الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

·         محمد كامل عارف كاتب وصحفي عراقي من جيل الرواد ينشر في جريدة (الاتحاد) الاماراتية

 

مقالات سابقة

 

 

عندما فَدَتني عيني اليسرى

محمد عارف

نهاية أكتوبر الماضي فَدَتني عيني اليسرى، وأنا عادة أتفاءل عندما يخفق جفنها، وفاتني أنها كان تنبهني إلى خطر محدق. ولو كنتُ أعلم بحدوث «سكتة العين» لأُنقذتُ ربما، وقد صادفت من يجهلها حتى في «قسم العيون الملكي» في «مستشفى كنغستن»، حيث هُرعتُ بعد فوات الأوان صباح اليوم التالي للإصابة. وواجبي كمختص بالعلوم والتكنولوجيا التعريف هنا بما تحاشيت ذكره حتى لأقرب أصدقائي:

«سكتة العين» eye stroke مثل «سكتة الدماغ» تحدث عندما ينسدّ مجرى الدم إلى شبكة العين، بسبب تضيُّق الشرايين، أو خثرة في الدم. وشرايين الدم تحمل مغذيات لجميع أقسام الجسم، وكان يمكن أن تكون «السكتة» في دماغي أو قلبي، لولا فدتني عيني اليسرى، التي كانت تنبهني طوال أيام قبل الإصابة بظلال تمرق خلف كتفي الأيسر. وفي صباح الحادث رأيت غشاوة بعيني اليسرى، وتصوّرت أنه تعب العين فاستخدمت القطرة لإزالته، وفي المساء انفجرت أضوية في عيني اليسرى، لم تسد نظري كلياً، حيث بقيت أرى المرئيات حولها. وتصورت أنها داء «الشقيقة» التي تصيب العين أيضاً، وفكرت أن أنام لأريحها. وفي الصباح عندما وجدتُ انسداد مركز الإبصار بعيني اليُسرى هُرعت إلى المستشفى.

وبعد فحوص طويلة استغرقت نحو ساعتين، وقطرات في العين لتصوير داخلها، وبخَّات هوائية لقياس ضغط الدم في العين، بدأتُ أدرك أن الأمر خطير. وأخبرني الطبيب الاستشاري المسؤول، الذي تجمعت عنده نتائج الفحوص بإصابة شبكية عيني اليسرى بانسداد جزئي. وشبكية العين تلعب دوراً أساسياً في إرسال إشارات بصرية إلى الدماغ، وفيها شرايين تحرك الدم من القلب وإليه، وانسداد تدفقه إلى الشبكية قد يسبب العمى.

ولو اتّبعتُ نصائح الأطباء العراقيين لأنقذتُ ربما، وهذه من عجائب تقاليد الطب العراقي التي لا تموت، فهي كالأعشاب، التي يسميها العراقيون «ثيّل»، ما إن تجتثها في مكان حتى تنبع في مكان آخر. شقيقتي الدكتورة فاطمة، المقيمة في عمان بالأردن، طبيبة إسعاف عائلتنا المتناثرة حول العالم، نصحتني عندما أيقظتها منتصف ليلة انسداد عيني بالذهاب إلى المستشفى فوراً، لكن اعتدادي بلياقتي البدنية وتماريني الرياضية، ودراجتي الهوائية، حملني للاعتقاد بأنها «داء الشقيقة» في العين، وسبق أصابتني قبل سنوات، وأثبتت ذلك الفحوص الطبية آنذاك، بما فيها مسح الدماغ.

وأول رسالة عالم طب عراقي بصدد الإصابة أرسلها «قيس الأوقاتي»، أستاذ كرسي الطب في «جامعة كولومبيا» بنيويورك، وفيها يُوافق تقرير الطبيب الاستشاري البريطاني، بأن علاج الحالة غير ممكن، إلاّ في الساعات الأولى بعد الإصابة، وبسبب تناولي أقراصاً مذيبة لخثرات الدم، فالتدخل الجراحي قد يحدث نزيفاً في العين. وبثت فيّ التفاؤل أستاذة الطب في جامعة عراقية، وصلتني بالدكتور «فوّاز المفتي»، أستاذ جراحة الأعصاب في مستشفى جامعة «رتغرز روبرت وود» في نيوجرسي بأميركا، الذي اقترح على الاستشاري البريطاني إجراء فحوص تالية للتأكد من مصدر «السكتة»، ومعرفة ما إذا سبقتها احتشاءات في مناطق صامتة من الدماغ، وأبدى استعداده للتعاون المباشر للوصول إلى إدارة أفضل للمشكلة. وأروع بُشرى من الدكتور «المفتي» عدسات طبية للالتفاف على «البقعة العمياء» في العين، وتجميع ما تراه حواليها في صورة كاملة.

ولو يتوفر للأطباء في العراق «خدمات الصحة العامة» البريطانية لفعلوا العجائب، وكنت محظوظاً بمصادفة ليلة هُرعتُ إلى قسم الطوارئ في «مستشفى كنغستن» خفارة الطبيب العراقي «الحسن عبد الله» الذي استدعى فورياً من شبكة إنترنت «خدمات الصحة العامة» آخر نتائج فحوصي الطبية، وأشرف على سلسلة فحوص لعمل القلب والجهاز الدموي، وليس غير طبيب عراقي شاب مرح مثل «الحسن» يعمل في «قسم علاج السرطان» في المستشفى، ويشارك أحياناً في الطوارئ لـ«الونسه»، حسب تعبيره!

(الاتحاد) الاماراتية

 

زميلي «المريض العراقي»

محمد كامل عارف

«الوعي الشقي»، عبارة الفيلسوف الألماني «هيغل»، ترددت في ذهني ما أن تعرّفت إلى الكاتب العراقي سهيل سامي نادر. كنتُ في مطلع سبعينيات القرن الماضي أبحث عمّن يساعدني في إصدار صفحة «آفاق» الثقافية في «الجمهورية»، وأصبح سهيل زميلي حتى أبريل عام 1978 عندما صدر قرار «مجلس قيادة الثورة» في العراق بعزلنا سويّةً مع 11 صحفياً، ضمن ما سُميَت «حملة تبعيث أجهزة الإعلام والتعليم». بقي سهيل في العراق يتدّبر أمره مع «الوعي الشقي»، وغادرتُ أنا أتدّبر أمري مع «تتمة وعكس الوعي الشقي الذي يكون في دخيلته سعيداً كل السعادة، أي الوعي الكوميدي»، حسب «هيغل» أيضاً.

والصحفيون نوعان؛ صحفي يروي قصصاً بتقاريره، وآخر يقتل القصص بتقاريره. وسهيل يروي في أحدث كتبه «المريض العراقي» رواية في مقالات سياسية، يقول عنها: «ما كتبته آنذاك كان روايتي الخاصة، وما زلت أواصلها، فأنا لا أّدّعي مثل أصحاب المبادئ الكبرى أن الموضوعية تقود أيديهم عند الكتابة، فأنا مَن يكتب». ويستّهلُ سهيل كتابه بحديث عاطفي شجي عن «الزعيم عبد الكريم قاسم»، قائد «ثورة 14 تموز». «مرّت سيارة الزعيم مبطئة ورأيته الوجه بالوجه، مدّ ذراعه محيياً ومبتسماً، إلاّ أنني لم أرفع يدي لردّ تحيته ولم أبتسم. كنت أنظر في عينيه، في وجهه، في ابتسامته البريئة المشرقة». ولم تغادر ذاكرة سهيل قط كيف اختفت ابتسامة الزعيم و«حّل محلها تساؤل مستغرب طفولي. لماذا؟ ما الذي فعلتُ؟». وعندما سيرى الزعيم بعد انقلاب عام 1963 في التلفزيون مذبوحاً، سيستعيد «تعبيره الآسر والمخفق: لماذا؟ ما الذي فعلت؟».

و«المريض العراقي» هو الطبقة المتوسطة العراقية التي انهارت لحظة انتصرت ثورتها التاريخية عام 1958. وأكاد أبكي غضباً عندما يهدر سهيل مواهبه الروائية في الكتابة عن زعماء العراق بعد الاحتلال؛ هل يقرؤون ما يكتب، وإذا قرؤوا هل يفهمون؟.. هذا الفصام الذي يعانيه معظم الكتاب العراقيين يتحدث عنه سهيل بمرارة: «ليس في العراق ما هو سياسي حتى يمكن تحليله ومعالجته. في العراق، توجد أبخرة سامة تخرج من خنادق وطوائف أسلمت قيادها إلى مجانين، أبخرة تسمم الأجواء، وتجعل الجميع في حالة غثيان دائم».

و«سهيل» في أبدع حالاته عندما يكتب عن الفنون التشكيلية العراقية. في كتابه «شاكر حسن آل سعيد: سيرة فنية وفكرية»، يحضر فيه الفنان كحضوره الصوفي السمح في زياراته لنا في «الجمهورية». «كان شاكر لا يني يقف على أطراف مدينته حيث الريف تارة، أو داخل وجدانها الشعبي والديني تارة أخرى، موزع الولاءات بين خيال جامح غير راضٍ وأساليب فنية مختلفة أراد لها تركيباً موحداً. كان في الواقع يحمل رهانين في آنٍ: رهان شبابه المترع بالحمية والهوى من جهة وروح المأساة من جهة أخرى، ورهان يقظة وطنية عامة وانفتاح المدينة المدهش في فترة الخمسينيات الخصبة».

وسيخرج «المريض العراقي» من صدوع جدران يؤطرها «شاكر» في لوحات يتفجّع لها سهيل: «مَثّل شاكر جدراننا المصدوعة في اللحظة التي كانت صدوعنا الاجتماعية تتوسع.. وأيّ جدران مصدوعة أيها المصدوعون؟.. إنها صدوعنا لو تدرون، صدوعكم، صدوع قلب، صدوع مجتمع، صدوع أرواح، صدوع الذكاء غير العادي، المنسحب، المتألم، الحزين».

وبعد ربع قرن، التقيتُ وزميلي سهيل في العراق دون أن نلتقي؛ هو يصور العراق من الداخل، وأنا من الخارج. وأُبيحَ دمُ كلينا؛ أنا لأن كتاباتي تُحمّل المحتلين مسؤولية الكارثة، وهو لأن كتاباته تُحَمِّل العراقيين المسؤولية. وكأنني الذي نجا عندما غادر زميلي بغداد حين سجّل العراق في عام 2006 الرقم القياسي العالمي في عدد قتلى الصحفيين. وانتظر بفضول إبداعات «الوعي الشقي» في بلده الجديد؛ الدنمارك، أسعد بلدان العالم، حسب الأمم المتحدة.

(الاتحاد) الاماراتية

 

هزل الإعلام

الأميركي والبريطاني

محمد عارف

تابعتُ نحو ثلاث ساعات استجواب «جيمس كومي»، مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي)، ودُهشتُ عندما شاهدتُ بعد ذلك تقرير مُراسِلة «بي بي سي» في واشنطن عن الاستجواب، وما كان ينبغي أن أدهش! فالمُراسِلة الغارقة في فيض المعلومات لم يتوفر لها الوقت، ولا المزاج ربما لمتابعة الاستجواب، فاستعانت بما تُسمى في الإعلام الغربي «قضمة»، أي «نُتفة» عن الموضوع. و«النُتَف» هزل الإعلام الأميركي والبريطاني في الهيمنة، بتحويل الأحداث إلى «نُتف» يبتلعها الجمهور بيُسرٍ ولا يختنق بها، إلاّ عندما «تقف في البلعوم»، كانتخاب «ترامب» رئيساً لأميركا، أو فشل زعيمة حزب المحافظين في الحصول على الأصوات التي تُسهِّلُ لبريطانيا مأزق الخروج من «الاتحاد الأوروبي».

والهزل في الإعلام كالفساد في الاقتصاد، يقع عندما تفيض الخيرات وتشح معايير توزيعها، فليست «النتفة» كما يُفترضُ أن تكون «فحوى» موضوع تفيض بمعلوماته قنوات الإعلام الإلكتروني، وليس مصادفة أن تكون بطلة الهزل الإعلامي العالمي أميركا.

والهزل الهازل حملات الإعلام الأميركي والبريطاني ضد الاتحاد السوفييتي والشيوعية، وكلاهما لم يعُد له وجود، والهزل الآخر في التعامل مع «ترامب» كمنقذ من الثورة الإعلامية التي انتهت بالكساد الإعلامي، فالثورة الإلكترونية التي وضعت العالم بين أيدي الجميع مَكّنَتْ أيّ شخص موهوب من أن ينافس أجهزة الإعلام الكبرى. لا أذكر كيف ظهر «جوناثان باي» على شاشة هاتفي «الآيفون» يختتم رسالته التلفزيونية أمام بناية البرلمان البريطاني صبيحة الإعلان عن نتائج الانتخابات. بدا المشهد كما لو أنّ من في الاستديو نسي أن يغلق البث، و«باي» يستحثهم أن يدعوه يذهب إلى منزله، فكل ما يريده الآن هو النوم، ويتلفظ بشتائم على النتائج الهزلية للانتخابات، التي أسفرت عن فوز حزب المحافظين الحاكم الذي خسر 13 من مقاعده في البرلمان المنصرف، وخسارة حزب العمال، الذي فاز بـ30 مقعداً. ويقفز «باي» ويرقص بعصبية، وهو يستعيد معارك خاضها «كوربين»، زعيم «حزب العمال»، ليس ضد المحافظين، بل ضد من يُسمَون «العمال الجدد»، جماعة رئيس الوزراء السابق توني بلير، الذي يهدده «كوربين» بالمحاكمة عن جريمة غزو العراق. واسم «باي» الحقيقي «توم ووكر»، وهو كوميدي بريطاني يساري حققّ شهرة عالمية بأسلوبه الهزلي، وتنافست على تشغيله فضائيات عالمية، وحظيت به الفضائية الروسية «آر تي».

ويأخذ البريطانيون الهزل بأقصى الجدّ، وإلا كيف أمكن أن يعقدوا خلال نحو سنتين انتخابات برلمانية مرتين واستفتاءً عاماً، وفي كل مرة يخطئ السياسيون والصحفيون تماماً في توقع نتائجها. «الكلاب لا تأكل الكلاب»، استهلّ بهذه العبارة الصحافي البريطاني «نيك ديفز» كتابه الواسع الرواج «أخبار الأرض المسطحة»، وفيه فضح الإعلاميين بالأسماء، وقال: «أنا مضطر للاعتراف بأنني أشتغل في مهنة فاسدة». ووصف كيف انتهت «مهنة تقديم الحقيقة بالإنتاج الجماهيري للجهل». وكشف عن سماح صحف مرموقة للمخابرات الأميركية والبريطانية بتحرير أعمدتها، وصحف تدعو لتطبيق القانون، فيما هي تدفع رشاوى نقدية لتحريف الحقائق. وذكر أن صحيفة «الديلي تلغراف» حققت سبقاً عالمياً عندما نشرت تحقيق مراسلها في واشنطن، الذي أورد تفاصيل عملية إعدام الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين قبل إعدامه بست ساعات، وما كان سينفضح، لولا أنه أرفقه بصورة ظهر زيفها عند تسريب مشاهد الإعدام الحقيقي!

 

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 الوحدة الأوروبية

متعددة الأزواج

محمد عارف

 

النجمة السينمائية الهنغارية «زازا جابور» كانت تنصَحُ: «إذا أحببتِ رجلاً وأحَبّكِ، تَزَّوجيه بأسرع ما يمكن، وإلاّ فستغيران رأيكما. وبعد الزواج هناك ما يكفي من الوقت لتغيير رأيكما». وهنغاريا غيّرت رأيها منذ ميلاد «زازا جابور» مطلع القرن الماضي، من الإمبراطورية الهنغارية النمساوية إلى ليتوانيا، ثم إلى المجر، والآن هنغاريا رغم أن قبائل «الهون» التي يتكون منها الشطر الأول من اسم هنغاريا اندثرت. وخلال حياة «جابور» التي توفيت نهاية العام الماضي غيّرَت هنغاريا نظامها من الرأسمالية إلى الاشتراكية ثم إلى الرأسمالية، وكانت أول من انتفض على روسيا عام 1956، وها هي تعيد الآن إنشاء «النصب التذكاري» للجيش الأحمر على ضفاف أعالي نهر «الدانوب».

و«هنغاريا لا تريد أن تغادر الوحدة الأوروبية بل إن تدّمرها»، وهو عنوان تقرير في «غارديان» البريطانية ذكر أن رئيس وزراء هنغاريا «فكتور أوربان»، الوطني النزعة، لا يريد الخروج من الوحدة الأوروبية، بل يبحث عما يسميه «ثقافة مناهضة» داخل الوحدة الأوروبية، وحكم ذاتي أكبر للدول الوطنية، وتأكيد أقل على المبادئ الليبرالية الإنسانية. ولا يمكن أن لا تتعاطف مع «أوربان»؛ فأين الديمقراطية والليبرالية في المشاركة بغزو أفغانستان، والعراق، وليبيا، وسوريا وهدمها على رؤوس أهلها، وأخذ علمائها ومهندسيها ويدها العاملة الماهرة سبايا باسم عطف مزعوم على اللاجئين؟ وما الإنسانية التي تتيح لأعتى المضاربين في الأسواق المالية، مثل «جورج سوروس» الهنغاري الأصل، فتح جامعات وتأسيس حركات «حقوق إنسان»، ليس في هنغاريا، وحدها بل حتى داخل البلدان العربية؟ و«أوربان» الذي بدأ حياته السياسية في انتفاضة 1956 كطالب من جيل «الهيبي»، يخوض الآن معركة ضد «سوروس» الذي يستعدي ضده «الوحدة الأوروبية».

وكما يقول الأديب الفرنسي الهزلي موليير، فإن «أحدنا يموت مرة واحدة، وهذا يستغرق وقتاً طويلاً». وطويل وقت الليبرالية الفرنسية، التي فاز مرشحها المصرفي «امانويل ماكرون» في انتخابات الرئاسة بأقل من نصف أصوات الناخبين المسجلين، وامتنع أكثر من ثلثهم عن التصويت، وصوّتت البقية لـ«مارين لوبين»، زعيمة حزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتشدد. وتؤكد نتائج انتخابات الرئاسة الفرنسية عكس ما توحي به. اعترف بذلك «كاسبار كوينغ» رئيس مركز الأفكار الذي رأى في نتيجة الانتخابات «صعود قوى قوية مناهضة للرأسمالية. فنصف الناخبين يرفضون اقتصاد السوق بشكل جذري». وذكر أن «على الرئيس الفرنسي الجديد إقناع الناس خلال خمس سنوات المقبلة بأن هناك بديلاً أفضل من تدمير الرأسمالية».

وهل يمكن أن تكون «الوحدة الأوروبية» ذلك البديل؟.. يجيب على السؤال تقرير عنوانه «الوحدة الأوروبية بلغت الستين وما تزال تبحث عن سبب للاحتفال». وعَرَضت «نيويورك تايمز» في التقرير معاناة دول الوحدة الانقسام، والتباعد، والقلق من أنها لم تعد تمثل المستقبل، بل الماضي، وغير قادرة على مواجهة تحديات القرن الخطير. والأحرى بالصحيفة الأميركية الاعتراف بأن لندن وواشنطن ورّطتا دول «الوحدة الأوروبية»، التي قفز عددها من ستة إلى 28 إثر انهيار جدار برلين في إقامة حلف ضد موسكو، وإطلاق سراب الرفاه للجميع الذي تحمله العولمة، والتي أغرقت الصناعات المحلية، فيما يرفل المصرفيون المبتهجون في الأموال العابرة للحدود.

وأخيراً خروج بريطانيا من «الوحدةَ الأوروبيةَ»، وهي ثاني أكبر اقتصاد فيها، والقوة النووية الثانية، فيما تعصف حركات معادية لليبرالية حتى بدول الوحدة الأساسية، ألمانيا، وفرنسا، وهولندا. وتغازل دولُ وسط أوروبا روسيا التي جعلت «زازا غابور» تدرك أن «الطريقة الوحيدة لتعلم لغة بشكل صحيح حقاً هي الزواج من رجل يتكلمها. أنا طبعاً تزوجت من خمسة رجال فقط، وأتحدث سبع لغات، وأحاول أن أتذكر أين اكتسبت اللغتين الأخريين»!

 

جريدة (الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

«البريسترويكا» الأميركية

محمد عارف

«أحياناً قد تكون أفضل استثماراتك تلك التي لم تقم بها». تُلخصُ عبارة «ترامب» هذه صفقته مع روسيا، التي انتظرت ظهوره سنوات قبل انتخابه رئيساً للولايات المتحدة. «فمن بين جميع القوى السياسية في الولايات المتحدة لا نؤيد سوى الانعزاليين الجمهوريين لأنهم يدعون إلى التوقف عن دعم (الغلوبالية)، والتركيز على المشاكل الداخلية، وتَرك باقي العالم في سلام». كتب ذلك الفيلسوف الروسي «ألكساندر دوغين» في كتابه «بوتين ضد بوتين» الصادر عام 2014، ويصلح دليلاً لمعرفة «البريسترويكا» التي تعني بالروسية «إعادة البناء».

وكما في موسكو تعصف «البريسترويكا» بجميع مفاصل واشنطن، من قمة «مجلس الأمن القومي» وحتى أدناه، وتخترق القواعد المرعية عندما تتيح لأشخاص غير عسكريين، مثل «بانون»، المستشار الاستراتيجي للبيت الأبيض، دوراً أمنياً متاحاً عادة للجنرالات فقط، أو تولي منصب «وزير الخارجية» لرئيس شركة صناعة النفط العملاقة «إكسون موبايل» سابقاً «ريكس تيليرسون» الحائز على «وسام الصداقة» من «بوتين». وكما في «بريسترويكا» الزعيم الروسي الراحل «يلتسين»، يلعب أفراد من عائلة «ترامب» أدواراً في السياسة و«البيزنس».

وغالباً ما تحجب الشخصيات التاريخية المثيرة رؤية التاريخ المثير الذي أنجبها. تصريحات «يلتسين» العشوائية، وتهريجه، وسكره، شوّشت رؤية «البريسترويكا» التي غيَّرَت إلى الأبد الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي برمته. وتشوِّش تصريحات وتصرفات «ترامب» رؤية «بريسترويكا أميركية» قد تغير ليس الولايات المتحدة وحدها، بل العالم أجمع. والحملة الشرسة ضده متشابكة مع مثيلتها ضد «بوتين»، وتستعير كلتاهما لهجة الازدراء والتحقير من المطبخ الإعلامي للحرب الباردة، وتنتقي إمبراطوريات الإعلام الغربية لقطات يبدو فيها كلا الزعيمين، الأميركي والروسي، مثيرين للضحك، أو مريبين كرؤساء المافيا.

لكن التاريخ لا يطرق الباب ولا يستأذن، بل يقتحم واشنطن كاقتحام «البريسترويكا» موسكو، وفي كليهما يمكن تمييز أشدّ عدوين للتغيير، وهما أولاً الليبرالية، وثانياً الصهيونية. الليبرالية تصبح معكوسها فتفرض قيوداً وتحريمات على كل ما ليس ليبرالياً. وعندما أتابع التقارير والآراء بالعربية والإنجليزية والروسية، يُدهشني سخف وغباء «اللوبي الصهيوني»، وفيه فائزون بجوائز «نوبل». ومن سوء حظ هذا اللوبي، سيئ الحظ تاريخياً، أن يصطدم برئيس أميركي يحب الشجار، وغير ليبرالي بالفطرة، ويُعلنُ: «نحتاج أحياناً إلى نزاع لأجل التوصل إلى حل. فعبر الضعف لا يمكن غالباً بلوغ الحل الصائب، لذلك فأنا عدائي». وكيف تنازع رئيساً أميركياً أبوه مليونير ألماني وأمه اسكتلندية، وزوجته الحالية (الثالثة) ولدت في سلوفينيا اليوغسلافية، حيث كان أبوها عضواً في الحزب الشيوعي.

وكوّن «ترامب» ملياراته من بناء ملاعب «غولف» حول العالم، وعمارات في نيويورك التي يقول عنها العالم الأميركي «نعوم تشومسكي»: «لماذا يريد اليهود فلسطين، وعندهم نيويورك؟!». وتراجُعُ «ترامب» الأسبوع الماضي عن الدعم المطلق لإسرائيل، وتحذيره نتنياهو من «أن بناء المستوطنات ليس في صالح السلام»، أعادَ التذكير بمخاطبته اجتماع «التحالف اليهودي للمتبرعين» في الحزب الجمهوري قبل الانتخابات، وقوله: «أنا أعرف لماذا لن تدعموني؟ لأنني لا أحتاج إلى أموالكم». ذكر ذلك مقال «أيها اليهود حذار من ترامب»، وكاتبه «الفيلسوف برنارد هنري ليفي»، حسب «نيويورك تايمز» مؤلف كتاب «عبقرية اليهود». وتبلغ فلسفة «ليفي» المشهور بدعم المعارضة السورية في باريس، حدّ رؤية سوء النية في إجراءات «ترامب» المحابية لليهود، كتعيين شخصٍ موالٍ لإسرائيل سفيراً في «تل أبيب»، وإعلان عزمه نقل سفارة واشنطن إلى القدس، واختيار مستشار له حول النزاع الفلسطيني الإسرائيلي زوج ابنته «جيرد كوشنر»، وهو من عائلة يهودية متدينة. ويحاكمُ «الفيلسوفُ العبقريُ» الرئيسَ الأميركي باسم «القانون الذي يتحكم بعلاقة اليهود وباقي العالم، لأنه لا يُظهرُ ما يكفي من الحب للشعب اليهودي»!

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

«ترامب».. «بيزنَس» السياسة

 

محمد عارف

«ربما حان الوقت لإدارة أميركا كبيزنَس». قال ذلك «دونالد ترامب» قبيل انتخابه، وهذا مفتاح فهم ما يفعله الآن. واختلافه عن معظم الساسة لكونه يضع «البيزنس» في خدمة السياسة، ومعظمهم يضع السياسة في خدمة «البيزنس». وحسب ترامب نفسه فإن «إحدى المشكلات الرئيسة اليوم هي أن السياسة خزي، تجعل الناس الجيدين يبتعدون عن العمل في الحكومة». واتهام ترامب بالجنون غير صحيح، فما يفعله حالياً تطبيق لما أكده طوال معركته الانتخابية، وهو «تجفيف مستنقع واشنطن». ومن أقدر على ذلك من رجل أعمال اشترى ساسة من جميع الأحزاب، بمن فيهم منافسته «هيلاري كلنتون». «أعطهم فلوساً وسيفعلون كل ما تريد».

وترامب يفكر كمقاول. «الصين تحصل على نفطها من ليبيا، ونحن ننفق مليارات ومليارات ومليارات الدولارات لحراسة العالم، لماذا لا شأن للصين بليبيا، فنحن لا نحصل على النفط من ليبيا». وفي السياسة يتّبعُ أسلوب إدارته لـ«البيزنَس»، وفيه «عندما يتحداك أحدهم رد عليه، كُنْ فظاً وكُنْ قاسياً». وفي كليهما يفعل ذلك غريزياً، «فالطريقة التي أهرول بها أعمالي تبدو أسهل من الطريقة التي أهرول بها حياتي». وفي برنامجه التلفزيوني الواقعي «المتدرب» يحكم فورياً على قدرات المتقدمين للعمل، «لا جدال، ولا محاججات، أنت مطرود». وهكذا مسلسل الطرد، بدءاً من مديري حملته الانتخابية، وحتى المدعية العامة الأميركية، وتهديد سفراء أصدروا بيانات ضد قراراته. «على كل المسؤولين في الخارجية الذين لا يتفقون مع الرئيس تَرْك العمل».

وترامب يعي أطواره الغريبة: «أنا أحب خلق تحديات لنفسي. ولعل هذا ليس أمراً حسناً دائماً، فهو يجعل الحياة معقدة». ويحللُّ أيضاً كفيلسوف: «أحاول التعلم من الماضي، لكني أخطط للمستقبل، بالتركيز أساساً على الحاضر».

ولن نجد في السياسة العالمية زعيماً مسلياً مثل ترامب. ومن لا يضحكه ترامب لن يضحك لشيء، وأولهم الإعلام الأميركي الكبير، الذي سلبه أعز ما يملك، السبق الصحفي، فاستخدامه «التغريدات» ليس مجرد تجاوز لهم، بل «طلقة الرحمة» على الإعلام الغربي الذي يعاني سكرات الموت منذ ابتكار الإنترنت، ووسائل الإعلام الاجتماعي، وأكذوبة «أسلحة الدمار الشامل». وأستعيرُ منطق ترامب الفكاهي، فأقول: «يقيناً، الآن أؤمن بوجود أسلحة الدمار الشامل العراقية، وإلا كيف انتُخبتُ رئيساً»!

والحملة ضد ترامب متعددة الأبعاد ومدوخة، وإذا كان من مردود لدوختي بين المصادر العربية والإنجليزية والروسية، فهو التفكير متعدد الأبعاد. وفي تعليق لي نشرته «نيويورك تايمز» على مقال طبيبة أسترالية تنعي فقدان «فكرة أميركا» عقب انتخاب ترامب: «دكتورة ليزا براير، هل تنعين فكرة قتل ثلاثة ملايين فلاح فيتنامي لا لشيء، ودون الحصول بالمقابل سوى على قتل مئات الآلاف من الشباب الأميركيين الأبرياء، أم تنعين فكرة قتل مليون من مواطني بلدي العراقيين، وإطلاق مذبحة لا تنتهي، ومقابل ذلك خسارة تريليونات الدولارات.. أدعو الله أن يغفر لك».

وترامب يقول: «إنه لأمرٌ جيدٌ دائماً أن يُقللَ من قيمتك». والتقليل من قيمة ترامب مفتاح انتصاره في انتخابات الرئاسة، وعدم تقليلنا من قيمته، أنا وزميلي «بوتين» في جامعة «بطرسبرغ»، جعلنا الوحيدين خارج أميركا نتوقع فوزه. وعندما أتّبع نصيحته: «طالما تُفَكِرْ فَكِرْ بشكل كبير»، أتوقع ما قد يتوقعه بوتين أيضاً، وهو أن تكون الصين هدف أول زيارة له إلى الخارج. وفيما يلي التغريدة التي سيبعثها من بكين: «عقدتُ مع الرئيس الصيني أعظم صفقة في التاريخ، نعم أعظم صفقة تبلغ تريليون دولار لتصدير ملايين السيارات وأنظمة الكومبيوتر الأميركية إلى الصين»!

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

«جامعة زهاء حديد» في الموصل

محمد عارف

«صارت عَركه مصلاوية بين الديج والواويه». و«الديج» هو الديك بالعربية الفصحى و«الواوية» هي الثعالب. وكنتُ أداعب المهندسة المعمارية الراحلة «زهاء حديد» بهذا المثل البغدادي عن لهجة سكان الموصل، القريبة جداً من الفصحى. ومع أن «زهاء» كانت تأخذ على العراقيين جدِّيتهم في كل شيء، فهي تعترض بجد: «آني بغدادية ولدت وتربيت ببغداد». وكان رد فعلها الجدّي يغريني بذكْر أبيها «محمد حديد»، سليل إحدى أعرق عوائل الموصل، وأمها «وجيهة» سليلة المنحدرة من عائلة «الصابونجي» الموصلية التي تضاهي «حديد» عراقةً وثراءً.

و«عركة مصلاوية» اندلعت أخيراً حول تَرِكة «زهاء» البالغة نحو 87 مليون دولار، وأوصت بنحو 50 مليون دولار منها للعاملين في مكتبها، وعددهم 372، و750 ألفاً لشريكها في المكتب المعماري الألماني «باتريك شوماخر»، ومليوني دولار لأبناء وبنات شقيقيها، و750 ألفاً لشقيقها الأكبر الوحيد على قيد الحياة «هيثم حديد»، وأوصت بجزء من تركتها للتعليم المعماري، دون ذكر التفاصيل. والسؤال هو: «هل للعراقيين نصيب في تركة زهاء»، وهي التي تقول عنها «رنا حديد»، ابنة أخيها، في مقال في «الأوبزرفر» البريطانية، إنها «تقف بقوة مع المضطهدين، وتؤمن بقوة التعليم»؟ ومَنْ أكثر تعرضاً للاضطهاد، والحرمان من التعليم، كأهل الموصل، وجامعتهم تواصل العمل منذ قدوم «داعش» في عام 2014 من مبانٍ مؤجرة خارج الموصل، في دهوك وكركوك وزاخو؟

لو أن زهاء كانت حية الآن، لاستجابت للعراقيين الذين بلغ ببعضهم الحنق على إهمالها لبلدها حدّ التساؤل: «هل كانت زهاء عراقية؟»، حسب عنوان مقال الروائية العراقية «إنعام كجه جي» عقب وفاة «زهاء» مباشرة. و«زهاء» التي لم تتوقف عن البكاء عند غزو العراق، ستسارع لإنشاء جامعتها المعمارية في الموصل، وهي تعرف أن اسمها وحده، يجلب ملايين الدولارات، وسيكون أكبر المساهمين عوائل الموصل الثرية، المعروفة، بالذكاء الاستثماري، ويذكر أسماء بعضهم «محمد حديد» في كتابه «مذكراتي»، ومنهم عوائل: «القدّو»، و«الجادر»، و«الدبّاغ»، و«زكريا»، و«جلميران»، و«شنشل»، و«الجومرد»، و«عبد النور»، و«سرسم»، و«اللوس»، و«يوسفاني».

وستضم «جامعة زهاء حديد المعمارية» كراسي أكاديمية باسم أعمالها الكبرى عبر العالم، وأولها «جسر الشيخ زايد» بأبوظبي، و«أوبرا غوانشو» بالصين، و«مركز علييف الثقافي» في باكو بأذربيجان، و«جسر سرادق زراغوسا» بإسبانيا، و«مركز العلوم فاينو» في «ولفسبيرغ» بألمانيا. وسيتسابق أساطين العمارة العالمية، ومنهم أخلص أصدقائها، لإلقاء محاضرات، وتنظيم دورات، ليس فقط لأن الجامعة تحمل اسم «زهاء»، بل لأن الموصل هي «نينوى» حيث أقيمت أول مكتبة في التاريخ، عُثر فيها على أكثر من 20 ألف مدونة، وأنشئت فيها الثيران المجنحة الأسطورية، التي تزين متاحف عالمية عدة، ومنحوتة المرأة الساحرة الابتسامة «الموناليزا الآشورية» التي سُرقت واستُعيدت عند غزو العراق.

وزهاء تدين بعبقريتها المعمارية لحضارات بلدها العظمي، وإن فات ذلك على النقاد العالميين، وهو محور دراستي «زهاء حديد عبقرية المكان» المنشورة بالعربية والإنجليزية والروسية.

وإنشاء «جامعة زهاء حديد المعمارية» فرصة لتنظيم حملة عالمية للمطالبة بإعادة آثار تاريخية عراقية ثمينة سرقها المنقبون الغربيون على امتداد قرنين. ولن نجد في الفنون العالمية تعبيراً عن مأساة الموصل الحالية كمنحوتة «اللبوة الجريحة» المعروضة في «المتحف البريطاني»، والتي جعلت الباحث الآثاري الفرنسي «آندريه بارو» يولول قائلاً: «اللبوة المحتضرة التي اخترقت جسمها ثلاثة سهام، ما تزال تحتفظ بقوة كافية لترفع نفسها على قائمتيها الخلفيتين، تجررهما على الأرض، واضح أنها في الرمق الأخير، لكن أنيابها ظاهرة، فإذا كان عليها أن تموت فلْتَمُتْ كريمة». (كتاب «بلاد آشور»)

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

بدء تاريخ عالمي جديد

محمد عارف

إعادةُ اعتبار «ثورة أكتوبر» في روسيا بمناسبة مرور مائة عام عليها، وتعميدُها (بعد ربع قرن من انهيار الاتحاد السوفييتي) باسم «الثورة الروسية العظمى»، والعودة العاصفة للتاريخ إلى أميركا (التي كان فلاسفتها قد أعلنوا قبل أعوام قليلة نهاية التاريخ عند عتبة ليبراليتهم الديموقراطية)، وانتخاب رئيس من خارج «طغمة واشنطن»، وحديث الإدارة الأميركية الجديدة عن انتفاء ضرورة الحلف العسكري الغربي «الناتو»، والانتفاضات ضد الوحدة الأوروبية، وعودة الدولة الوطنية (حتى في بريطانيا الإمبريالية)، ودعوة الزعيم الصيني «شي» (في مؤتمر «دافوس») إلى اللحاق بالقطار الصيني الصاعد.. أحداث متلاحقة، تبدو وكأنها انبثقت من العدم.

 
 
 

و«كانت أفضل الأوقات، وكانت أسوأ الأوقات»، عبارة الأديب الإنجليزي «تشارلز ديكنز» التي استشهد بها الزعيم الصيني في مقدمة خطابه المكرس للعولمة، والتي تَرتَدُّ عنها دول الغرب التي أطلقتها، فيما تحتضنها الصين التي ناهضتها. «شي» اعتبر العولمة كنز «علي بابا» في «حكايات ألف ليلة وليلة»، وفي خطابه، يبدو الفارق بين العولمتين، كالفارق بين الإمبريالية الرأسمالية والأممية الاشتراكية. وخطاب الزعيم الصيني، الذي كتبه بنفسه في نحو خمسة آلاف كلمة، يضاهي «البيان الشيوعي» حجماً وإحاطة، وعمقه الفلسفي كبيان «ماركس»، الذي تاهت فيه لاحقاً الأحزاب الشيوعية، فاعتبرته ضد الرأسمالية، كالنور ضد الظلمة، فيما اعتبر «ماركس» الرأسمالية خطوة ناقصة لا تكتمل إلّا بالاشتراكية. وتَجّنَب «شي» كُلّيةً المصطلحات العقائدية، في خطابه الذي مثل مزيجاً فريداً بين الاشتراكية العلمية والحكمة الصينية العريقة. في وصف تعقيد «العولمة»، استخدم الحكمة الصينية «البطيخ السُكّري يتدلى من عرائش مُرّة، والبَلَحُ الحلو ينمو في نباتات شائكة».

وكما كان لثورة أكتوبر الروسية فلاسفتها الألمان والروس، فللثورة العالمية الجديدة فيلسوفها «هايدجر» الذي دشّنَ تاريخاً جديداً للفلسفة يمتدُّ إلى ما قبل «أرسطو» و«أفلاطون»، إلى «هيراقليطس» المشهور بقوله: «لا شيء يدوم كالتغيُّر». فلسفة بدء تاريخ جديد، حسب فيلسوفها الروسي «ألكساندر دوغين» المولود عام 1962، لا ترفض عبادة الفرد فحسب، بل عبادة العقائد أيضاً، ليس الروحية القديمة، بل الحديثة (الشيوعية والليبرالية الديموقراطية). ودراسة «هايدغر»، وبعدها قراءة «دوغين»، تجعلنا نفهم، حسب الفيلسوف الأميركي «بول غوتفريد»، الرابط الضروري بين الاثنين. «فلتحسين حيواتنا الثقافية والروحية يطلب كلا المفكرين العظيمين، لا شيء أقلّ من الفحص المفصّل لتقاليدنا التي تمتد حتى القِدَمْ، ولا وجود للتقاطعات المختصرة في الطريق لتصحيح أخطاء حداثتنا المتأخرة». (ألكساندر دوغين، مارتين هايدغر، فلسفة بداية أخرى).

بداية تاريخ عالمي جديد، لا تتنافس فيه الدول والأمم باحثة عن الحقائق، بل تتنافس الحقائق باحثة عن الدول والأمم. و«فيما الفكرُ الروسي مُستلقٍ على الأرض المحروثة ينضح بعصائره الدموية، محاولاً في غمغمة منامه أن يقول شيئاً مؤكداً، لكنه يفشل في تحديد أيّ كلمات، أو صور أو علامات». يذكر ذلك «دوغين» في خاتمة الكتاب عن «الأفكار الروسية التي كانت تنتظر باحثة عن الوقت الملائم، غير راغبة بالمشاركة في نهاية الفلسفة الأوروبية الغربية، ولا تبدي تضامناً معها، ولا تنخرط بحيوية في تطوير ميتافيزياء أوروبية غربية».

وفيما الليبرالية الغربية الهالكة تُدمّرُ العراق، وأفغانستان، وليبيا، وسوريا، وتتلّهفُ للفتك بالعالم الإسلامي، من شمال أفريقيا حتى آسيا الوسطى، والصين، والمحيط الهادئ، وتحيط روسيا على امتداد حدودها الغربية بالقواعد العسكرية، وتشحذ بريقِها لالتهامها، معتبرة حتى الارتجافة الغريزية للجسد المذبوح عدواناً. ونظرة واحدة لتاريخ القرن الماضي كافية لمعرفة أن روسيا البلد الأكبر مساحة وموارد وثروات طبيعية في العالم، بطيئة الحركة كالدب الروسي، ومثله لطمتها الفتاكة عندما تهوي لا ينبت تحتها شيء، من ستالينغراد عام 1942 حتى شبه جزيرة القرم عام 2014.

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

التحالف الجاسوسي

الأميركي الروسي

محمد عارف

 

اقتَرَحَ الرئيسُ الروسي على الرئيس الأميركي توحيد جواسيسهما، توفيراً للنفقات، طالما كان الجواسيس أنفسهم يعملون لصالح الدولتين. هذه نكتة معروفة من عهد الزعيمين الراحلين، السوفييتي «خروشوف» والأميركي «كنيدي»، لكن أصح منها ما وقع فعلاً وهو إعلان الرئيس الأميركي المنتخب «ترامب» خفض الوقت المخصص للنظر في تقارير المخابرات الأميركية من ساعة يومياً إلى ساعة أسبوعياً. فما جديّة مخابرات تستقبله بنبأ اجتياح القوة «السايبرية» الروسية «واشنطن» لدعم انتخابه للرئاسة، وما قيمة ديموقراطية الدولة الديموقراطية العظمى إذا أمكن تغيير نتائج أهم قراراتها بـ«الريموت» من موسكو؟!

كمية الملفات التي يقال إن قراصنة «السايبر» الروس سرقوها من شبكة أجهزة الكومبيوتر في «الحزب الديموقراطي الأميركي» تفوق بالطول عند وضعها واحدة فوق الأخرى «نصب واشنطن» التذكاري في العاصمة الأميركية، والبالغ ارتفاعه نحو 170 متراً. والتفاصيل المعلنة عن سرقتها نسخة من مسلسل الفيلم الأميركي الممتع «أنتَ ترانا الآن»، حيث تتداخل الوقائع والشخصيات والصدف بشكل لا يُصدّق. فمثلاً «الدوقات»، وهو اسم فريق التجسس «السايبري» الروسي المرتبط بالكرملين، في الواقع وليس في الفيلم، سعى «المكتب الفيدرالي» الأميركي طوال سنوات للحيلولة دون اختراقه بريد «البيت الأبيض» السري، وبريد «وزارة الخارجية»، وحتى بريد «قيادة القوات المشتركة».

وكالمفارقات الهزلية في الفيلم، يحاول في الواقع وكيل المخابرات الأميركية أسابيع عدة إبلاغ مقاول تأمين الحماية التقنية لشبكة «الحزب الديموقراطي» بأن «الدوقات» اخترقوه، وسرقوا ملفات «هيلاري» مما يهدد فرصها في الفوز. لكن المقاول الذي كان يسعى للحصول على معلومات عن «الدوقات» بوساطة محرك البحث «غوغول»، اعتقد أن وكيل المخابرات الذي ينبهه إلى الخطر شخصية مختلقة للإيقاع به. وهكذا تسير الأحداث، ليس في الفيلم ولكن في واشنطن، حيث المسافة بين «المكتب الفيديرالي» ومقر «الحزب الديموقراطي» أقل من كيلومتر، ومع ذلك لم يكلف أيُّ طرف نفسه الذهاب شخصياً لاستقصاء الموضوع.

وفي الحلقة الثانية المثيرة، من مسلسل الحدث، وليس الفيلم، يحوِّلُ قرصانا معلومات روسيان خطيران اسمهما «الدب المتونس» و«الدب المزخرف»، الملفات المسروقة إلى «ويكيليكس». وابتهج «أسانج»، صاحب «ويكيليكس» اللاجئ منذ سنتين في سفارة الإكوادور بلندن عندما تسابقت الصحف العالمية في نشر الوثائق المسروقة بمجرد عرضها في موقعه، واعتبرتها السبب في خسارة «هيلاري» الانتخابات. هنا بَلَغَت قوة اندماجي بقراءة التقارير على شاشة كومبيوتري أنني ارتعبتُ حين ظهرت رسالة من «غوغل» تُحذِّر: «أحدُهم سرق كلمة سرك»، وأوشكت أن أمتثل لأمر «غيِّر كلمة السّر» عندما أدركتُ أن الرسالة ليست موجهة إليَّ، بل إلى مقاول أمن شبكة كومبيوتر حزب «هيلاري»!

وتذكرتُ أن توقيت اختراق القراصنة، والذي يوافق ساعات الدوام الرسمي في روسيا، اعتبرته المخابرات الأميركية دليلاً على تورط موسكو بسرقة الوثائق، نكتة من العهد السوفييتي، وتقترحُ كنكتة «خروشوف» و«كنيدي» لحل هذه اللخبطة التاريخية عن طريق عقد تحالف استراتيجي جاسوسي أميركي روسي، ليس بهدف الاقتصاد في الإنفاق فحسب، بل لأن شبكة الإنترنت العالمية منهارة، حسب «والتر إيساكسون»، رئيس «معهد أسبين» المشهور ببحوثه الدولية. والحروب «السايبرية» الجارية من مظاهر الانهيار، وأحدث وقائعها إعلان «ياهو» الأسبوع الماضي سرقة قراصنة المعلومات مليار عنوان مشترك فيها، تتضمن معلومات حساسة كالأرقام السرية للمشتركين، وهواتفهم، وتاريخ ميلادهم. ولم تشف «ياهو» بعد من آثار غزو نصف مليون «سبام» وهي رسائل عشوائية تشلُّ كل عنوان يتعرض لهجماتها. وطَرَحت أخيراً مجموعة قراصنة تدعو نفسها «سماسرة الظلال»، ملفات «وكالة الأمن القومي» الأميركية للبيع بالمزاد. وإذا أخذنا بالاعتبار حجم النشاطات عبر الإنترنت في الأعمال والتسويق والتعليم والإعلام والاقتصاد، فسندرك القيمة الاستراتيجية لعقد تحالف جاسوسي أميركي روسي.

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

سنة «الوناسة» في السياسة

محمد عارف

أيُّ سعادة إذا صَحّ ادّعاء وكالة المخابرات المركزية الأميركية «سي آي إيه» أن تدخل موسكو أدّى إلى فوز «دونالد ترامب» بالرئاسة؟ ومن لا يسعد بوجود من يفعل أخيراً بأميركا ما تفعله بجميع دول العالم؟ وأول السعداء «ترامب» نفسه الذي يسعى إلى «الوناسة» في الحياة والعمل، وقد سارع إلى التذكير بأن مسؤولي المخابرات «هُم الأشخاص أنفسهم الذين اكتشفوا أسلحة صدام حسين للدمار الشامل»، ونَصَحَهم: «الانتخابات انتهت وعليكم الانصراف إلى عملكم». و«وناسة» الرئيس المنتخب «عدم ثقته ليس بتحليلات المخابرات الأميركية فقط، بل بحقائقها أيضاً»، خصوصاً تقاريرها عن الصين وروسيا والمنطقة العربية، حسب «نيويورك تايمز».

وسنة «الوناسة» في أوروبا «ملتهبة وغامضة» في تقدير «فرانسو هيزبرغ»، وزير الدفاع الفرنسي السابق ورئيس «المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية». وما أجمل أوروبا ملتهبةً وغامضةً، حتى بريطانيا، وأنا أكتب منها، ألهبتها مفاجأة تصويتها على مغادرة «الاتحاد الأوروبي». وعندما تلتهب بريطانيا تجَنُّ أوروبا، وبالتوالي، فرنسا اندفعت لتغيير نتائج انتخابات الرئاسة قبل انعقادها العام المقبل، وإيطاليا غيّرتها فعلاً بتصويتٍ ضد تعديلات الدستور أطاح برئيس وزرائها «رينزي». والتغيير في هولندا كمزادها المعكوس، يبدأ بأقصى اليمين، ثم يهبط تدريجياً.

و«إنه الاقتصاد يا غبي» حسب الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، وهذه «وناسة» تحليلات نظريات «الشعبوية» للأحداث، فالعام الحالي استُهل بتقرير منظمة «أوكسفام» عن «الدراسة السنوية للامساواة»، وفيه أن 62 شخصاً يملكون ما يعادل ملكية 3 مليارات و500 مليون إنسان. وصبَّ معظم الاقتصاد العالمي البالغ 78 تريليون دولار في مصارف وملاذات غير خاضعة للضرائب، تملكها الشريحة العليا من أغنياء العالم. وعُذرُ مُنَظري «الشعبوية» أن «علوم الاقتصاد ليست كالكيمياء والفيزياء، حيث تصبح الاكتشافات الجديدة ثابتة، بل رهن نقاشات لا تنتهي في مجتمعات تستعر بالاضطرابات، كلما بدا الطريق إلى الأمام معتماً». (كتاب «عصر الركود الاقتصادي» للمصرفي الأسترالي «داس ساتياجست»).

و«الثروات تزداد والأعمال تتكاثر لكن ليس للجميع»، خلاصة تقارير مسهبة من بلدان غربية عدة تفسر سبب انتفاضة عامة الناس على سياسات العولمة وحرية التجارة. فثمار السياسات الاقتصادية القائمة على تشجيع التجارة حَصَدها حاملو الشهادات الجامعية العليا، والعاملون في أسواق الأسهم والمختصون بالحسابات، فيما نصيب الشغيلة البطالة والحرمان الاقتصادي. ويتحمّلُ مسؤوليةَ الفشل صانعو القرارات السياسية، الذين آمنوا بأن الأسواق تحقق الرفاه العام، ولم يضعوا خطط مواجهة الأضرار المترتبة على التجارة. وعندما فقد ملايين العمال دخلهم، بسبب المنافسة الخارجية، لم تقدم لهم حكوماتهم دعماً يخفف الضربة التي أصابتهم، وكانت النتيجة غلياناً عاماً يقلب السياسات في الغرب.

و«الوناسة» في العراق حسب المثل «الناس بالناس والقرعة تمّشط بالراس». رئيس الوزراء السابق نوري المالكي أقام أخيراً دعوى قضائية ضد الكاتب «علي حسين» رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة «المدى»، وسبق وأقام دعوى ضده عام 2011 وتبعته دعاوى أخرى مع أمر بإلقاء القبض عليه، وعلى زميله «سرمد الطائي»، وعلى «فخري كريم» رئيس مجلس إدارة «المدى». وكلّف المالكي «وليد الحلي»، القيادي في «حزب الدعوة»، بإقامة دعوى، وأعقبه «نوفل أبو رغيف»، القيادي في «المجلس الإسلامي الأعلى». وكان أسامة النجيفي أول من أقام دعوى ضد «علي حسين» عام 2009 أعقبه طارق الهاشمي، ثم الناطق باسم القيادة العامة للقوات المسلحة الفريق الركن قاسم عطا، والذي طالب بتعويض 8 مليارات دينار، ودعوى أقامتها عالية نصيف، النائبة في البرلمان. وفي سنة «الوناسة» في السياسة العراقية أدعو كعامة الناس من كل قلبي «بْجاه علي والحسين ينّجي الله علي حسين»، فعدد قتلى الإعلاميين العراقيين عام 2016 بلغ حتى اللحظة ثمانية، حسب «اليونسكو»!

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

(جامعة الموصل).. الأولى عالمياً

محمد عارف

 

(الحسابُ لا يحسِبُ) حسب عالم الفيزياء «أنشتاين». ولو أن النقاط التي حققتها «جامعة الموصل» احتُسبَت لنالت الأولوية في تصنيف الجامعات العالمية، فهي تواصلُ منذ احتلال «داعش» الموصل عام 2014 التعليم في «دهوك»، على مسافة 75 كيلومتراً شمال الموصل، ومختبراتها في «جامعة كركوك»، التي تبعُدُ 150 كيلومتراً، ودروس طلبة الطب في «مستشفى زاخو التعليمي» المحاذي للحدود التركية، و«جامعة الموصل قد تنير الطريق إلى إعادة الإعمار»، حسب «توماس هيل» و«كاترينا سيرا»، وكلاهما من «جامعة نيويورك» في الولايات المتحدة. ويحذر الأكاديميان الأميركيان من «أخطر فكرة سائدة لدى المسؤولين في الولايات المتحدة، والقوى الإقليمية، والعراقيين خارج الموصل، وهي أن مستقبل المدينة يُقَرَّرُ خارجها».

ويؤكد الباحثان اللذان قضّيا فترة في «جامعة دهوك»، على «وجود قوة قادرة متموضعة بشكل استثنائي لقيادة إعادة البناء السياسية والاجتماعية والاقتصادية للموصل، وهي قوة (المصالوة)، كما يُسمى أهل الموصل، فكثير منهم شُّرِّدوا لكنهم لم يتخلوا عن مدينتهم». ومع أن تنظيم «داعش» استولى على الحرم الجامعي فإن لُبّ إدارة الجامعة، بما في ذلك رئيس الجامعة «أُبَي الديوجي»، ونائبه للشؤون العلمية «نزار قبع»، انتقلوا إلى مدينة «دهوك»، وهناك قادوا جامعة في المنفى تضم خمسة آلاف طالب في العلوم الإنسانية، إضافة إلى عشرة آلاف طالب في الطب والعلوم. وبعض الطلاب والأساتذة يقومون برحلات أسبوعية تستغرق ست ساعات ما بين «دهوك» و«كركوك»، يعانون خلالها نقاط التفتيش المزدحمة، واستجوابات قوات الأمن الكردية.

ومقر رئيس الجامعة «الديوجي» غرفة في الطابق الثاني من بناية فندق، ومع أنه يدرك أن الموصل لا يمكن أن تُستعاد من «داعش» دون دعم دولي، فإنه عاش تجربة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ورأى «كيف يمكن أن تسوء جميع الأمور عندما يضع عسكريون وخبراء أجانب خطط إعادة البناء لمكان لا يفهمونه بتاتاً». ويعتبرُ «الديوَجي» نفسه محظوظاً لفشل محاولة اغتياله بطلق ناري في رقبته عام 2011، بالمقارنة مع أكثر من 500 أكاديمي عراقي اغتيلوا بعد الغزو، إلا أن تضحياته وتضحيات زملائه للحفاظ على الجامعة لم تلقَ الاعتبار من الحكومة ووزارة التعليم العالي في بغداد، والتي تفرقُ في التعامل بين «جامعة الموصل» و«جامعة بغداد» والجامعات الأخرى، وتُخصِصُ لهم ميزانيات شحيحة، ويحاولون الإيحاء بأنهم رحَّبوا بـ«داعش»، مع أنهم تركوا منازلهم، وأموالهم، ومصوغات عوائلهم، وغادروا الموصل دون أي شيء، متصورين أنهم عائدين إليها بعد ثلاثة أيام.

وتعزز تجربة «جامعة الموصل» قاعدة «الميدان غير المتساوي» في التصنيف العالمي للجامعات، التي يذكرها دليل «تصنيف جامعات دول البريك والاقتصادات الصاعدة لعام 2017»، والتي تأخذ بالاعتبار الخلفية المعقدة والإشكالية للجامعات في التصنيف العالمي. ومن يُضاهي «جامعة الموصل» في إشكالية خلفيتها وتعقيدها. فللمرة الثانية، منذ غزو العراق عام 2003، تعيد الجامعة بناء نفسها بنفسها. وكنتُ الشاهد على ذلك في المؤتمر الدولي للجامعات العراقية في لندن في فبراير 2004. وكتبتُ هنا كيف سأل الأكاديميون البريطانيون رؤساء سبع جامعات عراقية عمّا يحتاجونه لإعادة بناء جامعاتهم، فقالوا: «نحتاج كل شيء».

وفي ذلك اليوم أدركتُ أن وطنية وعقلانية «المصالوة» غَرْسُ موقعهم على التخوم القصوى للعراق والأمة العربية. فعندما تَكَلَم بلغة إنجليزية رفيعة «نزار قبع»، عميد «كلية الطب»، والقائم بأعمال رئيس «جامعة الموصل» آنذاك، قال إنهم لا يحتاجون أيّ شيء. «أَعَدنا بناء جامعتنا بعد شهرين من توقف العمليات الحربية، وكل ما نريده منكم استئناف اتفاقات التعاون وتبادل الزيارات مع الجامعات البريطانية المتوقفة منذ زيارة 25 أستاذاً في الطب والهندسة والكومبيوتر إلى بريطانيا عام 1989، وقد تحمّلت نفقاتها جامعة الموصل».

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

صفقات الرئيس الأميركي الجديد

محمد عارف

المهم الآن ليس كيف فاز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، بل ما الذي سيفعله الرئيس الجديد. تفصح عن ذلك زيارته المفاجئة عقب انتخابه مباشرة لصحيفة «نيويورك تايمز» التي ناصبته العداء بضراوة. متابعة تسجيل لقائه مع رؤساء تحرير الصحيفة وكتّابها، الذي استغرق ساعة، ممتعة ومثيرة، لم يتوقف فيها عند معاملتها له «الفظّة جداً وغير العادلة تماماً». وترامب الذي يبدأ يومه بقراءة الصحف في الخامسة فجراً، يعرف تفاصيل تبنّي «الصحيفة» أعضاء كونجرس من حزبه «الجمهوري»، واعتبارها مناهضتهم له ضربة قاصمة، وها هم تحولوا بعد خسارتهم مقاعدهم إلى التماسه توظيفهم في إدارته. وقال مازحاً إنه يقرأ صحيفتهم «لسوء الحظ، وكان يمكن أن أعيش عشرين سنة أطول لو لم أقرأها». مع ذلك أشاد في ختام اللقاء بالصحيفة، وقال «إنها جوهرة أميركية عظيمة، جوهرة عالمية».

و«هل ستعيد تشكيل السياسة مع روسيا؟»، وجه السؤال توماس فريدمان المعروف بكتاباته غير اللائقة بمستوى الصحيفة ضد بوتين شخصياً.

اعترض ترامب على مصطلح إعادة تشكيل السياسة، وقال «أعتقد أنني أحب أن أكون قادراً على الوفاق مع روسيا، وأعتقد أنهم يحبون أن يكونوا على وفاق معنا، إنه لمصلحتنا المتبادلة». وسخر من الحملة الضارية ضده، واتهامه بأنه يحب بوتين وأن بوتين يحبه، وقال «إنه لأمر عظيم أن نتوافق، ليس مع روسيا وحدها، بل مع بلدان أخرى». وذكر أن «الذهاب إلى العراق كان أكبر خطأ في تاريخ بلدنا». والأمر نفسه بالنسبة إلى سوريا.

«أعتقد ما يحدث هناك فظيع. أنظر إلى القتلى، والمدن التي تحولت بالكامل إلى خرابات». وأضاف «علينا حلّ المشكلة هناك، وإلا سنواصل القتال إلى الأبد، كأن علينا الآن الهجوم على روسيا، والهجوم على إيران. وما الذي نحصل عليه بالمقابل؟».

والمفاجأة إعلان ترامب قدرته على إيجاد صفقة لحل المشكلة بين فلسطين وإسرائيل، التي عجز الرؤساء الأميركيون المتوالون عن حلها، ويُرشح لمتابعة المهمة زوج ابنته «جيد كوشنر»، الذي قاد حملته الانتخابية، وهو يهودي من أصحاب المليارات ومن مالكي العقارات في نيويورك، وسّجّلَ وهو في عمر 26، الرقم القياسي الأميركي بشراء أغلى عمارة منفردة مقابل نحو ملياري دولار.

وترامب كله في كتابه «فن الصفقة» الذي ألّفه وهو مقاول إنشاءات في عمر الأربعين، ويخبرنا الآن بما سيفعله الرئيس في عمر السبعين. يحمل الكتاب على غلافه تقييم «نيويورك تايمز» له عام 1987 «ترامب يجعلنا نؤمن للحظة بالحلم الأميركي مرة أخرى». وإذ يبدو اليوم «الحلم الأميركي» أبعد منالاً من أيّ وقت آخر، يتابعُ ترامب مقولاته. «أنا لا أفعل ذلك من أجل النقود، فأنا أملك الكفاية وأكثر مما أحتاجه. والصفقات بالنسبة إليّ شكل من أشكال الفن. آخرون يرسمون بشكل جميل على قماشة اللوحة، أو يكتبون شعراً بديعاً، وأنا أحب أن أعقد صفقات، والمفضل أن تكون صفقات كبيرة، فهكذا أحصل على المتعة».

ومشاريع ترامب في السياسة الأميركية والدولية تحمل أسلوبه في عقد الصفقات. «أسلوبي بسيط تماماً ومستقيم. فأنا حاسمٌ جداً، وأواصل فحسب المثابرة والمثابرة والمثابرة للحصول على ما أسعى إليه. أحياناً أقبل بأقل مما كنت أسعى إليه، لكن في معظم الأحوال أحصل في النهاية على ما أريد». وأهم إرشادات ترامب في عقد الصفقات «فَكِّر بشكل كبير»، و«اهتم بالنواصي والأعالي ستهتم بنفسها»، و«عَظِّم خياراتك»، و«رُدّ الصاع صاعينس. وأظرف إرشاداته «تَسلَّ. فالحياة هشة تماماً، والنجاح لا يغيّر ذلك. وإذا كان النجاح يفعل أي شيء فإنه يجعلها أكثر هشاشة. وكل شيء قد يتغير من دون إنذار مسبق، لذلك أحاول أن لا آخُذَ بجدية أيّ شيء يحدث».

(الاتحاد) الاماراتية

 

من روسيا وأميركا.. مع الحب

محمد عارف

«إنه براغماتي». هكذا طمأن الرئيس الأميركي المنتهية ولايته «أوباما» زعماء الدول إلى شخصية الرئيس المُنتَخب «ترامب». ومن يطمئنُّ لذلك في ظروف أميركا الحالية، حيث لا عقيدة أكثر راديكالية من «البراغماتية»، ولا «براغماتي» أكثر راديكالية من «ترامب»، الذي يطالب العراقيين بدفع تكاليف غزوهم، وتبلغ تريليوني دولار، و«إذا لم يدفعوا نأخذ نفطهم»!

هذه «البراغماتية» الهزلية هل تحقق العمل لـ«الملايين الضائعين في سوق العمل»، حسب بحث «ألن كرويغر» الاقتصادي في «جامعة برنستن»، والذي كشف عن بطالة أكثر من 10% من اليد العاملة الأميركية منذ الركود الاقتصادي عام 2007، وعددهم الآن سبعة ملايين، 44% منهم أدمنوا تعاطي المُسكنات أو الكحول، وتوقفوا عن البحث عن عمل.

وهل يغزو الرئيس «البراغماتي» الصين لاستعادة ملايين فرص العمل الهاربة من الأميركيين؟ تجيب عن السؤال نكتة عن نشوب حرب بين واشنطن وبكين، في اليوم الأول منها أَسَرَ الجيشُ الأميركي مليون صيني، وفي اليوم الثاني خمسة ملايين صيني، وفي اليوم الثالث أعلنت أميركا هزيمتها!

و«ترامب» المقاول يعرف أن «كل ما يحتاجه هو أحسن ما يفعله: بناء شيء ما، وهذا يكلف ضعف مبلغ التريليون دولار التي وعد بإنفاقها على الهياكل الارتكازية»، حسب «دان ماكنكول» مؤلف كتاب «الطرق التي تبني أميركا». فإنشاء «نفق سكة الحديد على نهر هدسن»، يكلف نحو 40 مليار دولار، و«سكة حديد كاليفورنيا الفائقة السرعة» 65 مليار، و«قطار نورث إيست العوّام» 100 مليار، و«جدار ميامي البحري» 20 مليار، وهكذا.

وتجمَعُ «البراغماتية» التي تعني «الواقعية» أو «العملية» بين ترامب وبوتين. فالفلسفة المتوجهة للتطبيق ليست حكراً على الأميركيين، وأفكار ماركس حول دور التطبيق وعلاقته بالنظرية كان لها أثر هائل حسب «دليل أوكسفورد الفلسفي». ورمزُ أثرها الهائل تمثال «ماركس» الشامخ، رغم زوال النظام الشيوعي، في الساحة المقابلة لمسرح «البولشوي» في موسكو. وعلى غرار بوتين، شرع ترامب في استعراض المرشحين لإدارته الجديدة أمام عدسات التلفزيون، وقد يتفوق عليه بإنتاج لقطات مسلية من اجتماعات إدارته القادمة.

و«من روسيا مع الحب»، أغنية فيلم «جيمس بوند» المشهورة اقتبستُها في عنوان مقالي، وفيها: «أطيرُ إليكِ وقد صرتُ أكثر حكمة منذ ودّعتك، وطفتُ العالم لأتعلم أن أعود من روسيا مع الحب». ومنذ غزو العراق عام 2003 ودّعتُ أميركا دون عودة، وكنتُ أزورها شهرياً تقريباً، ومن مختبراتها بعثتُ تقارير عن اكتشافات واختراعات قبل أن تنزل إلى الأسواق، وتغيّر العالم، مثل «الموبايل»، و«اللابتوب»، و«الإنترنت»، و«استنساخ» الكائنات الحية، و«الجينات»، و«الروبوتات»، و«تقنية النانو»، و«العالَم الافتراضي»، و«تلسكوب هابل»، و«المكوكات الفضائية»، و«المحطة الفضائية الدولية»، و«التغير المناخي».

وعلّمَتني سنوات دراستي اقتصاديات العلوم والتكنولوجيا في روسيا أن عامة الروس كعامة الأميركيين، الذين انتخبوا ترامب، ما في قلوبهم على لسانهم، وطالما دردشتُ معهم في «ساحة هارفرد»، التي تضم أكبر عدد من المطاعم في العالم في ساحة واحدة. في مقهى «غرين هاوس»، حيث كنتُ أتغدَّى يومياً، فاجأتني النادلة «إيما» بالقول: «أنا أعرف من أنت». سألتها: «ومن أنا؟».. أجابت: «أنت صحفي». قلت: «إيما، كيف عرفت ذلك؟»، قالت: «لأنك تُدردِش مع الجميع». وأضافت: «أنا لست نادلة». سألتها: «من أنتِ؟»، قالت: «أنا مُرَّفِهة (entertainer». واستطرَدَت تقول، دون أن تترك الفرصة لأسرح بتفكيري: «أُغَني»، وأضافت: «هل تريد أن تسمعني الآن؟». سألتُ: «الآن!».. قالت: «نعم، الآن». وانطلقت تغني. آه إيما.. إيما.. إيما، أغنية جيمس بوند لكِ. «رأيتُ أماكن وابتسمتُ لوهلة، لكن آهِ، أنتِ تطاردينني، وينعقدُ لساني فتياً وفخوراً، كي لا يفتضح حبك، خشية أن تقولي لا».

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

 

الضحك على أميركا.. معها

محمد عارف

في مقالي «أميركا تَتَفَكَّك»، المنشور هنا الشهر الماضي، كنتُ أضحك على أميركا، واليوم أضحك على أميركا معها. آنذاك توقعتُ فوز «دونالد ترامب» برئاسة الولايات المتحدة، فيما كانت أجهزة الإعلام الكبرى تستبق الانتخابات بإعلان فوز «هيلاري كلينتون» على هذا «المقاول الجاهل بالسياسة». وكان دليلي على فوزه قول الكاتب الأميركي الهزلي «مارك توين»: «من الواضح أنه لا شيء لا يمكن أن يحدث اليوم، وللنجاح في الحياة، تحتاج إلى أمرين: الجهل والثقة بالنفس». وثقة «ترامب» بنفسه بلغت حد إعلان عزمه على «تجفيف مستنقع الفساد في واشنطن»، وتَوَعَّدَ هيلاري خلال لقائهما السجالي بأن يُحقِّقَ معها عندما يصبح رئيساً، قائلا لها: «سَتُسجَنين».

والآن ينادي محازبوها «عفا الله عما سَلَف»، فيما يواصل أنصار الرئيس الفائز الهتاف «اسْجنها». ويتوقع أبرز مستشاريه «غولياني» تعيين محقق محايد للنظر، ليس فقط في موضوع انتهاكها قواعد سرِّية بريدها الإلكتروني أثناء توليها وزارة الخارجية، بل أيضاً تلّقي «مؤسسة كلينتون الخيرية» رشاوى من حكومات بعض الدول. وعندما نراجع تقرير «مِنْ روسيا مع الفلوس»، الصادر عن «معهد المحاسبة الحكومي»، ندرك أن «مارك توين» كان يرى المستقبل عندما قال قبل نحو قرن: «قد يمكن بالوقائع والأرقام البرهنة على أن لا طبقة أميركية أصيلة تماماً فاسدة كالكونغرس»، فالتقرير المعروض في الإنترنت يتضمن تحقيقات «مكتب التحقيقات الفيدرالي» و«الجيش الأميركي» التي أكدّت تلّقي «مؤسسة كلينتون الخيرية» 35 مليون دولار من صناديق استثمارات روسية.

و«اسْتَحْضِر الحقائق أولاً ثم العبْ بها كما تشاء»، حسب «مارك توين» دائماً. وهذا موسم لعب لا مثيل لِمَكرِهِ في تاريخ الإعلام. «نيويورك تايمز» التي وقفت بقوة إلى جانب هيلاري، تحذِّرُ من أن عزم «ترامب» على تغيير «مستنقع الفساد» سيكون معقداً ومكلفاً، وتذكر أن «بيروقراطية واشنطن متحصنة بالكونغرس»، ومع أن «ترامب» يملك بعض السلطة التنفيذية «فالحدود القانونية والعملية والسياسية ستكبح جهوده».

ومَن لا يضحك على النقد الذاتي المتهافت لأساطين الإعلام، إذ يتساءلون: «كيف أخطؤوا جميعاً في توقع نتائج الانتخابات»، ويُعلّلون خطأهم بشخصية «ترامب» الغامضة، و«أمواج الأعماق الأميركية المؤيدة له»، ووقوعهم ضحية «الفقاعة الإعلامية» التي أنشؤوها بأنفسهم، وينعون «تخلِّيهم عن اتباع القواعد الموضوعية للصحافة عندما سلّموا بفشل ترامب» حسب «كريس والاس» عُمدة وكالة «فوكس نيوز»؟! ويتساءل رئيس تحرير «نيويورك تايمز» كيف «قلّلنا مع باقي مؤسسات الأخبار، قوةَ الدعم الذي كان لشخص غير اعتيادي كهذا، بل مثير للانقسامات؟». ويذهب المحرر الإعلامي للصحيفة حدّ تحميل الرئيس الفائز مسؤولية خطئهم، لأن «نواقصه كانت تحجب عنا رؤية المسائل الفعلية»!

وبَلَغني اللعبُ الإعلامي عندما تلّقيتُ، كمشترك في «نيويورك تايمز»، رسالة بالإنترنت من الناشر ورئيس التحرير، تعتذر دون أن تعتذر «عقب انتخابات غريبة كهذه وغير متوقعة: هل قادتنا لا تقليدية دونالد ترامب التامة ومنافذ الأخبار الأخرى إلى التقليل من دعم الناخبين الأميركيين له، وما القوى والتوترات في أميركا التي قادت هذه الانتخابات ونتائجها الحاسمة؟ وأهم شيء، كيف سيحكم رئيسٌ شخصيته غامضة إلى حد كبير عندما يتولى المسؤولية الفعلية؟».

ورسالتي الجوابية للناشر كانت فورية ومبتسرة: «خيبة أملي برسالتكم أكبر من خيبة أملي بتغطيتكم الانتخابات. كلاهما، الاعتذار والتغطية، ذَكَّراني بموقفكم خلال غزو بلدي العراق عام 2003، عندما شاركتم في أكذوبة (أسلحة الدمار الشامل العراقية). ومع ذلك أُعَبِّرُ عن امتناني لكم كمصدر رئيسي في كتاباتي الأسبوعية في صحيفة (الاتحاد) أكثر من عشر سنوات. وأتَطّلعُ اليوم فلا أجد مصدراً أفضَلَ. كان الله في عونكم على مواجهة مأزقكم، لأن هذا ما أنتم فيه عندما يفشل بشكل مزرٍ، حتى أحد أبرز كتابكم المشاركين، بول كروغمان (عالم الاقتصاد الحاصل على نوبل)».

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

ثراء الروح العراقية

محمد عارف

 

أفاجأُ بإبداع أجيال عراقية جديدة طَبَختها أهوال الحصار والغزو، فأتذكَّر قول «يوحنا المعمدان»، مبشراً بالسيد المسيح، «يأتي بعدي من هو أقوى مني، من لستُ أهلاً لأن أحلّ سُيورَ حِذائه». وما غير ذلك يمكن قوله عن الروائي والشاعر والكاتب السياسي والمترجم والسينمائي والأكاديمي سنان أنطون. عندما كان جورج بوش يهدد «من ليس معنا فهو مع صدام حسين»، كتب أنطون في مجلة «ذي نيشين» الأميركية، يسخر بمرارة من إعلان الأكاديمي العراقي «كنعان مكيه»، في لقاء عام مع بوش في البيت الأبيض، بأن «أصوات الصواريخ وهي تدكُّ بغداد ستكون أجمل موسيقى أسمعها في حياتي».

والمفارقة أن مكية من أغلبية مسلمة في العراق، وأنطون من أقلية مسيحية، أبوه عراقي وأمه أميركية، عاش في العراق حتى أكمل دراسة الأدب العربي في جامعة بغداد، ونال فيه شهادة الدكتوراه من جامعة هارفرد، ويُدرّسه حالياً في جامعة نيويورك.. وجرأته في مناهضة النظام السابق، والاحتلال الأميركي على حد سواء، جرأة العاشق المجنون بالعراق. روايته الجديدة «فهرس»، وهي الرابعة من رواياته، وكُلها تُرجمتْ إلى لغات عدة، تتكون من ذكريات، وحوارات، ومقتبسات تتقاطع وتتهامس، كلوحات ملصقات الفنانين السرياليين. وثراء «فهرس» ثراء الروح العراقية، من الشاعر الشعبي عبود الكرخي إلى جلجامش، مقاطع تفصل بينها أحياناً نجومٌ غُفلٌ أو سطور مستقلة لا تعرف ما جاء بها ولماذا، مثل: «هذه ذاكرتي بكل كنوزها، وبكل الخراب الذي فيها، أمامك فخذ ما تشاء»، أو «أعود إلى الماضي وأنام على السكة التي يسير عليها الزمن كي أجبره على التوقف وتغيير وجهته»، أو «اصْهَرْ أحزانك كلّها، واصنع منها رمحاً، وابحث عن ساعد قوي، لتصوبه إلى قلبك».

 
 

http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png

ويتفاجأ القارئ بعبارات قرآنية في رواية «فهرس»، ليست مقتبسات، بل جزء من ذخيرة الذاكرة العراقية، تأتي طوعاً في محلها من النص، كما في «منطق السدرة» التي يبغون جرفها: «عند سدرة المنتهى، عندها جنّة المأوى، إذ يغشى السدرة ما يغشى». إنه جيشان الروح في لحظات النزع الأخيرة لشجرة تروي جحيم حياتها التي انتهت بسعير الحرب. وهو كمعظم المقاطع التي تحمل عنوان «منطق»، صرخات أشياء وكائنات عذّبها وقتلها غزو العراق، «منطق الطير»، و«منطق الجدار»، و«منطق العود»، و«منطق الشريط».

وإذا كان فن الكتابة يقوم على الحذف، حسب همنجواي، فإبداع أنطون يقوم على الإضافة. خاتمة روايته «فهرس» يستدركها بإضافة، بل إضافات. و«علينا أن نعترف بأن النهايات التي نتخيلها ونتمناها محض مقترحات، أحياناً تتبناها الحياة عندما تحنو علينا، وهو أمر نادر». ويتجاوز أنطون نقاشات طويلة لأجيال روائيين عراقيين حول استخدام العامية، فيستخدمها، ليس في الحوار فقط، كما فعل «فؤاد التكرلي» في روايته «الرجع البعيد»، بل حتى في النص. «كنا نُخرج قفص الطير ونضعه في الطارمة في العصرونيات». وكلمة «عصرونية» تستحضر فترة العصر البغدادية بكل شذاها وحميميتها.

وتفترش العامية أحياناً صفحات عدة، كما في «منطق الشريط» حيث يردد أهزوجة أطفال عراقية معروفة «حجنجلي بجنجلي، صِعَدِت فوك الجبلِ، لكيت كبه كبتين، صحت يا عمي يا حسين». وهذه ليست محض ظرافة فلكلورية، بل «صرخة شريط مسجل لطفل قُتل في القصف، واحترق الشريط».

وعشق «أنطون» للعراق هوس متسلط مثل «الفوبيا»، يستغيث منه بكلمات لا وجود لها في المعاجم، كقوله: «أضعف الإيمان هو أن أتضامن مع الأشياء وأصارخها»، ويستدرك: «نعم أصارخها والنقطة ليست زائدة»، ويوضح: «كلما صرخ بي شيء أو كائن كنت أحاول أن أهدئ من روعه فأنجح أحياناً، وأفشل كثيراً فأضم صراخي إلى صراخ الشيء، أصرخ به ويصرخ بي حتى أهلك من التعب».

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

موسم السخرية بالجامعات العربية

 

محمد عارف

فداحة الظلم الواقع في الجامعات العربية يعشي عيون الظالمين والمظلومين على حد سواء، وإلا لماذا لا تتابع أي جهة عربية، حكومية أو مدنية، موضوع نزوح وسرقة الكفاءات العربية، وكيف أصبحت مواسم الإعلان عن التصنيف العالمي للجامعات مناسبات للسخرية من الجامعات العربية، يشارك فيها من يعرف ومن لا يعرف ومن لا يريد أن يعرف، وأتعسهم يخشى حتى التفكير بسرقة وتدمير كفاءات العراق وسوريا وفلسطين وليبيا؟ وهنا، كما يقول أينشتاين «الحساب لا يَحسِبُ». فليس التعليم الجامعي وحده، في هذه البلدان وحدها يتداعى لكل عالم ومهندس وطبيب قتيل وهارب ومشرد ومسروق، بل نقمة العرب والمسلمين كالفالق الزلزالي، لا نعرف كيف ومتى وأين، يزلزل.

وتصنيف الجامعات غير منصف بالجامعات العربية، التي «أجرت إصلاحات كبيرة شبيهة تماماً بإجراءات الجامعات الأوروبية، شملت التقييم المنظم لأداء الهيئات التدريسية، واجتذاب ودعم الطلاب المقبولين». بيّن ذلك مسح واسع أشرفت عليه كرمة الحسن، أستاذة ورئيسة «دائرة البحث الدولي والتقييم» في الجامعة الأميركية ببيروت. إلاّ أن الباحث المغربي جميل سالمي، الخبير السابق في «البنك الدولي»، يسخر من حصول الجامعات العربية على مرتبة 0.08% في التصنيف العالمي، ويعتبر أن ذلك «يناقض الأداء الرائع لبلد صغير كهولندا التي دخلت 4 من جامعاتها في تصنيف أكبر 100 جامعة في العالم». وهولندا «الصغيرة الرائعة» قوة استعمارية عاتية، نهبت خلال قرنين ثروات إندونيسيا، أكبر بلد إسلامي، وشاركت عام 2003 في غزو العراق، الذي أدى إلى قتل وتشريد آلاف العلماء والأطباء والمهندسين.

ولو أُعطيَتْ البلدان والجامعات نقاطاً في التصنيف العالمي للجامعات، مقابل كفاءاتها المسروقة والمُدمَّرة، لوجدنا جامعات عربية وأفريقية تنافس «هارفرد» و«ستانفورد» و«بيركلي» و«كيمبردج».. وغيرها من الجامعات التي تحتل المراتب الأولى في التصنيف، ويتكون ربع هيئاتها التدريسية على الأقل من كفاءات مسروقة. فقد هاجر واحد من كل تسعة خريجين من جامعات أفريقيا إلى بلدان «منظمة الاقتصاد والتعاون والتنمية».

ونزوح الأدمغة أشد ما يكون في بلدان أفريقية صغيرة هاجر نصف سكانها المتعلمين إلى بلدان منظمة الدول الغنية.

و«المهاجرون يلعبون دوراً متزايداً في قوة العمل الهندسية والعلمية في الولايات المتحدة»، عنوان تقرير صدر الشهر الماضي عن «المؤسسة القومية للعلوم في الولايات المتحدة»، وكشف عن «العامل المهم للهجرة في النمو الشامل لقوة العلوم والهندسة في الولايات المتحدة خلال السنوات العشر الأخيرة»، حيث ارتفع عدد العلماء والمهندسين من نحو 21 مليوناً إلى 29 مليوناً، بينهم أكثر من 5 ملايين مهاجر، منهم نحو 3 ملايين آسيوي، بينهم مليون من الهند، ونصف مليون من كل من الفليبين والصين. ولا يذكر التقرير جنسيات المليون آسيوي الآخرين، وبينهم العرب الذين يشكلون كذلك قسماً كبيراً من علماء ومهندسي أفريقيا المهاجرين، وعددهم 333 ألفاً.

وسرعة مَنْح 63% من هؤلاء العلماء والمهندسين المهاجرين الجنسية الأميركية، و22% الإقامة الدائمة، و15% الإقامة المؤقتة، يمثل «القنص العالمي للمواهب»، حسب كتاب «أعطونا أفضلكم وألمعكم». ويذكر الكتاب الصادر عن «مركز التنمية العالمية»، أن «تغير الحكم على هجرة الكفاءات ما بين اعتبارها نعمة أو نقمة، يعبِّر عن تَرَنّح التفكير التنموي من رأي متطرف إلى رأي متطرف مضاد له». والقول بأن هجرة الكفاءات غير ضارة بل نافعة ليس صحيحاً «فالبلدان تحتاج إلى المواهب للإبداع، وبناء المؤسسات، وتنفيذ البرامج، وهي مفاتيح التنمية بعيدة المدى». وحقيقة أن أكثر من نصف حملة شهادات الدكتوراه في العلوم والتكنولوجيا في الولايات المتحدة مولودون خارجها، عامل مهم في الإبداع الأميركي، وبالتالي في الإنتاجية العالية. و«هنا بالأحرى، وليس في مؤثرات سوق العمالة، تظهر عواقب النفع أو الخسارة الناجمين عن تدفق رأس المال البشري».

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

كنز طعام الباحثة العربية

محمد عارف

الطبخ، يقول الفرنسيون، كالحب ينبغي أن تنغمس فيه أو لا تقربه أبداً، ولا أحد ينغمس في تأليف وترجمة وتحقيق عيون كتب الطبخ العربي كالباحثة نوال نصر الله. وكتابها الجديد «كنز الفوائد في تنويع الموائد» الذي يقع في 422 صفحة من القطع المتوسط كنزٌ في ترجمته للإنجليزية، وكتابة بحث عنه في نحو 20 ألف كلمة. وإذا كان الطبخ «نَفَساً» كما يقول العراقيون، فتحقيق الباحثة هذا الكتاب «نَفَس» طيب طويل، من دونه لم يكن ممكناً معرفة أن مؤلفه المجهول مصري من العصور الوسطى، ولما اطّلعنا على أشهى وصفات مطبخ ذلك الزمان، ونوادره وحكايات الطعام، وأسواقه ومطاعمه في القاهرة، وتعليم أصوله وثقافته للفتيات «جوارٍ طباخات أصل تعليمهن من قصور الخلفاء الفاطميين، بعضهن يعرفن 80 طبخة من التقلية» حسب المقريزي، أبرز مؤرخي مصر في القرن الرابع عشر الميلادي.

صدرت طبعة الكتاب العربية المحققة الأولى عام 1993 بدعم «وزارة الأبحاث العلمية والتكنولوجية» في ألمانيا الاتحادية، وندرك مستوى عيش المصريين في القرون الوسطى من وصفات الطعام «من الحلو والحامض والساذج والمقلي والمَشوي وأصناف عمل الحلوى وأعمال السمك وأصناف المخللات والمُخردلات، والمشروبات من سائر أصنافها والمهضمات، وأعمال الطيب والصابون المطيب والبخورات وأدوية العرق، ثم أذكر اذِّخار الفواكه وخزنها إلى غير أوانها»، ويضاهي المؤلف المجهول مؤلفي كتب الطبخ الحديثة بذكر «وصايا يلزم الطبّاخ معرفتها» تراوح ما بين «اللباقة، وقص أظافره ولا يتركها تطول فتجمع الأوساخ»، وأنواع القدور الصالحة لكل طبخ والحطب المستخدم في طبخه «كحطب الزيتون الجاف والسنديان والدفلى» وأنواع الملح والمطيبات والمتبّلات، وطرق إعداد وطبخ مختلف قطع اللحم، وما صلح منها لكل طبخ، و«افردْ لكل قدر مغرفة، وللبصل سكيناً لا تقطع بها شيئاً غيره»، و«اغسل يدك قبل الغرف وبخِّرها من رائحة البصل».

وإذا كانت الأنثروبولوجيا أكثر العلوم إنسانية، وأكثر العلوم الإنسانية علمية، فأنثروبولوجيا الطعام أكثر العلوم إنسانية بكل معنى، وأكثر العلوم الإنسانية علمية بكل معنى أيضاً، ذلك لأن علوماً عدة تشارك في صنع الطعام، من الكيمياء والفيزياء والبايولوجيا وحتى الطب، وعلوماً إنسانية عدة تشارك في صنع الطعام، من الأمن الغذائي، والطبخ، وأدوات عرضه وتناوله، وتنظيم ولائمه، وكلاهما، علوم وفنون الطعام يحدثان حالياً ثورة لا مثيل لها في التاريخ، يمكن رؤيتها في آلاف برامج الطبخ التلفزيونية حول العالم، وملايين نسخ المطبوعات الخاصة بجميع أنواع الطبخ، وعلومه، وفنونه.

وأول كتب نوال نصر الله «لذائذ جنات عدن» الذي يقع في نحو 650 صفحة من القطع الكبير استهلته بمنظورها الأنثروبولوجي للطعام العراقي، الممتد جذوره عبر الحضارتين العالميتين السومرية والعربية. «العراق الواقع على ملتقى ثقافات عدة شرقية وغربية يملك مقومات المجتمع متعدد الثقافات. ولا مكان يُرى فيه هذا التعدد الثقافي بوضوح كشارعنا الصغير في بغداد حيث ترعرعتُ. إنه حي طبقة متوسطة تصطف على جانبيه أشجار اليوكاليبتوس، وفي الربيع تضوع في الحي كله روائح زهور الأشجار الحمضية المزروعة على امتداد الأسيجة، وهذه الأماكن الظليلة تجتذب كالمغناطيس الأطفال، حيث اعتدنا على اللعب والمعاركة، والتصالح، ورواية الحكايات والدردشة حول كل شيء وأي شيء، ومع اقتراب موعد الغداء، وقت وجبة اليوم الرئيسية، نشرع بلعب حزورة، فيما أكثر روائح الطعام السارة تتسرب من القدور، وتنتشر عبر شارعنا، وغالباً ما تكون هناك رائحة واحدة متميزة لطبق خاص، ونعرف أن أحدنا ستستدعيه أمه لتوزيع هذا الطبق على الجيران، وكالعادة دائماً لا يليق إعادة صحن الجيران فارغاً، وهكذا سيُعادُ بصحن مماثل قد يساويه، إن لم يكن ألذة منه»!

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

بين ابن البيطار وبيكاسو

 

محمد عارف

 

«لا غالب إلاّ الله»، هذه العبارة المنقوشة على جدران مساجد وقصور وقلاع الأندلس، كلمة السر لإحدى أعظم الحضارات التي أقامها العرب خلال نحو 500 عام، كل يوم منها كأنه الأخير. هنا على شواطئ البحر المتوسط، قضّيت الأسبوعين الماضيين أطوف بين اثنين من أعظم الأندلسيين في التاريخ، عالم الصيدلة أبو محمد ابن البيطار، والفنان بابلو بيكاسو. المسافة بينهما نحو نصف ساعة بالسيارة من مدينة «بنالمدينة» حيث ولد ابن البيطار عام 1197، و«مالقا» حيث ولد بيكاسو عام 1881. وغادر كلاهما في عمر العشرين الأندلس دون عودة، ولم تغادرهما الأندلس، التي أقامت لابن البيطار تمثالاً في متنزه يحمل اسمه، مساحته 200 ألف متر مربع، وكلفته 6 ملايين يورو، و«متحف بيكاسو» في «مالقا»، الذي يضم 233 من أعماله في الرسم والنحت والخزف.

و«ابن البيطار بلغ الذروة في علم العقاقير الأندلسي»، يقولُ «خوان فيرني» الأستاذ في «جامعة برشلونة»، والذي يعتبر كتاب ابن البيطار «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية» «المؤلَّف الأكمل في علم النبات التطبيقي في شبه الجزيرة الإيبيرية في القرون الوسطى». ويذكر «فيرني» في «موسوعة تاريخ العلوم العربية»، الصادرة بالفرنسية والإنجليزية والعربية، أن الكتاب يصف 3 آلاف صنف من الأعشاب الطبية، نحو 300 منها اكتشفها ابن البيطار بنفسه خلال جولاته العلمية في الأندلس، والعالم العربي من المغرب حتى العراق، ومن عمله في مصر «رئيس العشابين في سائر الديار المصرية» في بلاط «الملك الكامل»، وابنه «نجم الدين» ملك سوريا، حيث أقام ابن البيطار حتى وفاته المفاجئة في عز نشاطه العلمي في عمر الخمسين، ويرجح باحثون أنه توفي «بسبب تسرب السم إليه أثناء اختباره لنبتة حاول صنع دواء منها».

و«تَرْكُ التَّكرار حسب الإمكان، إلا فيما تمسُّ الحاجة إليه لزيادة معنى وتبيان»، أسلوب ابن البيطار في كُتبه التي ترجمت إلى الفرنسية والألمانية، واستُخدمت دليل عمل للأطباء، بينها «المُغني في الأدوية المفردة»، و«ميزان الطب»، و«الإبانة في الإعلام بما في المنهاج من الخلل والأوهام».

وإذا كان هدف علوم الطب والصيدلة أن تعالج أبداننا، «فهدف الفن أن يغسل عن أرواحنا غبار الحياة اليومية»، كما قالَ بيكاسو. ولم تغادرني «مغسلة الروح» هذه منذ أهداني في عام 1960 الفنان العراقي مظفر العابد، زميلي في «جامعة وارسو» ببولندا، كتاب «بيكاسو»، وفيه سيرته وأعماله، بينها المعروضة بمتحفه في «مالقا»، لوحة «الأم والطفل» الضخمة كتمثال، و«تكوين» وهي من أعماله التكعيبية، و«المرأة المستغيثة» التي استبقت لوحة «غورنيكا» الملحمية المعروضة في الأمم المتحدة، ولوحات بعض نسائه، من أولهن راقصة الباليه الروسية «أولغا كوخلوفا» حتى آخرهن «جاكلين» التي انتحرت حزناً لوفاته بطلقة بندقية.

وخلال سبعة قرون ما بين مولد ابن البيطار وبيكاسو تغيّرت مواقع جميع بلدان أوروبا، ولم يتغير موقع الأندلس على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، ولا تغيّر فخر الإسبان بالأندلس التي تُشّكلُ 18% من أرض بلادهم، ويشكل سكانها النسبة نفسها تقريباً من سكان إسبانيا البالغ عددهم 46 مليونا. ولم تتغير جرأة الأندلسيات، منذ أرسلت الشاعرة ولاّدة، ابنة الخليفة المستكفي، إلى حبيبها الشاعر ابن زيدون قصاصة ورق كتبت فيها «أنا والله أصلح للمعالي، وأمشي مشيتي وأتيه تيها. أُمكنُ عاشقي من صحن خدي، وأمنحُ قبلتي من يشتهيها». وحلم «المعالي» الذي لم تحققه ولاّدة، حققته «سوزانا دياز»، عضو «حزب العمال الاشتراكي الإسباني»، التي انتُخبت العام الماضي رئيسة إقليم الأندلس ذي الحكم الذاتي، الذي يُعلنُ نشيده الوطني «الراية الخضراء والبيضاء تعود بعد قرون من الحروب لتقول السلام والأمل تحت شمس بلدنا. أيتها الأندلس انهضي، طالبي بالأرض والحرية، ولتصبح الأندلس حرة لإسبانيا وللبشرية».

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

"صدمة المستقبل»

 العربي والعالمي

محمد عارف

«خلال العقود الثلاثة الباقية على بداية القرن الحادي والعشرين، سيصطدم الكثير من عقلاء الناس بالمستقبل، وسيجد الكثيرون من أبناء أغنى الأمم وأكثرها تقدماً عناءً أكثر فأكثر في الوفاء بمتطلبات التغيير المستمر الذي أصبح علامة مميزة لعصرنا، أو بعبارة أخرى، فإنه بالنسبة لهؤلاء، سيصل المستقبل بأسرع مما كان منتظراً». بهذه السطور افتتح الكاتب الأميركي «ألفين توفلر» كتابه «صدمة المستقبل» الذي تُرجم حال صدوره عام 1970 إلى معظم لغات العالم، بما فيها العربية. ولم يتوقف حتى اليوم صدور طبعات جديدة من الكتاب، مثلما لم يتوقف تحقق تنبؤاته بصدد تغيرات خارقة في حياة الناس والمجتمعات يحدثها الكومبيوتر، والإنترنت، ووسائل الاتصالات، واستنساخ الكائنات الحية، وهندسة الجينات، كما لم يتوقف تصادم الآراء حول «صدمة المستقبل».

وفاة «توفلر» نهاية الشهر الماضي جدّدَت صراع الأفكار المتفائلة والمتشائمة بصدد «صدمة المستقبل»، هل تدمر الثورة العلمية التكنولوجية حياة الناس والمجتمعات، التي تخفق في مجاراتها، أم «أننا نصنع مجتمعاً جديداً، ليس مجرد صورة مكبرة من مجتمعنا الراهن، بل مجتمعاً جديداً». تصورات مماثلة أثارها كتاب «صدمة المستقبل» في العالم العربي، حيث صدرت طبعته الأولى في القاهرة عام 1973. أحمد كمال أبو المجد، وزير الإعلام آنذاك كتب في مقدمة الكتاب «والعالم العربي الذي ظل سنوات طوالاً يعيش في رتابة واستقرار، يحتاج اليوم إلى مثل هذا الكتاب، وذلك بما يولده التأمل في صدمة المستقبل من إحساس أكثر إرهافاً بحركة العالم حوله». هذه النظرة التقليدية السائدة حتى اليوم يفوتها أننا لسنا في حال تأمل، وأننا إنْ لم ننتج تكنولوجيات «صدمة المستقبل» فهي أنتجتنا، وربما أكثر من أي منطقة بالعالم، فالعربات والقطارات والطائرات، التي غيّرت العالم كلية، ما كان يمكن أن تكون لولا وقود النفط المدفون في الأرض العربية منذ مليارات السنين.

هكذا ترَددّت أصداء «صدمة المستقبل» في العراق، عندما نَشَرت عام 1977 صحيفة «طريق الشعب» التي يصدرها «الحزب الشيوعي العراقي» حلقات من دراستي «الإنسان العراقي والتكنولوجيا»، ثم توقفت، بسبب تصور رئاسة تحرير الصحيفة آنذاك مخالفة الآراء الواردة فيها للعقيدة الماركسية. وتبَنّى بحثي الروائي السعودي عبدالرحمن منيف في مجلة «النفط والتنمية» التي كان يرأس تحريرها في بغداد، وفيها ظهر القسم الثاني من بحثي وعنوانه «هكذا دخلت الثورة الصناعية بلاد ما بين النهرين». وصادف نشر البحث صدور قرار مجلس قيادة الثورة بتوقيع نائب الرئيس صدام حسين بعزلي مع نحو خمسين عاملاً في الإعلام والجامعات، ضمن خطة «تبعيث» الأجهزة الفكرية والتربوية. فغادرتُ بغداد لدراسة الدكتوراه في «أكاديمية العلوم السوفييتية» بموسكو، وكان موضوع أطروحتي «الثورة العلمية التكنولوجية والبلدان العربية المنتجة للنفط».

وعند التحاقي عام 2000 للعمل في «جامعة الشارقة» بالإمارات العربية المتحدة رأيتُ رأي العين العالم المدهش الذي تقيمه «صدمة المستقبل». على تخوم الربع الخالي، انبثقت أبراج معمارية سكنية وتجارية، وحدائق، ومدن عصرية، ما كان يمكن أن تقوم من دون تقنيات تحلية مياه البحر، وأنظمة التكييف، والبناء، والاتصالات. هنا حقق تلاحم الإرادة الصادقة والمخلصة والأموال والعلوم والتكنولوجيا ما توقعه «توفلر» من ثورات عمرانية واجتماعية واقتصادية. ويتذكر إماراتيون فتحوا عيونهم على «صدمة المستقبل» كيف قامت أبراجُ وبساتين وبحيراتُ وسط الكثبان الرملية في أبوظبي ودبي والشارقة.

وهذه الفقرة الأخيرة من دراستي «جوهر تاريخ العراق والوطن العربي والعالم منذ قيام الثورة الصناعية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وإلى حد اليوم، هو بالتحديد الثورة الحادثة في القوى المنتجة، والتي تعبر عن نفسها كثورة تكنولوجية، ترافقها ثورة في العلاقات الإنتاجية أيضاً» على صعيد العالم كله. (ماركس، المكائن، بالروسية ص 51).

مستشار في العلوم والتكنولوجيا

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

هزل التحقيق

في حرب العراق

محمد عارف

رَسْمُ كاريكاتير في المجلة الهزلية القديمة «بانتش» عن «جنتلمان» إنجليزي يقرأ صحيفة «التايمز»، ويخاطب آخر غافياً على كنبة قريبة «يا الله يا لورد طومسون.. لو لم أقرأ الصحيفة لما علمت أنك توفيت»! هذا كل ما يمكن قوله عن تقرير «السير شيلكوت» رئيس لجنة التحقيق في حرب العراق، فالتقرير الذي استغرق إعداده سبع سنوات، وبلغ عددُ كلماته مليونين و600 ألف، وراجع آلاف الوثائق، لم يدعُ لمحاكمة المسؤولين عن جريمة غزو العراق، ولم يسألهم حتى الاعتذار للعراقيين عن «أكثر من 150 ألف عراقي قتلوا في الحرب، ومليون نازح ومهجر» باعتراف التقرير نفسه. والاعتذار أقل ما كان ينبغي فعله، حسب «كارنيه روس» عضو الوفد البريطاني للأمم المتحدة للفترة 1997-2002، وهو واحد من 100 مسؤول بريطاني قدموا شهادتهم إلى لجنة التحقيق. ويعتقد «روس» أن أهم ما ينبغي أن يهتم به التقرير «معرفة المعاناة الرهيبة للعراقيين الذين دُمِّرت حياتهم دون سبب، وليس مصير سياسيينا، وآنذاك فحسب يمكن أن ندرك حجم ما ارتُكب باسمنا».

وخذ الحقيقة من الهزليين البريطانيين، وقوة هزلهم من قوة الحقيقة. عرفتُ ذلك عندما أعددتُ مقالتي «ضحك كالبكاء من خطة غزو العراق» المنشورة هنا قبل ثلاثة أشهر من الغزو. عرضت المقالة مسرحية هزلية في «قناة 4» البريطانية عنوانها «العراق والموضع الصعب»، وهي مسرحية وثائقية 100 في المئة، وأبطالها شخصيات تاريخية، بدءاً من ونستون تشرشل، أول من استخدم في التاريخ، حسب المسرحية «أسلحة الدمار الشامل، حين أمر بقصف قبائل كردية في العراق بالغازات السامة»، وأكثر شخصيات المسرحية ظرفاً الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، فعنده تتقاطع جميع خيوط المضحكات المبكيات، وبينها اقتراح وزير الخزانة البريطاني بأن تتولى إدارة احتلال العراق شركة الطاقة العالمية «إنرون» التي تملك علاقات قوية بالمنطقة، وانهارت في أكبر عملية إفلاس واحتيال بتاريخ الأعمال الأميركية!

و«الدخول إلى العراق ليس كالخروج منه» عنوان مقالتي قبيل الغزو عن الكارثة التي سيوقعها بوش وبلير بالاقتصاد الغربي، وفيها أوردتُ تحذير عالم الاقتصاد الأميركي بول كروغمان، ولم يكن بعد قد نال «نوبل»، من ترنح الاقتصاد الأميركي على حافة «الثقب الأسود»، والآن نعرف أن غزو العراق أجّل فحسب وقوع أزمة عام 2008 التي لم يخرج منها الاقتصاد الغربي حتى الآن. وأظرف ما في المقالة حكاية بغدادية هزلية عن أرعن غامر بدخول حمام النساء، وقد حسب لكل شيء حسابه، اللطمات والعضّات وطعنات الأمشاط، وضربات الطاسات، وفاته أمر واحد، وهو أن يُبتر دافعُ دخوله الحمام!

وأتاح بُعدُ نظر المسؤولين عن صفحات الرأي «وجهات نظر» في «الاتحاد» أن أكتب في خضم الأحداث التي هزّت المنطقة والعالم مقالات «لماذا الحرب المجرمة على العراق؟»، و«جريمة كبرى ضد الإنسانية»، و«هل يمكن محاكمة مجرمي الحرب على العراق؟»، و«مغتربون عراقيون يسرقون بلدهم مرتين»، وفيها أولُ ذكر لمن حملتهم دبابات الاحتلال إلى «المنطقة الخضراء». وقبيل احتلال بغداد بأربعة أيام عرضتُ في مقالة «جريمة بريطانيا العظمى» مشورة قانونية مجانية أخفَقَتْ في التوصل إليها لجنة التحقيق التي كلفت نحو 15 مليون دولار، واستندت مشورتي على سياسيين ورجال قانون، بينهم «تام دالايل» الذي كان يُدعى «والد البرلمان البريطاني» لعضويته 41 عاماً متواصلة، وقد طالب «دالايل» في مقالة في «غارديان» عنوانها «بلير مجرم حرب» بتقديمه إلى «محكمة لاهاي»، وأقرّ «دالايل» بأنه يقترف جريرة كبرى باتهام زعيم حزبه «لكن ذلك أقل خطورة بما لا يُقاس من نتائج حرب ستضع الغرب المسيحي في مواجهة الإسلام»، هكذا توقع «دالايل» «داعش» وما قبلها وبعدها.

(الاتحاد) الاماراتية

 

وليمة العيد العراقية

محمد عارف*

 

نفدت بسرعة تذاكر أمسية باحثة أنثروبولوجيا الطعام العراقية «نوال نصرالله» في «المتحف السامي» بجامعة هارفارد، حيث تقدم وصفات وأطباق عراقية يعود تاريخها إلى العصر السومري، قبل سبعة آلاف عام، وتُعزفُ الموسيقى السومرية. وعندما طلبتُ من «نوال» أن تعوّضني «عيدية» وصفات العيد، سألتني «وماذا لا يُقدمُ في العيد». والعيد كتابها «لذائذ جنائن عدن» الذي يقع في نحو 700 صفحة من القطع الكبير، ويعرض في 21 فصلاً و116 مقطعاً 800 وصفة لطبخ الرز، والمرق، والبقول، واللحوم، والدجاج، والأسماك، والفطائر، والحلوى، والمثلجات، والمربيات، والمخللات، والمحشيات، والمشروبات التي كان السومريون يقولون عنها «الطعام هو الشيء، والشراب هو الشيء». ولذائذ العيد ليست في المآكل فحسب، بل في طقوس تناول الطعام، وآدابه، ومسامراته، ونوادره التي يزخر بها الكتاب الحاصل على أعلى الجوائز العالمية «غورماند»، وتلخصها عبارة حفيد الرسول الحسن عليه السلام «أطيلوا الجلوس على الموائد وأكثروا من الحديث فإنها أوقات لا تُحسبُ من أعماركم».

وفي أكثر بحوث نوال علمية تضحكنا ظرافتها البغدادية، حتى في عناوينها، مثل «في البداية لم تكن هناك مُسَّقَعَة»، وتبحث «الحالة الغريبة لتحولات الأطعمة». وفي بحثها «الكليجة العراقية والبحث عن الهوية» تكتشف أصول «الكليجه» المرتبطة بإلهة الحب السومرية «عشتار»، واسمها مقتبس من وحدة وزن عباسية، يتردد بلغات عدة، بالإيرانية «كلوجه»، وبالروسية «كوليج» وبالبلغارية «كولاج»، وبالأوزبكية «كاليجا». وتروي نوال كيف كانت أمها تحرصُ على إعداد «الكليجة بكميات كبيرة قبل العيد بأيام قليلة، وإلاّ فالأطفال سيأتون عليها قبل أن يأتي العيد!.. ولا عيد دون «الكليجة» بأشكالها وحشواتها المختلفة، كالتمر، والجوز والسكر والهيل، والقرفة، ويسميها العراقيون «دارسين».

ولا مائدة طعام عراقية في العيد أو غير العيد من دون الخبز، الذي قال عنه «جلجامش» بطل أول ملحمة في التاريخ «كُلِ الخبز ومجِّد الحياة». وعرف العراقيون القدماء 300 نوع من الخبز والمعجنات، وبعضها لا يزال يُخبزُ، كالخبز المُسطح، وخبز الشعير، و«لحم بعجين»، والفطاير، والسميط، و«عمامة السلطان» المعروفة منذ العصر الأكدي باسم «كوبوشو»، وأشهر المعجنات معروفة عالمياً بأسمائها العراقية القديمة، وبينها «الكيك»، وكان الأكديون يسمونه «كوكو»، و«كراكر» وكان العباسيون يسمونه «أقراص».

و300 وصفة للسلطات، والمقبلات الحارة والباردة أغربها «مُخللْ الجراد»، الذي «يصاد حياً، ويُخنق بالماء المملح، ثم يُرصف بالملح والتوابل داخل مرطبان، ويُعادُ رّشَ مائه المملح فوقه لتغطيته. ويُختمُ المرطبان بالطين ويُوضع جانباً كي يُخلل. هذه الوصفة المذكورة في «كتاب الطبخ العباسي» تتعقب نوال أصولها إلى العهد البابلي، وهي كعشرات الوصفات ووسائل الطبخ وأدواته، وحتى تسمياته تشكل الحلقة المفقودة في تاريخ العراق ما بين العصور القديمة والوسطى، وبعضها يُعتقدُ خطأً أنها فارسية، و«نوال» تقتفي أصولها البابلية والسومرية.

ولا طعام عراقي من دون «مرقة»، واخترتُ للعيد «السُمّاقية»، وهي مرقة لحم دسم تُطبخُ بعصير«السُمّاق»، تُسمى أيضاً «الهارونية» نسبة إلى هارون الرشيد وكانت أكلته المفضلة، يروي تفاصيل إعدادها «كتاب الطبيخ للبغدادي»، من القرن الثالث عشر ميلادي، وفيها تُغلى قطع اللحم الدسمة حتى تستوي تقريباً، وتضاف شرائح جزر، وبَصَل، وكُرات، وباذنجان، ويُغلى في وعاء آخر السُماق بالملح ولباب الخبز، يُصّفى، وتضاف إليه كرات اللحم المُتّبَل بالكُزبرة الجافة، والكمّون، والفلفل، والزنجبيل، والقرفة، وغصينات نعناع طازجة. ويذكرُ كتابُ طبخ إيطالي من القرن الخامس عشر الميلادي هذا المرق، مع أنواع المرق الحامضة الحلوة، مثل «مرقة الرُمّانية»، و«مرقة الليمونية»، و«مرقة المأمونية»، نسبة إلى الخليفة العباسي المأمون. وتستدعي «نوال» في ذكرها أغنية موصلية تُشّهي وتحذر من دسامتها «يا سُمّاق يا سُمّاق، أكله دهينة ما تنذاق»!

مستشار في العلوم والتكنولوجيا

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

«جنون بقر» السياسة البريطانية

محمد عارف

 

سمعت من راديو سيارتي أخبار انتقال وباء مرض «جنون البقر» إلى البشر في بريطانيا، وكان ذلك في ثمانينيات القرن الماضي. ولم يقض وباء «جنون البقر» على نصف سكان بريطانيا كما كان متوقعاً، لكن تصويت 17 مليون بريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي مقابل 16 مليون صوتوا للبقاء سيجعل بريطانيا العظمى دويلة صغرى من دون عاصمة، لأن سكان لندن صوّتوا مع الوحدة.

«نيكولا ستورجيون»، رئيسة وزراء سكتلندا، توقعت إعادة الاستفتاء على انفصال اسكتلندا عن بريطانيا، بعد أن أزال الخروج من الاتحاد الأوروبية سبب عدم انفصال الاسكتلنديين عام 2014، وتحدثت عن تقدم سكتلندا لعضوية الاتحاد. لماذا إذن تهدد «ستورجيون» باستخدام الفيتو ضد خروج بريطانيا عن الوحدة الأوروبية؟.. هذه خلطة علاقات الحب والكراهية بين السكتلنديين والإنجليز. وإذا وقع المحذور، وانفصلت سكتلندا سنرى في مفاوضات رسم الحدود التي ستستغرق سنين «السكتلندي يأخذ كل ما يستطيع أخذه، وأكثر من ذلك قليلا»، حسب المثل السكتلندي.

 
 
 

وإيرلندا الشمالية، المنطقة الوحيدة في بريطانيا المحاذية لأوروبا صوّتت على البقاء في الوحدة. ويعيد هذا المشهد الهزلي فتح ملفات النزاع الدموي الذي دام قروناً لنيل الإيرلنديين استقلالهم عن بريطانيا. وكمشهد طواحين الهواء في رواية «دون كيخوتة»، صَوّتَ سكان شبه جزيرة «جبل طارق» بالبقاء ضمن الوحدة الأوروبية، وسارعت إسبانيا إلى عرض صفقة حكم مشترك إسباني بريطاني لشبه الجزيرة، التي اقتطعتها بريطانيا بالقوة في القرن الثامن عشر.

واستعادت بريطانيا هيبتها الإمبراطورية بإطلاق «قاعدة الدومينو» التي لا تهدد «الوحدة الأوروبية» فقط، بل بلدان الوحدة أيضاً، ومعها الولايات المتحدة، حسب «نيويورك تايمز». ولن تفسر يافطات «الشعبوية» أو «اليمين الجديد» سرّ قوة الجماعات التي صوتت للخروج، وعلاقاتها بحركات الاحتجاج على العولمة، وتهافت وفساد الطبقات السياسية. ولا يقتصر «جنون البقر» على تسليم مقاليد الحكم لعمدة لندن السابق الهزلي «بوريس جونسن»، بل قد يلقي بباريس في أحضان «مارين لوبين» التي طردت أباها حالما تسنمت رئاسة حزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف، وربما يضع واشنطن في قبضة «ترامب»، الذي بدأ حملته لانتخابات الرئاسة بالدعوة لطرد مهاجري أميركا اللاتينية، وبناء جدار عازل مع المكسيك، ومنع المسلمين من دخول أميركا.

ويختتم «جنون بقر» السياسة البريطانية أربعين عاماً من انضمام لندن لنواة الاتحاد، «السوق الأوروبية» من دون أن ترفع، كباقي الأعضاء، علم الاتحاد، ولا استخدمت عملته «اليورو»، وما التزمت بنظام سمة «الشينجن» الذي يتيح لحامليها دخول جميع بلدان الاتحاد. والمضحك في جواز السفر البريطاني الحالي عنوانه المكتوب بحروف صغيرة «الاتحاد الأوروبي»، وتحته بحروف كبيرة «المملكة المتحدة وإيرلندا الشمالية»، ولن يكلف إلغاؤه سوى دمغة سوداء تغطي عبارة «الاتحاد الأوروبي»!

زورق مطاطي مستدير يُلوِّح ركابه بأطواق النجاة، ومكتوب عليه «لاجئون بريطانيون». ظهرت الصورة في «واتسآب» أسرتنا، التي ساهمت في شتاتها بريطانيا عبر احتلالها للعراق مطلع القرنين، الحاضر والماضي. وانطلقت التعليقات المرحة: من السويد رَّحَبّ حفيد الأسرة «بيشو» باللاجئين: «نحن هنا من أجلكم». ومن لندن نصحت الشقيقة، المنتجة في «بي بي سي» بالهجرة إلى كندا، حيث أفراد العائلة، كرئيس الوزراء «ترودو» يستقبلوكم بالأحضان. وأهلنا في عمان يسألون: «عيني إحنا وين نروح؟». الجواب: «ابقوا مكانكم جايز تصير هجرة معاكسة». وأنا أفكر بالنزوح إلى سكوتلندا، منذ شاهدت حفيد الأسرة «إبراهيم» يرقص في عرس زواجه من فتاة سكتلندية على موسيقى «الأنابيب»، مرتدياً التنورة السكتلندية!

 

 

العراقي المنقسم بين العلم والأدب

محمد عارف

تَجَنّبتُ دائماً الكتابة عن عالِم البيولوجيا الطبية والكاتب المسرحي العراقي حسن عبدالرزاق، لئلا اتَّهَمَ بالتحيز لأني خاله، وأنا مُتحيِّز فعلاً، لكن ضده وليس معه. وأيُّ عراقي يسامح ابن أخته على التحول من باحث في «كلية الطب» في «جامعة هارفرد» إلى ما يقول عنه العرب «أدركته مهنة الأدب»؟ أنا أعتبر ذلك من عواقب غزو العراق عام 2003، الذي أعاد حسن إلى كنف العائلة بلندن، ومحاولة المستحيل في الجمع بين عمله كباحث في «إمبريال كوليج» وكتابة المسرحيات، وفي عام 2007 حققت أول مسرحية له، عنوانها «عرس بغداد»، عرضها مسرح «سوهو» غرب لندن، نجاحاً أدهش الجمهور البريطاني. «مسرحية مدهشة تخبرنا كيف تتشكل حيوات الناس بالأزمات السياسية»، قالت «الغارديان»، ودعت «إيفننغ ستاندرد» رئيس وزراء بريطانيا ووزراءه «أن يأخذوا درساً توعوياً مختصراً في السياسة بالذهاب لمشاهدة المسرحية»، وتقاطعت هذه التقييمات مع مشاعر عبّرتُ عنها لمُشاهِدة أميركية صادف جلوسها جنبي في المسرح، وتلهفت لمعرفة رأيي عندما علمت أني خاله. قلتُ: «تمنيتُ لو أنه حقق في اختصاصه بعلم الخلايا الجذعية اختراقاً يستحق هذا الذكر في الصحف العالمية بدل المسرحية المثيرة للجدل».

وتروي مسرحية «عرس بغدادي» قصة ثلاثة عراقيين يدرسون في «إمبريال كوليج» في لندن تربطهم علاقة عاطفية ملتبسة. مروان الذي يدرس «الهندسة المدنية» نزعته مثلية نحو «سالم» الحاد الطباع الذي يدرس الطب، وكلاهما يحب الفتاة العراقية «لمى» التي تدرس الطب أيضاً. ثلاثة نماذج للطبقة المتوسطة المتنورة يعودون إلى العراق بعد غزوه عام 2003 متفائلين بالعهد الجديد، الذي تحول إلى كارثة لكلٍ منهم. «لمى» الطبيبة المتحررة، التي تهوى الرقص ترتدي الحجاب، وتجري العمليات الجراحية على ضوء المصباح اليدوي لانهيار شبكة الكهرباء. و«سالم» تقصف موكب عرسه في منطقة «الحبانية» طائرة «أباتشي» أميركية، تقتل عروسه، وينجو بأعجوبة ليقع بيد فصيل من مقاتلي المقاومة العراقية، يهاجمهم جنود أميركيون، يأخذونه للتعذيب في «سجن أبو غريب»، وهناك يتحول إعجابه بالغزاة إلى حقد عميق.

 
 
 

وبعد «عرس بغدادي» التي أعيد إنتاجها في أستراليا والهند، يواصل «حسن» العيش والعمل على الحافة المستحيلة للعلم والأدب، فتُعرض له في لندن مسرحية «النبي» التي تناولت أحداث مصر، والعام الماضي عرض مهرجان المسرح العالمي في «الشارقة» مسرحيته «مركب الدهو تحت الشمس» التي أنتجتها مؤسسة الممثل الأميركي «كيفن سبيسي»، ويعرض حالياً «مسرح آركول» في لندن مسرحيته الكوميدية «حب وقنابل وتفاح». قالت عنها «ذي ستيج»، مجلة المسرح البريطاني، إنها «هزلية فوّارة، رباعية مونولوجات، ذات قدرة ممتازة للعثور على النكتة في أسوأ التراجيديات». ولا يتوقف ضحك الجمهور منذ أول عبارة ينطقها البطل «الجنس مشكلة، أليس كذلك؟». هنيهة الضحك السحرية كافتتاحية السمفونية تشدُّ أحداث المسرحية المكونة من أربع حلقات منفصلة، تجري في «رام الله»، و«لندن»، و«برادفورد»، و«نيويورك». الأداء الفذ للمثل الوحيد للمسرحية «عاصف خان»، والمؤثرات الضوئية والصوتية الساحرة تجعل المشاهدين يرون ما يرويه.

ولا تستطيع أن لا تتخيل أحداثا يرويها بالكلام والحركة عن لقاء بطل الحلقة الأولى، وهو ممثل فلسطيني ناشطةً إنجليزية على الجدار، الذي أقامه الاحتلال الإسرائيلي. فجأةً ينهال عليهما شلال الأضوية الكشافة، وتزعق الإنجليزية المذعورة محاولة فك نفسها عنه، فيضع كفه فوق فمها، ويحذرها: «إذا هربنا سيطلقون النار علينا». وعندما تقول: «لا يجرؤون!.. فأنا بريطانية»، يهمس: «لن يهمهم حتى لو كنت ابنة ديك تشيني»! ويتعالى ضحك الجنود الإسرائيليين من فوق الجدار: «يفعلونها كالأرانب»! وينفجر جمهور المسرحية بضحكٍ يجعلني أضحك رغم أنفي، وماذا أقول غير المثل العراقي: «ثلثين الولد على الخال»؟

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

أيُّ عالم جديد جميل وشجاع!

محمد عارف

«قناة نيكاراغوا» تمتد من مصب نهر «بريتو» على ساحل المحيط الهادئ إلى مصب نهر «بونتا غوردا» على ساحل الأطلسي. أعدّ خرائط القناة التي يبلغ طولها 278 كيلومتراً، مهندسون أميركيون قبل 118 عاماً، وبادرت «نيكاراغوا» إلى إنشائها عام 2014، وتضم القناة التي يتوقع إكمالها خلال 5 أعوام، ميناءين، ومطاراً دولياً، ومصانع إسمنت وحديد وصلب. وهي واحدة من 27 مشروعاً مماثلاً تنشئ «شبكة الجسر البري العالمي» عبر ممّرات وأنفاق ومضائق وقنوات تربط بين جميع القارات. وأطول وأعمق نفق للقطارات في العالم «سايكان» طوله 54 كلم، ويربط على عمق 100 متر تحت قاع البحر جزيرة «هونشو» اليابانية باليابسة. وسيتفوق عليه «نفق بوهاي» في الصين، الذي يبلغ طوله 100 كلم، ويتسع لسكة قطارات فائقة السرعة بين مدينتي «داليان» و«يانتاي» الصناعيتين، وعدد سكان كل منهما 7 ملايين، وسيكون النفق عند إكماله عام 2020 الأطول في العالم.

وأيُّ عالم جديد وجميل أنشأ «نفق البوسفور» في مضيق «اسطنبول» المخصص لسكك حديد تربط أوروبا وآسيا، وينقل حالياً 3 ملايين راكب يومياً، ويبلغ طوله 14 كلم، ويضم أعمق بنية أنابيب غاطسة في العالم. اقتُرح إنشاء النفق عام 1860، ولم يُبن إلاّ عام 2013، ويُوصفُ بأنه «طريق الحرير الحديدي» إشارة إلى «طريق الحرير» الذي كان يربط قبل ألف عام شرق آسيا بالعالم العربي وأوروبا.

وفي الطرف الآخر من العالم الإسلامي يُقام حالياً أطول جسر في العالم، ألا وهو «جسر مضيق مالاقة» الذي سيربط بين ماليزيا وإندونيسيا وطوله الكلي 71 كلم.

وأيُّ عالم شجاع يُخططُ له وقت احتدام المشاعر حول الهجرة المليونية عبر المتوسط. خريطة «رابط إيطاليا-تونس» تقيم أربع جزر صناعية تربط البر الإيطالي بجزيرة صقلية، وتمتد مسافة 155 كلم بين صقلية وتونس، عبر أطول جسر معلق في العالم، وخمسة أنفاق للمسافرين وشحن البضائع في الاتجاهين، وللخدمات والطوارئ. وفيما تُنفق واشنطن تريليونات الدولارات لتدمير الجسور المادية والروحية بين البلدان والأمم، شقّ المصريون قناة سويس ثانية عام 2014 تضم محوراً عملاقاً للخدمات اللوجستية على أعلى مستوى عالمي، يُقلص ساعات مرور السفن عبر القناة من 11 إلى 3 ساعات، وساهم الشعب المصري بتمويل بناء القناة الذي بلغ 8 مليارات دولار، ويُعتبر طفرة في تمويل مشاريع البنية التحتية باستخدام الائتمانات الوطنية وليس الأجنبية.

و«من طريق الحرير الجديد إلى الجسر البري العالمي»، عنوان الكتاب الذي تضمن 200 خريطة، وصدرت طبعته العربية في احتفال بمقر وزارة النقل المصرية بالقاهرة، وبرعاية الوزير سعد الجيوشي في مارس الماضي. وفي محاضرة بمقر «هيئة قناة السويس» تَحَدَثَ الباحث العراقي السويدي حسين العسكري، الذي ساهم في تأليف الكتاب وترجمته، عن فلسفة «ممرات التنمية» التي تُغني البلدان، فيما يترنحُ «اقتصاد الجيوبولوتيك» القائم على الاستعباد والاستبعاد.

ومع أن معظم مؤلفي الكتاب باحثون أميركيون، فهو بمثابة دليل نظام عالمي جديد تلعب فيه الصين وروسيا و«دول البريكس» دوراً قيادياً. ويعتمد الكتاب «الاقتصاد الفيزيائي» الذي طوّره العالم الأميركي «ليندون لاروش» وناهض به اقتصاد «كازينو القمار»، حيث بلغت «فقاعة المشتقات المالية» 2 «كوادريليون» دولار، أي ما يعادل العدد واحد وإلى يمينه 24 صفراً، قد تنفجر في أيّ لحظة وتودي بالاقتصاد المالي العالمي. و«لاروش» عالم وفيلسوف شجاع رشح نفسه أربع مرات لرئاسة الولايات المتحدة، وفيما حابى المرشح الحالي «دونالد ترامب» اللوبي الصهيوني «آيباك»، فضحه «لاروش» قبل ربع قرن في كتاب دخل السجن بسببه، وهناك وضع كتابه المترجم للعربية «هل تريد معرفة كل شيء عن علم الاقتصاد؟».

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

 

 

نهضة العرب من الداخل

محمد عارف

«الحياة تبدأ على الجانب الآخر لليأس»، قال الفيلسوف الفرنسي سارتر، وهذا منبع التفاؤل المستميت في بحث الأكاديمي العراقي سمير ريحاني، «النهضة العربية تبدأ من الداخل»، الذي يرفع راية الأمل في جحيم طائفية وحرائق ربيع عربي، أفزعت مشعليها وضحاياها. أرسل البحث الصادر بالإنجليزية في 27 ألف كلمه، مع الاعتذار الأكاديمي المتواضع عن طول البحث، الذي عمل «فيه بضعة شهور، ولعل مصادره تنفعك في عملك».

ولا يأس يبعث على التفاؤل في بحث ريحاني أشد من «مبدأ أوباما»، الذي أعلن تخليه عن المنطقة، التي كلفت واشنطن أرقاماً قياسية في الخسارة المادية والمعنوية. وإذا كان من شك في ذلك يبدده تصريح مايكل هايدن، المدير العام السابق لـ«وكالة الأمن القومي» الأميركي بأن «العراق وسوريا لم يعد لهما وجود، ولا عودة لهما. ولبنان يترنح، وليبيا راحت منذ أمد طويل». واليأس المطبق أمل «ريحاني» لشعوب المنطقة: «أنتم وحالكم الآن، وهذا ما ينبغي أن يكون، وكجميع سكان الأرض تقع عليكم مسؤولية أوضاع بلدانكم».

ويذكر «ريحاني» أن ما يجري في المنطقة لا تقوده أميركا وبريطانيا، بل قيادات «البزنس»، والإعلام، وجماعات الضغط المصرفية، وصناعة الأسلحة، وإسرائيل. والشهادات الوفيرة التي يقدمها تتيح فرصة معرفة ما وراء التفاصيل غير المهمة والمشوشة، والنفاذ إلى قلب ما يجري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. و«ما يجري في المنطقة يشبه مستشفى مجانين تَسّلم فيها المجانين مقاليد الأمور. قوى سيكولوجية، وأثنية، ودينية، وقوى حقودة، تُقدّمُ غالباً لتفسير لماذا المنطقة في اضطراب مُحيِّر دائماً، وما ترينا إياه هذه المجموعة من الانخلاعات أن مختلف اللاعبين المحليين والأجانب لا يملكون سوى القليل من الإدراك لما يفعلون، ولماذا يفعلونه. إنهم بيادق شطرنج، ولا يُنكرُ أنهم يحصلون على منافع مالية وأشياء أخرى. والفساد ملازم دائم للصراع والاضطراب. وقليل من المصالح القوية تهتم بالبيزنس وبعض المصالح موجهة لرقع الشطرنج مباشرة. إنها تلاحق مصالحها بغض النظر عما يلحقه ذلك من أذى بالآخرين، بمن في ذلك مواطنو الولايات المتحدة وأوروبا».

ويستعين «ريحاني» بعلوم تعقيد الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والهندسة الإلكترونية، التي يشرحها في كتابه «التعقيد والإدارة العامة»، ويقدم فيه «مقاربة جديدة للسياسات والإدارة والمجتمع في القرن الـ21»، حيث «ما إن يتخلى الشخص عن عجرفة النظام ويأس اللانظام ويُسّلم بالحدود المتواضعة للمعرفة، والاحتمال غير المؤكد الذي يتضمنه التعقيد، حتى تنبثق سياسة جديدة: سياسة اللايقين، لكن المجاهرة، بالأخطاء والتعلم، بالفشل والتكيّف». واستكشاف هذه السياسة الجديدة، هي هاجس أبحاثه، المنشورة في موقعه على الإنترنت، وأكثر ما يدهش فيها «ريحاني» نفسه، فهو عراقي مسيحي، غادر بغداد التي ولد فيها وعمره 18 عاماً، لدراسة الهندسة المدنية في بريطانيا، وعاد للعمل في المنطقة، ثم استقرَّ لاحقاً في بريطانيا، حيث يعمل منذ عقود في تخطيط وتطوير شبكات النقل، والسياحة، والتسويق، والصحة، وخلال ذلك كله كان يسعى «لفهم العوامل والأفكار التي تشكل الأحداث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية»، وكان محظوظاً بصنع الأحداث ودراستها في آن، ونال بها الدكتوراه في دراسات التنمية.

وناهض «ريحاني» بشدة احتلال العراق، فيما كانت دبابات الغزاة تحمل زعماء أحزاب إسلامية إلى سدة الحكم في «المنطقة الخضراء»، وهو من عراقيين وعرب مسيحيين أكثر وطنية وعروبة من المسلمين، وإذا كان ذلك لأن الوطنية والانتماء القومي رباطهم الوحيد بالعراق والمنطقة وأهلها، فماذا يريد أيُّ بلد من أبنائه غير الوطنية والانتماء؟ وماذا يحميهم، ويصونهم، ويمنحهم الأمل بالبقاء، هل هو الطائفة، أم المذهب، أم العشيرة، أم الأصل والفصل؟

(الاتحاد)

 

 

 

 

 

 

 

«حروب الترابط»

السعودية الأميركية

محمد عارف

 

«إذا كنت رايح كَثِّر الفضايح» يقول المثل، وهذا ما تفعله واشنطن حالياً مع السعودية. فـ«كمال العيش معانقة المشاكل، وليس الهروب منها» حسب الفيلسوف الألماني نيتشه، والسعودية قرَّرت أخيراً أن تعانق المشاكل، خصوصاً في علاقاتها مع واشنطن، وهي مشاكل لا تنتهي، آخرها إثارة موضوع الهجمات الانتحارية بالطائرات في 11 سبتمبر 2001. بعد 14 عاماً على وضع تقرير لجنة التحقيق المشتركة للكونغرس، أُعيد طرح موضوع 28 صفحة في التقرير أمر الرئيس السابق بوش بعدم الكشف عنها، ويُعتقدُ أنها تتضمن معلومات قد تدين مواطنين سعوديين بتدبير الهجمات التي شارك فيها 19 انتحارياً.

وكانت نتائج لجنة تحقيق مستقلة نفت عام 2004 وجود أدلة على أن الحكومة السعودية أو مسؤولين سعوديين قاموا بتمويل «القاعدة» التي نفذت العملية. وحرَّكَ القضية مجدداً طَلَبُ أهالي الضحايا تحميل الحكومة السعودية دفع تعويضات. وسبب ذلك ليس الدور الذي تحتله التوظيفات السعودية في الولايات المتحدة فحسب، بل لأن صدور مشروع قانون كهذا عن الكونغرس يفتح أبواب جهنم على واشنطن، وحكومات الغرب، المسؤولة عن جرائم حرب أودت بحياة ملايين العرب والمسلمين والفيتناميين وتدمير بلدانهم، وأكدَّ «أوباما» أنه سيستخدم الفيتو ضد المشروع «لأنه سيدفع بلداناً أخرى إلى إقامة دعاوى قضائية مقابلة ضد حكومة ومواطني وشركات الولايات المتحدة».

 
 

http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png

والاتهامات المتناقضة للسعودية بالتآمر ضد واشنطن مثل جمجمتي كولومبوس الموجودتين في متحف «هافانا»، حسب الكاتب الأميركي الساخر مارك توين، «إحداها لكولومبس صبياً، والثانية لكولومبس شاباً»! وشاء السعوديون أم أبوا فإن بلدهم «فاتيكان» و«روما» في آن، «فاتيكان» من دون «بابا» ولا قلنسوات، أو عمائم، ومعظم أعضاء مجلس الوزراء السعودي وهيئة رئاسته، يحملون الدكتوراه من أرقى الجامعات الأميركية، لكن السعودية تستثير التيار «التاريخي» و«الغريزي» المعادي للإسلام. وإذا كانت لتركيا، وريثة أطول الإمبراطوريات الإسلامية عمراً، ممرات وأبواب «جيوسياسية» مع القارة الأوروبية، كشفت عنها أزمة اللاجئين، فلا أبواب وممرات بين السعودية والغرب غير أنابيب النفط.

والسعودية واحدة من سبع قوى عظمى، وفق «مارك ليونارد»، مدير «الهيئة الأوروبية للعلاقات الدولية»، الذي يصنف العالم إلى: «الولايات المتحدة: القوة المالية العظمى»، «الاتحاد الأوروبي: القوة التنظيمية العظمى»، «الصين: القوة المُنشئة العظمى»، «تركيا: قوة النزوح العظمى»، «روسيا: القوة الكابحة العظمى»، «السعودية: قوة الطاقة العظمى»، وأخيراً «قوة الناس العظمى» التي تتمثل بمستخدمي «الإنترنت» القادرين على شن حملات القرصنة، وتدمير الفضاء السايبيري، وشلّ أعمال الاستثمارات «أونلاين».

وتُغيِّر التقسيمات «الجيوسياسية» طبيعة الصراعات والحروب بين القوى العظمى الجديدة، وهو ما تطلق عليه دراسة «هيئة العلاقات الدولية الأوروبية» اسم «حروب الترابطات العالمية»، ونموذجها عواقب إسقاط تركيا للمقاتلة الروسية في نوفمبر الماضي. ردود أفعال موسكو على الحادث بلغت حد اعتباره كاغتيال أرشيدوق النمسا الذي أطلق الحرب العالمية الأولى، لكن قرارات بوتين جاءت مخالفة حتى لنزعته الهجومية، حيث أوقف استيرادات الفواكه والخضراوات من تركيا، ورحلات الطيران التجارية والسياحية، وأعاد فرض تأشيرات السفر. لم تعد الأجواء وساحات المعارك ميادين القتال الرئيسية، بل الهياكل الارتكازية المترابطة للاقتصاد العالمي: تعطيل التجارة والاستثمارات، والقوانين الدولية، والإنترنت، واتصالات النقل، وحركة الناس. و«أهلاً بحروب الترابط»، حسب الدراسة الأوروبية، التي لا تقدر القوة الاستراتيجية للسعودية بعدد جيوشها، وأسلحتها الحربية، بل بعشرة ملايين برميل نفط تنتجها يومياً، وسيطرتها على خُمس التجارة العالمية للنفط.

(الاتحاد) الاماراتية

 

زهاء حديد.. تحية وداع بالروسية

محمد عارف

تَوَقَّفَ قلبُ المعمارية العراقية زهاء حديد، وهي في عزِّ الشباب، عن عمر يناهز 65 عاماً. ولو عاشت كأحبِّ معماريٍ لنفسها البرازيلي «أوسكار نيمير»، لصمَّمَت مثله في عمر 104 متحفا في عاصمة جديدة تنشئها لبلدها. والمادة الإعلامية الهائلة، المتعددة اللغات والوسائط، التي أطلقها رحيلها، تنبئ بالثورة القادمة، ليس في عمران بلدها فحسب، بل في نفوس أهلها أيضاً. لأنّ البنايات التي نُعمِّرها تُعمِّرنا. ومعمارُ روح وفكر زهاء من صنع بلدها، الذي أشاد مدن «أوروك» و«أريدو» و«بابل»، قبل ألفي عام من ظهور المدن في أي بلد آخر.

و«التجريدية»، «الإبداع الطلقْ»، «مبدعة ما لا مثيل له»، «وفاة ملكة المنحنى»، «الفاتحة الجسورة والمحبوبة»، و«سيدة العصر الرقمي».. بعض عناوين مقالات الصحف العالمية عنها، وملفات مصورة لنصبها المعمارية، وبرامج تلفزيونية تفرض علينا إعادة التفكير بالتصور التقليدي عن جاذبية المرأة وجمالها. فأشدّ ما يذهل في «زهاء» تألقها وانتصار جمال ونضارة ملامحها على الهرم. «زهاء» شهيدة الجمال، جمال المعمار والروح.

وأي تحية لمبدعة عربية أبهى من إطفاء أبو ظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، أضواء جسر الشيخ زايد الذي صمّمَته «زهاء»، ودخلت به التاريخ كأول امرأة تبني جسراً في مهنة مقصورة على الرجال. وإطلاق اسم مؤسس الدولة على هذا الجسر أنهى وضع «الدخيلة» outsider، حسب تعبير «زهاء» نفسها، فـ«بريطانيا تقاضيني الضرائب كبريطانية، وتعاملني كأجنبية، وحكومات عربية تعتبرني أجنبية، وتعاملني كامرأة عربية».

ولم تنتصر امرأة عربية على الاضطهاد والدسائس الدولية، كزهاء التي عُرِفت حتى مطلع القرن الحالي كأشهر معمارية، لا بنايات لها في لندن. وكانت فضائح حرمانها من إنشاء بنايات فازت بها في المسابقات مادة لمقالاتي عنها مطلع التسعينيات في «الحياة» اللندنية، قبل أن ألتقيها. وسألتني «زهاء» عندما زرت أول مرة مكتبها شرق لندن عن سبب تجنبي لقاءها. قلتُ: «أخاف ما يقال عن لسانك اللاذع». سألت مُحتجةً: «من قال ذلك!». قلتُ: «النحات إسماعيل فتاح»، وانفجرنا بالضحك سوية، فمن يستحق اللسان اللاذع كهذا النحات العبقري الذي عمَّر بغداد بنصبه؟

وكما يحدث مع الشخصيات التاريخية، ستؤثر «زهاء» بعد رحيلها بقوة أكبر مما في حياتها. فبناياتها المشيدة حول العالم لا تغيب عنها الشمس، وبنايات تنتظر الإنشاء، في نيويورك، وطوكيو، والدوحة، والمنامة، وعمّان، والقاهرة، والرباط، وبغداد. وستكتشف الأجيال الجديدة الأبعاد السياسية والفلسفية لعمارتها، التي قامت بمغامرة لا مثيل لها في تاريخ الفكر والفن والسياسة، وأحيت عمارة «ثورة أكتوبر» الروسية التي اضطهدها حتى النظام السوفييتي.

ولم أدرِ أن بحثي عن «زهاء» بالروسية، في نحو ألفي كلمة سيكون تحية الوداع. نشرت البحث مدونة «آرك سبيتش» Arch Speech بموسكو، مع مقالات عنها لكبار المنظرين العالميين، بينهم شريك مكتبها الألماني «باتريك شوماخر». وعندما شَكَت «زهاء» في آخر رسالة بالموبايل قبل أسبوعين من رحيلها، أنها لا تعرف الروسية، سرّيتُ عنها بأنني جلبتُ لها من «بطرسبرغ» كتاب السيرة الذاتية بالإنجليزية للفنان الروسي «كازيمير ماليفيتش» الذي كان موضوع أطروحتها الأكاديمية، وارتبطت باسمه مدرستها المعمارية.

وترجمتُ لها تقديم المدونة الروسية لبحثي بالسؤال: «ماذا نعرف عن زهاء حديد؟.. قد يبدو أننا نعرف كل شيء، لكن هناك من يعرف عنها أكثر بكثير، الصحفي والكاتب العراقي محمد عارف تابَعَ إبداعات زهاء منذ ثمانينيات القرن الماضي». ولا فضل لعراقي أن يعرف العراقية أكثر بكثير، فهو يعرفها بقلبه. وهل غيرُ حدس القلب العراقي جعلني أستشهدُ في بحثي بالروسية عن «زهاء» بموال «وَنِّيت ونّةْ حزن، جِبَل حمرين هَزّيته»؟

جريدة (الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

عيد الأم العربية المُعَمّرة

محمد عارف

عندما أرادت صفية السهيل، سفيرة العراق الجديدة في العاصمة الأردنية الاحتفال بيوم المرأة، طلبت من الحاجة «أم سعد» أن تدعو لها نساء المجتمع العراقي في عمّان. و«أم سعد» أبعد ما تكون عن الصورة التقليدية لسيدات المجتمع، فهي تغسل وتكوي ملابسها بنفسها، وتبدأ يومها بصلاة الفجر، وبعدها الهرولة داخل حديقة المنزل. وخوف عين الحسود أشيحُ بنظري عنها، منذ هَتَفتُ إعجاباً بهرولتها فتَعثّرتْ. كان عمرها آنذاك 82 عاماً، وختمت لتوها حفظ القرآن. وعمرها الآن 90، وأُرددُ كلما ألتقيها في معارض الفن «سورة الفَلَقْ» متعوذاً «من كل حاسدٍ إذا حَسَدْ».

وقدرة «أم سعد» على حفظ القرآن في عمر الثمانين متصلة باللياقة الروحية والبدنية. فلأول مرة في تاريخ علم الأعصاب كشفت التجارب التأثير العصبي للتمارين الرياضية. أجرت التجارب الباحثة الفنلندية «ماريا نوكيا» وأظهرت نتائجها المنشورة في مجلة «علم وظائف الأعضاء» Physiology تأثير الهرولة مسافات طويلة، وتمارين شدّ العضلات على تركيب ووظيفة الدماغ، وزيادة وزنه، وقدرته على إنتاج خلايا جديدة، يتوقف إنتاجها عادة مع التقدم بالعمر.

وتقلُ بمقدار الثلث وفيات من يمارسون التمارين الرياضية 150 دقيقة أسبوعياً عمّن لا يمارس أي رياضة، حسب بحث «معهد السرطان» الأميركي و«جامعة هارفرد» حول معدلات حياة نصف مليون شخص فترة 14 عاماً. ولم تُفاجأ «أم سعد» عندما حدثتها عن ذلك، لكنها أصغت باهتمام لحديثي عن «تمارين اللقلق» لحفظ التوازن، أقومُ بها نصف ساعة كل صباح، وتتضمن الوقوف بالتناوب على قدم واحدة، والعدّ إلى الأربعين. وقالت خجلة كطفلة: «آني أعد 12 بَسْ». ولن أفاجأ بتفوقها قريباً، فتحدّي النفس أو الآخرين القاعدة الذهبية في الرياضة، والصحة، والحياة.

وكما في التمارين الرياضية تستظهر «أم سعد» بسلاسة سور القرآن الكريم كاملة. وعليّ الصبر إذا سألتها عن آية، فهي تقرأ السورة بالكامل حتى تصل إلى الآية التي أنشدها. حدث ذلك عندما أردتُ أن أستهل مقالة عن كارثة الطائفية بآية من القرآن سألتها عنها، فاستَظهَرَتْ «سورة طه» من أولها، حتى بلغت الآية المطلوبة «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي».

و«أم سعد» كبلدها العراق الذي احتضن أدياناً ومذاهب وثقافات عبر التاريخ، ومنها تلقيتُ أول دروسي في الوطنية الإنسانية. فهي من جيل عراقي فتحوا عيونهم على النضال ضد الاستعمار البريطاني، وتطوَّعَتْ وهي في سن الـ15 للعمل ممرضة خلال الحرب العراقية البريطانية عام 1941. وصادف التحاقها بمعسكر الرشيد، يوم قصفته الطائرات البريطانية. وتوّقع صبري مراد، الطبيب المسؤول آنذاك، أن لا تأتي هذه الصبية الرقيقة في اليوم التالي، فلم يهيئ لها بدلة تمريض، لكنها أتَتْ. ومِن «أم سعد» تعلّمتُ أن الوطنية الإنسانية كالرياضة لا نفقدها لأننا هرمنا، بالأحرى هرمنا لأننا تخلّينا عنها، وانظروا ما فعله النظامُ اللا إنساني الهرِمُ بالعراق.

الإثنين كان يوم الأم العربية، وكل الأيام أعياد الأم المعمرة، يبتهج بنضارتها وحميميتها أبناؤها، وأحفادها، وأبناء أحفادها، وتلاميذها في «مدرسة السعدون النموذجية» ببغداد قبل سبعين عاماً، وبينهم الأمير رعد بن زيد، حفيد الشريف الحسين، مؤسس العائلة الهاشمية الملكية. وحميمية «أم سَعد» تغزو القلب عندما تقرأ أشعار «مظفر النَوّاب». وفي آخر مكالمة هاتفية معه شكا عجزه عن كتابة الشعر لإصابته بمرض «الباركنسن»، فهاج به الشعر عندما انطلقت تقرأ له أول قصائده «مَرّينا بيكم حَمَدْ، واحنه بقطار الليل، واسمعنه دَك اكهوه، وشَمِّينه ريحة هيل. يا ريل صيح بقهر، صيحة عشك، يا ريل». و«الريل» هو القطار، و«دك الكهوة» طحن القهوة، و«العشك» عشق.

·         مستشار في العلوم والتكنولوجيا

(الاتحاد)

 

دراما أوباما

محمد عارف

 

«شدّ أفكارك خارج متاعبك، سواء من آذانها، أو من كعوبها، أو أيّ طريقة أخرى تَتَدبّرها»، قال الكاتب الأميركي الهزلي «مارك توين»، وهذا ما يحاول فعله «أوباما» طوال الوقت، وحتى في تعامله مع «داعش». فالرئيس الأميركي يقارن التنظيم الإرهابي بشخصية «الجوكر» في فيلم «باتمان الفارس الأسود»، الذي يشعل حرائق تأتي على جميع رؤساء العصابات الذين يتقاسمون أحياء المدينة. ويرى «أوباما» نفسه في المنطقة مثل «مايكل كوروليوني» في فيلم «الزعيم الروحي» الذي «ما إن يتصور أنه تحرر من رؤساء المافيا حتى يشدوه إليهم من جديد». وآخر متاعب الرئيس الأميركي العثور على «بضعة حكام أوتوقراطيين، وتكنوقراط مضبوطين»، ويضيف: «لو كان كل شخص كالاسكندنافيين لسهل كل شيء».

وأكثر متاعب «أوباما» وأصعبها ليس في المنطقة العربية، بل في الولايات المتحدة نفسها، وأحاديثه عنها موضوع مقالة الكاتب الأميركي جفري غولدبرغ التي تقع في 20 ألف كلمة. عنوان المقالة المنشورة في مجلة «ذي أتلانتيك» الأسبوع الماضي «عقيدة أوباما» وتمثل بالأحرى دراما رئيس القوة العظمى التي أبدعت علوم وتكنولوجيات تغيّر العالم، لكنها عجزت عن تحرير نفسها من «الغواط القديم». تتردد هذه الشتيمة بتعابير مختلفة على لسان مسؤولي البيت الأبيض، ويستخدمها الرئيس الأميركي نفسه عندما يعلن التراجع عن قرارات صعبة، مثل «الخط الأحمر»، الذي وضعه لبشار الأسد في حال استخدام السلاح الكيماوي.

و«عقيدة أوباما» تختلف كليّة عن التصور العالمي، وحتى الأميركي لسياسة «البيت الأبيض» وآلية إدارتها، فهي تتضمن الخروج بمحور السياسة الخارجية من «مستنقع» الشرق الأوسط إلى رحاب آسيا، وأميركا اللاتينية الصاعدة، وتدعو إلى مشاركة السعودية إيران في المنطقة، وتعتبرُ مساهمة واشنطن في قصف ليبيا خطأ، وتُحمِّل بريطانيا وفرنسا مسؤولية تدمير ليبيا، وترى «تغير المناخ» وليس «داعش» هو الخطر الذي يهدد الوجود.

ودراما أوباما ازدراؤه لإدارة السياسة الخارجية الأميركية، التي تجعل «المصداقية معبوداً، خصوصاً المصداقية المشتراة بالقوة، وقاد الاعتصام بها إلى حرب فيتنام»، حسب أوباما، الذي يجهد في إقناع مساعديه بأن «إلقاء القنابل على أحدٍ ما للبرهنة على أنك ترغب في إلقاء قنابل على أحد ما أسوأ ذريعة لاستخدام القوة».

و«دراما أوباما» اختلاف تقييمه للرئيس الروسي عن الإعلام الأميركي، الذي يصوره كقطاع الطرق، فيما يقول «أوباما» عنه: «الحقيقة أن بوتين في الواقع دمث تماماً في جميع لقاءاتنا وبالغ الصراحة. واجتماعاتنا عملية جداً، ولا يتركني أبداً أنتظر ساعتين كما يفعل آخرون». ويضيف أن «بوتين» يعتقد أن علاقاته مع الولايات المتحدة أهم كثيراً مما يتصور الأميركيون. وفي حديث «أوباما» نكتشف أن ما يُسمى «المجتمع الدولي» ملعب كرة قدم لا يحق اللعب فيه إلاّ للاعبين يلعبون بمصائر الدول الأخرى. «وبوتين يهتم دائماً بأن يبدو نداً لنا، ويعمل معنا، لأنه ليس غبياً تماماً، فهو يدرك أن موقع روسيا عموماً في العالم تقلّصَ كثيراً. وغزو القَرَمَ، ودعم الأسد لا يعني أنه أصبح لاعباً فجأة».

وتبلغ «عقيدة أوباما» ذروة الدراما ساعة اتخاذه القرار النهائي بعدم ضرب سوريا. سأل «أوباما» رئيس موظفيه «ماكدناو» التمشي معه في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض. ولم يكن اختياره عبثاً، فرئيس موظفيه «يفكر بعقلية كمائنية، وهو من أشد المعارضين للتدخل العسكري للولايات المتحدة، ويشارك أوباما استياءه الثابت من رؤية واشنطن تنجرف في حروب في البلدان الإسلامية». و«استغرق تمشيهما ساعة، وعندما عادا أخبر أوباما مساعديه للأمن القومي أنه قرر التراجع عن قرار قصف سوريا». وزير الخارجية «كيري» الذي علم بالقرار بعد إلقائه خطاباً حماسياً عن القصف المنتظر لّخصّ ردّ فعله بكلمة «غواط»!

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

 

 

حب العمر الطويل

 

محمد عارف

 

المسنون يقعون في الغرام أيضاً، لكنّ ذلك لا يبدو عليهم، وقد لا يبحثون عنه، لكنه يجدهم. وأكثر ما يدهش في الحب المتقدم السن دهشتك به، فأحياناً يكون صداقة تفاجئك نيران الحب المندلعة فيها. ولا أكتب هذا بمناسبة عيد الحب العالمي «فالنتاين» الأسبوع الماضي، بل بمناسبة حب العمر الطويل المقبل. و«إنه الحب، وليس العقل أقوى من الموت»، قال الأديب الألماني توماس مان. فالحب الذي يرتبط بالضعف والمرض في مقتبل العمر يصبح مع تقدمه علامة الصحة والقوة. والقلبُ المحبُ يسري لوحده في الدنيا. «هذا هو الحب»، قال عنه الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي: «تحلِّقُ في سماء سحرية تُزيلُ مئة حجاب كل لحظة. وتنطلق أولاً من سراح الحياة، وفي النهاية تخطو دون قدم».

و«لا تلقوا باللوم عن الحب على الجاذبية الأرضية»، قال ذلك «أنشتاين» مازحاً، وقال جاداً: «الحب أفضل مُعلم من الواجب». و«أن يحبك أحدٌ بعمق يمنحك القوة، وأن تحب أحداً بعمق يمنحك الشجاعة»، قال الفيلسوف الصيني «لاو تزو» في القرن الخامس قبل الميلاد. و«الحب هو أن يعطيك المحبُ قطعة من روحك، لم يخطر ببالك قطُّ ِأنك كنت قد فقدتها»، قال الشاعر الإيطالي «تركواتا آسو» في القرن السادس عشر ميلادي. فيما قال، الذي ارتبط باسمه التاريخ الميلادي، السيد المسيح مخاطباً أتباعه: «أحبُكم كما يحبني الربُّ». وما أجمل قوله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ».

ونحن لا نتوقف عن الحب لأننا هرمنا، بل نهرم لأننا توقفنا عن الحب. فالحب شديدٌ ومجهدٌ، ومثله الصحة والعافية، تأتيان خلافاً للتصورات السائدة بالشدّة والإجهاد. ومن يعرف الشدة كالرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قال: «ما مثلي ومثل الدنيا إلا كمثل راكب مال إلى ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها». والإجهاد والشدة كلمة السر في الصحة واللياقة البدنية، حسب تجارب علمية بيّنت تعزيز النشاط البدني الشديد لعمل الدماغ، والمفاصل، وحتى تكوين «الجينات»، حسب تقرير في «نيويورك تايمز» ذكر منافع «سبع دقائق من تمارين مجهدة، تحفظ نبض قلبك عالياً، وتجعلك تتصبب عرقاً». والركض الشديد على جهاز التدويس 4 دقائق، ثلاث مرات في اليوم، خلال 10 أسابيع يرفع الحدّ الأقصى من امتصاص الجسم للأوكسجين، أو قوة الجَلَد 10%، وحسّن بشكل ملحوظ مستوى السكر في الدم والضغط الدموي. و«ثلاث دقائق من تمارين مجهدة متناوبة أسبوعياً تزيد القدرة على أكسدة عضلات الهيكل العظمي وتحسّن صحة الجهاز الدموي والأيضي» عنوان بحث في «مجلة النشر المفتوح» PLOS حول تأثير التمارين الرياضية الشديدة.

وحب العمر الطويل، الحب طويل العمر. شهدتُ ذلك في لقاء بسمو الأمير خالد الفيصل، في «قصر المعذر» بالرياض عام 1994. لوحاته المرسومة بالزيت أخرجتني عن موضوع المقابلة حول «جائزة الملك فيصل العالمية للعلوم» التي يرأسها. فالرسم بالزيت ملتزٌ وصعب كالحب، ولوحة الأمير الفيصل استوحاها من قصيدة كتبها أبو فراس الحمداني، وهو في الأسر، وتغنيها أم كلثوم «أراكَ عصيّ الدمع شيمتك الصبر.. أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ». سألتُ الفيصل «يا صاحب السمو أسألك السؤال الذي وجهه صحفي لبيكاسو، هل لحظة الفن، أم الحب أجمل لديك»، فأجاب الفيصل قبل أن أكمل الجملة: «الحب». وكان الاتفاق أن يرى نص المقابلة قبل النشر، وعندما أرسلت له النص، وتأخرتْ موافقته، توقعتُ الرفض، وهيَّأتُ نصاً من دون الحب، وعشية إرساله جاءتني الموافقة على نص الحب. «نعم أنا مشتاقٌ، وعندي لوعةٌ، ولكن مثلي لا يُذاعُ له سرُّ".

 

* مستشار في العلوم والتكنولوجيا

(الاتحاد) ابو ظبي

 

 

 

 

عالمية الجامعات العربية

محمد عارف

«كيف يَتَدّبَر المرء مصيره، وهو أهمّ من المصير نفسه»، قال العالم والفيلسوف الألماني «هامبولد»، مؤسس «جامعة برلين» في القرن الثامن عشر، والاستشهاد بـ«هامبولد» اختتم نقاشاً ساخناً حول احتلال جامعات عربية الصدارة في قائمة «أكثر 200 جامعة عالمية التوجه». «جامعة قطر» احتلت المرتبة الأولى، تلتها لوكسمبورج، وهونج كونج، فيما مرتبة «الجامعة الأميركية في الشارقة» 12 و«جامعة الإمارات» 15، وكل من «الجامعة الأميركية في بيروت» و«جامعة الملك عبدالعزيز» 27، بينما تأخرت الجامعات الأميركية التي تتصدر عادة تصنيف الجامعات العالمية «هارفرد» 134، و«ستانفورد» 141، و«كولومبيا» 156.

و«يا للعجب» أن تتقدم «قطر» على «هارفرد» حسب معلق على التصنيف الذي وضعته صحيفة «التايمز للتعليم العالي»، وأثار تعليقات ساخرة. «فيل باتي» رئيس تحرير «تصنيف الجامعات» في «التايمز»، ذكر أن الهدف منه، ليس كسب الأموال، وأنه يعتمد 3 معايير، تجعل الجامعة «عالمية الاستشراف»، وهي «نسبة الطلاب الأجانب، والمدرسين الأجانب، وعالمية المشاركين في تأليف البحوث، لا أكثر ولا أقل، وليس التصنيف مؤشراً للتميز، مع ذلك فهو يساعدنا على فهم أعمق للميدان العالمي للتعليم العالي». في جامعات مصر على سبيل المثال، تبلغ نسبة الطلاب الأجانب، وكذلك المدرسين الأجانب 2%، فيما تبلغ النسبة في جامعات الإمارات 85% للطلاب الأجانب و46 للأساتذة.

والمنافسات التجارية بين الجامعات الغربية لعبت دوراً في أن يتخذ تصنيف الجامعات طابعاً عابثاً، وأدّت الخلافات حول تصنيف الجامعات إلى تطوير معايير أخرى، يطلق عليها اسم «التقييس» BENCHMARKING الذي يستخدمه المسّاحون في وضع «صوى» على الحجر لقياس موقع معين من زوايا ومسافات مختلفة، وتجري حالياً مراجعته في بلد المنشأ، حيث أعلن «البيت الأبيض» الشهر الماضي لائحة تعديل معايير تصنيف تشدد على «معيار إتاحة القبول لأبناء الأسر قليلة الدخل» في كليات وجامعات الولايات المتحدة، البالغ عددها خمسة آلاف.

تصنيف آخر مهدَّ لـ«قمة التايمز للتعليم الجامعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» التي استضافتها الأسبوع الماضي «جامعة الإمارات العربية المتحدة» في العين. «قائمة أعلى 15 جامعة عربية» تصدّرتها «جامعة الملك عبدالعزيز» في الرياض، فيما احتلَّت منافستاها السعوديتان، «الملك فهد للبترول والمعادن» و«الملك سعود»، المرتبتين الثالثة والرابعة، و«الجامعة الأميركية في بيروت» المرتبة الثانية، و«جامعة الإمارات» الخامسة، وجاءت ثلاث جامعات مصرية، هي «قناة السويس» و«الإسكندرية» و«القاهرة»، في المراتب الأخيرة. وتقر «التايمز» بأن الإنفاق لعب الدور الكبير في ذلك، «فمعدل كلفة عضو الهيئة التدريسية في السعودية 733 ألف دولار، مقابل 71 ألف دولار في مصر».

ولا تُضاهى في العالمية جامعات الإمارات، التي نالت نصيباً من صينيين يدرسون خارج بلدهم، وعددهم ثلاثة أرباع المليون. تقرير «نيويورك تايمز» يذكر أن «الإمارات تجتذب كالمغناطيس طلبة الصين»، وجاء فيه أن «معهد كونفشيوس» الذي يملك 100 فرع حول العالم، أسّسَ أول فرع له في المنطقة في «جامعة دبي»، يُدّرس الصينية والعربية، والفلسفة والطب الصينييْن، ومصارعة «كونغ فو».

طلب الصين ولو في فروع الجامعات الغربية، فالصين «تُصَّيُنُ» فروع «جامعة نيويورك»، و«كلية إيتون»، و«جامعة وولنغون»، وجميعها تُدّرس الصينية في الإمارات، وتُخرّجُ طلبة صينيين. وبرعاية صاحب السمو ولي العهد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أنشئت «مدرسة المشرف»، وهي أول مدرسة صينية أولية في المنطقة، وعدد الصينيين في الإمارات نحو نصف مليون شخص، ما بين مقيم وسائح، «يُصيِّنون» الاحتفالات هذا الأسبوع بالعام الصيني الجديد، وحِكمتُه «الصبر قوة تصنع من ورقة التوت حريراً».

 

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

«دافوس».. يأس الأمل

محمد عارف

لم يوجد قط في أيّ عصر هذا القَدْر العظيم من الوعد والخطر». قال ذلك «كلاوس شواب»، مؤسس ورئيس «دافوس» الذي اختتم أعماله الأسبوع الماضي. ويأس الأمل في هذا المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يُعقدُ سنوياً في منتجع ثلجي سويسري، يُلتهم هواؤه كـ«الآيس كريم». ثلاثة آلاف من نجوم الاقتصاد والسياسة والمصارف، وحتى السينما.. حضروه، وغاب عنه فرسان الأمل الثلاثة الكبار، الألمانية «ميركل» والروسي «بوتين»، والصيني «شي». والحاضرون «شهود تفسخ السلطة، وأيّ شيء أفضل من أشخاص السلطة». تردد هذا الرأي في مأدبة غداء في «دافوس» عُقدت بعنوان «نهاية التوافق السياسي»، وحضرها بعض مَن غاب عنها، خاصة الأميركي رونالد ترامب، والفرنسية مارين لوبن.

ويأس الأمل في حديث عالم الاقتصاد الأميركي «جوزيف ستيغليتز» عن «الحركة الزلزالية للاقتصاد العالمي، فالاحتمالات معقولة في وقوع أمور أكثر جذرية، سببها الفورة المفرطة في سياسة «التيسير الكمي» للأموال لنفخ أسعار الموجودات، من دون عمل كافٍ لنفخ الاقتصاد الحقيقي. فأين ذهبت كل تلك السيول النقدية؟ يجيب «ستيغليتز» الحائز على «نوبل» بأن «بعضها ذهب إلى حساب الموازنات، ولم يتم إقراضها، لكن بعضها ذهب لزيادة أسعار الموجودات». بكلمات أخرى: ذهب إلى «خزائن» رأس المال المالي العالمي.

ومن القائمين بين الأمل واليأس في «دافوس» كريستين لاغارد، مديرة «صندوق النقد الدولي»، التي تتوقع تحسن معدلات نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.4% خلال العام الحالي، لكنها تُقرُّ بوجود أربع مخاطر: في الصين تأثير انخفاض أسعار السلع على المنتجين، والوضع الضعيف لاقتصادات السوق الصاعدة (كروسيا والبرازيل)، واحتمال الخلل الذي قد يسببه رفع الاحتياطي الأميركي لمعدلات الفائدة، وأخيراً انهماك مصارف مركزية أخرى (بما في ذلك الأوروبي المركزي وبنك اليابان) في تقديم حوافز إضافية.

ويضاحك اليأسُ الأملَ في «انهيارات الأسواق التي علينا التعامل معها كتحذيرات صحية»، حسب «الأوبرزفر»، التي ترى أن «الانهيارات قد تستبق الأحداث، لكنها ليست مقاييس معصومة من الخطأ». وتقتبس الصحيفة البريطانية القول الساخر لحامل «نوبل» في الاقتصاد «بول صامويلسن» بأن «أسواق الأسهم توقعت 9 من 5 نوبات ركود اقتصادي»! ويذهب مسؤولون في مصرف «جي مورغان» حدّ القول بأن الكثير من الأخبار السيئة قد تم تسعيرها في الأسواق، والتي نظرت مسبقاً وأدركت أن «وتائر النمو في الصين تظل عالية بالمقارنة مع كل مكان آخر، وأننا ما نزال نتعامل مع اقتصاد قد يتوسع خلال السنوات الخمس المقبلة إلى خمسة تريليونات دولار. لذا فالرسالة ليست مرعبة»، ومن يرعبه تضاعف حجم اقتصاد الصين ثلاث مرات خلال السنوات السبع الماضية؟

واليأس في قلب الأمل بموضوع «دافوس» الرئيسي لهذا العام، وعنوانه «الثورة الصناعية الرابعة». تقرير البنك السويسري «يو إس بي» يرى أن عواقب التقدم التكنولوجي في السنوات المقبلة ستفاقم اللامساواة عبر الكرة الأرضية، ويدعو «السياسيين إلى إيقاف هذا الاتجاه». وفي خطابه في «دافوس» ذهب بايدن، نائب الرئيس الأميركي حد التحذير من أن «الثورة الصناعية الرابعة يمكن أن تُدمر الطبقة المتوسطة».

ولا يأس كأمل القضاء على «داعش»، والشهادة على ذلك في «دافوس» من الخطوط الأمامية. «شيريل ساندبيرغ»، رئيسة العمليات في «فيس بوك» ذكرت أن آثار الثورة الصناعية تَتخطى الأفراد إلى المستوى العالمي، فـ«التواصل الاجتماعي رغم جميع منافعه، جعل من السهل على المنظمة الإرهابية نشر رسائلها في الكراهية، وما إن تزيل إحداها حتى تنبثق أخرى». ونهاية اليأس والأمل في آن، تنبؤ خبراء العقل الاصطناعي «ترويعاً أكثر من المنظمة الإرهابية في الثورة الصناعية الرابعة، التي قد تؤدي يوماً ما إلى الإطاحة بالبشرية»!

 

 

 

 

   
   
   
 

روسيا عام 2016

محمد عارف

 

روسيا انتقلت من مرحلة الانتقال للاشتراكية إلى مرحلة الانتقال للرأسمالية وتمرُّ اليوم بمرحلة الانتقال بين مرحلتين انتقاليتين. هذه نكتة، لكنها التفسير الوحيد المعقول لوضع روسيا غير المعقول، وهذه ليست نكتة، بل استنتاجات أحدث الدراسات عن روسيا، أستشهدُ باثنتين منها هنا: «روسيا ولعنة الجغرافيا»، عنوان دراسة الباحث البريطاني تيم مارشال، المنشورة في كتابه «سجناء الجغرافيا»، وفيه يقول: «إذا أردت أن تفهم لماذا يفعل بوتين ما يفعله انظر في الخريطة»، فروسيا أكبر بلد في العالم مساحةً تطلُ على أوروبا وآسيا، وتضم غابات، وبحيرات، وأنهاراً، وبراري جليدية، وجبالاً، وتأتيها المشاكل من الأرض والبحر، فخلال 500 عام الماضية غزت روسيا أقوامٌ عدةٌ. البولنديون جاؤوها عبر السهل الأوروبي عام 1605، وأعقبهم السويديون عام 1707، ثم الفرنسيون عام 1812، وغزاها الألمان مرتين؛ عام 1914 وعام 1941.

و«أُمُّنا الروسيا»، كما يسميها الروس، مثل «ناتاشا» زميلتي في جامعة «بطرسبرغ»؛ عذبة، وحنون، وسخية، تصبح إذا خنتها عاتية، وفتاكة، وجليدية كشتاء روسيا الذي أهلك جيوش نابليون، وهتلر.

لكن جغرافية روسيا الشاسعة، التي دَمَّرت خطوط إمدادات الغزاة الفرنسيين والألمان، جعلت الدفاع عنها مسألة صعبة، واضطرت زعماءها عبر التاريخ إلى اتباع استراتيجية التقحم خارجها كوسيلة للدفاع. والشاغلان الرئيسيان لروسيا؛ انكشافها براً، وحرمانها من موانئ على المياه الدافئة، سببُ ضم «بوتين» شبه جزيرة القرم عام 2014، لمواجهة تطويق «الناتو» الذي أرادت أوكرانيا الانضمام إليه. وروسيا، منذ أول قياصرتها «إيفان الرهيب»، في القرن السادس عشر، مدّت حدودها إلى جبال الأورال شرقاً، وبحر قزوين، والبحر الأسود جنوباً، وأشادت «قلعة الشيشان» على جبال القوقاز، لصد الغزاة المغول، والعثمانيين، والفرس.

والكتاب الثاني عن روسيا فريد في مضمونه وعنوانه واسم مؤلفه. العنوان «من خنادق العالم متعدد الأقطاب»، ويضم ثمانية فصول عن «روسيا والإسلام»، وفصولاً عدة عن علاقات روسيا وأوكرانيا، والغرب، والصين، وسوريا، وإيران، وفصل عنوانه «الأنجلوصهيونية»، يتضمن شهادته الشخصية عن انقلاب «يلتسين» الواقع تحت النفوذ الصهيوني. والاسم المستعار للمؤلف «ذا سيكر» The Saker أصله «الصقر» بالعربية، كان والده ضابطاً بالجيش القيصري، وعمل هو باحثاً عسكرياً في أوروبا، ويعيش حالياً في فلوريدا، وتنشر مدونة تحمل اسمه نحو مليون صفحة شهرياً، يحررها كُتاب من أصول ولغات مختلفة، وخلافاً لمعظم الكُتاب الروس، الذين يحرصون على استخدام لغة دبلوماسية عند التوجه للرأي العام الغربي، يتحدث «ذا سيكر» بشكل مباشر، واستفزازي أحياناً، ويذكر أنه يهتم بجمهور أكبر يفضل «النقد النزيه، والمخلص» لما يسميها «الإمبراطورية الأنجلوصهيونية».

ويتوقع «ذا سيكر» أن تشهد الأعوام القادمة اضطرابات في روسيا سببها الصراع بين معسكر «الأوروآسيويين» الذي يمثله «بوتين»، ومعسكر «الروس الأطلسيين» ويمثله، حسب رأيه رئيس الوزراء «مِدفيديف»، وقد يستخدم «معسكر الأطلسيين» الواسع النفوذ، وحليفته واشنطن، «الإرهابيين الإسلاميين» لزعزعة الاستقرار في روسيا، «لكن طالما استمرت الدولة منظمة ومتماسكة لن يؤثر، حسب رأيه، أيّ قدر من الإرهاب على الأحداث، بل «سيكون لعودة ظهور الإرهاب الإسلامي تأثير معاكس تماماً يزيد قناعة الروس بضرورة وجود نظام قوي مستقل قادر على حماية البلد»، ولن يلعب «العامل الإسلامي» دوراً داخل روسيا فحسب، بل في العالم الإسلامي عموماً، فالروس الأطلسيون «معادون للإسلام، وموالون لإسرائيل، ويريدون دمج روسيا بنظام الأمن الغربي المناهض للأمن الإسلامي».

وليس جميع الروس «الأوروآسيويين» يقفون مع المسلمين، إلا أنهم جميعاً مع تعدد الأقطاب، «ولا يرون مشكلة في قيام قطب إسلامي، وبكلمات أخرى فإن الظروف الوحيدة التي يعتبرون فيها الإسلام خطراً عندما تستخدمه الولايات المتحدة أداة لزعزعة البلدان التي تجرؤ على مناهضتها».

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

(الاتحاد) الاماراتية

 

وداعاً عام «كُلُّش زين»

محمد عارف

«نورٌ على نور. فأُمُّ الطاقة هي الشمس، وليست طاقة الفحم والنفط في الحقيقة سوى كائنات عضوية متحجرة تمثّلَت الطاقة الشمسية وطبختها في أعماق الأرض ملايين السنين». ذكرتُ ذلك في مقالة هنا أول يوم من العام الحالي، وعنوانها «2015.. عام ابن الهيثم». ومنذ الشهر الأول لهذا العام المنصرم فرضت أحداث أوروبا نفسها في مقالات عدة، عنوان أولاها «لا.. لن تصبح فرنسا شارلي»، استَّهَلتها عبارة «إذا كان صحيحاً ما قاله الفيلسوف الفرنسي سارتر من أن الكلمات مسدسات محشوة، فإن رسوم الصحيفة الفرنسية شارلي إبدو مفخخات». ولم تفعل أحداث العام سوى تعزيز اعتقادي بأن «أبسط معرفة بعلوم النفس والسياسة، تدرك أن العرب والمسلمين تستفزهم الإهانة أكثر من أتباع غيرهم من الأديان الأخرى، لأنهم يعانون منذ قرون أوضاعاً مهينة. فأيُّ دين قتل المستعمرون الفرنسيون مليوناً من أتباعه في الجزائر؟ ومنح البريطانيون بلد معتنقيه المقدس لمستعمرين صهاينة؟ وأيُّ دين يستمرُ تشريد وقتل ملايين من أتباعه في القرن الحادي والعشرين؟ هذه الأسئلة المخنوقة في القلوب والعقول قنابل موقوتة».

و«نصيحة السومريين لليونانيين» عنوان مقالة دعت اليونانيين إلى أن «يتحلّلوا من الديون». فقد كان أجدادنا يعرفون قبل أربعة آلاف عام أن الديون ينبغي أن تُعفى دورياً، لأن حجم الديون يتجاوز حجم الاقتصاد الحقيقي. وكان الفكر الاقتصادي لبلاد ما بين النهرين قائماً على أساس رياضي أكثر واقعية من الفكر الاقتصادي الحالي. فالديون تنمو في جميع البلدان عبر التاريخ بشكل أسيّ (متضاعف)، فيما بقية الاقتصاد، أو «الاقتصاد الحقيقي»، ينمو بشكل لولبي. وأدرك البابليون، الذين أسّسوا علم الرياضيات، كيف تجعل الفوائد المركبة الديون غير قابلة للسداد في نهاية المطاف، مهما كان معدل الفائدة.

ولولا «كُلُّش زين»، التي يدمج بها العراقيون كلمات «كل شيء على ما يرام»، ما كتبتُ في العام المنصرم أكثر من أربعين مقالة ما تزال نكاتها تضحكني، كالنكتة السورية عن «حمصي» سأل «حموياً» ما إذا كان قد رأى مبعوث الأمم المتحدة «دميستورا»، فأجاب الحموي: «مَرْ شي من ساعتين». سأل الحمصي: «هل كنت أنا معه؟».

و«كلش زين» في الكتابة عن العالم، الذي فيه من الخيال أكثر مما فيه من الأحلام، وإلاّ فمن يتخيل تسابق أعرق الدول الرأسمالية، مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، للانضمام إلى «البنك الآسيوي للهياكل الارتكازية» الذي خصَّصت له الصين الشيوعية خمسين مليار دولار؟ ومن يتوقع أن تخصص الصين غير المسلمة 40 مليار دولار لإحياء «طريق الحرير» الذي شهد العصور الذهبية للإسلام؟

لم يردد أحدٌ عبارة «كُلُّش زين» كصهري العميد أرشد عبدالرزاق، فهي جوابه الدائم والفوري عندما تسأله عن الحال، خلال وبعد خدمته العسكرية أربعين عاماً، في حروب فعلية. وحرب عام 1967، الوحيدة التي لم يشارك فيها، كان يقول عنها مازحاً: «لذلك انتكست». وسبب عدم مشاركته في تلك الحرب شَحنَهُ في «قطار الموت» الشهير، الذي حشرت فيه سلطات انقلاب عام 1963 معتقلين سياسيين في عربات مغلقة من السجن العسكري في بغداد إلى سجن «نقرة السلمان» الصحراوي. وعلاقة صهري الوحيدة بالسياسة شقيقه نوري عبدالرزاق، رئيس «الاتحاد العالمي للطلاب» آنذاك، وحالياً أمين عام «منظمة التضامن الأفروآسيوية» في القاهرة.

وحتى عندما لم يعد العميد أرشد يستطيع قبيل وفاته بالسرطان نهاية أكتوبر الماضي، أن يحرك سوى إصبعين، كان يرفعهما بعلامة النصر! أحرجني أن لا أتذكره إلاّ بالمرح والسرور عندما ووري جثمانه التراب في مقبرة بعَمَّان. تصورته يرفع إصبعيه بعلامة النصر، إذ يرى قبره محاطاً بقبور عائلية. ولعينيه أرفع علامة النصر في وداع «كلش زين» عام 2015، واستقبال «كُلُّش زين» عام 2016.

 

أرض البشر السماوية

محمد عارف

«الآلة لا تعزل الإنسان عن مشاكل الطبيعة العظمى، بل تقحمه فيها بشكل أعمق». هكذا أَقحَمنا الروائي الفرنسي «أنطوان أكزوبري» قبل سبعة عقود في «قمة المناخ» التي اختتمت أعمالها الأسبوع الماضي في باريس، ولولا الطائرة التي تحلق بالوقود المستخرج من النفط لما أبدع «أكزوبري» كتابه «أرض البشر» الذي صور فيه كطيّار «الوجه الحقيقي للأرض». وأعظم عصر في الآلات، عصرنا، أقحمنا كما لم يفعل أي عصر آخر في مشاكل الطبيعة، المهددة بالاستهلاك المجاني للوقود الأحفوري، والذي تتراكم غازاته في جو الأرض، وترفع حرارتها، بما يعادل 400 ألف قنبلة نووية في حجم قنبلة هيروشيما تنفجر يومياً عبر الكرة الأرضية، حسب تقرير في القمة.

«قمة الأرض» في ريودي جينيرو عام 1992 أقرّت «الاتفاقية الإطارية لمكافحة تغير المناخ العالمي»، وكمشارك في مؤتمرات علمية مَهَدّت لها، وأعقبتها أتوقعُ معارك معقدة طويلة لتحقيق «قمة باريس» أهم قراراتها، وهو دفع مبلغ 100 مليار دولار سنوياً لمساعدة البلدان النامية على تقليل تراكم الغازات الدفيئة أو التكيف معها، وخفض الحرارة العالمية أقل من درجتين مئويتين، وفرض تفتيش صارم للتثبت من التزام الدول بكميات الغازات الدفيئة التي تطلقها. فلا توجد إلزامات قانونية لتحقيق ذلك، ولن يوافق عليها «مجلس الشيوخ» في الولايات المتحدة، والتي أهدرت ستة تريليونات دولار على حرب العراق، وهي حرب النفط التي شنتها جيوش وأساطيل «البنتاغون»، أكبر ملوث للكرة الأرضية بغازات الكربون.

ولا نجاح كفشل «قمة باريس»، فالقمة التي اعتبرها ممثلو 195 دولة مشاركة فيها «الانتصار التاريخي»، هي «الفشل الذريع» حسب المتظاهرين ضدها حول العالم، ومعظم المتظاهرين ولد خلال نحو ربع قرن من وضع «قمة ريو» اللغة والمفاهيم المستخدمة في اتفاقية «قمة باريس»، ومع أن الاتفاقية الجديدة، والمعنية بتغير مناخ الأرض، يستحيل علمياً وسياسياً وعملياً، عزلها عمَّا في الأرض والسماء من متغيرات بحثها العلماء خلال 17 عاماً من إدارة عالم الأحياء المصري مصطفى كمال طلبة «برنامج الأمم المتحدة للبيئة» (يونيب). ومذكرات «طلبة»، التي يدونها في القاهرة، وهو في سن الـ95، دليل عمل لتحقيق اتفاقية «تغير المناخ»، فبالعلم والسياسة والمثابرة تحققت اتفاقيات «فيينا لحماية طبقة الأوزون»، و«بازل لنقل النفايات الخطرة عبر الحدود»، ووُضعت اتفاقات وبروتوكولات «حماية الغابات»، و«الصحارى»، و«المراعي»، وحتى «البحار»، و«الجبال»، والمستنقعات، وتُسمى «الأراضي الرطبة»، و«حماية الفضاء الخارجي من التلوث»، ومؤتمرات الطاقة البديلة.

والطبيعة «السماوية» لأعقد مشاكل الأرض جعلت الصين الشيوعية بوذية، وأعادت روسيا الشيوعية إلى أحضان الكنيسة الشرقية، وأدخلت في صلب تعاليم الكنيسة الكاثوليكية أحدث المفاهيم العلمية والاجتماعية الخاصة بالمناخ والبيئة. «حول العناية بالبيت المشترك» عنوان رسالة في نحو 40 ألف كلمة دعا فيها البابا فرانسيس سكان الأرض قائلاً: «كُنْ مُسَبّحاً، يا سيِّدي، لأختنا وأمِّنا الأرض، التي تَحمِلُنا وتَحكمُنا وتُنِتجُ ثمارًا متنوِّعةً معَ زهورٍ ملوَّنة وأعشاب»، وأعلَنَت الرسالة البابوية «المناخ هو خيرٌ عامٌ للجميع ومن أجل الجميع. إنه على مستوى الكون، نظامٌ معقّد ومُتّصِلٌ بالكثير من الشروط الأساسية للحياة البشرية، وهناك إجماع علمي راسخٌ جداً يشير إلى أننا نواجه احتراراً مقلقاً للنظام المناخي».

وليس كالدين الإسلامي عقيدة سماوية معنية بالأرض، تتجلى في القرآن الكريم، كما في الآية: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»- سورة «البقرة».

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

أتعلمون ما فعلتم

بالعرب والمسلمين؟

محمد عارف

 

«لن تقع الحرب بين أميركا وروسيا، لكن الحملة الكبرى لأجل السلام التي يشنها البلدان لن تُبقِ حجراً على حجر». هذه النكتة المعروفة فترة الانفراج الدولي في العهد السوفييتي تصف ما يفعله البلدان حالياً. ونُصّدق ادعاء روسيا بأنها لا تقصف سوى قواعد ومعسكرات «داعش» و«القاعدة»، فنحن لا نرى سوى خرائب وأنقاض أربع سنوات من عمل «أصدقاء سوريا» في إقامة الديمقراطية. ونصدق «أوباما» عندما يقول بأنه لا يملك استراتيجية لحلِّ الصراع، أو هزيمة روسيا، أو «داعش». فالجنرال الأميركي المتقاعد "ويسلي كلارك" القائد السابق لقوات "الناتو" أخطأ فقط في الرقم عندما توقع عام 2007 عودة التوازن الاستراتيجي بين واشنطن وموسكو خلال عشر سنوات، فها هو عاد خلال ثمان سنوات.

و«قبل كل شيء لا تكذب على نفسك. فالشخص الذي يكذب على نفسه، ويسمع أكاذيبه، ينتهي به الأمر إلى ألا يميز الصدق، سواء في نفسه، أو أينما كان حوله، وهكذا يسقط في عدم احترام نفسه والآخرين». قال ذلك قبل أكثر من قرن دستوييفسكي، أحد أبرز أدباء روسيا، ولا أجد أدق من قوله في وصف الغرب، ساسة وحكومات، ورجال أعمال، ونجوم سينما وفن وإعلام، بل وحتى المنظمات التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان. سيماهم في كلامهم الذي يتعثر من أثر الكذب.

3700 غارة جوية قامت بها قوات التحالف في سوريا والعراق، وبقي تنظيم «داعش» والجماعات الإرهابية الأخرى تسيطر على رقع مهمة في البلدين، فيما يناقش «البنتاغون» مصطلح «نزع النزاع» لوصف إدارة دفة قصفهم بعيداً عن القصف الروسي. وتراجع «البنتاغون» عن المصطلح عندما أخبرهم الروس أنهم بانتظار تحديد الجماعات التي تحارب «داعش» لتجنيبهم الضربات الجوية. وقال مسؤولو «البنتاغون» طالما أن الروس لا يؤيدون موقف واشنطن في أن الحملة ضد «داعش» ينبغي أن ترافقها حملة لإزالة الأسد من السلطة، فإن محادثاتهم ستقتصر على موجات الاتصال التي يستخدمها الطيارون.

وأحمق من يدفع الأمم العظمى إلى حافة الجنون وينتظر منها الخضوع والحكمة. و«داعش»، سواء أكان صناعة عربية أو عربية أميركية، فإنه -مثل «النازية» الألمانية- غضب مجنون لأمة عريقة مهانة ومنتهكة. والعربُ الذين يمعنون في إهانة أهلهم، وتحميلهم ودينهم مسؤولية الجرائم التي تقع، وينظرون لهم نظرة دونية، هم الوجه الآخر للحركات المتطرفة. فالسوريون أكثر العرب تهذيباً وتواضعاً وثقافة وتحضراً، انظروا ما فعلوا بهم، وما جعلوا السوريين يفعلونه بأنفسهم. يتلاعبون بأعز أحلام الناس ومطامحهم، وبطرق أقسى مما يمكن أن يتصوره إنسان.

«هل تدركون على الأقل ما فعلتموه؟ أخشى أن يظل هذا السؤال دون جواب لأنهم لم يتخلوا قط عن سياستهم القائمة على الغطرسة، والحصانة، وعدم المحاسبة». قال ذلك الزعيم الروسي في خطبته الشهر الماضي في «الأمم المتحدة»، وفيها دعا: «انظروا فحسب إلى الوضع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. المشاكل السياسية والاجتماعية كانت طبعاً تتراكم فترة طويلة في المنطقة، والناس يريدون التغيير. لكن ما المحصلة الحقيقية لذلك؟ بدلاً من جلب الإصلاح سرعان ما دَمّر التدخل العدواني مؤسسات الدولة، والطريقة المحلية للعيش. وبدلاً من الديمقراطية والتقدم هناك اليوم العنف والفقر، والكوارث الاجتماعية، والانعدام الكامل لحقوق الإنسان، بما في ذلك حتى الحق في الحياة». وحذّر «بوتين» من خطر استخدام «داعش» لتحقيق أهداف سياسية بأمل إيجاد طريقة فيما بعد للتخلص منهم والقضاء عليهم. «هؤلاء الناس الذين تتعاملون معهم قساة، لكنهم ليسوا أغبياء. إنهم يملكون من الذكاء قدر ما تملكون. وبالتالي فالسؤال الكبير هو: من يلعب بالآخر هنا؟».

 

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

عراقيةٌ لا يغيبُ عنها بلدُها

 

محمد عارف

 

«يا بنات العراق، زهاء شيلة راسكم للعالم؛ عراقية صارت سيدة العمارة العالمية؛ شي لا يُصَدّق، وتتجاوز الخيال رؤيتها المعمارية المستوحاة من الخط العربي، وثورة أكتوبر الروسية». ذكرتُ ذلك للعائله في رسالة عبر بريد «واتسآب» من معرض زهاء حديد في متحف الأرميتاج في مدينة بطرسبرغ. ولن أقول هنا أكثر ولا أقل من ذلك. في الأسبوع الماضي أعلن «الاتحاد الملكي للمعماريين» في بريطانيا منحها «الوسام الذهبي الملكي»، الذي تصادق عليه ملكة بريطانيا شخصياً، وناله منذ تأسيسه عام 1845 عباقرة العمارة العالمية، بينهم «ديفيد رايت»، و«كوربوزيه». وزهاء أول امرأة معمارية تنال هذا الوسام، وكانت أول امرأة تنال وسام «بريتزيكر» الذي يعتبر «نوبل» في العمارة. وبريطانيا التي لم تعد الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، تزهو بأعمال زهاء المعمارية، والتي لا تغيب عنها الشمس ولا يغيب عنها العراق.

و«زهاء اليوم قوة معمارية هائلة ومتنفذة عالمياً». صرّحت بذلك جين دانكن، رئيسة «المعهد الملكي البريطاني للعمارة»، وأشادت بأعمال زهاء «بالغة التجريب، والصرامة، والدقة، والتي أصبحت محط احترام وإعجاب الناس حول العالم». ولا تصميم يثير الإعجاب والاحترام مثل مُصلّى «مركز الملك عبدالله لبحوث ودراسات النفط» بالسعودية. قبة المصلى تنبسط بلورية مطوية كطي الكون، ومطرزة بنجوم تسمح بدخول ضياء الشمس وتمنع لهيبها. يدشن هذا التصميم عند تنفيذه عصراً جديداً في عمارة المساجد، كما فعلت بناياتها في قارات الأرض الخمس؛ مطاعم، وجامعات، ومراكز علمية، وثقافية، وغاليرهات، وملاعب، ومسابح أولمبية، ومتنزهات، ومقرات حكومية، ودور أوبرا، ومتاحف، ومصانع، ودور سكنية، ومحطات سكك حديد، ومطارات، وجسور، وحتى تصاميم للسيارات، واليخوت، والأثاث، والأواني، والحلي، والشنط، والأحذية النسائية.

وفي الأسبوع الماضي احتفت موسكو بإنشاء أول عمارة لزهاء. «برج دومنيون» الذي يتكون من تسعة طوابق، أقيم على ميدان تحيطه الشوارع مساحته 22 ألف متر مربع؛ ويحمل توقيعها المتميز على الأرض الروسية، والذي «قد يصبح معلماً سياحياً». ذكرت ذلك متحدثة في الاحتفال، الذي شارك فيه عدد من أبرز المعماريين ومنظري العمارة العالمية والروسية، بينهم كوزنيتسوف، رئيس معماري مدينة موسكو، والمنظر المعماري الألماني باتريك شوماخر.

و«لا يمكن لشخص أن يكون معمارياً إذا لم يكن نحاتاً أو رساماً عظيماً»، حسب الناقد البريطاني جون رسكين. وعبقرية زهاء، كما يبين المعرض الاستعادي لأعمالها في متحف «الأرميتاج» ليست في الرسم والتصميم فحسب، بل في الفكر المعماري أيضاً، وهو دليلها في اكتشاف معمار الخط العربي، وفنون ثورة أكتوبر الروسية. وتُرجح زهاء أن «كازيمير ماليفيتش» الذي اقتبست منه رؤيتها المعمارية، كان مطلعاً على الخطوط العربية. و«ماليفتيش» أبرز مؤسسي حركة الفن الطليعي الروسي مطلع القرن الماضي، والتي ولدت جميع مدارس الفن العالمي الحديث؛ التجريدية، والسريالية، والتكعيبية، والتفكيكية.

والعراقيون كالعراق، عندما يتدبر أمره ينشئ حضارات عالمية؛ سومرية، وبابلية، وآشورية، وأكدية، وعربية، ويلدُ حمورابي، أول مشرع في التاريخ، والخوارزمي، مؤسس علم الجبر، وبن حيان، مؤسس علم الكيمياء، وابن الهيثم مؤسس علم الضوء. قلتُ ذلك للمهندسات الروسيات الشابات في احتفال موسكو، وحدثتهن عن عبقرية المكان الذي نشأت فيه أول المدن في التاريخ. وفي بطرسبرغ فوجئتُ بفخر زهاء بنشأتها «خلال ستينيات القرن الماضي في العراق، الذي كان يعتقد بشكل راسخ بالتقدم، ويملك قدراً عظيماً من التفاؤل». وذكرت في الحوار معها المنشور في دليل المعرض أن «جمهورية العراق الفتية كانت تبني البلد متأثرة بعمارة الحداثة. وكان «فرانك لويد رايت»، و«جيو بونتي» يصممان مباني في بغداد. ولعبت أفكار التغير والتحرر والحرية في ذلك الوقت دوراً حاسماً في تطوري الشخصي، وتطور أعمالي».

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

ضمير الغرب المذنب

محمد عارف

«الضمير المذنب لا يحتاج إلى دَيّان»، يقول المثل الإنجليزي. والمذنبون في أزمة اللاجئين العالمية هم -حسب درجة مسؤوليتهم: واشنطن، ولندن، وتل آبيب، وباريس، وروما، وأمستردام، وكوبنهاجن.. تتبعهم ضباعُهم: بودابست، وبراغ، ووارسو، وبراتيسلافا.. وكلُ من نهش بلاد العرب والمسلمين. صورة الشرطية التشيكية تُرقِِّمُ بحبر ثابت أذرع رضيعة سورية وأمها وأخواتها المارات بالقطار بالعاصمة «براغ»، أعادت للأذهان وشم النازيين لأسرى الحرب العالمية الثانية. وسَبَق وَوَشمت «تشيكيا» ضميرها عندما صوّتت ضد قرار الأمم المتحدة حول الاعتراف بفلسطين كدولة مراقب غير عضو. أيّدت القرار 138 دولة، و«تشيكيا» الدولة الأوروبية الوحيدة التي صوتت ضدّه، وأثنى عليها نتنياهو: «تشيكيا صديقة إسرائيل الوحيدة في أوروبا».

جموع اللاجئين العرب والمسلمين شطرت قلب أوروبا والعالم شطرين، فخُذْ كراهية العرب والمسلمين، أو اختَرْ التعاطف معهم. واختارت الكراهيةَ هنغاريا، وتشيكيا، وبولندا، وسلوفاكيا التي أعلنت أن «جذور أوروبا المسيحية تتعرض لاكتساح المسلمين». ولو عرف هؤلاء دينهم لعلموا أن جذور المسيحية ليست في أوروبا، بل في المنطقة العربية، وفي فلسطين خصوصاً. هذه الدول الشيوعية السابقة المستميتة لتصبح أوروبية، أضاعت المشيتين، التضامن الأممي مع المضطهدين، والتسامح المسيحي.

وغير صحيح ما يُقال من أن جزع دول أوروبا الشرقية من اللاجئين يعود إلى أوضاعها الاقتصادية الصعبة. فاليونان التي تقف على حافة الإفلاس، فتحت أبوابها واسعة للاجئين، وكذلك صربيا، ومقدونيا التي عبّر اللاجئون عن امتنانهم لأهلها. والنمسا وألمانيا اللتان لم تقتلا وتشردا ملايين العرب والمسلمين، استقبلتا لاجئيهم بالورود والحلوى، «لأن الواجب الأخلاقي والقانوني يفرض على كل بلد في الاتحاد الأوروبي قبول حصته من اللاجئين»، حسب المستشارة الألمانية ميركل.

وللمقارنة فإن عدد اللاجئين السوريين في تركيا أكثر من المليونين، وقد أنفقت أنقرة لإيوائهم نحو ملياري دولار. وأنقذ حرس الحدود البحرية التركية 42 ألف لاجئ من الغرق هذا العام، و2160 الأسبوع الماضي، حسب «بي بي سي». وعدد اللاجئين السوريين في لبنان مليون و150 ألفاً، وفي الأردن 700 ألف، أي أكثر مما في أقطار أوروبا مجتمعة، وحتى العراق الذي يُصّدر اللاجئين يأوي 300 ألف سوري، معظمهم أكراد في كردستان.

واللاجئون السوريون والعراقيون، خريجو مدرسة رُعب «داعش»، لا تبدو عليهم الضعة والمسكنة، بل يعبرون حدود الدول بخطوات متحدية، يحملون أطفالهم على أكتافهم، ويرفعون مُسّنيهم فوق الأسلاك الفولاذية. الطفل السوري «زين العابدين» عرضت الفضائيات صورته يبتسم، وساقه جرّحتها الأسلاك الفولاذية الشائكة. قال أبوه أحمد ماجد: «زين بطل، بكى داخله، حتى لا ينتبه حرس الحدود الهنغاريون». وماجد اختاره فريق لاجئين سوريين لقيادتهم من أزمير، عبر البحر إلى اليونان، ومقدونيا، ومشياً حتى الحدود الهنغارية التي أفلحوا في عبورها بعد ثلاث محاولات. وضمن الفريق الصبية «غالية» التي قالت لمراسل «نيويورك تايمز»، إنها تحمل سكيناً لحماية نفسها من عصابات تختطف الأطفال، وتقتلهم لاستخراج أعضائهم وبيعها.

مسيرة اللاجئين عبر أوروبا ليست بحجم آلام الأمة، لكنها كالمسيرات التاريخية للأمم الكبرى، تُغير مجرى التاريخ. صورةُ الطفل السوري «إيلان الكردي» ذو الثلاثة أعوام، منكفئاً على بطنه بقميصه الأحمر وسرواله الداكن، ونصف وجهه مدفون في رمل شاطئ البحر طعنت قلب البشرية. بالكاد يبلغ طوله المتر، لكنه جعل سكان العالم يرون ما تَجنّبوا رؤيته طويلاً، ملايين العرب والمسلمين القتلى والمشردين، وجَعلَ الغربَ يرى نفسه بعيون الشاعر شكسبير: «لضميري آلاف الألسن، وكل لسان يروي حكايات عدة، وكل حكاية تحكم عليّ بالنذالة». وما ضمير من لم يترك مأوى لطفل سوري غير قبر في بلدته المقبرة «عين العرب كوباني»؟

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

 

 

انحلال العراق

محمد عارف

«العراق كوميديا إغريقية تنتهي بتراجيديا». هذه العبارة التي قالها الكولونيل وليام ميفيل، قائد فوج الاحتلال الأميركي في محافظة كركوك افتَتَحت أحد فصول كتاب «الانحلال» The Unravelling. العنوان الثانوي للكتاب «الآمال الراقية والفرص الضائعة في العراق»، ومؤلفته «إيما سكاي» مندوبة الاحتلال البريطاني في كركوك، تحلُّ الأسرار والوقائع الهزلية المأساوية للاحتلال. ومعارفها العراقيون، وهم كُثرُ، يدمجون اسمها ولقبها فيسمونها «إيماسكاي»، وهي تدمج الكوميديا والتراجيديا في حديثها عن عراقيين معروفين عالمياً، وغير معروفين.

وحتى لو كنتَ ممن ناهضوا الاحتلال وتوقعوا كوارثه تصعقَكَ عند قراءة الكتاب لامبالاة الغزاة بالعراق والعراقيين. «إيماسكاي» أرسلتها حكومة «بلير» لإدارة محافظة كركوك دون أي تعليمات أو معلومات، سوى أن هناك من يستقبلها في مطار البصرة، وتأخذها طائرة عسكرية إلى كركوك. ولم يكن هناك من يستقبلها، ولا طائرة. وكان عليها أن تتدبر نفسها سنتين عبر أهوال البلد، حتى صَحَت إدارة الاحتلال لواقع فقدان قدرتها على وقف انهيار العراق، وانغمر موظفوها بـ«الشرب وعدّ الأيام المتبقية للمغادرة».

http://www.alittihad.ae/styles/images/adverttop.png

 

http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png

وشهدت «إيماسكاي» أحداثاً هزلية كبرى، مثل تنصيب غازي الياور أول رئيس موقت للعراق. وبعد الاحتفال بتنصيبه في كركوك، في حاوية، وليس في مبنى المحافظة، لأسباب أمنية، غادر «الياور» وحاكم الاحتلال «بريمر» في مروحيتين منفصلتين. وحالما حطّت مروحية «الياور» انهدّ «بكلام مسموم عن مروحيته من غير أبواب، والريح تعصف بعقاله، وتُشَّعث عباءته بالكامل. وصرخ فينا عن المهانة التي نزلت، ليس بشخصه بل برئيس العراق». وعندما توجهت «إيماسكاي» لاحقاً لمكتبه للاطمئنان عليه، قيل لها «الرئيس يعاني بسبب الرحلة من أوجاع في ساقيه، وصعوبة في السمع، ومشاكل في الجيوب الأنفية، ويرفض الإجابة على أي مكالمة هاتفية»!

والكتاب منجم مواضيع مسرحية وسينمائية؛ فالقسم الأول منه مكرس للصراعات حول كركوك التي تضم، حسب شهادتها، 40% من نفط العراق، ونحو 7% من النفط العالمي. وتندب «إيماسكاي» حظ كركوك، التي تعتبر ثالث أقدم مدينة في التاريخ، وحظ معارفها من زعماء العرب والتركمان والآشوريين، الذين اغتيلوا. خطة «الوضع الخاص لكركوك» التي أعدّتها «إيماسكاي» تبنتها إدارة الاحتلال، ورُفعت إلى «الأمم المتحدة»، ولم يُسمع عنها بعد ذلك!

والسهرة مع زعماء الأكراد في منتجع «بحيرة سد دوكان» مسرحية هزلية قائمة بذاتها. كميات الشراب كانت كافية لهجوم الرئيس العراقي السابق جلال الطالباني على «إيماسكاي» واتهامها بالوقوف مع العرب ضد الكرد، مثل «المِس بِل» التي أسست دولة العراق الحديث مطلع القرن الماضي، وألحقت بها كردستان! وعندما استدعت «إيماسكاي»، المستعربة وخريجة أكسفورد، تفاصيل التاريخ، انسحب حاكم الاحتلال «بريمر»، لجلب صحن حلويات. «كان يشعر بتعب شديد عند الحديث عن تاريخ العراق»! واستعطفها برهم صالح، الذي أصبح رئيس وزراء كردستان: «أنتم البريطانيون أعطيتموني تعليماً، وجوازاً، واعطوني الآن كركوك»!

والقسم الثاني لكتاب «الانحلال» مكرس لمأساة هدر مليارات الدولارات، وآلاف الأرواح على ما سُميتا «الهّبة» و«الصحوة». وكان الجنرال «أوديرنو» المسؤول عن «الهّبة» قد استدعى «إيماسكاي» لتصبح مستشارته. وخزين الفكاهة آنذاك المالكي، وطاقمه الذي يضم أقوى شخصية في إدارته، مستشارته المقربة الدكتوره باسمه الجادري، التي تُخبر «إيماسكاي» أن «المالكي» استوضحها عما يرد تحت شريط الأخبار في الفضائيات «رجال يبحثون عن نساء، ونساء يبحثن عن رجال». وتشرح لها «إيماسكاي» كيف يتم ذلك، وأنها جربته. وتسألها ما إذا كان ممكناً «أن يزوجها المالكي، حسب التقاليد العربية، لشخص يساعد على تحقيق المصالحة»، فتنفجر «الجادري» بالضحك، وتقول: «إذا طرحتِ الموضوع على المالكي، اختاري لي حارث الضاري»!

حرب المهاجرين العالمية

محمد عارف

«قَشَقْشي» أعلن بالإنترنت خريطة لتهريب البشر، «مضمونة وجديدة»، استخدمها في تهريب «أكثر من وجبة». و«قشقشي» تعني باللهجة العراقية «مُهَرِّب»، وخريطة تهريبه تبدأ بمدريد. «تأخذ مترو إلى سنتر المدينة، بعدها باص إلى مدينة غرناطة، ومن هناك استلمك وأعبرك البحر على زورق مطاط 1200 دولار، أو يخت سياحي 2400 دولار. بعد العبور تسلم نفسك بالمغرب، ويزودونك بوثيقة طرد، فتأخذ تاكسي للحدود الجزائرية، ومنها قطار إلى سيناء بمصر، وبعدها تاكسي إلى الحدود الأردنية، وباص يعبرك طريبيل، وتكمل بالبايسكل، إلى موقف سيارات بغداد، وتسلِّم نفسك بمنطقة العلاوي. يستجوبوك الأمن، ويحولوك إلى كمب الزوراء. ويخصصوا لك راتب 500 دولار، وسكنا، وإقامة، ويتضاعف راتبك بعد سنة، وتأخذ الإقامة الدائمة، ويحق لك لم شمل العائلة. ومدة الحصول على الجنسية ما بين 5 و7 سنوات».

وإذا كانت هذه نكتة عراقية، فحشود المهاجرين السوريين والعراقيين العابرين مضايق البحر المتوسط مهرجان. الأصابع مرفوعة بعلامة النصر، وقبلات هوائية ترسلها نساء محجبات عبر مصوري الفضائيات، ومُسنون بعكازاتهم، يركلهم حراس الحدود، ووجوه مدماة، وآباء يهرولون حاملين أطفالهم الرُضّع عبر دخان القنابل الغازية، ويقتحمون القطارات من نوافذها، وينامون على قارعة الطرق، وفي باحات المحطات. وبعض السوريين كالسياح يقفزون من زوارق مطاطية بقمصان رياضية، وسراويل قصيرة، يرسلون صورهم بالموبايل إلى أهلهم في الوطن، «وصلنا والحمد لله»، وينظمون مواعيد مع رفاق سبقوهم إلى اليونان، ومقدونيا، وصربيا، وهنغاريا.

وتنظيم «داعش» ليس الفاعل الأول في عملية تهجير الملايين، بل سبقه أكثر من ثلاثين دولة اجتاحت العراق، وأفغانستان، ودَمّرت سوريا، وليبيا، ونهبت فلسطين بالكامل. وإذا وُزِّع اللاجئون حسب المسؤولين عن كارثة الهجرة العالمية، فنصيب الولايات المتحدة الأعظم، تتبعها بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وهولندا، والدنمارك، وبولندا، وهنغاريا، ودول التحالف الأخرى في الحروب التي شَرّدت 60 مليون شخص، نصفهم أطفال، و11 مليون منهم نازحون داخل بلدانهم، حسب تقرير «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين». وهنغاريا التي كانت مركز تدريب قوات غزو العراق عام 2003، تنشئ حالياً أسواراً حديدية لحماية أوروبا من 14 مليون نازح العام الماضي، معظمهم لا يستطيع العودة إلى ديارهم، ولا الاستقرار الدائم في أي مكان.

حرب المهاجرين العالمية هي «الكيد المرتد» حسب تعريف الفيلسوف الفرنسي «ميشيل فوكو» لظاهرة «ارتداد التقنيات والأسلحة السياسية والقانونية الكولونيالية على الدول الأوروبية التي أرسلتها إلى قارات أخرى، وارتدّت على آليات السلطة في الغرب، وأجهزتها، ومؤسساتها، وتقنياتها». وأعاد الغرب بسرعة «تصميم عقيدته العسكرية ماسحاً بشكل دراماتيكي الفرز القانوني والإجرائي بين عمليات الشرطة، والمخابرات، والجيش، والفروق بين الحرب والسلم». ذكر ذلك الأكاديمي البريطاني «ستيفن غراهام» في كتابه «مدن تحت الحصار»، وقال إن الهجمات الإرهابية للجماعات والدول «تُظهر أن الحرب غير المتماثلة وغير النظامية، هي محرك العنف السياسي عبر الفضاءات الدولية. فالمزيد من الحروب المعاصرة تجري في الأسواق المركزية، والأبراج السكنية، والقنوات تحت الأرضية، والضواحي الصناعية، وليس في الميادين المكشوفة، والأدغال، والصحارى».

ودخلت حرب المهاجرين العالمية مرحلة جديدة في الولايات المتحدة، التي أنشأها المهاجرون. إهانات مرشح الرئاسة رونالد ترامب للمهاجرين المكسيكيين، ومطالبته بإعادة 11 مليون مكسيكي إلى بلدهم، ليست دعاية انتخابية، بل عقيدة «صراع الثقافات»، التي وسّعها «صامؤيل هونغتن» في كتابه الجديد «من نحن: تحدّي الهوية القومية الأميركية»، وفيه ذكر أن «نسيج السلطة الأميركية وهويتها القومية مهددين، ليس فقط بالإرهاب الإسلامي العالمي، بل بغير البيض، والجماعات الأميركية اللاتينية بالذات، التي تستعمر، وتتحكم بمدن الولايات المتحدة»!

(الاتحاد)

 

 

 

 

تكوين العقل العراقي

محمد عارف

 

«بين العجم والروم بلوه ابتلينا»، مثل دارج لدى العراقيين، الذين كانوا يسمون الإيرانيين «العجم» والأتراك «الروم». استعاد المثلَ عالمُ الاجتماع علي الوردي في كتابه «دراسة في طبيعة المجتمع العراقي»، وذَكَرَ أن الصراع بين «العجم» و«الروم» كان «بلاءً عظيماً ابتلي به العراق، ولا تزال بقية من هذا البلاء موجودة تفعل فعلها في النفوس سراً وعلانية، حتى يومنا هذا». ويقدم كتاب الوردي، الذي صدر قبل نصف قرن، قراءة فريدة في تكوين العقل العراقي الحائر «الذي انفتح أمامه طريقان متعاكسان، وهو مضطر أن يسير فيهما في آن واحد. فهو يمشي في هذا الطريق حيناً ثم يعود ليمشي في الطريق الآخر حيناً آخر».

مراجع الكتاب تمتد عبر الحضارات العالمية، والعربية، والإسلامية، وأثمن ما فيها شهاداته الشخصية، وأحاديث العامة. «فالمتعلم يميل عادة إلى التحذلق، وإلى التظاهر بخلاف ما يضمر، أما العامي فهو في الغالب غير قادر على إخفاء ما في أعماق نفسه من عقد وقيم. فهي تظهر عليه حين يتنازع أو يتشاتم، وحين يتعاون أو يتفاخر». وبالتاريخ يستكشف الوردي ازدواجية الشخصية العراقية، وظاهرة المد والجزر بين البداوة والحضارة، ويتوقع أن لا ينال بحثه في الصراع الطائفي «رضا الكثيرين من أهل العراق، فهم اعتادوا أن ينظروا في هذا الصراع نظرة متحيزة، حيث يعتقد كل فريق منهم أنه وحده صاحب الحق المطلق فيه وأن غيره مبطل بلا مراء».

ويعتقد الوردي أن العراقيين بحاجة ماسة إلى بحث الصراع الطائفي، «فالطائفية أصبحت من أعضل الأدواء التي يشكو منها المجتمع العراقي، وربما صَحّ القول إنها اتخذت شكل العقدة المبكوتة في شخصية الفرد.. لابد لنا أن نُخرج العقدة إلى الضوء فندرسها دراسة موضوعية واعية، وبهذا قد نأمل أن نصل بها إلى حلٍ على وجه من الوجوه!».

وهذه أيام الوردي في العراق، يعيشها جيل جديد يحل العقدة الطائفية، ليس عن طريق البحوث، والمؤتمرات، والدساتير، بل بوساطة «البراكسيس»، أي التطبيق، أو التجربة، وهي عملية تحدُثُ فيها، أو تُدرَكُ النظرية، والأفكار، والمبادئ، اعتمدتها فلسفات «كانت»، و«كيرغيغارد»، و«ماركس». وولدت «البراكسيس» في الكوفة بالعراق، في مختبر مؤسس علم الكيمياء جابر ابن حيان، الذي عرف قبل ألف ومائتي عام «أن كمال الصنعة العمل والتجربة، فمن لم يعمل ولم يجرب لم يظفر بشيء أبداً». وفي جحيم التجربة العراقية نضجت بسرعة مذهلة أجيالُ جديدة من العراقيين تظفر اليوم بحياتها وحياة بلدها.

فتاة كان عمرها خمس سنوات عند الغزو عام 2003، واليوم في عمر الورد يراها ملايين مشاهدي «اليوتيوب» تخاطب من «ساحة التحرير» بهدوء وثقةٍ حكامَ بلدها: «ربيتونا على الخرافة والوهم، أطفالنا يتعالجون بحباية باراسيتومول، وأنتو تتعالجون بأرقى المستشفيات بأوروبا، حرّمتوا مصافحة المرأة للرجل، وحلّلتوا مصافحتكم للحرامية. حرّمتوا الموسيقى والغناء، وحلّلتوا أصوات الرصاص والقنابل. تحزنون لما تشوفون الناس فرحانه، وتفرحون لما تشوفون الناس حزنانه. الدول ما تنبني بالخرافة. الدول تنبني بالبحوث العلمية، بالمختبرات، والعلم، والتطور، مو بالخرافة والوهم. إنتو منين؟.. إنتو من يا عصر حجري جيتوا، شنو تريدون من هذا البلد؟».

و«براكسيس» التاريخ في العراق يتحدث بلهجة الجنوب العذبة التي لوّثها اللصوص. فتى جنوبي يحاسب أهله: «نروح كل سنة لكربلاء انطبر ونلطم، هاي غايتنا، ليش؟.. 13 مليون يشاركون بركضة طويريج، ليش ما سويتوا هذي الركضة ركضة الإصلاح والتغيير؟.. هذا نهج الإمام الحسين. إذا إنت تكول آني حسيني، يعني إنت مصلح، إنت ما تقبل بالظلم، وتطالب بحقوقك».

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

«الفانتازيا» اليونانية

 

محمد عارف

 

«عندما لا يحالفك التوفيق في أيّ شيء، فأيُّ بهجة في أن تختبر روحك، وترى إن كانت تملك العزم والشجاعة»! قال ذلك بطل رواية «زوربا اليوناني»، وهذا ما تختبره الآن اليونان التي بلغت ديونها 310 مليارات يورو، يعترف حتى مقرضها الرئيس «صندوق النقد الدولي» بأنها غير قابلة للتحصيل عملياً، وينبغي حذف قسم كبير منها، فيما تثير أكبر الدول المقرضة «ألمانيا»، التي تعتبر سدادها مسألة قانونية ومبدأية، موجة كراهية أوروبية شعبية بلغت حد تصوير وزير ماليتها بشارب هتلر!

و«اليونان خروف التضحية»، عنوان مقالة مستفيضة علمياً وعاطفياً لعالم الاقتصاد «جوزف غليتز»، الحائز «نوبل»، وفيها يذكر أنه تابع خلال خمس سنوات التراجيديا اليونانية، وعاد لتوه من رحلة إلى أثينا تحدث فيها مع مختلف الناس، والمشكلة في تقديره لا تقتصر على اليونان و«اليورو» فحسب، بل تتعلق بالأيديولوجيا والسلطة، وما يدهشه أن البرنامج التقشفي ليس في صالح اليونان أو مقرضيها. والمشكلة نشأت أصلاً من برامج التقشف، التي تشبه الحكم بالسجن في القرن التاسع عشر على المدينين العاجزين عن السداد، أي القضاء بالتالي على أي فرصة لسداد الديون. وهذا ما فعلته باليونان والمقرضين برامج التقشف السابقة، التي خفضت ربع إجمالي المنتوج المحلي، ورفعت مستوى البطالة بمعدل الربع، وتبلغ النصف بين الشباب.

و«حتى لو أقنعتني فإنك لن تقنعني». قال ذلك الكاتب المسرحي الإغريقي الكوميدي أريستوفان قبل 2500 عام، وليست اليونان المستسلمة لإرادة المقرضين وحدها غير مقتنعة، بل حتى خبراء الاقتصاد العالمي الذين يعتبرون الديون مصدر خلافات سياسية واقتصادية وحتى أخلاقية. «ولا نفع للأخلاق عندما نتعامل مع الديون، ولا جدوى من شيطنة المدين أو الدائن»، حسب «دالارا» مدير «المعهد الدولي للمالية»، الذي يعتقد أن اعتبار اليونان مذنبة يُعقدّ المشكلة، فالاتهام يثير استياء سكان الدول المقرضة، الذين لا يريدون رؤية ضرائبهم تذهب هباءً، وتثير استياءً عميقاً لدى اليونانيين، بلغت حد تصفيق البرلمان لرئيس الوزراء «تسيبراس» حين قال إن «صندوق النقد الدولي يتحمل مسؤولية جريمة الوضع القائم في اليونان».

وفيما تنهمك التحليلات التقليدية بالمسرح السياسي اليوناني الراهن، تفوتها «فانتازيا» أول كاتب مسرحي كوميدي في التاريخ، «أريستوفان» الذي كان يقول «تحت كل صخرة سياسيٌ يتلصص». والمهم اليوم رؤية الصخور، وليس السياسيين. ولا تجدي أسئلة مثل، هل يجري «تسيبراس» انتخابات مبكرة لاستبدال نواب حزبه، الذين صوّتوا ضد البرنامج التقشفي بمرشحين موالين له، ومؤيدين للبرنامج، أم ينشئ تحالفاً مع أحزاب الوسط، وقد انتخبه الناس لتطهير اليونان من فسادها؟ فقيمة هذه الأسئلة مقارنة بـ«الفانتازيا» اليونانية كقيمة السؤال حول ما إذا كان «تسيبراس» سيعود لربطة العنق التي تخلّى عن ارتدائها، تقرُّباً لعامة اليونانيين الذين لا يرتدونها!

و«الفانتازيا» اليونانية هي «فانتازيا» اليسار العالمي الذي توفيت أحزابه، وبقيت فلسفته حية نضرة أكثر من أي وقت مضى. فالاقتصاد الرأسمالي الذي أنشأته الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، انتهى، وانتهت معه الرأسمالية التقليدية. والقرن الحالي عصر ما بعد الرأسمالية، وفيه أصبحت المعلومات والتنظيم هي قوة الإنتاج الرئيسية. وهذا جوهر ما اكتشفه الفيلسوف ماركس، وفات على اليسار قراءته بإمعان. «أي بكلمات أخرى، فإن للتنظيم والمعرفة دوراً أكبر في قوة الإنتاج من دور العمل الذي يدير المكائن». ذكر ذلك «بول ميسن» المحرر الاقتصادي للفضائية البريطانية «4» في دراسته «بداية نهاية الرأسمالية». ويرى «ميسن» المستقبلَ الحاضر، الذي نعيشه دون أن نفقهه، قادماً عبر النكبات المناخية، وفضائح المصارف، والتقشف، وتنظيم «داعش». وهذه الأزمات في تقديره فرص، وكما حدث مع الإقطاع قبل 500 عام فالهزات الخارجية ستسرع مجيء النظام ما بعد الرأسمالي، الذي سيشكله نمط جديد من الكائنات البشرية، وتطلقه تغيرات أحدثتها تكنولوجيا المعلومات خلال 25 عاماً الماضية. وتجعلني توقعات «ميسن» أفهمُ «زوربا» الذي قال «المعنى الحقيقي للتنوير هو أن نمعن النظر ببصر ثاقب في الظلام كله».

(الاتحاد) الاماراتية

 

يا لثارات العراقيين!

 

محمد عارف

«الانقلاب» عنوان مسرحية كتبتُها عن انقلاب عام 1963 ضد ثورة تموز عام 1958 في العراق. لم تُنشر، ولم تُمّثلُ المسرحية التي تصور عراقيين مقيمين في مدينة أوروبية يناهضون الانقلاب. قرأت مقاطع منها فقط في سهرة منزلية، حضرها المخرج العراقي الراحل قاسم محمد. وعندما غادرتُ بغداد عام 1978 حملتُ مخطوطتها معي بعد أن شَطَبتُ عبارات تذكر اسم حزب «البعث»، الذي لعب دوراً رئيسياً في الانقلاب، خشية وقوعها بيد المفتشين في المطار. وتَنّقلت المخطوطة معي عبر العالم منذ ذلك الحين.

وعُدتُ أخيراً أتصفحها بمناسبة صدور كتاب «وصفي طاهر رجل من العراق». أعدّ الكتاب الناشر العراقي رواء الجصاني، ونضال، ابنة وصفي طاهر، وتضمّن حسب عنوانه الثانوي «وقائع وشهادات عن التهيئة لثورة 14 تموز 1958 ونجاحها، واغتيالها». و«طاهر» ابن عمي، وأحد قادة ثورة تموز، قُتل وهو يقاوم الانقلاب داخل مبنى وزارة الدفاع، وهو عسكري فريد من نوعه، التحق بمجاهدي فلسطين في حرب عام 1948، وفي مكتبته الشخصية قرأتُ عيون الأدب العالمي، وعلّمني كيف أصغي للموسيقى الكلاسيكية العالمية، وأغني وقت الخطر. وغنّينا معاً، من دون أن أعرف المناسبة، المعروفة الآن تاريخياً، وتتعلق بوشاية أحد «الضباط الأحرار». وكان «طاهر» يتوقع الاعتقال كل لحظة، وانقطع عن أمسيات النادي العسكري، فَتَمَتعنا في المنزل بوجبات النادي الشهية، والغناء. كنا نردد «طقطوقة» أم كلثوم المرحة: «قولي يا عالم بالأشواق الحب حلو ولا حراق»، ويسألنا: «الحُبْ، الحُبْ، الحُبْ؟». ونجيب: «آآآ». فيقول: «الحب حلاوته بالقنطار يدوقوا منها كبار وصغار يا حلاوته. حلاوه تطوِّل في الاعمار إذا ما يكونش وراها فراق». وأتصور مخبري «المخابرات العسكرية» المرابطين أمام المنزل يرددون معنا: «يا حلاوته»!

و«طاهر» الشخصية الحاضرة الغائبة في مسرحية «الانقلاب». وكما يحدث عندما أقرأ عملاً فنياً كتبته منذ فترة طويلة، أشعر بحنان أبوي نحو كاتبها، الذي هو أنا، وأتابع بإعجاب مهاراته: «يا ملعون!». وهذه المرة باغتتني نوبة بكاء طويلة، كما لو كنتُ التقيتُ أشخاصَ المسرحية: «علي» الطالب في جامعة المدينة الأوروبية، الذي أصيب بانهيار عصبي منذ أذيع نبأ قتل الانقلابيين أخيه، وزميلته السورية «نوال» تلاحقه طوال الوقت خشية أن ينتحر. وفؤاد، وهو أديب، ومدرس عراقي يعمل في جامعة المدينة، كان بعيداً عن السياسة، لكن «الانقلاب» جعله من قادة حركة مناهضته في أوروبا، وزوجته الأوروبية «ليزا» التي كانت قد تركته، وعادت لتشارك في نشاطاته ضد الانقلاب. وعلاء، صديق فؤاد، وهو طبيب شيوعي سابق، كان في طريقه إلى العراق عندما وقع الانقلاب، فمكث في منزل فؤاد، يسُّب الشيوعيين العراقيين طوال الوقت، لأنهم لم يستولوا على الحكم!

«إنه الليل، وضباب كثيف، لا يُرى من خلاله سوى السياج الحجري، وفي أقصى طرفه الأيسر سُلّم ينحدر نحو النهر». هذا منظر مشهد في المسرحية يظهر فيه «علي» يُعنِّف «نوال» التي تتبعه على مسافة، ويسألها لماذا تلاحقه. تخبره بأنها جلبت له معطفاً فدرجة الحرارة منخفضة. «وأنت تسير بدون معطف وعاري الرأس أيضاً». ويصل الحوار المشحون بينهما الذروة، فيخطف منها المعطف ويرميه في النهر. نوال: «لماذا صرتَ تكرهني؟». علي: «لا أكرهك». نوال: «لا. أنت تكرهني». ويطلب منها أن تتصوره ميتاً كأخيه، الذي نشرت الصحف العالمية صورة جسده مثقباً بالرصاص. تقول نوال: «لا. لا أريد أن أتصور ذلك». يعتلي السياج الحجري ويقول: «حسناً سأجعلك تتصورين»، ويقفز نحو النهر، وتعتلي «نوال» السياج صارخة وتقفز وراءه. صوت «علي» من وراء السياج: «لا تخافي.. لا تخافي. نوال هاتِ يدك لا تصرخي. ليس الماء عميقاً هنا».

لماذا لم أنشر المسرحية؟.. لا أدري. لعل السبب نفور وصفي طاهر من مشاعر الثأر والانتقام، التي حوّلت بلدنا من تسجيل الرقم القياسي في إنشاء الحضارات العالمية، إلى تسجيل الرقم القياسي العالمي في الثارات. يالثارات الثارات يا عراق!

(الاتحاد)

 

لعبة اليونان الجميلة

محمد عارف

كالأقدار في التراجيديا الإغريقية، يصعب التنبؤ بما سيجري لليونان خلال الأيام القليلة القادمة. وقد بلغ تفاؤلي من الهشاشة حد الاتكاء على أمرين مختلفين تماماً، أولاً نشاط أسواق الأسهم العالمية، ثانياً جرأة اليسار الراديكالي الحاكم. رئيس الوزراء ألكسي تسيبراس أعلن في «المنتدى الاقتصادي» بروسيا أن العالم تغير بعد أزمة عام 2008 الاقتصادية، ولم تعد أوروبا مركز الثقل المالي أو الجيوسياسي العالمي. وعبثاً حذّرَت كريستين لاغارد، مديرة «صندوق النقد الدولي» زعماء اليونان الشباب بأن ينضجوا. وهل ينضج من يعرف أن «الإنسان يحتاج إلى قليل من الجنون، وإلا فلن يجرؤ قطّ على قطع الحبل ونيل الحرية». قال ذلك «زوربا»، بطل أشهر روايات اليونان الحديثة. وقليل من الجنون لعبة اليونان الجميلة. وزير المالية يانيس فاروفاكيس الذي يحضر اجتماعات مجلس الوزراء على الدراجة النارية مرتدياً الخوذة والسترة الجلدية، أكاديمي متخصص بنظرية اللعب المستخدمة في علوم الفيزياء والرياضيات والإلكترونيات.

ولعبة اليونان كتماثيل إلاهة الحب الأغريقية «أفروديت». وهذا ما يربك زعماء الوحدة الأوروبية الذين عليهم التنازل عن بعض أموالهم لدفع ديون اليونان المستحقة، وأغلبها لمصارف وشركات استثمارات أوروبية، وإذا لم يقدم الأوروبيون الآن على هذه التضحيات الصغيرة نسبياً، فخروج اليونان يهدد ليس عملة «اليورو» فقط، بل الوحدة الأوروبية أيضاً. وينبغي تقدير موافقة اليونان أخيراً على رفع سن التقاعد من 50 إلى 67، فهذه أجمل سنوات العمر للسباحة، وتناول المشويات، ورقصة «الكالامتيانوس» التي تتشابك فيها أيدي الراقصين في حلقة دائرية وصفها أرسطو وأفلاطون.

وما يُقال عن «استعداد البنك الدولي لإقراض اليونانيين لو أنهم يملأون فقط استمارة طلب الدين»، نكتة ظالمة تلقي باللوم على كسل اليونانيين. فما يحدث لليونان سببه أن بلدهم ينتج سلعاً وخدمات منخفضة المردود، ولا تملك قيمة مضافة، بالمقارنة مع إنتاج ألمانيا سلعاً أكثر تصنيعاً وأعلى قيمة. شرح ذلك فاروفاكيس في محاضرة ببرلين الشهر الماضي، ذكر فيها أن مليارات اليورو التي تجنيها الشركات الألمانية تتراكم في مصارف فرانكفورت، وتزيد عرض الأموال، وتخفض بالتالي أسعار النقود. وسعر المال هو معدلات الفائدة، التي تقل كثيراً في ألمانيا عما في باقي أعضاء الاتحاد الأوروبي. وتندفع بنوك الشمال الأوروبي لإعادة إقراض احتياطياتها إلى حيث أتت؛ اليونان أو إيرلندا أو إسبانيا. فمعدلات الفائدة عالية جداً في هذه البلدان التي تعاني ندرة رأس المال. وهكذا ينطلق «تسونامي» الديون من فرانكفورت وهولندا وباريس، إلى أثينا ودبلن ومدريد، غير قلق من احتمال تعويم عملات، مثل الدراخما والليرة، قضى عليها اليورو.

وعلى عكس المطلوب، جَزَّأت العملة الموحدة بلدان الوحدة الأوروبية. ويعترف فاروفاكيس بأن بلده «كان يقترض من دون حساب، لكن مقابل كل مقترض من دون حساب هناك مُقرض من دون حساب». وإجمالي ديون بلدان الأطراف هو انعكاس فوائض بلدان الشمال. «ونحن كأوروبيين مسؤولين جميعاً عن ذلك بشكل مشترك وجماعي، وكأوروبيين مسؤولين بشكل جماعي عن إصلاحه، دون توجيه أصابع الاتهام أحدنا للآخر».

هذه لعبة اليونان الجميلة حتى موعد تسديد مليار و600 مليون يورو نهاية الشهر الجاري. وإذا كان النصر لمن لا تطرف عيناه خوفاً، فاليسار الراديكالي الذي يحكم اليونان لا يتكون من محترفي السياسة، الذين تطرف عيونهم، بل ممثلي نخبة أكاديمية مناضلة في أحد أعرق بلدان العالم حضارة، وقد عرف حروباً عالمية، وأهلية، وسبع سنين من حكم طغمة عسكرية دعمتها واشنطن. إنهم «زوربا» وقد أدرك أن «السعادة الحقة: عندما لا يكون لديك أيّ طموح، لكنك تكدّ كالحصان، كما لو كانت عندك الطموحات كلها، وتعيش بعيداً عن الناس الآخرين، ولا تحتاج إليهم، مع ذلك تحبهم. وعندك النجوم فوقك، والأرض عن يسارك، والبحر عن يمينك. وتدرك فجأة من صميم قلبك أن الحياة حققت معجزتها النهائية: لقد أصبَحَتْ قصة خيالية».

(الاتحاد) الاماراتية

 

«بلاتر».. هل تنقذه اللاعبات؟

محمد عارف

 

عادت كرة القدم هذا الأسبوع لاحتلال مكانها ليس في صفحات الفضائح، بل في ملاعب «اللعبة الجميلة» كما يسميها أحد أشهر لاعبيها البرازيلي «بيليه». مباريات كأس العالم للنساء الجارية في كندا، تُقدِّرُ «بي بي سي» أن يبلغ عدد مشاهديها عبر التلفزيون يصل المليار. ويحقق هذا توقعات رئيس «اتحاد كرة القدم العالمي» المستقيل «بلاتر» في أن «مستقبل الرياضة تمسك به النساء» وربما مستقبل «بلاتر» أيضاً. فالنساء قوة صاعدة في كرة القدم، حيث يبلغ عدد اللاعبات المسجلات خمسة ملايين، حسب إحصاءات «الفيفا». والفضل في ذلك يعود إلى «بلاتر» الذي لعب دوراً أساسياً في إطلاق حركة نساء العالم في كرة القدم.

و«قليل من المديح لبلاتر، قليل جداً»، عنوان تقرير «نيويورك تايمز» استشهد بقول «بلاتر» أنه «الأب بالعماد» للاعبات الكرة. واستدركت الصحيفة «هذا صحيح للأسف. وسواء أحببتَه أم لا، وكثيرون لا يحبونه فهو راعي كرة القدم للنساء، ولولاه ما حققت هذه المكانة قط». ومعروف أن «بلاتر» حقق بالاستثمارات والمبادرات خلال 17 عاماً من رئاسته نمواً انفجارياً في المباريات النسائية، التي تضاعف عددها من 12 إلى 24، وأفلح في فرض أول امرأة بالانتخاب في لجنة «الفيفا».

ونظريات عدة تحاول تفسير سبب استقالة «بلاتر» تراوح ما بين تورطه في عمليات الفساد، و«الربيع السويسري» القادم، مثل «الربيع العربي». وأفكَه النظريات، وربما أصدقها، وردت في تغريدة تقول: «وأخيرا تلّقت الفيفا إخطاراً من قادة العالم الحر، كوكاكولا، وماكدونالد، وفيزا، وأديداس». وهذه هي الشركات الممولة الرئيسية لنشاطات «الفيفا».

والإعلام الأميركي متفائل بأن استقالة «بلاتر» تفتح الأبواب لتطهير «الفيفا» بل كرة القدم العالمية من الفساد. وهكذا يجعلون كرة القدم كالنساء، المتشائم يعتقد أنهن سيئات، والمتفائل يتمنى لو يكون ذلك صحيحاً. والسيئ الصحيح في عصرنا الراهن تفاقم الفساد، وسببه تفاقم الثروات بسرعة وكميات أكبر من تطوير هياكل وقوانين لضبطها. والتلويح باتهام «بلاتر» بتلقي رشاوي لعقد مباريات عام 2018 في موسكو، وعام 2022 في الدوحة، يجعل واشنطن ولندن كبعض الآسيويين في نكتة تقول إنهم «لاعبون فاشلون فكلما حصلوا على ضربة زاوية أقاموا فيها حانوتاً»!

وقد تنقذ اللاعبات «بلاتر» الذي تعلّمن منه أن لعبة كرة القدم كالحب، كل شيء فيها محدد، عدد الفريق، وقواعد اللعب، ومساحة الملعب، لكن لا حدّ لإبداعات، ومفاجآت تكتم الأنفاس. وفي نهائي كأس العالم للنساء في فرانكفورت عام 2011 كتمت اليابانيات أنفاس العالم. ففوزهن ضد الأميركيات في تلك المباراة التاريخية كشف تشابك كرة القدم بالمشاعر الوطنية في قلوب النساء. كان ذلك عام «تسونامي» زلزال «فوكوشيما»، الذي أهلك نحو 16 ألف ياباني، ودمّر صناعات الذرة، ومعنويات اليابانيين. وفي تمديد وقت المباراة تفجّرت «تسونامي» في أقدام اليابانيات، واهتزت الأرض في ضربة الجزاء الحاسمة، التي حققت بها «ساكي كوماغاي» ما يقول عنه المثل الياباني «الخروج من الموقف اليائس والالتفاف بالكامل في انفجار مفاجئ».

واللعبة الجميلة للجميلات، وبينهن مسلمة عمرها عشرون. «عزيزة أوشاالله»، بطلة منتخب نايجيريا، فازت بلقب أحسن لاعبة للعام الحالي في أول استفتاء من نوعه تنظمه «بي بي سي»، وفيه تغلبت «عزيزة» على أبرز نجوم الكرة العالمية، كالإسبانية فيرونيكا، والألمانية نادين، والاسكتلندية كيم، والبرازيلية مارتا. وفوز «عزيزة» بأصوات هواة كرة القدم حول العالم، أمر مُحيّر. فعزيزة لا تستخدم دينها ولا تنكره، فيما يستخدم مسلمون كثيرون دينهم أو ينكرونه، أو على الأقل يعتذرون به أو عنه، أو ما شابه ذلك. و«عزيزة» ذكرت دينها في موقف قد يضر بها في الغرب، وبريطانيا بالأخص، حيثُ سُئلت عما إذا كانت تحب الحيوانات المنزلية، فقالت إنها لا تطيق الكلاب، وأوضحت ضاحكة «هذا قد يعود إلى كوني مسلمة»!

* مستشار في العلوم والتكنولوجيا

 

(الاتحاد)

 

«الفانتازيا» العراقية

محمد عارف

«إذا بَنَيتَ قِلاعاً في الهواء فلن يذهب عملك عبثاً، فمن هنا ينبغي البدء. الآن ضَعْ أسساً تحتها». قال ذلك الكاتب الأميركي «هنري ثورو»، وهذا ما تفعله المعمارية العراقية زهاء حديد. في عام 1982 فازت على أساطين العمارة العالمية بناية «الذروة» التي صممتها، وبدت كأنها تطير على سفوح التلال المحيطة بمدينة «هونغ كونغ». وبنايتها الجديدة «مركز أبحاث الشرق الأوسط»، التي افتتحت الأسبوع الماضي بجامعة أكسفورد، ليست قلعة في الهواء، بل هي الهواء يصبح قلعة بلورية، تتشاطرها الأرض والسماء والأشجار والبنايات المحيطة. وهذه «الفانتازيا»، التي تعني الرؤيا والخيال والحلم بصمة زهاء المعمارية حول العالم.

وكموقع بلدها التاريخي بين إمبراطوريات عربية وفارسية وتركية، كان على زهاء أن تبدع مبناها وسط حيّزٍ مستحيل. بنايات العصر الفكتوري التراثية التي تحيطها غير مسموح التجاوز عليها، ولا على شجرة «السكويا» العملاقة المحاذية، التي تُعتبر أضخم وأطول الأشجار في الطبيعة، ويُعتقدُ أنها أقدم الكائنات الحية. ويقاربُ المبنى الشجرةَ فتبدو من طواره الداخلي مطمئنة، كما في فناء منزل عراقي تقليدي. ويمتد تحت الأسس نظام الصرف الصحي لتأمين الرطوبة والتهوية للشجرة كثيفة الجذور، وتتعرش تحت السراديب شبكة تهوية أرضية تصون صالات المخطوطات، والصور الفوتوغرافية النادرة.

وكأن بناية زهاء في الحيّز الضيق بين المباني، مرْكبة فضائية حطّت للتو، تتحايل واجهاتها الفولاذية الصقيلة على أفق السماء، والأشجار، وهي «خطوط حمراء» محرمٌ انتهاكها داخل جامعة أكسفورد، وتتلاعب بعدسة المهندسة المعمارية العراقية لميس الطالباني، المعنية بتصويرها. وترى المباني الفكتورية الطراز، التي أقيمت بالطابوق صورتها تتغير في مرايا بناية زهاء حسب ساعات الليل والنهار فتعجبها نفسها.

و«البناية جوهرة» حسب كلمة افتتاح ممثل جامعة أكسفورد، وهي في الواقع جوهرة داخلها جواهر ثمينة من كتب، ومخطوطات، وصور فوتوغرافية للمنطقة العربية منذ مطلع القرن التاسع عشر، ويبلغ عددها 100 ألف. تعود الصور لشخصيات عاشت في المنطقة، ولعبت أدواراً في تاريخها، مثل «المس بيل»، التي صوّرت مؤسس الدولة السعودية عبد العزيز آل سعود في مدينة البصرة عام 1916 مع بيرسي كوكس، الذي رسم خرائط دول المنطقة، ومجموعة صور الرحالة الكاتبة «فريا ستارك»، التي تدبرت لقاءً تاريخياً فريداً مع المرجع الشيعي الأعلى آنذاك الشيخ محمد عهد الحسين الغطاء.

ومن غيرُ عراقيين يستطيع تحقيق «الفانتازيا» وبلدهم في عزِّ مجده أو في ذل هوانه. فعندما كانت أول جامعة إنجليزية في طور التكوين في مدينة «أكسفورد»، ما بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، كانت بغداد عاصمة الدنيا في الفكر والعلم والعمران، واليوم رغم خراب بغداد يتبرع المصرفي المولود فيها نمير أمين قيردار بما يعادل 15 مليون دولار لإقامة البناية التي صمّمتها زهاء حديد. وقيردار كما يبدو في كتابه «إنقاذ العراق»، من أشد أنصار النظام الملكي السابق في العراق، وأخلص المؤمنين بنظام الولايات المتحدة السياسي والاقتصادي. وزهاء يسارية كأبيها محمد حديد، وزير المالية بعد ثورة 14 تموز، والتي أطاحت بالعائلة المالكة في العراق، وبالنفوذ الغربي. ومع أن ملكة بريطانيا مَنَحت زهاء لقب نبالة «سيدات الإمبراطورية»، إلاّ أنها اشتهرت برؤياها المستمدة من فنون الثورة البلشفية الروسية!

و«الفانتازيا» طريق قيردار إلى القمة المصرفية العالمية، غادر بلده عام 1969 فارغ الجيوب إلى الولايات المتحدة، حيث نال شهادتين جامعيتين بالاقتصاد، وإدارة الأعمال، وتَمّرس بالعمل في مصرف «تشيس مانهاتن» قبل أن يُنشئ عام 1982 المؤسسة المصرفية «إنفستكورب» التي تزيد قيمتها السوقية حالياً عن ملياري دولار، واستثماراتها 40 مليار دولار، وموجوداتها 18 مليار دولار، ومعظمها لخليجيين يملكون أغلبية أسهمها. ونشأت فكرة مشروع بناية «مركز أبحاث الشرق الأوسط» التي تحمل اسم «إنفستكورب» عندما شَكَتْ سارة، ابنة قيردار، من أن مبنى المركز القديم الذي تعِدُّ فيه أطروحتها للدكتوراه لا يليق بجامعة أكسفورد. و«إذا بَنَيتَ قلاعاً في الهواء فلن يذهب عملك عبثاً، فمن هنا ينبغي البدء. الآن ضعْ أسساً تحتها».

مستشار في العلوم والتكنولوجيا

(الاتحاد) الاماراتية

 

   

حضارة العراق لا تُقهَرْ

محمد عارف

 

«ينبغي عليك أن لا تحزّ رَقَبة مَنْ رَقبتُه مقطوعة»، نذير شؤم حذّر منه قدماءُ العراقيين، ويراه العالم اليوم في عواقب غزو العراق، التي لا تتوقف. زيارة العبادي الخميس الماضي لواشنطن كانت مناسبة لمشاهدة ذلك على الطبيعة. فالعراق الذي يملك 10% من احتياطيات النفط العالمية، مازال يقف في صفوف المحتاجين إلى المعونة الاقتصادية، وبدلاً من أن يصبح دولة مانحة للقروض بموارده النفطية 180 مليار دولار خلال الخمس سنوات الماضية، يعاني عجزاً في موازنته الحالية بلغ 22 مليار دولار. ولن يستجيب «صندوق النقد الدولي» لطلب العراق 700 مليون دولار، ما لم يخفض الإنفاق العام، وكيف يتدّبر ذلك بلد دمّرت صاحبة الصندوق هياكله الارتكازية قبل وبعد الغزو. و200 مليون دولار التي أعلن أوباما منحها للعراق «إهانة نجمت عن إهانة، ولعنة أنتجتها لعنة، إنها التجدد المستمر للمصير» حسب المثل السومري. فالعبادي يطلب 440 مليون دولار لمجرد تغطية نفقات إعادة إعمار المناطق التي تُحرَّرُ من «داعش».

و«أن ترضى بالإدانة أمر ممكن، لكن أن ترضى باللعنة مستحيل»، قال ذلك قدامى العراقيين، ومستحيل أن يرضى بلدهم الذي ولدت فيه الحضارة البشرية لعنة الطائفية. والعبادي الذي حمله للحكم حزب ديني يمثل طائفة الشيعة يعرف ذلك. وقد اختار مرجعية حضارة بلده التي لا خلاف عليها، ليس بين الطوائف والأديان فحسب، بل بين سكان العالم، الذين يعتبرون بلاد ما بين النهرين مهد الحضارة الإنسانية. وسلّم العبادي في خطابه بالإنجليزية في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» بواشنطن بأن تحقيق النصر العسكري على أهميته لن يكون كافياً، وأن المعركة، وما تلاها تواجه التحديات المقبلة لإعادة بناء العراق على امتداد الخطوط السياسية والإثنية والطائفية لتوحيد البلد.

 
 

ويعرف سكان العراق منذ آلاف السنين أن «القلب المحب يُعمِّر المنازل والقلب الحقود يُدمّرها». ويقارب العبادي ذلك بخطابه الذي تعهدّ فيه بأن لا تشرع حكومته في التحرك قبل استكمال جميع الأدوات الاستراتيجية والبشرية، والهياكل الارتكازية، إضافة إلى العسكرية. «فالموصل ثاني أكبر مدينة في العراق وذات بيئة معقدة، فيما الأنبار أكبر محافظاتنا جغرافياً، والهدف ليس مجرد تحريرهما، من بربرية داعش، بل أيضاً استعادة مستوى حضاري لائق بناسنا، ومناسب لتاريخنا وتراثنا».

والسومريون يقولون «ما يأتي من قلب الشجرة يعرفه قلب الشجرة»، وقلب العراق شجرة علماء حضارته، الذين لم يوقفهم ربع قرن من نهب وتدمير متاحف العراق عن إبداع ما لم يبدعوه من قبل. فوقف عمليات التنقيب في العراق لم يوقف «تنقيب» علماء مختلف البلدان معطيات آلاف الرقيمات الطينية، والأختام الأسطوانية، واللُقى المتراكمة منذ أكثر من قرن. و«الوثائق المسمارية قوية نسبياً وقد حافظت على البقاء في المدن المنهوبة، وبعد آلاف السنين من دفنها تحت الرمال أصبحت الآن معطيات بنك معلومات». وقد ذكرت الباحثة البريطانية «غويندولين ليك» أن تقنية الكمبيوتر تساعد الآن في خزن المعلومات المعقدة للنصوص الاقتصادية وإتقان سبر نتائجها، ولم تتغير التقنية وحدها، بل الأسئلة التي تطرح، مثل التنوع الثقافي، وصلات المركز بالأطراف، والعلاقات الاجتماعية، وبنى السلطة، والأنظمة الاقتصادية، والتغيرات الإيكولوجية، والجندر، وهذه مجرد بعض الاهتمامات الحالية للمؤرخين والآثاريين».

وقوة حضارة العراق لا تُقهرُ. فأحدث كتاب عن حضارة العراق «عالَمُ البابليين» الذي حرّرته «غويندولين ليك» يمثل «الانتقام الجميل» من تخريب آثار العراق. ويضم الكتاب الذي يقع في 600 صفحة أبحاث 42 من أبرز الآثاريين المختصين في العراق. و«قلبُ حبيبتي قلبي»، يقول السومريون، وقلوب الآثاريات المساهمات بالكتاب قلوب العراقيين. 14 عالمة من مختلف البلدان، بينهم العراقية الأميركية زينب البحراني، أستاذة تاريخ الفن بجامعة كولومبيا بنيويورك. وتقدم البحوث نظرة موسوعية لحضارة بابل التي استمرت ألفي عام، وابتدعت طرق استخدام الأراضي، والعمران، ومدن الضواحي، والتقنيات الزراعية، ومعالجة المعادن، وفن التصوير، والاقتصاد، والأديان، والتنجيم، والثقافة، والطبخ، وملحمة كلكامش، وعلوم الفلك، والرياضيات، والعلاقات الدولية بمصر، والمشرق، وفارس، وكل ما يقول عنه العراقيون القدماء «أشيائي تُغيّر الأشياء».

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

إيران والعرب..شراكة علم وسلام

محمد عارف

 

 

«عندما أريد أن أفهم ما يجري اليوم أو أحاول أن أقرر ما جرى أمس أنظُرُ إلى الخلف»، قال ذلك عمر الخيّام، وعندما يكون الخلف وأمس بين العرب وإيران معضلة فكيف نفهم ما يجري اليوم، أو نقرر ما جرى أمس؟.. والمعضلة ليست في ما نشهده من خصومات وحروب، بل في ما شهده التاريخ من حضارات عالمية عظمى مشتركة، ثمرة تزاوج حضارتي العرب والفرس. وهنا «الأكاذيب كطعنة سيف، فمع أن الجروح قد تندمل إلاّ أن الندوب تبقى»، قال ذلك الشاعر الفارسي «سعدي» الذي لم يبتهج بغزو المغول بغداد، حيث درس العلم والأدب في جامعتها «النظامية»، بل رثاها في إحدى قصائده النادرة بالعربية «حبستُ بجفنَيّ المدامع لا تجري.. فلما طغى الماء استطال على السُّكرِ. نسيمُ صبا بغداد بعد خرابها.. تَمَنيتُ لو كانت تمُّرُ على قبري».

وبعد ألف عام يُخرّب «مغولُ» القرن الحادي والعشرين بغداد، وما بين نسيم صباها وقبر «سعدي» في شيراز قبور ملايين ضحايا الحلف الطائفي الأميركي. و«لا تسبب ألماً لا طاقة لقلب أحد باحتماله، لأن تنهيدة واحدة قد تشعل العالم كله باللهيب»، قال سعدي. وتنهيدة الألم، الذي سبّبته واشنطن وحلفاؤها للمنطقة، لن يطفئها الاتفاق النووي مع طهران. فالمشكلة ليست في «تكيّف العالم العربي مع التحول في علاقات الولايات المتحدة» حسب «نيويورك تايمز». وليس السبب قلق بلدان المنطقة التي «كانت تتمتع خلال 35 عاماً الماضية بحماية عسكرية أميركية تقيم توازن القوى بينها وإيران». وأحداث اليمن ليست كما تقول الصحيفة «رسالة إلى إيران بأن الدول العربية قادرة على خوض المعركة حتى من دون واشنطن»، بل هي لهيب تنهيدة العرب والمسلمين، الذين دمّر حياتهم وبلدانهم غزو التحالف الطائفي الأميركي، المباشر وغير المباشر.

وإيران تنتصر بالعرب، وليس ضدّهم، لأن «ذراع التسامح أقوى من ذراع القوة» حسب «سعدي». وليس عند العرب والمسلمين سوى رسالة واحدة تطمَئِنُ لها قلوبهم، وهي أن ينتصروا بتراثهم المشترك، والذي يبهر أنفاس كل من تعرّف على آثار البيروني، وابن سينا، والخوارزمي، وابن حيّان، والرازي، والبتاني، والشيرازي، والخيّام، والطوسي، وابن قرة، والفارابي، وأبو حنيفة، وعشرات آخرون التزموا كالبيروني بأن لا يُقحموا أنفسهم في خطاب حجاجيّ ضيّق الأفق قائم على ثنائيات «التقبيح والتزيين» و«الحمد والذمّ» و«التصويب والتخطيء».

«وما نفع باقة ورد لك، خذ نباتاً مورقاً من حديقة الورد، فالورد يدوم ستة أيام لكن حديقة الورد تسر الناظرين دائماً»، قال «سعدي». وحديقة الورد مشاريع إنشاء «جامعة تكنولوجية» إيرانية في العراق متخصصة بصناعات الطاقة، والطاقة البديلة، وفرعي جامعتي«العلوم الطبية»، و«آزاد الإسلامية»، التي سبق وفتحت فروعاً في دبي، وبيروت، وتُعتبر ثاني أكبر جامعة في العالم بعدد طلابها البالغ مليونين. وحتى إذا كانت هذه المشاريع تمثل كما ادّعى «معهد المؤسسة الأميركية» اليميني «النفوذ الإيراني في المشرق، ومصر، والعراق وأفغانستان»، فمرحباً بنفوذ علمي أكاديمي بدلاً من نفوذ مليشيات طائفية مسلحة تفتك بأرواح وعقول العراقيين والعرب والمسلمين.

و«اعطني موقع قدم ثابتاً واحداً فحسب، وسأحرك لك الكرة الأرضية»، قالها المهندس الإغريقي أرخميدس واستشهدتُ بها في مقالة هنا قبل خمس سنوات عن «جامعة الملك فهد للبترول والمعادن» ذكرتُ فيها أن هذه الجامعة تمثل «الكتلة الحرجة» وهي في الفيزياء الحد الأدنى من حجم المادة الانشطارية القادرة على إدامة التفاعل المتسلسل، أو ما يُسمى بالتعبير الشائع «الزخم» أو الاندفاع الذاتي. واليوم سواء نجح الاتفاق بين واشنطن وطهران، أو أخفق في تحجيم المادة الانشطارية لإيران، فلابد أن ينجح في نهاية المطاف زخم تفاعل إرادة العلم العربية الإيرانية بتحويل الخليج إلى بحر خير وسلام. وهذه كما يقول سعدي «صرخة في قلبي أفضل من مقالة».

 

 

(الاتحاد)

 

 

 

 

 

 

قوة عمل الصين

 

محمد عارف

 

في واقع العالم اليوم من الخيال أكثر مما في الأحلام، وإلا فمن يتخيل تسابق أعرق الدول الرأسمالية، بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، للانضمام إلى «البنك الآسيوي للهياكل الارتكازية» الذي خصَّصت له الصين الشيوعية خمسين مليار دولار، ومن يتوقع أن تخصص الصين غير المسلمة 40 مليار دولار لإحياء «طريق الحرير» الذي شهد العصور الذهبية الإسلامية؟ إقليم خينشانغ ذو الأغلبية المسلمة في الصين، بوابة «طريق الحرير»، الذي ينشئ هياكل ارتكازية للسكك الحديدية، والطرق البرية، والموانئ، ومحطات الطاقة، وتكنولوجيا المعلومات، ومتنزهات العلوم والصناعة.. التي ستمتد عبر حزام الدول الإسلامية، كازاخستان وقرغيزستان وطاجكستان وباكستان وإيران وتركيا وسوريا والعراق، إلى عواصم جنوب وشمال أوروبا وميناء روتردام في هولندا. وبموازاة الطريق البري طريق بحري عابر للقارات والمحيطات، من الهادئ والهندي، مروراً بموانئ شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر، صعوداً إلى البحر المتوسط، ودول البلقان، وحتى روتردام.

خرائط «طريق الحرير» يعرضها «منتدى بواو الآسيوي» الذي يُعقد نهاية هذا الشهر، في إقليم «هنان» جنوب الصين. وشعار المؤتمر «مستقبل آسيا الجديد: نحو مجتمع مشترك المصير». وموقف واشنطن من مستقبل آسيا كموقفها من أي شأن آخر؛ «لا أعرف ماذا أريد، لكني مستعد لعضِّ أياً كان للحصول عليه»، حسب المفكر الأميركي ويل روجرز. وفي افتتاحية عنوانها «حلفاء الولايات المتحدة يغويهم بنك الصين»، تُقر «نيويورك تايمز» بأن «المشكلة إلى حد بعيد من صنع أميركا، التي كانت تحثّ الصين على ممارسة زعامة أكبر، بينما المناصب العليا في صندوق النقد والبنك الدوليين حكر على الغربيين واليابانيين. وتلوم الصحيفة الكونجرس الأميركي، الذي رفض تمرير قرار يجعل حق التصويت في «الصندوق» أكثر إنصافاً للدول الأعضاء، وانتهى الأمر بواشنطن دون خطة للتعامل مع البنك الجديد.

ولا تضع ثقتك بالبنوك، بل ضع البنوك في ثقتك. والثقة سبب «حمى الذهب» الصينية التي جعلت دول أوروبا الغربية الكبرى تتنافس على عضوية البنك الجديد، ولثقتها بالصين خانت بريطانيا حليفتها الأولى واشنطن، وفاوضت بكين لتمويل محطاتها النووية الجديدة، ولاختيار لندن مركزاً عالمياً لتبادل عملة «اليوان» الصينية. و«البنك الآسيوي للهياكل الارتكازية» لا يهدف لإزاحة البنك الدولي وبنك آسيا للتنمية اللذين تسيطر عليهما الولايات المتحدة وأوروبا، بل لـ«التعلم من تجربتهما.. وفي العالم أكثر مما يكفي من مشاريع تبحث عمّن يمولّها»، حسب وكالة الصين الرسمية «شينخوا».

و«طريق الحرير» ليس عزفاً منفرداً، بل سمفونية تشارك فيها عشرات الدول الأوروآسيوية. ذكر ذلك وزير خارجية الصين «وانغ يي» الذي اعترض على اعتبار الإعلام الغربي الطريق «مشروع مارشال الصيني»، وقال إنه أقدم من «مشروع مارشال» وأحدث منه في آن معاً. فهو «ممر التجارة الدولية قبل أكثر من ألفي عام، ويعود اليوم في عصر العولمة كنتاج للتعاون الشامل، وليس كأداة جيوسياسية، ولا ينبغي التعامل معه بأخلاقيات الحرب الباردة الهرمة». و«مشروع مارشال» أقام «حلف الناتو» العسكري، لاحتواء بلدان أوروبا الغربية وإقصاء باقي العالم، فيما يُدني «طريق الحرير» الاقتصادات ويحتضنها على امتداد خطوطه البرية والبحرية، بغض النظر عن توجهاتها الأيديولوجية والاجتماعية. والمبادرة الصينية ليست وكالة مساعدات، بل تقوم على أساس مبادئ السوق، وتنتظر مردوداً للمساهمين فيها، وبينهم «صندوق الاحتياطات الخارجية الصيني»، و«الشركة الصينية للاستثمارات»، و«بنك الصادرات والاستيرادات الصيني»، و«بنك التنمية الصيني».

وتحقق الصين أهم ما توقعه ماركس: «انتصار قوة العمل على قوة رأس المال». وقوةُ عمل الصينيين جعلت بلدهم الذي كان يعاني المجاعات حتى منتصف القرن الماضي، مالك أكبر احتياطيات مالية في العالم، أربعة أضعاف اليابان التي تليه في قائمة أكبر المالكين. لكن على خلاف توقعات ماركس لم تحقق ذلك «دكتاتورية البروليتاريا»، بل حكمة كونفشيوس الصينية العريقة، التي تقول «من السهل أن تكره، ومن الصعب أن تحب. وهذه طريقة العمل بالكامل، جميع الأشياء الجيدة يصعب منالها، والأمور السيئة سهلة التناول». والحب الصعب «طريق الحرير».

------------------------

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

 

«نانو» نساء العلم العربيات

محمد عارف

 

إذا كان الجمال، كما يقول الفيلسوف أرسطو، «أعظم تزكية من أي رسالة توصية»، فلا تزكية تضاهي جمال بحوث نساء العلم العربيات في «مؤتمر تقنية النانو» في أبوظبي.

عالمة «النانو» أمل الغافري، أول أكاديمي إماراتي على الإطلاق يدخل «معهد مصدر»، الذي يحتل الصدارة في تصنيف الجامعات العربية.

حصلت الغافري على الدكتوراه في علوم وهندسة المواد من جامعة بيتسبرغ بالولايات المتحدة،

ويكفي لتصور دقة تقنية «النانو» التي تطورها معرفة أن أظافرنا تنمو بمعدل «نانو» كل ثانية.

و«حياكة القوة الشمسية في نسيج الحياة» عنوان مقالتها المنشورة بصحيفة «ذا ناشيونال» الإماراتية، وعرضت تطوير فريقها في «معهد مصدر» أنابيب كربونية من مواد عضوية قطرها واحد من المليون من الملمتر، وطولها عشرة من المليون من الملمتر، عالية الكفاءة في تمرير وتحويل إلكترونات الطاقة الشمسية.

والكلفة الزهيدة لمواد «النانو»، ومرونتها وشفافيتها، تحدث ثورة في صناعات النوافذ، والطلاء، والستائر، والمعدات التي نرتديها، وما لا حدّ له من تقنيات «تجعل بالإمكان حياكة الطاقة الشمسية في نسيج حياة الناس».

ونساء النانو العربيات، كالسيوف الدمشقية التي صنعها العربُ بتقنية «النانو» قبل أكثر من ألف عام.

سيوف «من المُضاء حدّ أن تبتر قطعة حرير في الهواء نصفين، ومن القوة حدّ أن تُشّظي الصخرة بضربة واحدة»، ذكر ذلك العالم الأميركي روبرت كيرل، الفائز بجائزة «نوبل» للكيمياء.

و«نانو» قلب الأكاديمية السعودية ابتسام العليان، مَكّنها من أن تعيد صياغة حياتها بعد حادث سيارة توفي فيه زوجها وتحطّمَت أضلاعها.

حدث ذلك عقب حصولهما على الدكتوراه من بريطانيا، وتعيينهما للتدريس بجامعة الملك سعود،

وخلافاً لتقاليد تقضي بعودة الأرملة الشابة للعيش مع أهلها، تمسّكت العليان بعملها الأكاديمي وتربية طفليها.

علمتُ بذلك خلال لقائي بها في «ندوة نساء العلم في العالم العربي» عام 2007 بدمشق، وقد ألقت بحثاً في الندوة، ابتهجتُ له كابتهاجي باستمرار بحثها الأكاديمي بعد ترقيتها إلى منصب مساعد وكيل جامعة الملك سعود للدراسات العليا والبحث العلمي، وفوز مستحضرات التجميل «النانوية» التي صمّمتها في «المعرض العالمي في جنيف للمخترعين»، و«النانو» تعيد كتابة تاريخ العلوم والعلماء.

فقبل عقدين فقط، اكتشف المؤرخون أن العرب رواد «النانو»، وقبل عقدين اكتشفت ليلى أبو حسّان، أستاذة الفيزياء بالجامعة الأردنية أن أول بحث لها منشور عام 1986 كان عن «النانو».وعندما تعرفتُ عام 1995 على بحوثها في مختبر رائد «النانو»، منير نايفه، في جامعة إيلينوي بالولايات المتحدة، لم يخطر ببالي أنها «ابنة شيخ بدوي من سَلَط»، ولم أتوقع أن تساهم بتنظيم أول مؤتمر عربي دولي حول «النانو» عام 2004 بعمّان، وتشارك في «هيئة خبراء أخلاقيات تكنولوجيا النانو في العالم العربي» باليونسكو، وتُنتخبُ عام 2011 لعضوية «مجلس الأعيان» الأردني.

ذكر ذلك كتاب بالإنجليزية عنوانه «أصوات» وموضوعه «روح الريادة النسوية بالأردن».

وأشك بوجود مثيل لنادية أحمد المعلّمي، فشهادتها للدكتوراه ليست بالعلوم، بل بالأعمال، لكنّ شغفها بـ«النانو» جعلها تنشئ «مؤسسة المواد متناهية الصغر»، وتُصدرُ كتابَيْ «النانو للجميع»، و«النانو من مكتبة تقليدية إلى رقمية»، فيما هي تدير «مدرسة الأنهار العالمية»، ومسؤولة في «التربية والتعليم بجدة»، و«مركز التدريب على الحاسب الآلي بدار الإيمان لتحفيظ القرآن».وجميلةٌ أمثلة كتاب المعلّمي عن ظواهر «النانو» في الطبيعة التي تستوحيها صناعة أقمشة، مثل زهرة اللوتس لا تبتل بالماء، لأن سطحها مغطى بشعيرات «نانوية» طاردة للماء، ومعادن مثل ذيل طير الطاووس الذي يخلب بألوانه قلوب الأناث، وهو في حقيقته خدعة لونية «نانوية»!

وفي ظروف مصر الصعبة نبتهج بأستاذة «النانو» في «المركز القومي للبحوث»، نُهى الحلواني، التي صمّمَت كلّابات «نانوية» مركبة تزيل السموم المعدنية.

وَضَعَت نُهى في صفحتها على «فيسبوك» صورَ شخصية بالطرحة المصرية الزاهية الألوان.

وعندما احتج أكاديميون على تعليقات «غير أكاديمية» أثارتها الصور، قالت: «هذه مجاملات رقيقة»!

 

(الاتحاد)

 

صَمتُ المهندس

المعماري العراقي

محمد عارف

 

الصمت الذي صارعه المهندس المعماري إبراهيم علاوي طوال حياته صَرَعه أخيراً. قالت عائلته إنه أصيب بألزهايمر خلال السنتين الأخيرتين من حياته، وعلى قدر معرفتي به وبمؤلفاته، أعتقد أن علاّوي، الذي يعد من أبرز قادة اليسار العراقي المثقف، استمات في الصراع ضد صمت فتاك، لم يختطف فقط قدرة العقل الثقافي العراقي على التفكير والتذكر، بل مشاعره أيضاً. «وعلينا التمسك بقلوبنا، لأننا إن أضعناها نُضيع السيطرة على رؤوسنا أيضاً». يلخص قول الفيلسوف الألماني نيتشه مأساة مثقفين كثر يتأرجحون اليوم ما بين فقدان العقل وفقدان القلب.

وعلاوي جاهد طوال حياته السياسية للحفاظ على قلب عاقل يحفظ سرية أعماله، حتى عندما دعم «شركة ديوان»، التي أحدثت ثورة النشر الصحافي العربي في التسعينيات. ذكر ذلك شقيقه ماجد علاوي في الحفل التأبيني، الذي أقيم في كردستان العراق. واستخدم علاوي توقيعاً مستعاراً في كتبه، ومن بينها «المقايضة: برلين- بغداد» الصادر عام 1991 بتوقيع نجم محمود، وعالج مسائل جيوسياسية تتحدّى اليوم قلوب وعقول باحثين في مختلف البلدان. «الخلفية التاريخية لحرب لم تنتَهِ بعدُ» العنوان الثانوي للكتاب، الذي توقع الحرب العالمية الباردة التي بُعثت من قبرها اليوم.

والعمارة من بين جميع الفنون معنية بتغيير الواقع بشكل مباشر وملموس، وهذا ما كان معنياً به كتابه الفريد «المشترك»، المنشور أيضاً بدون توقيع، والذي عرض فيه «نظام الاشتراكية الديمقراطية في ضوء تاريخ المجتمع الإسلامي، وخبرة الثورات الاشتراكية الحديثة». ويشير تاريخ صدور الكتاب عام 1983 إلى رؤية مبكرة للأزمة التي ستطيح بالأنظمة الشيوعية نهاية ذلك العقد.

ويُعتبر علاّوي من أبرز ممثلي الجيل الثالث من المعماريين العراقيين؛ الجيل «الذي ولد تحت نجمة غير سعيدة»، حسب الناقد المعماري الأكاديمي خالد السلطاني، في مقالة بصحيفة «المدى» العراقية عن ظروف «الزمان والمكان»، وأحداثه المتقلبة جذرياً في مرجعياتها القيمية، التي «بدأتها ثورة تموز 1958، ونظام الحكم الفردي، وما صاحبه من استراتيجيات عمرانية هشة، وما خلقه انقلاب 8 شباط 1963 من أجواء حافلة بالرعب والقسوة غير المسبوقة». وأرفقت بالمقالة صورة نادرة لدارة سكنية في حي المنصور ببغداد، صمّمها إبراهيم علاوي منتصف الستينيات، وأفلح السلطاني بالتقاطها قبيل إزالتها.

ولن يزول أثرُ أطروحة علاوي حول تخطيط المدن الإسلامية الأولى، ودورها في نشوء الصراعات الاجتماعية، وصعود الاستبداد، وبروز الحركات الفكرية. أشرف على الأطروحة المستشرق الفرنسي الشهير «جاك بيرك»، ونال عنها علاّوي درجة الشرف في «مدرسة الدراسات الاجتماعية العليا» بباريس عام 1981. و«من سومر إلى الحداثة»، آخر مؤلفات علاوي غير المنشورة، يكشف العلاقات بين أقدم الحضارات العالمية، من وادي السند، وما بين النهرين، حتى وادي النيل، والحضارة الإغريقية، والإسلامية. وفي رسالة شخصية، عبّر الأكاديمي المعماري صبحي العزاوي عن أساه لانصراف علاوي للسياسة اليسارية، التي حجبت عمله البحثي، وذكر أنه تمنى عليه أن يعكس أولوياته فكان جوابه: «السياسة بالنسبة لي أهم من ذلك بكثير».

والحفاظ على حياة وعقل الشعب العراقي هو السياسة التي اعتبرها علاوي أهم شيء في حياته. و«اجتمعنا هنا ليس لنقول وداعاً، فالوداعات حزينة، بل نقول أهلا، وهذا ما كان سيقوله علاوي؛ أهلا بمبادرات، ومشاريع، وأفكار تحفظ شعبنا العراقي الحبيب حياً وعاقلاً». اختتمتُ بهذه العبارة كلمتي بالإنجليزية في حفل تأبين علاوي، السبت الماضي، في المكتبة المركزية لجامعة لندن، وتحدثت فيها عن دوره في نشر كتاب «آثار حرب الخليج على أطفال ونساء العراق»، والذي ضمّ تقارير منظمات الأمم المتحدة عن الدمار الذي أنزلته بالعراق حرب عام 1991. تطوعت بترجمة التقارير شقيقتي كفاح عارف، المحررة المسؤولة في «بي بي سي»، وعلى الرغم من عداء علاوي الشديد لنظام الحكم العراقي آنذاك، فقد أصدر الكتاب في «جمعية الغد» التي كان يشرف عليها، وكتب مقدمة مستفيضة عنوانها «دعوة لرفع الحيف عن الشعب العراقي وإنهاء الحصار الاقتصادي».

ونعرف اليوم أن الحصار الاقتصادي، الذي ساومت عليه المعارضة لإسقاط النظام، أسقط الدولة العراقية، قبل أن يسقطها الغزو. وبدلا من مشاركة المعارضة في اقتسام كعكة العراق، تبنّى علاوي «منظمة العراقيين الديمقراطيين ضد الاحتلال»، التي أنشأتها مجموعة مثقفين يساريين وطنيين اخترقوا حاجز صمت العقل الثقافي العراقي عن جريمة الاحتلال.

 

أمن السعودية في المعرفة

محمد عارف

مَثَل سعودي من كلمتين «البلاوي تبلي» يُصوِّر العلاقات بين الرياض وواشنطن. فالاهتمام الأميركي الحالي بأمن السعودية لا مثيل له في تاريخ العلاقات الدولية، حيث ضَمّ وفد الرئيس أوباما في زيارته الرياض أربعة مستشارين تعاقبوا على الأمن القومي، ومدير المخابرات «سي آي أي»، وقائد «قوات عمليات الشرق الأوسط»، ورئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، ووزير الخارجية كيري، إضافة إلى وزيريْ خارجية سابِقَين؛ كوندليزا رايس، وجيمس بيكر، الذي تساءل «هل لدينا مشاكل معهم، بدون أدنى شك لدينا، لكن سنصبح في وضع أفضل بكثير لو تصدَّينا لهذه المشاكل، وكانت علاقتنا بالقوة نفسها، التي كانت عليها عندما كنتُ أتولى المسؤولية». ولم يُفَّرطَ أحدٌ بالعلاقة الأمنية للعرب والأميركيين كأميركيين، مثل بيكر، المشهور بقوله إنه سيعيد العراقيين إلى العصر الحجري، وقد أعادهم والأميركيين؛ وإلاّ من أين جاءت هذه القلوب والعقول الحجرية التي تواصل على جانبي الخنادق شن حروب وأعمال إرهابية تروِّع العالم؟

و«عندما تُحدِّقُ في العَدَم فالعَدَمُ يُحَدِّق فيك»، يقول الفيلسوف الألماني «نيتشه»، وهذا ما تراه الأمة العربية والإسلامية عندما تُحدِّق في عَدَم السياسة الغربية. فلولا الغرب ما عصفت أعاصير «الربيع العربي» بالبحرين، ومصر، وسوريا، وتونس، وليبيا، والعراق. ومبلغ 12 مليار دولار التي قدمتها السعودية لدعم مصر أُنفقت في عام واحد، دون مردود ملموس، حسب «نيويورك تايمز». وإذا حَجَبت عَدَميةُ الأموال رؤية كلفتها فلنتذكر أن مجموع احتياطيات السعودية، حسب «صندوق النقد الدولي» أقل من تريليون دولار، والتريليون ألف مليار فقط.

http://www.alittihad.ae/styles/images/adverttop.png

 

http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png

واهتمام الغرب كما هو متوقع ينصّب على الأمير محمد بن نايف، ليس فقط لأنه أول الأمراء الأحفاد في تولي سلطة ملكية عليا، بل أيضاً لأنهم يرون في تعيينه رؤية السعوديين بعيدة المدى للدولة والمنطقة، ويُركزون الاهتمام على «أدائه كوزير للداخلية، مسؤول عن حماية الهياكل الارتكازية للنفط، ومتابعة ملفات السعودية الخارجية مع البحرين، وقطر، وسوريا، والعراق واليمن، وفلسطين»، حسب أكاديميين متخصصين بالشؤون السعودية، بينهم برنارد هيكل، أستاذ «جامعة برنستون» الذي قال عنه «إنه أقوى أمير، وأكثر أشخاص النظام نفوذاً؛ إنه الركيزة».

ويهتم الخبراء بالخلفية الأكاديمية لمحمد بن نايف، فهو أول خريج جامعة أميركية يتولى سلطة ملكية عليا في السعودية، إلاّ أنهم يأخذون عليه قلة اهتمامه بالشؤون الاجتماعية. وتختلف هذه الأحكام عما ذكرته الصحافة الأميركية عن حرص سموه على متابعة حاجات عوائل المتورطين في أعمال إرهابية، والمشاركة في عزاء شيعة المنطقة الشرقية، الذين اغتيل أبناؤهم. وقبل عشرين عاماً تابعتُ تأسيس سموه شبكة «الطب الاتصالي»، وأحاديثي معه، ومع علماء الشبكة في الرياض، وبوسطن، ولندن، وعَمّان، منشورة في صحيفة «الحياة» في نوفمبر عام 1994. استبقت المبادرةُ «الإنترنت» في الربط بين تقنيات الطب وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وأتاحت للمريض «الحصول على الاستشارة الطبية العالية بأسعار مناسبة من أي مكان في العالم، ووضعت تحت تصرف الطبيب وسائل حضور المؤتمرات العلمية، ومتابعة التطورات في مجال اختصاصه دون مغادرة عيادته».

وأمنُ السعودية في المعرفة. فالوزارة الجديدة تضم 30 وزيراً، و19 منهم يحملون شهادات الدكتوراه والهندسة، بينهم محمد بن إبراهيم السويل الذي تولى «وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات»، إضافة إلى عضوية «مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية»، وهو مجلس وزراء مصغر يرأسه ابن العاهل السعودي محمد بن سلمان بن عبد العزيز. وساهم السويل خلال رئاسته «مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية» في تطوير «الخطط الوطنية للعلوم والتقنية والابتكار»، وتُسمى باختصار «معرفة» وهدفها «تحويل المعرفة المُطورة في السعودية إلى قيمة اقتصادية».

وفي بلدٍ تذكر إحصائيات غير رسمية أن إنتاجية موظفيه الفعلية تقل عن يومين في الأسبوع، يرتكز أمن المعرفة على المتابعة، والتقييم، ومن دونهما لم يكن ممكناً أن تبني خطة «معرفة 1» الهياكل الارتكازية لسلطة المعرفة الصاعدة في السعودية؛ سلطة مبرمجي ومهندسي الكومبيوتر، والأطباء، والمعماريين، والأكاديميين، والباحثين، والمحاسبين القانونيين، والمحامين، والمدرسين، والإعلاميين، والمشايخ، والقضاة، والفقهاء، وجميع الذين لا يملكون سوى قوة معرفتهم، التي هي مصدر رزقهم، وهؤلاء هم القوة الصاعدة في المملكة، تضُّخهم بالآلاف سنوياً 40 جامعة ومعهد عال، ويبلغ عدد طلابها حالياً المليون ومائتي ألف، إضافة إلى نحو 150 ألف مبتعث في الخارج، تَخَّرج منهم حتى الآن 55 ألف.

 

   

مآسي وملاهي الثورة السورية

محمد عارف

عندما ذاع نبأ إذعان واشنطن لبقاء الرئيس السوري في الحكم أراد الحمويون، كما يُسمى أهل حماة، أن يسبقوا الحماصنة؛ أهل حمص، فذهبوا إلى القصر الجمهوري، وعرضوا على الأسد الزواج من حموية، فوجدوه متزوجاً من الحمصية «أسماء الأخرس»! هذه النكتة أقلَّ تسلية من تقرير «نيويورك تايمز» عن التحول في موقف واشنطن الذي «اعتبره كِلا مناصري ومناهضي الأسد برهاناً على أن واشنطن باتت تعتقد أن إزاحة الأسد يعني أن لا شيء سيحول دون انتشار الفوضى والتطرف». وأراد الحمصيُ أن يبشر بذلك الحمويَ فاتصل به على الموبايل، فسأله الحموي كيف اتصل به. قال الحمصي على موبايلك، فأخبره الحمويُ أنه يبحث عن الموبايل منذ ساعة، فقال الحمصي ابحث عنه «منيح» عندي أخبار مهمة.

وهكذا هي أحداث سوريا؛ مآسٍ وملاهٍ، وأحدثها تنسيق الطائرات الأميركية والسورية عمليات قصف سوريا، كما في نكتة الحمصي، الذي خبأ نقوده تحت حجر، وكتب عليه «هنا لا توجد نقود»، فعثر حموي عليها وأخذها، وكتب «جارُك الحموي لم يأخذها». ونكتة كطعنة سكِّين في القلب عن طبيب بجامعة هارفارد، نشر إعلاناً حول العلاج المجاني للأطفال السوريين الذين فقدوا أطرافهم، فاستلم رسالة من الداخل، تسأل «فينا نجهزك بألفين، بس نجهزهم مع أطرافهم المقطوعة أو بدونها»؟

«وفي وقت الاضطراب لا شيء أكثر عمومية من تحالف الرذيلة المتهورة والفضيلة المهتاجة»، حسب المؤرخ الفرنسي «بيير كاجزوت» مؤلف الكتاب النقدي للثورة الفرنسية عام 1789، التي لا تعيد الثورة السورية سوى فظائعها. ومَنْ غير حمصي يتورط بتصوير الفيلم الوثائقي «بلدنا الرهيب» الذي تجري أحداثه خلال التصوير، بما في ذلك اعتقال مصوره زياد الحمصي (26 عام) من قبل «الجيش الإسلامي». وهذه ليست نكتة، بل وقائع الفيلم الذي يتابع أحداث الثورة عبر حياة «ياسين الحاج صالح»، وهو طبيب، وكاتب يساري قضى 16 عاماً في سجون النظام، وانضّم للثورة السورية، التي طوّحت به وزوجته سميرة خليل، ومجموعة نشطاء انتهوا إلى الإيمان بأن الثقافة السبيل الوحيد لإنقاذ الثورة. وعندما صوّر الفيلم نشاطهم الثقافي في تنظيف شوارع مدينة «الدوما» بغوطة دمشق، اقتحم المشهد شخص ملتحٍ، وطلب من الناشطات تغطية شعرهن. وسأله «الحمصي» ما إذا كان يحب ما يفعلونه، فأجاب الملتحي «الحب من الله، وهو خير حافظ، وهذا كل شيء».

ويقتفي «الحمصي»، و«كاميرته» رحلة «صالح» إلى مدينته «الرقة» الواقعة تحت سيطرة مقاتلي «الدولة الإسلامية» الذين اعتقلوا شقيقه «فراس». وتنتهي المغامرة باعتقال مجندي «الدولة الإسلامية» «الحمصي» نفسه، وهرب صالح، إثر اختطاف «الإسلاميين» زوجته مع صديقتها المحامية الناشطة «رزان زيتونة». ويفلح «الحمصي» في الهرب إلى اسطنبول، حيث سبقه إليها «صالح». ويصور الفيلم بقسوة وقائع فشل مثقفي سوريا الثوريين، وفشل أفكارهم نفسها في قيادة الثورة. يعترف بذلك منتج ومخرج الفيلم محمد علي الأتاسي، ويقول «صنعنا هذا الفيلم لنقول للعالم أن هناك سوريا أخرى لا ترونها على شاشات التلفزيون ونشرات الأخبار التي لا تتكلم إلا عن الإسلاميين والعنف والديكتاتورية». وأضاف في تصريح لوكالة «أ. ف. ب» بباريس «هناك ناس عاديون في سوريا يحبون ويحزنون ويحلمون ويخسرون، ولكنهم مازالوا مسلحين بالأمل وبحلم الحرية والعدالة».

والعقل السوري كالبطيخة الحمراء، التي يقولون عنها «كبيرة مليانة بزر، وشجرتها صغيرة، لكن من كبرها متموضعة على الأرض، وتفتحها فيفاجؤك لُبها الأحمر المخملي، وطمعها العسل». والبطيخة مُدَّبِرة كالسورية «ما فيها شي ما بيتاكل، أعني البطيخة، حتى بزرها يحمصوه، ويقزقزوه، وجلدها السميك، علف للحمير». وما إن تملك عقلية «بطيخية» تدرك أن فقدان العقل تجربة مهولة، تجعل الحمصي يسأل الحموي إذا كان شاف مبعوث الأمم المتحدة دي ميستورا «مار من هون»، قال الحموي «مَرْ شي من ساعتين». يسأل الحمصي «هل كنت أنا معه»؟

و«المرآة الذكية» في تواليت مطار ديجول بباريس سبب عدم مشاركة أقطاب المعارضة السورية في مؤتمر موسكو التشاوري. فهذه المرآة التي تتعرف على هوية كل شخص يقف أمامها أرعبت ممثل حمص، الذي سافر متنكراً، فارتدى العقال العربي بدل «البيريه» الفرنسية، وكررت «المرآة الذكية» القول «أنت ممثل حمص إلى مؤتمر موسكو، وطائرتك بعد ربع ساعة»، وأخيراً تغطّى بالحجاب، فقالت المرآة «أنت ممثل حمص إلى مؤتمر موسكو، وخليك تستهبل.. راحت عليك الطائرة»!

 

طواحين الهواء الأوروبية

محمد عارف

«وعندما تبدو الحياة نفسها مخبولة، من يعرف أين يكمن الجنون»، يسأل أحد أكثر أبطال الروايات العالمية شهرة «دون كيخوته»، ويضيف «لعلّ الجنون أمر عملي جداً، أن تستسلم للأحلام، هذا ربما هو الجنون. والكثير من العقل قد يكون جنوناً، وأكثر الأمور جنوناً: أن ترى الحياة كما هي، وليس كما ينبغي أن تكون». واليوم كيف نرى الحياة كما هي، أو كما ينبغي أن تكون وقد ضاعت الأنباء في الأنباء. فالإعلام كالاقتصاد، حيث النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة، وسبب رداءة كليهما التسابق على توفير السلعة، والفائز من يطرحها قبل الجميع، كيفما تكون. في التغطية الفورية لمشهد استئناف صدور «شارلي إيبدو» رَكَّزت الفضائيات على تحدّي الصحيفة الفرنسية للمسلمين بإصدارها ثلاثة ملايين نسخة، وعلى غلافها رسم للرسول يذرف الدموع. وفي نظام لا نعرف حتى الآن رقم رشوة القذافي لرئيسه السابق، قد نُسّلم برقم ثلاثة ملايين، وحتى خمسة ملايين، الذي أُصبح لاحقاً، لكن كيف نُكَذب «تسونامي» الذي انطلق الأسبوع الماضي من سويسرا، الملاذ الآمن للأموال؟

و«تسونامي» قرار «البنك الوطني السويسري» إلغاء السقف المفروض على سعر الفرنك، والذي «يعصف بقطّاعي الصادرات والسياحة ، وفي النهاية بالبلد بأكمله»، حسب رائد الأعمال اللبناني السويسري «هايك»، مؤسس شركة ساعات «سواتش». وفي ما يقوله هايك «كثير من العقل الذي قد يكون جنوناً». فإلغاء السقف يفتك بمكانة سويسرا القائمة على استقرار نظامها المالي، وسمعة مصارفها العملاقة، التي جعلتها «الملاذ الآمن» لأموال المستثمرين، لكن سويسرا لا تعيش فقط على حفظ أموال الآخرين، بل على تصدير منتجات صناعاتها الصيدلية، ومعداتها الدقيقة، والجنون أن تستمر في شراء المزيد من «اليورو»، حفاظاً على «اليورو»، وهي ليست عملتها الوطنية.

وعندما تحدث تحركات عملاقة في السوق توقع أن يخسر كثير من الناس أطناناً من النقود، وتحدث عواصف في اقتصادات النفط، وحتى في بلدان أوروبا الشرقية، حيث حصل الناس على قروض مصرفية لشراء منازلهم بالفرنك السويسري، والآن عليهم دفع أقساط فوق قدرتهم. و«الفرنكات والجزع والحماقة» عنوان مقالة «بول كروجمان» عالم الاقتصاد الأميركي، الذي دعا «حتى الذين لا يملكون حصة مالية مباشرة عليهم الشعور بالخوف. فالمخاض المؤلم للنقد السويسري صورة مصغرة عن صعوبة مكافحة إعصار الانكماش الاقتصادي، الذي يجرف كثيراً من الاقتصاد العالمي». ويواصل عالم الاقتصاد، الحاصل على «نوبل» التذكير بأن العالم لا يزال رهن الأزمة المالية لعام 2008، والتي جعلت ما كان يعتبر فضائل في كثير من الأحوال رذائل. «فالرغبة بالادخار أصبحت عائقاً للاستثمار، والاستقامة المالية طريقاً للركود الاقتصادي، وسمعة سويسرا المشهورة بالمصارف الآمنة والضمانة المالية أصبحت عالة».

ونبّهت افتتاحية «نيويورك تايمز» إلى أن «عملة اليورو تتعثرُ وتتطَّوحُ»، وذكرت أن المستثمرين توقفوا أخيراً عن تصديق «القصص الخيالية» لقادة أوروبا ومصارفها الذين يواصلون التأكيد منذ سنوات على أن السياسات الاقتصادية ستحيي قريباً اقتصاديات منطقة «اليورو»، فيما انخفض سعر «اليورو» بالمقارنة مع الدولار إلى أدنى مستوى له منذ تسعة أعوام. وتوقفت المستشارة الألمانية عن إلقاء مسؤولية الانخفاض على بلدان الأطراف، كإسبانيا واليونان. فهذه البلدان فعلت كل ما هو مطلوب منها لضبط اقتصاداتها، واستقطعت من دون رحمة نفقات الخدمات العامة، والتقاعد، وزادت الضرائب ، ومرّرت قوانين تُسّهل للشركات والحكومات تسريح العاملين، والعرب والمسلمون أول من يُسّرحُ وآخر من يعاد للعمل. وقد تحسّن قليلاً اقتصاد بعض هذه البلدان، لكن نحو ربع قوتها العاملة لا تزال عاطلة. وتَعَرَّشت مشكلة الأطراف حتى بلغت المركز الذي يتطوّحُ الآن. وفي العام الماضي لم يتحقق أي نمو حقيقي في أكبر اقتصادات أوروبا؛ ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

إنه الاقتصاد يا أوروبا، و«كل شيء في فرنسا ينتهي على هذه الشاكلة، كل شيء؛ الأعراس، وطقوس التعميد، والمبارزات، والدفن، والاحتيالات، والمسائل الدبلوماسية؛ فكل شيء ذريعة لعشاء جيد». قال ذلك الكاتب المسرحي الفرنسي جان أنوي، فيما يواصل «دون كيخوته» محاربة الطواحين الهوائية. «ألا ترى؟ هذا العملاق الوحش الشرير الذي عزمتُ على مواجهته». يقول تابعه سانشو بانزا: «هذه طاحونة هوائية»، دون كيخوته يؤكد: «عملاق، ألا تستطيع رؤية أذرعه الأربعة الضخمة التي تُدّومُ خلفه؟». سانشو بانزا يسأل «عملاق؟»، دون كيخوته يجيب «بالضبط».

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

لا.. لن تصبح فرنسا «شارلي»

محمد عارف

إذا كان صحيحاً ما قاله الفيلسوف الفرنسي «سارتر» أن «الكلمات مسدسات محشوة» فرسوم الصحيفة الفرنسية «شارلي إبدو» مفخخات. وليس هناك أغبى من مجون هذه الصحيفة المتخصصة بإثارة الكراهية والبغضاء داخل المجتمع الفرنسي، والهزء بعقيدة مسلمين فقراء، لا يملكون سوى دينهم؛ ملجأهم الوحيد، الذي قال عنه الفيلسوف غير المؤمن بالدين ماركس «الدينُ ضميرُ عالَمٍ لا ضمير له، وقلب عالَمٍ لا قلب له». وأبسط معرفة بعلوم النفس والسياسة تدرك أن العرب والمسلمين تستفزهم الإهانة أكثر من أتباع غيرهم من الأديان، لأنهم يعانون منذ قرون أوضاعاً مهينة. فأيُّ دين قتل المستعمرون الفرنسيون مليون من أتباعه في الجزائر، ومنح البريطانيون بلدهم المقدس لمستعمرين صهاينة، وأيُّ دين يستمرُ تشريد، وقتل ملايين من أتباعه في القرن الحادي والعشرين. هذه الأسئلة المخنوقة في القلوب والعقول قنابل موقوتة.

«أنا لستُ شارلي إبدو» عنوان مقالة ديفيد بروكز، معلق «نيويورك تايمز» يعارض فيها لافتات مظاهرة «أنا شارلي إبدو»، ويذكر أن «أيّ محاولة لإصدار هذه الصحيفة الهزلية في حرم أيّ جامعة أميركية ستستغرق 30 ثانية، فالطلاب وأعضاء الهيئات التدريسية كانوا سيتهمونها بزرع الكراهية، ولكانت الحكومة قطعت التمويل عنها وأغلقتها». ويضيف «ردود الأفعال على الهجوم في باريس كشفت عن أن كثيرين يسارعون للاحتفاء بمن يؤجج وجهات النظر ضد الإسلاميين الإرهابيين في فرنسا، لكنهم أقل تسامحاً جداً مع من يعادي عقيدتهم».

http://www.alittihad.ae/styles/images/adverttop.png

 

و«لا، ليس كلنا شارلي، وهذه مشكلة» عنوان مقالة «كاس ميود» أستاذ العلاقات الدولية في جامعة فرجينيا بالولايات المتحدة، يذكر فيها أن «السياسيين يدعون المسلمين لتقبل أنهم يعيشون الآن في مجتمع مسموح به انتقاد كل شيء، مشيرين إلى الهزء بالمسيحيين والمسيحية»، ويضيف أن «هذه في أحسن الأحوال سذاجة، وفي أسوئها مُكر، فكثيرٌ من النقد المقبول للإسلام والمسلمين يمكن أن يعتبر غير مقبول، ومخالف للقوانين، إذا استهدف جماعات أخرى، على سبيل المثال اليهود، أو السود».

وقبل قرن ونصف أوحت باريس للفيلسوف ماركس عبارته الشهيرة عن «التاريخ يعيد نفسه مرتين؛ أولاً كمأساة، وثانية كمأساة هزلية»، وأيُّ مأساة أكثر هزلية من حشر الإرهابي نتنياهو، في الصف الأول من 40 زعيم دولة شاركوا في مظاهرة باريس احتجاجاً على الإرهاب؟.. فرنسا التي اعترفت أخيراً بدولة فلسطين فرض قاتلُ أطفال غزة نفسه في الموقع الثاني على يمين رئيسها أولاند، ونافسه في التلويح بذراعه تحية لجماهير خفية!

وكم من الهزل المأساوي نقلته الفضائيات عمّا ينبغي على المسلمين فعله، وضرورة أن يُهذبوا دينهم، ويندمجوا في المجتمعات المتحضرة؛ قالها حتى معلقون عرب خلال تغطية مشاهد حضور نتنياهو قداس حاخامية باريس على أرواح الضحايا اليهود. وماذا عن تهذيب نتنياهو، الذي أعلن يهودية إسرائيل، عقب قتله أكثر من ألفي فلسطيني أسير في أكبر معسكر اعتقال في العالم اسمه غزة. وللتاريخ؛ هل المسلمون غير المهذبين سجَّلوا أرقاماً عالمية قياسية في قتل عشرات الملايين من الأوروبيين في حربين عالميتين دمّرتا عشرات البلدان الأوروبية؟

وكيف تحوّل البحر المتوسط، مهد الحضارات الغربية والعربية إلى مقبرة هائلة للاجئين مروعين هاربين من العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا وفلسطين. لم يحتج على ذلك زعماء دول التحالف ضد الإرهاب، بل البابا «فرانسيس»، رئيس الكنيسة الكاثوليكية التي يتبعها الفرنسيون وملايين الأوروبيين. وفي أول خطاب له في «البرلمان الأوروبي» قرَّع البابا أوروبا على «معاملة اللاجئين، وجيوش الشباب العاطلين عن العمل»، وانتقد «تعاملها مع المسنين، وفشلها في رؤية ما يجري بوضوح». وقال إن «بلدان الوحدة الأوروبية فقدت جدارتها، وأصبحت عجوزاً هزيلة، ورهينة نموذج اقتصادي موحد ينسف الديمقراطية، فيما تراجعت حقوق الإنسان، وحلّت محلها نرجسية ذاتية». وشدّدَ البابا على أولوية الكرامة الإنسانية، وحذَّر من أن «باقي العالم يعتبر أوروبا خالية من العاطفة، وسيئة الظن، ومرتابة».

لا، لن تصبح فرنسا شارلي؛ فرنسا فولتير، وروسو، ومونسكيو، وديكارت، وموليير، وهوغو، وزولا، ودوماس، وفلوبير، وسيزان، ورينوار، وماتيس، ومانيه، ومونيه، وديغا، ولوتريك، ورودِن، وليجيه، وبروست، وباستور، ورامبو، وبودلير، ومالارميه، وأراغون، وإيلوار، وكامو، وإكزوبري، وفاليري، وبوفوار، وكوكتو، ودوركهايم، وبرجسون، ولوفيفر، وكوربوزيه، وألتوسر، وجينيه. وكما قال سارتر «من يستطيع أن يستنزف الإنسان؟.. من يعرف موارد الإنسان؟».

 

 (الاتحاد)

 

بعد الثمانين.. تبدأ الحياة

محمد عارف

على مائدة فطور لقائنا السنوي في مؤتمر «الاتحاد» بأبوظبي قال السيد ياسين، «شيخ» الكتاب المصريين، «لو علمتُ أني سأحيا بعد الثمانين من العمر لادّخرَت نقوداً تغنيني عن العمل الآن». وخجلتُ أن أقول له؛ حسناً فعلتَ عندما لم تدّخر نقوداً تغنيك عن العمل بعد الثمانين، وإلا كنا سنُحرم من مراجعاتك النقدية للعولمة، وللحركة الإسلامية، والاقتصاد السياسي للرأسمالية، والمجتمعات الاستهلاكية، وأسباب ضياع الدولة العربية الحديثة، وسلسلة مقالاتك عن تحولات الشخصية المصرية، وعن مشكلات البحث العلمي في الوطن العربي، وما كانت الفرصة ستتاح للمجتمع الفكري العربي للاحتفال بمنحك «جائزة العويس» الإماراتية بمناسبة بلوغك الثمانين.

و«المرء يصبح عجوزاً عندما يتقدم به العمر، وأنا ما زلت في عمر العشرين». قال ذلك بيكاسو، عندما وقع وهو على مشارف الثمانين في عشق زوجته الأخيرة جاكلين. معرض «بيكاسو وجاكلين» المستمر حتى الشهر القادم في غاليري «بيس» في نيويورك، يصور كيف أصبحت زوجته عالَمَه كله؛ «إنها في كل مكان، في أحلامه وتخيلاته»، يقول ذلك دليل معرضه. وعبقريٌ من يعشق زوجته، فيصورها في أدق تفاصيل حياتها ومباذلها اليومية؛ جاكلين تمشط شعرها، وجاكلين تفكر، وتضحك، وتبكي.. وإضافة إلى 400 لوحة بورتريه شخصية لها. معرض نيويورك يلتقط لأول مرة تحولات أسلوب بيكاسو في عمر الثمانين.

وفي معرض آخر، هو معرض الفنان هنري ماتيس، الذي انتقل هذا العام من لندن إلى باريس، شهادة على مصارعة الجسد للروح المشتعلة. ماتيس هو الفنان الوحيد الذي كان بيكاسو يعتبره نظيره، ويغبطه على قصاصات الورق الملون التي تتكون منها أعماله الأخيرة المعروضة في نيويورك. بالمقص والورق الملون أطلق منابع إبداع تطفئ حرائق الروح. «لقد هرم هنري ماتيس لكن أعماله لم تهرم»، ذكرت ذلك هيلاري سبرلنغ، مؤلفة كتاب «ماتيس، الأستاذ»، الذي تحول مع نهاية حياته إلى ميدان صراع حاد بين جسد عجوز مقعد، ومخيلة فتية فوارة. لا شيء يمكن أن يوقفه. عيناه انهارتا، قال طبيب العيون، إن «شبكية العين لا تستطيع مجاراة وتيرة دماغه المتسارعة في معالجة الألوان، يداه تورمتا، والضعف قصّر نهاراته، والألم والارتعاش التهما لياليه. كثير من مساعديه الشباب بلغوا حافة الانهيار، لكنهم يتفقون جميعاً أن الجو المتوتر في استوديو ماتيس كان منعشاً قدرَ ما كان مستنزِِفاً. قال أحد مساعديه: «كان ذلك سباقاً، منازلة في الجلَد يخوضها مع الموت».

والحياة تبدأ بعد التسعين بالنسبة لأول رئيس لاتحاد نقابات العمال في العراق، «آرا خاجادور». يمثل «آرا» الذي بلغ التسعين هذا العام ظاهرة فريدة في الحركة اليسارية العراقية والعربية. فهو الماركسي، الأرمني الأصل، الذي قد يسهل عليه تغليب «الشعور الطبقي» على الوطني، لكنه ناهَض بضراوة احتلال العراق عام 2003. كتابه «نبض السنين» الصادر مؤخراً عن «دار الفارابي» ببيروت حصيلة قلب تسعيني يصارع التحطيم كقلب «الملك لير»، بطل مسرحية شكسبير، الذي خانته بناته بعد تخليه عن العرش. «آه لا تَدَعيني أُجنُّ، لا أُجنُ، أيتها السماوات الحلوة. احفظي لي جَلَدي، لا تدعيني أُجَنُّ». ومعجزةٌ أن لا يُجنُّ مناضل من جيل علّمه مؤسس حزبه «فهد» أن «الاستعمار هو العدو الأول»، عندما يجد رفاقه أعضاء في حكومة أسسها الغزاة. الرسائل والوثائق التي يتضمنها كتابه يوميات قلب يقاوم التحطيم، وعقل يصارع الجنون.

وعندما أخبرني السيد ياسين أنه أرمل منذ سنوات، أدركت سر ولعه بالتورتات والجاتو، فالباحثون يقولون إن حب الحلوى تعويض عن الحب المفقود. ومع أن بيني والثمانين عمرٌ، فقد وجدتني منذ غادَرَت الحياة زوجتي «أم عباس» أتنقل من حلوى إلى حلوى. ولا تسأل عن عمري بالتحديد فلن أجيب، ونصيحة والدتي رحمها الله، أن لا أذكر عمري، ليس خوفاً من الحسد، لا «بس الناس راح يعاملوك قدر عمرك، خصوصاً الذي بعمرك، يعدوك بالكلام عن أمراض السكري، والضغط، والمفاصل، وإلى آخره مما يتلذذون بذكر تفاصيله». وأنا أصدق الوالدة، فهي لم تشكو عندما بلغت التسعين إلا من أمر واحد «آخ لو بَسْ أحِبْ»!

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

 

فيزياء

الوضع العربي المعقد

محمد عارف

«المتشائم يشكو من الرياح، والمتفائل يتوقع أن تغير الرياح الاتجاه، والواقعي يُعدِّل الأشرعة». بهذه العبارة المجنحة يستَّهلُ العالم العراقي سمير ريحاني بحثه في مؤتمر «رابطة السياسة والإدارة العامة في منطقة الشرق الأوسط». يبدأ المؤتمر أعماله غداً في مقر الجامعة الأميركية ببيروت. و(أقل مِن «لماذا» وأكثر مِن «كيف») عنوان جلسة المؤتمر، التي يقدم فيها ريحاني برنامجاً للبحث والعمل ينقل علوم السياسة والإدارة العامة من التعامل مع واقع منظم، تحدد أسبابُه نتائجَه إلى واقع معقد تحكمه قوانين فيزياء الكم، ونظريات الشك، والاحتمالات، والفوضى.

والعالَمُ العربي الحالي مختبر هائل لعمل قوانين التعقيد، مثل «قانون الفراشة» المشهور الذي يقول، إن خفق جناح فراشة في الصين قد يحدث أعاصير مدمرة في أميركا. تَحَقَق هذا أمام عيون العالم عندما أضرم بائع الخضروات في تونس محمد البوعزيزي النار في نفسه، وأعقبه إضرام عشرات الشباب العرب النيران في أنفسهم، ولم تتوقف إلى الآن حرائق «الربيع العربي». وفيما تعجز علوم السياسة عن تفسير دوامة الأحداث، تقاربها علوم فيزياء التعقيد، التي تدرس ظاهرة الدوامة في دينامية الموائع. فجزيئات الماء المتدفق في حوض الحمام تشكل نظاماً معقداً يمكن التنبؤ بحركته طالما يتدفق الماء، لكن ما إن يُلقى بحجر في الحوض، حتى تنبثق دوامات تتفاعل مع جزيئات الماء فينشأ الاضطراب، ويصبح تدفق الماء وحركته غير منتظمين، وينبثق عنهما نظام معقد.

أمثلة عدة من علوم تعقيد الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والهندسة الإلكترونية، يشرحها ريحاني في أحدث كتبه بالإنجليزية، وهو «التعقيد والإدارة العامة»، وفيه يقدم «مقاربة جديدة للسياسات والإدارة والمجتمع في القرن الـ21». وريحاني نفسه نموذج فريد لتعقيد الوضع العربي، فهو أكاديمي عراقي مسيحي مغترب، يشغل منصب المدير التنفيذي لمنظمة الصحة الأولية في ليفربول ببريطانيا، ناهض بشدة احتلال العراق، فيما كانت دبابات الغزاة تحمل زعماء أحزاب إسلامية إلى سدة الحكم في «المنطقة الخضراء».

وفيزياء الوضع العربي المعقد تحكم مفردات مؤتمر بيروت بدءاً من موضوعه الرئيسي، «حوكمة القطاع: إعادة النظر بالتصميم وإدارة الإصلاح»، وكلمة الافتتاح «إصلاح القطاع العام: الأساطير والوقائع ومناوبتهما، دروس من تجربة لبنان»، ومحاور جلساته: «تحليل المجتمع المدني.. النجاحات والإخفاقات»، و«تعليم الإدارة العامة»، و«اللامركزية: التنفيذ والأداء»، و«المجتمع المدني في الشرق الأوسط: الإطار الوظيفي»، و«الحكومة والمجتمع والسياسات العامة»، و«الحاكمية: المؤسسات والعمليات»، و«المجتمع المدني في الفترة الانتقالية: الديناميات والتحشيد»، و«اللامساواة في الشرق الأوسط»، و«تنفيذ الخدمة العامة: محددات الفاعلية»، و«التنمية والصَدَقه: الأخلاقيات والآثار والوقائع»، و«إدارة الكوارث وسياسات اللجوء في الشرق الأوسط»، و«التغيير والإصلاح: الاحتجاجات والأولويات»، و«مجتمعات منقسمة: المجتمع المدني والصراع والعواقب».

وقوانين التعقيد وحدها قد تفسر كيف تضاهي النساءُ المقصيات عن مراكز صنع القرار الرجالَ في عدد ونوعية بحوث مؤتمر بيروت: بحثُ تمارا العون «تحديد مفاهيم المجتمع المدني في الفكر العربي» ، وبحثُ سَحَر فرنجيه «إنشاء قادة المستقبل»، وبحثُ كارمن جحا «الترابط المديني في المحتوى الطائفي»، وبحثُ مُنى حرب «لماذا أداء بعض السلطات الإقليمية والمحلية أفضل؟»، وبحث فَرَح ضياء الصفار «ربط الخدمة العامة والحوكمة»، وبحثُ أميره جادو «الدور التنموي لجمعية الصلاح في القرية المصرية». والقاسم المشترك بين البحوث ما تقول عنه الروائية الفرنسية مارجريت يوسنير «عندما يتناقض نصّان، أو جَزْمان، وربما فكرتان، كن مستعداً للتوفيق بينهما بدلاً من إلغاء أحدهما الآخر، اعتبرهما وجهان، أو مرحلتان لنفس الواقع، واقع إنساني مُقنع وبالغ التعقيد فحسب».

وأجمل تعقيد في لوحة الفنان العراقي نزار سليم، «خَدْري الشاي» التي تصدّرت صفحة الموقع العربي لمؤتمر بيروت. فالفن عبقرية الإنسان في التعبير البسيط عن أعقد مشاعر البصر والحس والشعور والحب. جميع هذه المشاعر تعبر عنها صورة العراقية التي تميلُ بقدح الشاي على عراقي بشاربين، يرتدي لباس الرأس التقليدي. وبين الاثنين يتوهج كالحب «سماور» إعداد الشاي على الطريقة العراقية بالغة التعقيد. فالعراقيون لا يُغلون الشاي، بل «يُخَدِّرونه»، والأغنية الشعبية المشهورة التي استوحاها سليم تقول: «خَدْري الشاي خَدْريه، عيوني إلمن اخدره، وشلون أصفي الماي وشلون أَفَوْره، هيهات أخدر الشاي بيدي وأشربه، من بعد عين هواي إلمن أصبّه»؟

-------------------------

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

إنه الاقتصاد يا واشنطن!

محمد عارف

 

العبارة المشهورة «إنه الاقتصاد يا غبي!» التي دحر بها بيل كلينتون منافسه بوش الأب في انتخابات الرئاسة الأميركية، أصبحت «لا تَذكُرْ الاقتصاد يا غبي!». حدث ذلك في قمة «آبيك» في «بكين»، التي تحولت إلى منبر سياسي لإثارة قضايا نزاعات أوكرانيا، والتسلح النووي الإيراني، وحرب العراق الثالثة، والإرهاب، وحقوق الإنسان في هونج كونج، وقضية سمات دخول الصحفيين الأميركيين الصين. ومع أنها تُسَمّى قمة «منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ»، فالرئيس أوباما دعا إلى قمته الخاصة المنافسة في سفارة واشنطن في بكين «منظمة التحالف التجاري عبر المحيط الهادئ»، وهي تحالف سياسي، لا رؤية فيه ولا قيمة اقتصادية.

 
 
 

وأكبر أوهام التحالف الأميركي يتعلق كالعادة بموضوع حرية التجارة، وهو «تخيل عابث، وفي أحسن الأحوال خطر»، حسب الباحث الأكاديمي الأسترالي «بينوي كومبارك»، الذي ذكر في مقال بعنوان «سيرك إيبيك»، أن «المتاجرين بسقط المتاع يريدونك أن تعتقد أن نظاماً دون تعريفات جمركية، أو بقليل منها، تستتبعه حرية مدوّخة. وهذا غير صحيح، وبدلا من ذلك فإن ترتيبات كهذه تستتبعها عادة قيود، واستبعادات، وتدخلات». مقابل ذلك تُقاسُ حرية التجارة الصينية بالتريليونات. فالصين ستوظف في الخارج خلال السنوات العشر المقبلة تريليوناً و250 مليار دولار، وتستورد خلال السنوات الخمس القادمة ما قيمته 10 تريليونات دولار من السلع الأجنبية. أعلن ذلك الزعيم الصيني «جينبنغ». وإذا اعتُبر هذا من قبيل «الخيال الاقتصادي» السائد في القمم، فالمشاريع القائمة المشتركة بين «التنين الصيني» و«الدب الروسي» بلغت 325 مليار دولار، وقبلها عقد البلدان صفقة 400 مليار دولار لتجهيز بكين بالغاز، وفي عام 2020 ستجهز شبكة الأنابيب الممتدة من سيبيريا ربع احتياجات الصين من الغاز، وهو ما يعادل جميع إمدادات الغاز الروسية الحالية لأوروبا، وستوفره روسيا بأسعار تُزيحُ أميركا من سوق الطاقة في منطقة المحيط الهادئ.

إنه الاقتصاد يا «قمة مجموعة السبعة» التي عُقدت الأسبوع الماضي في أستراليا. فالناتج القومي الإجمالي لمجموعة دول «البريكس»، التي تضم الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا، ينمو بمعدلات تفوق كثيراً كلاً من الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي. ويتكون «الناتج القومي الإجمالي»، وهو أهم مقياس للأداء الاقتصادي، من أربع مكونات؛ هي نفقات الاستهلاك الفردي، ومجموع الاستثمارات الخاصة المحلية، ومجموع الصادرات، والإنفاق الحكومي. ويستمر نُموه العالي في دول «البريكس» منذ نهاية القرن الماضي، ويُعتبر مؤشراً على تحول الاقتصاد العالمي من بلدان «مجموعة السبعة» باتجاه البلدان النامية. ذكر ذلك تقرير «شركة أبحاث الاقتصاد والأسواق والصناعة» الأميركية (LARG)، والذي توقع أن تستمر نسبة نمو اقتصادات بلدان «البريكس» 10 في المائة في العقد المقبل.

وتمتلك دول «البريكس» حالياً حصة كبرى من «إجمالي الناتج القومي» العالمي، حيث الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فيما تحتل البرازيل المرتبة السابعة، والهند العاشرة، تليها روسيا. وفي احتياطيات النقد العالمي تحتل الصين المرتبة الأولى، حيث حققت لأول مرة في تاريخ الثروات العالمية الرقم القياسي أربعة تريليونات دولار، فيما تحتل احتياطيات روسيا (نصف تريليون دولار) المرتبة العالمية الخامسة، والبرازيل (376 مليارا) السابعة، والهند (314 مليارا) التاسعة. وللمقارنة تحتل بريطانيا المرتبة 17، تليها الولايات المتحدة (18) باحتياطياتهما من النقد العالمي البالغة 139 مليارا لكل منهما.

و«إنه الاقتصاد يا واشنطن!». فيوم حطّت طائرة الرئيس الأميركي في العاصمة الصينية وضعت بلدان «البريكس» 50 مليار دولار في «المصرف الآسيوي لاستثمارات الهياكل الارتكازية» الذي يبلغ رأسماله 100 مليار دولار. وأُعلنَ انضمام 20 دولة جديدة لهذا المصرف المختص بإقراض الدول الآسيوية فقط، وينافس «المصرف الآسيوي» الذي هو فرع من «البنك الدولي». وبلغت الأموال الموظفة في «صندوق استثمارات طريق الحرير» 40 مليار دولار موزعة على مشاريع سبع دول في آسيا الوسطى. ذكر ذلك الكاتب الأميركي باتريك سميث، مراسل «إنترناشينال هيرالد تربيون» سابقاً في هونج كونج، ومؤلف كتاب «الأميركيون بعد القرن الأميركي». ويعتقد سميث أن كل ما تفعله واشنطن اليوم هو المعارضة والرفض، واستشهد في تصوير حالها بمقطع من «شكسبير» في مسرحية ماكبث: «ليست الحياة سوى ظل ماشٍ، ممثل بائس يتبختر، ويتأفف ساعة على منصة المسرح، ثم لا يُسمعُ عنه شيء. إنها قصة يرويها أبله مملؤة بالصخب والغضب، ولا تعني شيئاً».

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

الحمار و«داعش» وحروب الغاز

محمد عارف

 

«إذا كان صاحبك حلو لا تاكله كلّه»، يقول المثل العراقي، وواشنطن تأكل ما تبقى من حلاوة حليفها العراق الذي تغزوه مجدداً بكلفة خمسة مليارات دولار، إضافة إلى مليار و600 مليون دولار كلفة تدريب العراقيين. وكما تعلّمنا من حرب بوش، لا نهاية للكلفة النهائية، حيث تواصل حرب 2003 تسلق مؤشر التريليونات. ويدّعي مؤرخ أميركي أن الغزو الجديد جزء من حروب تخوضها الأرستقراطيات الأميركية والتركية والعربية! وليت كلامه صحيحاً، فحروب الأرستقراطيات، وهي أرفع الطبقات الاجتماعية، لن تهدر أرواح وثروات تهدرها حروب الديمقراطيات المستمرة منذ قرنين. يعرف ذلك حتى «الحمار» الذي عثرتُ على قصته بين أوراق شقيقي الراحل القصاص محمود البياتي.

 
 
 

ونبدأ بالأرستقراطيات، حيث يمثل «أوباما الأرستقراطيات الأميركية والعربية في الحرب ضد روسيا وإيران». هذا عنوان تقرير حاشد بالمصادر للمؤرخ الأميركي إريك زويس، منشور في موقع «ضد التيار»، ويذكر فيه أن هدف التحالف الأرستقراطي الاستيلاء على تجهيزات سوق النفط الأوروبية، وإبعاد العملاق الوحيد في هذه السوق، وهو روسيا التي تؤَمِّن 38 في المائة من تجهيزات أوروبا النفطية، في حين تجهز النروج 18 في المائة، ومجموع البلدان الأخرى 44 في المائة. والحروب المشتعلة اليوم من المنطقة العربية وحتى أوكرانيا هي، حسب المؤرخ، حروب أنابيب الغاز التي تجهز أوروبا، وتتقاتل عليها الأرستقراطيات الأميركية، والعربية والتركية. وما يبدو من خلافات بين هذه الأرستقراطيات لا يعرقل حربها ضد الأرستقراطيات الروسية والصينية والهندية، وأرستقراطيات بلدان «البريك» الأخرى. ويستشهد المؤرخ بتصريح أوباما حول «العدوان الروسي على العواصم السوفييتية السابقة في أوروبا»، وتحذيره من الصعود الاقتصادي والعسكري للصين، والذي يقلق جاراتها. و«من البرازيل حتى الهند تنافسنا الطبقات المتوسطة الصاعدة».

ومراعاة للعرب والمسلمين يستخدم الإعلام أحياناً مصطلح «داعش»، حيث تصبح العين ياءً، وتُلفظ أرستقراطياً «دايش». وفي عنوان طويل تساءلت صحيفة «الإندبندت» البريطانية («داعش» في العراق والمشرق ضد «داعش» في العراق وسوريا وضد «الدولة الإسلامية».. فماذا يعني ذلك؟ ولماذا؟). ويشير التقرير إلى مشاكل ومفارقات تثيرها التسميات المختلفة التي يُرمز إليها بالحروف الأولى، ويستخدم أوباما الحروف التي تمثل الاسم الكامل لـ«داعش» تجنباً لذكر سوريا؛ لأنه، كما يقول، ليس في حرب معها. ويحتج زعماء الجاليات الإسلامية في أوروبا وأميركا على استخدام مصطلح «الدولة الإسلامية» ويقترحون بدلا منه «الدولة اللا إسلامية». وتشكو نساء أميركيات يحملن اسم «إيزيس»، إلهة الحب الفرعونية، ويرمز الآن إلى اسم «داعش» مختصراً باللغة الإنجليزية.

وقصة «الحمار» أكثر جدية من السياسة الغربية، ويروي فيها شقيقي شكوى أبٍ من رسوب ابنه في مادة الإنشاء العربي، رغم موهبته الأدبية. «السبب هو خروج ابنكم عن الموضوع المطلوب الكتابة عنه». قال ذلك مدرس اللغة العربية، وأوضح أنه طلب من التلاميذ الكتابة حول التغيير الذي حدث في العراق بعد 2003، «فكتب ولدكم: نعيش الآن ربيع الديمقراطية بعد أن كان الجميع (بمن فيهم الحيوان) يعاني الجوع والظلم بصبر عجيب. ولو نظرتَ بتدقيق للحمار ستراه يتميز بالصبر والبراءة والاحتراس وحتى الذكاء (يحفظ الطريق ذهاباً وإياباً). وهو يصلح للركوب والحمل، كما ينجب من الفرس البغال المستخدمة في أحدث الجيوش، كالجيش الأميركي مثلاً. لذلك أرى أن هذا الحيوان الداجن يستحق الحب والاحترام.. ويواصل ابنكم مدح الحمار وينسى الموضوع الأصلي، وهو عراق ما بعد التحرير عام 2003». واستعاد المدرس فقرة الحمار في كل موضوع طُلب من الابن الموهوب كتابته، بما في ذلك المناخ، والمسرح، والكومبيوتر.

عاد الأب إلى البيت غاضباً، وعنّفَ ابنه على ولعه بالحمار، فبكا الابن وشرع بكتابة

الشكوى التالية إلى وزير التربية والتعليم: «أتقدم لسيادتكم بشكوى ضد مُدرّس مادة الإنشاء بعد أن صبرتُ على جوره كثيراً. ولو نظرت بتدقيق للحمار ستراه يتميز بالصبر والبراءة والاحتراس وحتى الذكاء (يحفظ الطريق ذهاباً وإياباً). وهو يصلح للركوب والحمل، كما ينجب من الفرس البغال المستخدمة في أحدث الجيوش، كالجيش الأميركي مثلاً. لذلك أرى أن هذا الحيوان الداجن يستحق الحب والاحترام».

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

أخي «العراق» لا يغادر الحياة

محمد عارف

«للطيورِ أعشاشٌ، للنمل بيوتٌ، للفُهودِ أوجارٌ، ولنا.. اللهُ». كتب ذلك شقيقي الروائي محمود البياتي، الذي انتقل إلى جوار ربه فجر الجمعة. وحالما انتشر خبر وفاته تداولت كتاباته صفحات «الفيس بوك»، وبينها قطعة «بعد الحرب» كان قد نشرها في 9 أبريل عام 2013. «سأكنسُ العراقَ بالسَعَفِ، وألقي إلى المزابلِ بقايا عظامٍ ودموعٍ وكبرياءْ. هكذا فعلَ كثيرونَ غيري، بعد كلّ حربٍ . هكذا فعل أجدادي مراراً بعدَ خراب آشورَ وبابلَ ونينوى، وبعدَ خرابِ بغدادَ. سألقي إلى المزابلِ ما هو فائض، ما هو غيرَ ضروري لاستئنافِ الحياةِ. سألقي إلى المزابلِ حذاءً مرقَّعاً، وحقائقَ كثيرةٌ ومواعظَ ومبادئ. سألقي إلى المزابلِ (المنفستو الشيوعي)، ولوائحَ حقوق الإنسان، وملاحمَ جلجامش، وقصصَ ألف ليلة وليلة. سألقي إلى المزابلِ كلَّ شيء، نعمْ، كلَّ شيء، واحتفظُ فقط بذاكرةٍ لن تنسى أبداً ما حدث».

وهذا ما يفعله عراقيون أدركوا أن الحياة امتياز الحياة. وكان أخي يشرب يومياً حتى الثُمالة من هذا الامتياز المجاني، الذي لا يُقدِّره حق قدره كالعراقيين، الذين تتقاتل في صدورهم البهجة والغضب؛ في ذروة البهجة بالحياة ينفجر الغضب على موت البلد وأهله، وفي ذروة الغضب تنفجر بهجة المقاومة بعمل إبداعي فني أو سياسي. و«يمكن أن يُحطّم الإنسان لكن لا يُقهرْ». هذه العبارة المشهورة للأديب أرنست همنغواي، قالها شقيقي لطبيبته الإنجليزية عندما أعلنت استسلامها أمام المرض الذي يفتك به: «آسفه محمود». حدث ذلك في «تكية الأميرة ألِسْ» جنوب لندن، وهو «الفردوس» الذي يُنقل إليه المرضى الميئوس من شفائهم. وهناك تصوّر شقيقي أنه انتقل إلى العالم الآخر؛ الأشجار السامقة الخضراء، وشرفة غرفته المطلة على النهر، وممرضات إنجليزيات يسقينه ويطعمنه كُلّ ما يشتهي. واشتهى شقيقي في «الفردوس الأرضي» أن يحدث طبيبته عن أوضاع العراق منذ الاحتلال الأميركي البريطاني عام 2003.

وتتحشرج أنفاسه ثقيلة، فيما تتوسل ابنته «فَرَح» أن يخفف عن نفسه، وتَعده بأن لا تستسلم لأذى غيابه. و«يا سبحان الله» قالت ابنة أخته «لميس» التي كانت تتلو لخالها سورة «ياسين» عندما توقفت أنفاسه مع «صدق الله العظيم». هؤلاء العراقيات مدهشات في الاحتفاء بالحياة في قلب الموت؛ تشرق وجوههن نضرة بالدموع، ويختفين أمام عينيك، ثم يظهرن وأنوفهن حمراء وخدودهن مشرقة. وشقيقي الذي يداري سكرات الموت تحت أبصارهن، قضّى العمر في مداراة سكرات الحياة معهن، محاطاً ساعة الوداع بزوجته السابقة الرسامة «ياسمين دَيزئي»، وابنة ابن عمه الناشطة اليسارية «نضال وصفي طاهر».

وأخي «العراق» لا يغادر الحياة، ووفاته من مفارقات الزمان الكفيل بتجريح اندمالات بلده. الباحث الأكاديمي عبد الحسين شعبان تناول ذلك في كتابه عن «عامر عبد الله» الذي شغل منصب وزير دولة خلال عهد صدام حسين، وسيرته حسب العنوان الثانوي للكتاب «فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية». يعرض الكتاب إجراءات متعسفة اتخذها تنظيم الخارج الشيوعي في ثمانينيات القرن الماضي في براغ ضد عبد الله، وشملت الروائي محمود البياتي، الذي هُدّد بالطرد من تشيكوسلوفاكيا مع زوجته وطفليه «حتى من دون أن يكون حزبياً، أو منخرطاً في عمل سياسي». وذكر عبد الحسين أن البياتي أخبره في رسالة خاصة أنه سينشر وقائع ذلك في كتاب عنوانه «تحت سماء ملّبدة بغيوم كافكا». وأوراق البياتي كثيرة، عثرت بينها عندما زرت بيته بعد رحيله على كتيب من تأليفه عنوانه «مُحَمّد النبي والإنسان»، تضمن مقابلة مطولة مع المستشرق التشيكي «إيفان هربك». وتصدّرته عبارة الرسول: «إذا أحبَّ رجل أخاه فليُخبره».

أنا حزين وفاقد الرشد، وأعتذر لشقيقات البياتي الخمس أنني خالفت رجاءهن باحترام المناسبة وعدم التحدث بالسياسة، وأكبر الشقيقات واحبهن لي الحاجة «أم سعد» التي تمارس، وقد تجاوزت التسعين، الرياضة السويدية يومياً بعد صلاة الصباح، وتحفظ القرآن الكريم، وأشعار مظفر النواب، وأشعاري باللهجة العراقية في المناسبات العائلية، وبينها قصيدة لها عندما أصبحت جدة أو «بيبي» كما يسميها البغداديون، وقرأتها لشقيقي عند ولادة حفيده «عمر» قبل عام، وفيها: «صِرْنا جدُّو، صِرْنا بيبي يا حبيبي. شَمَّه من بيبي تطفي لي لهيبي. شَمَّه من بيبي، وْوَردْ من ورد الشفايف، إليِرِّد الروح، ويورّد الوَرد، واليِخَلي الرِدى عنّا يبتعد. بيبي رُدِّي لي حبيبي».

 

لماذا تنخرط فتيات

الغرب في «داعش»؟

  محمد عارف

 

 

«في الرأسمالية المتأخرة ليس الاستغلال الطبقي هو الفضيحة، بل الفضيحة ما لا عدّ له من جماهير الناس الذين يولدون لا حتى ليُستَغلوا، بل ليموتوا». هذا القول للفيلسوف الألماني نيكلاس لوهمان، قد يساعدنا على أن نرى بالقلب، وليس بالعين أو العقل، شباباً عرباً ومسلمين في عمر الورود يستشهدون انتحاراً، ويقف كثيرون حيارى إزاء ظاهرة تزايد التحاق شابات غربيات مسلمات بالمجموعات الإسلامية المتطرفة، ساعيات للقتال أو ليصبحن زوجات مقاتلين، واندفاع بضعة آلاف من الرجال في أوروبا وخارجها إلى ميادين القتال. في الأسبوع الماضي فقط، أعلنت سلطات لندن عن محاولة امرأتين السفر إلى سوريا للمشاركة في الجهاد، وامرأة ثالثة ألقي القبض عليها، وهي تتهيأ لعملية إرهابية، ومُنعت ثلاث مراهقات في ضواحي دنفر من محاولة السفر إلى سوريا، والعدد الأكبر من المجندات الغربيات جئن من فرنسا وبريطانيا، وهناك أخريات من النمسا وبلجيكا وإسبانيا والولايات المتحدة.

وليس معروفاً عدد النساء الساعيات للانضمام إلى الجهاد، لكن تقدر نسبتهن بنحو 10 في المائة من مجندي الغرب المسلمين، وقد «تأثرن غالباً بشبكات التواصل الاجتماعي التي تقدم لهن المشورة والمعلومات، وحتى الدعم اللوجستي للسفر»، حسب «نيويورك تايمز». وتصور شبكات التواصل الاجتماعي الحياة في دولة «داعش» فردوساً، وتقدم لهن البديل الديني لعيشهن في الغرب كمواطنات من الدرجة الثانية، وعُسر عيشهن كمغتربات. وبعض النساء يلتحقن بتنظيم «داعش» لأنه «يقدم سياسات طوباوية، تصور الانضمام للجهاد جزءاً من إنشاء دولة الإسلام الجديدة». تذكر ذلك كاثرين براون المحاضرة في دراسات الدفاع في كلية «كينج كوليج» في لندن التي درست هذه الظاهرة، ورصدت صوراً للمجندات يقمن بالطبخ، والعناية بالأطفال، أو الاجتماع لتناول القهوة. وهناك أيضاً صور لنساء يحملن البنادق الأوتوماتيكية، ويرتدين الأحزمة الناسفة. وترى الباحثة «هذا المزيج من العنف والحياة العائلية مهم، فالفتيات منضويات سياسياً، ويشعرن غالباً بالاغتراب في الحياة الغربية وتقاليدها وسياساتها».

 

ويُقدّرُ عدد مسلمات الغرب اللواتي التحقن بالجهاد في سوريا والعراق خلال العامين الأخيرين بمائتين، منهن 60 بريطانية و70 فرنسية، ومعظمهن في أعمار ما بين 18 و25 عاماً، ونحو ربعهن ارتحلن مع أزواجهن أو أشقائهن أو آبائهن، وتبلغ نسبة النساء في المنظمات الجهادية الإسلامية 10 بالمائة، بينما شكلن في الجيش الإيرلندي ومقاتلي الشيشان ونمور التاميل، ربع التنظيم.

وحسب كمال ديب بهوي، أستاذ علم النفس الثقافي في جامعة «كوين ميري» بلندن، فإن أكثر النساء استعداداً للتطرف هنَّ الأكثر غضباً على الظلم، والأكثر تقبلاً للعنف في احتجاجهن.

وتثير ظاهرة التحاق فتيات الغرب المسلمات بالجهاد تساؤلات كبيرة لدى الرأي العام الغربي، تعكسها التعليقات المنشورة في مواقع الإنترنت، والتي تراوح بين «دعوهن يرحلن على أن لا يعُدنَ»، و«ماذا يمكن أن يقدمه عالَمٌ تتعاظم لامساواته لشابات مثاليات فقيرات يخشين عدم القدرة على إيجاد عمل، أو موقع في الحياة؟».. والجواب الحقيقي تقدمه أفلام الرعب «الزومبي» (الموتى الأحياء) و«الفامباير» (مصاصو الدماء) التي تغزو شاشات السينما والتلفزيون حالياً. فعالمنا اليوم «زورق الموتى الأحياء ومصاصي الدماء الرأسماليين»، وهو عنوان مقالة مشتركة لديفيد كاستيلو (أستاذ الأدب في جامعة نيويورك) ووليام آغنتن (أستاذ الإنسانيات في جامعة جونز هوبكنز)، وفيها يستعيدان وصف الفيلسوف كارل ماركس للرأسمالية كمصاصي الدماء (فامباير) «التي لا تحصل على طاقتها إلا من افتراس العمل الحي». ويذكر الكاتبان أن تشخيص الماركسية لأفعال الرأسمالية المفترسة برهنت على استمراريتها في أعمال روائيين معاصرين «يصورون تطبيقات سياسية تمتص دماء الناس، وشخصيات فامباير رأسمالية ماكرة تقيم مصانع لاستخراج دماء البشر وتعليبها». ويُفسر الكاتبان تعلق الجمهور بأفلام «فامباير» و«الموتى الأحياء» باعتقاده الغيبي بأن «لا بديل ممكناً للرأسمالية كنظام اقتصادي عالمي.. والذي يقترن بواقع أن التطور المنطقي للرأسمالية العالمية لا يقود سوى إلى الدمار». وعندما تغادر مخلوقات «فامباير» و«الموتى الأحياء» شاشاتنا وتطرق أبواب منازلنا، علينا أن نتذكر قول الباقين على الحياة في فيلم «فجر الميت» الذين يتطلعون مرتعبين لحشود المخلوقات المرعبة القادمة: «إنهم نحنُ»!

وتثير الدهشة الصورة الرومانسية لحياة العرب والمسلمين في الغرب في مخيلة باحثين عرب انقطعوا عما يحدث للتفكير فيما يحدث. وفي كل يوم يحدث ما لم يحدث، ليس في «عين العرب»، بل في «عين واشنطن»، حيث «الحلم الأميركي يغادر أميركا»، حسب عنوان مقال للمعلق الأميركي نيكولاس كريستوف، والذي يستهله بالحديث عن تحطم أفضل مصعد للفرص في أميركا، وهو التعليم. ويذكر كريستوف أن واشنطن تنفق مليارات الدولارات لمنافسة روسيا عسكرياً، و«لعله ينبغي أن نحاول المنافسة في التعليم، فروسيا تملك أكبر نسبة من خريجي الجامعات بين الدول الصناعية، وهو الموقع الذي كانت تحتله الولايات المتحدة سابقاً».

(الاتحاد)

 

 

   
   
   
   
 

هل يمكن للعراق البقاء؟

محمد عارف

عندما أعلن الجنرال المتقاعد ألن، المسؤول عن قوات التحالف الجديد في العراق، أن الحملة على تنظيم «داعش» في الموصل ستستغرق سنة على الأقل قبل أن يبدأ مفعولها، أصدر مدير التموين في الموصل التعليمات التالية في التعامل مع خراف الذبح: «لحم الخروف للكباب، والرأس باجه، والفرو سجادة، والأحشاء سماد للزرع، والعظام تُطحن وتُستخدم علف للدجاج، وصوت الخروف نغمة للموبايل». أجل، أهل الموصل معروفون بالتدبير والاقتصاد، وإلا كيف نفسر شح الأخبار عنهم تحت ظل «داعش»، وقبل ذلك لم يكن يمر يوم دون مفخخات.

ونكات الموصل أكثر جدية من ندوة «هل يمكن للعراق البقاء؟». عُقدت الندوة في «المعهد الملكي للشؤون الدولية» في لندن، والمعروف باسم «تشاتام هاوس»، ونظمها مكتب «نيويورك تايمز» في لندن، وجميع المتحدثين فيها عراقيون، وبينهم مساهمون أو شهود على كارثة إيصال العراق إلى حافة البقاء. علي علاوي أول وزير دفاع بعد الاحتلال، عند حل القوات المسلحة العراقية، ووزير المالية خلال وزارة قريبه أياد علاّوي، عندما اختفت مليارات الدولارات من أموال البلد. آخر تقرير عنها نشرته «نيويورك تايمز» قبل أيام ذكر أن نحو ملياري دولار منها، بينها 200 مليون دولار ذَهَبي هُرّبت إلى لبنان، وأُخفيت في غرفة مسلحة تحت الأرض. وتُحجمُ الـ«سي آي أي» و«وكالة التحقيقات الفدرالية» عن التحقيق في الموضوع؛ لأن «الفلوس عراقية، وسرقها عراقيون» حسب ستيوارت براون، المحقق الأميركي العام حول الموضوع.

وعلاوي لم يتطرق إلى ذلك في مداخلته التي تناولت بشكل أكاديمي مواضيع، مثل أزمة العراق البنيوية، منذ نهاية الإمبراطورية العثمانية، وفشل نموذج الدولة الوطنية في المنطقة. وتحدث علاوي، وهو أحد مؤلفي «البيان الشيعي» الذي صدر قبيل الاحتلال، عن رفض الطوائف العراقية الهيكلي إحداها الأخرى، وشيطنتها، واختتم كلامه بنصح الزعماء السُنة في المنطقة بالتخلي عن التفكير الراديكالي، وحذّرهم من أن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها بلدانهم لن تسمح بتحويل الاستياء العام إلى الشيعة، كما يفعلون حالياً، «وعليهم أن يَصْحوا».

وبين المتحدثين في الندوة المفكر الإسلامي أنس التكريتي، الذي انفرد بالتعبير عن مشاعر حب وتعاطف مع العراقيين، «وبغداد أجمل المدن، كيف أصبحت من أكثر مدن العالم فساداً». وتساءل: لماذا نعتبر كل مشكلة العراق هي ظهور «داعش»؟ واستعاد تجربة الزرقاوي، وذكر أنه حاول آنذاك أن يشرح لأحد خبراء المخابرات الأميركية وضع شباب المنطقة الذين يلتحقون بالجماعات الإرهابية، وبعد ساعتين من الشرح، قال له الخبير الأميركي، إن كل ما يهمه هو معرفة مكان الزرقاوي، وماذا بعد ذلك؟ أجاب الأميركي «نقتله». وتساءل التكريتي كيف يمكن محاربة ناس هدفهم الأسمى أن يموتوا، وقال: «أنت تقصفهم، وهذا كل مطمحهم للحصول على متطوعين شباب عاطلين عن العمل ومُهّمشين، و(داعش) تمنحهم الفرصة للانتقام عما حلّ بهم، ولأخذ ثأر آبائهم وإخوانهم الذين قتلوا». وذكر أن بلدان المنطقة تحارب في العراق حروبها، ولا أحد منها فعل شيئاً لصالح العراق، وكل ما فعلوه أن جعلوا العراقيين عاجزين عن إيجاد البيئة للتفاهم مع شبابهم.

والعراقية الوحيدة المساهمة في الندوة، وقد لا ترتاح لاعتبارها عراقية، وهي بيان سامي عبدالرحمن، ممثلة حكومة كردستان في بريطانيا. ومسألة عدم بقاء العراق محسومة بالنسبة لها. فالعراق ينبغي «تقسيمه إلى ثلاث دول تفصلها أسوار عالية جداً»، وهذا برأيها هو «الحل الذي يخرج منه الجميع منتصرين». وبين حضور الندوة الكاتب الصحفي الكردي كامران قرداغي، الذي ذكر أنه أدرك خلال عمله ثلاث سنوات رئيساً لموظفي رئاسة الجمهورية في عهد الطالباني، أن المسؤولين العراقيين ميئوس منهم، والحل الوحيد للعراق تقسيمه سلمياً. وهذه نكتة من قرداغي المشهور برواية النكات، فكردستان تحاول الانفصال عن العراق حرباً منذ نحو قرن، وحربها الحالية ضد «داعش» معركة حاسمة في حرب الانفصال الطويلة. ويعرض ذلك فيلم وثائقي مثير عرضته «بي بي سي» مؤخراً عنوانه «على جبهة كركوك». يذكر الفيلم أن قصة العراق هذا الصيف هي قصة مدينتين، فبعد الموصل غادر الجيش العراقي كركوك أيضاً، ما سمح لقوات «البيشمركة» الكردية بالسيطرة على هذه المدينة متعددة الأعراق، والغنية بالنفط، التي طالما حلم الأكراد بضمها إلى إقليم كردستان المتمتع بحكم شبه مستقل. ويعرض الفيلم الأحداث من خلال شخصية العميد سرحدْ قادر، مدير شرطة كركوك، وهو محارب قديم في «البيشمركه» عُين بعد الغزو الأميركي مسؤولاً عن شرطة كركوك، وتعرّض لأكثر من عشر محاولات اغتيال، استخدمت فيها القنابل والرصاص والسم، وقُتل فيها 245 شرطياً من وحدته، بينهم شقيقه. ويتضمن الفيلم مشاهد من مفاوضات يجريها سَرحَدْ مع شيوخ عشائر عربية في كركوك، يملكون صلة بـ«داعش». وتدعم المشاهدُ التصورات حول تواطؤ الكرد مع «داعش»، وهو، إذا شئنا تواطؤ «طبيعي». فـ«البيشمركة» تمّرست في حروب طويلة، ومساومات، واتفاقات مع الجيش العراقي، وأحداث تلك الحروب مدرسة تاريخية، ليس في القتال فحسب، بل في السياسة أيضاً، وهذا أعقد ما فيها، ولا يمكن إدراك مساوماتها وتشابكاتها وتناقضاتها دون علم السوسيولوجيا، كما أسسه ابن خلدون، الذي خاض غمار الحروب والصفقات والمساومات بين الممالك والقبائل والبدو والحضر.

و«داعش» وأسلافها مثل «قَدَرْ» في نكتة مشهورة عن سائق تاكسي كردي انفجر إطار عجلة سيارته، فقال الركاب «قَدَرْ». وبعد ساعة صدمتهم سيارة أخرى، وقال الركاب «قَدَرْ»، ثمّ انفجرت بهم عبوة فصاح الركاب «قَدَرْ». فغادر السائق الكردي السيارة، وقال «إذا قَدَرْ ما يترك السيارة ما أسوق بعد». وهل غير «قَدَرْ» وراء «جهادي كردي من حلبجة يقود هجوم داعش على كوباني»؟ هذا عنوان تقرير صحيفة عربية تصدر في لندن، وهو حافل بمعلومات عن مقاتلين أكراد في صفوف «داعش»، التي يقود عملياتها في كوباني مقاتل كردي اسمه خطاب.

ومن النكات التي لا يرويها قرداغي، وأرويها هنا على راحتي، أن الرئيس الطالباني أرسله لتفقد عملية إسعاف السفير الصيني، الذي أصيب بحادث انفجار عبوة ناسفة، فهرع قرداغي إلى موقع الحادث، وانحنى ينقل للسفير تحية الطالباني، فأخذ السفير يردد بانفعال: «شن شان شو شي شا». واعتقد قرداغي أنها رسالة مهمة للطالباني فقرّب المسجل من فم السفير الذي ظل يردد العبارة حتى توقفت أنفاسه. وهُرع قرداغي حال عودته إلى ديوان الرئاسة لترجمة الرسالة، وظهر أن السفير الصيني كان يردد عبارة «أرجوك ارفع قدمك عن أنبوب الأوكسجين راح اختنق وأموت. فـ«شن شان شو شي شا» يا عراق!

(الاتحاد) الاماراتية

 

رسالة إلى العبادي

محمد عارف

عزيزي الدكتور حيدر العبادي المحترم، تحية طيبة أستهلها بنصيحة «لا غالب ولا مغلوب» التي اقترحها الرئيس الأميركي أخيراً على زعماء الشيعة والسنة والأكراد في العراق. وأؤيد انتقاد أوباما «الأغلبية الشيعية على تبديدها فرصة التقارب مع السُنة والأكراد بصورة أوثق، وعدم رجوعهم عن قانون اجتثاث البعث». وأتمنى أن يكون تنازل المالكي عن رئاسة الحكومة، واختيارك لتوليها إشارة إلى تحقيق الفرص الضائعة، وأن تنطفئ أخيراً حرائق جحيم يتأجج في بلدنا منذ رسالتي المفتوحة لك المنشورة هنا بعنوان «رسالة إلى وزير الاتصالات في حكومة الاحتلال في بغداد». وقتها جعلني ردك السريع غير المتوقع، المنشور هنا في 24 نوفمبر 2003، أفكر فيما إذا كنتُ قد اخترتُ طريق السلامة في رفضي المطلق للاحتلال، والذي قلتَ عنه في رسالتك: «يمثل مشكلة حقيقية للعراق كما كانت مشكلة القمع والإرهاب والتدمير التي مارسها النظام السابق ما زلنا نعيش آثارها. والوطنيون العراقيون لا يمكنهم أن يديروا ظهورهم لشعبهم ووطنهم بحجة أنه محتل وإنما يحاولون بمختلف الوسائل خدمة هذا الشعب وإنهاء الاحتلال بالوسائل الممكنة ولِما فيه مصلحة بلادهم. وعاجلاً أو آجلاً فإنّ المحتل سيرحل عن بلادنا ويبقى العراق للعراقيين وبالتالي عليهم تقع مهمة البناء والأعمار»

وها هي 11 عاماً على الاحتلال، وعامان على خروج جيش الاحتلال، وهولُ الاحتلال الذي كان على هوله طفلاً، فصار بركاناً لا يهدأ. وهل خطر ببالك عندما كتبت رسالتَكَ أن يأتي يوم يقدم فيه زميلك في وزارة الاحتلال صورة البلد الشنيعة التالية: «العراق بفضل النفط قد تحوّل إلى بقرة حلوب تنهبه طبقة سياسية جشعة، وبيروقراطية هائلة». كتب ذلك علي علاّوي في مقالة في «نيويورك تايمز» قال فيها إن «وجود العراق نفسه كدولة مهدد الآن بانقسامات اثنية وطائفية جعلتها الحسابات السياسية الخاطئة والتجاوزات الجسيمة غير قابلة للحل تقريباً». وتساءل: «ما العجب في ذوبان القوات العراقية عندما واجهت خطر داعش؟ ولماذا على الجندي العراقي أن يحارب لأجل آمرين يستحوذون على حصة من مرتبات الجنود، ويُحوِّلون تموينات الوحدات للمنفعة الشخصية؟». وذهب علاوي حدّ تحميل «آية الله العظمى علي السيستاني» مسؤولية إرسال «المجندين الذين استجابوا لندائه في مواجهة داعش، من دون تدريب ملائم، وبتجهيزات فقيرة، ومرتبات مختلسة».

أعرف أن شهادة علاّوي غير مقبولة، ولعله ممن قلتَ عنهم في رسالتك فَرَضتهم الصيغة «التي قامت على أساس تحالف سياسي بين فصائل سياسية متفاوتة في طروحاتها السياسية ورؤاها وكذلك ممارساتها». وعندما نَقَلَتْ عنك الكاتبة العالمية المناهضة للاحتلال «ناومي كلاين» قولك لحاكم الاحتلال بريمر إن أحداً لا يملك حق خصخصة وبيع ممتلكات الدولة العراقية، آنذاك كان علاوي وزير الدفاع بدون قوات مسلحة، ووزير المالية التي اختفت بمليارات الدولارات، ولم يُعثر على أثر لها حتى اليوم. وكرّس علاّوي مقالته للتعبير، كأي عجوز طيب القلب، عن الحنين للملك فيصل الأول، بدل أن يُقدِّم كشفاً بالحساب، ويراجع كارثة حلّ القوات المسلحة التي تعتبر اليوم أم الكوارث، أو يحقق حول اختفاء ثروات العراق الطائلة!

وفارق أيام بين «نوستالجيا» علاّوي الساذجة لماضٍ جميلٍ، وحصافة العلاقات العامة الدولية التي اضطلع بها عراقي عمل سكرتيراً خاصاً لخمسة سفراء أميركيين توالوا على العراق منذ الغزو. «فرصة العراق الأخيرة» عنوان مقالة علي الخضيري في «نيويورك تايمز» والتي استهلها بقول رئيس الجمهورية الجديد فؤاد معصوم لك: «العراق وديعة بين يديك». وذكر الخضيري أنك ورثت بلداً على حافة الانهيار، ولا يتوقف تحطم البلد أو إنقاذه على عملك وحدك، بل على عدد مدوخ من زعماء آخرين، وأحزاب سياسية، ولاعبين غير حكوميين، وقوى جارة وعالمية. ورسم الخضيري في تساؤلاته صورة المستقبل العراقي الممكن الوحيد، كلوحة العشاء الربّاني الأخير لدافنشي؛ شيعة عانوا من حكم صدام حسين يجلسون حول طاولة مجلس الوزراء مع بعثيين سُنة جدد، والذين عليهم تقاسم السلطة مع وزراء شيعة حاليين، كانوا جنرالات في «الحرس الثوري» الإيراني، وبينهم قائد فرق الموت الذي كان يثقب جماجم السنة بالمثقب الكهربائي، وعلى الكرد الذين عانوا الأمرّين من العرب الشيعة والسُنة، القبول بالبقاء جزءاً من دولة عاطلة لا يشاركونها اللغة ولا التقاليد.

ويرى الخضيري بصيص أمل في انتمائك إلى عائلة بغدادية، والذي جعل أحد قادة المقاومة المسلحة يقول له إنهم يقفون إلى جانبك لمجرد أنك بغدادي. قد تكون هذه مبالغة إلا أنها، كما يبدو، العامل الذي أطاح بالمالكي، فهو من طويريج بكربلاء، وتحول عام 2012 إلى ارتداء البدلات الإيطالية. ذكر ذلك خياطه البغدادي «موفق علي» الذي صرّح لمراسل الصحيفة الأميركية أن على المالكي التخلي عن الحكم. وتؤكد هذا الرأي صديقة بغدادية لم تُغيِّر بغداد حتى بجنسية زوجها البريطاني، وكَتَبَت تبشرني بأنك بغدادي، والعراق لم يحكمه بغدادي منذ نوري السعيد. وربما أرادت البغدادية أن تستميلني عندما قالت: حيدر بغدادي كرّادي، وهي تعرف أن زوجَي شقيقتَيَّ كرّاديان، وفيهما عرفتُ أن الكرّادي بغدادي متميز «مثل خَسْ ابو الطوبه ببساتين الكراده، مِترَهيْ وهو بنص الطين»!

وأنتَ تعرف القول الإنجليزي المأثور «العالِمُ يكتشف الموجود، والمهندس يبتكر ما لا وجود له». فهل تستطيع كمهندس، ليس أن تمنع إيران عن التدخل بشؤون العراق، كما يريد الخضيري، بل أن تجعلها تتدخل أكثر، عن طريق مشاريع حدثتني عنها مرة في مدخل عمارتنا السكنية المشتركة بشارع «سان ستيفنس جاردنز» في لندن. «لماذا لا نقيم مع إيران سوقاً مشتركاً ومشاريع صناعية وسياحية على أطول حدود مشتركة بيننا، كالأوروبيين الذين اهتدوا إلى ذلك بعد أن قتلوا الملايين منهم في أكبر حربين في القرن العشرين»؟ وبالمقابل تُكرّس موهبتك الهندسية في ابتكار مشاريع لتأمين رفاهية وتقدم السنة، ويمكنك الاعتماد في ذلك على شهية السُنة «الدليم» عندما سُئل أحدهم عن رأيه بالكباب، فقال «والله طيّب بس السيخ شويه صعبه يِنعِلسْ ».

(الاتحاد)

 

إسرائيل..الدولة الفاشلة

محمد عارف

«احفرْ نفقاً بمسمارْ، ولا أنك تناقش واحد حمارْ». هذا المثل الفلسطيني يوضح ما يفعله سكان غزة طوال سبع سنوات من الحصار. «إسرائيل دون أوهام» عنوان مقالة الكاتب الإسرائيلي «ديفيد جروسمان» تحدث فيها عن «الفقاعة المحكمة الإغلاق التي حبس فيها الإسرائيليون أنفسهم والفلسطينيين»، وذكر أن «كلا الطرفين داخل هذه الفقاعة القاسية والمستميتة يخضعان لقانون الفقاعة؛ قانون العنف والحرب، والانتقام والكراهية»، والسؤال هو ليس ما يحدث داخل الفقاعة، بل «كيف أمكن أن نختنق معاً داخل هذه الفقاعة طوال قرن»؟

ويسأل «جروسمان» نتنياهو، ومن سبقه من رؤساء حكومات إسرائيل كيف أضاعوا جميع السنوات قبل النزاع الحالي من دون مبادرة للحوار، أو حتى الإشارة إلى حوار مع «حماس»، ومن دون محاولة لتغيير الواقع المتفجر.

ولماذا تجنبت إسرائيل طيلة السنوات الماضية إجراء مفاوضات حصيفة مع القطاعات المعتدلة، والأكثر اطلاعاً من الناس الفلسطينيين، والتي كان يمكن لها أن تشكل ضغطاً على «حماس»، ولماذا تجاهلت خلال 12 عاماً مبادرة الجامعة العربية، التي كان يمكن أن تزود الدول العربية المعتدلة بسلطة قد تتيح لها عقد مساومة مع «حماس»، و«السؤال هو لماذا عجزت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة عقوداً عدة عن التفكير خارج الفقاعة»؟

وكما يقول المثل الفلسطيني «للظالم يومْ مثل دق الثوم»، وتثير الشهية، أو العكس، حسب موعد الطعام، رائحة الثوم في ردود أفعال أثارتها المقالة المنشورة في صحيفة «نيويورك تايمز». أحد القراء سأل إذا كان «جروسمان» لا يعرف كيف يفكر الفلسطينون، لماذا لا يتوجه إليهم. «دعهم يسمعون صوتك، ودع العالم يعرف أن هناك ناساً على كلا الجانبين يفكرون مثلك.

أعلنوا كلامكم سوية، كي لا يسمعكم من يشارككم الرأي فحسب، بل يسمعكم من يواصل الكراهية»، وأضاف أن «ناساً كثيرين جداً خارج إسرائيل يضمون أصواتهم لأصواتكم، وسنفعل كل ما يمكن لوقف هذا الجنون».

وجروسمان كاتب وناشط مناهض لسياسة إسرائيل في فلسطين، يتابع منذ أكثر من عشرين سنة فكرته الأساسية في «أن إسرائيل التي يحب ناسها أن يروا أنفسهم معجزة قد تكون دولة محتضرة». ويتساءل في روايته «كُوني سِّكيني» المترجمة إلى لغات عدة «أين نحن هنا، هل هذه مستعمرة العقاب في العالم الآخر.

ربما كل شخص هنا، كان امرأة أو رجلاً، لا فرق، مسناً أو شاباً قد انتحر». ويذكر في كتابه «الموت كطريقة للحياة» أن «ما يخيف الآن، أو أكثر ما ينبغي أن يخيفك، ليس احتمال أن تنتهي حياتك بعنف في أيّ وقت، وهو خوف واقعي حالياً لكل مواطن في بلد كان يهدف إلى أن يجعل الشعب اليهودي آمناً، لكنك مُتَّ فعلاً، شعب بكامله في غيبوبة.

ستة ملايين شخص سمحوا بانحطاط عقلهم، وإرادتهم، وقضوا على أنفسهم بأن ينتهوا إلى سلبية مجرمة وحانقة».

وتُلّخص الكاتبة البريطانية «جاكلين روز» بكلمتين حكم «جروسمان» على إسرائيل «دولة فاشلة». وتذكر في عرضها لكتاب «الموت طريقة للحياة» أن جروسمان ليس ممن يمكن اتهامهم بأنهم يصدرون أحكامهم من خارج إسرائيل «بل من أقدس المدن القدس، حيث يعيش». وأثارت مقالة «روز» المنشورة في مجلة «بوكز ريفيو» ردود أفعال قوية من كتاب موالين لإسرائيل، بينهم المؤرخ الصهيوني الأميركي «إدوارد ليوتواك» الذي تساءل كيف يمكن إطلاق لقب «دولة فاشلة» على «بلد استطاع أن ينتقل من دولة فقيرة عام 1948 إلى مستوى إجمالي للناتج المحلي مماثل لأوروبا، على رغم ازدياد السكان عشر مرات». وذكر أن دولاً قليلة جداً، بينها إيرلندا وسنغافورة استطاعت تحقيق نتائج أفضل، لكنهم حسب اعتقاده «لا يدّعون أنهم يضاهون إسرائيل في البحث العلمي والإنجاز الثقافي العام». وذكر أن «الإنجاز الأكبر لإسرائيل أنها رمَّمَتْ المعنويات المحطمة لليهود حول العالم عن طريق انتصارها في الحروب والمعارك ضد كل القادمين».

وفي تعليقها على «ليتواك» قالت «روز»، التي صرّحَتْ بأنها يهودية أن جروسمان «يرى بلده في حال تدهور ربما لا مرّدَ له، تستعبده العسكريتاريا، التي تدمر نفسها، والفلسطينيين على حد سواء». وذكرت «ليس جروسمان وحده يعتقد ذلك، بل حتى «ياكوف بيري»، رئيس المخابرات الإسرائيلية فترة سبع سنوات قال أخيراً «بلدنا في حالة تدهور يوشك على كارثة في جميع المجالات الاقتصادية، والسياسية، والخدمات الاجتماعية، والأمن». وأضاف «إذا استمرينا نعيش بحد السيف فسنواصل التمرغ بالوحل وندمر أنفسنا». وشارك في التعليق المؤرخ الأميركي «لاورو مارتينس» الذي قال إن «ليوتواك» لم يغفل فحسب ذكر الأسلحة الأميركية، والأموال التي تصب في إسرائيل، بل أيضاً حقيقة أن كثيراً جداً من علمائها ومهندسيها ولدوا وتدربوا في أوروبا الشرقية والولايات المتحدة.

وكما يقول أنشتاين «الاختلاف بين الغباء والعبقرية أن للعبقرية حدوداً»، ولا حدود للغباء العبقري لزعماء إسرائيل في التعامل مع اكتشاف حقول الغاز في سواحل غزة. «اكتشافات الغاز في شرق المتوسط: غزة وإسرائيل والصراعات الأخرى»، عنوان أطروحة الماجستير للباحثة أناييس أندراسيان في «معهد دراسات التنمية الدولية» في جنيف.

وعرضت الباحثة جنون تقلبات حكومات تل أبيب المتعاقبة من اتفاقية أوسلو الثانية المعروفة باسم «اتفاقية غزه أريحا». منحت الاتفاقية السلطة الفلسطينية حق التصرف بسواحل غزة مسافة 20 ميلاً بحرياً من الشاطئ، بما يسمح بالصيد والاستجمام، والنشاطات الاقتصادية، وبضمنها طبعاً التنقيب.

كمية غاز غزة التي اكتشفتها شركة «الغاز البريطانية» تقدّر بنحو ترليوني قدم مكعب.

وقلَّصَت تل أبيب سواحل غزة إلى 18 ميلاً، استناداً إلى بند في الاتفاقية يشترط ضمان أمنها، ثم قلّصتها إلى 12 ميلاً، وأصبحت الآن ميلين فقط، ويُقتل صيادو الأسماك الفلسطينين، الذين يتجاوزوها ولو خطأً.

والجنون كما يقول «ألبرت أنشتاين» هو »«مل الشيء نفسه المرة تلو الأخرى وانتظار نتائج مختلفة». وجنون إسرائيل مجونُ الغرب. «رون درِمر» سفير تل أبيب الحالي في واشنطن، وهو أميركي، مثل كثير من دبلوماسيي تل أبيب، شتم المتظاهرين في «مركز المؤتمرات» في واشنطن، الذين هتفوا ضده «مجرم الحرب»، وقال «في الحقيقة ينبغي أن يُمنح جيش الدفاع الإسرائيلي جائزة نوبل للسلام». وعلى ما في هذا الجنون من مجون فإن هيئة «نوبل فعلته منذ سنوات، حين منحت الجائزة لـ«دانييل كيهنمان»، الذي اعتمد في نظريته المنشورة في كتابه «التفكير بسرعة وببطء» على بحوثه خلال عمله في دائرة العمليات النفسية في الجيش الإسرائيلي».

ومجونٌ مجنونٌ كهذا يقعقع عظام «نوبل» في قبره حين يعلم أن هيئة جائزته لم تتجاوز فقط على الشرط الأول لها في العمل من أجل السلام العالمي، بل قامت بسابقة منح باحث في علم النفس جائزة علم الاقتصاد، وهو لم يخصص جائزة لعلم النفس!

(الاتحاد)

 

«برج التكرير»..هل ينقذ العراق؟

محمد عارف

«برج التكرير» عنوان كتاب المهندس سعد الله الفتحي، الذي شغل مناصب قيادية في صناعة النفط، بينها المدير العام لـ«مصفى الدورة» ورئيس «المؤسسة العامة لتصفية النفط وصناعة الغاز»، ورئيس «هيئة دراسات الطاقة» في «أوبك». وما يُقال عن اعتماد حاضر العراق ومستقبله على موارد النفط يمثل نصف الحقيقة، بل أقل إذا تأملنا أوضاع النفط في العراق منذ الاحتلال. فموارد النفط، كالجزء الظاهري من عوامة الجليد الغاطسة تحت الماء، يأخذنا إلى عمقها كتاب الفتحي «برج التكرير» الصادر هذا الأسبوع. و«التكرير» يعني «التصفية»، وفي «برج التكرير» يتصّفى كل ما في العراق، الاقتصاد والسياسة والعلوم والتكنولوجيا والتعليم، و«يتصفي» الناس أنفسهم، الشيعة والسنة، العرب والكرد والتركمان، المسلمون والنصارى، البعثيون والشيوعيون والإسلاميون، البرجوازيون والعمال.. الذين لا يفرقهم غير الغباء والجنون، غباء وجنون أفراد وجماعات، علاقات إقليمية ودولية.

وكتاب «برج التكرير» وكل إبداع عراقي خلال سنوات الاحتلال والحكم الطائفي، هو انتقام جميل من كليهما. فهو يرينا كيف ولدت مصافي «الدورة» و«البصرة» و«بيجي» و«الشمال» و«القيارة» و«كركوك» و«صلاح الدين» 1 و2، وعشرات المصافي كالفسفيساء في مناشئها وتكنولوجياتها وأنظمتها الصناعية والإدارية والأكاديمية والهندسية والعلمية. و«برج التكرير» برج العراق الذي سيعيد إنشاء واستثمار نفسه عبر الأنظمة والعهود، وهو دليل عمل تتوارثه وتطوره أجيال متعاقبة من مهندسي وفنيي وأكاديميي بلاد ما بين النهرين. وكما تقام جداريات تحمل أسماء شهداء الحرب في أماكن عدة من العالم، سيقيم فنانو العراق جداريات تحمل أسماء بناة «برج التكرير»، الشهداء منهم والأحياء، أسماؤهم وألقابهم وعوائلهم المختلفة كالفسيفساء.

والفتحي الذي يعتز بانتمائه إلى جيل الستينيات، أبدع في أعوام السبعينيات الذهبية في نقل وتوطين تقنيات صناعات النفط، وكان على جيله من المهندسين والتقنيين أن يبدعوا سبل إنقاذها من الدمار، وإعادة بنائها في أعوام الثمانينيات والتسعينيات الدموية. وعمليات نقل وتوطين وتطوير تكنولوجيات النفط في العراق مزيج من قصص المغامرات، والمؤامرات، والجاسوسية، والحروب، والقتل، ودراما المفاوضات الشاقة مع ممثلي كبريات الشركات العالمية، مثل «نالكو» و«تكساكو» و«كيلوك» و«لويدز» و«تكنوإكسبورت» و«ميتسوبيشي» و«اوهده» و«بكتل» و«موبيل» و«بولسرفيس». وتخفف من مشاقها نكات «مصلاوية» روى إحداها الفتحي في لقاء مع رئيس «الشركة العربية للاستثمارات البترولية»، ومقرها في الخُبر بالسعودية، وتحكي عن صبي ذهب إلى السوق وفي ذهنه وصية أبيه بأن يعرض نصف السعر الذي يطلبه البائع للحصول على أفضل سعر. وعندما قال البائع البضاعة بمئة فلس، قال الصبي «لا خمسين»، وإذ وافق البائع على الخمسين، قال الصبي «لا خمسة وعشرين» وهكذا! وفي اليوم التالي أصرّ الفتحي في المفاوضات على نسب الفوائد المالية، فقال رئيس الشركة: «البارحة قلت إنها نكتة من الموصل، لكنك في الواقع كنت تقول لي ما ستكون عليه طريقتك في التفاوض»!

والمفارقة في التطور الذي حدث في الصناعة النفطية التحويلية خلال أربع أو خمس سنوات من الحرب مع إيران، والذي «ربما يعادل أكثر مما حدث في تاريخ العراق النفطي كله». وفي «برج التكرير» نكتشف حجم المستحيل الذي كان على العراقيين فعله لتجنب الحرب مع إيران، وقد حدس بناة «برج التكرير» حال اندلاعها أنها ستلد حروباً أخرى. وتحطم القلب شهادة أحد أبرز قادة صناعة النفط، عبد المنعم السامرائي، وكيل وزارة النفط، والذي «كان مستاءً من اشتعال الحرب مع إيران وكان يعتقد أن العراق لم يبذل ما هو كاف لتلافيها». وعندما أشار الفتحي إلى «التحرشات الكثيرة وضرب مواقعنا الحدودية ومصفى الوند»، كان السامرائي متفقاً معه، «لكنه كان يعتقد لو إيران هجمت علينا لحطمناها داخل حدودنا». ومع كل ما يتضمنه «برج التكرير» من نكات ونوادر، وعلوم وتكنولوجيا، واقتصاد، وعلاقات دولية، تظل في برج التكرير«صدمة اختفاء السامرائي، وإعدامه مع ابنه كخيط المسبحة، أو «الشاهول»، حسب التعبير العراقي.

ولا يصح الصحيح في التصور الشائع عراقياً وعالمياً أن العراقيين ما استطاعوا تسجيل أرقام قياسية في إعادة الإعمار والتشغيل بعد حرب 1991 لولا الضبط الدكتاتوري، والخوف من صدام حسين، فهذه «الحقيقة نادراً ما تكون صافية، وليست قط بسيطة» حسب أوسكار وايلد. نكتشف ذلك عبر 628 صفحة من الكتاب الذي يروي تفاصيل السجالات والصراعات بين رجال النفط في العراق، من مستوى ورشات العمل ونقابات العمال، وحتى مكاتب المهندسين والمديرين العامين والوزراء. وإذا كان هناك من دور حاسم للفرد فهو دور المهندسين والفنيين والعمال الأفذاذ. ويزخر الكتاب بأسماء وقصص العشرات منهم، وبينهم من استشهد خلال عمليات بطولية لإنقاذ منشآت تعرضت للقصف ساهمت فيها حتى «موظفات شددن رؤوسهن، كما يفعلن في تنظيف بيوتهن»، لكنس آثار قصف الإيرانيين لمعمل استخلاص الكبريت. وكأبطال الروايات العراقية، لا يُنسى فكتور سمرجي الذي يأسف الفتحي لعدم إقامة تمثال له في الدورة، أو على الأقل تسمية شارع باسمه. وكان سمرجي مدمناً على تدخين سجائر روثمان، وعندما سأله الفتحي كيف يدخن روثمان الاستعمارية، سحب نفساً طويلا من سيجارته، وقال: «أريد أن أرى الاستعمار دائماً يشتعل أمامي»!

والفتحي الذي درس الهندسة الميكانيكية في جامعة مانشستر في بريطانيا، من جيل المهندسين الذين لعبوا دوراً مذهلا ورائعاً في إعمار وطنهم. ذكر ذلك رائد صناعة النفط المهندس والمؤرخ مشعل حمودات، الذي استعرض في مقدمة الكتاب إبداعات الفتحي التقنية، «كطريقة التخلص من الترسبات المتراكمة في خزانات النفط الخام في مصفى الدورة، وإزالة القشرة من حزم المبادلات الحرارية والمراجل البخارية باستعمال الكيمياويات الحديثة بدلا من إزالة القشرة بالأساليب القديمة، ومساهماته المهمة في فعاليات قسم السلامة والإطفاء والفحص الهندسي والتفتيش بهدف تقليص فترات توقف وحدات الإنتاج في المصافي لأغراض الصيانة السنوية».

والحياة تزدهر بعد السبعين بالنسبة للفتحي الذي كتب «برج التكرير» في مستهل عمر السبعين، فيما يواصل تغطية أحدث التطورات التقنية والاقتصادية في شؤون النفط العربية والدولية. «اللعبة الكبرى حول الغاز الروسي»، عنوان آخر مقالاته التي تنشرها بالإنجليزية صحيفة «غولف نيوز» الإماراتية، وفيها يعرض وقائع أخطر وأعقد لعبة شطرنج جيوسياسية دولية تجري حالياً في العالم. وأعقد ما في اللعبة أنها لا تجري بين طرفين متقابلين، بل أطراف عدة متدافعة، لا تعرف حصانها من فيلها، ولا وزيرها من قلعتها، ولا رقعة الشطرنج المتحركة، التي تتدحرج عليها. أول فقرة في المقالة: «المعركة الباردة بين روسيا والغرب حول أوكرانيا ما تزال جارية، وبدأت تؤثر بشكل ما على أسواق النفط التي ارتفعت أخيراً أو انخفضت دولاراً واحداً للبرميل تبعاً في الغالب للتوتر أو تخفيفه».

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

 

 

الموت المعلن لشقيقي الصغير

محمد عارف

«دون التخلي عن الحب» عنوان مقالة شقيقي الروائي محمود البياتي المنشورة الأسبوع الماضي في «القدس» اللندنية، وفيها يتحدث عن موت مفكرين وأدباء وفنانين بمرض السرطان، بينهم الروائي جابرييل غارسيا ماركيز، والشاعر أنسي الحاج، والمفكر إدوارد سعيد، والفنان رافع الناصري «وغيرهم كثيرون أمسوا في عداد القتلى»، حسب شقيقي الذي يستشهد بالمتنبي «إذا ما تأمّلتَ الزمانَ وصرفه، تيَقّنتَ أن الموت نوعٌ من القتلِ».

ويذكر شقيقي إصابته المفاجئة بالمرض الفتّاك الذي حولّه سريعاً إلى «جسد واهن مسجون في حيز ضيق وينتظر. ها هي في المرآة ابتسامتي كأنها تجعيدة في قماش أصفر رث. كتفان محدبتان، عظم ترقوة بارز، عضلات ضامرة، توازن مختل، قلب مشوش». مع ذلك يقول إنه لو خُيّر بالرجوع إلى سن العشرين فلن يوافق. «لا جدوى من اجتياز ذات الدرب الوعرة مرتين». ولعلي «خُلقتُ ألوفاً لو رجعتُ إلى الصبا. لفارقتُ شيبي موجعَ القلبِ باكيا». وفي مواجهة الموت لا يزال، كما في خضم الحياة، «عاشقاً للقراءة وموسيقى باخ وغناء فيروز». وكل ما يتمناه «المغادرة بسلام حين أكون غاطساً في نوم مريح وعميق. لا أريد معارك أو مساومات خاسرة مع أمراض أقوى مني».

وكما في رواية ماركيز «قصة موت معلن»، كان موت أبرز رجال الأسرة معلنا للجميع، وبينهم ابن العم العقيد وصفي طاهر، الذي أُعلن موته مرات عدة منذ تطوع للقتال في فلسطين عام 1948، وعندما أسهم في قيادة «ثورة 14 تموز» عام 1958، وقُتِلَ عندما قاوم انقلاب 1963 داخل مبنى وزارة الدفاع، وكانت آخر كلمات قالها لي «إحنا سَوّينا الثورة، واحنا نموت ويّاها». وبين أبناء العمومة من لم يُعلن موته حتى الآن صفاء الحافظ، المستشار القانوني لوزارة العدل، وواضع «قانون الرعاية الاجتماعية» المعمول به حتى اليوم. عدد مرّات موته غير المعلن بعدد شهاداته في القانون، والاقتصاد، والقانون الدولي من جامعة السوربون. اعتقل عندما عاد ورشّحَ نفسه للانتخابات في العهد الملكي، وأسقطت عنه الجنسية، إثر هروبه إلى الخارج، وعاد بعد ثورة 1958 للتدريس في كلية الحقوق بجامعة بغداد، واختفى خمس سنوات عقب انقلاب 1963، وظهر للعلن عام 1968، وساهم في مصالحات اليسار العراقي المستميتة لتجنب الموت المعلن للبلد. وفي 4 فبراير 1980 اختطفته قوات الأمن من الشارع، أثناء توصيله زوجته إلى مقر عملها وسط بغداد. «ولم يعد بعدها، وإلى حد الآن لا يُعرف مصيره؛ هل أعدم أم توفى، وكيف، ومتى توفى، ولا يعرف له قبر». ذكرت ذلك زوجته في الاحتفال بمولده التسعيني العام الماضي في بغداد.

ومن ليس موته معلناً في بلدنا الحبيب المعلن موته منذ مائة عام، وبينهم ابن عم الوالد زكي خيري، الذي كُسرت عظام صدره في أول مظاهرة لسكان بغداد في فبراير 1928 ضد وعد بلفور، واحتجاجاً على زيارة الصهيوني ألفرد موند. جمعت المظاهرة فتياناً أنشأوا الحركات والأحزاب السياسية العراقية، وقادوها عبر القرن العشرين، وبينهم حسين جميل، وعزيز شريف، وعبد الفتاح إبراهيم. وعلى امتداد القرن سابقَ «خيري» الموت المعلن في سجون العراق، حيث هرب من أحدها عبر أطول خندق حفره السجناء السياسيون في التاريخ، وغامر بحياته، وهو في العقد الثامن لحضور «المؤتمر العام للحزب الشيوعي» في ثمانينيات القرن الماضي، في كردستان العراق، لإقناع الشيوعيين الذين رفعوا السلاح ضد الحكومة بأن طابع الحرب قد تغير، بعد دخول القوات الإيرانية البلد، ولم يعد صحيحاً حمل السلاح ضد «الجيش العراقي الذي يدافع عن الوطن». وأُقصي خيري من عضوية «المكتب السياسي» الذي يعتبر أعلى سلطة في الحزب.

وكما يحدث دائماً تحوط نساء الأسرة رجالها المعلن موتهم بالدعاء وتلاوة الذكر الحكيم، وحتى بالغناء والرقص. لقطات الفيديو التي تناقلتها الأسرة عبر الإنترنت الأسبوع الماضي، تصور الاحتفال بمنزل شقيقي الجديد في ضواحي لندن، الذي أثثته شقيقاته الخمس، وشاركتْهُنَّ مُطّلقته وأم طفليه الرسامة ياسمين دزَئي. وشقيقي محظوظ مع النساء بشكل مدهش ومفجع، له وللنساء. والنسبة طردية بين المدهش والمفجع، فأكثر من عرف من المدهشات، أكثر من فجعنه بالحب وفُجعن به. وذلك عنوان مقالته «دون التخلي عن الحب»، وفيه «الحب المرض الوحيد، الذي يخشى المصاب به أن يشفى منه» حسب أستاذه الأثير أرنست همنجواي.

والموت المُعلن لشقيقي الصغير حياة سرية عارمة. اكتشفتُ ذلك صدفة، عندما اتصلت فتاة إيرانية سويدية تسألني عنه. سألتها: «أنت تتحدثين من هاتف منزل محمود»؟ أجابت: «نعم، لكنه غير موجود»! ومحمود من الجيل الموجود غير الموجود في كثير مما مرّ على العراق. كامران قره داغي، رئيس موظفي مكتب رئيس الجمهورية جلال الطالباني كتب أخيراً علي صفحة «فيسبوك» بأنه ومحمود البياتي كانا آخر محررين في صحيفة «التآخي» التي يصدرها «الحزب الديمقراطي الكردستاني» ليلة إعلان «الحكم الذاتي في كردستان» في 12 مارس 1974. كان القادة الأكراد قد غادروا بغداد تباعاً إلى كردستان، وطُلب من قره داغي والبياتي نشر إعلان عن احتجاب الصحيفة لأسباب فنية. وكان الاثنان يداريان بالنكات توّقع اعتقالهما من قبل المخابرات. اقترح محمود أن يحتل صدر الصفحة الأولى عنوان فيلم مصري مشهور آنذاك «خلّي بالك من زوزو». وتفاءلوا بـ«زوزو» تجدوه. فضباط المخابرات الذين جاؤوا إلى الصحيفة كانوا مهذبين، وطلبوا بأدب رفع إعلان الاحتجاب. وادّعى قره داغي والبياتي أنهما غير مخولين بذلك، وتركوا الأمر للضباط الذين ادّعوا أنهم غير مخولين أيضاً. وانتهت الليلة بالتعادل للطرفين، لكنها بالنسبة لقره داغي كانت ليلة التحاقه بالثورة المسلحة في كردستان، ويذكر: «لم يمض سوى شهرين حتى غادر العراق الصديق العزيز محمود البياتي حزيناً غداة إعدام أعز أصدقائه، الشهيد جواد هماوندي، وخطيبته الشهيدة ليلى قاسم. لم يعد محمود إلى العراق حتى اليوم».

وكما يحدث دائماً ندهش عندما نجد أصغر أشقائنا أكبرنا موهبة وحيلة. ألَّفَ شقيقي نحو عشرة كتب في القصة والرواية والشعر، وتقول الروائية عالية ممدوح عن أسلوبه: «يشق جلد ثمرة اللجوء والنفي والقهر الداخلي بكلمات من حرير حين يهاتف بلده». ومن أظرف مهاتفاته قصة «بغداد طهران ستوكهولم» وفيها يتفق هارب من العراق اسمه قيس بالتحدث بالشفرة مع أهله، بأن يذكر أنه «زهير»، وعندما يقول إنه في بيته الجديد يعني أنه وصل «ستوكهولم»، أمّا «البيت العتيق» فيعني طهران التي غادرها. ويشقُ جلدَ الضحك كلامُ قيس عبر الهاتف مع أمه؛ ما إن يقول لها إنه «زهير» حتى تهتف: «أدري ابني قيس.. افتهمت. راح يُغمى عليّ من الفرح»!

(الاتحاد)

 

فوحُ «العنبر» العراقي يوم البذور العالمي

محمد عارف

في المفاضلة بين الحُب و«تِمّنْ» العنبر، الأفضلية لـ«تِمّن» العنبر. و«التِمّنْ» هو الأرز باللهجة العراقية، و«تِمّنْ العنبر» هو الأرز العراقي الزكي الرائحة كعطر العنبر؛ موطنه الأصلي جنوب العراق في منطقة الأهوار، والديوانية، والنجف، والمشخاب. «ولا يكتمل الأكل العراقي من دون التِمّنْ الذي يؤكل مع كل أنواع المرق، حتى اليَخْني، الذي لا مثيل له، يقول عنه البغداديون: يَخْني دوّخني جاء بالتِمّنْ صالَحْني». «وعندما يقترب موعد الغذاء يضوع الحي كله بنكهة بخار قدور التِمّنْ، وليس عبثاً أن يُسمى العنبر». تذكر ذلك الباحثة والكاتبة المختصة بالطعام نوال نصر الله في كتابها «الطبخ العراقي»، وفيه 27 وصفة لطبخ الأرز، بينها «التِمّنْ الأحمر» الذي يستنشق العراقيون رائحته قبل أن يفتحوا باب البيت، وإذا كان «التِمّنْ الأحمر» مطبوخاً بالحُمُّص والزنود فلا خروج من البيت حتى إشعار آخر.

و«التِمّنْ» ألوان، يؤكل بالعين قبل الفم، ومنه «الأخضر بالباقلاء»، و«الأصفر بالجزر»، و«الذهبي» بالزعفران (أو الكركم)، و«البُني بالشعرية والرشته» و«الكاكي بالماش» و«الأسمر» بالفطِر (أو الكمأة)، و«المُرقط باللوبياء الحمراء». وتتنافس الأسماء والبلدان على «الرُز بالعدس» الذي يسمونه «الكُشَري» في بلدان شرق المتوسط العربية، و«المجَدِّرة» في العراق. والمنافسة الإقليمية بحجم «القوزي» الذي يتكون من خروف بكامله محشو بالرز، والبصل، والخضراوات، والكشمش واللوز، ونومي البصرة، وحبّات الهيل والقرنفل، ويستلقي فوق تل من الرز.

ويكشف كتاب الباحثة العراقية، الذي فاز بجوائز عالمية عدة، أسرار طبخ التِمّن المُحمّص في قعر القِدر، ويسميه البغداديون «حِكّاكه» لأنه يُستخرج بحّك طبقة رز «جيولوجية» تتقّصفُ وتتحطم بالأسنان، وتتقرمشُ داخل الفم كالزلزال.

وطريق التاريخ والجغرافيا مزروعة بالتِمّنْ من العراق حتى الصين، التي جاء منها اسم التِمّن حسب العالم الموسوعي البيروني. وأقدمُ شهادة صينية عن التِمّنْ وردت على لسان سجين صيني في الكوفة، قبيل بناء بغداد عام 762، قال إن «العراق محور الكون، وتِمّنْ العراقيين أبيض كتِمّنْ الصين، ونساء ورجال العراق طوال القامة ووسيمين، يرتدون أحزمة فضية، وحبّة العنب عندهم في حجم البيضة». وتقول الباحثة العراقية التي لمْ يُترجم كتابها بعد للعربية إن طبخة «البردة بلاو» الكردية تعود إلى عصر بابل، ويعني اسمها الكردي طبخة «الرز المُغطى» بعباءة رقيقة من العجين تحتضن أحشاءها اللحمية الناعمة. و«المقلوبة بالباذنجان» منافستها العربية والتي ما إن تُقلبُ على ظهرها حتى تتفتح حشاياها الذهبية الضوّاعة. وبسبب الحجاب كان يُطلقُ عليها في العصر العباسي اسم «المغمومة»، لكن ابن المهدي، أمير الطعام وشقيق هارون الرشيد يُسّميها «فرحانة»، ويقول عنها في ختام قصيدة طويلة: «فهذه عندكم مغمومة حَزَنتْ، لكنها ما رأت يوماً من الحَزَنِ. فرحانة تفرح الجوعان إن بدَرَتْ، في صحفة كمِثال البدر في الدَجَنِ». ويعارض الشاعرُ «الحافظُ» ابنَ المهدي بقصيدة يختلط فيها الطبيخ بالطباخ: «كحُسن البدر وسط سماءِ. أنقى من الثلج المضاعف نسجه، من صبغة الأهواء والأنداءِ. فكأنها في صفحة مقدودة، بيضاء مثل الدّرة البيضاءِ». وتنتهي القصيدة ولا ندري من المقصود؛ طباخة الرز أم رُزها.

والعراقيون العباسيون كانوا يكتبون الشعر ويأكلونه. في قصيدة «مفاخرة الرز والحَبْ رمان» يذكرُ الرز أنه «عمارة البلدان وقوة الأبدان» ويُعدّد طبخاته: الشُّربةِ، والفولية، والفقاعي، والمأمونية. وتنبري له حبّات الرمان: «اسكُتْ يا مُبهرَج، يا مُدوّر يا مُدَحرَج. أنت للبطون نافخ وعَلى القلوب راسخ». وتنتهي المفاخرة بسعي الأطعمة للصلح بينها، حيث «أقبلت الملوخية بجمعها، والفولُ، والشوّي الذي قال: أنا أمشي بينكما عُريان، وأتحلق بينكما بالزعفران. وقالت البامية: أنا أفديكما بالدُّر المصون واللؤلؤ المكنون»!

ومن يفدي «يوم البذور العالمي» الرز العنبر، المهدد بالانقراض! وزير الزراعة العراقي «عزالدين دولة» استبعد ذلك، لكنه اعترف بتراجع إنتاجه بسبب قلة المياه، وإقبال المزارعين على زرع رز الياسمين «الذي يتميز بسرعة إنتاجه وكثرة كمياته». سكان المناطق المشهورة بزراعة العنبر حمّلوا الوزارة المسؤولية. المزارع رياض الكريطي من الديوانية قال لصحيفة «المستشار» إن «مشكلة المياه يمكن التغلب عليها حالياً، حيث يتوفر بمستويات متفاوتة، لكن ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف الخدمات الزراعية إضافة إلى أن انخفاض الأسعار يعيق الإنتاج». وفي مقابلة في «يوتيوب» كرّر المرشح لمنصب محافظ الديوانية عبارة «جيبو العنبر للديوانية» وانضمّ إليه المذيع يهزُجُ «جيبو العنبر للديوانية»!

و«العنبر» إلى الأبد في عُهدة نساء العراق، من بغداد، وحتى بروكسيل، وإلى مساشوستس. الخبازة «أم جاسب» تخبز على قارعة الطريق خبز الرز لعمال «المساطر» في «مدينة الصدر». يسمونه «السيّاح» ويأكلونه ساخناً مع القشدة «القيمر»، أو السمك. وفي حديثها لمراسل صحيفة «حزب الدعوة» تبُث «أم جاسب» حزنها للتوقف عن استخدام «العنبر» غير المتوفر حالياً، والذي تستخدم بدله أنواع الرز المستورد.

والباحثة العراقية الأميركية وفاء النظيمة، مثل تِمّنْ العنبر، عصيّة على الاندثار. أسّست عام 1994 «معهد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» في مساتشوستس بالولايات المتحدة، ولم تتوقف عشرين عاماً عن إعداد الأبحاث، وإنتاج الأفلام، وشنّ الحملات دفاعاً عن العراق والعرب، وتحتفل كل عام بيوم البذور العالمي. احتفالية هذا العام، كانت السبت الماضي في «كنيسة أبرشية روزلينديل»، جمعت الهنود الحمر وخبراء ومزارعي البذور العضوية وشركات الأعمال الصغيرة في الزراعة الخضراء، والنشطاء ضد قرصنة البذور، وضد احتكارات صناعة البذور الجينية. ولابدّ أنّ آلهة اليُمن والسعادة الهندية «شيفا» جعلت أكاديميين من الهند التي تُعتبر إمبراطورية رز «البسمتي» يدعمون حملة «النظيمة» لإنقاذ منافسه رز العنبر العراقي.

و«في يوم البذور العالمي، أوقفوا اغتصاب الإرث الحضاري لبلاد ما بين النهرين»، عنوان بحث سعاد ناجي العزاوي، أستاذة هندسة البيئة، ونائبة رئيس جامعة بغداد للشؤون الهندسية سابقاً، وعضو هيئة أمناء منظمة محكمة العدل الدولية «بروسيل». مؤتمر المنظمة الذي عُقد في بروكسيل منتصف الشهر الماضي بالتعاون مع «اتحاد الحقوقيين الدولي» ناقش الخطوات العملية لمقاضاة الزعماء الغربيين المسؤولين عن حرب العراق، وبينهم بول بريمر، حاكم الاحتلال الأميركي المسؤول عن انتهاك القوانين الدولية بالقرار رقم 81 الذي فرض على المزارعين العراقيين استخدام «البذور المسجلة» التي تنتجها الشركات الاحتكارية وتحظر استخدام البذور المحلية، ما يعني السيطرة المطلقة على الزراعة في العراق، وإبادة أقدم البذور في التاريخ التي أنبتت حضارة بلاد ما بين النهرين، ومجموع الحضارة العالمية. وعندما ندخل موقع «الحركة العالمية لحرية البذور» على الإنترنت، نقرأ في صدر الصفحة شعر جلال الدين الرومي: «في هذه الأرض، في هذه الأرض، في هذه الأرض العذراء الحبلى، لن نزرع شيئاً سوى الحنان، لن نزرع شيئاً سوى الحب».

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

 

العلم والفن بين بغداد والبندقية

محمد عارف

كل المدن عزيزة على أهلها، لكن نادرة هي المدن، كبغداد العزيزة على العالم. فهذه المدينة التي صار اسمها رمزاً للقتل والنهب والتخلف والفساد، ما تزال مصدر أهم وأجمل الاكتشافات العلمية. كتاب «البندقية وبغداد» يتناول حسب عنوانه الثانوي «عصر النهضة والعلم العربي». مؤلف الكتاب هانز بيلتنغ، أستاذ تاريخ الفن في «أكاديمية التصميم» في كارلسروه بألمانيا، يعرض كيف غيّر مفهوم «المنظور» الذي وضعه بن الهيثم، مسار فنون عصر النهضة، وأنتج ألمع الأسماء في تاريخ الفنون، مثل رامبراند، ودافنشي، ورفائيل، وروبنز، ودورر. والكتاب الذي صدرت أخيراً ترجمته الإنجليزية عن مطبعة «جامعة هارفارد»، زاخر بالنصوص والرسوم واللوحات والتخطيطات، بينها تخطيط بن الهيثم لتشريح العين، وورقة عشرة آلاف دينار العراقية التي تحمل صورته، ونافذة المشربية القاهرية، ولوحات عدة من الفن العالمي.

ويذكر الباحث الألماني أن مفهوم «المنظور» وضعه «علماء الرياضيات العرب المتحررين من التزمت الديني»، ويعتبرُ الفكرة السائدة حول «اختراع» عصر النهضة الأوربي المنظور الهندسي «أسطورة». و«الحقيقة أن النظرية العربية قدمتها إلى أوروبا في القرون الوسطى، واصطلح المترجمون على تسميتها بالإغريقية «المنظور». وكان «المنظور» عنوان كتاب بن الهيثم «المناظر» عند ترجمته إلى اللاتينية عام 1572. وسجل الباحث الألماني «خبطة عبقرية» باكتشافه الصلة بين حقائق معروفة في تاريخ العلوم ونافذة «المشربية»، التي اعتبرها الباحث رمزاً للمنظور الإسلامي المنفتح على الداخل. ذكرت ذلك صحيفة «سوديشه زايتونغ». فيما اعتبرت مجلة الفن «داس كونتس ماغازين» أن الكتاب «يفتح عيون القراء الذين سيفهمون حدود وعوائق الأفلام والصور الفوتوغرافية وغيرها من الصور الكلية الانتشار في مجتمعنا». ويذهب الباحث أبعد من علوم الجمال والرياضيات، فيكشف «عمّا يحدث عندما ينظر المسلمون والمسيحيون أحدهم الآخر، ويجدون أن طريقتهم في تبادل النظر غيّرت العالم». ويتعامل الباحث مع التاريخ المزدوج للمنظور كنظرية بصرية تعتمد على التجريد الهندسي في العلوم العربية ونظرية التصوير الأوروبية. ويشرح إدراك التجريدات الهندسية العربية كنظرية لصنع الصور، التي تحولت إلى فن عندما تبنى الفنانون الأوروبيون «التحديق» البشري كبؤرة نظرهم.

ويستخدم الباحث استعارة «التحديق المشترك» أو «تبادل النظر» لتصوير «المجابهة التاريخية بين العلم والفن، وبين بغداد العربية والبندقية في عصر النهضة الأوروبي، التي يستمر تأثيرها على الثقافة الغربية حتى اليوم». ويستشهد الباحث بالفيلسوف الألماني هايدجر «عندما يحول المنظورُ التحديقَ إلى حَكَم يصبح العالم صورة». ومفهوم «التحديق» الذي يُعتبر من أحدث المفاهيم في علوم الاجتماع والجمال، يوقفه الباحث على قدمين عملاقتين حين يستخدم بدله المصطلح الألماني Blickwechsel الذي يعني «تحوّل التركيز» و«تبادل النظرات». وقد حدث «في تاريخ العرب والغرب أن تبادلت الثقافتان النظرات، وكان هذا التبادل مختلفاً في مختلف الأوقات، وليس ذا طبيعة سلمية دائماً». ولا يتوقف الباحث عند مجرد تبادل النظرات بين ثقافتين، بل يتناول «انتقال بؤرة النظر من ثقافة إلى أخرى، التي تصبح مميزاتها أشدّ وقعاً عندما تتم رؤيتهما واحدة بجنب الأخرى، فيتم النظر إليهما منفردتين، وإيضاح كل على حدة وفق شروطها فقط، كما هي الحال عادة مع موضوع الثقافة الغربية».

ولا يمكن، في تقدير الباحث الألماني، فصل نظرية بن الهيثم في الجمال عن نظريته في الإدراك، فهي جزء من عمله الذي يعرضه بمصطلحات سايكولوجية «فالحُسنُ أو القبح هما أيضاً من مكونات معاني الأشياء»، حسب بن الهيثم. ويتناول الباحث بالتفصيل مقالة ابن الهيثم المكرسة للأسس البصرية والنفسية لنظريته: «إذا كان الطفل يقيس وهو لا يعلم ما القياس، فالنفس الإنسانية إذن مطبوعة على القياس، وهي تقيس وتدرك جميع ما يدرك بالقياس من المعاني المحسوسة ومن المعاني الظاهرة في أكثر الأحوال بغير تكلُّف ولا تعمُّلٍ ولا يحس الإنسان في الحال عند إدراكه إنما هو بقياس».

ورأى ابن الهيثم الألوان كما سيراها بعد قرون عباقرة الفن الانطباعي. «الأجسام المشرقة الألوان، كالأرجوانية والفرفيرية والصعوية والريحانية وما جرى مجراها، إذا أشرق عليها ضوء الشمس وكان بالقرب منها جدار أبيض أو جسم نقي البياض، وكان الضوء على هذا الجدار معتدلاً، وهو أن يكون في ظل، فإن تلك الألوان المشرقة تظهر صورها على الجدار والأجسام البيض القريبة منها مع الضوء الثاني الذي يصدر عن ضوء الشمس المشرق عليها».

والألوان تنتج الجمال حسب ابن الهيثم. «وإدراك اللون بما هو لون يكون قبل إدراك مائية اللون، أعني البصر يدرك اللون ويحس بأنه لون ويعلم الناظر إليه أنه لون قبل أن يحس بأيّ لون». وتنفتح أمام الفنانين المعاصرين أبعاد جديدة للإبداع في صفحات عدة يكرسها ابن الهيثم لأنواع الإدراكات؛ «إدراك البعد» و«الوضع» و«التجسم» و«العِظَم» و«التفرق» و«الاتصال» و«العدد» و«الحركة» و«السكون» و«الخشونة» و«الملاسة» و«الشفيف» و«الكثافة» و«الظل» و«الظلمة»، ويختتمها «إدراك الحُسن»، ذلك أن «كل واحد من المعاني الجزئية التي تقدّم بيانها يفعل نوعاً من الحُسن بانفراده، وفعل هذه المعاني أنواعاً من الحُسن باقتران بعضها ببعض». «فأما القبح فهو الصورة التي تخلو من كل واحد من المعاني المستحسنة».

وكما يحدث دائماً مع ابن الهيثم أغطُس في كتابه «المناظر»، كأنني أقرأه أول مرة، وأصغي كالتلميذ الشاطر لشرحه «في كيفية أغلاط البصر التي تكون في المعرفة بحسب كل واحد من العلل التي من أجلها يعرض للبصر الغلط». وأجتهد لفهم «غلط البصر في المعرفة من أجل خروج شفيف الهواء عن عرض الاعتدال وعلته العلة في إدراك الجسم المتلون من وراء الثوب المشف ممتزج اللون بلون الثوب، الغلط في إدراك الخيال الذي يظهر من خلف الإزار والعلة في الغلط في مائيته». وعلّتي في مائية ثوب الحبيبة المشف ممتزج اللون بلون الثوب، الذي يظهر من خلف الإزار.

وإذا كنت أمزح، فهل غير المُزاح يفسر لماذا عاف أجدادنا فن الرسم، وكان يمكن أن يُبدعوا فيه من الحُسن والجمال ما لم تره عينٌ من قبل وبعد. لو أن قصائد امرؤ القيس، والمتنبي، والبحتري، وأبو تمام، وأبو نواس، وعشرات عباقرة الشعر العربي رُسمت لوحات يقرأها كلُّ الناس على اختلاف لغاتهم، لكانت مواردنا من هذه اللوحات تضاهي ثرواتنا النفطية، في حال لم ينهبها الغرب، أعني اللوحات. كم سعر «المتجردة» التي يعود تاريخها إلى القرن السادس الميلادي، لو أنّ النابغة الذبياني رسمها لوحة؛ «قامتْ تراءى بينَ سجفيْ كُلةٍ، كالشّمسِ يومَ طُلُوعِها بالأسعُدِ. أوْ دُرّة صَدَفِيّة غوّاصُها، بَهجٌ متى يَرَها يَهلّ ويسجدِ. أو دُميَة مِنْ مَرْمَرٍ مرفوعةٍ، بُنيتْ بآجرٍ تشادُ وقرمدِ. سَقَطَ النّصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَهُ، فتناولتهُ واتقتنا باليدِ».

(الاتحاد) الاماراتية

 

السعودية وثورة التعليم العالي

محمد عارف

ألا ليت كل ثورة في العالم العربي تثير من القلق، والسجالات، والخصومات، والمخاطر كالتي تثيرها ثورة التعليم العالي في السعودية. «أكبر تحدِ للملكة العربية السعودية -وهو بالتأكيد المسألة الرئيسية - كيف تحقق الأهداف التي وُضعت للبلاد عموماً، ولنظام التعليم العالي خصوصاً، دون تقويض الأسس الثقافية والدينية التي قامت عليها المملكة». هذه العبارة التي اختتمت أول كتاب يصدر بالإنجليزية عن التعليم العالي بالسعودية، كاللهيب ينبعث من مركبة فضائية لحظة ارتفاعها فوق منصة الإطلاق. قدّمَ للكتاب وزير التعليم العالي خالد العنقري، وساهم فيه 32 من أبرز الباحثين الأكاديميين السعوديين والأجانب. وتثير الدهشة معطيات الكتاب عن قفزات الجامعات السعودية من جامعة واحدة قبل نصف قرن، إلى 39 جامعة، منها 28 حكومية، و11 أهلية. ويبلغ عدد طلاب التعليم العالي حالياً مليون و200 ألف، 60 في المائة منهم بنات. وقفزت موازنة التعليم العالي ثلاثة أضعاف خلال خمس سنوات الماضية، وتبلغ حالياً 160 مليار دولار، وتعادل 12 في المائة من الموازنة العامة للبلاد. وموازنة البحث العلمي، أكثر من واحد في المائة. ومع أنها أقل من المعدل المطلوب للبلدان النامية، فالجديد فيها هو دخول القطاع الخاص والوقفيات ميدان البحث العلمي، باستثمارات تجاوز مجموعها مليار و400 مليون دولار.

وأكبر التحديات قفزات عدد طالبات التعليم العالي، من سبع طالبات فقط عام 1970 إلى أكثر من ثلاثة أرباع المليون حالياً، وهن يُشكّلن ربع عدد طلاب الماجستير والدكتوراه في الجامعات السعودية. والتحديات تلد تحديات «تعظيم فرص ومنجزات التعليم العالي للنساء». هذه حصيلة بحث فاطمة جمجوم، نائبة رئيس «هيئة تعليم البنات»، وأستاذة كرسي الرياضيات في جامعة الملك سعود بالرياض. ويعالج البحث المنشور في الكتاب الأسس الثقافية للفصل بين تعليم الإناث والذكور، «والذي يحول دون تحقيق المساواة بينهم». ويقللُّ الفصل حصة البنات من المواد المكتبية، ويحد من مشاركة الهيئة التدريسية النسائية في تخطيط ووضع المناهج، ويقلص فرصهن للاتصال بالعمادات ورؤساء الأقسام، ومتابعة المحاضرات المتميزة، ويضعف مقاربة المستويات والمهارات والتجارب المهنية، ويحرم الطالبات من القياس المنتظم للتعليم بشكل مماثل في الجودة لتعليم الطلاب.

والسعودية حسب المثل «يَا مَا عَليْها منِ الشّيْـل وتِحْتملْ». وبالظرف والدعابة «تشيل وتحتمل» السعودية حقوقها، حقاً فحقاً، و«تشيل» معها على الماشي حقوق الرجال. نقرأ ذلك في رسالة المبتعثة في لندن عزّه السبيعي المنشورة في صحيفة «الوطن أونلاين». تتحدث السبيعي بعفوية عن استيقاظها متألمة من الانفلونزا صباح «يوم المهنة» الذي تنظمه الملحقية الثقافية السعودية في لندن، ويغلبها شعورها بأن عليها الذهاب، ليس كمبتعثة، بل تلبية لرجاء زميلتها أريج العبيدي التي تعذّر عليها الحضور، وطلبت منها تقديم سيرتها الذاتية لـ«هيئة تقويم التعليم العام». وفيما تعرض السبيعي بحماس موضوع بحث دكتوراه زميلتها «معايير الجودة الشاملة في البناء المدرسي»، يتحول حوارها مع الوفد الحكومي القادم من الرياض إلى مسرحية كوميدية، تقول عنها إحدى المبتعثات: «جايين يتمشون في لندن ما هم جايين يوظفونا». وتضيف مبتعثة أخرى: «العام الماضي جيت وهذا العام جيت ونفس الكلمة؛ عبّوا أونلاين، طيب ليش جايين إنتم؟!».

وكما يقول المثل السعودي «يا ملقحْ النَخَل لقِّحْ رُوحكْ». تقرير الصحف السعودية عن الاحتفال بتخريج 1085 مبتعثاً سعودياً إلى الجامعات الأجنبية هذا العام، تصدّرته صورة المبتعثات، وليس بينهن سوى مُنّقبة واحدة، وهذا شيء مبشر، لكنه ليس أكثر إثارة للبِشر مما أعلنه التقرير عن أربع وزارات تنسق فيما بينها لإيجاد وظيفة لكل مبتعث. وزير التعليم العالي ذكر أن الموضوع لا يقلقه، وطالب بمشروع إحلال الوظائف التي يشغلها غير السعوديين، وقال إن «أبناء الوطن سيكونون أكثر تميزاً وعطاء عند منحهم فرصة شغل هذه الوظائف». والمطلوب من السعودية إيجاد وظائف لأكثر من 150 ألف مبتعث ومبتعثة يتلقون حالياً تعليمهم العالي في كبريات الجامعات العالمية ضمن برنامج الابتعاث الذي خرّج حتى الآن 55 ألف سعودي.

وكيف ستستوعب السعودية خلال سنوات قليلة أكثر من ربع مليون خريج من مبتعثيها إلى جامعات 30 دولة في العالم؟ هذا هو سؤال المليون دولار، كما يقول المثل الأميركي، وجواب الأكاديميين السعوديين عليه: إذا تحقق قد يدّر المليارات. يشير إلى ذلك تعليق سالم بن أحمد سحاب في صحيفة «المدينة» تحت عنوان «الجامعات.. هناك»، والذي ذكر فيه أن الجامعات «منارات للعلم والتنوير، وهي البناء الذي يقوم عليه الاقتصاد، والفكر الذي يتشكل حوله المجتمع والنموذج الذي يتطلع إليه الناس». وضرب مثلا بالجامعات الأميركية حيث «الجامعة في محيطها الشعلة المتّقدة التي تؤثر في المجتمع المحيط بها. وهي بؤرة نشاط اقتصادي، ومركز ثقافي تنويري، تستضيف النشطاء في عالم السياسة والمال والفكر والفلسفة، فلا أسوار في الغرب تحيط بالجامعة، ولا موظفي أمن يسألون الغادي والرائح».

موضوع الابتعاث في السعودية يصوره المثل «بَشِرْني وافلقني». وفلقات «بعض المشايخ -جزاهم الله خيراً- لم يشعروا يوماً بالقلق على مشاريع متعثرة تبعثر المليارات في الهواء الطلق، بل ذهبوا أكثر من مرة للديوان الملكي للتحذير من خطر مشروع الابتعاث». ذكر ذلك خلف الحربي في تعليق بصحيفة «عكاظ» تساءل فيه: «هل قيمنا الدينية هشة إلى درجة أن ما نغرسه منها في صدور الشباب عشرين عاماً يمكن أن يطير في عامين؟». ويقترح الحربي حل المشكلة في عنوان مقاله «ابتعثوا وفد المشايخ»، وفيه يعرض بجدية منافع الاقتراح «على الأقل حين تواجهنا مشكلة في المستقبل يمكننا أن نشكل فريقاً علمياً للبحث بدلا من تشكيل وفد للاحتجاج والاحتساب». والمشكلة الأخيرة للابتعاث أثارتها مبتعثة سعودية في كندا، أشيع أنها تزوجت من كندي غير مسلم. وظهر أن الموضوع «فرية أبريل» حسب عنوان تعليق محمد المسعودي في «الوطن أون لاين»، ذكر فيه أن السعودية «امرأة ناضجة في الثلاثين، تدرس في جامعة ميموريال، وتزوجت من شاب كندي مسلم اسمه إسماعيل أبو آدم ويعمل في مجال الدعوة»!

ثورة التعليم العالي تقوض السعودية أم العكس؟.. نجد الجواب في الاستنتاج النهائي للكتاب بأن التعليم العالي «يمثل ذروة التوتر بين أن تصبح السعودية مشاركاً قوياً مندمجاً في الاقتصاد العالمي والمجتمع الدولي، وبين الرغبة في الحفاظ على تقاليدها الثقافية والدينية، التي تمّت حمايتها حتى الآن بسياسات انعزالية بشكل أساسي». ويستشهد الكتاب بقول المستشار الأميركي «ماكس دي بري» في مواجهة قوة الضغوط لتغيير التعليم العالي؛ «نحن لا نستطيع أن نكون ما نريد أن نكونه بالبقاء كما نحن».

maref21@yahoo.co.uk

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

محمد عارف (الاتحاد)          

«يا سواسبولُ سلامُ.. وهيامٌ وغرامُ»

محمد عارف

«يا سواسبولُ سلامُ، لا يَنَلْ مجدك ذامُ». هكذا استّهل الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري قصيدة «سواسبول» التي نشرتها صحيفته «الرأي العام» في 7 يوليو عام 1942 «حين اشتداد المعارك الضارية في سواسبول، القاعدة البحرية السوفييتية الشهيرة خلال الحرب العالمية الثانية». وكتَبَ الجواهري اسم المدينة «سواسبول» بدلا من «سيفاستوبول» للضرورة الشعرية! والجواهري كالمتنبي رأى الضرورات التي لا يراها الآخرون. «يا سواسبولُ ووجهُ الدهر يَصحو ويُغامُ. مرَّ عامٌ كل يومٍ منهُ في التاريخ عامُ. كُلُّ آنٍ يسأل العالمُ: ماذا يا عِصامُ»؟

و«ماذا يا عصامُ» فعلته الثورة، والتي رحّب بها بوروز، الرئيس التنفيذي للوحدة الأوروبية، واعتبرها صفحة جديدة في دول المجموعة الأوروبية الثماني والعشرين، التي أثقلها الكربُ الاقتصادي، وتزايد شك الرأي العام بأهداف الوحدة الأوروبية؟ «وبعد مرور ثلاثة أشهر واستمرار الأوكرانيين الموالين لأوروبا بالتظاهر، يجد المنتصرون بلدهم مهدداً بالتقسيم من جانب روسيا، والاحتجاجات جلبت الحكاية القديمة من جديد؛ الحرب الباردة التي كل ما ستفعله تشديد انقسامات أوروبا، فيما تكشف الهوة ما بين الطموحات العالية والواقع الفظ للجيوساسات التي يمارسها بوتين». هذه حصيلة تقرير مراسل «نيويورك تايمز» في بروكسيل في ختام قمة المجموعة الأوروبية الأسبوع الماضي. «قمة الأمن النووي» في لاهاي التي أعقبتها لم تنزل العقوبات المتوقعة بروسيا، واكتفت بوقف عضويتها في «مجموعة الثمانية»، وهي «نادي النخبة بالمقارنة مع عمل مجموعة العشرين التي تحتفظ روسيا بعضويتها»، حسب وزير الخارجية الروسي.

والقمتان لم تسفرا عن خارطة طريق لخفض الاعتماد على الغاز الروسي، الذي «يحدُّ بشكل فعال من استقلالية أوروبا». قال ذلك رئيس وزراء بولندا، ووعد قبيل القمة بالتحدث «مع ميركيل بشكل صريح تماماً، وسأوضح لها أن سياسات المناخ والغاز الطبيعي تهدد أمن واستقلالية عموم أوروبا». وكما يقول المثل الألماني «لابد أن يكون البط بولندياً، فهو لا يتوقف عن الزعيق تاك تاك تاك». و«تاك» تعني «نعم» بالبولندية، و«تاك» ألمانيا تحصل على ثُلث غازاتها من روسيا، و«تاك» بولندا 91 في المائة من غازاتها من روسيا، ولتوانيا 92 في المائة، وسلوفاكيا 98، وبحساب أسعار شراء الغاز الروسي تحتل ألمانيا المرتبة الأولى بـ103 مليارات دولار، وبعدها هولندا بـ99 ملياراً، وبولندا بـ20 ملياراً. (يوروستات- خدمات معلومات التجارة العالمية).

ومشكلة أوروبا مع روسيا أكبر من الغاز الروسي الذي تدّعي دول الوحدة أن حاجتها إليه تحدُّ «قرارات ينبغي اتخاذها ضدها لضّمها أراضي أوكرانيا». مشكلة أوروبا مع روسيا مشكلتها مع نفسها، ومع قارة آسيا. فروسيا «بيضة القبان» في القارتين؛ أنّى تميلُ يميلُ القُبّان، هكذا منذ تأسيس دولة «روسيا كييف» في القرن العاشر الميلادي، وأفضل من يفهمها جارتها ألمانيا التي خاضت ضدها حربين عالميتين مهلكتين، قُتل في الثانية منهما 26 مليون روسي، وهو رقم لا مثيل له في التاريخ، ولا يدرك حجمه الفادح سوى القاتل والقتيل. وكما يقول دوستوييفسكي «المعاناة هي الأصل الوحيد للوعي». ولم يعِ العالم بعدُ معاناة الروس من انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي قام أصلا للحيلولة دون انهيار الإمبراطورية الروسية القائمة منذ قرون. وروسيا اليوم كبطل رواية تولستوي «الحرب والسلام» وقد استعاد وعيه بعد المعركة فوجد نفسه حياً: «ها أنا حيٌ، وهذا ليس خطأي، وعليّ إذن أن أمضي بأحسن ما أستطيع دون أن أؤذي أحداً حتى يحل الموت».

و«قبل أن ننتقد الرئيس الروسي، على الغرب أن يُقرّ بتاريخ خياناته لروسيا»، ذكر ذلك الكاتب البريطاني جيفري ويتكروفت في «الجارديان» وتحدث عمّا ارتكبه الغرب منذ انهيار الاتحاد السوفييتي قبل أكثر من 20 عاماً: «كل ما يمكن تصوره من أخطاء في التعامل مع روسيا. واعتُبرت أي محاولة لروسيا لحماية مصالحها القومية استفزازاً، بينما الاستفزاز جاء من الغرب». وتساءل ويتكروفت ما إذا «كان الروس هم الذين غزوا باريس عام 1812»، في إشارة إلى غزو نابليون روسيا، و«ما إذا كان الروس هم الذين غزوا برلين عام 1941»، في إشارة إلى الاجتياح الألماني لروسيا. وندّد بما سماه «غباء الناتو» في التوسع نحو الشرق منذ التسعينيات. «ورغم وعد بوش الأب لجورباتشوف بأن لا تُلحق بلدان المعسكر الشرقي بالناتو، فعل ما هو أسوأ من ذلك؛ ألحَق دول البلطيق السوفييتية بالناتو».

والآن أكبر أخطاء ألمانيا حساباتها الخاطئة لقوة روسيا، حسب هيلموت كول، المستشار الألماني السابق، الذي صرّح لأوسع صحف ألمانيا انتشاراً، وهي «بيلد»، بأن «أخطاءً جسيمة ارتكبت في السياسة تجاه أوكرانيا». واعترف كول ضمنياً بالتحكم بسير الأحداث في أوكرانيا، حين قال: «متابعة مزاج الثورة في أوكرانيا لم يكن ذكياً، ومثله عدم الحساسية في التعامل مع الجار الروسي، وخصوصاً مع بوتين». وأضاف: «لا نستطيع نسيان أن الحرب ليست سياسة».

و«من دون معرفة مَنْ أكون، ولماذا أنا هنا، فالحياة مستحيلة»، قال ذلك تولستوي، وعلى أوروبا الغربية أن تعرف من تكون في تعاملها مع روسيا، وكذلك مع الصين، وبلدان المسلمين؛ إما إمبريالية، أو متحضرة، ولا يمكن أن تكون الاثنين معاً، كما فعلت وتفعل في العراق، وأفغانستان، وباكستان، وليبيا، وسوريا، واليمن، ولبنان، وقبل وبعد كل شيء فلسطين. لا يمكن أن يمضي الغربُ في تدمير الدول والشعوب ثم ينشئ صناديق خيرية لإعادة بنائها، ويلقي باللوم على القتلة واللصوص الذين سلّمهم مصائر هذه البلدان.

في وسط روسيا، حيث مركز خطوط السكك الحديد التي تربط روسيا الأوروبية، وسيبريا، والقوقاز، وأوكرانيا، تقع مدينة «فورونيش»، وفي جامعتها تمثال نصفي للجواهري، أقامه «مركز الدراسات العراقية الروسية». ومفاجأة المركز الذي يرأسه الأكاديمي العراقي ضياء نافع، أن يحمل مخطوطة قصيدة «سواسبول» إلى الكرملين، ومعها مجموعة رسوم الفنان ضياء العزاوي لقصائد الجواهري، تحمل توقيع الجواهري نفسه. و«بالله عليكم توقفوا لحظة، كُفّوا عما تفعلونه، وانظروا حولكم». قال ذلك تولستوي. ولو توقفنا، ونظرنا حولنا سنجد أجمل نساء العالم في أوكرانيا، وأحكي عن معرفة، فقد درستُ مع الأوكرانيات في جامعة «بطرسبرغ»، وسافرتُ معهن إلى «كييف»، وصيّفْتُ على سواحل البحر الأسود في شبه جزيرة القرم، وأبحرتُ مرتين من ميناء أوديسا جنوب أوكرانيا بباخرة روسية عبر موانئ البحرين الأسود والمتوسط إلى الإسكندرية، وبيروت. ولا أعني أن العراقيات ونساء العرب أقل جمالا من الأوكرانيات، لا، فمع تقدم المعرفة نعرف أن ليس هناك أجمل من جميع نساء العالم. «يا سواسبولُ؛ سلامُ، وهيامٌ وغرامُ. وتسابيحٌ تُغنًّي بكِ ما غنّى حمامُ. يا سواسبول سينجابُ من الشرِ قُتامُ. وستستيقظُ أجيالٌ على الذُل نيامُ».

* مستشار في العلوم والتكنولوجيا   (الاتحاد)

 

عـاشـقُ الـعـراق

 خارج المتاهة الكونية

محمد عارف

بعد نصف قرن من عمله كعضو في البرلمان البريطاني، تقاعد «توني بَينْ» عام 2001. آنذاك قالت زوجته: «الآن يمكنك التفرغ للسياسة». مُزحة، لكنها جدية، فالسياسة التي مارسها منذ خروجه عن النظام السياسي، وحتى وفاته الأسبوع الماضي (عن عمر 88 عاماً) كانت أكثر سياسية منذ انتخابه لأول مرة عضواً في البرلمان، وهو في الخامسة والعشرين. وفي مناصبه الوزارية كانت أحد أكثر ملامح عمله كآبة «هو الذهاب إلى البرلمان كل أسبوع للدفاع عن عجز الجهاز الإداري الضخم للبلاد، وإخفاقاته». ذكر ذلك في مذكراته «خارج المتاهة» التي صدرت عام 1987. وبعد اعتزاله السلطة توالت مذكراته في الصدور بمعدل كتاب كل عام، وخرج بالسياسة من تحت قُبة البرلمان وأروقة الأحزاب إلى الميادين العامة، وأسس حركة «لا حرب على العراق» التي نظمت أكبر تظاهرة في تاريخ بريطانيا تجاوز عدد المشاركين فيها المليونين.

وتثير الحبور محاضرات «بَينْ» العامة، وحواراته التلفزيونية، كالمقابلة التي اتّهم فيها «بي بي سي» بمحاباة إسرائيل، وانتقد مقاطعتها حملة التبرعات لـ«صندوق إغاثة أطفال غزة»، وذكر رقم حساب الحملة، وعندما اعتذرت المذيعة بأن ذلك موقف «بي بي سي» الرسمي من حملات جمع التبرعات عموماً، قال: «أنتم حتى لا تذكرون رقم حساب الحملة»، وأعاد ذكره بالكامل، قالت المذيعة «ها أنت ذكرته مرتين»! قال: «بينما أنتم لم تذكروا حتى مرة واحدة الرقم»، وأعاده ثالثة! هذا الأرمل المرح كَرّس كتابه الأخير «لهب أشعة شمس الخريف» لزوجته كارولاين التي توفيت بالسرطان، وقال عنها أجمل ما يقوله زوج عن زوجته: «في حياتها علّمتني كيف أعيش، وبوفاتها علّمتني كيف أموت».

وإن لم يوفق «بَينْ» في وقف الحرب ضد العراق، وتحرير بريطانيا من الرأسمالية، فقد «حقق مهمة لا تقل صعوبة، وهي تحرير نفسه»، حسب الكاتب البريطاني «غريك براون». وفعل «بَينْ» ما لم يجرؤ على فعله أيّ زعيم عالمي، بما في ذلك «بابا روما»، الذي تراجع قبيل الغزو عن عزمه الذهاب إلى مكان مولد إبراهيم الخليل في العراق. «بَينْ» فعل ذلك، وحمل إلى صدام حسين السؤال الذي كان العالم كله ينتظر جوابه: هل يملك العراق فعلا أسلحة الدمار الشامل؟ المقابلة المتلفزة مع صدّام اخترقت الستار الحديدي الإعلامي المفروض على العراق، ونقلت للعالم مباشرة التساؤل الساخر للرئيس العراقي: «هذه الأسلحة ليست أقراص يمكن إخفاؤها في الجيب. هذه أسلحة دمار شامل، ويمكن بسهولة معرفة ما إذا كان العراق يملكها أم لا». حدث ذلك قبل يوم من تلويح وزير الخارجية الأميركي كولن باول في «مجلس الأمن» بقارورة صغيرة، ادّعى أن ما يعادلها من سلاح جرثومي يملكه العراق يمكن أن يدّمر العالم.

«رجل التاريخ»، و«المُدافعُ الذي لا يكلُّ عن الاشتراكية»، و«أخطر رجل في بريطانيا»، و«الفخر الوطني لبريطانيا»، و«آخر عمالقة السياسيين الراديكاليين».. هذه بعض عبارات نعي «توني بَينْ»، وبعضها قاله زعماء محافظون، كعمدة لندن جونسن الذي وصفه بـ«الديمقراطي العظيم». وانفرد «بَينْ» بين زعماء السياسة بما يقول عنه كريغ: «كان يسمح لنفسه بأن يبدو كبشر ملؤه الضعف والقلق، تُوازنُ ذلك قدرة يُحسدُ عليها في الحب والبهجة». وكان حبه للعراقيين موازنته القلقة في مواجهة الآلة الرهيبة للإعلام الغربي المُجيَّشة ضد العراق، والتي استهدفته شخصياً. ذكر ذلك مرات عدة في كتابه «مفكرة بَينْ 2001-2007»، وقال مازحاً: «من حسن الحظ أن التلفزيون لم يصور المشاعر الحميمة التي أبداها صدام حسين، وتمنياته الحارة بأن أكرر سفري إلى بغداد»!

لقد «أصبح العالم أصغر منذ توفي بَينْ». هكذا نعاه المؤرخ البريطاني هينيسي. وأصغر الجميع خصومه السياسيين، الذين يعتبرونه مسؤولًا عن إخفاقات «حزب العمال»، واليسار البريطاني، وبينهم زعماء حزبه العمالي؛ نيل كينوك، ودينيس هيلي، وروي هاترسلي، وشيرلي وليامز. جميعهم يحملون لقب «لورد»، أو «بارونه»، و«بَينْ» بدأ حياته السياسية بمعركة قضائية استغرقت أربع سنين للتخلص من لقب لورد الذي ورثه عن أبيه وحرمه من عضوية البرلمان. وتكلل فوزه في المعركة ضد القضاء البريطاني بحدث تاريخي؛ تعديل الدستور.

وشكوى زعماء حزب العمال من «بَينْ» قديمة منذ قال عنه رئيس الوزراء هارولد ولسن عند توليه وزارة البريد، وهو في الـ38، «بَينْ يقلُّ نضجه مع العمر». وهذا صحيح بالمقياس التقليدي، الذي لا ينطبق على سياسي بدأ حياته بالمقلوب، من مجلس اللوردات حيث يختتم السياسيون حياتهم بالعواء الهادئ، مثل «كلاب البودل» حسب اللورد لويد جورج. لقد اكتشف «بَينْ» في وقت مبكر العمر الضائع في الحكم حين قضى ثلاث سنوات مشغولا بقضية واحدة، وهي تحسين تصميم الطوابع البريدية. كانت مشكلة مصممي الطوابع هي صورة رأس الملكة التي ينبغي أن تُزيّن كل طابع، وانخرط «بَينْ» في معركة طويلة مع مسؤولي هيئة البريد، وموظفي القصر الملكي، وأثار الموضوع حتى مع الملكة نفسها، مزعجاً إياها بسيل من التصاميم المقترحة للطوابع. ولم يتراجع عن موقفه، إلا بعد أن أقنعه رئيس الوزراء بأن «الملكة امرأة لطيفة»!

هل كانت المعركة «الدونكيشوتية» لتغيير تصميم الطوابع تعبيراً لا واعياً عن تفادي «بَينْ» حرب فيتنام آنذاك، والتي أيّدت فيها حكومته التدخل الأميركي، وتجاهله نذر الانكماش الاقتصادي في بريطانيا، والتواطؤات مع النظام العنصري في جنوب أفريقيا، والأزمة السياسية والروحية لحزب العمال؟ كان ذلك محور تفكيري عندما حاورتُه عام 1988 في منزله في «نتنغ هيل غيت» بلندن، ونشرت مقاطع من الحوار مجلة «الثقافة العالمية» الصادرة عن «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب» في الكويت، وكنتُ آنذاك مراسلها في لندن.

وفي الحوار مع «بَينْ» أدهشني أن إيمانه بالاشتراكية لا يعود إلى ماركس، بل إلى الفطرة الدينية. و«الإيمان شيء مستعد لتموت من أجله، والعقيدة شيء مستعد لتَقتُلَ من أجلها». وقال لي: «المجتمع الغربي يقوم على أساس أن الحياة غابة يسود فيها القوي على الضعيف. وإذا عدنا إلى تعاليم مختلف الأديان، فسنجدها تقوم في الجوهر على فكرة الاعتماد المتبادل بين البشر والواجب الأخلاقي لكل منهم تجاه الآخر. كل الأديان تتحدث عن الخيار بين طريق الله وطريق الطمع، أو بين طريق الله وطريق المال. ونحن في مجتمع تُقام فيه كل يوم صلوات عبادة المال». واختُتِم الحوار المنشور بقول الشاعر الإنجليزي هولدرين: «يا أصدقائي لقد جئنا متأخرين جداً، فماذا يفعل الشعراء في زمن المحنة». وتساءلتُ: «هل جاء توني بَينْ متأخراً جداً أم متقدماً جداً؟». ولم أعثر طوال ربع قرن على الجواب، الذي رحل مع «بَينْ» خارج متاهتنا الكونية.

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا   (الاتحاد) الاماراتية

 

   

حرب الفلوس العالمية الأولى

محمد عارف

«الأسرار الكبرى يعرفها العالم كله»، يقول ذلك المثل الروسي، وحِرصُ بريطانيا على أن يعرف العالم كُلُه أسرارها الكبرى كوميديا. عدسة صحفي صوّرَت «صدفة» ثلاثة سطور من وثيقة سرية يحملها مسؤول بريطاني ماراً «صدفة» إلى اجتماع «مجلس الأمن القومي» في مقر حكومة لندن. وهكذا أعلنت بريطانيا «صدفة» أنها لا تفكر في تقليل حجم تجارتها مع روسيا، ولا تمنع الروس من الوصول إلى سوق لندن المالية، وتستبعد أي حديث عن رد فعل عسكري في حال تعمّقت الأزمة في أوكرانيا. ومع نهاية الأسبوع الماضي تساهلت لندن حتى مع دخول قوات روسية عسكرية شبه جزيرة القرم، ذلك «لأن لشبه جزيرة القرم ذات الحكم الذاتي تاريخ مختلف عن باقي أجزاء أوكرانيا، والأثر الروسي فيها واضح جداً، وليس أقلها وجود البحرية الروسية في البحر الأسود». صرّح بذلك «كليج»، نائب رئيس وزراء بريطانيا، واعترف بشكل غير مباشر بأن القرم روسية لكنها «صارت جزءاً من أوكرانيا عندما منحها لها خروتشوف».

ولمعرفة ما ستنتهي إليه العلاقات بين أوكرانيا وروسيا ينفع المثل الروسي «التفاحة لا تسقط بعيداً عن شجرة التفاح». وعلاقة التفاحة والشجرة التقطتها الفضائيات في تقارير عن مواجهة بين جنود أوكرانيين وروس، حمل خلالها الأوكرانيون رايتين؛ واحدة أوكرانية والثانية سوفييتية، إشارة إلى أخوة الشعبين التي تصون الدماء. وأخوة الروس والأوكرانيين أقدم من الاتحاد السوفييتي بأكثر من ألف عام. الباحث العراقي المقيم في روسيا «عبدالله حبه» تناول في دراسة شيّقة عنوانها «أوكرانيا: مأساة شعب أم شعبين!»، قيامَ أول دولة روسية في القرن العاشر الميلادي اسمها «كيفسكايا روس» أي «روسيا كِييف». وأدّى الاجتياح المغولي في القرن الرابع عشر ميلادي إلى تقسيم روسيا ثلاثة أقسام، وهي «روسيا العظمى» و«روسيا البيضاء» (بيلوروسيا)، و«روسيا الصغرى» التي أصبح اسمها فيما بعد «أوكرانيا»، وتعني بالروسية «الأطراف». وعلى غرار ما حدث للعالم العربي بعد انهيار الدولة الأموية في الشام والأندلس، ثم العباسية في العراق، تقاسم الغزاة روسيا خلال عشرة قرون حتى قيام الحكم السوفييتي الذي جمعها في دولة موحدة، عادت وتَقَسّمَت بانهياره.

والحرب العالمية الجارية للفوز بأوكرانيا حرب فلوس، استهلتها روسيا بتخصيص 15 مليار دولار لأوكرانيا، وتصدّت لها أوروبا بتخصيص 15 مليار يورو، ولوّحت واشنطن برزمة مليارات من الدولار. وخصّص «البنك الدولي» ثلاثة مليارات دولار لأوكرانيا. وكل الحروب حروب فلوس، لكن هذه أول حرب سلاحها الفلوس، ولا تهدر فيها سوى الفلوس. وفيما يلي أحدث تطورات الوضع الميداني لحرب الفلوس: بوتين تراجع عن غزو شرق أوكرانيا بسبب انخفاض سوق الأسهم الروسية بنسبة 12 في المائة، التي استعادت 6 في المائة من قيمتها عندما أعلن بوتين أنه لا يرى ضرورة للتدخل العسكري. و«حذار من سوط الجيوسياسة على الأسواق»، حسب عنوان تقرير «نيويورك تايمز» عن أرقام قياسية حققتها أسعار أسهم أوكرانيا التي ارتفعت بنسبة 17 في المائة، والروسية بنسبة 6 في المائة. لكن التقرير حذّر من الإقبال الكبير على الشراء في آجال قصيرة، ونصح بألا تقل فترة التوظيف عن خمسة أعوام، ولا تتجاوز نسبة الأسهم الأوكرانية والروسية وغيرها من أسهم الاقتصادات الصاعدة، 10 في المائة من محفظة الاستثمارات المالية.

ولا يُعرف الغالب والمغلوب في حرب الفلوس العالمية الأولى. روسيا أكثر تعرضاً لتقلبات أسواق الأسهم العالمية، لأن حكومتها تملك معظم أسهم أكبر شركاتها، كعملاق النفط الروسي «غازبروم»، إلا أن الأسهم الروسية تتعامل بها بورصات نيويورك، ولندن، وبرلين، وباريس، ونصف حاملي أسهم «غازبروم» أميركيون، ومصرف مدّخراتها هو «نيويورك ميلون». والعديد من شركات روسيا ومصارفها مندمج تماماً بالنظام المالي العالمي. عملاق صناعة التعدين «جلينكور إكستراتا» في سويسرا الذي يعقد حالياً صفقة مع شركة النفط الروسية «روسنيفت» حقق موارد في العام الماضي بلغت 176 مليار دولار، وهذا أكبر من إجمالي الإنتاج الوطني لأوكرانيا، وفق «البنك الدولي».

و«لا تشدّ قوسك قبل أن تُرّكب فيه السهم»، حسب المثل الروسي، وقوس الاقتصاد الروسي تشدُّه الطاقة، وتحتل روسيا فيها المرتبة الأولى عالمياً، وسهامها صناعات غذائية عملاقة مثل «ماكدونالد»، و«بيبسي كولا» التي يحقق مصنعها قرب موسكو 5 مليارات دولار سنوياً، ويعادل هذا 7 في المائة من إجمالي موارد «بيبسي كولا». وأهمية السوق الروسي كبيرة بالنسبة لصناعات أوروبا الغربية، مثل سيارات «رينو» الفرنسية، و«بورش» الألمانية. واقتصاد الوحدة الأوروبية مشتبك بالاقتصاد الروسي. وروسيا أكبر شريك تجاري لأوروبا، وحجم أعمال أوروبا في روسيا يعادل نصف تريليون دولار، وأكثر من نصف الاستثمارات الأجنبية في روسيا مصدرها الشركات متعددة الجنسيات الأوروبية. هذا يعني أن أذى العقوبات لن يصيب روسيا وحدها، بل أيضاً الدول التي تفرض عليها العقوبات، حسب رودزيانكو رئيس غرفة التجارة الأميركية الروسية.

وأكثر ما يقلق واشنطن ليس تأرجح أسواق الأسهم، بل خطر خيانة ألمانيا، فهي تجهل ما تفكر به الأخيرة، منذ أوقفت تنصتها على هاتف ميركل! وألمانيا تعتمد بالكامل تقريباً على تجهيزات الطاقة الروسية التي تشكل ثلاثة أرباع استيراداتها من الغاز والنفط. و«تملك ألمانيا التي تمثل المحرك الاقتصادي لأوروبا مفتاح التفاهم الدائم مع روسيا، وهي من أكبر الشركاء التجاريين لروسيا التي لعبت دوراً مهماً في بروز ألمانيا كقوة اقتصادية عظمى خلال العقد الماضي»، حسب «نيويورك تايمز» التي أشارت إلى علاقات روسية ألمانية عميقة وراء إطلاق موسكو سراح الملياردير النفطي خودركوفسكي عشية الدورة الأولمبية في سوتشي. و«يدل الدور الغامض الذي لعبته برلين في ذلك على عمق العلاقات الوثيقة بين ألمانيا وروسيا اللتين كانتا صديقتين أو عدوتين لقرون عدة، لكنهما كانتا دائماً جارتين قريبتين، ولهما روابط خاصة عميقة». وتنأى ألمانيا عن خطة واشنطن لفرض عقوبات كاسحة على روسيا، وإنهاء عضويتها في مجموعة الثماني. وتؤيد موقف ألمانيا العديد بلدان الاتحاد الأوروبي، التي نالت لذلك السبب شتيمة بذيئة أطلقتها مساعدة وزير الخارجية الأميركي فكتوريا نولاند، أثناء محادثة هاتفية سَرَّبت تسجيلها المخابرات الروسية إلى الصحافة العالمية.

والشعوب حظوظ. فلو كان العراقيون محظوظين كالأوكرانيين بحرب الفلوس العالمية لفازوا بثلاثة تريليونات دولار، أهدرت على غزوهم واحتلالهم وقتلهم، وكان تريليون دولار منها كافياً لإنشاء دولة عصرية خضراء نظيفة، جميع سكانها متعلمون، وبناء شبكات صناعية وزراعية، ومتنزهات، وأسواق حرة، وجامعات عالمية وإقليمية على امتداد حدود العراق مع السعودية، والكويت، والأردن، وسوريا، وتركيا، وإيران. والتساؤل عما إذا كان النظام السابق سيوافق على ذلك لا يُقدِّر ذكاء وحيلة العراقيين، وقدرة الفلوس.

مستشار في العلوم والتكنولوجيا

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

يـوم نساء العرب «الأجنبيات»

محمد عارف

 

«في المطارات نولد وإلى المطارات نعود». هكذا استّهلت الكاتبة العراقية عالية ممدوح روايتها «المحبوبات». نالت الرواية «جائزة نجيب محفوظ للآداب» عام 2004، وجائزتها الأثمن محبوباتُها. «نحن النسوة، إننا نستطيع البكاء والتحدث ونحن مُجتمِعات تقودنا تلك الأحداث إلى التذكر، لا أحد يلاطفنا كما يجب، الملاطفة نوع من العلاج. لا، لم نبالغ، لكننا نتحدث كثيراً بما حصل لنا ولهم، وربما سيحصل. فحين تكون إحدانا بعيدة عن الباقيات نعتقد أن لا أمل لنا، لكن ما إن نجتمع معاً، حتى لو كان الحديث عن غيرنا بدافع النميمة، وإطلاق الشائعات، حتى نكتشف أن بعضنا، لا، كلنا، في حاجة إلى مساعدة».

والسيرة الروائية لعالية ممدوح، التي صدرت أخيراً بعنوان «الأجنبية»، تذكر المحبوبات بالأسماء، ومعظمهن أديبات، وكاتبات معروفات مغتربات، مثل نهلة الشهال، وإنعام كجه جي، وإقبال القزويني، ومي غصوب، وحنان الشيخ، وفادية فقير، وحميدة نعنع، وليانة بدر، وسلوى بكر، وهدى بركات، ونادرة الديب.. قبيلة نساء العرب «المابعد الكولونيالية، المابعد الحياة والموت، المابعد العراق وليبيا، تونس وسوريا، المابعد مصر واليمن، المابعد الخرائط والحدود والدول، المابعد العمر الذي اكتوى وخسر جميع ما مرّ من الحقب الدموية».

«بيت الطاعة» أول فصل في «الأجنبية» وفيه نعرف أن زوجها أقام عليها دعوى قضائية واعتُبرت «ناشزاً» لأنها ترفض العودة إلى «بيت الطاعة» في بغداد. وعندما تكون «الناشز» مثقفة عراقية مستقلة الرأي فهي مهددة، ليس فقط بفقدان حقوقها الزوجية، وجواز السفر، وإقامتها في باريس، بل أيضاً فقدان الحماية الأيديولوجية. والفاقد للحماية الأىديولوجية تعاديه غريزياً الأيديولوجيات، السياسية، والحزبية، والمذهبية، وهذه جائزتها العراقية. «تحولتُ أنا بشخصي الفيزيائي إلى نصّي المعزول الممنوع. أنا المخطوطة التي اندحرت وقامت فحضرت من تلك المدينة المجنونة بغداد، ومن الأعظمية وأنا أدور في الطرقات باحثةً عن آنساتها الجميلات المقتولات كما في رواية الغلامة».

و«الغلامة» التي صدرت عام 2000 خريطة طريق نساء العرب «الأجنبيات» في الربيع العربي. هذه الخلطة النسائية العراقية الفتانة والفتاكة مطبوخة على حرائق ثورات، وانقلابات، واعتقالات، وتعذيب، واغتصاب، وقتل، وتشريد. لقد أعدّت الروائية العراقية «خبيصة» اللغة والأسلوب، وطبخت بها الرواية، ولعله العكس، عثرت الطبخة على الروائية العراقية «الخبيصة»، وطبختها. «تُخْرُطْ على كيفها»، حسب التعبير البغدادي، أي تتدفق حرة دون قواعد وأسلوب الكلام، فلا تعرف ما إذا كانت تتحدث بالفصحى أم العامية، عندما تكتب: «كنتُ أَبريْ الكلمات كما هي رؤوس الأقلام وأبدأ بالتدوين».

وبالخبيصة تدوّن أحداثاً تاريخية كصبيحة ثورة 14 تموز 1958. «بدأتُ بِقَطع اللحم بسكيني التي أعلقها مع المفاتيح. أخذتُ مع الذراع قطعة لحم صغيرة. وكان الناس يقطعون مثلي، والوصي يتدلى أمامنا وينتقل من هذه اليد إلى ذلك الكف»، الحديث يدور حول سلخ الجماهير الهائجة جثة عبد الإله، الوصي على عرش العراق. والمتحدث معاون الشرطة جميل يستعيد بعد سنوات ما فعله. «أخرجتُ منديلي الأبيض ووضعتُ اللحمة البائتة داخله، لفلفتها بصورة مستعجلة واحترتُ أين أضعها». وعندما وصل منزله أراد مسح العرق وأفرد المنديل سقطت تلك القطعة على الكاشي. «كانت تشبه الدودة». أخته فريدة «التفتت بغتة كمن يريد الاستفراغ». وأطلقت صوتها الداوي في طريقها إلى الكنيف: «روح اغتسل وصلّي واقرأ القرآن عسى الله يغفر لك. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».

وعالية لا تسرد الرواية، بل تخاطب بها العالم، كالعراقيات، غاضبة، أو مزدرية، وقلّما تحاور. وكيف تسرد أو تحاور مِن على «تخت» التعذيب، والاغتصاب. رواية «الغلامة» تبدأ داخل «النادي الأولمبي» ببغداد الذي تحول عقب انقلاب 8 شباط عام 1963 إلى مقر اعتقال المثقفين اليساريين العراقيين والتحقيق معهم. مشاهد ليست شنيعة فقط، بل مقذعة وهزلية، ودموية، كلوحات «الجحيم» للفنان الهولندي بروغيل في القرن السابع عشر. عالية ممدوح صوّرت بالكلمات «الجحيم» الذي لم تُقاربه أعمال الفن العراقي، ولا اقتربت منه أدبيات الأحزاب السياسية المشوشة الذاكرة. «الدكتورة أنيسة تكوَّم حولها وفوقها ثلاثة على ما أتذكر، وهي تُرفس وتلبط بين أيديهم. أغمي عليها وبدأت بالتلاشي ثم خرّت بلا حراك على الأرض». و«الشاعرة عفراء تنطلق بقراءة أبيات من الشعر العمودي في حماس: فأنتم عضاريط الخميس إذا غزوا، غناؤكم تلك الأخاطيط في الترب».

بطلة الرواية «صبيحة»، معصوبة العينين يُلهيها انقضاض طائرات الانقلاب عن الانتباه إلى أنها تُغتصب. «الطائرات عادت للانقضاض ثانية ويد أحدهم على خدي. يد حيوان ترتعش وتهتز فخدعتني، ولأول مرة يبدأ صراخي المدوي، لكنه هو أيضاً بدأ صراخاً كالزئير. وفي ثوان.. بدأت أضحك وأعول وأصرخ وهو يحاول فك أسر يدي. أتحشرج وأغص بصوتي، ووقعُ أقدام. قامات تتكوَّم حولنا وفوقنا، وهم يوسعونه ركلا وسباباً فاحشاً. كان على وشك أن يقول شيئاً وهو يُجرُّ ويسحب من أمامي».

السبت المقبل يوم المرأة العالمي، وكلها أيام نساء العرب «الأجنبيات». «كل ما حولك نسوان. نسوان مدونات في خرائط المدن، مطلوبات حتى يوم الدينونة. يطرن، يتمهلن، يزحفن، يسمعن الشائعات ويخفن من الطواف في المناطق الحرام: الرجل». هكذا نساء عالية ممدوح، منذ روايتها الأولى «حبات النفتالين» التي صدرت عام 1986 وتُرجمت إلى عدة لغات عالمية. تضمنت الرواية فصلاً عن حمّام النسوان يضاهي بسحره لوحة الفنان الفرنسي «انغرز» المشهورة «الحمّام التركي». لوحة الحمّام العراقي رسمتها بالكلمات طفلة عراقية استيقظت مبكراً أنوثتها وموهبتها، حيث «لا متاريس في الحمّامات العراقية، الحدود مفتوحة واللغة الوحيدة التي يتخاطب بها الجميع: اللمس. كأنّ جميعهن محتجزات وراء السماء واليوم نزلن إلى أرض الحمّام».

و«التَشَّهي» (2007) رواية عالية ممدوح الوحيدة التي يحتل فيها الرجل الدور المركزي. «سرمد» مثقف عراقي يساري مقيم في لندن مصاب بضمور الذكورة. «البيضاوية» صديقته المغربية تأسى لحاله. «اسمع يا سي سرمد، التَشهي في هذه المرحلة يحتاج إلى شيء لا أعرف تسميته. سرمد، مدينتك تدك دكّاً وأنت غير قادر على.. غير كنقول الله غالب يا حبيبي».

«ضمور الذكورة» رمز الأزمة السياسية والأخلاقية لليسار العراقي الذي تعاون مع الاحتلال الأميركي. وكان ينبغي أن نتوقع انتقام الروائية العراقية عندما قرأنا دعاءها في فاتحة رواية «الغلامة»: «اللهم دعني في حيّز اليأس كي لا يتم إنقاذي. اللهم لا تدعني أتساوى لا مع الغالب بمثقال ذرة، ولا مع المغلوب بدرهم رغوة. اللهم دعني أتعلم الحراسة على الشقاء كي أسدد بها إيجار روحي.. اللهم آمين».

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

(الاتحاد)

 

قـصـة امـرأتـيـن

إنجليزيتين مع العراق

محمد عارف

 

تعيين رئيس حكومة بريطانيا البارونةَ «أيما نيكلسون» مفوضة لزيادة التجارة والتعاون الاقتصادي بين بريطانيا والعراق، يماثل في عبثه تعيينها من قبل رئيس وزراء العراق مستشارته الفخرية للصحة. وإذا أمكن تعيين مستشارة صحية لا تملك شهادة في الطب، فما المانع من زيادة التجارة والتعاون الاقتصادي من دون زيادة في التجارة والاقتصاد! وهذه «نكتة» بريطانيا المستعصية، وسبب حربيها ضد العراق خلال العقدين الماضيين. البارونة «نيكلسون» ساهمت في المجهود الحربي بحملات دولية تؤكد امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل. وعندما افتضحت الأكذوبة بعد احتلال العراق عام 2003 لم تعتذر البارونة للعراقيين، ولم تدع لتعويضهم عما لحقهم من أضرار.

وقيمة اللقب النبيل الذي تحمله البارونة من دون نبالة الصدق والنزاهة والتعاطف، كقيمة «مجلس الأعمال العراقي البريطاني» الذي أنشأته، فيما اقتصاد بريطانيا يشرف على الانمحاء. معلومات مفزعة عن ذلك نشرتها «موني ويك»، أكثر مجلات المال البريطانية رواجاً. عنوان تقرير المجلة «نهاية بريطانيا»، ويمكن قراءة نصه الإنجليزي في موقعها على الإنترنت، وفيه تعرض المعطيات الإحصائية للدين البريطاني العام، والذي تجاوز لأول مرة في تاريخها التريليون دولار. خطة التقشف التي أعلنها رئيس وزراء بريطانيا تحتاج إلى استدانة أكثر من تريليون دولار إضافية خلال السنوات الثلاث القادمة، وهذا يعادل مجموع الدين البريطاني العام خلال مئة عام الماضية.

تلك الديون «الفلكية» التي ساهمت في تراكمها حربان على العراق يصعب تصورها، كما يصعب تصور كلفة تأمين سلامة البارونة خلال وجودها في البلد الذي تعمل لزيادة التجارة معه، وتحسين صحة سكانه. فأمن وسلامة الناس كأمن وسلامة المال لا تضمنها مجالس الأعمال في لندن، بل مجتمعات بغداد المحلية، التي عثرت فيها على الحب والأمان «فريا ستارك»، أشهر امرأة رحالة إنجليزية في الشرق الأوسط اجتازت «الأبواب الجنوبية لشبه الجزيرة العربية»، وهو عنوان كتابها عن رحلتها لحضرموت. «تخطيطات بغداد» عنوان كتاب رحلتها إلى العراق، وإقامتها في بغداد في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث عثرت على الحب والبهجة والأمان في أحد أفقر أحياء بغداد التي اختارت العيش فيها «لرخص العيش هناك، وأنا فقيرة، وديمقراطية بالفطرة».

قالت عنها «نيويورك تايمز»: «يندر أن تفارق رفقتها دون الشعور بأن العالم بشكل ما أوسع وأكثر وعوداً». وهذا العالم الواسع والأكثر وعوداً عاشته «ستارك» في «أصغر بيت رأيته في حياتي، لكنه مزين بباب أنيق من خشب مطلي باللون الأزرق الفاتح، وتزينه عقد، ومطرقة نحاسية». يقع المنزل في زقاق عرضه ستة أقدام، وغرفتها الصغيرة «البهيجة تطل على الشارع، مقابل حانوتي حداد وبقال، وباحة جامع صغير. وفي أول صباح لها في الحي قصدت سوق الحرامية المشهور في بغداد آنذاك، حيث اشترت أصغر قطع أثاث تناسب حجم المنزل، و(حَمَلها على ظهره حمال كردي سرتُ معه بخطوات متزنة إلى باب منزلي، حيث تجمّع معشر الجيران، يعرضون عواطفهم ومساعدتهم طوال عيشي بينهم). وفي اليوم التالي اعتذر لها الحداد عن الدخان الذي يتصاعد من مرجله، ووعدها بأن لا يُشّغله إلا عندما يتأكد أنها ليست في البيت. و(كل شئ في ذلك الحي بدا صديقاً وبهيجاً باستثناء ملا المسجد الشيعي العجوز الضامر ذي العينين البيضاويتين، الذي كان ينظر من بعيد بملامح متجهمة. وكنتُ أنا قلقة جداً، طالما أن تجهيز الماء من حنفية في باحة مسجده)»!

وترى «ستارك» بغداد ليس بعيني السائح، بل بقلب الرحالة الذي يستحضر تاريخ البلد عبر آلاف الأعوام. في الفصل الخاص بنهر دجلة، تصف ألوانه وانعكاساته المختلفة، ومشهد الجاموس يشرب منه آخر النهار، وتتذكر «المهن الكثيرة التي ظهرت على ضفافه عبر القرون، بحيث نرى مُّصَغر تاريخ السفن، منذ قيام البشرية». وفي وصف «الكلية العظيمة المستنصرية» المكتظة ببالات إدارة الجمارك، تستعيد «الجدالات القديمة حول الخلق، ووجود القرآن الأبدي، والتي كرس لها الرجال حياتهم هنا، وكيف أخلت مكانها الآن لمزاح الحمّالين الأكراد الذين يمرحون نشطين تحت هذه الأروقة المقوسة».

وأكاد أسمع صوت «ستارك» وأرى روحها الجميلة الشفافة، وأنا أضحك عالياً لقفشاتها حول شغّالتها «ماريا الأرمنية» التي شاركتها السكن في «منزل الدُمى»، وهو بالكاد يكفيها لوحدها. وكمعظم الأرمن الهاربين من مذابح الأتراك، أنقذ «ماريا» الطفلة المشردة رجل بدوي، وعاملها كبناته، حيث ثقب أنفها وألبسها الخزامة، ووشم حنكها، وباعها فيما بعد إلى دمشقي مسلم تزوجها عندما بلغت عمر الثانية عشر، ثم هربت منه إلى بغداد. وعندما عثرت عليها «ستارك» كان كل ما تملكه ثمانية أساور ذهبية تتوقع أن يقتلوها من أجلها يوماً. وتسألها «ستارك»: لماذا لا تغطيها: تقول مستنكرة: «مثل المسلمين، أنا لا أغطي نفسي قطُ من أجل هؤلاء الكلاب، بل أهز ذراعي في وجوههم».

وتصورت «ستارك» بأن «ماريا» ستسعد بالانتقال معها إلى غرفة استأجرتها في منزل نجار نصراني وزوجته «نجلة»، يطل على نهر دجلة. وما أن دخلت «ماريا» المسكن الجديد وعرفت أن «نجلة» سريانية كاثوليكية، حتى أعلنت بضراوة أنها لم تشهد طوال حياتها مكاناً موحشاً وكئيباً كهذا. وزعقت نجلة: «أنت أرمنية»!.. وتعالى صراخ المرأتين مع نباح كلب المنزل. وعبثاً حاول ناصر أفندي، ونوري أفندي اللذان يرعيان شؤون «ستارك» تهدئة الموقف، وغادرا يائسَين، وتبعتهما «ستارك» التي لجأت إلى منزل أصدقاء إنجليز على الجانب الآخر من النهر، وهي تفكر بأن «آسيا وانقساماتها الطائفية أكبر بكثير مما أتحمل».

في رحلات «ستارك» وحيدة عبر العراق واختلاطها بسكان الموصل ونينوى وسامراء وبغداد وبابل وكربلاء والنجف والبصرة، ندرك حجم الدمار الذي أنزله الغزو بالعلاقات الشخصية البريطانية العراقية. في تكريت التي زارتها برفقة امرأتين إنجليزيتين، وجدت البوليس أكثر رجال العراق لياقة بدنية. و«يبدون دائماً أذكياء ومرحين. وهم عون المسافر في كل أنواع الاحتياجات؛ من العثور على الطوابع وحتى المسكن ليلا. وعندما قررنا زيارة قبر صلاح الدين انبرى رجل بوليس لمرافقتنا».

ومن يتصور الآن أن تقيم كاتبة إنجليزية أسبوعاً في منزل قائمقام قضاء النجف، الذي دبّر لها لقاء المرجع الشيعي الأعلى آنذاك الشيخ محمد عهد الحسين الغطاء. قال لها المرجع الأعلى: إن لا شيء يعكر «علاقة الصداقة بيننا والإنجليز، لولا الآثام التي ارتكبت بحق إخواننا العرب في فلسطين، وطالما تستمر هذه فلا سلام أو ودّ بيننا من البحر المتوسط حتى الهند. وأرجو تبليغ ذلك لحكومتكم وإخبارها بأن ما يتلاعبون به ليس أرض فلسطين الصغيرة، بل العالم الإسلامي كله، الذي يشكل نصف الإمبراطورية».

وهل تجرؤ اليوم امرأة إنجليزية أن ترتدي قلبها، وهي تسير في سوق النجف؟ «كنتُ أمشي وأنا أشعر بالحب للعالم كله، وصُدمتُ فجأة عند رؤية إسكافي هرِم متربع في حانوته يحدق فيّ بعيون ملؤها الحقد. هذه الصدمات تحدث للشخص في النجف، وتثير الذعر بأنك مكروه كلّ الكره». وتفكر لو «أن الإسكافي تجاوز بنظره هيأتي الإنجليزية نحو قلبي لرأى في تلك اللحظة ملأه الاحترام لضريحه، الذي يعلو أرواح الرجال كقبة النجف الذهبية الواقفة فوق الصحراء». قصة امرأتين إنجليزيتين مع العراق بين قرنين، قصة خراب العقول والقلوب بين قرنين. وإذا خربت العقول والقلوب فبماذا نعمر العلاقات بين الناس والدول؛ بـ«البيزنس»؟

الاتحاد - الاماراتية

 

البطولة الأولمبية للعقل المليان 

  محمد عارف

 

«الناس لا يلاحظون عندما يكونون سعداء ما إذا كان الفصل شتاءً أم صيفاً». قال ذلك الأديب الروسي تشيخوف. وروسيا الآن سعيدة بالدورة الأولمبية الشتوية في «سوتشي» رغم مقاطعة الرئيس الأميركي، وعدد من زعماء الغرب. سبب المقاطعة المعلن الاحتجاج على منع روسيا الدعاية للعلاقات المثلية، ولحجزها صناديق اللبن المخثر «اليوجرت الإغريقي»، الذي ذكرت واشنطن أنه الفطور المفضل للاعبيها! وإذا صدّقنا «القشبة» الفرنسية فالحرب الباردة بين موسكو وواشنطن مثل «القبلة الفرنسية» أثناء تناول مثلجات روسية في شتاء روسيا. الصحيفة الفرنسية «لاكويب» ذكرت أن أميركا وروسيا تآمرتا للتلاعب بمسابقة التزحلق الفني والزوجي في «سوتشي» على حساب كندا، وادّعت أن مدرباً روسياً لم تذكر اسمه أخبرها أن الولايات المتحدة عازمة على مساعدة روسيا للفوز بالتزحلق الزوجي مقابل التزام روسيا بفوز الأميركيين بالرقص الزوجي على الجليد.

ولا يمكن أن لا نصدق «القشبة» الفرنسية بعد فوز ميريل ديفز وتشارلي وايت بالذهبية، وهما راقصان أميركيان يرقصان الزوجي سوية منذ كانا في السابعة من العمر. وكان بوتين قد مدحهما، وأشاد بدور مدربتهما الروسية مارينا زويفا، «وهي من عندنا» حسب بوتين الذي حرص على التحدث بالإنجليزية خلال زيارته بيوت المتسابقين الغربيين في «سوتشي». الصور الجماعية لبوتين واللاعبين ظهرت على الفيسبوك مع ملاحظة متسابقة أميركية أسفت لفوات فرصة دعوته ليكون فارسها «يوم الحب». وكان عليها انتظار دورها في قائمة «أيام الحب» لبوتين، وفيها الروسية يوليا لِبنيتسكايا، أصغر متسابقة تحصل على الذهبية في التزلج الفني، والمتسابق الكوري الجنوبي الذي شارك في سباق الألف متر للرجال تحت الراية الروسية، وفاز بالذهبية، وأنشد في منصة الفوز «النشيد الوطني الروسي».

وطريق الفوز في «سوتشي» مفروش بنظريات «الامتلاء العقلي» و«إدارة النفس» و«التأمل الذهني» و«الرفاه الروحي» التي دخلت ميادين الطب النفسي، والتربية والتعليم، والمال والأعمال. وأبسط تعريف لامتلاء العقل يقدمه كتاب تعليمي للأطفال بالإنجليزية عنوانه «العقل المليان: أجلس ساكناً كالضفدعة». ويتضمن الكتاب تمارين التدرب على امتلاء العقل، واليقظة، كسكون الضفدعة هادئة تماماً، لكنها متأهبة في آن للوثوب لحظة الخطر، قافزة بكل قدراتها الإدراكية والعضلية.

و«العقل المليان» ضمان المتسابق، للفوز ليس بالميدالية فحسب، بل بحياته التي قد تتوقف أحياناً على قدرته على التركيز الذهني، والانتباه الكلي، والعيش ملء عقله لحظة العيش. فسباق التزحلق على الجليد كسباق السيارات «فورمولا وان»، حيث ينطلق المتسابق بأقصى السرعة مغامراً بحياته، إلا أنه في «فورمولا وان» ينطلق بسيارته، وفي سباق التزحلق يقفز ببدنه، وزلاقته فوق السطوح الجبلية والوديان، أو ينطلق برقصة «فوكس تروت» السريعة بحذائي تزلج كعباهما كحافتي السكين.

«مليسيا هوار» بطلة التزلج على «السكيليتون» وعضو الفريق الأميركي في أولمبياد سوتشي تصف لحظة «امتلاء العقل» في «السكيليتون» والتي تتكون من قفص يبرر اسمها بالإنجليزية ويعني «الهيكل العظمي». وتعتبر «السكيليتون» من أخطر سباقات التزحلق، وفيها يستلقي المتسابق على «القفص»، ورأسه إلى الأسفل، ولا وسيلة عنده للتحكم بالزلاجة سوى ركبتاه، أو كتفاه، أوقدماه. «الانطلاق بسرعة 145 كيلومترا في الساعة، منحنية الرأس، والحنك على مسافة بوصات من الجليد، وقوة التسارع تبلغ خمسة أضعاف وزن الجسم، وتعادل أكثر من ضعفي تسارع جسم قائد الطائرة النفاثة المقاتلة. و«الممتلئ العقل» لا يصرخ «ها هي بالانتظار» عند «التزلج المتعرج» عبر المنحنيات الحادة، أو القفز فوق التلال، بل يهتف «ها أنا قادم». تذكر ذلك «هوار»، التي تعتبر «التدرب على امتلاء العقل يماثل في الأهمية التدرب البدني، ويفرض على اللاعب التأهيل الذهني فترات طويلة بعيداً عن الجليد».

وتختلف «الدورة الأولمبية الشتوية» عدداً ونوعاً عن «الدورة الصيفية»، التي يجري فيها شيء كل لحظة، كتجديف الزوارق، ومصارعة الجودو، وسباق الدراجات، والخيل والفروسية، فيما تبدو الدورة الشتوية «رزينة» تجري وفق وتيرة منسقة، حيث تنطلق سباقات التزحلق على المرتفعات، والتزلج في الصباح، فيما تجري مساءً بعض سباقات التزلج السريع و«الهوكي». وكما في الحياة يلعب الحظ أحياناً أدواراً حاسمة في السباقات الأولمبية. يتعثر المتسابق الأول، ويتعثر به الثاني، ويفوز الثالث بالميدالية الذهبية. حدث ذلك في سباق السرعة للمسافات القصيرة للنساء، حين سقطت لاعبة نمساوية تصدّرت السباق، وتعثرت بها بريطانية، وفازت بالذهبية متسابقة صينية تأخرت عنهما.

وفرص تحقيق الشهرة في «سوتشي» متوفرة حتى لمن خانه الحظ، كالسويدي هانرولد الذي التقطت الكاميرات صورة سقوط سرواله الرياضي. والحظ السعيد كان من نصيب المتسابقة اللبنانية جاكي شمعون وملايين الناس الذين شاهدوا صورتها في «الفيسبوك» عارية الصدر، ليس في «سوتشي»، بل في تقويم سويسري يروج للأولمبياد. واعتذرت شمعون (22) بأن «لبنان بلد محافظ، وهذه الصورة لا تمثل ثقافتنا»، وأيّدت كلامها «اللجنة الأولمبية اللبنانية»، التي ذكرت أنها لن تشطب اسمها من الفريق اللبناني في «سوتشي».

مشاهد القبلات والبكاء واللطم على الرأس التي شاهدناها في «سوتشي» لا تعبر عن الحزن بل الفرح، والفرح ساخن في «سوتشي» رغم المطر الجليدي والضباب، ولولاهما لتحول سباق تزحلق المسافات الطويلة (40 كيلو متراً) إلى مهرجان جماهيري في غابة جليدية أحاطتها «بطّانيات أمنية مرئية وغير مرئية تغطي الدورة الأولمبية بالكامل»، حسب «نيويورك تايمز». ولم تغط بطانيات «سوتشي» مهرجان المرح والضحك والتنكيت على سباقات دخلت حديثاً الألعاب الأولمبية، يصعب حفظ أسمائها ومعرفة مضمونها.

وينال السباق عادة الاعتراف الأولمبي إذا بلغ عدد الدول التي تنظمه 75 دولة على الأقل في أربع قارات. وقد تَوَفر كما يبدو عدد كاف من الدول المحبة للنكتة، التي اعترفت بسباق «الكيرلنج» المصنوع من قرص حجر غرانيتي يُزلق على السطح الجليدي. وكي لا يلقى مصير سباق كرة القاعدة «بيسبول» التي أدخلت معه، لكنها أخرجت لاحقاً، أقترح إلغاء عصا الممسحة التي لا تفعل شيئاً سوى تدليك مسار «الكيرلنج» دون مسِّه، فيزحف القرص كالنملة. وقد يكتسب السباق حركة بالنفخ بأفواه المتسابقين من مسافة لا تقل عن خمسة ملمترات، أو عزف مقطوعة لمغني الأوبرا «بافروتي» من مسافة سبعة ملمترات. وإذا بدت هذه الاقتراحات نكات، فهي أقل خيالاً من نكات عن «الكيرلنج» الذي فاز بأكثر ميداليات النكات في «سوتشي»، وبينها نكتة طويلة تقارنه بالغرام، وتذكر أن اللاعب بعده لا يسقط في نوم عميق، ويمكنه ممارسته أمام أعين ملايين مشاهدي التلفزيون في العالم، أو دفع القرص عشر مرات في مسابقة واحدة، وهكذا نكتة داخل نكتة، كدمية «ماتروشكا» الروسية حتى تتعالى صرخات الجمهور تدعو قرص «الكيرلنج» للاقتحام: «اقحمْ... اقحمْ»!

(الاتحاد)

 

ربيع المحبوبات «يوم الحب»

محمد عارف

 

العثور اليوم على باقة ورود حمراء في السوق شبه مستحيل، وغداً «يوم الحب» (فالنتاين) مستحيل، ليس الحب بل الورد الأحمر. عرفتُ ذلك قبل سنوات عندما لم أعثر في «يوم الحب» إلا على باقة ورد أصفر، والأصفر لون الغيرة، ووقعتي «صفراء»، لم ينقذني منها سوى شيطان الشعر العراقي. كتبتُ على بطاقة التهنئة: «آني كان لوني أحمَرْ، بَسْ العِشِقْ مًرْ وخلاّني أصفَّرْ، ليش يا عِشِقْ؟». و«ليش» يا عِشِقْ اقتَنَصتني ليلة «يوم الحب» في «كمّاشة» زحام السيارات في ساحة «هامرسميث» بلندن. أفزعني لحظتها الكاتب العراقي الساخر قريبي خالد القشطيني، الذي فسّر سبب النحس بين الرجال والنساء «لأن نساءنا لسن نساءنا الأصليات». وأشعر حتى اليوم بالوحشة والضياع كلّما أتذكر فحيح صوته وهو يخبرني أن نساءنا الأصليات أبادهن وباء كاسح، واضطر أجدادنا إلى غزو قبائل إنسان «النياندرثال»، وإبادة رجالهم وسبي نسائهم. ومن يومها وامرأة «النياندرثال» لا تتفاهم، وكلمة «لأ» عندها تسبق «نعم». وحتى عندما توافقنا تقول «لأ، نعم». وعندما نرجوها أن تفهم «كلامنا الواضح كهذا النهار»، تغمض عينيها بشدة، وتجيبُ وأجفانها ترتعش: «لأ. ليل أظلم»!

«أفاطمُ مهلا بعض هذا التدللِ. أغرّك مني أن حبك قاتلي. وأنك مهما تأمري القلب يفعلِ. وأنكِ قسّمتِ الفؤاد فنصفه قتيلٌ ونصفٌ بالحديد مُكبّلِ». ومن يفعل هذا بملك الشعراء العرب، امرؤ القيس غيرُ امرأة «نياندرثال» إذا صحت نظرية القشطيني. الاكتشافات الجديدة حول تزاوج أجداد البشر مع «النياندرثال» لا تتطرق إلى نسائهم. دراستان منفصلتان قام بهما علماء في «جامعة هارفرد» و«معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية» في ألمانيا، عثرتا أخيراً على أدلة جينية «موَرِّثات» في جسم البشر تثبت تزاوج أجدادنا مع «النياندرثال» قبل نحو 50 ألف عام، وتُرَّجحُ حدوث التزاوج في آسيا وأوروبا، حيث عاش «النياندرثال» قبل أن تجتاحهم طلائع البشر القادمين من موطنهم الأصلي في أفريقيا. والبشر جميعاً أصلهم من أفريقيا، وجينات «نياندرثال»، التي عُثر عليها في أجسام البشر الحاليين تجعلهم أكثر تكيفاً مع البيئة، وتعزز مناعتهم ضد الإصابة بأمراض معينة، بينها السُّكري، وبعض الأمراض الجلدية. وتتوافر أدلة آثارية على نتائج الفحوص الجينية، حسب بول ميلارز، أستاذ الآثار في جامعة كيمبردج، والذي أضاف مداعباً: «أجداد البشر الحاليين القادمين من أفريقيا كانوا سيعثرون بسهولة على نساء النياندرثال في كل شارع وزاوية من أوروبا»!

و«النياندرثال» أقرب الكائنات الحية للبشر، ولهم جد مشترك اختفى قبل 600 ألف عام. وبيّنت نتائج البحث المنشور في مجلة «نيتشر» العثور على كميات قليلة من جينات «النياندرثال» في الحمض النووي للبشر، وهو مادة جينات جميع المخلوقات. سبب ذلك، حسب ديفيد ريتش، الباحث في كلية الطب بجامعة هارفرد، «أن بعض جينات النياندرثال مرّت عبر عملية الانتقاء الطبيعي التي أبقت على المفيدة منها». ويرجح الباحثون أن «الجينات تطورت لمساعدة جلد البشر للتكيف مع الجو البارد في أوروبا. وللجلد وظائف مهمة لم تُكتشف بعدُ أسسها البيولوجية، من بينها حمايتنا من الجراثيم». وكلا الدراستين وجدتا أن جينات «نياندرثال» اصطفتها عملية الانتقاء الطبيعي في بشرة البشر وشعرهم!

«كأنّ بها طيباً وإنْ لم تطيّبِ». قال ذلك امرؤ القيس، واستبق به قبل 15 قرناً اكتشاف العلماء العلاقة الحميمية بين الفن والحب والجمال والدماغ. ذلك لأن موقع الحب ليس في العين، أو الأنف، ولا في القلب، بل في الدماغ. عثر على هذه المواقع عالم عربي من أب مصري وأم لبنانية يُعتبر من أبرز علماء بيولوجيا الأعصاب المعاصرين. سمير زكي، أستاذ «الجماليات العصبية»، وهو العلم الذي أسسه بنفسه في «كلية لندن الجامعية»، أثبت العلاقة الحميمة بين وظائف الدماغ الأساسية وأسمى تجارب الإنسان، كالفن والحب. وعثر زكي على الموضع المشترك للإحساس بالجمال والحب وسط لحاء الجبهة المدارية للدماغ، ومكانها خلف العينين مباشرة، واستخدم أحدث أجهزة مسح وتصوير الدماغ في رصد كيف تضيء هذه المواضع لحظة الانتشاء بالفن وبالجمال وبالحب. ويجابه زكي، الحائز على «جائزة الملك فيصل العالمية» للعام 2004، بطريقة تجريبية، أسئلة الفلاسفة الدائمة حول ماهية الجمال، وما المشترك بين كل ما يُعتبر جميلا. ويجد الجواب على هذه الأسئلة بالنظر في ما يحدث داخل الدماغ.

والدماغ «فيه ما فيه»، حسب عنوان قصيدة مشهورة للشاعر الصوفي جلال الدين الرومي، والرومي أحد أبرز الشعراء الذين يبحث زكي أعمالهم، ليس للكشف عن أسرار الإبداع الفني، بل عن أسرار الدماغ، وبينهم امرؤ القيس، وابن العربي، والحلاج، ومجنون ليلى، وحافظ الشيرازي، ودانتي، وغوته، وشكسبير، وبودلير، ورامبو. ومن الفنانين رمبراند، ومايكل أنجلو، ورافاييل، وسيزان، ومانيه، ومونيه، وبيكاسو، وماتيس، وسلفادور دالي، ومن العلماء والفلاسفة أفلاطون، وكانْط، وشوبنهاور، ونيتشه، وداروين، ونيوتن، وفرويد. وشارك زكي في معارض للرسم، ودراسة الألوان، وهي كالحب مكانها في الدماغ. معرض «أبيض على أبيض» في لندن، استكشف وشائج الفن والحب والجمال، التي تُعتبر عموماً مفاهيم مجردة، بمواقع محددة في الدماغ. ورصد زكي كيف «بلغ الجنس البشري في هذه الحالات ذروة البهجة وانحدر إلى قاع اليأس، وأبدع أثناء ذلك أعمال الفن والأدب والموسيقى، التي لم تصبح فقط ذخائر ثمينة لمتعتنا، بل لفهم نفوسنا أيضاً».

و«تحمل مباحث الدماغ الوعد العظيم بإقامة الجسر بين العلوم المعنية بطبيعة الحياة والكون، وعلوم الإنسانيات المهتمة بطبيعة الوجود البشري. و«لن نجد أحداً أفضل من سمير زكي في تجسير هذا الانقسام»، حسب إيريك كيندل، أستاذ علوم الدماغ في «جامعة كولومبيا» بنيويورك. وتناول زكي في كتابه الصادر بالإنجليزية «روائع وتعاسات الدماغ» مسائل «الحب، والإبداع، والتوق البشري للسعادة». وتعاسات الدماغ هي الثمن الذي يدفعه الإنسان عن قدرة دماغه الهائلة على التقصي والبحث. وارتباط الحب بالموت يمتد كشفرة سكين من العشق الصوفي بالذات «المقدسة»، وحتى الموت طوعاً في العمليات الانتحارية.

وبرهن زكي على أن «الدماغ يمثل النصر الهندسي العظيم للأعصاب، والذي لا حد لقدرته على البحث عن المعرفة في المفاهيم المجردة». وعلوم زكي نفسه تجدد انتصار الدماغ العربي الذي جمع بين العلوم والفنون في أروع حضاراته العالمية. ورغم بحث زكي جميع أنواع الحب لا ذكْر في مؤلفاته وأبحاثه لامرأة «النياندرثال» التي أفزعني بها القشطيني «يوم الحب»، أو امرأة الشاعر ابن المعتز التي جاءها «إذا الليل أدجى وارجحنَّت كتائبُه»، وكان أقصى انتقامها، حسب اعتراف ابن المعتز: «إذا رَغَبَتْ عن جانبٍ مِن فراشها تَضَوَّع مِسكاً أين مالت جوانبُه»!

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

 ( الاتحاد) الاماراتية

 

   
 
   
   

هل تغلبُ «العصبيةُ» العراقيةُ الطائفيةَ؟

محمد عارف

 

إذا لم يكن صحيحاً ما نُقل عن نوري المالكي أنه قال: «أخذناها وبعد ما نعطيها»، فاللوم يقع عليه، ولابد أن يتولى مكانه رئيس وزراء آخر «يأخذ السلطة وما يعطيها» قولاً وفعلا. وهذه هي «العصبية» الشيعية التي يستخدمها النظام العراقي في معركة مصير يخوضها ليس مع السُنة كما يُعتقدُ، بل مع «العصبية» العراقية الوطنية، التي تمثل 70 في المئة من العراقيين العرب، الشيعة والسُنة على حد سواء، والذين يعتبرون أنفسهم عراقيين عرب قبل كل شيء. كشف ذلك استطلاع «المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية»، المنشور في كتاب «العراق في أزمة» الصادر بالإنجليزية عن «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» في واشنطن.

ولا تحظى هذه التعقيدات باهتمام الصحافة العالمية المعنية بوضع العراق. «هل يمكن إنقاذ العراق»، افتتاحية «نيويورك تايمز» تحدثت عن تحول موقف المالكي من إجبار الولايات المتحدة على المغادرة عام 2011 إلى طلب السلاح والعون منها حالياً، وحمّلته القسط الأكبر من المسؤولية عن الاضطرابات التي أدت في العام الماضي إلى قتل أكثر من سبعة آلاف شخص. وتعتقد الصحيفة أن المالكي يلعب الدور المركزي في هذا الانفلات، وتؤكد أن تهديدات المليشيات يمكن أن تكون أقل لو أنه وحَّدَ البلد حول أهداف مشتركة بدلا من تهييج الصراع الطائفي. وبدلا من ذلك «استخدم المالكي سلطته لمصلحة طائفته الشيعية على حساب الأقلية السنية»، وذكرت الصحيفة أنه كان يمكن أن يكون أكثر مصداقية لو لم يرتبط بهذا القرب من الدولة الشيعية في إيران، ولو لم يسمح لها أن تستخدم أجواء العراق لتوريد الأسلحة لسوريا». وهذه كلها «تقاسيم على العود» كما يقول العراقيون. والعُودُ هو «العصبية» الشيعية في العراق، والتي هي ليست طائفية محض، بل تلتحم بها «العصبية» الوطنية العراقية. وهذا سبب تعقيد والتباس المذهب الشيعي، الذي ولد أصلاً في العراق، ويحمل الجينات الجيوبوليتيكية لهذه الرقعة من الأرض على التخوم الشرقية للعالم العربي. وفي هذا الموقع القصي إمّا أن يكون البلد قوياً جداً أو يتأرجح «على حافة الحرب الأهلية، وهو مثقل بتاريخ طويل من الحرب، والصراع الداخلي، والحكم الفاشل». هذه العبارة تستهل كتاب «العراق في أزمة»، وجاء فيها «أن العراق عانى على نحو سيئ من إرث الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة خلال وعقب احتلالها له عام 2003. ويعاني من عودة الحركات السنّية العنيفة كـ(القاعدة)، وبشكل مساوِ من المليشيات الشيعية العنيفة. ويعاني من الضغط الإيراني وشبه العزلة من دول عربية رئيسية. وأصبح العراق بشكل متزايد ضحية الحرب الأهلية في سوريا».

وكان من الممكن أن تأخذ نظرية «العصبية» كتابَ «العراق في أزمة» إلى عمق هذه المشاكل التي يحاول سبرها في عشرة فصول و336 صفحة معروضة في موقع «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» على الإنترنت. وطالما يرحب مؤلفا الكتاب «أنطوني كوردسمان»، و«سام خزاعي» (الإيراني الأصل)، بالملاحظات واقتراحات التعديل، فأفضل اقتراح في تقديري الاعتماد على مفهوم ابن خلدون في إعادة تحرير الفصل السابع على الأقل، وعنوانه «الطائفة، والأثنية، والتنافس الديمغرافي والسياسي». فنظرية «العصبية» تعالج مسائل معقدة يعرضها الفصل، مثل «الولايات المتحدة تفتح العراق لإيران»، و«استمرار المنافسة الإيرانية العراقية حول التأثير الديني»، و«الصدريون»، و«بحث الكرد غير المتيقن عن الحكم الذاتي المناهض للاستقلال»، و«الزعامات الوطنية تناهض الزعامات الشيعية»، و«الدور الحساس للسنّة في أمن واستقرار العراق»، و«ثمن تحديد دور السُنة وتأثيرهم السياسي».

وتساعد نظرية «العصبية» في العثور على تفسير للأحداث الدموية التي تفجع المنطقة يومياً، ومعرفة ما إذا كان سببها صراع عصبيات السنة والشيعة، أم صراع العصبيات «الوطنية» العراقية، وعصبيات دول المنطقة العربية، والإيرانية، والإسلامية. أسئلة يزيد تعقيدها المعنى السلبي الشائع لمفهوم «العصبية» الذي تفسره موسوعة «لسان العرب» بأن «يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب على من يناوئهم، ظالمين كانوا أو مظلومين». و«العصبية» كذلك وأكثر لدى ابن خلدون، الذي يعتبرها الرابطة الاجتماعية التي تشكل أساس قيام المجتمعات والدول، ويعتمدها في «تفسير حوادث التاريخ الإسلامي كله».

و«العصبية» رابطة اجتماعية-سيكولوجية، شعورية ولا شعورية معاً، تربط أفراد جماعة ما. «والرابطة العصبية ليست فقط بين فرد وآخر داخل العصبة، بل هي بالدرجة الأولى رابطة بين الفرد والمجموعة». والعصبية لا تنشأ نتيجة عامل خارجي، أو تعاقد اجتماعي داخلي، وغير مقيدة بمكان خاص أو زمان معين، فقد يكون الأفراد الذين تتكون منهم متباعدين في المكان، أو تفصل بينهم مسافات زمنية. (محمد عابد الجابري «فكر ابن خلدون... العصبية والدولة»).

وتعقيد مفهوم «العصبية» كتعقيد «رأس المال»، لدى كارل ماركس، ويثير مثله تصورات سلبية، تفوتها المعضلة الفلسفية التي يعالجها المفهومان، غير المعنيين أساساً بإصدار أحكام أخلاقية، بل تفسير قيام الدول والأنظمة والمجتمعات، والصراعات الاجتماعية والاقتصادية. وقد اعترف عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه «منطق ابن خلدون» أنه لم يستطع فهم مقاصد ابن خلدون إلا بعد أن قرأ مقدمته «عدة مرات قراءة إمعان واستقصاء، وفي كل مرة أقرأ المقدمة فيها اكتشف منها وجهاً جديداً من آراء ابن خلدون، ومن يدريني فربما كنت حتى هذه الساعة بعيداً عن فهم ابن خلدون كما هو في حقيقة أمره».

و«الأمور في أوقاتها» كما يقول السومريون، سكان العراق القديم. وهذا وقت التعامل مع «طائفية جديدة»، حسب عنوان دراسة صدرت عن «معهد بروكنز» في واشنطن، وتناولت فيها الباحثة الأميركية المختصة بشؤون المنطقة جينييف عبدو «الانتفاضات العربية وانبعاث الانقسام السُني الشيعي». وتعيد الباحثة التذكير بابتهاج المرشد الإيراني خامنئي بأحداث «الربيع العربي»، التي اعتبرها «الصحوة الإسلامية» المنتظرة طويلا في العالم العربي، وتفند تصوراته حول تحقيق الانتفاضات التطلعات الإيرانية طويلة المدى للتغلب على الهيمنة الغربية على المنطقة، وتذكر: «رغم أن القوى الخارجية لعبت بعض الدور في انتفاضات سوريا واليمن والبحرين، فإن الشخصيات المحلية هي التي أثارت الانتفاضات، وستلعب الأدوار البارزة في المستقبل. وبمعنى آخر فإن السياسات المحلية هي التي تسيّر الآن السياسات الخارجية، وليس العكس».

وعلى هذه الحدود الفاصلة تولد «العصبية» التي قال عنها ابن خلدون «إنما تكون من الالتحام بالنسب أو ما معناه. وذلك لأن صلة الرحم طبيعية في البشر إلا في الأقل. ومن صلتها النُعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضَيْم أو تصيبهم هلكة، فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء له، ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك: نزعة طبيعية في البشر منذ كانوا».

(الاتحاد)

 

 

2014عام التفكير العميق بالخليج

محمد عارف

«إلى أي حد تبدو مبررة مخاوف السعودية من التقارب المحتمل بين طهران وواشنطن، وهل يمكن على العكس من ذلك أن يلعب هذا التقارب عاملاً إيجابياً في العلاقات الإيرانية السعودية، وهل يمكن فعلاً قيام سياسة موحدة لدول التعاون في الموقف من إيران، وهل يجلب انتخاب روحاني رئيساً لإيران آفاقاً جديدة لإذابة جليد العلاقات بين البلدين، أم أن الفرق بين أحمدي نجاد والروحاني كالفرق بين كوكا كولا وبيبسي»؟

تطرح هذه الأسئلة الجلسة الدراسية «إيران ودول التعاون: آفاق التغيير»، التي يعقدها «الملتقى الخليجي للأبحاث في كمبردج» صيف العام الحالي.

أسئلة أخرى تطرحها الجلسة تحتاج إلى عقل الفيلسوف وعالم الرياضيات عمر الخيام الذي كان يقول عن نفسه «اسمى الخيام لأنني أرتقي خيام العلم». فمن يرتقي أسئلة الجلسة حول «هل الطائفية هي العامل المحرك الرئيسي في السياسات الإقليمية، وهل يمكن التقليل من أهميتها كعامل صدامي، وكم هو الموقف «السني» متماسك بهذا الصدد، وهل اختل التوازن الاستراتيجي الإقليمي بعد الانتفاضات العربية، وهل يمكن التفكير بأمن الخليج من دون وجود قوات عسكرية أميركية»؟

والخليج في ملتقى كمبردج ليس مجموع ما هو عليه فعلاً، بل بالأحرى مجموع ما ليس هو بعد، وما يمكن أن يكونه. فملتقى العام الحالي يتكون من 13 حلقة دراسية تستدعي مواضيعها التفكير العميق، مثل «التواصل الاجتماعي وتغير البيئة السياسية في الخليج»، و«تغيير وضع الطاقة في الخليج: العواقب الاستراتيجية»، و«محددات الهجرة المستقبلية في الخليج». وعمق التفكير في الملتقى يبلغ حد التفكير بما لم يكن موضع تفكير. وهذا ما تفكر به جلسة «الولايات المتحدة والخليج: نحو إعادة تقييم الالتزامات الخليجية والتحالفات».

وتنطلق الجلسة التي يديرها الأكاديمي البريطاني «تيم نبلوك»، من التفكير بإعلان أوباما نفسه «رئيساً باسفيكياً» إشارة إلى أولويات المحيط الهادي في استراتيجياته، وترصد تغير توازن المصالح الاقتصادية الأميركية في الخليج، وتطور وضع الطاقة الأميركي الذي يجعلها أقل اعتماداً على نفط الخليج، فيما تتقلص حصة تجارة الولايات المتحدة مع الخليج، وتتصاعد أهمية العلاقات الاقتصادية لدول الخليج بالقوى الآسيوية الرئيسية. «وبعيداً تماماً عما إذا كانت الولايات المتحدة تملك المصالح الاقتصادية المباشرة والقدرة المالية لإدامة حضورها في الخليج، فهناك السؤال حول ما إذا كانت تملك القوة الكلية، بالمقارنة مع اللاعبين الدوليين الآخرين، لإدامة الدور الأممي الذي يستدعيه الحضور في الخليج».

وفي الخليج أكثر من أي منطقة أخرى في العالم «لا قيمة للمعرفة ما لم توضع موضع التطبيق» حسب الكاتب المسرحي الروسي أنطون تيشخوف. لذلك فإن رجل أعمال خليجي متمرس يملك معرفة بالخليج تضاهي أكاديميين مرموقين. وهذه أهمية ملتقى كمبردج الذي يجمع بين الطرفين.

ومبادرة فريدة في ملتقى العام الحالي تسجلها جلسة «تمثيل الشعب- استخدام التراث والمتاحف لإنشاء التصورات الوطنية والهوية في دول مجلس التعاون». والتراث ليس مسألة فولكلورية، ومن أجل استخدامه ينبغي أولاً معرفته، ومعرفة تراث الماضي العربي الإسلامي تعادل في الأهمية معرفة المستقبل، بل هي منها، لأن الماضي ماثل بقوة في الحاضر ويحدد المستقبل. و«عندما أريد أن أفهم ما يحدث اليوم أو أحاول أن أقرر ما سيحدث غداً، أنظر إلى الخلف» حسب عمر الخيام. وقد شهد عقد السبعينيات من القرن الماضي ظهور وانتشار المتاحف الوطنية في جميع بلدان الخليج، كمؤسسات تهدف إلى إيجاد التلاؤم الاجتماعي والترابط بين مواطني الدولة. وتتنافس المتاحف مع استخدام التراث والمعارض عبر مواقع التنقيب الآثارية المفتوحة للجمهور، ومهرجانات التراث، التي تجتذب جمهوراً أكبر من المتاحف، كمهرجانات سباق الهجن في الإمارات.

وفي جلسة «تعليم العلوم والتكنولوجيا، والبحث والابتكار في بلدان الخليج» نكتشف «ما نفكر به مرة لا يمكن قط أن نتوقف عن التفكير به» حسب الكاتب المسرحي السويسري دورنماوت في مسرحية «الفيزياويين».

فالجلسة تقيم منبراً لنقاش مردود مؤسسات أكاديمية استثمرت فيها مليارات الدولارات، مثل «مدينة الملك عبد الله للعلوم والتقنية» في السعودية، و«المدينة التعليمية» في قطر، وتتناول المرحلة الجديدة في التعاون الدولي في البحث العلمي في المنطقة، حيث أقيمت في الخليج خلال العقد الماضي فروع للجامعات الأجنبية الأميركية والأوروبية، وأنشئت برامج لمنح الشهادات الجامعية المشتركة، ومراكز بحثية متداخلة، وأنظمة منح الشهادات الجامعية المشتركة. وتقارن ورقة الجلسة بين تنامي العلاقات الدولية في البحث العلمي، وندرة دراسات الأوضاع القائمة للعلوم والتكنولوجيا في بلدان الخليج والشرق الأوسط، التي تشترك في تاريخها وجغرافيتها وثقافتها الاجتماعية وبيئاتها.

العالم المصري أحمد زويل الحاصل على «نوبل» يذكر في مقدمة «التقرير الدولي عن البحث العلمي في الشرق الأوسط» المدرج ضمن مصادر الجلسة «أن المشاريع المشتركة العربية والتركية والفارسية في تحسين العلوم والتكنولوجيا في الشرق الأوسط تستجيب لأفضل مصالح العالم المتطور والنامي، وتساهم بشكل كبير في تحقيق التعايش السلمي وقيام عالم أكثر تحضراً وإنسانية».

ولا يهدينا في عام التفكير العميق أفضل من قول الرسول، عليه الصلاة والسلام «تحروا الصدق، وإن رأيتم فيه الهلكة فإن فيه النجاة، وتجنبوا الكذب، وإن رأيتم فيه النجاة فإن فيه الهلكة» (البصري «أدب الدنيا والدين»). ويصدق الملتقى حين يؤكد أهمية «البحث الحصيف المتوازن حول الدول الست أعضاء مجلس تعاون الخليج، الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والسعودية، وعمان، وقطر، والكويت، وجاراتهم المتاخمة إيران، والعراق، واليمن»، لكن لماذا تخصص جلستان حافلتان لإيران واليمن، فيما يغيب العراق، قبة الميزان في الخليج. وإذا كان غياب العراق عن أجندة الملتقى، مصدره اليأس منه، فما الأمل بالعلاقة مع إيران، وكيف لم ندرك بعد عواقب خطأ القرن الماضي في النأي عن العراق، ومتى كان التعامل مع بغداد يتوقف على طهران، وأي بلد كالعراق أبدع نجوم عباقرة العلوم والهندسة والطب، من أصول عربية وتركية وفارسية، كالكندي، وابن الهيثم، وجابر بن حيان، وابن سينا، والخوارزمي، والبيروني، والرازي، وبنو موسى، وابن قره، وابن سنان، والقوهي.

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

عام جديد سعيد للترجمة العربية

محمد عارف

 

«الشك في كل شيء وتصديق كل شيء حلان مريحان بالتساوي، يعفينا كل واحد منهما من التفكير، لذلك لزاماً علينا- بدل الوقوف عند الإدانة الفجة- أن ننظر بعناية في دور الفرضية، وعندها لن نعرف فحسب أن دور الفرضية ضروري، بل كذلك أنه مشروع في أغلب الأحيان». قال ذلك العالم والفيلسوف هنري بوانكاريه في كتابه «العلم والفرضية»، وهو أول كتاب صدر عن «المنظمة العربية للترجمة»، وكان ذلك عام 2002. والآن إذْ بلغ عدد إصداراتها مئتي كتاب نحتاج الفرضية التي لا تريحنا من الشك في حركة الترجمة العربية، أو تصديقها، وهو ما وقع فيه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» حين أدان في «تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003» واقع الترجمة العربية، معتمداً على إحصاء باحث عربي ذكر أن متوسط الكتب المترجمة لكل مليون مواطن عربي أقل من كتاب واحد في السنة!

وفي عام 2003 أيضاً صدرت سبع كتب عن المنظمة في علوم البيولوجيا، والاتصالات، والسياسة، والاقتصاد، والفكر، بينها كتاب المستعرب الأميركي اليوناني ديمتري جوتاز، المختص بتاريخ حركة الترجمة العربية، وعنوانه «الفكر اليوناني والثقافة العربية». وأعقبها صدور 25 كتاباً في المعاجم، واللغة، واللسانيات، بينها «السيميائية وفلسفة اللغة» لأمبرتو إيكو، و62 كتاباً في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وبينها كتاب كليفورد جيرتز «تأويل الثقافات» والذي نال جائزة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبدالعزيز، و22 كتاباً في الفلسفة، بينها عيون الفكر الفلسفي العالمي: «فينومينولوجيا الروح» لهيجل، و«نقد مَلَكة الحكم» لامانويل كَانْط، و«في العقد الاجتماعي» لجان جاك روسو، و«الوجود والعدم» لسارتر، وكتاب الفيلسوف البريطاني هوبزباوم «عصر رأس المال» الذي نالت ترجتمه جائزة العاهل السعودي. ونال الجائزة نفسها كتاب «إدارة هندسة النظم» لبنيامين بلانشارد. وفي عام 2011 نالت «المنظمة العربية للترجمة» الجائزة الأولى للعاهل السعودي في «مجال جهود المنظمات والمؤسسات المختصة بالترجمة». ونالت كتب المنظمة لثلاث سنوات متوالية جائزة الشيخ زايد للكتاب عن «الذات عينها كآخر» لبول ريكور، و«علم الاجتماع» لأنتوني جيدنز، و«نظرية في الترجمة» لأدوين جنتسلر. وفازت في العام الماضي بجائزة وزارة الثقافة المغربية عن ترجمة كتاب «الفلسفة السياسية في القرنين التاسع عشر والعشرين» لجيوم سيبرتان بلان.

http://www.alittihad.ae/styles/images/adverttop.png

 

http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png

وتُرَشِحُ الكتبَ للترجمة ثمان لجان تضم خبرات أكاديمية متخصصة في علوم الطبيعة، والاجتماع، والفلسفة، والاقتصاد، والتكنولوجيا. وتواصل المنظمة منذ خمس سنوات إصدار مجلتها الفصلية «العربية والترجمة»، وقد احتوى عددها الأخير على عشرة بحوث، بينها «تغيرات صناعات اللغة في مجتمع المعرفة» لمحمد مراياتي، و«أهمية مكتبة آشور بانيبال» لفؤاد قزانجي، و«ترجمة خصوصيات المعجمية الفرنسية إلى اللغة العربية» لمحمد محمود مصطفى. وكالعادة ضم العدد فصولا من كتب جديدة للمنظمة، و«حوار» العدد مع هدى مقنص، مديرة مركز اللغات والترجمة في الجامعة اللبنانية، والتي لخصت في عبارة رسالة المترجمين العرب: «التقصير في الترجمة تقصير في جميع مجالات الابتكار».

وقياس التقصير في الترجمة العربية ليس عدد الكتب أو نوعيتها، بل ما يسميه مؤرخ علوم الرياضيات والفلسفة رشدي راشد «البعد الاجتماعي لظاهرة النقل والترجمة»، وهذا هو مُحرِّك ثورة الترجمة التي تعتبر من أهم إنجازات عصر النهضة العربية الإسلامية في القرون الوسطى. فترجمة الأصول اليونانية في العلوم والفلسفة كانت جزءاً أساسياً من حركة بناء الدولة والمجتمع، ولم تكن محض ترجمة، بل نقل دواوين الدولة البيزنطية، وتعني أنظمة الحكم وإدارة البلاد، والتي تُرجمت إلى العربية قبل نقل النصوص العلمية والفلسفية. و«لم يكن نَقلُ نَسخ وتقليد بل نقل إصلاح وتجديد أدّى إلى خلق فكر علمي وفلسفي مبتكر». ونُقل مع الدواوين، كثير من المعارف المرتبطة بها «من حساب وهندسة أولية وتقنيات متعددة. وما استدعته وظائف الدولة في ميادين متعددة كالحساب والفقه والأدب. وهكذا أصبح لعلوم الأوائل، من فلك ورياضيات ومناظر وغيرها، حاجة وجمهور، ما يفسر ازدياد الطلب على الترجمة وتحولها إلى مؤسسة» (راشد، «دراسات في تاريخ العلوم العربية وفلسفتها»).

ما البعد الاجتماعي للترجمة العربية حالياً، وما علاقة الأعمال المترجمة بمشاريع الدول العربية، واستجابتها لحاجات الصناعة والتعليم والاقتصاد في الوطن العربي؟.. أسئلة لم تتناولها المؤتمرات التي عقدتها المنظمة، وكان محور رابع مؤتمر عُقد في العاصمة العُمانية مسقط «اللغة والترجمة في عصر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات». هل يتناولها المؤتمر الخامس الذي يعقد في فاس العام القادم تحت عنوان «الحاسوب والترجمة: نحو بنية تحتية متطورة للترجمة»؟

الرهان في تحقيق ذلك على العراقيين، فالمنظمة التي نالت «قبلة الحياة» منهم تعبر عن القدرات العراقية في تحويل المصائب إلى فرص. فرأسمال إنشائها مليون دولار تبرع به الثري العراقي نظمي آوجي الذي برأته المحاكم البريطانية من تهمة إدارة أموال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. والمتوقع عربياً إنفاق المليون بالكامل، على تأسيس المنظمة، وتأجير مكاتبها، ومرتبات موظفيها فترة بضعة شهور، إلا أن الأمر مختلف في منظمة ولدت في أحضان «مركز دراسات الوحدة العربية» الذي دأب منذ صدور بيانه التأسيسي في بيروت عام 1975 أن يكون تياراً فكرياً أساسياً لحركة النهضة العربية الحديثة، ولم يغادر قطُّ مقره بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية في السبعينيات، ولم يتوقف قطُّ صدور مجلته الشهرية «المستقبل العربي»، (صدر هذا الشهر عددها 418)، إضافة إلى ثلاث مجلات فصلية في علوم الاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، ومجلة «الشؤون العربية المعاصرة» بالإنجليزية. ويشرف مجلسُ أمناء يضم نحو 40 من نخبة الأكاديميين والكتاب العرب على نشاطات المركز الذي يعمل وفق برامج علمية مرحلية، ويعقد على مدار السنين مؤتمرات وندوات إقليمية ودولية حول القضايا العربية الراهنة. ويُعتبر خير الدين حسيب من أبرز مؤسسي المركز، وعقله المدبر، وهو حاصل على ماجستير بالاقتصاد من «كلية لندن للاقتصاد»، والدكتوراه من «جامعة كامبردج»، ومحافظ «المصرف المركزي العراقي» سابقاً، وعمل عشر سنوات في الأمم المتحدة. ويواصل حسيب، وقد تجاوز الثمانين، عمله كرئيس تنفيذي للمركز. وليس سوى عراقي حائز على ثلاث شهادات دكتوراه علوم من الجامعات البريطانية يُقدم على إعادة تنظيم «المنظمة العربية للترجمة». هيثم الناهي، خريج جامعة البصرة في الرياضيات، والدكتوراه في «أنظمة التعليم في التحليلات الرقمية» من جامعة يورك، و«الذكاء الاصطناعي»، و«الهندسة الجينية» وكلتاهما من جامعة برونيل. وأول مبادرات الناهي بعد اختياره مديراً عاماً للمنظمة إصدار «مشروع المصطلحات الخاصة بالمنظمة العربية»، ويضم 55 ألف مصطلح من الإنجليزية والفرنسية والألمانية والعبرية واللاتينية. ساهمت في إعداد المشروع الباحثتان هبه شّري وحياة حسنين، وهو معروض على الإنترنت، وسيتعاظم ككرة الجليد عندما تشارك فيه دور النشر والبحث العلمي. وعام جديد وسعيد للترجمة العربية.

(الاتحاد) الاماراتية

 

   

من هو رجل عام 2013؟

محمد عارف

يبدو أن الدنيا تغيّرت عام 2013، ونحن لم نعرف ذلك بعد، وهذه آخر نكات العام الذي هلّ علينا بنكات يقول عنها معجم "المنجد": "لأُنكِتَّنَ بك الأرض أي لأطرحنّك على رأسك"! وقد نَكَتَّ شاب أميركي اسمه "إدوارد سنودن" بواشنطن الأرضَ حين سرّب الملفات الخاصة بتنصت وكالة الأمن القومي الأميركية «إن. إس. أي» على مكالمات ومراسلات سكان العالم، بمن فيهم زعماء ورؤساء أقرب الدول الغربية الحليفة لواشنطن. والتسرب مستمر في التسرب حتى اللحظة، ولا تعرف واشنطن حجمه، ومتى سيتوقف تسرب ما تجمعه يومياً ويبلغ نحو خمسة مليارات وثيقة، تُعادل تقريباً عدد مستخدمي الموبايل في العالم، الذي تجاوز الأربعة مليارات، إضافة إلى نحو ثلاثة مليارات مستخدم الإنترنت.

ومع أرقام كهذه صعبة على التصور نتحدث بالنكات، لأن الحديث الجدي حول الموضوع لا يستسيغه العقل. ونكات التنصت تركز على المستشارة الألمانية "ميركل" وولعها بالتراسل على موبايل "نوكيا" لسهولة استخدامه بدلاً من الهاتف الرسمي المُشَفَر البطيء "إنها تضيق بالبطء" حسب معلق ألماني! صورة ميركل وهي تحمل موبايل "نوكيا" عملاق الحجم صارت رمز فضيحة التنصت، ولعلها السبب في اعتذار أوباما لها وحدها دون جميع زعماء الدول الآخرين، الذين تتجسس عليهم واشنطن، وبينهم رئيسة البرازيل، التي ألغت بسبب الفضيحة اجتماعها المقرر بأوباما في "البيت الأبيض". والنكات الواقعية في العام المنتهي أفضل النكات، ومنها قول ميركل عفو الخاطر "أساساً كل شخص يسمع مني عادة الأشياء نفسها"! واستدرَكَتْ: "لن يجدوا في مكالماتي الشخصية غير ما أردده دائماً في العلن". ونكتة اعتذار نظيرتها مستشارة الأمن الأميركي "سوزان رايس" بأن أوباما لم يكن يعلم بذلك، ثم استدركتْ "ذلك لم يحدث"! وأظرف من كليهما قول أوباما إنه "لا يتنصت على المستشارة لأغراض تجارية، بل لحماية العالم"! وأشهر من نكَّتّ بهم الإنترنت بالأرض الجنرال بترايوس، مدير "سي. آي. أيه" السابق الذي اضطر للاستقالة إثر افتضاح اتصالاته الغرامية عبر الإنترنت، على الرغم من أنه كان يستخدم عنواناً مستعاراً!

"إدوارد سنودن شخصية العام دون منازع" هو عنوان مقال الكاتب الأميركي جون كسيندي تعليقاً على اختيار مجلة "تايم" البابا فرانسيس، رئيس الكنيسة الكاثوليكية "شخصية العام" ويليه في المرتبة الثانية سنودن. واعتبر محررو "تايم" نفسها سنودن الأجدر بها، "لأنه أكثر من أثرَّ على الأخبار. ويؤكد ذلك صدور حكم محكمة فيدرالية أميركية هذا الأسبوع بمخالفة التنصت على مكالمات المواطنين للدستور، والتصويت له تقوم به سيارة نقل ركاب ضخمة تدور في شوارع واشنطن مخطوط عليها عبارة "نحن الشعب نعارض دولة الاستخبارات"، ونقول: شكراً إدوارد سنودن". ومن غيره كشف بالأرقام والوقائع انتهاك الحياة الشخصية للمليارات من سكان العالم وزعمائهم؟.. الكاتبة البريطانية "جانيت ونترسون" صوّرت في حديث مع "الجارديان" طبيعة الانتهاك "هواتفنا الجوالة أصبحت أدوات رصد، وشبكة الاتصالات الاجتماعية تجمع المعطيات عنا، ولا يمكننا التبضع، أو الإنفاق، أو تصفح الإنترنت، أو التراسل الإلكتروني من دون رقابة"، وقارنت وضعها "بسجين تحت الرقابة يحمل يافطة إلكترونية أينما ذهب". وذكرت "الجارديان" أن الفضيحة أدت إلى إصدار بيان وقعه خمسة من حملة جوائز "نوبل" ومئات الكتاب المرموقين يدينون التنصت السري، ويدعون لوضع "لائحة حقوق الإنسان الرقمية".

وكما في حقوق الإنسان، فإن "لائحة حقوق الإنسان" أقل تأثيراً على حقوق الإنسان من الحق العام، وحق الدول، وحق الشعوب. نتعرف على ذلك، ليس في أرقام خسارة وربح العرب والمسلمين، الذين يخسرون دون حساب (من يحسب كلفة خسارة فلسطين)، بل الخسارات المتبادلة للشركات والدول الغربية بسبب التجسس الإلكتروني. "الهيجان التجسسي؛ الجميع يفعلونه" عنوان تقرير "نيويورك تايمز"، وذكرت فيه أن فرنسا كانت الأكثر موهبة بين القوى السارقة للأسرار الصناعية والممتلكات حتى أزاحتها جانباً الصين، التي شقت هجماتها السايبرية اليومية طريقها داخل وزارة الدفاع الأميركية، وسرقت مخطط "إف-35" أغلى المقاتلات الجوية في التاريخ. تبلغ كلفة تصميم "إف-35" 400 مليار دولار، وكلفة إدامة أسطول الولايات المتحدة منها تريليون دولار سنوياً. ولا يُعرفُ ما إذا كان الروس قد سبقوا الصينيين في سرقة المخطط، لأن "الروس يستغرقون وقتاً طويلاً في التسلل إلى الأهداف والمعلومات، وأكثر صبراً من الصينيين، لذلك لا يُمسك بهم غالباً" حسب "نيويورك تايمز".

وأكثر ما يخشاه "سنودن" ليس أن تُسّلمه موسكو التي لجأ إليها إلى واشنطن، بل "ألا يغيّر الكشف عن هذه المعلومات أيّ شيء. سيتابع الناس كل هذه الإفشاءات، ويعرفون المدى الذي تذهب إليه الحكومات لاحتكار السلطة، وإحكام السيطرة على المجتمع الأميركي والمجتمع الدولي، لكن الناس لن يكونوا راغبين بالمغامرة بالوقوف، والكفاح لتغيير الأمور وإجبار ممثليهم لاتخاذ مواقف فعلية في مصلحتهم". قال ذلك "سنودن" في حديث صحفي مع "جلين جرينوالد"، وهو أحد أعضاء فريق صغير من صحفيين شباب أودعهم "سنودن" المعلومات التي سربوها إلى الصحافة العالمية، وهربوا خارج البلاد. وأكثر ما يقلق الشباب، حسب "جرينوالد"، خيبة الأمل بالإنترنت الذي توقعناه أن يكون أداة فعالة للتحرير والدمقرطة، لكن الإنترنت قد يصبح أكثر الأدوات في التاريخ جبروتاً وقبحاً في السيطرة على البشر، واضهاد البشرية".

هل هذا هو السبب في عدم كشف سنودن عن جميع المعلومات التي بحوزته؟.. تقرير لجنة "البيت الأبيض" الخاص بموضوع التسرب كشف عن الجهل بحجم التسرب، واقترح "ريد لدجيت" رئيس فريق الوكالة المسؤول عن التحقيق عقد صفقة مع "سنودن" تتضمن العفو عنه لقاء توقفه عن نشر الملفات السرية، وذكر أن "المسألة تستحق التفاوض حولها". والصفقة الوحيدة، التي قد تستحق التفاوض بين واشنطن وحلفائها، في تقديري، هي نكتة اضطرارها إلى إبلاغهم بحجم تجسسها عليهم، لو كانت تعرف فحسب ما بحوزة "سنودن"، فالتسريب كشف أن التجسس الأميركي لا يستثني حتى دول "الأنجلوسكسون" التي ترتبط منذ عام 1945 باتفاقية تمنع التجسس فيما بينها؛ وهي الولايات المتحدة، وبريطانيا، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا. وتهدد الفضيحة مستقبل العلاقة بين واشنطن وبرلين التي لن تتوقف عند تقليصها في مجالات الأمن "السايبري"، بل قد تستعيد ألمانيا وفق "نيويورك تايمز" سيادتها قبل الحرب العالمية الثانية. ولتطمئن قلوب "سنودن" ورفاقه الشباب بأنهم أبطال أكبر عملية تسريب وثائق سرية في التاريخ، وهذا بشير تهاوي أكبر القوى التجسسية العظمى في العالم، والتهاوي مفتاح المساومات الروسية الأميركية حول سوريا وإيران، ولعبة الشطرنج الروسية الأوروبية حول أوكرانيا، وطريق الحرير الصيني الإسلامي، الذي خصصت له بكين تريليون دولار. والمثل الروسي يقول: "الإله يرى الحقيقة لكنه لا يسرع في الإعلان عنها

 

طريق الحرير للصين والمسلمين

محمد عارف

 

"المعجزة ليست في الطيران، أو في المشي على الماء، بل في السير على الأرض". يقول ذلك مثل صيني، ولا معجزة مشي على الأرض تماثل "طريق الحرير" الذي كان يربط طوال ألفي عام الصين وأقطار آسيا الوسطى، وشبه الجزيرة الهندية، وبلدان الشرق الأوسط، وشبه الجزيرة العربية، وبلدان حوض البحر المتوسط، وأوروبا. والمعجزة الحالية عودة الحياة إلى "طريق الحرير" ليس على ظهر الدواب كما كان معظم تاريخه، بل على السكك الحديد والقاطرات، التي تصنعها كازاخستان، وهي دولة إسلامية تحتل المرتبة التاسعة في العالم بالمساحة، ولا يسكنها سوى 17 مليون نسمة، وتبني الآن أحدث القاطرات فائقة السرعة تعيد الحياة إلى طريق الحرير.

ولم يكن "طريق الحرير" في أي وقت من تاريخه طريقاً متصلاً واحداً، ولم تكن تجارته الحرير فقط، بل كان طرقاً عدة متقطعة عبر الصحارى والبحار، تنقل الحرير، والتوابل والعطور، والورق الذي ابتكره الصينيون في القرن الثاني ميلادي ونشره العرب حول العالم. وصاغ اسم "طريق الحرير" الجغرافي الألماني البارون فرديناند فون ريتشوفن عام 1877، عندما وضع الأطلس الجغرافي في خمس مجلدات خلال عمله في مسح المناجم والموانئ في الصين. واليوم ينطلق "طريق الحرير" الجديد بقوة الصين التي ضاعفت عدد خريجي جامعاتها أربعة أضعاف في العقد الماضي، وأنشأت شبكات قطارات "الإطلاقات" فائقة السرعة، وطرق المرور الخارجية التي تغطي عموم البلاد، وحصلت على أحدث المخترعات الأجنبية بواسطة المشاريع المشتركة، واتفاقات نقل التكنولوجيا. ذكرت ذلك "ماري غالاهر"، مديرة مركز الدراسات الصينية في جامعة ميشيجن، وقدّرت أن "الصين ستملك قوة عاملة أكبر من أوروبا، وهياكل ارتكازية مماثلة لأوروبا أكثر منها، واستثمارات خارجية تجعلها أكثر تنافسية".

"وطريق الحرير" بالنسبة للصينيين رؤياهم لأنفسهم وللعالم "الأوروآسيوي"، الذي يرتبطون به، وفي مبتداه في إقليم "شانخي" ولد الرئيس الصيني الحالي خي جينبنج. ذكر ذلك في خطابه أمام طلبة "جامعة نزارباييف" في "أستانا" عاصمة كازاخستان، وفيه تحدث عن أكثر من ألفي عام من تاريخ "طريق الحرير" تربط بين بلديهما، وذكر أنه يكاد يسمع جلاجل الجمال يتردد صداها بين الجبال، ويرى خيوط الدخان ترتفع من الصحراء. وقال: إن الحدود المشتركة بين البلدين تبلغ 1700 كلم، و"الجيران القريبين أقرب من الأقرباء البعيدين".

وعرض الرئيس الصيني مشروع إنشاء "الحزام الاقتصادي" على امتداد "طريق الحرير"، وذلك بالشروع في "مناطق منفردة يتم ربطها مع الوقت لتغطية المنطقة بكاملها، والتي تقطنها ثلاثة مليارات نسمة وتشكل أكبر سوق في العالم". وذكر روسيا مرات عدة في خطابه فيما يبدو رداً على صحف غربية ترى مشاريع "طريق الحرير" تستغل الفراغ الناشئ عن انفراط الاتحاد السوفييتي، الذي كان يضم كازاخستان، وقرغيزستان، وتركمانستان، وأوزبكستان، وهي بلدان إسلامية زارها الرئيس الصيني في جولته وعقد معها صفقات بعشرات المليارات من الدولارات، وختم جولته بزيارة إندونيسيا وماليزيا، حيث عقد صفقات مماثلة، وتحدث خلالها عن أكثر مسلمي الصين شهرة، أدميرال البحر "زهينغ هيْ" الذي قام في القرن الخامس عشر ميلادي بسبع رحلات عبر "طريق الحرير" البحري إلى المنطقة العربية وغرب آسيا، وتفخر ماليزيا بعرض تمثاله في متحف مدينة ملقا.

وكما يقول المثل الصيني "مع الوقت والصبر ورقة التوت تصبح فستاناً من حرير". وشبكة "طريق الحرير" التي تنسجها الصين تغطي المسافات الشاسعة من المحيط الهادي إلى بحر البلطيق، وتغير المعادلات الجيوبوليتيكية العالمية. فالصين تستبدل به النقل البحري الذي تسيطر عليه البحرية الأميركية وتحصل بواسطته على منفذ للنفط وخامات الحديد من كازاخستان، وبذلك "تتخطى الصين طريق الحرير الجديد الذي طرحته واشنطن بطريقين من عندها" حسب عنوان تقرير مراسل "نيويورك تايمز" في بكين.

هل تستطيع كازاخستان تجنب مصير بلدان نكبتها ثرواتها؟. في الجواب عن هذا السؤال تُذّكرُ "نيويورك تايمز" بتجارب قديمة كأسبانيا في القرن الثامن عشر عندما قضى تدفق معادن الذهب والفضة من مستعمراتها على صناعاتها للصوف والنسيج، وفي العصر الحديث فقدت نيجيريا مركزها الصناعي في أفريقيا بسبب ثرواتها النفطية التي أصبحت وبالاً عليها، كبلدان عربية مثل الجزائر واجهت المصير نفسه. وكانت كازاخستان خلال العهد السوفييتي مشهورة بإنتاج الحبوب وخامات الحديد، وهي تستثمر حالياً في مشاريع "طريق الحرير" موارد ثرواتها النفطية المكتشفة حديثاً. ويتحدث تقرير في "نيويورك تايمز" عنوانه "كازاخستان تراهن على السكك الحديد" عن الحرص الشخصي للرئيس الكازاخي "نصر سلطان نزارباييف" على زيارة مصنع القاطرات بانتظام لمعرفة مدى التقدم الحاصل، وافتتاحه كل محطة قطار جديدة، وحضور تدشين حتى محطات قديمة يُعادُ تجديدها. ورهان كازاخستان على السكك الحديد هدفه نقل النشاط والرفاه الاقتصاديين إلى أرجاء البلد المترامية الأطراف من بحر قزوين وحتى بحر الأورال، وتحويل البلد إلى محور شبكة سكك حديد لتبادل السلع ما بين دول آسيا الوسطى وروسيا والصين.

و"الجهل ليل العقل، لكنه ليل من دون قمر ولا نجوم" حسب الفيلسوف الصيني كونفشيوس. ولا قمر ولا نجوم في ليل الجهل بعلاقة "طريق الحرير" وانتشار الإسلام جغرافياً وحضارياً و"جيوبوليتيكاً" عبر قارات آسيا وأفريقيا، وأوروبا. هل نعثر في كازاخستان على نجم يضئ لنا ليل العقل، وهي بلد آخر من بلدان آسيا الوسطى المسلمة التي تدهشنا سياساتها. فعلى غرار أذربيجان حيث انهار الحكم الشيوعي فيما استمر الزعماء السابقون يحكمون البلد، لم يتخلّى سكان كازاخستان عن زعيمهم "نزارباييف" عندما أعلنت كازاخستان الاستقلال عام 1990، بل حكموا عليه أن يستمر بالحكم، حتى إشعار آخر، حسب دستور جديد استثناه من شرط ترشيح الرئيس مرتين فقط! وحافظت كازاخستان على علاقاتها الوثيقة مع روسيا، وتشكل حالياً معها وبيلوروسيا "المجموعة الاقتصادية الأوروآسيوية".

وفي السياسة كما في كرة القدم لا يستطيع اللاعب تحقيق الهدف ما لم يعرف أين هو المرمى، ومشكلة واشنطن مع العالم ونفسها أنها لا تعرف أين هو المرمى. وأيّ "طريق حرير" تريد أن تقيمها واشنطن في العالم الإسلامي، وقد أحرقت جسورها معه، وهل يمكن أن يعمل آلاف التقنيين والمهندسين الأميركيين كالصينيين آمنين في أي بلد عربي أو مسلم؟

ما تسميها واشنطن "الحرب على الإرهاب" و"الطائرات بدون طيار" التي تقصف أفغانستان وباكستان واليمن هي عمليات انتحارية أشد يأساً وبؤساً من عمليات القاعدة. وكما يقول المثل الصيني "عندما تقع لا تنظر أين وقعت بل أين تزحلقت". وما أتعس من قوة تكنولوجية وعلمية عظمى لا تكف عن التزحلق في حلم صهاينة في واشنطن وتل أبيب!

مستشار في العلوم والتكنولوجيا.

(الاتحاد)

 

 

«الربيع الإسلامي»...معضلة مستعصية

محمد عارف

أعاصير «الربيع الإسلامي» لا تعصف بشوارع وأحياء المدن العربية فحسب، بل في قلوب وعقول باحثين وأكاديميين يخوضون سجالات وصراعات سياسية وعلمية وفلسفية مستعصية، بلغت ذروة درامية حين أعلن سعد الدين إبراهيم، أحد أبرز علماء الاجتماع العرب، استغرابه كيف حظيت ورقته «التافهة جداً والهزيلة» بتعليق 32 مفكراً! حدث ذلك في ختام ندوة «مستقبل الإسلام السياسي في الوطن العربي» التي عُقدت في بيروت الأسبوع الماضي. واعتراف إبراهيم بتفاهة وهزال ورقته «خسوف الإسلام السياسي»، وقال إنها قد تكون جزءاً من ثلاثة أشياء قال إنها حدثت للمصريين في ثلاث سنوات الماضية، أولها كسر حاجز الخوف، وثانيها تسيّس المصريين، وثالثها استعدادهم للمشاركة في الشأن العام. هل دفعت هذه الأمور الثلاثة إبراهيم الذي يدير «مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية» في القاهرة إلى إعادة النظر بأرقام وردت في ورقته عن 30 مليون متظاهر مؤيدين لوزير الدفاع المصري الفريق السيسي، وبضعة آلاف مؤيدين لحكومة محمد مرسي المخلوعة، وجَعَلها ملايين غير محددة للطرفين؟

وكما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: العقل حيث كان ألوف مألوف"- البصري "أدب الدنيا والدين"، وقد كان العقل الحَكَم في الاختلاف بين توجهات مستقبلية أكدّ عليها «مركز دراسات الوحدة العربية» الذي نظم الندوة ومشاركين تمسكوا بالحديث عن ماض ما يزال يمسك بعنان الحاضر ومستقبله. عنوان ورقة الدكتور رضوان السيد، أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية، «الإسلام السياسي ومسألة الشرعية: الظهورات والمآلات»، وقد ميز فيها بين مفهومين للشرعية أحدهما «المشروعية»، والآخر «شرعية مصالح»، وتابعهما ما بين تعاقب ممالك وحروب الإسلام منذ مرحلة التأسيس، ما بين القرنين الثامن والحادي عشر الميلادي، وحتى العصر الحديث، وتأسس جماعة «الإخوان المسلمين»، وتقلباتهم خلال سبعين عاماً. ولا يشارك السيد في الرأي باحثين غربيين وعرب «يذهبون إلى أن الإسلام السياسي فشل وفي طريقه إلى الانقضاء»، ويرى أن له مستقبلاً في المجتمع والسلطة لعدة أسباب، بينها «تأسُسه على فكرة أو عقيدة استعادة الشرعية التي حظيت بوزن مضاعف، بسبب تضاؤل الشرعية الأخرى، شرعية الدولة الوطنية العربية»، و«اكتسابه مشروعية شعبية بالفوز في الانتخابات»، و«صلابة تنظيماته»، وأهم الأسباب «تمكنه من القيام بعمليات تحويل مفهومية في قلب الدين ارتبطت به وارتبط بها».

 
 
 

وفي ندوة بيروت ندرك قول اينشتاين، أحد أشهر علماء الفيزياء في التاريخ، «العلم من دون دين كسيح والدين من دون علم أعمى». وقد عوّضت رقة السيد جزئياً عن غياب ممثلي الإسلام السياسي، الذي لاحظه مشاركون كثر في الندوة، واعتبره خالد الحروب، مدير «برنامج الإعلام العربي» في جامعة كامبردج، «محاكمة غيابية» وحذّر من احتمال «انزياح الأوضاع في مصر نحو إعادة إنتاج الاستبداد». وذكر أن «الخيار الأسهل» فتح المجال للديمقراطية. والملاحظُ أن الموقف من الإسلام السياسي أكثر مرونة لدى الباحثين والأكاديميين من المشرق العربي، شرق المتوسط، وهم أشدّ حذراً من «الحل الأمني وعواقب الإقصاء والتهميش»، حسب عبد الغني عماد، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية ومؤلف كتاب «الإسلاميون بين الثورة والدولة». ويعتقد عماد أن المشاركة في السلطة «تروّض» الأيديولوجيا وتدفع بالفاعلين السياسيين إلى عقلنة الخطاب وتضعهم في مواجهة الواقع. ويعتبر ما حدث لـ«الإخوان» في مصر بمثابة «قبلة الحياة»، ويحذر من أن «خسوف الإخوان قد يؤدي إلى خسوف العملية الديمقراطية». «عقلي ضد الإخوان، وعاطفتي معهم»، هكذا عبّر الأكاديمي العراقي سعد ناجي جواد، من «مركز دراسات الشرق الأوسط» في جامعة لندن، عن شعور أكاديميين عرب يشاركون المصريين في رفض دولة الإسلاميين، لكنهم لا يحكمون عليهم بالجريمة والعقاب، بل بالغباء.

ومن بين أربع أوراق رئيسية ناقشتها الندوة، تناولت واحدة فقط تجربة من خارج مصر، وهي «تحولات الإسلام السياسي في السعودية ومستقبله». وقد دفع هذا الورقة التي قدمها الباحث السعودي توفيق السيف إلى موقع الاستقطاب المقابل. المعقب على الورقة حيدر إبراهيم علي، الباحث في «مركز الدراسات السودانية»، اعتبرها «أشبه بالمشي على حبل مشدود بين قمتين وتحته هاوية». وذكر أن القارئ لا يصل حتى نهاية الورقة إلى معلومات محددة تبين هل نشأ أي تنظيم مؤسسي لـ«الإخوان المسلمين» السعوديين أم لا. ولو أن المعقب تابع «قصة الإسلام السياسي في المملكة» لعثر على ما اعتبرها المؤلف حكاية «التفاعل والتجاذب، بين الحوادث العشوائية والمسارات المرسومة، بين حاجة النخبة إلى إنتاج نظام سياسي يرسي شرعية مستقلة عن المجتمع والتقاليد، وحاجتها إلى تلك التقاليد، الدينية منها خصوصاً، كأداة لتسوير المجتمع عن تأثير التحولات الجارية في الخارج». وتعترف الورقة السعودية بأن «سبع خطط تنمية خمسية، بين عامي 1971 و2005، لم تؤد إلى توسيع قاعدة الإنتاج، ولا استئصال الفقر، ولا أرست نظام تنمية متوازنة بين المناطق، ولا أتاحت فرصة للمشاركة الشعبية في الشأن العام». لكن نصف سكان السعودية أصبحوا الآن متصلين بشبكة الإنترنت، مما يشير إلى تحوّل عميق يمر به المجتمع، يتضمن -للمرة الأولى في تاريخه- ممارسة عامة الناس لحقهم في التعبير عن رأيهم، الأمر الذي يجعلهم طرفاً مؤثراً في تشكيل المشهد. صحيح أن التيار الديني لا يزال قوة مؤثرة في الرأي العام، لكن الصحيح أيضاً أن السعو

ديين، لاسيما الجيل الجديد، لم يعد مستمعاً سلبياً. ويذكر المؤلف أن «التيار الديني لم يَعُد لاعباً منفرداً في الساحة، وإن القوى المنافسة تتقدم بتسارع أكبر، يغري بادعاء أن توازنات القوى في المشهد الاجتماعي السعودي تتغير ببطء لكن بعمق، وأن القوى التي تناضل دون مبدأ العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية، تحظى بمساحات اجتماعية متزايدة»، وأن السعودية «أمام نسق يتراجع، ونسق بديل ينهض بالتدريج، لكن بخطوات واثقة».

إذا صحت هذه التوقعات فالبلاد العربية تواجه، كالربيع العربي والإسلامي، معضلة علمية وفلسفية وسياسية مستعصية، أقربها خطراً تتعلق بأكبر تيار إسلامي عربي يُعرف عالمياً برفع أتباعه كفوفهم المعقوف إبهامها، والتي ترمز لامرأة صوفية ولدت قبل 14 قرناً في البصرة اسمها رابعة العدوية. «فهيهات هيهات العقيق ومن به، وهيهات هيهات خِلٌ بالعقيق نواصله»، وهو بيت شعر اختتم به رضوان السيد ورقته، وقد قاله الشاعر جرير بعد وقعة «ذي قار» التي انتصرت فيها القبائل العربية على جيوش الفرس. وكان السيد سيبلغ المعنى الذي يبغيه لو أعقبه ببيت يليه: «عشيّة بِعنا الحلم بالجهل، وانتَحتْ بنا أريحياتُ الصبا ومجاهله».

(الاتحاد) الاماراتية

 

   

هل ينجد العروبيون الإسلاميين؟

محمد عارف

 

ندوة «مستقبل الإسلام السياسي في الوطن العربي» التي يعقدها «مركز دراسات الوحدة العربية» السبت القادم، تبدو متواضعة بعدد أوراقها التي يناقشها باحثون من بلدان عربية عدة، إلا أنها كجبل الجليد العائم، لا يعكس سطحه فوق الماء كتلته العميقة من مؤتمرات، وندوات، وبحوث، وكتب عن الحركات والجماعات الإسلامية، فضلاً عن منظمات ومؤتمرات ساعد المركز على إنشائها، منذ الندوة الفكرية عن «القومية العربية والإسلام» التي صدرت في كتاب عام 1988، وتوالت بعدها الدراسات الإسلامية، ويربو عددها حالياً على الخمسين كتاباً، يتناول أحدثها «الحركات الإسلامية في الوطن العربي»، وهو دراسة موسوعية في 3823 صفحة، يتسابق التاريخ والجغرافيا في كتابة أهم فصولها وعنوانه «خريطة الحركات الإسلامية في الوطن العربي». وتكمن أهميته في «أنه كتب على وقع متغيرات متسارعة تميزت مع الربيع العربي بإعادة تشكيل المشهد الإسلامي جذرياً». وفيه استُدعي التاريخ لتقديم خلفية كاملة للحركات الإسلامية «المحلية» راصداً «تطورها ومساراتها وتحولاتها وأدوارها الراهنة، فضلاً عن تميزاتها وعلاقاتها وتحالفاتها مع القوى الأخرى».

http://www.alittihad.ae/styles/images/adverttop.png

 

http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png

ونعرف من الموسوعة أن الجمهور العام ليس وحده يعاني من اضطراب الرأي في الأحداث المتسارعة. فالباحثون المتمرسون الذين أعدوا الدراسات أعادوا صياغتها وتعديلها على ثلاث مراحل، وفق مراجعات اللجنة المشرفة على الموسوعة، والتي دهمها «الربيع العربي» واضطرها إلى التوقف «لأن الإسلاميين كان لهم دور واضح في صناعة الربيع العربي»، وكذلك مقتل بن لادن «بعد أن كنا قد أنجزنا الفصل المتعلق بالقاعدة، فكان ضرورياً أن نعيد النظر بكل فصل القاعدة»، حسب المشرف على الموسوعة الباحث الأكاديمي اللبناني عبد الغني عماد.

وتنأى أبحاث ندوة بيروت عن «الردح الإعلامي» حول الإسلاميين الذي يشارك فيه أحياناً أكاديميون معروفون. «الإخوان المسلمون وتحديات دمقرطة الدين في أوقات الاضطرابات» عنوان ورقة عبد الوهاب الأفندي، الباحث في الشؤون الإسلامية، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة «ويستمنستر» في لندن، ويقدم فيها مسحاً تاريخياً نقدياً لحركة «الإخوان». ويوضح الأفندي، وهو مؤلف كتاب «الدولة الإسلامية... من يحتاجها»، والذي صدرت طبعات عدة منه بالإنجليزية، كيف «حيّر النجاح الملحوظ للإسلاميين، وخصوصاً الإخوان، وصعودهم منذ سبعينيات القرن الماضي غير مراقب، وكانت مفاجأة حتى للإسلاميين أنفسهم». ويذكر أن «النتاج الفكري الذي صدر طوال العقود القليلة الماضية حول «الصحوة الإسلامية»، ثم حول «فشل الإسلاميين»، ثم عوداً على بدء، ضخماً ويزيد على حمل جمل».

ويتناول الباحث السعودي توفيق السيف في ورقته في الندوة «تحولات الإسلام السياسي في السعودية ومستقبله»، منذ ظهوره في منتصف القرن الماضي على أيدي إسلاميين مصريين وعراقيين وسوريين، وصعوده في التسعينيات، وانحداره الحالي حد «التفارق المتزايد بين هموم التيار -وبالتالي خطابه- وبين انشغالات الجمهور وتوقعاته». والسعودية اليوم «مجتمع يعيد اكتشاف نفسه»، وقفز فيها عدد مستخدمي الإنترنت من حوالى مليون في عام 2001 إلى 16,4 مليون في منتصف عام 2013، وهذا يعني أن أكثر من نصف سكان المملكة متّصلون بشبكة المعلومات الدولية. وبلغ عدد التغريدات باللغة العربية حول مصر بين 30 يونيو حتى 17 أغسطس 2013 نحو 3,2 مليون، جاء 84.4 بالمئة منها من السعودية.

و«مركز دراسات الوحدة العربية» أنشئ في بيروت عقب أسوأ سنوات هزيمة الأمة العربية، وفيها تحوّلت بيروت إلى عاصمة أطول حرب أهلية دموية عربية شهدها القرن الماضي، ولم يتوقف خلالها عن الصدور عدد واحد من المجلة الشهرية للمركز «المستقبل العربي». وصدر هذا الشهر العدد 418 منها. وينشر المركز، في العام الواحد، ما يزيد على 40 كتاباً، عدا عما ينشره من بحوث في مجلاته الفصلية: «إضافات» (في علم الاجتماع)، و«بحوث اقتصادية عربية»، و«المجلة العربية للعلوم السياسية»، والمجلة الصادرة باللغة الإنجليزية (Contemporary Arab Affairs). وبلغ عدد مطبوعاته أكثر من 820 كتاباً، بعضها في مجلدات عدة، مثل «موسوعة تاريخ العلوم العربية»، وبعضها المؤلفات الكاملة لمفكرين عرب، بينهم محمد عابد الجابري، وأحمد الشقيري، وعبد الله الطريقي، وقسطنطين زريق.

وتعكس كثير من دراسات المركز حول الإسلام السياسي حكمة النخبة المفكرة العربية التي أدركت حجم هزيمة الأمة، وكالنخبة الألمانية التي لم تسقطها في العدم السياسي، أو الاقتصادي أو الأخلاقي هزيمة بلدها في حربين عالميتين. وقد تنجد حكمة العروبيين الإسلاميين وتجنبهم كارثة تغليب المصالح غير الواقعية على مصالح البلدان الوطنية، كما يحدث في سوريا حالياً، وكما حدث في العراق عقب ثورة تموز 1958. ولو أن نكسة 1967 وقعت عام 1958 ما كانت الوحدة الوطنية للعراقيين التي حققتها الثورة ستُنحر على مذبح الوحدة العربية. والبحث الآن عن الحكمة في «الربيع العربي» كأحجية ميكانيك الكم (الكوانتوم) المشهورة حول «قطة شرودينغر» المحبوسة مع قارورة سم داخل علبة ولا نعرف ما إذا كانت حية أم ميتة. فالوضع المركب للجسيمات داخل الذرة في الحال بين الحالين لا تعرف حتى الطبيعة نفسها متى سيقع ذلك. و«الربيع العربي» نفسه مثل «الكوانتوم» الذي يقول عنه عالم الفيزياء ريتشارد فاينمان «يشدُّ مخيلتنا إلى الحد الأقصى، ليس كما في الروايات، حيث تتخيل أشياء لا وجود لها هناك حقاً، بل بمجرد أن تعي الأشياء التي هناك».

و«المرء كثير بأخيه، ولا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق مثلما ترى له»، قال ذلك الرسول صلّى الله عليه وسلّم (البصري «أدب الدنيا والدين»). والمفارقة أن نجد لادينيين يرون الخير للدين وأهله أكثر من دينيين. وقلّما يُعرفُ أن العبارة الماركسية الشهيرة، «الدين أفيون الشعوب»، تُقتطع -على غرار «ولا تقربوا الصلاة»- من أحد أكثر التقييمات الفلسفية الإنسانية المتعاطفة مع الأديان، حيث قال كارل ماركس: «الدين ضمير عالم لا ضمير له، الدين قلب عالم لا قلب له».

محمد عارف

مستشار في العلوم والتكنولوجيا

 

 

علماء العراق وبريطانيا: مفارقات اللجوء!

محمد عارف

«كل من يجابه المُفارقة يُعرِّض نفسه للواقع». قال ذلك الأديب السويسري دورنماوت في مسرحيته «الفيزيائيون». ومن يجابه المفارقة كعالم فيزياء عراقي دعاه «مجلس دعم الأكاديميين اللاجئين» في بريطانيا لإلقاء محاضرة فاستهلها بالقول: «أنا لست لاجئاً، ولم أكن قط لاجئاً»؟ «جيم الخليلي»، أستاذ الفيزياء في جامعة «سَرْي»، أزال بمحاضرته جدار الشفقة عن سيرته كبغدادي فخور بميلاده «في كرادة مريم، على بعد أميال قليلة من مسقط رأس المأمون، أشهر الملوك في رعاية العلوم والعلماء». عنوان محاضرة الخليلي «العلوم والعقلانية والحرية الأكاديمية في العالم العربي»، وعُقدت بمناسبة مرور ثمانين عاماً على محاضرة ألبيرت إينشتاين «العلم والحضارة»، والتي استهلّت حركة لجوء العلماء المضطهدين إلى بريطانيا. وحوّل الخليلي المحاضرة إلى مناسبة لتعريف الجمهور البريطاني بأسلافه علماء العرب والمسلمين، وبينهم أول عالم كيمياء في التاريخ، جابر بن حياّن الذي «عاش وطوّر في مدينة الكوفة أدوات وأفكاراً لا تزال تستخدم حتى اليوم»، والفيلسوف العربي وعالم الرياضيات «الكِندي»، ومؤسس علم الجبر الخوارزمي «أعظم علماء الرياضيات قاطبة في التاريخ»، والطبيب الرازي، أول من أسس مستشفى بالمفهوم الحديث، فيه يعالج الأطباء الناس ويبحثون أسباب الأمراض، وابن الهيثم الذي يعتبره الخليلي «أول وأعظم عالم فيزياء في التاريخ، والذي أسس الطريقة العلمية القائمة على التنظير والتجريب».

http://www.alittihad.ae/styles/images/adverttop.png

 

http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png

ومفارقات لجوء العلماء إلى بريطانيا يعكسها كتاب على غلافه صورة صندوق سفر خشبي عتيق يحمل يافطتين مكتوب على إحداها بالألمانية «جامعة هامبولد برلين» وعلى الثانية بالعربية والإنجليزية «جامعة بغداد». عنوان الكتاب الصادر بالإنجليزية The Refuge and the Fortress (اللاجئون والقلعة)، ويُستهل بذكر «الحجم الهائل للقدرات الذهنية التي جاء بها إلى بريطانيا أكاديميون هاربون من الحرب والاضطهاد» منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وبينهم الألماني ماكس بورن مؤسس «ميكانيك الكم»، والنمساوي كارل بوبر، أحد أبرز فلاسفة العلوم. ويتصدر العلماء وأساتذة الجامعات العراقيون آخر موجة لجوء إلى بريطانيا. ولا نعرف الأسماء الحقيقية لمعظم العلماء العراقيين اللاجئين المذكورة قصصهم في الكتاب، ونفاجأ بالحجم الضئيل لعموم اللاجئين إلى بريطانيا، و«يبلغ واحداً بالألف من اللاجئين في العالم، في حين تلجأ الأكثرية العظمى إلى بلدان مجاورة غالباً ما تكون ظروفها سيئة». وتظهر إحصائيات عام 2011 أن أكثر البلدان إيواءً للاجئين هي باكستان، وإيران، وسوريا، وألمانيا، وكينيا، والأردن. وقد بلغ عدد اللاجئين في ذلك العام نحو ثلاثة ملايين من أفغانستان، ومليوناً ونصف المليون من العراق، وأكثر من مليون من الصومال، ونصف مليون من السودان.

ويُختتم الكتاب بمطالعة كيت روبرتسن، المسؤولة عن برنامج مساعدة العلماء العراقيين في «مجلس دعم الأكاديميين اللاجئين» وتذكر تخصيص مبلغ صغير يبلغ نحو 150 ألف دولار عام 2006 من احتياطيات المجلس لتأمين أماكن في الجامعات البريطانية لبرامج دكتوراه وما بعد الدكتوراه للعراقيين، وبلغ مجموعهم 75. وتوقفت موازنة العون عام 2008 والتي كان قد امتصها برنامج الزمالات البريطانية، وتغطية نفقات عيش الأشخاص وعوائلهم. وامتدّ السلوك المجرم لغزو العراق إلى هذا المبلغ الشحيح، حيث تذكر روبرتسن: «أرادت حكومة بريطانيا أن تجعل العالم يعتقد بأن العراق أصبح في وضع مستقر بعد الغزو والاحتلال، لذلك فهي لا ترغب في معاينة نداءات اللجوء». وتوضح روبرتسن أن بريطانيا لم تفرض حظراً رسمياً على دخول العراقيين، «إلا أن ذلك أصبح واضحاً في السلوك العملي لرفض سمات الدخول إلى المملكة المتحدة على أسس مزيفة تماماً».

و«المفارقات تأتي بأشكال وأحجام مختلفة. بعضها مفارقات منطقية مباشرة تقلُّ احتمالات التحقق منها، فيما تقعد أخرى فوق قمة طوّافات جليدية من الموضوعات العلمية». بهذه العبارة يستهل الخليلي أشهر كتبه العلمية الشعبية «المفارقة» Paradox وتناول فيه أعظم تسعة ألغاز في العلوم، بينها السفر عبر الزمان والمكان إلى الماضي أو المستقبل، والمفارقة المعروفة منذ عصر الإغريق عن سباق الركض بين الأرنب والسلحفاة التي تتقدمه طوال مراحل السباق، ومفارقة ظلام الليل الذي نراه رؤيا العين، رغم وجود مليارات الكواكب والمجرات التي لا تنطفئ.

والمفارقة الحقيقية وفقاً للخليلي هي البيّنة التي تقود إلى حجة مقابلة متناقضة ذاتياً، أو التي تصف موقفاً مستحيلاً منطقياً. ويصنف الخليلي المفارقات التي تنتظر الحل وفق احتمالات حلها، وأولها التي يتوقع حلها خلال حياته وهي معرفة مادة «المادة الداكنة» التي تشكل نحو 85 في المئة من مادة الكون، والمفارقة الثانية التي قد نشهد حلها تكشف ما إذا كان لحياة الإنسان مدى محدداً، والثالثة قد تكتشف طريقة حفظ الدماغ للذكريات. والصنف الثاني من المفارقات التي يجزم الخليلي بأن تجد تفسيراً لها، لكن ليس خلال حياته، وبينها هل كان هناك شيء ما قبل «الدويّ العظيم» الذي نشأ منه الكون؟ وكيف ينشأ الوعي في الدماغ؟ وهل يمكن السفر إلى الماضي؟ وما شكل الكون؟ وأصعب المفارقات التي لا يتوقع قطُّ إيجاد تفسير لها قد تبدو أبسطها، مثل: «هل نملك حرية الإرادة؟»، و«ما الذي جعل الكون يوجد؟»، و«هل اخترعنا الرياضيات لوصف الكون، أم أن قوانين الفيزياء كانت موجودة هناك بانتظار أن نكتشفها؟».

والمفارقة المؤلمة في محاضرته عرضتها خريطة بغداد «المدينة التي تعرضت أكثر من أيّ مدينة أخرى في العالم للموت والدمار عبر القرون، ومع ذلك فهي عاصمة الإمبراطورية العظمى الأكثر ثراءً وفخراً وشموخاً من أي مدينة في كوكب الأرض طيلة 500 عام». ومحدد على الخريطة موقعان تاريخيان؛ أحدهما «المدينة المدوّرة» التي أشرف على بنائها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، وتعتبر رمزاً تاريخياً لفنون وعلوم وهندسة العمران، وعلى مقربة منها موقع «المنطقة الخضراء» التي يبلغ حجمها ضعفي المدينة المدورة، وتعتبر رمزاً لجريمة غزو وتدمير بغداد.

والخليلي نصف عراقي من جهة أبيه ذي الأصول الإيرانية، ونصف إنجليزي من جهة أمه. والمفارقة مفجعة ما بين عشقه لبغداد وبين معماري بغدادي مخضرم ذكر في سيرته الذاتية كيف عنّف النحات محمد غني حكمت عندما أبلغه بأنه يصنع تمثالاً لأبي جعفر المنصور، وقال له: «يجب أن تعرف تاريخ حياة المنصور، وكيف كان يدفن الناس وهم أحياء لمجرد أنهم من العلويين، أو غير مؤيدين». بعد احتلال العراق نُسف تمثال المنصور، واحتلت صورته محطماً غلاف كتاب «نهب المتحف العراقي في بغداد» الذي أصدرته بالإنجليزية نخبة من علماء الآثار العراقيين والأجانب. المفارقة ما بين عالم ومعماري عراقيين بريطانيين من جيلين مختلفين، هي التي تقول عنها الأم تيريزا: «وجدتُ المفارقة في أن تحب حتى يؤلمك الحب، عند ذاك لن يكون المزيد من الأذى، بل الحب وحده».

 (الاتحاد) الاماراتية

زهاء حديد... وطريق الحرير لأذربيجان

محمد عارف

 

بعد ربع قرن من الكتابة عن زهاء حديد، وجدتُ نفسي أمام «مركز حيدر علييف» الذي شيّدته المهندسة العراقية في باكو عاصمة أذربيجان في نقطة الصفر. يدهشني ما أرى، وأجهد في أن أسميه وأفسره. واحترتُ مع نقاد العمارة العالمية الذين حضروا حفل الافتتاح كيف نسمي هذا الصرح المعماري فاستعنا بالسحر، نقول «إنه شيء ينبثق عندما تفرك المصباح السحري». وكما يحدث مع أعمال زهاء دائماً كل مقارنة كليلة. هل أقارن المبنى بمركبة فضائية ارتفاعها 80 متراً جثمت على التل بحجمها العملاق البالغ 57 ألف متر مربع، أم أسميها كتلة حمم تتدفق من ذروة جبل، أو أقول إنها كائن «عضوي» أتوقع أن يتحرك في أيّ لحظة، ينتفخ أو يجثم داخل سقفه الذي تنهال جدرانه هاطلة على الأرض؟

 
 
 

وكما في البَحَران الصوفي، رأيتُ داخل المبنى وأنا خارجه، ورأيتُ خارجه وأنا داخله. وتهتُ في جوف منارة عريضة تمتد سلالمها ثمانية طوابق، كأنها تتملى نفسها في مرآة نفسها بالطول والعرض. وسألتُ مهندس الموقع «صفوت بكر أوغلو»، وهو تركي قبرصي، فيما إذا كانت الستارة العملاقة التي تنهال من السقف تقع داخل البناية أو خارجها. فقد سرحت بي في المبنى مملكة المنحنيات السحرية التي تعتبر العلامة الفارقة لأعمال زهاء، انبعاجات إلى الخارج، وحاضنات من الداخل، وكأنني في رحم البناية أرى بطنها المتكورة من خارجها.

وزهاء نفسها بدت في حفل الافتتاح قطعة معمارية نفيسة، تتكئ بقامتها الفارعة على ذراع كبيرة مصممها المعماري الألماني باتريك شوماخر، وتشقّ بالكاد طريقها عبر حشد من نساء ورجال أذربيجانيين يتحلقون حولها مزهوين بأنفسهم وبها. إنهم يجدون في هذا المبنى إيقونتهم التي سيعرفهم بها سكان الكرة الأرضية، وأشد ما يحرصون عليه أن لا يكون لهذه الأيقونة مثيل في العالم. نساء ورجال أعمال من الطبقة الوسطى، يمثلون عقل وفؤاد المجتمع الأذربيجاني، سألوني على مائدة عشاء حفل الافتتاح، بلغة روسية، لا تلُّف ولا تدور، فيما إذا كان «المركز» وحيد من نوعه في العالم، أم أن زهاء شيَّدَتْ، أو ستشيد مثله في مكان آخر. وسألتهم بلغة روسية لا تلّفُ ولا تدور: «وهل في العالم مكان آخر مثل باكو يستحق هذه الإيقونة؟».

وليس مثل زهاء من ينشئ الرموز والإيقونات التي تتنافس للحصول عليها المدن والدول. يقرُّ بذلك الناقد والمعماري الأميركي جوزِف غيوفانيني، ويذكر أن «زهاء لا تكتب بيانات، بل تبنيها». ولعل «مركز حيدر علييف» الذي يضم صالات عرض، وقاعات مؤتمرات، ومسرحاً، هو بيان جمهورية أذربيجان الجديدة التي تعلن انفتاحها للعالم ثقافياً وسياسياً. وكجنائن بابل المعلقة، ينفتح «المركز» على مدرجات من متنزهات، وحدائق، وبرك مائية تتسور هضبة مساحتها 57 ألف متر. علاقة شكل المبنى والمكان ليست مطلقة ثابتة، بل دينامية متحركة. والمبنى القائم على جذع الطريق ما بين المطار والمدينة غير مألوف بالمقارنة مع الإطار المرجعي المعماري السوفييتي في باكو، بل يملك حضوراً طلسمياً يجعل «حتى سائقي التاكسي يلتفتون وهم مارين برؤوسهم نحوه كي يروه. ليس لأن المبنى مسيطر يفرض الانصياع على المشاهدين، بل لأنه يثير فضولهم».

وهزّني الزهو بالعراق عندما رجّح الناقد الأميركي أن زهاء «تأثرت ربما بآراء أبيها السياسي التقدمي خلال الفترة الديمقراطية في العراق». لقد أُعطيَت زهاء مساحة تعادل عشرة ملاعب كرة قدم على ساحل بحر الخزر في وسط قارة آسيا، فشيّدت أحلام أبيها محمد حديد وجيله من العراقيين الديمقراطيين التقدميين في القرن الماضي. جلستُ على سلالم المسرح الذي يتسع لألف متفرج، وطرقتُها بأصابعي لأتأكد أنها مصنوعة فعلاً -كما تبدو- من خشب البلوط، وكيف تسنّى لزهاء أن تحول قاعة مسرح مهندَسٍ بالكومبيوتر إلى جوف كهف من شرائط شجر البلوط تمتد من السقوف إلى السلالم وحتى ستائر وكواليس المسرح المتحركة. هذه المهندسة المولعة بالمواد المصنوعة، لم يفارقها الحنين العراقي إلى استخدام مادة تقليدية كالخشب في معمار غير تقليدي بُنيت هياكله الخارجية من مادة البوليمر، القائمة على قاعدة خرسانية.

وكأجدادها العرب الفاتحين، جاءت زهاء إلى أذربيجان عبر «طريق الحرير العظيم» الذي عبّدته صروحها المعمارية المنجزة، وعددها 41، من أهمها «جسر الشيخ زايد» في أبوظبي؛ أول جسر في التاريخ تصممه امرأة، ومتاحف عالمية عدّة قائمة، مثل «متحف فنون القرن الحادي والعشرين» في روما، و«متحف الفن الحديث» في سنسناتي بالولايات المتحدة، و«متحف النقل النهري ريفيرسايد» في غلاسكو ببريطانيا، و«دار أوبرا غوانزو» بالصين، والمجمع التسويقي الضخم «جالاكسي سوهو» في بكين، و«المسبح الأولمبي» في لندن. وعدد أعمالها قيد الإنشاء 42 بينها «محطة مترو الملك عبد الله في الحي المالي» في الرياض بالسعودية، و«مركز الفنون التمثيلية» في أبوظبي، و«مركز الشرق الأوسط» في «كلية سان أنطوني» بمدينة أوكسفورد، و«البرج التجاري» في دبي، و«البنك المركزي» في بغداد، و63 معرضاً، وسرادق، ومنشآت تصميم، و60 طاقم أثاث، وحلي، وأدوات زينة، وتحف، بينها شنطة «شانيل» النسائية، وسوار الكوع في دمشق بسوريا.

وزهاء حديد طريق الحرير لأذربيجان التي تخالف جميع التصورات المسبقة عن بلد آسيوي شيوعي سابق. فالنظام الشيوعي انهار في أذربيجان بانهيار الاتحاد السوفييتي، لكن الناس لم يشنقوا زعيمهم الشيوعي السابق حيدر علييف، بل حرَّموا عليه التقاعد عندما انتخبوه رئيساً لجمهوريتهم الديمقراطية المستقلة، ولاحقوه بعد وفاته عام 2003 فانتخبوا ابنه إلهام علييف الرئيس الحالي للجمهورية، وأطلقوا اسم الأب على المركز الذي يرمز إلى طموحاتهم في الديمقراطية والانفتاح. وأغرب ما في عاصمة هذا البلد الذي يشكل فيه المسلمون الشيعة الأغلبية، أن لا تصادف في الشوارع أو الأماكن العامة امرأة محجبة، أو تغطي رأسها، ولا رجل دين معمماً، أو شحاذاً أو مشرداً. قد تجد عشرات منهم في عواصم أوروبية متقدمة تضاهيها باكو بنظافتها وأناقتها ومتنزهاتها.

وعماد اقتصاد أذربيجان النفط، وإنتاجها منه أقل من ثلث الإنتاج العراقي. قال ذلك جاري على مائدة العشاء في«نادي المقام» في باكو، فاروق عبدالقادر، الذي كان رئيس «مؤسسة الطرق والجسور» في العراق في تسعينيات القرن الماضي، ووزير الاتصالات عام 2005، والمستشار المعماري حالياً لأسامة النجيفي، رئيس البرلمان العراقي. ولم أجد تفسيراً لكل هذه العجائب إلا عند الشخصية الفكاهية الشعبية «ملّا نصر الدين» الذي تدّعي انتسابه إليها معظم بلدان المنطقة، من العراق حتى باكو، حيث تحمل اسمه أشهر مجلة فكاهية أصدرتها مطلع القرن الماضي. سأل الناس «ملاّ نصر الدين»: لماذا يركب حماره بالمعكوس، فقال: «لست أنا الذي يركب الحمار بالمعكوس بل الحمار يسير بالمعكوس»!

(الاتحاد)

 

 

لا تُعجِّل بالرحيل يا عامر السعدي

محمد عارف

 

«زوجي الدكتور عامر السعدي مريض جداً ولا يستطيع قراءة مقالاتك، لذلك آسف لأن أسألك رفع اسمه من قائمة بريدك، وشكراً، مع التقدير الكريم، وأطيب التمنيات بالعيد السعيد. هيلما السعدي». لم أصدق هذه الرسالة المقتضبة بالإنجليزية، رغم أنها مرسلة من العنوان الإلكتروني الشخصي الذي أتراسل عبره مع السعدي منذ غادر العراق. وكيف أصدق ذلك، وأنا أتوقع منه في كل وقت رسالة عن سير العمل في مذكراته التي تتناول أخطر الصفحات المجهولة في تاريخ العراق الحديث؛ تاريخ بناء القوة العلمية الهندسية للبلد، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، والقصف الإسرائيلي لمفاعل تموز عام 1981، ورد الفعل العراقي في الشروع بالبرنامج النووي، ودمار حرب الخليج 1991، التي استغرقت 42 يوماً، وقامت الطائرات خلالها بأكثر من 100 ألف طلعة جوية، وألقت 100 كيلوطن من المتفجرات شديدة التدمير، وأعقبتها مباشرة اضطرابات شملت 12 محافظة من محافظات العراق الثماني عشرة، وسبّبت خسائر فادحة للممتلكات العامة والخاصة، وبعدها «معجزة إعادة بناء الهياكل الارتكازية المدمرة للبلد»، حسب لائحة الاتهامات المعلنة ضد السعدي يوم أسَرَته قوات الاحتلال في 12 أبريل عام 2003، والتي اعتبرته «العبقرية الهندسية التنظيمية» وراء كل ذلك. قال عنه محرر الأخبار في تلفزيون «إن. بي. سي» أنه «قيصر أسلحة الدمار الشامل، وقام بتوسيع مدى صواريخ سكود، وتطوير صواريخ العباس التي قتلت عشرات الأميركيين والإسرائيليين خلال حرب 1991... إنه العبقرية التنظيمية خلف برنامج الأسلحة العراقية السوبر، وهو مهندس رفيع المستوى يحمل الدكتوراه، ويتحدث بطلاقة ثلاث لغات على الأقل».

 
 
 

لا تُعجِّل بالرحيل يا عامر السعدي، فالبلد يحتاج أكثر من أيّ وقت في تاريخه إلى عبقرية هندسية تنظيمية تعيد تجميع وتطوير هياكله الارتكازية المفككة، إدارياً وسياسياً وروحياً، كإعادة بناء شبكة المياه والكهرباء عام 1992 بسرعة قياسية خلال شهرين فقط، وبكلفة تعادل 200 مليون دولار، ما يعجز عنه خلال 11 عاماً النظام الذي أقامته الولايات المتحدة، ودعمته عشرات المؤتمرات والبرامج الدولية، وتريليونات الدولارات. والعراق كالقطة فوق صفيح ساخن، حسب مسرحية الكاتب الأميركي تَنيسي وليامز. «وما النصر الذي تحققه قطة على صفيح ساخن؟ تمنيتُ لو أعرف... أعتقد أن تمكث هناك أطول ما تستطيع». والسعدي والنخبة العلمية الهندسية التنظيمية للعراق مكثوا وأبدعوا فوق صفيح ساخن منذ سبعينيات القرن الماضي. ولا أعتقد أن المعضلة الطائفية غيّرت طباعهم. فالعراقيون وبلدهم بقوا على قيد الحياة لأنهم يملكون امتياز البقاء أطول ما يمكن فوق صفيح ساخن.

ومَن غيرُ عبقرية جيل السعدي من مهندسين وإداريين، يقودون حالياً مثله مؤسسات وأعمالاً خارج العراق تحقق معجزة إعادة تركيب بلد قطّعته فئة انتهازية فاسدة من مغتربين مهّدوا طريقهم لحكم العراق بإصدار «البيان الشيعي» السيئ الصيت، وحالما وضعتهم دبابات الاحتلال على سدّة الحكم في «المنطقة الخضراء» أعلنوا عن تأسيس «البيت الشيعي»! والسعدي الذي ينتمي إلى أعرق أسر العلم الشيعية، قاد أصعب المفاوضات العلمية السياسية في تاريخ الأمم المتحدة لإنقاذ بلده من كارثة الغزو. ولم يخطر ببالي يوماً مذهب السعدي وشقيقيه، طبيبي العائلة، أخصائي العيون حميد، وأخصائي الجلد نوري، وشقيقتيه، زميلتي الدراسة الجامعية في موسكو خوله (دكتورة في هندسة النفط)، ورُقيّة (مهندسة اتصالات).

«ساعدونا نساعدكم، قال ذلك الشخص الجالس على الطرف الآخر من الطاولة، وهو يبتسم، لكن لم تكن السعادة ما رأيته في أساريره، كانت عيناه خفيضتين، وطرفا فمه مرتخيين. هل كان ذلك هو الحزن أم التعب، لست متأكداً». بهذه الفقرة استهلّ محمد البرادعي، المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» كتابه الصادر بالإنجليزية، «عصر الخداع». والشخص على الطرف الآخر من الطاولة هو عامر السعدي، كبير المفاوضين العراقيين حول نزع أسلحة الدمار الشامل. حدث ذلك قبل نحو شهر من غزو العراق عام 2003، وبالضبط بعد ثلاثة أيام من الواقعة الشهيرة في «مجلس الأمن» حين لوّح وزير الخارجية الأميركي الجنرال كولن باول بقارورة صغيرة، وقال إن ما يعادلها من الأنثراكس الذي يملكه صدام حسين كاف لقتل نصف سكان العالم.

وصوّر البرادعي في مقدمة كتابه عملية استسلام السعدي لقوات الاحتلال. «الجنرال السعدي شريكي في العشاء الحزين سلّم نفسه لقوات التحالف في 12 أبريل عام 2003، بعد أن عرف أنه الرقم 31 في قائمة أكثر العراقيين المطلوبين، وترتيبه السابع في الفئة الماسية من شدّة لعبة الأوراق سيئة الصيت». وكم عدد المخابرات الأجنبية التي كانت تسعى يوم الغزو لتصفية السعدي، الذي طلب من محطة التلفزيون الألمانية (ZDF) تصوير استسلامه، وأعلن أمام الكاميرا: «نحن لا نملك أسلحة التدمير الشامل، وسيثبت التاريخ صدقي». ويعترف البرادعي: «آنذاك علمت أن استنتاجنا الأولي بصدد الأسلحة النووية كان صحيحاً، لأنه لم يكن للسعدي سبب للكذب».

ويذكر البرادعي أن جعفر ضياء جعفر، الذي كان يتعامل بعجرفة وعصبية خلال المفاوضات حول أسلحة العراق، تجاوز الحد في أحد الاجتماعات، وسخر من اللغة الإنجليزية لأحد المفاوضين، وقاطعه البرادعي، حسب ادعائه: «لا تنس أنك وزملاءك كنتم تحتالون على الوكالة سنوات عدة، لذا لا مصداقية لكم»، إشارة إلى إخفاء العراقيين تفاصيل التخصيب النووي عام 1992. وحاول السعدي، الذي كان كبير المفاوضين، التهدئة، وقال وهو يبتسم ابتسامته المشهورة: «هذا لم يكن احتيالاً بل حيلة». والتفريق بين الاحتيال والحيلة لم يكن مجرد براعة السعدي بالإنجليزية التي قارنها معلقون أميركيون بخطل لغة وزير دفاعهم آنذاك رامسفيلد، بل الحيلة أهم مزايا تكتيك العراقيين في الحصول على التقنية المتقدمة.

ولم يكن همُّ العراقيين مجرد الحصول على سلاح ردع نووي، بل طريق الحصول عليه، والذي مسحته من ذاكرة العرب والمسلمين إحدى أكبر عمليات غسيل الدماغ في التاريخ الحديث. فالبرنامج النووي، المعروف باسمه المختصر «البرنامج الوطني»، كان «مدرسة لتأهيل العلماء وتدريب الكوادر الهندسية والتقنية». يذكر ذلك جعفر ضياء جعفر، ونعمان النعيمي في كتابهما المشترك «الاعتراف الأخير». ويعرض الباحثان «حقيقة البرنامج النووي العراقي» الذي ساهما فيه مع أكثر من 8 آلاف عالم ومهندس وتقني يمثلون النخبة العلمية والفنية للبلد. أسماؤهم وألقابهم وتخصصاتهم تعكس فسيفساء الأديان والأعراق والمذاهب والطوائف والجامعات والأكاديميات التي أعدت آلاف الكفاءات العراقية. والتقى في «البرنامج الوطني» هدف تحقيق «الكتلة الحرجة»، والتي تعني بلوغ «المادة الانشطارية» اللحظة اللازمة لإدامة التفاعل المتسلسل للمفاعل النووي، والتي تغذي نفسها ذاتياً؛ علمياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً، وتنقل العراقيين إلى المكانة التي يستحقونها في مصّاف الدول المتطورة.

(الاتحاد) الاماراتية

 

لبناني استحق «نوبل» وأُعطيَتْ لغيره

محمد عارف

«برازيلي يتحرك بدماء عربية»، هكذا وصف البستاني موقفه المتحدّي عندما كانت دول العالم تنحني لإرادة واشنطن في غزو العراق. ولو أننا تحركنا آنذاك بدماء عربية، هل كان بوش وطاقمه اليميني الصهيوني سيجرؤون على سفك دماء ملايين العرب والمسلمين، وإهدار تريليونات الدولارات؟ وهل كُنا فُجعنا بإغراق بلداننا بدماء تنبت الآن نبتات مرعبة لا تأخذها الرحمة بنفسها، ولا بأهلها، ولا بالعالم؛ شباب يتحولون، في ربيع أعمارهم إلى انتحاريين آكلي قلوب بشرية، يقطعون قلوبنا كل يوم نصفين، فانتَحِروا أو عيشوا منتحرين؟

«من هو البستاني ولماذا أقيل من منصبه؟»، عنوان المقال المنشور هنا في أبريل عام 2002. استهلت المقال عبارة «نجح الانقلاب الذي دبّرته الولايات المتحدة قبل أيام لإقالة جوزيف البستاني، المدير العام للمنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيماوية». والبستاني، اللبناني الأصلي الذي يشغل حالياً منصب سفير البرازيل في باريس، استطاع خلال خمس سنوات من قيادته للمنظمة التي بدأت العمل عام 1997 أن يزيل مليوني قطعة سلاح كيماوي، ويفكك نحو ثلثي وسائل صنع هذه الأسلحة، وأشرف على الخطوات الأساسية لوضع اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية موضع التنفيذ، وتطوير معايير التحقق من التزام الدول المصدّقة عليها بعدم إنتاجها، وتحديد متطلبات التفتيش على مخزونها ومصانع إنتاجها، وإقرار قواعد حملات التفتيش المفاجئة في كل ظرف وكل موقع، وفق القواعد المرعية للدولة العضو وتحت رقابتها.

http://www.alittihad.ae/styles/images/adverttop.png

 

http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png

وفي الأسبوع الماضي دارت عجلة التاريخ دورتها كاملة عندما مُنحت المنظمة التي أرسى دعائمها البستاني جائزة «نوبل» للسلام، واكتشفت الصحافة الغربية ما ذكرناه عام 2002 أن البستاني أقيل من منصبه لأن «واشنطن اعتبرته عائقاً دون غزو العراق»، حسب عنوان تقرير «نيويورك تايمز». ونقلت الصحيفة عن وزير الخارجية البرازيلي آنذاك قوله: إن «واشنطن كانت تطالب برأس البستاني»، وأن باول اتصل يقول: «عندي أناس في واشنطن لا يريدون بقاء البستاني، ودوري هو إبلاغك بذلك». وفي حديث للصحيفة مع البستاني، ذكر كيف أن جون بولتن، مساعد وزير الخارجية الأميركي آنذاك، دخل عليه في مكتبه بمقر المنظمة في لاهاي، وأنذره بأن لديه 24 ساعة للاستقالة، وعليه تحمل العواقب إنْ لم يفعل ذلك.

وبولتن أعتى صقور اليمين الصهيوني يكذب في تصريحه الآن لـ«نيويورك تايمز» بأن البستاني عُزل لسوء إدارته للمنظمة. فباول كان قد وجّه رسالة إطراء للبستاني عند إعادة انتخابه لإدارة المنظمة بالإجماع، وذلك قبل شهور قليلة من عزله. ومقالي المنشور هنا بعد عزل البستاني بيومين ذكر أن واشنطن «لجأت إلى إجراء غير مسبوق بالدعوة إلى اجتماع خاص لممثلي جميع الدول الأعضاء في المنظمة لاستصدار قرار بعزله، والمعلومات المتسربة من أروقة الاجتماع كشفت عن مناورات لجأ إليها دبلوماسيون أميركيون لا تصدر حتى عن ممثلي دكتاتوريات جمهوريات الموز». واستشهدتُ بتقرير صدر في «الجارديان» في اليوم التالي للتصويت، ذكر الانتهاكات التي قام بها السفير الأميركي في المنظمة الدولية، ومنها دفع مبالغ لبعض الوفود لحضور الجلسة الخاصة، والوعد بترشيح شخص بديل من قارة أميركا اللاتينية، والتهديد بالقضاء على المنظمة الدولية، بل حتى التهديد بقتل أي موظف أميركي داخل المنظمة يقوم بتسريب هذه المعلومات للصحافة!

وذكر البستاني أن الحملة ضده «بدأت عندما أعرب العراق وليبيا عن عزمهما الانضمام للمنظمة»، وذلك يعني- كما هو الحال مع سوريا الآن- تقديم قائمة بمخزونيهما من الأسلحة الكيماوية، والموافقة على التفتيش عنها وإتلافها، وكان مفتشو المنظمة قد شرعوا بوضع الخطط لزيارة العراق، وعندما عرض البستاني هذه الخطط على عدد من الدول اهتاجت واشنطن، وبدأت تصله إنذارات رفضها، وحُسم مصيره في جلسة استثنائية للمنظمة صوّت فيها ممثلو 48 دولة بعزله، وامتنعت 43 عن التصويت، فيما صوّتت ضد القرار سبع دول، بينها روسيا والصين وإيران وكوبا. وتلك هي المرة الأولى، والوحيدة التي يُقصى فيها رئيس منظمة دولية. وتساءل وقتها البستاني: «إذا أمكن لدولة واحدة أومجموعة دول إملاء إرادتها بإقصاء المدير العام لمنظمة دولية، فمن سيمتنع عن فعل ذلك في الغد ولأي سبب؟». واعتبرت «هيرالد تربيون» تصريحه أجرأ اتهام صادر عن مسؤول دولي كبير للولايات المتحدة بفرض إرادتها على المنظمات متعددة الأطراف، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية، واتفاقية كيوتو حول المناخ العالمي.

وشرع آنذاك مكتب بولتن بتسريب وثائق تتهم البستاني بالسلوك الاستفزازي، والقيام بمبادرات غير مدروسة، بدون التشاور معها ومع باقي الدول الأعضاء في المنظمة، إلا أن مسؤولين برازيليين وأميركيين أكدوا أن السبب الحقيقي هو عرقلة المنظمة التي يرأسها البستاني خطط واشنطن لغزو العراق، والتي كانت تبررها بـ«امتلاك صدّام الأسلحة الكيماوية»، وكان خبراء البستاني على يقين أن تلك الأسلحة دُمِّرت بالكامل في أعقاب حرب الخليج عام 1992. والبستاني كان يعرف «أن أيّ تفتيش سيكشف عدم وجود الأسلحة، ويحبط قرار الغزو». ويدَّعي بولتن الآن أن البستاني لم يذكر ذلك إلا بعد الغزو. وهذه كذبة أخرى، يدحضها ما نقله مقالي آنذاك عن «واشنطن بوست» من أن وزارة الدفاع الأميركية طلبت من وكالة الاستخبارات «سي آي أيه» جمع معلومات عن هانس بليكس، رئيس لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالرقابة على التسلح في العراق، وذلك للتشيكك بقدرة هذا الدبلوماسي السويدي الذي سبق ورأس «الوكالة الدولية للطاقة الذرية». و«جُنّ جنون نائب وزير الدفاع بول وولفوفيتس»، وفق الصحيفة الأميركية لإخفاق «سي آي أيه» في العثور على أي دليل يشكك بأهلية هذا المسؤول الدولي الذي راهنوا عليه في شن الحرب ضد العراق.

صورة معبرة نشرتها «نيويورك تايمز» للبستاني قبيل جلسة المنظمة التي صوتت عام 2002 بعزله؛ ابتسامتُه المتهكمة، وذراعاه المبسوطتان، أكاد أسمعه يردد المثل اللبناني: «اركب الديك وشوف لَوَين يوديك». وبعد عشر سنين من ركوب الديك الأميركي «ودّت» واشنطن نفسها والعالم إلى شفير الإفلاس الاقتصادي والسياسي والأخلاقي، وتدهورت علاقاتها مع البرازيل التي ألغت أخيراً زيارة رئيستها المقررة للاجتماع بالبيت الأبيض في واشنطن بعد افتضاح تنصت المخابرات الأميركية على مكالماتها. وبولتن الذي شغل منصب مندوب واشنطن في مجلس الأمن خلال غزو العراق، يخشى زيارة عاصمة حليفه الأكبر بريطانيا. آخر زيارة له إلى لندن انتهت بهرولته أمام عدسات التلفزيون يلاحقه أشهر الصحافيين البريطانيين المناهضين للغزو، جورج مونبيوت، وهو يعلن إلقاء القبض عليه، باسم قانون إنجليزي قديم يجيز لكل مواطن اعتقال أيّ مطلوب للعدالة!

مستشار في العلوم والتكنولوجيا

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

اذكروا وطنيةَ العراقيات في العيد

محمد عارف

«ليس للنساء قط عقول شابة، إنهن يلدن وعمرهن ثلاثة آلاف عام». تقول ذلك الكاتبة البريطانية شيلا فيليني في مسرحيتها «مذاق العسل». والأعمار من عمر الأوطان، ونساء العراق يلدن وعمرهن عمر حضارة سومر، خمسة آلاف عام على الأقل. وفي العيد، اذكروا جمال عراقيات جعلن بلدهن رمزاً للعمران حول الكرة الأرضية، وعراقيات ينظمن مسيرات في مدن العالم لأجل العراق، أو يحملن اسمه إلى قمة جبل كِلِمنجارو بأفريقيا، أو يعمرن مدنَ ومستشفيات بلدهن، أو يكرسن حياتهن في ملاحقة جرائم الحرب التي ارتكبت ضده.

http://www.alittihad.ae/styles/images/adverttop.png

 

http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png

«ملكة المنحنى»، عنوان تقرير مصور عن المهندسة المعمارية زهاء حديد احتل خمس صفحات في «الأوبزرفر» اللندنية، وصادف نشره أسبوع الإعلان عن فوز طوكيو بإقامة الأولمبياد 2020 للمقعدين، وعزز تصميم زهاء لملاعب الأولمبياد فوز طوكيو، وأصبح قبل تنفيذه إيقونة المدينة كتاج بلوري يتلألأ فوق خط الأفق. يتسع الملعب ذو السقف المتحرك لثمانين ألف متفرج، ومدرجات المقاعد تدنو أو تبتعد عن الساحة، حسب نوع اللعبة وحجم الجمهور. وقال عنه رئيس لجنة التحكيم: «يحمل رسالة اليابان الدينامية والمستقبلية للعالم، وسيصبح مزار عالم الرياضة لمائة عام قادمة».

وخلافاً للفكرة السائدة حول طريق زهاء المفروش بالورود، جاء فوزُها في طوكيو بعد خسارتها مسابقة تصميم بناية البرلمان العراقي، و«الفارق بين الاثنين كالفارق بين الغيم والطين»، حسب المثل الياباني. تعليقات ساخرة في الصحافة على حصول الشركة البريطانية «أسيمبلاج» الفائزة بالتصميم على ربع مليون دولار، وهذه قيمة التصميم فقط، فالكلفة الكلية تُقدّر بمليار دولار، وقد تضاعفها مليارات فساد الحكم في «بلد يفتقر معظم سكانه لخدمات الماء والكهرباء بفضلنا»، حسب تعليق قارئ في صحيفة «ديلي ميل». ويتساءل آخر: «لماذا مليار دولار، البناء سيُفجّر في أي حال، اعملوه من الورق المقوى»، فيما يندب قارئ ثالث: «آه، هذا كل هدف الحرب، إنه يوم تسليم المنتصرين المكافأة».

ويبدو البرلمان «منطقة خضراء رقم 2»، فهو ليس بناية بل مدينة مجهزة بمختلف الخدمات بما في ذلك مستشفى خاص بأعضاء البرلمان والحكومة، مقابل ذلك تصميم زهاء الذي يمثل «الطريقة العمرانية» لإعادة بناء مجتمع مهدّم مادياً وروحياً، ويحمل القوة «الأسطورية» لبلاد ما بين النهرين، التي عمّرت أول المدن في العالم منذ الألف الخامسة قبل الميلاد. وتسكن موهبة العمران الموروثة العراقيات. المهندسة المعمارية جاله المخزومي نالت «جائزة التميُّز»، ليس عن إنشاء بنايات، بل عن هندسة الفراغات، والمساحات الخضراء. انجيلا برايدي، رئيسة «المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين»، قالت عنها: «أذهلتني جاله بعملها الذي جعل تصميم الفضاءات المفتوحة مهنة معترفاً بها، إنها حقاً من المعماريات الرائدات في العراق». وقال عنها البروفيسور «باول إيفي»، عميد كلية الهندسة في جامعة كوفنتري التي رعت الجائزة: «جاله معمارية مثيرة للإعجاب، لديها ملف رائع من إنجازات ساهمت بإثراء بيئة البناء في العراق، وأظهرت أعمالها أن المعماريين، وبالأخص المعماريات يستطعن تغيير حياة الناس إلى الأفضل ومن منظور فريد». وفازت أربع معماريات من داخل العراق بمرتبة الشرف، بينهن هورى الطالباني التي «كرّست نفسها للتخطيط والتنمية الحضرية في كركوك». وأيُّ تفاؤل باسل لامرأة تطور عمران مدينة لا يرى العالم منها إلا صور مفخخاتها، ومثلُها بسالة الثلاث الأخريات الفائزات؛ المعمارية هدى محمد علي، وغادة السلق، مدرسة العمارة في جامعة بغداد، وفتوح الزبيدي، مهندسة المرافق الصحية في المستشفيات.

وليس كل عراقية زهاء حديد إلا أن عزم كثير منهن حديد. «السير من أجل العراق» حركة دشّنتها فتاة عراقية في خضم يأس بلدها المُدَّمى. نادية الشذر، خريجة العلوم السياسية في كلية لندن للاقتصاد وجامعة لندن، وتعمل منذ سنوات في القطاع المصرفي الدولي في دبي بدولة الإمارات، نظّمت أول «مشي لأجل العراق» في بريطانيا عام 2007. وأصبح المشي لجمع تبرعات للعراقيين المحتاجين حركة عالمية يديرها فريق من ستة عراقيين وعراقيات في مختلف القارات، ويبلغ عدد المدن التي مشى فيها الناس لأجل العراق 11 مدينة، ومجموع التبرعات التي تشرف على جمعها وتوزيعها هيئة رسمية مسجلة في بريطانيا بلغت 150 ألف دولار، وذهبت مواردها إلى العراقيين المعوزين دون تمييز، بما في ذلك ضحايا حرق كنيسة في بغداد عام 2010. وجمع «المشي لأجل العراق» هذا العام في مونتريال بكندا تبرعات للأطفال العراقيين ذوي الاحتياجات الخاصة.

وحب العراقيات للعراق مغامرة تكتم الأنفاس. ثلاث فتيات عراقيات قررن تسلق أعلى قمة جبل كِلِمنجارو في أفريقيا الذي يبلغ ارتفاعه نحو ستة آلاف متر. «ذكرى عبد الأحد دنحا»، ولدت في بلدة «برطلا»، قرب الموصل، وغادرت وأسرتها العراق، وهي في السابعة إلى بريطانيا، حيث أكملت دراستها الجامعية في موضوع معلوماتيات الصحة، وتعمل مديرة البرنامج في شركة إدارة «مركز حماد الطبي» في قطر. والشقيقتان لميس وميس القيسي ولدتا في موسكو، وترعرعتا مع أبويهما الأكاديميين المتنقلين عبر بغداد، والقاهرة، والجزائر، ووارسو، واستكهولم، ولندن، وأتمتا دراستيهما الجامعية في لندن، وتعمل كلتاهما حالياً في الخليج؛ لميس «استشاري الصحة والسلامة في مجال النفط والبناء والإعمار» في الدوحة، وميس حصلت على الدكتوراه بالدراسات الإسلامية في جامعة لندن، تتقن اللغات العربية والإنجليزية والسويدية والروسية، وتعمل مساعد أستاذ دراسات الترجمة بالجامعة الأميركية في الشارقة.

واذكروا جمال نساء علم عراقيات يقاومن دون دعم حكومي، أوعون أكاديمي أقبح أنواع الموت النازل بالبلد؛ قلوبهن مختبراتهن، وعقولهن أدوات القياس، ويواجهن سطوة القوى العظمى، ومنظمات «الأمم المتحدة». سعاد العزاوي، نائبة رئيس «جامعة المأمون» سابقاً للشؤون العلمية، تملك الشجاعة الغريزية لأم مفجوعة تحتضن وليدها المسخ الذي لا يجرؤ الآخرون على رؤية شكله المفزع. دراستها المنشورة بالإنجليزية ترصد ارتفاع معدلات التشوهات الخلقية للأجنة، والأورام السرطانية، نتيجة استخدام واشنطن ولندن اليورانيوم المنضب في حربي 1991 و2003. وتفند الدراسة بالإحصاءات والمعطيات تقرير وزارة الصحة العراقية، وتبين أن هدفه إنكار الواقع عن طريق إنكار وجود مشكلة أصلا. ومع أن «منظمة الصحة العالمية» أشرفت على إعداده، إلا أنها لم تصادق عليه.

استنتاجات مماثلة تضمنتها رسالة الأكاديمي العراقي مأمون الأوقاتي إلى وزارة الصحة العراقية و«الصحة العالمية»، حيث ندّد بخلو تقريرهما من أسماء مؤلفيه. وسخر الأوقاتي، الذي ترأس لسبع سنوات قسم الأبحاث والدراسات التقنية في وزارة الصحة بالكويت، من استخدام التقرير كلمة «نوادر» في وصف تقارير سابقة، وتساءل: «ما الظرافة في هذه المسائل الصحية غير المحلولة»، وأورد تفاصيل طبية دقيقة لتقييم القياسات غير الصحيحة، والافتقار إلى المعطيات المتوفرة في المتناول العام.

 

 

روسيا قوة

إسلامية كبرى صاعدة!

محمد عارف

 

إذا استمرت معدلات الزيادة الحالية في عدد مسلمي روسيا فسيصبحون أغلبية سكان هذا البلد الأوروبي الآسيوي مع نهاية القرن الحالي. عدد السكان المسلمين في روسيا الاتحادية وحدها يبلغ حالياً 26 مليون نسمة، حسب الباحث «أليكسي مالاشنكو» في دراسته «ظلال الإسلام فوق أوروبا» المنشورة بمجلة «الشؤون الدولية» (International Affairs). ويشكل هذا نحو عشرة في المئة من سكان روسيا البالغ عددهم 140 مليوناً. ويعيش أكثر من 80 مليون مسلم آخرين في ست جمهوريات استقلت عن الاتحاد السوفييتي؛ هي أذربيجان، وتركمانستان، وأوزبكستان، وكازاخستان، وقرغيزتان، وطاجكستان. وازداد عدد المساجد في روسيا وحدها عشرة أضعاف من 500 في ثمانينيات القرن الماضي إلى خمسة آلاف عام 2008 والعدد في ازدياد.

ويتكاثر سكان روسيا المسلمين بمعدلات انفجارية تطلقها معدلات مواليد المرأة الواحدة من المسلمين التتار، أو الشيشان، أو الأنغوش، والتي تبلغ نحو ستة مقارنة بمعدلات الولادة المنخفضة بين الروسيات من أصل سلافي، والتي تقل عن مولودين للمرأة، ويعني هذا تناقص حجم السكان الروس من أصل سلافي، حيث يتوقع أن يشكل المسلمون ثلث سكان روسيا مع منتصف القرن، وقد يصبحون الأغلبية مع نهاية القرن. ولم تحفز المكافآت المادية المغرية التي قدمتها موسكو على زيادة معدلات الولادة للروسيات، في حين تبدي النساء المسلمات حماساً ذاتياً كبيراً للإنجاب، ويحقق بعضهن أرقاماً قياسية تبلغ عشرة مواليد للمرأة الواحدة.

 
 

http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png

وتركز المصادر الإعلامية الغربية على التوترات وأعمال العنف والعدوان التي يثيرها تغير الموازين الديموغرافية بين الروس والمسلمين، لكن تجربة عيشي ودراستي في جامعتي موسكو وسانت بيترسبوج ست سنوات، وسنتين في أكاديمية العلوم الروسية في موسكو، عرّفتني على التوازن الدينامي المشدود الذي يطبع تاريخ روسيا، ويصنع هويتها القومية، والمزيج الآسيوي الأوروبي الفريد لملامح سكانها البدنية والروحية. وعرفت على الطبيعة أنه «إذا كان هناك هذا العدد الكثير من الرجال، والعدد الكثير من العقول، فالمؤكد هناك الكثير من القلوب، وأنواع كثيرة من الحب»، حسب الأديب الروسي تولستوي. ومع أن أعمال العنف التي ارتكبتها حركات إسلامية متطرفة، كمجزرة طلاب مدرسة «بيسلان» عام 2004 أدت إلى تخلي نحو مليوني مسلم عن دينهم، إلا أن زيادة عدد المسلمين في روسيا استمرت بمعدلات ثابتة، ولم يتوقف تحول الروس السلافيين المنتسبين للكنيسة الأرثوذكسية إلى الإسلام، حسب دراسة «صعود الإسلام في روسيا وسياسة الأمن القومي» المنشورة في مجلة «السياسة الخارجية» (Foreign policy) الصادرة عن «معهد الدراسات الدولية» في أثينا. «القلق من اللغز الديموغرافي المحير» العنوان الثانوي للدراسة التي تتناول مخاوف موسكو من «استمرار الزيادة في عدد منتسبي الإسلام السني بين مواطني روسيا الاتحادية، وتأثير هذه الزيادة على السياسة الخارجية، والأمن القومي لروسيا، وحتى طابعها الثقافي». ويُشكل السنّة الأغلبية المطلقة في معظم جمهوريات روسيا الاتحادية المسلمة، كالشيشان، وأنغوشيا، وداغستان، التي كانت مهد أكبر ثورة إسلامية ضد الحكم القيصري، قادها «الإمام شامل»، وأفلح في إقامة «إمارة القفقاس» الإسلامية في القرن التاسع عشر، وعندما أدرك بأن القمع القيصري الوحشي سيزهق أرواح الكثيرين ساوم قيصر روسيا على وقف الثورة والعفو عن الثوار، واستجاب القيصر، وأذن له بالحج إلى مكة، وتوفي في المدينة المنورة ودُفن في مقبرة البقيع التي تضم بعض الصحابة وأمهات المؤمنين.

وتعرض دراسة للباحث العراقي المقيم في موسكو «عبدالله حَبَهْ» جوانب مثيرة عن حياة «الإمام شامل» الذي كان فقيهاً ومؤلف كتب لتعليم اللغة العربية. ويذكر حَبَهْ أن التزام «الإمام شامل» بتعاليم العدل الإسلامي دفعه للحكم على أمه بالجلد عندما ثبت سوء تصرفها مع بعض السكان، وبعد الجلدة الثانية أمر بالتوقف، وعَرَض ظهره العاري لاستيفاء باقي الجلدات.

و«كل شخص يفكر بتغيير العالم، لكن لا أحد يفكر بتغيير نفسه». قال ذلك تولستوي قبل أكثر من قرن على قيام روسيا بأكبر عملية تغيير ذاتية في التاريخ الحديث عندما تخلت عن النظام الشيوعي والمعسكر الاشتراكي، وهي تعيد الآن رسم هويتها كبلد أوروبي آسيوي، تقوم سياسته الخارجية على أساس التقارب مع العرب والمسلمين. وذكر تقرير في الطبعة الإلكترونية لصحيفة «التايمز» اللندنية عنوانه «كيف يؤثر المسلمون الروس على سياسة موسكو الخارجية»، أن «روسيا كثّفت ارتباطاتها الدبلوماسية في السنوات القليلة الأخيرة مع العالم الإسلامي، وحددت بشكل صريح البلدان الإسلامية كأرضية مثالية لموضعة نفسها في عالم القرن الحادي والعشرين، وزيادة نفوذها في منطقة الشرق الأوسط».

وكان رئيس الوزراء الروسي الحالي، وأثناء توليه رئاسة جمهورية روسيا الاتحادية، قد فاجأ القمة العربية في القاهرة عام 2009 بإعلانه أن «روسيا جزء عضوي من العالم الإسلامي»، وذكر أن «الإسلام جزء لا ينفصم من تاريخ روسيا وثقافتها». وفي إشارة واضحة إلى دعوة أوباما العرب للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، حذّر ميدفيديف من أن «أي محاولات لإنشاء نموذج شمولي للتنمية وفرضه على العالم كله، لن تفلح، بل ستؤدي إلى كارثة»، وأعلن معارضة بلده لفرض التغيير الديمقراطي على المنطقة، وقال‪: إن لدى البلدان العربية الكثير مما تُعَلمه للعالم، وأن ما حدث في بلده يجعل «روسيا تتعاطف مع كفاح البلدان العربية للجمع في تطورها بين أكثر الاتجاهات عصرية واحترام التقاليد القومية والدينية». وطالب بإنشاء دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

«وإذا أطلَقتَ نيران مسدسك على الماضي أطلَقَ المستقبلُ نيران مدفعه عليك». قال ذلك الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف، في كتابه «داغستاني». وتعني «داغستان»، الواقعة على سفوح جبال القفقاس، «الأرض الجبلية». وهي أول بلد دخله الإسلام في روسيا قبل دخول المسيحية، وتقطنها أكثر من 30 قومية تتحدث بلغات مختلفة ولا يجمع بينها سوى الإسلام وروسيا، وبينهم جماعة تنتسب إلى الرسول عن طريق عمه العباس. وعندما التقيت حمزاتوف عام 1981صدّقتُ ذلك. فقد روي عن النبي أنه قال لعمه العباس: «يعجبني جمالك»، قال: «وما جمال الرجل يا رسول الله؟»، قال: «لسانه» (أدب الدنيا والدين، للماوردي). جمال لسان حمزاتوف الذي تُغنى أشعاره، جعل حسناء روسية تقتحم دعوة الغداء التي أقامها السفير الفلسطيني في موسكو آنذاك رامي الشاعر. كان جمالها الروسي مما يقول عنه الأديب دوستوييفسكي «الشئ المروع أن الجمال غامض ومقلق، كأن الإله والشيطان يتصارعان هناك، وميدان المعركة قلب الرجل». وانتصر الحب في قلوبنا عندما شَرَعت الحسناء الروسية بقراءة مقاطع من أشهر قصائد حمزاتوف: «لو تطوّع ألف رجل شهداء في حبك فاعلمي أن بينهم شخص اسمه رسول حمزاتوف».

مستشار في العلوم والتكنولوجيا

(الاتحاد )

 

موسكو..ما العمل مع واشنطن؟

محمد عارف

 

عندما نتعامل باستخفاف مع العالم يدير لنا مؤخرته، قال ذلك الفيلسوف هيجل، وليس بين يديَّ للأسف نصه الحرفي. وإذا كان قلبي قد لَفَقَّ هذا الكلام، فالقلب يعرف ما لا يعرفه العقل عمّا يجري اليوم في المنطقة والعالم. ونبدأ بست كلمات قالها وزير الخارجية الأميركي (كيري)، واعتُبرت سبب اختلاف التوقعات بصدد سوريا. ثلاث كلمات منها عرض بها كيري أسوأ الاحتمالات أمام «هيئة الشؤون الخارجية» في مجلس الشيوخ، وهي «الجُزَمُ على الأرض»، وتعني إرسال قوات للقتال في سوريا، وثلاث كلمات أخرى قالها في المؤتمر الصحفي في لندن، حيث وعد أن تكون أية ضربة يأمر بها أوباما ضد سوريا «صغيرة بشكل لا يُصدّق».

وكيري نفسه لا يُصدِّق كلامه الذي تقول الصحافة الأميركية إنه يرتجله عفو الخاطر لإرضاء رأي عام منقسم على نفسه بصدد سوريا. وأبعد منه عن التصديق أوباما الذي يهدد بالضربة، وهو يستميت في تجنب التورط بعملية حربية، وما كان كلامهما ليُصدَّق لو لم يسارع الروس لتأويله بالفأل الحسن. وتذبذب أوباما مسؤول، حسب المراقبين عن زلة لسان كيري، حين قال في لندن: إن الأسد يمكنه تجنب الضربة العسكرية إذا قام فوراً بتسليم أسلحته الكمياوية، واستدرك أنه، أي الأسد، «لن يقدم على ذلك، وهذا لا يمكن القيام به طبعاً». وسارع مساعدو كيري إلى إلقاء اللوم على «فصاحته في الكلام». ومن جنيف ذكرت المتحدثة بلسان الخارجية الأميركية أنهم «يتحدثون عن ممر ممكن للسلام يزيل أسلحة النظام الكيماوية، وذلك لأن كيري طرح تحدياً افتراضياً عندما أذاع أحاديثنا الشخصية مع الروس»، لكن مستشارة الأمن القومي سوزان رايس ذكرت أن أوباما ناقش الموضوع مع بوتين أثناء لقائهما في سانت بطرسبرج في وقت سابق، و«حالما فتح كيري الباب دخل الروس».ولأول مرة في التاريخ يشاهد الناس سياسات دولية تصنعها زلات لسان المسؤولين السياسيين على الفضائيات مباشرة. «جي لينو»، مقدم البرنامج التليفزيوني الأميركي المشهور «هذا المساء»، عثر في تغير المواقف السريع على مادة شهية للتنكيت. «يمكن الشعور بحلول الخريف مبكراً هذا العام من تغير ألوان أوراق الأشجار بسرعة تغير مواقف أوباما من سوريا». وقال في التعليق على إنذار كيري: «أعطى السوريين أسبوعاً لتسليم أسلحتهم الكيماوية، وإذا لم يسّلموها سيعطيهم أسبوعاً آخر». وعن ردود الأفعال العالمية على مواقف أوباما المتذبذبة قال إن كينيا، مسقط رأس أوباما «أنكرت أن يكون ولد فيها أبداً».

وكما يحدث مع كل تقرير حول سوريا، تجاوز الثمانمئة عدد المعلقين على وثيقة «الاتفاق الإطاري لإزالة الأسلحة الكيماوية» خلال ساعة من نشره في «نيويورك تايمز»، ولا يتسع المجال هنا سوى لاستعادة آخر تعليقين؛ قد يلخصان الانقسام العام حول الموضوع. يقول «بيل» موقِّع الأول: «وهكذا وافقت الولايات المتحدة وروسيا على ما يعني السماح للأسد بالحفاظ على أسلحته الكيماوية، والتصرف بها كما يرغب». ويعلق عليه «مواطن» فيقول: «من أين جئت بهذا الاستنتاج يا بيل، فالتقرير الذي لا أستطيع إلا أن أخمن أنك لم تقرأه يقول: الأولوية ينبغي أن تُعطى حالياً لتنفيذ فوري وكامل للاتفاق والتأكد من نقل أسلحة سوريا الكيماوية للسيطرة الدولية». ويواصل المعلق الاستشهاد بفقرات الاتفاقية التي تنص على «التدمير الكامل لجميع المواد والمعدات في النصف الأول من عام 2014».

و«إذا كان التاريخ مقياساً فالساعة تدُقُّ» حسب عنوان تقرير في الصحيفة أعاد التذكير بتخلص القذافي قبل عشر سنوات من أسلحة الدمار الشامل بدفنها في الصحراء وتفجيرها بالقنابل. وفي أعقاب حرب الخليج عام 1991، أشعل العراقيون النار في أسلحتهم الكيماوية، وهم لا يرتدون ملابس واقية، فيما يرقبهم بدهشة مفتشون دوليون يرتدون ملابس رواد الفضاء القمرية. وإذا كان هذا ما ينتظره الخبراء والدبلوماسيون من السوريين كي يثبتوا جديتهم في التخلص من الأسلحة، حسب «نيويورك تايمز»، فهؤلاء ليسوا خبراء ولا دبلوماسيين. فأية خبرة ودبلوماسية تطلب من شعب قُتل منه حتى اليوم أكثر من مئة ألف، المغامرة بالتعرض لآثار أسلحة كيماوية تقتل ما لا يحصى عدده لسنوات عدة قادمة؟

وشبح حرب العراق التي قال كيري إنها لن تتكرر في سوريا، ليس دمار البلاد والعباد المستمر حتى الآن، بل هو «الاقتصاد يا غبي»، اقتصاد أميركا. وذكرى مرور خمس سنوات هذا الأسبوع على انهيار مصرف «ليمان بروذرز» كشفت أن معالجة كارثة خسارة نحو تريليون دولار جعلت الأغنياء أغنى والفقراء أفقر، وذهب 95 في المئة من ثمار العلاج إلى واحد في المئة فقط من الأميركيين، ومات الحلم الأميركي الذي يضمن للحاصلين على تعليم عالٍ مردوداً أعلى من غيرهم. بول كروجمان (نوبل في الاقتصاد) ذكر في مقاله «انتعاش الأغنياء» أن «معظم الخريجين لا يجدون فرص عمل، أو يعملون في ستاربكس وغيرها من وظائف لا تسدُّ ديون أجور تعليمهم». وهذا ليس سوى طيف الجزء الظاهر من أكبر كارثة اقتصادية غاطسة في التاريخ اسمها الولايات المتحدة.

وقد نحزر الكوكتيل الذي يشربه الدبلوماسيون الأميركيون في جنيف من تصريحاتهم، ويعجبني كوكتيل يتمطّق به كثيرون يقول إن تهديد أوباما بضرب سوريا أجبر روسيا على المجيء إلى طاولة المفاوضات، تجر معها سوريا. أُسمِّي هذا الكوكتيل بالروسية «شتو ديلات»، ويعني بالعربية «ما العمل»، وهو عنوان كتاب مشهور للروائي تولستوي، رسم فيه الصورة التالية للطبقة الأرستقراطية في العهد القيصري: «أجلس فوق ظهر الرجل، وأجبره على أن يحملني، ومع ذلك أؤكد لنفسي وللآخرين أنني آسف جداً لحاله، وأرغب في أن أخفف عنه بكل الوسائل الممكنة، باستثناء النزول عن ظهره».

و«ما العمل» وموسكو التي تفككت منها جمهوريات إسلامية عدة لم تقتل مليون مسلم قتلتهم لندن وواشنطن في بلدان إسلامية تفككها. يلاحقني السؤال منذ زرتُ الأسبوع الماضي مؤرخ العلوم والفيلسوف المصري الفرنسي رشدي راشد في باريس. هدف الزيارة إعداد دراسة عن راشد الذي ألف 52 كتاباً قلبت تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، وأوقفتها على قدميها، اللتين حملتا خمسة قرون أقطار روسيا المسلمة، والكتلة الجيوبولوتيكية العربية الإسلامية الممتدة عبر قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا. نقرأ ذلك في أصول، ومراسلات، وأسفار علماء وفلاسفة النهضة العربية الإسلامية في القرون الوسطى. هل يمكن أن تستعيد قدميها هذه الكتلة الجامعة للقارات؟ لمَ لا، وابن خلدون شاهد على أن «من الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأعصار ومرور الأيام».

(الاتحاد – الاماراتية )

 

ابن خلدون في قلب العالم وعقله

محمد عارف

 

"قال العبدُ الفَقيرُ إلى الله تعالى الإمام العالم العلامة شيخ مشايخ الإسلام..الإمام ولي الدين أبو زيدٍ عبدُ الرحمن بنِ محمد بنِ خَلدون متع الله بعلومه آمين". هكذا يُستهل كتاب "مقدمة بنِ خلدون" الذي وجد فيه بول كروجمان الحائز على نوبل في الاقتصاد تفسير تدهور "مايكروسوفت" أكبر شركة صناعات الكومبيوتر في العالم. وأردد عبارة ابنِ خلدون في قلبي كلما أعثر على ما وجده في كتابه علماء بالاقتصاد، والاجتماع، والتاريخ، والسياسة، والبيولوجيا، والرياضيات.

"تدهور إمبراطوريات الصناعات الإلكترونية" عنوان مقال كروجمان في"نيويورك تايمز" والذي استعاد تاريخ سيطرة "مايكروسوفت" منذ عام 2000 على سوق صناعة الكومبيوتر، بفضل برامج أجهزتها "ويندوز" التي تتيح لها التشارك مع الشبكات الخارجية، والأجهزة الطرفية، وهذه تعمد بدورها إلى استخدام برامج مايكروسوفت للسبب نفسه؛ يعني "كل شخص يستخدم "ويندوز" لأن كل شخص يستخدم "ويندوز". نجاح مايكروسوفت حقق لها السيطرة الاحتكارية ، والاطمئنان إلى أن أحداً لن يستطيع منافستها حتى طرحت منافستها "آبل" جهاز "آي باد آبل"، الذي باعت منه ثلاثة ملايين قطعة في ثلاثة أيام، فيما لم تحقق "ألواح مايكروسوفت" سوى مليون ونصف مليون قطعة خلال ثمانية شهور. واضطر بولمر، رئيس "مايكروسوفت" للاستقالة. "كيف عميت مايكروسوفت" عن رؤية ذلك"، يسأل كروجمان ويجيب "هنا يأتي دور ابن خلدون. فهذا الفيلسوف المسلم من القرن الرابع عشر الميلادي اخترع ما تُدعى اليوم علوم الاجتماع. ومكنّته بصيرته التي قامت على تاريخ موطنه في شمال إفريقيا من اكتشاف وجود إيقاع لصعود وانحدار السلالات الحاكمة". والدور الكبير في ذلك تلعبه "القبائل الصحراوية التي تملك دائماً شجاعة والتحاماً اجتماعياً أكبر من السكان المستقرين، لذلك تكتسح بين وقت وآخر البلدان التي يصبح حكامها فاسدين ومتنعمين".

ونقل كروغمان الموضوع إلى مدونته، وفيها عرض أطروحة ابن خلدون الرئيسية حول "العصبية"، والتي "تمثل الرابطة التي تقوم على مختلف مستويات الحضارة، من المجتمع البدوي وحتى الدول والإمبراطوريات. والعصبية أقوى ما تكون في مرحلة البداوة، وتقل مع التقدم الحضاري. وفيما تنحدر عصبية تنشأ عصبية أخرى أشد قسراً قد تأخذ مكانها، وهكذا تقوم الحضارات وتنهار. كل عصبية (أو حضارة) تحمل في طياتها بذور سقوطها". ووصف ابن خلدون " ظهور العصبيات في أطراف الإمبراطوريات العظمى. ويترتب على ذلك أن الحكام الجدد يُعتبرون في البداية برابرة بالمقارنة مع السابقين. وعندما يؤسسون أنفسهم في مركز إمبراطوريتهم يصبحون متراخين بشكل متزايد، وأقل تنسيقاً، وانضباطاً ويقظة، ويركزون اهتمامهم على إدامة قوتهم الجديدة، وطراز حياتهم في مركز الإمبراطورية، فيما يتفكك التحامهم الداخلي وروابطهم بالجماعة السابقة في الأطراف، وتنحل العصبية في نزعات طائفية وذاتية، وتضعف قدرتها كوحدة سياسية. وهكذا تنشأ ظروف يمكن خلالها لسلالات جديدة الظهور في الأطراف التي تسيطر عليها، وتزداد قوة، وتفرض تغييراً في الزعامة تبدأ دورة جديدة".

ويذكر كروجمان أنه تعرف على أعمال ابن خلدون من خلال أبحاث العالم الروسي الأميركي "بيتر تورتشن"، أستاذ البيولوجيا التطورية في جامعة "كنتيكت" بالولايات المتحدة، وواضع نظرية "ديناميات التاريخ" التي تعتمد على النمذجة "الرياضياتية". وينفرد "تورتشن" بفهم خاص لنظرية "العصبية" التي يعتبرها أعظم المساهمات العلمية لابن خلدون، ويرى فيها التضامن الجماعي والتعاون الاجتماعي. ويشرح ذلك في كتابه "الحرب والسلم والحرب"، وفيه يبرهن على أن "ابن خلدون يختلف تماماً عن كبار المفكرين الأوروبيين مثل ميكيافيلي، وهوبس، وهيوم، وآدم سميث، الذين قادت مساهماتهم العظيمة إلى نظرية الاختيار العقلاني"، وانتهت، حسب تقديره بالطريق المسدود لما يسمى "الكائن الإنساني الاقتصادي". وفي دراسة في المجلة العلمية "نيوساينتست" عنوانها "العنف المحسوب: الأرقام التي تتنبأ بالثورة" استخدم "تورتشين" الرياضيات ونظرية ابن خلدون لتحويل التاريخ من حشد حكايات إلى علم صارم قادر على التنبؤ. وإذا صحت تنبؤاته فالولايات المتحدة مقبلة على اضطرابات أهلية كبرى وعنف سياسي في وقت ما نهاية العقد الحالي.

والعصبية في لسان العرب هي "أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب على من يناوئهم ظالمين كانوا أومظلومين". إلاّ أن أطروحة ابن خلدون عن "العصبية" بالغة التعقيد كأطروحة الفيلسوف كارل ماركس "رأس المال". وكان عالم الاجتماع العراقي علي الوردي قد شكا من صعوبة فهمها، واعترف في كتابه "منطق ابن خلدون" بأنه قرأ "المقدمة "عدة مرات بإمعان واستقصاء، وفي كل مرة يقرأها يكتشف وجهاً جديداً من آراء ابن خلدون. "ومن يدريني فلربما كنت حتى الساعة بعيداً عن فهم ابن خلدون كما هو في حقيقة أمره". وتمر علوم الاجتماع والاقتصاد والتاريخ حالياً على الصعيد العالمي بلحظة "الربيع العربي"، وفي القلب منها ابن خلدون الذي "حاول أن يفلسف التاريخ الإسلامي على عهده. وهي محاولة فريدة حقاً لا نجد لها مثيلاً في تراثنا العربي الفكري على ضخامته، وتنوع منازعه، وتعدد مشاربه". يذكر ذلك المفكر المغربي محمد عابد الجابري في كتابه "فكر ابن خلدون: العصبية والدولة". ويأخذنا الجابري إلى قلب النظريات الخلدونية التي تعبر عن ممارسة اجتماعية ومعاناة نفسية، وتفجير الطاقات التي جندتها هذه المعاناة. ويعرض في كتابه تفاصيل حميمية من حياة ابن خلدون الذي لم يكن كاتباً يسجل يومياته واعترافاته، ولا باحثاً يستقرئ أحاديث وعلوم الأولين، بل كان رجل سياسة عمليا عاش في خضم الحياة العامة لممالك وقبائل شمال أفريقيا، وشغل مناصب رسمية وقضائية عدة، بينها منصب الحجابة التي تعادل رئيس الوزراء، ووسيطاً مفاوضاً بين القبائل والحكام، وبينهم وملوك إسبانيا، وعرف التشرد والنفي واللجوء والسجن، "واستنطق خلال ذلك كله تجربة العصر وتجربته الشخصية معاً، واستفتى أحداث التاريخ، وآراء من دخلوا التاريخ من باب الفكر الواسع فصاغ من ذلك كله آراء ونظريات قديمة كأجزاء جديدة ككل".

وابن خلدون اليوم في قلب العالم وعقله، وفي آخر لقاء بالجابري بالطائرة من أبوظبي، حيث ساهمنا في المؤتمر السنوي لصحيفة "الاتحاد" عام 2010 لم يخطر ببالي أنها رحلة الوداع، ولو مكث الجابري قليلاً لوجد الجواب عن أسئلة اختتم بها كتابه عما إذا كان "هناك انقطاع حقاً بين تاريخ ابن خلدون وعهد ما بعد ابن خلدون، وألا نجد في تحليلات ابن خلدون ما يلقي بعض الأضواء على جوانب من تاريخنا الحديث وواقعنا الراهن؟ وألا نجد ملامح ذلك التناقض المزمن في حياتنا الجارية الآن". فأنّى التفتنا اليوم نقرأ عبارة ابن خلدون الأثيرة للجابري :"وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة".

(الاتحاد) الاماراتية

محنة الروائية

المصرية أهداف سويف

محمد عارف

«نِمسك مبارك يطلع مرسي. نِمسك مرسي يطلع مبارك. دي مش ثورة، دي استغماية». هذه نكتة مصرية على «الفيسبوك»، ونكتة ثانية: «أنا لو قعدت في البيت أكتر من كدا، الجيش هيجي يفض اشتباكات عندنا بالشقة». ونكتة ثالثة: «السيسي فعلا خطير: خاطف مرسي، ومحدد إقامة مبارك... ومنيم البلد كلها من المغرب». وهكذا عاد المصريون إلى ما تسميها الروائية أهداف سويف بالإنجليزية «النكات السوداء»، وتختار واحدة منها في ختام رسالتها المنشورة بصحيفة «الجارديان» البريطانية تقول: «أفضل ما بإمكانك فعله بانتظار نتيجة المعركة الجارية، هو جمع نقود لتوسيع مشرحة زينهم».

و«مشرحة زينهم» تفتتح رسالة سويف المنشورة بعنوان «ليالي ممنوعة التجول ونهارات ملطخة بالدم»، وفيها تروي أحداث أربعة أيام دموية من تاريخ مصر. «بعد إعلان حظر التجول في 14 أغسطس، كانت شوارع القاهرة أهدأ وأحلك مما رأيتها قط. هادئة كهدوء المشرحة، كما يقولون، باستثناء أن مشرحتنا (زينهم) كانت أكثر الأماكن ازدحاماً في المدينة: الموتى يصلون أكداساً، وشاحنة مثلجة عملاقة لنقل اللحوم وقفت في الشارع الضيق لحمل الجثث التي لم تتسع لها المشرحة، والأقرباء والأصدقاء المذهولين يحاولون التعرف على الأجساد، والسكان يحرقون البخور للتخفيف من الرائحة... المشرحة هي الموقع الذي يعود إليه واقعنا باستمرار».

 
 
 

المشاهد الفظيعة التي تتدفق عبر الفضائيات أفقدتنا القدرة على رؤية ما نرى، إلا أن بعضها لا يغادر الذاكرة، رغم أنها لا تعرض جثثاً دامية أو أجساداً مقطعة، وبينها مشهد أكفان بيضاء تتدلى حولها ألواح ثلجية، وعجائز ومسنون يحتضنونها، ويُهَوُّون وجوههم بأكفهم، ولا تدري إن كانوا يندبون موتاهم أو يطردون رائحة تفسخ أجسادهم. رسالة أهداف سويف تجعلنا نرى بالكلمات ما تعرضه الفضائيات ولا نراه، وتُدوِّن في ذاكرة التاريخ المصرية حادث خنق 38 من معتصمي «رابعة العدوية» محشورين في شاحنة بوليس. الشاحنة التي تشبه صندوقاً ضخماً مغلقاً إلا من فتحات ضئيلة احتُجزت في باحة سجن «أبو زعبل» الذي رفض تسلم المعتقلين لاكتظاظه. وبعد ساعات تحت أشعة شمس أغسطس الحارقة، شرع المعتقلون بالطرق على جدران الشاحنة مشيرين إلى أنهم يختنقون ويموتون من الحر، فقذفوا عليهم من الكوة علبة غازات مسيلة للدموع لتهدئتهم حسب اقتراح أحد الضباط. و«يمكن أن نتصور اللحظات الأخيرة لهؤلاء الرجال، يقرعون الجدران على أحدهم الآخر، الجلود تتقرح، والرئات تتفجر، ويتساءلون غير مصدقين: أنموت هكذا». وليس كل من في الشاحنة من «الإخوان»، فبعضهم كان ماراً بالصدفة، أو متعاطفاً مع المعتصمين. وتذكر سويف أسماء من تعرف، وبينهم جار، وناشط في الحركات اللبرالية، ومخرج مسرحي. «هل يعني ذلك أننا نوافق على ذلك لو كانوا من الإخوان؟»، تسأل سويف، وتندب: «أما يكفي هذا لإيقاظ الناس على وضع بوليسنا القاتل؟».

وسويف التي عاشت معظم حياتها بين القاهرة ولندن، حيث نالت الدكتوراه في الأدب، وقررت الإقامة الدائمة في القاهرة مع أول أيام ثورة 25 يناير 2011 ، وشرعت داخل ميدان التحرير بتأليف كتابها المشهور «القاهرة مدينتي، وثورتنا»، وناهضت في مقالاتها في الصحف العالمية حكم مبارك، وحكم العسكر و«الإخوان المسلمين»، وتناهض حالياً الطرفين المتحاربين على حد سواء. «كلاهما تنظيم تراتبي، وبطريركي، وعسكرتاري، ومركزي، ودوجمائي، ومتزمت، وإقصائي. كلاهما يقوم على الطاعة، وكلاهما يكره التفكير النقدي والنقاش، وحربهما ليست حربنا». وتسخر سويف من «المواجهة بين الإعلام المصري الحكومي، وحكومات الغرب العجوز المهترئة»، وتدرك الأبعاد العالمية للثورة المصرية؛ «فالصراع المشترك للشباب في كل مكان، هو ضد النخبة التي تفرض النظام الفاسد وتطوّح بالعالم في الجحيم».

ومحنة سويف بثورة مصر روائية، أي مضاعفة. فالروائي يصبح بعد حين بطل الرواية، ويدخل في حوار متصل مع جمهوره الذي يتماثل معه وينتظر منه أجوبة على ما تطرحه حياته الشخصية من أسئلة. وكان على سويف أن تشرح في مهرجان أدنبره الدولي للكتب والفنون العام الماضي لماذا توقفت عن كتابة الروايات. «في أوقات الأزمات ينبغي على الرواية أن تنتقل إلى المقعد الخلفي». وإذا كان معظم الناس قانعين بالعيش ضمن حدود معينة وشخصية. فإن «إحدى علامات الفنانين هي بالتأكيد العيش خارج جلودهم، إنهم مشبوكون، ويؤذيهم ما يؤذي رفاقهم البشر. كيف يمكنك إذن إذا كانت مهمتك وموهبتك الحكاية، أن تغيب عن حكاية العالم؟».

وعكست سويف منذ أول أعمالها الأدبية بالإنجليزية وعي الفتاة العربية التي تنشأ في الغرب. مجموعتها القصصية القصيرة «عائشة» الصادرة عام 1983 تتحدث عن فتاة مصرية تعيش بين مصر وبريطانيا. وتابعت موضوع الحياة المنقسمة بين العالمين في روايتها «عين الشمس». وروايتها «خريطة الحب» الواقعة في 800 صفحة، وترجمت إلى 16 لغة عالمية ورُشحت للفوز بجائزة «بوكر» البريطانية. تصوّر الرواية حياة امرأة إنجليزية تسافر إلى القاهرة عام 1900 حيث تقع في حب مصري كرّس حياته لخدمة وطنه، وتأتي بعد مائة عام حفيدة نشأت عن علاقتهما إلى القاهرة حيث تعثر في دفاتر يومياتهما على أسرار علاقتهما. وذاكرة سويف وقلبها يعملان، كذاكرة وقلب مصر. وقد رأيت ذلك رؤيا القلب عندما تعرفت عليها في ملتقى «الإبداع الثقافي والتغيير الاجتماعي في المجتمعات العربية في نهايات القرن». عقد الملتقى الذي نظمته «جامعة برنستون» و«مجلس البحث العلمي الإسباني» ربيع عام 1998 في غرناطة، وعزف في أمسية الافتتاح الفنان العراقي نصير شمّه على العود مقطوعته «حدث في العامرية». المعزوفة مهداة لذكرى 407 عراقيين، معظمهم نساء وأطفال، هربوا إلى الملجأ من القصف الأميركي لبغداد عام 1991، فأذاب أجسادهم صاروخان صُوِّبا بالليزر عبر فتحة هواء الملجأ. أمسك شمّه العود بكف واحدة، وعَزَف؛ وبقينا طوال الوقت في كف عراقية مبتورة تعزف العود حتى آخر أمسية عندما قفزت للحلبة راقصة فلامنكو إسبانية قرعت الأرض بكعبين انتزعا القلوب والأجساد من مخابئها، كقرع كعوب نساء العرب ليلة رحيلهن الأبدي من قصر الحمراء؛ القرع الذي لم يتوقف حتى اللحظة على شواطئ البحر الأبيض. ثورات «الربيع العربي» التي اقتبسوا اسمها من ثورات الربيع الأوروبي عام 1848، تبتلعها اليوم -كالثورات الأوروبية- ثورات مضادة. وكما استعادت الثورة الفرنسية المضادة شخصية بونابرت، تستعيد الثورة المضادة في مصر اليوم شخصية ناصر. و«التاريخ يعيد نفسه مرتين؛ مرة على شكل مأساة تراجيدية، وثانية ملهاة كوميدية»، حسب الفيلسوف كارل ماركس الذي عاصر ثورات أوروبا. و"شَكلِنا كده شلنا النظام ورجعناه تاني عشان كنا ننظف تحته"، حسب النكتة المصرية!

 

انتحار الحب في مصر

محمد عارف

 

أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبرُ، أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ. بلى أنا مشتاق وعندي لوعة، ولكن مثلي لا يُذاعُ له سرُ". قصيدة أبو فراس الحمداني لا تستعيدها الذاكرة إلاًّ بصوت أم كلثوم، وكم من عيون التراث العربي في الحب عمّر بها المبدعون المصريون قلوب أجيال عربية متعاقبة. واليوم انقسموا ما بين تكفيريين وكافرين يتبارون في إثارة خطاب الكراهية والقسوة، واخرّسَ حتى عشق ملايين من أتباع الصوفية، وهي نفح الدين الإسلامي إذْ لامس قلوب وعقول الأطراف المترامية من البلدان والقارات والثقافات. "دبّ إليكم داءُ الأمم قبلكم البغضاء والحسد هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أنبئكم بأمر إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم"- محمد عليه الصلاة والسلام، "أدب الدنيا والدين" أبي الحسن البصري.

والحب والسلام، حتى مجرد الإشارة إليهما يثيران غضب نخبة مثقفة مصرية تفزعك، كما يفزعك عراقيون وسوريون وليبيون يعتبرون الدعوة للحب والسلام صدّامية أو علوية أو قذافية. وإذا سألت أحداً في مصر يجيبك بسؤال آخر. يذكر ذلك الكاتب والناشط المصري وائل نواره في مقال بالإنجليزية يسأل فيه "لماذا كان من المهم جداً فض هذه الاعتصامات مع العلم أن ذلك سيكلف كثيراً جداً"؟ ويسأل بالمقابل "إذا لم يكن هذا بهذه الأهمية لماذا كان رد فعل الأخوان المسلمين إحراق البلد كله؟". وبهذا السؤال على السؤال يُغلق نواره باب الحوار بسرور. ويتبارى معظم المثقفين في لعبة الغلق بالأسئلة، وتُدهشنا تأكيداتهم في الفضائيات على أن المصريين كووولهم (وهي صيغة مبالغة من كلهم) يتفق معهم، والعالم "كوووله" أيضاً. ويا لحرج من لا يتفق مثلي، ومثل أوباما مع نفسه.

ومنافذ التفاهم والفهم مغلقة بإحكام أشدّ على الصعيد الرسمي، الذي هو منبر النقاش في كل الدول، بينما "النقاش الحقيقي الوحيد حتى داخل الحكومة المصرية يدور حول إلقاء اللوم". يذكر ذلك مراسل "نيويورك تايمز" في تقرير من القاهرة نقل فيه عن مسؤولين، ودبلوماسيين مصريين "بأن وزير الداخلية محمد إبراهيم قلِق من أن يصبح كبش الفداء في حال فشل الهجوم على المعتصمين". وجميع أفراد النخبة المشاركين في الأحداث ممثلون في مسرحية مأساوية دموية واحدة، ودور المبدعين فيها بائس. يأخذهم الحال، كما يقول الصوفيون، فيشتعلون حماساً، ويعتذرون بشجن يعتصر القلب عن شتائم مريرة يوجهونها ضد "أصدقاء وأقرباء أحباء" يمثلون ما يسمونه "سلطة الانقلاب". وتخيفني عاطفة المبدعين المصريين منذ فُجعت بانتحار زميلي أيام الدراسة في روسيا الأديب والمخرج المسرحي نجيب سرور.

وهذه "رسالة لكل شخص، افْتَحها. فهي تقول عِشْ" يقول الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي. فمع كل قتيل ينتحر نجيب سرور في قلب مصر، وقد تجاوز عدد القتلى الألف منذ الأربعاء الماضي. وفي يوم السبت الماضي الذي اعتبر هادئاً نسبياً قُتل 79 شخصاً حسب "وكالة الشرق الأوسط" الرسمية. وكما حدث ويحدث في العراق وسوريا وليبيا لن تستثني نيران البغضاء والحسد أحداً، ولا نصدق دعاوى المصريين بأن مصرالعظيمة وشعبها العظيم يختلفان عن العرب والعالم بأسره. لا ليسوا مختلفين، والحواجز الإسمنتية في بغداد، التي قطّعت العقول والقلوب قبل أن تُقطِّع الشوارع والأحياء، يشق بها اليوم المصريون قلوب بعضهم البعض وبفصاحتهم المعروفة في الكلام. وحال كل واحد منهم مع مصر كحال من قال عنه جلال الدين الرومي "يذهب على ظهر حصان من قرية إلى أخرى يسأل كل شخص: هل رأى أحدكم حصاني".

ويرى مؤرخون عرب وغربيون أن "ضراوة هجوم قوات الأمن على المعتصمين محسوب بشكل متعمد من قبل الحكومة التي عيّنها العسكر لاستفزاز الإخوان المسلمين وحلفائهم". نقلت ذلك "نيويورك تايمز" عن مؤرخين يعتقدون بأن "الهدف شيطنة الإسلاميين في عيون الجمهور الواسع، وفرض الشرعية على إقصاء الرئيس، وتخريب أيّ إمكانية لقيام حوار لإعادة الإخوان المسلمين إلى التيارات السياسية الرئيسية لمصر". ومع أن من المبكر، حسب الصحيفة اعتبار العنف نذيراً بحرب أهلية في مصر، فإن المؤرخين لا يستبعدون أن يطلق الحقد المثار عند جميع الأطراف معركة مسلحة لدى الإسلاميين المهزومين المقصيين على غرار ما حدث في الجزائر التي أودت بحياة نحو ربع مليون شاب. ويعتقد "هيو روبرتس" مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط في "جامعة تافتس" الأميركية أن "الدعاية الإعلامية المدعمة من قبل الدولة تحولهم إلى العدو تمهيداً لاستئصالهم على الطريقة الجزائرية". لكن هذا مستحيل في تقديره "لأن الحركة الإسلامية بالجزائر كانت فتية لا تملك خبرة، بينما الأخوان المسلمين جزء من الحياة السياسية في مصر فترة 85 عاماً". ويستبعد روبرتس تماماً "إمكانية تحطيم الأخوان في الفترة المجهولة التي تواجهها مصر، وبالمقابل لن تكون للقوات المسلحة اليد العليا بالضرورة".

وجذور البغضاء والحسد في قلوب المصريين أقل خطراً مما في مواردهم، التي تعاني منذ ثلاثة عقود أزمات مثلثة في الطاقة والمياه والغذاء. إنتاج النفط المصري انخفض من 935 ألف برميل يومياً عام 1996 إلى 720 ألفا، فيما ارتفع الاستهلاك المحلي للطاقة بنسبة 3 في المائة سنوياً خلال العقد الماضي، وتجاوز الاستهلاكُ الإنتاجَ عام 2010، أي قبل عام من الإطاحة بالرئيس مبارك. يذكر ذلك نفيس مصدق أحمد، مدير "معهد أبحاث سياسات التنمية" في لندن. والتوقعات غير مبشرة إذا علمنا أن مصر استهلكت ثلثي احتياطياتها النفطية، التي تستمر معدلاتها بالانخفاض بنسبة أكثر من 3 بالمائة سنوياً، فيما تواصل الدولة إنفاق ما يعادل 10 بالمائة من المنتوج الوطني على دعم أسعار الوقود والغذاء، معتمدة بالأساس على القروض التي بلغت عام عزل مبارك نحو 86 بالمائة من إجمالي المنتوج الوطني. وبعد أن كان "البنك الدولي" و"صندوق النقد الدولي" يشيدان بالإدارة الاقتصادية في مصر يعتبرانها الآن مسؤولة عن التورط بالديون، وتفاقم ثراء النخبة المرفهة على حساب إفقار الجماهير الواسعة، التي يعيش الآن نحو نصفها على دولارين فقط في اليوم. والنزاعات الحالية في مصر ليست نتيجة الأزمة القائمة فحسب، بل هي نذير نزاعات تهدد الأمن القومي لمصر، والمنطقة، بل العالم الذي تمثل قناة السويس شريانه الحيوي لتأمين مرور نحو خمسة ملايين برميل من النفط يومياً، ونحو 8 في المائة من التجارة العالمية. و"في ليل قلبي، تلَّمستُ طريقي عبر ممر ضيق، وأدهشني الضوء، إنها أرض النهار الأبدية"- الرومي

ربيع تكوين العقل العربي   محمد عارف

 

«طُوط»، إله فرعوني خلق العالم بصوته، «لأنه كان مطلعاً على قوة تأثير الصوت والكلمة». وتشير الأساطير المصرية القديمة إلى «أن صوته يتكثف بنفسه فيصير مادة، ومن هنا كانت قوة طوط كامنة في صوته، أي في النفخ الصادر عنه، ومن هذا النفخ يخلق كل شيء». ذكر ذلك المفكر المغربي محمد عابد الجابري في كتابه «تكوين العقل العربي». وربما «طوط» أصل التعبير العراقي الساخر «طيط» الذي يعني النفخ بالاتجاه المعاكس، ولا سند عندي لما أقوله سوى «الربيع العربي» الذي ضيّعنا بين مليونيات «طوط» و«طيط» تتنافس الفضائيات في نفخها وتفخيخها.

وضاعت في «طوط» و«طيط» الربيع العربي أجهزة إعلامية عالمية تتوخى الدقة، مثل «بي بي سي» الإنجليزية التي احتارت في معرفة «كم كان عدد الناس في ميدان التحرير»، وهذا عنوان تقريرها الذي استقصى آراء شهود عيان، وعلماء رياضيات، ومختصين بتخمين عدد الحشود، وسألهم عما إذا كان صحيحاً الادعاء بأن تلك كانت حقاً أكبر انتفاضة في التاريخ. مراسل «بي بي سي» الموجود في ميدان التحرير خلال انتفاضة 30 يونيو، وثورة يناير عام 2011 استبعد أن يتسع الميدان لأكثر من نصف مليون، وشكك بادعاء مشاركة 40 مليون شخص في المظاهرات في مدن مصر، فهذا يعادل نحو نصف سكان مصر، ويصعب تصديقه، خصوصاً وأن خُمس السكان أطفال دون العاشرة من العمر. ما مصدر هذه الادعاءات إذن؟ لا علم بذلك حتى لدى فريق «بي بي سي» المسؤول عن رصد الإعلام العالمي، والذي نقل عن وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية أن وزارة الداخلية أنكرت أن تكون مصدر الخبر. وذكرت «بي بي سي» أنها لعبة أرقام، ورجّحت أن يكون إعلان عدد المشاركين أقرب إلى عمل علاقات عامة وتسجيل أهداف، وليس السعي لمعرفة الحقيقة. ويمكن تخمين العدد الكلي عن طريق التقاط صور جوية للحشود، وقياس مساحتها العامة، ووضع شبكة عليها لتحديد معدل العدد في كل قطاع، وبذلك يُقدّرُ العدد العام الذي يظل في رأي الخبراء تخمينياً، بسبب الحركة الفوضوية للحشود، وتناقص أعدادها أو زيادتها بشكل عشوائي، حسب الظروف الطارئة.

وخصخصة الميادين هو الانطباع الذي يولده في الذهن تقرير عماد مكي، الباحث في جامعة بيركلي. يتضمن التقرير معلومات عن الدعم المالي الذي تقدمه الخارجية الأميركية للجماعات والنشطاء الداعين للديمقراطية في مصر، وبينهم ضابط بوليس مصري متقاعد يعيش في الولايات المتحدة يدّعي أنه وضع خطة عمليات إقصاء محمد مرسي. التقرير منشور في موقع الإنترنت لفضائية «الجزيرة» الإنجليزية، وبالمناسبة أود الاعتراف بأني عدت إلى متابعة «الجزيرة» بعد انقطاع طويل، وذلك عندما تخلت عن وظيفتها الإعلامية إلى قيادة الأعمال الميدانية لـ«الربيع العربي». وعودتي متحفظة ورهن تقديمها المتوازن لما يجري على الأقل في مصر في ميداني «التحرير» و«رابعة العدوية». وكنتُ انقطعت عن مشاهدة «الجزيرة» يوم ارتجل زعيم ديني كبير أمام عدسة التليفزيون فتوى تحلل دم رئيس عربي، وسجّلته الذاكرة العربية ضمن المشهد الدموي المهين لذبح ذلك الرئيس بصواريخ «الناتو». جنون العمليات الانتحارية من جنون هذه الأفعال التي ستقاضي سنوات طويلة شعوب «الربيع العربي» المأخوذة على أمرها.

ولو اعتمدنا «طوط» كوحدة لقياس أداء الفضائيات على غرار «واط» في الكهرباء، لاستطعنا تحديد ما إذا كانت «الثورة» في مصر يوم 30 يونيو من نوع «التحرير» في العراق عام 2003، ومعرفة ما إذا كانت قوة «طوط» المصريين تماثل قوة «طيط» العراقيين الذي لم يتوقف عن «الطيط» منذ عام 2003. وهنا نعثر على ما اعتبره الجابري «إحدى المفارقات الخطيرة في التجربة الحضارية العربية الإسلامية، المفارقة التي تمثل التناقض بين المضمون الأيديولوجي والأساس الإبستمولوجي في أيديولوجيا الطرفين المتصارعين: المعارضة الشيعية ودولة الخلافة السنية». فالمعارضة الشيعية استطاعت، حسب الجابري، أن تستقطب على مدى التاريخ العربي الإسلامي الفئات الاجتماعية المضطهدة المحرومة والمسحوقة وتتبنى قضيتها السياسية الاجتماعية، مما أكسبها مظهراً تقدمياً ثورياً، لكنها عملت على توظيف ما يسميه الجابري «العقل المستقيل»، والذي يعتبره أساس تأخر المسلمين. ومن هنا التناقض الذي بقيت تعانيه المعارضة الشيعية طوال تاريخها الحافل بالكفاحات والثورات: التناقض بين الطابع الثوري التقدمي للأهداف والطابع اللاعقلاني للأيديولوجيا وأساسها الإبستمولوجي. هذا بينما تبنت الدولة الخصم (السنية) موقفاً معاكساً تماماً؛ إذ كانت محافظة على مستوى الأهداف الاجتماعية و«ثورية» (عقلانية) في معظم الحالات على مستوى الأيديولوجيا.

ومفهوم «العقل العربي» لدى الجابري هو «البنية الذهنية الثاوية في الثقافة العربية كما تشكلت في عصر التدوين» بإشراف الدولة العباسية في القرن الثاني الهجري. ويخلص كتاب «تكوين العقل العربي» الذي صدرت منه منذ عام 1984 سبع طبعات عربية وطبعة إنجليزية، إلى أن «تاريخ الثقافة العربية الراهن ما زال مجرد تكرار واجترار لنفس (التاريخ) الذي كتبه أجدادنا، وأنه ما زال خاضعاً لنفس الاهتمامات والإمكانيات التي وجهتهم وتحكمت في رؤاهم، والتي جعلت التاريخ الذي خلفوه تاريخ (فِرق) و(طبقات) و(مقالات) في كل فن على حدة، وبكيفية عامة: تاريخ الاختلاف في الرأي وليس تاريخ بناء الرأي».

ويرى الجابري أن تاريخ القدماء كانت تمليه عليهم ظروفهم، ويمكن أن نبرره نحن بالنظر إلى المعطيات التي حركتهم. «إن طريقتهم في التأريخ هي نفسها جزء من التاريخ، لذلك فلا معنى لِلَوْمهم، إنما اللوم كل اللوم لانقيادنا الأعمى لما كان نتاجاً لظروف تاريخية خاصة ولتعاملنا معه وكأنه حقيقة مطلقة. إن هذا الانقياد يصرفنا عن اكتشاف الكل الذي يحمل فعلا الوحدة الثقافية العربية. ذلك أنه وراء (تاريخ) الاختلاف والتعدد والصراع والانفصال يثوي تاريخ الوحدة والتكامل والاتصال، وإذن فعلى أنقاض تاريخ الأجزاء، الممزق المبعثر، يجب أن نبني تاريخ الكل».

وهل يمكن إعادة بناء الكل من دون العقل العربي الذي ولدت في أرضه جميع الأديان السماوية. قال أنس بن مالك رضي الله: «أثني على رجل عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: كيف عقله؟ قالوا: يا رسول الله إن من عبادته إن من خلقه إن من فضله إن من أدبه. فقال: كيف عقله: قالوا يارسول الله نثني عليه بالعبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله؟ فقال رسول الله: إن الأحمق العابد يصيب بجهله أعظم من فجور الفاجر، وإنما يَقرُب الناس من ربهم بالزلَف على قدر عقولهم» (الماوردي، أدب الدنيا والدين). وماذا بغير قول الرسول نداري جزع أن نكون شهوداً على عابدين يهتفون: «الله أكبر» فيما يفتكون بالناس، وبالبلد والشعب والأمة؟

(الاتحاد)

 

 

بغدادُ الشريعة والعلم

محمد عارف

(ادرسْ الماضي إذا أردت معرفة المستقبل)، قال ذلك الفيلسوف كونفشيوس، وهذا هو الشغل الشاغل لرشدي راشد الذي ألّف نحو مائتي كتاب وبحث في تاريخ العلوم والفلسفة العربية، وحقَّقَ أحدثُ كتبه مخطوطة عالم بغدادي يصنع المستقبل منذ القرن التاسع الميلادي وحتى اليوم، ويصنعه من مادة الشريعة الإسلامية وعلوم الرياضيات والهندسة واللغة. كتاب «رياضيات الخوارزمي.. تأسيس علم الجبر»، يحقق لأول مرة في تاريخ العلوم كتاب الخوارزمي «الجبر والمقابلة»، والذي أسس العلم المعروف عالمياً باسمه العربي «الجبر»، وأصبح اسم الخوارزمي نفسه «اللوغاريثما» علماً قائماً بذاته وفصلاً أساسياً في برمجة الحواسيب. ويمكن القول إن «التاريخ يُنصف أحياناً»، حسب عالم الرياضيات اللبناني نقولا فارس الذي ترجم كتاب راشد من الفرنسية للعربية. فالغرب استخدم اسم الخوارزمي منذ القرن الـ12 الميلادي للدلالة على مجمل العمليات الحسابية بواسطة النظام العشري، ولم يفطن أحد إلى أصله، حتى برهن مستشرق فرنسي في منتصف القرن الـ19 أنه اسم محمد بن موسى الخوارزمي، مؤلف كتاب «الجبر والمقابلة»، والذي كان قد ترجم ثلاث مرات إلى اللاتينية. «ويمكن القول إن البشرية كان عليها أن تنتظر انقضاء حوالي عشرة قرون بعد الخوارزمي لتشهد ولادة الطرائق المصادراتية في الجبر» التي تتيح تحديد المجهول انطلاقاً من المعلوم.

كيف أمكن أن يؤسس كتاب وُضعَ عام 820 ميلادي لخدمة سكان دولة إسلامية، علماً جديداً يخدم حتى اليوم الحاجات العملية لسكان العالم من مختلف الأديان؟ قد يجيب على السؤال إيضاح الخوارزمي في مقدمة كتابه: «ألّفت من حساب الجبر والمقابلة كتاباً مختصراً، جعلته حاصراً لِلَطيف الحساب وجليله لما يلزم الناس من الحاجة إليه في مواريثهم ووصاياهم وفي مقاسماتهم وأحكامهم وتجاراتهم، وفي جميع ما يتعاملون به بينهم من مساحات الأرضين وكري الأنهار والهندسة وغير ذلك من وجوهه وفنونه». وفي الجبر التقت الرياضيات والعلوم الفقهية المتعلقة بحسابات الإرث والوصايا، وتأسست مادة رياضية مستقلة عن الهندسة وعن علم الحساب، وجعلت من الممكن «ما لم يكن بالإمكان تصوره من قبل، وهو توسيع تطبيق العلوم الرياضية، بعضها على بعض؛ تطبيق الحساب على الجبر، والجبر على الهندسة، والهندسة على الجبر، والجبر على المثلثات».

وتطبيق علم