الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

د. رشيد الخيون باحث وكاتب عراقي ينشر مقالاته في (الاتحاد) الاماراتية  ومجلة (المجلة) اللندنية

 

 

مقالات  سابقة

 

 

محنة شريعتمداري

مع الولي الفقيه

رشيد الخيون

يخبرنا التَّاريخ عن محن مرت على فقهاء الدِّين، مِمن ليس لهم في الشأن السياسي، وربما أبرزها كانت محنة الطَّبري (ت 310هـ)، صاحب «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» و«تاريخ الأُمم والملوك»، و«اختلاف الفقهاء». طالت المحنة جنازته، بعد حصار في داره ببغداد من قِبل الحنابلة لفترة طويلة بتهمة الانحراف عن الدين (مسكويه، تجارب الأمم).

كذلك تعرض الفقيه الحنبلي ابن عقيل (513هـ)، لمحنة مماثلة بتهمة تردده على شيوخ المعتزلة، وقراءة كُتب علم الكلام، ففتشوا داره، ووجدوا فيها كتباً معتزلية، ونصوصاً تترحم على الحلاج، فصدرت بحقه فتوى قتل، ثم استتيب (ابن قُدامة، تحريم النظر في كتب الكلام).

قُتل بفتوى الفقهاء فقيهان عُرفا في أدب الإمامية بالشهيد الأول والثَّاني، شمس الدِّين الجزيني، صاحب «اللمعة الدمشقية»، في العهد المملوكي بدمشق (786هـ)، والسبب وشاية في الانحراف عن الدِّين (الأمين، أعيان الشيعة)، والثاني زين الدين العاملي (قتل 965هـ)، اُتهم بالانحراف، وطُلب أن يُحمل إلى السلطنة العثمانية، لكنه قُتل في الطريق، وحمل رأسه إلى السلطان، وقد أنكر الأخير فعلة القاتل فقتله (كوثراني، الفقيه والسلطان).

تلك لمحة عن محن فقهاء الدين، على يد السلطات وزملائهم مِن الفقهاء، لكن محنة محمد كاظم شريعتمداري (ت 1985)، لها مدلول آخر، فالعهد مثلما صرح قادة الثورة أنه نصرة الدين وضد الظلم والاستبداد، فكيف لمرجع بحجم شريعتمداري أن يُسجن ويُقهر ويمنع من العلاج خارج إيران، وتحجب الصلاة على جنازته، وقيام مجلس عزاء له، وينفذ كل ذلك مِن قِبل زميله مرشد الثورة؟!

كتب قصة المحنة المجتهد رضا الصدر (ت 1994)، أخو موسى الصدر، الذي غيبته السلطات الليبية (1978) في كتابه «سجن ولاية الفقيه»، وكان على صِلة متينة بالمرجع شريعتمداري، لكنه لم يره خلال سنوات اعتقاله، فداره كانت محاطة بحرس الثورة.

كتب الصدر رسائل إلى الخميني لفك سجن شريعتمداري، الذي أُظهر منكسراً لإعلان توبته أمام الملأ، ومعلوم أن إعلان التوبة لشخصية مِن حجمه أشد مِن الإعدام. أُحيط المستشفى بالحراسة، ومنع ولده من الحديث معه من ألمانيا، وعند وفاته أُغلق المستشفى، ونُقل الجثمان من الباب الخلفي، ليُغسل ويُدفن تحت جنح الليل، خشية تشييعه في النهار.

كانت وصية شريعتمداري: تغسيله في حُسينيته، وأن يُصلي على جنازته الصدر، ودفنه عند ضريح السيدة معصومة بقم، ولأنه يعرف موقف النظام منه قال: «وإذا منعوكم منها فادفنوني في حُسينيتي». مُنع تنفيذ الوصية، واقتادوا الصدر إلى دائرة الأمن، للتحقيق عن علاقته بأستاذه المرجع شريعتمداري. صادف ذلك اليوم ذِكرى وفاة الإمام الكاظم، ومِن العادة أن يُلبس السواد، لكنه مُنع على الأقربين. كان تزامن وفاته مع ذكرى الإمام وتشابه الاسم والمحنة أمراً مقلقاً للنظام.

يقول رضا الصَّدر: «يشهد التَّاريخ بأن الحكومات التي حكمت باسم الدين والمذهب، لم تنفع المذهب، بل كانت تزرع البغض والحقد على المذهب، والحكومة الوحيدة التي تنفع المذهب هي الحكومة اللائكية». أي فصل الدين عن الدولة. كان تآمر شريعتمداري على الثورة، والذي استحق عليه التنكيل به في حياته ومماته، عدم موافقته على تسمية الجمهورية الإيرانية بالإسلامية، واعتراضه على الممارسات التي صبغت الثورة بلون الدم، وهو لديه جمهور عريض من المقلدين. فحسب الصدر: «كلُّ مَن لا يُقلد الخميني لا يستخدمونه..». لم يحمل شريعتمداري السلاح، ولم يفتِ ضد السلطة، كان له رأي، مثلما بقية مراجع الإمامية غير المتفقين مع ولاية الفقيه، لكنه أفصح عن رأيه داخل إيران.

أقول: ماذا لو أن شريعتمداري اُعتقل في أيام الشاه، وجرى ما جرى لجنازته على يده، ألم يكن شهيداً مجاهداً، عند قادة الثورة، وسارت التَّظاهرات هاتفةً بتمجيده؟! لقد صمتت القوى الإسلامية صمت القبور، على ما جرى، بل عندما يسألون يجيبون برواية السجان، بأنه كان «متآمراً»! كان ظهور شريعتمداري، وهو مرجع كبير، يُستتاب على شاشات التلفزيون ويُسجن في داره، جرأة على الدين والمذهب، مع أن العثمانيين بعد الدستور (1908) لم يجيزوا سجن فقهاء الدين، مثلما حصل مع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (عُقود حياتي).

أقول: مثلما لم تؤثر كلمة حسن البنّا (اغتيل 1949): «خلصونا مِن الخازندار» بالقتل (عبد العزيز كامل، في نهر الحياة)، في الإسلام السياسي السُّني، كذلك لم تؤثر قسوة الخميني ولعبه دور سجان الإمام الكاظم (183هـ) بسجنه سميه شريعتمداري، شيئاً في الإسلام السياسي الشيعي، لأن الأمر يتعلق بأيقونتي «العقيدة المقدسة».

في هذا التصرف، اختفى الخميني الفقيه، المكتمل للشرائط، وبرز الخميني السياسي الثوري طاوياً كتابه وشاهراً سيفه. لله درّ القائل: «طموحُ السَّيْفِ لا يخْشَى إلهاً/ ولا يَرجو القِيامَةَ والمَعادا» (المعري، سقط الزند).

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

وطنٌ.. ماذا

تركتم في رماده؟!

رشيد الخيّون

 

لا تنسى منطقة الفهود، الواقعة بمدار هور الحمار، الحاج حنون آل جبُيَلِّي صاحب الطُّرفة والفكرة، يقف باحثاً بعصاه عن بقية باقية في رماد منزله القصبي، الذي شبت فيه النيران، مع أن المياه كانت تحيط به، فعثر على قط المنزل متفحماً، وأخذ يزيل عنه الرماد، ويناشده أمام جموع المتفرجين، قائلاً: «ماذا أصابك؟ هل عُدت لتنقذ أولادك؟! أم فقدت أباك وأمك؟! أم عدت تبحث عن أموالك وأملاكك وسط لهيب النار؟! كان عليك ضرب ذيلك بالأرض والقفز في الماء!».

كان الناس أمام عرض مسرحي، بين باكٍ وضاحكٍ، مشهدٌ لا يفطن لإخراجه إلا جهابذة فن التمثيل، ذلك لصدقه وعفويته. ترك لنا الرجل المنكوب بمنزله، وكل ما يملك، مثلاً يُضرب ويُقاس عليه اليوم منزلنا الذي عنوانه العراق، وقد شبت به النيران. قال في أفضل حواضره وقراهُ، شمالاً وجنوباً، الشّعراء المخضرمون بين الإسلام وما قبله، كصاحب المعلقة زهير بن أبي سُلمى (ت نحو 609م): «فتُغللْ لكَ مالا تُغِلَّ لأهْلها/ قرىً بالعراقِ من قفيزٍ ودرهمِ» (الزَّوزني، شرح المعلقات)، والقفيز مكيال قدره (45) كيلوغراماً. كذلك قال أعشى قيس (ت نحو 629م): «طعامُ العراق المستفيضُ الذي ترى/ وفي كل عام حُلةٌ ودراهمُ» (شيخو، شعراء النصرانية).

من يُتابع صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وتغريدات السياسيين والبرلمانيين، على الهواء مباشرة، يجد أن القوم قد ضاقت بهم العقول والضمائر، ورخصت أحلامهم إلى حرق هذه البلاد، وكأن البلاءَ الذي حل على شعِبها، من دكتاتورية وحروب وحصار وغزو، كان سببه العراق نفسه، وكل طائفة تريد البراءة منه عاجلاً لا آجلاً، فبعده قد تهبط النعم عليها من السماء!

كلٌّ ينطلق مِن هواجسه وحدود تفكيره، والكلام مشاع للجميع، وهم يعلمون أن كل تعصب مذمومٍ، لا يعترف به صاحبه، كالمجنون لا يعترف بجنونه، إلا التعصب للأوطان أو البلدان فهو ممدوح بل مطلوب، فالأمر يتعلق بنوازع المتعصب المرتبطة بحدود وطنه، أما أنواع التعصب الآخر عابرة الحدود بلا قيود، فإيذاؤها ينال المتعصب نفسه. لا يخجل المتعصب للوطن من تعصبه، ولا يخشى لومة لائم من إشهاره على الملأ؛ لأن فيه تعالياً على الفرعيات كافة، وحرصاً على حقوق الجميع، الدينية والمذهبية والقومية.

ما ذنب العراق، الذي أطعم مختلف الأقوام من جوعٍ، وآمنهم من خوف، كي يُقال فيه: «لا تتركيني بالعراق فإنه/ بلاد بها أُس الخيانة والغدرِ» (البغدادي، تاريخ بغداد). هذا ما كتبه أحدهم لزوجته بعد أن رُمي في سجن سلطان زمانه بسبب ثورته عليه. لكن ماذا لو نجح صاحب الشكوى المذكورة، وتسلط على العراق، أسيكون لديه الشعور نفسه، أم ستكون نظرته أخرى، مدفوعاً بالسلطة والنعمة؟!

ليس بهذا الشعور يُنظر للأوطان، وتُقيم الأُمور. أقرأ الكثير لأقلام مفْرطة في التعميم، بأن العراق أرض انقلابات وعنف، وأن العراقيين لا يصلحون لوطن ولا لحرية، وما حصل ويحصل كان بسببهم، كشعب لا ساسة أو رؤساء. مثل هذه الأفكار لا تميز بين الصالح والطالح، بل تُشتت مسؤولية الجريمة، وتبرر لمَن فرط بالأرض، وأفسح المجال لعصابة مثل «داعش» أن تتحكم بأكثر من ثلث العراق. سيطمئن لهذه الأفكار. فمازال الإنسان العراقي متهماً، والعراق «أُس الخيانة والغدر»، فعلامَ تنتقد وتُذم فترة الحَجّاج بن يوسف الثَّقفي (ت 95هـ) وخلفائه، ولماذا يطلع علينا، بين حين وآخر، «مختار عصرٍ»، متشبهاً بالمختار بن عبيد الله الثَّقفي (قُتل 67هـ)، مطالباً بالثأر؟!

لقد خلت القلوب مِن عاطفة والعقول من حكمة، ساسة ومسؤولون يُعاملون العِراق كمنزل سفرٍ لا مقرٍ، كم يستطيعون الأخذ منه، من مال وجاهٍ، ولم يتركوا في رماده شيئاً، فلا يريدون لهذه البلاد بقاءً إلا في الحكايات وكتب التاريخ. أراهم يتنافسون على تفسيخها، بعذر حقوق الطوائف، والسؤال: أليست حقوق البيت من حقوق ساكنيه؟! فكيف يفرط به وبهذه السهولة، حتى جُعل القتال ضد «داعش» منَّةً وجميلاً لطائفة على أُخرى، والإنقاص من جيشه علانيةً، مع المطالبة بالثمن، وهو رأس العراق، ذبحه من الوريد إلى الوريد، هذا هو المطلوب ما بعد «داعش». فحسب ما يُتداول: أن العراق ظلم الشيعة، وأقصى الكُرد، وطالب بالثأر من السُّنَّة، على خمسة عشر قرناً من المظلومية، مثلما يفهمون ويروجون! لهذه الأسباب غدت السياسات أصداء للعواصم، والساسة مجرد وكلاء للأولياء والمرشدين الأجانب.

سمعتُ حكاية منزل آل جبُيَلِّي، ذات الدلالة، من ابن أخيه الشاعر كريم الأسدي، قبل نحو عشرين عاماً، وظلت راسخة في ذهني، وأنا أرى منزلنا يحترق، والثقافة السائرة تزيد ناره ناراً، وقد يلام الساعون لإخمادها بالقول: دعوه يحترق، ماذا تركتم في رماده؟!

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

 

 

الحَدْباء..

كم حَدبَ الدَّهرُ عليها!

 

رشيد الخيون

يُعدُّ تدمير منارة الحَدْباء بالموصل يوماً مشهوداً (الأربعاء 21/6/2017)، يُضاف إلى أيام الجماعات، التي لا ترى قبلها ولا بعدها ماضياً ولا مستقبلاً، غير صناعة الموت والخراب. ألغى فقهاء الجماعات الزَّمن، فلا اعتبار لدمٍ ولا بناءٍ. ظن أصحاب فقه «سداً للذرائع»، والاحتساب، أن هذه الثَّقافة ستتوقف عند حفظ بيضة الدِّين، ولولاها لخلت الأرض مِن صلاة وصوم، لكنهم لم يدركوا أن الذَّرائعَ ولدت ذرائعَ، وفقههم أسفر عمَّن أتى بمَن لم يبقِ ولم يذر.

يعلم فقهاء القوى الظَّلامية أن المنارة لم تكن تقليداً من تقاليد عهد النُّبوة ولا الرَّاشدين، فأول منارة أو مئذنة شيدها والي مصر للأمويين مسلمة بن مخلد (ت62هـ)، العام (47-54هـ). فهو: «أول مَن أحدث المنار بالمساجد والجوامع» (ابن تغرى بردى، النُّجوم الزَّاهرة، والمقريزي، المواعظ والاعتبار). ولعله شيدها تأثراً بمنارة الإسكندرية، بمعنى أنها عند هذه الجماعات ليست مِن الأُصول، إنما فن مِن فنون الأصنام، فسهل عليها هدمها، مع أنهم أعلنوا خلافتهم مِن شبابيك مسجدها.

عندما تجرأ تنظيم «القاعدة» على هدم تمثالي بوذا (12/3/2001)، تحدث بعض الفقهاء والمتشددين، آنذاك، بأنهما مجرد صنمين، ربَّما أنفسهم الآن يسفحون دمعاً على هدم منارة مسجد مِن أقدم مساجد الموصل، فلم يحسبوا أن الأذى باسم الدِّين لا حدود له، مثلما أن قيام جماعة دينية على نهج سياسي لا تكف عن إيذاء الدِّين نفسه، فالأمر أمر المرشد أو الولي لا غيرهما، ولا أرى بين الجماعات الدينية السياسية معتدلاً ومتطرفاً، إنما هي درجات تتلو بعضها بعضاً.

نتذكر الفقهاء الذين احتجوا على السُّلطات السُّويسرية، في عدم موافقتها على تشييد المنائر، وفق استفتاء شعبي (2009)، هم أنفسهم باركوا لهذه القوى الظَّلامية أفعالها، وأعانوها بالفتاوى والخطابات الحماسية، مِن أجل قيام دولة الخلافة، وها هي تقوم بتجريد المساجد مِن المنائر، ناهيك عن شلالات الدَّم وكوارث التهجير والتَّشريد، وما حصل لمسيحيي وأيزيدي الموصل لا يحتاج إيضاحاً. ولعظمة الفعل لا تُحاسب وتُعذل الجماعة التي فَجرت المنارة، إنما يُحاسب ويُلاحق كلُّ مَن دعمها بفتوى وخُطبة ومال وعدة وعتاد.

في هذا المنحى كتب الإعلامي تركي الدِّخيل تحت عنوان: «قائمة الإرهاب.. زمن ما بعد التَّغطية: «لقد مرَّ زمن طويل، كان المُحاسب الوحيد على الإرهاب هو القاتل فقط، مِن دون إدراج المحرض على اللائحة، إذ المُحرض شريك بالقتل» (الشَّرق الأوسط: 13/6/2017). كذلك أن مسؤولية تفجير معلم حضاري، بحجم «الحَدْباء»، ومِن قبل آثار ما قبل التَّاريخ، لا يُسأل عنه المُنفذ فقط، بل المحرض مِن فقهاء الظَّلام وساسة الخراب.

يعود بناء جامع النُّوري لفترة الأتابكة مِن تاريخ الموصل، شيده السُّلطان نور الدِّين محمود بن عماد الدِّين زنكي (ت577هـ)، على أرض «خربة متوسطة البلد واسعة، وقد أشاعوا عنها ما يُنَفّر القلوب منها، وقالوا: ما شرع في عمارتها إلا مَن ذهب عمره... ووقف على الجامع ضيعةً مِن ضياع الموصل» (ابن خِلكان، وفيات الأعيان).

كان اسم الحَدْباء مِن أسماء الموصل العديدة، لاحتداب دجلةَ (الحموي، معجم البلدان)، شأنها شأن بغداد أخذت اسم الزَّوراء منه. فأُطلق الاسم على منارتها، وقيل إنها محدبة نحو الشرق.

إذا أعددنا السَّيد محمود شكري الآلوسي (ت1924) سلفياً، وتُعد الجماعات الجهادية نفسها سلفية أيضاً، مع إضافة الجهاد لاسمها، فإن الآلوسي قد أنقذ منارة «سوق الغزل» التَّاريخية وسط بغداد، عندما أشار مهندسون إنجليز بهدمها خشيةً من سقوطها، وما يسفر عنه مِن أذى للمارة (1918).

مهد الإنجليز لذلك بمقالٍ لأحد الأدباء في خطر المئذنة، غير أن صاحب الصحيفة ذهب إلى الحاكم البريطاني آنذاك، وحاول إفهامه أن لا خطر منها، لكنه لم يفلح معه، فذهب إلى الآلوسي، وأقنعه أن يذهب معه لمقابلة الحاكم لتأجيل هدمها، فتأجل لسنتين، حتى أتى مهندس فرنسي فعالج أمرها، وأبعد الخطر.

يقول أنستاس الكرملي (ت1947) في ما حدث: «هي اليوم قائمة على ساقها، كما كانت سابقاً، وتضحك مِمن حاول أن ينظر إليها نظرة شيخةٍ متغضنةٍ» (مجلة العرب، منارة جامع سوق الغزل، العدد الأول 1928). على ما يظهر أن منارتي الموصل وبغداد بلغتا من العمر أكثر من سبعة قرون، الأولى هُدمت، بعد أن حدب عليها الدَّهر كلَّ هذه السّنين، والثانية ما زالت شاخصةً، تترقب أحوال بغداد التي تتردى يوماً بعد آخر، فالظَّرف الذي اجتاحت به داعش الموصل، ومدت يدها إلى الحَدْباء، ما زال قائماً. معلوم، أن القوم سادرون بين جاهدٍ إلى التَّجزئة، وغارقٍ في محور الممانعة! خِلاف ما توقع لها مصطفى جمال الدِّين (ت1996): «بغدادُ لم يعد الزَّمان كأمسهِ/ فِكَراً تُباعُ، وخاطراً يُستأجرُ» (قصيدة بغداد 1962).

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

  إسلاميو العراق..

التضامن مع الدوحة!

رشيد الخيون

كتب عدنان حسين نائب رئيس تحرير «المدى» البغدادية: «لن يفعلها أحد عندنا بأن يستثمر العلاقات مع السعودية ودول الخليج التي للتو قطعت علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع قطر، ليسأل حكومات هذه الدول عن الوثائق الموجودة بين أيديها، والانكباب عليها لرفع قضية ضد حكومة قطر أمام المحكمة الجنائية الدولية» (الدم العراقي الرخيص جداً، المدى 6/6/2017).

فبدلاً من البحث عمن تورط في الدم العراقي، والمساهمة في محاصرة الإرهاب، زار الإخواني والعضو القيادي في الحزب الإسلامي، ورئيس البرلمان سليم الجبوري الدوحة، زيارة تضامن وتطمين في أوج الأزمة.

يعرف العراقيون ما كانت تلعبه قناة «الجزيرة» القطرية من التحفير على عمليات الإرهاب بعنوان «المقاومة»، تستهل نشراتها بأخبار التفجيرات الكارثية على أنها «مقاومة». كانت شبه متفرغة للعراق، قبل أن تُشغل بالدفاع المستميت عن إخوان مصر، حتى ظن العِراقي أنها فضائية الزرقاوي (قُتل 2006)، وكان قتله يوماً شديداً عليها. ففي ذلك اليوم كتبتُ مقالاً تحت عنوان: «الحزانى على الزرقاوي» (الشرق الأوسط 9/6/2006)، وكانت فروع «الإخوان» قد نصبت خيام العزاء به.

نتذكر طرد «الجزيرة» من قِبل الناخبين العراقيين (2005)، ولم يكن هذا التصرف سبقه تحريض ضدها، إنما أمسى العراقي لا يحتملها. كان الدور أن تقوم القناة بمهمة التعبئة للإسلام المتطرف وحمله إلى السلطة، ونشر بيانات انتصاراته، والحرص على حضوره. طبعاً على الجانب الآخر كانت حرب النجف (2004) مستعرة، يقودها أحد الذين أصبحوا الآن من القادة (العظام)، بعد أن طُورد بتهمة الإرهاب، لكنه عاد من مخبئه بإيران عضواً في البرلمان، ليصبح أحد الأعيان، وآخر طورد أيضاً بتهمة الإرهاب، فعاد على رأس ميليشيا تتحكم بلا قيود.

ما زالت الذاكرة حية، والشهود أحياء، على أفاعيل فضائية «الجزيرة»، في الشحن الطائفي، والحث على العنف، فلا يُستبعد ما أشيع آنذاك، على عمل مشاهد مسرحية لاستهلال عمليات إرهابية، لفتح شهية الإرهابيين، كان ذلك قبل دخول الجماعات الإرهابية، زرافات ووحدانا، عبر الحدود السورية.

لندع الماضي، مع ما فيه من جراح، لكن ما مصلحة العراق في أن يتضامن مع الدوحة، في أزمتها الحادة مع بقية بلدان الجزيرة والخليج؟ مع أنه من السياسة أن تُستغل الفرصة، كي يقف العراق على حقيقة من ساعد على خساراته الجسيمة في الأرواح والأموال، لا أن يُسارع إلى الدخول في الأزمة بأزمة.

لا يُلام العراق إذا اتخذ موقف الحياد، لكن يُلام عندما يتعدى إلى التضامن مع الدوحة، والمواجهة معها، على ما يبدو، لا رجعة فيها، إذا لم تتوقف عن دعم الجماعات المتطرفة، لكن من أُرسل إلى الدوحة كان أحد «الإخوان»، وتم الاستقبال متزامناً مع الإعلان عن زيارة الأمير ليوسف القرضاوي، وكأن العراقيين أصيبوا بالزهايمر، كي يذهب رئيس برلمانهم، بصفته الرسمية ودوافعه الإخوانية، لُيضفي على تكريم القرضاوي، شكراً لما صرح به وأفتاه ضد العراقيين، في السنوات العجاف.

ما نعتقده أن زيارة الإخواني الجبوري للدوحة تمت بتوجيه إيراني وتركي، فنظاما الإسلام السياسي، لا يعجبهما فضح الأدوار. نحن مع توطيد الصِّلات بالجار الجنب والبعيد، لكن لا يكون عبر صفقة سوداء، كالتي جرت بصفقة الصيادين القطريين، دولتان تتفاوضان مع مليشيا داخل العراق، ورئيس جمهورية ورئيس وزراء العراق حتى لم يُقبل بهما شهوداً. لا تستخفوا بعقول الناس، ولعبد الله الخوارزمي (نزل بغداد 510هـ): «من ظن أن عقول الناس ناقصة/ وعقله زائد أزرى به الطَّمعُ» (الحموي، معجم الأدباء).

ليس عندي ما أختم به أكثر مما ذَكَّر به عدنان حسين بحرص، يوم تحولت الشكوى من النظام السوري إلى التضامن معه، وضاعت حقيقة التفجيرات الكارثية، بشعار «أتيناكِ يا حلب»، وبأسراب من الشباب عاد الكثير منهم جثامين دفاعاً عمَّا سمي بـ«الممانعة»، ولا نعلم ممانعة عن ماذا؟ وتنور الدم العراقي يفور، كتب حسين: «أُعيد إلى الأذهان موقف الحكومة السابقة التي أعلنت غير ما مرة عن توفّرها على وثائق تثبت تورط نظام بشار الأسد في تقديم تسهيلات لوجستية لتنظيم (القاعدة)، وفلول نظام صدّام، من أجل القيام بعمليات إرهابية داخل العراق، وبين تلك التسهيلات فتح معسكرات التدريب على الأراضي السورية، ومرور العناصر الإرهابية وأسلحتها ومعدّاتها إلى العراق عبر سوريا، بل إن تلك الحكومة أعلنت عن عزمها التقدم بشكوى إلى مجلس الأمن ضد النظام السوري، لكن بعد اندلاع الانتفاضة السورية في 2011 أغلقت حكومتنا فمها إرضاءً للجار الإيراني».

وكما نعلم فولاء الإسلام السياسي عميق، وورطته مُحكمة بين الجارين الشرقي والشمالي، «وإن من السادات مَن لو أطعته/ دعاكَ إلى نارٍ يفورُ سعيرها» (الجاحظ، الحيوان)، لكنكم تجرون وراء ورطتكم بلاداً ظمئت للحياة بلا دم.

(الاتحاد) الاماراتية

 

ستنفار أصحاب

عمائم السياسة!

رشيد الخيون

 

يطل على الجمهور العراقي، بين حين وآخر، صاحب عمامة، بيضاء وسوداء، من أهل الأحزاب والجماعات المسلحة، فكل معمم غدت لحزبه وزارة إعلام، يدلي عبرها بالتكفير والقتل بلا حسيب ولا رقيب، فمازال أنه حام للدين ناصر للمذهب، فمن يعرضه يُنعت بالملحد والخائن والعميل. هكذا تجري التهم مقدسةً مأثورةً، على ألسنة أصحاب العمائم، ولهم جمهورهم من الحاشية والمُستغَفلين.

أحدهم: حذر من خطر الملحدين، ومن المخدرات، وهو يعلم أن المخدرات تدخل من المنفذ الذي دخله حزبه مدججاً بالسلاح، بفضل الأميركيين. طالب مواجهتهم بالفكر والضرب بيد من حديد، وفقيه حزب آخر، صب خطبته ضد الإلحاد والملحدين، وقال: قتال هؤلاء أكثر واجباً من قتال الإرهابيين، ثم يستدرك: لا نقول لا يُقاتل هؤلاء، لكن حسب الأهمية فقتال الملحدين أولا. يصرخ إمام جمعة، وهو يتلفع الكفن، ضد الإلحاد والملحدين، بأن التواصل الاجتماعي وصل من إسفاف الملحدين والشاذين، حسب مفردته، ما لا يُطاق. قال قارئ منبر صراحة، قبل أعوام، أمام بحر مِن مسلوبي العقل، بقتل مَن سماهم شيوعيين.
نحن أمام أسراب بنغم واحد، وليست عمائم منفردة، وكل معمم يزيد في الطنبور نغمة. كنا نعرف في العقود الخوالي أن أصحاب العمائم روحانيون، إذا ميزنا بين الماديين والرُّوحانيين، أي السياسيين وفقهاء الدين، وذلك بزعم أن السياسة مادة دنيوية لا فكرة دينية، فلما طُلب من الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ت 1954)، وكان يُعد من أئمة الفقه الأحياء في مرجعية النجف، أن يتدخل في إضرام تمرد ضد الجيش العراقي، ويفتي بالتسلح والقتال، أجاب: «إنني بمركزي الروحاني ومقامي الدِّيني لا يجوز لي أن أتدخل في أي وزارة أو حزب، أو في أي شأن من شؤون السياسة، وإنما دخلنا من أجل الصالح العام، وتخفيف الحيف عن هذه الأمة البائسة، ولا نرى ذلك يتم إلا باتفاقكم وتفاهمكم أيها الفراتيون جميعاً.. إلى قوله: يجب عليكم الهدوء والسكون، ويُحرم عليكم المضاربة بينكم بل وبين غيركم، والسَّلام» (الحسني، تاريخ الوزارات).

ولما طُلب من الشيخ نفسه الإفتاء ضد الشيوعية، من قبل السفير البريطاني آنذاك (1953)، أجاب قائلاً: إنها نشأت بدعوى إزالة «المهلكات الثَّلاث: الجهل والفقر والمرض.. كافحوا هذه الأدواء وعالجوها تموت جرثومة ذلك الدَّاء قهراً، عاملوا الناس بالصدق والرفق واغرسوا جذور المحبة» (محاورة الإمام المصلح كاشف الغطاء للسفيرين البريطاني والأميركي). فلو أسقطنا جواب كاشف الغطاء على ظرف العراق الحالي، لوجدنا ما يشكوا منه أصحاب العمائم هو من فعلهم قبل غيرهم. فمن يدعي أن الإلحاد، منتشراً بين الشباب فعليه أن يُراجع نموذج الإسلام الذي يُقدم للمجتمع، عبر التدين بالتضليل والشعوذة، والفساد العارم.

هل راجع أصحاب العمائم، ممن يحرمون الغناء علانية ويستجيرون من انتشار الإلحاد والمخدرات، أنفسهم وسياسات أحزابهم، وأفعال ميليشياتهم، وماذا عن المغتالين بكواتم الصوت وأشباهها؟! هل نظروا إلى الصور المرفوعة على رؤوس البغداديين المبشرة لولاية غير العراق؟ ما ضخامة العقارات التي أُهديت بصفقات حزبية؟!

لماذا هذا الاستنفار وبسلاح الدين؟ وكأنها عودة لفتاوى (تموز 1963)، التي وضعها فقهاء ذلك الزمان للفتك بالخصوم، وحرصوا على أخذ «حصة الإمام» من أموال المعدومين، بعذر تطبيق الشريعة، بمن سموهم مرتدين واليوم ملحدين (العلواني، الردة والمرتدون)!

نعم، في هدى خطابكم، وحرصكم على التدين الهابط، وتشجيع السلوك الديني النفعي، يبدو الإلحاد، الذي تقولون عنه، خطيراً، وقد تحقق بفعل توريط الدين بمنافعكم. فإن نسيت لا أنسى المنافق الذي وقف بين من رمتهم الشدائد، السابقة واللاحقة، أشباحاً، يخطب لحملته الانتخابية: «يريدوننا أن نترك ديننا، يُريدوننا أن نترك مرجعيتنا»؟! هذا ما كان يُحاذر منه أماجد مثل كاشف الغطاء، لا فقهاء الفتن والطائفية.

ما نعلمه عن العمامة أن لها عند مبتكريها القدماء معنىً ودوراً، فـ«إذا قالوا (سيد معمم)، فإنما يريدون أن كلَّ جناية يجنيها الجاني من تلك العشيرة، فهي معصوبةٌ برأسه» (الجاحظ، البيان والتَّبيين). أقول: فهل تتحملون جنايات أحزابكم ومسلحيكم قبل التحريض على العزل، وسط العدد الهائل من المسلحين الدينيين!؟

لم يجعلكم الله تعالى «بوليس السماء»، بما وصف به الرصافي (ت 1945) من تعرض له من فقهاء وقته (العمري، حكايات سياسية). ففي الكتاب حماية وعصمة: «أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (يونس: 99). لا تقلقوا، فالعراق، من غابر الدهر، موطن الأديان، ألم يقل الدستور الذي شاركتم بكتابته، أنه: «موطن الرسل والأنبياء» (2005)؟ أي نتحدث عن خمسة آلاف عام، وها أنتم تضيعون الدين بأربعة عشر عاماً فقط. ما لكم مستفزون من فتية يحسبون الدين بما تعكسه عمائمكم السِّياسية؟!

·         جريدة (الاتحاد) الاماراتية

 

خطيب «الدعوة»..

رَمَتْنِي بدائها وانسلَّت!

رشيد الخيون *

تبث قناة «حزب الدعوة الإسلامية» (آفاق) أحاديثَ خطيبها وخطيب الحزب، في أيام الجُمع، الشيخ عامر الكفيشي. يطل منها بعمامته البيضاء وجبته، مدافعاً عن الإسلام ضد المدنيين، الذين حسب خطبته، يريدون بالإسلام سوءاً، وتلك نغمة قديمة جديدة، فالإسلام محتكر للإسلاميين، يفتتحون خطبهم بالصلاة والتسليم، والمستهل آية قرآنية، يعطون لأنفسهم الحق باحتكارها، كعناوين لأحزابهم، إشارة إلى «زندقة» خصومهم، فلا تكفيهم خزائن الدولة ولا الميليشيات، يريدون الدين لهم لا لغيرهم، ومن يعترض يصرخون بوجهه: «الدين يا محمد»!

اعتمر الكفيشي العمامة خارج العراق، بعد أن تخرج من الجامعة التكنولوجية ببغداد (1979)، قسم الكهرباء، وتركها إلى الدراسة الدينية، وتلك ظاهرة ما عادت غريبة ولا عجيبة، أن يتحول المهندسون إلى معممين، فمِن الذين يطرحون أنفسهم مراجع دين وتقليد اليوم كانوا قُبيل (2003) مهندسين. لم تعد الهندسة نافعة ومجدية للوجاهة مثل العِمامة، حتى مَن تنقل بين عدة أحزاب، من يسارها ويمينها، رأيناه يسير وراء شاب معمم، من سن أولاده، ولما سئل عن ذلك قال: «أحتاج لظل عِمامة»! هكذا هو الحال.

فاجأنا المهندس الكهربائي سابقاً والفقيه لاحقاً بخطبة عصماء ضد المتظاهرين، وهو عضو شورى حزب الدعوة الإسلامية، و«دولة القانون»، ومن هنا نفهم صولته ضد المدنيين الشباب، فبعد اجتياح ساحة التحرير (2011) بغزوة العشائر، والميلشيات المساندة ضد المتظاهرين في الآونة الأخيرة، أخذ يطل خطيب «الدعوة» بعمامته البيضاء مهدداً من يدعي بأن الإسلاميين يفسدون!

استهل حديثه بالآية: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ» (البقرة:11-12)، وهذا أول استغلال للدين هراوة ضد الخصوم، من دون التبصر بدلالة النص وعلى مَن يقع، فالشيخ قال: نحن المصلحون! أما المتظاهرون فلم يدعوا أنهم المصلحون، طالبوا بكشف الفاسدين، فعلى من ينطبق النص؟!

يقول الكفيشي في خطبته (12/4/2017)، المبثوثة من قناة حزبه (الدعوة)، بعد المقدمة الخاصة بالخطبة الدينية والآية: «تحدثتُ في الأحاديث السَّابقة حول طبيعة مشروع التيار المدني، الذي يهدف إلى إفساد عقول الناس، وتضليل أفكارهم وإشاعة الفوضى في البلاد، من خلال ما يطرحونه في الإعلام، وما يرفعونه من شعارات مزيفة، في تظاهراتهم التي أصبحت واضحة ومكشوفة المعالم والأهداف لجميع العراقيين، والتيار المدني يعمل بأجندة ومخططات أميركية غربية صهيونية»!

لم يأتِ كُفيشي «الدعوة» بجديد، على ما كان النظام السابق يطلقه على الخصوم، ولم يبدِ كفيشي وحزبه، في هذه التهمة، إلا تلاميذ لمَن صدعوا رؤوس العراقيين في معارضته. كم كان الكفيشي متجاوزاً على الحق عندما يضع نفسه مناضلاً ضد الأميركيين، وهو يعلم أن رئاسات وزارات حزبه الثلاث ما كانت تكون لولا رضا الأميركيين، وموائد الفسنجون (أكلة معروفة) لم يقدمها التيار المدني للحاكم الأميركي بول بريمر، بل الذي قدمها رؤساء حزبه! مع علمه وعلمنا أن أول رئيس لمجلس الحكم كان دعوياً!

قدّم خطيب «الدعوة» نفسه منافحاً عن الدين، واتخذ من شعار «باسم الدين باكونا الحرامية» مادة لاتهام الشباب المعترض على السياسات في إدارة البلاد، وعلى عظمة الفساد، وعلى نهب عقارات الدولة، وتغول «الدعوة» وبقية الإسلاميين في السلطة والثروة.

يعلم الكفيشي أن الشعار المذكور عبر عن حقيقة، ألا وهي إغراء الناخبين باسم الدين، ما لم يقدر عليه التيار المدني. يوضح الشيخ بسذاجة أن الدين يحرم السرقات ويقطع أيدي السارقين، وكأنه يخاطب بشراً لا عهد لهم بالإسلام، ونجده يعترف بحفنة، حسب وصفه، تسللوا تحت اسم الدين، وهم إسلاميون مزيفون، ويردفها بعبارة عجيبة: «تسللوا إلى مواقع السلطة من خلال العلمانية، من خلال التيار المدني».

نعم، حسب رؤية الكفيشي وحزبه، فإن الفساد في وزارة التجارة كان مدنياً لا إسلامياً! وعقاراً على شاكلة عقار جامعة البكر الضخم صار جامعة للمدنيين! وأن أحزاب التيار المدني لها فضائيات بضخامة «بلادي» و«آفاق»، وبقية الإسلاميين وجيشوهم المسلحة! وأن أصهار التيار المدني حلوا محل حسين كامل (قُتل 1996)! ومقرات «الإصلاح» وقصور الدعاة كلها من ممتلكات العراة المتظاهرين وهم يستقبلون رصاص ميليشيات الإسلاميين!

أقول: من حق الكفيشي التجاوز على الحق، لأن المتظاهرين هم من سلموا الموصل، وفتحوا بوابات السجون للإرهابيين، وسلموا أكثر من ألف شاب لمقتلة سبايكر! ورفعوا لافتة الطائفية «مختار العصر»! وظهروا بالصورة والصوت يسلمون الرشا للنخابين! وهم الذين أفسدوا القضاء!

للجواهري (ت 1997) في أحوال المتظاهرين: «همُ القومُ أحياءٌ تقولُ كأنَّهم/ على باب شيخِ المسلمين موات» (الرجعيون 1929)، وقد أمسيتم شيوخاً للمسلمين، لكم الدين والدُّنيا. وللأولين: «تعيير الإنسان صاحبه بعيبه: رَمَتْنِي بدائها وانسلَّت» (ابن عبد ربَّه، العقد الفريد)

"الاتحاد" الاماراتية

 

الإسلام السياسي الشيعي والسني..

تاريخ الأواصر وتشابه السرديات

رشيد الخيون

لعل كتاب "الحكومة الإسلامية" لآية الله الخميني فاق شهرة كتاب أبي الأعلى المودودي، الذي كان قد أصدره بالاسم نفسه، مع أنه سبق أحاديث الخميني التي ألقاها على طلبة الحوزة الدينية بالنّجف بنحو ست سنوات، وسبق صدور كتاب الخميني بعشر سنوات، ذلك إذا علمنا أنه صدر بطبعته الأولى (1979) ببيروت، ولم يمض على عودة الخميني إلى طهران، لتسلم مقاليد السُّلطة فيها، إلا شهران (عاد الخميني في يناير وطبع الكتاب في مارس 1979).

هل اطلع الخميني على كتاب المودودي، أم ما ورد فيه كان توارد خواطر؟ فالكتابان متشابهان إلى حد كبير في الهدف والطّرح، مع الاختلاف في سنية المودودي وشيعية الخميني، وإلا فالحاكمية واحدة، ووجوب قيام دولة إسلامية وأن الحكم لله. وكان المودودي قد اعتبر تنفيذ الحاكمية من قِبل المؤمن بها والجدير بتنفيذها، غير محدد النّسب، بينما اعتبر الخميني تنفيذها مِن قبل الولي الفقيه، وهو بمثابة نائب الإمام المهدي المنتظر (حُددت غيبته حسب التقليد الإمامي 260هـ)، على أن طرح مصطلح الولي الفقيه بهذا الوضوح قد جاء على لسان الخميني بالنَّجف.

جاء في "الحكومة الإسلامية" للمودودي "هذا الدِّين اسمه الإسلام، وما جيء به ليكون ملحقا وذيلا للحياة، ولو كان كذلك لكان الهدف من نزوله هو الموت والانتهاء، لأن هذا الدِّين يبحث العلاقة بين الله والإنسان، وبين الإنسان والإنسان وجميع الكائنات على وجه البسيطة". من المعلوم أن المودودي أتى على “الحاكمية” معتبرا المجتمعات الإنسانية المعاصرة جاهلية في أكثر من كتاب، منها ما أصدر قبل كتابه “الحكومة الإسلامية” بكثير.

بالمقابل جاء في “الحكومة الإسلامية” للخميني “وهكذا يكون الإسلام قد عالج كل موضوع الحياة، وأعطى فيه حكمه، ولكن الأجانب وسوسوا في صدور النَّاس والمثقفين منهم خاصة أن الإسلام لا يملك شيئا، الإسلام عبارة عن أحكام الحيض والنِّفاس، طلبة العلوم الدِّينية لا يتجاوزون في تخصصهم هذه المواضيع”. فالاثنان، المودودي والخميني، قصدا تثوير الإسلام، على أن يكون حكومة تطبق الشريعة بما هو أكثر مما تطبقها الدول الإسلامية التقليدية. ننقل هنا المواقف المؤيدة لانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية مِن قِبل الجماعات الإسلامية السُّنِّية لتحقيق تلك الغاية “حكومة إسلامية".

اعتبرت مجلات الإخوان بمصر ما حصل في 11 فبراير 1979 ثورة إسلامية “أعادت الحسابات وغيرت الموازين”، وأنها “أعظم ثورة في التَّاريخ الحديث”. كتب القيادي الإخواني السّوداني حسن التُّرابي يقول “لقد سبقت الحركة الإسلامية السُّودانية (الإخوان المسلمون) إلى تأييد الثَّورة الإسلامية منذ حلول الخميني في باريس، حيث تتالت المساندة الإسلامية السودانية في نوفل لوشاتو، وانتهاء بطهران وقم".

كذلك يؤكد زعيم حركة النهضة التونسي راشد الغنوشي أن الاتجاه الإسلامي تبلور على يد "البنا والمودودي وقطب والخميني ممثلي أهم الاتجاهات الإسلامية المعاصرة”، ويعتبر أنه “بنجاح الثّورة الإسلامية في إيران يبدأ الإسلام دورة عضوية جديدة".

لم يكن هذا أول لقاء، مباشر أو غير مباشر، بين الإسلام السياسي السني والإسلام السياسي الشيعي، ما تحقق مِن اتصال بين فرعي الإخوان المسلمين وحزب التّحرير بالعراق والشباب الإسلاميين الشِّيعية.

يقول السيد طالب الرفاعي أحد الثلاثة المؤسسين الأوائل لحزب الدعوة الإسلامية في الاتصال بين الشيعة والسنة في أمر التنظيمات الإسلامية “انتسب إلى حزب التحرير مِن الشيعة محمد عبدالهادي السبيتي، وكان قبلها منتسبا إلى الإخوان المسلمين، وهو نجل عبدالله السبيتي، وجده لأمه عبدالحسين شرف الدّين، مِن أسرة علمية وأعيان جبل عامل بلبنان، وبعد حين أصبح السبيتي مسؤولا عن فرع التحرير بالعراق، ثم خرج منه وصار بعد حين رئيسا لحزب الدعوة الإسلامية.

كان لقاء السبيتي بمبعوث حزب التحرير عن طريق الإخواني سابقا والتحريري لاحقا فاضل السويدي، وكان الأخير يحمل كتاب مؤسس الحزب تقي الدين النبهاني نِظام الحُكم في الإسلام، وكان هذا الكتاب يدرس على شكل حلقات للجماعة الذين اتصلوا بالحزب، وحينها كان السبيتي في السنة الثانية في كلية الهندسة. انتمى أيضا، مِن الشيعة، إلى حزب التحرير جابر العطا، وكان في البداية قوميا مستقلا، يوم كان يعيش بالنجف، ولما ذهب إلى بغداد تأثر بفكر الإخوان المسلمين، فانطلق معهم في دعوتهم وانتظم في كشافتهم.

وبحكم علاقة عطا بالسبيتي، وأن الاثنين كانا معا من الإخوان، اتصل عطا بعبدالقديم زلوم مسؤول حزب التحرير بالعراق. بعد التَّعارف، ومرور الأيام درس عطا على يدي كتاب معالم الأصول واللمعة الدمشقية، عندما يأتي إلى النجف، وكان آنذاك ببغداد في السنة الثانية من كلية الطب، وبعدها تخرج طبيبا”. كذلك يُشار إلى انضمام طلبة إيرانيين شيعة إلى جماعة الإخوان المسلمين بمصر.

وربما تكون مواجهة اليسار أهم دافع للتقارب بين الإسلام السياسي السني والمرجعيات الدينية الشيعية؛ فهو العدو المشترك، والمتمثل بالحزب الشيوعي العراقي، والمد اليساري الذي مثله بعد ثورة 14 يوليو 1958.

يقول مراقب الإخوان المسلمين بالعراق محمد محمود الصواف "كنا نتعاون مع علماء النَّجف الأشرف الكبار، وذهبت إلى النّجف مع الشّيخ أمجد الزهاوي عدة مرات للتعاون على نصرة الإسلام، وخصوصا عندما انطلقت الشيوعية وقاومت الثّورة، وكانت صلاتنا أكبر، وكان الشّيخ محسن الحكيم أصدر فتوى في تكفير مَن اعتنق الشيوعية وكنا كلما اجتمعنا لأمر إسلامي كانوا معنا".

خلاصة بحث رشيد الخيون "خلية الإخوان المسلمين لإنقاذ نواب صفوي"، ضمن الكتاب 124 (مايو 2017) "إيران والإخوان الشيعة القطبيون" الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

 

 

ولد الإمام.. مات الإمام!

رشيد الخيون

 

لا يُظن أن المقال موجهٌ ضد الأئمة، فليس هناك بين النَّاس، على اختلاف المذاهب والاتجاهات، مَن يحمل ذرة كرهٍ لهم، بينما كُتبَ ضد هذا الخليفة أو ذاك، والسبب لأنهم لم يمارسوا السُّلطة ولا السياسة، وأعده تلفيقاً عندما يجري الحديث عن حراك سياسي حزبي لبعضهم. لا يُنكر أن الحُسين (قُتل61ه) مارسه، في المواجهة المعروفة، لكن لم تجد مَن يُقلل من شأنه، وإذا كان ابن تيمية (ت728ه) الذي يعده الشِّيعة الإمامية الأكثر خصومةً، نجده يقول في حاكم زمان الحُسين: «لم يقم حدّ الله على مَن قَتل الحسين رضي الله عنه ولا انتصر له، بل قَتل أعوانه لإقامة ملكه، وقد نُقل عنه أنه تمثل في قَتل الحُسين بأبيات تقتضي مِن قائلها الكفر الصَّريح» (مجموع الفتاوى).

نعم، انفرد ابن العربي (ت 543ه) عندما قال: «وما خرج إليه أحدٌ إلا بتأويل»(العواصم من القواصم)، ويقصد تأويل الحديث القائل بعدم الخروج على السُّلطان، لكنه في الكتاب نفسه يقول: «ويا أسفا على مصيبة الحسين ألف مرة، وإن بوله يجري على صدر النَّبي صلى الله عليه وسلم ودمه يُراق على البوغاء ولا يُحقن يا لله ويا للمسلمين». وإذا كان محمد بن عبد الوهاب (ت1792) الأكثر اعتباراً في خصومة الإمامية، فأسماء أولاده: الحسين والحسن وعلي وفاطمة (السَّكاكر، الإمام محمد بن عبد الوهاب). كذلك أن علياً وأولاده وأحفاده اعتُبروا من أهل السلف لدى البغدادي (ت429ه)، وهو الأشد خصومة للإمامية (الفرقُ بين الفِرقِ).

لكن لا أحد ينفي النِّزاع بين المذاهب، وشيوع مصطلح «الفرقة الناجية» الإقصائي بتكفير الآخرين. لم يتأسس هذا النِّزاع على الموقف مِن الأئمة كأشخاص، وإنما على التأسيس العقائدي المبني عليهم. فهذه الجموع التي تخرج في ولادة إمام ووفاة إمام لا تعرف حقيقة الموقف، تخرج مستفزة، لأنها مغوية بأن هذا الاستنفار مرده كراهة الطائفة الأخرى للأئمة. مِن دون العِلم بأن الأمر لا يتعدى اختلاف العقائد بين الجماعات.

ما بحثتُ مشهد ما يجري بولادات ووفيات الأئمة مع رجل دِين، خالٍ مِن حزبية ومصلحة، إلا واعتبره مخالفاً، لكنه لا يجرؤ على المساهمة في إحداث صدمة مِن الغيبوبة الجماعية، خشية مما يلحقه مِن أذى. سبق أن عبر محمد الحسين كاشف الغطاء (ت1954) عن هذا الأذى، وهو يقف ضد مثل تلك الممارسات، قائلاً: «إن في صدري لعلماً جماً أخشى أن أبوح به مِن الشَّياطين الذين يوجهون العوام وفق مقاصدهم» (الخاقاني، شُعراء الغري).

ما يُمارس في ولادة ووفاة إمام سنوياً يعبر عن تلك المقاصد، بتحدٍّ صريحٍ، لكن ضد مَن ولأجل ماذا؟ وليس هناك، في واقع الحال، مَن هو ضد آل البيت. ما نظنه أن دفعاً خارجياً يعمل على تفاقم هذه الظاهرة، فبواسطتها تسهل قيادة الجموع، جاهزة عند الحاجة، بهاجس الدفاع عن آل البيت.

ليس الأمر متعلقاً بما بين الشيعة والسُّنة، وإنما ضد مَن لم يجارِ هذا التقليد من الإمامية أنفسهم، ليس اليوم بل منذ العهد الصَّفوي، الذي تمكن ملوكه من الاستيلاء على الحُكم بتأسيس هذا الانفعال، فكان يُطلق على الزَّيدية الشذاذ. يذكر أحد أبرز فقهاء ذلك العهد محمد باقر المجلسي (ت1699): «واتقِ الشُّذاذ مِن آل محمد، قلت: ويُريد بالشُذاذ الزَّيدية، لضعف مقالتهم...».

ليس في صالح هذه الجموع، ولا مستقبل أبنائهم، تكريس الفوضى وتقويض تقاليد الدولة، ففرض العطل غير الرسمية بهذا الانفعال جعل الدوائر لا تعمل نحو نصف عام، ووضع المؤسسات التعليمية تحت رحمة الجهل، فأي إمام، بولادته ووفاته السنوية، سيحسب ذلك إخلاصاً له؟

أخال أن الحريصين على الفوضى، وتقديم الشيعة مجرد جموع منكسرة، وتمثيل شخوص الأئمة بهذا الاستخفاف، هم أنفسهم الذين أنكروا على ابن موسى بن جعفر (ت183ه) إرث أبيه، وطوحوا بخُرافة أنه حي لم يمت، كي يستأثروا بأمواله. تقول الرّواية: «بعث إليهم أبو الحسن الرِّضا عليه السلام أن احملوا من قبلكم مِن المال، وما اجتمع لأبي عندكم مِن أثاث وجَوارٍ، فإني وارثه وقائم مقامه». فكُتب إليه: «إن أباك صلوات الله عليه لم يمتْ، وهو حيٌّ قائم، ومَن ذَكر أنه مات فهو مُبطل، وأعمل على أنه قد مضى كما تقول، فلم يأمرني بدفع شيء إليك، وأما الجواري فقد أعتقتهنَّ، وتزوجتُ بهنَّ» (الطُّوسي، كتاب الغيبة)، وعرف هؤلاء بالواقفة (النُّوبختي، فِرق الشِّيعة). ينقل الخبر أعلاه الطُّوسي (ت460ه)، مرجع الإمامية ومؤسس الحوزة الدينية بالنَّجف (448ه).

بين ولادة إمام ووفاته يزداد البُعد عن العقل، ويتفاقم العزوف عن الإعمار. يا أيتها الجموع أما فكرتم: ماذا ستدخرون لأبنائكم وأحفادكم؟! فافهموا المقاصد وأدركوا الغايات، الوطن قبل الطَّائفة.

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

العراق.. وطابع البريد الباقي

رشيد الخيّون

كأن فريد داوود خلاصجي، بعد رحيله من بغداد شاباً مع والديه (1974)، ينتظر اللحظة التي لم يبق من عراقه فيها سوى طابع البريد، وها هو يمر قرنٌ من الزمان على غزو بغداد الأول (1917-2017)، ففاجأ خلاصجي ذاكرة العراق بمجموعة طوابع بريدية، هي كل ما تبقى من تراث أهله الذين عاشوا على أرض العراق نحو ألفي وخمسمئة عام، ولم يخرجوا إلا بلفائف هذه الطوابع. جمعها في كتاب «بغداد تحت الاحتلال البريطاني: قصة الطوابع البريدية عام 1917». ذاكرة صرنا نفتش عنها في صفحات المذكرات والقواميس، نتأمل صور الطرقات، الناس، الحوانيت، المكتبات، والمدارس.

فمن المعلوم أن الطوابع التي تحمل شعارات الدول وصور زعمائها وأبرز معالمها، والمسكوكات النقدية، من أهم الوثائق، فمازال دينار ودرهم عبد الملك (ت 86هـ) ومَن جاء من بعده (المقريزي، شذور العقود في ذِكر النقود) وثائقَ تفوق مجلدات من الرّوايات والأخبار، وكل كلمة تحُلل بكتاب، ناهيك عمَّا تركته الحضارات القديمة من أدوات فخار ومعدن.

من هنا تأتي عظمة الفاجعة بنهب الوثائق والآثار، وجريمة الاتجار بها، ولولا غور الآثار القديمة في باطن الأرض، ما ظهر لنا خاتم سومري أو بابلي. فلم يبق ترادف الخراب والحروب أثراً لها ببغداد، وكانت عاصمة لإمبراطورية (145-656هـ)، سوى أحجار وحيطان تكاد لا تُرى. ذاب التاريخ في ماء دجلة، الشاهد الوحيد على جدلية العمران والخراب، والموت الكارثي الذي لا ينقطع عن أهلها.

وقفنا أمام طوابع خلاصجي، في معرضه قبل أيام، لا وقفة هواة جمع الطوابع كغيرنا من الزائرين، إنما وقفة أيتام يبحثون عن إرثهم الضائع، فبلادهم مقبلة على الانتحار، بتقسيم يهددها من الجهات الأربع، وأصحاب الثياب السود، وبقية كائنات الموت، يتربصون ببقية الناس فيها، يوقظونهم من وهم الاعتراض بالتظاهر، وساسة لا تنطبق عليهم أوصاف السياسة. كلٌّ منهم يحمل تحت إبطه ملفاً من الخراب، وللخراب حماته، من خارج الحدود، بمسلحين لا تعرف إلى أي عصر ينتمون، لا على ألسنتهم ولا في أفئدتهم ذرة من هذه البلاد، بعد أن غُسلت أدمغتهم في مدارس التوبة والتوابين وورش الإرهاب.

أريتم جيش دولة تطارده مليشيا خارجة عن القانون؟ هذا ما حدث في صبيحة السبت الدَّامي (11/2/2017)، أصحاب الثياب السود يأسرون الجنود والضباط، كي ينفردوا بضحاياهم من الشباب. كان الجواهري (ت 1997)، وسامعوه من الثَّائرين (14 فبراير 1948)، وهو متسلق عمود الكهرباء، مارسوا الدلال قياساً بديمقراطية بغداد اليوم، فقد اعترضوا على معاهدة بورتسموث، والغالب لم يعرف بنودها، ولما فاجأهم الرصاص قال الجواهري في «أخي جعفر» المقتول فيها: «أتعلمُ أَم أنتَ لا تعلمُ/بأَن جراحات الضَّحايا فمُ/فمٌ ليس كالمدعي قولةً/وليس كآخرَ يسترحمُ/يصيحُ على المُدْقعينَ الجياع/أريقوا دماءَكم تطعموا/ويهْتفُ بالنَّفرِ المُهطعين/أهينوا لِئامكم تُكرموا» (الدِّيوان)، وهل هناك أذلُ منا وألأم من أحزابهم وعمائمهم المطرزة بالسياسة ولا سياسة؟

أما اليوم فالشّرطة من نوع آخر، ترتعش منها الحكومة نفسها وتنقضُّ على الجيش نفسه، واختلفت المطالب، لا اعتراض على معاهدة، فالبلد مكبل بمعاهدات، إنما شيب وشباب يسألون عن اختفاء ثروة بلادهم الطائلة، بينما لم يصلهم دقيق وسكر الحصة التموينية، يسألون عن الفرهود في الأموال والعقارات، وعن الغنى الفاحش الذي هبط على قادة الأحزاب والجماعات. كشر القتلة عن أنيابهم من قَبل عندما ظن المفجوعون أن التَّظاهر من أوليات الدِّيمقراطية (فبراير 2011).

أصبحت البلاد مكتباً للجيران، ينفذون منها رغباتهم الدينية الثورية بشباب العراق وأمواله، ووزارة خارجيته غدت دائرة تابعة في العلانية، يسمع وزيرها برصاص تظاهرات البلدان الأقاصي، ولا يسمع أزيز رصاص أصحاب الثياب السود، على عراة ساحة التَّحرير، عند مدخل وزارته! فماذا بقي من الدولة، التي يتشاجرون على مفوضية انتخاباتها، ويتسابقون على الفوز عبر الديمقراطية، وهي أقرب إلى الحمل الكاذب!

ليس أمامنا من حقيقة تاريخ هذه البلاد سوى الطوابع، عهد دولة امتد إلى قرن من الزمان، اختُصر في طابع، كانت قيمته عانة أو أربع عانات (العانة أربعة فلوس)، فالثروة مازالت تُحمل إلى الخارج في خدمة شعار: «أتيناكِ يا حلب، أتياناكِ يا صنعاء، أتيناك يا بيروت»، وفي كلِّ مكان يحارب فيه إسلامهم. لم يبق من الأثر السومري والبابلي والآشوري غير ما دون في ديباجة الدّستور رياءً.

رحل أهل الأَديان الأُصلاء تباعاً بعد أن استيقظوا ذات صباح فوجدوا أنفسهم غرباء، وقد سبقهم قوم خلاصجي إلى المهاجر بحافظة طوابع لا غيرها. كم يكون الوهم عميقاً والحلم كاذباً عندما تشعر أن بلادك، التي شرق فيها العالم وغرب، تستحيل إلى مجرد طابع بريد، أو قطعة نقد يغطيها صدأ النِّسيان.

 (الاتحاد) الاماراتية

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قلم نوري المالكي.. «المحفوظ»!

 

رشيد الخيون

كانت خيبتنا بحجم الحلم المُضاع، بفعل معارضة الأمس وحكومة اليوم. مرت السُّنون ونحن ننتظر على أعتابها الرَّبيع، وها هي تطوي الرَّابعة عشرة، وهلالها ما زال محاقاً. لا أكتب ناعياً أو متأسفاً على نظام مهّد الأرض لهذه الكائنات، ولم يترك نافذة للأمل إلا وأوصدها، لكنَّ النَّدم على ترادف الخيبات.

سخرنا من مقولات السابقين، ومن الألقاب التسعة والتسعين، من المغالاة في الغرور، والوهم بالانتصارات المتلاحقة، كل ذلك أوسعناه سخريةً في المقروء والمسموع، وما نضيف له، لإيقاظ الحماس في نفوسنا، إن صدْقاً وإن كذباً. لكنْ لم يطرأ على البال أن الحال سيأتي بما هو أشد وأفظع.

كتب سليم الحسني، أحد الدُّعاة في «الدَّعوة الإسلامية» سابقاً، عن تجربته مع إبراهيم الجعفري أنه استُدعي للعمل معه، عند توليه رئاسة الوزراء (2005)، وإذا كان المطلوب تأليف كتاب أمجاد مع تحديد العنوان: «مَن هو الجعفري؟». لم يغر الحسني التكليف، فخيبته هو الآخر مضاعفة بزعامات الدعاة، فكتب كاشفاً عن التكليف «مَن هو الجعفري.. إسلاميو السلطة، الحلقة 17».

أقول كم سخرنا من غرور السابقين، و«البعث الكافر»، حسب بيانات الدُّعاة، إلا أن جبروت، وخطف قادة «البعث» للسلطة بقوتهم، لم يدفعهم إلى تأليف الكتب عن ذواتهم في الدقائق الأولى مِن الولاية، فقد صدر بعد أحد عشر عاماً: «صدام حسين مناضلاً ومفكراً وإنساناً» (1980) لأمير إسكندر، ثم «صدام حسين.. السيرة الذاتية والحزبية» (1980) لفؤاد مطر.

ذُهلت وأنا أطالع أغلفة كتب الجعفري الـ176 كتاباً، وأخرى كُتبت عنه، حسب ما ورد في موقعه عنها، وهي مجلدات ضخام: «حزام النَّار»، «تجربة الحكم»، «المخاض العراقي»، «خطاب الدَّولة» (أربعة أجزاء)، وقد وصلني الحزام والخطاب، وإذ أقرأ في مقدمة الأخير أن الرَّجل قُدمَ خطيباً للثورة والدولة معاً: «ما مِن حركة سياسية أو ثورة جماهيرية أو دولة قوية إلا ولها خطيب يتولى طرح أفكارها، وتحديد آلياتها لتحقيقها، ويُحذر مِن الأخطار المحدقة بها». إنه ادعاء يسترعي البكاء والضحك معاً، حالة مِن الهستيريا، فلا ثورة يُخطب لها ولا دولة يُعتد بها.

ما كنا نحسب أن تغير الأوان يقلب الإنسان إلى هذا الحد من الخُيلاء، حتى يحسب كلَّ كلمة يتفوه بها على أنها حكمة، وفلسفة، ونظرية عالمية! يتخيل نفاق الحاشية والزائرين آراء لجان فكرية، تفسر له مقولة «المارد المعنوي» باستدلالات «ما بعد الظُّهور»، فهل رأيتم أخيب من خيبتنا؟!

ذهب الأول وجاء الثاني، وإذا الخيبة تتعاظم والغرور يتحول إلى جنون، وليس أكثر وهماً من فقد الإنسان اتصاله بالواقع، فيرى الطير طائرة والنعامة زرافة، والصدى وحياً. بدأ جواد المالكي يقف وراء فؤاد معصوم، يحمل ملفاً، عندما كان أحد نوابه في الجمعية الوطنية الأولى، وسرعان ما يظهر أنه نوري المالكي، ويقص حكاية قلمه، كيف احتفظ به منذ (1979)، ولم يتخل عنه، لا الأمس ولا اليوم، ولما سأله الأصحاب بحي السيدة (1980) عن سر القلم، أجاب: «هذا القلم أوقع به إعدام صدام حسين»! والله تعالى قال على لسان نبيه: «قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ» (الأنعام: 50). وفي هذا المجال أيضاً تواضع زهير بن أبي سلمى (نحو 609م): «وأعلمُ ما في اليومِ والأمسِ قَبلَهُ/ ولكنني عن عِلمِ ما في غَدٍ عَمِ» (المعلقات السَّبع بشرح الزَّوزني).

أكثر من هذا الوهم، نفخ المالكي ذاته على من أنبت الريش في جناحيه، ليصبح رئيس وزراء ونائب رئيس جمهورية، ونجله يقود الجيش والشرطة (حادثة مشهورة)، قال وفضائية الدَّعوة «آفاق» تبث، أنه هدد الأميركان إذا لم يسلموا له «صدّام حسين» لإعدامه، فطلبوا منه مهلة صباح العيد، إلا أنه أصرَّ، وإلا فسيتحرك بقواته إلى السجن ويتصادم مع الجيش الأميركي ويأخذه منهم بالقوة. فلما سمع الأميركان ذلك، والكلام للمالكي حرفياً: «تراجعوا وبينهم قالوا: المالكي يسويه، بويه (من الأب) أعطوه له وخلصونا»، كأنه هدد سارق أبقار لا الجيش الأميركي!

كان ذلك بوجود أكثر من مئة وخمسين ألف جندي أميركي الذين اجتاحوا العراق كاملاً، وكانوا يطاردون «القاعدة» ويحمون المالكي نفسه داخل الخضراء. دققوا في النموذجين الدعويين، ولكم حساب حجم الخيبة. الخيبة التي جعلت العراقي ساخراً بعمق، لينحت العبارة «نوري المالكي والقلم المحفوظ»! فما يتعلق بالغيب يخص اللوح المحفوظ وصرير القلم الربانيين لا غرور صاحبنا. يدفع هذا الغرور والتمادي في الخراب إلى استقبال ترامب لتغيير الحال، بحجم الحماسة التي استقبلت بها معارضة الأمس بوش الابن. وأعجبُ لوقاحة مَن يعد بوش ديموقراطياً وترامب إرهابياً!

(الاتحاد) الاماراتية

 

«المسبار»..

في الحراك الإسلامي

رشيد الخيون

قبل 11 عاماً فاتح تركي الدِّخيل مجموعة من الباحثين، في شأن الإسلام والإسلام السياسي، عن نيته لتأسيس مركز للدراسات، يختص في الحركات الإسلامية، من أهدافه مواجهة العنف الديني والطائفية وكشف أسبابهما. يصدر عن المركز كتاب شهري بالاسم نفسه، يشترك في كل كتاب عشرة باحثين، حسب التخصص والاهتمام، وكثيراً ما يشترك في التَّأليف أهل الحركة أو المذهب، ولا يتدخل التحرير إلا في ما يخص التوثيق وسلامة اللغة.

صدر الكتاب الأول في موضوع «السّرورية»، حركة ظهرت بترتيب الإخواني محمد سرور السُّوري (ت 2016)، تجمع بين فكر «الإخوان المسلمين» والسلفية، وجلّ أتباعها ظهروا تحت مسمَّى «الصحوة». بعده فتح المركز ملفات عصية، داخل الحركة الإسلامية، وبشتى فروعها، من الحركات بمصر: كالسلفية الجهادية، و«الإخوان المسلمين». تتبَّع الكتاب تأسيس وتحرك «الإخوان» في شتى البلدان: تركيا، الأردن، سوريا، السودان، العراق، الإمارات، ليبيا، تونس، المغرب، موريتانيا، الصومال، اليمن، ودول الخليج. كذلك تناول التعليم الديني، المدارس السنية والحوزات الشيعية، وحركاتٍ ما كان يطرأ على البال الخوض فيها، وذلك لصعوبة البحث والغموض الذي يشوبها

أبحر كتاب المسبار إلى الصين، وكشف عن تأثر المسلمين الصينيين بـ«الإخوان» والحركات السلفية، وإلى ماليزيا وإندونيسيا، بعد أن بحث في الحركة الإسلامية اليمنية، ثم أفرد للزيدية وتفرعاتها كتاباً، و«حزب الله» والسلفية بلبنان، والتشيع السياسي بالعراق، من أحزاب وجماعات. لم يبتعد الكتاب عن موضوعه عندما تناول «المؤسسات الدينية» التقليدية، والمؤسسات الدينية التعليمية، من الشرق إلى الغرب، من دون نسيان الصوفية، والتي كثيراً ما يتضح دورها في مواجهة الإسلام السياسي، حتى كانت موضوع كتاب (120) الصادر في ديسمبر 2016 مختصاً بالمولوية. ولأن عالم التصوف، الذي يختلف من بلد إلى آخر، إسلام موازٍ، أطلق عليه كتاب المركز تسمية «الإسلام النائم»، والوصف ليس فيه تقليل شأن، فالإسلام السياسي والتصوف يعتمدان التجمع حول قطب أو مرشد، ذاك يتحرك سياسياً، وهذا لا يرى الحزبية، وقد ظهر بالشام، بعد الحوادث الجسام، أنه خارج السياسة وداخل الدين. قُدمت دراسات عن التصوف بالعراق واليمن والمغرب ومصر وتركيا، وهنا توقف الكتاب عند البكتاشية، الجماعة الملتبسة التي وقع تحت تأثيرها أُمراء وسلاطين، وتداخلت مع العلوية، فأخذت الأخيرة عنها الطقوس.

كان للنساء حظ في الكتاب، الحركات النسوية والتأثير الديني السياسي عليهن، قبل وبعد «الربيع العربي»، وكان هذا «الربيع» ودور الإسلاميين فيه محط اهتمام، فما أن شبت حوادث ليبيا حتى أسرع المركز إلى دراسة الحركة الإسلامية فيها، والجماعات المتواجهة هناك، والتي اتخذت مِن الدين موضوعاً في تحركها.

أما الحركات المتطرفة فكان للكتاب جولات فيها، بدايةً من تأسيسها إلى تطرفها في المفاهيم والمصطلحات، إلى مراجعات أقطابها. قد لا يطرأ على البال السؤال: بعد انفصال جنوب السودان، ما حال المسلمين في الدولة المسيحية الجديدة؟ فصدر كتاب «الإسلام في دولة جنوب السودان»، وامتد من هناك إلى جنوب أفريقيا، في كتاب «المسلمون في جنوب أفريقيا»، ولم يغب عن الكتاب حال المسلمين (الروهينجا)، وخص الإسلام في أوروبا وأميركا وأستراليا بأكثر مِن كتاب.

يمكن عدّ كتاب «المسبار»، إنسيكلوبيديا للحراك الإسلامي السياسي، شرقاً وغرباً، تجد ضالتك فيه عن أي حزب أو حركة دينية سياسية، ولم تُغفل «الحركة الإسلامية الكُردية» العراقية، التشيع في المغرب العربي، والسُّنة بإيران، والنشاط الإسلامي بباكستان، وجماعة التبليغ، والسلفية على العموم، وما بين «الإخوان المسلمين» وولاية الفقيه، إلى الشرطة الدينية في أكثر مِن بلد، وأبعد مِن هذا الحراك الإسلامي في الصين والشيشان والقوقاز.

بطبيعة تخصصه، واجه المركز ردود أفعال شديدة، من قبل الإسلاميين بالذات، وكان أول المحتجين «الإخوان المسلمون»، مع أنه كتاب معرفة، وكثيراً ما كُلفت تلك الجماعة أو هذا الحزب بالكتابة عن نفسها فيه، ومن يكتب لم يكن بعيداً عن توجهها.

أتذكر، اتصلنا (2008) بشخصية جهادية عراقية، تعيش في أوروبا، كي تكتب عن الجماعة الجهادية التي ترأسها، فطلب ساعتين ليرد، ومرت الساعتان، وقال: هذا مركز أميركي عميل! فلم نُطل النقاش، فقلنا: نفترض أن معلومتك صحيحة، وهي لا صحة لها، لكن أكتب ما تريده، إلا الشتم، فهذا مردود ضد أي جهةٍ كانت. رفض الكتابة، لكنه أرسل مذكراته التي ينزِّه فيها جماعته، فنُشرت قراءة وافية عنها في الكتاب نفسه. لو أُخذت بنظر الاعتبار الأقاويل والتشنيعات لتوقَّف الكتاب في سنته الأولى، هذا ولقَعْنب بن ضمرة (ت 95هـ): «إن يسمعوا ريبةً طاروا بها فرحاً/ عني وما سمعوا مِن صالحٍ دفنوا» (الزركلي، الأعلام)، لكن المركز خطط لبعد الـ120 كتاباً.

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

رفسنجاني..

 غياب المعتدل المنافس

 

رشيد الخيون

بدأ علي أكبر هاشمي رفسنجاني (1934-2017) في العمل السياسي مع بداية الخميني (ت 1989)، وكان الأقرب إليه في زمن النفي وما بعد الثورة، هذا ما نقرؤه في مذكراته «حياتي» التي صدرت (1997)، ونُشرت بالعربية (2005). تعرف على الخميني خلال أيام الدراسة بمدينة قُم، وكان يعيش في دار «الإخوان مرعشي»، التي تُقابل منزله. يقول رفسنجاني: «انجذبتُ إلى الإمام منذ رأيته للمرة الأولى، طلعة مهيبة محبوبة، وهيئة جذابة، وكان هذا هو الأساس المشترك لدى جميع طلبة الحوزة الشباب، وقد زادت اللقاءات اليومية والمتكررة مِن فضولي» (مذكراتي).

يصف رفسنجاني تلك اللحظة بـ«فرصة المنعطف»، إلى عالم السياسة، مروراً بانجذابه إلى ما كان يطرحه الخميني من مسائل الفلسفة والعرفان، على حد عبارته، وبهذا تم إصدار مجلة «مكتب تشيع»، جمعت فيها مريدي الخميني، مقابل مجلة «مكتب إسلام» التي كانت تصدر عن طريق المرجع شريعتمداري (ت 1985)، مع وجود مرجع أعلى هو حسين البروجردي (ت 1961)، إلا أن الشباب على شاكلة رفسنجاني كانوا ينجذبون إلى السياسة، حتى أصبحت «مجلة تشيع»: «منطلقاً لتعاليم الإمام الخميني». إلا أن وجود البروجردي كمؤثر أول لم يوّسع الحراك السياسي أكثر مما كان، فلا الأخير ولا شريعتمداري كانا مع هذا التوجه.

كان قبلها «نواب صفوي» (أعدم 1955) نقطة الانجذاب للثوريين الإسلاميين، فـ«المشاعر أقوى تجاه فدائيي إسلام»، يقول رفسنجاني إنه كان تقريباً مِن أنصارهم، ويأخذه الحماس للاجتماع بهم. ومعلوم أن صفوي له تأثير على الخميني نفسه. كانت لصفوي صلة مع «الإخوان المسلمين»، وعندما اعتقل شكَّل «الإخوان» خلية ببغداد لإنقاذه (العجلي، الفكر الصحيح في الكلام الصريح). مع أن الخميني لم يتدخل في السياسة إلا بعد وفاة البرجوردي. يقول رفسنجاني: «لو أن الإمام الخميني في عصر السيد البروجوردي تدخل في الصراعات السياسية لما نجح، لعدم الانسجام بينهما، ولضاعت الفرصة المستقبلية» (حياتي).

كان التَّأثر مزدوجاً على رفسنجاني، بدأ بصفوي، المتخذ الاغتيالات طريقاً، وانتهى بالخميني. كان الأول بالنسبة له مقدساً، مثلما الخميني في ما بعد، والذي يصفه رفسنجاني بالإمام بينما لا يُطلقها على البروجردي، والأخير أكثر أعلمية، إلا أن صفة الإمام هنا تأتي بمعنى القائد، أي صفة سياسية أكثر منها دينية.

كانت معارضة «الثورة البيضاء» (1963)، التي قام بها الشاه للإصلاح وتمكين النساء من التصويت، وتوزيع الأراضي على الفلاحين وإشراك العمال في المصانع، بداية العمل السياسي المباشرة لرفسنجاني، فقد اشتدت المواجهة، وأدت إلى نفي الخميني، بعد أن حال دون سجنه وإعدامه حسن بقروان (أعدم 1979)، مدير المخابرات، (بهلوي، مذكرات)، مع أن الشائع هو أن من أنقذه هو شريعتمداري بمنحه درجة آية الله، وتلك تحمي مِن الإعدام. إلا أن بقروان أُعدم وشريعتمداري سُجن في داره بعد الثورة.

واصل رفسنجاني عمله السياسي وتعرض للاعتقال والتعذيب، أسوة ببقية المعارضين من شيوعيين و«فدائي إسلام»، وحسب تصريح خامنئي عقب وفاة رفسنجاني فإنه زامله سياسياً لـ(56) عاماً، مع إشارته إلى الاختلاف بينهما، ومعلوم أن لرفسنجاني رأياً في «الثورة الخضراء» (2009)، وكان ميالاً لتطبيع العلاقات مع الخارج، ومن قبل كان وراء القبول بوقف الحرب مع العراق (1988).

سُئل رفسنجاني (1984) عن تصدير الثورة، أي ما ثبت في الدستور: «لا تلتزم هذه القوات المسلحة بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أعباء رسالتها الإلهية، وهي: الجهاد في سبيل الله والنضال من أجل نشر أحكام الشريعة الإلهية في العالم» (دستور الجمهورية الإيرانية)! فأجاب بأنه لا يتم بالفرض وإنما بإيصال صوت الثورة، ولا تحرج الثورة من الجهر والسعي لذلك، رابطاً بين تصدير الثورة ونشر دعوة الإسلام (هويدي، إيران من الداخل).

بوفاة رفسنجاني نتذكر مصائر كبار رجال الثورة الإيرانية، فمطهري وطالقاني قضيا في سَنة الثورة، وقضى تفجير القيادة (1981) على بهشتي ورجائي وآخرين، وانتهى منتظري (ت 2009) إلى الإقامة الجبرية. وبسبب ممارسات التغييب يمكن القول إن الثورة أكلت رجالها.

تولى رفسنجاني منصب رئيس البرلمان، ثم رئيس الجمهورية، وقائماً بأعمال القوات المسلحة، وأخيراً منصب رئيس تشخيص مصلحة النظام.. لكن الواضح أن السلطات تركزت بيد الولي الفقيه، مع أنه لا يزيد في تاريخه وجهاده على رفسنجاني، ولربما لو تولى الأخير هذا المنصب لحُلت أزمات، لميله إلى الاعتدال.

لكن فيما يخص العراق لا يبدو رفسنجاني معتدلاً، فعندما عاتبه أحد وجهاء مدينة النجف، على دعم إيران حرب المدينة (2004)، إذ دفعت طهران برجالها العراقيين لخوض المعركة، حيث قال: أنا لا يهمني العراق وإنما يهمني النظام الجمهوري!» (آمالي طالب الرِّفاعي). وأُوذيت النجف حينها كثيراً، وكانت للضغط في خروج الأميركان. لابن العبد (قبل الإسلام): «يا لك من قبَرَةٍ بمَعْمَرِ/ خَلاَ لَكِ الجوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي» (ابن منظور، لسان العرب).

(الاتحاد) الاماراتية

 

الخميني..

 وسوء معاملة غير المسلمين

رشيد الخيون

 

تكرر القتل بالمسيحيين والأيزيديين العراقيين ببغداد، مِن قِبل جماعات مسلحة، وإذا علمنا أن «القاعدة» و«داعش»، تتخذ مِن فقه ابن تيمية (ت 728هـ)، وتلميذه ابن قيم الجوزية (ت 751هـ) سنداً (مسألة في الكنائس، وأحكام أهل الذمة) في ما تُمارسه، فبأي فقيه تلتزم الميليشيات شبه رسمية داخل العراق؟ مع الإشارة إلى أن فقهاء السُّنة ذكروا الشُّروط العُمرية في كُتب الخراج، وأعدوها ليعامل وفقها خلفاء المسلمين أهل الذِّمة، والقليل طبقها، مثل جعفر المتوكل (ت 247هـ). بينما تعرض لها فقهاء الإمامية، بلا ذِكر الخراج، لأنه غير مشروع في نظرهم إلا للإمام المنتظر (عدا فقهاء الحكم الصفوي)، لكنهم ذكروا معاملة أهل الذِّمة، وكان المقياس أخذ الجزية، من حيث الموقف من ذبائحهم، ونكاحهم، ومواريثهم، والالتزام بالعهدة، دون تسميتها بالشروط العُمرية، وبدلاً من ذكر الخلفاء أشاروا إلى «الإمام العادل».

أتذكر أنه جرت نقاشات مع محسوبين على «حزب الدعوة الإسلامية»، في السبعينيات، ضمن خلافهم مع النظام آنذاك، أنه يحتفل بالسنة الميلادية، وأنه شجع تعمير وتشييد الكنائس. أما في المجتمع فكانوا يكثرون مِن الجدل عن نجاسة وطهارة الطَّعام، ليس مع غير المسلمين، بل حتى في أُسرهم، وكأن تلك الأُسر لم تكن مسلمة، أو ذكاتهم كانت مخالفة لما أخذ الحزب يتشدد فيه، بمعنى فرض أقوال رجل الدين على المجتمع.

لم نجد من تشدد تجاه غير المسلمين، بين فقهاء الإمامية، أكثر من الخميني (ت 1989)، حتى أن البعض من الإسلاميين العراقيين ترك تقليده إلى آخرين. عندما تقرأ أحكام أهل الذمة عند الخميني تجدها مطابقة لما ورد عند ابن تيمية وابن قيم مع زيادة، ورد ذلك في في رسالته «تحرير الوسيلة». فعلى ما يبدو أن الجماعات المسلحة التي نفذت القتل بغير المسلمين كانت متأثرة بتعاليم الخميني تلك، فجيل من العمائم، التي تتزعم الجماعات حالياً، يسترشدون بها، باعتبار صاحبها إمام المسلمين كافة، لا يختص بإيران.

نقتبس مِن شروط الذمة عند الخميني، وهي كثيرة وخطيرة على التعايش في المجتمعات المختلطة دينياً: لا يحدثوا كنيسة ولا يضربوا ناقوساً. يُكره السلام على الذمي، وقيل يحرم، ولو بدأ الذمي بالسلام يقتصر الرد عليه بـ«عليك»، ويكره إتمامه «عليكم السلام»، أما غير الذمي فترك السلام عليه. ينبغي أن يُقال عند ملاقاتهم: السلام على من اتبع الهدى. أن يُضطروا إلى أضيق الطُّرق. لا يجوز أن يعلو بناؤهم على بناء المسلمين. لا يحق للذمي التحول إلى دين غير دينه، فلا يُقبل منه إلا الإسلام أو القتل. لا يجوز نشر كتبهم الضالة. كتبهم محرفة غير محترمة، عصم الله المسلمين من شرور الأجانب (تحرير الوسيلة، المعاملات).

إنها ثقافة حرب وإقصاء وتهشيم للعراق. نعم غير الخميني، مثلما تقدم، قالوها وهو أخذها عنهم، وكلها تؤدي إلى الاستهانة بالدِّماء ومضاعفة الإرهاب. لكن ما يهمنا تنفيذها داخل العراق اليوم عن طريق ميليشيات تقتل وتخطف بلا رقيب ولا حسيب.

ينتقد فقهاء الميليشيات ابن تيمية وابن القيم، على أنهما حنابلة متشددون، ونحن معهم في النظر لهذا التشدد، لكنهم يمتثلون للفقه نفسه مصوغاً بقلم الخميني، وقد طابقنا بين أحكام الخميني وشروط ابن قيم فوجدناها واحدة. إذا لم تكن فيها زيادة. نحن أمام مشكلة أن الأحزاب الدينية الحاكمة وأذرعها المسلحة تمتثل لذلك الفقه. نعم شرع فقهاء إمامية غير سياسيين كابن إدريس الحلي (ت 598هـ) مثلاً: «مَن أتلف خمراً أو خنزيراً لذمي في بيته أو في بيعته، فالضمان عليه» (إجماعات فقهاء الإمامية)، وذالك زمن سابق، فكيف يسفك دمه في هذا الزمن مع ادعاء الديموقراطية؟

أقول: هل هناك رذيلة أكبر من سفك الدم، ورعب الآمنين بالخطف؟! حسب فقه الخميني: يُضطر المواطنون المسيحيون إلى أضيق الطرق، ويكره تبادل التحية معهم وبالتالي لا يُهنَّؤون بأعيادهم، والإشارة إليهم بالأجانب، فأي جحيم يعيشه الذين تقاسموا تأسيس وإعمار البلاد مع غيرهم منذ القِدم؟ تصوروا أن أساتذة كأنستاس الكرملي (ت 1947)، وكوركيس عواد (ت 1992)، ومير بصري (ت 2006) يضطرهم أصدقاؤهم وتلامذتهم من المسلمين إلى أضيق الطريق، ولا يبدؤونهم بالسلام؟! أي خِلة في الضمير هذه؟!

نحسب أن رفع صورة الخميني بالأماكن العامة العراقية، وعلى سيارات الميليشيات، إقراراً بتلك الثقافة، التي تُسفك دماء غير المسلمين ويختطفون وفقها. إن السكوت على الاستمرار باعتبار الخميني إماماً مرشداً عند الأحزاب الدينية والجماعات المسلحة، لا يسمح بتسوية (تاريخية)، ولا بناء دولة مواطنة، مثلما يدعون، فلسان المقهور يقول: «بك استعتبتُ أيامي قديماً/ كما فزع الغريم إلى الكفيلِ/ فإما أن تُعين على مقامٍ/ وإمَّا أن تُعين على رحيلٍ» (للمُنيْحي/ يتيمة الدهر)، والرحيل إلى أين، وكيف! والجذور ضاربة في أعماق هذه الأرض!

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

حَلَب ابن العَديم والكواكبي!

رشيد الخيون

كانت حلب الأجمل والأقدم، ويكفيها أن ابنها عبد الرحمن الكواكبي (ت 1902) أول من واجه الاستبداد بشقيه الديني والسياسي، وجعل الدِّيني أكثر فداحة من الثاني، بل وسبباً له (طبائع الاستبداد)، مستقبلاً إنقاذ المنطقة بنظام متمدن، فالخلافة العثمانية حينها آيلة للسقوط. أخبرني سلام الكواكبي ببيروت قبل أسابيع، أن ما جُمع من آثار جده قد احترق بحريق المنزل، ومنها القلم الذي كتب به «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد».

كم كانت حلب راقية بفكر أبنائها، وتعدد أديانها، وتلك ميزة جعلتها تنشأ على التسامح، ولا أجد غرابة أن يبرز فقيهها ومؤرخها ابن العديم (ت 660هـ) مدافعاً عن أبي العلاء (ت 449هـ)، وفي زمن لا يزال فيه صوت مَن اعتبر المعري أحد الزنادقة (الذَّهبي، سير أعلام النُّبلاء) مدوياً! جاء دفاع في كتابه «الإنصاف والتَّحري في دفع الظُّلم والتَّجري عن أبي العلاء المعري»: «فابتدرْتُ دونه مُناضلاً، وانتصبتُ عنه مجادلاً، وانتدَبتُ لمحاسنه ناقلاً، وذكرتُ في هذا الكتاب مولِده ونسبَه، وتحصيله للعلم وطلبه، ودينه الصحيح ومذهَبه، وورعه الشديد وزُهده، واجتهاده القوي وجِدّه، وطعن القادح فيه وردّه، ودفع الظُّلم عنه وصدّه. وسميته كتاب الإنصاف.. وبالله التوفيق والعصمة».

 

كانت حَلَب على فقه الإمامية أيام الحمدانيين، وبعدها تحولت إلى المذاهب الأربعة مع الأيوبيين (الحموي، معجم البلدان). وتبادل المواقع في السلطة لم يجر على أساس المذهب، وإنما السياسة والتَّغلب. ومثل هذا التبدل المذهبي جرى لكثير من البلدان، فقيل: «الناس على دين ملوكهم» (الفخري، في الآداب السُّلطانية). أقول فعلامَ رفع الرايات بطائفية شرسة، والناس تبادلوا المواقع عبر الأجيال من شيعي إلى سني ومن سُني إلى شيعي، فُرض المذهب وأصبح يتوارث. فتعالوا إلى نزاعات حلب وخرابها وانظروا كيف تُسوق؟!

كانت حلب بلدة تعايش عبر التاريخ، بظاهرها مقام لإبراهيم الخليل، يُنذر له «ويُصبُ عليه ماء الورد والطّيب ويشترك المسلمون واليهود والنصارى في زيارته» (معجم البلدان)، بلا تدافع. قيل في اسمها كان للخليل غُنيمات يحلبُها ويتصدق بحليبها، فسميت بحَلَب (ابن جُبير، الرِّحلة). لا جدال في قِدمها، وقيل أشير إلى اسمها في «التَّوراة» بـ«إرم صُوبة» (بنيامين، الرِّحلة).

كنا نحن العراقيين المعارضين لنظامنا السابق، نأخذ موقفاً حاداً ممَن يقف معه ويعترض على سقوطه، وعُذرنا أن الآخرين لا يحسون بمعاناتنا، خصوصاً السوريين المعارضين منهم لنظامهم، والذين وجدوا في نظامنا ملجأً لهم، مثلما كان المعارضون العراقيون مع النظام السوري.

نسأل أنفسنا الآن: لماذا لا نعطي السوريين الحق في أن يشعروا بهذا الشعور، بأننا لا ندرك قسوة دكتاتورية نظامهم، وحزب «البعث» في النظامين واحد؟ أقول هذا، لأن هناك مِن العِراقيين مَن سره خراب حلب، في أن يحكمها «البعث» ولو ظلت حجارة، وقيل في المثل «الإمارة ولو على حجارة».

مثلما طلبنا مِن السوريين والفلسطينيين والعرب جميعاً، وكنت أحد الذين وقعوا بياناً مثل هذا، غداة سقوط النظام السابق، أن يتركونا مع نظامنا، لا يعينوا علينا بالسيف أو القلم، طلب ديمقراطيون ومثقفون سوريون مثل هذا الطلب، إذا لم يعنهم أحد، فلا يعن عليهم، فليسوا كلهم «قاعدة» أو «داعش» أو «جبهة نصرة».

كذلك إذا كانت الأحزاب الدِّينية الشِّيعية تعتقد أن العراق كان محكوماً مِن أقلية سُنية، ويجب أن تأخذ الأكثرية حقها، لنوافق على هذا الطرح في سوريا. أليس مِن حق الأكثرية السُّنية السورية أن تدعي بأنها محكومة مِن أقلية علوية، ولها أن تأخذ حقها كأكثرية؟ مع يقيننا أن لا شيعة تحكم ولا سُنة، فالطوائف مخطوفة بالسياسة والحزبية. ناهيك عن أن المعارضتين، سابقاً ولاحقاً، تجاهد ضد حزب واحد، نظريةً وتأسيساً، وعندما سقطت سلطة «البعث» ببغداد حمل قيادات البعثيين أغراضهم إلى دمشق، وأُعينوا بالمال والسلاح، لأنه حزب واحد. فما عدا مما بدا كي يسر البعض خراب حلب ويعتبرونه انتصاراً، وبطرفة عين أعفي النظام السوري من تفجيرات طالت آلاف العراقيين، عندما كان التدريب يتم بعنايته.

كلما خربت مدينة من ذوات التاريخ قلنا: ما بعده خراب! غير أن الناظر في أشباح حَلب يظن الطَّواعين كانت أرحم بها مما يجري عليها الآن. فمِن عادة الطواعين أن تترك الحجر والشجر، وها هي منازل حلب كهوف فاتحة أبوابها للموت. وقد استوقفتني عبارة الحموي (ت 622هـ) فيها، وقد زارها: «وما في حلب موضع خراب أصلاً»، وبعد ثمانية قرون ليس فيها موضع عامر. فما قيمة السُّلطة على بلدة دُثرت تحت التُّراب، وبشر توزعوا بين مخيمات وحفر، غدت منطلقاً إلى كراهيات لا تنتهي. لم تعد حلب ابن العديم والكواكبي مثلما تركها أبو بكر الصَّنوبري (ت 334هـ): «حَلَب بَدرُ دُجّى أن/جمها الزُّهر قراها/فهي تسقي الغيثَ إن لم/يسقها أو إن سقاها» (معجم البلدان).

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

أوروبا

ومخاض التسامح الديني

 

رشيد الخيون

عندما نقول التسامح الديني نعني به المذهب أيضاً، فما عانته أوروبا، في عصورها الوسطى، من عنف ديني واضطهاد مذهبي، يجعل تجربتها درساً قيماً لمَن يحاول إيجاد حل مناسب، بمنطقتنا بالذات، لمعضلة الطائفية والتعصب الديني، الذي تُساق إليه شعوبنا تحت راية الإسلام السياسي، وجوهره التأليب المذهبي.

قد يبرز لنا من يقول: نحن غير! المسجد لم يحكم مثلما حكمت الكنيسة بأوروبا، والإسلام غير المسيحية، وما يُناسب تلك الشعوب لا يناسبنا. نعم، هناك شيء من الصحة في ما ذُكر، لكن ليس الصحة كلها، إنما التعصب المذهبي الذي نعاني منه يكاد يكون واحداً، بين سُنَّة وشيعة أو كاثوليك وبروتستانت، فالعلة ليست ما تعتقده الأديان والمذاهب، إنما بإدارة الاختلاف، وبُعده وقربه من الدولة والسياسة، فعندما كانت أوروبا تُدار بعقيدة الدين والمذهب، صارت تلك القارة ساحة حرب ونزاع، والتهمة الأولى كانت التهمة الدينية أو المذهبية.

عندما يُعلن الحُكم بالدين والمذهب، وفي القرن الحادي والعشرين، ويُكتب في الدستور هوية الحاكم الدينية والمذهبية، وفي مجتمعات متعددة، هنا علينا قراءة التجربة الأوروبية التي تقدمت على غيرها بمئات السنين، وكان القرن السابع عشر الميلادي أوج صعودها وخفوتها أيضاً. تحقق ذلك بجهود مشتركة من السياسة والثقافة.

فمعلوم أن الخلاف السياسي مع الحاكم، في ظل الحكم الديني والمذهبي، يقود إلى خلاف مع دين ومذهب الحاكم، فتأتي العقوبات والمواجهات مغلفة بالخطاب الديني، وضد أي خصم، حتى وإن كان يطلب حقاً شخصياً، فأي رجل دين سياسي، في الوقت الحاضر، يحصر الخصومة بشخصه وحزبه، على أن خصمه أخ له في الدين والمذهب أيضاً؟ لهذا وبسهولة تتحول المواجهة السياسية إلى مواجهة بين مؤمن وغير مؤمن. هذا ما عاشته أوروبا بكل عنف وقسوة، وتخلصت منه، بعد مخاض عسير.

كم محارق عدت للمخالفين، وقضى فيها رجال دين، قبل غيرهم، حين اتهموا بالهرطقة والردة عن الدين، ورُموا في أَتونها مقيدين (انظر: ديورانت، قصة الحضارة/ عصر الإيمان والإصلاح الديني). كانت الجامعات مثلما العديد من جامعاتنا اليوم «في دور الاضمحلال.. فالمذاهب الدينية المنتصرة تقوم بتطهيرها من المخالفين، والطلبة المشاغبون ينشرون فيها الفوضى، والخلافات اللاهوتية تسيطر عليها، وكانت الدرجات الجامعية في فرنسا وألمانيا تُباع بالمال، ولم يكن بين أساتذتها أحد من أفذاذ فلاسفة العصر» (ديورانت، نفسه). أرجوكم دققوا في أخبار بعض جامعاتنا، والتي هيمنت عليها الأحزاب والجماعات الدينية، وشكلت اتحاداتها الإسلامية، تحت عناوين براقة، ماذا يحصل فيها خلال المناسبات المذهبية؟!

كانت بولونيا من أكثر بلدان أوروبا حروباً ونزاعات دينية وطائفية، وإذا بها تصبح واحة للتسامح، وربما قبل أوروبا كافة، كان ذلك بجهود المثقفين آنذاك، وإصرار ودعم ملكها إيتيان باتوري (1576-1586م) لنشر ثقافة التسامح، الذي بدأ دعوته إلى التسامح بالعبارة: «أنا ملك على الشعب لا على الضمائر.. لقد احتفظ الله لنفسه بثلاثة أمور: خلق العالم من العدم، ومعرفة المستقبل، والتسلط على الضمائر» (لوكلير، تاريخ التسامح في عصر الإصلاح).

اعتمد باتوري على موظفين مخلصين لثقافة التسامح، وقهر الاضطهاد الديني، والتعصب المذهبي، ونأتي هنا بقول مستشاره البروتستانتي، الذي كان مذهبه في حرب وجود مع الكاثوليك، قائلاً للكاثوليكيين: لكم حريتكم، «إني مستعد لبذل نصف حياتي من أجل عودتكم إلى الكنيسة الكاثوليكية، والاحتفاظ بالنصف الثاني للابتهاج بارتدادكم، لكن، إذا ما أقدم أحد على إرغامكم فإني أبذل حياتي بالكامل مِن أجل مساندتكم، بدل أن أكون شاهداً على عبودية كهذه في دولة حرَّة» (المصدر نفسه).

كان حرق رجل الدين والمثقف ميشال سرفيه (1553م) بجنيف، انطلاقةً لبث ثقافة التسامح الديني، وكان قبله قد أُعدم الكثيرون، و«سرفيه» هذا «شخصية على جانب من الفضول، يملك فكراً موسوعياً، متلهفاً لكل جديد، إن في المجال العلمي أو في المجال الديني» (المصدر نفسه). سبق «سرفيه» مثقف بارع آخر في بث ثقافة التسامح، إنه «إراسم» (1466-1536م)، والذي وُصف بأنه رجل سلام بامتياز، وقد ظل مؤثراً في دعوة التسامح بعد عصره، فقد شجب عبثية الحرب في كتابه «مدح الجنون» (1511م)، وكان يُكرر المثل القائل «الحرب حلوة ما لم تجربها»، وله «أنين السلام» (1517م)، «الذي تمزقه وتُطارده كلُّ الأمم»، «كما يعرض للوسائل التي تُنظم ما يمكن تسميته، في أيامنا، عملية نزع السلاح» (المصدر نفسه).

أقول: إن ثقافة التسامح، في ما نحن فيه من ظلامية الطائفية والتكفير الديني، تتطلب ظهور رجال دين ومثقفين بحجم إراسم، يلتقون سياسيين كإيتيان باتوري. فما وصله شرقنا، والقول لأبي نواس (ت 198هـ): «نوائبُ يعجز الأدباءُ عنها/ ويعيا دونها اللقنُ النَّطاسِ» (الديوان برواية الصولي). هذا، والنطاسي الطبيب الحاذق.

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

 

غير المسلمين.. مواطنون لا جوالي

رشيد الخيون

كنا في موسم أصيلة الثقافي، وفي جلسة جمعت أهل الثقافة والبحث، فسألت أديبة وروائية مرموقة، مستغربة مِن اعتبار «داعش» لمسيحيي الموصل «جالية»، بينما هي وقومها مِن الأصلاء داخل العراق، وجذورهم متصلة بالسريان والكلدان القدماء. فأجبتها أن هذه التَّسمية للأسف متورط بها تُراثنا الفقهي، و«داعش» لم تأت بجديد. فردَّ عليَّ أحد المشتغلين بالبحث مستنكراً ما قلته، على أن التَّاريخ خالٍ مِن هذه التَّسمية، وما هي إلا تسمية جديدة! في وقتها لم أقل ذلك عن تكهنٍ وإنما عن تأكيد، لكنّ صاحبنا ظل معانداً.

لم ينفرد «داعش» بتسمية هؤلاء الأُصلاء بالجوالي، بل قوى الإسلام السياسي كافة يغرف بعضها مِن بعض، فالأصل واحد وهو الحاكمية، سواء كانت لدى المودوي (ت1979)، وما تفرع عنه، أو الخميني (ت1989) وما تفرع عنه أيضاً. فأعيدت هذه التَّسمية مجدداً مِن قِبل دولة الخلافة «داعش» في الموصل مِن العراق وفي الرّقة مِن الشَّام. كذلك وردت في كتاب رسمي لأمانة مجلس الوزراء العراقي في عهد أمين حزب الدَّعوة نوري المالكي، ما نصه: «الموضوع/طلبات الجالية المسيحية في العاصمة بغداد» (رقم الكتاب: ش و8/1/3/42/1238 والمؤرَّخ في: 27/7/2007)، مما أدى إلى الاستياء والاعتراض، لاستخدام هذه التَّسمية، مِن قِبل رهبان وقساوسة. بينما ذُكروا في العهود السَّابقة كمواطنين (راجع الدليل العراقي الرَّسمي 1936 ودليل الجمهورية العراقية 1960).

إن مفردة «الجوالي» لها دلالتها في قلع غير المسلمين مِن الجذور، وتكريس الغربة في نفوسهم، وما فيها مِن إهانة واستضعاف. فقد ورد معنى الجالية في أوائل قواميس العربية: «الذين أُجلوا عن أوطانهم، ويُقال استعمل فلان على الجالية، أي جزية أهل الذِّمة» (الجوهري، الصِّحاح). كذلك ورد مصطلح «الجوالي»، ومفردها جالية، مرادفاً لأهل الذِّمة: «والجلاء- ممدود- أن يجلو قومٌ عن بلادهم، أي يتحولون عنها، ويدعُونها، يُقال: أجليناهم عن بلادهم، فجلو وأجلو، أي تنحّو، والجالية هم أهل الذِّمة، والجمع جوالي» (ابن عباد، المحيط في اللغة).

لعلَّ أول الكتب التي جاء فيها ذِكر أهل الذِّمة بالجوالي «كتاب الخراج» لأبي يوسف (ت182ه)، صنف كتابه بتوجيه مِن الرَّشيد (ت193ه). قال: «إن أمير المؤمنين، أيَّده الله تعالى، سألني أن أضع له كتاباً جامعاً، يعمل به في جباية الخراج، والعشور، والصَّدقات، والجوالي». جاء في حاشية «كتاب الخراج»: «سميت بذلك لأن عمر بن الخطاب أجلاهم عن الجزيرة فعُرفوا بالجالية، ثم نُقلت اللفظة إلى الجزية التي أُخذت منهم، ثم استعملت في كلِّ جزية تؤخذ، وإن لم يكن صاحبها جلا عن وطنه» (نفسه).

يذكر ابن الجوزي (ت597ه)، ضمن ما يرويه مِن أخبار السَّنة 425ه، ما يؤكد أن أموال الجوالي بمعنى أموال الجزية، أي ما تختص بأهل الذِّمة: «فتحوا الجوالي وطالبوا أهل الذِّمة بها» (المنتظم). كذلك سُمّيَ محمد بن يحيى بن فضلان (ت631ه) بوالي الجوالي: «ووليّ النَّظر بديوان الجوالي، واستيفاء ثروات أهل الذِّمة» (الحوادث الجامعة).

نزيد في التأكيد أن هذا المصطلح المؤذي قد أُطلق على غير المسلمين واقترن بفرض الجزية. قال تقي الدِّين المقريزي (ت845ه): «فأما الجزية وتُعرف في زماننا بالجوالي، فإنها تُستخرج سلفاً وتعجيلاً في غرَّة السَّنَّة في ما مضى، (لكنها) قلَّت جداً لكثرة إظهار النَّصارى للإسلام في الحوادث التي مرت بهم» (المواعظ والاعتبار).

جاء مصطلح «الجوالي» مؤذياً إقصائياً، يُثقف لتهجيرهم عن أرض أصلحوها وشيَّدوا العمران عليها، وما يقع على أهل الذِّمة مِن تعسفٍ كقول الطَّبيب أبي القاسم هبة الله بن فضل (558ه): «كالمفلس مِن يهود هطرى/في قبضة عامل الجوالي» (ابن أبي أُصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء).

ما فعله «داعش» أراد فعله والي الجوالي ابن فضلان عندما كتب رقعةً للخليفة النَّاصر لدين الله (ت622ه)، أن يُعاملوا بمذهب غير مذهب أبي حنيفة النُّعمان (ت150ه)، إمام السّهولة والتَّسامح، لكن الخليفة لم ينظر في رقعته (الحوادث الجامعة)، فقد أراد إبعادهم من مهن الطب ومِن كلِّ حِرفة، وأن تؤخذ منهم الجزية بالطَّريقة التي يراها. كذلك لم تخلُ كُتب الحُسبة، التي اعتمدتها السلفيات الجهادية، مِن التَّشكيك في إنسانيتهم (انظر: ابن الأخوة، معالم القرية في أحكام الحُسبة).

يبقى الإسلام السياسي، إن اعتدلَ أو تطرفَ، ينظر إلى غير المسلم مِن منظور قبل ألف عام، على أنه طارئ، وإن اقترب منهم ظاهرياً، فلسياسةٍ فُرضت عليه، لا يؤكل طعامه ويُعاشر بحذر. أعدُّ تسميتهم بالجالية ثقافة، وليس سقطة قلم أو زلة لسان، بتجريدهم مِن دورهم في تاريخ العراق وحضارته، وتاريخ المنطقة كافة، ثقافة تجعلهم ينظرون إلى الخارج، وكأن هذه البلاد ليست بلادهم. لا تستقر البلدان ولا يسودها التَّسامح والتَّعايش إذا ظلت مشدودة لمصطلحات الماضي وممارسته.

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

(الحشد الشَّعبي)..

 لكلِّ زمن حرسه!

رشيد الخيون

 

صوت البرلمان العِراقي (السبت 26/11/2016)، بأغلبية الحاضرين، على «قانون الحشد الشَّعبي»، بعد رفض «كتل سياسة وانسحاب أُخرى، أُعطى الحشد وفق القانون «شخصية معنوية»، أي يكون جزءاً مِن القوات المسلحة موازياً للجيش العراقي. تأسس الحشد في 10/6/2014 (حسب القانون) بعد اجتياح «داعش» للموصل، وبفتوى المرجعية الدِّينية، وكانت صريحة أن يتم التَّطوع في القوات الحكومية لا تشكيل ميليشيات، ولكن غُلبت على أمرها، حتى صار لها مليشيا تأتمر بأمر مَن يُذيع فتاواها كعبدالمهدي الكربلائي.

يضم الحشد نحو (66) تشكيلاً شيعياً. (36) تشكيلاً منها مرجعها خامنئي، يُضاف إليها تشكيلات مرجعها الحائري (من إيران) ومنها تتبع كوثراني (قيادي في حزب الله اللبناني ومتنفذ في الشَّأن العراقي)، وهذه خاضعة لخامنئي، مقابل (14) تشكيلاً مرجعها السِّيستاني. ألا يهز ذلك المواطنة، على اعتبار أن خامنئي حاكم لدولة أجنبية؟

لا نلغي دور مَن دخل الحشد بدافع مواجهة «داعش»، لكن علينا ألا ننسى محاولات تهميش الجيش العراقي، وملء وسائل الإعلام بانتصارات تلك التشكيلات على حساب انتصارات الجيش. ما هو دور الضابط الإيراني سليماني، وقد أصبح قائداً فعلياً له، لا مجرد مستشار مثلما صرح البعض؟ تعالوا نسمع ما يقوله نائب قائد «سرايا الخراساني»، الذي حمل الشباب العراقيين مذابح حلب: «إن الحاج قاسم صنع الرِّجال، استطاع أن يُوجد أبطالاً، لو أن الحاج قاسم لم يكن موجوداً ما ظهر هؤلاء الرِّجال». فإذا كان زعيم في الحشد يفكر بهذا التفكير هل تجده يقر للجيش العراقي بمكانة أو رجولة؟!

كان الأجدر أن يُلغى الحشد، ويُضم مَن يرغب في الانضمام إلى الجيش وبضوابط وطنية، أما أن يُنظم على أساس طائفي ومرجعيات دينية، فهذا يجعله في حلٍ من الوطنية، وكل جماعة تعود لمرجعها الديني أو قناتها السياسية خارج الحدود. ما كان للجيش العراقي الفشل في حماية الموصل لولا سحب فرقه وألويته، وترك (1700) شاب يذبحون بسبايكر، فقبل صدور القانون كان يجب محاكمة المسؤول عن ذلك. ألم يرتبط الاستعجال بقانون الحشد بعقد مؤتمر الصَّحوة ببغداد، وخطاب: «قادمون يا حلب...»؟! والحرص على التَّوتر الطَّائفي، لتسويف ما سموه أنفسهم مبادرة «التَّسوية التَّاريخية»!

نعود إلى التاريخ في تشكيل الجماعات المسلحة، وأخطرها المؤسس طائفياً، فيومها اضطر الرَّاضي بالله(ت 329 هـ) إلى مطاردة واحدة منها، تمترست بالسِّلاح والعقيدة وهم «الحنابلة» جماعة الحسن البربهاري (ت 329 هـ)، خشية من الشَّغب بالطُّرقات والمساجد (مسكويه، تجارب الأمم). بعدها ظهرت الفتوة العلوية، وكانت تعقد «اجتماعها في مسجد براثا» (جواد، الفتوة وأطوارها)، فنشبت الفتنة مع الفتوة السُنَّية التي عُرفت: «بالنَّبوية» (ابن جبير، الرِّحلة). أقول: كم يشبه الوضع تأسيس حشود اليوم.

نقفز إلى بغداد الحديثة، وقد قامت «الفتوة» أوان حركة الكيلاني 1941، وقبلها أسس سامي شوكة (ت 1986) «ذوي القمصان السُّود» (المطبعي، موسوعة أعلام العراق). كميليشيا قتالية. انحلت تلك الميليشيات بانتهاء الحرب الثَّانية ومؤثراتها.

حتى جاء نوع آخر مِن الميليشيا بداعي حماية الجمهورية (1958)، فصدر أمر وزاري بتشكيل «المقاومة الشَّعبية»، ذراع الحزب الشّيوعي العراقي، وما هي إلا شهور وألغيت بأمر وزاري. مقابلها تشكلت ميليشيات سرية قومية وبعثية، وأخذت حمأة الصراع تتصاعد بالمدن والأرياف.

بعد انقلاب (1963) تشكلت ميليشيا «الحرس القومي» بقانون (35/1963): «يسلح أفراد الحرس القومي بالمسدسات والغدرات (بورسعيد) والبنادق من الأنواع المتيسرة» (كتاب المنحرفون). وانضم إليها شباب وصبيان. إلا أنها تسعة أشهر وتُحل بأمر جمهوري. إلى جانب هذه الميليشيات هناك الميليشيا المحدودة العدد التي عُرفت بجماعة الخالصي، مسلحون يأتمرون بأمر الشَّيخ الخالصي (ت 1963) بالكاظمية.

بعد حين ظهرت ميليشيا «الجيش الشعبي» (1975)، وفقاً لمرسوم من مجلس قيادة الثورة، و«الفتوة وكتائب الشَّباب». ناهيك عن «فدائيي صدام»، و«جيش القدس». كل تلك التشكيلات كانت موازية للجيش الرَّسمي، ومنضبطة بقوة السُّلطة، وإذا ظهر إيذاؤها فيكون بموافقة السُّلطة.

أما ميليشيات وجماعات ما بعد (2003) فكل منها جيش وحده، ومن اليوم الأول تقاسمت النُّفوذ، بعد حلِّ القوات المسلحة كافة. يكذب بريمر عندما يقول إن الجيش حل نفسه، فاستبداله بـ«جي كارنر» يفضح المخبأ. وليُقال هذه نظرية المؤامرة! سموها ما شئتم، فالمعنى واحد؟ مقابل تلك الميليشيات ظهرت جماعات الإرهاب المسلحة تجول وتصول، تحت غطاء المقاومة، والعراقيون تحتها بين مهجر ومقتول بتفجير أو اغتيال.

كان إقرار الحشد خارج الجيش العراقي، وبشخصية معنوية، زهواً للطائفيين، والزَّعامات جميعاً عمائم وجبباً، فعلى أي منها سيفرض أمر العبادي، وأغلبهم يعدون أنفسهم أكثر جهاداً واجتهاداً وأقوى نفوذاً وصلة بالولي الفقيه؟ إنه شرعنة للطَّائفية بقوةٍ مسلحة مقدسة، وتلك نوازل قادمة. أقول: مَن يكون الجيش العراقي، في أذهان هؤلاء، والزّمن زمن «الحرس الثَّوري»!

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

الحسين.. عامل وحدةٍ لا فُرقة

 

رشيد الخيون

أحيا شيعة العراق، الأحد (20 صفر 1438)، ذكرى أربعينية الإمام الحسين التي حدثت قبل 1377 عاماً، وثُبتت على أنها ذكرى زيارة الصحابي جابر الأنصاري (ت بعد 70هـ) لكربلاء، وأن الأخير التقى الأسرة عند عودتها من الشام إلى الحجاز، ومرورهم على مكان واقعة الطَّف. فأخذ قُراء المنبر يؤلفون القصائد على لسان السيدة زينب (قيل توفيت 62 وقيل 65هـ)، شاكيةً لجابر الفاجعة، وتُسمع على المنابر باللهجة الدارجة: «جابر يا جابر ما دريت بكربلاء إيش صار..».

تعدت المناسبة الحسين الإنسان، لتجعل منه وهماً، فلا تتفاجأ بأي كلام يبث بلا قيود وحدود من الفضائيات، ولا تفكير في حجم الخرافة، وأخطر من هذا أن شبكة الإعلام العراقية، وفضائيتها الرسمية تتبنى بث المناسبة بما هو خارج العقل أيضاً. فتشعر أن القائمين على هذه الشبكة يسخرون من الناس، وهم أنفسهم كانوا يلقون القصائد في مديح الحزب والقائد «الضرورة»، وبالحماس والنبرة التي يلقونها للحسين الآن. لا نظن أن العراقيين فقدوا الذاكرة إلى هذا الحد.

عندما تُشاهد هذه القناة، وتعطيل الدوائر، من المدارس والجامعات، والتنافس على تنظيم المواكب والصرف عليها، تحس تماماً بالانفصال عن الواقع، بل تتخيل أنك في دوامة وهمٍ كبرى. كيف ينظر الملايين من العراقيين أهل السنَّة (عرباً وكُرداً وغيرهم)، ومئات الألوف من غير المسلمين، إلى هذا السُّلوك؟ ألا يشعرون بالاغتراب عن وطنهم؟! لم تكن الأحزاب الدينية بعيدة عن تشكيل هذا المشهد. فمثلما كان يُقال للمعترض على مسيرة حزبية بتهمة العداء للحزب والثورة! نسخت إلى تهمة العداء للحسين وآل البيت!

ذلك ليس كلامي، إنما كلام ممثل المرجعية الشيعية بالكاظمية الشيخ حسين آل ياسين، وهو يراقب التجاوز على وحدة العراق: «آني أكللكم (أقول لكم) مو (ليس) صحيح تسوون تعازي حُسينية في الداوئر الحكومية. يعني شنهو (لماذا) أنت تسوي تعزية في دائرتك الرسمية، دائرة رسمية وبس (كفى)، مو صحيح أنت تعلق رايات وأعلام على الدوائر الرسمية، الدائرة الرسمية مالة العراقيين (للعراقيين) كلهم على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم..».

كان احتجاج آل ياسين نابعاً من مسؤولية وطنية، لم يعبر بمثلها أحد من السياسيين، إنما تجدهم في مقدمات المواكب، معلقين الخرق الخُضر في أعناقهم، إشارة إلى حُسينيتهم. فهذه أربعة عشر عاماً، ولو بدؤوا بنشر ثقافة مغايرة للامعقول السائد لتغير الناس، وقدروا شأن الحسين، بدلاً من الإساءة إليه بهذا الجهل. لكن كيف تطالب الأحزاب بمثل هذا الإنجاز، وهي توظف المأساة وجهل الناس لجمع أصوات الناخبين، وتجنيد عناصر للميليشيات؟!

يكتب الفقيه الإمامي حسين الطَّبرسي (ت 1911) متألماً مما جرى باسم الحسين، عندما كلفه أحد فقهاء شيعة الهند أن يكتب ضد التلفيق: «يظهر أن جنابه العالي يظن أن الطائفة الشيعية التي تقطن ببلاد العتبات المقدسة.. في راحة وفراغ بال، من هذه الورطة، وأنها لم تلوث بهذه الأكاذيب والافتراءات بعد، وأن هذا الخلل الديني لا يزال منحصراً ببعض البلاد النائية، ولم ينشر في أنحاء بلاد الشيعة، غافلاً عن أن هذا التلوث الهدام قد انتشر مِن منبعه» (اللؤلؤ والمرجان في آداب أهل المنبر).

ينفي صاحب «اللؤلؤ والمرجان»، وبعده مطهري (اغتيل 1979)، عودة أسرة الحسين التي يُحتفل برجوعها إلى كربلاء، فالعودة إلى الحجاز من الشام لا تمر بالعراق (اللؤلؤ والملحمة الحسينية)، وبالتالي لا أساس للمبالغات التي لازمت المناسبة، وزادت عليها أضابيرَ مِن الأكاذيب التي تُلحق الضَّرر بالشيعة أولاً.

ماذا سيقول الطَّبرسي، لو سمع ما يُبثُ اليوم، كمنقولات من «بحار الأنوار»، والمختلقات الجديدة؟ فما معنى مثل هذا الكلام الفضفاض: «الحسين هو الوجود الكوني والكون الوجودي»؟ و«أن الكون لم يُخلق إلا لأجله»؟ وأن السومريين والبابليين والآراميين قد ذكروا الحسين! لا أدري أيّ عالم آثار كشف عن ذلك! ما معنى إذاعة أقوال منسوبة إلى علماء رياضيات وفلاسفة غرب على أنهم مجَّدوا الحسين؟ بلا شك الإمام يستحق، لكن علينا بالصحيح، وليس الزيادة في التلفيق، ففي أي كتبهم قالوها؟ للأسف تحولت المناسبة إلى مباراة في الكذب والجهل.

نشحذ همة مراجع المذهب، البعيدين عن الحزبية والسياسة، لإنقاذ الملايين من طامة الخرافة، وتحرير الحسين من المتاجرة، وإعادة ذكراه إلى المعقول، كما فعل هبة الدِّين (ت 1967)، والأمين (ت 1952)، وقبلهما صاحب «اللؤلؤ..».

فإذا قلتم إن الحسين موحِّد لا مُفرق، وأراه كذلك، فما تقوم به وسائل الإعلام، الممولة من أموال العراقيين كافة، هو انتصار للفُرقة في بلد ابتُلي بساسة لا يرون فيه سوى غنيمة. إنها حوانيت أحزاب تأسست باسم الدين. وللقاضي عبدالله بن المبارك (ت 181هـ) ما يُعبر به: «قد يفتح المرءُ حانوتاً لمتجرهِ/ وقد فتحتَ لك الحانون بالدِّين» (ابن خِلكان، وفيات الأعيان).

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

أمّ الربيعين..

«يا مَن فقتِ حسنهما»

رشيد الخيون

ما كان ينتظر أهل الموصل زمناً يقف فيه إبراهيم عواد البدري، المعروف بأبي بكر البغدادي، ويُنصب نفسه ببلاد آشور، ماسكاً عصا الخلافة، ومعتمراً العمامة، خاطفاً المشهد مما تُحرمه «خلافته» من مسلسلات تلفزيونية تاريخية. خطب زعيم «داعش» والجيش العراقي يُحاصره: «الجهاد الكبير، الذي تخوضه دولة الإسلام اليوم، ما يزيدنا إن شاء الله إلا إيماناً وثباتاً، ويقيناً راسخاً بأن ذلك كلُّه ما هو إلا مقدمة للنصر المكين». ويُنادي أهل الموصل كما لو أنهم كائنات الشَّر قائلاً: «يا قوافل الاستشهاديين حولوا ليل الكافرين نهاراً، وخربوا ديارهم دماراً، واجعلوا دماءهم أنهاراً». أقول ما كان يخطر لأم الربيعين (خريفها ربيع ثان)، ولا العراق من زاخو إلى عبدان، أن يسودها زمن الخرافة والانحطاط، زمن القادمين من وراء التاريخ.

لا يعرف إبراهيم عواد، المولود سنة 1971، عن أمجاد أُم الرَّبيعين شيئاً، وقد شبّ في سنوات تؤهل لخروج جحافل من أمثاله، حيث الحروب والحصار على العراق، بحرمانه من استيراد حتى قلم الرصاص، جريمة ارتُكبت من قِبل المجتمع الدولي وقواه الكبرى «المتحضرة»، غير المكترثة بما يؤول إليه الحال، تزامناً مع «حملة إيمانية» كبرى، وشراسة في إدارة السُّلطة، لحقها خطاب مِن نموذج الهذيان: «عندما يتهدد مصيرنا سيخرج المارد المعنوي من القُمقم ويُهشم الزُّجاجة..»، وخطاب «خلافة» جديدة: «قادمون يا حلب، قادمون يا يمن..». إنها أسباب ومسببات، لم تبقِ ربيعاً بالموصل ولا العراق كافةً، بل تشابهت الفصول، وغطت سُحب الخراب الشمس، وجرت الدماء جداولَ.

عُرفت أمُّ الربيعين بنينوى، وقيل الاسم أتى مِن ماء دجلة، منحوتاً من «نينا» آلهة السمك، والتي أصبحت مرادفاً للحوت، فنحت منه اسم يونس أو يونان، وقصة غيابه في جوفها مشهورة «فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ» (الصَّافات: 142). هُدم مقام النبي يونس وحُطم تاريخ نينوى بخطاب إبراهيم عواد: «خربوا ديارهم دماراً»، قالها بلا علم ما بين يونس ونينوى. غدت أمُّ الرَّبيعين أرضاً لمقامات عدة أنبياء، تلتقي بهم الديانات العراقية كافة، فمِن غير يونس، تجد مقام النَّبي شيت (عند المندائيين أيضاً)، وجرجيس (لدى المسيحيين)، ودانيال (لدى اليهود). دخل المسلمون الموصل (16هـ) ولم يخربوا مما كان موجوداً مِن مقامات أو أضرحة أو أديرة أو كنائس.

عندما دخل المسلمون العراق، والموصل ضمنها، كان المسيحيون يتعبدون بالمذهب النسطوري (الكنيسة الشَّرقية) على خلاف الإمبراطورية الرُّومانية الملكية، فجاء في تاريخهم: «إن إله النَّقمات إذ رأى شرَّ الرُّومان، الذين حيثما سيطروا نهبوا كنائسنا وأديرتنا بهمجية، وعاملونا دون شفقة، فأرسل مِن الجنوب بني إسماعيل لينقذونا منهم. فلم تكن فائدة قليلة إننا نجونا مِن قساوة الرُّومان ومِن شرِّهم، وغضبهم وحسدهم العاتي، وإننا حصلنا على الرَّاحة والسَّلام» (أبونا، تاريخ الكنيسة الشرقية)، كذلك يُنقل أن قائد الجيوش أبلغ أهل الموصل: «أنتم منا فما الذي يربطكم بيونان» (المصدر نفسه)، ويقصد الرُّومان.

أقول: مِن أي معاهد تخرجت «داعش»، لتسبي نساء الموصل، وتتوعدهم بأنهار من دماء، وبأن لا تترك أرضهم إلا خراباً، لإعادة التاريخ إلى الوراء؟ أتساءل لأن ما حصل سنة 16هـ لا يتوافق مع ممارسات سنة 1438هـ، لكن علينا أن نفهمه بزمنه، فالجزية كانت مفروضة مِن قِبل رومان وساسانيين، أما أن تطبق في زمننا هذا فذلك يتنافى مع طبيعة الأشياء، وقد صارت المواطنة حلاً.

يكفي أُم الرَّبيعين شرفاً أنها قدّمت للعراق: أبا تمام (ت 231هـ)، وابن الأثير (ت 630هـ)، وشقيقه أبو السَّعادات (ت 606هـ)، والفقيه الذي ضرب مثلاً في التعايش الدِّيني كمال الدِّين (ت 639هـ)، وكوركيس عواد (ت 1992م)، وشقيقه ميخائيل (ت 1995م)، وأبو الصُّوف (ت 2012م)، واللغوي هاشم الطَّعان (ت 1981م)، وصاحب «أدب المعدمين في كتب الأقدمين» سالم الدَّباغ، ووزير الخارجية البارع والشَّاعر شاذل طاقة (ت 1974م)، والأديب عبد الغني الملاح (ت 2001م)، وغيرهم من الكبار علماً وثقافةً.

مَن له باع كباع الموصل، كي تُهتك برايات طائفية؟! أو يكتبُ عنها بجهل: «أُخذت من تركيا وأُضيفت للعراق»؟! بينما هي رأس العراق منذ وجوده ووجودها. أريتم بدناً بلا رأس؟!

لا أجد عبارة أفخم من الجواهري (ت 1997م) في الأعيان المذكورين: «أُمّ الربيعين يا مَنْ فقتِ حسنهما/ بثالثٍ من شبابٍ مشرقٍ خضلِ/ واعٍ تلقف من وحيّ الوعاةِ له/ ما شاءَ مِن سِيرٍ جُلى ومِن مُثلٍ» (جامعة الموصل 1980).

ستذهب «داعش» ويُسدل عليها السِّتار، لكنَّ بـ«حريصين فيما يدعون كفاة»: أن يمنع التَّمايز الطَّائفي ويُجرم، تُرفع الحسينية التي شيدها المجلس الإسلامي الأعلى عند بوابة برطلة المسيحية، يُنسب النَّصر للجيش العراقي فقط، ترفع منظمة بدر وكلُّ ميليشيا اليافطات التي غرستها إشارات لمقارها، يُحرص على السّكان من الثأر والانتقام، يُعلن عفو عام. فمَن تورط مع «داعش» يؤهل مِن جديد. عدا ذلك فبيوض «داعش» ستفقس، والاستفزاز الطائفي الرّحم الحاضن لها.

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

ولايتي والمالكي:

 «سفر برلك» للعراقيين!

رشيد الخيون

عُقد ببغداد (22-24 أكتوبر 2016) مؤتمر «المجمع العالمي للصحوة الإسلامية» (المؤتمر التَّاسع)، كان نجم المؤتمر الأمين العام للمجمع العالمي علي أكبر ولايتي، وولايتي مستشار الولي الفقيه، الذي بدأ المالكي كلمته وختمها بشكره على «نعمة الصَّحوة الإسلامية»، والتي حددها بقيام الثورة الإسلامية (فبراير 1979)، أما ولايتي فركز كلمته على أعداء الإسلام والمسلمين.

كان حضور المالكي بصفته أميناً عاماً لـ«حزب الدعوة الإسلامية» (إخوان الشيعة)، وكذلك على ما يبدو كان حضور رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري ممثلاً لـ«الإخوان المسلمين»، على أنه، وحسب ما نسمع، نائب المراقب العام للإخوان العراقيين، وبدون علم يصفه الكثيرون بنائب المرشد العام، فالمرشد لدى «الإخوان» واحد، حيث يمتد التنظيم، ففي رقبة كل مراقب عام بيعة له، ويكون عادة مِن «إخوان» مصر، كخليفة للمرشد الأول حسن البنا (اغتيل 1949)، ولا يستطيع أن ينكر أي إخواني هذه الحقيقة، مثلما لا وجود لولي فقيه غير الذي بإيران خليفة لمرشد الثورة الأول آية الله الخميني (ت 1989)، فمهما تعدد فقهاء «حزب الدعوة» من محمد كاظم الحائري إلى محمد هاشمي الشاهرودي (رئيس السلطة القضائية الإيرانية السابق) ومحمد رضا الآصفي (ت 2015)، فهم ظلال لذلك الولي.

كان هذا المؤتمر امتداداً لثمانية مؤتمرات، ومقره بطهران، حيث تأسس ومقر أمانته العامة. لسنا بصدد الاعتراض على مؤتمر صحوة، فالصحوات الإسلامية متنوعة، بتنوع المذاهب، وكل يغنِّي على ليلاه في صحوته، بل لكل حركة إسلامية صحوتها، لكنهم يلتقون جميعاً في الحاكمية، تلك حاكمية مباشرة بتكليف من الله، وهذه بتكليف عبر الإمام المهدي المنتظر، وبالتالي من الله، والاثنتان تزعمان أنهما وكيلتان من الله، مع اختلاف الوسيلة، لكن الفكرة واحدة، وإن تعارضتا في الأُصول والفروع، فسياسياً هما واحد.

كذلك لا اعتراض على حضور علي أكبر ولايتي كونه أمينه العام، مع أن من يعرف الشأن الإيراني أكثر منا (الكاتب العراقي ضياء الشكرجي) يرى أنه من المتشددين السلفيين. إنما ما يخصنا الدعوة إلى «سفر برلك» للشاب العراقي. أظن أن أغلب العراقيين يعرفون معنى «السفر برلك»، وقد وصلهم من الأجداد والآباء، الذين عاشوا قسوته، إذ كان يُساق العراقي (وغيره) ضمن النفير العام مقاتلاً حيث ترابط الدولة العثمانية وتُقاتل، وعادة ما تنقطع أخبار المساقين إلى الأصقاع الباردة، ومَن يُساق لا ترجى عودته لا حياً ولا ميتاً.

جاء في كلمة المالكي: «بعد الدِّماء التي سُفكت، بعد كل الجهود التي كانت، أنا أرى على مستوى هذه المواجهات: إنا قادمون يا نينوى، تعني في وجهها الآخر: قادمون يا حلب، قادمون يا يمن، قادمون في كل المناطق التي يُقاتل فيها المسلمون الذين يريدون الارتداد إلى الفكر الإسلامي، ثم يشيعون في أوساطنا، بالكتب والمجلات والإذاعات والخطابات، الفكرَ الطائفي المتحسس الذي يستجيب له بعض الشباب» (تسجيل بُث مِن قناة آفاق التابعة لحزب الدَّعوة).

لم أرَ دولة من دول العالم تُجند مواطنيها وبأعمار المراهقين للدفاع عن مصالح آخرين، مثلما فعلها المالكي ورفاقه الإسلاميون «سفر برلك» للشَّباب العراقي، يقاتل بحلب وصنعاء «وكل المناطق التي يُقاتل فيها المسلمون»، ولا نعلم ما هي صفة المسلم عند المالكي؟ لقد استحسن ولايتي الحماسة والاندفاع! هل سمعتم باسم نجل مِن أنجال الذين يُجندون شبابنا إلى ساحات القتال، دفاعاً عن نظام أدخل للعراق ما أدخل من كائنات الموت، بعد 2003، قد ذهب في «سفر برلك» المالكي؟ لقد ضاقت المقابر بمَن يشيعون (رمزياً)، فأجساد القتلى توارى حيث قتلوا! ما هذا الموت الذي يورطنا به ولي الفقيه وأتباعه؟

أما قول المالكي «قادمون يا نينوى»، فلا يُرد عليه إلا بأمثال العرب في الوقاحة: «رمتني بدائها وانسلت» (ابن قُتيبة، عيون الأخبار). مَن سلم نينوى؟ مَن سبب انتعاش «داعش»؟ أليست سياستك الطائفية، والتي أفصحت الآن عنها بطائفية سوداء، يوم رفعت اسمك «مختار العصر»، كي تصبح رمزاً للانتقام؟ أي جيش هذا الذي جعلت نجلك أشجع مِن أي ضابط فيه؟ وتلك قصة لم تخف؟ عن أي صحوة إسلامية تتحدث، وقد تركتم العراق نهباً لذواتكم، فأتيتم على أخضره ويابسه، حتى صرتم كمن قيل فيه: «أكولٌ لأرزاق العيال (وقيل العباد) إذا شتى/ صبورٌ على سوء الثَّناء وقاحُ» (الجاحظ، البغال والبيان والتَّبيين)؟ بكل صلافة أصبح الخراب عند المالكي انتصاراً، كما ورد في كلمته.

تنبئك فكرة هذا المؤتمر بوجود حُكم الإسلاميين على العراق مرتبطاً بوجود الولي الفقيه، لذا سيسخر العراق بثرواته وشبابه للدفاع عن حياض تلك الولاية، وعلى العراقيين انتظار «سفر برلك» إلى «كل المناطق التي يُقاتل فيها المسلمون»، والمسلمون في هذا المؤتمر تعني المجندين تحت تلك الراية.

*كاتب عراقي

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

 

بغداد..

 صدى إسطنبول وأصفهان!

رشيد الخيون

 

لا يجري الزَّمن ببلادنا وفقاً للمنطق الصَّحيح، إنما يجري منكوساً من الماضي إلى الحاضر. هذا ما يُلاحظ في الزَّمن الرَّاهن، وهو الأسوأ بين الأزمنة. عاد العراق إلى نزاع العثمانيين والصَّفويين، والحاكمين ببغداد نواباً لهما، والدَّليل تناقض المواقف في معركة الموصل.

مِن العجب أن الاثنين كانا مِن جنس واحد تُركاً، ووجد افتراق المذهب مبرراً للنزاع، هذا سُنيٌّ حنفي وذاك شيعيٌّ إمامي. يوم اتخذ شيخ الطريقة الصَّفوية جُنيد بن إبراهيم (قُتل 1488م) لأتباعه «شعارَ رأسٍ على صورة قلنسوة حمراء ذات اثنتي عشرة شَقة، تُلف حولها عِمامة... تُذَكّر بعلي وأبنائه» (الشِّيبي، الطَّريقة الصَّفوية)، مع أنه ظل على صوفيته السُّنية، حتى أتى أحد أحفاده إسماعيل (ت1524م) فأشهر الحُكم بالمذهب الإمامي، وكان العثمانيون أعلنوا المذهب الحنفي رسمياً. مِن يومها تواجه، ومِن دون عداوة مسبقة، الإمامان النُّعمان (ت150هـ) والكاظم (ت183هـ) عبر ضفتي دجلة.

 
 

تناوب العثمانيون والصَّفويون على حُكم العراق، فصار ساحةً لنزاعهما، يدخل السُّلطان العثماني قادماً مِن إسطنبول يقتل ويُخرب، لكنه يحرص على إعمار الأضرحة كافة، ويدخل السُّلطان الصَّفوي قادماً مِن أصفهان يقتل ويُخرب ويعيد إعمار المزارات الشِّيعية فقط، لأن الطَّاعة تأتي مِن تحت قببها، مثلما تغدق الدولة على مواكب اليوم. إلا أن سيد دراج (قُتل 1639م) سادن مشهد الحُسين فهم اللعبة بأنها خارجة عن الدِّين، فعندما همَ الشَّاه بقتل السُّنة ببغداد كافة، نصحه دراج، مع ما في النصيحة مِن مخاطر على حياته: «سأختار محبي عليٍّ منهم، وما عداهم فأقتلهم» فسجل الجميع مِن المحبين (العزاوي، العراق بين احتلالين).

حكم بغداد الصَّفويون (1508-1534م) فزالوا ثم عادوا (1622-1638م)، وحكمها العثمانيون (1534-1638م) فزالوا ثم عادوا (1638-1917م)، لكنَّ طول هذه الفترة كانت الأحوال بينهما كراً وفرَّاً على الحدود، وحصارات فظيعة تعجز الأقلام عن وصفها، وعلى وجه الخصوص إذا توافقت معها مواسم طغيان النهرين، أو الطَّواعين، ويومها يتحول الماء إلى مقبرة، وترى العشائر، على التُّخوم، تتسنن وتتشيع، حسب مذهب الغازي، ليس لله علاقة بهذا التبدل.

أما العراق ككل، وبغداد عاصمته منذ ذلك التَّاريخ: فكان «مِن الضّعف والعجز، لم يقدر أن يُحرك ساكناً، ولا يزال الخوف مستولياً عليه مما أصابه مِن أقوام ليس لهم رأفة به ولا رحمة» (العزاوي، نفسه). ونكمل مع صاحب «العراق بين احتلالين» كي نصل إلى نتيجة مفادها أن عراق اليوم هو عراق الأمس نفسه: «لم يبق مِن رجاله مَن ينقاد له الرَّأي العام، ليقوم بالاستقلال، ويربح قضية استفادة مِن الفرصة السَّانحة». انظروا في وجوه سياسيي اليوم هل تجدون مَن يقنع الجمهور بمؤهلاته دون رايتي عمرٍ وعليٍّ؟! كأن الفضل بن عباس بن عُتبة (ت95هـ) حال لسانهما اليوم: «بنا دان العبادُ لكم فأمسوا/ يسوسهم الرَّكيك مِن الرِّجال» (الأنباري، الزَّاهر في معاني كلمات النَّاس).

أُعلن عن زحف الجيش التُّركي إلى العمق العراقي، قبل أيام، وكأنه لم يكن زاحفاً مِن قَبل! وانقسم السَّاسة: هذا يصفه بالمحتل وذاك بالمحرر. تأسست بالعِراق عشرات الميلشيات ذات الولاء الإيراني المفضوح، وأصغر قائد فيها كلمته أمضى مِن كلمة رئيس الوزراء، واختلفوا حولها، قال هذا: احتلال إيراني، وقال ذاك: إنه حلف الممانعة! فإيران ترى وعلى لسان أقطابها أنها زعيمة الممانعات المنكوبات: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء!

تقسمت السُّوق إلى تُركية وإيرانية، يُستورد منها الطَّابوق، والفجل، والطَّماطم، والتَّمر، ودفاتر التَّلاميذ، حتى صار العِراق معاقاً، لا صناعة ولا زراعة، وفي معركة الموصل كلٌّ يريد حيازة النَّصر، كي يرفع رايته وسطها بديلاً عن «داعش»، مع أن أمر الأخيرة دبر في ليلٍ، مَن فتح بوابات السّجون، ومَن سحب عساكر الموصل؟!

لم يخجل أحد السَّاسة مِن تقديم خارطة العراق للقيادة الإيرانية -أيام المعارضة- بعد حذف البصرة وميسان وضمهما لإيران، مثلما لم يخجل آخر أن يُهدي الموصل إلى تركيا. هذا يعد بالثَّأر مِن قتلة الحُسين بالموصل، وذاك يطلب حماية السُّنَّة. أما أشقاؤنا الكُرد فتقسموا بين إسطنبول وأصفهان، مَن يعتبر الوجود التركي شرعياً، ومَن يُعد الهيمنة الإيرانية صداقة! ومَن يملك بستان العِراق لا يخشى حصاراً ولا يقلق لأزمةٍ.

حينها ظهر ما بين احتلالات إسطنبول وأصفهان لحن خافت في أغاني الأقدمين: «بين العجم والرُّوم بلوى ابتلينا». يشرحها العزاوي: «وإن كان موردها غرامياً تعني التَّألم والتَّوجع مما جرى، فقد احترق الأهلون بين نيران الاثنين المتحاربين».

أجد لدى عبد الأمير الحصيري (ت1978) ما يُعبر عن الخاطر: «شَاءَ القَضَاءُ بأنْ يَشُلَّ سَوَامِقا/ يَبَسٌ وَتسقِى الازدِهَارَ طحَالِبُ/ وَبأن تُغَرَّق بالدُموع ِ مَكَارِم/ وَتتيهُ في خُضر البُرُودِ مَثالِبُ» (معلقة بغداد 1962). لم يبق لبغداد سوى المثالب والطَّحالب، إنها صدى الماضي ما بين إسطنبول وأصفهان.

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 
 
 
 
 

بُخْل وزير المالية.. الجُود بعينه

رشيد الخيون

 

تعاقب على وزارة مالية العراق عشرات الوزراء، مِن ملكيين وجمهوريين، منذ كانت ميزانيته خمسة ملايين دينار (بواقع ثلاثة دولارات للدينار الواحد)، وحتى طفرتها إلى مئة وخمسين مليار دولار، ولم يترك وزيرٌ منهم أثراً مثلما تركه أول وزير، ساسون حسقيل (ت 1932)، وها هي الثَّقة تُسحب من آخر وزير من وزرائها بتهمة فساد!

نشر الوزير هوشيار زيباري، عبر الفضائيات، تحويل ستة مليارات ونصف المليار دولار إلى الخارج. صحيح، أن لجنة النزاهة أو اللجنة المالية في البرلمان، أشارت إلى هذه السرقة، لكن ليس كما يُقدمها وزير المالية نفسه. مع ذلك، يُعتبر سكوت الوزير عن الفساد تواطؤاً معه، فهو لم يذعها إلا بعد استجوابه، مثلما كان المالكي، وهو رئيس وزراء، يُهدد بكشف جرائم فساد كبرى ولم يكشفها، لأنها أوراق ثمينة، تنفع للمساومة بها مع مَن بحوزته أوراق ضده مثلاً. في كل الأحوال، من الصعوبة الدفاع عن وزير من وزراء ما بعد 2003، وذلك لالتباس المسالك، فالوزير الذي لا يفسد، تجد ذويه عاثوا فساداً.

فأحد وزراء المال قبل أن يُنظم أمور الوزارة، عمد إلى إعادة أمجاد أبيه في الأراضي التي أهديت له مِن قِبل الإنجليز، ثم صادرها الإصلاح الزراعي (1959)، والتفت إلى شراء عقار فخم لذويه خارج العراق، وأتى بصهره حاجباً له، ولم يكن ثرياً ولا يحزنون قبل تقاسم الغنيمة. أما وزير المال الآخر، لما سُئل عن علاقته بإدارة المال والمصارف كي يصبح وزيراً للمالية، قال بكلِّ ثقة، إنها خبرةٌ ورثها عن أبيه ومتجره المتواضع، وهذا الرجل توزر لعدة وزارات، وعلى مختلف التخصصات، وفي كل وزارة يبرر صلاحيته لها.

نعود إلى أول وزير مالية عراقي، والذي ارتبطت ببخله، كوزير، كنايةٌ بغدادية، وردت هكذا: «يحسقلها حسقيل» و«شغلة محسقلة»! أي قضية ليست سهلة (أمثال وأقوال وتعبيرات شعبية)، حتى صار اسم وزير المالية المذكور رمزاً للبُخْل. مع أن الآخرين، مِن ذوي التعصب، يطلقونها على كل يهودي عراقي، وهذا غير صحيح. فحسقيل ليس الاسم الوحيد المحصور بين اليهود، ومِن يهود العِراق محسنون، شيدوا مشاريع خيرية لأيتام وفقراء عراقيين.

فما قصة بُخْل حسقيل بمالية العِراق؟ وقد أُسندت إليه حقيبتها لسنوات (1920 –1925)، وما بعدها صار رئيساً للجنة المالية والاقتصادية في المجلس النيابي. يقول ناظر الخزينة الملكية: «إن نفقات فصل البريد والبرق المخصصة للديوان الملكي سنة 1925 نفدت قبل أشهر مِن ختام السَّنة، فكانت الحرب الحجازية النجدية قائمة على قدم وساق، وكانت البرقيات تُرسل يومياً مِن البلاط الملكي لمعرفة الموقف الحربي، فكتب الديوان الملكي إلى وزارة المالية يسأل الموافقة على نقل مبالغ مِن فصل آخر في الميزانية المصدقة إلى فصل البريد والبرق» (بصري، أعلام السياسة في العراق الحديث). ويضيف ناظر الخزينة: «دخل عليَّ وزير المالية ساسون أفندي ثائراً ينتقد كثرة النفقات، ويعترض على نقل الاعتماد، وقد أسرعت إلى تهدئته وشرح الأسباب التي تبرر الطَّلب، وهو لا يزيد إلا حدةً وجدالاً. فقلت له: إن جلالة الملك في الغرفة المجاورة، ولا يفصلنا عنها سوى جدار خفيف، فاخفض مِن صوتك» (نفسه).

أما الأكثر «حسقلة» وبخلاً بأموال العراق فهو الملك نفسه، لما سمع بما حدث، قال: «إنني مبتهجٌ لموقف وزير ماليتي وصلابته، فإذا كان يقف مني هذا الموقف الشديد، فأنا مطمئن إلى أنه يقف موقفاً أشد صلابة تجاه سائر الوزراء والموظفين، لأجل التمسك بالقواعد المالية السليمة، والحرص على خزينة الدولة».

ويطول الحديث عن صاحب الكناية «يحسقلها»، لبراعته الاقتصادية والمالية، وإخلاصه لبلاده وشعبه. رثاه الرصافي (ت 1945) قائلاً: «تُشير إليه المكرماتُ بكفّها/ إذا سُئلت أي الرجالِ المهذبُ». ويختمها: «لئن كنت يا ساسون غيبك الرَّدى/ لذكراك بالعلياء لا تتغيبُ». صدق الشاعر، فها نحن نذكر علياء حسقيل، في زمن الفساد الخُرافي، حتى تحول اسمه إلى كناية عن البُخْل.

يحضر بخل حسقيل عندما يبث نبأ سحب ستة مليارات دولار من البنك، من قِبل شخص واحد، والمئات الضائعات من المليارات، وربما ذهبت لفك الحصار عن الجار الجنب، بعد تعبئة الجيوب. لم يبق مِن آثار الوزير سوى الكناية. أما داره، الواقعة على شارع الرشيد، فقيل أُزيلت، بلا حياء وخجل، لصالحِ مستثمر سياحي!

إن الفاسدين غرباء لا يؤلمهم ما أسفرت عنه سياساتهم، وإن تألموا وتظاهروا بالبكاء فشأنهم شأن البواكي المستأجرات، وللعباس بن الأحنف (ت 192هـ): «مَن ذا يُعيرك عينه تبكي بها/ أرأيت عيناً للبكاء تُعارُ» (الأصفهاني، الأغاني). نعم البخل خصلة ذميمة، إلا في أموال الدولة فهي الجُود بعينه.

(الاتحاد) الاماراتية

 

خالد العبيدي: البقاء للأصلح!

رشيد الخيون

 

 

ما يجري بالعراق اليوم لا يقبل قانون «البقاء للأصلح»، بل ما تحقق على أرض الواقع نقيضه «البَقاء للأفسد». لكن لا نخال أن عقداً أو عقدين من الزمن حقق للفاسدين البقاء أنه قانون ثابت، ويدخل اليأس النُّفوسَ، فهذا المنطق ضد العدل الإلهي والإنساني، وضد طبيعة الأشياء، التي لا تنمو في التربة الفاسدة، كالمهزلة العراقية الجارية، ومختصرها: «فساد يغذي الإرهاب وإرهاب يحمي الفساد».

أتذكر خطاب ذلك السياسي في حفل انتخابي (2010): «يريدوننا أن نترك ديننا، يريدوننا أن نترك مرجعيتنا»! فلا ترك الناسُ دينهم ولا طالبوه بترك دينه ومرجعيته، لكنه النفاق باسم الدين، ولم يخطئه قول الفرزدق (ت110)، عندما برّأ ذمته مما فعله حاشيته من سرقة كبرى وجريمة قتل: «وإن أبا الكرشاء ليس بسارقٍ/ ولكنه ما يسرق القومُ يأكلُ» (الأبشيهي، المستطرف).

أخذ المكتوون بنار الفساد وتغذيته للإرهاب يتطلعون إلى النصر عليه، وهم يرون وزير الدفاع الضابط القدير خالد العبيدي، وقد حوَّل استجوابه في البرلمان إلى استجواب لمستجوبيه: بين طالب تمرير صفقة أسلحة فاسدة، وتلك التي طلبت عمولة، وأخرى أتته بقائمة لتعيينات في وزارته، وأحد المبتلين كان رئيس النواب، وجرى الاستجواب أمام الملأ، والرجل كان عاضاً بنواجذه على كرامته، قائلاً لهم: «أنتم دمرتم العراق». فلو خنع لطلباتهم لحجبوا عنه الاستجواب! ومن مآثر العراقيين أن الوزير استقبل بالأعظمية والكاظمية استقبال المنتصرين، كي يثبتوا أن الطائفية عكاز الفاسدين.

بعدها بساعات تعقد المحكمة العليا وتعلن براءة البرلمانيين، ويسافر رئيس المجلس إلى طهران لتقديم الشكر. فلا خافية في الأمر، كلما قُدحت شرارةٌ ضد الفساد تُطفأ بطهران. فعندما احتشد المتظاهرون (2015) مطالبين بمحاسبة المالكي على ضياع مئات المليارات وضياع ثلث أراضي العراق، تسلل تحت جنح الليل إلى طهران، وعاد مستأسداً بها، وها هو الإخواني سليم الجبوري يزورها، ويعود بإقالة وزير الدفاع. وعندما احتشد المتظاهرون أمام القضاء الأعلى زارت شخصيتان من أخطر رجال إيران بالعراق، رئيسَ السلطة القضائية، وأبلغتاه حماية ميليشياتهم له، ولو كان يعرف الخجل ما قَبل بهذه الحماية.

أليس لنا أن نعتبر أن إيران تدعم الفساد، وبذلك لا يتحقق قانون البقاء للأصلح قبل زوال نفوذها؟ نحاول إيجاد عذر لإيران، فهي تساعد بحل المعضلات السياسية، لكن ما حصل كان حلاً لمعضلات الفاسدين! فهل معنى هذا أن المتظاهرين مجرد مشاريع ضحايا؟ إذا استصعب الأمر وتفاقم يحلق الناشطون مَن اغتيلوا وسُجلت الدماء ضد مجهول، بينما شاربوها يحكمون!

إذن، صار الفساد محمياً، وبقوة غاشمة، لهذا يدافع الفاسدون بشدة عن صورة الولي الفقيه ببغداد، وداخلياً تحميه السلطة القضائية نفسها، وبذلك سيتحقق لزمن قادم قانون «البقاء للأفسد»، وإلا هل من المعقول أن يبرأ رئيس النواب، وبهذه السرعة، ويُحاسب وزير الدفاع ويُبعد عن الوزارة، في وقت فيه الجيش العراقي يُقاتل على تخوم الموصل؟!

جاء على لسان رئيس الوزراء العبادي معلقاً على فساد سلفه: «استلمت الخزينة فيها ثلاثة مليارات، ومديونون خمسة عشر ملياراً، أمقبول أن تضيع الثروة على البذخ وزيادة العطاءات من قبل القائد الضرورة؟ هذه أموال الشعب، مو (ليس) صحيح تصرف الثروة من أجل إعادة الانتخاب» (يقصد المالكي). لكن أخيراً أُسكت العبادي وأُقيلَ الوزير.

يدير الإسلاميون البلاد، التشريع بيد «الإخوان» والتنفيذ بيد معادلهم المذهبي «الدعوة»، وكلاهما يعتبر الدِّين أولاً، لكن هذا الدِّين موقفه صارم من الفساد، لمَن يقرُّ بالكتاب والحديث أو من يقرُّ بالاثنين ونهج البلاغة. ففي الكتاب وردت كلمة «الفساد» ومشتقاتها أكثر من خمسين مرة، وما عبرَ عن الحال: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ» (البقرة:11). نسأل العبادي: هل ما حصل من بذخ بفعل فاسد أم سفيه؟ الآية تقول: «وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ»، وفي الحالتين لا يصلح من قصده العبادي ولاية الأموال. أما مفردة الفساد في الحديث النبوي الشريف، وبمختلف المقاصد، فلا تعد ولا تُحصى. ووردت كلمة «الفساد» ومشتقاتها في «نهج البلاغة» أكثر من عشر مرات، وأمضاها: «لا يَستَكْبِرُون ولا يَعْلُون ولايَغُلُّون ولايُفْسِدُون» (192 الخطبة القاصمة)، وأي واحدة منها لم يفعلها المعتقدون بهذه النصوص خلال الثلاثة عشر عاماً؟! وعلى أي اتجاه يحسبون، ونقرأ في مدوناتهم فخراً بانتصارهم الإسلامي؟!

أخيراً، وحسب ما تقدم من حماية أجنبية للفاسدين، نرى البرلمانيين وأصحاب المراكز كأنهم يستلمون رواتبَ من أجل الإفساد وخدمة حاميهم، وأبلغ القول على لسان أبي فرات: «أعَرَفتَ مملكةً يُباحُ شهيدُها/ للخائنينَ الخادمينَ أجانبا؟/ مستأجَرِينَ يُخرِّبونَ دِيارَهُمْ/ ويُكافأونَ على الخرابِ رواتبا» (الوتري 1949). أقول نتفاءل بالشاعر نفسه بأن البقاء للأصلح: «والحالِمونَ سيَفْقَهون إذا انجلَتْ/ هذي الطُّيوفُ خوادعاً وكواذبا/ لا بُدَّ عائدةٌ إلى عُشَّاقِها/ تلكَ العهودُ وإنْ حُسِبنَ ذواهبا».

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

النازية الدينية.. والإسلاميون

 

رشيد الخيّون

 

عندما يتأسس حزب على أساس ديني يحصل تخادم متبادل بين السياسة والدين، والخاسر الأول الدين، لأنه سيكون الراية والدعاية والواجهة، غير أن الفضيحة تبدو سافرةً زمن السُّلطة، الحزب في وادٍ والدين في وادٍ آخر، وكانت ألمانيا سباقة يوم أُعلنت «عقيدة النازي الدينية» عقيدةً للدولة.

كتب جواد علي (ت1987)، صاحب «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، مقالاً في مجلة «الرسالة» المصرية (11/1939)، تحت عنوان «عقيدة النازي الدينية»، حال تخرجه من جامعة هامبورج الألمانية، أوضح فيه كيف أن «النازية» رفعت المسيحية رايةً ضد أحزاب المعارضة، بذريعة أنها تُشجع الإلحاد، بينما منهاج «الحزب الوطني الاشتراكي» (حزب هتلر) نص على حماية المسيحية.

كان من إجراءات تدين النازية، فرض «ضريبة الكنيسة»، على «كل ألماني وألمانية حضر صلاة الكنيسة أم لم يحضر»، وطرد أي موظف يجاهر بفكرة الإلحاد، وفرض عقوبة على كل مَن يربي أولاده خلاف المسيحية، وإجبار الأولاد على حضور درس الدين. لم تكتفِ النازية بذلك بل دعت إلى مسيحية «حقيقية» أُخرى، واعتبار الموجودة مِن «مبتكرات اليهود»، ورويداً رويداً أُعلن صراحةً عن «تنقيح الديانة المسيحية حسب العقيدة النازية» (العدد: 334).

بعدها بدأ التبشير بالمسيحية الألمانية، وبما يتوافق مع العنصرية النازية، بتكييف المجتمع للعنصرية والزعامة الهتلرية، والتدخل بالأحوال الشخصية، لجعلها حسب العقيدة السياسية، وبما أن النازية كبرت على حدودها الوطنية (ألمانيا)، وتاق هتلر إلى السيطرة على العالم بعقيدته الدينية، وضعت المسيحية تحت ظرف خطير، لاصطدامها مع أُصول النازية.

ما حصل أن تحول دعم المسيحية، تحت عقيدة سياسية، إلى عنف ضد القساوسة والرهبان الذين اختلفوا مع إخضاع الدين للعقيدة النازية. جاءت المعارضة من رجال الدين، الكاثوليك والبروتستانت، فطُورد هؤلاء وسجنوا، كأسقف دالم ببرلين البروتستاني، وكاردينال الراين الكاثوليكي. وللإمعان في تسييس المسيحية، ظهرت جماعة تدعو إلى «الإيمان الألماني»، أي الديانة الجرمانية القديمة. فلكم التصور كيف بدأت النازية تُدافع عن المسيحية لتخلق جماعة ترفض المسيحية كلية!.

ليست «عقيدة النازي الدينية» بعيدة عن عقيدة الإسلام السياسي، ووصوله إلى السلطة، ليخلق فجوة خطيرة بين المسلمين ودينهم. وكما لا يخفى، فقد أسفرت ممارسة السلطات الدينية عن نفور من الدين، حتى أخذت نسبة الإلحاد بالتصاعد، بل باتت نسبة العودة إلى الديانات القديمة ملحوظة، فهناك إيرانيون من فرس وكُرد أخذوا يرون في ديانتهم القديمة (الزرادشتية) ملاذاً، وكذلك الحال بمن عاش تحت هيمنة المرشد الإخواني ووحشية خلافة «داعش».

فما علاقة الدين المحروس بالجيش الثوري بالإسلام، الذي لا يقر بوجود واسطة بين الله وعبيده؟ وكيف تحول الأمر إلى اضطهاد رجال الدين أنفسهم؟ وكم من آيات الله سجنوا وأُعدموا، وكان الولي الفقيه يصلي خلفهم، قبل حيازته السلطة واعتبار «ولاية الفقيه» عقيدةً البلاد والعباد؟ هذا ما حصل مع رجال الدين تحت العقيدة النازية، حيث سجنوا وأعدموا لأنهم تحركوا أو فكروا خلافاً للمسيحية المبتكرة!

كذلك لم يكن المفتي علي جمعة معارضاً للإسلام، كي تجري محاولة اغتياله، وإنما لأنه اعترض بقوة على الإسلام السياسي، وعلى العنف الديني المزكى بالقسم الإخواني الأول، وكأن الذي يدخل كهف «الإخوان» يجدد إسلامه! يقول قسمهم السياسي، الذي كان يتم على بساط في غرفة مظلمة، مع وجود المصحف والمسدس: «أقسم بالله أن أكون حارساً لمبادئ الإخوان، مجاهداً في سبيل الله، على السمع والطاعة بالمعروف، وأن أُجاهد في ذلك نفسي ما استطعت» (بيومي، الإخوان المسلمون في السياسة المصرية 1928-1948). أما الجهاز السري الإخواني ودوائره المتخصصة، فمعروف للملأ، وأراه في حال استلام السلطة سيظهر بعنوان «الحرس الثوري».

كان الدين عامل استقرار للفرد المسلم، تحول إلى كواتم صوت ومدافع وصواريخ، وفساد وأكاذيب على التاريخ، وطائفية وكراهية تتغذى بثقافة الكهف، كهف يشبه الغرفة المظلمة التي يؤدى فيها القسم، حتى ساووا في القيمة بين كتاب الله والمسدس، مثلما ساوى الآخرون بين الحسين وقائد مليشيا، بإنزال تلك الكرامة إلى مهرجان سياسي، العنف والكراهية خطابه. فما هو وجه الاختلاف بين عقيدة النازي الدينية وتدينهم السياسي؟! تجدهم بلا خجل يفتخرون بجمهورياتهم الإسلامية.

قال صالح الجعفري (ت 1979)، الموصوف: «بخفة الروح واليقظة الفكرية والجرأة» (الخاقاني، شُعراء الغري)، ما يُعبر به عن التمرد لانتزاع الدين مِن توحشهم وفسادهم باسمه (النجف 1926): «وقيدٌ طالما قُيِّدتُ فيه/وأهْون بالرِّجال مقيَّدينا/نبذتُ به ورائي لا أُبالي/وإن غَضبَ الكرامُ الأقربونا/حناناً يا أماثُلنا حناناً/حناناً أيُّها المتزمتونا/تبعناكم على خطأٍ سنيناً/ فأسفرت الحقيقةُ فاتبعونا» (الغبان، المعارك الأدبية).

ألم تسفر حقيقة الإسلام السياسي عن كونه لا يختلف في شيء عن عقيدة النازية الدينية، سوى اختلاف الدين؟

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

النُّخبة الحائرة بين الدِّين والدولة!

رشيد الخيون

كانت ندوة موسم أصيلة، لهذا العام (24-25 يوليو 2016)، «النُّخب العربية والإسلامية.. الدين والدولة»، تتويجاً لندوات الموسم السابقة، مثل «الإسلام السياسي»، و«العرب نكون أو لا نكون»، ومع ظهور تغيرات سريعة بين موسم وآخر، عصية على التحليل والتوقع، لكن يبقى موضوع العلاقة بين الدين والدولة هو القديم الجديد، ولمواسم قادمة، متجسداً في النزاع الفكري والسياسي المتواصل بين قوى اتخذت من الدين شعاراً، وما يتبع ذلك من مواجهات مذهبية وصلت حد الدم، وقوى تنزع إلى فصل الدين عن السياسة، كي لا يتحول إلى أداة تخدم المتنفذين من الجماعات الدينية دون غيرهم. لخص الشاعر تلك الظاهرة مبكراً، يوم احتج المتزمتون ضد فتح مدرسة للبنات: «فما كان هذا الدين، لولا ادّعاؤهم/لِتمتاز في أحكامه الطبقاتُ/ وما الدِّينُ إلَا آلةٌ يَشهِرونها/إلى غَرضٍ يقضونه، وأداةُ» (الجواهري، الرجعيون 1929).

حُصر مصطلح النخبة، قديماً، ب«أهل الحل والعقد»، ونُضيف أهل السلطة والمؤثرين عموماً، وربما كان بينهم شاعر مغيب. فعلى سبيل المثال، بَدل أبو نُخيلة السَّعدي (قُتل 145ه) وجهة الخلافة العباسية بأرجوزة، سمعها أبو جعفر المنصور (ت 158ه)، فأبعد بأثرها عيسى بن موسى (ت 182ه) عن ولاية العهد، لتستمر بين الآباء والأبناء (البغدادي، خزانة الأدب).

غير أن مفهوم النخبة في عصرنا، يكاد يُحصر بالمثقفين، وفعلاً هذا ما أُستشف من محاور ندوة أصيلة المذكورة، ومعلوم أن معنى النُّخبة لغةً واصطلاحاً «الأخيار»، نُخبة أصحابه أي أخيارهم، و«الانتخاب: الانتزاع والاختيار» (الجوهري، الصحاح). أُغفل هذا المعنى، وفي ذلك شيء من الغرور لدى أهل الثقافة، كأنهم وحدهم المؤثرون، لذا كثر الكلام عن عدم استجابة الناس للنخبة، بينما كان ومازال لكل فئة نُخبتها. فبمجرد امتلاك فضائية يتابعها الملايين يصبح خطيبها من النخبة المؤثرة، بغض النظر عما يقدمه للمجتمع، علماً كان أم شعوذةً.

إن تأثير العلم والثقافة الحضارية عملية معقدة، تحتاج إلى وقت وظروف كي تأتي ثمارها، بينما تعطي ثقافة الجهل ثمرتها سريعاً، ولنا تمثيل بطءَ تأثير التنوير بالنخيل، يزرعه الأجداد ويقطفه الأحفاد. قيل أنشد سيبويه (ت 180ه): «حثيثاً يروي أُصول النَّخي/ل فعاش الفسيلُ ومات الرَّجل» (الأنباري، نزهة الألباء).

لم تبق النُّخبة واحدة. ماذا تقول لملايين ينتخبون جاهلاً يحكمهم، ولملايين يتبعون مشعوذاً، فهذا بالنسبة لهم يُشكل نخبة. كان ذلك نتاج ديمقراطية حرق المراحل، التي بشرت بها النخبة المثقفة، دون الاعتبار بزراعة النخلة، جذور ضاربة في عمق الأرض وقوام فارع في الفضاء، أسفر ذلك عن ديمقراطية ذات أنياب أكثر وحشية من الدكتاتورية. فماذا تفعل النخبة المثقفة مع مئات الميليشيات (ديمقراطية) التي يأتمر صبيانها بشخص يُكفر مَن يشاء! مزهواً بالملايين التي تنصت إليه؟!

نرى بلداناً أخذت تملكتها عصابات دينية لا تعرف معنى النظام، تتحرك وفق إرشادات زعاماتها، ولا قيمة للوطنية عندها. بالنسبة لهم هذا هو النظام وهذه هي الدولة، التي أقاموها عبر ديمقراطية الإغراء بالمال والدين المسلح، ومن حقهم الاعتقاد بأنه انتصار إسلامي، لأنهم أقاموا دولة الله وهم وكلاؤه، بالحاكمية المباشرة أو نيابة الإمام بولاية الفقيه، والنتائج مدمرة.

تحاول النخبة الدينية السياسية الحفاظ على الفوضى، بخلق الأزمات وتسميم الأجواء، فبهذه الحال فقط تستطيع البقاء مؤثرة على الجمهور الغارق في الجهل، أي ضمان الطائعين المبهورين بالتدين الزائف، فاعتبروا انتصار هذا الجهل، وبصلافة، انتصاراً لنهجهم الإسلامي، غافلين عظمة الفساد، ودمار المدن، ومسخ الطفولة، حتى صار الانتماء لميليشيا خيراً من الالتحاق بالمدرسة، والعذر أنه الرزق السريع، وضمان الجنة في القتل المقدس.

غاب هذا المشهد المريع من مداولات ندوة أصيلة «النُّخبة العربية والإسلامية..». كيف تُواجَه تلك النخبة المدمرة، وأي السبل لإنقاذ الطفولة والشباب من مخالبها. إنها تجربة ليست فريدة، بل مرت فيها شعوب أوروبا، وبأكثر عنفاً ومضاضة، وخرجت متعافية. هنا أُلخص كتاباً جديراً بالقراءة: «تاريخ التسامح في عصر الإصلاح» (1200 صفحة، لجوزيف لوكلير)، بالعبارة: «ساد التنوير بجهد المثقف والملك معاً». فالأول يكشف ويحرض ضد الظلام، والثاني يصدر القوانين التي تلجم الفوضى والجهل. أكد مؤلف الكتاب، في أغلب فصوله، ما جاء في تراثنا: «الناس على دِين ملوكهم» (الفخري، في الآداب السُّلطانية).

غير أن في ظروفنا تشابك الدين بالسياسة، على مدى تاريخ الخلافة والسلطنات، ومازال يشبكهما الإسلام السياسي عنوةً. والواقع أن الدين سلطة الله والدولة سلطة الرجال.. وذلك وفق الحديث التالي، الذي ليس من الموضوعات ولا المنسوخات: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» (صحيح مسلم)، وفي رواية: «إِنْ كَانَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنُكُمْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أُمُورِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ»(الباجي، المنتقى شرح الموطأ). أقول: ألا تدخل الدولة في كلمة «شأنكم»؟!

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

أسماء المدن العراقية.. التَّغييب

رشيد الخيّون

لم يكن خبر محاولة تبديل اسم بابل اجتهاداً شخصياً، أو نزوةَ أحد الجاهلين، بقدر ما أراها "جس نبض". فإذا مرَّت بلا ممانعة سيُنسخ اسم بابل إلى "الإمام الحسن"، مثلما سبق أن بُثت محاولة حذف اسم أبي نواس (ت195-198ه) مِن على شارع بغداد الشَّهير ليصبح "المهدي". مع علمنا أن انتهازيين، خلال الحرب الإيرانية- العراقية (1980-1988)، أشاروا لشطب اسم الشَّاعر وإزالة تمثاله، بعذر أنه فارسي مجوسي، مع أنه وقف مع الأمين (قُتل198)، وأمه كانت عربية، ضد جيش المأمون (ت218هـ) القادم مِن خراسان، وأن والده كان في الجيش المرواني، وأمه بصرية أهوازية، وكانت مُحسِنة على الأطفال، ولا صلة له بالفرس (طبقات الشُّعراء، تاريخ بغداد، تاريخ دمشق، وفيات الأعيان)، وعُرف مِن قِبل الأقدمين بشاعر العِراق.

سبق أن نجحوا بإطلاق اسم الصّدر على مدينة الثَّورة، وقبلها "صدام"، مع أن الاسمين لم يُطلقا بمبادرة رسمية، إنما بإعلان انتهازيين مِن المنطقة نفسها، فاعتمدا رسمياً، وربَّما الذي طلب قلب "الثَّورة" إلى "صدام" بادر نفسه في قلبها إلى "الصَّدر"، ومعلوم أن لا صدام ولا الصَّدر لهما فضل بتأسيسها والسَّهر على تشييدها، فالذي أسسها عبد الكريم قاسم (قُتل 1963) رافضاً مجاراة الانتهازيين عندما تقدموا لتسميتها باسمه، كذلك لم يسعَ عبد السَّلام عارف (قُتل 1966) بإطلاق اسمه عليها، ولما أراد محو فضل غريمه (عبد الكريم)، في نشأتها، جعلها باسم "حيّ الرَّافدين"، لكنَّ اسمها الأصلي غلب عليها، وظلت "الثَّورة".

تشير حكاية تبديل أسماء الأمكنة إلى تغييب التَّاريخ وتزويره، عبر الأسماء، وإلا كيف لعراقي يفكر، ولو مِن باب الهزل، بحذف اسمٍ مثل "بابل". صحيح أن النظام السابق، وفي بداياته، بدل اسم "الحلة" إلى بابل، لكن ليس معنى هذا أن كلَّ ما فعله السابقون كان خطأً ويحتاج إلى تعديل، على العكس أن إطلاق اسم "بابل" على أرض شهدت وجود الحضارة البابلية، كان مِن الحسنات. فليس أشهر مِن مفردة "بابل" (باب الله) بالدُّنيا، مثلما ليس أشهر مِن "بغداد". مع الإشارة، ليس مِن صلة للإمام الحسن (ت50هـ) ببابل، فالرَّجل عاش مع والده بالكوفة ثم نزل المدائن، وبعدها عاد إلى الحجاز.

مثلما لا علاقة لشارع "أبو نواس" باسم "المهدي"؟ إلا لفرض حالة التدين المنفلت العقال، حتى لا يكون اسم مدينة ولا شارع ولا قاعة دراسية في الجامعات إلا باسم إمام أو (مجاهد)، وكأن ليس هناك حياة ولا وجود إلا لهذه الأسماء. بطبيعة الحال، في الزَّمن السَّابق إذا سُميَّ شارع أو حيٍّ باسم أقطاب أيديولوجية، والسُّلطة سُلطتهم، فليس بمستطاع أحد الاعتراض، لكن في عهد الدِّيموقراطية يجري تكريسها عبر موجة التديُّن الأعمَّى، فإذا نجحوا مع شارع "أبو نواس"، و"بابل" سيأتي الدَّور على بغداد، ولا أستبعد أن إهمال شارع الرَّشيد له صلة باسم الشَّارع، وإلا هل مِن المعقول أن شريان بغداد التَّاريخي يتحول إلى مكب للنفايات؟

للأسف، أن البلدانيين والإخباريين كرسوا معاني للمدن على خلاف حقيقتها العراقية، فبأي حق يكون اسم "بغداد" فارسي الأصل والمعنى (اسم صنم وصاحبه)، مع أنه اسم آرامي عراقي قديم، شأنه شأن "أربيل" (أربلو). هنا نقتبس مِن أبرز المختصين بلغات العراق يوسف متى قوزي، الذي يعود له الفضل بترجمة كتاب الصَّابئة المندائيين المقدس "كنزاربا" مِن الآرامية الشَّرقية إلى العربية (1998).

يقول في محاضرة له ببغداد (بعد 2003): إن كلمة بغداد "تتألف من مفردتين آراميتين "باغ" تعني بيت، و"داد" خيط أو غنم أو نسيج، فالاسم إما "بيت الخيط" أو"بيت الغنم"، ويعطي قوزي احتمال آخر، أن "باغ" بمعنى (جنينة، بحر، بَطيحة، سعد). بعدها يأتي بمعانٍ أُخر متقاربة المعاني لبغداد، ليس بينها مفردة فارسية. نقول هذا، كي نستبق مَن قد يقوده التَّمكن، مِن عقول النَّاس، فيُصبح أهل بغداد، في يوم مِن الأيام، وعاصمتهم تحمل اسم آخر!

لم يُقتصر الأمر على تزوير أسماء مدننا، بل اسم العِراق نفسه، اعتُبر لفظة فارسية، وهو الـ"مشتق من كلمة تعني المستوطن، ولفظها أوروك... وأن أول استعمال لكلمة عراق ورد في العهد الكيشي... وجاء فيها اسم إقليم على هيئة إيريقا" (الآلوسي عن آخرين، اسم العراق). الحذر الحذر مِن تصفية العراق، كبلاد وحضارة إنسانية، وأرى البداية بتزوير أسماء مدنه. أقول: عضوا على وجوده بالنَّواجذ، لمواجهة تغييب كامل باسم الدِّين والمذهب والقومية وقصباته، ولأحد أبنائه النَّجفي محمد باقر الشِّبيبي (ت1960): "أما العراق فإن في تاريخه/ شرفاً يضيء كما يضيء الفرقد". ليس كلُّ تاريخه عنفاً ودماء وهواناً، ولا أعدُّها عاطفة شاعر، إنما الحقُّ بعينه.

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

(الاتحاد) الاماراتية

 

إيران..

المندائيون في النَّزع الأخير

رشيد الخيون

تقاسم العراق وإيران وجود أتباع الدِّيانة المندائية. أصبح القسم الأكبر داخل إيران بعد ضم الأحواز، وما حولها (1925)، فالبيئة متشابهة، ويفضل المندائيون الإقامة على شواطئ الأنهار، لحاجة طقوسهم للماء الحيّ. صبروا على إيذاء المحيط، خصوصاً المتشددين في الأزمان كافة، وتكفي الإشارة إلى فتوى محتسب بغداد الأصطخري (ت328ه)، بطلب مِن القاهر بالله (ت339ه): «أفتاه بقتلهم، لأنه تبين له أنهم يخالفون اليهود والنَّصارى. وأنهم يعبدون الكواكب، فعزم الخليفة على ذلك، حتى جمعوا بينهم مالاً كثيراً» (البغدادي، تاريخ مدينة السَّلام).

مع أن كتابهم يقول: «باسم الحيّ العظيم، أشرق نور الحيّ وتجلى... حطم ألوهية الكواكب، وأزال أسيادها من مواقعهم» (الكَنزاربا- اليمين). ومَن لم ينظر في ديانتهم يفتي ما يشاء فيهم بلا عِلم، وقد وقع العديد مِن الفقهاء في أخذهم بظاهر توجههم صوب القطب الشمالي في صلاتهم، وهنا يُوضح الإمام أبو حنيفة (ت150ه): «إنهم ليسوا بعبدة أوثان، وإنما يعظمون النُّجوم كما نعظم الكعبة» (الآلوسي، روح المعاني).

بعد الثَّورة الإيرانية لم يعترف بهم الدستور ولا الدوائر الرسمية، فأخذوا يعيشون حياة أشبه بالسِّرية في مناسباتهم، ويتحيّنون الفرص للهجرة مِن إيران، بالتوجه إلى أميركا وأستراليا، ومَن لم تطاوعه نفسه على ترك جذوره يضطر لإشهار إسلامه، كي يستريح مِن قسوة المعاملة. ولم يبق منهم سوى ألفين أو ثلاثة آلاف، وكانوا نحو (30) ألفاً. ومن عشائرهم التي لم يبق منها سوى القليل: آل زهرون، الجحيلية، الجيزانية، الدهيسية، والخميسية، عشائر ممتدة ومتداخلة الأنساب بين العراق وإيران.

لا يُوظف أبناء المندائيين، ولا يدخلون الجامعات، ففي استمارة القبول أربع خانات: مسلم، زرادشتي، يهودي، مسيحي. فإذا تجرأ أحدهم وسجل في إحدى الخانات، قد يواجه حدّ الرِدة (القتل)، ولهذا عندما يكمل المندائي الابتدائية والمتوسطة يخرج للعمل بحِرفة أبيه كالحدادة.

يشعرون بقلق على فتياتهم، ومنهنّ من يخطفن ويضطر الأهل للموافقة والسُّكوت، لأن خطف المندائية ليست عليه تبعات قانونية، وإذا أشهرت إسلامها تحت القوة تصبح محرمة على أهلها، وقد تُسأل الأم عن ابنتها المخطوفة فلا تفصح بغير أنها غرقت مثلاً، فليس هناك قانون يُنصف غير المشمولين في الدستور، حسب المادة (12): «الإيرانيون الزَّرادشت واليهود والمسيحيون هم وحدهم الأقليات المعترف بها». مع أنهم أهل الدِّيار الأُصلاء، وكيف الحال إذا كان المجتمع ضدهم أيضاً، ومعلوم أن «النَّاس على دين ملوكهم».

فبحكم الدستور والموقف الاجتماعي تتم طقوس الزواج والوفاة بالخفاء، لا وجود لمندي (معبد)، ولا نادٍ اجتماعي أو ثقافي خاص بهم. بينما في عهد الشَّاه كانوا يدرسون في الجامعات، ويتوظفون في الدَّوائر، ومنهم الضباط والأطباء، والقانون يحميهم أسوة ببقية الإيرانيين، أما الآن فلم يبق لهم سوى الحِدادة وحِرف يتعالى عليها الآخرون.

يرتبط هذا الموقف، مِن المندائية، برسالة الخميني «تحرير الوسيلة»: «تؤخذ الجزية مِن اليهود والنَّصارى مِن أهل الكتاب، وممِن لهم شبه كتاب، وهم المجوس... فلا يُقبل مِن غير الطَّوائف الثَّلاث إلا الإسلام أو القتل». أورد الخميني في أهل الكتاب ما يُطابق ما أورده ابن تيمية (ت728ه) فيهم (قابل أحكام أهل الذِّمة بين «تحرير الوسيلة» و«مسألة في الكنائس»).

قال الولي الفقيه خامنئي في رسالة «الصابئة حكمهم الشَّرعي وحقيقتهم الدِّينية» (1999): «إننا لا نعرف مِن المعارف والأحكام الدِّينية لهذه النَّحلة التَّاريخية، والتي أصبح المنتمون إليها موجودين بين أيدينا وفي عِقر بلادنا، شيئاً كثيراً تسكن النَّفس بملاحظته إلى معرفة أصحابها». وبالمحصلة فقد توصل إلى: «جملة عقائدهم التي يدعونها ويصرون عليها التَّوحيد». ومع هذا الاعتراف، لم يتغير شيء في معاملتهم. ذكر لي بعضهم أن رسالة خامنئي غدت حجةً بيد المندائيين يحتجون بها في طلب وظيفة أو غيرها، لكنها لم تخفف مِن معاناتهم.

كان هذا رأي الخميني فيهم، مع أن كبار فقهاء الإمامية يستقبلونهم، ولبعض شيوخهم صداقات مع أعيان النَّجف، كالسَّيد علي بحر العلوم (ت1960) والمندائي عنيسي، وعندما لامه البعض أجاب: «بيني وبين أَبي بشير صداقةٌ/ تبقى مدى الأيامِ والأحقابِ/ إني لأرجو الودَّ يبقى بيننا/كودادِ سيدنا الرَّضي والصَّابي». يقصد ما بين الشّريف الرَّضي (ت406ه) والكاتب الصَّابئي أبي هلال (ت384ه). وكان شيوخ المندائيين يزورون المرجع الخوئي (ت1992) بالكوفة (الخوئي، قبس من تفسير القرآن)، ما يؤكد الاعتراف بوجودهم وعلى دينهم، وليس كما تشدد ضدهم الخميني، ليكن له رأيه كفقيه، لكنه أصبح زعيم دولة عليه رعاية الجميع.

هنا تأتي الخشية مِن الدَّولة الدِّينية، فالمندائيون تحت عَلم «الجمهورية الإسلامية» في النَّزع الأخير، ما يتطلب مِن المنظمات الدَّولية حماية قوم ما زالوا ينطقون الآرامية، والسَّلام شعيرة مِن شعائرهم، ويعتقدون أن مِن أقطابهم نوحاً وساماً ويحيى.

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

العراق..

 وفي تاريخه سلمٌ وسلام

رشيد الخيون

لا يحضر شأن العراق إلا وذُكر العنف والدَّم. فالنَّوازل لم تكف يدها. نعم، نضب الكلام عن الصَّواعق الدَّموية، منها ما زاد على الألف ضحية، والمتواضع عُدّ بالعشرات، حتى صارت أيام الأسبوع كلها نواحس، ومازال الوضع أقرب إلى السَّائب، بتغطية الأكاذيب والشّكوك على الحقائق، فـ«مِن مضحكات الدهر»(قصيدة للرصافي): «وإن أبصرت عيناك يوماً حقيقةً/ تُخالف ما قد قلته فتُشككُ».

هل هذا قَدر العراق؟ أن يُختصر تاريخه بدورات العنف، بينما للمرائين المنتفعين باسم الدِّين «بيوتٌ على أبوابها البؤسُ طافحٌ/ وداخلهنَّ الأُنس والشهواتُ» (الجواهري، الرَّجعيون)؟! وأي بلد إذا حُكم بعصابات تأتيه بانقلابات أو انتخابات، وتتلاقى الديكتاتورية والدِّيمقراطية في مسار واحد، ولم يُحذف السِّلم والسَّلام مِن تاريخه؟!

أقول: مِن حق المتأمل في أراجيف العراق، أن يحسبه بلاد دم وخراب، وهو يرى تواتر الموت بسلسلة مِن الكوارث، ومَن استورد أدوات كشف المتفجرات الفاسدة مازال آمناً، وهذا ما تقتضيه ديمقراطية الطَّوائف، التي تحاصصت فيها الجماعات مِن الرئاسة إلى الفِراشة، يحلمون بتأبيد السُّلطة، بما قاله العباسيون: «اعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منَّا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم» (الطَّبري، تاريخ الأُمم والملوك). هكذا ظنوا أن تدوم لهم بالدِّيمقراطية المنكوسة وبالوجوه نفسها، ومن يرثها مِن إخوان وأبناء وأصهار. ألم يقلها صاحب «دولة القانون»؟!

لكن لا يصح نسيان وجه آخر مِن تاريخ العراق، تاريخ مَن حرص على السِّلم والسَّلام، وفي أحلك الظّروف. كتب العزاوي (ت 1971) عن السَّنة التي استباح فيها عباس الصَّفوي بغداد (1622م): «فرق بدفاتر (أسماء السُّنَّة) و(أسماء الشِّيعة)، ودونها وأودع مِن السُّنَّة مَن لا يحصون بيد الشِّيعة (مِن القادمين معه) فعذبوهم بأنواع العذاب، وقتلوا فيهم كثيراً ليضطروهم إلى بيان أموالهم وسائر ممتلكاتهم. وكان في نية الشَّاه أن يقضي عليهم جميعاً، ولكن الكليدار (السَّادن) للإمام الحسين (رض) نقيب الأشراف في بغداد السَّيد دراج مِن رؤساء الشِّيعة، وله جاه عند الشَّاه استشفع بالكثيرين، إذ أنه أدخلهم في دفتره، وبَين أنهم مِن محبي أهل العبا فتمكن مِن إنقاذهم» (العراق بين احتلالين).

كأن اليوم مثل الأمس، نزاع إرادات داخل بغداد، وتوزيع الدَّفاتر بأسماء الشِّيعة والسُّنة، فسابقاً «العراق ابتلي ببلاء عظيم بين ناري حكومتين تتنازعان السُّلطة. هذا مع العلم بأن العثمانيين راعوا عين الطَّريقة في القتل والطَّعن بنسل هؤلاء، أو الفتوى بقتلهم، أو حرق موتاهم بعد نبش قبورهم، ما عدا صفي (جد الصَّفويين)، وما ماثل من الفظائع. فلا يُعذر هؤلاء أيضاً، سواء كان بطريقة المقابلة بالمثل أو ابتداء» (المصدر نفسه).

تدور الأيام ويحتل العثمانيون بغداد، ولم تشفع للسَّيد دراج مجازفته بحياته، فتقدم الوالي العثماني بقتل منقذ السُّنيين العراقيين مِن سيف الشَّاه عباس، لأنه لا يهمه السُّنَّة، مثلما الصَّفوي لا يهمه الشِّيعة. كتب العزاوي قائلاً: «هذا العمل المشكور كله لم يمنع الوالي من الوقيعة به بعلةِ أنه كان شيعياً معروفاً بتشيعه، فلم يتحمل شهرته ومكانته، فاتخذ ذلك وسيلة للقضاء عليه» (نفسه).

أتعلمون كم سُنياً وشيعياً، في نزاعات بعد 2003، قُتل بعد النَّظر في الدَّفاتر مثل التي قُدمت للسيد دراج؟ واليوم وصلت إلى أيدي الدَّمويين المنفذين، وكم قتل حصل على الاسم والكُنية! هل نظر، الذين يُدعون مِن أهل الثَّقافة وأصبحوا تحت إمرة أمراء الحرب، في تضحية السَّيد دراج، أو الإمام أحمد بن حنبل (ت241هـ) وقد سجنته السُّلطة بتهمة إخفاء علويين، وما هي شدة الأواصر بين الإمام محمد بن إدريس الشَّافعي (ت204هـ) والعلويين، وماذا قَدم الإمام أبو حنيفة النُّعمان (ت150هـ) للعلويين! فكيف يُختصر هؤلاء بـ«داعش» وفكرهم الذي يسوق الشَّباب إلى حتوفهم بأكذوبة الفوز بالجنَّة، وفي المقابل كيف تحجب تضحية السَّادن بمليشيا يساق الشَّباب فيها إلى حتوفهم بعذر لا يقل عن تهافت الأول.

يُفهم مصطلح السِّلم كحالة مؤقتة بين المتحاربين، أما مصطلح السَّلام فهو الأعم والدائم، وورد اسماً مِن أسماء الله. فلو أطلقنا البحث عمَّن عمل مِن أجل السِّلم، ومَن سعى للسَّلام على الأراجيف الطَّائفية والدينية، لظهرت في تاريخ العراق حصة مِنهما، ولنُظر إلى بغداد «مدينة السَّلام» على الحقيقة لا المجاز، وهكذا جاء عنوان سِفر الخطيب البغدادي (ت463هـ): «تاريخ مدينة السَّلام». أقول رفقاً بالعراق: وأي البلدان، شرقاً وغرباً، لو انتقينا الحروب والمقاتل مِن تاريخها لم يظهر دموياً؟

ترون العراق أمام فتنة خبيثة، نَصفُها ببيت الرَّصافي: «وما النَّاسُ إلا خادع أدرك المُنى /وآخرُ مخدوع لها غير مُدركِ» (الدِّيوان1959). غير أن دعم ثقافة السِّلم والسَّلام الاجتماعيين، كجزء مِن التَّاريخ، يفسد على أهل الفتنة الخداع بالوسائل والغايات.

(الاتحاد) الاماراتية

 

مالك للمنصور: «دع النَّاس»!

 

رشيد الخيون

لا يُحتمل ما يحدث اليوم من إيغال في التعصب العقائدي والفقهي، وهو يتعدى إلى سفك الدِّماء وخراب المجتمعات، حتى وصل عند الجماعات المتطرفة إلى تكفير الأم والأب والأخوة، والإفتاء بقتلهم. هكذا وصل عدم تحمل الناس بعضهم بعضاً في التدين إلى داخل الأسر، بنسف قاعدة الاختلاف وجوازه. بينما الاختلاف قاعدة مستوحاة من الكتاب الكريم وبوضوح، في آيات لا تحتاج تفسيراً ولا تأويلاً.

ما علاقة هذا المستهل بقول الإمام مالك بن أنس (ت 179ه) لخليفة يُخشى سُلطانه ويُرتجى، كأبي جعفر المنصور (ت 158ه): «دع الناس»؟ عرف عن صاحب المذهب المعروف برفضه أن يكون كتاب «المُوطَّأ» دستور الفقه الوحيد مرسوماً بقرار السلطة. وجاء في الرّواية، قال مالك: «لما حج المنصور دعاني فدخلتُ عليه، فحادثته، وسألني فأجبته. فقال: عزمت أن آمر بكتبك هذه -يعني المُوطَّأ- فتنسخ نسخاً، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ويدعوا ما سوى ذلك من العلم المحدث، فإني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم. قلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الناس قد سيقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سيق إليهم، وعملوا به، ودانوا به، من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم. فقال: لعمري، لو طاوعتني لأمرت بذلك» (الذَّهبي، سير أعلام النُّبلاء).

 
 

http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png

فإلى ماذا تشير هذه القصة، ذات المغزى العظيم، غير شرعنة الاختلاف كأمر إلهي أولاً، وحاجة إنسانية ثانياً؟ يعلم الإمام أن الخليفة إذا عمّم كتابه وأمر الناس به سيكثر القتل فيهم، لأن رفض الأخذ بـ«المُوطَّأ» يُفسر رفضاً لأمر الخليفة، وبالتالي البراءة ممن لا يستجيب. ناهيك عن أن الإمام له تجربة أليمة مع والي المدينة، وابن عم الخليفة، جعفر بن سليمان بن علي (ت 174ه) عندما «جرده وضربه بالسياط.. حتى خُلعت كتفه» (ابن خِلِّكان، وفيات الأعيان). فكيف يجعل مِن كتابه ذريعةً للجور على غيره؟

كذلك يشير اعترض الإمام إلى عدم ادعائه بالحق لوحده، وأن السُّلطة شيء والدِّين والفقه شيء آخر، وأن للآخرين اجتهاداتهم مثلما له اجتهاده. فأول الدروس مِن هذا الرفض تأكيد أن الاختلاف رحمة لا نقمة، وحسب ما نقله المؤرخ كمال الدين الدِّميري (ت 808ه)، عمَن سبقوه، أن مالكاً احتج عندما أراد خليفة عصره حمل الناس على«المُوطَّأ»، معتذراً بما اعتبره المؤرخ المذكور حديثاً نبوياً: «اختلاف أمتي رحمة» (حياة الحيوان الكبرى).

كذلك يأتي عند إخوان الصَّفا (الرابع الهجري): «مِنْ أجل هذا قيل اختلاف العلماء رحمة» (رسالة الآراء والدِّيانات). إلا أن آخرين يعتبرونه مأثوراً لا حديثاً صحيحاً.

جاءت قاعدة الاختلاف وشرعيته، في الأمر الديني، بما لا يسمح باستحداث مصطلح «الفرقة النّاجية»، واعتبار ما سواها كفرة في «النَّار»، أو ما عُبر عنه قُبيل الإسلام بـ«أهل الله»(الأزرقي، أخبار مكة). شُرع الاختلاف في ثلاث آيات: «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً» (المائدة: 48)، و«وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» (يونس: 19)، و«وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ»(هود: 118).

أقول: مِن حِسن حظ الدَّاعين إلى السلم واحترام الاختلاف، والمؤمنين بـ«اختلاف أمتي رحمة»، أن هذه الآيات لم تنسخ واحدة منها، حسب صاحب «الناسخ والمنسوخ»، هبة الله بن سّلامة البغدادي (ت 410ه). فالأخير أشار إلى نسخ آيات السلم والمحبة والعفو والصفح والتعاضد والتكافل بين الناس على اختلافهم، ومنع السلطة والهيمنة باسم الدين، بآية «السيف». قال: «نسخت مِن القرآن مئة آية وأربعاً وعشرين» (الناسخ والمنسوخ)، والآية الناسخة: «فاقتلوا المُشركين حيث وجدتموهم» (التوبة: 5).

إلغاء «الاختلاف» كلف البشر دماءً وثروات، مورس بأوروبا في (16 الميلادي)، ولم تنهض حتى استرجعت قاعدته وتبنتها في الدين والمذهب، ومازال يُكلف منطقتنا، بل وما يصل العالم مِن شرور التشدد، مِن هدر في الأرواح وخراب العمران. تلك القاعدة التي لو غفلها الإمام مالك لكان سبباً في ما يحصل. كأنه بعدم قبوله انتبه لحقيقة أن الدِّين غير السِّياسة، فاعترض على ما أراده خليفة المسلمين زمانه.

إنه درس بليغ، لمَن وصل به الحال إلى قتل ذويه، لأنه أخرجهم من فرقته الناجية. للموقف المذكور وغيره ظل الإمام مالك بما وصُف به حقاً: «وهو المهيب وليس ذا سُلطانِ» (ابن بكار، الأخبار الموفقيات).

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

الهوية العراقية.. منجاة الجميع

رشيد الخيون

بعد تصريح رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البارزاني، بمناسبة مئوية «سايكس-بيكو»، لإنهاء الشراكة مع بقية العراقيين بدولة كردية، سمعنا بتصريح نجله مسرور البارزاني، مسؤول الأمن، بضرورة تقسيم العراق، بعد دحر «داعش»، إلى ثلاث دول: كردية وسنية وشيعية، مع علمنا أن تصريح الأب ارتبط بسايكس-بيكو، وكان تنفيذها مجرد إشاعة.

كذلك ارتبط تصريح البارزاني الابن بترقب نهاية «داعش»، وتلك لاصلة لها بوحدة أو تجزئة العراق، ولا تمثل سُنته، مثلما لا تمثل الجماعات السلفية الكُردية، كـ«أنصار الإسلام»، الكُردَ، ولا الميليشيات تمثل شيعة العراق.. فكلها جماعات سياسية أو مسلحة لها أجندتها. لكن على ما يبدو فإن تجديد الدعوة إلى الانفصال، شكلاً ومضموناً، بحاجة إلى ذريعة، وحسب هذه الذريعة فإنه على كل بلد ابتُلي بـ«داعش» أن يُقسَّم!

لا نرى العراق كياناً من ورق، نقش بريشة بريطانية، فلو كان كذلك ما صبرت بريطانيا ولا أميركا، كل هذا الزمن على وحدته. لم يكن الكُرد ولا السنة ولا الشيعة ولا بقية الأقوام بغرباء على هذه البقعة، صحيح أنه مرَّ على زعامتها أقوام وأقوام، وانفصل هذا الزعيم أو ذاك بجزء منه، لكن لم تؤسس وترسخ ثقافة التجزئة عليه، حكمه أقوام كثر والكُرد بينهم (دولة ذي الفقار ببغداد).

لم يبخل العراق على ساكنيه، فالخير وفير، أما السياسة فأمرها آخر، ولم تكن ألاعيبها جارية على العراق وحده إنما العالم كافة خضع لأهوائها، وما أصاب الكُردي أصاب غيره. فلماذا هذا الإسراع إلى شؤم التقسيم؟ ليس القلق من التقسيم، أو قيام دولة كُردية، طمعاً بخير كردستان، فنفط البصرة كان يُصرف على أربيل بالمقدار الذي يُصرف على البصرة نفسها، إنما سبب آخر يجعل بقية العراقيين يتشاءمون من تلك الدعوة، إنه تاريخ المواطنة.

جاء في تقرير أسقف بغداد عمانوئيل (ت 1773) إلى البابوية (1742)، ما يؤكد أن العراق عُرف قديماً بأبنائه كافة، ومنهم الكُرد: «ولاية خاضعة للسلطنة العثمانية. وهي واسعة جداً، إذ تشمل مناطق عديدة هي كلدة وما بين النهرين، وقسماً من البادية العربية، وتمتد حدودها إلى بلاد فارس وإلى ديار بكر شمالاً، وتشمل منطقة مادي شرقاً، وهي المعروفة بكردستان» (بين النهرين، العدد 43). بمعنى أن العراق، كما هو الآن، وكردستان منه. فأين احتلال العراق الحديث للمنطقة الكردية، كي تطلب التحرر منه؟

ألَّف رسول الكركوكلي (ت 1825) كتاباً بتوجيه من وزير العراق داود باشا (ت 1831) أرَّخ فيه للشراكة بين العراقيين: «أثمرت المساعي التي بذلها الأهلون والعشائر والرؤساء، لاسيما أمراء الأكراد، الذين قدموا العرائض والالتماسات إلى المقامات العليا بيد ساعٍ خاص إلى الأستانة، وصدور الفرمان البادشاهي بتعيين داود باشا والياً على بغداد والبصرة وشهرزور مع رتبة وزير، فكان لتعيينه رنة واستحسان في سائر أنحاء العراق» (الكركوكلي، دوحة الوزراء). فهل كانت تلك الشراكة خالية من المواطنة؟!

كذلك يؤكد المؤلف نفسه: «العراق بما فيه من طوائف متنافرة وعشائر متخاصمة، كالأكراد والعرب» (نفسه). أما إبراهيم صبغة الله (ت 1882)، فيكفينا من كتابه، المصنف (1869): «أما عشائر الأكراد من أهل العراق فهم كثيرون»، وعدَّ الزيباريين بالاسم (المجد في أحوال بغداد والبصرة ونجد).

لا أنتهي إذا أطلقتُ للمؤكِدات بأن العراق بأقوامه أقدم من «سايكس- بيكو»، و«داعش»، ولا أريد حرمان الحزب الديمقراطي الكردستاني من دولته المنتظرة، بقدر ما أفهم جيداً أن الهوية العراقية هي الخيمة التي يستظل بظلها الجميع، وأعمدتها راسخة في أعماق هذه الأرض.

لابد من تذكير «كاكا مسرور» بالآتي: ماذا يُصنع بالمناطق المختلطة: كركوك والموصل وبغداد وديالى والبصرة والحلة؟ أتجري تصفيات عرقية ومذهبية كي يقبل البلد القسمة على ثلاثة؟! وهل ستتفق السليمانية مع الدعوة، ونعلم أنه لولا ظِلُّ العراق لعادت الحرب الضروس في كردستان مثلما نشبت في التسعينيات؟ وهل ستوافق دهوك على تمزيق العراق لو تُركت لها الحرية، وهي محافظة الإقليم الثالثة؟ وماذا عن التركمان والكُرد الفيليين، والشَّبك، مع أي قسم سيقطنون؟ وماذا عن سهل نينوى وتاريخه وحاضره السرياني؟!

نعم، هناك غربيون لا ينقطعون عن المنابر التي تُعقد بأربيل، لكنهم مجرد بياعي كلام، لم يتصفح أحدهم تاريخ الشراكة على هذه الأرض، ولم يبتل بعاطفة الهوية العراقية، لذلك فذبحها بسكين التقسيم سهل عليه، ولا هم الأقرب لأشقائنا الكُرد مثل قُربنا لهم، والوديان تشهد للدماء التي سالت لأجل شعار «الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان».

افعلوا ما تستطيعون، وأنتم قادرون في لحظات بؤس بغداد، لكن لا تنكروا حقائق التاريخ وثوابت الجغرافيا، واعلموا أن الهوية العراقية منجى الجميع، من تقسيم لا يترك لأهل العراق ولا المنطقة غصناً أخضر.

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

العراق.. مولود قبل

ولادة سايكس وبيكو

رشيد الخيّون

 

نُشرت كتابات وبثت تصريحات بمناسبة مئوية اتفاقية «سايكس - بيكو» (1916 - 2016)، ويغلب على الظَّن أن العديد مِن أصحاب تلك الكتابات والتَّصريحات لم يطلعوا على أصل بنود الاتفاقية السِّرية بين البريطاني سايكس (ت1919) والفرنسي بيكو (ت1951)، وما شأنها والعراق. لاحقاً دخلتها روسيا القيصرية طرفاً ثالثاً، وبعد انتصار الثَّورة بروسيا فضح الثُّوار بنودها، فاتخذت الأحزاب الشّيوعية العربية مِن ذلك منطلقاً لتحبيب الاتحاد السُّوفييتي، على أنه مع تحرير العرب مِن الاستعمار.

ذكر الشَّيخ الخالصي (ت1963): إنه «اطّلع على رسائل لينين المتبادلة مع شخصيات إيرانيّة دينيّة. ومنها أنّه ليس لدى البلاشفة مخططات حول الشَّرق، وأنّ كلّ ما يرغبون فيه هو تحرير البلدان الشرقيّة من العبوديّة والحكم الاستعماريّ؛ وأنّه ليست لديهم نية للتدخل في شؤوننا الداخليّة أو معارضة مسلمي العراق في دينهم» (بطاطو، كتاب العراق).

لاتهمنا في المقال «سايكس - بيكو»، وما في بنودها مِن تقسيم شرقنا إلى منطقة خضراء وأخرى حمراء، بقدر ما نثير السؤال: هل نُفذت «سايكس بيكو» على العراق، وغيرت في جغرافيته القديمة، ولنقل منذ العهد الإسلامي؟ نقول: لا، وما هذا إلا كلام شائع تتناقله الألسن. أما ظهور دول وطنية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية وقبلها الإيرانية، فهذا أمر حتمي، لا يعجب الإسلاميين المنادين بالخلافة الإسلامية، التي انتهت ( 1924).

كذلك ظهور الدّول الوطنية لا يعجب القوميين العرب، فبادروا عند تسلمهم السلطة، بهذا البلد أو ذاك، إلى تسمية الأوطان بالأقطار، وجاروا على القوميات الأُخر. مع علمنا أن الامبراطوريات كانت سمة ذلك العصر. فماذا كانت الدُّول الأوروبية، أليست ضمن الإمبراطورية الرومانية؟ وهل كان لدولتي تركيا وإيران الحاليتين وجوداً خارج الكيان الصَّفوي والعثماني؟ وماذا كانت مصر قبل انفصالها عن الدَّولة العثمانية بزعامة محمد علي باشا (ت1848)، أليست إقليماً؟ فلماذا يركز على العراق دون غيره؟

نسمع، بين الفينة والأخرى، تصريحاً لرئاسة الإقليم مهددة بإعلان الدَّولة الكردية، وكان آخر التصريحات بمناسبة مئوية الاتفاقية المذكورة، مع أنها لم تتناول شأن الأكراد، ولم يُنفذ شيء منها على العراق، فليست «سايكس - بيكو» جعلت المنطقة الكُردية ضمن العراق، إنما معاهدات تلتها أعطت وعوداً للأكراد بدولة كردية.

قام العراق الحالي، بقومياته كافة، على جغرافيا معلومة قديماً، فكانت حدوده صعوداً مِن أعلى الموصل ونزولاً إلى عبادان: «السَّواد وهو العراق، فقالوا حده مما يلي المغرب، وأعلى دجلة من ناحية آثور وهي الموصل القريتان، القريتان المعروفة أحدهما بالعلث من الجانب الشَّرقي من دجلة وهي من طسوج مسكن، ومن جهة المشرق الجزيرة المتصلة بالخليج العربي المعروفة بميان روذان من كورة بهمن أردشير وراء البصرة» (المسعودي، التنبيه والأشراف).

بين هذه الحدود نظم مدحت باشا (قتل1883) العراق إدارياً، بتقسيمه إلى عشرة سناجق (ألوية): بغداد، شهرزور (كركوك)، سليمانية، الموصل، دليم، كربلاء، الدِّيوانية، البصرة، العمارة، المنتفك، وكانت أربيل قضاءً تابعاً لشهرزور (النَّجار، الإدارة العثمانية عن الزَّوراء 12 ربيع الأول 1286). أقرَّ العهد الملكي التقسيم الإداري نفسه، مع جعل بعض الأقضية ألوية، كأربيل مثلاً.

لا يُكثر على أكراد العراق المطالبة بدولة كردية، لكن ماذا عن أكراد إيران وقد صفت السلطات الإيرانية الإسلامية القيادة الكردية، وماذا عن تركيا التي يعيش بها ملايين الأكراد؟ وعن أكراد سوريا؟ هل يُصرح ذلك لأن العراق الآن واهناً كبيت العنكبوت، وكأن وجهاء الأكراد لم يكونوا أحد مِن بُناته؟ نعم حصل تجاوز، مِن اعتقال إلى أنفال، لكن هذا الأمر انتهى ولم يسلم منه بقية العراقيين، وتحققت الأحلام ضمن الفيدرالية، التي بدأت تظهر (1992) وليس أقدم، أما قبل ذلك فكان المطلب الديمقراطية للعراق والحكم الذَّاتي لكردستان.

لم تكن مئوية «سايكس - بيكو» مناسبةً للتصريح بنية الانفصال، لأنها لم تضم رأس العراق (شماله) لبقية بدنه، بل كان ضمن حدوده الموجودة مِن قبل ولادة المسؤولين سايكس وبيكو بقرون. وتحت هذا الشُّعور المنتمي إلى العراق صوتَ الأكراد، عند الاستفتاء على الموصل، ضد قطعها عن العراق، بعد تفكك الدَّولة العثمانية، برواية ودراية أن حد العراق من آثور الموصل إلى عبدان البصرة، مثلما حدد نهاياته الأولون. هذا وفق حقيقة التَّاريخ وثبات الجغرافيا.

أظن أن الأكراد العراقيين يشعرون بالانتماء لهذا الوطن، وأن الاستقرار على هذا الانتماء، بالصيغة التي اختاروها، يجنبهم وبقية العراقيين القلق والجري وراء السَّراب. أما إذا كان الإصرار على الطَّلاق فلينفذ الآن؛ فلا أظن لبغداد الركيكة عصمة مِن انفصال ولو قرية. أقول: ليس مِن داعٍ لاتخاذ «سايكس بيكو» ذريعة، مع أنها بخصوص العراق مجرد شائعة.

 (الاتحاد) الاماراتية

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 

كنعان مكيَّة..

طلب الحق فأخطأه

 

رشيد الخيون

كان الجميع يفكر بطريقة ما لإزالة صدام حسين (أعدم 2006)، فلم يعد أهلاً للحكم، لوقف ما عانى منه الشعب العراقي من حصار مدمر، لم يبقِ حتى على قلم الرصاص، ولكم تخيل الانحدار الحضاري عندما يحسب قلم الرصاص من مواد تصنيع أسلحة الدمار الشامل. جريمة اشترك فيها العالم عبر منظمته الأممية، لم يفصح عن تبعاتها بعد، وفي المقابل كانت المعارضة تشدد عليه، على اعتقاد موغل في الأنانية، وها هي النوايا تكشف عن الوقائع، فالاشتراك بتأييد الحصار ثم الغزو أسفرا عما حصل. فلا خطة إعمار ولا صحوة ضمير. كان التفكير بالتغيير حتى داخل البعثيين أنفسهم، وعائلة رئيس النظام نفسه، فحسين كامل (قُتل 1996) زوج ابنة الرئيس حاول بطريقته أيضاً.

كان كنعان مكية، المهندس المعماري والأكاديمي العراقي، لا يرى التغيير إلا بقوة لا يقهرها النظام، داخلاً في مشروع التغيير عبر الأميركان الذين سدوا باب التعاون مع أي أسلوب سوى الغزو، أغراه مشهد أحمد الجلبي (ت 2015) متصفحاً كتاب إعادة إعمار ألمانيا بعد النازية، ومنها نسجت العلاقة بين الحالم بعراق كاليابان أو ألمانيا وسياسي عشعشت في رأسه مصالح شتى، حتى مات كمداً لفرط الإهمال من قِبل الذين صدوا عن أميركا لمصلحة إيران، التي نزلت بجبروتها السياسي والعسكري عبر الميليشيات، فظهر المالكي بمظهر المحرر عندما حان انسحاب الجيش الأميركي، متناسياً فضل الأخير عليه، وعلى الثلاثة عشر الذين وصفتهم الرواية بـ«العصابة».

 
 

لكن الصدمة التي صُدم بها مكية أن يسمع، ممن ساروا في ركاب الغزو حتى دخول بغداد، عبارة مخاتلة هزت ثقته بزملائه المحمولين على الدبابات الأميركية: «الآن نبدأ بشتم أميركا»! ويراه مسرعاً لتأسيس «البيت الشيعي»، عصابة الثلاثة عشر في مجلس الحكم. هنا أصاب كنعان الذهول، وهو البعيد عن فن المخاتلة.

تبدأ رواية «الفتنة» مِن مشهدين: قتل مجيد الخوئي (2003) نجل المرجع الشيعي، بعد يوم من سقوط بغداد، وبخناجر أصحاب عمائم، وتستر الثلاثة عشر في مجلس الحكم على الجريمة، ويكون هذا المشهد محور الرواية، ثم إعدام صدام، الذي تشير إليه الرواية بالطاغية، في مشهد طائفي مخزٍ، ثم البدء بتفكيك العراق. ترجم مكية روايته إلى العربية بنفسه، بمساعدة محرر، فكتاباته عادة بالإنجليزية.

صحبتُ والده المعمار محمد مكية (ت 2015) لنحو ربع قرن، وأشرفت على مركزه الثقافي «ديوان الكوفة» لسنوات (1993-2006)، وصداقتي لكنعان طوال تلك الفترة، فأعلم بما كان يفكر به، وهو ليس بالغامض المريب، حتى وصف نفسه في توضيحاته بالسياسي «الساذج». بينما كتبت الأقلام عنه بأنه الماكر الطامع، وكم قرأتُ أكاذيب عن أحداث كنت شاهداً عليها، وعندما يصل الأمر إلى القضاء تبدأ الاعتذارات على صفحات الجرائد.

لا أجد في أكثر ما كتب عنه، وما يخص أعماله «جمهورية الخوف» (1989)، و«القسوة والصمت» (1993)، و«الصخرة» (2001)، وأخيراً «الفتنة» (2016)، غير الغل الشخصي بعيداً عن النقد الجاد. لم يكن صاحب رواية «الفتنة»، أو قصة العراق بعد (2003)، الحقود المنتظر فرصة الانتقام، لذا لم يتأخر عن الاعتذار، مع تلقيه الشماتة ممن يجهلون ثقافة الاعتذار.

يقول مكية شاهراً اعتذاره في توضيحاته لروايته: «شعوري بالذنب تجاه الأحداث المرعبة في العراق بعد 2003، وبالأخص حجم فشل النخبة السياسية التي جاهدتُ في إضفاء الشرعية العالمية عليها طيلة التسعينيات، فرض عليَّ كتابة (الفتنة). هذه الرواية التي تتناول بالدرجة الأولى جذور فشل هذه النخبة في التعامل مع الفرصة التاريخية» (هوامش على كتاب الفتنة).

فاجأ مكية معارضة الأمس باعتذاره، فالسياسة التي يفهما غير التي مورست «اختلاس أموال، والعمل الدؤوب دائماً وراء الكواليس للمصلحة الشخصية» (نفسه). لم يطرأ على بال مكية الانتقام عن طريق الاجتثاث، قائلاً: «يُخجلني أن أكون ممَن دعم فكرة اجتثاث البعث في العراق قبل الحرب، بل وحتى نظّرْت لها، لكن تنظيري اختلف تماماً مع ما طُبق بعد 2003، رفضتُ بالكامل استعمال كلمة اجتثاث. ما حدث في الحقيقة كان اجتثاث السنة، أو تصفية حسابات مع البعثيين» (نفسه)، بتبرير خاطئ بأن الدولة سُنية منذ نشأتها، وما سار عليه كُتاب غربيون، مما فتح الباب لوجود «داعش».

أقتبستُ العنوان من كلمة للإمام علي بن أبي طالب (اغتيل 40هـ)، قالها في أمر الخوارج بعد طعنه من قبلهم: «لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه» (نهج البلاغة). يحق للذين طعنوا باعتذار كاتب «الفتنة»، لأنها ثقافة غريبة على مجتمعاتنا. لستُ ناقداً بما أقوله عن الرّواية لكن لي الرأي كقارئ: شأنها شأن روايات كبرى تناولت حوادث كبرى.

(الاتحاد) الاماراتية

 

الفلوجة.. من حرب إلى أخرى

رشيد الخيون

تقع الفلوجة على الفرات، في خاصرة بغداد، ومن يهيمن عليها يشرئب إلى العاصمة. مرت عليها حوادث جسام، عبر الزَّمان. شهدت معارك الخوارج مع الأمويين أثناء إمارة الحجاج الثقفي (ت 95هـ) على العراق (اليعقوبي، التاريخ). ودارت فيها (132هـ) المعركة الحاسمة بين الأمويين والعباسيين. غلب فيها العباسيون، وأسسوا دولتهم واتخذوها عاصمة. وكانت أرضها مسرحاً لمعارك عباسية علوية أيضاً، أتاها (250هـ) حفيد زيد بن علي فنزل «قرية تعرف بالعمد، ومنها تحرك إلى الكوفة فغلب عليها وفتح سجنها (الطبري، تاريخ الأمم والملوك). كذلك كان للقرامطة نشاطهم بالفلوجة، ففي (293هـ)» أنفذ زكرويه بن مهرويه بعدما قتل ابنه صاحب الشَّامة رجلاً كان يعلم الصِّبيان بقرية تدعى الزابوقة من عمل الفلوجة» (نفسه).

ظلت الفلوجة طوال العهود العثمانية والإيرانية محل كر وفر بينهما، لأنها تقع على قارعة طريق العثمانيين إلى بغداد، ولا يأمن القابع ببغداد على سلطانه إلا إذا أخضع الفلوجة. يروي تاريخها ملاحم، لكنها ظلت آمنة، أغمضت عينها عن الطريق المارة بها، أو حافة النهر المزدحمة بالأعداء الغرباء، يُهيمن عليها مَنْ تغلب على أعالي الفرات، ومَنْ تغلب على أسافله أيضاً.

كان اسم الفلوجة معروفاً أكدياً وآرامياً ويعني الانشطار أو الانفلاج، فعرفها الأكديون بـ«بلوكاتو» والآراميون بـ«بلوكثا» (لسترنج، بلدان الخلافة الشرقية). ارتاد شاطئها الإنجليز زمن إليزابيث الأولى و«أبقوا سفنهم فيها وسافروا براً إلى بغداد» (نفسه). أقام العباسيون قريباً منها عاصمتهم، قبل بغداد، حيث خرائب الأنبار القديمة، وقيل حلت محل الأنبار (الشالجي، الفرج بعد الشدة).

عُدت الفلوجة في العهد الساساني من بلدان العراق الثمانية والأربعين على النهرين. وسمع المسلمون بسحر بابل من دهاقنتها. قال ابن الجوزي (ت 597هـ) راوياً عن دهقان الفلوجة: «كان ببابل سبع مدائن في كل مدينة أعجوبة ليست في الأخرى، في المدينة الأولى التي منها ملكها تمثال الأرض جميعاً، فإذا أتوا عليه بعين أهل مملكته بخراجها خرق أنهارها عليهم، فغرقت حيث كانت، فلا يستطيعون لها سداً حتى يؤدوا ما عليهم، فإذا سدت عليهم في تماثيلهم انسدت في بلادها» (المنتظم)، ثم أتى على عجائب المدائن الست واحدةً بعد الأخرى.

كان دهقان الفلوجة، المعاصر لولاية الحجاج، جميل بن بصبهرى، يستعان برأيه، فأتاه مرشح الحَجَّاج لولاية الفلوجة، طالباً النصيحة لأنه لا يأمن الحجاج على نفسه، فمما نصحه به: أن لا يستعمل حاجباً، ويطيل الجلوس لعماله، ولا يفرق في الحكم بين الناس، ويعامل الوضيع كمعاملته للشريف، وأن لا يقبل الهدايا (المسعودي، مروج الذهب).

ووردت أخبار الفلوجة في (12هـ) أي قبل سقوط مدائن كسرى بست سنوات، دهقانها كان من أسرة بصُبهرى المسيحيين، تعامل معه خالد بن الوليد (ت 21هـ) بعد خروجه من الحيرة. قال الطبري: «المسلمون يمخرون السواد والمثنى بالأنبار.. من أرض الفلاليج» (تاريخ الأمم والملوك). لأن الفلوجة فلوجتان: العليا والسفلى، و«فلاليج السواد قراها، وإحداها الفلوجة» (الحموي، معجم البلدان).

حتى الخمسينيات كانت مختلطة السكان، نزلها العربي والكردي والمسيحي واليهودي والمندائي. كان معروف الرصافي (ت 1945) يحبها، وبها صنف كتابه «الشخصية المحمدية» (1933)، وجرت المحاولة، بعد وفاته، لقيام تمثال له على أرضها، وبالتأكيد لو تم ذلك سيكون مصيره مصير تمثال المعري (ت 449هـ) بمعرة النعمان، وقد سمى الرصافي أثير المعري بـ«شاعر البشر».

كانت حرب (1941) بين الجيش العراقي والجيش البريطاني وبالاً على الفلوجة، فاجتيحت من قبل الأخير، وكان ذلك سبباً لنزوح الرصافي عنها، مع نزوح أهلها، فقال خاتماً «يوم الفلوجة»: فثناءً للرافدين وشكراً/ وسلاماً عليك يا فَلُّوجة (الديوان 1959). بعد عام 2003 تعرضت وأهلها لاجتياحين: اجتاح أميركي واجتياح من «القاعدة»، فأُخذت رهينة بينهما، وظلت تُدك بالطيران على مدار الساعة، حتى صارت عند طرف رمز للفداء وعند آخر نموذج للتمرد والعصيان، ولا أظن أهلها يريدون هذا ولا ذاك، وإنما استقطبت مدينتهم المصائب بسبب الموقع، وها هي تعاد عليهم باحتلال من قبل «داعش»، فلا يدرون كيف الخروج، ومن يحارب من، وما هي المقاصد؟

يخشى الفلوجيون من «حشد» تؤلفه ميليشيات ترى قاتل الحسين معتصماً بالفلوجة، فالصور والرايات الطائفية تُنبئ بكارثة، وتصريحات تهدد بجرف المنازل! وإلا فلماذا الإصرار على مشاركة «الحشد» بحرب الفلوجة، و«داعش» حينذاك ستقدم نفسها حامية لها من عدو يتحشد على أسوارها. أما أن «داعش» لا تُهزم إلا بـ«الحشد» وميليشياته الأربع والأربعين، وكلها لم تُطهر مِن النفس الطائفي، فمعنى هذا أن عاصمتي العراق وأميركا على وشك السقوط بيد «داعش»، إذا لم يُحرز النصر قادة «الحشد»، وهنا تحولت المعركة إلى ما بين طوائف لا بين تحالف دولي وإرهاب.

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

أهل الثورة:

«الفاسدون أهدروا دماءنا»

رشيد الخيون

 

كان «الأربعاء» الماضي (11/5/2016) يوماً دامياً على مدينة الثورة شرقي بغداد، قُتل وجرح فيه العشرات، فالإرهاب اعتاد قصد الأسواق حيث يتزاحم طالبو الأرزاق. كتبتُ أكثر مِن مرة عن شؤم «الأربعاء»، ففيه اجتاح المغول بغداد (1258 ميلادية)، واستلم «البعث» السُّلطة (1968)، وغزا الأميركيون بغداد (2003)، وهناك مئات الحوادث الكارثية حصلت في هذا اليوم، لكنْ الأيام كافة أصبحت شؤماً، فلو تأملت أحزان العراقيين، بين غزوة المغول وغزوة الأميركان وما بعدها، لتوهمت أن ماء دجلة والفرات من مدامع المُقل لا عيون الجبال.

عندما خرج أهل الثورة المنكوبة، إثر الأربعاء الدامي الأخير، هاتفين: «الفاسدون أهدروا دماءنا»، أيقنوا أن ما بين الفساد والإرهاب حلفاً، لن تستطيع تصريحات الفاسدين المنددة بالإرهاب إخفاءه، إنها عقوبة مَن يجرؤ ويتحدث ضد حيتان الفساد، فكم صحافي وإعلامي وكاتب لقي حتفه لأنه أقترب من «الصندوق الأسود»! ألم يشتركوا في تحرير الإرهابيين من السجون؟ وأدت مخازيهم في القيادة إلى نحر (1700) شاب في مجزرة «سبايكر» (2014)؟ ألم يكن المسؤول عن قتلهم من سيَّرهم بلا سلاح، وترك لهم خيار العودة ببيداء تتربص بهم الذئاب؟

لا معنى لتوجيه الاتهام إلى ميليشيا أو أي منظمة مسلحة، وهل تأتي باختراع إذا قلتَ: إن التِّمساح مفترس مثلاً؟ فهذه كائنات تتعطر برائحة الدم، لا يعنيها اتهام ولا تخشى احتجاجاً ولا تنديداً من قِبل دوائر السلطة وسواها، بل على العكس تراها محتفلةً فرحاً بهذا التنديد أو الاحتجاج. إنما المعنى أن تخرج السلطة وتواجه العراقيين بالحقيقة، وتعترف بعدم قدرتها على حمايتهم، فـ«فاقد الشيء لا يعطيه». كيف يواجه الإرهاب من اعتمد بوجوده على الجماعات المسلحة، وتكريس المحاصصة الطائفية؟

حلت بأهل «مدينة الثورة»، إحدى أكثر مدن بغداد ازدحاماً، ما يوصف بالمسالخ الجماعية في حوادث متصلة، ذلك إذا علمنا أن غالبية غرقى وقتلى جسر الأئمة، في موسم زيارة الضريح الكاظمي (2005)، كانوا من أهلها، وعندها خرج رئيس الوزراء مفتخراً: «هؤلاء شهداء الشعائر»، وخرج حينها نائب رئيس الجمهورية، الدارس بجامعات فرنسا، يستخف بعقول أولياء الضحايا قائلاً: «أعزي المهدي المنتظر بفاجعة الجسر»! فهل تتأمل أيها العراقي هؤلاء المناطة بهم مسؤولية حماية دمك المسفوك يومياً؟ عليك أن تنتظر وتستمع لنداء الإبادة الذي يطلقونه: «الموت آتٍ والنفوس نفائسٌ»، لكي يبقى حلف الفساد والإرهاب قائماً.

بدأ وجود «مدينة الثورة» بـ911 داراً، تحت اسم «مشروع أصحاب الصرائف» (مجلة العراق الجديد، أغسطس 1960)، أي الفقراء والمعوزين، من سكنة بيوت الطين «خلف السدة»، وتبنت الحكومة البناء، وسلمت الدُّور الجديدة جاهزةً لأهل الأكواخ والصرائف معبِّدةً الأزقة، وفيها أحدث الخدمات، ثم أُطلق عليها اسم «مدينة الثورة»، وبعد انقلاب 1963، بدل رئيس الجمهورية عبد السلام عارف (قُتل 1966) اسمها إلى «حي الرافدين»، لكنها عادت لاسمها القديم سريعاً، وقيل رفض رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم (قُتل 1963) إطلاق اسمه عليها.

تزايدت السُكنى بالمدينة الجديدة، وتوسعت في أزقة ترابية وشوارع مغطاة بالأوحال، إلى مدينة كبرى بصخبها، بعد أن كانت «خلف السدَّة» مجرد قرية تتبع قضاء الأعظمية إدارياً، ثم أصبحت قضاءً تابعاً لمحافظة بغداد مباشرة. سجل الأديب عبد الله صخي، وهو أحد أبنائها، بداياتها وتبدل العهود عليها، في رواية «خلف السدَّة» (المدى 2013). أذكر هذا تحفيزاً لروائي يحدب على عمل ملحمي يسجل فيه ما حل ويحل على العراق من هوائل.

جمعت «مدينة الثورة»، في نشأتها، كل أطياف العراق، يُقام الذِّكر الصوفي السُّني في أزقتها وبيوتها، كما يحتفل بعاشوراء في الساحات العامة، وفي وسطها حي يعرف بحي الأكراد. وفرت «مدينة الثورة» لبغداد، إلى جانب الصُّناع والزراع وصغار الموظفين، أجيالاً من الفنانين والأدباء والشعراء، وكانت أرضاً خصبة بوجود الأحزاب والمنظمات السياسية المتصارعة، فتعاقبت عليها التسميات التي تشير إلى التبدل السياسي، من «مدينة صدام» إلى «مدينة الصدر»، ولا أظنه آخر الأسماء في ظل الغليان وتسارع تبدل الأحوال. عندما نذكر فواجع مدينة الثورة لا يعني هذا أن بقية مدن ونواحي العراق آمنة، فـ«الأرملة السوداء»، أخذت تجوب مدنه وقراه، مع أنه لم يعرف مِن قَبل هذا النوع مِن العناكب الخطرة. لعلها رمزيةً دالة على ما يواجهه العراقيون مِن فناء.

لعلي الشَّرقي (ت 1964) ما يعبر به: «وكم صدور بهذا القطرِ فارغةٌ/ جوفاء ليس بها قلبٌ ولا كبدُ/ صدور أنديةٍ في جهلها انتفخت/ حتى تشابه فيها الهرُّ والأسدُ/ مِن الشراك قد اختارت لأمتنا/ هذي السياسة ثوباً كلُّه عقدُ» (الديوان). لا تعشعش في بيوت الفاسدين وأنديتهم «أرملة سوداء»، ولا يهدها إرهاب. إنه تحالف شرين، أحدهما سبب لوجود الآخر.

(الاتحاد) الاماراتية

 

 
 
 
 

«الدعوة».. اتركوا الصدر وشأنه

رشيد الخيون

صار التَّقليد لدى «حزب الدَّعوة الإسلامية» بالعراق إقامة احتفال سنوي لذكرى المرجع محمد باقر الصَّدر (أُعدم 1980)، يُلقي فيه أمين الحزب كلمة، إلا أنه ومنذ أن أصبح للحزب رئاسة الوزراء لا يضيع نوري المالكي الفرصة لاستغلال الصدر ضد خصومه، وهم من غير السائرين في المشروع الإسلامي. فقبل ذلك، ومن النجف، عبّر عن فرحته بفوز الإسلاميين في مصر وتونس، وهدد العلمانيين و«الملحدين» حسب تصنيفه للناس، بالزوال، متناسياً أن الدولة التي أصبح رئيس وزرائها، شيدها العلمانيون الذين يعرفون الحدود بين الدِّين والدولة، وبعد حين وضعها الأميركيون بيده وبيد بقية الإسلاميين.

وقتها تصور أمين «الدَّعوة» أن حزبه بما أنه إسلامي (النسخة الشيعية من «الإخوان المسلمين»)، وأن في إيران حكم إسلامي ثوري، علاوة على صعود «الإخوان» بمصر.. فإن المشروع الإسلامي إذن قد نجح وغطى الأرض وما عليها، وأنه منفِّذ لـ«حاكمية الله»! لكنَّ المالكي تحول، في خطاب هذا العام، إلى ناعية باكية، على أن هناك مؤامرة ضد المشروع الإسلامي، تسعى لإقصاء «المتدينين»، وكأن العراق قد خلا من صائم ومصلٍ. اتُّخِذ الصَّدر في كل هذه الخطابات عكازةً، واُعتبر كتاباه «فلسفتنا» و«اقتصادنا» مانفيستو الحركة الإسلامية، ومنهما يُستقى مشروع الدولة، في خطاب عام لا يقل عن عمومية «الإسلام هو الحل». لو كان للصدر مشروع دولة، أترى مِن مهام محافظ بغداد فيها، وهي بغداد، الاحتفال بسن التكليف لبناتها حسب الشريعة؟ إذا كان ذلك المطلوب، فحق عليها قول شاعر وقع قصيدته بابن ماء السَّماء: «ما بال بغداد قد ضاقت بها الحال/ وخف بالأهل منها اليوم ترحال؟!» (عز الدين، الشعر العراقي الحديث).

يُشهد للصدر، على المستوى الشخصي والحوزوي، أنه كان نزيهاً خلوقاً عالماً، وصاحب رؤية في الحوزة والمرجعية، يؤلمه الظلم، وتزعجه الطائفية، لا يشبه من اتخذوه راية، وكشفتهم ممارسة السُّلطة، في العبث بالمال العام وعدم مراعاة حرمة شعب كلت ألسنتهم من الحديث في مظلوميته، وهم في المعارضة، وكيف صاروا آنذاك منفذين لعمليات تفجير واغتيال، قُتل فيها الفنان والموظف البسيط ولم تمس السلطة بسوء، يصعب على العارف بأخلاق الصدر الشك في عدم موافقته عليها والسكوت عنها.

لا أُبالغ في نزاهة الرجل، حتى كأنه خُص بالبيت: «على الحصير وكوز الماء يرفده/ وذهنه ورفوف فوقها الكُتبا» (الجواهراي، قف بالمعرة). لا يملك غير الحصير ورفوف الكتب، ولم يُدخل لبيته ما يؤتى إليه مِن أموال «الخمس»، أو ما عُرف لدى المرجعيات الشيعية بـ«حق الإمام»، توزع في محلها قبل وصولها الدار. لا نجد أي صلة بين سلوك الصدر وسلوك من هم في السلطة اليوم، لهذا ليتهم يكفوا عن رفعه راية على رؤوس الناس.

نعم، كان الصدر مع الثورة الإيرانية، وأُعجب بالخميني (ت 1989) أيما إعجاب، لكنه صار ضحية ما كان يجوب شوارع طهران من تظاهرات باسمه، وبرقية أُذيعت من طهران تنصحه بالبقاء لقيادة ثورة إسلامية داخل العراق، فأفصح في أيامه الأخيرة لأحد المراجع اللبنانيين (كان منتمياً لحزب الدَّعوة بالنجف آنذاك ومرشح الصدر ليكون وكيله الشرعي بمدينة الشطرة): «ورطتنا إيران» (سمعتها منه شخصياً)! كيف لا وهو القابع في داره داخل النجف وتُحصى عليه أنفاسه، بينما العمائم بإيران كانت مزهوة بانتصارها.

السؤال: إن رجلاً بهذه المواصفات، هل سيظل معجباً بالثورة الإسلامية بإيران، لو سمع بظلامة كبار مراجع الدين هناك؟ بين قتيل وحبيس في داره حتى الوفاة، وتطوف حول داره المظاهرات المنددة على الطريقة الصينية الثورية؟ أتراه سيبقى على موقفه وهو يرى صادق خلخالي (ت 2003) يقطع الرقاب على أن كل مختلف مع الثورة عُدَّ مجرماً، ويقول مستهزئاً بالدِّماء: «البريء يدخل الجنة..»؟

أقول: هل تبقى للصدر صلة بـ«حزب الدعوة»، إذا رأى القائمين عليه يتفاخرون ويتسابقون بتقديم أكلة «الفسنجون» لحاكم العراق بول بريمر؟ وهل سيرضيه استغلال اسمه من قِبل من وزع عقارات الدولة، وباع أراضي من النجف كصفقات، للبقاء في المراكز العليا، بأسعار بخسةٍ، أو يبقى راضياً برفع صورته، ويستغل مكانته الأقارب والأصهار؟ فكل هذا منوط برئيس للوزراء بيده القوة والمال. هل سيسعده خطاب: «المعركة بين الحسين ويزيد»، ورفع شعار «مختار العصر» في الشوارع والدوائر، إيغالاً بالطائفية، بينما كان (الصدر) ينادي: «يا أبناء علي ويا أبناء عمر». ماذا سيكون موقف الصدر لو سمع أمين «الدعوة» يضع ولده فوق الجيش والشّرطة؟ وهو الذي حرم ولده وبناته من شرب الماء البارد في قيظ النجف؟ أقول إذا كانت هذه دولة الصدر، التي يبشرنا بها أمين «الدعوة»، فعلى العراق السلام.

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

العراق..

 لعبة التكنوقراط والإصلاح

رشيد الخيّون

 

قَدم حيدر العبادي أسماء الوزراء الجدد، لتشكيل حكومة فنيين، بهم سيتم الإصلاح الحكومي، مع أن الدعوة إلى حكومة من أهل الاختصاص، ووجوب الإصلاح، ليست جديدة، وإنما جرت المطالبة بها منذ (أبريل 2003)، وأبرزها تظاهرات ساحة التحرير وسط بغداد (2011)، لكن أُعتبروا «عصابة خرجت وشقت»، فجرى تشتيتها واعتقال واغتيال النُّشطاء فيها. بعدها تظاهر أهل المحافظات الغربية وكان عدم الاستجابة، ولو لبعض المطالب، وإنما قمعها بقوة السلاح، إيذاناً بهيمنة «داعش» على الموصل ثم المحافظات المذكورة.

وضع الإسلاميون أمامهم تلك التجربة، فلو تكررت ستعصف بوجودهم كافة، وكان نداء اقتحام المنطقة الخضراء يتعالى من حناجر غير الإسلاميين، فمِن الواضح أن التظاهرات التي عمت المحافظات الجنوبية والوسطى، قبل شهور، كانت سلمية وذات مطالب مدنية، وركزت على محاكمة الفاسدين، وقصدت بالاسم رئيس السلطة القضائية، ولخطورة موقفه حينها زاره أقطاب الميليشيات، ليبعثوا برسالة تحذير إلى المتظاهرين بأنه في حمايتهم، وحماية صاحب هذا المنصب تعني الوقاية مِن فتح ملفات الفساد الكبرى.

فمَن يقوم يا تُرى بدور سحب البساط من المتظاهرين، وإعادة الاعتبار للتيار الدِّيني أو قيادة العِمامة؟ ليس غير مقتدى الصَّدر، الذي طالما لعب دور المتمرد، ليتم طمأنة سكان الخضراء بتظاهرات «منهم وبهم»، وبهذا أُنقذت سُلطة الإسلاميين بدعوة إلى التكنوقراط والإصلاح. فخفتت أصوات دعاة الإصلاح الصادقين، وراء خطابات واعتصامات تمثل مصلحة السُّلطة نفسها. وقد اغتر بهذه اللعبة دعاة الدولة المدنية أنفسهم، فأسرعوا إلى التصفيق والتهليل.

وعلى ما يبدو، هناك مُخرج بارع، من خارج الحدود، لإخراج هذه التمثيلية، وقتل الدعوة إلى الإصلاح وحكومة التكنوقراط، وتشتيت المطالبين لوقت كافٍ يتنفس فيه الفاسدون الصعداء، فالأمر سينتهي بمجرد استبدال وزراء بآخرين، بعد أن صار مِن الخطورة استخدام العنف ضدهم، مثلما حدث مِن قبل، حين سفكت الدِّماء بلا كتاب ولا حساب. فما حصل، قبل أيام، كان خطف الشِّعارات والمطالب لتسويفها، بعد السيطرة على غضب الناس.

لا أعرف أسماء الوزراء الجُدد، غير أن وجود أحدهم على رأس وزارة سيادية، لا يبشر بخير، فالرجل ولد وفي فمه معلقة مِن ذهب، في ظل العهد الملكي، ثم أكثر في اتهام ذلك العهد بالطائفية، واستهل نشاطه السياسي، بعد أن صار إسلامياً، ببيان طائفي، قُبيل سقوط بغداد، وعلى ما يبدو أن إسلاميته غلبت تقاليد الجامعة الراقية التي تخرج منها، فإذا ظل ثابتاً على ما بدأ به، فنقول للطائفية والمحاصصة «ابشر بطول سلامة يا مربع» (البيت لجرير). أقول: لعل الرجل يخيب الظن به، بعد تجربته مع الإسلاميين، ويتصرف كتكنوقراطي ومدني مخلص، بنزع الجلباب الإسلامي الذي لا يدخل في السياسة إلا عبر الطائفية.

أجد للتكنوقراطية، أو الفنية، ومضة في تراثنا، هذا ما نقرأه في «رسائل إخوان الصَّفا»، وهم جزء مِن تراث الإسلام والعراق المضيء: «اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه قد تدخل الشُّبه في كل صناعة علمية، على من يتعاطاها وليس من أهلها، وكان ناقصاً فيها أو ساهياً عنها. مثال ذلك: ما ذكروا من أن رجلاً ابتاع من رجل آخر قطعة أرض بألف درهم على أن طولها مئة ذراع وعرضها مئة ذراع. ثم قال له: خذ مني عوضاً قطعتين من أرض، كل واحدة منها طولها خمسون ذراعاً وعرضها خمسون ذراعاً، وتوهم أن ذلك حقه، فتحاكما إلى قاضٍ غير مهندس، فقضى بمثل ذلك خطأً. ثم تحاكما إلى حاكم من أهل الصّناعة، فحكم بأن ذلك نصف حقه» (الرسالة الثَّانية من القسم الرياضي). إنها دعوة صريحة لتحكيم أهل الاختصاص، وهذا ما يُصطلح عليه بالتكنوقراطية، لكن ليس بمقياس أن صاحب الدكان يصلح لوزارة المالية، وسائق السيارة يصلح لوزارة النقل، والمجاهد من حقه الاحتفاظ بميليشيا.

قيل هذا الكلام، وغيره من المبثوث في رسائل إخوان الصفا، قبل ألف ومائة عام، وكم مرت على بغداد مِن الأهوال، ندرة في المسرات وكثرة في الأوجاع، حتى وصلنا إلى زمن الزَّيف المتستر بالدِّين، مَثل أقطابه كمثل شَهر بن حوْشَب الأشعري (ت 100هـ)، وكان رجلاً شامياً سكن العراق، وولي بيت المال، فأخذ يؤتى له خرائط (أكياس جلدية) من ودائع الناس لدى القُرَّاء والفقهاء، فضُرب المثل: «خريطة شَهر»! قال فيه الحصين القطامي، وقيل غيره: «لقد باع شهرٌ دينه بخريطة/فمَن يأمن القرَّاء بعدك يا شهر» (العسقلاني، تهذيب التهذيب). أقول: مثلما زيفت الديمقراطية بحرية الفساد، تزيف الدعوة إلى إنقاذ البلاد بتمثيلية «التكنوقراط والإصلاح»، ويمكن التعبير عنها بالمشهور: «كلمة حقٍ يُراد بها باطل».

 رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

(الاتحاد) الاماراتية

 

المستنصرية..

وحكاية )ضلع الزهراء(!

رشيد الخيّون

عندما نصبت جامعة الكوفة (2012) محاكمةً لهشام بن عبدالملك (ت 125هـ) ثأراً لزيد بن علي (قُتل 121هـ)، كنت بين مصدق ومكذب، لكثرة ما يُدس من أخبار في وسائل التواصل الاجتماعي. لكن الحقيقة كانت صادمة.. أن يقوم أساتذة الجامعة بتمثيل الأدوار على المسرح. عندها أدركتُ كم عاطفة الثأر بعيدةً عن إعمار وطن مِن أغنى البلدان وشعبه مِن أفقر الشُّعوب، مع أن الثأر قد أُخذ مِن الأمويين مضاعفاً عندما وقف سُديف بن ميمون (قُتل 146هـ) أمام أول خليفة عباسي قائلاً: «جرِّد السيف وارفع السَّوطَ حتَّى لا ترى فوق ظهرها أُموِيَّا» (المُبرد، الكامل في اللغة والأدب).

كنت نشرت مقالاً في صحيفة «المؤتمر» بعنوان «لا تسمعوا لنصيحة سُديف الشاعر»، بُعيد سقوط بغداد بأيام (16 أبريل 2003)، قلقاً على فرصة قد لا يسمح بها الدهر ثانيةً، غير أن المنتقمين مذهبياً مالوا إلى رأي سُديف، وبدأ الانتقام بمغنٍ وضابط وطبيب، فالتحمت كائنات الشَّر بمعارك طائفية راح ضحيتها الألوف قتلاً وتهجيراً.

حينها قلنا نزوة طائفية وتذهب، إلا أنه بعد أربعة أعوام على تمثيل محاكمة الأمويين، في حرم جامعة الكوفة، فوجئنا بتمثيل ما أصطلح عليه بـ«كسر ضلع الزَّهراء» في حرم الجامعة المستنصرية، وعليه نقيس تدهور التعليم ببلادنا، ليوجه هذه الوجهة الخطيرة، بممارسة ما كان يمارسه العوام، ووقف ضده بشجاعة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ت 1954)، بخطاب استمر أكثر من ساعة، وفي صحن العتبة العلوية بالنَّجف (محاورة الإمام المصلح محمد الحسين مع السفيرين البريطاني والأميركي في بغداد)، ولأنه كان مصلحاً صلى خلفه عشرة آلاف سُني، بدعوة من مفتي القدس أمين الحسيني (ت 1974)، يوم اجتمع علماء السُّنَّة والشِّيعة بالقدس (1931) لنصرة الفلسطينيين (الثَّعالبي، مؤتمر القدس).

بيد أن الممارسة التي أوقفها كاشف الغطاء، عادت من بوابة التعليم العالي، وتفرغ لإحيائها أساتذة الجامعة، ولم يصدر من وزير التعليم العالي ولا من رئيس الجامعة ما يعيد لدُور العلم هيبتها، فلم يكتفوا بتحول الجامعات إلى أماكن لتسيير المواكب في عاشوراء وإنما جعلوها دار فتنة طائفية، بنبش الماضي والعيش عليه، وبذلك قدموا الإمام الحُسين وأحفاده بهذه الصُّورة الشّوهاء، مع أن التاريخ مملوء بالمختلقات، وليتهم سمعوا لبيت النجفي محمد صالح بحر العلوم (ت 1992): «إن كدرت نُدب الزَّمان صفاءنا/ فلنا بدفن الماضيات صفاء» (الخاقاني، شعراء الغري). لكن هؤلاء يريدون من البسطاء الاستمرار برفعهم إلى سدة الحُكم بزيادة الجهل، ولله درُ القائل: «إنما هذه المذاهبُ أسبابٌ/ لجذب الدنيا إلى الرؤساءِ/ غرض القوم مُتعةٌ لا يرقو/نَ لدمع الشَّماء والخنساء» (المعري، لزوم ما لا يلزم)، فلا يهمهم كثرة الثكالى والأيتام في الحرب الطائفية.

استند مَن يحتفل باستشهاد السيدة فاطمة الزهراء، على كتاب «أسرار آل محمد» المنسوب إلى سُليم بن قيس الهلالي (ت 76هـ) والصادر بمدينة قُم (1420هـ)، وحسب مقدم الكتاب، محمد باقر الزَّنجاني، فإنه أول كتاب عقائدي حديثي تاريخي. خلاصة الحادثة مثلما قرأتها في الكتاب، وبعنوان «شهادة فاطمة الزَهراء»: اُقتحمت دارها، وأُضرمت النَّار فيها، ووُخِز جنبها بالسيف، وضربت بالسوط، فماتت وسقط جنينها، وأُخذ زوجها معتقلاً، ولم يتمكن من حمايتها.

قبل أن آتي بتفنيد هذا الكتاب من قبل كبير في المذهب الإمامي أسأل: هل أغفل واضع الحكاية شجاعة علي بن أبي طالب (اغتيل 40هـ)، أن تضرب وتُقتل زوجته أمامه، ألم تكن الحكاية موجهة ضده قبل غيره؟ ولماذا إظهاره بهذا الانكسار، وكان من ألقابه «حيدرة» و«الصميدع»؟ وكيف تعايش مع خليفتين نُسبت إليهما الحادثة؟ كذلك جاء في الكتاب: أن علياً طلب البيعة ولم يبايعه إلا أربعة أنفار، أليس تلفيق هذه الرواية ضده أيضاً؟ بمعنى أنه كان غير مرغوب فيه! وكيف يوصى إليه، حسب عقيدة المذهب الإمامي، بخلافة النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو بهذه الدرجة من قلة المؤيدين بين الأنصار والمهاجرين؟

يقول الشَّيخ المفيد في أكذوبة الكتاب: «غير موثوق به، ولا يجوز العمل به على أكثره، وقد حصل فيه تخليط وتدليس، فينبغي للمتدين أن يجتنب العمل بكل ما فيه، ولا يعول على جملته والتقليد لرواته» (تصحيح اعتقادات الإمامية). أتعلمون مَن هو المفيد؟ إنه محمد بن محمد النُّعمان العكبري (ت 413هـ)، مؤسس المرجعية، وعليه وغيره استند محمد حسين فضل الله (ت 2010) باستنكار الحكاية. أيترك الأخذ برأي المفيد ويؤخذ ما يساير الغوغاء؟! ولماذا يشاع ما يورث الحزازات الطَّائفية، والعراق يعيش فترة حرجة من تاريخه؟ لو حصل مثل هذا في ظل حكومة تحترم نفسها، فإنها لن تتأخر عن إقالة وزير التعليم العالي ورئيس الجامعة. أقول: يا خيبة العراق بتعليمه العالي! ويا خيبة المستنصرية واسمها العريق بكسر ضلوعنا طائفياً.

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

(الاتحاد)

 

 

 

 

 

 

 

 

بين الزرقاوي والبغدادي!

 

رشيد الخيون

 

ظهر أبو محمد المقدسي، في برنامج «مرايا» (تقديم مشاري الذَّايدي على شاشة قناة «العربية»)، مفاضلاً بين أبي مصعب الزَّرقاوي (قُتل 2006) وأبي بكر البغدادي، مادحاً الأول لعدم قتله رفاقه، وذاماً الثَّاني لإعدامه رفاقه بذريعة الخيانة أو التَّراجع. مع أن الإرهاب الذي مثله الزَّرقاوي (تلميذ المقدسي) لم يبقِ رقبة وصل إليها مِن رقاب المسلمين وغيرهم. وعلى هذا الإنجاز الوحشي رثاه المقدسي في قصيدة جعله فيها إمام الأئمة، وأنه خط بالذبح والتفجيرات مستقبل الأُمة الزَّاهر! نقد المقدسي أيضاً البغدادي على إعلان الخلافة الإسلامية بهذه الطريقة، وعلى أنه شوه الجهاد السلفي في المبالغة بالتوحش.

لا يهمنا في هذه الكلمة موقف المقدسي من الزَّرقاوي، وضد البغدادي، بقدر ما نلفت النَّظر إلى المفاضلة بين إرهابيين، في أن يكون إرهابي أهون من آخر، مع أن المدرسة واحدة والأُصول سواسية، وكان البغدادي تحت قيادة الزرقاوي، والاثنان شربا مِن بئر الجهادية السلفية، وأن نصل إلى زمن نفضل فيه قاتلاً على قاتل، كالذي يستخدم المنشار في حز الرقاب وآخر يستخدم السكين، وهي وصايا معروفة عند فقهاء المعاملات والعبادات، أن تستخدم في ذبح الشَّاة السكين الحادة، التي لا تعذبها، هكذا كانت مفاضلة المقدسي بين الزَّرقاوي والبغدادي.

أشار المقدسي إلى أن الزرقاوي لم يسن قتل رفاقه المنشقين أو المعترضين، بوشاية التجسس أو العمل ضد التنظيم، أو لتراجع بدا منهم، بينما البغدادي أعدم العديد من منتسبي التنظيم وعلقهم على الأعمدة، على اعتبار أنهم ارتدوا عن التنظيم، وبالتالي أنزل فيهم عقاب حد الردة عن الدِّين، وهو القتل وبأي أسلوب وحشي كان: حرق في أقفاص حديدية مغلقة، أو التغطيس في الماء، أو حشرهم في سيارة ثم يتم تفجيرها!

ولابن نباتة السعدي المعروف بشاعر العراق (ت 405ه) بيت سائر على الألسن: «ومَن لم يمت بالسَّيف مات بغيره/ تنوعت الأسباب والموت واحد» (الذَّهبي، سير أعلام النُّبلاء). هكذا يفسر تنوع أساليب الإعدام لدى «داعش»، أساليب تترك أثراً مؤلماً في النُّفوس لا يمحى.

كأن المقدسي يريد تحسين صورة قاتل وصف برأس الشَّر، وكأن إعلان قتل الشيعة العراقيين، في بيانات شهيرة، لم يُعد عند المقدسي إلا مِن أساسيات الجهاد، غير أن البغدادي أثاره لأنه أعدم المجاهدين، وتجاوز شيوخه في إعلان الخلافة الإسلامية، وقد أرادها جهاداً شاملاً بلا هوادة، لا تكون بمكان واحد! ومعلوم أن المقدسي، الذي لم يعترض على تلميذه لإعلان قتل الشيعة، كان قد أصدر كتاباً تحت عنوان: «الكواشف الجلية في تكفير الدولة السعودية»، فماذا سيكون موقفه مِن أهل المذاهب الأُخر، بمعنى أن جهاده وتكفيره أوسع مِن جهاد تلاميذه، ذلك إذا علمنا أن البغدادي عمل تحت قيادة الزرقاوي، وأعلن عن طلب ثأر أُسامة بن لادن (قُتل 2011)، وبالفعل أخذ الثَّأر بمائة عملية جهادية، مِن عامة الناس: طُلاباً وكسبة، وموظفين بسطاء!

كان الزرقاوي والبغدادي وثالثهما المقدسي متعمقين في الدراسات الدينية، وليس مثلما يوصفون بأنهم طارئون على الدين، لكنهم انشغلوا بالنصوص التي غدت خارج الزمن، ويعدون كافتهم، حسب تعليمهم الديني، فقهاء في السلفية الجهادية. فالبغدادي لديه بكالوريوس في الدراسات القرآنية، وماجستير في تلاوات القرآن، والدكتوراه في الموضوع نفسه، وهو بلا شك كان نتاج الحملة الإيمانية (أعلنها نظام صدّام حسين عام 1994)، وكان الزرقاوي تلميذاً نجيباً للمقدسي، ثم تعلم الفقه الجهادي في مدارس أفغانستان، وكذلك شيخه المقدسي، فهما نتاج تعليم الجهاد الأفغاني. كان الزرقاوي مبجلاً لدى جماعة «الإخوان المسلمين»، وقد ظهر هذا التبجيل بمجالس العزاء التي أقامها «الإخوان» الأردنيون بعد قتله، ولم تهز الدِّماء التي سُفكت ذبحاً وتفجيراً شعرة لـ«الإخوان» والسلفيين الجهاديين.

تُذكرنا مفاضلة المقدسي بين الزرقاوي والبغدادي بسارق الأكفان، بعد موته ظل الناس يتحدثون بموبقته، ففكر ولده بفعل يجعل الناس ينسون أباه، بل ويترحمون عليه، فعمد إلى سرقة الكفن مع هتك حرمة الميت وترك الجثمان في العراء، فمِن يومها أخذ الناس يترحمون على الأب. هكذا حسب المقدسي جاء بعد الزرقاوي مَن يُنسي الناس شره، والبعض ينتظر مَن يُلطف أفعال «داعش»، وليس لنا تخيل ما سيفعل. قال الجواهري: «أكانَ للرِفِقِ ذِكرٌ في مَعاجِمهمْ/ أم كانَ عن حِكمةٍ أو صحبِهَ خَبَر» (تحرك اللحد 1936). أقول: عندما يختلط الدين بالسياسة وحمل السلاح بعقيدة دينية، تصبح القسوة مقدسة.. وهم رؤوس شرٍّ كافة.

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

الشَّيخ العلواني..

«داعش» ليست جديدة

رشيد الخيون

بدأ الفقيه العِراقي طه جابر العلواني (1935-2016) حياته الدِّينية إماماً لجامع حسيبة الباججي بمنطقة الكرادة في بغداد، ومِن هذا الجامع، في يوليو 1963، تنبه لأهمية الحرية الدِّينية، مؤلفاً كتاب «لا إكراه في الدين إشكالية الرِّدة والمرتدين مِن صدر الإسلام إلى يومنا هذا» (الشُّروق: 2003).

لكن ما الخطْب الذي هزَّ كيان العلواني؟ إنه تطبيق الشريعة الإسلامية، أي حد الردة في أكثر مِن عشرة آلاف معتقل عراقي، أيدته فتاوى كبار رجال الدين، من السُّنة والشِّيعة، بطلب من السلطة آنذاك، بعد فشل محاولة إنقلابية قام بها عرفاء وجنود، واشتهر من بينهم حسن السريع (أعدم 1963).

قصة ذلك، أن كلفت السُّلطة الضَّابط عبد الغني الرَّاوي (ت 2011)، بتطبيق الشريعة بالخصوم السِّسياسيين، وأن يأخذ فصيل إعدام وبلدوزرات لدفنهم في قبور جماعية، واشترط الراوي الحصول على فتاوى مِن كبار رجال الدين، وتم استحصالها، ثم ذهب إلى العلواني يستفتيه، قُبيل البدء بتنفيذ الإعدامات (الرّاوي، جريدة الزمان، 9 أبريل 1999).

قال له العلواني: أنا فقيه صغير والفتوى أُخذت مِن كبار العلماء، فما شأني! أجابه الراوي: لأني أصلي خلفك. فنصحه العلواني ألا يتورط بهذه المذبحة، وأن هذه الفتاوى سياسية لا دينية، بعدها ذهب الراوي إلى مجلس قيادة الثورة معلناً عدم التنفيذ، لكن نُفذ ما عُرف بـ«قطار الموت»، عندما كُدس العسكريون المعتقلون في قاطرات حمولة حديدة، وقصة ذلك معروفة.

مِن ذلك الحدث الفظيع أخذ العلواني يبحث في عدم شرعية حد الردة، آتياً بأدلة قرآنية وشواهد فقهية.

اتصلتُ بالعلواني مستفسراً عن صحة وجود الفتاوى، وأسماء رجال الدِّين المتورطين في إصدارها، فأكد لي ما حدث وما أبلغه به الراوي، وما أسفر عنه في فجر تلك الليلة، وأخبرني أنه فَصل ذلك في كتابه «لا إكراه..»، وأرسل لي نسخة منه، وجدت ما كتب مطابقاً لِما كتبه الرَّاوي، مِن ناحية الزمن والمعلومات والأسباب وأسماء المفتين. بعد ذلك قرأت في مذكرات القيادي في حزب «البعث» آنذاك، هاني الفكيكي (ت 1997) مؤكداً صدور الفتاوى، التي دخل بها الراوي أثناء الاجتماع برئيس الجمهورية، وبعدها أكد وقوع الحدث أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة بعد فبراير 1963 في لقاء معه.

فلا مجال لتكذيب وجود الفتاوى، بغطاء ورع مفتيها وزعامتهم الدينية، على أنهم لا يخطئون، فلاعصمة إلا لنبي (لدى السُّنَّة)، ولدى الشيعة الإمامية 14 معصوماً، فما عدا هؤلاء لا عصمة لأحد. إنها تجربة مريرة عندما يدخل رجل الدين في النزاع السياسي ويفتي بقتل جماعي، فبأي قانون وعُرف يُكذب الضحايا ويُصدق السابغون على القتل بركاتهم، وإن كانوا مِن كبار علماء الدين.

أراد العلواني في كتابه المذكور إيقاف القتل، الذي يبرره الفقهاء بالدفاع عن الدين، وبهذا يُشرع القتل، لأنه حق الله يُنفذه رجل الدين. وهذا ما جادل به الشيخ العلواني الإخواني محمد الغزالي (ت 1996)، عندما دخل المحكمة ودافع عن قتلة فرج فودة (اغتيل 1992)، بأن كلّ مسلم له الحق في تنفيذ حد الردة!

لا نرى هذا الفعل بعيداً عما تنفذه جماعة «داعش»، والسلفية الجهادية على العموم، فالأمر بالقتل بسبب ديني يُنفذ كحق الله، وإن كان عشرة آلاف مواطن، لم يحسب المفتون حساب الدِّماء وأحوال الأطفال والأرامل، ولم يحسبوا للخلافات السياسية والنزاعات الحزبية حسابها.

غير أن آخرين لم يتورطوا بتشريع القتل، فعندما طُلب من الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ت 1954) فتاوى من قبيل ذلك، قال لطالبيها: أقضوا على المرض والجهل والفقر، بعدها لا يحتاج الشعب لأحزاب وجودها بُني على أساس المطالبة بالقضاء على ذلك الثُّلاثي، ولم يعط فتوى قتل أو تكفير، إنما نصح بالإصلاح الاجتماعي. فحسب المعري (ت 449ه) لا تلاقي بين طموح السياسي وورع رجل الدِّين: «طموح السيف لا يخشى إلهاً/ ولا يرجو القيامة والمعاد».

إنها «داعش»، فما الفرق بين تفجير تنفذه ليقتل المئات، وفتاوى لرجال دين تقتل الآلاف، ويُكذب الضحايا ويُبارك الجلاد باسم الدين. لا مجال للسكوت عن فتاوى الدماء، الصادرة من أي فقيه وعلى أي مذهب، فلا تستغربوا وجود «داعش» وسواها باسم الدين. إنها فتاوى قتل ورث باسم مفتيها الوارثون القصور والعقارات، ولم يتركوا للمواطن شبراً من أرضه. أراها فضيحة أن يرث الوارثون الجاه من مشرعي القتل الجماعي، ويُهدد مَن يكتب عنها لأنه مس المقدسات، وما شُيد مِن إرث عليها.

كاتب عراقي

(الاتحاد)

 

 

 

 

 

 

سكوت مرجعية النجف..

لمللٍ واحتجاجٍ

 

رشيد الخيون

أعلنت المرجعية الشيعية الدينية بالنجف تخليها عن الخطبة الثانية في صلاة الجمعة، التي فصحت فيها عن موقفها إزاء ما يجري بالعراق، ولم يكن بعيداً عن تطلعات العراقيين في دولة قانون فعلاً لا قولاً، آمنةً مِن الإرهاب والمحاصصة الطَّائفية، وكلّ هذا ما زال مرتبطاً بالفساد المالي والإداري وتبوء غير الأكفاء المناصب الخطيرة. بلاشك ساهمت المرجعية، بشكل أو آخر، بوجود المحاصصة، يوم اندفعت لمباركة تشكيل كتلة شيعية، مقابل كتلة سُنية، وتسرعت بالإلحاح على كتابة الدستور، بنسخته المشوهة، وهذا التشخيص ليس لي إنما لمتخصصين في القوانين والدساتير، لكنها انتبهت سريعاً، وأخذت تؤكد عن طريق وكلائها على المواطنة، ونقد الفساد والفاسدين، وبعد هذه السنين الطويلة (13 سنة) لم تستطع زعزعة الخراب، فأخذت تُحرج أمام النَّاس، فكلمتها لم تعد مسموعة، مثلما سمعت تلك الأحزاب رأيها في تشكيل كتلة على أساس طائفي، فليس مثلما يتصور البعض أن الحل والعقد بات بيدها.

فإذا الثورة الإيرانية أسكتت المرجع الأكبر محمد كاظم شريعتمداري (ت 1985)، وحجزته في داره حتى وفاته، وكذلك فعلت مع المرجع العربي محمد طاهر الخاقاني (ت 1985)، فما المانع أن يتكرر المشهد مع مراجع النَّجف، وفي مقدمتهم آية الله علي السيستاني؟ وبأسلوب آخر، إذا ما استمروا بتعرية الفساد والخراب! كتقديم المرجع الحزبي كالشاهرودي والحائري مثلاً، وبما أن مراجع النجف غير منسجمين مع ولاية الفقيه المطلقة الإيرانية، فستتولى إيران الثورية معالجة الأمر.

 

نضع الاحتمالين «الملل» و«الاحتجاج» لصمت المرجعية المفاجئ، مما أفرح وسر الأحزاب الدينية، التي كفت عن الدعوة إلى مرجعية رشيدة وناطقة مع ثلب مرجعية النَّجف (الساكتة)، كانت تلك الدعوة أيام المعارضة، لكن بعد تمكنها مِن السُّلطة لا حاجة لها بالرشيدة النَّاطقة، وبهذا أخذت تلعب دور النظام الذي عارضته، وهذا ما مارسته مِن سكوت وتأييد لاعتقال المرجع شريعتمداري وإذلاله، وسمعنا من الأحزاب الدِّينية أنه كان متآمراً ضد الثَّورة الإسلامية فنال جزاءه. بينما لو فعلها نظام الشَّاه بأحد المراجع لقامت الدّنيا ولم تقعد دفاعاً عن علماء ومراجع المذهب، ولا نستبعد أن يجري ذلك مع السيد السيستاني وبقية المراجع الغاضبين مما يحصل، وما هتافاتهم السابقة كـ: «تاج تاج على الراس سيد علي السِّيستاني»، وتعليق صوره في مواسم الانتخابات إلا لغاية، ولمحمد مهدي الجواهري في موقف مشابه: «وما الدِّين إلا آلة يشهرونها/ إلى غرض يقضُونه وأداة» (قصيدة الرَّجعيون 1929)، ومنها ما يعبر تماماً عن واقع الحال اليوم: «ألمْ ترَ أنَّ الشْعبَ جُلُّ حقوقهِ/ هي اليومَ للأفرادِ مُمتلَكاتُ؟».

 

يحسب مراجع الدِّين حساب مقلديهم، عندما يؤيدون أو يشجبون، وهم الأكثر حرصاً على نفاذ فتاواهم، خشية على الحظوة والمنزلة، فالعديد منهم امتنع عن التصريح ضد ممارسات العوام في المناسبات الدينية، لعدم الأخذ بها، فقررت الصَّمت بعد الشعور بملل الجمهور، ومللها مِن تكرار خطابها الناقد بلا نفاذ. كذلك يمكن فهم هذا القرار بالاحتجاج ضد ما يجري، وقد مورس مِن قِبل مراجع سابقين، مثلاً بتعليق الدراسة في الحوزة الدِّينية أو الاعتكاف في الدَّار، مما يجعل النَّاس يتساءلون ويحمّلون السُّلطة تبعة ذلك. أقول: كان سكوت المرجعية للأمرين: الملل والاحتجاج، ولا نعلم هل سيثمر ذلك أم لا؟

استبدلت المرجعية خطبتها المعتادة في نقد أحوال السَّياسيين بدعاء الإمام علي بن الحسين السَّجاد (ت 95هـ)، والمعنون بـ«دعاء أهل الثّغور»، ومعلوم أنه موجه لقتال «داعش»، مِن جيش عراقي وحشود وقوى عالمية. وعلى قاعدة الشّيء بالشّيء يُذكر، يُنبيك هذا الدُّعاء عن تسامح الإمام، فمعلوم أنه كان موجهاً لجيش المسلمين في العهد الأموي، وكان بقيادة خليفة مرواني لا يُعد شرعياً حسب ما تثار حادثة كربلاء والخصومة التاريخية بين الأمويين والعلويين، فبماذا يفسر ذلك؟ أليس الإمام المذكور كان شاهداً على قتل والده وأعمامه وسبي عماته وأخواته، وكاد نفسه يُقتل؟ فكيف يدعو بالسلامة والنَّصر لهذا الجيش؟

أقول: لا يُفسر هذا الدعاء إلا بسماحة الإمام وتعاليه على شعور الثأر، بعد أن قُتل قتلة أهله بكربلاء، ولم يجعله ثأراً أبدياً مثلما نسمع اليوم «يالثارات الحُسين»! جاء في الدُّعاء:«وَحَصِّنْ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ بِعِزَّتِكَ، وَأَيِّدْ حُمَاتَهَا بِقُوَّتِكَ، وَأَسْبغَ عَطَايَاهُمْ» (الصَّحيفة السَّجادية).

أخيراً، مِن حق المرجعية الصَّمت أو الكلام، لكنَّ عليها الإعلان عما ساهمت فيه، ولنقل بحسن نيّة، مِن تأسيس للمحاصصة، والوقوف لصالح هذه الأحزاب في بداية الأمر، والآية تقول: «وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ»(الأحزاب: 5)، ولا أظن المرجعية قد تعمدت.

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

العراق.. يا لثقل الذَّاكرة!

رشيد الخيون

 

غادر ملايين العراقيين بلادهم، هرباً من القسوة والعنف أو طلباً للخبز، لكنهم لم يشعروا بالقلق عليها مثلما يشعرون اليوم. فشبح التقسيم يجوب ربوعها، والأسوار والخنادق ستحيط المدن، وعظمة الفساد والإرهاب تحول دون الأمل بالعراق وطناً وتاريخاً. لا أرى بهذا الوطن لقيطاً شكله الإنجليز على مزاجهم. فإذا صدقنا بهذا الادعاء، نشطب على دهر بلغ آلاف السنين، ونتاج حضارة عُدت من أول الحضارات البشرية، ولا نقول ذلك من باب التعصب للاسم والمكان الذي لم يضف إليه الإنجليز، ولا المحتلون الآخرون أضافوا أرضاً لأرضه إذا لم ينقصوا منها، إنما هذه الحقيقة التي تُظهرها خرائطه القديمة، وفي مختلف العصور، أعلاه «أثور» من الموصل وأسفله «عبدان» عند البصرة (المسعودي، التنبيه والإشراف)، حيث نهايات دجلة والفرات.

أقول ثقل الذاكرة، ذلك أن المهاجرين العراقيين يحاولون التخفيف من أشجانهم، على وطن يذوب كذوبان الملح في الماء، ورغم ما حصلوا عليه من جنسيات راقية، فإن العراق ظل هاجسهم، حتى تمنى الكثيرون، من علماء وأدباء وبسطاء الناس، الحصول على دواء النسيان، فالذاكرة ثقيلة إلى حد الاكتئاب والقلق القسري، ذلك ما انطبع في ذاكرتهم من وفرة النعمة والرقي الاجتماعي الذي لم يبق منه سوى الصدى البعيد.

تمتد الذاكرة إلى ستة آلاف عام، بعمر دجلة والفرات، عاشت أجيال على جرفيهما تزرع وتصنع، ومَن يقصدهما يغتني ويطول به المقام. هذا ما اطلع عليه العراقي المغترب من الآخرين. فزيارة إلى المتحف البريطاني أو الفرنسي أو الألماني كافية أن تجعل العِراقي يفكر ببعد تاريخي، ويعض على يده ندماً على ضياعه وضياع بلاده. قال لنا علماء الغرب، الذين اكتشفوا قيمة هذه الأرض قبل اكتشافنا لها: إن الكتابة بدأت على شواطئ الفرات، والعجلة والشّراع اخترعا هناك وصارا مِن أسباب المدنية، وأول نص أدبي وأفكار عن الكون والخلق ظهرت في ملحمة جلجامش، وأول عملية جراحية جرت على أرضه، وأكثر من هذا وجود الشرائع والقوانين قبل العالم كله، حيث مسلة حامورابي وما كُتب قبله من شرائع. وقال لنا الغربيون بأننا أحفاد أولئك العظماء، ولم يقولوا ذلك من صلة النسب إنما من صلة الارتباط بالأرض، فمن وفد وطال به المقام له الحق بالانتساب إليها، فأهل الأهوار والجبال والسهول ليسوا بالضرورة أبناء ملوك وشعوب سومر وآكد وآشور، غير أنهم وجدوا حضارة فعاشوا في ظلها.

ربما لم يشعر مَن بداخل العراق بثقل الذاكرة مثلما يشعر بها المغترب، الذي وجد العالم يفخر بحضارته، وبالمقابل تجري أمام عينيه تصفيتها، والبداية بقطع رأسه (الموصل)، وسلطة قوى تكره بغداد، ولا تريد الاعتراف ببلاد اسمها العراق، حتى صارت اسطنبول وطهران أقرب إليهم منها، جيل يربى على نسيان هذه البلاد، مع أن الضيم الذي أصابهم ليس مسؤولية مذهب أو ديانة أو قومية إنما الكل وقع تحت هيمنة غاشمة.

لا ندري، هل النفط والماء كانا على مذهب من المذاهب، أو قومية من القوميات، فالكل شرب من ماء واحد وتنعم، في حالة إظهار النعمة وتوزيعها بعدالة، من نفط واحد، كل بناء نشأ بأعالي العراق وأسافله من تلك النعمة، ولم يقل أحد هذا نفط محتكر لمذهب دون غيره، إلا اليوم صُنفت الأشياء طائفياً. هكذا يفكر المبتلي بثقل الذاكرة، تجول في باله زقورات سومر وبابل و«أربيلو»، فمَن عاش الخمسينيات والستينيات، ويعيش أحوال المدن اليوم يُقدر قيمة الماضي.

فماذا يُنشر على مواقع التواصل غير صور لبغداد، وبقية المدن، مِن العقود الخوالي، كمقارنة بين الأزمنة، ذلك لعظمة الفجوة بينها، كيف كان التمدن وكيف آل إليه الحال. لقد عاد الزَّمن إلى ما قبل الحضارة، وبممارسة مفضوحة صار الريف يتحكم بالمدينة، ولا يقدر على حكمها إذا لم يخضعها لأعرافه. بغداد ليست بغداد، يوم كان التبغدد قرين التمدن، ولعل التوحيدي (ت 414ه) أول من أطلق هذا المصطلح، قال: «أظرف من الخراساني إذا تبغدد» (الامتاع والمؤانسة)، ووثقه الجواهري (ت 1997): «مشى التبغددُ حتى في الدهاقين» (يا دجلة الخير)، ولا حتى عصرها قبل عقدين. سيُقال عنها، في ما بعد، ما قيل عن «اليمن السعيد»، وبقايا المدن المهجورة، التي لعظمة عمرانها قيل «شيَّدها الجان». فيا لثقل الذاكرة. هذا أحد أبنائها الشاعر عواد ناصر يتحدث مع مؤسسها كدارٍ للحكْم، وجهاً لوجه، أسفاً عليها بعد أن صارت قلعة لقوى غاشمة جاهلة: «قلت لا تبنها يا أبا جعفرٍ، سوف تطردنا واحداً واحداً، وستكسر أجنحة العندليب بماء شناشيلها، ليتك تعدل عما نويت»!

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

 

 

عقيدة الدولة..

 بين اختلاف العقائد

رشيد الخيّون

 

اتخذت الدولة الإسلامية الإسلام (القرآن والسُّنَّة) نهجاً لها، أو ما يمكن التعبير عنه بعقيدة الدَّولة، هكذا كان في العهد النَّبوي والرَّاشدي. أما في العهد الأموي وبظهور المذاهب الفكرية (كعقيدتي الجبر والاختيار) فمال الأمويون إلى الجبر، وظهرت فكرة «خلافة الله في الأرض»، وإذا كان ما نُسب لأحد خلفائها في الرواية الآتية فميل الأمويين للجبر صار عقيدة لدولتهم، قال: «يا أهل العراق أتروني قاتلتكم على الصيام والصلاة والزكاة، وأنا أعلم أنكم تقومون بذلك، وإنما قاتلتكم على أن أتأمر عليكم، وقد أمرني الله عليكم (...) إنما أنا خازن من خُزّان الله، أعطي منْ أعطاه الله، أمنع منْ منعه الله» (الأسد آبادي، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة).

كذلك نُسب مثل هذا القول لأحد أبرز خلفاء الدولة العباسية، غير أن أبا جعفر المنصور (ت 158هـ)، بعد ظهور الثورات وكل ثورة لها عقيدتها، بدأ يميل إلى اتخاذ الاعتزال عقيدة لدولته، وجعل رؤساء المعتزلة من كبار موظفي الدولة، وذلك عندما طلب مِن رئيس المعتزلة في زمانه عمرو بن عُبيد (ت 144هـ)، وكان صديقاً له قبل الخلافة: «اعنَ بأصحابك، فإنهم أهل العدل، وأصحاب الصدق والمؤثرون له». إلا أن ابن عبيد وقع في الكتاب الذي بعثه إليه المنصور: «ارفع علم الحق يتبعك أهله» (ابن قتيبة، عيون الأخبار)، بل أكثر من هذا قيل: «فنزع المنصور خاتمه وقال لعمرو بن عبيد: وَلِّ من شئت، واعزل مَن شئت، وائت بأصحابك أولهم» (فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة). ومِن المعلوم أنه لو حصل هذا لكانت عقيدة الخلافة العباسية العقيدة المعتزلية المعروفة.

بمعنى أن هناك حاجة، وسط الثورات والحركات المضادة، لعقيدة تواجه بها الدولة خصومها مِن أهل العقائد، مع أن الكل قد رفع الإسلام رايةً، مع اختلاف الرؤى، وهذا ما فعله الخليفة العباسي السَّادس عبد الله المأمون (ت 218هـ)، بعد أن عاد مِن خراسان إلى بغداد، ووجد فيها كثرة الرايات المرفوعة، وسط الشغب واضمحلال سلطان الدَّولة، وكاد بعض المشايخ الذين خرجوا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يخطفون السلطة، بعد تجمع النَّاس حولهم، ووجود عمه خليفة مكانه إثر الانقلاب عليه، بسبب تولية الإمام علي الرِّضا (ت 203هـ) ولاية العهد مِن بعده.

جعل المأمون عقيدة الاعتزال عقيدة لدولته، كي يواجه بها الحركات المضادة لخلافته، وكان قد صحبه بعض شيوخ المعتزلة وقت وجوده بخراسان، وبهذا يمكن القول إن «مسألة خلق القرآن»، التي امتحن بها المأمون رجال الحديث كانت سياسية المقصد، وأراد لها السيادة مقابل الجماعات التي تعمل ضده. ولإنهاء القول بالجبر، شجع المناظرات بين القدرية ونُفاة القدر، بل أفشى المناظرات في علم الكلام، أي النقاش في العقائد، وهيأ لها مجالس خاصة.

ويغلب على الظن أن الأمرَ لم يكن شأناً ثقافياً أو معرفياً فحسب، وإنما كانت السياسة وراءه، وذلك بغية إخضاع الجميع تحت راية عقيدة واحدة، فبظهور حركات واتجاهات فكرية وسياسية لم يعد الدين الإسلامي، مثلما كان الحال في صدر الإسلام، فقد صار إسلاماً واحداً بمذاهب وعقائد شتى. مع العلم أن مسألة خلق القرآن في جوهرها ليست سياسية، بقدر ما كانت مسألة كلامية، لكنها أصبحت سياسية بتوظيفها وتعميمها على آفاق الدولة الإسلامية، وإلا إذا أخذناها منفصلة عن هذا الحدث نجدها فكرة مضادة للقول بقِدم القرآن، وبالفعل صار الاعتزال مهيمناً في أصوله الخمسة على الدولة مِنذ خلافة المأمون وحتى نهاية خلافة ابن أخيه الواثق (ت 232هـ).

على أية حال، كان الجميع تحت لواء الإسلام، لكن بمفاهيم مختلفة، وأي جهة، مهما كانت منفتحة أو مغلقة آنذاك، تهيمن على السلطة، تجعل من نفسها «ظل الله على الأرض». ومِن المعروف أن بعض الخلفاء حاولوا العودة إلى الإسلام قبل التفرق إلى شيعٍ وجماعات وعقائد، غير أن هذا الادعاء لا يصدق في السياسة، فما زالت الدولة تجمع بين الدين والسياسة لا يستقيم نهجها إلا على عقيدة مِن العقائد.

ما المغزى مما تقدم: أولاً، إن الاختلاف العقائدي والمذهبي حقيقة لا يمكن تجاوزها، وليس غير التعايش سبيلاً. ثانياً، إن الدولة، وسط تعدد المذاهب والعقائد، لا يمكن أن تحوي الجميع إذا ما نهجت منهج مذهب دون آخر في السلطة، فتطبيق الشريعة في السياسة لابد أن يكون على عقيدة مِن عدة عقائد داخل الإسلام نفسه، ويمكن أن يُحتمل ذلك في العصور الخوالي لمواجهة الثورات، أما في العصر الحديث فالمواجهة تكون بحيادية الدولة واحتضان الجميع.

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

«نادية» اليزيدية:

وظلم ذوي القُربى!

رشيد الخيون

اشتهر اسم نادية مراد اليزيدية في الإعلام الأجنبي والعربي، فمن العادة أن شهرة الضحية مِن شهرة الجلاد، بعد أن ألقت خطاباً على منصة مجلس الأمن الدولي، ومقابلتها للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وكانت من أبرز الشهود على توحش «داعش» وغرائبهم. تحدثت عن أسرها وبنات ديانتها، حيث قادوا أُمها وأخوتها الستة إلى القتل، شهدت على بيع الجواري، فهي كانت إحداهنَّ، وتأجيرهنَّ للجنس والخدمة.

تحدثت عن مجتمع متدين جداً لكنه متوحش، يتصلون بمختلف بقاع العالم، وبينهم عبر تلفونات «الثريا»، ولديهم خدمة الإنترنيت، ومحاكمٌ وشرطةٌ ومدارسٌ، يعني أن لديهم كيان دولة قائمة بذاتها. تقدمت نادية إلى مجلس الأمن طالبة تحرير بنات دينها وقد عدتهن بالألوف، كي تعمل الأمم المتحدة على تعويض اليزيديين ما فقدوا وأن تعمر مدنهم وقراهم بعد خرابها. نست ما حصل بها فلو تذكرت وعاشت تلك اللحظات ما تمكنت أن تكون سفيرة أهلها إلى الأمم المتحدة، وما تحدثت لوسيلة إعلام، وقد نشرت صحيفة «الاتحاد» مقابلة وافية معها، وقدمتها القنوات المصرية راويةً فاجعتها وفاجعة قومها، وعلى وجه الخصوص أنها قابلت الرئيس المصري، وطالبت الدول والشُّعوب: إن «داعش» لا يقضي عليها إلا المسلمون أنفسهم، لأنها لم تسمع باسم «داعش» إلا بعد هروبها، وإلا ما كان يتداول أمامها اسم «الدولة الإسلامية». تقول نادية: عشنا دهوراً مع مواطنينا المسلمين بسنجار وغيرها مِن مناطق الموصل المختلطة، ولم يحصل يوم مِن الأيام أن اعتدى يزيدي على عرض مسلم ولا العكس، بهذه الكلمة ناشدت نادية مراد المجتمع المسلم، أن يقف ضد «داعش»، والاعتراف بأن ديانتها إلهية مثل غيرها، وإنهم ليسوا كفاراً. لكن ما آلمها وحزَّ في نفسها أن أبناء مسلمين، مِن مناطقها، ومِن المتعايشين معهم طوال السنين، سرعان ما تنكروا لقرابة المواطنة، وكأنها ليست مواطنة ولا جيرة بينهما، بعد دخول «داعش» إلى سنجار والموصل.

كانت بين كلمة وأخرى تذكر هذه المفارقة، أن تنظر شباباً مِن ذوي القربى، يُشاركون في قتل وأسر اليزيديين، وكأنهم اكتشفوا الآن أنهم ليسوا مسلمين، بعد أن عاش الأجداد والآباء معاً. وستقولون: أين القربى بين المسلم واليزيدي؟ أقول إنها المواطنة وإلفتها، وهل هناك أكثر قرابةً منها؟! فالأُسر التي تحولت لصف «داعش»، كانوا يفتخرون أمامها بما فعلته «داعش» بقومها، لأنهم «كفار»!

لكن نادية لم تنس، في قصة هروبها، تلك الأُسرة المسلمة الموصلية الأصل، التي احتضنتها وساعدتها على الخلاص مِن قبضة «داعش»، مع أن في هذا الاحتضان عقوبة لا تقل عن عقوبة «الرِّدة» حسب قضاة تلك الجماعة، وقد أخذت اسم صاحبة الدار وهويتها كي تتمكن مِن المرور مِن سيطرات «داعش». أقول: ليست هذه هي الأُسرة الوحيدة التي ساعدت، فلابد مِن أُسر تحملت مثل هذا العبء، وغامرت بدمائها مِن أجل الجيرة والمواطنة، وبالأخير الإنسانية.

منذ (2003) والذَّبح باليزيديين، وبقية العراقيين هناك، جارٍ بلا توقف بسيوف «القاعدة» ثم «داعش»، ومحنة قوم نادية مضاعفة، فهم لا يُعدون مِن أهل الكتاب، حسب تصنيف كُتَّاب الملل والنِّحل. وبهذه الحجة لم يبق أمامهم إلا أمرين: إما البراءة مِن دينهم أو القتل، وبالنسبة لأهل الدِّين كلاهما سواء، وعلى وجه الخصوص أن يسلم المرؤ على يد مثل هذه الجماعات في وحشيتها.

في السابع من أبريل 2007، والديانة اليزيدية مقبلة على عيد رأس السنة (عيد الخِليقة) الأربعاء الأحمر، اهتزت منطقة شرق الموصل لقتل الفتاة دعاء دخيل أسود، من قبل شباب يزيديين، وبتحشيد مريب وهائج من قبل المتشددين الإسلاميين بالموصل، أسفرت الحادثة عن قتل 24 يزيدياً من عمال النسيج بالموصل في يوم الأحد (22 أبريل)، وقتلوا صبراً بحي النور، بحجة الثأر لدعاء التي ادعوا أنها أسلمت، وقد حكى القصة أحد الناجين بأعجوبة من القتل، بعد أن فتحت له امرأة موصلية باب دارها فنجا.

وبعد أربعة شهور (14 أغسطس/ آب 2007) حل القتل الجماعي باليزيديين، عندما فُجرت أسواق قريتين لهما، وأسفرت عن قتل نحو (750) يزيدياً، وكانت إعصاراً مِن الدِّماء وموسماً لحصاد رؤوس البشر! كان ذلك إنذاراً، لو هناك دولة وسُلطة مسؤولة عن مواطنيها، حتى حصل احتلال الموصل، الغامض حتى هذه اللحظة.

مِن حق نادية اليزيدية: أن تنعى قرابة المواطنة، وكأن حال لسانها ينشد مِن معلقة طرفة بن العبد (عاش في القرنين الخامس والسادس الميلاديين): «وظلمُ ذوي القُرْبى أشدّ مَضاضَةً/على المَرْءِ من وَقْعِ الحُسامِ المُهنّد».

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

نشر الإسلام.. في الزمن الطائفي!

رشيد الخيون

تم الدخول إلى الإسلام، في عهد الفتوحات والغزوات، على أساس العقيدة الواحدة، فالأذان واحد وهيئة الصلاة واحدة، والخمس مرتبط بغنائم الحرب. لم يظهر اختلاف آنذاك حتى بدايات العهد العباسي (132-656هـ). لكن الولاء السياسي بدأ يتوزع قُبيل العهد الأموي، بين السلطة والمعارضة، ومع ذلك لم يُخش على نشر الإسلام من تعدد عقائدي بقدر ما كانت الخشية من ولاءات سياسية.

كان القتل والتنكيل يجري لسبب سياسي، يغطى عادة بالدِّين، ويوصف الخصم بالكفر والخروج مهما كان تقياً، ولم تظهر دعوة أو ثورة إلا باسم الدين، وتسمية المخالفين بالخوارج جاءت على هذا الأساس، حتى ظهرت في العصر العباسي أحاديث تحرِّم الخروج على الحاكم، وذلك لكثرة الثورات والحروب الداخلية.

يغلب على ظني أن أول ظهور لتلك الأحاديث مدونة في كتاب «الخراج» لأبي يوسف (ت 182هـ)، ولو نجح الثائرون آنذاك في تأسيس دولهم ما غيروا شيئاً في الدين ولا سطوة الحكم، لأن الجوهر كان سياسياً، فالقبلة واحدة والكتاب واحد، وما زال الحال قائماً، على الرغم مِن شدة التكفير وكثرة القتل. فلو وقف آنذاك أموي وعباسي وعلوي وخارجي أمام المحراب لما ميزت بين صلاتهم، غير أن الأمر اختلف بعد تأسيس الدول، على أساس مذهبي، حيث التقاليد الدينية. فالعبيديون، نسبة إلى أبي عبيد الله المهدي (ت 322هـ)، أو الفاطميون (297هـ)، اختلفوا رسمياً في الآذان، وكذلك الحال بالنسبة لمَن أسلم على يد الزيديين ببلاد فارس، بينما صار الإسلام ثلاث دول موحدة بالقبلة والكتاب والنبوة ومختلفة بالإمامة: العباسية ببغداد، والأموية بالأندلس، والفاطمية بمصر، فصار التبشير بالإسلام يتم على أساس ولاءات تلك الدول.

في ظل ذلك الخلاف الطائفي الحاد، يُستغل نشر الإسلام سياسياً، فالكسب مهيأ لتنظيم جماعات موالية. صحيح أن المسلمين الأتقياء يرون في نشر الإسلام نصراً، لكن هذا الانتشار، وفي هذا الظرف، يشكل بؤراً لحروب تُحركها السياسة، والمسلمون الجدد يتعبدون على أساس المذهب على أنه الهوية.

لم يتوقف إرسال الدعاة، من المؤسسات الدينية، إلى الشعوب المختلفة، وكانت تجري بلا سياسة، كلُّ داعية يدعو إلى مذهبه، وبعد التكاثر ورفع الشعار السياسي أخذت القرى والمحلات تتواجه بموروثها، كلٌّ منها يعد مذهبه هو الإسلام، بينما منطق تناحرهم لا يختلف عن تقاليدهم قبل إسلامهم.

لا أظن أن هؤلاء الدعاة بين تلك الشعوب سيقدمون الإسلام النقي مِن المذهبية، لأن هذا الإسلام لم يعد موجوداً، فكيف الحال إذا أاستغل سياسياً وحزبياً، وكم تترك المواجهات من مشاعر الثأر الموجودة أصلاً بمنطق القبلية، ثم لبست المذهبية الدينية، حيث الأسلمة تحصل بإسلام رئيس القبيلة ثم القبيلة على ما هي عليه، لا وعي ولا علم، والغرض المباهات بالعدد، وتشكيل قوى حزبية، وبتلقين المختلف لا المؤتلف.

نعم، يُضيف السباق على نشر الإسلام أعداداً كبيرة إليه، لكنه سيأخذ، بشكله المذهبي، تقاليد قبائلية بنيجيريا أو راوندا مثلاً، مع أن وجود أكثر مِن مليار مسلم في العالم لا يبرر الحاجة لكسب جديد يأتي محملاً بالعصبية.

تجري منافسة على غدق أموال لبناء ومساجد ومراكز إسلامية، مِن أجل المسلمين الجدد، لكن لا أحد يفكر في النتائج، وكيف تُستغل تلك المراكز لتخريج جماعات مثل «بوكو حرام» السنية، وماذا يعمل زعيم شيعة نيجيريا بصورة ولي الفقيه في مكتبه، بمعنى أن إسلام هؤلاء قد حُدد سياسياً، ولا أظن أن «بوكو حرام» ستزيد السنة قوة، إنما تُحملها أفعالها المريعة، ولا أتباع زكزاكي سيحققون أنتصاراً للشيعة بتأسيس دولة، بقدر ما يستخدمون أداةً. إنها حروب مذاهب السياسة لا الديانة.

إن الإسراف في القتل، الذي تقوم به الجماعات بدافع الانتقام الطائفي، ويُستغل فيه هؤلاء المسلمون الجُدد، لم يبرره الأتقياء القدماء، فمثلاً على الرغم مِن قسوة الأمويين على العلويين إلا أن عبد الله (قتل عام 143هـ) حفيد الحسن بن علي حاول وقف داوود بن علي (ت 133هـ) العباسي وهو في ذروة غروره، عن إسرافه بقتل الأمويين: «يا ابن عمّ إذا أسرفت في القتل لأكفائِكَ فمَن تباهي بسلطانك» (الزمخشري، ربيع الأبرار).

هل تتصورون أن القتل الذي حصل بين أبناء العم من عباسيين وأمويين كان دينياً؟ فكيف لنا فهم أن المَقاتل الطائفية بين حديثي الإسلام بأفريقيا وغيرها دينية؟! أرى في مثل هذه الأيام أن تتوقف المنافسة على الكسب المذهبي إلى الإسلام، فحال من يسلم على أساس كراهية طائفية، سيكون على شاكلة من يكسبه: «وزنا الكأس فارغةً وملأى/فكان الوزن بينهما سواءُ»(ربيع الأبرار)، أي لا ينفع الإسلام شيئاً.

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

 

 

 

العراق: دولة خفية مكشوفة

رشيد الخيون

 

يبدو العراق دولة مكشوفة لا أسرار فيها، يتضح ذلك لمتابع جلسات البرلمان أو الحكومة أو لقاءات الرئاسات الثلاث، وما يرد في النشرات الإخبارية وعلى وسائط التواصل، لكن حقيقة الأمر أن هذا المكشوف جزء يسير مما يجري بين الكتل السياسية، أو بينها وبين الدول المجاورة للعراق وتلك المؤثرة في داخله من وراء البحار، وبالتالي فهذا المخفي هو الذي يُشكل ويوجه السياسة العراقية.

فمن تابع الجدل عن دخول الجيش التركي في عمق العراق سيخرج بهذه النتيجة، إذ هناك اتفاق خفي بين كتل سياسية والدولة التركية، وربما بقية الأطراف أخذت علماً به، وغضت النظر، لكنها ظلت تتحدث عن وجود الجيش الأجنبي على أنه تعدي على السيادة العراقية، فالكتلة التي لم تر في ذلك تعدياً أبرمت الاتفاق، وذلك مناصفة في تدريب الحشود، وهذا يأتي ضمن المحاصصة الطائفية. فالحشد الشّعبي المعروف على أنه حشد شيعي، أُعلن أنه يتدرب على يد الجارة الشرقية وحاصل على تأييدها. فمن المؤكد أن الحشد الوطني المعروف بأنه حشد سني، سيتدرب على يد الجارة الشمالية. والحسبة أن العراق يقع بين دولتين: شيعية وسنية، ناهيك عن الاصطفاف الحزبي، فالإسلام السياسي هو الحاكم في الدولتين، وقيادات الحشدين من الأحزاب الدينية.

معلوم أن تقاسم النفوذ بين الجارتين على العراق كان معمولا به منذ قرون، في زمن الصفويين والعثمانيين، وكانت الحرب بينهما كراً وفراً، حتى قيل في كناية عن ذلك «بين العجم والرُّوم بلوة ابتلينا» (العزاوي، العراق بين احتلالين)، ولفترة قصيرة تُسمى إيران بلاد العجم وتركيا بلاد الروم، مع أن العجم تُطلق على غير العربي مهما اختلفت قوميته، وأن الرُّوم انتهى أمرها على يد الفاتح العثماني (1453 ميلادية) مع سقوط القسطنطينية، ونراها تظهر في تدريب الحشود ثانية.

صرح علي المكشوف رئيس الوزراء حيدر العبادي: إن على تركيا سحب قواتها فوراً، وكأن صواريخه قد وُجهت إلى جيشها، ثم ظهر تصريح تركي عن التنسيق مع الحكومة العراقية، وعادت الحكومة العراقية تهون من وجود قطعان من الجيش على أنها لمواجهة «داعش»، إلا أن العديد من العراقيين، من جمعيات وشخصيات، قد أصدروا بيانات الاحتجاج على دخول الجيش التركي، باعتباره هتكاً للسيادة العراقية، ولا نرى جيشاً أو نظاماً عراقياً، في الوقت الحالي بالذات، قادراً على صون تلك السيادة حتى لو حصل الانتهاك من أصغر الدول، فكيف الحال مع جيش تركيا العضو في حلف «الناتو».

عندما يصوت البرلمان على قضية ما، تظهر في المكشوف على أنها قرار برلماني، لكن الخفي أن رؤساء الكتل قد صوتوا قبل أعضاء البرلمان، ليظهر تصويتهم مكشوفاً على ألسنة أعضائهم في البرلمان. يجري هذا في القضايا الصغيرة والكبيرة، إلا ما يخص الجوانب الثانوية جداً، ونقصد هنا الكتل الكبرى ذات التأثير في القرار، أما الصغرى فيظهر تصويتها كشغب لا أكثر، لأنه غير مؤثر في القرار.

قد تتداول وسائل الإعلام أمراً ما، ويصبح حقيقة، فيظهر غير ما هو عليه تماماً، كالاتفاق مثلاً على الولاية الثانية لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي، والذي ظهر على أنه صاحب الأغلبية في البرلمان، إلا أن المحكمة العليا حسمت الأمر للكُتلة الكبرى التي تشكلت داخل البرلمان وليست صاحبة الأصوات الأكثر. لكن ما حصل في مؤتمر أربيل (2010) كان هو الفاصل وليس قرار المحكمة، وهو ما ضمنه المالكي من رئيس الإقليم وما ضمنه الأخير منه باتفاق على الورق.

لم يكن التناقض في تصريحات المسؤولين الكبار إلا تعبيراً عن المخفي والمكشوف في السياسة، من توزيع للمناصب في وزارات الدولة إلى العلاقات بالدول، مثلما حصل في قضية دخول أو استقدام الجيش التركي. بمعنى أنه ليست هناك دولة واحدة وإنما عدة دول، موزعة على الكُتل السياسية، وما الخلافات بينها إلا خلافات بين دول لا بين جماعات داخل دولة، وهذا هو نظام المحاصصة الطائفية، كلُّ زعامة طائفة تتصرف كدولة داخل الدولة، وتتحدث عن شعوب لا شعب واحد. مع العلم أن الاتفاق داخل الطائفة الواحدة معدوم أيضاً، فالزعامات تعبِّر عن نهجها ومصالحها لا عن الطائفة ككل، والدليل على ذلك ما يجري بين الكتل الشيعية والكردية والسنية بل والمسيحية، والأيزيدية أيضاً.

وختاماً، لا يغتر مَن لديه معلومة عمَّا يجري في الدولة العراقية، فلحظات وتظهر معلومة أخرى تنقضها، فمن الصعب التوفيق بين المخفي والمكشوف، فإذا قلت: أنا أدري، سيرد عليك آخر قائلاً: كيف تدري؟!

 

أحمد الجلبي.. ترك الملفات حائرة

رشيد الخيون

كانت القصة أغرب من الخيال، أن يجلس الحاكم بأمره مأسوراً أمام المعارض العراقي أحمد الجلبي (1944-2015)، والأخير ظل مكتفياً بالنظر إليه مستغرباً من دورات الزمن، فقال لعدنان الباججي بعد لقاء الـ45 دقيقة مع صدام، والأخير يجلس على سرير جندي أميركي مكسوراً: «فكرت في هذا الرجل، صدام حسين، أي مكانة عالية كان فيها وإلى أي مصير وصل، والإنسان يجب أن لا يشمت بمصائر الآخرين، فأنا لم يكن بيني وبين صدام حسين أي موضوع شخصي، ولا أستطيع الادعاء بأن البعثيين ظلموني، كلا لم يظلموني، بل على العكس كانوا دائماً يتعاملون معي باحترام وتقدير. لكني حزنت كثيراً لما حل بشعبي وبلدي بسبب موضوع الكويت» (ذاكرة العراق، الباججي، «الشرق الأوسط»/ 29 مارس 2010).

ومثلما كان ظهور صدام مخيفاً مما تؤول إليه المصائر، كان موت الجلبي وحيداً على كرسيه أكثر مفاجأة ومخيفاً أيضاً، وكأننا نشاهد فيلماً، فأحياناً يلوذ الإنسان بالخيال لصعوبة استيعاب الواقع. أقول: من لم تفاجئه نهايتا صدام والجلبي، وما يحيطهما مِن ريبة؟!

ترك الجلبي ملفات حائرة ربَّما لها صلة بنهايته، هكذا التوقعات، الكل مستسلم لغموض ما حدث! لأن شخصاً مثل الجلبي تتحمل قصته اللغط، من مصرف البتراء بالأردن مروراً بدخوله المفاجئ إلى السياسة، ولولا امتهان السياسة ما شاع أمر «البتراء» بهذه الصورة. حتى اللحظة ليس هناك جواب شاف: إلى أين ذهبت أموال «البتراء»؟ هل كانت خسارة فعلية أم صُرفت لتمويل ميليشيات، خلال الحرب اللبنانية؟ أم وضعت في الجيب؟ وأين الشُّركاء في القضية؟

لم يرد الجلبي على مَن يتهمه بالخيانة إلا بالتظاهر بابتسامة ساخرة، فيعلم أن هناك مَن يرضي غروره بالمديح من قِبل خصوم النظام السَّابق، وقد تكاثروا بعد (1990). لقد ملأت جسمه نبال التهم وتزايدت بعد نجاح المهمة، وكان ينتظر فيها لحظة الطهارة من الذنوب، لكن الريبة تعاظمت والتهمة فرخت تهماً، ومن معارضة الأمس وسلطة اليوم، حتى صرحوا أنهم أسقطوا النظام لا الجلبي ولا الأميركان! بينما عاشوا يتنازعون على منابر الحسينيات وملكياتها بدول اللجوء والجلبي يشق لهم الطريق، إلى ما هم عليه الآن، تحت العواصف. أجد لسانه ينشد لقعنب بن ضمرة (ت 95هـ): «إن يسمعوا ريبةً طاروا بها فرحاً/عني وما سمعوا من صالحٍ دفنوا»!

ظن الجلبي أن إنجاز المهمة سيرفعه إلى منزلة نوري السعيد (قُتل 1958)، الرقم الصعب وأخطبوط الوزارات، إلا أن الرياح جاءته عاتية من إيران تلك التي ساوم الأميركيين بالقرب أو البعد عنها، لم يكن يتوقع أن الجماعات المنكفئة على نفسها، وتعتبر أميركا «الشيطان الأكبر» سيزاحمونه ويزيحونه إلى الوراء، بعد أن كان أول المتصدرين. كان يظن أن السياسة كلها تحايل، فقال لصاحبه وهما في الطريق وتحت الحماية الأميركية: نبدأ الآن بشتم الأميركان! صُعق صاحبه من هول ما سمع، وكانت بداية فراق بينهما، فهذا يعتبر السياسة كلها حيلة وذاك يعتبرها كلها حسن نية.

في لحظة كان الجلبي منتشياً بجهده الطائفي فقال أمام قريب له فجعته العبارة: «سقطت دولة السُّنة»! ويقصد الدولة العراقية، وقد تناسى أن أُسرته كانت الأكثر مناصبَ وثراءً (1921-1958)، وبعدها وصلتها تعويضات ما تأمم منها. لكن المطلع على ثقافة الجلبي، المختلفة عن الدينيين السياسيين، يشك في كل مفردة طائفية تلفظها، فالرجل ليس متعصباً لدين وطائفة، وإنما أراد راحلة يركبها، وكانت الأجواء مهيأة لامتطاء هذه الراحلة، بعد حرب الثماني سنوات مع إيران، وتفقيس هذا العدد من الجماعات تحت جناح الطائفة.

تبنى الجلبي مواقف وتراجع عنها، فعندما وجد نفسه لا يستطيع منافسة الطائفيين قولاً وفعلاً، أخذ بالوطنية العراقية، وعندما سألته (رمضان 2006): يا أبا هاشم، «ألست مؤسساً لبيت طائفي»؟ رد مبرراً: «كانت مرحلة»! تحمس لاجتثاث «البعث» ثم تراجع، وعذره: «أردنا حماية المجتثين»!

الكلام لا ينتهي عن الجلبي، قبل وبعد (أبريل 2003)، إلا أن الإشارة إلى الملفات الخطيرة، التي تفرغ لها، هي الأكثر أهمية. أخذ، بعد رئاسته للجنة المالية في البرلمان، يكشف أسرار البنك المركزي العراقي بحرفية عالية، وما حصل من غسيل أموال، وملفات فساد، خصوصاً في التسليح، ويظهر مصرحاً بها، بعد أن أمن نفسه بحماية صارمة، استخدمت بإرجاع أملاك العائلة لحظة العودة، حتى أخذ البعض يفهم أنها كانت وراء تفانيه في المعارضة. نقول: هل تجد الملفات الحائرة من يكشفها ولا يخشى الموت على كرسيه وحيداً؟! أما بقية الملفات، فهناك من يعتبره فيها بطلاً ومن يعتبره خائناً، وقد صار في ذمة التاريخ.

(الاتحاد)

 

 

 

 

 

 

الدستور العراقي..

و'لا إكراه في الدِّين'

بقلم: رشيد الخيّون

احتج غير المسلمين من العراقيين ضد إقرار قانون "البطاقة الوطنية الموحدة"، وكان البرلمان العراقي قد أقره في الأسبوع الفائت (الثُّلاثاء 28/10/ 2015). بلا شك أن لهذا القانون إيجابيات جمة للموطن والدولة، أبرزها تسهيل المعاملات وضبط معلومات الأفراد مثلما هو الحال في البلدان المتقدمة. وما يُسعد أيضاً أن البطاقة خلت من التمييز الطائفي، أي لم يُذكر الدين ولا المذهب في البطاقة نفسها، مع سعي البعض لتدوين ذلك.

جرى العمل بقانون الجنسية (42) لسنة 1924، جاعلاً مَن لديه جنسية عثمانية عراقياً، وغيره من التبعية، فأسس لتمييز استغله الطائفيون من المتنفذين، وأكثر الشُّؤم وقع على مواطنينا الكُرد الفيليين الذين خدموا العراق جيلاً فجيلا، وكان من الأوفق أن يُحسب كل مولود على أرض العراق عراقياً من تلك اللحظة التي بدأ فيها تسجيل العراقيين بعد قيام الحُكم الوطني (1921). مع علمنا أن الجنسية العثمانية لم تكن مختصرة على مذهب دون آخر، وإنما للرعايا العثمانيين كافة، لكن هناك من كان آباؤهم قد سجلوا كرعايا للدولة الإيرانية خلال تعاقب العثمانيين والصفويين على العراق، وهروباً من التجنيد في "السفربرلك"، وكان شديداً على الناس.

مع إيجابيات البطاقة الوطنية، لكن فيها ما لا يقل إيذاءً على أهل العراق الأُصلاء من قانون (1924)، بتمييزهم على أساس الديانة، بما أنه بعيد عن الآية: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (البقرة: 256). ذلك حسب المادة (26) من قانون البطاقة: "يجوز لغير المسلم تبديل دينه وفقاً للقانون"، و"يتبع الأولاد القاصرون في الدين من اعتنق الدين الإسلامي من الأبوين". كذلك المادة (21) "يُستثنى من أحكام البند (أولاً) من هذه المادة من أبدل دينه إلى دين الإسلام". وحكم (أولا): "للشخص تصحيح اسمه الكامل واسم أمه وجده لمرة واحدة فقط"، هذا للمسلمين أما غير المسلمين فيتم استبدال أسمائهم حسب تبديل الدين.

لقد لاذ المحتجون ضد المادتين بالآية المذكورة أعلاه. لا أُناقش إباحة تبديل الدين أو منعه على المسلم، أو أنه يُقتل في حالة اقتناعه بدين آخر، فالكتاب الكريم لا يمنع ذلك (انظر: العلواني، لا إكراه في الدين إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم). فأمر المرتد إلى الله حسب الآية: "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" (آل عمران: 85)، و"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (يونس: 99).

حرصتُ على مناقشة القضية من جانب ديني، لأن غالبية البرلمان العراقي من المتدينين، هكذا نفترض لانتماءاتهم الحزبية الدينية، إلى جانب ذلك أن المواطنة في النظم الديمقراطية لا تميز على أساس الدين، ونقول الديمقراطية لأن أعضاء البرلمان والسلطات الثلاثة تسمي النظام بالديمقراطي الدستوري، والدستور يقول: "تكفل الدولة حماية الفرد مِن الإكراه الفكري والسياسي والديني" (37/ج/ثانياً)، وهذا ما ينسجم مع الآية "لا إكراه في الدِّين"! فلماذا يُجبر الأبناء على دين الذي أسلم مِن والديهما؟

اطلعت على أربعة مفسرين: سنيين: محمد الطبري (ت 319هـ) ومحمد القرطبي (ت 671هـ)، وشيعيين: محمد الطُّوسي (ت 460هـ) والفضل الطبرسي (ت 548هـ)، وما قادني لذلك الاستشهاد (الطائفي) كون أعضاء البرلمان من الدينيين ملتزمين بتفاسير كل منهما، فلعل الحديث بلغتهما مجدٍ. حددت التفاسير الأربعة الآية المذكورة أنها غير منسوخة، وخصت أولاد الأنصار الذين تهودوا وتنصروا، فلما طلبوا أمراً نبوياً بإعادتهم جاءت: "لا إكراه في الدِّين"!

سيُرد علينا: هناك آراء أُخرى وردت في التفاسير المذكورة، فلماذا أخذت بهذه دون تلك؟ وحجتي أن أحد هؤلاء المفسرين الكبار اعتبرها "أولى الأقوال في ذلك بالصواب"، ومن جهة أنها الأكثر ملاءمة للنظم المتقدمة، وأكثر صدقاً لمن يدعي أن نظامه ديمقراطي، ويحرص على الدستور الذي يقر مثلما تقدم بـ"لا إكراه في الدِّين". ربما الديمقراطية ورطة لمن يريد نسخ "لا إكراه في الدين". فالديمقراطية لا تنحرف عن مبانيها، ولا المواطنة تتجزأ، وإن طمأنة مواطنيكم غير المسلمين، بأي وسيلة كانت، ليست حراماً، على ما تقدم من تفسير "لا إكراه"!

قال أبو أحمد الكاتب (القرن 3هـ)، وصار مثلاً سائراً: "إذا لم يكن للمرء في دولة امرئٍ/ نصيبٌ ولا حظٌ تمنى زوالها/ وما ذاك من بغضٍ لها غير أنه/ يرجى سواها فهو يهوى انتقالها". للشاعر نفسه بيت يحزن كلّ عراقي ينظر في واقعه الراهن الغائر في الجهل: "لا تعجبنْ مِن عراقي رأيت له/ بحراً مِن العِلم أو كنزاً مِن الأدب". قيل: إن الكاتب قد قتل نفسه بالسّم (الثَّعالبي، يتيمة الدَّهر). أقول: الحدثُ يوهمنا أمراً!

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

(الاتحاد)

 

 

 

 

 

 
 

رأس الحسين..

وانتصار وهم السَّادن!

 

رشيد الخيّون

تناولت وسائل الإعلام أخبار مسجد ضريح رأس الحسين بالقاهرة، والمناسبة غلقه في التاسع والعاشر من محرم (تاسوعاء وعاشوراء)، وتباينت الآراء بين ناقل للخبر ومعارض له ومؤيد، إلا أنني سمعت تصريحاً لوزير الأوقاف المصري جاء فيه: إن المسجد لم يُغلق إنما أُغلق الضريح فقط خشية مِن أعمال إرهابية أو سلوكيات غير لائقة بصاحبه.

إلا أن ما يُنتبه إليه في مثل هذا الحدث، أن الدولة المصرية، التي تراجع فيها الإسلام السياسي، بعد تجربته في السلطة، ممثلاً في «الإخوان المسلمين»، وفشل حزب «النُّور» السلفي في الانتخابات العامة، اتخذت إجراءات مشددة تخص الواقع الديني، كالعمل على تعديل المناهج، ومنع فوضى الإفتاء، وغلق المساجد التي لا يلتزم أئمتها بالقرار، ومراقبة الخطب الدينية، ومنع دخول كتب أساطين الإسلام السياسي إلى المساجد، كحسن البنا (اغتيل 1949)، وسيد قطب (أُعدم 1966) ويوسف القرضاوي وغيرهم. إزاء هذا الوضع لا يؤخذ قرار غلق الضريح في هذين اليومين بأنه موجه ضد طائفة، ومَن أدراك فربَّما جاء هذا الإغلاق لمصلحة زواره، فمَن يضمن عدم تفجيره مثلاً؟

ونأتي إلى قصة رأس الإمام الحسين، إنها حيرت الألباب، أن يُحتفل في كربلاء سنوياً، في العشرين مِن صفر بزيارة كبرى عُرفت بـ«مرد الرؤوس»، على أن الأسرة الشريفة عادت من الشَّام ومعها الرؤوس لتُلحق بالأبدان، وبين أن يكون الرأس بالقاهرة وبكربلاء وأماكن أُخر، فما قصة ذلك؟ هل تحول الرأس إلى تجارة سياسية ومحلاً يدر رزقاً على مَن يبنى ضريحاً لها؟ بعلبك تحتفل، بعد تأسيس «حزب الله»، بمرور الرأس عليها، ولم يُعرف هذا مِن قبل، ويُشيد ضريح على أنه ضريح ابنة الحسين التي أجهضت بها أمها، وبالقاهرة يكون للرأس مسجد ومزار، ولو أن الأمر يتحدد بطقس أو زيارة لهان، لكنه يوظف سياسياً وحزبياً، قديماً وحديثاً.

نقرأ لابن أياس (ت 1523 ميلادية) عن بناء مسجد الحسين وسط القاهرة، ناقلاً، على ما يبدو عن سبط ابن الجوزي (ت 654هـ): في 549هـ «نُقلت رأس الحُسين (رض) إلى مصر، وبنى لها الظَّافر المشهد الموجود الآن، وكانت رأس الحسين أولاً بكربلاء، مكان قتله، ثم نُقلت من كربلاء إلى دمشق، ثم نُقلت مِن دمشق إلى عسقلان، فلما استولى الفرنج (هكذا) على عسقلان خاف المسلمون على رأس الحُسين مِن الفرنج. فرسم الظَّافر بنقلها إلى مصر، فنقلت في تلك السَّنة. قيل: إن رأس الحُسين لما نُقلت مِن عسقلان إلى القاهرة أُحضرت في عِلبة مغلفة بجلد، فأنزلوها أولاً في مسجد موسى، الذي يُعرف بالركن المخلق، فأقامت به مدة حتى بني لها المشهد الموجود الآن» (بدائع الزُّهور في وقائع الدُّهور).

أما محسن الأمين (ت 1952) في «لواعج الأشجان في مقتل الحسين»، فينقل عن آخرين سبعة أماكن لمدفن الرأس: عند ضريح أبيه، مع جسده بكربلاء، في ظهر الكوفة، في البقيع عند والدته، بدمشق في مقبرة الباب الصغير مع بقية رؤوس قتلى كربلاء، نقله الفاطميون كما أتى في رواية ابن أياس. وشكك أن تكون الرأس المنقولة مِن عسقلان رأس الحُسين لا غيرها، قائلاً: «وأخذ العلويين لذلك الرأس مِن عسقلان ودفنه بمصر كأنه لا ريب فيه، لكن الشَّأن في كونه رأس الحسين»! بمعنى أن الأمين، أحد كبار علماء عصره، يسأل: هل ما نُقلت هي رأس الحُسين أم رأس غيره، وفبركت القصة لشأن ما. هذا، ولابن تيمية (ت 728هـ) كُتيب بعنوان «رأس الحسين» ينفي وجوده بعسقلان، بما لا يبتعد عنه تشكيك الأمين في نقلها إلى القاهرة.

بعد هذا، أقص رواية أخرى تاريخها (أكتوبر 2004) اعتبرها من محبطات العقول، تختصر واقعنا وشرودنا في المقدس والماضي بهذا الاندفاع الذي نسخر له مخترعات ومكتشفات العلم، الذي هو ليس علمنا، من وسائل التواصل إلى الفضائيات، سمعتها مِن أحد سدنة رأس الحُسين وسط القاهرة، لما سألته هل هذا المسجد والقبة للرأس فقط، فأجابني ممتعضاً، هنا جسد الحسين ورأسه، وأضاف: لما أتت الست زينب بالرأس، لأنها تحب أهل مصر، قامت الملائكة بجلب الجسد كاملاً إلى هنا، فقلتُ: «الآن قد أقنعتني»، وشكرته وخرجت من المسجد بحجة أقنعت ملايين الزائرين قبلي.

أقول: إنها حَيرة، ونحن في متاهة لا مدى لها، فإما أن تكون الرأس بكربلاء وينتهي أمرها بالقاهرة، وإما أن يُتفق أنها بالقاهرة وينتهي أمر زيارة مرد الرؤوس بكربلاء. فليس من المعقول أن تبقى الملايين غائبة عن الوعي إلى هذا الحد، وإلى متى ستبقى الأوهام تعبث بعقولنا وتوجهها؟

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

(الاتحاد)

 

الحاكمية:

من المودوديين إلى الحوثيين

رشيد الخيون

يعود الإسلام السياسي كافة إلى شرعية الحاكمية الإلهية، ولا نعلم في العصر الحديث من طرحها سياسياً أقدم من أبي الأعلى المودودي (ت 1979)، وقيل كان معارضاً بها المهاتما غاندي (اغتيل 1948) في الديمقراطية والعلمانية (العقيل، من أعلام الحركة والدعوة الإسلامية المعاصرة)، أما سيد قطب (أعدم 1966) فهو صدى لما طرحه أبو الأعلى، وهذا ما قاله الأخير: «إن ما ورد في كتاب معالم في الطريق هو نفسه ما أراه، بل كأنني الذي كتبته، فقد عبّر عن أفكاري بدقة» (المصدر نفسه).

أخذها جانب الإسلام السياسي السُّني ممثلاً بالمودودي على أن الحاكمية لله، ومن يحكم يمثل الله سياسياً واقتصادياً وإدارياً وفي كل شيء. أما جانب الإسلام السياسي الشيعي ممثلاً بالخميني (ت 1989) فالحاكمية الإلهية تنفذ عن طريق الإمام الغائب، بيد نائبه الولي الفقيه، وبالتالي إنها نيابة عن الله. كان آخر الجماعات في الإسلام السياسي السني السلفيات الجهادية، والتي منها تفرعت «القاعدة»، ومنها «النُّصرة» وبعدها «داعش». أما آخر العنقود في الجماعات الإسلامية الشيعية فهو «أنصار الله» الذين اشتهروا باسم «الحوثيين»، والتسمية مرادفة مع اختلاف اللفظ لـ«حزب الله». ومِن قَبل ظهر «حزب الله» اليمني (المسعودي، محمد الزبيري ومشروع حزب الله)، وكانت فكرته: «الولي الفقيه المحتسب»، أسسه القاضي والشاعر اليمني محمد محمود الزبيري (اغتيل 1965).

نأتي على جذر «حكم» الذي منه نُحت مصطلح «الحاكمية». يأتي بمعنى يقضي «وحَكم له وحَكم عليه»، وبمعنى الحكمة من العِلم، والحكيم مرادف العالم، واحتكموا إلى الحاكم، والمحاكمة في المخاصمة، والمُحَكم بمعنى الشيخ المجرب (الجوهري، الصحاح). هذا، وما زال أهل العراق يسمون القاضي حاكماً، حاكم بداء أو حاكم تمييز، صياغة من المحكمة.

هناك مَن اعتبر شعار الحرورية أو الشُّراة الذين عُرفوا بـ«الخوارج»: «لا حُكم إلا لله» على أنه السياسة أو الإمامة، وهذا غير صحيح، فانشقاقهم له علاقة بالتحكيم، وقد سمي لقاء عمرو بن العاص (ت 42هـ) وأبي موسى الأشعري (ت بعد42هـ) بالمحكمة والتحكيم، ولاعتراضهم على ما حصل عُرفوا بالمُحكمة، وعندما شعر علي بن أبي طالب (اغتيل 40هـ) بتطور شعارهم إلى السياسة، أي الحكم السياسي، قال كلمته المشهورة: «كلمة حق يُراد بها باطل» (اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي).

بعدها نأتي إلى تفسير ما ورد في الكتاب الكريم: «إنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ» (الأنعام: 57)، وما اعتمد في الحاكمية قديماً وحديثاً. نقرأ في أهم التفاسير عند أهل السنة وهو «جامع البيان في تأويل آي القرآن» المشهور بتفسير الطَّبري: إن الحجازيين وبعض أهل البصرة والكوفة فسروها بمعنى القصص، بينما فسرها البصريون والكوفيون بمعنى القضاء. ومحمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) نفسه مع هذا التفسير. أما من أهم التفاسير لدى الشِّيعة «التِّبيان في تفسير القرآن» لشيخ الطائفة محمد بن جعفر الطوسي (ت 460هـ): أكد أن الحجازيين اعتبروا المعنى مِن القصص، وقرأها الباقون بالضاد المعجمة «يقضي الحق»، فتأتي بمعنى القضاء، ويقوي ذلك قوله تعالى في آية أخرى: «والله يقضي الحق».

ضرب أصحاب الحاكمية المعاصرون كل ما جاء في التفاسير، وأسباب النزول، عرض الحائط، وفسروها على أنها السلطة السياسية. قال المودودي: «وهذه المسألة (الحاكمية) يُجيب عليها القرآن بجواب قاطع واضح كل الوضوح، وهو أن الحاكمية بكل معنى مِن معانيها (القضاء والسلطة السياسية) لله تعالى وحده، فإنه هو الحاكم الحقيقي في واقع الأمر، ولا يستحق أن يكون الحاكم الأصلي إلا هو وحده، ومَن أراد أن يفهم هذه الكلمة حق الفهم، عليه أن يدرك أولاً كلمة الحاكمية ومدلولها» (المودودي، تدوين الدُّستور الإسلامي).

لا ندري ماذا ندرك: فمدلولها حسب الآية والمفسرين: بين القضاء والقصص، ولو أراد الله نيابة عنه لجاء الأمر واضحاً، لأنها قضية فاصلة، وهل سيحكم الله جزءاً مِن خلقه أم البشرية جمعاء؟ وماذا يفعل أصحاب الحاكمية باختلاف الناس والأُمم، وهذا واقع مَعِيش لا يمكن تغييره؟ وبماذا يفسرون آيات مشروعية الاختلاف الواضحات؟ ماذا يفعل أصحاب نيابة الإمام بالحديث عند أبرز المحدثين الشيعة محمد الكُليني (ت 329هـ): «كلُّ راية تُرفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يُعبد مِن دون الله عزَّ وجل» (الفروع مِن الكافي)؟

أقول: لقد تسلم دعاة الحاكميةِ الحاكميةَ فعلاً بعد تنظير، في أكثر من بلد، وبفرعيهم الشيعي والسني، فهل: طبقوا حاكمية الله؟ لنُصيِّب الأصغر (ت175هـ) ما يُعبر به: «وإذا جهلتَ مِن امرئٍ أعراقه/ وقديمَهُ فانظر إلى ما يفعلُ» (ابن المعتز، طبقات الشُّعراء). أرى «الحاكمية» مِن المودوديين إلى الحوثيين تحايلا باسم الله.

(الاتحاد)

 

 

العراق.. مع من سيقف الحسين؟

رشيد الخيّون

 

وفقاً لما يجري، في هذا العام، من احتجاجات، وبكربلاء والنجف على وجه الخصوص، يُحتمل أن يكون عاشوراء على غير العادة، ففي الأعوام السابقة تتقدم مواكب الأحزاب الدينية، والموكب الحكومي الأكبر بينها بلا منافسين، يظهر قياديو الأحزاب أمامها يسوطون القدور، ويقدمون الطعام للناس ضيافةً، لابسين السواد وموشحين رقابهم بخرق خُضر، علامة الحزن على الحُسَين (قُتل 61 هـ)، ورمز العلوية، يظهرون أمام الكاميرات متواضعين خدماً للحُسين، كي تبث صورهم فضائياتهم.

 

ستتواجه هذا العام مواكب المرائين، ومواكب المطالبين بالحقوق، وهؤلاء لا يبذلون طعاماً ولا شراباً، فخزائن النفط ليست بأيديهم، وليس هناك من يدفع تبرعات لهم. المتوقع أن يكون الحسين هذا العام بين جيشين، جيش الحاكمين الفائزين بمناصبهم باسمه، وجيش أصحاب الحقوق. ستكون الشعارات متضاربة، وربما تحصل المصادمات، بين حمايات الوزراء والمحافظين وأعضاء البرلمان والمتظاهرين منذ أسابيع، وهم مجردون من حمايات وعقارات، ولا يحتاجون إلى ثياب سُود ولا خرق خُضر، فالحسين بن علي يُعرف حق المعرفة، ولا حاجة إلى الرياء باسمه.

جرت العادة، وفي ظروف العراق السياسية، أن تستغل قضية الحسين في يوم عاشوراء (10 محرم)، من قِبل المعارضات السرية والعلنية، وذلك للشغب من خلالها ضد السلطة السياسية، لهذا منعت في العديد مِن العهود، ويغلب على الظن أن هذا هو السبب الوحيد لمنعها، وليس لأن ممارستها بعيدة عن أسلوب التحضر والمدنية، أو لأنها تساعد على الفوضى. هذا يبدو غير صحيح، إنما كانت تُمنع خشية التحرك من خلالها. ليس بالضرورة أن تكون المعارضات التي تستغلها على حق دائماً، فالأجدر أن يُترك توظيفها من قِبل سلطة ومعارضة، غير أن واقع الحال أنها مناسبة للتوظيف السياسي، لا يعتقها طامح في أمر.

أما البويهيون فأقاموها رسمياً (352هـ)، بعد أن حكموا بغداد وغلبوا على الخلافة العباسية (334- 447هـ)، والسبب على ما يبدو أيضاً لمواجهة الخصوم وجلهم من العلويين، أو المحسوبين عليهم كثورة عمران بن شاهين (ت 369هـ) بين بردي وقصب أهوار جنوبي العراق عام 338هـ، التي ظلت مشتعلة حتى وفاته (مسكويه، تجارب الأمم). رويَّ: «في هذه السَّنة (352هـ) عاشر المُحرم أمر معزُّ الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم، ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء، وأن يظهروا النِّياحة، ويلبسوا قباباً عملوها بالمسوح، وأن يخرج النساء منشورات الشُّعور، مسودات الوجوه..» (ابن الأثير، الكامل في التاريخ)، ذلك في زمن الخليفة العباسي المطيع لله (ت 364هـ)، وكان مغلوباً على أمره.

لهذا تحدث إخوان الصفا عن عاشوراء، فرسائلهم كُتبت خلال العهد البويهي ببغداد والبصرة، وبُثت في الوراقين (سوق الكُتب) بحدود (373هـ)، حسب رواية صاحب أحدهم أبي حيان التَّوحيدي (ت 414هـ) في «الإمتاع والمؤانسة». قالوا في ذكر الحُسين وما يوقد الثأر: «ومن الأبيات الموزونة أيضاً ما يثير الأحقاد الكامنة، ويحرك النفوس الساكنة، ويلهب نيران الغضب مثل قول القائل: واذكروا مصرع الحسين وزيد/ وقتيلاً بجانب المهراس. فإن مثل هذه الأبيات وأخواتها أيضاً، أثارت أحقاداً بين أقوام، وحركت نفوسهم، والتهبت فيها نيران الغضب، وحثهم على قتل أبناء الأعمام والأقرباء والعشائر، حتى قتلوهم بذنوب آبائهم ووزر أجدادهم» (الرسائل، القسم الرياضي)، وإخوان الصفا ليسوا ضد مذهب ولا مع آخر، وهم الأقرب للعلويين. أقول هذا كي لا يفسر كلامهم موقفاً طائفياً.

إنها المرة الأولى أن يقسم عاشوراء إلى حكومي وشعبي، سلطة اليوم كانت تقيمه وهي معارضة، وأيضاً كنا نرى الرياء في مجالسها، فصاحب أكبر مجلس أو موكب يكون الأكثر أتباعاً، بل أخذت الزعامة تُقاس بحجوم المجالس والمواكب، وكثرة المرتادين. أما عاشوراء الشعبي الذي لم يُعبأ لتكريس زعامة فستفرزه تظاهرات هذا العام. وسيكون طُلاب الحقوق في مواجهة طلاب التثبيت في الزعامة.

هل سيخجل المطلوبة محاسبتهم من الحسين ويكفوا عن لبس السواد وخدمة المواكب رياءً؟ إنه القائل حسب ما يسمعون في مجالس العزاء: «إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح». مع مَن سيكون الحسين مع المطالبين بدرء الفساد وتحقيق الإصلاح! أم مع المتخذين من عاشوراء بطراً ورياءً «لغرض يقضونه»؟

يستفز العراقيون كلَّ الاستفزاز وهم يرون رايات عاشوراء السود تخفق فوق مبان مختلسة، مثلما يكرهون أن تكون أسماء أئمة لهم جلالتهم عناوين لعقارات مباعة بصفقات فساد. لقد أفسدوا المناسبات التي كان الناس يحيونها بلا أغراض. أكررها: مع من سيقف الحسين هذا العام المراد أن يكون حاسماً مع الفاسدين؟!

-------------------

*كاتب عراقي

 

 

مظاهرات العراق..

انطلاق الوعي المخبوء

د. رشيد الخيون *

كانت القوى والأحزاب الدِّينية، داخل العراق، تظن أنها نجحت في الاستغفال؛ وقدمت شعارات الإمام الحسين على أنها الشَّاغلة عمَّا يعاني العراقيون مِن سوء الحال؛ وأن هذا هو الحاضر والمستقبل الممتد معكوسًا مِن ماض مكتوب في الدَّفاتر، وعلى الأجيال العراقية أن تكتفي بقراءتها وتمثلها غذاءً للأرواح والأبدان، ولو أحصينا شعاراتهم التي قدموها في مواسم الانتخابات، ما وجدت واحدة منها خالية مِن عبارة: «طريق الحسين»، مع أنه ليس العراقيون وحدهم، إنما المسلمون كافة، لهم رأي غير أن الحسين قُتل مظلومًا، والفرق ليس الجميع يجيد توظيف تلك المظلومية، وتحويلها إلى أداة رزق، وسلم في السياسة.

غير أن هذه الظّنون ما هي إلا أوهام، فالزَّمن، الذي يعتقدونه ساكنًا قد تحرك، حتى جعلهم فاغري الأفواه، تحرك بحناجر شباب ولدوا في زمن الحروب والحصارات والاجتياحات، ولم يروا ظل دُنيا، مثلما يُقال، سوى أنهم صبروا ففاض بهم الكيل، وانتفضوا في السَّاحات ورفعوا شعارات كانت مفاجأة للقوى الطَّائفية والدِّينية، فمِن شروط المشاركة مع الألوف المؤلفة، وبالمحافظات وبغداد، أن لا يُرفع علم غير راية العراق، وتلك غريبة ومستغربة بل ومستهجنة مِن قبل القوى التي تعدت على اسم العراق كلَّ التعدي، ولم تترك لهؤلاء الشَّباب طريقًا غير الانفجار.
أما الشَّرط المتحضر الآخر فهو أنها «سلمية سلمية».. تجمعوا في الساحات لا يحملون غير لافتات كتبوا عليها مطاليبهم، وأولها محاسبة الفاسدين، على كلِّ فلسٍ أخذوه مِن غير وجهة حق، ومحاسبتهم على كل دم أُريق مِن دون حق.. محاسبتهم على تسليم رأس العراق «الموصل» لعصابة «داعش» في ليلة دهماء.. إعادة الأمن والاستقرار، وضع العراقي المناسب في المكان المناسب، تنظيف السُّلطة القضائية مِن الفاسدين، وعلى رأس هؤلاء رئيس القضاء، الذي ساهم بفعالية خلال السنوات الثماني في الفواجع.

لا نقول حصل تحول في الوعي العراقي، بل نهض الوعي المخبوء مِن عقول وصدور هؤلاء الفتية، وهم ينظرون إلى واقعهم الأليم.. تتحكم بهم أيدي اللؤماء باسم الدِّين، فانطلوا بالشعار هاتفين: «باسم الدين باكونا (سرقونا) الحرامية»! وما هي إلا لحظات ويظهر المعممون، مِن الذين استفزهم هذا الشّعار، فقال أحدهم وبسذاجة غير عادية: «لا تقولون (باكونا باسم الدين)، قولوا: (باكونا باسم الوطن)». خرج ناصحًا مِن دون أن يعلم أن القوى الدِّينية الحاكمة لم تذكر الوطن بشيء، إنما كانت تلهج بالدين والمذهب. قال هذا، وكأنهم لم يرفعوا شعار الدين، ولم يظهر أحد معتمري العمائم السياسية ليقول: «هؤلاء المتظاهرون.. يريدون دولة علمانية، لا يريدون الضبط الديني». تراه يتحدث بدولة دينية مطبقة غير معلنة.
ظن كثيرون أن العراقيين تخدروا بالشَّعار الطَّائفي، وسُيطر عليهم باسم الدِّين والحسين، وما أن خرجوا في ربيع 2011 حتى اتُهموا بالبعثية ومعاداة الدين، ونهشتهم القوى الأمنية، في ظل حكومة نوري المالكي، وانتهى الأمر، وإن ظهروا بالمناطق الغربية، فالطائرات جاهزة للقصف! كل هذه الممارسات انتهت، لم تعد صالحة، فالمتظاهرون لم يعطوا فرصة كي يتهموا ببعثية أو معاداة مذهبية، إنما شعارهم العراق، ولا يقبلون بينهم مَن يعتدي ويتجاوز على شعارهم المدني «سلمية سلمية».

حتى إيران أصبحت حائرة حرجة، كان يمكنها حماية أزلامها تحت ذريعة حماية الطائفة والعتبات المقدسة، وإذا الطائفة نفسها، بقضها وقضيضها تخرج هاتفة: «إيران برا برا.. بغداد صارت حرة». إنه وعي مخبوء لم يفارق العراقيين يومًا مِن الأيام، إلا أن الإرهاب والقوى الشريرة، من انتحاريين وقتلة، كأنهم تضامنوا مع الفاسدين، فما عاد العراقي يأمن الخروج في مظاهرة، وهو المحاصر بين عشائر الإسناد، التي أسسها أمين حزب الدعوة، والجماعات الإرهابية، لهذا سكتوا طول هذه السنوات، حتى جاء الصَّيف الساخن ليحرك فيهم روح المغامرة بمظاهرات شبابية، وكانت مظاهرات الكهرباء، وتجمعت الحشود لتتسع المطالبات إلى محاكمة الفاسدين، واجتثاث الفساد، ولن يحدث هذا دون الإطاحة بالرؤوس الحامية له.

ظن كثيرون أن العراقيين لا تنفع معهم ديمقراطية، ولا يعرفون الاحتجاج لتحسين أحوالهم، وابتعدوا عن طريق الوطنية، حتى غالى البعض وتطرف بالقول: «لا ينفعهم إلا الحجَّاج بن يوسف الثقفي»، (ت: 95هـ). لقد كَذَّبت انتفاضة الشَّباب تلك الادعاءات وفندتها على أرض الواقع؛ باحتجاجات أخذت تتسع وتتكرر في أيام الجمع، فبعد نزول الشَّمس، وقُبيل وقت الغروب، لتجنب الحر اللاهب، تلتهب القلوب وتتكاثف الجموع لتتحول إلى عاصفة بوجههم. وظُن أن هذا السُّكوت عدم اكتراث بما يحصل للمواطن والوطن، لم يكن سكوتًا، بل تأهبًا واستعدادًا واكتمالا للنضج، على ما قاله الشَّاعر النَّجفي محمد باقر الشَّبيبي (ت: 1960)، بما ينبيك أن حضارة وتاريخ هذه البلاد لا تذهب هباءً، تجد لها بين حين وآخر ظرفًا مناسبًا فتخضر أوراقها. قال الشَّبيبي:
أما العراق فإن في تاريخه
شرفًا يضيء كما يُضيء الفرقدُ
ليس السُّكوت مِن الخنوع وإنما
هذا السُّكون تجمع وتحشدُ
(
عزُّ الدِّين، «الشّعر العراقي الحديث»).
إنها لحظات كانت منتظرة يعيد بها الفتية إلى عراقهم الهيبة والمكانة؛ بعد أن خطفتهما منه كائنات الطَّائفية والمحاصصة.

مجلة (المجلة) لندن

·         باحث عراقي متخصص في الفلسفة الإسلامية. من كتبه "100 عام من الإسلام السياسي بالعراق".

 

 

 

 

إذا كان الإقليم السُّنَّي حلاً..فليك

رشيد الخيّون

استمعت إلى كلمة الأمين العام لـ"جبهة الخلاص الوطني" مضر شوكت؛ طارحاً إقليماً عربياً سُنياً، وإذا لم أكن مخطئاً، أنه مِن أحفاد السياسي العراقي وطبيب العيون سامي شوكت(ت1986)، الذي اشتهر بتنظيم "الفتوة" متأثراً بالفاشية الإيطالية، واشتهر بالرُّدود بينه وبين قريبه السِّياسي العراقي كامل الجادرجي(ت1968)، في أربعينيات القرن المنصرم، على صفحات "الأهالي" و"الزَّمان"(الجادرجي، افتتاحيات جريدة الأهالي). كان العالم في الثلاثينيات إما ديمقراطياً أو فاشياً ـ يوم طرح سامي شوكت تنظيم الفتوة بوصفه مديراً للمعارف ـ ومثلت الفاشية حينها المد القومي بعنفوانه وتعصبه وعسكريته.

ذكرتُ ذلك لأنني طالعت بعض ما كُتب من تعليقات على خطاب مضر شوكت (الشَّهر الماضي) بأربيل؛ أمام حشد المهجرين والغاضبين مِن العرب السُّنة. أقول لشوكت حصة في المعارضة السَّابقة، فقد كان عضواً مهماً في المؤتمر الوطني، ويده بيد رئيسه الشِّيعي، لكن ما الذي قاده إلى الإلتفات إلى سنيته بعد عودته إلى بغداد(2003)؟ ولو التفت إليها مِن قبل لوضع يده بيد النِّظام السابق؟ مَن الذي جعل ابن بغداد ومدنيتها، وكان شقيق جده ناجي شوكت(ت 1980) رئيساً لوزراء العراق، والأُصول تمتد إلى الجد شوكت معاون داود باشا(ت 1851) آخر الولاة المماليك (بصري، أعلام السِّياسة في العراق الحديث)؟

الجواب: بعد دخول الأميركان وهدم الدَّولة، وتسليم الأحزاب السُّلطة، عاد الرَّكب إلى طوائفهم، فرئيس المؤتمر أسس البيت الشِّيعي وأقام موكباً حسينياً انتخابياً، وكأنه كان يستخدم بعض السُّنَّة ديكوراً لمؤتمره، والأحزاب دخلت ائتلافاً مشروطاً بموافقة الولي الفقيه ومراجع المذهب، فلماذا لا يعود شوكت للطائفة والقومية، بعيداً عن تصورات جده، فذلك ظرف انتهى؟

فما زال المنطق في السياسة العراقي كالآتي: إذا اتهم سِّياسيون شيعة المؤتمر الذي عُقد مؤخراً بالدَّوحة؛ بأنه أجندة خارجية، يُذكرهم سياسيون سّنَّة باجتماعات عقدتها الأحزاب الشِّيعية بطهران، وبحضور قاسم سليماني اجتماعاتهم ببغداد. فلماذا يجري الغضب من مؤتمر يُعقد بعاصمة تربطها القومية والمذهب بالقوى السُّنيَّة؟ والجانب الآخر يرد لماذا يُعترض على حضور إيراني يجمعه مع القوى الشِّيعية المذهب والتأسيس في الماضي والحاضر؟ وغير هذا مِن مواجهات الاستقواء.

لقد ارتفعت راية السِّياسة ما بعد(أبريل 2003) على صارية طائفية، وصار الخارج ملاذاً؛ بعد تبادل الانتقام عبر المسلحين، ولو كانت السُّلطة التنفيذية(الحكومة)، والقوات المسلحة العامة والمال بيد الإخوان المسلمين مثلاً، لا بيد "الدّعوة" نسختهم الشِّيعية، ما تأخرنا مِن تحميلهم ما يحصل، والإشارة إلى الدولة التي توجههم جنوباً وشمالا، وتستقبلهم وتقدم الحماية لهم داخل بغداد، بينما التظاهرات الشَّعبية عارمة ضدهم.

يكذب مَن يقول لا وجود للإقصاء الطَّائفي، ولا إيذاء بحجة وأخرى، وتحميل السُّنة كافة أمر الإرهاب دون الميليشيات، وأظن أن الحديث عن تمسك سُني بقيادة السُّلطة قد انتهى، فلم يعترضوا، بل باركوا وشاركوا، لكنَّ الحفر الطَّائفي ظل جارياً، حتى فاض الكيل، وأُرجعت المواجهة، على لسان رئيس وزراء العراق السَّابق، إلى عصر "الحسين ويزيد"، ورفعت رايات "مختار العصر"، ومعلوم أن اسم المختار الثَّقفي (قُتل 68هـ) وظف رمزاً للانتقام، وفي هذا الوقت.

مِن الجانب الآخر، علا الصّراخ الطَّائفي في ميادين الاعتصامات(2012-2013)؛ وصار الهتاف: "اخراج الفرس المجوس من بغداد"، والفضائيات السُّنية المتطرفة تصب في النَّار زيتاً على أنغام فضائيات شيعية تقابلها. بهذا خدم الطَّائفيون بعضهم بعضاً خدمات كبيرة، فُلق بصوتها الشَّعب العراقي على أساس الدَّم الطَّائفي. فلو دققنا في المواجهة نجدها فعلاً ورد فعل، حتى ظهرت "داعش"، وجُندت الميليشيات للقتال دفاعاً عن ضريحي زينب ورقية، هذا المعلن، لكن واقع الحال كان دفاعاً عن النِّظام السُّوري، وإلا كيف يوافق النِّظام المذكور على وجود مسلحين غير نظاميين أجانب على أرضه؟

في تلك اللَّحظة نُسيت الأفواج الإرهابية التي كانت تدخل من الحدود السُّورية إلى العراق؛ عبر منفذ "القائم"، وذلك أمر مشهور، جاء على لسان الحكومة العراقية نفسها، حين عزمت على تقديم شكوى إلى الأُمم المتحدة بهذا الخصوص(2007-2008)، وإذا الآن يدخل النِّظام السُّوري في رباعية مع إيران والعراق وروسيا!

أقول: ما زالت الطائفية أُس السِّياسة، ولا يُقطع أمر إلا بموافقة الخارج، ورمي الدعوات لإنهاء المحاصصة عرض الحائط، فما دعا إليه شوكت مِن إقليم عربي سُني ردة فعلٍ مساوية للفعل. وإذا كان حلاً فليكن. أقول: إن صورةً واحدةً لخميني وخامنئي ببغداد، أحسبها تكفي لحشد الشُّعور لإقليم عربي سُني؛ وأن يصرح مسؤول قائلاً: لا نخرج عن شور مرجعيتنا! كذلك تكفي للتفكير بإقليم خارج حدود المرجعية، وعليكم البقية.

 

r_alkhayoun@hotmail.com

 

 

 

 

 

 

 

أوروبا.. التي

 حولت خيالاتنا وقائع

رشيد الخيون

احتشد لاجئو المناطق الملتهبة على بوابات أوروبا، في مشهد فظيع، يشير إلى أن بلدان اللاجئن غدت لا تُطاق، وجثة الطفل السوري، التي قذفت بها أمواج البحر إلى الساحل، تُشوه وجه الحاضر، ولا شيء في تاريخ تلك الأنظمة ما يُعتشى به، جيوش كان تأسيسها لصناعة الانقلابات والقهر.

يسأل الكثيرون: لماذا صارت أوروبا، الأمس واليوم، شاطئ الراحة للمعذبين الفارين مِن حتوفهم. صحيح، لكلِّ شعب أمجاده، لكن الأوروبيين لم يتحدثوا كثيراً عن أمجادهم، أحالوا كل ما في الماضي مِن خير وشر إلى المتاحف، وراحوا واستراحوا، بينما ظلت منطقتنا تعيش ماضيها بكل دقائقه، فالمتاحف عند مَن يريد إقامة نظام إسلامي حرام، ومشهد ذبح عالم الآثار السوري، تحت ظل أعمدة تدمر، كان رسالة قوية على إفلاس الحاضر ووحشيته.

 

دعونا نُذكِّر بعجائب تخيلها الأولون، بين المعجزة والسحر، لم يقو العقل على تحويلها إلى واقع. كان أبرز الأسباب التي جعلت الأوروبيين أقوياء، نلجأ إليهم في الصغيرة والكبيرة، هو تحويل الخيال إلى حقيقة وبسلطان العقل. فالشعوب التي لا تتمكن مِن صناعة إبرة خياط، لا تنفعها الكثرة ولا التاريخ التليد. لقد تخيلت منطقتنا المشي على الماء والطيران في الهواء واستخدام الأشعة في كشف سرائر الأجسام، وتخيلت أدوات الأنذارات المبكرة، واستخدمت التفاحة عند الحديث عن سقوط الأجسام (المعتزلة مثلاً)، لكن لم تخرج تلك الخيالات من حيز الوهم والعجب.

سنأتي على النزر منها كشاهد: «إن الله عز وجل إنما يعلم ما تحت الثرى بالشعاع المتصل منه والذاهب في عمق الأرض، قالوا لولا مماسة شُعاعه لما وراء الأجسام السائرة لما رأى ما وراءها ولا علمها» (البغدادي، الفرق بين الفرق)، هذا ما نُقل عن الجاحظ (ت 255هـ) عن جدل كان بين المتكلمين آنذاك. ما حصل أن أوروبا أخذت تكشف لنا المياه الجوفية والنفط تحت طبقات الأرض بالموجات الصوتية، واخترعت أجهز الأشعة لمعرفة ما في الأجسام من أمراض.

طُرحت فكرة المشي على الماء وفي الهواء، ودارت ككرامة عن معروف الكرخي (ت 200هـ): «لو قيل إنه يمشي في الهواء لصدقت» (ابن الجوزي، مناقب الكرخي)، وهذه العجيبة التي إذا حدثت تعاملنا معها ككرامة، صارت واقعاً علمياً، ولكم رؤية الماشين في الهواء. كذلك كان الكرخي يهم بالمشي على الماء بكرامة أيضاً، فنقل عنه: «ما مشيت قط على الماء، ولكن إذا هممت بالعبور جمع لي طرفاه فأتخطاها» (المصدر نفسه). كذلك ذُكر أن أصحاب كرامات فرشوا سجاجيد الصلاة في الهواء وعلى الماء. أقول: وهل هناك شك بإمكانية جمع طرفي الماء لمرور القطار في أعماقه، أو التحليق في الهواء خارج الطائرة عبر آلة؟

وردت في كتب التراث الإسلامي حكايات عجيبة غريبة، فيها تمني لِما يستخدمه العلم الحديث اليوم من آلة عملاقة لكشف الفضاء، وتقريب البعيد القاصي، كأعجوبة زرقاء اليمامة. تحدث النويري (ت 733هـ) عن مرايا استخدمت لكشف خيانة الأزواج فإذا «اتهم رجل امرأته بزنا نظر في تلك المرآة، فيرى وجه المتهم فيها، وأن بعض الناس أُتهم فرأوه فيها، فقتله الملك، فجاء أهله إلى المرآة حميةً فكسروها» (نهاية الأرب).

نسمع الآن عن أجهزة كشف الكذب، بينما ضاع خبر مرآتنا، وظلت حكاية بلا أثر. وجرى الحديث عن «مرآة بابل» التي يُرى فيها الغائب، و«مرآة آدم» نظر فيها أولاده «بعد انتشارهم في الأرض». قيل حملها المسلمون إلى معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ) من أرض القيقان، فشوهدت بين ذخائر الأمويين في الخلافة العباسية (المصدر نفسه).

تداول الأولون ما يسمى اليوم بأجهزة الإنذار المبكر؛ تمثال يشير بسبابته اليمنى نحو الشمس، يدور معها حيثما دارت، وآخر وجهه في البحر متى صار العدو منهم على نحو من ليلة سُمع له صوت هائل، ووزة نحاسية إذا دخل المدينة غريب صفرت.

تلك خيالاتنا وهذه صناعاتهم، فماذا حصل؟ نهرب أفواجاً أفواجاً إلى بوابات أوروبا، طمعاً بأمن وإطعام مِن جوع؟ أين الخلل، هل في آلاف الفتاوى والخطب التي تحذرنا مِن العقل؟ تظهر بيننا جماعات تذبح وتسلخ وأخرى ترى أن الكون ما وجد إلا من أجل نفر مِن الأولياء المعصومين! وإذا كان الأولون تخيلوا وأوروبا حولت تلك الخيالات إلى وقائع بسلطان العقل، فعقول المتأخرين عجزت حتى عن الخيال، وهذه طبيعة المستهلكين، هناك من يُفكر عوضاً عنهم. أرجو أن لا أكون قد قدمتُ دليلاً لمن يدعي أنها «بضاعتنا ردت إلينا»! وهذا عزاء الفاشلين، إنما صاحب البضاعة مَن جعلها حقائق لا كرامات ومعجزات أولياء.

 

 

(الاتحاد)

 

 

 

 

 

 

 

 

مرجعية النجف: نحو دولة مدنية

رشيد الخيون

 

 

تأسست المرجعية الدينية الشيعية ببغداد، ويُعد الشيخ المفيد (ت 413هـ)، عربي من منطقة «عكبرى»، القريبة من بغداد، أول مرجع أو نائب عن الإمام الغائب، حسب الاعتقاد الاثني عشري، وهو المؤسس. حصل ذلك بعد انتهاء فترة النواب الأربعة، وقد تولوا زمن الغيبة الصغرى (260-329هـ): عثمان العمري الأسدي (ت 280هـ)، ونجله محمد (ت 305هـ)، وحسين النوبختي (ت 326هـ)، وعلي السيمري (ت 329هـ). وبوفاة الأخير بدأ زمن الغيبة الكبرى، وعهد المراجع واجتهاد الرأي، وانتهى العمل بالسياسة المباشرة، فهي من شأن الإمام الغائب (انظر: الطُّوسي، كتاب الغيبة).

بعد المفيد والمرتضى (ت 436هـ) انتقلت المرجعية إلى النجف وأعاد تأسيسها (448هـ) محمد بن الحسن الطوسي (ت 460هـ)، المعروف بشيخ الطائفة، بعد النزاع الطائفي في العهد السلجوقي (بدأ 447هـ). منذ ذلك الوقت صارت النجف جامعة للفقه الإمامي ومقراً للمرجعية، وكم تأسست حوزات دينية خارجها، لكن الطامح للاجتهاد ظل يشرئب إليها، وكأنه لا اعتراف به من دون الدراسة فيها، وصارت من أكثر المدن حفاظاً على العربية وآدابها، لأن تعليمها أساس الدراسة.

لذلك قَدم آية الله علي السيستاني النجف (1951)، ولم يغادرها إلا نادراً: في شبابه إلى إيران لستة شهور، ولفريضة الحج (مرتين)، وأخرى للعلاج بلندن، عدا ذلك ظل قابعاً بها لأربعة وستين عاماً، حتى يومنا هذا، بل والعديد مِن المراجع وصلوها صبياناً ودفنوا في تربتها بعد مماتهم، تصبح وطناً، ومنها يكون الاهتمام بالشأن العراقي عند الضرورة، مثلما حدث بعد 9 أبريل 2003. يجري كلام كثير عما يميز النجف عن إيران، ولا نقول «قُم»، لأن فيها من العلماء مَن لا ينسجم مع «ولاية الفقيه»، أي الدولة الدينية.

ليس لنا عند الحديث عن توجه مرجعية النجف مما يُقال في الإعلام، أو ما يُكتب بلا علم ودراية، على أنها تطرح ولاية الفقيه أو أنها مع دولة دينية، بل نستقي الخبر من الفتاوى والتصريحات الصادرة من الدار المتواضعة في زقاق من أزقة النجف، وهي ما زالت مؤجرة وليست ملكاً (الصَّغير، أساطين المرجعية العليا). يستطيع المهتم أن يتابع تلك الفتاوى والتصريحات وخطب الوكلاء من الموقع الرسمي للمرجعية، وقد صدرت جميعها (2003-2013) في «النصوص الصادرة عن السيستاني في المسألة العراقية»، أعده ممثلها الخفاف.

قدمت لنا تلك النصوص أن المرجعية مع دولة مدنية، وليست دينية مثلما يصبو الإسلام السياسي الحاكم بالعراق حالياً، وأن توجهها مخالف لفكرة الولي الفقيه، مثلما تتخذه إيران نظرية للحكم، وهنا تأتي خطورة أن يتولى أحد المراجع القريبين من حزب «الدعوة الإسلامية»، مثل الشاهرودي والحائري، فهما يتبعان ولاية الفقيه الإيرانية، وهذا ما تسعى إليه الأحزاب الدينية الشيعية بالعراق في حالة فراغ المرجعية، وقد سمى أحد الخطباء الحليين هذا السعي بـ«استيراد المراجع».

سنأتي بشواهد من تلك النصوص، وهي كثيرة، فالكتاب ناف على خمسمائة صفحة. وكانت أول فتوى قبل إعلان سقوط بغداد بأسبوع محرمةً الاستيلاء على ممتلكات الدولة، وأخرى حرمت الانتقام من رجال النظام السابق. إلا أن ما نركز عليه هو ما يُجيب على السؤال: هل المرجعية مع الدولة الدينية، مثلما يسعى إليها ضمناً الإسلام السياسي، أم مع دولة مدنية تؤمن بالتعددية وبولاية العراقيين على أنفسهم؟

جاء بقلم السيستاني أو مكتبه: «شكل نظام الحكم في العراق يحدده الشعب العراقي، وآلية ذلك أن تجرى انتخابات عامة، لكي يختار كل عراقي من يمثله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، الذي يقترحه المجلس على الشعب للتصويت عليه، والمرجعية لا تمارس دوراً في السلطة والحكم». وعن دور رجال الدين: «لا شأن لهم بالأمور الإدارية ونحوها». وجاء اسم ولاية الفقيه أكثر من مرة بالاسم: «أما تشكيل حكومة دينية على أساس فكرة ولاية الفقيه المطلقة فليس وارداً مطلقاً»، وذلك رداً على سؤال: «هل تحبون أن تكون دولة العراق مثل دولة إيران الإسلامية؟». وعندما سُئل عن دورها السياسي، جاء الجواب من مكتبه مكرراً: «سماحة السيد لا يطلب موقعاً في الحكم والسلطة، ويرى ضرورة ابتعاد علماء الدين عن مواقع المسؤوليات الإدارية والتنفيذية».

ذلك هو المنطلق الذي أيدت به مرجعية النجف التظاهرات ببغداد والمحافظات، وشعارها دولة مدنية، على خلاف إرادة الإسلام السياسي ومرجعياته. بطبيعة الحال، لا يُطلب من مرجع ديني التصريح بمنطق المدنيين، فعندما سئل عن تأييد الديمقراطية، رد مؤيداً التعددية والأغلبية السياسية لا الطائفية، وقد لا نجد مفردة الدولة المدنية بين النصوص، لكن الحديث ضد الدولة الديينة لا يعني سوى المدنية.

*كاتب عراقي

(الاتحاد)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بغداد.. يوم سقوط قبة «الخضراء»

رشيد الخيّون

عرف تاريخ العراق أكثر من «خضراء». كان أولها القبة الخضراء لقصر الحَجاج بن يوسف الثقفي (ت 95ه)، الذي شيده بمدينة واسط، وظلت بعده قائمة حتى عام 332ه (المسعودي، مروج الذَّهب)، وربما تيمناً بما فعله الحجاج، شيد المنصور (ت 158هـ) قُبة فوق قصره بالجانب الغربي مِن بغداد، عُرفت بخضراء أبي جعفر المنصور. تحدث المؤرخون عن حصانتها واتخاذها لمراقبة الخارجين أو المقتحمين للقصر، ووضع البناؤون «على رأس القُبة تمثال فرس، وعليه فارس، وكانت القبة الخضراء تُرى مِن أطراف بغداد». تحدث المؤرخون عن آلية المراقبة المشددة، فإذا ما حصل هجوم تحرك الرمح بيد الفارس إلى جهة الخطر (البغدادي، تاريخ بغداد)، ومكانها لم يكن بعيداً عن خضراء اليوم، إذ كان محلها الكرخ أيضاً.


وجاء في نهاية خضراء أبي جعفر: «سقط رأس القُبَّة الخضراء، خضراء أبي جعفر المنصور، التي في قصره بمدينته يوم الثَّلاثاء 7 جمادي الآخرة 329هـ.. وكانت هذه القبة تاج بغداد، وعلم البلاد، ومأثرة من مآثر بني العباس عظمةً، وبنيت أول ملكهم وبقيت إلى هذا الوقت، فكان بين بنائها وسقوطها مئة ونيف وثمانون سنة» (تاريخ بغداد). 

كنتُ كتبتُ مقالاً تحت عنوان «احذروا الزَّحف على الخضراء»! أقصد خضراء زماننا لا خضراء المنصور، فليتها ظلت لنا أثراً، جاء فيه: «أستهل المقال بالترحم على أرواح من سقطوا في تظاهرات الخبز والكهرباء وضد الفساد برصاص الديمقراطية في أنحاء العِراق كافة» (الاتحاد: الأربعاء 2 مارس 2011). وها هي تمر أربع سنوات ويُعود تهديد المتظاهرين باقتحام الخضراء، الحصن الحصين لأسرار ما قبل وبعد أبريل 2003، وقد بثت الأخبار أن رئيس الوزراء حيدر العبادي أصدر توجيهاً بفتح الطرقات المؤدية إليها، وإزالة الحراسات والموانع، ولا نعرف هل كان هذا تهدأةً للغاضبين أم تهديداً للقابعين في قصورها مِن الفاسدين؟ مِن الذين أمروا بإطلاق الرصاص ونعت المتظاهرين آنذاك (ربيع 2011) بـ«البعثية والقاعدة»، فرد المتظاهرون بمدينة الديوانية: «لا قاعدة ولا بعثية إحنا أهل الديوانية»! 

كانت كرادة مريم، غربي بغداد، مفتوحة الأرجاء، شُيد فيها القصر الملكي الذي تحول إلى الجمهوري، ثم المجلس الوطني، فقامت سفارات بعض الدول فيها، وحتى بدايات عقد السبعينيات لا موانع من الدخول إليها. تحولت بعدها تدريجياً إلى منطقة محظورة بالكامل، ونشأت على أرضها القصور الرئاسية، وأصلها أرض زراعية، كانت حسب ما ينقله البلدانيون جزءاً من «طسوج بادوريا»، المعروفة بخصوبتها على شاطئ غربي دجلة، من يشرف على خراجها يكون في نعمة، حتى قيل: «وأديت في بادوريا ومسْكن/ خراجي وفي جنبي كنار ويعمرُ» (الحموي، معجم البلدان). شاع أن الضريح الذي يتوسطها لمريم العذراء، وظهر أنه لامرأة مُحسنة اسمها مريم، فعُرف المكان بـ«كرادة مريم» (رؤوف، الأصول التاريخية لمحلات بغداد). وصار اسمها «المنطقة الخضراء»، مِن دون مقدمات، والبداية كانت من الإعلام الغربي (
Green Zone)، وكان البغداديون يأملون بفتحها بعد حجرها عنهم لثلاثة عقود، وجلاء أهلها الأُصلاء. بعدد أبريل 2003 سُكنت قصورها، بالنمط نفسه، وأتخيل الساكنين الجدد يتلمسون الجدران ويقبلونها، فما حدث أعجب مِن العجب، حتى قال أحدهم على سبيل المزاح، لكنه لا يبدو مازحاً بقدر ما كان تعبيراً عن دهشة وذهول، لأحد المعممين المسافر إلى أميركا: «اضرب لي ركعتين عند باب البيت الأبيض»، سمعتها مِن صاحب العِمامة ذاته! 
تحولت الخضراء إلى صناديق سُود بأسرارها، وزاد تحصينها مِن غرور ساكنيها، فالحصانة بالحمايات والمدرعات تجلب لصاحبها شدة القوام وخيال العظمة، والعزلة عما يحيطه، فيصبح عقله مركباً من الأوهام، لكلِّ هذا يقابلون طلاب الحقوق المحتجين بالسخرية، ولا يأخذون تهديدهم باقتحامها بنظر الاعتبار. صار هذا الحصن الحصين رمزاً للفساد، والائتلافات المدمرة، لذا يصبح هدفاً في حالة استمرار الغرور بوهم الحصانة.


لا أظن أن خضراء زمننا ستبقى مدى الزمن الذي عاشته خضراء الحجاج أو المنصور، بعذر أنها محمية بديمقراطية الطائفية، وبرماح الحماية الأجنبية وأصنامها. لقد أسقطت التظاهرات الأقنعة، ولم يعد يهم العراقيين شيئاً غير الحفاظ على ما تبقى من البلاد. إذا لم يسرعوا بالحلول فالخضراء ليست عصية، لا رمح يتحرك بيد الفارس كي يخبر عن أفواج «الخوارج»، لأنهم ليسوا تنظيمات سرية، إنما قادمون علانية في وضح النهار. ينقل الخطيب البغدادي (ت 463هـ) عن أحوال يوم سقوط خضراء أبي جعفر المنصور: «مطرٌ عظيم ورعدٌ هائل وبرق شديد»، وأقول: الله أعلم ماذا سيكون يوم سقوط خضراء هذا الزمان، فليفهموها قبل فوات الأوان، لن تكون واشنطن حامية ولا طهران منقذة، ولا أنقرة حامية.

 

الاتحاد الاماراتية

 

شيعة السِّيستاني وشيعة خامنئي

رشيد الخيون

 

أختلف مع مَن يُطبق، في ما يكتب، أمور السِّياسة على المذهب والدِّين، وفق ولاء المراجع الدِّينية ومَن يقلدونهم من الناس، فهذا لا يفرق بين شيعي أو سُني أو صوفي يرتبط تقليده الفقهي أو العقائدي أو الطَّرائقي خارج الحدود، وحزب سياسي مرجعيته خارج الحدود أيضاً. نجد الإسلام السِّياسي وحده لا يميز بين الوطنية على أساس السياسة والأُممية على أساس المذهب، فصارت أفكار المودودي (ت1979) الهندي أساساً في ثقافة «الإخوان المسلمين» المصريين، حتى ظهرت مستنسخة عند قطب (أعدم 1966)، والحال نفسها بالنسبة لتوجهات آية الله الخميني (ت1989)، صارت مرتكزاً في فكر الإسلام السياسي الشيعي.

ما يخص عبور المذهب حدود القوميات والأوطان نأتي بمثل سطوة الشيخ جعفر الكبير (ت1812)، جد آل كاشف الغطاء، على ملوك إيران وتوسع تقليده هناك، وهو العربي من عشائر الحِلة (انظر: العبقات العنبرية في طبقات الجعفرية)، وكذلك الحال مع تلميذه الشيخ العربي أحمد زين الدين الأحسائي (ت1826) وحضوره بإيران، مؤسس الجماعة المعروفة بالشيخية من الإمامية، وانتشرت أفكاره وما زالت عن طريق علماء إيرانيين (انظر: الأحسائي، رسائل الحكمة). هذا، ولم يكن السيد أحمد جد الخميني (ت1989) المباشر إلا هندياً، وكان يُعرف بأحمد الهندي، نزح من كشمير إلى النجف، وطلبه جماعة من خمين إيران ليقيم بين ظهرانيهم (هويدي، إيران من الداخل، عن آية الله مرتضى المعروف بسنديده شقيق الخميني).

لم يكن الشيعة شاذين عن بقية المذاهب، في عبور القومية والوطنية عند التقليد الفقهي. لكنَّ مع محاولات إخضاع المذهب للسياسة أعطى تصوراً معاكساً، فبوجود مَن قدموا أنفسهم مراجع محسوبين على الولي الفقيه مباشرة، وفتحوا مكاتب بالنَّجف، بدعم من السُّلطة المتمثلة بحزب الدعوة الإسلامية لأنهم كانوا من الدعاة، جعل هناك مَن يميز، في شيعة العراق، مصطلحاً جديداً بعنوان «شيعة خامنئي»، أي الذين يقلدون هؤلاء المراجع، كمحمد كاظم الحائري ومحمود الشَّاهرودي (عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام بإيران)، فعادة يحتكم هؤلاء ومقلدوهم بولي الأمر، وولي الأمر رئيس دولة أجنبية.

مقابل هؤلاء ومقلديهم، وهم عادة من وسط الإسلام السياسي، يمكن فرز ما يُسمَّى مجازاً بشيعة السِّيستاني، نسبة إلى آية الله السيد علي السِّيستاني، أبرز المراجع غير السياسيين بالنَّجف، يمثل مدرسة النَّجف مقابل ولاية الفقيه. غير أن بعض الكُتاب والباحثين لا يميز بين قومية وتحدر السِّيستاني ومرجعيته الدِّينية، التي هي امتداد للمرجعية النَّجفية، التي كان آية الله السَّيد أبو القاسم الخوئي (ت1992) زعيمها، وبالاتجاه نفسه.

ما يحدث اليوم، في واقع الأمر، بين سياسيين يتبعون مراجع دين هم بدورهم تابعون إلى مرجعية الخامنئي، مرشد الدَّولة الإسلامية، وبين شيعة يقلدون المرجع السِّيستاني (إيراني) والمراجع الثلاثة الآخرين: آيآت الله: إسحاق فياض (أفغاني) وبشير النَّجفي (باكستاني) ومحمد سعيد الحكيم (عراقي)، إلا أن هؤلاء الأربعة لا يخلطون بين السياسة والدين، وإذا حصل تدخل فهذا ما تفرضه الحال، ولم يظهروا دعماً لتنظيم حزبي خارج الحدود، وليس لديهم نشاط سياسي بقدر ما تأتي تأكيداتهم على ما يفرضه الوضع من تدخل لصالح مقلديهم، وبما أن صالح المقلدين يتفرع من صالح العراق، نجدهم يتحدثون عن الشعب العراقي.

إن ما حصل تجاه الأزمة السُّورية، والاندفاع للدفاع عن نظام الأسد، لا يخص شيعة السِّيستاني بقدر ما يخص شيعة خامنئي السِّياسيين، فقد دعت إليه مليشيات تأتمر بمرجعها سياسياً، سواء كان مباشرة أو عن مراجع فروع له داخل العراق. لقد اتضح الفارق بين موقف السِّيستاني ومقلديه وموقف خامنئي ومقلديه، خلال التظاهرات التي عمت بغداد، والمحافظات ذات الأغلبية الشِّيعية.

ففي الوقت الذي أعلنت مرجعية السِّيستاني تأييد التظاهرات والإصلاحات والتحقيق في قضية الموصل، أعلنت مرجعية خامنئي، ضمناً، موقفاً مضاداً، لأنها موجهة ضد شيعتها السياسيين، فهم لم يطرقوا باب السِّيستاني بالنَّجف، إنما طرقوا باب خامنئي بطهران.

لذا على الذين يتناولون الشَّأن العراقي، الشِّيعي بالذات، التمييز بين شيعة تطالب بحقوقها المعاشية ووقف الاستهتار بثروات الدولة وسلطتها، وشيعة حزبية أظهرت غضبها من تلك المطالبات ولاذت بالولي الفقيه، ومَن يريد التمييز بين الشِّيعتين عليه النَّظر في الشّعارات المرفوعة في الاحتجاجات، فلا وجود للطائفية فيها، وهذا ما يفرق بين الشيعتين، بغض النَّظر عن قومية أو أُصول المراجع، لأن مرجع الفقه لا يتخطى الحدود الوطنية في مركب السياسة، بينما مرجع السِّياسة يرى نفسه سلطاناً أينما وجد مقلدين وأحزاباً تابعة. فيمكن التَّمييز، ولو كان مجازاً، بين شيعة السِّيستاني وهم سواد شيعة العراق، وشيعة خامنئي وهم الأحزاب والمليشيات.

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

العراقيون يريدون

والسَّاسة يرفضون!

 

رشيد الخيّون

 

يُعيد التاريخ نفسه، لكن بمهزلة هذه المرة. كانت شكوى رئيس وزراء العِراق عبدالمحسن السَّعدون (انتحر 1929) من الإنجليز، وهذه المرة تأتي شكوى رئيس الوزراء حيدر العبادي من الساسة العراقيين. ممّن يدعي أنه كان معارضاً ومجاهداً من أجل «وطن حر وشعب سعيد». صحيح أن هذا الشّعار رفعه الحزب الشيوعي العراقي، وما زال يوشح صحيفته «اتحاد الشعب»، لكنَّ الأحزاب كافة رفعته ضمناً، فالكل كانوا يتحدثون عن حرية الوطن من الاستكبار، حسب المنطق الديني السياسي، ومن الفاشية حسب منطق الآخرين. والكل كانوا يتحدثون عن سعادة الشعب، ومن ينكر أنه لم يتبن هذا الشعار، في المعارضة والدعاية الانتخابية، بمضمونه لا لفظه، فصحفه ستكذبه.

كانت كلمة السعدون التي انتحر إثرها شائعةً: «العراقيون يريدون والإنجليز يرفضون»، وحصل أن أجريتُ مقابلةً مع القاضي والمحقق عبود الشَّالجي (ت 1996)، وكان كاتب ضبط تلك الجلسة في البرلمان، سألته هل سمعتها، قال: «نعم ونصها: الشَّعب يريد الاستقلال والإنجليز لا يريدون» (مجلة النُّور، العدد: 50 السنة 1995)، والمعنى واحد بين الشَّائع وما قيل. فالسعدون الذي اتُّهم بالعمالة للإنجليز كان لا يجد إمكانية إعلان الاستقلال، وقالها بصوت عالٍ: «نحتاج إلى قوة وسلاح ونحن لا نتمكن من توفير ذلك حالياً»، فغضب عليه دعاة الاستقلال والإنجليز معاً، فما كان يتحمل التُّهم فانتحر!

نعم، في البرلمان الحالي لم يعترض أحد، وحضرت الأغلبية المطلقة ووافقت على ما تقدم به العبادي، من إصلاحات إذا طُبقت صادقةً ستهز مضاجع حيتان الفساد في الدولة العراقية: إلغاء مناصب نيابات رئاسة الجمهورية والوزراء، حسم ازدواجية الجنسية لدى المسؤولين، إلغاء العمل بالوكالات في الوزرات، استقلال مؤسسات الدولة: النزاهة والبنك والقضاء، والأهم فتح ملفات الفساد الكبرى، بداية من صفقة الأسلحة الروسية، تسليم الموصل، أجهزة كشف المتفجرات، بغداد عاصمة الثقافة، النَّجف عاصمة الثقافة الإسلامية، إلى عقارات المنطقة الخضراء، والجادرية، والكاظمية وجامعة البكر وغيرها كثير.

كانت موافقة البرلمان بالإجماع تقيةً مما يحدث في الشارع، لأن الكتل السياسية كافة أصبحت أمام الناس وجهاً لوجه، وليس بينها إلا القليل الذي قلبه ولسانه مع التظاهرات، فأي اعتراض على الإصلاحات ستكون معه بوابة البرلمان هدفاً للغاضبين على الاستهتار بالثروات والأرواح والوطن كاملاً. ربما سيكون إلغاء مناصب النّيابات أسهل على أصحابها من فتح ملفات الفساد، وهنا إذا ما اعترضت المحكمة العليا كعادتها برئاسة القاضي مدحت المحمود ستكون هي الهدف أيضاً، وقد نشر المتظاهرون دعوة إلى جمعة تظاهرات سميت بـ «جمعة القضاء»، فإذا فسد القضاء انتهى الأمرُ.

ليس من السهل أن يستسلم الفاسدون بلا جرأة وحسم وقوة، يستطيع رئيس الوزراء تحقيق ذلك اعتماداً على قوة الناس وتأييد المرجعية الدينية، مع علمنا أن أصواتاً علت لإحباط التظاهرات، بأنها جاءت تأييداً للإصلاحات أو أنها جاءت بتوجيه من المرجعية. فهذا غير صحيح بل إن الإصلاحات فرضتها التظاهرات، وأن المرجعية أيدتها ولم تصنعها، فالأخيرة لعشر سنوات تتحدث لم يسمعها أحد، نقول هذا كي لا يُقلل من مسؤولية الناس ويقظتهم.

كانت تظاهرات واعية أسقطت كل حسابات الطائفيين، ومحاولاتهم في استغلال الطائفية من أجل تثبيت المحاصصة. لم يبق أمام العبادي إلا المضي بحزم، خارج دوائر حزبه «الدعوة»، لأن قادةً وأعضاءً فيه متورطون في الفساد، وباغتنام المناصب خارج الكفاءة والخبرة، وبتأسيس جماعات مسلحة خارج الدولة. إنها فرصة أمامه لتشكيل فريقه خارج المحاصصة. لا نريد له مصير عبد المحسن السعدون، عندما تضيق به الحال ويُحاصر قد يلجأ إلى الانتحار، لكنَّ عليه أن يكون واضحاً وضوحه، فإذا كان تنفيذ المطالب بحاجة إلى سلاح وقوة، تلك التي رغب السعدون بتوافرها، فهي مبذولة للعبادي في حناجر الناس وأيديهم. فلا يخشى الفاسدين.

من المضحك المبكي أن جميع الكتل أعلنت تأييدها للمتظاهرين، ولا نغفل عامل التّقية من غضبهم، لكن مَن الذي فسد بالمال العام، وأدى بالعراق إلى هذه النتيجة؟ هنا أتذكر ما قرأته عند ابن واضح اليعقوبي (ت292ه)، وهو يروي فاجعة كربلاء (61ه). يقول: إن علياً بن الحسين المعروف بالسَّجاد (ت94ه)، الذي سلم من القتل، نظر متعجباً في طرقات الكوفة للباكين عليهم، وقد «خرجت نساء الكوفة يصرخن ويبكين، فقال: هؤلاء يبكين علينا فمَن قتلنا؟» (تاريخ اليعقوبي).

أقول إذا كانت الكتل السياسية والشخصيات كافة قد تضامنت مع طلبات المتظاهرين في محاكمة الفاسدين، فمَن فسد وتسبب في هدم العراق؟ ولهم الحق في القول: «كلهم يؤيدوننا فمَن سرقنا»! قد يطول الحسم ولسان حال العبادي يقول: «العراقيون يريدون والساسة يرفضون»!

 

(الاتحاد)

 

إيران والغرب..وماذا عن العراق؟

 

بقلم: رشيد الخيّون

 

تمتد الحدود بين إيران والعراق بطول 1200 كم، مِن أقصى الشمال الشرقي إلى أقصى الجنوب الشرقي، ناهيك عن الوشائج الحضارية والاجتماعية العريقة بينهما، قبل تأسيس الدولتين بحدودهما القائمة، لذا يحتاج البلدان إلى تعاون مشترك، يقوم على احترام التجاور والتاريخ، مثلما كان الحال سابقاً، لكن ما حصل بعد الثورة الإيرانية، وما بعد (أبريل 2003)، جعل العراق الهدف الأول لتصدير الثورة الإسلامية، وما زالت إيران تعمل على تحقيقه بأيد عراقية استغلالاً للظرف العصيب.

يقول الوزير المغربي عبد الهادي أبو طالب "وقع اختيار الملك علي، لأني كما قال جلالته لي: شريف النسب من سلالة فاطمة بنت الرسول وزوجة علي بن أبي طالب..وأضاف أن علي أن أقول هذا عن نفسي حين ألتقي الخميني" ("الشرق الأوسط" 18/1/ 2001).

ويضيف: "وجهني الملك إلى بغداد للاتصال بالرئيس العراقي أحمد حسن البكر، والإعراب له عن رجاء جلالته تسهيل مهمة لقائي بالسيد الخميني، وزودني الملك بتعليماته، وطلب مني التركيز أثناء لقائي بالبكر على إثارة انتباهه إلى أن مصلحة العراق العليا مرتبطة بالاستقرار في إيران، وأن المطلوب من العراق أن يعمل على إنجاح مهمتي" (نفسه)، غير أن البكر أجاب بالرفض: "لا فائدة في الاتصال بالسيد الخميني لأنه سيغادر العراق" (نفسه).

هذا، ولم يعرف الشعب العراقي الخميني قبل ترحيله (شتاء 1978)، ولم يكن ببال أحد، بما فيهم الحكومة نفسها، ما سيكون عليه مِن شأن. فأول مرة سمعنا باسمه ـ خارج النَّجف ـ مِن حديث نائب الرئيس آنذاك صدام حسين (أعدم 2006)، عبر الإعلام (أكتوبر 1978): "إذا يخلَّونا خميني انخلَّيلهم سبعطعش (17) خميني". أما النجفيون، في الغالب، فيتحدثون عنه كرجل دين سياسي، ليس على وفاق مع المرجعية الشيعية آنذاك.

وبالفعل أثرت الثورة الإيرانية على الوضع العراقي في الصميم، فبعد أيام من انتصارها أخذت المظاهرات تجوب شوارع المدن، مناديةً بإشعال الثورة الإسلامية ببغداد، فمرشدها عاش في العراق كصديق لنظام الحكم (قبل اتفاقية الجزائر)، ثم ما حمله من ضغينة ضده بسبب ترحيله، ولو نجحت الثورة وهو لا زال بالعراق، وعلى علاقته السابقة بالنظام، لربما خفت وطأة العداء.

نعم حصل توافق بين إيران والعالم الغربي على الملف النووي، لكن ماذا عن العراق وشأن إيران فيه؟ ومثلما قالها ملك المغرب، التأثير مباشر في أحواله، والسؤال: هل هناك حواش للاتفاق تخص العراق، أم تبقى إيران تستبز الأميركيين والساسة العراقيين من عرب وكرد؟ ما نذكره أن الأميركيين قد تفاوضوا مع إيران وليس مع غيرها على الوضع الأمني العراقي (2006-2007).

يقول مستشار الأمن القومي العراقي السَّابق موفق الربيعي، المحسوب على "حزب الدعوة"، يوم كانت دمشق بوابة الإرهابيين إلى العراق: "أما سوريا فقد كان يدخل من خلالها ما يصل إلى 110 من الانتحاريين شهرياً...الانتحاريون الذين يصلون العراق اليوم يأتون عبر سوريا، يصلون دمشق ومن دمشق إلى العراق" ("الشَّرق الأوسط" 23/4/2008).

هذا، وسمعت ممن حضر لقاءً مع أبي وائل (ت 2015)، الشخصية الأمنية السورية، أنه رد على من اعترض أو عتب على مساعدتهم الإرهابيين: "لا ننتظر حتى يعلقوننا بساحة المرجة"! يقصد أنه بعد إسقاط "بعث" العراق سيأتي الدَّور على "البعث" السوري.

أقول: هل لنا التصديق بأن دمشق تُدخل الإرهابيين إلى العراق من دون علم إيران؟ لا نظن ذلك. كان الهدف السوري والإيراني مشتركاً: الإطاحة بالتجربة الأميركية، وتحويل الساحة العراقية إلى ساحة حرب ورعب، فحرب النجف (2004)، وأحد مدبريها بارز الآن في قيادة "الحشد الشعبي"، تفجرت بالتوقيت مع حرب "القاعدة" بالفلوجة، وعملياتها الإرهابية.

وبالفعل عجل هذا بخروج الجيش الأميركي، وبان الحضور الإيراني قوياً، فتغيرت سياسة بغداد من التهديد بالشكوى لدى الأمم المتحدة ضد دمشق إلى إرسال مقاتلين للدفاع عن نظامها.

يقول الربيعي فيما يخص إيران والإرهابيين: "طلبنا مِن الإيرانيين مشاركتهم في الحصول على بعض المعلومات مِن هذه القيادات (قيادات القاعدة المقيمين بإيران) للاستفادة منها..لكنهم رفضوا ولم يساعدونا" (نفسه).

لم ينته المشهد هنا، وإنما المراد استكمال ما بدأته إيران من إلحاق العراق بفلكها، والدور آت على استبدال ولاية الفقيه بالمرجعية النجفية، تماماً مثلما حاول "الإخوان المسلمون" استبدال مؤسسة إرشادهم بمشيخة الأزهر.

لهذا، نسأل: ما هو هامش الاتفاق النووي بخصوص العراق، وإيران اللاعب بشيعته وسنته وكرده؟ لا نقول إن لها كل شيء هناك، لكن لها اليد الطولى في شأنه، وبالإمكان تغيير سياستها لو رُبطت بمواثيق، والفرصة كانت "النَّووي".

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

(الاتحاد)

 

 

 

 

معصوم يرَمم والمالكي يهدم

رشيد الخيون

استبشرنا بتكليف المالكي رئيساً للوزراء (2006)، بعد تفاقم المشكلات واستفحال الإرهاب. بدأ خطابه مركزاً على المصالحة الوطنية، وخلال ولايته الأولى لمسنا التَّحسن في الأوضاع، وبداية ترميم العلاقات مع دول المنطقة، رافعاً غصن الزيتون مدعوماً بنية تأسيس جيش وطني قوي، وبكتلة عنوانها «دولة القانون»! وبالنسبة للوضع العراقي تعد أي خطوة مهما صغرت إنجازاً،

لكن ما أن تولى زمام الولاية ثانية، حتى أخذ يتراجع وبغرور معتبراً نفسه «محرر العراق»، و«مختار العصر»، يتحدث عن عصر «الحسين ويزيد»، وفقد صوابه مقدماً ابنه بطلاً، وقادة الجيش والشُّرطة جبناء لا يعنون شيئاً عنده، وشكل ميليشيات خارج الدولة والقانون، ووصل غروره إلى التَّصادم مع المرجعية الدينية، وشتت الإضرابات المطلبية بقوة السلاح، والبداية كانت بمَن تظاهر في ساحة التحرير (2011)، على أنهم بعثيون وإرهابيون، بينما أغلبهم كانوا زملاء له في المعارضة.

انتهت ولاية المالكي وتأسست إدارة جديدة، وبدأت الرئاسات الثلاث متوافقة على ما يُعلن عنه، بالتركيز على ملفين مهمين: المصالحة الداخلية وتطبيع العلاقات الخارجية، وبالفعل فهما ملفان خطيران لتعافي العراق، بعد تحول «المصالحة» في عهد المالكي إلى مكتب إعلام مخادع، أما العلاقات مع الجوار فأخذت تنتكس إلى حد القطيعة.

بعد تسلمه نيابة رئيس الجمهورية كثرت تصريحات المالكي، ضد ترميم ما في الملفين المذكورين، ونسى أن كلامه يحسب على منصبه لا شخصه، ففي مناسبة أُذيعت على الملأ وصف ما حصل بـ«ثورة السُّنة ضد الشِّيعة»، وعلى الرَّئيس فؤاد معصوم ترميم الهدم. كيف يتحدث نائبه عن سنة وشيعة والطَّائفية مستعرة بالبلاد، وهو يلوح بملف المصالحة؟!

وآخر تصريح للمالكي مثّل هدماً لما يحاول الرَّئيس ترميمه في العلاقة مع المملكة العربية السعودية، وبالتالي مع دول الخليج كافة، وعبر قناة «آفاق»، التي تحولت إلى إعلام خاص للمالكي، وكأن رئيس الوزراء ليس مِن «الدَّعوة»، وغير معني بعلاقات العراق الخارجية. جاء على لسان المالكي: «أن توضع السعودية تحت الوصاية الدولية، إذا لم تقدر على الحد من الإرهاب»! فأسرعت رئاسة الجمهورية إلى القول: «إن هذا رأي شخصي لا يمثلها»، كما تقدمت رئاسة الوزراء بمثل ذلك.

فمثلما هدم المالكي الجهود في تحقيق مصالحة، تقوم على أُسس وطنية، بعيداً عن كراهيات الماضي، يحاول هدم ما تم بناؤه مع السعودية ودول الجوار الأُخرى، وبدعم من المرجعية الدِّينية ورئاسة الوزراء. فقبل أن يتوجه الرئيس إلى السعودية، في زيارته الأولى، تباحث مع مراجع الدين الكبار بالنجف وأولهم السيستاني، وأخبرهم بما ينوي عليه، فوجد تأييداً وحماساً، وبالمقابل سمع مِن خادم الحرمين الشريفين كلمات إطراء على آية الله السِّيستاني بالذات: «إنه رجل عاقل». نرى في الموقفين إشارات لتحدي الطائفية والإخلاص في تطبيع العلاقات خارج اختلاف المذاهب، ونية التعاون لكبح الإرهاب فمثلما العراق مبتلى به، فالسعودية أيضاً تعاني منه، فلولا قوة أمنها الداخلي لفعلت بها «داعش» قريباً مما فعلته بالعراق، الجار الجنب، وعلى الحريص قياس الأمر على أخطر الاحتمالات.

إن الحرب على الإرهاب لا تتحقق بلا مصالحة وطنية، وبلا تطبيع للعلاقات مع دول المنطقة، والسعودية في مقدمتها. عندما نتحدث عن السعودية نتحدث عن ثمانية وعشرين مليون نسمة، ومليوني كيلومتر مربع، وحدود ملاصقة طولها ثمانمئة كيلومتر. فكيف التعامل معها؛ هل بأسلوب الهدم لدى المالكي أم باستراتيجية الترميم لدى معصوم؟ وفي أي الخطابين تكمن مصلحة العراق؟

ومما لا يخفى على أحد أن هناك صوتا سياسيا وثقافيا قويا داخل السعودية ضد الإرهاب، مِن خلال ما يكتب في الصُّحف المحلية، ومِن خلال قرارات الدّولة بتجريم التكفيريين، والعمل على ملاحقة المتشددين، وفي الوقت الذي تتوعد «داعش» دول العالم، تتوعد السعودية ودول الخليج بأشد منها، ومَن سمع خطبة البغدادي، والإعلان عن «ولاية نجد»، سيفكر جلياً بالأمر، ولا يأخذه الخطاب الغوغائي البعيد عن الحكمة والعقل.

سيرد علينا العاطفيون الطائفيون الذين لا يرون (28) مليوناً إلا بشخص الإرهابي عبد الله الرشيد الذي قتل خاله لأنه ضابط في الجيش السعودي، ومفجري المساجد بالدمام والقطيف، وبالمنطق نفسه يتحدث الطائفيون الآخرون عن العلاقة مع إيران وعشرات ملايين الشيعة في أنحاء العالم. إنها «لغز الحياة وحيرة الألباب»، حين يتحول الخطاب إلى تهييج وتهريج وتناكف طائفي. لم يفهم المالكي أنه نائب رئيس الدولة، كما نسى أنه رئيس وزراء العراق، والمفروض أن تكون كلمته، في الزمن الصعب، موزونة بميزان الذهب، الغش فيه خسارة فادحة. لذلك مِن حقنا القول إن معصوم يحاول الترميم والمالكي يسعى للتهديم.

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

 

 

 

إيران بلا «الموت لأميركا»!

 

رشيد الخيون

ابتهج الشَّعب الإيراني باتفاق حكومته مع الغرب على حلّ المعضلة النووية، بعد مباحثات عسيرة لسنوات طويلة. فُرضت خلالها عقوبات اقتصادية، بان تأثيرها على الدولة والمجتمع، مع أن إيران لها منافذ للتخفيف منها، كالمنفذ العراقي. فحدود ألف ومئتي كيلومتر، مع كثرة الأحزاب والجماعات الموالية عقدياً وسياسياً لها، لا تدعو إلى حصار خنَّاق كالذي فُرض على العراق (1990 - 2003)، ناهيك عن بقية الدول التي لإيران صداقات معها، مما يمكنها من تصريف الأزمات التي تتولد عن الحصار، ولو لردح من الزمن.

يغلب على الظن أن الأميركيين يدركون حقيقة عدم جدوى الحصار، لهذا لا ينتظر خصوم إيران بالتعويل على العقوبات بأنها ستُؤذيها مثل إيذاء العراق عندما تركت جيشه ومدنه وقراه «أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ»، وما عمَّ مِن انحطاط ثقافي واجتماعي، بعد أبريل 2003، كان جزء كبير متعلقاً به، زادته «الحملة الإيمانية الكبرى» (1994) خواءً على خواء.

نبتهج مع ابتهاج الشعب الإيراني، فهو شعب حيوي وطموح وصاحب حضارة عميقة في الفكر والفلسفة والفن والأدب، ومن لديه موقف من نظامه لا يعني أنه ينكر عليه أنه شعب يحب الحياة، وقادر على التطور وتجاوز الأزمات، ومع أن نظامه الممثل بولاية الفقيه لا يود التخلي عن شعاراته؛ لأن شعاراً مثل «الموت لأميركا» منذ فبراير 1979 وحتى الاتفاق (14 يوليو/ تموز 2015)، سيطفئ شيئاً من بريق الثورة والولاية، ويخفف من إلهاء الشعب الإيراني بعقيدة المعاداة، إضافة إلى الاعتراف بفشل تلك السياسة، والتراجع ليس عيباً، لكنه يصبح عيباً عندما ينظر إليها كعقيدة لا كسياسة.

من خلال ما نطالعه في الصحف ونشاهده في الفضائيات، فإن القوم منقسمون حول ما تحقق من اتفاق، حسب الزوايا التي يرونه منها. فهناك من يرى أنه عزٌّ وقوة لنظام ولاية الفقيه، وظهر السَّاسة الإيرانيون أنهم خبراء وأصحاب رؤية ثاقبة، ينطبق عليهم المثل «يذبح البعير بقطنة» لجَلدِهم في الجدل، وأن سياسة المرشد ظهرت رشيدةً، إذ لم يتنازل عن قرارات ثورته؛ لأنها صحيحة منذ البداية وحتى اليوم!

بينما بالغ طرف آخر معتبراً الاتفاق نهاية نظام الولاية، وأن الفقيه وافق مضطراً، وشبّه الأمر بموافقة آية الله الخميني (ت 1989) على وقف الحرب العراقية الإيرانية (1980 - 1988) بلا انتصارات، حتى اعتبر الموافقة جرعة مِن السُّمِ. إلا أن أكبر فائدة أسدتها الحرب للنظام الإيراني الجديد، آنذاك، تمكن القوى الدِّينية مِن حُكم إيران بعد تصفية القوى غير الدينية تحت ستار الحرب، ويمكن الأمر نفسه بالنسبة للنظام العراقي، والأمثلة والشواهد مِن التاريخ كثيرة.

لما اشتدت الفتنة وتعاظمت الخلافات، في زمن الخليفة الراشدي الثَّالث عثمان بن عفان (قُتل 35ه)، استشار الأقربون إليه، ممِن كان لهم باع في المشورة والإخلاص، قائلاً: «إن لكل امرئ وزراء ونُصحاء، وإنكم وزرائي ونُصحائي وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما قد رأيتم، وطلبوا إلى أن أعزل عمالي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون، فاجتهدوا رأيكم واشيروا عليَّ» (الطبري، تاريخ الأُمم والملوك). فتكلم عبد الله بن عامر بن كُريز الأموي (ت 59ه)، وكان والياً على البصرة يومها: «رأي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، وأن تجمرهم في المغازي (الفتوح)، حتى يذلوا لك، فلا يكون همَّة أحدهم إلا نفسه، وما هو فيه مَن دَبرَة (القرحة التي تصيب الدَّابة) دابته وقَمل فروهِ» (المصدر نفسه). أسدى ابن عامر بهذه النصيحة؛ لأنه من أكثر الذين قادوا الجيوش في فتوحات المشرق حتى كابل من أفغانستان اليوم، غير أن الخليفة لم يسمع ما أُشير عليه به، لا من ابن عامر ولا من غيره.

إن الشاهد في هذه الرواية أن القيادة الإيرانية لم تزل تشد شعبها، وأعداء أميركا في كل مكان، إلى عقيدة العداء وتهيئة الجيوش الزاحفة عليها وعلى إسرائيل، فبما ستشغلهم وكيف تبرر تخليها وقد أعلنت أن هذا الشعار خالداً، بل جعلته هيكلاً لتشكيل الجماعات خارج حدودها؟ وبالتالي اعتبر خصوم إيران احتفال الشَّعب الإيراني ليس فرحاً بالانتصار على الخارج، إنما بالانتصار على الدَّاخل، على عقيدة «الموت لأميركا»، وهذا بحد ذاته، إذا طُبق، يُعد انقلاباً في السياسة الإيرانية.

ليس لدي ما أعلق به على الطرفين، فلا يحتاجان لتعليق، وما يهمنا ليس داخل إيران، إنما انعكاس الاتفاق على العراق، فإيران الإسلامية انتصرت على أميركا الإمبريالية هناك، وتكاد تنفرد بالعراق. وبالنسبة لنا هذا هو الأهم.

(الاتحاد)

 

 
   

«الحشد الولائي»..انقلاب على السيستاني

 

رشيد الخيون

استغلالاً لفتوى المرجع الديني علي السيستاني، تشكل ما عُرف بـ«الحشد الشعبي»، الذي يُشير إليه البعض بـ«الولائي»، نسبة للإشراف الإيراني عليه، لمواجهة خطر «داعش»، بعد اجتياحها الموصل، وما زالت جريمة التسليم يشوبها الغموض. وفي الغالب أن الفقهاء يفتون بطلب، وقد صُوِّرت للسيستاني ضرورة الفتوى، فالرجل لم يكن عسكرياً ولا سياسياً، كي يُقدر الحالة بلا مَؤتمن يوضحها له، فكان ذلك وأَعلن «الجهاد الكفائي» من دون تحديد مذهب أو ديانة، لكن واقع الحال أنها موجهة للإمامية.

بعد صدور الفتوى استُغلت وحُرفت عن وجهتها، لتشكيل جيش رديف للجيش العراقي، بل وفي الطريق لابتلاعه، ودخلت إيران لتنظيمه، وهي التي لم تكن قيادتها الدينية والسياسية على اتفاق مع مرجعية النجف، وهذا أمر يخص الاختلاف في نظرية «ولاية الفقيه»، بل والثورة الإيرانية. فمِن المعلوم أن مرجعية السيستاني امتداد فكري وسلوكي لمرجعية سلفه الخوئي (ت 1992)، وما قبلها مِن مرجعيات كمرجعية محسن الحكيم (ت 1970).. وكلها لا تقر بالثورات، ووفق ذلك استقبل الخوئي (18/11/1978)، قُبيل الثورة (10/2/1979)، الملكة فرح ديبا وابنتها وولي العهد علي رضا، خلال زيارتهم العتبات المقدسة بكربلاء والنَّجف، وكان الخميني (ت 1989)، قد أُخرج من العراق واستقر بباريس يُحرك الثورة من هناك (فرح ديبا، مذكرات). بطبيعة الحال، الإسلام السياسي اعتبر ذلك مثلبة على الخوئي، مع أن الأمر طبيعي، فكم مِن ملوك أتوا إلى المراجع واستُقبلوا، ذلك أنهم ذوو مهام دينية في الأساس، وأن ما حصل في أعقاب الثورة مِن إعدامات وإيذاء للمراجع التقليديين يبرر صمتهم عن تأييدها.

نفهم مما تقدم أن السيستاني، وإن كان إيراني الأصل (يعيش بالنجف منذ 1951)، لا يعني أنه يؤيد السياسة الإيرانية الثورية بالعراق، فما يهمه المذهب والوطن حيث استقرت المرجعية منذ 448هـ، وهكذا كان أستاذه الخوئي وأسلافه من المراجع.

حصل ما يشبه الانقلاب على فتوى الكفائي، ليستفيد منها الولي الفقيه بالإشراف على «الحشد الشعبي»، الذي تأسس مِن الميليشيات ذات الارتباط به، والمرجعية غير متوافقة معها على حساب الجيش.

نأتي على حيثيات صدور «الجهاد الكفائي»: اجتاحت «داعش» الموصل (10/6/ 2014)، وفي اليوم نفسه أصدرت المرجعية بالنجف بياناً جاء فيه: «تتابع المرجعية الدينية العليا بقلق بالغ التطورات الأمنية الأخيرة، في محافظة نينوى، والمناطق المجاورة لها، وهي إذ تشدد على الحكومة العراقية وسائر القيادات السياسية في البلد ضرورة توحيد كلمتها، وتعزيز جهودها في سبيل الوقوف بوجه الإرهابيين، وتوفير الحماية للمواطنين..» (موقع المرجعية الرَّسمي). بعد ثلاثة أيام (13/6/2014)، ومع ما وصلها من خطورة الموقف، أصدرت فتوى «الجهاد الكفائي»، أي الاكتفاء بالعدد لدرء الخطر، وحصرت التطوع في القوات المسلحة. كانت فتوى جهاد دفاعي لا بدائي؛ لأن الأخير من شأن الإمام المنتظر، وهنا يختلف المراجع التقليديون عن الثَّوريين، ويغلب على الظن أن الأخيرين لا يقرون بوجود الغائب بقدر إقرارهم بنيابته، بمعنى استغلال الفكرة سياسياً.

ولما استغلت الفتوى لتشكيل «الحشد الشعبي»، خارج رغبتها، أذاعت المرجعية (4/7/2014) الآتي: «نؤكّد مرّةً أخرى ضرورة تنظيم عملية التطوع وإدراج المتطوعين ضمن تشكيلات الجيش والقوات الأمنية الرسمية..» (خطبة الصافي وكيل المرجعية). وبعد أيام (11/7/ 2014) جاء التأكيد: «لقد أوضحنا أكثر من مرة أن الدعوة للتطوع في صفوف القوات العسكرية والأمنية العراقية إنما كانت لغرض حماية العراقيين من مختلف الطوائف والأعراق وحماية أعراضهم ومقدساتهم من الإرهابيين الغرباء، ومن هنا نؤكد على جميع المقاتلين في القوات المسلحة ومن التحق بهم من المتطوعين.. جميعاً ضرورة الالتزام التام والصارم برعاية حقوق المواطنين جميعاً وعدم التجاوز على أي مواطنٍ بريءٍ مهما كان انتماؤه المذهبي..» (خطبة الكربلائي وكيل المرجعية).

إلا أن الأمر أخذ مساراً آخر، وضع المرجعية والحكومة أمام الأمر الواقع بوجود جيش رديف يُقاد إيرانياً، وتهميش الجيش العراقي. لم يهمش الجيش فقط وإنما همشت رئاسة الوزراء والمرجعية أيضاً، فلا كلمة لأحد على هذا الحشد. بهذا يجري القول: إن ثمرة الفتوى قد جناها الولي الفقيه، بانقلاب على المرجعية. فمَن المستفيد مِن تعجيز الجيش العراقي ووضع المرجعية بهذا الموقف المحرج، لعدم الاستجابة لفتاويها في الظُّروف الحرجة؟ لعل ما جرى يثير الخشية من جيش بمواصفات «الباسيج» (قوات التعبئة الشعبية). ما حصل: فتوى جهاد كفائي أسست لحشد ولائي.

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

«المهدي».. الفكرة الأكثر توظيفاً

 

رشيد الخيون

 

لا أكتب هذه الكلمة مفصلاً لعقيدة أو فكرة المهدي المنتظر، ولا أغور في أصل الانتظار لدى الأديان والمذاهب، ولكلِّ دين ومذهب مهديه. إنما أكتب ذلك لرسائل وصلتني يتحداني أصحابها بالنزول إلى ساحة المناظرة، بعد الكتابة عمَن استغل الفوضى وخصوبة الفكرة، وعن الذين لا يدعون حدثاً إلا ربطوه بعلامات الظُّهور، مع علمنا أن المهدوية في جوهرها فكرة سياسية مِن متعلقات العدل والإمامة.

أعلم لو أنني قَبلتُ بالنزول إلى ميدان المناظرة، وسط الحشود المنتظرة القسط والعدل، لقُطعت في أول جولة، لأنهم يتحدثون بالمرويات، كأنهم يرون مهديهم بعد رؤية اليماني والسُّفياني، بل سيثبتون بالدَّليل، الذي يسحر الجماهير، بأن الخسف بجيش السُّفياني سيكون في يوم كذا وكذا، وسيعدون لي أيام الشُّهور التي يتحرك فيها، والأمكنة التي يقود إليها أتباعه، مثلما هي مفصلة في الكتب الطَّاردة للعقل، وعندها عليَّ السُّكوت، فخشية مِن الهزيمة لم أجب على رسائل التّحدي.

لستُ بصدد تأكيد الفكرة أو نفيها، فلو أُخذت كعقيدة دينية ويؤول أمرها إلى الله، مثلما اشترطها الأولون، لما خرج المئات عبر التَّاريخ يدعون أنهم مهديون، بل إن أحزاباً سياسية تدعي أنها تشيد العمران وسمت نفسها «جند الإمام»، ولو قلتُ هذا جديد على الفكرة نفسها حيث أدخلها الإسلام السياسي لأتوني بأضابير مِن الأحاديث على تأكيد وجودهم قبل قرون، لكنَّ المُمَهدين عندما يستلمون السُّلطة يمنعون حتى الأمل بظهور مهدي بعدهم.

سبق وعاش المكيون أيام عسيرة، عند احتلال الحرم المكي (1979)، بقيادة جهيمان العتيبي (أعدم 1980)، وأخذ البيعة مِن أتباعه للمهدي المنتظر، وهناك بالسودان ظهر منتظر أيضاً، وبمصر ظهر مهديون منتظرون، وبالعراق أكثر مِن مهدي ومُمَهدين، بل إن رجل دين اعتبر حسين الحوثي (قُتل 2004) وحركته ضمن المسار المهدوي، بينما سبق أن اعتبر مهدي البصرة دجالاً. أقول: ما هو القياس بين الحقيقة والدَّجل؟

صدرت كتب كثيرة في المنتظر، وذلك لشدة العاصفة المهدوية في زمننا بالتحديد، كلها تتحدث كأنه سيظهر اليوم، وما مِن حدث غريب إلا وتعلق به الممهدون كعلامة للظهور، حتى الثَّورة الإيرانية عُدت مرحلةً تمهيدية، مع أن الأولين أفتوا بأن علمه عند الله، مثلاً وسط ساحة التحرير بالقاهرة، وخلال الاضطرابات، ادعى شخص أنه المنتظر، وأخذ يُجيب على أسئلة الجمهور بثقة عجيبة.

بعد الكتاب والمؤرخين شغلت المهدوية الشُّعراء القدماء مثل كُثير عزَّة (ت 105هـ)، عندما قال لمحمد بن الحنفية (ت 88هـ) على أنه المهدي: «تغيَّب لا يُرى فيـهم زمــانًــا/ بـرَضْوَى عـنده عـسلٌ وماءُ» (الأصفهاني، كتاب الأغاني)، والسَّيد الحميري الذي قال: «يا شعب رضوى ما لمَن بك لا يُرى/وبنا إليـك مـِن الصَّبابة أولقُ» (الدِّيوان). إلى المعاصرين كعبد الله البردوني (ت 1999) وقصيدته (1990) «على باب المهدي المنتظر» (ديوان جواب العصور)، وقطعاً لم يقصد مهدياً بعينه.

إن الجديد في خصوبة الفكرة أن حوادث اليمن الأخيرة فسرت بها، على أن ما جرى تم ضمن التَّمهيد المهدوي؛ على رواية: «ثم يخرج ملك مِن صنعاء أبيض كالقطن اسمه حسين أو حسن، فيذهب بخروجه غُمر الفتن...». ورد هذا في «بحار الأنوار» للمجلسي (ت 1111هـ)، الذي أفرد جزئين (مِن 110 أجزاء) لحياة المنتظر، وكم مِن كتب صدرت واختلفت في علامات الظّهور، مثل «القول المختصر في علامات المنتظر» لابن حجر الهيتمي (ت 974هـ).

إذا كان المسلمون يعتقدون مَن لا يؤمن بالمهدي وظهوره ليس بمسلم، فلماذا يُخاض بهذه الفكرة، وتُقدم مع كل حركة سياسية وثورة؟ وإذا كان هذا «الأبيض كالقطن» هو الحسين الحوثي، فهذا قد قُتل قبل أن يملأها قسطاً وعدلاً! مثلما يُنقل عما يفعله المهدي المنتظر عند خروجه. لكن ما نفع اليمن بشعار مدون في المساجد «الله أكبر، الموت لأميركا...»! فربما بعد فترة ستتخلى صاحبة الشّعار الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن شعارها، فمصالحة أميركا قادمة.

لا ننسى أن توظيف الفكرة بنسختها السُنية أسفرت عن وجود «الأحمدية» بباكستان، بينما قادت نسختها الشيعية إلى وجود «ولاية الفقيه»، وما حولها مِن شدة انشقاق بين علماء المذهب، ومنفعة حكام يحكمون على أنهم ممهدون للظهور، ولم يمهدوا شيئاً، بقدر ما مهدوا لمناصبهم واصطياد حطام المال، كذلك أسفرت عن وجود «البابية والبهائية» كديانة مستقلة. أقول: إلى أين سيقود التّحرك بالعقيدة سياسياً بعد؟ إنها فكرة خصبة التفرع والانشطار إذا لم تبق عقيدة أمرها إلى الله، مثلما رسم لها الأولون.

(الاتحاد) الاماراتية

 

الزيدية.. شيعة السنة وسنة الشيعة

رشيد الخيون

 

شغل اسم الإمام زيد بن علي (قُتل 122هـ)، وبعده «الزيدية»، حيزاً كبيراً من تاريخ الإسلام، من الكوفة حيث ثار زيد، إلى المدينة والبصرة حيث قامت ثورتا الأخوين محمد النفس الزكية وإبراهيم (قُتلا 145هـ) مروراً بدولتها بطبرستان (250 –316هـ)، فبغداد دار السلطنة البويهية (334-447هـ)، ثم دعوتها ودولتها باليمن حتى عام 1382هـ، تخللها وجود دول أُخر بصنعاء، وحروبها ضد الإسماعيليين آل الصَّليحي وعلي بن فضل القرمطي (اغتيل 303هـ).

وإذا شغلت الزيدية الماضي بثوراتها ودولها نجدها تشغل الحاضر بتحولاتها والمؤثرات الفاعلة فيها، التي لا تخرج عن مدار الكسب المذهبي، وتوظيفه سياسياً. فمن المعلوم أن الزيدية أجازت الخروج على ولي الأمر، تيمناً بإمامها الأول، الذي لم يخطر على باله أنه يؤسس مذهباً، حاله حال بقية مؤسسي المذاهب، إنما كانت مجرد آراء جمعت وصارت تعبر عن مذاهب خاصة، يتنازع الأتباع في مقالاتها.

هنا ظهرت مشكلة، وهي أن الثائر نفسه عندما يستلم السلطة بالخروج على إمام زمانه لا يسمح بالخروج عليه، ومن هذا الباب، فُسح المجال للمذاهب التي لا تجوز الثورة، حصانة للدين ووقاية من فساد الفوضى حسب احتجاج فقهائها، مع وجود اجتهادات تريد العودة إلى زيد فقهياً وتتجاوز ما دخل على المذهب من قِبل الأئمة الثائرين. فالاعتقاد أن حصر الإمامة بالبطنين (الحسن والحسين) جاء به مؤسس الزيدية بصعدة الهادي إلى الحق (ت 298هـ)، وهو من الفرع الحسني لا الحسيني، وبهذا تكون الإمامة عند الزيدية، في الأصل، متجانسة مع ما تذهب إليه المذاهب السنية.

مع ذلك برزت الزيدية واشتهرت باليمن بما قرره الثوار الأئمة، وبهذا يكون نصف الاتفاق مع الشيعة الإمامية، على أساس أن الأخيرة تقر بإمامة ما بعد الحسين لتسعة أئمة، إلى جانب أن زيداً اقتفى طريق جده الحسين بن علي (قُتل 61هـ) في ثورته. ولم تتشدد الزيدية في الإمامة فمع اعتبارها أن علياً هو الأفضل، جوزت خلافة المفضول، وذلك لضرورة دنيوية، وأن إحدى فرقها أعطت حلا مناسباً للإمامة، على أنها إمامة العِلم لا السياسة، ذكر هذا كبار الزيدية كالحميري (ت 573هـ) في «الحور العين»، والمرتضى (ت 840هـ) في «المنية والأمل».

بمعنى أن الزيدية كانت تفكر وتسعى لحل هذه المعضلة، التي بسببها سفكت الدماء وبذرت الأموال، حسب وصف إخوان الصفا (القرن الرابع الهجري) للإمامة، وأصعب ما فيها أنها ماض قد ذهب والجدل حولها بلا طائل، وأفضل مَن عبر عن هذا الجدل البيزنطي، من المعاصرين، العلامة الإمامي محمد رضا المظفر (ت 1963): «ولا يهمنا من بحث الإمامة، في هذه العصور، إثبات أنهم الخلفاء الشرعيون وأهل السلطة الإلهية، فإن ذلك أمر مضى في ذمة التاريخ، وليس في إثباته ما يعيد دورة الزمن» (عقائد الإمامية).

ولأن الزيدية وسط فهي «شيعة السنة وسنة الشيعة»، والعبارة مقتبسة من أحد مؤسسي «منتدى الشباب المؤمن» محمد عزان (الحرة، حديث الخليج)، والفاعل فيه حتى اعتزاله بسبب التحول الطاغي على حسين الحوثي (قُتل 2004)، فقد كان المنتدى ذا وجهة علمية تحول إلى العمل العسكري، وترديد شعارات الثورة الإيرانية، وإظهار التشدد في الإمامة بعيداً عن الفكر الزيدي السائد، فتجاوز ما نشأ المنتدى المذكور من أجله، وهو مواجهة العمل السلفي بين الزيدية بمنطقة دماج، وهذا ما كانت السلطة تشجعه، والأمر متعلق بالموقف من الثورة.

سمحت وسطية الزيدية بظهور اجتهادات فيها، وظل المسجد باليمن واحداً للشافعية والزيدية معاً، وأن المؤذن يؤذن حسب مذهبه والمصلين يصلون بمذاهبهم، فإذا كان زيدياً يرفع «حي على خير العمل»، والمصلون يسبلون الأيدي (الزيدية) ويضمونها (شافعية)، وهذا بسبب الانفتاح الزيدي، ولا يغرب عن البال أن الزيدية في الفروع (الفقه) أحناف.

ولا ننسى أن هذا الاعتدال كان مدعوماً بعقلانية المعتزلة، فقد تأثرت الزيدية بمعتزلة بغداد، وأُصولها الخمسة، والمعتزلة والزيدية وإن كانوا يقرون بالثورة لكنهم لم يجعلوا «الإمامة» أصلا دينياً، بل كانوا يقرون المفضول بوجود الفاضل، وبهذه الوسطية يمكن اعتبار الزيدية: «شيعة السنة وسنة الشيعة». فزماننا المجنون يحتاج «خطيباً لو قام بين وحوشٍ/ عَلم الضَّاريات بِرَّ النقاد» (المعري، سقط الزَّند). هذا يُطرب العُقلاء أما الغاوون طائفيةً فلا تطربهم سوى قصائد شاعري الكراهية والانتقام سُديف (قُتل 146هـ) وابن الجهم (قُتل 249هـ).

 

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

إيران عاصمتها بغداد..

للغرور نهاية

رشيد الخيون

على ما يبدو، أعطى مستشار الرَّئيس الإيراني، ووزير المخابرات الأسبق، علي يونسي مبرراً متأخراً لشن العِراق الحرب على بلاده؛ في سبتمبر 1980، فبغداد، بعد هيمنة الإسلاميين عليها لم تكن في حلٍ منها، وإن ما كان يُقام مِن تظاهرات حاشدة داخل طهران، غداة الثَّورة، إلا لإحداث ثورة إسلامية داخل العِراق، تحت راية الولي الفقيه روح الله خميني (ت 1989). لم تكن ثورة إسلامية فحسب إنما ضم العِراق لإيران حيث الأُممية الإسلامية. كذلك أعطى المستشار مبرراً وتصديقاً لعمل إيران على ما يسمى بالهلال الشِّيعي (بمواصفات الولاية)، فعلام إذن الردود على التحذير مِن هذا الهلال؟

كنا نعتقد أن تحريفاً حصل في ترجمة كلمة المستشار، لكن مهما اختلفت الترجمات فالمعنى واحد، يقول: بغداد تحت السَّيطرة. فمما قاله يونسي «أمام منتدى الهوية الإيرانية»: «إيران اليوم أصبحت إمبراطورية، كما كانت عبر التَّاريخ، وعاصمتها بغداد حالياً، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا، اليوم كما في الماضي»، فينقل أن أحد الأكاسرة قال «هِلدوه وروز أي خلوها بسلام» (الحموي، معجم البلدان)، وعلى هذا يريدها يونسي عاصمةً.

يقصد يونسي أن مشروع إمبراطورية الولي الفقيه قد اكتمل بالهيمنة على بغداد، والفضل لـ«داعش» أيضاً وبقية قوى الإرهاب التي دخلت مِن البوابة السُّورية زرافات ووحدانا (2004 وما بعدها). الحلم الذي جعل الخميني لا يقبل بوقف الحرب (1980-1988)، وبذلك ذهب حاملاً في رقبته دماء الآلاف المألفة مِن الشَّباب (1982 وما بعدها)، لذا قال كلمته: «لقد تجرعتُ كأس السِّم»! يعني اضطراره لوقف الحرب، قبل تحقيق حلم الإمبراطورية. لولا خطورة الأمر ما ردَّ خطيب الرَّوضة الحسينية بكربلاء السَّيد أحمد الصَّافي على قنبلة يونسي. قال: «إننا نعتز بوطنيتنا، إننا نعتز بوطننا وبهويتنا، وباستقلالنا وسيادتنا، وإذا كنا نرحب بأي مساعدة تُقدم لنا اليوم مِن إخواننا وأصدقائنا في محاربة الإرهابيين فنشكرهم عليها، وذلك لا يعني في حالٍ مِن الأحوال بأنه يمكن أن نغض الطَّرف عن هويتنا واستقلالنا، ولا يمكن أن نكون جزءاً مِن أي تصورات خاطئة في أذهان بعض المسؤولين هنا وهناك، إننا نكتب تاريخنا بدماء شهدائنا وجرحانا في المعارك التي نخوضها اليوم ضد الإرهابيين، وقد امتزجت مكونات الشَّعب العِراقي».

كذلك أشار الصَّافي إلى السعي الإيراني في إلحاق العِراق بوهم الماضي: «أن يبقى عزيزاً سيد نفسه» (الجمعة 13 مارس 2013). بينما سكتت الأحزاب الدِّينية وقيادات الميليشيات، الذين أوهمونا بأنه لا وجود لجيش عراقي عندما صرح أحدهم: «لولا تدخل إيران لسقطت حكومة بغداد»!

لا أظن أن يونسي قد وضع الأحزاب والمنظمات الدِّينية العراقية بحرج؛ لأنها منذ عقود تتحدث بولاية قائد الثَّورة، حتى ذابت في مشروعه، ولم يكن الأمر غريباً فالإسلام السياسي عابر للأوطان، ولا يمتنع حزب ديني يدعي أنه عراقي بتقليد مرجع تولى منصباً رسمياً بإيران الإسلامية، ويفتح له مكاتب التقليد، ولا يتأخر مِن إسناد مَن يعتقد بولاية الفقيه (الشَّاهرودي والحائري والآصفي)، كمراجع بدلاء عمَن لم يعتقدوا بتلك الولاية، أي «استيراد المراجع» على حد عبارة أحد رجال الدِّين الحليين.

مِن المخجل حقاً أن يُسكت رسمياً وحزبياً عن المستشار الإيراني؛ وهو أحد الفاعلين سواء كان بوزارته السَّابقة أم بوظيفته الحاضرة، لم يتفوه بضم بغداد لإمبراطوريته إلا بعد الشُّعور بالغرور، فأطلقها لاستطلاع مشاعر القوم، وها هو يراها ممهدة، بعد تهميش الجيش العراقي ليكون الصَّوت الأعلى للقيادة الإيرانية داخل بغداد.

إذن القضية ليست مستشارين عسكريين، إنما إعلان إمبراطورية باستغلال ظرف العراق الموجع، يونسي يتحدث وسليماني يزحف. أقول إذا سكتت الأحزاب الدِّينية لأنها ترى الولي الفقيه قائداً، ولا تتحرج مِن الدّفاع عن رفع صور رؤساء إيران داخل بغداد بغزارة، فما الذي أسكت القادة الكُرد ببغداد ناهيك عن قيادة الإقليم، فهل استبشروا بنبأ إمبراطورية الولي الفقيه؟ إلى هذا الحد هبط منسوب الوطنية، فعدا خطيب كربلاء، وما نُشر ته «المدى» و«طريق الشَّعب» لم نسمع كلمة ولو مجاملة لهذا البلد الذي ابتلى حتى اختزى.

أقول لهذه القوى وخزي سكوتهم ما قاله نجيب الدِّين العاملي (ت 1640)، بعد عودته إلى بلاده مِن إيران الصَّفوية: «ضاعت الأوقات في أرض العجم/ فتدارك بعضها قبل النَّدم»(مروة، التَّشيع بين جبل عامل وإيران). إن سكوتكم عن التلويح الإيراني بالضَّم جعل وطنيتكم في مأزق، فتداركوها قبل النّدم، ولا تغتروا بإمبراطورية الفقيه، فللغرورها نهاية.

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

آثار نينوى..

عناية مس بل وخراب داعش

رشيد الخيون

 

اشتهرت «مس بل» بين السِّياسيين العراقيين بلقب «الخاتون» (ت 1926)، وقد كتبت ونُقل عنها أنها أحبت العراق، ولا مانع أن تكون مسؤولةً استعمارية كبيرة وتحب العراق. ماتت ودفنت في تربة بغداد. ما العلاقة بين «الخاتون» و«داعش» كي تُجمعا في عنوان واحد؟ إنها ماضي التَّأسيس وحاضر التدمير، يوم فُتحت بوابات المتحف العراقي للصوص، وكان عبث (أبريل 2003) بدافع آخر، ولابد أن مؤسسات كبيرة وقفت خلفه، وبعض الأميركيين لم يكونوا بمنأى عن ذلك. أما عبث الخميس الماضي (26 فبراير 2015) فأمره أمرٌ، فقد تخيل الدواعش أنهم يمسكون بفأس النبوة ويهوون بها على آثار آشور، أو الظاهر للنَّاس كذلك! ولا ندخل بنقاش مع «داعش»، على أن أصنام مكة غير تماثيل سومر وبابل وآشور، فقد وصل المسلمون إلى أفغانستان وعاشوا قرب تمثالي باميان ولم يهدموهما.

قال الحموي (ت 626هـ) عن موضع تمثالي بوذا: «قلعة حصينة، والقصبة صغيرة، والمملكة واسعة.. وبها بيت ذاهب في الهواء بأساطين مرفوعة، منقوش فيه كل طير خلقه الله تعالى على وجه الأرض، ينتابه الذعار، وفيه صنمان عظيمان، نُقرا في الجبل من أسفله إلى أعلاه، يسمى أحدهما سُرخبد والآخر خِنكبد» (معجم البلدان).

لم يعبث بهذين التمثالين (حُطما في 12 مارس 2001) إلا «طالبان»، شقيقة «داعش»! وهذا الطَّبري (ت 310هـ) ذكر أن أحد القادة المسلمين (سنة 257هـ) «قَدم بأصنام ذكر أنه أخذها مِن كابل» (تاريخ الأمم والملوك)، نقلها ولم يحطمها، والقصة طويلة.

ونتذكر أن فقهاء دين شجبوا فعلة «طالبان» في حينها، وأن وفداً ذهب لثنيهم عن ذلك، لكن أين تلك الأصوات مِن عبث «داعش» بآثار الموصل؟ فهل التي بالعراق أصنام والتي بأفغانستان ليست أصناماً في عرف هؤلاء الفقهاء؟

يعيد التاريخ نفسه. خلال أقل مِن مائة عام، عندما وقف نائبا الموصل في البرلمان العراقي، ضياء يونس (ت 1937) والخوري يوسف الخياط (ت 1947)، يطالبان بحماية آثار نينوى مِن السرقات والتصدير إلى الخارج (1926)، وها هي الآثار التي ذادا عنها وتأسس متحف الموصل والمتحف العراقي لأجلها تُحطم بفؤوس «داعش». ليس هذا فقط، صارت موصل ضياء يونس والخوري يوسف، بتاريخها ودجلتها، مُلكاً لـ«داعش»! يومها، أنشد ضياء يونس لأحمد شوقي (ت 1932)، مخاطباً رئيس الوزراء توفيق السويدي (ت 1968)، يحثه على حماية الآثار العراقية من البعثات الأجنبية: «أمَِن سَرق الخليفةَ وهو حيُّ/ يعفُ عن الملوك مكفنينا»؟ قاله شوقي بما يخص الآثار المصرية التي تعرضت لموقف مشابه (1924). أقول: ماذا لو عاش نائبَا الموصل، الخوري ويونس، إلى عهد نهب المتحف العراقي وعبث «داعش»؟ وماذا سيقولان؟ أظن أنهما سيشجعان البعثات الأجنبية كي تكون الآثار بحماية المتاحف العالمية، ونُدهش بها نحن قبل غيرنا.

لا نملك ثقافة في الآثار، بقدر حرصنا على قصص الماضي التي جعلت حاضرنا معتماً، أما روعة ذلك الفن فظلت تحت طبقات الأرض، وفي العهد العثماني تحولت المستنصرية (افتتحت 631هـ) ببغداد محطةً للكمارك وزريبة للحمير الناقلة للبضائع، بينما كانت صرحاً علمياً.

بدأ الاهتمام بالآثار العراقية بتأسيس الدَّائرة الأركيولوجية (1920) بجهود الخاتون، ملحقة بوزارة المعارف. الخاتون التي لها الفضل بتأسيس أول متحف عراقي، قالت لنا: أنتم أصحاب حضارة. وبعد وفاتها تولى الإدارة المستر كوك، لكنه سرق الآثار وطرد من العراق، فتولى الأمر سدني سميث، وكان يشغل وظيفة معاون مدير المتحف البريطاني، ثم استلمها يوردان، وهكذا ظلت إدارة الآثار تحت المسؤولية البريطانية حتى تعيين ساطع الحصري مديراً لها (عام 1934)، وكان لهذا الرجل دور مميز في الحفاظ على الآثار العراقية.

وبذلك تكون أول ثقافة المتاحف قد ظهرت بداية العشرينيات وبجهود «مس بل» في غرفة من غرف دار الحكومة (السراي)، وتوسع المتحف مع توسع الاستكشافات الأثرية، فنقل إلى بناية خاصة بشارع المأمون بالرصافة، ثم استقر بالصالحية غرب بغداد، بعد أن رُفع من أمامه تمثال مؤسسته، وهي الأحق بذكراها في هذا المكان.

أترك لكم المقابلة بين عناية «مس بل»، الاستعمارية، بالآثار، وبين خراب «داعش» (وفيها عراقيون موصليون!) وعبثها بأهم الوثائق! وللرُّصافي (ت 1945): «فإن ذكروا النُّعمان يوماً فلا تثق/بأكثر مما قال عنه الخورنق» (الدِّيوان).

------------------

*كاتب عراقي

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

فشل الحكومات العراقية.. ليس طائفياً

 

رشيد الخيون

 

مِن 11 أغسطس 2014، يوم تكليف حيدر العبادي بتشكيل الوزارة الرابعة منذ أبريل 2003، وحتى هذا اليوم، تكون قد انقضت نحو ستة أشهر.

ومن اليوم الأول تأملنا ومضة الأمل، بعد سنوات عجاف مرت بممارسات وانفعالات سممت الأجواء.

 
 

http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png

لقد أثبت العبادي خلال هذه الفترة الوجيزة أنه يحاول ألا يفشل، وهو شخصياً يمتلك مقومات النجاح في الإدارة، فالرجل من فئة المهنيين (التكنوقراط)، وطيب القلب وصافي الضمير، ومنفتح على الآخرين، ليس اليوم، وإنما من قبل عودته إلى العراق، إضافة إلى أنه يتحدر من أسرة أقل ما فيها أنها تحب بغداد، ومن يحب بغداد يحب العراق كله.

أريد طرق موضوع سمعته كثيراً، ألا وهو أن الشيعة غير مؤهلين لإدارة الدول، وذلك وفق حوادث التاريخ، وعليه أن يتم التأهيل التدريجي، حتى يأخذ الوضع طبيعته.

لم أكتب ذلك إلا بعد أن صار هذا الرأي بحكم المسلمات عند من يطرحه كلما بُحث الشأن العراقي، بل أخذ يُناقش على شاشات الفضائيات.

لا أتردد في نقض هذا الرأي، فالعلة فيما حدث ليس في الانتماء الطائفي، فكم قائد غير شيعي قد فشل فشلا ذريعاً بإدارة شؤون بلاده! وإضافة إلى ذلك، فإن زعماء شيعة قد تقلدوا شؤون الحكم طويلا، وهل كان العبيديون ثم الفاطميون (262-542هـ) غير شيعة؟ والدولة المزيدية بالحلة (494-558هـ)، وإمارة عمران بن شاهين ببطائح العراق(330-369هـ)؟ بل وحتى الزيود أيضاً باليمن (303-1382هـ) شيعة على طريقتهم! وكذلك البويهيون (334-447هـ) على طريقتهم.

وهل كان الحمدانيون (333-406هـ) غير شيعة؟ وهل دولة المشعشعون بالأهواز غير شيعية (840 –1137هـ)؟ ثم الصفويون بإيران (907-1148هـ)، والقاجاريون ثم البهلويون.

ذلك إذا علمنا أن أول وزير رتب أمر الدولة العباسية لتعيش خمسة قرون ونصف القرن كان شيعياً، أبو سلمة الخلال (قتل 132هـ).

أتيت بهذه المعلومات كي أبين أن حال هذه الدول لم يختلف عن أحوال بقية الدول التي يتزعمها غير الشيعة، مِن النشوء إلى الانهيار، ضمن فكرة «إخوان الصَّفا» في الدولة (الرسالة الرابعة -الجغرافيا)، وما قاله بعدهم ابن خلدون (ت 808هـ) في مقدمته.

إن الذين يطرحون هذا الرأي يأخذون الشعور بالمظلومية بنظر الاعتبار، وبوجود هذه الدول، مِن إمارات وسلطنات، لم يبق معنى للانكسار، لكن ذلك يحتاج إلى وعي وثقافة في التاريخ.

لا معنى لهذا الرأي إذا علمنا أن رؤساء الوزراء خلال العهد الملكي لم تمنعهم شيعيتهم من النجاح بمهمة السلطة التنفيذية، وكان عند الأزمة يأتي صاحب العمامة السوداء محمد الصدر (ت 1956) إما رئيس وزراء، وإما رئيس مجلس وصاية، حتى أن الملوك يرفضون فتح حوار لحل أزمة مِن دونه (1941 مثلا).كانت السياسة المالية، لسنوات طويلة، يديرها وزير شيعي (تكنوقراط) هو عبد الكريم الأُزري (ت 2010)، إذا أردنا المزيد من الشواهد، فالمقال لا يكفي.

إن فشل السنوات السابقة لا علاقة لها بشيعية رئيس الوزراء، وإنما له علاقة بالشخص وقدرته على الأداء، ومقدار تسامحه، وتخلصه مِن ترسبات فرضتها عواطف المعارضة، وتتعلق بتعليمه، وما يتطلب لشعبه ولشخصه.

لهذا ما زلت أراهن على العبادي، الذي -وحتى هذه اللحظة- لم يُقدم نفسه كابن طائفته، مازال هو رئيس وزراء العراق، وبهذا الشُّعور عمد إلى إجراءات مهمة، لم يُشعر الآخرين أنه صاحب ثأر، أو زعيم بحكم الأكثرية، فعلى الأقلية الخنوع له.

لقد بث الأمل في أن تنجح مصالحة حقيقية، وبدأ بكشف فضائح، مما طمأن العراقيين بأن القادم أجمل.

لم يكن قرار رفع الحظر عن التجوال ببغداد بالهين، وبذلك نجح في أن يعيد لهذه المدنية شيئاً من سجيتها، لم يُقدم نفسه أنه حزبياً، وليس مَمن ظهرت عليهم نعمة التبذير بالمال العام بسرعة فائقة.

توجه نحو المحيط الإقليمي طالباً التطبيع ووجد ما يبشر بأمل، لشعوره بأن العراقيين قد شبعوا مِن الكوارث.

صحيح ما زالت ومضة الأمل تكبر وسط ظلمة حالكة، لكن مَن يريد لها الاتساع لا يقف عثرة، ومنهم مِن داخل حزب العبادي نفسه.

نعم إنه شيعي، والشيعة لم يهبطوا مِن كوكب آخر، إنما مِن هذه الأرض، فلماذا إذا فشل غيرهم لا يُرحل فشله إلى طائفته؟ إن النباهة والذكاء والحصافة لا يوهمنا البعض أنها وزعت طائفياً! علينا حصر الفشل بحزب وشخص لا بطائفة، لأنها لا تحكم، فلتسمى الأشياء بمسمياتها.

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

شراكة السُّنة ليست منَّة

 

رشيد الخيون

 

كتبتُ في «الشرق الأوسط» (19/4/ 2006) تحت عنوان «الشيعة.. الولاء لمَن؟»، مقالا ختمته بالآتي: «هل مطلوب من شيعة العراق أن يعلنوا ولاءهم لبلادهم مع فروض الصلاة، ومن على المآذن؟ وإلى متى ستبقى فتاوى التعجيم تلاحقهم! أجد أن السرور دخل ولاية الفقيه الإيرانية، التي ما زال الغالب من التشيع السياسي العراقي يمتنع عليها». كان المقال رداً على تصريح للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، على أن جميع الشيعة ولاؤهم لإيران.

إن المهم مِن التذكير بتلك المقالة في ما يتعلق بالشيخ «همام حمودي»، فقد وردتني رسالة منه حينها، يُثني فيها على المقال ويشكر كاتبه لموضوعيته، وهو تأكيد على هذه الفقرة التي ذكرتها ولم تمنع مثل الشيخ حمودي، القيادي في «المجلس الأعلى»، ورئيس لجنة كتابة الدستور العراقي حينها، من الثناء، مع ما تضمنته في ما يتعلق بالولي الفقيه الإيراني، وكانت حجة لي أخرى على أن ولاء الشيعة كمذهب ليس لإيران، أما ما بين «المجلس الأعلى» وإيران فِمن متعلقات السياسة.

 

من هنا أنطلق في مقالتي، بحجم ما يتقبل الشيخ همام الموضوعية. فقد صرح قبل أيام لإحدى الفضائيات بأن الشيعة أغلبية سياسية في البرلمان، ولولا تنازلهم الطوعي لما احتاجوا لشريك من السنة، وأن الشيعة وصلوا إلى أقصى ما يمكن التنازل عنه في قبول مطالب السنة، وليس لديهم ما يتنازلون عنه أكثر من ذلك!

 

أقولها حقيقة لا مجازاً، لو قالها غير الشيخ همام، الذي التقيتُ به على هامش ندوة قبل نحو تسعة أعوام، وسمعت منه الحرص على وقف حمام الدم الذي نزف بشدة بين عامي 2006 و2007، وما سمعتُ له من مقابلات تلفزيونية فيها العراق أولا، فلو كان من أهل العمائم التي تخبئ تحتها نزوة الطائفية ما عقّبت على ما صرح به مؤخراً. فهو يقول وأراه على حق في أن الحوار هو الحل لا الاتهام: «عشر سنوات انشغلت بالاتهامات، يقولون علينا أتينا من إيران ونحن نقول لهم أتيتم من السعودية، صفويون وعثمانيون، ولم نتحاور». يقول أيضاً: «الشيعة (الأحزاب والمنظمات) يتحملون المسؤولية الأولى، لأنهم أكثرية في البرلمان، وعليهم مسؤولية تاريخية في إنجاح هذه التجربة». وقال بما هو في نفسي عن المصالحة: «حوار وطني، وليس أعطيك فلوس واسكت» (مقابلات مع قناة آسيا).

 

وبالفعل ضاع عقد من الزمن ونشأت مؤسسات ومدراء في أكذوبة المصالحة. صار المجرم بريئاً والبريء مجرماً بقدر خنوعه لا أكثر. لكن من المفاجئ أن يخرج الشيخ همام، وهو الأكثر قرباً إلى مسألة الحوار وجمع شظايا هذا الوطن الخراب، ليعتبر بما معناه أن الشراكة مع السنّة منّْة لا أكثر، وأن السّنة كانوا منعمين! أسأل سؤالا، وكان الشيخ قد أجاب عليه في بعض أحاديثه: الآن السلطة التنفيذية وغالبية التشريعية بيد حزبيين شيعة، فهل مناطق الشيعة تعيش بنعيم! السبب أن الطائفة لا تحكم، بل إن الحاكمين هم فلان وفلان، فكيف كان السنة يعيشون النعيم، وإن أول قتيل من الإسلاميين كان سنياً، وأن للجماعات السنَّية قتلاهم الكثيرين اغتيالا وإعداماً.

 

كنا نرى مناطقَ كالأنبار وتوابعها ليس فيها ما هو أكثر من مناطق الجنوب أو الوسط، إلا ضواحي أهل السلطة. فالقصد أن الإيذاء كان موجهاً بحساب المعارضة وليس بحساب الطَّائفة، ومعلوم أن السلطة الغاشمة تأخذ البريء بجريرة المتهم.

يعلم الشيخ همّام، أكثر منَّا، بحجم الفساد من قِبل المتنفذين، وبالاستحواذ الشره على عقارات الدولة وتقسيم بغداد إلى مقاطعات لهذا الحزب أو تلك الجماعة، ويعلم بما خلفه اجتثاث «البعث» من آلام مريرة على الطائفة الأخرى، وبحجم المليشيات التي لها حرية التحرك واستعراض سلاحها، بدعم من السلطة نفسها، ويعلم كيف تجلب الأصوات في الانتخابات عبر الشحن الطائفي والشراء بالمال، فكم من نائب لم يحصل على استحقاق انتخابي صار عضواً ورئيس لجنة، وكم من مزور وراشٍ في الانتخابات صار له القدح المعلى؟ كل هذا ألا يجعل طريقة الحكم مفتوحة على الأزمات؟

 

يا ساسة العراق، بلا استثناء، تتحدثون عن الديمقراطية والنعيم القادم إلى الشعب، وتنبذون الطائفية، وتكرهون المحاصصة، وتقبِّحون الفساد، وتتبرؤون من التدخل الأجنبي، لكن كل هذا يحدث. أرجو ألا يضايقكم أنس بن أبي ياس (ت 60هـ) ببيته: «يقولون أقوالاً ولا يعرفونها/ ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا» (ربيع الأبرار).

 

(الاتحاد)

 

 

 

 

 

 

 

الأزهر لا يُكفِّر وهذا حَسن.. ولكنْ!

 

رشيد الخيون

 

قرأنا العديد من المقالات والتعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي؛ تعتب على مشيخة الأزهر لأنها لم تُكَفِّر د«اعش»، أو الجماعات الإرهابية الأُخر، ومن كتبَ قد لا يعرف أن الأزهر يتقيد بالعقيدة الأشعرية، التي لا تميل إلى التكفير، نعم قد تشير بالضلال أو الخروج، لكن ليس من تقاليدها «التكفير»، هذا ما سمعناه من لقاءات إمام الأزهر الشيخ أحمد الطيب (إسكاي نيوز عربية).

 
 
 

الأمر ليس بالجديد، إنما كان موقفاً اتخذه صاحب العقيدة نفسه الإمام أبو الحسن الأشعري (ت 324هـ)، الذي يسميه أتباعه من أهل السنة «صاحب الأُصول» (ابن خلكان، وفيات الأعيان). نجد هذا الموقف في مقدمة الأشعري لكتابه «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين»: «اختلف الناس بعد نبيهم، صلى الله عليه وسلم، في أشياء كثيرة، وبرئ بعضهم مِن بعض، فصاروا فرقاً متباينين، وأحزاباً متشتتين، إلا أن الإسلام يجمعهم، ويشتمل عليهم». كذلك لم ألحظ، على حد اطلاعي، عبارة «الفرقة الناجية» في كتابه المذكور.

قال شمس الدين الذهبي (ت 748هـ): «كلمة أعجبتني وهي ثابتة، رواها البيهقي، لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: اشهد عليّ أني لا أكفِّر أحداً من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا اختلاف العبارات» (سير أعلام النبلاء). وقرأت أيضاً: «يقوم المنهج الأزهري على ثلاثة أركان أساسية موروثة، منذ أكثر مِن ألف عام، هي: أشعرية العقيدة، الجامعة بين العقل والنَّقل دون التَّكفير للمخالف» (زهران، الأزهر والسلفيون، كتاب المسبار 88).

لا يهمني إن كان هناك فقهاء أشاعرة كفروا الآخرين، ولا تهمنا، في هذا المقال، كتب الملل والنِّحل، المحسوب بعضها على الأشعرية، والتي ميز مصنفوها «الفرقة النَّاجية» عن غيرها. ومعلوم أن المذاهب والفرق جميعاً يعتبرون أنفسهم الناجين دون غيرهم، إنما تهمنا البداية بالأشعري، بعد تشكيل العقائد المذهبية، ومَن يمثلها الآن وهو إمام الأزهر.

لهذا فالأزهر لا يُكَفِّرُ، إنما الاكتفاء بنعوت كأهل الضلال، والأهواء، البدع.. إلى غيرها، على أن الكفر والإيمان من حق الفرد، والجنة والنار من شأن الله، وقلنا في العنوان «هذا حَسن»، ونحن نعيش عصر التكفير والقتل بعده. يشبه عصر الأشعري عصرنا في تصادم المذاهب مع بعضها البعض. لم تبق الخلافات بحدود الجدل إنما خرجت إلى التكفير، فالأشعري عاش التناحر بين مختلف المذاهب الكلامية، ببغداد والبصرة، وهو البصري المولد والنشأة والبغدادي النضوج والمدفن (ابن خِلِّكان، وفيات الأعيان)، واشتد التكفير في زمانه، بتداخل السياسة مع الدين، فخروجه بمبدأ عدم التكفير آنذاك يُعد امتيازاً، والتزام الأزهر به في زماننا أيضاً يُعد امتيازاً، وليت الجميع يلتزمونه.

لقد أصدر الأزهر بياناً ضد «داعش» يُعلن الحرابة عليه، وذلك عقب حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حياً بهذا المشهد المريع، مستنداً إلى نص قرآني: «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ»(المائدة: 33).

جاء النَّص في جماعة طلبوا الخروج مِن المدينة، على أنهم أهل ضرع لا زرع، فأهداهم النَّبي إبلاً ينتفعون بألبانها، ولما خرجوا قتلوا الرَّاعي (الواحدي، أسباب النزول). لقد تغير الزمن والعديد من الدول الإسلامية الآن لا ترى تطبيق قطع اليد على السارق، والنص أتى بعد الأول في السورة نفسها. ناهيك عن أن النصوص حمالة أوجه، وكل يرفعها ضد الآخر، إذا صار الأمر سياسة أو قتالا. نعم، «داعش» تستحق الحرابة، على أن يكون ذلك عن طريق القانون، وإلا استفادت «داعش» نفسها مِن تعدد المراكز، وحرص آخرون على تنفيذ الحدود بلا قيود، كما حصل ونفذ «الحد» بخصم الإسلام السياسي فرج فودة (1992) بمصر.

كان موقف الأزهر سليماً في مواجهة الإسلام السياسي، بالوقوف مع ملايين الشعب المصري وجيشه، وسليم في نبذ تكفير المخالفين مهما كانوا، إلا أن للزمن حقه، فإذا لم تُراع «أسباب النُّزول» في التفسير ويُصار إلى التأويل الحكيم، سُيقدم المسلمون أنفسهم، وهم الآن أمام محنة مِن داخلهم وخارجهم، قابعين على أحكام ناسبت ما قبل 14 قرناً. أقول: فليكن اجتهاد الخليفة عمر بن الخطاب (اغتيل 23هـ) في التعامل مع النصوص حجةً وسنداً، وهو مشهور، وسماها «زمان ضرورة» (الطَّبري، تاريخ الأُمم والملوك). وأظن أن الانفتاح على العصر «زمان ضرورة» أيضاً.

 

(الاتحاد)

 

الإسلام السياسي الشيعي... العراق أولاً

 

رشيد الخيون

 

في البداية، أروي ما سمعته من الباحث العراقي الراحل محمد حسين الأعرجي2010 وقرأته له، ناقلاً عن أستاذيه وزميليه، في ما بعد، في الجامعة، بما يفيد على ولاءات الأحزاب للعواصم، بما يسميه البعض بالعمالة وما يسمونه هم بالمصلحة. ملخصها: أن الأكاديميين اليساريين صلاح خالص (ت 1986)، وفيصل السَّامر (ت 1982) اعتقلا بسبب انتمائهما الحزبي، وأُطلق سراحهما بعد فصلهما من عملهما الأكاديمي، ففتحا مطعماً، عنوانه: «كباب الجامعة لصاحبيه الدُّكتور صلاح خالص والدُّكتور فيصل السَّامر»، في وقت كان يُعز به اللَّقب الأكاديمي، وهو ما يُعاب على الحكومة. فاستُدعى خالص مِن قِبل نوري باشا (قُتل 1958)، نهض الباشا ورحب به وسأله: «شنو معنى هذا المطعم»؟ فأجابه: «باشا نريد نعيش»!

قال الباشا لخالص: «ليش ما تترك الشيوعية وتخلصنا»؟ أجابه: «وأنت ليش ما تترك بريطانيا»؟ فأجابه: «أشوف مصلحة العراق ويَّه بريطانيا»! فقال خالص: «وأنا أشوف مصلحة العِراق ويَّه الاتحاد السوفييتي»! لحظتها اتصل نوري السَّعيد بوزير المعارف يأمره بعودة خالص والسَّامر إلى عمليهما، مع وصيَّة وديَّة: «ما تسوي أنت وصاحبك الطُّلاب شيوعيين»! فأجابه خالص: «باشا أحنة بالكلية أساتذة مو غير شيء» (صحيفة المؤتمر 11-17 أغسطس 2001). بطبيعة الحال، مثلما كان يرى الشيوعيون، وهذا غير مخفي، مصلحة العراق مع موسكو، كان القوميون يرون أن مصلحة العراق مع القاهرة بالوحدة العربية؛ وأن القائد لهم والعرب عبد النَّاصر (ت 1970)، البعض حكموا على الشيوعيين والقوميين بالعملاء إلى موسكو والقاهرة، بينما هم يفسرونها بالمصلحة. بعد الثَّورة الإيرانية (فبراير 1979) أضيفت عاصمة ثالثة للولاءات العراقية، ولم تكن مِن قبل موجودة في عهد ملوك إيران. يرى الإسلام السِّياسي الشِّيعي تلك المصلحة، ما قبل أبريل 2003، ومَن قَدِم مِن طهران وبقية العواصم، على أنه في زمن المعارضة كان مدعوماً دعماً كاملاً، ومنه مَن تأسس برعاية إيرانية، واستفاد مِن الأسرى العراقيين، خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980 - 1988)، لتشكيل ألوية ضد الجيش العراقي، بولاء لا حدود له، مِن تنفيذ علميات تفجير واغتيال لمصلحة إيران في الحرب. نعود للحوار الذي استهل به المقال. لو كان الاتحاد السوفييتي يحد العراق وحدثت حرب معه، أو كانت مصر تحده وحدثت حرب معها؟ فماذا كان موقف الشّيوعيين والقوميين منها، وهما ليسا على انسجام مع نظام العراق؟ بالتأكيد سيفسرها النِّظام بالعمالة وتفسرها معارضته بالحق والمصلحة.

لا يهم أن يكون التوصيف بالعمالة أو المصلحة، فالعلاقة غير مخفية، وفيها تجاوز على الوطنية بشكل مِن الأشكال، وانتهى عصر الأممية وعصر القوميَّة أيضاً، وها نحن في عصر الإسلاميَّة، وهو سينتهي حتماً، فولاية الفقيه آيديولوجية لا تقوى على تبادل السُّلطة، وهي وإن قدمت نفسها ممهدة للمهدي المنتظر، لكنها لم تحصل على تأييد الجميع ومنهم كبار علماء الدِّين، الذين يقرون بوجود المنتظر، وبيوم خروجه بأمر إلهي، لا بتمهيد إنساني. لم يحصل أن تسلم الشيوعيون السُّلطة (ماعدا التسعة شهور التي أعقبت تموز 1958 وكان هيمنة جمهور لا سلطة)، كي نُقدر مدى فتح الأبواب لموسكو على مصراعيها بلياقة أو دون اللياقة، أما القوميون والبعثيون فتسلموا السُّلطة لكنهم لم يقيموا الوحدة التي قتلوا عليها عبد الكريم قاسم (1963)، انتبهوا أن الوحدة ليست بمصلحة العراق، فظلوا يعلنونها على ورق وراية فقط.

بعدها تسلم الإسلام السِّياسي الشيعي السُّلطة، وها هو يدخل عامه الثاني عشر، والأبواب مشرعة لإيران ولاية الفقيه، حتى صارت الحكومة لا يُصادق عليها إلا بموافقة ولائية، ووجود قاسم سليماني وضباطه لم يعد سُراً بل يجولون ويصولون ببغداد، وقد سميته في مقالة سابقة «والي العراق»، والاقتصاد مرتهن بالصناعة والزراعة الإيرانيتين- والتركيتين- بل إن الحصار الدولي على إيران تخلخل من نافذة العراق وأمواله، ويظهر أحد الوزراء مِن المعتبرين مصلحة العراق مع طهران، وهو في الخدمة، مقبلاً يد ولي الفقيه علانيةً، حتى أشعرنا أن الأمر قد تعدى المصلحة إلى الانبطاح.

إذا اعتبرتم مصلحة العراق مع طهران فحققوها، لأن العراقي لا يرى هذه المصلحة، بقدر ما تحققت مصلحة طهران. متى تشعرون أنتم سلطة مسؤولة لا معارضة يبرر لها الانتماء والولاء؟ كي لا تتحول بغداد إلى مطعم لصاحبه «الولي الفقيه»، مع أنني أعذركم بحدود عذر الباشا لخالص وزميله، واعترض على تسميتكم بالعملاء إذا ما بقي الأمر بحدود المصلحة! العراق أولاً وإيران ثانياً.

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

مذبحة باريس..لا تكونوا شهود زور

رشيد الخيون

شغلت مذبحة باريس 7 يناير 2015 العالم بأسره، حتى ذكرت بـ11 سبتمبر 2001، فحينها فُسرت على أنها اقتحام لعِقر دار «الإمبريالية» أو «الشَّيطان الأكبر»، مِن دون الأخذ بنظر الاعتبار ما تعكسه على المسلمين أنفسهم، وقد جرت تلك «النزوة» إلى حرب أفغانستان والعراق، وتعقد الوضع بالشرق الأوسط، وإذا كان قد خُطط لغزوة سبتمبر مِن جبال أفغانستان حيث كان يُقيم بن لادن (قُتل 2011) فقد أصدر خليفته الظواهري أمر «غزوة يناير».

طالعتنا كتابات عديدة لمقيمين بالعواصم الأوروبية، ينعمون بامتيازات الأوروبي من السكن إلى العناية الصحية وجواز السفر والحق الانتخابي، أعطوا فيها حقاً لقتلة صحفيي «شارلي إبيدو»، على أنهم أخذوا ثأر المليون شهيد، حسب شهرة الرقم! وبالثأر من غزو الأميركان للعراق. مثلما جعلوا الحادي من سبتمبر غزوة ثأرية لفلسطين!

هكذا جرى تفسير عمل إرهابي، مع أن الإرهابي والكُتاب المدافعين عنه بذلوا المستحيل كي يصلوا إلى «ديار الشَّر»، ويتنعموا بقوانينها، فأغنى الجمعيات الدينية الإسلامية «الخيرية»، المرتبطة بالإسلام السياسي، تأسست بالعواصم الأوروبية، وليقولوا: أين تأسس «اتحاد علماء المسلمين»؟ أليس بلندن عام 2004 أم في مكان آخر؟

إذا كانت الأعمال الإرهابية تفسر بالثأر لقضايا كبرى، كالاستعمار الفرنسي أو البريطاني أو الغزو الأميركي، فما هو حجم الانفلات في الأوهام! وفي المقابل قد يُعطي الحق للاستعمار الفرنسي أو البريطاني بأنه جاء ثأراً للغزو العثماني الذي اجتاح أوروبا حتى جدران فيينا؟ فما المانع من هذا التفسير؟ إذا كانت الأفكار ساذجة إلى هذا الحد؟ ستفسر كل مواجهات التاريخ بين الشرق والغرب بالغزو والفتح! ومن ربط تبريره لمذبحة باريس بغزو العراق يتجاهل أن فرنسا لم تشارك بل كانت رافضة إلى آخر يوم، ويؤخذ على رئيسها الأسبق بأنه كان قريباً من بغداد أكثر من غيرها، وأن آية الله الخميني الذي أبهر هؤلاء الثوريين في حينها قد وصل محفوفاً بالتبجيل من قلب باريس! وما يتعلق بفلسطين ففرنسا اعترفت بدولتها.

كأن ليست هناك أحزاب وجماعات من الفرنسيين قد وقفت ضد حرب الجزائر، وقد أخبرني شاهد عيان، من الطلبة العراقيين بباريس آنذاك، وعلى معرفة بالمستشرق لويس ماسينيون (ت 1962)، أن الأخير قد ضُرب من قبل متظاهرين فرنسيين ضد الحرب بالجزائر، لأنه كان مع فرنسية الجزائر. هل فكر هؤلاء بأن أحد المقتولين كان مع حق الجزائر في الاستقلال؟

أقول: هل كان نجيب محفوط (ت 2006)، حينها تخطى التسعين، محتلاً أو غازياً لبلاد المسلمين كي تصدر فيه فتوى «جهادية»؟ أم كان فرج فودة (قُتل 1992) مخططاً لغزو العراق أم أفغانستان كي تنفذ فيه فتوى القتل، أو أن حسين مروة (قتل 1987) كان محارباً مع الجيش الإسرائيلي كي يُقتل في شيخوخته مِن قبل إرهابي، قيل لقى حتفه بالأسلوب نفسه؟

إذا كانت المذابح الإرهابية تبرر بهذا المنطق، فليس هناك إرهابي أو منظمة إرهابية، كلهم طُلاب «حق»؟ وهذا هو ما يريد التعبير عنه أصحاب الأقلام التي تبرر الدَّم بعذر الثارات. لا أجد هؤلاء يختلفون قيد أنملة عمَّن يرفع شعار الثأر في المواجهات الطائفية، فالفكرة واحدة، أن يربط أي عمل إرهابي ينفذ في كاتب أو رسام أو صحافي على أنه عمل مشروع، يفسر بحملة نابليون على مصر أو احتلال بلجيكي أو هولندي أو غزو أميركي، أو حرب على غزة، أو غزو أفغانستان.

أجد في اعتبار الإرهابي «بطلاً» أخذ ثأر الأمة، وبما يقوم به تسترجع الأمة حقوقها من الاستعمار، وبقتله لصحفيين فرنسيين أو ذبح أميركي ستعود فلسطين، خطاباً ضيق الأفق، فيه ورطة تمجيد للإرهاب وتبريره. فمن المعلوم أن الإرهاب الديني لا تعنيه الجزائر ولا غزو العراق، ألم يصطف هؤلاء مع الغرب وأميركا عند الحرب بأفغانستان؟ وماذا نقول عن موقف الغرب الإيجابي مِن البوسنة والهرسك مثلاً.

لقد أرادت الجماعات الإرهابية، ممثلة بالزرقاوي (قُتل 2006) وصحبه أن تكون هي البديل عن الأميركان. فمن حيرة الألباب أن يتحول الإرهاب إلى مقاومة، هكذا يظن المطبلون للجريمة. مثلما نقرأ في التَّاريخ صحائف من شهادات الزور ستتحول كتابات هؤلاء إلى شهادات زور في المستقبل، على جريمة لا تتعدى أسبابها قضية بسيطة الحساب، وهي أن «القاعدة» أرادت رفع زخمها بعد تقدم «داعش» بجذبها للإعلام لا أكثر. فهنيئاً لهؤلاء الكُتاب إذا قبلوا بهذا «النَّصر» وبهذه «القيادة»، أعني الظَّواهري والبغدادي!

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

إعدام صدام... بئس الشماتة شيمة

 

رشيد الخيون

 

لحظة الإعدام أوضحت أن المعارضة السابقة والنظام السابق شربا من منهل واحد، وما حصل كان مجرد تبادل أدوار ومواقع، فضاع بينهما الحلم بعراق آخر كانت الثورات أو الانقلابات تحصل بيد الجيش، مع دعم خارجي معلن وغير معلن، إلا أن ما حصل في (9 أبريل 2003) كان مختلفاً.

حصل عبر حرب واجتياح، واستبشر من استبشر وتشاءم من تشاءم، فالعواطف كانت متأججة ومتصادمة، ولا وجود لعقل سياسي ينظر إلى ما بعد الهدم، وتبين أن الغزاة كانوا يقصدونه بلا عمران، فليس هناك مشروع لا لدى الغزاة ولا العراقيين، من المعارضة الذين دخلوا تحت جناحهم،ظهر هذا واضحاً في لحظة إعدام صدام حسين، فجر (30 ديسمبر 2006)، الذي صادفت ذكراه الثَّامنة يوم أمس، ليدخل العام 2007 بأسوأ مِن سابقه.

أفصح عن صغر الهدف من التقى صدام حال إلقاء القبض عليه (13 ديسمبر 2003)، وسأله: «لماذا قتلت الصَّدر»؟ كان السؤال نذير الاستعاضة عن العراق بالفرعيات، ولو كان السائل كبيراً لسأله: «ماذا فعلت بالعراق»؟ لسنا بصدد الحديث عما هل يستحق صدام الإعدام أم لا؟ وليس هناك مَن ينكر ما فعله خصوصاً بعد توليه المنصب الأول بلا منازع (16 يوليو 1979)، ولا بصدد ما فعلته المعارضة الدِّينية، خلال فترة جهادها، أذكر ذلك لأن هناك مَن يبرر الممارسات، ونحن بصدد التغيير الكبير الذي أعلنوا عنه، وأعلن عنه الأميركان أنفسهم: عراق أفضل! لكن اليأس دخلنا بعد تحول المشروع إلى مجرد انتقام واقتسام غنيمة.

كان صدام، حسب أقواله، يهمه الحديث عن شخصه ما بعد خمسمائة عام، مثلما نقرأ الآن عن الخلفاء والسلاطين، وبالفعل ما سيبقى مِن وجوده هي لحظة إعدامه، أي آخر ما تعلق في الأذهان، وكيف واجه الإعدام برباطة جأش، بينما ظهر الذي سأله عن الصَّدر خائفاً، لقد نجح صدام في خطف اللحظة وذخرها إلى بعد خمسمائة عام.

كان رئيس الوزراء وأمين «الدعوة» يبحث عن إنجاز، حسب القاضي منير حداد الذي حَسن الإعدام بما يُخالف القانون، لذا بالغ في حالة الاستعراض، لما ظهر أمام الشاشات وهو يمضي التنفيذ.

حدثني وزير العدل هاشم الشِّبلي، بأنه أعطى رأيه الصريح، لا يتيح القانون إعدام الشخص في عيده الديني أو الوطني، وأن الإعدام يحتاج لمصادقة رئاسة الجمهورية، غير أنه بتزوير أحد اتباع «الدعوة» وكالة نفذ الأمر.

ليس هناك أشهر مِن لحظة إعدام صدام، وما حصل بعدها يريك أن القوم لا يجيدون سوى الانتقام، فحتى قبل شهور كنت أشك أن ابن نوري المالكي تزوج في عشية الإعدام، أو أن الجنازة حملت إلى عتبة «قصر» المالكي، وتم الفرح هناك، لكنها الحقيقة، حتى أظهر المالكي الإعدام حفلة قتل، مع الإصرار على التنفيذ في أول يوم الأضحى، أما تبريرات الاستعجال بالإعدام، وبهذا المشهد المبتذل، فظهرت غير صحيحة.

قرأت في مقابلة «الشرق الأوسط» مع جلال طالباني (10 أغسطس/ 2009)، وسمعت من سكرتيره الصحفي كمال قرداغي بأنه كان خارج العراق، ورفض التوقيع على قرار الإعدام، وعندما وصله خبر التنفيذ تمثل ببيت الجواهري: بئس الشَّماتة شيمةٌ ولو أنها.... إذ يُغتلى جرحٌ تعفن بلسم،

والبيت من «قلبي لكردستان»(1964)، نعم، ما حصل كان تشفياً، والبلسم الذي كان العراقيون ينتظرونه، مِن التغيير، تعفن ولم يصلح علاجاً، كان مِن الممكن السماع للدول التي طلبت تأجيل توقيت الإعدام، لأنه يوم عيد الأضحى، بما يساعد على تطبيع الأوضاع، تلك الحادثة التي برزت قوية فجر ذلك اليوم، على أن المعدوم كان قرباناً، وإنه يُذكر بالمتكلم الجعد بن درهم، الذي ضُحي به أسفل منبر مسجد الكوفة في اليوم نفسه (105 هـ)، ولأن التشفي صار شيمةً تقدمت، بعد حين، مجموعة اعتمرت الطَّائفية، وتقدمت بأهازيج متوحشة ونبشت القبر، فزكت خصمها من أي ظلم اقترفه، فطبقت ما فعله العباسيون بالأمويين، كي تبقي قول أبي عطاء السندي (ت نحو 158 هـ) حيَّاً: «يا ليت جور بني مروان عاد لنَّا/ وإن عدل بني العباس في النَّار»(ابن قتيبة، الشِّعر والشِّعراء).إن السذج وحدهم يعتبرون ما حصل إنجازاً، لأنهم لا يرون أبعد من أرنبات أنوفهم، فلا يعنون ببناء، بعدها تتالت (إنجازات) المالكي وحزبه بإغفالهم لأهم ما يُحاكم عليه النِّظام السَّابق، لقد نُسي وراء لحظة الإعدام، التي أوضحت أن المعارضة السابقة والنِّظام السابق شربا مِن منهل واحد، وما حصل كان مجرد تبادل أدوار ومواقع، فضاع بينهما الحلم بعراق آخر.

 

(الاتحاد)

 

 

الآلوسي..

جيل تحصن بالثقافة والمدنية

رشيد الخيون

رحل المؤرخ والوثائقي والمثقف الموسوعي العراقي سالم الآلوسي (1925- 2014)، رحل وفي فمه غصة، وهو يرى انهيار الصرح الذي أنشأه جيله من الثقافة والفنون والمدنية. ذلك إذا علمنا أن مشواره الثقافي قد بدأ في الأربعينيات، من القرن الماضي، وقد غلب شغفه في التاريخ والوثائق والشأن الثقافي عن مجال اختصاصه الأكاديمي، الإدارة والاقتصاد (1952). فاض ذلك الشغف إلى الآثار والعمل والكتابة فيها، وبُحسب له ولزملائه تأسيس الأرشيف الوثائقي، بعد أن كانت الدوائر غير ملزمة بحفظ وثائقها.

عندما نرى هذا الانحدار الطائفي ونخره في جسد الثقافة نبكي جيلاً كجيل سالم الآلوسي؛ يوم كان يعاب على المثقف أن يتحمس طائفياً، أو أن يفتش عن فرعية يجعلها أصلاً محل العراق. لا أعلم بشعور الآلوسي وهو ينام ويستيقظ على العراك الطَّائفي، وأية جهة تتحمل حياده! وكيف هو تحمل ما حوله وظل إلى رحيله متفائلاً، وكأن مناماً ينتهي باستيقاظه أو حلم عابر مِن أحلام اليقظة، لا أرى الآلوسي مدركاً ومتيقناً مما حوله، والسبب، حسب ظني، أنه لا يريد لبناء بذل فيه عنفوان شبابه وحدب عليه حتى شيخوخته أن ينهار ولم يبق منه سوى الرماد. ما كان يفكر حتى في الخيال أنه سيسأل إذا خرج مِن داره مِن أي مذهب يكون؟

رحل الآلوسي قلقاً على اسم العراق، ذلك يفسره صدور كتابه تحت عنوان: «اسم العراق» عن المجمع العلمي العراقي (2006)، فما حجم المعاناة التي دفعت باحثاً ومؤرخاً مثل الآلوسي يشغل نفسه في بداهة، مثل عراقة اسم العراق التي لا تحتاج إلى برهان! ولم يصدر صاحبنا كتابه وتحت العنوان المذكور ترفاً، إنما جاء لتوضيح لغط دار حول اسم وكيان هذه البلاد التي ابتلت حتى اختزت. أقولها جاداً هناك مَن اعتدى على هذه البلاد غزواً وتغييباً لاسمها وجغرافيتها، التي تمتد عبر التّاريخ مِن آثور الموصل وحتى عبادان، وليكن نظامها فيدرالياً أو لا مركزياً لكن مِن الخزي أن يُقال العراق مختلق اسماً وكياناً، مع أن الكرد قبل غيرهم هم الذين صوتوا ألا يُقطع الموصل رأس العراق، قبل التفريط بها مِن قبل "الجيش الفضائي" بأكثر مِن تسعين عاماً.

كان قلق سالم الألوسي على العراق وبغداد في آن واحد، لذا انشغل في أواخر حياته بالذود عنهما، ونبقى مع كتابه "اسم العراق" فلمَنْ يرى أنه ظهر بعد فتوح العرب المسلمين، يحيله الآلوسي إلى ما جاء عنه في الشعر ما قبل الإسلام، مثل شاعر الحكمة والسلم المخضرم زهير بن أبي سلمى (ت 13 هـ)، قال في معلقته: "فَتُغللْ لك ما تُغِل لأهْلها/ قُرىً بالعراقِ من قَفيزٍ ودَرْهم"(الزوزني، شرح المعلقات السبع). ويحيله إلى المتلمس جرير بن عبد المسيح (ت 580 ميلادية): "أُمي شآميَّةً إذ لا عِراق لنَا/ قوماً نوَدُّهم إذْ قَومُنا شُوسُ/ آليتُ حَبَّ العِراق الدَّهر أطعَمه/ والحبُّ يَأكله في القَرية السُّوس"، وللمتلَّمس أيضاً: "إن الحييَّـة ذِكـرها لــــمْ يـَنْفَـذِ/ أو كيفَ يُغني عنها طُولُ تَوَدُّدِ/ إن العِراق وأَهله كانوا الهوى/ فإذا نَـأى بِـي ودُّهم فَليَبعـــدُ". وقال المُنَخَّل اليَشكري(ت 597 ميلادية: "إِن كُنْتِ عَاذِلَتي فَسِيري/ نَحو العِـراقِ ولا تَحُـوري".

كم خاض المؤرخون والرواة، بأحوال أصل الاسم، ومازال محصوراً بين نحته العربي وأصله الفارسي، بينما ظلت تسميته القديمة بعيدة عن التناول! فقد ذهب طه باقر (ت 1984) إلى القول: «مشتق من كلمة تعني المستوطن، ولفظها أوروك… وأن أول استعمال لكلمة عراق ورد في العهد الكيشي، في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، وجاء فيها اسم إقليم على هيئة (إيريقا)» (الآلوسي، اسم العراق). لماذا يحار بأصل اسم العراق، والأرض كان اسمها (أوروك)، أو(إيريقا)، وليس هناك مانع من تبدل: الهمزة إلى عين، والقاف إلى كاف!

هذا شيء مِن قلق "سالم الآلوسي" على اسم عاش ومات في ظله، وهو يراه أصبح خلف الفرعيات مِن مذاهب وعشائر، وآخر ما وصلني بإهدائه، الذي أظهر فيه تفاؤله، كتابه "اسم بغداد في العصور التاريخية". جاء الكتابان في أواخر العمر، وفي زمن أخذ فيه يُشك بوجود بلاد اسمها العِراق، ومدينة اسمها بغداد. لقد حاول الآلوسي وجيله، بالثَّقافة لا بغيرها، تأسيس مَدنية تليق بهذه البلاد وتاريخها، لكنَّ نزق السِّياسة كان أقوى وشرّ العنصرية الطَّائفية أشد وأعظم!

(الاتحاد)

 

 

النِّقاب.. التَّحرك بلا قيود!

 

رشيد الخيون

 

 

ألقت شرطة أبوظبي، في الأسبوع الماضي (2 ديسمبر 2014)، القبض على امرأة منقبة، بعد تنفيذ جريمة قتل مُدرسة أجنبية، ثم زرعها عبوة ناسفة في مجمع سكني، وقبيل إلقاء القبض عليها تداولت الصحافة والمواقع تسميتها بـ«شبح الرِّيم» (نسبة إلى وقوع الجريمة بجزيرة الرِّيم)، وأخذ يشار إليها بالقاتل، وذلك لعدم معرفة هويتها بسبب النِّقاب.

كانت مقتنعة، على ما يبدو، مِن أن النِّقاب يُيسر لها حرية التحرك وتنفيذ ما عزمت عليه، وكم مِن امرأة قامت بزرع المتفجرات، والعمل مع الجماعات الإرهابية تحت ستار النِّقاب الشَّرعي، وكم مِن رجل هارب تخفى بنقاب امرأة.

يُذكرنا هذا الفعل، بما سمعناه مِن قبل سنوات، بأن رجلاً قتل شرطية بريطانية، وهرب بجواز ونِقاب أخته، يوم كان لم يُدقق بوجوه المنقبات احتراماً لعقيدتهنَّ الدِّينية، لكنْ عندما يتحول النِّقاب إلى ستارة لجرائم، وتحرك إرهابي لابد أن تُقال فيه الكلمة، حماية للأبرياء، وإلا لم يكن هناك ما هو أخفى لملامح القتلة مِن النِّقاب.

ماذا لو أن قوى وزارة الدَّاخلية الإماراتية لم تلقِ القبض على المنقبة القاتلة؟ مِن الطبيعي أن يسري الخوف والفزع في المجتمع، لأن القاتل شبح مجهول الهوية، وكان الفعل، حسب ما عُرض على شاشات التلفزيون، بشعاً، وهو الذَّبح بالسكين، ثم النّية لارتكاب جريمة ثانية أفظع مِن الأولى.

فالنِّقاب الدِّيني دخل كموضة أفغانية (طالبانية)، وتريد الجماعات تطبيق ما طُبق بأفغانستان في أيام حكم تلك الجماعة، مع اتخاذه حجاباً.

ثارت ثائرة جماعات الإسلام السياسي على فرنسا، عندما تقدمت لمنع النِّقاب، وهو تغييب ملامح الوجه، والتجول بلا قيود، وكان المنع للإثارة الدِّينية في مجتمع كثير الاختلاط، والثَّاني لغرض أمني،

ربَّما كان الأمر في الماضي، وبالبلدان المسلمة تحديداً، لا يثير الانتباه، بالقرى والمدن الصغيرة التي يعرف النَّاس فيها بعضهم بعضاً، ولم يتخذ لغرض ديني سياسي، وفي وقت لم تكن المرأة تخرج للعمل أو التنزه أو التَّسوق، لكن مع الزَّمن صار الطريق والسوق ودائرة العمل والمدرسة مشتركات بين النساء والرِّجال، فمِن الصعب القبول بالتحرك في تلك الأمكنة بلا ملامح مكشوفة، ولا أحد يضمن عدم ارتكاب جريمة ما مِن وراء النِّقاب.

ولهذا تأتي أهمية الكشف عن الملامح، التي لا حرج منها في الدِّين، إضافة أنه لكلِّ زمن متطلباته وأحكامه.

فكيف إذا أضيف إلى ذلك المخاطر التي تخطط عادة لتنفيذها قوى الإرهاب عن طريق نقاب النِّساء وبالنساء أنفسهنَّ؟ يا تُرى هل سفهت أحلام عصرنا إلى حد البحث في دفاتر الأقدمين عن كلمة أو سلوك كي نحاول الإقناع بضرورات الزَّمن، وهو كشف الملامح، التي تغطى بالطريقة الأفغانية «الطالبانية» بعذر الطّهورية أو على ما هم يحسبونه إكراماً للمرأة.

وترى الأمر بين خيارين، بما يفرضه المتعصبون، أي الحبس في المنازل وهو نقاب مِن نوع آخر، أو فرض النِّقاب على المرأة خارج الدار.

مع أن في التَّاريخ ما يفيد في الجدل حول النِّقاب وتغييب الهوية، بما يفرضه المتشددون تديناً أو لغرض حركي، فقد رفضته ابنة أحد الصحابة البارزين، ألا وهي عائشة بنت طلحة بن عبيد الله (ت 101 هـ)، التي عاشت في القرن الأول الهجري) وجدّها الخليفة أبوبكر الصدِّيق (ت 13 ه) لأمها أم كلثوم، وخالتها أم المؤمنين عائشة (ت 58 هـ). فمِنْ ثقة بنفسها قيل كانت «لا تستر وجهها مِنْ أحد، ولما عاتبها مصعب (ابن الزبير زوجها) قالت: إن الله تبارك وتعالى وسمِنْي بميسم جمال أحببت أن يراه النَّاس، ويعرفون فضلي عليهم، فما كنت أستره، ووالله ما فيَّ وصمة يقدر أن يذكرني بها أحد» (الأصفهاني، كتاب الأغاني، الصَّفدي، الوافي بالوفيات)، بمعنى أن قضية النِّقاب، الذي يهدد أمن المجتمعات اليوم، قد طرحت مِن قبل، وإن كانت لضرورة أُخرى، فكيف إذا كان الأمر له صِلة بأمن النَّاس والدَّول.

فلا نجد حرجاً في قول الكلمة الصريحة بصدد النِّقاب، وعلى وجه الخصوص بعد استخدامه في القتل وزرع المتفجرات، إنه سلاح بيد الإرهابيين، يفسرونه لباساً وفعلاً على أنه مِن الدِّين.

إنه يتيح التَّحرك في مأمن بلا وجل ولا حرج ولا قيود.

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

 

الإسلاميون..

رفع المصاحف لم يعد مجدياً

رشيد الخيون

 

تناقلت وسائل الإعلام نبأ التحضير لمظاهرات إخوانية حاشدة في 28 نوفمبر الماضي، وأتى اليوم الموعود ولم تهتز القاهرة بالحشود، بمعنى لم يعد «رفع المصاحف» مجدياً ومؤثراً لشأن سياسي.

فرفع الكتاب الكريم سياسياً وتوظيف قدسيته حصلت كثيراً، كشعار رُسم على واجهة مقرات تلك الأحزاب أو راياتها، وليس أشهر مِن شعار «الإسلام هو الحل»، وإلى جانبه «القرآن»، أو الوقوف أمام المحاكم مع رفعه بوجوه القضاة.

إنها ممارسة اقتبست من الماضي البعيد، مِن دون النظر في اختلاف الأزمنة، واستحداث السياسات، وهذا ينبئك أن الإسلاميين لم يجددوا في أساليبهم، وإنما ظلوا حبيسي صفحات التاريخ، ليس لهم القدرة على التفريق بين حدث عمره ألف وأربعمائة عام، وآخر يحصل في القرن الحادي والعشرين،

ظلوا يتعاملون مع المواطن خارج الزمن، يحاولون جذبه بالمقدس.

فلو قرأت عناوين صحف الجماعات الإسلامية لوجدتهم ينتقون الآيات القرآنية لها، ولم يفتتحوا خطاباً بلا نص قرآني.

لم يحصل هذا بلا عناية وتفكير على أنه مازال السلاح المجدي، لا مِن أجل تكريس النص القرآني في أذهان الناس خدمةً للدين؛ وإنما خدمة للحزب أو الجماعة، فمَن سمى صحيفته «البلاغ» يقتبس لها الآية: «هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ» (إبراهيم: 52)، ومَن سمى صحيفته أو حزبه بـ«الدَّعوة» وظف: «قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (يوسف: 108)، ومِن سماها بـ«النذير» وظف الآية المناسبة لذاك.

بمعنى أن تلك الآيات الكريمة صارت تؤدي وظيفة بالنسبة للإسلاميين، منها بقصد التَّرغيب ومنها بقصد التَّرهيب.

فمن يعترض على نص قرآني ورد كشعار في صدر الصحيفة أو موقع الحزب؟

كان الإعلان عن رفع المصاحف في مظاهرات (28 نوفمبر) يشمل القصدين، الترغيب فيهم والترهيب بها، بفكرة أن منع المتظاهر (رافع المصحف)، لغرض أمني أو خلافه سيراه النَّاس على أنه منع وحجب وإهانة للنص المقدس، وكم مِن قوى سياسة اتهمت قوى أخرى بحرق صفحات الكتاب أو تمزيقها، كي يكون الهتاف المحرض «الدِّين يا محمد»! مع ذلك أسفرت الدعوة للتظاهرات برفع المصاحف عن فشل ذريع، وهو على ما يبدو آخر سلاح بيد الإسلاميين يستخدمونه ضد خصومهم، أو فيما يرجونه مِن سياسات.

قلنا: إن ممارسة «رفع المصاحف» منتقاة مِن الماضي، بلا حساب لتبدل الزمن، واختلاف طبيعة النزاع، ولا حساب القرب مِن صدر الإسلام آنذاك، ومع ذلك فقد اُنتقدت تلك الممارسة في وقتها، وفسرت بأنها مورست لغرض آخر، وهو طلب التمكن والفوز في المعارك.

والمشهور تاريخياً أن رفع المصاحف حصل في معركة صفين (37هـ)، لكن هناك مِن يروي أنها رُفعت قبل صفين بالبصرة، حيث المعركة التي سميت بـ«الجمل«(36هـ)، وحينها قُتل كعب بن سور وهو يرفع مصحفاً لحقن دماء الفريقين (الطَّبري، تاريخ الأمم والملوك)، ذلك عندما بادر علي بن أبي طالب (اغتيل 40هـ) إلى إرجاع الناس إلى حكم القرآن، وإلقاء الحجة الأخيرة على خصمه في المعركة، فقال لأصحابه: «مَنْ يأخذ هذا المصحف يدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول؟» (المصدر نفسه)، فرفعه فتىً قطعت يده اليمنى ثم رفعه باليسرى فقطعت وقتل، وبعدها حصلت الحرب.

أما قصة رفعها بين أهل العراق وأهل الشَّام، فمشهورة ولا تحتاج إلى تفصيل، وقد أدت إلى قسمة المسلمين إلى ثلاثة جيوش، الثَّالث هم مَن أطلقوا على أنفسهم «الحرورية»، أو «الشُّراة»، وعرفوا في التَّاريخ بـ«الخوارج»، وقد رُفعت حينها صحف ورقاع وليس مصاحف بين دفتين، كما يرفعها الإسلاميون في الوقت الحاضر.

إن مشهد رفع المصاحف في وقتنا الحاضر يشير إلى درس بليغ، وهو أن الممارسة لم تعد مجدية كسلاح بيد الإسلاميين، مثلما لم يعد شعار «الإسلام هو الحل» جاذباً، وعلى وجه الخصوص بعد تسلم الإسلاميين السلطة في أكثر مِن مكان، ولم يحققوا شيئاً مما في المصاحف، وهي تجارب معروفة، ظهر أنها لا تختلف عمَن تسلموا السلطة بشعارات القومية والعدالة.

أحسب أن يوم (28 نوفمبر) كان يوماً فاصلاً، فـ«القرآن، إنما هو خطٌ مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان، ولابد له من ترجُمان، وإنما ينطق عنه الرجال» (نهج البلاغة)،علينا بما ينطقه الإسلاميون وهم يرفعون المصاحف.

 

(الاتحاد) الاماراتية

 

«الدَّالوة».. الطائفيون حانقون

رشيد الخيون

كان مساء الاثنين (3 نوفمبر 2014) فاجعة لقرية الدَّالوة وشيعة السعودية على العموم، ثم تحول الحادث إلى فاجعة للسعوديين كافة، فالذي يقتل جارك بسبب مذهبه أو دينه لا تظن أنك ستلم من خنجره.

كان الشيعة السعوديون يحيون العاشر من عاشوراء، ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي (10 محرم 61هـ)، مثلما جرت العادة منذ مئات السنين، وهم يقطنون هذا المكان، وقد مر بأجدادهم ابن بطوطة (ت 779هـ)، حسب ما روى في رحلته عن تلك الأماكن، وفي مقدمتها القطيف.

أعني أن التخالط في ذلك المكان ليس جديداً، ويصف السعوديون أنفسهم أهل الأحساء بالمتسامحين، لأنهم نشأوا على الاختلاط والتعايش، حتى أن هناك زواجات مختلطة بين المذهبين.

لقد فاجأ السعوديون، بالتضامن ضد الإرهابيين على المستويين الشعبي والرسمي، الطائفيين قبل غيرهم، مثلما فاجأهم - في وقت ليس بعيد عن فاجعة الدالوة- الشيخ هاشمي رفسنجاني، عندما صرح علانية أن سب الصحابة وأمهات المؤمنين قاد إلى «القاعدة» و«داعش»، بمعنى أن الطَّائفيين الحانقين لا يريدون تغيير المواقف، ولا يحبذون سبباً لإخماد الحرائق.

صحيح أنه لم تقع مثل هذه الحادثة بالمملكة العربية السعودية من قبل، كي نقارن الماضي بالحاضر، لكن ما يصدر من وعاظ المنابر المتشددين، وما يُبث من قنواتهم ومواقعهم الإلكترونية، قدم تصوراً خاطئاً مفاده أن هذه البلاد التي مساحتها نحو مليوني كيلومتر مربع، وعدد نفوسها نحو 29 مليوناً، مصبوغة بلون أولئك الوعاظ، بينما هم محاصرون اليوم رسمياً وإعلامياً.

ناهيك عن التشدد الديني الذي ظهر من الإخوان النجديين القدماء، الذين ثبتوا في الأذهان صورة نمطية عن أهل نجد، رغم اختلافهم في المشارب، من أقصى الانفتاح إلى أقصى التشدد.

لم تتوقف الصحف السعودية، منذ ذلك اليوم، عن نشر المقالات الشاجبة للحادث، تحض على ملاحقة المحرضين على الإرهاب، وقُدمت توجيهات إلى أئمة المساجد لاستنكار الجريمة في خطبهم واعتبارها ضد الدين والوطن، وكتب تركي الدخيل في صحيفة «عكاظ»، تحت عنوان «حتى لا يستبد الأئمة»، مشيداً بهذا التوجيه، ولافتاً النظر إلى عدم ترك التنفيذ بلا رقيب، فهذا ما لا حرية فيه،

أي أن الحملة السعودية ضد الجريمة خرقت تماماً الصورة النمطية التي فيها ظل إمام المسجد حراً فيما يسكبه في أدمغة سامعيه، فإذا الأمر تعدى إلى الدماء، فلا منافرة في المذهبية، ولا مفاخرة بالفرقة الناجية.

طلب رجل الدين الشيعي حسن النِّمر، في لحظة الفاجعة، من أتباع مذهبه «التحلي بأعلى درجات اليقظة وتحاشي ردود الفعل»، ولم يُخذل النمر، وإنما جاءت حملة التنديد من كل المستويات: طالبت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء بالأحساء بأقصى العقوبات الشرعية للقتلة.

واعتبر مفتي السعودية الحادث «عدواناً غاشماً وظلماً عظيماً»، وقال رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن القتلة: «لم يراعوا حرمة الدماء المعصومة»، وجاء في بيان مجلس الوزراء السعودي: «عدواناً إرهابياً ظالماً من حاقدين استباحوا دماء المسلمين»، كذلك أدان الحادث مجلس الشورى السعودي، وفي لحظتها أسرعت قوى الأمن إلى مطاردة القتلة، وفقدت اثنين من عناصرها.

وتصاعد التنديد بالقتلة أن لُفت جثامين الضحايا بالعلم السعودي، إشارة إلى أنهم شهداء الوطن، وكان التشييع نموذجاً للاستنكار، عندما أطلق أهل الأحساء هتاف: «إخوان سُنة وشيعة هذا الوطن ما نبيعه»، والأهم أن أُغلقت قناة «وصال» التحريضية دينياً ومذهبياً.

أتينا بهذه التفاصيل أولاً، لعظم الجريمة وأهمية شجبها، وثانياً، للشعور بأن الطائفية وصلت حدٍاً لا يُحتمل، ليس بالمناطق الساخنة طائفياً، حيث غدا وجود الدولة كعدمها، والتصفيات المذهبية فيها تبدو نتاج الحالة، إنما حصلت بدولة متماسكة أمنياً، وعلى هذا تقاس خطورة الوضع.

نعم، هناك تاريخ صعب من التناكف المذهبي، تتبناه فئة من مشايخ الدين، لكن الوضع لم يعد بأيدي هذه الفئة، فهي نفسها محاصرة رسمياً وشعبياً، وعلى الآخر التقاط الإشارة، ولا يجب البقاء رهن الصورة النَّمطية المرسومة في الأذهان، وها هو العدو واحد، وليستغل كل طرف دوافع الآخر في النزاع مع الإرهاب.

لقد خسرت «الدَّالوة» أبناءها، لكنها أسست لتضامن وبغض صريح للطائفية، كما نبهت إلى أن جوهر المواطنة لا أكثرية مهيمنة ولا أقلية مستضعفة.

«الخوارج»

و«الدواعش».. لكلٍ زمنه

رشيد الخيون

دأبت كتابات عديدة في الصحف، وتحليلات عبر الفضائيات، على الإشارة إلى تناسل الدواعش مِن حركة «الخوارج» المعروفة في التاريخ، كذلك ما طُرح في النسخة التاسعة من المنتدى السنوي لصحيفة «الاتحاد» (21-22 أكتوبر 2014)، المعنون بـ«الإرهاب من جديد»، وجرى النقاش حوله داخل المؤتمر وعلى هامشه، وإذ وقفتُ ضد فكرة التناسل، وقف الدكتور عبد الحميد الأنصاري معها، والذي يشهد له بموقفه ضد التشدد والطائفية، وواجه من متبني تلك المفردات ما واجه، وكان صدر له كتيب «ضد الكراهية» عن «دار مدارك».

http://www.alittihad.ae/styles/images/adverttop.png

 

http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png

فمن وجهة نظري أن حركة الخوارج، الممتدة من 37هـ، حيث موقعة «صفين» على الفرات بين العراق وسوريا، وحتى نهاية الدولة الأموية وما بعدها، وهي تظهر وتختفي، ما كان لها الظهور لولا حصر الإمامة بقريش، والحديث مروي مِن قِبل أكثر المحدثين، وبدا التشدد فيه إبان الدولة الأموية، بدلالة رواية البخاري (ت 256هـ): أن معاوية (ت 60هـ) قد غضب ممَن تحدث عن مَلك من قحطان، فقال: «فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين» (صحيح البخاري)، ثم ذُكر في كتب الحديث الأُخر وبصيغ مختلفة، والمعنى واحد.

وبغض النظر عن قوة رواية الحديث ودرجة صحته، مع أنه يتعارض مع أُممية الإسلام، إلا أن الأمر صار لقريش، وظل فيها حتى تسلمه العثمانيون، وهم ليسوا مِن قريش ولا العرب، إنما حصل أن استولى سليم الأول على مصر في 1517م، وأجبر آخر خلفاء العباسيين هناك على التنازل عن حقه (آداموف، ولاية البصرة).

دليلنا على أن حركة الخوارج كانت قبلية، قبل أن تكون دينية وسياسية، ،أن الذين تكتلوا فيما اسماهم خصومهم بـ«الخوارج» هم ليسوا قرشيين، بالتحديد من الأحناف وتميم والأزد، وكأن الأمر عودة إلى ما حصل في اليمامة (11/12ه)، مع الاحتفاظ بالإسلام والانشقاق من داخله.

ومَن يقرأ كتب الملل والنِّحل، وفي مقدمتها «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» لأبي الحسن الأشعري (ت 310هـ) يجد للخوارج مقالات فكرية اعتمدها أهل الاعتزال فيما بعد.

نعم كان الأزارقة أصحاب عنف وتكفير كجماعة ظهرت بين «الشُّراة» أو «الحروريين» حسب ما قدم الخوارج أنفسهم، نسبة إلى تمثلهم بالآية القرآنية، والمكان الذي أطلقوا به حركتهم ضد قُرشيَّين هما: الإمام علي بن أبي طالب (اغتيل 40هـ)، ومعاوية بن أبي سفيان.

لكن سرعان ما ظهرت ضدهم الجماعات، وفي مقدمتهم النَّجدات، والأخنسية التي حرمت البيات (الاغتيال)، بينما ظلت «الإباضية» مذهب اعتدال ومسامحة وتعايش.

إن منظمات اليوم الإرهابية لها مميزاتها الخاصة، ومقالاتها في العنف والتترس، وحتى الحاكمية التي قال بها الإسلام السياسي مختلفة عن المقولة التي رفعها «الخوارج» في التحكيم بين أهل العراق وأهل الشام.

فهي عنت بدايةً التفاوض بين الجيشين، أن يتم على أساس ما جاء في الكتاب، فقالوا: «لا حكم إلا لله ولا نحكم الرجال» (الشهرستاني، الملل والنِّحل)، لا المقصود السلطة.

ويُنسب للإمام علي لحظة اغتياله: «لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس مَنْ طلب الحقَّ فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه» (نهج البلاغة). أما إذا كانوا قد كفروا الآخرين، فتمثل ذلك بالأزارقة الموصوفين بالتطرف، وقد خرجت عليهم بقية «الخوارج». كما يَذكر الطبري: أن عمر بن عبد العزيز قد فاوضهم وارتاحوا لعدله، إلا أنه اغتيل إثر ذلك (101هـ) من قِبل بني مروان (تاريخ الأمم والملوك).

وتظهر حاكمية المودودي (ت 1979) وبأثره سيد قطب (أُعدم 1966)، ومَن نحل منهما مِن «القاعدة» و«النصرة» و«داعش»، أنها مستلة من حاكمية الخوارج، لكن اعتبار الحكم حكم الله كان مفهوماً دينياً عاماً، والخلفاء أعلنوا أنهم يحكمون بأمر الله، والذي يطلع على نقوش أختامهم، حتى آخر خليفة عباسي يجد هذا جلياً (ابن الكازروني، مختصر التاريخ). نعود ونقول إن العامل القبلي وما عكسه من حصر الولاية في قريش له أثره بوجود ما شغل التاريخ الإسلامي من جماعة باسم «الخوارج»، من دون إغفال ما سجله المؤرخون ضدهم.

لم تكن حركة «الخوارج» دينية في تشكيلها، مثلما الإسلام السياسي اليوم، وإنما كانت نزاعاً مع قريش، وإذا لم تكن كذلك لدخلها ولو قرشي واحد! ويبقى الميل أن كلاً له زمن عاشه، فلا يصح الإسقاط.

---------------

*كاتب عراقي

يا رؤساء الشيعة.. رفقاً بالشيعة

رشيد الخيون

في البدء دعونا نحدد مَن هم الرؤساء في هذه الأيام: مراجع الدين، أم زعماء الكُتل- حال العراق- أم رؤساء المواكب في عاشوراء، أم الشعراء و«الرواديد» للمناسبة نفسها، أم شيوخ العشائر، أم قادة المليشيات والأحزاب؟ هل يمكن اختيار أو ترشيح فئة من هذه الزعامات كي يُطلب منها هذا الطلب الملح، ألا وهو: رفقاً بالشيعة وبالحسين أيضاً؟

 كلهم مؤثرون، وربما مراجع الدين، وما يمكن وصفهم بالعقلاء، هم آخر المؤثرين في لحظات الحشود، وأقصد بالذات ما بعد نيسان/أبريل 2003، وفي حال العراق أيضاً. ظهرت زعامات استغلت الوعي الاجتماعي الهابط، وفراغ السلطة، وأخذت تُعمق ذلك الهبوط لأن زعامتها مرتبطة به، حتى باتت المرجعيات الدينية لا تقول كلماتها إلا على حياء، وفي العديد من الأحيان تماشي التيار حذراً وخشية من ضياع هيبتها بين الجمهور.

 هذا الكلام ليس لي، ولا هو بالجديد، إنما شخصه مصلح واجه عنت رؤساء المذهب، وهو هبة الدين الشهرستاني (ت 1967): «ولو انعمتم (هكذا وردت) النظر في مقالتي: القلم وما يسطرون، في العدد 3 لعرفتم أن متابعة الجهال والسياسة معهم والمشي على مذاقهم أقبح للعالِم، وبالأخص في الدينيات، وأن ذلك يجلب أشد الذم والندم عليه عندما تصحو الأمة من سكرة جهلها، وتنفض عن محيا فكرها غبار الغفلة والتقليد، يومئذ يربح المتجاهر بالحق ويخسر المبطلون» (مجلة العِلم، أكتوبر 1911).

 كذلك عندما تقدم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ت 1954)، ووقف وسط العوام الهائجين؛ وهم يمارسون طقساً سيئاً على اللحمة الوطنية، وما فيه من كراهية وبغضاء وتخلف، قال وكان أصحابه يخشون عليه من الفتك: «إني متوكل على الله تعالى، وأضحي بنفسي، فإن نجحت فلله الحمد والمنة». صعد المنبر وخطب زهاء ساعتين والصحن (الحضرة العلوية) مشحون بالمستمعين من مختلف الطبقات» (محاورة الإمام المصلح كاشف الغطاء مع السفيرين البريطاني والأميركي في بغداد 1953). وبالفعل ألغى استغلال المناسبة للإساءة لشخصيات مقدسة لدى الطرف الآخر في ما يسمونه: «تاسع ربيع وعيد الزهراء».

 

بدأ في عاشوراء هذا فقهاء يتحركون ضد ما يمارس بتهور، من ضرب الرؤوس بالعصي إلى جلد الظُّهور بالسلاسل، وتحدثوا عن إزعاج الآخرين، على أن ذلك للإمام الحسين، ومن يعترض فهو عدو الحسين، وبالتالي عدو الله! فبين ليلة وضحاها أصبح الشيخ محمد علي اليعقوبي، وهو حفيد الشاعر وخطيب المنبر محمد علي اليعقوبي (ت 1965)، عدو الحسين لأنه تحدث بجرأة ضد ضرب القامات والهياج غير المبرر. كذلك وقف بعض خطباء المنبر أمام ظاهرة إزعاج الناس، بوضع مكبرات الصوت على المنازل، ليبدأ بث القصائد والمناحات من الفجر وحتى المساء، فتساءل هذا الخطيب عمَّا سيشعره الآخرون من تحدٍ وتعنت باسم الحسين، وعلى حد عبارته يصل إلى حد الانزعاج من الحسين نفسه.

 أمام هذه الظاهرة الكارثية يتساءل المعارضون لصخبها، هل كان منعها بين حين وآخر صحيحاً في العهود السابقة أم لا؟ يأتي الجواب: إذا كان الأمر هكذا، إفراط لا مثيل له، من الحق حماية الحسين منها أولاً، مع أن للأنظمة السابقة مقاصدها من المنع، على أنها تُستغل سياسياً من قِبل الأحزاب السياسية. لكن حتى أواسط السبعينيات كان الأمر عادياً تجاه الاحتفال بعاشوراء والمناسبات المرتبطة به، والدولة منذ 1921 رسمت عطلة في اليوم العاشر من محرم، وذكرى مقتل الحسين تُذاع بين حين وآخر، من الإذاعة الرسمية.

 قلنا الزعامات الشيعية تعددت، في فوضى غير مسبوقة، والعديد منها يماشي غرائز الجمهور، وما حصل للشهرستاني من إيذاء كان معروفاً، عندما وقف ضد «نقل الجنائز» إلى النجف (1911)، لِما تْحدثه من مخاطر على الصحة العامة، مقابل ما تسديه من فؤائد لتجارها، حتى وصلته رسائل محذرة: «إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، أو يهينوك حماية منهم لعاداتهم وإن كانت سيئة تخالف العقل والشرع، فاسمع نصح أخيك ولا تجهر في النهي عن المنكر» (نفسه).

 إذا أراد القائمون على أمر العراق لهذا الجمهور مواكبة التحضر، عليهم البدء بالفصل ما بين الدولة والطقوس؛ عزل الدوائر الحكومية والقوات المسلحة، فعندما يقف الضابط أمام جنوده لاطماً وتتحول حدائق الجامعات إلى مواقع للطبخ وتسيير المواكب، فلا تتحدثوا عن دولة وجيش حامٍ. إنها مهمة منوطة برؤساء السياسة والمراجع، ولتكن لهم جرأة الشهرستاني وكاشف الغطاء.

 

 

نزاعات التحول المذهبي..

عـنـد الأولـيـن

رشيد الخيون

يسترعي التبدل المذهبي والعقائدي الديني الالتفات، وذلك لما يسفر عنه من نتائج وخيمة في أغلب الحالات، ولم يكن ظاهرة حديثة في مخاطرها، في العداء والبغضاء، وكأن المتحول حديثاً يريد الثأر لوجده في مذهب أو على عقيدة لردح من الزمن. وعملياً أحاطت المذاهب نفسها بحصانات، ومنها بغض المتحول عنها، إذا لم يكن تكفيره.

http://www.alittihad.ae/styles/images/adverttop.png

 

http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png

وبطبيعة الحال لم يكن ذلك مختصراً على المذاهب والجماعات الدينية، وإنما جرى أيضاً بين الجماعات السياسية، كالانتقال من الماركسية إلى الاتجاه القومي مثلا، لكن ذلك لا يحمل مخاطر اجتماعية بقدر ما يخص الفرد، وإن بغض المتحول لا يتعدى فضاء المتحول نفسه، مثلما يواجهه المتحول دينياً أو مذهبياً، فأول ما ينظر في أمر أسرته وصداقاته وكل صلاته الاجتماعية.

لفتت نظري تحولات معاصرة، منها ما أسفر عن القتل والتكفير والتفسيق، لكننا قبل ذلك سنعرض تحولات سابقة، جرت على أرض العراق، وما زالت حاضرة وللعراق صلة بها. نقرأ مثلا تحول شخصيات من عقيدة الاعتزال إلى عقائد أُخرى، وكيف أن المعتزلة حاربوا هؤلاء (المرتدين) عنهم، وكيف أن المتحولين أو المتمردين أنفسهم لم يدخروا كلمة إلا وقالوها ضد المعتزلة، المذهب الذي كانوا ينتمون إليه. كذلك لدينا تحول في الفروع من مذهب إلى آخر اقتضته الحياة، بعد قيام المدرسة النظامية على يد الوزير السلجوقي الشهير نظام المُلك (اغتيل 485هـ).

أحد أبرز المتحولين من الاعتزال أبو الحسين الراوندي (ت نحو 250هـ)، لذا ترى مؤرخي المعتزلة عندما يذكرونه يلحقون باسمه كلمة «المخذول»، بعد أن تعرف ابن الراوندي على الاعتزال بالبصرة، ونشأ معتزلياً، وقد عده القاضي عبد الجبار (ت 415هـ) مِن طبقتهم الثَّامنة. ويدعون هؤلاء المؤرخون بأن جنوحه عن الاعتزال هو بداية جنوحه عن الإسلام إلى مخالطة الملحدين والزنادقة. ومن ذلك ما يذكره البلخي (ت 319هـ) برواية الذهبي: «كان أول أمره (عندما كان معتزلياً) حسن السيرة، كثير الحياء، ثم انسلخ من ذلك لأسباب، وكان علمه فوق عقله» (سير أعلام النبلاء).

وصل الأمر أن صنف ابن الرواندي ضد مذهبه السابق كتاب «فضيحة المعتزلة»، وكان رداً على كتاب الجاحظ المعتزلي (ت 255هـ) «فضيلة المعتزلة». وصنف ضده شيخ المعتزلة أبو الحسين عبد الرحيم الخياط (بعد 300هـ) كتاباً شديداً في عنوانه ونصه: «الانتصار والرد على ابن الرواندي الملحد ما قصد به من الكذب على المسلمين والطعن عليهم». وحسب مصادر مؤرخي الاعتزال، وما يُفهم من كتاب «الانتصار» أن صاحبهم القديم ابن الراوندي قد تحول إلى المذهب الشيعي، فصار ضدهم وهم ضده إلى حد التكفير والتربص. بدلالة صاحب «أعيان الشيعة» أيضاً: «ثم أظهر مذهب الشيعة الإمامية، وألف كتباً على طريقتهم، ككتاب الإمامة وغيره، وكتاب معجزات الأئمة».

بعد ابن الراوندي تحول عن الاعتزال أبو الحسن الأشعري (ت 324هـ)، وحسب مؤرخي سيرته أنه ظل معتزلياً لأربعين عاماً. كتب ابن عساكر (ت 571هـ): «شيخنا وإمامنا ومن عليه معولنا، قام على مذهب الاعتزال أربعين سنة، وكان لهم إماماً» (تببين كذب المفتري). وقال أتباعه فخراً بخروجه من الاعتزال إلى العقيدة السنية، حتى البعض اعتبره مؤسساً لعلم الكلام السني أو الأصول السنية: «كان المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله تعالى الأَشعري، فحجرهم في أقماع السِّمسم» (البغدادي، تاريخ بغداد). وبعد الخروج على المعتزلة نُقل عنه أنه قال: «مَنْ عرفني فقد عرفني، ومَنْ لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي. أنا فلان بن فلان، كنت أتقول بخلق القرآن، وأن الله لا تراه الأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة، مخرج لفضائحهم ومعايبهم» (ابن خِلِّكان، وفيات الأعيان).

وبسبب العداء ظلت الحرب شعواء بين المعتزلة والأشاعرة، بل وتفرعت إلى ما بين الأشاعرة والحنابلة. لأن الخلاف فيه عقائد والمتحول لا يترك ماضيه العقائدي بلا نقد، مع الإشارة إلى أن السلطات السياسية كانت متصلة بهذه الخلافات، فما أن اعتقد الخليفة المأمون (ت 218هـ) عقيدة الاعتزال حتى أعلن امتحان «خلق القرآن» في أهل الحديث، وما أن أعتلى المتوكل (ت 247هـ) حتى ضرب المعتزلة بأهل الحديث، ولو كان الأمر خارج السلطة لهان، وما وُرط به العوام بالطرقات.

ومن أمثلة التحول المذهبي أن شيخ الطائفة الشيعية أبا جعفر الطوسي (ت 460هـ) كان شافعياً. قال السُّبكي: «فقيه الشيعة ومصنفهم، كان ينتمي إلى مذهب الشافعي، قَدِم بغداد وتفقه على المذهب الشافعي» (طبقات الشافعية الكبرى). وأُفتتحت المدرسة النظامية ببغداد في العهد السَّلجوقي، وتبدل مذهب السلاجقة من الحنفي إلى الشافعي في الفروع والأشعري في الأُصول، وصار من تقاليد هذه المدرسة أنها لا تقبل فيها غير الشافعيين الأشاعرة، فارتج على بقية المذاهب.

ومن طريف ما يذكر أن المبارك النحوي الضرير (ت 532هـ) قد بدّل مذهبه عدة مرات. فقيل «كان أولا حنبلياً، ثم إن الخليفة طلب لولده حنفياً يعلمه النحو، فانتقل إلى مذهب أبي حنيفة، ثم شغر تدريس النحو بالمدرسة النظامية، وشرط الواقف أن لا يفوض ما يتعلق بها إلا لشافعي، حتى الفراش والبواب، فانتقل الوجيه إلى مذهب الشافعي وتولاه». وقد داعبه مؤيد الدين التكريتي (ت 599هـ) بالآتي: «فمَن مبلغ عني الوجيه رسالةً/ وإن كان لا تجدي إليه الرّسائل/ تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبلِ/ وذلك لما أعوزتك المآكلُ/ وما اخترت رأي الشافعي ديانة/ ولكن لأن تهوى الذي منه حاصلُ/ وعما قليل أنت لا شكّ صائرُ/ إلى مالكٍ فأفطن لما أنا قائلُ» (الأسنوي، طبقات الشافعية). وتجدر الإشارة أن الشاعر لا يقصد الإمام مالك، إنما رمى إلى معنى آخر.

إن القصد مما تقدم هو خطورة زج المذاهب في الإدارة والسياسة، واتخاذها وسائل للاضطراب، حتى أُنزلت إلى ما يقبل عليها الناس، لا تديناً، كلٌ على ما يبتغي. لم نأت بهذا المقال لمجرد التاريخ إنما له صلة بحاضرنا، فتحول البعض من مذهب إلى آخر وصار محرضاً على سابقه، ولعل في نموذج الأولين كالأشعري مثلا ما أضافه المؤرخون والرواة، لكن ما سيأتي في المقال القادم أخذناه مِن أفواه المتحولين أنفسهم.

 
   
 

الداعشية".. ماركة لكل عنف مذهبي

رشيد الخيون

 

في المقال السابق أتينا بنماذج من مثقفي الزمن الماضي، لم يهيمن عليهم شعور ديني أو طائفي، وإنما مارسوا الثقافة خارج كل العناوين عدا عنوانها، وبالتأكيد كان للأجواء الحضارية تأثيرها، يقابله انحناء أمام الحالة السياسية والاجتماعية المتردية في هذا الزمن، صار المثقف محجماً لدوره في حدود الطائفة أو الدين، وبطبيعة الحال ليس كل مَن عبر عن معاناة أهل طائفته أو دينه يُتهم بالطائفية، لكنها التهمة الأسهل، بينما يؤخذ باهتمام عندما يعبر السني عن معاناة الشيعي أو الشيعي عن معاناة السني؛ وهذا ما يُرجى تحقيقه، وهنا تُهتك الموضوعية ويُهتك المثقف نفسه وسط الصراخ الطائفي، ويُتهم الطرفان بالخروج على الطائفية على أنه خروج على الأهل، وبهذا الاتهام حلت الطائفية محل الوطنية.

قرأت ثلاث مقالات: للكاتب والطبيب السعودي عبد العزيز السماري: «ما هذا الإرث الشيعي المتزمت؟ وهل يعترف المثقفون الشيعة بوجوده؟»، («الجزيرة» السعودية، 28 أغسطس 2014)، والسماري من الكُتاب الذين فضحوا التكفير والإرهاب. قال: «خلال هذه الفترة، قام المثقفون المنتمون للتيار السني بنقد التطرف السلفي، وخرجت الكتب والمقالات التي تنتقد حركات السلفية المتطرفة، وتكشف أسرارها، ولا زال الموقف الثقافي السني، لأن صح التعبير، يفضح مختلف أوجه التطرف الديني في المنطقة، لكن الغائب الأكبر في هذا المشهد هو المثقف المنتمي للتيار الشيعي، والذي يكاد يختفي تماماً في حراك النقد للتطرف الشيعي ما عدا قلة».

 
 
 

وكتب الكاتب والروائي العراقي إبراهيم أحمد («إيلاف»، 13 أغسطس 2014): «داعش باسم السنة وداعش باسم الشيعة والناس بينهما!». وإبراهيم أحد النُّخبة الثَّقافية لا يمت بصلة للطائفية، وكان حاله كحال الآخرين، في النفي والتشرد، وعاد مبتهجاً بالتغيير لكنه أحبط كغيره بعهد جديد. قال: «كتبة النظام الحالي ومذيعو فضائياته، يتحدثون كل يوم، أن داعش باسم السنة لو حكمت العراق فإنها ستمنع المسرح والسينما والغناء والموسيقى والباليه والشطرنج، والفن التشكيلي.. إلخ، وتشيع السواد والكآبة في حياتنا! هذا صحيح، ولا ريب فيه! لكن ماذا في عراق اليوم غير تحريم هذه الضرورات، والتي حللتها بل أوجبتها كل حياة مادية أو روحية صحيحة»!

أما الكاتبة حصة بنت محمد آل الشيخ، فكتبت (في «الرياض» السعودية، 28 أغسطس 2014) «إشكالية النبتة والتداعي»، قائلة بالجرأة التي أقرأ لها: «أختار أجزاءً علها تكفي لتكوين رؤية عامة تشمل دروس الكراهية والمذهبية، وعصبية ما يسمى بـالفرقة الناجية والمعصومة، حيث يسمح لنفسه بأن يدعو الناس بأنهم زعماء الروافض، ويأبى أن يطلقوا عليه زعيم النواصب». يقول هذا الداعي، والحديث للكاتبة: «أبا صحن البغدادي هو قائد أبو غريب فعل الأفاعيل في أهل السنة، ثم اكتشف هؤلاء العلماء بأن هذا القائد شيعي سعودي من القطيف أحد قيادات القاعدة التي نشأت عنها داعش، فلما علم أننا سنقتله قال: يكفيني شرفاً أنني نحرت بيدي هذه أكثر من ألف ناصبي. القاعدة بحسب الواعظ صارت صفوية وزعيمها ابن لادن؟! والحضور سكوت يسمعون المحاضرة».

سأقول معكوس ما قالته «حصة آل الشيخ»، لأن القتل واحد باسم المذهب والدين، إن أحد القادة أراد تبرير مذبحة مسجد مصعب بن عُمير بديالى، والتي نُفذت بعشرات المصلين السنّة (22 أغسطس 2014)، إن «داعش» قامت بالمذبحة لإثارة الفتنة! وآخر اعتبر المقتلة التي حصلت ببهرز (22 مارس 2014)، بديالى أيضاً، من فعل «القاعدة»، مع أن المنفذين اتضح بأنهم من مليشيات معروفة. إنها نقاوة الطائفة وطهوريتها من فعلة الإرهاب، لذلك لا يعترف أعيان الجماعتين بأنه ليس هناك مليشيا دينية دفاعية، وأخرى هجومية، وإنما الطرفان يخترقان المواطنة.

لستُ بصدد الرد على ما جاء في المقالات، بقدر ما أتجاوب مع ملاحظة السماري وإبراهيم أحمد، وأُذكّر بعدد غير قليل من علماء دين شيعة انتقدوا التطرف الشيعي السياسي وثقفوا بنزع المذهب من الحزبية؛ بل تصدوا لـ«ولاية الفقيه». كذلك علينا ذكر حقيقة أن مثقفين شيعة، وهم ليسوا قلة، قتلوا بيد «داعش» شيعية. ألم يقتل حسين مروة (1987) بيد «داعش» مبكرة؟ ألم يقتل المثقف كامل شياع (أغسطس 2008) بهجمة داعشية أيضاً؟ أليس تحريم الغناء والموسيقى ببلد الغناء (البصرة/ الحلة) عملا داعشياً؟ أليس إلغاء تدريس الفنون في المعاهد هجوماً داعشياً؟ ألم يحصل هجوم على طلبة الجامعات، وما زالت هذا الجامعات تحت الضغط الدِّيني الميليشاوي؟

إن المذهب الشيعي كغيره، فيه المختلف والمؤتلف، ولا أفسر وجود تسميات لمليشيات مرتبطة باسم الجلالة وباسم النبي والأئمة، وهي تمارس العنف، تحت أنظار السلطة، إلا بداعشية تساعد على تفريخ دواعش مضادة، لذا لا يسلم العراق، مما هو فيه، دون الاعتراف بوجود دواعش ليست محتكرة على السنة، تضطهد الشيعة قبل السنة، وبوجود فكر داعشي يلعب فيه المقدس دور الملهم، حيث يظهر شيخ منبر فيفتي بقتل أعضاء حزب موجود على الأرض، أو يفتي فقيه حزب السلطة بقتل فئة من الناس!

صدرت فتاوى من مراجع دين لقتل أكثر من عشرة آلاف معتقل (يوليو 1963)؟ بماذا يُفسر ذلك؟ أليس بالداعشية؟ وماذا فعل الصفويون (1501-1732م) لتشييع الإيرانيين، وتعميم السب المؤذي للطائفة الأخرى، وحصر أسماء المذهب الآخر ببغداد لتصفيتهم؟ أليست تلك داعشية مبكرة تُقابل عمل الوهابين القادمين من نجد عند اجتياحهم العراق (القرن 18 ميلادي)، و«الإخوان» بعد ذلك؟ أو ما فعله السلطان العثماني بمَن خالف طائفته؟ علينا الاعتراف بأن الجميع ابتلى بالداعشية، ذلك إذا صلحت المفردة للتعبير عن العنف الديني.

شعرت فيما أوردته المقالات الثلاث، وغيرها المئات ولكُتاب آخرين، بحرص على محاربة الإرهاب، ودعوة للتضامن لتجفيف منابعه الفكرية والحركية. إذا فكرنا في دحر الإرهاب هناك ما هو أهم من العمل العسكري، فهذا يزحزح الإرهاب للحظات، والتجارب معروفة، لابد من النظر في المحفزات.

إن عبث مليشيا، بقيادة معممين، بقبر بتكريت على سبيل المثال، مشهد مفزع لسكان المحافظة، وهو يخلق طوابير من الإرهابيين. وإن استعراض مليشيا علانية داخل بغداد يبرر للطرف الآخر الإبقاء على مسلحيه، لأنه يشعر بأنه في معركة طائفية عبثية لا تقاس بسواها. ناهيك عن ممارسات دينية ومدارس حوزوية بلا رقابة على مدى القرى والقصبات، فماذا تغذي هذه غير الثقافة المذهبية وتجسيدها في المدارس الرسمية والدوائر الحكومية كممارسات؟ كل ذلك دعائم للعنف الطائفي.

(الاتحاد) الاماراتية

 

الطائفية.. والبحث عن منطقة حياد

رشيد الخيون

إذا لم توجد منطقة حياد بين المذاهب في الثقافة فلا أظن أن لها وجوداً في المجالات الأُخر؛ ليس هناك رواية شيعية أو سُنية، بل لا شعر ولا علم ولا فن مسيحياً أو مسلماً، وما يُعبر عنه بالحضارة الإسلامية وهي تسمية عامة لمكان وزمان، شارك فيها المثقفون الأوائل من مختلف الديانات والمذاهب. فأفضل من حقق التُّراث الإسلامي ببغداد والموصل هما المحققان الشقيقان: كوركيس عواد (ت 1992) وميخائيل عواد (ت 1995)، ولا ندري ما فعلته «داعش» بإرثهما، وأحد أفضل مَن أحيا علم اللغة الأب أنستاس الكرملي (ت 1945)، وما بين الأخير ومحمود شكري الألوسي (ت 1924) تكامل في الجهود، وثالثهما مصطفى جواد (ت 1969). المعنى أن هؤلاء النُّخبة لو هبطوا إلى درك الخلافات المذهبية والدينية ما قدموا شيئاً، ولتحجم دورهم وحُنطت ذكراهم بحدود مذاهبهم أو أديانهم.

مِن هذا المنطلق نبحث عن منطقة حياد، أو لنسمها منطقة ثقافة حرة، وأكفأ مَن يؤسس لهذه المنطقة هم المثقفون، من كُتاب وباحثين وفنانين وغيرهم. ومِن حق مثقفي أبناء الطائفة أو المذهب أن ينشدوا من مثقفي أبناء الطائفة أو المذهب الآخر موقفاً ضد التعصب داخل طائفتهم، فمن المؤكد ألا يخلوا المذهبان من المتعصبين، بل لنقولها من السلفيين العقائديين أو المصلحين، ذلك إذا علمنا أن السلفية تعني التعصب للماضي ولكل مذهب سلفيته

قرأتُ في صحف عراقية أن كُتابها يلومون من يقف بمنطقة الحياد، وأضغط على إرادتي بما هو ضدها، وأقول إن كُتاباً شيعةً قدموا اللوم لمن كتب ضد الحس الطائفي طالباً التخفيف من الاحتقان، مع أن ما كُتب قصد الأحزاب الدينية لا الطائفة، حتى كتب أحدهم: «هل هناك مثقف سُني انتقد طائفيي طائفته»؟ بالمقابل وجدتُ مثل هذا الأمر لدى الآخرين وأُشير إليهم بأنهم من الطائفة السنية، مع أن تسمية أولئك وهؤلاء بشيعة أو سنة ذكرتها خلافاً لرغبتي، لأنني أرى بها تعطيلا للثقافة وانتقاصاً لإبداعهم، وهو الرحب الخلاق والإنساني. غير أن واقعاً قد نشأ حتى ابتذل عنوان الثقافة، فماذا أفرزت فترة الجهاد بأفغانستان غير ثقافة «تزيين الشهادة»؟ وماذا أفرزت الثورة الإيرانية غير منطق العقيدة الصارمة، ومن تمرد إما يصمت وإما يهاجر بلا عودة!

لا أظن أحداً فكر بمذهب أبي فرج الأصفهاني (ت 356هـ)، صاحب «الأغاني الكبير»، ولا بمذهب أبي الطيب (قُتل 354هـ)، ولا بمذهب الجاحظ (ت 255هـ)، ولا بمذهب التوحيدي (ت 414هـ) والأمثلة كثيرة من الماضي والحاضر، إنما انشغلت الأجيال بنتاجهم لا بمذاهبهم، وهم أنفسهم لم يضيقوا على أنفسهم ويصطبغوا بالصبغة المذهبية أو الطائفية الحادة، فعندما اشترك محمد مهدي المخزومي (ت 1993) وإبراهيم السامرائي (ت 2001) في تحقيق أول المعاجم «كتاب العين»، لم يستشيرا مرجعيهما المذهبيين، ولم يسألا عن مذهب صاحب المعجم الخليل بن أحمد (ت 170هـ) نفسه.

ربما اتهمني البعض بتعريف المعرفات، أو باستغفال القارئ وغيرها من التصورات. نعم، ما أكتبه وأُحذر منه صار واقعاً معاشاً، أي تشييد الثقافة على أساس الطائفة وهبوطها إلى هذا الدرك من المستويات، مثلما هي السياسة الآن بالمنطقة. أقول: سيُرجم محمد مهدي الجواهري (ت 1997) الشيعي بالحجر لو عاد الآن ورثى السني معروف الرصافي (ت 1945)، وقد قال فيه ما لم يُقال بهذا السبك على ألسنة المتقدمين ولا المتأخرين: «لغزُ الحياة وحَيرة الألبابِ/ أن يستحيل الفكرُ محض تُرابِ/ أن يصبح القلبُ الذكي مفازةً/ جرداء حتى مِن خُفوقِ سرابِ/ فيمَ التحايل بالخلود، ومُلهمٌ/ لحفيرةٍ ومُفكرٌ لتبابِ؟» (في ذكراه 1959).

وبالمقابل سيرجم الطائفيون الرصافي لقوله راثياً الشيعي عبد المحسن الكاظمي (ت 1935) قائلا: «ليس في غاية الحياة البقاءُ/ فلذا خاب في الخلود الرجاءُ/ قد قضى الكاظمي وهو جديرٌ/أن تعزى في موته الشعراء» (الأعمال الشعرية الكاملة). أو رثاؤه الشيعي عالم الحلة أبي المعز محمد القزويني (ت 1916)، صاحب كتاب «طروس الإنشاء وسطور الإملاء»: «قف بالديار الدارسات وحيِّها/واقرإ السلام على جآذر حيها/ وانشد هنالك للمتيَّم مُهجة/ فُنيت من الأهواء في عُذريها» (المصدر نفسه). أو ما رثى به عالم الكاظمية الشيخ محمد مهدي الخالصي (ت 1925) وغيره مِن أعلام الشيعة. بل لا أحد يسمع بيته في الضريحين العلوي النجفي والقادري البغدادي: «قد شَرف الجيليَّ حفرته/ كما ضريح علي شرَّف النَّجفَ» (قصيدة هلم نبكِ). أو قوله في ابن النجف: «أقول لرب الشعر مهدي الجواهري/إلى كم تناغي بالقوافي السواحرِ».

هناك من يبغض الرصافي لأنه ذكر عوائد العوام من الشيعة بالنقد اللاذع؛ دون أن يلتفت إلى ما قال بما هو أكثر في الصوفية السنية، وما قال ناقداً «إخوان نجد» مبكراً: «فما حالة الإخوان فيها فإننا/ نرى الناس عنهم يذكرون الغرائبا» (الرصافي يروي سيرة حياته). وكم للرصافي مِن هجاء لفقهاء من أهل السنة، وكم لهم فيه من آراء إلى حد التكفير.

إذا توطنت الطائفية في الثقافة، فحالها سيكون حال من قال فيهم الجواهري: «وزمرة الأدب الكابي بزمرته/ تفرقت في ضلالات الهوى عُصبا» (قف بالمعرة 1944). لم يبق معنى للكتابة والأدب والشعر والفن، وها نحن نسمع الشعر بما لا يُحتمل من الشحن الطائفي، وبكل مروق على الثقافة يُعد نتاجاً ثقافياً! لقد تحول الغناء والطرب الجميل إلى حداء طائفي يُحرض على الثأر، فهل يريد المثقف أن يقف مأسوراً لهذا الحطام؟

أصف المثقف الطائفي، الذي نسى نفسه وسخرَ فنه لعراك بين قاتلين مأزومين لعقيدة أو مصلحة؛ بما قرأته عند التنوخي (ت 384هـ): «حدثني جماعة من شيوخ بغداد: إنه كان بها في طرفي الجسر سائلان أعميان، يتوسل أحدهما بأمير المؤمنين علي عليه السلام، والآخر بمعاوية، ويتعصب لهما الناس، وتجيئهما القطع دارّةً، فإذا انصرفا جميعاً اقتسما القطع، وأنهما كانا شريكين يحتالان بذلك على الناس» (نشوار المحاضرة).

هل يريد المثقف أن يلعب دور المستغفل، من قبل أعميين حاذقين، بما ورثه من أبيه وأمه من مذهب؟ أرى من الضرورة أن يبحث المثقفون الأصلاء عن منطقة حياد غير خادعة، فالافتتان بالكتابة والفن غير الافتتان بالطائفية. إنه الفرق بين العمران والخراب.

 

هاني فحص تماسك...

رحيلك يخل بالمعادلة

رشيد الخيّون

عندما سمعتُ بمرض العلامة اللبناني صاحب العِمامة السوداء هاني فحص (1946- 2014) سجلت في دفتري الكتابة إليه تحت هذا العنوان «تماسك.. رحيلك يخل بالمعادلة»؛ لكن المرض لم يمهله ويمهلني لمناشدته، مع علمي عن طريق الأكاديمي اللبناني سعود المولى أنه في غيبوبة قد تطول. كنت أعني ما أقوله، فعمامة مثل عمامة فحص غدت أقل من القليل، وعلى وجه الخصوص أن حاملها صاحب باع في الكلام والكتابة، وصاحب حجة وطنية قبل بقية الفرعيات، مكورة فوق جبل من التجارب والمواقف، حتى أن الكثيرين ممن لا يعجبهم أداءه ضد إخضاع الدين للسياسة تمنوا أنه يخلع ما بينهم وبينه من صلة، فقلتُ له: «لا تخلعها فنخسرك محارباً بأدواتهم، تمسك بها كي لا ينفرد المتزمتون الطائفيون بتمثيل الله وأوليائه على الأرض».

لا تخلعها، فبها تراهم يهيمنون على البسطاء، لا يدعون ذرة علم وعقلانية تصل أدمغتهم، بوهم أن الأوطان عبارة عن دين ومذهب وممارسات، قال عنها النجفي محمد صالح بحر العلوم (ت 1992) في «بعض العقائد» (1934): «أنا لا أريد لأمتي حريةً/ في ما تدين لأنها رعناء»(الخاقاني، شعراء الغري). يومها كان بحر العلوم يعتمرها سوداء كعمامة فحص، لكنه تخلى وتخلت عنه، ومثله كان سليل المرجعية الدينية آل كاشف الغطاء الشيخ صالح الجعفري (ت 1979)، ولأنه يحمل همَ هذه الجموع محاولاً انتشالها اضطر للتخلي عن عمامته البيضاء ولقبه أيضاً، كي لا يُحمل الأسرة نتائج مواجهاته الفكرية والأدبية ومواقفه في الإصلاح، من أجل رفع شأن مواطنيه، عندما قال (1926): «وقَيدٍ طالما قُيِّدت فيه/ وأهونْ بالرجالِ مُقيِّدينا/ نبذتُ به ورائي لا أُبالي/ وإن غصَبَ الكرامُ الأقربونا/ حناناً- يا أماثلنا - حنانا/ حناناً.. أيها المتزمتونا/ تبعناكم على خطأٍ سنيناً/ وأسفرت الحقيقةُ، فاتبعونا» (الغبان، المعارك الأدبية حول تحرير المرأة، عن الديوان).

ظلت العِمامة ثابتة على رأس هاني فحص، ولم يخل بموجباتها، في الوقت الذي خلعها مواطنه العلامة حسين مروة (اغتيل 1987)، لأنه وجد في نفسه فراقاً بين العمامة وتصنيف كتاب «النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية». كذلك لمعروف الرصافي (ت 1945) قصة في خلع عمامته، ومثله محمد مهدي الجواهري (ت 1997). هذا، وكم من لبناني من جبل عامل جاء إلى النجف للدراسة الدينية ليكون مشروع رجل دين فخلع عمامته كي لا تعيقه عن الدخول في عوالم الفكر والثقافة، أو لم يتمكن مما تمكن منه هاني فحص من الموازنة بقناعة لا رياء. وقد كشفت الحوادث بعد العقود عن مرائين مِن أهل العمائم وأهل اللُّحى والمسابح الأفندية، وهاني لم يكن من بين هؤلاء.

ظلت عمامته ثابتة، ولم تكن ثقافته الدينية رخوةً كي يتأثر ويسارع إلى خلعها، وفي الوقت نفسه لم تكن ثقافته المدنية رخوة أيضاً كي يساير من وصفهم الجعفري أعلاه بـ«المتزمتونا». يقول عن أول اعتمارها وهو ما زال دون السن الموجبة حتى قال المشايخ عنه «بكير على السجن» (فحص، ماضي لم يمض)، قال عن تلك المناسبة بما يشوقني لحديثه «المهضوم» على حد اللفظ اللبناني: «تعثرتُ بذيل جبتي، وسقطتُ على أرض الشارع على وجهي، وانحلت عمامتي، ولم استطع لفها، وعدتُ إلى المدرسة بشكل كاريكاتوري» (المصدر نفسه).

كان أول تعرفي على العلامة هاني فحص عبر مجلة «النور» الإسلامية التي تصدرها مؤسسة الإمام أبي القاسم الخوئي، في مقال فتح ذهني على حقيقة لم أكن أعرفها عن الإسلام السياسي، ولربما بحثها كتاب قبله، وفيها كشف عن عدم أصالة الأحزاب الإسلامية من ناحية التنظيم، ولأهمية ما كتب أتي بهذا الاقتباس: «لا أصل إسلامياً لنماذجنا الحزبية الإسلامية. أما النسبة العالية من التماثل بينها وبين الأحزاب الأخرى المغايرة، فتأتي من شيء من التعرف على تاريخ الأحزاب، التي كان لها دور كبير في التاريخ الحديث، وظروفها وشروطها (الحزب الشيوعي مثلا)، خصوصاً إذا لاحظنا أن كثيراً من قيادات وسطية وكوادر شيوعية عربية غادرت مواقعها لتنتظم في إطار الأحزاب الإسلامية، وتتحول إلى مصادر رؤية في العمل الإسلامي الحزبي. لكن التماثل في أساسه إنما يأتي في الدرجة الأولى من ضرورات تكوينية طبيعية في البناء الحزبي، لا دخل فيها للوعي أو الإيمان أو عدمه» (مقال: كل الأحزاب العربية لينينية، مجلة النور، العدد 88).

ظل العلامة هاني فحص يلح على المواطنة، معتبراً الحزبية الدينية شقوقاً في الوطن والدين، فهي عابرة للأوطان والإنسان، لذا لم يأت موقفه من النظام السوري إلا كونه لبنانياً، وأن شراكة «حزب الله» اللبناني لهذا النظام قد صادر شيعة لبنان بل الشيعة بالمنطقة، وأصدر البيان تلو البيان في توضيح الموقف، وأين تكمن مصلحة الشيعي اللبناني، في الوطن أم في الحزب؟ كان سباقاً إلى التقارب الوطني، وتجده البارز في الحوار المسيحي الإسلامي، وربما أكثر البلدان يحتاج إلى هذا الحوار هو لبنان قبل غيره، فالشرخ هناك ظهر من مواجع الحرب الأهلية، يوم تحولت الطوائف اللبنانية إلى قبائل مسلحة، فأنست العالم بيروت الثقافة والتمدن، وصار اللبناني إما مقاتلاً داخل فوج طائفته وإما مغترباً.

يمتاز هاني فحص بأسلوب يندر أن تجده بين علماء الدين، مع أنه يعطيك تصوراً عن الشخصية الفقهية اللبنانية، أسلوب أدبي رصين، يلعب على اللغة كي يوصل الفكرة بسلام، وذلك عندما يرى القاعة مكتظة بالمتزمتين، والنتيجة أن فكرته تصلهم مع متعة الحديث. تراه يعترف باللجوء إلى هذا الأسلوب في كتابه «ماضي لا يمضي» (دار المدى).

لاشك أن الموت حق، وعندما نقول: رحل في وقت غير مناسب، لا نقصد سوى الأماني والحاجة لمثل هذا الرجل، والذي ما أن تقرأ له مقالاً أو تسمعه حتى تظن نسمة مرت عليك وتركت في روحك سلاماً. شاركته في ندوة الحوار الإسلامي المسيحي (فبراير 2008) ببيروت وكنتُ محاصراً على المنصة بين عمامته وقلنسوة أحد القساوسة اللبنانيين، فقال لي: «أين المفر»؟

على أية حال، ما تركه العلامة هاني فحص في نفسي وعقلي، وفي الآخرين من أمثالي، يؤكد أن الوطن للجميع، وقد حفر في النفوس ذلك على «مقدار ما تقول الشراكة من قيم وأفكار وعواطف ومتاعب ومواجع وأفراح وأحزان..». هذا آخر ما قرأته له.

 (الاتحاد)

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 

سبايكر.. بعيداً عن

المتاجرة بالدماء

 

رشيد الخيون

تشابكت الأنباء والتبست في أمر مذبحة سبايكر، بين مغرب ومشرق، واُختلف في عدد القتلى: 2200 و1700 و770 و770 و600 قتيل، بينما عدهم رئيس الوزراء المنتهية ولايته بأقل من مئتين، وربما وردت خطأً على لسانه! وأذيع بأنهم من طلبة سلاح الجو، لكن يقطع قائد القاعدة الشَّك باليقين: ليس بين الضحايا طالب من طلاب القوة الجوية. فحتى هذه اللحظة لم يحدد عدد الضحايا رسمياً، مما يثير لديك العجب من الفوضى، لكن الثابت أنها جريمة كبرى ويومها يوم مشهود، من بين الجرائم التي تنفذ داخل العراق بسبب طائفي، فما حدث لضحايا سبايكر أنهم امتحنوا بالأذان ووضعية الأيدي في الصلاة، فكم تكون القسوة بالغة أن يُقتل الإنسان على ما ورثه من والديه في المذهب.

بعد مدة ارتكبت جريمة التصفية، على أساس ثأري طائفي أيضاً، في مسجد مصعب بن عُمير (ابن هاشم بن عبد مناف قُتل يوم أُحد 3هـ) بقرية «إمام ويس» التابعة لمنطقة حمرين- ديالى، وفسرت ثأراً لجريمة سبايكر. فأولئك كانوا جنوداً أو متطوعين ضد تنظيم «داعش»، وهؤلاء على ما فهمنا من مختلف الروايات والأخبار، كانوا مصلين ليسوا من قتلة ضحايا سبايكر، وبهذا ستذوب الجريمتان في حرارة الطائفية، وإذا ظل الحال على ما هو عليه فالقادمات أكثر فظاعة، وكم من جرائم كبرى رُحلت إلى لجان بحث وتقصي ونسيت من الأساس.

بداية من غرقى جسر الأئمة (1 أغسطس 2005)، وكانت محصلة القتلى تزيد على (1300) ضحية، وبكل برود توجه المسؤولون حينها إلى الشعب العراقي بعبارة: «نُعزي المهدي المنتظر»، وهي عبارة من حق المعتقدين بها أن يقولها لكن إذا كانوا مسؤولين عن أمن العباد والبلاد فهي عبارة تذويب للكارثة وتخلص من تبعاتها، ولم نشهد أحدهم ظهر وقال: أتحمل المسؤولية وأستقيل، وهذه سبايكر (12 يونيو 2014) ومصعب بن عُمير (22 أغسطس 2014) وتلك مجزرة زيونة (12 يوليو 2014)، والكثير الكثير، فالدم العراقي واحد.

لستُ بموقع الاتهام أو التخوين، لكن جلسة البرلمان العراقي لبحث مذبحة سبايكر، جاءت مخيبة، ونحن ننتظر برلماناً جديداً، فما حصل كان متاجرةً بدماء الضحايا، لم تُقدم هذه القضية كقضية وطنية وجريمة كبرى يندى لها الجبين. ومع ذلك لا تقللوا من التداعيات، كم كانت قيادة الجيش صماء تجاه التحذيرات من دفع الجيش لفك الاعتصامات بالمنطقة الغربية، فقيل حينها: ستُكشف تلك المناطق للإرهاب، وسينظر إلى الجيش بمنظار معاد، لكن الغرور أخذ مداه، وخلط الحابل بالنابل، فالذين كانوا مع الجيش، من تلك المناطق، فُت ما بأيدهم، ومن حذّر كان يدرك ما سيحصل بعين الحريص على هذه البلاد، إلا أنه خُون بوطنيته وسُخر مِن حرصه، وهذه النتيجة: مذبحة بعد أخرى، وذئاب الإرهاب تجول وتصول والرعاة لا يُحاسبون.

لا نستغرب أن اسم سبايكر نفسه كان ثأرياً، فالأميركيون، مع تقدمهم، ليسوا خالين من عاطفة الثأر، عندما أطلقوا اسم الطيار «ما يكل أسكوت سبايكر» على تلك القاعدة، وكانت طائرته قد سقطت في اليوم الأول مِن الحرب (17 يناير 1991) على العراق، الحرب التي تعدت غرضها المعلن وهو «تحرير الكويت».

كانت التسمية لئيمة، كي تبقى شاهداً على تدمير البنى التحية للعراق، وأن تُسمى القاعدة التي بتكريت على وجه الخصوص، وأن لا يسقط النظام إلا بعد حصار مدمر استحال به العقل العراقي إلى تراب. حتى اللحظة لم يُعرف عدد الضحايا الذين راحوا بالخروقات التي مارسها الجيش الأميركي، وما فعله الحصار، وكم ضحية مدنية قضت تحت الدبابات بعد أبريل 2003.

تساءل البعض، بعد مشاهدة خروج الضحايا من «سبايكر» في رتل طويل: كيف تمكن القتلة، وهم قلة على عدد الأصابع، من هذا العدد الكبير، يأسرونهم ويقتلونهم بعد شد الوثاق واحداً بعد الآخر بلا مقاومة، لم ينتفض أحدهم ويحاول مبادرة أحد القتلة بخطف سلاحه من يده وعندها سينتفض الباقون؟ أقول لمن يفكر بهذا التفكير: عندما يسري الرعب في النفوس يُحسب الكاغد الذي يحركه الريح ذئباً أجردَ، حتى حامل السلاح يوهن عن استخدام سلاحه، والضحايا تركهم قادتهم عزلا، فبعد سقوط الموصل توالت الانكسارات، مع إعلام يهول قدرة الإرهابيين وفنون وحشيتهم في القتل.

روى ابن الأثير الجزري (ت 630هـ) عما حصل للناس من قِبل التتار (628هـ)، عندما اجتاحوا الموصل وأربل (أربيل) والجزيرة، وكان المؤرخ المذكور يعيش قريباً من الموصل: «إن الرجل الواحد منهم كان يدخل القرية، أو الدرب، وبه جمع كثير من الناس، فلا يزال يقتلهم واحداً واحداً، لا يتجاسر أحد أن يمد يده إلى ذلك الفارس» (الكامل في التاريخ). وسمع ابن الأثير من شاهد عيان، قال: «كُنت أنا ومعي سبعة عشر رجلا في طريق، فجاءنا فارس من التَّتر، وقال لنا حتى يُكتف بعضنا بعضاً، فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم، فقلتُ لهم: هذا واحد فلِم لا نقتله ونهرب؟ فقالوا: نخاف. فقلتُ: هذا يريد قتلكم الساعة، فنحن نقتله، فلعل الله يخلصنا؟ فو الله ما جسر أحد أن يفعل». وروى ما هو أفظع: «لقد بلغني أن إنساناً منهم (التَّتر) أخذ رجلا، ولم يكن مع التتري ما يقتله به، فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح، فوضع رأسه على الأرض، ومضى التتري فأحضر سيفاً وقتله به» (المصدر نفسه).

لم نأت بهذا الشاهد لنُعيب على الضحايا، من المقتولين والمفقودين، وإنما لنؤكد أن الموقف الذي وضع به هؤلاء الشباب من قبل قادتهم بعد أن تبلغوا بسقوط الموصل وبفظائع «داعش» والإرهابيين، كسر نفوسهم وخضعوا لقاتليهم في هذا المشهد المريع. وهنا أرجوا من الذين استغربوا أن يأخذوا المشهد الذي جابهه المقتولون عن قُرب لا عن بُعد.

ختاماً، في أمر ضحايا قاعدة سبايكر أُذكر بنائب مدير المدرسة الكورية، الذي انتحر لغرق 28 طالباً من طلابه (أبريل 2014)، ولم يكن الذنب ذنبه إنما العبّارة التي تقلهم غرقت، ولم يكن يقودها! لكنه شرف تحمل المسؤولية! لا نريدهم أن ينتحروا، لأنهم ليسوا من هذا الصِّنف، إنما يكفوا عن المتاجرة بالدماء. لا تسألوا الذئاب فهم ذئاب بل اسألوا الرعاة.

(الاتحاد) الاماراتية

 

يا معصوم..إما المصالحة أو الطوفان

رشيد الخيّون

يحظى الرئيس العراقي محمد فؤاد معصوم بعلاقات مع أغلب القوى السياسية؛ وعلى مختلف عناوينها، القومية والمذهبية، فالرجل خلال وجوده في الواجهة ظل على سجيته يقترب ولا يبتعد خالياً من لوثة التعصب. ومن المؤكد أن للنشأة تأثيراً، فالأب الشيخ معصوم خضر (ت 1964) كان رئيس علماء كردستان، وقبلها كان إماماً وخطيباً لمسجد كويسنجق، وكان على مستوى من الانفتاح والتنوير. ففي غمرة الاحتجاج ضد معاهدة «بورتسموث» (1948)، دعا الشيخ معصوم مسيحيي ويهود كويسنجق إلى مسجده لحضور اجتماعات تخص المناسبة؛ بعد أن كان يذهب إلى الكنيسة المسيحية والكنيس اليهودي في المناسبات والأعياد الدينية، من دون حرج، وكان له الفضل في بقاء قرية هرموتا حافظةً لهويتها المسيحية، كي لا يصبح أهلها غرباء وتتم إزاحتهم بعذر من الأعذار.

اختار معصوم جماعة «إخوان الصفا» (ق 4هـ/10م) موضوع أطروحة لنيل الدكتوراه، وشد الرحال للتدريس في جامعة البصرة (حتى 1975)، وكلها أسباب في صياغة طبعه على إيلاف ديني وقومي. وجدتُ تأثيراً لهذه الجماعة في تفكيره، وهي جماعة ليبرالية ليس بقياس عصرها فحسب إنما بقياس عصرنا أيضاً، يقرؤون أي كتاب ولا يتعصبون لمذهب، مع موقف ضد الانتقام، الديني أو المذهبي. من يقرأ رسائلهم يعلق شيء من المسامحة في ضميره.

هذه مقدمة للحديث عن دعوة الرئيس العراقي للمصالحة الوطنية، بمعنى أنه إذا صفت النوايا معه، فهو أهل للمهمة، فمن قُرب لم أشعر به يميل لعصبية، وبهذا هنأته بالخروج من البرلمان ذي التجاذبات في الدين والمذهب والقومية، ورثيتُ له منصب الرئيس على الرغم من رفعته، خشية الضياع في الغابة، فهو صاحب ائتلافات لا افتراقات دموية.

إلا أن وجود رئيس وزراء جديد قد يمنح فرصة أمل بالتكاتف من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فحيدر العبادي هو الآخر يُصنف من الحمائم، ولم يأت للمنصب بمؤهل حزبي فقط، وإنما أتاه بكفاءة علمية، إذ تحدر من أسرة مدنية في تكوينها، وجاء على تركة تسع سنوات مما تركه رفيقاه، على رأس وزارة منبثقة مِن مجلسي نواب، حصل خلالهما خراب بقية الإعمار، وتلك قصة تتعلق بعصبة الحزب المدمرة.

يدعم هذا الثنائي رئيس السلطة التشريعية سليم الجبوري، والرجل يبدو لي من لقاءاته وحواراته أنه متوازن، وطني الروح، وصاحب شهادة علمية أيضاً. وعلى العموم، فالثلاثة ليسوا من ذوي الثأر والانتقام، فعلى ما أظن أنهم سيكونون عوناً لبعضهم بعضاً. والأهم ألا تكون خواتمهم بيد أحزابهم.

ومهما نسيتُ مما تولى فلا أنسى مداخلة صاحب العمامة البيضاء الشيخ جمال الوكيل، في آخر مؤتمر للمعارضة (14- 16 ديسمبر 2002) بلندن، المولود بكربلاء ورئيس «الوفاق الإسلامي»، والرجل من محاسن أهلنا الكرد الفيليين، وبتأثير مداخلته كتبتُ مقالاً (16 أبريل 2003)، بعد اجتياح بغداد بسبعة أيام «لا تسمعوا لنصيحة سُديف الشاعر»، فكل الانتقامات التي حصلت، بُعيد نجاح العباسيين، كانت بتحريض هذا الشاعر. كان فضائية وإذاعة زمانه. قال الشيخ، أمام عيون تقدح شرراً، يتوسطهم الأفغاني الأميركي زلماي خليل زادة مختالاً بدوره: «لا نريد مزيداً من الدماء، وليشمل العفو الجميع، بعد سقوط النظام، بما فيهم صدام حسين». سمعت تلك الكلمات ولحظتها تحدثت مع قائلها وكان مصراً بوعي لا بعاطفة. كانت دعوة صريحة إلى مصالحة كبرى، مثلما تحققت بسلطنة عُمان (1974)، وبجنوب أفريقيا (1992)، تزامناً مع ما تحقق بإقليم كردستان العراق، وكانت نتائج تلك المصالحات بناء مجتمعات ودول عامرة. زرت عُمان ولخصتها بعبارة «عمامة وابتسامة»، وجنوب أفريقيا ضمدت جراحات عشرات السنين من القتل والإذلال، وإقليم كردستان انطلق به العمران.

ما دعا إليه الشيخ كان مطروحاً على لسان مرجعه آية الله محمد الشيرازي (ت 2001)؛ فكان الأخير يطرح «شعار العفو والتسامح، وقد انتقد العنف، وكان في البداية يشكك في أسلوب غاندي في اللاعنف، إلا أنه عاد بعد فترة ليؤكد اللاعنف واعتماد السلم في العمل كاستراتيجية ثابتة له مِن أجل التَّغيير» (الكاتب، المرجعية الدينية الشيعية وآفاق التطور).

كانت نظرة الوكيل، المتصلة بنظرة مرجعه، صائبة قياساً بما حصل بعد سقوط النظام؛ فما تحقق كان أمراً مشيناً. لم يسمعها أصحاب السوابق واللواحق بالتفجيرات والاغتيالات، وإنْ سمعوها لا يعونها أبداً، مع أنهم ساهموا بالهدم، هدم النفوس. وها هو العراق بين خيارين: إما المصالحة الشاملة الصادقة وإما الطوفان، وها هو السيل يهدر بقوة. هنا نُقدر أهمية دعوة رئيس الجمهورية إلى مؤتمر مصالحة. إنها مهمة لا تقبل التأجيل ولا التسويف، سفينة النجاة من طوفان الدم، وحدها القادرة على تضميد الجراح ودملها.

لقد أمسى العراق على كف عفريت، والأسباب مرتبطة بالمسببات، حتى التقسيم ما بات حلاً، فهو محفوف بالمخاطر وتصفيات مناطقية قد لا نرى لها مثيلاً في التاريخ. وحدهم الطائفيون، لمصالحهم الخاصة وأحزابهم، يجدون في المصالحة شراً، فيحاولون وضع العصا في عجلتها، وما أظنهم لا يدركون أن ما حصل ويحصل كان بسبب غيابها، وهي ليست تعيين فلان أو إطلاق سراح آخر، إنما تعني تطبيع الحياة، أن ينسحب من الشارع والدائرة كل ما يدل على طائفية، أن يُحصر السلاح بيد السلطة، فلا مسامحة ولا عُذر مع أي جماعة مسلحة كانت، وأن تُراجَع السياسات كاملة، وأن يُحارَب الفساد، وأن يُلغى قانون الوحوش: كارثة في أبرياء مقابلها في أبرياء آخرين.

استعير مِن الشاعر الخارج على الأطر التقليدية إلى رحاب المواطنة صالح الجعفري (ت 1979): «لا دخَلَ للسان كلا ولا/ يَلزمُ أَن نُوحَّدَ المذَهبْا»، وهو ما نتمنى أن تتم المصالحة على هديه، ليس فيه تنازل عن قومية أو مذهب إنما ألا تستعمل تلك العناوين لـ«غرض يقضونه وأداة»!

أما الشيخ المبادر الأول للمصالحة فلم أعد أسمع عنه شيئاً، فقد اختفت كلماته الصادقة، وهو ينظر ما لا ينظره الهائجون، وسط زعيق الانتقام والطائفية. احرص أيها الرئيس على تخيير الأخيار والأشرار: إما المصالحة وإما الطوفان!

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 

 

«الربيع العربي».. حُكم أَهون المفسدتين!

رشيد الخيون

 

اختلف أهل الرأي في شأن «الربيع العربي»، عشية انطلاق أحداثه وإطلاق التسمية؛ بين مؤيد ومشكك وقاطع بفساده. كانت تسمية «الربيع العربي» مغرية، ويبدو أنها صيغت بعناية، ومعلوم ماذا يعني الربيع للأرض والأحياء. فهو قرين الشباب والجمال. كانت تسمية مؤثرة في النفوس، جاءت ضد أنظمة جمعت بين الاستبداد والفساد وإهمال الشعوب والبلدان. حتى أن بعضها أفسد مفردة الديمقراطية والشعبية وكل المسميات المقترنة بالعدل والحرية، وما كانت تتحدث عنه الثورات والانقلابات، بداية من البيان الأول.

قبل سريان تسمية «الربيع العربي» كان الإعلام الغربي قد أطلق على ما حدث في تشيكوسلوفاكيا «ربيع براغ» (يناير 1968)، والذي شغل وسائل الإعلام لفترة طويلة مع فشله خلال شهور، وهو أن أمين عام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الحاكم، الكسندر دوبتشيك (ت 1992)، اتخذ سياسة الاشتراكية الديمقراطية لمواجهة الأزمة الحادة، بما لا يُناسب بقية العالم الاشتراكي آنذاك، فتدخلت قوات حلف وارسو (أغسطس 1968) وحولت «الربيع» إلى خريف، وبالتالي كان حدثاً مهماً خلال الحرب الباردة بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي، ومع انتهاء ذلك الحدث ظل «ربيع براغ» حاضراً حتى انطلقت تظاهرات في «مارس 1969) أدت إلى استقالة «دوبتشيك»، لينتهي التفكير في الإصلاحات بالتخفيف من قبضة الحزب الواحد.

أما ربيعنا العربي، الذي حدث في شتاء (2010) والبداية بتونس ثم مصر، وامتد إلى ليبيا، ليستمر بها خلال الربيع والصيف والخريف، فقد حصل في زمن آخر، جاز فيه تصدير الديمقراطية بلا حواجز من قِبل العالم الغربي، الذي استبدل ديمقراطية جمهورية تشيلي بانقلاب عسكري دموي (سبتمبر 1973).

إنه العجب العُجاب أن يدعم الأميركيون ديمقراطية تأتي بـ«الإخوان المسلمين» إلى حُكم مصر، بينما دفعوا بانقلاب عسكري ضد سلفادور أليندي (قُتل 1973)، وأن تندفع الديمقراطية الأميركية بلا اعتبار لحقوق الإنسان بتحويل ملاعب العاصمة سانتياغو إلى حمامات دماء، وبين المقتولين كان الشاعر الشهير بابلو نيرودا، والفنان فكتور جار، مع أن أليندي لم يكن منتمياً إلى الحزب الشيوعي التشيلي، إنما الأخير كان يدعم توجهاته! ومن عجب أيضاً أن الاتحاد السوفييتي يدعم تحولاً ديمقراطياً، جاء مطابقاً للديمقراطية الغربية، من حيث الإجراء الانتخابي، الذي لم تعرفه أي منطقة تتبع نفوذ موسكو آنذاك.

قلنا لمن حكم على «الربيع العربي» بالفساد بأنه كان متسرعاً، وعندما كنا نتحاور نقول: لننتظر النتائج فالحوادث بنهاياتها، وكنت أحد القائلين بأن الخير يأتي بعد قليل من الشر، بل كان الكثيرون يميلون إلى فكرة تقول: إن الأميركيين والأوروبيين دعموا أو بشروا بالربيع كي يستدرجوا أحزاب الإسلام السياسي ليفضحوا فشلها، بعد أن يضعوها أمام الأمر الواقع، حتى أن هناك من استبدل تسمية «الربيع الإسلامي» بـ«الربيع العربي». غير أن الحوادث تكشف: إن الأميركيين لم يلعبوا هذه اللعبة.

إنما كانوا جادين في جعله ربيعاً إسلامياً، على أنهم قسموا الإسلام السياسي إلى معتدلين ومتطرفين، لضرب الأخيرين بالأولين، وبالفعل بشروا بهذا الاعتدال، وهم يعلمون، علم اليقين، أصل هذا التطرف، وأمه وأباه، إضافة إلى انقساماته المذهبية، وخطره على البلدان المختلطة، وقد اتضح ذلك جلياً من موقف الإسلاميين من «داعش»، بل وفضح آمالهم في طلب الخلافة، وكل الذي قالوه: إنها واجبة غير أنه ليس وقتها، على أن «داعش» استعجلت الأمر. بمعنى الاختلاف في التوقيت لا أكثر.

عندما شاعت تسمية «الربيع العربي» قفزنا نحن الحالمين بعراق تتناسب الحياة فيه مع ثروته وتاريخه الحضاري؛ فقلنا إن هذا الربيع بدأ بالعراق! في (9 أبريل 2003)، على أمل أن الفترة الانتخابية الثانية ستمحو سيئات الأولى، حتى داست أرضنا سنابك خيول الإسلام السياسي المتطرف، حسب التسمية الأميركية، على أن هناك معتدلاً فيه! فبعد أن عاث الإسلام السياسي، بطرفيه، الحاكمين والمقاومين، فساداً وقتلاً، وارتفع الهياج الديني إلى مستوى أن تتحول الطائرة إلى قاعة لطم ومناحة، وتتحول جامعاتنا إلى منابر دينية، بينما الطرف الآخر مِن هذا التدين يغزو الأرض، ويمارس عليها أبشع الموبقات ضد الإنسانية.

هنا نقف أمام مقولة: إحدى المفسدتين، البقاء على فساد الحاكم أم فساد الربيع! وهي مفارقة كبرى أن نتحدث عن ربيع فاسد! نعم، يكون ذلك عندما تقترن مسميات الطبيعة الجميلة بالسياسة القبيحة، حتى عطور ورود البساتين تتبدل في حواس المظلومين في أجواء الربيع المزهرة.

ماذا نريد من المواطن الليبي وهو يقف حائراً بين نيران المتقاتلين، ولا يدري من معه ومن ضده؟ ماذا يُرجى من المواطن التونسي وهو يُهَدد بجماعات ظهرت من قمقمها المظلم، مؤيدة من قِبل شيوخ الفتنة ورؤسائها. خلال عام واحد أطلق الغانمون من الربيع بمصر كل الإرهابيين، حتى أن قاتل فرج فودة (1992) ظهر على شاشات الفضائيات مرحباً به كبطل من أبطال العبور. هذا هو الوجه المعتدل، حسب المنطق الأميركي، من الإسلام السياسي!

إن من أخطر نتائج «الربيع العربي»، ومن ضمنها العراقي، أقولها وأنا أحد المتضررين من النظام السابق، أن الأوطان لم تعد أوطاناً، تسلطت على عواصمها مافيات، فكان القاتل واحدا والسارق واحدا أيضاً، فتفرعا الآن إلى ألوف مؤلفة من القتلة والسارقين، وكذلك الحال ببلدان «الربيع العربي» الأخرى.

نعم، كان الحاكم السابق كملك «الزَّانج» الذي قال عندما سمع بامرأة أكل ابنها التمساح: «وفي مكان أنا فيه شيءٌ يشاركني في قتل النَّاس؟» (الجاحظ، رسالة فخر السودان على البيضان)! لكنه كان يحمي الناس من بقية التماسيح، أما بعد «الربيع العربي» فصار المواطن في مواجهة تماسيح لا تمساح واحد، فشر أيهم يتقي؟

أما أهون المفسدتين فنأخذها بالقياس على حكم العاشق بين مفسدتين، قال الفقهاء: «لا ريب أن الشريعة جاءت بالتزام الدخول في أدنى المفسدتين، دفعاً لأعلاهما، وتفويت أدنى المصلحتين تحصيلا لأعلاهما، فأين مفسدة النظر والقبلة والضم مِنْ مفسدة المرض والجنون، أو الهلاك بالجملة» (ابن قيم الجوزية، روضة المحبين ونزهة المشتاقين).

أصف الحال ولا أقررها، فلو سألت أماً قُتل أبناؤها الخمسة وهُجرت بين الشعاب والجبال وتحت أزيز رصاص العصابات الدينية أي المفسدتين أهون عليها؟ أجيبوا أنتم عنها، مع التحذير من المزايدة. فليس الذين توقعوا فساد الربيع كتبوا عن عظمة حقوق الإنسان عند القذافي (قُتل 2011) ولا عن «ديمقراطية» صدام حسين (أعدم 2006).

(الاتحاد)

 

غَزَّة.. ولوم اللائمين لقلة التضامن

رشيد الخيون

 

يشن الجيش الإسرائيلي، منذ فجر الثلاثاء 8 يوليو 2014، حرباً شاملةً على قطاع غزة، ومهما كانت الأسباب، كخطف مستوطنين وقتلهم، لا يُبرر نحر شعب، بشبابه وعجائزه وأطفاله، واستباحة مدن وقرى، ومن أهلها من ليس لهم في الحرب رغبة ولا شأن، ويريدون السلام. هذا ما تحدث به مواطن فلسطيني قُصف منزله وقُتل أحد عشر شخصاً من عائلته، ولم يبق له إلا ولده وولد أخيه، ومع ذلك كان يتحدث بالسلام، ويُناشد لوقف نزيف الدم من الطرفين. كان يقولها عن وعي لا شرود، على الرغم من اختلاط أشلاء زوجته وأبنائه بأنقاض المنزل، كان يقف بين الأشلاء ويُنشد للسلام من غزة، لعله يُخجل ديمقراطيات العالم المتحضر.

كُتب الكثير عن عذل حركة «حماس»، و«كتائب عز الدين القسام»، على ما جرّت إليه القطاع من الحرب الشاملة، أكثر من مرة، ومَن كتب لم يبرر للجيش الإسرائيلي الجرائم التي يرتكبها بحق المدنيين، إنما ينطلق من واقع، أنه لو كانت «حماس» قادرة على الرد وحماية القطاع قد لا تُعذل، فالحرب مفتوحة ومنذ احتلال الأرض وتشريد السكان، لكن أن تعطي المبرر وتترك الناسَ أهدافاً للطيران وآلة القتل الرهيبة، لإثبات الوجود، مقابل هدف حزبي لا وطني، فهذا هو اللعب (الجهادي).

على صعيد آخر هناك من تحدث، بما يمكن وصفه بسقم العبارة، أن كتائب القسام وجيش القدس الإيراني هما القادران على لجم إسرائيل وتحرير الأرض كاملة، وذلك تعليقاً على خطابي قائد «القسام» وقائد «جيش القدس»، وما توعدا به إسرائيل من تدمير، وهي عودة إلى مقولة: رميها في البحر. نعم، من يمتلك القوة يمتلك الأرض، ولـ«القسام» و«جيش القدس» ذلك لو امتلكا تحقيق ما وعدا به، لكن ما يحصل أن مقابل صاروخ واحد تُدمر ألف دار، ولا تتوقف الحرب لأسابيع، في كل جولة من جولاتها.

ناهيك عن أن الحرائق مشبوبة بالمنطقة، والشُّعوب مبتلاة بما فيها من مصائب، فأي تضامن يقدمه العراقي وهو يحترق بنار العنف في كل مكان؛ والناس عيونها على طريق الهجرة، ففي مكان مقاومون وميليشيات وفي مكان آخر «دولة خلافة»، والكل يعبث بالدم! أي تضامن يُرجى من السُّوريين، وقد تشردوا في ديارهم وخارجها، والقتل اليومي جارياً؟ أي تضامن يُطلب من المصريين والعنف الإسلامي أخذ يتصاعد ليمنع الاستقرار بأية وسيلة من الوسائل، ولا يعبأ بحلال أو حرام. إلى ليبيا والحرب الداخلية تحرق الأخضر واليابس فيها، وهل لدى الليبي فرصة إعلان تضامن مع غَزة أو غيرها؟ هذا هو محيط غزة القريب والبعيد، مشغول بمصائبه، ويتبع مصيره إلى الموت أو أرض الملاجئ.

غزة بلاد عريقة الوجود بين حواضر الدنيا، ذات تاريخ ضارب في القِدم، أخذت من كل الحضارات التي مرت عليها، وظلت متوازنة في مدنيتها، وفيةً لابنها وإمامها محمد بن إدريس الشافعي (ت 204هـ)، صاحب المذهب المعروف، من دون أن تتحول إلى كيان ديني خالص، مثلما تريد لها «حماس». ذكر غَزَّة زكريا القزويني (ت 682هـ) بالمدينة الطيبة «بين الشام ومصر على طرف رمال مصر» (آثار البلاد وأخبار العباد)، حيث الأنفاق بينهما في الوقت الحالي، وهي مصدر النزاع.

إلا أن القزويني وكذلك ياقوت الحموي (ت 626 هـ) لم يذكراها إلا ليفيضا بأخبار وليدها الإمام الذي هجرها طفلا إلى الحجاز، وحن إليها قائلا: «وإني لمشتاق إلى أرض غَزَّةٍ/ وإن خانني بعد التفرق كتماني/ سقى الله أرضاً لو ظفرت بتربها/ كحلت به من شدةِ الشوق أجفاني» (ديوان الشافعي).

ذَكَرها أيضاً من البلدانيين محمد المقدسي البشاري (ت 380هـ) قائلا: «غَزَّة كبيرة على جادة مصر، وطرف البادية، وقرب البحر، بها جامع حَسن، وفيها أثر عمر بن الخطاب..» (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم). وآخر البلدانيين القدماء زارها ابن بطوطة (ت 779هـ) ووجدها: «متسعة الأقطار، كثيرة العمارة، حَسنة الأسواق، بها المساجد العديدة والأسوار عليها، وكان بها مسجد جامع حَسن، والمسجد الذي تُقام الآن به الجمعة..».

ثم عاد ابن بطوطة إليها فوجدها شبه قفراء، قد عاث بها الوباء، وقضى على معظم سكانها بمعدل ألف ومئة في اليوم الواحد (الرحلة)، مثلما نراها في هذه اللحظات عارية إلا من الدماء والأشلاء. قيل مات فيها أبو الهواشم هاشم بن عبد مناف (معجم البلدان)، ولأبي نواس (ت 198هـ): «طوالبَ بالركبان غزَّة هاشمٍ/ وبالفرما مِن حاجِهنَّ شُقورُ/ ولما أتت فسطاطَ مصرٍ أجارها/على ركبِها ألا تُذال مجيرُ»(الديوان). فمن المفجع أن يحلُّ بها هذا الخراب، وكأنه سيأتي على إزالتها من الوجود، وتبقى دماء الناس أقدس من أي حجر مهما عظم شأنه وعلا.

تضامنت الدُّول مع غزة ودفعت ما قدرت عليه من مساعدات، لكن المشكلة أن العاذلين أو اللائمين لقلة التضامن يريدونه تضامناً مع الحركة الإسلامية، و«حماس» الطرف الرئيسي فيها، بينما الدول والشعوب صارت أهدافاً للإسلاميين، في كل مكان. إنه أمر شديد الالتباس، ويدفع الثمن الشعب الفلسطيني، وعلى وجه الخصوص قطاع غَزة، فالحركة الإسلامية فيها تريد مد الأذرع إلى خارجها عبر التنظيم الدولي، وفي الوقت نفسه تلوم غيرها لقلة التضامن، ليس من الدول إنما الشعوب، مع أن هذا التضامن مهما بلغ لا ينهي المأساة ويستر التورط فيها.

إن الحركة الإسلاميَّة، وهذا لا يبرر بطبيعة الحال جرائم الجيش الإسرائيلي، تفكر بحزبيتها قبل وطنيتها، فما حدث بقطاع غزة منذ انقلاب «حماس» والتفرد بأمرها والأسلمة الجارية على قدم وساق، حتى ضحت «حماس» بعلاقتها مع الشَّعب المصري لواجب حزبي، يتعلق بوضع «الإخوان» بمصر. في حين كان عليها الانتباه إلى قضيتها الوطنية أكثر من مصلحتها الإخوانية.

إذا بقي الحال كما هو عليه فستظل غزة ممراً للغزاة مثلما كانت للإسكندر المقدوني ولسمعان المكابي في قرون ما قبل الميلاد (قاموس الكتاب المقدس)، وقُصْدت بالخراب في العديد من الأزمنة، وها هي تُهدَم على أهلها. فآلة الدمار قد اختلفت، كانت حجارة منجنيق فغدت قنابل طائرات، تُنزل حممها على الرياض والمدارس. نعم، من حق العاذلين على قلة التضامن مع غزة ولو بالكلام، ومع قضية تحملنا باسمها أعتى الديكتاتوريات، وباسمها تشكلت أحزاب خطفت الدين، والأنساب أيضاً، لكن على العاذلين معرفةَ الأسباب!

(الاتحاد)

 

 

زيونة بغداد.. أما تخجل الخضراء من ثغب الدِّماء؟!

د. رشيد الخيون

 

حصلت في الأسبوع الماضي، وتحديداً (السبت 12 تموز، مايو 2014) جريمة قليل أن يُقال عنها كانت مروعةً، قُتل فيها عشرين امرأة وفتاة وستة رجال. كان السَّلاح المستخدم مسدسات كاتم الصَّوت، آلة اغتيال أستاذة جامعات ومثقفين وتجار، ولم تبق فئة اجتماعية ناجية منه، إلا أصحاب المراكز الحكومية والسياسية، فهم ناجون، وذلك لما يُصرف على الحماية مِن المال العام الذي تشترى به أيضاً كواتم الصَّوت.

يقع حي “زيونة” بجانب رصافة بغداد، خطوات عن قناة الجيش، التي تقطع بغداد مِن الجنوب إلى الشَّمال، أُنجزت في عهد الزَّعيم عبد الكريم قاسم (قُتل 1963). كانت حدائق القناة مكاناً للطلاب يطالعون بها دروسهم في مواسم الامتحانات، ومرتعاً لطالبي التنزه، وقريباً مِن ضفافها تقع مدينة الألعاب. تقع شمال زيونة مدينة الضباط، هكذا كانت تُعرف المحلة، ثم عُرف المكان “زيونة”، التي في بدايتها يقع ملعب الشَّعب، ذلك الملعب الذي تبرع به كولبنكيان صاحب الخمسة بالمائة مِن النِّفط. يمر فيها باص (36) القادم مِن الميدان وساحة الأندلس.

عشتُ بزيونة فترة، مقيماً ومتردداً على منزل شقيقي الضابط آنذاك (أعدم 1980)، والبناء كان على قَدم وساق فيها، فقد كانت مساحة كبيرة منها فارغة، فتمت بأسواقها وحدائقها. لم نسأل حينها عن أسماء المدن والمحلات التي نُقيم فيها، بينما لكلٍ منها قصة وحكاية، حتى حي جميلة، الذي سمي باسم المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد، لم نعرف سره، مثلما نُسي دعم العِراق، في زمن عبد الكريم قاسم، إلى الثَّورة الجزائرية، بلا فرض إيديولوجية أو تأسيس فروع أحزاب، إن كانت أحزاب النَّاس أو أحزاب الله. لكنَّ هناك معلومات تفيد أن المكان سمي باسم امرأة اسمها زيونة، كانت مِن أول الساكنين فيها، وقيل إن المرجح في أصل التَّسمية كانت الأرض لعائلة مسيحية تدعى “بيت زيونة”، هكذا قرأتُ في أحد المواقع منقولاً عن كتاب “أسماء المدن”، الذي لم أقرأه.

انقطعت صلتي بزيونة العام 1977 نهائياً، ولم أعود إليها متخفياً، مِن مطاردة الأمن، كي أودع شقيقي وعائلته، مِن دون أن يعرف بأني سأغادر غداً، وبعدها يغادرنا إلى الأبد، وتستمر الرِّحلة حتى يومنا هذا، فمثلما جاء عنوان المدونة السَّابقة “العراق… مِن طُوّيْس إلى طُوّيْس”، وطُوّيس هذا صار اسمه كناية عن الشُّؤم أو الفال النَّحس. سمعتُ كثيراً عن الحوادث التي وقعت بزيونة بين حين وآخر، كلها حوادث قتل واغتيال، ومنها ما يتعلق بإثبات الميليشيات للرّجولة والطَّهارة والعفة، على المقتولين من المنحرفين أخلاقياً، هكذا تُقدم الشِّرطة بلاغاتها كي تخفف مِن وطئ الجريمة، ويصبح المقتول متهماً.

لستُ بصدد الحديث عن سبب القتل بقدر ما نتحدث عن القتل نفسه، والجريمة الكبرى، بقتل هذا العدد مِن النِّساء والرِّجال، ومَن هو القاتل؟ فإلى هذه السَّاعة لم يظهر المجرم، وسيُسدل الستار على دماء زيونة، تحت مبرر العِفة، مع أن القاتل نفسه يحتاج دروساً بالعِفة، إذا كان هذا السَّبب. مِن جهة أخرى مَن له الحق إراقة الدِّماء ويتصرف كسُلطة فاقت الأجهزة السِّرية السَّابقة؟ مَن له الحق أن يحمل سلاح كاتم صوت؟ انظروا حديث رئيس الحكومة عندما أشاد بولده وهو يُكلفه بإلقاء القبض على أحدهم، وقال بالحرف: “وجد عنده كواتم صوت”! والمقبوض عليه مِن سُكان الخضراء.

لكنَّ مِن المعلوم أن كاتم الصَّوت لا تمتلكه الحكومات ولا أجهزتها ولا فِرق الحمايات، بل يملكه المجرمون عادة، الذين يريدون تنفيذ عمليات اغتيال، أما الحكومة والحماية فيكون بيديها السِّلاح الرَّسمي، وكاتم الصَّوت ليس سلاحاً رسمياً لأنه سلاح اغتيال وجريمة، المفروض أن يكون محرماً، لا مشاعاً لدى الميليشيات، التي شارك حزب السُّلطة في احتفال استعراضها العسكري فتأمل. على أية حال، لا يكون كاتم الصَّوت إلا عند العصابات، لا عند الأحزاب ولا الحكومات، لكنَّ في وضعنا الرَّاهن تتحول العصابات إلى حكومات وأحزاب، وعندها لمَن المشتكى، فهي “الخصم والحكم”.

بُثت صور القتيلات والقتلى، وكانت مشاهد مفجعة تل مِن اللحم في بحيرة مِن الدِّماء، ومِن المؤكد أن القتلة عادوا واحتفلوا بنشوة النَّصر، ولا أظن أن ذئاباً لو أُطلقت على آدميين، أو قطيع أغنام ستفعل ذلك، لأنها مقيدة بغريزة الشِّبع والاكتفاء، ولا تتعداها، أما هؤلاء فأرى قليلاً عليهم تسميتهم بالذِّئاب، أو أي وحوش أُخر. نعم، هؤلاء تجاوزوا مقدار القسوة والوحشية.

نأتي إلى حادثة مشابهة، وقت ببغداد نفسها، السنة (257 هـ)، وحينها كان مركز الخلافة، أو العاصمة، سامراء (ترك المعتصم 221 هـ بغداد إلى سامراء وعاد المعتمد إليها وجعلها المعتضد العاصمة مرة أخرى 279 هـ)، يقول محمد بن جرير الطَّبري (ت 310 هـ): “ظهر ببغداد بموضع يُقال له بُركة زلزل خنَّاق، وقد قتل خلقاً كثيراً مِن النِّساء، ودفنهنَّ في دار كان فيها ساكناً، فحُمل إلى المعتمد، فبلغني أنه أمر بضربه، فُضرب ألفي سوط وأربعمائة أرزن (عود شجر)، فلم يمت حتى ضرب الجلادون أُنثييه بخشب العقابين، فمات، فردَ إلى بغداد، فصُلبَ بها وأُحرقت جثته”(تاريخ الأمم والملوك).

فمَن هو معتمد (ت 289 هـ) العصر، يقتص مِن مرتكبي هذه الجريمة، التي هي واحدة مِن جرائم تدنس وجه تاريخ هذه المرحلة. فمعلوم أن القاعدة جماعة مجرمة تفجر وتقتل المئات، وداعش أكثر منها أو تساويها في مستوى الإرهاب، وهما مِن الأساس ضد الوضع القائم، لكنَّ هذه الجريمة لها فاعل آخر، وأُريد أن تتم بكواتم الصَّوت، وترك الضَّحايا، كي يُشاع الرُّعب بين النَّاس، الرُّعب الأكثر في النّفوس، الرّعب مِن السِّلاح الصَّامت يدخل فرعه مع الإنسان إلى غرفة نومه، ومَن ينسى رعب أبي طبر (1973)، الذي ظهر بعد حين، وقالها البغداديون في حينه، إنه لعبة الحكومة، وكان هكذا. أقول هذه المرة أن الجماعات التي تنفذ الاغتيالات بكواتم الصَّوت، على ما يبدو مجازة، بشكلٍ مِن الأشكال، لأنها تقوم بواجب الطَّهارة، الطَّهارة التي تحافظ على شكل حكم الأحزاب الدينية، فللحق، على ما يعتقدونه حقاً، جماعة تسرح وتمرح بسلاحها، إنها الجيش الرَّديف لتحقيق ما يعجز عن تحقيقه في برلمان وقرار رسمي. أقول: أما تخجل الخضراء مِن ثغب دماء زيونة! فممَن تُطلب الحماية إذا تعجز حكومة الخضراء عن تحقيقها، أفيدونا. هذا و”الثَّغب” له معاني عدة، تعني القتل، فهو الطَّعن والذَّبح ونزيف الدَّم.

 

باحث عراقي متخصص في الفلسفة الإسلامية. من كتبه "100 عام من الإسلام السياسي بالعراق".

(المجلة)

 

العراق.. سننسى (بعد خراب البَصْرة)!

رشيد الخيون

مَن يتابع الحوادث منذ صباح التاسع من أبريل 2003 وحتى لحظات ما حصل بالموصل (الثَّلاثاء 10 /6/ 2014)، يجد آخرها مربوطاً بأولها. فالذين قدِموا مع الأميركيين لا يمتلكون مشروع دولة ولا مواطنة، ولا قفلاً لما فتحوه مِن بوابات انتقام، ويكفي ما اغتيل من ضباط الجيش وطياريه وضح النهار، وتوهموا منذ اللحظة الأولى أنهم أصحاب فضل في التغيير، حتى أخذهم الغرور إلى اعتبار الدولة غنيمةً، ويعتقدون أن جعفر الصادق يرضيه أن اسمه صار عنواناً لبناية مخطوفة من الدولة باسمه، أو إطلاق أسماء المنتصرين على قاعات الجامعات العلمية، أو شركة دجاج ترضي العباس بن علي أنه صار عنواناً لها «الكفيل»!

غلبت عليهم الدَّهشة لعجيب ما حدث، فظل الخوف هاجسهم، مع وجود (150) ألف جندي أميركي يحتمون بهم، إلى جانب حدود طولها (1200) كيلو متر، المفروض أنها مؤمنة لهم، وإذا كان هناك مِن تسريب سوري للإرهابيين فكان للتعجيل برحيل الأميركيين، ومِن عجبٍ أن عادت الطائرات السورية تقصف مَن كانت قد دربتهم وأدخلتهم!

لم تملك تلك القوى غير ما كانت تتثقف به داخل مسجد وحُسينية، هذه هي مساحة مشروعها حول الدولة. حملت صورة المختار الثقفي (قُتل 67 هـ) رمزاً للثأر، فلما تمكنت رفعته شعاراً «مختار العصر». هذا إذا كان لكل زمان مختاره. لم يتعلم هؤلاء أكثر مِما خلف فيهم خصمهم، لكنهم ليسوا بالقوة التي كانت تحفظ نظامه، وإن جلس على خراب البلاد.

مازالوا يعيشون الدَّهشة مما هم عليه، كيف دخلوا الكرادة الحصينة، بعد أن قَلب الأميركيون اسمها إلى «الخضراء»، فصارت منتجعهم الدائم. ما قيمة ثلاث دورات انتخابات، والفوز الساحق، إذا ظل الخراب يسري في مجالات الحياة كافة؟ هل العبرة أن تحصل على شرعية وجودك، وماذا بعدها؟ مع أن الناخب قد جُهز طائفياً وبعدوانية؟ ما قيمة هذا الفوز والناخب مساق بوهم تلك الصلة، وتغييب عقله؟

فشت «بعد خراب البصرة» كنايةً، داخل العراق وخارجه، عن فوات الأوان. تعرضت البصرة إلى ثلاث انتفاضات للزنوج، لم يكونوا طلاب سلطة، ولا حاسبين حساب قانون لتحريرهم مِن الرق، فالزمن لم يحن بعد، إنما للتخفيف من جور أسيادهم، وعادة تكون الاضطرابات مناسبات للتمرد، ففي (71 هـ) كانت المعارك بالبصرة بين الزُّبيريين والمروانيين، حينها انتفض جماعة من الزنج وأحبطت محاولتهم، فالعدد كان قليلا وبلا قيادة. في (75 هـ) وصل الحجاج إلى البصرة فخرج عليه جماعة بقيادة ابن الجارود (قُتل 75 هـ) -جماعته غير جارودية الزيدية- فاستغل الزنج الاضطراب وثاروا، وهذه المرة لهم قائدهم رباح الزِّنجي، عُرف بـ«شير زِنج»، أي أسد الزنوج، وكثر عددهم، ومع ذلك انهزموا وقُتل أسدهم.

أما الثورة الثالثة، فحدثت بعد حين (255 هـ)، باستغلال النزاع داخل البصرة بين طائفتي البلالية والسعدية. فأعلنت بقيادة شخص ادعى الانتساب إلى العلويين، وابن أبي الحديد (ت 656 هـ) ينفي ذلك، ويقول: «قدح به الطالبيون» (شرح نهج البلاغة). فباسمهم كانت تُرفع رايات ومازالت، يدعى علي بن محمد (قُتل 270 هـ). كانت أخطر الثورات في الخلافة العباسية، استمرت 15 عاماً، دكت أطراف بغداد، بعد دخولها النُّعمانية، وهيمنت على واسط وأجزاء من ميسان والأهواز.

اجتمع الزنج حول مؤملهم بالخلاص بما سيُملكهم من منازل وعبيد، وجعل منهم قادة مثل درمويه الزنجي. ولما توجسوا من نيته تجاههم جلب جماعة من مُلاكهم وجعلهم يجلدونهم أمامه؛ فاطمأنوا إليه. قاد المعارك ضدها ولي العهد الموفق بالله العباسي (ت 278 هـ) وولده المعتضد بالله (ت 289 هـ)، ولخطورتها وصل الإسناد بقيادة لؤلؤ غلام والي مصر.

صار صاحب الزنج، مثلما ورد لقبه، يتنبأ، فتنبأ بخراب البصرة: «اجتهدتُ الدُّعاء على أهل البصرة، وابتهلتُ إلى الله في تعجيل خرابها، فخوطبتُ فقيل لي: إنما البصرة خبزةٌ، لك أن تأكلها من جوانبها، فإذا انكسر نصف الرَّغيف خربت البصرة» (الطبري، تاريخ الملوك والأُمم). ولشدة الخراب يُنقل عنه أنه نسب خرابها إلى الملائكة التي كانت، مثلما ادعى، تُقاتل معه: «الملائكة تولت خرابها دون أصحابي» (نفسه). أما آثار الخراب فكانت القتل الذِّريع، والمجاعة، وانعدام الماء العذب، بسبب شدة المعارك، حتى أكلوا وشربوا بعد الاختفاء في الآبار، هرباً من الموت، ما لا يُعف عن ذِكره.

عقيدة صاحب الزِّنج عقيدة الأزارقة، وهم الأشد عنفاً، يقتل كل من يتعلق بالمخالفين، وكتب على رايته الحمراء الخضراء: «إِن اللَّهَ اشْتَرَى منَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ..». ورفع شعار «ألا لا حكم إلا لله» (المسعودي، مروج الذهب). وهذا شيء عجب كيف يكون حفيداً لزيد بن علي (قُتل 122هـ) ويتمثل بشعار رُفع ضد جده؟!

لكن العبرة ليست بهذا، إنما بسلوك الموفق بالله، كيف تعامل؟ ليس بشدة القتال وتهييج الناس، فإلى جانب تنظيم جيشه، تصالح مع من يرمي السلاحَ، ومَن يعود إليه لا يحرمه من حياة لائقة به، ويعيد له ما فقد، ويعامله كأحد أعوانه. فأتاه كبار القادة، ولم ينقلب على أحد أو يؤاخذه بما سلف. بعد إنهاء الثورة بعث الموفق صاحب السُّنن سليمان بن داود السِّجستاني (ت 275هـ) ليفتح الدرس بالبصرة، فتوجه إليها من بغداد، بعد أن قال له: «ليرحل إليك طلبة العلم، فتعمر بك، فإنها قد خربت، وانقطع عنها الناس، لما جرى عليها من محنة الزنج» (ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق). بطبيعة الحال، نحن نتحدث عن قبل 1200 عام.

أقول: عندما يُخرب البناء يعاد تشييده، لكن المشكلَ بخراب النفوس والعقول، وكان قد ساهم به ثلاثي الحروب والحصار والطغيان، فاحتاج إلى مصلحين كفاة لا منتقمين شقاة. فإذا هؤلاء يأتون ويزيدون الخراب خراباً، لأنهم لا يملكون خطة ولا مشروعاً لإعادة إعمار، ومَن يحصر التخطيط لصيانة البقاء في المنصب لا يصلح شيئاً، وسيضيع حتى ما حرص عليه. لا تغشوا أنفسكم، القوة التي تحاربونها ليست «داعشاً»، بل قوة خلقها الاجتثاث المريب والغرور بالطائفية أولا وأخيراً.

لم يمسح عنوان «بعد خراب البصرة» أي خراب آخر، بما فيه اجتياح المغول (656هـ)، وتيمورلنك (1393 ميلادية) لبغداد، إلا ما سيؤول إليه أمر العراق، في الظروف الراهنة، ستتحول الكناية إلى «بعد خراب العراق». فالقائد العام غير العارف بالفنون العسكرية، ظهر يقول: الطائرات ستصل وسنحرقها عليهم! متى؟ «بعد خراب العِراق»!

(الاتحاد)

 

سلطة العراق:

لا سنَّة خسرت ولا شيعة كسبت

رشيد خيون

 

ما يُطرح من رأي اليوم يفسر جوهر النزاع السياسي في العراق بخسران السنّة للسلطة (أبريل 2003)، وما يجري ما هو إلا انعكاس وردة فعل لهذه الخسارة الفادحة، فليس من السهل الخنوع بعد (1400) عام من الحكم! بالمقابل، فإن الشيعة استعادوا السلطة المختطفة، فلابد لهم أن يحكموا وعلى الآخرين الرضوخ للأمر الواقع!

هذا ما يدور باختصار شديد في عالم الحوار والكتابة، يتحدث به ويكتبه العربي والغربي عن علم وغير علم.

لست مع هذا الطرح المريب، لأنه تبرير لأخطاء السياسة التي أوصلت العراق إلى هذه الهاوية.

فليس أسهل من القول: السنّة لا يرضون بحاكم شيعي، ولا الشيعة يوافقون على حاكم سني.

لكن الوقائع عبر التاريخ تقول غير ذلك، فلا تجد بينها طائفة حكمت أو ثارت بلا عُصبة تختطفها قبل غيرها، لتصبح وقوداً لآلة ثورتها وسوراً لحماية سلطتها.

لذا لابد من البحث عن مخرج لهذا الاختطاف، بدلاً من تدمير بلاد اتسعت لعشرات الطوائف والأعراق، لاسيما أن العالم يتجه إلى التوحد والاندماج، ويقترب من الأُممية الحقيقية، ليس عن طريق الثورة والثوار، بل عبر التقدم العلمي وإحلال الحضارة محل الجهالة، و«حوار العقول لا تناطح العجول».

فمن نتائج ذلك أن هُدمت الحدود وأُهملت جوازات السفر، فلا حاجة لها في العبور بين دول تحتضن مئات الأديان والمذاهب والقوميات.

ولكم مقابلة ذلك مع عدد الضحايا الذين مضوا تحت شعار الوحدة العربية، ولم تسفر دماؤهم عن شيء، فالجماعة التي رفعت اللواء «اتصلت زوراً وقد أقسمت/ بالعروة الوثقى على الانفصامْ».

تعيش تلك البلدان، رغم كثرة الأجناس والأعراق، بلا اختطافات مذهبية، أو دينية، أو عرقية، والسبب يا سادة: صار لعقلاء هذه الأُمم الكلمة الفاصلة، لا يفكرون بتصدير ثورة أو أيديولوجيا، ولا يقدمون أنفسهم بشيء يتعارض مع قيم المواطنة.

شاعر عاش، ومات قبل الإسلام الأفوه الأودي، وكان سيداً متقدماً في قومه:

 «لا يَصْلُحُ النَّاسُ فوضى لا سَراة لهم       ولا سَرَاةَ إِذا جُهَّالُهمْ سادُوا

تُهْدى الأُمور بأهلِ الرَّأي ما صَلحت          فإنْ تَوَلَّتْ فبالأَشرارِ تَنْقادُ»

(العباسي، معاهد التنصيص على شواهد التلخيص).

العراق أحوج من أي زمن مضى، إلى سراة حوارهم حوار العقول، لا التهييج والتهديد، ومن يتابع ممارسات الأعوام الماضية يرى أن ما حدث ليس بالأمر العجيب، فالنتائج تُعرف من المقدمات.

كم نصيحة قدمها المخلصون، لكنهم صاروا خونة عملاء يريدون إسقاط العملية السياسية! مع أن الإرهاب ظل يدق بوابات بغداد، وهذه المرة ليس على طريقة «اضرب واهرب» وإنما سيختطفها بالكامل، إذا بقي الحوار مشوهاً قائماً على أساس شيعة حكمت وسُنة خسرت! أجد في مثل هذا الطرح تبريراً للفشل وتستراً على فظائع يعانيها الشعب، كي يشغل بالعزف على طنبور الطائفية.

ما يجري في العراق ليس فقدان سلطة طائفة لمصلحة أخرى، إنما أزمة حُكم وقلة دراية في الإدارة والسياسة، ونفوس موبوءة بروح الانتقام.

فأي شيعة حكموام وأي سنة فقدوا الحكم؟ وأي ثورة من الثورات أنصفت أبناءها؟ وأي عُصبة وصلت إلى الحكم، وفتحت بوابات الجنة لطائفتها؟ نعم هناك عُصبة تستفيد من تجييش الطائفة التي تنتمي إليها للدفاع عن مصالحها، بانقلاب أو انتخاب.

إن نبش الشعور الطَّائفي ليس وليد الساعة، حتى الأحزاب التي لا صلة بها بالتدين والطوائف، حُسبت على الاصطفاف الطائفي، ففي غفلة مِن الزمن صار «الحزب الشيوعي العراقي» شيعياً، وحزب «البعث العربي الاشتراكي» سُنياً في نظر المحللين (انظر: طه جابر العلواني، العراق الحديث بين الثوابت والمتغيرات). مع أن قيادات وقواعد هذين الحزبين كانت مختلطة، ليس مِن شيعة وسُنة فحسب، بل من بقية أقوام العراق، ولم يخل «البعث» نفسه، وهو العروبي، من كُرد وتركمان وكُرد فيليين، ستقولون: دخلوا لمصلحة، لا، منهم من انتظم فيه قبل اغتنام السلطة.

ما يخص السنة، وأتحدث عن طائفة لا عشيرة أو أسرة، ماذا خسروا بسقوط النظام السابق، الذي يعتبره المصرون على طائفيته ممثلاً لأهل السنة؟ فأول اغتيال مورس بعد 17 تموز طال سُنياً، هو ناصر الحاني (1968)، أول وزير خارجية بعد الانقلاب، وأول إسلامي يُقتل تحت التعذيب كان شخصية سُنية، هو الشيخ عبد العزيز البدري (1969)، وأول شخصية حكومية كبيرة (نائب رئيس الجمهورية) اغتيل كان حردان التكريتي (1971). ثم هل تحولت المناطق الغربية إلى جنائن في العهد السابق؟ لعل ذلك فيما يخص أسرة الحاكم، أما بقية المدن فلم تخلُ من مقتولين، وأكثر الضباط الذين أعدموا كانوا من سامراء والرمادي.

وبالمقابل هل شيدت الأحزاب الشيعية، وفي مقدمتها «حزب الدعوة»، كونه يتولى رئاسة الوزراء وقيادة القوات المسلحة وغيرها من المناصب الحساسة، أوتاد ذات العماد بالمناطق الشيعية؟ أما وجود حكومات محلية، وشيء من اللامركزية، فهذا ليس بفضل خدمة أحزاب شيعية للشيعة، وإنما بفضل النظام العام، والذي ساد بالمناطق السنية أيضاً.

هل كان مَن قُتل مِن الشيعة بكواتم الصوت قليلاً؟ وهو سلاح لميليشيات شيعية، وهناك من يؤكد أنها من أردان السلطة نفسها.

لتكن المعركة، وإذا شئتم المعارك، حزبية بين جماعات وأحزاب، لا بين طوائف، لأنها ليست الرابحة.

أشك في صدق نوايا، أو عِلم ودراية كل ما يُكتب ويُبث في وسائل الإعلام، بأن جوهر النزاع القائم في العراق سببه ظفر الشيعة بالسلطة وإفلاس السنة! كان هذا الفهم الخاطئ وراء الهياج العام.

مَن جُردوا من مساكنهم في الجادرية، وغيرها من الأماكن الراقية ببغداد كانوا من الشِّيعة أيضاً إلى جانب السنة، مثلما التفجيرات بالمناطق السنية لا توقفها وحدة المذهب، إنه نزاع يخطف الطوائف ويسوقها إلى «حتفها بالعصا»، عصا المذهبية، لتتوقف إشاعة شيعة خاطفة وسنة مخطوفة.

ماذا يفعل الحاكم عندما يرتجف وضعه؟ يكسب طائفته، لأنها الحاضنة الأخيرة فيستبدلها بالوطن، وكيف يشدها إليه؟ بلا شك إظهار الطائفية، واستدراجها إلى المواجهة، وما إن يتنفس الصعداء حتى يقلب لها «ظهر المجن» إن بدا منها صوت نشاز.

وما يحصل بالعراق سوء إدارة الدولة، وفشل يراد ستره بالتحشيد الطائفي.

فلابد من حكومة إنقاذ وطني، فإرهاب «داعش» لا يُجابه بالفزعة، والعودة إلى الجيش الشعبي! بل يُجابه عبر تصحيح السياسات، والاعتراف بالأخطاء الجسيمة التي مورست، قبل فوات الأوان.

(الاتحاد)

 

يا شيعة العراق..

لا تنتحروا على مبكى الخضراء

رشيد الخيون

ما حصل بالموصل كان متوقعاً، فمن ينظر في النهج السياسي، والتعامل مع السُّلطة غنيمةً، لا يستغرب مما حدث. كم توهم مفردة «ما ننطيها» بالطغيان، وكم توهم جملة «المعركة بين يزيد والحسين» بالخذلان. ناهيك عن التعامل مع الاحتجاجات الشعبية بالتجاهل والعنف الذي نقلها إلى الاصطفاف مع أي خصم، ولو كان «داعش».

يصاحب ذلك الشراهة للاستحواذ على ممتلكات الدولة، والتسامح مع الفاسدين وتبرئتهم، وتغليب الولاء الأسري والحزبي على الكفاءة، إلى تزييف القضاء. أقول: ألا يذهلك ظهور قاضٍ تولى محاكمة النظام السابق راشياً في الانتخابات، وهو على ملاك قائمة «دولة القانون»؟ تمعن بالاسم!

ظلت هذه الأحزاب تهاجم النظام السابق، مع جيش دولة أجنبية، وقامت بمقاتل، تُعد أعمالا إرهابية لأن أبرياء قضوا فيها، ولم تقتل رجل مخابرات ولا رُكناً من الأركان، وجاء اليوم الذي وجدت تلك القوى مَن يهاجمها بالمواصفات نفسها. وعند المتنبي (اغتيل 354هـ) ما يُعبر: «ألا لا أرى الأحداث مَدحاً ولا ذمّا/ فما بطشها جَهلا ولا كفُّها حلما/ إلى مثلِ ما كان الفتى مرجع الفتى/ يَعودُ كما أُبدي ويُكري كما أرْمَى» (العرف الطيب).

فالشعار الذي اُستخدم في المعارضة: «حقوق الشيعة»، يُستخدم من على منبر السلطة اليوم، بينما الشيعة ابتلوا باضطهاد سببه أن هذه الأحزاب أرادت السل