الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

جواد بولس كاتب فلسطيني محامي  ناشط في مجال حقوق الانسان  (من كتاب البلاد)

 

لا تتركوا الصناديق وحيدة

جواد بولس

 

أصدرت «حملة- المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي»، تقريرًا لافتًا تطرقت فيه إلى ارتفاع في منسوب التحريض والعنصرية الإسرائيلية عبر الشبكات الاجتماعية خلال عام 2018 مقارنة مع معطيات عام 2017، حيث تزامنت ذروة التحريض فيه خلال فترة تشريع قانون القومية وهجوم المحرضين على العرب، بأشكال لم يسبق لها مثيل، لا من حيث العدد ولا الكثافة ولا وقاحة المجاهرة وخطورتها.
اقترح على جميع المعنيين مراجعة تقرير «حملة» وقراءته بعين فاحصة، عساهم يستدلون من معطياته على بعض المؤشرات التي قد تدفع بهم إلى إعادة نظرهم في مواقفهم السياسية، لاسيما عند من ينادي بمقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة، وخصوصًا من انضم منهم إلى تلك النداءات محتجًا أو مستاءً أو منتقدًا أو معاقبًا قيادات الأحزاب العربية، جراء «تصرفاتهم» خلال أزمتي المناوبة، ومحاولة استعادة تشكيل القائمة المشتركة.
لقد تبين من التقرير أن وتيرة كتابة منشور تحريضي ضد الفلسطينيين في عام 2018 كان بواقع كل ست وستين ثانية (بينما كانت وتيرة ذلك في عام 2017 كل احدى وسبعين ثانية) في حين وصل عدد المنشورات التي تضمنت دعوة لممارسة العنف ضد الفلسطينيين إلى (474250) منشورا. تعاطت نصف هذه المنشورات مع مواضيع سياسية مباشرة، وكان معظمها موجهًا ضد أعضاء الكنيست العرب وضد أحزابهم؛ علاوة على تخصص بعضها بالهجوم على شخصيات اعتبارية وإعلامية يهودية، كما حصل مع مذيعة الأخبار المشهورة أوشرات كوطلر وغيرها. لا يمكن إهمال هذا الواقع من قبل من ينادي بضرورة مقاطعة الانتخابات، أو من يقوم بتتفيه أهمية المشاركة السياسية للمواطنين العرب، وإلغاء دور النضال البرلماني وشطبه كرافد مهم، وليس وحيدًا، يتعدى كونه ممارسة لحق مدني مهم وعاكس لمكانة المواطنين داخل الدولة؛ فوجود عدد وازن من البرلمانيين العرب والديمقراطيين اليهود، يجب أن يبقى هدفًا نسعى إلى تحقيقه كاقلية تكافح من أجل بقائها على وطنها، ومن أجل المحافظة على شرعية وجودها، وعلى وجود مؤسساتها القيادية التمثيلية السياسية والأهلية والمدنية.
على قلة الأصوات اليهودية الديمقراطية سيبقى وجودها بالنسبة لنا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، بمثابة الضرورة الملحة، ويبقى واجبنا، كما قلنا مرارًا، أن نفتش عنها وأن نتواصل ونتعاون معها؛ فصوت واحد من هذه الأصوات يسبب زلزلة داخل المجتمع اليهودي، أكبر من بعض بيانات الشجب الصادرة عن الجامعة العربية، ويعيد إلى عُرض الشارع عناوين حاول اليمين وزبانيته على مدار الساعة ولسنين أن يمحوها من الذاكرة الجمعية، وأن يردمها كالحطام المنسي. فبعد الانتهاء من مشاهدة مقاطع الفيديو لخمسة جنود إسرائيليين وهم يعتدون بوحشية مقززة على والد فلسطيني، وعلى ابنه أثناء اعتقالهما، علقت مذيعة الأخبار في التلفزيون الإسرائيلي، أوشرت كوطلر، وعلى الهواء مباشرة وقالت «يرسلون الأولاد للجيش ويستعيدونهم وحوشًا بشرية، هذه هي نتيجة الاحتلال».

مقاطعتنا للانتخابات والبقاء في بيوتنا لن يفيدنا، والتمترس وراء الشعارات البراقة لن ينقذنا من الجحيم

لم تمض دقائق معدودة حتى انهالت على كوطلر آلاف التهديدات والتعليقات، ومن بينهم كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي نشر على صفحته تعقيبًا قال فيه « أنا فخور بالجنود وأنا أحبهم، وأقوال كوطلر جديرة بكل الشجب».
لقد تزامنت قضية كوطلر مع تعقيب أطلقته مذيعة وعارضة أزياء إسرائيلية شهيرة أخرى اسمها «روتم سلع»، فهذه وبعد أن استفزتها أقوال الوزيرة ريجف حول مكانة المواطنين العرب في البلاد صرخت متسائلة على الملأ «متى، بحق الجحيم سيصرّح واحد من هذه الحكومة بأن دولة إسرائيل هي دولة لكل مواطنيها، فلقد ولد جميع البشر متساوون، والعرب هم أيضًا من بني البشر». مرة أخرى هبت جموع الظلاميين ضد هذه الشابة/النجمة، وهاجمت فيالق الإفك والعنصرية أقوالها، وتدخل مجددًا نتنياهو ليؤكد أن إسرائيل ليست دولة لكل مواطنيها، بل هي دولة لليهود؛ فمرت على إسرائيل غيمة شوشت على يمينييها صفاء بطشهم وهيمنته، واستفاق بالمقابل، زملاء لسلع وشرعوا في الدفاع عنها وعن مواقفها، وبرز من بينهم مذيع آخر اسمه آسي عازار ، فنشر على موقعه معلنًا «لقد فتحت روتم سلع أمس البوابة، وعلى جميعنا الآن، أن ننضم إليها وأن نتوقف عن الخوف من الكلام».
سيمر الكثيرون على هذه التفاصيل بدون اكتراث، وسيتلقفها البعض، كما يجيد ندافو الكلام وحرفيوه، باستهزاء وبإهمال، فمقاطعة الانتخابات عندهم أمر من علٍ ، وواجب من كبروا ليرووا « لمن يرثون بنادقهم سيرة الدم فوق الحديد».
النقاشات حول هذه المسألة، لم تنقطع منذ عقود ولم تتغير محاورها ومضامينها، بخلاف وتائر حدتها من جهة، ومن يقف وراءها ودوافع من يروّج لها من جهة أخرى؛ فعلاوة على من تمسّكوا بالمقاطعة المبدئية، مباشرةً بعد اسدال ستائر «النكبة»، لرفضهم التعاطي مع « قلعة بناها جنود يوشع بن نون من حجارة بيوتهم»، سنجد مجموعات جديدة، انضمت لهم لكنها لا تأتلف معهم على الدوافع العقائدية نفسها، ولا تسعى مثلهم لتحقيق الأهداف المعلنة، أو المضمرة ذاتها، وقد نجد منهم من يخدم ، بدهاء وبمزايدات وبالخديعة، أجندات غريبة ومعادية لحقوقنا، السياسية والمواطنية على حد سواء.
من المؤسف أن يخضع هذا الخلاف في وجهات النظر إلى ذات المؤثرات الصوتية المزعجة والاتهامات الهابطة والمتبادلة بين الفرقاء، فعلى ما يبدو، لم ولن يتحرر من شبّوا على ثقافات تخوين المختلف من سطوة جيناتها حتى في بعض القضايا الخلافية، التي يجب معالجتها بمسؤولية فائقة وبنضوج فكري يليق بمستقبل أقلية مهدد وجودها بشكل واضح وملموس.
لا يستطيع أحد التقليل من شأن من يؤمنون عن عقيدة وبقناعة ويمارسون بمفهومية مبدئية حقهم بمقاطعة الانتخابات النيابية؛ وإذا كان هذا الحق مكفولاً للأفراد فهو كذلك حق مكفول للأحزاب وللحركات السياسية والدينية، إلا أن هذه، خلافًا لحالة الأفراد، مطالبة بشرح دوافعها السياسية الحقيقية للناس وكيفية درء تبعات مواقفها على مصالح الجماهير، وعلى مكانة حقوقهم؛ وفوق هذا كله وقبله عليهم أن يكشفوا عن رؤاهم البديلة التي يقترحونها في سبيل تنظيم علاقات المواطنين بأجهزة ومؤسسات الحكم، في دولة يجاهر معظم قادتها بعزمهم على إقصاء مواطنيها العرب، وعلى إلغاء مكانتهم القانونية الفردية والقومية.
وتبقى التجربة بين ممارسة الحق بشكله المطلق والمنفعة المتأتية من جراء تلك الممارسة فيصلًا، فمستقبلنا ومصالح عامة الناس، مثلها مثل كبرى القضايا الانسانية، لم تخضع عبر التاريخ إلى قوانين العدل المطلق، ولا إلى جوهر الحق الخالص وبراءة الشعارات، مهما كانت هذه مقدسة أو واضحة، ومن مثلنا ، نحن أبناء الشرق، قد عانى من عربدة ذلك التاريخ وعهره، ومن إبهار الشعارات وسرابها؛ فهل سنمضي، مرة أخرى، نحو هاويتنا ونصنع من «جماجنا لعزنا سلما».
سأكرر ما قلناه في الماضي مرارًا ولا بأس بالتذكير، فلقد انتصرنا ببقائنا على أرضنا، وهكذا نجونا من نقمة الخيام؛ وقد أفشلنا مخططات تذويبنا أو تهجيرنا بإصرار آبائنا على عدم استذواق سمي الخنوع والمخاتلة؛ ولقد فوتنا على قادة اسرائيل فرصة تنفيذ أحلامهم بحكمة، وبرفض البقية الباقية للإقصائيْن، الذاتي أو المفروض عليهم، فتحولنا من بقايا نكبة إلى كيان صامد، ولم يكن هذا ممكنًا لولا سياسة « الواقعية الكفاحية» ووقوف بعض اليهود الديمقراطيين مع حقوقنا. لقد استفزت أقوال العنصريين الأخيرة رئيس الدولة رؤوبين ريفلن الذي، رغم انحداره من أصول يمينية جابوتبسكية ، تصدى، مرة أخرى، لأقوال نتنياهو وزمرته فصرح قائلًا «نقول بصوت عال وواضح إنه في الأونة الأخيرة بينما يطغى الفكر السياسي على كل منطق عرفناه، ظهر خطاب غير مقبول تجاه المواطنين العرب في إسرائيل» ثم تابع مؤكدًا «لا يوجد مواطن من درجة أولى ولا يوجد ناخب من درجة ثانية، فجميعنا متساوون أمام صناديق الاقتراع عربًا ويهودًا». مواقف هؤلاء اليهود لافتة ومهمة.
مقاطعتنا للانتخابات والبقاء في بيوتنا لن يفيدنا، والتمترس وراء الشعارات البراقة لن ينقذنا من الجحيم، والجلوس عند حافة البئر سيبقينا ننتظر «ذلك الغد الطائش وهو يمضغ الريح في ليالي الشتاء الطويلة»؛ ومن لا يصدق حكمة الهزيمة فليسأل ذلك الحصان، لماذا تركوه وحيدًا.
كاتب فلسطيني

 

 

الانتخابات الفلسطينية:

هواجس من إجازة مرضية

جواد بولس

 

مررت وما زلت بوعكة صحّية ألزمتني الفراش بضعة أيام، كسبت منها فائضًا من الوقت «وهدأة بال» لمتابعة تداعيات أخبار العالم وفي منطقتنا، بروّية وبنظرة شمولية رحبة، لطالما حرمتني منها الزحمة في حياتنا العادية، وتدافعنا وراء سرابها الدائم.
كلّ شيء حولنا تغيّر ويتغيّر بشكل جذري ودراماتيكي؛ وجميع شروط ولادتنا، كأقلية عربية صمدت في جحيم النكبة وعوملت على أرضها، «كعربوشيم/فئران» لتجارب المستعمرين الجدد، تبدّلت أو تبخّرت أو خضعت لعمليات تحوّل، اقتصادية/ اجتماعية / سياسية، لا يمكن في الحقبة المقبلة، إغفالها أو مواجهتها بالقوالب النضالية نفسها وبهديِ الشعارات التقليدية والهواجس النرجسية ذاتها.
في العالم أمست أمريكا سيدة الكون الجشعة، بينما لم تعُد روسيا كأمها «شمس الشعوب» التي استدفأت بنورها معظم الشعوب العربية، واحتمينا، نحن الفلسطينيين، بظلّ مطرقتها ومنجلها. فقد أبناء الضاد «عيونهم» وصارت العروبة، كبثينة ودعد وعزّة، وحْياً جميلًا للأناشيد وأعجازاً في القصائد. لم يعُد «الإسلام» عربونًا كي لا يذبح الأخ أخاه، بل صار إسلام جدّة خنجرًا في ظهر إسلام طهران وبخارى؛ وفي الشام بُعثت من جديد ملل الشهرستاني ونحله. وفي الصحراء غدا «الدون بن طرمب» أميرًا على «المؤمنين» الذين راحوا يضربون، كرمى لعينيّ شقرائه، أعناق «الخوارج» ويسحلون لأجله «الكفار» من أبناء القبائل. وصارت فلسطين أختًا للغيم ودمية من طين وغبار، ففقدت قدسها عند اعتاب السلاطين «دم البكارة» وحوصرت غزّتها وشُرّدت تفتش عن هاشمها وعن مهشّمها.

أنا كناخب ومواطن بحاجة لقيادة تقسّم ولاءها للجماهير ولمصالحها ولا تلهث وراء زعماء دول شقيقة أو حليفة أو غربية

لوهلة قد يظن المراقب أن قضية الانتخابات البرلمانية في إسرائيل، هي مجرد حدث ثانوي لا أهمية له في خضمّ ما يجري من تفاعلات صاخبة وأحداث دامية في جميع أرجاء العالم؛ وبالتالي فأهمية ما ستحققه القائمتان العربيتان اللتان تخوضان هذه الانتخابات، سيكون بحجم خربشة هزيلة على صفحة هذا التاريخ. هناك من يروّج لهذه المشاعر وهم يعرفون أن الواقع مختلف ومغاير، وهنالك من يغذيها برومانسية ثورية أو لإيمانهم الغيبي بأنّ النصر على إسرائيل، هذا الكيان «المزعوم» بات قاب قوسين ودعاء، والعدل، هكذا يؤمنون، رغم قهقهة الأيام، من سنن الحياة وفضائلها غير الزائلة. لم أوافق في الماضي مع من يلغي ضرورة مشاركتنا، نحن المواطنين العرب، في الانتخابات الاسرائيلية، أما اليوم فقد تعززت قناعتي كثيرًا بأهمية هذه المشاركة، لأن لنتائجها تأثيراً كبيراً على مستقبلنا وعلى مكانتنا في الدولة، لاسيما إذا تخيّلنا كيف ستتطاوس إسرائيل الجديدة كقلعة في المدى عامرة، وكيف ستقف جيوشها حماةً لقصور أخوتها العرب المستعربة والعاربة! كل من تابع الأخبار رأى كيف يبتلع ليل إسرائيل نجوم الشرق، ويفترش جرادها سفوح الهضاب ويلتهم طرابين الفجر وأنفاس الشجر؛ فقريبًا سيصبح «الولاء» في إسرائيل، عتبة للخبز وسلّمًا للعيش خارج الحفر، وستبحث هوية المواطن العربي فيها عن حيّزها الملتبس بين «سيقان البامبو» الشرقأوسطية وخرائب أحلام دارسة وخرائط من عدم.
لن اتطرق لقرار لجنة الانتخابات العنصرية التي قضت بشطب قائمة «الموحدة والتجمع» وشطب عضوية المرشح اليهودي في قائمة الجبهة الدكتور عوفر كسيف، فسأنتظر حتى تقرر محكمة العدل العليا في هذه المسألة، لأنني أتوقع أن تقبل التماسات المتظلمين وتلغي قرار اللجنة العنصري الجائر. هذا رهاني الحالي وقد أخسره، فالمحكمة العليا تنازع بعد أن اخترقتها كتائب اليمين الكاسر، حتى بات سقوطها في قبضته الفولاذية بعد الانتخابات مباشرة وشيكًا. لا أستوعب من أين يتزوّد المقاطعون بثقتهم المطلقة بصحة موقفهم، ولا أفهم كيف تضرّ مقاطعتهم للانتخابات بإسرائيل، ولا كيف تتأذى مصالحها إذا استمر الآلاف منهم بالدعاء عليها بالموت وبالتنظير، لكونها لقيطة فاقدة لشرعية الحياة، بينما يستأنف «الثوّار» و»الدعاة»، في الأصبحة، حياتهم الطبيعية كمواطنين يحيون في شرايينها ويعتاشون على أوردتها. حقهم في المقاطعة مكفول، ولكن واجب الأحزاب والحركات غير المقاطِعة، بالمقابل، أن تواجههم بالحجة وبالعقل. يوم المعركة قريب جدًا وسلوك المتنافسين في القائمتين ما زال تحت سقف التوقعات والضرورة، وبعضهم يصر على تصفية حسابات الماضي، رغم انهم كانوا، خلال مسيرة التفاوض، سواسية كأسنان المراوغة. لن يفيد النبش في الجروح، والغرق في نشوة النرجسيات القومية عقيم؛ أقول هذا وأتمنى أن أكون مخطئًا، ففي حين توجهت «الجبهة الديمقراطية» و»العربية للتغيير» إلى رئيس القائمة «الموحدة والتجمع» الدكتور منصور عباس وطالبته بتوقيع اتفاقية فائض أصوات بين القائمتين، فذلك «سيضمن الحفاظ على أصوات جماهيرنا وتعزيز التمثيل العربي والديمقراطي ويبث أجواء التعاون والعمل المشترك بين الكوادر والمؤيدين، وعموم أهلنا في الجليل والمثلث والنقب»، أصدر رئيس حزب التجمع الدكتور إمطانس شحادة، بعد أن سبقه لذلك زميله الدكتور عباس، بيانًا رد فيه على توجه الجبهة المذكورة أعلاه قائلًا «موضوع فائض الأصوات هو موضوع تقني وليس إنجازا وطنيا، كما قال زميلي عباس منصور. مجتمعنا بحاجة إلى قيادة جديدة تضع مصلحة الجمهور في المركز، عبر عمل جاد ومدروس، بعيدا عن الشخصنة والظهور الإعلامي بالمنصات والشعارات، لا بد من تراجعكم واعتذاركم قبل فتح صفحة جديدة بين الأحزاب، من أجل مجتمعنا».
لا أعرف من نصح «الموحدة والتجمع» برفض مبادرة الجبهة والتغيير، ورفض نهج المصالحة والتسامح غير المشروط، ولا أعرف إذا كان هو الذي نصحهم في حينه بتبني تكتيكاتهم التفاوضية في مرحلة ما قبل التكوين، لكنني على قناعة بأن النصيحتين لا تصبّان في مصلحة الجماهير ولا في مصلحة التجمّع أيضًا. لقد علّمَنا تاريخ الاقليات، أن مكاسب حروب الاشقاء ستبقى، كما كانت دومًا، مخاسرَ للنفوس، وتآلفَ النفوس سيبقى، كما كان دائمًا، قوة لا تجارى في الحروب.
ستنتهي المعركة الانتخابية صبيحة العاشر من إبريل/نيسان وسيفيق المواطنون العرب في إسرائيل على ظهور مراكب متعبة، وسيكتشفون أنها غير قادرة على مواجهة موج المملكة الجديدة، وسيدركون أنهم بحاجة إلى بحّارة جدد وإلى وسائل نقل عصرية وحصينة ومنيعة. لا أعرف إذا ما ستتراجع القائمة «الموحدة والتجمع» عن شرطها، فإمّا اعتذار الجبهة والطيبي، وإما الطلاق منهم والمضيّ في طريق النار؛ لكنني كناخب سيهمني ما سيكون بعد هذه الانتخابات. فأنا بحاجة إلى قيادة تعدُني بأنها ستعمل على إعادة النظر في جميع أواصر روابطنا، نحن المواطنين العرب، مع منظومات الحكم التي ستفرزها الانتخابات المقبلة، وتعدُني بإعادة النظر، بعيدًا عن الشعارات، في رزمة التعريفات الناظمة لمعنى حقوقنا المواطنية وكيفية انتزاعها من مؤسسات الدولة، حتى تلك التي تتصرف معنا بعدائية وبإقصاء ظاهرين. وأنا كمواطن وناخب بحاجة لحزب يتبنى قادته قضية محاربة العنف المستشري في مواقعنا بجدية وبمهنية وببرامج حازمة، تضمن علاوة على انخراط تلك القيادات في مواجهة مصادر العنف ميدانيًا، التأكيد على سعيهم وراء أجهزة الدولة المتهادنة مع هذه الظواهر، وعدم اليأس من ضرورة إلزامها بالتجند في هذه «الحرب»؛ خاصة بعد أن صرّح بعض المستشارين الأمنيّين الإسرائيليين البارزين بأنّ تصدّي أجهزة الدولة لظاهرة العنف بين العرب، يعتبر مصلحة استراتيجية قومية إسرائيلية عليا. وأنا كناخب ومواطن بحاجة لقيادة تقسّم ولاءها للجماهير ولمصالحها ولا تلهث وراء زعماء دول أجنبية، شقيقة أو حليفة أو غربية، أو وراء من يرفل في أحضان زعماء هذه الدول ويطرطش أتباعه بخمسات من فضة. وكذلك إلى قيادة تحارب التعصّب والمتعصّبين بلا مداهنة ولا طبطبة، وتقف في وجه من يدعو إلى الفرقة وإلى الفتنة وإلى إلغاء الغير ومحاربة المختلف.
ونحن بحاجة إلى قيادة لا تعمل من أجل ترسيخ انتماءاتنا الملّية واعتمادها كمساطر في تركيبات القوائم الانتخابية؛ فقد أثبتت التجربة أن تخصيص مقعد لدرزي أو لمسيحي أو لبدوي لم يمنع تلك التجمعات من الغرق في شرانقها؛ فالأَوْلى أن يواجه القادة ومؤسساتنا المدنية مَن وما ينمّي تلك الظواهر وما ومن يحمي ذلك الواقع، على أن يتمّ ذلك بوسائل مبتكرة ومؤثرة لا من خلال آلية أثبتت فشلها الذريع.
الانتخابات ستنتهي وسيُزهر نيسان مواجع جديدة ويهديها للجماهير التي ستبقى تفتش عن مراسيها وعن ولادة فجر جديد.
كاتب فلسطيني

 

 

القائمة المشتركة ، بقايا نيزك

جواد بولس

لم أفاجأ من الفشل في إعادة تركيب "القائمة المشتركة" وذلك لما أشرت إليه مسبقًا من أسباب أوصلتني الى قناعة مفادها بأننا نعيش آخر فصول "المغامرة" ونشهد انتهاء حقبة، شكّلت فيها "الأحزاب التقليدية" أهم وسائل التأثير على حياة الجماهير العربية، السياسية والاجتماعية؛ حيث أدّت تلك الأحزاب دور الناظم الأساسي والمؤثر في هيكلة انتماء الفرد ورسم معالم هويتة أولًا، وهوية المجتمع ورؤاه المختلفة، تباعًا. 

لم ينجح قادة الأحزاب والحركات المشاركة في تركيبة القائمة باستعادة لحمتها، ورغم تصريحاتهم، خلال فترة المخاض، وتغنّي بعضهم بمصلحة الجماهير العليا وتأكيدهم على أنّ بمقدور حزبهم أن يخوض المعركة منفردًا ووحيدًا ، رأينا كيف تمحورت جميع الخلافات، في الواقع، حول محاصصة الكراسي وتأمين مواقعها في القائمة المشتهاة المستغَلة. 

لقد اختلفتُ مع كثيرين عابوا على من يسعى ويناور من أجل تعزيز مكانة مجموعته وكسب أكبر عدد ممكن من الأماكن المتقدمة والمضمونة في القائمة؛فجميع من ينافس في الانتخابات البرلمانية، بشكل عام،  يطمح ويطمع للحصول على أكبر عدد من الكراسي، ومن لا يفلح في ذلك، فلا معنى لوجوده السياسي.

لا فائدة من الخوض والتفتيش عن المذنبين أو عن المستقيمين أو عن الانتهازيين  الذين "كشفتهم" عملية المفاوضات، كما أدّعى ويدّعي بعض الخائبين من تصرفات قادتهم أو  كما استشاط ضدهم بعض "المبدئيين"  الحالمين بعودة  " أيام اللولو"؛ فاليوم، وبعد أن قضي الأمر  وصارت النتائج ناجزة وواضحة أمامنا، على كل من  يؤمن بضرورة المشاركة في عملية الانتخابات أن يتجند لاقناع الآخرين بالتصويت لاحدى هاتين القائمتين.

على جميع الأحوال، فأنا من معسكر من يروا بأن خوض الانتخابات بقائمتين أفضل من خوضها بثلاث قوائم أو بأربع؛ وقد تثبت لنا الأيام أنّ التنافس السليم بين  القائمتين، إذا ضُمن، ليس أسوأ من إجرائها بقائمة مشتركة واحدة، خاصة بعد أن فشلت "المشتركة" منذ اقامتها بالخروج من حقول الالتباس والتخلص من إغواء التجاذبات ومن ممارسة التلعثم الذي قزّم ما أحرزه نوابها من انجازات ، وأبقاها في عروة خلافات الفرقاء والقادة.

عُرفت المفاوضات، عبر التاريخ، بأنها فنّ يعتمد على الصبر وعلى الخبرة وعلى الحيلة/ الخديعة وعلى قراءة المفاوض لعناصر قوته الحقيقية وقوة من يتفاوض معهم.

لا أعرف مَن من بين المفاوضين ومستشاريهم تحلى بهذه الشروط ومَن بعدِمها، ولكن سيتثبُت للمتبصّر  أن تخلي  "مجموعة الأربعة" عن  شعارهم "إما المشتركة وإما لوحدنا"  نتج لأنهم مارسوا نفس التضليل والمراوغة ذاتها، ويكشف، في الوقت ذاته، انهم عرفوا ، ساعة كانوا يناورون، بان حجم قوتهم، بعكس ما أشاعوا، لم يكن كافيًا لعبور نسبة الحسم ولا حتى قريبًا من ذلك؛ وقد استثني من ذلك قائمة الجبهة الديمقراطية.

ستبقى هذه التجربة مثارًا للجدالات وللاتهامات المتبادلة بين نشطاء الأحزاب الذين لا يعرفون كيف "يهضمون" واقع أحزابهم البائس الجديد ؛ لكنني أعتقد أنها تجربة جديرة بالدراسة وبالتلخيص، خاصةً بما عكسته، منذ لحظة اعلان الطيبي انفصال حركته عن المشتركة، وحتى إضطرار حزب "الضاد" والقومية العربية، حزب "التجمع الديمقراطي" أن يعلن، في وقت مبكر من المفاوضات، شراكته الاستراتيجية مع "الحركة الاسلامية" وذلك رغم كثرة التناقضات الأساسية بينهما وعمق الهوة في عدد من المسائل المبدأية؛ وإلى اعلان "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" والنائب أحمد الطيبي وحركته "العربية للتغيير" دخولهم  إلى "قمرة  الزواج القسري" رغم محاولات الطرفين، حتى اللحظات الأخيرة من موعد تقديم القوائم ، تأزيم الموقف بينهما وايصاله إلى لحظة اللاعودة .

كان لجوء الفرقاء إلى حل القائمتين من باب "مكره أخاك لا بطل"؛ وما شهدناه من تداعيات خلال عملية التفاوض يكشف، علاوة على الفشل في ترسيخ "موديل" القائمة المشتركة كوسيلة صحية لتمثيل مصالح المواطنين العرب في إسرائيل، عن وجود أزمة حقيقية في منظومة القيادة العربية المحلية، ويستدعي، من جهة أخرى، مجموعة تساؤلات حول ما كان يقصده كل فريق تغنى باسم " ارادة الشعب" ورقص على ايقاعات "مصلحة الجماهيرية العليا"؛  فتوصُّل الفرقاء، العرضي والتوفيقي طبعًا، إلى ذينك التزاوجين، رغم سعة الفروقات بينهم، كان في محاولة كل جهة منهم ضمان فرصة للدخول تحت قبة البرلمان الاسرائيلي وعدم البقاء خارجها مع شهادة وفاة شعبية.

كان جميعهم، من هذا الباب والمنطلق سواسية كأمشاط المراوغة، ولا فضل لحزب منهم على آخر  إلا بالوسيلة وبالفرصة وبإجادة الحيلة وفن الصبر، فالهدف، عندهم، كان واحدًا.

تنادي أصوات عديدة بين الجماهير العربية في اسرائيل إلى مقاطعة الانتخابات وذلك لأسباب عقائدية معروفة ؛ ولقد انضمت مؤخرًا جهات أخرى لنداءات المقاطعة وتراوحت "هويات" هؤلاء بين الخائب أو المدسوس أو اليائس أو الساذج؛ لكننا لا نستطيع التقليل من أهمية ما جرى في مسيرة التفاوض الأخيرة  كأحد أهم الدوافع المستجدة الذي خلّف استياءً جماهيريًا، سيشكل، بدون ريب، تحديًا جديًا أمام القائمتين وخطرًا حقيقيًا على فرص نجاحهما.

هنالك حاجة ماسة لمراضاة الناس، وللتوجه إليهم باحترام، سعيًا لاستعادة  ثقاتهم  وقناعاتهم بضرورة انخراطهم في العملية السياسية؛  فبعض قرارات القيادات تمت بفوقية مسّت كرامة الانسان الحر العادي، وأخرى جاءت ملونة بأصباغ أوصلت الكثيرين إلى قناعة بأن القيادة تغالط أو حتى تكذب وأن بعضها يعمل من أجل مصالحه الضيقة فقط .

اعتماد القيادات على شعار ينادي بضرورة اسقاط اليمين ومواجهته كمحفز رئيسي لمشاركة الانسان العادي في عملية الانتخابات وتصويته لاحدى القائمتين، فيه من الغباوة قسط ومن السذاجة رائحة ومن القصور درجات، لأن أكثرية من سينتخبهم الشعب في اسرائيل ينتمون إلى ذلك اليمين المقصود وإن ظهروا أمامنا بأقنعة مختلفة؛

فجدوا وسائل اقناع أخرى وخاطبوا عقول الناس بشفافية وبصدق وقبلها  اسعوا وتوصلوا حالًا إلى اتفاق يحرّم لغة التقريع والتخوين والمزايدات بينكم، ويشيع أجواء من الالفة السياسية، ونفسًا قياديًا ينقل للشارع روحًا من التوافق تبشّر بأن نجاح القائمتين هو هدف سامي ومصلحة حقيقية يجمع عليها الجميع .

أعرف أن في عالمنا الحاضر لن يستطيع حزب أو حركة سياسية ضبط تصرفات أتباعه، كما كان يوم كان الحزب خلية وصحيفة ومنشورا وانتماء يجيز  محاسبة الناشزين في صفوفه؛ ولكن، ورغم ذلك، ما زالت هناك قدرة وهامش لضبط بعض المحسوبين على قيادات الأحزاب وناشطيها المركزيين ومفكريها والمعدودين على أنهم من خيرة "أبواقها"  المجلجة , فهؤلاء يجب اسكاتهم، لا لمنعهم من التعبير عن أرائهم بل لأنهم يحرّضون ويفتنون .

يتساءل كثيرون من أبناء الشعب، بينهم العقلاء والتائهون والمحرَّضون واليائسون ، عن جدوى مشاركتهم في الانتخابات القادمة وعن ضرورة تصويتهم لاحدى القائمتين؛ فمهمتكم أن تجدوا الطريق إليهم والحجة لعقولهم ولقلوبهم.

أنا سأصوت طبعًا لإحدى القائمتين؛  لكنني لست مستشارًا حزبيًا، وأشعر أن الاستخفاف بمشاعر الناس، والاكتفاء باجترار الشعارات الفضفاضة والعامة، سيؤدي إلى التسريع في اختفاء شظايا من ذلك النيزك الذي أسميناه مرّة "القائمة المشتركة" .

 

 

أوقاف القدس في رعاية

ملكية وحماية رئاسية

جواد بولس

 

أصدر الرئيس محمود عباس، قبل أسبوع، قرارًا بإعادة تشكيل «اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين»؛ في خطوة مهمة ولافتة لم تحظ بما تستحقه من عناية وتقدير، خاصة بعد أن نُشر، قبل يومين، على صفحة «بطركية الروم الأرثوذكس المقدسية»، بيان يعلن بلغة عدائية واخزة عن تحفظات ما سموه «مجلس بطاركة ورؤساء كنائس القدس» على مرسوم الرئيس عباس وعن «عدم الرضى من تدنّي مستوى العضوية في اللجنة الجديدة».
سيدرك كل متابع لشؤون بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس أسباب معارضة قادتها اليونانيين لمرسوم الرئيس عباس؛ فقد كانوا، خلال السنين الماضية، في «عين الأحداث» لاسيّما بعد أن تكشّفت تباعًا في الصحافة الإسرائيلية وغيرها تفاصيل عن صفقات بيع عقارات وتحكير أملاك تابعة لهذه الكنيسة، في القدس وعلى طول البلاد وعرضها. ورغم ما نشره الإعلام من وثائق فاضحة وحقائق دامغة لم تُستثر «اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس»، برئاستها وهيئتها السابقتين، بل تمسكت بتموضعها المريح والموالي لإدارة الكنيسة اليونانية، ودأبت على مسايرة رؤسائها.
يعدّ مرسوم الرئيس، رغم تأخره، خطوةً متقدمة نحو تأطير وتصويب علاقة النظام الفلسطيني مع الوجود العربي المسيحي في فلسطين، وفق مفاهيم جديدة وصحيحة، من شأنها أن تعزّز صمود القلة الباقية من أحفاد وأتباع «يسوع الناصري»، وأن تدعم مطالبهم التاريخية وسعيهم الحثيث من أجل أن يكونوا شركاء حقيقيّين في إدارة كنائسهم وأملاكها بعد أن استبعدوا عنها وعوملوا «كأغراب» من قبل أغراب مستعمرين. سيؤثر بعض المشككين إدراج قضية اصدار المرسوم كهامش في سجل الإجراءات الروتينية التي يحكمها فقه البروتوكولات الإدارية، بينما سيعتبرها، وبحق، جميع من تعقبوا تداعيات «المسألة الارثوذكسية» في فلسطين كقفزة نوعية نحو إحكام دائرة، حاول كثيرون من المنتفعين في إسرائيل وفلسطين، طيلة عقود، أن تبقى عصية على الإغلاق؛ فقد سبق القرار الحالي للرئيس عباس موقفُه المعلن على لسان القيادي محمود العالول، نائب رئيس حركة فتح وعضو لجنتها المركزية في «المؤتمر العربي الوطني الأرثوذكسي» الذي انعقد في الاول أكتوبر/ من تشرين الأول 2017 في بيت لحم تحت شعار «أوقاف الكنيسة الأرثوذكسية قضية أرض ووطن وانتماء وهوية» والذي أكّد فيه بحزم على أنه «ما دام الأمر يتعلق بالأرض والممتلكات فهو يتجاوز موضوع أملاك الكنيسة، أو الطائفة، فالمتعلق بالأرض الهوية هو موضوع وطني عربي فلسطيني بامتياز».
بشّرت مخرجات مؤتمر «قصر جاسر» التلحمية بميلاد حقبة فلسطينية جديدة، أصبحت فيها قضايا الوجود العربي المسيحي في فلسطين والمحافظة على أملاك الكنائس وأوقافها، خاصة أملاك الكنيسة الأرثوذكسية المقدسية، شؤوناً وطنية لا لبس فيها. فبعد عام على انقضاء مؤتمر بيت- لحم المذكور، أدان أعضاء المجلس المركزي الفلسطيني في اجتماعهم المنعقد بتاريخ 15/1/2018 «عمليات تسريب ممتلكات الطائفة الأرثوذكسية للمؤسسات والشركات الإسرائيلية» ودعوا «الى محاسبة المسؤولين عن ذلك، ودعم نضال أبناء الشعب الفلسطيني من الطائفة الأرثوذكسية، من اجل المحافظة على حقوقهم ودورهم في إدارة شؤون الكنيسة والحفاظ على ممتلكاتها»، ثم كانت الخاتمة عندما أكد المجلس الوطني الفلسطيني في دورة «القدس وحماية الشرعية الفلسطينية» الذي انعقد في رام الله بين – 30/4/2018 ولغاية 3/5/2018 ، على توصية المجلس المركزي المذكورة أعلاه وأعاد المؤتمرون تضمين نصها حرفيًا في البند الحادي عشر لبيانهم الختامي.

مثلما طرد المسيح جميع اللصوص والسماسرة من الهيكل سيحظى جميع «المخلصين الأنقياء» بمستقبلهم المشرق في فلسطين الأبية

لا بد من سرد هذا التاريخ كي نضع المرسوم الرئاسي في سياقه التاريخي الصحيح، ولكي نفهم الغاية من إصداره في هذه الأيام بالذات؛ فعلاوة على ما سبقه من أحداث فلسطينية داخلية، كما أشرنا إليها مسبقًا، لا يمكن فصم قرار الرئيس عباس عن موقف الملك عبدالله الثاني ووراءه موقف القيادة الأردنية؛ فقد رفع الأردن، تاريخيًا، مكانة قضية الأوقاف، المسيحية والإسلامية، إلى مراتب الهموم الوطنية الكبرى، واعتبر ضرورة المحافظة عليها وعلى البقاء العربي المسيحي في فلسطين والقدس تحديدًا، وفي المملكة الأردنية الهاشمية، كأولوية وطنية أردنية ومصلحة عليا لا يساوم فيها.
ستصبح قراءة خطوة الرئيس محمود عباس أسهل إذا ما قرنّاها بما أصدره، قبل أيام، العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني من تعليمات تقضي بضرورة زيادة ثمانية أعضاء جدد على نصاب مجلس الأوقاف الإسلامية الفعّال في القدس، في خطوة ملكية تحمل عدة دلالات لا يغفلها عاقل، خاصة إذا عرفنا أن المنَسّبين لهذه العضوية يعدّون من الشخصيات الاعتبارية المقدسية.
لقد استفز القرار الأردني جهات إسرائيلية عديدة، فاعتبروه خطوة من شأنها تقويض ما سموه «الوضع القائم» وتحديًا للسياسة الإسرائيلية؛ وقد ذهب بعضهم إلى اعتباره خطوة تمهيدية، تستهدف إحباط «صفقة القرن» التي ستقوم الإدارة الأمريكية بالإعلان عنها قريبًا؛ في حين نقل عن الصحافي يوني بن مناحيم قوله بأن «الخطوة تشكل انتهاكًا لاتفاقات أوسلو، وتمس بشكل خطير بالسيادة الإسرائيلية على القدس». وذلك، على ما يبدو، بسبب اشتمال قائمة الأعضاء الجدد على أطراف سياسية مسؤولة أو ذات علاقات مع السلطة الفلسطينية ومع حركة فتح. سيبقى المرسوم الرئاسي بمثابة الإعلان الصريح عن موقف فلسطيني وطني واعد ومبشّر؛ فهو علاوة على تسميته للدكتور رمزي خوري العريق رئيسا جديدا للجنة وإتباعها للصندوق القومي الفلسطيني، اعتمد آلية جديدة لانتخاب أعضائها وفق مواقعهم ومناصبهم الرسمية، على ما يعنيه ذلك من تحويل اللجنة إلى مؤسسة وطنية بامتياز.
إن حق الانتقاد مكفول للجميع، أما التهجم على الرئيس، بسبب مرسومه، وعلى أعضاء اللجنة الجدد فهو أمر مرفوض، رغم أن دوافع بعض المتهجمين واضحة؛ ولكن أن يشتكي ما سمي «مجلس البطاركة ورؤساء الكنائس في القدس» من «تدني مستوى العضوية في اللجنة الجديدة» فهذا يعد اتهاماً يحتاج إلى مساءلة مَن وراءه، وتجنياً يستدعي التفسير أو المحاسبة. فهل حقًا يقف جميع البطاركة ورؤساء الكنائس في القدس وراء ذلك البيان؟ وكيف سوّلت لهم أنفسهم اعتبار رئيس المجلس وأعضائه الجدد من «المستويات المتدنية» رغم تاريخهم وما يمثلونه من قطاعات شعبية واسعة ومؤسسات وطنية وسيادية رفيعة القامة والمستوى. لقد قلنا إن أعضاء اللجنة ينتخبون برسوم مواقعهم أو بانتداب مؤسساتهم أو وزاراتهم، فالتهجم عليهم، كما جاء في البيان المذكور، يمس علنًا شخوصهم ويمس معها جميع المؤسسات والمواقع التي ذكرها المرسوم الرئاسي وهي: ممثل عن الرئاسة الفلسطينية، رؤساء بلديات بيت- لحم ، ورام الله وبيت- ساحور وبيت- جالا ، ومحافظ القدس، وممثلان عن وزارتي الخارجية والسياحة ، وسفير فلسطين لدى الفاتيكان، ورئيس المجلس المركزي الأرثوذكسي العربي، ورئيس لجنة ترميم كنيسة المهد وممثل عن جمعية اتحاد الكنائس في غزة.
لقد هاجم الإعلام الإسرائيلي قرار الملك عبدالله الثاني، ولم يخفِ دوافعه لذلك، ولا مخاوفه من القرار الأردني/ الفلسطيني؛ وفي الوقت نفسه قامت بعض الجهات باعتراض ومهاجمة مرسوم الرئيس محمود عباس والتعدّي على من انتخبوا حسبه وعلى ما يرمزون إليه، ولا عجب من هذا التزامن؛ فلقد استفزهم الموقف الأردني الرافض لأي مساومة على أرض القدس، كما استفزتهم الصرخة الفلسطينية في وجه من يفرّطون بتراب وأملاك الوطن. توقعنا ردة فعل جميع من يخاف أن تتحول قضية الأملاك والعقارات الكنسية إلى مسألة وهاجس وطنيين؛ لكننا، بالمقابل، نحن في القدس ما زلنا نؤمن أنه مثلما طرد المسيح جميع اللصوص والسماسرة من الهيكل هكذا سيحظى جميع «المخلصين الانقياء» بمستقبلهم المشرق في فلسطين الأبية، ونؤكد أن صرخة «الفادي» مهما يحاول المغرّضون طمسها، ما زالت تجلجل في البلاد وتعيد «طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار، وفي طريق الخطاة لم يقف، وفي مجلس المستهزئين لم يجلس».
كاتب فلسطيني

 

 

القائمة المشتركة… نهاية مغامرة

جواد بولس

 

كلّما أمعنّا النظر في تداعيات أزمة القائمة المشتركة، خاصة بعد انفصال النائب أحمد الطيبي عنها في الكنيست، سيبدو لنا جليًا أنّ ما يحصل الآن ليس إلا فصلاً آخر في رحلة هذا «النيزك» نحو الارتطام الحتمي الأكيد؛ فهي وبمنأى عمّا ستفضي إليه محاولات إنقاذها وإحيائها، ستصبح بلا ريب، مجرّد تجربة لم تتوفر لها شروط البقاء، مذ ولدت في عملية قيصرية عاثرة، وإذا ما راهن البعض في حينه على عكس ذلك فعساه يرى كيف ستسجّل قريبًا في دفتر «الوفيّات السياسي»، وستُحفظ فيه تحت بند المغامرات المستحيلة التي خاضها بعض قادة الجماهير العربية في إسرائيل في زمن القحط والقهر والعجز.
لم تكن حكومة إسرائيل العدوّة الوحيدة للقائمة المشتركة، رغم ما استثمرته من جهود جبارة في محاربتها، ولم تتدخر في سبيل إفشالها مالًا ولا أبواقاً ولا عملاء، لكنّها مع كل ذلك، كانت ستفشل لولا وفر لها البعض أسبابًا ودوافع كانت كفيلة بتسريع القضاء عليها، كوليدة جاءت إلى هذا العالم وهي عليلة وضعيفة.
لن نكرر ما قلناه في الماضي، فالإبقاء على الإطار فقط كوسيلة تقنية جامعة لم يكفِ للحفاظ على وحدة الأضداد، ولا على رأب التصدّعات بين «الإخوة الأعداء»؛ ورغم مرور السنين وظهور الأزمات المتكرّرة، لم يسعَ الشركاء من أجل تطوير مفاهيم سياسية جامعة، واكتفوا بردّات الفعل الموضعية على سياسات الحكومة العنصرية، في حين حافظت كل مؤسسة حزبية أو حركية فيها على ميراثها الخاص، وعززته داخل أروقتها التنظيمية، مستمرة في التعامل مع الجماهير بالندّية التقليدية ذاتها مع شريكاتها، وفي كثير من الأحيان بالعداوة الموروثة نفسها من زمن حروب الواو والضاد وكل ألوان الوجع.
لم يقتصر همّ المشتركة على ما ذكرناه أعلاه، فقد عانت ربما أكثر، من الصراعات المستفحلة داخل الحزب الواحد بين قادته؛ وهي صراعات تحوّلت في بعض الحالات إلى معارك طاحنة رأيناها في الماضي ونراها في هذه الأيام أيضًا. فعلى الرغم من حدوث بعض تلك المعارك داخل الغرف الحركية والحزبية، إلا أنّ قعقعات بعضها ملأت أجواء مدننا وقُرانا، وأدّت إلى عزوف الكثيرين عن العمل الحزبي والسياسي، وبرّرت لآخرين تهجّماتهم على المشتركة ومركّباتها.
لم يجتهد قادة القائمة المشتركة في سبيل تطوير آليّات تشبيك متطوّرة وحقيقية مع الهيئات القيادية الأخرى العاملة بين الجماهير العربية، مثل لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل، واللجنة القطرية للرؤساء، أو مع منظمات العمل الأهلي وما يسمّى بهيئات المجتمع المدني. لم ينبع ذلك عن قصور في الرؤى فقط، بل كان تعبيرًا حقيقيًّا عن افتقاد القائمة المشتركة إلى مقوّمات «الهيئة القيادية» المخوّلة لاحراز التقدم والتغيير، والقادرة على فرض «هيبتها» الريادية السياسية على مفاصل المجتمع، وبين أفراده. لم يقتصر فشل عناصر القائمة المشتركة على عدم تطوير رؤى سياسية جامعة أساسية، بل رأيناهم يستوردون المواضيع الخلافية إلى داخل صفوفها القيادية، ولم يكترثوا لكون بعض تلك المواضيع دخيلة على مصلحة الجماهير المحلية، ولا علاقة لها بهواجسهم الحياتية واليومية. فمن وقف منهم مع بشار استعدى من كان إلى جانب قطر، ومن هلل لبوتين أغضب أولاد أردوغان، وهكذا إلى أن تحولت هذه المناكفات لسهام تشبه تلك التي يغرزها مصارعو الثيران في جسد «ثورهم»، فتدميه بهدوء إلى أن يخرّ صريعًا.

واجهتنا أزمة المشتركة مع مخاضات واقعنا وخلاصتها أن لا حزب يستطيع العيش خارج «مياهه الإقليمية» وبدون حيّزه السياسي

لم يجتهد قادة المشتركة في وضع موقف أو خطة متفق عليهما ليكونا بوصلةً ترشدها في تعاملها مع الدولة ومع مؤسساتها،  فلقد احتفظ كل مركّب فيها بمواقفه ازاء الدولة، رغم كونها مواقف متضاربة ومتناقضة. لقد أدّى غياب الاتفاق على مواقف الحد الأدنى التي تتيح للقائمة، كجسم تمثيلي جامع، العمل تجاه ومع منظومات الدولة، إلى شللها أحيانًا، أو الى شططها أحيانًا أخرى، أو إلى ردّات فعل فردية استجلبت ضد منفّذها هجمات من المزايدات ومن التقريع، ما جعل القائمة تبدو مرارًا في مشهد «كراكوزي» لم يحبّب الناس بها، وذلك في أضعف الحالات. بات تاريخ تقديم القوائم لرئيس لجنة الانتخابات الاسرائيلية وشيكاً؛ ولا بدّ أن يستنفد جميع الفرقاء خلال هذا الأسبوع كل أحابيل المناورة والمساومة والمزايدة. ورغم ما صرّحوا به في الأسبوعين الأخيرين، أشك في أن يبقى الفرقاء على مواقفهم، وقد يدفعهم الخوف من السقوط إلى أن «يقبلوا» بما يطالب به كثيرون من بين العرب المؤمنين بأنّ الوحدة، حتى إذا كانت عرجاء، آمن وأفضل من رقص الفرادى «الحنجلي». فاذا تمّ ذلك لا أعرف، عندها، من سيدّعي النصر ومن سيبكي ككبش الفداء، لكنني على قناعة بأن أفعالهم كما شهدناها طيلة هذه الأسابيع قد زوّدت الكثيرين من عامة الشعب بجرعة أخرى من السأم ومن الغضب، كانوا قد تجرّعوا مثلها يوم اندلعت معركة المحاصصات بُعيد دخول باسل غطاس إلى السجن، فروح الانتخابات البرلمانية ما زالت ترفّ على الكراسي وما يطمح له أحمد يحلم به مازن وما يعشقه منصور يهواه يوسف.
إنها معركة لن تنتهي إلا اذا كان صمغ «الوحدة» بين الفرقاء أثمن من مقعد ومن «ايچوهات» منتفخة، يؤثر بعضها أن تقف على عتبة اسمها الشراكة كي تمر فوقها نحو سماوات الزبد والشعارات العابرة.
لديّ إحساس وعندي قناعة بأنّ القائمة المشتركة، في حلتها الرثة، كانت آخر الوسائل التي اضطرت الأحزاب والحركات العربية تبنّيها، في محاولة بائسة لضمان «بقائها» في عالم السياسية الإسرائيلية المتغيّر، ورغم انّ ما سوّغ قيامها قبل أربعة أعوام كان حاجة تلك الاحزاب لعبور نسبة الحسم المرتفعة، فهي لم تُقلع ولم تتحوّل إلى «ضرورة وجودية» وذلك لما ذكرته من أسباب،  ومن أخرى لا مكان لذكرها ههنا. ما انفكت جميع تلك الأسباب موجودة وستظلّ، إذ لا أرى كيف ولماذا ستزول، ولا من سيزيلها، فالمشكلة لا تكمن في فقه الوحدة، بل هي «ذاهبة بعيدًا في أجساد»  تلك الأحزاب، التي كما قلنا مرارًا، قد شاخت منذ زمن وتكلّست مساكبها.
وأخيرًا، لقد واجهتنا أزمة المشتركة مع مخاضات واقعنا وإفرازاته الحقيقية، وخلاصتها أن لا حزب يستطيع العيش خارج «مياهه الاقليمية» وبدون حيّزه السياسي، والأَولى بإدراك هذه الحكمة كانت وما زالت «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» وهي الخاسرة الكبرى من جميع ما حصل.
كاتب فلسطيني

 

 

القائمة المشتركة:

الحزب في مواجهة «النجم»

جواد بولس

 

ستُسجّل معركة الانتخابات المقبلة للكنيست كعلامة فارقة في حياة النظام السياسي الإسرائيلي، وقد تشكّل منعطفًا حادًا سيفصل بين مفهوم اليمين الصهيوني التقليدي، وذلك الذي تتحدث باسمه «النجمة الواعدة» وزيرة القضاء الحالية أييليت شاكيد التي أقامت مع شريكها «النجم» الوزير نفتالي بينيت حزب «اليمين الجديد»، ليكون اسمه إشارة واضحة تنقل، حتى لعسيري الفهم، حقيقة ما يخطط له «أمراء اسرائيل» الجديدة الذين لا يعتبرون نتنياهو ممثلًا حقيقيًا لليمين ويسعون لاستبداله وللسيطرة على مقابض الحكم وقيادة الدولة وتحويلها الى مملكة إسرائيل الكبيرة.
لن تنحصر انعكاسات هذه الانتخابات داخل المجتمع اليهودي فقط، فمن الواضح أنها ستترك أيضًا أثرًا كبيرًا بين المواطنين العرب في اسرائيل؛ أو ربما ستفضي إلى ولادة واقع سياسي ستظهر فيه أطر شبه حزبية جديدة وأدوات حركية اجتماعية/سياسية تعتمد على بنى بشرية «عصرية «، وتغيب عنه، في المقابل، أطر سياسية/ اجتماعية كانت تقود الجماهير على مدار عقود طويلة.
من المؤسف أن يقتصر جلّ النقاش بين المواطنين العرب وقياداتهم على قضية القائمة المشتركة وأن تحصر أبعاد هذه النقاشات في مدى أهمية إبقائها كقائمة مركبة من أربعة عناصرها الأصلية، من دون الخوض في أهم ما كشفته هذه التجرية، حين اصطدمت في «اللغم» الذي ألقاه أمامها النائب الطيبي.
لن أراهن على مواقف الأحزاب النهائية إزاء هذه الأزمة، فهذه لن تحسم أمورها قبل اقترابها من خط النار الحقيقي، وقبل أن تستعرض «الحركة العربية للتغيير» قوتها في مؤتمرها المزمع عقده هذا المساء، حيث من المتوقع أن تحشد له جيشًا عرمرمًا لتغص به القاعة في مشهد «بولشيفيكي» يمكّن النائب الطيبي من استثماره في وجه من كانوا شركاءه، من جهة، أو كرافعة انتخابية في حالة مضيّه منفردًا للمعركة، من جهة ثانية.
في هذه الأثناء وإلى أن يقضى أمر، سيستمر جميع اللاعبين في استعراض مهاراتهم القيادية وفي مناوراتهم على ملعب المشتركة، لكنهم يعرفون، في الوقت ذاته، معنى المقامرة وثمن المغامرة، فجميعهم يحفظون جداول «الضرب» ويشعرون بوجع الطرح والخسارة، ويقيّمون فوائد الجمع ونعمة القسمة، خاصة بعد أن بات مجموع حاصل المنتخِبين العرب محسوبًا بدقة تقريبية لا تقبل التصرف والافتراض.
لقد عزز تعهد علي سلّام رئيس بلدية الناصرة، الذي أعلنه على الملأ في السادس من الشهر الجاري «على إعادة القائمة المشتركة في الكنيست بمركباتها الأربعة شرط أن يكون النائب أحمد الطيبي رئيسًا للقائمة»، مواقف من راهنوا على عودة الطيبي للمشتركة بشروطه، وبعد تحسين مواقع حركته في صفوف مرشحي القائمة بشكلها النهائي.
لقد أطلق علي سلام تصريحه عندما كان النائب الطيبي يقف على يمينه، بيد أن هذا المشهد لم يمنع عضو المكتب السياسي في الحركة العربية للتغيير يوسف شاهين، من الخروج مباشرة إلى الإعلام ليعلن أنهم «خارج المشتركة ولا نريد رئاستها أو مقاعدها» من دون التطرق، من بعيد أو من قريب، إلى تصريح علي سلّام مبقيًا أياه على مكانته ومعناه في هذا الحراك السياسي المتفاعل.
على جميع الأحوال، لم تتخلف الحركة الإسلامية عن إشهار موقفها في هذه المساجلة، فهي وعلى لسان قادتها كانت قد أعربت عن تفضيلها لخوض المعركة بقائمة مشتركة تضم جميع مؤسسيها، وإلا ستخوضها كقائمة منفردة، في موقف صريح من شأنه أن يزج النائب الطيبي في معضلة كأداء، لأنهما، في حال خوضهما المعركة بقائمتين منفصلتين، سيتنافسان في عدة مواقع، على الأصوات نفسها وعلى الجمهور ذاته.
من خلاصات هذه التجربة يتضح أن استقواء النائب الطيبي على زملائه لم يكن مجرد نزوة أغوته على اتخاذ قراره، بخلاف ما فعله منذ بداية حياته النيابية، فخطوته كشفت عمليًا عن محركات العملية السياسية، كما تجري في مواقعنا، وهي ابنة ما يجري على نطاق أوسع عالميا ومحليًا؛ فنحن نشهد كيف تحوّلت المجتمعات، اليهودية والعربية، من مجتمعات تتخلى عن المحصِّنات «التكافلية الجمعية» وتقدم عليها الدوافع «الفردانية»، وتحولت كذلك من حالة شكّل «الكل» فيها محور الوعي الاجتماعي والسياسي إلى حالة صار فيها «الأنا» يشكل عصبها المركزي ولحاء حياتها.
لقد خضعت مجتمعاتنا إلى تأثيرات عديدة، أدت، بمجملها، إلى تراجعنا من «مجتمع/أقلية مجندة» في سبيل قضايا جمعية، إلى أفراد يسعون وراء سعاداتهم وراحاتهم وفق قوانين ومعطيات جديدة؛ فقد تحسنت الأوضاع الاقتصادية بشكل ملحوظ بين شرائح اجتماعية واسعة، وانخرطت قطاعات مؤثرة من «عربنا» في مرافق الدولة، وشرعت هذه تربط مصالحها في «سرة» مشغّليها، وارتفعت نسب الأكاديميين والأكاديميات فهُيّئت مناخات ساعدت على تطوير ونشوء مفاعيل اجتماعية/ اقتصادية جديدة حيّدت بدورها أهمية الأحزاب وراهنية الأيديولوجيات السائدة؛ علاوة على انفتاح شبابنا على العالم من خلال وسائل التواصل الحديثة وانغماسهم في هواجس أبعدتهم تلقائيًا عن «نادي الحزب» وعن دوراته التثقيفية المملة.
إنه واقع جديد جدير بالدراسة والمواجهة واستخلاص العبر، فبعد ما جرى داخل مجتمعاتنا صارت العودة الى حضن العائلة ضرورة، واللجوء إلى الحمولة ضمانة، وتحول الحزب «والقضية» إلى عالمين افتراضيين والمعبد الى ملاذ و»النجم» الى قدوة ولقمة العيش صارت غاية دونها كل الوسائل!
لقد بدأت الانهيارات قبل سنوات في مجالسنا المحلية والبلدية، ومن لم يستوعب أنها قدر سيغزو حتمًا الساحة البرلمانية كان أعمى في عيون «روسية» أو عيون «عربية».
لا أعرف كيف ستنتهي هذه الأزمة، فقد يعود الطيبي للمشتركة محمولًا على «هودج»، كما يناسب ما ومن «هوْدجوه»، ولكنني أعرف أن أزمة الأحزاب التقليدية لن تنتهي مع انتهاء المعركة الانتخابية النيابية المقبلة، بل هي في الواقع قد بدأت، وإذا لم تواجه فسيجد قادتها انفسهم بعد خمس سنوات لا أكثر من «سادة» على هياكل أو على خرائب.
وأخيرًا، فقد يأفل نجم أحمد الطيبي بعد حين ويبقى أثره ملتبسًا ولن يزول؛ فسماواتنا تضج «بالنجيمات» وهي تتأهب من ظلمتها وتنتظر تحقيق نجوميتها «الجماهيرية»؛ بينما ستبقى، من دون ريب، الحركة الاسلامية موجودة كمفاعل وازن ناشط بين ظهرانينا، إذا ما بقيت تمتح شرعيّتها من ماء السماء ومن حركات عابرة للحدود وللقوميات وللاوطان.
أما الجبهة الديمقراطية، فاذا لن تدرك ولم تتدارك «مصائبها» فقد تواجه ما يواجهه اليوم حزب «التجمع»، الذي أتمنى، رغم أنني لم أكن من داعميه يومًا، أن يبقى موجودًا وفاعلًا على ساحة العمل السياسي البرلماني بيننا، فللجبهة بخلاف الآخرين، تاريخ عريق ورصيد نفيس وعمق يميّزها ويحصّن بقاءها في هذه المتغيرات الخطيرة، لأنها، علاوة على ما ذكر، هي الحزب الوحيد في هذه الدولة «المستهودة» الذي يؤمن بالشراكة، مع القوى اليهودية الديمقراطية التي يجب أن نفتش عنها أو أن «نخترعها».
يتبع

*كاتب فلسطيني

 

 

ويكفي الناخب

 شر تجربة واحدة

جواد بولس

 

من المنتظر خلال الأيام القريبة، أن تنتخب معظم هيئات الأحزاب العربية أسماء مرشحيها الذين سيمثلونها في انتخابات الكنيست المقبلة. ومع إنجاز هذه المرحلة سيتحتم على الجميع التوقف عن لعبة «عض الأصابع»، وحسم قضية مستقبل القائمة المشتركة بدون مناورات أو مقامرات أو مزايدات.
وبعيدًا عن تأييد أو معارضة قرار النائب أحمد الطيبي، وحركته العربية للتغيير ، بالانفصال عن القائمة المشتركة، فقد شاهدنا كيف سبّبت خطوته حراكًا سياسيًا استثنائيًا داخل مؤسسات معظم الأحزاب والحركات العربية، وتفاعلًا نشيطًا بين النخب والمثقفين، واحتدامًا للجدالات في الشارع العربي عمومًا، حيث بدا وكأنه يصحو من «خبله السياسي» المستشري، ومن إحباطاته التي عزّزها سلوك قيادات القائمة المشتركة، خاصة خلال ما يسمّى بأزمة التناوب، أو صراع الكراسي والبقاء.
لقد نُشرت وانتشرت، في أعقاب خطوة الطيبي، عشرات المقابلات المتلفزة والمسموعة والمقالات «والستاتوسات»؛ ومن اللافت أن أصحابها لم يتّفقوا، كما هو متوقع وطبيعي، على موقف يُقرّ بكون القائمة المشتركة، بمركّباتها الحالية وبطريقة أدائها السابقة، أفضل الخيارات وأسلمها، وأنها الضمانة المثلى لمواجهة سياسة اليمين الإسرائيلي المستوحش. لقد رمى الطيبي، لأسبابه الخاصة، حجَره في بركة من سراب، فتكشفت «المنارة» وهمًا ومعضلة، رغم ما ردده الحلفاء، طيلة سنين الوحدة، كأحفاد قوم آمنت قبائله «بأن العصيّ إذا اجتمعن تأبى تكسرا، واذا افترقن تكسّرت أحادا». بفذلكة دعائية أعلن معظم القياديين السياسيين، بمن فيهم الطيبي نفسه، على أن خيارهم الأول كان وسيبقى الوحدة والعمل المشترك، لكنّ بعضهم أردفوا، بهدي حكمة «الأمير» ومن باب المناورة – كما جاء في تصريح للدكتور منصور عباس، نائب رئيس الحركة الإسلامية الجنوبية، ورئيس القائمة العربية الموحدة، وعلى لسان بعض قيادات الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة – أن حزبهم سيخوض معركة الانتخابات المقبلة وحيدًا في حالة فشل محاولات إعادة الطيبي وحركته إلى حضن القائمة المشتركة. ستخبرنا الأيام من كان منهم صادقًا ومن لم يكن إلا مناورًا.

شعار الوحدة قد يكون أجمل اليافطات، لكنه قد يصير، في المقابل، رداءً رثّاً يؤذي ما تحته ولا يحميه

تقوم جميع الأحزاب، في هذه الأيام، بعمليات تقييم وحسابات لمدى قوتها الحقيقية، بمنأى عن هواجس الإعلام وضروراته وعن هرطقات الدعاية وأهميتها، فأثر القرار الإسرائيلي برفع نسبة الحسم لم يختبر بشكل واقعي، ولم يمتحن تأثيره على حظوظ نجاح الأحزاب العربية، وعلى دخولها للكنيست إلا من خلال القائمة المشتركة فقط؛ علاوة على أن الاعتماد على نتائج استطلاعات الرأي، عندنا نحن العرب، مثله مثل التعويل على تعاويذ «قارئة الفنجان» وهي تطمئن «الأسمر» الجالس أمامها وترجوه، جزافًا، بألا يحزن؛ في حين يبقى الاستدلال بنتائج الانتخابات المحلية مؤشرًا محدودًا، لا يجوز الاطمئنان له والركون إليه بشكل حاسم.
لقد اعترفت القيادات، بعد انسحاب الطيبي، بأن القائمة المشتركة ارتكبت أخطاء ووقعت في هفوات، وقد ذكر جميعهم أزمة التناوب، وأشار بعضهم إلى إهمالها تطوير مضامين سياسية مشتركة، لو أنجزت، كانت ستساعدهم على تمتين وحدتهم وعلى عدم إبقائها مجرد شراكة تقنية هشة ومعرضة للزلات والمشاحنات، التي ساعدت على ابتعاد الناس وفقدانهم الثقة بالقائمة، وإلى عزوفهم عن العمل السياسي، حتى البدائي منه، الضروري لصقل هوية الفرد وانتمائه المجتمعي السليم.
سيبقى النقاش حول ضرورة العمل الوحدوي، رغم إقرارنا بحيويته وضرورته في هذا الواقع الإسرائيلي الخطير، مجرد عنوان نظري وشعاراً لا رصيد له في هذه المعطيات السياسية الحزبية العربية؛ فأنا لا أعرف لماذا يراهن مؤيّدو إعادة بناء القائمة المشتركة على تعزيز حتمية نجاح الوحدة، رغم ما أثبتته التجربة في السنوات الماضية؟ ولا أعرف كيف بنى هؤلاء الدعاة افتراضهم القاضي بأن الشركاء سيتصرفون، هذه المرة، بشكل مختلف عمّا تصرفوا في الماضي؛ علمًا بأننا لم نقرأ تلخيصًا مهنيًا واحدًا استعرض فيه حزب أو حركة مشاركة في القائمة مراحل تلك التجربة، وضع فيه الخلاصات والأصابع على النواقص وعلى الهفوات مقابل الإنجازات أو اقترح من خلاله الحلول والضمانات لتحسين الأداء. فخلال سنين التزاوج لم تنقشع غيوم البغضاء من سماوات شركاء «الدرب والمصير»، ولم تستثمر معظم الهيئات الحزبية جهودًا جدّية في قطع دابر الملاسنات، ولم تُبدِ القيادات نواياها لدفن ضغائن الماضي، بل كان بعضهم يشجّع، إما جهاراً وإما بالخفاء، استمرار المناكفة، ويؤجّج استعار المشاحنات، لأنها كانت بالنسبة لهم أضمن الوسائل للمحافظة على ولاء الجيوش، وعلى تخندقها وراء جنرالاتها في المعسكرات الحزبية؛ أمّا الوحدة المعلنة فلم تكن في الواقع، أكثر من صبغة لأقنعة أخفت أنيابًا عطشى. لن يناقش عاقل على أننا، نحن المواطنين العرب، بحاجة إلى بناء جبهة عريضة، تكون قادرة على الصمود في وجه غول الفاشية المنفلت في مواقعنا؛ ولكن لن يكفي هذا الإقرار لتحقيق هذه المهمة، إذا لم يرافقه اتفاق بين الشركاء على تحديد معسكرات الأعداء مقابل معسكرات الحلفاء، وإجماع على وسائل المواجهة وميادينها. فنحن لسنا في معرض مناظرة أكاديمية، ويكفينا بتجربة القائمة المشتركة برهانًا على أن شعار الوحدة قد يكون أجمل اليافطات، لكنه قد يصير، في المقابل، رداءً رثّاً يؤذي ما تحته ولا يحميه. فهل سنجد ملجأنا الوحيد في استعادة ابن القائمة «الضال»؟ أم سنلقى في إعادة بنائها خلاصنا الأكيد؟ أشك في ذلك! فكما في الماضي، سيبقى في المستقبل دوف حنين وأيمن عودة حليفين «للشيطان» لأنهما ابنان لحزب يؤمن بأن زهافا جلئون وأبراهام بورغ وأمثالهما هم حلفاء للعرب في معركتهم ضد الفاشيين، وأشك في ذلك! لأنني لا أعرف كيف يمكن أن يتعايش، تحت سقف واحد، من يرى في بشار الأسد حاميًا لعرين عروبته ولكرامته، مع من يرى في أردوغان سلطانه أو في طول عمر الأمير المفدى مآله؟ وأشك في ذلك! لأنني لا أستوعب كيف سترضى حنين زعبي مثلاً التنازل لمن لا يستطيع، رغم انفتاحه الصادق، إلا أن يسوّغ زواج الرجل بأربع، كما تأمره الشريعة وقوانينها؟ وأشك في ذلك! لأنني لا أفهم كيف ستصان الوحدة بين أحمد الطيبي ومن يعتبره عميلًا لسلطة رام الله و»لأذناب» أوسلو.
وأخيرًا، نحن بحاجة إلى إقامة جبهات نضالية حقيقية؛ هي ربما ثلاث جبهات، لكنني اقترح، ونحن عند أعتاب المعركة، إقامة جبهتين، تشترك في الأولى كل القوى العربية التي لا ترفض التحالف مع جميع القوى اليهودية، غير الصهيونية والصهيونية، والتي تؤمن بضرورة إنهاء الاحتلال الاسرائيلي والتصدي للقوى الفاشية، وبضرورة محاربتها على جميع الأصعدة وفي كل الميادين ومن أجل إقامة نظام حكم ديمقراطي حقيقي. والجبهة الثانية ستكون عربية – عربية تجمع كل من تبقى من قوى سياسية لا تقاطع الانتخابات، وترى في الكنيست حلبة للنضال المدني ووسيلة كفاحية مقتصة من مواطنتنا في الدولة.
ويكفي العاقل شر تجربة وحدة؛ فقد نكتشف أن خوض الانتخابات بقائمتين/ جبهتين سيكون أنجح من خوضها بقائمة مشتركة واحدة، شريطة أن يتمّ توقيع اتفاقية فائض أصوات بين القائمتين، وأن تتعهدا بالمحافظة على أجواء تنافسية إيجابية غير عدائية، وأن تعملا على زيادة أعداد الناخبين ومحاربة نداءات المقاطعة وتأثير حالات الركود السياسي المتنامي.
يتبع..
كاتب فلسطيني

 

 

بين مسيح

 حيفا وعذراء فاطمة

جواد بولس

"فاطمة" اسم لمدينة برتغالية صغيرة تقع على بعد (123) كلم شماليّ العاصمة لشبونة، وتُعدّ من أهم المزارات السياحية المسيحية في العالم، حيث يؤم كنيستها كل عام زهاء عشرة ملايين سائح كاثوليكي، يجيؤونها سعيًا وراء نذورهم وبعد أن فقدوا الأمل في شفائهم أو في شفاء أعزائهم وأخذوا يفتّشون عن الخلاص في ثنايا التاريخ وبين عبق أساطيره حيث تتربع السيّدة فاطمة على أحد عروشها المورّدة هناك.  

وَعَدنا قريبتنا ، المؤمنة برحمة العذراء مريم ، أن نزور المكان ونضيء، كما طلبت، في الكنيسة شمعة ونستشفع من أجل زوجها المريض عسى أن تطاله الرحمة،  بعد أن عجز الأطباء عن علاجه من مرضه العضال.

صارت "فاطمة" مدينة تمتهن الصلاة وتصنّع الذكرى وتبيعها لآلاف المؤمنين الذين يملأون مطاعمها وحوانيتها؛ فأنّى ولّيت وجهك ترى الواجهات وهي تغصّ بتماثيل "السيدة"، التي يباع بعضها كتذكارات بسعر "سياحي شعبي"، كما يليق بالبضاعة الصينية، وأخرى تعرض على أنها تحف أبدعها فنانون محترفون، فيصل سعرها الى مئات اليوروهات وأكثر.

وستجد ، إلى جانب تشكيلة تماثيل العذراء مريم والسيد المسيح،  مئات القطع  "الفنية" التي تجسّد، بمجملها، قصة المكان كما روتها الأجيال وأقرّتها الكنيسة الكاثوليكية، في مطلع القرن الماضي، حين تبنى أباؤها رواية تجلّي السيّدة فاطمة بثوبها الأبيض الوادع وبسبحتها، يوم ١٣ مايو ١٩١٧ لثلاثة اولاد كانو يرعون الغنم هناك، وطلبت منهم أن يعودوا إلى نفس المكان وفي نفس التاريخ من كل شهر ، فعادوا لتظهر لهم خمس مرات اخرى حتى ١٣ اكتوبر ١٩١٧.

ما بين "حيفا" و"فاطمة" بحر وشموع وسماء؛ فهنا تبدأ الحكاية والبكاء وحديث الفجر للصخرة، كما في الكتب، وهناك ظلال ويأس وما خطّته الريشة على الغمام.

 أعترف  أنني لم أزر معرض "بضاعة مقدسة" المقام منذ الرابع من آب العام المنصرم في متحف حيفا، لكنني تابعت تفاصيل الأزمة المثارة بسببه منذ بضعة أيام، وقرأت معظم ما كتب وما نشر عنها بعد أن قرر بعض المسيحيين المدفوعين، ربما، بدوافع مغرضة، الاحتجاج على عدد من الأعمال الفنية التي عرضت فيه بحجة انها  تمسّ بعقيدتهم وتهين، من وجهة نظرهم، شخص السيد المسيح. وخصّوا في استهدافهم معروضة للفنان "ياني لينونان"  الذي اختار أن يصلب مهرج شركة "ماكدونالدز" العالمية وهو باللباس الأصفر والقبعة الحمراء محاكيًا صلب السيد المسيح.

للقضية تفرّعات كثيرة وفصول، لكنني لن أتطرق إلى جميعها ولا الى الدوافع الحقيقية لمن أثاروا هذه الزوبعة بعد أربعة شهور على افتتاح المعرض، الذي لم يكن الأول من نوعه في إسرائيل ولا في العالم ؛ فحتى لو كانت مقاصد البعض مغرضة يبقى احتجاج آخرين، شاركوهم البدايةَ أو التحقوا بهم ، صادقًا ونابعًا عن ايمان وعن حق بالتعبير وبالاعتراض السليمين.

بالمقابل فأنا ادعم قرار المتحف بإقامة المعرض لأنني مؤمن بحق الإبداع وبحق التعبير ، خاصة الفني منه، كحقين اساسيين مكفولين يتوجّب الدفاع عنهما بكل حالة وبكل وسيلة.

لا توجد علاقة بين موقفي المذكور وبين رأيي في المعروضات نفسها، علمًا بأنني لا أوافق مع الذين صرّحوا بأن المعروضات تسيء للديانة وللعقيدة المسيحية وأنها تهين شخص السيد المسيح وتمس طهارة العذراء مريم. على جميع الأحوال سيبقى موقفهم مجرد شعور شخصي وتقييم فردي لا يعطي حامله حق تجريم الفنانين المشاركين او اتهام القيّمين على المعرض او المسؤولين في بلدية حيفا أو تكفير من لا يوافقهم الرأي؛ فحرية التعبير في هذا المربع، بخلاف الدعوة الصريحة للمسّ الجسدي بالمعرض وبمعروضاته او التحريض على العنف باشكاله، تكون متوازية وغير متصادمة وتحفظ للمبدع حقه في الابداع، وللمُشاهِد المعجَب حق الإنتشاء والفرح، وللمُعارض حق الانتقاد أو حتى التظاهر المعلن.

لك أن تنتقد وأن تعترض وأن تتظاهر ولكن بين ذلك وبين التهديد والتكفير وإلقاء الزجاجات الحارقة والرغبة في الاستيلاء على الحيز العام ومصادرة العقل، بون شاسع .

وعلى صعيد آخر متصل، أؤكد أنّ تدخل قوات الشرطة وتصدّيها للمتظاهرين وللمحتجّين هو عمل آثم ومرفوض لا تبرّره أية ذريعة على الاطلاق، تمامًا مثل رفضي لتدخل الوزيرة "ريغيڤ" التي ركبت موجة عمياء وأطلقت أعنّتها لرسالة ممجوجة محشوة بكلام باطل يراد به باطل.

لم يقرأ، على الأغلب،  معظم السياسيين العرب والمتهجّمين على المعرض قبل أن يدلوا بدلائهم أو يطلقوا سهامهم، ما نشره القيّمون على المتحف في نشرة خاصة رافقت افتتاح الحدث، حيث جاء فيها على أن دوافع الفنانين المشاركين  وأهداف المعرض ستتمحور حول قضية "الدين والايمان في واقع العولمة المرهون لهيمنة ثقافة الاستهلاك"؛ فالقضية، إذن، أعمق من أن تواجَه بانفعالات مغرضة أو مصنّعة أو معلّبة وبمواقف شعبوية ورمادية متذبذبة.

رسالة المتحف، كما بيّنتها تلك النشرة، تتطرق لموضوع فلسفي معيشي هام، يحق للمرء قبوله أو رفضه، وتسخير الفنانين للرموز الدينية كان خدمة للفكرة ولانتقادهم عملية "استبداد ثقافة الاستهلاك في حياتنا وفي النواحي الدينية بشكل خاص"؛ وقد حاولوا أن يترجموا أفكارهم بوسائل ابداعية قد تُعجب البعض وقد تكون عند غيرهم مستفِزّة، لكنهم أبوا أن يحصروا  هذه العلاقة "بين الدين والاستهلاك في مسألة البضائع  والمنتجات  فقط وذلك لأن الاستهلاكية نفسها تحمل سمات الدين"،  هكذا كانت الغاية؛ ويا لها من محاولة تستحق أكثر من همسة وأجد من غمزة أو لمزة.    

 لقد اختار بعض قادة الأحزاب العربية أن يصمتوا رغم شعورهم بأنّ الأزمة مفتعلة، وأمسك آخرون بالعصا من وسطها فأعلنوا عن دعمهم لحرية الإبداع والتعبير، لكنهم تحفظوا عليها، في نفس المقام، باسم الدفاع عن الدين واحترام رموزه.

من الصعب أن نتفهم مواقف قادة علمانيين آثروا، لأسباب سياسية و"تقنية"، مداهنة الدين ورجالاته؛ ومن المؤسف تسويغ مواقف نخب مثقفة تذيّلت وراء تصريحات قادة أحزابها وهم يُغفلون رسالة كانت تستحثّ عقولهم وتحضّهم على التفكير في علاقة الدين مع عناصر التسليع والاستهلاك.   

بالمقابل قد نفهم مواقف بعض رجالات الدين وهم يذودون عن مؤسستهم ويحاولون حجب رسالة الفنانين والمعرض عن العامة لأنهم يعرفون أنها "رسالة فاطمة" الحقيقية ايضًا،  فعندما ظهرت السيدة للأولاد الثلاثة قالت لهم، حسبما جاء في الرواية: " أنا السيدة العذراء المسبحة، يجب عليكم دعوة الناس للصلاة والتقرب من الرب بعد ان ابتعدوا عنه وانشغلوا بماديات الدنيا"؛

انها مفارقة لافتة، فبين حيفا وفاطمة خيط رفيع وسر يحرضنا على التفتيش عن "المادة" التي كانت وما زالت أصل الحراك، فكل الحكاية تتلخص بعلاقة الدين بالاستهلاك

بعد انتشار خبر التجلي في قرية فاطمة وتحديدًا بعد الثالث عشر من اكتوبر عام ١٩١٧ حضر إلى الموقع جمع فاق عدده السبعين ألفًا الذين آمنوا، كما نقل لهم الأولاد، بأنّ المتجلّية هي السيّدة مريم العذراء أم يسوع. ثم تبنّت الكنيسة الكاثوليكية قصة التجلي وبنت صرحًا عظيمًا بضمنه كنيسة تعتبر رابع أكبر كنيسة في العالم وصارت الجموع تأتيها من جميع أنحاء المعمورة كما جئناها نحن على جناح صيف كي يصلّي من يؤمن منا ويستشفع لمريضنا - الذي رحل رغم حرارة الدعاء- ويشتري الشمع ويحرقه في مراجل فاطمة ويتزوّد بالتذكارات للتبرّك من مقامها ولا يقرأ أنها دمى صنعت في الصين، فالمؤمنون الصحاح غير مطالبين بالقراءة، بل يعيشون بصمت ويموتون كما يموت البهاء.   

لقد اختار الفنان "ليونان" شخصية المسيح المصلوب على طريقته لاستثارتنا وجعلنا نفكر في  قضية العلاقة بين "المنظومات الدينية" و"المنظومات الاستهلاكية"؛ وهو ليس أول من أشار إلى هذه العلاقة الشائكة، فكثيرون قبله كتبوا عن ذلك، كما جاء على لسان نشرة المتحف، وبينهم كان الأديب اميل زولا الذي أعلن، منذ نهاية القرن التاسع عشر أن "عملية الاستهلاك العالمية الحديثة هي دين جديد استُبدلت خلالها الكنائس بالمراكز التجارية الكبرى".

وأخيرًا ، حاول متحف حيفا أن يدفعنا كي نمارس حرّيتنا وكي نبقى ابناء الارادة والحياة، لكن معظمنا بقوا كما كانوا، أولاد هذا الشرق وهذه "الأرض المقدسة" عبيدًا لايمان مسوّق، فكل شيء في بلادنا، كما في فاطمة، له ثمن والمؤمنون يأتون إلى معابدنا من جميع أرجاء العالم ساعين وراء نذورهم، فيشترون الشمع ويحرقونه ويتبرّكون بالتراب ويخزنون الهواء ويقتنون تماثيل المسيح والعذراء ولا يقرأون من وكيف صنعها، والشعب يهتف وراء كهنته : لا للفسق وليسقط الابداع !

 

 

 

هل تطلّق القائمة المشتركة

النائب أحمد الطيبي

جواد بولس

وافقت لجنة الكنيست، يوم الثلاثاء المنصرم، على طلب النائب أحمد الطيبي المقدّم باسم "الحركة العربية للتغيير"  للانفصال عن القائمة المشتركة واعتبار الحركة، من تلك اللحظة، حزبًا مستقلًا، وابقاء المشتركة مع ثلاثة عناصر وهم "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" و"حزب التجمع الديمقراطي" و"الحركة الاسلامية الجنوبية".

ولقد استثارت هذه الخطوة مواقف جهات عديدة بين الجماهير العربية في إسرائيل؛ ورغم تفاوت حدة الردود إزاءها، لم يتناول معظم من انتقدها، لا من قريب ولا من بعيد، دوافع تلك الخطوة كما جاءت في  بيان " اللجنة المركزية للحركة العربية للتغيير" الذي صدر في أعقاب تقديم طلب الانفصال؛ وبدل الرد على ما جاء فيه, مضى البعض بإطلاق أحكامه على الخطوة مدفوعاً بتقييمات مبيّتة أو برغبات أملَتها، على الغالب، عداوات دفينة، لم تنجح مسيرة السنوات الماضية "المشتركة" أن تنقذها من مصير تلك "الشراكات المهزوزة" التي نصح تجّارُنا المجرّبون بوجوب انهائها، حتى لو بالخسارة، شريطة أن يخسر شريكك قبلك ومثلك.

لا أدّعي أن ما جاء في البيان المذكور صحيح كله، لكنه جدير ، بالطبع، بالمناقشة وبالتفنيد؛ فنحن نواجه أزمة سياسية بحتة ولا نعالج خلافًا بين حمولتين حيث يجب أن يتصرف "الشعب" وفق قاعدة انصر أخاك "ظالمًا كان أو مظلوما".

ادّعت "اللجنة المركزية للحركة العربية للتغيير"  في بيانها أنه "ومنذ الاعلان عن حل الكنيست العشرين، طلبنا من الأحزاب الثلاثة معنا في القائمة المشتركة منح الجمهور امكانية الشراكة في تركيب القائمة وخطاب القائمة وتوجهاتها، واقترحنا العديد من الآليات والطرق لذلك، إلا أنّ مطلبنا قوبل بالرفض .. وذهب البعض لاشتراط مفتاح هو انتخابات عام ٢٠١٣".

فاذا كان هذا الادعاء صحيحًا، يحق، ساعتها، لجموع المصوتين التساؤل عن اصرار تلك الأحزاب على العودة إلى مفتاح عام ٢٠١٣ السحري، واغفال ما حصل في جميع هذه السنوات من تغييرات سياسية واجتماعية واضحة، أقلها نتائج انتخابات المجالس البلدية والمحلية الأخيرة وكونها مؤشرًا هامًا يؤخذ من ضمن سلة مؤشرات أخرى .

ثم جاء في ذلك البيان على أن  " المشتركة تعاني من زعزعة ثقتها في الشارع العربي وتحتاج الى تجديد خطابها واعادة هيبتها في الشارع ونواب العربية للتغيير اثبتوا كفاءتهم وجدارتهم في خدمة الناس وتمثيلهم بشموخ .." .

قد يستفز هذا الكلام شركاء لا يطيقون الطيبي تاريخيًا وبعض الشامتين الذين يتمنون خروجه من المشتركة نحو الهاوية، كما يعتقدون، ولكن لا يعفيهم ذلك من ضرورة مواجهة المضمون، ولا يبرّر اسراع بعضهم واطلاقهم لتصريحات قاسية وغير مفيدة حين جرّموا  النائب الطيبي و"العربية للتغيير" واتهموه بالابتزاز وبسعيه المتعمّد من أجل ضرب المشتركة والمسّ بوحدة الجماهير؛ أو  كما  أوعزت شخصيات قيادية أخرى بأن انسحاب الطيبي وحركته يتساوق ، عمليًا، مع رغبة نتنياهو واليمين الاسرائيلي، وذلك في إشارة مغرضة وغير صحيحة بحقه، خاصة وأن بعض هؤلاء القادة لم يستبعدوا أن تكون خطوة الطيبي مجرد مناورة لتعزيز مواقعه التفاوضية من أجل رجوعه الى حضن القائمة المشتركة بحجم أكبر.

هنالك اجحاف وخلط بين المواقف الشخصية والسياسية تجاه النائب الطيبي وتجاه حركته، وهنالك حالة من استقواء الشركاء عليه في هذه الفترة الحرجة، وكثير من المداهنة والنفاق في استغلال خطاب الوحدة والمصير ؛ فنحن لم ننس، رغم انتهاء الأزمة، كيف اندلعت  "معركة الكراسي" الشهيرة في اعقاب قضية باسل غطاس ودخوله السجن، وكيف كان نشطاء التجمع ينقضّون على قادة الجبهة ويتهمونهم بالانتفاع المادي على حساب التجمع وبسوء النوايا وبتعمّد فض الشراكة وضرب ارادة الجماهير ووحدتها ؛ ثم كيف انتقلت تلك المعارك الى ساحات "العربية للتغيير" وتفاقمت فصولها حتى بدت نهاية العالم وكانها واقفة على أرجل ذلك المقعد النيابي الساحر .

كانت الحرب على المقعد ، وكانت جميع الذرائع التي سيقت في سبيل نفي هذه الحقيقة واهية وكاذبة. فالانتخابات النيابية تجري من أجل حصول الأحزاب على المقاعد لأنّ المقاعد تعطي الحزب القوة وفرص التأثير ولأنها تدرّ على خزينته العوائد وتؤمّن للنائب قسطًا من الجاه وبعض الدخل؛ ولذلك فمن حق الطيبي أن يطالب، مثلكم،  بحصة أكبر في مقاعد القائمة، خاصة اذا كان يشعر أن شعبيته تضاعفت في الدورة السابقة وأن مكانة حركته تعززت، كما يدعي، لسببين:  شروعه، منذ مدة، بمأسسة حزبه وببناء أطره التنظيمية وببروزه كنائب نشط ومميز استحوذ على اهتمام شعبي واسع، مثلما برز، إلى جانبه، زميله في الحركة النائب السابق اسامة السعدي الذي شهد لعمله البرلماني جميع زملائه في المشتركة ومن خارجها.

من حق الطييي، إذن، أن يطالب بما يراه مناسبًا ومنصفًا له ولحركته، ومن حق الشركاء، في المقابل، أن يتفاوضوا معه باحترام حقيقي كما يتوجب على شركاء يسعون بجدية وبأمانة من أجل المحافظة على القائمة المشتركة التي يعتبرونها "انجازًا وطنيًا مقدسًا" واداة مستحدثة وضرورية لمواجهة سياسات الحكومة القادمة ضدنا نحن المواطنين العرب.  اللجوء  في هذه الظروف إلى خطاب التخوين المعلّب ومهاجمته كما حصل، لا يستوعب إلا من باب رغبة المقرّعين في " تطفيشه" وقطع جميع الجسور، كي يصبح إشهار  نيته بالطلاق طلاقًا "بائنًا بالثلاثة" كعدد الشركاء .

بالمقابل، سيبقى ما صرّح به رئيس القائمة المشتركة النائب أيمن عوده، بعد تقديم طلب الطيبي للانفصال، صحيحًا؛ فالمعنيّ الأول بإضعاف القائمة المشتركة وبتراجع حضورها في الكنيست هو اليمين الاسرائيلي وقائده الأخطر بنيامين نتنياهو ، ولكن بقدر ما سيكون هذا التصريح/ التلميح صائبًا بحق خطوة  الطيبي، سيبقى كذلك بحق نواب المشتركة جميعهم وفي طليعتهم النائب أيمن عوده نفسه لأنه الأول بين متساوين، وقائد تصرف، في أدق الأزمات وأعقدها، بنضوج وبحكمة اقنعتا الكثيرين بأنهم في حضرة قائد رزين وواعد ؛ فصيانة الوحدة هي مسؤولية تقع على جميع مركبات القائمة المشتركة وسيبقى، برأيي، دور الجبهة الديمقراطية وكوادرها الواعية وحصتهم في انجاح هذه المهمة هما الأكبر والأهم وذلك لأنها أعرق الأحزاب وأنضجها تجربةً ووعيًا وأكثرها تنظيمًا، وهي صاحبة الرؤيا الجامعة والمؤسسة لضرورة العمل البرلماني كساحة نضال أساسية في الدفاع عن مصالح الجماهير العربية وعن بقائها  في وطنها.

تهدر في خضم هذه المقارعات طاقات ثمينة كان الأولى أن توجه ضد الأحزاب الصهيونية التي تحاول اختراق صفوف الجماهير العربية، أو في مواجهة الحركات السياسة والدينية العربية التي تدعو إلى مقاطعة انتخابات الكنيست عن عقيدة وعن ايمان، لا سيما وقد نجحوا  باقناع آلاف المواطنين العرب كما شاهدنا في الدورات الماضية .

كشفت قضية القائمة المشتركة رزمة من المسائل السياسية الهامة المتعلقة بواقع وحياة الجماهير العربية، وعرّت خطوة الطيبي الأخيرة هشاشة وحساسية بعضها، خاصة تلك التي تتعلق بأزمة القيادة وبدور الأحزاب التقليدية في ريادة العمل السياسي وقيادته، وبتشابك الشخصي والعام وتأثير هذه الدوافع على عملية اتخاذ القرارات المفصلية، وبولادة شرائح اجتماعية عربية جديدة تفتش عن مكانتها في العملية السياسية المتفاعلة وليس بالضرورة في نفس الأساليب والأطر والأفكار التي سادت في العقود الخالية ،وبغيرها من عناوين كل واحد منها جدير بمقالة أو أكثر.      

على جميع الأحوال،  يدّعي البعض ان الطيبي خطط عامدًا لانفصاله عن زملائه ولضرب العمل السياسي المشترك، وهذا اتهام لا يقوم على حقيقة ولا على برهان ، لكنه يحمّل من أطلقه مسؤولية مضاعفة جهوده، ويلزمه بالعمل، بنية سليمة وبحس وطني، كي "يفشل" خطوة الطيبي الانفصالية ويبقيه شريكًا كاملًا في القائمة المشتركة، لأنها ، كما قلتم، انجازًا تاريخيًا مقدسًا

ويدعي آخرون أن الطيبي لا يقود حزبًا بل يحيط نفسه ببعض المقربين والأصدقاء، وهذا تسطيح فيه من خداع الذات قسط، ومن مهانة من يدعمونه وينشطون في مؤسّسات حركته أقساط، فالأهم أن المعركة الانتخابية القادمة ، ككل المعارك الدامية، لا تحتمل المقامرات الكبيرة ولا تفيدها المؤامرات الصغيرة، خاصة عند من يسعون من أجل الفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد .  

 

 

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

هل ينجح الوزير اردان

بتوحيد اسرى فلسطين

جواد بولس

أعلن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، جلعاد أردان، يوم الاربعاء المنصرم ، عن تبنّيه توصيات اللجنة الخاصة التي شكّلها لبحث ظروف معيشة الأسرى الأمنيين الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

لم يُخْفِ أردان مقصده من وراء تشكيل هذه اللجنة، فهو ومعظم وزراء حكومة نتياهو كانوا قد أعلنوا "حربهم" على الحركة الأسيرة الفلسطينية منذ مدة طويلة، وباشروا، قبل انهاء اللجنة لأعمالها،  بتنفيذ رزمة من الخطوات القمعية ضد بعض السجون، كان من أبرزها سحب الكتب من مكتبة الأسرى في سجن "هداريم" وتفعيل كاميرات مراقبة في سجن "هشارون" ، سجن الأسيرات.

ولقد تفاوتت ردود الفعل الإسرائيلية على تصريح الوزير ، من استحسان  بين أوساط غلاة المتطرفين، الى وصفه من بعض المحللين السياسيين "بالخطوة الشعبوية" التي تستهدف ، خاصة بعد الاعلان عن موعد الانتخابات العامة في نيسان المقبل، استثارة مشاعر الجموع اليمينية المحرّضة ضد الفلسطينيين، بوجه عام، والمعبّأة ضد الأسرى الأمنيين الذين سجنوا بسبب مقاومتهم للاحتلال، بوجه خاص.  

تعهّد أردان في تصريحه بتنفيذ جميع توصيات اللجنة وأكّد، على وجه الخصوص، عزمه على إلغاء تخصيص أقسام السجون وفقًا لانتماءات الأسرى الفصائلية وإعادة دمجهم بدون علاقة للهوية التنظيمية.  ثم أضاف ، في احدى مقابلاته، وقال "تظهر بين الحين والحين، صور مستفزة "للارهابيين" وهم يُعِدّون طعامهم داخل الأقسام، وهذه "الهيصة" ستنتهي ، لأن مصلحة السجون هي المسؤولة عن تزويد الأسرى بالطعام وذلك بكميات الحد الأدنى المستحقة حسب القانون".    

لم يكتفِ أردان بالتطرّق إلى ذينك التفصيلين، بل صرّح أنه يؤيد وقف ادخال مبالغا "الكانتينا" الشهرية التي تدفع من قبل السلطة الفلسطينية عن الأسرى كي يشتروا بها أغراضهم المعيشية من داخل السجون بأثمان تكون على الأغلب أعلى من أثمانها في السوق الفلسطينية ؛ وسيحدد كميات المياه التي يستطيع الأسير استعمالها يوميًا، وسيقلل من عدد زيارات الأهالي لأبنائهم، وغيرها من الخطوات التي درجت على تنفيذها أنظمة دكتاتورية بغيضة.

لا أعرف منذ متى انكشف الوزير أردان على تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية، فهو من مواليد العام ١٩٧٠ وحتى تاريخ التحاقه بصفوف الجيش الاسرائيلي، كان آلاف الأسرى الفلسطينيين قد أكملوا بناء كيانهم وأوضحوا للقاصي معاني وجودهم في الأسر، وللداني امكانياتهم واستعدادهم للتضحيات غير المحدودة، ففرضوا حقيقة وجودهم الجمعي على "مصلحة السجون الاسرائيلية" التي أضطرت أن تتعامل معه باحترام نسبي وأن تقبله كواقع  حتى عندما كانت تندلع بينهم بعض الخلافات حول بعض التفاصيل وفي بعض المحطات، كما شهدنا خلال تلك العقود من المد والجزر.

ليس من الصعب على الوزير أردان أو غيره ان يراجع تفاصيل تلك "المعارك" التي خاضها الأسرى الفلسطينيون وضحوا فيها بالنفيس وبالغالي ؛ في البداية، لم يكتشف "السجان" الإسرائيلي محرّكات تلك النضالات الحقيقية وكنهها، ولم يستوعب أنها صراعات على الكرامة الانسانية الخالصة وكفاحات من أجل البقاء الحر، وأنها ليست، كما حسبوا، مجرد مناكفات لسجناء صاروا عبيدًا وراء القضبان أو حوكموا لأنهم جناة ومجرمون.

 يستهدف الوزير أكثر من عصفور  باعلانه،  فهو يستشعر نبض "الرعاع" ويحاول أن  يغذي غريزتهم وهم يطاردون الضحايا الفلسطينية ؛ ويشعر ، من ناحية ثانية، بقوة وهو يقرأ تقارير استخباراته وهي تشخص عوارض أزمة قائمة داخل صفوف الحركة الأسيرة، ويقرأ ،كذلك، كيف تواجه المؤسسات الفلسطينية التي تعنى بشؤون الأسرى مخاضات مربكة وحالة من الالتباس الموجع .

فهل سينجح؟

لقد قرأنا كيف تنبأ ضابط كبير في "مصلحة السجون الإسرائيلية" بفشل وزيره وذلك ليس بناء على تجارب الماضي وعبره فحسب ، انما لأن القضية التي سيواجهها الوزير وغيره مركّبة وأكثر تعقيدًا مما يقدّرون، وقد يكون الوزير غشيمًا مثل ذلك الحصان الأعمى أو كمن اختار الرقص في حقل كلّه ألغام.

على جميع الأحوال ستبدي لنا الأيام ما نجهله اليوم؛  ففي تصريح لقدورة فارس، رئيس نادي الأسير الفلسطيني، وهو أسير من ذلك الزمن الوردي، تمنّى، من باب المقارعة، لو ينجح الوزير باعادة اللحمة الى صفوف الحركة الأسيرة، التي عاشت سني حياتها موحدة في الغرف وفي الأقسام وفي الساحات وفي جميع مسامات الحياة، إلى أن اخترقتها سوسة الفرقة والتشظي فتشتّتت فصائل وتنظيمات وقبائل واقسام.

لقد كان قدورة ومن سبقوه أسرى بمقاسات ثورة، وعاش كما عاش المؤسّسون قبلهم كما يريد الوزير أردان وفقًا لأنظمة السجون وما أقرته لهم من حقوق الحد الأدنى من دون مدّهم بأموال خارجية، ومارسوا قناعاتهم بكرامة وصمودهم كمناضلين أصيليين فاكتفوا بالخبز  وبالحق وبالزيتون وبالأمل لأن الأسير الفلسطيني عاشق للحرية ومن أجلها اختار النضال ورضي بالأسر .

مَن مثل أسرى فلسطين فقهوا بأن "المال إذا دخل ثورة أفسدها" وبأن الحرية تنتزع ولا تؤخذ بالترجي.

قد يكتشف  الوزير أردان ، قريبًا، أنه هدد بالوهم، فمن سمعه قد يحسب أن الأسرى يعيشون في الجنة بينما الحقيقة غير ذلك اطلاقًا، فزيارات الأهل اليوم محدودة وعائلات كثيرة محرومة منها أو لا تزور أبناءها بانتظام؛ ووجود الماء في السجون ضرورة تفوق وجوده في الحياة خارجها فهو ضمانة لمنع انتشار الأمراض، وهذه رغبة السجان لا مصلحة الأسير وحده.

لقد قلنا في الماضي أن وجود الحركة الأسيرة الفلسطينية في سجون الاحتلال هو ظاهرة طبيعية وايجابية بكونها نتيجة لحالة غير طبيعية، فالاحتلال هو الجريمة ومقاومته هي حق بمقتضى جميع القوانين والأعراف والمواثيق الدولية،  فتخيلوا لو بقي هو ولم تعد هنالك حركة أسيرة فلسطينية !

المشكلة ، وقد يكون الوزير قد أدركها، أن الحركة الأسيرة تعاني من صدوع مقلقة، وهنالك حالة من الفوضى تضرب المؤسسات التي تدافع عنها في الخارج ، فعسى أن تكون ضربة أردان بمثابة الصعقة الكهربائية التي ستعيد للجسد نبضه وللخدّ تورّده وللنضال معناه، فحكومة نتنياهو لم تعلم كيف كان أطفال فلسطين ينامون على تهليلة "يا ظلام السجن خيّم" ويصحون على تنهيدات الأمهات وهن  يردّدن "ليس بعد الليل إلا فجر مجد يتسامى"..

 

 

رسالة إلى محمد صلاح

جواد بولس

 

قد يستهجن الكثيرون أنني اخترت أن تكون رسالتي في نهاية هذا العام موجهة للاعب الكرة المصري محمد صلاح؛ فعندنا في فلسطين عشرات العناوين الأجدر منها لتكون قفلةَ عامٍ مُدبر، تنذر تداعياته بعام مقبل سيكون أسوأ وأخطر.
بدأت حكاية هذه الرسالة عندما التقيت، قبل يومين، في مدينة حيفا، بالاستاذ الجليل، ابن مدينة شفاعمرو إلياس جبور، في عزاء الراحل البروفيسور بطرس أبو منه ابن مدينة اللد؛ وهما علمان من أعلام فلسطين الكثر؛ واحد رحل وكانت تباريح التاريخ قد أغوته، فتبحّر في ثناياه حتى صار فيها معلّمًا؛ وثان ما زال يمضي على دروب الآباء الكرماء، أصحاب الفطنة وصنّاع الصمود والأمل، فندعو له بطول العمر ومزيد من العطاء.
سألته كيف يرى أوضاعنا ونحن مقبلون في شهر أبريل/نيسان المقبل على انتخابات الكنيست الإسرائيلي، خاصة وقد حصل ما حصل في انتخابات المجالس البلدية والمحلية التي جرت في اكتوبر/تشرين الأول المنصرم ، فقال: “المقبلات أكثر غَثَا”، وتأنى، كمن عرك أذن الحياة، ثم عبّر عن خوفه وعن قلقه، لأننا نمضي نحو المجهول، ولأننا لم نتعلم من دروس التاريخ، ما جرى منه قبل رسالة بلفور، وما تلاها من مواقف الدول عامة، وليس الإنكليز وحدهم ومن معهم من قيادات عربية أشبعونا سرابا وأمطرونا قيحًا. لم يكن وصولنا، بعد ذلك، إلى قضية اللاعب محمد صلاح صعبًا، لأنها كشفت مجددًا وجهًا آخر من تعقيدات وجودنا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، وعرّت حقيقة علاقاتنا المركبة والملتبسة مع “الأشقاء” على المستويين الفردي والمجتمعي. لقد وعدته أن أنهي عامي برسالة أطيّرها إلى الفرعوني الأحمر.
رسالة إلى محمد صلاح:
نقلت مواقع الأخبار مؤخرًا تصريحًا على لسانك جاء فيه، إن كان صحيحا، أنك تهدد بالرحيل عن فريق ليفربول الإنكليزي لكرة القدم، إذا ضمّت إدارته إلى صفوفه اللاعب مؤنس دبور، لأنه يلعب، كمواطن إسرائيلي، في صفوف منتخب إسرائيل الوطني رغم كونه عربيًا فلسطينيًا ومسلمًا. لست متأكدًا ماذا تعرف أنت وملايين العرب عنا نحن “فلسطينيي الـ48” الباقين، رغم أنف القمع والمؤامرات، في عشرات المدن والقرى العربية، وماذا أخبروكم عن قصتنا الحزينة حين نمنا، ذات صيف، على وطن وصحونا على نكبة، لنصير “مواطنين” غير مرغوب فينا في دولة صار اسمها إسرائيل.
لا تتوقع مني أن أوجز لك، في عجالة، تفاصيل تاريخ مثلث الأضلاع، كان بينها ما درجنا على تسميتها “قيادات الرجعيات العربية” التي امتلكت، قبل عام النكبة أو بعدها، كيانات كانت أو تحوّلت إلى دول فاشلة، ولم تمارس دور “الدول الحديثة” كما تمارسه، مثلًا، بريطانيا التي أصبحتَ أنت فيها نجمًا محبوبًا وبطلًا تهتف باسمه الجموع الإنكليزية. لا أعرف، يا محمد، ماذا علّموكم في المدارس عن فلسطين التي كانت قبلة العرب؟ عن أهلها الذين هابتهم أعواد المشانق وعن سمرة ابنائها التي تشبه سمرتك؛ فهل أخبروكم كيف حميناها نحن، عشاق القصائد وصناع الأمل، من كامل الضياع؟ ليس صدفةً أن يستفز تصريحك، إن كان ورد كما ورد، آلاف الفلسطينيين، خاصة أولئك الذين صاروا يحبون، من أجلك، فريق الشياطين الحمر “ليفربول” وهو يتصدّر دوري بريطانيا، التي اذا كنت تجهل، كانت ولم تزل سيدة العهر وأم معظم مصائب العرب وقابلة نكباتنا وولّادة الأسى وكل الوجع.
يحبونك في بريطانيا، رغم اسمك ولحيتك، لأنك في أعينهم ساحر الكرة، أو من أجل الهدف، ويهتفون لك، رغم انحنائك لربك على أرض الملاعب، إذا أهديتهم النصر يا ابن العرب؛ لكننا نحبّك، نحن في فلسطين، بدون “هدف” ولأنك منا ولنا، حتى صرنا نحب فريقك، رغم كونه واجهة دولة ما زالت تفاخر بخساسة “بلفورها” وتزهو بأمجاد ” ثاتشرها” وتدعم تلون “ميّها”.
أراهن أنك لا تعرف، مثل ملايين العرب، عن فلسطين إلا ما قصّه لكم الغمام ووشت به دموع الندى؛ ولم تقرأ عن تلك الجنازة “التي طلعت من سجن عكا” ولا كيف أردت البنادق من احتموا في كنيسة قرية عيلبون الجليلية، وحصدت في كفر قاسم أرواح الأبرياء في مجزرة شيطانية؛ فمؤنس هذا الذي ستترك بسببه فريقك هو من سلالات “سرحان” الذي كان يمشي نحو تل الحارثية “حيث ماسورة بترول شقية، تحمل الخير الذي يدفق من أرض الشعوب العربية، لبلاد أجنبية”. فهل عرفت ما كنت تجهل؟ً
أنا لم أسمع بمؤنس قبل ما صار “دبّورًا” في ملاعب الكرة ومشهورًا، ربما أقل منك أو مثلك، لكنه، حتمًا، يعبد ما تعبد ويسجد للرب مثلك ويحلم بالضاد ويهدي كل نصر لشعبه ويقبل بعده جبين أمه. فلماذ تستعديه بسبب ذنب لم يقترفه وفي بلاد ستبقيان فيها بطلين غريبين وأسيرين في شباك لن تدوم لكما طويلًا.
قد تكون أنت بنفسك ضحية لما تعلّمتموه في بلادكم عنا، نحن الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل؛ فبقاؤنا في وطننا كان قد أربك بناة الدولة العبرية وأفسد عليهم إمكانية تحقيق مخططهم الأصلي والفوز “بوطن” خال من سكانه العرب الأصليين؛ لكنه، في الوقت نفسه، عرّى خديعة من تواطأ مع الإنكليز ومن تآمر مع الصهاينة على مستقبل فلسطين وشارك عمليًا في ضياعها.

ماذا أخبروكم عن قصتنا الحزينة حين نمنا، ذات صيف، على وطن وصحونا على نكبة، لنصير “مواطنين” غير مرغوب فينا في دولة صار اسمها إسرائيل

فمنذ سبعين عامًا ونحن نواجه مخططات إسرائيل التي تستهدف اقتلاعنا من الوطن، ونواجه أيضًا فرية أطلقها أولئك المتآمرون العرب الذين حوّلوا حقيقة بقائنا إلى تهمة سموها زورًا خيانة. حوصرنا وكان حصار “ذوي القربى” أظلم وأقسى، لكن مصركم بقيت في خواطرنا وكنا نسترق أخبارها من “صوت العرب” وندق الطبول، كما جاء في النشيد، على أبوابها ومن أجلها.
كنا، رغم النكبة، نعيش على يقين بأننا والمجد على موعد مهما علا “سلم الجماجم”؛ وكان يكفينا أن نسمع صوت “الجمال” لنذوب مثل عروس في ليل زفافها وننتشي في الصباح، وكنا نبكي حين كانت تقرصه ناموسة. أحببنا الخميس في مطلع كل شهر، ففيه كانت “الست” تأخذنا صوب النجوم، وكنا نسبح في نيلكم مع كل “همسة حائرة” وننتشي مع “الشيخين” زكريا وإمام ونردد مع دنقل “لا تصالح”.
عاش أباؤنا أحرارا رغم تجاهلكم لوجودهم ولصمودهم واختاروا أن يكونوا مصريي الهوى، عربًا شرفاء، وبقينا نحن الأبناء أوفياء على العهد، رغم وجود تلك “السفارة بالعمارة” ورغم الشقاء.
وأخيرًا،
ذكرناك، كما قلت، في عزاء الراحل بطرس أبو منه وأنت لا تعرف من يكون هذا الفلسطيني؛ فهو من الذين لم تغرهم وعود البرق فبقي في الوطن. ابن لشكري ولأم من عائلة منيّر اللداوية. كان بيتهم بآخر الطريق التي توصل بين اللد والرملة وكان في حي صغير تسكن فيه عائلات من بيت العمش، فكانوا يسمونه بحي العمش. كان بيتهم من خشب وأبوه كان موظفًا في البريد يعيل بيته بكرامة وبالعرق.. كان خاله يعمل في مطار اللد الفلسطيني. وفي عام 1948 بدأوا يسمعون صوت الرصاص لكنهم لم يشعروا بوجود الخطر، فلقد كانوا مطمئنين لقدوم “فزعات” جيوش العرب. ثم كان العاشر من يوليو/تموز يوم احتلت قوات “الهاغاناه” مطار اللد الذي سقط، رغم حراسته من قبل خمسين محاربًا بقوا لوحدهم ولم يأتهم مدد العرب.
ما أبسط هذه القصة وما أوجعها، فنحن، يا حبيبنا محمد، نطفة من شرف ما زالت تكبر كلما مرت بنا الأيام وقست، وسنبقى حراس الكرامة والمعبد، فرجاؤنا ألا تستقوي على من كان لودّك أقرب وأرحم، لأننا ننام ونصلي للرب في مخادعنا أن يحمينا من أصدقائنا ومن أقربائنا فمع أعدائنا نتدبر وحدنا. واعلم أن الجهل طامة كبرى وانّ الكرامة أكسير الحياة والعقل روحها، فراجع، يا صديقنا، دروس التاريخ ففيها الموعظة والعبر.
كاتب فلسطيني

 

 

خواطر جليلية

من "الراين"

جواد بولس

التقينا صدفةً بعد وجبة العشاء في بهو السفينة التي كانت تقلنا من مدينة "رودسهايم" الألمانية الرابضة على حافة نهر الراين، إلى مدينة "شباير".

 "هل أنت معهم ؟ " سألني مصوّبًا عينيه نحو مجموعة من الإسرائيليين الذين كانوا معنا على ظهر السفينة وشكّلوا بعشراتهم أكثرية مسافريها.

 كان رجل أعمال هولنديا وسيما، تخطى عامه السبعين ، كما وشت حروف السنين على كفيه، وبجانبه جلست زوجته الهوكنغية التي أبدت بدورها اهتمامًا بالمحادثة بيننا وبدت أصغر منه بكثير.  

 لا أعرف ماذا دفعه "للتحرش" بنا، أنا ورفيقي  ؛  فلقد كنّا نتحدث حول البار بصوت خفيض وكما يليق بمسافريْن يركبان الراين ويقصدان مدنه الجميلة التي تستعد لاستقبال عيد الميلاد بحفاوة لم يعرفها الشرق إلا مؤخرًا وبشكل محدود وفي بعض المواقع الرائدة أو "المتمردة" .

قد تكون لغتنا هي سبب توجهه إلي، خاصة وقد أفهمنا، لاحقًا، أنه زار إسرائيل والمنطقة في الماضي لغرض أعماله .

 حاولت أن أتجنب الدخول معه في التفاصيل؛  فلقد علّمتني التجربة أنّ ما يبدو لمعظم مواطني العالم طبيعيًا وبسيطًا سيصبح ، مع أول إستفهام، بالنسبة لنا، نحن العرب الفلسطينيين المسيحيين المواطنين في اسرائيل ، ورطةً قد تفسد علينا متعة الرحلة وتطيّر "الكيف" من رؤوسنا .

يأتي سؤالهم عفويًا وبسيطًا، ولكن كيف سيستوعب أصحاب العيون الزرقاء وأهل النعمة تعقيدات وجودنا في تلك البلاد التي "يختلف فيها الرواة على كلام الضوء في حجر" ؟ وكيف سيتفهمون "طباقات" هويتنا والارتعاشات الدائمة في انتماءاتنا؟

 فنحن، يا صديقي الهولندي الوسيم، لسنا "معهم" حتى ولو حملنا جواز سفرهم ؛ ولسنا "منكم" حتى إذا جئنا لنرشف من مباهج " كريسمسكم" لأنه كان "ميلادنا" قبل أن يصير  لكم ؛  ونعم نحن عرب ولكننا  لسنا من هؤلاء العرب الذين فجّروا  الأمل في الشوارع وفي سوق "شتراسبورغ"، حيث سنرسو بعد يومين ؛ ونحن، الفلسطينيين الأقحاح، ولكننا لسنا من جماعة غزة ولا من جماعة رام الله بل نحن ممن بقوا على أرضهم وسيبقون  "يغنون ويناضلون" كما علّمنا الفجر ووعود العاصفة.

حاولت أن أوجز له الإجابة، فهز رأسه وطمأنني أنه يعرف معظم هذه التفاصيل ، ربما ليس بحذافيرها لكنه أكد على أنه زار بلادنا عدة مرات وتعامل فيها  مع فلسطينيين ومع إسرائيليين وتعرّف إليهم. ثم نظر إلي وأضاف بصوت حزين وقال: أعرف..أعرف ولكن، مع هذا فأنا ما زلت لا أفهم كيف ..

 لم أدعه يكمل جملته التي بدت لي "طُعمًا" لمحادثة قد لا  تنتهي، فرفعت كأسي وواجهته ببسمة صارمة فأدرك معناها وسكت.  

يأتي فرح الفلسطيني في الغربة بغتة كالرعد ويختفي مثله مع التنهيدة الأولى. نسافر ، نطير، نبحر،  ونحاول أن نضم في الغيم البعيد وسادة من ورد فتوقظنا مسامير أحلامنا. همونا في صدورنا لا تنام، وحياتنا كما وصفها "لاعب النرد" كانت وستبقى ضربة أو ضربتين على خاصرة العدم .

 أدرت رأسي نحو رفيقي الذي كان يجلس على يساري فتبسم وقال : يجب أن تجيبه فالرجل كان لطيفًا وعلى ما يبدو فهو متعاطف معنا كفلسطينيين.

ماذا سأقول له وأنا أعرف أنه محق، فنحن، الفلسطينيين، نملك أعدل قضية لكننا لم ننجح في انصافها وفي إنقاذها من الخيبات، والآتي أمامها، كما تنذر جميع أبراج السياسة، سيكون أوخم وأقسى وأخطر . وحالنا ، نحن العرب في إسرائيل قد لا  يكون أفضل لاننا ننام في فوهة البركان. لقد جئنا إلى هنا لنمارس بعضًا من النسيان وكثيرًا من لذة الوحدة.  

مررنا ، أنا ورفيقي، كما يليق في هذه الليالي، على مسلسل النكسات في عصرنا الحديث فأحسسنا بالعطش وبوجع يشبه وجع "المارّين بين العتبات".

لقد تمنينا، على طريقة المتفائلين البسطاء، أن تنتهي العشرة الأخيرة الباقية بسرعة ، مع أننا لم ندر  كيف ولماذا سيكون العام المقبل أفضل لنا؟

كانت سنة 2018 رمادية على جميع العرب وكسابقاتها كانت سنة عجفاء، عزّزت فيها أنظمة الحكم "طبائع استبدادها" ضد مواطنيها، في حين أخفض الحكام وبطاناتتهم رقباتهم أمام الغطرسة الأمريكية غير المسبوقة والعنجهية "النتنياهيه" السافرة ؛ وكانت كذلك قاسية على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، الذين ما زالوا يواجهون أعتى صنوف الغطرسة الاحتلالية الإسرائيلية العسكرية ومقارف سوائب المستوطنين الفالتة وهم يعيثون في الأرض فسادًا وإرهابًا وبطشًا ، ويعيشون كذبة الأوهام الكبيرة؛ فرغم وعود "الاخوة الأعداء" بالمصالحة، ما زال الشعب يدفع فاتورة أخطر الانقسامات في تاريخ فلسطين الحديث، ما أصبح يشكل تهديدًا حقيقيًا لمستقبل مشروع التحرر الوطني ووسيلة للقضاء على مكاسب نضالاتهم التي احرزوها، لا سيما في العقود الستة الأخيرة.

لم يقتصر حديثنا  على شؤون الغم والهم،  فبيننا، نحن العرب في اسرائيل ، ورغم اسوداد النهار، بزغت شموس صغيرة قد تعيد لسمائنا زرقتها الواعدة ورقصة السنونوات القديمة، وقد يكون هذا "الميلاد" علامةً فارقة على طريق تمتين الهوية الاجتماعية بين بعض التجمعات السكانية التي سئمت لعنة الفرقة وغضب المنابر التي تدعو الى البغضاء

كنت أسرد لرفيقي حكاية قريتي الجليلية ، كفرياسيف ، التي أهملها البناؤون فكادت تغرق تحت غبار العجز وتضيع  بين دخان الرصاص، لكنها استفاقت، في اكتوبر الماضي، وقامت كما في الأناشيد والكتب.

أحيت قيادات القرية الجديدة وشبابها ثلاث ليال تحت عنوان " الكريسماس ماركت"  فكادت قلوب الناس في الجليل وغيره أن تنفطر من هول الفرح.

"لكنهم هاجموكم"  قال رفيقي، واخبرني انه قرأ عمّن وصف هذه السعادة بالفسق وتمنى لمن شاركوا فيها عظيم البلاء وأشد العذاب.

رفع الهولندي كأسه وطلب أن نشرب نخب الصدفة الجميلة وتمنى لشعبنا السلامة والحياة. لم نكن لوحدنا فلقد انضم الينا رجل وزوجته كانا قد اخبرانا انهما يسكنان في مدينة نهاريا القريبة من قريتنا.

مهما تحاول في هذه الرحلات أن تحافظ على مسافة من باقي المشاركين فيها، خاصة اذا احسست، ربما عن خطأ، بأنهم لا يستطيبون جانبك، لن تنجح، فللغربة قوانينها وللسفر لزومياته.

شربنا النخب وتبادلنا مشاعرنا حول أجواء المدن الألمانية، فالناس تتصرف فيها، رغم البرد وغياب الشمس، بهدوء ويلعب الأطفال بطمأنينة، ونحن، رغم كوننا أغرابًا، أصبحنا جزءً من المشهد وأصحابًا للعيد.

شرحت "لصديقي" الهولندي لماذا نحترف نحن في الشرق ، برأيي، طقوس الخسارة، ونتراجع من بؤس إلى أسوأ، وأفهمته، أنهم رغم قناعتنا بأن "سوسنا من عودنا"، يبقون هم ، أهل الغرب,  سادة لهذا الشقاء وحماته البارعين .

لم يُبدِ جارنا اليهودي اهتمامه بما دار بيني وبين الهولندي من حديث ، فهو لم يواكب بدايته؛ لكنني سألته، وقد أدهشني تعامله اللطيف مع الألمان، كيف نجح، بعد سبعين عاما فقط، أن ينسى ما فعله الألمان لهم وللشعوب الأخرى، بينما يقسمون، في بلادنا، على ألا ينسوا ما فعلناه، نحن الفلسطينيين، بهم ؟ فأي شرع يجيز لكم أن تحتلوا أرضًا لأكثر من خمسين عامًا وتضطهدونا، نحن المواطنين في دولة الاحتلال؟

هز الهولندي رأسه متعاطفًا مع نبرة صوتي وصمت الاسرائيلي وقال متعذّرًا: لقد جئنا إلى هنا كي نفرح فدعنا لا ننكأ تلك الجراح.

 عدت إلى رفيقي إلياس وأكدت له أن من هاجم ليالي كفرياسيف البيضاء لن ينجح في تعطيل مسيرة شعب لا ييأس ، لأن الحياة، في فلسطين، ستبقى الأدوم من الدمار،  والحب فيها أقوى من الموت ؛  فكفرياسيف التي أحبها "شعراء المقاومة" ودلّلوها في أشعارهم أرادت مجددًا لقاءهم "فتوافد للقائها الأحبة والشعراء"  وجاؤوها، كما أنشد الراشد،   من الجليل ومن المثلث محمّلين "همًا له في خواطرهم ضوضاء"   .

رفعنا النخب الأخير وتواعدنا أن نلتقي في مواسم العز  القادمة في بلادنا، فالجليل قام من بين الغبار  وسيبقى في حضن الحناجر  أغنية للسعادة ودعاء لمستقبل "سيناته" معمدة بعطر النراجس و"لاماته" بيضاء يققةً كالفل البلدي.

نمنا كي نفيق في محطتنا القادمة، مدينة شتراسبوغ المصابة ومقر محكمة العدل الأوروبية !! 

 

 

قتل النساء وأزمة الهوية

جواد بولس

 

لم أتخيّل أن سيحصد الموت ضحيته التالية بهذه الخفة وبهذا الجنون؛ رغم ما كتبت، بأسف، قبل أسبوع متوقعًا بألا تكون الفتاة  "يارا أيوب، ابنة قرية الجش الجليلية الوادعة، آخر الضحايا؛ فمن وما قتلها وقتل وسيقتل غيرها ما انفك يعيش ويتوالد بين ظهرانينا ". لكننا مجتمع مصاب، بدون ريب ، بفقدان البصيرة ويمضي نحو هاويته مثل أسراب الفراش الطائش.  

وقعت القرعة ، هذا الأسبوع ، على عكا، مدينة الملح  "والسلطان ابراهيم"، فقدّمت "ايمانها" قربانًا لأرباب الخديعة والزبد ؛ وذكّرتنا، مع أن البرق لم يمهلنا فرصة للنسيان، بأننا عرب كنا وسنبقى حرّاس ذلك "الشرف المخاطي" نتوالد على شفراته " كالراءات" في الأبجدية .

ُتنشر، عندنا، أخبار سقوط الضحايا بدون إثارة وتوزّع أعدادها كإحصائية روتينية مثل باقي الهوامش ؛ فاليوم نعرف أن عددها قد وصل نحوا من ست وخمسين ضحية، وأنّ من بينها ثلاث عشرة إمرأة. شوارعنا صارت ممالك للعرابيد وتحوّلت بيوتنا إلى حيّزات هشة ومستباحة، والناس يلعقون فيها عجزهم مثل القطط، ويدفن بعضهم موتاهم بصمت ويعودون إلى "كهوفهم" بقلوب تدميها الحسرة والجزع ؛ فمن لا يجد ملجأً آمنًا وطريقًا للنجاة يعش عبدًا وفي ذل دفين.  

أشعر باحباط كبير، كأننا نعيش داخل آلة زمن معطلة نكرر فيها مخلّفاتنا ونصنّع اليأس و"زرد السلاسل".

العنف عندنا لم يجد من يصدّه فتمادى حتى صارت معاقلنا "مقاصل رؤوسنا " وحواضن للخوف و"لزغب الحواصل" . نهاراتنا نار وليلنا كليل الناموس، قارس وقارص، والناس تهذي فيه وتلهج وكأنهم يستعيدون أمجاد "برج بابل" .

الدولة تستعدينا، قالوا لنا، لكنهم قالوا كذلك : لنا في "أثدائها" حصص، أسوة بأبنائها اليهود ؛ فما العمل ؟ ومن سيخترق الحصار ؟ من سيوقف الدمار ؟

فهذه المسيرات لم تجلب لنا أي نتيجة؛ لذا فمن المفروض أن نبحث عن طرق بديلة لمحاربة الجرائم والعنف ، كما اعتقد أن الجناة لا يشاهدون هذه الفعاليات عبر وسائل الاعلام وشبكات التواصل بل هم مشغولون بقتل البشر" ، بهذه الكلمات البسيطة الصادقة عبرت احدى قريبات ايمان ، ضحية عكا الاخيرة، عن مشاعرها وقد أوجزت بقولها كل الحكاية وعرّت بها أضلاعَ أحجيتنا الكبرى، فمن سيقود "الخراف" إلى تلك الطرق البديلة؟

 عنوان هذه المرحلة محفور على أسوار المقابر ؛ فاذا كانت الحكومة عدوتنا واذا صارت الشرطة شريكة في الجرائم واذا أصبحت قياداتنا  "رهن القبائل"  وإذا نام الشعب في حضن الحمائل، فحتمًا ما كان هو ما سوف يكون.. واغرقي أيتها المآقي وجفي يا حناجر.

 أعرف أن موقفي هذا مستفز وجارح؛ لكنه ، مثل الدم ، حقيقي وواضح ؛  فلا يكفي التفاؤل وحده كضمانة لتغيير بؤس حالنا ولبناء مستقبل آمن ، وقد تشكّل ارادة من يتولون مهمات النضال والتصدي لتلك الانهيارات، شرطًا مؤسسًا للعمل؛ لكنها لن تكفي لابراء واقعنا المعقد المنكوب، فنحن بحاجة إلى أكثر من جبر الخواطر.

كثيرون من المعارضين لظواهر العنف في مجتمعاتنا العربية حاولوا، من خلال مواقعهم القيادية والتمثيلية، أن يقاوموها وان يتصدوا لها بجدية وأن يقضوا عليها، لكنهم فشلوا؛ فالجميع يعرف أنه لو كان العنف "رجلًا لقتلناه"، لكنه كالسرطان ينتعش اذا فشلناً في تشخيصه ويردينا اذا اخطأنا في علاجه. فلماذا أخفقوا؟

فشلنا لأننا أضعنا برّنا ولأنكم تاجرتم ببحرنا ! وضعفنا عندما  تخاصمتم على رسمنا وعلى اسمنا .

 فنحن لن ننتصر على الفاشية إذا لم نواجه قضايانا الحقيقية الأساسية وفي مقدمتها أزمة هويتنا المتصدعة  ولن ننجح في مواجهة العنف الا اذا اتفقنا على مصادره وأجمعنا على وسائل مجابهته، فالنضال الجماهيري هو عبارة عن حالة تتشكل تلقائيًا اذا هُيّئت لها الفضاءات الملائمة.

قد يشكك البعض بوجود علاقة بين مسألة الهوية وبين قتل النساء أو تفشي العنف أو ضعف الأحزاب والحركات السياسية التقليدية التي تصدرت العمل السياسي بيننا حتى مطلع القرن الحالي، لكنني مؤمن ان التهرب من مواجهة هذه الازمة وما تفرع عنها من إشكاليات سيبقى هو السبب لمعاناتنا من جميع العلات التي  ذكرتها .

فمن نحن ؟ هو سؤال الأسئلة، وماذا نريد ؟ هو السؤال التالي ، وكيف سننتصر ؟ يأتي  بعده ، ومن يقرر في ماذا ؟ سيكون خاتمة العقد.  

لن ننجح في ترتيب علاقتنا مع الدولة ومؤسساتها ولن نحافظ على سلامة وأمن مجتمعنا اذا لم نجب على جميع تلك الأسئلة؛ فهويتك تحدد علاقتك مع الدولة  ومفاصلها؛ وهويتك هي التي تملأ قوالب مواطنتك وتعبد أرصفتها؛ وهويتك تفرض عليك من هم حلفاؤك ومن أعداؤك؛ وهويتك ترشدك لوسائل نضالك ولأهدافه.

فمن يعرّف نفسه عروبيًا قوميًا سيقف على رماح تلك العروبة، فهل هي عروبة "الأسد " أم عروبة "تميم" أم عروبة "السيسي" وما موقف هؤلاء من دولة إسرائل ؟ ومن يعرف نفسه اسلاميًا قضيته مع الدولة اليهودية محسومة ، هذا علاوة على حيرته في ايجاد عمقه السياسي الاسلامي، أهو في حضن "أردوغان" أم بين ذراعي "السيد" أم مرابط في أرض الحجاز ؟ ثم كيف سيتفق الاسلامي مع الشيوعي المؤمن بأن "بوتين" هو حصنه الفريد، وبأن للمرأة ما للرجل ولها ما له في جميع الميادين العامة وفي حقها بقطف الحرية الحمراء مثله .

فكم مرة أوقعتنا تعقيدات حياتنا الجديدة في مناكفات وصدامات مازالت جروحها تنزف في مواقعنا ! وكم تقاتل جنود المعسكرات بسبب مؤتمر، أو زيارة أو مشاركة أو احتفال أو مظاهرة !

فهل يشارك المحامون العرب، مثلًا، في احتفال ستحضره وزيرة العدل بمناسبة تنصيبها لعدد من القضاة العرب الجدد ؟ أو هل يستقبل رئيس مجلس محلي الوزير المستوطن الذي جاء الى القرية كي يدشن عددًا من المشاريع الكبيرة في البلدة؟ وهل نوافق على اقامة محطة شرطة في قريتنا؟  

واذا كانت الحكومة عدوتنا اللدودة وامريكا هي الطاعون، فكيف تسكت القيادات السياسية والدينية عن تنظيم مؤتمر يختص في مجال الهايتك ويعد الأول من نوعه، بادر إليه كل من الوزارة للمساواة المجتمعية الذي ترأسه الوزيرة جيلا جمليئيل والسفارة الأمريكية، التي مثلها السفير ديفيد فريدمان، وذلك يوم الثلاثاء المنصرم، في فندق كراون بلازا في الناصرة، التي حضرت من خلال رئيسها المنتخب حديثاً، وشارك فيه العشرات من المبادرين العرب والمستثمرين في المجال من اليهود الأمريكان .

فهل تتذكرون من تك هذه الجيلا ومن هو شريكها فريدمان ؟

واذا حسمنا موقفنا بأن شرطة اسرائيل هي شريكة كاملة في الجريمة ضدنا ويجب على المواطنين العرب مقاطعتها،  فكيف سنتوقع مشاركتها في مشاريع مقاومة الجريمة وملاحقة المجرمين وكيف ندعو فرقتها  الموسيقية للمشاركة في احياء المسيرة الميلادية ال ٣٦ في الناصرة أسوة بباقي المشاركين .

لن تتوقف هذه المفارقات والمعضلات والخربطات لكنها ستحسم في النهاية ، كما يجري في أيامنا، بواسطة قيادات بديلة شرعية بدأت تملأ الفراغ وتستفيد من عدم مواجهة أزمتنا السياسية الاجتماعية الأولى،  فمن نحن ؟ وماذا نريد ؟

يحسم الشعب بشكل غير مباشر في هذين السؤالين، ولكن القضية تتعلق فيمن يؤثر على هذه الجماهير ؟ هل هي الأحزاب فماذا تقول؟ ام هي الحركات الدينية السياسية ام هيئات المجتمع المدني ؟ من الطبيعي ألا يتساوى مفهوم المواطنة بين الانسان العربي القومي وبين الشيوعي،  ومن الطبيعي أن يختلف معنى  العنف ضد النساء وضد المثليين وضد "الكفرة" بين المتدين وبين العلماني أو غيره ؟ فهل مصادر الوقاية منه تتماثل في الفكرين النقيضين؟

هوياتنا ليست مسلات مصرية جامدة صماء، لأنها دائمة التشكل فمن يؤثر عليها؟

الاجابة على ذلك مكتوبة على أسوار المقابر وفي صناديق الانتخابات وفي الفتاوى وعلى أدراج  المؤتمرات وفي المشاريع الاقتصادية التي تولّد شرائح اجتماعية جديدة تخيط بدلات هوياتها عند خياطين مختلفين وعصريين.   

 

 

شرف العربي معلق

على خاصرة وردة

جواد بولس

 

جلسنا في مطعم "أبو فوزي" وفي يد كل واحد منا وجبة فلافل طازجة. كانت المذيعة على شاشة التلفاز أمامنا تستعرض، بنبرة حزينة،  آخر المستجدات في قضية مقتل الفتاة يارا أيوب، وتعدد سلسلة النشاطات الاحتجاجية التي جرت ضد تلك الجريمة على طول البلاد وعرضها. والى طاولة مجاورةجلست مجموعة من الشباب الذين لم يبدوا اهتمامًا بتفاصيل النبأ، لكنهم كانوا يتحدثون عن تمادي "بنات اليوم" في تصرفاتهن اليومية التي وصلت، برأيهم، إلى حد الوقاحة والانحطاط. كان أصغرهم سنًا يحاول بحذر ، أو هكذا بدا لي، أن يقنع أصدقاءه بأنهم يبالغون؛ فالعالم قد تغيّر ، وهو لا يشعر بحرج أذا لبست الفتيات "على الموضة " وخرجن للعمل. قاطعه زميله بحركة عصبية كادت تغطس شاربه في بحر من الطحينة ، ورفع حاجبه وهمهم بصوت يخنقه الفلافل، ففهمنا أنه يطلب من صديقه أن يخرس وألا يتفلسف ! لأننا، هكذا قال بحزم بعد أن بلع: "بنضل عرب ولسنا في أوروبا وبناتنا مش داشرات ولازمنُفهمهن بالمنيح أو بالعاطل " .

حاولت ألا أسمع النقاش وأن أركز فيما كانت المذيعة تنقله من تفاصيل حول اعتقال بعض المشبوهين في قضية القتل وبعض المعلومات والاحصائيات عن عدد الضحايا من النساء، الذي بلغ منذ بداية هذا العام أربعاً وعشرين.

فجأة صرخ من كان أقربهم علينا وأعلن، بعد أن وضع وجبته على الطاولة بحركة استعدائية ومد سبابته نحو السماء وأقسم انه سيقتل أخته فيما اذا أصرت على أن تسافر  لتحتفل مع صديقاتها في اسطنبول بعد تخرجها من المدرسة الثانوية ، قال ودفع رأس سبابته نحو عيني صديقه وصرخ، " مش فارقة اذا على حسابها او حساب أهلي .. فهمت ولا أفهمك ؟ " . 

نظرت في وجه صديقي ففهمني .

تركنا المطعم جائعين وفي صدرنا غصة، ومضينا نفتش عن فسحة من أمل وتذكّرنا ما تعلمناه في كلية الحقوق في سنتنا الجامعية الأولى.       

هزت قضية قتل الشابة يارا أيوب، ابنة السادسة عشر،  أركان المجتمع العربي في إسرائيل وجرّت في أعقابها ردود فعل لا في الجش ، قريتها الجليلية الوادعة، فحسب، بل في معظم القرى والمدن العربية. لم تحمل مشاهد الحراك الشعبي ضد جريمة قتل يارا أي عناصر احتجاجية جديدة ومختلفة جوهريًّا عمّا شاهدنا بعد عمليات قتل فتيات عربيات أخريات نفّذت في مواقعنا في الأشهر أو في السنوات الماضية؛ وذلك على الرغم مما بعثته موجات الاحتجاج ، هذه المرة ، من إشارات مطمئنة، قد توهم المراقبين عن بُعد بأننا أصبحنا مجتمعًا يقدس جميع أبناؤه حياة بناته ويحترمون حقوقهن بالعيش بحرية وبكرامة.

أقول ذلك وأقر بأهمية كل صوت ارتفع وسيرتفع ضد جرائم قتل النساء، لكنني، مثل كثيرين منكم، أعرف بأن يارا لن تكون آخر الضحايا، فمن وما قتلها وقتل وسيقتل غيرها ما زال يعيش ويتوالد بين ظهرانينا.

أشغلت قضية العنف الممارس بحق النساء العربيات على صنوفه ، ومأساة قتلهن على خلفية ما يسمى "بشرف العائلة" كثيرين من قادة المجتمع ومن نخبه العاملة والمتعلمة. ورغم جميع المتغيّرات التي حسّنت من مكانة المرأة داخل المجتمع العربي في اسرائيل، ورغم ما حققته القطاعات النسائية من مكاسب وحقوق ثمينة، فما زال كثيرون من أبناء ومن بنات هذا المجتمع يحملون داخل خلاياهم ذلك "الجين الصحراوي" البدائي المسؤول عن انتشار تلك المفاهيم الخبيثة والتي تقضي بأن  "ولادة البنت تعني ولادة مشروع للفضيحة" وبأنّ موتها، بناء على ذلك، هو الضمانة الأكيدة لستر القبيلة ولصون شرفها الهلامي المقدس.

لن أتناول هنا أسباب تفشّي ظواهر العنف في واقعنا المستفز مثلما فعل غيري، وبعضهم أجاد وحلل وعزا هذه الظاهره لعدة مسببات مثل غياب دور السلطة المركزية وتقاعس الشرطة الإسرائيلية واهمالها في مكافحة الجريمة ومعاقبة الجانين وفقر مجتمعاتنا وتحوّلها إلى مجتمعات استهلاكية تنافسية واتساع دوائر النشاطات النسوية وانفراج هوامش حرّياتهن الفردية في عالم انحسرت فيه سلطة الرقابة الذكورية المباشرة، وما الى ذلك من فيض أكاديمي، سبر أصحابه غور الظاهره بتعميم ملتبس أحيانًا وشرّحوها بأزاميل من معرفة بقيت تأثيراتها على الغالب، لأسفي ، سطحية وفوقية ولم تلامس بواطن آفة القتل باسم شرف العائلة، ولا مفاصلها الموبوءة، كما ثبت من عدد القتيلات ومن خلفيات قتلهن.

في التعميم نقمة، ولذا وكيلا أقع فيما أحذر منه أؤكد أنني سأكتب في مقالتي عن جرائم القتل التي يقترفها الذكور بحق النساء في عالم أتاح لهم، كذكور، حق التحليق على أجنحة الشهوات وفرض على النساء واجب العيش كمخلوقات من زجاج شفاف ومن عفة سماوية.

 يجني العنف العام ضحاياه من دون أن يفرق بين ذكر وبين أنثى؛ فحين يلقي المجرم قنبلته على بيت أو على حانة أو على احتفال فستصاب  النساء مثل الرجال، وستكون الدولة هي المسؤولة الأولى عن محاربة هذه الاعمال وسيبقى تقاعس الشرطة وعجز القضاء عوامل مساعدة على تفاقم أوضاعنا، تمامًا مثل اهمالهم لشكاوى النساء المعتدى عليهن داخل البيوت وعدم حمايتهن من أزواجهن أو أقاربهن، كما يفترض وكما هو متوقع منهم.

بخلاف تلك الحالات، فأنا على اعتقاد أننا كمجتمع عربي مسؤولون عن وجود ظاهرة القتل باسم "شرف العائلة" ويبقى دور الدولة محدودًا ، لا سيما بعد أن رفضت أجهزتها التنفيذية والقضائية احتساب هذه الذريعة "كقيمة أخلاقية" موروثة عن اجدادنا ، العرب الأوائل، والتي من شأنها ، بمقتضى عرف شرقي سائد، أن تعفي من يدّعيها من المسؤولية الجنائة.

 

حاول المئات من القتلة العرب، واليهود الشرقيين، تجنيد "شرف العائلة" في معرض تبريرهم لماذا قتلوا أمهاتهم أو خواتهم أو بناتهم؛ فهم كرجال قوّامون على نساء العائلة والحمولة والقبيلة، يعتبرون أن معاقبة " الخارجات " عن المألوف والموروث واجب مقدس لا يمكن للدولة أو لغيرها أن تحاسبهم عليه. ولقد رفضت الدولة قبول هذه الادعاءات وأدانت هؤلاء القتلة ككل القتلة الجنائيين رغم ما كان يواجه الشرطة، أحيانًا، من عقبات نتيجة لتستر العائلة على الجاني وعدم تعاونها في الكشف عليه .

 

كانت أصوات تلك المجموعة التي جاورتنا في المطعم حاضرة بيني وبين صديقي، فهذا الذي أقسم أنه سيقتل اخته " المتمردة " لن يكون  أول الجناة،  فلقد سبقه من " استفزوا" وقتلوا بناتهم أو أخواتهم  لأنهن لبسن لباسًا  " فاضحًا" أو أحبببن كما أحبت "بثينة وعزة وليلى" أو أصررن على ممارسة حقهنّ في السفر وهن عزباوات .

لقد تعلمنا عن قاتل اخته الذي حاول أن يقنع قضاة المحكمة العليا بأنه تصرف باسم الواجب ودفاعًا عن "شرف العائلة" وتذكّرنا كيف جاءت أمه لتشرح للقضاة لماذا لا يُعتبر ابنها ، في عرف المكان، مجرمًا . ومثلها فعل  شيخ الحمولة الذي  شهد امام القضاة وأصر على أن الشاب يعتبر في عرفهم " بطلًا"؛ فلو لم يتخلص من اخته، لأنها نوت السفر مع صديقاتها،  لفقدت كل " القبيلة " شرفها ولعاشت بعارها الذي لا يمحوه إلا الدم.

رفضت المحكمة هذه الطعون كلها ، جملة وتفصيلا، وأكد قضاتها، كما فعلوا خلال كل العقود الفائتة، على أن الاختلافات الحضارية بين فئات المواطنين في الدولة "لن تكون  ذريعة لاخضاع النساء وقمعهن باسم شرف العائلة ولن يُقبل ذلك أبدًا كمسوغ لعمليات قتل النساء التي تنفذ بسهولة غير انسانية وغير معقولة.." .

أختلف مع من يقول : تنوّعت الأسباب والقتل واحد وأسبابه متشابهة، وأرى أن محاربة القتل باسم "شرف العائلة" هي مهمة مختلفة تتم محاربتها من داخل مجتمعاتنا، ونخطيء حين ندمجها مع قضايا العنف والقتل الاخرى.  ولقد أكّدت بعض الأكاديميات والناشطات والناشطين الاجتماعيين العرب على أن  "سوسنا، في هذه المسألة، منا وفينا" واذا لم نعترف بهذه الحقيقة ومضينا في تملق الواقع ، فإن موسم حصاد الحرائر سيستمرّ ؛  فجذور  الخناجر مغروسة في تربية الأجيال ومقابض السيوف عند أصحاب المواقع والمنابر فهم  يذودون عن القتلة لكي يحافظوا على قيمة "شواربهم" ويظفرون بنعمة أن تكون ذكرًا في مجتمع ما زال بعض أفراده يؤكدون أن البنت عورة والشرف معلق على خاصرة وردة.       

             

 

 

 

فتشوا عن "المشترك"

 وليس عن " المشتركة"

جواد بولس

تجاوز بنيامين نتنياهو أزمة ائتلافه الأخيرة وحافظ، مؤقتًا، على بقاء حكومته، وذلك بعد أن تراجع حزب "البيت اليهودي" ، حزب الوزيرين بينت وشاكيد، عن تهديداته بالانسحاب منها. ومع ذلك يراهن معظم المحللين السياسيين على أنّ موعد الانتخابات العامة للكنيست بات وشيكًا ؛ وهذا ما دفع بجميع الأحزاب والقوى السياسية في إسرائيل إلى الشروع في تجهيز بيادرهم لاستقبال مواسم الحصاد، واعداد خوابيهم لملئها بالجنى أو بالخيبات.

تداعت أزمة نتياهو في أعقاب استقالة وزير الدفاع ايفيت ليبرمان وانسحاب حزبه، إسرائيل بيتنا، من الائتلاف، بالتزامن، تقريبًا، مع انتهاء معارك الانتخابات المحلية التي جرت في البلاد وظهور نتائجها التي حملت دلائل سياسية هامة ولافتة، خاصة في بعض المدن والقرى العربية،  وفي طليعتها مدينة الناصرة طبعًا.

استفزّت ، في هذه الأجواء ، تحرّكاتُ النائب أحمد الطيبي، رئيس"الحركة العربية للتغيير"، معظم شركائه في القائمة المشتركة، فانبرى بعضهم بالتهجّم عليه وباتهامه بالقفز من "حضن الأم" وبإطلاقه حملة، قبل "الحج بمرحلة" ، كما ادّعى زملاؤه، تستهدف "ابتزازهم" وتحسين مطالبه التفاوضية منهم؛ فقواعد الشراكة الحقة، حسب حلفائه، تستدعي الاتفاق أوّلًا على حماية "القائمة المشتركة" والاعتراف على أنّ استمرارها ضرورة سياسية تفوق كل مطلب شخصي أو مطمح حركي أو مطمع حزبي، وبعد ذلك سيصير التحاور من داخل "العائلة" على توزيع الريوع والمقاعد والحصص جائزًا وشرعيًا.

أكد شركاء النائب الطيبي على أنّ قائمتهم المشتركة هي أداة تنظيمية تحصّن قوة الجماهير النضالية في وقوفها ضد مستجدات المرحلة، وضد مخاطرها التي لا يختلف عليها عاقلان؛ وخرجوا، من أجل دعم موقفهم، بحملة واسعة ضد مناورات "الحركة العربية للتغيير" وضد رهانها على مستقبل القائمة، بينما أكدوا من جانبهم أن "الاسلامية" و"الجبهة" و"التجمع" يرون بالمشتركة "خيارًا استراتيجيًا" يجب عدم التخلي عنه أو إضعافه أو منافسته.   

حافظت "القائمة المشتركة" منذ ولادتها، قبيل انتخابات الكنيست السابقة وحتى يومنا هذا، على "صيتها " كمخلوق إشكالي، أشغل بتصرّفاته العامة وبقضاياه الداخلية، مواقع الأخبار وصفحات التواصل الاجتماعي، وأثار، خلال مسيرته القصيرة التي تخللتها بعض الانجازات المهمة، معارك ونقاشات، كانت في بعض الأحيان قاسية وصدامية ومخيّبة.

لم يتوقع أحد، في الواقع، أن تنجو هذه التجربة الرائدة من سهام الناقدين أو أن تولد خالية من الشوائب ومن دون نواقص؛ ولكن كان رجاء من رأوا بها مجنّ المواطنين العرب الحامي وعقدوا عليها واسع الآمال، أن تخلّصها "قابلتها" من أمراضها أو من بعضها، وأن تحظى برعاية "أبوية" مسؤولة وناضجة كيما تمضي نحو مستقبلها بقامة صلبة ، لا كما ظهرت عرجاء غير مكسيّة.

لقد ادّعى معظم المؤيّدين لتشكيل القائمة المشتركة بأنها استجابة صحيحة لرغبة الجماهير وخيارها الوحيد والواضح؛ وبقدر ما يحمله هذا التذرع من "شعبوية" وتسطيح، لم تكن فرص تفنيده واردة ولا امكانيات دحضه سهلة؛ فلا تستطيع  أقلية تواجه سياسة قمع عنصرية، كما نواجه نحن المواطنين العرب في اسرائيل، استبعاد أدوات النضال الوحدوية ولا الاستغناء عن ضرورة انضوائها تحت مظلات تجمّع ولا تفرّق؛ فميلاد القائمة المشتركة، ورغم ما شابه من مثالب، أشاع بين الناس راحةً فطرية وهيّأ لهم فضاءات رحبة ستمكنهم من الوقوف ضد عنصرية أكثر الحكومات الاسرائيلية بطشًا وخطورة على استمرار وجودنا وبقائنا في وطننا.

مع هذا فلقد نبّه الكثيرون، منذ البداية، إلى خطورة اكتفاء الشركاء بانجاز وحدة شكلية وغير مسلحة ببرنامج سياسي واضح وموحّد، وغير مدعّمة بتفاهمات جوهرية أساسية تمكّن الفرقاء من مخاطبة الجماهير بلغة غير ملتبسة ومؤثرة، وتجيّشهم في معارك نضالية حقيقية ضد سياسات القمع والعنصرية المستوحشة في حقنا.

كم قلنا لكم، يا قادة المشتركة،  فتشوا، قبل الشراكة، عن "المشترك" الذي يفيد مصالح الجماهير ويلقّحها ويحصّنها، فبدونه لن تقوم لكم "قائمة" ولن تدوم لكم نعمة ؛ فالشعب يمهل ويهمل خاصة اذا لم يجد للحياة في وعودكم سبيلا؛ والشعب يبحث عن "خبزه" في شباك غيركم اذا لم تتركوا له فسحة للأمل ولا فرصة للخلاص وللعمل.

كانت كل النذائر معلّقة أمامكم وكانت السحب تمطرنا بغضبها الأسود، وانتم تقامرون، بثقة حزبية عمياء، على إرادات البسطاء، وتعرضون، كالمدمنين على الهزائم، عن الخرائب وهي تتراكم في قرانا وفي داخل مواقعكم؛ لم يعنيكم  سوى مشيئة "أربابكم الأعلون" وكأنهم كانوا يعلّبون، من أجلكم، الغيب في حجراتهم ويقبضون على نواصي النصر والريح.

كم مرة صرخنا في آذانكم: إن البحر جائع !  ولم يسمعنا  "شيخ المينا" ولم يحرّك حاجبيه قائد. ولكم نادينا في أحراجكم:  سراب ، سراب ويباب ، فغصصنا بريقنا، وأنتم واقفون على "قافات" ضحكاتكم وكأنكم رماة القدر وسادة الطين وصنّاع القلائد.  

لا اكتب لأدافع عن أحمد الطيبي، فعندي ما يقال بحقه، ولكن من كان منكم بلا خطيئة فليرمه بحجر؛ ولا أناقشكم في ضرورة الوحدة، فلن يناقشكم عاقل، لأن اتحاد الضحايا هو قانون بقائها الخالد، وأما التيه فتعرفه الصحراء وتشهد عليه حناجر المزايدين وتجار العقائد.

لقد  كتبت مرة بأنني أخشى أننا نعيش في عصر نفدت فيه تواريخ صلاحيات  أحزابه العربية، فلم يسمعني غير صبار شرفتي وبعض أكواز التين.

سأعود قريبًا للكتابة حول دور "الحزب" ومكانته في حياتنا كأقلية عربية تعيش في زمن الرصاص والولاء والخناجر ؛ وسأكتب عن أحزابنا التاريخية وعن حواضنها الفكرية ومصادر شرعياتها الأصلية في زمن صاحَبَ فيه إخوة "يوسف"  ابنة صهيون ، وشرّع الشرقُ واحاتِه مرابعَ لجيوش "يوشع" ولنزوات ترامب ولحكّام المقابر ؛ ولكنني أتساءل، بعيدا عن هذا وعن ذاك، ماذا يجب أن يحصل أكثر مما هو حاصل عندنا كي نسمع دبيب النمل في شراييننا وكي نشم رائحة الذبائح؟ وهل سيكفي أن  نطالب بالمحافظة على "بقرتنا " من أجل نضالاتنا العتيدة وأوهامنا المقدسة؟

لن ترضى "جماهيركم"  هذه المرة بأقل من تأمين حلمها البسيط، ولن تسامحكم كرمى لعيون "وحدة " بقيت عذراء وخلاسية، ولن تراهن مرّة أخرى على "بيض صنائعنا ، سود وقائعنا ، خضر مرابعنا ، حمر مواضينا"؛  فالدنيا، هكذا ثبت في شرقنا،  للأزرق وللأبيض وللعربيد إن غلبا.

 اسمعوا ما تقوله لكم هذه الجماهير فهي ، ليست مثلكم، بل ترقص على مقامات جديدة، وإن لم تصدقوني فزوروا الناصرة وعرّجوا على أخواتها فعند أهلها الخبر اليقين.     

نحن، العرب في إسرائيل، نواجه مصيرنا من جديد، فمن لا يعرف قدراته لن ينتصر ابداً، ومن لا يعترف بهزائمه لن يقوَ على "فَلّ الحديد"  وسيبقى معلقًا على أهداب التاريخ.

أنا لا أكتب كي ادافع عن أحمد الطيبي، لكنني لن أحمّله، مثلكم، خطيئة تعرية "مومياء" لففتموها، قبل بضع سنين، بستائر من غبار  لم تصمد أمام العاصفة وأمام "موجعات الدهر حين ولت".

     

 

 

اتركونا نحن العرب

في إسرائيل لنحيا

جواد بولس

لم أتوقع أن تدفعني دعوة عادية للمشاركة في يوم دراسي قام على إعداده "مركز مينيرفا لحقوق الانسان" ، التابع لكلية الحقوق في الجامعة العبرية، والدائرة القانونية في بعثة الصليب الأحمر الدولي ، إلى الكتابة مجددًا  في قضية "التطبيع" واسقاطاتها الملتبسة على حالتنا ، نحن المواطنين العرب في إسرائيل، وخلطها، كذلك، معنداءات المقاطعة التي تدعو اليها "الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل" ومن يعمل معها من "عرب الداخل" .

كنت عائدًا من جلسة طويلة في محكمة العدل العليا والتي لم يختلف ايقاعها عن ايقاع سابقاتها ؛ فلقد حاولت، للمرة الألف، اقناع القضاة، الذين لم يكونوا هذه المرة كلهم يهودًا، ألا يجيزوا هدم بيت عائلة فلسطينية يحاكم أحد أبنائها بتهمة قتل جندي بالقرب من رام الله ؛ فهدم المنزل المكوّن من أربع طبقات، يعد عقابًا جماعيًا يدفع ثمنه الأبرياء بدون مبرر أو سبب.

بالمقابل، حاول ممثل النيابة، وهو ليس يهوديًا كذلك، أن يقنع المحكمة بموقف الدولة ؛  فردع "عائلة المخرّب" وردع سائر الفلسطينيين هما هدفان يبرران ضرورة الهدم وفق حكم القوة الخرقاء والقهر.

لم يتوصل القضاة إلى قرار. رفعوا الجلسة وافترقنا وكلّنا على قيد نفس الدولة ؛ قاضيها مواطن عربي ، ومن يدافع عنها مواطن عربي؛ ومن يحامي عمّن يقاوم احتلالها هو مواطن عربي.

إنها مفارقة فريدة، لكنها ليست يتيمة، فهي مجرد "ديليما" واحدة من افرازات وجودنا ، نحن العرب، الناجين من خيمة وتشريد، والقاعدين على صدر دولة لا تشبه سائر الدول

ترددت في فتح الرسالة التي كانت مرسلة إلي من جهة غير معرّفة ؛ قرأتها فوجدتها ودودة وصريحة ومباشرة، لكنها، مع ذلك، ملأتني استهجانًا وأكثر.

تتوجه "الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لاسرائيل" إلي وتحثني على عدم المشاركة في اللقاء السنوي المشترك بين "مركز منيرفا" والصليب الأحمر حول موضوع القانون الدولي الانساني المزمع عقده في الثالث عشر من نوفمبر .

عدّدت الرسالة موجبات الطلب بدقة علمية صحيحة ومن بينها وجود بعض مباني الجامعة العبرية على أراض قد صودرت من أصحابها الفلسطينيين بعيد حزيران 1967؛ هذا علاوة على تخصيصها مساقات تعليمية معدّة لتدريس رجالات الأمن العام الإسرائيلي  (الشاباك)  ودعوتها مرارًا إلى دعم هذه الأجهزة.

ثم تمضي الرسالة فتوجّه لومها نحو بعثة الصليب الأحمر الذي يتحمل كامل المسؤولية جراء موافقته على هذه الشراكة داخل الحرم الجامعي.

لقد استغربت من كوني أنا المخاطب في الرسالة لأنهم لو أرادوا مني موقفًا لطلبوا لقائي في رام الله التي أعمل وأتواجد فيها يوميًا بجانبهم، ولكانوا سعوا، فأسمعوني وسمعوني ؛ ولكن، للغائب حجته، ويبقى للحاضر عقل هو مولاه.

في الليل جاءني بعض الندماء لنشاهد معًا لعبة كرة من الدوري الأسباني ؛ ولا أعرف كيف انتقلنا من حديث الملاعب حتى وصلنا إلى رسالة " الحملة لمقاطعة إسرائيل" ومنها قفزنا إلى سبعينيات القرن الماضي عندما كنا طلابًا معًا في الجامعة العبرية، وكان دخول العربي إلى  كليات الطب أو الحقوق في الجامعة العبرية أصعب من "ادخال غني الى الجنة"؛ وتذكرّنا كيف كانت مظاهراتنا الطلابية علامة فارقة ضد مصادرة تلك الأراضي في محيط الجامعة وضد تواطوء إدارتها ودعمها لطرد أصحاب البيوت العربية وكنا نصرخ في سمائها عاليًا ونردد: لا للاحتلال والفاشية لن تمر.

بعد انتهاء موجة الحنين السبعينية سألت أصدقائي عن سبب وجود حرب ضروس  بين الأصدقاء  الفسبوكيين  تدور رحاها حول ما يعنيه لهم وجود ستة مواطنين عرب في تركيبة المنتخب الوطني الإسرائيلي ، خاصة وقد رفض هؤلاء " النجوم والابطال " انشاد "هتكفا"  !  

لم يتفق اصدقائي بينهم على موقف إزاء وجود  اللاعبين في منتخب الدولة؛ فأفهمهم في فقه الكرة، سميح، وهو محاضر في الجامعة العبرية، أعلن أنه سيدعم منتخب اسكتلندا في لعبة الاياب لأنه لا يستطيع أن يتحمل " الفرح الاسرائيلي" على الإطلاق فوافقه ، بدون تردد ، رفيقنا الشيوعي، عوني، وتمنى أن يسحق الاسكتلنديون المنتخب العربي-اليهودي زاعمًا أن هذه الشراكة، مع أنها مدنية، ليست إلا بدعة صهيونية.

لم يوافقهم الجميع، فالمهندس علي وسليمان المحامي أعلنا انهما سيدعمان  هذه المرة  "منتخبنا" ، لأنها فرصة سنثبت فيها نحن العرب لليهود أننا جديرون بالمسؤولية وأننا "قدها وقدود، وبلانا انتو ما بتسووا شي".

 افترقنا وكانوا في منتهى السعادة لأن فريقهم "الملكي" قد سحق فريق "غرناطة" على أرضها.

كان هدف الندوة تسليط الضوء على قضية ممارسة الإحتلال لسياسة الاعتقال "الإداري" واعتقال " القاصرين" الفلسطينيين. طُلب الى كل واحد من المشاركين أن يقارب بين النصوص القانونية، سواء الدولية أو العسكرية، وبين ممارسة القضاء الاسرائيلي ومدى تطبيقه لتلك النصوص على أرض الواقع .

تحدث قبلي من كان نائب رئيس محكمة الاستئناف العسكرية، فحاول أن يقنع الحاضرين بأن "محاكمهم" تعتبر جنة للفلسطينيين ومصانع لانتاج العدل والرأفة. واجهته بوجع أربعة عقود وزجرته بأنين آلاف الأمهات فالاحتلال بشع ومعظم ممارساته تعد جرائم في عرف القانون، وما القضاة إلا جنود بعثوا لتأدية أخطر المهام وأشدها ظلما وظلامًا .

ثم أوضحت لجميعهم أنني قد حضرت رغم استلامي رسالة من "لجنة المقاطعة " وأكدت ، كيلا يفهموني خطأً، أنني سأترك أمامهم نسخًا عن الرسالة عساهم يقرأونها ، لأن ما ورد فيها بحقهم، كجامعة وكبعثة دولية وكضباط جيش احتلال، يستوجب الرد، إذا كان لديهم ما يقولون. لم يرُق كلامي للضابط المتحدث بعدي ، ولكن سأترك ما جرى بيننا على المنصة لحديث في مقال آخر.

قصتنا، أيها العرب، طويلة وليلنا فاحم. صمدنا على أرضنا رغم سياسة الدولة العنصرية الاقتلاعية الشرسة ضدنا، ورغم قسوة  "الأشقاء" العرب علينا حين خوّنونا وكان العيب فيهم، وعادونا وقاطعونا وحاصرونا بحصار كان أفظع وأوجع من حصار إسرائيل. لن استطرد، فالعقلاء يعرفون التاريخ ويعون الفوارق بين من عانوا وقاوموا وصمدوا، وبين من ذهبوا مع الريح أو خانوا .

  اتركونا نواجه تعقيدات واقعنا ومخططات حكومة تبيّت لنا كل الشرور، واتركونا نسعى وراء مصيرنا كما فعلنا طيلة سبعة عقود خلت؛ ولاحقوا أنتم جحافل المهرولين والمطبعين العرب وانشروا ما شئتم من تعاليم الثورة بين الأمم، فلقد كنا وحدنا حين قهرنا النكبة ولن نركض وراء قوارب النجاة ولا في أعقاب قوافل الوهم.

نحن نعرف كيف نقاوم ونعرف كيف ومن نقاطع؛ آلاف الطالبات والطلاب يملأون الجامعة العبرية وغيرها، وفيها  يعمل عشرات المحاضرين ومنهم من صاروا عمداء لكليات ورؤساء أقسام عن جدارة وبحق ، كعميد كلية الحقوق مثلًا وهو ليس وحيدًا ؛ فأن تصبح، رغم كونك عربياً، عميدًا لكلية الحقوق في الجامعة العبرية فهذا هو الإعجاز، وأن تقف في عقر دارهم وتصرخ في وجوههم : كفى، فاحتلالكم عار على الإنسانية، لأفيد من ألف قصيدة تتلى من على منصات المقاومة الرخامية وتقتل فيها إسرائيل الوهمية .

لم ولن نكون يومًا عثرة في وجه من يقاوم الاحتلال؛ فنحن "هنا باقون  كالصبار" نقاومه، ربما مثلكم أو أكثر،  ونقاوم من أجل بقائنا أعزاء في الوطن، واعلموا أن فينا ما يكفي من "نواطير المقاثي" الأنقياء، ومن حراس الذاكرة النجباء، ومن  المزايدين باسم " شرطة الأخلاق" ومن الآمرين  باسم السماء والناهين عن منكر " الانبطاح". فاتركونا لنحيا ..

 

 

ياسر عرفات… ذكرى

جواد بولس

 

غادرت مكتبي في الظهيرة وقدت سيارتي باتجاه دوار محمود درويش في حي المصيون في رام الله. كانت حركة السير أمامي وحولي غير عادية، بدت جميع الشوارع المحاذية كأنها مصابة «بجلطات» مرورية خانقة. حاولت أن أستوضح من جموع الناس المهرولة نحو مكاتب رئاسة الوزراء الفلسطينية ما سبب تلك الأزمة، لكنهم كانوا يندفعون كالسهام دون أن يعيروني اهتمامًا.
تذكرت أننا في رحاب موعد الذكرى الرابعة عشرة لرحيل من كان «مالئ الدنيا وشاغل الناس»، فعركت أذن الراديو وكان مذيع المحطة يتلو بصوت، لا يخلو من الرجولة والجدية الثورية، بيان منظمة التحرير الذي أكّدت فيه الدكتورة حنان عشراوي أن التاريخ الذي ظلم فلسطين كان قد أنصفها بمنحها قياديًا ورمزًا كياسر عرفات، فهو «الثائر صاحب القامة الوطنية الجمعية، عنوان فلسطين ورمزها النضالي، القائد الذي جسّد قضيتنا وترك إرثًا وتاريخًا ثابتًا لا يزول، وحفر معالم الهوية الوطنية الفلسطينية». إذن حُلّ اللغز، قلت لنفسي، فهذه الجموع كانت في طريقها إلى المشاركة في إحدى فعّاليات الوطن لإحياء ذكرى قائدها الخالد.
وتذكرت بدوري.. في أحد أيام يوليو/تموز 2004 تلقيت اتصالا من المقاطعة دعاني فيه محدثي للحضور من أجل مقابلة «الوالد»، وهو الوصف المحبب لديّ من الأسماء التي كانت تطلق على القائد/ الأخ/الرئيس/الختيار/الزعيم. لم أكن من رجال «البلاط» الدائمين، ولكنني كنت استدعى، من حين إلى آخر، للقاء أبي عمار الذي كان يرغب، أحيانًا، بسماع رأيي في أمور كانت، على الأغلب، تتعلق بشؤون مدينة القدس، وذلك بسبب عملي الوثيق، لسنين طويلة إلى جانب الكبير فيصل الحسيني، أو بقضايا تخصّنا نحن الجماهير العربية في إسرائيل.
كانت دعوات المقاطعة لي أقلّ من أوامر وأكثر من رغبة، وكنت أقبلها بفرح ورضا، فكل لقاء مع ياسر عرفات كان كالإمساك بجناحي نسر، تبدأه في حضن التاريخ وتنهيه طامعًا، كالطفل الذي يرغب في المزيد. اصطحبني الحراس، بعد سلام مقتضب، إلى داخل المبنى المزنّر بأكياس الرمل الواقية. كانت علامات التعب والقلق البادية على وجوههم تشي بما عانوه طيلة سنوات الحصار الذي ضربه عتاة العالم على أبي عمار وعليهم. قطعنا منطقة مكتبه، التي كنت أعرفها، ولم ندخله. وقفنا أمام باب أفضى إلى ممر طويل يسمى الجسر. كان أبو عمار يجلس على كرسي متواضع وأمامه طاولة صغيرة، يطل عليها، من علٍ، شبّاكٌ رحب، تتسلّل منه أشعة شمس ودودة. كان يلبس قميصه الكاكي وكانت جاكيته الشهيرة معلقة على مشجب بجانبه. دخلت فظلّ جالسًا، لكنه كان ينظر نحوي وبسمة عريضة، تنسي معنى الوجع، تملأ وجهه. اقتربت نحوه فقام فاتحًا ذراعيه وضمّني فشعرت لماذا أحببت وصفه بالوالد.

«هذه الشمس هي العبرة، ونحن مثلها كنا منبع الأمل، وكنا مصدر القلق وسنبقى هكذا، رغم المؤامرات والظلم والحصار»

جلست قبالته فبدى لي شاحبًا وضعيفًا. حاول أن يحدثني بحيويته التي أعرفها، لكنني أحسست بالمعاناة تفرّ من عينيه. لم أسأله عن صحّته، فكيف يُسأل من يواجه خيانة «الاشقاء» وهجر «الأحباء» ومن يرفض الاستسلام والركوع أمام الأعداء، عن «صحته»؟
كانت يده اليسرى تضغط على قصاصة ورق بدت لي أنها قطعة من جريدة عبرية. فاتحني بحاجته للجلوس على هذا الجسر بشكل يومي، كي يمتص جسده حرارة الشمس الضرورية لسلامته وللمحافظة على نشاطه. «فهنا، كما ترى يا خويا، يبقى النهار ودودًا ومتمردًا على الحصار، والشمس تشرق فلسطينية كما كانت على طول مسيرتنا، فهذه الشمس هي العبرة، ونحن مثلها كنا منبع الأمل، وكنا مصدر القلق وسنبقى هكذا، رغم المؤامرات والظلم والحصار». أصغيت للقهر وللشكوى وهما تفلتان من بين حروف الحزم، وتمنيت لو نصير، في تلك الساعة، غيمتين أو نجمتين فنحلق في المدى. فاجأني وعرض أمامي صورة لتقرير كان الصحافي المعروف ألوف بن قد نشره في جريدة «هآرتس» الإسرائيلية، وفيه يؤكد على أن المحكمة الدولية في هاغ ستدين إسرائيل بسبب اقترافها جرائم حرب تتعلق ببناء جدار الفصل العنصري وببنائها المستعمرات داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة، وهذا كله بناء على معلوماته الوثيقة كما كتب. «معقولة.. معقولة.. الكلام دا صح يا جواد؟» سألني كمن ينتظر حبل النجاة، وصمت كالجمر. قرأت الخبر فوافقت على ما جاء فيه، فألوف بن صحافي يحترم ما يكتب ولديه مصادر مطّلعة في إسرائيل وفي دول أخرى، علاوة على احترام جريدة «هآرتس»، غالبًا، لما تنشره من أخبار خاصة في أمور خطيرة ومهمة. ثم أضفت بأنّ مسوّغات القرار، كما ساقها الصحافي، تبدو متماسكة ومنطقية وتتبنى الرواية الفلسطينية العادلة. شرحت موقفي بوضوح وأضفت ببعض الدعابة وقلت «في النهاية، يا أبا عمار، فنحن نؤمن بعدالة قضيتنا وصحة ادعاءاتنا وأننا على حق مبين، فلماذا هذا الاستهجان؟ «نظر إليّ، وهو سيّد هذه المناكفات الخفيفة، وتمتم: طبعًا.. طبعًا.. طبعًا.
لم يتحرك طابور السيارات الذي كان واقفًا أمامي بالمرة. فتحت شباك سيارتي واستنجدت برجل شرطة كان يحاول أن «يقسطر» شرايين رام الله المسدودة.
«متى سينتهي الحفل؟» سألته فنظر إليّ بغرابة وأجابني بنبرة سخط، معتقدًا أنني أتهكم. «أي حفل يا أستاذ؟ هذه مظاهرة ضد قانون الضمان الاجتماعي، ألا تسمع الهتافات؟» اعتذرت منه مختصرًا، بدون إبلاغه عن «حسن ظني» في الجماهير العريضة، وطلبت أن يوجهني إلى مخرج باتجاه القدس، ففعل.
عدنا في المساء إلى رام الله لنلتقي أصحابًا حافظوا وحافظنا على صداقة نعتبرها كنزنا في هذا الزمن الصدئ. سافرنا بجانب الجدار القبيح الذي يندلق من حلق بيت-حنينا، حيّنا المقدسي، ويتعرج كثعابين خرافية بين بيوت الفلسطينيين: جدار من باطون عار، تنفر منه تضاريس المكان، فيرتفع كدخان الذبائح نحو سماء غافية.
كان أبو عمار معي في السيارة وكنت استحضر حديثه عن الشمس. حاولت أن أقتفي آثار الأمل الذي زرعه في أرض اليباب، وحاولت أن أهتدي إلى «خيط نايه»، ففي غداة لقائي به فوق ذلك الجسر الحزين، وكما توقعت «هآرتس»، أصدرت، في التاسع من تموز عام 2004، المحكمة في هاغ قرارها/توصيتها الدامغة ضد ممارسات إسرائيل بحق الأرض الفلسطينية وبحق شعبها. أذكر كيف كان ذلك اليوم في المقاطعة يومًا عظيمًا وكيف رقص فيه «الوالد» كما لم يرقص أمام من جمعهم من قادة الفصائل. جلس على رأس الطاولة وأمامه امتدت فلسطين بكامل زيتونها، وبدأ يجري اتصالاته، على مسمع من حضروا، مع معظم «أشقائه» من القادة العرب ومع كثيرين من قادة العالم. لم يسعه المكان، فقد شعر كيف سحق بصموده رأس الأفعى وكيف داس بقدميه ظهر الحصار. تركناه يومها وهو مشتعل كقرص الشمس، وقّادًا مضيئًا، بدون أن نعرف أنه كان يستعدّ لرحلة شتائه القاسية، التي كانت رحلته الأخيرة نحو شمسه الودودة الدافئة.
التقينا وأصدقاءنا في المطعم. رام الله في الليل تصير كأبهى العرائس وسيدة المرافئ البعيدة. ليلها يضج بالسحر وبعوّاده الذين يوهمونك بأنك في بلاد العجائب والخيال. تنطلق من حاناتها الأغاني ويتحلق الوطن طاولاتها فتختلط الفواصل بالفصائل ويمتلئ الفضاء برذاذ التفاح والخوخ والنعنع. رام الله مثل تلك الغريبة التي تتركك بين التباسات الورد والشوك، ليلها يزهر كأندلس ويزيح عطرها عتمة النهار ليبقيك على شوق. لم أسرد أمام أصدقائي ما حصل معي في بداية النهار، فلقد أصغينا مضطرين لحوار ساخن تطوّر بين نزلاء طاولة مجاورة لطاولتنا حيث فهمنا أنه بدأ عندما تساءل شاب في أوّل عشرينيّاته ماذا بقي من ياسر عرفات اليوم؟ لم نتابع جميع تفاصيل الحوار، فما سمعناه كان حزينًا وكافيًا.
أول المحاورين كان شابٌ حاول اختصار الحكاية بحزم، فأعلن، وهو يشفط سيجارة المالبورو حتى أخمصها، أن «عرفات كان ديكتاتورًا»، بينما قاطعه آخر، يلبس قميصًا مكتوباً عليه «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، فحاول أن يشرح بنبرة تشبه فقه المثقفين اليساريين والثوريين، فقال: «لا بل هو أفظع من هيك.. لقد كان عرفات سبب كل هزائمنا ومصائبنا». لم ننتبه لنهاية نظريته، فلقد قاطعته صبية رفعت سبابتها الممنكرة بالباذنجاني وأخرجت من صدرها سحابة كلها «فخفخينا» وأكدت لأصحابها أنها لا تحب عرفات، فهو ليس على «مودها».
كنا هناك لنحتفل بمناسبة يوم زواج الصديقين اللذين تعارفا قبل أربعة عقود، يوم كان للثورة رجال وللنضال قلب، ويوم كان الحب خاليًا من النيكوتين، يعيش في جفون الندى.فماذا يا فلسطين بقي من تلك الثورة؟ وماذا غير الذكرى بقي من أبي عمار؟
كاتب فلسطيني

 

 

لجنة المتابعة هدف

معارك إسرائيل المقبلة

 

جواد بولس

 

 تشنّ المؤسسة الحاكمة في إسرائيل هجمة شرسة ضد مواطنيها العرب، في مسعىً منها لتقويض معظم المنجزات السياسية والاجتماعية التي انتزعتها هذه الأقلية، خلال عقود من النضال العنيد والإصرار المسؤول.

لقد تطرقنا في مقالات سابقة ووصّفنا كيف تقوم، في السنوات الأخيرة، جميع منظومات الدولة، برسم سياسات القمع وسلب حقوق الجماهير العربية، وملاحقة مؤسساتها التمثيلية وقياداتها المؤثرة في حياتها العامة، وفي بناء هويتها القومية وتماسك وحدتها الاجتماعية.

لم تستسغ قيادات الحركة الصهيونية، منذ البدايات، صمود بقية شعب انتكب وتشردت أكثريته؛ ولم يبلعوا كيف نجحت نخبة صغيرة في لملمة أنفاسها والانبعاث كأقلية قومية صمدت وقاومت وعانت، حتى استعادت هويتها الروحية والثقافية والوطنية، فغدت واحة من أمل ليس فقط وسط كيان، أريد له أن يكون يهوديًا نقيًا، بل في جميع أرجاء هذا الشرق، الذي أضاع راياته عند أعتاب الشهب.

بعد سنين من الإخفاق يحاول، في هذه الأيام، صقور اليمين الجديد تكرار الهجمات، ولكن بأساليب شيطانية ومبتكرة وبوسائل أشدّ وأقسى؛ وكأنهم استخلصوا العبر من فشل سياسات من سبقهم. تبرّر غايات هذه القوى الفاشية جميع وسائل القمع وتفانينه؛ تمامًا، كما برّرت غايات الطغاة ظلمة التاريخ وعتمة الوجع؛ ولذلك سيكون ما سنواجهه في مواقعنا مجرد مقدمات لرحلة صيد قاسية ومتوقعة، ونسخة عن تلك “السبع العجاف” التي قرأنا عنها في الكتب.

أدى تراجع دور الأحزاب والحركات السياسية العربية وضعفها لنشوء مراكز قوى بديلة خرجت عن أطر المفاهيم الوطنية التقليدية

روائح القلق منتشرة حولنا وفي كل مكان، فكل الدلائل تشير إلى أن المواجهة مع الطغاة الجدد ستكون، إذا لم نحسن التدبّر والحزم، عنيفة وخطيرة، وستبقى نتائجها، اذا لم نُجِد التصرف، مفتوحة على جهات التيه والريح والسفر. يعربد في هضاب فلسطين “يهودا” وتنام رام الله كالحمامة في “خوذة” فجر دامٍ. فقدت غزة “هاشمًا” وطفقت تلهث نحو البحر. لا وقت لدينا، في الجليل، لسباقات العجز ولحكايا الندم. الصحراء، في النقب، عارية والرمل فيها يأكل عقاربه. لا فرصة، في الكرمل، لهزيمة ننام على جفونها من أجل “نصرين” ينتظراننا في القاع كحجارة “الطاهر” في وادي الأدب. أرض الهلال تبكي “هارونها” الغافي بين نهرين وقمر؛ وبلاد العُرب باعت حلمنا مقابل نهدين وسيفين ووتر.

معارك إسرائيل معلنة على جميع الجبهات؛ وأهمها عندنا، في هذه المرحلة، تلك المعلنة على “لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية”؛ فإسرائيل تعرف جيدًا ما قيمة هذه المؤسسة، وما يعنيه وجودها على صعيد التمثيل السياسي الجمعي للأقلية الفلسطينية المواطنة في إسرائيل. وكما كان، ما زال القضاء عليها هدفًا رئيسيًا؛ لأنها، كما نعرف، وكما أكّد رئيسها محمد بركة مؤخرًا تُعتبر “الإطار القيادي الشامل والمتفق عليه للجماهير العربية في البلاد، في نضالها من أجل حقوقها القومية والمدنية؛ وبوصفها صاحبة وطن، لا وطن لها سواه”. لم تنجح حكومات إسرائيل المتعاقبة في تدمير لجنة المتابعة ولا بتجويفها من الداخل؛ رغم محاولاتها المتعددة ومساعدة قلة من المتعاونين المباشرين أو المقنّعين في دعم جهودها. وقد يفسّر هذا الفشل تجنيدها لبعض الحناجر وأصحاب الأقلام المسمومة، التي بدأت تحرّض على اللجنة وتدعو الحكومة إلى إخراجها خارج “القانون”. علينا أن نتنبه لهذه المحاولات التي ستستقوي حتمًا بما ستتيحه مجموعة القوانين العنصرية الجديدة، خاصة “قانون القومية” الذي سيتحول إلى عصا القمع السحرية ضد المواطنين العرب، وضد مؤسساتهم وقياداتها.

يأتي التركيز في هذه المرحلة على لجنة المتابعة بعد الضعف الذي طرأ على محاور القيادة العربية الناشطة بين الجماهير العربية في إسرائيل، كاللجنة القطرية للرؤساء، والأحزاب، والحركات السياسية والدينية، ومؤسسات المجتمع المدني، وشرائح النخب الجديدة. ويمكننا، في هذا السياق، تسجيل ما أحرزته سياسات الحكومات السابقة والحالية على مستوى إقامة عدة أطر تمثيلية لرؤساء السلطات البلدية والمحلية العربية إلى جانب لجنة الرؤساء القطرية التي يرأسها مازن غنايم، رئيس بلدية سخنين؛ فقد نجحت اسرائيل بإقامة لجنة رؤساء للسلطات المحلية الدرزية والشركسية، ولجنة أخرى تضم السلطات المحلية البدوية، إلى جانب اللجنة القطرية.

لم يقتصر النجاح الإسرائيلي على إقامة عدة لجان فئوية، بل تعداه إلى اختراق خطير حصل في صفوف لجنة الرؤساء القطرية، ذات المكانة التمثيلية الجماهيرية السياسية المهمة، بعد تفشي ظاهرة انتخاب رؤساء غير حزبيين، وقيام بعضهم بإعلان استقلاله السياسي وعدم التزامهم بالمرجعيات الوطنية القطرية التقليدية، وتمرّدهم الفعلي على أنماط العمل الوحدوي، كما كانت متبعة ومقبولة خلال الفترة السابقة، التي تكاملت فيها وتماهت وحدة المؤسسات القيادية – لجنة المتابعة، الأحزاب والحركات السياسة والدينية واللجنة القطرية للرؤساء ومؤسسات من المجتمع المدني- وتناغمت آليات عملها من خلال توافقها على خطوط سياسية عريضة وعلى جوهر العمل الجماهيري والشعبي، وعلى معنى المصلحة الوطنية وأهمية التكاملية النضالية مع أجزاء شعبنا الفلسطيني الأخرى.

لقد أدى تراجع دور الأحزاب والحركات السياسية العربية وضعفها الى نشوء مراكز قوى بديلة خرجت عن أطر المفاهيم الوطنية التقليدية، وشرعت في تطوير لغة تخاطب جديدة مع المؤسسة الاسرائيلية، وفي فتح قنوات تواصل مباشرة وتربية مجموعة مصالح فئوية محلية، أخذت بالتكاثر في فضاءات سياسية مستحدثة تبشر بولادة وشائج غير مألوفة بين هذه القيادات ومن تمثله من جماهير، والدولة ومؤسساتها. على هذه الخلفية، ستشكل نتائج انتخابات السلطات البلدية والمحلية القريبة محطة مفصلية في حياة الجماهير العربية؛ فإما ان تفضي نتائجها إلى تكريس هوية القيادات المنتخبة الحالية، رغم كونها بعيدة عن مرجعيات سياسية وطنية واضحة، ما سيؤدي إلى تعزيز التأثير الإسرائيلي عليها؛ وإما أن تؤدي إلى إحداث تغيير جوهري من شأنه أن يدعم دور اللجنة القطرية ويعيدها ضلعًا ثالثاً في مثلث القيادة الجماهيرية، الى جانب لجنة المتابعة والقائمة المشتركة.

سننتظر النتائج على أمل أن يحدث الانقلاب المنشود؛ ولكن بمنأى عن ذلك، ورغم أهميته، علينا أن نقف إلى جانب لجنة المتابعة في معركتها المتوقعة مع الحكومة الاسرائيلية؛ لأننا نؤمن كذلك، كما صرّح محمد بركة بأنّ “لجنة المتابعة لم تقم من خلال فرمان من المؤسسة الإسرائيلية ولن ينتهي نضالنا وتمسكنا بأرضنا وحقوقنا وبانتمائنا بفرمان من المؤسسة، مهما بلغ جبروت الطغيان، لأنه وببساطة جبروتنا وإصرارنا أقوى، هكذا كان، وهكذا سيكون .”

لا حياد في هذه المواجهة، فنحن وإن كنّا إلى جانب لجنة المتابعة، إلا أننا ما زلنا ننتظر إصلاحها كما كان الوعد؛ ففي إصلاحها، هكذا أجزم، قوة لها ولنا، ومناعة ستساعد على صدّ الهجمة الإسرائيلية كما نريد.

كاتب فلسطيني

 

 

 

القدس عارية

جواد بولس

أثارت أخبار تسريب بعض البيوت العربية في القدس الشرقية لجهات استيطانية يهودية ردود فعل غاضبة امتلأت بها صفحات التواصل الاجتماعي، وعبرت عنها بعض المقالات المنتقدة في الصحافة المحلية.

من الطبيعي أن يختلف أصحاب المواقف في كثير من التفاصيل، لكنهم أجمعوا ، كلهم تقريبًا، على تحميل السلطة الفلسطينية المسؤولية الرئيسية عمّا جرى ويجري في هذه القضية الحارقة التي شهدت المدينة والعالم فصولها الموجعة على حلقات، لم تنفك تتداعى أمامنا وتكشف عن خاصرة فلسطين الدامية.

تتحمّل السلطة الفلسطينية ومؤسّساتها ، من دون شك، الحصة الأهم والمسؤولية الكبرى عن مسلسل التفريط وعن تسريب العقارات في القدس الشرقية ؛ لكنني، رغم ذلك ، أعتقد أن حصر هذه التهمة عند أعتاب السلطة فقط، سيعفي، تلقائيًا، جهات أخرى شريكة في المسؤولية عن "سقوط " المدينة وعن انهيار أرصفتها ومتاريسها الوطنية الواقية وعن إعطاب كوابحها الاجتماعية والأخلاقية . جميع هذه العوامل وقفت حائلًا ، على مدار عقود ، ومنعت توفير الحواضن لتكاثر قوى السوء ولعربدة قادة الشوارع الجدد، كما هو حال المدينة في السنوات الأخيرة.

عجز السلطة مستفزّ وقصورها المزمن موجع ؛ ولكن ستبقى سياسة إسرائيل هي العامل الأساسي المؤثر على مجمل التحوّلات التي طرأت على المدينة وعلى جميع بناها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وسيبقى، كذلك، بمنأى عن موقف السلطتين في رام الله وغزة،  تفاعل المقدسيين وتعاطيهم المحافظ مع تلك السياسات الإسرائيلية، من أهم العوامل التي أوصلتنا إلى هذه المنزلقات.

فمن واكب هذه الحقبة سيلاحظ كيف تغيّرت، بشكل "ثوري"، سياسة قادة اليمين الجديد، تجاه المدينة وتجاه سكانها ، خاصة في ظل قرار حصارها وفصلها عن باقي مناطق فلسطين المحتلة، وبعد اغلاق "بيت الشرق"  ومعظم المؤسسات المدنية الفلسطينية ، والبدء في محو أنقاض وخرائب ومخلّفات حرب ال 1967، والشروع الفعلي في استحداث "اورشليم- القدس" وعدم ابقائها ابنة للمزامير وللشعار السياسي.  لقد تعمدوا إعمارها كمدينة من "تراب ومن حجر وناس" لا يستمرون في العيش رهن "الاسوار"  القديمة المعترف بها دوليًا.

وفي المقابل سنلاحظ كيف تصدّعت الحصانة الأهلية الوطنية وتحوّلت القدس بين أهلها إلى مجرد "بيوت للرب" مختلف عليها، والى حواضر  استعادت فيها الحمائل هييتها كملاجيء آمنة وكمصادر عز وقوة لأبنائها.

عشرون عامًا مضت إلتبس فيها معنى الوطن واختفت عروس القصائد بين الغمام والدخان والرؤى .     

كانت سياسة صقور اليمين الجديد خبيثة وماحقة؛ فهم، بخلاف قادة حزب العمل وحلفائه التقليديين، قرروا ابتلاع كل المدينة وهضمها من جديد واعادة بعثها في جغرافيا رخامية لتكون كأناء كفيل بصهر المقدسيين العرب واذابتهم داخل "شرايينها" . لقد لوّحوا لمواطنيها التائهين بعشرات العصي ورفعوا لهم ، إلى جانبها، بعض سيقان الجزر ؛  فمن يرضَ منكم يا عرب سيبقى بيننا وسيعش ومن يتمرد سيرحل وسيلقَ الذل والمرارة والعوز .

لقد عمدت إسرائيل، في البدايات، إلى تهميش وإضعاف قطاعات المعيشة والخدمات الرئيسية في القدس الشرقية ؛ لكنها، وفي معرض "ثورتها"  الإقتلاعية، قررت الانقضاض على جميع أوردة الدم وعلى أثداء المدينة؛ فنجحت، بتهديدها وبترغيبها وباستعمالها أساليب عديدة، في بسط سيطرتها على معظم القطاعات، مثل الصحة والتربية والتعليم والسياحة والرفاه والتطوير،  وربطت معظمها "بـصرتها" حتى صارت  هوية هذه القطاعات الفلسطينية عائقًا في وجه بقائها وازدهارها وعيشها السهل المريح.

 انها عملية محكمة ومسيرة جديرة بالدراسة العميقة؛  فاليوم لم يعُد الاحتلال "حجرًا" يضغط على قلوب جميع المقدسيين؛ بل تحوّل، عند بعضهم، إلى أنابيب تمتد و"تحتل" أنوف المدينة الجديدة  وتمدّ رئاتها بالهواء وبالدواء وبالدولار وبالزيت وبالزعتر .

 أعرف أن البعض لن يوافقني، وقد يمتعض آخرون من كلامي فيرفضون مواجهة الواقع، لكنني على قناعة بعدم وجود مخرج من ورطة المدينة  ومأساتها الا اذا  أقرّينا ببؤس ما وصلت إليه وخطورة أزمتها المعاشة في هذه الأيام.

لن يسعف التلويم ، المحقّ طبعًا، على سلطة رام الله، الضعيفة أصلًا والمحاصرة ، باب حطة وكنيسة القيامة، ولن ينقذ الهجوم على السلطة وحدها  "خان الزيت" والمسجد الأقصى؛ فتاريخ صمود المدينة، في الماضي القريب، علمنا أن "قطران"  أهلها، لو أرادوا، قد يكون كافيًا وشاهدًا وشافيًا.    

واجهت القدس محاولات إسقاطها في زمن الراحل فيصل الحسيني الذي انتصب في وجه سياسة شارون ونتنياهو كالمستحيل، فكان القدوة في التضحية وفي اجتراح وإهداء الأمل للعاثرين وللفقراء ولأصدقاء الفجر ؛ لكنّها كانت "حكمة"  السماء التي أهدت إسرائيل، برحيله الملتبس، فرصتها  الرصاصية، فأتمّت بعده ضرباتها حتى كسرت عامود خبائه وصار فوقها الفضاء مثقوبًا.

 لم يـُبعث في المدينة فيصل جديد . أغلقت إسرائيل جميع الأبواب في وجه مؤسسات السلطة وضيّقت على وكلائها ولاحقت مندوبيها وسجنت عملائها. حاول بعض المناضلين المقاومة ولكنّ انفاسهم كانت أقصر من أنفاس "هيدرا" وتصميمها على التهام أحلامهم وهياكلهم والقضاء على قسمات هويتهم.

 نجحت إسرائيل في برامجها فارتفع في المدينة منسوب الشهيّة الفردية وانتشرت الانتهازية وساد اللهاث وراء المصلحة، فاختفى من الشوارع  والضواحي نمط المواطن المقدسي الغيور والمثقف العضوي الفعّال؛  وانتعش، في المقابل، السمسار القبيح والدجال. ضعف الشرفاء واحتاجوا ، فاستقوى المفسدون وتمادى المحتالون والمقامرون اجتاحوا .

عزلت القدس عن محيطها الفلسطيني بشكل محكم ، فشعر المواطن العادي بالاحباط المزمن وبحالة من اليتم الوطني. تحوّلت بقايا المؤسسات المدنية إلى أجساد مدجّنة ومهادنة فتعايشت مع هوامش الواقع الجديد وطفقت تنتج  أسباب وجودها الخاصة بمنأى عن مصالح المجتمع الحقيقية.

لم تتعدّ مواقف معظم الأشقاء العرب اغواء السراب وفنون النفاق وسحر الشعار، وأكاذيب الدول الاسلامية استُثمرت في صناديق العلاقات الاستراتيجية المتطورة مع الحكومات الإسرائيلية ومع الموساد.

 فشلت السلطة في تعاملها مع القدس خاصة في القضايا الكبرى، فوقفت القدس عارية في عصر كله خديعة وتيه ونفاق.

ولكن.. لا تعفوا فيها عن كل من احتمى بزرقة هويته وآثر النوم في أحضانها على صعود الجبال. ولا تغفلوا صمت وسائل الاعلام وخوف بعض أعلامه او تواطؤ من كان منهم في خدمة الشيطان، ولا تسامحوا القيادات "اليسارية الثورية" الغافية وتذكّروا مهاترات الرعاة والدعاة.

ستبقى السلطة المسؤولة "بأل التعريف"، لكنّ من الظلم أن ننسى كيف كانت القدس أم القيادات وسيدة البدايات وزينة النجمات. فأين منها رؤوسها وأين في عتمتها النار والبخور، وأين "حمّال" منصور ؟ 

صمتكم جرم و" التقية" سماد للمفرطين. تصدير التهم ، مهما كانت صحيحة،  ملاذ للقاصرين وكتف صاغر للعاجزين.

القدس صارت بنفسجة على صدر الزمن، فلتسألوا كشاعرها،" صعلوك القدس القديمة" فوزي البكري :  " ماذا في بيت المقدس ، غير الألم، وغير الفقر وغير الجوع/ ماذا في بيت المقدس، غير الأقصى، بيتًا لمساكين الأرض المحتلة مرفوع / هل يسقط بيت المقدس؟ يا عار العرب، ويا خزي الإسلام ، ويا حزن التاريخ المسموع !!"

فهل للقدس قيامة  ؟ 

     

 

 



الحكمة والوجع

في دموع أكتوبر

جواد بولس

 

يعتبر أكتوبر/تشرين الأول في قاموس «ارتقاء وتطور» الأقلية العربية في إسرائيل شهرًا مفصليًا؛ ويصنّف كثيرون من قادة هذه الأقلية ومفكّريها أحداثه الدامية التي جرت عام 2000 كمحطة أشهرت فيها الدولة اليهودية نيّتها الواضحة للطلاق من مواطنيها العرب، وللتعامل معهم، جهارةً ، «كحمل فائض» يستدعي اتخاذها التدابير الخاصة لمداراته أو للتخلص منه.
إنها إسرائيل الحديثة التي صار فيها اصطياد العرب رياضة رائجة، وغدت البلاد كلها غابة، وكل العرب صاروا فيها فرائس مستساغة. ليس كمثل أكتوبر فرصة لنسأل فيها ما العمل وكيف الخلاص؟ فمن لا يصطاده منا رصاص «يوشع» قد يرميه سهم «عنتر». «جلسنا هناك حوالي خمس دقائق. رأينا مجموعة من ثلاثين شخصًا، تراوحت أعمارهم بين 20 و35 عامًا. برز بينهم شخص بدا كأنه رابيهم. كانوا يفتشون عن عرب. وفي اللحظة التي عرفوا فيها أننا عرب أطلق هذا الراب كلمة فانقضوا علينا». هكذا وصف «إسلام» ، طالب في كلية الحقوق في القدس، كيف تعرض وأصدقاؤه، في أحد أحياء القدس، إلى هجوم دموي نفّذته زمرة فاشيين يهود كانوا قد خرجوا في رحلة صيد بشرية.
أقرأ قصة «إسلام» فأغضب وأخاف.. إنها تفاصيل تشبه تفاصيل عشرات الحوادث التي رواها ناجون عرب من اعتداءات كتائب الموت الفاشية، التي صارت تمارس «رياضتها» في الأماكن العامة بشكل يومي ومن دون رادع. «حاولت أن أهرب لكنهم أمسكوني وضربوني في جميع أنحاء جسمي، ثم قاموا بصعقي بجهاز كهربائي كان بحوزتهم، واستمروا حتى فقدت وعيي لمدة عشر دقائق». لم أرغب في استكمال تفاصيل الخبر، كما نقلته الصحافة، فمعظم تلك الأخبار تنتهي بأنّ الشرطة لم تعثر على الجناة، أو أنها عثرت على واحد لكنه ما زال ينكر ضلوعه في الحادث.
في الأسبوع نفسه نقلت الأخبار أنباء عن وقوع هجومين آخرين نُفّذا من قبل كتائب الموت، وأسفرا عن اصابة عدد من الضحايا العرب في منطقة باب العامود في القدس، وعن اصابة سائق باص فلسطيني في منطقة «بيتار عيليت». لم يبدأ تاريخ هذا الدم في أكتوبر 2000، ولن ينتهي عند عتبات القوانين العنصرية الجديدة؛ لكننا نشهد، في هذه الأيام، حالة غير مسبوقة من أشكال التنافر الصدامي مع مؤسسات الدولة؛ فهي من جهة، ترفض الاعتراف بنا كمواطنين كاملي الشرعية والحقوق؛ ونحن من جهة أخرى، لم ننجح في تفادي الارتطام الوشيك بهياكلها؛ وهي مصرة على التعامل معنا، وهذا هو المنزلق الأخطر والأجد، كغرباء لا نستحق الحياة فيها الا كأفراد وصاغرين. ونحن، رغم طرطشات الدم في ساحاتنا، نمضي نحو مستقبلنا وكأننا سادة للغيب وقهارو السيف والمنفى.
منذ سنوات تحاول إسرائيل، بحنكة واصرار، وكجزء من مخططها الجديد، هدم معظم منجزات المواطنين العرب المناعية، وقد نجحت في السنوات الاخيرة الماضية بتقويض أسس معظم البنى الاجتماعية والسياسية الواقية، التي كانت تهيمن داخل المجتمعات القروية والمدنية؛ وساعدت في المقابل، على خلق بدائل قيادية محلية، ارتبطت مصالح معظمها مع «صرة» الدولة، ولم يعترف بعضها بضرورة تظللها بالهوية الوطنية التي رمّمت القيادات المؤسسة بعد النكبة قسماتها، واستعادت حضورها بمسيرة نضالية شاقة ومشرفة وبتضحيات جماهيرية جسيمة لامست في بعض محطاتها المستحيل والمعجزات. يحاربنا صقور اليمين الإسرائيلي العنصري على جبهتين، من خلال تجنيد سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية ضدنا، وقد نجحوا عمليًا، في العقد الأخير، في إحكام سيطرتهم شبه التامة على جميع مفاعيل الحكم، وضمنوا تلقائيًا تنفيذ سياساتهم القمعية والإقصائية بحقنا، نحن الجماهير العربية؛ بينما قاموا، على الجبهة الثانية، بالهجوم على حصوننا الداخلية فانقضّوا على سلطاتنا المحلية والبلدية ونجحوا، بمساعدة ركائز محلية، باحتلال معظمها. ثم ساهموا في تأجيج الانتماءات العائلية والحمائلية والطائفية، ولم يعترضوا على تفشّي ظواهر العنف على تنوّع مصادره؛ فخلقوا، بعد كل هذا، حالة من انعدام الثقة الشعبية بالقيادات وبالمؤسسات الوطنية التقليدية، ومن زيادة في منسوب القلق جراء غياب الأمن الشخصي وتضعضع حالة السلم المجتمعي ، خاصة بعد انحسار وتكلّس دور الأحزاب والحركات السياسية القائمة. في هذا السياق علينا، إذن، أن نواجه «قانون القومية» العنصري بصرامة، لأنه الوسيلة التي جاءت لتُجمل، فعليًا وليس أشهاريًا فقط، مسيرة عقدين، سعت خلالها جميع مؤسسات الدولة من أجل تثبيت ما أعلنه رصاص الشرطة في اكتوبر الدامي، حين اردى ثلاثة عشر مواطنًا مسالمًا، من دون أن يحاسب أحد على ارتكابه تلك الجريمة الكبرى. ستبقى مواجهة هذا القانون مهمة معقدة ومصيرية، لكنها ليست المهمة الوحيدة الماثلة أمام مجتمعنا وقياداته؛ فخريطة الدم في مواقعنا، كما نقرأ عنها كل صباح، مقلقة ومخيفة.
تعيش معظم القرى والمدن حالة من التوتر والغليان، فنحن على أعتاب اجراء انتخابات السلطات المحلية والبلدية. إنه موسم الغضب. تنتشر اخبار الاشتباكات الحمائلية كانتشار الحشرات في مواسم الحصاد، وتغطي أنباء سقوط القتلى والجرحى عناوين المواقع بشيء من الروتينية المستفزة. ساحات بعض المدارس تحوّلت إلى ميادين للقتال وللاعتداءات على طواقم التدريس وعلى الطلاب. فمن لم يحزن قبل أيام لسماع أخبار طعن عدد من طلاب إحدى مدارس قرية «جلجولية» في شجار عنيف، ونقلهم إلى المشافي؟ وجلجولية الجميلة ليست ضحية يتيمة لهذا المشهد الدامي. قد يلومني البعض على سوداوية ما أكتب، لكنني «ابن لغتي» وهي التي علمتني أن الحكمة في «أمر مبكياتك لا في أمر مضحكاتك».
«لم يكن ذلك مجرد اعتداء علينا، بل كانت محاولة لقتلنا» هكذا أنهى الطالب المصاب «إسلام» كلامه للصحافة الاسرائيلية، مؤكدًا ما نقوله دومًا؛ فقصور إسرائيل في معاقبة المجرمين، وسياستها العنصرية الرسمية ستبقى المسؤولة الأولى عن معظم دماء الأبرياء المسفوكة في قرانا ومدننا؛ ولكننا في المقابل لن نعفي أنفسنا، إذ سنبقى نحن أيضًا مسؤولين عن حيوات ومستقبل أولادنا، وعن مناعة قلاعنا واستعادتها.
فهل سيكون الثلاثون من أكتوبر الحالي محطة مفصلية مختلفة نبدأ منها مسيرة العودة الحقيقية نحو فجرنا الجديد؟ 
لننتظر حكمة الشجر في الخريف وهو يغوي المطر.
كاتب فلسطيني


 

 

 

الحرب هي على

انجازات أسرى فلسطين

جواد بولس

لم يحظ إعلان وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، جلعاد أردان، عن تشكيل لجنة خاصة لفحص شروط معيشة الأسرى الأمنيين الفلسطينيين في سجون الاحتلال،  بعناية فلسطينية تتناسب وخطورته؛ لا سيما بعد توضيح الوزير بأن اللجنة مطالبة وموكلة بوضع توصيات من شأنها المساس بحقوق الأسرى، المكتسبة منذ عشرات السنين، وحصرها في نطاق الحدود الدنيا التي تتيحها القوانين وأنظمة مصلحة السجون الإسرائيلية الجائرة

من الضروري أن نرى كيف تجاهر حكومة إسرائيل الحالية بنيّتها وبإصرارها على محاربة "الحركة الأسيرة الفلسطينية"، فوزراؤها يتنافسون بإطلاق التصريحات العدائية، ولا يتسترون على تحريضهم، الذي استهدف ويستهدف القضاء على منجزات "الوضع القائم" داخل السجون.

يسعى قادة اسرائيل من أجل محو الصدى الذي يعكسه هذا الواقع وآثار تلك الصراعات الندّية الطاحنة التي اجتازتها عناصر الحركة الأسيرة ، خلال مسيرتها الطويلة، بما يلامس المعجزات، حين حوّل آلاف الأسرى والأسيرات تجارب اعتقالهم المريرة إلى ملاحم تجدّد فيها الارادة الفلسطينية تفوّقها على سجّانها وتثبت للعالم وللمحتلين ان للحرية في فلسطين شمساً لن تحجبها أبواب الفولاذ، وروحاً تعاف أقفال الكراهية، وعزيمة لا يفتّها قمع الطغاة.

باشرت اللجنة عملها ومن المتوقع أن تصدر توصياتها بعد فترة الأعياد اليهودية الحالية أو قبل نهاية العام الجاري؛ إلا أنّ مصلحة السجون قد شرعت بتطبيق هذه التوصيات في بعض السجون ، وفقًا لما رواه الأسرى لمحامي "نادي الأسير الفلسطيني"؛  فقامت ادارة سجن  "هداريم" مثلاً بسحب حوالي 1800 كتاب كانوا في متناول أيادي الأسرى الفلسطينيين ؛ كما وأعلمتهم أنها بصدد تنفيذ قرارات جديدة.

وفي تقرير آخر  تبيّن لمحامي نادي الأسير أن الأسيرات في سجن "هشارون" خضعن لنفس الإجراء وذلك عندما زارهنّ أعضاء "لجنة أردان" وحققوا معهن حول أوقات خروجهن للساحات وللفورة ، وحول تفاصيل ادارتهن للمطبخ ونوعية الأكل وكمياته وعن الكنتين وعن العلاقات التنظيمية والاجتماعية بينهن وما إلى ذلك . 

كما وتبين أيضًا أنه في أعقاب تلك الزيارة قامت الادارة بتشغيل كاميرات المراقبة الموجودة في جميع مرافق السجن، علمًا بأنها كانت معطلة منذ سنوات بمقتضى اتفاق أبرمته الأسيرات مع المسؤولين في حينه.

لم تتوقع الأسيرات هذا الاستفزاز الفوري فأعلنّ عن بعض الخطوات الاحتجاجية وعن استعدادهن للتصعيد إذا لم تتراجع الادارة عن قرارها؛ لإنهن يعرفن أنّ فشلهن سيمحو جميع انجازات الماضي ويُحكم على رقابهن عقدة  "الهاء" في أنشوطة النكسة ! 

على جميع الأحوال فنحن في "نادي الأسير الفلسطيني" ، وبناء على تجاربنا الطويلة ورصدنا لتأثير تداعيات الحالة الفلسطينية العامة والخاصة بالسجون، نرجّح أن الأمور ذاهبة في اتجاه تصعيد خطير؛ فالقضية ، كما يفهمها الاسرائيليون، أكبر من وجود كاميرا وأهم من وجبة وأخطر من كنتينا وكتاب؛ إنها فرصتهم ، هكذا يتخيلون، بالقضاء على وجود هذا "الكائن" ونسفه من الجذور ، وتحويل أعضائه، أسرى الحرية الفلسطينيين،  إلى مجرد "جناة وارهابيين" يتذللون عند عتبات سجانيهم من أجل قطعة صابون أو كسرة خبز او فرشة وحبة دواء، وذلك كما كان أردان قد صرّح بعظْمة لسانه قائلاً: "على اللجنة أن تفحص امكانيات تشديد ظروف معيشة الأسرى الأمنيين"؛ وأضاف متباهيًا بأنّ هذه الخطوة تأتي كخطوة متممة لمنعه زيارات أعضاء الكنيست العرب لدى الأسرى الأمنيين ولمنع زيارة بعض الأهالي ولمنع اعادة جثامين بعض الشهداء، ومنوّهًا إلى أنه "علينا أن نتذكر بأن الأسرى الأمنيين هم ارهابيون ساندوا أو شاركوا بتنفيذ عمليات إرهابية ضد المواطنين في اسرائيل..".          

لقد حذرنا في الماضي من هذه السياسة، فقيادة اليمين الاسرائيلي الحاكم استوعبت جيدًا أن نقطة التماس الوحيدة الساخنة المتبقية بين الاحتلال وبين من يقاومه تتجلى بشكل يومي في السجون، وذلك بسبب وجود ودور الحركة الأسيرة بهيئتها وهيبتها المكتسبتين منذ عقود، وتحوّلها إلى كيان جامع لم يقوَ عليه القهر، ولم يكسره القمع ولا التعذيب ولم تشوّهه عتمة الزنازين.         

لقد اعترفت أسرائيل بعظَمة ما حققته "الحركة الأسيرة الفلسطينية" من خلال أجيال المقاومين الأوائل ومن تلاهم في مسيرة الكرامة المشعّة؛ وقد شهد العالم كله كيف بنى "سكان الزنازين" صرحًا، عرّى، ببعديه المجازي والواقعي، ممارسات الاحتلال وفضَح موبقاته وأحيى بالمقابل،  بتضحيات اعضائه الجسيمة،  "لحاء الانسانية" المزروع  في سحر حياة كل ثورة وكل شعب يسعى للتحرر ؛  فحيثما يوجد احتلال وقمع توجد مقاومة وحبس، وحيثما يوجد حرمان وأسر، يبزغ الأمل ويولد المستقبل من رحم اليأس. إنه قانون الحرية الخالدة كما جسّدته هذه الحركة؛  فالفلسطيني الأسير أصبح حرًا في أصفاده، بينما صار الإسرائيلي الغاصب المحتل عبدًا لعنجهيته ، مأزومًا في "سجنه".          

لقد توقعنا تعاظم محاولات إسرائيل  لقصم ظهر هذه الحركة الفذة، بالذات في ظل الانقسامات الداخلية التي بدأنا نشهد اتساع دوائرها داخل السجون وتحوُّلها إلى مناكفات صاخبة بين مراكز  قوى فصائلية جديدة متنافسة على "السلطة" وعلى التأثير داخل معظم السجون.

لم تتدخل اسرائيل، في البداية، في حروب "الاخوة الاعداء"، بل وقفت ترقب تنامي هذه التصدّعات وهي تصير جروحًا دامية وتوفر عمليًا لإجهزتها الامنية فرصًا ذهبية لزرع الأسافين ولاسترضاء جهات على حساب جهات.

اليوم وبعد هذه السنين تقف الحركة الأسيرة أمام مفترق خطير ؛ ومع أنها كانت، بشكل من الاشكال، ضحية لانقسامات الخارج ولتصارع القادة في الفصائل ولحروب "الامارات" على السيادة والمحافظات، تتحمل هي قسطًا من المسؤولية وتبقى سيدة حاضرها والمؤتمنة على مصيرها.

فرغم ما شهده تاريخ فلسطين الحديث من صراعات على المواقع وعلى مصادر القوة، نجحت الحركة الأسيرة، حتى بداية الالفية الثالثة، بتحييد تأثير هذه العوامل، وحافظت على كونها صمام أمان للحركة الوطنية وبوصلة لنضالها ؛ وشكلت -من خلال فهم قيادييها لمكانتها الفريدة ولمسؤوليتهم التاريخية، خاصة في زمن الأزمات - منصّة حسمت مرارًا نبض الشارع وزوّدته  بالأمل وبالهدف وبالشعار السليم.

لقد أحسّ السياف بارتباك "فريسته"  فحاصرها بغريزة الصياد الماهر الحذق وأخذ يرميها بسهامه وينتظر، ثم يرميها و يتأهب لانزال ضربته القاضية، التي لن ترحم أحداً فيما نرى، لا مَن وقف في وجهه ولا من تهاون واستظل بفيء "سلطان" ، كان معلمَيه عرقوب والعقرب النزق.

هل يمكن افشال توصيات "لجنة اردان" ؟

قبل الاجابة بنعم على هذا السؤال يجب على جميع الفلسطينيين أن يؤمنوا بضرورة خوض هذه الحرب وبضرورة الانتصار بها؛  لأنها ليست، كما يدّعي البعض، مجرد معركة صغيرة في حسابات المصائر والوطن؛

فصحيح أن مصير القضية يتأرجح على وتر وسيبقى هو وجع الوجع؛ وصحيح أنّ هذا "العالم" ظالم وعاهر، وصحيح أنّ معظم الاشقاء دهاة "وخناجر "؛ ولكن مع كل هذا ، أو ربما بسببه، نقول أن الايمان بضرورة انقاذ الحركة الأسيرة سيكون أول عرابين الصمود الفلسطيني والضمانة لبقاء الحصن في الواجهة والحصانة في وريد "القضية".

النصر ليس مستحيلًا، فلا تدَعوا ، أنتم الذين في السجون، ومثلكم من في رام الله ومن في غزة، أردان ينجح في حربه؛ لأنكم إن سقطتم فستكتمل هزيمة الشعب الكبرى، وسينتظر بعدها  "أفراخكم" طويلًا سماد السماء وانفطار القمر.

 

 

 

 

في الغفران تبكي

 القدس فيصلها

جواد بولس

للغفران في القدس حضور مختلف. في تردّده لعنة الترويض وطعم من الادمان البغيض ؛  تصير  فيه ابنة السماء أرملة يسكن في ديارها البكم ويتربّع في حرجها الخوف والذلّ، وتغمر قناطر  أحواشها بحور من الالتباس.

يقف أصحابها على أرض من زجاج أملس هشّ ولا يجدون في فضائها، فوقهم، غير الغبار وغير وجوه تطلّ منه بقسمات غريبة ليست كقسمات الملائكة ولا العباد. تنتشر في أجوائها روائح البطش و أصوات العجز الخرساء.

أقف أمام نافذتي محاولا استكشاف ملامح هذا النهار. تحاول السماء استعادة زرقتها، ولكنّ بعض الغيوم البيضاء البعيدة تمنعها من ذلك.

 أحدّق من غير هدف وأشعر لوهلة أنني في مكان غريب. كانت البيوت قبالتي مثل صناديق موصدة، بلا شرفات ولا شبابيك، ولون سطوحها  فاحم كرموش العتمة. شوارع الحي بلا نبض، تمتد أمامي طويلة كلسان تنين خرافي.

سمعت من احدى الفضائيات مذيع يصرّح:  "إنّ الأمين العام لجامعة الدول العربية يحذّر من انزلاق الاوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة الى مزيد من التدهور خلال الفترة المقبلة".  لم انتبه فيما اذا أوضحت الجامعة العربية ماذا ستكون ردود فعلها المنتظرة إزاء هذا الانزلاق المتوقع، فلقد انشغلت برقصة غيمة شقية كان شكلها كحصان يقف على رجليه الخلفيتين.

حمّل بعدها نفس المذيع "الولايات المتحدة المسؤولية عن خلق هذه الحالة من الغضب واليأس لدى الفلسطينيين .." بدأت أشعر بالغضب وبالحزن؛ وحاولت التقاط صوت هدير محركات مراكب بعيدة فلم أسمع غير صفير الريح.

انتقلت إلى شرفتي الجنوبية. لم يخرج الراهب القبطي ليتفقد ساحته، كما كان يفعل كل صباح ، ولم أسمع ضجيج طلاب المدرسة فبدت بناية الدير كأنها مهجورة.

حاولت أن أشغل نفسي، كما يفعل أهل الضجر ، بإحصاء سرب الحمامات الذي يستوطن "سطوح ضيعتنا العليانه" فلم أجد إلا واحدة فرّت ، كسهم مفزوع ، عندما شعرَت بوجودي.

عدت إلى كنبتي، صديقتي، وقلت ربما ما زال النهار  يافعًا، والمدينة، كما يبدو، لم تستفق بعد من ليلها الطويل، الذي كان مثقلًا بتناهيد سكانها اليهود وبصلوات كهانها وبرجائهم من ربهم أن يغفر كل ذنوب شعبه المختار، مهما كبرت ومهما عظمت.                       

ما زالت أمامي صفحات من كتاب يحكي عن تاريخ حياة صاحبي ، أمير القدس فيصل الحسيني، والتي حاولت أن آنس ليلتي بعطرها،  كعادتي في "مواسم  القحط والغفران" .

 لم أجد لنفسي في القدس مطرحًا بعد رحيل فارسها. كانت خيبتي موجعة ووقع اليتم قاصمًا، فلم ألق مثل ذكراه ظلًا واقيًا، ومثلها ملجأ يحميني كلما اشتدّ الحصار وسدّ القمع جميع الطرقات والأماني.

 مرّت ساعتان شعرت فيهما كأنني أقف على أرجوحة تنقلني بين قدسين وحلم. استذكرت سنين الحصاد والجنى التي عشت فيها قريبًا من قلبه ومن عقله؛ غضبت ثم هدأت ثم حزنت ثم فرحت وابتسمت؛  تمامًا كما أوصانا الفيصل وهو في زنزانته حين قال : " الأوضاع التي تحيط بي عابسة والجدران في هذه الزنزانة عابسة وأنت عندما تقف أمام القضبان تكون عابسًا ، حتى النافذة الوحيدة في غرفتي يأتيني منها شعاع الشمس عابسًا، لا توجد أي ابتسامة إلا ابتسامتي؛ لذا فإنني لن أفقدها أبدًا". فهل ستكفي اليوم بسمة كي نبدد ظلام القدس ؟

سألت صاحبي اذا نجح في الوصول إلى القدس القديمة عساني أنضمّ اليه في هذا اليوم غير العادي. في الاخبار اعلنوا أن معظم الشوارع مغلقة بحواجز  اقامتها شرطة الاحتلال لتمنع تحرك المواطنين العرب في أرجاء المدينة.

يمكنك الوصول الى القدس عن طريق شعفاط فمنطقة وادي الجوز فالبلدة القديمة ، هكذا أفادني عبدالقادر ؛ أي انك تستطيع التحرك اذا كنت تسكن في مناطق محيطة بهذا المسار فقط.

مع هذا فلقد نصحني بألا أجّرب، لأنّ معظم الشوارع مليئة بالجنود وبرجال الشرطة، والأسواق شبه خالية من الزائرين، والمستوطنون يمارسون تحدياتهم واستفزازاتهم ومحاولاتهم للدخول إلى باحات المسجد الاقصى.

"يعني الاوضاع بتقهر وبتوجع القلب"، أوجز صديقي وصفه للوضع واخبرني أنه في طريق عودته إليّ.

هل تعلم يا صديقي ما كان يقول معلمنا الكبير ؟ سألته وكنا نستعدّ  لمغادرة البيت، فقرأت عليه ما جاء عن فيصل:  "يمكن للقدس أن تكون إما شمس الشرق الأوسط الدافئة أو ثقبها الأسود الذي يبتلع كل شيء" !

نظرت إليه، وكان مطأطئاً، فرفع رأسه وقال:  هذا الكلام صحيح لو بقي عاشقها يدافع عن حرمتها ويفتديها بروحه.  

تركنا البيت وقررنا التوجه إلى رام الله.

سرنا في شوارع خالية إلا من الوهم والسراب؛ كانت المنطقة ككائن أصيب بجلطة قاتلة. في بيوتها يصلّي الرجال ويتمنون انقضاء الشقاء وتستمطر النساء الغيم والقدر؛ في الجو هدوء ساحر وفوقنا صارت الشمس عالية وعلى يمينها خيال للقمر .

"يا اخي معظم الناس تصرفوا كما  توقع حكام اسرائيل منهم"، بادرني أبو شادي، وأضاف بمسحة من حزن  "تمامًا كما أملت عليهم غرائزهم التي دُجّنت خلال عقود من القمع والقهر والحصار". لم أجبه، فالشرق خبير بتدجين نموره في اليوم السادس!

يرتفع على يميننا سور الفصل المستفزّ. كان باطونه يصرخ ، هكذا تخيّلنا ، ويردد كلام فيصل يوم كان  يواجه الأمة العربية ويقول لحكامها  "نحن هنا نكافح ونقاتل ونواجه. نستطيع ان نعد الأمة العربية والاسلامية بكفاح ونضال وصمود ، سواء دعمونا أم لم يدعمونا ، ولكن إن دعمونا فربما سنعدهم بنصر حقيقي".

كم كنا محظوظين أننا عملنا مع فيصل؛ ولكم شبعنا من عهركم أيها العرب. كم دشمنا من وعودكم ومن شعاراتكم الكاذبة، فتعالوا وانظروا كيف يسلبون من القدس، في يوم غفرانهم، سترها وكيف يعرّونها ليطأوا جدائلها ويدخلوا في عروقها.

وتعالي يا أمةً "ضحكت من جهلها الامم" وشاهدي كيف تُذبح باسم الرب حوريتكم في هياكل الاستغفار وتُهتك جميلة الشرق وتُباح حسناء القصائد وتُسبى سيدة المهور والبخور والدخان.

"لقد كان فيصل قائدًا جريئًا وانسانًا مميزًا ، تصرف دائمًا بصرامة وبحكمة، بعذوبة وبوضوح وبحنكة". فاجأني صديقي وأضاف: "لقد خشوه الصهاينة وعرفوا أنه صادق وشجاع ووفي". وافقته وكنا على مشارف حاجز قلنديا عندما استذكرنا معا ما قاله في لقاء عقده مع عشرات القياديين الصهاينة الذين جاؤوا ليسمعوه :  "نحن نناضل من أجل تحرير شعبنا، وليس من أجل استعباد أي شعب آخر ، نحن نناضل من أجل اقامة دولتنا وليس من أجل تدمير دولة اخرى، نحن نكافح من أجل تأمين مستقبل آمن لأجيالنا القادمة وليس من أجل تهديد أمن أجيال أي شعب آخر". تذكرنا قائمة من غابوا بعده ومن صاروا "أسيادًا"، فشعرنا بغصة صعبة

يوقفنا جندي على الحاجز ويحاول أن يظهر رقة مبتذلة، فينظر الينا ويحذّرنا، بصوت رشيق لا يشبه صوت الجنود، أننا سندخل إلى مناطق فلسطينية معادية، ولذلك سنتحمل، كمواطنين إسرائيليين، المسؤولية عن قرارنا.

فكرت لوهلة ان أسأله لماذا يفعل ذلك في هذا اليوم تحديدًا، أو أن أذكره بأهل القدس الذين تركناهم سجناء في بيوتهم، وبالمستوطنين المعربدين في ساحات البلدة القديمة وفي أزقتها، ولكني التزمت الصمت ولذت بعروة بسمة الفيصل.

دخلنا رام الله المحتلة ومن ورائنا كانت صرخات القدس تفضح عهر أرباب هذا العصر وثغاءات جواريهم اللواتي من زبد ...

 

 

 

 

هل من بروكسيل

سيأتي الخلاص؟

جواد بولس

 أثارت زيارة وفد القائمة المشتركة إلى مقر الاتحاد الاوروبي في العاصمة البلجيكية، بروكسيل، موجة عاتية من التحريض وتهجّمات يمينية قادها ضدهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي لم تتوقف ضغوطاته على وزيرة العلاقات الخارجية، فيديريكا موغيريني، بهدف ثنيها عن عقد اللقاء معهم، أو ، على الاقل، عدم مشاركتها شخصيًا فيه، وانتداب موظف أقل رتبة ومكانة كي يقوم بالمهمة.

 لم تنجح جهود الديبلوماسية الإسرائيلية وأعوانها في العالم في ردع من تقف على رأس السياسة الخارجية الاوروبية؛  وقد أوضح  متحدث باسمها في بيان زاد من حفيظة اليمين الإسرائيلي بأنها  "تجتمع ، كوزيرة للخارجية، بشكل روتيني مع ممثلين عن الحكومة والبرلمان، بما في ذلك المعارضة، وإسرائيل ليست استثناءً" وذلك في ما يصح اعتباره "نغزة" موجعة في خاصرة موقف قادة إسرائيل التقليدي، المصرّين على ضرورة التعامل مع إسرائيل كحالة استثنائية لا تخضع للمعايير الدولية ولا للمحاسبة العادية.

يعتبر الموقف الإسرائيلي المعارض للزيارة متوقعًا ومبررًا خاصة بعد تصريحات نواب القائمة المشتركة وسائر القيادات العربية، وعلى رأسهم محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية، بأنهم عازمون على المضيّ في دق أبواب "العالم" وتجنيد مؤسساته ومنابره لصالح قضايا المواطنين العرب وحقوقهم المسلوبة وضد سياسات القمع والاضطهاد التي عرّاها مؤخرًا "قانون القومية" العنصري. 

في نفس الوقت استجلبت زيارة الوفد أصواتًا انتقادية عربية محلية كانت قد  أطلقتها بعض الجهات مباشرة بالتزامن مع نشر الخبر  في الاعلام المحلي. ومن اللافت أن نرى كيف استنجد، فيما بعد، بعض المنتقدين وعزّزوا مواقفهم بما أعلن من تصريحات لموغيريني اعتبرت فيها "أن قضية تشريع قانون القومية يبقى شأنًا إسرائيليًا داخليًا" ؛ فتشاوف هؤلاء بقدرتهم على التنبؤ وبرجاحة تقديراتهم السياسية وصوابها! 

ما زلت مؤمنًا بحرية الجميع وبحقهم بالتعبير عن مواقفهم ؛ لكنني أتوقع من العقلاء والمجرّبين أن يمارسوا هذا الحق بمسؤولية وباتزان مبنيّين على جميع المعطيات المتوفرة، والبدائل الممكنة والاحتمالات المتاحة أمامنا كجماهير عربية تواجه أعتى الهجمات العنصرية وأخطرها، ونحاول الوقوف في وجهها وصدّها من دون "فزعات" الأشقاء واسنادات الأخوة ودعم الحلفاء.

من الطبيعي ألا تستحوذ خطوة سياسية ما على إجماع كل مركبات المجتمع العربي ومفاعلاته، لا سيما في واقع سياسي معقد كواقعنا؛ بيد أنني اعتبر كل انتقاد/تهجّم لم يراع حقيقة  "استقتال" قادة الدولة لمنع الزيارة، جهدًا منقوصًا ومثلومًا وغير جدّي؛ كما وسيكون التعلق بتصريح واحد صادر عن الوزيرة، واغفال مواقفها السابقة تجاه نتنياهو وسياساته، غير مهني وغير منصف؛ فلقد صرّحت في ردّها على أحد الاستجوابات المقدمة في البرلمان الأوروبي قائلة : "إن هذا القانون يتعارض بشكل مباشر مع المعايير والأعراف الدولية وعلى رأسها الحفاظ على حقوق الانسان والتي تعتبر جزءًا هامًا جدًا من علاقة الاتحاد الاوروبي مع دولة إسرائيل، إلى جانب حقوق الأقلية العربية داخل إسرائيل".

رغم جميع الانتقادات، وبعضها كان حقيقيًا ومثيرًا، يبقى لقاء النائب أيمن عودة مع الوزيرة موغيريني هامًا، ومثله تعتبر سائر اللقاءات التي أجراها قياديون في الماضي - كمبادرة رئيس لجنة المتابعة لتدويل قضايانا وغيرها من المحاولات الفردية أو الحزبية- أو تلك التي قام بها الوفد في هذه الزيارة، ولاحقًا في زيارة النائبين الطيبي وزحالقة لمقر الجامعة العربية في مصر .

تدل هذه المبادرات على ولادة نهج واعد وجديد، رغم ادعاء البعض أنه فُرض على القيادات العربية بعدما فرغت جعب أحزابها وحركاتها السياسية من سهامها وتصحّرت منابتها؛ فلا غضاضة من محاولات استنصارنا بدول العالم الذي نسعى إلى عتباته؛ ولكن هنالك من يشعر بأن هذه " المبادرات الدولية" ليست أكثر من محاولات مستسهلة صارت تستجير بها القيادات كي تستعيض "بخراجها " وذلك بعد ثبوت عجزها في الميادين المحلية، وانحسار قوتها بين الجماهير العربية، وغياب تأثيرها داخل مجتمع الأكثرية اليهودية !

لم تستثرني معظم الانتقادات العربية التي وجهت إلى هذه الزيارة ولا الى ما سبقها من محاولات مشابهة؛ فاسرائيل، بخلاف هذه الاصوات المنتقدة، تعرف أن مثل هذه العلاقات قد تكون مجرد "لكشات" صغيرة، لكنها قد تتعاظم وتتحول إلى ضربات مؤلمة ؛ فرغم موقف موغيريني المذكور بشأن "قانون القومية" يتذكر قادة اسرائيل ما قالته نفس الوزيرة حول هذا القانون وغيره في مناسبات أخرى، وما صرحت به كذلك، باسم جميع الاوروبيين،  مؤكدة انهم كانوا "واضحين بشدة عندما يتعلق الأمر بمسألة حل الدولتين، فنحن نؤمن أن ذلك هو الخطوة الوحيدة إلى الامام، وكل شيء يعرقل أو يمنع تحقيق هذا الحل يجب الإمتناع عنه".

من يناضل اليوم ضد قانون القومية وتبعاته؟ من قادر على اخراج الجماهير وهي ضحايا هذا القانون المفترضة؟

اخشى من الأسوأ؛ فرغم ان كثيرًا من القياديين الحقيقيين يؤيدون ما صرّح به رئيس القائمة المشتركة في هذه الزيارة، ويؤمنون بأن النضال ضد قانون القومية يجب أن  "يكون على جميع المستويات وفي أساسه سيكون داخل إسرائيل ، بالمشاركة الفعالة بين المجتمع العربي والقوى اليهودية الديمقراطية.  في ذات الوقت لشركائنا في المحافل الدولية مساهمة كبيرة وفعالة في دعم نضالنا ضد قانون القومية"،  لم يتبع مظاهرة تل ابيب الكبرى أي نشاط حقيقي يذكر، فلقد "غابت شمس الحق" وعاد الناس إلى مهاجعهم ومعدهم وحسابات بنوكهم والى هواجسهم ومصالحهم  وكأن لسان حالهم يتساءل لماذا النضال وكيف ومن أجل من  ؟ 

ستبقى هذه المساعي نحو جهات الريح ضرورية كوسيلة كفاح مطلوبة، لكنها لن تجدي اذا ما بقيت يتيمة وكسيحة واذا استمرت قياداتنا  في التغاضي عن مواجهة أصعب الأسئلة وهو:  لماذا  فقدت أحزابها والحركات السياسية قوة تأثيرها بين الجماهير العريضة ؟

لقد لفت انتباهي مؤخر ًا تساؤل البعض عما اذا أجري استطلاع رأي حول موقف الجماهير العربية ازاء قانون القومية وكيف ترى هذه الجماهير ضرورة وامكانيات مجابهته؟ لم أقرأ جوابًا على ذلك، الا اذا اعتبرنا الصمت جوابًا والهدوء ردًا والعزوف عن أي نشاط سياسي شدوًا وموسيقى!     

لا يوجد متسع من الوقت ؛ فقد مرت سبعة عقود، غابت فيها "شمس الشعوب" عن سماواتنا. ومارت العروبة عميقًا  في صحراء "سرت" ، وتشظى اسلام محمد عبده والرافعي على أطراف "الربع الخالي". وفي اسرائيل نشأت أجيال جديدة ، وفيها نمت شرائح  واسعة تعيش في بحبوحة نسبية وتنام وتصلي للذي احياهم وربّعهم على هذه النعم والخير والبركات.  

فهل سيكون الخلاص في بروكسيل فقط ؟ طبعًا لا!

و هل سيسعفنا إضراب موحد ستعلنه القوى الوطنية والاسلامية في رام الله مع قيادة عرب ال  48 وفي  الشتات ؟ طبعًا لا!   

لا أعرف ماذا يخبيء لنا الغيب؛ لكنني مؤمن أن مياديننا ستبقى هنا: في تل ابيب وأم الفحم والناصرة وحيفا، ففيها يجب أن نعيش وأن نقاوم. 

 

 



حين كانت فلسطين محتلة!

جواد بولس

أحاول منذ مدة طويلة ألّا أمثل أمام المحكمتين العسكريتين الموكلتين بمحاكمة الفلسطينيين ومعاقبتهم بعد إدانتهم " كمجرمين" يستحقون حياة السجون فقط.

لقد بدأتُ مزاولة مهنة الدفاع عن المقاومين الفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي قبل زهاء أربعين عامًا.

كانت عقود اربعة من الشقاء والتحدي؛ انتظرت فيها أصابع الرب عساها تطلّ وتمطر الشر بحجارة عدلها.

أربعون خلت من عمر شعب لم يزل يعشق الغزالة وينام في عين القدر، لكنه لم يرَ من السماء إلا الغضب والظلم والنسيان .

لبستُ قميصًا أبيض وربطة سوداء. لم أعتن بتصفيف شعري فتركته يلائم أحساسي في ذلك الصباح الثقيل.

صرت أكره تبديد وقتي في ساحة محكمة عوفر العسكرية، فاتصلت مع زميلي لأتأكد من ساعة بدء جلسة الشبل شريف، فصادق على ما كان.

وصلت في العاشرة كما كان طلب رئيس المحكمة، الذي وعد بأن ننهي جلستنا بسرعة بلا انتظار.

مشيت بتثاقل. كانت درجات الحرارة مرتفعة وكنت أتنفس بصعوبة رغم أنني تناولت أدويتي اليومية بالكامل. دخلت أول بوابة كهربائية من دون انتظار ودخلت الثانية بنفس السهولة.

 سلّمت بطاقة المحامي ودخلت بوابة ثالثة، كان حارس ينتظرني وراءها  وقد لاحظ أن شعري أشعث وأنني لا أمشي منتصبًا كدأبي. لم أُطل المحادثة معه رغم شعوري بأنه كان  قلقًا فعلاً على صحتي!

كل شيء في هذا الاحتلال قد تغيّر، إلا شهيّته على القمع والبطش واذلال الفلسطينيين. كنا نقابله كل يوم وجهًا لوجه، فقد كانت مركباته العسكرية تجوب شوارع المدن والقرى الفلسطينية وتنتشر  روائحه وحواجزه في كل المفارق. جيشه يحكم ببساطير وخوذات، وجنوده يواجهون ببنادقهم شعبًا يزرع وينشد ولا ييأس؛ يعمل ويجوع ولا يهادن؛ يسجن ويموت ويقاوم.

حتى بداية تسعينات القرن الماضي لم يعرف الفلسطيني كيف يكون الاحتلال مجازًا أو استعارة أو تجليًا للالتباس؛ فللاحتلال كان لون واحد؛ ورغم حلكته واجهه المواطنون بإرادة وكرامة وعزة.

كانوا رغم القمع يسيرون نحو الهدف، ويتنقلون رغم القهر  بحرية نسبية، ويكتبون على الجدران بألم وأمل، وحتى دخولهم إلى إسرائيل كان مُجازًا  إلا للممنوعين من ذلك.

لم ينجح قادة اسرائيل، رغم جميع محاولاتهم،  بالقضاء على اصرار الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال ونضالاتهم من أجل كنسه ؛ وقد فشلوا كذلك، رغم كل استثماراتهم الخبيثة في خلق قيادات محلية " ڤيشية" متعاونة،  تساعدهم على تحقيق مآربهم؛ ذلك لأن القيادات الوطنية تمسكت بمواقفها الصارمة وبتأييدها لمنظمة التحرير الفلسطينية وما مثلته وعنته في ذلك الحين.

طمأنت الحارس على صحّتي ودلفت الى "طريق الماعز"، وهي عبارة عن مسارب ضيقة تحيطها الأسلاك وتتعرج حتى تفضي في نهايتها إلى ساحة معدّة  لأهالي الأسرى، فيها ينتظرون بداية جلسات أبنائهم. 

سلّمت على والديّ شريف، فقابلاني بترحاب وأبديا رضاً من وصولي. كانا في منتهى الدماثة، مبتسمين مع أنهما يعرفان ما ينتظر أبنهما؛ فهو متهم بتنفيذ عملية طعن وقتل يهودي في أحد المتاجر. 

أصغيا باحترام؛ ورغم تظاهرهما بالهدوء، شعرت كيف كان قلب أمه يبكي وكيف كانت عينا والده تبحثان في عتمة الغابة عن مخرج قد ينقذ صغيرهما من النهاية الصعبة. عندما قرر شريف تنفيذ العملية مع رفاقه كان عمره آنذاك أربعة عشر ربيعاً.

حاولت ألّا أكون مبدّدًا للآمال، لكنني أفهمت العائلة أننا امام مؤسسة لا تجيد إلا ما يجيده المستبدّون؛ ففي ظروف عادية كان على القضاة أن يأخذوا بعين الاعتبار حداثة عمر الجاني ويحتسبونه سببًا لتخفيف الحكم،  ولكننا هنا أمام واقع مغاير واشخاص جبلوا من طينة أخرى.

قاطعتني والدة شريف بصوت يشبه التنهيدة قائلة : " ولكن يا استاذ لقد حكموا على قاصرين يهود قتلوا عربًا بأحكام خفيفة، فربما يفعلون هذا مع شريف ايضًا". كانت تقف أمامي ومنديل يلم شعرها، عيناها حزينتان وغائرتان في وجه فقد كثيرًا من نضرته . جلبابها يغطي تعبًا وبقايا سهر قضته وهي تحاول أن تتذكر ملابس ابنها وهو ذاهب الى مدرسته وما كانت زوّادته، وتستحضر بسمته في ذلك الصباح الذي خرج فيه شريف ولم يعد ، منذ اكثر من عام ونصف .  

"ربما" قلت، ووعدتها اًن أقاتل، جهدي، ومضيت كي أقابل شريف قبل نقله إلى قاعة المحكمة. 

تعبت يداي من ملاطمة مخارزهم؛ رغم أنني لم ألج هذا العالم ، عالم اللامنطق والقوة الخرقاء والعبث، إلا مصرّاً أن أحوّل عجز الضحايا إلى ذخائر. فلا عدل تحت قبة الاحتلال ولا خلاص في جحيمه ؛ وأمام عنجهية الدبابة، لندع الضمير يسجّل انتصاراته الصغيرة، عساها تستقدم الانفجار  الكبير،  وأمام "خوف الغزاة من الذكريات"  لتتحول الخسارات إلى ربح في حساب التاريخ.

لم اشرح كل ذلك لوالديّ شريف، لكنني طلبت منهما التحلّي بالصبر وبحكمته الخالدة، وتزويقه ببعض من براعة التأويل وسحر البيان، فنجاة ابنهم بعد العملية تعتبر  "انتصارًا"، خاصةً اذا ما راجَعنا جداول الدم في حالات مشابهة.

 كان يجلس محاطًا بسجانين وبكثير من الكراهية. لون وجهه كلون الكستناء؛ يلبس البني مثل كل الأسرى؛ وعيناه تائهتان. بدا كأنه لا يستوعب ماذا يدور حوله. 

ألقيت عليه التحية وأفهمته ما نحن بصدده وما سيجري؛ ولوهلة شعرت أنه شخصية من روايات الخيال وأفلام الكارتون؛  كان يتحدث معي بنوع من النضوج غير المكتمل. عبّر عن ثقته بموقفي وتبسّم حين طلبت منه أن يفعل ليزيل أثار خوف حاول سجانوه ان يكتشفوه على وجهه. 

تركته وتوجهت إلى قاعة المحكمة فجاءني القاضي معتذرًا على التأخير لكنه وعد بأن تبدأ جلستنا على الفور.

أفهمني أنهم يقومون بتنظيف قاعات المحكمة وفقًا لتعاليم دينهم التي تلزمهم بذلك. يقوم الجنود بتنظيف وتعقيم القاعات، ثم يتبعهم طاقم يرأسه قاض ويجري فحصًا دقيقًا لضمان سلامة النظافة.

ينتظر الجميع نتيجة فحص القاضي، فاذا ما أمر باعادة التنظيف، فسينتظر الجميع مجدّدًا تكرار هذه العملية. 

عدت إلى شريف فوجدته أكبر  من ذي قبل. سألته اذا كان سيفعل ما فعله مرة اخرى لو أتيح له ذلك؛ فانتفض كالمقروص ومدّ يديه إلى اعلى بحركة مستنكرة وقال لااا ، بألف ما زالت ترنّ في أذني، ثم صمت. قلت له: إذا لماذا فعلت ما فعلت ؟ فأطرق ولم أسمع إجابته، لأن القاضي بعث اليّ بجندي يستدعيني اليه. 

اخبرني القاضي، بنوع من الاسف ، بأنّ القاعة غير جاهزة، اذ يجب تنظيفها مرة اخرى. لم اتبسم مع انني كنت على حافة الضحك، لكنني اجبته بعفوية مقهورة وعلى مسمع من بعض الزملاء: إن كان لا بدّ من تنظيف هذه القاعات، فيجب تنظيفها من أمور اخرى؛ فدعونا، نحن المحامين، نفعل ذلك !

نظر اليّ بدهشة تشي بطرف احتجاج وقلب كفيه بحركة تشبه الدعاء من السماء ، فتركته غير مبال.  

دخلنا بعد ساعة كاملة الى القاعة. وقف شريف أمام القضاة وأجابهم مشيرا اليّ: يمثلني جواد في هذه الإجراءات، وجلس؛ فبدأت الجلسة التي سيكون لها تتمة بعد شهر.

غادرت المعكسر  وبي حزنان، الاول على تيه جيل في شعاب من سراب، والثاني لأني في هذا اليوم بالذات، طويت عامًا آخر من عمر شقي؛ في دنيا صارت تفيض مرارة وتعبا وخراب. 

 

 

في فيينا أو في كريات

حاييم ، الفاشية واحدة لا تلين

جواد بولس

عدنا إلى البلاد من رحلة مختلفة، كانت أقرب إلى صدفة قادتنا للنبش في عظام التاريخ وحماقاته.  

عندما هاتفتني ابنتي دانة كنا نطوف في شوارع مدينة فيينا من على متن حافلة سياحية يسمونها في عدة دول أوروبية "هوب آند أوف"، وهو في الواقع "باص" من طابقين، يتيح لمستعمليه زيارة معظم معالم المكان، مثل عاصمة "الهبسبرغيين"، والنزول في كل محطة والعودة منها، حسب الرغبة، على مدار أربع وعشرين ساعة.

سألتها برسالة خطية قصيرة تأجيل المحادثة، إلا إذا كان الأمر طارئاً، فلقد كنت أعلم أنها في مدينة العقبة الأردنية، تشارك في الجولة الثانية من ورشة عمل دراسية رعتها وترعاها كلية " كينغز" البريطانية وجامعة لندن.

كنا، في مطلع شبابنا، نترقب، كشحاذين للحب والجمال، زيارة مدينة الڤالس؛وأتذكّر كيف أتيناها أول مرّة ، قبل سنين، بصحبة "أسمهان" النادرة، التي خلّانا صوتها نحلم بطيور الجنة وهي تبكي وتغني في ليل مدينة يسكنها القمر.

كانت ڤيينا بالنسبة لي، لأسباب سرمدية، مثارًا لمتعة متمناة ولخيال مستفز . ولن أنسى كيف قابلتنا، في ذلك الخريف، ببرود وتكبّر ؛ حين جئناها، محملين بجيناتِنا، لنحاول تفكيك عقدنا الشرقية على عتبات "شونبرونوها"، ونستذكر غيث الحضارة في حدائقها، ونلهو على سلالم موسيقى دانوبها الشقي.   

"بابا، وصلنا أنا ودورون مطار ايلات لنطير عائدين إلى تل أبيب" ، كتبت لي دانه في رسالتها الأولى التي بدت قلقة، وأردفتها متألمة "غلّبونا كتير وعاملونا بطريقة حيوانية" .

 أخفيت ما وصلني عن عيني أمها وصديقينا، وتابعت قراءة ما كان يردني منها خلسةً ؛ فهمت أنها عادت من العقبة برفقة زميل يهودي يشاركها في الورشه اسمه دورون. وبعد أن "اكتشفت" موظفة الأمن في المطار  "عروبة" دانه و"يهودية"  دورون استنفرت وقامت بالتفريق بينهما على الفور ؛ فأدخلت دانة وحقائبها الى غرفة، وأبعد عنها دورون في غرفة أخرى.

مررنا في شوارع المدينة المليئة بتحف عمرانية تشهد كيف كان صولجان التاريخ ينتصب من حلق هذا المكان. كنائس بهندسات قوطية ورومانية وأخرى مبتكرة وحديثة، وكلها يحمل بصمات مَن بنوها، وتعكس تعاقب الدول وعقائد من حكمها وتجبّر ؛ وبجانبها، على ضفة الدانوب يستقر جامعها الكبير بمئذنتة التي ترتفع الى علو 32 مترًا .

بدأ يقلقني كلام دانه، فقد تركنا البلاد وأخبار اعتداءات الفاشيين اليهود على العرب تنتشر يومًا بعد يوم، وتصلنا تباعًا لتعكر صفو اجازتنا. 

قرأنا عن خبر اعتداء رجل أمن في مطار بن غوريون على مواطنين عرب دروز من قرية دالية الكرمل ورشّهم بالغاز ؛ وتابعنا صور  اصابات الشبان الثلاثة أبناء مدينة شفاعمرو وقصة نجاتهم بالصدفة من موت محقق بأيادي زمرة من الفاشيين هاجموهم في "كريات حاييم"  قرب حيفا. 

لقد تركنا وطنًا صارت فيه "الدانات" فرائس سانحة لكل متطرف وفاشي قد ينقض عليهن بلا رادع ولا تردد ولا وجل؛  خاصة بعد أن أفلت معظم المعتدين في الحوادث السابقة من العقاب ومن المحاسبة.

حاولت أن أشغل ذهني بجمال ما نشاهد، وبقساوة الطقس في ذلك النهار؛ فلقد وصلنا فيينا هذه المرة، ومعناها مدينة النسيم العليل، في منتصف آب ، ويقيني، هكذا تندّرت مع صديقي نبيل، الذي عانى من الحر  مثلي، أن "رامي" لم يزر المدينة في آب ؛ ولو فعل لأيقن أنها مدينة من نار وتراب ومن ماء وشراب، وأنها ليست من مدن الجنة كما تخيّلها في أغنية أسمهان الساحرة. فهي بقصورها ومتاحفها وجامعتها ومسارحها وأوبراها قد تكون شاهدة على نبوغ العظام، بيد أنها كانت مرارًا أخت الحماقة والهوان. ثم وإن كانت ولّادة للرقة ولجميع الفنون، فإنها كانت كذلك أمّا للطاعون وحصّادة للموت وللأسى ؛ تماما كسائر بنات التاريخ الكبير والأحمق، وكضحية لنزق مَن تصرّفوا كآلهة وعاشوا كخالدين لا يُقهرون.

"لقد حاولوا اذلالي وقهري. استمروا لأكثر  من ساعتين بالضغط عليّ بأسئلة شخصية ومهينة أحيانًا. اخذوا هاتفي وحاسوبي. لقد أخروا ميعاد اقلاع طائرتنا لأكثر من ساعة بسببنا" .

كان باصنا يسير ويقطع موقع الحي/الجيتو اليهودي ببطء، ليتوقف بعده مقابل بيت "زيغموند فرويد" في شارع بيرغاسي ١٩. قطع القاريء تقريره لينقل إلينا تسجيلًا نادرًا أجرته، في العام 1938 ، محطة الاذاعة البريطانية ( bbc) مع زيغموند فرويد بعد شهرين من وصوله إلى لندن هاربًا من فيينا ، التي ضُمّت إلى ألمانية النازية في ذلك العام.

كان فرويد هرِمًا قد تخطى عقده الثامن، وكان صوته حزينًا ومتعبًا لكنه استطاع أن يعبّر عن أمله في النجاة ؛ فلقد أطبق الوحش النازي فكيه على النمسا وقد كان يعيش فيها حوالي مائتي الف يهودي، معظمهم في فيينا. 

ازدادت الاعتداءات على جميع المعارضين السياسيين، ومن ضمنهم على الأقلية النمساوية اليهودية؛ وأعلنت الحكومة النمساوية سحب الحقوق المدنية من اليهود وقامت بتضييق الخناق عليهم. صارت حياتهم لا تطاق وسلامتهم غير مكفوله. 

قبل نهاية ذلك العام اضطرّ مائة وخمسة وثلاثون ألف يهودي للهرب من فيينا؛ وكان فرويد بينهم. وبقي فيها نحوٌ من خمسة وستين ألف يهودي، لم يبق منهم على قيد الحياة سوى ثلاثة آلاف فقط. 

أُمطرت فيينا بالقذائف التي هدمت أكثر من ربع مبانيها؛ وحُررت في نيسان ١٩٤٥ بأيدي طلائع الجيش الأحمر الروسي، وأعلن استقلال النمسا الذي أصبح حقيقيًا في العام ١٩٥٥ فقط.

كنا نتناول فطورنا وقد امتزجت في احاديثنا اخبار الفاشيين، واختلط التاريخ بالحاضر وتداخلت تفاصيل الاعتداءات. قرأت رسائل دانه بنبضها المقلق وأنينها الموجع؛ وعلى الرغم من وصولها إلى البيت "سالمة"، شعرنا بالجرح الذي في صدرها، وعرفنا أن أخبار البلاد تشبه أخبار ذلك الخريف النمساوي.

كنا نتخيّل روائح الحرائق في أزقة حارات فيينا ونستعيد بحة فرويد اليهودي وهي تؤكد فوز العاجزين في الهرب ومجازات البطولة في البقاء ونصر الموت في المواجهة. 

ربما يعرف كثيرون أين بواطن القوة، لكننا نكون أحيانًا بحاجة الى نبش عظام التاريخ كيما نتذكر أن الحكمة في تصدي جميع الضعفاء والمستهدفين للفاشيين قبل أن يوثقوا أنشوطاتهم على الرقاب، فهذا هو هو قانون النصر الوحيد، لأن دين الفاشية واحد وقرابينها من الجثث والنازحين واحدة.

 مع وصولي إلى البيت شاهدت تسجيلا يتحدث فيه رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، ايهود براك، يتّهم فيه حكومة نتنياهو بالفاشية ويعزز رأيه بإصابة حكومة أسرائيل باثني عشر عارضًا من أصل أربعة عشر، كان قد عدّدها صاحب رواية "اسم الوردة" الكاتب الايطالي أومبيرتو إيكو،  لتشخيص مرض النظام السياسي بالفاشية. 

أعرف ما سيقوله الكثيرون عن باراك وتاريخه، وهذا صحيح، ولكن سيبقى رأيه  مهمًا وتأكيدًا على ما ينتظرنا في نهاية المنزلق.

 لقد أجابت دانه محقيقها كما يليق بفتاة حرّة وبمحامية تعرّفت على السراب في دهاليز المحاكم والقوانين؛ لكنّها ستبقى إبنة لجيل يكبر في حضن أمل كسير.

ولقد غنت أسمهان لليالي الانس في فيينا عام ١٩٤٤ وكانت سماؤها تمطر حممًا، ورقصت على أبواب جنتها وكانت شوارعها من بارود ودم؛ إنه الفارق بين الحلم والألم أو ربما مجرد جموح للخيال في سماء المشرق.

 فمتى سنصغي إلى صدى التاريخ  ونتعلم من دروس الهزيمة؟  عسانا نعرف ونوفق في انقاذ أولاد الريح وروّاد مستقبل وهم يمضون في دروب الكرامة والمستحيل ويتأرجحون بين  "رنين الكاس ورنة الألحان "  .

 

من سيُسجن

في سبيل العلَم؟

 

جواد بولس

 

رغم الاحتجاجات العديدة عليه، لم يتردد بنيامين نتنياهو في الدفاع عن قانون القومية، وقام بعرض أهميته في خدمة الأيديولوجية اليمينية الجديدة، وتمكينها من تطبيق توجّهاتها على أرض الواقع، خاصةً في ما يتعلق بمكانة المواطنين العرب في إسرائيل، ومِن بعدهم بحقوق سائر المجموعات، وبضمنها اليهودية التي لا يتوافق فكرها مع مخططاتهم. 
ففي تعقيبه الأول بعد مظاهرة الطائفة المعروفية وصرخة أبنائها العرب الدروز ضد القانون، أكد رئيس الحكومة على أن قانون القومية سوف «يحصّن قانون العودة ويرفعه إلى مكانة جديدة، لأنه قانون يمنح لليهود فقط المتواجدين في جميع أرجاء العالم، حق العودة إلى إسرائيل، والتجنس الفوري فيها؛ بينما سيمنع، بالمقابل، استغلال بند جمع شمل العائلات الذي أجاز بعد اتفاقيات أوسلو دخول آلاف الفلسطينيين وتوطنهم في إسرائيل». 
وقد حاول البعض تهميش القانون الجديد، واعتباره خطوة إشهارية معدومة الأهمية والتأثير، في موقف يضعف احتمالات مقاومته المؤثرة من جهة واحدة، ويسهل على الحكومة الإسرائيلية «صرفه» في قوانين عنصرية إضافية وقرارات تنفيذية خطيرة، من جهة ثانية.
قد يكون «قانون العلَم» أول التطبيقات العملية المستفزّة التي سيواجهها الفلسطيني المواطن في إسرائيل، فمع إعلان وزير الأمن الداخلي عن نيته فتح سوق التسلح الشخصي لكل من خدم في الجيش، قدّمت زميلته في حزب الليكود، عنات بيركو، مشروع قانون يقضي بحبس كل من سيرفع علم دولة أو تنظيم معاديين، لمدة عام، ويشمل ذلك رفع العلم الفلسطيني في المظاهرات. 
لن تقتصر مبادرات اليمين الاسرائيلي على حظر رفع العلم الفلسطيني؛ ولن يكون صعبًا أن نتوقع أين سينصب دعاة هذه السياسات القمعية فخاخهم المبتكرة، وكيف سيحاولون جرّنا وزجنا في خانات المواجهات المقبلة.
اعتمدت سياسات القياديين العرب في الماضي، وما زالت تعتمد أسلوب الدفاع وردّات الفعل على القرارات الإسرائيلية؛ واليوم، إذا ما تداركنا بأنفسنا خطورة الواقع ومأساة المستقبل، قد تجبرنا سياسات اليمين المعلنة على إعادة صياغة الأسئلة والتفتيش على بدائل لأجوبة نمطية أدمنّاها، أو تدفّعنا ثمن المراهنات غير المحسوبة. جميع هوّيات القوى السياسية الناشطة بين المواطنين العرب معروفة، بتميّز واختلاف عقائدها وبرامجها، فبعضهم لن يعيد حساباته ولن يبدّل من قناعاته، ولكن على الآخرين التحلي بالشجاعة والحكمة والمسؤولية والوعي باستباق تلك الضربات المتوقعة، والعمل على تفادي وقوعها أوّلًا، وثانيًا، استعداد لمواجهتها من دون مغامرات ومزايدات و»طبطبات».
لن أناقش في شرعيات الحجج التي تبني عليها القوى السياسية مواقفها وبرامجها السياسية فكلٌ مسؤولٌ عن «ضيعته»، ولكنني أطالب وأتوقع تغييرًا في بعض «الثغور» كي نكون مهيّئين لصدّ هجمات اليمين ودرء مخاطر مخططاته التي لم تعد مستورة أو مغلّفة. 
من سيسجن إذن من أجل العلَم؟ لا يمكننا الإجابة على هذا السؤال بشكل قاطع وبحماس وبتخمينات مجازفة، قبل أن نتعاطى في البداية مع مقولة يروّجها الكثيرون بأن «ليس لدى العرب المواطنين في إسرائيل ما يخسرونه»! فهل هذا صحيح؟ 
للإجابة على هذه المسألة أهمّية كبرى في تحديد الإجابات على مسائل نضالية مهمة، لأنّ الأمم خبرت دور معايير المصالح الشخصية ومكانتها في تشكيل مشاعر الانتماءات القومية وبناء هوياتها الجمعية.
فهل تعيش الجماهير العربية لحظة غضب ثورية ستدفع أفرادها إلى مواجهات وتضحيات شخصية قد تكبدهم خسائر جسيمة؟ هل تعيش شرائح مجتمعنا في حالة غضب وطنية تدفعهم الى تفضيل مقاومة قانون العلم، أو غيره مهما كان الثمن الشخصي مقابل ذلك؟ اعتقد أن الإجابة على هذه التساؤلات ومثيلاتها واضحة. 
ماذا لو فرض قانون جديد مثلًا على جميع المشافي وصناديق المرضى في البلاد، ضرورة التزام جميع الطواقم الطبية العاملة داخل المستشفيات، بإجراء جميع المحادثات بينها باللغة العبرية فقط، كما نشر مؤخرًا عن بعض المستشفيات؟ فهل سيعترض الأطباء والممرضون والتقنيون، وبعضهم يشغلون مواقع قيادية في أحزابهم السياسية وحركاتهم الإسلامية، ويتحدّون هذا القانون حتى لو أدّى تحدّيهم الى خسارة وظائفهم؟ وماذا سيفعل المعلمون والمعلمات لو فرض عليهم قانون جديد، توقيع وثيقة ولاء للدولة وقوانينها مقابل قبولهم موظفين في سلك التعليم؟ وماذا لو قررت الحكومة فرض صيغة خدمة وسطية تستعيض عن عملية التجنيد الإلزامي، ليست كالخدمة المدنية المتبعة حتى الآن، كشرط من شروط المواطنة المتساوية؟ وماذا وماذا؟ 
هكذا استفززت قريبتي وهي تتحفّظ بغضب على تساؤلاتي؛ فالقضية، حاولتُ أن استدرجها الى نقاش مغاير، ليس إذا كان رفع العلم الفلسطيني في تل أبيب وحيفا يعدّ حقًا للمواطن الفلسطيني في إسرائيل؛ فهذه بديهية وأكثر، ولكن ما الفائدة من وراء رفع العلم في مظاهرة جاء آلاف العرب إليها ليحتجّوا على قانون خطير، ومعهم بعض آلاف من اليهود لبّوا دعوة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، وهي الجهة المنظّمة وذلك بهدف إسقاط هذا القانون؟ فإذا استهدف المتظاهرون والدّاعون هذا القانون، واذا كانت مشاركة يهود معنا مرجوّة ومطلوبة، وإذا كان رفع العلم حاجزًا بوجه انضمام قوى يهودية أخرى، إذن فما فائدة رفع العلم في هذه المظاهرة تحديدًا؟ سوف يجيبني كثيرون بمنطق الشعور وباسم الحق المقدس، تمامًا كما أجابتني قريبتي؛ فحقّنا كفلسطينيين أن نرفع علم فلسطين لأنه علمنا، ولسنا بحاجة لتضامن يهودي يشترط حضوره بعدم رفع علم فلسطين.. لا أقلل من قيمة هذه المشاعر ولكن… هنا في هذه المساحة الملتهبة والملتبسة يكمن دور القائد والقيادة، التي يجب أن تؤمن بدورها كحامية وخادمة ومنقذة لأبناء شعبها وقيادته نحو شواطئ الأمن والسلامة، حتى لو كان ذلك بعكس ما تمليه مشاعرهم الصادقة وعطور مذابحهم المقدسة! القيادة الحقة لن تنضم الى معركة قد يموت فيها الجنود وهم «لا يعرفون من كان منتصرًا». 
قيادة الحركة الصهيونية فهمت دومًا «منطق الشرق» ومشاعره وقدسية الحقّ في شعائره، وبنوا كثيرًا من خططهم، وما زالوا يبنون، وفقًا لهذه الفرضيات؛ ونحن إذا ما حطّمنا القوالب وكسرنا أصفاد الماضي ونفضنا الغبار عن سلاسلنا القديمة، سنصطدم في جحيم المواجهة التي يريدون أن تكون قريبة وحاسمة.
للعرب في إسرائيل ما يخسرونه، على ما يبدو، واليمين يعرف ذلك، فقد أوصلنا مفكروه الى هنا، ويقينهم أنّ الرهان على انتفاضة من أجل «قانون العلم» سابق لأوانه، فعلينا لذلك، أن نفتش عن درهم وقاية لأنه أسلم لنا من دراهم العرب ومن مراهم البيانات والشعارات.
وأخيرًا، لولا يقين إسرائيل من صمت الأخوة العرب ومن تواطؤ بعضهم علينا، لخشيَت قياداتها من أزوف ساعة الغضب، لكنّها تحاول انهاكنا بالعقل وبالحديد، بعد أن اصبحنا أكثر من سقاة ماء وأكبر من حطابين؛ فعلينا ان نستمر بحكمة الآباء ونمضي في رحلتنا الجبلية مدجّجين بالحق وبالإصرار، وبالكثير من العقل ومن التبصر ومن اليقين.

كاتب فلسطيني

 

 

البركة في مظاهرة تل أبيب

جواد بولس

 

يعدّ نجاح المظاهرة التي دعت إليها «لجنة المتابعة العليا لشؤوون الجماهير العربية»، يوم السبت الماضي في تل أبيب، إنجازًا نضاليًا وصرخة مدوّية في وجه سياسات الحكومة اليمينية العنصرية السافرة. بيد أن أهميتها السياسية الحقيقية ستبقى مرهونة بما سيتلوها من خيارات عمل وبرامج مستقبلية؛ فإما أن تطوى كصدى عليل في مسيرة جماهير تبحث عن مرفأ آمن ويواطر راسخة، وإمّا أن تثبت كخطوة واثقة في طريق شاق وطويل.
لن تنتقص الانتقادات التي وجّهها البعض من وقع ما أثارته المظاهرة في المشهد السياسيّ الإسرائيليّ العام، فهي ستبقى إشارة إلى استعادة العافية والرجاحة القياديّتين عند من خطّطها ونفّذها ووقف على رأسها، رغم تحريض رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وجوقات اليمين العنصرية عليها، ورغم من قرّعوها وزايدوا باسم «طهارة الحق» وردّدوا ما عهدنا من شعارات معوّمة، أو عادوا وبشّروا بالنصر القريب الذي يقف على الأبواب.
عرفت نضالات الجماهير العربية تاريخًا طويلًا من الصراعات الحزبية الداخلية؛ فبعد خسارة «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» لتفرّدها بصدارة النشاط الجماهيري والسياسي، نشأت عدة قوى عربية محلية يهتدي بعضها بالفكر القومي على تفرّعاته، كما ولدت إلى جانبها الحركات الإسلامية التي خلقت في مجتمعاتنا واقعًا جديدًا وفكرًا دينيًا وسياسيًا، اعتمد على تعريفات مغايرة ومستوردة لمعنى ومكانة الدولة، ولطبيعة الحكم فيها، وعزّز الدعوة إلى مقاطعة انتخابات الكنيست.
خسرت معظم الأحزاب العربية من مواقعها وقوتها، فبدأنا نلحظ تراجعًا في ثقة الجماهير بمؤسّساتـها القيادية، وابتعادًا عن أنشطتها، حتى دخل المجتمع في حالة من «الفطام السياسي» والقلق، خاصة بعد استشراء مظاهر العنف وتداعياته الكارثية. وقد ملأت قوى وشرائح «عربية اسرائيلية» حديثة جيوب ذلك الفراغ، كما حصل مثلًا في إدارات العديد من المجالس المحلية والبلدية، وبين ناشطين في مؤسسات المجتمع المدني.
في هذا الواقع الخطير؛ اكتسبت دعوة لجنة المتابعة للتظاهر في تل أبيب، أهمّية مميّزة، إلا أن القوى السياسية لم تتعامل معها بالمستوى والمسؤولية نفسيهما، وقد نجد بينها من صلّى من أجل فشل «متابعة بركة» ورفاقه المنظّمين؛ فرغم تأكيده على أن شعارات المظاهرة ومضامينها، وضعت بالتوافق بين جميع مركبات لجنة المتابعة، خرج بعض الناشطين عن ذلك التوافق، ومارسوا قناعاتهم الفئوية بأساليب أضعفت صفّ الوحدة الضرورية من جهة، وزوّدت قوى اليمين العنصري بفرص التهجم على شرعية المظاهرة والتشكيك بأهدافها، من جهة أخرى. 
لن يشفع لمن سيدّعي أن هذا اليمين لم يكن بحاجة الى ذريعة للانقضاض على قيادات المظاهرة وعلى المشاركين فيها، فالأوْلى والأسلم أن تتصرّف «الضحية» بحكمة فائقة وبحذر مضاعف، لا سيّما أمام قنّاص يتربّص بشهيّة لا تعرف الشبع وبأهبة للضغط على الزناد. تعالى بركة والمنظمون على جميع تلك الخربشات والمناكفات، وقدّم خطابًا مسؤولًا، يحاكي خطورة الحدث ويتطرّق الى معظم محاور القضية التي «بعروتـها» انطلق عشرات الآلاف من المواطنين العرب، ومعهم آلاف من اليهود الديمقراطيين، الذين يعارضون تحوّل إسرائيل الى دولة مارقة، وإلى مسخ لوحش مقيت؛ فقانون القومية هو أكثر من مجرّد تشريع عنصري؛ لأنه بمثابة بوّابة حقيقيّة لتهجيرنا المخطّط. 
لقد عرّت الاختلافات حول المظاهرة هشاشة الوحدة بين الأحزاب والحركات المجتمعة تحت سقف لجنة المتابعة، وأعادت وكشفت عن منسوب الرياء المتفشّي في دهاليزها. ولقد رأينا كيف تناست شخصيات جبهوية وشيوعية اتهاماتها الخطيرة السابقة لرفاق لهم كانوا قد دعوا إلى الشراكة مع القوى اليهودية الصهيوينة، وبناء جبهة نضالية لمواجهة الفاشية، وتحوّلوا فجأة إلى متصدّري الدّعاة والمؤيّدين لهذا النهج. ورأينا كيف أمطر ناشطون في أحزاب، شارك قياديّوها في اتخاذ قرار المتابعة بخصوص المظاهرة، فهاجموها بسيل من الأسئلة والتساؤلات المشككة والمخوّنة أحيانا: فلماذا تل- ابيب؟ ولماذا ساحة رابين؟ ولماذا المهادنة والانبطاح على عتبات المواطنة؟ ولماذا الشراكة مع القوى الصهيونية؟ ولماذا الدروز؟ ولماذا بدون أعلام فلسطين؟ ولماذا الكنيست؟ وما إلى ذلك. 
لا أحد ينفي حق السائلين في السؤال، ولا حق المحتجّين في الاحتجاج، ولكن تبقى القضية في ما وراء التساؤلات، وفي تأثيرها الحقيقي على العمل المشترك؛ فمعظم هؤلاء ينتمون لفكر ولجماعات لا تؤمن بالعمل العربي اليهودي المشترك بشكل عام؛ وبعضهم يؤكّدون على عدم جدوى النضال ضد قانون القومية وأشباهه من دون مواجهة الحركة الصهيونية ذاتها والانتصار عليها؛ في حين يختلف المعارضون الاسلاميون عن جميع هؤلاء بقناعتهم، ويؤمنون بأن الفرج قريب بدون ريب وبأنّ إقامة دولة الخلافة في شرقنا، وعاصمتها القدس، صار قاب قوسين وأدنى. 
تكمن المشكلة في ما اذا اختلف الفرقاء على الأهداف وعلى تشخيص أعراض الصراع، وعلى تحديد معسكرات الأعداء والحلفاء وعلى وسائل وآليّات النضال، فإنّ شراكتهم ستكون مجرّد قوقعة أو سراب؛ وعندها ستتحوّل مظاهرة، تستظلّ بجناح المواطنة، إلى عمل انهزاميّ ومنبطح، وستصير مشاركة عاموس شوكين وامثاله مداهنة لليسار الصهيوني وخيانة، ورفع علم فلسطين في شوارع تل ابيب سيمسي أهمّ من جميع أهداف المظاهرة ومن مشاركة آلاف اليهود فيها.
حقّهم أن يسألوا ويتساءلوا، وما دمنا في حضرة السؤال والتساؤلات فحقّنا أن نسأل ونتساءل؛ فهل يخبروننا مثلًا كيف السبيل إلى إقامة دولة الخلافة على أرض فلسطين؟ وما مصير دولة إسرائيل ومصير مواطنيها من يهود وغير مسلمين؟ وماذا يتصوّر من يربط مقاومة قانون القومية وسائر القوانين العنصرية الخطيرة بمواجهة الصهيونية أولًا والتغلب عليها؟ فهل سننتظر، كما أكد بعض القوميين في سبعينيات القرن المنصرم، حتى نحرر «سبتة ومليلة» المغربيتين من الاحتلال الاسباني، وبعدها ستضمن القدس تحريرها؟ ما هي الوسائل النضالية الكفيلة بحصولنا على دولة المواطنين الكاملة؟ وكيف سنقنع ملايين المواطنين اليهود في إسرائيل بقبول تحويل إسرائيلهم الى إسرائيلنا المشتركة، كدولة لجميع مواطنيها؟ وما مصير من لن يقتنع بمطالبنا؟ 
الشعب بحاجة إلى أجوبة حقيقة على هذه المسائل وغيرها؛ فالقضية لا تقتصر على «قداسة الحق» أو على رومانسية الثورة، مع أننا أصحاب الحق وأصحاب الأرض أيضًا. معظم الأجوبة على ما سألت واضحة، وهنا تكمن المأساة، فهي، على ما يبدو، واضحة كذلك لحكام إسرائيل؛ فلقد كان أجدادهم أوّل من قالوا «من جاء ليقتلك قم باكرًا واقتله».. والبقية عند القراء. 
وأخيرًا، إنها مجرد خربشات على صفحة حدث مبشّر، أتمنى أن يعيدنا إلى جادّات الصواب ومعاقل الحكمة لتقودنا نحو القلعة المتينة والنضال الصحيح؛ فنحن الضحايا، وعلينا أن نقاوم الظلم كما قاومه أباؤنا الذين بقوا في موطنهم ورفضوا جميع إغراءت السراب الذي كان ملفوفًا بعباءات العروبة على الدوام، وحذّروا من إغواء الشعارات المطربة حتى السُّكر، ومن وعد السماء لأنها كريمة ليس فقط معنا نحن العرب. لقد صرخ محمد بركة كما صرخ معلّموه القدامى وقال «لن نرحل فنحن هنا باقون» ووعد بأن تبقى ميادين نضالاتنا في قلب الدولة، كما هي في يركا وراهط وأم الفحم والناصرة وكفرياسيف. فالبركة في تل- ابيب والقول كما قال محمد في تل- أبيب. فهل من عهد وأمل وجديد؟
كاتب فلسطيني

 

 

 

إسرائيل والمسألة الدرزية

جواد بولس

 

 قد تكون ردة فعل الطائفة المعروفية، العرب الدروز، ضد قانون أساس: «اسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي» هي الحدث «المختلف» الأبرز والخارج عن مألوف المشهد السياسي المتوقع والروتيني بين المواطنين العرب.
أدت مشاركة عشرات الآلاف من أبناء الطائفة، بشيوخها وعلمانييها، بجنودها ومعارضيهم، في المظاهرة الكبرى التي جرت في الرابعمن أغسطس/ آب الجاري في تل أبيب، إلى حشر الديماغوغية الصهيونية الرسمية في خانة «اليك» وتجريد صنّاعها، اليهود والدروز، من جميع عناصر التبرير والتمسكن، التي اعتادوا على تجنيدها في معرض حملاتهم الدعائية للدفاع عن السياسات العنصرية ضد جميع المواطنين العرب.
نجحت، في العقود الماضية، القيادات الحزبية الصهيونية وبمساعدة مراكز قوى درزية مؤثرة، بإخراج الطائفة من حضنها الطبيعي، حضن الأقلية العربية، وربطها بمصير الدولة اليهودية، بأواصر حلف اختار مخترعوه الدمَ له صمغًا والمواطنة الإسرائيلة الموهومة إناءً والمساواة محفّزات كاذبة. 
لن نعالج هنا تفاصيل هذه العلاقة، لكننا نؤكد أنه رغم نجاح رعاتها، بشكل نسبي وإلى حد بعيد، في محاصرة أبناء الطائفة وتأطيرهم في قوالب ثقافية واجتماعية انفصالية وانعزالية، برزت بينهم مجموعات عرفت بتصدّيها الصارم لقضية التجنيد الإجباري في جيش الاحتلال الإسرائيلي، ولمحاولات طمس هويتهم وتزييفها وتأكيدهم، بالمقابل، على انتماء الدروز الأصيل للعروبة، ولنضالات ابنائها وهمومهم.
ستترك أصداء مقاومة العرب الدروز لهذا القانون أثرًا لن تمحوه الأيام المقبلة، وشرخًا لن تدمله ترضيات الحكومة وألاعيبها، ولا تمويهات بعض قادتهم ووعودهم الخلب؛ مع هذا ورغم وضوح معالم الهوة، بين «الحلم» الدرزي وطبيعة الدولة، كما كانت قبل قانون القومية، وتأكدت بعده، رأينا أن معظم غير الدروز الذين تطرقوا لردة فعلهم، بقوا أسرى لمساطر تقييماتهم التقليدية، وتعاطيهم النمطي والمبني على ممارسات بعض جيوب الطائفة السلبية، تجاه محن أبناء شعبهم وقضاياه المصيرية والمعادية خاصة كما تجلت من خلال مواقعهم في الجيش وأجهزة الأمن الإسرائيلية.  لم تفت الفرصة بعد، فمعالم «المسألة الدرزية»  في إسرائيل باتت أشد وضوحًا، وقد تكشفت محاورها في هذه الأزمة حتى النخاع ، حتى أضحت فرص احتوائهم مجددًا، كأبناء لشعب واحد، ملحة ومن ضمن مسؤوليات مؤسسات المجتمع العربي وقياداته النافذة ومسؤولية نخب الطائفة الواعية، على حد سواء .  
لم يكن نشيد الدروز، بعد صدمة القانون، متناغمًا وموحدًا، ورغم طغيان نشوز من نادوا، بانتهازية مستفزة، بضرورة إلغاء القانون لأنه يميز بين «أخوة السلاح» تبقى وقفتهم هذه المرة مغايرة عن احتجاجاتهم المطلبية في بعض المواجهات الموضعية السابقة؛ فعندما خرجوا للدفاع ضد مصادرة أراضيهم في موقع ما اقتصرت حدود «المعركة» على ذاك المكان، وحول مصير تلك الأرض تحديدًا، وذلك تماما كما في مواجهاتهم ضد هدم البيوت غير المرخصة في عدة قرى يسكنونها.   
لم يبرز في جميع  تلك القضايا العينية، بشكل لا يقبل الغمغمة ولا التدوير أو التبرير، دوافع «دولتهم» وإصرار قادتها على إقصائهم الجمعي، كطائفة  كادت تُقنع، بالتضليل، إنها من «العرق» المميز نفسه الذي ينتمي إليه «شركاؤهم» أبناء شعب الله المختار.
جاءت ضربة «السيّد الأعلى» فأصابت أفواجًا جديدة منهم ببركة الصحوة وموضعتهم في مرتبتهم الطبيعية مع سائر الأغيار، الذين خلقوا لخدمة أصحاب الوعد والرعد وحكام السماء والأرض، كما يؤمن السادة. كرر كثيرون شماتتهم على ردة فعل أبناء الطائفة العربية الدرزية، لما أبدته الدولة من جحود بحق من خدموها طيلة سبعة عقود، ومنهم من فقد أبناءه فداءً للعلم ولشراكة الدم؛ وتبع آخرون حدسهم فراهنوا على أن قيادات الدولة ستنجح، هذه المرة أيضًا، في احتواء الأزمة وتمرر، بمساعدة بعض القيادات الدرزية التقليدية، صفقة مقايضة جديدة، وفقها سيحصل الدروز على بعض الامتيازات والمكاسب المادية مقابل إبقائهم في الخنادق ينشدون «هتكفا»ويعيشون في واقع من المرايا المهشمة، وبظل هوية جريحة وكسيرة. 
قد تكون مشاعر جميع المنتقدين مبررة، فمواقف قادة الطائفة العربية الدرزية بعد إقامة إسرائيل، أنتجت أسباب ذلك التنابذ وشكلت أرضًا خصبة لمشاعر الشماتة وعدم الثقة؛ مع هذا لا بد من رصد مسيرة التغييرات الحاصلة داخل المجتمعات الدرزية في البلاد. كان الجيش ومصلحة السجون الإسرائيلية، في البدايات، المشغّلين الرئيسيين لأبناء الطائفة التي تشكلت بالأساس من مجتمعات فقيرة تقليدية ومحافظة، أمّا اليوم فمعالم كثيرة من تلك الهياكل اندثرت، وبدأت تتشكل بنى جديدة وتأخذ مكانتها الاجتماعية والريادية في معظم التجمعات السكنية الدرزية. 
لقد تأثر العرب الدروز، كغيرهم من المواطنين العرب، بوتائر التطورات الاجتماعية والاقتصادية الحاصلة في الدولة، التي أدت بطبيعة الحال إلى نمو نخب جديدة وشرائح وازنة من المثقفين والأكاديميين ورجال الأعمال والمهنيين الناشطين، في مجتمعات أصبحت أكثر انفتاحًا على العالم، وجاهزية للتعاطي مع تحديات العصر، واستعدادًا لمواجهة مخلّفات الماضي، واصرارا من أجل السعي وراء أحلام لمستقبل آمن يظلل أبناءه  بهوية واضحة القسمات غير مشوهة أو هشّة. لن تكفي هذه الرقعة للإحاطة بتفاصيل تلك التطورات، ولكن ليس من المعقول أن تستمر وشائج علاقاتنا أسيرة لفرضية تقول لا فائدة من دروز بلادنا، كما آمن وما زال الكثيرون بيننا. 
هنالك كم هائل من الدراسات الواقعية حول ما أسميته «بالمسألة الدرزية» في إسرائيل، ويكفي أن نتابع ما كتبه بعض أعلامها من المثقفين في الأسابيع الأخيرة،  كي نرى كيف تفاعلت تلك النخب مع قضية تشريع قانون القومية، وبخلاف واضح مع مواقف معظم القيادات التقليدية، وبما قد ينسف صحة الفرضية المذكورة.
سنقرأ مثلًا عن تحذير ابن قرية «يركا» البروفيسور أمل جمال من انتهازية القيادات الدرزية، في مقالة مهمة له (نشرها في الثاني من أغسطس الجاري في جريدة «هآرتس») حيث قال فيها «لا يمكن أن ينحصر نضال الدروز  في مسألة إبطال أو تغيير قانون القومية؛ يجب أن يكون النضال أعمق وأشمل من ذلك. يجب أن يكون على صورة الدولة بشكل عام وعلى معنى المواطنة فيها».
لم يكتف بذلك بل مضى مشككًا بنوايا تلك القيادات، لأنها كانت على اطلاع بعملية التشريع قبل إنجازها؛ فمن يرضى «بحصر مطالبه في قضية عينية وربطها بالخدمة العسكرية والولاء الأعمى، يعكس فشلًا قيميًا وسياسيًا على حد سواء؛ هذه اللغة تناسب فرق المرتزقة، ولا تناسب مواطني دولة تدعي أنها ديمقراطية». كلام في منتهى الحزم. 
تزامنًا مع المقال المذكور نشر المحامي شكيب علي في موقع «واينت» مقالًا بعنوان «أصلًا، من ولّاكم قادة للطائفة الدرزية؟»، وفيه يجيب باستقامة وجرأة تعكسان إنبعاث روح جديدة تعبعب في صدور أجيال اليوم، فيقول:»إنها المؤسسة التي تولّي على الطائفة قيادة ضعيفة ومنبطحة وعاجزة»، ثم يعلن بتحد شغوف، أن «انتفاضة شباب الطائفة، أبناء «التطبيقات» وحكماء «غوغل» أثبتت أن المسرحية قد انتهت، وأن عصر تعيين الملك المريح للمؤسسة قد ولّى وانتهى، فما هو جيّد للملك المولّى ليس بالضرورة جيد لشباب الطائفة، فعصر الأكاذيب والمسرحيات قد انتهى وعلى الحكومة والمؤسسات  أن تعامل الدروز باحترام كامل وبمساواة حقيقية». 
إنها لغة جديدة؛ لغة أجيال تزورها الحقيقة في المخادع، ولن يقدر أحد في هذا العصر على تزويرها أو حجبها.
 في الماضي صرخت مجموعات صغيرة عربية درزية مؤكدةً: نحن عرب يا عرب،  فصدقتهم قلة من العرب وقلة أقل من الدروز؛ أما اليوم فما زال أولئك يصرخون على العهد ومعهم يصرخ عشرات المثقفين والأكاديميين بصوت جديد وعال؛ هو صوت من أفاقوا على هول الخديعة ووقع الحقيقة بأنهم ليسوا أكثر من عرب ولا أقل من دروز . 
أمامنا تهب رياح التغيير والعاصفة ويرفض الكثيرون بيننا رؤيتها، لكنني على قناعة بأن قيادة مسؤولة وحكيمة سترفع الراية. فقريبًا سنسمع نداء محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، وهو يدعو الأبناء ليعودوا إلى حضن أمهم وذلك بعد أن «اشتاقت البلاد إلى أهاليها». إنه أكثر من تنبؤ وحدس، فهو يقيني ولننتظر. 
 كاتب فلسطيني

 

 

قانون القومية اليهودية

وصراعات القبائل العربية

جواد بولس

لم تشهد البلدات العربية في إسرائيل أية ردة فعل احتجاجية لافتة في أعقاب المصادقة على قانون أساس : "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي"؛ وقد تكون التظاهرة اليهودية -العربية التي جرت في تل أبيب، مساء يوم الاثنين المنصرم،  الحدث الشعبي الأبرز حتى الآن، والصرخة التي كشفت عن صمم القيادات السياسية العربية المزمن. ولقد عرّت، كذلك، عجزها البنيوي وعدم قدرتها على تحريك  "الشارع" وإخراج أفراده من حالة فقدان الثقة وإنقاذهم من نتائج ممارسات بعضهم لفنون الرياء السياسي المنتعش، في ظل وحدة معوّقة وواهمة كما سيرد لاحقًا .

لقد توقعت، ككثيرين مثلي ، هذه النتيجة، وأكدّت في مقالتي السابقة أنه "لن يراهن عاقل على ما قد يحدث قريبًا، وسيبقى أقوى الاحتمالات الواردة ألّا نلمس تحركات ثورية ومؤثرة" .

 لم يكن ذلك من باب التكهن النزوي أو التنبؤ الافتراضي، فتشخيص حالة العقم السياسي في مجتمعنا العربي تم  منذ سنوات، وأعراضه ظهرت في كل مرّة فشلت فيها  تلك القيادات بالتصدي لقطار العنصرية المندفع بجنون والمتقدم  من محطة إلى أخرى، دون أن تنجح مؤسسة أو حزب أو جهة بتعطيله أو بعرقلته؛ إلى أن وصل، كما نرى في أيامنا، إلى محطته قبل النهائية واسمها "إسرائيل دولة يهودية فوق الجميع".

لم تحدث انهيارات البنى السياسية والاجتماعية فجأة، ولن نتطرق هنا إلى مسبباتها التاريخية، لأن ما يعنينا في النهاية هي نتائجها التي تستوجب المعالجة بجرأة وباستقامة وبوفاء.

لقد أُصبنا في الثلاثة : "لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل" و "القائمة المشتركة"  و"اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية".  

كانت خسارة المجالس البلدية والمحلية من علامات "الآخرة" السياسية، حيث أدّت باكتمالها إلى تقويض دور لجنة الرؤساء في تأمين سلامة مجتمعاتنا المحلية وحمايتها؛ ومن هناك، كما كتبنا،  بدأت مواسم حصاد الهزائم!  

كان من المفترض، في مثل هذا الواقع، أن تضاعف لجنة المتابعة العليا من قوتها ومن تأثيرها على مجريات الأحداث في مجتمعاتنا، خاصة بعد أن اضطرت الأحزاب والحركات السياسية المؤمنة بالعمل البرلماني خوض تجربة العمل الوحدوي من خلال "القائمة المشتركة" التي توقع الجميع إسنادها للجنة المتابعة.

لم يحدث هذا وبرأيي لن يحدث،  فلماذا؟

لجنة المتابعة واحتجاجات "الكوتتج" ! 

اجتمعت لجنة المتابعة العليا يوم الثلاثاء المنصرم ونشرت بيانًا ضمّنته دعوتها الجماهير الواسعة للانخراط في رزمة من الفعاليات الاحتجاجية المتنوعة التي ستغطي فترة الأيام القريبة القادمة.

لم يجفّ حبر  البيان حتى قامت عدة جهات بانتقاده مباشرة ووصمه بالتقليدي والمكرور الذي لم يستحدث أي وسيلة نضال جديدة ترقى إلى مستوى الحدث.

 قد يكون ما كتبه في هذا الصدد السيد مراد حداد القيادي في حزب التجمع، (وهو ليس وحيدًا، فقبله كتب زملاؤه مثله وأكثر في حق  لجنة المتابعة والمؤسسات القيادية الأخرى) هو الأحدّ والأبرز،  فبرأيه "كل احتجاج لا يحمل طابع المواجهة مع المؤسسة لا يعوّل عليه". ثم يضيف بحدة وبقساوة  قائلًا: "لقد سقطت المتابعة مرّة أخرى بقرارات جوفاء وباحتجاج ضعيف يشبه إلى حد ما "احتجاج الكوتتج" .. المتابعة أصبحت جسمًا مشلولًا يتحكم به ثلة من أتباع التعايش الوهمي والتذلل لسلطة أبو مازن" .

لا تستطيع المتابعة إغفال هذه الاتهامات الخطيرة، خاصة وهي تكال بحقها على لسان قياديين بارزين في حزب يشكل أحد مركباتها الأساسية، وتُعلن من قبلهم بناءً على مواقف حزبهم المبدئية ازاء مسألة تعريف جوهر الصراع ووسائل النضال في مواجهته.

قد تكون المصادقة على قانون "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي" من المفارقات الفريدة التي ستفرض على القوى السياسية العربية، وعلى الحركات الإسلامية في إسرائيل، إزالة الطلاء عن بعض المفاهيم المؤسسة عند كل فريق وفريق منهم،  وتجبرهم، بالتالي، على العودة إلى أصول التمايز واختلاف الرؤى والعقائد بينهم.

 ومع أن هذه الاختلافات  العقائدية الأساسية كانت قائمة بينهم في فترة "العدة" الوحدوية (بين الشيوعيين/ الاشتراكيين،  والقوميين والإسلاميين) وكانت مصبوغة بحكم المصلحة ومؤجلة بفرض الواقع، إلا أن سفور القانون الجديد وتحدياته المستفزة لن تسمح لهم ، على ما يبدو،  بإبقائها تحت ظل التوافق المصطنع وفي ثنايا المصالح الآنية "المشتركة" وعند أقدام ضرورات "التقية" ومنافع المراوغة.

فحزب التجمع، وعلى لسان معظم قيادييه، يرفض حصر الصراع في مسألة المواطنة ودولة المواطنين؛ ويرى معظمهم بضرورة "تفكيك المشروع الصهيوني الاستعماري وبناء دولة ديمقراطية واحدة" دستورَ إيمانهم وأساسَ برنامجهم السياسي، ولذلك يجزمون، كما رأينا،  بأن " كل احتجاج لا يحمل طابع المواجهة مع المؤسسة لا يعوّل عليه" ؛ لا كما دعت لجنة المتابعة في بيانها للنضال الاحتجاجي السلمي ومن دون "استقدام المواجهة مع المؤسسة".

فهل في مثل هذه المواجهة بين موقفين مبدئيين مختلفين، يستطيع رئيس لجنة المتابعة تفادي اتهامه، غير المحق، وزملاءه بكونهم " ثلٌة من أتباع التعايش الوهمي والتذلل لسلطة أبو مازن" ومن مروّجي نضالات "الكوتتج" ؟

الدول زائلة والعقيدة باقية

لم يكشف قانون الدولة القومية اليهودية عمق الخلاف بين حزب التجمع وبين مركبات أخرى في لجنة المتابعة فحسب، بل عاد وأكد، على الضفة الثانية، على  مزيد من الخلافات وتضادها الجوهري بين معظم تلك المركبات وبين ما تؤمن به الحركة الإسلامية، وهي أيضًا مركب هام آخر من مركبات لجنة المتابعة.

فبخلاف ما يؤمن به حزب التجمع، يؤمن الإسلاميون أن الصراع هو صراع ديني على الأرض وبأن منطق التاريخ يقول: "لا بقاء للدول، وأنّ صعود الدول وزوالها واندثارها هي مسألة وقت..لكن الذي لا يذهب ويبقى هي الأرض وما ينزل من السماء، هي العقيدة"،  كما نشر الشيخ كمال الخطيب في أعقاب المصادقة على القانون.

 وإذا كان الحال هكذا، فكيف بمقدور رئيس لجنة المتابعة السيد محمد بركة، وهو القائد الشيوعي العتيق وابن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التجسير على هذه الفوارق الجوهرية، والنجاح بوضع برامج عمل نضالية حقيقية لا توفيقية كما حدث ويحدث وسيحدث باسم وحدة لجنة المتابعة والمحافظة عليها ؟ 

فلماذا ستبقى هذه الوحدة مقدسة حتماً؛ بينما سيبقى العمل الحقيقي مشلولا ومصيرنا، كمواطنين في دولة تستوحش بلا هوادة، مرهونا بين سماء فيها للجميع حصة، وبين همّة أمة تأكل أبناءها وبعضها؟ 

وكيف يمكن تحقيق برامج نضال دسمة "وغير نباتية"، إذا كان جزء كبير من الشركاء يعتقد أن شركاءه  في النضال ليسوا أكثر من مجرد ثلة واهمة وتابعة ؟

وكيف يمكن لأعضاء "القائمة المشتركة" أن يعطوا كل ما في وسعهم مع شركاء يحرّمون عليهم العمل من داخل البرلمان الصهيوني ويتّهمون بعضَهم بالعمل "لصالح المشروع الصهيوني نفسه أكثر مما هو لصالح شعبنا" ، كما جاء في مقالة الشيخ كمال الخطيب المذكورة ؟   

 كتبت، قبل سنوات ،عن خشيتي من أن  "يكون ضعفنا في وحدكتم"، وكم أخاف اليوم أن يكون حدسي قد صدق !

 فالخلافات بينكم أخطر مما توقع المتفائلون بيننا وأقوى من محاولاتكم لتدثيرها في أغطية من الأماني وباقات الوعود.

يستوجب غياب الشارع عن ميادين النضال ضرورة  مراجعتكم  للتجربة واستخلاص النتائج والعبر؛ فالوحدة بين المقموعين ضرورية لكن "التجارب مسنات" والنتائج تصرخ  مع كل رصاصة وقانون.

فنعم للوحدة ولكن بشرط ألا تكون مهزوزة ومعطلة؛ونعم للشراكة، ولكن فقط إذا تعانقت المقاصد وتوافقت الغايات ولم تعد غاياتكم سببا للعجز وللصمت ومسوغا لتراتيل السراب.

وأخيرا، تستطيعون انتقاد نكوص المؤسسات القيادية وقصورها،  لكنني لا افهم كيف تفسرون فشل أحزابكم  بإخراج مظاهرة واحدة يتجمع فيها عدد أشخاص اكبر من عدد من يشاركون بعض القادة والوجهاء، أفراحهم أو أحزانهم ؟

 

قانون القومية:

(إسرائيل فوق الجميع)

جواد بولس

 

قد يشهد سيل الكتابات حول مصادقة الكنيست على قانون أساس: «إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي» على وقوع حدث كبير ومختلف؛ رغم عدم الاتفاق على دواعي تشريعه، وعلى تشخيص مخاطره الحقيقية أو تبعاته المستقبلية.
تعدّدت الآراء وانفرجت التقييمات على قوس من المواقف، تبدأ بفرح البعض لأنّ إسرائيل قد «بقّت البحصة» رسميًا، وتعرّت ككيان لا تصلح المواطنة المأمولة فيه ومعه – كما كان يدّعي أصحاب هذا الفرح – وتنتهي بنداءات الإهابة والاستنفار من قبل جهات عديدة، استشعر أصحابها بدنوّ اشتعال «أم المعارك»، في حين ما زالت خيارات مواجهتها الشعبية والجماهيرية ملتبسة وغير ناجزة. 
أتاح الإعلان عن القانون لمفكري المعسكرات السياسية الراديكالية والدينية القائمة بين المواطنين العرب في إسرائيل، فرصةً لتأكيد صحة معتقداتهم وتبريرها، متعكزين، كل من رصيفه، على تفسيرهم الخاص لتوقيت نجاح التشريع وإشهاره لمبادئ وحقائق كانت قائمة في الممارسة والفضاء الإسرائيليين، وشرعنتها بهذا السفور العنصري المستفز .
حاول الكثيرون تصفير أهمية الحدث؛ فستبقى اسرائيل بعده، حسب هؤلاء، كما كانت قبله؛ وهي عندهم ليست أكثر من كيان «ذاهب إلى حتفه» إما بقوة الدعاء أو بغزارة البصاق! واذا لم تصدّقوهم فانتظروا الفرج لأنه قريب، والغدَ لأنه كالأمس شفيف.
في المقابل، يتذرّع بتشريع القانون جميع من نادوا بضرورة مقاطعة الكنيست، ويعلنون مجددًا، بسببه، أن ساعة القطيعة، هذه المرة قد أزفت، وأن على أعضاء القائمة المشتركة تقديم استقالاتهم فورًا إلى غير رجعة؛ فالكنيست ليست في نظرهم منصةً مناسبة وكافيةً للنضال ضد سياسات القمع والعنصرية، علاوةً على تأكيد أصحاب مبدأ المقاطعة على أنّ القانون قضى نهائيًا على حلّ الدولتين، وأنّ على الجماهير العربية في إسرائيل أن تستعد للمواجهة الكبرى وللبدء في مراسم الكفاح المرّ، كما يليق بمن ينشدون العيش في وطنهم كرامًا وفي دولتهم أحرارًا. 
أما أتباع الحركات الإسلامية، فقد وجدوا بهذه المناسبة تعزيزًا لما يؤمنون به، وتسويغًا لكونهم حركة تغمس الدين في مفاصل الحياة اليومية، وتربطه بشؤون الدولة والأمة، كما كتب، على سبيل المثال، الشيخ كمال الخطيب بعيد إقرار القانون مصرحًا: «مع إقرار برلمان اسرائيل لقانون يهودية الدولة، فقد تبيّن لكل عاقل أن الدين منغمس في حياة الإسرائيليين، وأنه التوافق بين الكنيس والكنيست، فالسياسة حاضرة في الكنيس والدين حاضر في الكنيست. فلماذا يصر العلمانيون منّا على قوقعة الإسلام في المسجد والفصل بين الدين والحكم والسياسة؟ وإلا فإنه «الاسلام السياسي» يناصبونه العداء». الى جانب تلك المواقف سنجد مَن أكّد أن القانون يؤسس لمرحلة جديدة في الحياة السياسية الاسرائيلية، وسيؤثر على مكانة المواطنين العرب، لما سيخلقه من ديناميكية طبيعية ترافق العملية التشريعية، خاصة إذا كانت تحظى بمكانة دستورية عليا، كما هو الحال في قوانين الأساس الإسرائيلية. للجميع حق بالتعبير عن موقفه والدفاع عن قناعته وعقيدته وتحمّل مسؤولية ذلك تباعًا.

أكثر من قانون، الإعلان عن مملكة إسرائيل الجديدة
لا خلاف على كون المواطنين العرب، بجميع فئاتهم ودياناتهم، الضحايا المباشرين لهذا التشريع؛ مع ذلك يستهدف وجهه الآخر قطاعات صهيونية واسعة، علمانية ومتدينة، لا تتساوق تعاليمها مع تلك القوى الصهيونية المتدينة، التي أصرت على تمريره بالنصوص التي توافقت عليها؛ ولهذا سيشكّل يوم تشريع القانون حدّاً فاصلًا بين مفهوم الدولة التي اعلنت عام 1948 وفقًا للمضامين «البن غوريونية» – خاصة في ما يتعلق بعلاقة الدين ومكانته في الدولة، ومكانة الجيش، ومكانة التعليم الرسمي، والنظرة للعلمانية، وللحقوق المدنية، ومكانة المواطنين غير اليهود، وغيرها من ركائز الدولة والمجتمع – وبين جميع هذه المضامين والمفاهيم في الدولة « البينيتية» التي يعكس ملامحها بصرامة قانون القومية الجديد. 
لم تتردّد القوى السياسية اليمينية المسيطرة بالتعبير عن أهدافها، وعن إصرارها على إتمام مهامها وتدعيمها بتشريعات مناسبة، من أهمها وآخرها القانون الذي نحن بصدده؛ فجميع المتحدّثين الرسميّين باسم هذه القوى الصهيونية الدينية المسيحانية، أوضحوا أنهم يسعون لإحكام سيطرتهم على رقاب الأجهزة القضائية، وفي مقدمتها المحكمة العليا، بدون أن يغفلوا تمكنهم من أجهزة الأمن والجيش وجميع الوزارات السيادية وما يتفرّع عنها.
في موازاة هذا التطوّر، بدأنا نلاحظ في السنوات الاخيرة كيف استشعرت جهات صهيونية عديدة مخاطر ما ينمو في أروقة حكم الدولة؛ ومع تصورها بأن العرب سيشكّلون الضحايا المباشرين لذلك التوحش العنصري الفاشي، أحسّت بأنهم ليسوا بعيدين عن فم التنين وعن نيرانه الحارقة، لأنهم في الواقع «غرباء» وخارج فقه قانون الأساس «إسرائيلنا التي فوق الجميع «.
لماذا الآن؟ 
لقد استعان اليمين الاسرائيلي بقفزاته في السنوات الأخيرة بعتبات مدّتها أمامه بعض القوى السياسية والدينية الناشطة بين الجماهير العربية، خاصة تلك التي تؤمن بان إسرائيل ما زالت، كما قامت، كيانًا مزعومًا وباطلًا أقيم على باطل. إلى جانب ذلك سنجد، بالطبع، عوامل خارجية كثيرة ساعدته على إحكام سيطرته في الدولة وعلى إنجاز القانون بعد سبعة أعوام من النقاشات حوله ومحاولات تمريره الفاشلة؛ ومن بينها تعاظم قوة اليمين المتطرف في معظم الدول الأوروبية وغيرها، وتهالك وحدة الدول العربية وتهتك أنسجة الدول الاسلامية، وضعف حالة الشعب الفلسطيني. 
أعرف أن القوى العنصرية المتطرفة لم تكن بحاجة إلى مدعّمات ومنشّطات كي تمارس نهمها وجشعها وبطشها؛ لكنها نجحت بتجنيد بعض المواقف العربية وبرّرت بطشها بادّعائها ضرورة الدفاع عن مستقبل الشعب اليهودي ودولته، في وجه العرب الساعين من داخل الدولة إلى القضاء عليها وإقامة دولتهم القومية مكانها، أو امارتهم الاسلامية، كما يؤمنون ويصرحون ويكتبون. 
يجب التصدي ولكن كيف؟
انشغلت، كما كان متوقعًا، مؤسسات المجتمع العربي في إسرائيل بتداعيات القانون، وبادرت جمعيات ومجموعات كثيرة، وفي طليعتها «لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل»، لعقد لقاءات تشاورية حول طرق التصدي لتبعات هذا التشريع. كل هذه المبادرات مباركة ولكن.. لن يراهن عاقل على ما قد يحدث قريبًا، وسيبقى أقوى الاحتمالات الواردة ألا نلمس تحرّكات «ثورية» مؤثرة، وذلك ببساطة لأنّ معظم أحزابنا وهيئاتنا التمثيلية ومؤسساتنا السياسية بنيت في عصور دارسة؛ ورغم جميع التحوّلات في العالم وفي المنطقة وفي الدولة، لم تبادر معظمها إلى مواءمة برامجها وآليات عملها لمتطلبات معطيات العصر الجدّية. لقد بقي أكثرها كذلك الشخص الذي يشهر سيفًا في وجه صاروخ «التوماهوك» أو كمن يريد اسقاط طائرة «أف 35 بمقلاع. 
لا أوافق على الدعوة للهجرة من الكنيست، وأخشى من فشل جميع المحاولات النضالية التقليدية، أو من عدم ارتقائها إلى خطورة الحدث؛ وأن يقتصر جدول «المقاومة» على بعض المبادرات القضائية، التي سيبقى سقفها «عدل» إسرائيل القوية، وإلى جانبها بعض الفعاليات «التحرشية» الحاصلة تحت ما يسمى مظلة الرأي العام الدولي ومؤسساته الغارقة عمليًا بما تمليه مصالح تلك الدول ومرابحات/ مقايضات قادتها الموسمية؛ وكما قلنا في الماضي نكرر أنه بدون كسر القوالب والخروج من فروض «القبيلة» لن ننجح في بناء «كواسر موج» قادرة على درء الهزائم والغرق. فقريبًا سوف نشعر، كمواطنين عرب، بنتائج هذا القانون على حياتنا اليومية وعلى مكانتنا السياسية. لن يقتصر تأثيره المباشر على مواقف الأجهزة القضائية التي ستنحني انصياعًا لروحه الجديدة، وتقتصّ بهدوء من لحم حقوقنا المدنية والسياسية – كحقنا في التأطر السياسي، وحقنا في التظاهر، وحقنا في السكن وفي الحركة وفي التعبير عن الرأي وغيرها- بل سينعكس أثره في علاقة الدولة معنا كأفراد ومجتمع ولن تبقى حياتنا عرجاء كما كانت، بل ستصير تفاصيلها أعقد وأصعب وهوامشها أضيق بكثير. 
سيكون الآتي أفظع، وسيفرض علينا الواقع المتشكّل، إذا بقي تعاطينا معه بأنماط العمل القائمة، طريقًا من اثنين: فإما مواجهة طاحنة كبرى مع نظام جديد يؤمن بأن الرب حليفه، والأرض سجادته وأننا هنا، نحن العرب، نتحيّن الفرصة «لقتله»؛ وهم يتصرفون بواقع حكمة اجدادهم القاضية بان «من جاء ليقتلك قم واقتله أولًا»، ويعرفون أن العالم يعيش في عصر، تقوم فيه فضائيات «النظام العالمي الجديد» بتصوير موت الملايين من الأبرياء كما تصوّر هوليوود أفلام «الغرب المتوحش».
وإما نجاح من يؤمنون باقامة أطر مستحدثة وجبهات عريضة تعمل بأساليب ومفاهيم مبتكرة، وتنطلق من كوننا مواطنين في دولة يريد معظم قادتها التخلص منا، ولكن رغم ذلك يتطلب صراعنا في هذه المرحلة الحرجة، أن نجد فيها حلفاء ونحاول معهم الوقوف في وجه العاصفة وأمام نيران التنين. قد تكون مهمة ايجاد الحلفاء من العرب سهلة، أما من اليهود والصهاينة فصعبة أو عسيرة، ولكن عدم المحاولة، وهي أسهل، سيؤدي إلى ارتكابنا فشلًا خطيرًا، ستكون نتائجه أكبر من كابوس، لكنها، حتمًا، ليست أصغر من نكبة .
كاتب فلسطيني

 

 

فلسطين دمعة

التاريخ الحارة

جواد بولس

لن أكتب اليوم في السياسة ولن أحدثكم عن فلسطين التي في أحلامنا، ولا تلك التي تسكن في حضن الأماني. سوف آخذكم معي الى صباح فلسطيني مثير، لتروا كيف نمارس فيها طقوس "حزننا العادي" ونمضي كالناس نحو ضفاف الفرح.

كان الصباح ثقيلًا. أفقت وقد  "تطاول ليلي ولم أنمه تقلبا".

كان صوت صافرات السيارات تحت بيتي مزعجًا أكثر من كل العادة؛ شعرت بتعب شديد وبنعاس، وتذكرت نتفًا من حلم لازمني وأزعجني خلال نومي المتقطع.

اختصرت عاداتي الصباحية، وهيأت نفسي للسفر. توجهت بسيارتي نحو الحاجز  العسكري القريب من قرية "الجيب"  لأدخل منه إلى رام الله بدلًا من حاجز  "قلنديا" الأقرب بكثير الى منزلي وإلى مكان عملي.

كل شيء في فلسطين التي أعرفها تغيّر. للمسافات معان جديدة وللوقت أرواح تغيب ولا تفنى؛ وحتى النوم صار فيها شهوة وأمنية العقّال.

 لا علاقة للمرض بذلك ولا لبلوغك الخمسين "حافيًا" أو الستين حالمًا، فالقصة أننا نعيش أيامنا و"كأنّ الريح تحتنا" وننام في فراش وقد "حال من دونه الجمر".  إنها فضاءات القلق المتعاظم ينخر مخادعنا، وعوالم القهر الذي يحاصرنا على مدار الوطن والزمن .

قد تبدو حكايتنا، للرائين من بعيد، على شكل وطن من نثار كنعاني أو من صدى بيلاطس البنطي أو من برق سيوف سلطانية؛ لكنها مجرد ظلال هوية نصّ حروفها أبناء "الفصائل" ولوّنوها وعلّقوها على أعواد القوافل وعودًا سرمدية.

كان الصباح باردًا ورتيبًا، والطريق طويلا وخاليًا من سيارات الفلسطينيين. فكرتُ، لو بقيَت فلسطين محتلة كما كانت قبل "ثلج الخديعة"، لكنت سأقطع المسافة من بيتي الى مكتبي  في رام الله في أقل من عشر دقائق.  أما اليوم، وبعد أن صارت فلسطين الدولة فكرة نسجوا لها نشيدًا وعيدًا وعلمًا، حوّلونا إلى سنابد نحرث ترابها المجبول بالظلم ونداري فيها قسوة العدم.  

استعنت بالراديو وتنقلت بين محطاته فهو، لمثلي في أوقات "التسلل" ، ملجأ. أسمع من أذاعة محلية المغني الأردني، عمر العبداللات، وهو يحيي مدينة نابلس بأغنية يعلن مطلعها انها كبيرة "وبعمرك ما زغرتي"؛ ويعرب بعده صائب عريقات من صوت فلسطين عن "تقديره لمجلس الشيوخ الايرلندي ويدعو الاتحاد الاوروبي ليحذو حذوه". اما بنيامين نتياهو فيحذّر ، من إذاعة "مكان" الاسرائيلية، أهل غزة وينصحهم بأن يستوعبوا هذه المرة تهديده و يستسلموا له!

 قطعتُ الحاجز بسلام؛ فالدخول منه الى مناطق السلطة مجاز للعموم، أما الخروج فلأصحاب التصاريح فقط.

وبعد مغادرتي وسط القرية متوجها الى الشمال،  لأصل رام الله من الخلف، فاجأني رتل من السيارات الفلسطينية الواققة على طول الشارع.

توقفت وراء الطابور الذي لم ارَ بدايته. لم أثُر، لأن الشوارع كانت قد علمتني أن فلسطيننا حرة في القصيدة وفي الجرح والندم، بينما هي في الواقع أرض يطأها احتلال عاتٍ يَرى ولا يُرى.

مرّت الدقائق ولم يتحرك الطابور.  نظرت خلفي فوجدت عشرات السيارات وقد تذيّلت بهدوء، وفعل سائقوها مثلما فعلت.

بعد أكثر من نصف ساعة أطفأت المحرك ونزلت استفسر من السائق أمامي عما يجري. كان شابكًا أصابع كفيه تحت رأسه بصورة مقعرة ومشكّلًا بها وسادة من لحم وعظام كي تتلقف رأسه الملقى عليها بسلام. تحت ابطيه علامات التعرق وهو على وشك النوم عندما شعر باقترابي من شباك سيارته.

 لم يحرّك رأسه، واكتفى بفتح نصف عين، مبديًا بعض المضض، فسألته بخجل يوحي بكوني غشيمًا وغريبًا عن المشهد  "شو في يا أخي"؟ 

أجابني، بعفوية وبصوت مسامح وخافت وكأنه لا يريد أن يصحو : "حطّوا "محسوم"/ حاجز  طيّار هناك فوق، تحت الجسر ".

أردت أن أستوضح منه أكثر، لكنه بايماءة خفيفة أفهمني بأنه يؤثر العودة  إلى غفوته الصغيرة وإلى سكونه النفسي.

لم أعد إلى سيارتي وفعلت كما فعل الآخرون. البعض نزلوا  وبحركة طبيعية "مغطوا" أرجلهم ونفضوها؛ وكذلك فعلوا بأيديهم، مما أشعرني بأنهم يستعدون لمكوث طويل.

أشعل المدخنون سيجاراتهم ونفخوا دخانها نحو الغيوم التي كانت تسبح فوقنا؛ بعضهم أرفقوا مع الدخان تمتمة ظهرت كرجاء للغيم أو ربما كرسائل إلى مَن فوقه.

رآني من بعيد صديق فترك سيارته وجاءني لنحتفي بكرم الصدفة  ففرحنا و" قتلنا " معًا غلاظة السأم وأجّلنا الاصابة بنوبة الغضب.

كان الجو صافيًا والشمس صارت عدائية. علا من سيارة قريبة صوت الشيخ عبدالباسط عبد الصمد وهو يتلو بعذوبة ساحرة سورة يوسف، ومن مذياع آخر كانت تطلب فيروز من طير الوروار "رحلك من صوبهن مشوار"، وفي نفس الوقت كانت تغني فرقة العاشقين من حافلة صغيرة "صباح المجد والعزة يا أطيب أرض فوق الارض يا غزة".

انضم الينا بعض الرجال والشباب. كانت الراديوهات تصدح، وحديثنا يعلو تباعًا، وكانت نتائج المونديال موضوعه الأهم. احتدمت النقاشات بين الحاضرين الذين دافعوا، كل بدوره، عن فريقه وبطله، وتخللتها حدّة احيانًا وفكاهة أحيانًا أخرى.

لا تخطئوا التخمين، فنحن في القدس ورام الله نسمع ونشاهد ما يسمع ويشاهد البشر.  ترامب، عندنا مثله عندكم، يترنح "ككاليغولا" ربما كمجنون بالعظمة وعاشق لحصانه، أو، والرب أعلم، كجبار يجيد حصاد الرمل وقسمة القمر ، أو كراع شبق يعرف كيف تُحلب البقر ؛ وفي فلسطين نشاهد المونديال مثلما تشاهدونه في بلادكم، ونبكي لا مثلما بكى "نزار" الدمشقي عند "قدميها" ، بل كرمى لسحر "ميسي" وعند قدمي "صلاحنا"، ونهتف بحماس ليس كجدنا أبي الطيب، انما لرماح  "رونالدو" وغزوات "نيمار" ; أمّا الشوارب فبقيت مثل شوارب أمتنا، تحافظ على وقوفها ويقظتها مستنفرة ، وتميل حيث خواصر "الكرواتية الحسناء" تميل وعلى غنج "كمنجات" روسيا.

 ينام على يميننا سفح هضبة مكسوة بالاخضر. أصوات رعيان وراء المدى، وأشجار التين واقفة باحترام تظلل تحتها أثلام من المزروعات لم ننجح في تشخيصها عن بعد؛ ونحن من بعيد لا نرى حاجزًا ولا نشعر بوجود الجنود

 مرت ساعتان. انتهينا من نعمة الصدفة وتذكرنا أننا ليس إلا رهائن عند جنديين لم يتعدّ عمر الواحد منهما الخامسة والعشرين ، اقاما في صباح فلسطيني "عادي" حاجزًا، ليذكّرونا بأنّ فلسطين، في عصر القبح، ما هي الا أرض المجازات والدلالات وسباقات المسافات الطويلة، وبأنها سيدة الوجع  وربة السراب وحاضنة العبث.

وصلت الى مقرّ نادي الأسير  قبل الظهر . دخلت غرفة رئيس النادي، قدورة فارس، فوجدته منهمكًا في كتابة نصّ رسالة هامة. لم ألقِ عليه التحية، فرفع رأسه وتبسّم بعد ان شعر بغيظي يفور .

 جلست أمامه وسألته متعمدًا الهدوء ، "ماذا يعني الحاجز لك يا أخي ؟ " غابت بسمته وقال "لا أصعب من السؤال البسيط والمفاجيء" ! فكّر لحظةً وأجاب : "الحاجز هو الاحتلال يا صاحبي".

أردف بصوت المجرّب وقال: " يا صديقي ! الحاجز يشبه باب الزنزانة في السجن؛ كلاهما يرمز للقوّة والسلطة والقهر". أشعل سيجارته مستذكرًا بعذوبة محيّرة سنوات سجنه الطويلة وأضاف: "كل تلك السنوات كان عندي حلمان: الأكبر ان أحصل على مفتاح الزنزانة افتحها بحريّة واغلقها بنفسي؛ والثاني أن انام في فراشي عارياً"،  قال ذلك مؤكدًا "كود" الشرف الذي بنته الحركة الأسيرة الفلسطينية وألزمت بموجبه عناصرها بسلوكيات اجتماعية صارمة حافظوا من خلالها على مكانتهم الوطنية وعلى حصانتهم الاجتماعية.

سكت قليلًا، ثم اخبرني كيف حقق أمنيتيه بعد ما افرجوا عنه في العام ١٩٩٤، وخبّرني بحكاية الفيل الذي ربطوا ساقه بجذع شجرة كبيرة فحاول ان يقطع الجنزير حتى جرحت ساقه فتوقف.

ما الحل ؟ سألته؛ فقال علينا ان نداوي خوفنا أولًا؛ وأن نشفى من عجزنا؛ ففلسطين الحقيقية هي أهلها  "الأصبرون على الذل من وتد"، وهي حكاياتهم  في "الرمادي"  وتلك التي ستجدونها في لغة الغبار وفي ملح الرخام. أهلها، صاروا يحذرون الأذى  كالفيل، فهم يغفون على خنجر ويصحون على سيف، لكنها عندهم "بين الضلوع جذوة نار / وخلال الأجفان مزنة ماء".

إنها دمعة التاريخ الباقية.

 

 

 

 

بين يسارهم ويسارنا

جواد بولس

 

هل يوجد يسار صهيوني تقدمي في إسرائيل؟ ربما، وماذا إن وجد ؟  

دعت جريدة "هآرتس" في افتتاحيتها المنشورة في السادس والعشرين من تموز / يونيو الفائت إلى انتخاب النائب أيمن عودة رئيسًا للمعارضة البرلمانية في الكنيست؛ وذلك كردّ مناسب، حسب رأي محرّرها، على استنهاض بنيامين نتنياهو لمنتخبيه في الانتخابات الأخيرة، وتحريضه السافر على العرب الذين "يتدفقون إلى صناديق الاقتراع"؛ وما عكسه هذا التحريض من ارتفاع خطير في منسوب العنصرية وتفشيها في الحياة العامة الإسرائيلية وممارساتها الاقصائية ضد المواطنين العرب ، فتستهدف انتزاعهم من "أحشائها" واعتبارهم فاقدين لشرعية الوجود في "الدولة اليهودية" ولحقّهم في مزاولة نشاطاتهم السياسية والإجتماعية فيها.

ووفقًا لجريدة "هآرتس" فإنّ هذه "المواجهة" ستكون ضرورية ليس لأنّ أيمن عودة يمثل قيم "السلام والديمقراطية والمساواة" فحسب، بل بسبب فشل زعيم المعارضة المنتهية ولايته، يتسحاق هرتسوغ، الذي لم يقدّم بديلًا أيديولوجيًا أو عمليًا لحكومة اليمين ولسياسة نتنياهو

لم يستثر هذا المقترح اللافت فضول السياسيين العرب  فهؤلاء، ومثلهم أتباعهم، يعيشون في عوالم من المفاهيم السياسية المُقوْلبة والمتخثّرة، التي لا تتأثر بأية مجازفة مشاكسة أو فكرة جديدة أو مبادرة "مورّدة" من خارج أسواق الاستهلاك الحزبية المحلية؛ ولا تعتمد على قواميس المواجهات الدارجة، بل تلتزم بفنون قتال "قبلية" موروثة ومدعمة "باشراقات" و"غزوات" جيوش "الفسابكة والتويتريين" العرب المندفعين من على ظهور "خيولهم" العصرية.

يحاول البعض أن يفسّر صمت القيادات العربية الواضح وإعراضهم عن المقترح المذكور، بما يستبطنه هؤلاء القادة والنخب من مواقف عدائية تجاه أيمن عودة، رفيقهم وزميلهم في القائمة المشتركة، لا سيما وقد ظهرت هذه العدائية، مثلًا، بشكل أوضح عندما اعترض هؤلاء الساسة والمعلقون على مبادرته في اقامة جسم/جبهة ديمقراطية عربية-يهودية واسعه  لتقف في وجه فاشية الدولة المتنامية وضد الممارسات العنصرية للحكومة، التي لا تخفي أهدافها وما تخططه بحق المواطنين العرب  ومؤسساتهم القيادية والتمثيلية في إسرائيل.     

لم تنجح الأحزاب والحركات السياسية  العربية في مواجهة أسباب ضعف القائمة المشتركة ولا في اتخاذ ما يكفل استعادة أدوارها المأمولة ؛ ولن أتطرق في هذه المقالة إلى دواعي ذلك القصور أو إلى أسباب فشلهم في انجاز هذه المهمة المصيرية؛  فلقد بات واضحًا ، بعد هذه السنين، أن هذه القيادات ذاتها لم تستطع  تطوير  جوهر  "المشاركة" في اطار سياسي جديد وتحويله من مجرد جسر انقاذ يساعدهم على عبور مرحلة طارئة وفارقة، إلى "موديل" مستحدث في أنماط القيادة الجماهيرية المحلية، والقادر على تصريف وضبط "شؤون البلاد ومصالح العباد" وعلى حماية المجتمع من أعدائه الخارجيين والداخليين.

لقد حذّرنا من جدية وعمق الخلافات بين التيارات  السياسية المختلفة والأحزاب والحركات الدينية السياسية الناشطة بين الجماهير العربية في إسرائيل، ونوّهنا إلى وجود كمّ من بذور  المناكفات والعداوات الشخصية والمبدئية الموروثة والتي نمت في صدور القادة وعقول أتباعهم، وعششت في غابات مصالحهم الحزبية وفي دهاليزها  العمياء، وعبّرنا عن خوفنا على مصير هذه التجربة وضياعها؛ الا إذا تمّ تذليل أبرز العثرات البنيوية وازالتها، بمساعدة نقاشات جوهرية وتقديم تنازلات متبادلة وبمسؤولية، وانخراط جميع الفرقاء بنوايا سليمة وبوفاء للأهداف من دون تربّص و"استغفاء" !

كانت محاور الخلافات بينهم وما زالت كثيرة، وأهمها برأيي، ذلك التباين في الموقف من طبيعة الدولة وتعريف علاقتنا بها كأقلية، وكذلك اختلافاتهم المعلنة حول وسائل النضال المجدية ضد السياسات العنصرية، وتحديد سلم تحدّياتنا  كمواطنين نواجه أخطارًا وجودية وحياتية على حد سواء.

كان العمل مع "حلفاء"  يهود أو كما أسمتهم السياسة العربية  "باليسار الصهيوني" محطّ خلاف فصائلي مزمن وأساسي؛ فاكثرية التيارات السياسية والاسلامية الناشطة بين العرب في إسرائيل, باستثناء الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، لم تقبل بهذا الخيار ، وذلك لأسباب عقائدية ودينية وقومية، ونتيجة لنفي نجاعة تلك الشراكة عند آخرين أكدوا، كذلك، على دور بعض الشرائح من هذا اليسار الصهيوني في رسم وتنفيذ سياسة القمع ضد الفلسطينيين بشكل عام وضدنا نحن الجماهير العربية في اسرائيل.

لن ينتهي النقاش حول هذه المسألة مع نهاية هذه المقالة، وستبقى مهمة التفتيش على حلفاء يهود وغيرهم ديْنًا وعهدةً عند الذين سيضطرون الى الوقوف أمام "دي ناينات " وبنادق الفاشيين الجدد من حكام اسرائيل الكبرى.  ولكن ما يؤرّقني في هذه العجالة هو غياب من يمكن أن نسمّيهم بيننا باليسار العربي، فكلما غصت أكثر في "تلابيب" أحزابنا  وسبرت برامج حركاتنا السياسية والاسلامية، كلما اقتنعت بخلوّ ساحاتنا الحزبية من تلك القوى اليسارية الحقيقية، أو أنها تكاد تكون خالية؛ وقد تكون هذه الحقيقة هي واحدة من أهم أسباب عدم نجاعة عمل القائمة المشتركة وغيرها من المؤسسات القيادية.

فهل يوجد يسار عربي في إسرائيل ؟ ربما، ولكن دلّوني عليه ! 

لنقف عند أربعة محاور أساسية وندقق في مواقف العرب واليهود ازاءها ولنحكم بعدها من هو اليساري ومن لا.

والمحاور هي: المحور القومي، المحور الاقتصادي، المحور الاجتماعي، ومحور حل المسألة الفلسطينية والصراع حولها.

فمن يعرّف حزبه كحزب قومي حتى "النخاع"  ويؤكد بأن قوميته هي فوق الجميع وأقدس من كل قيمة وشيء، لن يُعدّ يساريًا؛  ومن يمتح شرعية حزبه/حركته من ماء السماء ومن دمها لن يدخل البرلمان وعالم السياسة من يساره؛ ومن لا يؤمن بالمساواة التامة بين "النحن" و"هم" والنساء والرجال والسود والبيض والروس والعجم والعرب،  لن يطأ "جنة" اليساريين.

هذه عينات بسيطة من التعريفات الأولية المقبولة في علم السياسة ، والتي لا يتردّد العرب في تطبيقها على المواطنين اليهود في إسرائيل، وبالأخص على من يعرّفون أنفسهم بالمتدينين القوميين وبالصهاينة؛ ولكن سيصير الأمر عسيرًا أو مستحيلًا اذا ما أتينا لتطبيقها في ساحات العرب !

 فاليهودي المؤمن بأن أرض أسرائيل الكبرى هي من حقهم فقط، هو متطرف ولا يعدّ يساريًا ؛ ومن يؤمن منهم بأن لا مكان لدولتين بين "النهر والبحر" هو متعصب ولن يكون يساريًا؛ ومن يهيم ويتعلق بسياسة الأسواق المفتوحة ويعترض على حق الدولة بالتدخل في اقتصاد السوق لن يكون الا يمينيًا ويسعى وراء سوق "خنازيرية" وجني أرباح طاحنة؛ واليهودي  المؤمن أن الرب أوقف هذه الأرض من أجل شعبه المختار  فقط، لن يكون إلا متزمتًا ويمينيًا؛ ومن يرفض تحقيق المساواة التامة بين كل الناس وتأمين حريات جميع مواطني الدولة الأساسية، لن يكون الا يمينيًا وعنصريًا.

 لا أسهل من صبّ "الغير" في القوالب؛  ولكن هل نستطيع فعل الأمر ذاته مع  أحزاب العرب وحركاتهم السياسية والدينية الناشطة في إسرائيل؟ واذا فعلنا فمن سيبقى منهم معدودًا على التقدميين وعلى أهل اليسار  ؟

جِدوا لي أولئك، وعندها سيكون بناء قائمة مشتركة معادلًا لإشادة الحصن المنيع، وستصبح بعدها  إقامة جبهة مقاومة العنصرية والتزمتية والفاشية، مهمّة بدهيةً ومطلبًا شعبيًا ملحًّا وضرورة انسانية ووطنية !

فيا يساريين اتحدوا!          

 

 

القائمة المشتركة

و"المثلية الجنسية"  في الكنيست

جواد بولس

 

عرفت المجتمعات البشرية ظاهرة "المثلية الجنسية" منذ بداية تكوّناتها الاجتماعية، بيد أن شعوب الأرض لم تتفق على موقف موحّد إزاءها؛ فشواهد التاريخ تظهر تباين مكانتها واختلاف طرق استيعابها وتعريفها.

 فهل هي مرض ؟ أم نزعة مكتسبة؟ أم حالة/ جينات مولودة مع صاحبها، تمامًا كلون العيون او لون البشرة؟

قد يكون الخوف على انقطاع النسل، منذ البدايات، سببًا لاستعداء الظاهرة واحتسابها "شذوذًا" ؛ مع أن البشرية عرفت حقبًا استساغت مجتمعاتها وضع المثليين والمثليات كمعطى اجتماعي مقبول، فخلّدت أدابُها وفنونُها قصصَ هؤلاء العشاق لمعشوقيهم والعاشقات للمعشوقات، ومنهم الأميرات والمغنيات والشاعرات والابطال والفلاسفة وكبار القادة وأشهر الحكام.    

في الماضي وقبل التاريخ حرّمت الديانة اليهودية " الجماع المثليّ" وأثّمت من يمارسه، ثم تبعتها الديانة المسيحية فأبقت على ذلك التحريم، مع أننا شهدنا مؤخرًا تبديلًا طفيفًا في موقف البابوية في هذا الشأن . وتلاهما الاسلام، رغم تباين مواقف الفقهاء حول مصير من يضبط متورّطًا بهذه "الخطيئة".

لن نعالج في هذه المقالة كيف ولماذا حاربت بعض المجتمعات هذا "الشذوذ" وكيف، بالمقابل، تكيّفت، أحيانًا، معه وتساهلت مؤسساتها مع من يمارسه؛ لا سيّما  إذا عرفنا أن حجم انتشار الظاهرة، في عصور عديدة، واختراقها لمجتمعات الشرق والغرب على حد سواء كان كبيراً؛ وكذلك إذا قرأنا ما توصل إليه علماء اليوم ونتائج أبحاثهم التي ينزع معظمها، من دون تأكيد علمي قاطع،  إلى أن الإنسان لا يختار "شذوذه" المثلي إراديًا، إنما يولد معه، سواء مع جينات خاصة أو عن طريق أي تفاعل فيسيولوجي دماغي أو غيره.

البعض لا تثيره الدراسات الغزيرة التي شهدها عصرنا رغم مسعاها  إلى سبر غور الظاهرة وتشخيصها علميًا وكشف مسببات حدوثها ؛ ويصرّ هؤلاء أن لا فائدة من وراء التفتيش عن "مسبب حصول الحالة"  لأن من حق المثليّ/ة في عصرنا أن ينادي ويقول : "من حقي بأن أكون مثليّاً، سواء وُلدت هكذا أو صرت هكذا بعد ولادتي".

بهدي هذا النداء وبروح عصر الحرّيات الفردية، بادر النائب الجبهوي دوف حنين إلى سن قانون يحظر التمييز على أساس "الهوية الجندرية" أو "المثلية الجنسية".  مع هذا وباستثناء رفاقة نواب الجبهة الديمقراطية لم يوافقه شركاؤه في القائمة المشتركة ولم يصوّتوا معه.    

لم تكن مبادرة النائب حنين الأولى من نوعها; فقبل أعوام نجح بتمرير قانون حظرت بموجبه التفرقة ضد الطلاب في مدارس الدولة على أساس "الهوية الجندرية"  أو "الميول الجنسية المثلية" ، أما اليوم فيطمح مشروع قانونه  إلى حظر  هذا النوع من التمييز  لا في المدارس فقط، بل في جميع مناحي الحياة ومؤسسات الدولة والمجتمع.

لم يصوّت نوّاب القائمة المشتركة مع مشروع قانون زميلهم رغم محاولات اقناعهم بأن القضية هي قضية حقوق ومبدأ ، "فجميع بني البشر سواء رغم اختلافاتهم .."  كما أكدت لهم النائب عايدة سليمان توما مضيفةً، ربما في إشارة إلى مواقف زملائها في القائمة قائلة "أنا اعتز بهذا الموقف وأستغرب وأستهجن التساؤلات والجدل الذي يدور حول المفهوم ضمنًا بنظري أن يحصل الناس على حقوقهم وفرصهم بشكل متساوٍ وعادل". 

بعكس نواب الجبهة فانّ الشريعة الاسلامية وتعاليمها تحدد موقف نواب الحركة الاسلامية من قضية المثليين، ولذلك فقد عارضوا المبادرة ولم يصوتوا معها.  

كلا الموقفين متوقعان, فنوّاب الجبهة كانوا أمينين على مبادئهم من قضايا   "الأقليات المضطهدة "وقضايا" المختلفين الآخرين "وعلى ضرورة دعم مساواتهم" كما أكد  النائب حنين، حين صرّح بأن حظر التمييز ضدهم "يجب أن يكون مطلقًا وبدهيًا عند كل انسان يسعى للعيش في مجتمع سليم ويعامل أفراده باحترام كبني البشر" . وبالمقابل متح موقف الحركات الإسلامية ، كما قلنا، من عقيدتهم وايمانهم بأن المثلية، الذكورية والأنثوية، هي حالة شذوذ مرفوضة، أو كما عبر عن ذلك النائب مسعود غنايم موضحًا:  "نحن ضد هذه الظواهر والمظاهر، ولا نؤيدها بأي شكل من الأشكال" .  

غاب موقف الحركة العربية للتغيير عن المشهد، ويبدو أن قادتها آثروا الاستجارة بخيمة الصمت أو "الجلوس على السياج"  في موقف ضعيف يفيض "ديبلوماسية مزركشة" وهشّة, لكنه حتمًا سيحسب عليهم. بينما لم يكتف نوّاب حزب التجمع بالامتناع  عن التصويت، بل حاولوا تبرير قرارهم بما يعتبره كثيرون "كعذر  أقبح من ذنب" ، وذلك بعد أن  أوضح رئيس الحزب النائب جمال زحالقة في موقف هلامي ، أنهم "ليسوا مع القانون وليسوا ضده" !! فهذه المسألة "ليست من أولوياتنا".

قد يعتقد البعض فعلًا أننا في صدد مسألة هامشية، خاصة إذا عدّدنا أصناف  المخاطر الجسيمة التي يواجهها المواطنون العرب في إسرائيل؛  لكنني، لا أوافق هؤلاء بل أرى أن الاختلاف حول هذه المسألة، كما مارسته القائمة المشتركة،  والنظر في خلفياته ومبرراته، كما أعلنت أو كما أخفيت، يعكس، كما قلت مرارًا، استحالة تحول هذه القائمة المشتركة إلى قوة سياسية مؤثرة وقادرة على الدفاع عن حقوق المواطنين العرب في إسرائيل، وهي إذا لم تتغير جوهريًا ،كما اقترحنا مرارًا، ستبقى عاجزة عن حماية المجتمع وانقاذه من سوء المصير .

الدفاع عن الحريات الانسانية الأساسية لا يتجزأ؛ ومن يبرر رفض وقوفه ضد  التمييز بين مجموعات من البشر بتحسس مفرط وخضوع لذهنيات وتقاليد موروثة، لن يكون قادرً ا على الدفاع عن حريات الجماهير المستضعفة، ومن يهادن جيوبًا يحسبها من مصوتيه في المستقبل قد تنزعج من قضية ما زالت تعتبر ملتبسة الجذور  بعد أن قيّدتها محابر الزمن الأغبر ، في سجل " التابوهات" المحظورة، سيجد نفسه حبيس تلك "الجيوب" وأسيرًا في عراها; ومن لا يقف إلى جانب "المختلف" و"الآخر" في محنته ومن أجل حريّته على جسده وأحلامه،  سيبقى هو "الآخر المختلف" المهزوم على أرصفة العجز  والأوهام.

يصرّ البعض أن يبقي قضية الجندرية والمثلية في أقبية الخيام وعلى الاسرّة في غرف النوم، وآخرون يسوّقون حروبهم الطاحنة ضدها بذريعة كونها سلعة غربية امتهنها الاعداء عبر الزمن السالف، ويمارسها اليوم الكفار؛ وعلى الرغم من رواج دعاياتهم وطغيانها في بعض المساحات، ستبقى الحقائق نزيلة في خزائن الأدب ومحفورة في بطون التاريخ؛ فقوائم الكتب العربية التي تعاطت مع تاريخ معاشرة الذكور للذكور وفنون حب السحاقيات والغزل في الغلمان  والجواري، لا يعد ولا يحصى .

كما بدأنا سنختم ونقول: تاريخ البشرية مليء بقصص المثليين والسحاقيات وبانتشار الظاهرة في بعض المجتمعات وبملاحقتها في أزمنة أخرى. لن نعود الى زمن الفراعنة ويكفي أن نتذكر عهد افلاطون وجميع فلاسفة الإغريق ثم الاسكندر المقدوني، ومرورًا بعهد الرومان وفارس حتى شيوعها  في قصور بني امية وبني العباس والفاطميين والموحدين والمرابطين وغيرهم؛  فمن امبراطورية لأخرى أضحى حب الغلمان إسرافًا في الترف وعلامة من علامات المجتمع المخملي وازدهاره في قصور الأغنياء والأمراء وقصائد الشعراء.

لم تعد أخبار تلك الليالي والأيام مكتومة لأنها  تملأ صفحات الكتب والمجلدات وذلك من "زمن التبر"  حتى زمن " الخبز الحافي" .

المثلية الجنسية ليست مرضًا ولا شذوذًا، وهكذا يجب أن يتعامل معها كل من لا تملي عليه عقيدته الدينية موقفاً مغايراً. وهي ليست من أمور "السلطان" ولا من شأن الأفراد ، وإذا قبلنا ذلك سيصبح تخيّلنا لما يقوله لنا  المثلي/ة  سهلًا؛  فهو مختلف عنا  ولا يريد منا حسنة أو قناعًا ولا أن ننمطه في خانة من الخانات، بل يطالبنا وبكل بساطة بأن ندعه / ندعها يعيش/ تعيش وأن لا نقرر عنه ومن أجله؛ فالمثليون يعيشون بيننا ومثلنا، وكثيرون منهم عاشوا ويعيشون كأصدقاء لنا، فرحنا لأفراحهم وبكينا لأوجاعهم وحزنّا عندما فارقونا ورحلوا.

فلماذا عندما تصيرون قادة  و"سياسيين"  تتنكرون لذواتكم ؟      

 

 

أسرى فلسطين الإداريون:

إلى أين؟

جواد بولس

 

مضت على قرار مقاطعة الأسرى الإداريين الفلسطينيين لمحاكم الاحتلال الإسرائيلي أربعة أشهر.
ورغم الخطوة، لم تنقطع المحكمة العسكرية في معسكر «عوفر» عن النظر في تثبيت أوامر الاعتقال المجحفة الصادرة بحق الفلسطينيين؛ التي بلغ عددها، منذ مطلع هذا العام وحتى نهاية مايو/أيار الماضي، 413 أمرًا، كان من بينها 154 أمرًا جديدًا.
 ذاق آلاف الفلسطينيين مرارة هذه التجربة القاسية وعبثيّتها؛ فاعتقلوا بدون تهمة وحوكموا أمام محاكم غير نزيهة تفتقد لأبسط أصول المحاكمات والتقاضي؛ ويكتفي قضاتها ، في معظم الأحيان، باستراق النظر إلى ما يسمى «ملفات سرية»، لا يطّلع عليها الأسير ولا محاموه، كيما يُلقوا بالمعتقل وراء القضبان. وقد طالت أوامر الاعتقال الإدارية جميع فئات الشعب الفلسطيني، ولم تستثن فصيلًا ولا حزبًا ولا قطاعًا ولا حتى القاصرين ولا النسوة ولا القادة السياسيّين ولا نوّاب المجلس التشريعي؛ الذي ما زال ثلاثة من أعضائه، هم خالدة جرار ومحمد جمال نعمان النتشه وحسن يوسف، قيد الأسر، رغم ما تكبّدوه من ظلمٍ خلال سنوات كفاحهم الطويلة ضد الاحتلال. 
تعود بدايات «رحلة» النائبين النتشه ويوسف «الجبلية «مع سجون الاحتلال الى أوائل تسعينيات القرن الماضي، بيد أن أكثر فصولها إيلامًا هي تلك السنوات العديدة التي قضاها كل واحد منهما وهو معتقل «إداريًا»، أي من دون مواجهته بتهمة عينية، واكتفاء القضاة بادّعاء النيابات العسكرية، في كل مرة اعتقلا بها، بكونهما قياديين بارزين في حركة «حماس» المحظورة اسرائيليًا، وبأنهما يخطّران من موقعيهما على أمن وسلامة الجمهور! 
أمّا عضو التشريعي خالدة جرار فكانت قد اعتقلت إداريًا لأول مرة يوم 21 يوليو/تموز عام 2017، بعد أن قضت، قبلها بعام، مدة 14 شهرًا في سجون الاحتلال اثر «إدانتها» في محكمة الاحتلال العسكرية بكونها قيادية ناشطة في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».
لم تفرج سلطات الاحتلال عن خالدة جرار، بعد انتهاء مدة أمر الاعتقال الاداري الأول، بل قام من يسمى بقائد قوات الجيش بتجديده لمدة ستة أشهر إضافية، كانت ستنتهي في الثلاثين من يونيو/حزيران الجاري.
ولكن، مرة أخرى وقبل انتهاء المدة باسبوعين، قام القائد العسكري نفسه بإصدار أمر اعتقال جديد لمدة ثلاثة أشهر اخرى، من المنتظر أن تنتهي في الثلاثين من سبتمبر/ أيلول المقبل. 
قد تعكس حالات النواب الثلاثة تعقيدات الواقع الفلسطيني الداخلي وعلّاته، لكنها حتمًا تعكس صور المعاناة التي عاشها ويعيشها كل من يصدر بحقه أمر اعتقال إداري؛ فالأسير/ الضحية يواجه حالة من العدمية والعجز القاهر، لأنه لا يُمنح فرصةً حقيقية للدفاع عن نفسه ويُترك ليواجه أشباحًا أو «طواحين هواء» ؛ وفي الوقت نفسه يبقى حبيس قلق منهك ؛ فذلك «القائد العسكري» يملك قوة مطلقة بتجديد أوامر الاعتقال، من دون تحديد سقوفها أو كشف مسبباتها؛ وهو لذلك قادر على ابقاء ضحيته في حالة من عدم الاستقرار النفسي والترقب السرمدي، المهلكَين! ويضاف إلى ممارسات قوات الأمن دور المحاكم العسكرية والمدنية، التي عملت طيلة السنوات الخوالي كأجهزة «تبييض وتغليف» لإجحاف قوات الأمن والقادة العسكريين، حتى أصبحت عمليًا شريكة كاملة في واحدة من المخالفات الإسرائيلية الأبشع للقوانين الدولية ولأبسط حقوق الإنسان المُقرّة عند معظم الأمم العصرية.
على هذه الخلفيات وبسبب هذا الوقائع، قرر الأسرى الإداريون مقاطعة جميع الأجهزة القضائية الإسرائيلية، كخطوة نضالية أولى في مشروع أشمل، قد يضطرهم، كما أُعلن على لسانهم، إلى اتخاذ خطوات إضافية، مثل شروعهم في إضراب عن الطعام وفق خطة متدرّجة ستشمل في النهاية جميعهم وبعض الأسرى غير الإداريين.
فهل نجحوا؟       
من الضروري أن يقيّم الأسرى مردود خطوتهم ومدى فاعليتها، بعد مرور  أكثر من أربعة شهور على بدء تنفيذها؛ فالمحكمة العسكرية، المخوّلة بمراجعة كلّ أمر يجدّد أو يصدر لأول مرة، مارست مهامها وكأنّ شيئا لم يحدث، وصادقت، كما تقدّم، وبدون حضور الأسرى أنفسهم إلى قاعاتها، على مئات الأوامر؛ حتى وصل عدد الأسرى الاداريين اليوم إلى 430 أسيرًا؛ ما يدل على أن الجهاز  القضائي، وقبله أجهزة الأمن التنفيذي، لم تتأثر بشكل فعلي بخطوة الأسرى، ولم تغيّر من سياستها على الاطلاق. 
هنالك أسباب عديدة لتكوُّن هذه «المعادلة» الملتبسة ؛ فعلى الرغم من موافقة جميع فصائل الحركة الأسيرة الفلسطينية على خطوة الأسرى الإداريين بمقاطعة المحاكم، يبقى وجود الشرخ الأساسي القائم بين أسرى «حماس» وأسرى «فتح»، عاملًا يسهّل على «السجان الاسرائيلي» إيجاد تصدعات في جدار الوحدة، وتحويل قرار المقاطعة إلى نوع من «الحبات المسكنة» التي لا تشفي العلة المزمنة ولا تداويها. بمعنى آخر،  يراهن السجان الاسرائيلي على عدم وجود قوة ردع حقيقية داخل السجون، قابلة للتبلور وللتحوّل إلى طاقة نضالية كاسحة؛ ليس بسبب وجود حالة الخلاف العامودية الخطيرة بين أكبر معسكرين فحسب، بل بسبب وجود «جيوب» من التخندقات «الشللية» أو «الظلالية الفصائلية الداخلية» العاكسة لتخندقات ذلك الفصيل نفسها التي تمارسها « الأجنحة»، على اختلافها، خارج جدران السجون.
على جميع الأحوال سيبقى أهل الزنازين أدرى بتجاربهم وبشعابها، فقد كانوا أصحاب القرار وسيبقون أهله وأبناء النهار؛ ومن مثلهم يعرف معنى وقوة الوحدة الحقيقية، خاصة إذا عززها من الخارج من يسندها وما يدعمها.
إنّ تبنّي الشارع الفلسطيني وقياداته السياسية والمؤسساتية لمطالب الحركة الأسيرة كان دائمًا شرطًا أساسيًا في تحقيق مطالبها أو بعضها، وتحرُّك «الشارع» مع  خطوتهم قد يحوّلها إلى»زناد» على شراره سيولِد ضغطًا محليًا ورأياً عامًا خارجيًا مساندًا وضاغطًا، من شأنه أن يستجلب طاقات المؤسسات الحقوقية المؤثرة وحناجر أحرار العالم لتصدح مع الأسرى وتقف مع مطالبهم؛  كما جرى في معارك سابقة سجلت فيها الحركة الأسيرة أو بعض أفرادها نجاحات لافتة ومميزة. 
لستُ محبطًا، لكنني مثل الجميع أشعر بغياب دور الشارع الفلسطيني وتفاعل مؤسساته وانعدام دور قياداته عن المشهد، رغم مرور أربعة شهور على خطوة، بُني عليها الكثير. وما زال معظم الأسرى الاداريون يخوضون التجربة بمرارة من دون «عمقهم» المحلي وفي أجواء متقلبة ومنذرة. 
على الإسرى إجراء جرد لحساباتهم الواقعية وعليهم عدم البقاء في محطتهم الحالية، فقطار «الإداري» مندفع رغم قرارهم، وضحاياه يقبعون وراء القضبان وهم صامدون بإرادات فولاذية ، باسمون لفجر، بعضهم ينتظره بصبر المؤمنين الثائرين منذ اكثر من عشر سنوات. 
أخيرًا ، عبّرت جهات دولية عديدة عن معارضتها الواضحة لسياسة اسرائيل ولممارستها في موضوع الاعتقال الاداري؛ وكان لتدخل بعض تلك المؤسسات والشخصيات في الماضي أثر كبير على انحسار أعداد الأسرى لبعض  الوقت، إلا انّ متابعة هذه الجهات لم تتمّ بشكل منهجيّ وموفق، فهي ليست «ثوريةً» أكثر من أصحاب الوجع والثورة ؛ وكي نعيدهم إلى الحلبة من إجل فلسطين وأسراها الاداريين، يتوجب أولًا على «أهل» الأسرى أن يعتلوا الحلبة ويتصدروا الساحات، وإن لم يفعلوا فسيذهب شقاء أسرى اليوم – يا للخسارة – في مهبّ أسرى الغد.
كاتب فلسطيني  

 

 

هل زهافا

جلئون حليفة أم عدوة ؟

جواد بولس

تطفو من حين إلى آخر نقاشات قديمة جديدة حول ما يسمى "باليسار الصهيوني" وشرعية العمل السياسي المشترك معه داخل إسرائيل.

لم أخفِ مواقفي خلال السنوات الماضية إزاء هذه القضية ، فأنا من "مدرسة"  تقضي تعاليمها بضرورة ايجاد السبل لاختراق مجتمع الأكثرية اليهودية واستجلاب "جيوب" منه لتدعم قضايانا العينية، أو ربما تنضال معنا من أجل مطالبنا الجوهرية. 

الأعمى فقط لن يرى حقيقة ما يجري داخل إسرائيل وماذا يتشكل في دهاليزها السلطانية؛ والأحمق من لا يرعوي مما حصل ويحصل في داخل "عمقنا العربي والاسلامي" ، والأبله من لا زال يعوّل على مواقف "ضمير العالم الحي"، والمقامر من يبني على أنّ  "كومة جماجم" ستكون حتمًا "لمجدنا سلما".

نحن في النضال لسنا وحدنا، ولم نكن ضعفاء ولن نكون؛  لكننا سنكون أقوى إذا نجحنا بضم حلفاء من اليهود إلى جانبنا، لا سيما أولئك الذين تستعديهم قطعان العنصريين السائبة وتضعهم في قوائمها السوداء وتحسبهم خونة فاقدين لدمغة  الأهلية (الكشروت) القومية .

لن تكفي مقالة اسبوعية لتفكيك جميع عُقد هذه المسألة، أو للتعاطي مع كامل عناصرها؛ فمحرّمو العمل مع "اليسار الصهيوني" يختلفون  بحججهم  وبمصادر تحريمهم، وبمشاريعهم السياسية الكبرى كذلك.

 وإذا استبعدنا من يحرّمون منهم الشراكة  لأسباب عقائدية دينية أو لأسباب عقائدية قومية، سنبقى مع مجموعات لا تحرّم العمل مع " اليهود" مبدئيًا؛ بل تعارضه لأسباب سياسية وعلى الأغلب بسبب "صهيونية" هؤلاء، وما يوحي به هذا الانتماء ويعنيه.

يعتمد المعارضون على التجارب ويتّبعونها مسطرة وقياسًا؛ فهذا "اليسار"، هكذا يقول المعارضون، على اختلاف مناهجه ومركباته، قد اثبت، منذ يوم الصراع الأول على هذه الأرض، أنه منقاد بصهيونيته، التي سعت في سياقها التاريخي لتكون بديلة لوجودنا، نحن الفلسطينيين، هنا.

 انهم عمليًا ، وفق هذه المدرسة، نفس "الذئاب" في فراء أخرى ! 

لن أناقش صحة هذه المواقف ولا معاني تسمياتها الحاضرة في قبالة تاريخها، ولن أجرب مدى انطباقها على واقعنا في ظروفنا الحالية،  لأنني على قناعة بأن مصلحتنا الإستراتيجية العليا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، في ايجاد من يقف مع حقوق اخوتنا الفلسطنيين وتخلصهم من الاحتلال، ومع حقوقنا في نيل مواطنة كاملة في الدولة.  

هكذا أومن، وحق غيري ألا يؤمن مثلي؛ فقوانين البقاء ستبقى أقوى من كل الشعارات وغلاوة الحياة ستغلب اللذة التي في الأحلام.  

المواقف السياسية المشتركة هي مبررات التحالفات المنشودة وأسسها؛ فمن يجرّم الاحتلال، مثلاً، وموبقاته لا مانع أن يصطف معنا في خندق واحد حتى لو كان يعتمر " كيباه" أو يصر على تعريف نفسه صهيونيًا.

ومن يوافق على حقنا بالمواطنة الكاملة في إسرائيل وبالمساواة الحقيقية، سيكون حليفنا في معركتنا ضد الفاشية، حتى لو أصر أن يبقى ابن "ميرتس" أو غيرها.         

قد لا يكونون شركاء في الحلم، لكنهم اليوم معنا في "حلق جهنم"  أهدافًا مطاردةً وحلفاء من أجل الخلاص، بعد أن باتوا يشعرون بدنوّ الهاوية.

استطيع أن أملا صفحات بأسماء شخصيات ومنظمات اصبحوا في عداد أعداء النظام، لكنني ساكتفي بايراد ثلاث عيّنات "طازجة" من شأن مواقفها أن توضح مرادي ومطلبي. 

قبل أيام اهتمت وسائل الإعلام الإسرائيلية بما صرّحه رئيس "المحكمة العليا" السابق البروفيسور أهرون براك في محاضرة ألقاها في الجامعه العبرية في القدس في الثامن من حزيران / يونيو الجاري؛ وشدّدت معظم عناوينها، على تقديمه، لأول مرّة، تعريفًا حادًا لطبيعة نظام الحكم السائد في الدولة حين وصفه "بدكتاتورية الأغلبية واستبدادها " وكذلك على تخوّفه من أن إسرائيل "تمر في عملية تتغلب فيها أسس غير ليبرالية على ديمقراطيتنا الدستورية، وثمة خوف من أننا في قمة منزلق أملس".

معظم المتابعين العرب لم تُثِرهم مضامين المحاضرة التي حفلت بتوصيف أشمل لما قامت وتقوم به القوى الفاشية في حربها ضد "المحكمة العليا الإسرائيلية" وضد مكانة قضاتها؛ وقد يعود سبب ذلك الاهمال إلى ما يمثله  "ماضي" القاضي براك وحقيقة كونه شريكًا وازنًا وبارزًا في هندسة دور "المحكمة العليا" ومواقفها المعادية لحقوق الفلسطينيين بشكل عام، ولحقوق المواطنين العرب في إسرائيل. 

قبل محاضرة القاضي براك بيوم واحد، أي في السابع من يونيو/حزيران، نشرت رئيسة حزب "ميرتس" السابقة، زهافا جلئون, مقالًا في جريدة "هآرتس" تحت عنوان: "لنوقف البولدوزرات بأجسادنا "؛ وفيه تطرقت إلى رفض "محكمة العدل العليا " لالتماس قُدّم باسم مواطنين بدو فلسطينيين يسكنون، منذ سنوات، في موقع يدعى" الخان الأحمر" ، كانت الحكومة الإسرائيلية قد أصدرت أمرًا بطردهم وبهدم منازلهم  مع مدرسة كانت تخدم مائة وخمسين طالبًا منهم. 

وصفت زهافا جلئون حكومة إسرائيل " بالمجرمة، والسكرى بتاثير القوة ، وعديمة القلب والكوابح الاخلاقية". 

بالتزامن مع نشر مقالة جلئون في "هآرتس" قامت منظمة "بتسيلم" بنشر بيان تشجب فيه إدارتها قرار المدعي العام للدولة "مناحيم مندلبلط" ابطال لائحة اتهام كانت قد حررت على خلفية قتل الشاب "سمير عوض" ، ابن السادسة عشرة،  بعد أن أُطلقت النيران على رأسه وظهره وهو عالق في سياج من الاسلاك الشوكية.    

انها نفس "بتسيلم" التي حذرت قضاة "المحكمة العليا" بعد رفضهم التماس سكان "الخان الاحمر"، ووصفتهم، ببيان صدر عنهم يوم ٥/٢٧، كشركاء في تنفيذ جريمة حرب؛ وهي ذات المنظمة التي بادرت قبل يومين إلى نشر عريضة شملت مئات التواقيع لشخصيات عالمية ومحلية، يشجبون فيها سياسة اسرائيل في ترحيل السكان البدو الفلسطينيين، واقترافها جراء ذلك لجرائم حرب بهدف الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وضمها إلى اسرائيل.

كل ما سيقال عن ماضي القاضي براك صحيح ، وكل ما سيلصق بحق حزب زهافا جلئون محق وصائب، وكل من سيشكك في نوايا منظمة "بتسيلم" يكون قد حاول واجتهد؛ أما الحقيقة فستبقى أنهم وأمثالهم من اليهود صحوا ذات نهار  "صهيوني" ليجدوا أنفسهم نفسهم في مصاف أعداء من يقودون الدولة على ذلك "المنزلق الأملس" نحو الهاوية ، كما وصفه القاضي براك.

لقد أنهت زهافا جلئون مقالتها بتحريض واضح وبدعوة جريئة أعلنت فيها "علينا في هذا الامتحان ان نستنفد جميع وسائل النضال غير العنيف، بما في ذلك العصيان المدني واعتراض البولدوزارات؛ لقد انتخبت الحكومة بشكل قانوني لكنها ليست مخولة لاقتراف جرائم حرب، ومن المؤكد ليس بالنيابة عنا ولا بالوكالة منا" .

انها مجرد عيّنات لا يمكن " تطنيشها"  فنحن نعيش في فوهة بركان وعلينا أن نكون حكماء وليس فقط محقين. 

 قد يكون ما كتبه في هذا الصدد السيد سليم سلامة ، وهو رافض عتيق لدور اليسار الصهيوني وكاتب وصحفي لافت بنقده وبحدة قلمه، علامةً وقدوةً لما على الانسان المسؤول أن يفعل، فلقد عقب على مقالة جلئون المذكورة  وقال " أنا الرافض ( والمعادي !) منذ سنوات طويلة لكل ما يسمى "اليسار"  الصهيوني/الإسرائيلي ، فكريًا وسياسيًا، تاريخيًا وأخلاقيًا، ولا أفوّت فرصة لنزع الأقنعة عنه وكشف حقيقته ، لا يسعني اليوم إلا أن احيّي زهافا غلئون، الزعيمة السابقة   ل"ميرتس" ولهذا  "اليسار" على موقفها في قضية اقتلاع وتهجير "عرب الجهالين" .. كتبت غلئون مقالا جريئًا غير مألوف في مشهد هذا "اليسار"، يشكل شذوذا غير مسبوق في موقفه ومنهجيات ادائه ..." 

فهل بعد هذا الكلام من كلام ؛ إلا ما أضاف من تخوّف وحذر ، تمامًا كما يتوجّب على كل عاقل ومجرّب ومؤمن بصدق قضيته أن يفعل، خاصةً وقد فاضت طرقاتها بالجحور وبالحفر . 

سيكون نضالنا ضد الفاشية في إسرائيل أقوى مع حلفاء يهود ولا ضير إن كانوا صهاينة ومستعدين أن يقفوا بصدورهم أمام شفرات بولدوزارات الهدم والدمار. 

   


 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا