيل نجوم الشرق ويفترش جرادها سفوح الهضاب ويلتهم طرابين الفجر وانفاس الشجر؛ فقريبًا سيصبح "الولاء" في إسرائيل، عتبة للخبز وسلمًا للعيش خارج الحفر ، وستبحث هوية المواطن العربي فيها عن حيّزها الملتبس بين "سيقان البامبو" الشرقأوسطية وخرائب أحلام دارسة وخرائط من عدم".

وعليه ولذلك فأنا لن أقاطع وسأصوت .. أنا باق، أنا موجود، أنا مؤثر.

 

كان في القدس

سوق للخواجات

جواد بولس

 

قد تكون فلسطين هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعتمد ذكرى «الإسراء والمعراج» كيوم عطلة رسمية في جميع أرجائها؛ ولا غرو في ذلك، فهي صاحبة الحظوة السماوية، وقدسها كانت أرض المعجزة وصخرتها أم البركات وشهد الملتقى.
لا أذكر متى تجولت آخر مرة في شوارع القدس العتيقة، ولا أعرف متى تولّد داخلي ذلك الشعور الذي دفعني، قبل سنوات بعيدة، للابتعاد عن التجوال في حاراتها وفي شوارعها، رغم أنها كانت عندي، وعند «جليليّين» كثيرين مثلي، بمكانة الرئتين «وبيادر صبانا» وأملنا المشتهى.
كانت العطلة في فلسطين يوم الاربعاء الفائت، كانت زرقة السماء بعيدة والأقرب إلينا كان بياضها الصافي. تركت بيتي وفي داخلي رغبة قوية لزيارة القدس في هذا اليوم المميز. ركنت سيارتي في أحد المواقف مقابل «الباب الجديد» وقبل دخولي منه إلى «حارة النصارى» وقفت مع أصدقاء عرفتهم منذ كانوا موظفين في قسم أمن «بيت الشرق» أيام الكبير الراحل فيصل الحسيني. حاولوا استضافتي على فنجان قهوة في مكان عملهم الجديد، لكنني استعذرتهم وبدأت مشواري على طريق الحنين والوجع. ما زالت حجارة سور المدينة ملساء وضخمة وآثار دموع السماء بادية عليها فألوانها نارية واضحة وقد تخلصت من غبار الصيف ورمادية الخريف. أحسست، وأنا أقف قبالتها من بعيد، كأنها تخبئ بقايا وجوه آدمية، وأنها حجارة ذكية تهزأ بمن يختالون عِبر الزمن، وهي الحجارة وحدها بقيت رغم تبدل الأحوال وتعاقب الدول.
من مكاني رأيت عددًا من رجال الشرطة الإسرائيلية وهم يقفون، كالأقزام، في عروة السور. اقتربت منهم فكانوا مدججين بكامل عدتهم وعتادهم. كانت أجسامهم ضخمة وكان بعضهم يلبسون، رغم برودة الجو، قمصانًا قصيرة الأكمام تظهر عضلات سواعدهم. كانوا كالروبوتات وعيونهم تحملق ببرود آلي في وجوه المارة. وقفوا من غير حراك، إلى أن انقض أحدهم كصياد رأى فريسته فجأة؛ كانت عبارة عن ثلاثة شبان، قمحاويي البشرة، في ثياب عمال عائدين الى بيوتهم. طلب منهم الشرطي أن يقفوا على جانب الرصيف، ففعلوا وفي خلال ثوان حاصرهم رفاقه كأجسام مشبوهة. لم يستوقف هذا المشهد أفواجَ السائحين والزائرين ولا حتى سكان البلد المحليين. أخرج الشبان وثائقهم الشخصية. كنت قريبًا منهم فسمعتهم يناقشون أفراد القوة بعبرية احتلالية، وكان أحدهم يتهم الشرطي، بلهجة متحدية خالية من الخوف أو التردد، ويصر على أن الشرطة تنكل بهم اعتباطيًا، فهم يخرجون ويعودون من هذه البوابة بشكل يومي ويواجهون هذه المعاملة مرارًا.

لكل مدينة عريقة رائحة مميزة خاصة بها إلا «مدينة الصلاة» فلأنها مقدّسة لا تحتفظ برائحة بل أنّة يسمعها كل من يحفر في جدران تاريخها

لكل مدينة عريقة رائحة مميزة وبصمة أثيرية خاصة بها إلا «مدينة الصلاة» فهي، لأنها مقدّسة، لا تحتفظ برائحة واحدة خالصة، ولا تميزها بصمة، بل أنّة يسمعها كل من يحفر في جدران تاريخها. إنها ابنة السماء المدللة ونطفتها الفريدة؛ فمن منكم يعرف كيف تكون رائحة السماء الحقيقية؟ ومن قادر على وصف نكهة نطفتها المفضلة؟
مررت أمام مدرسة «الفرير» وتوجهت بعدها يسارًا فنزلت في شارع «البطركية الأرثوذكسية» الذي كان خاليًا من البشر، لاحظت أمامي مباشرة علمي البطركية ودولة اليونان وهما مزروعان فوق مدخلها، في مشهد يذكرنا برائحة البخور وبطعم الهزائم التي تشهد عليها جميع قباب المدينة وانحناءات قناطرها وعطور الياسمينات المنسية في حواشيها. كنت وحيدًا. أمشي في شوارعها ببطء يناسب كهولتي وعجز رئتي، وكذلك لطمعي في أن أثير غيرتها؛ فلقد جئتها يافعًا حائرًا، في أوائل سبعينيات القرن الماضي، لكنها صارت عشيقتنا التي نحلم بريقها في كل صباح ونعدو بلهفة في الأماسي الباردة وراء دفئها وحنانها. وصلت إلى ساحة عمر بن الخطاب، كان أمامي «باب يافا « أو «باب الخليل»، كما يسميه الفلسطينيون، فاغرًا فاه كأسد هرم ومتعب. كانت على يساري «قلعة داهود» وبجوارها مركز شرطة القشلة. أعلام إسرائيل مرفوعة عليها وعلى عدة مبان أخرى. عشرات اليافطات المكتوبة بالعبرية تزين مداخل الحوانيت، ابتداءً من حي الأرمن ونزولًا ألى بطن السوق حتى تصل الى دير «مار يوحنا» ومبان تاريخية أخرى.
لا مكان للندم ولا وقت للجوع. لم يعد باب الخليل موئل رياحنا ولا مبعث أملنا. إسمعوني أيها العرب فقد وقفت في ساحة عمر كزائر من كوكب بعيد وأمامي تتدلى أعلام اسرائيل وترفرف بترف؛ وثلة من رجال الشرطة الاسرائيليين ينتصبون كالرماح وكأصحاب المكان ويتصرفون كأحفاد داهود وأمناء الهياكل.
لا أعرف كيف مرت الدقائق، لكنني شعرت بالدوران وسمعت قهقهات تلفني من جميع الجهات. كانت أعداد كبيرة من الناس تدخل في أمعاء المدينة وفي أمعائي ومثلهم يخرجون منها ومني. كانوا يتكلمون بكل لغات الأرض فخفت على عربيتي وعلى «قاف» المدينة، فنظرت إلى فوق عسى تسعفني السماء، فلم أر سوى ثقب أسود كبير. شعرت ببرد شديد وبقشعريرة فهرولت شرقًا كأنني أركض وراء نعشي. وصلت إلى مدخل «سوق القصابين» ففتشت على رائحة المكان القديمة فلم أجدها؛ ثم دخلت إلى ما بقي من «سوق العطارين» الشهير فأحزنني هَيْلها. لم أشعر بتعب، رغم برودة الطقس واحتجاج «ابن صدري» الخائف. دلفت من سوق إلى سوق ومن ورد قنطرة إلى لعنة منطرة، وكنت في كل خطوة أشعر بغصة ومع كل شهقة كنت أبلع دمعة. لم يعرفني أحد من أصحاب الحوانيت، ولم أتعرف على أحد منهم. قضيت أكثر من أربع ساعات في رحابها كغريب يزور ميناء مهجورا. إنها قدس جديدة ومدينة تعودّت على ماجوسها؛ فأنا لم أجد عروستنا التي احببناها حين كانت قافها تعني القدوة والقدرة والقمر، والدال تعني الدولة والديَن والدليل، وسينها سيف وسماح وسناء.
وقفت تحت يافطة كتب عليه «سوق الخواجات»  كي أصورها قبل الرحيل. كانت معظم أبواب المحلات في هذا السوق مقفلة باستثناء عدد قليل منها.
«هل انت سائح» بادرني رجل في مثل عمري بلكنة مقدسية عصرية. ابتسمت، فخياري الآخر كان أن انفجر بالبكاء أمامه. عرّفته بنفسي، فاعتذر وقال: «نعم نعم أنت أشهر من نار على علم يا استاذ». فقلت أي نار وأي علم!
اسمه ابوجهاد وقد ورث دكان بيع الأقمشة عن أبيه، لقد حدثني أبو جهاد عن قصة «سوق الخواجات» الذي بنته الجالية الأرمنية قبل مئات السنين، فقد كان اسمه الأصلي «سوق الصاغة». هجر الصاغة الأرمن السوق واستأنفوا تجارتهم في «سوق أفتيموس»، فتحول سوقهم إلى سوق أقمشة فسمي «بسوق الخواجات» لأنه تخصص ببيع الأقمشة الفاخرة للمقتدرين ولأصحاب المال والجاه وهم «الخواجات» بلغة الباعة أهل المكان. في السوق سبعون دكانا لم يبق منها ناشطًا إلا ستة دكاكين صمد أصحابها مثل أبي جهاد، أما الباقون فهجروها ورحلوا.
هل انت حزين يا أبو جهاد؟ سألته فأجاب بهدوء الحذرين «وصفك لما يجري في القدس بالحزين غير كاف وغير صحيح» قال وأردف «يجب أن تجد وصفًا آخر»  قلت «غاضب ومقهور» فوافقني بهزة رأس. سألته على من أنت غاضب؟ وكانت إجابته عبارة عن سيرة هذه المدينة الكسيرة. لكنه وافقني، على أن أول المسؤولين عما جرى ويجري في المدينة هم أهلها، فلا يصح الاكتفاء بترحيل القصور إلى أعتاب السلطة الفلسطينية وتحميله كذلك على ظهر قمع إسرائيل. اتفقنا على أن الصمود هو صمود أصحاب البيت والقلعة أولًا، وبعده يكون العتب واللوم على قادة الوطن ورعاته.
عدت بعد قصة «سوق الخواجات» إلى سيارتي، فسألني رفاق الزمن البديع عن رحلتي وعما رأيته وأحسسته. لم أخبرهم بأنني لم أر «الإسراء» في جولتي ولم أشعر «بمعراج» المدينة. سكت فتحدث صمتي وفضحت عيناي سر المدينة.
ولأحاديث القدس بقية.
كاتب فلسطيني

 

 

الحركة الكسيرة الفلسطينية

جواد بولس

 

لم تفاجيء أحداث سجن النقب الصحرواي جميع متابعي آخر التطورات الجارية داخل معتقلات الاحتلال الاسرائيلي، وامعانُ المسؤولين في مصلحة السجون بتنفيذ سياسات الحكومة الاسرائيلية كما أعلنها وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان قبيل انتهاء العام المنصرم.

لقد كان الصدام مع سجّاني الاحتلال متوقعًا، وذلك بعد أن شهدت معظم السجون، على مدار شهور ،  عمليات قمعية بحق الأسرى، وصلت في سجون عوفر وريمون والنقب إلى حد الانفلات غير المحتمل وتكرار عمليات تفتيش الأسرى الاستفزازية المذلّة، والمباشرة في وضع أجهزة تشويش الكترونية في تلك السجون على الرغم من تخطيرها على سلامة الأسرى وعلى صحتهم.

يعتبر اعلان لجنة أردان بشأن أوضاع الأسرى الفلسطينيين ومنظومة حقوقهم داخل السجون بمثابة تقويض شامل لواقع معيشي نجحت الحركة الأسيرة الفلسطينية بالوصول إليه وبتثبيته عبر مسيرة كفاح طويلة وصارمة، لامست في بعض محطاتها حدود المعجزات.

لقد أفشل أباء هذه الحركة ما كان الاحتلال يخطط لنيله ويتمنّاه، ونجحوا، بعد أن خاضوا  أشرس المعارك ازاء قمع السجانين، بقلب المعادلة رأسًا على عقب؛ ففي حين حاول السجان الإسرائيلي تدجين المقاوم الفلسطيني ومعاملته كمجرم وكارهابي يعيش في ظل القانون الاسرائيلي ومِننهِ، أصرّ هؤلاء المناضلون على أنهم أسرى حرّية وجنود يضحّون في سبيل كنس الاحتلال ولأجل حق شعبهم في الاستقلال وبناء دولته أسوة بباقي شعوب الأرض.

 لقد استوعبوا منذ البدايات، وبفطرة المقاومين الأنقياء، أنّ بناء الجماعة هو الضمانة الأكيدة لحماية الأفراد من خبث سجانيهم، والوسيلة الوحيدة لصدّ سياسات المحتلين الجدد، فأشدّ ما كان ذاك المحتلّ بحاجة إليه، وهو ما زال منتشيًا بسكرات نصره المظفّر ، هو ضفره بأرواح الفلسطينيين والتحكم فيها وراء القضبان، وابقاؤها تائهة كفرائس للخيبة وللهزيمة ولفقدان الأمل .

كانت السجون تستقبل أعداد المقاومين ببرودة الموت وكان هؤلاء يدخلونها قوافل تسير على دروب المجد والعزّة ؛ يجيئون فرادى و"خلايا"  فيأتلفون، رغم فحمة الزنازين، زرافاتٍ وأجيالًا من البنّائين الأتقياء شيّدت أرواحُهم، على طريق النور والفَراش، ما صار يعرف في تاريخ الكرامة البشرية باسم "الحركة الأسيرة الفلسطينية".

لم يكن قرار الحكومة الاسرائيلية المذكور مجرد نزوة عابرة، ولا يمكن لأيّة جهة فلسطينية احتسابه كردّة فعل تأديبية ضد أي فصيل أو مجموعة من الأسرى جراء قيامها أو عدم قيامها بفعل ما ؛ فحكومة نتنياهو تعيش حالة من الاقتناع الذاتي بأنها باتت أقرب من مسافة قدم عن القضاء على مشروع التحرر الوطني الفلسطيني؛ فالضفة المحتلة جُزّئت إلى كانتونات يعيش معظم سكانها مع واقعهم الجديد بسلام وباكتفاء وبقبول ظاهرين، في حين تمضي غزة، بخطى واثقة ودعاء، نحو مجهولها المعروف على ضفة الحلم الثانية، وذلك بعد أن شاخت منظمة التحرير وتحوّلت إلى قوقعة تحاول جاهدة أن تحمي من يعتاشون على أثدائها.    

هنا في بقعة هذه العتمة يجب أن نفتش عن الغاية الإسرائيلية الحقيقية القابعة وراء هذه الهجمة الشرسة على الأسرى الفلسطينيين، ووراء مخططات تجريدهم من جميع مستحقاتهم ومن حقوقهم المكتسبة وضرب وحدتهم، واعادتهم إلى مربع الصراع الأول حيث سيصر السجان على التعامل معهم كجناة وكإرهابيين وكأفراد لا يعترف بوجودهم الجمعي ولا بكونهم أبناء لحركة عريقة تجمعهم تحت جناحها.

لم تأتِ المحاولات الإسرائيلية الحالية من فراغ، فلقد استشعر القائمون على إعداد خطة سحق "الحركة الاسيرة الفلسطينية" بروز عدد من المحفزات والشروط التي وُظفت واستُغلّت في سبيل تسهيل المهمة المذكورة.

لن أعدّد تلك العوامل، فلقد تناولتها مرارًا، لكنني سأؤكد على أن الانقسام بين غزة والضفة، بين فتح وبين حماس، كان أخطرها وأقواها على الاطلاق، خاصة بعد أن "استوردت" قيادات الحركة الأسيرة مضامين ذلك الانقسام وقبلت به واقعًا يحدّد هوامش معيشتها داخل السجون. لقد غيّر هذا الانقسام أبجديات الصمود الفلسطيني؛ ونسف، عمليًا، ميراثًا نضاليًا ذهبيًا ما زال نثاره يتطاير على جهات الريح، ونحن نرقب ذلك بحسرة وبوجع وبخيية

يعيش الأسرى الفلسطينيون، في هذه الأيام، حالة من الاحتقان الخطير، وهم مهدّدون بشكل حقيقي بتنفيذ عمليات انتقامية ضدهم، فالترويج الرسمي لما حصل في سجن النقب مؤخرًا، ووصفه بعملية ارهابية نفذها مجموعة من الأسرى، يشي بما يبيّته السجّان؛ ويعكس نقل مهمة التحقيق في تفاصيل ما حدث  إلى وحدة الجرائم الخطيرة في شرطة اسرائيل، طبيعة النوايا الحقيقية المبيّتة ضد من اشتُبهوا كمشاركين في الاعتداءات على السجانين ومن سيقف أو سيتضامن معهم.

لقد استغلت الأحزاب اليمينية كلها حادثة سجن النقب وحرّضت على جميع الأسرى وعلى تنظيماتهم وعلى القيادة الفلسطينية المتهمة بدعم هؤلاء "الارهابيين" وبتشجيعهم ؛ ومن المنتظر أن تستأنف الحكومة الجديدة، بعد انتخابات الكنيست المقبلة، ما بدأته حكومة نتنياهو وأردان.  ولن يمضي وقت كبير حتى نشهد حملات "ثأر"  غير مسبوقة ستستهدف تفتيت أواصر الحركة الأسيرة وذلك كخطوة تمهيدية ضرورية، ستتبعها عملية "السحق النهائية"، التي ستضمن، كما يخطط منفّذوها، ابقاء ألاف الأسرى ككائنات بائسة تسعى وراء جوعها وتنام على أهدابها وتستأنس"بساعة  الشمس" الحزينة

لا أعرف على ماذا يراهن أسرى هذا العصر الرمادي، خاصة أسرى "فتح" و"حماس" ؛ فأوضاع الوطن، بشكل عام، مأساوية، ومدد الأشقاء لا يتعدى كونه أمنية لا يعوَّل عليها، والشعب منهك منهمك، ينطنط من خيمة للتضامن إلى سرادق عزاء ومنه إلى مسيرة متعبة.

 أنتم أبناء "الحركة الأسيرة"  فلا تقبلوا أن تصيروا أبناء "الحركة الكسيرة". وحدكم في بطن الحوت. قد تسمعون ذبذبات حجر هنا ونواح حنجرة هناك، لكن لا تراهنوا على  خز الوتر ولا على اشتعال الحنين في القصب، فإمّا أن تهدموا أسوار الفُرقة وتغادروا "مواكير" التحزّب وتستعدّوا لمعركة الكرامة المقبلة،  وإمّا أن تهِنوا آحادا وتتكسّروا أحزابا.

قريبًا ، وبعد أن ينقشع دخان الانتخابات المقبلة، سيضطرم جمر الحكومة الجديدة مجددا، وستلعلع نارها، فلا تراهنوا على أحبال سرركم البالية.   زنازينكم أوطانكم ونحن عشاق السراب وأبناء المنافي.  ليس مثلكم من يعرف قراءة أبجديات الدم ومن يجيد تفكيك الطلاسم؛ فلا تجازفوا بالقوافي، بل قفوا وحطّموا مراياكم، فلطالما مات الجنود، من قبلكم، وفازت "المسارح" والشاشات بالمراسيم وبالعلا وبجنى المواسم.        

 

 

خاطرتان

والطريق إلى النجاة

جواد بولس

 

لا يوجد إجماع بين المواطنين العرب في إسرائيل على حجم ومعنى خطورة التحولات الجارية في هوية وعقائد القوى السياسية التي ستتحكم في رقبة الدولة، وذلك في حالة نجاح معسكر بنيامين نتنياهو وحلفائه من «الكاهانيين» الفاشيين ومن جميع الحركات والأحزاب الدينية العنصرية والقومية العسكرية المتطرفة، التي تجاهر بمواقفها الاقتلاعية تجاه السكان الفلسطينيين، ولا أقل تجاه أرض فلسطين الكبرى.
«يستبشر» كثيرون في جميع أرجاء العالم العربي والإسلامي، وبيننا نحن المواطنين، خيرًا ويتمنون صعود اليمين الإسرائيلي الجديد، وبعضهم لا يخفي آماله ورغبته بتنامي قوة هذا اليمين، وزيادة سطوته وقمعه ضد المواطنين العرب بشكل عام؛ وتعتمد حجتهم في ذلك على مقولة الأجداد وعلى «حكمتهم» المخاتيرية الملتبسة، عندما كانوا يعجزون في مواجهة قضية وهي صغيرة فيتمنون أن تتعاظم لأنها «إذا لم تكبر لن تصغر».
وفي المقابل، هنالك رهط يثق بإيمان مطلق وبقناعة غيبية عمياء بأن السماء سوف تنتصر «لأمتنا»، وسوف يلحق جنودها الهزيمة ببني إسرائيل الغاصبين المستعمرين والكفرة، وتعيد الحق لأصحابه قريبًا أكثر مما نتوقع.
على جميع الأحوال، سبعون عامًا مضت ولم يرتدع قادة إسرائيل من صدى الدوائر ومن أحجامها، بل مضوا في بناء كيانهم ساعة كان قادة العرب والمسلمون يصرون على كونه كيانًا مزعومًا، في حين كان  بعضهم يخشونه ويستدرون رضاه بالخفاء؛ لا يعرف التاريخ معنى للحقيقة الخالصة، فهو، في إحدى تجلّياته، قفص للخرافات وفراش للأماني الخائبة، وفي غيرها هو عِلم الخواتيم والنهايات، لاسيما إذا كانت هذه هي نفسها بواعث للبدايات الجديدة ولمآلات يصنّعها الخيال والأمل. فما أقصر الذاكرة وما أطول الخيبة، لكنه نتنياهو، قرصان الفرص المستحيلة ومخصّب اليأس، يصر دائمًا على أن يلقننا أن الشرق ما زال واسعًا، وفيه لأشقائنا، العرب، اثنتان وعشرون خيمة، وتبقى إسرائيل وحدها ملجأً لليهود فقط.
لن أناقش من يؤمنون بقانون المطلق وبحتمية القدر، وكأنه يسير في اتجاههم فقط، فمثل أولئك سيجيبوني بأن تاريخ الأمم لا ينعكس بمرآة دولة عمرها ناهز السبعين سنة، ولا بما حققه شعب من انتصارات بلورية، ستزول بعد أن يسترد العدل عافيته؛ وكذلك لا يجوز  أن نستهين بوعد الله الناجز؛ فكم من امبراطورية درست وامّحت آثارها، وكم من الأقوام هانت وركعت أمام سهام الحق وإصرار أصحابه الأخيار. فانتظر يا «حنظلة». ما بني على باطل فهو باطل، يدعي أصحاب النكبة، ولا يضيرهم أن القول منقول عن  حكيم سفر «كوهيلت/ الجامعة» التوراتي ؛ فحتى لو تشاوف نتنياهو وجميع الصهاينة بأنهم أحيوا أمجاد أجدادهم بعد ألفي عام وبعثوا لغة كانت كالرماد في المواقد، وأشادوا العمارة والقباب من دون أن يتعثروا بسياط الملايين، أو عند أعتاب أدعية المؤمنين المتضرعين، لن تدوم لهم هذه النعمة وسقوط مملكتهم أمر مؤكد لا محالة. ورحم الله «طوقان» .

علينا ألا نراهن على من خذلونا ذات صيف؛ وعلينا أن نستعد اليوم لمواجهة ساعة الصفر القريبة

أنا لست ممن يؤثرون «العض على النواجذ» ولا انتظار برقة الدهر الحارقة،  ولست ممن يرغبون بالاستحلام على كرامة مدثّرة في خوابي القهر، أو أن أعيش وأنتظر  من دون استقرار وعدالة وسلام بينما تتراقص أمامنا «ظبات» شاكيد وأشكنازي، وتلمع في ساحاتنا رماح ريجف وغانتس، وتتوعدنا عنجهية «نتنياهوية» كنا قد خبرناها على جلودنا، وفي طعم المرارة الباقية في حلوقنا.
علينا ألا نراهن على من خذلونا ذات صيف؛ وعلينا أن نستعد اليوم لمواجهة ساعة الصفر القريبة، فحكومة سيشغل فيها «كاهاني» منصب وزير العدل ستضعنا أمام أزمات وجودية يومية، وحكومة سيكون فيها وزير التربية والتعليم من الدعاة لإنفاذ قوانين الشريعة اليهودية، واعتمادها كناظم أوحد لعلاقة الناس بدولتهم ستزجنا كل يوم في مأزق خطير وتدفع بنا نحو الهاوية.
لا اعترض على ممارسة الجميع قناعاتهم بحرية، فهذه كما قلنا وكررنا، حقوق مكفولة؛ لكنني، ومعي كثيرون، نشعر بأننا نقاد إلى «حتوفنا» باسم الحق العاري وباسم العدم، ومن قبل قيادات تفضل أن تتعظ بدروس من التاريخ وهم يحسبونها كبديهيات حليفة لنا ويتغافلون عما قدمه لنا، هذا التاريخ، من تجارب على مذابح القهر والهزائم العربية وغيرها. من سيقول لنا، بعد الانتخابات، كيف سنضمن نجاتنا؟ فإذا ما سلّمنا، كما يدعي كثيرون بيننا، بأن الدولة اليهودية لن تقبلنا كمواطنين شرعيين، وهذا افتراض صحيح، واذا لن نسعى، وهذا واجبنا كضحايا، من أجل اجتراح وسائل نضالية مبتكرة وكفيلة لحمايتنا من النار الوشيكة، فما العمل؟
من حين لآخر نقرأ عن وصفات لمفكرين يعرضونها علينا كمخارج من ورطتنا، ومن دون التقليل بمجهود من محّص ودرس واجتهد واستعرض، سنبقى بحاجة لمن يفهمنا بلغة بسيطة ومباشرة وعملية ما معنى، مثلًا، أن نتعامل، نحن العرب السكان الأصلانيين، مع اسرائيل «ككيان مستعمر» ؟
أو ما المعنى حين يقترح علينا البعض اقتفاء تجربة السود في أمريكا؟ بينما ينصحنا غيرهم بتبني تجربة السكان السود في جنوب إفريقيا حين ناضلوا ضد سياسات الفصل العنصري البيضاء؟ من دون أن نتفحص إذا كان واقعنا يستجيب فعلًا لتلك التعريفات، أتساءل كيف سيصرف حزب سياسي هذه الشعارات وسيحولها الى برامج عمل نضالية ؟ فعلى جميع من يطرح هذه الافكار من على منابرنا أن يلحقها بمقترحاته العملية المستساغة لدى الجماهير من أجل إقناعها وتجنيدها في مواجهة الجحيم المقبل. نحن بحاجة إلى النظرية والفكر، بشرط ألا تبقى معلقة على الشرفات كمعروضات لفن التنظير؛ فحالنا بعد هذه الانتخابات القريبة سيكون أعقد وأخطر مما هو عليه الآن، خاصة أنني على قناعة بأن كثيرًا من الوقود والزيت التي ستؤجج نار العنصريين سيلقيها بعضنا بأيديهم على نيرانهم، وذلك كما حدث في الماضي.

الإرهاب لا دين له

بعد الجريمة التي نفذها مأفون نيوزيلندي يدعى برينتون تارانت في مدينة كرايست تشيرتش، وقتل فيها خمسين مصليًا مسلمًا جاءوا متعبدين في مساجدهم، امتلأت الصحافة ووسائل التواصل والمواقع الاجتماعية وغيرها بآلاف النصوص، التي علاوة على شجبها الحاسم لهذه الفعلة النكراء الخسيسة، أكد أصحابها على أن الإرهاب لا دين له، فهل حقًا أنه لا دين للارهاب؟ أنا، وبعكس ما أجمع على تأكيده، اعتقد أن كل دين في ديانات العالم حمّال لبذور الفتنة والإرهاب. فالدين من غير المؤمنين سيتحول إلى مجموعة قصص وخرافات وحكايا، ومن خلالهم يكتسب مكانته كمنظومة فروض وتعاليم وقيم يتبعونها في حياتهم. ولا دين بلا إيمان، وإذا تحوّل الإيمان لأعمى ولمطلق صار الطريق إلى استعداء الغير قصيرًا، واحتمال قتل «غير المؤمنين» واردًا ومبررًا باسمه. وعليه فقد يكون القول أن لا دين واحد للارهاب هو القول الصحيح. وللحديث بقية

أمي
«أعدي من زهور اللوز والرمان يا أمي..قلادة، وأرتقي لي معطفي البالي..أرتقي قلبي، يا أمي، وأشلاء بلادي» .
هل قلت أن العالم بعدك ينقصه قلب والسماء قد ازدانت بأبهى نجمة.

كاتب فلسطيني

 

 

لا تتركوا الصناديق وحيدة

جواد بولس

 

أصدرت «حملة- المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي»، تقريرًا لافتًا تطرقت فيه إلى ارتفاع في منسوب التحريض والعنصرية الإسرائيلية عبر الشبكات الاجتماعية خلال عام 2018 مقارنة مع معطيات عام 2017، حيث تزامنت ذروة التحريض فيه خلال فترة تشريع قانون القومية وهجوم المحرضين على العرب، بأشكال لم يسبق لها مثيل، لا من حيث العدد ولا الكثافة ولا وقاحة المجاهرة وخطورتها.
اقترح على جميع المعنيين مراجعة تقرير «حملة» وقراءته بعين فاحصة، عساهم يستدلون من معطياته على بعض المؤشرات التي قد تدفع بهم إلى إعادة نظرهم في مواقفهم السياسية، لاسيما عند من ينادي بمقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة، وخصوصًا من انضم منهم إلى تلك النداءات محتجًا أو مستاءً أو منتقدًا أو معاقبًا قيادات الأحزاب العربية، جراء «تصرفاتهم» خلال أزمتي المناوبة، ومحاولة استعادة تشكيل القائمة المشتركة.
لقد تبين من التقرير أن وتيرة كتابة منشور تحريضي ضد الفلسطينيين في عام 2018 كان بواقع كل ست وستين ثانية (بينما كانت وتيرة ذلك في عام 2017 كل احدى وسبعين ثانية) في حين وصل عدد المنشورات التي تضمنت دعوة لممارسة العنف ضد الفلسطينيين إلى (474250) منشورا. تعاطت نصف هذه المنشورات مع مواضيع سياسية مباشرة، وكان معظمها موجهًا ضد أعضاء الكنيست العرب وضد أحزابهم؛ علاوة على تخصص بعضها بالهجوم على شخصيات اعتبارية وإعلامية يهودية، كما حصل مع مذيعة الأخبار المشهورة أوشرات كوطلر وغيرها. لا يمكن إهمال هذا الواقع من قبل من ينادي بضرورة مقاطعة الانتخابات، أو من يقوم بتتفيه أهمية المشاركة السياسية للمواطنين العرب، وإلغاء دور النضال البرلماني وشطبه كرافد مهم، وليس وحيدًا، يتعدى كونه ممارسة لحق مدني مهم وعاكس لمكانة المواطنين داخل الدولة؛ فوجود عدد وازن من البرلمانيين العرب والديمقراطيين اليهود، يجب أن يبقى هدفًا نسعى إلى تحقيقه كاقلية تكافح من أجل بقائها على وطنها، ومن أجل المحافظة على شرعية وجودها، وعلى وجود مؤسساتها القيادية التمثيلية السياسية والأهلية والمدنية.
على قلة الأصوات اليهودية الديمقراطية سيبقى وجودها بالنسبة لنا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، بمثابة الضرورة الملحة، ويبقى واجبنا، كما قلنا مرارًا، أن نفتش عنها وأن نتواصل ونتعاون معها؛ فصوت واحد من هذه الأصوات يسبب زلزلة داخل المجتمع اليهودي، أكبر من بعض بيانات الشجب الصادرة عن الجامعة العربية، ويعيد إلى عُرض الشارع عناوين حاول اليمين وزبانيته على مدار الساعة ولسنين أن يمحوها من الذاكرة الجمعية، وأن يردمها كالحطام المنسي. فبعد الانتهاء من مشاهدة مقاطع الفيديو لخمسة جنود إسرائيليين وهم يعتدون بوحشية مقززة على والد فلسطيني، وعلى ابنه أثناء اعتقالهما، علقت مذيعة الأخبار في التلفزيون الإسرائيلي، أوشرت كوطلر، وعلى الهواء مباشرة وقالت «يرسلون الأولاد للجيش ويستعيدونهم وحوشًا بشرية، هذه هي نتيجة الاحتلال».

مقاطعتنا للانتخابات والبقاء في بيوتنا لن يفيدنا، والتمترس وراء الشعارات البراقة لن ينقذنا من الجحيم

لم تمض دقائق معدودة حتى انهالت على كوطلر آلاف التهديدات والتعليقات، ومن بينهم كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي نشر على صفحته تعقيبًا قال فيه « أنا فخور بالجنود وأنا أحبهم، وأقوال كوطلر جديرة بكل الشجب».
لقد تزامنت قضية كوطلر مع تعقيب أطلقته مذيعة وعارضة أزياء إسرائيلية شهيرة أخرى اسمها «روتم سلع»، فهذه وبعد أن استفزتها أقوال الوزيرة ريجف حول مكانة المواطنين العرب في البلاد صرخت متسائلة على الملأ «متى، بحق الجحيم سيصرّح واحد من هذه الحكومة بأن دولة إسرائيل هي دولة لكل مواطنيها، فلقد ولد جميع البشر متساوون، والعرب هم أيضًا من بني البشر». مرة أخرى هبت جموع الظلاميين ضد هذه الشابة/النجمة، وهاجمت فيالق الإفك والعنصرية أقوالها، وتدخل مجددًا نتنياهو ليؤكد أن إسرائيل ليست دولة لكل مواطنيها، بل هي دولة لليهود؛ فمرت على إسرائيل غيمة شوشت على يمينييها صفاء بطشهم وهيمنته، واستفاق بالمقابل، زملاء لسلع وشرعوا في الدفاع عنها وعن مواقفها، وبرز من بينهم مذيع آخر اسمه آسي عازار ، فنشر على موقعه معلنًا «لقد فتحت روتم سلع أمس البوابة، وعلى جميعنا الآن، أن ننضم إليها وأن نتوقف عن الخوف من الكلام».
سيمر الكثيرون على هذه التفاصيل بدون اكتراث، وسيتلقفها البعض، كما يجيد ندافو الكلام وحرفيوه، باستهزاء وبإهمال، فمقاطعة الانتخابات عندهم أمر من علٍ ، وواجب من كبروا ليرووا « لمن يرثون بنادقهم سيرة الدم فوق الحديد».
النقاشات حول هذه المسألة، لم تنقطع منذ عقود ولم تتغير محاورها ومضامينها، بخلاف وتائر حدتها من جهة، ومن يقف وراءها ودوافع من يروّج لها من جهة أخرى؛ فعلاوة على من تمسّكوا بالمقاطعة المبدئية، مباشرةً بعد اسدال ستائر «النكبة»، لرفضهم التعاطي مع « قلعة بناها جنود يوشع بن نون من حجارة بيوتهم»، سنجد مجموعات جديدة، انضمت لهم لكنها لا تأتلف معهم على الدوافع العقائدية نفسها، ولا تسعى مثلهم لتحقيق الأهداف المعلنة، أو المضمرة ذاتها، وقد نجد منهم من يخدم ، بدهاء وبمزايدات وبالخديعة، أجندات غريبة ومعادية لحقوقنا، السياسية والمواطنية على حد سواء.
من المؤسف أن يخضع هذا الخلاف في وجهات النظر إلى ذات المؤثرات الصوتية المزعجة والاتهامات الهابطة والمتبادلة بين الفرقاء، فعلى ما يبدو، لم ولن يتحرر من شبّوا على ثقافات تخوين المختلف من سطوة جيناتها حتى في بعض القضايا الخلافية، التي يجب معالجتها بمسؤولية فائقة وبنضوج فكري يليق بمستقبل أقلية مهدد وجودها بشكل واضح وملموس.
لا يستطيع أحد التقليل من شأن من يؤمنون عن عقيدة وبقناعة ويمارسون بمفهومية مبدئية حقهم بمقاطعة الانتخابات النيابية؛ وإذا كان هذا الحق مكفولاً للأفراد فهو كذلك حق مكفول للأحزاب وللحركات السياسية والدينية، إلا أن هذه، خلافًا لحالة الأفراد، مطالبة بشرح دوافعها السياسية الحقيقية للناس وكيفية درء تبعات مواقفها على مصالح الجماهير، وعلى مكانة حقوقهم؛ وفوق هذا كله وقبله عليهم أن يكشفوا عن رؤاهم البديلة التي يقترحونها في سبيل تنظيم علاقات المواطنين بأجهزة ومؤسسات الحكم، في دولة يجاهر معظم قادتها بعزمهم على إقصاء مواطنيها العرب، وعلى إلغاء مكانتهم القانونية الفردية والقومية.
وتبقى التجربة بين ممارسة الحق بشكله المطلق والمنفعة المتأتية من جراء تلك الممارسة فيصلًا، فمستقبلنا ومصالح عامة الناس، مثلها مثل كبرى القضايا الانسانية، لم تخضع عبر التاريخ إلى قوانين العدل المطلق، ولا إلى جوهر الحق الخالص وبراءة الشعارات، مهما كانت هذه مقدسة أو واضحة، ومن مثلنا ، نحن أبناء الشرق، قد عانى من عربدة ذلك التاريخ وعهره، ومن إبهار الشعارات وسرابها؛ فهل سنمضي، مرة أخرى، نحو هاويتنا ونصنع من «جماجنا لعزنا سلما».
سأكرر ما قلناه في الماضي مرارًا ولا بأس بالتذكير، فلقد انتصرنا ببقائنا على أرضنا، وهكذا نجونا من نقمة الخيام؛ وقد أفشلنا مخططات تذويبنا أو تهجيرنا بإصرار آبائنا على عدم استذواق سمي الخنوع والمخاتلة؛ ولقد فوتنا على قادة اسرائيل فرصة تنفيذ أحلامهم بحكمة، وبرفض البقية الباقية للإقصائيْن، الذاتي أو المفروض عليهم، فتحولنا من بقايا نكبة إلى كيان صامد، ولم يكن هذا ممكنًا لولا سياسة « الواقعية الكفاحية» ووقوف بعض اليهود الديمقراطيين مع حقوقنا. لقد استفزت أقوال العنصريين الأخيرة رئيس الدولة رؤوبين ريفلن الذي، رغم انحداره من أصول يمينية جابوتبسكية ، تصدى، مرة أخرى، لأقوال نتنياهو وزمرته فصرح قائلًا «نقول بصوت عال وواضح إنه في الأونة الأخيرة بينما يطغى الفكر السياسي على كل منطق عرفناه، ظهر خطاب غير مقبول تجاه المواطنين العرب في إسرائيل» ثم تابع مؤكدًا «لا يوجد مواطن من درجة أولى ولا يوجد ناخب من درجة ثانية، فجميعنا متساوون أمام صناديق الاقتراع عربًا ويهودًا». مواقف هؤلاء اليهود لافتة ومهمة.
مقاطعتنا للانتخابات والبقاء في بيوتنا لن يفيدنا، والتمترس وراء الشعارات البراقة لن ينقذنا من الجحيم، والجلوس عند حافة البئر سيبقينا ننتظر «ذلك الغد الطائش وهو يمضغ الريح في ليالي الشتاء الطويلة»؛ ومن لا يصدق حكمة الهزيمة فليسأل ذلك الحصان، لماذا تركوه وحيدًا.
كاتب فلسطيني

 

 

الانتخابات الفلسطينية:

هواجس من إجازة مرضية

جواد بولس

 

مررت وما زلت بوعكة صحّية ألزمتني الفراش بضعة أيام، كسبت منها فائضًا من الوقت «وهدأة بال» لمتابعة تداعيات أخبار العالم وفي منطقتنا، بروّية وبنظرة شمولية رحبة، لطالما حرمتني منها الزحمة في حياتنا العادية، وتدافعنا وراء سرابها الدائم.
كلّ شيء حولنا تغيّر ويتغيّر بشكل جذري ودراماتيكي؛ وجميع شروط ولادتنا، كأقلية عربية صمدت في جحيم النكبة وعوملت على أرضها، «كعربوشيم/فئران» لتجارب المستعمرين الجدد، تبدّلت أو تبخّرت أو خضعت لعمليات تحوّل، اقتصادية/ اجتماعية / سياسية، لا يمكن في الحقبة المقبلة، إغفالها أو مواجهتها بالقوالب النضالية نفسها وبهديِ الشعارات التقليدية والهواجس النرجسية ذاتها.
في العالم أمست أمريكا سيدة الكون الجشعة، بينما لم تعُد روسيا كأمها «شمس الشعوب» التي استدفأت بنورها معظم الشعوب العربية، واحتمينا، نحن الفلسطينيين، بظلّ مطرقتها ومنجلها. فقد أبناء الضاد «عيونهم» وصارت العروبة، كبثينة ودعد وعزّة، وحْياً جميلًا للأناشيد وأعجازاً في القصائد. لم يعُد «الإسلام» عربونًا كي لا يذبح الأخ أخاه، بل صار إسلام جدّة خنجرًا في ظهر إسلام طهران وبخارى؛ وفي الشام بُعثت من جديد ملل الشهرستاني ونحله. وفي الصحراء غدا «الدون بن طرمب» أميرًا على «المؤمنين» الذين راحوا يضربون، كرمى لعينيّ شقرائه، أعناق «الخوارج» ويسحلون لأجله «الكفار» من أبناء القبائل. وصارت فلسطين أختًا للغيم ودمية من طين وغبار، ففقدت قدسها عند اعتاب السلاطين «دم البكارة» وحوصرت غزّتها وشُرّدت تفتش عن هاشمها وعن مهشّمها.

أنا كناخب ومواطن بحاجة لقيادة تقسّم ولاءها للجماهير ولمصالحها ولا تلهث وراء زعماء دول شقيقة أو حليفة أو غربية

لوهلة قد يظن المراقب أن قضية الانتخابات البرلمانية في إسرائيل، هي مجرد حدث ثانوي لا أهمية له في خضمّ ما يجري من تفاعلات صاخبة وأحداث دامية في جميع أرجاء العالم؛ وبالتالي فأهمية ما ستحققه القائمتان العربيتان اللتان تخوضان هذه الانتخابات، سيكون بحجم خربشة هزيلة على صفحة هذا التاريخ. هناك من يروّج لهذه المشاعر وهم يعرفون أن الواقع مختلف ومغاير، وهنالك من يغذيها برومانسية ثورية أو لإيمانهم الغيبي بأنّ النصر على إسرائيل، هذا الكيان «المزعوم» بات قاب قوسين ودعاء، والعدل، هكذا يؤمنون، رغم قهقهة الأيام، من سنن الحياة وفضائلها غير الزائلة. لم أوافق في الماضي مع من يلغي ضرورة مشاركتنا، نحن المواطنين العرب، في الانتخابات الاسرائيلية، أما اليوم فقد تعززت قناعتي كثيرًا بأهمية هذه المشاركة، لأن لنتائجها تأثيراً كبيراً على مستقبلنا وعلى مكانتنا في الدولة، لاسيما إذا تخيّلنا كيف ستتطاوس إسرائيل الجديدة كقلعة في المدى عامرة، وكيف ستقف جيوشها حماةً لقصور أخوتها العرب المستعربة والعاربة! كل من تابع الأخبار رأى كيف يبتلع ليل إسرائيل نجوم الشرق، ويفترش جرادها سفوح الهضاب ويلتهم طرابين الفجر وأنفاس الشجر؛ فقريبًا سيصبح «الولاء» في إسرائيل، عتبة للخبز وسلّمًا للعيش خارج الحفر، وستبحث هوية المواطن العربي فيها عن حيّزها الملتبس بين «سيقان البامبو» الشرقأوسطية وخرائب أحلام دارسة وخرائط من عدم.
لن اتطرق لقرار لجنة الانتخابات العنصرية التي قضت بشطب قائمة «الموحدة والتجمع» وشطب عضوية المرشح اليهودي في قائمة الجبهة الدكتور عوفر كسيف، فسأنتظر حتى تقرر محكمة العدل العليا في هذه المسألة، لأنني أتوقع أن تقبل التماسات المتظلمين وتلغي قرار اللجنة العنصري الجائر. هذا رهاني الحالي وقد أخسره، فالمحكمة العليا تنازع بعد أن اخترقتها كتائب اليمين الكاسر، حتى بات سقوطها في قبضته الفولاذية بعد الانتخابات مباشرة وشيكًا. لا أستوعب من أين يتزوّد المقاطعون بثقتهم المطلقة بصحة موقفهم، ولا أفهم كيف تضرّ مقاطعتهم للانتخابات بإسرائيل، ولا كيف تتأذى مصالحها إذا استمر الآلاف منهم بالدعاء عليها بالموت وبالتنظير، لكونها لقيطة فاقدة لشرعية الحياة، بينما يستأنف «الثوّار» و»الدعاة»، في الأصبحة، حياتهم الطبيعية كمواطنين يحيون في شرايينها ويعتاشون على أوردتها. حقهم في المقاطعة مكفول، ولكن واجب الأحزاب والحركات غير المقاطِعة، بالمقابل، أن تواجههم بالحجة وبالعقل. يوم المعركة قريب جدًا وسلوك المتنافسين في القائمتين ما زال تحت سقف التوقعات والضرورة، وبعضهم يصر على تصفية حسابات الماضي، رغم انهم كانوا، خلال مسيرة التفاوض، سواسية كأسنان المراوغة. لن يفيد النبش في الجروح، والغرق في نشوة النرجسيات القومية عقيم؛ أقول هذا وأتمنى أن أكون مخطئًا، ففي حين توجهت «الجبهة الديمقراطية» و»العربية للتغيير» إلى رئيس القائمة «الموحدة والتجمع» الدكتور منصور عباس وطالبته بتوقيع اتفاقية فائض أصوات بين القائمتين، فذلك «سيضمن الحفاظ على أصوات جماهيرنا وتعزيز التمثيل العربي والديمقراطي ويبث أجواء التعاون والعمل المشترك بين الكوادر والمؤيدين، وعموم أهلنا في الجليل والمثلث والنقب»، أصدر رئيس حزب التجمع الدكتور إمطانس شحادة، بعد أن سبقه لذلك زميله الدكتور عباس، بيانًا رد فيه على توجه الجبهة المذكورة أعلاه قائلًا «موضوع فائض الأصوات هو موضوع تقني وليس إنجازا وطنيا، كما قال زميلي عباس منصور. مجتمعنا بحاجة إلى قيادة جديدة تضع مصلحة الجمهور في المركز، عبر عمل جاد ومدروس، بعيدا عن الشخصنة والظهور الإعلامي بالمنصات والشعارات، لا بد من تراجعكم واعتذاركم قبل فتح صفحة جديدة بين الأحزاب، من أجل مجتمعنا».
لا أعرف من نصح «الموحدة والتجمع» برفض مبادرة الجبهة والتغيير، ورفض نهج المصالحة والتسامح غير المشروط، ولا أعرف إذا كان هو الذي نصحهم في حينه بتبني تكتيكاتهم التفاوضية في مرحلة ما قبل التكوين، لكنني على قناعة بأن النصيحتين لا تصبّان في مصلحة الجماهير ولا في مصلحة التجمّع أيضًا. لقد علّمَنا تاريخ الاقليات، أن مكاسب حروب الاشقاء ستبقى، كما كانت دومًا، مخاسرَ للنفوس، وتآلفَ النفوس سيبقى، كما كان دائمًا، قوة لا تجارى في الحروب.
ستنتهي المعركة الانتخابية صبيحة العاشر من إبريل/نيسان وسيفيق المواطنون العرب في إسرائيل على ظهور مراكب متعبة، وسيكتشفون أنها غير قادرة على مواجهة موج المملكة الجديدة، وسيدركون أنهم بحاجة إلى بحّارة جدد وإلى وسائل نقل عصرية وحصينة ومنيعة. لا أعرف إذا ما ستتراجع القائمة «الموحدة والتجمع» عن شرطها، فإمّا اعتذار الجبهة والطيبي، وإما الطلاق منهم والمضيّ في طريق النار؛ لكنني كناخب سيهمني ما سيكون بعد هذه الانتخابات. فأنا بحاجة إلى قيادة تعدُني بأنها ستعمل على إعادة النظر في جميع أواصر روابطنا، نحن المواطنين العرب، مع منظومات الحكم التي ستفرزها الانتخابات المقبلة، وتعدُني بإعادة النظر، بعيدًا عن الشعارات، في رزمة التعريفات الناظمة لمعنى حقوقنا المواطنية وكيفية انتزاعها من مؤسسات الدولة، حتى تلك التي تتصرف معنا بعدائية وبإقصاء ظاهرين. وأنا كمواطن وناخب بحاجة لحزب يتبنى قادته قضية محاربة العنف المستشري في مواقعنا بجدية وبمهنية وببرامج حازمة، تضمن علاوة على انخراط تلك القيادات في مواجهة مصادر العنف ميدانيًا، التأكيد على سعيهم وراء أجهزة الدولة المتهادنة مع هذه الظواهر، وعدم اليأس من ضرورة إلزامها بالتجند في هذه «الحرب»؛ خاصة بعد أن صرّح بعض المستشارين الأمنيّين الإسرائيليين البارزين بأنّ تصدّي أجهزة الدولة لظاهرة العنف بين العرب، يعتبر مصلحة استراتيجية قومية إسرائيلية عليا. وأنا كناخب ومواطن بحاجة لقيادة تقسّم ولاءها للجماهير ولمصالحها ولا تلهث وراء زعماء دول أجنبية، شقيقة أو حليفة أو غربية، أو وراء من يرفل في أحضان زعماء هذه الدول ويطرطش أتباعه بخمسات من فضة. وكذلك إلى قيادة تحارب التعصّب والمتعصّبين بلا مداهنة ولا طبطبة، وتقف في وجه من يدعو إلى الفرقة وإلى الفتنة وإلى إلغاء الغير ومحاربة المختلف.
ونحن بحاجة إلى قيادة لا تعمل من أجل ترسيخ انتماءاتنا الملّية واعتمادها كمساطر في تركيبات القوائم الانتخابية؛ فقد أثبتت التجربة أن تخصيص مقعد لدرزي أو لمسيحي أو لبدوي لم يمنع تلك التجمعات من الغرق في شرانقها؛ فالأَوْلى أن يواجه القادة ومؤسساتنا المدنية مَن وما ينمّي تلك الظواهر وما ومن يحمي ذلك الواقع، على أن يتمّ ذلك بوسائل مبتكرة ومؤثرة لا من خلال آلية أثبتت فشلها الذريع.
الانتخابات ستنتهي وسيُزهر نيسان مواجع جديدة ويهديها للجماهير التي ستبقى تفتش عن مراسيها وعن ولادة فجر جديد.
كاتب فلسطيني

 

 

القائمة المشتركة ، بقايا نيزك

جواد بولس

لم أفاجأ من الفشل في إعادة تركيب "القائمة المشتركة" وذلك لما أشرت إليه مسبقًا من أسباب أوصلتني الى قناعة مفادها بأننا نعيش آخر فصول "المغامرة" ونشهد انتهاء حقبة، شكّلت فيها "الأحزاب التقليدية" أهم وسائل التأثير على حياة الجماهير العربية، السياسية والاجتماعية؛ حيث أدّت تلك الأحزاب دور الناظم الأساسي والمؤثر في هيكلة انتماء الفرد ورسم معالم هويتة أولًا، وهوية المجتمع ورؤاه المختلفة، تباعًا. 

لم ينجح قادة الأحزاب والحركات المشاركة في تركيبة القائمة باستعادة لحمتها، ورغم تصريحاتهم، خلال فترة المخاض، وتغنّي بعضهم بمصلحة الجماهير العليا وتأكيدهم على أنّ بمقدور حزبهم أن يخوض المعركة منفردًا ووحيدًا ، رأينا كيف تمحورت جميع الخلافات، في الواقع، حول محاصصة الكراسي وتأمين مواقعها في القائمة المشتهاة المستغَلة. 

لقد اختلفتُ مع كثيرين عابوا على من يسعى ويناور من أجل تعزيز مكانة مجموعته وكسب أكبر عدد ممكن من الأماكن المتقدمة والمضمونة في القائمة؛فجميع من ينافس في الانتخابات البرلمانية، بشكل عام،  يطمح ويطمع للحصول على أكبر عدد من الكراسي، ومن لا يفلح في ذلك، فلا معنى لوجوده السياسي.

لا فائدة من الخوض والتفتيش عن المذنبين أو عن المستقيمين أو عن الانتهازيين  الذين "كشفتهم" عملية المفاوضات، كما أدّعى ويدّعي بعض الخائبين من تصرفات قادتهم أو  كما استشاط ضدهم بعض "المبدئيين"  الحالمين بعودة  " أيام اللولو"؛ فاليوم، وبعد أن قضي الأمر  وصارت النتائج ناجزة وواضحة أمامنا، على كل من  يؤمن بضرورة المشاركة في عملية الانتخابات أن يتجند لاقناع الآخرين بالتصويت لاحدى هاتين القائمتين.

على جميع الأحوال، فأنا من معسكر من يروا بأن خوض الانتخابات بقائمتين أفضل من خوضها بثلاث قوائم أو بأربع؛ وقد تثبت لنا الأيام أنّ التنافس السليم بين  القائمتين، إذا ضُمن، ليس أسوأ من إجرائها بقائمة مشتركة واحدة، خاصة بعد أن فشلت "المشتركة" منذ اقامتها بالخروج من حقول الالتباس والتخلص من إغواء التجاذبات ومن ممارسة التلعثم الذي قزّم ما أحرزه نوابها من انجازات ، وأبقاها في عروة خلافات الفرقاء والقادة.

عُرفت المفاوضات، عبر التاريخ، بأنها فنّ يعتمد على الصبر وعلى الخبرة وعلى الحيلة/ الخديعة وعلى قراءة المفاوض لعناصر قوته الحقيقية وقوة من يتفاوض معهم.

لا أعرف مَن من بين المفاوضين ومستشاريهم تحلى بهذه الشروط ومَن بعدِمها، ولكن سيتثبُت للمتبصّر  أن تخلي  "مجموعة الأربعة" عن  شعارهم "إما المشتركة وإما لوحدنا"  نتج لأنهم مارسوا نفس التضليل والمراوغة ذاتها، ويكشف، في الوقت ذاته، انهم عرفوا ، ساعة كانوا يناورون، بان حجم قوتهم، بعكس ما أشاعوا، لم يكن كافيًا لعبور نسبة الحسم ولا حتى قريبًا من ذلك؛ وقد استثني من ذلك قائمة الجبهة الديمقراطية.

ستبقى هذه التجربة مثارًا للجدالات وللاتهامات المتبادلة بين نشطاء الأحزاب الذين لا يعرفون كيف "يهضمون" واقع أحزابهم البائس الجديد ؛ لكنني أعتقد أنها تجربة جديرة بالدراسة وبالتلخيص، خاصةً بما عكسته، منذ لحظة اعلان الطيبي انفصال حركته عن المشتركة، وحتى إضطرار حزب "الضاد" والقومية العربية، حزب "التجمع الديمقراطي" أن يعلن، في وقت مبكر من المفاوضات، شراكته الاستراتيجية مع "الحركة الاسلامية" وذلك رغم كثرة التناقضات الأساسية بينهما وعمق الهوة في عدد من المسائل المبدأية؛ وإلى اعلان "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" والنائب أحمد الطيبي وحركته "العربية للتغيير" دخولهم  إلى "قمرة  الزواج القسري" رغم محاولات الطرفين، حتى اللحظات الأخيرة من موعد تقديم القوائم ، تأزيم الموقف بينهما وايصاله إلى لحظة اللاعودة .

كان لجوء الفرقاء إلى حل القائمتين من باب "مكره أخاك لا بطل"؛ وما شهدناه من تداعيات خلال عملية التفاوض يكشف، علاوة على الفشل في ترسيخ "موديل" القائمة المشتركة كوسيلة صحية لتمثيل مصالح المواطنين العرب في إسرائيل، عن وجود أزمة حقيقية في منظومة القيادة العربية المحلية، ويستدعي، من جهة أخرى، مجموعة تساؤلات حول ما كان يقصده كل فريق تغنى باسم " ارادة الشعب" ورقص على ايقاعات "مصلحة الجماهيرية العليا"؛  فتوصُّل الفرقاء، العرضي والتوفيقي طبعًا، إلى ذينك التزاوجين، رغم سعة الفروقات بينهم، كان في محاولة كل جهة منهم ضمان فرصة للدخول تحت قبة البرلمان الاسرائيلي وعدم البقاء خارجها مع شهادة وفاة شعبية.

كان جميعهم، من هذا الباب والمنطلق سواسية كأمشاط المراوغة، ولا فضل لحزب منهم على آخر  إلا بالوسيلة وبالفرصة وبإجادة الحيلة وفن الصبر، فالهدف، عندهم، كان واحدًا.

تنادي أصوات عديدة بين الجماهير العربية في اسرائيل إلى مقاطعة الانتخابات وذلك لأسباب عقائدية معروفة ؛ ولقد انضمت مؤخرًا جهات أخرى لنداءات المقاطعة وتراوحت "هويات" هؤلاء بين الخائب أو المدسوس أو اليائس أو الساذج؛ لكننا لا نستطيع التقليل من أهمية ما جرى في مسيرة التفاوض الأخيرة  كأحد أهم الدوافع المستجدة الذي خلّف استياءً جماهيريًا، سيشكل، بدون ريب، تحديًا جديًا أمام القائمتين وخطرًا حقيقيًا على فرص نجاحهما.

هنالك حاجة ماسة لمراضاة الناس، وللتوجه إليهم باحترام، سعيًا لاستعادة  ثقاتهم  وقناعاتهم بضرورة انخراطهم في العملية السياسية؛  فبعض قرارات القيادات تمت بفوقية مسّت كرامة الانسان الحر العادي، وأخرى جاءت ملونة بأصباغ أوصلت الكثيرين إلى قناعة بأن القيادة تغالط أو حتى تكذب وأن بعضها يعمل من أجل مصالحه الضيقة فقط .

اعتماد القيادات على شعار ينادي بضرورة اسقاط اليمين ومواجهته كمحفز رئيسي لمشاركة الانسان العادي في عملية الانتخابات وتصويته لاحدى القائمتين، فيه من الغباوة قسط ومن السذاجة رائحة ومن القصور درجات، لأن أكثرية من سينتخبهم الشعب في اسرائيل ينتمون إلى ذلك اليمين المقصود وإن ظهروا أمامنا بأقنعة مختلفة؛

فجدوا وسائل اقناع أخرى وخاطبوا عقول الناس بشفافية وبصدق وقبلها  اسعوا وتوصلوا حالًا إلى اتفاق يحرّم لغة التقريع والتخوين والمزايدات بينكم، ويشيع أجواء من الالفة السياسية، ونفسًا قياديًا ينقل للشارع روحًا من التوافق تبشّر بأن نجاح القائمتين هو هدف سامي ومصلحة حقيقية يجمع عليها الجميع .

أعرف أن في عالمنا الحاضر لن يستطيع حزب أو حركة سياسية ضبط تصرفات أتباعه، كما كان يوم كان الحزب خلية وصحيفة ومنشورا وانتماء يجيز  محاسبة الناشزين في صفوفه؛ ولكن، ورغم ذلك، ما زالت هناك قدرة وهامش لضبط بعض المحسوبين على قيادات الأحزاب وناشطيها المركزيين ومفكريها والمعدودين على أنهم من خيرة "أبواقها"  المجلجة , فهؤلاء يجب اسكاتهم، لا لمنعهم من التعبير عن أرائهم بل لأنهم يحرّضون ويفتنون .

يتساءل كثيرون من أبناء الشعب، بينهم العقلاء والتائهون والمحرَّضون واليائسون ، عن جدوى مشاركتهم في الانتخابات القادمة وعن ضرورة تصويتهم لاحدى القائمتين؛ فمهمتكم أن تجدوا الطريق إليهم والحجة لعقولهم ولقلوبهم.

أنا سأصوت طبعًا لإحدى القائمتين؛  لكنني لست مستشارًا حزبيًا، وأشعر أن الاستخفاف بمشاعر الناس، والاكتفاء باجترار الشعارات الفضفاضة والعامة، سيؤدي إلى التسريع في اختفاء شظايا من ذلك النيزك الذي أسميناه مرّة "القائمة المشتركة" .

 

 

أوقاف القدس في رعاية

ملكية وحماية رئاسية

جواد بولس

 

أصدر الرئيس محمود عباس، قبل أسبوع، قرارًا بإعادة تشكيل «اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين»؛ في خطوة مهمة ولافتة لم تحظ بما تستحقه من عناية وتقدير، خاصة بعد أن نُشر، قبل يومين، على صفحة «بطركية الروم الأرثوذكس المقدسية»، بيان يعلن بلغة عدائية واخزة عن تحفظات ما سموه «مجلس بطاركة ورؤساء كنائس القدس» على مرسوم الرئيس عباس وعن «عدم الرضى من تدنّي مستوى العضوية في اللجنة الجديدة».
سيدرك كل متابع لشؤون بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس أسباب معارضة قادتها اليونانيين لمرسوم الرئيس عباس؛ فقد كانوا، خلال السنين الماضية، في «عين الأحداث» لاسيّما بعد أن تكشّفت تباعًا في الصحافة الإسرائيلية وغيرها تفاصيل عن صفقات بيع عقارات وتحكير أملاك تابعة لهذه الكنيسة، في القدس وعلى طول البلاد وعرضها. ورغم ما نشره الإعلام من وثائق فاضحة وحقائق دامغة لم تُستثر «اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس»، برئاستها وهيئتها السابقتين، بل تمسكت بتموضعها المريح والموالي لإدارة الكنيسة اليونانية، ودأبت على مسايرة رؤسائها.
يعدّ مرسوم الرئيس، رغم تأخره، خطوةً متقدمة نحو تأطير وتصويب علاقة النظام الفلسطيني مع الوجود العربي المسيحي في فلسطين، وفق مفاهيم جديدة وصحيحة، من شأنها أن تعزّز صمود القلة الباقية من أحفاد وأتباع «يسوع الناصري»، وأن تدعم مطالبهم التاريخية وسعيهم الحثيث من أجل أن يكونوا شركاء حقيقيّين في إدارة كنائسهم وأملاكها بعد أن استبعدوا عنها وعوملوا «كأغراب» من قبل أغراب مستعمرين. سيؤثر بعض المشككين إدراج قضية اصدار المرسوم كهامش في سجل الإجراءات الروتينية التي يحكمها فقه البروتوكولات الإدارية، بينما سيعتبرها، وبحق، جميع من تعقبوا تداعيات «المسألة الارثوذكسية» في فلسطين كقفزة نوعية نحو إحكام دائرة، حاول كثيرون من المنتفعين في إسرائيل وفلسطين، طيلة عقود، أن تبقى عصية على الإغلاق؛ فقد سبق القرار الحالي للرئيس عباس موقفُه المعلن على لسان القيادي محمود العالول، نائب رئيس حركة فتح وعضو لجنتها المركزية في «المؤتمر العربي الوطني الأرثوذكسي» الذي انعقد في الاول أكتوبر/ من تشرين الأول 2017 في بيت لحم تحت شعار «أوقاف الكنيسة الأرثوذكسية قضية أرض ووطن وانتماء وهوية» والذي أكّد فيه بحزم على أنه «ما دام الأمر يتعلق بالأرض والممتلكات فهو يتجاوز موضوع أملاك الكنيسة، أو الطائفة، فالمتعلق بالأرض الهوية هو موضوع وطني عربي فلسطيني بامتياز».
بشّرت مخرجات مؤتمر «قصر جاسر» التلحمية بميلاد حقبة فلسطينية جديدة، أصبحت فيها قضايا الوجود العربي المسيحي في فلسطين والمحافظة على أملاك الكنائس وأوقافها، خاصة أملاك الكنيسة الأرثوذكسية المقدسية، شؤوناً وطنية لا لبس فيها. فبعد عام على انقضاء مؤتمر بيت- لحم المذكور، أدان أعضاء المجلس المركزي الفلسطيني في اجتماعهم المنعقد بتاريخ 15/1/2018 «عمليات تسريب ممتلكات الطائفة الأرثوذكسية للمؤسسات والشركات الإسرائيلية» ودعوا «الى محاسبة المسؤولين عن ذلك، ودعم نضال أبناء الشعب الفلسطيني من الطائفة الأرثوذكسية، من اجل المحافظة على حقوقهم ودورهم في إدارة شؤون الكنيسة والحفاظ على ممتلكاتها»، ثم كانت الخاتمة عندما أكد المجلس الوطني الفلسطيني في دورة «القدس وحماية الشرعية الفلسطينية» الذي انعقد في رام الله بين – 30/4/2018 ولغاية 3/5/2018 ، على توصية المجلس المركزي المذكورة أعلاه وأعاد المؤتمرون تضمين نصها حرفيًا في البند الحادي عشر لبيانهم الختامي.

مثلما طرد المسيح جميع اللصوص والسماسرة من الهيكل سيحظى جميع «المخلصين الأنقياء» بمستقبلهم المشرق في فلسطين الأبية

لا بد من سرد هذا التاريخ كي نضع المرسوم الرئاسي في سياقه التاريخي الصحيح، ولكي نفهم الغاية من إصداره في هذه الأيام بالذات؛ فعلاوة على ما سبقه من أحداث فلسطينية داخلية، كما أشرنا إليها مسبقًا، لا يمكن فصم قرار الرئيس عباس عن موقف الملك عبدالله الثاني ووراءه موقف القيادة الأردنية؛ فقد رفع الأردن، تاريخيًا، مكانة قضية الأوقاف، المسيحية والإسلامية، إلى مراتب الهموم الوطنية الكبرى، واعتبر ضرورة المحافظة عليها وعلى البقاء العربي المسيحي في فلسطين والقدس تحديدًا، وفي المملكة الأردنية الهاشمية، كأولوية وطنية أردنية ومصلحة عليا لا يساوم فيها.
ستصبح قراءة خطوة الرئيس محمود عباس أسهل إذا ما قرنّاها بما أصدره، قبل أيام، العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني من تعليمات تقضي بضرورة زيادة ثمانية أعضاء جدد على نصاب مجلس الأوقاف الإسلامية الفعّال في القدس، في خطوة ملكية تحمل عدة دلالات لا يغفلها عاقل، خاصة إذا عرفنا أن المنَسّبين لهذه العضوية يعدّون من الشخصيات الاعتبارية المقدسية.
لقد استفز القرار الأردني جهات إسرائيلية عديدة، فاعتبروه خطوة من شأنها تقويض ما سموه «الوضع القائم» وتحديًا للسياسة الإسرائيلية؛ وقد ذهب بعضهم إلى اعتباره خطوة تمهيدية، تستهدف إحباط «صفقة القرن» التي ستقوم الإدارة الأمريكية بالإعلان عنها قريبًا؛ في حين نقل عن الصحافي يوني بن مناحيم قوله بأن «الخطوة تشكل انتهاكًا لاتفاقات أوسلو، وتمس بشكل خطير بالسيادة الإسرائيلية على القدس». وذلك، على ما يبدو، بسبب اشتمال قائمة الأعضاء الجدد على أطراف سياسية مسؤولة أو ذات علاقات مع السلطة الفلسطينية ومع حركة فتح. سيبقى المرسوم الرئاسي بمثابة الإعلان الصريح عن موقف فلسطيني وطني واعد ومبشّر؛ فهو علاوة على تسميته للدكتور رمزي خوري العريق رئيسا جديدا للجنة وإتباعها للصندوق القومي الفلسطيني، اعتمد آلية جديدة لانتخاب أعضائها وفق مواقعهم ومناصبهم الرسمية، على ما يعنيه ذلك من تحويل اللجنة إلى مؤسسة وطنية بامتياز.
إن حق الانتقاد مكفول للجميع، أما التهجم على الرئيس، بسبب مرسومه، وعلى أعضاء اللجنة الجدد فهو أمر مرفوض، رغم أن دوافع بعض المتهجمين واضحة؛ ولكن أن يشتكي ما سمي «مجلس البطاركة ورؤساء الكنائس في القدس» من «تدني مستوى العضوية في اللجنة الجديدة» فهذا يعد اتهاماً يحتاج إلى مساءلة مَن وراءه، وتجنياً يستدعي التفسير أو المحاسبة. فهل حقًا يقف جميع البطاركة ورؤساء الكنائس في القدس وراء ذلك البيان؟ وكيف سوّلت لهم أنفسهم اعتبار رئيس المجلس وأعضائه الجدد من «المستويات المتدنية» رغم تاريخهم وما يمثلونه من قطاعات شعبية واسعة ومؤسسات وطنية وسيادية رفيعة القامة والمستوى. لقد قلنا إن أعضاء اللجنة ينتخبون برسوم مواقعهم أو بانتداب مؤسساتهم أو وزاراتهم، فالتهجم عليهم، كما جاء في البيان المذكور، يمس علنًا شخوصهم ويمس معها جميع المؤسسات والمواقع التي ذكرها المرسوم الرئاسي وهي: ممثل عن الرئاسة الفلسطينية، رؤساء بلديات بيت- لحم ، ورام الله وبيت- ساحور وبيت- جالا ، ومحافظ القدس، وممثلان عن وزارتي الخارجية والسياحة ، وسفير فلسطين لدى الفاتيكان، ورئيس المجلس المركزي الأرثوذكسي العربي، ورئيس لجنة ترميم كنيسة المهد وممثل عن جمعية اتحاد الكنائس في غزة.
لقد هاجم الإعلام الإسرائيلي قرار الملك عبدالله الثاني، ولم يخفِ دوافعه لذلك، ولا مخاوفه من القرار الأردني/ الفلسطيني؛ وفي الوقت نفسه قامت بعض الجهات باعتراض ومهاجمة مرسوم الرئيس محمود عباس والتعدّي على من انتخبوا حسبه وعلى ما يرمزون إليه، ولا عجب من هذا التزامن؛ فلقد استفزهم الموقف الأردني الرافض لأي مساومة على أرض القدس، كما استفزتهم الصرخة الفلسطينية في وجه من يفرّطون بتراب وأملاك الوطن. توقعنا ردة فعل جميع من يخاف أن تتحول قضية الأملاك والعقارات الكنسية إلى مسألة وهاجس وطنيين؛ لكننا، بالمقابل، نحن في القدس ما زلنا نؤمن أنه مثلما طرد المسيح جميع اللصوص والسماسرة من الهيكل هكذا سيحظى جميع «المخلصين الانقياء» بمستقبلهم المشرق في فلسطين الأبية، ونؤكد أن صرخة «الفادي» مهما يحاول المغرّضون طمسها، ما زالت تجلجل في البلاد وتعيد «طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار، وفي طريق الخطاة لم يقف، وفي مجلس المستهزئين لم يجلس».
كاتب فلسطيني

 

 

القائمة المشتركة… نهاية مغامرة

جواد بولس

 

كلّما أمعنّا النظر في تداعيات أزمة القائمة المشتركة، خاصة بعد انفصال النائب أحمد الطيبي عنها في الكنيست، سيبدو لنا جليًا أنّ ما يحصل الآن ليس إلا فصلاً آخر في رحلة هذا «النيزك» نحو الارتطام الحتمي الأكيد؛ فهي وبمنأى عمّا ستفضي إليه محاولات إنقاذها وإحيائها، ستصبح بلا ريب، مجرّد تجربة لم تتوفر لها شروط البقاء، مذ ولدت في عملية قيصرية عاثرة، وإذا ما راهن البعض في حينه على عكس ذلك فعساه يرى كيف ستسجّل قريبًا في دفتر «الوفيّات السياسي»، وستُحفظ فيه تحت بند المغامرات المستحيلة التي خاضها بعض قادة الجماهير العربية في إسرائيل في زمن القحط والقهر والعجز.
لم تكن حكومة إسرائيل العدوّة الوحيدة للقائمة المشتركة، رغم ما استثمرته من جهود جبارة في محاربتها، ولم تتدخر في سبيل إفشالها مالًا ولا أبواقاً ولا عملاء، لكنّها مع كل ذلك، كانت ستفشل لولا وفر لها البعض أسبابًا ودوافع كانت كفيلة بتسريع القضاء عليها، كوليدة جاءت إلى هذا العالم وهي عليلة وضعيفة.
لن نكرر ما قلناه في الماضي، فالإبقاء على الإطار فقط كوسيلة تقنية جامعة لم يكفِ للحفاظ على وحدة الأضداد، ولا على رأب التصدّعات بين «الإخوة الأعداء»؛ ورغم مرور السنين وظهور الأزمات المتكرّرة، لم يسعَ الشركاء من أجل تطوير مفاهيم سياسية جامعة، واكتفوا بردّات الفعل الموضعية على سياسات الحكومة العنصرية، في حين حافظت كل مؤسسة حزبية أو حركية فيها على ميراثها الخاص، وعززته داخل أروقتها التنظيمية، مستمرة في التعامل مع الجماهير بالندّية التقليدية ذاتها مع شريكاتها، وفي كثير من الأحيان بالعداوة الموروثة نفسها من زمن حروب الواو والضاد وكل ألوان الوجع.
لم يقتصر همّ المشتركة على ما ذكرناه أعلاه، فقد عانت ربما أكثر، من الصراعات المستفحلة داخل الحزب الواحد بين قادته؛ وهي صراعات تحوّلت في بعض الحالات إلى معارك طاحنة رأيناها في الماضي ونراها في هذه الأيام أيضًا. فعلى الرغم من حدوث بعض تلك المعارك داخل الغرف الحركية والحزبية، إلا أنّ قعقعات بعضها ملأت أجواء مدننا وقُرانا، وأدّت إلى عزوف الكثيرين عن العمل الحزبي والسياسي، وبرّرت لآخرين تهجّماتهم على المشتركة ومركّباتها.
لم يجتهد قادة القائمة المشتركة في سبيل تطوير آليّات تشبيك متطوّرة وحقيقية مع الهيئات القيادية الأخرى العاملة بين الجماهير العربية، مثل لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل، واللجنة القطرية للرؤساء، أو مع منظمات العمل الأهلي وما يسمّى بهيئات المجتمع المدني. لم ينبع ذلك عن قصور في الرؤى فقط، بل كان تعبيرًا حقيقيًّا عن افتقاد القائمة المشتركة إلى مقوّمات «الهيئة القيادية» المخوّلة لاحراز التقدم والتغيير، والقادرة على فرض «هيبتها» الريادية السياسية على مفاصل المجتمع، وبين أفراده. لم يقتصر فشل عناصر القائمة المشتركة على عدم تطوير رؤى سياسية جامعة أساسية، بل رأيناهم يستوردون المواضيع الخلافية إلى داخل صفوفها القيادية، ولم يكترثوا لكون بعض تلك المواضيع دخيلة على مصلحة الجماهير المحلية، ولا علاقة لها بهواجسهم الحياتية واليومية. فمن وقف منهم مع بشار استعدى من كان إلى جانب قطر، ومن هلل لبوتين أغضب أولاد أردوغان، وهكذا إلى أن تحولت هذه المناكفات لسهام تشبه تلك التي يغرزها مصارعو الثيران في جسد «ثورهم»، فتدميه بهدوء إلى أن يخرّ صريعًا.

واجهتنا أزمة المشتركة مع مخاضات واقعنا وخلاصتها أن لا حزب يستطيع العيش خارج «مياهه الإقليمية» وبدون حيّزه السياسي

لم يجتهد قادة المشتركة في وضع موقف أو خطة متفق عليهما ليكونا بوصلةً ترشدها في تعاملها مع الدولة ومع مؤسساتها،  فلقد احتفظ كل مركّب فيها بمواقفه ازاء الدولة، رغم كونها مواقف متضاربة ومتناقضة. لقد أدّى غياب الاتفاق على مواقف الحد الأدنى التي تتيح للقائمة، كجسم تمثيلي جامع، العمل تجاه ومع منظومات الدولة، إلى شللها أحيانًا، أو الى شططها أحيانًا أخرى، أو إلى ردّات فعل فردية استجلبت ضد منفّذها هجمات من المزايدات ومن التقريع، ما جعل القائمة تبدو مرارًا في مشهد «كراكوزي» لم يحبّب الناس بها، وذلك في أضعف الحالات. بات تاريخ تقديم القوائم لرئيس لجنة الانتخابات الاسرائيلية وشيكاً؛ ولا بدّ أن يستنفد جميع الفرقاء خلال هذا الأسبوع كل أحابيل المناورة والمساومة والمزايدة. ورغم ما صرّحوا به في الأسبوعين الأخيرين، أشك في أن يبقى الفرقاء على مواقفهم، وقد يدفعهم الخوف من السقوط إلى أن «يقبلوا» بما يطالب به كثيرون من بين العرب المؤمنين بأنّ الوحدة، حتى إذا كانت عرجاء، آمن وأفضل من رقص الفرادى «الحنجلي». فاذا تمّ ذلك لا أعرف، عندها، من سيدّعي النصر ومن سيبكي ككبش الفداء، لكنني على قناعة بأن أفعالهم كما شهدناها طيلة هذه الأسابيع قد زوّدت الكثيرين من عامة الشعب بجرعة أخرى من السأم ومن الغضب، كانوا قد تجرّعوا مثلها يوم اندلعت معركة المحاصصات بُعيد دخول باسل غطاس إلى السجن، فروح الانتخابات البرلمانية ما زالت ترفّ على الكراسي وما يطمح له أحمد يحلم به مازن وما يعشقه منصور يهواه يوسف.
إنها معركة لن تنتهي إلا اذا كان صمغ «الوحدة» بين الفرقاء أثمن من مقعد ومن «ايچوهات» منتفخة، يؤثر بعضها أن تقف على عتبة اسمها الشراكة كي تمر فوقها نحو سماوات الزبد والشعارات العابرة.
لديّ إحساس وعندي قناعة بأنّ القائمة المشتركة، في حلتها الرثة، كانت آخر الوسائل التي اضطرت الأحزاب والحركات العربية تبنّيها، في محاولة بائسة لضمان «بقائها» في عالم السياسية الإسرائيلية المتغيّر، ورغم انّ ما سوّغ قيامها قبل أربعة أعوام كان حاجة تلك الاحزاب لعبور نسبة الحسم المرتفعة، فهي لم تُقلع ولم تتحوّل إلى «ضرورة وجودية» وذلك لما ذكرته من أسباب،  ومن أخرى لا مكان لذكرها ههنا. ما انفكت جميع تلك الأسباب موجودة وستظلّ، إذ لا أرى كيف ولماذا ستزول، ولا من سيزيلها، فالمشكلة لا تكمن في فقه الوحدة، بل هي «ذاهبة بعيدًا في أجساد»  تلك الأحزاب، التي كما قلنا مرارًا، قد شاخت منذ زمن وتكلّست مساكبها.
وأخيرًا، لقد واجهتنا أزمة المشتركة مع مخاضات واقعنا وإفرازاته الحقيقية، وخلاصتها أن لا حزب يستطيع العيش خارج «مياهه الاقليمية» وبدون حيّزه السياسي، والأَولى بإدراك هذه الحكمة كانت وما زالت «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» وهي الخاسرة الكبرى من جميع ما حصل.
كاتب فلسطيني

 

 

القائمة المشتركة:

الحزب في مواجهة «النجم»

جواد بولس

 

ستُسجّل معركة الانتخابات المقبلة للكنيست كعلامة فارقة في حياة النظام السياسي الإسرائيلي، وقد تشكّل منعطفًا حادًا سيفصل بين مفهوم اليمين الصهيوني التقليدي، وذلك الذي تتحدث باسمه «النجمة الواعدة» وزيرة القضاء الحالية أييليت شاكيد التي أقامت مع شريكها «النجم» الوزير نفتالي بينيت حزب «اليمين الجديد»، ليكون اسمه إشارة واضحة تنقل، حتى لعسيري الفهم، حقيقة ما يخطط له «أمراء اسرائيل» الجديدة الذين لا يعتبرون نتنياهو ممثلًا حقيقيًا لليمين ويسعون لاستبداله وللسيطرة على مقابض الحكم وقيادة الدولة وتحويلها الى مملكة إسرائيل الكبيرة.
لن تنحصر انعكاسات هذه الانتخابات داخل المجتمع اليهودي فقط، فمن الواضح أنها ستترك أيضًا أثرًا كبيرًا بين المواطنين العرب في اسرائيل؛ أو ربما ستفضي إلى ولادة واقع سياسي ستظهر فيه أطر شبه حزبية جديدة وأدوات حركية اجتماعية/سياسية تعتمد على بنى بشرية «عصرية «، وتغيب عنه، في المقابل، أطر سياسية/ اجتماعية كانت تقود الجماهير على مدار عقود طويلة.
من المؤسف أن يقتصر جلّ النقاش بين المواطنين العرب وقياداتهم على قضية القائمة المشتركة وأن تحصر أبعاد هذه النقاشات في مدى أهمية إبقائها كقائمة مركبة من أربعة عناصرها الأصلية، من دون الخوض في أهم ما كشفته هذه التجرية، حين اصطدمت في «اللغم» الذي ألقاه أمامها النائب الطيبي.
لن أراهن على مواقف الأحزاب النهائية إزاء هذه الأزمة، فهذه لن تحسم أمورها قبل اقترابها من خط النار الحقيقي، وقبل أن تستعرض «الحركة العربية للتغيير» قوتها في مؤتمرها المزمع عقده هذا المساء، حيث من المتوقع أن تحشد له جيشًا عرمرمًا لتغص به القاعة في مشهد «بولشيفيكي» يمكّن النائب الطيبي من استثماره في وجه من كانوا شركاءه، من جهة، أو كرافعة انتخابية في حالة مضيّه منفردًا للمعركة، من جهة ثانية.
في هذه الأثناء وإلى أن يقضى أمر، سيستمر جميع اللاعبين في استعراض مهاراتهم القيادية وفي مناوراتهم على ملعب المشتركة، لكنهم يعرفون، في الوقت ذاته، معنى المقامرة وثمن المغامرة، فجميعهم يحفظون جداول «الضرب» ويشعرون بوجع الطرح والخسارة، ويقيّمون فوائد الجمع ونعمة القسمة، خاصة بعد أن بات مجموع حاصل المنتخِبين العرب محسوبًا بدقة تقريبية لا تقبل التصرف والافتراض.
لقد عزز تعهد علي سلّام رئيس بلدية الناصرة، الذي أعلنه على الملأ في السادس من الشهر الجاري «على إعادة القائمة المشتركة في الكنيست بمركباتها الأربعة شرط أن يكون النائب أحمد الطيبي رئيسًا للقائمة»، مواقف من راهنوا على عودة الطيبي للمشتركة بشروطه، وبعد تحسين مواقع حركته في صفوف مرشحي القائمة بشكلها النهائي.
لقد أطلق علي سلام تصريحه عندما كان النائب الطيبي يقف على يمينه، بيد أن هذا المشهد لم يمنع عضو المكتب السياسي في الحركة العربية للتغيير يوسف شاهين، من الخروج مباشرة إلى الإعلام ليعلن أنهم «خارج المشتركة ولا نريد رئاستها أو مقاعدها» من دون التطرق، من بعيد أو من قريب، إلى تصريح علي سلّام مبقيًا أياه على مكانته ومعناه في هذا الحراك السياسي المتفاعل.
على جميع الأحوال، لم تتخلف الحركة الإسلامية عن إشهار موقفها في هذه المساجلة، فهي وعلى لسان قادتها كانت قد أعربت عن تفضيلها لخوض المعركة بقائمة مشتركة تضم جميع مؤسسيها، وإلا ستخوضها كقائمة منفردة، في موقف صريح من شأنه أن يزج النائب الطيبي في معضلة كأداء، لأنهما، في حال خوضهما المعركة بقائمتين منفصلتين، سيتنافسان في عدة مواقع، على الأصوات نفسها وعلى الجمهور ذاته.
من خلاصات هذه التجربة يتضح أن استقواء النائب الطيبي على زملائه لم يكن مجرد نزوة أغوته على اتخاذ قراره، بخلاف ما فعله منذ بداية حياته النيابية، فخطوته كشفت عمليًا عن محركات العملية السياسية، كما تجري في مواقعنا، وهي ابنة ما يجري على نطاق أوسع عالميا ومحليًا؛ فنحن نشهد كيف تحوّلت المجتمعات، اليهودية والعربية، من مجتمعات تتخلى عن المحصِّنات «التكافلية الجمعية» وتقدم عليها الدوافع «الفردانية»، وتحولت كذلك من حالة شكّل «الكل» فيها محور الوعي الاجتماعي والسياسي إلى حالة صار فيها «الأنا» يشكل عصبها المركزي ولحاء حياتها.
لقد خضعت مجتمعاتنا إلى تأثيرات عديدة، أدت، بمجملها، إلى تراجعنا من «مجتمع/أقلية مجندة» في سبيل قضايا جمعية، إلى أفراد يسعون وراء سعاداتهم وراحاتهم وفق قوانين ومعطيات جديدة؛ فقد تحسنت الأوضاع الاقتصادية بشكل ملحوظ بين شرائح اجتماعية واسعة، وانخرطت قطاعات مؤثرة من «عربنا» في مرافق الدولة، وشرعت هذه تربط مصالحها في «سرة» مشغّليها، وارتفعت نسب الأكاديميين والأكاديميات فهُيّئت مناخات ساعدت على تطوير ونشوء مفاعيل اجتماعية/ اقتصادية جديدة حيّدت بدورها أهمية الأحزاب وراهنية الأيديولوجيات السائدة؛ علاوة على انفتاح شبابنا على العالم من خلال وسائل التواصل الحديثة وانغماسهم في هواجس أبعدتهم تلقائيًا عن «نادي الحزب» وعن دوراته التثقيفية المملة.
إنه واقع جديد جدير بالدراسة والمواجهة واستخلاص العبر، فبعد ما جرى داخل مجتمعاتنا صارت العودة الى حضن العائلة ضرورة، واللجوء إلى الحمولة ضمانة، وتحول الحزب «والقضية» إلى عالمين افتراضيين والمعبد الى ملاذ و»النجم» الى قدوة ولقمة العيش صارت غاية دونها كل الوسائل!
لقد بدأت الانهيارات قبل سنوات في مجالسنا المحلية والبلدية، ومن لم يستوعب أنها قدر سيغزو حتمًا الساحة البرلمانية كان أعمى في عيون «روسية» أو عيون «عربية».
لا أعرف كيف ستنتهي هذه الأزمة، فقد يعود الطيبي للمشتركة محمولًا على «هودج»، كما يناسب ما ومن «هوْدجوه»، ولكنني أعرف أن أزمة الأحزاب التقليدية لن تنتهي مع انتهاء المعركة الانتخابية النيابية المقبلة، بل هي في الواقع قد بدأت، وإذا لم تواجه فسيجد قادتها انفسهم بعد خمس سنوات لا أكثر من «سادة» على هياكل أو على خرائب.
وأخيرًا، فقد يأفل نجم أحمد الطيبي بعد حين ويبقى أثره ملتبسًا ولن يزول؛ فسماواتنا تضج «بالنجيمات» وهي تتأهب من ظلمتها وتنتظر تحقيق نجوميتها «الجماهيرية»؛ بينما ستبقى، من دون ريب، الحركة الاسلامية موجودة كمفاعل وازن ناشط بين ظهرانينا، إذا ما بقيت تمتح شرعيّتها من ماء السماء ومن حركات عابرة للحدود وللقوميات وللاوطان.
أما الجبهة الديمقراطية، فاذا لن تدرك ولم تتدارك «مصائبها» فقد تواجه ما يواجهه اليوم حزب «التجمع»، الذي أتمنى، رغم أنني لم أكن من داعميه يومًا، أن يبقى موجودًا وفاعلًا على ساحة العمل السياسي البرلماني بيننا، فللجبهة بخلاف الآخرين، تاريخ عريق ورصيد نفيس وعمق يميّزها ويحصّن بقاءها في هذه المتغيرات الخطيرة، لأنها، علاوة على ما ذكر، هي الحزب الوحيد في هذه الدولة «المستهودة» الذي يؤمن بالشراكة، مع القوى اليهودية الديمقراطية التي يجب أن نفتش عنها أو أن «نخترعها».
يتبع

*كاتب فلسطيني

 

 

ويكفي الناخب

 شر تجربة واحدة

جواد بولس

 

من المنتظر خلال الأيام القريبة، أن تنتخب معظم هيئات الأحزاب العربية أسماء مرشحيها الذين سيمثلونها في انتخابات الكنيست المقبلة. ومع إنجاز هذه المرحلة سيتحتم على الجميع التوقف عن لعبة «عض الأصابع»، وحسم قضية مستقبل القائمة المشتركة بدون مناورات أو مقامرات أو مزايدات.
وبعيدًا عن تأييد أو معارضة قرار النائب أحمد الطيبي، وحركته العربية للتغيير ، بالانفصال عن القائمة المشتركة، فقد شاهدنا كيف سبّبت خطوته حراكًا سياسيًا استثنائيًا داخل مؤسسات معظم الأحزاب والحركات العربية، وتفاعلًا نشيطًا بين النخب والمثقفين، واحتدامًا للجدالات في الشارع العربي عمومًا، حيث بدا وكأنه يصحو من «خبله السياسي» المستشري، ومن إحباطاته التي عزّزها سلوك قيادات القائمة المشتركة، خاصة خلال ما يسمّى بأزمة التناوب، أو صراع الكراسي والبقاء.
لقد نُشرت وانتشرت، في أعقاب خطوة الطيبي، عشرات المقابلات المتلفزة والمسموعة والمقالات «والستاتوسات»؛ ومن اللافت أن أصحابها لم يتّفقوا، كما هو متوقع وطبيعي، على موقف يُقرّ بكون القائمة المشتركة، بمركّباتها الحالية وبطريقة أدائها السابقة، أفضل الخيارات وأسلمها، وأنها الضمانة المثلى لمواجهة سياسة اليمين الإسرائيلي المستوحش. لقد رمى الطيبي، لأسبابه الخاصة، حجَره في بركة من سراب، فتكشفت «المنارة» وهمًا ومعضلة، رغم ما ردده الحلفاء، طيلة سنين الوحدة، كأحفاد قوم آمنت قبائله «بأن العصيّ إذا اجتمعن تأبى تكسرا، واذا افترقن تكسّرت أحادا». بفذلكة دعائية أعلن معظم القياديين السياسيين، بمن فيهم الطيبي نفسه، على أن خيارهم الأول كان وسيبقى الوحدة والعمل المشترك، لكنّ بعضهم أردفوا، بهدي حكمة «الأمير» ومن باب المناورة – كما جاء في تصريح للدكتور منصور عباس، نائب رئيس الحركة الإسلامية الجنوبية، ورئيس القائمة العربية الموحدة، وعلى لسان بعض قيادات الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة – أن حزبهم سيخوض معركة الانتخابات المقبلة وحيدًا في حالة فشل محاولات إعادة الطيبي وحركته إلى حضن القائمة المشتركة. ستخبرنا الأيام من كان منهم صادقًا ومن لم يكن إلا مناورًا.

شعار الوحدة قد يكون أجمل اليافطات، لكنه قد يصير، في المقابل، رداءً رثّاً يؤذي ما تحته ولا يحميه

تقوم جميع الأحزاب، في هذه الأيام، بعمليات تقييم وحسابات لمدى قوتها الحقيقية، بمنأى عن هواجس الإعلام وضروراته وعن هرطقات الدعاية وأهميتها، فأثر القرار الإسرائيلي برفع نسبة الحسم لم يختبر بشكل واقعي، ولم يمتحن تأثيره على حظوظ نجاح الأحزاب العربية، وعلى دخولها للكنيست إلا من خلال القائمة المشتركة فقط؛ علاوة على أن الاعتماد على نتائج استطلاعات الرأي، عندنا نحن العرب، مثله مثل التعويل على تعاويذ «قارئة الفنجان» وهي تطمئن «الأسمر» الجالس أمامها وترجوه، جزافًا، بألا يحزن؛ في حين يبقى الاستدلال بنتائج الانتخابات المحلية مؤشرًا محدودًا، لا يجوز الاطمئنان له والركون إليه بشكل حاسم.
لقد اعترفت القيادات، بعد انسحاب الطيبي، بأن القائمة المشتركة ارتكبت أخطاء ووقعت في هفوات، وقد ذكر جميعهم أزمة التناوب، وأشار بعضهم إلى إهمالها تطوير مضامين سياسية مشتركة، لو أنجزت، كانت ستساعدهم على تمتين وحدتهم وعلى عدم إبقائها مجرد شراكة تقنية هشة ومعرضة للزلات والمشاحنات، التي ساعدت على ابتعاد الناس وفقدانهم الثقة بالقائمة، وإلى عزوفهم عن العمل السياسي، حتى البدائي منه، الضروري لصقل هوية الفرد وانتمائه المجتمعي السليم.
سيبقى النقاش حول ضرورة العمل الوحدوي، رغم إقرارنا بحيويته وضرورته في هذا الواقع الإسرائيلي الخطير، مجرد عنوان نظري وشعاراً لا رصيد له في هذه المعطيات السياسية الحزبية العربية؛ فأنا لا أعرف لماذا يراهن مؤيّدو إعادة بناء القائمة المشتركة على تعزيز حتمية نجاح الوحدة، رغم ما أثبتته التجربة في السنوات الماضية؟ ولا أعرف كيف بنى هؤلاء الدعاة افتراضهم القاضي بأن الشركاء سيتصرفون، هذه المرة، بشكل مختلف عمّا تصرفوا في الماضي؛ علمًا بأننا لم نقرأ تلخيصًا مهنيًا واحدًا استعرض فيه حزب أو حركة مشاركة في القائمة مراحل تلك التجربة، وضع فيه الخلاصات والأصابع على النواقص وعلى الهفوات مقابل الإنجازات أو اقترح من خلاله الحلول والضمانات لتحسين الأداء. فخلال سنين التزاوج لم تنقشع غيوم البغضاء من سماوات شركاء «الدرب والمصير»، ولم تستثمر معظم الهيئات الحزبية جهودًا جدّية في قطع دابر الملاسنات، ولم تُبدِ القيادات نواياها لدفن ضغائن الماضي، بل كان بعضهم يشجّع، إما جهاراً وإما بالخفاء، استمرار المناكفة، ويؤجّج استعار المشاحنات، لأنها كانت بالنسبة لهم أضمن الوسائل للمحافظة على ولاء الجيوش، وعلى تخندقها وراء جنرالاتها في المعسكرات الحزبية؛ أمّا الوحدة المعلنة فلم تكن في الواقع، أكثر من صبغة لأقنعة أخفت أنيابًا عطشى. لن يناقش عاقل على أننا، نحن المواطنين العرب، بحاجة إلى بناء جبهة عريضة، تكون قادرة على الصمود في وجه غول الفاشية المنفلت في مواقعنا؛ ولكن لن يكفي هذا الإقرار لتحقيق هذه المهمة، إذا لم يرافقه اتفاق بين الشركاء على تحديد معسكرات الأعداء مقابل معسكرات الحلفاء، وإجماع على وسائل المواجهة وميادينها. فنحن لسنا في معرض مناظرة أكاديمية، ويكفينا بتجربة القائمة المشتركة برهانًا على أن شعار الوحدة قد يكون أجمل اليافطات، لكنه قد يصير، في المقابل، رداءً رثّاً يؤذي ما تحته ولا يحميه. فهل سنجد ملجأنا الوحيد في استعادة ابن القائمة «الضال»؟ أم سنلقى في إعادة بنائها خلاصنا الأكيد؟ أشك في ذلك! فكما في الماضي، سيبقى في المستقبل دوف حنين وأيمن عودة حليفين «للشيطان» لأنهما ابنان لحزب يؤمن بأن زهافا جلئون وأبراهام بورغ وأمثالهما هم حلفاء للعرب في معركتهم ضد الفاشيين، وأشك في ذلك! لأنني لا أعرف كيف يمكن أن يتعايش، تحت سقف واحد، من يرى في بشار الأسد حاميًا لعرين عروبته ولكرامته، مع من يرى في أردوغان سلطانه أو في طول عمر الأمير المفدى مآله؟ وأشك في ذلك! لأنني لا أستوعب كيف سترضى حنين زعبي مثلاً التنازل لمن لا يستطيع، رغم انفتاحه الصادق، إلا أن يسوّغ زواج الرجل بأربع، كما تأمره الشريعة وقوانينها؟ وأشك في ذلك! لأنني لا أفهم كيف ستصان الوحدة بين أحمد الطيبي ومن يعتبره عميلًا لسلطة رام الله و»لأذناب» أوسلو.
وأخيرًا، نحن بحاجة إلى إقامة جبهات نضالية حقيقية؛ هي ربما ثلاث جبهات، لكنني اقترح، ونحن عند أعتاب المعركة، إقامة جبهتين، تشترك في الأولى كل القوى العربية التي لا ترفض التحالف مع جميع القوى اليهودية، غير الصهيونية والصهيونية، والتي تؤمن بضرورة إنهاء الاحتلال الاسرائيلي والتصدي للقوى الفاشية، وبضرورة محاربتها على جميع الأصعدة وفي كل الميادين ومن أجل إقامة نظام حكم ديمقراطي حقيقي. والجبهة الثانية ستكون عربية – عربية تجمع كل من تبقى من قوى سياسية لا تقاطع الانتخابات، وترى في الكنيست حلبة للنضال المدني ووسيلة كفاحية مقتصة من مواطنتنا في الدولة.
ويكفي العاقل شر تجربة وحدة؛ فقد نكتشف أن خوض الانتخابات بقائمتين/ جبهتين سيكون أنجح من خوضها بقائمة مشتركة واحدة، شريطة أن يتمّ توقيع اتفاقية فائض أصوات بين القائمتين، وأن تتعهدا بالمحافظة على أجواء تنافسية إيجابية غير عدائية، وأن تعملا على زيادة أعداد الناخبين ومحاربة نداءات المقاطعة وتأثير حالات الركود السياسي المتنامي.
يتبع..
كاتب فلسطيني

 

 

بين مسيح

 حيفا وعذراء فاطمة

جواد بولس

"فاطمة" اسم لمدينة برتغالية صغيرة تقع على بعد (123) كلم شماليّ العاصمة لشبونة، وتُعدّ من أهم المزارات السياحية المسيحية في العالم، حيث يؤم كنيستها كل عام زهاء عشرة ملايين سائح كاثوليكي، يجيؤونها سعيًا وراء نذورهم وبعد أن فقدوا الأمل في شفائهم أو في شفاء أعزائهم وأخذوا يفتّشون عن الخلاص في ثنايا التاريخ وبين عبق أساطيره حيث تتربع السيّدة فاطمة على أحد عروشها المورّدة هناك.  

وَعَدنا قريبتنا ، المؤمنة برحمة العذراء مريم ، أن نزور المكان ونضيء، كما طلبت، في الكنيسة شمعة ونستشفع من أجل زوجها المريض عسى أن تطاله الرحمة،  بعد أن عجز الأطباء عن علاجه من مرضه العضال.

صارت "فاطمة" مدينة تمتهن الصلاة وتصنّع الذكرى وتبيعها لآلاف المؤمنين الذين يملأون مطاعمها وحوانيتها؛ فأنّى ولّيت وجهك ترى الواجهات وهي تغصّ بتماثيل "السيدة"، التي يباع بعضها كتذكارات بسعر "سياحي شعبي"، كما يليق بالبضاعة الصينية، وأخرى تعرض على أنها تحف أبدعها فنانون محترفون، فيصل سعرها الى مئات اليوروهات وأكثر.

وستجد ، إلى جانب تشكيلة تماثيل العذراء مريم والسيد المسيح،  مئات القطع  "الفنية" التي تجسّد، بمجملها، قصة المكان كما روتها الأجيال وأقرّتها الكنيسة الكاثوليكية، في مطلع القرن الماضي، حين تبنى أباؤها رواية تجلّي السيّدة فاطمة بثوبها الأبيض الوادع وبسبحتها، يوم ١٣ مايو ١٩١٧ لثلاثة اولاد كانو يرعون الغنم هناك، وطلبت منهم أن يعودوا إلى نفس المكان وفي نفس التاريخ من كل شهر ، فعادوا لتظهر لهم خمس مرات اخرى حتى ١٣ اكتوبر ١٩١٧.

ما بين "حيفا" و"فاطمة" بحر وشموع وسماء؛ فهنا تبدأ الحكاية والبكاء وحديث الفجر للصخرة، كما في الكتب، وهناك ظلال ويأس وما خطّته الريشة على الغمام.

 أعترف  أنني لم أزر معرض "بضاعة مقدسة" المقام منذ الرابع من آب العام المنصرم في متحف حيفا، لكنني تابعت تفاصيل الأزمة المثارة بسببه منذ بضعة أيام، وقرأت معظم ما كتب وما نشر عنها بعد أن قرر بعض المسيحيين المدفوعين، ربما، بدوافع مغرضة، الاحتجاج على عدد من الأعمال الفنية التي عرضت فيه بحجة انها  تمسّ بعقيدتهم وتهين، من وجهة نظرهم، شخص السيد المسيح. وخصّوا في استهدافهم معروضة للفنان "ياني لينونان"  الذي اختار أن يصلب مهرج شركة "ماكدونالدز" العالمية وهو باللباس الأصفر والقبعة الحمراء محاكيًا صلب السيد المسيح.

للقضية تفرّعات كثيرة وفصول، لكنني لن أتطرق إلى جميعها ولا الى الدوافع الحقيقية لمن أثاروا هذه الزوبعة بعد أربعة شهور على افتتاح المعرض، الذي لم يكن الأول من نوعه في إسرائيل ولا في العالم ؛ فحتى لو كانت مقاصد البعض مغرضة يبقى احتجاج آخرين، شاركوهم البدايةَ أو التحقوا بهم ، صادقًا ونابعًا عن ايمان وعن حق بالتعبير وبالاعتراض السليمين.

بالمقابل فأنا ادعم قرار المتحف بإقامة المعرض لأنني مؤمن بحق الإبداع وبحق التعبير ، خاصة الفني منه، كحقين اساسيين مكفولين يتوجّب الدفاع عنهما بكل حالة وبكل وسيلة.

لا توجد علاقة بين موقفي المذكور وبين رأيي في المعروضات نفسها، علمًا بأنني لا أوافق مع الذين صرّحوا بأن المعروضات تسيء للديانة وللعقيدة المسيحية وأنها تهين شخص السيد المسيح وتمس طهارة العذراء مريم. على جميع الأحوال سيبقى موقفهم مجرد شعور شخصي وتقييم فردي لا يعطي حامله حق تجريم الفنانين المشاركين او اتهام القيّمين على المعرض او المسؤولين في بلدية حيفا أو تكفير من لا يوافقهم الرأي؛ فحرية التعبير في هذا المربع، بخلاف الدعوة الصريحة للمسّ الجسدي بالمعرض وبمعروضاته او التحريض على العنف باشكاله، تكون متوازية وغير متصادمة وتحفظ للمبدع حقه في الابداع، وللمُشاهِد المعجَب حق الإنتشاء والفرح، وللمُعارض حق الانتقاد أو حتى التظاهر المعلن.

لك أن تنتقد وأن تعترض وأن تتظاهر ولكن بين ذلك وبين التهديد والتكفير وإلقاء الزجاجات الحارقة والرغبة في الاستيلاء على الحيز العام ومصادرة العقل، بون شاسع .

وعلى صعيد آخر متصل، أؤكد أنّ تدخل قوات الشرطة وتصدّيها للمتظاهرين وللمحتجّين هو عمل آثم ومرفوض لا تبرّره أية ذريعة على الاطلاق، تمامًا مثل رفضي لتدخل الوزيرة "ريغيڤ" التي ركبت موجة عمياء وأطلقت أعنّتها لرسالة ممجوجة محشوة بكلام باطل يراد به باطل.

لم يقرأ، على الأغلب،  معظم السياسيين العرب والمتهجّمين على المعرض قبل أن يدلوا بدلائهم أو يطلقوا سهامهم، ما نشره القيّمون على المتحف في نشرة خاصة رافقت افتتاح الحدث، حيث جاء فيها على أن دوافع الفنانين المشاركين  وأهداف المعرض ستتمحور حول قضية "الدين والايمان في واقع العولمة المرهون لهيمنة ثقافة الاستهلاك"؛ فالقضية، إذن، أعمق من أن تواجَه بانفعالات مغرضة أو مصنّعة أو معلّبة وبمواقف شعبوية ورمادية متذبذبة.

رسالة المتحف، كما بيّنتها تلك النشرة، تتطرق لموضوع فلسفي معيشي هام، يحق للمرء قبوله أو رفضه، وتسخير الفنانين للرموز الدينية كان خدمة للفكرة ولانتقادهم عملية "استبداد ثقافة الاستهلاك في حياتنا وفي النواحي الدينية بشكل خاص"؛ وقد حاولوا أن يترجموا أفكارهم بوسائل ابداعية قد تُعجب البعض وقد تكون عند غيرهم مستفِزّة، لكنهم أبوا أن يحصروا  هذه العلاقة "بين الدين والاستهلاك في مسألة البضائع  والمنتجات  فقط وذلك لأن الاستهلاكية نفسها تحمل سمات الدين"،  هكذا كانت الغاية؛ ويا لها من محاولة تستحق أكثر من همسة وأجد من غمزة أو لمزة.    

 لقد اختار بعض قادة الأحزاب العربية أن يصمتوا رغم شعورهم بأنّ الأزمة مفتعلة، وأمسك آخرون بالعصا من وسطها فأعلنوا عن دعمهم لحرية الإبداع والتعبير، لكنهم تحفظوا عليها، في نفس المقام، باسم الدفاع عن الدين واحترام رموزه.

من الصعب أن نتفهم مواقف قادة علمانيين آثروا، لأسباب سياسية و"تقنية"، مداهنة الدين ورجالاته؛ ومن المؤسف تسويغ مواقف نخب مثقفة تذيّلت وراء تصريحات قادة أحزابها وهم يُغفلون رسالة كانت تستحثّ عقولهم وتحضّهم على التفكير في علاقة الدين مع عناصر التسليع والاستهلاك.   

بالمقابل قد نفهم مواقف بعض رجالات الدين وهم يذودون عن مؤسستهم ويحاولون حجب رسالة الفنانين والمعرض عن العامة لأنهم يعرفون أنها "رسالة فاطمة" الحقيقية ايضًا،  فعندما ظهرت السيدة للأولاد الثلاثة قالت لهم، حسبما جاء في الرواية: " أنا السيدة العذراء المسبحة، يجب عليكم دعوة الناس للصلاة والتقرب من الرب بعد ان ابتعدوا عنه وانشغلوا بماديات الدنيا"؛

انها مفارقة لافتة، فبين حيفا وفاطمة خيط رفيع وسر يحرضنا على التفتيش عن "المادة" التي كانت وما زالت أصل الحراك، فكل الحكاية تتلخص بعلاقة الدين بالاستهلاك

بعد انتشار خبر التجلي في قرية فاطمة وتحديدًا بعد الثالث عشر من اكتوبر عام ١٩١٧ حضر إلى الموقع جمع فاق عدده السبعين ألفًا الذين آمنوا، كما نقل لهم الأولاد، بأنّ المتجلّية هي السيّدة مريم العذراء أم يسوع. ثم تبنّت الكنيسة الكاثوليكية قصة التجلي وبنت صرحًا عظيمًا بضمنه كنيسة تعتبر رابع أكبر كنيسة في العالم وصارت الجموع تأتيها من جميع أنحاء المعمورة كما جئناها نحن على جناح صيف كي يصلّي من يؤمن منا ويستشفع لمريضنا - الذي رحل رغم حرارة الدعاء- ويشتري الشمع ويحرقه في مراجل فاطمة ويتزوّد بالتذكارات للتبرّك من مقامها ولا يقرأ أنها دمى صنعت في الصين، فالمؤمنون الصحاح غير مطالبين بالقراءة، بل يعيشون بصمت ويموتون كما يموت البهاء.   

لقد اختار الفنان "ليونان" شخصية المسيح المصلوب على طريقته لاستثارتنا وجعلنا نفكر في  قضية العلاقة بين "المنظومات الدينية" و"المنظومات الاستهلاكية"؛ وهو ليس أول من أشار إلى هذه العلاقة الشائكة، فكثيرون قبله كتبوا عن ذلك، كما جاء على لسان نشرة المتحف، وبينهم كان الأديب اميل زولا الذي أعلن، منذ نهاية القرن التاسع عشر أن "عملية الاستهلاك العالمية الحديثة هي دين جديد استُبدلت خلالها الكنائس بالمراكز التجارية الكبرى".

وأخيرًا ، حاول متحف حيفا أن يدفعنا كي نمارس حرّيتنا وكي نبقى ابناء الارادة والحياة، لكن معظمنا بقوا كما كانوا، أولاد هذا الشرق وهذه "الأرض المقدسة" عبيدًا لايمان مسوّق، فكل شيء في بلادنا، كما في فاطمة، له ثمن والمؤمنون يأتون إلى معابدنا من جميع أرجاء العالم ساعين وراء نذورهم، فيشترون الشمع ويحرقونه ويتبرّكون بالتراب ويخزنون الهواء ويقتنون تماثيل المسيح والعذراء ولا يقرأون من وكيف صنعها، والشعب يهتف وراء كهنته : لا للفسق وليسقط الابداع !

 

 

 

هل تطلّق القائمة المشتركة

النائب أحمد الطيبي

جواد بولس

وافقت لجنة الكنيست، يوم الثلاثاء المنصرم، على طلب النائب أحمد الطيبي المقدّم باسم "الحركة العربية للتغيير"  للانفصال عن القائمة المشتركة واعتبار الحركة، من تلك اللحظة، حزبًا مستقلًا، وابقاء المشتركة مع ثلاثة عناصر وهم "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" و"حزب التجمع الديمقراطي" و"الحركة الاسلامية الجنوبية".

ولقد استثارت هذه الخطوة مواقف جهات عديدة بين الجماهير العربية في إسرائيل؛ ورغم تفاوت حدة الردود إزاءها، لم يتناول معظم من انتقدها، لا من قريب ولا من بعيد، دوافع تلك الخطوة كما جاءت في  بيان " اللجنة المركزية للحركة العربية للتغيير" الذي صدر في أعقاب تقديم طلب الانفصال؛ وبدل الرد على ما جاء فيه, مضى البعض بإطلاق أحكامه على الخطوة مدفوعاً بتقييمات مبيّتة أو برغبات أملَتها، على الغالب، عداوات دفينة، لم تنجح مسيرة السنوات الماضية "المشتركة" أن تنقذها من مصير تلك "الشراكات المهزوزة" التي نصح تجّارُنا المجرّبون بوجوب انهائها، حتى لو بالخسارة، شريطة أن يخسر شريكك قبلك ومثلك.

لا أدّعي أن ما جاء في البيان المذكور صحيح كله، لكنه جدير ، بالطبع، بالمناقشة وبالتفنيد؛ فنحن نواجه أزمة سياسية بحتة ولا نعالج خلافًا بين حمولتين حيث يجب أن يتصرف "الشعب" وفق قاعدة انصر أخاك "ظالمًا كان أو مظلوما".

ادّعت "اللجنة المركزية للحركة العربية للتغيير"  في بيانها أنه "ومنذ الاعلان عن حل الكنيست العشرين، طلبنا من الأحزاب الثلاثة معنا في القائمة المشتركة منح الجمهور امكانية الشراكة في تركيب القائمة وخطاب القائمة وتوجهاتها، واقترحنا العديد من الآليات والطرق لذلك، إلا أنّ مطلبنا قوبل بالرفض .. وذهب البعض لاشتراط مفتاح هو انتخابات عام ٢٠١٣".

فاذا كان هذا الادعاء صحيحًا، يحق، ساعتها، لجموع المصوتين التساؤل عن اصرار تلك الأحزاب على العودة إلى مفتاح عام ٢٠١٣ السحري، واغفال ما حصل في جميع هذه السنوات من تغييرات سياسية واجتماعية واضحة، أقلها نتائج انتخابات المجالس البلدية والمحلية الأخيرة وكونها مؤشرًا هامًا يؤخذ من ضمن سلة مؤشرات أخرى .

ثم جاء في ذلك البيان على أن  " المشتركة تعاني من زعزعة ثقتها في الشارع العربي وتحتاج الى تجديد خطابها واعادة هيبتها في الشارع ونواب العربية للتغيير اثبتوا كفاءتهم وجدارتهم في خدمة الناس وتمثيلهم بشموخ .." .

قد يستفز هذا الكلام شركاء لا يطيقون الطيبي تاريخيًا وبعض الشامتين الذين يتمنون خروجه من المشتركة نحو الهاوية، كما يعتقدون، ولكن لا يعفيهم ذلك من ضرورة مواجهة المضمون، ولا يبرّر اسراع بعضهم واطلاقهم لتصريحات قاسية وغير مفيدة حين جرّموا  النائب الطيبي و"العربية للتغيير" واتهموه بالابتزاز وبسعيه المتعمّد من أجل ضرب المشتركة والمسّ بوحدة الجماهير؛ أو  كما  أوعزت شخصيات قيادية أخرى بأن انسحاب الطيبي وحركته يتساوق ، عمليًا، مع رغبة نتنياهو واليمين الاسرائيلي، وذلك في إشارة مغرضة وغير صحيحة بحقه، خاصة وأن بعض هؤلاء القادة لم يستبعدوا أن تكون خطوة الطيبي مجرد مناورة لتعزيز مواقعه التفاوضية من أجل رجوعه الى حضن القائمة المشتركة بحجم أكبر.

هنالك اجحاف وخلط بين المواقف الشخصية والسياسية تجاه النائب الطيبي وتجاه حركته، وهنالك حالة من استقواء الشركاء عليه في هذه الفترة الحرجة، وكثير من المداهنة والنفاق في استغلال خطاب الوحدة والمصير ؛ فنحن لم ننس، رغم انتهاء الأزمة، كيف اندلعت  "معركة الكراسي" الشهيرة في اعقاب قضية باسل غطاس ودخوله السجن، وكيف كان نشطاء التجمع ينقضّون على قادة الجبهة ويتهمونهم بالانتفاع المادي على حساب التجمع وبسوء النوايا وبتعمّد فض الشراكة وضرب ارادة الجماهير ووحدتها ؛ ثم كيف انتقلت تلك المعارك الى ساحات "العربية للتغيير" وتفاقمت فصولها حتى بدت نهاية العالم وكانها واقفة على أرجل ذلك المقعد النيابي الساحر .

كانت الحرب على المقعد ، وكانت جميع الذرائع التي سيقت في سبيل نفي هذه الحقيقة واهية وكاذبة. فالانتخابات النيابية تجري من أجل حصول الأحزاب على المقاعد لأنّ المقاعد تعطي الحزب القوة وفرص التأثير ولأنها تدرّ على خزينته العوائد وتؤمّن للنائب قسطًا من الجاه وبعض الدخل؛ ولذلك فمن حق الطيبي أن يطالب، مثلكم،  بحصة أكبر في مقاعد القائمة، خاصة اذا كان يشعر أن شعبيته تضاعفت في الدورة السابقة وأن مكانة حركته تعززت، كما يدعي، لسببين:  شروعه، منذ مدة، بمأسسة حزبه وببناء أطره التنظيمية وببروزه كنائب نشط ومميز استحوذ على اهتمام شعبي واسع، مثلما برز، إلى جانبه، زميله في الحركة النائب السابق اسامة السعدي الذي شهد لعمله البرلماني جميع زملائه في المشتركة ومن خارجها.

من حق الطييي، إذن، أن يطالب بما يراه مناسبًا ومنصفًا له ولحركته، ومن حق الشركاء، في المقابل، أن يتفاوضوا معه باحترام حقيقي كما يتوجب على شركاء يسعون بجدية وبأمانة من أجل المحافظة على القائمة المشتركة التي يعتبرونها "انجازًا وطنيًا مقدسًا" واداة مستحدثة وضرورية لمواجهة سياسات الحكومة القادمة ضدنا نحن المواطنين العرب.  اللجوء  في هذه الظروف إلى خطاب التخوين المعلّب ومهاجمته كما حصل، لا يستوعب إلا من باب رغبة المقرّعين في " تطفيشه" وقطع جميع الجسور، كي يصبح إشهار  نيته بالطلاق طلاقًا "بائنًا بالثلاثة" كعدد الشركاء .

بالمقابل، سيبقى ما صرّح به رئيس القائمة المشتركة النائب أيمن عوده، بعد تقديم طلب الطيبي للانفصال، صحيحًا؛ فالمعنيّ الأول بإضعاف القائمة المشتركة وبتراجع حضورها في الكنيست هو اليمين الاسرائيلي وقائده الأخطر بنيامين نتنياهو ، ولكن بقدر ما سيكون هذا التصريح/ التلميح صائبًا بحق خطوة  الطيبي، سيبقى كذلك بحق نواب المشتركة جميعهم وفي طليعتهم النائب أيمن عوده نفسه لأنه الأول بين متساوين، وقائد تصرف، في أدق الأزمات وأعقدها، بنضوج وبحكمة اقنعتا الكثيرين بأنهم في حضرة قائد رزين وواعد ؛ فصيانة الوحدة هي مسؤولية تقع على جميع مركبات القائمة المشتركة وسيبقى، برأيي، دور الجبهة الديمقراطية وكوادرها الواعية وحصتهم في انجاح هذه المهمة هما الأكبر والأهم وذلك لأنها أعرق الأحزاب وأنضجها تجربةً ووعيًا وأكثرها تنظيمًا، وهي صاحبة الرؤيا الجامعة والمؤسسة لضرورة العمل البرلماني كساحة نضال أساسية في الدفاع عن مصالح الجماهير العربية وعن بقائها  في وطنها.

تهدر في خضم هذه المقارعات طاقات ثمينة كان الأولى أن توجه ضد الأحزاب الصهيونية التي تحاول اختراق صفوف الجماهير العربية، أو في مواجهة الحركات السياسة والدينية العربية التي تدعو إلى مقاطعة انتخابات الكنيست عن عقيدة وعن ايمان، لا سيما وقد نجحوا  باقناع آلاف المواطنين العرب كما شاهدنا في الدورات الماضية .

كشفت قضية القائمة المشتركة رزمة من المسائل السياسية الهامة المتعلقة بواقع وحياة الجماهير العربية، وعرّت خطوة الطيبي الأخيرة هشاشة وحساسية بعضها، خاصة تلك التي تتعلق بأزمة القيادة وبدور الأحزاب التقليدية في ريادة العمل السياسي وقيادته، وبتشابك الشخصي والعام وتأثير هذه الدوافع على عملية اتخاذ القرارات المفصلية، وبولادة شرائح اجتماعية عربية جديدة تفتش عن مكانتها في العملية السياسية المتفاعلة وليس بالضرورة في نفس الأساليب والأطر والأفكار التي سادت في العقود الخالية ،وبغيرها من عناوين كل واحد منها جدير بمقالة أو أكثر.      

على جميع الأحوال،  يدّعي البعض ان الطيبي خطط عامدًا لانفصاله عن زملائه ولضرب العمل السياسي المشترك، وهذا اتهام لا يقوم على حقيقة ولا على برهان ، لكنه يحمّل من أطلقه مسؤولية مضاعفة جهوده، ويلزمه بالعمل، بنية سليمة وبحس وطني، كي "يفشل" خطوة الطيبي الانفصالية ويبقيه شريكًا كاملًا في القائمة المشتركة، لأنها ، كما قلتم، انجازًا تاريخيًا مقدسًا

ويدعي آخرون أن الطيبي لا يقود حزبًا بل يحيط نفسه ببعض المقربين والأصدقاء، وهذا تسطيح فيه من خداع الذات قسط، ومن مهانة من يدعمونه وينشطون في مؤسّسات حركته أقساط، فالأهم أن المعركة الانتخابية القادمة ، ككل المعارك الدامية، لا تحتمل المقامرات الكبيرة ولا تفيدها المؤامرات الصغيرة، خاصة عند من يسعون من أجل الفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد .  

 

 

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

هل ينجح الوزير اردان

بتوحيد اسرى فلسطين

جواد بولس

أعلن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، جلعاد أردان، يوم الاربعاء المنصرم ، عن تبنّيه توصيات اللجنة الخاصة التي شكّلها لبحث ظروف معيشة الأسرى الأمنيين الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

لم يُخْفِ أردان مقصده من وراء تشكيل هذه اللجنة، فهو ومعظم وزراء حكومة نتياهو كانوا قد أعلنوا "حربهم" على الحركة الأسيرة الفلسطينية منذ مدة طويلة، وباشروا، قبل انهاء اللجنة لأعمالها،  بتنفيذ رزمة من الخطوات القمعية ضد بعض السجون، كان من أبرزها سحب الكتب من مكتبة الأسرى في سجن "هداريم" وتفعيل كاميرات مراقبة في سجن "هشارون" ، سجن الأسيرات.

ولقد تفاوتت ردود الفعل الإسرائيلية على تصريح الوزير ، من استحسان  بين أوساط غلاة المتطرفين، الى وصفه من بعض المحللين السياسيين "بالخطوة الشعبوية" التي تستهدف ، خاصة بعد الاعلان عن موعد الانتخابات العامة في نيسان المقبل، استثارة مشاعر الجموع اليمينية المحرّضة ضد الفلسطينيين، بوجه عام، والمعبّأة ضد الأسرى الأمنيين الذين سجنوا بسبب مقاومتهم للاحتلال، بوجه خاص.  

تعهّد أردان في تصريحه بتنفيذ جميع توصيات اللجنة وأكّد، على وجه الخصوص، عزمه على إلغاء تخصيص أقسام السجون وفقًا لانتماءات الأسرى الفصائلية وإعادة دمجهم بدون علاقة للهوية التنظيمية.  ثم أضاف ، في احدى مقابلاته، وقال "تظهر بين الحين والحين، صور مستفزة "للارهابيين" وهم يُعِدّون طعامهم داخل الأقسام، وهذه "الهيصة" ستنتهي ، لأن مصلحة السجون هي المسؤولة عن تزويد الأسرى بالطعام وذلك بكميات الحد الأدنى المستحقة حسب القانون".    

لم يكتفِ أردان بالتطرّق إلى ذينك التفصيلين، بل صرّح أنه يؤيد وقف ادخال مبالغا "الكانتينا" الشهرية التي تدفع من قبل السلطة الفلسطينية عن الأسرى كي يشتروا بها أغراضهم المعيشية من داخل السجون بأثمان تكون على الأغلب أعلى من أثمانها في السوق الفلسطينية ؛ وسيحدد كميات المياه التي يستطيع الأسير استعمالها يوميًا، وسيقلل من عدد زيارات الأهالي لأبنائهم، وغيرها من الخطوات التي درجت على تنفيذها أنظمة دكتاتورية بغيضة.

لا أعرف منذ متى انكشف الوزير أردان على تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية، فهو من مواليد العام ١٩٧٠ وحتى تاريخ التحاقه بصفوف الجيش الاسرائيلي، كان آلاف الأسرى الفلسطينيين قد أكملوا بناء كيانهم وأوضحوا للقاصي معاني وجودهم في الأسر، وللداني امكانياتهم واستعدادهم للتضحيات غير المحدودة، ففرضوا حقيقة وجودهم الجمعي على "مصلحة السجون الاسرائيلية" التي أضطرت أن تتعامل معه باحترام نسبي وأن تقبله كواقع  حتى عندما كانت تندلع بينهم بعض الخلافات حول بعض التفاصيل وفي بعض المحطات، كما شهدنا خلال تلك العقود من المد والجزر.

ليس من الصعب على الوزير أردان أو غيره ان يراجع تفاصيل تلك "المعارك" التي خاضها الأسرى الفلسطينيون وضحوا فيها بالنفيس وبالغالي ؛ في البداية، لم يكتشف "السجان" الإسرائيلي محرّكات تلك النضالات الحقيقية وكنهها، ولم يستوعب أنها صراعات على الكرامة الانسانية الخالصة وكفاحات من أجل البقاء الحر، وأنها ليست، كما حسبوا، مجرد مناكفات لسجناء صاروا عبيدًا وراء القضبان أو حوكموا لأنهم جناة ومجرمون.

 يستهدف الوزير أكثر من عصفور  باعلانه،  فهو يستشعر نبض "الرعاع" ويحاول أن  يغذي غريزتهم وهم يطاردون الضحايا الفلسطينية ؛ ويشعر ، من ناحية ثانية، بقوة وهو يقرأ تقارير استخباراته وهي تشخص عوارض أزمة قائمة داخل صفوف الحركة الأسيرة، ويقرأ ،كذلك، كيف تواجه المؤسسات الفلسطينية التي تعنى بشؤون الأسرى مخاضات مربكة وحالة من الالتباس الموجع .

فهل سينجح؟

لقد قرأنا كيف تنبأ ضابط كبير في "مصلحة السجون الإسرائيلية" بفشل وزيره وذلك ليس بناء على تجارب الماضي وعبره فحسب ، انما لأن القضية التي سيواجهها الوزير وغيره مركّبة وأكثر تعقيدًا مما يقدّرون، وقد يكون الوزير غشيمًا مثل ذلك الحصان الأعمى أو كمن اختار الرقص في حقل كلّه ألغام.

على جميع الأحوال ستبدي لنا الأيام ما نجهله اليوم؛  ففي تصريح لقدورة فارس، رئيس نادي الأسير الفلسطيني، وهو أسير من ذلك الزمن الوردي، تمنّى، من باب المقارعة، لو ينجح الوزير باعادة اللحمة الى صفوف الحركة الأسيرة، التي عاشت سني حياتها موحدة في الغرف وفي الأقسام وفي الساحات وفي جميع مسامات الحياة، إلى أن اخترقتها سوسة الفرقة والتشظي فتشتّتت فصائل وتنظيمات وقبائل واقسام.

لقد كان قدورة ومن سبقوه أسرى بمقاسات ثورة، وعاش كما عاش المؤسّسون قبلهم كما يريد الوزير أردان وفقًا لأنظمة السجون وما أقرته لهم من حقوق الحد الأدنى من دون مدّهم بأموال خارجية، ومارسوا قناعاتهم بكرامة وصمودهم كمناضلين أصيليين فاكتفوا بالخبز  وبالحق وبالزيتون وبالأمل لأن الأسير الفلسطيني عاشق للحرية ومن أجلها اختار النضال ورضي بالأسر .

مَن مثل أسرى فلسطين فقهوا بأن "المال إذا دخل ثورة أفسدها" وبأن الحرية تنتزع ولا تؤخذ بالترجي.

قد يكتشف  الوزير أردان ، قريبًا، أنه هدد بالوهم، فمن سمعه قد يحسب أن الأسرى يعيشون في الجنة بينما الحقيقة غير ذلك اطلاقًا، فزيارات الأهل اليوم محدودة وعائلات كثيرة محرومة منها أو لا تزور أبناءها بانتظام؛ ووجود الماء في السجون ضرورة تفوق وجوده في الحياة خارجها فهو ضمانة لمنع انتشار الأمراض، وهذه رغبة السجان لا مصلحة الأسير وحده.

لقد قلنا في الماضي أن وجود الحركة الأسيرة الفلسطينية في سجون الاحتلال هو ظاهرة طبيعية وايجابية بكونها نتيجة لحالة غير طبيعية، فالاحتلال هو الجريمة ومقاومته هي حق بمقتضى جميع القوانين والأعراف والمواثيق الدولية،  فتخيلوا لو بقي هو ولم تعد هنالك حركة أسيرة فلسطينية !

المشكلة ، وقد يكون الوزير قد أدركها، أن الحركة الأسيرة تعاني من صدوع مقلقة، وهنالك حالة من الفوضى تضرب المؤسسات التي تدافع عنها في الخارج ، فعسى أن تكون ضربة أردان بمثابة الصعقة الكهربائية التي ستعيد للجسد نبضه وللخدّ تورّده وللنضال معناه، فحكومة نتنياهو لم تعلم كيف كان أطفال فلسطين ينامون على تهليلة "يا ظلام السجن خيّم" ويصحون على تنهيدات الأمهات وهن  يردّدن "ليس بعد الليل إلا فجر مجد يتسامى"..

 

 

رسالة إلى محمد صلاح

جواد بولس

 

قد يستهجن الكثيرون أنني اخترت أن تكون رسالتي في نهاية هذا العام موجهة للاعب الكرة المصري محمد صلاح؛ فعندنا في فلسطين عشرات العناوين الأجدر منها لتكون قفلةَ عامٍ مُدبر، تنذر تداعياته بعام مقبل سيكون أسوأ وأخطر.
بدأت حكاية هذه الرسالة عندما التقيت، قبل يومين، في مدينة حيفا، بالاستاذ الجليل، ابن مدينة شفاعمرو إلياس جبور، في عزاء الراحل البروفيسور بطرس أبو منه ابن مدينة اللد؛ وهما علمان من أعلام فلسطين الكثر؛ واحد رحل وكانت تباريح التاريخ قد أغوته، فتبحّر في ثناياه حتى صار فيها معلّمًا؛ وثان ما زال يمضي على دروب الآباء الكرماء، أصحاب الفطنة وصنّاع الصمود والأمل، فندعو له بطول العمر ومزيد من العطاء.
سألته كيف يرى أوضاعنا ونحن مقبلون في شهر أبريل/نيسان المقبل على انتخابات الكنيست الإسرائيلي، خاصة وقد حصل ما حصل في انتخابات المجالس البلدية والمحلية التي جرت في اكتوبر/تشرين الأول المنصرم ، فقال: “المقبلات أكثر غَثَا”، وتأنى، كمن عرك أذن الحياة، ثم عبّر عن خوفه وعن قلقه، لأننا نمضي نحو المجهول، ولأننا لم نتعلم من دروس التاريخ، ما جرى منه قبل رسالة بلفور، وما تلاها من مواقف الدول عامة، وليس الإنكليز وحدهم ومن معهم من قيادات عربية أشبعونا سرابا وأمطرونا قيحًا. لم يكن وصولنا، بعد ذلك، إلى قضية اللاعب محمد صلاح صعبًا، لأنها كشفت مجددًا وجهًا آخر من تعقيدات وجودنا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، وعرّت حقيقة علاقاتنا المركبة والملتبسة مع “الأشقاء” على المستويين الفردي والمجتمعي. لقد وعدته أن أنهي عامي برسالة أطيّرها إلى الفرعوني الأحمر.
رسالة إلى محمد صلاح:
نقلت مواقع الأخبار مؤخرًا تصريحًا على لسانك جاء فيه، إن كان صحيحا، أنك تهدد بالرحيل عن فريق ليفربول الإنكليزي لكرة القدم، إذا ضمّت إدارته إلى صفوفه اللاعب مؤنس دبور، لأنه يلعب، كمواطن إسرائيلي، في صفوف منتخب إسرائيل الوطني رغم كونه عربيًا فلسطينيًا ومسلمًا. لست متأكدًا ماذا تعرف أنت وملايين العرب عنا نحن “فلسطينيي الـ48” الباقين، رغم أنف القمع والمؤامرات، في عشرات المدن والقرى العربية، وماذا أخبروكم عن قصتنا الحزينة حين نمنا، ذات صيف، على وطن وصحونا على نكبة، لنصير “مواطنين” غير مرغوب فينا في دولة صار اسمها إسرائيل.
لا تتوقع مني أن أوجز لك، في عجالة، تفاصيل تاريخ مثلث الأضلاع، كان بينها ما درجنا على تسميتها “قيادات الرجعيات العربية” التي امتلكت، قبل عام النكبة أو بعدها، كيانات كانت أو تحوّلت إلى دول فاشلة، ولم تمارس دور “الدول الحديثة” كما تمارسه، مثلًا، بريطانيا التي أصبحتَ أنت فيها نجمًا محبوبًا وبطلًا تهتف باسمه الجموع الإنكليزية. لا أعرف، يا محمد، ماذا علّموكم في المدارس عن فلسطين التي كانت قبلة العرب؟ عن أهلها الذين هابتهم أعواد المشانق وعن سمرة ابنائها التي تشبه سمرتك؛ فهل أخبروكم كيف حميناها نحن، عشاق القصائد وصناع الأمل، من كامل الضياع؟ ليس صدفةً أن يستفز تصريحك، إن كان ورد كما ورد، آلاف الفلسطينيين، خاصة أولئك الذين صاروا يحبون، من أجلك، فريق الشياطين الحمر “ليفربول” وهو يتصدّر دوري بريطانيا، التي اذا كنت تجهل، كانت ولم تزل سيدة العهر وأم معظم مصائب العرب وقابلة نكباتنا وولّادة الأسى وكل الوجع.
يحبونك في بريطانيا، رغم اسمك ولحيتك، لأنك في أعينهم ساحر الكرة، أو من أجل الهدف، ويهتفون لك، رغم انحنائك لربك على أرض الملاعب، إذا أهديتهم النصر يا ابن العرب؛ لكننا نحبّك، نحن في فلسطين، بدون “هدف” ولأنك منا ولنا، حتى صرنا نحب فريقك، رغم كونه واجهة دولة ما زالت تفاخر بخساسة “بلفورها” وتزهو بأمجاد ” ثاتشرها” وتدعم تلون “ميّها”.
أراهن أنك لا تعرف، مثل ملايين العرب، عن فلسطين إلا ما قصّه لكم الغمام ووشت به دموع الندى؛ ولم تقرأ عن تلك الجنازة “التي طلعت من سجن عكا” ولا كيف أردت البنادق من احتموا في كنيسة قرية عيلبون الجليلية، وحصدت في كفر قاسم أرواح الأبرياء في مجزرة شيطانية؛ فمؤنس هذا الذي ستترك بسببه فريقك هو من سلالات “سرحان” الذي كان يمشي نحو تل الحارثية “حيث ماسورة بترول شقية، تحمل الخير الذي يدفق من أرض الشعوب العربية، لبلاد أجنبية”. فهل عرفت ما كنت تجهل؟ً
أنا لم أسمع بمؤنس قبل ما صار “دبّورًا” في ملاعب الكرة ومشهورًا، ربما أقل منك أو مثلك، لكنه، حتمًا، يعبد ما تعبد ويسجد للرب مثلك ويحلم بالضاد ويهدي كل نصر لشعبه ويقبل بعده جبين أمه. فلماذ تستعديه بسبب ذنب لم يقترفه وفي بلاد ستبقيان فيها بطلين غريبين وأسيرين في شباك لن تدوم لكما طويلًا.
قد تكون أنت بنفسك ضحية لما تعلّمتموه في بلادكم عنا، نحن الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل؛ فبقاؤنا في وطننا كان قد أربك بناة الدولة العبرية وأفسد عليهم إمكانية تحقيق مخططهم الأصلي والفوز “بوطن” خال من سكانه العرب الأصليين؛ لكنه، في الوقت نفسه، عرّى خديعة من تواطأ مع الإنكليز ومن تآمر مع الصهاينة على مستقبل فلسطين وشارك عمليًا في ضياعها.

ماذا أخبروكم عن قصتنا الحزينة حين نمنا، ذات صيف، على وطن وصحونا على نكبة، لنصير “مواطنين” غير مرغوب فينا في دولة صار اسمها إسرائيل

فمنذ سبعين عامًا ونحن نواجه مخططات إسرائيل التي تستهدف اقتلاعنا من الوطن، ونواجه أيضًا فرية أطلقها أولئك المتآمرون العرب الذين حوّلوا حقيقة بقائنا إلى تهمة سموها زورًا خيانة. حوصرنا وكان حصار “ذوي القربى” أظلم وأقسى، لكن مصركم بقيت في خواطرنا وكنا نسترق أخبارها من “صوت العرب” وندق الطبول، كما جاء في النشيد، على أبوابها ومن أجلها.
كنا، رغم النكبة، نعيش على يقين بأننا والمجد على موعد مهما علا “سلم الجماجم”؛ وكان يكفينا أن نسمع صوت “الجمال” لنذوب مثل عروس في ليل زفافها وننتشي في الصباح، وكنا نبكي حين كانت تقرصه ناموسة. أحببنا الخميس في مطلع كل شهر، ففيه كانت “الست” تأخذنا صوب النجوم، وكنا نسبح في نيلكم مع كل “همسة حائرة” وننتشي مع “الشيخين” زكريا وإمام ونردد مع دنقل “لا تصالح”.
عاش أباؤنا أحرارا رغم تجاهلكم لوجودهم ولصمودهم واختاروا أن يكونوا مصريي الهوى، عربًا شرفاء، وبقينا نحن الأبناء أوفياء على العهد، رغم وجود تلك “السفارة بالعمارة” ورغم الشقاء.
وأخيرًا،
ذكرناك، كما قلت، في عزاء الراحل بطرس أبو منه وأنت لا تعرف من يكون هذا الفلسطيني؛ فهو من الذين لم تغرهم وعود البرق فبقي في الوطن. ابن لشكري ولأم من عائلة منيّر اللداوية. كان بيتهم بآخر الطريق التي توصل بين اللد والرملة وكان في حي صغير تسكن فيه عائلات من بيت العمش، فكانوا يسمونه بحي العمش. كان بيتهم من خشب وأبوه كان موظفًا في البريد يعيل بيته بكرامة وبالعرق.. كان خاله يعمل في مطار اللد الفلسطيني. وفي عام 1948 بدأوا يسمعون صوت الرصاص لكنهم لم يشعروا بوجود الخطر، فلقد كانوا مطمئنين لقدوم “فزعات” جيوش العرب. ثم كان العاشر من يوليو/تموز يوم احتلت قوات “الهاغاناه” مطار اللد الذي سقط، رغم حراسته من قبل خمسين محاربًا بقوا لوحدهم ولم يأتهم مدد العرب.
ما أبسط هذه القصة وما أوجعها، فنحن، يا حبيبنا محمد، نطفة من شرف ما زالت تكبر كلما مرت بنا الأيام وقست، وسنبقى حراس الكرامة والمعبد، فرجاؤنا ألا تستقوي على من كان لودّك أقرب وأرحم، لأننا ننام ونصلي للرب في مخادعنا أن يحمينا من أصدقائنا ومن أقربائنا فمع أعدائنا نتدبر وحدنا. واعلم أن الجهل طامة كبرى وانّ الكرامة أكسير الحياة والعقل روحها، فراجع، يا صديقنا، دروس التاريخ ففيها الموعظة والعبر.
كاتب فلسطيني

 

 

خواطر جليلية

من "الراين"

جواد بولس

التقينا صدفةً بعد وجبة العشاء في بهو السفينة التي كانت تقلنا من مدينة "رودسهايم" الألمانية الرابضة على حافة نهر الراين، إلى مدينة "شباير".

 "هل أنت معهم ؟ " سألني مصوّبًا عينيه نحو مجموعة من الإسرائيليين الذين كانوا معنا على ظهر السفينة وشكّلوا بعشراتهم أكثرية مسافريها.

 كان رجل أعمال هولنديا وسيما، تخطى عامه السبعين ، كما وشت حروف السنين على كفيه، وبجانبه جلست زوجته الهوكنغية التي أبدت بدورها اهتمامًا بالمحادثة بيننا وبدت أصغر منه بكثير.  

 لا أعرف ماذا دفعه "للتحرش" بنا، أنا ورفيقي  ؛  فلقد كنّا نتحدث حول البار بصوت خفيض وكما يليق بمسافريْن يركبان الراين ويقصدان مدنه الجميلة التي تستعد لاستقبال عيد الميلاد بحفاوة لم يعرفها الشرق إلا مؤخرًا وبشكل محدود وفي بعض المواقع الرائدة أو "المتمردة" .

قد تكون لغتنا هي سبب توجهه إلي، خاصة وقد أفهمنا، لاحقًا، أنه زار إسرائيل والمنطقة في الماضي لغرض أعماله .

 حاولت أن أتجنب الدخول معه في التفاصيل؛  فلقد علّمتني التجربة أنّ ما يبدو لمعظم مواطني العالم طبيعيًا وبسيطًا سيصبح ، مع أول إستفهام، بالنسبة لنا، نحن العرب الفلسطينيين المسيحيين المواطنين في اسرائيل ، ورطةً قد تفسد علينا متعة الرحلة وتطيّر "الكيف" من رؤوسنا .

يأتي سؤالهم عفويًا وبسيطًا، ولكن كيف سيستوعب أصحاب العيون الزرقاء وأهل النعمة تعقيدات وجودنا في تلك البلاد التي "يختلف فيها الرواة على كلام الضوء في حجر" ؟ وكيف سيتفهمون "طباقات" هويتنا والارتعاشات الدائمة في انتماءاتنا؟

 فنحن، يا صديقي الهولندي الوسيم، لسنا "معهم" حتى ولو حملنا جواز سفرهم ؛ ولسنا "منكم" حتى إذا جئنا لنرشف من مباهج " كريسمسكم" لأنه كان "ميلادنا" قبل أن يصير  لكم ؛  ونعم نحن عرب ولكننا  لسنا من هؤلاء العرب الذين فجّروا  الأمل في الشوارع وفي سوق "شتراسبورغ"، حيث سنرسو بعد يومين ؛ ونحن، الفلسطينيين الأقحاح، ولكننا لسنا من جماعة غزة ولا من جماعة رام الله بل نحن ممن بقوا على أرضهم وسيبقون  "يغنون ويناضلون" كما علّمنا الفجر ووعود العاصفة.

حاولت أن أوجز له الإجابة، فهز رأسه وطمأنني أنه يعرف معظم هذه التفاصيل ، ربما ليس بحذافيرها لكنه أكد على أنه زار بلادنا عدة مرات وتعامل فيها  مع فلسطينيين ومع إسرائيليين وتعرّف إليهم. ثم نظر إلي وأضاف بصوت حزين وقال: أعرف..أعرف ولكن، مع هذا فأنا ما زلت لا أفهم كيف ..

 لم أدعه يكمل جملته التي بدت لي "طُعمًا" لمحادثة قد لا  تنتهي، فرفعت كأسي وواجهته ببسمة صارمة فأدرك معناها وسكت.  

يأتي فرح الفلسطيني في الغربة بغتة كالرعد ويختفي مثله مع التنهيدة الأولى. نسافر ، نطير، نبحر،  ونحاول أن نضم في الغيم البعيد وسادة من ورد فتوقظنا مسامير أحلامنا. همونا في صدورنا لا تنام، وحياتنا كما وصفها "لاعب النرد" كانت وستبقى ضربة أو ضربتين على خاصرة العدم .

 أدرت رأسي نحو رفيقي الذي كان يجلس على يساري فتبسم وقال : يجب أن تجيبه فالرجل كان لطيفًا وعلى ما يبدو فهو متعاطف معنا كفلسطينيين.

ماذا سأقول له وأنا أعرف أنه محق، فنحن، الفلسطينيين، نملك أعدل قضية لكننا لم ننجح في انصافها وفي إنقاذها من الخيبات، والآتي أمامها، كما تنذر جميع أبراج السياسة، سيكون أوخم وأقسى وأخطر . وحالنا ، نحن العرب في إسرائيل قد لا  يكون أفضل لاننا ننام في فوهة البركان. لقد جئنا إلى هنا لنمارس بعضًا من النسيان وكثيرًا من لذة الوحدة.  

مررنا ، أنا ورفيقي، كما يليق في هذه الليالي، على مسلسل النكسات في عصرنا الحديث فأحسسنا بالعطش وبوجع يشبه وجع "المارّين بين العتبات".

لقد تمنينا، على طريقة المتفائلين البسطاء، أن تنتهي العشرة الأخيرة الباقية بسرعة ، مع أننا لم ندر  كيف ولماذا سيكون العام المقبل أفضل لنا؟

كانت سنة 2018 رمادية على جميع العرب وكسابقاتها كانت سنة عجفاء، عزّزت فيها أنظمة الحكم "طبائع استبدادها" ضد مواطنيها، في حين أخفض الحكام وبطاناتتهم رقباتهم أمام الغطرسة الأمريكية غير المسبوقة والعنجهية "النتنياهيه" السافرة ؛ وكانت كذلك قاسية على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، الذين ما زالوا يواجهون أعتى صنوف الغطرسة الاحتلالية الإسرائيلية العسكرية ومقارف سوائب المستوطنين الفالتة وهم يعيثون في الأرض فسادًا وإرهابًا وبطشًا ، ويعيشون كذبة الأوهام الكبيرة؛ فرغم وعود "الاخوة الأعداء" بالمصالحة، ما زال الشعب يدفع فاتورة أخطر الانقسامات في تاريخ فلسطين الحديث، ما أصبح يشكل تهديدًا حقيقيًا لمستقبل مشروع التحرر الوطني ووسيلة للقضاء على مكاسب نضالاتهم التي احرزوها، لا سيما في العقود الستة الأخيرة.

لم يقتصر حديثنا  على شؤون الغم والهم،  فبيننا، نحن العرب في اسرائيل ، ورغم اسوداد النهار، بزغت شموس صغيرة قد تعيد لسمائنا زرقتها الواعدة ورقصة السنونوات القديمة، وقد يكون هذا "الميلاد" علامةً فارقة على طريق تمتين الهوية الاجتماعية بين بعض التجمعات السكانية التي سئمت لعنة الفرقة وغضب المنابر التي تدعو الى البغضاء

كنت أسرد لرفيقي حكاية قريتي الجليلية ، كفرياسيف ، التي أهملها البناؤون فكادت تغرق تحت غبار العجز وتضيع  بين دخان الرصاص، لكنها استفاقت، في اكتوبر الماضي، وقامت كما في الأناشيد والكتب.

أحيت قيادات القرية الجديدة وشبابها ثلاث ليال تحت عنوان " الكريسماس ماركت"  فكادت قلوب الناس في الجليل وغيره أن تنفطر من هول الفرح.

"لكنهم هاجموكم"  قال رفيقي، واخبرني انه قرأ عمّن وصف هذه السعادة بالفسق وتمنى لمن شاركوا فيها عظيم البلاء وأشد العذاب.

رفع الهولندي كأسه وطلب أن نشرب نخب الصدفة الجميلة وتمنى لشعبنا السلامة والحياة. لم نكن لوحدنا فلقد انضم الينا رجل وزوجته كانا قد اخبرانا انهما يسكنان في مدينة نهاريا القريبة من قريتنا.

مهما تحاول في هذه الرحلات أن تحافظ على مسافة من باقي المشاركين فيها، خاصة اذا احسست، ربما عن خطأ، بأنهم لا يستطيبون جانبك، لن تنجح، فللغربة قوانينها وللسفر لزومياته.

شربنا النخب وتبادلنا مشاعرنا حول أجواء المدن الألمانية، فالناس تتصرف فيها، رغم البرد وغياب الشمس، بهدوء ويلعب الأطفال بطمأنينة، ونحن، رغم كوننا أغرابًا، أصبحنا جزءً من المشهد وأصحابًا للعيد.

شرحت "لصديقي" الهولندي لماذا نحترف نحن في الشرق ، برأيي، طقوس الخسارة، ونتراجع من بؤس إلى أسوأ، وأفهمته، أنهم رغم قناعتنا بأن "سوسنا من عودنا"، يبقون هم ، أهل الغرب,  سادة لهذا الشقاء وحماته البارعين .

لم يُبدِ جارنا اليهودي اهتمامه بما دار بيني وبين الهولندي من حديث ، فهو لم يواكب بدايته؛ لكنني سألته، وقد أدهشني تعامله اللطيف مع الألمان، كيف نجح، بعد سبعين عاما فقط، أن ينسى ما فعله الألمان لهم وللشعوب الأخرى، بينما يقسمون، في بلادنا، على ألا ينسوا ما فعلناه، نحن الفلسطينيين، بهم ؟ فأي شرع يجيز لكم أن تحتلوا أرضًا لأكثر من خمسين عامًا وتضطهدونا، نحن المواطنين في دولة الاحتلال؟

هز الهولندي رأسه متعاطفًا مع نبرة صوتي وصمت الاسرائيلي وقال متعذّرًا: لقد جئنا إلى هنا كي نفرح فدعنا لا ننكأ تلك الجراح.

 عدت إلى رفيقي إلياس وأكدت له أن من هاجم ليالي كفرياسيف البيضاء لن ينجح في تعطيل مسيرة شعب لا ييأس ، لأن الحياة، في فلسطين، ستبقى الأدوم من الدمار،  والحب فيها أقوى من الموت ؛  فكفرياسيف التي أحبها "شعراء المقاومة" ودلّلوها في أشعارهم أرادت مجددًا لقاءهم "فتوافد للقائها الأحبة والشعراء"  وجاؤوها، كما أنشد الراشد،   من الجليل ومن المثلث محمّلين "همًا له في خواطرهم ضوضاء"   .

رفعنا النخب الأخير وتواعدنا أن نلتقي في مواسم العز  القادمة في بلادنا، فالجليل قام من بين الغبار  وسيبقى في حضن الحناجر  أغنية للسعادة ودعاء لمستقبل "سيناته" معمدة بعطر النراجس و"لاماته" بيضاء يققةً كالفل البلدي.

نمنا كي نفيق في محطتنا القادمة، مدينة شتراسبوغ المصابة ومقر محكمة العدل الأوروبية !! 

 

 

قتل النساء وأزمة الهوية

جواد بولس

 

لم أتخيّل أن سيحصد الموت ضحيته التالية بهذه الخفة وبهذا الجنون؛ رغم ما كتبت، بأسف، قبل أسبوع متوقعًا بألا تكون الفتاة  "يارا أيوب، ابنة قرية الجش الجليلية الوادعة، آخر الضحايا؛ فمن وما قتلها وقتل وسيقتل غيرها ما انفك يعيش ويتوالد بين ظهرانينا ". لكننا مجتمع مصاب، بدون ريب ، بفقدان البصيرة ويمضي نحو هاويته مثل أسراب الفراش الطائش.  

وقعت القرعة ، هذا الأسبوع ، على عكا، مدينة الملح  "والسلطان ابراهيم"، فقدّمت "ايمانها" قربانًا لأرباب الخديعة والزبد ؛ وذكّرتنا، مع أن البرق لم يمهلنا فرصة للنسيان، بأننا عرب كنا وسنبقى حرّاس ذلك "الشرف المخاطي" نتوالد على شفراته " كالراءات" في الأبجدية .

ُتنشر، عندنا، أخبار سقوط الضحايا بدون إثارة وتوزّع أعدادها كإحصائية روتينية مثل باقي الهوامش ؛ فاليوم نعرف أن عددها قد وصل نحوا من ست وخمسين ضحية، وأنّ من بينها ثلاث عشرة إمرأة. شوارعنا صارت ممالك للعرابيد وتحوّلت بيوتنا إلى حيّزات هشة ومستباحة، والناس يلعقون فيها عجزهم مثل القطط، ويدفن بعضهم موتاهم بصمت ويعودون إلى "كهوفهم" بقلوب تدميها الحسرة والجزع ؛ فمن لا يجد ملجأً آمنًا وطريقًا للنجاة يعش عبدًا وفي ذل دفين.  

أشعر باحباط كبير، كأننا نعيش داخل آلة زمن معطلة نكرر فيها مخلّفاتنا ونصنّع اليأس و"زرد السلاسل".

العنف عندنا لم يجد من يصدّه فتمادى حتى صارت معاقلنا "مقاصل رؤوسنا " وحواضن للخوف و"لزغب الحواصل" . نهاراتنا نار وليلنا كليل الناموس، قارس وقارص، والناس تهذي فيه وتلهج وكأنهم يستعيدون أمجاد "برج بابل" .

الدولة تستعدينا، قالوا لنا، لكنهم قالوا كذلك : لنا في "أثدائها" حصص، أسوة بأبنائها اليهود ؛ فما العمل ؟ ومن سيخترق الحصار ؟ من سيوقف الدمار ؟

فهذه المسيرات لم تجلب لنا أي نتيجة؛ لذا فمن المفروض أن نبحث عن طرق بديلة لمحاربة الجرائم والعنف ، كما اعتقد أن الجناة لا يشاهدون هذه الفعاليات عبر وسائل الاعلام وشبكات التواصل بل هم مشغولون بقتل البشر" ، بهذه الكلمات البسيطة الصادقة عبرت احدى قريبات ايمان ، ضحية عكا الاخيرة، عن مشاعرها وقد أوجزت بقولها كل الحكاية وعرّت بها أضلاعَ أحجيتنا الكبرى، فمن سيقود "الخراف" إلى تلك الطرق البديلة؟

 عنوان هذه المرحلة محفور على أسوار المقابر ؛ فاذا كانت الحكومة عدوتنا واذا صارت الشرطة شريكة في الجرائم واذا أصبحت قياداتنا  "رهن القبائل"  وإذا نام الشعب في حضن الحمائل، فحتمًا ما كان هو ما سوف يكون.. واغرقي أيتها المآقي وجفي يا حناجر.

 أعرف أن موقفي هذا مستفز وجارح؛ لكنه ، مثل الدم ، حقيقي وواضح ؛  فلا يكفي التفاؤل وحده كضمانة لتغيير بؤس حالنا ولبناء مستقبل آمن ، وقد تشكّل ارادة من يتولون مهمات النضال والتصدي لتلك الانهيارات، شرطًا مؤسسًا للعمل؛ لكنها لن تكفي لابراء واقعنا المعقد المنكوب، فنحن بحاجة إلى أكثر من جبر الخواطر.

كثيرون من المعارضين لظواهر العنف في مجتمعاتنا العربية حاولوا، من خلال مواقعهم القيادية والتمثيلية، أن يقاوموها وان يتصدوا لها بجدية وأن يقضوا عليها، لكنهم فشلوا؛ فالجميع يعرف أنه لو كان العنف "رجلًا لقتلناه"، لكنه كالسرطان ينتعش اذا فشلناً في تشخيصه ويردينا اذا اخطأنا في علاجه. فلماذا أخفقوا؟

فشلنا لأننا أضعنا برّنا ولأنكم تاجرتم ببحرنا ! وضعفنا عندما  تخاصمتم على رسمنا وعلى اسمنا .

 فنحن لن ننتصر على الفاشية إذا لم نواجه قضايانا الحقيقية الأساسية وفي مقدمتها أزمة هويتنا المتصدعة  ولن ننجح في مواجهة العنف الا اذا اتفقنا على مصادره وأجمعنا على وسائل مجابهته، فالنضال الجماهيري هو عبارة عن حالة تتشكل تلقائيًا اذا هُيّئت لها الفضاءات الملائمة.

قد يشكك البعض بوجود علاقة بين مسألة الهوية وبين قتل النساء أو تفشي العنف أو ضعف الأحزاب والحركات السياسية التقليدية التي تصدرت العمل السياسي بيننا حتى مطلع القرن الحالي، لكنني مؤمن ان التهرب من مواجهة هذه الازمة وما تفرع عنها من إشكاليات سيبقى هو السبب لمعاناتنا من جميع العلات التي  ذكرتها .

فمن نحن ؟ هو سؤال الأسئلة، وماذا نريد ؟ هو السؤال التالي ، وكيف سننتصر ؟ يأتي  بعده ، ومن يقرر في ماذا ؟ سيكون خاتمة العقد.  

لن ننجح في ترتيب علاقتنا مع الدولة ومؤسساتها ولن نحافظ على سلامة وأمن مجتمعنا اذا لم نجب على جميع تلك الأسئلة؛ فهويتك تحدد علاقتك مع الدولة  ومفاصلها؛ وهويتك هي التي تملأ قوالب مواطنتك وتعبد أرصفتها؛ وهويتك تفرض عليك من هم حلفاؤك ومن أعداؤك؛ وهويتك ترشدك لوسائل نضالك ولأهدافه.

فمن يعرّف نفسه عروبيًا قوميًا سيقف على رماح تلك العروبة، فهل هي عروبة "الأسد " أم عروبة "تميم" أم عروبة "السيسي" وما موقف هؤلاء من دولة إسرائل ؟ ومن يعرف نفسه اسلاميًا قضيته مع الدولة اليهودية محسومة ، هذا علاوة على حيرته في ايجاد عمقه السياسي الاسلامي، أهو في حضن "أردوغان" أم بين ذراعي "السيد" أم مرابط في أرض الحجاز ؟ ثم كيف سيتفق الاسلامي مع الشيوعي المؤمن بأن "بوتين" هو حصنه الفريد، وبأن للمرأة ما للرجل ولها ما له في جميع الميادين العامة وفي حقها بقطف الحرية الحمراء مثله .

فكم مرة أوقعتنا تعقيدات حياتنا الجديدة في مناكفات وصدامات مازالت جروحها تنزف في مواقعنا ! وكم تقاتل جنود المعسكرات بسبب مؤتمر، أو زيارة أو مشاركة أو احتفال أو مظاهرة !

فهل يشارك المحامون العرب، مثلًا، في احتفال ستحضره وزيرة العدل بمناسبة تنصيبها لعدد من القضاة العرب الجدد ؟ أو هل يستقبل رئيس مجلس محلي الوزير المستوطن الذي جاء الى القرية كي يدشن عددًا من المشاريع الكبيرة في البلدة؟ وهل نوافق على اقامة محطة شرطة في قريتنا؟  

واذا كانت الحكومة عدوتنا اللدودة وامريكا هي الطاعون، فكيف تسكت القيادات السياسية والدينية عن تنظيم مؤتمر يختص في مجال الهايتك ويعد الأول من نوعه، بادر إليه كل من الوزارة للمساواة المجتمعية الذي ترأسه الوزيرة جيلا جمليئيل والسفارة الأمريكية، التي مثلها السفير ديفيد فريدمان، وذلك يوم الثلاثاء المنصرم، في فندق كراون بلازا في الناصرة، التي حضرت من خلال رئيسها المنتخب حديثاً، وشارك فيه العشرات من المبادرين العرب والمستثمرين في المجال من اليهود الأمريكان .

فهل تتذكرون من تك هذه الجيلا ومن هو شريكها فريدمان ؟

واذا حسمنا موقفنا بأن شرطة اسرائيل هي شريكة كاملة في الجريمة ضدنا ويجب على المواطنين العرب مقاطعتها،  فكيف سنتوقع مشاركتها في مشاريع مقاومة الجريمة وملاحقة المجرمين وكيف ندعو فرقتها  الموسيقية للمشاركة في احياء المسيرة الميلادية ال ٣٦ في الناصرة أسوة بباقي المشاركين .

لن تتوقف هذه المفارقات والمعضلات والخربطات لكنها ستحسم في النهاية ، كما يجري في أيامنا، بواسطة قيادات بديلة شرعية بدأت تملأ الفراغ وتستفيد من عدم مواجهة أزمتنا السياسية الاجتماعية الأولى،  فمن نحن ؟ وماذا نريد ؟

يحسم الشعب بشكل غير مباشر في هذين السؤالين، ولكن القضية تتعلق فيمن يؤثر على هذه الجماهير ؟ هل هي الأحزاب فماذا تقول؟ ام هي الحركات الدينية السياسية ام هيئات المجتمع المدني ؟ من الطبيعي ألا يتساوى مفهوم المواطنة بين الانسان العربي القومي وبين الشيوعي،  ومن الطبيعي أن يختلف معنى  العنف ضد النساء وضد المثليين وضد "الكفرة" بين المتدين وبين العلماني أو غيره ؟ فهل مصادر الوقاية منه تتماثل في الفكرين النقيضين؟

هوياتنا ليست مسلات مصرية جامدة صماء، لأنها دائمة التشكل فمن يؤثر عليها؟

الاجابة على ذلك مكتوبة على أسوار المقابر وفي صناديق الانتخابات وفي الفتاوى وعلى أدراج  المؤتمرات وفي المشاريع الاقتصادية التي تولّد شرائح اجتماعية جديدة تخيط بدلات هوياتها عند خياطين مختلفين وعصريين.   

 

 

شرف العربي معلق

على خاصرة وردة

جواد بولس

 

جلسنا في مطعم "أبو فوزي" وفي يد كل واحد منا وجبة فلافل طازجة. كانت المذيعة على شاشة التلفاز أمامنا تستعرض، بنبرة حزينة،  آخر المستجدات في قضية مقتل الفتاة يارا أيوب، وتعدد سلسلة النشاطات الاحتجاجية التي جرت ضد تلك الجريمة على طول البلاد وعرضها. والى طاولة مجاورةجلست مجموعة من الشباب الذين لم يبدوا اهتمامًا بتفاصيل النبأ، لكنهم كانوا يتحدثون عن تمادي "بنات اليوم" في تصرفاتهن اليومية التي وصلت، برأيهم، إلى حد الوقاحة والانحطاط. كان أصغرهم سنًا يحاول بحذر ، أو هكذا بدا لي، أن يقنع أصدقاءه بأنهم يبالغون؛ فالعالم قد تغيّر ، وهو لا يشعر بحرج أذا لبست الفتيات "على الموضة " وخرجن للعمل. قاطعه زميله بحركة عصبية كادت تغطس شاربه في بحر من الطحينة ، ورفع حاجبه وهمهم بصوت يخنقه الفلافل، ففهمنا أنه يطلب من صديقه أن يخرس وألا يتفلسف ! لأننا، هكذا قال بحزم بعد أن بلع: "بنضل عرب ولسنا في أوروبا وبناتنا مش داشرات ولازمنُفهمهن بالمنيح أو بالعاطل " .

حاولت ألا أسمع النقاش وأن أركز فيما كانت المذيعة تنقله من تفاصيل حول اعتقال بعض المشبوهين في قضية القتل وبعض المعلومات والاحصائيات عن عدد الضحايا من النساء، الذي بلغ منذ بداية هذا العام أربعاً وعشرين.

فجأة صرخ من كان أقربهم علينا وأعلن، بعد أن وضع وجبته على الطاولة بحركة استعدائية ومد سبابته نحو السماء وأقسم انه سيقتل أخته فيما اذا أصرت على أن تسافر  لتحتفل مع صديقاتها في اسطنبول بعد تخرجها من المدرسة الثانوية ، قال ودفع رأس سبابته نحو عيني صديقه وصرخ، " مش فارقة اذا على حسابها او حساب أهلي .. فهمت ولا أفهمك ؟ " . 

نظرت في وجه صديقي ففهمني .

تركنا المطعم جائعين وفي صدرنا غصة، ومضينا نفتش عن فسحة من أمل وتذكّرنا ما تعلمناه في كلية الحقوق في سنتنا الجامعية الأولى.       

هزت قضية قتل الشابة يارا أيوب، ابنة السادسة عشر،  أركان المجتمع العربي في إسرائيل وجرّت في أعقابها ردود فعل لا في الجش ، قريتها الجليلية الوادعة، فحسب، بل في معظم القرى والمدن العربية. لم تحمل مشاهد الحراك الشعبي ضد جريمة قتل يارا أي عناصر احتجاجية جديدة ومختلفة جوهريًّا عمّا شاهدنا بعد عمليات قتل فتيات عربيات أخريات نفّذت في مواقعنا في الأشهر أو في السنوات الماضية؛ وذلك على الرغم مما بعثته موجات الاحتجاج ، هذه المرة ، من إشارات مطمئنة، قد توهم المراقبين عن بُعد بأننا أصبحنا مجتمعًا يقدس جميع أبناؤه حياة بناته ويحترمون حقوقهن بالعيش بحرية وبكرامة.

أقول ذلك وأقر بأهمية كل صوت ارتفع وسيرتفع ضد جرائم قتل النساء، لكنني، مثل كثيرين منكم، أعرف بأن يارا لن تكون آخر الضحايا، فمن وما قتلها وقتل وسيقتل غيرها ما زال يعيش ويتوالد بين ظهرانينا.

أشغلت قضية العنف الممارس بحق النساء العربيات على صنوفه ، ومأساة قتلهن على خلفية ما يسمى "بشرف العائلة" كثيرين من قادة المجتمع ومن نخبه العاملة والمتعلمة. ورغم جميع المتغيّرات التي حسّنت من مكانة المرأة داخل المجتمع العربي في اسرائيل، ورغم ما حققته القطاعات النسائية من مكاسب وحقوق ثمينة، فما زال كثيرون من أبناء ومن بنات هذا المجتمع يحملون داخل خلاياهم ذلك "الجين الصحراوي" البدائي المسؤول عن انتشار تلك المفاهيم الخبيثة والتي تقضي بأن  "ولادة البنت تعني ولادة مشروع للفضيحة" وبأنّ موتها، بناء على ذلك، هو الضمانة الأكيدة لستر القبيلة ولصون شرفها الهلامي المقدس.

لن أتناول هنا أسباب تفشّي ظواهر العنف في واقعنا المستفز مثلما فعل غيري، وبعضهم أجاد وحلل وعزا هذه الظاهره لعدة مسببات مثل غياب دور السلطة المركزية وتقاعس الشرطة الإسرائيلية واهمالها في مكافحة الجريمة ومعاقبة الجانين وفقر مجتمعاتنا وتحوّلها إلى مجتمعات استهلاكية تنافسية واتساع دوائر النشاطات النسوية وانفراج هوامش حرّياتهن الفردية في عالم انحسرت فيه سلطة الرقابة الذكورية المباشرة، وما الى ذلك من فيض أكاديمي، سبر أصحابه غور الظاهره بتعميم ملتبس أحيانًا وشرّحوها بأزاميل من معرفة بقيت تأثيراتها على الغالب، لأسفي ، سطحية وفوقية ولم تلامس بواطن آفة القتل باسم شرف العائلة، ولا مفاصلها الموبوءة، كما ثبت من عدد القتيلات ومن خلفيات قتلهن.

في التعميم نقمة، ولذا وكيلا أقع فيما أحذر منه أؤكد أنني سأكتب في مقالتي عن جرائم القتل التي يقترفها الذكور بحق النساء في عالم أتاح لهم، كذكور، حق التحليق على أجنحة الشهوات وفرض على النساء واجب العيش كمخلوقات من زجاج شفاف ومن عفة سماوية.

 يجني العنف العام ضحاياه من دون أن يفرق بين ذكر وبين أنثى؛ فحين يلقي المجرم قنبلته على بيت أو على حانة أو على احتفال فستصاب  النساء مثل الرجال، وستكون الدولة هي المسؤولة الأولى عن محاربة هذه الاعمال وسيبقى تقاعس الشرطة وعجز القضاء عوامل مساعدة على تفاقم أوضاعنا، تمامًا مثل اهمالهم لشكاوى النساء المعتدى عليهن داخل البيوت وعدم حمايتهن من أزواجهن أو أقاربهن، كما يفترض وكما هو متوقع منهم.

بخلاف تلك الحالات، فأنا على اعتقاد أننا كمجتمع عربي مسؤولون عن وجود ظاهرة القتل باسم "شرف العائلة" ويبقى دور الدولة محدودًا ، لا سيما بعد أن رفضت أجهزتها التنفيذية والقضائية احتساب هذه الذريعة "كقيمة أخلاقية" موروثة عن اجدادنا ، العرب الأوائل، والتي من شأنها ، بمقتضى عرف شرقي سائد، أن تعفي من يدّعيها من المسؤولية الجنائة.

 

حاول المئات من القتلة العرب، واليهود الشرقيين، تجنيد "شرف العائلة" في معرض تبريرهم لماذا قتلوا أمهاتهم أو خواتهم أو بناتهم؛ فهم كرجال قوّامون على نساء العائلة والحمولة والقبيلة، يعتبرون أن معاقبة " الخارجات " عن المألوف والموروث واجب مقدس لا يمكن للدولة أو لغيرها أن تحاسبهم عليه. ولقد رفضت الدولة قبول هذه الادعاءات وأدانت هؤلاء القتلة ككل القتلة الجنائيين رغم ما كان يواجه الشرطة، أحيانًا، من عقبات نتيجة لتستر العائلة على الجاني وعدم تعاونها في الكشف عليه .

 

كانت أصوات تلك المجموعة التي جاورتنا في المطعم حاضرة بيني وبين صديقي، فهذا الذي أقسم أنه سيقتل اخته " المتمردة " لن يكون  أول الجناة،  فلقد سبقه من " استفزوا" وقتلوا بناتهم أو أخواتهم  لأنهن لبسن لباسًا  " فاضحًا" أو أحبببن كما أحبت "بثينة وعزة وليلى" أو أصررن على ممارسة حقهنّ في السفر وهن عزباوات .

لقد تعلمنا عن قاتل اخته الذي حاول أن يقنع قضاة المحكمة العليا بأنه تصرف باسم الواجب ودفاعًا عن "شرف العائلة" وتذكّرنا كيف جاءت أمه لتشرح للقضاة لماذا لا يُعتبر ابنها ، في عرف المكان، مجرمًا . ومثلها فعل  شيخ الحمولة الذي  شهد امام القضاة وأصر على أن الشاب يعتبر في عرفهم " بطلًا"؛ فلو لم يتخلص من اخته، لأنها نوت السفر مع صديقاتها،  لفقدت كل " القبيلة " شرفها ولعاشت بعارها الذي لا يمحوه إلا الدم.

رفضت المحكمة هذه الطعون كلها ، جملة وتفصيلا، وأكد قضاتها، كما فعلوا خلال كل العقود الفائتة، على أن الاختلافات الحضارية بين فئات المواطنين في الدولة "لن تكون  ذريعة لاخضاع النساء وقمعهن باسم شرف العائلة ولن يُقبل ذلك أبدًا كمسوغ لعمليات قتل النساء التي تنفذ بسهولة غير انسانية وغير معقولة.." .

أختلف مع من يقول : تنوّعت الأسباب والقتل واحد وأسبابه متشابهة، وأرى أن محاربة القتل باسم "شرف العائلة" هي مهمة مختلفة تتم محاربتها من داخل مجتمعاتنا، ونخطيء حين ندمجها مع قضايا العنف والقتل الاخرى.  ولقد أكّدت بعض الأكاديميات والناشطات والناشطين الاجتماعيين العرب على أن  "سوسنا، في هذه المسألة، منا وفينا" واذا لم نعترف بهذه الحقيقة ومضينا في تملق الواقع ، فإن موسم حصاد الحرائر سيستمرّ ؛  فجذور  الخناجر مغروسة في تربية الأجيال ومقابض السيوف عند أصحاب المواقع والمنابر فهم  يذودون عن القتلة لكي يحافظوا على قيمة "شواربهم" ويظفرون بنعمة أن تكون ذكرًا في مجتمع ما زال بعض أفراده يؤكدون أن البنت عورة والشرف معلق على خاصرة وردة.       

             

 

 

 

فتشوا عن "المشترك"

 وليس عن " المشتركة"

جواد بولس

تجاوز بنيامين نتنياهو أزمة ائتلافه الأخيرة وحافظ، مؤقتًا، على بقاء حكومته، وذلك بعد أن تراجع حزب "البيت اليهودي" ، حزب الوزيرين بينت وشاكيد، عن تهديداته بالانسحاب منها. ومع ذلك يراهن معظم المحللين السياسيين على أنّ موعد الانتخابات العامة للكنيست بات وشيكًا ؛ وهذا ما دفع بجميع الأحزاب والقوى السياسية في إسرائيل إلى الشروع في تجهيز بيادرهم لاستقبال مواسم الحصاد، واعداد خوابيهم لملئها بالجنى أو بالخيبات.

تداعت أزمة نتياهو في أعقاب استقالة وزير الدفاع ايفيت ليبرمان وانسحاب حزبه، إسرائيل بيتنا، من الائتلاف، بالتزامن، تقريبًا، مع انتهاء معارك الانتخابات المحلية التي جرت في البلاد وظهور نتائجها التي حملت دلائل سياسية هامة ولافتة، خاصة في بعض المدن والقرى العربية،  وفي طليعتها مدينة الناصرة طبعًا.

استفزّت ، في هذه الأجواء ، تحرّكاتُ النائب أحمد الطيبي، رئيس"الحركة العربية للتغيير"، معظم شركائه في القائمة المشتركة، فانبرى بعضهم بالتهجّم عليه وباتهامه بالقفز من "حضن الأم" وبإطلاقه حملة، قبل "الحج بمرحلة" ، كما ادّعى زملاؤه، تستهدف "ابتزازهم" وتحسين مطالبه التفاوضية منهم؛ فقواعد الشراكة الحقة، حسب حلفائه، تستدعي الاتفاق أوّلًا على حماية "القائمة المشتركة" والاعتراف على أنّ استمرارها ضرورة سياسية تفوق كل مطلب شخصي أو مطمح حركي أو مطمع حزبي، وبعد ذلك سيصير التحاور من داخل "العائلة" على توزيع الريوع والمقاعد والحصص جائزًا وشرعيًا.

أكد شركاء النائب الطيبي على أنّ قائمتهم المشتركة هي أداة تنظيمية تحصّن قوة الجماهير النضالية في وقوفها ضد مستجدات المرحلة، وضد مخاطرها التي لا يختلف عليها عاقلان؛ وخرجوا، من أجل دعم موقفهم، بحملة واسعة ضد مناورات "الحركة العربية للتغيير" وضد رهانها على مستقبل القائمة، بينما أكدوا من جانبهم أن "الاسلامية" و"الجبهة" و"التجمع" يرون بالمشتركة "خيارًا استراتيجيًا" يجب عدم التخلي عنه أو إضعافه أو منافسته.   

حافظت "القائمة المشتركة" منذ ولادتها، قبيل انتخابات الكنيست السابقة وحتى يومنا هذا، على "صيتها " كمخلوق إشكالي، أشغل بتصرّفاته العامة وبقضاياه الداخلية، مواقع الأخبار وصفحات التواصل الاجتماعي، وأثار، خلال مسيرته القصيرة التي تخللتها بعض الانجازات المهمة، معارك ونقاشات، كانت في بعض الأحيان قاسية وصدامية ومخيّبة.

لم يتوقع أحد، في الواقع، أن تنجو هذه التجربة الرائدة من سهام الناقدين أو أن تولد خالية من الشوائب ومن دون نواقص؛ ولكن كان رجاء من رأوا بها مجنّ المواطنين العرب الحامي وعقدوا عليها واسع الآمال، أن تخلّصها "قابلتها" من أمراضها أو من بعضها، وأن تحظى برعاية "أبوية" مسؤولة وناضجة كيما تمضي نحو مستقبلها بقامة صلبة ، لا كما ظهرت عرجاء غير مكسيّة.

لقد ادّعى معظم المؤيّدين لتشكيل القائمة المشتركة بأنها استجابة صحيحة لرغبة الجماهير وخيارها الوحيد والواضح؛ وبقدر ما يحمله هذا التذرع من "شعبوية" وتسطيح، لم تكن فرص تفنيده واردة ولا امكانيات دحضه سهلة؛ فلا تستطيع  أقلية تواجه سياسة قمع عنصرية، كما نواجه نحن المواطنين العرب في اسرائيل، استبعاد أدوات النضال الوحدوية ولا الاستغناء عن ضرورة انضوائها تحت مظلات تجمّع ولا تفرّق؛ فميلاد القائمة المشتركة، ورغم ما شابه من مثالب، أشاع بين الناس راحةً فطرية وهيّأ لهم فضاءات رحبة ستمكنهم من الوقوف ضد عنصرية أكثر الحكومات الاسرائيلية بطشًا وخطورة على استمرار وجودنا وبقائنا في وطننا.

مع هذا فلقد نبّه الكثيرون، منذ البداية، إلى خطورة اكتفاء الشركاء بانجاز وحدة شكلية وغير مسلحة ببرنامج سياسي واضح وموحّد، وغير مدعّمة بتفاهمات جوهرية أساسية تمكّن الفرقاء من مخاطبة الجماهير بلغة غير ملتبسة ومؤثرة، وتجيّشهم في معارك نضالية حقيقية ضد سياسات القمع والعنصرية المستوحشة في حقنا.

كم قلنا لكم، يا قادة المشتركة،  فتشوا، قبل الشراكة، عن "المشترك" الذي يفيد مصالح الجماهير ويلقّحها ويحصّنها، فبدونه لن تقوم لكم "قائمة" ولن تدوم لكم نعمة ؛ فالشعب يمهل ويهمل خاصة اذا لم يجد للحياة في وعودكم سبيلا؛ والشعب يبحث عن "خبزه" في شباك غيركم اذا لم تتركوا له فسحة للأمل ولا فرصة للخلاص وللعمل.

كانت كل النذائر معلّقة أمامكم وكانت السحب تمطرنا بغضبها الأسود، وانتم تقامرون، بثقة حزبية عمياء، على إرادات البسطاء، وتعرضون، كالمدمنين على الهزائم، عن الخرائب وهي تتراكم في قرانا وفي داخل مواقعكم؛ لم يعنيكم  سوى مشيئة "أربابكم الأعلون" وكأنهم كانوا يعلّبون، من أجلكم، الغيب في حجراتهم ويقبضون على نواصي النصر والريح.

كم مرة صرخنا في آذانكم: إن البحر جائع !  ولم يسمعنا  "شيخ المينا" ولم يحرّك حاجبيه قائد. ولكم نادينا في أحراجكم:  سراب ، سراب ويباب ، فغصصنا بريقنا، وأنتم واقفون على "قافات" ضحكاتكم وكأنكم رماة القدر وسادة الطين وصنّاع القلائد.  

لا اكتب لأدافع عن أحمد الطيبي، فعندي ما يقال بحقه، ولكن من كان منكم بلا خطيئة فليرمه بحجر؛ ولا أناقشكم في ضرورة الوحدة، فلن يناقشكم عاقل، لأن اتحاد الضحايا هو قانون بقائها الخالد، وأما التيه فتعرفه الصحراء وتشهد عليه حناجر المزايدين وتجار العقائد.

لقد  كتبت مرة بأنني أخشى أننا نعيش في عصر نفدت فيه تواريخ صلاحيات  أحزابه العربية، فلم يسمعني غير صبار شرفتي وبعض أكواز التين.

سأعود قريبًا للكتابة حول دور "الحزب" ومكانته في حياتنا كأقلية عربية تعيش في زمن الرصاص والولاء والخناجر ؛ وسأكتب عن أحزابنا التاريخية وعن حواضنها الفكرية ومصادر شرعياتها الأصلية في زمن صاحَبَ فيه إخوة "يوسف"  ابنة صهيون ، وشرّع الشرقُ واحاتِه مرابعَ لجيوش "يوشع" ولنزوات ترامب ولحكّام المقابر ؛ ولكنني أتساءل، بعيدا عن هذا وعن ذاك، ماذا يجب أن يحصل أكثر مما هو حاصل عندنا كي نسمع دبيب النمل في شراييننا وكي نشم رائحة الذبائح؟ وهل سيكفي أن  نطالب بالمحافظة على "بقرتنا " من أجل نضالاتنا العتيدة وأوهامنا المقدسة؟

لن ترضى "جماهيركم"  هذه المرة بأقل من تأمين حلمها البسيط، ولن تسامحكم كرمى لعيون "وحدة " بقيت عذراء وخلاسية، ولن تراهن مرّة أخرى على "بيض صنائعنا ، سود وقائعنا ، خضر مرابعنا ، حمر مواضينا"؛  فالدنيا، هكذا ثبت في شرقنا،  للأزرق وللأبيض وللعربيد إن غلبا.

 اسمعوا ما تقوله لكم هذه الجماهير فهي ، ليست مثلكم، بل ترقص على مقامات جديدة، وإن لم تصدقوني فزوروا الناصرة وعرّجوا على أخواتها فعند أهلها الخبر اليقين.     

نحن، العرب في إسرائيل، نواجه مصيرنا من جديد، فمن لا يعرف قدراته لن ينتصر ابداً، ومن لا يعترف بهزائمه لن يقوَ على "فَلّ الحديد"  وسيبقى معلقًا على أهداب التاريخ.

أنا لا أكتب كي ادافع عن أحمد الطيبي، لكنني لن أحمّله، مثلكم، خطيئة تعرية "مومياء" لففتموها، قبل بضع سنين، بستائر من غبار  لم تصمد أمام العاصفة وأمام "موجعات الدهر حين ولت".

     

 

 

اتركونا نحن العرب

في إسرائيل لنحيا

جواد بولس

لم أتوقع أن تدفعني دعوة عادية للمشاركة في يوم دراسي قام على إعداده "مركز مينيرفا لحقوق الانسان" ، التابع لكلية الحقوق في الجامعة العبرية، والدائرة القانونية في بعثة الصليب الأحمر الدولي ، إلى الكتابة مجددًا  في قضية "التطبيع" واسقاطاتها الملتبسة على حالتنا ، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، وخلطها، كذلك، معنداءات المقاطعة التي تدعو اليها "الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل" ومن يعمل معها من "عرب الداخل" .

كنت عائدًا من جلسة طويلة في محكمة العدل العليا والتي لم يختلف ايقاعها عن ايقاع سابقاتها ؛ فلقد حاولت، للمرة الألف، اقناع القضاة، الذين لم يكونوا هذه المرة كلهم يهودًا، ألا يجيزوا هدم بيت عائلة فلسطينية يحاكم أحد أبنائها بتهمة قتل جندي بالقرب من رام الله ؛ فهدم المنزل المكوّن من أربع طبقات، يعد عقابًا جماعيًا يدفع ثمنه الأبرياء بدون مبرر أو سبب.

بالمقابل، حاول ممثل النيابة، وهو ليس يهوديًا كذلك، أن يقنع المحكمة بموقف الدولة ؛  فردع "عائلة المخرّب" وردع سائر الفلسطينيين هما هدفان يبرران ضرورة الهدم وفق حكم القوة الخرقاء والقهر.

لم يتوصل القضاة إلى قرار. رفعوا الجلسة وافترقنا وكلّنا على قيد نفس الدولة ؛ قاضيها مواطن عربي ، ومن يدافع عنها مواطن عربي؛ ومن يحامي عمّن يقاوم احتلالها هو مواطن عربي.

إنها مفارقة فريدة، لكنها ليست يتيمة، فهي مجرد "ديليما" واحدة من افرازات وجودنا ، نحن العرب، الناجين من خيمة وتشريد، والقاعدين على صدر دولة لا تشبه سائر الدول

ترددت في فتح الرسالة التي كانت مرسلة إلي من جهة غير معرّفة ؛ قرأتها فوجدتها ودودة وصريحة ومباشرة، لكنها، مع ذلك، ملأتني استهجانًا وأكثر.

تتوجه "الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لاسرائيل" إلي وتحثني على عدم المشاركة في اللقاء السنوي المشترك بين "مركز منيرفا" والصليب الأحمر حول موضوع القانون الدولي الانساني المزمع عقده في الثالث عشر من نوفمبر .

عدّدت الرسالة موجبات الطلب بدقة علمية صحيحة ومن بينها وجود بعض مباني الجامعة العبرية على أراض قد صودرت من أصحابها الفلسطينيين بعيد حزيران 1967؛ هذا علاوة على تخصيصها مساقات تعليمية معدّة لتدريس رجالات الأمن العام الإسرائيلي  (الشاباك)  ودعوتها مرارًا إلى دعم هذه الأجهزة.

ثم تمضي الرسالة فتوجّه لومها نحو بعثة الصليب الأحمر الذي يتحمل كامل المسؤولية جراء موافقته على هذه الشراكة داخل الحرم الجامعي.

لقد استغربت من كوني أنا المخاطب في الرسالة لأنهم لو أرادوا مني موقفًا لطلبوا لقائي في رام الله التي أعمل وأتواجد فيها يوميًا بجانبهم، ولكانوا سعوا، فأسمعوني وسمعوني ؛ ولكن، للغائب حجته، ويبقى للحاضر عقل هو مولاه.

في الليل جاءني بعض الندماء لنشاهد معًا لعبة كرة من الدوري الأسباني ؛ ولا أعرف كيف انتقلنا من حديث الملاعب حتى وصلنا إلى رسالة " الحملة لمقاطعة إسرائيل" ومنها قفزنا إلى سبعينيات القرن الماضي عندما كنا طلابًا معًا في الجامعة العبرية، وكان دخول العربي إلى  كليات الطب أو الحقوق في الجامعة العبرية أصعب من "ادخال غني الى الجنة"؛ وتذكرّنا كيف كانت مظاهراتنا الطلابية علامة فارقة ضد مصادرة تلك الأراضي في محيط الجامعة وضد تواطوء إدارتها ودعمها لطرد أصحاب البيوت العربية وكنا نصرخ في سمائها عاليًا ونردد: لا للاحتلال والفاشية لن تمر.

بعد انتهاء موجة الحنين السبعينية سألت أصدقائي عن سبب وجود حرب ضروس  بين الأصدقاء  الفسبوكيين  تدور رحاها حول ما يعنيه لهم وجود ستة مواطنين عرب في تركيبة المنتخب الوطني الإسرائيلي ، خاصة وقد رفض هؤلاء " النجوم والابطال " انشاد "هتكفا"  !  

لم يتفق اصدقائي بينهم على موقف إزاء وجود  اللاعبين في منتخب الدولة؛ فأفهمهم في فقه الكرة، سميح، وهو محاضر في الجامعة العبرية، أعلن أنه سيدعم منتخب اسكتلندا في لعبة الاياب لأنه لا يستطيع أن يتحمل " الفرح الاسرائيلي" على الإطلاق فوافقه ، بدون تردد ، رفيقنا الشيوعي، عوني، وتمنى أن يسحق الاسكتلنديون المنتخب العربي-اليهودي زاعمًا أن هذه الشراكة، مع أنها مدنية، ليست إلا بدعة صهيونية.

لم يوافقهم الجميع، فالمهندس علي وسليمان المحامي أعلنا انهما سيدعمان  هذه المرة  "منتخبنا" ، لأنها فرصة سنثبت فيها نحن العرب لليهود أننا جديرون بالمسؤولية وأننا "قدها وقدود، وبلانا انتو ما بتسووا شي".

 افترقنا وكانوا في منتهى السعادة لأن فريقهم "الملكي" قد سحق فريق "غرناطة" على أرضها.

كان هدف الندوة تسليط الضوء على قضية ممارسة الإحتلال لسياسة الاعتقال "الإداري" واعتقال " القاصرين" الفلسطينيين. طُلب الى كل واحد من المشاركين أن يقارب بين النصوص القانونية، سواء الدولية أو العسكرية، وبين ممارسة القضاء الاسرائيلي ومدى تطبيقه لتلك النصوص على أرض الواقع .

تحدث قبلي من كان نائب رئيس محكمة الاستئناف العسكرية، فحاول أن يقنع الحاضرين بأن "محاكمهم" تعتبر جنة للفلسطينيين ومصانع لانتاج العدل والرأفة. واجهته بوجع أربعة عقود وزجرته بأنين آلاف الأمهات فالاحتلال بشع ومعظم ممارساته تعد جرائم في عرف القانون، وما القضاة إلا جنود بعثوا لتأدية أخطر المهام وأشدها ظلما وظلامًا .

ثم أوضحت لجميعهم أنني قد حضرت رغم استلامي رسالة من "لجنة المقاطعة " وأكدت ، كيلا يفهموني خطأً، أنني سأترك أمامهم نسخًا عن الرسالة عساهم يقرأونها ، لأن ما ورد فيها بحقهم، كجامعة وكبعثة دولية وكضباط جيش احتلال، يستوجب الرد، إذا كان لديهم ما يقولون. لم يرُق كلامي للضابط المتحدث بعدي ، ولكن سأترك ما جرى بيننا على المنصة لحديث في مقال آخر.

قصتنا، أيها العرب، طويلة وليلنا فاحم. صمدنا على أرضنا رغم سياسة الدولة العنصرية الاقتلاعية الشرسة ضدنا، ورغم قسوة  "الأشقاء" العرب علينا حين خوّنونا وكان العيب فيهم، وعادونا وقاطعونا وحاصرونا بحصار كان أفظع وأوجع من حصار إسرائيل. لن استطرد، فالعقلاء يعرفون التاريخ ويعون الفوارق بين من عانوا وقاوموا وصمدوا، وبين من ذهبوا مع الريح أو خانوا .

  اتركونا نواجه تعقيدات واقعنا ومخططات حكومة تبيّت لنا كل الشرور، واتركونا نسعى وراء مصيرنا كما فعلنا طيلة سبعة عقود خلت؛ ولاحقوا أنتم جحافل المهرولين والمطبعين العرب وانشروا ما شئتم من تعاليم الثورة بين الأمم، فلقد كنا وحدنا حين قهرنا النكبة ولن نركض وراء قوارب النجاة ولا في أعقاب قوافل الوهم.

نحن نعرف كيف نقاوم ونعرف كيف ومن نقاطع؛ آلاف الطالبات والطلاب يملأون الجامعة العبرية وغيرها، وفيها  يعمل عشرات المحاضرين ومنهم من صاروا عمداء لكليات ورؤساء أقسام عن جدارة وبحق ، كعميد كلية الحقوق مثلًا وهو ليس وحيدًا ؛ فأن تصبح، رغم كونك عربياً، عميدًا لكلية الحقوق في الجامعة العبرية فهذا هو الإعجاز، وأن تقف في عقر دارهم وتصرخ في وجوههم : كفى، فاحتلالكم عار على الإنسانية، لأفيد من ألف قصيدة تتلى من على منصات المقاومة الرخامية وتقتل فيها إسرائيل الوهمية .

لم ولن نكون يومًا عثرة في وجه من يقاوم الاحتلال؛ فنحن "هنا باقون  كالصبار" نقاومه، ربما مثلكم أو أكثر،  ونقاوم من أجل بقائنا أعزاء في الوطن، واعلموا أن فينا ما يكفي من "نواطير المقاثي" الأنقياء، ومن حراس الذاكرة النجباء، ومن  المزايدين باسم " شرطة الأخلاق" ومن الآمرين  باسم السماء والناهين عن منكر " الانبطاح". فاتركونا لنحيا ..

 

 

ياسر عرفات… ذكرى

جواد بولس

 

غادرت مكتبي في الظهيرة وقدت سيارتي باتجاه دوار محمود درويش في حي المصيون في رام الله. كانت حركة السير أمامي وحولي غير عادية، بدت جميع الشوارع المحاذية كأنها مصابة «بجلطات» مرورية خانقة. حاولت أن أستوضح من جموع الناس المهرولة نحو مكاتب رئاسة الوزراء الفلسطينية ما سبب تلك الأزمة، لكنهم كانوا يندفعون كالسهام دون أن يعيروني اهتمامًا.
تذكرت أننا في رحاب موعد الذكرى الرابعة عشرة لرحيل من كان «مالئ الدنيا وشاغل الناس»، فعركت أذن الراديو وكان مذيع المحطة يتلو بصوت، لا يخلو من الرجولة والجدية الثورية، بيان منظمة التحرير الذي أكّدت فيه الدكتورة حنان عشراوي أن التاريخ الذي ظلم فلسطين كان قد أنصفها بمنحها قياديًا ورمزًا كياسر عرفات، فهو «الثائر صاحب القامة الوطنية الجمعية، عنوان فلسطين ورمزها النضالي، القائد الذي جسّد قضيتنا وترك إرثًا وتاريخًا ثابتًا لا يزول، وحفر معالم الهوية الوطنية الفلسطينية». إذن حُلّ اللغز، قلت لنفسي، فهذه الجموع كانت في طريقها إلى المشاركة في إحدى فعّاليات الوطن لإحياء ذكرى قائدها الخالد.
وتذكرت بدوري.. في أحد أيام يوليو/تموز 2004 تلقيت اتصالا من المقاطعة دعاني فيه محدثي للحضور من أجل مقابلة «الوالد»، وهو الوصف المحبب لديّ من الأسماء التي كانت تطلق على القائد/ الأخ/الرئيس/الختيار/الزعيم. لم أكن من رجال «البلاط» الدائمين، ولكنني كنت استدعى، من حين إلى آخر، للقاء أبي عمار الذي كان يرغب، أحيانًا، بسماع رأيي في أمور كانت، على الأغلب، تتعلق بشؤون مدينة القدس، وذلك بسبب عملي الوثيق، لسنين طويلة إلى جانب الكبير فيصل الحسيني، أو بقضايا تخصّنا نحن الجماهير العربية في إسرائيل.
كانت دعوات المقاطعة لي أقلّ من أوامر وأكثر من رغبة، وكنت أقبلها بفرح ورضا، فكل لقاء مع ياسر عرفات كان كالإمساك بجناحي نسر، تبدأه في حضن التاريخ وتنهيه طامعًا، كالطفل الذي يرغب في المزيد. اصطحبني الحراس، بعد سلام مقتضب، إلى داخل المبنى المزنّر بأكياس الرمل الواقية. كانت علامات التعب والقلق البادية على وجوههم تشي بما عانوه طيلة سنوات الحصار الذي ضربه عتاة العالم على أبي عمار وعليهم. قطعنا منطقة مكتبه، التي كنت أعرفها، ولم ندخله. وقفنا أمام باب أفضى إلى ممر طويل يسمى الجسر. كان أبو عمار يجلس على كرسي متواضع وأمامه طاولة صغيرة، يطل عليها، من علٍ، شبّاكٌ رحب، تتسلّل منه أشعة شمس ودودة. كان يلبس قميصه الكاكي وكانت جاكيته الشهيرة معلقة على مشجب بجانبه. دخلت فظلّ جالسًا، لكنه كان ينظر نحوي وبسمة عريضة، تنسي معنى الوجع، تملأ وجهه. اقتربت نحوه فقام فاتحًا ذراعيه وضمّني فشعرت لماذا أحببت وصفه بالوالد.

«هذه الشمس هي العبرة، ونحن مثلها كنا منبع الأمل، وكنا مصدر القلق وسنبقى هكذا، رغم المؤامرات والظلم والحصار»

جلست قبالته فبدى لي شاحبًا وضعيفًا. حاول أن يحدثني بحيويته التي أعرفها، لكنني أحسست بالمعاناة تفرّ من عينيه. لم أسأله عن صحّته، فكيف يُسأل من يواجه خيانة «الاشقاء» وهجر «الأحباء» ومن يرفض الاستسلام والركوع أمام الأعداء، عن «صحته»؟
كانت يده اليسرى تضغط على قصاصة ورق بدت لي أنها قطعة من جريدة عبرية. فاتحني بحاجته للجلوس على هذا الجسر بشكل يومي، كي يمتص جسده حرارة الشمس الضرورية لسلامته وللمحافظة على نشاطه. «فهنا، كما ترى يا خويا، يبقى النهار ودودًا ومتمردًا على الحصار، والشمس تشرق فلسطينية كما كانت على طول مسيرتنا، فهذه الشمس هي العبرة، ونحن مثلها كنا منبع الأمل، وكنا مصدر القلق وسنبقى هكذا، رغم المؤامرات والظلم والحصار». أصغيت للقهر وللشكوى وهما تفلتان من بين حروف الحزم، وتمنيت لو نصير، في تلك الساعة، غيمتين أو نجمتين فنحلق في المدى. فاجأني وعرض أمامي صورة لتقرير كان الصحافي المعروف ألوف بن قد نشره في جريدة «هآرتس» الإسرائيلية، وفيه يؤكد على أن المحكمة الدولية في هاغ ستدين إسرائيل بسبب اقترافها جرائم حرب تتعلق ببناء جدار الفصل العنصري وببنائها المستعمرات داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة، وهذا كله بناء على معلوماته الوثيقة كما كتب. «معقولة.. معقولة.. الكلام دا صح يا جواد؟» سألني كمن ينتظر حبل النجاة، وصمت كالجمر. قرأت الخبر فوافقت على ما جاء فيه، فألوف بن صحافي يحترم ما يكتب ولديه مصادر مطّلعة في إسرائيل وفي دول أخرى، علاوة على احترام جريدة «هآرتس»، غالبًا، لما تنشره من أخبار خاصة في أمور خطيرة ومهمة. ثم أضفت بأنّ مسوّغات القرار، كما ساقها الصحافي، تبدو متماسكة ومنطقية وتتبنى الرواية الفلسطينية العادلة. شرحت موقفي بوضوح وأضفت ببعض الدعابة وقلت «في النهاية، يا أبا عمار، فنحن نؤمن بعدالة قضيتنا وصحة ادعاءاتنا وأننا على حق مبين، فلماذا هذا الاستهجان؟ «نظر إليّ، وهو سيّد هذه المناكفات الخفيفة، وتمتم: طبعًا.. طبعًا.. طبعًا.
لم يتحرك طابور السيارات الذي كان واقفًا أمامي بالمرة. فتحت شباك سيارتي واستنجدت برجل شرطة كان يحاول أن «يقسطر» شرايين رام الله المسدودة.
«متى سينتهي الحفل؟» سألته فنظر إليّ بغرابة وأجابني بنبرة سخط، معتقدًا أنني أتهكم. «أي حفل يا أستاذ؟ هذه مظاهرة ضد قانون الضمان الاجتماعي، ألا تسمع الهتافات؟» اعتذرت منه مختصرًا، بدون إبلاغه عن «حسن ظني» في الجماهير العريضة، وطلبت أن يوجهني إلى مخرج باتجاه القدس، ففعل.
عدنا في المساء إلى رام الله لنلتقي أصحابًا حافظوا وحافظنا على صداقة نعتبرها كنزنا في هذا الزمن الصدئ. سافرنا بجانب الجدار القبيح الذي يندلق من حلق بيت-حنينا، حيّنا المقدسي، ويتعرج كثعابين خرافية بين بيوت الفلسطينيين: جدار من باطون عار، تنفر منه تضاريس المكان، فيرتفع كدخان الذبائح نحو سماء غافية.
كان أبو عمار معي في السيارة وكنت استحضر حديثه عن الشمس. حاولت أن أقتفي آثار الأمل الذي زرعه في أرض اليباب، وحاولت أن أهتدي إلى «خيط نايه»، ففي غداة لقائي به فوق ذلك الجسر الحزين، وكما توقعت «هآرتس»، أصدرت، في التاسع من تموز عام 2004، المحكمة في هاغ قرارها/توصيتها الدامغة ضد ممارسات إسرائيل بحق الأرض الفلسطينية وبحق شعبها. أذكر كيف كان ذلك اليوم في المقاطعة يومًا عظيمًا وكيف رقص فيه «الوالد» كما لم يرقص أمام من جمعهم من قادة الفصائل. جلس على رأس الطاولة وأمامه امتدت فلسطين بكامل زيتونها، وبدأ يجري اتصالاته، على مسمع من حضروا، مع معظم «أشقائه» من القادة العرب ومع كثيرين من قادة العالم. لم يسعه المكان، فقد شعر كيف سحق بصموده رأس الأفعى وكيف داس بقدميه ظهر الحصار. تركناه يومها وهو مشتعل كقرص الشمس، وقّادًا مضيئًا، بدون أن نعرف أنه كان يستعدّ لرحلة شتائه القاسية، التي كانت رحلته الأخيرة نحو شمسه الودودة الدافئة.
التقينا وأصدقاءنا في المطعم. رام الله في الليل تصير كأبهى العرائس وسيدة المرافئ البعيدة. ليلها يضج بالسحر وبعوّاده الذين يوهمونك بأنك في بلاد العجائب والخيال. تنطلق من حاناتها الأغاني ويتحلق الوطن طاولاتها فتختلط الفواصل بالفصائل ويمتلئ الفضاء برذاذ التفاح والخوخ والنعنع. رام الله مثل تلك الغريبة التي تتركك بين التباسات الورد والشوك، ليلها يزهر كأندلس ويزيح عطرها عتمة النهار ليبقيك على شوق. لم أسرد أمام أصدقائي ما حصل معي في بداية النهار، فلقد أصغينا مضطرين لحوار ساخن تطوّر بين نزلاء طاولة مجاورة لطاولتنا حيث فهمنا أنه بدأ عندما تساءل شاب في أوّل عشرينيّاته ماذا بقي من ياسر عرفات اليوم؟ لم نتابع جميع تفاصيل الحوار، فما سمعناه كان حزينًا وكافيًا.
أول المحاورين كان شابٌ حاول اختصار الحكاية بحزم، فأعلن، وهو يشفط سيجارة المالبورو حتى أخمصها، أن «عرفات كان ديكتاتورًا»، بينما قاطعه آخر، يلبس قميصًا مكتوباً عليه «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، فحاول أن يشرح بنبرة تشبه فقه المثقفين اليساريين والثوريين، فقال: «لا بل هو أفظع من هيك.. لقد كان عرفات سبب كل هزائمنا ومصائبنا». لم ننتبه لنهاية نظريته، فلقد قاطعته صبية رفعت سبابتها الممنكرة بالباذنجاني وأخرجت من صدرها سحابة كلها «فخفخينا» وأكدت لأصحابها أنها لا تحب عرفات، فهو ليس على «مودها».
كنا هناك لنحتفل بمناسبة يوم زواج الصديقين اللذين تعارفا قبل أربعة عقود، يوم كان للثورة رجال وللنضال قلب، ويوم كان الحب خاليًا من النيكوتين، يعيش في جفون الندى.فماذا يا فلسطين بقي من تلك الثورة؟ وماذا غير الذكرى بقي من أبي عمار؟
كاتب فلسطيني

 

 

لجنة المتابعة هدف

معارك إسرائيل المقبلة

 

جواد بولس

 

 تشنّ المؤسسة الحاكمة في إسرائيل هجمة شرسة ضد مواطنيها العرب، في مسعىً منها لتقويض معظم المنجزات السياسية والاجتماعية التي انتزعتها هذه الأقلية، خلال عقود من النضال العنيد والإصرار المسؤول.

لقد تطرقنا في مقالات سابقة ووصّفنا كيف تقوم، في السنوات الأخيرة، جميع منظومات الدولة، برسم سياسات القمع وسلب حقوق الجماهير العربية، وملاحقة مؤسساتها التمثيلية وقياداتها المؤثرة في حياتها العامة، وفي بناء هويتها القومية وتماسك وحدتها الاجتماعية.

لم تستسغ قيادات الحركة الصهيونية، منذ البدايات، صمود بقية شعب انتكب وتشردت أكثريته؛ ولم يبلعوا كيف نجحت نخبة صغيرة في لملمة أنفاسها والانبعاث كأقلية قومية صمدت وقاومت وعانت، حتى استعادت هويتها الروحية والثقافية والوطنية، فغدت واحة من أمل ليس فقط وسط كيان، أريد له أن يكون يهوديًا نقيًا، بل في جميع أرجاء هذا الشرق، الذي أضاع راياته عند أعتاب الشهب.

بعد سنين من الإخفاق يحاول، في هذه الأيام، صقور اليمين الجديد تكرار الهجمات، ولكن بأساليب شيطانية ومبتكرة وبوسائل أشدّ وأقسى؛ وكأنهم استخلصوا العبر من فشل سياسات من سبقهم. تبرّر غايات هذه القوى الفاشية جميع وسائل القمع وتفانينه؛ تمامًا، كما برّرت غايات الطغاة ظلمة التاريخ وعتمة الوجع؛ ولذلك سيكون ما سنواجهه في مواقعنا مجرد مقدمات لرحلة صيد قاسية ومتوقعة، ونسخة عن تلك “السبع العجاف” التي قرأنا عنها في الكتب.

أدى تراجع دور الأحزاب والحركات السياسية العربية وضعفها لنشوء مراكز قوى بديلة خرجت عن أطر المفاهيم الوطنية التقليدية

روائح القلق منتشرة حولنا وفي كل مكان، فكل الدلائل تشير إلى أن المواجهة مع الطغاة الجدد ستكون، إذا لم نحسن التدبّر والحزم، عنيفة وخطيرة، وستبقى نتائجها، اذا لم نُجِد التصرف، مفتوحة على جهات التيه والريح والسفر. يعربد في هضاب فلسطين “يهودا” وتنام رام الله كالحمامة في “خوذة” فجر دامٍ. فقدت غزة “هاشمًا” وطفقت تلهث نحو البحر. لا وقت لدينا، في الجليل، لسباقات العجز ولحكايا الندم. الصحراء، في النقب، عارية والرمل فيها يأكل عقاربه. لا فرصة، في الكرمل، لهزيمة ننام على جفونها من أجل “نصرين” ينتظراننا في القاع كحجارة “الطاهر” في وادي الأدب. أرض الهلال تبكي “هارونها” الغافي بين نهرين وقمر؛ وبلاد العُرب باعت حلمنا مقابل نهدين وسيفين ووتر.

معارك إسرائيل معلنة على جميع الجبهات؛ وأهمها عندنا، في هذه المرحلة، تلك المعلنة على “لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية”؛ فإسرائيل تعرف جيدًا ما قيمة هذه المؤسسة، وما يعنيه وجودها على صعيد التمثيل السياسي الجمعي للأقلية الفلسطينية المواطنة في إسرائيل. وكما كان، ما زال القضاء عليها هدفًا رئيسيًا؛ لأنها، كما نعرف، وكما أكّد رئيسها محمد بركة مؤخرًا تُعتبر “الإطار القيادي الشامل والمتفق عليه للجماهير العربية في البلاد، في نضالها من أجل حقوقها القومية والمدنية؛ وبوصفها صاحبة وطن، لا وطن لها سواه”. لم تنجح حكومات إسرائيل المتعاقبة في تدمير لجنة المتابعة ولا بتجويفها من الداخل؛ رغم محاولاتها المتعددة ومساعدة قلة من المتعاونين المباشرين أو المقنّعين في دعم جهودها. وقد يفسّر هذا الفشل تجنيدها لبعض الحناجر وأصحاب الأقلام المسمومة، التي بدأت تحرّض على اللجنة وتدعو الحكومة إلى إخراجها خارج “القانون”. علينا أن نتنبه لهذه المحاولات التي ستستقوي حتمًا بما ستتيحه مجموعة القوانين العنصرية الجديدة، خاصة “قانون القومية” الذي سيتحول إلى عصا القمع السحرية ضد المواطنين العرب، وضد مؤسساتهم وقياداتها.

يأتي التركيز في هذه المرحلة على لجنة المتابعة بعد الضعف الذي طرأ على محاور القيادة العربية الناشطة بين الجماهير العربية في إسرائيل، كاللجنة القطرية للرؤساء، والأحزاب، والحركات السياسية والدينية، ومؤسسات المجتمع المدني، وشرائح النخب الجديدة. ويمكننا، في هذا السياق، تسجيل ما أحرزته سياسات الحكومات السابقة والحالية على مستوى إقامة عدة أطر تمثيلية لرؤساء السلطات البلدية والمحلية العربية إلى جانب لجنة الرؤساء القطرية التي يرأسها مازن غنايم، رئيس بلدية سخنين؛ فقد نجحت اسرائيل بإقامة لجنة رؤساء للسلطات المحلية الدرزية والشركسية، ولجنة أخرى تضم السلطات المحلية البدوية، إلى جانب اللجنة القطرية.

لم يقتصر النجاح الإسرائيلي على إقامة عدة لجان فئوية، بل تعداه إلى اختراق خطير حصل في صفوف لجنة الرؤساء القطرية، ذات المكانة التمثيلية الجماهيرية السياسية المهمة، بعد تفشي ظاهرة انتخاب رؤساء غير حزبيين، وقيام بعضهم بإعلان استقلاله السياسي وعدم التزامهم بالمرجعيات الوطنية القطرية التقليدية، وتمرّدهم الفعلي على أنماط العمل الوحدوي، كما كانت متبعة ومقبولة خلال الفترة السابقة، التي تكاملت فيها وتماهت وحدة المؤسسات القيادية – لجنة المتابعة، الأحزاب والحركات السياسة والدينية واللجنة القطرية للرؤساء ومؤسسات من المجتمع المدني- وتناغمت آليات عملها من خلال توافقها على خطوط سياسية عريضة وعلى جوهر العمل الجماهيري والشعبي، وعلى معنى المصلحة الوطنية وأهمية التكاملية النضالية مع أجزاء شعبنا الفلسطيني الأخرى.

لقد أدى تراجع دور الأحزاب والحركات السياسية العربية وضعفها الى نشوء مراكز قوى بديلة خرجت عن أطر المفاهيم الوطنية التقليدية، وشرعت في تطوير لغة تخاطب جديدة مع المؤسسة الاسرائيلية، وفي فتح قنوات تواصل مباشرة وتربية مجموعة مصالح فئوية محلية، أخذت بالتكاثر في فضاءات سياسية مستحدثة تبشر بولادة وشائج غير مألوفة بين هذه القيادات ومن تمثله من جماهير، والدولة ومؤسساتها. على هذه الخلفية، ستشكل نتائج انتخابات السلطات البلدية والمحلية القريبة محطة مفصلية في حياة الجماهير العربية؛ فإما ان تفضي نتائجها إلى تكريس هوية القيادات المنتخبة الحالية، رغم كونها بعيدة عن مرجعيات سياسية وطنية واضحة، ما سيؤدي إلى تعزيز التأثير الإسرائيلي عليها؛ وإما أن تؤدي إلى إحداث تغيير جوهري من شأنه أن يدعم دور اللجنة القطرية ويعيدها ضلعًا ثالثاً في مثلث القيادة الجماهيرية، الى جانب لجنة المتابعة والقائمة المشتركة.

سننتظر النتائج على أمل أن يحدث الانقلاب المنشود؛ ولكن بمنأى عن ذلك، ورغم أهميته، علينا أن نقف إلى جانب لجنة المتابعة في معركتها المتوقعة مع الحكومة الاسرائيلية؛ لأننا نؤمن كذلك، كما صرّح محمد بركة بأنّ “لجنة المتابعة لم تقم من خلال فرمان من المؤسسة الإسرائيلية ولن ينتهي نضالنا وتمسكنا بأرضنا وحقوقنا وبانتمائنا بفرمان من المؤسسة، مهما بلغ جبروت الطغيان، لأنه وببساطة جبروتنا وإصرارنا أقوى، هكذا كان، وهكذا سيكون .”

لا حياد في هذه المواجهة، فنحن وإن كنّا إلى جانب لجنة المتابعة، إلا أننا ما زلنا ننتظر إصلاحها كما كان الوعد؛ ففي إصلاحها، هكذا أجزم، قوة لها ولنا، ومناعة ستساعد على صدّ الهجمة الإسرائيلية كما نريد.

كاتب فلسطيني

 

 

 

القدس عارية

جواد بولس

أثارت أخبار تسريب بعض البيوت العربية في القدس الشرقية لجهات استيطانية يهودية ردود فعل غاضبة امتلأت بها صفحات التواصل الاجتماعي، وعبرت عنها بعض المقالات المنتقدة في الصحافة المحلية.

من الطبيعي أن يختلف أصحاب المواقف في كثير من التفاصيل، لكنهم أجمعوا ، كلهم تقريبًا، على تحميل السلطة الفلسطينية المسؤولية الرئيسية عمّا جرى ويجري في هذه القضية الحارقة التي شهدت المدينة والعالم فصولها الموجعة على حلقات، لم تنفك تتداعى أمامنا وتكشف عن خاصرة فلسطين الدامية.

تتحمّل السلطة الفلسطينية ومؤسّساتها ، من دون شك، الحصة الأهم والمسؤولية الكبرى عن مسلسل التفريط وعن تسريب العقارات في القدس الشرقية ؛ لكنني، رغم ذلك ، أعتقد أن حصر هذه التهمة عند أعتاب السلطة فقط، سيعفي، تلقائيًا، جهات أخرى شريكة في المسؤولية عن "سقوط " المدينة وعن انهيار أرصفتها ومتاريسها الوطنية الواقية وعن إعطاب كوابحها الاجتماعية والأخلاقية . جميع هذه العوامل وقفت حائلًا ، على مدار عقود ، ومنعت توفير الحواضن لتكاثر قوى السوء ولعربدة قادة الشوارع الجدد، كما هو حال المدينة في السنوات الأخيرة.

عجز السلطة مستفزّ وقصورها المزمن موجع ؛ ولكن ستبقى سياسة إسرائيل هي العامل الأساسي المؤثر على مجمل التحوّلات التي طرأت على المدينة وعلى جميع بناها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وسيبقى، كذلك، بمنأى عن موقف السلطتين في رام الله وغزة،  تفاعل المقدسيين وتعاطيهم المحافظ مع تلك السياسات الإسرائيلية، من أهم العوامل التي أوصلتنا إلى هذه المنزلقات.

فمن واكب هذه الحقبة سيلاحظ كيف تغيّرت، بشكل "ثوري"، سياسة قادة اليمين الجديد، تجاه المدينة وتجاه سكانها ، خاصة في ظل قرار حصارها وفصلها عن باقي مناطق فلسطين المحتلة، وبعد اغلاق "بيت الشرق"  ومعظم المؤسسات المدنية الفلسطينية ، والبدء في محو أنقاض وخرائب ومخلّفات حرب ال 1967، والشروع الفعلي في استحداث "اورشليم- القدس" وعدم ابقائها ابنة للمزامير وللشعار السياسي.  لقد تعمدوا إعمارها كمدينة من "تراب ومن حجر وناس" لا يستمرون في العيش رهن "الاسوار"  القديمة المعترف بها دوليًا.

وفي المقابل سنلاحظ كيف تصدّعت الحصانة الأهلية الوطنية وتحوّلت القدس بين أهلها إلى مجرد "بيوت للرب" مختلف عليها، والى حواضر  استعادت فيها الحمائل هييتها كملاجيء آمنة وكمصادر عز وقوة لأبنائها.

عشرون عامًا مضت إلتبس فيها معنى الوطن واختفت عروس القصائد بين الغمام والدخان والرؤى .     

كانت سياسة صقور اليمين الجديد خبيثة وماحقة؛ فهم، بخلاف قادة حزب العمل وحلفائه التقليديين، قرروا ابتلاع كل المدينة وهضمها من جديد واعادة بعثها في جغرافيا رخامية لتكون كأناء كفيل بصهر المقدسيين العرب واذابتهم داخل "شرايينها" . لقد لوّحوا لمواطنيها التائهين بعشرات العصي ورفعوا لهم ، إلى جانبها، بعض سيقان الجزر ؛  فمن يرضَ منكم يا عرب سيبقى بيننا وسيعش ومن يتمرد سيرحل وسيلقَ الذل والمرارة والعوز .

لقد عمدت إسرائيل، في البدايات، إلى تهميش وإضعاف قطاعات المعيشة والخدمات الرئيسية في القدس الشرقية ؛ لكنها، وفي معرض "ثورتها"  الإقتلاعية، قررت الانقضاض على جميع أوردة الدم وعلى أثداء المدينة؛ فنجحت، بتهديدها وبترغيبها وباستعمالها أساليب عديدة، في بسط سيطرتها على معظم القطاعات، مثل الصحة والتربية والتعليم والسياحة والرفاه والتطوير،  وربطت معظمها "بـصرتها" حتى صارت  هوية هذه القطاعات الفلسطينية عائقًا في وجه بقائها وازدهارها وعيشها السهل المريح.

 انها عملية محكمة ومسيرة جديرة بالدراسة العميقة؛  فاليوم لم يعُد الاحتلال "حجرًا" يضغط على قلوب جميع المقدسيين؛ بل تحوّل، عند بعضهم، إلى أنابيب تمتد و"تحتل" أنوف المدينة الجديدة  وتمدّ رئاتها بالهواء وبالدواء وبالدولار وبالزيت وبالزعتر .

 أعرف أن البعض لن يوافقني، وقد يمتعض آخرون من كلامي فيرفضون مواجهة الواقع، لكنني على قناعة بعدم وجود مخرج من ورطة المدينة  ومأساتها الا اذا  أقرّينا ببؤس ما وصلت إليه وخطورة أزمتها المعاشة في هذه الأيام.

لن يسعف التلويم ، المحقّ طبعًا، على سلطة رام الله، الضعيفة أصلًا والمحاصرة ، باب حطة وكنيسة القيامة، ولن ينقذ الهجوم على السلطة وحدها  "خان الزيت" والمسجد الأقصى؛ فتاريخ صمود المدينة، في الماضي القريب، علمنا أن "قطران"  أهلها، لو أرادوا، قد يكون كافيًا وشاهدًا وشافيًا.    

واجهت القدس محاولات إسقاطها في زمن الراحل فيصل الحسيني الذي انتصب في وجه سياسة شارون ونتنياهو كالمستحيل، فكان القدوة في التضحية وفي اجتراح وإهداء الأمل للعاثرين وللفقراء ولأصدقاء الفجر ؛ لكنّها كانت "حكمة"  السماء التي أهدت إسرائيل، برحيله الملتبس، فرصتها  الرصاصية، فأتمّت بعده ضرباتها حتى كسرت عامود خبائه وصار فوقها الفضاء مثقوبًا.

 لم يـُبعث في المدينة فيصل جديد . أغلقت إسرائيل جميع الأبواب في وجه مؤسسات السلطة وضيّقت على وكلائها ولاحقت مندوبيها وسجنت عملائها. حاول بعض المناضلين المقاومة ولكنّ انفاسهم كانت أقصر من أنفاس "هيدرا" وتصميمها على التهام أحلامهم وهياكلهم والقضاء على قسمات هويتهم.

 نجحت إسرائيل في برامجها فارتفع في المدينة منسوب الشهيّة الفردية وانتشرت الانتهازية وساد اللهاث وراء المصلحة، فاختفى من الشوارع  والضواحي نمط المواطن المقدسي الغيور والمثقف العضوي الفعّال؛  وانتعش، في المقابل، السمسار القبيح والدجال. ضعف الشرفاء واحتاجوا ، فاستقوى المفسدون وتمادى المحتالون والمقامرون اجتاحوا .

عزلت القدس عن محيطها الفلسطيني بشكل محكم ، فشعر المواطن العادي بالاحباط المزمن وبحالة من اليتم الوطني. تحوّلت بقايا المؤسسات المدنية إلى أجساد مدجّنة ومهادنة فتعايشت مع هوامش الواقع الجديد وطفقت تنتج  أسباب وجودها الخاصة بمنأى عن مصالح المجتمع الحقيقية.

لم تتعدّ مواقف معظم الأشقاء العرب اغواء السراب وفنون النفاق وسحر الشعار، وأكاذيب الدول الاسلامية استُثمرت في صناديق العلاقات الاستراتيجية المتطورة مع الحكومات الإسرائيلية ومع الموساد.

 فشلت السلطة في تعاملها مع القدس خاصة في القضايا الكبرى، فوقفت القدس عارية في عصر كله خديعة وتيه ونفاق.

ولكن.. لا تعفوا فيها عن كل من احتمى بزرقة هويته وآثر النوم في أحضانها على صعود الجبال. ولا تغفلوا صمت وسائل الاعلام وخوف بعض أعلامه او تواطؤ من كان منهم في خدمة الشيطان، ولا تسامحوا القيادات "اليسارية الثورية" الغافية وتذكّروا مهاترات الرعاة والدعاة.

ستبقى السلطة المسؤولة "بأل التعريف"، لكنّ من الظلم أن ننسى كيف كانت القدس أم القيادات وسيدة البدايات وزينة النجمات. فأين منها رؤوسها وأين في عتمتها النار والبخور، وأين "حمّال" منصور ؟ 

صمتكم جرم و" التقية" سماد للمفرطين. تصدير التهم ، مهما كانت صحيحة،  ملاذ للقاصرين وكتف صاغر للعاجزين.

القدس صارت بنفسجة على صدر الزمن، فلتسألوا كشاعرها،" صعلوك القدس القديمة" فوزي البكري :  " ماذا في بيت المقدس ، غير الألم، وغير الفقر وغير الجوع/ ماذا في بيت المقدس، غير الأقصى، بيتًا لمساكين الأرض المحتلة مرفوع / هل يسقط بيت المقدس؟ يا عار العرب، ويا خزي الإسلام ، ويا حزن التاريخ المسموع !!"

فهل للقدس قيامة  ؟ 

     

 

 



الحكمة والوجع

في دموع أكتوبر

جواد بولس

 

يعتبر أكتوبر/تشرين الأول في قاموس «ارتقاء وتطور» الأقلية العربية في إسرائيل شهرًا مفصليًا؛ ويصنّف كثيرون من قادة هذه الأقلية ومفكّريها أحداثه الدامية التي جرت عام 2000 كمحطة أشهرت فيها الدولة اليهودية نيّتها الواضحة للطلاق من مواطنيها العرب، وللتعامل معهم، جهارةً ، «كحمل فائض» يستدعي اتخاذها التدابير الخاصة لمداراته أو للتخلص منه.
إنها إسرائيل الحديثة التي صار فيها اصطياد العرب رياضة رائجة، وغدت البلاد كلها غابة، وكل العرب صاروا فيها فرائس مستساغة. ليس كمثل أكتوبر فرصة لنسأل فيها ما العمل وكيف الخلاص؟ فمن لا يصطاده منا رصاص «يوشع» قد يرميه سهم «عنتر». «جلسنا هناك حوالي خمس دقائق. رأينا مجموعة من ثلاثين شخصًا، تراوحت أعمارهم بين 20 و35 عامًا. برز بينهم شخص بدا كأنه رابيهم. كانوا يفتشون عن عرب. وفي اللحظة التي عرفوا فيها أننا عرب أطلق هذا الراب كلمة فانقضوا علينا». هكذا وصف «إسلام» ، طالب في كلية الحقوق في القدس، كيف تعرض وأصدقاؤه، في أحد أحياء القدس، إلى هجوم دموي نفّذته زمرة فاشيين يهود كانوا قد خرجوا في رحلة صيد بشرية.
أقرأ قصة «إسلام» فأغضب وأخاف.. إنها تفاصيل تشبه تفاصيل عشرات الحوادث التي رواها ناجون عرب من اعتداءات كتائب الموت الفاشية، التي صارت تمارس «رياضتها» في الأماكن العامة بشكل يومي ومن دون رادع. «حاولت أن أهرب لكنهم أمسكوني وضربوني في جميع أنحاء جسمي، ثم قاموا بصعقي بجهاز كهربائي كان بحوزتهم، واستمروا حتى فقدت وعيي لمدة عشر دقائق». لم أرغب في استكمال تفاصيل الخبر، كما نقلته الصحافة، فمعظم تلك الأخبار تنتهي بأنّ الشرطة لم تعثر على الجناة، أو أنها عثرت على واحد لكنه ما زال ينكر ضلوعه في الحادث.
في الأسبوع نفسه نقلت الأخبار أنباء عن وقوع هجومين آخرين نُفّذا من قبل كتائب الموت، وأسفرا عن اصابة عدد من الضحايا العرب في منطقة باب العامود في القدس، وعن اصابة سائق باص فلسطيني في منطقة «بيتار عيليت». لم يبدأ تاريخ هذا الدم في أكتوبر 2000، ولن ينتهي عند عتبات القوانين العنصرية الجديدة؛ لكننا نشهد، في هذه الأيام، حالة غير مسبوقة من أشكال التنافر الصدامي مع مؤسسات الدولة؛ فهي من جهة، ترفض الاعتراف بنا كمواطنين كاملي الشرعية والحقوق؛ ونحن من جهة أخرى، لم ننجح في تفادي الارتطام الوشيك بهياكلها؛ وهي مصرة على التعامل معنا، وهذا هو المنزلق الأخطر والأجد، كغرباء لا نستحق الحياة فيها الا كأفراد وصاغرين. ونحن، رغم طرطشات الدم في ساحاتنا، نمضي نحو مستقبلنا وكأننا سادة للغيب وقهارو السيف والمنفى.
منذ سنوات تحاول إسرائيل، بحنكة واصرار، وكجزء من مخططها الجديد، هدم معظم منجزات المواطنين العرب المناعية، وقد نجحت في السنوات الاخيرة الماضية بتقويض أسس معظم البنى الاجتماعية والسياسية الواقية، التي كانت تهيمن داخل المجتمعات القروية والمدنية؛ وساعدت في المقابل، على خلق بدائل قيادية محلية، ارتبطت مصالح معظمها مع «صرة» الدولة، ولم يعترف بعضها بضرورة تظللها بالهوية الوطنية التي رمّمت القيادات المؤسسة بعد النكبة قسماتها، واستعادت حضورها بمسيرة نضالية شاقة ومشرفة وبتضحيات جماهيرية جسيمة لامست في بعض محطاتها المستحيل والمعجزات. يحاربنا صقور اليمين الإسرائيلي العنصري على جبهتين، من خلال تجنيد سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية ضدنا، وقد نجحوا عمليًا، في العقد الأخير، في إحكام سيطرتهم شبه التامة على جميع مفاعيل الحكم، وضمنوا تلقائيًا تنفيذ سياساتهم القمعية والإقصائية بحقنا، نحن الجماهير العربية؛ بينما قاموا، على الجبهة الثانية، بالهجوم على حصوننا الداخلية فانقضّوا على سلطاتنا المحلية والبلدية ونجحوا، بمساعدة ركائز محلية، باحتلال معظمها. ثم ساهموا في تأجيج الانتماءات العائلية والحمائلية والطائفية، ولم يعترضوا على تفشّي ظواهر العنف على تنوّع مصادره؛ فخلقوا، بعد كل هذا، حالة من انعدام الثقة الشعبية بالقيادات وبالمؤسسات الوطنية التقليدية، ومن زيادة في منسوب القلق جراء غياب الأمن الشخصي وتضعضع حالة السلم المجتمعي ، خاصة بعد انحسار وتكلّس دور الأحزاب والحركات السياسية القائمة. في هذا السياق علينا، إذن، أن نواجه «قانون القومية» العنصري بصرامة، لأنه الوسيلة التي جاءت لتُجمل، فعليًا وليس أشهاريًا فقط، مسيرة عقدين، سعت خلالها جميع مؤسسات الدولة من أجل تثبيت ما أعلنه رصاص الشرطة في اكتوبر الدامي، حين اردى ثلاثة عشر مواطنًا مسالمًا، من دون أن يحاسب أحد على ارتكابه تلك الجريمة الكبرى. ستبقى مواجهة هذا القانون مهمة معقدة ومصيرية، لكنها ليست المهمة الوحيدة الماثلة أمام مجتمعنا وقياداته؛ فخريطة الدم في مواقعنا، كما نقرأ عنها كل صباح، مقلقة ومخيفة.
تعيش معظم القرى والمدن حالة من التوتر والغليان، فنحن على أعتاب اجراء انتخابات السلطات المحلية والبلدية. إنه موسم الغضب. تنتشر اخبار الاشتباكات الحمائلية كانتشار الحشرات في مواسم الحصاد، وتغطي أنباء سقوط القتلى والجرحى عناوين المواقع بشيء من الروتينية المستفزة. ساحات بعض المدارس تحوّلت إلى ميادين للقتال وللاعتداءات على طواقم التدريس وعلى الطلاب. فمن لم يحزن قبل أيام لسماع أخبار طعن عدد من طلاب إحدى مدارس قرية «جلجولية» في شجار عنيف، ونقلهم إلى المشافي؟ وجلجولية الجميلة ليست ضحية يتيمة لهذا المشهد الدامي. قد يلومني البعض على سوداوية ما أكتب، لكنني «ابن لغتي» وهي التي علمتني أن الحكمة في «أمر مبكياتك لا في أمر مضحكاتك».
«لم يكن ذلك مجرد اعتداء علينا، بل كانت محاولة لقتلنا» هكذا أنهى الطالب المصاب «إسلام» كلامه للصحافة الاسرائيلية، مؤكدًا ما نقوله دومًا؛ فقصور إسرائيل في معاقبة المجرمين، وسياستها العنصرية الرسمية ستبقى المسؤولة الأولى عن معظم دماء الأبرياء المسفوكة في قرانا ومدننا؛ ولكننا في المقابل لن نعفي أنفسنا، إذ سنبقى نحن أيضًا مسؤولين عن حيوات ومستقبل أولادنا، وعن مناعة قلاعنا واستعادتها.
فهل سيكون الثلاثون من أكتوبر الحالي محطة مفصلية مختلفة نبدأ منها مسيرة العودة الحقيقية نحو فجرنا الجديد؟ 
لننتظر حكمة الشجر في الخريف وهو يغوي المطر.
كاتب فلسطيني


 

 

 

الحرب هي على

انجازات أسرى فلسطين

جواد بولس

لم يحظ إعلان وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، جلعاد أردان، عن تشكيل لجنة خاصة لفحص شروط معيشة الأسرى الأمنيين الفلسطينيين في سجون الاحتلال،  بعناية فلسطينية تتناسب وخطورته؛ لا سيما بعد توضيح الوزير بأن اللجنة مطالبة وموكلة بوضع توصيات من شأنها المساس بحقوق الأسرى، المكتسبة منذ عشرات السنين، وحصرها في نطاق الحدود الدنيا التي تتيحها القوانين وأنظمة مصلحة السجون الإسرائيلية الجائرة

من الضروري أن نرى كيف تجاهر حكومة إسرائيل الحالية بنيّتها وبإصرارها على محاربة "الحركة الأسيرة الفلسطينية"، فوزراؤها يتنافسون بإطلاق التصريحات العدائية، ولا يتسترون على تحريضهم، الذي استهدف ويستهدف القضاء على منجزات "الوضع القائم" داخل السجون.

يسعى قادة اسرائيل من أجل محو الصدى الذي يعكسه هذا الواقع وآثار تلك الصراعات الندّية الطاحنة التي اجتازتها عناصر الحركة الأسيرة ، خلال مسيرتها الطويلة، بما يلامس المعجزات، حين حوّل آلاف الأسرى والأسيرات تجارب اعتقالهم المريرة إلى ملاحم تجدّد فيها الارادة الفلسطينية تفوّقها على سجّانها وتثبت للعالم وللمحتلين ان للحرية في فلسطين شمساً لن تحجبها أبواب الفولاذ، وروحاً تعاف أقفال الكراهية، وعزيمة لا يفتّها قمع الطغاة.

باشرت اللجنة عملها ومن المتوقع أن تصدر توصياتها بعد فترة الأعياد اليهودية الحالية أو قبل نهاية العام الجاري؛ إلا أنّ مصلحة السجون قد شرعت بتطبيق هذه التوصيات في بعض السجون ، وفقًا لما رواه الأسرى لمحامي "نادي الأسير الفلسطيني"؛  فقامت ادارة سجن  "هداريم" مثلاً بسحب حوالي 1800 كتاب كانوا في متناول أيادي الأسرى الفلسطينيين ؛ كما وأعلمتهم أنها بصدد تنفيذ قرارات جديدة.

وفي تقرير آخر  تبيّن لمحامي نادي الأسير أن الأسيرات في سجن "هشارون" خضعن لنفس الإجراء وذلك عندما زارهنّ أعضاء "لجنة أردان" وحققوا معهن حول أوقات خروجهن للساحات وللفورة ، وحول تفاصيل ادارتهن للمطبخ ونوعية الأكل وكمياته وعن الكنتين وعن العلاقات التنظيمية والاجتماعية بينهن وما إلى ذلك . 

كما وتبين أيضًا أنه في أعقاب تلك الزيارة قامت الادارة بتشغيل كاميرات المراقبة الموجودة في جميع مرافق السجن، علمًا بأنها كانت معطلة منذ سنوات بمقتضى اتفاق أبرمته الأسيرات مع المسؤولين في حينه.

لم تتوقع الأسيرات هذا الاستفزاز الفوري فأعلنّ عن بعض الخطوات الاحتجاجية وعن استعدادهن للتصعيد إذا لم تتراجع الادارة عن قرارها؛ لإنهن يعرفن أنّ فشلهن سيمحو جميع انجازات الماضي ويُحكم على رقابهن عقدة  "الهاء" في أنشوطة النكسة ! 

على جميع الأحوال فنحن في "نادي الأسير الفلسطيني" ، وبناء على تجاربنا الطويلة ورصدنا لتأثير تداعيات الحالة الفلسطينية العامة والخاصة بالسجون، نرجّح أن الأمور ذاهبة في اتجاه تصعيد خطير؛ فالقضية ، كما يفهمها الاسرائيليون، أكبر من وجود كاميرا وأهم من وجبة وأخطر من كنتينا وكتاب؛ إنها فرصتهم ، هكذا يتخيلون، بالقضاء على وجود هذا "الكائن" ونسفه من الجذور ، وتحويل أعضائه، أسرى الحرية الفلسطينيين،  إلى مجرد "جناة وارهابيين" يتذللون عند عتبات سجانيهم من أجل قطعة صابون أو كسرة خبز او فرشة وحبة دواء، وذلك كما كان أردان قد صرّح بعظْمة لسانه قائلاً: "على اللجنة أن تفحص امكانيات تشديد ظروف معيشة الأسرى الأمنيين"؛ وأضاف متباهيًا بأنّ هذه الخطوة تأتي كخطوة متممة لمنعه زيارات أعضاء الكنيست العرب لدى الأسرى الأمنيين ولمنع زيارة بعض الأهالي ولمنع اعادة جثامين بعض الشهداء، ومنوّهًا إلى أنه "علينا أن نتذكر بأن الأسرى الأمنيين هم ارهابيون ساندوا أو شاركوا بتنفيذ عمليات إرهابية ضد المواطنين في اسرائيل..".          

لقد حذرنا في الماضي من هذه السياسة، فقيادة اليمين الاسرائيلي الحاكم استوعبت جيدًا أن نقطة التماس الوحيدة الساخنة المتبقية بين الاحتلال وبين من يقاومه تتجلى بشكل يومي في السجون، وذلك بسبب وجود ودور الحركة الأسيرة بهيئتها وهيبتها المكتسبتين منذ عقود، وتحوّلها إلى كيان جامع لم يقوَ عليه القهر، ولم يكسره القمع ولا التعذيب ولم تشوّهه عتمة الزنازين.         

لقد اعترفت أسرائيل بعظَمة ما حققته "الحركة الأسيرة الفلسطينية" من خلال أجيال المقاومين الأوائل ومن تلاهم في مسيرة الكرامة المشعّة؛ وقد شهد العالم كله كيف بنى "سكان الزنازين" صرحًا، عرّى، ببعديه المجازي والواقعي، ممارسات الاحتلال وفضَح موبقاته وأحيى بالمقابل،  بتضحيات اعضائه الجسيمة،  "لحاء الانسانية" المزروع  في سحر حياة كل ثورة وكل شعب يسعى للتحرر ؛  فحيثما يوجد احتلال وقمع توجد مقاومة وحبس، وحيثما يوجد حرمان وأسر، يبزغ الأمل ويولد المستقبل من رحم اليأس. إنه قانون الحرية الخالدة كما جسّدته هذه الحركة؛  فالفلسطيني الأسير أصبح حرًا في أصفاده، بينما صار الإسرائيلي الغاصب المحتل عبدًا لعنجهيته ، مأزومًا في "سجنه".          

لقد توقعنا تعاظم محاولات إسرائيل  لقصم ظهر هذه الحركة الفذة، بالذات في ظل الانقسامات الداخلية التي بدأنا نشهد اتساع دوائرها داخل السجون وتحوُّلها إلى مناكفات صاخبة بين مراكز  قوى فصائلية جديدة متنافسة على "السلطة" وعلى التأثير داخل معظم السجون.

لم تتدخل اسرائيل، في البداية، في حروب "الاخوة الاعداء"، بل وقفت ترقب تنامي هذه التصدّعات وهي تصير جروحًا دامية وتوفر عمليًا لإجهزتها الامنية فرصًا ذهبية لزرع الأسافين ولاسترضاء جهات على حساب جهات.

اليوم وبعد هذه السنين تقف الحركة الأسيرة أمام مفترق خطير ؛ ومع أنها كانت، بشكل من الاشكال، ضحية لانقسامات الخارج ولتصارع القادة في الفصائل ولحروب "الامارات" على السيادة والمحافظات، تتحمل هي قسطًا من المسؤولية وتبقى سيدة حاضرها والمؤتمنة على مصيرها.

فرغم ما شهده تاريخ فلسطين الحديث من صراعات على المواقع وعلى مصادر القوة، نجحت الحركة الأسيرة، حتى بداية الالفية الثالثة، بتحييد تأثير هذه العوامل، وحافظت على كونها صمام أمان للحركة الوطنية وبوصلة لنضالها ؛ وشكلت -من خلال فهم قيادييها لمكانتها الفريدة ولمسؤوليتهم التاريخية، خاصة في زمن الأزمات - منصّة حسمت مرارًا نبض الشارع وزوّدته  بالأمل وبالهدف وبالشعار السليم.

لقد أحسّ السياف بارتباك "فريسته"  فحاصرها بغريزة الصياد الماهر الحذق وأخذ يرميها بسهامه وينتظر، ثم يرميها و يتأهب لانزال ضربته القاضية، التي لن ترحم أحداً فيما نرى، لا مَن وقف في وجهه ولا من تهاون واستظل بفيء "سلطان" ، كان معلمَيه عرقوب والعقرب النزق.

هل يمكن افشال توصيات "لجنة اردان" ؟

قبل الاجابة بنعم على هذا السؤال يجب على جميع الفلسطينيين أن يؤمنوا بضرورة خوض هذه الحرب وبضرورة الانتصار بها؛  لأنها ليست، كما يدّعي البعض، مجرد معركة صغيرة في حسابات المصائر والوطن؛

فصحيح أن مصير القضية يتأرجح على وتر وسيبقى هو وجع الوجع؛ وصحيح أنّ هذا "العالم" ظالم وعاهر، وصحيح أنّ معظم الاشقاء دهاة "وخناجر "؛ ولكن مع كل هذا ، أو ربما بسببه، نقول أن الايمان بضرورة انقاذ الحركة الأسيرة سيكون أول عرابين الصمود الفلسطيني والضمانة لبقاء الحصن في الواجهة والحصانة في وريد "القضية".

النصر ليس مستحيلًا، فلا تدَعوا ، أنتم الذين في السجون، ومثلكم من في رام الله ومن في غزة، أردان ينجح في حربه؛ لأنكم إن سقطتم فستكتمل هزيمة الشعب الكبرى، وسينتظر بعدها  "أفراخكم" طويلًا سماد السماء وانفطار القمر.

 

 

 

 

في الغفران تبكي

 القدس فيصلها

جواد بولس

للغفران في القدس حضور مختلف. في تردّده لعنة الترويض وطعم من الادمان البغيض ؛  تصير  فيه ابنة السماء أرملة يسكن في ديارها البكم ويتربّع في حرجها الخوف والذلّ، وتغمر قناطر  أحواشها بحور من الالتباس.

يقف أصحابها على أرض من زجاج أملس هشّ ولا يجدون في فضائها، فوقهم، غير الغبار وغير وجوه تطلّ منه بقسمات غريبة ليست كقسمات الملائكة ولا العباد. تنتشر في أجوائها روائح البطش و أصوات العجز الخرساء.

أقف أمام نافذتي محاولا استكشاف ملامح هذا النهار. تحاول السماء استعادة زرقتها، ولكنّ بعض الغيوم البيضاء البعيدة تمنعها من ذلك.

 أحدّق من غير هدف وأشعر لوهلة أنني في مكان غريب. كانت البيوت قبالتي مثل صناديق موصدة، بلا شرفات ولا شبابيك، ولون سطوحها  فاحم كرموش العتمة. شوارع الحي بلا نبض، تمتد أمامي طويلة كلسان تنين خرافي.

سمعت من احدى الفضائيات مذيع يصرّح:  "إنّ الأمين العام لجامعة الدول العربية يحذّر من انزلاق الاوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة الى مزيد من التدهور خلال الفترة المقبلة".  لم انتبه فيما اذا أوضحت الجامعة العربية ماذا ستكون ردود فعلها المنتظرة إزاء هذا الانزلاق المتوقع، فلقد انشغلت برقصة غيمة شقية كان شكلها كحصان يقف على رجليه الخلفيتين.

حمّل بعدها نفس المذيع "الولايات المتحدة المسؤولية عن خلق هذه الحالة من الغضب واليأس لدى الفلسطينيين .." بدأت أشعر بالغضب وبالحزن؛ وحاولت التقاط صوت هدير محركات مراكب بعيدة فلم أسمع غير صفير الريح.

انتقلت إلى شرفتي الجنوبية. لم يخرج الراهب القبطي ليتفقد ساحته، كما كان يفعل كل صباح ، ولم أسمع ضجيج طلاب المدرسة فبدت بناية الدير كأنها مهجورة.

حاولت أن أشغل نفسي، كما يفعل أهل الضجر ، بإحصاء سرب الحمامات الذي يستوطن "سطوح ضيعتنا العليانه" فلم أجد إلا واحدة فرّت ، كسهم مفزوع ، عندما شعرَت بوجودي.

عدت إلى كنبتي، صديقتي، وقلت ربما ما زال النهار  يافعًا، والمدينة، كما يبدو، لم تستفق بعد من ليلها الطويل، الذي كان مثقلًا بتناهيد سكانها اليهود وبصلوات كهانها وبرجائهم من ربهم أن يغفر كل ذنوب شعبه المختار، مهما كبرت ومهما عظمت.                       

ما زالت أمامي صفحات من كتاب يحكي عن تاريخ حياة صاحبي ، أمير القدس فيصل الحسيني، والتي حاولت أن آنس ليلتي بعطرها،  كعادتي في "مواسم  القحط والغفران" .

 لم أجد لنفسي في القدس مطرحًا بعد رحيل فارسها. كانت خيبتي موجعة ووقع اليتم قاصمًا، فلم ألق مثل ذكراه ظلًا واقيًا، ومثلها ملجأ يحميني كلما اشتدّ الحصار وسدّ القمع جميع الطرقات والأماني.

 مرّت ساعتان شعرت فيهما كأنني أقف على أرجوحة تنقلني بين قدسين وحلم. استذكرت سنين الحصاد والجنى التي عشت فيها قريبًا من قلبه ومن عقله؛ غضبت ثم هدأت ثم حزنت ثم فرحت وابتسمت؛  تمامًا كما أوصانا الفيصل وهو في زنزانته حين قال : " الأوضاع التي تحيط بي عابسة والجدران في هذه الزنزانة عابسة وأنت عندما تقف أمام القضبان تكون عابسًا ، حتى النافذة الوحيدة في غرفتي يأتيني منها شعاع الشمس عابسًا، لا توجد أي ابتسامة إلا ابتسامتي؛ لذا فإنني لن أفقدها أبدًا". فهل ستكفي اليوم بسمة كي نبدد ظلام القدس ؟

سألت صاحبي اذا نجح في الوصول إلى القدس القديمة عساني أنضمّ اليه في هذا اليوم غير العادي. في الاخبار اعلنوا أن معظم الشوارع مغلقة بحواجز  اقامتها شرطة الاحتلال لتمنع تحرك المواطنين العرب في أرجاء المدينة.

يمكنك الوصول الى القدس عن طريق شعفاط فمنطقة وادي الجوز فالبلدة القديمة ، هكذا أفادني عبدالقادر ؛ أي انك تستطيع التحرك اذا كنت تسكن في مناطق محيطة بهذا المسار فقط.

مع هذا فلقد نصحني بألا أجّرب، لأنّ معظم الشوارع مليئة بالجنود وبرجال الشرطة، والأسواق شبه خالية من الزائرين، والمستوطنون يمارسون تحدياتهم واستفزازاتهم ومحاولاتهم للدخول إلى باحات المسجد الاقصى.

"يعني الاوضاع بتقهر وبتوجع القلب"، أوجز صديقي وصفه للوضع واخبرني أنه في طريق عودته إليّ.

هل تعلم يا صديقي ما كان يقول معلمنا الكبير ؟ سألته وكنا نستعدّ  لمغادرة البيت، فقرأت عليه ما جاء عن فيصل:  "يمكن للقدس أن تكون إما شمس الشرق الأوسط الدافئة أو ثقبها الأسود الذي يبتلع كل شيء" !

نظرت إليه، وكان مطأطئاً، فرفع رأسه وقال:  هذا الكلام صحيح لو بقي عاشقها يدافع عن حرمتها ويفتديها بروحه.  

تركنا البيت وقررنا التوجه إلى رام الله.

سرنا في شوارع خالية إلا من الوهم والسراب؛ كانت المنطقة ككائن أصيب بجلطة قاتلة. في بيوتها يصلّي الرجال ويتمنون انقضاء الشقاء وتستمطر النساء الغيم والقدر؛ في الجو هدوء ساحر وفوقنا صارت الشمس عالية وعلى يمينها خيال للقمر .

"يا اخي معظم الناس تصرفوا كما  توقع حكام اسرائيل منهم"، بادرني أبو شادي، وأضاف بمسحة من حزن  "تمامًا كما أملت عليهم غرائزهم التي دُجّنت خلال عقود من القمع والقهر والحصار". لم أجبه، فالشرق خبير بتدجين نموره في اليوم السادس!

يرتفع على يميننا سور الفصل المستفزّ. كان باطونه يصرخ ، هكذا تخيّلنا ، ويردد كلام فيصل يوم كان  يواجه الأمة العربية ويقول لحكامها  "نحن هنا نكافح ونقاتل ونواجه. نستطيع ان نعد الأمة العربية والاسلامية بكفاح ونضال وصمود ، سواء دعمونا أم لم يدعمونا ، ولكن إن دعمونا فربما سنعدهم بنصر حقيقي".

كم كنا محظوظين أننا عملنا مع فيصل؛ ولكم شبعنا من عهركم أيها العرب. كم دشمنا من وعودكم ومن شعاراتكم الكاذبة، فتعالوا وانظروا كيف يسلبون من القدس، في يوم غفرانهم، سترها وكيف يعرّونها ليطأوا جدائلها ويدخلوا في عروقها.

وتعالي يا أمةً "ضحكت من جهلها الامم" وشاهدي كيف تُذبح باسم الرب حوريتكم في هياكل الاستغفار وتُهتك جميلة الشرق وتُباح حسناء القصائد وتُسبى سيدة المهور والبخور والدخان.

"لقد كان فيصل قائدًا جريئًا وانسانًا مميزًا ، تصرف دائمًا بصرامة وبحكمة، بعذوبة وبوضوح وبحنكة". فاجأني صديقي وأضاف: "لقد خشوه الصهاينة وعرفوا أنه صادق وشجاع ووفي". وافقته وكنا على مشارف حاجز قلنديا عندما استذكرنا معا ما قاله في لقاء عقده مع عشرات القياديين الصهاينة الذين جاؤوا ليسمعوه :  "نحن نناضل من أجل تحرير شعبنا، وليس من أجل استعباد أي شعب آخر ، نحن نناضل من أجل اقامة دولتنا وليس من أجل تدمير دولة اخرى، نحن نكافح من أجل تأمين مستقبل آمن لأجيالنا القادمة وليس من أجل تهديد أمن أجيال أي شعب آخر". تذكرنا قائمة من غابوا بعده ومن صاروا "أسيادًا"، فشعرنا بغصة صعبة

يوقفنا جندي على الحاجز ويحاول أن يظهر رقة مبتذلة، فينظر الينا ويحذّرنا، بصوت رشيق لا يشبه صوت الجنود، أننا سندخل إلى مناطق فلسطينية معادية، ولذلك سنتحمل، كمواطنين إسرائيليين، المسؤولية عن قرارنا.

فكرت لوهلة ان أسأله لماذا يفعل ذلك في هذا اليوم تحديدًا، أو أن أذكره بأهل القدس الذين تركناهم سجناء في بيوتهم، وبالمستوطنين المعربدين في ساحات البلدة القديمة وفي أزقتها، ولكني التزمت الصمت ولذت بعروة بسمة الفيصل.

دخلنا رام الله المحتلة ومن ورائنا كانت صرخات القدس تفضح عهر أرباب هذا العصر وثغاءات جواريهم اللواتي من زبد ...

 

 

 

 

هل من بروكسيل

سيأتي الخلاص؟

جواد بولس

 أثارت زيارة وفد القائمة المشتركة إلى مقر الاتحاد الاوروبي في العاصمة البلجيكية، بروكسيل، موجة عاتية من التحريض وتهجّمات يمينية قادها ضدهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي لم تتوقف ضغوطاته على وزيرة العلاقات الخارجية، فيديريكا موغيريني، بهدف ثنيها عن عقد اللقاء معهم، أو ، على الاقل، عدم مشاركتها شخصيًا فيه، وانتداب موظف أقل رتبة ومكانة كي يقوم بالمهمة.

 لم تنجح جهود الديبلوماسية الإسرائيلية وأعوانها في العالم في ردع من تقف على رأس السياسة الخارجية الاوروبية؛  وقد أوضح  متحدث باسمها في بيان زاد من حفيظة اليمين الإسرائيلي بأنها  "تجتمع ، كوزيرة للخارجية، بشكل روتيني مع ممثلين عن الحكومة والبرلمان، بما في ذلك المعارضة، وإسرائيل ليست استثناءً" وذلك في ما يصح اعتباره "نغزة" موجعة في خاصرة موقف قادة إسرائيل التقليدي، المصرّين على ضرورة التعامل مع إسرائيل كحالة استثنائية لا تخضع للمعايير الدولية ولا للمحاسبة العادية.

يعتبر الموقف الإسرائيلي المعارض للزيارة متوقعًا ومبررًا خاصة بعد تصريحات نواب القائمة المشتركة وسائر القيادات العربية، وعلى رأسهم محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية، بأنهم عازمون على المضيّ في دق أبواب "العالم" وتجنيد مؤسساته ومنابره لصالح قضايا المواطنين العرب وحقوقهم المسلوبة وضد سياسات القمع والاضطهاد التي عرّاها مؤخرًا "قانون القومية" العنصري. 

في نفس الوقت استجلبت زيارة الوفد أصواتًا انتقادية عربية محلية كانت قد  أطلقتها بعض الجهات مباشرة بالتزامن مع نشر الخبر  في الاعلام المحلي. ومن اللافت أن نرى كيف استنجد، فيما بعد، بعض المنتقدين وعزّزوا مواقفهم بما أعلن من تصريحات لموغيريني اعتبرت فيها "أن قضية تشريع قانون القومية يبقى شأنًا إسرائيليًا داخليًا" ؛ فتشاوف هؤلاء بقدرتهم على التنبؤ وبرجاحة تقديراتهم السياسية وصوابها! 

ما زلت مؤمنًا بحرية الجميع وبحقهم بالتعبير عن مواقفهم ؛ لكنني أتوقع من العقلاء والمجرّبين أن يمارسوا هذا الحق بمسؤولية وباتزان مبنيّين على جميع المعطيات المتوفرة، والبدائل الممكنة والاحتمالات المتاحة أمامنا كجماهير عربية تواجه أعتى الهجمات العنصرية وأخطرها، ونحاول الوقوف في وجهها وصدّها من دون "فزعات" الأشقاء واسنادات الأخوة ودعم الحلفاء.

من الطبيعي ألا تستحوذ خطوة سياسية ما على إجماع كل مركبات المجتمع العربي ومفاعلاته، لا سيما في واقع سياسي معقد كواقعنا؛ بيد أنني اعتبر كل انتقاد/تهجّم لم يراع حقيقة  "استقتال" قادة الدولة لمنع الزيارة، جهدًا منقوصًا ومثلومًا وغير جدّي؛ كما وسيكون التعلق بتصريح واحد صادر عن الوزيرة، واغفال مواقفها السابقة تجاه نتنياهو وسياساته، غير مهني وغير منصف؛ فلقد صرّحت في ردّها على أحد الاستجوابات المقدمة في البرلمان الأوروبي قائلة : "إن هذا القانون يتعارض بشكل مباشر مع المعايير والأعراف الدولية وعلى رأسها الحفاظ على حقوق الانسان والتي تعتبر جزءًا هامًا جدًا من علاقة الاتحاد الاوروبي مع دولة إسرائيل، إلى جانب حقوق الأقلية العربية داخل إسرائيل".

رغم جميع الانتقادات، وبعضها كان حقيقيًا ومثيرًا، يبقى لقاء النائب أيمن عودة مع الوزيرة موغيريني هامًا، ومثله تعتبر سائر اللقاءات التي أجراها قياديون في الماضي - كمبادرة رئيس لجنة المتابعة لتدويل قضايانا وغيرها من المحاولات الفردية أو الحزبية- أو تلك التي قام بها الوفد في هذه الزيارة، ولاحقًا في زيارة النائبين الطيبي وزحالقة لمقر الجامعة العربية في مصر .

تدل هذه المبادرات على ولادة نهج واعد وجديد، رغم ادعاء البعض أنه فُرض على القيادات العربية بعدما فرغت جعب أحزابها وحركاتها السياسية من سهامها وتصحّرت منابتها؛ فلا غضاضة من محاولات استنصارنا بدول العالم الذي نسعى إلى عتباته؛ ولكن هنالك من يشعر بأن هذه " المبادرات الدولية" ليست أكثر من محاولات مستسهلة صارت تستجير بها القيادات كي تستعيض "بخراجها " وذلك بعد ثبوت عجزها في الميادين المحلية، وانحسار قوتها بين الجماهير العربية، وغياب تأثيرها داخل مجتمع الأكثرية اليهودية !

لم تستثرني معظم الانتقادات العربية التي وجهت إلى هذه الزيارة ولا الى ما سبقها من محاولات مشابهة؛ فاسرائيل، بخلاف هذه الاصوات المنتقدة، تعرف أن مثل هذه العلاقات قد تكون مجرد "لكشات" صغيرة، لكنها قد تتعاظم وتتحول إلى ضربات مؤلمة ؛ فرغم موقف موغيريني المذكور بشأن "قانون القومية" يتذكر قادة اسرائيل ما قالته نفس الوزيرة حول هذا القانون وغيره في مناسبات أخرى، وما صرحت به كذلك، باسم جميع الاوروبيين،  مؤكدة انهم كانوا "واضحين بشدة عندما يتعلق الأمر بمسألة حل الدولتين، فنحن نؤمن أن ذلك هو الخطوة الوحيدة إلى الامام، وكل شيء يعرقل أو يمنع تحقيق هذا الحل يجب الإمتناع عنه".

من يناضل اليوم ضد قانون القومية وتبعاته؟ من قادر على اخراج الجماهير وهي ضحايا هذا القانون المفترضة؟

اخشى من الأسوأ؛ فرغم ان كثيرًا من القياديين الحقيقيين يؤيدون ما صرّح به رئيس القائمة المشتركة في هذه الزيارة، ويؤمنون بأن النضال ضد قانون القومية يجب أن  "يكون على جميع المستويات وفي أساسه سيكون داخل إسرائيل ، بالمشاركة الفعالة بين المجتمع العربي والقوى اليهودية الديمقراطية.  في ذات الوقت لشركائنا في المحافل الدولية مساهمة كبيرة وفعالة في دعم نضالنا ضد قانون القومية"،  لم يتبع مظاهرة تل ابيب الكبرى أي نشاط حقيقي يذكر، فلقد "غابت شمس الحق" وعاد الناس إلى مهاجعهم ومعدهم وحسابات بنوكهم والى هواجسهم ومصالحهم  وكأن لسان حالهم يتساءل لماذا النضال وكيف ومن أجل من  ؟ 

ستبقى هذه المساعي نحو جهات الريح ضرورية كوسيلة كفاح مطلوبة، لكنها لن تجدي اذا ما بقيت يتيمة وكسيحة واذا استمرت قياداتنا  في التغاضي عن مواجهة أصعب الأسئلة وهو:  لماذا  فقدت أحزابها والحركات السياسية قوة تأثيرها بين الجماهير العريضة ؟

لقد لفت انتباهي مؤخر ًا تساؤل البعض عما اذا أجري استطلاع رأي حول موقف الجماهير العربية ازاء قانون القومية وكيف ترى هذه الجماهير ضرورة وامكانيات مجابهته؟ لم أقرأ جوابًا على ذلك، الا اذا اعتبرنا الصمت جوابًا والهدوء ردًا والعزوف عن أي نشاط سياسي شدوًا وموسيقى!     

لا يوجد متسع من الوقت ؛ فقد مرت سبعة عقود، غابت فيها "شمس الشعوب" عن سماواتنا. ومارت العروبة عميقًا  في صحراء "سرت" ، وتشظى اسلام محمد عبده والرافعي على أطراف "الربع الخالي". وفي اسرائيل نشأت أجيال جديدة ، وفيها نمت شرائح  واسعة تعيش في بحبوحة نسبية وتنام وتصلي للذي احياهم وربّعهم على هذه النعم والخير والبركات.  

فهل سيكون الخلاص في بروكسيل فقط ؟ طبعًا لا!

و هل سيسعفنا إضراب موحد ستعلنه القوى الوطنية والاسلامية في رام الله مع قيادة عرب ال  48 وفي  الشتات ؟ طبعًا لا!   

لا أعرف ماذا يخبيء لنا الغيب؛ لكنني مؤمن أن مياديننا ستبقى هنا: في تل ابيب وأم الفحم والناصرة وحيفا، ففيها يجب أن نعيش وأن نقاوم. 

 

 



حين كانت فلسطين محتلة!

جواد بولس

أحاول منذ مدة طويلة ألّا أمثل أمام المحكمتين العسكريتين الموكلتين بمحاكمة الفلسطينيين ومعاقبتهم بعد إدانتهم " كمجرمين" يستحقون حياة السجون فقط.

لقد بدأتُ مزاولة مهنة الدفاع عن المقاومين الفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي قبل زهاء أربعين عامًا.

كانت عقود اربعة من الشقاء والتحدي؛ انتظرت فيها أصابع الرب عساها تطلّ وتمطر الشر بحجارة عدلها.

أربعون خلت من عمر شعب لم يزل يعشق الغزالة وينام في عين القدر، لكنه لم يرَ من السماء إلا الغضب والظلم والنسيان .

لبستُ قميصًا أبيض وربطة سوداء. لم أعتن بتصفيف شعري فتركته يلائم أحساسي في ذلك الصباح الثقيل.

صرت أكره تبديد وقتي في ساحة محكمة عوفر العسكرية، فاتصلت مع زميلي لأتأكد من ساعة بدء جلسة الشبل شريف، فصادق على ما كان.

وصلت في العاشرة كما كان طلب رئيس المحكمة، الذي وعد بأن ننهي جلستنا بسرعة بلا انتظار.

مشيت بتثاقل. كانت درجات الحرارة مرتفعة وكنت أتنفس بصعوبة رغم أنني تناولت أدويتي اليومية بالكامل. دخلت أول بوابة كهربائية من دون انتظار ودخلت الثانية بنفس السهولة.

 سلّمت بطاقة المحامي ودخلت بوابة ثالثة، كان حارس ينتظرني وراءها  وقد لاحظ أن شعري أشعث وأنني لا أمشي منتصبًا كدأبي. لم أُطل المحادثة معه رغم شعوري بأنه كان  قلقًا فعلاً على صحتي!

كل شيء في هذا الاحتلال قد تغيّر، إلا شهيّته على القمع والبطش واذلال الفلسطينيين. كنا نقابله كل يوم وجهًا لوجه، فقد كانت مركباته العسكرية تجوب شوارع المدن والقرى الفلسطينية وتنتشر  روائحه وحواجزه في كل المفارق. جيشه يحكم ببساطير وخوذات، وجنوده يواجهون ببنادقهم شعبًا يزرع وينشد ولا ييأس؛ يعمل ويجوع ولا يهادن؛ يسجن ويموت ويقاوم.

حتى بداية تسعينات القرن الماضي لم يعرف الفلسطيني كيف يكون الاحتلال مجازًا أو استعارة أو تجليًا للالتباس؛ فللاحتلال كان لون واحد؛ ورغم حلكته واجهه المواطنون بإرادة وكرامة وعزة.

كانوا رغم القمع يسيرون نحو الهدف، ويتنقلون رغم القهر  بحرية نسبية، ويكتبون على الجدران بألم وأمل، وحتى دخولهم إلى إسرائيل كان مُجازًا  إلا للممنوعين من ذلك.

لم ينجح قادة اسرائيل، رغم جميع محاولاتهم،  بالقضاء على اصرار الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال ونضالاتهم من أجل كنسه ؛ وقد فشلوا كذلك، رغم كل استثماراتهم الخبيثة في خلق قيادات محلية " ڤيشية" متعاونة،  تساعدهم على تحقيق مآربهم؛ ذلك لأن القيادات الوطنية تمسكت بمواقفها الصارمة وبتأييدها لمنظمة التحرير الفلسطينية وما مثلته وعنته في ذلك الحين.

طمأنت الحارس على صحّتي ودلفت الى "طريق الماعز"، وهي عبارة عن مسارب ضيقة تحيطها الأسلاك وتتعرج حتى تفضي في نهايتها إلى ساحة معدّة  لأهالي الأسرى، فيها ينتظرون بداية جلسات أبنائهم. 

سلّمت على والديّ شريف، فقابلاني بترحاب وأبديا رضاً من وصولي. كانا في منتهى الدماثة، مبتسمين مع أنهما يعرفان ما ينتظر أبنهما؛ فهو متهم بتنفيذ عملية طعن وقتل يهودي في أحد المتاجر. 

أصغيا باحترام؛ ورغم تظاهرهما بالهدوء، شعرت كيف كان قلب أمه يبكي وكيف كانت عينا والده تبحثان في عتمة الغابة عن مخرج قد ينقذ صغيرهما من النهاية الصعبة. عندما قرر شريف تنفيذ العملية مع رفاقه كان عمره آنذاك أربعة عشر ربيعاً.

حاولت ألّا أكون مبدّدًا للآمال، لكنني أفهمت العائلة أننا امام مؤسسة لا تجيد إلا ما يجيده المستبدّون؛ ففي ظروف عادية كان على القضاة أن يأخذوا بعين الاعتبار حداثة عمر الجاني ويحتسبونه سببًا لتخفيف الحكم،  ولكننا هنا أمام واقع مغاير واشخاص جبلوا من طينة أخرى.

قاطعتني والدة شريف بصوت يشبه التنهيدة قائلة : " ولكن يا استاذ لقد حكموا على قاصرين يهود قتلوا عربًا بأحكام خفيفة، فربما يفعلون هذا مع شريف ايضًا". كانت تقف أمامي ومنديل يلم شعرها، عيناها حزينتان وغائرتان في وجه فقد كثيرًا من نضرته . جلبابها يغطي تعبًا وبقايا سهر قضته وهي تحاول أن تتذكر ملابس ابنها وهو ذاهب الى مدرسته وما كانت زوّادته، وتستحضر بسمته في ذلك الصباح الذي خرج فيه شريف ولم يعد ، منذ اكثر من عام ونصف .  

"ربما" قلت، ووعدتها اًن أقاتل، جهدي، ومضيت كي أقابل شريف قبل نقله إلى قاعة المحكمة. 

تعبت يداي من ملاطمة مخارزهم؛ رغم أنني لم ألج هذا العالم ، عالم اللامنطق والقوة الخرقاء والعبث، إلا مصرّاً أن أحوّل عجز الضحايا إلى ذخائر. فلا عدل تحت قبة الاحتلال ولا خلاص في جحيمه ؛ وأمام عنجهية الدبابة، لندع الضمير يسجّل انتصاراته الصغيرة، عساها تستقدم الانفجار  الكبير،  وأمام "خوف الغزاة من الذكريات"  لتتحول الخسارات إلى ربح في حساب التاريخ.

لم اشرح كل ذلك لوالديّ شريف، لكنني طلبت منهما التحلّي بالصبر وبحكمته الخالدة، وتزويقه ببعض من براعة التأويل وسحر البيان، فنجاة ابنهم بعد العملية تعتبر  "انتصارًا"، خاصةً اذا ما راجَعنا جداول الدم في حالات مشابهة.

 كان يجلس محاطًا بسجانين وبكثير من الكراهية. لون وجهه كلون الكستناء؛ يلبس البني مثل كل الأسرى؛ وعيناه تائهتان. بدا كأنه لا يستوعب ماذا يدور حوله. 

ألقيت عليه التحية وأفهمته ما نحن بصدده وما سيجري؛ ولوهلة شعرت أنه شخصية من روايات الخيال وأفلام الكارتون؛  كان يتحدث معي بنوع من النضوج غير المكتمل. عبّر عن ثقته بموقفي وتبسّم حين طلبت منه أن يفعل ليزيل أثار خوف حاول سجانوه ان يكتشفوه على وجهه. 

تركته وتوجهت إلى قاعة المحكمة فجاءني القاضي معتذرًا على التأخير لكنه وعد بأن تبدأ جلستنا على الفور.

أفهمني أنهم يقومون بتنظيف قاعات المحكمة وفقًا لتعاليم دينهم التي تلزمهم بذلك. يقوم الجنود بتنظيف وتعقيم القاعات، ثم يتبعهم طاقم يرأسه قاض ويجري فحصًا دقيقًا لضمان سلامة النظافة.

ينتظر الجميع نتيجة فحص القاضي، فاذا ما أمر باعادة التنظيف، فسينتظر الجميع مجدّدًا تكرار هذه العملية. 

عدت إلى شريف فوجدته أكبر  من ذي قبل. سألته اذا كان سيفعل ما فعله مرة اخرى لو أتيح له ذلك؛ فانتفض كالمقروص ومدّ يديه إلى اعلى بحركة مستنكرة وقال لااا ، بألف ما زالت ترنّ في أذني، ثم صمت. قلت له: إذا لماذا فعلت ما فعلت ؟ فأطرق ولم أسمع إجابته، لأن القاضي بعث اليّ بجندي يستدعيني اليه. 

اخبرني القاضي، بنوع من الاسف ، بأنّ القاعة غير جاهزة، اذ يجب تنظيفها مرة اخرى. لم اتبسم مع انني كنت على حافة الضحك، لكنني اجبته بعفوية مقهورة وعلى مسمع من بعض الزملاء: إن كان لا بدّ من تنظيف هذه القاعات، فيجب تنظيفها من أمور اخرى؛ فدعونا، نحن المحامين، نفعل ذلك !

نظر اليّ بدهشة تشي بطرف احتجاج وقلب كفيه بحركة تشبه الدعاء من السماء ، فتركته غير مبال.  

دخلنا بعد ساعة كاملة الى القاعة. وقف شريف أمام القضاة وأجابهم مشيرا اليّ: يمثلني جواد في هذه الإجراءات، وجلس؛ فبدأت الجلسة التي سيكون لها تتمة بعد شهر.

غادرت المعكسر  وبي حزنان، الاول على تيه جيل في شعاب من سراب، والثاني لأني في هذا اليوم بالذات، طويت عامًا آخر من عمر شقي؛ في دنيا صارت تفيض مرارة وتعبا وخراب. 

 

 

في فيينا أو في كريات

حاييم ، الفاشية واحدة لا تلين

جواد بولس

عدنا إلى البلاد من رحلة مختلفة، كانت أقرب إلى صدفة قادتنا للنبش في عظام التاريخ وحماقاته.  

عندما هاتفتني ابنتي دانة كنا نطوف في شوارع مدينة فيينا من على متن حافلة سياحية يسمونها في عدة دول أوروبية "هوب آند أوف"، وهو في الواقع "باص" من طابقين، يتيح لمستعمليه زيارة معظم معالم المكان، مثل عاصمة "الهبسبرغيين"، والنزول في كل محطة والعودة منها، حسب الرغبة، على مدار أربع وعشرين ساعة.

سألتها برسالة خطية قصيرة تأجيل المحادثة، إلا إذا كان الأمر طارئاً، فلقد كنت أعلم أنها في مدينة العقبة الأردنية، تشارك في الجولة الثانية من ورشة عمل دراسية رعتها وترعاها كلية " كينغز" البريطانية وجامعة لندن.

كنا، في مطلع شبابنا، نترقب، كشحاذين للحب والجمال، زيارة مدينة الڤالس؛وأتذكّر كيف أتيناها أول مرّة ، قبل سنين، بصحبة "أسمهان" النادرة، التي خلّانا صوتها نحلم بطيور الجنة وهي تبكي وتغني في ليل مدينة يسكنها القمر.

كانت ڤيينا بالنسبة لي، لأسباب سرمدية، مثارًا لمتعة متمناة ولخيال مستفز . ولن أنسى كيف قابلتنا، في ذلك الخريف، ببرود وتكبّر ؛ حين جئناها، محملين بجيناتِنا، لنحاول تفكيك عقدنا الشرقية على عتبات "شونبرونوها"، ونستذكر غيث الحضارة في حدائقها، ونلهو على سلالم موسيقى دانوبها الشقي.   

"بابا، وصلنا أنا ودورون مطار ايلات لنطير عائدين إلى تل أبيب" ، كتبت لي دانه في رسالتها الأولى التي بدت قلقة، وأردفتها متألمة "غلّبونا كتير وعاملونا بطريقة حيوانية" .

 أخفيت ما وصلني عن عيني أمها وصديقينا، وتابعت قراءة ما كان يردني منها خلسةً ؛ فهمت أنها عادت من العقبة برفقة زميل يهودي يشاركها في الورشه اسمه دورون. وبعد أن "اكتشفت" موظفة الأمن في المطار  "عروبة" دانه و"يهودية"  دورون استنفرت وقامت بالتفريق بينهما على الفور ؛ فأدخلت دانة وحقائبها الى غرفة، وأبعد عنها دورون في غرفة أخرى.

مررنا في شوارع المدينة المليئة بتحف عمرانية تشهد كيف كان صولجان التاريخ ينتصب من حلق هذا المكان. كنائس بهندسات قوطية ورومانية وأخرى مبتكرة وحديثة، وكلها يحمل بصمات مَن بنوها، وتعكس تعاقب الدول وعقائد من حكمها وتجبّر ؛ وبجانبها، على ضفة الدانوب يستقر جامعها الكبير بمئذنتة التي ترتفع الى علو 32 مترًا .

بدأ يقلقني كلام دانه، فقد تركنا البلاد وأخبار اعتداءات الفاشيين اليهود على العرب تنتشر يومًا بعد يوم، وتصلنا تباعًا لتعكر صفو اجازتنا. 

قرأنا عن خبر اعتداء رجل أمن في مطار بن غوريون على مواطنين عرب دروز من قرية دالية الكرمل ورشّهم بالغاز ؛ وتابعنا صور  اصابات الشبان الثلاثة أبناء مدينة شفاعمرو وقصة نجاتهم بالصدفة من موت محقق بأيادي زمرة من الفاشيين هاجموهم في "كريات حاييم"  قرب حيفا. 

لقد تركنا وطنًا صارت فيه "الدانات" فرائس سانحة لكل متطرف وفاشي قد ينقض عليهن بلا رادع ولا تردد ولا وجل؛  خاصة بعد أن أفلت معظم المعتدين في الحوادث السابقة من العقاب ومن المحاسبة.

حاولت أن أشغل ذهني بجمال ما نشاهد، وبقساوة الطقس في ذلك النهار؛ فلقد وصلنا فيينا هذه المرة، ومعناها مدينة النسيم العليل، في منتصف آب ، ويقيني، هكذا تندّرت مع صديقي نبيل، الذي عانى من الحر  مثلي، أن "رامي" لم يزر المدينة في آب ؛ ولو فعل لأيقن أنها مدينة من نار وتراب ومن ماء وشراب، وأنها ليست من مدن الجنة كما تخيّلها في أغنية أسمهان الساحرة. فهي بقصورها ومتاحفها وجامعتها ومسارحها وأوبراها قد تكون شاهدة على نبوغ العظام، بيد أنها كانت مرارًا أخت الحماقة والهوان. ثم وإن كانت ولّادة للرقة ولجميع الفنون، فإنها كانت كذلك أمّا للطاعون وحصّادة للموت وللأسى ؛ تماما كسائر بنات التاريخ الكبير والأحمق، وكضحية لنزق مَن تصرّفوا كآلهة وعاشوا كخالدين لا يُقهرون.

"لقد حاولوا اذلالي وقهري. استمروا لأكثر  من ساعتين بالضغط عليّ بأسئلة شخصية ومهينة أحيانًا. اخذوا هاتفي وحاسوبي. لقد أخروا ميعاد اقلاع طائرتنا لأكثر من ساعة بسببنا" .

كان باصنا يسير ويقطع موقع الحي/الجيتو اليهودي ببطء، ليتوقف بعده مقابل بيت "زيغموند فرويد" في شارع بيرغاسي ١٩. قطع القاريء تقريره لينقل إلينا تسجيلًا نادرًا أجرته، في العام 1938 ، محطة الاذاعة البريطانية ( bbc) مع زيغموند فرويد بعد شهرين من وصوله إلى لندن هاربًا من فيينا ، التي ضُمّت إلى ألمانية النازية في ذلك العام.

كان فرويد هرِمًا قد تخطى عق