الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

جواد بولس كاتب فلسطيني محامي  ناشط في مجال حقوق الانسان



الحكمة والوجع

في دموع أكتوبر

جواد بولس

 

يعتبر أكتوبر/تشرين الأول في قاموس «ارتقاء وتطور» الأقلية العربية في إسرائيل شهرًا مفصليًا؛ ويصنّف كثيرون من قادة هذه الأقلية ومفكّريها أحداثه الدامية التي جرت عام 2000 كمحطة أشهرت فيها الدولة اليهودية نيّتها الواضحة للطلاق من مواطنيها العرب، وللتعامل معهم، جهارةً ، «كحمل فائض» يستدعي اتخاذها التدابير الخاصة لمداراته أو للتخلص منه.
إنها إسرائيل الحديثة التي صار فيها اصطياد العرب رياضة رائجة، وغدت البلاد كلها غابة، وكل العرب صاروا فيها فرائس مستساغة. ليس كمثل أكتوبر فرصة لنسأل فيها ما العمل وكيف الخلاص؟ فمن لا يصطاده منا رصاص «يوشع» قد يرميه سهم «عنتر». «جلسنا هناك حوالي خمس دقائق. رأينا مجموعة من ثلاثين شخصًا، تراوحت أعمارهم بين 20 و35 عامًا. برز بينهم شخص بدا كأنه رابيهم. كانوا يفتشون عن عرب. وفي اللحظة التي عرفوا فيها أننا عرب أطلق هذا الراب كلمة فانقضوا علينا». هكذا وصف «إسلام» ، طالب في كلية الحقوق في القدس، كيف تعرض وأصدقاؤه، في أحد أحياء القدس، إلى هجوم دموي نفّذته زمرة فاشيين يهود كانوا قد خرجوا في رحلة صيد بشرية.
أقرأ قصة «إسلام» فأغضب وأخاف.. إنها تفاصيل تشبه تفاصيل عشرات الحوادث التي رواها ناجون عرب من اعتداءات كتائب الموت الفاشية، التي صارت تمارس «رياضتها» في الأماكن العامة بشكل يومي ومن دون رادع. «حاولت أن أهرب لكنهم أمسكوني وضربوني في جميع أنحاء جسمي، ثم قاموا بصعقي بجهاز كهربائي كان بحوزتهم، واستمروا حتى فقدت وعيي لمدة عشر دقائق». لم أرغب في استكمال تفاصيل الخبر، كما نقلته الصحافة، فمعظم تلك الأخبار تنتهي بأنّ الشرطة لم تعثر على الجناة، أو أنها عثرت على واحد لكنه ما زال ينكر ضلوعه في الحادث.
في الأسبوع نفسه نقلت الأخبار أنباء عن وقوع هجومين آخرين نُفّذا من قبل كتائب الموت، وأسفرا عن اصابة عدد من الضحايا العرب في منطقة باب العامود في القدس، وعن اصابة سائق باص فلسطيني في منطقة «بيتار عيليت». لم يبدأ تاريخ هذا الدم في أكتوبر 2000، ولن ينتهي عند عتبات القوانين العنصرية الجديدة؛ لكننا نشهد، في هذه الأيام، حالة غير مسبوقة من أشكال التنافر الصدامي مع مؤسسات الدولة؛ فهي من جهة، ترفض الاعتراف بنا كمواطنين كاملي الشرعية والحقوق؛ ونحن من جهة أخرى، لم ننجح في تفادي الارتطام الوشيك بهياكلها؛ وهي مصرة على التعامل معنا، وهذا هو المنزلق الأخطر والأجد، كغرباء لا نستحق الحياة فيها الا كأفراد وصاغرين. ونحن، رغم طرطشات الدم في ساحاتنا، نمضي نحو مستقبلنا وكأننا سادة للغيب وقهارو السيف والمنفى.
منذ سنوات تحاول إسرائيل، بحنكة واصرار، وكجزء من مخططها الجديد، هدم معظم منجزات المواطنين العرب المناعية، وقد نجحت في السنوات الاخيرة الماضية بتقويض أسس معظم البنى الاجتماعية والسياسية الواقية، التي كانت تهيمن داخل المجتمعات القروية والمدنية؛ وساعدت في المقابل، على خلق بدائل قيادية محلية، ارتبطت مصالح معظمها مع «صرة» الدولة، ولم يعترف بعضها بضرورة تظللها بالهوية الوطنية التي رمّمت القيادات المؤسسة بعد النكبة قسماتها، واستعادت حضورها بمسيرة نضالية شاقة ومشرفة وبتضحيات جماهيرية جسيمة لامست في بعض محطاتها المستحيل والمعجزات. يحاربنا صقور اليمين الإسرائيلي العنصري على جبهتين، من خلال تجنيد سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية ضدنا، وقد نجحوا عمليًا، في العقد الأخير، في إحكام سيطرتهم شبه التامة على جميع مفاعيل الحكم، وضمنوا تلقائيًا تنفيذ سياساتهم القمعية والإقصائية بحقنا، نحن الجماهير العربية؛ بينما قاموا، على الجبهة الثانية، بالهجوم على حصوننا الداخلية فانقضّوا على سلطاتنا المحلية والبلدية ونجحوا، بمساعدة ركائز محلية، باحتلال معظمها. ثم ساهموا في تأجيج الانتماءات العائلية والحمائلية والطائفية، ولم يعترضوا على تفشّي ظواهر العنف على تنوّع مصادره؛ فخلقوا، بعد كل هذا، حالة من انعدام الثقة الشعبية بالقيادات وبالمؤسسات الوطنية التقليدية، ومن زيادة في منسوب القلق جراء غياب الأمن الشخصي وتضعضع حالة السلم المجتمعي ، خاصة بعد انحسار وتكلّس دور الأحزاب والحركات السياسية القائمة. في هذا السياق علينا، إذن، أن نواجه «قانون القومية» العنصري بصرامة، لأنه الوسيلة التي جاءت لتُجمل، فعليًا وليس أشهاريًا فقط، مسيرة عقدين، سعت خلالها جميع مؤسسات الدولة من أجل تثبيت ما أعلنه رصاص الشرطة في اكتوبر الدامي، حين اردى ثلاثة عشر مواطنًا مسالمًا، من دون أن يحاسب أحد على ارتكابه تلك الجريمة الكبرى. ستبقى مواجهة هذا القانون مهمة معقدة ومصيرية، لكنها ليست المهمة الوحيدة الماثلة أمام مجتمعنا وقياداته؛ فخريطة الدم في مواقعنا، كما نقرأ عنها كل صباح، مقلقة ومخيفة.
تعيش معظم القرى والمدن حالة من التوتر والغليان، فنحن على أعتاب اجراء انتخابات السلطات المحلية والبلدية. إنه موسم الغضب. تنتشر اخبار الاشتباكات الحمائلية كانتشار الحشرات في مواسم الحصاد، وتغطي أنباء سقوط القتلى والجرحى عناوين المواقع بشيء من الروتينية المستفزة. ساحات بعض المدارس تحوّلت إلى ميادين للقتال وللاعتداءات على طواقم التدريس وعلى الطلاب. فمن لم يحزن قبل أيام لسماع أخبار طعن عدد من طلاب إحدى مدارس قرية «جلجولية» في شجار عنيف، ونقلهم إلى المشافي؟ وجلجولية الجميلة ليست ضحية يتيمة لهذا المشهد الدامي. قد يلومني البعض على سوداوية ما أكتب، لكنني «ابن لغتي» وهي التي علمتني أن الحكمة في «أمر مبكياتك لا في أمر مضحكاتك».
«لم يكن ذلك مجرد اعتداء علينا، بل كانت محاولة لقتلنا» هكذا أنهى الطالب المصاب «إسلام» كلامه للصحافة الاسرائيلية، مؤكدًا ما نقوله دومًا؛ فقصور إسرائيل في معاقبة المجرمين، وسياستها العنصرية الرسمية ستبقى المسؤولة الأولى عن معظم دماء الأبرياء المسفوكة في قرانا ومدننا؛ ولكننا في المقابل لن نعفي أنفسنا، إذ سنبقى نحن أيضًا مسؤولين عن حيوات ومستقبل أولادنا، وعن مناعة قلاعنا واستعادتها.
فهل سيكون الثلاثون من أكتوبر الحالي محطة مفصلية مختلفة نبدأ منها مسيرة العودة الحقيقية نحو فجرنا الجديد؟ 
لننتظر حكمة الشجر في الخريف وهو يغوي المطر.
كاتب فلسطيني


 

 

 

الحرب هي على

انجازات أسرى فلسطين

جواد بولس

لم يحظ إعلان وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، جلعاد أردان، عن تشكيل لجنة خاصة لفحص شروط معيشة الأسرى الأمنيين الفلسطينيين في سجون الاحتلال،  بعناية فلسطينية تتناسب وخطورته؛ لا سيما بعد توضيح الوزير بأن اللجنة مطالبة وموكلة بوضع توصيات من شأنها المساس بحقوق الأسرى، المكتسبة منذ عشرات السنين، وحصرها في نطاق الحدود الدنيا التي تتيحها القوانين وأنظمة مصلحة السجون الإسرائيلية الجائرة

من الضروري أن نرى كيف تجاهر حكومة إسرائيل الحالية بنيّتها وبإصرارها على محاربة "الحركة الأسيرة الفلسطينية"، فوزراؤها يتنافسون بإطلاق التصريحات العدائية، ولا يتسترون على تحريضهم، الذي استهدف ويستهدف القضاء على منجزات "الوضع القائم" داخل السجون.

يسعى قادة اسرائيل من أجل محو الصدى الذي يعكسه هذا الواقع وآثار تلك الصراعات الندّية الطاحنة التي اجتازتها عناصر الحركة الأسيرة ، خلال مسيرتها الطويلة، بما يلامس المعجزات، حين حوّل آلاف الأسرى والأسيرات تجارب اعتقالهم المريرة إلى ملاحم تجدّد فيها الارادة الفلسطينية تفوّقها على سجّانها وتثبت للعالم وللمحتلين ان للحرية في فلسطين شمساً لن تحجبها أبواب الفولاذ، وروحاً تعاف أقفال الكراهية، وعزيمة لا يفتّها قمع الطغاة.

باشرت اللجنة عملها ومن المتوقع أن تصدر توصياتها بعد فترة الأعياد اليهودية الحالية أو قبل نهاية العام الجاري؛ إلا أنّ مصلحة السجون قد شرعت بتطبيق هذه التوصيات في بعض السجون ، وفقًا لما رواه الأسرى لمحامي "نادي الأسير الفلسطيني"؛  فقامت ادارة سجن  "هداريم" مثلاً بسحب حوالي 1800 كتاب كانوا في متناول أيادي الأسرى الفلسطينيين ؛ كما وأعلمتهم أنها بصدد تنفيذ قرارات جديدة.

وفي تقرير آخر  تبيّن لمحامي نادي الأسير أن الأسيرات في سجن "هشارون" خضعن لنفس الإجراء وذلك عندما زارهنّ أعضاء "لجنة أردان" وحققوا معهن حول أوقات خروجهن للساحات وللفورة ، وحول تفاصيل ادارتهن للمطبخ ونوعية الأكل وكمياته وعن الكنتين وعن العلاقات التنظيمية والاجتماعية بينهن وما إلى ذلك . 

كما وتبين أيضًا أنه في أعقاب تلك الزيارة قامت الادارة بتشغيل كاميرات المراقبة الموجودة في جميع مرافق السجن، علمًا بأنها كانت معطلة منذ سنوات بمقتضى اتفاق أبرمته الأسيرات مع المسؤولين في حينه.

لم تتوقع الأسيرات هذا الاستفزاز الفوري فأعلنّ عن بعض الخطوات الاحتجاجية وعن استعدادهن للتصعيد إذا لم تتراجع الادارة عن قرارها؛ لإنهن يعرفن أنّ فشلهن سيمحو جميع انجازات الماضي ويُحكم على رقابهن عقدة  "الهاء" في أنشوطة النكسة ! 

على جميع الأحوال فنحن في "نادي الأسير الفلسطيني" ، وبناء على تجاربنا الطويلة ورصدنا لتأثير تداعيات الحالة الفلسطينية العامة والخاصة بالسجون، نرجّح أن الأمور ذاهبة في اتجاه تصعيد خطير؛ فالقضية ، كما يفهمها الاسرائيليون، أكبر من وجود كاميرا وأهم من وجبة وأخطر من كنتينا وكتاب؛ إنها فرصتهم ، هكذا يتخيلون، بالقضاء على وجود هذا "الكائن" ونسفه من الجذور ، وتحويل أعضائه، أسرى الحرية الفلسطينيين،  إلى مجرد "جناة وارهابيين" يتذللون عند عتبات سجانيهم من أجل قطعة صابون أو كسرة خبز او فرشة وحبة دواء، وذلك كما كان أردان قد صرّح بعظْمة لسانه قائلاً: "على اللجنة أن تفحص امكانيات تشديد ظروف معيشة الأسرى الأمنيين"؛ وأضاف متباهيًا بأنّ هذه الخطوة تأتي كخطوة متممة لمنعه زيارات أعضاء الكنيست العرب لدى الأسرى الأمنيين ولمنع زيارة بعض الأهالي ولمنع اعادة جثامين بعض الشهداء، ومنوّهًا إلى أنه "علينا أن نتذكر بأن الأسرى الأمنيين هم ارهابيون ساندوا أو شاركوا بتنفيذ عمليات إرهابية ضد المواطنين في اسرائيل..".          

لقد حذرنا في الماضي من هذه السياسة، فقيادة اليمين الاسرائيلي الحاكم استوعبت جيدًا أن نقطة التماس الوحيدة الساخنة المتبقية بين الاحتلال وبين من يقاومه تتجلى بشكل يومي في السجون، وذلك بسبب وجود ودور الحركة الأسيرة بهيئتها وهيبتها المكتسبتين منذ عقود، وتحوّلها إلى كيان جامع لم يقوَ عليه القهر، ولم يكسره القمع ولا التعذيب ولم تشوّهه عتمة الزنازين.         

لقد اعترفت أسرائيل بعظَمة ما حققته "الحركة الأسيرة الفلسطينية" من خلال أجيال المقاومين الأوائل ومن تلاهم في مسيرة الكرامة المشعّة؛ وقد شهد العالم كله كيف بنى "سكان الزنازين" صرحًا، عرّى، ببعديه المجازي والواقعي، ممارسات الاحتلال وفضَح موبقاته وأحيى بالمقابل،  بتضحيات اعضائه الجسيمة،  "لحاء الانسانية" المزروع  في سحر حياة كل ثورة وكل شعب يسعى للتحرر ؛  فحيثما يوجد احتلال وقمع توجد مقاومة وحبس، وحيثما يوجد حرمان وأسر، يبزغ الأمل ويولد المستقبل من رحم اليأس. إنه قانون الحرية الخالدة كما جسّدته هذه الحركة؛  فالفلسطيني الأسير أصبح حرًا في أصفاده، بينما صار الإسرائيلي الغاصب المحتل عبدًا لعنجهيته ، مأزومًا في "سجنه".          

لقد توقعنا تعاظم محاولات إسرائيل  لقصم ظهر هذه الحركة الفذة، بالذات في ظل الانقسامات الداخلية التي بدأنا نشهد اتساع دوائرها داخل السجون وتحوُّلها إلى مناكفات صاخبة بين مراكز  قوى فصائلية جديدة متنافسة على "السلطة" وعلى التأثير داخل معظم السجون.

لم تتدخل اسرائيل، في البداية، في حروب "الاخوة الاعداء"، بل وقفت ترقب تنامي هذه التصدّعات وهي تصير جروحًا دامية وتوفر عمليًا لإجهزتها الامنية فرصًا ذهبية لزرع الأسافين ولاسترضاء جهات على حساب جهات.

اليوم وبعد هذه السنين تقف الحركة الأسيرة أمام مفترق خطير ؛ ومع أنها كانت، بشكل من الاشكال، ضحية لانقسامات الخارج ولتصارع القادة في الفصائل ولحروب "الامارات" على السيادة والمحافظات، تتحمل هي قسطًا من المسؤولية وتبقى سيدة حاضرها والمؤتمنة على مصيرها.

فرغم ما شهده تاريخ فلسطين الحديث من صراعات على المواقع وعلى مصادر القوة، نجحت الحركة الأسيرة، حتى بداية الالفية الثالثة، بتحييد تأثير هذه العوامل، وحافظت على كونها صمام أمان للحركة الوطنية وبوصلة لنضالها ؛ وشكلت -من خلال فهم قيادييها لمكانتها الفريدة ولمسؤوليتهم التاريخية، خاصة في زمن الأزمات - منصّة حسمت مرارًا نبض الشارع وزوّدته  بالأمل وبالهدف وبالشعار السليم.

لقد أحسّ السياف بارتباك "فريسته"  فحاصرها بغريزة الصياد الماهر الحذق وأخذ يرميها بسهامه وينتظر، ثم يرميها و يتأهب لانزال ضربته القاضية، التي لن ترحم أحداً فيما نرى، لا مَن وقف في وجهه ولا من تهاون واستظل بفيء "سلطان" ، كان معلمَيه عرقوب والعقرب النزق.

هل يمكن افشال توصيات "لجنة اردان" ؟

قبل الاجابة بنعم على هذا السؤال يجب على جميع الفلسطينيين أن يؤمنوا بضرورة خوض هذه الحرب وبضرورة الانتصار بها؛  لأنها ليست، كما يدّعي البعض، مجرد معركة صغيرة في حسابات المصائر والوطن؛

فصحيح أن مصير القضية يتأرجح على وتر وسيبقى هو وجع الوجع؛ وصحيح أنّ هذا "العالم" ظالم وعاهر، وصحيح أنّ معظم الاشقاء دهاة "وخناجر "؛ ولكن مع كل هذا ، أو ربما بسببه، نقول أن الايمان بضرورة انقاذ الحركة الأسيرة سيكون أول عرابين الصمود الفلسطيني والضمانة لبقاء الحصن في الواجهة والحصانة في وريد "القضية".

النصر ليس مستحيلًا، فلا تدَعوا ، أنتم الذين في السجون، ومثلكم من في رام الله ومن في غزة، أردان ينجح في حربه؛ لأنكم إن سقطتم فستكتمل هزيمة الشعب الكبرى، وسينتظر بعدها  "أفراخكم" طويلًا سماد السماء وانفطار القمر.

 

 

 

 

في الغفران تبكي

 القدس فيصلها

جواد بولس

للغفران في القدس حضور مختلف. في تردّده لعنة الترويض وطعم من الادمان البغيض ؛  تصير  فيه ابنة السماء أرملة يسكن في ديارها البكم ويتربّع في حرجها الخوف والذلّ، وتغمر قناطر  أحواشها بحور من الالتباس.

يقف أصحابها على أرض من زجاج أملس هشّ ولا يجدون في فضائها، فوقهم، غير الغبار وغير وجوه تطلّ منه بقسمات غريبة ليست كقسمات الملائكة ولا العباد. تنتشر في أجوائها روائح البطش و أصوات العجز الخرساء.

أقف أمام نافذتي محاولا استكشاف ملامح هذا النهار. تحاول السماء استعادة زرقتها، ولكنّ بعض الغيوم البيضاء البعيدة تمنعها من ذلك.

 أحدّق من غير هدف وأشعر لوهلة أنني في مكان غريب. كانت البيوت قبالتي مثل صناديق موصدة، بلا شرفات ولا شبابيك، ولون سطوحها  فاحم كرموش العتمة. شوارع الحي بلا نبض، تمتد أمامي طويلة كلسان تنين خرافي.

سمعت من احدى الفضائيات مذيع يصرّح:  "إنّ الأمين العام لجامعة الدول العربية يحذّر من انزلاق الاوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة الى مزيد من التدهور خلال الفترة المقبلة".  لم انتبه فيما اذا أوضحت الجامعة العربية ماذا ستكون ردود فعلها المنتظرة إزاء هذا الانزلاق المتوقع، فلقد انشغلت برقصة غيمة شقية كان شكلها كحصان يقف على رجليه الخلفيتين.

حمّل بعدها نفس المذيع "الولايات المتحدة المسؤولية عن خلق هذه الحالة من الغضب واليأس لدى الفلسطينيين .." بدأت أشعر بالغضب وبالحزن؛ وحاولت التقاط صوت هدير محركات مراكب بعيدة فلم أسمع غير صفير الريح.

انتقلت إلى شرفتي الجنوبية. لم يخرج الراهب القبطي ليتفقد ساحته، كما كان يفعل كل صباح ، ولم أسمع ضجيج طلاب المدرسة فبدت بناية الدير كأنها مهجورة.

حاولت أن أشغل نفسي، كما يفعل أهل الضجر ، بإحصاء سرب الحمامات الذي يستوطن "سطوح ضيعتنا العليانه" فلم أجد إلا واحدة فرّت ، كسهم مفزوع ، عندما شعرَت بوجودي.

عدت إلى كنبتي، صديقتي، وقلت ربما ما زال النهار  يافعًا، والمدينة، كما يبدو، لم تستفق بعد من ليلها الطويل، الذي كان مثقلًا بتناهيد سكانها اليهود وبصلوات كهانها وبرجائهم من ربهم أن يغفر كل ذنوب شعبه المختار، مهما كبرت ومهما عظمت.                       

ما زالت أمامي صفحات من كتاب يحكي عن تاريخ حياة صاحبي ، أمير القدس فيصل الحسيني، والتي حاولت أن آنس ليلتي بعطرها،  كعادتي في "مواسم  القحط والغفران" .

 لم أجد لنفسي في القدس مطرحًا بعد رحيل فارسها. كانت خيبتي موجعة ووقع اليتم قاصمًا، فلم ألق مثل ذكراه ظلًا واقيًا، ومثلها ملجأ يحميني كلما اشتدّ الحصار وسدّ القمع جميع الطرقات والأماني.

 مرّت ساعتان شعرت فيهما كأنني أقف على أرجوحة تنقلني بين قدسين وحلم. استذكرت سنين الحصاد والجنى التي عشت فيها قريبًا من قلبه ومن عقله؛ غضبت ثم هدأت ثم حزنت ثم فرحت وابتسمت؛  تمامًا كما أوصانا الفيصل وهو في زنزانته حين قال : " الأوضاع التي تحيط بي عابسة والجدران في هذه الزنزانة عابسة وأنت عندما تقف أمام القضبان تكون عابسًا ، حتى النافذة الوحيدة في غرفتي يأتيني منها شعاع الشمس عابسًا، لا توجد أي ابتسامة إلا ابتسامتي؛ لذا فإنني لن أفقدها أبدًا". فهل ستكفي اليوم بسمة كي نبدد ظلام القدس ؟

سألت صاحبي اذا نجح في الوصول إلى القدس القديمة عساني أنضمّ اليه في هذا اليوم غير العادي. في الاخبار اعلنوا أن معظم الشوارع مغلقة بحواجز  اقامتها شرطة الاحتلال لتمنع تحرك المواطنين العرب في أرجاء المدينة.

يمكنك الوصول الى القدس عن طريق شعفاط فمنطقة وادي الجوز فالبلدة القديمة ، هكذا أفادني عبدالقادر ؛ أي انك تستطيع التحرك اذا كنت تسكن في مناطق محيطة بهذا المسار فقط.

مع هذا فلقد نصحني بألا أجّرب، لأنّ معظم الشوارع مليئة بالجنود وبرجال الشرطة، والأسواق شبه خالية من الزائرين، والمستوطنون يمارسون تحدياتهم واستفزازاتهم ومحاولاتهم للدخول إلى باحات المسجد الاقصى.

"يعني الاوضاع بتقهر وبتوجع القلب"، أوجز صديقي وصفه للوضع واخبرني أنه في طريق عودته إليّ.

هل تعلم يا صديقي ما كان يقول معلمنا الكبير ؟ سألته وكنا نستعدّ  لمغادرة البيت، فقرأت عليه ما جاء عن فيصل:  "يمكن للقدس أن تكون إما شمس الشرق الأوسط الدافئة أو ثقبها الأسود الذي يبتلع كل شيء" !

نظرت إليه، وكان مطأطئاً، فرفع رأسه وقال:  هذا الكلام صحيح لو بقي عاشقها يدافع عن حرمتها ويفتديها بروحه.  

تركنا البيت وقررنا التوجه إلى رام الله.

سرنا في شوارع خالية إلا من الوهم والسراب؛ كانت المنطقة ككائن أصيب بجلطة قاتلة. في بيوتها يصلّي الرجال ويتمنون انقضاء الشقاء وتستمطر النساء الغيم والقدر؛ في الجو هدوء ساحر وفوقنا صارت الشمس عالية وعلى يمينها خيال للقمر .

"يا اخي معظم الناس تصرفوا كما  توقع حكام اسرائيل منهم"، بادرني أبو شادي، وأضاف بمسحة من حزن  "تمامًا كما أملت عليهم غرائزهم التي دُجّنت خلال عقود من القمع والقهر والحصار". لم أجبه، فالشرق خبير بتدجين نموره في اليوم السادس!

يرتفع على يميننا سور الفصل المستفزّ. كان باطونه يصرخ ، هكذا تخيّلنا ، ويردد كلام فيصل يوم كان  يواجه الأمة العربية ويقول لحكامها  "نحن هنا نكافح ونقاتل ونواجه. نستطيع ان نعد الأمة العربية والاسلامية بكفاح ونضال وصمود ، سواء دعمونا أم لم يدعمونا ، ولكن إن دعمونا فربما سنعدهم بنصر حقيقي".

كم كنا محظوظين أننا عملنا مع فيصل؛ ولكم شبعنا من عهركم أيها العرب. كم دشمنا من وعودكم ومن شعاراتكم الكاذبة، فتعالوا وانظروا كيف يسلبون من القدس، في يوم غفرانهم، سترها وكيف يعرّونها ليطأوا جدائلها ويدخلوا في عروقها.

وتعالي يا أمةً "ضحكت من جهلها الامم" وشاهدي كيف تُذبح باسم الرب حوريتكم في هياكل الاستغفار وتُهتك جميلة الشرق وتُباح حسناء القصائد وتُسبى سيدة المهور والبخور والدخان.

"لقد كان فيصل قائدًا جريئًا وانسانًا مميزًا ، تصرف دائمًا بصرامة وبحكمة، بعذوبة وبوضوح وبحنكة". فاجأني صديقي وأضاف: "لقد خشوه الصهاينة وعرفوا أنه صادق وشجاع ووفي". وافقته وكنا على مشارف حاجز قلنديا عندما استذكرنا معا ما قاله في لقاء عقده مع عشرات القياديين الصهاينة الذين جاؤوا ليسمعوه :  "نحن نناضل من أجل تحرير شعبنا، وليس من أجل استعباد أي شعب آخر ، نحن نناضل من أجل اقامة دولتنا وليس من أجل تدمير دولة اخرى، نحن نكافح من أجل تأمين مستقبل آمن لأجيالنا القادمة وليس من أجل تهديد أمن أجيال أي شعب آخر". تذكرنا قائمة من غابوا بعده ومن صاروا "أسيادًا"، فشعرنا بغصة صعبة

يوقفنا جندي على الحاجز ويحاول أن يظهر رقة مبتذلة، فينظر الينا ويحذّرنا، بصوت رشيق لا يشبه صوت الجنود، أننا سندخل إلى مناطق فلسطينية معادية، ولذلك سنتحمل، كمواطنين إسرائيليين، المسؤولية عن قرارنا.

فكرت لوهلة ان أسأله لماذا يفعل ذلك في هذا اليوم تحديدًا، أو أن أذكره بأهل القدس الذين تركناهم سجناء في بيوتهم، وبالمستوطنين المعربدين في ساحات البلدة القديمة وفي أزقتها، ولكني التزمت الصمت ولذت بعروة بسمة الفيصل.

دخلنا رام الله المحتلة ومن ورائنا كانت صرخات القدس تفضح عهر أرباب هذا العصر وثغاءات جواريهم اللواتي من زبد ...

 

 

 

 

هل من بروكسيل

سيأتي الخلاص؟

جواد بولس

 أثارت زيارة وفد القائمة المشتركة إلى مقر الاتحاد الاوروبي في العاصمة البلجيكية، بروكسيل، موجة عاتية من التحريض وتهجّمات يمينية قادها ضدهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي لم تتوقف ضغوطاته على وزيرة العلاقات الخارجية، فيديريكا موغيريني، بهدف ثنيها عن عقد اللقاء معهم، أو ، على الاقل، عدم مشاركتها شخصيًا فيه، وانتداب موظف أقل رتبة ومكانة كي يقوم بالمهمة.

 لم تنجح جهود الديبلوماسية الإسرائيلية وأعوانها في العالم في ردع من تقف على رأس السياسة الخارجية الاوروبية؛  وقد أوضح  متحدث باسمها في بيان زاد من حفيظة اليمين الإسرائيلي بأنها  "تجتمع ، كوزيرة للخارجية، بشكل روتيني مع ممثلين عن الحكومة والبرلمان، بما في ذلك المعارضة، وإسرائيل ليست استثناءً" وذلك في ما يصح اعتباره "نغزة" موجعة في خاصرة موقف قادة إسرائيل التقليدي، المصرّين على ضرورة التعامل مع إسرائيل كحالة استثنائية لا تخضع للمعايير الدولية ولا للمحاسبة العادية.

يعتبر الموقف الإسرائيلي المعارض للزيارة متوقعًا ومبررًا خاصة بعد تصريحات نواب القائمة المشتركة وسائر القيادات العربية، وعلى رأسهم محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية، بأنهم عازمون على المضيّ في دق أبواب "العالم" وتجنيد مؤسساته ومنابره لصالح قضايا المواطنين العرب وحقوقهم المسلوبة وضد سياسات القمع والاضطهاد التي عرّاها مؤخرًا "قانون القومية" العنصري. 

في نفس الوقت استجلبت زيارة الوفد أصواتًا انتقادية عربية محلية كانت قد  أطلقتها بعض الجهات مباشرة بالتزامن مع نشر الخبر  في الاعلام المحلي. ومن اللافت أن نرى كيف استنجد، فيما بعد، بعض المنتقدين وعزّزوا مواقفهم بما أعلن من تصريحات لموغيريني اعتبرت فيها "أن قضية تشريع قانون القومية يبقى شأنًا إسرائيليًا داخليًا" ؛ فتشاوف هؤلاء بقدرتهم على التنبؤ وبرجاحة تقديراتهم السياسية وصوابها! 

ما زلت مؤمنًا بحرية الجميع وبحقهم بالتعبير عن مواقفهم ؛ لكنني أتوقع من العقلاء والمجرّبين أن يمارسوا هذا الحق بمسؤولية وباتزان مبنيّين على جميع المعطيات المتوفرة، والبدائل الممكنة والاحتمالات المتاحة أمامنا كجماهير عربية تواجه أعتى الهجمات العنصرية وأخطرها، ونحاول الوقوف في وجهها وصدّها من دون "فزعات" الأشقاء واسنادات الأخوة ودعم الحلفاء.

من الطبيعي ألا تستحوذ خطوة سياسية ما على إجماع كل مركبات المجتمع العربي ومفاعلاته، لا سيما في واقع سياسي معقد كواقعنا؛ بيد أنني اعتبر كل انتقاد/تهجّم لم يراع حقيقة  "استقتال" قادة الدولة لمنع الزيارة، جهدًا منقوصًا ومثلومًا وغير جدّي؛ كما وسيكون التعلق بتصريح واحد صادر عن الوزيرة، واغفال مواقفها السابقة تجاه نتنياهو وسياساته، غير مهني وغير منصف؛ فلقد صرّحت في ردّها على أحد الاستجوابات المقدمة في البرلمان الأوروبي قائلة : "إن هذا القانون يتعارض بشكل مباشر مع المعايير والأعراف الدولية وعلى رأسها الحفاظ على حقوق الانسان والتي تعتبر جزءًا هامًا جدًا من علاقة الاتحاد الاوروبي مع دولة إسرائيل، إلى جانب حقوق الأقلية العربية داخل إسرائيل".

رغم جميع الانتقادات، وبعضها كان حقيقيًا ومثيرًا، يبقى لقاء النائب أيمن عودة مع الوزيرة موغيريني هامًا، ومثله تعتبر سائر اللقاءات التي أجراها قياديون في الماضي - كمبادرة رئيس لجنة المتابعة لتدويل قضايانا وغيرها من المحاولات الفردية أو الحزبية- أو تلك التي قام بها الوفد في هذه الزيارة، ولاحقًا في زيارة النائبين الطيبي وزحالقة لمقر الجامعة العربية في مصر .

تدل هذه المبادرات على ولادة نهج واعد وجديد، رغم ادعاء البعض أنه فُرض على القيادات العربية بعدما فرغت جعب أحزابها وحركاتها السياسية من سهامها وتصحّرت منابتها؛ فلا غضاضة من محاولات استنصارنا بدول العالم الذي نسعى إلى عتباته؛ ولكن هنالك من يشعر بأن هذه " المبادرات الدولية" ليست أكثر من محاولات مستسهلة صارت تستجير بها القيادات كي تستعيض "بخراجها " وذلك بعد ثبوت عجزها في الميادين المحلية، وانحسار قوتها بين الجماهير العربية، وغياب تأثيرها داخل مجتمع الأكثرية اليهودية !

لم تستثرني معظم الانتقادات العربية التي وجهت إلى هذه الزيارة ولا الى ما سبقها من محاولات مشابهة؛ فاسرائيل، بخلاف هذه الاصوات المنتقدة، تعرف أن مثل هذه العلاقات قد تكون مجرد "لكشات" صغيرة، لكنها قد تتعاظم وتتحول إلى ضربات مؤلمة ؛ فرغم موقف موغيريني المذكور بشأن "قانون القومية" يتذكر قادة اسرائيل ما قالته نفس الوزيرة حول هذا القانون وغيره في مناسبات أخرى، وما صرحت به كذلك، باسم جميع الاوروبيين،  مؤكدة انهم كانوا "واضحين بشدة عندما يتعلق الأمر بمسألة حل الدولتين، فنحن نؤمن أن ذلك هو الخطوة الوحيدة إلى الامام، وكل شيء يعرقل أو يمنع تحقيق هذا الحل يجب الإمتناع عنه".

من يناضل اليوم ضد قانون القومية وتبعاته؟ من قادر على اخراج الجماهير وهي ضحايا هذا القانون المفترضة؟

اخشى من الأسوأ؛ فرغم ان كثيرًا من القياديين الحقيقيين يؤيدون ما صرّح به رئيس القائمة المشتركة في هذه الزيارة، ويؤمنون بأن النضال ضد قانون القومية يجب أن  "يكون على جميع المستويات وفي أساسه سيكون داخل إسرائيل ، بالمشاركة الفعالة بين المجتمع العربي والقوى اليهودية الديمقراطية.  في ذات الوقت لشركائنا في المحافل الدولية مساهمة كبيرة وفعالة في دعم نضالنا ضد قانون القومية"،  لم يتبع مظاهرة تل ابيب الكبرى أي نشاط حقيقي يذكر، فلقد "غابت شمس الحق" وعاد الناس إلى مهاجعهم ومعدهم وحسابات بنوكهم والى هواجسهم ومصالحهم  وكأن لسان حالهم يتساءل لماذا النضال وكيف ومن أجل من  ؟ 

ستبقى هذه المساعي نحو جهات الريح ضرورية كوسيلة كفاح مطلوبة، لكنها لن تجدي اذا ما بقيت يتيمة وكسيحة واذا استمرت قياداتنا  في التغاضي عن مواجهة أصعب الأسئلة وهو:  لماذا  فقدت أحزابها والحركات السياسية قوة تأثيرها بين الجماهير العريضة ؟

لقد لفت انتباهي مؤخر ًا تساؤل البعض عما اذا أجري استطلاع رأي حول موقف الجماهير العربية ازاء قانون القومية وكيف ترى هذه الجماهير ضرورة وامكانيات مجابهته؟ لم أقرأ جوابًا على ذلك، الا اذا اعتبرنا الصمت جوابًا والهدوء ردًا والعزوف عن أي نشاط سياسي شدوًا وموسيقى!     

لا يوجد متسع من الوقت ؛ فقد مرت سبعة عقود، غابت فيها "شمس الشعوب" عن سماواتنا. ومارت العروبة عميقًا  في صحراء "سرت" ، وتشظى اسلام محمد عبده والرافعي على أطراف "الربع الخالي". وفي اسرائيل نشأت أجيال جديدة ، وفيها نمت شرائح  واسعة تعيش في بحبوحة نسبية وتنام وتصلي للذي احياهم وربّعهم على هذه النعم والخير والبركات.  

فهل سيكون الخلاص في بروكسيل فقط ؟ طبعًا لا!

و هل سيسعفنا إضراب موحد ستعلنه القوى الوطنية والاسلامية في رام الله مع قيادة عرب ال  48 وفي  الشتات ؟ طبعًا لا!   

لا أعرف ماذا يخبيء لنا الغيب؛ لكنني مؤمن أن مياديننا ستبقى هنا: في تل ابيب وأم الفحم والناصرة وحيفا، ففيها يجب أن نعيش وأن نقاوم. 

 

 



حين كانت فلسطين محتلة!

جواد بولس

أحاول منذ مدة طويلة ألّا أمثل أمام المحكمتين العسكريتين الموكلتين بمحاكمة الفلسطينيين ومعاقبتهم بعد إدانتهم " كمجرمين" يستحقون حياة السجون فقط.

لقد بدأتُ مزاولة مهنة الدفاع عن المقاومين الفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي قبل زهاء أربعين عامًا.

كانت عقود اربعة من الشقاء والتحدي؛ انتظرت فيها أصابع الرب عساها تطلّ وتمطر الشر بحجارة عدلها.

أربعون خلت من عمر شعب لم يزل يعشق الغزالة وينام في عين القدر، لكنه لم يرَ من السماء إلا الغضب والظلم والنسيان .

لبستُ قميصًا أبيض وربطة سوداء. لم أعتن بتصفيف شعري فتركته يلائم أحساسي في ذلك الصباح الثقيل.

صرت أكره تبديد وقتي في ساحة محكمة عوفر العسكرية، فاتصلت مع زميلي لأتأكد من ساعة بدء جلسة الشبل شريف، فصادق على ما كان.

وصلت في العاشرة كما كان طلب رئيس المحكمة، الذي وعد بأن ننهي جلستنا بسرعة بلا انتظار.

مشيت بتثاقل. كانت درجات الحرارة مرتفعة وكنت أتنفس بصعوبة رغم أنني تناولت أدويتي اليومية بالكامل. دخلت أول بوابة كهربائية من دون انتظار ودخلت الثانية بنفس السهولة.

 سلّمت بطاقة المحامي ودخلت بوابة ثالثة، كان حارس ينتظرني وراءها  وقد لاحظ أن شعري أشعث وأنني لا أمشي منتصبًا كدأبي. لم أُطل المحادثة معه رغم شعوري بأنه كان  قلقًا فعلاً على صحتي!

كل شيء في هذا الاحتلال قد تغيّر، إلا شهيّته على القمع والبطش واذلال الفلسطينيين. كنا نقابله كل يوم وجهًا لوجه، فقد كانت مركباته العسكرية تجوب شوارع المدن والقرى الفلسطينية وتنتشر  روائحه وحواجزه في كل المفارق. جيشه يحكم ببساطير وخوذات، وجنوده يواجهون ببنادقهم شعبًا يزرع وينشد ولا ييأس؛ يعمل ويجوع ولا يهادن؛ يسجن ويموت ويقاوم.

حتى بداية تسعينات القرن الماضي لم يعرف الفلسطيني كيف يكون الاحتلال مجازًا أو استعارة أو تجليًا للالتباس؛ فللاحتلال كان لون واحد؛ ورغم حلكته واجهه المواطنون بإرادة وكرامة وعزة.

كانوا رغم القمع يسيرون نحو الهدف، ويتنقلون رغم القهر  بحرية نسبية، ويكتبون على الجدران بألم وأمل، وحتى دخولهم إلى إسرائيل كان مُجازًا  إلا للممنوعين من ذلك.

لم ينجح قادة اسرائيل، رغم جميع محاولاتهم،  بالقضاء على اصرار الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال ونضالاتهم من أجل كنسه ؛ وقد فشلوا كذلك، رغم كل استثماراتهم الخبيثة في خلق قيادات محلية " ڤيشية" متعاونة،  تساعدهم على تحقيق مآربهم؛ ذلك لأن القيادات الوطنية تمسكت بمواقفها الصارمة وبتأييدها لمنظمة التحرير الفلسطينية وما مثلته وعنته في ذلك الحين.

طمأنت الحارس على صحّتي ودلفت الى "طريق الماعز"، وهي عبارة عن مسارب ضيقة تحيطها الأسلاك وتتعرج حتى تفضي في نهايتها إلى ساحة معدّة  لأهالي الأسرى، فيها ينتظرون بداية جلسات أبنائهم. 

سلّمت على والديّ شريف، فقابلاني بترحاب وأبديا رضاً من وصولي. كانا في منتهى الدماثة، مبتسمين مع أنهما يعرفان ما ينتظر أبنهما؛ فهو متهم بتنفيذ عملية طعن وقتل يهودي في أحد المتاجر. 

أصغيا باحترام؛ ورغم تظاهرهما بالهدوء، شعرت كيف كان قلب أمه يبكي وكيف كانت عينا والده تبحثان في عتمة الغابة عن مخرج قد ينقذ صغيرهما من النهاية الصعبة. عندما قرر شريف تنفيذ العملية مع رفاقه كان عمره آنذاك أربعة عشر ربيعاً.

حاولت ألّا أكون مبدّدًا للآمال، لكنني أفهمت العائلة أننا امام مؤسسة لا تجيد إلا ما يجيده المستبدّون؛ ففي ظروف عادية كان على القضاة أن يأخذوا بعين الاعتبار حداثة عمر الجاني ويحتسبونه سببًا لتخفيف الحكم،  ولكننا هنا أمام واقع مغاير واشخاص جبلوا من طينة أخرى.

قاطعتني والدة شريف بصوت يشبه التنهيدة قائلة : " ولكن يا استاذ لقد حكموا على قاصرين يهود قتلوا عربًا بأحكام خفيفة، فربما يفعلون هذا مع شريف ايضًا". كانت تقف أمامي ومنديل يلم شعرها، عيناها حزينتان وغائرتان في وجه فقد كثيرًا من نضرته . جلبابها يغطي تعبًا وبقايا سهر قضته وهي تحاول أن تتذكر ملابس ابنها وهو ذاهب الى مدرسته وما كانت زوّادته، وتستحضر بسمته في ذلك الصباح الذي خرج فيه شريف ولم يعد ، منذ اكثر من عام ونصف .  

"ربما" قلت، ووعدتها اًن أقاتل، جهدي، ومضيت كي أقابل شريف قبل نقله إلى قاعة المحكمة. 

تعبت يداي من ملاطمة مخارزهم؛ رغم أنني لم ألج هذا العالم ، عالم اللامنطق والقوة الخرقاء والعبث، إلا مصرّاً أن أحوّل عجز الضحايا إلى ذخائر. فلا عدل تحت قبة الاحتلال ولا خلاص في جحيمه ؛ وأمام عنجهية الدبابة، لندع الضمير يسجّل انتصاراته الصغيرة، عساها تستقدم الانفجار  الكبير،  وأمام "خوف الغزاة من الذكريات"  لتتحول الخسارات إلى ربح في حساب التاريخ.

لم اشرح كل ذلك لوالديّ شريف، لكنني طلبت منهما التحلّي بالصبر وبحكمته الخالدة، وتزويقه ببعض من براعة التأويل وسحر البيان، فنجاة ابنهم بعد العملية تعتبر  "انتصارًا"، خاصةً اذا ما راجَعنا جداول الدم في حالات مشابهة.

 كان يجلس محاطًا بسجانين وبكثير من الكراهية. لون وجهه كلون الكستناء؛ يلبس البني مثل كل الأسرى؛ وعيناه تائهتان. بدا كأنه لا يستوعب ماذا يدور حوله. 

ألقيت عليه التحية وأفهمته ما نحن بصدده وما سيجري؛ ولوهلة شعرت أنه شخصية من روايات الخيال وأفلام الكارتون؛  كان يتحدث معي بنوع من النضوج غير المكتمل. عبّر عن ثقته بموقفي وتبسّم حين طلبت منه أن يفعل ليزيل أثار خوف حاول سجانوه ان يكتشفوه على وجهه. 

تركته وتوجهت إلى قاعة المحكمة فجاءني القاضي معتذرًا على التأخير لكنه وعد بأن تبدأ جلستنا على الفور.

أفهمني أنهم يقومون بتنظيف قاعات المحكمة وفقًا لتعاليم دينهم التي تلزمهم بذلك. يقوم الجنود بتنظيف وتعقيم القاعات، ثم يتبعهم طاقم يرأسه قاض ويجري فحصًا دقيقًا لضمان سلامة النظافة.

ينتظر الجميع نتيجة فحص القاضي، فاذا ما أمر باعادة التنظيف، فسينتظر الجميع مجدّدًا تكرار هذه العملية. 

عدت إلى شريف فوجدته أكبر  من ذي قبل. سألته اذا كان سيفعل ما فعله مرة اخرى لو أتيح له ذلك؛ فانتفض كالمقروص ومدّ يديه إلى اعلى بحركة مستنكرة وقال لااا ، بألف ما زالت ترنّ في أذني، ثم صمت. قلت له: إذا لماذا فعلت ما فعلت ؟ فأطرق ولم أسمع إجابته، لأن القاضي بعث اليّ بجندي يستدعيني اليه. 

اخبرني القاضي، بنوع من الاسف ، بأنّ القاعة غير جاهزة، اذ يجب تنظيفها مرة اخرى. لم اتبسم مع انني كنت على حافة الضحك، لكنني اجبته بعفوية مقهورة وعلى مسمع من بعض الزملاء: إن كان لا بدّ من تنظيف هذه القاعات، فيجب تنظيفها من أمور اخرى؛ فدعونا، نحن المحامين، نفعل ذلك !

نظر اليّ بدهشة تشي بطرف احتجاج وقلب كفيه بحركة تشبه الدعاء من السماء ، فتركته غير مبال.  

دخلنا بعد ساعة كاملة الى القاعة. وقف شريف أمام القضاة وأجابهم مشيرا اليّ: يمثلني جواد في هذه الإجراءات، وجلس؛ فبدأت الجلسة التي سيكون لها تتمة بعد شهر.

غادرت المعكسر  وبي حزنان، الاول على تيه جيل في شعاب من سراب، والثاني لأني في هذا اليوم بالذات، طويت عامًا آخر من عمر شقي؛ في دنيا صارت تفيض مرارة وتعبا وخراب. 

 

 

في فيينا أو في كريات

حاييم ، الفاشية واحدة لا تلين

جواد بولس

عدنا إلى البلاد من رحلة مختلفة، كانت أقرب إلى صدفة قادتنا للنبش في عظام التاريخ وحماقاته.  

عندما هاتفتني ابنتي دانة كنا نطوف في شوارع مدينة فيينا من على متن حافلة سياحية يسمونها في عدة دول أوروبية "هوب آند أوف"، وهو في الواقع "باص" من طابقين، يتيح لمستعمليه زيارة معظم معالم المكان، مثل عاصمة "الهبسبرغيين"، والنزول في كل محطة والعودة منها، حسب الرغبة، على مدار أربع وعشرين ساعة.

سألتها برسالة خطية قصيرة تأجيل المحادثة، إلا إذا كان الأمر طارئاً، فلقد كنت أعلم أنها في مدينة العقبة الأردنية، تشارك في الجولة الثانية من ورشة عمل دراسية رعتها وترعاها كلية " كينغز" البريطانية وجامعة لندن.

كنا، في مطلع شبابنا، نترقب، كشحاذين للحب والجمال، زيارة مدينة الڤالس؛وأتذكّر كيف أتيناها أول مرّة ، قبل سنين، بصحبة "أسمهان" النادرة، التي خلّانا صوتها نحلم بطيور الجنة وهي تبكي وتغني في ليل مدينة يسكنها القمر.

كانت ڤيينا بالنسبة لي، لأسباب سرمدية، مثارًا لمتعة متمناة ولخيال مستفز . ولن أنسى كيف قابلتنا، في ذلك الخريف، ببرود وتكبّر ؛ حين جئناها، محملين بجيناتِنا، لنحاول تفكيك عقدنا الشرقية على عتبات "شونبرونوها"، ونستذكر غيث الحضارة في حدائقها، ونلهو على سلالم موسيقى دانوبها الشقي.   

"بابا، وصلنا أنا ودورون مطار ايلات لنطير عائدين إلى تل أبيب" ، كتبت لي دانه في رسالتها الأولى التي بدت قلقة، وأردفتها متألمة "غلّبونا كتير وعاملونا بطريقة حيوانية" .

 أخفيت ما وصلني عن عيني أمها وصديقينا، وتابعت قراءة ما كان يردني منها خلسةً ؛ فهمت أنها عادت من العقبة برفقة زميل يهودي يشاركها في الورشه اسمه دورون. وبعد أن "اكتشفت" موظفة الأمن في المطار  "عروبة" دانه و"يهودية"  دورون استنفرت وقامت بالتفريق بينهما على الفور ؛ فأدخلت دانة وحقائبها الى غرفة، وأبعد عنها دورون في غرفة أخرى.

مررنا في شوارع المدينة المليئة بتحف عمرانية تشهد كيف كان صولجان التاريخ ينتصب من حلق هذا المكان. كنائس بهندسات قوطية ورومانية وأخرى مبتكرة وحديثة، وكلها يحمل بصمات مَن بنوها، وتعكس تعاقب الدول وعقائد من حكمها وتجبّر ؛ وبجانبها، على ضفة الدانوب يستقر جامعها الكبير بمئذنتة التي ترتفع الى علو 32 مترًا .

بدأ يقلقني كلام دانه، فقد تركنا البلاد وأخبار اعتداءات الفاشيين اليهود على العرب تنتشر يومًا بعد يوم، وتصلنا تباعًا لتعكر صفو اجازتنا. 

قرأنا عن خبر اعتداء رجل أمن في مطار بن غوريون على مواطنين عرب دروز من قرية دالية الكرمل ورشّهم بالغاز ؛ وتابعنا صور  اصابات الشبان الثلاثة أبناء مدينة شفاعمرو وقصة نجاتهم بالصدفة من موت محقق بأيادي زمرة من الفاشيين هاجموهم في "كريات حاييم"  قرب حيفا. 

لقد تركنا وطنًا صارت فيه "الدانات" فرائس سانحة لكل متطرف وفاشي قد ينقض عليهن بلا رادع ولا تردد ولا وجل؛  خاصة بعد أن أفلت معظم المعتدين في الحوادث السابقة من العقاب ومن المحاسبة.

حاولت أن أشغل ذهني بجمال ما نشاهد، وبقساوة الطقس في ذلك النهار؛ فلقد وصلنا فيينا هذه المرة، ومعناها مدينة النسيم العليل، في منتصف آب ، ويقيني، هكذا تندّرت مع صديقي نبيل، الذي عانى من الحر  مثلي، أن "رامي" لم يزر المدينة في آب ؛ ولو فعل لأيقن أنها مدينة من نار وتراب ومن ماء وشراب، وأنها ليست من مدن الجنة كما تخيّلها في أغنية أسمهان الساحرة. فهي بقصورها ومتاحفها وجامعتها ومسارحها وأوبراها قد تكون شاهدة على نبوغ العظام، بيد أنها كانت مرارًا أخت الحماقة والهوان. ثم وإن كانت ولّادة للرقة ولجميع الفنون، فإنها كانت كذلك أمّا للطاعون وحصّادة للموت وللأسى ؛ تماما كسائر بنات التاريخ الكبير والأحمق، وكضحية لنزق مَن تصرّفوا كآلهة وعاشوا كخالدين لا يُقهرون.

"لقد حاولوا اذلالي وقهري. استمروا لأكثر  من ساعتين بالضغط عليّ بأسئلة شخصية ومهينة أحيانًا. اخذوا هاتفي وحاسوبي. لقد أخروا ميعاد اقلاع طائرتنا لأكثر من ساعة بسببنا" .

كان باصنا يسير ويقطع موقع الحي/الجيتو اليهودي ببطء، ليتوقف بعده مقابل بيت "زيغموند فرويد" في شارع بيرغاسي ١٩. قطع القاريء تقريره لينقل إلينا تسجيلًا نادرًا أجرته، في العام 1938 ، محطة الاذاعة البريطانية ( bbc) مع زيغموند فرويد بعد شهرين من وصوله إلى لندن هاربًا من فيينا ، التي ضُمّت إلى ألمانية النازية في ذلك العام.

كان فرويد هرِمًا قد تخطى عقده الثامن، وكان صوته حزينًا ومتعبًا لكنه استطاع أن يعبّر عن أمله في النجاة ؛ فلقد أطبق الوحش النازي فكيه على النمسا وقد كان يعيش فيها حوالي مائتي الف يهودي، معظمهم في فيينا. 

ازدادت الاعتداءات على جميع المعارضين السياسيين، ومن ضمنهم على الأقلية النمساوية اليهودية؛ وأعلنت الحكومة النمساوية سحب الحقوق المدنية من اليهود وقامت بتضييق الخناق عليهم. صارت حياتهم لا تطاق وسلامتهم غير مكفوله. 

قبل نهاية ذلك العام اضطرّ مائة وخمسة وثلاثون ألف يهودي للهرب من فيينا؛ وكان فرويد بينهم. وبقي فيها نحوٌ من خمسة وستين ألف يهودي، لم يبق منهم على قيد الحياة سوى ثلاثة آلاف فقط. 

أُمطرت فيينا بالقذائف التي هدمت أكثر من ربع مبانيها؛ وحُررت في نيسان ١٩٤٥ بأيدي طلائع الجيش الأحمر الروسي، وأعلن استقلال النمسا الذي أصبح حقيقيًا في العام ١٩٥٥ فقط.

كنا نتناول فطورنا وقد امتزجت في احاديثنا اخبار الفاشيين، واختلط التاريخ بالحاضر وتداخلت تفاصيل الاعتداءات. قرأت رسائل دانه بنبضها المقلق وأنينها الموجع؛ وعلى الرغم من وصولها إلى البيت "سالمة"، شعرنا بالجرح الذي في صدرها، وعرفنا أن أخبار البلاد تشبه أخبار ذلك الخريف النمساوي.

كنا نتخيّل روائح الحرائق في أزقة حارات فيينا ونستعيد بحة فرويد اليهودي وهي تؤكد فوز العاجزين في الهرب ومجازات البطولة في البقاء ونصر الموت في المواجهة. 

ربما يعرف كثيرون أين بواطن القوة، لكننا نكون أحيانًا بحاجة الى نبش عظام التاريخ كيما نتذكر أن الحكمة في تصدي جميع الضعفاء والمستهدفين للفاشيين قبل أن يوثقوا أنشوطاتهم على الرقاب، فهذا هو هو قانون النصر الوحيد، لأن دين الفاشية واحد وقرابينها من الجثث والنازحين واحدة.

 مع وصولي إلى البيت شاهدت تسجيلا يتحدث فيه رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، ايهود براك، يتّهم فيه حكومة نتنياهو بالفاشية ويعزز رأيه بإصابة حكومة أسرائيل باثني عشر عارضًا من أصل أربعة عشر، كان قد عدّدها صاحب رواية "اسم الوردة" الكاتب الايطالي أومبيرتو إيكو،  لتشخيص مرض النظام السياسي بالفاشية. 

أعرف ما سيقوله الكثيرون عن باراك وتاريخه، وهذا صحيح، ولكن سيبقى رأيه  مهمًا وتأكيدًا على ما ينتظرنا في نهاية المنزلق.

 لقد أجابت دانه محقيقها كما يليق بفتاة حرّة وبمحامية تعرّفت على السراب في دهاليز المحاكم والقوانين؛ لكنّها ستبقى إبنة لجيل يكبر في حضن أمل كسير.

ولقد غنت أسمهان لليالي الانس في فيينا عام ١٩٤٤ وكانت سماؤها تمطر حممًا، ورقصت على أبواب جنتها وكانت شوارعها من بارود ودم؛ إنه الفارق بين الحلم والألم أو ربما مجرد جموح للخيال في سماء المشرق.

 فمتى سنصغي إلى صدى التاريخ  ونتعلم من دروس الهزيمة؟  عسانا نعرف ونوفق في انقاذ أولاد الريح وروّاد مستقبل وهم يمضون في دروب الكرامة والمستحيل ويتأرجحون بين  "رنين الكاس ورنة الألحان "  .

 

من سيُسجن

في سبيل العلَم؟

 

جواد بولس

 

رغم الاحتجاجات العديدة عليه، لم يتردد بنيامين نتنياهو في الدفاع عن قانون القومية، وقام بعرض أهميته في خدمة الأيديولوجية اليمينية الجديدة، وتمكينها من تطبيق توجّهاتها على أرض الواقع، خاصةً في ما يتعلق بمكانة المواطنين العرب في إسرائيل، ومِن بعدهم بحقوق سائر المجموعات، وبضمنها اليهودية التي لا يتوافق فكرها مع مخططاتهم. 
ففي تعقيبه الأول بعد مظاهرة الطائفة المعروفية وصرخة أبنائها العرب الدروز ضد القانون، أكد رئيس الحكومة على أن قانون القومية سوف «يحصّن قانون العودة ويرفعه إلى مكانة جديدة، لأنه قانون يمنح لليهود فقط المتواجدين في جميع أرجاء العالم، حق العودة إلى إسرائيل، والتجنس الفوري فيها؛ بينما سيمنع، بالمقابل، استغلال بند جمع شمل العائلات الذي أجاز بعد اتفاقيات أوسلو دخول آلاف الفلسطينيين وتوطنهم في إسرائيل». 
وقد حاول البعض تهميش القانون الجديد، واعتباره خطوة إشهارية معدومة الأهمية والتأثير، في موقف يضعف احتمالات مقاومته المؤثرة من جهة واحدة، ويسهل على الحكومة الإسرائيلية «صرفه» في قوانين عنصرية إضافية وقرارات تنفيذية خطيرة، من جهة ثانية.
قد يكون «قانون العلَم» أول التطبيقات العملية المستفزّة التي سيواجهها الفلسطيني المواطن في إسرائيل، فمع إعلان وزير الأمن الداخلي عن نيته فتح سوق التسلح الشخصي لكل من خدم في الجيش، قدّمت زميلته في حزب الليكود، عنات بيركو، مشروع قانون يقضي بحبس كل من سيرفع علم دولة أو تنظيم معاديين، لمدة عام، ويشمل ذلك رفع العلم الفلسطيني في المظاهرات. 
لن تقتصر مبادرات اليمين الاسرائيلي على حظر رفع العلم الفلسطيني؛ ولن يكون صعبًا أن نتوقع أين سينصب دعاة هذه السياسات القمعية فخاخهم المبتكرة، وكيف سيحاولون جرّنا وزجنا في خانات المواجهات المقبلة.
اعتمدت سياسات القياديين العرب في الماضي، وما زالت تعتمد أسلوب الدفاع وردّات الفعل على القرارات الإسرائيلية؛ واليوم، إذا ما تداركنا بأنفسنا خطورة الواقع ومأساة المستقبل، قد تجبرنا سياسات اليمين المعلنة على إعادة صياغة الأسئلة والتفتيش على بدائل لأجوبة نمطية أدمنّاها، أو تدفّعنا ثمن المراهنات غير المحسوبة. جميع هوّيات القوى السياسية الناشطة بين المواطنين العرب معروفة، بتميّز واختلاف عقائدها وبرامجها، فبعضهم لن يعيد حساباته ولن يبدّل من قناعاته، ولكن على الآخرين التحلي بالشجاعة والحكمة والمسؤولية والوعي باستباق تلك الضربات المتوقعة، والعمل على تفادي وقوعها أوّلًا، وثانيًا، استعداد لمواجهتها من دون مغامرات ومزايدات و»طبطبات».
لن أناقش في شرعيات الحجج التي تبني عليها القوى السياسية مواقفها وبرامجها السياسية فكلٌ مسؤولٌ عن «ضيعته»، ولكنني أطالب وأتوقع تغييرًا في بعض «الثغور» كي نكون مهيّئين لصدّ هجمات اليمين ودرء مخاطر مخططاته التي لم تعد مستورة أو مغلّفة. 
من سيسجن إذن من أجل العلَم؟ لا يمكننا الإجابة على هذا السؤال بشكل قاطع وبحماس وبتخمينات مجازفة، قبل أن نتعاطى في البداية مع مقولة يروّجها الكثيرون بأن «ليس لدى العرب المواطنين في إسرائيل ما يخسرونه»! فهل هذا صحيح؟ 
للإجابة على هذه المسألة أهمّية كبرى في تحديد الإجابات على مسائل نضالية مهمة، لأنّ الأمم خبرت دور معايير المصالح الشخصية ومكانتها في تشكيل مشاعر الانتماءات القومية وبناء هوياتها الجمعية.
فهل تعيش الجماهير العربية لحظة غضب ثورية ستدفع أفرادها إلى مواجهات وتضحيات شخصية قد تكبدهم خسائر جسيمة؟ هل تعيش شرائح مجتمعنا في حالة غضب وطنية تدفعهم الى تفضيل مقاومة قانون العلم، أو غيره مهما كان الثمن الشخصي مقابل ذلك؟ اعتقد أن الإجابة على هذه التساؤلات ومثيلاتها واضحة. 
ماذا لو فرض قانون جديد مثلًا على جميع المشافي وصناديق المرضى في البلاد، ضرورة التزام جميع الطواقم الطبية العاملة داخل المستشفيات، بإجراء جميع المحادثات بينها باللغة العبرية فقط، كما نشر مؤخرًا عن بعض المستشفيات؟ فهل سيعترض الأطباء والممرضون والتقنيون، وبعضهم يشغلون مواقع قيادية في أحزابهم السياسية وحركاتهم الإسلامية، ويتحدّون هذا القانون حتى لو أدّى تحدّيهم الى خسارة وظائفهم؟ وماذا سيفعل المعلمون والمعلمات لو فرض عليهم قانون جديد، توقيع وثيقة ولاء للدولة وقوانينها مقابل قبولهم موظفين في سلك التعليم؟ وماذا لو قررت الحكومة فرض صيغة خدمة وسطية تستعيض عن عملية التجنيد الإلزامي، ليست كالخدمة المدنية المتبعة حتى الآن، كشرط من شروط المواطنة المتساوية؟ وماذا وماذا؟ 
هكذا استفززت قريبتي وهي تتحفّظ بغضب على تساؤلاتي؛ فالقضية، حاولتُ أن استدرجها الى نقاش مغاير، ليس إذا كان رفع العلم الفلسطيني في تل أبيب وحيفا يعدّ حقًا للمواطن الفلسطيني في إسرائيل؛ فهذه بديهية وأكثر، ولكن ما الفائدة من وراء رفع العلم في مظاهرة جاء آلاف العرب إليها ليحتجّوا على قانون خطير، ومعهم بعض آلاف من اليهود لبّوا دعوة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، وهي الجهة المنظّمة وذلك بهدف إسقاط هذا القانون؟ فإذا استهدف المتظاهرون والدّاعون هذا القانون، واذا كانت مشاركة يهود معنا مرجوّة ومطلوبة، وإذا كان رفع العلم حاجزًا بوجه انضمام قوى يهودية أخرى، إذن فما فائدة رفع العلم في هذه المظاهرة تحديدًا؟ سوف يجيبني كثيرون بمنطق الشعور وباسم الحق المقدس، تمامًا كما أجابتني قريبتي؛ فحقّنا كفلسطينيين أن نرفع علم فلسطين لأنه علمنا، ولسنا بحاجة لتضامن يهودي يشترط حضوره بعدم رفع علم فلسطين.. لا أقلل من قيمة هذه المشاعر ولكن… هنا في هذه المساحة الملتهبة والملتبسة يكمن دور القائد والقيادة، التي يجب أن تؤمن بدورها كحامية وخادمة ومنقذة لأبناء شعبها وقيادته نحو شواطئ الأمن والسلامة، حتى لو كان ذلك بعكس ما تمليه مشاعرهم الصادقة وعطور مذابحهم المقدسة! القيادة الحقة لن تنضم الى معركة قد يموت فيها الجنود وهم «لا يعرفون من كان منتصرًا». 
قيادة الحركة الصهيونية فهمت دومًا «منطق الشرق» ومشاعره وقدسية الحقّ في شعائره، وبنوا كثيرًا من خططهم، وما زالوا يبنون، وفقًا لهذه الفرضيات؛ ونحن إذا ما حطّمنا القوالب وكسرنا أصفاد الماضي ونفضنا الغبار عن سلاسلنا القديمة، سنصطدم في جحيم المواجهة التي يريدون أن تكون قريبة وحاسمة.
للعرب في إسرائيل ما يخسرونه، على ما يبدو، واليمين يعرف ذلك، فقد أوصلنا مفكروه الى هنا، ويقينهم أنّ الرهان على انتفاضة من أجل «قانون العلم» سابق لأوانه، فعلينا لذلك، أن نفتش عن درهم وقاية لأنه أسلم لنا من دراهم العرب ومن مراهم البيانات والشعارات.
وأخيرًا، لولا يقين إسرائيل من صمت الأخوة العرب ومن تواطؤ بعضهم علينا، لخشيَت قياداتها من أزوف ساعة الغضب، لكنّها تحاول انهاكنا بالعقل وبالحديد، بعد أن اصبحنا أكثر من سقاة ماء وأكبر من حطابين؛ فعلينا ان نستمر بحكمة الآباء ونمضي في رحلتنا الجبلية مدجّجين بالحق وبالإصرار، وبالكثير من العقل ومن التبصر ومن اليقين.

كاتب فلسطيني

 

 

البركة في مظاهرة تل أبيب

جواد بولس

 

يعدّ نجاح المظاهرة التي دعت إليها «لجنة المتابعة العليا لشؤوون الجماهير العربية»، يوم السبت الماضي في تل أبيب، إنجازًا نضاليًا وصرخة مدوّية في وجه سياسات الحكومة اليمينية العنصرية السافرة. بيد أن أهميتها السياسية الحقيقية ستبقى مرهونة بما سيتلوها من خيارات عمل وبرامج مستقبلية؛ فإما أن تطوى كصدى عليل في مسيرة جماهير تبحث عن مرفأ آمن ويواطر راسخة، وإمّا أن تثبت كخطوة واثقة في طريق شاق وطويل.
لن تنتقص الانتقادات التي وجّهها البعض من وقع ما أثارته المظاهرة في المشهد السياسيّ الإسرائيليّ العام، فهي ستبقى إشارة إلى استعادة العافية والرجاحة القياديّتين عند من خطّطها ونفّذها ووقف على رأسها، رغم تحريض رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وجوقات اليمين العنصرية عليها، ورغم من قرّعوها وزايدوا باسم «طهارة الحق» وردّدوا ما عهدنا من شعارات معوّمة، أو عادوا وبشّروا بالنصر القريب الذي يقف على الأبواب.
عرفت نضالات الجماهير العربية تاريخًا طويلًا من الصراعات الحزبية الداخلية؛ فبعد خسارة «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» لتفرّدها بصدارة النشاط الجماهيري والسياسي، نشأت عدة قوى عربية محلية يهتدي بعضها بالفكر القومي على تفرّعاته، كما ولدت إلى جانبها الحركات الإسلامية التي خلقت في مجتمعاتنا واقعًا جديدًا وفكرًا دينيًا وسياسيًا، اعتمد على تعريفات مغايرة ومستوردة لمعنى ومكانة الدولة، ولطبيعة الحكم فيها، وعزّز الدعوة إلى مقاطعة انتخابات الكنيست.
خسرت معظم الأحزاب العربية من مواقعها وقوتها، فبدأنا نلحظ تراجعًا في ثقة الجماهير بمؤسّساتـها القيادية، وابتعادًا عن أنشطتها، حتى دخل المجتمع في حالة من «الفطام السياسي» والقلق، خاصة بعد استشراء مظاهر العنف وتداعياته الكارثية. وقد ملأت قوى وشرائح «عربية اسرائيلية» حديثة جيوب ذلك الفراغ، كما حصل مثلًا في إدارات العديد من المجالس المحلية والبلدية، وبين ناشطين في مؤسسات المجتمع المدني.
في هذا الواقع الخطير؛ اكتسبت دعوة لجنة المتابعة للتظاهر في تل أبيب، أهمّية مميّزة، إلا أن القوى السياسية لم تتعامل معها بالمستوى والمسؤولية نفسيهما، وقد نجد بينها من صلّى من أجل فشل «متابعة بركة» ورفاقه المنظّمين؛ فرغم تأكيده على أن شعارات المظاهرة ومضامينها، وضعت بالتوافق بين جميع مركبات لجنة المتابعة، خرج بعض الناشطين عن ذلك التوافق، ومارسوا قناعاتهم الفئوية بأساليب أضعفت صفّ الوحدة الضرورية من جهة، وزوّدت قوى اليمين العنصري بفرص التهجم على شرعية المظاهرة والتشكيك بأهدافها، من جهة أخرى. 
لن يشفع لمن سيدّعي أن هذا اليمين لم يكن بحاجة الى ذريعة للانقضاض على قيادات المظاهرة وعلى المشاركين فيها، فالأوْلى والأسلم أن تتصرّف «الضحية» بحكمة فائقة وبحذر مضاعف، لا سيّما أمام قنّاص يتربّص بشهيّة لا تعرف الشبع وبأهبة للضغط على الزناد. تعالى بركة والمنظمون على جميع تلك الخربشات والمناكفات، وقدّم خطابًا مسؤولًا، يحاكي خطورة الحدث ويتطرّق الى معظم محاور القضية التي «بعروتـها» انطلق عشرات الآلاف من المواطنين العرب، ومعهم آلاف من اليهود الديمقراطيين، الذين يعارضون تحوّل إسرائيل الى دولة مارقة، وإلى مسخ لوحش مقيت؛ فقانون القومية هو أكثر من مجرّد تشريع عنصري؛ لأنه بمثابة بوّابة حقيقيّة لتهجيرنا المخطّط. 
لقد عرّت الاختلافات حول المظاهرة هشاشة الوحدة بين الأحزاب والحركات المجتمعة تحت سقف لجنة المتابعة، وأعادت وكشفت عن منسوب الرياء المتفشّي في دهاليزها. ولقد رأينا كيف تناست شخصيات جبهوية وشيوعية اتهاماتها الخطيرة السابقة لرفاق لهم كانوا قد دعوا إلى الشراكة مع القوى اليهودية الصهيوينة، وبناء جبهة نضالية لمواجهة الفاشية، وتحوّلوا فجأة إلى متصدّري الدّعاة والمؤيّدين لهذا النهج. ورأينا كيف أمطر ناشطون في أحزاب، شارك قياديّوها في اتخاذ قرار المتابعة بخصوص المظاهرة، فهاجموها بسيل من الأسئلة والتساؤلات المشككة والمخوّنة أحيانا: فلماذا تل- ابيب؟ ولماذا ساحة رابين؟ ولماذا المهادنة والانبطاح على عتبات المواطنة؟ ولماذا الشراكة مع القوى الصهيونية؟ ولماذا الدروز؟ ولماذا بدون أعلام فلسطين؟ ولماذا الكنيست؟ وما إلى ذلك. 
لا أحد ينفي حق السائلين في السؤال، ولا حق المحتجّين في الاحتجاج، ولكن تبقى القضية في ما وراء التساؤلات، وفي تأثيرها الحقيقي على العمل المشترك؛ فمعظم هؤلاء ينتمون لفكر ولجماعات لا تؤمن بالعمل العربي اليهودي المشترك بشكل عام؛ وبعضهم يؤكّدون على عدم جدوى النضال ضد قانون القومية وأشباهه من دون مواجهة الحركة الصهيونية ذاتها والانتصار عليها؛ في حين يختلف المعارضون الاسلاميون عن جميع هؤلاء بقناعتهم، ويؤمنون بأن الفرج قريب بدون ريب وبأنّ إقامة دولة الخلافة في شرقنا، وعاصمتها القدس، صار قاب قوسين وأدنى. 
تكمن المشكلة في ما اذا اختلف الفرقاء على الأهداف وعلى تشخيص أعراض الصراع، وعلى تحديد معسكرات الأعداء والحلفاء وعلى وسائل وآليّات النضال، فإنّ شراكتهم ستكون مجرّد قوقعة أو سراب؛ وعندها ستتحوّل مظاهرة، تستظلّ بجناح المواطنة، إلى عمل انهزاميّ ومنبطح، وستصير مشاركة عاموس شوكين وامثاله مداهنة لليسار الصهيوني وخيانة، ورفع علم فلسطين في شوارع تل ابيب سيمسي أهمّ من جميع أهداف المظاهرة ومن مشاركة آلاف اليهود فيها.
حقّهم أن يسألوا ويتساءلوا، وما دمنا في حضرة السؤال والتساؤلات فحقّنا أن نسأل ونتساءل؛ فهل يخبروننا مثلًا كيف السبيل إلى إقامة دولة الخلافة على أرض فلسطين؟ وما مصير دولة إسرائيل ومصير مواطنيها من يهود وغير مسلمين؟ وماذا يتصوّر من يربط مقاومة قانون القومية وسائر القوانين العنصرية الخطيرة بمواجهة الصهيونية أولًا والتغلب عليها؟ فهل سننتظر، كما أكد بعض القوميين في سبعينيات القرن المنصرم، حتى نحرر «سبتة ومليلة» المغربيتين من الاحتلال الاسباني، وبعدها ستضمن القدس تحريرها؟ ما هي الوسائل النضالية الكفيلة بحصولنا على دولة المواطنين الكاملة؟ وكيف سنقنع ملايين المواطنين اليهود في إسرائيل بقبول تحويل إسرائيلهم الى إسرائيلنا المشتركة، كدولة لجميع مواطنيها؟ وما مصير من لن يقتنع بمطالبنا؟ 
الشعب بحاجة إلى أجوبة حقيقة على هذه المسائل وغيرها؛ فالقضية لا تقتصر على «قداسة الحق» أو على رومانسية الثورة، مع أننا أصحاب الحق وأصحاب الأرض أيضًا. معظم الأجوبة على ما سألت واضحة، وهنا تكمن المأساة، فهي، على ما يبدو، واضحة كذلك لحكام إسرائيل؛ فلقد كان أجدادهم أوّل من قالوا «من جاء ليقتلك قم باكرًا واقتله».. والبقية عند القراء. 
وأخيرًا، إنها مجرد خربشات على صفحة حدث مبشّر، أتمنى أن يعيدنا إلى جادّات الصواب ومعاقل الحكمة لتقودنا نحو القلعة المتينة والنضال الصحيح؛ فنحن الضحايا، وعلينا أن نقاوم الظلم كما قاومه أباؤنا الذين بقوا في موطنهم ورفضوا جميع إغراءت السراب الذي كان ملفوفًا بعباءات العروبة على الدوام، وحذّروا من إغواء الشعارات المطربة حتى السُّكر، ومن وعد السماء لأنها كريمة ليس فقط معنا نحن العرب. لقد صرخ محمد بركة كما صرخ معلّموه القدامى وقال «لن نرحل فنحن هنا باقون» ووعد بأن تبقى ميادين نضالاتنا في قلب الدولة، كما هي في يركا وراهط وأم الفحم والناصرة وكفرياسيف. فالبركة في تل- ابيب والقول كما قال محمد في تل- أبيب. فهل من عهد وأمل وجديد؟
كاتب فلسطيني

 

 

 

إسرائيل والمسألة الدرزية

جواد بولس

 

 قد تكون ردة فعل الطائفة المعروفية، العرب الدروز، ضد قانون أساس: «اسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي» هي الحدث «المختلف» الأبرز والخارج عن مألوف المشهد السياسي المتوقع والروتيني بين المواطنين العرب.
أدت مشاركة عشرات الآلاف من أبناء الطائفة، بشيوخها وعلمانييها، بجنودها ومعارضيهم، في المظاهرة الكبرى التي جرت في الرابعمن أغسطس/ آب الجاري في تل أبيب، إلى حشر الديماغوغية الصهيونية الرسمية في خانة «اليك» وتجريد صنّاعها، اليهود والدروز، من جميع عناصر التبرير والتمسكن، التي اعتادوا على تجنيدها في معرض حملاتهم الدعائية للدفاع عن السياسات العنصرية ضد جميع المواطنين العرب.
نجحت، في العقود الماضية، القيادات الحزبية الصهيونية وبمساعدة مراكز قوى درزية مؤثرة، بإخراج الطائفة من حضنها الطبيعي، حضن الأقلية العربية، وربطها بمصير الدولة اليهودية، بأواصر حلف اختار مخترعوه الدمَ له صمغًا والمواطنة الإسرائيلة الموهومة إناءً والمساواة محفّزات كاذبة. 
لن نعالج هنا تفاصيل هذه العلاقة، لكننا نؤكد أنه رغم نجاح رعاتها، بشكل نسبي وإلى حد بعيد، في محاصرة أبناء الطائفة وتأطيرهم في قوالب ثقافية واجتماعية انفصالية وانعزالية، برزت بينهم مجموعات عرفت بتصدّيها الصارم لقضية التجنيد الإجباري في جيش الاحتلال الإسرائيلي، ولمحاولات طمس هويتهم وتزييفها وتأكيدهم، بالمقابل، على انتماء الدروز الأصيل للعروبة، ولنضالات ابنائها وهمومهم.
ستترك أصداء مقاومة العرب الدروز لهذا القانون أثرًا لن تمحوه الأيام المقبلة، وشرخًا لن تدمله ترضيات الحكومة وألاعيبها، ولا تمويهات بعض قادتهم ووعودهم الخلب؛ مع هذا ورغم وضوح معالم الهوة، بين «الحلم» الدرزي وطبيعة الدولة، كما كانت قبل قانون القومية، وتأكدت بعده، رأينا أن معظم غير الدروز الذين تطرقوا لردة فعلهم، بقوا أسرى لمساطر تقييماتهم التقليدية، وتعاطيهم النمطي والمبني على ممارسات بعض جيوب الطائفة السلبية، تجاه محن أبناء شعبهم وقضاياه المصيرية والمعادية خاصة كما تجلت من خلال مواقعهم في الجيش وأجهزة الأمن الإسرائيلية.  لم تفت الفرصة بعد، فمعالم «المسألة الدرزية»  في إسرائيل باتت أشد وضوحًا، وقد تكشفت محاورها في هذه الأزمة حتى النخاع ، حتى أضحت فرص احتوائهم مجددًا، كأبناء لشعب واحد، ملحة ومن ضمن مسؤوليات مؤسسات المجتمع العربي وقياداته النافذة ومسؤولية نخب الطائفة الواعية، على حد سواء .  
لم يكن نشيد الدروز، بعد صدمة القانون، متناغمًا وموحدًا، ورغم طغيان نشوز من نادوا، بانتهازية مستفزة، بضرورة إلغاء القانون لأنه يميز بين «أخوة السلاح» تبقى وقفتهم هذه المرة مغايرة عن احتجاجاتهم المطلبية في بعض المواجهات الموضعية السابقة؛ فعندما خرجوا للدفاع ضد مصادرة أراضيهم في موقع ما اقتصرت حدود «المعركة» على ذاك المكان، وحول مصير تلك الأرض تحديدًا، وذلك تماما كما في مواجهاتهم ضد هدم البيوت غير المرخصة في عدة قرى يسكنونها.   
لم يبرز في جميع  تلك القضايا العينية، بشكل لا يقبل الغمغمة ولا التدوير أو التبرير، دوافع «دولتهم» وإصرار قادتها على إقصائهم الجمعي، كطائفة  كادت تُقنع، بالتضليل، إنها من «العرق» المميز نفسه الذي ينتمي إليه «شركاؤهم» أبناء شعب الله المختار.
جاءت ضربة «السيّد الأعلى» فأصابت أفواجًا جديدة منهم ببركة الصحوة وموضعتهم في مرتبتهم الطبيعية مع سائر الأغيار، الذين خلقوا لخدمة أصحاب الوعد والرعد وحكام السماء والأرض، كما يؤمن السادة. كرر كثيرون شماتتهم على ردة فعل أبناء الطائفة العربية الدرزية، لما أبدته الدولة من جحود بحق من خدموها طيلة سبعة عقود، ومنهم من فقد أبناءه فداءً للعلم ولشراكة الدم؛ وتبع آخرون حدسهم فراهنوا على أن قيادات الدولة ستنجح، هذه المرة أيضًا، في احتواء الأزمة وتمرر، بمساعدة بعض القيادات الدرزية التقليدية، صفقة مقايضة جديدة، وفقها سيحصل الدروز على بعض الامتيازات والمكاسب المادية مقابل إبقائهم في الخنادق ينشدون «هتكفا»ويعيشون في واقع من المرايا المهشمة، وبظل هوية جريحة وكسيرة. 
قد تكون مشاعر جميع المنتقدين مبررة، فمواقف قادة الطائفة العربية الدرزية بعد إقامة إسرائيل، أنتجت أسباب ذلك التنابذ وشكلت أرضًا خصبة لمشاعر الشماتة وعدم الثقة؛ مع هذا لا بد من رصد مسيرة التغييرات الحاصلة داخل المجتمعات الدرزية في البلاد. كان الجيش ومصلحة السجون الإسرائيلية، في البدايات، المشغّلين الرئيسيين لأبناء الطائفة التي تشكلت بالأساس من مجتمعات فقيرة تقليدية ومحافظة، أمّا اليوم فمعالم كثيرة من تلك الهياكل اندثرت، وبدأت تتشكل بنى جديدة وتأخذ مكانتها الاجتماعية والريادية في معظم التجمعات السكنية الدرزية. 
لقد تأثر العرب الدروز، كغيرهم من المواطنين العرب، بوتائر التطورات الاجتماعية والاقتصادية الحاصلة في الدولة، التي أدت بطبيعة الحال إلى نمو نخب جديدة وشرائح وازنة من المثقفين والأكاديميين ورجال الأعمال والمهنيين الناشطين، في مجتمعات أصبحت أكثر انفتاحًا على العالم، وجاهزية للتعاطي مع تحديات العصر، واستعدادًا لمواجهة مخلّفات الماضي، واصرارا من أجل السعي وراء أحلام لمستقبل آمن يظلل أبناءه  بهوية واضحة القسمات غير مشوهة أو هشّة. لن تكفي هذه الرقعة للإحاطة بتفاصيل تلك التطورات، ولكن ليس من المعقول أن تستمر وشائج علاقاتنا أسيرة لفرضية تقول لا فائدة من دروز بلادنا، كما آمن وما زال الكثيرون بيننا. 
هنالك كم هائل من الدراسات الواقعية حول ما أسميته «بالمسألة الدرزية» في إسرائيل، ويكفي أن نتابع ما كتبه بعض أعلامها من المثقفين في الأسابيع الأخيرة،  كي نرى كيف تفاعلت تلك النخب مع قضية تشريع قانون القومية، وبخلاف واضح مع مواقف معظم القيادات التقليدية، وبما قد ينسف صحة الفرضية المذكورة.
سنقرأ مثلًا عن تحذير ابن قرية «يركا» البروفيسور أمل جمال من انتهازية القيادات الدرزية، في مقالة مهمة له (نشرها في الثاني من أغسطس الجاري في جريدة «هآرتس») حيث قال فيها «لا يمكن أن ينحصر نضال الدروز  في مسألة إبطال أو تغيير قانون القومية؛ يجب أن يكون النضال أعمق وأشمل من ذلك. يجب أن يكون على صورة الدولة بشكل عام وعلى معنى المواطنة فيها».
لم يكتف بذلك بل مضى مشككًا بنوايا تلك القيادات، لأنها كانت على اطلاع بعملية التشريع قبل إنجازها؛ فمن يرضى «بحصر مطالبه في قضية عينية وربطها بالخدمة العسكرية والولاء الأعمى، يعكس فشلًا قيميًا وسياسيًا على حد سواء؛ هذه اللغة تناسب فرق المرتزقة، ولا تناسب مواطني دولة تدعي أنها ديمقراطية». كلام في منتهى الحزم. 
تزامنًا مع المقال المذكور نشر المحامي شكيب علي في موقع «واينت» مقالًا بعنوان «أصلًا، من ولّاكم قادة للطائفة الدرزية؟»، وفيه يجيب باستقامة وجرأة تعكسان إنبعاث روح جديدة تعبعب في صدور أجيال اليوم، فيقول:»إنها المؤسسة التي تولّي على الطائفة قيادة ضعيفة ومنبطحة وعاجزة»، ثم يعلن بتحد شغوف، أن «انتفاضة شباب الطائفة، أبناء «التطبيقات» وحكماء «غوغل» أثبتت أن المسرحية قد انتهت، وأن عصر تعيين الملك المريح للمؤسسة قد ولّى وانتهى، فما هو جيّد للملك المولّى ليس بالضرورة جيد لشباب الطائفة، فعصر الأكاذيب والمسرحيات قد انتهى وعلى الحكومة والمؤسسات  أن تعامل الدروز باحترام كامل وبمساواة حقيقية». 
إنها لغة جديدة؛ لغة أجيال تزورها الحقيقة في المخادع، ولن يقدر أحد في هذا العصر على تزويرها أو حجبها.
 في الماضي صرخت مجموعات صغيرة عربية درزية مؤكدةً: نحن عرب يا عرب،  فصدقتهم قلة من العرب وقلة أقل من الدروز؛ أما اليوم فما زال أولئك يصرخون على العهد ومعهم يصرخ عشرات المثقفين والأكاديميين بصوت جديد وعال؛ هو صوت من أفاقوا على هول الخديعة ووقع الحقيقة بأنهم ليسوا أكثر من عرب ولا أقل من دروز . 
أمامنا تهب رياح التغيير والعاصفة ويرفض الكثيرون بيننا رؤيتها، لكنني على قناعة بأن قيادة مسؤولة وحكيمة سترفع الراية. فقريبًا سنسمع نداء محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، وهو يدعو الأبناء ليعودوا إلى حضن أمهم وذلك بعد أن «اشتاقت البلاد إلى أهاليها». إنه أكثر من تنبؤ وحدس، فهو يقيني ولننتظر. 
 كاتب فلسطيني

 

 

قانون القومية اليهودية

وصراعات القبائل العربية

جواد بولس

لم تشهد البلدات العربية في إسرائيل أية ردة فعل احتجاجية لافتة في أعقاب المصادقة على قانون أساس : "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي"؛ وقد تكون التظاهرة اليهودية -العربية التي جرت في تل أبيب، مساء يوم الاثنين المنصرم،  الحدث الشعبي الأبرز حتى الآن، والصرخة التي كشفت عن صمم القيادات السياسية العربية المزمن. ولقد عرّت، كذلك، عجزها البنيوي وعدم قدرتها على تحريك  "الشارع" وإخراج أفراده من حالة فقدان الثقة وإنقاذهم من نتائج ممارسات بعضهم لفنون الرياء السياسي المنتعش، في ظل وحدة معوّقة وواهمة كما سيرد لاحقًا .

لقد توقعت، ككثيرين مثلي ، هذه النتيجة، وأكدّت في مقالتي السابقة أنه "لن يراهن عاقل على ما قد يحدث قريبًا، وسيبقى أقوى الاحتمالات الواردة ألّا نلمس تحركات ثورية ومؤثرة" .

 لم يكن ذلك من باب التكهن النزوي أو التنبؤ الافتراضي، فتشخيص حالة العقم السياسي في مجتمعنا العربي تم  منذ سنوات، وأعراضه ظهرت في كل مرّة فشلت فيها  تلك القيادات بالتصدي لقطار العنصرية المندفع بجنون والمتقدم  من محطة إلى أخرى، دون أن تنجح مؤسسة أو حزب أو جهة بتعطيله أو بعرقلته؛ إلى أن وصل، كما نرى في أيامنا، إلى محطته قبل النهائية واسمها "إسرائيل دولة يهودية فوق الجميع".

لم تحدث انهيارات البنى السياسية والاجتماعية فجأة، ولن نتطرق هنا إلى مسبباتها التاريخية، لأن ما يعنينا في النهاية هي نتائجها التي تستوجب المعالجة بجرأة وباستقامة وبوفاء.

لقد أُصبنا في الثلاثة : "لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل" و "القائمة المشتركة"  و"اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية".  

كانت خسارة المجالس البلدية والمحلية من علامات "الآخرة" السياسية، حيث أدّت باكتمالها إلى تقويض دور لجنة الرؤساء في تأمين سلامة مجتمعاتنا المحلية وحمايتها؛ ومن هناك، كما كتبنا،  بدأت مواسم حصاد الهزائم!  

كان من المفترض، في مثل هذا الواقع، أن تضاعف لجنة المتابعة العليا من قوتها ومن تأثيرها على مجريات الأحداث في مجتمعاتنا، خاصة بعد أن اضطرت الأحزاب والحركات السياسية المؤمنة بالعمل البرلماني خوض تجربة العمل الوحدوي من خلال "القائمة المشتركة" التي توقع الجميع إسنادها للجنة المتابعة.

لم يحدث هذا وبرأيي لن يحدث،  فلماذا؟

لجنة المتابعة واحتجاجات "الكوتتج" ! 

اجتمعت لجنة المتابعة العليا يوم الثلاثاء المنصرم ونشرت بيانًا ضمّنته دعوتها الجماهير الواسعة للانخراط في رزمة من الفعاليات الاحتجاجية المتنوعة التي ستغطي فترة الأيام القريبة القادمة.

لم يجفّ حبر  البيان حتى قامت عدة جهات بانتقاده مباشرة ووصمه بالتقليدي والمكرور الذي لم يستحدث أي وسيلة نضال جديدة ترقى إلى مستوى الحدث.

 قد يكون ما كتبه في هذا الصدد السيد مراد حداد القيادي في حزب التجمع، (وهو ليس وحيدًا، فقبله كتب زملاؤه مثله وأكثر في حق  لجنة المتابعة والمؤسسات القيادية الأخرى) هو الأحدّ والأبرز،  فبرأيه "كل احتجاج لا يحمل طابع المواجهة مع المؤسسة لا يعوّل عليه". ثم يضيف بحدة وبقساوة  قائلًا: "لقد سقطت المتابعة مرّة أخرى بقرارات جوفاء وباحتجاج ضعيف يشبه إلى حد ما "احتجاج الكوتتج" .. المتابعة أصبحت جسمًا مشلولًا يتحكم به ثلة من أتباع التعايش الوهمي والتذلل لسلطة أبو مازن" .

لا تستطيع المتابعة إغفال هذه الاتهامات الخطيرة، خاصة وهي تكال بحقها على لسان قياديين بارزين في حزب يشكل أحد مركباتها الأساسية، وتُعلن من قبلهم بناءً على مواقف حزبهم المبدئية ازاء مسألة تعريف جوهر الصراع ووسائل النضال في مواجهته.

قد تكون المصادقة على قانون "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي" من المفارقات الفريدة التي ستفرض على القوى السياسية العربية، وعلى الحركات الإسلامية في إسرائيل، إزالة الطلاء عن بعض المفاهيم المؤسسة عند كل فريق وفريق منهم،  وتجبرهم، بالتالي، على العودة إلى أصول التمايز واختلاف الرؤى والعقائد بينهم.

 ومع أن هذه الاختلافات  العقائدية الأساسية كانت قائمة بينهم في فترة "العدة" الوحدوية (بين الشيوعيين/ الاشتراكيين،  والقوميين والإسلاميين) وكانت مصبوغة بحكم المصلحة ومؤجلة بفرض الواقع، إلا أن سفور القانون الجديد وتحدياته المستفزة لن تسمح لهم ، على ما يبدو،  بإبقائها تحت ظل التوافق المصطنع وفي ثنايا المصالح الآنية "المشتركة" وعند أقدام ضرورات "التقية" ومنافع المراوغة.

فحزب التجمع، وعلى لسان معظم قيادييه، يرفض حصر الصراع في مسألة المواطنة ودولة المواطنين؛ ويرى معظمهم بضرورة "تفكيك المشروع الصهيوني الاستعماري وبناء دولة ديمقراطية واحدة" دستورَ إيمانهم وأساسَ برنامجهم السياسي، ولذلك يجزمون، كما رأينا،  بأن " كل احتجاج لا يحمل طابع المواجهة مع المؤسسة لا يعوّل عليه" ؛ لا كما دعت لجنة المتابعة في بيانها للنضال الاحتجاجي السلمي ومن دون "استقدام المواجهة مع المؤسسة".

فهل في مثل هذه المواجهة بين موقفين مبدئيين مختلفين، يستطيع رئيس لجنة المتابعة تفادي اتهامه، غير المحق، وزملاءه بكونهم " ثلٌة من أتباع التعايش الوهمي والتذلل لسلطة أبو مازن" ومن مروّجي نضالات "الكوتتج" ؟

الدول زائلة والعقيدة باقية

لم يكشف قانون الدولة القومية اليهودية عمق الخلاف بين حزب التجمع وبين مركبات أخرى في لجنة المتابعة فحسب، بل عاد وأكد، على الضفة الثانية، على  مزيد من الخلافات وتضادها الجوهري بين معظم تلك المركبات وبين ما تؤمن به الحركة الإسلامية، وهي أيضًا مركب هام آخر من مركبات لجنة المتابعة.

فبخلاف ما يؤمن به حزب التجمع، يؤمن الإسلاميون أن الصراع هو صراع ديني على الأرض وبأن منطق التاريخ يقول: "لا بقاء للدول، وأنّ صعود الدول وزوالها واندثارها هي مسألة وقت..لكن الذي لا يذهب ويبقى هي الأرض وما ينزل من السماء، هي العقيدة"،  كما نشر الشيخ كمال الخطيب في أعقاب المصادقة على القانون.

 وإذا كان الحال هكذا، فكيف بمقدور رئيس لجنة المتابعة السيد محمد بركة، وهو القائد الشيوعي العتيق وابن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التجسير على هذه الفوارق الجوهرية، والنجاح بوضع برامج عمل نضالية حقيقية لا توفيقية كما حدث ويحدث وسيحدث باسم وحدة لجنة المتابعة والمحافظة عليها ؟ 

فلماذا ستبقى هذه الوحدة مقدسة حتماً؛ بينما سيبقى العمل الحقيقي مشلولا ومصيرنا، كمواطنين في دولة تستوحش بلا هوادة، مرهونا بين سماء فيها للجميع حصة، وبين همّة أمة تأكل أبناءها وبعضها؟ 

وكيف يمكن تحقيق برامج نضال دسمة "وغير نباتية"، إذا كان جزء كبير من الشركاء يعتقد أن شركاءه  في النضال ليسوا أكثر من مجرد ثلة واهمة وتابعة ؟

وكيف يمكن لأعضاء "القائمة المشتركة" أن يعطوا كل ما في وسعهم مع شركاء يحرّمون عليهم العمل من داخل البرلمان الصهيوني ويتّهمون بعضَهم بالعمل "لصالح المشروع الصهيوني نفسه أكثر مما هو لصالح شعبنا" ، كما جاء في مقالة الشيخ كمال الخطيب المذكورة ؟   

 كتبت، قبل سنوات ،عن خشيتي من أن  "يكون ضعفنا في وحدكتم"، وكم أخاف اليوم أن يكون حدسي قد صدق !

 فالخلافات بينكم أخطر مما توقع المتفائلون بيننا وأقوى من محاولاتكم لتدثيرها في أغطية من الأماني وباقات الوعود.

يستوجب غياب الشارع عن ميادين النضال ضرورة  مراجعتكم  للتجربة واستخلاص النتائج والعبر؛ فالوحدة بين المقموعين ضرورية لكن "التجارب مسنات" والنتائج تصرخ  مع كل رصاصة وقانون.

فنعم للوحدة ولكن بشرط ألا تكون مهزوزة ومعطلة؛ونعم للشراكة، ولكن فقط إذا تعانقت المقاصد وتوافقت الغايات ولم تعد غاياتكم سببا للعجز وللصمت ومسوغا لتراتيل السراب.

وأخيرا، تستطيعون انتقاد نكوص المؤسسات القيادية وقصورها،  لكنني لا افهم كيف تفسرون فشل أحزابكم  بإخراج مظاهرة واحدة يتجمع فيها عدد أشخاص اكبر من عدد من يشاركون بعض القادة والوجهاء، أفراحهم أو أحزانهم ؟

 

قانون القومية:

(إسرائيل فوق الجميع)

جواد بولس

 

قد يشهد سيل الكتابات حول مصادقة الكنيست على قانون أساس: «إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي» على وقوع حدث كبير ومختلف؛ رغم عدم الاتفاق على دواعي تشريعه، وعلى تشخيص مخاطره الحقيقية أو تبعاته المستقبلية.
تعدّدت الآراء وانفرجت التقييمات على قوس من المواقف، تبدأ بفرح البعض لأنّ إسرائيل قد «بقّت البحصة» رسميًا، وتعرّت ككيان لا تصلح المواطنة المأمولة فيه ومعه – كما كان يدّعي أصحاب هذا الفرح – وتنتهي بنداءات الإهابة والاستنفار من قبل جهات عديدة، استشعر أصحابها بدنوّ اشتعال «أم المعارك»، في حين ما زالت خيارات مواجهتها الشعبية والجماهيرية ملتبسة وغير ناجزة. 
أتاح الإعلان عن القانون لمفكري المعسكرات السياسية الراديكالية والدينية القائمة بين المواطنين العرب في إسرائيل، فرصةً لتأكيد صحة معتقداتهم وتبريرها، متعكزين، كل من رصيفه، على تفسيرهم الخاص لتوقيت نجاح التشريع وإشهاره لمبادئ وحقائق كانت قائمة في الممارسة والفضاء الإسرائيليين، وشرعنتها بهذا السفور العنصري المستفز .
حاول الكثيرون تصفير أهمية الحدث؛ فستبقى اسرائيل بعده، حسب هؤلاء، كما كانت قبله؛ وهي عندهم ليست أكثر من كيان «ذاهب إلى حتفه» إما بقوة الدعاء أو بغزارة البصاق! واذا لم تصدّقوهم فانتظروا الفرج لأنه قريب، والغدَ لأنه كالأمس شفيف.
في المقابل، يتذرّع بتشريع القانون جميع من نادوا بضرورة مقاطعة الكنيست، ويعلنون مجددًا، بسببه، أن ساعة القطيعة، هذه المرة قد أزفت، وأن على أعضاء القائمة المشتركة تقديم استقالاتهم فورًا إلى غير رجعة؛ فالكنيست ليست في نظرهم منصةً مناسبة وكافيةً للنضال ضد سياسات القمع والعنصرية، علاوةً على تأكيد أصحاب مبدأ المقاطعة على أنّ القانون قضى نهائيًا على حلّ الدولتين، وأنّ على الجماهير العربية في إسرائيل أن تستعد للمواجهة الكبرى وللبدء في مراسم الكفاح المرّ، كما يليق بمن ينشدون العيش في وطنهم كرامًا وفي دولتهم أحرارًا. 
أما أتباع الحركات الإسلامية، فقد وجدوا بهذه المناسبة تعزيزًا لما يؤمنون به، وتسويغًا لكونهم حركة تغمس الدين في مفاصل الحياة اليومية، وتربطه بشؤون الدولة والأمة، كما كتب، على سبيل المثال، الشيخ كمال الخطيب بعيد إقرار القانون مصرحًا: «مع إقرار برلمان اسرائيل لقانون يهودية الدولة، فقد تبيّن لكل عاقل أن الدين منغمس في حياة الإسرائيليين، وأنه التوافق بين الكنيس والكنيست، فالسياسة حاضرة في الكنيس والدين حاضر في الكنيست. فلماذا يصر العلمانيون منّا على قوقعة الإسلام في المسجد والفصل بين الدين والحكم والسياسة؟ وإلا فإنه «الاسلام السياسي» يناصبونه العداء». الى جانب تلك المواقف سنجد مَن أكّد أن القانون يؤسس لمرحلة جديدة في الحياة السياسية الاسرائيلية، وسيؤثر على مكانة المواطنين العرب، لما سيخلقه من ديناميكية طبيعية ترافق العملية التشريعية، خاصة إذا كانت تحظى بمكانة دستورية عليا، كما هو الحال في قوانين الأساس الإسرائيلية. للجميع حق بالتعبير عن موقفه والدفاع عن قناعته وعقيدته وتحمّل مسؤولية ذلك تباعًا.

أكثر من قانون، الإعلان عن مملكة إسرائيل الجديدة
لا خلاف على كون المواطنين العرب، بجميع فئاتهم ودياناتهم، الضحايا المباشرين لهذا التشريع؛ مع ذلك يستهدف وجهه الآخر قطاعات صهيونية واسعة، علمانية ومتدينة، لا تتساوق تعاليمها مع تلك القوى الصهيونية المتدينة، التي أصرت على تمريره بالنصوص التي توافقت عليها؛ ولهذا سيشكّل يوم تشريع القانون حدّاً فاصلًا بين مفهوم الدولة التي اعلنت عام 1948 وفقًا للمضامين «البن غوريونية» – خاصة في ما يتعلق بعلاقة الدين ومكانته في الدولة، ومكانة الجيش، ومكانة التعليم الرسمي، والنظرة للعلمانية، وللحقوق المدنية، ومكانة المواطنين غير اليهود، وغيرها من ركائز الدولة والمجتمع – وبين جميع هذه المضامين والمفاهيم في الدولة « البينيتية» التي يعكس ملامحها بصرامة قانون القومية الجديد. 
لم تتردّد القوى السياسية اليمينية المسيطرة بالتعبير عن أهدافها، وعن إصرارها على إتمام مهامها وتدعيمها بتشريعات مناسبة، من أهمها وآخرها القانون الذي نحن بصدده؛ فجميع المتحدّثين الرسميّين باسم هذه القوى الصهيونية الدينية المسيحانية، أوضحوا أنهم يسعون لإحكام سيطرتهم على رقاب الأجهزة القضائية، وفي مقدمتها المحكمة العليا، بدون أن يغفلوا تمكنهم من أجهزة الأمن والجيش وجميع الوزارات السيادية وما يتفرّع عنها.
في موازاة هذا التطوّر، بدأنا نلاحظ في السنوات الاخيرة كيف استشعرت جهات صهيونية عديدة مخاطر ما ينمو في أروقة حكم الدولة؛ ومع تصورها بأن العرب سيشكّلون الضحايا المباشرين لذلك التوحش العنصري الفاشي، أحسّت بأنهم ليسوا بعيدين عن فم التنين وعن نيرانه الحارقة، لأنهم في الواقع «غرباء» وخارج فقه قانون الأساس «إسرائيلنا التي فوق الجميع «.
لماذا الآن؟ 
لقد استعان اليمين الاسرائيلي بقفزاته في السنوات الأخيرة بعتبات مدّتها أمامه بعض القوى السياسية والدينية الناشطة بين الجماهير العربية، خاصة تلك التي تؤمن بان إسرائيل ما زالت، كما قامت، كيانًا مزعومًا وباطلًا أقيم على باطل. إلى جانب ذلك سنجد، بالطبع، عوامل خارجية كثيرة ساعدته على إحكام سيطرته في الدولة وعلى إنجاز القانون بعد سبعة أعوام من النقاشات حوله ومحاولات تمريره الفاشلة؛ ومن بينها تعاظم قوة اليمين المتطرف في معظم الدول الأوروبية وغيرها، وتهالك وحدة الدول العربية وتهتك أنسجة الدول الاسلامية، وضعف حالة الشعب الفلسطيني. 
أعرف أن القوى العنصرية المتطرفة لم تكن بحاجة إلى مدعّمات ومنشّطات كي تمارس نهمها وجشعها وبطشها؛ لكنها نجحت بتجنيد بعض المواقف العربية وبرّرت بطشها بادّعائها ضرورة الدفاع عن مستقبل الشعب اليهودي ودولته، في وجه العرب الساعين من داخل الدولة إلى القضاء عليها وإقامة دولتهم القومية مكانها، أو امارتهم الاسلامية، كما يؤمنون ويصرحون ويكتبون. 
يجب التصدي ولكن كيف؟
انشغلت، كما كان متوقعًا، مؤسسات المجتمع العربي في إسرائيل بتداعيات القانون، وبادرت جمعيات ومجموعات كثيرة، وفي طليعتها «لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل»، لعقد لقاءات تشاورية حول طرق التصدي لتبعات هذا التشريع. كل هذه المبادرات مباركة ولكن.. لن يراهن عاقل على ما قد يحدث قريبًا، وسيبقى أقوى الاحتمالات الواردة ألا نلمس تحرّكات «ثورية» مؤثرة، وذلك ببساطة لأنّ معظم أحزابنا وهيئاتنا التمثيلية ومؤسساتنا السياسية بنيت في عصور دارسة؛ ورغم جميع التحوّلات في العالم وفي المنطقة وفي الدولة، لم تبادر معظمها إلى مواءمة برامجها وآليات عملها لمتطلبات معطيات العصر الجدّية. لقد بقي أكثرها كذلك الشخص الذي يشهر سيفًا في وجه صاروخ «التوماهوك» أو كمن يريد اسقاط طائرة «أف 35 بمقلاع. 
لا أوافق على الدعوة للهجرة من الكنيست، وأخشى من فشل جميع المحاولات النضالية التقليدية، أو من عدم ارتقائها إلى خطورة الحدث؛ وأن يقتصر جدول «المقاومة» على بعض المبادرات القضائية، التي سيبقى سقفها «عدل» إسرائيل القوية، وإلى جانبها بعض الفعاليات «التحرشية» الحاصلة تحت ما يسمى مظلة الرأي العام الدولي ومؤسساته الغارقة عمليًا بما تمليه مصالح تلك الدول ومرابحات/ مقايضات قادتها الموسمية؛ وكما قلنا في الماضي نكرر أنه بدون كسر القوالب والخروج من فروض «القبيلة» لن ننجح في بناء «كواسر موج» قادرة على درء الهزائم والغرق. فقريبًا سوف نشعر، كمواطنين عرب، بنتائج هذا القانون على حياتنا اليومية وعلى مكانتنا السياسية. لن يقتصر تأثيره المباشر على مواقف الأجهزة القضائية التي ستنحني انصياعًا لروحه الجديدة، وتقتصّ بهدوء من لحم حقوقنا المدنية والسياسية – كحقنا في التأطر السياسي، وحقنا في التظاهر، وحقنا في السكن وفي الحركة وفي التعبير عن الرأي وغيرها- بل سينعكس أثره في علاقة الدولة معنا كأفراد ومجتمع ولن تبقى حياتنا عرجاء كما كانت، بل ستصير تفاصيلها أعقد وأصعب وهوامشها أضيق بكثير. 
سيكون الآتي أفظع، وسيفرض علينا الواقع المتشكّل، إذا بقي تعاطينا معه بأنماط العمل القائمة، طريقًا من اثنين: فإما مواجهة طاحنة كبرى مع نظام جديد يؤمن بأن الرب حليفه، والأرض سجادته وأننا هنا، نحن العرب، نتحيّن الفرصة «لقتله»؛ وهم يتصرفون بواقع حكمة اجدادهم القاضية بان «من جاء ليقتلك قم واقتله أولًا»، ويعرفون أن العالم يعيش في عصر، تقوم فيه فضائيات «النظام العالمي الجديد» بتصوير موت الملايين من الأبرياء كما تصوّر هوليوود أفلام «الغرب المتوحش».
وإما نجاح من يؤمنون باقامة أطر مستحدثة وجبهات عريضة تعمل بأساليب ومفاهيم مبتكرة، وتنطلق من كوننا مواطنين في دولة يريد معظم قادتها التخلص منا، ولكن رغم ذلك يتطلب صراعنا في هذه المرحلة الحرجة، أن نجد فيها حلفاء ونحاول معهم الوقوف في وجه العاصفة وأمام نيران التنين. قد تكون مهمة ايجاد الحلفاء من العرب سهلة، أما من اليهود والصهاينة فصعبة أو عسيرة، ولكن عدم المحاولة، وهي أسهل، سيؤدي إلى ارتكابنا فشلًا خطيرًا، ستكون نتائجه أكبر من كابوس، لكنها، حتمًا، ليست أصغر من نكبة .
كاتب فلسطيني

 

 

فلسطين دمعة

التاريخ الحارة

جواد بولس

لن أكتب اليوم في السياسة ولن أحدثكم عن فلسطين التي في أحلامنا، ولا تلك التي تسكن في حضن الأماني. سوف آخذكم معي الى صباح فلسطيني مثير، لتروا كيف نمارس فيها طقوس "حزننا العادي" ونمضي كالناس نحو ضفاف الفرح.

كان الصباح ثقيلًا. أفقت وقد  "تطاول ليلي ولم أنمه تقلبا".

كان صوت صافرات السيارات تحت بيتي مزعجًا أكثر من كل العادة؛ شعرت بتعب شديد وبنعاس، وتذكرت نتفًا من حلم لازمني وأزعجني خلال نومي المتقطع.

اختصرت عاداتي الصباحية، وهيأت نفسي للسفر. توجهت بسيارتي نحو الحاجز  العسكري القريب من قرية "الجيب"  لأدخل منه إلى رام الله بدلًا من حاجز  "قلنديا" الأقرب بكثير الى منزلي وإلى مكان عملي.

كل شيء في فلسطين التي أعرفها تغيّر. للمسافات معان جديدة وللوقت أرواح تغيب ولا تفنى؛ وحتى النوم صار فيها شهوة وأمنية العقّال.

 لا علاقة للمرض بذلك ولا لبلوغك الخمسين "حافيًا" أو الستين حالمًا، فالقصة أننا نعيش أيامنا و"كأنّ الريح تحتنا" وننام في فراش وقد "حال من دونه الجمر".  إنها فضاءات القلق المتعاظم ينخر مخادعنا، وعوالم القهر الذي يحاصرنا على مدار الوطن والزمن .

قد تبدو حكايتنا، للرائين من بعيد، على شكل وطن من نثار كنعاني أو من صدى بيلاطس البنطي أو من برق سيوف سلطانية؛ لكنها مجرد ظلال هوية نصّ حروفها أبناء "الفصائل" ولوّنوها وعلّقوها على أعواد القوافل وعودًا سرمدية.

كان الصباح باردًا ورتيبًا، والطريق طويلا وخاليًا من سيارات الفلسطينيين. فكرتُ، لو بقيَت فلسطين محتلة كما كانت قبل "ثلج الخديعة"، لكنت سأقطع المسافة من بيتي الى مكتبي  في رام الله في أقل من عشر دقائق.  أما اليوم، وبعد أن صارت فلسطين الدولة فكرة نسجوا لها نشيدًا وعيدًا وعلمًا، حوّلونا إلى سنابد نحرث ترابها المجبول بالظلم ونداري فيها قسوة العدم.  

استعنت بالراديو وتنقلت بين محطاته فهو، لمثلي في أوقات "التسلل" ، ملجأ. أسمع من أذاعة محلية المغني الأردني، عمر العبداللات، وهو يحيي مدينة نابلس بأغنية يعلن مطلعها انها كبيرة "وبعمرك ما زغرتي"؛ ويعرب بعده صائب عريقات من صوت فلسطين عن "تقديره لمجلس الشيوخ الايرلندي ويدعو الاتحاد الاوروبي ليحذو حذوه". اما بنيامين نتياهو فيحذّر ، من إذاعة "مكان" الاسرائيلية، أهل غزة وينصحهم بأن يستوعبوا هذه المرة تهديده و يستسلموا له!

 قطعتُ الحاجز بسلام؛ فالدخول منه الى مناطق السلطة مجاز للعموم، أما الخروج فلأصحاب التصاريح فقط.

وبعد مغادرتي وسط القرية متوجها الى الشمال،  لأصل رام الله من الخلف، فاجأني رتل من السيارات الفلسطينية الواققة على طول الشارع.

توقفت وراء الطابور الذي لم ارَ بدايته. لم أثُر، لأن الشوارع كانت قد علمتني أن فلسطيننا حرة في القصيدة وفي الجرح والندم، بينما هي في الواقع أرض يطأها احتلال عاتٍ يَرى ولا يُرى.

مرّت الدقائق ولم يتحرك الطابور.  نظرت خلفي فوجدت عشرات السيارات وقد تذيّلت بهدوء، وفعل سائقوها مثلما فعلت.

بعد أكثر من نصف ساعة أطفأت المحرك ونزلت استفسر من السائق أمامي عما يجري. كان شابكًا أصابع كفيه تحت رأسه بصورة مقعرة ومشكّلًا بها وسادة من لحم وعظام كي تتلقف رأسه الملقى عليها بسلام. تحت ابطيه علامات التعرق وهو على وشك النوم عندما شعر باقترابي من شباك سيارته.

 لم يحرّك رأسه، واكتفى بفتح نصف عين، مبديًا بعض المضض، فسألته بخجل يوحي بكوني غشيمًا وغريبًا عن المشهد  "شو في يا أخي"؟ 

أجابني، بعفوية وبصوت مسامح وخافت وكأنه لا يريد أن يصحو : "حطّوا "محسوم"/ حاجز  طيّار هناك فوق، تحت الجسر ".

أردت أن أستوضح منه أكثر، لكنه بايماءة خفيفة أفهمني بأنه يؤثر العودة  إلى غفوته الصغيرة وإلى سكونه النفسي.

لم أعد إلى سيارتي وفعلت كما فعل الآخرون. البعض نزلوا  وبحركة طبيعية "مغطوا" أرجلهم ونفضوها؛ وكذلك فعلوا بأيديهم، مما أشعرني بأنهم يستعدون لمكوث طويل.

أشعل المدخنون سيجاراتهم ونفخوا دخانها نحو الغيوم التي كانت تسبح فوقنا؛ بعضهم أرفقوا مع الدخان تمتمة ظهرت كرجاء للغيم أو ربما كرسائل إلى مَن فوقه.

رآني من بعيد صديق فترك سيارته وجاءني لنحتفي بكرم الصدفة  ففرحنا و" قتلنا " معًا غلاظة السأم وأجّلنا الاصابة بنوبة الغضب.

كان الجو صافيًا والشمس صارت عدائية. علا من سيارة قريبة صوت الشيخ عبدالباسط عبد الصمد وهو يتلو بعذوبة ساحرة سورة يوسف، ومن مذياع آخر كانت تطلب فيروز من طير الوروار "رحلك من صوبهن مشوار"، وفي نفس الوقت كانت تغني فرقة العاشقين من حافلة صغيرة "صباح المجد والعزة يا أطيب أرض فوق الارض يا غزة".

انضم الينا بعض الرجال والشباب. كانت الراديوهات تصدح، وحديثنا يعلو تباعًا، وكانت نتائج المونديال موضوعه الأهم. احتدمت النقاشات بين الحاضرين الذين دافعوا، كل بدوره، عن فريقه وبطله، وتخللتها حدّة احيانًا وفكاهة أحيانًا أخرى.

لا تخطئوا التخمين، فنحن في القدس ورام الله نسمع ونشاهد ما يسمع ويشاهد البشر.  ترامب، عندنا مثله عندكم، يترنح "ككاليغولا" ربما كمجنون بالعظمة وعاشق لحصانه، أو، والرب أعلم، كجبار يجيد حصاد الرمل وقسمة القمر ، أو كراع شبق يعرف كيف تُحلب البقر ؛ وفي فلسطين نشاهد المونديال مثلما تشاهدونه في بلادكم، ونبكي لا مثلما بكى "نزار" الدمشقي عند "قدميها" ، بل كرمى لسحر "ميسي" وعند قدمي "صلاحنا"، ونهتف بحماس ليس كجدنا أبي الطيب، انما لرماح  "رونالدو" وغزوات "نيمار" ; أمّا الشوارب فبقيت مثل شوارب أمتنا، تحافظ على وقوفها ويقظتها مستنفرة ، وتميل حيث خواصر "الكرواتية الحسناء" تميل وعلى غنج "كمنجات" روسيا.

 ينام على يميننا سفح هضبة مكسوة بالاخضر. أصوات رعيان وراء المدى، وأشجار التين واقفة باحترام تظلل تحتها أثلام من المزروعات لم ننجح في تشخيصها عن بعد؛ ونحن من بعيد لا نرى حاجزًا ولا نشعر بوجود الجنود

 مرت ساعتان. انتهينا من نعمة الصدفة وتذكرنا أننا ليس إلا رهائن عند جنديين لم يتعدّ عمر الواحد منهما الخامسة والعشرين ، اقاما في صباح فلسطيني "عادي" حاجزًا، ليذكّرونا بأنّ فلسطين، في عصر القبح، ما هي الا أرض المجازات والدلالات وسباقات المسافات الطويلة، وبأنها سيدة الوجع  وربة السراب وحاضنة العبث.

وصلت الى مقرّ نادي الأسير  قبل الظهر . دخلت غرفة رئيس النادي، قدورة فارس، فوجدته منهمكًا في كتابة نصّ رسالة هامة. لم ألقِ عليه التحية، فرفع رأسه وتبسّم بعد ان شعر بغيظي يفور .

 جلست أمامه وسألته متعمدًا الهدوء ، "ماذا يعني الحاجز لك يا أخي ؟ " غابت بسمته وقال "لا أصعب من السؤال البسيط والمفاجيء" ! فكّر لحظةً وأجاب : "الحاجز هو الاحتلال يا صاحبي".

أردف بصوت المجرّب وقال: " يا صديقي ! الحاجز يشبه باب الزنزانة في السجن؛ كلاهما يرمز للقوّة والسلطة والقهر". أشعل سيجارته مستذكرًا بعذوبة محيّرة سنوات سجنه الطويلة وأضاف: "كل تلك السنوات كان عندي حلمان: الأكبر ان أحصل على مفتاح الزنزانة افتحها بحريّة واغلقها بنفسي؛ والثاني أن انام في فراشي عارياً"،  قال ذلك مؤكدًا "كود" الشرف الذي بنته الحركة الأسيرة الفلسطينية وألزمت بموجبه عناصرها بسلوكيات اجتماعية صارمة حافظوا من خلالها على مكانتهم الوطنية وعلى حصانتهم الاجتماعية.

سكت قليلًا، ثم اخبرني كيف حقق أمنيتيه بعد ما افرجوا عنه في العام ١٩٩٤، وخبّرني بحكاية الفيل الذي ربطوا ساقه بجذع شجرة كبيرة فحاول ان يقطع الجنزير حتى جرحت ساقه فتوقف.

ما الحل ؟ سألته؛ فقال علينا ان نداوي خوفنا أولًا؛ وأن نشفى من عجزنا؛ ففلسطين الحقيقية هي أهلها  "الأصبرون على الذل من وتد"، وهي حكاياتهم  في "الرمادي"  وتلك التي ستجدونها في لغة الغبار وفي ملح الرخام. أهلها، صاروا يحذرون الأذى  كالفيل، فهم يغفون على خنجر ويصحون على سيف، لكنها عندهم "بين الضلوع جذوة نار / وخلال الأجفان مزنة ماء".

إنها دمعة التاريخ الباقية.

 

 

 

 

بين يسارهم ويسارنا

جواد بولس

 

هل يوجد يسار صهيوني تقدمي في إسرائيل؟ ربما، وماذا إن وجد ؟  

دعت جريدة "هآرتس" في افتتاحيتها المنشورة في السادس والعشرين من تموز / يونيو الفائت إلى انتخاب النائب أيمن عودة رئيسًا للمعارضة البرلمانية في الكنيست؛ وذلك كردّ مناسب، حسب رأي محرّرها، على استنهاض بنيامين نتنياهو لمنتخبيه في الانتخابات الأخيرة، وتحريضه السافر على العرب الذين "يتدفقون إلى صناديق الاقتراع"؛ وما عكسه هذا التحريض من ارتفاع خطير في منسوب العنصرية وتفشيها في الحياة العامة الإسرائيلية وممارساتها الاقصائية ضد المواطنين العرب ، فتستهدف انتزاعهم من "أحشائها" واعتبارهم فاقدين لشرعية الوجود في "الدولة اليهودية" ولحقّهم في مزاولة نشاطاتهم السياسية والإجتماعية فيها.

ووفقًا لجريدة "هآرتس" فإنّ هذه "المواجهة" ستكون ضرورية ليس لأنّ أيمن عودة يمثل قيم "السلام والديمقراطية والمساواة" فحسب، بل بسبب فشل زعيم المعارضة المنتهية ولايته، يتسحاق هرتسوغ، الذي لم يقدّم بديلًا أيديولوجيًا أو عمليًا لحكومة اليمين ولسياسة نتنياهو

لم يستثر هذا المقترح اللافت فضول السياسيين العرب  فهؤلاء، ومثلهم أتباعهم، يعيشون في عوالم من المفاهيم السياسية المُقوْلبة والمتخثّرة، التي لا تتأثر بأية مجازفة مشاكسة أو فكرة جديدة أو مبادرة "مورّدة" من خارج أسواق الاستهلاك الحزبية المحلية؛ ولا تعتمد على قواميس المواجهات الدارجة، بل تلتزم بفنون قتال "قبلية" موروثة ومدعمة "باشراقات" و"غزوات" جيوش "الفسابكة والتويتريين" العرب المندفعين من على ظهور "خيولهم" العصرية.

يحاول البعض أن يفسّر صمت القيادات العربية الواضح وإعراضهم عن المقترح المذكور، بما يستبطنه هؤلاء القادة والنخب من مواقف عدائية تجاه أيمن عودة، رفيقهم وزميلهم في القائمة المشتركة، لا سيما وقد ظهرت هذه العدائية، مثلًا، بشكل أوضح عندما اعترض هؤلاء الساسة والمعلقون على مبادرته في اقامة جسم/جبهة ديمقراطية عربية-يهودية واسعه  لتقف في وجه فاشية الدولة المتنامية وضد الممارسات العنصرية للحكومة، التي لا تخفي أهدافها وما تخططه بحق المواطنين العرب  ومؤسساتهم القيادية والتمثيلية في إسرائيل.     

لم تنجح الأحزاب والحركات السياسية  العربية في مواجهة أسباب ضعف القائمة المشتركة ولا في اتخاذ ما يكفل استعادة أدوارها المأمولة ؛ ولن أتطرق في هذه المقالة إلى دواعي ذلك القصور أو إلى أسباب فشلهم في انجاز هذه المهمة المصيرية؛  فلقد بات واضحًا ، بعد هذه السنين، أن هذه القيادات ذاتها لم تستطع  تطوير  جوهر  "المشاركة" في اطار سياسي جديد وتحويله من مجرد جسر انقاذ يساعدهم على عبور مرحلة طارئة وفارقة، إلى "موديل" مستحدث في أنماط القيادة الجماهيرية المحلية، والقادر على تصريف وضبط "شؤون البلاد ومصالح العباد" وعلى حماية المجتمع من أعدائه الخارجيين والداخليين.

لقد حذّرنا من جدية وعمق الخلافات بين التيارات  السياسية المختلفة والأحزاب والحركات الدينية السياسية الناشطة بين الجماهير العربية في إسرائيل، ونوّهنا إلى وجود كمّ من بذور  المناكفات والعداوات الشخصية والمبدئية الموروثة والتي نمت في صدور القادة وعقول أتباعهم، وعششت في غابات مصالحهم الحزبية وفي دهاليزها  العمياء، وعبّرنا عن خوفنا على مصير هذه التجربة وضياعها؛ الا إذا تمّ تذليل أبرز العثرات البنيوية وازالتها، بمساعدة نقاشات جوهرية وتقديم تنازلات متبادلة وبمسؤولية، وانخراط جميع الفرقاء بنوايا سليمة وبوفاء للأهداف من دون تربّص و"استغفاء" !

كانت محاور الخلافات بينهم وما زالت كثيرة، وأهمها برأيي، ذلك التباين في الموقف من طبيعة الدولة وتعريف علاقتنا بها كأقلية، وكذلك اختلافاتهم المعلنة حول وسائل النضال المجدية ضد السياسات العنصرية، وتحديد سلم تحدّياتنا  كمواطنين نواجه أخطارًا وجودية وحياتية على حد سواء.

كان العمل مع "حلفاء"  يهود أو كما أسمتهم السياسة العربية  "باليسار الصهيوني" محطّ خلاف فصائلي مزمن وأساسي؛ فاكثرية التيارات السياسية والاسلامية الناشطة بين العرب في إسرائيل, باستثناء الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، لم تقبل بهذا الخيار ، وذلك لأسباب عقائدية ودينية وقومية، ونتيجة لنفي نجاعة تلك الشراكة عند آخرين أكدوا، كذلك، على دور بعض الشرائح من هذا اليسار الصهيوني في رسم وتنفيذ سياسة القمع ضد الفلسطينيين بشكل عام وضدنا نحن الجماهير العربية في اسرائيل.

لن ينتهي النقاش حول هذه المسألة مع نهاية هذه المقالة، وستبقى مهمة التفتيش على حلفاء يهود وغيرهم ديْنًا وعهدةً عند الذين سيضطرون الى الوقوف أمام "دي ناينات " وبنادق الفاشيين الجدد من حكام اسرائيل الكبرى.  ولكن ما يؤرّقني في هذه العجالة هو غياب من يمكن أن نسمّيهم بيننا باليسار العربي، فكلما غصت أكثر في "تلابيب" أحزابنا  وسبرت برامج حركاتنا السياسية والاسلامية، كلما اقتنعت بخلوّ ساحاتنا الحزبية من تلك القوى اليسارية الحقيقية، أو أنها تكاد تكون خالية؛ وقد تكون هذه الحقيقة هي واحدة من أهم أسباب عدم نجاعة عمل القائمة المشتركة وغيرها من المؤسسات القيادية.

فهل يوجد يسار عربي في إسرائيل ؟ ربما، ولكن دلّوني عليه ! 

لنقف عند أربعة محاور أساسية وندقق في مواقف العرب واليهود ازاءها ولنحكم بعدها من هو اليساري ومن لا.

والمحاور هي: المحور القومي، المحور الاقتصادي، المحور الاجتماعي، ومحور حل المسألة الفلسطينية والصراع حولها.

فمن يعرّف حزبه كحزب قومي حتى "النخاع"  ويؤكد بأن قوميته هي فوق الجميع وأقدس من كل قيمة وشيء، لن يُعدّ يساريًا؛  ومن يمتح شرعية حزبه/حركته من ماء السماء ومن دمها لن يدخل البرلمان وعالم السياسة من يساره؛ ومن لا يؤمن بالمساواة التامة بين "النحن" و"هم" والنساء والرجال والسود والبيض والروس والعجم والعرب،  لن يطأ "جنة" اليساريين.

هذه عينات بسيطة من التعريفات الأولية المقبولة في علم السياسة ، والتي لا يتردّد العرب في تطبيقها على المواطنين اليهود في إسرائيل، وبالأخص على من يعرّفون أنفسهم بالمتدينين القوميين وبالصهاينة؛ ولكن سيصير الأمر عسيرًا أو مستحيلًا اذا ما أتينا لتطبيقها في ساحات العرب !

 فاليهودي المؤمن بأن أرض أسرائيل الكبرى هي من حقهم فقط، هو متطرف ولا يعدّ يساريًا ؛ ومن يؤمن منهم بأن لا مكان لدولتين بين "النهر والبحر" هو متعصب ولن يكون يساريًا؛ ومن يهيم ويتعلق بسياسة الأسواق المفتوحة ويعترض على حق الدولة بالتدخل في اقتصاد السوق لن يكون الا يمينيًا ويسعى وراء سوق "خنازيرية" وجني أرباح طاحنة؛ واليهودي  المؤمن أن الرب أوقف هذه الأرض من أجل شعبه المختار  فقط، لن يكون إلا متزمتًا ويمينيًا؛ ومن يرفض تحقيق المساواة التامة بين كل الناس وتأمين حريات جميع مواطني الدولة الأساسية، لن يكون الا يمينيًا وعنصريًا.

 لا أسهل من صبّ "الغير" في القوالب؛  ولكن هل نستطيع فعل الأمر ذاته مع  أحزاب العرب وحركاتهم السياسية والدينية الناشطة في إسرائيل؟ واذا فعلنا فمن سيبقى منهم معدودًا على التقدميين وعلى أهل اليسار  ؟

جِدوا لي أولئك، وعندها سيكون بناء قائمة مشتركة معادلًا لإشادة الحصن المنيع، وستصبح بعدها  إقامة جبهة مقاومة العنصرية والتزمتية والفاشية، مهمّة بدهيةً ومطلبًا شعبيًا ملحًّا وضرورة انسانية ووطنية !

فيا يساريين اتحدوا!          

 

 

القائمة المشتركة

و"المثلية الجنسية"  في الكنيست

جواد بولس

 

عرفت المجتمعات البشرية ظاهرة "المثلية الجنسية" منذ بداية تكوّناتها الاجتماعية، بيد أن شعوب الأرض لم تتفق على موقف موحّد إزاءها؛ فشواهد التاريخ تظهر تباين مكانتها واختلاف طرق استيعابها وتعريفها.

 فهل هي مرض ؟ أم نزعة مكتسبة؟ أم حالة/ جينات مولودة مع صاحبها، تمامًا كلون العيون او لون البشرة؟

قد يكون الخوف على انقطاع النسل، منذ البدايات، سببًا لاستعداء الظاهرة واحتسابها "شذوذًا" ؛ مع أن البشرية عرفت حقبًا استساغت مجتمعاتها وضع المثليين والمثليات كمعطى اجتماعي مقبول، فخلّدت أدابُها وفنونُها قصصَ هؤلاء العشاق لمعشوقيهم والعاشقات للمعشوقات، ومنهم الأميرات والمغنيات والشاعرات والابطال والفلاسفة وكبار القادة وأشهر الحكام.    

في الماضي وقبل التاريخ حرّمت الديانة اليهودية " الجماع المثليّ" وأثّمت من يمارسه، ثم تبعتها الديانة المسيحية فأبقت على ذلك التحريم، مع أننا شهدنا مؤخرًا تبديلًا طفيفًا في موقف البابوية في هذا الشأن . وتلاهما الاسلام، رغم تباين مواقف الفقهاء حول مصير من يضبط متورّطًا بهذه "الخطيئة".

لن نعالج في هذه المقالة كيف ولماذا حاربت بعض المجتمعات هذا "الشذوذ" وكيف، بالمقابل، تكيّفت، أحيانًا، معه وتساهلت مؤسساتها مع من يمارسه؛ لا سيّما  إذا عرفنا أن حجم انتشار الظاهرة، في عصور عديدة، واختراقها لمجتمعات الشرق والغرب على حد سواء كان كبيراً؛ وكذلك إذا قرأنا ما توصل إليه علماء اليوم ونتائج أبحاثهم التي ينزع معظمها، من دون تأكيد علمي قاطع،  إلى أن الإنسان لا يختار "شذوذه" المثلي إراديًا، إنما يولد معه، سواء مع جينات خاصة أو عن طريق أي تفاعل فيسيولوجي دماغي أو غيره.

البعض لا تثيره الدراسات الغزيرة التي شهدها عصرنا رغم مسعاها  إلى سبر غور الظاهرة وتشخيصها علميًا وكشف مسببات حدوثها ؛ ويصرّ هؤلاء أن لا فائدة من وراء التفتيش عن "مسبب حصول الحالة"  لأن من حق المثليّ/ة في عصرنا أن ينادي ويقول : "من حقي بأن أكون مثليّاً، سواء وُلدت هكذا أو صرت هكذا بعد ولادتي".

بهدي هذا النداء وبروح عصر الحرّيات الفردية، بادر النائب الجبهوي دوف حنين إلى سن قانون يحظر التمييز على أساس "الهوية الجندرية" أو "المثلية الجنسية".  مع هذا وباستثناء رفاقة نواب الجبهة الديمقراطية لم يوافقه شركاؤه في القائمة المشتركة ولم يصوّتوا معه.    

لم تكن مبادرة النائب حنين الأولى من نوعها; فقبل أعوام نجح بتمرير قانون حظرت بموجبه التفرقة ضد الطلاب في مدارس الدولة على أساس "الهوية الجندرية"  أو "الميول الجنسية المثلية" ، أما اليوم فيطمح مشروع قانونه  إلى حظر  هذا النوع من التمييز  لا في المدارس فقط، بل في جميع مناحي الحياة ومؤسسات الدولة والمجتمع.

لم يصوّت نوّاب القائمة المشتركة مع مشروع قانون زميلهم رغم محاولات اقناعهم بأن القضية هي قضية حقوق ومبدأ ، "فجميع بني البشر سواء رغم اختلافاتهم .."  كما أكدت لهم النائب عايدة سليمان توما مضيفةً، ربما في إشارة إلى مواقف زملائها في القائمة قائلة "أنا اعتز بهذا الموقف وأستغرب وأستهجن التساؤلات والجدل الذي يدور حول المفهوم ضمنًا بنظري أن يحصل الناس على حقوقهم وفرصهم بشكل متساوٍ وعادل". 

بعكس نواب الجبهة فانّ الشريعة الاسلامية وتعاليمها تحدد موقف نواب الحركة الاسلامية من قضية المثليين، ولذلك فقد عارضوا المبادرة ولم يصوتوا معها.  

كلا الموقفين متوقعان, فنوّاب الجبهة كانوا أمينين على مبادئهم من قضايا   "الأقليات المضطهدة "وقضايا" المختلفين الآخرين "وعلى ضرورة دعم مساواتهم" كما أكد  النائب حنين، حين صرّح بأن حظر التمييز ضدهم "يجب أن يكون مطلقًا وبدهيًا عند كل انسان يسعى للعيش في مجتمع سليم ويعامل أفراده باحترام كبني البشر" . وبالمقابل متح موقف الحركات الإسلامية ، كما قلنا، من عقيدتهم وايمانهم بأن المثلية، الذكورية والأنثوية، هي حالة شذوذ مرفوضة، أو كما عبر عن ذلك النائب مسعود غنايم موضحًا:  "نحن ضد هذه الظواهر والمظاهر، ولا نؤيدها بأي شكل من الأشكال" .  

غاب موقف الحركة العربية للتغيير عن المشهد، ويبدو أن قادتها آثروا الاستجارة بخيمة الصمت أو "الجلوس على السياج"  في موقف ضعيف يفيض "ديبلوماسية مزركشة" وهشّة, لكنه حتمًا سيحسب عليهم. بينما لم يكتف نوّاب حزب التجمع بالامتناع  عن التصويت، بل حاولوا تبرير قرارهم بما يعتبره كثيرون "كعذر  أقبح من ذنب" ، وذلك بعد أن  أوضح رئيس الحزب النائب جمال زحالقة في موقف هلامي ، أنهم "ليسوا مع القانون وليسوا ضده" !! فهذه المسألة "ليست من أولوياتنا".

قد يعتقد البعض فعلًا أننا في صدد مسألة هامشية، خاصة إذا عدّدنا أصناف  المخاطر الجسيمة التي يواجهها المواطنون العرب في إسرائيل؛  لكنني، لا أوافق هؤلاء بل أرى أن الاختلاف حول هذه المسألة، كما مارسته القائمة المشتركة،  والنظر في خلفياته ومبرراته، كما أعلنت أو كما أخفيت، يعكس، كما قلت مرارًا، استحالة تحول هذه القائمة المشتركة إلى قوة سياسية مؤثرة وقادرة على الدفاع عن حقوق المواطنين العرب في إسرائيل، وهي إذا لم تتغير جوهريًا ،كما اقترحنا مرارًا، ستبقى عاجزة عن حماية المجتمع وانقاذه من سوء المصير .

الدفاع عن الحريات الانسانية الأساسية لا يتجزأ؛ ومن يبرر رفض وقوفه ضد  التمييز بين مجموعات من البشر بتحسس مفرط وخضوع لذهنيات وتقاليد موروثة، لن يكون قادرً ا على الدفاع عن حريات الجماهير المستضعفة، ومن يهادن جيوبًا يحسبها من مصوتيه في المستقبل قد تنزعج من قضية ما زالت تعتبر ملتبسة الجذور  بعد أن قيّدتها محابر الزمن الأغبر ، في سجل " التابوهات" المحظورة، سيجد نفسه حبيس تلك "الجيوب" وأسيرًا في عراها; ومن لا يقف إلى جانب "المختلف" و"الآخر" في محنته ومن أجل حريّته على جسده وأحلامه،  سيبقى هو "الآخر المختلف" المهزوم على أرصفة العجز  والأوهام.

يصرّ البعض أن يبقي قضية الجندرية والمثلية في أقبية الخيام وعلى الاسرّة في غرف النوم، وآخرون يسوّقون حروبهم الطاحنة ضدها بذريعة كونها سلعة غربية امتهنها الاعداء عبر الزمن السالف، ويمارسها اليوم الكفار؛ وعلى الرغم من رواج دعاياتهم وطغيانها في بعض المساحات، ستبقى الحقائق نزيلة في خزائن الأدب ومحفورة في بطون التاريخ؛ فقوائم الكتب العربية التي تعاطت مع تاريخ معاشرة الذكور للذكور وفنون حب السحاقيات والغزل في الغلمان  والجواري، لا يعد ولا يحصى .

كما بدأنا سنختم ونقول: تاريخ البشرية مليء بقصص المثليين والسحاقيات وبانتشار الظاهرة في بعض المجتمعات وبملاحقتها في أزمنة أخرى. لن نعود الى زمن الفراعنة ويكفي أن نتذكر عهد افلاطون وجميع فلاسفة الإغريق ثم الاسكندر المقدوني، ومرورًا بعهد الرومان وفارس حتى شيوعها  في قصور بني امية وبني العباس والفاطميين والموحدين والمرابطين وغيرهم؛  فمن امبراطورية لأخرى أضحى حب الغلمان إسرافًا في الترف وعلامة من علامات المجتمع المخملي وازدهاره في قصور الأغنياء والأمراء وقصائد الشعراء.

لم تعد أخبار تلك الليالي والأيام مكتومة لأنها  تملأ صفحات الكتب والمجلدات وذلك من "زمن التبر"  حتى زمن " الخبز الحافي" .

المثلية الجنسية ليست مرضًا ولا شذوذًا، وهكذا يجب أن يتعامل معها كل من لا تملي عليه عقيدته الدينية موقفاً مغايراً. وهي ليست من أمور "السلطان" ولا من شأن الأفراد ، وإذا قبلنا ذلك سيصبح تخيّلنا لما يقوله لنا  المثلي/ة  سهلًا؛  فهو مختلف عنا  ولا يريد منا حسنة أو قناعًا ولا أن ننمطه في خانة من الخانات، بل يطالبنا وبكل بساطة بأن ندعه / ندعها يعيش/ تعيش وأن لا نقرر عنه ومن أجله؛ فالمثليون يعيشون بيننا ومثلنا، وكثيرون منهم عاشوا ويعيشون كأصدقاء لنا، فرحنا لأفراحهم وبكينا لأوجاعهم وحزنّا عندما فارقونا ورحلوا.

فلماذا عندما تصيرون قادة  و"سياسيين"  تتنكرون لذواتكم ؟      

 

 

أسرى فلسطين الإداريون:

إلى أين؟

جواد بولس

 

مضت على قرار مقاطعة الأسرى الإداريين الفلسطينيين لمحاكم الاحتلال الإسرائيلي أربعة أشهر.
ورغم الخطوة، لم تنقطع المحكمة العسكرية في معسكر «عوفر» عن النظر في تثبيت أوامر الاعتقال المجحفة الصادرة بحق الفلسطينيين؛ التي بلغ عددها، منذ مطلع هذا العام وحتى نهاية مايو/أيار الماضي، 413 أمرًا، كان من بينها 154 أمرًا جديدًا.
 ذاق آلاف الفلسطينيين مرارة هذه التجربة القاسية وعبثيّتها؛ فاعتقلوا بدون تهمة وحوكموا أمام محاكم غير نزيهة تفتقد لأبسط أصول المحاكمات والتقاضي؛ ويكتفي قضاتها ، في معظم الأحيان، باستراق النظر إلى ما يسمى «ملفات سرية»، لا يطّلع عليها الأسير ولا محاموه، كيما يُلقوا بالمعتقل وراء القضبان. وقد طالت أوامر الاعتقال الإدارية جميع فئات الشعب الفلسطيني، ولم تستثن فصيلًا ولا حزبًا ولا قطاعًا ولا حتى القاصرين ولا النسوة ولا القادة السياسيّين ولا نوّاب المجلس التشريعي؛ الذي ما زال ثلاثة من أعضائه، هم خالدة جرار ومحمد جمال نعمان النتشه وحسن يوسف، قيد الأسر، رغم ما تكبّدوه من ظلمٍ خلال سنوات كفاحهم الطويلة ضد الاحتلال. 
تعود بدايات «رحلة» النائبين النتشه ويوسف «الجبلية «مع سجون الاحتلال الى أوائل تسعينيات القرن الماضي، بيد أن أكثر فصولها إيلامًا هي تلك السنوات العديدة التي قضاها كل واحد منهما وهو معتقل «إداريًا»، أي من دون مواجهته بتهمة عينية، واكتفاء القضاة بادّعاء النيابات العسكرية، في كل مرة اعتقلا بها، بكونهما قياديين بارزين في حركة «حماس» المحظورة اسرائيليًا، وبأنهما يخطّران من موقعيهما على أمن وسلامة الجمهور! 
أمّا عضو التشريعي خالدة جرار فكانت قد اعتقلت إداريًا لأول مرة يوم 21 يوليو/تموز عام 2017، بعد أن قضت، قبلها بعام، مدة 14 شهرًا في سجون الاحتلال اثر «إدانتها» في محكمة الاحتلال العسكرية بكونها قيادية ناشطة في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».
لم تفرج سلطات الاحتلال عن خالدة جرار، بعد انتهاء مدة أمر الاعتقال الاداري الأول، بل قام من يسمى بقائد قوات الجيش بتجديده لمدة ستة أشهر إضافية، كانت ستنتهي في الثلاثين من يونيو/حزيران الجاري.
ولكن، مرة أخرى وقبل انتهاء المدة باسبوعين، قام القائد العسكري نفسه بإصدار أمر اعتقال جديد لمدة ثلاثة أشهر اخرى، من المنتظر أن تنتهي في الثلاثين من سبتمبر/ أيلول المقبل. 
قد تعكس حالات النواب الثلاثة تعقيدات الواقع الفلسطيني الداخلي وعلّاته، لكنها حتمًا تعكس صور المعاناة التي عاشها ويعيشها كل من يصدر بحقه أمر اعتقال إداري؛ فالأسير/ الضحية يواجه حالة من العدمية والعجز القاهر، لأنه لا يُمنح فرصةً حقيقية للدفاع عن نفسه ويُترك ليواجه أشباحًا أو «طواحين هواء» ؛ وفي الوقت نفسه يبقى حبيس قلق منهك ؛ فذلك «القائد العسكري» يملك قوة مطلقة بتجديد أوامر الاعتقال، من دون تحديد سقوفها أو كشف مسبباتها؛ وهو لذلك قادر على ابقاء ضحيته في حالة من عدم الاستقرار النفسي والترقب السرمدي، المهلكَين! ويضاف إلى ممارسات قوات الأمن دور المحاكم العسكرية والمدنية، التي عملت طيلة السنوات الخوالي كأجهزة «تبييض وتغليف» لإجحاف قوات الأمن والقادة العسكريين، حتى أصبحت عمليًا شريكة كاملة في واحدة من المخالفات الإسرائيلية الأبشع للقوانين الدولية ولأبسط حقوق الإنسان المُقرّة عند معظم الأمم العصرية.
على هذه الخلفيات وبسبب هذا الوقائع، قرر الأسرى الإداريون مقاطعة جميع الأجهزة القضائية الإسرائيلية، كخطوة نضالية أولى في مشروع أشمل، قد يضطرهم، كما أُعلن على لسانهم، إلى اتخاذ خطوات إضافية، مثل شروعهم في إضراب عن الطعام وفق خطة متدرّجة ستشمل في النهاية جميعهم وبعض الأسرى غير الإداريين.
فهل نجحوا؟       
من الضروري أن يقيّم الأسرى مردود خطوتهم ومدى فاعليتها، بعد مرور  أكثر من أربعة شهور على بدء تنفيذها؛ فالمحكمة العسكرية، المخوّلة بمراجعة كلّ أمر يجدّد أو يصدر لأول مرة، مارست مهامها وكأنّ شيئا لم يحدث، وصادقت، كما تقدّم، وبدون حضور الأسرى أنفسهم إلى قاعاتها، على مئات الأوامر؛ حتى وصل عدد الأسرى الاداريين اليوم إلى 430 أسيرًا؛ ما يدل على أن الجهاز  القضائي، وقبله أجهزة الأمن التنفيذي، لم تتأثر بشكل فعلي بخطوة الأسرى، ولم تغيّر من سياستها على الاطلاق. 
هنالك أسباب عديدة لتكوُّن هذه «المعادلة» الملتبسة ؛ فعلى الرغم من موافقة جميع فصائل الحركة الأسيرة الفلسطينية على خطوة الأسرى الإداريين بمقاطعة المحاكم، يبقى وجود الشرخ الأساسي القائم بين أسرى «حماس» وأسرى «فتح»، عاملًا يسهّل على «السجان الاسرائيلي» إيجاد تصدعات في جدار الوحدة، وتحويل قرار المقاطعة إلى نوع من «الحبات المسكنة» التي لا تشفي العلة المزمنة ولا تداويها. بمعنى آخر،  يراهن السجان الاسرائيلي على عدم وجود قوة ردع حقيقية داخل السجون، قابلة للتبلور وللتحوّل إلى طاقة نضالية كاسحة؛ ليس بسبب وجود حالة الخلاف العامودية الخطيرة بين أكبر معسكرين فحسب، بل بسبب وجود «جيوب» من التخندقات «الشللية» أو «الظلالية الفصائلية الداخلية» العاكسة لتخندقات ذلك الفصيل نفسها التي تمارسها « الأجنحة»، على اختلافها، خارج جدران السجون.
على جميع الأحوال سيبقى أهل الزنازين أدرى بتجاربهم وبشعابها، فقد كانوا أصحاب القرار وسيبقون أهله وأبناء النهار؛ ومن مثلهم يعرف معنى وقوة الوحدة الحقيقية، خاصة إذا عززها من الخارج من يسندها وما يدعمها.
إنّ تبنّي الشارع الفلسطيني وقياداته السياسية والمؤسساتية لمطالب الحركة الأسيرة كان دائمًا شرطًا أساسيًا في تحقيق مطالبها أو بعضها، وتحرُّك «الشارع» مع  خطوتهم قد يحوّلها إلى»زناد» على شراره سيولِد ضغطًا محليًا ورأياً عامًا خارجيًا مساندًا وضاغطًا، من شأنه أن يستجلب طاقات المؤسسات الحقوقية المؤثرة وحناجر أحرار العالم لتصدح مع الأسرى وتقف مع مطالبهم؛  كما جرى في معارك سابقة سجلت فيها الحركة الأسيرة أو بعض أفرادها نجاحات لافتة ومميزة. 
لستُ محبطًا، لكنني مثل الجميع أشعر بغياب دور الشارع الفلسطيني وتفاعل مؤسساته وانعدام دور قياداته عن المشهد، رغم مرور أربعة شهور على خطوة، بُني عليها الكثير. وما زال معظم الأسرى الاداريون يخوضون التجربة بمرارة من دون «عمقهم» المحلي وفي أجواء متقلبة ومنذرة. 
على الإسرى إجراء جرد لحساباتهم الواقعية وعليهم عدم البقاء في محطتهم الحالية، فقطار «الإداري» مندفع رغم قرارهم، وضحاياه يقبعون وراء القضبان وهم صامدون بإرادات فولاذية ، باسمون لفجر، بعضهم ينتظره بصبر المؤمنين الثائرين منذ اكثر من عشر سنوات. 
أخيرًا ، عبّرت جهات دولية عديدة عن معارضتها الواضحة لسياسة اسرائيل ولممارستها في موضوع الاعتقال الاداري؛ وكان لتدخل بعض تلك المؤسسات والشخصيات في الماضي أثر كبير على انحسار أعداد الأسرى لبعض  الوقت، إلا انّ متابعة هذه الجهات لم تتمّ بشكل منهجيّ وموفق، فهي ليست «ثوريةً» أكثر من أصحاب الوجع والثورة ؛ وكي نعيدهم إلى الحلبة من إجل فلسطين وأسراها الاداريين، يتوجب أولًا على «أهل» الأسرى أن يعتلوا الحلبة ويتصدروا الساحات، وإن لم يفعلوا فسيذهب شقاء أسرى اليوم – يا للخسارة – في مهبّ أسرى الغد.
كاتب فلسطيني  

 

 

هل زهافا

جلئون حليفة أم عدوة ؟

جواد بولس

تطفو من حين إلى آخر نقاشات قديمة جديدة حول ما يسمى "باليسار الصهيوني" وشرعية العمل السياسي المشترك معه داخل إسرائيل.

لم أخفِ مواقفي خلال السنوات الماضية إزاء هذه القضية ، فأنا من "مدرسة"  تقضي تعاليمها بضرورة ايجاد السبل لاختراق مجتمع الأكثرية اليهودية واستجلاب "جيوب" منه لتدعم قضايانا العينية، أو ربما تنضال معنا من أجل مطالبنا الجوهرية. 

الأعمى فقط لن يرى حقيقة ما يجري داخل إسرائيل وماذا يتشكل في دهاليزها السلطانية؛ والأحمق من لا يرعوي مما حصل ويحصل في داخل "عمقنا العربي والاسلامي" ، والأبله من لا زال يعوّل على مواقف "ضمير العالم الحي"، والمقامر من يبني على أنّ  "كومة جماجم" ستكون حتمًا "لمجدنا سلما".

نحن في النضال لسنا وحدنا، ولم نكن ضعفاء ولن نكون؛  لكننا سنكون أقوى إذا نجحنا بضم حلفاء من اليهود إلى جانبنا، لا سيما أولئك الذين تستعديهم قطعان العنصريين السائبة وتضعهم في قوائمها السوداء وتحسبهم خونة فاقدين لدمغة  الأهلية (الكشروت) القومية .

لن تكفي مقالة اسبوعية لتفكيك جميع عُقد هذه المسألة، أو للتعاطي مع كامل عناصرها؛ فمحرّمو العمل مع "اليسار الصهيوني" يختلفون  بحججهم  وبمصادر تحريمهم، وبمشاريعهم السياسية الكبرى كذلك.

 وإذا استبعدنا من يحرّمون منهم الشراكة  لأسباب عقائدية دينية أو لأسباب عقائدية قومية، سنبقى مع مجموعات لا تحرّم العمل مع " اليهود" مبدئيًا؛ بل تعارضه لأسباب سياسية وعلى الأغلب بسبب "صهيونية" هؤلاء، وما يوحي به هذا الانتماء ويعنيه.

يعتمد المعارضون على التجارب ويتّبعونها مسطرة وقياسًا؛ فهذا "اليسار"، هكذا يقول المعارضون، على اختلاف مناهجه ومركباته، قد اثبت، منذ يوم الصراع الأول على هذه الأرض، أنه منقاد بصهيونيته، التي سعت في سياقها التاريخي لتكون بديلة لوجودنا، نحن الفلسطينيين، هنا.

 انهم عمليًا ، وفق هذه المدرسة، نفس "الذئاب" في فراء أخرى ! 

لن أناقش صحة هذه المواقف ولا معاني تسمياتها الحاضرة في قبالة تاريخها، ولن أجرب مدى انطباقها على واقعنا في ظروفنا الحالية،  لأنني على قناعة بأن مصلحتنا الإستراتيجية العليا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، في ايجاد من يقف مع حقوق اخوتنا الفلسطنيين وتخلصهم من الاحتلال، ومع حقوقنا في نيل مواطنة كاملة في الدولة.  

هكذا أومن، وحق غيري ألا يؤمن مثلي؛ فقوانين البقاء ستبقى أقوى من كل الشعارات وغلاوة الحياة ستغلب اللذة التي في الأحلام.  

المواقف السياسية المشتركة هي مبررات التحالفات المنشودة وأسسها؛ فمن يجرّم الاحتلال، مثلاً، وموبقاته لا مانع أن يصطف معنا في خندق واحد حتى لو كان يعتمر " كيباه" أو يصر على تعريف نفسه صهيونيًا.

ومن يوافق على حقنا بالمواطنة الكاملة في إسرائيل وبالمساواة الحقيقية، سيكون حليفنا في معركتنا ضد الفاشية، حتى لو أصر أن يبقى ابن "ميرتس" أو غيرها.         

قد لا يكونون شركاء في الحلم، لكنهم اليوم معنا في "حلق جهنم"  أهدافًا مطاردةً وحلفاء من أجل الخلاص، بعد أن باتوا يشعرون بدنوّ الهاوية.

استطيع أن أملا صفحات بأسماء شخصيات ومنظمات اصبحوا في عداد أعداء النظام، لكنني ساكتفي بايراد ثلاث عيّنات "طازجة" من شأن مواقفها أن توضح مرادي ومطلبي. 

قبل أيام اهتمت وسائل الإعلام الإسرائيلية بما صرّحه رئيس "المحكمة العليا" السابق البروفيسور أهرون براك في محاضرة ألقاها في الجامعه العبرية في القدس في الثامن من حزيران / يونيو الجاري؛ وشدّدت معظم عناوينها، على تقديمه، لأول مرّة، تعريفًا حادًا لطبيعة نظام الحكم السائد في الدولة حين وصفه "بدكتاتورية الأغلبية واستبدادها " وكذلك على تخوّفه من أن إسرائيل "تمر في عملية تتغلب فيها أسس غير ليبرالية على ديمقراطيتنا الدستورية، وثمة خوف من أننا في قمة منزلق أملس".

معظم المتابعين العرب لم تُثِرهم مضامين المحاضرة التي حفلت بتوصيف أشمل لما قامت وتقوم به القوى الفاشية في حربها ضد "المحكمة العليا الإسرائيلية" وضد مكانة قضاتها؛ وقد يعود سبب ذلك الاهمال إلى ما يمثله  "ماضي" القاضي براك وحقيقة كونه شريكًا وازنًا وبارزًا في هندسة دور "المحكمة العليا" ومواقفها المعادية لحقوق الفلسطينيين بشكل عام، ولحقوق المواطنين العرب في إسرائيل. 

قبل محاضرة القاضي براك بيوم واحد، أي في السابع من يونيو/حزيران، نشرت رئيسة حزب "ميرتس" السابقة، زهافا جلئون, مقالًا في جريدة "هآرتس" تحت عنوان: "لنوقف البولدوزرات بأجسادنا "؛ وفيه تطرقت إلى رفض "محكمة العدل العليا " لالتماس قُدّم باسم مواطنين بدو فلسطينيين يسكنون، منذ سنوات، في موقع يدعى" الخان الأحمر" ، كانت الحكومة الإسرائيلية قد أصدرت أمرًا بطردهم وبهدم منازلهم  مع مدرسة كانت تخدم مائة وخمسين طالبًا منهم. 

وصفت زهافا جلئون حكومة إسرائيل " بالمجرمة، والسكرى بتاثير القوة ، وعديمة القلب والكوابح الاخلاقية". 

بالتزامن مع نشر مقالة جلئون في "هآرتس" قامت منظمة "بتسيلم" بنشر بيان تشجب فيه إدارتها قرار المدعي العام للدولة "مناحيم مندلبلط" ابطال لائحة اتهام كانت قد حررت على خلفية قتل الشاب "سمير عوض" ، ابن السادسة عشرة،  بعد أن أُطلقت النيران على رأسه وظهره وهو عالق في سياج من الاسلاك الشوكية.    

انها نفس "بتسيلم" التي حذرت قضاة "المحكمة العليا" بعد رفضهم التماس سكان "الخان الاحمر"، ووصفتهم، ببيان صدر عنهم يوم ٥/٢٧، كشركاء في تنفيذ جريمة حرب؛ وهي ذات المنظمة التي بادرت قبل يومين إلى نشر عريضة شملت مئات التواقيع لشخصيات عالمية ومحلية، يشجبون فيها سياسة اسرائيل في ترحيل السكان البدو الفلسطينيين، واقترافها جراء ذلك لجرائم حرب بهدف الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وضمها إلى اسرائيل.

كل ما سيقال عن ماضي القاضي براك صحيح ، وكل ما سيلصق بحق حزب زهافا جلئون محق وصائب، وكل من سيشكك في نوايا منظمة "بتسيلم" يكون قد حاول واجتهد؛ أما الحقيقة فستبقى أنهم وأمثالهم من اليهود صحوا ذات نهار  "صهيوني" ليجدوا أنفسهم نفسهم في مصاف أعداء من يقودون الدولة على ذلك "المنزلق الأملس" نحو الهاوية ، كما وصفه القاضي براك.

لقد أنهت زهافا جلئون مقالتها بتحريض واضح وبدعوة جريئة أعلنت فيها "علينا في هذا الامتحان ان نستنفد جميع وسائل النضال غير العنيف، بما في ذلك العصيان المدني واعتراض البولدوزارات؛ لقد انتخبت الحكومة بشكل قانوني لكنها ليست مخولة لاقتراف جرائم حرب، ومن المؤكد ليس بالنيابة عنا ولا بالوكالة منا" .

انها مجرد عيّنات لا يمكن " تطنيشها"  فنحن نعيش في فوهة بركان وعلينا أن نكون حكماء وليس فقط محقين. 

 قد يكون ما كتبه في هذا الصدد السيد سليم سلامة ، وهو رافض عتيق لدور اليسار الصهيوني وكاتب وصحفي لافت بنقده وبحدة قلمه، علامةً وقدوةً لما على الانسان المسؤول أن يفعل، فلقد عقب على مقالة جلئون المذكورة  وقال " أنا الرافض ( والمعادي !) منذ سنوات طويلة لكل ما يسمى "اليسار"  الصهيوني/الإسرائيلي ، فكريًا وسياسيًا، تاريخيًا وأخلاقيًا، ولا أفوّت فرصة لنزع الأقنعة عنه وكشف حقيقته ، لا يسعني اليوم إلا أن احيّي زهافا غلئون، الزعيمة السابقة   ل"ميرتس" ولهذا  "اليسار" على موقفها في قضية اقتلاع وتهجير "عرب الجهالين" .. كتبت غلئون مقالا جريئًا غير مألوف في مشهد هذا "اليسار"، يشكل شذوذا غير مسبوق في موقفه ومنهجيات ادائه ..." 

فهل بعد هذا الكلام من كلام ؛ إلا ما أضاف من تخوّف وحذر ، تمامًا كما يتوجّب على كل عاقل ومجرّب ومؤمن بصدق قضيته أن يفعل، خاصةً وقد فاضت طرقاتها بالجحور وبالحفر . 

سيكون نضالنا ضد الفاشية في إسرائيل أقوى مع حلفاء يهود ولا ضير إن كانوا صهاينة ومستعدين أن يقفوا بصدورهم أمام شفرات بولدوزارات الهدم والدمار. 

   


 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا