الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

·         كاتب  وناشرعراقي  يملك (دار بابيلون – براغ)  مؤسس ومدير مركز الجواهي في براغ

 

مقالات سابقة

الجواهري ....بعيداً عن

"الوطنية" و"الثورية"!

رواء الجصاني

     باستثناءات محدودة، ركزت المئات من المقالات والبحوث والدراسات والكتب على عطاءات الجواهري الثقافية، ومواقفه الوطنية، واهتماماته السياسية، وتطلعاته الطموح وموهبته الشعرية وتمرده الجامح، وسواها من شؤون عديدة. وقد أغفل بسبب ذلك التركيز، التناول المناسب للجوانب الانسانية من حياة ذلك الذي "أحب الناس كل الناس"، ولمشاعره الوجدانية، وصداقاته وعلاقاته ومنها مع "الأغلين" وخاصة أهل البيت من قطعوا ومن وصلوا"... وغيرهم.

    ولاشك بأن وراء تلكم الحال أسباب مختلفة نزعم أن الأهم منها كانت أوضاع البلاد الملتهبة على امتداد العقود التسعة والنيف التي عاشها الجواهري ملتهـِـباً، ومتعَباً ومتعِبأ في آن واحد... كما تجيء ضمن تلك الأسباب أيضاً شخصية الجواهري التي فرضت هيبتها وشموخها بقوة ورسوخ على المثقفين والكتاب والباحثين، وقسوة العديد من قصائده تجاه المتحرشين والحاسدين، وحتى بعض النقاد، مقتنعاً تماماً بأن ليس في الحياة من "نبيغ غير مطعون"، ومن يشأ "فليجُبْ أربع النقد ويسأل عن ملاحمها" كما يصرح في نونية دجلة الخير ذائعة الصيت...

وفي ضوء ذلك وغيره، راحت روائع جواهرية كثيرة تحتل مراتب ثانوية أمام بعض قصائد أخرى كانت أقرب إلى مزاج الناس و"الثوريين" منهم على وجه التحديد... ولربما يصلح أن نقارب هنا بانحسار شيوع قصيدته "الأخلد" حسب تعبيره، ونعنى بها "المقصورة" أمام رائية "طرطرا" أو ميميمة "تنويمة الجياع" وغيرهما كثير... وقد لا نبالغ في القول هنا، أن الآلاف من محبي الجواهري، ولانعني هنا النخب الثقافية بالتأكيد، قد يفاجئون حينما يسمعون أن للجواهري قصيدة عن "لغة الثياب" وعن "البحر حين يسجو"، وثالثة عن "بائعة سمك" وأخرى عن "عبقرية" الملاكم محمد علي كلاي وغيرهن من فرائد طغت فيها الفلسفة على الشعر والمشاعر... ونواصل هنا فنشير إلى نماذج متميزة في هذا السياق ومنها بائيته عن أبي العلاء، ونونيته عن أبي الطيب، وعن "لغز الحياة وحيرة الألباب" في ذكرى الرصافي وعديد آخر من قصيد الجواهري الغزير...

... ثم قد لا يصدق الكثيرون أن لشاعرهم الوطني، بل و"الثوري" الأعظم، قصائد غزل متفردة، كتبها على مدى عقود، بل وحتى وهو في السبعين... ولربما غلب بها حتى الشعراء الشباب، وبحيث راح يخاطب نفسه متسائلاً: "لجاجك في الحب لا يجمل، وأنت ابن سبعين لو تعقلُ"؟!...

    وفي ذات الاتجاه يمكننا التأشير هنا إلى أن انشغالات الجواهري العارمة في ميادين التنوير، وهمومه ومشاغله الثقافية والوطنية، لم تمنع عنه الانفعال والتفاعل مع همومه وشؤونه العائلية والشخصية، وتلك هي سمات الشاعر الأصيل كما هو معروف... فراح يحن لأمه، يخاف عليها "عاقبة الجمام" وينعى زوجة راحلة "تكنى بما تلد" ويوفي رفيقة دربه "حلوة المجتلى" ويناجي أخته "فرحة العمر" ويناغي طفلتيه اللتين يقنص الخيالا... عبريهما والعطر والضلالا". ويهنيء حفيدته "الزهر الندي" بعيد ميلادها...

  ... ثم، وكم مرة ومرة راح يكتب لصديق يبثه "شوقاً يلدغ الأضلع حتى خاله جمرا" وداعياً لسمير حينما ألمت به وعكة صحية "ان لا تخطت إلى عليائه العلل" ولآخر شاكياً من "هروب" حبيبة ويدعوه "هلم أصلح.."، ولرابع وخامس يناشدهما لكي "يتوسطا" له في تغيير شقته ببراغ...

     وهكذا، وبسبب شيوع و"طغيان" قصائد الجواهري الوطنية والثورية، ظُلمت العشرات من روائعه الأخرى في مضامير الوصف والغزل والهجاء وغيرها... وقد ساهمت في ذلك "الطغيان" مسارات "البلد العجيب" ومآسيه على امتداد عشرات السنين، وكذلك ميول النقاد وتركيزهم على عطاءات الجواهري السياسية وابداعاته ذات الصلة، ومن جانب الأدباء والكتاب العراقيين بشكل رئيس... ولهذه الأسباب، وما يحيط بها، تحجم انتشار ما صدح به الشاعر العظيم في "حبه المميت للحياة" بقساوتها ومباهجها، كما يقول في نونيته الشهيرة "دجلة الخير".

  ... وذلك العشق الجواهري الجامح للحياة، دفعه لأن يتحمل ما تحمل في سبيله، مؤمناً بأن "صفو السماء يريه قبح جهامها"... وشاهداً أن الحياة "معاناة وتضحية، حب السلامة فيها أرذل السبل"... ومنذ عشريناته، وحتى الثمانينات، لم يخفِ الشاعر قيمه تلك مستميتاً في الدفاع عنها... بل وسعى إلى دنيا متميزة "فيها الحمامة جنب النسر تتحد"، وليس أي حياة رتيبة يرضى بها "الرائبون"... مع أنه، وفي صورة من تناقضاته التي تجمع "التحريك والتسكين" راح في حالات استثنائية يفكر بالمهادنة أحياناً لكي لا يضيّع يومه، وغده، كما ضيع "الأمس الذي لن يرجعا"... بل ويلوم في مناسبات طارئة أخرى، نفسه التي أحاق بها "ما لم يحقه بروما عسف نيرون" بحسب قصيدته الذائعة "دجلة الخير" عام 1962.

 ... أما المرأة، وهي رمز الحياة وصنوها كما يرى الجواهري، فقد قبس من وليدها "نغم القصيد" و"حمد شعره ليروح لها قلائداً وعقودا"... وفيها، وعنها كتـــب العديد مــن الروائع، وفاء واعترافاً بالجميــل والجمــال... وغزلاً، كما ووصفاً نادراً ما برح يتردد صداه وشذاه إلى اليوم، وان مضت عليه أكثر من عقود وعقود...

... ولكي لا نبقى في التوصيف العام، ها هو شاهدنا على ذلك مثل: "بديعة - 1932" و"افروديت - 1946" و"انيتا 1948" و"سأقول فيك 1962" و"ليلتان على فارنا -1973" وغيرهن كثار كثار.

 كما لم يقتصد الشاعر الفرد في ذلك المنحى حتى وهو في شيخوخته المعطاء حين اعترف بأن "لجاجه في الحب لا يجمل"، وهو ابن سبعين "لو يعقل"!... إلا أنه وبرغم تلك المناشدة، وذلك الاعتراف، عاد وبتصميم عارم ليكتب "لا وعينيك لن أتوب" أوائل الثمانينات!!...

ان ما جرى التطرق عليه، ولو بعجالة، يعكس وقائع وحقائق ينبغي أن يُفرد لها على ما نرى حيز مكمل لأي باحث أو دارس للظاهرة الجواهرية، الشعرية والانسانية، ومن دون ذلك نظن – وليس كل الظن اثم – ان الصورة لن تتكامل عن حياة وشخصية شاعر أعظم، شغل أغلب القرن العشرين، وبعض القرن الحادي والعشرين حتى الآن على الأقل..

---------------------------------------------------------------------

مع تحيات مركز الجواهري / براغ

www.jawahiri.net

 

 

 

في السنوية العشرين لرحيل

الشاعر الخالد، مبدعون

ومثقفون واكاديميون يكتبون:(1-9)

استذكار الجواهري ...

تباهٍ بالوطن والشعر والتنوير

رواء الجصاني(*)

------------------------------------------------------------------------

دعونا نتساءل مشتركين،  قبل البدء، هل نحن في مناسبة رثاء؟ .. ام انه استذكار لخالد لم يرحل؟... هل رحل ،حقاً، محمد مهدي الجواهري (1898-1997) ؟!  أوليس هو من قال: 

أكبرت ُ يومكَ ان يكونَ رثاءَ، الخالدون عرفتهم احياءَ؟

   - وإذا ما كانت ملحمة - اسطورة كلكامش، السومرية الغارقة في العراقة، وحتى اربعة الاف عام، قد تحدثت عن الخلود والموت، هاهو الجواهري يجسد الامر حداثياً، وواقعياً، فراح يَخلـدُ، وإن رحلَ، وعن طريق اخرى، هي الفكر والشعر والابداع..

  -  أما صدحَ - ويصدحُ شعره - كل يوم في قلوب وأذهان كل المتنورين، العارفين دروبهم ومسالك حياتهم ؟.

 -  أما برحت الاطاريح الاكاديمية، فضلا عن الدراسات والكتابات، والفعاليات الثقافية والفكرية تترى للغور في عوالم شاعر الامتين، ومنجزه الثري؟! .

  -  الظلاميون ومؤسساتهم، وأفرادهم، وتوابعهم، المتطوعون منهم أو المكلفون، والقابضون، وحدهم - لا غيرهم - ما فتئوا يسعون، لأطباق صمت مريب عن الجواهري، وحوله، ولا عتاب بشأن ذلك، فلهم كل الحق في ما يفعلون،  فالضدان لا يجتمعان :  تنوير ومواقف الشاعر الخالد، ودواكن الافكار والمفاهيم .

... وفي التالي مجموعة مساهمات - ننشرها على حلقات - تفضل بها على "مركز الجواهري للثقافة والتوثيق" مبدعون ومثقفون وكتاب وأكاديميون، بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لرحيل الجواهري الخالد، والتي تصادف في 2017.7.27... ونبدأ تلك الحلقات بمساهمة مركز الجواهري:

-------------------------------------

* يموتُ الخالدونَ بكل فــجٍ، ويستعصي على الموتِ الخلودُ *

    في مثل هذه الايام، وصبيحة الأحد، السابع والعشرين من تموز عام الفٍ وتسعمئة وسبعة وتسعين، تحديداً، استنفرت وكالات أنباء ومراسلون وقنوات فضائية وغيرها من وسائل اعلام، لتبث خبراً هادراً، مؤسياً، هزّ مشاعر، ليس النخب الثقافية والسياسية فحسب، بل والألوف الألوف من الناس في شتى الارجاء:

" الجواهري يرحل إلى الخلود في احدى مشافي العاصمة السورية – دمشق،

عن عمر يناهز المئة عام"

  وهكذا يطبق " الموت اللئيم" اذن على ذلك المتفرد الذي شغل القرن العشرين، على الأقل، ابداعاً ومواهب، ثم لتروح الأحاديث والكتابات تترى بعد الخبر المفجع، عن عظمة ومجد الراحل العظيم:

-  المتميز بعبقريته التي يتهيّب أن يجادل حولها أحد...

 - السياسي الذي لم ينتم ِ لحزب، بل كان “ حزباً ” بذاته، يخوض المعارك شعرا وفكراً ومواقف رائدة

- الرمز الوطني الذي أرخ للبلاد وأحداثها بأتراحها وأفراحها من داخل الحلبة، بل ووسطها، مقتحماً ومتباهياً:

أنا العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه اشطارُ

... وذلك الراحل الخالد، نفسه: حامل القلم الجريء والمتحدي الذي “لو يوهب الدنيا بأجمعها، ما باع عزاً بذل المترف البطر".. ناشر صحف " الرأي العام"  و" الجهـــاد"  و"الثبات" … ورفيقاتهن الأخريات

- منوّرٌ متميزٌ من أجل الارتقــاء، صدح مؤمناً على مدى عقـود حياته المديدة:

 لثورة الفكر تاريخ يحدثنا، بأن ألف مسيح دونها صُلبا

 - صـاحب " يوم الشـهيد" و" آمنـــت بالحسين " و" قلبي لكردستــان" و" الغضب الخلاق" و" لفداء والدم”… شامخ، يطأ الطغاة بـ" شسع نعل ٍ عازبا"..

...  والجواهـري ايضا وايضا: متمرد عنيد ظـلّ طـوال حياتـه باحثاً عن “وشـك معترك أو قرب مشتجر”.. كيّ “يطعم النيران باللهب”! ..

- مبـــدعٌ بلا حـدود في فرائـد" المقصــــورة " و" زوربـا" و" المعـري"  و" سـجـــا البحـر" و" أفروديـت" و" أنيتـا" و”لغة الثياب” و" أيها الأرق" وأخواتهن الكثار

-  وهو قبل كل هذا وذاك " أحب الناس كل الناس، من أظلم كالفحمِ، ومن أشرقَ كالماس".
 - كما انه " الفتى الممراح فراج الكروب" الذي " لم يخل من البهجة دارا" ..

- رائدٌ في حب وتقديس من " زُنَّ الحياة" فراح يصوغ الشعر " قلائداً لعقودهنَّ" … و" يقتبس من وليدهن نغم القصيد" ..

-  وديع كالحمامة، ومنتفض كالنسر، حين يستثيره " ميتون على ما استفرغوا جمدوا" ..

وهو لا غيره الذي قال ما قال، وما صلى " لغير الشعر من وثن "  … فبات الشعراء يقيسون قاماتهم على عمود قامته الشامخ

...انه وباختصار: ذلك الطموح الوثاب الذي كان، ومنذ فتوته “يخشى أن يروح ولم يبقِ ذكرا” … فهل راحت قصائده – حقا – " ملؤ فم الزمان" !! وهل ثبتت مزاعمه بأن قصيــده " سيبقى ويفنى نيزك وشهاب"  وهو القائل:

وها هو عنده فلك يدوي….. وعند منعمِ قصر مشيدُ

يموت الخالدون بكل فج ٍ .. ويستعصي على الموت ِ الخلودُ

...ترى هل صدق بما زعم ؟؟!. التاريخ وحده من انبأنا، وينبئنا عن الامر، ويا له من شاهد حق ٍ عزوفٍ عن الرياء!!..

---------------------------------------

(*) رئيس مركز الجواهري للثقافة والتوثيق

www.jawahiri.net

 

 

 

 

 

 

 

في الذكرى 54 لانقلاب البعث

الدموي الاول في العراق عام 1963

بلقيس عبد الرحمن،

عقيلة الشهيد وصفي طاهر تتذكر..

 

تقديم وعرض: رواء الجصاني

 

لن  نأتي جديدا  في القول بأن استيلاء البعثيين على السلطة، وأغتيال الجمهورية الاولى، في انقلابهم الدموي بتاريخ 1963.2.8  جاء بعد تراكمات كمية ونوعية من الاحداث والوقائع التي استمرت طوال اربعة اعوام ونصف، اي منذ قيام ثورة / حركة  14 تموز 1958 وحتى تاريخ الانقلاب الاسود ..

وإذ يطول الحديث ويعرض ويتشعب، دعونا نتوقف عند بعض تلكم الشؤون والشؤون، في ذكريات شاهد عيان، هو الفقيدة الجليلة: بلقيس عبد الرحمن، عقيلة العميد الشهيد، وصفي طاهر، احد ابرز قيادات الثورة، والعهد الجمهوري الاول،  مع بعض اضافات وتوثقة مثبتة، ذات صلة (*) :

 

** عن محاولة اغتيال الزعيم في شارع الرشيد

استمرت المحاولات التي استهدفت ثورة تموز، وقيادتها الرئيسة، متمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم. وبعد أحداث الموصل في اذار 1959، تقوم زمرة من حزب البعث العربي الاشتراكي بمحاولة مسلحة لاغتيال الزعيم في منطقة رأس القرية بشارع الرشيد، في بغداد (تشرين الأول / 1959)... وبحسب مذكرات بلقيس عبد الرحمن، فان زوجها، وصفي طاهر، اتصل بالعائلة ليخبرها بما حدث، وليسرع بسيارته الى مستشفى السلام في منطقة العلوية، حيث نقل الزعيم قاسم مصاباً باطلاقات عديدة، وقد أصرّ على ان لا يدخل صالة العمليات دون ان يكون وصفي طاهر موجوداً، ليطمئن. ولدى وصوله، سلّمه الزعيم مسدسه، وأُدخل للصالة، وبقي وصفي في المستشفى الى جانب الزعيم طيلة فترة مكوثه فيها.

ووفق المذكرات ذاتها تكتب بلقيس عن زوجها وصفي طاهر: راح المحرضون والمعادون لمسيرة ثورة تموز، يزورون قاسماً في المستشفى ليسمعوه كل ما يغلي الصدور، ويؤزم الواقع، ومن بين ذلك ان سلوكه (الزعيم) دفع للحادثة لأنه كان مع "اليسار"... كما حاول البعثيون الترويج لاشاعة تقول بان من كان وراء المحاولة هما وصفي طاهر وجلال الأوقاتي، وجماعتهما...

وبعد خروج الزعيم قاسم من المستشفى راح يميل الى نقل وابعاد كل محسوب على "اليسار". ومن بينهم، أولئك الضباط الذين كان وصفي طاهر اختارهم ليكونوا في حماية الثورة. بل – وبحسب المذكرات – فان الزعيم راح يشكّ بكل ما ينصح به وصفي، بل وبات يتحذّر منه احياناً... ومن بين ذلك – مثلاً - انهما حينما كانا يتغديان معاً في وزارة الدفاع ذات يوم، كان الزعيم ينتبه لوصفي بكل حذر "محترزاً" منه، كيلا يقوم بسحب مسدسه عليه، وقد ردّ عليه وصفي، في خلوة ثنائية: لا تعتقد انني سأخونك، ما دمتَ ضد الاستعمار، وحينما اشك بك، سأقول ذلك، وسأكون ضدك، وانت تعرفني جيداً بأني صريح وصادق".

وبحسب المذكرات أيضاً، تنقل بلقيس عبد الرحمن عن وصفي قوله: "ان احد الضباط المخلصين، القريبين منه، طلب ان يسمح له بالدخول الى غرفة الزعيم في المستشفى، وينهي حياته، لانه السبب في انتكاسة الاوضاع، فردّ عليه وصفي بشدة: "ان من يقوم بهذا العمل، اي قتل جريح، وزعيم ثورة ووطني، ما هو الا نذل"... وكان – وصفي - يتوقع ان تتحسن الاوضاع بعد ان يشفى قاسم، وان يكون ما حدث درساً له. ولكن ما جرى يبدو هو العكس تماماً.

** تحذيرات لم تنفع

... وفي عودة جديدة لما سجلته بلقيس في مذكراتها – ذكرياتها ننقل أيضاً: ان وصفي كان يحذر الزعيم دائما بأن معاديه من الرجعيين لا يمكن ان يكونوا بجانبه، ويخلصوا للثورة فلم يستمع له، وكان يعمل العكس بعد ان ادخلوا في رأسه ان الشيوعيين بدأوا يتآمرون عليه، وكان يردد هذا الكلام دائما امام وصفي ويقول له: "أقول لك ان الشيوعيين يتآمرون ضدي"... وكان وصفي يجيبه بشدة: "مستحيل مثل هذا الكلام، فالشيوعيون مصيرهم مرتبط بمصيرك، وما دمت تقف ضد الاستعمار فهم يساندونك، وانا كذلك، ومجرد ان اعرف انك صرت الى جانب الاستعمار، فسأعمل، وأحمل السلاح، ضدك"... وحول هذا الأمر، كان وصفي يبلّغ المسؤولين الشيوعيين بظنون قاسم وشكوكه بشكل مستمر ...

 ** العلاقة تتوتر أكثر فأكثر

أخذت الأمور تتعقّد شيئاً فشيئاً، وبات وصفي طاهر لا يذهب كثيراً الى مكتبه في وزارة الدفاع، حيث مقر الزعيم عبد الكريم قاسم، زعلاً، واشعاراً بما يقوم به – قاسم - من أخطاء ومواقف واجراءات تقود البلاد وأهلها الى الهاوية... وحينما كان وصفي يتواجد في الوزارة، يعود غاضباً – بحسب بلقيس عبد الرحمن في مذكراتها – وذلك لأن قاسم راح يقرّب "المنافقين" أكثر فأكثر...

وفي شؤون مشابهة، تضيف مذكرات بلقيس: كان وصفي يبقى ساهراً في الليل، قلقاً من الأوضاع، متوتراً بسبب سياسات الزعيم قاسم وإجراءاته التي ستورّط الشعب، وقد اصبحت السلطة كلها بيد المعادين للثورة، ولم يعد له – وصفي - حول ولا قوة... متوقعاً ان تحدث مؤامرة كبيرة وسينتقم المعادون، وبينهم أذناب الاستعمار من الشعب المسكين الذي ليس له مَن يحميه... وكلما كان – وصفي - يتحدث عن ذلك مع قاسم، كان يرد: هذه دعاية الشيوعيين، يهولون الوضع، ولم يصدق ما ينبئه وصفي به، لان المنافقين ينقلون له اخبارا عن الوقائع خلاف ذلك، ويزيدون المديح له ولاجراءاته، وراح يصدّقهم بالفعل...

... كما جاء في مذكرات بلقيس أيضاً، ان من المؤشرات الأخرى حول توتر العلاقة بين الرجلين، حين بدأ قاسم يضجر من ملاحظات وصفي، ومنها حول خطاباته الارتجالية التي كان يدعوه لأن تكون مكتوبة، لكي يمكن ان يؤثر بها أكثر في الجماهير، ولكنه – قاسم - رفض تقبّل تلك النصيحة... كما رفض ان يستمع لدعوة وصفي له بالاشارة الى أهمية الحديث عن الديمقراطية في تلك الخطابات لطمأنة القوى السياسية، والمواطنين، بعدم تفرّده في الحكم...

ومن بين ما سجلته "بلقيس" في مذكراتها نقلاً عن زوجها وصفي طاهر، انه نصح قاسم بأن يشكّل مجلساً للقيادة، وان يرشح نفسه – قاسم – لرئاسة الجمهورية، ولكن ذلك ما لم يقتنع به... وتكرر الرفض بالنسبة لنصائح وصفي وآرائه الأخرى، ومنها حول ضرورة منح الاكراد حقوقهم لمنع مواجهة ضد الثورة... وايضا حول ضرورة دعم تشكيل جبهة من الاحزاب السياسية، واشراك ممثليها في الحكم منعاً للتفرد... ولكن كل ذلك كان بعيداً عن تصورات الزعيم، وقناعاته، مما تسبب بعهد أسود لاحق في البلاد العراقية...

-----------------------------------------------------------------------------

* مجتزأ من الفصل الخامس لمؤلف: " وصفي طاهر.. رجل من العراق"... كتابة وتوثيق:

 رواء الجصاني ونضال وصفي طاهر، الصادر بطبعتين في براغ، وبغداد عام 2015.

 

 

 

الجواهري يؤرخُ

 

لـوثبةِ كانون 1948... شعرا

 

قراءة وتوثيق: رواء الجصاني

 

   في مثل هذه الايام ، قبل نحو سبعة عقود، وفي كانون الثاني عام 1948 تحديدا، شهدت البلاد العراقية، وخاصة العاصمة بغداد، احتجاجات وتظاهرات شعبية واسعة، عرفت تاريخياً بـ"وثبـة كانون" وذلك احتجاجا ضد معاهدة "بورت سموث" البريطانية – العراقية، التي اجمعت القوى والاحزاب والشخصيات الوطنية، على جورها، وعدم توازنها وانصافها، على اقل وصف ..

    وهكذا كان لشاعر البلاد، محمد مهدي الجواهري، الموقف ذاته، وزاد من ثورته على تلك المعاهدة، وغضبه منها، ومن اصحابها: مهندسين، ومؤيدين ومروجين، حين أصيب شقيقه الاصغر (محمد) جعفر، بجروح بالغة خلال الاحتجاجات، برصاص شرطة العهد الملكي، ثم ليستشهد بسبب ذلك بعد ايام، الى جانب من أصيبوا، او أستشهدوا، وغالبيتهم من الطلبة والشباب .

   وبرغم ان عصماء الجواهري"اخي جعفر" راحت، وما برحت، الاشهر بين شعر الجواهري في تأرخة احداث واحتجاجات "وثبة كانون"  إلا ان هناك المزيد من القصائد الاخرى التي وثقت لتلكم الهبة الشعبية، ولشهدائها ومجرياتها بهذا القدر او ذاك، وهذا ما سنتوقف عنده في متن هذه التأرخة الشعرية الموجزة.

    لقد جاءت قصيدة  "اخي جعفر" التي قاربت المئة بيت، هادرة منذ ابياتها الأول، مليئة بالغضب العارم، والتساؤلات المفعمة...وجاء مطلعها:

اتعلم أم أنت لا تعلمُ ، بأن جراح الضحايا فمُ

فمٌ ليس كالمدعي قولةً ، وليس كآخر يسترحم

يصيح على المدقعين الجياع ، اريقوا دماءكم تطعموا

ويهتف بالنفر المهطعين ، أهينوا لئامكمُ تكرموا

 ... وقد القى الشاعر الخالد تلكم الميمية في محيط جامع "الحيدرخانة" ببغداد، امام حشد جماهيري كبير، ووسط اجواء مؤثرة، ولاهبة، بمناسبة مرور سبعة أيام على استشهاد جعفر، وتكاد ان تكون في جميعها رسالة اليه، وحوارات معه، فياضة بالعاطفة والذكريات حيناً، وبتقديس الايثار والتضحية ، أحايين أخرى، فضلاً عن اشاعة المفاهيم الوطنية والتنويرية، وهي الأساس في بيت القصيد، او ابياته، كما نزعم:

أتعلم أم أنت لا تعلمُ، بأن جراح الضحايا فـمُ

اتعلم أن رقاب الطغاة ، أثقلها الغنم والمأثم

وان بطون العتاة التي ، من السحت تهضم ما تهضم

وان البغيّ الذي تدعي من الطهر ما لم تحز "مريم"

ستنهد ان ثار هذا الدم ، وصوت هذا الفم الأعجمُ

واذ تهدأ المشاعر قليلاً، ولو في بعض أبيات وحسب، تأتي المقاطع التالية من الملحمة الجواهرية التي نحن عندها، لتبدع في وصف "جعفر" الشقيق... فهو "رُواءُ الربيع" و"زهرة من رياض الخلود" و"قبسٌ من لهيب الحياة" و"طلعة البشر" و"ضحكة الفجر"... وما إلى ذلك من مشابهات متفردة تنبض بالمحبة، وتفيض بالعاطفة الانسانية الجامحة...

أخي جعفراً يا رُواء الربيع ، إلى عفن بارد يُسلَمُ

ويا زهرةً من رياض الخلود، تغولها عاصف مرزمُ

لثمت جراحكَ في فتحة ، هي المصحف الطهر إذ يلثم

وقبلت صدرك حيث الصميم ، من القلب منخرقاً يحزمُ

وعوضت عن قبلة قبلةً عصرت بها كل ما يؤلم

لقد توقف، عند هذه الرائية الجواهرية الوجدانية، الوطنية، التنويرية كتاب وباحثون عديدون وما برحوا، لأهميتها التاريخية، والشعرية... ومما نؤشراليه أيضاً في هذا السياق، ما جاء فيها عن استقراء الشاعر الخالد في واحد من مقاطع القصيدة البارزة، لتاريخ البلاد اللاحق، وتنبؤاته حوله، وهو ما تأكد بوضوح، والى حاضرنا الراهن، على ما نرى:

اخي جعفراً لا أقولُ الخيال ، وذو الثأر يقظان لا يحلمُ

ولكن بما أُلهم الصابرون، وقد يقرأ الغيب مُستَلهمُ

أرى افقاً بنجيع الدماء ، تخضب واختفت الأنجمُ

وجيلاُ يجئ، وجيلاً يروح، وناراً ازاءهما تضرمُ

 

قف بأجداث الضحايا

        ومما نوثق له عن قصائد الجواهري حول وثبة كانون، ومجرياتها، قصيدة اخرى سابقة للميمية اعلاه، نشرها بعنوان "قف بأجداث الضحايا" وذلك بعد صدور بيان رسمي عن البلاط الملكي عشية 1948.1.28 رافضا المعاهدة، ومحاولا حقن الدماء.. ومن ابياتها: 

قفْ بأجداث الضّحايا، لا تُسِلْ، فوقها دَمعاً، ولا تَبكِ ارتجالا

لا تُذِلْ عهدَ ((الرجولات)) التي، تكرهُ الضّعْفَ، وتأبى الإنحِلالا

وتَلقّفْ من ثَراها شَمّةً، تملأُ المنخِرَ عِزّاً وجلالا

وَضَعِ ((الإكليلَ)) زَهْراً يانعاً، فوقَ زهرٍ من ضمير يَتلالا...

أيـها الثاوونَ في جَولاتكم، طِبْتُمُ مَثوىً، وعُطّرتُمْ مجالا

كلّنا نحسُدُكم أن نِلْتُمُ، شَرَفَ الفُرصةِ ـ من قبلُ ـ اهتبالا

كلّنا نمشي على آثارِكمْ، بالضّحيّاتِ خِـفـافـاً وثِـقـالا

كلّنا ممتَثِلٌ من وَحيكم، ما يُريد الوَطنُ الحُرّ امتِثالا

فإذا شِئتُم مَشَيْناها ونىً، وإذا شِئتُم مشيناها عِجالا...

 

يوم الشهيـد

وإذا ما كانت "اخي جعفر" الاشهر، والاهم بين قصائد الجواهري عن وثبة كانون، وحولها، ندعي بأن قصيدته "يوم الشهيد" تحتل هي الاخرى اهمية ومكانة مميزة لما بها من توثيق، وايحاءات وتنوير- دعوا عنكم العاطفة والاحاسيس والمواقف الجواهرية - .. ومما جاء في مقدمتها:

يومَ الشّهيد: تحيةٌ وسلامُ، بكَ والنضالِ تؤرّخُ الأعوامُ

بك والضحايا الغُرّ يَزهو شامخاً، علمُ الحساب، وتفخرُ الأرقام..

بك يُبعَث ((الجيلُ)) المحتّمُ بعثُه، وبك ((القيـامةُ)) للطغاةِ تُـقام....

يومَ الشهيد! طريقُ كلّ مناضل، وعْرٌ، ولا نُصُبٌ ولا أعلامُ...

 والقصيدة هذه، نظمت بمناسبة الذكرى الاربعينية لاستشهاد "جعفر" الذي كان قد جُرح في الايام الاولى للوثبة، وفي 1948.1.27 تحديدا، وتوفي متأثرا بجراحه بتاريخ 1948.2.4..وقد القى الشاعر الخالد قسما منها، وهي لمّا تكتمل، حين كان جثمان الشهيد  يوارى الثرى في مدينته، النجف.. ثم القاها كاملة في اول مؤتمر عام  للطلبة العراقيين بتاريخ 1948.4.14 انتظم في ساحة" السباع" ببغداد...ومن ابياتها ايضا:

تبّاً لدولةِ عاجزينَ تَوَهّموا، أنّ ((الحكومةَ)) بالسّياط تدامُ

والوَيْلُ للماضينَ في أحلامِهم، إن فرّ عن ((حُلمٍ)) يَروع مَنام

وإذا تفجّرت الصدورُ بغيظها، حَنَقـاً كما تتفجّر الألغام

وإذا بهم عَصْفاً أكيلاً يرتمي، وإذا بما ركنوا إليه رُكام ....

وتَعَطّلَ الدستورُ عن أحكامه، من فَرطِ ما ألوَى به الحُكّام

فالوعيُ بَغيٌ، والتحرّرُ سُبّةٌ، والهَمْسُ جُرْمٌ، والكلامُ حَرام

و مُدافِعٌ عما يَدينُ مُخرّبٌ، ومطـالِبٌ بحقـوقِـه هـدّامُ...

ثم تستمر القصيدة لتؤشر، وتذكر وتنتقد وتوحي وتنور، وتؤرخ للوقائع، في ابيات ومقاطع تاليات.. ومنها:

يومَ الشهيد: وما تزال كعهدِها، هُـوجٌ تدنّـسُ أمـةً ولئـامُ .....

لجأوا إلى ((الأنسابِ)) لو جَلّى لهم، ((نَسَب)) ولو صَدَقَتْ لهم أرحام

وتنـابَـزُوا بالجاهليـة شَـجّـهـا، من قبل نورُ ((الفكر)) و((الإسلامُ))

فأولاءِ أعرابٌ! فكل مُحَرّمٍ، حِلّ لهم! وأولئِكمْ أعجام ...

وأولاءِ ((أشرارٌ)) لأنّ شعارهم، بين الشُعوب محبّةٌ وسلام......

يومَ الشهيد! ونعمتِ الأيامُ، لو تسـتـتِـمّ أخـوّةٌ ووِئـام

لو يَرْعَوي المتنابذونَ وكلّهم، بهُمومِهم وشُعورِهم، أرحام

ولوِ التقى من بعدِ طُولِ تَفَرّقٍ، الشيخُ والقِسّيسُ والحاخامُ

 

الشهيد قيس

ومن قصائد الوثبة الجواهرية ايضاً ، بائية حملت عنوان "الشهيد قيس" يمجد فيها طالباً بعمر الزهور، أستشهد في معركة الجسر الدامية، إبان الاحتجاجات والمواجهات الدامية بتاريخ 1948.1.27 وهو الشهيد قيس الالوسي... ومن ابياتها:

يا قيسُ: يا لحنَ الحياة، ونغمة الأمل الرتيبِ ..

يا قيسُ: يا رمز الشهادة، عُطرت بدم خضيبِ...

الشعب يثأر من "رماتك" في بعيد أو قريبِ ...

 

دم الشهيـد

ثم في اجواء الوثبة، وتقديسا لابطالها المضحين، يكتب الجواهري مطولة " دم الشهيد"  بأزيد من مئة بيت، ليتوقف فيها عند بعض العبر مخاطبا المنتفضين، والشباب منهم بشكل أول، موصياً وداعية ومحرضاً، ويقول في احد مقاطعها:

خُذوا من يَومكم لغدٍ مَتاعا، وسيروا في جهادِكُمُ جِماعا

وكونوا في ادّراء الخطب عنكم، يداً تَبني بها العَضُدُ الذّراعا

ذروا خُلفاً على رأيٍ ورأيٍ، إلى أن يُلقيَ الأمرُ القِناعا

وخَلّوا في قيادتكم حكيماً، يدبّرُهـا هُجـوماً أو دِفـاعـا

رحيبَ الصَدر ينهضُ بالرزايا، ويُحسنُ أن يُطيع وأن يُطاعا.....

 

ذكريــات

وفي فترة قريبة لاحقة، تفيض عواطف الشاعر الخالد، فيكتب قصيدة "ذكريات" وهي تشي من عنوانها وحسب، بما عـنّ للجواهري من احاسيس وانفعالات نابضة موحشة مؤلمة... ومن ابيات القصيدة:

يا ((ذكرياتُ)) تحشّـدي فِرقا، تَسَـعُ الخيـالَ وتملأُ الأُفُقا

و تأهّبي زُمراً تجهزني، محضَ الأسى والذُعرَ والقلقا ....

     يا ذكرياتٌ كلّها حُرَق، َتطَأ الفؤادَ، وتُلْهِبُ الحَدَقا

من لي بشِعرٍ خالقٍ شجناً، للناس يُعجزهم بمـا خَـلَـقا

هي صُورةٌ حمراءُ من شَجني، ُدمي اليَراعَ وتُرعب الوَرَقا ...

 

غضبــة

   ... ويتعرض الجواهري من احدى الصحف المنسوبة الى واحد من الاحزاب العراقية آنذاك، لاكاذيب وأفتراءات لئيمة حاولت ان تطال منه ومن مواقفه خلال الوثبة، وأحداثها وتداعياتها... وقد نظم الجواهري قصيدة لاذعة عنونها بـ"غضبـة" ليرد فيها على تلك المزاعم الحقود، وجاءت ابيات مقدمتها في حوار مع النفس، وذلك اسلوب معهود عند الشاعر الخالد :       

     عَرَتِ الخطوبُ وكيف لاتعرو، وصَبَرْتَ أنتَ ودِرعُكَ الصبرُ

وصَبرتَ أنتَ وأنتَ ذو ثقةٍ، أنْ لو تشاءُ لزُحزِحَ الأمر ....

عَرَتِ الخطوب فما خَفَضْتَ لها، من جانحٍ وكذلكَ النّسْرُ

ومَضَيْتَ تَنتَهبُ السما صُعُداً، لك عند غُرّ نُجومها وَكر...

وفي سياق القصيدة، ودفاعا عن الذات، ومن خلاله الشأن العام- وكلاهما متشابكان عند شاعر البلاد والأمة العراقية - يتطرق الجواهري الى بعض مواقفه، والى كتابات المدعين حوله، شامخا، متباهيا بما عنده من عطاءات فيقول:

عَرَتِ الخطوبُ وكيف لا تَعرو، وطريقُ مثلِكَ ـ صامِداً ـ وعْـرُ

عَدَتِ الضّباعُ عليك عاويةً، ظنّاً بأنّك مأكلٌ جَزْرُ

فتـذوّقْـتْـك فقال قائلُهــا:إنّ الغَضَنفَر لحمُه مُـرّ

وخَلَصت حُرّ الوَجه ذا ألَقٍ، ووجُوهُهُم مطموسةٌ عُفـْرُ

حَسَدوك أنّكَ دُسْتَ هَامَهُمُ، ُمتجبّراً، و لنَعْلِكَ الفَخْرُ...

ثم تستمر القصيدة في تبيان صفات من يقود تلك الصحيفة التي تطاولت.. ويرد الشاعر بكل مباشرة، وبتعابير تدل على الهضيمة، وتكشف المستور من الأمور، خاصة وان "بعض القوى السياسية قد أخذت تدير ظهرها للشعب..." بحسب ما جاء في مقدمة القصيدة، في ديوان الجواهري العامر:

و ((زعيمُ)) قومٍ كالغُراب به، صِغَرٌ وفي خُطُواتِهِ كِبْــرُ

يغتَـرّ فـي ما لا يُشـرّفُـه، جَهِلَ المُغَفّل كيفَ يَغْتَرّ

يغتَرّ إنْ ألقَوا بمعـدتِه، عَفِنَ الطعام فراحَ يجتَرّ

بادي الغَباء تكادُ تقرأه، بالظنّ لا خَبَرٌ ولا خُبْــرُ

أضحى ((وزيراً)) فاغتدى رَهِقاً، مثلَ ((الحمارِ)) يؤودهُ الوِزْر..    

     قل ((للصحيفةِ)) أنت قائدُها، سَفَهاً، وأنتَ زعيمُها الحـرّ

إني ـ ولي في المجد مُتّسَعٌ ـ عَفّ عن استغلالِه بَـرّ

     لم أدّخر منه سوَى نَشَب، هو للبـلاد وأهلِهـا ذُخْـر

غَنِيَت به الأجيالُ طاعمةً، منها السمينَ، وعَضّني الفقر

لا أستَغِلّ فأنتَ لي عِظةٌ، فيما أتيتَ، وأنت لي زَجْـرُ!!

 

هاشم الوتري

في حزيران 1949 اي بعد نحو عام وأشهر قليلة على وثبة كانون 1948 يدعى الجواهري لحفل تكريمي ببغداد، للطبيب الشهير، هاشم الوتري، فيتمنع اولاً، ثم يشارك بقصيدة بائية طويلة، أشتهر احد ابياتها، بشكل كبير جدا على لسان العراقيين وهو "أنا حتفهم الج البيوتَ عليهمُ، أغري الوليد بشتمهم والحاجبا" ... وجاء مطلع القصيدة تكريما للمحتفى به:

مَجّدتُ فيكَ مَشاعِراً ومَواهبا، وقضيْتُ فَرْضـاً للنوابغِ واجِبا

والمُبدعينَ ((الخالقينَ)) تنوّرتْ، شتّى عوالِمَ كُنّ قبلُ خرائبا

شرفاً ((عميدَ الدارِ)) عليا رُتبةٍ، بوّئْـتَـهـا في الخالدين مراتبا...

وأذ تتناول الجواهرية الثائرة، أوضاع البلاد، وتفضح وتنتقد وتنور، يؤشر الشاعر الخالد لمواقف الدكتور الوتري الوطنية خلال احداث وثبة كانون، وقد كان في حينها عميداَ للكلية الطبية ببغداد، ومستشفاها، ودارها الطبية، التي استباحها رصاص وشرطة ذلك العهد، والتي نقل اليها جرحى الاحداث، ليعالجوا، ولينقذ من ينقذ، ويستشهد البعض متأثرين بأصاباتهم، ويوثق الجواهري لمواقف الوتري النبيلة فيقول: 

ولأنتَ صُنْتَ ((الدارَ)) يومَ أباحَها، باغٍ يُنازلُ في الكريهةِ طالبا

الغَيّ يُنْجِدُ بالرَصاص مُزَمْجِراً، والرّشدُ يُنجِدُ بالحجارةِ حاصبا

وَلأنتَ أثخَنْتَ الفؤادَ من الأسى، للمُثخَنينَ مِن الجِراحِ تعاقُبا

أعراسُ مملكةٍ تُزَفّ لمجدِها، غُررُ الشّبابِ الى التّرابِ كواكبا

 

ذكرياتي

وأذا ما كان السابق من الحديث يدور حول تأرخة الجواهري، لوثبة كانون العراقية عام 1948 شعرا، كما هو عنوان موضوعنا، تجدر الاشارة وخاصة للباحث الدؤوب والحريص، الى ان هناك في بداية الجزء الثاني من "ذكرياتي" للشاعر الخالد، صفحات مطولة، تتحدث عن ارائه ومواقفه، كما رؤاه، حول تلك الوثبة الشعبية الهادرة، واحداثها وتداعياتها الوطنية والسياسية وغيرها .. كما تجدر الاشارة ايضا الى ان للجواهري ميمية اخرى بعنوان "اليك اخي جعفر" نشرت عام  1968 بمناسبة مرور عشرين عاما غلى ذكرى وثبة كانون، وجدانية في غالبية ابياتها، واشبه ما تكون خلاصة معاناة في رسالة يناغي الشاعر فيها، ويناجي، اخيه الشهيد جعفر، حافلة بالذكريات والاستذكارات والخلاصات ... / رواء الجصاني: براغ في 2017.1.24.

-------------------------------------------------------

هوامش واحالات:

المصادر: ديوان الجواهري، ذكرياته، معلومات عائلية.

صورة التشييع، من ارشيف الدكتور جعفر حبة.

اللوحة: "كولاج" عباس الكاظم، للجواهري وهو يلقي "اخي جعفر" .

 

 

 

 

 

 

باستعارة من قصيد

الجواهري الخالد

برقيات سياسية، وغيرها،

 بمناسبة بدء عام 2017

 

رواء الجصاني

 

الى من يتباكون على حال البلاد، ولكنهم يثيرون البغضاء والتشدد:

يلغُ الدماءَ مع الوحوش نهارهُ، ويعود في الليّل التقيّ الراهبا

الى البسطاء، أو المتقصدين، الذين يحاولون ان يساووا بين ابناء الوطن الواحد، دون تمييز بين الظالمين والمظلومين:

ودعْ ضميركَ يحذر من براءتهِ، ففي البراءة مدعاةٌ الى الزللِ

الى الطيبين ممن لم يتابعوا حال الأمم، ومعاناتها وتضحياتها: :

رُحْماكَ.. تاريخَ الشعوبِ تَحَدَّنا، ما شِئْتَ، إلّا أنَّنا بُلَداءُ

لكل السياسيين الذين يتباكون على الوطنِ، من خارج الحلبة، ومن الابراج:

وما انتَ بالمعطي التمردَ حقهَ، اذا كنتَ تخشى ان تجوعَ وان تعرى

للأصدقاء الذين يدعون للتسامح، دون حدود:

ولطالما حصدَ الندامةَ مسمحٌ، وأتى بشرٍ ثمارهِ الاسماحُ

ولقد تكون من القساوةٍ رحمةٌ، ومن النكالِ مبرةٌ وصلاحُ   

لكل الصامتين، بهذه الحجة أو تلك، ممن لا يواجهون الزيف والتدليس:

واذلّ خلقِ الله في بلدٍ طغت فيه الرزايا من يظلّ محايدا

الى الذين يستمرون بالشتم، والرياء تحت واجهة النقد وحرية الرأي:

ولا تدعوا الخصامَ يجوزُ حداً، بحيث يعودُ رخصاً وأبتذالا

لجميع الاحباء ممن يرون تشدداً في السطور السابقة:

ومن القساوةِ في العتابِ مودةٌ ومن الثناءِ خديعةٌ ورياءُ

الى " المتشائلين" وكاتب هذه التمنيات من بينهم:

لا تَلمْ أمسكَ في ما صَنعا، أمسِ قد فاتَ ولنْ يُسترجعا

فأطرحهُ، وأسترحْ من ثقلـــــهِ،  لا تضعْ أمسكَ واليومَ، معا

لجميع ممن احبّ أو كره، او نسيّ أو تناسى، المودة والصحبة الجميلة :

              سلاماً أيها الأحبابُ، من قطعوا ومن وصلوا

               سلاماً كله قبلُ، كأن صميمها شُعـلُ

 

 

 

شهادات ووقائع من

 

ضفاف الذكريات / القسم التاسع

 

عن  العراق الجديد.. ما بعد 2003

 

رواء الجصاني

 

.. وفي العقد الاخير بشكل خاص، لتشرْ – ايها الرجلُ- ايضا الى ان ثمة آراء ومزاعم اخرى، قد اقتنعت بها ومنها: ان دعاة المقاومة، ومدعيها، بعد عام 2003 كانوا يزيدون القتل والدمار في الوطن المبتلى، وان بعضهم: "يلغ الدماء مع الوحوشِ نهاره، ويعود في الليل، التقيّ الراهبا"... وانك اعتقدت، برؤية اخرى أثارت الكثير من النقاش، وكذلك اللغو! خلاصتها ان تقسيم العراق الى اقاليم، خير من الاحتراب والقتل والدمار. كما ولك تصورات عديدة اخرى"خارج السرب" عن مدى فائدة الديمقراطية لبلد تعمّ الامية فيه مثل العراق، وكلا الموقفين، والرأيين السابقين- اللذين افسدا، وما زالا للود قضية!- منشوران على مواقع اعلامية عديدة، الاول في الشهر الاول من عام 2014 تحت عنوان " من اجل ألانسان، وانهاء الدمار: فلتقسم البلاد العراقية، ويُعاد توحيدها. ولم لا ؟؟؟". والثاني بعنوان "لاسباب عديدة، ومنها قطع الطريق على الارهابيين... فلتؤجل الانتخابات، بل وتلغى ايضا" ونُشر في آذار2014...

كما وزدْ معلومات أخرى، ودعْ الناس بين مؤيد ومختلف، حولك وضدك، فتلكم سنّة الحياة، ولا تكن مثل البعض "توسط كاللبنِ الخاثرِ" وقلْ: انك لم تؤمن منذ البدء بما صفق له الآخرون، وتعني "الربيع العربي" مطلع العام 2011... وانك رحت تؤمن بيسار عريض، لا احزاب "ثورية" من طرازات قديمة، مع كل التبجيل لما قامت به من تجديد، وما زالت...واخيراُ في هذا السياق فلتفجر مجدداً "قنبلتك" غير المتوقعة من كثيرين، ألا وهي انك ترى في "تحصيص" السلطات والادارات في العراق الجديد، طريقاً مناسباً، وموضوعياً ضمن ظروف البلاد وتاريخها وجغرافيتها وتطور مجتمعها، وثقافته ووعيه الجمعي.

ولمزيد من التأرخة، فلتكشف هنا، لمن يهمه الامر، وحتى لمن لا يهمه - وما عليك بالمتربصين وأعوانهم- انك قد صرحت وتداولت – ايها الرجل- في كل تلكم الشؤون، وغيرها، مع مسؤولين وسياسيين ورسميين، بارزين، في القيادات الجديدة لعراق ما بعد الدكتاتورية، ومن ابرزهم: جلال الطالباني، وحيدر العبادي، وحميد مجيد موسى، واسامة النجيفي، والسيد عمار الحكيم، ومحمود المشهداني، وهادي العامري، وهوشيار زيباري، وحسين الشهرستاني... وجمع محترم آخر، وذلك في لقاءات ومناسبات مختلفة، وبكل مصارحة وووضوح. ولتكتفِ هنا – مؤقتاً- ولتتابع عن وقائع ومحطات اخرى تالياً عن بعض خصوصيات و"أسرار" ذات صلة !!!

 

 

 

 

شهادات ووقائع من

ضفاف الذكريات / 8

تأرخـــة...ومحببــات،

في السياسة والحياة

رواء الجصاني

----------------------------------------------

فاتك، وأنت على عُجالة، وكأن الطير فوق هامتك، ان تتذكر أكثر – ايها الرجل- بعض مما احببت من كتاباتك، حسبتَ أنها، اقرب اليك من غيرها، وبعضها يعود لنحو نصف قرن، وإن كانت في نشرات حائطية، في الاعدادية المركزية، ومنها "قالوا في ليلى" جمعتها واستليتها من دواوين واجزاء الاغاني، لابي فرج الاصفهاني..وكذلك " الدراسة" التي نشرتها في صفحة الطلبة والشباب عام 1974 تحت عنوان" من اجل اتحاد راسخ لطلبة البلدان العربية" بتوقيع "ابو سمار" وهو الاسم الذي كنت تكنى به ذلك الحين، وما زال الكثير ينادونك به الى اليوم.. كما لا تغفل عن زاويتك شبه الاسبوعية في الصفحة المهنية بالجريدة الغراء ذاتها، اواخر السبعينات الماضية، وعنوانها" نقابيات" وكنت تتابع فيها، وتنتقد، وتمتدح، نشاطات العديد من المنظمات والنقابات العراقية، وتزعم ما تزعم من مفاهيمك ورؤاك في شؤون العمل الجماهيري- الديمقراطي، الذي ولعت به، وما زلت.

... كما تذكّر ان من بين كتاباتك التي بقيت مميزة، عندك على الاقل، في الاعوام القليلة الماضية، ما نشرته تحت عنوان "وصفي طاهر، رجل من العراق" وهو تمهيد لكتاب جامع عن ذلك الشهيد الوطني، تعمل على اتمامه خلال اشهر، لا أكثر، مثلما وعدت وتعد.. وكذلك توثيقاتك الثلاثة، المنشورة عام 2008 وعناوينها تشي بمضمونها، دون كثير عناء، وأولها وأكثرها غنى" تاريخ عراقي في ذاكرة براغ" وبعدها " أسماء وشؤون عراقية في ذاكرة موسكو" ثم الثالثة" والاخيرة " أسماء وشؤون عراقية في ذاكرة باريس"... ذلك بالاضافة طبعاً لما جاء ذكره في الحلقات السابقات، عن توثيقاتك، وشهاداتك العديدة واهمها عن الجواهري الخالد، وكتابك، الاول في مضامينه: "الجواهري... اصداء وظلال السبعينات" الصادرعام 2001 عن "بابيلون" للاعلام والنشر في براغ.

- بعض شؤون، ربما ليست مهمة!

مرة اخرى،  لتستدرك ما فاتك ان تشير اليه – ايها الرجل- في ما سبق وكتبت من هذه الضفاف على السيرة والذكريات، وصرح هنا بانك ترددت في هذه الاضافات، ولربما خشية من عفّ لسانٍ، أو احترازاً من ان تَشقى!! ومع ذلك فلتكتب انك رحت نباتيا منذ عامين ونصف، سائرا على هدى المعري في التاريخ القديم، ومحمود صبري وهادي العلوي، في التاريخ الحاضر. وجاهر بانك رحت لا تطيق حتى الجلوس على مائدة تحوي بعض "خلاصات" مجازر حيوانية، لا تعرف كيف يتلذذ بها أغلب البشر.

كما وصرح ايضاً- ايها الرجل- بعشقك للحياة والجمال، والمرأة رمزهما المطلق، ودون مدى، وبانكّ لم تكن باطنياً في ذلك: قناعة وتاريخاً وتجارب ومفاهيم... وبحْ ايضاً بأنك محب ووفيّ، وبكل ما استطعت، للاصدقاء الذين يسيرون على اربعة، واحبهم اليك الكلاب الذين جنيّت، وأولهم "بابل" فقد تصاحبتما معا طوال ستة عشر عاما، وليفارقك، وتفتقده الحياة، خريف عام 2014... وقد سبقه في تلك الحال "عنتر" الاسود الانيق. وها أنت لديك اليوم مدللاك التوأم: "بهار" و"فـلفل" الشقيّان اللذان لا تستطيع فراقهما لاكثر من ساعات قليلة فقط، وكذلك هو حالهما، كما تظنّ، وليس كل الظن اثم في عالم اليوم- وكم تحب ان تكرر هذه اللازمة التي صارت بعض كتاباتك معروفة من خلالها- وان لم توقع عليها بإسمك الصريح.. وأعترف بهذه المناسبة بأن لديك العشرات من الكتابات و"الشقشقيات" التي وقعتها باسماء مستعارة، لاسباب لم يحنْ بعد الكشف عنها !!!. -------------------------------- يتبع

 

 

شهادات ووقائع من

 

شهادات ووقائع

 من ضفاف الذكريات -7-

في دروب السياسة،

 وميادينها... وتنظيماتها

رواء الجصاني

بعد السطور السابقات من  "على ضفاف السيرة والذكريات" ها انت تدخل – ايها الرجل- في معمان التوثيق لمحطات ومواقف في ميادين العمل السياسي والوطني، الذي خضتها على مدى عقود، انطلاقاً وتوسطاً، وما برحت، وان " كلّ الجواد...ولم تزل تعتامهُ صبواتُ مهــر" !!

وأما الانطلاقة فقد كانت - ولا بدّ لها ان تكون كذلك - وانتَ في وسط وعائلة واخوان، سبقـك جلّهم فـي دخول ذلــك المعترك التنويـري والوطني، بذاك القدر او هذا، والوالــد "السيد جواد" أولهم، وان كان بلا تحـزب، ولاغلو.... اما الوالدة "نبيهـة" فيكفي أنها شقيقــة وحيدة لاربعة أخوة استثنائييــن، منهما اثنان أبرزان: الاول "جعفــر" شهيــد وثبــة كانـون الثانـي عام 1948.. وثانيهما، االجواهري الرمز.

اذن، فقد مرت مرحلتا الطفولة والفتوة في مثل تلكم الاجواء، ورحتَ وانت أبن ثلاثة عشر، تشتد عوداً، وخاصة وقد عشت بعض اجواء الانقلاب البعثي الاول في الثامن من شباط الاسود عام 1963 حين كنت مع الوالدة، في الايام الاولى للكارثة: صباحاً في معتقل خلف السدة، لمتابعة شأن الوالد، التربوي المتميز، المحتجز هناك...وظهراً، بعض الاحيان، في مركز شرطة الفضل، حيث مقر الحرس القومي- الفاشي، ترافق الوالدة وهي تتابع حال أخيك "صفاء" المُعتقل، والمدمى، في ذلك المسلخ البشري.

* فــي الوطـــن....

وهكذا يتصلبُ الفتى اكثر فأكثر، ليلتحق بتنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، صديقاً، فمرشحاً فعضواً، ولتزدد شيئا فشيئاً المواقع والمسؤوليات اهمية في معترك العمل الوطني، وتتنوع، ولربما بشكل غير معهود.

ولتوجز من جديد – ايها الرجل- ولا تسهب أو تنسَ انك تكتب ظلالاً للسيرة والذكريات، وليس تفاصيل عنها. وقلْ ان من بين ما أشغلته من مهام نضالية وسياسية طوال عقد السبعينات: عضوا في الهيئة المسؤولة عن منظمة بغداد الطلابية، وخاصة في عهد منظمِها: الشهيد، علي حسن(ابو حيدر).. ثم مشرفاً على تشكيلات الحزب في العديد من كليات ومعاهد جامعة بغداد، ومنها اكاديمية الفنون الجميلة، وكليات القانون والسياسة، والاداب، والادارة والاقتصاد، والزراعة، وقطاع المعاهد... وعديد آخر، واللهمَّ لا يُسجل عليك ذلك اعترافا!! فيتحفز "البواقــون".

... والى جانب ما تقدم، فضفْ لا تُخفِ انك شغلت ولفترات مختلفة في العقد السبعيني ذاته: عضوية مكتب العمال المركزي، مع صادق جعفر الفلاحي، وعبد العزيز وطبان، وعبد الامير عباس، وبمسؤولية، عبد العزيز وطبان. وما بين هذا وذاك، مهامك في صحيفة الحزب المركزية "طريق الشعب". وانتسابكَ في مدارس ودورات سياسية في بغداد، والخارج، ولبعض تشكيلات المكتب المهني المركزي.

*... وفــي المغتــرب

اما بعد اللجوء الى براغ، ومع مطلع عام 1979 والى ان "تقاعدت" فقد تعددت المهام ايضا وتنوعت: سياسياً واعلامياً وتنظيمياً، وغيرها كثير. ولكن من أبرزها مسؤولياتك في لجنة تنظيم الخارج للحزب الشيوعي، معنياً بمتابعة شؤون العمل الطلابي، الديمقراطي، في اوربا خاصة، والخارجي عموماً.. كما ومتابعتك وإشرافك على عدد من التشكيلات التنظيمية الاوربية.. ولتعترف(!) من جديد، مادام قد مرّ على ذلك اكثر من ربع قرن، ان من بين تلك البلدان التي تابعت عملها وأشرفت عليها: المانيا الاتحادية، واليونان، والدانمارك.. وعدا ذلك فلا تكشف اسرارا اكثر، فالمهام "أمانات" كما هي المجالس !!.. ولكن، لا بأس ان "تخرق!" القاعدة قليلاً، ولـ"لتعترف!" ايضاً بأنك عملت في تلكم المهام الحزبية، وكان المسؤولون عنها راحلون أجلاء، هم: زكي خيري ونزيهة الدليمي وثابت حبيب ورحيم عجينة، لفترات وبتشكيلات مختلفة ... وكذلك مع آخرين أعزاء تمنى لهم طول العمر .

 --------------------------------- يتبع

 

 

 

 

 

ضفاف الذكريات / 6

 

في رحاب الثقافة والمثقفين

 

رواء الجصاني

 

والان فلتعد الى بعض لمحات خاطفة عن شؤون ثقافية لها علاقة بك، ولك علاقة بها – ايها الرجل- طوال عقود، ابتداء من انغمارك هاوياً في الكتابة والصحافة، ولا تكرر ما تطرقت اليه في حلقات سابقة من هذه الضفاف على السيرة والذكريات. ولكن لا بأس ان تستطرد قليلاً فتشير الى مكتبتيك التى فيهما ما فيهما من اصدارات ومؤلفات ومخطوطات ومجلدات، واحدة اينعتها في بغداد وحتى الاغتراب اواخر العام 1978 الى براغ، حيث اينعت فيها ايضا مكتبة يكفي ان تقول بانها الاولى والاخيرة في بلاد التشيك، لما تضمه من كتب واهداءات ونوادر المحتويات.. وكم شغل بالك- ويشغله - الى من ستؤول تينك المكتبتان، بعد ان يطول بك العمر!!!.

وما دام الحديث سالكا في الشأن الثقافي والادبي، فأتعب الناس من جديد- ايها الرجل- و"أضجرهم" بالحديث عن "شقشقياتك" الشعرية، في تلكم الايام والليالي، من تلكم الاعوام، ولا تسترسل، وتذكر ما قاله الجواهري في احدى حالاته: "أني اخاف عليّ بعض شهودهنّه"... كما تذكر عموم كتاباتك وتوثيقاتك ذات الشأن الثقافي، ومشاركاتك في العديد من الفعاليات ذات الصلة، عامة وخاصة، ومن اهمها على ما تزعم، احتفائية اربيل عام 2000 بذكرى مئوية الجواهري مع كتاب وشعراء وفنانين وسياسيين بارزين، ولعل ما يغطي بعض شؤوون تلكم الفعالية المهيبة، ما قد نشرته في صحيفة الزمان اللندنية، ثم وعلى مواقع اعلامية عديدة، تحت عنوان " حين احتفل الكورد بمئوية شاعر العرب الاكبر" بعيد ايام من اتمام الحدث.

كما ولتؤرخ هنا ايضا- ايها الرجل- عن مشاركاتك في العديد من فعاليات رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين العراقيين في اوربا، والخارج، خلال عقد الثمانينات، ومنها رئاسة فرع تلك الرابطة في تشيكوسلوفاكيا، عام 1988 والتي ضمت هيئته الادارية:حسين العامل وقيس قاسم ورزكار محمد.. ولتشرْ ايضا الى مشاركتك مع عبد الاله النعيمي، وحميد برتو، في ملتقى الرابطة الاوربي في برلين عام 1989 وكذلك في عدد من اجتماعاتها التنظيمية الاخرى مع نخبة من المعنيين، صحفيين وكتاباً وفنانين.. ولا تفوتك ان تؤرخ ايضا فتتذكر ان من بين اعضاء فرع الرابطة ببراغ، وداعميها، الراحلون الاعزاء: اضافة الى زكي خيري ومحمود صبري: شمران الياسري وقادر ديلان وعادل مصري ومحمود البياتي، ومصطفى عبود... والحح، وشرْ، ان من بين نشاطاتك الحيوية في الرابطة، ببراغ، اواخر الثمانينات الماضية، تنظيم وادارة ندوة مهيبة وسط براغ تحدث خلالها المفكر والرائد الكبير محمود صبري عن نظريته "واقعية الكم" وشارك فيها مفيد الجزائري، وبحضور جمهور غفير ندر ان تجمّع في مثل تلك الفعاليات. كما تحدث عن اصدار نشرة "مرافئ" التي "هيمن" عليها لاحقا صادق الصايغ، ليحولها من براغية محلية، الى صوت اوربي، اضافي، للرابطة. وقد استقطبت اهتماماً لافتاً لما كانت عليه اعدادها من فحوى وشكل، تميزا بجهد حريص..

ولتتـــوقف هنا، وتتباهى مجددا – أما شبعــت من التباهي ايها الرجل ؟!- بعلاقات وثقى زاهية مع عشرات المثقفين والشعراء والفنانين، العراقيين الباهرين.. وأذا ما فات عليك استذكار لمحات ومحطات ثقافية "مهمة" اخرى، فما عليك ألا و تستدرك ذلك في كتابات قادمات، ما دمت قد أزمعت ان توثق جملة من الاضافات، تشمل مالم تسعف به الذاكرة، فتشملها حلقات هذه الضفاف على السيرة والذكريات. -------------------------------------- يتبع

 

 

 

 

شهادات ووقائع من ضفاف الذكريات / 5

خمسة عقود مع الجواهــري

رواء الجصاني

هاهي ظلال جديدة على ضفاف السيرة والذكريات، ولانها شاملة هذه المرة، متنوعة المحطات واللمحات ، فسهل الامر عليك - ايها الرجل- وعلى الذين يقرأون لك، وأنثر التوثيق على ثلاثة محاور زمنية، وان تداخلت، وتحدثْ مااسطعت ايجازاً، عن تلكم العقود الخمسة مع الجواهري العظيم، مابين ولادتك عام 1949 ورحيله الى الخلود عام 1997... وقد كان، ويبقــى: خالاً وانساناً وعبقرياً، متفردأً في غير زمانه، ومكانه وأهله، كما قيلَ ويقال!!!. وأسبق، وقلْ بانك لن توفي في هذه العجالة الا ببعض يسير مما عندك، فقد كتبت ونشرت نحو مئتي مادة وحادثة وشهادة، وما زالت الجعبة والذاكرة تفيض بالكثير الكثير:

*فـي بغـــــداد...

تفتح عينيك على الدنيا، وانت في بيت وعائلة، بل ومجتمع، تنضح احداثها وتفيض، وتغرق بالجواهري ... وتستذكر، كالطيف احياناً، ما اختزنته الذاكرة من عقود ستة، واكثر: جلسات ليلية شبه يومية، واحاديث ووقائع وطنية وسياسية، واجواء ثقافية وصحفية واجتماعية، وغيرها، متشابكة دون حدود .... وكذلك سفرات عائلية منها الى النجف حيث منبت العروق، والى علي الغربي، حيث الجواهري "مزارعاً" و"متزوجاً" حديثاً.. كما والى دمشق، التي لجأ اليها مخلفاً "غاشية الخنوع" وراءه ...

ثم تتذكرـ وأنت أبن ثمانِ ونيف، الجواهري ذا الرئاستين، بعد قيام الجمهورية الاولى عام 1958 لاتحاد الادباء، ومجلس نقابة الصحفيين... وخلافاته مع رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم، والتي اضطر بسببها للاغتراب الى براغ عام 1961 وبعد ذلك عودته لبغداد بعد سبع سنوات "خالها سبعين لا كدراً، لكن لحاجتها القصوى الى الكدر" بحسب قوله. كما تذكر ليلة العودة، وانت والعائلة تستقبلونه في مطار بغداد مع جماهير غفيرة، ومن المطار الى البيت الذي استأجره له نجله "فلاح" في منطقة الداوودي، قرب بيتكم، ولا تفصل بين البيتين سوى مائتي متر لا اكثر .. وبمناسبة الحديث عن البيوت، وثقْ هنا، عسى ان ينفع التوثيق، انك – ايها الرجل - قد ساهمت عام 1970 في التخطيط الاولي لخارطة دارته الاولى والاخيرة للجواهري، ملكاً صرفاً، في العراق، باعتبارك مهندساً، ولم يكن قد مرّ على تخرجك غير أشهر قليلة ..

... ثم تبدأ سنوات السبعينات، والشاعر الخالد يتناصف الاقامة خلالها بين بغداد، وبراغ، وفي تلك الفترة ما فيها من وقائع حلوة ومرة، وشؤون وشجون، واستثناءات، ولعلك قد وُفقتَ في تغطيتها، بقدر ما، في كتابك الموسوم" الجوهري: اصداء وظلال السبعينات" الصادرعام 2001 في براغ، عن دار "بابيلون" وتوزيع مؤسسة المدى الدمشقية، آنئذِ ...

*... وفـي بــراغ

مع أواخر العام 1978 تنتقل اقامتك – ايها الرجل- الى براغ لاسباب سياسية، وملاحقات امنية، كما وردت – وترد- بعض تفاصيلها في هذه "الضفاف على السيرة والذكريات".. وقد سكنت في "شقيّقــة" الجواهري لبضعة اشهر، اولاً، حتى توفرَ لك "ملاذ آمن" في عاصمة بلاد التشيك، التي يعود اليها الجواهري يحمل "منقارا واجنحة" ليس الا، ليستقر مغترِباً من جديد، وحتى رحيله في دمشق عام 1991 فيعطر متربتها هناك عام 1997 والى اليوم..

وعلى مدى أثني عشر عاما في براغ (1979-1991) كانت اللقاءات مع الجواهري الخالد، يومية تقريباً، ومن برامجها ما يمكن الافصاح عنه، وقسم اخر يندرج تحت مقولة "للمجالس أمانات" !!! ومع ذلك فتلك كتاباتك المنشورة عن حقبة الثمانينات الجواهرية تغطي مساحات توثيقية واسعة، وتنقل وقائع وشهادات، إزعمْ – ايها الرجل- بأنها تسمن من جوع، وظمأ التواقين للتعرف على بعض تراث وأرث الشاعر العظيم، وصرح علناً: بانك الوحيد الذي عايش، وسجلّ، ونشرَ عن تلك الفترة الزمنية، المليئة بالاحداث، الادبية والسياسية والوطنية، والاجتماعية...

كما ووثق بانك كنت طوال تلكم السنوات الاثنتي عشرة: المؤتمن الاقرب للشاعر العظيم على "اسراره" وخصوصياته، وأتراحه وأفراحه، وحتى على بعض دوافع قصائده في تلك الفترة، وانطلاقة كتابة مذكراته... وكم كنت وكنت!! ثم ندمت بعد فوات الاوان، لأنك لم تقضِ وقتاً اطول واطول مما قضيته معه، وكم حذرك الخال العبقري، مزاحاً وجدية، من ذلك الامر، ولكنك ما طاوعتَ وفضلت نشاطك السياسي، و"الخاص"!!! في احيان كثيرة على ان تكون معه..

*... وفــي دمشــق

توزعت جلّ ثمانينات الجواهري، تقريبا، كما هو معروف للمتابعين، بين براغ، جنة الخلد التي "اطالت الشوط من عمره" ودمشق "التي احبها لا زلفى ولا ملقا"...وقد شاركته – ايها الرجل- تلك الحال، بقدر وشكل، أو آخر.. فقد كانت سوريا وطنا اضافياً تحضّنك لأكثر من ثلاثة عقود، وتحديدا للفترة 1979-2010... زائرا ومعارضاً وناشطاً جماهيرياً ولمرات عديدة في العام الواحد، وفي جميعها، او اغلبها الأعظم، مقيماً في دارة الجواهري، والعائلة، بدمشق ..

  وهكذا كتبت – ايها الرجل- تفاصيل لا عدّ لها في توثيقك الموسوم: "مع الجواهري في دمشق" المنشور عام 2013 في صحف ومواقع اعلامية عديدة، وفيه ما فيه من ذكريات ووقائع واحداث. ومن شذرات ذلك التوثيق، شئ عن مجالس الجواهري، وضيوفه وخصوماته، وعائلياته، وليلياته، ومشاركتك في اختيار" العيون من اشعاره" عام 1985 والاعداد الاولي لتحرير جزأي ذكرياته عامي 1989-1990 وعن نكبتيه برحيل زوجته" آمنة" عام 1992 وقبلها رحيل اخته "نبيهة" عام 1987...وغيرها وغيرها، وحتى تموز1997حين نال منه الموت اللئيم- الذئب- الذي بقي يطارده عقوداً، وفوق نيوبه دم اخوته، واحبته، وصحابه ...

كما وتذكرْ هنا – ايها الرجل- جلسات ما بعد منتصف الليل، حين تنفرج الاسرار والاسارير، وينحسر الستار عن الكلام المباح، وغير المباح، وتشتد المناكدات، ويُصرحُ بالتقيمات للاشخاص والاطر والاحداث والوقائع... وتوقف هنا، وعدْ لمقولة: ان للمجالس امانات، وقِ المؤمنين، وغيرهم، شرور القتال، فما عاد في المقدور مزيدا من قدرة التحمل والجدال، وخاصة مع اولئك الذين لا يستحقون المنازلات!!!... اما المخلصون ممن يهمهم حب التنوير والثقافة والادب، والسياسة، والجميل غير الممل، فدلّهم - ايها الموثق- الى نحو 70 شهادة وواقعة أرختَ لها تحت عنوان" مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب" نشرت ربيع العام 2014 في عشرات الصحف والمواقع الاعلامية، وغيرها ....---------------------- يتبع

 

 

 

 

 

 

شهادات ووقائع

 

من ضفاف الذكريات -4-

 

في عواصم ومــدن العالـــم

 

رواء الجصاني

بين مشاركات في مؤتمرات ومهرجانات وندوات وغيرها، كما للسياحة وإن قلّت، قُدر لك – ايها الرجل- ان ترى وتزور وتقيم في حوالي ثمانين عاصمة ومدينة، متوزعات في اكثر من ثلاثين بلدا، في مختلف انحاء المعمورة، واحياناً لاكثر من مرة ومرة .. فمن نيويورك الى بيونغ يانغ، ومن مراكش الى عدن، والى اثينا وروما وموسكو ولندن والقاهرة، وطهران واسطنبول.... توزعت تلكم المدن والعواصم التي رأيت. اما دمشق وبلاد الشام، فتغنّ، وأحزنْ، وحدثْ، عن عدد مرات زياراتك لها، فلها الكأس المعلى، والى اليوم "وإن كُسيت على رغم دخانا" ...

   ولعلك لا تبالغ ان أطربتَ – او أضجرتَ- قراءك ان قلت بان لك في كل مدينة وعاصمة ذكريات الكثير منها طرز الروح، عاطفة ووجداناً، باحباء واصدقاء، وزملاء، وقبلهم: صديقات وزميلات، باهرات منورات.. كما ووقائع واحداث، اجتماعية وسياسية وثقافية، وغيرها !!! وإحذر! فان افضت اكثر فستكون"سيرة وذكريات" شاملة، وليست"ضفافاً" كما زعمت في العنوان الرئيس لهذا التوثيق.

ولكي "تملّح" ما أشرت اليه، نوه على الاقل، الى بعض وقائع حدثت لك – ايها الرجل- في عدد من تلكم العواصم والمدن، ومن بينها حين، حجز لـكَ المضيفون اليمنيون الجنوبيون عام 1980 ولحميد مجيد موسى"ابو داوود" وعبد الاله النعيمي، للسفر بالطائرة الى صوفيا، من عدن، التي كنتم في وفد رسمي اليها.. والى الان لاشئ غير طبيعي، ولكن الدهشة انك اكتشفت، وبالصدفة فقط، وعشية بدء الرحلة، ان مسار طائرة العودة يشمل التوقف ساعة" ترانزيت" في مطار بغداد، المحتل آنذاك من عصابات النظام الارهابي!!! وقد الغينا السفر، بالطبع، وإلا فكمْ كانت "اللقمة" مغرية لتلك العصابات، بأن يصيدوا ثلاثة مطلوبين بامتياز، جاؤوا اليهم بأرجلهم، وإن كانوا عبر الطائرة !!!...

وعلى اية حال فلتزدْ خلاصاتٍ ولتقل: ان كل تلكم المدن والعواصم التي زرتها، وفرت لك المزيد من الاطلاع، وبمديات مختلفة، على صعيد المعرفة، والتاريخ والجغرافيا، والثقافات المتنوعة.. واكتفِ هنا، وعلى ان تعود للمزيد في كتابات تالية، وأحسبْ ان جميع ما أشرت له في السطور السابقات رؤوس اقلام، لتفاصيل قادمة ...-------------------------------- يتبع

 

 

 

 

شهادات ووقائع

 

من ضفاف الذكريات -3

 

نساء ونساء في رحاب الذاكرة

 

رواء الجصاني

 

لأنهن من زنّ الحياة، فلابد ان يحظين بكل تمييز ممكن، وانت تتابع ضفاف ذكرياتك ايها الرجل، وهكذا رُحْ واعتمد ذلك المنحى فوثق عن نساء باهرات كانت لهن علاقات انسانية ووطنية واجتماعية وسياسية معك، كما انت معهن، وأكثر. واذ تستمر على تلك الخطى التي اعتمدت، باتجاه التوقف عند اسماء الراحلات والراحلين، وحسب، مع استثناءات قليلة، فلا بد ان تأتي في البال اولاً، الوالدة الجليلة: نبيهة الجواهــرى، وقد سبق واشرت لها، وعنها في سطور سابقات...

ثم تابع وتذكر  الفقيدة العزيزة: امونة جعفر، زوجة الجواهري الخالد، الخال الاقرب، الذي قال عنها عام 1957، وأوفى، ببضعة كلمات معبرة تغني عن جمل وعبارات، حين قال انها كانت، وحتى في جموحها " لون من الادب"... كما وتذكر والدة زوجتك نسرين: الراحلة الجليلة: بلقيس عبد الرحمن، أرملة الشهيد وصفي طاهر، المناضلة، الصادقة الصبور، والتي عشت معها في بيت واحد لاكثر من عشرين عاماً في براغ، دع عنك السنين الخوالي في بغداد.. وايضا نزيهة الدليمي، الشخصية الوطنية، التي كانت تتابعك سياسياً اواخر السبعينات الماضية، ضمن مسؤولياتها في العناية بتنظيمات الخارج للحزب الشيوعي العراقي...

 كما لا يجوز الا وان تُشر- وذلك اضعف الايمان- الى الشهيدة البطلة، زهور اللامي، رفيقتك في الهيئات القيادية لتنظيمات بغداد الطلابية، اواسط السبعينات. كما لا تنسً ان تصرح ايضا ان عميدة "عمومة" مصري، كانت رفيقتك في التنظيمات القيادية للحزب في موسكو.. ثم وثق، بل وافتخر بعلاقتك الاجتماعية مع فنانة الشعب، زينب، ولقاءاتكم بصور شتى، في بغداد وموسكو وعدن ودمشق..

والان، فلتعترف(!) ان بشرى برتو كانت تشرف على نشاطك، ورفاقك: الشهيد الابي نزار ناجي يوسف( ابو ليلى) وفراس الحمداني، وعيسى العزاوي، وحكمت الفرحان، وغيرهم، في لجنة العمل المهني المركزية، ببغداد في السبعينات.. كما انها- بشرى- تكفلت بالمسؤولية السياسية عنك في براغ، اواخر الثمانينات.. ثم اعترف ايضا بانك كنت، وسعاد خيري، في لجنة تنظيم الخارج للحزب الشيوعي اوائل الثمانينات... كما وتذكر سلوى زكو في صحيفة "طريق الشعب" السبعينية، وهناء ادور، وانتما تتابعان النشاطات الديمقراطية العراقية في دمشق، اواسط الثمانينات... وكذلك نضال وصفي طاهر، وخاصة فترة عملها معك ببراغ، ولنحو عقد من الزمان، في مسؤليات حزبية وديمقراطية وطلابية..ولا تغفل - وهل يمكنك ذلك ؟- المناضلتين: الشهيدة الباسلة شذى البراك، وشقيقتها سوسن، وعلاقاتكم الاجتماعية والسياسية والحزبية على مدى اعوام... وهكذا تبتدأ شدة الورد، ولا تنتهي.

لقد باتَ عليك ان تتوقف- ايها الرجل- فقد اطلت، ولربما تستهويك الاعترافات المقبولة، وغيرها، وقد يضجر المتابعون حين تنهمر، تتلألأ، الاسماء والذكريات والسير، وقد يعود بك التوثيق الى زميلاتك في الدراسة الجامعية، والوظيفية، والنضالية، وخاصة الى تلكم الشابات الزاهرات التي كُلفت بالاشراف على نشاطهن في تنظيمات الحزب الطلابية ببغداد، والديمقراطية، وقرينتاهن في براغ، وفي الجمعيات والروابط الطلابية، المنتشرة عنفواناً في نحو عشرين بلدا، واوربا بشكل خاص.. واستدرك، وتمنّ لو سمحنّ لك، وسمحت الظروف، بذكر اسمائهن، ولاسيما البارزات منهن نشاطاً، وحيوية، وإتقاداً، ولا شك بأنك ستوافق في الحال لو كان الامر بيدك وحدك.

... اما عن العلاقات الاجتماعية والانسانية، وما بينهما، مع من "زنّ الحياة" فستستطرد السطور دون حدود، ولربما ستزداد أعين الحساد اتساعا، واحمرارا.. فأحذر، واحترز، لأن ما عندك من لواعج وشجون يكفيك لدهر !!!! .------------------------------- يتبع

 

 

 

 

شهادات ووقائع على ضفاف الذكريات – 2

 

ربع قرن في حركة طلابية مجيدة

 

رواء الجصاني

 

في الرابع عشر من  نيسان عام 2008  وتحت العنوان اعلاه، وبمناسبة الذكرى الستين لمؤتمر السباع الطلابي الشهير، ببغداد، نشرتَ – ايها الرجل –توثيقا مفصلاً عن بداياتك الطلابية، نشاطا ونضالاً، وحتى عام 1989 حين "تقاعدت"... وها انت تحاول من جديد ان تجمع شتات السيرة والذكريات، فماذا ستكتب هذه المرة؟

... هل ستفصل اكثر عن مواقف ونجاحات وشجون، ام ستخشى- وماذا تخشى اصلاً ؟- من هذا وذاك؟.. هل ستتحدث بصراحة؟ ام ستركنها لفترة قادمة، وتتحجج من جديد بأنك توثق "ضفافاً" وحسب لسيرة وذكريات، وليس كل "السيرة" وكل "الذكريات" !!... ومع ذلك فلتتمرن، ولتضف بعض محطات من هنا ومن هناك في مسار ربع قرن، من العمل والنشاط الطلابي.

قلْ، مثلا، انك تفخر بمشاركتك في ذلكم النضال الطلابي المتشابك مع النضال الوطني، في حركة، وتنظيم، واطار، اتحاد الطلبة العام، والذي كان، وما برح، شعاره الاساس ينضح بذلك التشابك، ونصه:"من اجل حياة طلابية حرة... ومستقبل افضل"... ثم زدْ وبارك، كما يقول المؤمنون: ان ذلك الاتحاد الطلابي العتيد، مدرسة وتاريخ لجحافل مناضلين من اجل الغد الافضل، منهم من أُستشهد، وخلدَ، ومنهم من سجن وعذب وتحمل ما تحمل، ولم يحد عن الدرب... كما وأشِرْ على الاقل- ايها الرجل الموثق- وحتى دون اسماء في هذه المرحلة: ان مدرسة "اتحاد الطلبة العام" خرجت العشرات من القيادات والنشطاء البارزين، في الحركة الوطنية العراقية، وعلى مدى اعوام، بل وعقود، ومنهم الى اليوم، يجوبون ارجاء العراق شمالاً ووسطاً وجنوبا..

ثم، سجل، وتباهَ مرة اخرى - ولم لا؟ - ان مهامك ونشاطاتك الطلابية - الوطنية تنوعت وتعددت، لتشمل الاعلام والتنظيم مرة، والعلاقات العربية والعالمية مرة اخرى... ومرر – ايها الرجل – ان من بين هذه وتلك المهام التي تشرفت بها، اشغالك عضوية سكرتارية الاتحاد مطلع السبعينات الماضية، وخوض الانتخابات الطلابية عام 1970 "متزعماً" قائمة الاتحاد، في معهد الهندسة العالي ببغداد، ثم شغلت عضوية اللجنة التنفيذية لرابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفياتي عام 1972 ثم عدت لبغداد عام 1973 لتعود الى سكرتارية الاتحاد، ولتشرف على صفحة الطلبة والشباب في جريدة "طريق الشعب" المناضلة المعطاء، وحتى عام 1976...

كما واكمل تباهيك، مادمت قد بدأت به - ايها الرجل المتباهي بنضال وعطاء- ووثق انك كُلفت في براغ، وانتخبتَ سكرتيراً عاماً للجنة التنسيق للجمعيات والروابط الطلابية العراقية (الديمقراطية) خارج الوطن للاعوام 1980- 1985.. وفي نفس الفترة: تسنمت مهام التمثيل الخارجي لاتحاد الطلبة العام، ومندوبه لدى سكرتارية اتحاد الطلاب العالمي، ومقرها في العاصمة التشيكية براغ... وضف بكل ثقة واعتزاز ان تلكم الجمعيات والروابط، وهي فروع الاتحاد في الخارج، تحملت في مسارات نضالها مسؤوليات اساسية في حملات التضامن الجماهيرية، مع كفاح طلبة وشعب العراق، ضد الارهاب والقمع البعثيين، وخاصة في الفترة 1979- 2003.. ومرة اخرى ذكّر من يريد تفاصيل اكثر، بالعودة الى ما نشرته في توثيقك ذي الصلة عام 2011 تحت عنوان "جمعيات وروابط الطلبة العراقيين خارج الوطن، ربع قرن ضد الدكتاتورية والارهاب" والمنشور على عشرات المواقع الاعلامية.---------------------------------------- يتبع

 

 

 

 

شهادات وقائع على ضفاف الذكريات / 1

 

بين الصحافة والثقافة... والسياسة

 

رواء الجصاني

في بغداد"دجلة الخير"...

...ها قد حان الوقت الان للتوثيق عن بدايات النشاط الصحفي الاول، فأرخ ايها الرجل أنك واكبت صدور جريدة "طريق الشعب" العلنية، منذ ساعاتها الاولى عام 1973 وحتى عام 1978 إذ توليت فيها مسؤولية صفحة "الطلبة والشباب" ثم "الصفحة المهنية" التي أختصت باخبار وشؤون نقابات مختلفة، عدا العمالية، فضلا عن "مهام" اخرى... اما التفاصيل عن تلك الفترة التي دامت نحو ستة اعوام، فأدع من يشاء، ولم يضجر بعد مما تكتب، لقراءة توثيقك المفصل عن ذلك، والمنشور اوائل عام 2014 في العديد من المواقع الاعلامية تحت عنوان "ستة اعوام في طريق الشعب".

وفي اواخر العام 1978 يحين موعد "الهروب" الاضطراري من العـــراق، وبدء اعوام الغربة التي ظننت- ايها الرجل- انها لن تطول عقودا كما حدث، ويستمر... فإلى براغ، جنة الخلد، المرئية، وليست المسموعة، على ذمة "الجواهري" ارتحلت من بغداد، وصارت عاصمة التشيك ملاذاً ووطنا جديدا اضافيا، والى اليوم... وفيها – في براغ- حيث الفصول الاربعة - ودائما بحسب الجواهري الخالد- تسلمت، وبعد لا ازيّد من اسبوع فقط من الوصول اليها، مهاماً اعلامية وصحفية عديدة، وطنية وسياسية الطابع عموما، ومنها لفترات متباينة الطول والقصر: في المكتب الاعلامي، الخارجي، للحزب الشيوعي العراقي، الذي حرر وطبع واصدر ووزع العديد من المجلات والنشرات بالعربية والانجليزية والاسبانية، للمساهمة في مقارعة النظام الدكتانوري البائد... ولتوثق هنا ان من بين الاسماء التي عملت معها، وعملوا معك، ولفترات مختلفة في هذا المجال: شمران الياسري(ابو كاطع) وسعاد خيري وفالح عبد الجبار ومجيد الراضي وحسين العامل، و باشراف نزيهة الدليمي، فترة، ثم ثابت حبيب العاني. وعذرا سلفا لمن لم تسعف الذاكرة بالاشارة له... ولتمرر هنا انك سعيت – وستسعى- في هذه الضفاف من السيرة والذكريات، الى الابتعاد ما استطعت عن تعداد الاسماء، وتركز على الراحلين وحسب، احترازا من سهو او نسيان، او"زعل" احباء واصدقاء ومعارف.

... وفي براغ "مزهر الخلد"

ثم يحل العام 1989 وتنقلب الدنيا، وتهوي انظمة، وتعلو اخرى، وتنكفأ النفوس قبل العقول، بعد انهيار الشكل، والنموذج على الاقل .. ويتيح استبدال نظام الاقتصاد ذي التخطيط المركزي في البلاد التشيكية الى اقتصاد السوق الحر، امتحان القدرات الذاتية، وخوض غمار المغامرات، فتطلق مع عبد الاله النعيمي، منبرا للاعلام والتنوير، باسم "بابيلـون" ولتستمر تلكم المغامرة الى الان، وها هي تنهي يوبيلها الفضي، برغم كل المتاعب وصعوبات السباحة ضد التيار، ولتخسر كل ما تملك ( وهل ثمة ما تملك اصلاً؟) لكي يدوم المشروع الى الان، بل ويتسع، وينال محبة الاكثرين، جنبا الى جنب كيد وكدر الحاسدين والعاجزين.. وكما هو الامر في سطور سابقة، وفي حال اخرى، تلكم هي التفاصيل موثقة بتفاصيل "مملة!" واسماء ونجاحات وشؤون وشجون، منشورة على مواقع اعلامية، وصحف عراقية وعربية، تحت عنوان:"بالف دولار من الجواهري، وبريشة محمود صبري، ابحرت "بابيلون" عام 1990".

ترى هل أوفيت؟ ام هنالك مسافات التأشير اليـــه؟... لا احد يدري ولكن، وعن الحلال والحرام فلتزد - ايها الرجل- سطورا اخرى، في مسيرة الخمسين عاما من الاسهام والنشاط في العمل الصحفي، والاعلامي، ومنها اصدار نشرة رابطة الكتاب والصحفيين العراقيين، الاوربية باسم "مرافئ" تحت مسؤولية صادق الصايغ، والاشراف العام لنحو سبعة اعوام عن كل الاصدارات الخارجية لاتحاد الطلبة العام، وفروعه الخارجية، فضلا عن المقالات والتوثيقات والدراسات، الثقافية والسياسية، وما اليها، والتي كانت بالعشرات، ولا تقل مئات- وان كانت!- احترازا من المتربصين، واولئك ممن عناهم الجواهري واشباههم في بعض مقصورته الشهيرة : ومنتحلين سمات ِ الأديب يظنونها جبباً ترتدى.... ولكن لتتباهى في ذات الاوان بتراث وعمق صلات، ومودة مع عشرات الزملاء والاصدقاء والاحباء، الذين عملت معهم، وعملوا معك، وزاملتهم وزاملوك، باسقين ألقين، في رحاب الصحافة والاعلام، ولتفخر بعلاقاتك معهم، وعلاقتهم معك، ممن قربوا او بعدوا، او تواصلوا ويتواصلون، وفي كل ذلك رصيد ما وراءه رصيد أجل !!.

--------------------------------------------------- يتبع

 

 

 

جرى ذلك قبل خمسة وأربعين عاماً (1/2)

 

الجواهـري في حديث خاص لسامي مهدي

 

عن البيئة والتمرد

 

والصحافة والنقاد... والشعر الحر

 

 

قراءة وعرض: رواء الجصاني

 

------------------------------------------------------------------------------

قبل خمسة وأربعين عاما، وفي حزيران/ يونيو 1971 تحديدا، يجري الشاعر والكاتب سامي مهدي، حوارا مطولاً في بغداد، مع الجواهري الخالد، نشره في مجلة "المثقف العربي" تميز بالصراحة والجرأة وفي اختيار المحاور، فضلاً عن الأستنطاق- بتعبير استعاري- خاصة وان  الاجواء في البلاد العراقية كانت  متشابكة،  ثقافيا وسياسيا - على اشمل وصف. وقد أرتأيت وأنا في "معمان" الارشيف الجواهري العامر، أن أعيد نشر الحوار لتميزه كما أسلفت، وبشكل شبه كامل، بأستثناء بعض الأيجازات، وإضافة عناوين فرعية، فضلاً عن هوامش توضيحية، كما ازعم ... وها هو في التالي:

--------------------------------------------

"كنت قد قدرت ان لقائي بالجواهري سيستغرق ساعة او اكثر قليلا. وانه سيكون جافاً أو حتى مملاً، ولكنه استغرق أربع ساعات، وكان متعة عظيمة لي"... هكذا يقدم سامي مهدي لحواره المنشور في مجلة المثقف العربي البغدادية، ويضيف:

... "في البداية لاح لي انه يتحفظ في الحديث فخمنت انه يريد ان يطمئن الى أمانتي بعد ان افتقد أمانة الكثيرين. ولكن ما ان استغرقنا الأخذ والرد حتى انطلق على سجيته وراح يسترسل حد انه كان ينسى في كل مرة أصل ما بدأنا به.

كان صوت – الجواهري- دائم التغير فهو يعلو مرة حد الصياح وينخفض أخرى حد الهمس، وبدا لي انه ليطربه ان يستعيد معك ذكرياته، حلوها ومرها، وان تنصت له وتشجعه على الاسترسال معك، فحينذاك تراه وقد احمر وجهه من لذاذة، وتهدج صوته من نشوة، كما لو ان حمى خمرة قد ألم به. فرأيت ان يحدثني عن مصادر ثقافته، قلت له أراك تقرأ روسو فمن هم أبرز من قرأت لهم؟".

* ويجيب الجواهري:

..."سؤالك عن أبرز من قرأت لهم صعب، لقد قرأت كثيراً، وقد بدأت القراءة منذ ان كان عمري عشر سنوات، كان بيتنا يساعد على ذلك، وأستطيع أن أقول انني قرأت لأغلب المشاهير. قرأت لبلزاك واناطول فرانس وبودلير صاحب ازهار الشر. قرأتُ هؤلاء مترجمين، مع انني اجيد – القراءة – القراءة – فقط بالفرنسية. وغير هؤلاء قرأت شيللر صاحب اللصوص، وقد أعجبتني رواية مدام بوفاري".

ماهي مصادر ثقافة الجواهري، ومن أين؟

* ثم يسأل سامي مهدي "وماذا بعد عن مصادر ثقافتك؟" ... فيّرد الجواهري:

" ان الأهم هو البيئة: البيت والمدينة والقطر والظروف ونمط الحياة السائدة. ان البيئة التي نشأت فيها بيئة خاصة. كان بيتنا (مشبك عروق) دون كل البيوت. كان ملتقى كبيراً لعوائل مختلفة الأصول. كما كان محفل علم وأدب، أما أبي فكان شاعراً رقيقاً، إلا انه هجر الشعر تقىً وورعاً مثلما فعل الحبوبي الكبير... اما بالنسبة للبيئة العراقية في ذلك الحين فلعلك قد قرأت عنها، وعرفت من أي بؤس وأي تخلف كانت تعاني... اذن فقد كانت هذه البيئة مصدرا غنيا وقد زودتني بخبرات عديدة. على ان اكثر ما اثر بي منها طفراتي من حدود البيئة العائلية والنجفية الى البيئة البغدادية، فلقد فتحت لي هذه الطفرات آفاقا رحيبة وكان ان حددت لي طريقي العام".

* ويتابع الجواهري اجابته على السؤال ذاته فيقول:

"اثر بي من تلك البيئة تناقضها وتقلباتها، فنحن لم نكن عائلة كادحة، كنا من البيوتات ولكنا مع ذلك كنا نبيت ليلا بلا عشاء، وحتى بلا خبز. ولقد برزت هذه التأثيرات في مظهرين عام وخاص. ففي المظهر العام فرضت عليّ البيئة ان أكون مع الجائع العاري. لذا أصبحت ملتزما رغما عني. وفي المظهر الخاص طغى على حياتي وشعري عنف لم أخلق له. أنا في حقيقتي أكره العنف، وأشعر أحياناً ان عنفي في غير محله فأشجب نفسي ولكنني لم استطع الا ان أكون كذلك، أنا مثل بطل بلزاك في رواية الزوج الضائع (حسن التفكير سيء التصرف)، وحين قرأت الرواية قلت: هذا هو أنا...

... شيء آخر أورثتنيه البيئة، وهو حب الحياة. أنا أحب الحياة، ولقد نما في هذا الحب على نحو لم أكن أتصوره انه ينمو كلما تقدم بي العمر حتى انني لأجده في بعض الأحيان لا يتناسب وسني، وعندئذ لا أجد إلا أن أفلسفه. ان حبي للحياة، كما أعتقد مجرد رد فعل للظروف التي مرت بي لقد كنت محروماً وما حبي للحياة إلا تعويض لهذا الحرمان".

الجواهري: أشعر احياناً باني كنت عنيفا أكثر مما ينبغي

* ووفق سامي مهدي، في الحوار ذاته وعنه:

"كان ابو فرات أشبه بمن يعترف، وبين الحين والآخر كان ينتبه لنفسه فيعتدل ويحدق فيّ ليرى مدى تأثير حديثه عليّ. اما أنا فكنت أهرب بوجهي عنه لئلا أقطع عليه استغراقه في الاعتراف. كنت أتركه لانفعالاته. ثم سألته: يعرف عنك انك بار بعائلتك، فكيف توفق بين هذا البر وبين عنفك ومواقفك الحدية".

* ويردّ الجواهري، منطلقاً، ومن بين اجابته:

"أنا أحب العائلة، أذوب في العائلة، وفي أقسى الظروف كنت أحاول المستحيل حتى لا تتضرر، كنت أدللها وكان هذا يكلفني عناءا أكبر، وفي الحق ان العائلة لم تكن تتدخل في مواقفي قبل ان اتخذها، أو انني لم أكن أدع لعواطفي تجاهها ان تؤثر على موقف أزمع اتخاذه. غير انني مع ذلك كنت احتاط لها قبل اتخاذ الموقف. ثم ما عساي ان أصنع اذا جاءت الأثمان أكبر من استعدادي لها؟ أحياناً كنت انقد نفسي فأشعر انني كنت عنيفا أكثر مما ينبغي وحتى أكثر مما كنت أريد".

ويستمر الجواهري فيتحدث خلال الحوار نفسه عن مثال لما تعرض له، والعائلة بسبب مواقفه، فيسرد تفاصيل عن أجواء وتداعيات بائيته الشهيرة، عن هاشم الوتري، وبيتها الأشهر الذي خاطب به المسؤولين العراقيين عام 1949 ونصه "أنا حتفهم ألجّ البيوت عليهم، أغري الوليد بشتمهم والحاجبا"(1)...

لماذا راح الجواهري صحفيا؟

* وفي ثنايا الحوار يكتب سامي مهدي:

 "... قلت لأبي فرات: ان علاقتك بالصحافة تبدو لي غريبة، فهلا أوضحت لي كيف تكونت هذه العلاقة ومدى تأثيرها على شعرك؟"...

ويجيب الجواهري:

"كنت مهووساً بإصدار جريدة، ولكن لم أكن أدري ما هو هدفي بالضبط لعلّ ذلك يعود الى اتصالي بالصحافة عن طريق النشر، أو لعله طموح ذاتي في النشر، أو رغبة في الحصول على مورد حر، وربما كان الدافع رغبتي في خوض السياسة. وعلى أية حال كانت الصحافة بالنسبة لي هي الدنيا، وكنت أعيش جو الصحافة على كثب. وهكذا تركت الوظيفة وأصدرت (جريدة الفرات) التي سميت ابني باسمها.

على انني وان امتلكت ذوقا صحفيا، فأنني لم أكن صحفيا ناجحا. كنت أشعر بأن ثمة تعارضا بين الصحافة والشعر. كانت الصحافة تغرقني في غمرة الاحداث وتشدني اليها فتصرفني عن الشعر في كثير من الاحيان، ومع ذلك فانني ما زلت احب الصحافة واحسب انني استطيع الان مزاولتها. ولكنها من جانب آخر كانت توسع لي الآفاق السياسية".

* ويضيف الجواهري مسترسلاً:

"هذا لا يعني انني لم اقدم شيئا مجديا في الصحافة. فغالبا ما كنت اكتب الافتتاحيات وغالبا ما كانت هذه الافتتاحيات تحرك الجو السياسي. ومن جانب آخر كانت الرأي العام ملتقى للشعراء الشباب، وكانوا يعتبرون النشر فيها مقياسا لمواهبهم. بدر شاكر السياب كان ينشر عندي ومن اهم ما نشرته له همزيته التي قالها في الوثبة وقد نشرتها بعد ان قدمت لها. بدر كان يعمل عندي مترجما. وقبل ذلك كان يريد مني ان اقدم لديوانه. ففي ذات يوم كنت في زيارة والد عزيز الحاج، كان صديقي وكنت اعرف عزيز من خلال هذه الصداقة. فجاءني - عزيز - مع ديوان صغير لبدر وطلب مني ان اقدم له. واحتراما لعلاقة الصداقة اخذت الديوان ولكني لم اقدم له رغم انه بقي عندي شهورا ثلاثة، أنا لا أؤمن بالتقديم، امين الاعور (صحفي لبناني) أرسل لي منذ ثلاث سنوات ملحمة تاريخية بـ 400 صفحة على ان اقدم لها. الملحمة جيدة ومازالت عندي ولكنني لم افعل شيئا. هكذا أنا لا أؤمن بالتقديم".

----------------------------- يتبع الجزء الثاني والاخير

** مع تحيات مركز الجواهري/ براغ

 

 

 

 

بين الجواهري والامام الحسّين:

مآثـر وشعـر*

 

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

بلا خوض مباشر في عوالم النجف الروحية، والاجواء الدينية والادبية للاسرة الجواهرية، وتاريخها واثارها العلمية، دعونا نغور لماماً في قصيدتي "عاشوراء" و" آمنت بالحسين" للجواهري الخالد، وما تشيان، بل وتلهبان به، حول ماثرة "الطف" واحداثها الاليمة، والعبر المستوحاة من الثورة الحسينية، ومنابعها وجذورها ومبادئها وافاقها..

 والقصيدة الاولى: "عاشوراء" منظومة ومنشورة عام 1935 وكانت بثمانية وستين بيتاً، استعرض فيها الجواهري، ووثق خلالها العديد من الاحداث التاريخية، الثورية والماساوية في ان واحد، وبالاسماء المقرونة بالاوصاف التي تليق – بحسب رؤاه – بالمضحين من اجل المبادئ، من جهة، وبمعارضيهم، بل ومحاربيهم وقتلتهم، من جهة ثانية...

هيَ النفسُ تأبى أن تُذَلّ وتُقهَرا، ترَى الموتَ من صبرٍ على الضيم أيسَرا

وتخـتارُ محموداً من الذِكرِ خالداً...على العيش مذمومَ المَغَـبّـة مُنكَرا

  وكما هو ديدنه، شبك الجواهري العام بالخاص، وبحورات مع الذات ً، ليستخلص وفي ابيات محدودات، ولربما في بيت واحد متفرد، عبرة العبقري الخابر للحياة:

ونُكّسَ يـومَ الطـفّ تـاريخُ أمـة... مشى قبلَها ذا صـولـةٍ متبختِرا

فما كان سهلاً قبلَها أخذُ مـوثـق على عَرَبيّ أن يـقولَ فيغـدِرا...

 وسيرا على عادته، ايضا، يوجزالشاعر المنوّر عظات واقعة الطف، وما سبقها وتلاها من بطولات وامجاد خالدة، ثم يروح موجهاً، دون وجل او تردد:

أقـول لأقوامٍ مَضَـوا في مُصابه... يسـومونه التحريـفَ حتى تغيّرا..

دعُوا رَوعةَ التاريخ تأخـذْ مَحَلّـها... ولا تُـجهِدوا آياتِه أن تُـحوّرا

وخلّوا لسانَ الدهر يَنطقْ فإنّه...بليـغٌ إذا ما حـاولَ النطـقَ عَـبّـرا

 واذ جاءت "عاشوراء" في زمانها - والجواهري انذاك في عقده الثالث وحسب - مباشِرة في المعاني والتصريح، واقرب للتوثيق التاريخي، هدر الشاعر الخالد بعد مرور اثني عشر عاماً، بعصماء "آمنت بالحسين" التى فاضت بالتعبير عن المواقف والمفاهيم الطافحة بالإباء والشموخ، والممجدة للفداء والتضحيات، كما هي الحال في الفرائد الجواهرية العديدة، وان اختلفت في الصور والاستعارة:

فـداء لمثـواك من مضـجـعِ... تـنـوّر بـالابلــج الأروعِ

ورعياً ليومـك يوم "الطفـوف"... وسـقياً لأرضك من مصرع

تعـاليت من مُفـزع للحتـوف... وبـورك قبـرك مـن مَفزع

وياعِظَةَ الطامحينَ العِظام، للاهينَ عن غَـدِهِمْ  قُنَّـعِ

 وفي مقابل ذلك تماماً، لم يجامل الشاعر الكبير أو يتهاون في هجو الخنوع والانحناء، وأولئك المقيمين على الذل، بل وحتى من يتوسط "كاللبن الخاثر" وغيرهم من اللاجئين "لأدبار الحلول فسميت وسطاً، وسميّ أهلها، وسطاءَ"..

 ولربما نجتهد، ونصيب، فنرى في "آمنت بالحسين" مجمعاً للشواهد والأدلة الأبرز على الرؤى الجواهرية المتميزة، وبمقاييس بالغة الرفعة، في تبجيل "الواهبين النفس" فداءً للمبادىء التي يؤمنون بها، وتلكم بلا شك هي التضحية الأضخم للدفاع عن القيم والذود عنها، كما يؤمن ويثبت ويصدح صاحب "آمنت بالحسين"...

 وفي مقاطع تالية من العصماء ذاتها يستمر الجواهري في الاتجاه الذي يريد اعلانه عن تضحيات الحسين الثائر و"نهجه النير" الذي بات "عظة الطامحين العظام" لاولئك "اللاهين عن غدهم" والقنوعين دون احتجاج وتمرد أو ثورة...

....   كما يفيض عديد آخر من أبيات القصيدة بعواطف ومشاعر انسانية فائقة التعبيــر في تقديس الثبات والصمود لرجل يـــوم "الطفوف" و"الملهم المبدع" الثابت أمام "سنابــك خيـــل الطغاة" دون خوف أو رهبة... وبهــدف أن يُطمر "جديب الضميـــر بآخـــر معشوشب ممــرع"...

شممتُ ثـراك فهب النسيم... نسيم الكرامـة من بَلقـعٍ

وطفت بقبرك طوفَ الخيال... بصومعـة المُلهـم المبدع

تعـاليت من صاعق يلتظي... فـان تـدجُ داجية يلمـع

ثم يروح الجواهري ليتمثل مأثرة الحسين التاريخية، و"يمحص" الأمر دون أن يرتهب من "الرواة" أو يخدع بما ينقلون، ويمضي هادفاً للحقيقة لا غيرها، وبدون "تزويق" أو مبالغات... وبعد ذلك فقط، يجد الشاعر أن في فداء الحسين دفاعاً عن مبادئه، وقائع لا أعظم منها، وهو "أن يطعم الموت خير البنين، من الاكهلين الى الرضع

 "... ثم يحل مسك الختام، فتجدد القصيدة تقديس ذلك الصمود والعطاء الذي "نوّر" من ايمان الجواهري، وفلسفته في الإباء والفداء، والتي تجسدت، كما سبق القول، في الكثير من قصائده ومن بينها: "سلام على مثقل بالحديد - 1951 " و"بور سعيد – 1956" و"كردستان - موطن الأبطال- 1962" والى "اطياف الشهداء الخالدين- 1963" و"فلسطين الفداء والدم - 1970" فضلاً عن قصــائد الوثبـة، الشـهيـرة، عــام 1948...

تمثلـتُ يومـك في خاطـري... ورددت "صـوتك" في مسـمعي

ومحصـت أمـرك لم "ارتهب"... بنقـل "الرواة" ولـم أخــدع

ولما ازحـت طـلاء "القرون"... وسـتر الخـداع عن المخـدع

وجدتـك في صـورة لـم أُرعْ... بـأعـظــمَ منهـا ولا أروع

 وللاستزادة، نقول أن قصيدة "امنت بالحسين" المتفردة في المبنى والمعنى، والرؤى، نشرت في جميــع طبعات ديوان الجواهري العامر، ومنــذ العام 1951 وقد خُط خمسة عشر بيتاً منها بالذهب على الباب الرئيس للرواق الحسيني في كربلاء، كما أُنشدت، وتُنشد، في مختلف المجالس والمناسبات الاحيائية لواقعة "الطف" التي تصادف كما هو معروف في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم، كـــل عــام...

 

-------------------------------------------------------------------------------

من كتاب" الجواهري ... بعيون حميمة" الصادر في بغداد وبراغ عام 2016

 

 

 

بعيون حميمة... مع الجواهري

 

في بغداد وبراغ ودمشق (*)

 

رواء الجصاني

 

    كان العنوان الاول لهذا الكتاب، موسوم بداية الامر بـ "خمسة عقود مع الجواهري".. وتلكم العقود المقصودة هي التي قضيتها في بغداد وبراغ ودمشق، مع محمد مهدي الجواهري، امتدت بين عام 1949 حين ولدتُ، وتاريخ رحيله عام 1997.

    ... ثم تغير العنوان بعد استمزاج آراء أقربين وقريبين، ليكون على حالته التي ترون. وفي ذلكم رحاب اوسع وفضاءات اشمل، تتيح لي على ما حسبت، غمرةً اكثر في بعض عوالم الجواهري، المنتهية الى لا مدى، وكذلك التوثيق لما أتباهى بكونه جديدا وغير مطروق، يضاف الى ما هو منشور، ومحرر عن الشاعر الرمز، في عشرات الكتب والمقالات والدراسات، وغيرها.

     لقد تمازحت مع الجواهري مرة، بأني سأدخله التاريخ(!) عندما اكتب عنه، كاشفاً ما أباحه لي طوال ازيد من اثني عشر عاماً متصلة حافلة ( 1979-1990) كنت فيها مؤتمنه الأول على كل ما عنده، خاصاً وشخصياً، وشؤوناً تصلح، ولا تصلح للنشر، وغير ذلك كثير كثير!. دعوا عنكم اليوميات البيتية والعائلية على مدى عقود، وعشقي اللا متناهي لشعره ومواقفه وجرأته وتمرده... وها أنا ذا أفي بالعهد، ولكن بالمقلوب، اي لكي ادخل التاريخ بكتابتي عنه، بهذه الرؤى والذكريات، والشهادات واليوميات والصور.

    صحيح ان قسماً مما احتوته الصفحات التاليات، كنت قد نشرته بهذا الوسع او ذلك الشكل، ولكن الاضافات والتأرخة المتوافقة مع بعضها، فضلا عن الجديد، وغير هذا وذاك، جاءت لتقرب القارئ أكثر فأكثر من المرجو والمؤمل لـ"هوامش" وحسب  في حياة الجواهري الثرية، الشخصية والاجتماعية والثقافية والوطنية والسياسية، وآرائه ورؤاه، في الفكر والشعر ... ويمتد التوصيف بلا حدود، وبلا عمد او تصنع. فتلكم بعض سمات الجواهري، وواقعه، وليس بالمقدور الاختصار، وإن قسرا.

   وللتوضيح، فلقد عمدتُ الابقاء، في العديد من الكتابات المنشورة سابقاً، على حالها، باستثناءات قليلة، وكل ذلك بهدف التوثيق الادق، ومن الناحية الزمانية بشكل رئيس. كما ان مهمة عسرى واجهتني في مسألة التبويب والترتيب، إذ تتشابك خصوصيات الجواهري مع عمومياتها، وكذلك في التواريخ والمكانات، والأولويات والثانويات والاواخر.. والحال ذاتها في ما يتعلق بتشابك وجدانياته ووطنياته وغزلياته واخوانياته، وغيرها. 

   وعلى ذات المسار الذي أتبعته في اصداراتي السابقة، وكتاباتي المنشورة عن الجواهري، فقد تأنيت مرات ومرات بشأن مراعاة واختيار الصياغة، واستخدام المفردات، واسلوبية الكتابة، الواجب اتباعها في مؤلَفٍ يطمح ان يكون موضع اهتمام متلقين من مختلف المشارب والمعارف والاتجاهات.. ولكم ان تقدروا مديات الحيرة التي تنتاب المرء وهو يسعى للتوفيق بين كل تلك المختلفات والمتداخلات. وقد انتهجت منحى "الوسطية" وقد اكون تمكنت .

     وهكذا راحت "الخلاصة" التي سترونها في القادم من الصفحات، ولتكملها صور مختارة من نحو الف صورة وصورة، هي اشبه بالف ليلة وليلة !.. فهل ستتمكن ثلاثمئة وست وثلاثون صفحة – حقاً - من ان تفي العبقرية والخؤولة بعض حقها.. ؟!

    أخيراً، وقبل ان اسوح بكم في عوالم الشاعر الخالد، وامزجته، ومحطات في سيرة مئة عام من حياته التي خبط فيها "الدنى والناس طراً، وآلى ان يكونهما، فكانا" .. أقول، قبل ذلك دعوني اشير الى ان هذا الكتاب غير ربحي، وهــا هو ابن اخت الجواهري، صفاء الجصاني،  يتبنى تعضيد طباعته ونشره. اما التنفيذ الفني، فقد كان - ومثلما هي العادة في اصداراتي السابقة كلها – بجهد وعناية ذات الانامل الذهبية، نسرين وصفي طاهر..

------------------------------------------------------------

(*) بداية وتقديم كتاب:

"الجواهري بعيون حميمة" – بغداد/ براغ عام 2016 .

اصدار: مركز الجواهري للثقافة والتوثيق . – تنفيذ: بابيلون للاعلام والنشر.

- 336 صفحة من القطع الكبير.

 

 

 

 

مساهمة في حفل أحتفائي بالمثقفيّن

الوطنيين:الراضي، وجيـان(*)

وكنا كالزروعِ شكتْ محولاً، فلما أستمطرتْ، مطرتْ جرادا

- رواء الجصاني

  في فترة طغيان ألم، وهضيمة وإنتفاض، كتب الجواهري الكبير، موثقاً وناقداً ومحرضاً، عام 1984 سينية معبرة، من بين ابياتها، اثنان بليغان كما أدعي، اخترتهما مدخلاً لمساهمتي هذه في  المناسبة التي نجتمع خلالها، احتفاء بمثقفين وطنيين: د. مجيد الراضي، والاستاذ يحيى بابان- جيان، الذين عانا ما عانا، من جحود أليم، عوضاً عما يستحقان من  وفاء وتقدير... وفي ذينك يهدر الجواهري، مخاطبا صلاح خالص:

"أصلاحُ" أنّا رهنُ مجتمعٍ، يخشى اللصوصَ، فيذبح العسسا

يـُزهى بفارســهِ اذا أفتُرسا، وبضوءِ نجـــمٍ ساطــعٍ طُمسا..

    ولكن في رحم ذلك "المجتمع" الذي تقصد الجواهري في اشاعة شمولية الوصف القاسي عليه، بهدف التثوير والأهابة، ثمة منورون، كما وساعون للتنوير، جهدوا، وأجتهدوا، وما برحوا، في اعلاء شأن الاعتراف بالكفاءات والقيم، واعني بهم، "اصحابنا" الشيوعيين الذين ينظمون هذا الحفل الاحتفائي، تقديراً، بقدر الممكن، لاصحاب القلم والفكر والعطاء. وذلك ما مثلّ ويمثل نهجاً وتقليدا تليداً لحزبهــم العراقي، العريق، اينما، وكلما  استطاع الى ذلك سبيلا !!.

   والراضي وجيان، المحتفى بهما اليوم، عُرفا ومنذ عقود مديدة، بجهد مثابرفي ميادين الثقافة والابداع، والنشاط الوطني. وكانا، ضمن جحافل المشاركين - وكل حسب طاقته - مع نضالات القوى والاحزاب والحركات الوطنية الحقة.. بل دعوني أقول للتعميم، مع جماهير شعبهم التي ضمئت، وشكت المحول... ولكن حينما "أستمطرت، مطرت جرادا"... ذلك الجراد الذي طغى في البلاد منذ عقود، وما برح طاغياً: ظلاميين وطائفيين وقوميين متعصبين، وتكفريين، وسواهم. دعوا عنكم علمانيين مرتدين، ومناضلين منكفئين، وكتبة ملثمين، هنا وهناك.. وهكذا زاد المحول محولاً، وسمُن الجراد، وتكاثر بلا مدى،  فزاد فتكاً بالوطن والناس، وعسى القادم اقل عسفاً وجورا .

  وبعيدا عن التفاصيل والسير الذاتية التي امام الجميع في قاعة هذا الحفل، وخارجها، عن المثقفين الوطنيين، الراضي وجيان، أقول: شِيئ لي ان اكون قريباُ بهذا القدر أو ذاك منهما، ومعهما، وزهاء اربعة عقود: زمالة ورفقة وصحبة، وما بينها.. في مهام هذه المختصة السياسية أو تلكم الهيئة الحزبية، وسواهما، أو في اجتماعات ونشاطات رابطة المثقفين العراقيين في الخارج. أو خلال سياقات عمل اعلامي، وأخر.. دعوا عنكم في فعاليات ولقاءات شخصية وعامة، وغيرها عديد... وقد تشاركنا، وشاركنا في مهمات مختلفة هنا وهناك، وما برحنا على تلكم الحال... و أظن- وليس كل الظن أثما – ان لا أحد بمستطاعه إلا وأن يشير لمواهب وعطاءات المحتفى بهما، ويوثق لهما وعنهما. وهكذا كان الفضل السبّاق، للشيوعيين العراقيين في الجمهورية التشيكية، الذين بادروا لهذه الفعالية التي ستبقى متميزةً في الاحتفاء بالراضي وجيان، لهما السؤدد والخير والعمر المديد.

  وكما بدأت  ببيتين جواهريين، ها انا اختم ببيتين، ولـ"لأفـوه الأودي" هذه المرة، قالهما، ضمن قصيدة حكيمة قبل أزيد من 14 قرناً، وما زالت الحال سائدة على حالها، كما أزعم من جديد، وإن راحت تلكم الحال في مناحيّ اشمل، وأقسى، وتباينت: ظروفاً واشخاصاً ووقائع متشابكة ظلماء، ولكن المغزى بقيّ واحداً، أحدا.. خلاصته: بلا ثقافة ومثقفين، وقرّاء وكتّاب، ومؤلفين ومتلقين، ونخبة وجمهور، وبلا أن تُعرف الحدود والمقاييس، وأن ينتشر الفكر ويشاع، فلا منجى من الهلاك، ليس في البلاد العراقية وحسب، بل في الدنيا كلها... لقد أطلتُ ولم تعرفوا بعد الى الان ذينك البيتين المعنيين الذين يوجزان الاحوال والامور، فهاكم القصيدَ في بيت القصيد:

لا يَصلُحُ الناسُ فوضى لا سَراةَ لهم.... ولا سَراةَ إذا جُهّالُهم سادوا

تُلفى الأُمورُ بِأَهلِ الرُشدِ ما صَلَحَتْ  ... فَإِن تَوَلَّوا، فَبِالأَشرارِ تَنقــادُ

------------------------------------------------

(*) القيت هذه المساهمة في حفل احتفاء تكريمي للمثقفيّن الوطنيين: عبد المجيد الراضي، ويحيى بابان(جيان) أقيم ببراغ مساء الثلاثاء: 2016.8.9  قلدهما فيه الاستاذ مفيد الجزائري، وسام الذكرى الثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، بعد مداخلة مسهبة عن حياة، ومحطات في مسيرة عقود مديدة  للمحتفى بهما.. تلاه سفير العراق: د. وليد حميد شلتاغ الذي القى ايضاً كلمة تكريمية موجزة بالمناسبة.

 

         

 

 

 

 

تسعة عشر عاما

 

على رحيل الجواهري الخالد

 

ياآبنَ الفراتيّنِ قد أصغى لكَ البلدُ

 

زعمـاً بأنـك فيهِ الصـادحُ الغـردُ

 

- رواء الجصاني*


قبل تسعة عشر عاماُ، وفي وصبيحة الأحد، السابع والعشرين من تموز عام الفٍ وتسعمئة وسبعة وتسعين، تحديداً، استنفرت وكالات أنباء ومراسلون وقنوات فضائية وغيرها من وسائل اعلام، لتبث خبراً هادراً، مؤسياً، هزّ مشاعر، ليس النخب الثقافية والسياسية فحسب، بل والألوف الألوف من الناس في شتى الارجاء:

"الجواهري يرحل إلى الخلود في احدى مشافي العاصمة السورية - دمشق،عن عمر يناهز المئة عام..."

... وهكذا يطبق "الموت اللئيم" اذن على ذلك المتفرد الذي شغل القرن العشرين، على الأقل، ابداعاً ومواهب، ثم لتروح الأحاديث والكتابات تترى بعد الخبر المفجع، عن عظمة ومجد الراحل العظيم:

- المتميز بعبقريته التي يتهيّب أن يجادل حولها أحد. 

- السياسي الذي لم ينتم ِ لحزب، بل كان "حزباً" بذاته، يخوض المعارك شعراً

وفكراً ومواقف رائدة...

- الرمز الوطني الذي أرخ للبلاد وأحداثها بأتراحها وأفراحها من داخل الحلبة، بل ووسطها، مقتحماً ومتباهياً:

أنا العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه اشطارُ

- وذلك الراحل الخالد، نفسه: حامل القلم الجريء والمتحدي الذي "لو يوهب الدنيا بأجمعها، ما باع عزاً بذل المترف البطر".. ناشر صحف "الرأي العام"و"الجهـــاد" و"الثبات" ... ورفيقاتهن الأخريات ...

- منوّرٌ متميزٌ من أجل الارتقــاء، صدح مؤمناً على مدى عقـود حياته المديدة:

"لثورة الفكر تاريخ يحدثنا، بأن ألف مسيح دونها صلبا"..

- صـاحب "يوم الشـهيد" و"آمنت بالحسين" و"قلبي لكردستان" و"الغضب الخلاق" و"الفداء والدم"... شامخ، يطأ الطغاة بشسع نعل ٍ عازبا..

- والجواهـري ايضا وايضا: متمرد عنيد ظـلّ طـوال حياتـه باحثاً عن "وشـك معترك أو قرب مشتجر".. كيّ "يطعم النيران باللهب"! ..

- مبدعٌ بلا حـدود في فرائـد "المقصورة" و"زوربـا" و"المعـري" و"سـجا البحـر" و"أفروديـت" و"أنيتـا" و"لغة الثياب" و"أيها الأرق" وأخواتهن الكثار...

- وهو قبل كل هذا وذاك "أحب الناس كل الناس، من أظلم كالفحمِ، ومن أشرقَ كالماس".

- كما انه "الفتى الممراح فراج الكروب" الذي "لم يخل من البهجة دارا" ..

- رائدٌ في حب وتقديس من "زُنَّ الحياة" فراح يصوغ الشعر "قلائداً لعقودهنَّ" ... و"يقتبس من وليدهن نغم القصيد" ..

- وديع كالحمامة، ومنتفض كالنسر، حين يستثيره "ميتون على ما استفرغوا جمدوا" ..

- وهو لا غيره الذي قال ما قال، وما صلى "لغير الشعر من وثن " ... فبات الشعراء يقيسون قاماتهم على عمود قامته الشامخ...

-ا نه وباختصار: ذلك الطموح الوثاب الذي كان، ومنذ فتوته "يخشى أن يروح

ولم يبقِ ذكرا" ... فهل راحت قصائده - حقا - "ملؤ فم الزمان"!! وهل ثبتت

مزاعمه بأن قصيــده "سيبقى ويفنى نيزك وشهاب" وهو القائل:

وها هو عنده فلك يدوي..... وعند منعمِ قصر مشيدُ

يموت الخالدون بكل فج ٍ .. ويستعصي على الموت ِ الخلودُ

ترى هل صدق بما زعم ؟؟!!

... التاريخ وحده من انبأنا، وينبئنا عن الامر، ويا له من شاهد حق ٍ عزوفٍ عن الرياء!!

---------------------------------------
*رئيس مركز الجواهري للثقافة والتوثيق

 

 

الجواهري في عواصم ومدن الدنيا

قصيدة ... وثلاث زيارات لبولندا

توثيق: رواء الجصاني

-----------------------------------------------

... وهذه هذه "مقامة" اخرى من "مقامات" الشاعر الخالد، محمد مهدي الجواهري، في دول العالم، عواصم ومدناً، وما بينهما. عربية وأوربية وآسيوية وأفريقية وأمريكية. ولقد احصيت على عجالة، ومن الذاكرة وحسب، فتجاوز العدد الخمسين مدينة وعاصمة، ومنطقة وحتى قرية احيانا. دعوا عنكم مقاماته في"العراق وشطيه والجرف والمنحنى" شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً ووسطا..

... نقول "مقامات" ونعني بها حلوله في تلك البلدان وعواصمها ومدنها، إقامة أو مرورا، او مشاركة في مؤتمرات ثقافية وسياسية حينا، أو اغتراباً ونفياً، احايين اخرى . وما بينهما دعوات واستضافات رسمية، او سياحة وارتياحاً وعلاجا. ولفترات تطول أو تقصر، وعلى مدى نحو سبعة عقود، كما نوثق ..

... ولا ندري هنا، إن كان ثمة اي شاعر عربي أو غير عربي، قد طاف في ارجاء الدنيا، مثل ذلك الجواهري، وهو لا يحمل غير "منقارٍ وأجنحة، اخف ما لمّ من زاد أخو سفر" كما يوثق عن حاله تلك، في عصمائه: "أرح ركابك" عام 1969.. أما ما يميّز ذلكم "الطوفان" في العالم أكثر فأكثر، انه – الشاعر العظيم- قد أرخ للكثير من "مقاماته" وحله وترحاله، شعرا معجباً بتلك المدن والعواصم، واهلها ومجتمعاتها.. مقارناً وشاكياً ومحاوراً وشاكراً، ومهضوماً ومهموماً، وسوى ذلك من حالات ومحاور وتأرخات.

   وبعد هذه المقدمة العامة، دعونا نرجع لموضوعنا، الذي يحمله عنوانه، ونقصد "مقامة الجواهري البولندية" فنقول انها أبتدأت بعيّد انتهاء حرب  القرن الماضي، العالمية الثانية، حين دُعي الشاعر الخالد، للمشاركة في مؤتمر عالمي للمثقفين من اجل السلام عقد عام 1948 بمدينة " فروتسواف" الواقعة غرب بولندا، وقد كان العربي الوحيد فيه، الى جانب اسماء وشخصيات عالمية لامعة من ابرزها، الرسام الفرنسي الكبير بابلو بيكاسو(1). ولمن يريد الاستفاضة اكثر، فذلك هو الجزء الثاني من مؤلف الجواهري، الموسوم بـ"ذكرياتي" يحمل الكثير والمتعدد من التفاصيل، عن ذلك المؤتمر، وعن اجوائه وظروفه، باستضافة  بولندا، الخارجة الى الحياة من جديد بعد ان دمرتها تماماً – أو كادت- قنابل الحرب...

     لقد جاءت الدعوة للشاعر الكبير الى المؤتمر، باعتباره مفكرا ومثقفا وطنيا مميزا، وداعية للسلام والحرية، كما تؤكد ذلك قصائده وكتاباته، ومواقفه خلال، وبعد حرب العالم الثانية. وقد أعتبر ذلكم المؤتمر، بحسب العديد من التأرخات والتوثيقات، اللبنة الاولى على طريق تأسيس، وإنبثاق مجلس السلم العالمي، ذائع الصيت.

    ومن جملة ما جاء به ايضاً، مؤلفه " ذكرياتي – الجزء الثاني"  بهذا الشأن، وقائع عن ظروف سفرته وصعوباتها، وفرحه بالدعوة الموجهة " اليه للمشاركة في "مؤتمر يحضره العمالقة من المثقفين الاوائل، ويا لها من دعوة، ويا له من مؤتمر خطير"  يعقد في بولندا " البلد الذي يعد في قاموس المتحكمين، من البلدان الحرام" ذلكم الوقت، بحسب ما كتبه الشاعر الكبير..

  وفي سياق تأرخته وحديثه عن الزيارة، قال الجواهري في ذكرياته ذاتها، انه توجه الى وارسو عبر باريس " وبعد يومين خصصا للاستراحة، كان موعد انعقاد المؤتمر، وكنت اقضي ساعاتي في التجوال عبر شوارع وحدائق هذه العاصمة الجبارة- او ما تبقى منها- لان فارصوفيا- وارسو،  ويا للهول كانت خرائب واطلالاً، وبقايا قصور فخمة"...  وتابع "ما زلت اذكر  تلك السقوف المتدلية المعلقة التي تأبى السقوط، وكل قنابل "هتلر" وقذائفه لم تستطع ان تحني هاماتها، وترميها ارضا...". وهكذا يروح مسهباً في وصف الاحوال، معبراً عن  رؤاه في اسبابها ومسبباتها، وغيرها من شؤون وشجون . 

     وأيضاً، بحسب الجزء الثاني من ذكريات الشاعر الخالد، فأنه زار وشاهد "فرصوفيا- وارسو" عام 1963 اي بعد 15 عاما على زيارته الاولى لها. وجاء في الذكريات: ان تلك العاصمة " ارتدت كبريائها، ونهضت من تحت الرماد" ... وتساءل مع نفسه:" أهذه "فارصوفيا" التي رأيتها مدمرة وأطلالاً وخرائب؟... أهي تلك المدينة المنهارة تتحول  الى هذه البدائع والجنان؟... واردف:" وتصورت كم هو عظيم الانسان البولوني الذي استطاع خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة ان يحول الرماد جمالاً، والخرائب حدائق، والابنية المتهدمة ابراج حضارة" (2)..

    ولم يتحدث  الجواهري في ذكرياته اعلاه عن اسباب تلك الزيارة الثانية الى بولندا، عام 1963 .. ولكن الديوان العامر، يؤرخ عن الامر، وشعراً هذه المرة بالطبع، ويوثق عن وارسو، التى تُسمى بلغة اهلها السلافيين " فرشافا" وتعريبها "فرصوفيا ".. وجاء في مقدمة قصيدته بالمناسبة انه زارها تلبية لدعوة رسمية، وقد القى خلال فترة اقامته فيها رائعته متعددة القافية، امام مؤتمر للطلبة العراقيين. وجاء في مطلعها (3):

(فـرصـوفيـا): يـا نجمـةً تَـلالا، تُـغـازلُ السُـهـوبَ والتّـلالا

                                      و تَسـكُب الرقّـةَ والـدّلالا

فوقَ الشفاهِ الظامئاتِ الحامياتِ الحانيه..

من ذا يوفّي سحرَكِ الحلالا؟، وحُسـنَكِ المـدمّـرَ الـقَـتّـالا

يُـجشّـــمُ الـلـذّةَ و الأهـوالا، حالانِ، ألأحلى أمرّ حالا

إذا أجـلـتُ فكريَ الجـوّالا، فـي كيفَ صيـغَ حسنُكِ ارتجالا

أتـعـبَـتِ الأســــطـورةُ الخَـيـالا ...

وتستمر القصيدة في الوصف، والوجدانيات والشكوى والحنين والتغزل والغزل:

(فرصوفيا): والحسرةُ الحرّى تُريح الكَبِدا، واحسرتا أنّي وُلِدتُ تحتَ أطلالِ الردى

جئتكِ فـي (الستّينَ) ما أشقى وأدنى عددا، إذ مَيْعتي تهرّت اللّحمةُ منها والسّدى

(فرصوفيا): آهٍ على شَرْخِ صِباً تبدّدا، آهٍ على صادحِ أيكٍ لم يجد عندي صَدى

غَرّدتُ إذ ناح وأمسِ نُحتُ لما غرّدا، لم أغترف غيدَك إذ كنت الفتيّ الأغيَدا ...

ثم ينتقل الشاعر الخالد ليسجل ويصف ما علق بذاكرته من اجواء زيارته السابقة لـ (فرصوفيا – وارسو) عام 1948 كما سبق القول، فكتب:

(فرصوفيا): والدم يَستَبقي مدى الدهر دَما، والموت بالعزة يبني لحياةٍ سُلّما

(فرصوفيا): أمسِ رأيتُ الحَجَرَ المكوّما، كان جنيناً وفؤاداً ويداً ومِعصَما

جيلٌ تأبّى أن يُطاطي فَرَموه فرَمى،  لولا الرجولاتُ أراح نفسَه واستَسْلَما

(فرصوفيـا): ما أبدَعَ الأمثـالا، يستـنهـضُ الجيـلُ بهـا أجيـالا....

وبحسب التاريخ الموثق، وأنا شاهد عيان هنا، تلقى الجواهري عام 1986 - وهو مغترب عن بلاده، ومقيم في براغ -  دعوة رسمية لزيارة بولندا، وحضور مؤتمر عالمي، جديد، للمثقفين، من اجل السلام، تستضيفه وارسو، بمشاركة نحو 200 كاتب وعالم ومفكر وأديب اجنبي، من نحو 50 بلدا، اضافة لزهاء 200 آخرين من اقرانهم البولنديين،  وقد لبى الشاعر الخالد تلك الدعوة بعد تمنع وتردد، وكان - في تلك المشاركة الجديدة في المؤتمر الجديد- واحدا من قلة سبق ان شاركت في المؤتمر العالمي، الاول، للمثقفين دفاعا عن السلم في العالم، الذي انعقد عام 1948 في مدينة فروتسواف البولندية، كما اسلفنا.

ووفق معلومات خاصة(4) فقد رافق الجواهري الخالد خلال تلكم الزيارة الثالثة الى وارسو، الناشط الطلابي والوطني، الفقيد شاكر الدجيلي،  كما التقى معه طلبة، وسياسيون عراقيون كانوا يدرسون  او يقيمون هناك، وكانت الزيارة في كانون الاول 1986..

وبعد اختتام الفعالية، وعودة الجواهري الى براغ، تحدث لنا ، ولنخبة من صحابه واصدقائه، بإنتشاء ولأكثر من مرة، عن مشاركته في تلك الفعالية الثقافية- السياسية المميزة، وما رافقها، مستعيدا بعض ذكريات ولقاءات عن زيارتيه الاولى والثانية، السابقتين لبولندا..كما نشر عدد من وسائل الاعلام العراقية والبولندية عن تلك المشاركة الجواهرية. (5).

 

 

* احالات وهوامش -----------------------------------------------------

     (1) كتب السيد احمد حسين، متابعة مفصلة بشأن الزيارة الاولى للجواهري الكبير الى بولندا، ونشرتها مجلة "الثقافة الجديدة " عام 1998 وكذلك في شبكة الانترنيت على الرابط:  http://www.althakafaaljadeda.com/ahmad_hussain.htm

   ومما جاء في تلك المتابعة: ان تلك الفعالية كانت بعنوان " المؤتمر العالمي الأول للمثقفين- للدفاع عن السلام"  وقد افتتح صباح يوم الأربعاء 25 آب/ اوغسطس 1948 على قاعة كلية الـ«بوليتكنيك» (Polytechnic) في مدينة فروتسواف.

(2) كتاب "ذكرياتي" الجزء الثاني / الاربعينات – الفصل المعنون: مؤتمر المثقفين العالمي.

(3) ديوان الجواهري / قصائد الستينات ..

(4) تفضل علينا د. صالح ياسر، مشكوراً، بتوفير بعض معلومات ذات صلة، حصل عليها في تموز2016  عن زيارة الجواهري الثالثة الى وارسو عام 1986..

(5) أعـدَّ وكتب د. مجيد الراضي، متابعة حول الزيارة الثالثة، والاخيرة، للجواهري الى وارسو، ونشرها في القسم الثقافي من جريدة " الغد الديمقراطي" اوائل العام 1987..

 

 

 

قصائد جواهرية تؤرخ

لجمهورية 14 تموز... وعنها

 

توثيق: رواء الجصاني

 

كما هي الحال في تأرخة الجواهري للأحداث الجسام العراقية والعربية، بل والعالمية أيض، والتعبير عن مواقفه ورؤاه الوجدانية والسياسية والفكرية منه، جاء موقفه، وقل مواقفه، بشأن التغيير الرئيس ، وربما الأهم في تاريخ العراق الحديث، ونعني به حركة الرابع عشر من تموز عام 1958... والتي أشعلت ثورة عارمة انهت النظام الملكي، واستبدلته بالجمهوري، الذي قيل ما قيل، ويقال، إيجاباً وسلباً حوله...

... لقد رأى الجواهري في تلكم الثورة التحررية بحسب البعض، أو الحركة العسكرية الانقلابية وفق بعض آخر، مسك ختام وطني لعقود من الحراك الشعبي والجماهيري في العراق، من أجل الحرية والازدهار، بل والتقدم بمفاهيم ذلك الزمان... وهكذا سرعان ما نظم، وفي الأيام الأولى لقيام ذلك التغيير المدوي قصيدته النونية المطولة، ومن مفتتحها:

جيشَ العراق ولم أزلْ بك مؤمنا ... وبأنك الأملُ المرجى والمنى

وبأن حلمك لن يطولَ به المدى وبأن عزمك لن يحيق به الونى

جيش العراق اليك ألف تحية، تستاف كالزهر الندي وتجتنى

حمل الفرات بها اليك نخيله، ومشى بدجلة جرفها والمنحنى

فلقد اعدت اليهما صفويهم، من بعدما غصا بأدران الخنا

ثم تلت "جيش العراق" قصائد عديدة أخرى تؤرخ للحدث، ومسيرته، وتوجه الجماهير الشعبية لاسناده وتأطير مساره، محذرة من الاضطرابات واستغلال الأمور، بما يقود لخلاف ما آمن به الجواهري من ضرورات ومباديء من أجل النهوض والارتقاء والوحدة والتلاحم، بعيداً عن العصبوية والفئوية والحزبية والعنصرية، وسواها من آفات اجتماعية ووطنية...

وفي عودة للديوان الجواهري الحاشد، نجد ثمة قصائد كثيرة في شؤون، وشجون الحدث، والأحداث التي نعنى بها في هذا التوثيق ومنها: باسم الشعب، انشودة السلام، عيد العمال العالمي، المستنصرية... وغيرها عديد.

ومن بين ما تحت أيدينا بعجالة، مختارات من قصائد الشاعر الخالد الجواهري في  تلكم السنوات الاستثنائية، ومنها  نونيّة مطولة خاطب بها شبيبة وطلبة العراق عام 1959 راح خلالها موثق، وحادي، ومحرضاً لحب الوطن والدعوة لازدهاره ورقيه، ومما جاء فيها:

أزف الموعد والوعد يعنّ.. والغد الحلو لاهليه يحن ُ

والغد الحلو بنوه انتم، فاذا كان له صلب فنحن

فخرنا انا كشفناه لكم، واكتشاف الغد للاجيال فن

ثم وقع ما وقع من تنابز فانحرافات وتفرد وعسف، كما واحتراب بغيض بين التيارات الشعبية والسياسية، طال حتى الجواهري ، وهو ذو المنصبين: رئيس اتحاد الأدباء، ونقيب صحفيي البلاد، في آن واحد، فتعرض لتجاوزات وحملات اعلامية واجراءات سلطوية، وصلت حدّ اعتقاله، وإن لساعات، مما اضطره للاغتراب بعيداً عن البلاد عام 1961، هضيمة واحتجاج، واحترازاً من ايذاء اكبر، قد يصل حد اغتياله... ولتلك الحال تفاصيل مطولة وذات أكثر من مغزى، تناولها الجواهري في الجزء الثاني من ذكرياته الصادر عام 1991، وكذلك في قصائد عديدة، ومن بينها نونيته الأشهر دجلة الخير عام 1962 ومما جاء فيها بذلك الصدد:

يا دجلة الخير أدرى بالذي طفحت، به مجاريك من فوق الى دون

ادرى بانك من الف مضت هدر، للآن تهزين من حكم السلاطين

تهزين ان لم تزل في الشرق شاردة من النواويس ارواح الفراعين

يا دجلة الخير كم من كنز موهبة، لديك في القمم المسحور مخزون

لعل تلك العفاريت التي احتجزت، بحملات على اكتاف دلفين

لعل يوماً عصوفاً هادراً عرم، آت فترضيك عقباه وترضيني

وعلى أية حال، فقد ترضي هذه الايقاعات والرؤى، الموجزة ، بعض، أو تغضب آخر، إلا  انها سعت لكي تكون بعيدة عن العواطف ، والتي عمرها ما كانت حكما موضوعيا في تقييم الوقائع التاريخية.... كما نجتهد، وقد نصيب...

-------------------------------------------------------------------------------

مع تحيات مركز الجواهري للثقافة والتوثيق/ براغ

 

 

 

الجواهـــري، في رؤى عن الموت

 

، ذلك الوحش الذي يحيط بنا...

 

توثيق: رواء الجصاني

-----------------------------------
*
الموت... ذلك الكائن الحي المشوه، قاسي القسمات، وحش الملامح، لا يفارقنا ظله البغيض ابداً، لا في ليل ولا في نهار. ولا في يقظة ولا في منام.

*ومع هذا فان انياب هذا الوحش ومخالبه الناشبة فيمن فات من احبابنا، ومن احباب الناس، ومن اعزائنا ومن اعزاء الناس.. لابد ناشبة اليوم او غداً، شئنا أو أبينا، فيمن عندنا منهم، وفيمن عند الناس....

*مخالب ذلك الوحش- الموت- تحمل معها، وعلى قطرات الدم المتساقطة منها، لا عبرة وعظة وحسب، بل وتسلية وعزاء أيضاً فيمن نشارك وفيمن يشاركون معنا من ضحايا هذا الوحش..

*هذا الذئب المتربص بنا، هذا الموت، يحمل معه إلى الأبد، والى مطاوي الغيب المجهول، قلبنا، وحبنا، وذكرياتنا، وسحرنا... وبكلمة واحدة فأعز من عندنا وأعز ما لدينا.

-------------------------------
 
 *من رسالة بعث بها من براغ، محمد مهدي الجواهري، بتاريخ: 1965.4.12 الى أخته، نبيهة،  في بغداد، يواسيها فيها برحيل زوجها، جواد الجصاني..

 

 

 

خلال امسية ثقافية لعواد ناصر في براغ

 

نعــم ... ثمة ينابيع في صحارى الغربة(*)

 

رواء الجصاني

---------------------------------------------------------------------------

.. في "لمـة" حميمة ببراغ قبل نحو عامين، مثل هذه التي نتمسى بها اليوم، اخترتُ لمقدمتي عن البروفيسور عبد الرضا على، عنوان " ثمة ينابيع في صحارى الغربة" .. وها هي الايام تترى ليفيض نبع اخر في براغ، واعني به شاعرنا: عواد ناصر ...

... تعارفنا – غيابيا اول الامر!- في بغداد مطلع السبعينات الماضية، حين كان كلانا ناشطين في صفوف اتحاد الطلبة العام.. ثم ليكلف بعدها- عواد-  جندياً "أجباريا" بضعة اعوام ...وقرأت له وعنه، وهو يدخل "حلبة الادب" والشعر في تلكم السنين، ولأعلم بعدها انه ولج بيروت في اواخر ذلك العقد، بعد تفاقم المحن العراقية في عهد البعث الثاني، ولينشط  هناك محررا وكاتبا في صحافة واعلام المقاومة الفلسطينية، وليروح بعدها "جندياً" ولكن مناضلا متطوعاً هذه المرة في صفوف الانصار الشيوعيين، مع نخبة مثقفين امتازوا عنا نحن "مناضلي" اوربا، بمواقفهم ومواقعهم وجغرافيتهم..

... وفي اواسط الثمانينات، او حواليها، التقينا مرات ومرات في رياض وأفياء دمشق الشام- وتباً لجاحديها اليوم- وقد كانت حينها تحتضن المهاجرين والمهجرين، لا ان تصدرهم كما هي حالها الان، وهي صبورا على البلوى... ونشط "عواد" في تلك الفترة في الاعلام والثقافة الوطنية العراقية، وغيرها، شاعرا وكاتبا ومثقفا.. دعوا عنكم انساناً وجليسا أنيساً بشهادات متابعين واحباء ومعارف، كما حساد و"اعد- قاء" وما بينهم ..

    ولم يكتفِ الرجل بحيويته، ثقافة وشعرا وعلاقات، بل اختار، وتقصد، ان يكون في البؤرة الاجتماعية ايضا، ولعله في سبيل ذلك، تقصد فسكن ليس في قلب دمشق، بل في قلب قلبها.. واتذكر هنا شقيقته، في الصالحية، على بعد امتار من"شربت ابو شاكر" الدمشقي، شبيه "جبار ابو الشربت" في نؤاسية بغداد.. كما كانت تلك الشقةُ، المزدهاةُ مَربعاً، على بعد لا اكثر من خمس دقائق مشياً عن "مقهى الروضة" الدمشقي الذي احتله العراقيون، مثقفين وغيرهم، ولربما بديلاً عن مقهى "المعقدين" البغدادي الشهير...

...وهكذا جمعتنا فضاءات اخرى، كان فيها عواد ناصر، ناشطا ثقافيا ووطنيا مثابرا، ومنها في موسكو صيف 1985 حين شاركنا سوية في مهرجان الشبيبة والطلبة العالمي، برفقة وصحبة نخبة مثقفين عراقيين مميزين، اذكر منهم، بحسب حروف الهجاء :  جبر علوان، زهير الجزائري،كوكب حمزة.. وسامي كمال... وعذرا لمن سهت الذاكرة عن الاتيان باسمائهم في هذه العجالة  ..

   وفي النصف الثاني من الثمانينات الماضية، يحل عواد ناصر في براغ، ضيفا / سائحا، لينظم له فرع رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين العراقيين، لقاء ثقافياً جميلاً في اجوائه وحضوره، ومادار فيه ... واضيف هنا- وانا المغرم بالتوثيق والتأرخة كما ازعم- ان عواداً انضم بعد تلك الفعالية لسجل اقران من الشعراء العراقيين الذين أموا براغ- جنة الخلد- عبر عقود، وما فتئوا: امسياتٍ وكتاباتٍ ومشاركات في فعاليات ثقافية، ومن بينهم – وما علينا بالسياح والزوار– وبحسب التسلسل الزمني، لكي لا نزعل احدا : صادق الصايغ، عبد الوهاب البياتي، زاهد محمد، مظفر النواب، الفريد سمعان، هاشم شفيق، عبد الكريم كاصد، محمد حسين الاعرجي، حميد الخاقاني، فاضل العزاوي، شمعون صومائيل، جابر الجابري، سعدي يوسف ... دعوا عنكم الجواهري الذي تعرفون.. وبمناسبة طفوح اسم الشاعر العظيم، ها انا احرضكم لان يحدثكم/ يحدثنا، ضيفنا المبدع، ولو بلمحات من علاقة سادت بينهما- واعني الشيخ الثمانيني، ومريده الثلاثيني- في دمشق الشام، وعلى الاقل عن لقائهما الاول، وعن مشاعره- عواد-  عشية ذلك اللقاء ...

  .... اخيراً، وعذراً ان اطلت، لنستمع سوية الى عواد ناصر الذي يحل بيننا "يحمل منقاراً واجنحة، اخف ما لمّ من زاد اخو سفر" كما اي شاعر – شاعر، فكيف وهو الشرقي من العمارة ، البغدادي - العراقي الانتماء والعطاء، البعيد عن الطائفية والمناطقية، وفرسانها المسفرين، والملثمين... وهو، واعني – عوادنا-  شآمي الهوى، بيروتياً ودمشقيا... لندني- اوربي الاغتراب...  وكم اعلن- ويعلن- مواقف ومبادئ ومشاعر: مرة عن "كآبته من اجل الفرح" وثانية مؤرخاً لـما " حدث ذات وطن"  وثالثة داعية للرقص "ما زالت الوردة هنا" ... واخرى صداحاً بـ " احاديث المارة" وهكذا، ولعل القادم احلى ...

    اقول لعل القادم احلى، وأزيد، بل وافيّض، لأن شاعرنا، مثقف حيوي، لا يركد: "سبوحاً بلا حدود، يعانق الموجة تلو الاخرى، لا يخشى ساحلاً منها ولا يخافَ قرارها".. رقيق آناً، وغاضب متمرد في اخر، وبحسب الزمان والمكان، وهواجس الروح وحناياها... واظنه سيبقى يمتشق الكلمات من مشجب لغته التي تعمر يوماً بعد ثانٍ، ثابتاً على مساره ... وسيبقى يحب، ويتغرم، ويحزن حد النشيج، ويتظاهر " حتى ضده" كما يعترف ويوثق ذلك علنا، مع سبق الاصرار والترصد.. وتبقى شجونه وشؤونه الاولى والاخيرة، كما ادعي من جديد: الوطن والانسانية، والاهل، والناس.." كل الناس، من اظلم منهم كالفحم، ومن أشرق كالماس".....

مرحبا بعواد ناصر في براغ !!! .

--------------------------------------------------------------------

(*)  مساهمة في تقديم عواد ناصر، خلال امسية ثقافية- اجتماعية أتممها له في براغ، بمناسبة مروره فيها: المنتدى العراقي، ومركز الجواهري ...

 

 

 

 

 

الجواهري بضيافة ملك المغرب.

.. وقصيدة عاصفة

 

قراءة وتوثيق: رواء الجصاني

 

يحل محمد مهدي االجواهري ضيفاً على العاهل المغربي الحسن الثاني، عام 1974 في الرباط وطنجة ومراكش. وإذ يُحتفى به بكل استثناء، صرحاً عراقياً وعربياً أول، يغتاظ متنطعون ونهازون "ثقافيون!" إلى جانب سياسيين "ثوريين!" من ذلكم الزمان، ليهاجموا المحتفى به من "جبهات" وبلدان عدة، وبتحريض  أحزاب، وأنظمة "ثورية!" ايضاً، ولكن على طرائقها الخاصة...

ومن بين تلك الهجمات مقالات ومواضيع "أدبية!" حاولت أن تهز دوح الشاعر العظيم، وتطال من تاريخه، وتصفه "مهادناً" مرة، و"مرتداً" مرة ثانية، لأنه قبل استضافة ملكية حلم بها المهاجمون ذاتهم، ليلاً ونهاراً، بل وسعوا إليها بكل دأب، ولكنهم لم ينالوا وإن بعضاً يسيراً منها، فراح غضبهم وحسدهم، يتجسد في مزاعم وتقولات وأكاذيب بائسة، و"ثورية" مدعاة أكدت السنوات التالية واقعها وحقيقتها، فانكفأ أصحابها، لا يُعرف لهم صوت أو صدى... وأمام كل ذلك لم يجد الجواهري من وسيلة دفاع مناسبة، سوى الشعر فكتب، تحية.. ونفثة غاضبة:

سماحاً إن شكا قلمي كلالا، وإن لم يُحسن الشعرُ المقالا
أتبغون الفُتوة َ عند همّ، على السبعينَ يتَّكلُ اتكالا...

فما شمسُ الظهيرة وهي تـَـغلي، كمثل الشَّمس قاربت الزَّوالا

 

وبعد هذه الافتتاحية الجواهرية "التقليدية" يجوب القصيد وفي أكثر من ثمانين بيتاً في الوصف والفخر، وحتى الغزل، ليصل إلى المواجهة المفروضة... وقبل أن تنطلق ساعة الصفر، راح الشاعر يمهد للآتي، ملمّحاً لبعض يسير من تاريخه وصرحه الخالد ومسيرته المتفجرة أبداً بالمواقف والتحديات، وإن زعم هذه المرة بالتعب والرغبة في الاستراحة من معترك الحياة، بعد صعاب جمّة وهجرة واغتراب، ومعاناة من بعض أهل الدار وغيرهم، على مدى عقود:

حماةَ الفكر.. قِيْلةَ مستنيب، يجنبُ نفسَه قيلا وقالا
تنقلَ رحلُهُ شرْقاً وغرباً، وحط هنا بسوحِكُمُ الرِّحالا
يحاول بعدَ دنيا من عذابٍ، عن الدنيا وما فيها اعتزالا
فصونوه من العادِينَ ضبحاً، ووقوه التماحكَ والجدالا...
ففي جنبيَّ نـَـفْسٌ لو تراءت، لكُمْ لرأيتُمُ العَجَبَ المُحالا
أَسُلُ النصلَ عن جُرح ٍ نزيف ٍ، فأَلْقي تحت حُفْرته نِصالا

 

... وخلافاً لكل "المزاعم" التي باح بها العديد من الأبيات السابقة، وغيرها، تفنن الجواهري في وسائل المواجهة، ودروب الردّ على المعتدين، لينبيء – بقصد، أو غير قصد – أنه ما برح في عنفوان الشعر والعطاء، وان شمس ابداعه لم تغادر موقعها برغم السنوات السبعين، وبقيت تغلي بكل الكبرياء والاقتدار... ولكي يثبت ذلك علناً مع سبق الاصرار، راح يضيف:

وقلتُ لحاقدينَ عليَّ غيظاً، لأني لا أُحبُّ الاحتيالا
هَبُوا كلَّ القوافِلِ في حِماكُمْ، فلا تَهْزوا بمن يَحْدُو الجِمالا
ولا تَدَعوا الخصامَ يجوزُ حدّاً، بحيثُ يعودُ رُخْصاً وابتذالا
وما أنا طالبُ مالاً لأني، هنالكَ تاركٌ مالاً وآلا
ولا جاهاً، فعندي منه إرث، تليدٌ لا كجاهـِـكمُ انتـِـحالا

 

... ثم، ولكي يختم القصيدة بمثل مطلعها، في تناسق وسياق مرسومين بدقة متناهية كما يبدو، يطلق الشاعر الكبير عنان مخزونه المتراكم، واحتياطيه اللامحدود، للرد على القوالين، منوّهاً إلى تجاربه السابقة مع مثلائهم، وربما جالت بذهن المتابع هنا قصائد الأربعينات والخمسينات الجواهرية الشهيرة، حين يقرأ الأبيات الأخيرة من هذه اللامية "الدفاعية" الفريدة:


حَذار ِ فإنَّ في كَلِمي حُتوفاً، مخبأة ً، وفي رَمْل ٍ صلالا
وأنَّ لديَّ أرماحاً طِوالا، ولكنْ لا أُحِبُّ الاقتِتالا
تَقَحَّمْتُ الوَغَى وتَقَحَّمَتْني، وخَضتُ عَجاجها حَرْباً سِجالا
فكانَ أَجَلَّ مَن قارعتُ، خصمٌ، بنُبْل ِ يراعه رَبِحَ القِتالا
فكم من قَوْلة ٍ عندي تَأبَّى، لها حسنُ الوفادة ِ أنْ تُقالا
ستُضرَبُ فيهم الأمثالُ عنها، اذا انطَلَقَتْ وجاوَزَت ِ العِقالا
وعندي فيهمُ خبرٌ سَيَبْقى، تغامَزُ منه أجيال تَوالى
حّذار ِ فكم حَفَرتُ لُحودَ عار ٍ، لأكرمَ منكمُ عَمّاً وخالا

 

... وهكذا وبتلكم الكلمات والتعابير "الثائرة" وهو وصف يستخدمه الجواهري كثيراً، تخلص القصيدة إلى مبتغاها، وليبقى التاريخ شاهداً على ان التحذيرات التي جرى اطلاقها قد فعلت مفعولها، فلم يرد المعنيون، وبعضهم ممن لا يمكن ان تبخس كفاءاته الأدبية والسياسية... ونحجم حالياً عن التصريح بالأسماء ذات العلاقة، وربما نعود لتقديم المزيد من "الكشوفات" في أوقات لاحقة.

 

 

 

 

 

لواعج ومواجهات

 

 في "مقصورة" الجواهري

 

قراءة: رواء الجصاني

 

يعرف المتابعون والموثقون جيدا، بأن الشاعر العظيم، محمد مهدي الجواهري، نادرا ما كان يجيب عن أسئلة من قبيل: أي قصائده أحب إليه من غيرها... ولكنه كثيراً ما بادر إلى تمييز "المقصورة"، بل ووصفها في مرات عديدة، بأنها الأفرد والأخلد... ويكفي الاستدلال هنا بقوله "لو فنيت جميع أشعاري لبقيت المقصورة"...

وتلك القصيدة – الملحمة، تتعدى أبياتها المئتين والعشرين، وهي الأطول من بين جميع قصائده التي يتجاوز عدد أبياتها الخمسة والعشرين ألف بيت، اذاع مقاطع أولى منها – من المقصورة- عام 1947 ثم نشرت كاملة سنة 1948  مع تقديم يشير إلى أن ثمة مئة وخمسين بيتاً أخريات، عصفت بها الرياح إلى "دجلة الخير"، فضلاً عن خمسين بيتاً فقدت لأسباب أخرى...

برغم الاباء ورغم العلى، ورغم أنوف كرام الملا
فأنت مع الصبح شدو الرعاة، وحلم العذارى إذ الليل جا
واذ انت ترعاك عين الزمان، ويهفو لجرسك سمع الدنى
الحت بشعرك للبائسين، بداجي الخطوب، بريق السنا

 

وبعد هذا الافتتاح الشموخ، يجوب الجواهري مختلف أغراض الشعر العربي المعروفة، إلا اننا سنتوقف هنا عند محورين رئيسين وحسب، وهما ما يتعلقان بلواعج الجواهري، ومواجهاته، بحسب العنوان الذي تُنشر هذه التأرخة تحته... ففي الأبيات التالية يبرز الشاعر العظيم هضيمته من سياسيي البلاد، وصنائعهم وغيرهم، مناشداً "الكرماء" خصوصاً، للتضامن معه، كحال شخصية، ولكنها معبرة عن هدف عام، يعبر من خلاله عن مشاعر ناس لا يعدون أو يحصون:

 

إلا من كريم يسر الكريم، بجيفة جلف ٍ زنيم عتا
فيا طالما كان حد البغي، يخفف من فحش أهل البغا
انبيك عن أطيب الأخبثين، فقل أنت بالأخبث المزدرى
زقاق من الريح منفوخة، وان ثقـّـل الزهو منها الخطى
واشباح ناس، وان أوهموا، بأنهم "قادة" في الورى

 

وفي سياق "المقصورة" يعود الشاعر ليهدد "الأرذلين" بكل سلاح الكلمة، واليراع الأبي، وليعاتب، وبكل هضيمة وتألم، "أمته" العراقية التي لم تنصف شاعرها، وحامل لواء تنويرها وابداعها... كما يركز "عتابه" على القادة والزعماء، أو من يدعون تلك الزعامةّ الثقافية والسياسية:


بماذا يخوفني الأرذلون، ومم تخاف صلال الفلا
أيسلب منها نعيم الهجير، ونفح الرمال، وبذخ العرا !!
بلى ان عندي خوف الشجاع، وطيش الحليم، وموت الردا،
إذا شئت أنضجت نضج الشواء، جلوداً تعاصت فما تشتوى
وأبقيت من ميسمي في الجباه وشماً كوشم بنات الهوى
فوارق لا يمحي عارهن، ولا يلتبسن بوصف سوى
بحيث يقال إذا ما مشى الصليّ بها، ان وغداً بدا
وحيث يعير أبناؤه بأن لهم والداً مثل ذا

 

... وهكذا يستمر الشاعر في قصيدته ليوثق هذه المرة مواقفه ونهجه ورؤاه للحياة والمجتمع، مبارزاً المتجاوزين، متباهياً بالضمير، وداعياً النفس أولاً لأن تكون أمثولة للآخرين... وقد جاء كل ذلك عبر الاعتداد والعنفوان الجواهري المعروف:

 

أقول لنفسي إذا ضمها، وأترابها محفل يزدهى
تسامي فإنك خير النفوس، إذا قيس كل على ما انطوى
وأحسن ما فيك ان الضمير، يصيح من القلب إني هنا
تسامي فان جناحيك لا يقران إلا على مرتقى
كذلك كل ذوات الطماح والهم، مخلوقة للذرى
شهدت بأنك مذخورة لأبعد ما في المدى من مدى
وانكِ سوف تدوي العصور، بما تتركين بها من صدى

 

وفي تسلسل محسوب، وببراعة متناهية في اختيار المباشرة، أو الرمزية، يفضح الجواهري الكبير المدعين والمتنطعين، وفي ذهنه بالتأكيد حالات ومواقف ملموسة، تعبر عن ظاهرة عامة، سائدة آنذاك – ولعلها تضاخمت اليوم – في البلاد العراقية... ونرى في هذا الشأن ما يزيد من رؤى الجواهري التبشيرية والانتقادية على حد سواء، ويضخم من عمق منجزه الابداعي الثري:

 

ومنتحلين سمات ِ الأديب يظنونها جبباً ترتدى
كما جاوبت "بومة ٌ" بومة ً تقارضُ ما بينها بالثنى

ويرعون في هذر ٍ يابس ٍ من القول، رعي الجمال الكلا
ولاهين عن جدهم بالفراغ، زوايا المقاهي لهم منتدى

 

... ثم في مقاطع لاحقة - وقل قصائد أخرى ولاتخف -، يعود شاعر الأمة ليتوقف عند هضبات الوطن، وشطيه والجرف والمنحنى، فيتغزل، ويتباهى، ويصف، كما الأم والعاشق والقائد!. ولا يكتفي بذلك فيجوب طبيعة البلاد ويصف نخيلها وحقولها، بل وحتى ضفادعها التي تنقل على الشاطئين بريد الهوى!... أما في ختام "المقصورة" - القصيدة البانورامية المجيدة، فيحاول الجواهري أن يعتذر عن فورانه وغضبه في أبياته السابقة، الناقدة والمحرضة باتجاه النهوض والانهاض، فيعود ممجداً "بلداً صانه" وكلاهما – الشاعر والوطن – في موقع التلاحم والانسجام والتداخل الذي لا فكاك منه... كما يزعم هو، على الأقل!...

مع تحيات مركز "الجواهري" للثقافة والتوثيق

www.jawahiri.com

 

 

 

 

قبل اربعة عقود، عن

 

بعض مثقفين وأدباء

 

الجواهـري: "بهم عوزٌ الى مددٍ،

 

 وأنتَ تريدهم مددا

 

قراءة وتوثيق: رواء الجصاني

 

تنشر مجلة "الديار" اللبنانية، بتاريخ 1976.3.21 الصورة الاخيرة لعصماء جواهرية جديدة، وقدمت لها ان الشاعر العظيم ينتقد فيها "عصره المليء بالزيف والخداع، وهو يسمو متعالياً بكبرياء الشاعر... وهي ضرب من الطموح الى تجاوز النفس والآخرين، في محاولة اختراق للمستحيل.." وقد راحت تعبر من ابياتها الأول عن مبادىء وثوابت نافذة في صورها وأغراضها، إذ تقول:

أزح عن صدرك الزبدا، ودعه يبث ما وَجدا...
ولا تكبت فمن حقب ذممتَ الصبر والجلدا
أأنت تخاف من أحدٍ،  أأنت مصانعٌ أحدا ؟!
أتخشى الناس، أشجعهم يخافك مغضباً حردا
ولا يعلوك خيرهم، ولست بخيرهم ابدا
ولكن كاشف نفساً، تقيم بنفسها الأودا

 

* ويتواصل القصيد نابضاً على مدى أكثر من مئة وأربعة عشر بيتاً، يحرض فيه الشاعر العظيم الذات، لتبارز، وتجابه، وان لم يكن المتطاولون يستحقون المنازلة أحياناً:

تركت وراءك الدنيا، وزخرفها وما وعدا
ورحت وانت ذو سعة، تجيع الآهل والولدا…
أزح عن صدرك الزبدا، وهلهل مشرقا غردا
وخل "البومَ" ناعبة، تقيء الحقد والحسدا
مخنثة فان ولدت، على "سقط" فلن تلدا…

 

* ثم يناجي الجواهري "خلاً" سعى ان يتساءل او يحاجج مدافعاً، أو مبرراً، فأوضح له الشاعر ما يستحق من توضيح، لكي يمهد الدرب، خائضاً المواجهة المنتظرة:

ألا انبيك عن نكد ٍ، تُهوّن عنده النكدا
بمجتمع تثير به، ذئاب الغابة الأسدا…
خفافيش تبص دجىً، وتشكو السحرة الرمدا
ويعمي الضوء مقلتها، فتضرب حوله رصدا…

 

* … وبعد ذلك التعميم في الأبيات السابقة، ينتقل القصيد، معتمراً الصراحة والوضوح، ليشي، وان بدون تسمية، الى "واحد" أو أكثر من الأدباء والمثقفين الحاسدين، والمنافقين من ذوي الوجوه المتعددة، الذين جهدوا حينذاك لاستغلال الظروف، وتحت رايات "التحديث" الحقيقية أو المدعاة، لإيذاء الرمز الوطني المتألق ابداعاً ومواقف، فراح يمسك بتلابيبهم، ولا فكاك لهم من "قبضة" الشعر غضباً:

وصلف ٍ مبرق ختلاً، فان يرَ نُهزةَ رعدا
يزورك جنح داجية، يُزير الشوق والكمدا
فان آدتك جانحة، اعان عليك واطردا..
وآخر يشتم الجمهور، لفَّ عليك واحتشدا...
يعدُّ الشعر أعذبه، اذا لم يجتذب احدا

 

* وقبيل ختامها، وحين تثور القصيدة، يحاور الجواهري نفسه، ويوجهها، مستذكراً بكل عنفوان، ومستنداً الى حقائق ووقائع ورؤى لا يجادل فيها سوى المعوزين جاهاً وارثا:

أبا الوثبات ما تركتْ، بجرد الخيل مطردا
يضج الرافدان، بها، ويحكي "النيلُ" عن "بردى"
ويهتف مشرق الدنيا، بمغربها اذا قصدا:
ترفع فوق هامهم، وطرْ عن ارضهم صعدا
ودع فرسان "مطحنة" خواء تفرغ الصددا...

 

* واخيرا، يعاتب الشاعر، اصدقاء ومحبين، وغيرهم، ممن يعتقد انهم معنيون باتخاذ الموقف المناسب، المنسجم، ولكنهم سكتوا ولم يتنادوا إليه، خشية هنا، وخوفاً هناك، فيخاطبهم مشفقاً على حالتهم، ومعيباً عليهم المهادنة والمساومة... وربما محاولاً أن يجد لهم مبرراً يُسامحون عليه:

وغافين ابتنوا طنباً، ثووا في ظله عمدا
رضوا بالعلم مرتفقاً، وبالاداب متسدا…
يرون الحق مهتضَماً، وقول الحق مضطهدا
وام "الضاد" قد هتكتْ، وربُّ "الضاد" مضطهدا
ولا يعنون - ما سلموا - بأية طعنة نفدا
بهم عوزٌ إلى مددٍ، وانت تريدهم مددا…

-------------------------------------------------

مع تحيات" مركز الجواهري" للثقافة والتوثيق

www.jawahiri.com

 

 

 

الجواهـري... عـن

 

"منغولٍ من التاتارِ وغــــدٍ"

 

قراءة وتوثيق: رواء الجصاني

 

يحلّ عام 1967 وكان محمد مهدي الجواهري، الرمز الوطني والثقافي العراقي الابرز،  يعيش في براغ، حاملاً هموم وشجون الاغتراب الاضطراري خارج بلاده، وأذ بأحد المفكرين العروبيين البارزين، من وجهة نظر البعض، والمشكوك في عروبته وأصله وصلاح أفكاره، من وجهة نظر بعض آخر، يقوم في بيروت بنشر مذكرات شملت في جزء منها شؤوناً عن عمله  في العراق، حين أُستقدمَ اليه من سوريا،  ليسهم في "اصلاح" بعض شؤون التربية والتعليم، فأشاع فتنة هنا، وأخرى هناك، حتى اضطر الملك فيصل الاول، لابعاده الى مهمة اخرى خارج " التربية والتعليم" بعد أزمة سياسية ووطنية واسعة... وقد  أعاد ذلك "التربوي" و" المنظر" في مذكراته، سموماً طائفية خبيثة، حاولت ان تشوه التاريخ، وتطال الجواهري.. فكان لابدّ من التصدى، ومواجهة المعني، واضرابه، ولكن بكل عنفوان وشموخ.. فكتب الشاعر العظيم رده شعراً، متفجراً، ومما جاء فيه:

سهرت وطال شوقي للعراق، وهل يدنو بعيدٌ باشتياق ِ...
احبتي الذين بمن امني، بلقياهم، أهونُّ ما ألاقي...
ابثكم شكاة اتقيها، فتصرعني وتمسك من خناقي
اغمزاً في قناتي من عُداة ٍ، تناهشني، وصمتاً من رفاقي...

ثم تثور القصيدة فينال ذلك المتجاوز، وربعه، ما يستحقون من أوصاف. مبرزة "بعض" الحقيقة لا كلها.. وإذ نمتنع حالياً عن التصريح باسم المعني، نشير إلى أنه يُعـد أحد رموز الطائفية المقيتة التي جرى تأجيجها بعيّد تأسيس الدولة العراقية الوليدة، في اعقاب الحرب العالمية الاولى:

ومنغول ٍ من التاتار" وغْـدٍ، تراضع والوغادةُ من فواقِ
إلى "يمن" إلى "حلب" تسمى، إلى "مصر" إلى درب الزقاق ِ
وكل ضاق بالملصوق ذرعاً، وأيٌ فيه مدعاة التصاق ؟
أوجه القرد، أم خلق البغايا، أم النعرات، أم نذر ِ الشقاق؟
أم النسب المؤثل بالمخازي، أم الحسب المسلسل في رباق ِ

ثم يستمر الجواهري في "تخليد!!" المعتدي، موثقاً بعض الوقائع التاريخية، وكاشفاً جوانب من الحقيقة، وها هو يصف الحال دون زيادة او نقصان، فكتب عن "المعني":
ولما حمت الأقدار ألقت، به جيف البطون إلى العراقِ...
ليجمع حوله سفلاً تلاقى، كما التقت الخفاف على الطراق ِ...
"زنامى" يعطفون على زنيم، كما عطف الجناس على الطباق...
وما برح العراق محك صبر ٍ، يطاق بأرضه، غير المطاق
كأن غرائب الدنيا تنادت، على وعد لديه بالتلاقي

... وإذ نشرت القصيدة الجواهرية، وانتشرت، لاذ المعني، بالاختباء والصمت، وكذلك مناصروه، وانصاره، منذ نصف قرن والى اليوم.. وهكذا تمر الاعوام والعقود ، ويزداد خلود الشاعر العظيم، وينطفئ الوهج الطارئ لذلكم المتطاول الطائفي، حتى يكاد ان يُنسى، وتلكم هي شهادة التاريخ ...

----------------------------------------------------

القصيدة كاملة في ديوان الجواهري العامر.. والواقعة التي تشير لها القصيدة مثبتة في الجزء الاول من مذكرات الشاعر الخالد - دمشق 1989.

تفاصيل ذات صلة في كتاب: "الجواهري ... ديوان العصر" للاستاذ حسن العلوي- دمشق 1986.

تفاصيل اخرى، ضافية، في كتاب د. عبد الحسين شعبان، الموسوم "الجواهري..

جدل الشعر والحياة" دمشق-1997.

 

 

 

 

 

من ذكريات"ثوري متقاعد!"

 

بمناسبة الاول من آيار

 

كنتُ في مكتب العمال

 

الشيوعي المركزي، قبـل اربعـة عقـود

 

- كتابة وتوثيق: رواء الجصانـي

 

... يحل يوم الاول من آيار، عيد العمال العالمي، فتطير بك الذكريات - ايها "الثوري المتقاعد!!!" - وذلك الى اربعة عقود خلت، ولعامي 1975 - 1976  تحديدا، حين كُلفتَ، فأستجبتَ، لأن تُنسب الى مهمة سياسية جديدة، أضافية، وهي عضوية "مكتب العمال المركزي" في الحزب الشيوعي العراقي....

   وهكذا رحتَ، تنشط، - الى جانب مسؤولياتك الحزبية في الهيئة القيادية لتنظيمات الحزب الطلابية ببغداد- في رحاب اضافية، هي على اقل وصف، ارحبُ واهمُّ قطاعات النضال والنشاط للحزب الشيوعي، حزب العمال والفلاحين، اولا وقبل كل شئ آخر، كما ينبغي آنذاك ..

... ولأن الحدث قد مرّ عليه اكثر من عقود، فلا تخف – ايها الثوري المتقاعد – من ان "تكشف !"  ما قد يراه البعض اسرارا، فتقول ان ذلك المكتب المركزي، كان يتشكل من- مع حفظ الالقاب والصفات والسمات -: عبد العزيز وطبان، مسؤولاً، ومن بين اعضائه صادق جعفر الفلاحي، وآخرون من ممثلي المنظمة العمالية ببغداد، وها انت بينهم معنياً بشؤون النشر والاعلام، والتثقيف، ومهام نقابية، اخرى.. اما اجتماعاته الاسبوعية او الدورية، فكانت تعقد في الغرفة المحددة له بمقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، ببغداد..

   ولتضف موضحا باختصار: ان مكتب العمال المركزي، تشكل ليكون هيئة استشارية مختصة، تتبع قيادة الحزب، للعناية بالنشاط الشيوعي، وتوجهاته في النقابات العمالية،  مركزا وفروعا، وجميعها راحت آنئذٍ، تحت سيطرة وهيمنة مسؤولي الحزب الحاكم، واعضائه، ومؤيديه، عن حق وباطل.. ذلك الى جانب اهتمامه – المكتب-  بالجوانب الفكرية والاقتصادية والاعلامية، للشؤون التي تخص عمال العراق وحياتهم وتطلعاتهم، ونضالاتهم المطلبية والاجتماعية، وحقوقهم النقابية وغيرها ...

 ولتوثق هنا في هذه المحطات والخلاصات – ايها الناشط العمالي هذه المرة!- انك قد كلفت في المكتب، بمتابعة شؤون صفحة حياة العمال والفلاحين في جريدة الحزب المركزية، العلنية في ذلك الوقت: طريق الشعب. وتبعاً لذلك فقد كان التنسيق بشأن الامر يتم، بهذا الشكل والقدر او ذاك، مع المسؤول السياسي عن الصفحة، عبد السلام الناصري- ابو نصير، عضو اللجنة المركزية للحزب.. ومن بين ذلك التنسيق ايضا حضور اجتماع هيئة تحرير الصفحة احيانا، وكان المسؤول الصحفي عنها، الشاعر المبدع :مخلص خليل..

   كما لتتذكر ايضاً، وتصرح، – ايها الثوري المتقاعد- بان المهام داخل مكتبـ (كم) العمالي الشيوعي المركزي، كانت موزعة على هذا النحو: شؤون الدراسات الاقتصادية - الاجتماعية ذات العلاقة، عند عبد العزيز وطبان، وشؤون التنظيم النقابي، عند صادق الفلاحي.. ومما تطير اليه الذاكرة، انك قمت بتهيئة عدد من المحاور والخلاصات، تم التداول حولها، ومناقشتها، لعل من اهمها حول:

 الثورة التكنولوجية، ومواصفات الطبقة العاملة الجديدة، والمتغيرات المستقبلية.

 التنظيمات النقابية في ظل سلطة البرجوازية الصغيرة، والموقف من وجود اكثر من تنظيم واطار نقابي عمالي، في بلد واحد.

- ضرورات تحول هيئاتنا الشيوعية الحزبية من تنظيمات قطاعية (طلاب، مثقفين، عمال، موظفين...) الى تنظيمات محلية مختلطــة في مناطــق سكنية واحدة (مدينة، بلدة، محلة، قرية...).

    ومن المؤسف ان تلك الخلاصات والوثائق، قد فقدت، او ضاعت او اهملت، لسبب أو اخر، دون ان يصار الى ارشفتها وحفظها، برغم انها كانت خطوطا ومؤشرات واتجاهات، وليست دراسات موسعة، وقد قمت بنشر بعضها تحت عنوان " نقابيات" في الصفحة الاسبوعية المتخصصة بالمنظمات المهنية، التي كنت مسؤولا عنها، لعدة سنوات، في "طريق الشعب" الصحيفة المركزية للحزب.

   ولكي لا تكون هذه الذكريات، وهي عجولة – عاجلة، ثقيلة او مملة، فلتلطفها – ايها الثوري المتقاعد-  ببعض اللقطات التي تظنها مناسبة، ومن بينها كيف كان صادق جعفر الفلاحي، يناكدك ممازحاً، فيرحب بك حين يلتقيك بالقول: اهلا بالشيوعي العامل، والطالب، والمهندس، تلميحاً لمسؤوليتي، في ان واحد: في اللجنة المحلية الطلابية الشيوعية ببغداد، وعضويتي في مكتب العمال المركزي.. وكذلك الى عملي الوظيفي مهندسا تنفيذيا في مؤسسة استصلاح الاراضي، بوزارة الري..

  ولأن اللقطة تجر اخرى، خلاصتها: ان مهمتي الوظيفية، في اوائل السبعينات، كانت تحمل المسؤولية عن نحو 120 عاملا زراعيا، وميكانيكيا، واداريا، وذلك في احد مشاريع مؤسسة التربة واستصلاح الاراضي، في اللطيفية... وكان من بين اولئك العمال والعاملين، رجل فارع الطول، ذو شخصية مؤثرة، مسؤول عن العمال الميكانيكيين. وقد تقربت منه، وتقرب مني، ثم نويّت السعيّ لترشيحه الى الحزب.. وبعد، وخلال فترة مهمتي في مكتب العمال المركزي، واذ بذلك الرجل يحل ضيفاُ معنا في احد اجتماعات المكتب، وكان: المناضل والنقابي المخضرم، عبد الامير عباس- ابو شلال، عضو اللجنة المركزية للحزب، او المرشح لها لسنوات مديدة ...

 اما اللقطة الثالثة والاخيرة، فهي ماجرى لبيان كُلفت بصياغته بمناسبة عيد العمال العالمي،  في الاول من آيار عام 1975 وانجزته حقاً في الموعد المقرر، ليقوم ابو ذكرى- عبد العزيز وطبان، بـ"تهذيبه" اول الامر "من الخارج عن المألوف"  ثم لـ"ينقحـه" سياسيا بعد ذلك، ابو نصير – عبد السلام الناصري، ولينشر فعلاً في يوم المناسبة، على الصفحة الاولى من عدد "طريق الشعب" – الصحيفة المركزية للحزب الشيوعي العراقي... ولكن- وهنا اللقطة - فقد نُشر البيان الذي اعددته باسم مكتب العمال المركزي، ولكنه خرج للنشر بعد "التهذيب" و"التنقيح" وكأنه مكتوب لكل آن وزمان ومكان، وقد يصلح ايضا لمناسبة طلابية او ثقافية او غيرها، لو غُيرت كلمة او اثنتان فيه .. وقد مرّ الامر دون تعقيد، مراعاة للتحالف الجبهوي القائم حينئذِ، خاصة وان "الثوري المتقاعد" صاحب مسودة البيان، وصياغته الاولى كان ملكياً اكثر من الملك، متفائلاُ بالتحالف السياسي القائم في تلك الفترة، ومؤمناً بان كل ما يكون، ممكن، من اجل السير بالشعب والوطن الى امام!!!!..... ولكن، جاءت النتائج معروفة، وبعد فترة وجيزة ليس إلا، وكان ماكان، وحدث ما حدث، من جانب حزب البعث الحاكم، واجهزته الارهابية...

 

 

 

بمناسبة الذكرى 68

 

لمؤتمر "السباع" الخالد

 

جمعيات وروابط الطلبة العراقيين

 

خارج الوطن: 1978-2003

 

ربع قرن ضد الدكتاتورية والارهاب

- رواء الجصاني*

    بعد ان خبت كل الامال في امكانية "اصلاح" النظام الذي اباح ما أباح من وعود وعهود وقيم ودماء، اعلن المزيد من قوى الشعب العراقي الوطنية عام 1978 معارضته العلنية والمباشرة لانهاء السلطة الدكتاتورية في البلاد، التي شددت من اجراءاتها القمعية ، ونزعت كل لبوساتها وبراقعها التي تزيت ، او حاولت التستر، بها ...

   وفي ضوء تلكم الاوضاع والتطورات المتسارعة ، تنادى نشطاء وسياسيون لاعادة النشاط لجمعيات وروابط الطلبة العراقيين خارج الوطن بعد "تجميد" عملها لفترة دامت حوالى اربعة اعوام . وهكذا راحت الاشهر االاخيرة من عام 1978 والاولى من عام 1979 تشهد حركة دؤوبة على تلك الطريق ، وفي العديد من العواصم، والاوربية منها بشكل رئيس ...

وما هي سوى بضعة اشهر وحسب ، حتى انعقدت مؤتمرات استثنائية لتلكم الجمعيات والروابط واتخذت قراراتها بالغاء " التجميد" استجابة لنداء اتحادها المركزي،اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية، وأكدت شعارها الرئيس : من اجل التفوق العلمي والعودة للوطن... وشعارات اخرى راهنة ، للتضامن مع طلبة وشبيبة وشعب العراق في النضال ضد الكتاتورية والارهاب ، واقامة النظام الديمقرطي ..

... وهكذا انطلقت جمعيات وروبط وتشكيلات الطلبة العراقيين في : المملكة المتحدة والاتحاد السوفياتي والمانيا الاتحادية وبرلين الغربية وبلغاريا وفرنسا والدانمارك والمجر والسويد وبولندا وايطاليا ورومانيا وبلجيكا والمانيا الديمقراطية واليونان ويوغسلافيا والنمسا وسوريا ولبنان واليمن الديمقراطية والولايات المتحدة الاميركية واليونان والهند وتشيكوسلوفاكيا ... انطلقت لتبدع وتتألق في مختلف مهمات العمل المهني – الديمقراطي – الاجتماعي، بأشكال واساليب ومستويات متنوعة ، ولتبرز في المقدمة بصورة رئيسة مهام التضامن مع طلبة وشبيبة وجماهير بلادهم ... ولأننا نؤرخ هنا لهذا الجانب من النشاطات تحديدا ، نقول ان العواصم والمدن الاوربية والعالمية قد شهدت المئات من الفعاليات والمهرجانات والتظاهرات التي ساهمت بكشف المزيد من الحقائق عما كان يجري تحت سلطة الحرب والارهاب في العراق ، في ربع القرن الذي نوثق له وعنه: 1978-2003... ذلك فضلاً عن النشرات والبيانات والاصدارات ، وبلغات واشكال مختلفة .

   لقد حرصت الجمعيات والروابط الطلابية العراقية خارج الوطن ، وعبر اعضائها ومؤازريها واصدقائها ،النجب على ابسط وصف ، حرصت على ان لا تفوت فرصة تتاح الا وكان لها صوت وموقف ونشاط يتناسب وقدراتها ، في فضح جرائم النظام الدكتاتوري وسياساته التى اكتوت بها جماهير الشعب العراقي على مدى عقدين ونصف ... دعوا عنكمو ما عانت منه بلدان الجوار، وحتى غير الجوار... وكل ذلك الى جانب التحاق العشرات من اعضاء تلكم الجمعيات والروابط ، طالبات وطلاب ، في تشكيلات الحركة الوطنية ، السياسية والجماهيرية والمسلحة ، داخل العراق ... وما برح سجل شهداء الحركة الوطنية االخالدين يحفل باسماء اولئك المناضلين الذين أنهوا، او تركوا مقاعد الدراسة ليعودوا الى الوطن ، مشاركين ابناء شعبهم في خوض المعارك الباسلة .

وبالاضافة الى كل هذا وذاك ، كان منتسبو الجمعيات والروابط الطلابية خارج الوطن فاعلين في اعلاء صوت التضامن مع اتحادهم المناضل – اتحاد الطلبة العام، وفصائل الحركة الوطنية العراقية عموما، داخل الوطن، وذلك في العشرات من المنابر والمنتديات والنشاطات المحلية والاقليمية والعالمية، وسواء التي انعقدت في البلدان التي يدرسون او يقيمون فيها ، او خارجها، وفقاً لما يكلفون به ... ونذكر من بينها ، ونحن هنا معنيون وشهود عيان : المؤتمرات السنوية للجمعيات والروابط الطلابية ذاتها ، والمهرجانات المرافقة ، و اللجان التضامنية ونشاطات وندوات ومؤتمرات اتحاد الطلاب العالمي في المدن والعواصم الاوربية وغيرها ... وكذلكم هي الحال في فعاليات المهرجانات العالمية للطلبة والشباب ، والتي انعقدت خلال الفترة التي نكتب عنها – 1978-2003- ومنها في هافانا وموسكو وبيونغ يانغ ..

    وفي هذا السياق لا يجوز ان نغفل هنا - وان سريعاً - الدورالبارز للجنة التنسيق بين الروابط والجمعيات الطلابية خارج الوطن، ومقرها في براغ ، في مجالات المتابعة والتوجيه للنشاطات والفعاليات التضامنية، وغيرها ، مع طلبة وشبيبة وشعب العراق في نضالهم الثابت من اجل انهاء الدكتاتورية وقيام النظام الديمقراطي. ومما نشير بهذا المجال: الاصدارت الدورية التي كانت تنشرها "اللجنة" بلغات مختلفة واهمها " طلاب العراق" بالغتين العربية والانجليزية ، وكذلك الاسبانية احياناً ... ذلكم الى جانب العشرات من البيانات والنشرات التنظيمية والجماهيرية وسواها....

   وعلى صعيد ذي صلة نوثق ايضا للدور المهم الذي نهضت به اللجنة – لجنة التنسيق بين الجمعيات والروابط الطلابية خارج الوطن – في تمثيل قيادة الاتحاد الام، اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية، على الصعيد الخارجي، ولدى السكرتارية الدائمة لاتحاد الطلاب العالمي في براغ، ومن الطبيعي ان كل نشاطات "اللجنة " التي نتحدث عنها ما كان له ان يكون بذلك المستوى المشهود له – على اقل وصف – لولا مساهمات الجمعيات والروابط الطلابية العراقية خارج الوطن : المادية والاعلامية ، فضلا عن المشاركات المباشرة الاخرى ...

   وبهدف التأرخة ايضا نثبت في متابعتنا هذه ، والتي كم نتمنى ان يزيد اليها المعنيون ، ان العشرات من اعضاء ونشطاء تلكم الجمعيات والروابط الطلابية العراقية التي نوثق لها وعنها ، يواصلون اليوم في بلادهم ذات النهج ، من اجل العراق الديمقراطي الجديد ، ومن بينهم عشرات المناضلين السياسيين والنشطاء الوطنيين ، الذين تسنموا ، وما فتئوا، مهاماً جليلة ومسؤولة في احزابهم ومنظماتهم المدنية ... وكم أظنهم مستمرين بالتباهى - ولم لا ؟- بتاريخهم وتراثهم وانتمائهم للعمل الطلابى الوطني – المهني ..
أخيرا، وأذ يتزامن نشر هذه المساهمة مع الذكرى الثامنة والستين لمؤتمر "السباع" الخالد ، الذي انبثق عنه اتحاد الطلبة العام الاول في البلاد العراقية ، كم نتمنى – مرة اخرى واخرى – ان يبادر ذوو الشأن ، ولاسيما منهم : النشطاء الطلابيون "المتقاعدون" مثلنا ، فيكتبون ذكريات وتجارب تمد شباب الغد بالمزيد من الخبرات وهم على طريق النضال الديمقراطي والوطني.. فهم ، ونحن من بينهم ، على درب واحد ،على ما نزعم... مرددين سوية ما قاله الجواهري الكبير في بغداد بمناسبة طلابية عام  1959:

ياشبابَ الغد انا فتيةٌ ، مثلكم فرّقنا في العمر ســنُ...

…والغدُ الحلو بنوه انتمُ ، فأذا كــان لكم صلـبٌ، فنحنُ

فخرنا انا كشفنـاهُ لكم ، وأكتشافُ الغـد للأجيال ، فـنُ

----------------------------------------------------
* السكرتير العام للجنة التنسيــق بين روابط وجمعيـات

الطلبة العراقيين خارج الوطن، للفترة : 1980- 1985

 

 

 

 

بمناسبــة الذكــرى الرابعة لرحيله

 

محمـود صبــري ...

 

بعيدا عن السياسة والفـن

 

- رواء الجصاني

 

   نشر، وكتبَ، اهلٌ واصحاب ومثقفون ومتابعون - وما برحوا- الكثير الكثير،  عن محطات تاريخية في حياة محمود صبري، ومواهبه وفكره ومنجزه، الفني والثقافي والسياسي، الثري... ولكن دعوني - في ذكرى رحيله الرابعة التي تصادف الثالث عشر من نيسان الحالي- احدثكم عن لمحات من نهار وليل تقليديين في حياة ذلك العبقري، وبما قد يسهم في ان تكتمل الصورة النيّرة عنه كما أزعم، لما فيها من اشارات ومؤشرات تتشابك لتضئ انسانية رجل متفرد، وقد "قــلّ الرجالُ فقيـــلَ: ذا رجلُ" ..

** ليالٍ ونهارات 

   يبدأ نهار محمود صبري، التقليدي متأخرا بعض الوقت، إذ يسهر غالباً ما بين قلمه وفرشاته وأفكاره وعوالمه المتألقة، وعادة ما يكون إفطاره بسيطاَ، يحضره بنفسه عجولاَ، ثم يستمر بمتابعة الاخبار، وجلها من اذاعات تبث بالانجليزية، مبتعداَ عن الضجيج الاعلامي العربي ... دعوا عنكم مجافاته للتلفزيون الذي لم يكن ذا صحبة معه، بل ولم يضمه اثاث شقته ذات الغرفتين، المتواضعة والانيقة في آن، والتي عاش فيها-  المفكر والفنان العراقي الوطني، الكبير، صاحب نظرية "واقعية الكم"- طوال عقود، في الدائرة العاشرة من العاصمة التشيكية – براغ.. 

   ولأن الرجل يتابع شؤونه لوحده، ويجهد ألاّ يكلفُ احد بها- الا في ضروريات لا حول له بها، خاصة وان لغته التشيكية ليست بالكافية - لذلك كان في "الظهريات" يراجع البريد، ويتسوق لمتطلبات البيت التقليدية، ويعود لمواصلة البحث والقراءة والترجمة، والغوص في الكتب والمصادر الفكرية – الفلسفية في الغالب الاعم .

   ولأنه نباتي، فلم يغرق في "هموم" الغداء والعشاء وما بينهما، مكتفياً بالفاكهة والخضار ومشتقات الالبان، وبعض الحلوى. ولكن دون الاستغناء عن الشاي المرادف، وعلى طريقته الخاصة .. وهكذا كان يستغل اقصى ما استطاع من وقت للبحث والعطاء.

    والرجل قليل الزيارات، وخاصة في الاعوام العشرين الاخيرة من حياته الزاخرة، ولا ابالغ فأقول بأنها بقيّت اكثر من محدودة. وكذلك كانت الحال بشأن استقباله للزائرين والضيوف، مع الاستثناءات طبعاً للقريبين والمقربين، ومن المختارين الذين يظنهم بعيدين عن الضجة والضجيج، وعن الكلام والاحاديث المكرورة المملة، ثقافية كانت أو سياسية، وعداهما.... ولكنه وفي نفس الوقت، ما اجلّه في تعقب واحترام المناسبات الخاصة والشخصية للاصدقاء والمعارف، وحتى غيرهم، المفرحة منها والمحزنة .

   ولاغراض التريض، وتغيير الاجواء، كان محمود صبري يحب التمشي طويلاً، وفي المساحات الخضراء عادة ، وحتى لساعتين متواصلتين احياناً. وقد "تورطت" معه اكثر من مرة، حين كان ذلكم الثمانيني مسترسلاً في متعته، وانا ذو الخمسين الى جانبه، الهث للحاق به!!! .. حتى بدأت اهـــرب من ذلك التقليد، لنستعيض عنه بجلسة مقهى هنا، أو رحلات قصيرة بالسيارة، هناك. 

** شخصيات وخصوصيات

    وأذ تستدرجني الكتابة، وتتشابك اليوميات والذكريات، بشؤون اخرى، فلأحدثكم عن بعض السمات الشخصية للراحل الجليل، المرادفة للممتلئين وحسب. ومن ذلك تواضعه الجم مع الكبير والصغير، النابه والبسيط، القريب والبعيد. وكم من المرات أخجلَ الاخرين بتلكم الصفة الاستثناء، النابعة باقتناع دون تصنع أو ادعاء....

    كما اشهد هنا بأني لم اسمع من الرجل، ولأزيد من ربع قرن من الرفقة والمرافقة شبه الاسبوعية، ولا كلمة سوء عن احد، ولا انتقادا او نقدا شخصيا. سوى حوارات وجدل دقيق حريص، عميق متأصل. ولقد حاولت، فعجزت، وأنا في خضم هذه التأرخة العجلى، أن استذكر ولو مشاركة كتابية واحدة لمحمود صبري، تُشمُّ منها قسوة او مغالاة أو يُلاحظ فيها تشددٌ شخصي....

    غير ان ذلكم الثبات اعلاه، غير مشمول، طبعاً، في ما يتعلق بالجوانب الفلسفية والفكرية، والوطنية، التي لا مساومة او تردد لديه بشأنها. ومن يريد دليلاً، واحدا على الاقل، فليعد لدراسةٍ لم تتكرر كما أدعي، حول المقارنة بين "العفلقية والفاشية" نشرها الفقيد الرائد، سنتي 1963و1964 على صفحات ثلاثة اعداد من مجلة "الغد" التي اصدرتها في براغ، اللجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي، برئاسة الجواهري الكبير، والتي تشكلت بعيّد الانقلاب البعثي الدموي الاول في شباط 1963. وقد كان الرجل- محمود صبري- يشغل المسؤولية الفعلية عن تحريرها، بصفته عضوا في تلكم اللجنة العليا . 
   ... ولأن الالتزام بالمواعيد، وبالوعود، ظاهرة حضارية، فمن الطبيعي تماماً ان تكون تلك من سمات محمود صبري. وهنا دعوني اتباهى مجدداً فأتحدث عن ايفاء الرجل بقراره في تبني مشروع "بابيلون" للثقافة والاعلام، الذي اطلقنــــاه، أنا وعبد الاله النعيمي، أواخر العام 1990 ... فقد بقي الرجل راعياً معنوياً للمشروع، بل ومصمماً لابرز اصداراته الصحفية، وموجهاً له، وحتى الايام الاخيرة من رحيله الى عالم الخلود. وهكذا ما زال غلاف المجلة اليومية، ثم الاسبوعية، التي ما برحت تصدرها مؤسسة "بابيلون" منذ ازيد من ربع قرن، بأسم " انباء براغ"، يحمل ذات الغلاف الذي صدر به العدد الاول، بتصميم: محمود صبري .

    والرجل أنيق ليس في كتاباته وأفكاره وفنه وقيمه، وحسب، بل اقترن كل ذلك بأناقته في الملبس والترتيب، وكيف لا وهو الفنان – الانسان. ولا تتخيلوا ان تلكم الاناقة، والمظهر، نتيجة ثياب ممهورة بغالٍ أونفيس، كما يفعل الاخرون! .. فبكل بساطة كان يلبس محمود صبري، ولكن بذوق وتناسق. وقبل ان انسى لا بد ان اضيف الى كل ذلك: أن الطبيعة قد حبته شكلاً وقواماً ممشوقاً، فارعاً، مما اضاف اليه وسامة متميزة، كما هو تميزه في عوالمه ومنجزه الثري. 

    أما عن أعتداد محمود صبري بعطائه، وشخصيته، فلا اظن أن أثنين من عارفيه يختلفان بأنموذجته في ذلكم الشأن، وليس من منطلق الغرور، أبداً، ولكن من فيض ثقته العميقة بالنفس، وقناعاته المستندة الى ما آمن به من مبادئ وأفكار وقيم. وكل ذلك بعيداً عن الاضواء، والبهرجة والافتعال. وهكذا بقي الفقيد مَحج الرواد، وكل ذوي الفهم والمعرفة، والعاملين في مجالات الفكر والثقافة والسياسة والفن... وميادين الوطنية الحقة، وليست المدعاة!. 

   ... ثم دعوني أتوقف أيضاً عند واحدة أخرى من مآثر محمود صبري، وتلكم هي عزوفه الراسخ عن شؤون ذاتية كم سعى ويسعى اليها آخرون... واعني هنا ابتعاده وحتى ايامه ألاخيرة عن الطلب أو المطالبة بحقوق وطنية وسياسية ووظيفية، إذ لم تَدر في خلده هموم الراتب التقاعدي، أو احتساب الفصل السياسي- دعوا عنكم الجهادي!!- بعد سقوط النظام الدكتاتوري في العراق عام 2003 . وقد بقي الرجل خارج اللعبة، بعيداً عن لاعبيها، ومحترفيها، الذين نسوا أو تناسوا - مع أستثناء هنا وآخر هناك- احد ابرز رجالات العراق في القرن العشرين، فكراً وقيماً ومبادئ، ومواقف . 

   أخيرا، وكما هي عادتي في الاحتراز من مقصودين، أقول ان كل ما سبق من وقفات جاء عن معايشة مباشرة، على مدى ربع قرن، وكم يعجبني ان أتباهى بها، فكم مثل محمود صبري، كان، وكم بقي مثله، أو سيأتي؟... وأما قِيل:
يموتُ الخالدونَ بكل فجٍ، ويستعصي على الموتِ، الخلودُ؟!

------------------------------------------------------------

 

 

 

 

"الجواهــري صحفيــــاً"

 

... موسوعة جديدة في تاريخ العراق الحديث

 

قراءة ورؤى: رواء الجصاني

 

   بثلاثة مجلدات، وبأزيد من الف وخمسمئة صفحة من القطع الكبير، صدر قبل فترة وجيزة، مؤلفُ جديد موسوم: "الجواهـري صحفياً" من المجحف حقاً ان يسمى كتاباً، كما هي عليه التعابير السائدة، إذ  فيه ما فيه من توثيق وتأرخة لعقود مديدة في تاريخ العراق الحديث، وبشكل ادق، للفترة 1930- 1960.. ولن نأتي بجديد اذا ما قلنا كم هي مهمة  و"غنية" احداث ووقائع تلكم الاعوام الثلاثين.

   والرجل الصحفي المقصود هنا ليس صحفياً بالمعنى المعروف، وحسب، بل انه جامع لصفات وسمات متشابكة، منها وليس كلها: شاعر ونائب برلماني وسياسي ومفكر ومثقف، وكل ذلك بحسب النقاد والعارفين والمتابعين، على اختلاف ارائهم وتقييماتهم، كما ونياتهم، إن شئتم !. ولذلك، ووفقه، جاءت صفحات الكتاب / الموسوعة "مليئات حقائبها من التجاريب" والاراء والوقائع، والخصومات والصداقات، الثقافية والسياسية، وغيرهما عديد حافل،  يثبتها الجواهري: شاهد عيان من وسط الحلبة تماماً، بل وفي بؤرتها بقول اصح.

    ومن البديهي والحال هكذا ان تتشابك عشرات  العشرات من افتتاحيات وكتابات ومقالات الجواهري، التنويرية المتمردة الهادفة للارتقاء، مقرونة بالوقائع والشواهد، عن شؤون البلاد العراقية، وشعوبها: عرباً  وكورداً وتركماناً وآشوريين وغيرهم، مسلمين ومسيحيين ويهودا وأيزيديين وصابئة، واخوانهم، من عراقيي دجلة الخير، والفرات الزاهي .. وكل هذا وذلك موشى بالاناقة الجواهرية المعهودة: لغة ومفردات وتنبؤات. ويكثر الوصف والتوصيف، وما هنا مجاله.

    والمؤلَف الذي نكتبُ هذا الموجز والعرض العاجل عنه، انما جاء في الوقت الذي احوج ما تكون اليه شعوب العراق- وهي على حالها التي ندري!-  بهدف الاستنباط والاستذكار، والتذكر- وعسى ان تنفع الذكرى- دعوا عنكم الاتعاظ الذي ما برح غائباُ، او مغيّباً مع سبق الاصرار والترصد، وحتى الان على الاقل، مع كل اهميته، بل واستثنائيته.. "ومن لم يتعظ لغدٍ بامس، وان كان الذكي هو البليد" على حد ما قاله وهدر به الجواهري ذاته عام 1979.  

   ولكي لا نتهم باننا نروج للكتاب/ الموسوعة "تجارياً" ودرءاً للتربص – وما اكثر المتربصين!- نقول بان التكاليف قد تحملها "كفاح" النجل الثالث للجوهراي الخالد، فضلا عن جهده الاستثنائي في التجميع والترتيب والتصنيف، وغيرها من متطلبات اتمام هذا التاريخ الجواهريّ العراقيّ الثري، وعلى مدى ثلاثة اعوام، كما تقول المقدمة.

   اخيراً، لنا - نحن المتبطرين!- تمنيات وإن فات آوانها، وهي ان المؤلَف "لـو" توزعت مواده على اجزاء محددة، بعضها لافتتاحيات ومقالات الجواهري نفسه، والبعض الآخر لكتابات الذوات، المثقفين والسياسيين والشخصيات العامة وغيرهم، ولا سيما اللامعين منهم، المنشورة في صحف الشاعر العظيم. نقول "لـو" حدث ذلك - لسهّل الامور للباحثين والمختصين والقراء والمتابعين، كل لغاياته، بدلا من جمعها سوية، كما جاءت به في الاجزاء الثلاثة، متداخلة، وفق الترتيب الزمني .

---------------------------------------------------------

ملاحظات وإحالات:

المؤَلَف اهداءٌ كريم من معدّهِ وموثقه، الباحث الجهود: د. كفاح محمد مهدي الجواهري.. وقد حمله متفضلاً، من بغداد الى مركز الجواهري في براغ: المهندس الصديق، أثير فالح الحيدري.

صمم الغلاف، المهندس عمار، حفيد الجواهري من نجله،  الدكتورفلاح.

صدر الكتاب / الموسوعة عن دار ومكتبة" عدنــان" للطباعة والنشر والتوزيع- بغداد/ اواخر العام 2015. 

 

 

 

بمناسبة ذكرى ميلاده

 

السادسة والتسعين

 

عـادل مصري(ابو سرود)..

 

. مناضل من هذا الزمان

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

   في سياق ما ُكتب ويُكتب من تاريخ وذكريات عن البلاد العراقية، وجوانب من سجلها الوطني، وعن سياسييها ومناضليها واحداثها، طفحت – وما برحت -  كتابات اختلط فيها الغث والسمين، ولاسباب متعددة الاهداف والاغراض ..  وقد تلفت الانتباه بهذا الشأن وقفات وتأرخة طالت او قصرت عن شخصيات واحداث عامة، كثير منها يستحق، وآخر غير قليل له ما له، وعليه ماعليه..

   وبحسب روئ قد لا تكون جديدة على الكثيرين،  اقول بأن تدوير الكتابة عن احداث وشخصيات بذاتها، اقل فائدة من التوثيق لجوانب وشخصيات واحداث اخرى، غير منتشرة كثيرا- على ابسط وصف -  ولا سيما وان في تاريخ بلادنا العديد الشامل مما لم يجر التوقف عنده، ولاسباب معروفة أو سواها...

   لقد كان من المخطط ان تكون لهذا التوثيق فضاءات اوسع، تأخذ بالاعتبار بعض تأرخة اضافية واراء ورؤى، سياسية وشخصية وما بينهما.. ولكني أثرت ان اوجز اولاً، لاسجل خلاصات عامة، وعلى ان اتوسع بها في وقت آخر- آمل الاّ يطول- مع توثيقات تكمل ما نهدف اليه، وهو كثير، ولكن اقلّه ايفاء مناضلين وطنيين بعض ما يستحقون، وذلك "اوسط الايمان" على ما نحسب!!!.

بدايات سياسية

    والرجل الذي نتحدث عنه في هذه التأرخة هو: عادل مصري، مناضل وطني من العراق، ولد في  مدينة"مندلي" بتاريخ 1920.3.8.. انتسب للحزب الشيوعي منذ فتوته، وكان واخته عمومة - عميدة، من الكوادر النشيطة في العمل الحزبي بمختلف اشكاله - السري طبعا- حتى قيام الجمهورية العراقية الاولى في الرابع عشر من تموز عام 1958 ..

    وبعد فترة وجيزة من قيام الجمهورية، اطلقت السلطة العراقية  الجديدة سراح عادل مصري، ضمن عفو عام عن السجناء والمعتقلين السياسيين. وكان يقبع أنذاك في سجن بعقوبة يقضي مع رفاقه محكوميته الاخيرة، ومنذ عام 1949  تحديدا، متنقلا خلالها بين سجون بغداد ونقرة السلمان والكوت... 

   ان متابعة سريعة لبعض تاريخ "مصري" العلني، في اواسط الاربعينات، تبين ان مسؤوليته السياسية والنضالية الابرز في تلك الفترة كانت مهمته، سكرتيرا عاماً لـ "عصبة مكافحة الصهيونية"التي عنى بها الحزب الشيوعي العراقي، وأجيزت رسميا في بغداد عام 1946 (*)..وقد اعتقل وسجن لمرات عدة بسبب نشاطاته في العصبة، وغيرها، وآخرها قضاؤه عشرة اعوام في السجن، بعد اعتقاله ببيت سري، في محلة القاطرخانة ببغداد، يحوي الات ومتطلبات طباعة واستنساخ حزبية. وكان من بين الذين حُكموا معه في الفترة ذاتها، وبقضايا ونشاطات سياسية مختلفة، وبمدد مختلفة: عزيز محمد وزكي خيري وأرا خاجادور، وكذلك اخته عميدة(عمومة)مصري.(**)

  وحين اطلق سراح عادل مصري، بعد قيام الجمهورية عام 1958 كما اسلفنا، كلفه حزبه الشيوعي العراقي بمهام تنظيمية وسياسية عديدة، ومن ابرزها عام 1959 في التشكيل القيادى لتنظيم الحزب في كركوك، حيث تزوج فيها من رفيقته روناك علي، وانجبا هناك عام 1961 ولدهما الوحيد: سرود (***) ثم ليكنى به لاحقا، وطوال حياته السياسية، والخاصة والعامة، وحتى رحيله بتاريخ 1993.5.29 في براغ، حيث مثواه فيها الى اليوم.

بعيدا عن العراق

     بعد الانقلاب الدموي البعثي الاول ، في شباط الاسود عام 1963 واغتيال الجمهورية العراقية الاولى، وسقوط  سلطة الزعيم عبد الكريم قاسم (1958-1963) وشيوع المجازر التي نفذتها اجهزة الانقلاب بحق الالوف من الشيوعيين والوطنيين: قتلا وتعذيبا وعسفا وسجنا.. اضطر ابو سرود للاختفاء عن الانظار، ولمدة عامين، ثم استطاع الخروج من العراق الى سوريا اولا، ومنها الى تركيا وايران، وليستقر بعدها في جمهورية قرغيزيا، بترتيبات من الحزب الشيوعي السوفياتي، حيث بقي يعمل هناك باختصاصه المهني، كهربائياً، في مصنع للمضخات، ثم في احد معامل النسيج، وحتى اوائل السبعينات الماضية، بحسب المسؤول الشيوعي العراقي البارز، وعضو قيادة اتحاد النقابات العالمي لفترة مديدة، أرا خاجادور، الذي اضاف لنا في حديث خاص، مطلع العام الجاري 2016:  لقد كنت في زيارة رسمية الى موسكو، وقد تفاجأت بوجــود "ابو سرود" بذلك المقام والعمل، منذ سنوات عديدة.. فتدخلت لدى المسؤولين الشيوعيين التشيك، وقد نجحت في ان ينتقل الرجل الى براغ عام 1973 ولتلتحق به بعد ذلك زوجته "روناك" وأبنه"سرود" عام 1975 وليقيم ويعمل، وينشط حزبيا وسياسيا فيها، لعقدين تاليين من الزمان ..

   وفي مستقره الجديد، كرس "ابو سرود" جل وقته ، لتحمل مهام ومسؤوليات حزبية عديدة وحتى حيان الرحيل . وقد توظف اعلامياً، لعدة اعوام في القسم العربي باذاعة براغ، مع عصبة من المثقفين والصحفيين العراقيين، وكان – بحسب مزامنيه في الاذاعة ذاتها- من الملتزمين بشكل مثالي بضوابط ومتطلبات ذلك العمل.

    لقد تنوعت مهام "ابو سرود" الحزبية والسياسية وما بينهما، في براغ، ومن ابرزها اشغاله عضوية مكتب تنظيم الخارج للحزب الشيوعي العراقي، وقد جهد حريصا في تلك المهمة، ونحن هنا شهود عيان، اذ ترافقنا لعدة سنوات في تشيكلة ذلك المكتب، وفي هيئة واحدة، تابعها واشرف عليها، قياديون عديدون في الحزب، ومنهم على التوالي: نزيهة الدليمي، ثابت حبيب، حميد مجيد موسى، كاظم حبيب، آرا خاجودور، ورحيم عجينة ...

    لقد كان ابو سرود في تلكم الهيئة الحزبية، عضوا حينا، ومنسقا لها حينا اخر، نموذجا للشيوعي الملتزم، بعيدا عن التجاذبات والاراء الخلافية، الواقعية، او المدعاة، دعوا عنكم التنابز بالمسؤوليات والمهام.. كما كان بعيدا كل البعد عن الطموحات الذاتية، او المكاسب الشخصية، جهوداً والى ابعد الحدود في احترام قرارات وتوجيهات المركز الحزبي، وكل ذلك ضمن الضوابط التي كانت تسود في تلك الفترة، من التزام وثقة بقرارات الهيئات الاعلى .. وقد ترتب عليه بسبب ذلك  ان يتحمل ملاحظات وانتقادات من هنا وهناك، نسي اصحابها، او تناسوا، بان الرجل كان صلة وصل، وليس صاحب هذا القرار او ذلك، وقد كان اداء التوجيهات الحزبية - اصابت ام اخطأت- واجباً مقدساً، لا يجوز التهاون فيه، حتى وان كان هناك اعتراض اوعدم اتفاق، وتلك هي ضوابط وظروف، والتزامات ذلكم الزمان، ولسنا هنا بمعرض التدقيق او التفسير والتقييم لها.

شهادات شخصيــة

   الى جانب ما يمكن الادلاء به من شهادات شخصية، ثمة اجماع بأن عادل مصري" ابو سرود" كان شخصية عراقية حميمة، ومناضلاً حريصاً في صفوف حزبه الشيوعي العراقي، وتميز بكل السمات الانسانية المعهودة: الاخلاص والتواضع والتفاني والتسامح، والعلاقات الاجتماعية المخلصة مع الغالب الاعم ممن تعرف عليهم، وتعرفوا عليه، في الحزب والعمل والحياة. ولعل ما قد يؤشر الى ذلك وبدلالة بينة، علاقاته الوطيدة مع العشرات من رفاقه - قيادات وقواعد - واصدقائه، لعل من ابرزهم، على ما نشهد: الجواهري الكبير ومحمود صبري وغائب طعمة فرمان، وقادر ديلان، وغيرهم من النخب والشخصيات العراقية التي اقامت، او مرت في براغ لسنوات عديدة.. وأشهد ايضا ان شقته كانت، برغم صغرها، اشبه بمقر حزبي وسياسي، كما ومضافة اجتماعية، أمها العشرات من الشخصيات السياسية والثقافية وغيرها، وطوال سنين.

   لقد حرص عادل مصري- ابو سرود، ان يكون، وهو واجهة الحزب في براغ، على التواصل الجميل مع رفيقاته ورفاقه، العراقيين خصوصاً، والعرب عامة، بكل حميمية، وتفاعل. حاضرا ومشاركاً في مختلف المناسبات السياسية والثقافية، فضلا عن الاجتماعية.. ولا شك، وهو ذو ذاكرة حادة،  ان تكون لاحاديثه ومحطاته التاريخية والنضالية، وخاصة مع قيادات الحزب الشيوعي العراقي الاولى، اهتمامات المتلقين، وبكل تشوق، ومن بينها ذكرياته مع، وعن، قائد الحزب الاول، يوسف سلمان يوسف- فهد، في التنظيم والمعتقلات والسجون، وحتى استشهاده، حين نفذت فيه السلطات الملكية حكم الاعدام عام 1949.    

     لقد كانت حياة عادل مصرى- ابو سرود، منذورة، حقا لا قولاً، لحزبه وبلاده وشعبه، بحسب قناعاته ورؤاه ومفاهيمه،  ودون ان يكل او يمل، وبلا امتيازات او مقابل، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى . وقد دام على تلكم الحال، بكل قناعة واعتزاز طوال حياته الاجتماعية والحزبية والسياسية، ونأمل - كما سبق القول-  ان نستطيع كتابة تأرخة اوثق، واكثر تفصيلا  عنه، في وقت قريب قادم، داعين بهذه المناسبة رفاق ( ابو سرود) واصدقائه للمساهمة في ذلك الطموح، وهو بعض وفاء لمناضل وطني صميمي، من ذلك الزمان، الذي له ما له، وعليه ما عليه...  

-------------- احالات وهوامش

* عصبة مكافحة الصهيونية: عنى بها الحزب الشيوعي العراقي، اواسط الاربعينات الماضية، في ظل تأزم الاوضاع في فلسطين وازدياد الهجرة اليهودية اليها، وبدايات الصراع المسلح، وكانت تنشط – في مرحلة الاعلان عنها، كما بعد اجازتها رسميا - باصدار البيانات السياسية وتنظيم الفعاليات والتظاهرات الشعبية، كما اصدرت صحيفة خاصة بها حملت اسم" العصبة" .

** عميدة ( عمومة)مصري: مناضلة عراقية عريقة، ولدت عام 1922 ونشطت في العديد من تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، ومهامه، وتعرضت بسبب ذلك للمضايقات والملاحقات والسجون، وأٌضطرت للخروج - الرحيل عن العراق الى موسكو بعد انقلاب البعث الفاشي الاول في شباط 1963  لتكلف هناك ايضا بمسؤوليات حزبية وسياسية مختلفة، وحتى رحيلها عام 1995 .

*** سرود مصري: اكمل دراسته الثانوية والجامعية والعليا ببراغ، في العلوم الهندسية، وقد نشط طوال سنوات في العديد من المنظمات الجماهيرية والسياسية، ثم ليتفرغ بعدها للعمل المهني والاستثماري، والى الان .

 

 

ثلاثة وخمسون عاماً على كارثة

شباط االاسود في العراق (2/2)

زوجة الشهيد وصفي طاهر، تتذكر ...

( القسم الثاني والاخير)

رواء الجصاني

 

 وتؤرخ لعشية انقلاب البعث الدموي، وساعاته الاولى

 

------------------------------------------------------------------------------------------------

    في هذا القسم الثاني والاخير من توثيقنا بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين للانقلاب الدموي في العراق  (شباط 1963)  نستمر في اجتزاء نصوص اخرى من مخطوطة مذكرات / ذكريات: بلقيس عبد الرحمن، زوجة العميد الشهيد وصفي طاهر، احد ابرز اقطاب ثورة / حركة الرابع عشر من تموز 1958  التي اسست للجمهورية الاولى، واغتالها البعثيون الاوائل في ذلك الانقلاب المشؤوم، بالتحالف مع العسكريين المتعصبين، وغلاة القوميين والمناطقيين والطائفيين، واقطاب وموالي العهد الملكي المتضررين...

   وإذ لا نريد الخوض في التفاصيل خلال هذه الكتابة، نؤشر وحسب الى بعض ما تشي به النصوص والاجتزاءات التالية- بل وتؤرخ بشهادات عيان - لجوانب من نتائج التفرد السلطوي الذي تبناه زعيم الجمهورية الاولى، عبد الكريم قاسم،  فكراً ونهجاً عملياً، مستهيناً بكل الاصوات والمواقف التي حذرت من عواقب ما ستؤول اليه الامور، ودعت لضرورة الانتباه والتصدي والردع، ولكن لا حياة لمن تنادى، فحدث المتوقع، وكانت الحصيلة انهار دماء، واحداث ومآسٍ ما فتئت تداعياتها – كما نزعم – تتضاعف وحتى يومنا الراهن، والعديد الغالب منها، يتسبب به ورثة فكر ومنهج وممارسات انقلابيي شباط الاسود، وان تغيرت المواقع والاساليب والادعاءات والمزاعم، وتدرع اربابها بهذه الاقنعة او تلك، فالجذور ذاتها، والقتلة انفسهم.. ومرة اخرى، ومن جديد، بل ودائماً، نكرر الحكمة الجواهرية المدوية: 

ومن لم يتعـظْ لغـدٍ، بامسٍ، وان كان الذكيّ، هو البليدُ

---------------------------------------------

 

الانقلابيون يستولون على السلطة

في صفحات عديدة من ذكرياتها، تكتب بلقيس عبد الرحمن، خلاصات عديدة عن الانقلاب المشؤوم  في ساعاته الاولى ومنه: "حين وصل وصفي الى بيت عبد الكريم قاسم، وكان قريباً من بيتنا، اتصلوا في الهاتف بمعسكر الرشيد، وطلب منهم الزعيم ان يخمدوا الفتنة، ولكنهم كانوا يسخرون منه ويشتمونه... وقال وصفي لعبد الكريم – بحسب شهود عيان - هذه نتيجة أخطائك وهذا ما كنا نتوقعه، فأجابه: "ليس الآن وقت ملامة يا وصفي، تعالوا معي الى وزارة الدفاع لنرى، ونتصل بالقطعات العسكرية الاخرى"، وهكذا ذهبوا جميعاً الى هناك، وقد كان في مقر الوزارة نفسها معادون، الى جانب الضباط والمراتب المخلصين هناك... وتضيف بلقيس: "كان وصفي قد أبعد العسكريين المعادين للجمهورية من كتائب الدروع، وعيّن المؤيدين بدلهم، احترازاً مما قد يحدث. فقد كان المتآمرون قبل ان يقوموا بأي شيء، يحسبون لقطعات الدروع الف حساب، لذلك اوهموا عبد الكريم قاسم بان وصفي، ومؤيديه، ومعه الحزب الشيوعي، سيقومون بانقلاب عسكري ضده، ويتسلمون الحكم. وقد صدقهم، بل راح يشكّ حتى بوصفي، فكلّف أجهزة الامن بمراقبته".

ولتأكيد بأن هناك من كان يتابع تحركات وصفي طاهر، تكتب زوجته بلقيس: "ذات مرة، كنّا، ومعنا ابنتنا الأصغر هند، في السيارة، وكان وصفي يقودها، واذا بسيارات من الأمن، تتبعنا وكان السائق يجلس في المقعد الخلفي. ولم يتحمل – وصفي - تلك المتابعة فاستدار وراح يلاحقهم، فأخذت سيارتهم تسير بسرعة، وهو خلفها، وكلما أسرعوا، أسرع وراءهم في محاولة للقبض عليهم، ولم يتركهم إلا بعد ان توسلنا به ليترك الموضوع"...

وفي موقع آخر ذي صلة، توثّق بلقيس بان محاولة جرت لتسميم وصفي طاهر، بقهوة قُدمت له من الخياط الذي كان يخيط عنده ملابسه، وأصابته جراء ذلك رجفة، وحمى شديدة، ثم جرت معالجة الحالة طبياً، وقد هرب ذلك الخياط بعدها... كما جرت محاولة أخرى لاغتياله في عيادة طبيب الاسنان، الذي أخبر وصفي بمحاولة يقوم بها البعض للحصول على مواعيد مجيئه للمعاينة، وفشلت المحاولة أيضاً.

وفي سياق ذي صلة، تنقل بلقيس أيضا، عن وصفي طاهر ان العميد الطيار جلال الأوقاتي، قائد القوة الجوية، كان مراقباً أيضاً بحسب اوامر الزعيم قاسم، لأنه كان عضواً في الحزب الشيوعي، ومن قبل قيام ثورة 14 تموز. وقد استقال من الخدمة العسكرية في العهد الملكي، وفي اول يوم من الثورة عيّنه عبد الكريم قائداً للقوة الجوية، باقتراح من وصفي، وقد كانا أصدقاء، ويحملان أفكاراً ديمقراطية، ولذلك فان المتآمرين وقبل ان يقوموا بأية خطوة ساعة انطلاق تحركهم في 8 شباط 1963، نفذوا عملية اغتيال جلال الأوقاتي، وقد كانت تلك ساعة الصفر للانقلاب المشؤوم"...

... وفي صفحات تالية من ذكريات / مذكرات بلقيس نقرأ: في صباح اليوم التالي (9/2/1963) وكنت قد غفوت قليلا، واذ صحوت، وجدت الجميع يبكون ليخبروني باستشهاد وصفي، وعبد الكريم، والمهداوي، ولم اصدق الخبر من هول المفاجأة. ثم رجعنا الى بيتنا في منطقة العلوية، وجاء عمي طاهر (والد وصفي، ووالدته، وجمع من الاهل، وأولهم أخي، قدري عبد الرحمن، وزوجته، نوال علاء الدين، ووالدة زكي خيري) في محاولة للمواساة وتخفيف الفاجعة"...

توثيقات عن الساعات الأخيرة

مثلما كانت هناك العشرات من "الشهادات" و"الاجتهادات" و"التوثيقات" بشأن تأرخة شؤون التهيئة لثورة 14 تموز 1958 وتنفيذها، ومسيرتها، ومن ثم الاجهاز عليها في 8 شباط 1963... ظهرت "شهادات" و"اجتهادات" و"توثيقات" بشأن مصرع وصفي طاهر واستشهاده، مدافعاً عن قناعاته ومبادئه...

... تكتب بلقيس في ذكرياتها – مذكراتها التي تركتها مخطوطة قبل رحيلها عام 2001: علمت بعد شهور من انقلاب شباط الاسود، ومن احد العسكريين المرافقين واسمه نعيم سعيد، بأن وصفي طاهر ذهب مع عبد الكريم قاسم الى مقر وزارة الدفاع في باب المعظم، وكان يعاتبه بشدة ويقول له، "هذا ما حذرتك منه"، وكان الأخير يردّ: "ليس وقت هكذا حديث الآن". وحينما اشتد القصف على الوزارة، وكان وصفي يتصدى للانقلابيين، طلب من مرافقه وسائقه، ان يخلّصا نفسيهما ويتركاه لوحده، فهو سيدافع عن الثورة الى اخر قطرة من دمه، وذلك ما كان بالفعل.

وبعد نحو عدة أعوام، وفي 2007 تحديداً، يُعرض برنامج تلفزيوني ببغداد، بمناسبة الذكرى السنوية للانقلاب الفاشي، ويتحدث فيه أحد آخر عسكريين اثنين بقيا مع وصفي طاهر حتى اللحظات الأخيرة، وهو مرافقه الشخصي نعيم سعيد، فيؤكد أن وصفي طاهر طلب منه، وكذلك من سائقه فيصل عذاب، وكانوا جميعا في مقرات وزارة الدفاع يقاومون الانقلابيين، طلب منهما ان يسلما نفسيهما، بعد وضوح النتيجة، ونفاد الذخيرة، قائلاً لهما انه هو المطلوب أساسا من الانقلابيين، وحينما استدارا، وبعد ذلك بلحظات، سمعا صوت طلق ناري، انهى بها وصفي طاهر حياته.

وهكذا يتخذ وصفي طاهر القرار، كما قرر، وأفصح عن ذلك، أمام زوجته، وأمام عبد الكريم قاسم بالذات، في أوقات سابقة، بأنه سيقاوم أية محاولة لاسقاط الثورة، وسيحتفظ بآخر طلقة لنفسه...

وبحسب المتحدث، نعيم، في البرنامج التلفزيوني الذي جرت الاشارة اليه في السطور السابقة، فانه، وفيصل، مددا وصفي طاهر، واغمضا عينيه، وقاما بتسليم نفسيهما للانقلابيين. ومن المعروف والموثّق، كيف عرض تلفزيون بغداد، الذي سيطر عليه انقلابيو 8 شباط جثة وصفي طاهر، وبأسلوب حاقد ولئيم، لا لشيء إلا لاحباط عزائم المواطنين، المقاومين للانقلاب في حينها، وكذلك لطمأنة أنفسهم من الرعب الذي كان يحيط بهم من قيادات الثورة التموزية.

واستطراداً في الحديث عن هذا الشأن، تنقل هند، إبنة وصفي طاهر الصغرى، انها، وبعد عودتها الى العراق اثر سقوط نظام الطاغية صدام حسين، في نيسان 2003 اتصل بها مواطنون محددون ليدلوها الى قبر جماعي "سري" في مدينة المعامل ببغداد، يضم عدداً من رفات شهداء انقلاب الثامن من شباط الدموي، ومن بينهم وصفي طاهر... وقد حافظ بعض العراقيين الأوفياء على ذلك السر، طيلة أربعة عقود، ليكشفوا الأمر بعد انهيار الحكم البعثي الثاني في البلاد... ومازالت الاجراءات الرسمية، والإنسانية، مستمرة الى اليوم، للكشف والتوثيق حول ذلك الموضوع.

-------------------------------------------------------------------------------

(*) شهادات بلقيس عبد الرحمن مستلة من مؤلًف: " وصفي طاهر.. رجل من العراق" – كتابة وتوثيق: رواء الجصاني ونضال وصفي طاهر، الصادر عام 2015 بطبعتين عن:  بابيلون للثقافة والاعلام - براغ، ودار الرواد المزدهرة – بغداد .

 

 

 

 

ثلاثة وخمسون عاماً على كارثة

شباط االاسود في العراق عام 1963

رواء الجصاني

 

زوجة الشهيد وصفي طاهر، تتذكر وتؤرخ لعشية انقلاب البعث الدموي، وساعاته الاولى

    ليس بالضرورة ان تكون قراءة التاريخ، وتوثيقه، دعوة للثأر او الاثارة دائماً، ولكن ذلك قد يكون بهدف التنبيه والتأشيرعلى الاقل، لكل البلهاء الذين لا يعون، او الذين  لا يريدون ان يستفيدوا من تجارب ووقائع الحياة، واحداثها، بحسب الجواهري الخالد، في بيته المدوي:

ومن لم يتعـظْ لغـدٍ، بامسٍ، وان كان الذكيّ، هو البليدُ

    ولا ندري – بل وربما ندري، ونتعمد خلاف ذلك! -  كم نحتاج، وسنحتاج، اليوم لفهم  وتبني تلكم الحكمة الجواهرية في عراقنا المعاصر، وثمة مخلصون و"طيبون" وغيرهم من يدعون – بدون ضوابط -  للتسامح ونسيان الماضي، ولربما انهم ما برحوا مأخوذين  بذلك الشعار الشهير: عفا الله عما سلف، الذي تبناه زعيم الجمهورية الاولى، عبد الكريم قاسم، طوال تفرده بالسلطة، حتى راح من عفا عنهم يسوقونه اولاً، مع ابطال نجباء، الى محرقة البعث الاولى، يوم الثامن من شباط عام 1963 الذي نكتب هذه السطور بمناسبة ذكراه السنوية الثالثة والخمسين التي تمر هذه الايام..

   وان كانت الغرابة لا تثيرنا كثيرا حين يتحدث العامة عن "ضرورات التسامح" و"أهميات الالفة" و"حسنات النسيان" ... دعوا عنكم الغفران . ألا ان الغرابة تثيرنا وبلا حدود حين يتحدث بذلك الاتجاه، سياسيون ومثقفون، ديمقراطيون – أو هكذا ينبغي-  بطيبة مرة، وعن قصدية مبتغاة، لمرات ومرات، وبدعاوى "الوطنية" وشعارات مكرورة مثل:  "الاهم قبل المهم" و" العدو الاشمل" و" المؤامرة ضد الامة" ... و ما الى ذلك من مشابهات ومزايدات، لسنا في حال التصدى لها في هذه الكتابة على الاقل .

   وبذلك الاتجاه الذي تعمدته السطور السابقات، اي للوقاية والاحتراز من الطيبة الزائدة، نسعى هنا لتحفيز الذاكرة – وذلك اوسط الايمان – من خلال اجتزاء شهادات تاريخية وثقتها بلقيس عبد الرحمن، زوجة الشهيد العميد، وصفي طاهر، احد ابرز اقطاب ثورة / حركة الرابع عشر من تموز عام 1958 التي اطلقت الجمهورية العراقية الاولى، وحتى اغتيالها في الانقلاب البعثي الاول في شباط الاسود عام 1963 (*).

عشية الانقلاب المشؤوم

تكتب بلقيس، زوجة وصفي طاهر، وهي شاهدة عيان: "بتاريخ الأربعاء 6/2/1963 اتصل الزعيم عبد الكريم قاسم هاتفياً بوصفي طاهر، ليلا، وطلب حضوره الى مقره بوزارة الدفاع، فأسرع ليرتدي ملابسه، ويتوجه الى هناك على الفور، وبقي الى صباح اليوم التالي - الخميس 7/2/1963. وحينما عاد، قال لي: "لقد اطلعني الزعيم على قائمة بأسماء الضباط الذين يدبرون مؤامرة ضد الثورة، واكثرهم من البعثيين"... وقد أجابه – وصفي: "وماذا تريدني ان اعمل وانا ليس لي غير مسدسي؟! سأنزل الى الشارع مع الشعب واقاتل"... فردّ عليه قاسم: "لا تتكلم هكذا؟ فأنا سأسحق المتآمرين، ولن ادع اية مؤامرة تمر". فقال له وصفي: "ليكن في علمك ان المعادين للثورة من الرجعيين وغيرهم، التفوا حول البعثيين، ومعهم اذناب الاستعمار، والقوة كلها سلمتها لهم، في ذات الوقت الذي جرى فيه ابعاد المخلصين من الضباط، وحتى الجنود، عن المراكز المهمة، وانا – وصفي – وغيري من محبيك، نتوقع كل ساعة ان تحدث مؤامرة، ولكنها ستكون هذه المرة حالة كبيرة لا نعرف نتيجتها، وربما تنجح، وعندها سينتقمون من كل مؤيديك والجمهورية". وقد أجابه الزعيم: "اطمئن، الجمهورية قوية والشعب قوي، وسوف ترى كيف سأقضي على المتآمرين". فقال له وصفي: "انت المسؤول عن سلامة البلاد والشعب، ويجب ان تأخذ حذرك، ولا تصدق لاحقاً كلام المنافقين""...

صبيحة الانقلاب

وتستمر "بلقيس" في ذكرياتها المخطوطة، فتقول: "في صبيحة يوم الانقلاب المشؤوم (الجمعة 8 شباط 1963) كنا نشاهد التلفزيون على الفطور، فاتصلت بنا احدى الصديقات لتنقل لنا بأن خبراً يُذاع من مأذنة جامع المأمون، غرب بغداد، التي تسكن قريباً منه، يقول بان هناك ثورة ضد الزعيم عبد الكريم قاسم... فأرتدى وصفي  ملابسه فوراً، ليخرج الى حيث يقيم الزعيم، وكان معه 90 ديناراً أعطاها لي. ولما وصل الى هناك اتصل بنا وقال لا تبقوا في البيت، لأن المتآمرين هجموا على بيت العقيد فاضل عباس المهداوي (رئيس محكمة الشعب). وقد ذهبنا فعلاً الى بيت اقربائنا... وفي اتصاله الهاتفي الأخير معي، قال لي: نحاول السيطرة، وكوني شجاعة".

يتبع / القسم الثاني والاخير

------------------------------------------

(*) شهادات بلقيس عبد الرحمن مستلة من مؤلًف: " وصفي طاهر.. رجل من العراق" – كتابة وتوثيق: رواء الجصاني ونضال وصفي طاهر، الصادر عام 2015 بطبعتين عن:  بابيلون للثقافة والاعلام - براغ، ودار الرواد المزدهرة – بغداد .

 

 

 

 

" بابيلـون" للثقافة والاعلام

في يوبيلها الفضي

 

رواء الجصاني

 

    في اواخر عام 2010 نشرنا تأرخة حملت عنوان " بألف دولار من الجواهري، وبريشة محمود صبري، أبحرت "بابيلون" من براغ، قبل عشرين عاما ".... وها هي خمسة اخرى من الاعوام تمر ليصير الحصاد ربع قرن، يوبيلاً فضياً، لأول وأخر مؤسسة عربية في بلاد التشيك، تفردت بشؤون الثقافة والاعلام، وما حولهما وبينهما كثير من الرحاب..

... وأما مبلغ الألف دولار، ولا غير، فهو قرض من الجواهري الخالد، مثّل ثلث "الرأسمال" المطلوب لبدء العمل.. واما ريشة المبدع الكبير محمود صبري، فهي التي طرزت الاصدارات الأولى لـ"بابيلون"  فضلاً عن توجيهاته ورعايته الشاملة. وهكذا صدر العدد "صفر" من النشرة الاخبارية الأولى اوائل عام 1991 لتسجل ريادة أولى على الصعيد الثقافي والاعلامي في براغ، ولتترى بعد ذلك، وإلى اليوم، مطبوعات ونشريات وفعاليات متنوعة الاهداف والاشكال، ولكن بسمات واحدة نزعم أن خلاصتها: الموضــوعيــة والتميـــز... ومعـــروف ما هو مردود ذلك - دعوا عنكم الجوانب الإيجابية - من غيظ وحسد، ولانزيد...

... وأذ تتوالى الأعوام الخمسة والعشرون، تستمر "المغامرة" في "طلب مروم"، لو بُذل قســـط بسيط مما استنزفه من جهد مثابر في مشروع آخر - غير ثقافي أو اعلامي بالطبع - لتحققت مقابل ذلك عوائد وفوائد جمة من نوع آخر، ما كانت، ولم تكن، من توجهات "بابيلون" أو طموحاتها... فالمتناقضان لا يجتمعان في مستقر واحد، كما ينبئ التاريخ، ويسجله بحرص... وقد كُفيّ المؤمنون شر "الأرباح" المادية، ليستعاض عنه بشارات تميّز، وحصاد فخر.

لقد تبوأت "بابيلون" للاعلام والثقافة والنشر ما تبوأته من مكانة، في المساهمة بمجـــالات التنويـــر والاعــلام، ولتصــــبح بشـــهــادات "متربصـــين" قبل زملاء واحباء، مَعلمـــاً ثقافياً واجتماعياً، ولاسيما في بلاد التشــــيك ولدى أهلها، مواطنين وجاليـــات عربيـــة، وغيرها، وخاصة من عُنيّ منهم بشؤون التبادل المعرفي، والتأرخة والتوثيق، وما إلى ذلك من قياسات ومقاييس...

...ان التوقف عند مناســـبة اليوبيل الفضي لانطلاقة "بابيلون" بمثـــل هذه السطور، الموجــــزة، لا تدع لنا فرصة واسعة لـ "تقييم" المكاسب والخسائر، ولا عرض "حسابات" الحقـــل والبيــــدر: امتنـــاناً للأصحاب، أو انتقــــاداً للآخرين... وبمباشرة أكثر صراحة: لمن "حرص" على استمرار "بابيلون" في النشاط والعطاء، ولمن "حرص" على "مواجهتها" بهذا الشكل أو غيره، لأسباب معروفة في بعضها، وأخرى في "نفس يعقوب"!... ولكن كل ما نبتغي قوله، وعلى عُجالة: ان النجاح الأصيل هو ذلكم الذي يتحقق مع الصعوبات، لا بدونها، وإلا لأصبح الأمر ترفاً ومجالاً يسرح به القادرون وغيرهم، على حد سواء، ولعل ذلك ما لا يستحق التوقف عنده...

ان الكتابة لكم تعسر حين يراد بها أن تعبّر، وتوجز في آن.. ولاسيما في محاور ومجالات تتنوع رغبات التوقف عندها، بين الاستعراض والتقييم، وما بينهما...
ونستذكر البدايات، وتلكم الأيام الأول، وساعات العمل التي امتدت احياناً من السادسة صباحاً، وحتى منتصف الليل... وللأوائل هنا موقع متميز: عبد الاله النعيمي" الشريك" المؤسس، وذات الانامل والطبائع الذهبية : نسرين وصفي طاهر، الى جانب جهود: صادق توما توماس و ياسر رزق وجمال الجواهري ويحيى زكي خيري...

... ثم تصدر "النشرة العربية".. الوليد البكر، الرائدة في شكلها ومضمونها، التي شهدتها براغ، باللغة العربية، كل يوم، ولنحو سبعة أعوام 1991-1997...
وتتنوع الاصدارات. متتالية : فمن أسبوعية "الاقتصادية" وشهرية "أهلاً" الموجهة للجالية، وفصلية "الحياة التشيكية" السياسية الثقافية الجامعة... إلى الكاتلوج التجاري السنوي، ثم "بانوراما عربية" باللغة التشيكية هذه المرة، وما تلكم سوى بعض الحصيلة الاولى... وتستمر "بابيلون" في اصداراتها الجديدة، والمتجددة وفقاً للحاجة والظروف... اضافة لاصدارها العديد من الكتب والنشريات المتميزة، وبلغات متعددة ومنها عن: الجواهري، نزار قباني، محمود درويش، محمد الشرفي، وكذلك عن شؤون وقضايا يمنية وليبية وسورية وعراقية... وغيرها.

... ونتباهى هنا : ان "بابيلون" قد التقت وحاورت في مقابلات صحفية العشرات من المسؤولين الرسميين والسياسيين والشخصيات العامة، وفي المقدمة: رؤساء جمهوريات وحكومات، ووزراء خارجية، وبرلمانيون، عرباً، وتشيك... وقد يطول التعداد، ونحن عازمون على الإيجاز والتأشير، فقط.... كما ونتباهى أيضاً - ولم لا ؟؟- بان جمعا حاشدا لمسؤولين وسياسيين وسفراء ودبلوماسيين ونخباً ثقافية: عربية وتشيكية وأجنبية، قد زاروا مكاتب "بابيلون" للتعارف والاطلاع وتبادل الآراء وغيرها من الشؤون العامة... ولعلنا قادرين في قريب قادم على اصدار "البوم" مصور عن تلكم الزيارات التي نعتز بتوثيقها، لما فيها من تارخة ومغازٍ عديدة...

ان من غير المقبول تماماً، ان نتابع مسارات "بابيلون" في أعوامها العشرين، دون وقفة وفاء لراحلين أعزاء عملوا معها، وتحملوا بعض أعباء نشاطاتها، وخاصة في البدايات: السودانيان د. فتح الرحمن احمد هاشم، ود. عبد الرحمن احمد... والعراقيان أمل محمود بهجت، وزكي خضر، وكذلك المستعرب التشيكي فلاديمير هايسكي، فلهم جميعا نفثة وفاء وذكرى طيبة دائماً...

... كما لا يجوز هنا إلا ونتوقف لنؤشر جهود ومشاركات أكثر من خمسين اعلامياً وكاتباً ومحرراً ومترجماً وادارياً وفنياً: مصرياً وعراقياً وسورياً وفلسطينياً ويمنياً وسودانياً وعرباً آخرين، إلى جانب التشيك، من الذين ساهموا وبهذا القدر أو ذاك في انطلاقة "بابيلون"، وديمومتها، وتطوير عملها... منوهين بهذا الشأن الى مشاركات متميزة، ولفترات طالت او قصرت، لنخبة من المثقفين الذين تعاونوا مع بابيلون في مجالات الكتابة اوالتحرير او الترجمة، وفي مقدمتهم : د. مجيد الراضي ومفيد الجزائري ويحيى بابان ( جيان ) و د. عدنان الاعسم... وعذرا لمن شطحت - او تقصدت ؟- الذاكرة عن البوح باسمائهم...

لقد تعدت حدود ومهام "بابيلون" الاعلامية، لتتحول إلى منبر ثقافي واجتماعي عام: ندوات ودراسات واستشارات ومساهمات في فعاليات عربية ودولية... مبرزين بهذا السياق جهودها التي ما برحت قائمة في التقريب بين أبناء الجاليات العربية في تشيكيا وبقدر المستطاع، وضمن الامكانيات المتاحة....

واذا كان كل ذلك الذي وثقنا له، وبمنتهى الإيجاز، قد تحقق بجهود مثابرة وحثيثة، برغم محدودية الموارد والامكانيات المادية – وعسى ان تكرهوا شيئاً... -  فلابد من القول ان مشاريع طموحة عديدة أخرى كانت - وما فتئت ـ في "أجندة" بل "أجندات" بابيلون، ولكن: ما كل ما يتمنى المرء يدركه، وسنبقى نردد بيت الجواهري العظيم، مع تغير كلمة واحدة وحسب :

 ذهب الناس من الدنيا بمال ونعيم، وذهبنا نحن بـ"التاريخ" والذوق السليم

مع تحيات"بابيلون" للثقافة والاعلام

www.babylon90.com

 

 

 

 

 

 

بين الجواهري والامام الحسين..

 

مآثــر وشعــر

 

رواء الجصاني

 

      لم يتردد الجواهري ذات يوم من الاعلان- بوضوح لا ينافس، وبصوت هادر-  عن مواقفه، وترسيخ رؤاه في الإباء والشموخ والفداء، وذلك في فرائد عديدة، وقصيد زاخر بالابداع... وإذا ما اختلفت في الصورة والاستعارة، فهي متشابكة في المفاهيم ومباشرة في المقاصد... وفي مقابل ذلك تماماً، لم يجامل الشاعر العظيم أو يهادن  في هجو الخنوع والانحناء، كما وأولئك المقيمين على الذل، بل وحتى من يتوسط  "كاللبن الخاثر" وغيرهم من اللاجئين "لأدبار الحلول فسميت وسطاً، وسميّ أهلها، وسطاء"..

     ولربما نجتهد، ونصيب، فنرى في قصيدة "آمنت بالحسين" المنشورة عام 1947 مجمعاً للشواهد والأدلة الأبرز عن تلكم المفاهيم الجواهرية المتميزة... فالمطولة ذات الاكثرمن ستين بيتاً ، تفيض من مطلعها، وحتى ختامها، بآراء ومقاييس بالغة الرفعة في تبجيل "الواهبين النفس" فداءً للمبادىء التي يؤمنون بها، وتلكم بلا شك التضحية الأضخم للدفاع عن القيم والذود عنها... كما يرى صاحب "آمنت بالحسين" فيقول:


فـداء لمثـواك من مضـجـع ... تـنـوّر بـالابلــج الأروع ِ

ورعياً ليومـك يوم "الطفـوف" ... وسـقياً لأرضك من مصرع ِ

تعـاليت من مُفـزع ٍ للحتـوف ... وبـورك قبـرك مـن مَفزع ِ

 

   وهكذا، وبدءاً من بيتها الأول يحدد الجواهري الاتجاه الذي يريد قوله في تضحيات الحسين الثائر و"نهجه النير" الذي بات "عظة الطامحين العظام" لاولئك "اللاهين عن غدهم" والقنوعين دون احتجاج وتمرد أو ثورة... كما يفيض عديد آخر من أبيات القصيدة بعواطف ومشاعر انسانية فائقة التعبير في تقديس الثبات والصمود لرجل يوم "الطفوف" و"الملهم المبدع" الثابت أمام "سنابك خيل الطغاة" دون خوف أو رهبة، وبهدف أن يندحرَ "جديب الضمير بآخر معشوشب ممرع"...


شممتُ ثـراك فهب النسيم ... نسيم الكرامـة من بَلقـع ِ
وطفت بقبرك طوفَ الخيال ... بصومعـة المُلهـم المبدع ِ
تعـاليت من صاعق يلتظي ... فـان تـدجُ داجية ُ يلمـع ِ

 

    وفي مقاطع أخرى من القصيدة يتمثل الشاعر مأثرة الحسين التاريخية، ويمحص الأمر دون أن يرتهب من "الرواة"، أو يخدع بما ينقلون، هادفاً للحقيقة لا غيرها، وبدون تزويق أو مبالغات... وبعد ذلك فقط، يجد الجواهري أن في فداء الحسين دفاعاً عن مبادئه، وقائع لا أعظم منها، وفي سبيلها " يطعم الموت خير البنين، من الكهلين الى الرضّع"...

 ثم تعود القصيدة لتجدد في الختام تقديس ذلك الصمود والعطاء الذي "نوّر" ايمان الجواهري، وفلسفته في الإباء والفداء والتي تجسدت، كما سبق القول، في الكثير من قصائده ومن بينها "بور سعيد 1956" و"كردستان ... موطن الأبطال 1962" و"فلسطين الفداء والدم 1970"، فضلاً عن قصــائد الوثبـة، الشـهيـرة، عــام 1948... ومما جاء في ختام "آمنت بالحسين":


تمثلـتُ يومـك في خاطـري ... ورددت "صـوتك" في مسـمعي
ومحصـت أمـرك لم "ارتهب" ... بنقـل "الرواة" ولـم أخــدع ِ
ولما ازحـت طـلاء "القرون" ... وسـتر الخـداع عن المخـدع ِ
وجدتـك في صـورة لـم أُرعْ ... بـأعـظــمَ منهـا ولا أروع

وللاستزادة، نقول أن القصيدة نشرت في جميع طبعات ديوان الجواهري، ومنذ العام 1951، وقد خُط خمسة عشر بيتاً منها بالذهب على الباب الرئيس للرواق الحسيني في كربلاء، كما أُنشدت، وتنشد، منذ عقود والى اليوم في مختلف المجالس والمناسبات الاحيائية لواقعة "الطف" التي تصادف كما هو معروف في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم، كل سنة.

 

 

 

 

اضواء وظلال عن بعض

 

سبعينات الجواهري في براغ

 

رواء الجصاني

 

لم يرح الجواهري ركابه كما وعد في قصيدة العودة (1969) وبقي حتى سنوات عشر تالية يروح العراق زائراً أو مقيماً مؤقتاً ليعود الى براغ حيث شقته – او شقيّقته كما كان يصطلح عليها – والى اجوائه الخاصة التي تعود عليها وألفها منذ عام 1961.

وفي ضوء تلكم الاقامتين، في بغداد وبراغ، كان الجواهري مطمئناً ومسروراً، حيث البديل قائم وان تعددت واختلفت الظروف. وبقيّ يحسب الحساب لهذا الواقع بكل جدية. وقد بذل منتهى الحرص لتجاوز أي اجراء او قصور قد يؤدي لفقدانه مثل ذلك الامتياز، أي حق الاقامة الدائمة في براغ.

كان البرنامج اليومي لحياة الجواهري في مستقره البراغي خلال فترة السبعينات تقليدياً الى حدود بعيدة. ومن بعضه اعداد طعامه بشكل شخصي والتمشي، وسماع الاخبار من الاذاعات بشكل خاص، دون التلفزيون الذي لم يكن على ود ٍ معه، على أقل وصف، وطيلة حياته. فضلاً عن القراءة طبعاً، وارتياد مقاه ٍ محددة من أبرزها "سلافيا" المطل على نهر الفلتافا البراغي، و"سلوفنسكي دوم"  الذي كتب فيه مملحته الى صالح مهدي عماش، ومقهى "اوبسني دوم" الذي كان يسميه بـ "الحضرة"، وصالونا فندقي "يالطا" و"الكرون". اما وجبات الطعام، وخاصة في فترة الغداء، فكان يتناولها في البيت بشكل عام، وعند الضرورة في المطاعم والحانات الشعبية والبسيطة، ووقوفاً بعض الأحيان...كما كان يشارك حضوراً أو شعراً في عدد من الأمسيات والفعاليات الرسمية أو الاحتفالية العربية والعراقية التي تقام بهذه المناسبة الوطنية او الاجتماعية أو تلك.

ويشير نجاح، النجل الثالث للجواهري، والمقيم في براغ منذ عام 1960 بهذا السياق بأن معارف والده وأصدقاءه المقربين في براغ خلال السبعينات، بعد ان عاد من عاد منهم الى العراق، كانوا محدودين جداً، وفي مقدمتهم الراحل موسى اسد، الذي كان عاشقاً للجواهري شاعراً وانساناً وصديقاً، وعدد من الممثلين السياسيين العراقيين والعرب في مجلة قضايا السلم والاشتراكية واتحاد النقابات العالمي واتحاد الطلاب العالمي والذين كانوا يتغيرون بين فترة وأخرى.

ويضيف نجاح "لقد كان الوالد يميل الى مداراة نفسه بنفسه، ويركن في الغالب الى اصدقاء محدودين، وحتى الى واحد فقط، في بعض الاحيان، وبما ينسجم ومزاجه. وكان يعتمد في تلك الفترة عليّ وابن اخته رجاء الجصاني في انجاز ما لا يستطيع انجازه منفرداً، كمعاملات السفر والترحال ومتطلبات الاقامة وغيرها من الشؤون الشخصية".

وفي احاديث خاصة كان الجواهري يستذكر باهتمام كيف كانت براغ في السنوات السابقة حيث للمرء اكثر من اختيار، مشيراً باعتزاز الى الراحلين فيصل السامر وزكي خيري وقاسم حسن، والى آرا خاجادور وعزيز الحاج ونوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وعادل حبه وأقرانهم.

واستناداً لاستذكارات الجواهري، فان زيارات وسفرات المثقفين والشعراء والسياسيين العراقيين والعرب الشخصية والرسمية الى براغ لا تكتمل ما لم "يداهمونني في البيت او المقهى سواء شئت ذلك أم كرهت" حسب تصريحاته. وفي عودة لبعض الارشيف المتوفر نجد العديد مما يوثق اشارات الجواهري بهذا الخصوص.

وعلى سبيل المثال تقول الشاعرة لميعة عباس عمارة في ذكريات لها منشورة في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية (4/9/1996): "كان آخر لقاء لي مع الجواهري في براغ خلال السبعينات. لم يتغيّر الجواهري، ظل ذلك الرشيق، الأنيق، الوسيم، الظريف، الصعب. وبقيت أنا تلك المعجبة السعيدة لأنها تنفست من هواء غرفة ضمته، وجلست يوماً مجلسه"... وبالمناسبة، سبق للجواهري ان قال حول الشاعرة ذاتها في حوار نشرته صحيفة الجمهورية البغدادية بتاريخ 8/11/1975 : "انها أحسن من كثير من الشعراء... والحقيقة انها شعرها رقيق، وهي "بنت طيبة"... ان الشاعر لا يمكن ان يكون كريهاً أو خبيثاً أو لئيماً وبغيضاً... ولميعة تنطبق عليها الميزات الجيدة، فهي وديعة ورقيقة وانسانة".

وفي السبعينات أيضاً، وتحديداً في أوائل تشرين الثاني (نوفمبر) من سنة 1970، وكذلك في صيف 1975 يزور الجواهري في براغ، المترجم والكاتب سليم طه التكريتي الذي يتحدث عن تينك الزيارتين في كتابه "محمد مهدي الجواهري" الصادر عن دار الساقي اللندنية 1989 عن مدى اهتمام الشاعر الكبير به في براغ. ولكن التكريتي يختلق ويتصيّد أيضاً ما أشبع رغبته ودوافعه، أسوة بما جاء بمجمل الكتاب. وقد علّق الجواهري حول ذلك ببساطة، واستغراب، وتسامح "جازاه الله... ذلك الأعمى، ناكر الجميل، سليم طه".

وإذ يشير الشاعر الخالد في الجزء الثاني من ذكرياته (ص 325) الى "مداهمة" الراحل صالح مهدي عماش، ود. سعدون حمادي، ووفد رسمي عراقي مرافق لهما، مقهاه المفضل في السبعينات "سلوفنسكي دوم".. يوثق ارشيف الرسائل الموجهة للجواهري عام 1976 رسالة من د. محمد حسين الأعرجي عنونها بـ "استاذي الكبير، الحبيب ابا فرات حفظه الله وأطال من عمره، ومن بين ما جاء فيها: "لا أعرف كيف أشكرك على ضيافتك الكريمة، واهتمامك الأبوي بي، فلقد شرفتني بهما شرفاً كبيراً لا يقوم به حمدٌ، ولا يوفيه شكر...".

كما تشير بعض الأوراق والوثائق الشخصية زيارة الشاعر مظفر النواب لبراغ عام 1970 والى لقاءات عديدة حصلت بين الشاعرين، وامتدت لسهرات مشتركة كان من حصيلة احداها سبعة أبيات للجواهري "يؤرخ" فيها لحوار جرى بين النواب، الشاعر والرسام، واحدى جميلات التشيك – وما أكثرهن".

كما يشير د. زاهد محمد في كتابه "الجواهري صناجة الشعر العربي في القرن العشرين" (ص 55) الى زيارته براغ عام 1971 ولقائه مع الجواهري وتطرقهما للحديث عن الأوضاع في العراق، من جملة ذكرياته عن الشاعر.

وفي السياق ذاته تجدر الاشارة الى حرارة ترحاب الجواهري بالكاتب والصحفي العراقي الراحل شمران الياسري (ابو كاطع) خلال اقامته في براغ اواسط السبعينات، والتي وصلت الى حد اعارته شقته (شقة الجواهري) ليسكن فيها ابو كاطع فترة غير قصيرة وهو أمر نادر لا يكرره الشاعر الكبير، إلا استثناء.

ويحدث ان يزور الشاعر الفلسطيني سميح القاسم براغ عام 1973 ويلتقيه الجواهري، وهو من محبيه، أكثر من مرة، وتجمعه والضيف الزائر سهرة في مغنى "كاسكادا" الشهير وسط العاصمة التشيكية، وتلك دليل مودة متميزة من الجواهري. ومن وحيّ تلك السهرى يكتب الجواهري قصيدة غزل متفرّدة بعنوان "يا بنت شيطان" ومطلعها:

يا بنت شيطان كفاهُ أن يكون اباك، فخرا

كان التقرب منه كفرا، وارى التغرب عنك: كفرا

وهكذا تختلف الزيارات واللقاء ونشاطات ويوميات الجواهري في براغ خلال السبعينات، وهي اذ تتنوع مستوىً وشكلاً، وحتى مضموناً، إلا انها تبقى جميعها في اطار حياة شاعر متنوع والارادات والأمزجة والمواقف والرؤى، وكل ذلك بعض من تفرّده.

ولربما من المناسب هنا، رداً على تقولات البعض من جهة، ولتوثيق الاحداث والوقائع، وذلك هو الأهم، نشير الى ان مستقر الجواهري البراغي خلال السبعينات لم يكن سوى شقة اعتيادية الموقع والبناء والأثاث، في منطقة براغ السادسة، حيّ بترشيني، تتكون من غرفتي نوم، وصالون استقبال متواضع، ومطبخ ومرافق صحية، تقع في عمارة تقليدية، أثاثها أكثر من بسيط ...ولكن تلك الشقة التي قضى فيها الجواهري زهاء ثلاثة عقود، نظم فيها الشاعر العديد من قصائده البارزة وحدد فيها مسواقفه الأهم. كما ان تلك الشقة الصغيرة المتواضعة – لا غيرها – شهدت لقاءات واستضافات الجواهري لعشرات المفكرين الأدباء والمثقفين والمسؤولين السياسيين والرسميين العراقيين والعرب، وحتى بعض الأجانب.

مع تحيات "مركزالجواهري" فـي براغ

www.jawahiri.com

 

 

 

 

تراتيل ما بعد الغروب، وعند اعتاب  الفجر

(8)

رواء الجصاني

--------------------------------------------------------------------

31- سكن الليلُ ليعلو، في حنايا الروحِِ همسُ

لنديمٍ علّهُ يغفو، وفي عينيّ يرســـو

هو في قلبيّ اعراسٌ، وافاقٌ وأنــسُ

ساساقيه وأحنو، حالنا: ماءٌ وغَـرسُ

---------------------------------------

32-... وسَمتْ! لتروي بعضَ ما جفّا !

وتمنعتْ! توحي بما يَخفى

هي لحظةٌ  لكنها ابدٌ،

ما اروعَ النهديّن إن شفّا !!!

---------------------------------------

33- كلُّ اللواتي جئنَ قبلكِ، من سرابِ

انتِ اللبابُ، ولن احبّ سوى اللُبابِ

----------------------------------------

34- يتيهُ الـ"راءُ" نشواناً على شفتيّنِ من عسلِ

يسامرُ راقصاً، جذِلاً، حنينَ الروحِ والمُقلِ..

هلمي، حيثما شئتِ، بلا حرجِولا وجلِ

وهاتي وجهكِ النوارَ، يَسري في حمى القبلِ

-----------------------------------------

35- هيّ أن تبوحَ ولا تبوحَ، كلاهما، أمـرٌ، أمرُّ

في قلبها شوقٌ يفيضُ، وعندكَ الخبرُ المُسِرُّ!

فلكمْ حبتكَ، ولم يُـذعْ، لـ"الحالِ" والاشواقِِ، سرُّ !

فآنهلْ، من الذكرى، ولا تحسبْ لـ"عمرٍ" او لـ"عمرو" !!

------------------ من مخطوطة تحت الطبع

 

 

 

 

 

تراتيل...عند أعتاب الفجر (7)

رواء الجصاني

 

26- "سكنَ الليّلُ" ولكنْ، ضجَّ  في الروحِ صدى:

لا تضيعي العمرَ هيا، نجعلُ الامسَ غدا

ان ما فاتَ، فقد فاتَ هباءً وسدى

فتعالي نشبكُ القلبين، من دونِ مدى

-----------------------------------

27- باهي، وحسبكِ ان تباهي ... بالاخمصينِ، الى الجباهِ

بالخمرةِ المعطارِ ما بيـــن "المشاربِ" والشفاهِ

كلُ الحرامِ إذا أستهنتِ بما حُبيــــــتِ من الالهِ!!!

------------------------------------

28 - ما بأيدينا .. دعينا،

ننثرُ الاشواقَ جمرا

نكتوي فيها، ونمضي،

ويروحُ الصبرُ ذكرى..

كمْ سلكناهُ، ولكنْ، لم نعدْ نملكُ صبرا !!!

-------------------------------------

29- سكنَ الليّلُ فماجتْ وحشةٌ تُسعِـرُ جمرا

ثم جُنتْ أهـةٌ تحنو، وتهتاجُ باخرى

يتعانقنَ ويلهثنَ معاُ، كــرّاَ وفـــرّا

لستٌ ادري من هيّ الاحلى، وانْ كانتْ أشرّا

--------------------------------------

30- ليسَ لي إلاّكِ نبعاً.... دُمتِ يا فيضَ الحنينْ

يا نهاراً ضاءَ عمراً، ظَلِمتْ فيه السنينْ

------------------------------------

* من مخطوطة تحت الطبع

 

 

 

تراتيل..عند أعتاب الفجر (6)

 

نصوص: رواء الجصاني

16- "سكنَ الليـّلُ" فجاءتني على كتفيَّ تغفـو

تَنثرُ الاطيابَ.. والشَعرُ على صدري يَرفُّ

اهِ كمْ تسرينَ في قلبي، وكمْ نحوكِ، أهفـو

----------------------------

17- وسجا الليّلُ، ليطفــو فوقً جمرِ الحزنِ، حزنُ

ولـتسمو في خبايا الروحِ، اشواقٌ تئـنُّ

أينَ عني ذلكَ السمارُ، والروضُ الأغنُّ

أترى يحنو، فلا يُبخلُ وصلاً  أو يَضنُّ ؟!!

-----------------------------

18- "سكنَ الليّلُ" ليصفو عندهُ سحرُ الغزلْ

ولتغفو بينَ عينيكِ سحاباتُ الاملْ

ولتسجوعندَ نهديكِ ينابيعُ عسلْ

هاتِها - يا حلوةَ الاعنابِ- سَكراتُ  قُبلْ

------------------------------

19- ظَلِمَ الليّلُ، وها وجهكِ نجمٌ يتلالا

راحَ يُغريني لإهواكِ "حراماً" و"حلالا"

فتشبُّ الروحُ تغلي، بعد أن كادتْ زَوالا

ويعود الشيخُ صباً، لا يرى منكِ مُحالا!!!

-----------------------------

20-- سكنَ الليّلُ ولكن! كم تُرى شَبتْ همومُ

تُلهبُ الدنيا، وها عنديّ حلتْ، او تحومُ

-----------------------------

من مجموعة تحت الطبع

 

 

 

 

محمود صبري في ذكرى رحيله الثالثة

 

خمسة وثمانون عاماً

 

من الابداع، والعطاء الوطني والفكري

 

1927- 2012

 

 

توثيق: رواء الجصاني

 

---------------------------------------------------------------------

+ ولد في بغداد، وانهى دراسته في العلـوم الاجتماعيـة من بريطانيا عام 1949... وله ابنة (ياسمين) وابن (محمد).-

+ برز في خمسينات القرن الماضي في مجالات الفن العراقي الملتزم ضمن ما سمي "جماعة الرواد" وله العديد من المشاركات في المعارض العراقية والعالمية.

+ عمل في مؤسسات اقتصادية ببغداد (1949-1960) وآخرها مدير عام مؤسسة المعارض العراقية بعد ثورة 14/تموز 1958.

+ نشط ومنذ أربعينات القرن الماضي في فعاليات وأطر الحركة الديمقراطية والوطنية العراقية، وخاصة في المجالات الثقافية والفكرية.

+ استقر في براغ منذ عام 1963 منشغلاً في الاهتمامات السياسية والنظريـة، وقد شارك في العديد من الفعاليات والمؤتمرات والندوات العربية والدولية المهمـة، ومن بينها عضـوية "اللجنـة العليا للدفـاع عن الشعب العراقي" إلى جانب الجواهري وجلال طالباني ونزيهـة الدليمـي وفيصـل السـامر وذنون ايوب وصلاح خالص ونوري عبد الرزاق... كما شارك عام 1991 في مؤتمر بيروت للقوى والحركات والشخصيات العراقية المعارضة للنظام الدكتاتوري.- له العديد من البحوث والدراسات والمقالات الفكرية والسياسية والفنية، وقد نَشر – كما نُشر عنه – في الكثير من الصحافة ووسائل الاعلام العراقية والعربية والعالمية وبلغات مختلفة.

+ يُعد من أبرز فناني العــراق ومثقفيه المعاصرين، وهو صاحب نظرية "واقعية الكم" العلميــة الفنية المهمـة التي اطلقها سنة 1971... ولها موقع خـاص على شـبكـة الانتـرنت: www.quantumrealism.co.uk

+ رحل في لندن بتاريخ 13/4/2012 ووري الثرى هناك في تجمع مهيب، وكتب ونُشــر عــن الحدث حشد كبير من المثقفين والسياسيين العراقيين وغيرهم.

 

رؤى وشهـــــــــادت وآراء

يشتق الخيال مادته من المعرفة، ويكتسب درجة ابداعه وقوته منها، هذا ما يؤمن به محمود صبري، فالانسان يعرف الطبيعة عبر عمله عليها... وهكذا تنطلق نظرية (واقعية الكم) من الارتباط الديالكتيكي بين المعرفة والعمل الذي يحتوي عنق "الوعي" وهذا ما يميز الانسان عن سواه من المخلوقات... ان (واقعية الكم) كما قدمها محمود صبري في لوحاته وبيانه وتنظيراته، لا تقول أكثر من أن الفنان يجب أن يشترك مع العالم من جديد – كما اشترك معه في الماضي – في تحري الواقع الموضوعي والكشف عنه. ان هذا يعني ببساطة: مزج الفن من جديد بوظيفته الاجتماعية التي تميز بها عبر العصور: تمكين الانسان من السيطرة على الطبيعة وتغييرها – وبالتالي تغيير نفسه.

             ---------- محمد الجزائري

صحيفة "الزمان" اللندنية 16/4/1999

 

كان لمحمود صبري تخطيط قوي جعله الأساس في ما يرسم من مشاهد الفقر والشظف والتمرد، مؤكداً على الطريقة العراقية في الحياة، جاعلاً منها صرخة عنيفة في وجه الظلم، اجتماعياً كان أم سياسياً.

    ----------- جبرا ابراهيم جبر

ا"موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين"

 

نضجت فكرة التحالف الوطني بين الكتل والاحزاب الوطنية وقد استلم محمد حديد مطلع عام 1958 رسالة من الحزب الشيوعي العراقي حملها عزيز الشيخ من قائد الحزب الشيوعي سلام عادل، يطلب فيها لقاء بمكتبة كورونيت - في عمارة مرجان - الباب الشرقي... التقى الاثنان ثم اجتمعا في بيـت محمود صبري واتفـقا على ضـرورة قيام جبهة وطنيـة تضم جميـع الاطراف السياسية بما في ذلك حزب الاستقلال.

----- صحيفة الاتحاد

  بغداد – 2007

 

تتأكد مكانة الفنان الرائد محمود صبري، بدءا بتلك الأعمال واللوحات التي اتخذت الموضوعة الاجتماعية والسياسية وفعل الالتزام في الفن منحى لها، فكانت لوحتا " الشهيد 1950 " ، ثورة الجزائر 1956" من أهم الأعمال التي وثّقت هكذا اتجاه في الفن العراقي. وتاليا في اكتشافه نظرية " واقعية الكم " التي عّرف بها في معرضه الشخصي الأول ببراغ عام 1971.

----- صحيفة المدى

  بغداد - 2007

 

ليس سهلا الكتابة عن قامة بمستوى قامة محمود صبري ، خاصة عند نقص الوثائق وقلة المعلومات وصمت فناننا الكبير وتواضعه وزهده وابتعاده عن المهرجانـات والأضواء المغرية لغيره، إضافة لتجاهل الجهات الثقافيـة المسـؤولة وغمطهـا حقوق هذا المبدع الخـلاق، وكذلك الجهات اللاحكومية والتي تدعي الأهتمام الكاذب بالثقافة والمثقفين والأرث المعرفي والفني... وكذلك مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية الديمقراطية، واليسارية منها بالذات، ودور النشر والمجلات الثقافية وغيرها.

----------   فيصل لعيبي

 موقع الفنان العراقي

 

تعرفت على محمود صبرى كفنان قبل ان اتعرف علية كانسان وكنت من ضمن الذين شاهدوا معرض الرواد الذي احدث ضجة فنية كبيرة وقتها، كان ذلك عام 1950... وبعدها تطورت وتوثقت بيننا العلاقة واشتركنا فى اجتماعات عديدة ناقشنا فيها مختلف المواضيع الفنية والاجتماعية وما الى ذلك من الشؤون ذات الاهتمام المشترك.

------- غائب طعمة فرمان

 موسكو 1984

 

محمود صبري من اوائل الفنانين العرب الذين كتبوا بعمق فى حقل النظرية وأسسوا فى العراق والبلدان العربية الوعي التشكيلي المؤثر الذي استطاع فيما بعد ان يؤثر، ليس على جيله فقط، وانما ان يكون بمثابة رسالة مهمة لها ابعاد تتجاوز المرحلة التى يعيش فيها الرسام ويتجاوز القيمة المتحفية الى قيمة التفاعل والاستمرارية فى حياة الشعب العراقي والفنانين التشكيليين والوعي بشكل عام ـ الوعي التشكيلي العراقي.

                                                                  ----- صادق الصائغ

فيلم "توق إلى الحرية"

 

أفكار ومساهمات وابداعات محمود صبري، الفكرية والوطنية والفنية، تراث لابد وان يحافظ عليه، ويخلد، فذلك بعض من عطاءات العراق، الاستثنائية... ومبدعيه الاستثنائيين.

                                                                   ------- مركز الجواهري

براغ -2012

 

 

 

 

تراتيل عند اعتاب  الفجر (5)


نصوص: رواء الجصاني


--------------------------------------------

16- سلامٌ على نيّراتِ العيونِ، وشدوِ الخدودِ، وقلبٍ حنا

وحلوِ الشفاهِ، وفيض الرضابِ، وجمرِ العذارى اذا الليل جا

على الشعَرِ إذ يلثمُ المفرقـيّـنِ، كسحر النجوم تُنيرُ السما

أحبك جماً برغمِ السنين، وبعدِ المسار، ورغم الملا !

وأعشقُ فيكِ ربيعَ الحياة، يَصيحُ من القلبِ: اني هنا..

-------------------------------

17- ياسامرَ الروحِ لا تبخلْ بعاطفةٍ، دعّها،

ولا تَدعي "صِغراً" ولا "كبِرا"...!!!

------------------------------

18- سكنَ الليلُ، وها همْ "بؤساء" يَنشرون،

بؤسَ حرفٍ، وادعاءاتٍ، وزعمٍ وظنونْ

قلتُ - والناسُ حيارى- ليتكمْ لـو تعرفون:

ان "أولئـك" كانوا، ذات أمس، يلهثــون!

-------------------------------

19- أنت يا "بابـلُ"* أسمـى،
من كثيرٍ يحملُ "الانسان" إسما !!
فلكمْ صيّرت طعم العمرِ، أحلى...

آهِ  ما أعبق انفاسك، فـلاّ

فلتكن ذكراكَ افياءً وظـلاّ

--------------------------------

20- سكن الليل وها شعّ على الروح خيالُ

جاءَ يختالُ وفوق الحاجب المعقودِ، خالُ

ومن العينين: ينسابُ لهيبٌ ودلالُ

بجمالِ الروح يسمو، يُفتدى ذاك الجمالُ

--------------------------------------

+ بابل: كلبٌ أنيق، عاش مع صاحب هذه النصوص،

طوال ستة عشر عاما...

 

 

 

 

 

تراتيل..عند اعتاب الفجر (4)

رواء الجصاني

 

12- أتحبني ؟ ...

وترنحتْ بالشوقِِ ترمضني

تختالُ بين الصدرِ والحضنِ

تسمو باهاتٍ الى المزنِ ...

يا انت ِ -"أفروديت"- يا نبضي

حلي "الوثاقَ" وهاتني زمني

-----------------------------

13- سكنَ الليـلُ، فهبتْ نسمةٌ تشبكُ أخرى

يتبادلـنَ الهوى، بوحاٌ، ولا يُخفيـنَ ســرا

عارياتٍ، ناثراتِ الحـبَّ نبراساً وسحرا

آهِ  لو كنا - كما الانسام - لا نضمـرُ شَــرا

----------------------------

14- ولأنتِ لي! ما شئتِ، أو شاءَ القدرْ

إن خــفَّ حبكِ أو تَخفى، أو ظهــرْ

هلا سمعــتِ- حبيبتي- ترنيمةً:

"لا بدّ من "صنعا" وإن طالَ السفرْ"

-----------------------------

15- تيهي على كتفي، وزيدي،

 وإذا ضمئتِ فمن وريدي

خلي سنابلكِ الحسانَِ تفيضُ بالعطرِ الفريدِ

أما الشفاهُ النافرات، فهنّ ابياتُ القصيدِ

------------------- من مخطوطة تحت الطبع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تراتيل..عند اعتاب الفجر

(3)

رواء الجصاني

 

--------------------------------------------------------------

"سَكـنَ الليلُ" فمادتْ، تنثرُ الانفاسَ، فـُـلآ

تـُسبِلُ الجفنيّنَ، كيّ تـُلهبَ في العينينِ كـُحلا

فيعيدُ الحبُ ذاك الليثَ - بعد الشـحِ- شِبلا

يَجمعُ "العشرينَ" و"الخمسينَ": أقماراً، وظّلا

---------------------------------

 سكن الليّلُ فشعَ الشوقُ ينسابُ  لهيبا

لربوعٍ، وصحابٍ منهمو راحَ حبيبا!!

لـ"دروبٍ" ولكتبٍ، دونها كنتُ جــديبـا،

هــي جاهٌ، وتراثٌ، ومدىً، يبقى رحيبـــا

----------------------------------

10- "سكــنَ الليّلُ" ليحلو، أرَقٌ حـلّ نديما

رحتُ اشكوه، ويشكوني، يتيماً، ويتيما

ينثــرُ الصبرَ، جميلاً وحنيناً، وأليما

فأناجيه- كما كنتُ مدى العمرِ- حميما

--------------------------------

11-"سكنَ الليّلُ" فهل يسكنُ شوقٌ وحنينُ؟

لحبيبٍ "كان" يوماً.. حَليّت فيه السنونُ

فمتى ينجابُ عن ليليَّ حبٌ وجنونُ؟

ويروحُ القلبُ مزماراً، لما سوفَ يكونُ !!

------------------------------ * من مخطوطة تحت الطبع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تراتيل، عند اعتاب الفجر (2)

 

كتابات: رواء الجصاني

 

-------------------------------------------

4/ سكنُ الليلُ فراحت، غصةٌ في القلبِ حَيرى:

كيفَ يرجو المرءُ صبراً، ويرى القاتلَ حرّا

في بلادٍ راحَ فيها الموتُ يَستشري، ويُشرى،

حلوّها مــرٌ، وأفيــاءٌ بها صارت أمــرّا

------------------------------------------

5/ سكنُ الليلُ، فدوى صوتُ "فيروز" نديــا

 نابضاً في الروح يسري، ويناجي: "سوف احيــا" !!

فهلمي، نبتةً في القلب،  كي نمضي، سويا

ونحيـل الصمتَ شعراً، ويبيـسَ العمر، ريّــا

----------------------------------------

6/ سكـنَ الليــلُ وها انتَ مع الاهاتِ، تسري

وتُفيضُ الألمَ المدرارَ في عسرٍ، ويُســرِ

حاملاً في الصدرِ همّ العمرَ، والدنيا، وتجري

وتراكَ الناسُ ممراحاَ، وما في الروحِ تدري!!

-----------------------------------------

7/  سكن الليل، فهاتي، وأفرجي عني الكروبا

ودعيني مبحراً في سحرِ عينيك، حبيبا

لا ابالي، كيفما درتِ، شمالا أوجنوبا !

حيثما كنتِ معي، طبتُ: ربيعاً وطيوبا

---------------------- من مخطوطة / تحت الطبع

 

 

 

 

 

 

تراتيل على اعتاب  الفجر

(1)

 

كتابات: رواء الجصاني

 

============================

"سكنَ الليلُ" فعنتْ لي رؤىً، راحتْ سدى

أنضيعُ العمرَ نشكو همّنا دون مدى؟!

 أسنبقى نترجى"لـيتَ" كي تأتي غدا ؟!

 أم نمني النفسَ في بعضِ فتاتٍ، وهدى !!

------------------------------

سكنَ الليلُ،  ليؤرقني حبيبٌ ليس يُنسى

كم أحالَ المّــر حلوا، ودَجيّ الليل شمسا

صرتُه ذاتاً، فراحت كلُ اشجانيّ عرسا 

ليس سراً، صار لي: يوماً، وآفاقاً، وأمسا

------------------------------

سكنَ الليلُ فبانَ الزيفُ في وجهِ الدنى

فترى نجماً بسوماً زاهياُ دون عنا

وترى غيماً كذوباً حاملاً همّ الونى

اهِ لو راح بديلَ العتمِ بعضٌ من سنا

 

 

 

 

أوقفوا حملات الاستجداء، وأمنعوا أن تُنسب للعراقييـن

توصيفات مقيتة اخرى

رواء الجصاني

 

   ها نحن خارج السرب من جديد، نغرد، او نندب، ولا فرق، ونثير محبين او غيرهم، وكل من موقف، ولا فرق ايضا..

  وهذه المرة نعني ما يسمى بجمع تبرعات في عدد من بلدان العالم، والاوربية خصوصاً، وهي ليست سوى استجداء مبطن ومنظم، على اساس اعانة أعزاء كرام، اغلبهم من الثكالى والارامل والاطفال، وعوائل نازحة أو مشردة في البلد العجيب، ولا ضمير لاحدٍ، واي كان، ما لم، ولا،  يتعاطف معهم..

    منظمات خيرية هنا وجمعيات مدنية هناك، وكلها تتسابق، وفي الاعلام خاصة، وتتبارى في "حملات" لجمع التبرعات- واكرر، انها حملات استجداء لا غير- لعراقيين منهكين منكوبين، في بلادهم، ام الخير والثراء، والثروات، ولكنها المباحة للمارقين، ولكروش زعامات بها- من كثر ما اعتلفتْ- مسٌ من الحبلِ.

   اعرف واعرف واعرف، ان ثمة دوافع انسانية قد تريح الكثيرين ممن يقومون بهذه الحملات لدعم المنكوبين العراقيين، كشكل من اشكال التضامن، والشعور بالمسؤولية تجاه مواطنيهم داخل البلاد، ولكن هناك ايضا كرامة وطن وشعب، لا يجوز ان تُهان بهذه الطريقة البأساء، في ان تُمدّ الايادي لشحذ معونة ما.

    كما واسبق من يريد ان يصطاد فأقول: نعم، ليس جميع من "يتزعم" حملات الاستجداء، له مصلحة اخرى غير اراحة الضمير. ولكن لا تنسوا ان من بينهم "رجال"علاقات عامة، و"ارباب" مصالح تجارية، وطالبو جاه ونضال ووطنية مدعاة، على حساب كرامة العراقيين المنكوبين. بل وبعضهم من شارك، بهذا الشكل اوذاك، في اشاعة الدمار والقتل، والى دفع البلاد لما وصلت اليه اليوم، فراحوا يتباكون اليوم، وينتهزون الفرص، ويغنمون.

    نعم! سيتبرع الاجانب للعراقيين، حين تعرض عليهم صور الاطفال العراة، والنساء المأزومات والشيوخ المجهدين.. ولكن كل تبرعاتهم النقدية، وكذلك العينية مثل حفاضات الاطفال والبطانيات، وعلب ادوية يكاد مفعولها ان ينتهي، وحتى المدافئ البائسة، وشبيهات اخريات: لا تشبع جوعا ولا تروي عطشا، ولا تحفظ كرامة. فكل ما سيجمع – مدنياً، ومن الناس- لا يساوي غير بعض تكاليف هذه السرقة، او تلك الفعالية الحكومية، او ذلك المشروع البطر، ولن ندخل في تفاصيل ووقائع باتت معروفة، بل ومملة بسبب التكرار والاعادة، والاجترار.

     ومع ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، ليس الا ، نقول  ان المرء ليحار حقا حين يسمع خبرا حديثاً، موثوقاً، بان العراق تبرع بثمانية وعشرين مليون دولار لمساعدة منكوبين اشقاء، عن طريق الجامعة العربية، ثم لا يكف متطوعون عراقيون من استجداء معونات لاهلهم، من مواطني، ومؤسسات مدنية في بلدان اخرى . وما علينا هنا بمن سيجادل بالتبرعات والهدايا والمعونات الحكومية، فتلكم لها ظروف واحوال وحسابات اخرى، وتقاليد دولية، متبادلة من عقود .

   ثم، وقبل ان تُمدّ الايادي والنفوس للغير والغرباء، فلتتركز الحملات بين العراقيين انفسهم اولاً، فثمة من هو قادر، واكثر، في التبرع والاعانة والغوث، لمواطنيه، ان كانت الدولة لا تقدر– حقا- في ان تغطي احتياجات المنكوبين، وتلك من مسؤولياتها الاولى، ودعونا نسمع غير ذلك، ان كان هناك من يقوى فيرد .

    لقد قالت العرب، وخير ما قالت بهذا الشأن على الاقل: "اذا ما أبتليتمْ، فأستتروا" وكم علينا ان نتوعى من مغازي هذه الحكمة المعبرة.. فلنستتر، ولا ندع المزيد من الحراجة تلفنا امام انظار العالم، حين يقولون، سراً، بل وحتى علناً بعالي الصوت: انكم تَفتون وتأدلجون وتثقفون بعيدا عن الانسانية والتحضر، وتحرقون بلدكم، وتقتلون بعضكم البعض، ثم تأتونا فتطلبون- تستجدون!- المعونة منا، وانتم من اعرق واثرى شعوب الكون .

   ترى أما شَبِعنا من اوصاف وتوصيفات أطلقت، وتطلق علينا، باننا لا نعيش في عالم اليوم، بل في قرون سالفة، اساليب ورؤى وقيماً ومواقف، ومع ذلك نروح لنساهم، متطوعين، فندفع لان يُقال عنا: هاهم العراقيون يستجدون، ويحطون من اقدار وكرامة شعبهم!!! .

    ان من يُستجدى لهم اليوم، كرام، وان شاءت لهم الاقدار والاوضاع في ما آلوا  اليه، فلا تحرجوهم بهذه الحملات المهينة، وتستجدون لهم . وعوضاً عن ذلك دعونا نعود لاصول المآسى، وجذورالكوارث، التي حلت بالبلاد، والعباد، ونستذكر، ودائماً، المتسببين بها، فكراً وتوجهات، وممارسات، ولنتنور ونتعظ، فذلك ما يجنب تكرار حالات النزوح والهجرات، والنكبات والخراب، والقتول. فبلا تنور وتنوير سيبقى الظلام محيقاً بنا من الجهات الست، وليس الاربع فقط، ولنتذكر بعض حِكم الشعوب وخلاصات العباقرة، والمتنبئين، ومما قالوه بما نحن عليه قائمون:

لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم، وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادوا

 

 

 

 

 

 

 

علــى ضفــاف السيرة، والذكريــات

القسم التاسع، والاخير

رواء الجصاني

----------------------------------------------

   ها أنت تكاد ان توشل جعبتك – ايها الرجل- من ضفافك على بعض السيرة والذكريات، وكلها جاءت تمارين لتعانق الموجَ، في فترات قادمة، سبوحاً مع التيار، كما وضده، ولتفصل، وتفيض بما عندك من شهادات ووقائع، وتجارب، عشتها، أو شيئ لك ان تعيشها، طوال عقود، مكرراً: فما تخاف وما ترجو وقد دلفت"ستون" راحت كخيل السبق تطردُ.. وفي هذه الحلقة الاخيرة، من تلكم الضفاف، فلتستدرك ما قد فاتك سهواً، أو زدْ ما تريد من إضافات، نوه اليها اعزاء في ملاحظاتهم العاجلة، ودعْ "ملاحظات" اخرى زعم اصحابها حرصاً، ولكن بئس ما زعموا !

 

13- لقاءات واحاديث مع رؤساء عراقيين وعرب واجانب

   وأول ما لديك من استدراكات واضافات لما فاتتك الاشارة اليه وانت تسيح في عواصم ومدن الدنيا، فضلا عن بغداد، الاستقبالات او اللقاءات والاحاديث الصحفية، ومابينهما، مع  أحد عشر رئيس جمهورية، وذلك خلال مشاركاتك ايها الرجل في مؤتمرات وندوات وفعاليات دولية، أوفي غمار مهامك الاعلامية، وغيرها... وهم بحسب التواريخ هذه المرة:

1- الرئيس العراقي عبد الرحمن محمد عارف- بغداد عام 1968.

2 - الرئيس السوري حافظ الاسد - دمشق عام 1982.

3– الرئيس السوفياتي، ليونيد برجنيف - موسكو 1983.

4– الرئيس التيشكوسلوفاكي،غوستاف هوساك- في براغ 1984.

5- الرئيس البلغارى تيدور جيفكوف – صوفيا عام 1985.

6– الرئيس الكوري الشمالي كيم ايل سونك- بيونغ يانغ 1989.

7 - الرئيس التشيكي فاتسلاف هافل، في براغ 1994.

8– الرئيس المصري حسني مبارك، - براغ 1997.

9- الرئيس زين العابدين بن علي- تونس عام 2004.

10- الرئيس العراقي جلال طالباني- في براغ عام 2005.

11- الرئيس التشيكي فاتسلاف كلاوس- براغ عام 2009.

 

14- وخلاف الرأي "كــــم!!" أفسد في الودّ قضية

... والتحوير في المقولة الشهيرة اعلاه واضح كما تزعم- وكم زعمت وتزعم ايها الرجل؟!- ولعلها خير مفتتح لما تريد ان تسرب من خلاله بعض ما احببته، وأشعته، من قناعات ومواقف، كنت فيها خارج السرب، وقد حققت ما ترومه من ذلك: نقدات، وانتقادات، ونقاشات، من، ومع قريبين، وبعيدين.. وما عليك بمن امتلأت قلوبهم وانفسهم بالغيظ والحسد، فراحوا يتسلقون فما وصلوا، ولكنهم ما كفوا، ولا أتعظوا بحكمة: رحم الله من عرف حده، فوقف عنده!!.

     وهكذا اجتهدتَ في الـتأكيد ومنذ عقود فرأيت بأن من يسعى ويتفيقه بنفي وجود الطائفية في العراق، ماهو إلا طائفي مقنّع، اشد ايلاماً من اولئك الذين يظهرون ميولهم ومواقفهم، الطائفية، بل وممارساتهم لها... كما اجتهدت فأثرت علناً – مزاحاً وقصداً- شعار "دور النقود في تحول الناس" فعابك البعض من  المعنيين، وأن بخفيةٍ وتلثم، ليحاولوا ان يطالوك، ولو ببعض كتابات لئيمة ..

   ثم رحت تجاهر وتشيع- ايها الرجل- وكأنك تبحث عن مشتجرٍ هنا ومعتركٍ هناك، بأن الحياة "تجريب وتمرين" وان المنكفئين وحدهم من يلعنون حظوظهم التي اوصلتهم لتلكم الحال، ناسين أو متناسين بان ليس للانسان إلا ما سعى... كما جاهرت، وما برحت، بضرورة ان يكون لكلِ موقعه ومكانته في المجتمع والحياة، بحسب "طاقته" و"قدراته"...

 

15- ومحطات اخرى في السياسة وعوالمها

     .. ولا بدّ وانتَ تختصر ربع قرن من النشاط السياسي والتنظيمي في الوطن وخارجه، بسطور معدودات، أن تسهو- ايها الرجل- عن محطات هنا واخرى هناك، دعْ عنك ما "قد" تقصدت ان تتناساه... ولعلّ ما يلحّ في ان تشير اليه، وتنويهاً على الاقل، انه عُرض عليك بعد "تقاعدك" عن العمل الحزبي، ان تعود من جديد لتنشط في هذا " التيار" أو تلك "الحركة" او ذلك "التحالف" وغيرها وغيرها من أطر وطنية وسياسية ... ولكن دون جدوى، فقد ارتأيت ألّا تكون عبئاً على احد، ولا أن يكون اخرون عبئاً عليك .

     كما ونوه مثبتاً، ودون وجل، بانك كنت وما زلتَ معتقداً بمظلومية جنوبيي العراق، وفراتييهم، النجباء، اضعاف اقرانهم في بقاع البلاد العراقية الاخرى، وكذلك كانت قناعاتك  تماماً بشأن الامة الكردية الموزعة، والمشتتة قسراً منذ عقود مديدة.

    ولتصرح أكثر وتقلْ انك رحت، ومن زمان ليس بالقصير، مؤمناً ببعض الليبرالية، وشيء من الماركسية، وآخر من الرأسمالية، بل والفوضوية حتى، نظرياتٍ وافكاراً وممارسات. ولعلّك بتَّ تمزج ما لايمزج، وتخلط المتناقضات، وربما ( ولم لا؟!) لكي تكون بعيدا عن الجمود والرتابة والتعود... وقد يكون كل ذلك بعضَ، أو كثيرَ، أنكفاء بعد انهيار تجربة الانظمة الاشتراكية في شرق ووسط اوربا..

وكفّ عن التفاصيل وخفاياها – ايها الرجل- ولا تعطِ روحاً لخاملين، وغيرهم، ولا تشفِ غليلَ من ينتظر!!.

 

16- تأرخـــة... وتوثـــيق، ومحببــات

   فاتك ، وأنت على عُجالة، وكأن الطير فوق هامتك، ان تتذكر أكثر – ايها الرجل- بعض مما احببت من كتاباتك، حسبتَ أنها، اقرب اليك من غيرها، وبعضها يعود لنحو نصف قرن، وإن كانت في نشرات حائطية، في الاعدادية المركزية، ومنها "قالوا في ليلى" جمعتها واستليتها من دواوين واجزاء الاغاني، لابي فرج الاصفهاني..وكذلك " الدراسة" التي نشرتها في صفحة الطلبة والشباب عام 1974 تحت عنوان" من اجل اتحاد راسخ لطلبة البلدان العربية" بتوقيع "ابو سمار" وهو الاسم الذي كنت تكنى به ذلك الحين، وما زال الكثير ينادونك به الى اليوم .. كما لا تغفل عن زاويتك شبه الاسبوعية في الصفحة المهنية بالجريدة الغراء ذاتها، اواخر السبعينات الماضية، وعنوانها" نقابيات" وكنت تتابع فيها، وتنتقد، وتمتدح، نشاطات العديد من المنظمات والنقابات العراقية، وتزعم ما تزعم من مفاهيمك ورؤاك في شؤون العمل الجماهيري- الديمقراطي، الذي ولعت به، وما زلت.

   ... كما تذكّر ان من بين كتاباتك التي بقيت مميزة، عندك على الاقل، في الاعوام القليلة الماضية، ما نشرته تحت عنوان "وصفي طاهر، رجل من العراق" وهو تمهيد لكتاب جامع عن ذلك الشهيد الوطني، تعمل على اتمامه خلال اشهر، لا أكثر، مثلما وعدت وتعد.. وكذلك توثيقاتك الثلاثة، المنشورة عام 2008 وعناوينها تشي بمضمونها، دون كثير عناء، وأولها وأكثرها غنى" تاريخ عراقي في ذاكرة براغ" وبعدها " أسماء وشؤون عراقية في ذاكرة موسكو" ثم الثالثة" والاخيرة " أسماء وشؤون عراقية في ذاكرة باريس"... ذلك بالاضافة طبعاً لما جاء ذكره في الحلقات السابقات، عن توثيقاتك، وشهاداتك العديدة واهمها عن الجواهري الخالد، وكتابك، الاول في مضامينه: "الجواهري ... اصداء وظلال السبعينات" الصادرعام 2001 عن "بابيلون" للاعلام والنشر في براغ .

 

17- بعض شؤون، ربما ليست مهمة!

    مرة اخرى، وأخيرة حقا هذه المرّة، تستدرك ما فاتك ان تشير اليه – ايها الرجل- في ما سبق وكتبت من هذه الضفاف على السيرة والذكريات، وصرح هنا بانك ترددت في هذه الاضافات، ولربما خشية من عفّ لسانٍ، أو احترازاً من ان تَشقى!! ومع ذلك فلتكتب انك رحت نباتيا منذ عامين ونصف، سائرا على هدى المعري في التاريخ القديم، ومحمود صبري وهادي العلوي، في التاريخ الحاضر. وجاهر بانك رحت لا تطيق حتى الجلوس على مائدة تحوي بعض "خلاصات" مجازر حيوانية، لا تعرف كيف يتلذذ بها أغلب البشر.

   كما وصرح ايضاً- ايها الرجل-  بعشقك للحياة والجمال، والمرأة رمزهما المطلق، ودون مدى، وبانكّ لم تكن باطنياً في ذلك: قناعة وتاريخاً وتجارب ومفاهيم ... وبحْ ايضاً بأنك محب ووفيّ، وبكل ما استطعت،  للاصدقاء الذين يسيرون على اربعة، واحبهم اليك الكلاب الذين جنيّت، وأولهم "بابل" فقد تصاحبتما معا طوال ستة عشر عاما، وليفارقك، وتفتقده الحياة، خريف عام 2014... وقد سبقه في تلك الحال "عنتر" الاسود الانيق. وها أنت لديك اليوم مدللاك التوأم: "بهار" و"فـلفل" الشقيّان اللذان لا تستطيع فراقهما لاكثر من ساعات قليلة فقط، وكذلك هو حالهما، كما تظنّ، وليس كل الظن اثم في عالم اليوم، وكم تحب ان تكرر هذه اللازمة التي صارت بعض كتاباتك معروفة من خلالها، وان لم توقع عليها بإسمك الصريح.. وأعترف بهذه المناسبة بأن لديك العشرات من الكتابات و"الشقشقيات" التي وقعتها باسماء مستعارة، لاسباب لم يحنْ بعد الكشف عنها !!!.

 

18- وأخيــرا....

      ها انت تودع "الضفاف" لتعِد بانك ستكون في الخضم – ايها الرجل- السبوح، لتسهب أزيد وأزيد، حتى يَملّك الناس، في تفاصيل وشهادات واحداث، لتقل انها دامت خمسين عاماَ على الاقل، كنت خلالها حريصاً، كما تحسب، في ان تتبنى "أوسط الايمان" باللسان والقول، والكتابة...

     ثم ولتجهر قبل الختام بأنك، وبرغم كل احترازاتك، تحملت ملاحظات وتقييمات، وكما "نقدات" من اعزاء، و"أعدقاء" وما بينهم، ولكنك سرت متبنياً ومتمثلاً بشاعر الامتين، حين صرح هادرا، مخاطبا معنيين، ونخباً، وما اليهم، وغيرهم :

خيرُ الشفاعة لي بأني كاشفٌ حرّ الضميرِ، وقائلٌ: هذا أنا

    كما وجدد – ايها الرجل- ما كنتَ قد ابتدأت به اولى الحلقات، من هذه الضفاف على السيرة والذكريات، بأن حب الناس كان لك، وسيبقى ، أماً وأبا...  وبانكّ عاشرت بمعروف، وسامحت من اعتدى، من غير العامدين، وفارقت بالتي هي احسن كل اولئك الذين "على ما أستفرغوا، جمدوا" ... واهدر بصوت عالٍ: سلاماً ايها الاحباب من قربوا، ومن بعدوا...

----------------------------------- في براغ – اواسط الشهرالاول من عام 2015

   

  

   

 

 

على ضفاف السيرة والذكريات

القسم الثامن

في رحاب السياسة، وميادينها

رواء الجصاني

      بعد حلقاتك السابقات، على ضفاف السيرة والذكريات، ها انت تدخل – ايها الرجل- في معمان التوثيق لمحطات ومواقف في ميادين العمل السياسي والوطني، الذي خضتها على مدى عقود، انطلاقاً وتوسطاً، وما برحت، وان " كلّ الجواد...ولم تزل تعتامهُ صبواتُ مهــر" !!

   وأما الانطلاقة فقد كانت - ولا بدّ لها ان تكون كذلك- وانتَ في وسط وعائلة واخوان، سبقك جلّهم في دخول ذلك المعترك التنويري والوطني، بذاك القدر او هذا،  والوالد "السيد جواد" أولهم، وان كان بلا تحزب، ولاغلو.... اما الوالدة "نبيهة" فيكفي أنها شقيقة وحيدة لاربعة أخوة استثنائيين، منهما اثنان أبرزان: الاول "جعفر" شهيد وثبــة كانون الثاني 1948 .. وثانيهما، االجواهري الرمز.

    اذن، فقد مرت مرحلتا الطفولة والفتوة في مثل تلكم الاجواء، ورحتَ وانت أبن ثلاثة عشر، تشتد عوداً، وخاصة وقد عشت بعض اجواء الانقلاب البعثي الاول في الثامن من شباط الاسود عام 1963 حين كنت مع الوالدة، في الايام الاولى للكارثة: صباحاً في معتقل خلف السدة، لمتابعة شأن الوالد، التربوي المتميز، المحتجز هناك...وظهراً، بعض الاحيان، في مركز شرطة الفضل، حيث مقر الحرس القومي- الفاشي، ترافق الوالدة وهي تتابع حال أخيك "صفاء" المُعتقل، والمدمى، في ذلك المصلخ البشري.

فــي الوطـــن ....  

وهكذا يتصلبُ الفتى اكثر فأكثر، ليلتحق بتنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، صديقاً، فمرشحاً فعضواً، ولتزدد شيئا فشيئاً المواقع والمسؤوليات اهمية في معترك العمل الوطني، وتتنوع، ولربما بشكل غير معهود .

    ولتوجز من جديد – ايها الرجل- ولا تسهب أو تنسَ انك تكتب ظلالاً للسيرة والذكريات، وليس تفاصيل عنها. وقلْ ان من بين ما أشغلته من مهام نضالية وسياسية طوال عقد السبعينات: عضوا في الهيئة المسؤولة عن منظمة بغداد الطلابية، وخاصة في عهد منظمِها: الشهيد، علي حسن(ابو حيدر) .. ثم مشرفاً على تشكيلات الحزب في العديد من كليات ومعاهد جامعة بغداد، ومنها اكاديمية الفنون الجميلة، وكليات القانون والسياسة، والاداب، والادارة والاقتصاد، والزراعة، وقطاع المعاهد... وعديد آخر، واللهمَّ لا يُسجل عليك ذلك اعترافا!! فيتحفز "البواقــون" .

    ... والى جانب ما تقدم، فضفْ لا تُخفِ انك شغلت ولفترات مختلفة في العقد السبعيني ذاته: عضوية مكتب العمال المركزي، مع صادق جعفر الفلاحي، وعبد العزيز وطبان، وعبد الامير عباس، وبمسؤولية، عبد السلام الناصري . وما بين هذا وذاك، مهامك في صحيفة الحزب المركزية "طريق الشعب". وانتسابكَ في مدارس ودورات سياسية في بغداد، والخارج، ولبعض تشكيلات المكتب المهني المركزي.

... وفــي المغتــرب 

   اما بعد اللجوء الى براغ، ومع مطلع عام 1979 والى ان "تقاعدت" فقد تعددت المهام ايضا وتنوعت: سياسياً واعلامياً وتنظيمياً، وغيرها كثير. ولكن من أبرزها  مسؤولياتك في لجنة تنظيم الخارج للحزب الشيوعي، معنياً بمتابعة شؤون العمل الطلابي، الديمقراطي، في اوربا خاصة، والخارجي عموماً.. كما ومتابعتك وإشرافك على عدد من التشكيلات التنظيمية الاوربية.. ولتعترف(!) من جديد، مادام قد مرّ على ذلك اكثر من ربع قرن، ان من بين تلك البلدان التي تابعت عملها وأشرفت عليها: المانيا الاتحادية، واليونان، والدانمارك.. وعدا ذلك فلا تكشف اسرارا اكثر، فالمهام "أمانات" كما هي المجالس !!..

مـواقــف ورؤى...

... ترى وماذا عن التفاصيل العامة، عن مهامك في بغداد وبراغ، والمواقف السياسية والتنظيمية وما اليها ومعها، والنجاحات والاخفاقات، و"المناكدات" ؟؟ ولربما تلكم الشؤون هي الاهم الذي يجب ان يُنشر، او يشار اليه، ولكن فلتؤجل ذلك ايها الرجل، وبذات الذريعة: انك تكتب لمحات واصداء حاليا، وان غدا لناظره قريبُ!!! ومع ذلك فأستدرك مرة اخرى، وليست أخيرة، ونوه الى انك كنت ميالاً حيناً الى التشدد، وباقصاه، خاصة وان "ارهاصاتك" السياسية الاولى كانت مع تنظيم "القيادة المركزية" التي حُسبت على اقصى اليسار في حينها .. ثم رحت "جبهوياً" اكثر من  المطلوب حيناً آخر، وإن لفترة وجيزة، وقد يناسب هنا ان "تتعكز"على مقولات: السياسة فن الممكن، وأن التاريخ يكتبه المنتصرون...

   .. ثم ضفْ ايضا بشأن بعض الرؤى السياسية العامة، بأنك كنت متهيباً من جدوى الكفاح المسلح في الثمانينات، وإن "جاملت" ولم تصرح بذلك بصوت عال.. كما انك لم تؤمن، والى اليوم،  بان ماجرى في الرابع عشر من تموز 1958 في العراق ثورة، بل حركة عسكرية، ثم جماهيرية، ليس إلا، وقد وثقتَ تلك الرؤى في عدد من الكتابات والندوات والمجالس السياسية، علنا مع سبق الاصرار، وعلى الاقل منذ ازيد من ربع قرن .. كما انك لم ترَ، ولا ترى بأن الجيش العراقي، صاحبً امجاد وبطولات كما يعتقد، ويتغنى بذلك البعض، بل ان ذلك الجيش – وبحسب مزاعمك ومتابعاتك طبعاً- سبب آخر في تدمير البلاد والعباد طوال تسعين عاما على اقل تقدير ..

...وعن العراق الجديد

   .. وفي العقد الاخير بشكل خاص، لتشرْ – ايها الرجلُ-  ايضا الى ان ثمة  آراء ومزاعم اخرى، قد اقتنعت بها ومنها: ان دعاة المقاومة، ومدعيها، بعد عام 2003 كانوا يزيدون القتل والدمار في الوطن المبتلى، وان بعضهم: "يلغ الدماء مع الوحوشِ نهاره، ويعود في الليل، التقيّ الراهبا"... وانك اعتقدت، برؤية اخرى أثارت الكثير من النقاش، وكذلك اللغو!  خلاصتها ان تقسيم العراق الى اقاليم، خير من الاحتراب والقتل والدمار. كما ولك تصورات عديدة اخرى"خارج السرب" عن مدى فائدة الديمقراطية لبلد تعمّ الامية فيه مثل العراق، وكلا الموقفين، والرأيين السابقين- اللذين افسدا، وما زالا للود قضية!- منشوران على مواقع اعلامية عديدة، الاول في الشهر الاول من عام 2014  تحت عنوان  " من اجل ألانسان، وانهاء الدمار: فلتقسم البلاد العراقية، ويُعاد توحيدها.  ولم لا ؟؟؟" . والثاني بعنوان "لاسباب عديدة، ومنها قطع الطريق على الارهابيين... فلتؤجل الانتخابات، بل وتلغى ايضا" ونُشر في آذار2014  ...

      كما وزدْ معلومات أخرى، ودعْ الناس بين مؤيد ومختلف، حولك وضدك، فتلكم سنّة الحياة، ولا تكن مثل البعض "توسط كاللبنِ الخاثرِ" وقلْ: انك لم تؤمن منذ البدء بما صفق له الآخرون، وتعني "الربيع العربي" مطلع العام 2011... وانك رحت تؤمن بيسار عريض، لا احزاب "ثورية" من طرازات قديمة، مع كل التبجيل لما قامت به من تجديد، وما زالت. ..واخيراُ في هذا السياق فلتفجر مجدداً "قنبلتك" غير المتوقعة من كثيرين، ألا وهي انك ترى في "تحصيص" السلطات والادارات في العراق الجديد، طريقاً مناسباً، وموضوعياً ضمن ظروف البلاد وتاريخها وجغرافيتها وتطور مجتمعها، وثقافته ووعيه الجمعي. 

    ولمزيد من التأرخة، فلتكشف هنا، لمن يهمه الامر، وحتى لمن لا يهمه- وما عليك بالمتربصين وأعوانهم- انك قد صرحت  وتداولت – ايها الرجل-  في كل تلكم الشؤون، وغيرها، مع مسؤولين وسياسيين ورسميين، بارزين، في القيادات الجديدة لعراق ما بعد الدكتاتورية، ومن ابرزهم: جلال الطالباني، وحيدر العبادي، وحميد مجيد موسى، واسامة النجيفي، والسيد عمار الحكيم، ومحمود المشهداني، وهادي العامري، وهوشيار زيباري، وحسين الشهرستاني ... وجمع محترم آخر، وذلك في لقاءات ومناسبات مختلفة، وبكل مصارحة وووضوح.

      ولتكتفِ هنا – مؤقتاً- ولتتابع عن وقائع ومحطات اخرى تالياً عن بعض خصوصيات و"أسرار" ذات صلة !!!

------------------------------------------ يتبع

 

 

 

على ضفاف السيرة والذكريات

القسم السادس

شــؤون ومحطات ثقافيــة

رواء الجصاني

--------------------------------------

عن مركز الجواهــري

    عادة ما يكتب المعنيون، والموثقون، سيرهم وذكرياتهم، منطلقين من البدايات، وها أنت تقلب الآية – ايها الرجل- فتكتب من الآواخر، وتبتدئ  بها، فهي أعز عندك، وعليك، حصاد عمر زاهٍ .. وتعني بذلك تأسيسك لمركز الجواهري الثقافي في براغ، منبراً متفرداً، للعناية بتراث وأرث الشاعر العظيم .

   ولتتباهَ من جديد،  بأنك كنت بمفردك وراء الفكرة والانطلاقة، والمتابعة، ومنذ عام 2000 وما برحتَ، والى اليوم. ولا تنسَ قضية التمويل، ولتصرحْ بان كل ما عندك من مال (وهل لديك منه اصلاً!!) قد وُهب لمشروع العمر، وكم شمخت، وتشمخ  اكثر، حين تسجل للتاريخ هنا، بأن لا احد، لا من الاقربين ولا من الابعدين، قد ساهـم بدعم مادي لهذا المنبر الذي علا ويعلو صوته وعطاؤه كل يوم ويوم، ولا حاجة لك بهم، سوى ان يكفوا عنك، حسدا، على الاقل.. ولكن فلتستدرك هنا، وتذكر بالحسنى، وعلى الاقل ايضا: نسرين وصفي طاهر وعدنان الاعسم، اللذين استمرا وحيديّن خارج السرب، مشاركيّن في الجهد  التحريري والكتابي، والتنفيذي لمركز الجواهري ذي الصيت والصوت.. وكذلك هي حال  المستعرب، والمترجم  التشيكي المتميز، الفقيد يارومير هايسكي. اما مؤسسة بابيلون للاعلام فقد كانت وما زالت من يحتضن المركز، موقعا وادارة ومتطلبات اخرى ..

   ... ثم توقف ايها الرجل، وترجل، ولا تأخذ الناس بالمديح والعموميات، وسجل ولو قليلاً عن بعض ما قمت به، والمركز من نشاطات، ولتعدد وحسب ان من بينها، ودون تسلسل زمني حالياً :

الشروع بتوثيق نحو اربعة الاف ورقة ورسالة، وصورة، للجواهري، لا نسخ اصلية لها سوى في المركز.

اتمام 85 حلقة عن الشاعر الخالد تحت عنوان " الجواهري ... ايقاعات ورؤى" بُثت في اعوام 2009-2011 من اذاعة  "العراق الحــر" في براغ .

نشر 50 حلقة اسبوعية عن الجواهري في صحيفة "التآخــي" البغدادية عامي2007-2008 .

المساهمة في مسلسلات وبرامج توثيقية خاصة عن الجواهري، والمشاركة المباشرة فيها، لفضائيات عديدة من بينها: السومرية، الجزيرة، المستقلة، والشرقية.

انجاز كتاب تحت عنوان" الجواهري، قصائد وتاريخ ومواقف " بالتعاون مع كفاح الجواهري، النجل الثالث للشاعر العظيم.

- إتمام فعالية استذكار باهرة في براغ، بشهادة الجميع، بمناسبة مرورعشرة اعوام على رحيل الجواهري الخالد، ومن ابرز الذين شاركوا فيها: المبدعان الألِقان: عبد الكريم كاصد، وعباس الكاظم، والمستعربان التشيكيان القديران: ياروسلاف اوليفريوس، وليبوش غروباتشيك.

... اما الابرز من كل هذه وتلك من انجازاتك – ايها الرجل- وبأسم المركز، فهما قضيتان حظيتا، وتحظيان، لدى المتابعين، وممن يهمهم الامر حقاً، لا ادعاء. أولاهما انقاذ البيت، المُلك، الاول والاخير، للجواهري في العراق ( بغداد - حي القادسية ) من البيع، والهدم لاقامة مشروع تجاري مكانه. وبمبادرتك التاريخية وما ترتب عليها، وبتضامن المحبين، مثقفين وشعراء وفنانين وشخصيات عامة، قررت أمانة بغداد عام 2010 استملاك البيت، واعتباره مبنى تراثياً، وسلمت بدله المالي نقدا الى الورثة، من بنات وأبناء الشاعر الخالد، اواخر العام 2011. 

    اما القضية الثانية، والمعنوية هذه المرة، فهي قيامك – ايها الرجل الموثق- باختيار وتنسيق ابيات من شعر الجواهري الخالد، لتقدمها مشروع نشيد وطني، وطني، للعراق الجديد، وقد اتفقت اللجنة المعنية في البرلمان العراقي – او كادت – على اختيار ذلك النص بعد تداولات ومشاورات طويلة، واخرها عام 2013 وما برح الامر تحت وصاية البرلمان الجديد..

   وخلاصة لهذه المحطة من ضفاف الذكريات والسيرة، فلتقل – ايها الرجل- كم ثمة تفاصيل اخرى، جميلة ومؤلمة في آن، حول مركز" الجواهري" ببراغ، ومؤكدٌ إن وقت البوح بها سيحين، ولو تأخر، فالتاريخ شاهد حق، عزوف عن الصمت !!!.

 في اجواء الثقافة والمثقفين

      والان فلتعد الى بعض لمحات خاطفة عن شؤون ثقافية لها علاقة بك، ولك علاقة بها – ايها الرجل- طوال عقود، ابتداء من انغمارك هاوياً في الكتابة والصحافة، ولا تكرر ما تطرقت اليه في حلقات سابقة من هذه الضفاف على السيرة والذكريات. ولكن لا بأس ان تستطرد قليلاً فتشير الى مكتبتيك التى فيهما ما فيهما من اصدارات ومؤلفات ومخطوطات ومجلدات، واحدة اينعتها في بغداد وحتى الاغتراب اواخر العام 1978  الى براغ، حيث اينعت فيها ايضا مكتبة يكفي ان تقول عنها انها الاولى والاخيرة في بلاد التشيك، لما تضمه من كتب واهداءات ونوادر المحتويات.. وكم شغل بالك- ويشغله- الى من ستؤول تينك المكتبتان، بعد ان يطول بك العمر !!!!.

      وما دام الحديث سالكا في الشأن الثقافي والادبي، فأتعب الناس من جديد- ايها الرجل-  و"أضجرهم"  بالحديث عن "شقشقياتك" الشعرية، في تلكم الايام والليالي، من تلكم الاعوام، ولا تسترسل، وتذكر ما قاله الجواهري في احدى حالاته: "أني اخاف عليّ بعض شهودهنّه"...  كما تذكر عموم كتاباتك وتوثيقاتك ذات الشأن الثقافي، ومشاركاتك في العديد من الفعاليات ذات الصلة، عامة وخاصة، ومن اهمها على ما تزعم، احتفائية اربيل عام 2000 بذكرى مئوية الجواهري مع كتاب وشعراء وفنانين وسياسيين بارزين، ولعل ما يغطي بعض شؤوون تلكم الفعالية المهيبة، ما قد نشرته في صحيفة الزمان اللندنية، ثم وعلى مواقع اعلامية عديدة، تحت عنوان " حين احتفل الكرد بمئوية شاعر العرب الاكبر" بعيد ايام من اتمام الحدث.

     كما ولتؤرخ هنا ايضا- ايها الرجل- عن مشاركاتك في العديد من فعاليات رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين العراقيين في اوربا،  والخارج، خلال عقد الثمانينات، ومنها رئاسة فرع تلك الرابطة في  تشيكوسلوفاكيا، عام 1988 والتي ضمت هيئته الادارية:حسين العامل وقيس قاسم ورزكار محمد.. ولتشرْ ايضا الى مشاركتك مع عبد الاله النعيمي، وحميد برتو،  في ملتقى  الرابطة الاوربي في برلين عام 1989 وكذلك في عدد من اجتماعاتها التنظيمية الاخرى مع نخبة من المعنيين، صحفيين وكتاباً وفنانين .. ولا تفوتك ان تؤرخ ايضا  فتتذكر ان من بين اعضاء  فرع الرابطة ببراغ، وداعميها، الراحلون الاعزاء: اضافة الى زكي خيري ومحمود صبري: شمران الياسري وقادر ديلان وعادل مصري ومحمود البياتي، ومصطفى عبود ...  والحح، وشرْ، ان من بين نشاطاتك الحيوية في  الرابطة ، ببراغ، اواخر الثمانينات الماضية، تنظيم وادارة ندوة مهيبة وسط براغ تحدث خلالها المفكر والرائد الكبير محمود صبري عن نظريته "واقعية الكم" وشارك فيها مفيد الجزائري، وبحضور جمهور غفير ندر ان تجمّع في مثل تلك الفعاليات. كما  تحدث عن اصدار نشرة "مرافئ" التي "هيمن" عليها لاحقا صادق الصايغ، ليحولها من براغية محلية، الى صوت اوربي، اضافي، للرابطة. وقد استقطبت اهتماماً لافتاً لما كانت عليه اعدادها من فحوى وشكل، تميزا بجهد حريص ..

     ولتتـــوقف هنا،  وتتباهى مجددا – أما شبعــت من التباهي ايها الرجل ؟!-  بعلاقات وثقى زاهية مع عشرات المثقفين والشعراء والفنانين، العراقيين الباهرين.. وأذا ما فات عليك استذكار لمحات ومحطات ثقافية "مهمة" اخرى، فما عليك ألا و تستدرك ذلك في حلقة قادمة، ما دمت قد أزمعت ان توثق جملة من الاضافات، تشمل مالم تسعف به الذاكرة، فتشملها حلقات هذه الضفاف على السيرة والذكريات.

-------------------------------------------------------------- يتبع 

 

 

 

 

علــى ضفــاف السيرة، والذكريــات

 

القسم الخامس

 

قيـمٌ، وعلاقات وصداقات، وما بينهما

 

رواء الجصاني

 

   "ذهـــب الناسُ من الدنيا بِمُلْـــكٍ ونعيــمِ، وذهبنا نحــن بـ"التاريخ" والذوقِ السليـــمِ" ..هكذا تكاد ان تنطبق المقولة الجواهرية عليك – ايها الرجل- فها أنت في احلى العمر! ولكنك خالي الوفاض من "ارصدة" و"اطيان" ولا تدري هل تفرح بتلك الحال، ام تنكفأ؟ ولا تقل تحزن لأن لديك  في دنياك علاقات وثـقى، تزهو بها، وبيادر محبة تبادلتها مع الناس، اصدقاء ومعارف وغيرهم. فلتصدح إذن، مقلداً الخالد العظيم: حببت الناس كل الناس، من أظلمَ كالفحم ومن اشرق كالماس.

   ... وأفصحْ ايضا بأنك كنت، وما زلتَ - وتأمل ان تبقى- ترى من صميم الخلق السويم، الوفاء والاخلاص، وان جحد "البعض" ! فهكذا جُبلت بيتاً وعائلة وبيئة، وظروفاً وحياة... والآن كفْ عن المديح، ولا تنس ان ثمة من سيقول لك "من مدح نفسه ذمها" ولو انك لا تؤمن بذلك، ولك مبرراتك..  وتساءل مع نفسك –ايها الرجل- قبل الاخرين: هل ثمة رصيد ارفع واسمى من تكون مقرباً أول للجواهري، ولمحمود صبري؟ وان تكون لك صلات مودة وعلاقات خاصة متميزة مع عشرات باهرين - وقل مئات ولا تخفْ-  جلهم أوفياء، رفاقاً وزملاء ومعارف واصدقاء واحباء.. وقد امتدت بل وترسخت تلكم العلاقات، ولم يفسدها خلاف الرأي، الا في حالات محدودة، والاستثناء يثبت القاعدة، أو ليس كذلك ؟!.

    وما دام السرد قد بدأ، ولأنك متعدد الاهتمامات والانشغالات في حياتك العامة والعملية – ايها الرجل- فذلك هو رصيد علاقاتك وصداقاتك، متنوع هو الاخر، ومتوزع ومتشابك بين مثقفين وسياسيين متميزين، كما مع عشرات الادباء والشعراء والفنانين والاكاديميين والصحفيين، وزملاء ورفاق درب ونضال، ودراسة ومهنة، وطفولة وفتوة وشباب، في البلاد، ومختلف ارجاء المعمورة ... واعتذر منهم هنا من جديد، لأنك تبتعد عن التصريح، وإن عزّ عليك ذلك، لأنك عمدتَ في مجمل ضفاف سيرتك وذكرياتك، ألا تسجل اسماء الاحباء طالت اعمارهم، كي تبعد احتمال ان تنسى  احداً او "تزعل" آخر في التقديم والتأخير، ولكي لا تفسح مجالا لمن يريد ان يتصيّد من اولئك الراصدين الخالين من همِ وشغل..

   كما لا تتردد – ايها الرجلُ- إحترازاً من "حسد" هنا، او "تقول" هناك، فقد "تدبّغَ" جلدك من اولئك المتربصين، ورحْ وسجل امثلة وحسب، لمزيد من التوثيق والامعان في "التباهي" بأن من بين من تعتز، وتزهو بالعلاقة الوطيدة معهم، اولئك المنورين الذين كم استضافتهم شقتـك الصغيرة  في براغ، وخلال فترة زمنية محدودة ليس الا، ولمرات عديدة، مجتمعين تارة، ومنفردين تارة اخرى، كالجواهري وثابت حبيب ورحيم عجينة وزكي خيري وشمران الياسري"ابو كاطع" وصالح دكلة وعادل مصري وعامرعبد الله، ومحمد حسين الاعرجي، ومحمود صبري، ومحمود البياتي، ونزار ناجي ... ولمن لم ينتبه، نوّه الى ان تسلسل الاسماء السابقة جاء بحسب حروف الابجدية العربية.

  ... وعن الاصدقاء والاحباء الذين طرزوا ارض الوطن، شهداء خالدين، فلا شك ان لهم سجل ذهبي، أنار– وسيبقى ينير- كل العراق، وأستذكارهم شرف لمن يوثق عن ذلك، فهم الذين يُشرفون، ولتتشرف – ايها الرجل- وتعدْ بأنك تتحفز لأن يكون لهم موقعهم الأميز، في المؤجل الارحب من تفاصيل ذكرياتك الموعودة، ولهم الفضل في ذلك، وليس لك ..

... وإذ قررت ان تؤجل الحديث عن الأهل والاقارب من أسرتي: الجصاني والجواهري، وغيرهما، في هذه المرحلة من "ضفاف السيرة والذكريات" .. فلتتذكر- ايها الرجل- بل وحذارِ ان يغلبك النسيان، علاقاتك وصلاتك مع احباء واصدقاء وزملاء ومعارف متميزين، فقدتهم الحياة مثل: حسين العامل وحميد المحل وجميل منير، وصفاء الحافظ، وطارق شريف، وعادل الربيعي، وعطا الخطيب، وعمر بوتاني، وغائب طعمة فرمان، وفؤاد سالم، وفراس الحمداني،  وكمال السيد، ومحمد سعيد الصكار، ومصطفى الدوغجي، ومصطفى جمال الدين، ومصطفى عبود، وموسى اسد، وهادي العلوي، ويوسف الصايغ، ونمير حنا.. وجمع عزيز كثير اخر، ممن تعرفت عليهم، وامضيت اوقات ثمينة، حافلة معهم، طالت أوقصُرت، ومن بينهم من جاءت الاشارة اليه في المحطات التي سبقت، او لحقت، في الاجزاء الاخرى من هذه الذكريات والسيرة..

   اما عن الاصدقاء والمعارف العرب، ممن قامت، او توطدت العلاقات معهم، فلهم سجل زاه ايضاً، منهم من تشاركت معه في مؤتمرات وندوات عربية وعالمية في مختلف عواصم ومدن الدنيا، ومن هم في أطر السياسة وفعاليتها، وعديد آخر في مجالس ومناسبات مختلفة، شيئ لك – ايها الرجل الموثق- ان تكون حاضرا فيها معهم، وبينهم ...

   ترى هل أوفيت الحديث والاستذكار والتسجيل في هذه المحطات من ضفاف هذه الذكريات، والسيرة؟ ستكون غير وفيّ أو أمين لو اجبت ايجاباً. فالصداقة والصلات الانسانية لديك – ايها الرجل- مبادئ ومفاهيم وقيم تبنيتها عن قناعة بكونها الرصيد الاسمى للمرء في الحياة، وكمْ تعجبتَ، وتتعجب، وستبقى، من قدرة العيش دون الناس مهما كانوا، فكيف بالاقربين والابعدين؟ كما وكمْ وكمْ أعبتَ على أولئك الذين إنكفأوا فأبتعدوا - ومهما كانت المبررات- عن العيش دون حلاوة العلاقات الاجتماعية، وإن ترتبت عليها او بسببها مرارات أو اخرى، ولقد اصابك منها ما اصابك، ولكنك كنت تروح تهدئ النفس بحكمة ملهمك:

سامح القوم انتصافاً، وأختلق منك اعتذارا

علّهم مثلك في مفترق الدرب حيــارى!!!

  وبالمناسبة فقد كان الجواهري العظيم يكرر، عندما كنت "اناكده" حين يسمح مزاجه، بأن له أعداء كثيرون، فيقول: من ليس له اعداء، لا اصدقاء له... ولقد عشت – ايها الرجل – عديدا من تلك الحالات، فتلقفك المتصيدون، وكم كنت اكثر لؤما منهم!! حين صفحتَ عنهم فراحوا يلمسون ما صنعوا، دون ان يدروا، او يدرون ولا يفقهون. وهكذا هي سنة الحياة، ولاسيما من شاءت له الاقدار، وشاء هو نفسه، ان يكون في عوالم الحياة العامة، متجاوزاً الذاتيات جهد ما استطاع. ولتزعم هنا من جديد – ايها الرجل- بأنك قد تعمدت وسعيت، وسلكت الطريق الاجهد، ولعل في باطن سريرتك تقول: إن الحياة معاناةٌ، وتضحيةٌ، حبّ السلامة فيها أرذل السبلِ...

---------------------------------------- يتبع  

 

 

 

 

 

 

علــى ضفــاف السيرة، والذكريــات

 

القسم الرابع

 

رواء الجصاني

 

6- خمسة عقود مع الجواهــري

   هاهي ظلال جديدة على ضفاف السيرة والذكريات، ولانها شاملة هذه المرة، متنوعة المحطات واللمحات ، فسهل الامر عليك - ايها الرجل- وعلى الذين يقرأون لك، وأنثر التوثيق على ثلاثة محاور زمنية، وان تداخلت، وتحدثْ مااسطعت ايجازاً، عن تلكم العقود الخمسة مع الجواهري العظيم، مابين ولادتك عام 1949 ورحيله الى الخلود عام 1997... وقد كان، ويبقــى: خالاً وانساناً وعبقرياً، متفردأً في غير زمانه، ومكانه وأهله، كما قيلَ ويقال!!!. وأسبق، وقلْ بانك لن توفي في هذه العجالة الا ببعض يسير مما عندك، فقد كتبت ونشرت نحو مئتي مادة وحادثة وشهادة، وما زالت الجعبة والذاكرة تفيض بالكثير الكثير:

فـي بغـــــداد... 

   تفتح عينيك على الدنيا، وانت في بيت وعائلة، بل ومجتمع، تنضح احداثها وتفيض، وتغرق بالجواهري ... وتستذكر، كالطيف احياناً، ما اختزنته الذاكرة من عقود ستة، واكثر: جلسات ليلية شبه يومية، واحاديث ووقائع وطنية وسياسية، واجواء ثقافية وصحفية واجتماعية، وغيرها، متشابكة دون حدود .... وكذلك سفرات عائلية منها الى النجف حيث منبت العروق، والى علي الغربي، حيث الجواهري "مزارعاً" و"متزوجاً"  حديثاً.. كما والى دمشق، التي لجأ اليها مخلفاً "غاشية الخنوع" وراءه ...

    ثم تتذكرـ وأنت أبن ثمانِ ونيف، الجواهري ذا الرئاستين، بعد قيام الجمهورية الاولى عام 1958 لاتحاد الادباء، ومجلس نقابة الصحفيين... وخلافاته مع رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم، والتي اضطر بسببها للاغتراب الى براغ عام 1961 وبعد ذلك عودته لبغداد بعد سبع سنوات "خالها سبعين لا كدراً، لكن لحاجتها القصوى الى الكدر" بحسب قوله. كما تذكر ليلة العودة، وانت والعائلة تستقبلونه في مطار بغداد مع جماهير غفيرة، ومن المطار الى البيت الذي استأجره له نجله "فلاح" في منطقة الداوودي، قرب بيتكم، ولا تفصل بين البيتين سوى مائتي متر لا اكثر .. وبمناسبة الحديث عن البيوت، وثقْ هنا، عسى ان ينفع التوثيق، انك – ايها الرجل - قد ساهمت عام 1970 في التخطيط الاولي لخارطة دارته الاولى والاخيرة للجواهري، ملكاً صرفاً، في العراق، باعتبارك مهندساً، ولم يكن قد مرّ على تخرجك غير أشهر قليلة ..

   ... ثم تبدأ سنوات السبعينات، والشاعر الخالد يتناصف الاقامة خلالها بين بغداد، وبراغ، وفي تلك الفترة ما فيها من وقائع حلوة ومرة، وشؤون وشجون، واستثناءات، ولعلك قد وُفقتَ في تغطيتها، بقدر ما، في كتابك الموسوم" الجوهري: اصداء وظلال السبعينات" الصادرعام 2001 في براغ، عن دار "بابيلون" وتوزيع مؤسسة المدى الدمشقية، آنئذِ ...

... وفـي بــراغ

   مع أواخر العام 1978 تنتقل اقامتك – ايها الرجل- الى براغ لاسباب سياسية، وملاحقات امنية، كما وردت – وترد-  بعض تفاصيلها في هذه "الضفاف على السيرة والذكريات".. وقد سكنت في "شقيّقــة" الجواهري لبضعة اشهر، اولاً، حتى توفرَ لك "ملاذ آمن" في عاصمة بلاد التشيك، التي يعود اليها الجواهري يحمل "منقارا واجنحة" ليس الا، ليستقر مغترِباً من جديد، وحتى رحيله في دمشق عام 1991 فيعطر متربتها هناك عام 1997 والى اليوم..

  وعلى مدى أثني عشر عاما في براغ (1979-1991) كانت اللقاءات مع الجواهري الخالد، يومية تقريباً، ومن برامجها ما يمكن الافصاح عنه، وقسم اخر يندرج تحت مقولة "للمجالس أمانات" !!! ومع ذلك فتلك كتاباتك المنشورة عن حقبة الثمانينات الجواهرية تغطي مساحات توثيقية واسعة، وتنقل وقائع وشهادات، إزعمْ – ايها الرجل- بأنها تسمن من جوع، وظمأ التواقين للتعرف على بعض تراث وأرث الشاعر العظيم، وصرح علناً: بانك الوحيد الذي  عايش، وسجلّ، ونشرَ عن تلك الفترة الزمنية، المليئة بالاحداث، الادبية والسياسية والوطنية، والاجتماعية...

   كما ووثق بانك كنت طوال تلكم السنوات الاثنتي عشرة: المؤتمن الاقرب للشاعر العظيم على "اسراره" وخصوصياته، وأتراحه وأفراحه، وحتى على بعض دوافع قصائده في تلك الفترة، وانطلاقة كتابة مذكراته... وكم كنت وكنت!! ثم  ندمت بعد فوات الاوان، لأنك لم تقضِ وقتاً  اطول واطول مما قضيته معه، وكم حذرك الخال العبقري، مزاحاً وجدية، من ذلك الامر، ولكنك ما طاوعتَ وفضلت نشاطك السياسي، و"الخاص"!!! في احيان كثيرة على ان تكون معه..

... وفــي دمشــق

  توزعت جلّ ثمانينات الجواهري، تقريبا، كما هو معروف للمتابعين، بين براغ، جنة الخلد التي "اطالت الشوط من عمره" ودمشق "التي احبها لا زلفى ولا ملقا"...وقد شاركته – ايها الرجل-  تلك الحال، بقدر وشكل، أو آخر.. فقد كانت سوريا وطنا اضافياً تحضّنك لأكثر من ثلاثة عقود، وتحديدا للفترة 1979-2010... زائرا ومعارضاً وناشطاً جماهيرياً ولمرات عديدة في العام الواحد، وفي جميعها، او اغلبها الأعظم، مقيماً في دارة الجواهري، والعائلة، بدمشق ..

   وهكذا كتبت – ايها الرجل- تفاصيل لا عدّ لها في توثيقك الموسع، الموسوم:" مع الجواهري في دمشق" المنشور عام 2013 في صحف ومواقع اعلامية عديدة، وفيه ما فيه من ذكريات ووقائع واحداث. ومن شذرات ذلك التوثيق، شئ عن مجالس الجواهري، وضيوفه وخصوماته، وعائلياته، وليلياته، ومشاركتك في اختيار" العيون من اشعاره" عام 1985والاعداد الاولي لتحرير جزأي ذكرياته عامي 1989-1990 وعن نكبتيه برحيل زوجته" آمنة" عام 1992 وقبلها رحيل اخته "نبيهة" عام 1987...وغيرها وغيرها، وحتى تموز1997حين نال منه الموت اللئيم- الذئب- الذي بقي يطارده عقوداً، وفوق نيوبه دم اخوته، واحبته، وصحابه ...

   كما وتذكرْ هنا – ايها الرجل- جلسات ما بعد منتصف الليل، حين تنفرج الاسرار والاسارير، وينحسر الستار عن الكلام المباح، وغير المباح، وتشتد المناكدات، ويُصرحُ بالتقيمات للاشخاص والاطر والاحداث والوقائع...  وتوقف هنا، وعدْ لمقولة: ان للمجالس امانات، وقِ المؤمنين، وغيرهم، شرور القتال، فما عاد في المقدور مزيدا من قدرة التحمل والجدال، وخاصة مع اولئك الذين لا يستحقون المنازلات!!!... اما المخلصون ممن يهمهم حب التنوير والثقافة والادب، والسياسة، والجميل غير الممل، فدلّهم -ايها الموثق- الى نحو سبعين شهادة وواقعة أرختَ لها تحت عنوان" مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب" نشرت على عدة حلقات ربيع العام 2014 في عشرات الصحف والمواقع الاعلامية، وغيرها ....

-------------------------------------------------------------

7- في عواصم ومــدن العالـــم

  بين مشاركات في مؤتمرات ومهرجانات وندوات وغيرها، كما للسياحة وإن قلّت، قُدر لك – ايها الرجل- ان ترى وتزور وتقيم في حوالي ثمانين عاصمة ومدينة، متوزعات في اكثر من ثلاثين بلدا، في مختلف انحاء المعمورة، واحياناً لاكثر من مرة ومرة .. فمن نيويورك الى بيونغ يانغ، ومن مراكش الى عدن، والى اثينا وروما وموسكو ولندن والقاهرة، وطهران واسطنبول.... توزعت تلكم المدن والعواصم التي رأيت. اما دمشق وبلاد الشام، فتغنّ، وأحزنْ، وحدثْ، عن عدد مرات زياراتك لها، فلها الكأس المعلى، والى اليوم "وإن كُسيت على رغم دخانا" ...

    ولعلك لا تبالغ ان أطربتَ – او أضجرتَ- قراءك ان قلت بان لك في كل مدينة وعاصمة ذكريات وذكريات، ما برح الكثير منها تطرز الروح، عاطفة ووجداناً، باحباء واصدقاء، وزملاء، ومعارف، وقبلهم: صديقات وزميلات، باهرات منورات... كما ووقائع واحداث، اجتماعية وسياسية وثقافية، وغيرها !!! وإحذر! فان افضت اكثر فستكون"سيرة وذكريات" شاملة، وليست"ضفافاً" لهذه وتلك، كما زعمت في العنوان الرئيس لهذا التوثيق، وصفهُ بالممتع، وأن زعم الدعاة بغير ذلك .

   ولكي "تملّح" ما أشرت اليه، نوه على الاقل، الى بعض وقائع حدثت لك – ايها الرجل-  في عدد من تلكم العواصم والمدن، ومن بينها حين حجز المضيفون اليمنيون الجنوبيون عام 1980 لك، ولحميد مجيد موسى"ابو داوود" وعبد الاله النعيمي، للسفر بالطائرة الى صوفيا، من عدن، التي كنتم في وفد رسمي اليها.. والى الان لاشئ غير طبيعي، ولكن الدهشة انك  اكتشفت، وبالصدفة فقط، وعشية بدء الرحلة، ان مسار طائرة العودة  يشمل التوقف ساعة" ترانزيت" في مطار بغداد، المحتل آنذاك من عصابات النظام الارهابي!!! وقد الغينا السفر، بالطبع، وإلا فكمْ كانت "اللقمة" مغرية لتلك العصابات، بأن يصيدوا ثلاثة مطلوبين بامتياز، جاؤوا اليهم بأرجلهم، وإن كانوا عبر الطائرة !!!... 

   وعلى اية حال فلتزدْ خلاصاتٍ ولتقل: ان كل تلكم المدن والعواصم التي زرتها، وفرت لك المزيد من الاطلاع، والمعلومات، وبمديات مختلفة، على صعيد المعرفة، والتاريخ والجغرافيا، والثقافات المتنوعة..واكتفِ هنا، وعلى ان تعود للمزيد في كتابات تالية، وأحسبْ ان جميع ما أشرت له في السطور السابقات رؤوس اقلام، لتفاصيل قادمة ...

 ----------------------------- يتبع 

 

 

 

 

علــى ضفــاف السيرة، والذكريــات ...(3)

 

رواء الجصاني

ربع قرن في حركة طلابية مجيدة

   تحت العنوان اعلاه، وبمناسبة الذكرى الستين لمؤتمر السباع  الطلابي الشهير، ببغداد، نشرتَ – ايها الرجل - توثيقا مفصلاً عن بداياتك الطلابية، نشاطا ونضالاً، وحتى عام 1989 حين "تقاعدت" ... وها انت تحاول من جديد  ان تجمع شتات السيرة والذكريات، فماذا ستكتب هذه المرة،؟ 

  ... هل ستفصل اكثر عن مواقف ونجاحات وشجون، ام ستخشى- وماذا تخشى اصلاً ؟- من هذا وذاك؟ .. هل ستتحدث بصراحة؟ ام ستركنها لفترة قادمة، وتتحجج من جديد بأنك توثق "ضفافاً" وحسب لسيرة وذكريات، وليس كل "السيرة" وكل "الذكريات" !!... ومع ذلك فلتتمرن، ولتضف بعض محطات من هنا ومن هناك في مسار ربع قرن، من العمل والنشاط الطلابي .

    قلْ، مثلا، انك تفخر بمشاركتك في ذلكم النضال الطلابي المتشابك مع النضال الوطني، في حركة، وتنظيم، واطار، اتحاد الطلبة العام، والذي كان، وما برح، شعاره الاساس ينضح بذلك التشابك، ونصه:"من اجل حياة طلابية حرة... ومستقبل افضل" ... ثم زدْ وبارك، كما يقول المؤمنون: ان ذلك الاتحاد الطلابي العتيد، مدرسة وتاريخ لجحافل مناضلين من اجل الغد الافضل، منهم من أُستشهد، وخلدَ، ومنهم من سجن وعذب وتحمل ما تحمل، ولم يحد عن الدرب... كما وأشِرْ على الاقل- ايها الرجل الموثق- وحتى دون اسماء في هذه المرحلة: ان مدرسة "اتحاد الطلبة العام" خرجت العشرات من القيادات والنشطاء البارزين، في الحركة الوطنية العراقية، وعلى مدى اعوام، بل وعقود، ومنهم الى اليوم، يجوبون ارجاء العراق شمالاً ووسطاً وجنوبا ..

   ثم، سجل، وتباهَ  مرة اخرى - ولم لا؟ - ان مهامك ونشاطاتك الطلابية - الوطنية تنوعت وتعددت، لتشمل الاعلام والتنظيم مرة، والعلاقات العربية والعالمية مرة اخرى... ومرر – ايها الرجل –  ان من بين هذه وتلك المهام التي تشرفت بها، اشغالك عضوية سكرتارية الاتحاد مطلع السبعينات الماضية، وخوض الانتخابات الطلابية عام 1970 "متزعماً"  قائمة الاتحاد، في معهد الهندسة العالي ببغداد، ثم شغلت عضوية اللجنة التنفيذية لرابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفياتي عام 1972  ثم عدت لبغداد عام 1973 لتعود الى سكرتارية الاتحاد، ولتشرف على صفحة الطلبة والشباب في جريدة "طريق الشعب" المناضلة المعطاء، وحتى عام 1976...

   كما واكمل تباهيك، مادمت قد بدأت به - ايها الرجل المتباهي بنضال وعطاء- ووثق انك كُلفت في براغ، وانتخبتَ سكرتيراً عاماً للجنة التنسيق للجمعيات والروابط الطلابية العراقية (الديمقراطية) خارج الوطن للاعوام 1980- 1985.. وفي نفس الفترة: تسنمت مهام التمثيل الخارجي لاتحاد الطلبة العام، ومندوبه لدى سكرتارية اتحاد الطلاب العالمي، ومقرها في العاصمة التشيكية براغ  ... وضف بكل ثقة واعتزاز ان تلكم الجمعيات والروابط، وهي فروع الاتحاد في الخارج، تحملت في مسارات نضالها مسؤوليات اساسية في حملات التضامن الجماهيرية، مع كفاح طلبة وشعب العراق، ضد الارهاب والقمع البعثيين، وخاصة في الفترة 1979- 2003  .. ومرة اخرى ذكّر من يريد تفاصيل اكثر، بالعودة الى ما نشرته في توثيقك ذي الصلة عام 2011 تحت عنوان "جمعيات وروابط الطلبة العراقيين خارج الوطن، ربع قرن ضد الدكتاتورية والارهاب" والمنشور على عشرات المواقع الاعلامية.

------------------------------------------------

نساء ونساء في رحاب الذاكرة

    لأنهن من زنّ الحياة، فلابد ان يحظين بكل تمييز ممكن، وانت تتابع ضفاف ذكرياتك ايها الرجل، وهكذا رُحْ واعتمد ذلك المنحى فوثق عن نساء باهرات كانت لهن علاقات انسانية ووطنية واجتماعية وسياسية معك، كما انت معهن، وأكثر. واذ تستمر على تلك  الخطى التي اعتمدت، باتجاه التوقف عند اسماء الراحلات والراحلين، وحسب، مع استثناءات قليلة، فلا بد ان تأتي في البال اولاً، الوالدة الجليلة: نبيهة الجواهــرى، وقد سبق واشرت لها، وعنها في سطور سابقات   ...

   ثم تابع وتذكر طيبة، امونة جعفر، زوجة الجواهري الخالد، الخال الاقرب، الذي قال عنها عام 1957، وأوفى، ببضعة كلمات معبرة تغني عن جمل وعبارات، حين قال انها كانت، وحتى في جموحها " لون من الادب" ... كما وتذكر بلقيس عبد الرحمن، زوجة الشهيد وصفي طاهر، المناضلة، الصادقة، أم زوجتك الصبور، نسرين، والتي عشت معها في بيت واحد لاكثر من عشرين عاماً في براغ، دع عنك السنين الخوالي في بغداد.. وايضا نزيهة الدليمي، الشخصية الوطنية،  التي كانت تتابعك سياسياً اواخر السبعينات الماضية، ضمن مسؤولياتها في العناية بتنظيمات الخارج للحزب الشيوعي العراقي ... كما لا يجوز الا وان تُشر- وذلك اضعف الايمان- الى الشهيدة البطلة، زهور اللامي، رفيقتك في الهيئات القيادية لتنظيمات بغداد الطلابية، اواسط السبعينات. كما لا تنسً ان تصرح ايضا ان عميدة "عمومة" مصري، كانت رفيقتك في التنظيمات القيادية للحزب في موسكو.. ثم وثق، بل وافتخر بعلاقتك الاجتماعية مع فنانة الشعب، زينب، ولقاءاتكم بصور شتى، في بغداد وموسكو وعدن ودمشق..

   والان، فلتعترف(!) ان بشرى برتو كانت تشرف على نشاطك، ورفاقك: الشهيد الابي نزار ناجي يوسف( ابو ليلى) وفراس الحمداني، وعيسى العزاوي، وحكمت الفرحان، وعدنان عاكف واترابهم، في لجنة العمل المهني، الحزبية المركزية، ببغداد في السبعينات.. كما انها- بشرى- تكفلت بالمسؤولية السياسية عنك في براغ، اواخر الثمانينات.. ثم اعترف ايضا بانك كنت، وسعاد خيري، في لجنة تنظيم الخارج للحزب الشيوعي اوائل الثمانينات... كما وتذكر سلوى زكو في صحيفة "طريق الشعب" السبعينية، وهناء ادور، وانتما تتابعان النشاطات الديمقراطية العراقية في دمشق، اواسط الثمانينات... وكذلك نضال وصفي طاهر، وخاصة فترة عملها معك ببراغ، ولنحو عقد من الزمان، في مسؤليات حزبية وديمقراطية وطلابية، ولا تغفل - وهل يمكنك ذلك ؟- المناضلتين: الشهيدة الباسلة شذى البراك، وشقيقتها سوسن، وعلاقاتكم الاجتماعية والسياسية والحزبية على مدى اعوام ... وهكذا تبتدأ شدة الورد، ولا تنتهي.

   لقد باتَ عليك ان تتوقف- ايها الرجل-  فقد اطلت، ولربما تستهويك الاعترافات المقبولة، وغيرها، وقد يضجر المتابعون حين  تنهمر، تتلألأ، الاسماء والذكريات والسير، وقد يعود بك التوثيق الى زميلاتك في الدراسة الجامعية، والوظيفية، والنضالية، وخاصة الى تلكم الشابات الزاهرات التي كُلفت بالاشراف على نشاطهن في تنظيمات الحزب الطلابية ببغداد،  والديمقراطية، وقرينتاهن في براغ، وفي الجمعيات والروابط الطلابية المنتشرة عنفواناً في نحو عشرين بلدا، واوربا بشكل خاص .. واستدرك، وتمنّ لو سمحنّ لك، وسمحت الظروف، بذكر اسمائهن، ولاسيما البارزات منهن نشاطاً، وحيوية، وإتقاداً، ولا شك بأنك ستوافق في الحال لو كان الامر بيدك وحدك.

... اما عن العلاقات الاجتماعية والانسانية، وما بينهما، مع من "زنّ الحياة" فستستطرد السطور دون حدود، ولربما ستزداد أعين الحساد اتساعا، واحمرارا.. فأحذر، واحترز، لأن ما عندك  من لواعج وشجون يكفيك  لدهر !!!!

--------------------------------------- يتبع

 

 

 

 

 

علــى ضفــاف السيرة، والذكريــات ...(2)

 

رواء الجصاني

 

ايه يا عهد الصبا لو طلل عاد ...

    بعد "المقدمة" و"البدايات" السابقتين، ها قد بدأت الصعوبة تشتد، وانت على وشك الولوج – ايها الرجل- في التوثيق لجديات الامور، في "اطراف السيرة" و"على ضفاف الذكريات" ... وتحير في ترتيب الاولويات والثانويات. فلتأخذ استراحة ما  اذن، ولتعد من جديد، وأن باختصار،  فتتحدث عن بعض سنوات الطفولة، غير الشقية، ولتتذكر هواياتك الرياضية وغيرها، وان كان بعضها قصير الامد، مثل كرة السلة في نادي الكرخ، بمدينة المنصور البغدادية، ولعبة الشطرنج التي برزتَ فيها وما برحت،  كما وجمع الطوابع، ونحت الخشب، وقراءات مجلتي "سمير" و"السندباد".. وتاليا، قصص "ارسين لوبين" و"شارلوك هرمز"  ووثق هنا ان من كان يشجعك على القراءة، هو الوالد "السيد" الذي كان الاخر قارئاً نهماً كمجايليه من اهل النجف، الارباب، واسرها العريقة.

   ولكي لا تملي على الناس مزيدا من التفاصيل، وربما المملة، اختصر- ايها الرجل- ومرّ سريعاً على هواياتك الاخرى مثل تجليد الكتب اوقات الظهيرة، او الاعتناء المفرط بدراجتك الهوائية، وتزيينها لجذب الانظار، ولفت انتباه بنات الجيران، وغيرهن قريبات وبعيدات، واصطياد ما يمكن اصطياده !!.. ولا تنسَ وانت في هذا "المعمان" ان تتذكر السفرات مع العائلة الى النجف، في دار جدك عبد الحسين بن صاحب الجواهر، حيث السراديب وعبق تاريخها، وحمام البيت وخاصة في العطل المدرسية الصيفية. وكلك السفرتين اللتين ما زالتا تعبق في الذاكرة، وذلك الى كرمنشاه، وطهران، بضيافة خالك عبد العزيز الجواهري، والاخرى الى الشام، حيث الخال الاخر، الاقرب، محمد مهدي الجواهري، وعائلته، وكل ذلك وانت ابن خمس وست  سنوات لا اكثر ...

   كما تذكر ووثق – ايها الرجل- مدرستك الابتدائية في شارع الضباط، بالاعظمية، ثم متوسطة كرادة مريم، وبعدها في المتوسطة الغربية، واهتمامك بالنشاط اللامدرسي، مثل المشاركة في مسابقات الخطابة، وفي النشرات الحائطية، وكذلك في فرق "الكشافة" و"الجوالة" ومحاولة تعلم العزف على العود، لنحو ستة اشهر، ولكن دون جدوى !!! ولكنك نجحت على المسرح، وامام الجمهور في حفل سنوي، وانتَ تغني"احبك" لناظم الغزالي، وقد ربحت الجائزة الاولى، دون منافس اخر، وقد يكون السبب وراء ذلك ليس جودة الاداء، فقط، بل لانك ابن مفتش عام وزارة المعارف !!!!.

 

خمسون عاماً في الصحافة والاعلام

 

   بالتمام والكمال، تمر في هذه الايام (اواخر العام 2014) اعوام خمسون على بدايات نشاطك الصحفي – ايها الرجل- حين نشرت لقطات كتابية  تحت عنوان "صواريخ"  في مجلة " الفكاهة" الاسبوعية لصاحبها حميد المحل، وكذلك صفحة "كوكتيل" التي كٌلفتَ، او تبرعت بتحريرها  .. وبعد ذلك باشهر، سعيّت، مع ليث الحمداني، ومحمد عبد الجبار الشبوط، وسعد السعد، لتاسيس "جمعية هواة الصحافة" ووضعتم نظاماً داخلياً لها، وعلى امل توسيع الفكرة الى حقيقة اكبر، لولا تشتت الاهتمامات، وبدء الانحياز الى النشاطات الوطنية  والسياسية، كما سيرد التوثيق بشأن ذلك لاحقاً...

    واستبقْ الاجابة، على سؤال مفترض أو مفتعل عن سبب كل ذلك المزاج، والهوى الصحفي، وحب الكتابة والقراءة، ليتجذر لاحقا: داء ودواء معاً، وقل: ان الحال نمت، و"أستفحلت" في ظلّ اجواء بيتية، وعائلية لا فكاك منها، وتذكر بشكل خاص تقاليد وإرث وتراث "السيد" الوالد، واصدقائه الادباء والمثقفين، الذين يصعب حصرهم،  ومنهم مثلا : الشيخ على الخاقاني، صاحب مكتبة "البيان" وقاسم، وجاسم الرجب، وعبد الكريم الدجيلي، ونعيم بدوي ... كما لا يجوز ان تنسى ( وكيف تنسى؟) ذلكم الخال "الشاعر" واجواءه وصحفه ومطبعته، وصولاته وجولاته المعروفة، علنا مع سبق الاصرار..

     وتحت حجة انك على "اطراف السيرة"  و"ضفاف الذكريات" وليس في الصميم منهما، فلتهرب من التفاصيل مؤقتاَ- ايها الرجل- ولتوجز جهد مستطاعك، ولتوثق انك، وبعد انهاء الغربية المتوسطة، والاعدادية المركزية، قُبلت في كلية الصحافة والاعلام بجامعة بغداد عام 1967 ولم تداوم فيها، لانك أقنعتَ بدراسة الهندسة، بعد"نقاشات" و"مداولات" عائلية بان الصحافة لا تحتاج لشهادة، وذاك خالك امامك خير شاهد، وان الهندسة شهادة ومكانة !!!..

       وتوسع اكثر، وإن ضجر المتلقون، ووثق انك ساهمت بتحرير نشرات اتحاد الطلبة العام السرية، مطلع السبعينات الماضية، وقبلها كدت ان تصدرمجلة  "محترمة" وانت في دراستك الجامعية بمعهد الهندسة التطبيقيـــة العالي ... كما وتذكر مسؤوليتــــك عن اصدارات نقابة المهندسيــــن التطبيقيين، عام 1971.. وكذلك مهامك الاعلامية في الهيئة القياديــــــة لرابطة الطلبة العراقيين، واصداراتها في موسكو، عام 1972.

  في بغداد"دجلة الخير" ...  

  وها قد حان الوقت الان للتوثيق عن بدايات النشاط الصحفي الاهم، فأرخ ايها الرجل بأنك واكبت صدور جريدة "طريق الشعب" العلنية، منذ ساعاتها الاولى عام 1973 وحتى عام 1978 إذ توليت فيها مسؤولية صفحة "الطلبة والشباب" ثم "الصفحة المهنية" التي أختصت باخبار وشؤون نقابات مختلفة، عدا العمالية، فضلا عن "مهام" اخرى... اما التفاصيل عن تلك الفترة التي دامت نحو ستة اعوام، فأدع من يشاء، ولم يضجر بعد مما تكتب، لقراءة توثيقك المفصل عن ذلك، والمنشور اوائل عام 2014 في العديد من المواقع الاعلامية  تحت عنوان "ستة اعوام في طريق الشعب".

       وفي اواخر العام 1978 يحين موعد "الهروب" الاضطراري من العـــراق، وبدء اعوام الغربة التي ظننت- ايها الرجل-  انها لن تطول عقودا كما حدث، ويستمر ... فإلى براغ، جنة الخلد المرئية، وليست المسموعة، على ذمة "الجواهري" ارتحلت من بغداد، وصارت عاصمة التشيك ملاذاً ووطنا جديدا اضافيا، والى اليوم ... وفيها – في براغ-  حيث الفصول الاربعة -ودائما بحسب الجواهري الخالد- تسلمت، وبعد لا ازيّد من اسبوع  فقط من الوصول اليها، مسؤوليات ومهاماً اعلامية وصحفية عديدة، وطنية وسياسية الطابع عموما، ومنها لفترات متباينة الطول والقصر: في المكتب الاعلامي، الخارجي، للحزب الشيوعي العراقي، الذي حرر وطبع واصدر ووزع العديد من المجلات والنشرات بالعربية والانجليزية والاسبانية، للمساهمة في مقارعة النظام الدكتانوري البائد... ولتوثق هنا ان من بين الاسماء التي عملت معها، وعملوا معك، ولفترات مختلفة في هذا المجال: شمران الياسري(ابو كاطع) وسعاد خيري وفالح عبد الجبار ومجيد الراضي وحسين العامل، و باشراف نزيهة الدليمي، فترة، ثم ثابت حبيب العاني. وعذرا سلفا لمن لم تسعف الذاكرة بالاشارة له... ولتمرر هنا انك سعيت – وستسعى- في هذه الضفاف من السيرة والذكريات، الى الابتعاد ما استطعت عن تعداد الاسماء، لتركز على الراحلين الاعزاء وحسب، احترازا من سهو او نسيان، او"زعل" احباء واصدقاء ومعارف .

 

.... وفي براغ"جنة الخلد"   

 

  ثم يحل العام 1989 وتنقلب الدنيا، وتهوي انظمة، وتعلو اخرى، وتنكفأ النفوس قبل العقول، بعد انهيار الشكل، والنموذج على الاقل ..  ويتيح استبدال نظام الاقتصاد ذي التخطيط المركزي في البلاد التشيكية الى اقتصاد السوق الحر، امتحان القدرات الذاتية، وخوض غمار المغامرات، فتطلق مع عبد الاله النعيمي، منبرا للاعلام والتنوير، باسم "بابيلون" ولتستمر تلكم المغامرة الى الان، وها هي تدخل يوبيلها الفضي، برغم كل المتاعب وصعوبات السباحة ضد التيار، ولتخسر كل ما تملك ( وهل ثمة ما تملك اصلاً؟) لكي يدوم المشروع الى الان، بل ويبسق، وينال محبة الاكثرين، جنبا الى جنب كيد وكدر الحاسدين والعاجزين.. وكما هو الامر في سطور سابقة، وفي حال اخرى، تلكم هي التفاصيل موثقة بتفاصيل "مملة!" واسماء ونجاحات وشؤون وشجون، منشورة على مواقع اعلامية، وصحف عراقية وعربية، تحت عنوان:"بالف دولار من الجواهري، وبريشة محمود صبري، ابحرت "بابيلون" عام 1990" .

     ترى هل أوفيت؟ ام هنالك مافات التأشير اليـــه؟ ... لا احد يدري ولكن، وعن الحلال والحرام فلتزد   - ايها الرجل- سطورا اخرى، في مسيرة الخمسين عاما من الاسهام والنشاط في العمل الصحفي، والاعلامي، ومنها اصدار نشرة رابطة الكتاب والصحفيين العراقيين، الاوربية باسم "مرافئ" تحت مسؤولية صادق الصايغ، والاشراف العام لنحو سبعة اعوام عن كل الاصدارات الخارجية لاتحاد الطلبة العام، وفروعه الخارجية، فضلا عن المقالات والتوثيقات والدراسات، الثقافية والسياسية، وما اليها،  والتي كانت بالعشرات، ولا تقل مئات- وان كانت!- احترازا من المتربصين، واولئك ممن عناهم الجواهري واشباههم في بعض مقصورته الشهيرة : ومنتحلين سمات ِ الأديب يظنونها جبباً ترتدى.... ولكن لتتباهى في ذات الاوان بتراث وعمق صلات، ومودة  مع عشرات الزملاء والاصدقاء والاحباء، الذين عملت معهم، وعملوا معك، وزاملتهم وزاملوك، باسقين ألقين، في رحاب الصحافة والاعلام، ولتفخر بعلاقاتك معهم، وعلاقتهم معك، ممن قربوا او بعدوا، او تواصلوا ويتواصلون، وفي كل ذلك رصيد ما وراءه رصيد أجل  !! .

--------------------------------------------------------------------- يتبع

 

 

 

علــى ضفــاف السيرة، والذكريــات ...(1)

 

رواء الجصاني

 

* ... وخلّها حرة تأتي بما تلدُ 

 على مدى اكثر من خمسة عقود،  شيئ  لي، قدراً وطواعية، وما بينهما، ان اكون في خضم عوالم ومسارات عامة، ابتدأت واستمرت، وما برحت، ولا بدّ ان لها حدوداً، وسواء طالت ام  قصرت، يد الاعمار!

   والسيرة والذكريات كما أعي، محطات وتوثيق، وسجل تاريخي، مضئ تارة، ومعتم في اخرى، وضبابي بين تلك وهذه... وعادة ما  ينحاز المعنيون- وان لم يتقصدوا- وفي ميلٍ تلقائي لتسجيل وابراز ما هو مشرق منها بحسب رؤاهم، وان زينوا بعضها بعسل الكلام والسرد، او تناسوا بحجة النسيان... ولربما عمدوا ايضا الى هذه الحجة او تلك، احترازا من ان تُمسك عليهم هفوة هنا، اوكبوة هناك، او حتى  شبهات او وقائع "تزييف" في بعض الحالات!

   وأزعم ان الولع الاشد عندي في حب القراءة، وسأقول الداء العصي ولن أخاف، هو متابعة كتب واصدارات الذكريات والمذكرات، والتوثيــــق، والسير الذاتية، وما اليها. وفي جميعها، وعلى ما ازعــم ثانية: ثمة اختيارات تُستل، وافتعالات تهذب، وادعاءات باطنــــة او ظاهرة، ينتبه اليها المتلقي المتابع، بل ويصطــدم بها دون كثير عناء.... دعـــوا عنكم اولئك الذين لا قربى لنا، او تقارب، معهــم، ممن يدلسون ويحرفون، "ملثمين" كانوا ام "عراة".               

   ... وهكذا اذن، تعمدت ان ابتدأ بهذه السطور، لكي احترز بدوري، جهد ما استطيع، لانطلق بتوثيق جديد، وأعني به "على ضفاف السيرة و الذكريات" ليسعى فيجمـــع بيـــن شأني الخاص والعام، وكلاهما متشابكان، بل يكادان ان يتلاصقا، او هكذا  أُريد لهما ان يكونا.... فكيف يا ترى ستشيـــع كتابة تلكم "الضفاف" ايها الرجل، وهل ستخاف وقد راحت ستون عاماً "كخيلِ السبقِ تطّردُ"؟ .. أم ستدعها "حرةً تأتي بما تلدُ" ؟؟!!

* لا يولدُ المرءُ لا هراً، ولا سبعاً،

 لكنْ عصارة تجريـبٍ وتمريــنِ

     بعد السطور الاولى، التي مهدت لهذه "الضفاف من السيرة الذكريات" ها قد حان آوان السرد والتوثيق وما بينهما، وستُحار – ايها الرجل- من اين يكون البدء، والى مَ ينتهي، وبمَن يمر، ويستثني، ويفيض؟!...  ولأنك تريد ان تتميّز، وما بجديد عليك ذلك الطموح، فلتكتب دون تخطيط، او كثير تخوف، ولتصحح لاحقاً عند تطلب الامر، مع بعض الاعتذار!!!

    وكما هو الحال عند السابقين، وعند اللاحقين ايضا كما تتصور، فعليك  - ايها الرجل- أن تكتب عن النشأة والانتساب والحسب، والنسبِ. وتباهَ ولا تخف، فما انتَ طالبٌ مالاً، لانك "هنالك تاركٌ مالاً، وآلا"... اذن فلتقل ان السيد جواد بن السيد ابراهيم، بن السيد علي.... العريضي الجصاني، هو الوالد، الوديع، الاديب،  المولود في النجف، لأسرة فقه وعلم ودين، ثلاثة ارباعها تلف العمائم السوداء هاماتهم، وقد توفي في العاصمة السعودية، الرياض، بعد ان تغرب اليها اضطرارا، هضيمةً من اعتقال وعسف في عهد نظام البعث الاول، الاسود، في العراق عام 1963... وتوقفْ هنا – ايها الرجل الموثق- ولا تسترسلُ، ولا تنسَ ان ما تكتبه  ليس سوى"ضفافٍ" وحسب، لسيرة وذكريات.

   ولكن، ترى أيجوز ان لا تكتب عن الأم  "نبيهة" ؟ وهل تقدر ألاّ تقول بانها بقيت طوال عمرها ذي الخمسة والسبعيـــــن عاماً، متميـــزة لاكثر من سبب وبأكثــر من حال، ويكفي - ربما – لانها الشقيقة الوحيدة للجواهري العظيم، ومدللته، في اسرة فيها اربعة اخوة، استشهد اصغرهم – جعفر- في وثبة كانون عام 1948 ... وتأنّ - ايها  الرجل- ولا تكرر ما هو معروف عن تاريخ الاسرة الجواهرية، ولكن استدرك وقل لمن يريد الاستفاضة، فضولاً او محبة: ان في جحفل شعر الجواهري، العامر، ثمة اكثر من توثيق شعري، عن اخته، الحبيبة، التي بقي يناجيها "في تلك الدواوينِ" كما قال، وحتى رحيلها، فودعها بابيات مؤثرة، قلّ ان كتبَ مثلها من صميم قلبه ..

   والآن، هل من المفيد ان توثق، في باب النشأة والطفولة من "ضفاف الذكريات" فتورد: عاش للسيد جواد، وزوجته نبيهة، ستة ابناء، انتَ احدهم؟.. وما الذي يهم القارئ ان كتبت، ام لم تكتب، بانك الاصغر بينهم، وانك " الـ....." مثلاً؟! .... ثم تمهل ولا تزدْ، وتذكر ان خير الامور ما قلّ ودلّ، فلا احد – وقلْ "ربما" من جديد، وكم تحب هذه اللازمة؟- له نفسٌ ووقت لتفاصيل مملة، وما عليك – ايها الرجل- سوى ان تنتقل لمحور او باب اخر، ودع الناس يستريحون ....

    ولكن، استمحْ القراء برهة اخرى، واضف بعض محطات مختارة،  لا لانها "مهمة"  بل علّها تفيد في تبيان جوانب من جذور السيرة اللاحقة لكَ، ولضفاف ذكرياتك.. فاكتب مثلاً ان زواج السيد جواد ( 1909-1964) من نبيهـــة (1912-1987) اثار ضجة اجتماعية شهيرة، في اواسط  الثلاثينات الماضية، وكادت الحال ان تتفجر، لولا ان يقوم الجواهري، شقيق العروس، بـ"تهريب" الزوجين فجر يوم، وذلك من النجف الى "الرستمية"  قرب بغداد، تداركاً واحترازاً من قتلٍ ودماء. ومرة اخرى، أحلْ المتابع الشغوف – ان وجد-  ليقرأ في الجزء الاول من ذكريات الجواهري، ففيه ما فيه حول الامر ..

   كما واستدركْ ايضا، فلربما هناك من يريد معرفة المزيد عن "السيد" الوالد، فضفْ: انه عصامي، ديمقراطي الهوى ولم يتحزب، له اشعار اخوانية، ضليع في الرياضيات، تسنم مواقع تربوية عديدة، ومن اهمها: مدير معارف لعدة محافظات عراقية، كانت تسمى "الوية" في حينها، ومن بينها "البصــرة" و"بعقوبــة".. وكذلك "الكوت" التي كانت من نصيبك- ايها الرجل الموثق-  حين ولدت فيها بتاريخ 1949.11.24 .

    اما عن الاخوة الخمسة، فدع التفاصيل عنهم الى" الذكريات" وليس ضفافها، وقدم لذلك من الان: انهم متنوعو الاهتمامات، والرؤى، ومتميزون ايضا، اخذوا من اعمامهم واخوالهم، مع التنويه الى ان بعض ذلك "التميـز" كان استثنائياً في عديد من الاحيان، شؤوناً وشجونا !!!   ------------------------------ يتبع

 

 

 

 

هكذا آمن الجواهري

 

بمآثر الامام الحسين!!!

 

كتابة وتوثيق:

 

رواء الجصاني

 

* بعيداعن الخوض- خلال هذه التأرخة العاجلة- في عوالم النجف الروحية، والاجواء الدينية والادبية للاسرة الجواهرية، وتاريخها واثارها العلمية، دعونا نغور لماماً في دوافع، ورؤى قصيدتي "عاشوراء" و" آمنت بالحسين" للجواهري الخالد، وما تشيان، بل وتلهبان به، حول مأثرة "الطف" واحداثها الاليمة، والعبر المستوحاة من الثورة الحسينية، ومنابعها وجذورها ومبادئها وافاقها..

 

* والقصيدة الاولى: "عاشوراء" منظومة ومنشورة عام 1935 وكانت بثمانية وستين بيتاً، استعرض فيها الجواهري، ووثق خلالها العديد من الاحداث التاريخية، الثورية والمأساوية في ان واحد، وبالاسماء المقرونة بالاوصاف التي تليق – بحسب متبنياته– بالمضحين من اجل المبادئ، من جهة، وبمعارضيهم، بل ومحاربيهم وقتلتهم، من جهة ثانية...

هيَ النفسُ تأبى أن تُذَلّ وتُقهَرا ... ترَى الموتَ من صبرٍ على الضيم أيسَرا

وتخـتارُ محموداً من الذِكرِ خالداً...على العيش مذمومَ المَغَـبّـة مُنكَرا…

* وكما هو ديدنه الثابت، شبك الجواهري العام بالخاص، وبحورات مع الذات اساساً، ليستخلص وفي ابيات محدودات، ولربما في بيت واحد متفرد، عبرة العبقري الخابر للحياة:

ونُكّسَ يـومَ الطـفّ تـاريخُ أمـة... مشى قبلَها ذا صـولـةٍ متبختِرا

فما كان سهلاً قبلَها أخذُ مـوثـق على عَرَبيّ أن يـقولَ فيغـدِرا...

 

* وسيرا على عادته، ايضا، يوجز الشاعر المنوّرعظات واقعة الطف، وما سبقها وتلاها من بطولات وامجاد خالدة، ثم يروح موجهاً، دون وجل او تردد:

أقـول لأقوامٍ مَضَـوا في مُصابه ... يسـومونه التحريـفَ حتى تغيّرا..

دعُوا رَوعةَ التاريخ تأخـذْ مَحَلّـها ... ولا تُـجهِدوا آياتِه أن تُـحوّرا

وخلّوا لسانَ الدهر يَنطقْ فإنّه ... بليـغٌ إذا ما حـاولَ النطـقَ عَـبّـرا

 

 * واذ جاءت "عاشوراء" في زمانها، والجواهري آنذاك في عقده الثالث وحسب، مباشِرة في المعاني والتصريح، واقرب للتوثيق التاريخي، هدر الشاعر الخالد بعد مرور اثني عشر عاماً، بعصماء "آمنت بالحسين" التي فاضت بالتعبير عن المواقف والمفاهيم الطافحة بالإباء والشموخ، والممجدة للفداء والتضحيات، كما هي الحال في الفرائد الجواهرية العديدة، وان اختلفت في الصور والاستعارة:

فـداء لمثـواك من مضـجـعِ ... تـنـوّر بـالابلــج الأروعِ

ورعياً ليومـك يوم "الطفـوف" ... وسـقياً لأرضك من مصرع

تعـاليت من مُفـزع للحتـوف ... وبـورك قبـرك مـن مَفزع

 

* وفي مقابل ذلك تماماً، لم يجامل الشاعر الكبير أو يتهاون في هجو الخنوع والانحناء، وأولئك المقيمين على الذل، بل وحتى من يتوسط "كاللبن الخاثر" وغيرهم من اللاجئين "لأدبار الحلول فسميت وسطاً، وسميّ أهلها، وسطاءَ"..

ولربما نجتهد، ونصيب، فنرى في "آمنت بالحسين" مجمعاً للشواهد والأدلة الأبرز على الرؤى الجواهرية المتميزة، وبمقاييس بالغة الرفعة في تبجيل "الواهبين النفس" فداءً للمبادئ التي يؤمنون بها، وتلكم بلا شك هي التضحية الأضخم للدفاع عن القيم والذود عنها، كما يرى صاحب "آمنت بالحسين...

 

* وفي مقاطع تالية من العصماء ذاتها يستمر الجواهري في الاتجاه الذي يريد اعلانه عن تضحيات الحسين الثائر و"نهجه النير" الذي بات "عظة الطامحين العظام" لاولئك "اللاهين عن غدهم" والقنوعين دون احتجاج وتمرد أو ثورة.. كما يفيض عديد آخر من أبيات القصيدة بعواطف ومشاعر انسانية فائقة التعبير في تقديس الثبات والصمود لرجل يوم "الطفوف" و"الملهم المبدع" الثابت أمام "سنابك خيل الطغاة" دون خوف أو رهبة ... وبهدف أن يُطمر "جديب الضمير بآخر معشوشب ممرع...

شممتُ ثـراك فهب النسيم ... نسيم الكرامـة من بَلقـعٍ

وطفت بقبرك طوفَ الخيال ... بصومعـة المُلهـم المبدع

تعـاليت من صاعق يلتظي ... فـان تـدجُ داجية يلمـع

 

* ثم يروح الجواهري ليتمثل مأثرة الحسين التاريخية، و"يمحص" الأمر دون أن يرتهب من "الرواة" أو يخدع بما ينقلون، ويمضي هادفاً للحقيقة لا غيرها، وبدون "تزويق" أو مبالغات... وبعد ذلك فقط، يجد الشاعر أن في فداء الحسين دفاعاً عن مبادئه، وقائع لا أعظم منها، وهو "أن يطعم الموت خير البنين، من الاكهلين الى الرضع "... ثم يحل مسك الختام، فتجدد القصيدة تقديس ذلك الصمود والعطاء الذي "نوّر" من ايمان الجواهري، وفلسفته في الإباء والفداء، والتي تجسدت، كما سبق القول، في الكثير من قصائده ومن بينها: "سلام على مثقل بالحديد - 1951 " و"بور سعيد - 1956" و"كردستان - موطن الأبطال- 1962" والى "اطياف الشهداء الخالدين- 1963" و"فلسطين الفداء والدم - 1970" فضلاً عن قصــائد الوثبـة، الشـهيـرة، عــام 1948... وها هو الجواهري يناجي الحسين:

تمثلـتُ يومـك في خاطـري ... ورددت "صـوتك" في مسـمعي

ومحصـت أمـرك لم "ارتهب" ... بنقـل "الرواة" ولـم أخــدع

ولما ازحـت طـلاء "القرون" ... وسـتر الخـداع عن المخـدع

وجدتـك في صـورة لـم أُرعْ ... بـأعـظــمَ منهـا ولا أروعِ

 

* وللاستزادة، نقول أن قصيدة "امنت بالحسين" المتفردة في المبنى والمعنى، والرؤى، نشرت في جميع طبعات ديوان الجواهري، ومنذ العام 1951 وقد خُط خمسة عشر بيتاً منها بالذهب على الباب الرئيس للرواق الحسيني في كربلاء، كما أُنشدت، وتُنشد، في مختلف المجالس والمناسبات الاحيائية لواقعة "الطف" التي تصادف كما هو معروف في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم، كل عام....

------------------------------------

... الصورة المصاحبة للموضوع:

من ارشيف السيد سلمان هادي آل طعمة، ألتقطت في الصحن الحسيني بكربلاء، بتاريخ 1947.11.26 قبيل القاء الجواهري الخالد(الثاني من اليسار) لعصمائه "آمنت بالحسين"... ويظهر من اليمين: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، السيد عبد المهدي المنتفجي، السيد صدر الدين شرف الدين...

مــع تحيات مركز"الجواهــري" للثقافة والتوثيق

www.jawahiri.com

 

 

 

بمناسبة الذكرى 17 لرحيل الشاعر الخالد

 

الجواهـــري على قارعة الطريق ...

 

حيث وُلد وأقام ورحل..

 

توثيق: رواء الجصاني

 

    لعل أوجز، وأوضحَ ما يُـفيـد المتسائل والباحث العجول عن بعض مواقف واتجاهات الجواهري، وفلسفته في الحياة، هو ما حفل به منجزه النثري "على قارعة الطريق" ذو الألف والثلاثمئة كلمة تقريباً... ومما يؤكد اجتهادنا هذا، الاهتمام البالغ الذي أولاه الشاعر العظيم لهذه الابداعية المتميزة، وذلكم بإعادة نشرها في مقدمة، وبطون غالبية طبعات دواوينه، ان لم يكن جميعها، وعلى مدى عقود مديدة، ومنذ عام 1940.

·            لقد ولد الجواهري "على قارعة الطريق" شريداً، كما يزعم في رمزية قاسية... وظل يسير واضعاً مطلع الشمس على جبينه، متحملاً كل تبعات ذلك من معاناة وآلام... ثم يواصل وفي استعارة غاضبة أخرى أنه يأكل- في سبيل طماحه الانساني التبشيري- حتى من لحمه، ولحم أولاده عندما تضطره الحاجة، ويطعمهم لحمه إن تطلب الأمر.

·            وحسب زعمه الثائر أيضاً، فقد ترك المدينة وأهلها لأنه رفض أن يرقص فيها مثل القرود التي لم تهب الطبيعة لأحد مثل حيلتها وصبرها على المجاراة... و"على قارعة الطريق" أيضاً وأيضاً، حيث اختبرها الجواهري، واختبرته، اكتشف الشاعر، كثيراً من الوقائع والحقائق التي تمكن في ضوئها من رسم وتحديد مساراته في الحياة، ولكي ينتهج بعدها الدروب والطرائق المناسبة في مجمل ما أراد من أهداف وغايات... وليبقى يغنى ما قدر له، ولكن لنور الشمس أولاً... وكما صرّح علناً لصديقه، عابر السبيل.

·            لقد كتب الجواهري تلكم "القصيدة المنثورة" قبل رحيله بنحو ستة عقود، ولكنه من شدة الإيمان بما جاء فيها من موحيات ورمزيات، ومحطات فلسفية، ظل يعتز بها، عصارة لبعض ما أراده من تنوير وإضاءات اجتماعية، عن طريق التحريض والاثارة، وهو سبيل اختطه في الكثير من قصائده، بهدف التمرد، والانهاض، والتطلع للحرية والارتقاء، وان غلت التضحيات.

·        
-----------------------------------------------------

·         مع تحيات مركز الجواهري في براغ

·         www.jawahiri.com

·          

 

هكذا أحتفل

 

 الجواهري بعيد ميلاده الثمانين

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

 


       مع حلول عام 1982 يحتفل الجواهري، الشيخ – الشاب، بعيد ميلاده الثمانين، وان اختلف مع بعض المؤرخين والنقاد الذين ثبتوا ولادته في عام  1898 بل وخاصم البعض منهم لذلك السبب... وبهذه المناسبة راح الشاعر العظيم يبث شجوناً كانت، وبقيت، واستمرت تؤرقه على مدى عقود، ومن أشدها ألماً، ما يزعمه ويراه، من جحود البلاد له، والتي اضطر للاغتراب عنها مرة أخرى واخيرة، مطلع عام 1980، بعد اشتداد ارهاب وعسف العهد الدكتاتوري الساقط، والذي طال بعض أهل بيته حتى... وقد انطلق في قصيدته التي نتوقف عندها يعاتب، ويدين زعامات سياسية وثقافية وغيرها، حاولت أن تنال من عبقريته وأدواره الوطنية والثقافية ... وهكذا جاءت رائعة :يـا ابـن الثـمـانـيـن" ومن مطلعها:

حسبُ "الثمانين" من فخر ومن جَذَل، غشيانُها بجَنان ٍ يافع ٍ خضل ِ
طلقٌ كما انبلج الإصباح عن سَحَر، ند ٍ، وزهرُ الربى عن عارض هَطِل
"
يا للثمانين" ما ملَّت مطاوحَها، لكن يُعاودها خوف من الملل

 ...
      ولم يشتعل ضرام آهات ولواعج هذه اللامية المطولة من تراكمات وحسب، بل ان الجواهري، وهو في غربته الجديدة في براغ، والتي صارت مديدة فيها، وفي دمشق، حتى رحيله في عام 1997، أُُبلغ بصدور كتاب لئيم، ألفه "أكاديمي" عراقي، حاول فيه ان يطال الشاعر العظيم، وبعض سيرته وحياته وابداعه. وقد تناولته بائية جواهرية ساخرة، هادرة، بعنوان "عبدة الغجرية" عام 1982 بعيّد نشر ذلك المؤلف المشبوه مضموناً وتمويلاً... وفي المقطع التالي اشارة، وان دون مباشرة، لذلك الحدث:


وأنت يا ابن "الثمانين" استرحتَ بها، كما تظنّنتَ من لوم ٍ ومن عذَل
جاءت تحييك في أعيادها قِذَعٌ، نكراءُ، لقَّنها الساداتُ للخَوَل
وفَّتْكَ نُذراً لها عما وَفيتَ به، من النذور ِ لَدُن أيامِكَ الأوَل
يا ابن "الثمانين" صبراً أنت صاحبُه، في ما تضيقُ به اضلاعُ مُحتمل ...
وكن كعهدك "سَحَّاراً" بمعجزة ٍ، ُتحوِّلُ الصَّابَ مسموماً إلى عَسَل ِ


...
  ثم تعود القصيدة في الأبيات اللاحقة لتردَّ على تلكم التجاوزات ولتواجه وتتصدى لاصحابها، وأسيادهم، الذين سعوا جاهدين للنيل من الرمز العراقي الكبير، بهذه "الحجة" تارة، وبغيرها، من مزاعم، تارة أخرى... وجميعها لم تستطع إلا أن تثير "زوابع في فنجان" بحسب الجواهري في مجالس خاصة... ثم لتخمد وأصحابها، وليبقى الشعر، والابداع وصاحبه، خالدين:


يا "ابن الثمانين" كم عولجت عن غَصص، بالمُغريات فلم تَشْرَقْ ولم تَمِل ِ
كم هزَّ دَوحَكَ من "قزْمٍ" يُطاولُه، فلم ينلْهُ ولم تقصر، ولم يَطُل ِ
وكم سعت "إمَّعاتٌ" أن يكون لها، ما ثار حولك من لغو ٍ، ومن جدَل ِ
ثبِّتْ جَنانك للبلوى فقد نُصبَتْ، لك الكمائنُ من غدر ٍ، ومن خَتَل ِ
ودَعْ ضميرَك يَحذَرْ من براءته، ففي البراءات ِ مَدعاةٌ إلى الزَّلَل ِ
لا تنسَ أنكَ من أشلاء مجتمع، يَدينُ بالحقد ِ والثارات والدَّجَل ِ
حرب ٍعلى كل "موهوبٍ" وموهِبة، لديه، مُسرَجة الأضواء والشُّعَل ِ ...
عصَّرتهم فتحمَّلْ وضرة الثقل، ودُستهم فتوقعْ غضبةَ الخَوَل


     وبعد كل التمهيد أعلاه، يحين الوقت كما رأى الشاعر، ليوضح المزيد من "التفاصيل" ذات الصلة ومنها هجوم "الأذناب" و"الأسياد" من جهة، وصمت "المحبين" و"القادرين" على الرد من جهة ثانية... ولعلّ مواقف الأخيرين كان أشد إيلاماً لأنهم تناسوا عهود الاخاء ومزاعم الود ومشاعر التقدير التي كانوا يبدونها للجواهري بمناسبة، وبغيرها، حباً واعجاباً حقيقياً أو زائفاً.. ويقول بهذا الشأن:


نُبِّئتُ "شِرذمةَ الأذناب" تنهشني، بمشهد من "رُماة ِ الحي"مـن "ثَعَل"
يا للحفيظَة ِ لم تظفَرْ بذي شَمم ٍ، وللشهامة ملقاة ً على طللِ


...
وهكذا يتواصل القصيد جدلاً وحواراً وفلسفة ورؤى حول "الأصالة" و"الرجولة" و"المدعين" و"الهاربين" و"الناكثين" وغيرهم، ممن لم ينتصروا للحق – كما يرى ذلك الشاعر على الأقل- منوهاً إلى تجاريب كثيرة كان لصولة الحرف فيها، الثبات والانتصار... وتستمر التساؤلات والادانة:


أيستثيرُ دمي "وغْدٌ" و"صاحبُه"، بما يثير رمال السَّهل ِ والجبلِ
ولا يندّ فمٌ، لا بَعْدَه خَرَسٌ، ولا تُمدُّ  يد ، لا تشْفَ من شلل ...
قد كان شوطُ رجولات ٍ مشرِّفةٍ،  لو كان تحت سِبالِ القَوم ِ مِنْ رَجُل..
الخانعين بمنجاة ٍ تسومُهمُ، جدعَ الأنوفِ، وذلَّ العاجز ِ الوكِل ...
والناكثين بعهد ِ الحَرْف ِ منتفضاً، على الضغائن والبهتان والدجل:
إن الحياة معاناة وتضحية، حب السلامة فيها أرذل السبل
وللبطولات جولات، وكم شهدت، سوح الوغى "لحماة الحرف" من بطل
وثمَّ من لعنة ِ الأجيال جازيةٌ، تقتصُّ من قولةٍ حَقٍّ ولم تُقَلِ


...
وقبيل ختام القصيدة التي بلغت أكثر من سبعين بيتاً يعود الشاعر المهضوم، موضحاً، ومدافعاً عن النفس أولاً، ثم ليفضح بكل صلابة وعنف مدعين مزعومين، و"زعاماتهم" التي لولاها لما استطاع أولئك ان "يستأسدوا" على الجواهري مستغلين غربته بعيداً، أو مبتعداً عن الوطن:


أقول "للخِدن" ما حالت مَودَّتُه، فظنَّ أن عهود الناس لم تَحُل ِ
سلني أُجِبْكَ بما يعيا "الجواب" به، وإن ينل منك إشفاقٌ فلا تَسَل ِ
فقد تقرحتُ حتى العظم من شجن، دامي الشكاة ِ بلوح ِ الصدر معتمِل
أُجِبْكَ عن نُصُبٍ أعلام ِ "مقلمَة"، غُفْل ٍ ، شتات ٍ إذا كشَّفتَهم ، هُمُل ِ
و"للتماثيلُ" يستوحى بها "مُثُلٌ"، خيرٌ من البشر الخالين من "مُثُل ِ"
"
خُرْس"وإن خَرقوا الأسماع في هَذَر، يُغْثي النفوسَ، وفي مرصوفة "الجُمَل"
وعن "كروش" "زعامات ٍ" كأنَّ بها،من فرْط ِ ما اعتلفتْ، مَسَّاً من الحَبَل
يستأسدون إذا مُدَّ العنانُ لهم، فإن يُشَدَّ تردَّوا بِزَّة "الحَمَل""...


...
وكما هي الخلاصات التي يقدمها القادرون في نهاية عطاءاتهم، أو الرتوش التي يضعها الفنانون قبيل عرض ابداعاتهم، يختار الشاعر فضيلة التحذير نهاية لقصيدته، ومذكّراً من يريد أن يتذكر قدرات الجواهري في مواجهة اللؤماء ومن يقف وراءهم، والاخيرين هم الأكثر قصداً من غيرهم على ما نظن:


يا "صاحبي" وحتوفُ "القوم" طَوْعُ يدي، وكم أتتهم "رياح الموت" من قِبَلي
أجِلْ يراعَك في آجالهم مِزقاً، فليس عندك بعد اليوم من أجل ِ
واضرب بهم أسوأ "الأمثال" سائرة ً، حتى تَثَلَّمَ فيهم مضربَ المَثَلِ !

-------------------------------------------------------------

مع تحيات مركز الجواهري في براغ

www.jawahiri.com

 

 

بمناسبــة الذكــرى الثانية لرحيله

محمـود صبــري

يوميات، وشهادات شخصية

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

       برغم مرور عامين على رحيل محمود صبري، الفنان والمفكر الرائد، والانسان قبل هذا وذاك،  لم ازل ما بين مصدق ومكذب ذلكم الخبر المؤسي، فتطوف الخيال بين حين وآخر ذكريات ومعايشات، دامت نحو ربع قرن، وقد كتبت عن بعض منها في الذكرى السنوية الاولى للفقيد الجليل التي صادفت في 2013.4.13 ...

... وإذ كتب، ويكتبُ، اهلٌ واصحاب ومعارف ومتابعون، قبل الرحيل وبعده، عن محطات تاريخية في حياة محمود صبري، ومواهبه وفكره ومنجزه الثري، دعوني احدثكم هذه المرة عن لمحات من نهار وليل تقليديين في حياة  ذلك العبقري، وبما قد يسهم في ان تكتمل الصورة النيرة عنه كما أزعم، لما فيها من اشارات ومؤشرات تتشابك لتضئ انسانية رجل متفرد، وقد "قــلّ الرجالُ فقيـــلَ: ذا رجلُ" ..

** صور يوميـــة  

     يبدأ نهار محمود صبري، التقليدي متأخرا بعض الوقت، إذ يسهر غالياً ما بين قلمه وفرشاته وأفكاره وعوالمه المتألقة، وعادة ما يكون إفطاره بسيطا، يهيئه لوحده، ثم يستمر بمتابعة الاخبار، وجلها من اذاعات تبث بالانجليزية، مبتعدا عن الضجيج العربي... دعوا عنكم مجافاته للتلفزيون الذي لم يكن ذا صحبة معه، بل ولم يضمه اثاث شقته ذات الغرفتين،  المتواضعة والانيقة في آن، والتي عاش فيها الرائد الكبير طوال عقود، في الدائرة العاشرة من العاصمة التشيكية – براغ..

     ولأن الرجل يتابع شؤونه بنفسه، ولا يرغب بتكليف احد بها- الا في ضروريات لا حول له بها، خاصة وان لغته التشيكية ليست بالكافية-  لذلك كان في الظهريات يراجع البريد، ويتسوق لمتطلبات البيت التقليدية، ويعود لمواصلة البحث والقراءة والترجمة، والغوص في الكتب والمصادر الفكرية – الفلسفية في الغالب الاعم .

      ولأنه نباتي، فلم يغرق في "هموم" الغداء والعشاء وما بينهما، مكتفياً بالفاكهة والخضار ومشتقات الالبان، وبعض الحلوى. ولكن دون الاستغناء عن الشاي المرادف، وعلى طريقته الخاصة .. وهكذا كان يستغل اقصى ما استطاع من وقت للبحث والعطاء.

     والرجل قليل الزيارات، وخاصة في الاعوام العشرين الاخيرة من حياته الزاخرة، ان لا ابالغ فأقول بأنها بقيّت اكثر من محدودة، وكذلك كانت الحال بشأن استقباله للزائرين والضيوف، مع الاستثناءات طبعاً للقريبين والمقربين، وممن كان يظنهم  بعيدين عن الضجة والضجيج، والكلام والاحاديث المكرورة المملة، ثقافية كانت أو سياسية، وعداهما. ... ولكن وفي نفس الوقت، ما اجلّه في تعقب واحترام المناسبات الخاصة والشخصية للاصدقاء والمعارف وحتى غيرهم، المفرحة منها والمحزنة .

    ولاغراض التريض، وتغيير الاجواء، كان محمود صبري يحب التمشي، وفي المساحات الخضراء عادة ، وحتى لساعتين متواصلتين احياناً. وقد "تورطت" معه اكثر من مرة، حين يكون ذلكم الثمانيني مسترسلاً في متعته، وانا ذو الخمسين الى جانبه، الهث للحاق به!!! حتى بدأت اهـــرب من ذلك التقليد، لنستعيض عنه بجلسة مقهى هنا، أو رحلات قصيرة بالسيارة، هناك.   

** لمحات شخصيــة

    وأذ تستدرجني الكتابة، وتتشابك اليوميات، بشؤون اخرى، فلأحدثكم عن بعض السمات الشخصية للراحل الجليل، المرادفة للممتلئين وحسب. ومن ذلك تواضعه الجم مع الكبير والصغير، النابه والبسيط، القريب والبعيد. وكم من المرات أخجل الاخرين بتلكم الصفة الاستثناء، النابعة باقتناع دون تصنع أو ادعاء....

        كما اشهد هنا اني لم اسمع من الرجل، ولأزيد من ربع قرن، ولا كلمة سوء عن احد، ولا انتقاد او نقد شخصي. سوى حوارات وجدل دقيق حريص، عميق متأصل.  ولقد حاولت وأنا في خضم هذه التأرخة العجلى، أن استذكر ولو مشاركة كتابية واحدة لمجمود صبري، تُشمُّ منها قسوة او مغالاة أو تشدد شخصي....

       غير ان ذلكم الثبات اعلاه، غير مشمول، طبعاً، في ما يتعلق بالجوانب الفلسفية والفكرية، والوطنية، التي لا مساومة او تردد لديه بشأنها. ومن يريد دليلاً فليعد لدراسة لم تتكرر كما أدعي، حول المقارنة بين " العفلقية والفاشية" نشرها محمود صبري، سنتي 1963و1964 على صفحات ثلاثة اعداد من مجلة "الغد" الصادرة في براغ، عن اللجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي، برئاسة الجواهري الكبير، والتي تشكلت بعيّد الانقلاب البعثي الدموي الاول في شباط 1963. وقد كان الرجل يشغل المسؤولية الفعلية عن تحريرها،  بصفته عضوا في تلكم اللجنة العليا .

... ولأن الالتزام بالمواعيد، وبالوعود، ظاهرة حضارية، فمن الطبيعي تماماً ان تكون من سمات محمود صبري. وهنا دعوني اتباهى مجدداً  فأتحدث عن ايفاء الرجل بقراره في تبني مشروع "بابيلون" للثقافة والاعلام الذي اطلقنــــاه، أنا وعبد الاله النعيمي، أواخر العام 1990 ... فقد بقي الرائد الجليل راعياً للمشروع، بل ومصمما لابرز اصداراته الاولى، وموجهاً له وحتى الايام الاخيرة من رحيله الى الخلود. وما زال غلاف المجلة اليومية، ثم الاسبوعية، التي ما برحت تصدرها مؤسسة بابيلون، ومنذ ازيد من ثلاثة وعشرين عاما، بأسم " انباء براغ" يحمل ذات الغلاف الذي صدر به العدد الاول، بتصميم: محمود صبري .

    والرجل أنيق ليس في كتاباته وأفكاره وفنه وقيمه، وحسب، بل اقترن كل ذلك باناقته في الملبس والترتيب، وكيف لا وهو الفنان – الانسان. ولا تتخيلوا ان تلكم الاناقة ، والمظهر، نتيجة ثياب ممهورة بغالٍ أونفيس، كما اولئك الاخرون! ..فبكل بساطة كان يلبس الرجل، ولكن بذوق وتناسق. وقبل ان انسى لا بد ان اضيف الى ذلك: أن الطبيعة قد حبته شكلاً  وقواماً ممشوقاً، فارعاً، مما اضاف اليه وسامة متميزة، كما هو تميزه في عوالمه ومنجزه الثري.

      أما عن أعتداد محمود صبري بعطائه، وشخصيته، فلا اظن أن أثنين من عارفيه يختلفان بأنموذجته في ذلكم الشأن، وليس من منطلق الغرور، أبداً، ولكن من فيض ثقته العميقة بالنفس، وقناعاته المستندة لما آمن به من مبادئ وأفكار وقيم. وكل ذلك بعيداً عن الاضواء، والبهرجة والافتعال. وهكذا بقي الفقيد الجليل مَحج رواد، وكل ذوي الفهم والمعرفة، والعاملين في مجالات الفكر والثقافة والسياسة والفن... وميادين الوطنية الحقة!  

     ... ثم دعوني أتوقف أيضاً عند واحدة أخرى من مآثر محمود صبري، وتلكم هي عزوفه الراسخ عن شؤون ذاتية كم سعى ويسعى اليها آخرون... واعني هنا ابتعاده وحتى ايامه ألاخيرة عن الطلب أو المطالبة بحقوق وطنية وسياسية ووظيفية، أذ لم تَدر في خلده هموم الراتب التقاعدي، أو احتساب الفصل السياسي- دعوا عنكم الجهادي!!- بعد سقوط النظام الدكتاتوري في العراق عام 2003 .وقدبقي الرجل خارج اللعبة، وكذلك عن لاعبيها الذين نسوا أو تناسوا - مع أستثناء هنا وآخر هناك- احد ابرز رجالات العراق في  القرن العشرين، فكراً وقيما ومبادئ . 

      أخيرا، وكما هي عادتي في الاحتراز من مقصودين، أقول ان كل ما سبق من وقفات جاء عن معايشة مباشرة، على مدى ربع قرن، وكم يعجبني ان أتباهى بها، فكم مثل محمود صبري، كان، وكم بقي مثله، أو سيأتي؟... وأما قِيل:

يموتُ الخالدونَ بكل فجٍ، ويستعصي على الموتِ، الخلودُ

 

 

 

 

 

مع الجواهري  بعيدا عن السياسة والادب !!- 15

الحلقة الخامسة عشرة( الاخيرة)

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

62- الجواهري وزكي خيري، وخلاف الرأي...

     من بين ابرز الشخصيات السياسية الوطنية، والشيوعية، التي جذبت الجواهـــري، وتجاذب معه، كان زكي خيري، برغم عدم اتفاقهما في العديد من المفاهيم، والشؤون، وخاصة العراقية، ولعل مقولة "وخلاف الرأي لا يُفسد في الود قضية" ينطبق في هذه الحال تماما.

      وأذكر هنا ان دعوة عشاء ضمت الرجلين، في شقتنا ببراغ أواسط الثمانينات الماضية، شهدت الكثير من الذكريات عن عقود وسنوات سالفة، عاشاها، وتعايشا معها سوية ، فكرا وسياسة وما بينهما كثير... ثم احتدم  الحديث عن رواهن عديدة، جدالاً ساخناً، واكثر من المعهود، خاصة وان كلاً من الجواهري وخيري، معتدٌّ برأيه، ولحدود بعيدة.. أما محاور ذلكم الجدال، والسجال، فكانت اجتهادات ورؤى سياسية ، ولكن من أهمها: الموقف من الجبهة الوطنية في العراق إبان سبعينات القرن الماضي، والحرب العراقية – الايرانية، والموقف"الاممي" منه... ولأن هذه المحطات التي نؤرخ لها، وبعض عنوانها "بعيد عن السياسة"  فلن نبوح بالمزيد !!!!

 

63- الجواهري عن بنت الشيطان.. وسميح القاسم

   كتب الجواهري، قصيدة فريدة، بعد رهان مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، على الفوز بمطربة تشيكية فاتنة، في احدى مغاني براغ عام 1973ومن ابياتها:

 

يا بنت شيطان كفاهُ ان يكون اباك فخرا
كان التقربُ منه كفراً، وارى التغرب عنك كفرا
ما اوحشَ المغنى فان رقّصتِ منه فما احرّا
صيرته أنِساً، وكانت سوحه وحشاً تضرى..
وابحتِ "سرتك" التي ضاقت بما استودعتِ سرا
لم استطع صبرا، وهل غير الحمار يطيق صبرا...

 

وقد ردّ سميح القاسم ، ذو الثلاثين عاماً، معترفاً بفوز الجواهري - ابن السبعين في حينها – بذلكم الرهان قائلاً:


مهلاً فُُديتَ "ابا الفرات" فأنتَ بالحسناء احرى
اغريتُها شعراً، واغرتها شؤون منك اخرى ...
سحر ٌ– لعمري– ما صنعتَ ، وكان بعض القول سحرا

 

    .. وبالمناسبة، حكى لي الجواهري، بالترابط مع الواقعة اعلاه، ان سميح القاسم وصديقه، ورفيقه، محمود درويش، "أقتحما" ودون مقدمات، غرفته في احد فنادق العاصمة البلغارية - صوفيا، ذات صباح من صيف عام 1968 وكانا مشاركين في مهرجان الشبيبة والطلبة العالمي هناك، والجواهري ضيف شرف عليه... وأصرا ان يتصورا معه، حتى وهو في ملابس النوم، صادحين بما معناه: انها فرصة العمر، وبدون صورة معك، لا تكتمل مشاركتنا في هذه الفعالية التاريخية.

 

64- الجواهري يتيه ساعة في براغ

     حدث، ولظروف خاصة، أن استبدل الجواهري، مؤقتاً، "شُقيّقته" في منطقة براغ السادسة، بشقة صديقه عادل مصري" ابو سرود" في منطقة براغ العاشرة، والتي لا تبعد عن سكننا الا بنحو مئتي متر تقريباً، وكان قد تردد عليها اكثر من مرة. وجاء للعشاء لدينا ذات ليلة في عام 1987 وكنت حينها في موسكو بسفرة عمل.. وجرى ما جرى، بحسب ما تنقل نسرين وصفي طاهر، زوجة كاتب هذه السطور:

     كنت مع أختي نضال، وولداها من نزار جلال البياتي: بشار ووصفي. وكانت عندنا سعاد الجزائري وزوجها صادق الصايغ، وأنتظرنا الجواهري لاكثر من ساعة، والطريق لا يستغرق أكثر من عشر دقائق، فبدأ القلق يساورنا، وخرجنا جميعا متوزعين في كل الاتجاهات، للبحث عنه. وقد كدنا ان نتصل بالشرطة للمساعدة، لولا ان نسمع صوت"وصفي" ابن العاشرة في حينها وهو يصيح بصوت عال: وجدته .. وجدته!!. ووصل الجواهري تعباً بعد ان سار طويلاً، ولنعرف بعدها أنه اختار اتجاها معاكسا تماما لموقع شقتنا، ويبدو انه كان غاصاً في عوالمه، بعيدا عن الدنيا...

--------------------------------------------------------

.... وهكذا نتوقف عن الكلام المباح، وربما بعض غير المباح، عن شؤون خاصة وشخصية، للجواهري الخالد، ويوميات ومعايشات ظنناها- وما زلنا- تسلط ضوءاً اكثر حول ذلكم الذي "شغل الدنى والكون طراً، وآلى ان يكونهما، فكانا" وأقلاً على امتداد القرن العشرين. كما نحسب انها راحت تؤشر لجوانب من مواقف ورؤى جواهرية، بهذا الشكل او ذاك، ولمسارات من حياته المفعمة بالجديد والاستثنائي...

وأعترف هنا ان العديد من اللقطات والمحطات التي تم نشرها في الحلقات الاربع عشرة السابقة، حظيت بأهتمام محبين ومتابعين كثيرين، كما و"نقدات" من آخرين، بزعم ان بعض الخصوصيات لا يجوز النشر عنها. وبرغم ذلك فقد استمريت، مستلهماً ما قاله الجواهري عن نفسه ذات يوم:

خير الشفاعة لي بأني كاشفٌ حرَّ الضمير وقائلٌ: هذا أنـا

    كما وأعترف ايضاً بأن حساباتي كانت الاكتفاء بحوالي عشر لقطات وحسب، وإذ بالذاكرة- ويا ويلها- تقود لاكثر من ستين موقفاً ومحطة ولقطة جواهرية، لم يُكتب، أو يُنشر عنها من قبل، ودعوني أشير هنا للتاريخ، بأن ثمة في الجعبة، ووريقاتي، الكثير الآخر من "المحطات" الخاصة، والشخصية، وكم اتمنى لو يسعف الوقت، لكي ترى النور كما يُقــــال..

-------------------------------

مع تحيات مركز الجواهري في براغ

www.jawahiri.com

 

 

 

 

 

 

مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب !! (14)

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

 

58- الجواهري بضيافة ابي جهاد

      يزورالزعيم الفلسطيني خليل الوزير "أبو جهاد" براغ، في النصف الثاني من الثمانينات الماضية، لاجراء محادثات ، غير معلنة، مع الجهات السياسية الرسمية، ويشمل برنامجه الخاص لقاء مع الجواهري، الذي اصطحب معه ابنه "نجاح".. وبحضور سفير فلسطين سميح عبد الفتاح، وعدد محدود من اعضاء الوفد الزائر. وبحسب ما توفر من معلومات فان من اهم ما تناوله اللقاء، العتب الجواهري الشديد على نشر مجلة" فلسطين الثورة" موضوعاً، لشاعر سوري، اساءت للشاعر الخالد، وقد حمل ابو جهاد معه خلال اللقاء، اعتذارا فلسطينيا رسميا، حول ذلك الامر.... ويروي "نجاح" ان اهتماماً بالغاً أُحيط به الجواهري خلال اللقاء، اعتزازاً بمكانته، وتقديراً لعبقريته.

 

59- الجواهري "يَــلحَن" بالعربية !

    في الطريق مع الجواهري، بالسيارة، الى منتجع" كارلوفي فاري" الذي يبعد نحو ساعة ونصف عن براغ، وبعد احاديث و"ومناكدات" تقصدت ان أسمعه شريط كاسيت، لمختارات من بعض قصائده المحببة اليه، وبالقاء غنائي جواهري- حداء نجفي- كان يُوزن شعره عليه، ليعرف ان كان فيه خلل أو زحاف، ولا تخرج القصيدة للناس إلا بعد ذلك، بحسب العديد من تصريحاته ..

     وكنت اسمع بين برهة واخرى، خلال سماع الكاسيت، آهة من الجواهري تتبعها ثانية، وعلى مدى ربع ساعة تقريباً. ثم وبلهجة ممتعضة، طلب مني ان اغلق الشريط مع كلمتين: " فُكنه، كافي" . وقد حدست السبب، بل وكنت أتوقعه حتى... ثم فاجأته بالقول: ما رأيك بأسلوبي وطريقة تقليدي لك في الحداء؟... فأخذ نفساُ وصاح:

لمَ لمْ تقل ذلك من الأول؟ كدت أتفجر، فأنا لا يمكن ان ألحَن.. وقد كنت

 بين مصدق ومكذب نفسي بأن هذا التسجيل لي، ومع ذلك فقد أجدتَ

 في التشبه يا "..........."  !!.

     وأذكرهنا واقعة ذات الصلة، وهذه المرة مع مريد الجواهري، وتلميذه، محمد حسين الاعرجي، وكنت معه، وكفاح، نجل الشاعر الخالد، في غرفتين متجاورتين، باحد فنادق أربيل، خريف عام 2000 مشاركين في الاحتفاء بمئوية الجواهري .. وإذ بي أسمع الاعرجي منتحباً، حين كنت  أتغنى" أحدو" ببعض ابيات "دجلة الخير" و"قلبي لكردستان" على الطريقة الجواهرية – النجفية.. وترجاني ان أتوقف عن ذلك لأنه لا يتحمل المزيد من الأستذكار للشاعر الخالد.

 

60- سفير عراقي يفشل في استثارة الجواهري..

   روى لي الجواهري ذات مساء في اواسط الثمانينات الماضية، ان باهر فايق، سفير العراق لدى براغ في الستينات، ألح عليه لتلبية دعوة عشاء في بيته، وبعد ان عرف اسماء المدعوين، وهم  جمع محدود من الشخصيات والاصدقاء، وافق على حضور تلك المأدبة. 

    وخلال الجلسة لاحظت- والحديث للجواهري- ان صاحب الدعوة يتصرف معي بشكل غير طبيعي، من قبيل انه يُضيّف الاخرين قبلي، ويقطع حديثى عندما كان الاخرون يُنصتون، وهكذا. وإذ تكررت الحال، هممت بمغادرة الجلسة، ممتعضاً، واذا بباهر فائق، يحول دون خروجي، ويخاطب المدعوين: لقد فشلت خطتي المقصودة، فلقد أردت ان أغضب شاعرنا الاكبر، لكي احصل على بيت هجاء منه، بعد ان يأسي من بيت مديح، وأذ به يضنّ علي حتى بذلك. ... ثم اعتذر عن المقلب الذى لم ينجح، واستمرت الجلسة أخوانية.

 

61- الجواهـــري.. ولغة الثيـــاب

      كتب الينا "محب" انه تمعن في الصور المنشورة للجواهري، في السبعينات والثمانينات الماضية، وتبين له ان اربع بدلات فقط،  ظهر بها الشاعر الخالد طيلة ذينك العقدين: واحدة بنية اللون، وثانية رمادية وثالثة "مخططة" والاخيرة سوداء . ولم يعلق- المحب الراصد-  سوى بجملتين أو ثلاث: هكذا هو الرمز الذي شغل الدنيا والناس، بعيداً عن "الموديلات" والاربطة الموشاة، والقمصان المطرزة، وغيرها من مكملات..

   ونضيف: ان ذلك حقاً كان واقع الجواهري، فلم يهتم كثيرا بتلكم "الاضافات" التي يراها البعض ضرورية لاستكمال الشخصية.. وقد بقي بأقل "أنـــاقة" مفتعلة، مستنداً الى "أناقــة" شخصيته، وشعره، وسلوكه الانساني ..

   وما دام حديث الملابس سالكاً، دعوني أشهد ان الجواهري، في فترات بقائه لوحده في براغ، كان يغسل ثيابه- عدا البدلات- بنفسه، وينشرها، مع بعض كواء احيانا، وهن محدودات، وبسيطات، ولنقل تقليدية، لتقريب الصورة ... وهاكم ما كتبه هو عن بعض ذلكم الشأن عام 1977:

شَمّرتُ أرداني لنصفِ، وَغَسَلتُ أثوابي بكفّي

ونشرتُها للشمسِ للنّــظراتِ، للأرواحِ تَسفي..

وظللتُ أرمُقُها باسجاحٍ، وترمُقُني بعُنف

لغةُ الثيابِ عَرَفْتُهـا، وأجدتُها حَرفـاً بِحَرْف

لم أنخـدِعْ برفـيـفِـهـا، عِلماً بما تحتَ المِــرَفّ

فلَطالَمـا خَفَقَتْ على شرِسٍ، كجلدِ "الفيل" جِلف

ولطالمـا خَلقتْ على، سَمْحٍ كضوءِ الفجر عَفّ....

----------------------------------------

وللحديث صلة، في الحلقة الخامسة عشرة

مع تحيات مركز الجواهري في براغ

www.jawahiri.com

 

 

 

 

مع الجواهري بعيدا

عن السياسة والادب !! (13)

 

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

 

54- رسالة من الجواهري الى فاتسلاف هافــل

      تحت عنوان "رسالة من أديب الى أديب" وجه  الجواهري اوائل عام 1991   سطورا عاجلة الى فاتسلاف هافل، رئيس تشيكو سلوفاكيا، حول شأن شخصي، بعيد عن السياسة والثقافة، لم يحن الحديث عن تفاصيله بعد... وقد قام عبد الاله النعيمي بترجمة الرسالة الى الانجليزية، ولم تمر سوى أيام قليلة وحسب، حتى جرت متابعة الامر من جهة رئيس الجمهورية، وبكل اهتمام .

   وأذكر هنا كم تمنى الجواهري ان ترفق مع الرسالة ترجمات ما لشعره الوافر، بالتشيكية، عن براغ واهلها وطبيعتها وحسانها، ولكن دون جدوى، اذ لم تكن هناك اصلاً مثل تلكم الترجمات، برغم ان لفيفاً عراقياً- وعربياً ايضاً- من المثقفين والمترجمين، وبعضهم مشهود له بالقدرة والحرفية، احاط بالشاعر الخالد، ولنحو ثلاثين عاما في براغ، ولكن احداً لم يجهد، بل ولم يفكر- ربما؟- في اختيار وترجمة ولو ابيات معدودات من قصائد الجواهري، الى اللغة التشيكية. ودعونا نتباهى هنا- ولم لا؟؟- باننا في "مركز الجواهري" قد سبقنا الجميع في ذلك، فهيأنا، وساعدنا في ترجمة عدد مقبول، نسبياً، لمقاطع من قصائد الشاعر الخالد، واصدرناها مجموعات، ابتداء من عام 2000 ومن بينها مقتطفات من: "حببــــت الناس كل الناس" و"أطــــلت الشوط من عمري" و"بائعة السمك"و"براها" وغيرهن، أبدع بترجمتها الاديب والمستعرب التشيكي الحاذق: يا رومير هايسكي.

 

55- الجواهري، وبليغ حمدي وصفوان بهلوان

      في احدى مساءات دمشق، أواسط الثمانينات، شهد صالون الجواهري ضجة، وكنت هناك، حين جاء الموسيقار صفوان بهلوان، ملحن الابيات المختارة من قصيدة الشاعر الخالد عن سوريا "شممت تربك لا زلفى ولا ملقا" التي نظمها الشاعر الخالد عام 1978، وأدتها المطربة المتميزة، ميادة الحناوي ...

      وخلاصة الحدث التي نعني، هي ان صفوان بهلوان، وكان برفقة مدير عام التلفزيون السوري، فؤاد بلاط ، قال - وفي تصوره انه سيفرِح الجواهري- ان الملحن المصري الشهير بليغ حمدي، قد اعجب بشكل غير اعتيادي، حين سمع لحن وتوزيع موسيقى" شممت تربك" وأكد له – لبهلوان: انك  نحتَّ في الصخر! .. وهنا، أكفهرت الجلسة، وقامت قيامة الجواهري، فطلب من" بلاط" اعتبار موافقته على تلحين ابيات قصيدته، وغنائها، ملغاة، وخلاف ذلك، إن لم يستجب لطلبه، فسيغادر دمشق، ولن يعود لها . والسبب انه لا يريد ان يُغنى شعره "الصخـــر" والذي نحته "بهلوان" باعجاب من "بليغ" ...  وللقارئ ان يقدر مدى حرج المعنيين، خاصة وان التنويه للاغنية، وموعد بثها  قد ملأ وسائل الاعلام . ثم وبعد اعتذارات وتفسيرات، وتدخلات، عدل الجواهري عن غضبه، وبثت "شممت تربك" وكانت بحق، عملاَ واداءً متميزا.

 

56- الجواهري ووصفي طاهـــر

     في خضم الجهد المستمر لجمع ارشيف الجواهــري المتناثر- بكل أسف- هنا وهناك، تسلمت من "فــرزدق" حفيده، من نجله فلاح، رسالة مهمة بعثت بها الى الشاعر الخالد: بلقيس عبد الرحمن، أرملة العميد الشهيد، وصفي طاهر، أحد ابرز المشاركين بتأسيس الجمهورية العراقية الاولى، شملت سطورا مؤثرة، عن بعض وقائع ذات صلة بانقلاب الثامن من شباط ، البعثي الفاشي، عام 1963 ... واذ سننشر عن تلكم الرسالة التاريخية بشكل مفصل في كتاب نجهد على اتمامه قريبا، نستل في التالي سطورا عاجلة مما كتبته بــلقيس:

"لقد نبه ابو نضال "وصفي طاهر" الزعيم عبد الكريم قاسم، ولآلاف المرات، الى خطورة الوضع، وحذره من نتيجة سياسته، ولكنه كان يرد عليه بان الجمهورية قوية، ولا يستطيع حفنة من (الزعاطيط) كما كان يسميهم، القضاء عليها... فيرد عليه ابو نضال نعم (زعاطيط) ولكن وراءهم قوة الاستعمار والطامعين والحاقدين، وانك بسياستك هذه فتحت ثغرات لهم".

.... وللتوثيق ايضا، نعيد الاشارة هنا كما كتبنا عن ذلك في فترة سابقة، ان ثمة علاقة متميزة شدت بين الرجلين: الجواهري ووصفي طاهر، وعبر اكثر من حادثة وحديث، واهمها في السنتين الاوليتين بعد ثورة الرابع عشر من تموز، التي اطاحت بالحكم الملكي في العراق.

 

57- أهداء ثميــن من الجواهري..

      نشرت في فترة سابقة، مادة عن جزأي"ذكرياتي" للجواهري، واجواء كتابتها، وبعض شؤون ذات صلة بها، ومن بينها مساهمتي، وإن الجزئية، في متطلبات اعدادها. وقد صدر الجزء الاول منهما مطلع عام 1989  بطبعتين: أنيقــة وشعبية.. واذ اكون في دمشق في تلك الايام، كان طبيعياَ ان احصل على نسخة، بل واكثر. وأذ بالشاعر الخالد يمانع في ذلك، لاني أعتذرت ان أبقى معه اسبوعا آخر لنعود بعده معاً الى براغ . وأستمر الموقف على حاله، وما باليد حيلة... ثم فاجأني، قبل ساعتين فقط من موعد طائرتي، بنسخة من"ذكرياتي" مهداة الي بهذه الكلمات:

" ولدنا العزيز الموهوب، أهديه اليه مشفوعاً، بصميم حبي، وخالص تمنياتي... خالك المحب، محمد مهدي الجواهري- دمشق في 1989.2.2".

 

 

 

..................................................................

وللحديث صلة، في الحلقة الرابعة عشرة

مع تحيات مركز الجواهري في براغ

www.jawahiri.com

 

 

 

 

 

 

مع الجواهري بعيدا

عن السياسة والادب !! (12)

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

50- الصكـــار والجواهري

   ... وإذ تكون هذه اللقطات التوثيقية، عن بعض خصوصيات الجواهري، في طريقها للاكتمال، أو تكاد، في غالبها الاعم على الاقل، حمل الاثير خبراً مؤسياً آخرعن العراق ومن باريس هذه المرة، وذلكم هو رحيل المبدع الجامع، والانسان: محمد سعيد الصكار... وهكذا تُستفز الذاكرة فتطفح ببعض محطات ذات صلة، وأولها حب الجواهري، المعروف، وتقديره للفقيد الجليل . وهو حبٌ متبادل على ما نزعم، تميز بمواقف ووقائع عديدة أشهد أن من بينها، سطور رقيقة أسف فيها الشاعر - بسبب سفره- من تحقيق رغبة الصكار، الزائر براغ، باللقاء معه اوائل الثمانينات الماضية. وقد حملت تلكم السطور، أمانة، لمبدعنا الراحل، حين التقيت معه  في باريس، في مهرجان الشبيبة الشيوعي الفرنسي عام 1982 فحملني ردأ  قوامه "قبلات بلا حدود" للجواهري، مع مجموعة من الكتابات والاصدارات.

   وفي تلكم الفترة، أو بعدها بقليل، يخط الصكار، ويهدي لوحة متميزة، لبيت متميز من شعر الجواهري، ونصّه:

أنا العراقُ لساني قلبهُ، ودمي فراتهُ، وكياني منه أشعارُ

وقد بقي ذلكم الابداع يتصدر صالون مضافة الجواهري في دمشق، ومنذ اواسط الثمانينات، اعتزازاً باللوحة الفنية - الشعرية، وبمكانة صاحبها...

... وبحسب علي وجيه، فأن الأعمال الشعرية الكاملة للصكَار ضمت ثلاث قصائد ذات صلة بما نوثق له، هن: بطاقة إلى الجواهري، أبا الفرات، ورسالة من أبي فرات. ومنها الابيات التي جارى بها الفقيد رائية الشاعر الخالد في رثاء عدنان المالكي في دمشق عام 1957:

أبا الفراتين، هل كانتْ مكابرةً، ألاّ نصدّقَ أنّ الدهر أقدارُ

وهل تجاوزَ قدرَ النفسِ ذو ثقةٍ، منا، وهل خفَّ في الميزان معيارُ؟

أم المروءة أغوتنا، فغالَطَنا، على المروءة قوالون تجّارُ

حتى غدا الليلُ قبراً، والصباحُ دماً، وضاع في غمراتِ الموجِ بحّارُ..

       كما أذكر هنا حماسة الصكار، حين تصدى، مع عصبة محبة من الادباء،  لما حاول ان يتطاول به ناقد مصري أسمه محمد النويهي، على الجواهري، في مهرجان "المربد" - البصرة عام 1969 فنظم الفقيد بيتين بقيّا معبرين عن موقف جاد، وان جاء بشكل مازح، وقد ثبتهما محمد حسين الاعرجي في عديد من كتاباته، وانقلهما هنا، مع استبدال كلمة واحدة، عن الحلال والحرام!:

نقدُ النويهــــيّ لافذاذنــــــا، منقصةٌ ما بعدها منقصه

قد كتبَ" الدهرُ" على"إستهِ"... سيدخلُ الجنة من بعبصه!!!

    وقد استذكرت مع الصكار، ذينك البيتين، خلال مشاركتنا في فعاليات الاحتفاء بمئوية الجواهري في اربيل خريف عام 2000 والتى فاضت بأحاديث، وشؤون جميلة اخرى، كان فيها سيد الجلسات، وملحها، وكعادته.

 

51- أميرة تحكي عن بعض شؤون ابيها

    في احدى اماسي دمشق عام 2000 قالت لي "أميرة" وهي بكر الجواهري، والاحب والاقرب اليه - بشهادة الجميع على ما أدعي- أن والدها كان في البيت أكثر من حنون في العلاقات العائلية. وكان لا يميز بين الابناء الاربعة والبنات الثلاث، فهو خيمتهم جميعا..

       واسأل "أميرة" عن بعض يوميات الجواهري وبيتياته، وخاصة في الاربعينات والخمسينات، حين كانت تتحمل شؤون البيت مع الخالة / الام "أمونة" وتقول لي انه كان انسانا اعتياديا، أباً وزوجاً لا يحب البهرجة في الملابس وغيرها، ولا الشكليات الزائفة. قنوعاً في المأكل والمشرب، ودوداً في التعامل مع الغير، ولكنه واثق الخطى والرؤى على الدوام. محبا للجلسات الصداقية وان كانت ليست كثيرة، وأغلبها مع الاقربين.... أما مع والدته، فاطمة بنت الشيخ شريف، فهي اكثر من حب ورعاية وعناية، بل وتقديس.

      ثم كان لابد ان ان يتطرق الحديث الى مقامة الجواهري، مزارعاً!! في منطقة "علي الغربي" التابعة للعمارة جنوب العراق، وذلك منتصف الخمسينات الماضية، لنحو عامين. وباستثناء المعروف عن تلكم "المقامة" ثمة حادثة مهمة، وأستثنائية جرت هناك، دفعت بزوجة الجواهري"أمونة" واخته" نبيهة" وأنا صغيراً ذا خمسة اعوام، مصحوباً معهما، للسفر الى "علي الغربي" لملاحقة تلك الحادثة- الواقعة، أو النزوة الجواهرية على الاصح، وقد تفاجأ الشاعر المتمرد بـ"الوفـد" القادم اليه من بغداد، ثم لتحسم الامور بعد فترة وجيزة، وتصبح في خبر كان، كما يقولون. أما عن التفاصيل فقد "منعني" نجاح، نجل الجواهري الثالث، من البوح بها، وها أنذا أستجيب .

 

 52- الجواهري يحتل مكان العروس

      كان الجواهري يحضر في براغ، بين حالة وأخرى، وبحسب المزاج، مناسبات عامة هنا، واخرى شخصية هناك، وليبقى خلالها وقتاً محدوداً في الكثير من الاحيان ... ويحدث ان يَعقد كل من "يسار صالح دكلة" و"عبد الاله النعيمي" قرانهما عام 1985 ويُقام حفل اجتماعي بتلك المناسبة في احدى الصالات الانيقة، دُعي اليه جمع واسع من الاهل والاصدقاء والمعارف، يتقدمهم الشاعر الخالد وزوجته، الذي دخل القاعة مرحاً، وكأنه هو العريس ..             

      ثم، ولمحبته الخاصة لعبد الاله، وكان يسميه بـ "الامير" نسبة للوصي على عرش العراق حتى عام 1958: الامير عبد الاله، يروح الجواهري فيجلس الى جانبه، في صدر القاعة، وفي مقعد العروس بالذات، الذي كان شاغرا برهة. ويستمر الوضع على هذه الحال، فلا احد يستطيع ان يطلب من الجواهري تغيير مكانه، بل ولا حتى ان ينبهه الى ذلك. والى ان انتبه هو شخصيا للامر بعد فترة، فأنتقل لمكان مجاور، تاركاً العروسيين جنبا الى جنب، يستعدان لقفص الزوجية، والذي حصيلته الى الان على الاقل: فارس، وعمر .. 

 

53- موقـــف مع وزير خارجية

    بعد ظهر يوم عطلة ربيعي في براغ، عام 1991 كان الجواهري في حانة شعبية لتناول الغداء، وكنا معه: أنا ونجله نجاح، وإذ بوزير خارجية النظام الجديد في تشيكوسلوفاكيا، ييرجي دينتسبير، يصل الحانة ذاتها، مع بعض اصحابه، ليجلسوا قبالتنا، يأكلون ويشربون بكل بساطة وطبيعية ... وبعد قليل لاحظنا ان الشاعر الخالد قد تغير مزاجه قليلا، ثم إرتأى الانتقال الى مقهى أخرى، وما كان لنا ان نطيع.

    وفي تساؤلات مع الجواهري بشأن "تعكر" المزاج، تبين أنه  كان ينتظر ان يأتي الوزير للسلام عليه، وحين لم يقم بذلك، ضجر وقرر ترك الحانة.. وأذ حاولنا التخفيف من الامر، قال وبكل شموخ: إنه وزير اليوم، ولن يعرفه احد بعد فترة... في اشارة الى مكانته وخلوده، شاعرا ونابغة، بلا وزارة او منصب، ولعله كان يفكر بما قاله عام 1979 :

يموتُ الخالدونَ بكل فجٍ، ويستعصي على الموتِ الخلودُ

---------------------------------------------------

وللحديث صلة، في الحلقة الثالثة عشرة

مع تحيات مركز الجواهري في براغ

www.jawahiri.com

 

 

 

 

 

 

 

مع الجواهري بعيدا

·        عن السياسة والادب !! (11)

·          

·         كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

·         46- الجواهري رئيس لجمهورية العراق

·            في النصف الاول من الثمانينات الماضية، ينشر ديفيد هيرست، المتابع المتخصص بشؤون الشرق الاوسط، في صحيفة "الهيرالد تربيون" الشهيرة، ان الرجل الانسب لزعامة العراق هو محمد مهدي الجواهري. فهو من الاكثرية الشيعية، ومقبول من السنة، لانه بعيد عن الطائفية بالمطلق. كما انه ليبرالي في افكاره عموماً، ودون ان يتحزب أويتعصب .... فضلا عن رموزيته ورصيده الشعبي الذي لا يجادل فيه احد .

·             وهكذا يقوم عبد الاله النعيمي، بترجمة المقالة/ المتابعة، ويطلع الجواهري عليها، ويزيد ذلك من انتشائه الشخصي اولا، ومن الافتخار اكثر فأكثر بمكانته الوطنية وتاريخه الثري. وفي تلكم الفترة يكون في براغ- زائرا او مقيما لفترة قصيرة- عامر عبد الله، الشخصية الوطنية، والشيوعية البارزة،  فيدعوه الجواهري، مع اصدقاء مقربين. وأشهد ان المحور الرئيس في تلكم الجلسة المسائية كان ما نشرته "الهيرالد تربيون". وما بين المزاح والجد والمناكدات، يصر الجواهري وكأن الامر قد حُسم، بانه لن يقبل الا ان يكون رئيساً للجمهورية بصلاحيات تنفيذية، وليس "بروتوكولياً" ولن يرضى باية تدخلات في مهامه، من اي كان، موجها الحديث بشكل مباشر لعامر عبد الله، والذي لم يكف هو الاخر من المنابزة والمناكدة، وضمن الاجواء الودية التي سادت  في الجلسة.

·          

·         47- الجواهري في ليبيـــا

·             بعد تردد طويل، قبل الجواهري دعوة رسمية لزيارة ليبيا، عام 1988 وتوجه اليها من براغ، وسعى لكي يقنعني ان اكون معه، دون جدوى، خاصة واني كنت في "الجماهيرية" قبل ذلكم التاريخ بفترة وجيزة... وعشية السفر طلب مني مجموعة دواوينه، ليقدمها هناك هدية، فتمنعت، حتى بعتها له بمئة دولار، وكنت حصلت عليها مجانا منه .

·            ... المهم ان السفرة كانت- لولا الجلسة التي نظمها له العراقيون في طرابلس- "ما تسوه" على حد تعبيرالجواهري. وحتى اللقاءات الرسمية، وبضمنها مع الرئيس معمر القذافي، لم تكن منظمة.... كما انه لم يَكتب عن الزيارة لا شعرا ولا نثرا، برغم منحه وساماً رفيعاً هناك . ثم تأزمت الحال أكثر حين لم يفِ المسؤولون الثقافيون في ليبيا، باتمام مشروع طرحوه عليه، وحصلوا على موافقته، وكان يشمل اعادة طباعة ديوانه العامر.

·             وبالمناسبة يختلط الامر لدى البعض، بشأن القصيدة الميمية التي كتبها الشاعر الخالد عام 1986 غاضبا من الغارة الاميركية على العاصمة الليبية- طرابلس، ويتصورونها ذات صلة بزيارته التي نؤرخ لها، والتي تمت عام 1988 كما سبق القول .

·          

·         48- سطورعن عبد العزيز الجواهــــري

·               في النصف الثاني من الثمانينات الماضية يزور محمد سعيد الطريحي، دمشق، وينقل معلومة توثق وفاة شقيق الجواهري الاكبر:  الشيخ عبد العزيز، الفقيه والشاعر، والباحث البارز، المهاجر الى ايران منذ عشرينات القرن الماضي. ويتأثر الشاعر الخالد، ويعتكف ساعات، ولا بدّ انه استذكر خلالها ايام الطفولة والصبا والشباب وما بعدها.

·               لقد كتب الجواهري عن شقيقه عبد العزيز، في الجزء الاول من ذكرياته، الصادر في دمشق عام 1989 ... كما كان يستذكره بالخير والمودة، والتقدير البالغ، في مختلف الجلسات البيتية، وغيرها، ليس كأخ أكبر وحسب، بل وأعترافاً بتعلمه منه، وبأدبه وشعره، ودوره في ولاية العائلة ورعايتها بعد رحيل الوالد الشيخ عبد الحسين.

·            وبالمناسبة فمن أهم ابداعات عبد العزيز، الادبية والبحثية، إتمامه لسبعة مجلدات فخمة، حملت عنوان "جواهر الاثــار" شملت الترجمة، شعرا، من الفارسية للعربية، فضلا عن التحقيق والتلخيص لـبعض منجز " مثنوي"- محمد جلال الدين الرومي. وأمامي الان الجزء السادس من تلكم المجلدات، أهداني اياه عبد العزيز، شخصيا، حين كنت بضيافته، برفقة أخته نبيهة، في طهران وكرمان شاه، خلال تموز 1968. وقد كدت أن اكون صهره لولا ان فازت بي، نسرين وصفي طاهر!!.

·              

·         49- الجواهري ومظفر النواب

·           يحدث ان يسهر الجواهري في براغ، عام 1970 مع الشاعر، والرسام، الضيف: مظفر النواب، الذي يُبهر باحدى حسان التشيك، ويسعى للتقرب منها بذريعة رغبته قي رسمها، ولكنها كانت "العليمة بابن آوى إذ تحلق للغراب" بحسب تعبير الجواهري، والذي يصف لنا في التالى ،الحكاية شعراً، مع التنويه الى اننا حذفنا كلمتين من النص ، خشية معترضين لهذا السبب أو ذاك ، حقاً أو باطلا:

·         وقال مظفر النواب يوماً لفاتنة من الغيد الحسان ِ
من التشيك اللواتي لست تدري بهن المحصنات من الزواني:
هلمي ارسمتك غداً، فقالت : غداة غدٍ وفي المقهى الفلاني
فقال بمرسمي حيث استقامت من الرسم المعاني والمباني
فقالت لا، ومن اعطاك ذهناً وعلمك التفنن في البيان
اداة الرسم تحملها سلاحاً ".............." مشحوذ السنان
ولكن كل ما تبغيه مني، خفوت الضوء، في ضنك المكان

·            ومما رواه لي الجواهري ان مظفر النواب التقاه خلال زيارته الى ليبيا عام 1988 وعاتبه على استعارة اسم "محمد المصباح" بدلا من اسمه، في الابيات اعلاه والمنشورة في طبعات الديوان حتى ذلك التاريخ، تحت عنوان" فاتنة ورسام". ومن بعدها فقط أفصح الجواهري: ان "محمد المصباح" هو" مظفر النواب" وذلك ما صُحح في طبعة بيروت عام 2000 .  

·         ---------------------------------------------

·         وللحديث صلة، في الحلقة الثانية عشرة

·         مع تحيات مركز الجواهري في براغ

·         www.jawahiri.com

·          

·          

·          

·          

·        مع الجواهري بعيدا

·        عن السياسة والادب !! (10)

·         كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

·         ... وها هي حلقة أخرى، وليست أخيرة كما كان مخططاً، فقد جادت لنا الذاكرة بمزيد من اليوميات عن الجواهري، وبعض خصوصياته التي لم تُنشر، أو يُنشر  عنها سابقا... وعلّها توفي - كما اشرنا في حلقات مرت- بعض توثيق اضافي عن الشاعر الخالد.

·         42- يوم تقليدي للجواهري في براغ

·             يبتدأ نهار الجواهري في براغ في حدود التاسعة صباحاً، في الايام التقليدية، أن لم يكن ثمة أرق، انيس ام ممحل. وأذ يغتسل، ويعدّ "شايه" على نار هادئة، مع بعض العسل في كوب حليب، وما قسم الله، يختتم ذلك الافطارالخفيف عادة، بسيكارة أو اثنتين، مع فنجني قهوة على الطريقة التركية. ثم يتهيأ للخروج الى المدينة، سواء كانت درجات الحرارة فوق أو تحت الصفر، فذلك لا تأثير له . وعادة ما يستغرق الطريق بـ "الترام" حوالي أربعين دقيقة، فيكون موعدنا شبه اليومي منتصف النهار في مقهى"سلافيا" أو"الابوتسني دوم" وسط براغ، مع استثناءات بين حين وأخر .

·             وتمتد الجلسة لنحو ساعتين، بين الذكريات والشعر والسياسة، وما بينهما كثير!!. ثم يحل وقت العودة وغالبا ما كنت أوصله بالسيارة، مع توقف، لشراء وجبة شعبية سريعة، من السمك المقلي والبطاطا، أو سلطة خفيفة، تكون غداءه في البيت، إن لم يكن قد جهز طبخة ما ، مصحوبة بكأس من بيرة "بلزن" الشهيرة. ثم يحل موعد القيلولة "المقدسة"عنده لحوالي ساعتين الى ثلاث، بعد سماع الاخبار، ومن أذاعة لندن العربية في الغالب الاعم.

·            وتبدأ الامسية حوالي السابعة مساء، وبعد شاي تقليدي، خالٍ من اية مطيبات، كالهيل وغيره، يقرر حسب  المزاج، البقاء في البيت أو الخروج مجددا للتمشي أو "الأستقهاء" وذلك مصطلح خاص، نسبة الى المقهى، وحتى العاشرة، ليبدأ موعد سماع الأخبار، أو القراءة،  قبل ان يتضرر بصره منتصف الثمانينات، مع كأس، أو اثنتين على الاكثر، وعشاء خفيفا من بقايا الغداء، أو مايكون تحت اليد، ثم يخلد الى النوم، أو ألارق، أو الشعر والرؤى، وحسب الحال الجواهرية.... تلكم هي خلاصة اليوم التقليدي للشاعر الخالد،  دعوا عنكم النهارات والامسيات، والزيارات والاستضافات الاسثنائية ..

·          

·         43- في مؤتمر بيروت للمعارضة العراقية

·             مع انتهاء حرب الخليج الثانية التي تسبب بها غزو صدام حسين لدولة الكويت، ينعقد في بيروت، ربيع عام 1991 وبعد لآي، مؤتمر للقوى والاحزاب السياسية العراقية المعارضة.  وبعد لأي ايضاً، يوافق الجواهري، ذو الازيد من تسعين عاماً، على حضور تلكم الفعالية التاريخية، والتي تزامنت مع الانتفاضة التي شهدتها اربع عشرة محافظة عراقية ضد النظام الحاكم المتمترس في بغداد .

·             ومشاركة الشاعرالخالد في ذلك المؤتمر كان لها أكثر من مؤشر، ومؤشر، إذ وحده كان – وبقي- رمزاً وطنياً، موحداً، للعراقيين جميعاً، على اختلاف مشاربهم، ونحلهم وميولهم . وأذكر هنا جملة موجزة، معبرة بهذا الشأن للمفكر والفنان الفقيد محمود صبري حين قال: لقد كان الجواهري فصيلا "سابعاً" لوحده في المؤتمر... في إشارة، للاطراف العراقية، العربية والكردية، الستة، التي شاركت في تنظيم الفعالية تلك، وإطلاقها .

·                 ومن أبرز ما تبناه الجواهري في المؤتمر، وهذه المرة على ذمة الشخصية العراقية الوطنية، والشيوعية البارزة: زكي خيري: ان تنتقل نخبة من وجوه المجتمعين، بالطائرة الى بغداد، مع تغطية اعلامية وصحفية اجنبية واسعة، وليكونوا رأس رمح العمل لاسقاط النظام،  بدلا من الخطب والتنابز بالكلمات. خاصة وان فترة انعقاد  قد تزامنت – كما أسلفنا- مع اندلاع الانتفاضة الشعبية العارمة في البلد .  ولربما جاءت تلكم الفكرة في مخيلة الجواهري، انعكاسا لحال على ذلك الغرار، اتممتها بعض اطراف المعارضة التركية، ضد حكام نظام بلدها.

·          

·         44- الجواهري في بعض اخوانياته

·             كتبتُ في توثيقات سابقة، منشورة في عدد من وسائل الاعلام، عن بعض اخوانيات الجواهري، ومنها عن، ومع، طالباني والمخزومي ومظفر النواب وشاذل طاقة... وعديد غيرهم من الاخدان والاصدقاء وحتى المعارف، موثقة في الديوان العامر. كما جمع باحثون ومحبون آخرون، ومن بينهم الفقيد محمد حسين الاعرجي، عددا آخر من تلكم الاخوانيات..

·             ومع ذلك بقيت كثيرات أخريات لم توثق الى الان. ولكي لا نكرر المنشور سابقا، تقع بين أيدينا الان ونحن"نلملم" الارشيف، ونجهد في تنظيمه، ابيات اهداها الجواهري الى عادل حبه، المسؤول الشيوعي الاول في براغ عام 1974بمناسبة ولادة طفله البكر" سلام" ونقتطف منها:

·         سلمت"غلاماً" حبيبي سلام، يهزُ الصباح بوجهِ الظلامْ

·         يحثَّ الخطى نقلة نقلة، يُتم خطى الخالدين العظام

·         يشمر عن ساعدي باسل، يشق الطريق لركب السلام...

·         والقصيدة كاملة لدى "علي وجيه" الذي يهم اليوم في جمع ما لم ينشر من شعر الشاعر الخالد، ليضيف جديدا، كما هو عهده.

·          

·         45- الجواهري وحب الحيوانات... ومواقف منها

·             لا ادري ان كانت ثمة كتابة سابقة عن الحيوانات، الاليفة وغيرها، في قصائد  الجواهري. ولكني أذكر على الاقل ما كتبه فوزي كريم عما جاء في "مقصورة" الشاعر الخالد، عن "الضفادع" والتي يصفها معجبا "كأن بعينيك ياقوتتين، صاغهما عبقري جلى" ... كما أذكر كيف تحدث الشاعر الخالد عن مقته لقتل الحيوانات كما جاء في قصيدة قلبي لكردستان عام 1963" يهتاجني ذبح النعاجُ، وأغتلي، لـ"شويهة" عن صدر شاة تفطمُ".. وكذلك أشير الى ما شملته لاميته في الخمسينات الماضية وهو يخاطب راعياً وقطيعه، وهكذا في قصائد اخرى شتى... فضلا عما جاء في الجزء الاول من ذكرياته عن طفولته، وصخلته! و"فخاتي- حمام" البيت.... وكل الاشارات هنا عن الحيوانات الاليفة، دعوا عنكم ذكر المفترسات منها: الذئاب وعوائها، صلال الفلا، النسر وشموخه، الاسد وملكيته، و"الحمار يؤوده الوزرُ" ....

·         ... وأستذكر بهذا السياق واقعة سمعتها من "نبيهة" أخت الشاعر الخالد، ومدللته، انه سأل ذات صباح عن دجاجة الديك "المفقودة". وحين عرف انها ذُبحت وطُهيت لضيوف مفاجئين جاؤوا في الليلة البارحة، اسرع ليشتري دجاجتين بدلا من واحدة، وليدع الديك يعود فرحاً مرحاً بعد ان بقي ليلة واحدة بلا صاحبة !

·         -------------------------------------------------------------

·         وللحديث صلة، في الحلقة الحادية عشرة

·         مع تحيات مركز الجواهري في براغ

·         www.jawahiri.com

·          

·          

·          

·          

·          

 

مع الجواهري بعيدا

 

 عن السياسة والادب !! (9)

 

 

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

 

... وهذه هي حلقة جديدة- وآمل ان لا تملّوا- عن بعض يوميات الجواهري، وخصوصياته، علّها تضيف جديدا في التعريف بذلكم الشاعر والرمز العراقي العظيم، في القرن العشرين على الاقل ...

·         38- لقاء مع خامنئي في طهران 

·             في سعي لتغيير الاجواء، ومحاولة التهرب من"الارق" بل والقلق الذي أبعد عنه النوم الهادئ، وبخاصة بعد رحيل زوجته"أمونة" يُستضاف الجواهري، عام 1992 في الجمهورية الايرانية، بدعوة الامام خامنئي، ولفترة مفتوحة. وتلبى الدعوة، وقد كتب عن بعض شؤونها، السيد مدين الموسوي من زوايا شخصية، لم يكن فيها منصفاً، على أقل وصف. خاصة وان المجالس- ان وجدت- فهي أمانات، وقد قلت له ذلك علناً...

·            ... المهم، يغادر الجواهري الى طهران، ومدن ايرانية اخرى، وقد رافقه في مقامه هناك ابنه "نجاح" فترة من الزمن. ويبدو ان ذلكم التغيير لم يكن العلاج الشافي لارق الشاعر الخالد، وقلقه، فعاد من ايران الى مستقره الدمشقي، بعد اشهر معدودات .... ومن ابرز ما شهده " برنامج" الزيارة، اللقاء بالسيد خامنئي، المرشد الاعلى للجمهورية الايرانية، المحب، والحافظ  للكثير من شعر الجواهري، الذي كتب له ابيات شكر، ومجاملة سجلها على الصفحة الأولى من كتابه ( ذكرياتي) واهداها له ومن بينها:

·         لَكَ أهلٌ فَوقَ الذّرى وَمَحَلُ، لَكَ بَعدَ المكرُمات وَقَبلُ
فإغتَفِر لي ما جاءَ في ذِكرياتي، يا عَطوفاً عَلى خُطى مَن يَزِل

·         ونقل لي "نجاح" ان والده كان متعبا ً خلال الزيارة، ولم يكن برنامجه حيوياً، وكان طوال الفترة معتكف في دار الضيافة المتميزة التي خصصت له في طهران، باستثناء بعض الفترات القصيرة، للتجوال في متنزهات "شمرانات".. كما ولم يلتق الكثير من الذين كانوا يودون اللقاء معه، أو زيارته وباستثناءات محدودة ايضا... 

·         39- الجواهــــري عن أخته نبيهــة

·               ترددت في كتابة هذه المحطة والتأرخة، لاسباب خاصة، وإن كانت معروفة للكثيرين. وكان المفترض ان اتوسع بها، ولكن، ولتلكم الاسباب ذاتها، سأوجز هنا، مع وعد بتوثيق أشمل لاحقاً، وأزعم – كعادتي- أن يكون ذلكم التوثيق جديدا وغير مطروق،  كما هي هذه المحطات واليوميات، السابقات، واللاحقات منها.

·                والتأرخة التي اعني هنا، هي عن علاقة الشاعر الخالد بأخته، نبيهة، وهي الوحيدة في العائلة  بين اربع اشقاء، هم: عبد العزيز، محمد مهدي، عبد الهادي، و"محمد" جعفر، شهيد وثبة كانون الثاني 1948.. وهي – نبيهة- الرابعة في التسلسل،  وكانت مدللة الجميع، وأولهم "محمد مهدي" الجواهري، والذي ينقل نجله "نجاح" انه استمع منه، وبكل صراحة: انها الاشبه الي في كل شي.

·             لقد أصر الجواهري على زواج أخته، نبيهة، من صديقه، السيد النجفي، جواد  "العريضي" الجصاني، بعد"نهوة" عليها من ابن خالها عام 1935 وللقارئ ان يقدر من تلكم الحال كيف كانت مواقف الشاعر الخالد بالضد من التقاليد البالية، ومنذ عقوده الاولى. وثمة تفاصيل عن تلكم "النهوة" في الجزء الاول من ذكريات الجواهري الصادرة عام 1989.

·           ولكي لا نطيل عن شواهد ووقائع، يومية، عن العلاقات الحميمة والوثيقة، وربما الاستثنائية، بين الجواهري وأختــه، نشير لثلاث لقطات من الديوان العامر،  وأولها في قصيدته الشهيرة عام 1948  ومطلعها المعروف "أتعلمُ، أم انتَ لا تعلمُ" حين وصف اجواء الحزن البيتي على استشهاد جعفر فقال:

·         "وأختٌ تشق عليك الجيوب، ويُغرز في صدرها معصمُ" .

·            اما اللقطة الثانية فجاءت في اربعة أبيات أهدى بها الجواهرى ديوانه لنبيهة،عام 1974 وتحت عنوان "يا فرحة العمر" ومن بينها البيتان:

·         سلمتِ، أختيّ، أذ  لم يبقِ لي زمني، أخاً سواها ولا اختاً، تناغيني ...

·         حسبي وحسبك عن بعد وعن كثبٍ، أني أناجيك في هذه الدواوينِ

·            اما اللقطة الثالثة، فهي ابيات مؤثرة القاها الجواهري، باكياُ، امام ضريح أخته، وهي توارى الثرى في متربة السيدة زينب، بدمشق في تموز1987 ومنها:

·         "نبيهــة" ان الحياة ملعبه... ونحن فيها "طابة" ومضربه

·         رهن الليالي حيثما دارت بنا، كعقرب الساعة تحت الذبذبة....

·         حبيبتي"نبيهـــة" سنلتقي، عما قريب عند هذه المتربة !!

·           ثمّ، وبعد عشرة اعوام تماماً، وفي شهر تموز- ايضا- عام 1997
يرحل الجواهري ويواري الثرى على بعد امتار من ضريحي زوجته"أمونة" وشقيقته "نبيهة".

·         40- مع نجاح العطار، وعنها ..

·             قبل ان تكون وزيرة للثقافة في سوريا، خلال الثمانينات الماضية، عُرفت نجاح العطار، اديبة ومثقفة متميزة، دعوا عنكم حصولها على دكتواراه الادب من جامعة السوربون الشهيرة. ومن هنا توطدت علاقتها بالجواهري، وعلاقته معها: احتراماً ومحبة وتقديرا. وإذ يُقام احتفاء فخم بالشاعر الخالد في دمشق عام 1980 تشارك العطار بمداخلة بهية شيقة، جمعت التقييم والتأرخة وباسلوب ادبي انيق. .. وما كان من الجواهري الا ان يردّ التحية بمثلها، ولربما باجمل منها حتى، عبر قصيدة أنيقة، ومن ابياتها مخاطبا العطار:

·         وعجتِ علي فاكهة ونبعاً، وما أنا بالأكول ولا الشروبِ

·         وقد بالغت بالالطاف حتى، كأنك تحرصين على هروبي

·              ومما اسجله هنا مثالاً واحدا معبرا عن مدى اعتزاز وتقدير تلكم المثقفة الباهرة، للشاعر الرمز، أنه كلمها هاتفيا ذات نهار دمشقي عبق، ربيع عام 1988 ليطلب موعداً يزورها في مكتبها الرسمي، فما كان منها إلا  أن تفاجئنا وتأتي بعد نحو نصف ساعة لصالون الجواهري في بيته، وهي تقول بصوت عال: الجواهري هو الذي يُزار... وكانت ساعة لقاء ثقافي أدبي حميم، ملئ بزهو الحيوية والمحبة.  

·         41- إدمان على "لعــب الــورق"

·                أكاد أجزم بأن لا أحبّ للجواهري من "لعب الورق" مع الاهل والاصدقاء، تسلية، ويومياَ لو سمحت له الظروف. وكم وكم مدح مخترعها، أو مكتشفها، ولا أدري اي التعبيرين أصح!. وأظن انها كانت الطريقة المجربة الوحيدة بالنسبة له لكي يبتعد قدر ما يستطيع عما يتوقد به ذهنه من رؤى وآراء وأفكار، وعلى مدار الساعة، ان لم اكن مبالغاً... وقد رافقـــت تلكم اللعبة "البيتيـــة" في الغالب الاعم، الشاعـــر الخالد على مدى عقود حياته الطوال، فلم يكلَّ أو يملَّ منها، أو تكلّ وتملّ منه، يوماً ما.

·         .... وقد لايصدق البعض ان الجواهري ما كان يكاد ان يودع الزوار والاصدقاء الرسميين، مساء، في صالونه الدمشقي، إلا ونادى باعلى صوته: هاتوا "البطانية" والتي تفرش على المائدة لتبتدأ فترة "لعب الورق" مع من هو موجود من أهل البيت، وكذلك من الاصدقاء المقربين الذين يستبقيهم للمشاركة في التسلي، ومن بينهم حتى سياسيون بارزون !!... ولكي لا يذهب "البعض" فيتصور ان الهدف هو المقامرة الممقوتة، أقول: ان "الارباح" و"الخسائر" في الليلة الواحدة كانت محدودة جدا جدا، وربما لا تتجاوز ما قيمته العشرة دولارات، كحد أقصى. ومع ذلك فقد كان- الجواهري- يغضب ويتوتر، ويشتم، ويتهم، حين لا يربح، وأكيد لانه يريد، وكما هو في مناحي حياته كلها: التميز، والانتشاء، وليس للكسب المادي.

·         -------------------------------------------------------------

·         وللحديث صلة، في الحلقة العاشرة

·         مع تحيات مركز الجواهري في براغ

·         www.jawahiri.com

·          

·          

·          

 

 

مقالات سابقة

مع الجواهري

بعيدا عن السياسة والادب!(8)

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

 

    حَظيت، وما برحت، الحلقات السبع الماضيات، من هذه التأرخة واليوميات الشخصية عن الجواهري ، بمزيد من الاهتمام، وإن جاء بعضه منتقدا لأنها"خصوصيات" لا يجب البوح بها. ومع التقدير لاصحاب ذلكم الرأي، ها نحن نستمر في محطات ومعايشات وشهادات أخرى، علهّا تُزيد من التعرف أكثر وأكثر على ذلك الذي ملئ القرن العشرين، وشغل اهله، وما زال.   

  34- بارزاني في صالون الجواهري

     عادة ما كان رئيس الحزب الديمقرطي الكردستاني، مسعود بارزاني، حين يحل في دمشق، وفي النصف الثاني من الثمانينات تحديداً، يقوم بزيارة الجواهري، في دار ضيافته، وقد شيئ لي أن احضر أثنتين من تلكم الزيارات: الاولى، وكان معه القيادي في الحزب، روج نوري شاويس، وعدد من المستشارين. والثانية كانت بحضور المسؤوليَن في الحزب الشيوعي العراقي، عبد الرزاق الصافي وفخري كريم، وسياسيين اخرين.

    وكان الجواهري – كعادته- مرحباً، وبتميز، بضيوفه، متبادلاً معهم احاديث السياسة والتاريخ والشعر، الى جانب "المناكدات" المعهودة. ومن الطبيعي ان تكون هناك أستذكارات عن العلاقة بينه والزعيم الكوردي الكبير، الملا مصطفى برزاني في الستينات، وعن قصيدته الشهيرة عام 1963 ذات المطلع المدوي:

قلبي لكوردستانِ يُهدى والفـمُ- ولقد يجودُ بأصغريه المعدمُ

    وأشهد هنا مرة اخرى، ان مسعود بارزاني، أولاً، كما والضيوف، كانوا جميعاُ آذاناً صاغية، لاراء الجواهري واحاديثه وملاحظاته عن هذا الهمَ العراقي أو ذاك، خاصة وأن النظام الارهابي الحاكم حينئذٍ في البلاد، سالك في جرائمه ومآسيه، وحروبه الخارجية والداخلية .

      وفي سياق هذه التارخة، اشير ايضاً الى ان الشاعر الخالد، ولظروف واسباب يطول شرحها، ولانصيب لها هنا – في الوقت الحالي على الاقل- كاد ان يكون بضيافة الرئيس بارزاني، في كوردستان العراق عام 1992 ليستقر فيها بعد دمشق، والتفاصيل لدى "كفاح" نجل الشاعر الكبير ...

35- صحة عامرة كمنجزه العامر

     باستثناء بعض مشاكل الاسنان المؤقتة، والعملية التي اجراها لعينيه في باريس، في النصف الاول من الثمانينات، بقي الجواهري، وحتى تسعينات عمره، في صحة أستثنائية، بعيدا عن امراض العصر، وغيرها. فالقلب سليم، ولا شكوى من ضغط عالٍ أو منخفض، ولا سكري ولاغيرها . ولذلك فهو لم يحتمِ من الدهون أو السكريات، ولربما لا يعترف بـ" الكولسترول" وتأثيراته السلبية. كما بقي أكولاً، وشروباً،  ومدخناً متوسط الشراهة حتى سنواته الاخيرة.

    وأذ هوعلى تلكم الحال، فلم  يكن بحاجة، على العموم، لمراجعة طبيب، أو مشفى، او اجراء فحوصات دورية، وسواها. مع استثناءات معدودات وهي قضاء اوقات محدودة  في منتجع "كارلوفي فاري" التشيكي الشهير، لتغيير الاجواء، والتمتع بالطبيعة الآخاذة هناك، أكثر من الحاجة للاستشفاء، خاصة وان التكاليف كانت بسيطة جدا، ولربما لا تتجاوز المئة دولار في الاسبوع.

    وحدثني صديق الجواهري لعقود، وطبيبه عند الضرورة، السياسي السوري الشيوعي البارز، نبيه أرشيدات، وكنا في اربيل عام 2000 مشاركين في احتفاء الكورد بمؤية "شاعر العرب الأكبر"! قال: ان صحته، وحتى في سنوات عمره الاخيرة، عامرةً كعبقريته، وعطائه ومنجزه العامر.

36- جيب يرن به الذهب...

    عشية مغادرتي براغ الى دمشق عام 1990 للمشاركة في فعالية شبابية، حملني الجواهري رسالة الى احد معارفه السياسين العراقيين في سوريا، وكان متغاضباً معه، لأنه تقلب في مواقف اعتقدها الشاعر الكبير غير مناسبة ... وقد حدستُ أن في الأمر"إنَّ" كما يقولون، وذلك من نبرة الحديث، ومن علمي بأن أحد "الوشاة" قد نقل اليه ما نقل من مزاعم وأدعاءات . لذلك أخذت الرسالة وفي قرارتي ان لا اسلمها. أولا: لأخفف من وقع المغاضبة، وثانياً لأتحايل على الجواهري، فليس بالمقدور رد طلب له، وثالثا لابعد نفسي عن تأزم اعرف انه سينتهي بعيّد فترة، وأكون انا وسطه دون داع وضرورة  .

   وهكذا وصلت الشام، وبدلا من اهمال الرسالة، طغى علي الفضول، ففتحتها، وكان حدسي في مكانه، ففي الرسالة ما فيها من"عتاب" وأنتقاد، وأكتفي بنقل ما جاء في ختامها من "شعر" كُتبَ في عجالة، وعلى أن يُكمل لاحقا:

جيبٌ يرنُّ به الذهب... ومناضلون بلا تعبْ

فمن اليمينِ الى اليسارْ... ومن اليسار الى اليمينْ

سبحان رب العالمينّ!!!

    وللتأرخة فأن الشعر لم يُكمل، وقد عادت المياه الى مجاريها بين الجواهري وذلكم السياسي المعني، بعد اسابيع قليلة .

  45- الشاعر العظيم يرقص في التسعين

    كم تشوقَ، ويتشوق المحبون، لمعرفة بعض لمحات عن الجواهريّ، بعيداً عن "المقصورة" و"أنا حتفهم" و"آمنت بالحسين" و"أخي جعفراً" و"دجلة الخير" و"قلبي لكردستان" و"يا ابن الفراتين" وغيرها من المدويات... وقد يسألون وهم يشكّون أصلاً في أن تكون لمثل ذلك الشاعر الثائر المتمرد، ساعات فرح أو لحظات عشق أو أزمنة حب. وبين عشرات الوقائع والأحداث ذات الصلة، اسجل عن هذه الواقعة، والتي كنت قد كتبت عنها في تأرخة سابقة:

     في اليوم الأخير من عام 1985 والساعة تقترب من العاشرة ليلاً، والجواهري، وأنا، وبعض أهل البيت، في جلسة حميمة بقصر الروضة وسط دمشق الشام، المخصص لاستضافة الشاعر الكبير، ومن معه، ومن يحب، قلت له ممازحاً، ما معناه: الناس يرقصون ويفرحون في الشوارع والساحات والمقاهي ونحن جالسون هنا نحصي شؤون وشجون الماضي فحسب، ناسين أو متناسين أن غداً مطلع عام جديد ترقص الدنيا لاستقباله. أما أنت القائل:

لا تلم أمسك في ما صنعا ...امس قد فات ولن يسترجعا
امس قد ولّى ولن ينفعهُ ... حملك الهمّ له والجزعا
فاطرحه واسترحْ من ثقله ... لاتضعْ امسك واليومً معا

  ...ويسرح الجواهري هنية في التساؤل ذي الأكثر من مغزى، ولعله قلـّـبه من نواح عديدة مستعيداً ذكريات عقود وعقود، ومطالعَ وخواتمَ سنواتها، السعيدة منها والمؤسية... وما هي غير لحظات، إلا وهبّ شامخاً، داعياً الجميع للاستعداد والذهاب إلى فنـدق شيراتون الشام. ثم دقائق وينطلق وراء "رب البيت" وزوجته "أمونة" كل من : نسرين وصفي طاهر وجمال الجواهري، وكاتب هذا التوثيق، مقتحمين صالات الفندق الرحيبة، حيث البهجـة والموسـيقى والاحتفـال برأس السنة الجديدة..

   ... وهناك، يتزايد فرح المحتفلين، صبايا وفتية، شباناً وكهولاً، من الرجال والنساء، وهم يتطلعون إلى الجواهري الكبير بينهم يرحبون به فرحين ويتقربون منه ويتصورون معه، وليطوقوه وهو جذل، منتش، راقصين معه، وراقصاً معهم بكل مرح ٍ وسرور، ولحوالي عشرين دقيقة تقريباً، حتى تنطلق الثواني الأولى من العام الجديد: 1986 فيتضاعف الرقص والحبور مزداناً بجميلات الشام الذي لم يخف ِالجواهري، ولا يخجل من اعلان انبهاره بهن، ومثيلاتهن الحسان في براغ وبغداد وباريس وبيروت، واينما حللن وأقمن..

   بقي أن أقول أن الشاعر الخالد  كان آنذاك على ابواب التسعين عاماً فقط! وقد واصل فلسفته وحبه للحياة والجمال، ولم يكفّ عن التصريح بذلك علناً مع سبق الاصرار، حتى في ذلك العمر، بل وبعده بنحو عشر سنوات تاليات... ولنا عن ذلك شهادات ومعايشات !.

---------------------------------------------------

وللحديث صلة، في الحلقة التاسعة

مع تحيات مركز الجواهري في براغ

www.jawahiri.com

 

 

 

مع الجواهري بعيدا

عن السياسة و"الادب"!(7)

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

...وها نحن من جديد مع الجواهري الخالد، وما لم ينشر عنه، وبعض خصوصيات، بعيدة عن السياسة والادب(!) بقدر ما نستطيع،ونظن وفيها كما نظن- وليس كل الظن أثماً – ان في الكثيــــر منها رؤى ومواقف تؤشر لجوانب

مما نريد ونأمل ...

29- حافظ الاسد يزور الجواهري معزياً..

    أثناء وجود الجواهري في لندن أوائل عام 1992 في زيارة راحة وأستجمام، تتوفي زوجته "أمونة" بعد عارض صحي مفاجئ، وترسل الرئاسة السورية طائرة خاصة لنقل الجثمان الى دمشق، بصحبة الشاعر الخالد، وعدد من أفراد العائلة، والاصدقاء، ويوارى الثرى في متربة السيدة زينب، بتشييع مهيب، وابيات شعرمؤثرة يلقيها الزوج المكلوم، برحيل حبيبته، وسقف داره، بحسب وصفه، ومنها:

ها نحنُ أمّونةٌ ننأى ونفترقُ  ، والليلُ يمكثُ والتسهيدُ والحرقُ

والصبحُ يمكثُ لا وجهٌ يُصَبّحُني، به، ولا بسماتٌ منكِ تنطلقُ ...

خمسٌ وخمسونَ عشناها مراوحةً، نبزّ مَن سُعِدوا فيها، ومن شُنِقوا

 وأذ تحل مراسيم العزاء، يقوم الرئيس السوري حافظ الاسد في صبيحة اليوم الثاني، بزيارة الجواهري في مضافته الدمشقية، وفي سابقة استثنائية، معزياً، وليستمر هناك ملاطفاً ومخففاً من بعض الام الحزن عن الشاعر الخالد، وبعض افراد الاسرة الذين كانوا هناك، وعلى مدى اكثر من ساعة وأربعين دقيقة، وقد كان مقرراُ ساعة فقط، على حد بعض ما نقله اليّ "كفــاح" عن رحيل والدته. 

   وبحسب "نجاح" نجل الفقيدة البكر، فأن مجلس العزاء كان حاشداً، وقد أمّه العشرات من العراقيين المقيمين في دمشق، كما والسوريين، رسميين وسياسيين وشخصيات عامة وغيرهم. وأضاف، في لجة الحزن، وعلى حين غرة، سأله الجواهري: أين "رُواء"؟ فنقل اليه أن ظروفاً صحية طارئة، حالت دون تمكني من الوصول من براغ. ثم عوضتُ عن ذلك حين شاركت في مراسيم أربعين الفقيدة العزيزة. 

 

30- الجواهري ... والملح!

    سمعت من بعض" اهل البيت" عن واقعة حدثت في بيت الجواهري، في عقوده الاولى، وعن حبه لان يكون الطعام مالحاً، وأهمية ذلك له. ومرة وقد كان الملح اكثر من اللازم، ولتدارك الامر، اتفقوا بأن يقول احدهم على المائدة: لم الاكل "ماسخ" اليوم، خلافاً للحقيقة. وإذ بالجواهري يفور غضبا ويقلب "السفرة" أو يكاد، شاتماً ومعربداُ، لعدم اكتراث الاهل بطلبه وتوصياته الدائمة بأن لا ينسوا الملح الزائد في الاكل!!!

.... كان ذلك في عقود الجواهري الاولى، كما اسلفت. وقد استمر "الملح" ملك الطعام للشاعر الخالد، وحتى سنواته الاخيرة، دون أهتمام، بل ولا حتى تذكر بمضار ذلك صحياً، أو تأثيره على الضغط وغير ذلك. وللتوكيد، أنقل هنا ان مملحة، بل واكثر، كانت تحيط بالجواهري، اين ما كان، وأحداها صغيرة، وأنا شاهد عيان، في جيب "روبه" البيتي، في كثير من الاوقات .

 

31- الجواهري يؤسس "دار الرافدين" للنشر

   لم يكل الجواهري، أويكف عن الجديد والتميز، والمثير، حتى وهو في التسعينات، وهاكم هذه الحال التي أزعم انها تكفي لمزيد من الاستدلال على ما اريد التنويه اليه:

    في أواخر الثمانينات، وتزامناً مع اتمام مؤلفه ذي الجزأين" ذكرياتي" يفاجئنا الجواهري بأنه قرر ان يفتتح في دمشق" دارالرافدين" للنشر، ويعرض عليّ الانتقال من براغ، وأسكن معه، وتحمل مسؤولية العمل ... وقد ترددت طويلاً ثم أكتفيت بان أوعده بالمساعدة جهد ما استطيع، ولكن دون تحمل المسؤولية المباشرة ... وهكذا ينطلق المشروع ويُستأجر له مقر وسط دمشق، ويؤثث، وعلى ان يداوم فيه الجواهري نفسه، وان يتابع العمل معه، نجله "كفاح" والذي تحمل كل التبعات لاحقاً، بعد ان تخلى الوالد عن رغبته التسعينية، بعد فترة من قصيرة من الوقت..

    وللطرافة أذكر هنا ان الجواهري نزل علينا ذات صباح مبكر، غاضباُ على المصمم والخبير الطباعي آنذاك: إنتشال هادي كاظم، لأنه تأخر يومين ولم ينجز الورق الرسمي لـ" دار الرافدين" بحجة انه لم يعثر على صورة "نخلة" مناسبة تكون شعاراً  للدار، بحسب رغبة "صاحب العمل". ولكي تتوضح الحال أكثر، أقول ان الجواهري حين حاجج بالامر، اخرج من جيبه رسم "النخلة" المطلوبة، مستلة من احدى صفحات" المنجد" .

 

32- في المقامة المجرية

   لان الجواهري لا يحمل غير "منقار واجنحة" بحسب احد تعابيره، ولأسباب اخرى خاصة، تستعر حمى السفر لديه عام 1990 فيقرر الاقامة في العاصمة المجرية، بوادبست، موقعا اوربياً بديلاً عن براغ، ليتردد اليها من مضافته الدمشقية بين حين وآخر.

    وبرغم علمنا اليقين بأن تلك "النوبة" الجواهرية لن تطول، وانه لن يستبدل براغ التي "أطالت الشوط من عمره" فما كان في اليد من حيله امام القرار الجديد. وهكذا تردد الشاعر الشاعر على بودابست، لثلاث مرات احداهن طويلة نسبياً، قضاها باهتمام الناشر، وصاحب دار"صحارى" حميــد برتو، وعنايته، مع عصبة محبة وأولها: نبيل ياسين وأنتشال هادي كاظم... ثم أنتهت "النوبة" فعلاً وليعود الجواهري يتناصف  دمشق، وبراغ التي يبدو انه لم ينسَ وعده لها: عهد المرؤة ان أعود وان أعاد وان أعيدا!.

   وبرغم انه وصف بودابست بالجميلة، والمشرقة، ألا ان الجواهري لم يكتب عنها ولا بيتا واحداً، خلافا للعديد من عواصم ومدن العالم التي زارها او اقام فيها مثل وارسو وفارنا وأثينا وطاشقند وطهران ... دعوا عنكم العواصم والمدن العربية. ولعل ابرز حدث للجواهري في بودابست، انه وافق هناك على المشروع الذي عرضه الفنان ضياء العزاوي، وقد نفّذ لاحقا، وهو أصدار ألبوم أنيق، محدود التوزيع، وبحجم كبير، وورق فخم،  شمل لوحات فنية أستوحيت من بعض قصائد الديوان العامر..

 

.33- الجواهري طباخاً

    بسبب قضائه فترات طويلة لوحده في براغ، تعلم الجواهري بعض شؤون الطبخ، وأن يعدّ، طعامه بنفسه، في الكثير من الأحيان، ثم ليدعي بعدها أنه ماهر في تلكم الصنعة، ويا ويل من يقول بغير ذلك ..

    وأذكر من طبخاته المعتادة: "البامية" و"الباذنجان" وخليط الرز مع العدس، أو الماش، والكفتة المقلية، أو المسلوقة!... أما الطبخة الاشهى عنده، فهي ما يسمى"طاس الكباب" وبطريقة جواهرية خاصة. ولمن يريد تعلمها فهي كالآتي: تقطيع اللحم لقطع صغيرة، والبصل أيضا، مع توابل معينة، وكذلك البطاطة احياناُ... وتوضع كل تلك الخلطة، نيــةًً، ومع الرز، في آن واحد على نار هادئة، لساعتين او أكثر قليلاً، ثم لتصبح جاهزة للأكل. أما تلك الطريقة الجواهرية فهي ان يترك الطبخة تستوي بهدوء، ويستغل الوقت بالذهاب الى مقهى أو حانة قريبة، ويعود ليجد"طاس الكباب" منتظراً من يريده. وأشهد انه كان متميزا بتلك الطبخة، وليس كما قالت له زوجته "أمونة" في دمشق ذات يوم من عام 1957:

"رحت في حرفٍ تزخرفهُ، وعلى شئٍ سواه، غبي!!!"

----------------------------------------------

وللحديث صلة، في الحلقة الثامنة

مع تحيات مركز الجواهري في براغ

www.jawahiri.com

    

 

 

 

 

 

مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب!(6)

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

 

... ونستمر كما هي الحال في الحلقات الخمس الماضيات، لنوثق جوانب ويوميات، وخصوصيات عن الجواهري الخالد، ونجهد ان تكون جديدة في محتوياتها، وبعيدة عن السياسة والادب(!) جهد المستطاع...

24- زيارة الى عمان، وتحية للملك حسين

    بضيافة ملكية متميزة، يحل الجواهري عام 1992 في عمان، قادما اليها من القاهرة، ، ويلقي لاميته الشهيرة " يا سيدي أسعف فمي ليقولا .." في احتفال خاص، بحضور العاهل الاردني حسين بن طلال، والذي نزل من منصته، في سابقة أولى، ليشكر الشاعر الخالد بكل تقدير واعتزاز ... ولاننا بعيدون عن السياسة والادب، في هذه المحطات، فسنرد بايجاز على متقولين، ومن بينهم "متأدبون" ايضاً، ونؤكد ان كل الذي أدعوا به ، أو نسجوه من خيالاتهم، بعيد عن اية حقيقة، فلم تكن هناك اية جائزة مالية اختلقتها أوهامهم، بل وسام ملكي، وحسب، وتكريم رمزي يليق بمكانة ورفعة شاعر العرب الاكبر، ومنجزه الفكري والثقافي ...

   وأذ لم تتح لي ظروف العمل في حينها، المشاركة في تلكم "المقامة" الاردنية، فقد الححت بمتابعة شؤونها، عبر عدد من "اهل البيت" الذين كانوا مع الجواهري، ورافقوه، وأولهم نجله كفاح، والذي ربما سيتحدث يوماً عن تفاصيل وظروف الزيارة، ومناسبتها ... كما لنا عودة في تأرخة لاحقة عن بعض شؤون "اللامية" التي غنيت" أوبريتـاً" صيف العام ذاته، باجواء موسيقية وفنية أنيقة، تألقت فيها المطربة التونسية، صوفية صادق، والعازفون وفرقة الكورال.

25- مثقفات متميزات يحاورن الجواهري

     في اواسط الثمانينات الماضية، جاءت الصحفية اللبنانية هدى المر، الى براغ، لتجري مع الجواهري سلسلة لقاءات مطولة. وقد بُهر الشاعر الخالد بسماتها وشخصيتها المتميزة.. ومن بين "ممازحاته" معها، انه ما كان قد اباح لها بذلكم الكمِّ من المحطات التاريخية والشعرية، لو لم تكن هي من قام بتلك المهمة ... وأضاف: لقد عرفوا من يختارون، أنا الضعيف امامكن... وقد كان ما نُشر من حورات، حقاً، اكثر من جديد وحيوي.

.... واستذكر بهذا السياق، واعني به اللقاءات التي اجرتها مع الجواهري، صحفيات وكاتبات لامعات، ومن بينهن المثقفة الكويتية ليلى العثمان، في تلفزيون بلادها، عام 1979 وأظنه كان على الهواء مباشرة، وقد انطلق فيه الشاعر الخالد، وبمزاج استثنائي، وكشف فيه العديد والعديد من المحطات التاريخية، والمواقف. وهكذا الحال نفسه مع الكاتبة السورية، إعتدال رافع، في حوار بثلث كاسيتات تسجيل، ونشرته في عدد من وسائل الاعلام العربية،  اواسط الثمانينات الاخيرة .

...  ومن "مداهراتي" معه، قلت للجواهري في امسية ببراغ: انك تنطلق في مثل تلكم الحوارات" النسوية" بشكل واضح. فأجاب دون تردد: ومع من تريدني ان أنطلق، مع "المشوربين" الذين يشبهونك!!

26- عن لقائين مع مصطفى جمال الدين

   من بين الزوار البارزين لصالون الجواهري في دمشق، ولا سيما في النصف الثاني من الثمانينات الماضية، كان الشاعر والسياسي، السيد، مصطفى جمال الدين.. وقد صُودف ان اكون حاضرا لمرتين، خلال زياراته لذلكم الصالون.. وكان بصحبته في المرة الاولى كل من حسن العلوي، وهاني الفكيكي، إذ الثلاثة مزمعون على اطلاق مشروع اطار سياسي جديد باسم"المتحد العراقي" وعرضوا بيانه الاول على الجواهري الكبير، للاستئناس برأيه في الظاهر، وطموحا بأن يدخل ذلك "المعمان" أو يباركه على الاقل. وفي النتيجة لم يتحقق اي من ذينك الشأنين ...

    اما المرة الثانية فقد كانت جلسة عائلية، وكانت مع جمال الدين، عقيلته، ومن جملة ما تطرقت اليه الاحاديث، بالطبع: الشعر والسياسة وما بينهما. كما كان لابد ان يستمع، الحاضرون في تلك الجلسة، وكالمعتاد، للجواهري في بعض جديده – القديم. وقد كرر السيد الضيف كما هو معهود، الاستحسان والاشادة مرات عديدة . واذ بالشاعر الخالد يلتفت ليقول له مازحاً، مع مناكدة مقصودة: هل تسستحسن فقط! هل لك ان تأتي ببعض يشابه ما ماسمعت؟؟ واضاف:" والله ذبحتنا، بجميلك الشعري الستيني: بغداد ما أشتبكت عليك الاعصرُ، ألا ذوت، ووريق عودك أخضرُ" ... ثم وبعد توديع الضيوف، وحلا السهر والسمر، قال لي الجواهري: تزعم انك "أديــب" ترى بماذا يذكرك ذلك البيت والقصيدة، الجميلة للسيد مصطفى؟ فقلت بعد لحظات: انها على وزن وقافية ورويّ رائيتك عام 1951:  يا مصر تستبق الدهور وتعثرُ، والنيل يزخر، والمسلة تزهرُ" ... فانتشى، مع تعليق: والله حزرتها !!!!

27- الجواهري يغني: حرامات العمر من"ينكضي بساع" !!!

   من المعروف، أو يكاد، ان الجواهري لم يكن يحب اغاني المطربات، والمطربين كثيرا، خلاف"أغاني" ابي الفرج الاصفهاني، طبعاً!! واعني هنا بالتحديد في سبعيناته وثمانيناته وتسعيناته، أما قبل ذلك فلربما كان. وباستثناء اللقطة التي ساتحدث عنها، لم اسمع الشاعر الخالـــد يترنم او"يدندن" يومــــاً ما، وعلى مدى ثلاثة عقود، سوى بخمس كلمات من اغنية "يا نجوى" الشهيــــرة، من الحان محسن فرحان، واداء سعدون جابر، ونصّها: "حرامات العمر من ينكضي بساع" يعقب ذلك تنهد "أيه دنيا" وهي لازمته المعتادة.. ولعل تلكم الجملة الغنائية تناغمت في مخيلته بهذا القــــدر أو ذاك مع معنى بيت شعره القائل: "واركبُ الهوْلَ فـي ريعانِ مأمنَةٍ، حبّ الحياةِ بحبّ الموتِ يُغريني".

     ولكي تكتمل الصورة المقصودة  أقول: في اواسط الثمانينات، وفي مستقره بالعاصمة السورية، طلب الجواهري من المساعد المكلف برعايته" أبــو رامي" ان يشتري له من سوق "الحميدية" نسختين من شريط كاسيت يحوي الاغنية ذاتها.. الاول لتشغيله في السيارة التي يستخدمها بدمشق، والثاني لكي أحمله معي الى براغ... ولا تنسوا ان الشاعر الخالد كان آنذاك في اواسط ثمانيناته، ولم يبرح مردداً"حرامات العمر من ينكضى بساع "!!!

28- الف دولار لاطلاق "بابيلون"

   احتجت عام 1990 مبلغاً قدره الف دولار، لاطلاق مؤسسة "بابيلون" للثقافة والاعلام، من براغ، بالتشارك مع عبد الاله النعيمي، وكان ذلك المبلغ يشكل ثلث راسمال "المشروع" أو يكاد.. ولم يكن لي من سبيل اقرب، وانزه، غير الجواهري لاستدين منه، وذلك ماجرى، وقد وافق على الفور، ولكن مع بعض "مدح" لاذع، خلاصته: ان كل "حسابي" و"ثروتي" لديك، منذ سنوات، وأنت المخول الوحيد بالسحب والصرف، فلمَ تسألني إذن؟ .. مع التنويه الضروري هنا الى أن ذلك "الحساب" وتلك"الثروة" لشاعر العراق والعرب الاكبر لم تتجاوز سوى باضعاف، قليلة، المبلغ الذي استدنته، وأعدته بعد عام ..

  

وللحديث صلة، في الحلقة السابعة

مع تحيات مركز الجواهري في براغ

www.jawahiri.com

 

 

 

 

مع الجواهري  بعيدا عن السياسة والادب!(5)

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

... وهذه جولة جديدة نتصاحب فيها معاً في عدد من اليوميات الخاصة والشخصية، للشاعر والرمز الوطني العراقي الخالد، ولعلها تكون – كما في الحلقات الاربع السابقة- قادرة على السوح بالقرب ممن" شغل الدنى والكون طراً، وآلى ان يكونهما، فكانا"..

20- زعــل مع هادي العلوي

   ينشر الجواهري الجزء الاول من ذكرياته عام 1989 بعد جهد مثابر دام  نحو ثلاثة اعوام عمل، وقد نشرتُ عن ذلك بشئ من التفصيل في تأرخة سابقة . وكان من الطبيعي جدا ان يُكتب عن تلكم المذكرات والذكريات بهذا الشكل أو ذاك، ومن بينها في صحيفة بيروتية، مادة لقيت غضبا من الشاعر الخالد . وبعد وشاية، كاذبة، بل ولئيمة من "أحدهم" صدّق الجواهري بان كاتبها هو: هادي العلوي، الباحث الاميّز، وعاشق الجواهري منذ عقود، وصاحب الكتابات العديدة عنه... ولكي تكتمل"الوشاية" قِيل ان الاسم "الملصوق" تحت تلكم المادة المنشورة، هي إحدى الالاعيب الصحفية ... وهكذا راح الغضب يسري ليصل حد القطيعة، ولفترة من الزمان، مع العلوي، الذي راح ملتاعاً مما نُسب اليه، وأقتنع به الجواهري، الذي كان قد غضب منه، وعليه، في منتصف السبعينات الماضية، بسبب واقعة "سياسية- ادبيــة" ربما نعود لها في وقت آخر .

    ثم كنت في دمشق مطلع التسعينات، وحدثني الجواهري عن" صاحبي" العلوي، وفعلته!! وأذ ناقشت الامرمعه مكذباً، وحاولت لاجئاَ الى محاولة المقارنة بين اسلوب"صاحبي" والاسلوب التي كُتبت به المادة المعنية، شملني الغضب ايضاً لاني لا أقف الى  جانبه، وهو" المعتدى عليه"ً!! ثم غضب أكثر حين علم باني مع نجليه "نجاح" و"كفاح" قد زرنا  العلوي، الزاهد، في"بيتــه" لمعايدته، وكان متوعكاً، وكذلك محاولة منا لتطييب خاطره من الغضب الجواهري ...

21- مرحباً ابـــو جاســم

     كنا جالسين صيف عام 1979  أنا والجواهري، وزوجته أمونة، وأخته نبيهة، في شرفة مقهى "يالطا" وسط براغ، والناس يسيحون أفواجاَ، والشاعر غارق في عوالمه، مع حديث هنا و"حسرة" هناك، وما بينهما تطلع في جمال حسان براغ اللواتي "تخففن فما زدنّ على ما ارتدت حواء إلا اصبعا" كما وصفهن الجواهري ذات يوم... ثم، واذ نحن هكذا، يعلو صوت بغدادي حميم، ليسلم من على بعد أمتار: مرحباً "ابو جاسم" . ثم ليتقدم نحونا رجل في الستينات فيصافح الشاعر العظيم، وليسأله بكل اريحية: هل تتذكرني؟ أنا فلان، بائع الفواكه والخضار، في الحيدرخانة، اوائل الخمسينات، وكم بعتُ لك بالدين!. فجامله الجواهري كثيرا. وحينها عرفنا من هو "أبو جاسم" : انه "محمد" مهدي الجواهري، فكل "محمد" في العراق، يسمى "ابو جاسم" شاء أم أبى ...

22- من بعض"فـنـــون"الجواهري، مع صفاء الجصاني !

     يصل صفاء الجصاني، ابن أخت الجواهري الى براغ عام 1978 قادماً من بغداد، ويذهب بسيارة اجرة من المطار الى شقة خاله، الذي يرحب به ثم يدعوه- فجأة- وعلى الفور لان يروح "يتمشى" أو يشرب الشاي في مقهى قريب، وعلى ألا يعود قبل ساعة من الوقت. وما كان على الضيف، المتعب، سوى أن ينفذ المطلوب، وبلا جدال طبعا.... اما السبب فهو، وبأختصار: ان من كان يسوق سيارة الاجرة التي جاء بها "صفاء" الى شقة خاله، واحدة من حسان التشيك "اللواتي لستَ تدري بهنّ المُحصنات من الزواني" بحسب بيت شعر للجواهري. وقد أستلطفت التشيكية الحسناء، الشاعر الخالد ذا الثمانين عاماً، فأستلطفها مضاعفة، كما يبدو، وما كان منه الا ان يطلب من أبن أخته ذلك الطلب العاجل، بأن يتركهما منفردين...ولعله- الجواهري- أستذكر هنا ما قاله عن" جين" احدى جميلات لندن في الاربعينات :

ما شاء فليكتبْ عليّ الدهرُ اني لا أبالي

إن كان خصركِ في "اليمين" وكان كأسي في "الشمالِ"

23- ابيات "أخوانيــة"... لـ : آرا خاجودور وكاظم حبيب

      لاسباب يطول الحديث، بل والتكهن، بشأنها، سادت لدى الجواهري عام 1988 رغبة جامحة في ان يغيّر شقته في براغ، التى كان قد قضى بها اكثر من ربع قرن من الزمان. وقد حاول شخصياً، ولم يفلح، فلجأ الى المسؤول الشيوعي الاول في براغ آنذاك، كاظم حبيب- أبو سامر، لكي يسهل له ذلك عبر الجهات التشيكية المعنية بالتوجيه بمثل تلكم الامور. وأذ يتأخر كاظم  – بظن الجواهري- عن تلبية طلبه، عاد الشاعر الخالد الى صديقه الاخر، آرا خاجادور، أبو طارق، وكان معنياً بشكل رئيس بشؤون العلاقات السياسية والحزبية الشيوعية العراقية- التشيكية، ليتدخل في حلّ الامر.... ثم، لتحريك الموضوع، وعلى اساس انه شعر اخواني(!) يكتب الجواهري قصيدة يخاطب بها كلا الرجلين، ويحثهما بشكل تحريضي، وتنافسي، للتعجيل بتمكينه من تبديل شقته باخرى، وهي قضية ليست سهلة في حينها .

    وأذ لا تحضرني ابيات القصيدة الان، المحفوظة لدينا في الارشيف العامر، أتذكر من بينها: "يا ابا سامرِ كنْ شفيعي لكي ابدلُ الدار، دارا"... ثم يهدده- أن تباطأ-  باللجوء الى "آرا" والذي هـو "ابٌ لكل الغيارى". وهكذا تستمر المناورة الجواهرية، وتنجحُ، وتتغير الدار. مع استدراك اخير، أقول بأني لم استطع، والى الان، معرفة اي من صديقي الشاعر الكبير، نجح في "الفوز" بتحقيق طلبه.

وللحديث صلة، في الحلقة السادسة

مع تحيات مركز الجواهري في براغ

www.jawahiri.com

 

 

 

 

 

مـع الـجـواهـري بـعيـداعن السياسة والادب!(4)

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

 

...وهذه حلقة رابعة  من "السياحة" مع بعض خصوصيات ويوميات الجواهري الكبير، وهي برغم التعمد بأن تكون سريعة و"خفيفة " كما نزعم، الا أنها، وكما نزعم ثانية، تؤشر لجوانب من مواقف ورؤى جواهرية، بهذا الشكل او ذاك، لمسارات من حياته المفعمة بالكثير والكثير...

16- عن جائزة نوبل ونجيب محفوظ

   اتصل الكاتب والباحث محمد كامل عارف، من لندن، عام 1988 على هاتف شقة الجواهري في براغ، ليسأل لو تفضل الشاعر الكبير باي تعليق- لصحيفة الحياة- كما أتذكر- بمناسبة الاعلان عن منح جائزة نوبل للاداب، في تلك الليلة الى نجيب محفوظ... فطُلبَ منه ان يعاودَ الاتصال بعد نصف ساعة، وهكذا فعلاً أتصل الرجل من جديد، فأُعلم بالاعتذارعن تلبية المطلوب، لظروف خاصة..وقد كان ذلك، طبعاً، بحسب رغبة الجواهري، الذي كان مبتهجاً بنيل كاتب وروائي مصري جليل، تلكم الجائزة، ولكنّ له موقف من لجنة "نوبل" واسلوب اختياراتها، وطرائق عملها، ولربما، بالأساس، تأخرها عن منح جائزتها له – للجواهري، الذي علق على الاتصال الهاتفي بما معناه: كنت افترض ان "محمد كامل" يحبني، ولا "يتحرش" بي هكذا !!!! 

17- ابيات غاضبة، جزاء، وعقوبة

    ألح الجواهري عليّ في احد ايام 1987 للقاء، وكنت في مهمة سياسية لا استطيع تأجيلها، وكان هو ذا مزاج مأزوم . ولم ينفع الحاحه، فضرب الموعد وأكد انه سيكون بأنتظاري في كل الاحوال... وألا !! وحاولت فعلا ان اكون في الموعد المضروب، ولكن لم أفلح، فكان ما  كان من عقوبة وجزاء ..

     ففي صبيحة اليوم التالي، وباكراً على غير العادة، رنّ الهاتف، وإذ بالجواهري يتصنع اللطف، ويقول: طالبتني من فترة بان اكتب لك ابيات شعر، لتتباهى بها، فهاكها. ورحت اكتب، وانا بين مصدق ومكذب:

"رُواءُ" ايا قدوة المقتدي، بلحسِ"........" ولثمِ الردي

تمنعْ، ودعْ خالكَ السلسبيل، ضميئاً، بعيداً عن الموردِ

وكن ولدي سيد الطيّعين، وإلا فما أنـــتَ بـ"السيـــد" !

.... و"السيد" اعلاه تورية باني من السادة الحسينيين. كما تلت تلكم الابيات الثلاثة المنشورة في السطور السابقة، ثلاثة أخرى، وأشدّ تهكماَ، ومناكدة، لا أجرأ على كتابتها، وشملت حتى زوجتي " نسرين وصفي طاهر" التي كان يحبها الجواهري بتميز. وواضح للمتابع ان الابيات الستة المعنية هي تناصُ، وتحوير لبعض ابيات من قصيدته"عبادة الشر" الشهيرة .. ثم، وبعد ان قدرتُ مدى هضيمته، صالحته بطريقة لم يستطع ردّها، ولا اقدر ان اكتب عنها هنا، فليس كل ما "يحصل" يمكن البوح به!!!!

18- الجواهري... شاعر هندي

     في براغ اوائل الثمانينات الماضية، ضرب الجواهري موعدا مع الضيف القادم من بغداد، قدري عبد الرحمن، الشخصية العراقية المعروفة، لكي يلتقيا فى مقهى فندق "إسبيلنادا" وسط المدينة، بحسب الجواهري... وفي مقهى فندق"سبلنديد" القريب ايضا من المقهى الاول، كما ظنَ الضيف.  وبعد ان مرت  نصف ساعة على الموعد، انتبه "قـــدري" بأن شيئا ما قد حدث، لأن الشاعر الخالد لم يصل، وهو الجد دقيق في مواعيده. ثم نقل لنا ما يلي:

     حدستُ الخطأ، فهرولت مسرعاً الى "اسبيلنادا" الذي كان الجواهري قد غادره، ممتعضاً، بعد انتظار ممل، كما تبين لاحقاً. وصادفت هناك سائحاً عربياً متزناً، فسألته: ألم تلحظ  الجواهري هنا ؟ فأجاب السائح: نعم، قبل دقائق، كما أعتقد، ولكني سألته: هل انت الشاعر العربي الكبير؟ فأجابني : كلا، أنا شاعر هندي. فما كان مني- والحديث لا يزال لقدري عبد الرحمن - إلا ان أُجيبه: إذن أنه الجواهري لا غيره،  وهرولت مستعجلاً، لأعثر عليه، بعد مسافة قصيرة، وهو يتفجر غاضبا  .    

19- حوار متميز مع الجواهري... وكارثة

    عشية مغادرته الاخيرة لبراغ، خريف عام 1991 أجبرتُ الجواهري، ان أجري حوارا معه، وألا لن ارتب له بعض الشؤون، فوافق، بعد تمنع طبعا.وكان بحق حوارا متميزا حول مذكراته التي كان طبعها ونشرها قد اكتمل في تلكم الفترة.. وجاءت الاسئلة، كما والاجابات، وعلى مدى ساعة كاملة،  أقرب لاستكمال بعض ما لم تشمله تلكم الذكريات، ذات الجزأين. ... وكان الهدف من ذلك الحوار، فضلا عن التوثيق، خطوة اخرى على طريق ترسيخ مكانة مؤسسة "بابيلون" للثقافة والاعلام التي أطلقت نشاطها من براغ اواخر العام 1990 مع عبد الاله النعيمي ....

     وهكذا ولانشغالاتي، كلفتُ احد المتعاونين في عمل المؤسسة، وهو يحمل شهادة الماجستير، لكي يفرغ الشريط الصوتي على الورق، واكدت له باني سأحسب له ثلاث ساعات عمل مقابل ذلك، على ان يأتيني بالمطلوب في الصباح... وجاء الرجل فعلا، هاشاً باشاً، في الموعد المحدد، وليسلمني الشريط، قائلا ان تفريغه لم يستغرق منه سوى دقائق. وقد صعقت من الاجابة، لأني فهمت الامرعلى الفور، ومع ذلك صبرت قليلا، وسألته: واين الاوراق؟ فقال بكل بلاهة: لقد فهمت انك تريد ان افرغ الكاسيت، اي امسحه، وليس تفريغه على الورق !!! ... وأحترازا مما لا تحمد عقباه، تركت المكتب دون ان أجيب، ورحت هائماً، لاتصل تليفونياً، وأطلبُ من احد المسؤولين في المكتب: الرجاء ابلاغ المعني بانه ممنوح أجازة مفتوحة "تقديراً" لعبقريته .

 

وللحديث صلة، في الحلقة الخامسة

مع تحيات مركز الجواهري في براغ

www.jawahiri.com

 

 

 

 

 

 

مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب !!  (2) (3)

 

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني*

 

ها هي بعض "يوميات" اخرى، من بعض المعايشات الخاصة، والشخصية مع الجواهري الخالد، وتأتي، كما جاء في مقدمة الحلقة الاولى، دون تكلفٍ او تزويق، وكما يَشي بذلك، عنوان هذه التأرخة والتوثيق، بعيداً عن السياسة والادب! مع حفنة استثناءات معدودات...

5- عتاب "ساخــن" مع الشيوعيين  

    في اواخر التسعينات الماضية، أحتفت مجلة" الثقافة الجديدة" العريقة، التي كان يصدرها في دمشق آنئذ، الاعلام المركزي لللحزب الشوعي العراقي، وذلك بمناسبة تسعينية الجواهري، وبملف خاص شمل مواقف وذكريات وغيرها... ومن المفترض، بمثل هذه الحال ان يفرح الجواهري، وقد فرح فعلا، مع بعض عتاب ساخن، للمسؤول الاول عن تلكم الشؤون في حينها، الشخصية الوطنية العراقية، عبد الرزاق الصافي، وهو من القيادات الشيوعية المقربة للشاعر الخالد، ولسنوات مديدة... أما سبب ذلكم العتاب الساخن فهو اعتماد تاريخ ولادة "مشكوك به" للشاعر الخالد، أذ كان يصر على انه كان من مواليد 1903.. بينما كبّر مسؤولو المجلة عمره ثلاث او اربع سنوات !!!

 

6- في الطائرة من دمشق الى براغ

    بعد تشييع اخته نبيهة، وموراتها الثرى، في متربة "الست زينب" الدمشقية، اواخر تموز من عام 1987 عدت مع الجواهري الى براغ، على رحلة الخطوط الجوية السورية، ومعنا نجله نجاح، وقد أهتم طاقم الطائرة كما هو معهود، بالشاعر الخالد، وارادوا ان يستضيفوه بقسم الدرجة الاولى، فأعتذر، وبقينا نتجاذب اطراف الحديث، واذ به، وهو يعرف "رهبتي" من السفر بالطائرة، راح يتغنى متقصداً بعجز مطلع قصيدته "اليأس المنشود" المنشورة عام 1947 : شرٌ من الشر، خوفٌ منه ان يقعا... ثم يكرر، بل ويزيد مفتعلا اسئلة واحاديث تدور كلها حول احتمالات سقوط الطائرة في البحر، وانه لا يجيد السباحة، أو انه يشم رائحة حريق .... وغيرها، وكل ذلك ليزيد من"قـلقي" وانا جالس جنبه، حتى هددته بالانتقال الى مقعد اخر بعيدا عنه، فكفّ قليلا ليعود الى المناكدة، ولم تنته الساعات الاربع، وهي مدة السفر، الا وكاتب هذه السطور تكاد ان تصيبه أكثر من سكتة قلبية، على الاقل ! .

 

7- موقــــف من التلفزيــــون

    خلاف "ادمان" الجواهري على استماع الاخبار من الراديو، الذي كان لا يفارقه حتى على سرير النوم، راح موقفه من التلفزيون، معاكساً تماماً ... وبقي لا يطيق صبراً، وخاصة عندما كان يتحدث، بينما يلتهي الاخرون بذلك الجهاز، ومهما كانت برامجه... واسوق هنا، بالمناسبة،  فورة الجواهري الغاضبة، حين كنا نتسامر ذات ليلة في صالته بدمشق، واذ به يشب واقفاً ويستعجل الذهاب الى المطبخ ليأتي بـ "يـدة هاون" لكي يهشم التلفزيــــون، الذى رفع بعـــض اهل البيت من صوتــــه، وهم يشاهــــدون مسلسلا عربياً، ولم يستمعــــوا لطلبه -الجواهري- بان يذهبوا لغرفة اخرى، ويدَعوننا- وبالاحرى يدَعونه- يواصل الحديث، بعيدا عن ضجيج البلهاء، بحسب تعبيره. ثم، ودفع الله ما كان أعظم، إذ وقفتُ حاجزا لمنع ما كاد ان يكون .

 

8- حوارات ليليـــــــة

    خلال سهراتنا بعد ان ينتصف ليل دمشق، التي "أحبَها، لا زلفى ولا ملقا".. كنت اطرح على الجواهري، والعديد من تلكم الليالي كان مع ابنه نجاح، بعض التساؤلات التي ترطب الاجواء، ومن بينها، على سبيل المثال، لا الحصرالذي يطول ويطول:

ما الأحب للجواهري من شعر غيره في الرد على الحاسدين؟ قال، للطرماح بن حكيم:

لقد زادني حبا لنفسي انني، بغيضُ الى كل أمرئ، غير طائلِ

واني شقي باللئام ولن ترى، شقياً بهم، إلا كريم الشمائلِ

ومن شعرك أنت في هذا المجال؟ فردّ، بعد لحظات:

أقول لنفسي اذا ضمها وأترابها محفلُ يُزدهى

تساميّ فانك خير النفوس اذا قيس كلُ على ما انطوى

وأحسن ما فيك ان الضمير يصيحُ من القلبِ: اني هنا

 

9- ثماني عجائب في الدنيا

  في جلسة بيتية بين الجوهري ونجله الثالث نجاح، وأذ كان الحديث ما كان! ضجر الجواهري، واذ به يسأل: اتعرف يا فلان كم هي عجائب الدنيا؟ وحين تلقى الجواب التقليدي بانها سبع، ردّ وبكل ثقة: لا، بل هناك واحدة اخرى، وهي اني جالس هنا لاسمع الان مثل هذا " الحديث"...    

 

ها هي إضمامة اخرى من يوميات خاصة وشخصية، ومعايشات مع الجواهري  على مدى سنوات مديدة، نوثقها هنا دون تكلف او تزويق، ولعلها تَشي أيضا ببعض رؤى وآراء الشاعر العظيم ...

 11- عتاب ساخن مع ياسر عرفات

      سألني الجواهري مساء يوم في براغ، اواسط الثمانينات، وبعصبية ظاهرة ان كنت قد قرأت ما نشره عنه، كاتب في صحيفة "فلسطين الثورة" لسان حال منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت تصدر من قبرص آنذاك، وحين اجبت بنعم، غضب وعاتب، لاخفائي تلكم الامور عنه، والتي اوصلها له"محب- كاره"... ثم اختصر الجلسة في مقهى "سلافيا" حيث موعدنا شبه اليومي، واوصلته الى شقته، وكان يسميها بالـ "شقيقة" لمحدودية مساحتها. ثم ليتصل بي ليلاً ويطلب رقم هاتف صديقنا عبد الاله النعيمي، المتميز المعروف باللغة الانجليزية، ثم لأعلم لاحقا ان الجواهري قد اتصل به، واتفقا على موعد صباحي مبكر، ليترجم له سطرين عاجلين، ساخنين، أبرقهما، معاتبا ومغاضباً، الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، باعتباره المسؤول الاول، الاعتباري، عن مجلة "فلسطين الثورة". وقد اختتم ذينك السطرين الساخنين بعبارة" والبقية تأتي" ... ولنا وقفة اخرى عن تلكم "البقية" الاكثر غضبا ، والتي نشرتها صحيفة السفير البيروتية، وفي موقع متميز.

12- الجواهري يصفق، لي، واقفاً

     في حفل افتتاح مؤتمرعام لممثلي طلبة العراق الديمقراطيين في الخارج، عُقد صيف 1983 في مدينة قرب براغ، شارك الجواهري في الحضور، متصدرا لجمع من شخصيات سياسية وثقافية عديدة دُعيت لتلكم الفعالية. وكانت الكلمة الاولى لي، بحكم مهمتي آنذاك في ادارة العمل الطلابي، الديقراطي، العراقي خارج البلاد... واذ اخذنا الحماس، وتزامنا مع نشيد موطني، وقف الحضور جميعا : ضيوفاً ومندوبين، ليصفقوا، وبينهم الجواهري، الذي عاد بعد بضعة ايام، ليشتم الدنيا، ولكن للمناكدة، لانه اضطر للوقوف والتصفيق لرواء الجصاني !!!!!

13- نمـــر احلى من نســـر

    قلت للجواهري ذات نهار، متحرشاً: لو كنت مكانك لاخترت كلمة " نمر" بدلا من "نسر" في بيت لك ضمن رائيتك عام  1975 ونصّهُ: "عندي وداع حمامةٍ، فإذا استثرتُ، فجوعُ نسرِ" .... فضحك وردّ ببديهية جواهرية : وأنا لست مثلك، أنا استطعم اللحوم الطازجة... في تنويه الى ان النسر ينقض على فرائسه وهي حيةً.

14- مع عامر عبد الله وشهادات الدكتوراه

        في احدى الجلسات  الودية، وما اكثرها، بين الجواهري والشخصية الوطنية والشيوعية العراقية البارزة، عامر عبد الله العاني، في براغ اواخر الثمانينات الماضية، اعتذرت عن البقاء معهما، لالتزامي بموعد مسبق مع  "الدكتور فلان"... وذلك ما اثار الشاعر الخالد، ليقول، مُستفزَاً : وهل سيادة "الدكتور" اهم من هذه الجلسة؟ ... ثم التفتَ الى ضيفه قائلاً: يبدو- ابو عبد الله-  اننا أقل مستوى من جماعة "الدكتوراه" ولذلك لا احد مكننا منها، ولا نحن  نستحقها. ولم يقصر عامـــر فردّ: هكذا الدنيــــا - ابو فرات- ولسنا وحدنا من لا نستحقها، بل ولا زكي خيرى ولا محمود صبري  ولا هادي العلوي، ولا " فلان وفلان وفلان "  فنحن لسنا بمقامات وكفاءات "فلان وفلان وفلان ...." .

... أما انا فأعتذر هنا عن التصريح بالاسماء التي جاء ذكرها، فللمجالس أمانات كما تعودنا .

15- اسمــــاء وأسمـــاء وأسمــــاء

     في العديد من المرات، يختلط الامرعند البعض، فيتصورون ان اسم"رواء" مؤنث وحسب. وقد صادف ذلك معي في مناسبات عدة، ومن الطفها ان حُجز لي في احدى كابينات النوم بقطار بغداد- البصرة، مع احدى المهندسات المسافرات، وذلك في كابينة واحدة، وقد عُولج الامر في حينها دون "تعقيدات"... وحدثتُ الجواهري عن تلكم الواقعة، فأستلطفها!! وحملته المسؤولية عن تلك المفارقات التي تحدث معي، لان اختيار ذلكم الاسم، لي، أقترن ببيت من قصيدة "أتعلمُ ام أنتَ لا تعلمُ" الشهيرة، ونصه:" أخي جعفراً يا "رُواء" الربيعِ، الى عفنٍ بارد يسلمُ"... فالقصيدة نُظمت عام 1948 كما هو معروف، وجاءت ولادتي بعد ذلك بنحو عامين، وكانت اجواء الحزن ما برحت تلازم العائلة ...

 ولأن الشئ بالشئ يذكر كما يقال، أشير الى ان العديد من اسماء بنات واولاد الجواهري الخالد، جاءت أوائل، ومتفردة، كما ازعم، ومنها: فرات، كفاح، خيال، ظلال، وكذلكم أحفاده وحفيداته، بل وحتى اسباطه، ومنها: رائد  وأيسر، وبان ومحسد، وهيام، وزهراء وفرزدق، وديباج... وجميعها من اختيارات الجواهري، أو موحياته على الاقل.

 

وللحديث صلة، في الحلقة الرابعة

مع تحيات مركز الجواهري في براغ

www.jawahiri.com

 

 

 

مع الجواهري

 

بعيدا عن السياسة و"الادب"!!!

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

1))

    برغم ما تشهده البلاد العراقية، وشعوبها من "منغصات" وآلام بل ومآسٍ، تدوم وتدوم، دعوني- لعلّنا نغير بعض الاجواء-  اسوح بكم في بعض عوالم وخصوصيات محمد مهدي الجواهري، الصالحة للنشر طبعا، والتي لا يعرفها سوى معدودين، كما أحسب ... وقد يعجب البعض من بعض تلكم الخصوصيات، ولا يستطيع ان يتوقعها ذات صلة أصلاً، بذلكم الذي شغل القرن العشرين: شعراً وفلسفة ورؤى ومواقف، سياسية ووطنية وفكرية وثقافية .

   وأغلب ما سأبوح به، يجئ معايشات يومية، وشهادات عيان،  ولاسيما في براغ، جنة الخلد، التي اطالت الشوط من عمره، كما ثبت ذلك في قصيدته الشهيرة عام 1968 .. فقد شيئ لي ان اكون معه، على مدى أزيد من 12 عاماً، بكل يومياته، وأمزجته- وليس مزاجه- وشجونه وهمومه وافراحه واستراحاته!!!... ولنبدأ بالملموس فنحن في سرد بعيد عن" الادب" كما هو عنوان هذه الكتابة، وها نحن نسعى لأن نكون كذلك، وسنوثق دون ترتيب ولا تزويق، وعلى السليقة كما يُقال. ولكن، ومع عفوية الكثير مما سنتوقف عنده، نظن ان ثمة العديد من المدلولات التي تؤشر لجوانب من حياة الجواهري، العامة....

1- وزارة خاصة لشؤون الجواهري  

   في الطريق لايصاله الى مطار براغ، اواسط الثمانينات، انهمرت علينا طلبات  وتوصيات الجواهري، المتلاحقة، علينا، أنا ونجله نجاح، ومن بينها ان ندفع ايجار الشقة، ونرسل له شاي الاعشاب، وحبوب النوم، واصلاح الباب، وتحويل مئة دولار الى العملة التشيكية، وغير ذلك من شؤون ... واذ تمازحنا معه بان تلك الطلبات تحتاج لمجموعة عمل، بل ووزارة لشؤون الجواهري، ردّ علينا، وبكل "رهاوة": وهل تستكثرون علي مثل تلك الوزارة، يـــا "........" !!!

2- يا أم عوف... وأضحى التنائي

     في مناكدة معه، وكان ذو مزاج يتحمل مثل تلك" الدهريات" قلت للجواهري: انك "سرقت" لحن وموسيقى وقافية ورويّ :"أضحى التنائي بديلا من تدانينا.. وناب عن طيب لقيانا تجافينا" لابن زيدون الاندلسي، في قصيدتك" يا أم "عوف" عجيباتٌ ليالينا، يدنين اهواءنا القصوى ويقصينا"... فسرح قليلاً، وليردّ بعدها، مع "شتيمة" مزاح: هل تصدق انني لم اكن منتبهاً لهذه المقارنة الا الان، وبعد نحو ثلاثين عاماً على " ام عوف" ....

3- وهو ابن تسعين، لا يعقل!!

   أتصل الجواهري ظهر نهار في اواخر الثمانينات الماضية، ليؤجل، بل ويلغي موعدا مضروباً بيننا، مساءً – كما هي العادة شبه اليومية- وكان مرتبكاً، ولكنه ارتباك فرح . ولم يبح هو بالاسباب، ولم اكن فضولياً نحوها ...

    وعلى اية حال، اتصل ثانية، بعد العصر بقليل، وكان هذه المرة، بصوت يحمل نبرة حزن، واتفقنا على موعد جديد، عنده في البيت، وأذ بي اجدني انه كان متهيئاً للقاء مع معجبة "شرق – اوسطية"  تدرس في براغ، وعدت ان تزوره عصرا،  ثم عادت لتتصل به معتذرة، بحجة ان عائلتها منعتها من اتمام ذلكم اللقاء.. وعندها عرفت، سرّ ارتباكه المفرح اول الامر، ومن ثم نبرة الحزن في اتصاله الثاني !!!  ولملاطفته لم اقل شيئا سوى ان اردد على مسمعهِ واحدا من ابيات قصيدته التي يناجي بها نفسه عام 1970: "لجاجكً في الحبِ لا يًجملُ، وانت ابن سبعين لو تعقلُ" ... وكان الشاعر، الشاعر، في تاريخ هذه الواقعة على ابواب التسعين !!!!

 4- جلســـة في دمشـــق

   ليلة مغادرتي الي براغ في اوائل الثمانينات، عائدا اليها من دمشق، بعد قضاء بضعة ايام عمل، ثم استراحة بضيافة الجواهري في مستقره الشامي آنذاك، دعوت اصدقاء معدودين لعشاء هناك . ومن بينهم، بحسب تسلسل حروف الهجاء، لكي لا أزعل احداً: حسان عاكف حمودي، حميد برتو، فالح عبد الجبار،  لبيد عباوي، وعبد الحسين شعبان ... واللقطة هنا ان الشاعر الخالد، وكما هي العادة، تسيّد الجلسة والحديث، شعراُ وذكريات ومناكدات سياسية وغيرها، وعلى مدى نحو ثلاث ساعات، وكان هو المتحدث الاول، والاخير، او يكاد.  وبعد ذهاب الضيوف، اذ به يضع يديه على اذنيه، ويقول، عندي صداع من كثرة ما تكلم مدعووك !!!! في اشارة استباقية الى انه لم ينقطع عن الحديث طوال اللقاء، وحتى على مائدة الطعام ...

5- عن خطبة حفيدته نادية 

  جاءني جمال الجواهري،  الطالب في براغ، اواخر الثمانينات الماضية، وكان رقيقاً فوق العادة هذه المرة(!)  لكي أذهب معه الى الجواهري الكبير، والحصول على "موافقته" بشأن خطبته لـ حفيدته "نادية" من نجله الرابع "كفاح" . وهكذا ذهبنا مساء في الموعد المحدد، وبعد مقدمات شكلية حول الموضوع، سأل الجواهري، وماهو رأي المعنية؟ واذ عرف بموافقتها، أجاب بما معناه: هل هي التي ستتزوج أم أنا؟ أنها صاحبة القرار، وانا لست سوى مؤيد لها... ثم كاد جمال ان يطير فرحا.

وللحديث صلة في  القسم الثاني

مع تحيات مركز الجواهري في براغ

www.jawahiri.com

 

 

 

 

 

 

الجواهـــري... عشية،

وخلال كارثة شباط الاسود عام 1963

 

كتابة وتوثيق: رواء الجصاني

   قبل ان يطول اغتراب الجواهري إلى براغ كثيراً، حتى حلت كارثة شباط عام 1963 بكل مآسيها التي طالت "أهلاً وصحاباً وديارا" وفي شتى أرجاء البلاد العراقية... وكان لابدّ لشاعر الوطن أن يتخذ موقفاً، فاتخذ، برغم خلافاته ومواقفه العامة والخاصة التي كانت سائدة في حينها من قيادة السلطة التي طالها الانقلاب، وزعيمها عبد الكريم قاسم، وكذلك من والاه دون تحفظ ... وقد وثق الشاعر الكبير عن بعض ذلك في رائيته الموسومة "يا غريب الدار" عام 1962ومن أبياتها:

من لهمّ لا يجارى ولآهات حيارى

 ولمطوي على الجمر سراراً وجهارا

من لناء عاف اهلاً وصحاباً وديارا

تخذ الغربة داراً، إذ رأى الذل اسارا

     وإذ تنادى الالاف من معارضي الانقلاب، سياسيين وأكاديميين، ودارسين وغيرهم، في الخارج، للانتصار إلى أهلهم وبلادهم ضد القمع والارهاب، أفلحت جهودهم في اطلاق لجنة عليا للدفاع عن الشعب العراقي، وليتم اختيار الجواهري رمزاً وطنياً، وثقافياً، أولَ، وبالاجماع، لرئاستها، وقد اتخذت من العاصمة التشيكية براغ مقراً مركزياً لها، وذلك بعيّد فترة وجيزة من طوفان الدم الذي تسببه الانقلاب البعثي المشؤوم.

    وضمت قيادة تلكم "اللجنة العليا" شخصيات وطنية جليلة كان من أبرزها فيصل السامر ونزيهة الدليمي وذنون أيوب ومحمود صبري وصلاح خالص ، وايضا :جلال طالباني لفترة محدودة... ذلك إلى جانب ممثلي وتشكيلات اللجنة في عدد من عواصم ومدن أوروبا بشكل خاص.

   وفي ظلّ رئاسة الجواهري نظمت اللجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي، التي امتد نشاطها – عملياً – حتى مطلع 1965 العديد من النشاطات المهمة كالمؤتمرات والندوات واصدار البيانات وتنظيم حملات ومهرجانات التضامن في بعض البلدان الأوربية، الرأسمالية منها، والاشتراكية آنئذٍ... كما أصدرت اللجنة مجلة فكرية سياسية عامة باسم "الغـــد" لتتولى مهمات توثيق الاحداث وكشف الحقائق ومحاولة صياغة البدائل، لانقاذ البلاد، ووقف نزيف الدماء.

     وخلال تلكم الفترة، كتب الشاعر الكبير قصيدته الذائعة الصيت عن بغداد "دارة المجد، ودار السلام" وما حلّ بها من دمار وانتهاكات وسيول دماء غزيرة، وقد كان لتلك الميمية الهادرة، بحسب المتابعين والمؤرخين، أصداء واسعة في المعتقلات والسجون ولدى عموم الجماهير التي اكتوت بمجازر الانقلاب المشؤوم ... وهكذا جاءت أيضاً، وفي خضم تلكم الأحداث ميميته، الاخرى، التأريخية الثائرة عن نضال الشعب الكردي "قلبي لكردستان".

يا موطن الأبطال بثٌ مؤلم، وألذ اطراف الحديث المؤلمُ

سلّم على الجبل الأشم وعنده من ابجديات الضحايا معجمُ

سفرٌ يضم المجد من اطرافه، ألقاً كما ضم السبائك منجمُ

يا موطن الأبطال حيث تناثرت قصص الكفاح حديثُها والاقدمُ

حيث انبرى مجدٌ لمجد ٍ والتقى ، جيلٌ بآخر زاحف يتسلمُ

    كما نظم الجواهري في الفترة ذاتها عديداً آخر من القصائد الوطنية و"المقاوِمة" والانسانية... ومنها ملحمته "إلى أطياف الشهداء الخالدين" والتي جاء فيها:

سلاماً وفي يقظتي والمنام، وفي كل ساع ٍ وفي كل عام ِ

تهادي طيوف الهداة الضخام، تطايح هاماً على اثر هام ِ

ودقت مسامير خجلى عطاشى، بكف ِ المسيح فطارت رشاشا

بقايا دم للعصور التوالي تخضب بالمجد هامَ الرجال..

حماة الحمى والليالي تعودُ، وخلف الشتاء ربيع جديدُ

سيورق غصنٌ، ويخضر عودُ، ويستنهض الجيل منكم عميدُ

       ومما نذكره للتأرخة هنا ان تلكم القصائد التي أشرنا لها، ضمها إلى جانب شقيقات أخريات ديوان خاص حمل اسم "بريد الغربة" أشرفت على طباعته وتوزيعه لجنة الدفاع عن الشعب العراقي، ذاتها، وقد تبرع الجواهري بكامل ريع الديوان للتضامن مع أهل البلاد، الجاثمة تحت وطأة الانقلابيين وجرائمهم التي أدانتها كل قوى الخير في العالم.

   وإذ لا يتحمل الحديث الموجز هنا، لتفاصيل أخرى عديدة، نعد أن يتم السعيّ لتوثيق مفصل عن تلكم "اللجنة" ودور الجواهري في رئاستها، فضلاً عن تجربتها ونشاطاتها ، وكذلك عن التعقيدات التي رافقت عملها، ونأمل أن يتحقق ذلك في فترة قريبة قادمة...

 

 

 

الجواهري حول بعض

 

مواجهاته، و"آداب" الخصام

 

كتابة وتوثيق:

رواء الجصـاني

على مدى عمره الشعري الذي دام نحو ثمانين عاماً، واجه الشاعرالعظيم، محمد مهدي الجواهري (1998- 1997) معارك وخصومات ثقافية وسياسية، وما بينهما، بسبب مواقفه ورؤاه التنويرية، الداعية الى النهوض والارتقاء العراقي، والعربي، بل والانساني أيضاً...

وقد تعددت تلكم الخصومات، كما سنحاول ان نوضح، من وجوه وشخصيات، ورموز، ومعها. الى جانب تطاولات من طالبين "علو" بأي ثمن كان!... وفي جميع ردود الشاعر والرمز الوطني الخالد، ومواجهاته، أعتمد التعميم، بعيداً عن الشخصنة، والشؤون الذاتية، لأسباب نزعم ان من أهمها، اثنان، أولهما: سعيه لأن تكون آراؤه ورؤاه شاملة في دوافعها، ومعالجاتها... والآخر، هو اصراره ألا يدخل التاريخ أسماء وشخصيات، "يُخلدون" وان هجاءً، في ديوان شعره العامر...

وسألت الجواهري ذات نهار في براغ، أواسط الثمانينات، وكان رائق المزاج، يتحمل مثل تلكم الأسئلة، المثيرة على أقل وصف، ومنها: انك "مزدوج" في المواقف من المتطاولين، وحتى النقاد... فمرة تعتمد مقولتك "ولقد سكت مخطاباً، اذ لم أجد من يستحق صدى الشكاة مخاطباً" عام 1949 أو "ترفع فوق هامهم، وطرْ عن أرضهم صعدا" عام ( 1976) ..أو مقولة شعرية قديمة تقول:

 كبرت عن المديح، فقلت أهجو، كأنك ما كبرت عن الهجاء...

ولكنك في احايين اخرى ترد على متطاولين، وغيرهم، بشكل مباشر وقسوة مثل قولك عام (  1953 ):

عدا علي كما يستكلب الذيب، قوم ببغداد، أنماط أعاجيبُ

... او ما جاء في رباعيتك (1959-1960):

سيسبُ الدهرُ والتاريخ من اغرى بسبي...

يا لويل المشتلي كلباً لسبٍ المتنبي

 .... وكان جواب الشاعر الخالد، مباشراً وموجزا ومعبرا في آن واحد، و بما معناه، ان لكل حادث حديث، ولكل موقعة نزالها، ولكل ظرف متطلباته، كما لكل معتدٍ ومسف، ما يستحقه، وخاصة من لم يتعظ منهم ...

ويعرف المتابع الحريص ان الجواهري كان ذا ثقة متناهية بالنفس منذ عشريناته، وقبل ان يتربع عرش الشعر العراقي والعربي بسنوات طويلة.. ومن ضمن ما يمكن التأشير اليه هنا عن ردوده وعنفه وأنفته، وهو ما برح يافعا متطلعاً، ما جاء في تضمين نونية له اواسط العشرينات:

"ولو اني بليتُ بهاشميّ، خؤولته بنو عبد المدانِ

لهان على ما القى ولكن، هلموا وانظروا بمن ابتلاني"

وتينك البيتان اعلاه يذكراننا ببييت للشاعر الخالد جاء في بائيتـــه العصماء عام 1949 ونصــــه:

لقد أُبتلوا بيّ صاعقا متلهباً، وقد أُ بتُليتُ بهم جهاماً كاذبا

.. ثم تستمر تلكم "القسوة" و"العنف" الجواهري، في مختلف مراحل حياته الشعرية، فذاك هو قائل عام (  1935 ):

فإن تراني أُذكي القوافي بنفثةٍ، أرى اني على كتمانها غير صابرِِِ

... وفي مقصورته الاربعينية:

بماذا يخوفني الأرذلون، وممَّ تخاف صلال الفـــلا

اذا شئت أنضجت نضج الشواء، جلوداً تعاصت فما تشتوى

وابقيت من ميسمي في الجباهِ، وشماً كوشم بنات الهوى ...

... وهكذا في الخمسينات والستينات والسبعينات، والثمانيات... وحتى في التسعينات، ويطول الحديث وتكثر الشواهد، ولكل ذلك أسانيد ووقائع وشواهد ، عسانا نتابعها في فترات لاحقة، مقرونة بما عندنا من شهادات ومعايشات ...

**********************

    ودعونا نعود الآن للقسم الثاني من عنوان كتابتنا اليوم، عن الجواهري و"آداب" الخصام، فأقول انه مع كل قسوته، وعنفه، أعيدُ مجددا التنويه الى ان غالبية ردوده، وانتقاداته، راحت تتجاوز المعنيين، إلا في حالات محددة، فكانت لا تحتاج إلا لبعض جهد لكي يُعرف من هم أصحابها!... ومن بينها ما جاء في قصيدته عام (1948):

و"زعيم" قومٍ كالغراب به، صغََـَـرٌ وفي خطواتهِ كِبرُ...

بادي الغباء تكاد تقرأه، بالظن لا خًبَرُ ولا خُبرُ

أضحى "وزيرا" فأغتذى رهِقاً، مثل"الحمار" يؤوده الوزرُ

...أو في قصيدة " اي طرطرا" الشهيرة، وفيها ترميزات لاسماء معروفة :

شامخةً شموخَ قرن الثور بين البقر

أقذر من ذبابةٍ في مستحم قذر

فهي تطير حرةُ جناحها لم يُعر..

..... وهو – الجواهري-  يروح  كما سبق القول  لكي يثير في هجائه، الناس والقراء، ويدفعهم للمسار العام، برغم ان ثمة مقصودين محددين في تلكم "الهجوة" أو ذلك البيت من القصيد... وهاكم مثالاُ يقرب الصورة أكثر بشأن ما نعني، حين قال في نونيته الشهيرة، دجلة الخير (1962):

جبْ أربعَ النقد واسأل عن ملامحها ، فهل ترى من نبيغ ٍ غير مطعونِ..

عادى المعاجمَ "وغـدٌ" يستهين بها، يحصي بها "ابجديات" ويعدوني

شُلتْ يداك وخاست ريشة غفلتْ عن البلابل في رسم السعادينِ

.....او ما جاء في داليته الأخرى عام 1974:

و"مخنث ٍ" لم يحتسب ، في ثيّب ٍ خيطت وبكر ِ

أقعى، وقاد ضميره، ملآن من رجس ٍ وعُهر ...

"غالٍ" كأرخص ما تكون أجورُ غير ذوات طهر ِ

لم يُعل ِ قدري مدحه، وبذمه لم يُدن ِ قدري ...

... أو ما شملته قصيدته "سهرت وطال شوقي للعراق" عام 1969:

و"منغول ٍ" من "التاتار" وغْد ٍ، تراضع والوغادةُ من فواق ِ

إلى "يمن" إلى "حلب" تسمى، إلى "مصر" إلى درب الزقاق ِ

وكل ضاق بالملصوق ذرعاً، وأيٌ فيه مدعاة التصاق ؟

أوجه القرد، أم خلق البغايا، أم النعرات، أم نذر ِ الشقاق؟ ..

ولما حمت الأقدار ألقت، به جيف البطون إلى العراق ِ ...

ليجمع حوله سفلاً تلاقى ، كما التقتْ الخفافُ على الطراق ِ ...

"زنامى" يعطفون على زنيم ، كما عطف الجناس على الطباقِِ

********************

   وأعود لبعض "الدردشات" التي كانت شبه يومية مع الجواهري، وعلى أزيد من خمسة عشر عاماً، في براغ ودمشق، فأزعم اني "أحرجته" مرة حين سألته عن أبيات داليته العاصفة عام 1974:

ولا تدعو الخصام يجوز حداً، بحيث يروح رخصاً وابتذالا

تقحمتُ الوغى، وتقحمتني، وخضت عجاجها حرباً سجالا

وكان اجل من قارعت خصمٌ، بنبل يراعه، ربح القتالا

.....ومن ثم عودته في أبيات لاحقة من القصيدة ذاتها ليقول:

وما أنا طالب مالاً فأني، هنالك تارك مالاً وآلا

ولا جاهاً، فعندي منه أرث، تليدٌ لا كجاهكم انتحالا...

حذار فكم حفرت لحود عارْ لأكرم منكم عماً وخالاً...

   ... وقد ردّ الشاعر العظيم على "حرشتي" بالقول: لقد كان عليّ ان أقسو لأمنع المزيد من التطاول... ورحمة بالمعنيين بهم، وبنسلهم! فيدخلوا التاريخ من "أضيق" أبوابه، ولكي يكفوا ويعرفوا حجومهم، وقد كفوا حقا. إذ لم  يردّ، او يُجب، احد من الذين تطاولوا، ولقوا جزاءهم، شعرا، ولا بحرف واحد، احترازا من الاقسى والأّشد  ... وبحسب رأيه أيضاً:

فيا طالما كانَ حدّ البَغِيّ، يُخفّفُ مِن فحشِ أهل البِغا

      وبمناسبة الحديث عن حجوم بعض "المنتقِدين" و"المنتقـَـدين" أنقل هنا، كشاهد عيان، عن ثورة الجواهري العاصفة أواسط الثمانيات الماضية حين نشر محرر أو كاتب مغمور (وما أكثرهم اليوم) مادة في صحيفة "تشرين" الدمشقية الاشهر في زمانها، وقد تجاوز بعض حدوده فيها... فما كان من الشاعر الخالد إلا ويقرر مغادرة دمشق، والضيافة الرئاسية على الفور،غاضباً ومحتجاً، لشكه بان ثمة "مسؤولين" وقصد وراء ما كُتب، ولم يتراجع- الجواهري- الا بعد تدخل قيادات سياسية، وبعد اعتذار رسمي... وقد نُشر له ردٌّ عنيف في مغزاه ومعناه، وبشكل بارز في الصحيفة ذاتها، وأذكر انه حاجج في ذلكم الرد كيف اصبحت الأمور اليوم، تسف، كتاباً وصحفاً "سيارة" بعد ان كانت الحوارات والنقاشات على مستوى المتنبي وابن خالويه، في الفترات القديمة، وبين العقاد وطه حسين في العقود الأخيرة... وثم كيف انحدرت "الآداب" ليكتب من يكتب، وينشر من ينشر على ذمة يافطات حرية الرأي، وديقراطية الثقافة، ودون حساب للتاريخ والجغرافية والأصل والفصل...

وبهدف التوكيد على ما أشرت اليه في السطور السابقات، استشهد هنا ايضاً بما قاله الجواهري، في ذات المسار عام (  1982) ليقصد مسفين ومتطاولين، وليصول عليهم، ويجول فيهم:

كم هزّ دوحك من قزم يطاوله، فلم ينله، ولم يقصر، ولم يطل

وكم سعت "امعات" ان يكون لها، ما ثار حولك من لغوٍ ومن جدل

وعلى ذات نهجه، ورؤاه في "آداب الخصام"، وأصوله، نقرأ للجواهري الخالد مناقشة وجدلاً اجزم انه الابرز في كل نثرياته الادبية والفكرية والصحفية، وذلك مع طه حسين، احتوته مقدمة "الجمهرة" التي اصدرها الشاعر الخالد في عدة مجلدات، أواسط الثمانينات الماضية... فمع كل ملاحظاته وقسوتها، إلا انه اعاد ولمرات ومرات الاعتراف بـأستاذية، ومكانة من كان يناقشه...

ولأن الشيء بالشئ يذكر، نتوقف هنا أيضاً عند بعض رسائل وتحايا، واستذكارات، الجواهري، وكذلك اخوانياته، الأنيقة، المتميزة، برغم انه كان ما كان بينه، وبين أصحابها من خلافات وخصومات. وتحضرني هنا ابيات قصيدة ذات صلة، وهي في الموقف من د. سهيل ادريس حين خاطبه الجواهري، معاتباً، وغاضباً عام 1969:

و"صاحبٍ" لي لم أبخَسْهُ موهِبةً، وإنْ مشَتْ بعتابٍ بيننا بُرُد

نفَى عن الشعرِ أشياخاً وأكهِلـَـة، يُزجى بذاك يراعاً حبرُه الحَردُ

وما أراد سوى شيخٍ بمُفردِه، لكنَّهُ خافَ منه حين يَنفرد

بيني وبينَك أجيالٌ مُحَكَّمَةٌ، على ضمائرها في الحكم يُعتَمدُ

      ثم دعوني أذكّر أيضاً بمقطوعته ذات الستة أبيات التي يخاطب فيها نفسه عام     (1952) والتي جاء مطلعها، وكذلكم ختامها، ليوثــــق من جديد ما عنيناه في هــــذه الحــــال أو تلـــك :

غذيّتْ بشتمك – سيدَ الشعراء - ديدانُ أوبئة ٍ بغير ِ غذاء ِ

علقت زواحفها بمجدك مثلما، طمعَ العليق ُ بدوحة علياء ِ ...

نفسي الفداءُ لمخلص متعذبِ، اما الدعيّ ففدية لحذائي

... وللقارئ والمتابع ان يقدر كم هو وسع الهضيمة التي عانى منه الجواهري، ليكتب بمثل تلكم القسوة والمباشرة، وهو القائل يصف نفسه، ويُسبب غضبه، وفي اكثر من مرة، بمثل ما أورده ضمن ميميته الثائرة عام 1963والشهيرة بقلبي لكردستان:

يا ابن الشمالِ ولست مسعر فتنة، انا في وداعتي الحمام وأنعمُ

يهتاجني ذبح النعاجِ وأغتلي، لشويهة عن صدر شاةٍ تفطم

فإذا استثرتُ فعاذري، نفس بكل دنيئة تتبرمُ

*******************************

    أخيراً، يهمني أن أنوه هنا، لجميع من يهمه الأمر، ان ثمة رسالة دراسية بعنوان"هجائيات الجواهري" قدمها الباحث المتميز، عادل ناجح عباس البصيصي، ونال عليها درجة الماجستير عام 2011 وفيها جهد كبير، ومتميز ومفصل، يتناغم معه الكثير مما جاء في هذه الكتابة التوثيقية .

كما كم يهمني ايضاً أن أشير في الاخير، وحقاً هذه المرة، الى ان بعض دوافع كتابتي لهذه المادة، هو ما عجت، وتعج به، بعض مواقع الانترنيت، وغيرها من وسائل اعلام واتصال ، من مواضيع و"كتابات" هزيلة، مليئة بالسباب المشهر او المبطن، والشعبوية والشخصنة، دعوا عنكم الأخطاء النحوية والاملائية.. وغالبية اصحاب تلكم" الكتابات" وإن تدرعوا بالقاب وصفات، دراسية أو مهنية، لم يؤمنوا، بل ولم يسمعوا، بتلكم المقولة العتيدة: "رحم الله أمرئ عرف حده، فوقف عنده" .. والى ذلك فلينتبه المعنيون !!!.

مع تحيات مركز الجــــواهري في براغ

www.jawahiri.com

babyloncz@yahoo.com

 

 

 

 

من اجل ألانسان، وانهاء الدمار

تـقـسيـم الـبـلاد الـعـراقـيـة،

واعادة توحيدها... ولم لا ؟

رواء الجصاني

   منذ فترة ليست بالقصيرة ابدا، بقيت الافكار تتشابك  بلا انتظار او تراتب، هل أكتب، ام لا أكتب؟ في السياسة المباشرة،  الخائض غمارها منذ حوالي نصف قرن، وربما بلا وعي في البدء، بل هي تلكم الظروف التي شاءت "اذ لا يولد المرء لا هراً ولا سبعاً، لكن خلاصة تجريب وتمرينِ"...

   وبين تمنع وامتناع، وربما احتراز!!! ... ها هي الكلمات والتعابير تتدفق دون منهجة مسبقة، تثيرها، وتذكي اوارها، ما تشهده الامة العراقية، غير المكتملة الى اليوم، من مآسٍ وويلات، يتحمل الجميع مسؤوليتها، وان اختلفت – وهي مختلفة بالتاكيد – بين واحد واخر، وجمعٍ وثانٍ ... وحتى للجينات هنا تأثيراتها، ولا تسألون اكثر، فثمة رماة حجر وسهام، وهم لا يفقهون !... واخيرا رسي القرار، في خطى حكمة حوارية مع الذات انطلقت قبل نحو ستين عاما، تهدر في حال مشابهة، تخاطب النفس:

ولانتِ اذ لا تصدعين فواحشاً الا كراضية عن الفحشاء

     وخلاصات كتابة اليوم، الواقعية - كما أزعم- لا العاطفية، تذكرني بمواقف مشابهة كنت قد ابحتُ بها خارج السرب، منذ ازيد من خمسة وعشرين عاما، حين تساءلت، بلا براءة طبعاً، حول مدى ضرورة اعادة تقييم طبيعة ومسار حركة الرابع عشر من تموز، العراقية عام 1958 وبخاصة مسؤولية زعيمها الاوحد، عما جرى بعدها من ويلات. واذ ناقش الامر احباء واصدقاء،  تقبحَ "بعض" في حينها بردود انصاف الاميين... كما وراحت تلكم التساؤلات  تأخذ طريق البحث والتقويم شيئا فشيئا، وان بعد سنوات..اقول هكذا، واحسب ان كتابتي اليوم ستكون مثل سابقتها، تثير حوارا سياسيا هنا، وعتابا "صداقياً" هناك، ولربما سيمر وقت مديد قبل ان يستوعب دوافعها، اصحاب العواطف الجياشة، الحقيقية او المدعاة..

     واعني في هذه التساؤلات التي امام الانظار، بعد كل المقدمات المقصودة السالفة: عن ضرورة قصوى لاشهار اعادة توحيد، البلاد العراقية، عبر حل التقسيم، وان كان مؤلماً، وذلك على طريق انهاء الازمات التي ما برحت تتوالى، بل وتعنف اكثر كل يوم، فتروح مئات، بل الوف اخرى من الضحايا فداء لوحدة اراضي بلادِ – وليس وطن، واعني ما اقول.. وقد كنا حتى عام 2003 "كالزروعٍ شكت محولاً، فلما أستمطرت، مطرت جرادا"...

 ..... أترى أما ان الاوان للاعتراف الشجاع بحقيقة ان هناك العديد من المقومات التي تفرض اعادة تقسيم العراق، ومن ثم توحيده لا مركزيا، جهد المستطاع، من خلال الاقاليم، والفيدراليات، وليس بالشعارات والاغاني والهتافات والامنيات"القلبيـــة" .. كما وذر الرماد في العيون، اشباع للعواطف، او للدفاع عن مبادئ بلت، ومقاييس هرمت، واطاحت بها الحقائق، وثمة امامنا تجارب الاتحاد السوفياتي" السابق" ويوغسلافيا" السابقة" وتشيكوسلوفاكيا" السابقة" وما اكثر "السوابق" !! في هذا الحصر .

      لا اشك طبعا بان العديد سيتصدى بهذا الشأن، وسيبحث عن "اسس" و"وقيم" و"تفاسير" و"مبررات"... تتصدع كلها امام تساؤل واحدٍ أحد: ايهما اغلى يا ترى، البشر ام الارض؟ الحياة او الدمار؟ الذكريات والقرابة و" التراب" واللغة والتاريخ المشترك، الحقيقي او المزعوم، ام الحفاظ على ارواح الناس؟  فثمة "افق بنجيع الدماء تنور واختفت الانجم" ومنذ عقود، اذا كان هناك من يقرأ ويتنبأ، فيُجيد ...

      كم ستلتهب النفوس، فِرحةً وان شكلياً، حين يُقال ان العراق كان موحدا؟ وانه سيبقى كذلك؟ ... ولكن متى حدث ذلك، حقا؟  هل احدثكم عن ولايات البصرة والموصل وبغداد، التي بقيت تُدار من تركيا في زمن الاستعمار العثماني، وحتى مطلع القرن الفائت ؟ وهل كانت البلاد موحدة حقاً في العهد الملكي، وتلك هي معروفة – للمتابع طبعاً- خلاصات الملك فيصل الاول، في الثلاثينات الماضية تتحدث عن "امة عراقية" مشتتة ... كما ها هي امامنا معروفة اسباب ودوافع تمزيق البلاد واهلهاعام 1963 حين تمت الاطاحة بحكم الجمهورية الاولى. اما عن "عراق"  صدام حسين فقد كان"موحدا" فعلاً!! ولكن بالحراب والعسف الكارثي، بحرب ابادة ضد الشعب الكردي، شمالا، ومقابر جماعية جنوباً، وعنف واعدامات في الوسط . فعن اي عراق "موحد" تحدثوا، ويتحدثون ؟؟؟ الم تصدق تلكم النبوؤة التي قيلت عام 1946:

ذُعِرَ الجنوبُ فقيلَ: كيدُ خوارجٍ! وشكا الشّمالُ فقيلَ: صُنْعُ جِوار!
وتنابَزَ الوسَطُ المُدِلّ فلم يَدَعْ، بعـضٌ لبعـضٍ ظِـنّـةً لفَـخـار
ودعا فريقٌ أنْ تسودَ عَدالةٌ، فرُموا بكلّ شنيعةٍ وشَنارِ!

وهكذا، فلا بدّ ان نعيد ونعيد ما قد يصلح ايجازاً:" ومن لم يتعظ لغدٍ بامسِ وأن كان الذكيّ هو البليدُ"   

      ثم، ألن يُشبع العراق الفيدرالي، المرتجى والمؤمل، شهوات طالبي الزعامات والمناصب، فيروحون رؤساء وقياديي دول وبرلمانات وحكومات"عراقية" عوضا عن التقاتل على ثلاثة رئاسات فقط، وملحقاتها،  كما هي الحال اليوم، خاصة وان " قومي" رؤوس كلهم، ويا ويح مزرعة البصل، بحسب الشرقي الحكيم  !!!  .... دعوا عنكمما سيتحقق من "ارباح" عديدة اخرى مثل المليشيات التي ستتحول الى اجهزة شرعية تشبع جوع الهائمين بالعسكرة والسلطة، والفضائيات الخاصة لتعلي من تشاء من الجائعين للسمعة والجاه، وان كان انتحالا ... ولا ننسى هنا ما سيتوفر ليجنيه "الجناة" من مجالات  للنهب والاثراء والسلب والرشى والسرقات، وكل ذلك السحت الحرام سيتوزع بلا حسد او رقابة من الاطراف "الجغرافية" المتنافسة، فأهل مكة "أحق" بشعابها .... ولعل الاسبق والاهم من كل ذلك وهذا، هو ان التقسيم والاقاليم، والفدرلة، ستبيّن ودون حاجة لمزيد جهد: الكثافة السكانية والقوى والموارد والقدرات والحضارات والقيم والتراث، وغيرها . وربما سينفع ذلك، او جلّه على الاقل، في وقف الزيف والادعاء والتعالي والمزاعم وما اليها، فيعرف كلٌ وزنه وقيمته، ويعود واقعياً، فيعترف بالمساواة، والابتعاد عن الجعجة، وحينها ربما تصلح الحال لاعادة توحيد البلاد على اسس واقعية محددة .

     ولكي لا يأخذ علينا البعض، ولربما يزايد، بالاعراف والتقاليد الديمقراطية، والتحجج بان الناس لا ترغب، بل وترفض التقسيم، بمعنى انهم راضون بالقتل بديلا.. نقول: دعونا من ذرائع اهمية الوعي، واقاويل ضرورة "احترام" رغبات وهوى المواطنين، ولنتحدث  بالكلام المباشر، وليس بابن عمه. فعن اية ديمقراطية يجري التنطع؟ وثلاثة ارباع شعوب العراق مبتلاة بالعشائرية والامية، والجهل المعرفي، والموالاة العاطفية... ثم الا تكفي انهر الدم لكي نؤجل، ولا نقول نلغي، كلمة الديمقراطية، لعقود تالية وحتى يتوفر التعليم والامن والغذاء، وتستعاد بعض الروح الانسانية... هل نحتاج لان نضرب امثالا لكي نستوعب الحقيقة ونراها بعيون واقعية، وليست "افلاطونية" حالمة . هل تكفي براهين على ذلك ما حدث، ويحدث، في البلاد العراقية والسورية والليبية واللبنانية واليمنية؟... السنا شعوباً ومجتمعات " تخشى اللصوص، فتذبح العسسا" ؟ !!!! 

      سأبقى اتسائل، وبزعم تجربتي في السياسة، منذ خمسة عقود: كم من الويلات حلت بنا، او احللناها بأيدينا، لاننا لم نكن واقعيين، واعني النخب تحديدا، حين اجتهدنا فآلت بنا تلكم الاجتهادات الى الانكفاء والتوسل لتبريرات الظروف الموضوعية والجوانب الذاتية والقوى الامبريالية والتدخلات الاقليمية والتآمر، والعمالة ... ويطول التعداد ويعرض ويعلو، والنتيجة واحدة: انهار دم لا يعزف عنها المتسببون بها، او المشاركون بها، بل وحتى من يدثرونها بالاقاويل والاقوال...  

     وثم- من جديد- دعوني استبق المتفيهقين، كما دأبـــتُ، وأحترز منهم، فادعي ان ثمة- حقاً- مشتركات بين مواطني "الجغرافية" العراقية، ولنقل ان من بينها بعض تاريخ، وتداخل اجتماعي، وتشابك اقتصادي، وارث عاطفي. ولكن ايضا كم هي في المقابل: المقوِضات والمتناقضات والتضادات، في الوعي والثقافة والتقاليد والثوابت المذهبية والدينية والعرقية والقومية، والثارات والاحقاد المشتركة ؟...

        وفي سياق كل هذا وذلك، لنتصارح اكثر فنصدّ ونتصدى لمن سيرفع الصوت والقلم والتلميح، والنقاش، فيحكي عن المخاوف من تداعيات و"مآسي" التقسيم ويحذر من"ويلاته" المدعاة، او المحتملة او المؤكدة في بعضها .. فنقول: وماذا سيحل اكثر مما حلّ وساد، ويسود؟؟ وما اصدق تلك المقولة التي تهدرامام الاسماع :"شرٌ من الشرِ خوفٌ منه ان يقعا"... فكم من السنوات العجاف يجب ان تمر بعد، ليتزايد فيها الذبح على الهوية، وقطع الرؤوس، واغتصاب الممتلكات، وقبر البطون والتهام الاكباد وتفجير المدنيين، دعوا عنكم العسكريين... كم عشرات الاف اخرى من الضحايا يتطلب الامر لكي يفقه السياسيون، والموغلون بالطائفية، وأولو الامر، حقيقة الحال؟؟ ثم تالياً "يأسفون" ويعتذرون عن خطل ارائهم وتصوراتهم، ويتحججون مجددا بمفردات قاموسية جامدة عن الظروف الاقليمية، والدور الاسرائيلي والقوى العظمى، وكانهم اكتشفوا اقمارا جديدة ... و"لست ادري، ولا المنجم يدري" متى ستحل القدرة لدى المقصودين، فيتركوا القوالب الجاهزة، والثبات على الرؤى، وبدعوى عيب على "الرجال" ان يغيروا من المواقف والمبادئ التي اعتنقوها !!!..وما أروع واسمى النساء اللواتي لا تشمهلن تلكم المقولة"الاصيلــة"!!!

       كما واحسب ان سينبري طائفيون هنا، كما ومناضلون جدد هناك، ويلبسون ازياء الواعظين، فينكرون الخلافات الطائفية المتعمقة منذ  اكثر من اربعة عشر قرنا. وليزعموا مستدرين العواطف، ويدلسون بان كل ما جرى ويجري: صراعات نخبوية وليست مجتمعية . وان "الاعداء الطبقيين" و"الامبرياليين" و"المتشددين" و" الرجعيين" و"عملاء الاجنبي" واشباه هؤلاء واولئك، هم من يشيع نبرة- فقط نبرة!!!- الطائفية ويغذيها !!. ودعوني ازعم من جديد ان كل ذلك ليس سوى ابرز حالات التخندق والاسفاف والجرم الطائفي .. والا فلنحدد الحال ونعترف بالواقع والوقائع، وليأتي بعد ذلك البحث عن السبل الناجعة لوقف الاحتراب المذهبي، وليس اقتلاعه من الجذور، فتلك امنيات ومهمات لن تتحقق الا بعد يُشاع التنوير، ويتعفف المجتمع عن الجهل والتخلف اولا، وقبل كل شئ .

    اخيرا، ولو ان الموضوع  يتحمل الكثير والكثير، وليس من السهولة بمكان ان يُوجز ببعض مئات من الكلمات، اقول، وفي بعض قولي معاتبة لمن لايحرص بهذا القدر او ذاك على حياة الناس: ان لا تتركوا شعوب العراق تنقرض، تحت عباءات العاطفة والكبرياء، ومفاهيم" الارض والعرض" الموروثة البالية... ولا التغني بامجاد السلف، الصالح منهم او الطالح. فلم يعد هناك متسع من الوقت للقضاء على البلاء الظلامي الجاهل ... وليكن التقسيم، المؤقت او الثابت "معصية" وان لم تكن، فحتى الدين "أحلّ" المعصيات لضرورات جمة، وهل هناك أفتك من الضروريات التي نعني؟ ... أفليس "أذلُ خلقِ الله في بلدٍ طغت فيه الرزايا من يكون محايدا" ..

    اما الكلمات الاخيرة، في هذه الكتابة التي عمدت ان تكون مباشرة، فسأوجزها احترازا من شتامين متوقعين، وذلك ببيت شعر جواهري اثير، شافٍ وكافٍ، كما أظن، وليــــس كل الظن أثم في عالم اليوم :

خيرُ الشفاعة لي باني كاشفٌ حرَ الضمير وقائلٌ هذا أنا...

  

 

 

 

 

 

 

 

   سكتوا دهراً عن الجواهري... فنطقوا كفرا !!!

رواء الجصاني

--------------------------------------------------------

     برغم كل انتقادات الفنانين والمثقفين،  اساء مسؤولو محافظة بغداد للجواهري عمدا، مع سبق الاصرار، والترصد، بازاحتهم الستارعن نُصبٍ ممسوخ للشاعر العظيم، في مركز ثقافي ببغداد، ولا احد يدري تفاصيل، ودوافع ذلكم "النَصبِ " والاحتيال.

      نقول نَصباً واحتيالاَ، ونعني ما نقول، والا، فلم دبر ذلكم الامر بليل؟؟ وعلى عُجالة استثنائية؟؟ دون استشارة مبدعين او متخصصين، او دعوة لمنافسة، او اجراء تحكيم، لعمل يليق برمز وطني وثقافي علا شموخه، بل وطفح، وراح الشعراء والادباء والمثقفون، دعوا عنكم السياسيين الوطنيين، يتباهون بانتمائهم الى بلاد انجبته.

     والادهى والامّر ان نجل الشاعر الخالد، كتب باسم العائلة بشأن الامر، ملتاعاً، والتقى المسؤول الاول عن حكومة بغداد،علّ بمستطاعه ان يقنعه بوقف مهزلة النَصب - وليس النُصب!- قبل ان يُجسم التخلفُ في فهم الجواهري "المؤله الغريب" وتتشوه الاذواق، وتتأكد الاساءة، ووعد- المسؤولُ- خيرا، ثم ليتفاجأ الجميـــــع، يوم الجمعة الاخيرة، بازاحة الستار عن العمــل المشوه، ولربما كان الامـــر – المؤامرة- خارج امكانية الرجل، وصلاحيته في وقف التنفيذ !!!

   كما لا ندري، "ولا المنجمُ يدري" من اين أستمد الحاكمون بامر" بغداد" جرأتهم فيستخفوا، وعياً او جهالة، باراء المعنيين: فنانين ومثقفين وادباء، وان لا يستعبروا ما نشرته عشرات الوسائل الاعلامية، عن ذلكم التشويه الشنيع للجواهري الخالد، ومحاولة اختزال عبقريته وارثه الثري، ببعض لمحات بدائية عنه، وتجميع دلال قهوة وفناجين، لتوجزَ التعبير، بفقر متناهٍ، عن شاعر الامتين: العراقية، ورمزها الوطني. والعربية، وحافظ لغتها على امتداد القرن العشرين، على الاقل، وكم نتمنى ان يبارز احد في ما نقول، ونزعم . 

   ترى هل يعلمُ اولئكم السادة، الحاكمون بامرهم، ووعاظهم ,ومرضى حب الظهور، واترابهم، وكذلك الذي سلقَ الـ"النصب" المسخ، او الذين "امتدحوا" او" تفيقهوا" واضرابهم، هل يعلمون- دعوا عنكم المعرفة- ان الجواهري، لا غيره، هو صاحب: سلام على هضبات العراق، وافروديت، والمعري، وآمنت بالحسين، وقلبي لكردستان، ودجلة الخير، واكبرت يومك، وسجا البحر، ولغة الثياب، وفتى الفتيان؟؟... وغيرهن من الفرائد. وفي كلهن رموزيات ودلائل وموحيات، ورؤى بالغة الرفعة، بعيدا عن المباشَرة، والدجل والشعبوية والعامية والتبسيط المتخلف .

    هل قرأوا من قصيده المديد، مثلا:

أنا العراقُ.. لساني قلبهُ ودمي فراتُهُ، وكياني منه اشطارُ

   أما سمعوا – ومثلا ايضا:

ترفع فوق هامهم، وطرْ عن ارضهم صعدا

ودع فرسان "مطحنة" خواءٍ، تفرغ الصددا...

بهم عوزٌ الى مددٍ، وانت تريدهم مددا !!!

... ألم يفهموا قصده في الستينات الماضية :

يا نديمي، خذ بعرس القرود دفاً وغني،

وقل الاهـــلُ انتم والمحـــلُ ...

"جنة الخلد" دون قرد تُملُ !

      لقد سكتوا دهراً عن تنوير الجواهري وفكره وشعره، وسباقه المتعال طوال سبعة عقود في مضمار الكفاح الوطني. ونقول، اننا نتفهم مثل ذلك الصمت، المريب منه وغير المريب، فكلا الفريقين: هو، وهــم، على خلاف في الاراء والرؤى، والنظرة للحياة والمواقف منها... ولكن ان يكسروا صمتهم، وان ينطقوا كفرا، فذلك ما لا يجوز ان يسود، ويعــمّ ويتفشى، فلا مجاملة في المبادئ!  .. انه الجواهري، أبن الفراتين، مُلك للناس"كل الناس، من اظلم كالفحم ومن اشرق كالماس" وهكذا كان، "وسيبقى، ويفنى نيزك وشهابُ" "برغم أنوف كرام الملا" !!! 

مع تحيات مركز الجواهري للثقافة والتوثيق

www.jawahiri.com

 

 

ايضاً وايضاً...

 

عن الجواهري وايمانه بالحسين*

 

قراءة وتوثيق: رواء الجصاني

 

 

   ها نحن نستعيد في قراءة قديمة – جديدة، عينية الجواهري، الجدلية- الفريدة، في شموخ واباء وثورة وتضحيات