الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

 

قراءة جديدة لكتاب قديم

زمن الخداع .. الدبلوماسية

النووية في اوقات الغدر

لمحمد البرادعي

سيف الدين الدوري

 

في كتابه زمن الخداع يتحدث محمد البرادعي الحائز على جائزة نوبل للسلام قصة 12 عاما التي امضاها على رأس الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

 ويقول البرادعي في كتابه هذا الذي يحتوي على 249 صفحة :أن قرار امريكا الحرب ضد العراق إتخذ قبل أن تبدأ عمليات التفتيش عن الاسلحة النووية بكثير.

  ويضيف البرادعي: في تقريري الى مجلس الامن في 27 يناير/كانون الثاني 2003 قلت  " لم نجد حتى اليوم أي دليل على أن العراق قام بإحياء برنامج الاسلحة النووية الخاص به".  وقال البرادعي: في التاسع من فبراير/شباط عام 2003 كان قد مضى اكثر من اثني عشر عاما منذ اصدر مجلس الامن أول قراراته بفرض عقوبات على العراق. وبعد شهر او نحوه سيكون هناك غزو جديد للعراق بقيادة الولايات المتحدة . كان صدام قد وافق مؤخراً على عودة مفتشي الامم المتحدة المختصين بالتفتيش على الاسلحة في العراق . بينما كان ( هانز بليكس وانا) نقوم بصفتنا رئيسي الفريقين الدوليين بزيارتنا الثالثة الى بغداد. حيث تآكلت البنية الاساسية لبغداد حتى النخاع على نحو ما ادت اليه العقوبات من آثار.

  وعند لقاء البرادعي وبليكس بالمعنيين العراقيين ومنهم كما يقول الجالس على الجانب الاخر من المائدة الجنرال عامر السعدي الذي يحمل درجة دكتوراه في الكيمياء والحديث الذي دار عن الحاجة الى مزيد من التعاون ومزيد من الوثائق ، واضاف: قلنا لهم انكم تصرون على انه ليست لديكم اسلحة دمار شامل وتقولون انكم لم تعيدوا إحياء برامجكم السابقة في هذا الصدد، لكننا لا نستطيع ان نغلق الملف هكذا ببساطة رغم ان سجلاتكم لم تكتمل ويلزمنا مزيد  من الادلة ، وكلما أبديتم مزيدا من الشفافية وقدمتم مزيدا من الوثائق والادلة المادية ، كلما كان ذلك افضل للعراق على الساحة الدولية ، فما الذي تستطيعون تقديمه غير ما قدمتموه فعلاً لسد الفجوة في المعلومات المقدمة من جانبكم. ساعدونا على ان نساعدكم.

  وكان الجالس الى جانب السعدي حسام أمين رئيس مجموعة الاتصال العراقية مع الامم المتحدة  الذي اجاب : دعونا نتحدث بصراحة ، فبداية لا نستطيع أن نعطيكم المزيد لأنه ليس هناك المزيد الذي يمكن أن نعطيه . ثانيا أنتم لا تستطيعون مساعدتنا لأن الحرب ستقع لا محال ، وما من شيء يمكنكم القيام به سيحول دون وقوعها وكلانا يعرف ذلك أياً ما كان ما نقوم به أمر تم حسمه.

   ويقول البرادعي : كان شعوري بعدم الارتياح يتزايد اذ كانت نبرة خطاب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تتزايد حدة . فقبل اربعة ايام من عشاء بغداد مع وزير الخارجية العراقي  ناجي الحديثي كان وزير الخارجية الامريكي ( كولن باول) قد عرض الامر على مجلس الامن ، وكان قد اذاع اشرطة لمحادثات هاتفية  تم التنصت عليها وعرض صوراً لمنشآت عراقية صورتها الاقمار الاصطناعية واعلن أن هذه السجلات تدل على(  انماط غريبة من السلوك) من جانب صدام حسين ونظامه وانها ( سياسة تهرب وخداع)

 وبالنسبة الى جماعة المفتشين كان العرض الذي قدمه باول تجميعا لافتراضات، ووصفا لبيانات لم يتم التحقق منها، وتم تفسيرها على أسوأ نحو. لم يكن هناك ما يثبت شيئا مما يقال . ومع ذلك فإن كثيرا من المستمعين ولا سيما غير المتخصصين منهم رأوا في حجج ( باول) ما يقنعهم.

   ويستطرد البرادعي قائلا: وفي وقت مبكر من صباح يوم 17 مارس/اذار تلقيتُ مكالمة من بعثة الامم المتحدة في فيينا تشير علينا بإخراج مفتشينا من بغداد. كان الغزو على وشك أن يبدأ. كنتُ مذهولاً بما اشهد والفكرة التي لم تترك رأسي هي تأكدي من انه ما من شيء يكون ( بليكس أو أنا) قد شاهدناه يمكن ان يبرر شن مثل هذه الحرب.

 وخلال السنوات التي انقضت أكدت مصادر عديدة أن المبرر الذي ذكر للغزو الذي حدث في مارس/اذار 2003 هو ادعاء الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أن برنامج صدام حسين لاسلحة الدمار الشامل تمثل خطراً محدقاً لم يكن له اساس ، بل أن المجموعة التي شكلتها الولايات المتحدة لاجراء مسح في العراق وانفقت عليها فيما بعد مليارات الدولارات للتحقق من أن المفتشين الدوليين كانوا على حق أكدت أن العراق لم يعد العمل ببرنامجه لاسلحة الدمار الشامل كما أن التهديد المزعوم الذي تمثله هذه الاسلحة لم يكن هو الدافع الحقيقي للعدوان الذي قامت به الولايات المتحدة والمملكة المتحدة .

  وكانت مذكرة ( داوننج ستريت) الشهيرة المؤرخة في يوليو/ تموز 2002 التي تم تسريبها فيما بعد مصدراً من المصادر التي افادت أن قرار المضي في الحرب كان قد اتخذ حتى قبل أن تبدأ عمليات التفتيش بكثير.

 يتبع

 

كتاب : زمن الخداع .. الدبلوماسية النووية في اوقات الغدر    ج 2

تأليف: محمد البرادعي

 عرض: سيف الدين الدوري

يواص البرادعي في كتابه هذا الحديث فيقول : عندما وقعت حرب العراق في 2003  بسبب إتهامات لم تثبت بشأن اسلحة دمار شامل وابعاد الوكالة عن دورها في مجال الدبلوماسية النووية وجعلها مجرد واجهة لاسباغ الشرعية . كان بالنسبة اليّ كما يقول البرادعي تشويها فظيعا لكل ما كنا ندافع عنه. كان ذلك يتعارض مع الجهود التي بذلها لمدة نصف قرن تقريبا علماء وقانونيون ومفتشون وموظفون عموميون مخلصون من جميع قارات العالم.

 وبالنسبة للعراق كان ما تعرفه الوكالة عن برنامجها النووي عند بداية حرب الخليج الاولى مقصوراً على مركز البحوث النووية في ( التويثة) الذي يقع على مسافة قريبة جنوب بغداد . وكان العراق قد اعلن للوكالة عن مفاعلين بحثيين يقعان في ( التويثة) وكذلك معمل صغير لصنع الوقود ومنشأة للتخزين . وكانت الوكالة تقوم بالتفتيش عن هذه المنشآت مرتين كل عام للتحقق من أن اياً من المواد النووية المعلنة لم يتحول من الاستخدام السلمي الى صنع الاسلحة.

 وفي اعقاب الحرب وجد مفتشو الوكالة دلائل على انشطة نووية أخرى في ( التويثة) وسلسلة من المواقع الخفية الاخرى في أنحاء البلاد لم يتم الابلاغ عنها. وقد وجه اللوم حينئذ الى الوكالة لعدم اكتشافها هذه الجوانب الخفية من برنامج العراق النووي قبل ذلك... لم تكن هناك معلومات مخابراتية كافية في ذلك الوقت حول البرامج النووية الخفية للعراق اة إذا كانت موجودة فإنه لم يتم إبلاغ الوكالة بها.

   إن ظهور أول برنامج نووي سري في العراق وكوريا الشمالية في أوائل التسعينات ربما لم يكن مفاجأة . وكان ذلك هو السياق الذي اكتشف فيه البرنامج النووي للعراق في نهاية حرب الخليج في سنة 1991  وبينما اشارت الولايات المتحدة الى تطلعات العراق النووية كأحد أسباب التدخل التدخل العسكري . فالواقع أن ما كان معروفاً عن قدرات العراق النووية الفعلية قبل الحرب كان ضئيلاً . ويبدو ان بعض رجال المخابرات الامريكية كانوا يفترضون ان لدى العراق تطلعات للحصول على اسلحة نووية  بناءاً على مؤشرات من بينها محاولات العراق للحصول على المكونات اللازمة للتخصيب النووي وتكنولوجيات نووية أخرى من عدد من الدول الاوروبية. على أن أياً من هذه المعلومات لم يقدم للوكالة الدولية للطاقة الذرية. وخلال الشهر او الشهرين السابقين للحرب بدأ عدد من المنافذ الاعلامية نشر تقارير صريحة دون أن يكون هناك دليل عليها عن قدرات نووية عراقية محددة.

  ولعل أفضل مؤشر على محدودية الاستخبارات الغربية قبل الحرب هو ما قيل من أن الولايات المتحدة قد وضعت على قائمة المواقع المستهدفة بالقصف موقعين نوويين فقط ، بينما اسفر التفتيش بواسطة الوكالة بعد الحرب عن التعرف على ثمانية عشر موقعاً نووياً. والواقع ان غزو صدام حسين واحتلاله الكويت كان المبرر الاساس للغزو الذي قام به الائتلاف والذي قادته الولايات المتحدة.

    وفي 3 ابريل / نيسان 1991 اي بعد أقل من شهرين من اتهاء الحرب وضع مجلس الأمن مجموعة من الشروط القاسية التي كان على العراق الامتثال لها. وكان ذلك يشمل بطبيعة الحال التزامات مثل احترام الحدود بين العراق والكويت واعادة الممتلكات الكويتية وتعويض الكويت عن الاصابات والاضرار والخسائر التي اصابتها.

  لكن جانباً كبيراً من القرار خصص لطلب المجلس ان يتخلص العراق من اسلحة الدمار الشامل. وفي هذا المجال النووي دعا القرار ( 687) العراق الى أن يعلن صراحة عن كل منشآته النووية وما يوجد لديه من مواد تستخدم في صنع الاسلحة النووية .

  وطلب القرارالى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية القيام بعمليات تفتيش فورية ذات صلة بالاسلحة وإخلاء العراق منها خلال خمسة واربعين يوماً. وأنشأ القرار كذلك اللجدنة الخاصة التابعة    التي كلفت بمهمة مماثلة تتعلق ببرنامج العراق للاسلحة البايلوجية والكيماوية ونظم صواريخ الاطلاق بعيدة المدى.

 واعطيت الوكالة واللجنة الخاصة سلطة مطلقة للقيام بمهماتها ( في اي وقت وأي مكان) للبحث عن برامج العراق لاسلحة الدمار الشامل والقضاء عليها . وكان ذلك يبدو في نظر المفتش حلماً، لكنه تحقق فقط لأن العراق كان قد تعرّض لهزيمة عسكرية قاسية. وما من دولة كانت لتقبل مثل هذه الشروط في ظل ظروف أخرى.

  وصل أول فريق تفتيش تابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية برئاسة كبير المفتشين ( ديمتريوس بيريكوس) الى بغداد في 14 مايو/ايار 1991 وتوجه مباشرة الى الموقع النووي في ( التويثة)  وكانت الصور التي تم التقاطها من الجو تدعو الفريق الى توقع مشهد دمار في اعقاب حرب الخليج . وبالفعل كانت كل المباني الكبيرة في ( التويثة) قد أصيبت إصابة مباشرة من جراء القصف.

  وكان الهدف الاول للمفتشين تحديد موقع اليورانيوم عالي التخصيب المخصص للمفاعلين البحثيين وتأمينه . وكان الخبراء الفنيون العراقيون حريصين  على المساعدة. ووسط دهشة المفتشين إتضح أن الوقود المشع قد نقل في ذروة القصف ، حسبما ذكر العراقيون ، وكانوا قد اعادوا دفنه في حفر اسمنتية تم بناؤها على عجل وبغير اي ملامح في ارض زراعية في منطقة ( جرف النداف) المجاورة ، وذلك تفادياً لتدمير الوقود وتناثر الاشعاع. وتمكن المفتشون بمساعدة من العراقيين من تحديد الموقع مباشرة وبدء التحقق من كل المواد النووية الجاري البحث عنها تقريبا ، وذلك بناءا على الجرد الذي كان قد أعد قبل الحرب. على أن تحقيق الهدف الاستس الثاني ، الكشف عن أية أنشطة نووية لم يسبق الاعلان عنها إكتنفه نعقيدات أكثر بكثير . فقد اتضح بالاضافة الى الدمار الذي احدثه القصف ان العراقيين انفسهم قاموا بتفكيك الابنية حيث بدا بعضها وكأن المعدات قد انتزعت منه.

  وكانت هناك مؤشرات على أن سجلات التشغيل وغيرها من الوثائق قد احرقت . كان من الصعب التحقق من أغراض منشآت ( التويثة) التي لم يسبق التفتيش عليها بمعرفة الوكالة من قبل.

   ويضيف البرادعي قائلاً: وقد ابديتُ نفس الملاحظات بالنسبة الى موقع آخر شمال بغداد( الطارمية) الذي تردد أنه تجري به أنشطة نووية . ذكر العراقيون أن منشآت ( الطارمية) تستخدم لصنع محولات كهربائية . لكن فريق الوكالة رأى أن هذا التفسير لا يتفق مع بعض الوقائع مثل الاحمال الكهربائية الهائلة التي كانت ( الطارمية) تستهلكها . وكذلك حجم وترتيب معدات توزيع الكهرباء فيها . وعندما تم توضيح هذا التباين لم يتمكن العراقيون او لم يرغبوا في تقديم تفسيرات مقبولة.

 ونفى البرادعي ان يقوم مفتشو الوكالة باعمال تجسسية وقال : ومن المناسب هنا ايضاً تصحيح مفهوم خاطيء ولكنه شائع أن مفتشي الوكالة ليسوا مخبرين وليسوا ضباط أمن او شرطة . واسلوبهم يتسم بالاحترام سواء كانت الدولة المعنية هي كندا ام جنوب افريقيا ام اليابان ام هولندا ام كما هو الحال هنا العراق. فالوكالة ليست وكالة تجسس ومفتشونا لا يقومون بالتجسس او يلجأون الى الخديعة للوصول الى الحقيقة .

    وبحلول موعد عملية التفتيش الثانية في العراق من 22 يونيو/ حزيران الى 4 يوليو / تموز 1991 كان المسرح مهيأ لمأساة ، فقد قدمت احدى جهات المخابرات صوراً إستطلاعية للوكالة تدل على تصاعد أنشطة العراق بمجرد مغادرة فريق التفتيش الاول في منطقة تقع خارج موقع ( التويثة) فقد إستخرج عدد من الاسطوانات المعدنية الكبيرة من باطن الارض من المكان الذي يبدو أنها كانت قد دفنت فيه ونقلت الى مكان آخر. كذلك وردت معلومات عن برنامج مزعوم للتخصيب ، كان العراقيون يقومون به سراً من خلال تقنية يطلق عليها فصل النظائر بطريقة كهرومغناطيسية وتستخدم هذه التقنية آلة تسمى ( كالوترون) وهي نوع من اجهزة قياس الطيف الضخمة توضع بين اجهزة كهرومغناطيسية كبيرة إخترعتها جامعة كالفورنيا . هذه الطريقة ليست ذات كفاءة عالية وتستهلك كميات هائلة من الكهرباء . وقام متخصصون في برنامج ( كالوترون) التابع لمشروع مانهاتن بتقديم الصور الصور التي تلقاها مفتشو الوكالة والتقارير الواردة من موقع ( الطارمية) ورأوا أنها تفيد بوجود عمليات التخصيب من خلال فصل النظائر بطريقة كهرومغناطيسية.

  استمر العراقيون على انكارهم وجود برنامج لتخصيب اليورانيوم لم يتم الاعلان عنه. ومن هنا فعملية التفتيش الثانية تحولت الى ملاحقة.وقد قيل أن الموقع الجديد للاسطوانات المستخرجة من باطن الارض والتي كان يشتبه في أن تكون ممغنطة لاستخدامها  في عملية ( إيميس) هو معسكر حربي . وعندما وصل فريق الوكالة الى هذا المكان منع من الدخول وقدمت الاحتجاجات الى المستويات الاعلى في الحكومة العراقية فسمح له بالدخول بعد ثلاثة أيام ولكن المعدات عندئذ كانت قد اختفت.

   وبعد ثلاثة أيام أخرى تلقى الفريق معلومات عن الموقع الجديد ، معسكر حربي آخر . وفي هذه المرة حضر فريق من مفتشي الوكالة دون سابق إنذار ورُفض دخولهم مرة اخرى لكن إثنين من اعضاء الفريق تسلقا السلم الخارجي لخزان مياه مجاور وشاهدا من اعلى قافلة من الحافلات تتجه نحو الباب الخلفي للمعسكر. وقام عضوان آخران في الفريق في سيارة للامم المتحدة بمطاردة الحافلات  وجدوا ان القافلة تضم ما يقرب من مائة حافة محملة بما يبدو انه معدات نووية . وكان الامساك بالعراقيين متلبسين على هذا النحو إختراقاً كبيراً.

( ص 26 ). 

 

كتاب : زمن الخداع .. الدبلوماسية النووية في اوقات الغدر    ج 3

تأليف: محمد البرادعي

عرض: سيف الدين الدوري

ويواصل البرادعي الحديث عن اعمال فرق التفتيش التابعة للامم المتحدة في العراق فيقول:في اوائل يوليو/تموز قمنا ( بليكس وانا) برحلة الى بغداد كنا اعضاء في وفد رفيع المستوى شكله الامين العام للامم المتحدة( خافيير بيريز دي كويار) وكان ( ايكيوس) هو رئيس الوفد مما لم يرض ( بليكس) اطلاقا . وكان هدفنا الضغط على الحكومة العراقية لتتوقف عن عرقلة عملية التفتيش وان تفصح بشكل صريح عن كامل برنامجها النووي.

    في البداية إستمر العراقيون في الانكار والحّ رئيس لجنة الطاقة الذرية العراقية الدكتور همام عبد الخالق غفور على ( بليكس) وعلى ضرورة القبول بما يقوله العراقيون. وقد اقسم لنا  ونحن معه في السيارة أن العراق لم يقم بأية أنشطة تخصيب غير معلنة على الرغم من الدلائل المتزايدة على عكس ذلك. وأكد أن برنامج العراق النووي كان سليما ً تماماً.

 لكنة الضغط الدولي كان يتزايد، وحدد مجلس الامن موعدا نهائيا موضحاً أنه على إستعداد لاتخاذ مزيد من التدابير . ومع ذلك كان فريق تفتيش جديد قد وصل وكان مستعداً لتتبع مؤشرات جديدة.

  وفي 7 يوليو تموز إمتثلت السلطات العراقية  وقدمت للوكالة قائمة مطولة جديدة بالمعدات ومواقعها. ولم يشمل هذا الاقرار الجديد عمليات تخصيب فقط ولكنه تضمن كذلك اعمال التخصيب بالطرد المركزي والكيماوي واعادة المعالجة التي قاموا بها لفصل بضعة جرامات من البلوتونيوم. وتضمن الاقرار كذلك قائمة بمنشآت التصنيع والمساندة،. كما كشف عن وجود حوالي اربعمائة طن من اليورانيوم غير المخصب الذي تم استيراد جانب منه من البرازيل والنيجر والبرتغال لكن لم يسبق الاعلان عنه للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

 وعن ( ديفيد كي) احد مسؤولي لجان التفتيش قال البرادعي انه مدير سابق من المستوى المتوسط في برنامج التعاون الفني التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية ، قليل الخبرة في التفتيش . اذ كان تعيينه كمفتش للضمانات أمرا غريباً لذ لم تكن لديه الخبرة العلمية او التكنولوجية . ربما تدعو النظرة الى الوراء الى الاعتقاد بأن جهاز المخابرات الامريكية اراد نقل معلومات من خلال ( كي)  ليتصرف فريق عمل الوكالة بالعراق بناءاً عليها.وكان تعيينه في هذا الفريق ( الانسكوم) اساساً لاغراض تنظيمية وادارية . اذ استمر بعض مفتشي ( الانسكوم) في استخدام سلطتهم بصورة مفرطة تفتقر للحساسية الثقافية والدينية اللازمة. اقتحم بعضهم المساجد والكنائس للبحث عن اسلحة الدمار الشامل دون أن تكون هناك أي دلائل  تفيد بوجودها فيها. وكان منهم من يقوم بعمليات التفتيش خلال الاعياد والاجازات الدينية دون داع ملح لذلك.

  وفي مرحلة تالية أصروا على تفتيش قصور صدام حسين  ليس لأن لديهم معلومات جدية على وجود ما يستوجب أو يستدعي التفتيش في هذه القصور ولكن لمجرد إظهار قدرتهم على تفتيش القصور الرئاسية .

 ويضيف البرادعي: لم اتمالك نفسي أحيانا من التساؤل حول ما سيكون عليه شعورهم لو انهم كانوا هم في مكان العراقيين في ذلك الوقت.

 واضاف البرادعي وعلى الرغم من أن غالبية العراقيين كانوا يبغضون صدام حسين بسبب اسلوبه الوحشي في القيادة ، غير أنهم وكثيرون من العرب شعروا بأن ما يقوم  به مفتشو ( الانسكوم) فيه اهانة واستخفاف بالكرامة العراقية . وبدلاً من تشجيع العراقيين على المزيد من التعاون لم يؤد اسلوب ( ديفيد كي) الاستفزازي هذا الا الى تراكم اسباب الحنق والبغضاء إزاء هذا الفريق. خاصة أن هذه العمليات التحكيمية لم تفض الى أية نتائج.

 ويستطرد البرادعي الحديث عن فرق التفتيش وموقف السلطات العراقية منها فيقول: وبينما  كان صيف 1991 يقترب من نهايته ، لم يكن لدينا بعد اي دلائل ترجح وجود نوايا حقيقية لدى العراق لتطوير الاسلحة النووية . كان واضحاً أن العراق قد قام باخفاء نشاطات تتعلق بتخصيب اليورانيوم وبفصل البلوتونيوم ، ولكن العراقيين كانوا يصرون على أن هذه النشاطات كانت تتم لاغراض سلمية.

  وجاءت نقطة التحول في نهاية شهر سبتمبر/ايلول مع الزيارة السادسة لفرق تفتيش الوكالة الدولية ، حيث وصلت الى الوكالة معلومات اشارت الى مبنيين في وسط بغداد وهما عبارة عن مكاتب لوزارتي الصناعة والتصنيع الحربي . وقد ادى خطأ في الاجراءات الامنية ارتكبه العراقيون الى ترك كم كبير من الوثائق الهامة في هذين المبنيين

  وعندما توجه المفتشون اليهمادون سابق إنذار تمكنوا بالفعل من رؤية هذه الوثائق والتحفظ على بعض منها. غير أن العراقيين رفضوا السماح للمفتشين بالنغادرة وبحوزتهم تلك الوثائق. وبدورهم رفض المفتشون تحت رئاسة ( كي) من الوكالة  و ( جالوتشي) من ( الاونسكوم) ترك الوثائق وقرروا البقاء في الفناء المخصص لانتظار السيارات. واستمر هذا الاعتصام لمدة ثلاثة أيام بلياليها ونقلته قنوات التلفزيون . وفي ما اشتهر من بعد بأنه ( مواجهة ساحة إنتظار السيارات) بين المفتشين والعراقيين.

  وفي النهاية استسلم العراقيون وكان من بين الوثائق التي تم التحفظ عليها تقارير تحدد مدى التطور في تصنيع اسلحة نووية. وبينما اوضحت هذه الوثائق ان الوصول الى مرحلة تصنيع السلاح النووي كان سيستغرق من العراق عاماً إضافياً أو عامين ، إلا أنها اظهرت بوضوح نية الجانب العراقي وان هذا الجانب نت البرنامج كان كبيراً وكان يتم تنفيذه وتوفير التمويل اللازم له بدون أدنى تردد أو تقتير.

 

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا