الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

·        

 

 

مقالات سابقة للكاتب

 

تحطم الإناء الذي يجمعنا

وصرنا في العراق إخوة أعداء

 

ليث الحمداني

ضرغام مثقف من طراز خاص، فهو، بالرغم من كل ما مر به من ظروف، يدير اليوم مؤسسة ثقافية فردية، ويكتب ويترجم وينشر أبحاثاً مهمة عن مركزه “المركز العربي الألماني للبحوث والدراسات”. وهو من كتاب موقع جريدة البلاد “البلاد دوت نت”.

يهدي الكاتب كتابه إلى قائمة من رفاقه في مسيرة العمل السياسي فقدهم بين اغتيال وإعدام واستشهاد ومعارك قومية، أو تحت التعذيب في سجون رفاقهم. وهي لمسة وفاء تميز بها أبناء جيله من محترفي العمل السياسي من المثقفين، تلمس بوضوح في تلك القائمة مدى انسجام المجتمع العراقي الذي حوّله الاحتلال إلى مجتمع (مكونات)! فقد كان الظلم موزعا على كل الأطراف.

ما هو شعور مثقف حرم من زوجته وأولاده على مدى 16 عاماً قضاها بين جدران سجن أبو غريب؟ يختصر الكاتب ذلك في مقدمة الكتاب حين يقول “لا أريد أن أشيد بأحد، أفراداً أو جماعات، كما أنني لا أريد أن أدين أحدا كفرد. همنا اليوم أكبر من ذلك بكثير.. بكثير جدا، وما شهدَته بلادنا بعد الاحتلال يفوق أضعافا مضاعفة ما كان يحدث قبل ذلك. أريد القول، كفى للحكام والمحكومين كفى، فقد تحطم الإناء الذي يجمعنا وصرنا بفضل سوء تقديرنا للأشياء أعداء بعضنا، فلنرغم أنفسنا على احترام إرادة وفكر الغير، فليس سوى ذلك يجنبنا العذاب المستطير”، وهو هنا مثل المصري فتحي عبدالفتاح في “شيوعيون وناصريون”. كان سجانوه يعملون على إطفاء عينيه بعلاج من طبيب فاشي، ولكنه قيّم التجربة بعيداً عن ذلك الألم، يضيف ضرغام لِما قاله “كل تضحية هي رخيصة من أجل بلادنا وشعبنا”.

شركاء الوطن

في تناوله لوقائع الاعتقال والمحاكمة والحكم، يروي محاولته الخروج من العراق بطريقة غير شرعية بعد أن أغلقت بوجهه السبل الشرعية، ومنع من السفر للالتحاق بعائلته في ألمانيا، وهو يؤكد “إنني لست معادياً للاتجاه القومي الاشتراكي، ولكن ضمن هذا التيار تباعدت مواقفنا الفكرية والسياسية في مفردات وتفاصيل عديدة ابتدأت منذ عام 1963 واستمرت في التفاعل لغاية عام 1968، حتى غدت تناقضاً وتنافراً ثم تطورت إلى ملاحقات وتصفيات حتى طغت المفردات والتفاصيل لتصبح أولويات وشعارات رئيسية ثم تعاظم دور الفرد في مصير الشعارات الرئيسية”.

وهو هنا حاله كحال فتحي عبدالفتاح في تجربته مع الناصرية في مصر. المشكلة في الأنظمة أنها تعتبر كل من يخالفها الرأي عدوّها اللدود حتى وإن كان يلتقي معها في العديد من مفردات فكرها السياسي. يصوّر ضرغام ساعات الاعتقال والتسفير، كما يشير إلى أعمال الضرب العشوائية والسباب والشتم من الحراس، وهو نفسه الأسلوب الذي كان يسميه فتحي عبدالفتاح في كتابه آنف الذكر “الاستقبال”. هناك مشتركات بين هؤلاء الذين يقول عنهم “إن هؤلاء الحراس قد اعتادوا على الإهانة أخذاً وعطاءً، وفقدوا حتى الكثير من صفات البشر المحترمين”. ويضيف “كنت في كثير من الحالات أتطلع بعمق إلى وجود القائمين بعملية الضرب والتعذيب وحفلات الشتائم والإهانات وأسال نفسي: ترى هل كنا وإياهم نسير في شوارع هذه المدينة؟ وهل يضمنا جميعاً هذا الوطن الحبيب؟”.

الوصف الذي يقدمه الكاتب لقاطع الإعدام في سجن (أبو غريب) يعتبر وحده دراسة تفند ما يذهب إليه البعض من أن الدكتاتورية استهدفت في ظلمها فئة أو طائفة واحدة، يصف كيف ينتظر 280 شخصا من مختلف شرائح المجتمع العراقي حكم الإعدام

في التحقيق يشير إلى محاولة المحقق أن يبدو مثقفاً، وتلك حالة مرّ بها الكثير من معتقلي الرأي، حين يعجز المحقق أمام المثقف يحاول أن “يتثاقف” برأسه! أيضا قضية شتم التنظيم الذي كان ينتمي له المثقف المعتقل حالة متوارثة في أنظمة الحكم في دول “شرق المتوسط” التي صورها الراحل عبدالرحمن منيف في روايته التي تحمل هذا الاسم، يتوصل المحقق مع الكاتب إلى مشروع مقال عثر عليه بين أوراقه عنوانه “النداء الأخير قبل غرق السفينة”، وهو (أي مشروع المقال) أحاله إلى محكمة الثورة بالاستناد إلى المادة 208 المتعلقة بالمطبوعات والكتابات، فالمحققون في تلك الدول يكادون يدخلون إلى عقلك ليروا كيف تفكر ويحاكموك على هذا الأساس، فمشروع مقال لم ينشر يقذف بكاتبه إلى محكمة الثورة.

أحكام جاهزة

يعرف الكاتب هنا أن مصيره سوف يحسم في مكان آخر بعيدا عن قاعة المحكمة “إن مصيري سوف يحسم في مكان آخر، ولا قيمة البتة لآراء هؤلاء المحققين”. يحددها أيضا أنها تسديد حسابات قديمة بعضها يعود إلى سنة 1964 وما بعدها، يتساءل بعد أن يستعرض “حفل الاستقبال” الحافل بالضرب والشتيمة “الآن وبعد انقضاء كل ذلك أتساءل: أليس هذا مدعاة للخجل؟ ترى ألا يخجل اليوم الذين قاموا بتلك الأعمال؟ ترى هل يصعب علينا إلى هذه الدرجة أن نخلق مؤسسات محترمة يقوم عليها رجال محترمون؟”.

الكاتب يبدو هنا وكأنه غير مصدّق بأن السلطات تسعى لتدمير معنويات مخالفيها في الرأي، وأن الإهانة والضرب والسرقة هي أدوات تلك العملية المشينة. أيضاً المعتقل الذي يوضع فيه المعتقلون قبل عرضهم على “محكمة الثورة” سيئة الصيت، هو الآخر أحد أدوات تدمير نفسية المخالفين في الرأي من حيث قساوته. يصف الكاتب المعتقل مؤكداً بأنه محطة أخرى من محطات تدمير المعتقلين بدنياً ونفسياً، أما محكمة الثورة فهو يقول عنها “كانت محاكمة قصيرة… محاكمة فريدة من نوعها، المتهم فيها مدان قبل بدء المحكمة” ويضيف “إنها محاكمة بدون شاهد، ومع ذلك أعدم في نهايتها أربعة رجال، ترى هل يمكن محو هذه الواقعة من الذاكرة؟”، ويستطرد فيكتب بعقل “المناضل المثقف” لا عقل صاحب “المظلومية”، وهناك فرق شاسع بين الاثنين، فهو هنا لا يبحث عن ثأر شخصي، ولكنه يبحث عن الوطن “إذا كان نسيانها خدمة للوطن سنمحوها لأجل العراق”.

يضيف الكاتب “بدا لي أن الأحكام جاهزة وليس للقاضي رئيس المحكمة إلا شرف تلاوتها”، وما أشبه الليلة بالبارحة، وما أكثر الأحكام التي يكون دور القاضي فيها صورياً في الدول العربية والعالم الثالث عموماً.

يؤكد الكاتب “أنا كنت مستعداً أتمّ الاستعداد لمثل هذا اليوم الذي طالما تخيلته، وقد رضيت به دوماً فأنت عندما تريد التغيير، لا بد أن تضع في حسابك رد فعل الآخرين”.

 

وصف أبو غريب

الوصف الذي يقدمه الكاتب لقاطع الإعدام في سجن “أبو غريب” يعتبر وحده دراسة تفند ما يذهب إليه البعض من أن الدكتاتورية استهدفت في ظلمها فئة أو طائفة واحدة، يصف كيف ينتظر 280 شخصا من مختلف شرائح المجتمع العراقي حكم الإعدام في تلك الزنزانات، وحين تبدأ “حفلات” الإعدام وتنطلق حناجر المعتقلين من وراء القضبان، يوزّع الحراس الموت على المعتقلين داخل زنزاناتهم. “كان وصول المحكومين بالإعدام مستمراً من محكمة الثورة بمعدل عشرة أفراد كمعدل أسبوعي، وربما أقل من ذلك أو أكثر بقليل”. يضيف “عندما دخلت قاطع الإعدام بتاريخ 641987 كان الموجود فيها يناهز الـ280، وعندما غادرت قسم الإعدام بعد 38 يوماً بسبب تخفيض عقوبتي إلى السجن المؤبد، كان الموجود الكلّي هو 301 بما في ذلك نحن الأربعة المحكومون الذين خفضوا حكمنا إلى المؤبد”.

يحاول الكاتب أن يحدّد نسباً لاتجاهات المحكومين بالإعدام موزّعة على كل الفئات العراقية السياسية والدينية والعرقية من العراقيين فيشير إلى أن:

◄ 35 بالمئة أكراد من مختلف الاتجاهات والقضايا.

◄ 35 بالمئة حركات إسلامية، حزب الدعوة وحزب العمل الإسلامي والإخوان المسلمون.

◄ 10 بالمئة شيوعيون وبعث يساري.

◄ 10 بالمئة تهجم، تجاوز حدود، قضايا متفرقة.

◄ 10 بالمئة تجسس، فساد إداري، عمولات.

ويستمر في محاولته الدراسية الهامة ليؤشر توزيع الأفراد حسب المستوى الدراسي. ويضيف “أشير إلى أن موجود قاطع الإعدام الذي كان في ذروته عام 1985 بدأ يتراجع تدريجياً، ثم انخفض بشدة نهاية الحرب العراقية-الإيرانية، لكنه ما لبث أن بدأ يتصاعد مرة أخرى مع أحداث الكويت، ولكنه لم يصل إلى معدل الثمانينات، وقد علمت من مصادر موثوقة أن معدل الإعدام كان 100 فرد سنوياً حتى عام 1995 وربما تصاعد في عام 1997 ولكنه انخفض مرة أخرى وبقي كذلك طيلة التسعينات”.

السؤال هو: هل من مستمع عاقل لهذا النداء النزيه الذي يوجهه الكاتب؟ هل من حاكم عربي استفاد من تجربة سابقيه فحافظ على الوطن من خلال محافظته على كرامة مواطنيه؟

قسم الإعدام

يقول ضرغام “قسم الإعدام تجربة رهيبة ليس فقط بسبب الموت المرتقب مع كل طرقة باب، لا سيما يومي الأحد والأربعاء، وتلك أيام التنفيذ بالنسبة إلى السياسيين بصفة عامة، ولكن لم تكن قاعدة نهائية، بل بسبب صرامة النظام والإغلاق المستمر لأبواب الزنزانات. وكانت النوافذ قد أغلقت بصفائح مثبتة بلحام على الشباك وكان عسيراً معرفة حتى الوقت، ناهيك عما يدور خارج القسم الذي كان يبدو لنا وكأنه كوكب آخر”.

ثم يصف لحظة فاصلة في حياته “كانت الساعة قد قاربت الثانية من بعد ظهر يوم 13 أيار 1987 الأربعاء، أي إن كل المؤشرات المشؤومة متوفرة، الأربعاء هو يوم مشؤوم في عائلتنا، اليوم 13 الساعة الثانية عندما سمع صوت المفتاح يدور في قسم الإعدام، الباب الأول والباب الثاني كان يسود الصمت المطبق وآذان انتظار المحكومين بالإعدام تتطلع إلى المأمور الذي يتوسط ممر القاعة في الطابق الأسفل وبيده ورقة بيضاء رفعها وشرع بقراءة الأسماء. كانت الأسماء أربعة هي اسمي ومن معي في القضية.

وبعد أن أتمّ قراءة الأسماء استدرك قائلاً وبسرعة: إنها.. إنها مرسوم تخفيض، وبالطبع يحق لكثيرين عدم تصديق قصة التخفيض، إلا أنني كنت لا أفكر بشيء، ولا يصدق ذلك الكثير من النزلاء بمن فيهم أخي وسام المشمول بالتخفيض طبعاً. وقفنا في الردهة بين البابين، وقرأ علينا أحدهم مرسوم التخفيض من الإعدام إلى الحبس المؤبد، ومن لم يصدق منا نحن الأربعة لأن نزلاء القسم لا يسـمعون ولا يشاهدون شيئاً، أتيقن الآن أن شبح الموت ابتعد… نعم إن سيف المـوت الحـاد ابـتعد، ولـكن دون أن يختفي نهائياً فبيننا وبين الموت ورقة”.

الأحكام الخاصة

وينتقل الكاتب ليصف قسم الأحكام الخاصة، فيقدم دراسة سريعة ومركزة يشير فيها إلى حالات العفو وإطلاق سراح، وأيضاً إلى حالات أخرى “كنت أعلم بدقة أنني تحت المراقبة الدقيقة جداً طيلة مدة سجني”، هكذا إذن حتى بعد صدور الحكم والسجن هناك من يراقب ويكتب تقارير للحاكم. ويشير الكاتب إلى قرارات العفو وهو يعلم أن اسمه قد حذف من إحدى قوائم إطلاق السراح “بعد أن كانت الأحكام تضيق بالنزلاء، لم يبقَ سوى ذ98 منهم، أطلق سراح أكثر من 6000 نزيل، ترى أيّ وحشة وكآبة تفرض نفسها على من استثناهم العفو؟ تلك مشاعر رهيبة لا يمكن وصفها بسهولة، كما لا يمكن التعبير عنها، وفيما كانت الأقسام تضيق بالنزلاء، وإذا بعد ساعات تصبح فارغة إلا من بعض الرجال الذين يتعيّن عليهم تحمّل مثل هذه التجربة النادرة في القسوة، فقد حدث عام 1988 أن أفرغت القاعة التي كنت فيها ولم يبقَ فيها سوى ثلاثة أفراد. وتكرر الأمر عام 1991 و1995 حيث أفرغ السجن تقريباً”.

 
 

مسلسل رعب

 

ويضيف ضرغام “ترى ما الذي يعين الإنسان على احتمال ثقل تجربة قاسية كهذه، وخاصة إذا تكررت أكثر من مرة؟”، ويستطرد الكاتب ليقدم موجزاً سريعاً عن الإصلاح السياسي والسلطة، ثم يعود ليقدم عرضاً لحالات النزلاء حسب الفئات العمرية والمهن والقوميات وكذلك المحافظات، ويستعرض عدد السجون مشيراً إلى أنها كانت معروفة للرأي العام. ويروي عن بعض حالات الإعدام “إن كل الذين صدرت بحقهم أحكام إعدام نفذت شنقاً في سجن أبو غريب قسم الأحكام الطويلة عدا ثلاث حالات تحديداً..،مجموعة من ضباط الحرس الجمهوري عددهم 15 ضابطا يقودهم الرائد صطام الجبوري أعدموا رمياً بالرصاص في أحد أرجاء سجن أبو غريب.

الشاب عودة ديوان والي من محافظة العمارة، وكان هذا الشاب قد تناول أقطاب النظام بالشتائم. وقد تم تنفيذ الإعدام به رمياً بالرصاص بعد محكمة علنية في ساحة قسم الأحكام الخاصة أمام أنظار الكثير من النزلاء”.

رصاصة في الرأس

إعدام الفريق كامل ساجت الجنابي، وهو من خيرة ضباط الجيش العراقي وأبطاله. الغريب في إعدام هذا الضابط أنه جاء إلى السجن يحمل مظروفاً إلى مدير سجن أبو غريب، وكان ما يزال بإمرة العقيد حسن العامري الذي فوجئ عندما فتح المظروف أن به أمرا يحتم على مدير سجن أبو غريب إعدام هذا الضابط شنقاً وعلى الفور، فاتصل هذا المدير بالجهات العليا، وهو ربما يعلم أن لا جدوى من محاولاته، وأخبرهم أن الوقت متأخر (حوالي الساعة السادسة بعد الظهر وأن الموظف المكلف بالإعدام غير موجود)، فقيل له “ألا يحمل أحدكم مسدسا؟! فرد بالإيجاب: طبعاً، قالوا له: إذن أطلق رصاصة على رأس هذا الضابط، وأغلقوا الهاتف بوجهه”.

يقول الكاتب “اليوم وبعد كل ما حدث وجرى وما تحمّلنا من خسائر في الأرواح والممتلكات والأصدقاء والرفاق، بل وما جرى لبلادنا من تخريب، سواء بأيدينا أو على أيدي أعدائنا، نريد أن يكف مسلسل الرعب، فلا منفعة ولا فائدة لأحد من هذه الجرائم، وكل ربح مفترض هو مجرّد وهم، وكل خسارة ناتجة لا تعوض، وكل ذلك مؤلم، مؤلم بلا حدود، وليس بوسعي صياغة جملة تصف هذا الألم، لست بتصوري أن أتهجم على جهة ما، كما أنني لست غاضباً إلى درجة الجنون، إني أحاول أن ألملم الجراح وأداويها فحسب، وأقبل ببعض الربح عوضاً عن الخسارة الكاملة”.

السؤال المتأخر

السؤال هو: هل من مستمع عاقل لهذا النداء النزيه الذي يوجهه الكاتب؟ هل من حاكم عربي استفاد من تجربة سابقيه فحافظ على الوطن من خلال محافظته على كرامة مواطنيه؟ ما حدث في العراق بعد الاحتلال يفوق بمئات المرات ما عاشه الكاتب، “عندما أستعرض اليوم وجوه العشرات، بل المئات من الذين أعدموا أو اغتيلوا أو الذين أمضوا زهرة شبابهم في السجون وخسروا أعمارهم ومنهم أنا… ألم تكن هناك وسيلة نقيم فيها تفاهماً عوضاً عن الصراع الدامي الوحشي؟ ترى لماذا نحن قادرون على التفاهم حتى مع الأعداء؟ ولكننا غير قادرين على التفاهم فيما بيننا؟ ترى لماذا نضع خطوطاً دمويةً سوداء بين بعضنا، في حين لا نقيم إلا خطوطاً وردية مع أجانب نعلم علم اليقين أنهم لا يريدون الخير لنا كعراقيين؟

إنني أريد أن أقول إنني أفهم وأتفهم تماماً أن الألم قد يدفع الإنسان إلى الجنون وإنه قد يقدم على رد فعل ما، لا يأتيه وهو في كامل وعيه، نعم أنا أعلم أننا قد تعرضنا لآلام مبرحة ولكن:"بلادي وإن جارت عليّ عزيزةوأهلي وإن ضنوا عليّ كرام”. هكذا يقدم الكاتب الحالة التي وصل إليها بعد سني السجن والتعذيب والإبعاد عن الأسرة، ولكن هل هناك من يستفيد من التجربة المرة؟

 
 

موت مرتقب مع كل طرقة باب

 

فضاء إنساني

في الفصول التالية من الكتاب يقدّم الكاتب دراسات مكثفة عن العلاقات الاجتماعية والطعام والموقف الغذائي والعلاجي والمواجهة والماء والكهرباء والاستحمام والمرافق الصحية والتدفئة والتبريد، ثم ينتقل إلى العلاقات السياسية والسجناء من حيث انتمائهم السياسي والعلاقات بين النزلاء والمافيا والتنظيمات والأخبار، ويفرد فصلاً للعلاقة بين السجين والسجّان التي يصفها بأنها مواجهة مستمرة مع تساؤل يجيب عليه: ماذا يريد السجين؟ وماذا يريد السجّان؟

ويتحدث في الفصل عن نظم إدارة السجن والقمع، ثم يفرد الفصل الأخير للحياة الثقافية داخل السجن، القراءة والكتابة والترجمة والتلفزيون والراديو والرياضة والشعائر الدينية والندوات والمحاضرات والتدريس. ويختم الكتاب بفصل خاص عن إطلاق سراحه والظروف والخلفيات التي رافقته، ثم مغادرته العراق. وهو في هذا الفصل يعكس صورة المشاعر التي تنتاب مثقفا سجينا مثله يخرج إلى الحرية ثم يستقبله محبوه وهو يغادر العراق، ويمر في طريقه إلى عمان بالقرب من سجن أبو غريب، “كان الظلام يلفه والقمر لا يبزغ فوق أبو غريب، ربما هو حزين أو في حالة إضراب عن البزوغ”.

إنّ كل فصل من فصول كتاب ضرغام الدباغ يستحق دراسة وحده، ولكن السؤال الذي يظل قائماً: من يستفيد من تلك التجارب؟ الجهة التي دفع البعض حياتهم ثمنا لها، ودفع ضرغام وغيره أجمل سنوات العمر وراء القضبان لا لشيء إلا لخلاف في الرأي.مازال العراق أسوأ مما كان بكثيرما زال دولاب الدم يدور.نحن شعب لا يقرأ ولا يتعلم، تحكمنا سلطة لا تتعظ من دروس الماضي.

ضرغام عبدالله الدباغ مثقف عراقي شغل مواقع متقدمة في حزب البعث اليساري “جماعة صلاح جديد”.

 

 

رحيل الشيوعي العراقي

الصامت عبدالسلام الناصري

ليث الحمداني *

بهدوء تام رحل الصامت الأكبر في الحركة الشيوعية العراقية عبدالسلام الناصري قبل أيام من احتفال (رفاق الأمس) بالذكرى الـ (82) لتأسيس الحزب الذي ناضل في صفوفه الناصري لعدة عقود.

كان عبدالسلام الناصري من الرعيل الأول من الشيوعيين، عاصر مؤسس الحزب (فهد)، وساهم في قيادة الحزب الشيوعي كعضو في اللجنة المركزية مبكرا. اعتقل في العهد الملكي ولم يطلق سراحه إلا بعد الإطاحة بالملكية في 14 تموز 1958 ليعود إلى العمل الحزبي كعضو احتياط في المكتب السياسي. أرسلته القيادة للدراسة في موسكو بعد ذلك، مما جعله في مأمن من المذبحة التي تعرض لها الشيوعيون إثر انقلاب 8 شباط 1963، حيث لعب دورا مع رفاق له كانوا خارج العراق أبرزهم المناضل النقابي العمالي البارز آرا خاجادور (المقيم في براغ حاليا) والراحلون حسين سلطان صبي وثابت حبيب العاني، في إعادة بناء منظمات الحزب في الخارج وفضح سياسات انقلابيي شباط الدموية، حيث أصبح الناصري في تلك المرحلة ناطقا باسم الحزب، ونشر في تلك المرحلة طروحات اعتبرها معاصروه من القادة الشيوعيين توجهات يمينية أطلقوا عليها (خط آب)، وكان يوقع مقالاته في مجلة (قضايا السلم والاشتراكية) مجلة الحركة الشيوعية العالمية باسم (أنور مصطفى)، وقد ناله ما ناله من التشهير والاتهام باليمينية والدعوة لحل الحزب ..الخ من الاتهامات  في مرحلة الانشقاق الذي قاده عزيز الحاج والذي عرف بجماعة (القيادة المركزية). وعاد الناصري إلى عضوية اللجنة المركزية ليصبح في مرحلة العمل العلني إبان التحالف مع البعثيين عضوا في هيئة تحرير الجريدة المركزية للحزب (طريق الشعب).

تعرفت على الراحل إبان عملي في الجريدة، حيث كان يقوم بمهمة رئيس التحرير الخفر في المطبعة مرة أسبوعيا أسوة بأعضاء هيئة التحرير من قادة الحزب. كان الرجل منغمسا في الإشرا ف على الصفحات التي تعنى بقضايا العمال والفلاحين والطبقات الكادحة، والتي كانت تغطيها صفحة يومية بعنوان (حياة الشعب)، عمل معه فيها عدد كبير من الزملاء الصحفيين المحترفين أبرزهم زهير الجزائري وعبد الرحمن عناد ومخلص خليل وعبد السادة السراج وحمدي العاني وفاضل الربيعي وآخرون.

اعتقل مع من اعتقل ممن بقي في العراق من الشيوعيين بعد إجهاز حزب البعث الحاكم على الجبهة، ثم خرج من المعتقل ليفرض على نفسه عزلة تامة. وكنت وزميلنا في (طريق الشعب) عبدالرحمن عناد من القلة الذين تواصل معهم الناصري بحكم الجوار في حي الصحفيين في منطقة الغزالية. وكان يتجنب في حواراتي معه الحديث بالتفصيل عن مرحلة الاعتقال، ولم أسمع منه سوى جملة واحدة في إحدى الأمسيات (هؤلاء الجهلة يعتقدون أن بإمكانهم تحويلي إلى هاشم عقراوي آخر)، ولم يضف شيئا، فقد فهمت مقصده جيدا. وكنت أعرف بمحاولات النظام مع عدد من الشيوعيين والقوميين العرب لأن يشكلوا أحزابا (شكلية) بعد انهيار الجبهة شبيهة بالحزب الذي شكله الوزير الكردي هاشم عقرواي باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني.

مر (أبو نصير)، كما كنا نسميه أيام العمل في الجريدة والحزب، بظروف اقتصادية وصحية صعبة جدا، اقتصاديا كان يعيش مع زوجته وابنته الوحيدة (ميلاد) على الراتب التقاعدي الضئيل الذي يتلقاه من صندوق تقاعد الصحفيين، ورغم ذلك رفض كل محاولات أبناء عمومته من عشيرة (البو ناصر) عشيرة الرئيس صدام حسين لإقناعه بكتابة رسالة للرئيس كي يخصص له راتبا تقاعديا معقولا يعينه على الحياة، وكان منظره مؤلما وهو يقف في طابور طويل أمام الجمعية الاستهلاكية للصحفيين في الصالحية للحصول على طبقة بيض أو دجاجة مجمدة وبعض منتجات الألبان، ويومها حدثنا رئيس الجمعية كريم عبد أنا والراحل شهاب التميمي كي لا يدعوه يقف في الطابور فرفض الاستثناء وانبرى قائلا لي: حالي حال الصحفيين، لا تدعني أزعل منك!!

نجحت محاولاتي في إقناعه بالعمل معنا في جريدة (الاتحاد) التي أصدرها اتحاد الصناعات العراقي وتوليت مهمة الاشراف عليها،  ومن البيت (كمصحح لغة)، وكنت قد استحصلت موافقة رئيس الاتحاد الرجل النبيل عبد القادر عبد اللطيف الذي كان يعرفه جيدا، وأصبحت أرسل له المواد مع سائق الجريدة ويتصل بي حين ينجزها فأرسل لجلبها. واستمر الأمر لعدة شهور، توقف بعدها إثر تعرضه لأزمة قلبية. وأشهد أن الدكتور مهدي مرتضى وقف معه وقفات مشرّفة في العلاج وتوفير الدواء، وتابع علاجه بشكل مستمر.

كان عبدالسلام الناصري عفيف النفس واللسان، يرفض أية مساعدة، ولا أذكر أنه ذكر أحدا من رفاقه في قيادة الحزب بسوء خلال جلساتي الطويلة معه. عرضت عليه مرة كتابا كان قد أصدره عزيز الحاج، يتحدث فيه عما سمي بخط آب ويتهم (أنور مصطفى) بأنه كان وراءه، فاستفزه الأمر، ولكنه رفض التعليق المكتوب. قال لي يومها: إسمع، كان عزيز الحاج مثله مثلنا أيامها يعتبر توجيهات القيادة السوفيتية قوانين منزلة من السماء، وما سمي بخط  آب ليس من نتاج أفكاري. إنه توجيهات من القيادة السوفيتية تبنيناها كالعادة، أما حكاية حل الحزب ودمجه في الاتحاد الاشتراكي فهي أكذوبة وافتراء. كان هناك مقترح من السوفيات بأن ينضم بعض المثقفين الشيوعيين للاتحاد الاشتراكي لتعميق مساراته باتجاه التطور اللارأسمالي (كما كانوا يرون)، وكان السوفيات يومها معجبين بتجربة تأثير الشيوعيين والماركسيين على الاتحاد الاشتراكي في مصر!!

قلت له: لماذا لا تكتب هذا؟ فصمت وأجابني: لن أفتح صفحة طويتها للأبد.

 في جلسة لاحقة فتحت معه موضوع التاثيرات السوفيتية على الحزب قفال لي ضاحكا: سأروي لك شيئا:

إبّان وجودي في الخارج حضرت ومعي مجموعة من الرفاق مؤتمرا للحزب الشوعي السوفياتي، وفي الأمسية المخصصة لكلمات الأحزاب الشقيقة، ألقى عبد الخالق محجوب كلمة الحزب الشيوعي السوداني. كانت خارج المألوف، فقد تحدث فيها عن الخصوصية التي يتميز بها الشعب السوداني. مساء ذلك اليوم كانت هناك حفلة كوكتيل للوفود، وقد شهدت خالد بكداش وهو ثمل يؤنب عبد الخالق، وكاد الأمر يتحول إلى تماسك بالأيدي، وكان يقول له بأعلى صوته: عن أي خصوصية تتحدث، أنت تفهم أكثر من الرفاق السوفيات أصحاب التجارب التاريخية؟ هذه صورة عن تلك التأثيرات.

حين عاد عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي السابق ماجد عبد الرضا إلى العراق وانغمس في العمل السياسي كاتبا في جريدة (الجمهورية)، حاول أن يلتقي بعبد السلام الناصري فرفض الأخير رفضا قاطعا، وكنت أنا من نقل رغبة ماجد له حين زارني الأخير في مقر عملي في جريدة (الاتحاد)  وأخبرني بأنه يعرف بأنني ألتقي بعبد السلام، فأخبرته بأنه جاري في السكن. ورفض عبد السلام حتى محادثته على الهاتف، وقال لي : أخبره بأن ينساني تماما. مرة سألني إن كنت ألتقي بمحمد كريم فتح الله (أبو سامان) الكادر السابق في الحزب، فأخبرته بأنني ألتقيه حيث يعمل في مطبعة الأديب البغدادية بمعية الطباعي المعروف فتح أسطفان عزيزة، فطلب مني أن أنقل له تحياته. وكلمه محمد كريم بالهاتف واتفقنا على لقاء في المطبعة، واصطحبته معي وكانت جلسة ذكريات شخصية وإنسانية بلا سياسة.

 وحين عاد خليل الجزائري من موسكو زار محمد كريم فتح الله في المطبعة  والتقيته شخصيا في زيارته الثانية، وكان متفائلا جدا بإمكانية العمل السياسي باستقلالية في ظل البعث، وطلب مني إبلاغ عبدالسلام الناصري برغبته في زيارته فاعتذر حين أبلغته وقال لي: أبلغه تحياتي واعتذر عن استقبال أي شخص. وانتهى كل شيء بنهاية خليل المأساوية المعروفة حيث وجد مقتولا في سكنه بعد لقاء تلفزيوني أطلق فيه خليل للسانه العنان منتقدا الكثير مما كان البعثيون يعتبرونه خطوطا حمراء.

على عكس أغلب القيادات الشيوعية التي أصدرت مذكراتها ووظفتها للنيل من خصومها، عاش عبدالسلام الناصري ومات صامتا رافضا منهج التشهير الشخصي وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات على صفحات الصحف والمجلات. ألححت عليه أكثر من مرة لكتابة مذكراته، واقترحت عليه أن يسجل أشرطة بتلك الذكريات، وجلبت له جهاز تسجيل (قيثارة) ومجموعة أشرطة أصرّ على دفع ثمنها. كان هدفي من ذلك أن يترك هذا الرجل ذو التاريخ النضالي الطويل شهادته عن مرحلة عاشها لابنته (ميلاد) التي لاتعرف عن أبيها الكثير!

رحم الله عبدالسلام الناصري المناضل الإنسان الذي اختار الصمت ولم ينجرّ إلى تصفية الحسابات بشكل يسيء إلى تاريخه النضالي. عزائي لابنته ميلاد ووالدتها.

رئيس تحرير القسم العربي في جريدة (البلاد) وموقعها (شبكة البلاد)

laith@albilad.net

 

شؤون وشجون عراقية

عن حيدر العبادي والتكنوقراط والأوهام

ليث الحمداني *

لاحديث اليوم في الأروقة السياسية العراقية إلا عن (التكنوقراط) بعد أن أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي اعتزامه تشكيل حكومة تكنوقراط بديلا لحكومة المحاصصة التي يقودها، والتي فشلت فشلا ذريعا في تحقيق أهدافها. وكان على رأس الفاشلين رئيس الوزراء نفسه الذي ظل لشهور عدة يتحدث عن اجتثاث الفساد وإبعاد المفسدين دون أن يقدم شيئا فعليا على الأرض.

مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري أدلى بدلوه في مسألة التكنوقراط فقدم قائمة بأسماء من قال عنهم مستشارين، ليقدموا للعبادي توصيات حول التكنوقراط المرتقبين في تشكيلته القادمة. وسارعت المواقع الإخبارية الممولة من  نوري المالكي في اليوم التالي  للتعريض بعدد من المرشحين، مستخدمة أسلوب التسقيط السياسي الذي شاع في زمن المالكي عبر مواقع إعلامية كانت تمول من ميزانية الدولة العراقية .

إن حكومات التكنوقراط عادة هي حكومات تضم كوادر من ذوي الاختصاصات المختلفة، تضع لها برنامج عمل لمعالجة مشكلات اقتصادية وإدارية مستعصية في الدول التي تشكل فيها. وعموما فإن هناك أجواء يجب توفرها لمثل هذه الحكومات كي تحقق برامجها المستهدفة. وأولى هذه المستلزمات، الأمان والاستقرار، كي يتمكن المختص من ممارسة اختصاصه الذي سيوكل إليه بكفاءة كاملة تخدم الغرض الذي جيء به من أجله. ويبدو الأمر مستحيلا في مثل ظروف العراق اليوم ولأسباب لا تعد ولا تحصى ...

أولها: إن السيد حيدر العبادي الذي جاء لموقعه نتيجة توافق مرحلي بين الولايات المتحدة وإيران مقيد بالعمل تحت مظلة حزبه، حزب الدعوة، وهو الحزب الذي يتحمل فشل سنوات حكم نوري المالكي التي أغرقت البلد بالفساد والإفساد .

وثانيها: إن الراعي الإيراني لحزب الدعوة وأحزاب الإسلام السياسي الشيعية في العراق، لا يرغب بأي تغيير يقود لقيام دولة مؤسسية، بعيدا عن رموز هذه الأحزاب التي حولت العراق إلى حديقة خلفية لإيران. وقد أرسلت إيران عدة رسائل للعبادي  حذرته فيها مما أسمته (تصديع البيت الشيعي) وإحياء خلافات الكتل السياسية الشيعية فيما بينها لكسب الوقت وتشكيل حكومة من خارج عباءة القوى الشيعية الموالية لإيران، بل إن إحدى الرسائل التي حملها للعبادي أحد رموز قائمة دولة القانون وحزب الدعوة علي الأديب كما تناقلتها الأنباء، حددت ثلاث وزارات يجب أن لاتخرج من يد حلفائها، هي (النفط) و(الداخلية) و(النقل والمواصلاات).

وثالثها : إن انفلات الميليشيات المسلحة وانتشار السلاح خارج الدولة يعيق أي محاولة لتشكيل حكومة تكنوقراط، والعبادي عاجز عن تحجيم هذه الميليشيات أو التعامل معها، فبمجرد أن أعلن عن نيته هيكلة الحشد الشعبي، عبرت له إيران عن استيائها من الأمر، وقامت الدنيا ولم تقعد في أوساط هذه الميليشيات التي تطمح إيران إلى تحويلها لحرس ثوري يسيّر الحكم في العراق مستقبلا.

 ولو أردنا أن نعدد عوامل وأسباب تعيق تشكيل حكومة تكنوقراط حقيقية في العراق لاحتجنا لصفحات عديدة.

إن العملية السياسية التي وضع أسسها الاحتلال، وممثله السيء الذكر بريمر، والتي غطى على فشلها في السنوات الأولى للاحتلال تدفق الأموال العراقية، سواء من الولايات المتحدة أو من مبيعات النفط إبان فورة الأسعار، أصبحت اليوم مكشوفة تماما أمام الشعب العراقي بعد انهيار أسعار النفط وخواء الخزينة العراقية وغياب أي دور للصناعة الوطنية التي كانت تسد جزءًا من حاجة السوق المحلية في ظل النظام السابق، وتدهور أوضاع القطاع الزراعي واستشراء الفساد. وما نشاهده يوميا من فضائح على شاشات الفضائيات، ومن تظاهرات في بغداد والمحافظات تعبرعن حالات الفقر والجوع والتخلف، يؤكد ذلك. وقد جسد تقرير المدقق الأمريكي عن أنشطة الوزارارت العراقية الذي بثت أجزاء منه،  حجم الفساد في العراق. وكذلك كشف تفاصيل الحسابات الختامية لعام 2007 في السنة الثانية التي تولى فيها نوري المالكي رئاسة الحكومة حيث أكدت ضياع 75 تريليون دينار لا يعرف مصيرها حجم ذلك الفساد.

 

 لقد أفشلت إيران محاولات العبادي لإثبات وجوده كرئيس وزراء فاعل، أفشلته أمام الشعب العراقي في تقديم المسؤولين عن احتلال الموصل إلى المحاكمة حيث أكدت أنباء نشرت مؤخرا أن ملف التحقيق بسقوط الموصل تجمّد بتواطؤ من رئيس مجلس القضاء الأعلى مدحت المحمود، المعروف بعلاقته مع المالكي وأن تسعة من المتهمين، من أصل 35 ذكرهم التقرير، غادروا العراق إلى إيران ولبنان، ولم يمنعوا من السفر نتيجة ضغوط كبيرة إقليمية، (في إشارة إلى إيران). وداخلية تعرضت لها اللجنة لحرف مسار التحقيق وأن أحد الضباط، وهو نقيب، اعتُبر شاهداً أصيلاً بالقضية، وُجد مقتولاً في منزل يقع في شرق بغداد، وتم استدعاؤه أكثر من مرة، لأنه كان يشغل منصب ضابط البدالة (الاتصالات) في معسكر الغزلاني، وكان على علم بالاتصالات التي جرت حينها بين مكتبي نوري المالكي ووكيل وزير الداخلية يومها عدنان الأسدي، والقيادات العراقية بالجيش والشرطة، وذلك في الليلة التي سبقت سقوط الموصل، وقد أكد ذلك وزير في الحكومة العراقية لجريدة (العربي الجديد) اللندنية .

إن الفشل في محاسبة المالكي أكبر حيتان الفساد في العراق أو حتى مجرد تحجيمه، هو أكبر دلالة على فشل العبادي. وهو سبب صمته حين طالبه أحد نواب التحالف الكردستاني خلال زيارته الأخيرة للبرلمان بالاستقالة من حزب الدعوة، كي يتمكن من الإصلاح فعلا.   كما إن قوائم الإحالة التي صدرت عن هيئة النزاهة مؤخرا والتي شملت عددا من المسؤولين قد خلت من رموز حزب الدعوة الكبار المعروفين كمفسدين وفاسدين، واقتصرت على اسم أو اثنين من الخط الثاني، مما دفع بأحد المحالين من النزاهة نائب رئيس الوزراء المستقيل (بهاء الأعرجي) إلى عقد مؤتمر صحفي داخل البرلمان العراقي دعا فيه العبادي إلى فتح ملفات الفساد الكبيرة، كملف قمة بغداد وملف التسليح وملفات وزارة التجارة. وأشار الأعرجي في مؤتمره إلى أن جولات التراخيص النفطية  لوحدها أدت إلى فقدان العراق لـ (12-15) مليار دولار سنويا.  ( لاحظوا أن إيران في رسائلها للعبادي حريصة على أن يشغل أتباعها 3 وزارات بينها النفط) .

لقد  حذرت مرجعية السيد علي السيستاني  عبر معتمد المرجعية الدينية السيد أحمد الصافي خلال تجمع طالبي في كربلاء مؤخرا، (هؤلاء الساسة إن كانوا في نومة لا بد أن يستيقظوا، وإن كانوا في غفلة لا بد أن ينتبهوا، إن كانوا لم يعلموا لا بد أن يعلموا»، موضحا أن «المرجعية العليا تحدثت مع الساسة وقالت لهم: لماذا تحاولون أن تنزلوا بمشاكلكم إلى الناس؟ من المسؤول عن تفتيت وحدة العراق؟ من المسؤول عن شحذ هذا الاحتقان بين أبناء البلد الواحد؟).
وذكر السيد الصافي أن «السياسيين يقيمون الدنيا ولا يقعدونها من أجل حفنة أصوات، ويروجون لمبادئ هم أصلاً لا يعتقدون بها، ولكنها مصالح ضيقة وتغليب المصالح الخاصة على مصلحة البلد، لو إن البلد احترق أمام ناظري بعض هؤلاء السياسيين فلن يكترثوا أبدا، لأن المهم لديهم هو ماذا يستفيدون من ثروات البلد».
ومضى بالقول، إن «ثروات البلد قد سرقت، وذكرنا مراراً وتكراراً، ولا بد من محاسبة هؤلاء ولا بد من تشخيصهم وإرجاع  هذه الأموال، لأنها ليست ملكاً لهم بل هي ملك العراقيين جميعاً».

وهذا الحديث جاء بعد أن كانت المرجعية قد أعلنت أنها لن تستمر بتكريس خطابها الأسبوعي (خطبة الجمعة)  للقضايا السياسية. وشخصيا أعتقد أن ضغوطا إيرانية مورست على المرجعية لكي تقلل من هجومها على الأحزاب الحاكمة الموالية لإيران.

 الجديد، وقبل دفع هذه المقالة للطبع، دخول السيد مقتدى الصدر وتياره العريض بقوة إلى ساحة رفض الواقع السياسي الفاسد ومشاركته في تظاهرة ضمت الآلاف من أنصاره ومؤيديه وإعلانه (اليوم على أسوار الخضراء، وغدا سيكون الشعب فيها ليستعيد حقوقه من الفاسدين الظالمين). هذا الدخول إذا استمر بهذا الزخم يفتح الباب على احتمالات كثيرة قد تحقق تغييرا ملموسا في الواقع القائم .

ويظل الحل في العراق من وجهة نظري يكمن في إعادة النظر جذريا في العملية السياسية بإشراف دولي مباشر من الأمم المتحدة، فهي الوحيدة القادرة، بدعم دولي، على إيقاف التدخلات الإقليمية، سواء كانت إيرانية أو تركية في العراق، والدعوة لمؤتمر وطني شامل بعيدا عن أحزاب المحاصصة الطائفية. مؤتمر يضع خطوطا عريضة لدستور وطني عراقي، ولانتخابات برلمانية نزيهة، بعد أن يتم حل جميع الميليشيات المسلحة، وتكليف الجيش بنزع سلاحها، وحصر السلاح بيد الجيش والقوات الأمنية، وتتحمل الولايات المتحدة المسؤولية الأخلاقية عن كل ما جرى بعد الاحتلال، كونها هي من جاء بهؤلاء الساسة إلى سدة الحكم وأسس لهذه العملية الفاسدة، وإلا فإن العراق سائر نحو هاوية التقسيم والضياع وسيحمل التاريخ مسؤولية ذلك لأحزاب الإسلام السياسي الشيعية والسنية التي فشلت بإدارة البلاد. 

·         المقالة الافتتاحية للعدد الورقي

 

 

 

 

انتفاضة الجماهير العراقية

خياران لاثالث لهما

امام الدكتور حيدر العبادي

ليث الحمداني *

 

يوم انطلقت انتفاضة الشعب العراقي في تظاهرات تموزية عارمة شملت محافظات العراق الوسطى والجنوبية والعاصمة بغداد رافعةً شعارات لفتت انتباه المتابعين (بأسم الدين باكونا الحرامية) (منريد واحد ملتحي نريد واحد يستحي) شعارات  تشيرالى تحطم جدار الخوف من احزاب الاسلام السياسي التي حكمت العراق منذ الاحتلال الامريكي وحتى اليوم والتي اغرقت البلاد بالفساد والفشل ، وسهلت للارهاب احتلال عدد من المحافظات وتهجير الملايين من سكانها.

صحيح ان رئيس الوزراء العراقي الدكتور حيدر العبادي ورث تركةً ثقيلة فهو تسلم رئاسة الوزارة نتيجة توافق (امريكي- ايراني) على شخصه بعد  الفشل الذريع لسياسات المالكي الطائفية التي دمرت العراق و اضطرت ايران يومها للقبول به على مضض بحكم ظروف مفاوضاتها النووية مع الغرب وحرصها على عدم استفزاز  (الشيطان الاكبر) ، كان العراق  يتجه سريعا نحو الهاوية ، فلا بنى تحتية ولاخدمات ولاكهرباء رغم انفاق (الف مليار دولار خلال عشر سنوات حسب ماجاء في حديث لأحد رموز العملية السياسية بهاء الاعرجي) .

عشية استلام العبادي كانت خزينة  العراق خاوية والميليشيات  تهدد كيان الدولة العراقية وهناك محافظات محتلة وتهديدات دائمة من عصابات داعش الارهابية ، واعلن العبادي فور تسلمه رئاسة الوزارة عزمه على الاصلاح ولكن اصلاحاته ظلت اسيرة التصريحات الاعلامية، ويذكر العراقيون كيف اعلن في الايام الاولى من توليه رئاسة الوزارة عن وجود (الالاف من الفضائيين في الجيش) واعتزامه محاسبة الفاسدين، ومرت الايام والاسابيع ولكنه لم يقدم فاسداً واحداً للمحاكمة ، مع تصاعد التظاهرات وتجذر شعاراتها (جمعة وراء جمعة والفاسد نطلعه) اعلن العبادي عن حزمة اصلاحات شملت الغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء وهي مناصب بلا صلاحيات حقيقية كانت تكلف خزينة الدولة ملايين الدولارات، واصدر العبادي في الوقت نفسه قراراً بمنع من هم بدرجة مدير عام فما فوق من السفر بانتظار التحقيق في اوضاعهم المالية،  وقوبلت اصلاحات العبادي بدعم الشارع الثائر الذي ظل يطالبه بمحاكمة المالكي باعتباره المسؤول الاول عن الفساد والافساد خلال فترتي حكمه السوداء، وفي تحدٍ واضح لقرارات العبادي غادر المالكي بغداد الى ايران جوا ، حيث استقبل من قادتها الذين طمأنوه (كما يبدو) واقنعوه بالعودة متعهدين بحمايته بعد ان اصبح الشارع العراقي يطالب في تظاهراته العارمة باعادته وبعد ان اطلقت شعارات في تظاهرات بمدينة كربلاء ولاول مرة منذ احتلال العراق لفتت انتباه المراسلين (ايران بره بره وبغداد تبقى حره) مما جعل  حكام طهران يعلنون موقفهم واضحاً ضد ارادة الشعب العراقي وتظاهراته  وتجسد ذلك بوصول قاسم سليماني ومحاولته ترصين التحالف الوطني (الشيعي) الذي يشكو من صراعات امتدت لشهور عرقلة انتخاب رئيس له، و بدأ سليماني محاولاته لتحييد مرجعية السيد علي السيستاني من دعوات الاصلاح التي يتبناها الشارع العراقي ، ويبدو ان محاولته باءت بالفشل ، بل ان انباء اعلامية اكدت ان المرشد خامنئي اوصى بتسليم المالكي قيادة الحشد الشعبي لمنحه حصانة امنية تضمن عدم تقديمه للمحاكمة على خلفية مسؤوليته عن سقوط الموصل وجرائمه الاخرى ، ولكن التحالف الشيعي تجاهل التوصية بعد ان ادرك قادته خطورة تحدي الشارع في مثل هكذا قرار، ابعد من ذلك اشار الاعلامي المعروف انور الحمداني في برنامجه (استوديو التاسعة) على قناة البغدادية ان قاسم سليماني حضر اجتماعاً للتحالف محاولاً ابداء رأيه في اصلاحات العبادي وان العبادي رفض ملاحظاته مما جعله ينسحب وسواءً كان هذا صحيحاً ام لا فأن ايران اعلنت صراحةً معاداتها لتظاهرات الشعب العراقي في تصريحات لسفيرها السابق حسن قمي الذي اتهم المتظاهرين بالعمالة !! ، كما اوحت لعملائها في العراق لترديد هذه الاتهامات حيث اتهم قيس الخزعلي قائد ميلشيات  العصائب التظاهرات بانها مدفوعة من جهة اجنبية، وذهب هادي العامري قائد ميليشيات بدر الى ابعد من ذلك حين هدد التظاهرات التي حاول بأن يوحي بأنها من صنع سفارات اجنبية !!،  شخصيا لاأرى في الموقف الايراني اية غرابة فهو ناتج عن سببين   اولهما  سعي ملالي طهران لابقاء العراق (دولة فاشلة) وحديقة خلفية لها تدر عليها المليارات لان اي اصلاح حقيقي سيستهدف بالتاكيد اعادة  بناءالدولة العراقية زراعيا وصناعيا وسيركز على التنمية  للحد من الفقر والجهل الذين تستثمرهما سياسة الملالي في تمزيق النسيج الوطني العراقي وتاجيج الصراعات الطائفية ، وثانيهما التخوف الحقيقي من انتقال ظاهرة انتفاضة الشارع الى طهران فالشعوب الايرانية تعاني كما يعاني الشعب العراقي من فساد طغمة الحرس والملالي ونهبها للمال العام  وانفاقها للمليارات من اموال الشعوب الايرانية في اثارة القلاقل خارج ايران بهدف بسط نفوذها وتصدير فكرها المتخلف!!

في هذا الوقت حذرت مرجعية السيد علي السيستاني من خطر تقسيم العراق اذا لم يتم اصلاح حقيقي وحملت السياسيين الذين حكموا البلاد خلال السنوات الماضية مسؤولية تفشي الفساد  وهو تاكيد على استمرار دعمها للاصلاحات وتناغمها مع الشارع الشيعي المنتفض، وهي المرجعية الاكثر (تقليدا) من قبل شيعة العراق المنتفضين ضد الفساد .

 الدكتور حيدرالعبادي استمر خلال هذه الاسابيع بالحديث عن(فساد) و (مفسدين) و (معرقلين) بعناوين فضفاضة غير محددة مما دفع الشارع المنتفض الى تصعيد مطالبته بالاصلاح الحقيقي وبمحاكمة المالكي ، وابعاد مدحت المحمود عن القضاء العراقي  الذي اصبح اداة بيد المالكي خلال سنوات حكمه ، و شهدت العديد من دول العالم وقفات تضامنية من العراقيين المقيمين فيها مع المتظاهرين  في العراق مما اعطى التظاهرات بعدا خارجياً حيث  نالت هذه التظاهرات اهتمام اجهزة الاعلام والحكومات في هذه الدول.

في اخر جمعة من شهر آب الماضي اعلن العبادي حزمة اخرى من الاصلاحات تضمنت فتح المنطقة الخضراء امام الجماهير وفتح ملف بيع ممتلكات الدولة، وهي اصلاحات باهتة بمقابل مطالب الجماهير العراقية بالاصلاحات الجذرية.

 حتى الان تبدو نوايا العبادي طيبة ولكنها لا تلبي مطالب الجماهير الغاضبة، فالنوايا وحدها لاتكفي لأقناع شعب يعاني من الفقر والبطالة والتهميش منذ سنوات في ظل انفاق خيالي خلال حكم الفاسد الاكبر نوري المالكي وظروف الهبوط الحاد في اسعار النفط والخزينة الخاوية في عهد العبادي.

لقد اثببت الجماهير المنتفضة وعيا متقدما سواء من خلال الشعارات التي رفعتها في تظاهراتها ( شتريدون ....دولة مدنية ) او في اللقاءآت التي تجريها الفضائيات العراقية مع المتظاهرين من مختلف الاعمار والمهن والتي يؤكدون من خلالها رفضهم للطائفية التي مزقت النسيج الوطني العراقي في سنوات مابعد الاحتلال.

ان امام الدكتور حيدر العبادي خياران لاثالث لهما :

 الاول اعلان خروجه من (شرنقة) حزب الدعوة الذي فشل سياسيا واخلاقيا خلال سنوات حكمه والعودة الى حضن العراق الوطن، مستمدا شرعيته كرئيس للوزراء من الشارع العراقي الذي يقف معه ، ومن دعم مرجعية السيد السيستاني له ، واتخاذ اجراءآت حقيقية وفورية في محاكمة رموز الفساد الكبار وعلى راسهم نوري المالكي .

والثاني تشكيل وزارة كفاءآت بعيدا عن المحاصصة الطائفية تكون مهمتها الاساسية ايقاف التداعي والتخطيط لأعادة البناء بعيداً عن اية تأثيرات خارجية .

  هذان الخياران سيحولانه  الى زعيم حقيقي فهل سيسير فيهما فعلا ، ام يستمر في محاولاته الاصلاحية الشكلية فيفتح الباب امام تداعيات ستطيح بالعملية السياسية برمتها، وقد تدفع البلد نحو المجهول .

·         رئيس تحرير القسم العربي في جريدة (البلاد)

 

(قناة البغدادية)  والدفاع عن القطاع الصناعي

 

الصناعة مشروع وطني

 

 يحتاج لإرادة وطنية صادقة

 

ليث الحمداني*

 

ينتابني الحزن كلما طرحت قناة (البغدادية) قضية الصناعة العراقية الوطنية أو عرضت مشاهد من تظاهرات العاملين في منشآت وزارة الصناعة وهم يطالبون بحقوقهم في صرف رواتبهم، فقد قضيت كإعلامي في قطاع الصناعة أكثر من عقدين من السنوات، وتجولت في هذه المنشآت وشهدت بعضها وهي معدات ومكائن في الصناديق، وشهدتها وهي ترفد السوق بمنتجات نالت ثقة المستهلك شاء من شاء وأبى من أبى!!

أعرف أن هناك من لن تعجبه سطوري هذه، فحين كتبت مقالي (التخصيص بين (صديق الرئيس فولي) وصديقنا – يعقوب ونشر في جريدة (الزمان) البغدادية في 2003 / 8 / 20 واعيد نشره  في عدد من المواقع رابطه:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=9365

اتهمني  أحد (المتربللين) الجدد بأ نني (شيوعي متخلف) متمسك بقطاع الدولة  في وقت يتجه فيه العالم كله نحو (التخصيص) للتخلص من (الفساد) و(الروتين)!! على اعتبار أن العاملين في القطاع الخاص حاليا (ملائكة)!!

وحين كتبت مقالي (انطباعات أولية عن المشهد العراقي صناعات قضت نحبها  وأخرى تنتظر) من بغداد ونشر في نفس الجريدة ببغداد في 27 -5 2004 رابطه:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=18631

اتهمني أحد الذين (نقلوا) خدماتهم من حزب البعث إلى  (حزب الدعوة) بأنني أحن إلى الماضي ..

اما حين كتبت مقالتي (حين لا ترى بعض (العيون) سوى السواد....عن الصناعة في العراق وما يكتب عنها!! هذا ما بناه (النظام الدكتاتوري) وهذا ما دمرته (ديمقراطية العراق الجديد) في 1-5-2008 رابطها:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=133109

وهي مقالة حظيت باهتمام كبير وتناقلتها العشرات من المواقع الالكترونية، وتفضل بترجمتها مشكورين إلى اللغتين الانكليزية والفرنسية عراقيون حريصون على أن لا تضيع الحقيقة، ونشرت مقاطع منها في مطبوعات أمريكية.

 يومها ذهب بعض  (المكارثيين الجدد) الذين يعملون تحت اسم (الحركة الشعبية لاجتثاث البعث) إلى أبعد من  مهاجمتي كتابيا فأدرجوا اسمي ضمن ما يسمونه قائمة (سوداء)، ووضعوا أمامه تعريفا يقول (صحفي كان ناشطا في النقابات البعثية، شغل مناصب مهمة في نقابة الصحفيين بترشيح مباشر من المجرم عدي صدام حسين يعمل حاليا في جريدة البلاد في كندا). ويشهد الله والعاملون مع عدي من الأحياء أنني لم ألتقِه في حياتي، وأن عملي في نقابة الصحفيين سبق مجيء عدي للنقابة بسنوات، وكان ترشحي في الانتخابات كمستقل، ويشهد بذلك من عمل على إنجاحي في الانتخابات من الأحياء. وأذكر منهم الزملاء مريم السناطي ونرمين المفتي وفلاح العتابي وعبدالكريم سعدون ورعد اليوسف وعبدالرحمن عناد ومنذر آل جعفر وعلاء لفته وقيس بهنام وصادق الجابر، ومن الراحلين رحمهم الله شهاب التميمي وضرغام هاشم وطه عارف  وآخرين لا تحضرني أسماؤهم الان، وكان نقباء الصحفيين يومها الراحل طه البصري ومن بعده الدكتور صباح ياسين ولم يكن لعدي يومها أي علاقة بالعمل النقابي.  وحين كان عدي في النقابة كنت أنا خارج العراق، وأتحدى هؤلاء (المكارثيين) أن يقدموا دليلا واحدا يثبت صدق ما كتبوا. السبب في كل ذلك هو انحيازي للصناعة العراقية كمشروع وطني أنشئ بأموال عراقية ونفذته عقول عراقية وأدارته عقول عراقية، فشهد طفرة في السبعينات والثمانينات  مكنته من نيل ثقة العراقيين.

مشكلة هؤلاء (المكارثيين الجدد) أنهم يعتبرون كل ما تحقق منجزات (صدامية) يجب محوها من الذاكرة العراقية، بينما هي في حقيقتها منجزات عقول عراقية وسواعد عراقية، وأغلب تلك العقول درست في جامعات عراقية وعالمية إبان العهد الملكي وعهد الزعيم عبدالكريم قاسم. وما يذكر من حسنة للنظام السياسي في هذا المجال هو أنه فسح المجال أمامها واسعا للإبداع. هؤلاء المتخلفون يصرون أيضا على شيطنة التصنيع العسكري ويعتبرونه ملكا (لحسين كامل)، فيما  كان التصنيع العسكري يضم عبقريات وكفاءات عراقية لو أردت ان أعدّها لاحتجت إلى صفحات طوال. هؤلاء تمكنوا من إرساء الأسس لقيام صناعات ثقيلة في العراق، سرقت معداتها ونقلت إلى دول الجوار تحت سمع الاحتلال وحكوماته في عام 2003.

لقد شهدت بأم عيني الدولة العراقية وهي تضع استرتيجيات للنهوض بالقطاع الصناعي الذي جعلت له هدفين: الأول اقتصادي والثاني اجتماعي، فوزعت المشاريع الصناعية على المحافظات توزيعا جغرافيا وفر الآلاف من فرص العمل لأبناء تلك المحافظات، وعملت على تعزيز دور مراكز البحث والتطوير في المؤسسات الصناعية، ونتيجة لذلك، أصبح هذا القطاع هدفا مباشرا إبان الحصار الظالم على العراق، فمنع من عمليات  التحديث والتطوير وحوصرت صناعاته المدنية، مما أدى إلى تقادمها وتهالكها، ووصل الأمر إلى حد منع وصول المجلات والمطبوعات المتخصصة للمنشآت ومصادرتها، وحين جاء الاحتلال، كان في مقدمة أهدافه إنهاء هذا القطاع وتصفيته. وقد روى لي صديق أكاديمي له صلات واسعة، أن بريمر أشار في إحدى جلساته مع عراقيين ممن تعاونوا مع الاحتلال إلى أنه حين تشكيل مجلس الحكم كان يبحث عن شخصية كردية مستقلة، ورشح له البعض عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي، ولكن بريمر استبعده بعد أن التقاه مرة واحدة  قائلا لمن رشحه إن (فكره قديم وإنه متمسك بالقطاع العام). وهذا يعطي فكرة واضحة عن الموقف المسبق من الصناعة العراقية.

لقد أشاع الاحتلال وحكوماته المتعاقبة سياسة فتح الباب على مصراعيه أمام الاستيراد، وأصبح الجميع يتحدث عن إن (صناعتنا ليست اقتصادية) وإن المستورد أرخص، فوصل الأمر إلى ماوصل إليه اليوم.

وتحضرني هنا صور لعاملين في منشآت القطاع الصناعي عرضها الزميل أنور الحمداني على (قناة البغدادية)  أولها لعاملة من المنشأة العامة للنسيج في الحلة ظهرت على الشاشة الرائدة (البغدادية) وهي تحمل بعضا من منتجات معامل المنشأة قائلة أمام الكاميرا (يمعودين إذا إنتاجنا أغلى من المستورد شوية ما تفكرون بأن الفلوس راح تروح من الإيد اليمنى للإيد اليسرى، والناس راح تشتغل وتاخذ رواتبها)! هذه السيدة الرائعة لخصت الدور الاجتماعي للصناعة ببساطة يتجاهلها القائمون على الاقتصاد في عراق اليوم. سأضيف لكلام هذه السيدة  واقعة نفذها باراك أوباما رئيس أكبر دولة رأسمالية في العالم حين بدأ خطواته لتحريك الاقتصاد الأمريكي قبل عامين، لقد فرض يومها نوعا من  الحماية على الإنتاج الوطني بفرض استخدام المنتجات الأمريكية في مشاريع التنمية الكبيرة لفترة من الزمن، حتى وإن كان هذا الإنتاج لا ينافس سعريا مثيله الكندي أو المكسيكي رغم أن بين هذه الدول اتفاقيات تجارة تمنع الحماية للإنتاج الوطني،  ورغم اعتراض أطراف في هذه الدول.

صورة أخرى لعامل في المنشأة العامة للصناعات المطاطية في الديوانية قال أمام الكاميرا إن تقدم الأمم هو بصناعاتها وليس بما تستورده من هنا وهناك. وأشير هنا إلى أن المنشأة التي يعمل فيها هذا العامل الوطني الغيور اعتمدت في إنتاجها حين تم إنشاؤها مواصفات عالمية يفتقد أغلب الإنتاج المستورد في عراق اليوم لتلك المواصفات.

نعود لحديثنا ذي الشجون عن الصناعة العراقية، لقد أشارت (البغدادية) أكثر من مرة في برامجها أن تخصيصات وزارة الصناعة خلال سنوات ما بعد الاحتلال بلغت 15 مليار دولار!! وأسأل هنا  المسؤولين في الدولة العراقية الذين اعتادوا الحديث عن الاستثمار والتنمية و ... و   ماذا لو قسم هذا المبلغ وخصص منه 5 مليارات فقط لإعادة تأهيل قطاع الصناعات الإنشائية السمنت والطابوق والزجاج والكاشي، وهو قطاع  يعتمد في إنتاجه على أكثر من 90 % من المواد الأولية المحلية ويحقق أرباحا جيدة تدعم القطاع الصناعي وتوفر السلع للمستهلكين !

ماذا لو صرف ملياران أو ثلاثة مليارات لإعادة تأهيل صناعة الأسمدة الكيماوية والفوسفاتية، وهي صناعة ناجحة أثبتت مكانتها حتى في مجال التصدير؟

ماذا لو خصصت بعض المليارات من الـ (1000) مليار التي أنفقت خلال سنوات ما بعد الاحتلال، وخاصة سنوات حكم المالكي وتحدث عنها نائب رئيس الوزراء بهاء الأعرجي للقطاع الصناعي ؟

ماذا؟ وماذا؟ وماذا؟ أنا  لست ضد القطاع الخاص، بالعكس، القطاع الخاص أساسي في عملية التنمية، ولكن كيف؟

هل بأن نبيعه مصانع تعتمد في إنتاجها المواد الأولية المحلية (بتراب الفلوس) ثم نترك له تحديد سياساته السعرية على حساب المستهلك، ونترك له حرية (التخلص) من كادر تلك المصانع من العاملين الذين أفنوا شبابهم في خدمتها؟

أم أن نبيعه المصانع المتهالكة ليصفيها كخردة ويتصرف بموجوداتها العقارية لأغراض غير الصناعة؟

لماذا فكرنا في أن (نعرض) النفط للمشاركة، ولم نفكر بتطوير وتحديث صناعاتنا عن طريق المشاركة إذا كانت الدولة غير قادرة على التمويل الاستثماري اليوم؟

وسأجيب على هذا السؤال بنفسي، فقد أتحفنا (الإعلام) أكثر من مرة بأرقام المليارات التي تصدر لنا فيها منتجات صناعية من دول الجوار وتحديدا (إيران) و(تركيا)، وفتش عن المستفيد!!

لقد تحدث رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي عن القطاع الخاص وأهمية مساهمته في عملية البناء، وأقول هنا إن القطاع الخاص العراقي بني في الخمسينات والستينات على يد عقول عراقية وطنية آمنت بالصناعة ودعمتها الدولة، وقد وجهت للسيد رئيس الوزراء رسالة كنت أتمنى أن يقرأها وهي على الرابط:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=455602

وأكرر سؤالي للسيد رئيس الوزراء: أين الآليات التي سيعمل بموجبها لإعادة الحياة للقطاع الصناعي الخاص؟

وكيف سيستطيع هذا القطاع العودة للإنتاج، والمنافسة على أشدها، وهي منافسة غير عادلة، فالمصنع العراقي كلفه مرتفعة بسبب غياب البنى التحتية الأساسية للصناعة وأهمها الطاقة الكهربائية، وليست له أية محفزات مالية، فهو يشتري الدولار لأغراض استيراد المكائن والمعدات والمواد الأولية بنفس السعر الذي يشتريه (المهربون) من أدعياء الاستثمار في عراق اليوم، والذين فضحتهم  (قناة البغدادية) في أكثر من مجال، وهم لم يبنوا في العراق بالدولارات التي اشتروها  من البنك المركزي مصنعا أو حتى ورشة!! كما إنه لا يتمتع بأي نوع من الحماية الصناعية التي كانت تتم في العهد السابق وفق دراسات ومعايير يشترك فيها الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية ووزارة التجارة واتحاد الصناعات العراقي والتنمية الصناعية.

ثم لماذا لا يشكل السيد رئيس الوزراء لجنة لدراسة تجربة القطاع المختلط (وقد تكون هي الأنسب في المرحلة الحالية) إذا ما حظيت بالرعاية والاهتمام والحماية وبعض رموز تأسيس هذا القطاع أحياء ما زالوا يمارسون عملهم (أحمد عبدالرافع – طارق الربيعي) الصناعات الإلكترونية مثلا. ويمكن لهؤلاء أن يقدموا خبرتهم الطويلة في هذا المجال .

أيها السادة، أكرر ما قلته سابقا، الصناعة مشروع وطني يحتاج الى إرادة وطنية حقيقية ..

واختم بمشهد آخر راقبته قبل فترة على  (قناة البغدادية)، كان المشهد لمزارعي الطماطة الذين كانوا يشكون من تكدس إنتاجهم بسبب المنافسة من المستورد وعدم وجود جهات تصنيع كافية لاستلامه. وأذكر هنا وللتاريخ أن المدير العام لمنشأة التعليب في كربلاء المهندس الراحل  لميع غائب كان يعلن حالة (الإنذار) في مصانع  منشأته ويطلب صلاحيات استثنائية من الوزارة  خلال موسم نضوج الطماطة للعمل على مدى 24 ساعة من أجل أن يسوّق المزارعون إنتاجهم ولايتعرض للتلف، وهي صورة من صور تكامل الإنتاج الوطني .

أما موقف (البغدادية) الرائع في الدفاع عن الصناعة والعاملين فيها فسيحولها  على المواقع والقنوات التي بات معروفا من

(يمولها) ويقف وراءها إلى (قناة بعثية) أو أن (عدي) كان وراء تأسيسها!!

ولاتستغربوا إذا ما قرأتم على تلك المواقع أن عون الخشلوك كان وراء تاسيس حزب البعث في العراق وأن أنور الحمداني كان

عضوا في القيادة القطرية  .....  وسلم لي على  (البيتنجان) كما يقول إخواننا المصريون .

* رئيس تحرير القسم العربي في جريدة (البلاد) كندا

Albilad.canada@gmail.com

 

في ضوء حديث رئيس الوزراء العراقي

الدكتور حيدر العبادي عن القطاع الخاص الصناعي

 

لمحات من تجربة الامس القريب

 في القطاع الخاص الصناعي العراقي

 

ليث الحمداني *

 

عاد الحديث عن (القطاع الخاص) في العراق بعد ان اطلق رئيس الوزراء العراقي الدكتور حيدر العبادي ماأسماه ستراتيجية من محاور تستمر حتى العام 2030 تهدف الى تنشيط القطاع الخاص في البلاد للنهوض بالانتاج المحلي الذي شهد تدهورا منذ 10 سنوات واستميح السيد رئيس الوزراء عذرا فاقول (في الحقيقة انتهى الانتاج الوطني المحلي ولم يشهد تدهورا ) والمستفيد هو ايران وتركيا التي اصبح بلدنا سوقا لمنتجاتها .

هذا الحديث اعادني الى عام 1970 حين اصدر الرئيس العراقي احمد حسن البكر بيانا لدعم وتنشيط القطاع الخاص اعدت مسودته يومها في وزارة الصناعة والمعادن بمبادرة من الوزير طه ياسين رمضان الذي كلف يومها الدكتور فرهنك جلال الذي كان مديرا عاما للمصرف الصناعي العراقي باعداد مسودة مقترحات لذلك البيان  ( ليصحح لي الصديق طلال طلعت الذي كان مديرا لمكتب الوزير يومها ) ان كان هناك من اسهم مع الدكتور جلال باعداد تلك المسودة .

التقط اتحاد الصناعات العراقي (البيان) وكلف الامين العام للاتحاد يومها الدكتور محمد خليل الطويل الصديق قحطان نشأت الاورفة لي  لاعداد قائمة بالصناعيين الرواد وتنظيم ندوة موسعة لمناقشة مفردات البيان وبحكم قربي من الصديق قحطان كوني كنت اعمل مصمما ومتابعا لاصدار مجلة (الصناعي) التي كان يصدرها الاتحاد، ساهمت في تغطية تلك الندوة واذكر ممن دعي لتلك الندوة السادة محمد حديد ، خدوري خدوري، عبدالله العمري ، اسماعيل الربيعي ،محمد كافل حسين ، اديب فرجو (بسكولاته) ، اسماعيل البحراني ،حسن مهدي قنبر اغا ،جميل ثابت ، آل بنية  (عبدالوهاب وعبداللطيف) ، آل الجميلي  (بسكت وعصير الجميلي)  ، وآل السماوي (يونس وحيدر) (آل بليبل) ،جليل خياط من اربيل  ،بيت الحاج يونس من الموصل ، آل الرحماني من البصرة  وصالح يونس ، نجيب حراق،صبيح الطحان يوسف الحداد، عدنان الحلي، نزار السمان من الموصل ، نايف بهنو من الموصل ، ال كبة من البصرة، يحيي النجار ، ابناء مهدي صالح الراوي، سعدالله الصباغ ( مدافيء علاء الدين)  ، شركة الفا لانتاج القمصان ، شركة كربلاء لصناعة اليشماغ، شركة وسائل التدفئة والتبريد (فاير كنك) ، شركة الراديترات العراقية ، المعمل الوطني للراديترات ، احذية زبلوق، احذية دجلة،  شركة مشن للمشروبات الغازية، ومن قطاع الطباعة سلمان الاعظمي ، رسمي العامل ، عيدان العزاوي، توفيق السمعاني ، فتح الله اسطيفان عزيزة ، ناظم رمزي، يحيي ثنيان،  واعتذر من العشرات الذين تغيب اسماؤهم عن ذاكرتي ، في تلك الندوة التي حضرها وزير الصناعة والمعادن  كان هؤلاء الصناعيين  بمثابة استشاريين لاتحاد الصناعات الذي ناقش معهم مقترحاتهم وبلورها بنقاط محددة رفعت لديوان الرئاسة وصدرت بموجبها تسهيلات للقطاع الخاص .

 وأسأل اليوم اين هو اتحاد الصناعات العراقي ؟ المنظمة التي تاسست بمبادرة من الصناعيين عام 1956 وظلت على مسافة واحدة من جميع الانظمة التي حكمت العراق ، وقدمت الدعم والاستشارة للقطاع الخاص واسهمت في تطويره حتى سنوات فرض الحصار على العراق ، وطيلة تلك السنوات ظل الاتحاد ممثلا لارباب العمل في منظمة العمل الدولية ومساهما فعالا في اقرار قوانين العمل وكان قحطان الاورفة لي ابرز من عمل في هذا المجال  . كما ان الاتحاد كان فاعلا في الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة العربية وكنت شاهدا على ذلك من خلال حضوري لعدد من المؤتمرات الهامة ، بل انه كان المبادر في دعم تاسسي الغرف العربية – الاجنبية المشتركة وفي مقدمتها (الغرفة العربية – البريطانية) و(الغرفة العربية- الالمانية) .

 في قرار مفاجيء نقلت العلامات التجارية من الاتحاد الى وزارة الصناعة في وقت كان فيه الاتحاد قد قطع شوطا في تطوير هذه الدائرة وتشريع قانون عصري لها وكانت وارداتها تسهم في تمويل عمل الاتحاد .

بعد الاحتلال اعتقل امين عام الاتحاد  السيد طلال طلعت ومورست عليه الضغوطات لتسليم الاتحاد وموجوداته وسجن عدة اسابيع  بسبب رفضه ، وضعت بعض الجهات اليد على بناية الاتحاد في ساحة الخلاني وهي بناية لم تسهم الحكومات المتعاقبة بأنشائها بدينار واحد !! وانشئت بتبرعات الصناعيين وكنت ارى قحطان الاورفة لي يتصل بالصناعيين وكذلك مدير الحسابات قدوري عبدالغفور وموظفيه سهيلة وهادي جربز لهذا الغرض ، بعد الاحتلال سارع البعض لتاسيس منظمات مرادفة صغيرة وغير مؤثرة لعبت العلاقات الشخصية والرغبة بالبروز دورا في انشائها لاضعاف الاتحاد .

 لقد لعب اتحاد الصناعات العراقي دورا تاريخيا في تنمية وتطوير القطاع الخاص ، ويكفي انه كان يعد مسحا سنويا لمشريع القطاع الخاص يطبع ويوزع على دوائر الدولة ذات العلاقة والجامعات العراقية وتعتمده وزارة التخطيط وقد تناوب على اعداد ذلك المسح عبدالرزاق الربيعي وهناء الخفاجي وباسم عبدالكريم وسليم الصوافي ،  وشهدت سنوات الثمانينات توجها عمليا تنفيذيا له حين اعدت الدائرة الفنية مشاريع لتحديث  بعض الصناعات حيث اعد المهندسان يوسف حسن مهدي مدير الدائرة الفنية وكمال توفيق اغا دراسة لتطوير صناعة الطابوق الطيني بادخال المحارق الاتوماتيكية ومكائن القطع لاهداف انسانية وبيئية ، ونفذ المشروع في عدد من معامل الطابوق ، كما قام المهندس عيسى كاظم باعداد دراسة لمكننة مشاريع الجص لنفس الاهداف وهناك دراسات اخرى اعدها جبر الزبيدي وجنان مهدي الصكر ونوال عبدالحميد وكمال عنبر تناولت صناعات اخرى واعد عبدالله العيثاوي دراسة هامة عن المجمعات ، كما اعد ثائر الدباغ  دراسة حول تطوير الصناعات الصغيرة وهناك دراسات اعدها آخرون لاتحضرني اسماؤهم للاسف الشديد ، كما تمت مكننة العمل في الاتحاد وادخلت المعلومات في الحاسبة الالكترونية التي كانت تشرف عليها المهندسة وفاء محمد علي ، وفي فترة رئاسة عبدالقادر عبداللطيف للاتحاد اعدت الدائرة الفنية وبدعم منه دراسة لانشاء مختبرات للسيطرة النوعية تؤمن فحص منتجات القطاع الخاص وتم تنفيذها واستوردت معدات المختبر وكانت خطوة رائدة بحق وسمعت بأنها نهبت في ايام الاحتلال الاولى. والخطوة الرائدة الاخرى التي يجب عدم تجاوزها ان الاتحاد كان هو المبادر باعداد اول دراسة لاقامة بنك اهلي وقد استعان لهذا بالخبير المصرفي السيد سعدون كبه .

الذي اردت ان اقوله في هذا الاستطراد ان السيد العبادي تحدث عن القطاع الخاص وهو يدرك بالتاكيد ان ابرز الصناعيين الذين يملكون تراكم خبرة في الميدان الصناعي هم الان خارج العراق ، واللذين يتحكمون في السوق اليوم هم ( تجار عصر مابعد الاحتلال) وهؤلاء لايمكن ان يقيموا صناعة وطنية من جديد فالصناعة تحتاج الى سنوات كي تحقق نسبة ارباح معقولة وهؤلاء اعتادوا على الربح السريع ولايملكون اية رؤية ستراتيجية لاقامة صناعة في هذا القطاع ،وهناك حقيقة اخرى يجب عدم تجاهلها وهي ان الصناعة الناشئة بحاجة الى اجراءآت حمائية، وكان اتحاد الصناعات العراقي بالتعاون مع لجنة تنظيم التجارة الداخلية ومركز التقييس والسيطرة النوعية يقوم باعداد دراسة حماية لكل صناعة جديدة ويقدر نسبة الحماية التي يمنحها لها ، وفي ضوء ذلك يتم تحديد اجازات استيراد المواد المشابهة وهذا ليس ممكنا في ظل سياسة الباب المفتوح للاستيراد ولن يسمح به ( كواسج) الاستيراد المرتبطين  بشراكات ووشائج متينة مع اطرف سياسية نافذة .

بتقديري أن الخطوة الاولى لوضع ستراتيجية حقيقية للقطاع الخاص تتطلب من السيد العبادي دعوة الصناعيين الرواد الاحياء الذين مازالوا يمتلكون الرؤية الواضحة لهذا القطاع الى مؤتمر تطرح فيه الافكار وتناقش كي يتم تحديد الصناعات التي يجب تحفيز هذا القطاع على اقامتها في المرحلة القادمة ، ان هناك روادا ساهموا في نهضة القطاع الخاص مازالوا يمتلكون القدرة على تقديم الافكار البناءة للقطاع وهناك موظفين وخبراء رافقوا رحلة هذا القطاع في سنوات ازردهاره .

ياسيادة رئيس الوزراء وجه الدعوة للصناعيين الحقيقيين ،   محمد كافل حسين ،عدنان الحلي، فؤآد ساعور، عبدالوهاب بنية ، سعد الراوي، موفق العلاف ،يوسف الحداد، حسن قنبر اغا ، عمر البجاري، اسطيفان فتح الله عزيزة والعشرات غيرهم وليس صعبا ابدا ان تقدم لك سفارات العراق عناوين اقامتهم ، ايضا وجه الدعوة للموظفين الذين رافقوا مسيرة اتحاد الصناعات العراقي قحطان الاورفة لي طلال طلعت، يوسف حسن مهدي ، هناء الخفاجي باسم عبدالكريم ، جبر الزبيدي ، ثائر الدباغ  ، عبدالله العيثاوي وغيرهم من الاحياء  كل هؤلاء يمكن ان يقدموا لك صورة واضحة عن الخطوات الاولى الواجب اتخاذها للبدء ببناء القطاع الخاص الذي تهدم وانتهى دوره في سنوات الاحتلال .

 

Albilad.canada@gmail.com

laith@albilad.net

 

 

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

في الذكرى السنوية لرحيل

الزعيم الوطني العراقي جعفر أبو التمن

قراءة جديدة لدراسة قديمة

ليث الحمداني 


 



في الذكرى السنوية لرحيل الزعيم الوطني العراقي جعفر أبو التمن

جعفر أبو التمن تاريخ مشرف في النضال من أجل الاستقلال
مواقف ثابتة ضد الاحتلال وكل أشكال الهيمنة الاستعمارية
وعي مبكر بخطورة الطائفية السياسية على الوطن
هل يفتقد تاريخ العراق الوطني زعامة وطنية تحظى بإجماع وطني؟
كان عبد الكريم قاسم الحاكم الوحيد الذي استلم السلطة وهو لا يحمل أية حساسيات (طائفية) أو (قومية) مسبقة من أي عراقي
في خضم صراع الأحزاب بعد 14 تموز ضاع تاريخنا الوطني، وفي المراحل اللاحقة تعرض للتشويه


في الذكرى السنوية لرحيل السياسي الوطني محمد جعفر أبو التمن التي صادفت في العشرين من هذا الشهر والظروف التي يعيشها العراق تكتسب إعادة قراءة الدراسة التي أعدها خالد التميمي عن الراحل الكبير ونشرت بالعربية عام 1996 باعتبارها آخر ما نشر عنه أهمية بالغة. فبالإضافة إلى عجز الشارع السياسي العراقي خلال العقود الخمسة الأخيرة عن إنجاب زعيم سياسي يحمل السمات العراقية التي حملها الراحل، فإن الأصوات النشاز التي تروج للطائفية السياسية التي نذر الراحل سنوات عمره للوقوف ضدها باتت تعلن عن نفسها في السلطة والمعارضة خلال السنوات الأخيرة دون خجل من التاريخ العراقي الوطني الذي كتب أبو التمن واحدة من أنصع صفحاته .. ورغم أن الراحل لم يترك مذكرات مكتوبة، وكانت هذه القضية مثار جدل لعدة سنوات، إلا أن ما كتب عنه من دراسات غطى جانبا هاما من مسيرته الحافلة بالعطاء الوطني المجرد من المصالح الذاتية. وتظل الدراسة التي بين أيدينا الأكثر شمولية في تناولها لتلك المسيرة.
بدأ أبو التمن حياته السياسية بين أواخر عام 1909 وأوائل عام 1911 حين عمت بغداد الاحتجاجات بسبب عزم السلطات العثمانية بيع ممتلكات وامتيازات الإدارة الحميدية إلى شركة (إخوان لنج) البريطانية حيث شارك جعفر في مظاهرات واحتجاجات نظمت من قبل قادة الحركة المضادة لمشروع البيع (عبد القادر الخضيري ومحمود الشابندر) للإعراب عن معارضة العراقيين لعملية البيع.

خطر الطائفية:
مبكرا أدرك جعفر أبو التمن خطورة التكتلات الطائفية على الوطن، فنراه يبادر بالرفض القاطع لمحاولات ضمه في نشاط سياسي خاص بالشيعة، بل إنه، ورغم تدينه، كان من دعاة التمييز بين الدين والسياسة (ص 75-76). وتشير الدراسة إلى اتصال المجتهد الشيعي البارز محمد حسين كاشف الغطاء بأبي التمن في كانون الثاني (يناير) 1927، وحثه على الانضمام إلى المعسكر الشيعي، غير أن أبا التمن رفض بصلابة، لأنه (لم يرغب بإدخال الدين في السياسة) كما تقول الدراسة. ونحن نميل هنا، ومن خلال قراءاتنا العديدة عنه، إلى الاعتقاد بأن الدافع الأساسي للرفض كان عمق عراقيته التي تجلت بوضوح طيلة سنوات عمله السياسي، حيث بذل قصارى جهده لتوحيد جهود الشيعة والسنة من أجل إنجاز الاستقلال الكامل للعراق منذ بداية نشاطه السياسي. وتشير الدراسة إلى قضية الاستفتاء العام حيث كان جعفر حلقة الوصل بين الزعامات الدينية للسنة والشيعة (قاضيا بغداد السني والشيعي) في كانون الثاني 1919، وعمل على تقريب وجهات نظرهما حيث تحدث في الاجتماع الذي ضمهما مع ممثلي الطوائف المسيحية واليهودية، داعيا إلى عراق موحد بحكومة عربية وحاكم مسلم (ص 96)، مما عمق دوره في تكريس الوحدة الوطنية العراقية. (لقد ازداد نفوذ جعفر سياسيا حينما بدأ يكرس طاقاته للتوفيق بين الطائفتين الشيعية والسنية. هذا وتشير العديد من التقارير المعاصرة إلى أن جعفر أصبح رمزا للوطنية والوحدة العراقية بين طلائع حزب حرس الاستقلال (ص 104). ويتكرر إصرارجعفر على عدم التعامل مع إطار سياسي خاص بالشيعة عام 1932، ذلك الإطار الذي حاولت إشهاره مجموعة من الوطنيين العراقيين بدافع (موقف السنة المتشدد نحو زيادة مشاركة الشيعة في السلطة) حيث أخبر الوفود التي زارته بأنه لن يتخلى عن مبادئه اللاطائفية، وأنه يعارض أي نشاط سياسي يستند إلى التفرقة الطائفية. بل إنه حاول أن يعطيهم الانطباع بأنه كان يحث بالتآمر الأجنبي وراء تلك الأفكار (ص 314-315). وعلى الرغم من الإحباطات التي أصابته من تصرفات الجانب الآخر، فقد عاد لرفض الفكرة من جديد حين عرضها عليه عام 1935 كل من عبد الواحد الحاج سكر وسماوي الجلوب (من شيوخ عشائر آل فتلة)، مؤكدا رسوخ موقفه من عدم تأييده لتكوين حزب لطائفة (ص 350). ولم يضعف موقفه هذا من إيمانه بأهمية دور رجال الدين وقوة تأثيرهم في المجتمع. فحين قرر القادة العراقيون توسيع نشاطاتهم السياسية بعد الاجتماع الذي تفرق إثر وصول مصفحتين بريطانيتين واستدعي على أثره عدد من قادة حرس الاستقلال تم اختيار جعفر لزيارة المجتهد الأكبر محمدد تقي الشيرازي حيث حرر المجتهد رسالة في حزيران عام 1920، وزعت في عموم العراق (ناشد فيها الناس إلى التعبير عن تضامنهم مع الأهداف الوطنية من خلال التظاهرات وتقديم العرائض والاجتماعات وغير ذلك من الوسائل السلمية، وفي ذات الوقت فقد حث المجتهد الأكبر المسلمين على احترام حقوق غير المسلمين). كما سنلاحظ لاحقا الموقف المبدئي الثابت لجعفر ضد إثارة النعرات الطائفية بعد صدور كتاب (العروبة في الميزان) لعبد الرزاق الحصان، الذي أساء فيه للطائفة الشيعية، وكيف أنه قاد حملة حزبه ضد مروجي الطائفية ومشجعي التوتر بين السنة والشيعة (ص 321).

داعية توحيد للنشاط الوطني
وتبرز الدراسة الدور الكبير له كداعية لتوحيد النشاط السياسي من أجل إنجاز الاستقلال. (فبعد تأسيس جمعية حرس الاستقلال وانضمامه لها إثر عودته من طهران في تشرين الأول 1919، وكانت يومها تعمل جماعة سياسية أخرى هي الفرع العراقي لحزب العهد بذل مساعيَ كبيرة لتوحيد الحزبين اللذين كانت أهدافهما متطابقة تقريبا. وفي كانون الثاني من العام نفسه تم تشكيل لجنة من الحزبين وعقدت عدة اجتماعات، ولكن لم يكن الجميع يشاطرون جعفر إدراكه الحاجة للوحدة). ولم ييأس وظل هاجس توحيد العمل الوطني يلازمه، فقد حاول مرة أخرى في أيلول 1921، حيث عقد عدة اجتماعات لمناقشة فكرة تأسيس حزب يضم كافة العناصر الوطنية، إلا أن الفكرة ظلت معلقة بسبب الخلاف في وجهات النظر بالنسبة للموقف من المعاهدة البريطانية، فقد كان هم السياسة البريطانية منذ مؤتمر القاهرة في نيسان 1921 الغاية التصديق على المعاهدة في أيلول 1924 استبدال صيغة الانتداب بصيغة معاهدة تضمن لبريطانيا كامل نفوذها على العراق (ص 133). وكانت مسودة المعاهدة قد حظيت بموافقة الملك فيصل قبل وصوله إلى العراق، فقد كان فيصل يرى أن انتخاب حاكم وتوقيع المعاهدة يعني إلغاء الانتداب. أما جعفر ومؤيدوه فكانوا يرون أن المعاهدة مكيدة للإبقاء على الانتداب (ص 134). ونراه يكرر محاولاته مرة أخرى عام 1922 عندما أسس الحزب الوطني حيث بذل مساعيَ جادة لتوحيد الأحزاب التي كانت قائمة آنذاك (الوطني) (النهضة) (العهد) لتحقيق حلمه بإيجاد قوة سياسية فاعلة بوجه المستعمرين الإنجليز. وبعد أن فشلت جهوده مع (حزب العهد) يتقدم بمذكرة مشتركة مع (حزب النهضة) تتضمن مطالبهما المشتركة (ص 171) الداعية للاستقلال التام كما يكرر المحاولة مع (حزب الإخاء)، حزب ياسين الهاشمي، إثر وقوف هذا الأخير ضد معاهدة 1930 رغم أن لجعفر تجربة غير مشجعة مع (الهاشمي والكيلاني) إبان أزمة معاهدة 1922. وفي 22-23 تشرين الثاني (نوفمبر) 1930 تم توقيع اتفاق تشكيل الحزب المشترك الذي سمي بـ (حزب الإخاء الوطني).

مواقف مبدئية شجاعة
تميزت مواقف جعفر منذ بداياته السياسية بالصلابة والمبدئية، فقد بادر بالاستقالة من اللجنة التعليمية التي شكلها الانجليز المحتلون عام 1917، والتي كانت تضم في عضويتها الأب انستاس ماري الكرملي، وحمدي بك بابان وشكري الألوسي وعلي الألوسي وجميل صدقي الزهاوي، حيث أصر هو على إعطاء اللجنة صلاحيات تنفيذية، وكان الوحيد بين أعضائها الذي اعترض على دور الإشراف التنفيذي الذي كان بيد مستشارين بريطانيين.. كذلك موقفه مع الشريف حسين حين عرض الأخير تسمية نجله فيصل ملكا على العراق بعد أن كان العراقيون قد أعطوا البيعة لنجله عبد الله. لقد رفض جعفر تغيير البيعة معتبرا أن مبايعته للأمير فيصل الذي قبل بالانتداب تعني القبول بالانتداب ضمنا. وخلال نفيه إلى جزيرة هنجام زار المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس الجزيرة في طريق عودته من نجد. وحين التقى بالمنفيين المبعدين أخبرهم أن الحكومة العراقية تنوي السماح لهم بالعودة رغم أن أعمالهم سببت المشاكل. وقد تصدى له جعفر قائلا: إن ما يسميه المندوب السامي بالمشاكل يعتبره المبعدون واجبهم الوطني، ومضى بالقول بأنهم إنما أرادوا استقلال وطنهم بينما كانت الحكومة تقوم برعاية المصالح الاستعمارية البريطانية.. إثر ذلك أبلغ كوكس المبعدين أن بإمكانهم العودة، باستثناء جعفر أبو التمن وحمدي الباجه جي. وقد رفض جعفر بعد ذلك التوقيع على تعهدات خطية بدعم المعاهدة مع بريطانيا وبإسناد سياسة الملك رغم أن زملاءه وآخرهم حمدي الباجه جي ومهدي البصير وقعوا على التعهد الذي تضمن أيضا الامتناع عن المساهمة الفعالة في الأمور السياسية إلا ضمن توجيهات الحكومة.
لقد أدرك المحتلون خطورة جعفر كقائد مؤثر في الأنشطة السياسية المعادية للاحتلال البريطاني، وتشير الدراسة إلى أن دائرة المباحث الجنائية (
CID ) نعتته بأنه (خطر على الجماهير) (ص 93). كما أن الضابط السياسي لمدينة بغداد كتب في 13-14 حزيران 1919 في برقية له إلى طهران عن جعفر ما يلي: "إنه مخلوق ذكي، ولكنه طائش ومتعصب، وإن استطاعت طهران – يقصد المراقبين البريطانيين في طهران – الحصول على أية معلومات عن نشاطاته السياسية في خراسان فقد يكون ذلك في مصلحتنا جميعا". ونرى أن البريطانيين أدركوا أن خطورته تكمن في قوة شخصيته من جهة، وفي طروحاته التوحيدية التي تستهدف الاستقلال ولا تقبل أي بديل عنه. وهاهو برسي كوكس يقول في برقية أخرى موجهة إلى إيران (إن تحركات الشخص المومى إليه في برقيتكم – يقصد جعفر – يجب أن تبلغ إلينا وإلى ضباط المناطق السياسيين في قزوين كرمنشاه، وربما وجب تحذير همدان بخصوصه).

ثورة العشرين
حين اندلعت ثورة العشرين بهجوم رجال القبائل على المباني الحكومية في الرميثة، وإطلاق سراح شيخ عشيرة الظوالم شعلان أبو الجون واشتعال الثورة في مناطق الفرات الأوسط قرر البريطانيون اعتقال جعفر ومعظم الأعضاء الناشطين في حرس الاستقلال. وقد تمكن جعفر من الإفلات من قبضتهم والالتحاق بالثورة حيث لعب دورا مهما في أنشطتها، إذ أصبح مستشارا لقادتها، كما تعاون مع مثقفين، منهم علي البزركان وعارف حكمت في كتابة المقالات الافتتاحية في صحف الثورة مثل (الفرات) التي أصدرها الشيخ محمد باقر الشبيبي، وهو من مؤسسي حرس الاستقلال، وصحيفة (الاستقلال) التي أسسها محمد عبد الحسين. وبعد أن نجح البريطانيون في إخماد الثورة بالقوة غادر مع قادة آخرين إلى الحجاز حيث وصلوا إلى المدينة في آذار، وحلوا ضيوفا على الملك حسين شريف مكة.
ويؤكد الاستقبال الذي أعد لجعفر في البصرة إثر الإعلان عن عودته في أيلول 1921 عمق تأثيره كشخصية قيادية لمسيرة العمل من أجل الاستقلال. فحين وصل إلى بغداد اكتظت أرصفة محطة السكك بالمواطنين الذين كانوا يهتفون بالاستقلال والحرية (ص 125). وقد ركز بعد عودته على دراسة الأوضاع السياسية. وكان يعطي الأولوية للهيئات والمؤسسات الديمقراطية التي يناضل من أجل إيجادها. وقد امتلك وضوحا في الرؤية السياسية حيث لم يكن مصرا على إعطاء تأييده لمرشح معين بقدر ما كان يهمه قضايا استقلال العراق وبناء الدولة ومؤسساتها الدستورية. وتجسد ذلك في الاتصالات والتحركات التي أجراها سواء مع الملك فيصل أو مع سياسيي ذلك الزمان. ويلاحظ أنه اتجه للتعاون مع مختلف العناصر السياسية لتحقيق هذا الهدف.
إن التحركات الصحفية والسياسية التي قادت الدعوة لعودة جعفر للعمل السياسي بعد أن ابتعد عنه لسنوات إثر عودته من منفاه، تؤكد دوره كقائد مؤثر بين مختلف الأوساط في تلك المرحلة. فقد بدأت الدعوة لعودته للعمل السياسي في جريدة (الزمان) التي كان يصدرها رائد من رواد الصحافة الوطنية العراقية هو إبراهيم صالح شكر. كما بدأت الرسائل تنهال عليه من شخصيات عراقية تدعوه للعمل السياسي، فقد تسلم رسائل من مصطفى الصابونجي ومولود مخلص وسعيد الحاج ثابت، كما بذل ياسين الهاشمي وأركان حزبه (حزب الشعب) مساعيَ في هذا المجال، وزاره في بيته وفد ضم صادق البصام ومهدي حيدر وإبراهيم صالح شكر للضغط عليه. وفي زيارة أخرى له قام بها مهدي حيدر وأسيد صادق الأعرجي وصادق حبه ونوري فتاح وعبد الغفور البدري وعلي مسعود الذي وجه حديثا لجعفر مفاده (انه إذا رفض العودة للعمل السياسي فسوف يكون مسؤولا أمام التاريخ عن فشله في تأييد الأهداف الوطنية). وبعد امتثاله وعودته إلى الحياة السياسية وفشله في أول انتخابات، وانتخابه بعدها نائبا في البرلمان، ترك بصماته على أغلب القضايا الجوهرية التي طرحت. ولعل موقفه من قضية جلد الطلاب وطردهم من مدارسهم وكلياتهم لأنهم تظاهروا ضد زيارة السير (ألفريد موند) المعروف بميوله الصهيونية، تعطي صورة عن مواقفه المشرفة. فقد أكد أن للناس الحق في التعبير عن مشاعرهم بتنظيم المظاهرات أو عقد الاجتماعات كما انتقد اسلوب معاقبة الطلاب بالجلد، حيث أخبر وزير التعليم توفيق السويدي الذي وافق على العقوبات، بأن الحكومة كانت تهين الطلبة بسلوكها البدائي اللاحضاري، وأن وزارة التعليم عليها واجب تعليم الطلاب مواقف الكرامة والرجولة بدلا من إذلالهم. كما سجل جعفر مواقف مشرفة أخرى في مناقشات قضايا الشركات الأجنبية والجيش والصحة والتعليم، وهاجم قانون الصحافة النافذ مطالبا بقانون يمنح حريات أوسع للصحافة.

الدعوة لتأسيس النقابات
بعد إعادة تأسيس الحزب الوطني في أيلول 1929 تبنى الدعوة لتأسيس اتحادات عمالية وتعاونيات للشغيلة ودعم تأسيس النقابات والجمعيات الحرفية. وقد تمخضت دعوته عن تأسيس أول اتحاد عمالي في بغداد برئاسة النقابي محمد صالح القزاز الذي كان وثيق الصلة بجعفر. وقاد من جديد حملته ضد المعاهدة مع بريطانيا حيث ألقى محاضرة عن موقف حزبه من العلاقات مع بريطانيا قدم فيها تحليلا لمعاهدتي 1922 و 1926، وبين أن المعاهدة التي وقعت في لندن كانون الأول 1927 أسوأ للبلد من المعاهدتين السابقتين من عدة نواحيَ. وأوضح أن المباحثات بخصوص التعديلات المتعلقة بالجانبين العسكري والمالي يجب أن تتوقف كون معاهدة 1927 غير مرضية إطلاقا. وقد نشرت المحاضرة في الصحف وأثارت فزع السلطات البريطانية.

الاعتزال من جيد
اعتزل جعفر السياسة للمرة الثانية مفاجئا مؤتمر حزبه الوطني أواخر تشرين الأول 1933. وتنقل الدراسة بعضا من أسباب الاعتزال حيث يقول المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني (إن خيبة أمله في أعضاء قياديين من حزبه – رشيد عالي الكيلاني، ياسين الهاشمي، حكمت سليمان – كانت أحد العوامل الأساسية التي دفعته للاستقالة).
ونتوقف هنا عند ملاحظة أوردتها الدراسة حيث تشير إلى (أنه أصبح أكثر تطرفا من الناحية السياسية، وذلك لاقترانه بمن يسميهم الباحث: المتآمرين المتطرفين من العسكريين والعشائريين والعناصر الفعالة الشابة وجماعة الأهالي، ثم بعد ذلك بمنظمات نذرت نفسها للقيام بانقلاب عسكري لتغيير السلطة السياسية بدل مواصلة النضال من أجل إصلاح الخلل والانحراف في المؤسسات الديمقراطية التي نشأت مع قيام الدولة الحديثة). ونحن هنا نختلف مع الباحث لأن مسيرة جعفر السابقة لم تؤشر أي موقف يقود إلى التطرف. لقد ظل مناضلا نزيها يدافع عن الاستقلال الكامل للعراق. وإذا كان قد توصل إلى قناعة لفترة ما، ونتيجة الإحباطات المستمرة لتغيير أسلوبه بهدف تحقيق الإصلاح فإن أهدافه ظلت كما هي: التشبث بالبرلمانية وبالحكم المدني.. إن الدراسة تشير في ص 336 إلى تغيير الأوضاع بعد وفاة الملك فيصل الأول، وهذا التغيير بحاجة إلى دراسة مفصلة لأنه أغلق منافذ الإصلاح بالطرق الدستورية بوجه جعفر أبو التمن.. أما الإشارة إلى ارتباطه بجماعة الأهالي الذين اعتبرهم الباحث متطرفين، فهو مسألة طبيعية، لأن طروحات هذه الجماعة كانت تنسجم وأفكاره ومبادئه الإنسانية اللاطائفية. كما أن الدراسة تشير إلى هذه المجموعة على أنها مارست (لونا آخر من التآمر للوصول إلى السلطة (ص 354) ولم تعلن ولاءها للمؤسسات الديمقراطية)، رغم أن أحداث تلك المرحلة تؤكد أن تلك المؤسسات لم تكن سوى هياكل شكلية مما دفع الجماعة إلى التفكير بأسلوب جديد يضمن – حسب تصوراتهم - بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية.
إن رسالة جعفر إلى الملك غازي في 10 أيار (مايو) 1936 (ص 370) تعطي صورة واضحة عن أسلوب تفكيره وأهدافه السامية من العمل السياسي. كذلك فإن عريضة الاستنكار المرفوعة للملك إثر مصادرة جريدة البيان (ص 378) تعطي صورة أخرى عن النهج السياسي الذي كان سائدا، والذي أصاب جعفر وجماعته باليأس من إمكانية الإصلاح ضمن تلك المؤسسات. نحن نتفق مع الباحث بأن تدخل الجيش في السياسة كان بادرة خطيرة لأن شعبنا دفع – وما زال يدفع – ثمن ذلك التدخل. ولكن لا بد للمنصف أن يؤشر الأسباب التي دفعت أبا الثمن بالذات للتعاون مع الجيش. لقد كان طيلة حياته السياسية التي سبقت هذا التعاون مدافعا عنيدا عن الحياة البرلمانية التي لم يستطع النهوض بواقعها بسبب الأجواء التي أوجدتها شريحة متنفذه من السياسيين من خلال ممارسات خاطئة لا تمت إلى الديمقراطية بصلة.

الانقلاب والاستقالة
كانت مشاركته في الانقلاب إذن بدافع إعادة الحياة الدستورية (ص 412). ويؤكد ذلك أيضا اشتراط جماعة الأهالي التي كان يقودها فعليا لدعم الانقلاب أن يعود بكر صدقي وقطعاته العسكرية إلى ثكناتهم بعد سقوط وزارة الهاشمي. وقد عبر البرنامج الذي قدمه أبو التمن لوزارته عن منهجه الذي اختطه لنفسه منذ بدء حياته السياسية، ولذلك فإن برنامجه استفز ذوي المصالح، فواجهوه بالتهمة الجاهزة لكل من يدافع عن حقوق الفقراء والمحتاجين آنذاك: (الشيوعية)، وهو الرجل المسلم المتمسك بعقيدته. وبذات المبدئية التي عرف بها، نراه يقف ليرد على بكر صدقي قائد الانقلاب (ص 419) في حديثه لجريدة الانقلاب التي أصدرها الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، رافضا اتهامه بالشيوعية قائلا: "إنه وبسبب احترامه لمبادئ العدالة والمساواة فقد تعاطف مع الفقراء والمحتاجين من الناس ... إذا كانت جهودنا باتجاه إصلاح البلاد ومساعدتنا للفقراء من الناس وتطبيق العدالة أمورا شيوعية، فأسأل الله العلي القدير أن يضعنا على قدم المساواة مع الشيوعية". وحين لمس نوايا بكر صدقي في التحول إلى حاكم فعلي إثر ازدياد تدخلاته في مجلس الوزراء حاول مع رئيس الوزراء حكمت سليمان وضع حد للتدخلات ، ولكن دون جدوى.. وإثر هجوم القوات الحكومية على عشائر الفرات الأوسط وضربها بالقنابل في 8 أيار (مايو) 1937، أعلن استقالته مع وزرائه الثلاثة الآخرين يوسف عز الدين وكامل الجادرجي وصالح جبر. (ولعل تلك المحاولة كانت هي الدرس البليغ الذي حدد السياسي الديمقراطي الكبير كامل الجادرجي من خلاله تعامله مع عسكر 14 تموز 1958 فيما بعد).
لقد أصبح بكر صدقي الحاكم المهيمن على السلطة حتى تاريخ اغتياله، ومارس كأي عسكري خلال تلك المرحلة سياسة التنكيل بالمعارضين، ومورست إجراءات النفي وإسقاط الجنسية عن العديد منهم. أما جعفر الذي نصحه أصدقاؤه بمغادرة العراق فقد رفض النصيحة وتفرغ لأعماله التجارية حيث أشغل نفسه بها للسنوات 1937 - 1945، وأصبح خلال هذه الفترة رئيسا لغرفة تجارة بغداد ثم ترك الرئاسة ليصبح حتى وفاته عضوا في مجلس إدارتها، وسعى خلال عمله في الغرفة إلى رعاية النشاط الصناعي ودعم إنشاء مشروعي محلج القطن والزيوت النباتية للاستفادة من المواد الأولية المحلية. وقدر تعلق الأمر بمنهجه التجاري فقد كان مؤمنا بمبدأ حرية التجارة، ويرى فيه خير نظام يمكن للعراق أن يتبعه بهدف تحقيق نهضة اقتصادية.

زعامة وطنية
كرس الباحث الفصل التاسع من الدراسة للتركيز على شخصية الراحل كزعيم سياسي، وبعد تحليل استند فيه إلى ما جاء في فصول الدراسة، توصل إلى أنه (رغم احترام الجميع له) لم يكن بمقدوره أن يحظى بالثقة من جميع الأطراف المتضادة. وعزا لذلك السبب في عدم ظهور زعيم سياسي عراقي جماهيري يحظى بتأييد الغالبية العظمى على غرار زعامة سعد زغلول في مصر أو الخطابي في المغرب أو عمر المختار في ليبيا. (بل لا يوجد – كما يقول الباحث – حتى تمثال لنصب سياسي متفق عليه يرمز للوطنية العراقية). وهنا لا بد من وقفة أخرى. لقد توافرت عوامل عدة لتكريس زعامات زغلول والخطابي والمختار، ولكل منهم ظروف مختلفة أسهمت في تكريس زعامته، وهي ظروف تختلف تماما عن ظروف عراق ما قبل 14 تموز الذي ظلت تحكم سياسييه عقدة التطابق في كل شيء مع السياسة البريطانية. وظل التاريخ الذي يتلقاه طلاب العلم في مختلف مراحل الدراسة يهمل أو يمر بسرعة على حقبة النضال من أجل الاستقلال الكامل مع كل رجالها باستثناء الشريفيين الذين تطابقت وجهات نظر أغلبهم مع السياسة البريطانية، وإلا فبماذا نفسر إقامة تمثال للجنرال مود في بغداد وإهمال الدور التاريخي لرواد الاستقلال، وفي مقدمتهم أبو التمن. كان الساسة العراقيون يسعون لكسب رضا بريطانيا بأي شكل من الأشكال ولم يكن ممكنا لهم أن يكرموا أيا من الشخصيات التي وقفت ضد سياساتها في العراق..
تبقى قضية الجماهير العراقية التي ظلت صحافة الحزب الوطني الديمقراطي تذكرها بالتاريخ الوطني لجعفر. والجماهير، ليس في العراق، ولكن في جميع بلدان العالم الثالث، لا تملك حق إقرار إقامة نصب أو تمثال لتخليد نضالات شعبها ورجالاته، أو التدخل في المناهج التعليمية كي تبقى ذكرى هؤلاء حية في أذهان الأجيال اللاحقة .. لقد كان هناك – وهذا ما يبدو واضحا في فصول الدراسة – إجماع حول دور جعفر الوطني والقيادي. في الوقت نفسه فنحن نرى في فصولها رجال الدين يثقون به، ونرى الزعامات القومية التي اختلف معها لاحقا تطالبه بالعودة للعمل السياسي حين قرر الاعتزال. ونرى الجماهير تلتف حوله في أكثر من مناسبة.. كان زعيما التفت حوله أكثرية لم تكن تملك القرار لتخليده بعد وفاته. وللحقيقة لا بد أن نذكر هنا أن عبد الكريم قاسم كان الزعيم العراقي الوحيد الذي استلم السلطة في العراق بعد انتهاء الحقبة الملكية، ليس لديه حساسيات مسبقة طائفية أو قومية من أحد. وخطا في الشهور الأولى، وقبل بدء الصراع السياسي خطوات لرد الاعتبار للتاريخ الوطني العراقي فشمل الجميع دون استثناء، ابتداء من منفذي حركة مايس العروبيين (الصباغ ورفاقه)، وانتهاء بفهد الشيوعي المسيحي ورفاقه. وحسب تصوري المتواضع فإن الأيام لو امتدت بقاسم محاطا بساسة عقلاء لكانت مكانة أبي التمن في تاريخنا وفي أذهان الأجيال اللاحقة لا تقل عن مكانة أي زعيم وطني مصري أو مغربي. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الدور الوطني للرجل دفع ناشرا لبنانيا هو قدري قلعجي إلى التفكير بإصدار حلقة من سلسلته (أعلام الحرية) التي أصدرها في الستينات عن شخصية جعفر . تلك السلسلة التي خلدت ضمن أعلام الحرية سعد زغلول وغاندي وأبراهام لنكولن. وقد أشار لظروف هذه القضية الصحفي الراحل عبد القادر البراك في كتابه (ذكريات أيام زمان)، حيث أوضح أن عدم استطاعة الناشر الحصول على الأوراق الشخصية لجعفر حال دون صدور الكتاب.. المشكلة في عدم بروز زعيم سياسي يرمز للوطنية العراقية أن الصراع السياسي بدأ بعد شهور من استلام قاسم الحكم. وهو كعسكري تجاذبته السلطة فمال لهذا الطرف مرة ولذاك مرات. وضاع تاريخنا السياسي الوطني في خضم تلك الصراعات بل انعكس الصراع حتى على التاريخ فجرت محاولات للانتقام منه من مختلف الأطراف السياسية. وفي خضم تلك الصراعات كان القومي العراقي يعرف عن جمال عبد الناصر أكثر مما يعرف عن تاريخ حركته في العراق، ولم يكن حال الشيوعيين أفضل، رغم أن أدبياتهم ظلت أكثر اهتماما بتاريخ العراق الوطني من زاوية يسارية. رغم ذلك فإن الشيوعي البسيط كان يعرف عن لينين أكثر بكثير مما يعرف عن فهد العراقي. وهكذا ضاع كل شيء وليمر تاريخنا بعد قاسم بحقب تحكمت فيها عقد الطائفية والثار من التاريخ. وأذكر هنا أن باحثا بعثيا أصدر في الثمانينات دراسة عن تاريخ حزبه، وبعد سنتين أعيد طبع الدراسة فاختفت منها أسماء بعثية كانت قد اختلفت مع السلطة، وعلمت منه أن الرقابة هي التي حذفت تلك الأسماء. وتحضرني أيضا حكاية الصحفي والمترجم الراحل سليم طه التكريتي الذي وجه عدة أسئلة لطالب في السنة النهائية في كلية القانون تناولت اسئلته شخصيات عراقية مثل ياسين الهاشمي وكامل الجادرجي ومولود مخلص وجعفر أبو التمن، فكانت إجاباته تقرب من الصفر، فأصبح التكريتي يتندر بشعار إعادة كتابة التاريخ الذي رفعته السلطة في العراق قائلا: "فعلا تجري إعادة كتابة للتاريخ بعد أن مسحوه بمسّاحة أم الجمل"*.
وأخيرا نأمل أن ترى المقالات التي ناقش فيها جعفر أبو التمن بنود المعاهدة العراقية البريطانية التي عقدتها حكومة نوري السعيد في حزيران 1930، والتي جمعها أستاذنا الراحل حسين جميل، أن ترى النور ليطلع الجيل الجديد من العراقيين على فكر الراحل الكبير في ظل الظروف التي يعيشها العراق، حيث يطفو الفكر الطائفي على سطح الواقع محاولا أن يلغي تاريخا وطنيا مشتركا صنعه العراقيون.
وقديما قال الشاعر: (........وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر


* مسّاحة أم الجمل: القطعة اللدائنية التي يستخدمها التلاميذ لمحو ما يكتب بقلم الرصاص، وأشهرها عراقيا تلك التي كانت تحمل علامة الجمل.

( اعادة نشر)

 

 

الدكتور مجيد القيسي

وموسوعته القيمة (اللغة العامية البغدادية)

ليث الحمداني

قبل اسابيع وصلتني هدية قيمة بالبريد هي (موسوعة اللغة العامية البغدادية اصولها وابنيتها ومعجم الفاظلها) الصادرة حديثا عن مطابع دار الاديب في عمان، ورغم انني قرأت مبكراً وانا على اول درجات السلم المهني الصحفي كتابات جميلة بقيت عالقة في الذهن تناولت ( العامية البغدادية) من زوايا مختلفة  في مجلة (الفكاهة) العراقية كتبها الراحل فؤاد جميل، ومن بعده زميلاي في المجلة طلال سالم الحديثي ومحمد علي الكاظمي، ثم واصلت تلك القراءات وانا ارتقي درجات السلم المهني الصحفي حين تمكنت بمعونة زميلي الراحل رشيد الرماحي من استقطاب كتاب لمعوا في تناول ( العامية البغدادية) في جريدة (الاتحاد) يذكرهم المؤلف في مقدمته شاكراً لهم فضلهم عليها، (الشيخ جلال الحنفي وعزيز الحجية).

الشيخ الحنفي كتب معنا عموداً اسبوعياً شيقاً تناول في بعض حلقاته ( العامية البغدادية) ، اما عزيز الحجية فقد كتب العديد من المقالات والدراسات في (الاتحاد) وزميلتها (الحضارة) ومازلت اذكر له واحدةً من تلك المقالات الرائعة كان عنوانها (اصوات اختفت من درابين بغداد) ذكرتني بها موسوعة صديقي الدكتور مجيد القيسي التي اعترف بانها اضاقت لي الكثير بعد قراءتها ، فقد اخرجتني من قراءآت متفرقة الى مادة كتبت باسلوب اكاديمي علمي اعادتني الى اجواء بغداد التي عدت اليها بعد غياب طويل في عام 2004 لأجدها ليست بغدادي التي عرفتها في شبابي، وغابت فيها عن اذني المفردات البغدادية الاصيلة التي تقدمها موسوعة الصديق العزيز .

الدكتور مجيد القيسي الذي عرفه قراء (البلاد) الورقية و(شبكة البلاد الورقية) على النت من خلال مساهمات لاتنسى لايمكنني ان اقدمه او اتحدث عن سيرته في سطور تكتب بعجالة كهذه السطور، لأن سيرته العلمية التي دون بعض جوانبها على الصفحات 5 و 6 من الموسوعة تحتاج الى دراسة تفصيلية ، فهو الباحث المتخصص، والاستاذ المتمكن من اختصاصه، والعميد الجامعي، والمستشار في العلوم، وصاحب العديد من الكتب الجامعية في حقول الكيمياء الاشعاعية والتحليلية ، والخلاصة فان الدكتور مجيد القيسي المغترب اليوم في (هاملتون) الكندية هو مجموعة علمية في شخص واحد ، يضاف له اهتمامه بالتراث البغدادي وكتاباته عنه ، دفعه حبه بل قل عشقه لبغداد واهلها الى ان ينكب في غربته شهوراً طويلة لأنجاز موسوعته الرائعة التي تصدرها اهداء قال فيه (الى الذي نقش اول حرف على الصلصال وتفرد بنطق حروف البشر الى العراقي الاصيل).

 في مقدمة الموسوعة ينقل الباحث ..

قال الامام الشافعي لصاحبه يونس : يا يونس ادخلت بغداد؟

قال لا !!

قال يايونس ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس.

ومن شعره هو في بغداد كتب الدكتور مجيد القيسي في المقدمة:

بغداد كم هانت عليك محبتي          افلا سالت الليل حين يعود

قد كان وعداً ان نكون لعشقنا         ابد الدهور وزادنا التنهيد

مازلت اذكر خلوةً شقنا لها           عند الجنينة والعيون ورود

اذ كان ريح الطلع يعبق ضمنا        وعلا طنين النحل وهو غريد

والعود يشدو بالحجاز وبالصبا       والناي يصدح بالنوى: بغداد

عهد عليٌ حبيبتي اللا ارى            دار السلام يسوسها النمرود

تضمنت الموسوعة في مداخلها مفاتيح الرموز والاشارات التي تشير الى اصل اللفظة أو التاكيد عليها.

 (من التصدير) نفهم ان الموسوعة تضم اكثر من 3000 كلمة عامية عربية واجنبية مع ما يقابلها من الفاظ عربية فصيحة يقول الكاتب (توخيت منها في المقام الاول معاونة الفئات المختلفة من المجتمع ليتعرفوا على ما يقابل الكلمة العامية في اللغة العربية الفصحى من خلال عدد من المترادفات المتباينة لأختيار ما يناسب حاجاتهم واذواقهم كما رسمت الالفاظ العامة الاجنبية بالحروف العربية لتسهل عليهم قراءتها).

تضم صفحات الموسوعة المدخل الذي يتناول نشأت اللغة العامية البغدادية وتطورها، ومباحث اللغة العامية البغدادية الذي يركز فيه الكاتب على خصائص اللغة العامية البغدادية وقواعدها وابنيتها مقارنة بالعربية الفصحى، حيث يتناول (نطق الحروف في العامية البغدادية وقلبها وابدالها) وبناء الافعال العامية المزيدة والمركبة، وبناء الافعال العامية البسيطة، والمطابقة بين الفعل و الفاعل في العامية البغدادية، وافعال المقاربة والرجاء، والمصدر والمصدرالصناعي، وصور اسم الفاعل، وصيغ اسم المفعول، و اوجه الوصف في العامية، وتبسيط الافعال والعبارات واختزالها، والضمائر في العامية البغدادية، والنعت والمنعوت في العامية، واوزان الجموع عند العامة، واداوت النسبة في العامية البغدادية، واسماء الاشارة والتنبيه والخطاب، والعامية البغدادية واخوات كان، وان واخواتها، وادوات الاستفهام وادوات النداء في العامية، والحال والتمييز، والمفعول المطلق، والتوكيد، واو المعية، والمفعول معه، وحروف العطف، والاستثناء، وصيغ التفضيل، وادوات التعجب، وصيغ المديح والذم، والاستغاثة والندبة، وصيغ التصغير، واسماء الكناية، والاسماء الموصولة، والعدد في العامية البغداية ،والتعبير عن اصحاب المهن والحرف واوصافهم ،وبعض الالفاظ المشتقة من الاصوات،  مع امثلة على كل بحث من المباحث المذكورة لتأتي بعد ذلك صفحات معجم الالفاظ العامية البغدادية مفهرسة حسب الحروف الابجدية.

ان موسوعة الدكتور مجيد القيسي عمل يستحق ان نقف امامه باعجاب وتقدير خاصة وانه ياتي في ظل مخطط  بات واضحا لمحو هوية بغداد واهلها

وتحية من القلب للصديق العزيز الدكتور مجيد القيسي وتهنئة له بعمله الرائه هذا .   

 

الخيارات المر ة !!  اما  الدكتاتورية... و اما (الجلابية )... و اما (البيرية)

ليث الحمداني

يروي اجدادنا ان هناك حاكماً ظالماً كان يخاف من رجل صالح يلتف حوله الناس لخلقه وحسن معاملته واراد الظالم ان يتخلص من الرجل فاستدعى مستشاريه وسالهم عن العمل للتخلص من الرجل، فافتى له احدهم بما يلي:

يا مولاي استدعيه ثم ابلغه بانك ستقطع راسه بالسيف اذا لم يعلم بعيرك الكلام!! وحدد له سنة واحدة لأنجاز المهمة.

استدعى الحاكم الرجل ووضعه امام خيارين، الموت أو تعليم البعير الكلام!! وهو في الحقيقة خيار واحد فكيف يمكن للبعير ان يتكلم؟ اخذ الرجل البعير معه وذهب الى بيته وفي نفس الوقت اوصى الحاكم عسسه لمراقبة  الرجل وماذا سيفعل  مع البعير؟ وبدأ العسس يراقبونه فعلاً.

كان الرجل ينزل الى الحضيرة حيث البعير كل مساء ويقرب راسه منه ويبدأ بالهمس في اذنه واستمر على هذا الحال يومياً والعسس ينقلون للحاكم الواقعة وبعد ثلاثة شهور بلغ الفضول بالحاكم مبلغه فاستدعى الرجل وساله:

ماذا تقول للبعير كل مساء؟ اجاب الرجل ياسيدي الحاكم المهلة لم تنتهي فلماذا استدعيتني؟ اجاب الحاكم لكي تقول لي ما يدور في ذهنك؟ قال الرجل ولي الآمان منك ياسيدي؟ قال الحاكم لك الآمان قل ....

 اجاب الرجل كنت اقول له اما ..واما...واما.

اما ان اموت انا فتنتهي المشكلة وتتخلص مني، واما ان يموت البعير ويبقى الحال على ماهو عليه، واما ان تموت انت فينتهي كل شئ.

 لا اجد افضل من هذه الحكاية تنطبق على حالة العالم العربي السياسية فاما (الدكتاتورية) ، واما (الجلابية)، واما (البيرية) وحكم العسكر ، اما حلمنا الذي ناضلنا من اجله شبابا واعني به دولة المواطنة والحقوق المتساوية للافراد والقوميات والاديان فيبدو انه قد دفن للابد ولن نراه في حياتنا بل ان ابناؤنا لن يروه ايضا هكذا تقول المؤشرات كلها

 فعلى مدى عقود اذاقت الكتاتورية الشعوب الهوان في ظل ما اصطلح على تسميته (الحكم الوطني) وما اسميه شخصياً (الاستعمار الوطني)، فتحت السجون وصودرت الحريات تارةً باسم القومية وطوراً باسم العلمانية لاحقت خصومها من الاسلاميين والعلمانيين الذين لم يتفقوا معها او يرضخوا لسياساتها الى درجة جعلت الشعوب تتمنى عودة الاستعمار القديم الذي كان اكثر رأفةً بها وباحتياجاتها الانسانية ، وجاءت (الجلابية) في مصر وتونس عبر صناديق الاقتراع واستبشر الناس  بها خيراً فاصحابها حملوا راية الاسلام وهو الدين المتسامح المنفتح ، ولكنها وبدلاً من ان تبني تجربتها في ضوء هذا الدين الحنيف كررت اخطاء من سبقها من احزاب الدكتاتوريات الساقطة في محاولتها (تحزيب الدولة ) وامضى الرئيس المنتخب سنته الاولى في الحكم لاهيا بما اسماه ( التمكين) وماسمته معارضته ( الاخونة) دون ان يلتفت الى قوى الشباب الفاعلة التي كانت رافعة الثورة ضد حكم مبارك والتي حاولت في مرحلة من المراحل اقناعه بتغيير رئيس وزراءه الفاشل هشام قنديل كخطوة باتجاه تقريب وجهات النظر  السنة الاولى من حكم الاخوان  شهدت فوضى من الفتاوى على الفضائيات  انصاف مثقفين يكفروا هذا ويلعنوا ذاك ويطرحون فكراً منفراً للاخرين من الدين ، بعد ان كان هؤلاء الآخرون قد منحو الاخوان اصواتهم الانتخابية معتمدين على انها جماعة تخاف الله. تغيرت النظرة الشعبية للقادة الجدد ويرجع الكاتب والمفكر الإسلامي فهمي هويدي الذي كان له موقفا رافضا من الانقلاب العسكري السبب الأساسي في تغير النظرة إلى جماعة الإخوان إلى "فشل مرسي، الذي لم ينجح في الفترة التي تولى فيها الرئاسة لحوالى سنة لا في السياسة ولا في احتواء الآخرين".
ويوضح هويدي في تصريح لفرانس برس نشر يوم 19-8-2023 إن "جماعة الاخوان وجدت نفسها فجأة أمام فرصة تولي السلطة وبدا واضحا أنها تعاني من نقص الخبرة في الحكم، ومن غياب العقل الإستراتيجي".

ويتابع "أن تقود جماعة، ثم فجاة تقود دولة، أمر صعب. أنه أمر مختلف تماما، فقيادة الجماعة تعني أن تقود أنصارك، لكن قيادة الدولة تعني أن تقود خصومك أيضا، وهو ما لم يحدث".
 ومن هنا قررت الشعوب كما يبدو الاستعانة بالعسكر وكما يقول الشاعر (كالمستجير من الرمضاء بالنار) فالعسكر حكمونا من قبل يتعاملون مع الشعوب كما يتعاملون مع جنودهم في ساحات التدريب واذا ما امسك احدهم بكرسي السلطة فانه يتعلق به من المهد الى اللحد والاستثناء الوحيد كان عبدالرحمن سوار الذهب السوداني الذي حدد بنفسه فتلرة حكمه والتزم بها  ، بل ان العسكر هم من اوجد التوريث وهاهو الشعب السوري المظلوم يدفع من دماء ابنائه الزكية ثمن مشروع حافظ الاسد (طاغية يورث طاغية).وهاهي بعض وسائل الاعلام المصرية تعيش مرحلة اعداد دكتاتور جديد وعلى يد النخب التي كانت تطالب بسقوط حكم العسكر ابان مرحلة حكم مبارك ، كما تنشغل بدعاوى شمولية لاجتثاث خصومها الاسلاميين من الحياة السياسية ، وماحصل في مصر يمكن ان يحصل في تونس اذا مأصرت (النهضة) على رفض اقالة الوزارة وتشكيل وزارة كفاءآت مستقلة كما تدعوا المعارضة ، وماقد يحدث في ليبيا ايضا بعد ان اصدر تجمعا باسم الضباط الاحرار مؤخرا بيانا يدعوا الى الثورة على المسلحين الحكومة المتساهلة معهم او الضعيفة  امام قدراتهم ، وايضا قد يحدث في سوريا بعد ان اقتربت الضربة الخارجية كما يبدو من الاعلام الغربي وهي ضربة يتوقع الخبراء ان تجبر بشار الاسد لكي يذهب صاغرا الى جنيف 2 ويتنازل  لصالح شخصية عسكرية رشح اسمها خلال لقاء (بوتين- بندر) في موسكو .

مايحدث في العالم العربي جعلني اعود لتقليب الصفحات الثرية التي اتحف البروفسور الدكتور محمد فرحان  بها قراء (البلاد) قبل سنوات عن المفكر الاسلامي الكبير مالك بن نبي واتوقف عند مقولة له من كتابه (شروط النهضة) يقول فيها ( لكي لانكون مستعمرين يجب ان نتخلص من القابلية للاستعمار) فهل تخلصنا من القابلية للاستعمار فعلا في ظل انظمة (الاستعمار الوطني) ...... ام ان تلك الانظمة كرستها فينا لانها انظمة فرضت الاستبداد والقهر والظلم الداخلي .

مشكلة الكاتب أو الصحفي الذي ينتقل للعيش في بلاد الغرب انه يقارن دوماً بين (وطن طارد) و (وطن مستقبل) هنا في الوطن الجديد (المستقبل) لا احد تفديه بالروح ولا بالدم، ولا احد يفرض عليك طريقة عبادة أو اسلوب تعبد، ولا احد بامكانه ان يغلق ابواب الجنة بوجهك بفتاواه وكأنه وكيل الله على الارض ، ولانخب تصنع دكتاتوريات عند الطلب ، واخيرا لا احد بامكانه ان يورث السلطة كما فعلت (البيرية) العسكرية في اوطان العرب، ورث الاسد ابنه وسعى القذافي لتوريث ابنه ايضاً وكذلك حاول مبارك؟

والسؤال الذي يدور في ذهن الصحفي وهو يقارن .. لماذا تحترم الاحزاب بعضها بعضا هنا  يستمع احدها للآخر ولا احد يخون الآخر ولا يصادر حرية الآخر ويدعوا نهارا جهارا لاجتثاثه من الحياة السياسية  ؟، والاجابة دون شك هي استخدام العقل .

لو قرأنا القرآن الكريم بامعان سنتوقف اكثر من مرة  امام كلمات (يعلمون) (يعقلون) (يفقهون) فلماذا لا نتعلم كيف نستخدم العقل ونحن في السلطة ؟ ولماذا لا نتعقل في معاملة احدنا للآخر؟ ولماذا لا نفقه من ديننا سوى اللحية والجلابية والمحابس والمسابح الطويلة لماذا؟

 

 

صناعة السيارات في العراق

من نقل وتوطين التكنولوجيا الى (أيرنة ) التجميع !!!

ليث الحمداني

استوقفني طويلاً خبر بثته وكالة (المدى بريس) مؤخرا مفاده ، ان شركة ايرانية لصناعة السيارات قد اكملت استعدادها لتأسيس مصنع لتجميع السيارات الايرانية في العراق الشهر القادم ..

وسبب  توقفي امام هذا الخبر هو انني عاصرت من خلال عملي في  اعلام وزارة الصناعة لعقدين من السنوات التطورات في هذا القطاع منذ بدأت عمليات تجميع اللوريات الصغيرة صلاح الدين بالاتفاق مع شركة سافيم الفرنسية في المنشأة العامة للصناعات الميكانيكية، ثم انفصال هذا القطاع وتحوله الى شركة عامة مستقلة باسم المنشأة العامة لصناعة السيارات وتوقيع الشركة الجديدة عقداً مع شركة سكانيا لتجميع الشاحنات كان ذلك في السبعينات ، واذكر انني نشرت في مجلة (الصناعة) التي كنت سكرتيراً لتحريرها العديد من المقالات حول هذه الصناعة والصناعات المغذية لها ، اذكر بعض كتابها الذين مازالت اسمائهم في ذاكرتي  د. اسماعيل القزاز، عبد المعطي الخفاف، المهندس باسل الدره، د. عبد علي صاحب، جودت هوشيار، طارق اسماعيل و آخرين ..وقد اثارت بعض تلك المقالات اهتماماً في مركز الوزارة وجرت مناقشات طويلة لها خاصة وان بعضها كان يتضمن مقترحات ملموسة حول هذه الصناعة، ولكن الامر ظل في اطار المناقشات، حتى صدر قرار بتشكيل هيئة مستقلة في المؤسسة العامة للصناعات الهندسية لدراسة اقامة صناعات سيارات حقيقية في العراق وقد انتدب لرئاستها المهندس د. براق سعيد يحيى الذي قام باختيار نخبة من المهندسين للعمل معه .. ومنذ ذلك الحين اتخذت القضية اتجاه آخر.. فقد تم تشكيل لجنة من الهيئة ومن المنشأة العامة للصناعات الميكانيكية ومن اتحاد  الصناعات العراقي باعتباره ممثلاً للقطاع الخاص للوقوف على امكانية الافادة من الصناعات القائمة في القطاع الخاص وتطويرها لبناء قاعدة اساسية لصناعة السيارات المرتقبة واذكر جيداً ان المهندس يوسف حسن مهدي مدير الدائرة الفنية في اتحاد الصناعات العراقي* اجرى مسحاً اولياً للصناعات التي سميت بالصناعات المغذية لصناعة وتم تحديد العديد من المشاريع التي يمكن ان تكون اساساً للصناعات المغذية في مقدمتها صناعة الراديترات وكان هناك مصنعاً متميزا يملكه صناعي قديم اسمه ميناس كره بيت ومصنع آخر لا اذكر اسم مالكه الآن، ومصنعين لصناعة زجاج السيارات  ومصنعا لصناعة (الدبلات الخاصة بالسيارات) وعدة مصانع لصناعة الفرش الداخلي (الكشنات) كما تمت دراسة امكانيات شركة الصناعات الكيمياوية والبلاستيكية التابعة للقطاع المختلط للنظر في تصنيع الاجزاء البلاستيكية وقد اقترحت الهيئة يومها اقامة عدد من الصناعات المغذية في القطاع الخاص تم تحديدها واوعزت وزارة الصناعة والمعادن الى المؤسسة العامة للتنمية الصناعية لمنح اجازات لتوسيع بعض المشاريع القائمة ومنح اجازات تاسيس لعدد من المشاريع ضمن الاطار نفسه، كما تم التركيز على ضرورة انتاج (قطع الهايدروليك) في الاسكندرية ..

وقطعت الهيئة شوطاً متقدماً في التفاوض مع العديد من الشركات العالمية بينها عملاق صناعة السيارات الامريكية (GM) وشركة فولفو السويدية، وتركزت المفاوضات حول نسب التصنيع والارتقاء بها وفق سلم زمني لغاية الوصول الى تصنيع المحرك وصندوق السرعات ( الكير) وقد تمت دراسة تجارب العالم الثالث في مجال هذه الصناعة وتم التركيز على دراسة تجارب البرازيل ومصر ومحاولة تجنب الاخطاء التي وقعت فيها الصناعة في مصر حين توقيع عقود الاتفاقيات مع الدول المصنعة. وقد ساهم (الاتحاد العربي للصناعات الهندسية) وكان رئيسه يومها المهندس علي الحمداني في هذه الدراسات وكان من ابرز المصريين الذين عرضوا التجربة المصرية بالتقييم المهندس عادل جزارين  وتم ذلك في ندوة نظمها الاتحاد وخصصت لمناقشة مستقبل الصناعة في العالم العربي.. و تم انجاز التصاميم العراقية الكاملة للمظهرالخارجي والداخلي للسيارة بايد عراقية، واذا لم تخني الذاكرة فان الاسم الذي اختير للسيارة هو (بغداد) ومما اذكره في هذا المجال ان مجلة (الصناعة) وكان فيها قسم خاص يعنى بدراسات نقل وتوطين التكنولوجيا الصناعية يشرف عليه مصطفى توفيق المختار وتم استحداثه بتوجيه من رئيس تحريرها يومها غسان مرهون  محمد .. ناقشت في محور كامل قضية نسب التصنيع باعتبارها الطريقة المثلى لتوطين الصناعة وبالتالي اقامة صناعات حقيقية وليس صناعات تجميعية.. ومما اذكره في هذا المجال ان الفريق العراقي المفاوض الذي قاده المهندس براق سعيد يحيى ركز على هذه النقطة اثناء التفاوض، وقدم تصوراً واضحاً للشركات عن رغبة العراق بنقل وتوطين تكنولوجيا صناعة السيارات وحرص في تلك التصورات على تجاوز الاخطاء التي وقعت فيها منشآة نصر المصرية اثناء تعاقدها مع شركة فيات الايطالية... وقد طوي المشروع اثر اجتياح الكويت وفرض الحصار على العراق.

اليوم وبعد اكثر من اربعة عقود نعود الى نقطة الصفر ... (التجميع) ومع مَن، مع شركات ايرانية ليس لها باع طويل في ميدان صناعة السيارات فماذا الذي ستقدمه هذه العملية  من اضافة للاقتصاد الوطني ... وكان الاجدى بالعراق تحريك الصناعة في القطاع الخاص والافادة من المنشآت الصناعية القائمة التي كانت تتبع التصنيع العسكري والتي تحولت للصناعات المدنية علما بأن الكادر الهندسي والفني الذي تربى في الاسكندية ونصر وغيرها من المنشآت يمكن ان ينهض فعلا في اقامة صناعة  سيارات حقيقية تعتمد على  صناعات مغذية عراقية لأي صناعة سيارات مستقبلية بدلاً من عملية التجميع التي تجاوزها الزمن.. وبدلا من الشكوى الدائمة من فشل منشآت وزارة الصناعة ونحن نعرف جيدا سبب الفشل ، يكفي ان نشر الى ان التقرير نفسه ذكر ان شركة (سايبا) الايرانية استطاعت ان تدخل مالايقل عن 170 مليون دولار الى خزينتها من تصدير 31 الف سيارة للعراق لكي نعلم لماذا الاصرار على تدمير الصناعات العراقية التي كانت في يوم ما مصدر فخر للدولة، واللبيب من الاشارة يفهم!!!

·         كان اتحاد الصناعات العراقي الذي همش تماما بعد الاحتلال يجري مسحا صناعيا سنويا لصناعات القطاع الخاص واذكر ممن اشرف على ذلك المسح عبدالرزاق الربيعي وهناء الخفاجي وباسم عبدالكريم وعبدالله العيثاوي وسليم الصوافي وكان المسح يقدم صورة واضحة عن تطور صناعات القطاع الخاص التي اندثرت تماما بعد الاحتلال .

Albilad.canada@gmail.com

 

 

جريمة (الحويجة) الطريق الى ولاية الفقيه

ليث الحمداني

 

أياً كان عدد الشهداء في جريمة الهجوم على ساحة الاعتصام في ألحويجة فهو يعتبر حسب رأيي المتواضع مجرد (بروفة) في مخطط ينفذه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي منذ بدأ الخطوات الاولى لمشروعه برعاية ايرانية وصمت امريكي.

لقد كتب العشرات من المثقفين والمهتمين المقالات والتحليلات منذ بدأ الحراك الجماهيري في المحافظات الغربية والشمالية، مئات المقالات نشرت هنا وهناك وكلها تحدثت عن المالكي كمشروع دكتاتور. 

ان المالكي هو (منفذ لمشروع دكتاتورية اكبر وهو شخصيا بمعزل عن المشروع لا يملك اصلاً مقومات الدكتاتور أو صفاته ) وانما يستند للمشروع الذي يضعه بموضع الدكتاتور لمرحلة من الزمن ينفذ من خلاله الاعمال القذرة والتصفيات الدموية التي تمر بها المراحل الاولية لتنفيذ ذلك المشروع.

المشروع يمكن ان نراه جلياً من خلال الاحداث الجارية على الارض العراقية منذ انتهت الانتخابات البرلمانية بالشكل الذي انتهت به  وما عقبها من تدخلات ايرانية في ادق التفاصيل  السياسية في العراق ، ففي البداية وقف المشروع الحامل للمالكي (مشروع ولاية الفقيه) ضد خروج رئاسة الوزارة من الائتلاف الذي ضغط لأيجاده كما ضغطت قوى اقليمية اخرى لتوحيد قوى سياسية ضمن القائمة العراقية ، ولكن المشروع حقق النجاح بسبب حالة الاستقطاب الطائفي التي سيطرة على الساحة العراقية والتي اوجدتها سنوات الاحتلال ، وكانت هناك اشارات علنية وسرية حول التدخل الايراني (لتعليق نتائج الانتخابات) ومن ثم لصياغة تضمن رئاسة الوزراء للمالكي !! وبعد ذلك لافشال اتفاقية اربيل التي حاول البارزاني من خلالها اخراج العملية السياسية من عنق الزجاجة وهذا لايروق للايرانيين اصحاب المشروع ، واستمر الشد والجذب فالمشروع نفسه منع اكمال الوزارات وكرس كل شئ بيد المالكي بعد ان منع احزاب وقوى الائتلاف الشيعي من المشاركة في سحب الثقة منه لصالح رئيس وزراء شيعي بديل يمكنه تحقيق التوافق في ضوء اتفاقية اربيل ، ليبدأ مرحلة (بروفات) اخرى خطط لها قادة ذلك المشروع.

قضية الهاشمي الملتبسة كانت اولى (البروفات) في السيناريو الذي يستهدف تهميش الجميع تحت مسميات مختلفة ( الارهاب) (البعث) ( القاعدة) وسياتي يوم تتكشف فيه حقائق مذهلة عن دور ايران في كل ذلك.

حاول المالكي مع الكرد وجوبه بردة فعل دولية ومحلية تجسدت محليا بوحدة الكرد في مواجهته ( هنا لابد ان نسجل للبارزاني والطالباني ذكاؤهما في معالجة قضية الكرد الذين تعاونوا مع صدام حسين على مبدأ  عبدالكريم قاسم (عفا الله عما سلف) فقد قطعوا الطريق على اي سلطة قد توضفهم لاحقا لخدمتها، غير المالكي اولوياته وبدأت محاولاته مع السنة (واسف لأستخدام هذا التقسيم للعراقيين لأنني اعتبره من افرازات الاحتلال) عمل على تهميشهم كما هو الحال في ايران ا و الاستعانة برموز هزيلة تتعاون معه ويستطيع اسقاطها متى شاء لأن المشروع ابعد من ذلك.

المشروع الذي ينفذه المالكي في العراق هو نسخة طبق الاصل لذلك الذي نفذه الخميني بعد ان استقر له الامر مع الفارق طبعا ان الخميني معمم حملته للسلطة ثورة شعبية عارمة وتمكن بدهائه من مصادرتها وتجييرها للمعممين !! والمالكي مدني تربى في حزب سياسي سري لم يعرف الديمقراطية في حياته الداخلية والدليل كثرة الانشقاقات التي ارهقته جاء الرجل على ظهر الدبابة الامريكية بدعم ايراني ووصل الى موقعه (بتخادم) ايراني – امريكي فالايرانيون اعلنوا مرارا وتكرارا انهم هم من سهل للامريكان احتلال افغانستان والعراق  .

لقد التف الايرانيون حول الخميني مصدقين طروحاته حول حق المشاركة السياسية للجميع ، وحتى نحن العرب يساريون وقوميون خدعنا بالمشروع واندفعنا لتاييده تحت ضغط كراهيتنا للشاه ولكنه ما ان ثبت اقدامه حتى بدأ حملات منتظمة همشت الجميع وكانت النتيجة ان اصبح الاكراد مطاردين في خارج ايران واغتيلت قياداتهم غدراً، ولاقى اليسار الايراني المصير نفسه في السجون التي لم تكن تقل رهبة عن سجون الشاه، معلنا نفسه دكتاتورا يستمد ولايته من الله ، ويشير المفكر الاستاذ احمد الكاتب في دراسته القيمة ( دراسة نظرية ولاية الفقيه) (ان وزير العمل استعان بالإمام الخميني وطلب منه دعم قانون العمل خوفا من تحول العمال الى الشيوعية والمعارضة اليسارية ، فأجاز له الإمام العمل بالقانون قبل ان يأخذ صيغته القانونية النهائية. وهنا اعترض رئيس الجمهورية السيد علي الخامنئي ، وأعضاء في مجلس صيانة الدستور ، فألقى الإمام الخميني خطابا مهما جدا وطرح نظرية (ولاية الفقيه المطلقة) وقال : إن ولايته شعبة من ولاية الله والرسول والأئمة المعصومين ، وإن له الحق بتجاوز القانون ، وبمخالفة أية اتفاقية شرعية يعقدها مع الشعب ، إذا رأى بعد ذلك بأنها مخالفة لمصالح البلاد أو مخالفة للإسلام.)

 ويكفي ان نشير هنا الى ان اول الطريق الى ولاية الفقيه كانت تلك المحاكم الخاصة التي اعدمت اكثر من (20) الف سجين سياسي يقول عنهم الباحث الايراني علي نوري زادة بأن هؤلاء هم الموثقون وبالتاكيد فأن العدد اكبر من ذلك بكثير . طريق عبد بدماء الايرانيين .

في العراق ومع اختلاف الادوار والساحات كان مرسوماً للمالكي ان يتجاوز كل القيادات (الشيعية)  وفيما بعد ان يصفي الجميع لصالح المشروع الذي لايقف امام الاعلان عنه صراحةً اليوم سوى استمرار بقاء مرجعية آية الله علي السيستاني التي لم تتفق مع مشروع ولاية الفقيه منذ اعلانه في ايران وهي مرجعية  مازات تمتلك تاييدا واسعا في الشارع العراقي. وكان اعتماد حزب المالكي  لمحمود الشاهرودي احد اعمدة ولاية الفقيه مرجعا للتقليد بعد وفاة السيد محمد حسين فضل الله المعارض لذلك لمنهج خطوة اخرى على الطريق ، لكن الحزب اضطربعد ايام من عودة الشاهرودي للنجف الى مراجعة حساباته السياسية  معلنا رفضه لولاية الفقيه وهي خطوة تصب في منهج (التقية السياسية) الذي يمارسه المالكي مع الجميع اليوم وباشراف ساسة ايرانيون متمرسون فليس بين مستشاري المالكي من يملك ذلك الدهاء السياسي الذي يملكه الايرانيون  .

 ان الحراك الجماهيري في المحافظات الغربية والشمالية ، وقبله انتباهة مسعود البرزاني المتاخرة لخطورة المشروع الذي ينفذه المالكي ، اوقف المشروع مؤقتا ، فقد ادرك الكرد اللعبة كما ادركتها فيما بعد المحافظات (السنية).

المالكي بجريمته في الحويجة يعتقد بانه هو رجل المشروع القوي وهو هنا مخطئ ايضاً لأنه ليس اكثر من منفذٍ للاعمال القذرة التي يحتاجها السير بالمشروع ومهما بلغت اهميته بالنسبة للولي الفقيه فلن تبلغ اهمية بني صدر ذلك المناضل الذي افنى زهرة شبابه في مقاومة الشاه ثم استخدمه الخميني واطاح به بعد ان انهى مهمته (رغم عدم واقعية المقارنة بين المالكي وبني صدر من ناحية الثقافة والتاريخ النضالي).

 ان المطلوب الآن ان تدرك النخب العراقية بمختلف أنتماءآتها القومية والدينية انها بمواجهة مشروع ولاية الفقيه ، وان ما يقوم به المالكي من اعمال يحاول ان يمنح لنفسه صفة (حامي الدولة المدنية) هو ليس اكثر من (تقية) سياسية يمارسها من حين لاخر الى ان  يحين الوقت للاعلان عن المشروع وهذا يتطلب من تلك النخب  :

تجذير الحراك الحالي  وتحويله الى حراك عراقي شامل عبر نبذ الطائفية بكل اشكالها والتفاف النخب والجماهير حول مشروع الدولة المدنية الديمقراطية  التي تقف سداً منيعاً بوجه مشروع ولاية الفقيه.

تنبه الجماهير في الوسط والجنوب العراقي الى ان مشروع المالكي لن يوفرهم لاحقاً وان الذين ذبحتهم المحاكمات الخاصة في ايران على طريق تنفيذ مشروع ولاية الفقيه أغلبيتهم من الشيعة،  وانهم سوف يكونون ضمن قائمة ضحايا ذلك المشروع الدكتاتوري المتخلف اذا مااستتب له الامر، وان عراقيتهم يجب ان تكون هي المحور الذي يتحركون للدفاع عنه وليس طائفتهم فكل الطوائف والاديان والقوميات سينالها الخراب كما حصل في ايران اذا ماتمكن هذا المشروع من السيطرة على العراق، واسالوا شيعة ايران قبل ان تسألوا سنتها وكردها وعربها وتركمانها عن النظام وطبيعته الدكتاتورية وعن الحالة المزرية التي تعيشها الشعوب الايرانية في ظل الفساد والقمع والتسلط .

    

العراق عشر سنوات من الدمار

اعادة انتاج التخلف !!!

ليث الحمداني

قبل تسع سنوات عدتُ من بغداد بعد زيارة دامت عدة اسابيع وكنت قد غبت عنها اكثر من عقد من السنوات، عدتُ بعد ان ادركتُ ان الحلم الذي ظل يرادوني كغيري من عراقيي الشتات بالاستقرار فيها بعد سقوط الدكتاتورية قد اغتيل نهائياً على يد الاحتلال واعوانه وكان اول ما فعلته شراء قبر لي في الوطن الجديد كندا، ، يومها سالني الزميل فادي هاروني من أسرة القسم العربي في راديو كندا الدولي عنما حققه الامريكان بعد دخولهم العراق فقلتً له: لقد اعادوا انتاج التخلف!

ومنذ ايام حاورني الزميل نفسه لمناسبة مرور عشر سنوات على الاحتلال فكررتُ قولي ...

 لقد حكم الدكتاتور صدام حسين العراق لثلاثة عقود تميزت بالقسوة والحروب واحتكار السلطة ، غيب الحياة المدنية وعسكر المجتمع ، ولكنه ابقى مؤسسات تدير الدولة ولو بكفاءة الحد الادنى .. فماذا قدم الاحتلال؟ وماذا قدمت الحكومات المتعاقبة التي شكلت في ظله وبعد انسحابه ؟ عام 2004 شعرتُ وانا في بغداد ان القبيلة قد حلت مكان الدولة في المناطق الحضرية والمدن الكبيرة وهو مالم اشهده خلال العهود التي عشتها في العراق، كان الفصل العشائري قد احتل جزءاً هاماً من حياة الناس بدلاً من المحاكم والقانون، واصبح الطبيب  والمهندس والعالم مضطراً للعودة الى عشيرته لأن الفصل العشائري قد يطال رقبته في أي حادثٍ مهماً كان أو هامشياً ضمن عمله وحياته اليومية، وأسألوا اليوم عن الفصل العشائري ومافعله ويفعله في المدن وهو نموذج فقط من نماذج التخلف التي جاء بها الاحتلال واعوانه .

الطبقة العاملة التي عملتُ معها لسنوات طويلة وجدتُ ان قرارات الحكومة تطالها وان محاولات السيطرة على نقاباتها على غرار (التبعيث) قائمة على قدر وساق لصالح احزاب الاسلام السياسي الرجعية  التي اسهمت في تمزيق وحدتها وخسرت هذه الطبقة اغلب ما حققته خلال سنين نضالاتها بعد ان اصبحت الصناعات في قطاعاتها الثلاث العام والخاص والمختلط شبه معطلة.. وباعت الدولة ما باعته من مشاريعها لمستثمرين لا هم لهم سوى حصد الارباح فرموا في عرض الشارع الاف العمال بذرائع مختلفة لا تقنع أي مواطن شريف، اما الانتاج العراقي فقد اصبح في خبر (كان) كما يقولون وبات العراق يستورد كل احتياجاته من تركيا وايران بعد ان كانت صناعاته تحتل الصدارة في الاسواق ، ناهيك عن الشلل الحاصل في الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية الذي كان في الثمانينات نموذجا للاجهزة الرقابية في دول المنطقة ، بل ان وزير النفط اصدر قراراً بعدم شرعية العمل النقابي في منشآت النفط وكأن النقابات التي بدأت نضالاتها في الثلاثينات من القرن الماضي بحاجة الى شرعيته!!.

المرأة تحولت الى (ديكوراً) في اغلب الكتل السياسية والبرلمانية ان لم نقل في جميعها فانت تواجه يومياً نساء في البرلمان لا تاريخ لهم ولا منجز لا في السياسة ولا في الثقافة ولا في المجتمع ولا يحتاج المرء لجهد كبير لأثبات هذه الحقيقة ويكفيه مراجعة اعلانات انتخابات المجالس المحلية القادمة على النت ليكتشف حجم المهزلة.

رجال الدين اصبحوا في كل مكان وفقدت العمامة هيبتها التاريخية فهم يصولون ويجولون في مرافق الدولة من اجل الوساطات والعمولات والفوز بالمناقصات مستغلين مواقعهم في احزاب الاسلام السياسي .

الطائفية مزقت النسيج الاجتماعي العراقي وطفت على السطح شعارات وافعال لا يمكن ان نصفها الآ بالتخلف والرجعية من الطوائف الاسلامية مجتمعةً ،وقد لعب الاحتلال دوراً في عمليات التصفيات الطائفية وكشف الفلم الوثائقي الذي انتجته الـ(BBC) بالتعاون مع جريدة (الـغارديان) وبث قبل فترة وجيزة عن اسرار مذهلة في هذا المجال وعن فرق الموت ودور الاحتلال في ادارتها، ويمكن ان نلمس اليوم اثار سنوات العنف الطائفي في احاديث المسوؤلين انفسهم فقبل ايام قال السيد اركان ثامر صالح مدير قسم الشوؤن الانسانية في وزارة حقوق الانسان الذي يعمل على تتبع آثار المفقودين خلال تلك السنوات (2007-2008) ان في العراق 16 الف مفقود .

وطبعا هذا الرقم يشمل المفقودين الذين بلغ ذويهم السلطات فقط .

الحياة السياسية هيمنت عليها احزاب الاسلام السياسي ولم تعد ترى أي دور للمستقلين في اي مجال في الحياة اليومية، بل ان المستقلون من ذوي الكفاءآت اصبحوا مستهدفين وحكاية  الخبير الاقتصادي سنان الشبيبي  مازلت ماثلة للعيان ، حصدت هذه الاحزاب كل المواقع الاساسية في الدولة ، وهمشت القوى اليسارية والديمقراطية بتصعيدها الطائفي المستمر الذي يعيد الاستقطاب في المجتمع ويخدم سياساتها ، واصبح الولاء للحزب وللطائفة هو الاساس وليس الكفاءة.

الاقليات همشت وتآكلت نتيجة الارهاب و التهجير والتقارير التي نشرت وتنشر عن هجرة المسيحيين والصابئة سكان البلد الاصليين تثير الذهول.

ماذا ترك الامريكان للعراق؟ المحاصصة الطائفية التي اوصلت الى المواقع القيادية سياسيوا التخندق الطائفي المقيت وجلبت الى مواقع المسؤولية اميون وجهلة بدلاً من الكفاءات والخبرات... الثروة النفطية نهبت بمشاريع مزيفة وفاشلة وعقود مع شركات وهمية نسمع عنها بين الحين والآخر ومازالت المحافظات التي تقبع على بحيرات النفط وعلى رأسها محافظة العمارة تغرق بالفقر والبؤس حتى ان صناعة الطابوق البدائية التي منعها النظام السابق والتي تدمر البيئة عادت الى المحافظة بكثافة وعادت معها عبودية العمال في هذه الصناعات المتخلفة التي تجلب لهم الموت البطئ!!

الفساد ضرب اطنابه في كل مرافق الحياة واصبح هو النفق الذي يدخل منه الارهاب التكفيري فيفتك بالفقراء من ابناء الشعب (لاحظوا ان التفجيرات تتركز عموماً في مناطق الفقر والكثافة السكانية)... ومافيات (القاعدة) و(الميليشيات) تصدر الموت للشارع العراقي باساليب مختلفة تتراوح بين ( الكواتم) و(اللاصقات ) .

 الازمات تتوالد وتتوالد ولا من علاج حقيقي، والحزب (القائد) الجديد (الدعوة) يؤسس لدكتاتورية جديدة اصبح العراقيون يلمسونها في ممارسات (مختار العصر)!!!وهو الاسم الذي يلقب انصار المالكي زعيمهم به !!

يطول الحديث عن هموم العراقيين و يطول وافضل ما نختم به تقرير بثته وكالة رويتر بمناسبة مرور عشر سنوات على الاحتلال شارك في اعداده ثلاثون اكاديمياً و خبيراً وهو تحديث لتقرير كان قد اصدره معهد واطسن عام 2011 عنوان تقرير رويتر هو (حرب امريكا في العراق صفر من الانجازات وخسائر لا تحصى) من التقرير نستخلص:

·         ان الحرب اسفرت عن مقتل 134 الف مدني عراقي على الاقل واسهمت في قتل اربعة امثال هذا العدد.

·         ان جهود اعادة الاعمار كلفت 212 مليار دولار فشلت بسبب انفاق معظم هذا المبلغ على الامن أو بسبب الاحتيال والهدر.

         قبل ايام سألت زميلا صحفيا من كتاب الاعمدة في الصحافة العراقية اليس هناك اي ضوء في نهاية النفق؟

         فقال لي يائسا : واذا قلت لك انني لاارى حتى نفقا يدخل منه الضوء مارايك؟

هذا القول ينطبق مع ماقالته جريدة (النيويورك) تحت عنوان ( الامل بعراق جديد تلاشى بعد عقد من الغزو)

 

 

سوريا الثورة المغدورة

ليث الحمداني

بدأت الثورة في سوريا سلمية كما بدأت في تونس ومصر، ولايحتاج المرء لجهد لاثبات ذلك في زمن (اليوتيوب) و( الفيس بوك) وغيرها فكل شيء موثق ،ولكن الدكتاتور المتشبث بالسلطة واجهها بقواه الامنية والمخابراتية مدفوعا من نظام له مصلحة في استمرار سلطته الدكتاتورية ضربت اجهزة امنه ومخابراته المتظاهرين وسقط العشرات من الشهداء قبل ان نرى بندقية في يد متظاهر ولو امتثل الدكتاتور السوري مثل نظرائه المصري والتونسي لجنب شعبه هذه المجازر وجنب وطنه هذا الدمار ، حمل الثوار السلاح اذن دفاعا عن النفس فتعسكرت الثورة  ووجدت بعض الفصائل المتطرفة فرصتها وهذه الفصائل ملغومة بالمخابرات الخارجية بما فيها مخابرات الدول التي تدعم النظام والتي من مصلحتها خلق فوضى داخل صفوف الثورة.

مشكلة الثورة السورية انها وقعت بين فكي رحى مشروعين متخلفين في المنطقة يدافعان عن سلطتهما  بدعم خارجي ويتصارعان بادوات عربية بعيدا عن ساحتيهما الاول مشروع ولاية الفقيه الايراني المتخلف المدعوم من الامبريالية الجديدة في روسيا وهو مشروع يصادر ابسط الحقوق الشرعية للشعوب الايرانية غير الفارسية ويزعم انه يدعم حركات تحرير وطنية ولاافهم كيف يمكن للمرء ان يصدق ان نظاما يقمع شعوبه يمكن ان يدعم الحرية في اي مكان ، الثاني الانظمة الخليجية المتخلفة التي توالي الامبريالية التاريخية في الغرب وتدافع عن وجودها وسلطتها ويقف معها النظام في تركيا ، النظام الايراني رمى بكل ثقله وراء الدكتاتور الاسد دفاعا عن مصالحه الاستراتيجية وبرنامجه القومي المستظل بظل الدين والمذهب ، والخليجيون وتركيا يدعمون الثواربالقطارة ولكل منهم اجندته وهم لايؤمنون اصلا بالثورة والحرية ويحجبونها عن شعوبهم ولكنهم ينتقمون من نظام رعوه طويلا وانفقوا على استمراريته وبتوافقات مع الولايات المتحدة مليارات الدولارات منذ قفز حافظ الاسد الى السلطة في 16 تشرين الثاني 1970 بدعم من حليفه مصطفى طلاس ليبعد القيادة السورية الحزبية (نورالدين الاتاسي – صلاح جديد – يوسف زعين) ورفاقهما ولتبدأ مرحلة ( تاسيد) حزب البعث التي تحول فيها الحزب التاريخي الى مجرد صورة داخل اطار الاسد وعائلته ومريديه ، وفي ظل التوافق (السعودي – الخليجي- الامريكي – السوري) ارتكب النظام افضع المجازر بحق الشعب السوري ( مجزة حماة) (مجاز السجون) ووسط صمت دولي سببه قناعة الغرب ان هذا النظام هو الافضل لحليفته اسرائيل ، وفي ظل ذلك التوافق دخلت قوات الاسد الى لبنان وعاثت فيه فسادا واغتيالا فأستشهد العشرات من معارضي النظام السوري في لبنان وضربت منظمة التحرير الفلسطينية العمود الفقري لحركة التحرر  الوطني الفلسطسني سوريا قبل ان تضرب اسرائيليا  ، استشهد المفتي حسن خالد والعلامة صبحي الصالح والصحفي رياض طه والصحفي سليم اللوزي والقائد السياسي التاريخي كمال جنبلاط ورئيس الوزراء رفيق الحريري والصحفي الشاب جبران تويني والصحفي الحر سمير القصير والقائمة تطول كل من تجرأ على انتقاد الاسد ونظامه وتدخلاته في لبنان كان مصيره الموت ، بل ان يد النظام امتدت الى فرنسا لاغتيال القائد التاريخي في البعث صلاح البيطار لانه تجرأ واصدر صحيفته (الاحياء العربي) لاعادة الاعتبار لفكر البعث وكان ثمن الصمت الغربي عن  الاسد الاب هو تعميق تحالفاته مع التوافق الذي اوصله الى السلطة فوقف مع الامريكان فيما سمي بحرب تحرير الكويت ، كان الاسد الاب يلعب بالايرانيين كورقة بيده منذ وصل الخميني الى السلطة كان يدعمهم في حربهم مع العراق ويقدم لهم الخدمات اللوجستية والاعلامية ولكن بالحدود التي يضعها هو لاهم ، مات الاسد الاب وجاء (الابن) وريثا باسلوب يثير السخرية حين تم تعديل الدستور في عدة دقائق في بلد كان يملك واحدا من افضل البرلمانات العربية في الخمسينات  وتحول (الابن) بسبب ضعفه ومحاولته الامساك بالملف اللبناني الى ورقة بيد الايرانيين الذين ساعدوا الامريكان على احتلال العراق وتدميره تحت سمع العرب وبصرهم وهذا ماعترف به قادتهم الذين قالوا لولا مساعدة ايران ماسقط نظام صدام حسين !! انتهز السعوديون والخليجيون الذين سهلوا هم ايضا لاحتلال العراق الفرصة لدعم الثورة السورية ولكن بالقطارة لانهم يخافون الثورة ووهجها وفي ذات الوقت يريدون الانتقام من النظام الذي رعوه سنين طويلة وانفقوا المليارات عليه ثم خرج عن طاعتهم ليرتمي باحضان خصومهم  ..

اما الاتراك الذين تهادنوا مع النظام لفترة ليست قصيرة فقد كانوا يتحينون الفرصة لرد الصاع صاعين له بعد ان اكتشفوا ان كل مالحق بلدهم من اضرار نتيجة العمليات المسلحة لحزب العمال الكردي كان برعاية النظام الاسدي الذي اعتقد انهم سينسون كل شيء حين سلمهم الزعيم الكردي عبدالله اوجلان في لحظة كان يحتاج فيها للدعم التركي.

اما الولايات المتحدة فكما يقول مانديلا سوريا المناضل التاريخي رياض الترك (لاتريد انتصار الثورة وتتذرع بالخوف من التطرف الاسلامي )

ان الثورة السورية المغدورة هي ثورة على الظلم والاستبداد والقهر ولاادري كيف يسمح من يدعون الليبرالية والعلمانية ان يطرحوا  في حواراتهم مقارنة بين الاستقرار في ظل الدكتاتورية او الفوضى على يد (المتطرفين) وهم يعلمون جيدا ان التطرف دخيل على الشعب السوري  ومن الغرابة بمكان ان اغلب هؤلاء كانوا من مؤيدي التدخل الامريكي للاطاحة بدكتاتورية بصدام حسين او من المرحبين بسقوطه فهل الاسد ديمقراطيا وصدام وحده هو  الدكتاتور

 ان الثورة السورية تدرك جيدا انها ضحية صراع هذه المشاريع والاجندات في زمن يغيب فيه اي مشروع عربي ديمقراطي تقدمي في المنطقة  وهذاما يعقد مهمتها في اسقاط الطاغية  ويجعل الشعب السوري يدفع المزيد

 من الدماء على مذبح الحرية

في واحدة من مقابلاته الصحفية الكثيرة قال هنري كيسنجر ان العرب لايقرأوون وهو محق بذلك فمازال بعض العرب رغم كل هذا التاريخ الاسود للنظام يرون في دكتاتور سوريا (زعيما ممانعا) وينتظر بعضم من الباحثين عن نصر لايساهمون في صنعه  ان يحققه لهم هذا الدكتاتور وداعميه الايرانيين ، ولااعرف كيف يصنع النصر لشعب آخر من يضطهد شعبه ويصادر حرياته .... لااعرف كيف يقف مع الشعوب المضطهدة من يضطهد شعبه !!

 

 

نقطة حبر

عن الاعرجي والمالكي والدينوقراطية في العراق !!

الى النائب  بهاء الاعرجي مع تحياتي

 

في احتفالية هيئة النزاهة الحكومية العراقية بمناسبة (اسبوع النزاهة) قال رئيس كتلة الاحرار النيابية في البرلمان العراقي ورئيس هيئة النزاهة بهاء الاعرجي ان الحرب الامريكية على العراق خلفت نوعين من الفساد اولهما الفساد المالي والاداري الذي يعاني منه البلد والثاني هو الفساد السياسي الذي هو اخطر من الاول !! وكان الاجدر بالنائب الاعرجي بان يختصر فيقول ان الحرب الامريكية جلبت لنا (سياسون) عراقيون فاسدون هم من انتج الفساد الذي تحدث عنه ، المشكلة ياسيادة النائب ليست في الشراكة كما ذكرت وانما في نوعية المتشاركين في السلطة لانهم كلهم فاسدون  والفساد لاينتج الا فسادا !!

لو كان المالكي رئيسا للوزراء في بلد غير العراق !!

يحاول معارضوا رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ان يقروا تحديد فترة شغل منصب رئيس الوزراء في محاولة لمنعه من ولاية ثالثة ، ولو كان في العراق احزاب سياسية فاعلة ومؤثرة في الشارع لم يكن الامر يحتاج سوى الى مواجهة المالكي بما حققته فترتيه في رئاسة الوزارة لان الفشل الذريع في ادارة الملفات الساخنة كاف لمنعه من ولاية ثالثة ، لو كان المالكي رئيس وزراء في بلد غير العراق لضربه المتظاهرون بالبيض الفاسد على منجزات حكومته في مختلف مجالات الحياة  . ولكنه العراق الذي يتحرك الشارع فيه مناطقيا ودينيا  وطائفيا وقوميا بعيدا تماما عن فكرة الوطن التي يتغنى بها الجميع كذبا .

الدينوقراطية العراقية الجار المسلم

 

رفض الائتلاف الذي يتزعمه نوري المالكي طرح ملف الطائرات التي اودعها صدام حسين في ايران قبل اندلاع الحرب على طاولة البحث ، هذا الملف طرحه التحالف الكردستاني الذي كان قد رفض اعادة السلاح الثقيل الذي استولت عليه احزابه ابان انهيار النظام بعد الاجتياح الامريكي للعراق ، يعني ان التحالف الكردستاني قال للمالكي بصراحة اذا كنا نحن  العراقيون مطالبون باعادة مأأخذناه لماذا لاتطالب الايرانيين بما اخذوه !! ويبدو انهم في التحالف لم يفهموا حتى الان ان ( الدينوقراطية العراقية ) لاترى بان لها الحق في مطالبة الجار المسلم بحقوقها ، ولكنها تطالب اهل بيتها بتلك الحقوق !!

الغاءالعمل بنظام البطاقة التموينية في العراق

عذر الحكومة العراقية اقبح من ذنبها !!

 

كشف مجلس الوزراء العراقي عن وجهه القبيح في التعامل مع الطبقات الفقيرة والمتوسطة في العراق بالغاءه امس العمل بنظام البطاقة التموينية وتعويض الافراد عنها بمبلغ 15 الف دينار اي مايعادل 12 دولارا شهريا وهو مبلغ لايمكن ان يسد الفراغ الذي سيحدثه هذا القرارفي حياة الكادحين في بلد ينهشه الفساد والرشوة ويعاني من ارتفاع معدلات البطالة ، والعذر الذي قدمته الحكومة يدلل على غرقها في مستنقعات الفساد فقد جاء في الخبر الذي نقلته وكالة (شفق نيوز)  عن مصدر في وزارة التجارة  ان القرار جاء (للحد من الفساد) الذي يشوب هذا الملف والذي بلغ كما جاء في خبر الوكالة نحو ,3 12 مليار دينار خلال عام 2012 معتبرا ان تلك البطاقة الية لسرقة الاموال المخصصة لمفرداتها !! ورغم ان هذا ليس هو السبب الحقيقي لان الحكومة امتثلت بهذا القرار لصندوق النقد الدولي الذي طالبها بالغاء الدعم عن اسعار العديد من المواد التي تشمل المشتقات النفطية والطاقة الى جانب مفردات البطاقة التموينية التي اعتمدت عليها الطبقات الفقيرة التي تشكل اغلبية اهل العراق في حياتها اليومية منذ بدء الحصار الظالم على العراق في عام 1991 اثر اجتياح صدام حسين للكويت حيث كانت مفرداتها تشمل الرز والطحين والسكر والشاي ومساحيق الغسيل والصابون والحليب المجفف للصغار وقد اختزلت هذه المفردات في سنوات مابعد الاحتلال لتشتمل على الرز والزيت والطحين والسكر ، الاان العذر الذي قدمته الحكومة للتغطية على خضوعها لصندوق النقد هو اقبح من ذنبها بالغاء العمل بالبطاقة وحجم السرقات التي اشار لها الخبر هو تاكيد على فساد حكومات مابعد الاحتلال وعلى ان حكومة المالكي واحدة من هذه الحكومات الغارقة بالفساد ، وتكفي نظرة الى الوراء الى سنوات الحكم الدكتاتوري (وهذا ليس حنينا للدكتاتورية) لان نكتشف ان المسوؤل الاول عن البطاقة التموينة لسنوات عديدة ووزير التجارة في آخر حكومة قبل الاحتلال وصل عمان بعد ان اطلق سراحه قبل شهور  وسكن عند اقارب له لحين تدبير امر شراء شقة سكنية بسيطة له يكفي هذا لنقارن بينه وبين سارقي المليارات من هذه البطاقة التي كانت تؤمن الحد الادنى من الحياة لفقراء العراق ...

انه عذر اقبح من ذنب

 

 

نقطة حبر

الأسرى العراقيون في إيران أيّ إسلام يرضى بهذه الممارسات؟

ليث الحمداني

ضمنت كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية وشرائع حقوق الإنسان ومواثيق الأمم المتحدة حقوق أسرى الحروب، وفي مقدمتها حق معرفة الأسَر لمصير أبنائها، وحق هؤلاء الأسرى بتصفية قضاياهم وإعادتهم لبلدانهم بعد انتهاء الحروب. ولست هنا في مجال الخوض بتفاصيل الجرائم التي ارتكبها الجانب الإيراني ضد الأسرى العراقيين، والتي بلغت بشاعتها حد إعدام بعضهم لإرهاب الآخرين وإجبارهم على التعاون ضد بلدهم.

انتهت الحرب وعادت العلاقات بين البلدين، وكان المفروض أن يطوى ملف الأسرى نهائيا فماذا حصل؟

كانت كل المؤشرات تؤكد وجود أسرى عراقيين في إيران، وهذه المؤشرات كانت تعتمد على شهادات العائدين من الأسْر، وبموجبها دُوّنت أسماء بعض هؤلاء الأسرى. الغريب أن الجانب الإيراني ظل يكذب هذه الأنباء وينفي وجود أسرى  لديه إلى الحد الذي تمكن فيه من إقناع اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي قالت في آخر تصريحاتها الصحفية في 29-1-2012 إنه لا يوجد أسرى عراقيون في إيران. وفي الأسبوع الماضي خرج وزير حقوق الإنسان العراقي (.......)!! العضو في ائتلاف المالكي الحاكم ليعلن في لقاء مع قناة البغدادية أن هناك 198 أسيرا فقط ما زالوا في إيران رغم تبادل الأسرى في العام 1990. والسؤآل الذي يطرح نفسه هنا أن إيران التي تدّعي أنها (جمهورية إسلامية) كذبت على العالم كله وعلى أسر هؤلاء الأسرى، وظلت تنفي وجودهم. أعرف سيدة توفيت منذ سنتين تقريبا كانت تتابع أخبار الأسرى، فقد أسِر ولدها في الحرب وتمكنت من خلال متابعاتها تلك من التوصل إلى أن ولدها حيّ في أقفاص الأسْر، وشهد لها من يعرفه شخصيا ممن عادوا في عمليات التبادل. وظلت تلك السيدة رحمها الله منذ التسعينات تعيش على أمل عودته، بل إنها نظفت غرفته في البيت وهيأتها لاستقباله، وكانت ترتبها أسبوعيا بانتظار الغائب العزيز. وماتت وهي تحلم بذلك اليوم الذي يطرق فيه بابها وقد يكون هو واحدا من هؤلاء الأسرى.

فأي إسلام هذا الذي يحرم  أسَرًا من أبنائها ويستمتع بعذابات البشر!!

نقطة حبر

سنان الشبيبي ضحية جديدة لدكتاتورية وليدة !!

كلما ارتفع صوت عراقي محذرا من دكتاتورية جديد يخطو باتجاهها رئيس وزراء العراق نوري المالكي باقدامه على تصفيه خصومه ومن يرفضون السير في ركابه سارع (وعاظ السلاطين) الى تسطير المدائح بافعاله وتبريرها والدفاع عن فشله وحزبه الذي يسير بالعراق نحو التخلف والخراب !!

آخر منجزات (المالكي) هي ابعاد الكفاءة العراقية الدكتور سنان محمد رضا الشبيبي عن موقعه في رئآسة البنك المركزي العراقي  وهو الرجل الذي جاء الى موقعه بكفاءته ونزاهته وليس على (ظهر) طائفة او حزب او محاصصة، وقاد البنك المركزي كهيئة مستقلة كما ينص قانونه بكل اخلاص وتفان ، وسبب غضب المالكي على الشبيبي بات معروفا للجميع فقد اراده ان يحول البنك الى دائرة ترتبط بمجلس الوزراء وتخضع لتوجيهاته بعد ان رفض الشبيبي ان يقدم للحكومة قرضا من الاحتياطي البالغ 67 مليار دولار والذي هو ملك الدولة وليس ملك الحكومة لان الشبيبي يدرك جيدا بان المساس بهذا الاحتياطي سيهز الاقتصاد العراقي الضعيف اصلا بسبب اعتماده على النفط فقط بعد ان دمرت الصناعة والزراعة واصبح دورها هامشيا في العراق  ، آخر سيناريوهات رئيس الوزراء العراقي واجهزته التي صلتني من بغداد يوم23-10 اي قبل دفع العدد للطبع ان الاجهزة احتجزت موظفين وموظفات من البنك وهم بدرجات وظيفية تتراوح بين مدير قسم وباحث كل ذنبهم انهم كانوا يعملون في لجان بيع الدولار في السوق وهي لجان تطبق معايير وافقت عليها الحكومة بالاساس ولكن يبدو ان هناك طبخة يعد لها المالكي والحكومة والبرلمان لتبرير اجراآتهم بحق سنان الشبيبي ومحاولة تشويه صورته . السياسة في العالم كله تراكم الا في الوطن العربي ومنه العراق فأنها عمل من لاعمل له !! ولهذا بدا سنان الشبيبي غريبا في وسط يعج بالمزورين والفاشلين واللطامة وصائدي الفرص ويجب ان يتخلص هؤلاء منه ويحاولون تشويه صورته امام الرأي العام  ولكنهم سيفشلون في النهاية فهذا الرجل الاكاديمي الناجح ليس لقمة سائغة فقد اثبت جدارته في جميع المواقع التي اشغلها بالاضافة الى امتلاكه ارثا اسريا وطنيا يفتقر له كل قادة النظام الذي جاء به الامريكان والايرانيون للعراق فهو نجل الشيخ محمد رضا الشبيبي السياسي الوطني الذي ساهم واخوه محمد باقر الشبيبي في بناء العراق في العهد الملكي ... احيانا اتساءل مع نفسي هل هو انتقام هؤلاء القادمين ان الريف من ابناء المدينة المتحضرين ؟

 

البلاد عشر سنوات على الورق

وثمانية سنوات على شبكة الانترنيت

ليث الحمداني

 

بهذا العدد تطوي (البلاد) بطبعتها الورقية  السنة العاشرة من عمرها لتدخل العام الجديد ونحن اكثر اصرارا على مواصلة الميسرة التي بداناها من الصفر أو ما دونه ... وعشر سنوات بالنسبة لمطبوع فقير مادياً مثل (البلاد) ليست سهلة ابداً ويعرف هذا من يدرك معنى اصدار جريدة دون أي دعم من دولة أو حزب أو جماعة مالية ، جريدة تعتمد بتمويلها بالكامل على معلنيها وجهود كتابها الذين لا يتقاضون اجراً وانما يعملون (كهواة) لمهنة يحبونها رغم ان اعمارهم وخبراتهم تجاوزت سن الهواية منذ عقود. رافق المسيرة الورقية موقع (شبكة البلاد) منذ ثمان سنوات مستقطبا مبدعين من العديد من الدول العربية تواصلوا مع متابعي الشبكة وقدموا نتاجاتهم عبرها .

في (البلاد) حرصنا على ان نجعل شعارنا "الجريدة التي يبحث عنها القاريء" لأننا انتهجنا منذ الاعداد الاولى نهجاً واضحاً (اعلان من اجل اصدار جريدة  وليس جريدة من اجل الاعلان)  تتحول بمرور الزمن الى ( فلاير اعلاني) كما هو دارج في صحافة الاغتراب أي اننا لم نبحث عن الارباح على حساب المادة الصحفية التي تهم القاريء وكنا و كلما زادت صفحة اعلان وضعنا امامها صفحات من المادة الصحفية التي.. تهم القاريء وتحترم عقله.

لقد مرت (البلاد) خلال هذه السنوات بمراحل عديدة حاول خلالها البعض (افشالنا) في حين استمر البعض الآخر في (دعمنا) بالاعلان لتعزيز مسيرتنا واستمراريتنا وكنا ومازلنا نقول للجميع ان من لديه ملاحظة أو رأياً على مسيرتنا ليكتب ولن نحجب رأياً يخالفنا لأننا ندرك اننا في بلد يحترم الرأي الآخر ونعتز بأننا تعلمنا في وطننا الجديد الكثير من الممارسات التي افتقدناها في اوطاننا الام ...

تعلمنا هنا ان نتكلم دون خوف من اجهزة تلاحقك وتحصي عليك انفاسك أو ميليشيا تطلق عليك الرصاص من الخلف لأنك هاجمت (الزعيم القائد) أو (الرئيس الضرورة) تعلمنا هنا بأن السياسي ليس قديساً بل انه بشر عرضة للنقد  وحين تنتهي مرحلة عمله في السياسة بفشل انتخابي أو باختيارٍ شخصي يعود مواطناً عادياً يقف امام باب المسرح بانتظار تذكرة له ولزوجته كأي مواطن آخر.

تعلمنا هنا ان الحزب ليس سكة حديد يكون العضو فيها عربةً لا يمكن ان تخرج عنها حتى تخرج نهائيا من الخدمة كما هو الحال في اوطاننا الام ومن يترك حزبه رفضا لسياسات معينة يتعرض للتخوين او العزل السياسي والاجتماعي رأينا هنا من انتقل من حزب المحافظين الى حزب الليبرال وبالعكس ومن تحول من ديمقراطي الى ليبرالي دون ان يؤثر ذلك على علاقته الانسانية والشخصية مع زملائه في حزبه الاول ودون ان يخونه احد أو يطالب بعزله سياسيا او اجتماعيا احد .

حاولنا ان نعكس بعض ما تعلمناه هنا في (البلاد) بعض الناس شدوا على ايادينا وبعضهم انتقد تواجهاتنا ، ونحن نحترم الاثنين .. نحترم من يواجهنا بالنقد ولكننا لا نحترم من يلجأ لرفع اعداد الجريدة في غفلة من الناس من هذا المكان أو ذاك ليحجبها عن القراء، ومن يلجأ لشتمنا باسماء مستعارة لتفريغ ما بداخله من احقاد سببها الاساسي نجاحنا في تجاوز احادية الفكر التي تتلبسه.

في الذكرى السنوية لصدور (البلاد) احيي كل من اسهم بدعمها بالكتابة أو الاعلان أو تقديم الملاحظات واعرب عن اعتزازي بالاسرة التي جمعتني بها (البلاد) بطبعتها الورقية زياد علي ، عصام عزوز ، صالح العثامنة ، د.محمد فرحان ، صباح الموسوي ، سيد ابو زهدة ، بدر الدين القربي ،د.جهاد حمد وكل من كتب في البلاد  كما اعبر عن اعتزازي بكل من ساهم في تعزيز مسيرة شبكة البلاد  من زملاء محترفين درجوا على الكتابة لنا بانتظام من خارج كندا .. شكرا لكم جميعاً واتمنى من الله ان يمنحنا القوة لنواصل المسيرة معاً.

للتواصل مع الكاتب

laith@albilad.net

 

العراق مؤتمر وطني أم اجتماع لمعالجة مشكلات الحكم!!

ليث الحمداني

يطغي الحديث عن (مؤتمر وطني) على أغلب أجهزة الإعلام العراقية هذه الأيام. (المؤتمر الوطني) دعا إليه رئيس الجمهورية السيد جلال الطلباني ووافقت عليه، كما يبدو، الكتل المشاركة في الحكومة. بعض الأخبار يشير إلى تشكيل لجنة تمهيدية، وبعضها يقول بأن اللجنة لم تشكل. والسؤال هو لماذا يعقد المؤتمر؟ الإجابة يمكن وضعها من خلال العديد من التصريحات الصحفية التي تناثرت هنا وهناك لنواب وساسة من الأحزاب الحاكمة، بعضها اعتبر المشكلة في مكان انعقاد المؤتمر وبعضها الآخر (حذر من طرح قضايا غير دستورية)، وبعضها أشار إلى اجتماع تمهيدي لوضع خطوط عريضة للقضايا التي سوف يناقشها المؤتمر، وكلها إشارات تعبر عن أوضاع متأزمة، فإذا كان (المؤتمروطنيا) فليعقد في أية مدينة عراقية، وإذا كان هدفه الإصلاح السياسي فإن الدستور ليس(كتابا سماويا منزلا ) لايمكن المس به. المهم إن الأخبار مجتمعةً توصلنا إلى أن المؤتمر سيكون وقفاً على الكتل المشاركة في العملية السياسية، أي الكتل المشاركة في الحكومة، ويبدو أن هؤلاء يعتبرون أنفسهم (الممثل الشرعي والوحيد) للوطن ولهذا أسموه مؤتمرا وطنيا. ولا أدري لماذا لا يقولون بأنه اجتماع موسع لمعالجة المشكلات التي تواجهها العملية السياسية؟

إن المؤتمرات الوطنية تعقد عادةً بتمثيل واسع، ويهيأ لها بشكل جيد وتناقش أوراقا محددة تضع حلولاً لمشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية مستعصية، و(المؤتمر) الذي دعا له الرئيس الطالباني كما يبدو من التصريحات والتلميحات  سيكون في حقيقته إما لقاءً (لتبويس اللحى) وتمرير المصالح (بالنسبة للكتل الحاكمة)، وإما لدفع العملية السياسية إلى انسداد آخر يوصلها إلى أسوأ مما هي فيه الآن.

إن التفكير في الوضع العراقي اليوم بعد خروج الاحتلال يتطلب فعلا مؤتمراً وطنياً حقيقياً يكون أكثر شمولية، بحيث تمثل فيه قوى سياسية ومجتمعية فاعلة، بعضها شارك في الانتخابات وحرم من التمثيل بسبب قانون الانتخابات الذي يحتاج هو الآخر الى معالجة جذرية، وبعضها وهو الأكبر (المستقلون) الذين أصبحوا في السنوات الأخيرة على هامش الحياة السياسية في العراق بعد أن هيمنت الأحزاب والكتل السياسية الحاكمة عليها تماما. أيضاً  هناك ضرورة لمشاركة منظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها النقابات إذا كان المؤتمر (وطنياً)، واذا كانت هناك جدية فعلاً  لمعالجة ما يواجه العملية السياسية ووضع حد للأزمات المستعصية فيها.

إن  جميع هذه الأطراف ومعها نخب أكاديمية عراقية داخل وخارج العراق  أصبحت اليوم تملك رؤية سياسية أكثر قربا من نبض الشارع من القوى التي تحكم البلد والتي أصبحت في عزلة نتيجة صراعاتها على  المكاسب ونتيجة دفعها للعملية السياسية إلى طريق مسدود أضر بمصالح الشعب العراقي.

أما إذا كان الهدف من هذا (المؤتمر) أو (الاجتماع) الدفع باتجاه تصعيد أكبر يؤدي لانتخابات مبكرة، وهو ما لمح له أحد أركان العملية السياسية حين قال بأن (الفشل سيدفع إلى انتخابات مبكرة)، وما بدأت ملامحه مؤخراً من خلال ما جرى ويجري في (حركة الوفاق) من انشقاقات في الوسط والجنوب الهدف منها واضح وصريح هو تكريس الاصطفافات الطائفية  والمناطقية .

إذا كان هذا هو الهدف فإن من الأفضل لجميع الأحزاب والكتل الحاكمة أن تقول صراحة إنها ترغب بانتخابات مبكرة وإن ما جرى ويجري هو لتحقيق هذا الهدف، وليس هناك أي داعٍ لأن تضحك على العراقيين الذين أتعبتهم المناورات  بما تسميه مؤتمرا (وطنيا) لن يضيف شيئاً للعملية السياسية العقيمة.

 

 

علي فرزات ....

اصابعك اقوى من رشاشاتهم

هكذا هي الدكتاتورية دائماً هي ومن يأتمر بأمرها أو يدور في فلكها تخشى من المثقف ان كان صادقاً مع نفسه ...

تخشى من الفنان اذا كان صاحب مباديء وقيم ،لا يباع ولا يشترى ...

وتخشى الصحفي اذا ما تناول الحقيقة في أي من جوانبها ولا تملك ازاء هولاء سوى العنف والقتل والغدر ...

هكذا فعل (شبيحة) وأمن الاسد (الاب) مع الراحل سليم اللوزي (صاحب مجلة الحوادث) كسروا اصابعه واحرقوها لأنه كتب ما لم يعجب الدكتاتور، وفعلوا الشئ نفسه مع رياض طه (صاحب الكفاح والاحد) فأشبعوه رصاصاً ،وهذا ما فعله شبيحة الاسد (الابن) يوم امس مع الفنان العالمي الكبير علي فرزات ، حاولوا تعطيل يديه وتحطيم اصابعه ليكف عن رسم الوجع السوري على موقعه ... لكن اصابع علي ستظل اقوى من رصاصهم واقوى من دكتاتوريتهم وغداً تسطع شمس الحرية في سوريا وتعود (الدومري) كل صباح يرصد فيها علي فرزات كل ما يهم الوطن والمواطن

ليث الحمداني

 

المكارثية تعود من جديد، ولكن في العراق

(الحركة الشعبية لاجتثاث البعث) ولعبة القوائم والأسماء والاتهامات!

ليث الحمداني

(الخوف) .. بهذه الكلمة لخّص هارولد إيفانز الرجل الذي كان رئيساً لتحرير جريدة (التايمز البريطانية) وانتقل إلى الولايات المتحدة منذ عقود ليترأس تحرير مجلة (أتلانتك الشهرية) وليتخصص في التاريخ الأمريكي ويصدر كتابه الهام (القرن الأمريكي).

قال إيفانز إن جوزيف مكارثي أخاف الأمريكيين خوفاً حقيقياً، ولا يصدق الأمريكيون اليوم بعد خمسين سنة كيف أخافهم مكارثي في مرحلة تاريخية سياسية سوداء سميت بالإنكليزية (McCarthyism). حملة الخوف التي قادها جوزيف ريمونت مكارثي امتدت لخمس سنوات 1950-1955 وتحت حجة محاربة ما أسماه الخطر الشيوعي، تركت آثارها لسنوات طويلة على المشهد السياسي والثقافي الأمريكي ودفعت العشرات من المثقفين والفنانين والكتاب الأمريكيين إلى الهجرة والانزواء بعيداً عن خطر الاعتقال ...  ويبدو أن المكارثية تطل برأسها من جديد ولكن في العراق الذي يعيش مرحلة يحاول فيها (مكارثيون) أنتجتهم أحزاب ومجاميع تعاونت مع الاحتلال لاستخدامهم كواجهة لإرهاب المثقفين والكتاب ومحاولة إسكات أي صوت ينتقد الأعمال غير القانونية التي تجري تحت راية ما سمي (باجتثاث البعث) موظفين لغاياتهم السوداء شعارات تلامس مشاعر الناس البسطاء مثل الوفاء لشهداء المقابر الجماعية وشهداء حلبجة والأنفال، وكأن المثقفين والفنانين كانوا وراء تلك الجرائم، ودون أن يسأل هؤلاء أنفسهم ماذا قدموا هم لاولئك الشهداء في عهدهم (الديمقراطي) الكاذب الذي سرقت فيه حقوق اولئك الشهداء، وهذا ما حصل معي شخصياً ... بدأت القضية بعد أن نشرت مقالاً على موقع ( كتابات) (1) بعنوان (بيان ما يسمى أنصار اجتثاث البعث، دولة المؤسسات لا تبنيها العصابات يا سيادة رئيس الوزراء). وهو تعقيب على خبر يمكن الاطلاع عليه على الرابط (2)، ونقلَت العديد من المواقع المقال، وفوجئت بسيل من الشتائم الرخيصة كانت قد بدأت معي قبل ذلك حين نشر مقالي (حين لا ترى بعض العيون سوى السواد... الخ) على موقع (الحوار المتمدن) (3)، وأعيد نشر المقال على مواقع عديدة بعضها قريب من البعثيين. وكانت تلك الشتائم تعبر عن تدني خلق أصحابها. ما بعد الشتائم هو ما علمت به من ابني منذ يومين عن وضع اسمي في قائمة (سوداء) على موقع منظمة اسمها (الحركة الشعبية لاجتثاث البعث) ضمن مجموعة من المثقفين العراقيين مقرونا بتعليق: (صحفي كان ناشطاً في النقابات البعثية، شغل مناصب مهمة في نقابة الصحفيين وبترشيح مباشر من المجرم عدي صدام حسين، يعمل حالياً في جريدة البلاد في كندا). والتعليق بحد ذاته معبر عن الأسلوب المكارثي في التعامل مع المخالفين في الرأي، فلا يوجد شئ اسمه (نقابات بعثية) لأن النقابات كلها، وبما فيها نقابة الصحفيين العراقيين، تأسست قبل مجيء البعث للسلطة بعقود من السنوات وليس كل من انتمى اليها أو عمل فيها كان بعثيا. أما من حيث المصداقية فأنا عضو في نقابة الصحفيين منذ أواسط الستينات، وعملت فعلاً في النقابة بعد عام 1973 في اللجان النقابية حيث رشحت من قبل الحزب الشيوعي العراقي ضمن التشكيلة الجبهوية للجان النقابية ومجلس النقابة. واستمر عملي حتى انفراط الجبهة في أواخر 1978 وابتعدت عن العمل النقابي لعدة سنوات منعت خلالها من السفر. عدت إلى نشاطي النقابي كمستقل في أواسط الثمانينات، وهذا معروف للزملاء الذين عاصروا النقابة. ويومها دعمني عدد من الزملاء المهنيين في مقدمتهم النقيب المغدور شهاب التميمي والزملاء رشيد الرماحي، فلاح العماري، مريم السناطي، زيد الحلي، نرمين المفتي، حسام الصفار، الشهيد ضرغام هاشم، منذر آل جعفر، فلاح  العتابي، لؤي غائب،  جاسم مراد، رعد اليوسف، علاء لفتة، عماد البكري ومنى سعيد الطاهر وعادل العرداوي. وقد دعم هؤلاء الزملاء وغيرهم حملتي الانتخابية كمرشح مستقل في صحفهم، وفعلاً فزتُ في الانتخابات لدورتين متتاليتين كمرشح مستقل مدعوماً بأصوات الزملاء المهنيين. وفي الدورتين التي عملت فيهما كان النقيب هو الزميل صباح ياسين، ولم يكن لعديّ يومها أية علاقة بالعمل النقابي لا من بعيد ولا من قريب. وكان نشاطي مهنيا علنيا لاعلاقة له بأي انتماء سياسي أو حزبي. وقد عزفتُ عن الترشح للدورة الثالثة لأسبابٍ يطول الحديث عنها هنا، ثم خرجت من العراق نهائياً بعد قضية تم التحقيق معي فيها، من قبل لجنة أعضاؤها أحياء يرزقون، لأسباب لاعلاقة لها بالنقابة، وإنما بتاريخي السياسي. وخرجت بعدها من العراق نهائيا، أي إنني لم أعمل في النقابة في عهد عدي ولم ألتقِ به في حياتي، وأتحدى من عنده أي إثبات بغير هذه الحقيقة أن ينشره على الرأي العام. أنا هنا لست في مجال الدفاع عن موقفي لأنني معروف في الأوساط المهنية، وتاريخي واضح في نقابة الصحفيين وسنوات عملي مثبتة في سجلات النقابة، وإنما قصدتُ إيضاح حدود (مصداقية) هذا الموقع وأصحابه والأسلوب المكارثي المعتمد في إعداد القوائم، ويكفي القاريء استعراض الأسماء على الرابط:

http://www.no-ba3th.com/news.php?action=view&id=564

لكي يتأكد من الأسلوب المكارثي في خلط الأوراق لإرهاب الأوساط الرافضة للممارسات غير القانونية وغير الاخلاقية في عراق اليوم، ولاجتثاث خيرة مثقفي وفناني وكتاب العراق من الساحة، واجتثاث منجزهم الثقافي من الذاكرة العراقية عبر خلط الأوراق المتعمد، وإلا فما معنى تضمين القائمة لأسماء عدد من رموز المرحلة الدكتاتورية والجلادين كطه الجزراوي وعزيزصالح النومان وعلي حسن المجيد ومحمد زمام عبدالرزاق وآخرين مع قامات ثقافية وصحفية وفنية. أليست هذه هي المكارثية بعينها؟ الخلط من أجل الإرهاب الفكري وتنفيذ مخطط مشبوه لاستئصال ثقافة جيل بكامله.

لقد بذلت جهداشخصيا للبحث عن ما يسمى بـ ( الحركة الشعبية لاجتثاث البعث)،التي قالت عن نفسها انها (  عفوية لا تنتمي لأي جهة سياسية أو دينية في الداخل أو الخارج )  وتوصلت من خلال زملاء في بغداد أنها ليست سوى واجهة لما يسمى (هيئة المساءلة والعدالة) التي يديرها شخص موتور اسمه علي فيصل اللامي كان عضوا قياديا في حزب من الأحزاب المتخلفة التي تتخفى بمظلة الإسلام  هو (حزب الله العراقي)، وهو اليوم يعمل مع عراب تدمير العراق أحمد الجلبي أما الهيئة صاحبة الموقع فيديرها شاب في مقتبل العمر (كما يبدو من صورته) أشك بأنه يعرف شيئا عن الأسماء التي أدرجها في موقعه.

أقول قبل أن أختم لـ هؤلاء المكارثيين العراقيين أني أتشرف بأن يوضع اسمي في قائمة تضم زملاء مهنيين في مقدمتهم الصديق المغدور عزيز السيد جاسم وحسن العلوي وضياء حسن وداود الفرحان وأكرم علي وزهير الدجيلي وأمير الحلو وابتسام عبدالله وحمزة مصطفى وجواد الحطاب وعلي السوداني وسعد البزاز وحاتم عبدالواحد وعبدالزهرة زكي وغالب زنجيل وأحمد عبدالمجيد وعبدالزهرة الركابي وعبدالمطلب محمود ومال الله فرج ومعد فياض وصلاح العبد وغيرهم ممن حوتهم القائمة... فهم زملاء في مرحلة خرجت خيرة الكفاءات المهنية الصحفية في العراق.

ومع قامات أدبية شامخة كـ رشدي العامل وحسب الشيخ جعفر وحسب الله يحيى وحميد سعيد وتركي الحميري ولطفية الدليمي ومؤرخ كبير كالدكتور إبراهيم خليل العلاف أو باحث علمي جاد كمحمد فرحان جلوب فـهؤلاء أصحاب منجز ثقافي لا ينكره إلا  حاقد أو جاهل أو متخلف.

و قامات فنية تركت سفرا فنيا خالداً كـمحمد جواد أموري وحسين نعمه وفاضل عواد وجعفر الخفاف وحسن الشكرجي ومائدة نزهت وعباس جميل وخزعل مهدي وسامي عبدالحميد وصلاح القصب والآخرين ومع شعراء شعبيين تغنوا بأعذب الكلمات في حب العراق كـ عريان السيد خلف وكريم العراقي وزامل سعيد فتاح...

 هذه الأسماء الكبيرة واللامعة التي أدرجت في قائمة تضم جلادين وقتلة ومخبرين بالأسلوب المكارثي المدمر. أدعو القراء جميعاً إلى قراءتها للوقوف على ما وراءها من محاولات لاجتثاث الآثار الكبيرة لهؤلاء المثقفين والفنانين الكبار ... ثقافة العراق الموحد، من أجل أن تسود الثقافة الرثة للطائفيين والمتخلفين المهيمنيين على الحياة السياسية في عراق اليوم.

أخيراً إن مصير عراب الاحتلال الجلبي وتابعه الموتور اللامي وأذنابه الصغار ومن يقف وراءهم لن يكون بكل الأحوال أفضل من مكارثي الذي مات مدمناً  مكروها معزولاً عن الناس.

 

هوامش :

(1)   يمكن لمن لم يطلع على المقال قراءته على الرابط :

http://www.kitabat.com/i78688.htm

(2)   نص الخبر الذي تناولته بالتعليق كما نشرته الصحف على الرابط : 

http://www.alqabas.com.kw/Article.aspx?id=664287

 

(3)  مقالة (حين لاترى بعض (العيون ) سوى السواد....عن الصناعة في العراق وما يكتب عنها !!)

 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=133109

 

(4) كأن لم يكفِ المكارثيين الجدد في العراق اختطاف الصديق الراحل عزيز السيد جاسم وتغييبه في العهد الدكتاتوري فهم يحاولون اليوم كما يبدو اجتثاث منجزه الثقافي. حصل ذلك ايضا مع الشهيدة اطوار بهجت التي اغتالتها يد الغدر في العهد الاحتلالي وهي تؤدي واجبها المهني بكل شرف وصدق .

(5) أعدم الشاعر الصديق غازي ثجيل على يد النظام الدكتاتوري ويبدو أن هذا ليس كافياً بنظر هؤلاء المكارثيين فأدرجوا اسمه ضمن القائمة.

(6) من مساخر القدر أن تضمني القائمة مع احد مدعي الثقافة الذي كان سبباً رئيسياً في خروجي من العراق في التسعينات بتقاريره ووشاياته التي اصبحت تحت يدي بعد سقوط الدكتاتورية وسيأتي اليوم الذي اخاصمه فيه امام محكمة عادلة حين تقوم دولة قانون عراقية حقيقية لادولة ميليشيات وطوائف.

 

 

 

الانتفاضات العظيمة في تونس ومصروالنخب العربية المرتبطة بالانظمة !!

ليث الحمداني *

   طرحت الانتفاضات الشعبية التاريخية للشعبين التونسي والمصري مسالة غياب الأحزاب السياسية التقليدية والنخب الفكرية عن الشارع، أو دخولهم متأخرين بعد أن أشعلت جماهير الشباب والكادحين جذوة الانتفاضة ضد الدكتاتورية والفساد .... وهو غياب أجده موضوعيا كنتيجة طبيعية لازدواجية النخب السياسية والفكرية العربية، وأغلبها تقود أو تؤيد هذه الأحزاب التي تعاني منها ساحات النضال منذ عدة عقود.

   هذه الازدواجية التي يمكن أن نقول إنها سبب أساسي من أسباب أزمتنا لأنها أفقدت نخبنا  وأحزابها مصداقيتها أمام شعوبها. أذكر جيدا أننا كنا في العراق إبان حقبة الحكم الدكتاتوري نتألم ونحن نرى نخباً عربية يسارية وقومية وإسلامية (تتغنى) ببطولات القائد الرمز، في حين كان هذا القائد يصادر حرياتنا ويحتكر وحزبه السلطة دون منافس. كان هناك إخوان مسلمون سوريون على سبيل المثال لاجئين في العراق، وكان هناك قوميون عرب فلسطينيون وأمثالهم من دول المغرب العربي وشمال افريقيا، وحتى يساريون من التجمع المصري، هولاء كانوا حاضرين دائماً لنقد أنظمة بلدانهم من بغداد وكأنها قلعة من قلاع الحرية، رغم أن بعض أنظمة بلدانهم كانت أقل وطأة في عنفها وتعاملها مع أبناء شعبها من نظام القائد الرمز. كان هولاء يعلمون جيداً أن هناك شيوعيين وقوميين وإسلاميين في سجون صدام حسين، ولكنهم كانوا لا يعيرون لذلك اهتماماً حين يطالبون بالحرية وحقوق الإنسان في بلدانهم.كان هناك سياسيا أردنيا يكيل المديح للنظام الدكتاتوري في وقت كنا نتمنى نحن نصف الحرية والحقوق الممنوحة له في بلده. وفي أواسط التسعينات كتبت فيه مقالا ساخرا طالبته فيه بأن نتبادل الحكام نحن وذلك السياسي الإسلامي الذي يسمي نفسه كاتبا، وكان يرى في الدكتاتورية الصدامية مثله الأعلى!! فاتهمنى بالعمالة للإمبريالية!!

في الثمانينات كانت النخب اليسارية والقومية تهرول باتجاه ليبيا، وكان العقيد القذافي (كريماً) معهم بالأموال الليبية، وكانوا يصمتون تماما عن سجونه ومعتقلاته وعن حقوق الإنسان الليبي المنتهكة في ظل نظامه الدكتاتوري.

   وأذكر في أواسط الثمانينات أنني كنت موفداً من وزارة الصناعة العراقية إلى ليبيا، والتقيت في معرض طرابلس الدولي بوفد الحركة الوطنية اللبنانية، وكان الوفد يضم رموزاً من الحزب الاشتراكي والحزب السوري القومي والشيوعيين والبعث السوري. وروى لي صديق كان ضمن الوفد نكتة كانوا يتداولونها ليلة مقابلة العقيد. قال إن أحد أعضاء الوفد قال: إذا سألنا الأخ العقيد عن القضية سأقول له أعطنا مفتاح الخزينة وخذ القضية! صحيح إنها نكتة سمجة، وأنا لا أهدف منها هنا التقليل من دور الحركة الوطنية اللبنانية في تلك المرحلة، ولكن لإعطاء صورة عن طبيعة العلاقة بين النخب والأنظمة. في تلك المرحلة كنت متابعاً جيداً للصحافة اللبنانية بمختلف اتجاهاتها ولا أذكر أن صحيفة واحدة من الصحف الوطنية أو القومية أشارت مرة بسطور قليلة للانتهاكات الليبية لحقوق الإنسان وكأن ليبيا جمهورية أفلاطون الفاضلة .

   منذ اسابيع كنت اقرأ على سبيل المثال مقالة لمفكر وكاتب لبناني يتحدث فيها عن الأوضاع في العراق أشار فيها (وهذا من حقه) إلى ما أسماه حكم الأقلية السنية إبان النظام السابق. الكاتب نفسه هو أحد المقربين من نظام الرئيس السوري بشار الأسد ومن المدافعين عن نظامه، لكنه لا يرى (كمفكر) أن هناك حكماً للأقلية العلوية في سوريا تنحصر رؤيته بالعراق فقط. وبعد سقوط النظام قبل ذلك وفي أواسط السبعينات كان الكاتب أول من التقى بصدام حسين وأفرد له صفحات في مجلة الصياد اللبنانية. كان صدام يومها في الخطوط الخلفية للحزب فقدمه بعنوان صارخ ما زلت أذكره (حوار مع صدام التكريتي صانع التغيير في العراق). متجاوزا كل الرموز التاريخية في الحزب وعلى رأسها عبدالخالق السامرائي الذي ذبحه النظام البعثي فيما بعد.

  هذا الواقع المر لمسناه ونحن خارج العراق في التسعينات. كان هناك شيوعيون وماركسيون استقروا في دمشق يهاجمون نظام صدام حسين، ولكنهم يمتدحون نظام حافظ الأسد دون أن يفكروا برفاق لهم أكلت زنازين الأسد الأب أجسادهم. ومرة قلت لأحدهم، وهو كاتب مرموق، ماذا ستقولون لرياض الترك ورفاقه إذا ما التقيتموهم في يوم ما! وكان الجواب الصمت، واحياناً محاولة تبرير غير مقنعة. هؤلاء أنفسهم كتبوا حين عادوا إلى العراق بعد الاحتلال مقالات عن السجون والمقابر الجماعية في العراق، (وهذا من حقهم ايضاً)، ولكنهم أغفلوا على الدوام أي ذكر للسجون السورية أو لمقبرة حماة الجماعية، وهم يعرفون عنها الكثير.

      قبل شهور قرأت دراسة لمفكر يساري لبناني يكيل المديح لحزب الله والمقاومة (وهذا من حقه) ولكنه حين سئل بعد أسابيع في إحدى الفضائيات عن رأيه بحركة الاعتراضات في إيران ضد نتائج الانتخابات، أجاب بأن ما يجري في إيران شأن داخلي ونحن يهمنا الدعم الإيراني للمقاومة. وكأن النضال من أجل الحريات والحقوق في لبنان يختلف عنه في إيران أو السعودية أو أي مكان آخر ... كأن قضية حقوق الانسان تتجزأ حسب الظروف والعلاقات. قبل شهور اتصل بي مثقف لبناني صديق، وبعد أن أعرب عن إعجابه بمطبوع أشرف عليه شخصياً، وقال بأنه يتابعه على النت، فاجأني بالقول بأنه مستاء من مقالات الكاتب صباح الموسوي التي تتناول قضية الأحواز. وحين سألته لماذا؟ أجابني بأن إيران دولة معادية لسياسات الولايات المتحدة، وليس من المصلحة إثارة المشكلات لها. وحين قلت له مستغرباً من منطقه إن صباح الموسوي يطرح قضية شعبه وهذا من حقه، أجابني بما هو اسوأ: ألا ترى أن معركة الدفاع عن المقاومة في لبنان أهم من الأحواز؟ قلت له: لا أجد أي وجه للمقارنة، فابن الأحواز عنده قضية يدافع عنها وأنا عندي قضية أدافع عنها وأنت من حقك أن تدافع عن قضيتك، ونحن جميعا يجب أن ندافع عن جميع القضايا العادلة في وقت واحد.

سأتناول حرية الدين والعقيدة كمثال فقط على ازدواجية المواقف. نحن نقرأ الكثير من المقالات التي تدافع عن حقوق الشيعة بممارسة عقائدهم في السعودية، وهي حقوق نتفق عليها جميعا’ ولكننا نرى بوضوح أن النخب التي تكتب دفاعا عنها تتجاهل تماما  في مواقف أخرى مماثلة، حقوق أقليات دينية في إيران كالسنة والصابئة هي أقليات محرومة من حقوقها ايضا. إن المثقف، أي مثقف، يريد المحافظة على مصداقيته يجب أن ينظر إلى جميع القضايا بمنظار واحد أيا كانت هذه القضايا ما دامت تندرج تحت بند الحريات وحقوق الانسان.

   أنا هنا لا أعمم، فقد كانت في العراق في نهاية السبعينات نخب سياسية وفكرية سودانية ومصرية، وخاصة من الماركسيين، رفضوا أن يصبحوا أدوات في يد النظام العراقي فتركوا العراق رغم ظروفهم الصعبة وعاشوا في مهاجر أخرى. الآن تغيرت الحالة ولكن النخب لم تتغير، ويمكن أن نحلل ما جرى من انتفاضات عظيمة في تونس ومصر، وقيادة الشباب لهذه الانتفاضات بأنها احتجاج مباشر على تلك النخب التي سارعت لركوب الموجة وامتداح تلك الأحداث العظيمة من مواقعها القديمة نفسها. هذه النخب التي تشيد اليوم بالأحداث، بعضها غير اتجاه قبلته من بغداد صدام حسين إلى إيران أحمدي نجاد فأصابه العمى عما جرى ويجري في إيران من انتهاكات لحقوق الانسان، والحجة جاهزة لدى هؤلاء (معاداة إيران للإمبريالية)، وكأن معاداة الإمبرالية (.....)!! تتطلب من النخب أن تغمض عيونها عن الانتهاكات والسجون والمعتقلات. هناك نخب قومية صمتت طويلاً عن انتهاكات حقوق الانسان والفساد في اليمن بتبرير يقول إن وحدة اليمن مستهدفه، ونخب فلسطينية تمتدح أنظمة دكتاتورية كإيران وسوريا وتتغاضى عن  انتهاكات حقوق الانسان والحريات بذريعة دعم النظامين لبعض فصائل المقاومة الفلسطينية. وانعكس ذلك على السياسات المحلية. فالنخب الموالية لفتح في فلسطين تقدم السلطة وكأنها واحة للديمقراطية، والنخب الموالية لحماس تجعل من سياساتها امتدادا لحكم الصحابة، في حين تنتهك القوتان الكثير من الحقوق السياسية لمواطني السلطة وغزة، والأمثلة كثيرة على هذه الانتهاكات وطبعا فأن النخب العربية الموالية لهذا الطرف او ذاك لاترى سوى الصورة المشرقة لسياساته. أليس في ذلك ازدواجية تعيشها هذه النخب جعلت العلاقة بين السلطة والنخبة علاقة مصلحة لا علاقة تكافؤ فكري؟

الآن هناك نخب تدبج المقالات في صحافة السعودية في الخارج أو تلقي التنظيرات عبر قنوات الجزيرة أو العربية دفاعا عن الحريات وضد الفساد، ولكنها تصمت صمت القبور عن الفساد وانتهاك الحريات في الدول الممولة لها .

   أنا لا أعيب على سياسي يميني يدافع مستميتاً عن السياسات القذرة للولايات المتحدة، لأن هذا موقفه واضح منذ البدء. ربط مصيره بسياسات معادية لطموحات شعبه، ولكن أن أدعي أنا هنا بأنني مدافع عن حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية في هذا البلد أو ذاك، وأصمت إزاء انتهاكات هذه الحريات في السعودية أو ايران أو مصر أو السودان أو سوريا أو ليبيا أو إيران أو أي مكان آخر في العالم تربطني به مصلحة عمل أو إقامة أو تمويل أو أي شئ آخر.

    إن غياب النخب التاريخية عن قيادة الحدثين التاريخيين الكبيرين في تونس ومصر هو تأكيد على أن هذه النخب فقدت دورها في حياة الشعوب العربية. وهذا يبشر بولادة نخب جديدة من شارع الانتفاضة،  نخب غير مدجنة، تدافع عن حقوقها ولاتستهين بحقوق الآخرين وهو ما نراهن عليه لمستقبل الأجيال والأوطان في العالم العربي.

تحية لشباب ميدان التحرير وهم يعلمون جيلنا معنى أن تكون ثائرا من أجل قضيتك دون أن يضعك احد على (قضبان سكة حديد) توصلك لموالاة الانظمة القمعية او الحركات الشمولية التي تحمل زورا رايات الثورة او الممانعة ..... وليصمت كل اللذين يحاولون سرقة الثورة وتجيير منجزاتها للانظمة القمعية والحركات الشمولية  فهؤلاء والدكتاتور مبارك وجهان لعملة واحدة 

*رئيس التحرير

* لم أتطرق إلى الأسماء لأن الهدف هو تناول ظاهرة سادت حياتنا السياسية  وماتحدثت عنه نماذج فقط   

 

 

حين يطمئن نائب في البرلمان العراقي زملائه بأن العراق لن يشهد انتفاضة !!

يوم الحساب آت لامحالة في بلد اصبح  بعض مواطنيه يعيش على الزبالة  !!

ليث الحمداني*

 

طمأن نائب في برلمان العراق اسمه زهير الاعرجي زملائه في (البرلمان) و(الحكومة) أن العراق لن يشهد أحتجاجات مماثلة لتلك التي تشهدها الدول العربية حاليا لانه (بلد ديمقراطي)!!

جاء هذا في خبر نقلته وكالة ( أصوات العراق) المستقلة يوم 29-1-2011 ويبدو أن السيد الاعرجي يرى في نظام العراق ( كمرة وربيع) كما يقول البدو او (شمر بخير) كما يتندرون لان السيد النائب الذي يعيش في (المحميةالخضراء) ويقبض الاف الدولارات هو وحمايته لايرى ولايسمع ولكنه يتكلم فقط ..يتكلم بما يحلو له !!ولو انه اتعب نفسه قليلا وقرأ التقرير الذي كتبه جون ليلاند من ( نيويورك تايمز) وهو بالمناسبة لابعثي ولاصدامي وانما من بلد (اولياءنعمةالسيد النائب) والذي نشر قبل اسبوع واحد من تطمينات نائبنا المحترم لزملائه وتناول حياة العراقيين الذين يعيشون على (النفايات) في منطقة عشوائية  تقع قرب بغداد وتشبه الى حد بعيد تلك العشوائيات التي تحيط بالعاصمة المصرية والعاصمة التونسية  ..لو استمع (السيد النائب) المحترم الذي يتقاضى الاف الدولارات شهريا له ولحمايته او قرأ ماقاله المواطن العراقي حمد طارش وهو شاب في الثانية والعشرين يعيش في تلك العشوائية ويؤمن قوت يومه من مكبات النفايات وكيف انه لايستطيع تذوق اللحوم وانه استغنى عن السكر للشاي لانه لايستطيع تامين ثمنه ، لو قرأ او استمع الى شهادة مواطنه الثاني علي حسون ابن السابعة والعشرين ومعاناته من الحياة في تلك العشوائية واعتماده على النفايات هو الاخر لتدبير شوؤن حياته ، لو استمع السيد النائب او قرأ ماقاله مواطنهما الاخر ثجيل 58 عاما القادم من العمارة من المحافظة التي تعوم على اكبر بحيرة نفطية في المنطقة والذي يعيش هو الاخر على مكبات النفايات ويعجز بسبب قلة مايوفره عن شراء (الغازولين) لتدفئة اسرته في برد الشتاء القارص (في بلد النفط) لو قرأ ماقاله هؤلاء لماتسرع بتطمين زملائه على اوضاعهم لانهم يعيشون تحت غطاء (الديمقراطية) لو قرأ هذا النائب المحترم ماقاله محافظ بغداد صابر العيساوي وهو يتحدث للصحفي عن معالجات المحافظة لظاهرة العيش على مكبات النفايات (أن المحافظة تنوي تحريك شاحنات القمامةفي الليل) وانه ( يتعين على هؤلاء الافراد العثور على وظائف لانهم وصمة عار على جبين مجتمعنا) كما قال المحافظ وكأن هؤلاء اختاروا الحياة على مكبات النفايات ترفا وحبا لهذه الحياة ، لو اطلع على حياة هؤلاء لتردد قليلا قبل ان يطمن زملائه النواب بان لاشيء يشبه ماحدث في تونس او مصر سيحدث في العراق!! لان العراق بلد ديمقراطي!!

تخيلوا في بلد يقول الاقتصادي والكاتب العراقي موسى فرج ان حجم موازنته بحجم موازنات مصر وسوريا والاردن ولبنان يعيش الناس على النفايات ويريد منهم السيد النائب ان لايصنعوا ماصنع اقرانهم من الكادحين في تونس ومصر لانهم يعيشون في ظل ( نظام ديمقراطي) ...صحيح ان أحزاب الاسلام السياسي التي فشلت اينما حلت ورحلت في تنمية بلدانها والنهوض بمجتمعاتها تقوم بتخدير العراقيين اليوم بالاكثار من زيارات المراقد والاضرحة ومن طبع ملايين الصور للمراجع ووضعها في كل مكان ولكن لكل شيء نهاية ولكل مخدر مرحلة ينتهي فيها مفعوله فيصحى المريض  وحينها سيجد هؤلاء المسوؤلين انهم امام حساب عسير من هؤلاء الفقراء والمسحوقين الذين استكثرت حكومة المالكي عليهم ( بطاقتهم التموينية) فقلصتها عملا بنصائح خبراء البنك الدولي الذين سبق ان نصحوا بن علي ومبارك النصائح ذاتها ..

أن بلدا كالعراق ( تغيب) عن موازنته (12) مليار دولار كما أشار مقال نشر مؤخرا نتيجة احتساب سعر برميل النفط في موازنة 2010 ب (62)دولار امريكي على سبيل الاحتياط ثم بيعه فعليا في تلك الفترة ب (73) دولار للبرميل ليتحقق فرق قدره (12) مليار دولار لاتظهر في الموازنة العامة للدولة ويعيش فقراءه على مكبات النفايات هو البلد المرشح لانفجار جماهيري اكثر من غيره ، اما الحديث عن الديمقراطية فهو مخدر آخر للجماهير لان الديمقراطية ليست كما يتصورها النائب المحترم فضائيات لاعد ولاحصر لها تنشر الطائفية وتشيع الخرافات في المجتمع وتقسمه وتميز بين مواطنيه وتثير كراهية بعضهم للبعض الاخر ، وهي ايضا ليست مئات الصحف التي لايعرف مصدر تمويلها وتلعب الدور نفسه في تقسيم المجتمع واغلبها لايرقى مهنيا الى مستوى النشرات المدرسية ...الديمقراطية في بلد كالعراق تدخله المليارات سنويا هي توفير الحياة الكريمة للمواطنين وتوفير الامان ومحاكمة المجرمين والقتلة ، الديمقراطية هي نظام يحاسب الفاشل والمسيء والمخرب لانظام يتمسك فيه رئيس وزرائه بوزير فاشل تسبب في مقتل العشرات من المصلين الابرياء في كنيسة سيدة النجاة بسبب سوء تقديراته وقلة خبرته هو وجهازه .. الديمقراطية هي نظام يعزز المواطنة في المجتمع لانظام تخترق الطائفية كل مفاصله فتحيله الى محاصصة بغيضة تحمي الفاشلين والفاسدين ويصبح الخراب في كل مكان !!

ايها السيد النائب انت ومن معك ديمقراطيتكم المثقوبة لن تحميكم من غضبة الكادحين ويوم الحساب آت لامحالة !!

*رئيس تحرير جريدة (البلاد)

 

حين يختصر الوطن (بالفرد) يضيع كل شيء!!

ليث الحمداني

يعيدني مشهد  الرئيس السوداني عمر البشير وهو يحرك عصاه في الهواء من سيارة مكشوفة وسط حماية مكثفة ضاحكا بملء شدقيه، بتلك الأغاني التي كان التلفزيون في العراق يبثها عشية تدمير الجيش العراقي المنسحب من الكويت، وكلها تتغنى بالقائد (الرمز). (أشهد بالله مثلك ما يصير) و (لا.. لا ولا يهمك) و (على عنادج يا أمريكا أبو عداي ونريده) وغيرها مما يبشرنا بسلامة (القائد) ويؤكد لنا أن كل شيء يهون مادام هو (قائدا). هكذا اختصر العراق الوطن كله بشخص القائد .. وهكذا ضاع العراق وسقط صريعا بيد الاحتلال .. وهكذا يختصر السودان كله   اليوم بشخص البشير الذي يلوح بعصاه رغم أن السودان على وشك أن يصبح (سودانين) أو أكثر. ومن يدري ماذا تخبئ الأيام؟ وكل ذلك بسبب سياسات دكتاتورية فردية ترفض الرأي الآخر وتجمع حولها المفسدين واللصوص والهتافين!!

 ورغم أن الخلفية التاريخية للنظامين مختلفة، ففي العراق كان هناك نظام يقوده حزب قومي، وفي السودان اليوم نظام يقوده حزب إسلامي تبرأ منه مؤسسه المفكر الإسلامي حسن الترابي بعد أن ذاق على يديه مرارة السجن والإقصاء السياسي. ولكن الحالة متشابهة.

في العراق (اختصر) الحزب كله بشخص (القائد) وضاعت الشعارات القومية وسط الحروب والقمع والتضييق على الحريات . وفي السودان يختصر (الإسلام) بالعقوبات و (الحدود)، وكأن مأساة السودان كلها تتعلق (ببنطال) ترتديه فتاة (فتجلد) أمام أعين الناس!!

إن التصريحات الصحفية التي يطلقها بعض أركان النظام في السودان اليوم حول (ديون  السودان) وتقلصها بعد (الانفصال) ليست أكثر من محاولة للتخفيف من صدمة الانفصال على نفوس السودانيين الذين تعايشوا، شماليين وجنوبيين، منذ قيام الدولة الوطنية.. فالسودانيون سيجدون أنفسهم بعد انفصال الجنوب أمام المؤسسات الدولية المالية التي ستحاسبهم كما حاسب (نادي باريس) الباكستان بعد انفصال بنغلادش، حيث حملها الجزء الأكبر من الديون. أما الحديث عن الحوافز التي سيقدمها الغرب للسودان فإن أهمها، كما يدور في الخفاء هو إبعاد شبح المحكمة الدولية عن عمر البشير، وهذا هو المهم بالنسبة للدكتاتور وحزبه. وسيجد السودان نفسه، عاجلا أم آجا، مطالبا بثلاثة مليارات دولار هي فوائد وعقوبات تأخير الدفع للدول الدائنة التي وصل حجم ديونها مع السودان إلى أكثر من 35 مليار دولار، أي أن التبشير بتحسن الأوضاع الاقتصادية ليس أكثر من بيع الأوهام لفقراء السودان ..

إن نظام البشير مثله مثل أي نظام دكتاتوري آخر لا يهمه سوى السلطة. ونستطيع أن نلمس ذلك في تصريحات بعض رجاله، ومنها تصريح الفريق محمد عطا المولى مدير جهاز المخابرات السوداني الذي شن مؤخرا هجوما على أحزاب المعارضة  محذرا اياها  من أية محاولة لإسقاط النظام، في حين أصدر نائب البشير على عثمان محمد طه توجيها لوالي الخرطوم لمحاربة ما أسماه (التلاعب بقوت الشعب)، وكأن المتلاعبين بقوت الشعب هم أحزاب المعارضة التاريخية وليسوا أتباع النظام واقرباء قادته وازلامهم .. والأدهى والأمرّ أن نائب البشير وجه في رسالته تلك تحية لعمر البشير يصفه فيها بأنه (وحد الأمة وجمع الصف الوطني وحافظ على الحرية والكرامة)!! فأي توحيد هذا الذي جعل حرب الشمال والجنوب تلد حروبا أخرى لم يعرفها السودان من قبل .. ودارفور نموذجا!! وقد يقول قائل مدافع عن النظام بأن البشير ورث حرب الجنوب من الأنظمة السابقة، وأن تدخلات خارجية تعلب دورا في تأجيج الصراع، وهذا صحيح، ولكن الصحيح أيضا أن دكتاتورية البشير همشت أحزاب المعارضة التاريخية التي صنعت  استقلال السودان ورفضت كل دعواتها التي سبقت الانتخابات لمؤتمر وطني شامل يوقف تداعيات الأزمة مع الجنوبيين، لا بل إن النظام ظل يراهن على إضعاف تلك المعارضة وتمزيق أحزابها، ظنا منه بأن ذلك هو الحل ..فأجرى الانتخابات التي كرست قيادته للسلطة !!

ويبدو أن اليمن هو الآخر يسير على طريق السودان، فدكتاتورية على عبد  الله صالح تدفع بالبلد نحو الانهيار، فهناك الحراك الجنوبي الذي تعود أسباب انطلاقه أصلا إلى سياسات النظام الدكتاتوري في الجنوب ومدنه والتي عملت على تهميش الجنوبيين وتوزيع ممتلكات الدولة القديمة على الأعوان والمؤيدين، وحرمان الجنوبيين من حقوقهم المشروعة في التنمية والتطوير وتوفير فرص العمل .. وهناك أحزاب المعارضة الرافضة لقانون الانتخابات والداعية إلى مؤتمر وطني شامل يسبقها لمعالجة مشكلات اليمن، ووضع حد للخراب والفساد الذي ينهش أطراف الدولة وإصلاح الأوضاع قبل الانتخابات. وكل هذا لا يدفع على صالح سوى إلى اتهام جميع الأطراف بالخيانة والتآمر والانفصال في خطبه التي يلقيها بمناسبة وبلا مناسبة. وهكذا فإن مصير اليمن لن يكون أفضل من مصير السودان لاحقا..

لقد أثبتت مسيرة التاريخ أن الأنظمة الدكتاتورية التي تختصر الأوطان (بالقائد) أو (الزعيم) تدمر المواطنة لدى مواطني الدولة بسبب التمييز والفساد والرشاوى، وتصبح اللامبالاة هي الحاكمة في حياة الناس، كما حصل في العراق، حيث دمرت كل مقومات الدولة الحديثة على يد الاحتلال نتيجة سنوات من حكم الدكتاتورية دمرت روح المواطنة وسحقت الطبقة المتوسطة، وسقط البلد على يد الاحتلال بيد مغامرين طامعين بالسلطة عاجزين عن توفير الأمن والخبز لمواطنيهم..

لم يستفد البشير ولا صالح من تجربة العراق، ولن يستفيد الآخرون، ففي العالم الثالث يفعل الحاكم ما يشاء، لأن الوطن كله مختصر بشخصه ... والمهم أن يخرج هو سالما من الصراع .. أي صراع، وليذهب الوطن والشعب إلى المجهول ...

بيان مايسمى(انصار اجتثاث البعث)

دولة المؤسسات  لاتبنيها العصابات ياسيادة رئيس الوزراء

ليث الحمداني

يثير الخبر الذي نقل عن جماعة تسمى نفسها (انصار اجتثاث البعث) ألسؤآل القديم .....الجديد الى أين تسير الاوضاع في العراق؟ بين سلطة  تقول انها تسعى للمصالحة الوطنية وبناء دولة المؤسسات وبين جماعات تتصرف (كعصابات) تدعوا للتصفيات الجسدية ...تعالوا نقرأ هذا الخبر معا اولا :

أنصار الاجتثاث يتوعدون بتصفية «البعثيين» جسديا

نشرت جماعة تطلق على نفسها «الحركة الشعبية لاجتثاث البعث في العراق»، منبثقة عن هيئة المساءلة والعدالة، بيانا نددت فيه بدعوة التكتل الجديد لــ «البعث»، الذي عرف بتسمية «تيار الانبعاث والتجديد»، واتهمته بقربه من رغد صدام حسين، معتبرة ذلك «محاولة يائسة من هذه الشراذم البعثية للولوج في العملية السياسية السائرة في العراق بطريقة مرنة وفرتها الديموقراطية الحاكمة». وأضاف البيان ان «التعامل مع البعث وإرثه الدموي وأزلامه السابقين خرج من جعبة الحكومة»، لذلك اعتبرتها الحركة «طرفا تمثل نفسها وتوجهات رئيسها.. وبذلك لم تعد الطرف الذي يمثل الشعب العراقي في هذه القضية الحساسة». وحذر من أن العراق سيشهد «تصفيات جسدية ستقوم بها العشائر استجابة لمشاعر ثأرية تجاه من تسبب في قتل ابنائها وتغييب الكثير منهم»، ووصفت هذه الأعمال بــ «المطلب الجماهيري الفطري».

ويمكن لمن يود التاكد من نصه كتابة عنوانه فقط على محرك البحث (غوغول) و سيقرأه في اكثر من جريدة وموقع اخباري ....ولنعد اولا لتقييم ماسمى  ب(هيئة المساءلة والعدالة) مادمت الجماعة التي  اصدرت هذا البيان تقول انها منبثقة عنها .... نحن متفقون جميعا على أن العهد الدكتاتوري الذي حكم العراق أكثر من ثلاث عقود معتمدا على حزب سياسي تأسس في الخمسينات و(تعسكر) بمرور الزمن وتحولت أجهزته الى اذرعة أمنية سببت الكثر من الاذى لشعب العراق ،ولكن هذا لاينفي أن هذا الحزب شكل جزءا من المجتمع العراقي حين ضم في عضويته الملايين ولايمكن أن يكون جميع منتسبيه ( قتلة ومجرمون) كما يحاول البعض تصويرهم الان لاهداف باتت معروفة تماما فهذا الحزب الذي كان موجودا داخل التحالف الذي اطاح بالنظام الملكي صبيحة 14 تموز وتحالف مع بعض من يعادونه اليوم لاسقاط الزعيم الوطني عبدالكريم قاسم في انقلاب دموي في 8 شباط63  وعاد للسلطة  بعد اطاحته مرة اخرى في عام68 هو جزء من تاريخ العراق الحديث وقدم كوكبة من مناضليه على يد السلطة الدكتاتورية التي اختصرته بشخص الدكتاتور  والا فماذا يمكن ان نقول عن مناضلين من أمثال فؤآد الركابي  وعبدالخالق السامرائي ومرتضى الحديثي ومحمد صبري الحديثي وعدنان الحمداني والقائمة تطول ، لقد اوقعت الدكتاتورية البلد في محن لاتعد ولاتحصى وتصل الى درجة اللامعقول (عنف)و(تغييب للحريات) و(عسكرةالمجتمع)و(تأليه شخص الدكتاتور) و(حروب وأحتلالات) والغاء تام للعمل الحزبي السياسي وتحويله الى عمل امني ولكن كل تلك الممارسات لم تكن تحضى بالتصويت عليها داخل مؤسسات الحزب او بموافقة ورضا جميع البعثيين او أن جميع اعضاء الحزب مارسوها على الارض بحق ابناء الشعب. لقد سقط البعث بالضربة الامريكية القاضية  وروج لفكرة (الاجتثاث) وهي فكرة خاطئة اصلا فقد اثبتت التجارب ان (الفكر) لايمكن ان يجتث مهما بلغت درجات العنف ضده والمثال العراقي نفسه يؤكد هذا فقد حاولت الدكتاتورية اجتثاث الشيوعية من العراق ولكنها فشلت فشلا ذريعا الذين طرحوا الاجتثاث بدوافع شخصية وانتقامية قالوا بأنه تقليد لما حصل في ألمانيا بعد الحرب ولكن التقليد جاء بالتسمية فقط ففي المانيا تشكلت محاكم مستقلة حاكمت مجرمي النازية بالادلة والبراهين  في حين تشكلت في العراق هيئة  لاتملك المواصفات  الحيادية والقانونية التي تؤهلها لذلك فمارست الانتقام واختصرت البعث كله بالممارسات الدكتاتورية تماما كما اختصره صدام حسين  بشخصه  وانعكس هذا حتى على المحاكمات التي قيل بانها ستحاكم العهد البعثي كله وتحولت الى محاكمات بقضايا معينة والا فماذا نسمي التصفيات التي حصلت في قصر النهاية وهل ان أعضاء حزب الدعوة او من ينتمي لبيت الحكيم او عشائر الجبور عراقيا بينما ضحايا قصر النهاية من الشيوعيين والاسلاميين والقوميين مواطنون درجة ثانية !! ايضا هناك تساؤلا هاما يطرح نفسه الم يكن أغلب اقطاب مايسمى بالمعارضة العراقية وفي مقدمتهم السيد رئيس الجمهورية والسيد رئيس الوزراء (ضيوفا) لسنوات طويلة على نظام بعثي آخر ويجلسون ويجتمعون مع بعثيين ينتمون في الاساس لنفس الحزب !!

لقد كرر السيد نوري المالكي اكثر من مرة انه يسعى للمصالحة الوطنية والمصالحة تعني أن اي مواطن لم تتلوث يداه بالدم من حقه ان يمارس نشاطه السياسي بالاسم الذي يختاره واذا كان الشعب يرفض ذلك فأن العمل السياسي باسم البعث سيظل معزولا عن الناس فالسلطة التي كان يملكها البعث والتي كانت (تغري وتخيف)  انتهت للابد ... ان البيان الذي نشره من يسمون انفسهم (الحركة الشعبية لاجتثاث البعث) ومااحتواه من (تهديدات بالتصفية الجسدية) واستغلال العشائر بتلك التصفيات هو تحد سافر لسلطة رئيس الوزراء ونوع من العمل الاجرامي يطاله القانون واذا كان السيد المالكي ( جادا) باقامة دولة القانون فأن عليه محاسبة هذه المجموعة على بيانها لانه بيان (يدعو للقتل) وليس بيانا سياسيا ،كما ان قضية اعادة النظر ب( هيئة المساءلة والعدالة) وأعادةتشكيلها بعيدا عن الاحزاب الحاكمة والمحاصصات الطائفية وبهيكلية قانونية وقضائية مستقلة هو الطريق لتحقيق المصالحة ...فدولة القانون تبنيها القوانين ولاتؤسسها العصابات !! والبيان المنشور هو بيان عصابة وليس مجموعة سياسية !!

 

الصناعة العراقية مشروع أسست له الدولة الوطنية ودمره الاحتلال

ليث الحمداني

قد يعتبرني البعض مغاليا في تقديراتي إذا ما قلت إنني أعتبر(الموقف من الصناعة) في أي بلد نام هو واحد من معايير وطنية السلطة الحاكمة في ذلك البلد (دكتاتورية كانت أم ديمقراطية). ومن هنا لابد من الحديث عن موقف الأنظمة المتعاقبة في العراق من هذا القطاع وترك المقارنة (إن جازت) بينها وبين ما آلت اليه الصناعة اليوم، في ظل (تجربة الحكم البريمرية) التي تعد فترة سوداء في تاريخ العراق وتاريخ الصناعة الوطنية العراقية تحديدا. وأجزم بأن ما جرى للصناعة ليس عفويا، بل خطط له منذ اجتياح الكويت وفرض الحصار على العراق، ثم أنجز القادمون على الدبابة الأمريكية تدمير هذا المشروع الوطني.

 في البداية ترك الاحتلال منشآت القطاع الصناعي للغوغاء والنهابين، فيما حمى وزارة النفط ببضع دبابات، ثم جاءت الحكومات المتعاقبة لتترك القطاع يواجه مصيره بإهمال متعمد من جهة وبفتح أبواب الاستيراد على مصاريعها من جهة أخرى للاستيراد من دول الجوار وبدون رسوم كمركية، مما جعل الصناعة العراقية التي تعاني من تكاليف مرتفعة للعديد من الأسباب لاتتمكن من المنافسة فتلفظ أنفاسها ....

العهد الملكي قلة الإمكانيات وكبر الطموحات

إن أي دارس منصف لوثائق مجلس الإعمار العراقي، خاصة دراسات المسح الصناعي الشامل التي أجرتها (آرثر دي لتل) الأمريكية، يلمس حجم طموحات النظام الملكي وصدق موقفه لإقامة صناعة وطنية عراقية، رغم قلة موارده المالية، وقد اطلعت شخصيا على العديد من وثائق المجلس في المكتبة المركزية لوزارة الإعمار التي آلت في السبعينات إلى مديرية البحث والرقابة الصناعة، واستقرت في مبناها القديم في باب المعظم خلف دار الطلبة، وكان من بينها نشرات أسبوع الإعمار التي تلمس اهتمام الملك الشاب ورئيس وزرائه نوري السعيد بوضع مجلس الإعمار بشكل عام. وقد سمعت من الراحل عبدالقادر عبداللطيف الذي عمل في المجلس لسنوات طويلة، ثم ترأس اتحاد الصناعات العراقي في الثمانينات الكثير عن اهتمام المجلس بالدراسات المتعلقة بإقامة صناعات في العراق. وسمعت أيضا من السيد فخري بكر الذي رحل مؤخرا في الولايات المتحدة الكثير في هذا المجال، مما يؤكد اهتمام الملك بالمقترحات المتعلقة بإقامة بعض الصناعات. وقد أكد لي عبدالله بكر آخر رئيس للديوان الملكي في حوار أجريته معه ونشر في مجلة (الحضارة) بعددي شهري مايس/ تشرين الثاني 1988 أنه حين رافق الملك الشاب في رحلته للولايات المتحدة عام 1952 برفقة الوصي على العرش، وكان يومها (عبدالله بكر) ممثلا للعراق في الولايات المتحدة بدرجة وزيرمفوض في واشنطن، لمس اهتمام الملك بالصناعة وإصراره على زيارة بعض المصانع، ومنها (مصنع سيارات فود)، وحديثه عن حلمه بتحويل العراق إلى بلد صناعي. وقد ظل هذا الهاجس يلازمه بعد توليه سلطاته الدستورية. ورغم كل الإهمال والتعتيم الذي فرض على وثائق مجلس الإعمار في مختلف المجالات إلا إن ماجرى يؤكد أن الأنظمة المتعاقبة نفذت الكثير من المشاريع التي اقترحها مجلس الإعمار في خططه المستقبلية وحال دون البدء بتنفيذها محدودية موارد الدولة (1). والذي يرى بعض المشاريع المنفذة يلمس تفهما للدور الاجتماعي للصناعة. فعلى سبيل المثال نفذ (معمل السكر في الموصل) وكان الهدف منه تشجيع زراعة البنجر في منطقة تكثر فيها الأمطار الموسمية وتتوفر فيها مصادر المياه، حيث رافق إنشاء المعمل إقامة مزرعة نموذجية لزراعة البنجر(2). هناك أيضا معمل الطابوق الحديث في بغداد (الوصي) الذي استهدف إقامة صناعة طابوق أحدث من الصناعات القائمة، وكذلك معمل النسيج في الموصل، وقد رافق إنشاء هذه المشاريع إقامة أحياء سكنية صغيرة للعاملين فيها. في تلك المرحلة كان القطاع الخاص قد بدأ هو الآخر بإقامة صناعاته الاستهلاكية البسيطة. وأذكر هنا أنني سجلت للراحل خدوري خدوري حديثا نشر في زاوية (قصتي مع الصناعة) في العدد الأول التجريبي من مجلة (الصناعة والتجارة) في آب 1987 ذكر فيه ذلك، وقال بأن العقلية التجارية كانت مسيطرة على أصحاب الأموال وقد بذلنا جهودا كبيرة لبناء وتأسيس قاعدة صناعية للقطاع الخاص إيمانا منا بأهمية هذه القاعدة للمستقبل الصناعي. وكانت أول شركة مساهمة صناعية قمنا بتاسيسها هي شركة (الكوكاكولا). ثم أعقبناها بشركة برأسمال بسيط لصناعة السدادات ثم شركة صناعة (البيرة فريدة) وشركة الكارتون الأهلية وشركة الكبريت المتحدة وشركات أخرى خلال عشر سنوات. وطبعا كان هناك المبادرات الفردية في قطاعت عديدة أذكر منها النسيج (فتاح باشا) و(صالح أفندي) وغيرها. وإذا كان الرائد خدوري خدوري وزميلاه محمد حديد، وهما عضوان بارزان في الحزب الوطني الديمقراطي،  قد أسهما مع الآخرين في إنشاء العديد من الشركات التي حفزت رأس المال الوطني على الخوض في ميدان الصناعة، كشركات وليس كأفراد الذين نشط منهم العشرات في حينه في هذا الميدان وفي مقدمتهم نوري فتاح باشا وصالح أفندي.

لقد باشر القطاع الخاص بإنشاء شركات  مساهمة محدودة لصناعات استهلاكية وإنشائية في تلك المرحلة تعد قاعدة لهذه الصناعات من بينها (شركة بذور القطن) و(شركة الزيوت النباتية) و(شركة السمنت العراقية) معملها في منطقة سعيدة ببغداد و(شركة سمنت الفرات) معملها في السماوة و(شركة سمنت الموصل) معملها في حمام العليل ومعمل آخر لشركة أخرى في بادوش.

مرحلة حكم الزعيم الوطني عبدالكريم قاسم

كان هناك حول الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم العديد من الشخصيات الاقتصادية المؤمنة بدور الصناعة في عملية التنمية. وكان الرجل مؤمنا بأهمية إقامة صناعة وطنية عراقية. ونتيجة لذلك تم توقيع الاتفاقية (العراقية- السوفيتية) في عام 1959 والتي ضمت عددا من المشاريع الصناعية الأساسية من بينها (مصنع المعدات الزراعية في الاسكندرية)، وهو مشروع أريد له أن يكون قاعدة للصناعات الميكانيكية في البلد. وتحوّل في مرحلة السبعينات إلى مجمع متكامل لهذه الصناعات. تضمنت الخطة أيضا إقامة مصنع للمعدات الكهربائية في الوزيرية ببغداد وآخر لصناعة الزجاج في الرمادي يعتمد بدرجة كبيرة على المواد الأولية المحلية ومصنع للأدوية في سامراء وآخر للتعليب في كربلاء  ومصنع للألبسة الجاهزة في بغداد ومصنع للنسيج والحياكة في الكوت وللأحذية الشعبية في الكوفة. وقد تم تدريب الكوادر لهذه المصانع في الاتحاد السوفيتي. ومما يمكن التندر به هنا أن ( جماعة 8 شباط) اعتبروا هذه المصانع شيوعية (3) فأهملوا فقرة في الاتفاقية التي كان العراق قد دفع مستحقاتها وهي مراكز التدريب المهنية التي أعاد العراق طرح قضيتها عبر (اللجنة العراقية – السوفيتية) المشتركة في السبعينات، ونفذ مركز التدريب الخاص بالصناعات الميكانيكية الذي يعتبر من المراكز المهمة التي خرّجت الكوادر الوسطية. وكانت مناهج هذه المراكز أقرب إلى الصناعة من مناهج (ثانويات الصناعة) التي تتبع وزارة التربية، والتي ظلت حتى أواسط السبعينات أسيرة للتعليم النظري. في مرحلة حكم الزعيم الوطني عبدالكريم قاسم انطلقت تجربة القطاع المختلط وكان وراءها حشد من الصناعيين القدامى من بينهم صديق شخصي للزعيم قاسم هو إسماعيل الربيعي. وقد أطلقت هذه المجموعة (شركة الصناعات الخفيفة) التي أصبحت في الثمانينات واحدة من أنحج شركات إنتاج المعدات المنزلية في المنطقة.

انقلاب 8 شباط ومعاقبة (الصناعات الشيوعية)

جاء انقلاب 8 شباط إلى السلطة حاملا معه عسكرا لا يملكون أي تصور عن أهمية التنمية الصناعية في العراق. كانت الشعارات الوحدوية الساذجة هي المسيطرة على تفكير قادته الذين وقعوا في فخ تنفيذ أجندة معاداة الشيوعية والدول الاشتراكية فأهملت مشاريع (الاتفاقية العراقية –السوفيتية) في ظل ثقافة معاداة الشيوعية ولم يقدم الانقلابيون أي بديل تنموي في مرحلة حكمهم التي اتسمت بالدموية مع الخصوم السياسيين والصراعات بينهم وأدّت إلى الإطاحة بهم على يد شريكهم في الانقلاب عبدالسلام عارف في 18 تشرين الاول. وقبل أن يكملوا سنة واحدة في السلطة، جاء عبدالسلام عارف وهو يحمل إعجابا مطلقا بالتجربة المصرية، وحاول ومن معه تقليدها في كل شيء حتى إنه حين أقدم على تأميم المشاريع الصناعية مع شركات التأمين والبنوك في عام 1964 اختيرت المشاريع المؤممة من دليل اتحاد الصناعات العراقي، مما أوقع الحكومة في حرج لشمول التأميم صناعات شبه يدوية (4). تلك التأميمات استهدفت إقامة قطاع الدولة أكثر مما استهدفت تنمية تلك الصناعات وتطويرها، وتركت أثرا سلبيا على الاستثمارات الخاصة في قطاع الصناعة، مما جعل روؤس الأموال الوطنية تهرب باتجاه التجارة. أما المشاريع الصغيرة التي أقيمت في تلك المرحلة، فقال لي خدوري خدوري في حديثه الذي أشرت له سابقا إن الذين أقاموها كانوا من التجار الذين دخلوا الميدان بعقليات تجارية بحتة، بحيث تغير وجه الصناعة الحقيقي، لأن هؤلاء أسسوا شركات صغيرة كمشاريع فردية لم تعطِ جانب التطور أي اهتمام. يقابل ذلك حصول تقلص كبير في الشركات المساهمة في بناء صناعة وطنية حقيقية في هذا القطاع واستمر الحال حتى عام 1968. الحدث الأبرز في مرحلة  حكم الرئيس عارف كان إنشاء المؤسسة العامة للصناعة، التي ضمت دوائر نوعية للإشراف على المشاريع المؤممة، ومشاريع الاتفاقية العراقية – السوفيتية. أما عهد الرئيس عبدالرحمن عارف الذي شهد استقرارا نسبيا، فقد شهد توجهات مختلفة بالنسبة لقطاع الصناعة. فبينما كان رئيس الوزراء عبدالرحمن البزاز يمتلك رؤية معينة للتنمية الصناعية كان العسكر يركزون اهتمامهم على الشعارات. أبرز مميزات تلك المرحلة تبلور نضالات عمالية داخل المشاريع الصناعية تحمل رؤى لتطوير الصناعات القائمة بجانب دفاعها عن حقوق الطبقة العاملة. ومن يراجع صحيفة الاتحاد العام لنقابات العمال في ظل رئاسة هاشم علي محسن  (صوت العمال)، يرى أنها حملت الكثير من المقالات التي ترقى إلى مستوى الدراسات، تحمل أفكارا لتطوير المشاريع الصناعية وحماية الإنتاج الصناعي الوطني في ذات الوقت الذي كانت تدافع فيه عن حقوق ومصالح الطبقة العاملة في تلك المرحلة (5). أيضا أقرت المؤسسة العامة للصناعة نظام توزيع نسبة من الأرباح للعاملين في القطاع .

الصناعة في مرحلة مابعد 1968

عاد حزب البعث للسلطة في 17 تموز 1968 بالتعاون مع عسكريين طامحين بالحكم (عبدالرزاق النايف- إبراهيم الداوود- سعدون غيدان)، وكان الحزب يومها من أضعف الحركات السياسية نتيجة الانشقاق الكبير الذي خرجت بموجبه مئات الكوادر ملتحقة بالتنظيم السوري (جناح صلاح جديد). وكان البعث كحزب قد اتخذ قراره للانفراد بالسلطة منذ الأيام الاولى، وحين أطاح بعبدالرزاق النايف في 30 تموز أصبح الحكم بيد الحزب بشكل كامل

الموقف من التنمية الصناعية

بدأت معالم الاهتمام بالتنمية الصناعية تتضح  منذ الشهور الأولى لسيطرة الحزب على السلطة. كان هناك رغبة بالوقوف على واقع التجربة الصناعية في العراق، وكان طه الجزراوي الذي عين وزيرا للصناعة خلفا لخالد مكي الهاشمي لا يعرف الكثير عن القطاع، وما يمتلكه من معلومات عبارة عن تقارير حزبية من عمال  دخلوا معترك الحياة النقابية عبر الحزب، ولكنه اعتمد في عملية المتابعة على وكيل وزارة غير بعثي، وفني متمكن، هو المهندس نجم قوجة قصاب (6). وللأمانة والتاريخ، كنت ألحظ شخصيا منذ التحاقي بعملي في قسم العلاقات والإعلام أن الجزراوي لم يكن يتخذ قرارا فنيا دون العودة إلى الوكيلز وحين بدأت مناقشة قانون رقم 90 لسنة 1970 كان واضحا أن الحزب يقدم كوادره لتولي قيادة المؤسسات الصناعية. وفعلا تم ذلك بعد إقرار القانون، وعُين بعثيون لقيادة المؤسسات باستثناء مؤسسة واحدة هي الألبسة والجلود والسكاير التي عُين لها فني مستقل بترشيح من الوكيل نجم قوجة قصاب هو السيد كاظم الشيخ. اهتمت الوزارة في السنة الأولى لحكم البعث في إنجاز ماكان متوقفا من مشاريع (الاتفاقية العراقية- السوفيتية) في ظل شهر عسل حقيقي بين بغداد وموسكو، كان فيه طه الجزراوي رئيسا للجنة عن الجانب العراقي وسيمنون سكاتشكوف رئيسا للجانب السوفيتي. وتركز الاهتمام على مشروع المعدات الزراعية في الإسكندرية. ولابد أن نذكر هنا أن الكوادر العراقية تمكنت من تقديم تصاميم مبتكرة لآلات زراعية أساسية، وكانت أغلب تلك الكوادر من الدارسين في الاتحاد السوفيتي. وانتبهت السلطة الجديدة إلى عزوف القطاع الخاص عن الاستثمار الصناعي من خلال لقاءات ومذكرات رفعها اتحاد الصناعات العراقي (7)، وجرى إعداد بيان رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر لتشجيع الاستثمار الصناعي لسنة 1970(8)، في محاولة لتبديد مخاوف المستثمرين التي أدت الى انكماش دور هذا القطاع بعد تأميمات 1964. وبموجب البيان حددت للقطاع الخاص مشاريع للاستثمار فيها بحوافز تشجيعية من الدولة. في تلك المرحلة بدأ الحزب بالسيطرة على النقابات، ولعبت وزارة الصناعة دورا بارزا في تلك العملية فقد كانت قوائم نقل العمال من قطاع إلى آخر تصدر يوميا لتشتيت الناشطين النقابييين من حركة القوميين العرب والشيوعيين وخاصة من مصانع السكاير والزيوت وبذور القطن والنسيج. وكان أغلب هؤلاء العمال يتركون عملهم بشكل نهائي بعد النقل. وقد حسمت الانتخابات لصالح الحزب الحاكم بعد معركة انتخابية مع قوائم منافسة خلت من النزاهة، استخدمت فيها كل أساليب البلطجة والعنف لضمان فوز الحزب بالنقابات (9). وحين أشير لهذه القضية فلأنها شكلت تحولا حصل في مواقف العمال من المشاريع الصناعية، بحيث أصبحت اللجان النقابية مراكز لمراقبة العمال أكثر منها مراكز للاهتمام بالإنتاج ...

لقد عملت السلطة في تلك المرحلة باتجاهين:

الأول معالجة الأوضاع المتردية للمشاريع القائمة وتوسيعها وتحديثها وإنجاز الدراسات  القطاعية المستقبلية

الثاني محاولة تحديد دور جديد للقطاع الخاص الصناعي لجذب الاستثمارات الجديدة لهذا القطاع

صدور القانون رقم 90 لسنة 1970

يمكن اعتبار صدور القانون رقم 90 لسنة 1970 بداية جديدة لعمل القطاع الصناعي العام، فقد تم بموجبه إعادة هيكلة القطاع الصناعي القائم  باتجاه تعميق التخصص، فألغيت المؤسسة العامة للصناعة واستحدث بدلا منها مؤسسات نوعية هي:

المؤسسة العامة لصناعة الغزل والنسيج

المؤسسة العامة للصناعات الكيمياوية والغذائية

المؤسسة العامة للصناعات الإنشائية

المؤسسة العامة للصناعات الهندسية

المؤسسة العامة لصناعة الألبسة والجلود والسكاير

المؤسسة العامة للتصميم والإنشاء الصناعي

والأخيرة مؤسسة متخصصة بإعداد الدراسات والتنفيذ، حلت بديلا  لمديرية المشاريع الصناعية العامة وبموجب هذا القانون ارتبطت بالوزارة.

مصلحة الكهرباء الوطنية

مديرية التنمية الصناعية العامة

مديرية البحث والرقابة الصناعية العامة

وفي السنوات اللاحقة  تم إخضاع مصلحة الكهرباء إلى قانون المؤسسات أيضا.

وضمن سياسة التوسع بالاهتمام بالقطاع الخاص تم  تحويل مديرية  المشاريع الى مؤسسة هي:

المؤسسة العامة للتنمية الصناعية، وضمت إدارات نوعية للاهتمام بالقطاع الخاص.

أما المديرية العامة للبحث والرقابة الصناعية فقد تم تحويلها إلى جهاز متخصص للرقابة والنوعية في السنوات اللاحقة، وتم ربطه بوزارة التخطيط ومنح صلاحيات واسعة لضمان استقلالية قراره.

وشهدت هذه المرحلة إعداد العديد من الدراسات لتطوير الصناعات القائمة وإقامة صناعات جديدة. وكانت دراسات الجدوى الاقتصادية والفنية تعد من قبل كوادر عراقية في المؤسسة العامة للتصميم والإنشاء الصناعي التي ضمت حشدا من خيرة الكوادر الاقتصادية والفنية العراقية.

ويمكن لأي متابع أن يلمس أن الحزب الحاكم بدأ يفرض نفوذه في اختيار قيادات هذا القطاع، حيث شغل مواقع رئاسة المؤسسات حزبيون، ولكن من داخل القطاع الصناعي نفسه، ويملكون تاريخا وظيفيا (بالتاكيد بعضهم لم يكن الأكفأ ضمن قطاعه) باستثناء المؤسسة العامة لصناعة الألبسة والجلود والسكاير التي اختير لرئاستها كادر مستقل من العاملين في قطاع الصناعة هو كاظم الشيخ.

وبدأت عمليات تنفيذ العديد من التوسعات في المشاريع القائمة وفي مختلف القطاعات النوعية.

الصناعة في مرحلة حكم الرئيس صدام حسين

لايمكن أن نفصل بين أسلوب إدرة الدولة عامة وبين أسلوب إدارة القطاع الصناعي، ويمكن اعتبار الندوة التي عقدت لمناقشة انخفاض الإنتاجية في القطاع الصناعي برعاية صدام حسين حين كان( نائبا)، مؤشرا على اهتمامه بالقطاع الصناعي من جهة وأسلوب إدارته من جهة أخرى ... كانت الجبهة الوطنية والقومية التقدمية قائمة يومها فرحبت بانعقاد الندوة ونشرت جريدة (طريق الشعب) العلنية عددا من المقالات الترحيبة كتبها كوادر الحزب، وحين بدأت الندوة قدم القيادي الشيوعي ووزير الدولة يومها عامر عبدالله مداخلة طويلة ألقاها بأسلوب شاعري، واهتمت الجريدة بنشرها، مما جعلنا نسهر حتى وقت متأخر لتنضيدها وتصحيحها. وتمت الإشارة لها في الصفحة الأولى. وقد استعرضت المداخلة موقف الأنظمة الاشتراكية من الإنتاجية والتقييم الذي تقدمه المنشآت للمتميزين في إنتاجهم (أبطال الانتاج) ثم تناول في المداخلة قضية إحياء الأرض البكر (10) وماتحقق من إنجازات في ظل السلطة السوفيتية في مجال الإنتاجية. والمهم أن (الرفاق الشيوعيين) الذين تناولوا الندوة بالكتابات انتقدوا بخجل بعض جوانبها ولم يتطرقوا للقضية الأبرز (شعاراتها الملتبسة) (11). وبعيدا عنهم كان هناك أستاذ جامعي قومي هو طالب البغدادي ناقشها مع طلبته في الجامعة، ودفع ثمن ذلك سريعا بإبعاده عن عمله، واعتقل بعض طلبته لعدة أيام. المهم أن الندوة حملت مؤشرات واضحة عن التوجه الدكتاتوري، فحين طلب السيد النائب من الجميع التحدث بصراحة، تقدم السيد ناجي حداوي السعيدي، وهو واحد من العاملين الأكفاء في القطاع الصناعي، فتحدث عن الإدارة الصناعية ودورها في العملية الإنتاجية. قال الرجل يومها ما معناه إن الإدارة الصناعية في العالم أصبحت علما مستقلا بذاته، بينما ما زلنا نحن نأتي بمعلم من المدارس الابتدائية ونسلمه منشأة صناعية تستثمر الدولة فيها ملايين الدنانير، وهي حقيقة لم يتحملها السيد النائب ومستشاروه، فاعتقل الرجل وسجن ثم أطلق سراحه بعد أسابيع ليحال على التقاعد. ولو تعامل (النائب) يومها بإيجابية، لتجاوز الكثير من مشكلات القطاع الصناعي فيما بعد. في تلك المرحلة كان مكتب النائب يتابع تطور العمل في بعض المشاريع الصناعية، ومن بينها (معمل السكاير الجديد في الناظمية). ويبدو أن المكتب العمالي كان وراء تلك المتابعات، لأنه كان في مرحلة بسط نفوذه على الحركة النقابية ..

وشهدت مرحلة ما بعد التأميم نهضة صناعية شاملة باتجاهين:

الأول تنفيذ دراسة التوسعات والتحديث التي اقترحتها المؤسسات النوعية وبالتعاون مع المؤسسة العامة للتصميم والإنشاء الصناعي

الثاني إقامة صناعات جديدة مستقبلية في ضوء الدراسات التي أعدتها المؤسسة العامة للتصميم والإنشاء الصناعي

وبالنسبة للاتجاه الأول شهدت صناعة الغزل والنسيج تحديث وتطوير معامل الغزل والنسيج العراقية في الكاظمية، ومعامل النسيج الصوفي (فتاح باشا) معامل النسيج في الموصل، معامل النسيج والحياكة في الكوت، معامل الخياطة في الوزيرية. وفي الاتجاه الثاني تم إنشاء مصنع للنسيج الصوفي في الناصرية وآخر للنسيج القطني في الديوانية وثالث للنسيج الصوفي في أربيل ومعملا للأقمشة الكردية في دهوك تم تحويره لاحقا لفشله في إنتاج الأقمشة الكردية (الشيل وشبك) التي تنتج يدويا في تلك المناطق. تم أيضا إنشاء معمل للسجاد الميكانيكي في بغداد ومعمل للأكياس البلاستيكية المستخدمة في تعبئة الحبوب بدلا من معمل الجوت القديم (أحد المعامل المؤممة عام 1964 والذي يعتمد على أدوات إنتاج قديمة). أما الصناعات الغذائية فقد شهدت توسيع وتحديث معامل الألبان في أبو غريب والناصرية والعمارة والبصرة وأربيل. ولاحقا تم إنشاء مصانع حديثة لإنتاج الألبان في المقدادية بمحافظة ديالى والديوانية وتكريت. وقدمت الدولة دعما لمربي الأبقار وشجعت على إقامة مزارع متخصصة للثروة الحيوانية لخدمة صناعات الالبان. تم تحديث وتطوير معمل التعليب في كربلاء وإقامة معامل للتعليب في بعقوبة وبلد وحرير ودهوك. وقد وقع هذا القطاع بأخطاء كبيرة منها إقامة معمل للبصل المجفف في بعقوبة وآخر لعرق السوس في العزيزية وثالث للسكر السائل في الهندية  ورابع للنشا والديكسترين في الهاشمية، وهي مشاريع لم يكتب لها النجاح حورت لصناعات أخرى وبيعت للقطاع الخاص. وشهد ت الصناعات الغذائية أيضا تحديث وتطوير معمل سكر الموصل وإضافة خط لإنتاج الخميرة وتحديث معمل السكر في ميسان وإقامة معمل لإنتاج خميرة التوريلا من البكاز (المنتج العرضي في صناعة السكر) ومصنع آخر للسكر في السليمانية. وشهد قطاع الصناعات الهندسية تطوير وتوسيع معامل الإسكندرية وإقامة خط لتجميع السيارات (اللوريات). وتطوير معامل البطاريات السائلة والجافة وإضافة خطوط انتاجية جديدة لها وإقامة معمل للمصابيح في التاجي وتطوير معامل الصناعات الكهربائية في الوزيرية وإقامة مجمع للصناعات الهندسية الخفيفة في ديالى. ولاحقا توسعت هذه الصناعة بشكل كبير حيث تم إنشاء مجمع نصر الذي يعد قاعدة أساسية للصناعات الثقيلة. وتمت إقامة مصنع الحديد والصلب في خور الزبير ومعمل القابلوات في الناصرية ومعمل رقائق الالمنيوم في الناصرية. وتوج هذا القطاع بإنشاء مجمع نصر العملاق في التاجي والذي خطط له ليكون القاعدة الأساسية التي تستند اليها الصناعات الثقيلة ومنها صناعة السيارات التي تم تشكيل هيئة مستقلة لها تضم نخبة من خيرة الكفاءات الهندسية والفنية برئاسة د. براق سعيد يحيي (12)،  قامت بمفاوضة الشركات العالمية على أسس علمية تضمن تكامل صناعات السيارت مع الصناعات المغذية في القطاع الخاص، علما بأن العراق كان يقوم بتجميع سيارت النقل (سكانيا) في الاسكندرية.

وشهد قطاع صناعة الألبسة والجلود والسكاير هو الآخر تطورا كبيرا حيث تم إنشاء وحدات جديدة للدباغة في معمل جلود بغداد لتقليص العمل اليدوي في بعض مراحل الانتاج، وتحسين أجواء العمل بالنسبة للعمال. وتم تطوير معامل  (باتا) القديمة، وأدخلت لها خطوط إنتاجية جديدة. وفي مراحل لاحقة عقدت اتفاقات مع شركات عالمية للاستفادة من خبراتها في تصنيع الجلود. تم إنشاء مصنعين للسكاير في بغداد وأربيل، كما تم تطوير وتحديث معمل سكاير السليمانية. أما الصناعات الأساسية التي دخلت العراق للمرة الأولى فكانت:

صناعة الأسمدة، حيث تم إقامة مصنعين في البصرة وتمكنت الكوادر العراقية من أن ترقى بنوعية الإنتاج، بحيث فتحت أسواقا تصديرية يدخلها العراق بمنتجاته الصناعية للمرة الأولى.

صناعة الإطارات المطاطية للسيارات، حيث تم إنشاء مصنع في الديوانية.

صناعة الورق حيث تم إنشاء مصنع الهارثة قرب البصرة ولاحقا مصنع العمارة.

مصنع للأنابيب البلاستيكية في ميسان لإحلال البلاستيك بدلا من الاسبست الذي ثبتت مضاراستخدامه الصحية والبيئية عالميا.

ويمكن القول إن الصناعات الإنشائية شهدت هي الأخرى تطويرا جذريا، فقد تم تحديث معامل السمنت في السماوة محافظة المثنى وبادوش وحمام العليل في الموصل، كما شهدت السنوات اللاحقة إقامة مصانع جديدة في بادوش وحمام العليل والسماوة وكربلاء وطاسلوجة (السليمانية)، كما تم تطوير معمل السمنت في الكوفة وإنشاء معمل سمنت كربلاء، ولاحقا معامل السمنت في سنجار والقائم. تم أيضا إنشاء ثلاثة مشاريع لإنتاج الكونكريت الخفيف (الثرمستون) والعديد من مشاريع الطابوق الطيني الحديثة، ومشاريع للطابوق الجيري في البصرة والموصل. كما تم إنشاء عدد من مشاريع الجبس (الجص) الحديثة. وبموازاة قطاع الدولة تم دعم المؤسسة العامة للتنمية الصناعية والمصرف الصناعي واتحاد الصناعات العراقي لتطوير وتحديث بعض صناعات القطاع الخاص، حيث تم تنفيذ مجمع النهروان الذي خصص جزء منه للصناعات الملوثة. ولأول مرة في العراق تم تطبيق قواعد صارمة في إجازة معامل الطابوق الطيني من أجل حماية البيئة من الثلوث (13).

مع تسلم صدام حسين لموقعه الأول في الدولة جرت مناقشة ورقة (واقع القطاع الصناعي) التي أعدت من قبل كادر الوزارة المتخصص، وعلى أثرها تم فصل القطاع إلى وزارتين، هما (الصناعات الثقيلة) و(الصناعات الخفيفة). وسأثبت هنا ملاحظاتي كمتابع عن قرب لقطاع الصناعات الخفيفة بحكم عملي كمدير للإعلام فيها. كان صدام حسين، وهو رئيس للدولة، يتابع التطورات في قطاع الصناعات الخفيفة باستمرار، ونشط الوزير طارق حمد العبدالله بالمتابعة الميدانية للقطاع. وكانت ملاحظات الرئيس على تلك التقارير ترد بصيغة (أمر الرئيس القائد) (نسب الرئيس القائد) الخ. ومما أذكره هنا أنه زار الشركة العامة للخياطة في الوزيرية وناقش كادرها في تفاصيل تتعلق بـ (النوعية) و(السعر) وتوفر الانتاج، وبشكل دراماتيكي أمر بإجراء انتخابات (ديمقراطية) لاختيار مدير عام للشركة، حيث تم اختيار السيد شاكر شلال. وقد أثارت هذه الحركة مخاوف الإدارات العليا في الشركات. بعدها بشهور تلقت الوزارة كتابا من الرئاسة مضمونه (أمر السيد الرئيس القائد  بإعداد الدراسات اللازمة لإقامة مشاريع حديثة للألبسة الجاهزة في المحافظات. وفعلا قامت المؤسسة للمشاريع الصناعية بإعداد الدراسات لثلاثة مشاريع للألبسة الجاهزة، الأول للألبسة النسائية، وتم اختيار السليمانية لإقامته، والثاني للألبسة الولادية، وتم اختيار الموصل لإقامته ضمن مجمع الغزل والنسيج في المدينة، والألبسة الرجالية الجاهزة، وتم اختيار مدينة النجف لإقامته وأنجزت المؤسسة الدراسات وأحيلت مناقصات إقامة الأبنية وتجهيز المعدات. وقد دخلت المشاريع حيز الإنتاج وظلت متابعات الرئيس لهذه المشاريع قائمة. وأذكر أننا تلقينا في مركز الوزارة كتابا من الرئاسة لإرسال نماذج من إنتاج معمل ألبسة الأطفال  لاصطحابها معه ضمن إحدى زياراته لفرنسا وتقديمها كهدايا من إنتاج عراقي، مع بعض منتجات الصناعات الخفيفة والإلكترونية والألبسة الجاهزة في المحمودية (قطاع مختلط). وأعتقد أن هذا تعبير واضح عن اعتزازه بالصناعة الوطنية. وفي مرحلة لاحقة استقبل عددا من المدراء المفوضين لشركات القطاع المختلط واستمع منهم إلى تفاصيل عن أوضاع منتجاتهم. وأذكر جيدا أن الوزارة تلقت أمرا من الرئاسة بصيغة (أمر السيد الرئيس القائد بإعداد دراسات تفصيلية للنهوض بنسب إنتاج القطع في الصناعات التجميعية في شركات الإلكترونية والخفيفة. أيضا اصطحب الرئيس معه في إحدى سفراته نماذج من إنتاج شركات النسيج (فتاح باشا)  لتقديمها كهدايا ضمن ما كان يقدمه من هدايا لمستقبليه ...

اهتم صدام حسين شخصيا بتكريم المتميزين في قطاع الصناعات الخفيفة، وأذكر هنا تكريم فريق من معمل سمنت سرجنار ومعمل سمنت بادوش لتمكنهم من إنتاج نوع من السمنت أرسل إلى مختبرات عالمية في الدانمارك وتبين مطابقته للمواصفات العالمية، وحدث ذلك لأول مرة. وهناك الكثير من الحالات التي تغيب عن ذاكرتي الآن.

أكثر مايلفت الانتباه هو التحول الذي جرى في فكر صدام حسين من القطاع فيما بعد، فقد طرح في إحدى زياراته للوزارة ضرورة ما أسماه بمغادرة (السواقي الصغيرة)  إلى الأنهار، وكانت تلك بداية الدعوة التي تلقفها (البعض) للتخلي عن بعض الصناعات للقطاع الخاص. وفي الحقيقة فإن القطاع الخاص نجح في إدارة بعضها وفشل في إدارة البعض الاخر. وحسب تقديري ومن خلال متابعاتي فإن أسباب فشل الدولة في إدارة بعض الصناعات كان إداريا أكثر منه اقتصاديا،  وسوء الإدارة غالبا كان سببه تغليب (الولاء) على الخبرة حين  اختيار الإدارات العليا .

الحرب ونتائجها

شخصيا أعتبر بداية الانحدار في واقع القطاع الصناعي كان الحرب العراقية – الإيرانية التي انعكست على مختلف مناحي الحياة، وانعكس ذلك على الصناعة بشكل مباشر، فقد سحبت العديد من المواليد من مواقع الإنتاج إلى الجيش بالإضافة إلى السحب العشوائي لقواطع الجيش الشعبي، مما أدى إلى إحلال العمالة المصرية وأغلبها غير مدرب ولايمتلك الخبرة (باستثناء عمال النسيج). وكانت العمالة المصرية عمالة غير مستقرة، وغالبا ما كانت تترك مشاريع الدولة إلى القطاع الخاص الذي كان يعاني هو الآخر من نفس المشكلات، فتحولت مشاريع الدولة الى مراكز للتدريب وتهالكت معداتها. وكان التوجه القومي الإيديولوجي يرفض وضع أي ضوابط لهذه العمالة (14). وجاء اجتياح الكويت ليزيد الطين بله، فقد فرض على العراق حصار استهدف تدمير الصناعة ومنعها من تحديث معداتها، ووصل الأمر إلى حد منع المجلات المتخصصة في تكنولوجيات الصناعة من الوصول للعراق (15)، مما حول بعض الصناعات إلى عبء على الاقتصاد الوطني فعلا. أيضا ركزت الدولة في مرحلة ما قبل اجتياح الكويت على قطاع التصنيع العسكري رغم أن هذا القطاع ليس (شرا مستطيرا) كما تحاول بعض الأقلام تصويره، فقد أسهم هذا القطاع في توطين تكنولوجيا تعد أساسا للصناعات الثقيلة في العراق.

لقد شهدت عن قرب التطور الهائل الذي شهده القطاع الصناعي في العراق، وكنت ومنذ عام 1970 وحتى بداية التسعينات موظفا في الإعلام الصناعي ثم مديرا للإعلام وأحد الذين ساهموا بإقامة الأجنحة العراقية في بعض المعارض الدولية. وكنت ألمس عن قرب مدى الإعجاب الذي حظيت به الصناعات العراقية وحجم الاهتمام الذي أعطته الدولة لهذا القطاع من اجل تطويره والاعتماد على منتجاته محليا، ومن ثم الانحدار الذي تسببه الحصار بعد ذلك.

الاحتلال والتدمير

جاء الاحتلال ومعه أعوانه يحملون أجندات مختلفة، اتفقت جميعها على مشترك واحد هو إسقاط نظام صدام حسين. وقد بدا واضحا أن تدمير الصناعة العراقية كان واحدا من مشتركات الاحتلال وأعوانه، فمنذ الأيام الأولى تركت معداته للنهب والتخريب من الرعاع والغوغاء. ويؤكد الكثيرون ممن كانوا في مواقع قريبة من المنشآت التي دمرت أن هناك معدات حديثة نقلت إلى إيران وبيعت بأبخس الأثمان (17). في ذات الوقت فتحت الباب على مصراعيه للاستيراد بذريعة (الاقتصاد الحر). ويمكن أن نشير بسرعة إلى أن أكبر الجرائم في هذا المجال كانت فتح الباب لاستيراد السيارات القديمة. هذا القرار الذي أدى إلى إفراغ مقابر السيارات في أوربا وأمريكا من السيارات الفاشلة في فحص الـ ( إمِشِن تيست) الخاص بالتلوث. وقد روى لي أحد تجار السيارات في كندا أنه كان يذهب لتلك المقابر بمعدل مرتين أو أكثر كل أسبوع لتلبية طلبات السوق العراقية. (هذا في مقاطعة كندية واحدة). وكأن التلوث الذي أحدثته قنابل الاحتلال لم يكف لتدمير البيئة العراقية .. وأذكر أنني حين عدت إلى العراق بعد سنوات من الاغتراب عام 2004 كتبت على موقع (ايلاف) مقالا في 22 كانون الثاني 2004 نشرته في (الزمان) البغدادية  في نفس الوقت عنوانه (هذا القرار بين المنافع والمضار)، ناقشت فيه قرار فتح الحدود على مصراعيها وما سيتركه من آثار مدمرة على الصناعة الوطنية، وهو ما حصل فعلا، فقد تحول العراق الذي كانت صناعاته تسد الكثير من احتياجاته المحلية وأصبح الآن يستورد من الجوار أبسط المنتجات الصناعية حتى (المرطبات والالبان) (18). ويتندر البصريون (ولا أدري مدى صحة ذلك) أن البصرة استوردت الصيف الماضي قوالب الثلج من الكويت ....

الواقع اليوم ..مالمطلوب؟

في حديثه لوكالة الأنباء (أ .ف . ب) بتاريخ 22 يوليو تموز 2010 قال وزير الصناعة العراقي فوزي حريري إن قطاع الصناعة المدمر بحاجة إلى استثمارات تبلغ (5-7) مليارات لإعادة بنائه، علما بأن المبالغ التي استثمرت حتى الآن أقل من مليار دولار. الوزير قال في حديثه (تعرضت الصناعة العراقية التي كانت الأكثر  تقدما في المنطقة لأضرار كبيرة إثر الحروب المتعاقبة والعقوبات على هذا البلد منذ عام  1980). وقال أيضا ( في عام 2003 كان مايقارب ال99% من الصناعة في العراق في حالة جمود، موضحا (أن معظم القطاعات دمرت أو نهبت أو أغلقت). وأخيرا يؤكد الوزير (أن العراق في نهاية المطاف سيقوم بخصخصة 90 الى 95% من الشركات المملوكة للدولة، لكن حاليا لايمكن بيع الشركات الحكومية لعدم وجود قانون يسمح بذلك. ويأمل الحريري أن تتم المصادقة على قانون يسمح ببيع الشركات الحكومية نهاية العام) (19). ومن مساخر الوضع العراقي أن أبرز المشاريع التي ستعرض للبيع هي مشاريع السمنت. كما تناقلت الأخبار أن مستثمرين (عربا) أو (أجانب) سيقومون بتحديثها ومن ثم بيع إنتاجها الذي يعتمد على مواد أولية محلية بنسبة تزيد على الـ 90% لمشاريع الإعمار القائمة إذا مابدأت حملة الإعمار. وبدلا من أن تلجأ الدولة إلى دراسة السبل التي تكفل لها إعادة إحياء الصناعة الوطنية  استعدادا لمرحلة الإعمار بحيث تستوعب اليد العاملة العاطلة من جهة وتوفر موارد للدولة هي بأمسّ الحاجة لها، تلجأ للطريق الأسهل والأكثر فشلا في أي مكان جرب فيه في العالم ( التخصيص). وتخيلوا أن وزير الصناعة وقع بتاريخ 27-10- 2010 حين التقى الرئيس الطالباني ( كما جاء في الخبر) بوفد فرنسي رفيع المستوى في السليمانية مذكرات تفاهم مع شركة لافاك لإعادة تأهيل معمل سمنت كربلاء. ولا أعرف ما الذي يمنع الحكومة من أن تخطو خطوات جدية وتمنح وزارة الصناعة الإمكانيات والصلاحيات لتنفيذ مثل هذه المذكرة وغيرها مع دول أخرى لإعادة تأهيل صناعة السمنت في العراق ..(20)

ما المطلوب؟

إن الموقف من قضية الصناعة العراقية بقطاعاتها الثلاثة العام والمختلط والخاص هو مقياس لمصداقية وحرص أية حكومة مقبلة، وهذا يتطب:

أولا: تركيز الحكومة على وضع خطة استراتيجية توفر التخصيصات اللازمة للقطاع الصناعي وإعطاء الأولوية للصناعات ذات المدخلات المحلية البتروكياويات، الصناعات الإنشائية ،صناعة الزجاج، صناعة الأسمدة بمختلف أنواعها، وبإمكان الحكومة أن تستفيد من تجربة القطاع المختلط لجذب استثمارات العراقيين لهذه الصناعات، بدلا من اللجوء للبيع والتخصيص للعرب أو الأجانب لأن القطاع المختلط سيبقى جزءأ كبيرا من الأسهم بيد الدولة، مما يجعل لها رأيا أساسيا في عملية التشغيل بأيد عاملة عراقية لامتصاص البطالة من جهة، وللتدخل في السياسة السعرية للمنتجات النهائية. وأعتقد بأن هناك استثمارات عراقية فردية كبيرة يمكن أن تسهم في عملية إعادة تأهيل وتطوير هذه الصناعات، خاصة إذا جرى التركيز على الجانب الأمني لتبديد مخاوف المستثمرين.

ثانيا: تطوير الصناعات الميكانيكية والهندسية القائمة حتى ولو تم ذلك بالمشاركة مع شركات عالمية تمتلك الخبرة لتسهم في رفد السوق العراقية بصناعاتها من جهة ولامتصاص البطالة، ودعم صناعة البرمجيات التي تعتبر من الصناعات المستقبلية الهامة للبلد.

ثالثا: تشكيل هيئة للحماية الصناعية الوطنية ترتبط بمجلس الوزراء وتضم ممثلين عن قطاعات الصناعة والتجارة والقطاع الخاص ممثلا باتحاد الصناعات واتحاد الغرف التجارية لتامين منح نسبة من الحماية للصناعات العراقية كي تحتل جزءأ من مساحة السوق المحلية، وهذا سيساعد الحكومة بشكل كبير على امتصاص البطالة وعلى منح فرصة للصناعات العراقية لتطوير نفسها واعتماد سياسة ضريبية بالنسبة للمستوردات تعطي هامشا للصناعة الوطنية العراقية.

رابعا: إعادة هيكلة الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية وتعزيزه بالكوادر العراقية الكفوءة والمؤهلة والنزيهة وتعزيزه بالصلاحيات اللازمة للسيطرة على انسيابية البضائع الرديئة وغير المطابقة للمواصفات التي تستنزف المستهلك العراقي وتملأ الأسواق حاليا، مع مراعاة تمييز موظفي هذا الجهاز من حيث الرواتب والمخصصات لضمان عيش كريم لهم، مع ملاحظة أن هذا الجهاز بحاجة إلى تطهير من العناصر الفاسدة أيضا.

خامسا: دراسة واقع شركات القطاع المختلط القائمة وتقديم الدعم لها لتعود إلى ساحة العمل والإنتاج. ويمكن لهذه الشركات أن تزيد رأسمالها أو أن تدخل في مشاركات من أجل التطوير والتحديث بسبب تقادم معداتها.

سادسا: دراسة واقع مشاريع القطاع الخاص المتوقفة بشكل جدي وتقديم الدعم للمشاريع القادرة على تكييف نفسها والعودة إلى العمل والإنتاج وتشجيع إقامة صناعات جديدة لهذا القطاع، وهذا يتطلب تنشيط الإدارات المهتمة بهذا القطاع وقوانينه وتسهيلاته وإعادة الحياة لاتحاد الصناعات العراقي كمنظمة تنموية مستقلة يتكامل دورها مع المؤسسات ذات العلاقة بهذا القطاع.

سابعا: وهذا أهم ما في الأمر، إبعاد العمل في القطاع الصناعي ومؤسساته عن العمل الحزبي وإعطاء الدور القيادي للكفاءات العراقية بعيدا عن الانتماء الحزبي أو الديني أو الطائفي، والاستعانة بذوي الخبرة  الفنية والإدارية والتسويقية من الإدارات الصناعية السابقة ومن الصناعيين العراقيين كاستشاريين في القطاع الصناعي.

 

هوامش:

1-      كانت المسوحات التي أجراها مجلس الإعمار تشمل مختلف نواحي الحياة (الطرق،الجسور، السدود) بالإضافة إلى المسح الصناعي المشار إليه في مقالنا السريع هذا.

2-      كان مقترح مجلس الإعمار إقامة مزرعة نموذجية بإشراف معمل السكر وفيما بعد حاولت إدارة المصنع تشجيع الفلاحين على زراعة البنجر ولكن الطفرة الاقتصادية بعد تأميم النفط جعلتهم يتجهون لزراعات أكثر ربحية من البنجر وأقل جهدا في عملية الزراعة.

3-      ما زلت أذكر أولى زياراتي لمعامل الإسكندرية والزجاج والسراميك في الرمادي بعد التحاقي بعملي في إعلام وزارة الصناعة. كانت هناك معدات ما زالت في صناديقها تحت الأمطار منذ انقلاب 8 شباط والسنوات التي تلته. وأذكر من  الكفاءات العراقية التي ساهمت بالنهوض بالمشروع د.اسماعيل القزاز د. عبدالمعطي الخفاف د. عبد علي صاحب باسل الدرة وجودت والعشرات تفوتني أسماؤهم الآن.

4-      تم تأميم معمل صابون الغار التابع للعائلة الصناعية المعروفة (كافل حسين). وحين زارت لجنة الجرد الخاصة المعمل وجدت أن هذه الصناعة شبه يدوية ولاتضم أية معدات تكنولوجية، بل تعتمد على طبخ الزيوت في خزانات ثم صبها في قوالب وتقطيعها يدويا. وأدى ذلك الى استثنائه من التأميم بقرار لاحق.

5-      أستطيع القول إن صحيفة (صوت العمال) تستحق دراسة متأنية من قبل دارسي تاريخ الصحافة العمالية العراقية، فقد كانت تجربة متميزة إذا ما أخذنا إمكانياتها بنظر الاعتبار.

6-      كان نجم قوجة قصاب مهندسا ذا ميول يسارية، درس في الولايات المتحدة وتدرج بالوظيفة في القطاع الصناعي. وكان رجلا متمكنا في أدائه ومعلوماته وواثقا من نفسه ومحبا للعراق. وقد حضرت الكثير من الاجتماعات بصفتي الإعلامية وكنت ألحظ أن الجزراوي يميل إلى الوقوف على رأيه قبل اتخاذ أي قرار فني يخص المشاريع الصناعية.

7-      كان اتحاد الصناعات العراقي الذي تأسس في عام 1965 منظمة فاعلة للقطاع الخاص وقد شهد دعما واسعا بعد 17 تموز1968 من الدولة مكنته من إعداد العديد من الدراسات الهامة لتطوير القطاع الخاص، كان أبرزها الدراسة التي تم تنفيذها لـ (تطوير مشاريع صناعة الطابوق) حيث تمت إضافة محارق ميكانيكية وأجهزة قطع نصف ميكانيكية بعد أن كان الحرق يدويا ويسهم في تلويث البيئة، بالإضافة إلى ظروف العمل غير الإنسانية. وقد عادت هذه الصناعة بأسلوبها المتخلف للعمل بعد الاحتلال لتسهم في تدمير البيئة في وسط وجنوب العراق.  ترأس اتحاد الصناعات العراقي في تلك المرحلة د. محمد خليل الطويل وصبحي السامرائي وحاتم عبدالرشيد وغسان مرهون وأحنف محي الدين الكميت وعبدالقادر عبداللطيف وعبداللطيف البنية وعدد من الصناعيين فيما بعد. وقد عومل الاتحاد بعد الاحتلال معاملة تدل على الجهل بتاريخه ودوره، فقد تم التدخل بشؤونه والسيطرة على أمواله وتفريغه من صلاحياته، وحتى الاستيلاء على بنايته في ساحة الخلاني، وهي بناية بنيت بتبرعات الصناعيين ولم تدفع الدولة في إنشائها دينارا واحدا.

8-      حمل بيان الرئيس البكر المشار إليه قائمة من المشاريع الصناعية في ميادين مختلفة أتاح فيها للقطاع الخاص الاستثمار كمحاولة لتطمين هذا القطاع وحثه على العودة للاستثمار بعد مرحلة الانكماش التي أعقبت تأميمات 1964.

9-      كنت قريبا جدا من الانتخابات العمالية وخاصة قطاع الصناعات الإنشائية، وقد شاهدت بأم عيني الاعتداءات على عدد من مرشحي قوائم (نضال العمال) و(كفاح العمال) ومن الناشطين الذين ضربوا أمامي الشهيد حسن عيدان الذي أعدم في الثمانينات وناشط قومي اسمه علي المشهداني وناشط يساري هو عمرو العلا.

10-  كنت أعمل يومها مسؤولا عن القسم الفني في جريدة (طريق الشعب) التي أصدرها الحزب الشيوعي في ظل الجبهة الوطنية والقومية، وأذكر أن أجمل تعليق سمعته عن مداخلة الراحل عامر عبدالله القيادي في الحزب ووزير الدولة في الحكومة، كان التعليق من منعم حسن أو (منعم العظيم) كما يعرفه جيل الستينات، الذي قال معقبا في مقهى إبراهيم بحضور عدد من الأصدقاء أذكر منهم قتيبة عبدالله ورياض قاسم (إن عامر عبدالله قدم لنا الشعب السوفيتي وكأنه مجموعة من الآلات تحركها قيادة الحزب ....قرأوا لهم نشيدا ثم وضعوهم في القاطرات باتجاه الأرض البكر). أي فلسفة بائسة هذه؟

11-  من بين الشعارات الملتبسة (من لايعمل لايأكل) ( من لايعمل لا شرف له) وهكذا الخ

12-  كان العراق جادا بإقامة صناعة سيارات قبل اجتياح الكويت وتداعيات ذلك الاجتياح على مجمل نواحي الحياة، وقد أسس لهذا الغرض هيئة مستقلة من كوادر عراقية متميزة وكان على رأس الهيئة المهندس د. براق سعيد يحيي وأجرت الهيئة مفاوضات مع العديد من الشركات العالمية. وقد حضرت كإعلامي جانبا من تلك المفاوضات التي تركزت على برامج تفصلية للارتفاع بنسب التصنيع المحلي، وكذلك ربط الصناعة الأم، صناعة السيارات بالصناعات المغذية في القطاع الخاص، مما يدلل على توجه استراتيجي.

13-  خطط لمجمع النهروان لكي يكون واحدا من المجمعات النموذجية، وشاءت الظروف أن يعين له مدير عام كادر بعثي قديم كان قد عمل مع الحركة النقابية والعمالية هو شكري الحديثي الذي سجن بتهمة المشاركة فيما سمي بـ (مؤامرة محمد عايش) وأطلق سراحه بعد سنوات وعين مديرا عاما للمجمعات. وقد اندفع لتنفيذ المشروع بجدية بدافع توفير ظروف عمل جيدة للعمال في معامل الطابوق والجلود. ومؤخرا نقل لي صديق من العمارة أن (كور) الطابوق المتخلفة التي تستخدم الحرق اليدوي عادت إلى سابق عهدها في استعباد العمالة وتلويث البيئة .

14-  حضرت ندوة  في سنوات الحرب عن مشكلات العمالة المصرية في العراق وتنقلها من قطاع الى آخر. وأذكر أنني رفعت يدي للحديث وتحدثت عن ضرورة وضع ضوابط تمنع انتقال العمال المصريين المتعاقدين وتلغي إقاماتهم في حالة عدم التزامهم مما أثار ممثل ديوان الرئاسة فرد علي بمحاضرة عن (الوحدة) العربية والفكر الوحدوي. كان الجميع يؤيدني فيما ذهبت إليه، ولكنهم خضعوا للشعارات التي أثبتت الأيام خواءها .

15-  شمل الحصار جميع الصناعات المدنية بما في ذلك صناعة الأدوية التي حرمت من متابعة تحديث معداتها. والعاملون في الصناعة يدركون معنى أن تتقادم معدات أي مشروع صناعي.

16-  يحاول بعض الكتاب شيطنة (التصنيع العسكري)، وفي الحقيقة إن منشآت التصنيع ساهمت في عملية نقل وتوطين العديد من الصناعات الميكانيكية والهندسية وكان بإمكانها أن تقدم الكثير للصناعات المدنية أيضا. دخل قطاع التصنيع العسكري في مجال الإنشاءات، وقد نفذت شركة الفاو العشرات من مشاريع الطرق والجسور العملاقة، وقد علمت بأن الكثير من معداتها الثقيلة نهبت وبيعت في إيران أيضا. الغريب أن بعض من شيطنوا الصناعات العسكرية العراقية بكتاباتهم يصمتون أو ينقلون بفرح أخبار نجاحات الصناعات العسكرية الإيرانية.

17-  هناك بعض المشاريع التي كانت تحتوي على (تورنات) متطورة في قطاع الصناعات الهندسية بيعت إلى إيران حيث تم نقلها بعد سرقتها من قبل لصوص محترفين أول أيام الاحتلال.

18-  حين دخلت صناعة المرطبات الحديثة (خطوط الإنتاج ذات الطاقات الواسعة) على يد شركة بسكولاته التي أنشأها (ال فرجو أديب فرجو وشقيقه)، كانت جميع دول الجوار ما زالت تعتمد على الصناعة اليدوية ...أما بالنسبة للألبان فقد كان العراق أول بلد يستورد مكائن التعبئة (التتراباك) في المنطقة. اليوم يستورد العراق احتياجاته من الجوار.

19-  حذفت هذه الفقرة من حديث الوزير حين تناقلته صحف الأحزاب الإسلامية الحاكمة في العراق لأنهم لايتحملون عبارة أن العراق كان في زمن الدكتاتورية (يملك الصناعة الأكثر تقدما في المنطقة)

20-   كنموذج فقط للأحاديث الصحفية حول مشاريع الإعمار القادمة في العراق!! قالت وزير الإعمار والاسكان العراقي بيان ده زئي في حديث لـ (السومرية نيوز) بتاريخ 20 شباط 2010 إن مشروع الإسكان الوطني الذي تم الإعلان عنه لبناء 500 ألف وحدة سكنية في عموم العراق عن طريق الاستثمار منها 120 ألف وحدة في بغداد و70 ألف في كردستان العراق غير كاف للقضاء على أزمة السكن. عادت الوزيرة لتقول في 30 تشرين الثاني في مؤتمر عن التنمية الإسكانية إن العراق يحتاج إلى أكثر من مليوني وحدة سكنية!! كم سيحتاج بناء هذه الوحدات من أطنان السمنت والمواد الأولية الأخرى التي ستجلب من الخارج في وقت يعاني فيه الملايين من العراقيين من البطالة. وإذا مابيعت مشاريع السمنت  وتحكم المستثمر بالسعر كم سيضاف على تكاليف هذه المشاريع من مبالغ ستدفعها الحكومة؟ بالمناسبة لقد دمرت شركات المقاولات الوطنية العراقية التي كان بإمكانها أن تنفذ هكذا مشاريع بعقول عراقية وبسواعد عراقية.

Albilad.canada@gmail.com

افعلوها ان كنتم صادقين !!                           


كلفوا مسيحيا بوزارة الداخلية وصابئيا بوزارة الدفاع ويزيديا بوزارة الامن الوطني

ليث الحمداني


منذ يومين والتصريحات تتوالي من اطراف الائتلاف الوطني حول ضرورة تكليف شخصيات مستقلة بالوزارات الامنية والمقصود هو وزارات الداخلية والدفاع والامن الوطني ، ماجاء في هذه التصريحات اذا ماتوفر حسن النية هو عين العقل والمنطق. ففي بلد مثل العراق تتنازع فيه الطوائف والاعراق على كراسي السلطة، وتحكمه احزاب اغلبها ذو طابع ميليشياوي وارتباطات خارجية جعلتها ترهن قراراتها لدول اقليمية عربية وغير عربية احتوتها ايام صراعها مع الدكتاتورية يصبح تكليف حزبيين بالوزارت الامنية نوع من الانتحار السياسي ، ويكفي العراق ماعاناه في سنوات مابعد الاحتلال من وزارات تحكم فيها (الدريل) و(المنشار) و (السجون السرية) لتصفية ثارات تاريخية سخيفة لاعلاقة لها بهموم العراقيين اليوم ولكن السؤآل الذي يطرح نفسه هو أي نوع من المستقلين يجب ان يقود هذه الوزارات وبأية صلاحيات سيتمتع هؤلاء في ظل احتكار رئاسة الوزراء لاغلب الصلاحيات الامنية وفشلها الذريع في حماية امن مواطنيها من الارهاب في المرحلة السابقة . أن في مقدمة الشروط الواجب توافرها فيمن سيكلف بهذه الوزارات هو النزاهة والصدق والاستقلالية وهي صفات تكاد تكون مفقودة في الطبقة السياسية التي جاءت مع الاحتلال والتي غلبت (دولة الطوائف)على (دولة المواطنة) فكرست الولاء على حساب الكفاءة فيما يبدو وكانه اصرار على الاستمرار في بعض السياسات الدكتاتورية التي اضاعت العراق * فمن أين سياتي المستقل القادر على تجاوز هذا الواقع !! اعود هنا لاكرر ماقلته للقسم العربي في الاذاعة الكندية في عام 2005 وموجودعلى الرابط :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=53660
اذا كنتم انتم جميع المشاركين في العملية السياسية تؤكدون على اهمية استقلالية الملف الامني وضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية عراقية كلفوا مسيحيا مستقلا بوزارة الداخلية وهناك المئات من الكفاءآت في اوساط المسيحين في العراق وكلفوا صابئيا بوزارة الدفاع وهناك ايضا المئات من الكفاءآت العراقية من ابناء هذه الاقلية وكلفوا يزيديا بوزارة الامن الوطني وامنحوا هؤلاء الصلاحيات التي منحت لاقرانهم المسلمين في المرحلة السابقة ، وسيدير هؤلاء الملف الامني بكفاءة واستقلالية لانهم ليسوا حزبيين اولا ولانهم عراقيون اصلاء ولامرجعية لهم سوى العراق ..وولاءهم الوحيد هو لدجلة والفرات ولارض العراق ارض الحضارات البابلية والاشورية والسومرية والاكدية .
افعلوها ان كنتم صادقين وجادين باختيار شخصيات مستقلة لهذه الوزارات وان لم تفعلوها فأن هذه التصريحات ليست سوى ذر رماد في العيون وهدفها الاخير تنصيب ( خيالات مآتة) تحت راية مستقلين يدينون بالولاء لاصحاب نعمتهم ( الكرسوية) وتحركهم احزاب الطوائف والاعراق التي قادت وتقود العراق الى الخراب

*كان الانتماء (للبعث) شرطا اساسيا للتقدم للوظائف العليا والقيادية في الدولة في عراق الامس واصبح الانتماء (للدعوة) و(المجلس) و(الوفاق) و(الاسلامي)و(الفضيلة) هو الشرط في عراق اليوم

 

 

 

 

 صحفي عراقي

 رئيس تحرير القسم العربي

 في جريدة (البلاد) وموقعها الالكتروني

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا