الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

سيف الدوري كاتب وصحفي من جيل الرواد شغل العديد من المواقع في مجال الاعلام وصدرت له العديد من المؤلفات التي تناول فيها جوانب من تاريخ العراق المعاصر

 

 

 


المثقفون والسلطة


سيف الدين الدوري


تعتبر الفئة المثقفة الواعية من ادباء وكتاب وشعراء وصحفيين والناقدين، في كل قطر قيمة لا تقدر بثمن،إن هي قامت بواجباتها تجاه مجتمعها ، خاصة خلال فترة إشتداد الازمات ، وناقشت هذه الازمات ، وفسرتها تفسيراً حقيقياً بعيداً عن رغبة السلطة ، فهي إن تصرفت عكس ذلك تكون قد أرتكبت خيانة كبرى لنفسها ولمجتمعها ، لأنها تغاضت عن إرتكاب الجرائم الانسانية وبررتها بمبررات فكرية وتاريخية متعصبة ومنحازة للسلطة.
إن أسوأ ما شهده العراق منذ 14 تموز 1958 هو ما يقوم به أدعياء الثقافة من أدوار إنتهازية تخريبية ، الذين سخروا أقلامهم وعقولهم – إن كانت لديهم عقول – في خدمة السلطة القمعية. بل أن الادهى والأمر أن هذه النماذج من أدعياء الثقافة كانوا يطرحون شعارات الحرية والديمقراطية حينما كانوا خارج السلطة،إلا أنهم أفرغوا هذه الشعارات من مضمونها، عندما اصبحوا في مواقع متقدمة في السلطة العنفية أو خدماً لها.فأصبحت لغة العنف إحدى نتاجاتهم الفكرية التي برزت بشكل واضح وشديد تحت السلطة القمعية في كتاباتهم، حتى أصبح هؤلاء المثقفون الوجه الثاني للمؤسسة العنفية والمدافعين عنها ومدحها،حتى أصبح العنف الصادر عنهم أكثر إيلاماً للجماهير لكونهم يمارسون دوراً مزدوجاً _أي دور الضحية والجلاد – في الوقت نفسه مما يمنح السلطة القمعية بقاءها وإستمراريتها أكثر فأكثر. بل وأخذ هؤلاء يتحدثون عن الديمقراطية ناسين انهم تبوأوا مناصب في الدولة العنفية ليس عن طريق الديمقراطية.أدعياء الثقافة هؤلاء لم يذوقوا لا هم ولا أي من ذويهم وأقاربهم او معارفهم أشكال القمع التي كان المجتمع يتجرعها فانخرطوا وإنغمسوا في أعماق السلطة الدكتاتورية وقدموا من خلال نتاجاتهم الثقافية المديح للطاغية المتسلط متخلفين عن نداء الضمير والفكر والمباديء.
لقد تحول هؤلاء المثقفون او ادعياء الثقافة الى طبقة عازلة بين الحاكم والمحكوم ، فهم فوق الشعب وتحت السلطة. وأخذوا يزينون للحاكم اخطاءه وجرائمه ويصورون الهزائم أنتصارات والمصائب محاسن ، فحولوا الحاكم المستبد الى صنم يعبد وزعيم ملهم ،وبذلك حجبت أكاذيبهم الحقائق عن الجماهير التي عاشت في الاوهام والغشاوة فوق عيونها.لقد صبغت السلطة العنفية وجه العراق المشرق فحولته الى سجن كبير بفضل ادعياء الثقافة الذين لا هم لهم سوى ملء بطونهم ولا عمل لهم الا حرق البخور للحاكم المتسلط من خلال قصائد المديح والمقالات الطويلة والاشادة بعبقريته بعد أن إغتالت الامل في نفوس الناس واصبحت المناصب في حياتهم مغانم والبحث عن الشهرة لكي تتردد أسماؤهم في الصحف ومحطات الاذاعة والتلفزيون محاولين اضفاء الثقافة والبطولات الزائفة والامجاد الباطلة على أنفسهم فأشاعت الخراب في البلاد وشجعت النفاق في كل موقع ونشرت الجهل.
منذ تموز 1958 سيطرت هذه الفئة من أدعياء الثقافة وهم الاقلية ، فأصبح لديهم مبدأ وشرط لتكوين دولة( حديثة) قوية من خلال القمع الذي تمارسه الاقلية في الدولة،على الاكثرية ، قمع ثقافي كشرط لتكوين ثقافة احادية لا تنفذ اليها التيارات الديمقراطية والتعددية، بل وحتى الاصلاحية ، بالاعتماد على ادعياء الثقافة من الذين أمسكوا بزمام الاجهزة الاعلامية ، فأخذ هؤلاء ( المثقففون) او ادعياء الثقافة يمارسون عملية عنف متجددة وموجهة ضد الجماهير التي أخذت تشعر بالغربة في وطنها أو داخل مجتمعها .
هؤلاء ادعياء الثقافة اصبحوا الفئة المقيمة لكل شيء . وخاصة العنف المبرمج والارهاب الفكري المتعدد.فأصبح كل شيء يجد جوابه المختصر لدى هؤلاء الذين اصبحوا المحتكرين لكل وسائل الحياة معتمدين في سياستهم الثقافية او ثقافتهم السياسية على المراوغة والمناورة وأصبحوا اشبه بالريبوتات يكتبون حسب التوجيهات ويصرخون بواسطة الازرار ويسكتون بالأوامر ويرقصون على نقرات الدفوف .وبسببهم فضلّ الكثير من المثقفين الشرفاء الهرب الى الخارج ،على أن لايكونوا أداة طيعة بيد السلطة القمعية ولم ينزلقوا الى الردح والتعصب الاعمى او التعصب للسلطة بدلا من التعصب للحق والحقيقة. حيث وصفتهم وأقلام أدعياء الثقافة بالعملاء والخونة وأنهم عراقيون بالهوية، الى غير ذلك من الصفات التي لا تعبر الا عن صاحبها .

قراءة جديدة

 

قراءة جديدة لكتاب قديم

مذكرات الصحافي الفرنسي

( إريك رولو) 1926 -2015

في كواليس الشرق الاوسط

 

سيف الدين الدوري

 

 

إريك رولو من أبرز العارفين لشؤون الشرق الاوسط ، وقد إكتسب شهرة عالمية بفضل كتاباته في جريدة ( لوموند) الفرنسية ومجلات مختلفة في اوروبا والولايات المتحدة ومحاضرات القاها في الجامعات العربية.

   وكان الرجل من أكثر المراقبين إطلاعاً على خبايا الامور في منطقتنا وفي العلاقات المعقدة القائمة بين دولنا ببعضها البعض من جهة وبينها ودول العالم المختلفة من جهة اخرى.

 لم يكن هذا الصحفي يدعى (  إريك رولو ) الذي ولد في القاهرة وقضى فيها دراسته كاملة من المراحل الابتدائية الى الجامعة وإنما اسمه الحقيقي (إيلي رافول) الذي لم يكن مصريا وفرنسي اللسان والهوى فحسب بل كان أيضاً يهودياً.اذ كان يهود مصر يشعرون انهم مصريون. ولم يكن ليسحرهم شدو نداهات الحركة الصهيونية. بدأ حياته الصحفية في صحيفة (إجبشيان جازيت) فيما كان يواصل دراسة القانون نهارا بجامعة فؤاد الاول بالجيزة.وكان يقرأ ويتكلم العربية بطلاقة اهلها. وناضل في صفوف الحركة الطلابية مطلع سنة 1952  اي قبل ثورة يوليو وتبؤ جمال عبد الناصر الساحة السياسية في المنطقة وخارجهاوبالذات في منطقة الشرق الاوسط والساحة السياسية العالمية بكاملها  ، كما عاصر حروب العرب مع اسرائيل سنة 1948 و1956 و1967 و1973 وكذلك وصول ياسر عرافات على رأس منظمة التحرير الفلسطينية والمحاولات العديدة الرامية الى تحقيق السلم مع اسرائيل والتي باءت كلها بالفشل.

  يقول عنه صديقه المناضل والدبلوماسي الجزائري  الاخضر الابراهيمي في مقدمة المذكرات ان إريك رولو توفي في شباط/فبراير سنة 2015 وكنتُ واحداً من أصدقائه الكثيرين الذين تواجدوا الى جانب زوجته واولاده واحفاده أثناء جنازته في باريس . اذ ترك الفقيد فراغاً كبيراً في قلوب كل من عرفه ، وكانت له علاقات حميمة وقوية مع منطقتنا وخاصة مع مصر .

  هاجر إريك رولو الى فرنسا عام 1952 ليعمل في وكالة الانباء الفرنسية ثم لينضم الى فريق صحيفة (لوموند) وطوال عقود من خمسينات القرن الماضي وحتى نهاية الثمانينات غطى هذه الصحيفة اليومية الكبرى بأحداث البلدان العربية ( ومنها العراق وخاصة احداث احداث انقلاب 17 تموز 1968) والذي سوف نخصص له حلقة كاملة. كما غطى رولو احداث اسرائيل واليونان وخاصة سقوط حكم العسكر في اليونان والانقلابات العسكرية في تركيا  واولى خطوات الثورة الاسلامية في ايران وكذلك في  افريقيا.  وخاصة اثيوبيا وكذلك الباكستان ليصبح الصحفي الاشهر في أشهر صحيفة يومية فرنسية الى درجة ان قال عنه رفيق دربه الصحفي ( جان جيراس) "إن إمبراطورية إريك رولو لا تغيب عنها الشمس"  مثلما كان يقال عن الامبراطورية البريطانية .

 كان اريك رولو يحظى باستقبال بالغ وحفاوة وامارات تكريم إستثنائية فهو ينزل في اكبر الفنادق حيث ينتظر المسؤولون على بابه ليقابله وليسروا اليه بشؤونهم وليكشفوا له عن سرائرهم ، وهو ما يستثير غيرة بعض زملائه. لكن يشذ عن تلك القاعدة بلدٌ واحد ألا وهو إسرائيل  ، صحيح ان رولو قد تمكن  من اجراء مقابلات صحفية مع ديفيد بن غوريون وجولدامائير وموشي ديان واسحق رابين وشيمون بيريز لكن مناحيم بيجن زعيم اليمين ندد به بوصفه ( عميلا مصريا).

كما غطى اريك رولو احداث حرب حزيران 1967 اثناء العدوان الاسرائيلي على مصر وسوريا والاردن وكذلك المعارك بين الجيش الاردني والفلسطينيين عام 1970   ووفاة الرئيس عبد الناصر يوم 28 ايلول 1970  كما غطى احداث المحاولة الانقلابية التي قام بها الجنرال اليوناني ( غريفاس) ضد الرئيس القبرصي ( الاسقف مكاريوس) عام 1974

 في اكتوبر/ تشرين اول 1954 حقق رولو سبقه الصحفي الاول بإعلانه نجاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر من محاولة إغتيال نسُبت الى الاخوان المسلمين .

  بعد ذلك التقى  إريك رولو بقادة المنطقة العربية والشرق الاوسط التي فتحت ابوابها امامه فالتقى بالملك حسين وياسر عرفات وصدام حسين ومعمر القذافي مرورا بالخميني وحافظ اسد.

   وحين عاد إريك رولو بعد ذلك الى مصر للمرة الاولى أتت تلك الزيارة تلبية لدعوة وجهت له بصفته مديراً لقسم الشرق الاوسط في جريدة ( لوموند) الفرنسية المرموقة وكان ذلك في خريف سنة 1963,. ومن الواضح أن دعوة إريك رولو لاجراء مقابلة مع الرئيس عبد الناصر أتت في سياق تلك الجهود  لتقوية العلاقات بين مصر وفرنسا. وكان لما نشره إريك عقب تلك الزيارة صدىً واسعاً في فرنسا وفي العالم اجمع.

 

  خص إريك رولو في مذكراته هذه مصر واسرائيل والقضية الفلسطينية بشكل يكاد يكون حصريا  ولم يذكر شيئا عن تونس او تركيا بالرغم من انه عمل فيها سفيرا لفرنسا. كما انه تابع الاحداث في كل من بغداد وطهران عن كثب وكانت له علاقات وإتصالات وثيقة برجال السياسة والثقافة في كل بلد من بلدان الشرق الاوسط وشمال افريقيا.

  ويتحدث ابراهيمي كيف نقل إريك رولو دعوة عبد الناصر الى ناحوم جولدمان مؤسس ورئيس المؤتمر اليهودي العالمي ، وقد قبل جولدمان الدعوة إلا أن المسؤولين الاسرائيليين منعوه منعاً باتاً من الذهاب الى القاهرة ، وكيف إستخدم كيسنجر دهاءه في الحيلولة دون اي حل للصراع العربي الاسرائيلي في حين كان يتظاهر بأنه يعمل من اجل تحقيق السلم في المنطقة.

ويضيف الابراهيم : تعرفتُ على إريك رولو أثناء تلك الزيارة – وكان الابراهيمي يشغل منصب سفير الجزائر لدى مصر -  بفضل اصدقاء مشتركين لنا من بين الكتاب والصحفيين  المصريين. وتكررت لقاءاتنا بعد ذلك أثناء كل زيارة من زياراته المتتالية الى القاهرة على مدى اعوام خدمتي السبع في مصر. وايضا في تونس حين عمل إريك سفيرا لفرنسا في تونس لمدة سنتين او يزيد قليلاً.

  التقى إريك رولو الرئيس جمال عبد الناصر اكثر من مرة ولجلسات طويلة واشك ان يكون اي صحفي آخر حظي بمعاملة شبيهة بذلك.  فهل وقع الصحفي أسيراً لكاريزما عبد الناصر المعروفة؟ كما التقى إريك رولو الرئيس انور السادات عدة مرات الا انه كان ينقل عن خليفة عبد الناصر صورة غير إيجابية . اما مناحيم بيغن محاور السادات فمن الواضح أن إريك لم يستلطف بيغن علما ان الاخير كان يبادله الضغينة  وكان يضع إريك في خانة اليهود الذين يكرهون انفسهم.

 كان اريك رولو يرى انه من حق عبد الناصر بناء سد اسوان لتوسيع نطاق الري في بلد صحراوي في معظمه وزيادة سعة الطاقة الكهربائية ومن ثم رفع قدرته الصناعية . ويقول رولو كنت اعتقد ان قرار واشنطن عام 1956 بحرمان هذا المشروع من مساعدتها المالية والتقنية إنما هو قرار خسيس وليس سوى معاقبة لعبد الناصر عن ابرامه صفقة اسلحة مع موسكو.

 من المفارقات التي واجهت إريك رولو انه يروي قصة عودته الى البيت الذي ولد فيه بحي مصر الجديدة في نهاية الستينات ، طرق الباب هو وزوجته ( روزي) فاستقبلهما أهل البيت بلطف . روى لهم قصته فاذا بهم لدهشتهم يقهقهون . تبين له أن من باتوا يحتلون بيته القديم فلسطينيون ليبدوا للجميع ما في الموقف من سخرية صاعقة سيرتبط صاحبنا بعلاقة صداقة مع هؤلاء المقتلعين من جذورهم الهائمين بلا سكن او وطن الذين شعر حيالهم وكأنه جارهم. فهو قد عايش آثار الخراب الذي خلفه النزاع  الاسرائيلي العربي على بلدان المنطقة.

     عودة اخرى  الى الصحفي الفرنسي اريك رولو الذي قلنا اعلاه انه كتب عن الاوضاع السياسية قبل الحركة الانقلابية التي اطاحت بالرئيس العراقي عبد الرحمن عارف ورئيس وزرائه الفريق طاهر يحيى.

 فقد كتب الصحفي الفرنسي اريك رولو في صحيفة الوموند الباريسية في 9و10/10/1969 تحليلا للاوضاع قبل العملية الانقلابية في 17 تموز/يوليو 1968 جاء فيه " وبينما كانت تباشير العاصفة تلوح وتتكاثر وتتابعت الازمات الوزارية بسرعة اكثر فاكثر والمستوزرين اخذ عددهم يتضاءل اكثر فاكثر بعضهم كان يتهرب منتحلا شتى الاعذار والبعض الاخر يرفض بصراحة . والحقيقة ان مصير النظام كان مطروحا منذ 14 نيسان /ابريل 1968 يوم نشر 13 عسكريا متقاعدا بينهم رئيسا وزراء سابقان يمثلون جميع الاتجاهات الوطنية في الجيش نشروا بيانا اصروا فيه بشكل خاص على ضرورة تشكيل حكومة ائتلاف حالا وتسوية القضية الكردية ومن بين الموقعين اللواء احمد حسن البــكر الذي اصبــح رئيسا للجمهورية عقب حركة 17 تموز 1968

 فالرأي العام العراقي مثل الكثير من المراقبين الاجانب لم يسند تبديل النظام فقط الى الاسباب الداخلية فالقاسم المشترك الاعظم لجميع ما دار في صيف 1968 هو ان الجنرال عارف قد اطاحت به الاحتكارات البترولية الاي بي سي ووكالة المخابرات المركزية الامريكية

 وقد انتهزت جماعة من الضباط ذلك للاطاحة بالنظام ويقال ان دولا اجنبية قد راهنت ايضا على اسقاط الجنرال عارف وان واشنطن هي التي تغذي فكرة الحركة التي تأخذ شكل انقلاب صاعق وربما اسفرت سلسلة من الضغوط تمارسها الشركات البترولية والاوساط البرجوازية في العراق .)

واستشهد رولو بما نشرته صحيفة الاوريان البيروتية التي تنبأت قبل 4 اشهر من انقلاب 17 تموز/يوليو 1968 وبشرت باضطرابات في العراق بل انها وصفت بالتفصيل الدقيق بـ( الثورة البيضاء).

 والواقع ان الحرس الجمهوري هو الذي كان رأس الحربة للمنشقين وقد اتفق الجنرال العقيلي والبكر وهما من اتجاهين سياسيين متنافرين على قلب نظام عارف .واخيرا كان للحركة الشكل الذي اشير اليه أي الانقلاب الخاطف .

 كان الملحق العسكري العراقي في بيروت العقيد بشير الطالب احد المشتركين في حركة 17 تموز . اما الرئيس المباشر لهذا العقيد فهو المدير المساعد للمكتب الثاني العقيد عبد الرزاق النايف وهو احد الاثنين اللذين قاما بالانقلاب،  وكان العقيد طالب يعد تقارير مستقاة من زملائه في السفارات الاجنبية وهذا امر طبيعي بالنسبة لوظيفته وكذلك من الاوساط المحافظة للاجئين العراقيين الذين كانوا بدورهم يغذون الصحف اللبنانية بمعلومات صحيحة او مغلوطة ماسة كلها بنظام عارف .

وهكذا بدأت حملة صحفية حقيقية في لبنان بالمؤازرة مع الجهود المبذولة في العراق استهدفت حتى تشويه السياسة البترولية لحكومة بغداد، وكان الهدف الرئيس للحملة الاتفاق الذي ابرم في تشرين الثاني 1967 بين الشركة الفرنسية ايراب والشركة الوطنية العراقية .لقد وصفت نية الجنرال عارف في الحصول على طائرة ميراج واعطاء امتياز استثمار منابع الرميلة الشمالي الى الشركة الوطنية لبترول – اكتيان – وصفت بانها خيانة المصالح الوطنية.

 وكان على نظام عارف امام هذا الهجوم المختلط ان يتراجع .وفي ربيع عام 1968 قطع المفاوضات التي كانت تسير متوازية مع الشركة الفرنسية للبترول والشركة الوطنية العراقية واعلن انه سوف يستثمر بنفسه وبلا وسيط منابع الرميلة الشمالي ومناجم الكبريت في المشراق ، لكن في 17 تموز استولى على السلطة ايضا المحافظون من المحيطين بالجنرال عارف بالتعاون مع العسكريين من الجناح المعتدل لحزب البعث كان اول تدبير اتخذه هو اعتقال جميع الرجال الذين اسهموا من قريب او بعيد في توقيع اتفاقية ايراب .ففي بغداد ترددت شائعات تقول ان الشخصيات المعتقلين سوف يحاكمون بتهمة الاختلاس اذ انهم تقاسموا مبلغ 30 مليون فرنك (6 ملايين دولار )  دفعته لهم الشركة الفرنسية.

 وفجأة بدا كل شيء واضحا وضوحا شديدا بالنسبة للاوساط السياسية في العراق وكذلك بالنسبة لبعض الصحافة العالمية المسؤولون الجدد لن يكونوا سوى عملاء للانكلو – امريكان ولن يتأخروا عن الغاء اتفاقية الايراب واعادة العلاقة مع الاي بي سي ، وقد خيل لبعض المراقبين في الحال ان هناك اليد الانكلوسكسونية التي تعتبر العراق بشكل تقليدي منطقة نفوذ لها ولما اعوزهم الدليل الذي لا يدحض دعموا نظريتهم بالاشارة الى العلاقات بين بغداد وشركة نفط العراق الاي بي سي وهي المؤسسة البترولية القوية التي يشرف عليها الانكليز والامريكان قد تردت بشكل خطير والاستنتاج المنطقي هو ان لندن وواشنطن سعتا الى التخلص من حكومة هي في كل الاحوال محرومة من أي مرتكز شعبي تهدد مصالحهما الحيوية، فمنابع الرميلة الشمالية وحدها هي ما تزال غير مستثمرة تحتوي حسب اقوال الخبراء احتياطيا يقدر ما بين 700 – 1400 مليون طن أي ما يعادل انتاج العراق السنوي عشرة اضعاف او عشرين ضعفا ،وتحولت نقمة الانكلو سكسون الى عناد وعندما تضامنت الحكومة العراقية مع سوريا عام 1966 تحت ضغط الرأي العام ورغم ما لحق بها من خسارة عندما عمدت الى اغلاق حنفيات الانابيب التي تجتـاز اراضيها في اعقاب نزاع نشأ بينها وبين شركة نفط العراق الاي بي سي.

 

 

 

قراءة جديدة لكتاب قديم

الجذور

تأليف : د. مهدي السعيد

سيف الدين الدوري

 

صدر عن دار الفارابي  ببيروت منتصف عام 2017 كتاب جديد بعنوان ( الجذور، من أزقة الكرخ الى براغ ولندن ودمشق) للصديق والزميل الدكتور مهدي  السعيد.

 ويتضمن الكتاب الذي يحتوي على 431 صفحة  مقدمة بقلم الدكتور عبد الحسين شعبان تسعة اقسام يتناول القسم الاول مرحلة الطفولة والشباب ،فيقول:  ولدتُ في حي الدوريين التابع لمنطقة الكرخ في بغداد القديمة عام 1947 ، وقد قيل لي حين أصبحتُ يافعاً بأن والدي الجندي الذي التحق بعد عام من ولادتي بحرب فلسطين  قد استبشر كثيرا بمولوده الجديد الذي هو أنا وأطلق عليه اسم " مهدي " تيمناً باسم " المهدي " صاحب الزمان.

        كانت منطقة الدوريين لا تهدأ ولا تتوقف لحظة واحدة عن الحركة ، ففيها تتلاحم الاهواء وتثار المشاكل وتتكشف المرامي المختلفة. كانت ينبوعاً يتدفق منه كل جديد تقريباً ولذلك كانت محط انظار الغرباء من المناطق الاخرى  .   كانت محلة الدوريين عبارة عن مسرح كبير يجمع المتناقضات وهناك الكثير من الحوادث التي عشناها منذ الصغر واصبحت بمثابة النماذج التي تطبع مجمل عملية التطور الاجتماعي آنذاك. اذ كنا صغارا ونمارس مختلف الالعاب الرياضية والترفيهية ولكن باقدام حافية وببنية ضعيفة وباخلاق العنف والتمرد والقسوة . كان مجتمعنا الصغير يتكون من اسماء عديدة بعضها اصبحت له مكانة اجتماعية وتعليمية مرموقة وبعضها الاخر سحقته الحياة دون ان يحقق ثمة تحول له ولعائلته. كان ميدان حركتنا الطفولية هو شارع الحسينية و ( جولة ام عليوي) وساحة المحلة وربما اماكن اخرى.

       أمين خاكي

كانت ( جولة ام عليوي) التي كنا نعتبرها من بيوت الاغنياء.  وكان من بين تلك البيوت بيت " أمين خاكي" رئيس اركان الجيش في احدى وزارات نوري السعيد ، كان عبارة عن قصر كبير نطوف حوله دون الدخول اليه ، وكان امين خاكي إنساناً طبيعياً للغاية بحيث أنه لم يغير مكان سكناه حتى حين اصبح رئيسا للاركان فقد تعود على المنطقة واهل المنطقة ولم يبرحها أبداً وكذلك الحال لافراد عائلته.  

      كان أمين خاكي ينحدر من اصول تركية وكانت لغته العربية متضعضعة لكن ابناءه وبناته يجيدون اللغة العربية كونهم ولدوا في بغداد. اذ كان اكبر ابنائه عادل الذي انضم الى الجيش واصبح ضابطاً كبيراً في صنف المشاة ، أما اخوه الاصغر منه عدنان فقد أصبح طياراً عسكرياً ، بينما أصبحت باكزة الابنة الاكبر وكذلك الهام مدرستان بعد انهائهن للجامعة .

       في احد الايام استيقظت محلة الدوريين على نبأ وفاة أمين خاكي وحاول البعض التجمع عند باب بيته لمعرفة حقيقة الخبر وقد تكشف لهم حقيقة موته وبدأت الاجراءات لدفنه ولكن طبعا من قبل الجيش والذي احيط علماً بوفاة قائده. اذ في اليوم التالي وصلت الفرقة الموسيقية التابعة للجيش العراقي الى المكان بغية تشييع الفقيد الى مثواه الاخير. حيث تحركت الفرقة الموسيقية من باب الدار الذي  يسكنه وعائلته باتجاه شارع الشيخ معروف ومن ثم الى مقبرة الشيخ معروف حيث دفن فيها .

      كانت محلة الدوريين من المناطق الشعبية القريبة من الصالحية وتحديداً القريبة من اذاعة بغداد. وكنا نقتنص الفرص لمشاهدة بعض الشخصيات التي تتردد على الاذاعة والتلفزيون ، اما لتسجيل اغانيهم ومن ثم بثها او لتقديم بعض البرامج الثقافية والفكرية، أو لاسباب اخرى تتعلق بعملهم. وكانوا يحلسون في أوقات  فراغهم او استراحتهم او لقاءاتهم في المقهى القريبة من بناية الاذاعة والمطلة على الشارع العام. وكنا نشاهد  هناك المطربين الريفيين حضيري ابو عزيز وداخل حسن وناصر حكيم وعبد الصاحب شراد وغيرهم، كما كنا نشاهد الدكتور مصطفى جواد وشمران الياسري فيما بعد عقب ثورة 14 تموز 1958 وآخرين يجلسون في هذا المقهى. اما عزيز علي فقد كان يتحاشى الجلوس في هذا المقهى  ولكننا كنا نرصده  كل يوم وهو يمر عبر ازقة الدوريين قادما من بيته الواقع في منطقة الدوريين الثانية. اذ كان عزيز علي يقطع منطقة الدوريين متوجها الى الاذاعة من دار سكناه في منطقة مستشفى الكرامة وكان من المشهورين بين الناس لذلك فان الجميع يعرفه ويحاول تقديم الخدمات له دون مقابل. وكان بعض اصحاب المحلات التجارية في سوق الدوريين عادة ما يبادرون بالسلام عليه دون ادنى تحفظ. اما حضيري ابو عزيز فقد سكن في المحلة نفسها ولكن على الجانب الايمن من شارع الكرامة الذي يفصل منطقة الدوريين الى جزأين كان حضيري ابو عزيز يتردد على احدى مقاهي المنطقة الواقعة في رأس الشارع المرتبط بشارع علاوي الحلة. وأثناء تلك الفترة تعرف في هذه المقهى على شلة من الشباب والذين كانوا يترددون على المقهى أمثال  مجيد حميد الرجب وأخيه وليد وأسامة وآخرين. اذ كان يلتقي بهم يومياً وحين اصيب بالشلل أخذ هؤلاء الشباب على عاتقهم مساعدته على المشي والجلوس حيث كان يستخدم " العصا"

   أما ناصر حكيم "ابو كاظم " فقد كان يسكن شمال محلة الدوريين وترتبط بشارع علاوي الحلة قرب سينما قدري الارضروملي اي في المنطقة التي تسمى " حسون اغا" كان ناصر حكيم اكثر حيوية ونشاطاً من أقرانه المطربين كان سريع الحركة وله قابلية كبيرة في المشي من بيته وحتى مقهاه الواقعة في رأس السكك مقابل المتحف الوطني .  

    مجتمع الفنانين

     كان ناصر حكيم مهيوب الجانب ومحترم ويتمتع بشخصية لها كاريزما نافذة . وفي مقهاه كان يجلس في المقدمة قرب الباب الرئيس وامامه طاولة كبيرة نوعا ما وصنعت عليها صينية عميقة لجمع أثمان الشاي المقدم للزبائن. وفي احيان معينة يغلق ابو كاظم الراديو او جهاز المسجل البدائي ويتناول احدى  صواني الشاي ويبدأ بالغناء والطرق عليها ، وهذا المنظر يجلب انتباه الجالسين اكثر من الراديو او المسجل، اما ابنه كاظم فقد كان من جيلنا وكنا ندرس سوية في مقهى " علي عرب" استعداداً لخوض امتحانات المتوسطة ومن ثم الثانوية. وكان كاظم ميالاً الى الافكار الشيوعية بينما كان والده بعيداً عن السياسة. وكانت مقهى " جزيرة العرب" هي المقهى التي تردد عليها صدام حسين حينما كان شاباً. وقد اشار اليها كاتب قصة حياة صدام في فيلم " الايام الطويلة"  عبد الامير معلة حين تناول محاولة اغتيال عبد الكريم  قاسم وهروب صدام حسين الى تكريت بعد ان قضى بضعة ايام مختفيا في بغداد ومتردداً على بعض الاماكن ومنها مقهى " شط العرب".

   كانت المقهى كبيرة جداً  وكانت تستقبل الاعراب الذين يأتون الى بغداد لبيع ماشيتهم أو منتجاتهم الزراعية. وكان الشاري معروفاً للجميع وهو حميد رجب الذي كان يدير أعماله التجارية من  مقهى" شط العرب". وكان صاحب المقهى " علي عرب" من أخيار القوم وذو شخصية محترمة ومحببة للغاية. كان يمتلك مكانة إجتماعية مرموقة وخاصة فيما يتعلق بتعامله مع الاخرين. وكان مؤمناً ويمارس شعائر الدين بصورة متواصلة ، ومن بين أعماله المعروفة تردده المستمر على حسينية الدوريين وتبرعاته للمناسبات الحسينية. أما أولاده الاثنان حسين وحسن فكانا من أقرب اصدقائي حيث كنا ندرس سوية إستعداداً للامتحانات العامة، وقد انهينا أنا وحسن الثانوية سوية ، ولم أره فيما بعد لاني سافرت للدارسة خارج الوطن منذ العام 1969.

    كان من رواد المقهى ايضا مجموعة من مثقفي المحلة أمثال مهدي الواسطي وصبحي العامري ومحيي " ابو ليث" وآخرين. كانت تربط علي عرب علاقة قربى برئيس أركان الجيش في حكومة عارف عبد الرزاق ابراهيم فيصل الانصاري الذي كان يتردد بين الحين والاخر على المقهى حتى في فترة تعيينه رئيسا لاركان الجيش حيث يجلس حول منضدة علي عرب بملابسه العسكرية، وحينما احيل على التقاعد إختار العيش في براغ لانه أحبها كثيراً منذ أن زارها لاول مرة أثناء فترة وجوده في رئاسة الاركان. لقد التقيت به صدفة أمام البيت الذي كنتُ أسكن في إحدى غرف الطابق الاول بينما كان هو يسكن في الطابق الارضي فسلمتُ عليه وقلتُ له أنني أعرفك من مقهى جزيرة العرب. استبشر كثيراً أثناء ذلك وتوقف معي بعض الوقت يتحدث عن تلك الفترة بشيء من الارتياح . كان علي عرب قد إنحاز الى تأييد محسن الدوري مرشح الجبهة الوطنية أثناء إنتخابات عام 1954 وقد ساهم في إنجاح هذا المرشح الذي نظم له مسيرة تأييد من سينما قدري مروراً بشارع علاوي الحلة وانتهاءا بأزقة الدوريين. وكانت تتقدم المسيرة مجموعة من العازفين على الالات الموسيقية الهوائية والطبول، بينما يردد المشاركون أغاني وشعارات تعبّر عن إنتصار المرشح محسن الدوري على غريمه " عبد المجيد القصاب". كانت المسيرة تضم عدداً كبيراً من سكان محلة الدوريين اضافة الى بعض الشقاوات من اصحاب العضلات المفتولة. كان ذلك رداً على تهديدات أزلام النظام بمنع المظاهرة وتذكير الاخرين بأن جبهة الاتحاد الوطني هي الاخرى قادرة على تعبئة الشقاوات ايضا

     كانت منطقة الدوريين تشهد إهتماماً كبيراً بها من قبل الحزب الشيوعي لانها محلة عمالية فقيرة. كان " هادي عباس" ابو شلال عضو اللجنة المركزية يتحرك بصورة علنية ويستخدم " البايسكل" في تنقلاته ويلتقي بعدد كبير من الشباب في المنطقة.

   . وفي احد الايام استقبل اهل المنطقة خبر افتتاح عيادة لطبيب عام في احد البيوت الركنية، ولم نكن نعرف اي شيء عن هذا الطبيب الجديد سوى أن اسمه " فاروق برتو" وكان فاروق هذا قد عاد الى العراق حديثاً بعد أن أكمل دراسته واشتغل في مهنة الطب في سويسرا.  وكان ينحدر من اصول بصراوية وكانت أخته بشرى برتو التي اصبحت فيما بعد عضوا مرشحا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي وتزوجت بالدكتور رحيم عجينة عضو المكتب السياسي وفيما بعد عضو سكرتارية الجبهة الوطنية والقومية التقدمية في العراق. كان الدكتور فاروق برتو  قد بدأ مزاولة أعماله كطبيب في محلة الدوريين بتخصيص أجور المعاينة بدرهم واحد وربما مجانا في اغلب الاحيان اضافة الى تقديمة لبعض الادوية مجانا للمرضى والتي لاتنهكه حين يحصل عليها من جمعيات او مخافر طبية خاصة تقدمها للاطباء لغرض الدعاية او المساعدات العينية للفقراء.

   وحول ذكريات الدكتور السعيد عن ثورة 14 تموز يقول:     كان الجو حاراً للغاية في بغداد ، وأغلب العوائل العراقية كما هو معتاد تهرب من حر الصيف القارض بنومها على سطوح المنازل. ففي ذلك الصباح إستيقظتُ كما الاخرين على دوي المدافع ونزلتُ في الحال الى باحة البيت حيث تجمع افراد العائلة حول المذياع، وكانت والدتي تقول ان الجيش تحرك ، أما أخي الكبير كاظم فكان متوتراً جداً ويصيح بأعلى صوته " ثورة" قد حدثت " ثورة" وبعد برهة من الزمن واذا بالمذياع يعلن البيان رقم واحد . وتأكد للجميع حدوث ثورة. اذ كان اخي يعرف بحدوث شيء ما  في تلك الايام، ولذلك أخذ يخبرنا بنبأ الثورة حالاً.

      خرجتُ الى الشارع فرأيت الناس يستبشرون بما حدث وكانت لحظات لا يستطيع فيها احد ما ان يتذكر تفاصيلها المتسارعة بدقة. وشاهدتُ فيما بعد جمهرة من الاشخاص وهم يسيرون بسرعة نحو المجهول، سألتُ البعض منهم : الى أين فأجابوني في الحال الى ساحة الشهداء للتظاهر تأييداً للثورة.

دخلتُ وسط الجموع الهادرة ، واذا بسيارة جيب تسحل وراءها جثة احد اقطاب النظام، كانت الجثة في الحقيقة بلا رأس ومربوطة بحبل من العنق وضعتها السيارة في احدى  أطراف التجمع فتهافت عليها الناس كل يحاول سحبها اليه وتقطيعها.   كان المنظر غريباً ويثير الاشمئزاز لشعب لم يتعود على مثل هذه المشاهد الا ان غالبية المتظاهرين كانوا مندمجين بما يجري.

      كما يتحدث الدكتور السعيد في كتابه عن القيادي العسكري الشيوعي ( عطشان ضيئول) فيقول:       كان عطشان ضيول محبوبا من قبل الضباط والجنود ، فقد كان مسؤولاً للخط العسكري للحزب الشيوعي بعيد ثورة 14 تموز عام 1958 . وتاريخه السياسي معروف بالوقائع البطولية ، وقد كنتُ دائماً أرغب في الكتابة عنه في مناسبات عديدة. ينحدر عطشان ضيول الازيرجاوي من الناصرية ومن عشيرة آل زريج، وقد إنتقل مع عائلته الى بغداد في الفترة التي إنتقلت والدتي ووالدي من الناصرية الى بغداد ايضاً. ولان والدته كانت قريبة لوالدتي فقد سكنت في محلة واحدة هي محلة الدوريين، وكان عطشان منذ صباه قد إنخرط في العمل السياسي ، وكان في غاية النشاط بل وإزداد نشاطاً حين دخل الكلية العسكرية وتخرج فيها ضابطاً. ولكن في السنة الثانية بعد تخرجه منها القي القبض عليه واودع السجن، حيث خضع أثناء ذلك الى  عمليات تعذيب قاسية وشديدة على يد بهجت العطية مدير الامن العام آنذاك وعلى يد جلاوزته.

  ومنذ ذلك الوقت وحتى قيام ثورة 14 تموز حيث التحق بالجيش وأصبح آمراً مساعداً لقائد المقاومة الشعبية العقيد طه البامرني كان عطشان أحد أقوى أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي حيث كان مسؤولاً عن الخط العسكري.

        كان سلام عادل يعتمد عليه كثيراً، وكان محسوباً عليه ، وحين اصطدم الزعيم عبد الكريم قاسم بالشيوعيين إنشقت قيادة الحزب الشيوعي فكان سلام عادل وعطشان ضيول مع فكرة إزاحة الزعيم من السلطة وإبعاده عن الحكم ولكن من خلال تكريمه والاعتناء به.

   كان ثابت حبيب العاني وعامر عبد الله وأخرون ضد هذه الفكرة فنشب صراع خفي بين تيارين.  اذ كان سلام عادل ذي خبرة تنظيمية وسياسية كبيرة ، لكنه لم يكن حازماً، وإرتأى أن يأخذ قراراً بذلك بعد إشراك آخرين أساسيين في هذا الامر.

    أخبرني " آراخاجودور" خلال إحدى جلساته معي في براغ بأن عطشان كان الوحيد على حق. فحين إجتمعنا بمنطقة السكك لبحث الامر تصدى ثابت حبيب العاني بقوة لرأي عطشان  مؤيدا من قبل عامر عبد الله الذي كان يود ويحب عبد الكريم قاسم كثيراً.

    أما سلام عادل فقال يجب أن نؤجل الامر بعض الوقت الى أن أذهب في سفرة خاصة سريعة الى موسكو لأخذ رأي القيادة السوفياتية. وكان هذا الموقف قد أجهض رأي عطشان في الحال وبدا الرأي الآخر هو السائد.

   سألتُ ثابت حبيب العاني في لندن عن حقيقة هذا الامر وقلتُ له : هل هذا صحيح يا أبا حسان؟ حاول أن يتذكر الموقف جيداً ولأنه يبدو قد سبق له أن دخل في صراعات عديدة مع عطشان حينما كان الثاني مسؤولاً عن الجيش فإنه لا زال حتى تلك اللحظة يمقته فبدلاً من الاجابة على سؤالي هذا بدأ يكيل الشتائم لعطشان ويصفه بـ( المتهور) ولكنه توقف في اللحظة التي قلتُ له: لماذا تغضب بهذا الشكل فلعلمك أن عطشان هذا هو من اقربائي.

   المهم اسفر هذا الاختلاف تغييرات عميقة في سياسة القيادة الحزبية حيث إنتصر خط " الابقاء على عبد الكريم قاسم" بعد أن عاد سلام عادل من موسكو. وتبع ذلك ارسال أو " نفي" عطشان الى الاتحاد السوفياتي بحجة كونه يحتاج الى الدراسة في المدرسة الحزبية هناك. وذهب الى الاتحاد السوفياتي غير أن أخباره انقطعت منذ ذلك الحين بل وانقطعت عن اهله ومعارفه. والذي إتضح لاحقاً أنه قد وضع بيد السوفيات الذين منعوا عليه الاتصال بقيادة الحزب او مغادرة البلاد الى اي جهة اخرى. وكان جهاز  الـ" كي جي بي" يتابعه بدقة ، وقد عرف أنه بذلك قد أزيح كلياً من المشهد السياسي في العراق.

   وحين وقع انقلاب شباط 1963 كان لا يزال في موسكو وقد علم بالضربة الماحقة التي تعرض لها الشيوعيون في العراق وقرر الهرب من مكان إحتجازه السياسي في الاتحاد السوفياتي ، وتمكن كما يبدو من الحصول على جواز سفر مزور بواسطة الحزب الشيوعي الاردني. وقد أشيع خبر هروبه من المكان المحتجز به ، ولكن لا احد يعلم الى أين إتجه. فقد قرر التوجه الى المانيا الشرقية- سابقا .

   

   بقي عطشان متخفياً لدى احد اصدقائه قرب  مدينة" نورنبرغ" لكنه بعد فترة بدأ يشعر بشيء من المخاطر المجهولة الهوية ، فقرر الانتقال الى برلين. وفي برلين استقرت حالته بعض الشيء ولكن طبيعته التي تعود عليها لم تتركه منكفئاً ، فقد بدأ يفكر جدياً في إاعادة بناء التنظيم. اذ كان خبيراً بالعمل السري لأن معظم حياته قضاها متخفياً ، لكنه في هذه المرة أراد أن يبدأ من الصفر. فكانت اولى نشاطاته في برلين هي إصدار نشرة حزبية تبشر ببناء حزب شيوعي جديد. وإستطاع عطشان في المانيا أن يجمع عدداً لا بأس به من الشيوعيين القدماء الذين وجدوا أخيرا القائد المطلوب. واستمر بعض الوقت في العمل على تأسيس خلايا جديدة إمتد نشاطها الى الخارج ، إضافة الى إعادة بعض المنقطعين عن الحزب.

    بعد فترة من العمل السري المحكم جاء الشخص المعني بالصلة الحزبية ، كما هي العادة ولم يجده في البيت فاستغرب كثيراً لانه كان على موعد معه، وحين إنتظر قليلاً أمام شقته بدا يساوره الشك من حدوث شيء ما فقرر العودة الى بيته والاتصال به لاحقاً ، لكنه بدل أن ينزل الى الطابق الارضي مشياً على الاقدام قرر استخدام المصعد الكهربائي الذي يخترق الجزء المفتوح من البناية  . وحين أطل من على كابينة المصعد الى الاسفل لاحظ وجود جثة أنسان مطروحة على الارض ، نزل اليها في الحال وتفاجأ بأنها جثة مسؤوله الحزبي " عطشان" فصرخ باعلى صوته لقد قتلوك وأخذ يبكي بصوت عالٍ مما دفع بسكان البناية الى التوجه نحوه واتصلوا بالشرطة فوراً التي حضرت الى المكان ونقلت الجثة في احدى سياراتها . وبعد اجراء المسح الميداني على الجثة والمكان وسألوا عنه الاصدقاء فعرفوا هويته من خلال جواز سفره الاردني. ثم إتصلوا بالسفارة الاردنية . حيث تطلب الامر قضايا عديدة حتى يتم نقله الى بلده. اذ لم يكن لاحد ان يعرف بوجوده في المانيا الا اثنين او ثلاثة لانه كان متخفياً. ولم تكن مصلحة للمخابرات الالمانية بقتله ولا حتى البعثيين العراقيين لانهم لم يكونوا في السلطة آنذاك. وتوجهت الاتهامات نحو معارفه اي نحو" كي جي بي" او الحزب الشيوعي العراقي الرسمي.

   الا أنني اسقط الاحتمال الثاني لان منهج الشيوعيين العراقيين طوال تاريخهم لا يحبذون الاغتيالات السياسية للاشخاص وإلا لكانوا إغتالوا أول من خرج عليهم وهو ( مالك سيف).".

   لقد كانت طريقة قتله تدل على إحتراف كبير للاشخاص الذين ارتكبوا هذه الجريمة. فقد تبين انهم رموه من الطوابق العليا الى الارض ولم يستخدموا الرصاص  لكي لا يقال ان القاتل هو عنصر عسكري مدرب.

  وعن  حركة 8 شباط التي قادها حزب البعث العربي الاشتراكي واسقط من خلالها حكم الزعيم عبد الكريم قاسم يتحدث الدكتور مهدي السعيد فيقول:        في صباح ذلك اليوم سمعنا أصوات مدافع ورشاشات تأتي من كل مكان. خرج الاهالي الى الشارع ليتحققوا عما يحدث ، واذا بطائرتين تصبان جحيم صواريخها على وزارة الدفاع . كنا نشاهدهما أثناء ذلك ، وما هي الا لحظات حتى توجه الاهالي الى وزارة الدفاع لمواجهة الانقلابيين ، ومئات الناس تجمعوا في ساحات اخرى ومنها ساحة الشهداء بغية غلق الجسر متى ما اقتضى الامر بذلك.

   أنا ذهبتُ الى ساحة الشهداء  التي كانت تغص بالمتظاهرين واذا بدبابة تحمل صورة الزعيم عبد الكريم قاسم تمر من ناحية شارع النصر وتأخذ موقعها قرب رأس الجسر. إستبشر المتظاهرون خيراً وإعتقدوا انها تنتمي الى القطعات المؤيدة لعبد الكريم قاسم فاحاطوا بها وهتفوا بهتافات عديدة مؤيدة للزعيم قاسم وللجيش .

   لكن بعد ذلك رفعت صورة الزعيم قاسم من على الدبابة وكانت مجرد خدعة ذكية للغاية ، علمتُ فيما بعد أنها من بنات أفكار احمد حسن البكر. وما أن اخذت الدبابة مكانها عند رأس الجسر حتى وجهت مدفعها تجاه الجماهير المحتشدة هناك فانطلق الجميع هاربا.

     في اليوم الثالث للانقلاب القي القبض على آلاف الشيوعيين بعد إعدام عبد الكريم قاسم ومجموعة من الضباط الاخرين داخل ستوديوهات اذاعة بغداد في الصالحية ، ولم يفلت من قبضتهم سوى ماجد محمد امين المدعي العام لمحكمة الشعب الذي حاول الهرب لبضعة أيام لكنه لم يتمكن من ذلك فدخل في مواجهة في محافظة الكوت حيث كان متنكرا فلقي مصرعه باطلاق الرصاص عليه.

   وبعد أن سيطر الانقلابيون على الحكم بدأت مرحلة جديدة من المشاكل تدور بين اهل الحكم الجديد  اذ برز اسم صالح مهدي عماش وعلي صالح السعدي وحازم جواد واحمد حسن البكر وحردان التكريتي وكريم مصطفى نصرت وآخرون.

   كان انقلاب 8 شباط 1963 قد وجه ضربة قاتلة للحزب الشيوعي وانعكس ذلك على جميع محافظات العراق.  فعلى صعيد محلتنا الصغيرة التي كانت من بين المناطق الشعبية المستهدفة لوجود عدد كبير من الشيوعيين فقد بدا جرحها العميق واضحاً . لقد شن الحرس القومي إعتقالات واسعة للناس دون تمحيص لأن البعض لم يكن في حقيقة الامر حزبياً ، وإنما كان يتعاطف مع الشيوعيين ومع حكومة عبد الكريم قاسم. لكن مع ذلك فقد وقع أكثرية الحزبيين بيد الحرس القومي.

   وعن انتكاسات الحزب الشيوعي يرى المؤلف ان هنالك اسباب منها : ان ما اصاب الحركة الشيوعية في العراق من ضعف وانهيار تاريخي مرده الى طريقة تفكير واداء القيادة الحزبية التي لم تكن بمستوى المسؤولية التي انيطت بها. لقد كانت القيادة بعد اعدام الرفيق فهد هي المسؤولة الاساسية عن تردي وضع الحركة الشيوعية فيما بعد.

 اما القضيو الثانية تكمن في عدم استعداد الحزب لصد أي انقلاب عسكري ضده طوال سنوات المد الشيوعي ، حيث لم تتم تعبئة الشعب أو تسليحه ، وهذا ما حدث فعلا في انقلاب شباط الذيقام به نفر ضئيا جدا من المغامرين العسكريين. اذ كانت الخسارة فادحة للغاية لم يهتد الحزب الى الطريق الصحيح فدخل في جبهة مع صدام حسين دون ان يستمع الى الشعب الذي كان يرفض ذلك بقوة ، كل ذلك انسحب على مستقبل الواقع السياسي العراقي المتردي فيما بعد .

 كما يتحدث المؤلف عن حركة الرئيس عبد السلام عارف يوم 18 تشرين الثاني التي اسقطت سلطة البعث الاولى فيقول: حينما قام عبد السلام عارف بانقلابه يوم 18 تشرين الثاني 1963 قامت قطعات الجيش بمداهمة مقرات الحرس القومي بمساعدة الاهالي الذين إستبشروا بذلك وراحوا يرشدون الجيش الى مكان هذه المقرات، وكان افراد الحرس القومي قد نزعوا بدلاتهم العسكرية ولبسوا ملابس مدنية وهربوا قبل ان يحتل الجيش هذه المقرات، ولكن المواطنين كانوا يتجمعون ويلاحقون الهاربين ويمسكون بهم ويسلمونهم للجيش.

 ويتحدث الدكتور السعيد في كتابه عن العمل مجددا لاعادة تنظيم الحزب الشيوعي فيقول:       كان مسؤولي الحزبي قد أبلغني بالارتباط بهيئة حزبية واسعة يقودها " كاظم حبيب" عضو اللجنة المركزية القادم من الخارج. وكان كاظم  حبيب العائد لتوه من المانيا الديمقراطية يعتمد عليّ في معظم نشاط الهيئة. كان نشطاً للغاية ويتحرك في حقل الغام ربما ينفجر عليه في اية لحظة ، لكنه لم يكن مكترثاً، حيث يتحرك بروح فدائية دون أدنى خوف. كان قوي البنية ويتمتع بثقافة عالية ، لم تبرز في البداية ولكنه أصبح من المعروفين في الاوساط الثقافية أيضا.

 وتناول المؤلف قضية ساحة السباع التي تعؤض فيها الشيوعيون الذين اقاموا احتفالا بها بعد عام من حركة 17 تموز 1968 على يد عناصر الشرطة والامن فيقول :

  كان قد مضى على وصول البعثيين الى السلطة نحو عام من الزمن ، وكانوا يقولون أنهم قد تغيروا ولا يمكن أن يعودوا الى الوراء ويعيدوا تجربة 1963 . أراد الحزب الشيوعي إختبار الموقف ، ولكن الطريقة وفكرتها كانت في غاية الغباء.  ويبدو ان بعض القياديين في الحزب الشيوعي كانوا لا يكترثون بمصائر الناس فأرادوا إختبار نوايا البعثيين. على حساب ذبح الاخرين مجاناً.

   على كل إستجبنا لطلب الحزب ورفعنا اللافتات وصرخنا بمختلف الهاتفات لاثبات وجودنا من جديد.  وكان خطيب الحشد هو النقابي المخضرم " صادق الفلاحي" الذي كان يتلكأ بقراءة الكلمات الموجودة في الخطاب وذلك بسبب كبر سنه.

   كنتُ حينها أقف في وسط الساحة بالقرب من الخطيب وكنتُ منتبهاً للخطابه  او بالاحرى لكلماته المكتوبة. وكان  الحشد كبيراً للغاية وخاصة نسبة النساء . وفي هذه الاثناء جاءت سيارة عسكرية حاملة للجنود ووقفت على احد جوانب الساحة، ونزل منها حوالي اربعة عناصر يحملون رشاشات كلاشينكوف وإخترقوا الحفل ووصلوا الى النقطة التي يقف فيها صادق الفلاحي ومنعوه من الاستمرار بالقاء الكلمة لكنه أبى وواصل خطابه، وأثناء ذلك إنسل أحد هؤلاء الاشخاص ووجه بندقيته نحو أحد الواقفين قرب الخطيب وأطلق النار عليه وتراكض المتظاهرون على وقع إطلاق النار ، فيما سقط الشخص الواقف بجانب الخطيب على الارض مضرجاً بدمائه التي أخذت تنزف من رقبته. وما أن شاهد الاخرون صاحبهم يطلق النار حتى بدأوا هم أيضاً يطلقون النار بصورة عشوائية فسقط شخص آخر مضرجاً بدمائه.

    الذهاب الى دمشق

       بقيتُ قلقاً بضعة أسابيع ، ولكن في النهاية بدأتُ انسى الواقعة تدريجياً وصرتُ أتهيأ للذهاب الى دمشق لمواصلة الدراسة العليا هناك. وصادف أن وجدت الفكرة نفسها لدى صديقي أكرم بن مهدي الكببجي فذهبنا سوية الى سوريا واستأجرنا بيتاً بعد أن إنضم الينا زميل عراقي ثالث. وقد ساعدنا في ذلك صباح المختار الذي كان لاجئاً سياسياً في سوريا ويرتبط بعلاقة وطيدة بأكرم بإعتبارهما من جيل واحد ومن منطقة واحدة هي الشواكة.

    قدمنا أوراق الدراسة في الحقوق بجامعة دمشق ، وحصلنا على الموافقة وبدأنا بالدوام الجدي في السنة الاولى حقوق..   لم ابق في دمشق طويلاً فقد أصبحت نقودي قليلة وحينما اخبرتُ اهلي ببغداد بذلك لم أجد ما يطمئنني بأنهم سيواصلون ارسال النقود لي ، لذلك كنتُ مضطراً للعودة الى العراق بعد أن ودعتُ اصدقائي هناك ومنهم " أكرم مهدي" وبعد أيام التحقتُ بالحزب مجدداً في بغداد وأخذتُ أمارس نشاطي السياسي في الوسط الطلابي.

الحصـول على الزمالــة

أخذ الحزب الشيوعي ينتبه اليّ، حيث أبلغني بمنحي درجة عضو قضاء، وبعد فترة متأخرة علمتُ بأنني عضو مرشح للمحلية. ومع ذلك لم أعر اي أهمية للمراكز، حتى ولم أسأل عنها أبدا ، بل تجاهلتها كلياً وواصلتُ عملي الحزبي حتى تم تبليغي من الحزب بحصولي على زمالة دراسية حزبية في المانيا الديمقراطية ، وعليّ أن التحق بها بالسرعة الممكنة.  المهم غادرتُ صوفيا مع محمد الاسدي الى براغ وكانت محطتنا الاولى فيها مقهى " سلافيا" التي تعتبر مقهى العراقيين ومنها نستطيع الذهاب الى القسم الداخلي حيث يوجد هناك طلبة عراقيون

    بـراغ  مدينـة الأحـلام

       منحت زمالاتنا الى أشخاص آخرين وعليه أما أن ننتظر بضعة أشهر لاستلام زمالات جديدة أو أن نذهب للدراسة في الاتحاد السوفياتي أو يوغسلافيا لوجود زمالات شاغرة لدى الحزب الشيوعي  في هذين البلدين. فقررنا الانتظار لبضعة أشهر حتى يحين موعد الزمالات الجديدة. كان " مهدي الحافظ" ابو خيام" كعادته إنساناً متواضعا فقد إستدعى  " جبار الريحاني" الذي ينحدر من منطقة "الفحامة" المجاورة لمحلة الدوريين ، وكان في حينها يعمل سكرتيراً لمهدي الحافظ منذ قدومه مع فيصل السامر الى براغ من العاصمة الاندونيسية " جاكارتا" وطلب منه توفير سكن في القسم الطلابي لي ولمحمد ، وتخصيص راتب شهري لنا ، حالما يظهر قبولنا في الجامعة. وفعلاً إستقبلنا زملاؤنا الطلاب بحفاوة كبيرة ، وتبنى علاء صبيح الذي كان رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين مهمة متابعة قبولنا في الجامعة. وبعد أيام أرسل عليّ " ابو خيام" الزميلة نضال العبايجي التي كانت تدرس في كلية الاقتصاد ، ولما ذهبتُ اليه أستفسر عن رغبتي بالدراسة في الاتحاد السوفياتي كان جالساً الى جانبه آنذاك نوري عبد الرزاق الذي عمل سكرتيراً سابقاً للاتحاد وكان قد جاء لتوديع مهدي الحافظ الذي استلم مهام الاتحاد منه. أجبتُ ابو خيام بأنني لا زلتُ مصراً على الدراسة في المانيا الديمقراطية واذا تعذر ذلك فتشيكوسلوفاكيا هي البديل. فأخبرني بأن زمالات المانيا الديمقراطية قد منحت كلها مقدماً ، وسوف لن يكون هناك ثمة موقع شاغر ، ولكن بالنسبة الى تشيكوسلوفاكيا فإحتمالات الحصول على مقاعد دراسية مسألة أشهر قليلة، فهل ترغب بالانتظار لبضعة أشهر؟ أجبته بنعم. عندها غادرتُ المكان شاكرا له ذلك

    كان العراقيون مقاطعين السفارة العراقية في براغ سوى الملحقية الثقافية التي كان الملحق الثقافي فيها عبد الستار الدوري الذي كان صديقاً للشيوعيين

     الانفتـاح على الطلبـة

      كان الشيء الاول الذي جاء به الملحق الثقافي عبد الستار الدوري هو الانفتاح التام على جميع الطلاب دون تمييز، حيث جعل الشيوعيين يتهافتون على الملحقية بعد أن أذن لهم بفتح ملفات للتحويل النقدي لهم من بغداد.  ولقد إستفدتُ انا شخصياً من هذه المبادرة التي  تحصل  رغما عن ارادة السلطة في بغداد وقد علمتُ من الاستاذ الدوري حين التقيته مؤخراً لاجئاً سياسياً في لندن ، بأن سبب عدم مواصلة عمله الوظيفي ،كملحق ثقافي في سفارتنا ببراغ وعودته المفاجئة والسريعة الى بغداد ، هو أن نظام البكر – صدام وبناءاً على تقارير المنظمة الحزبية البعثية في تشيكوسلوفاكيا ، كانت قد بادرت الى نقله برقياً الى وزارة التعليم العالي ببغداد ، حيث تلقفته هناك عناصر " ناظم كزار" مدير الامن العام  وأودعته إحدى زنزانات  الامن العامة ليقف بالتالي وجها لوجه أمام جملة من الاتهامات الجاهزة والعديدة والتي تشير بالوقائع والتواريخ والمستمسكات على انه – أي الدوري – كان طيلة مزاولته عمله ملحقاً ثقافياً، مشاكساً ومعادياً ومهملاً لكل التوجهات والاجراءات التي تقوم بها المنظمة الحزبية البعثية في تشيكوسلوفاكيا وأنه أيضاً كان يساير ويرتاح لكل الفعاليات والانشطة الطلابية للشيوعيين العراقيين ولا يتردد أبداً من الحضور والمشاركة بكل المهرجانات والاحتفالات التي تقوم بها " منظمة إتحاد الطلبة العراقي" التابعة للحزب الشيوعي العراقي ،لا بل أنه اي الملحق الثقافي عمل على تحويل بناية الملحقية الثقافية الى " مقهى للشيوعيين " كما جرى وبالنص مضمون إحدى تلك الاتهامات الموتورة.

    كان عبد الستار الدوري قد إستحوذ على إحترام وتقدير كافة الطلبة العراقيين هناك ، بل وفتح أبواب الملحقية لاول مرة أمامهم لسماع شكاواهم وتلبية إحتياجاتهم حتى  أصبح حبيب الطلبة.

   يبدو أن هذا الرجل ينحدر من عائلة فاضلة ومحترمة لأن المسألة ليست شكلية وإنما هي جزء من تربية الفرد. وقد عرفته عن قرب فيما بعد حين ربطتني وإياه علاقة وطيدة ،وكذلك شقيقه الصحفي الشهير " سيف الدوري" الذي يحمل أخلاقاً تشبه أخلاق شقيقه ،وهي أخلاق قبل كل شيء  رائعة.

    كانت المناسبة الاولى التي جمعتني بالاخ عبد الستار الدوري هي إحتفال  أقامته ( منظمة الحزب الكردستاني) بمنسبة الذكرى الثانية لبيان 11 اذار في براغ عام 1972 وحضرته نخبة من السياسيين العراقيين أمثال علي صالح السعدي ومهدي الحافظ وموسى أسد  وعبد الحسين شعبان الذي كان آنذاك رئيسا للجمعية اضافة الى السفير " محسن دزه ئي" وعدد كبير من الوجوه الاجتماعية الاخرى. وتوثقت علاقتي بعبد الستار الدوري في أيام المعارضة العراقية ..

ثم العاصمة الجيكية براغ  التي قال عنها مدينة الاحلام التي كانت  قد ملكتني وسيطرت على كياني طوال فترة وجودي فيها، حيث سبق لي أثناء تعرفي عليها قبل الالتحاق بالدراسة الفعلية فيها أن فضلتها على بقية المدن الاوروبية الاخرى.     ولا غرابة في أن يمنحها الجواهري الكبير أجمل قصائده أثناء إقامته فيها، وكذلك ناظم حكمت، الشاعر التركي الشهير، وسميح القاسم الذي زار براغ في مطلع سبعينات القرن الماضي للمشاركة في فعالية عراقية أقامها إتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي وإتحاد الطلبة العام في برلين الشرقية. وقد رافقته شخصياً سفرته هذه  من براغ الى برلين بواسطة القطار في براغ.

         فمنذ وصولي الى لندن وإنقضاء بعض الوقت على إقامتي فيها، بدأتُ أشعر بشيء من الحنين الى براغ التي تركتها مضطراً بعد سقوط النظام الشيوعي فيها. كانت براغ بالنسبة لي ثقلاً عاطفياً كبيراً، فقد عشتُ فيها أجمل سنوات عمر الشباب وانهيتُ فيها دراستي وحصلتُ بإمتياز على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي وإشتغلتُ في سفارة جمهورية اليمن الديمقراطي كمترجم وإعلامي لمدة عشر سنوات تقريبا. وقد ربطتني علاقات طيبة وعميقة مع بعض العراقيين والعرب والتشيك الامر الذي جعلني أكثرإرتباطاً بالماضي ، لذلك كنتُ أحسب لحظات إنتظار إقامتي في لندن على أحر من الجمر لانها تتضمن أيضاً حصولي على جواز سفر بريطاني أستطيع من خلاله زيارة المدينة التي عشقتها كثيراً وهي براغ. كنتُ مضطراً لمغادرتها ، ولكني كنت متأكدا ومصمما أنه لابد أن اعود اليها مرة أخرى ، وهذا ما تحقق فقد أخذتُ أزورها تباعاً وفي أوقات متفاوتة بعد حصولي على الاقامة والجنسية في بريطانيا.

  كانت براغ مسرحاً مفتوحاً بالنسبة اليّ ، فقد ازدادت صداقاتي مع العراقيين والتشيك على السواء ، وكان السكن لا يشكل لي أي عقدة بعد قرار الحزب أن اسكن مع مجموعة من الطلبة العراقيين في منازل( ديفيتسه) في إحدى الليالي وبينما كنتُ نائماً ، طرق باب الغرفة أحد ما توجهت نحو الباب وفتحناه واذا بشخصين يقفان احدهما أشقر اللون مربوع القامة والاخر ملثم الوجه لم أعرف من يكون. إستهل الرجل المربوع القامة الكلام وسألني هل أنت مهدي؟ أجبته بنعم. قال أني سائق تاكسي وهذا الرجل طلب إيصاله الى هذا العنوان، ثم أراني ورقة صغيرة فيها عنوان سكني مع صباح. ولما انتهى من كلامه حتى تحدث الرجل الملثم قائلاً إبني اشلونك؟ آني  والدك ورفع اللثام عن وجهه حالاً. إرتبكتُ كثيراً لاني لم أكن أتوقع ذلك أبداً ، وخاصة من والدي البسيط جداً، فكيف له أن يقطع هذه المسافات الشاسعة ويصل اليّ وهو لا يحسن السفر الى أي مدينة قريبة من بغداد. كان وقع الصدمة كبيرا

      بقي والدي شهراً واحداً حاولتُ أن أوفر له كافة اجواء الراحة والطمأنينة ، وربما توفقت بذلك لاني سمعتُ أنه كان ممتناً لي وقد قصّ ما شاهده على جيراننا في حي الدوريين. وكنتُ بعد سفر والدي قد شعرتُ بحنين كبير لاهلي جميعاً فقد طال إنتظاري لصدور قبولي في الجامعة ،فأنا في الحقيقة لا أدري هل سيصدر هذا القبول أم أن الحزب فرط بزمالتي نهائياً.

      زيــارة مفاجئـــة  

في السنة اللاحقة التأمت الخلايا الحزبية ، وبدأت تتسع لكننا في أحد الايام أبلغنا بقدوم باقر ابراهيم الموسوي وبموعد الاجتماع به. وكنا نتوقع الامر سيكون إعتيادياً كما جرت عليه العادة بأن يعطينا نظرة مختصرة للوضع السياسي بالنسبة للحزب الشيوعي في عموم العراق. لكنه هذه المرة طلب منا تحمل أعباء الخبر الذي سيعرضه لنا وأن لا نتفاجأ به ، وقال أن الحزب قد دخل في جبهة قومية ووطنية تقدمية مع حزب البعث والان يشترط حزب البعث علينا إخلاء المنظمات الجماهيرية له وحده وأن يحل الحزب الشيوعي منظماته الجماهيرية وإلا فإنه سيبطل العمل بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية ، لذلك  إتخذ الحزب قراراً بحل هذه المنظمات.

    طبعاً وقع الخبر علينا وقع العاصفة ، فقد رفضنا جميعاً قرار الحزب وقلنا بأننا سنستمر في عملنا وأن هذا الموقف متخاذل من قبل الحزب إنصرف باقر ابراهيم لكنه أطلعنا على قرار الحزب جملة وتفصيلا، المهم إنتعشت الجبهة الوطنية والقومية التقدمية في بداية عهدها وإرتفعت شعبية صدام حسين وخاصة بعد زياراته الميدانية لمختلف المرافق في بغداد حتى سمي بـ" كاسترو العراق" في أدبيات الحزب الشيوعي، وكنتُ من أشد المعارضين للجبهة التي أعلنت مع البعثيين ولكني مع ذلك لم أخرج عن قرارات الحزب الشيوعي في تنفيذ سياسته لاني أؤمن بأهمية العمل السياسي حتى إذا لو فرض ذلك العمل من الخصوم كما فعل الفيتناميون. بعد فترة تأسست فروع خارجية للجبهة وقد اختير أحمد كريم ليكون ممثلاً للحزب الشيوعي في اللجنة الخارجية. وقد إتصل بي أحمد كريم ليخبرني بإختيار الحزب لي كي أكون ممثلاً لاتحاد الطلبة العام  في هذه الجبهة.

   كنتُ متردداً في البداية ، لكنه أقنعني بأهمية ذلك كوني واعياً لما يريده الحزب. وكان ممثل الاتحاد الوطني الاخ " وليد" الذي كان يتمتع بحب وتقدير معظم الطلبة الذين يعرفونه وكان ذكياً في دراسته ومتزناً ولبقاً ومحترماً. اذ ربطتني به علاقة جيدة أثناء العمل وكانت إجتماعاتنا تتم بحضور عضو آخر هو الملحق العسكري في سفارة الجمهورية العراقية في براغ ، حيث تجري هذه الاجتماعات في بناية السفارة.

    بدأنا ننسق حول بعض الفعاليات الطلابية ، وقد لعب في ذلك دوراً جيداً رئيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق في تشيكوسلوفاكيا الاخ " حكمت" الذي كان سنداً لكافة الطلبة بما فيهم الشيوعيون اذ كان يحاول مساعدتهم في الحصول على جوازات السفر وفتح ملفات لهم في الملحقية الثقافية  . والان كل من الزميلين وليد وحكمت يعملان أستاذين في جامعات العراق.

  كان الحزب الشيوعي قد توصل الى إتفاق مع حزب البعث بتمديد جوازات السفر أو لاصدار الجديد منها ، إتصل بي أحمد كريم وطلب مني أن أذهب الى السفارة العراقية لتمديد جواز سفري، وأخبرني بانه تحدث مع السفير العراقي (نعمة النعمة). 

  ًكانت مرحلة الدراسة تقترب من النهاية ، وكان استاذي المشرف  البروفسور " نوفوتني"رجل كبير السن، لكنه طيب للغاية.   أنهيتُ الدراسة في الكلية وحصلتُ على شهادة الماجستير وقررتُ العودة الى العراق بامل أن اعمل في الجامعة أو في أحد المعاهد الزراعية العليا لانها الوسيلة الوحيدة للخلاص من الخدمة العسكرية الالزامية حيث أعفت وزارة التربية أساتذة هذه المعاهد من إداء خدمة العلم.

                           بغداد ام المدن

كانت بغداد طوال سنوات الغربة الاولى تسيطر على عقلي وكياني ولا تفارقني لحظة واحدة فقد كنتُ أسعي دائماً وأبدا الى أن أراها أجمل وأرق المدن على الاطلاق وهذا أقل ما تستحقه. ولكني مع الاسف الشديد كنتُ ولا أزال أصطدم ببعض أهلها الذين لا يقدرون حجم ما هم عليه.

   بغداد حالها كالمدن العراقية الاخرى تشكو من شحة العناية مع أن لديها مخزون من الخيرات والقدرات البشرية والمادية تعادل الشيء الكثير... وعلى كلٍ تجولتُ في شوارعها وأزقتها الضيقة ودخلتُ الى محلاتها الشعبية لاستعيد جزءاً من ذاكرتي الغابرة.

  بعد فترة إستراحة قصيرة قررتُ أن أبدأ بمعاملة معادلة شهادتي ريثما أستطيع الحصول على وظيفة

وواصلتُ مراجعاتي لدوائر الدولة وذهبتُ الى وزارة التربية لاستحصال موافقتها على تعييني أستاذاً في المعهد الزراعي في البصرة. لم تعترض الوزارة على ذلك ولغرض إعفائي من الخدمة الالزامية طلبت مني جلب كتاب " تزكية" من حزب البعث والذهاب به الى دائرة تجنيد الكرخ لاعفائي من العسكرية، أخبرتهم بأني رجل مستقل ولستُ محسوباً على أي جهة سياسية ولا يمكن لحزب البعث إعطائي مثل هذا الكتاب. أجابوني بأن الامر روتيني وأن حزب البعث يعطي هذا الكتاب للمستقلين أيضاً . المهم أنهم يريدون التأكد من أنك لا تعمل ضد الدولة.

   كانت منظمة حزب البعث في الدوريين تضم بعض الاشخاص الذين يعرفونني جيداً بإعتبارهم من أبناء المحلة وقد أصبحوا كباراً بينما تركتهم حين سافرت صبية.   واصلتُ مراجعاتي وقررتُ الذهاب الى دائرة التجنيد العامة لغرض الحصول على كتاب إعفاء من الخدمة العسكرية والمتعلقة بوظيفتي دون ان أطلب موافقة منظمة حزب البعث في المنطقة.

   . وبعد مضي بضعة دقائق جاء احد الجنود اليّ ودعاني للدخول الى مكتب المديرعرقاً وحالاً دعاني المدير للاقتراب منه وشرح قضيتي فأجابني بأنه يريد مساعدتي ولكن هذه تعليمات  الدولة ولا يستطيع مخالفتها والطريق الوحيد لحل هذا الاشكال هو الذهاب الى منظمة حزب البعث وطلب التزكية والا فالانخراط بخدمة العلم . عدتُ الى البيت محبطاً للغاية وتناقشتُ مع العائلة وتوصلتُ الى قرار الالتحاق بالجيش بدلاً من الذهاب الى منظمة حزب البعث في المنطقة. لاني كنتُ أعرف بأن مراجعة حزب البعث سيجر الى دعوتي للانضمام له ، وهذا ما أرفضه قطعاً، إضافة الى إمكانية أن يتعرفوا على وضعي السابق فيتشددوا تجاهي وربما يقود هذا التشدد الى حد تهديدي بالاعتقال

  في هذه الفترة بالذات جاءني الى البيت شاب لا أعرفه وسأل اختي عني، وذهبتُ اليه واستقبلني بحرارة وسلم عليّ وردد كلمة السر التي زودني بها التنظيم في براغ فعرفتُ أنه حلقة الوصل بيني وبين الحزب. وإتفقنا على أن نلتقي بصورة منتظمة وربما لمس درجة إشتياقي للاتصال بالحزب وأعطيته صورة سريعة لوضعي العام. أخبرني بأنني أصبحتُ بدرجة مسؤول محلية الكرخ . وان الجميع يود ان تنتهي مشكلتي لالتحق بالعمل الحزبي.وكنتُ حتى ذلك الحين أتطلع لزيارة بعض الرفاق الاصدقاء في جريدة " طريق الشعب" والجريدة التي صدرت لاحقا ، ولكن كان لابد أن التقي بمجموعة براغ الذين جاءوا الى بغداد قبلي بسنة أو خلال السنة التي عدتُ فيها، وتواعدنا في بيت احدهم ، كان هناك صباح محمود شكري وسلمان الحسن ومحمد الاسدي وحسون الربيعي، جلسنا طويلا نتذكر أيام الدراسة والحماقات التي ارتكبناها هناك طوال السنوات الماضية. ضحكنا وتسلينا كثيراً وفي النهاية افترقنا ولم ير احدنا الاخر الا صدفة.

   في احد الايام اللاحقة قررتُ زيارة جريدة الحزب الشيوعي التي يعمل فيها بعض الاشخاص الذين سبق ان تعرفتُ عليهم من خلال الكتابة.وكان من بينهم مسؤول الصفحة الثقافية نبيل ياسين وفاطمة المحسن وآخرين لم أعد أتذكر اسماءهم. رحبوا بي كثيراً وطالبوني بالحذر الشديد

    الالتـحــاق بالجيش

إنتقلنا الى معسكر التدريب في المحاويل ، وتباعاً التحق بنا المزيد من الخريجين وكانت التدريبات شاقة للغاية. أنا شخصياً لم أتوقع مثل هذه المصاعب وإلا لما كنتُ قد عدتُ من الغربة أبدا. ، شعرتُ بأنني قد أكملتُ خدمة العلم وشعرتُ بحريتي الشخصية التي لا تعادل بأي ثمن، ولكنني قررتُ البدء بإنجاز معاملة السفر فوراً لاني لا أستطيع البقاء في مثل هذه الظروف الخطيرة، طبعاً طوال فترة وجودي في الجيش كنتُ على صلة دائمة بالحزب الشيوعي وأخيراً أخبرته بأني سوف أسافر الى براغ  لبعض الوقت الى أن تهدأ الامور واذا حصلتُ على مقعد للدراسات العليا فسوف ابقى في براغ. لم يكن عندي في ذلك الوقت أي مبلغ يكفيني للسفر إضافة الى حاجتي الماسة لتمديد جواز سفري المنتية مدته.

  سافرتُ الى براغ بنقليات" النيرن" الى دمشقومنها حجزتُ مقعدي على الخطوط الجوية التشيكية وحين  وصلتُ الى براغ لم أكن قد هيأتُ سكناً لي ولكني فكرتُ بالذهاب الى الاقسام الداخلية لجامعة الزراعة حيث تتحول الى فنادق طلابية في الصيف بغية الحصول على سرير للنوم هناك.

     في الايام اللاحقة إلتقيتُ ببعض القياديين في الحزب الشيوعي العراقي وأثناء هذه اللقاءات سمعتُ كلاماً طيباً ، حيث أكدوا لي بأنهم سيحاولون مساعدتي للبقاء في براغ بدل أن يرسلوني للقتال في كردستان العراق وطلبوا مني أن أنتظر بعض الوقت حالما تحل قضيتي بشكل نهائي.

كانت براغ مسرحاً مفتوحاً بالنسبة لي ، فقد إزدادت صداقاتي مع العراقيين والتشيك على حد سواء، وكان السكن لا يشكل لي أية عقدة بعد قرار الحزب في أن أسكن مع مجموعة من الطلبة العراقيين في منازل  " ديفيشة

   كان المسرح الوطني يقدم مسرحيات عالمية رائعة ، حضرتُ عدداً منها ، وكان يعمل هناك بعض الممثلين العراقيين الذين جاءوا للدراسة أمثال محسن العزاوي وفخري العقيدي وابراهيم السعدي وفتحي زين العابدين.  وكذلك جاء الى براغ للدراسة بعض الفنانين الموسيقيين أمثال " كوكب حمزة" وصباح البصراوي وخالد

    كانت جلسات براغ الصيفية ما بين العراقيين تتم في أكثر من مكان ، وكانت عبارة عن لم شمل ، بحيث كانت تساعدنا كمغتربين على نسيان همومنا. وفي أثناء ترددي على مقهى "سلافيا" حاولتُ الجلوس في مكاني المعتاد أمام بناية المسرح الوطني

   كانت مقهى سلافيا تمدني بفرص كثيرة للتعارف بالناس وكانت تعتبر " مقهى للمعارضين " فقد كان يجلس فيها الركب الاول لجماعة " خارطة الـ 77" الذين قلبوا نظام الحكم في عام 1989 بزعامة " هافل" الذي أصبح فيما بعد رئيساً للجمهورية

    كان هافل يعتبر من المؤلفين المسرحيين وكان يتردد مع جماعته على هذا المقهى وكانوا عادة ما يجلسون في زوايا معينة ومحجوزة لهم طوال الوقت. وكنا نحن نجلس بقربهم ولكننا لم نكن نعتقد بانهم في يوم ما سيحكمون البلاد، لذلك تجاهلنا هذا الامر. وإعتبرنا إجتماعاتهم مجرد لقاءات ثقافية لأن بعضهم كان من أساتذة الجامعة.  وكانت شكوكنا في إتساع دائرة المناهضين للنظام الشيوعي قد بدأت تتبلور يوماً بعد آخر وخاصة في أثناء مرور عام على ذكرى إندلاع مظاهرات 1968 . ففي ذلك اليوم إحتشد المتظاهرون في ساحة  " الفتسلاف" وأخذوا يهتفون ضد النظام الذي عبأ المقاومة الشعبية للاحاطة بدبابات الجيش السوفياتي بهذه المظاهرات. وكنا نرى بعض المتظاهرين يقتربون من الدبابات السوفياتية الواقفة على جانبي الشارع الرئيس ويبصقون بوجوه الجنود الروس الذين كانوا في غاية الانضباط بحيث أنهم لم يردوا على هذه التصرفات أبداً. فالبعض القليل من الناس كان يحمل معه باقات من الورود ويقدمها لهم كتعبير عن التضامن معهم.  لكن تم إقبال في المظاهرات هذه عددا من الطلاب العرب والعراقيين حتى من بين الذين جاءوا للدراسة في تشيكوسلوفاكيا بواسطة الاحزاب الشيوعية . كان أفراد المقاومة الشعبية أكثر جسارة من الجنود السوفيات  فلم يجرؤ أي شخص من المتظاهرين على إستفزازهم أبداً لانه يعرف بأنه سيواجه راداً سريعاً في الحال.

    كانت أخطاء الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي كثيرة كما هو حال بالنسبة للاحزاب الشيوعية الاخرى. كان هناك فساد إداري واسع وإجراءات غريبة لعموم الناس وهي اساليب قد وسعت الهوة بين الحزب والشعب لذلك بدأت الامور تأخذ إتجاهات سلبية للغاية. وقد حذر سكرتير الحزب المنشق " دوبشك" من العواقب وطرح فكرة " الاشتراكية الانسانية " كمخرج من أزمة الحزب المستعصية ، ولكن إصرار قيادة الحزب في الاتحاد السوفياتي بزعامة " بريجنيف" على إبقاء الامور على ما هي عليه لمواجهة التغلغل الامريكي في بعض أجزاء العالم المختلفة ، قد قطع الطريق امام " دوبشيك" حيث أزيح من قيادة الحزب وجاءت قيادة جديدة بزعامة " غوستاف هوساك

    الكثير من الفنانين هربوا خلال تلك السنوات الى الغرب ، ولم يعالج الحزب الشيوعي الجيكوسلوفاكي هذه الظاهرة بفتح السفر أمام الجميع اذ كان يشدد عليهم في دفع الضرائب أو منعهم من السفر فيضطرون الى الهروب بوسائل مختلفة

كانت العاصمة التشيكية براغ تعج باللاجئين العراقيين السياسيين لكن معظم هؤلاء اللاجئين بدأوا أما أن يعودوا الى العراق او أن ينتقلوا الى البلدان العربية او الاوروبية بحكم وجود أصدقاء أو أقارب لهم..   

    كنتُ أملأ فراغي بمطالعة الكتب او زيارة المتاحف أو كتابة بعض المقالات للصحف العربية أو التردد على مقاهي براغ  اذ كانت متعتي تتنوع ولكن إنتظاري للدراسة العليا قد طال أمده. وكنتُ أحاول الاختلاط بأكبر عدد ممكن من الناس وعقد صداقات معهم ، وكذلك التمتع بالحياة الثقافية المزدهرة في هذا البلد. وكنتُ أزور الكثير من " الغاليريهات " الفنية وحضور المعارض التشكيلية وكذلك الحفلات الموسيقية والغنائية إضافة الى المتاحف لمعظم المبدعين التشيك أمثال " كافكا" و" الاخوين تشابك" وغيرهم

كانت مقهى سلافيا بمثابة بيتي الثاني ، فقد كنتُ أجلس فيها كل يوم تقريباً. وكان بعض العراقيين يفضلونها على بقية المقاهي ولذلك يعقدون مواعيدهم فيها. وكان من جملة روادها الشاعر الكبير  محمد مهدي الجواهري الذي إختار زاوية تطل على نهر " الفالتافا" للجلوس فيها في ساعات الظهيرة ، فقد كان يتمتع بالنظر الى الطبيعة الخلابة التي تحيط المقهى وكذلك الغابات الكثيفة والفتيات الجميلات اللائي يتقاطرن على المقهى منذ الصباح وحتى المساء ، وكان المثل العراقي لا يزال يسيطر عليه والذي يقول " الماء والخضراء والوجه الحسن .

 

دراسة اللغة     

 

      في النصف الاول من دراسة اللغة لم أجد أي صعوبة بل بالعكس كنتُ متفوقاً في مختلف المجالات ولكن في النصف الثاني أخذتُ أجد بعض الصعوبات وخاصة في الكيمياء والرياضيات، ولذلك بدأتُ أفكر بتغيير الفرع الذي أخترته وهو الطب وأختار فرعاً آخر تكون فيه دروس الكيميا والرياضيات اقل . وذهبتُ الى المدير" ستاخ" وطلبتُ منه تغيير فرعي الدراسي . نصحني بأن أدرس الاقتصاد الزراعي لانه يتناسب ومستوى ما أنا عليه ، ووافقت وبدأتُ أدرس هذا الفرع

منذ اليوم الاول لانتقالي الى براغ إنتابتني العديد من المشاعر التي أخذت تداهمني طوال اليوم. لقد تراءت أمامي صورة أهلي فرداً فرداً وخاصة والدتي التي كنتُ لا أستطيع أنسى صورتها أينما ذهبتُ. فقررتُ في تلك الساعة أن أتصل باهلي ببغداد وأزف لهم خبر نجاحي في دورة اللغة والتحاقي بالجامعة

/10/1959 . اذ كان هاشم عبد الجبار من الضباط المنضبطين ، وقد إختار اللجوء الى تشيكوسلوفاكيا طبقاً لنصيحة الحزب الشيوعي الذي قدم له خدمات جليلة وكثيرة ، لكن هذا الضابط قد إنقلب على الحزب في آخر حياته وإرتبط بعلاقة جيدة مع السفارة العراقية التي كانت تدعوه لحضور حفلاتها وكذلك حفلات الاتحاد الوطني لطلبة العراق في حين أنه إمتنع عن حضور مناسبات الحزب الشيوعي العراقي أو إتحاد الطلبة العام. ، وإستمر على هذا النهج الى حين وفاته حيث إكتشفت جثته بعد أيام عديدة وهي ملقاة في الحمام

العمــل مـع اليمنيين

  حينما وصلت الى براغ اخبرني احدهم عن حاجة سفارة جمهورية اليمن الديمقراطية الى مترجم من الحزب الشيوعي العراقي وإقترح اسمك ووافق الاشقاء اليمنيون على ذلك وعليك الالتحاق غدا. وبالفعل ذهبتُ الى هناك واستقبلني السفير وحدد لي طبيعة عملي.

كان تعييني يتضمن مرافقة السفير والقنصل أثناء لقاءاتهم برئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء وترجمة أحاديثهم أثناء ذلك، إضافة الى إنجاز المعاملات في الدوائر التشيكية ، وأخيراً إعداد التقرير الاعلامي اليومي من خلال ترجمة الصحف والمجلات التشيكية وإرساله الى وزارة الخارجية اليمنية.

   تعززت علاقتي بطاقم السفارة الذين بدأوا يعتمدون عليّ كثيراً ، وكنتُ أستغل ذلك لمساعدة العراقيين والحصول لهم على جوازات سفر يمنية أو كتب زواج بالفتيات التشيكيات لان السفارة العراقية تمتنع عن إستقبال اي عراقي معارض

   تهميش قـائــــد

   كنتُ كثيراً ما أختلف مع الحزب حول بعض القضايا التي أعتبرها جزءاً من الاخطاء التي ترتكب دون معالجة في الوقت المناسب ، فمثلاً التعامل مع " زكي خيري" في الاونة الاخيرة من لجوئه الى براغ فقد جرى التصرف معه بشكل غير إنساني وهو المناضل القديم والمعروف والذي كان بعض مهاجميه يتملقونه حينما كان في صدارة الحزب.

   البداية كانت في بغداد وتحديداً حول إطروحته في الدفاع عن الوطن وهذه الاطروحة إذا جردت من كل توابعها فهي عبارة عن رأي قبل كل شيء. وحين طرحها زكي خيري كان لا يزال عضوا في المكتب السياسي للحزب، فالحر يكتب دون أن يهاب المتطفلين الذين يقتنصون الفرص. أما إسقاطه ومسح تاريخه الكبير من خلال التحريض عليه  ، فهو محاولة بائسة ومفضوحة . المهم بدأ العد التنازلي بالنسبة لـ " زكي خيري" منذ ذلك الحين وحينما فشلت الجبهة الوطنية والقومية التقدمية التي ساهم في إقامتها زكي خيري كان لابد أن يبحث كما هو الحال بالنسبة للاخرين عن مكان ما يلوذ به فجاء الى براغ

    وفي براغ لا أدري ما هي الصعوبات التي واجهته وكيفية التعامل معه في البداية ، ولكني كنتُ في أواخر  أيامه شاهد عيان على واحدة من تصرفات قيادة الحزب معه. ففي أحد الايام جاء مع أم يحيى زوجته " سعاد خيري" الى السفارة اليمنية للقاء السفير حسب موعد سابق. من جانبي إستقبلتهم في غرفتي وأخبرت السكرتيرة بوصوله ، ولما حان موعد لقاء السفير طلب من ام يحيى الانتظار في غرفتي. سألتها عن أحوالهم فأجابتني بحسرة كبيرة بأنها سيئة للغاية فتفاجأتُ وقلتُ لها كيف ذلك  والرفيق زكي خيري أحد قياديي الحزب ويستطيع أن يحصل على حقوقه  المناسبة. فقالت ليس هذا صحيحاً فالحزب يمتنع حتى عن دفع إيجار بيتنا وقد قطعت عنه الكهرباء وأن أبو يحيى مريض والبرد في هذا الشتار القارص  يحاصره فيضطر الى لف نفسه ببطانية وان وجودنا في السفارة اليوم هو  جزء من محاولتنا للحصول على مساعدة من الاشقاء اليمنيين

    طبعا من جانبي إنزعجتُ كثيراً لسماعي ذلك ومع ذلك وأصلت كلامي معها وسألتها : لماذا يحدث هذا؟ فقالت يطلبون منه السفر الى السويد، وهو يصر على البقاء هنا. أما أنا فلي رأي آخر وهو السفر الى المانيا، ولكني لا اعرف كيف أخبرتها بطريقة لوصولها الى المانيا دون معرفة شروط الحدود بها لذلك سافرت أم يحيى حسب الخطة لكنها وقعت في أيدي الشرطة  وأعادوها الى براغ.  وقد أخبرني صديقي حميد برتو بوضع زكي خيري وعاتب قيادة الحزب التي أنكرت ذلك الامر كله

   المهم بعد سنوات من وجودي في لندن سمعتُ بوفاة زكي خيري في السويد. فقد كان زكي خيري في غاية التواضع وكان موسوعة تراثية هائلة وقاريء نهم ، وحين سقط النظام الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا كان لا يزال هناك،

    الاستعداد للانتقــال الى لنــدن

 

كانت قرارات القيادات اليمنية تتجه نحو الوحدة بعد إتفاق " علي سالم البيض " أمين عام الحزب الاشتراكي اليمني مع الرئيس اليمني " علي عبد الله صالح" لتوحيد البلدين. وقد إنعكس ذلك على السفارات اليمنية في الخارج التي هي الاخرى قررت القيادة توحيدها في سفارة واحدة.وقد تم تبليغنا بذلك . ومن

جانبي لابد من إتخاذ موقف نهائي ، فأما الاستمرار في العمل في السفارة أو مغادرة البلاد،لا سيما وأن إقامتي كانت تصدر من وزارة الخارجية التشيكوسلوفاكية كموظف محلي في السفارة اليمنية. فقررتُ السفر الى بريطانيا لانني أعرف اللغة الانكليزية وبعض الاصدقاء هناك. فأخبرتُ السفير الجديد بذلك ولكنه طلب مني الاستمرار وكان أصلاً من الشمال ومحسوباً على نظام الرئيس علي عبد الله صالح. إعتذرتُ عن الاستمرار فأمر محاسب السفارة بصرف تعويضاً بسيطاً لي. لكن في هذه الاثناء حصلتُ على تأشيرة الدخول" الفيزا" البريطانية كموظف. وبعد أيام غادرتُ متوجهاً الى لندن للبدء بحياة جديدة بعد أخبار الحزب بذلك. اذ كان المسؤول الحزبي هناك الدكتور رحيم عجينة الذي اخبرني بأن ترحيلي سيصل اليّ حال وصولي الى لندن، كما أخبرني أيضاً بأنه سيلتقيني هناك عن قريب لانه هو الاخر يفكر باللجوء الى بريطانيا

حين وصلتُ الى مطار هيثرو كنتُ شارد الذهن مسحور العقل والكيان ، فقد سبق لي أن زرتها سابقا ، ولكن هذه المرة وجدتها تحتلف عن السابق. كل شيء تغير بدءاً من مطارها وإنتهاءاً بشوارعها وأزقتها التي  يبعث برائحة عبقة ونظام معماري هائل وحركة طافحة وجمال ربما غريب عن الجمال الذي كنتُ أعيش في شرايينه. فقد كنتُ لحظات الهبوط بمطار هيثرو أفكر كثيراً في مرحلة الاستقرار الطويلة في براغ الحبيبة. أما الان فيجب أن أفكر بمدينة أخرى ونظام كنتُ والى الان أتحاشى الانخراط فيه

     صـوت الكويــت منقذاً

    أخبرني أحد الاصدقاء بأن الكويتيين قرروا أصدار جريدة لهم في لندن خلال فترة إحتلال العراق لبلادهم وهم يبحثون عن محررين ، كانت الجريدة قد بدأت بالصدور باسم " صوت الكويت" ولكن بأقل ما يمكن من مستلزمات . وذهبتُ الى هناك ووجدتُ بعض العراقيين الذين أعرفهم أما عن طريق الحزب أو من خلال العلاقات الاجتماعية وهو يعملون فيها منذ أمد سابق دون أن يخبروا أحداً بذلك. كان من بينهم عبد المنعم الاعسم وفالح عبد الجبار وسهام الظاهر وعبد الله صخي وعامر الهيتي وجمال حيدر ، ومن الكتاب فوزي كريم وعبد الرحيم الرهيمي وأغلب هؤلاء كانوا شيوعيين حزبيين.

 وافق  رئيس التحرير محمد الرميحي على تعييني في الجريدة بصفة منصت أي متابعة الاذاعات العربية وتسجيل الاخبار والتقارير لان الجريدة لم تكن قد تعاقدت مع وكالات الانباء الا وكالة رويترز والوكالة الفرنسية,

   كانت جريدة صوت الكويت الفرصة الاولى لاثبات وجودي الاعلامي ، وحين بلغتُ بالعمل في الانصات لم أبد أي إعتراض لانهم ربما لا يقدروا مؤهلاتي الكتابية. وفي غرفة الانصات بدأت أسجل الاخبار والتقارير وبعد ذلك أقوم بإعدادها نهائياً بصورة كاملة بحيث لا أترك مجالاً للقسم السياسي لاجراء تعديلات عليها. ا   إستدعاني رئيس التحرير محمد الرميحي الى مكتبه وأبلغني بالانتقال كمحرر في الصفحة الاولى والثانية  التي تدعى بالصفحات السياسية .كانت الصفحات آنذاك أهم صفحات الجريدة لحرارة الوضع السياسي منذ إحتلال الكويت من قبل القوات العراقية

   بعد إغلاق جريدة صوت الكويت بدأت أعاني من البطالة والضياع مجدداً. فقد حاولتُ أن اعمل في صحيفة " الشرق الاوسط" وكتبتُ رسالة لرئيس التحرير " عبد الرحمن الراشد" الذي أجابني بلغة رقيقة ومؤدبة للغاية معتذراً عن وجود شاغر في الصحيفة حاليا ، لكنه أشار الي بأنه سوف ينشر لي على أساس القطعة، وفعلاً زودته ببعض الموضوعات التي نشرت في الشرق الاوسط

    إذاعـــة كــل العــرب

عدت الى حالة البطالة من جديد ولم تكن لدي أية واسطة يمكن تكليفها لايجاد عمل لي في المؤسسات الصحفية والاعلامية العربية. أخبرني صديقي " مظهر عبد" بأن إذاعة كل العرب التي أفتتحت مؤخراً في لندن تبحث عن محررين، وقد إشتغل هو فيها منذ فترة قصيرة وطلب مني الاتصال بمديرها ومالكها الدكتور " نجم عبد الكريم" . طبعاً من الاسم تذكرتُ أنه أحد المقربين لسعد صالح جبر حيث يعمل في حزبه ،    التقيتُ بنجم عبد الكريم وكلفني بإعداد ثلاثة برامج إذاعية هي " البرنامج الاقتصادي" وبرامج" جريدة اليوم" وبرنامج" كلمة اليوم" وقد أبليتُ بلاءاً حسناً، وإستمر عملي في الاذاعة طوال سنوات بثها الى حين إغلاقها

 

رواية الدكتور

سعد العبيدي حفل رئاسي

سيف الدين الدوري

 

سبق ان اهداني الصديق الدكتور سعد العبيدي مشكورا خلال زيارته للندن روايته هذه  بعنوان( حفل رئاسي) يتناول فيها مجزرة قاعة الخلد في تموز 1979.

عن مجزرة قاعة الخلد يتحدث الدكتور سعد العبيدي في روايته فيقول" تعيش بغداد مفاجأة من نوع خاص، تورّم القلق في نفوس الكبار من البعثيين، حال وصولهم يوم الثاني والعشرين من تموز، قاعة بنيت أصلاً لتقديم العروض المسرحية ، سميت بالخلد من دون معرفة مسبقة من ذاك الذي أسماها هكذا ، بانها ستُخَلَدُ مشهداً مثيراً، يأكل فيه الكبار أكباد أبنائهم ، في حفل يصفق في ثنايا طقوسه الوثنية ، ما تبقى من الابناء لمنظر المضغ البطيء لأكباد إخوتهم نيئة.

    يشهدون على دوافع الوليمة ، والمضغ ، ودس السم ، مذهولين غير قادرين على التفريق ، بين الوهم وبين الحقيقة، كانهم قد أصيبوا جميعاً بهستيريا من نوع خاص، لم يذكرها علماء الصحة النفسية من قبل.

  يكتمل الجمع حول المسرح المعد مكاناً للحفل الرئاسي ،أو بالمعنى الأدق لمسرحية رئاسية.

  الادوار حددها الرئيس الجديد ، والمشاهد حددها هو أيضاً كرئيس ، والناجون قالوا فيما بعد أن قوائم الضحايا قد حددها كذلك الرئيس قبل ساعات من قرار إتخذه لتسوق فصولها على عجل، وقالوا أيضاً أنه كان ومنذ اللحظة الاولى لاستلامه دفة الرئاسة مستعجلاً، وكأنه أصيب بضغط الزمن أو بحوازه كما يقال، يريد اليوم ممتداً، لا ينتهي بالساعة الرابعة والعشرين، يتمناه ثمان واربعون ، ولو كان قد إمتلك بعض أسرار الكون وقوانينه المادية لجعله أكثر من ثمان وأربعين.

  حضر هذا الفصل على هذا المسرح، بكامل لباسه المدني المستورد خصيصاً من ( هاروتز) الماركة الابريطانية المشهورة ، تتقدمه شلّة جنود محاربين بلباسهم الزيتوني . تحيط به شلة أخرى ، ومن خلفه مباشرة المقدم رباح المرافق الاقدم، تحدق عيناه بمن في القاعة واقفاً يصفق لمقدم رئيسه، بعيني طائر الباز، قبل إنقضاضه على فأر خرج من جحره ليلتقط الرزق.

 كل شيء محسوب بإتجاه إكتمال فعل الهستيريا ، للموجودين في محيط المسرح مشاركين ومشاهدين. وكل حركة مطلوب منها إسباغ الرهبة، على أجواء الحفل المسمى كناية ، إجتماعاً لكادر الحزب المتقدم، بقصد الزيادة التراتبية ، لواقع التأثير في عقول الحضور هستيريا.

  يأخذ الرئيس الجديد ،أو صاحب الحفل ومخرجه في السر، المكان أعلى خشبة المسرح . توزع الجنود الحماة في زوايا القاعة، لتأدية الدور المخصص لهم، تأمين فعل الارهاب الهستيري في نفوس الموجودين. أصوات بساطيل عند إحتكاكها بأرض القاعة ، عوضّت عن الموسيقى الكلاسيكية ، التي إعتاد المخرجون العراقيون تقديمها مصاحبة لاقتراب الممثلين وإعتلائهم خشبته المعروفة. قال عنها الاخ غير الشقيق للرئيس في جلسة تبادل أنخاب النصر، بعد أسابيع من هذا الحفل ،إنها كانت لازمة لتضخيم فعل الهستيريا.

مشهد الدخول وإرتطام البساطيل بالارض الاسمنتية، وإرتداد الكراسي الخشبية أثناء الوقوف، أثارت قدراً ملموساً من التوتر، وحققت غاية الرهبة المقصودة في نفوس الحضور ، سحبتهم قسراً الى نوع من الصمت الجنائزي ، يشبه في خوائه صمت الحملان، عند تعرضها لهجمات الذئاب. لكنه صمتٌ مؤقت، لم يدم سوى ثوانٍ معدودات، فأهل السياسة لا يصمتون. لم يتعودوا البقاء صامتين. لا يؤمنون أصلاً بالحكاية التي تقول " إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب". يصمتون فقط عندما يتكلم المسؤول، فكلامه سيف أمضى من الذهب. ولانهم لم يتعودوا ،أو في الحقيقة لأنهم يمقتوا الصمت، بادر أحدهم إحتل مكاناً له آخر القاعة بكسره من خلال هتاف وجد الاخرون أنفسهم مدفوعين بوقع الهستيريا الى ترديده عالياً: يحيا الرئيس. فإنتشرت إثره عدوى الهتاف، ومحاولات كسر الصمت. كثيرون هم الراغبون بالهتاف، حتى شعروا بتدافع هتافاتهم في زحمة القاعة ، التي عجّت بنوايا تبديد الخوف، عن طريق الهتاف.  ما زال الجمهور الحزبي المرهوب، واقفاً مكانه ينتظر الإذن بالجلوس.

تعمد الرئيس تأخير الجلوس، لإعتبارات رآها واجبة، لتحقيق فعل القهر اللازم للنفوس الشقية، ومن أول لقاء معهم كرئيس.

  الرئيس من جانبه ملتزم، بالتوقيتات التي حددها هو ، كمخرج للحفل، وملتزم بتعاقب المشاهد وتوزيع الادوار التي رسمها هو، كاتب السينارية الخاص بالحفل، لا يريد الحيدان عن مقاطعه الثابتة، وإن عُرفَ عنه الخروج عن النص، وليس هذه المرة ، وهذا اليوم المميز في تاريخه السياسي، حيث الرغبة القوية بالتزام الثابت من النص. على هذا إعتاد الصمت الى وقعه مطبقاً، بإشارة من يده اليمنى، تعني الاذن بالجلوس ، وقطع الهتاف ، وإن كان بحياته المجيدة. وتعني له أخذ المكان الملائم على كرسي فخم، حول الطاولة الخشبية الانيقة أعلى المسرح. وتعني أيضاً رفع الستارة ، والبدء بواقع المشاهد على التوالي لبدء السينارية المعد بأحكام. وتعني كذلك حفل رئاسي من نوع خاص، يجهل المشاركون فيه والمدعوون اليه ، المرعوبون وغير المرعوبين دوافع إقامته في هذا اليوم بالتحديد.

  ينهض الرئيس من جديد ،إيذاناً بالوقوف، ورفع الشعار الخاص بإفتتاح الاجتماع الحزبي ، تقليد أرساه الحزب منذ تأسيسه ، وسار عليه حتى اليوم. ردد هو الشعار ، جزء من الشعار ، وأكمل المجتمعون الشطر الاخير منه، فَعُدَ الاجتماع قائماً.

جلس هو أولاً، ومن بعده أخذ الجميع أماكنهم على الكراسي الخشبية بإشارة من عنده. نظر اليهم بعينين كانتا تبرقان، بريقاً لا يشاهد إلا من تلك الحيوانات الليلية ، فعلت رغوة الصمت أفواههم المغلقة ثانية، ولأنه واحد منهم مثلهم لا يحب الصمت فبادر بتبديد ثناياه ، بعرض متوالٍ لقدراته الخارقة على قراءة نوايا المقابل من خلال النظر في العيون قائلا" المرضى أنا أعرفهم من أعينهم ، لو يصطفون أمامي خمسة الاف واحد ، فأنا أستطيع أن أكشف ما في قلبه من خلال عينيه، إلا حين يغطي عينيه بنظارة سوداء ، عندها أطلب اليه أن يزيح النظارة عن عينيه".

  يتصاعد صوت التصفيق مع تصاعد ضربات القلب ، حداً أعطى المشهد رهبة ذات وقع مخيف، كأنه دويٌ مصدره مجهول.

  هتف أحدهم من أصحاب الصفوف الاولى هذه المرة ، بحياته رئيساً عظيماً، يعرف كل شيء، يتحسس آلام الفقراء ، ينصر المظلومين . إستجاب له آخر من الصفوف الوسطى بهتاف مقتضب ، حيث قال بصوت متهدل كأنه قد أصيب برجفة" إنتهى الظلم بمقدم الرئيس : يحيا الرئيس".

  يتعالى التصفيق ، فأشعره بنشوة أخذته بعيداً ، كمن يحلق فوق السحاب، أسعده ، مِثلَ مطرب بدأ الغناء تواً، ومعه تعالت اصوات الحضور بكلمة ( الله) وتحت تأثير النشوة هذه، وهذا التصفيق الحار ، مسك قلمه ليكتب شيئاً، ثم عاود النظر الى صفوف الرفاق المرصوفة على الكراسي الخشبية ، كأنه يريد تكرار كلمة( الله) ليعيد وصلة غناء أو يكرر بيتاً من الشعر إستهواه الحضور. فكرر مشهد القدرات الخارقة قائلا" كنا كما أعتقد – في إجتماع بالمجلس الوطني، وكان موضوع الحديث العلاقات مع سوريا ، كان الى جانبي الرفيق عزة إبراهيم . قلتُ له "أشوف نقطة سوداء في عقل وفي قلب محمد عايش . وهذه النقطة قطعاً لا يمكن أن أخطأ في أنها موجودة. لكن فقط أريد منك معاونتي بملاحظاتك ، في أي إتجاه يريد محمد عايش يفعل بها؟ وراح الرفيق عزة والتقى به وقال له : لماذا أنت غير مرتاح؟ هل يوجد شيء لا يريحك؟ حكى له عايش حكايات عن احد الرفاق ، وإدعى أنه غير مرتاح من كلام أحد الرفاق في الجلسة.كنتُ أفتش عن أي رفيق يهز قناعتي فيما أشوفه . جاءني الرفيق عزة إبراهيم ، قال لي : لا أعتقد بوجود شيء إلا بهذه الحدود".

يتفاجأ الرفاق بكلام رئيسهم فعيبرون عن دهشتهم بإندفاع شديد نحو التصفيق، وكأنهم يطلبون المزيد من الايضاح. وهو من جانبه كان مستعداً لاعطاء المزيد ، بعد توهم العقل هلوسة بسماع كلمة ( الله) قائلاً" لقد تعرض الحزب والعراق الى مؤامرة خطيرة ، تم إكتشافها بهمة الاخيار، هكذا قدرنا سنمضي بخطواتنا النضالية الى الامام، وطريق النضال كما تعرفون محفوف بالمخاطر"

  كلمات أتم بها المشهد الاول ،أعقبها بأخرى على شكل دفعات ، مع كل مشاعر إنتشاء وتصفيق ووهم بسماع كلمة ( الله) ليمهد من عنده الى مشهد جديد. 

 ( سعد العبيدي ، حفل رئاسي ، وقائع غير مروية من أحداث مجزرة قاعة الخلد عام 1979،منشورات ضفاف، بغداد الطبعة الاولى 2015، ص 26 – 42).

 

الفتنـــة

تأليف: كنعان مكية

عرض : سيف الدين الدوري

الكتاب عبارة عن رواية يتناول فيها المؤلف لحظات تنفيذ حكم الاعدام بالرئيس الراحل صدام حسين  . الطبعة الاولى للكتاب الذي يحتوي على 367 صفحة   صدرت عام 2016 .

يتحدث كنعان مكية عن لحظات تنفيذ حكم الاعدام بالرئيس الرحل صدام حسين اذ كان مكية ضمن عناصر الحراسة التي تؤمن وصول ودخول صدام الى مكان تنفيذ حكم الاعدام فيقول : دققت في ساعتي كثيراً صممتُ على أن لا تفوتني تلك اللحظات بالذات وأعني بها اللحظة التي يتم فيها تحريك العتلة التي ستفتح باباً في الاسفل كي يتدلى منها المشنوق، مع ذلك كادت أن تفوتني . سمعتُ صرير الباب وهو ينفتح قبل أن يكمل المشنوق صلواته.

 تم شنق الطاغية في يوم السبت المصادف الثلاثين من كانون الاول من العام 2006 في الساعة السادسة وتسع دقائع  صباحاً، تلك الكلمات التي كتبتها مساء ذلك اليوم في دفتر مدرسي .

  هكذا أصبحت الملاحظات التي كتبتها في تلك الدفاتر تحديداً بين العامين 2003 و2006 الاساس الذي أستند عليه الان وانا اكتب عن تلك السنوات.

 قبل شنقه تحديداً في الساعة الثانية وتسع وخمسين دقيقة تمّ تسليم الطاغية الى الحكومة العراقية للمرة الاولى منذ القاء القبض عليه كتعبير عن الاعتراف بإستقلالنا عن الاحتلال الامريكي.

  أراد رئيس الوزراء- يقصد نوري المالكي – أن يحصل الشنق في اليوم الذي يصادف بدء عيد الاضحى لدى المسلمين السنة، وهو اليوم الذي إختاره ايضا لزواج إبنه ، فضّل الجميع في الحكومة إنتظار سلطة عليا لتحديد الموعد وهذا ما حصل. علماؤنا الشيعة افتوا بجواز تنفيذ حكم الاعدام قبل العيد بيوم واحد ولكن ليس في يوم العيد للتخلص من المعضلة ،إستقر( اصر) رئيس الوزراء على أن يجري الاعدام فجر يوم العيد وقبيل طلوع الشمس . واعدم فعليا في يوم العيد.

    ويضيف مكية قائلا: احتفلنا نحن الشيعة بعيدنا وباعدام عدونا الاكبر، مما جعل العيد عيدين. وحملت المروحية جثة الطاغية نحو بيت رئيس الوزراء حيث كان يجري الاحتفال بعرس ابنه . هبطت وسط هتافات حشد أصيب بالهذيان وحُملت الجثة نحو الباب الخارجي لبيت رئيس الوزراء الذي كان مقر سكن لاثني عشر عقيداً في الجيش الامريكي قبل اخلائه كي يشغله ساكنه الجديد . وهناك تم تمزيق الكفن ليظهر وجه الطاغية ولتظهر معه الكدمات والرقبة الكسورة ولترتفع هتافات الحشد المتهستر تعبيرا عن النشوة بهذا المنظر.

  ويضيف المؤلف قائلا: جرى تنفيذ الحكم في اقدم ضواحي بغداد الشيعية – الكاظمية – حيث يقع مبنى لجهاز المخابرات السابق. كان المسؤولون الحكوميون بالانتظار هناك وكنا نحن حراسهم الشخصيون نحيط بهم حين حطت مروحية الـ ( بلاك هوك) وهي تحمل الطاغية الى محطته الأخيرة ، حيث سيجري إعدامه في المبنى الذي شيده هو بنفسه في الحقبة السابقة لأغراض التحقيق والتعذيب والاعدام.

  نزل الطاغية من على سلّم المروحية التي هبطت على فناء البناية على بعد ثلاثين متراً من المدخل. توقف قليلاً أثناء نزوله ليتطلع الى الاعلى ملقياً نظرة على المشهد الممتد بين إنحناءات دجلة والقبة الذهبية لضريح الامام الكاظم. ثم نظر الى الاسفل وربما رأى المبنى الخرب الذي عرف اياماً أفضل في عهده. عندما وطأت قدمه المدرج توقف مجدداً ثم استأنف المشي باسرخاء مبالغ فيه ليمر بجانب صفوف الحراس والاطباء الامريكيين وغيرهم من مسؤولي الاحتلال الذين حضروا التسليم ، بدا صدام شديد الاعتداد بنفسه يسير بخطى واثقة وقامة منتصبة تعلوا شفتيه إبتسامة بين الحين والاخر . شكر وودع أعضاء الفريق الامريكي واحداً واحداً وبدا أنه يعرف اسماء بعضهم ، بادلوه بدورهم الاحترام وكأنه ما زال رئيسا للدولة . تمّ إقتياده الى المبنى الكونكريتي المكون من ثلاثة طوابق والذي لا يوجد له مدخل محدد فدخلنا من الفتحة الموجودة في الجدار والتي حلّت محل الباب  للمبنى.

 تبادل المسؤولون الاوراق وجذب نظري احدهم بسبب بطنه الكبيرة التي تدلّت من فوق حزامه الضيق ، وكان أصلع بشارب غليض وقد بدت عليه علامات التوتر.

 بهذا تمّ رسمياً تسليم الطاغية الى السلطات العراقية ؟، وبذلك إستلمنا أنا ورفاقي مهام حراسته بدل الوحدة الامريكية التي كانت برفقته. كان يرتدي معطفاً أسود منسوجاً من وبر الجمال ، صنعه له خياطه الارمني المفضل ، شعره مصبوغ حديثاً بلون اسود داكن ووجهه هاديء يخلو من التعبير أما شاربه الستاليني الذي ظل رجال العراق يقلدونه لربع قرن ، فقد تم تقليمه ولم يعد غليضا كما كان في السابق. وعند نقطة التسليم علت وجهه  علامات الازدراء رغم انه لم يقل كلمة واحدة حتى للوزراء والمسؤولين الحكوميين الذين اصطفوا هناك. أما هم فلم يحاولوا أو يجرأوا على التطلع الى عينيه وظلوا يغيرون طريقة وقوفهم بين الحين والآخر حينما كان أحدهم يقرأ عليه ما كتب في الاوراق .

  ظل الطاغية واقفاً باعتداد يشبه تماثيله التي كانت منتشرة في كل مكان متغاضياً عن النظر اليهم وكأنهم غير موجودين أصلاً. بدون ان ينطق كلمة واحدة او يظهر أي نوع من المشاعر ، نجح الطاغية باذلال سجانيه الجدد.

  ويقول كنعان مكية: امتلك هذا الرجل – اي صدام – سلطة مطلقة في يوم من الايام لم يعد يمتلك شيئا منها الان. أما مسؤولو الحكومة الجديدة التي اسسها المحتل فلم تكن لديهم أي سلطة في السابق. وهم كانوا يسعون وراء السلطة التي ارتبطت اكثر بإمتلاك سيارات مدرعة وعدد كبير من الحراس الشخصيين وبمقدار الضوضاء والازعاج الذي تسببه تلك القافلة من السيارات وهي تشق طريقها بعجرفة لا مبالية بالناس  الهاديين في الشوارع.

 ثم يتناول المؤلف ذكريات ذلك اليوم الذي تمّ فيه اعدام صدام حسين فيقول: طوال السنوات العديدة التي تلت الاعدام عاودتني في احلامي وكوابيسي كشاهد مفصلّة منها نزول الطاغية من المروحية وملامح وجهه وهو يبتسم بازدراء موجه ٍ لمن حوله. لقد انفقتُ تلك السنوات وأنا اصارع شكوكي منذ تدلى جسد الطاغية معلقاً من حبل طوله مائة وعشرون سنتمتراً.

    مشهد جسده المتدلي لا يأتيني في النوم فقط بل انني استعيده في لحظات صحوي أنى شاءت. تلك الصور تأتيني كهلوسات أو فيلم قصير يدور شريطه في رأسي  من السهل إعادته لكن من المستحيل مسحه. اكثر تلك الصور وضوحاً وأغناها تفصيلاً هي تلك التي تعود ليوم الثلاثين من كانون الاول 2006.

   بعد تكليفنا بحراسة صدام في ساعاته الاخيرة قمنا بزيارة غرفة الاعدام وتفتيشها . اكاد أراه يصعد منصة المشنقة بدون تردد ولكن ببطء حاملا القرآن بيديه المقيدتين . وأتذكر كيف أن الغرفة غرقت بصمت مطبق حين كان يصعد السلم ، وكأن مجرد حضور هذا الرجل قد اصاب الجميع بالشلل.

  على المنصة كان بإنتظاره ثلاثة حراس يرتدون أقنعة سوداء أخفت ملامحهم وسترات بنية كالحة كتلك التي يرتديها سواق الدراجات النارية . اساء الحراس منذ البداية معاملته كمحاولتهم إجباره على وضع غطاء الرأس ، لكنه رفض ذلك باشارة قاطعة من رأسه . كان المسؤول ذا البطن الكبيرة على منصة الاعدام  طلب من الحراس عدم الالحاح بوضع الغطاء .

 بدأ الحاضرون بالصراخ المتهستر واخذ بعضهم برمي اشياء كان يحملها بإتجاه المنصة ،وتصاعد الضجيج ليتحول بشكل غامض الى ما يشبه النبضات العالية . اصابت الهستيريا ذلك الحشد من الرجال المتجمعين تحت المشنقة .

  ارى الى هذا اليوم الطاغية وسط هدير الجموع الذي يصم الاذان واقفا بإستقامة بكل ثقة وتحدٍ وعيناه تظهران خليطا من اللامبالاة والتحدي مزمجرا امام تلك الجموع التي بدت وكأنها كلاب مسعورة . همس المسؤول ذو البطن الكبيرة بشيء ما في إذن الجلاد ، فوضع الحبل ذا العقدة الخاصة بحبال الشنق البريطانية حول عنق الطاغية في تلك اللحظة نطق الطاغية بصوت عالٍ وهو ينظر الى الفراغ فوق رؤوس المحتشدين ، صوته كصفارة باخرة آتية من بحر مليء بالضوضاء. ( الله أكبر ستنتصر الامة ، فلسطين عربية).

 لماذا قوطع الطاغية قبل ان يكمل كلمة الشهادة. لكل انسان رجلاً او امرأة أو طفلاً الحق بقول الشهادة حق لا يمكن أن يمنع حتى على الكفرة وغير المؤمنين  ولا حتى على الزنادقة .

 على الاغلب كان أمراً متعمداً محاولة اخيرة لاذلاله  لا يقوم بها الا صغار الرجال الذين تحركهم غرائز واطئة ، على الارجح ان الذي قام بذلك إستجاب لردة فعل تلقائية ولم يتبع أوامر من الاعلى. لقد خرجت الامور عن السيطرة في غرفة الاعدام . لماذا يقوم الجلاد بتدوير عتلة الباب في الوقت الذي كان هناك رجل مسلم يردد الشهادة ولم ينهها بعد؟ هل نسينا انها كلمات ذات قدسية كبيرة وان كان الناطق بها كافر بربري.

 باعدام الطاغية على عجل ،ارادت الحكومة تقديمه للعالم كإنجاز كبير للعدالة ، وفي الوقت نفسه كانت تستهدف طعن مواطنيها من السنة الذين افسدت عيدهم . ولان الحكومة كانت غائبة في غرفة الاعدام كغيابها عن البلد بأكمله ، غياب ملأه الطاغية بحضوره. ملأها كنذيرا قاتما للموت .. كان يقف هناك مجسدا للموت موت الجميع وليس موته وحده ، لقد ملأ حضوره المكان وسيبقى حاضراً وحده فقط. حتى ويداه موثوقتان والحبل حول عنقه  وحتى مع وجود غوغاء يشتمونه وهم متعطشون لرؤيته معلقا.

  في هذا المكان حضرت نفايات الامة التي كان الطاغية يحاول تذكيرنا بها، الامة التي لخصها بست كلمات ، وكلها كلمات سمعها الحاضرون  كم قبل مئات المرات في عيونهم ، وانا اقف على المنصة وأتطلع الى الحضور الهائج رأيت غضب رجال مذعورين اصابهم العمى ، كانوا عميانا حتى وهم يظنون أنهم مبصرون ومذعورين وهم يظنون أنه لم يعد هناك ما يخيفهم . كلمات كلما كبرت ضحيتهم كلما اصابهم الذعر أكثر حتى وإن كان مصدر ذعرهم رجل يقف في اصفاده على بعد نفسٍ واحد من نهايته.

  سويعات قليلة فصلت ما قيل قبل الشنق عن ما بعده. قبل الشنق كنتُ اتباهى بالكلام عن الحبل. وبعد الشنق لم اشعر أن هناك أي شيء يستحق التباهي . بدلاً من ذلك تملكني شعور بالعار . لحسن الحظ لم يكن والديّ على قيد الحياة ليشهدا مدى شعوري بالعار في ذلك اليوم .

  عندما تدلى جسد الطاغية من الباب السفلى راكلا الهواء بقدميه في محاولة بائسة للبقاء على قيد الحياة حتى آخر لحظة وإنبعثت من اعماقي رائحة نتنة لا يمكن ايقافها . اخذني هذا الشعور بعيداً في حالة تيهان وبلا إتجاه اضعت نفسي وغدوتُ ضائعاً بالنسبة للاخرين  لا اعرف مَن كنتُ أو من أين أتيتُ أو الى أين أمضي تلك كانت اللحظة التي فيها نفضتُ يديّ وتبرأتُ من ذلك الحبل المسؤون.

 

 

كتاب (رسالة  إعتذار

 الى الشعب العراقي)

لاحمد الحبوبي

 

سيف الدين الدوري

 صدر عن دار الحكمة بلندن لصاحبها الاستاذ حازم السامرائي كتاب جديد بعنوان (رسالة  إعتذار الى الشعب العراقي) تأليف المحامي والوزير الشخصية العراقية القومية الاستاذ احمد الحبوبي.

 وكانت دار الحكمة قد اصدرت للحبوبي كتابين  الاول بعنوان ( ليلة الهرير في قصر النهاية) يتناول فيه احداث مؤامرة عبد الغني الراوي وكيف تم اعتقاله مع اعداد كبيرة من المتهمين فيها وحملة الاعدامات السريعة التي طالت اكثر من اربعين ضابطا  ومدنيا من قبل المحكمة التي يترأسها طه الجزراوي( طه ياسين رمضان) وعضوية محمد فاضل عضو القيادة القطرية وناظم كزار مدير الامن العام وعلي رضا باوا.

والكتاب  الثاني( اشخاص كما عرفتهم)  والذي يتضمن عدد من الشخصيات العراقية والعربية في مقدمتهم الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس عبد السلام عارف والملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود والشيخ احمد الجزائري وفؤاد الركابي وعبد الرحمن البزاز والشيخ محمد مهدي كبة ومحمد صديق شنشل وعدنان الراوي والفريق طاهر يحيى واللواء الركن سيد حميد الحصونة والعميد عبد الهادي الراوي .

 ويتحدث الاستاذ الحبوبي عن سبب اختيار هذا العنوان لكتابه ( رسالة اعتذار)الذي يحتوي على عشرة فصول بـ 423 صفحة فيقول : عندما شرعتُ في اعداد هذا الكتاب وقعتُ في حيرة وأنا أبحث عن عنوان لهذه المذكرات فلم اجد في المذكرات او غيرها قبولاً عندي . فالمذكرات لا تحكي سيرة كاتبها فحسب هو موجود فيها من خلال الحدث وظروفه. وكان قدري أن اتصدى للقضايا العامة وأغوص في ( تلافيفها) وأشتبك في أحداثها وحوادثها منذ ثلاثينيات القرن الماضي . فعشتُ وعايشتُ وتتبعتُ أحداث العراق منذ الحرب الكونية الاولى 1914  وإحتلال الانكليز للعراق وتبؤ  فيصل الاول عرش العراق سنة 1921 بعد ثورة وطنية اشعلها الشعب العراقي ضد الاحتلال البريطاني . فكان ان حكم العراق بسياسة حكيمة وبعد نظر اوصلته الى بر الامان وعبثا حاول ان يضع قواعد( سليمة) بحكم العراق من خلال رسالته الشهيرة الى ساسته ليهتدوا بها من بعده، لكن السياسيين اختلفوا من بعد فيصل وانعكست خلافاتهم وتضارب مصالحهم وتنافسهم على السلطة والحكم  والجاه على الشعب . لكن الشعب احتج وتظاهر وقاوم وثار واعتصم وقدم الاضاحي والقرابين  وتوج نضاله في ثورة 14 تموز 1958 الي استقبلها بفرحة غامرة  لكنها سرعان ما انحرفت عن اهدافها  وشجر خلاف وصراع بين قادتها العسكريين والمدنيين ، ولم يكن حال العراق وطنا وشعبا بعد 8 شباط 1963 بأحسن حال عما سبقه همه الاول والاخير تمجيد بطولاته وتثبيت اركان حكمه. وهذا ما حصل فعلا بعد 17 تموز 1968 اذ استولت على العراق قيادة فاشلة اوصلت العراق وشعبه الى حالة من التخلف والانحطاط ثم اسلمته الى حاكم دكتاتوري طاغوتي دموي جر العراق الى حروب عبثية وحصار اقتصادي  وكانت النتيجة الحتمية ان تنبري في سنة 2003 ( قوى خارجية) طامعة في احتلال العراق  وازاحة الدكتاتور والمجيء بعناصر ( متعاونة ومتفاهمة ومتناغمة) تحكم العراق وشعب العراق وتزرع فيه الفرقة والتشظي من خلال مبدأ المحاصصة ( الطائفية والعرقية)   وانبثق منه فساد مالي واداري . وباستعرض كل هاتيك المصائب والخطايا والكبائر التي ارتكبها حاكمو العراق بحق العراق وطناً ومواطناً . أقول ألا يستحق هذا الشعب العظيم أن نعتذر له نحن الذين تصدينا لحكمه وساهمنا في تعذيبه واجهضنا طموحاته وتطلعاته .. السابقون منا واللاحقوق لنا وجرعناه الغصص والمنغصات نحن( أبناؤه).

 نعم يجب أن نعتذر له ونستسمح منه ونطلب منه الغفران لا النسيان.

 ثم يتحدث المؤلف الحبوبي عن مدينة النجف حيث ولادته عام 1931 ونشأته وانتمائه الى حزب الاستقلال حين تشكلت الاحزاب العراقية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 فيقول وجدتُ نفسي أميل الى قبول أفكاره وطروحاته  لانها قريبة من عاطفتي وعقلي  فالحزب يتحدث بمنهاجه عن العروبة والاسلام والحضارة العربية الاسلامية واقامة الوحدة العربية .ثم مبادرته مع المرحوم الشيخ احمد الجزائري بفتح مكتبة  في النجف يلتقي بها شباب حزب الاستقلال باسم( مكتبة الشباب القومي). بعدها تشكيل فرع ( لجبهة الاتحاد الوطني في النجف ونشاطها).

  ويتناول الحبوبي أحداث حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 ووثبة كانون عام 1948 ومشاركته في التظاهرات المعارضة لمعاهدة ( بورتسموث). ثم يتطرق الى دخوله كلية الحقوق ببغداد وتعرفه بقادة حزب البعث العربي الاشتراكي امثال فؤاد الركابي وعلي صالح السعدي وفيصل حبيب الخيزران وتحسين معلة. كما يتطرق المؤلف الحبوبي الى انتفاضة تشرين عام 1952 ضد حكومة مصطفى العمري وحكومة رئيس أركان الجيش نور الدين محمود. ويتناول ايضا ذكريات معسكر سكرين في صيف 1953

  ثم يلقي الاستاذ الحبوبي الضوء على ثورة 14 تموز من حيث التنفيذ وزيارة العقيد الركن عبد السلام عارف الى النجف والقائه خطابا هناك وسط ترحاب جماهيري كبير. ويتطرق الحبوبي  الى الخلافات بين الشيوعيين والقوميين وحادث اعتقاله لانتمائه للحركة القومية داخل السينما في منطقة المربعة ببغداد التي هرب اليها من الشيوعيين في النجف وادخلوه في مركز شرطة العبخانة ومنه الى معتقل ابو غريب الذي اخذ يستقبل الكثير من انصار التيار القومي. ويتحدث الحبوبي ايضا عن ظروف اعتقال عبد السلام عارف في الخامس من تشرين الثاني 1958  (اي بعد اربع اشهر من قيام الثورة التي فجرها عارف ).ثم يتطرق الى حركة عبد الوهاب الشواف في الموصل وهروبه- اي الحبوبي –من العراق في سيارة مرسيدس تحمل اكياسا من الرز والتمر متوجهة الى السعودية.ومنها الى مصر منتصف عام 1960 واستقباله من قبل عدد من القوميين العراقيين امثال احمد الجزائري ولقاءاته  بسلمان الصفواني واحمد فوزي عبد الجبار وعبد الرحمن البزاز وفائق السامرائي وفؤاد الركابي  والدكتور جابر عمر وفيصل الوائلي ومحمود الدرة وعلاء الدين الريس وعدنان الراوي وهشام الشاوي وهلال ناجي  وكمال الراوي ومحيي الدين اسماعيل وعبد الله الركابي ورشيد البدري  ونجم الدين السهروردي وسليم الزبيدي ودريد سعيد ثابت وتحسين النجار وشاكر الطبقجلي ومدحت ابراهيم جمعة وخير الله عسكر وعبد الكريم الشيخلي وفالح السامرائي ونعيم العزاوي وحاتم العزاوي وصدام حسين وعيادة الصديد وعبد الجبار السعدون واحمد الياور وصفاء البدري وآخرون لا تحضرني اسماؤهم كانوا قد لجأوا الى مصر الذين أنشأوا بالتعاون مع السلطات المصرية مكتباً أسموه ( التجمع القومي العراقي).

  ثم يتحدث المؤلف الحبوبي عن عودته الى العراق عقب ثورة شباط 1963  حيث استقبلت القوى القومية  حركة 8 شباط قبولا حسنا  واشتركت بشكل مباشر في فعالياتها حين احاطت بوزارة الدفاع ( حصن عبد الكريم قاسم).  ويتناول المؤلف الخلافات التي نشبت داخل قيادة حزب البعث بين علي صالح السعدي ومؤيديه وبين حازم جواد وطالب شبيب ومؤيديهما من العسكريين والتي ادت الى حركة 18 تشرين الثاني 1963. التي انهت سلطت البعث الاولى.وعودة فؤاد الركابي من القاهرة.

  ويتحدث الاستاذ الحبوبي في كتبه هذا عن تشكيل الاتحاد الاشتراكي في العراق في عهد الرئيس عبد السلام عارف بعد مشاورات واتصالات تم تشكيل لجنة سميت ( اللجنة التنفيذية العليا ) تأخذ على عاتقها وضع ميثاق الاتحاد الاشتراكي العربي ودستوره ونظامه الداخلي  تضم صبحي عبد الحميد ( وزير الخارجية) وعبد الكريم فرحان( وزير الارشاد) وعبد الكريم هاني( وزير العمل والشؤون الاجتماعية) والدكتور شامل السامرائي ( وزير الوحدة) وعبد الستار علي الحسين ( وزير العدل) وعبد اللطيف الكمالي ( مدير الاذاعة والتلفزيون). والدكتور عبد العزيز الدوري ( رئيس جامعة بغداد) وفؤاد الركابي ( الوحدويون الاشتراكيون الديمقراطيون) وسلام احمد وعبد الاله النصراوي( حركة القوميين العرب) وغربي الحاج احمد واحمد الحبوبي( الحزب العربي الاشتراكي) واتفق ان يكون عبد الكريم فرحان سكرتيرا للجنة  من اجل وضع ميثاق ودليل نظري لتنظيم الاتحاد الاشتراكي العربي الاطار العام للتيار القومي في العراق والذي تنصهر فيه الاحزاب والحركات القومية بعد أن تحل تنظيماتها. واعتذرت الرابطة القومية ( عدنان الراوي وهشام الشاوي وعاد تكليف الفرعون ) والوحدويون الاشتراكيون ( اياد سعيد ثابت) كما اعتذر المرحوم عبد الهدي الراوي عن المشاركة في اللجنة التنفيذية . وكان طبيعيا ان تظهر خلافات كثيرة في وجهات النظر عند اعضاء اللجنة التنفيذية  حيث الجانب الشخصي يلعب دورا كبيرا في بعض الاحيان. وبرز انقسام داخل اللجنة  بين صبحي عبد الحميد ومن معه وبين غربي الحاج احمد واحمد الحبوبي من جهة اخرى... الخ حيث التفاصيل في الكتاب لامجال لاستعراضها كلها.

ويتحدث الاستاذ الحبوبي عن طلب معاون مدير الاستخبارات العسكرية الرائد عبد الرزاق النايف الانضمام الى الحزب العربي الاشتراكي وموقف الحزب من هذا الطلب.

 ويتناول المؤلف محاولتي عارف عبد الرزاق الانقلابية الفاشلة عامي 1965 و1966  وتداعياتهما.وكذلك مصرع الرئيس عبد السلام عارف في حادث سقوط المروحية التي كان يستقلها بمحافظة البصرة التي كان يزورها في نيسان من عام 1966.وتنصيب شقيقه  عبد الرحمن عارف رئيسا للجمهورية والذي تعرض للمحاولة الانقلابية الثانية التي قادها  العميد الركن الطيار عارف عبد الرزاق. وكذلك يتحدث عن وزارة  ناجي طالب التي خلفت وزارة البزاز في آب 1966. ثم الحديث عن نكسة حزيران 1967.

  وفي الفصل التاسع  يتحدث المؤلف عن حركة 17 تموز 1968 التي قادها حزب البعث بالتعاون مع النايف والداوود وسفير العراق في بيروت الدكتور ناصر الحاني الذي شغل منصب وزير الخارجية في حكومة النايف التي اطاحت بحكم الرئيس عبد الرحمن عارف ورئيس وزرائه الفريق طاهر يحيى.واعتقال احمد الحبوبي صبيحة 17 تموز يوما كاملا بين النادي الاولمبي بالاعظمية وبين وزارة الدفاع. باعتباره من وزراء النظام السابق.وموقف الحزب العربي الاشتراكي الذي ينتمي اليه الحبوبي من انقلاب 17 تموز.

وعن مؤامرة عبد الغني الراوي واعتقاله لعدة اشهر وخروجه وحملة الاعدامات التي طالت حوالي 40 ضابطا عراقيا يقول الحبوبي : يوم 20/1/1970 تم اعتقالي  ونقلتُ الى قصر النهاية حيث جرت فيه عمليات الاعدام لمدنيين وعسكريين على شكل وجبات او دفعات بواقع سبعة او ثمانية متهمين في كل وجبة يتم اعدامهم بالرصاص في حديقة القصر.ولم تجر اية محاكمة اصولية بل يتم تجميع الوجبة  من غرف وزنزانات قصر النهاية وتساق الى الحديقة حيث يتم اعدامهم ويبدو ان الاحكام مقررة مسبقا . واستمرت عملية الاعدام طوال نهاري 20 و21 كانون الثاني سنة 1970 حيث تم اعدام سبعة وخمسين شخصا بتهمة التآمر وقد جيء ببعض المتهمين من (الجبهة ) في الاردن وتم اعدامهم بملابسهم العسكرية كما جيء بالبعض الآخر من منازلهم  وبملابس البيت وتم اعدامهم بهذا الشكل. بينهم عناصر ذات وزن وقيمة اجتماعية وقبلية مثل المرحوم ( راهي ابن المرحوم الحاج عبد الواحد سكر شيخ آل فتلة) والمرحوم الضابط القومي جابر حسن حداد ( محافظ كربلاء السابق) والضابط المتقاعد رشيد عبد المحسن الجنابي  والضابط القومي الرائد الركن عبد الستار عبد الجبار العبودي .

 ويضيف الحبوبي : وقد اطلق سراحي في اليوم الثاني 21/1/1970 مع قلة قليلة كتبت لهم الحياة من جديد. ووجدت اموالي المنقولة وغير المنقولة قد حجزت بمجرد اعتقالي. ومنعت من السفر حيث قررت ترك العراق والسفر الى الخارج في اقرب وقت ولو عن طريق التهريب.

ثم يتناول المؤلف قرار ناظم كزار بمنع سفره للخارج فيقول :  هداني تفكيري أن استعين بالاستاذ صلاح عمر العلي وزير الاعلام يومذاك  الذي استقبلني  بترحاب كبير وبادر بالاتصال باللواء ناظم كزار يرجوه الموافقة على سفري الى اوروبا للعلاج   وظل يلح عليه  ولم يتركه الا بعد ان حصل على موافقته وشكرتُ الاخ صلاح على مسعاه ونصحني ان اذهب فوراً فوراً الى الامن العامة . وفعلاً حصلت على موافقة السفر بنفس اليوم. أخبرتني زوجتي في مساء ذلك اليوم عندما عدتُ الى البيت  أن مندوباً خاصاً من رئاسة الجمهورية جاء الى البيت يسأل عنك وأخبرها ان السيد ( النائب) ( صدام حسين) ينتظر (الاستاذ..)  غداً في الساعة العاشرة صباحاً. وذهبت بي الظنون مذاهب شتى ماذا يريد مني صدام حسين خاصة وانا لم التق به وجها لوجه منذ زمن طويل تعود الى ايام لجوئنا في القاهرة اوائل الستينات . دخلتُ الى غرفة السكرتير ( علي العبيدي) ومن التلفون الداخلي طلب صدام حسين من السكرتير ادخالي عليه، كان واقفاً بباب الغرفة لاستقبالي وصافحني بحرارة قائلا(أهلاً أهلاً ابو غسان) قلت ( شكراً ابو عدي اليس كذلك) قال نعم ابو عدي . قال الحقيقة انا من زمان رايد اشوفك ابو غسان  يعني معقولة رحيم عجينة اقرب اليّ منك؟)  قال سمعت انك مسافر الى خارج العراق خير ان شاء الله . قلت انني اعتدتُ على السفر الى الخارج في عطلة المحاكم وللعلاج ايضا وكنتُ ممنوعا من السفر فسعى صلاح عمر العلي مشكورا وتوسط من اجل الحصول على موافقة السفر .. فسكت ولم يعلق وواصل حديثه بعد ان اعتدل بجلسته وواجهني بقوله ( اخ ابو غسان يجب ان نتعاون وانت انسان معروف بمواقفك المبدئية الحقيقية نحن لا نريد ان نخسرك.ثم قلت انني على سفر كما تعلم وعندما اعود سيكون لكل حادث حديث. وقال ساعطيك ارقام تلفوناتي وسنلتقي لاستكمال حديثنا ثم قام الى المكتب وكتب عدة ارقام في ورقة وسلمها لي على امل اللقاء بعد العودة من السفر.  مودعا خرجت ورأسي يدور وليس فيه غير السفر.  وفي طريقي الى البيت سمعتُ من راديو سيارتي خبر اعفاء الاستاذ صلاح عمر العلي من منصبه الوزاري. وهنا وضحت الصورة عندي عن سبب جمود ملامح وجه صدام حسين عندما ذكرتُ اسم صلاح عمر العلي ودوره في الحصول على موافقة السفر.

 ويضيف الحبوبي : اقلتني السيارة انا ورفيقي في السفر محمد الحبوبي ليلة 16 تموز 1970 الى الموصل ومنها الى تركيا، ووقفنا امام المخفر التركي ورحت اتحدث مع نفسي  فقلت ( تحيا الحرية). وكأنني قد تحررت فعلا من سجن خرجت منه لتوي من بوابته هذه اللحظة . استغرت سفرتنا نحو ثلاثة اسابيع تجولنا في بعض دول اوروبا الشرقية  ثم وصلت الى القاهرة يوم 26/9/1970 .

 ثم يتطرق المؤلف الى احداث خطيرة منها اغتيال حردان التكريتي في الكويت ومحاولة إغتيال قيادات المعارضة العراقية في القاهرة سنة 1971 وهم كل من صبحي عبد الحميد وعارف عبد الرزاق وعرفان عبد القادر وجدي ومبدر الويس. وكذلك تصفية صدام لخصومه من البعث اذ يقول المؤلف: كانت مفاوضات جارية بين كل من بعث العراق وبعث سوريا لتوحيد القطرين والحزبين في وقتها سنة 1979 الى صيغة توحيد البلدين ليكونا بلداً واحداً تحت رئاسة احمد حسن البكر وبتوحد الحزبين ايضا تحت رئاسة حافظ الاسد ..أي لم يكن لصدام حسين منصب لا في الرئاسة ولا في الحزب فاسرها بنفسه وتداعت الامور الى الحد الذي اضطرت احمد حسن البكر الى التنحي عن السلطة والحزب الى نائبه صدام حسين . وفي اجتماع استثنائي بعد تنحي البكر بايام قليلة دعا اليه  صدام حسين ضم كل العناصر الموالية والمؤيدة للرئيس الجديد  واعلن ان هناك مؤامرة على الدولة والحزب دبرتها قيادات معروفة في الحزب والدولة  وسفراء ومدراء وخلافه.  ثم ظهر على المسرح سكرتير مجلس قيادة الثورة على المسرح محيي الشمري الذي اخذ يقرأ على الحاضرين ابعاد المؤامرة. وانبرى صدام بصوت عال ( كل من يرد اسمه يخرج من القاعة)  ثم تتلقفه ايدي زمرة صدام تدفعه دفعا الى خارج القاعة . وهكذا تمت تصفية اثنين وعشرين قيادي في الحزب والدولة تم اعدامهم بايدي رفاقهم من الحزبيين. وصفا الجو لصدام بعد ان تخلص ممن يعتقد انهم خصومه في الحزب. وراح بعد ذلك يعد العدة للتفرغ لحربه ضد ايران .

كما يتناول الحبوبي في كتابه هذا الكثير من الاحداث التي شهدها العراق واخرها الاحتلال الامريكي للعراق وتداعياته.

.

 

كتاب «حفيدة صدام»

حرير حسين كامل

عرض سيف الدين الدوري

الولاء قبل الذكاء

تذكر حرير في مذكراتها قائلة: لا بد هنا أن نذكر بشجاعة أن سياسة (الولاء قبل الذكاء) كانت سياسة خاطئة بل من اكبر الاخطاء التي ساهمت في تدمير العراق. حين وضع جدها اناسا غير كفوئين أحياناً في أماكن حساسة. وتضيف: ففي العراق هناك دائما قيادات ذكية واكثر كفاءة واشخاص لو اخذوا أماكنهم الصحيحة لتغيرت الصورة، ولكن حذر جدي الامني كانا يدفعانه لوضع الاقارب في الدائرة القريبة والحلقة الضيقة بل حتى في بعض المناصب الوزارية، حتى لو كانت كفاءتهم قليلة.

 

البطانة الفاسدة

وعن البطانة الفاسدة تقول: البطانة الفاسدة كان لها دور في كل ما حصل. فقد كان خالي عدي يعتمد على اشخاص معينين منهم الصالح والطالح. وكان قليل الصبر ولا يتأنى كثيراً قبل القيام برد فعل معين. وتستطرد في موضع آخر .. الانصاف والحق يقودانني هنا للتأكيد على أنه على الرغم من أنني لا أُكن أي حب لعم والدي علي حسن المجيد لتسببه بما حدث في ما بعد لوالدي، إلا أنني أعلم من خلال الاحاديث الخاصة للاسرة بأنه بريء من القصة التي تسببت بالصاق لقب (علي الكيماوي) به، وهي تهمة قصف مدينة حلبجة العراقية بالكيماويات. وما حدث كان مجزرة حقيقية. ولو فعل هذا الأمر فعلاً فأقل ما كان سيفعله جدي هو اعدامه مباشرة.

الطبيعة العشائرية

وتعترف حرير بطبيعة العائلة العشائرية فتقول: أدخلتُ في طفولتي إلى حضانة وروضة مع عموم العراقيين، ثم بسبب طبيعة العائلة العشائرية اقترح والدي فكرة إنشاء مدرسة خاصة لابناء الاسرة، حيث يتحفظ الاباء على اختلاط بناتهم مع أغراب آخرين. ودعمت امي الفكرة بقوة. فكان إنشاء (مدرسة الشبيبية) ويتراوح العدد بين خمسة الى عشرة في صفي . كان هناك تسعة طلاب كنتُ مع حسن علي حسن المجيد وبكر ثائر سلمان المجيد وندى ورنا الغفور وزينة عبد حمود واناهيد كامل ورؤى رفعت وعمر حبيب السليمان وكلهم اقارب من الدرجة الاولى أو الثانية. لجدي ايمانه بقدرات المرأة في المجالات التي تناسب طبيعتها وتكوينها فحين اقترح عليهم والدي إنشاء مدرسة الشبيبية الخاصة ودعمت والدتي الفكرة. نزل جدي الى رأيها ووافق على إنشائها فوراً وفي الجلسة نفسها.

كانت المدرسة مخصصة لدراسة الاقارب حيث انها مختلطة في مرحلتها الابتدائية ثم يتم الفصل بين الجنسين في المراحل العليا. لم يكن البعض من العشيرة يسمح للمرأة بالدراسة بسهولة وفي الجامعة. كانت هناك شروط كثيرة فلا يسمح لنساء العائلة من الحلقة القريبة على سبيل المثال التخصص في مجال الطب حتى إن كان معدلها يسمح بذلك. اصبحت والدتي معاونة مديرة المدرسة الشبيبية. كانت شديدة ومحبوبة في الوقت نفسه من الطلبة ومن المدرسات كما كانت تقوم بتدريس بعض حصص اللغة الانكليزية.

كان يوم تخرج والدتي رغد يوما سعيدا. جدي يصر على منع نساء العائلة من حضور احتفالات الطلاب المختلفة لعدة اسباب ومنها الاسباب (الامنية) بالطبع، ولكن لكي لا يبقى الامرعلى والدتي حسرة في نفسها وهي التي اجتهدت كل تلك السنوات قامت الأسرة بتنظيم حفل تخرج خاص في القصر وتمت دعوة نساء جميع الاسر القريبة لنا اليه. ولبست روب التخرج واستدعت مصور العائلة واكتفت بصور تذكارية بملابس التخرج .

 

حسين كامل ورغد صدام

وعن زواج حسين كامل من رغد تقول حرير: حين تقدم والدي لخطبة أمي، رفضت جدتي ساجدة ذلك، فهي بشكل عام لم تكن تحب العسكريين، وكانت تأمل بزفافها من مهندس أو طبيب. وقد يستغرب البعض من مدى أهمية قرار جدتي في أمر كهذا بوجود زوج بحجم صدام حسين اولا، وثانيا في ظل عرف يشير الى عدم وجود دور حقيقي لنساء العائلة .وفي عرف عائلتنا العشائري لابناء العمومة المباشرين الحق والأولوية في الزواج من ابنة عمهم وبعد ذلك ابن الخالة فالابعد والابعد. وفي تقاليد الاسرة العشائرية تتزوج البنت في سن الخامسة عشرة على الغالب، وفي الكثير من الاحيان يبدأ الحديث عن زواجها بمجرد بلوغها الثالثة عشرة او الرابعة عشرة من عمرها. وبمجرد بلوغ ( موج) ابنة خالي قصي الرابعة عشرة بدأ الحديث عن الاشخاص المرشحين لخطبتها. وقد كنا كبنات نختار في تخمين الاسماء المرشحة، فلم يكن هناك مرشحون من طرف اهل والدتها، حيث اخوالها قد تزوجوا منذ وقت قريب. وشقيقي علي تمت تسميته لابنة عمه وابنة خالته في الوقت نفسه ولكنه لم يكن تحييرا والفرق بين التسمية والتحيير هو أن التحيير عادة قبلية تراثية تتم بها تسمية من سيتزوج منذ الطفولة، وتكون ملزمة، بينما التسمية خيار لا توجد ضرورة أو إلزام بها في ما بعد. كان المرشح الاقوى والمناسب لعمر موج هو احد أبناء عبد حمود السكرتير الشخصي لجدي صدام حسين، الذي كان اليد اليمنى له. ولذلك خشينا أن يتقدم لخطبة موج لابنه، وهكذا يقع خالي في حرج من رده ويجامله بالموافقة على هذا الزواج. وحين سمعت (لمى) زوجة خالي قصي حديثنا وهي القريبة منا – لأننا لم نكن نخشى ان نبوح امامها – ابتسمت لمخاوفنا وقالت لنا انها ستتصرف. فقد كانت لمى صاحبة واجب وكرم شديد .

 

ومن اشهر مواقف المواجهات بين خالي عدي وجدي في السابق، حين وقع خالي عدي في غرام امرأة غريبة عن العائلة كانت على ما يبدو زميلة له في المرحلة الاعدادية.

 

ورغم أعمام والدتي إخوان غير اشقاء لجدي صدام، إلا أن العرف العشائري كان ينطبق في تلك الحالة. وكان هناك العديد من أعمام والدتي يرغبون بالتقدم لها. ولهذا قامت القيامة على والدي لأنه تجرأ وسبق بالطلب، وخاصة مع عدم وجود ود بين عائلتي (ابراهيم الحسن) والد أعمام أمي وعائلة (كامل الحسن) جدي لأبي. ما حدا بأحد أعمام والدتي وهو وطبان أن يهدد والدي بأنه سيذبحه إذا أكمل طريقه في الزفاف من أمي. وقد غضب ايضا الاخوان برزان وسبعاوي لغضب شقيقهما آنذاك. وحينها أبلغ والدي حسين عم والدتي وطبان والاخرين بكلمات قوية تعكس شخصيته «سوف آخذ رغد وأريد أن أرى من هو الرجل القادر على منعي من ذلك».

وكذلك خالتي حلا كان المرشح للزواج منها بالطبع هو الشقيق الاصغر لوالدي وعمي صدام وهو عمي الآخر حكيم كامل. وقد بلغت خالتي حلا التاسعة عشرة من عمرها وهي السن التي تعتبر فيها الفتاة كبيرة بمقاييس عائلتنا، وبالمقارنة مع شقيقاتها اللتين تزوجتا بحدود الخامسة عشرة. ولكن المفاجأة كانت حين رفض جدي الفكرة تماماً، لذلك قرر ان يزوج حلا لمنزل آخر. من العشيرة وقد وقع الاختيار على جمال مصطفى لأنه من عائلة كريمة، ولكونه شخصية تليق بخالتي حلا، وبالفعل جاء جمال وخطب خالتي حلا. وبزفاف الخالة حلا اكتمل عقد العائلة وعاد الهدوء الى منزل جدتي ساجدة. اخذت الخالة حلا اغراضها من القصر الجمهوري وانتقلت مع زوجها. وما زال زوج الخالة حتى ساعة كتابة هذه المذكرات سجينا في اقبية المغول الجدد، بلا أي تهمة الا الرغبة في الاساءة لعائلة صدام حسين.

رغبة عدي بزوجة ليست من العائلة

ومن اشهر مواقف المواجهات بين خالي عدي وجدي في السابق، حين وقع خالي عدي في غرام امرأة غريبة عن العائلة كانت على ما يبدو زميلة له في المرحلة الاعدادية. وتطورت العلاقة بينهما الى أن وعد خالي عدي والدة الفتاة بالزواج منها بعد ان ينهي دراسته الجامعية، وحين واجه خالي عدي جدي برغبته في الزواج من الفتاة، رفض جدي صدام، الامر بشكل قاطع. وحين علم خالي عدي برفض جدي صدام حسين والاسرة بشكل مطلق لارتباطه بتلك الفتاة، أصر على التقدم لها حتى إن ادى الى فك ارتباطه مع العائلة والتنازل عن جميع الامتيازات التي يتمتع بها ليعيش كمواطن عادي، لذا أمر جدي حينها بوضع جميع هواتف خالي عدي تحت الرقابة العائلية، وكان المشرف على مراقبة الهواتف الخاصة لخالي عدي هو عمي صدام كامل. إذ كانت نساء العائلة رافضات تماماً لفكرة ارتباط خالي بتلك الفتاة. وبعد فترة من المراقبة تم تفكيك الشيفرة الكلامية لاحدى المحادثات والتي اشارت الى ان خالي عدي قد رتب مع احدى السفارات الاجنبية عبر سفيرتها في العراق، ومع عائلة الفتاة بأن يرسل لهم أحد الاشخاص ليقوم بتهريب الفتاة ووالدتها الى الاردن ثم يلتحق بهما ليتم زفافه اليها في احدى الدول الاوروبية. وتواصل حرير فتقول: ثارت ثائرة جدي حين وصلته الاخبار وحدث اجتماع العائلة، وبعد ان اشتد الحوار ذهب خالي عدي الى جناحه في الطابق الثالث ونزل حيث رآه جدي وجدتي بالزي الرسمي وبكامل قيافته وكان يرتدي بدلة (توكسيدو) سأله ( وين العزم؟) فاجابه خالي عدي بتحد: أنا ذاهب لخطبة الفتاة التي احبها، واذا وقفتَ ضدي في هذا فسوف أطلب اللجوء في الخارج وأعارضك. عندها اصدر جدي لوالدي الأمر (جتفه وذبه بالسجن). وارسل والد الفتاة خبراً الى خالي عدي راجياً إياه أن لا يتسبب لهم بمشاكل، لانه تعرض للتهديد. واحس خالي عدي بالمرارة واعتبر انه قد حُرمَ من حقه في الحب. وتركت هذه الحادثة على خالي عدي أثراً نفسياً كبيراً فقد لازمه إحساس بالعجز عن الايفاء بوعد قطعه لعائلة فتاة احبها بصدق.

 

مقترح يسبب ازمة عائلية

وعن مقترح برزان تقول حرير: ان جدتي كانت على علاقة جد قوية بشقيقتها احلام زوجة برزان . وذات يوم قال لها برزان بعد زيارته لها: انه من المؤسف أن العراق يمر كل فترة بحروب ومشاكل وهذا الامر (ما يصير). وحين جاء جدي صدام حسين نقلت له جدتي الرسالة، وحدث نوع من المشادة بينهما. ختم جدي الحديث بقوله لجدتي « اذن بما أنك قلقة من الحروب وترين أن حياتك معرضة للخطر، اذهبي الى منال الالوسي رئيسة إتحاد نساء العراق وأخبريها بأنك ترغبين بالانفصال عني». فقال لها خالي عدي «اذا تركك والدي فسوف اجعلك تعيشين عيشة أفضل بمائة مرة من عيشتك معه. وسأجعل لك واردا بعشرة اضعاف الوارد الذي لديك وستبقين دائمة معززة مكرمة. بينما كان من الناحية الاخرى خالي قصي يقدس والده صدام حسين ولا يقف ضده أبداً.كان معه جملة وتفصيلاً لا يعارضه تحت أي ظرف. ربما لم تكن العلاقة بين جدي وخالي مثالية ولكنها لا تصل الى ما يشاع عن ان جدي كان سببا في محاولة اغتياله. في تلك الفترة جددت جدتي الطلب من خالي عدي أن يتزوج . وقد فوجئت – كما فوجئنا جميعاً- بأنه اعطاها موافقته مباشرة وبشكل سريع على الرغم من انه كان يرفض مجرد فتح الموضوع قبل فترة. وكانت المفاجأة التي قام بها خالي هي اختياره لسجى ابنة عمه برزان والتي كانت تقيم في سويسرا منذ طفولتها ووالدتها هي الخالة احلام وهي اخت غير الشقيقة لجدتي ساجدة.

 

عن شخصية احلام شقيقة ساجدة خيرالله تتحدث حرير فتقول :كانت احلام زوجة برزان من الشخصيات النسائية القوية وكان الجميع يتحدثون عنها بإعجاب فهي سمراء وأنيقة جداً وتتقن لغات أجنبية عدة.

 

شخصية احلام زوجة برزان

عن شخصية احلام شقيقة ساجدة خيرالله تتحدث حرير فتقول :كانت احلام زوجة برزان من الشخصيات النسائية القوية وكان الجميع يتحدثون عنها بإعجاب فهي سمراء وأنيقة جداً وتتقن لغات أجنبية عدة، وليست لديها محاذير عشائرية او كلاسيكية في الملبس وتواكب الموضة منذ طفولتها . كانت كما نقول بالعراقية ( ذبتها غير).

كانت قليلة الكلام ولكنها حين تتحدث تثير الاعجاب بكلماتها المنتقاة وثقافتها الواسعة . وقد تأثرت بشكل إيجابي بمناخ عمل زوجها في الخارج حيث كان السفير في سويسرا . كانت إمرأة ذكية وواسعة الحيلة . كان قصرهم في بغداد جميلاً وممتليئاً بالقطع ( الصينية النادرة) والموثقة ولديهم طاقم عمل من الاجانب . وكانت لدى الخالة احلام هواية الرسم على ( البورسالين) بشكل خاص وكانت مبدعة فيها وتتقنها بشكل احترافي. وزرقها الله وزوجها برزان بستة أبناء. كما كانت خالة والدتي احلام مختلفة عن نساء العائلة . كان زوجها برزان عم والدتي مختلفا عن رجال العائلة بدوره نوعا ما. كان لديه نمط حياة مختلف ،أقرب للنمط الغربي،إذ يعشق الخيول ويربيها في مزرعته في سويسرا ويذهب مع زوجته الى سهرات مختلطة ولم يكن محبوبا جدا لدى العراقيين لترؤسه جهاز المخابرات رغم أنه طوره وكان يعتبر عقلية مخابراتية ممتازة. من تلك المرأة ومن ذاك الرجل جاءت الابنة سجى الهادئة بملامحها وتصرفاتها

 

عدي يخطب سجى

 

 

وطلبها خالي عدي. وعندم اعطاه عم والدتي برزان الموافقة وطلب من سجى القدوم من سويسرا وقد جاءت بالفعل وهي تحمل حلوى كان خالي عدي يحبها، ولكنها جاءت إمرأة ولم تعد طفلة. كانت شديدة الجاذبية طويلة وانيقة، وقد صُدم الجميع بالتغييرات التي طرأت عليها، ربما لم تصل الى (كاريزما) امها الطاغية وجاذبيتها، ولكن بدا واضحاً تأثرها بها شكلا ومعنى. وحيث العادات تقضي بأن تكون الخطبة وكتب الكتاب بيوم واحد فقد كان ذلك.

تميزت سجى أيضاً نوعا ما على تقاليد الاسرة في أمور (الاتكيت) و(المكياج) وخلافها. كان ذوقها وإداؤها غريباً حيث تأثرت (بالكورسات) التدريبية التي تقلتها في سويسرا ما دفع بالوان وأنمطة جديدة تلوّنت بها حياة القصر الجمهوري. الا انها كانت شديدة التحفظ في الجلسات العائلية ونادرا ما كانت تتحدث.

وبدا ان خالي عدي في طريقه لحبها والتعلق بها وكان يهمه كسب رضاها على الرغم من أنه كان لا يزال يسهر كما تعود ولكن بداية التغيير كان تلوح في الافق عبر باقة من الورود او بعض الشيكولاته او فيلم تحبه سجى لدى عودته متأخراً. اذ كان خالي عدي الذي اعتاد على نمط الحياة الصاخبة يحتاج الى الكثير من الصبر لك يتغير وهو الصبر الذي افتقدت اليه سجى واستبقته بأن إشتكته لوالتها ، وبدأت اتصالاتها تكثر من زاوية الجناح لامها . وبعدها بدأت التدخلات العائلية والتي ادت الى المزيد من اتكاسات العلاقة بينهما ، فيما استمر خالي عدي بالسهرات التي كانت تفهم ما يحدث فيها كأي إمرأة يأتي زوجها متأخراً . كنا متأكدين أن تغير خالي عدي قد حدث فعلياً وان كل ما تحتاج اليه العلاقة لتنضح وتنجح هو بعض الوقت لأنه كان فعلاً يحب سجى ويرغب بأن يأخذ بخاطرها

 

العودة الى سويسرا

بعد فترة طلبت سجى من خالي عدي ان تعود الى سويسرا لرؤية اهلها وهو الامر الطبيعي في حياة أي فتاة تعيش بعيداً عن أهلها وكان سفر سجى أمراً عادياً فهي فتاة متزوجة ذاهبة لزيارة اهلها في محل اقامتهم. توجهت الى الاردن ومنها الى سويسرا. وبعد المدة التي كانت قد قررت للاجازة اتصل بها خالي عدي ليسألها عن اليوم الذي حددته للعودة ولكنها لم تخبره بموعد معين. وبعدها بساعات اتصلت والدتها بجدتي ساجدة لتبلغها بأن سجى لن تعود الى العراق الى أن يتعهد خالي عدي بتطبيق عدة امور زمنها ان يتوقف عن السهر وان يكون لها منزل مستقل عن القصر الجمهوري. مما اغضب عدي وأحس انه تعرض للاستغلال ومحاولة لي الذراع وكان رد خالي عدي عليهم أن يبقوا ابنتهم لديهم لانه يرفض هذا الاسلوب.

وهكذا بدأت المشاكل العائلية تزداد ووصلت الاخبار الى جدي الذي لم تكفه المصائب والمؤامرات الخارجية وما يتعرض له العراق بل زاده أهل بيته هموماً على همه حتى قال لنا في جلسة عائلية ذات يوم «مشاكل عائلتي بجفة ومشاكل العراق كلها بجفة ثانية».

بقيت سجى في سويسرا متزوجة من خالي عدي ولكنهما منفصلان فعلياً وقد بدأت تشتاق اليه الى أن حدث الحادث الاهم والاقسى في حياة خالي عدي في فترة ما قبل الاحتلال .حين تعرض لمحاولة الاغتيال.

وبعد حادثة محاولة الاغتيال اتصلت به زوجته سجى التي لا تزال على ذمته من الاردن التي قدمت اليها من سويسرا واخبرته ان لديها مفاجأة وأنها ستعود وأنها ستعود الى العراق ، وطلبت منه ارسال من يستقبلها من الحدود الاردنية. فرد عليها خالي عدي بكل اريحية ورحب بها وقد ازمع في سره على أمر . وبعد ساعتين من المكالمة تقدم بطلب خطبة (هبة) ابنة علي حسن المجيد وكانت ابنته الوحيدة . ومع الاصول العشائرية التي ترفض الانتقاص من خالي عدي بسبب ما تعرض له كانت موافقة علي حسن المجيد مباشرة للخطبة.

وصل الخبر الى زوجته الاولى سجى قبل ساعة واحدة من دخولها العراق عبر الاردن فالغت الرحلة وعادت الى سويسرا..

تتحدث حرير عن خطوبة صدام حسين لابنة خاله خير الله طلفاح ان والدتها( ليلو) التي رفضت زواجه ان من ابنتها لصدام. فتقول حرير: كان جدي في احيان كثيرة يأتي الى القصر الجمهوري ويرى ( ليلو) يذهب اليها ويقول لها مازحا وهو ينحني لتقبيل رأسها « ها حجية .. بعدك ما تريديني؟ بعدك ما موافقة عليّ.

 

يتميز خالي قصي بالحذر الشديد وقليل الثقة بالاخرين ويحب ان يعمل دون ان يلفت الانتباه ويعمل بصمت . وبدأ العمل بالتجارة بعد فترة جنبا الى جنب مع منصبه الرسمي ومن هواياته الصيد حيث لديه ستة كلاب صيد مدربة.

 

عن قصي صدام حسين

 

 

وعن قصي صدام حسين تقول حرير : ولد قصي عام 1967 ويعتبر مرجع العائلة في العلاقات التجارية العالمية. وعلى عكس خالي عدي تزوج خالي قصي في سن صغيرة نسبياً وقد دخل على جدتي- ذات يوم وقال لها بلا مقدمات « اريد أن اتزوج». وقد تزوج من إمرأة من عائلة أقارب من الدرجة الثانية، اسرة إشتهر رجالها بالشدة والشجاعة وهي ( لمى) ماهر عبد الرشيد احد القادة العسكريين الابطال في الحرب العراقية الايرانية واحد الذين شاركوا في معارك تحرير الفاو. وقد رُزق منها بسيد الشجعات ابنه البكر مصطفى الذي اتقن منذ طفولته استخدام مختلف انواع الاسلحة ونجح في توقع المخاطر والتعامل معها كرجل بالغ.وانجب قصي بإبنين آخرين .

ويتميز خالي قصي بالحذر الشديد وقليل الثقة بالاخرين ويحب ان يعمل دون ان يلفت الانتباه ويعمل بصمت . وبدأ العمل بالتجارة بعد فترة جنبا الى جنب مع منصبه الرسمي ومن هواياته الصيد حيث لديه ستة كلاب صيد مدربة. وكانت علاقتنا به اقوى من علاقتنا بخالي عدي وكانت له مزرعة ويحب

خالي قصي يعتبر أي كلام يأتيه من جدي صدام بمثابة الامر الذي لا يمكن مناقشته فقد كان شديد الولاء والطاعة . وبعد ان اصبح مسؤولاً عن جهاز الامن الخاص اصبح بطريقة ما مرشحاً لخلافة جدي .. وهو الامر الذي كانت وكالات الانباء العالمية تتناقله بشكل مستمر ولم يعترض على ذكره او ينكره احد من الداخل العراقي

 

حول استقالة الرئيس البكر

وعن استقالة أو إقالة الرئيس احمد حسن البكر قالت حرير : هناك الكثي من السيناريوهات التي تروى عن إجبار جدي له للتنازل عن الحكم ، وهي غير مستبعدة بالنظر الى شخصية البكر المسالمة التي لا تحت القيود. وقد قال انه يرغب في الحصول على حياة طبيعية قبل وفاته .. ولاحمد حسن البكر عدة بنات وثلاثة أولاد ومن بناته ابنة اسمها (هيفاء) تزوجها خال والدتي عدنان خير الله الطلفاح. وأننجب منها فتاة اصغر مني بسنة اسمها (نوف) الاسم الخليجي فقد كان لديه الكثير من الاصدقاء الخليجيين ورجال الاعمال في الخليج العربي بشكل عام ومن الكويت وقطر بشكل خاص. وله ابن اسمه علي كان عسكريا حديث التخرج يبلغ من العمر احدى وعشرين سنة .

وفي احدى زيارات نوف لمنزلنا كعادتها سألتني في محاولة لسبر أغوار ما يقال داخل عائلتنا.. ما رأيك في أن نتقدم لموج لكي تصبح زوجة لعلي؟ فقلت لها ان كلاً منهما مناسب للاخر. وفي ظل الاشارات المشجعة من طرفنا تقدمت العمة هيفاء بشكل رسمي وقال لهم خالي قصي جملة واحدة «من سأجد خيراً من إبن خالي العزيز لابنتي». وفعلا تمت الخطبة واصبح زفاف موج من الامور المهمة في حياة خالي قصي وفي اوساط العائلة. اذ بدأ تجهيز قاعة الزفاف واختيار منزل العروسين ضمن حديقة خالي خير الله طلفاح وقرر خالي قصي ان البناء سيكون هدية منه وعلى العريس الاثاث ، كما اهدى العريس سيارة حديثة .

لكن الاحداث تسارعت بشكل كبير بعد هذه التجهيزات بأيام قليلة . قصي كان في الحرب الاخيرة – حرب الاحتلال الامريكي – شجاعاً كما كان قبلها – وكثيرا ما رأيناه عائدا من الجبهة مرافقا جدي مثل خالي ووالدي وعمي. لم أر خالي قصي منخفض المعنويات قط ولستُ حزينة اطلاقاً على نهايته البطولية المشرفة حين قرر ابناء صدام حسين موعدا فإن وعودهم نافذة. ولكن التفاصيل تغيرت قليلاً . فبدلاً من أن يزف خالي قصي إبنته الى زوجها زف هو الى الشهادة

 

طليعة طلفاح

وعن شقيقة خير الله طلفاح تتحدث حرير فتقول كانت عمة جدتي رحمها الله (طليعة طلفاح) إمرأة كبيرة في العمر وعجوز وحين تقدم بها العمر جاءت بها جدتي ساجدة لتسكن معها في القصر الجمهوري . تم وضع مشتمل خاص لها وتخصيص أخصائيين في العلاج الطبيعي يأتون اليها بصفة دورية . وكانت تسير على العكاز المزدوج ذي الارجل الاربع . تم قصف المكان الذي تتواجد فيه في القصر الجمهوري في احد الاختراقات لترتقي روحها الى بارئها شهيدة في آخر سنوات عمرها. كما استهدف منزل خالتي حلا ومنزل جدتي في العوجة اكثر من مرة وكان القصر الجمهوري يستهدف دائما وبشكل متكرر في كل غارة امريكية.

 

بداية الخلافات

في عامي ثلاثة وتسعين واربعة وتسعين بدأت الخلافات تطفوا الى السطح. وذلك حين حدث خلاف في احدى السهرات على خلفية خلاف تجاري بين أحد أفراد عائلة ( خطاب) وهي من العشيرة نفسها وبين شقيق عز الدين المجيد واسمه ( وائل) وكلاهما من بيت ( الغفور). وعلى أثر هذا الخلاف القيت قنبلة على مكتب وائل اخ عز الدين حيث كان وائل متواجدا هناك وقتل فورا . وهكذا بدأت حرب عشائرية . هي أول ما ينقض عرى مجتمع وما يعيده للجاهلية الاولى. كان الخلاف بين هاتين (الصفحتين) من العشيرة يمتد منذ وقت طويل بعض الشيء . فدائما كان هناك خلاف بين آل خطاب وآل غفور . كما كان هناك تنافس ومناوشات كلامية حتى احداث الـ 91 التي تلت موضوع الكويت. حيث تشاحن شباب من آل غفور مع آخرين من آل خطاب يقربون الى إخوة جدي غير الاشقاء . فقد حدثت مشاكل بينهم تخص أموراً تجارية وأمور القنبلة المذكورة، فازدادت هوة الخلاف بين الطرفين. وتم تشكيل لجنة للتحقيق كان من ضمنها والدي حسين ممثلاً عن آل الغفور وعبد حمود ممثلاً عن آل خطاب. وإطلع جدي بعد ذلك على تفاصيل التحقيق وقرر أن يجتمع بأهل المقتول . وهنا وخلال الاجتماع وأكراما لوجوده بينهم قال ابو المتوفي وهو ابو عز الدين :أنه اكراما للسيد الرئيس نطوي صفحة . وقال لجدي حرفيا «ابو عدي الموضوع صار جوه البساط» وانتهى الموضوع الى هذا الحد . وتوقف موضوع الثأر وحجّم الموضوع على اساسه كي لا تدخل التصفيات ثأرا عشائرياً. لكن وعلى ما يبدو بقيت هناك أشياء في النفوس لدى الطرفين تجاه الطرفين. وظلت هناك مشاورات جانبية بين آل غفور حول ما حدث وكيف ولماذا.

 

لم يكن حسين كامل رجل المهمات الصعبة فقط بل كان كان رجل القضايا الشائكة ايضاً وبعد حرب الغوغاء ونجاحه في القضاء عليها لمع نجمه اكثر فاكثر.

 

حسين كامل

 

 

وعن والدها حسين كامل ابن شقيق علي حسن المجيد تقول: كان والدي كثير التغزل ببلده وهذه صفة مشتركة لدى جميع أفراد عائلة صدام حسين. وحين عمل والدي كمرافق عند الرئيس كان يعمل على نظام (يومين دوام ويومين إستراحة) أي يعمل يومين متتاليين يبيت فيهما في احدى مؤسسات التصنيع العسكري ويعود الى منزله في راحة ليومين. وعلى الرغم من الاسرار العسكرية لم تكن تنقل الى النساء تحت أي ظرف لعدة أسباب، إلا أن الامر لم تكن له علاقة بالحب الذي يكنه والدي حسين كامل لوالدتي والحب الذي تكنه والدتي له.

برز اسم والدي بشكل استثنائي وسريع واصبح حسين كامل من الشخصيات التي لها اسم ووزن في الساحة العراقية. وقد عزا البعض ذلك الى تحقيق والدي رحمه الله الكثير بفرصة أتته من جدي صدام حسين. وبالطبع لقد منح جدي والدي فرصة وبالتالي كان صاحب فضل كبير عليه ولكن هذه الفرصة لم يمنحها جدي لوالدي فقط بل منحت الفرصة والامكانات ذاتها لعشرات غيره ولكن قلة من اولئك الاشخاص فقط حققوا إنجازات للعراق وأثبتوا للرئيس جدارتهم مثل والدي حسين كامل . فقد خدم منصبه بضمير وافنى عمره في خدمة عمله وكانت لديه قناعة مطلقة بالعراق والمنتج الوطني.

وكان يحلم بأن تكون الصناعة الوطنية في العراق من الابرة الى الصواريخ وقد كان ما اراده حرفيا. حيث صنع العراق قبل عام 1990 كل شيء من الابرة الى الصاروخ . وكانت بدايات تحقيق ذلك الحلم في الثلث الاول من الثمانينات.

حين جاء جدي صدام حسين بوالدي وشقيقه في البدايات لم يكن الامر مرده الى صفة القرابة معهما فقط ولكن ما هو أهم من ذلك انه التمس فيهما الشجاعة والقوة والكتمان منذ نعمومة اظفارهما ولذلك قربهما الى دائرة الحماية الخاصة.

كانت لجدي فراسة خاصة في تمييز الناس وقد تقدم والدي بسرعة قياسية الى المناصب العسكرية حتى وصل الى رتبة عقيد وذلك قبل ان يتزوج من والدتي. اذ كان من المعروف والشائع أن حسين كامل حين يمسك ملفاً ما فإنه يتقن معرفة نقاط الضعف بسرعة ويقوم بتطوير الجهاز.

ومن بين اكبر النجاحات التي حققها والدي كان نجاحه في إدارة منظومة التصنيع العسكري العراقية .فقد كان التصنيع العسكري بعد حرب عام تسعين معنيا بعمليات إعادة الاعمار ونجح في اقناع العلماء العراقيين الذين كانوا قد هاجروا الى الخارج بسبب الحروب اولا لاسباب أخرى بالعودة كما أقنع الدولة بإعطائهم الامان وتهيئة المناخ المناسب لهم للابداع واعطائهم عروضا مغرية.

لم يكن حسين كامل رجل المهمات الصعبة فقط بل كان كان رجل القضايا الشائكة ايضاً وبعد حرب الغوغاء ونجاحه في القضاء عليها لمع نجمه اكثر فاكثر. اذ قام والدي والجيش العراقي البطل باخماد الغوغاء والقضاء عليهم في فترة وجيزة والقبض على العملاء الذين إتضح أنهم جاءوا عبر الحدود الشرقية للوطن العربي بمساعدة مخابرات عالمية أخرى. وقد كانت ابرز الاشاعات الكاذبة التي بدأت تنتشر من قبل نظام الخميني ان والدي قد قصف المرقد الكربلائي في محاولة منهم كعادتهم استغلال العاطفة الدينية لدى البسطاء بهدف التأثير على ولائهم الوطني , وقالوا ان حسين كامل قصف المرقد وقال للامام الحسين رضي الله عنه « انا حسين وأنت حسين» وهم يجهلون أن احداً لن يتخاطب بهذا الشكل مع تاريخه واجداده .. هذه جملة تعتبر من الكفر وقد كان اهل والدي واهلي يحرمون الكفر.

ترقى والدي بعد الحرب الى رتبة فريق اول ركن. وتم تعيين عمي صدام كامل رئيساً للجان التحقيق مع الغوغاء التي استمرت بعملها لاعوام طويلة حتى عام خمسة وتسعين وظلت تطارد فلول الغوغاء حتى قيام الحرب العراقية – الامريكية.

 

موقف حسين كامل من اعدام التجار

وتواصل حرير نقلا عن والدتها الحديث عن حسين كامل فتقول: ان حسين كامل لم يكن يرضخ لقرارات جدي بشكل مباشر مثل الاخرين بل كان كثيرا ما يناقشه فيها مثل قضية اعدام تجار الاعظمية الشهيرة ، حيث قام جدي باعدام عدد من التجار في الاعظمية بتهمة التلاعب باسعار المواد الغذائية . يومها توسل والدي لجدي كي لا يعدمهما وليحوّل له ملفهم ليعاقبهم بطريقته لأنه كان يرى أن خطأهم كبير ولكنهم لا يستحقون الاعدام . وقد رفض جدي ذلك وحوّل الملف الى وطبان الحسن القاسي أصلاً مما زاد الطين بلّة. وقد كانت تلك الحادثة من الاخطاء الكبيرة لانها أثرت على شعبية العائلة وتركت جرحاً لا يندمل في نفوس عوائلهم. وكان لوالدي خلافات مع طارق عزيز رحمه الله على سبيل المثال والذي ساهم نوعا ما في أن تكبر الازمة اي ازمة التجار لا أن تنتهي ولكن لم نكن نتوقع أن تؤل الامور لما اصبحت عليه.

اسباب ودوافع هروب حسين كامل

وعن اسباب ودوافع هروب حسين كامل تقول: لماذا كان الخروج والزعل منذ البداية؟ وللاجابة عن هذا السؤال يجب العودة بعقارب الساعة بضعة أشهر مضت. حيث استمرت الخلافات بالاتساع داخل الاسرة.اذ حدث خلاف بين خالي عدي واحد الاقارب الذي تجاوز على مكانة خالي عدي. الذي لم يكن له اي ود نهائياً حتى قبل حدوث الخلاف.

وهنا استغل هذا الرجل قربه من والدي بعد أن استعان به مستنجداً به فقام والدي بايوائه وخبأه في مزرعته في الدورة والتي تقع بالقرب من مصفى الدورة والجسر. وفعلا سكن فيها هذا الرجل لحوالي اسبوع لم يعترضه احد من رجال خالي عدي اكراما لوالدي. رغم ان خالي عدي قام بالتهديد مسبقاً. وقد استغل هذا القريب تلك المرحلة وصار يملأ أذني والدي بالكلام ويحاول التأثير عليه . وانا لا ابرر نوايا ذلك الرجل. وكذلك والدتي لم تكن تحب نواياه على الاطلاق اذ كان لديها حدس قوي بأن هناك ما يجول في فكره ويحاول تنفيذه عن طريق والدي .

ورغم محاولة والدي إخفاء بعض التفاصيل عما بدور بينه وبين هذا الرجل من كلام ، كانت والدتي تفهم وتشعر بأن هناك ما يخفيه . وكانت تنبهه باستمرار . الا أن والدي لم يقف كثيرا عند تلك التنبيهات . وكانت تحاول بشكل مستمر إبقاء والدي منشغلا في البيت ومعنا لكي تقلل من تلك اللقاءات. غير انها لم تفلح كثيرا.

كان عمي صدام يراقب ما يحدث بهدوء كعادته ولكنه ايضاً كان يميل الى جهة هذا القريب . لذا صار الخلاف بين خالي عدي وخالي قصي من جهة وبين عمي صدام ووالدي حسين كامل من جهة أخرى.

كان والدي على ما يبدو قد بدأ شيء من الاحباط النفسي يتسلل اليه . واصبح يفضل الاستلقاء في وقت راحته على سرير طبي حتى انه في بعض الاحيان يستقبل اصدقاءه او المقربين على ذلك السرير.

 

كنتُ اعتقد أن إلحاح والدتي على والدي بأن يقنع جدي للسماح لنا بالسفر قد أتى ثماره أخيراً. وانطلقت صيحات السعادة المكتومة منا بيني وبين اخوتي .غير أننا لم نستطع أن نطلقها باريحية لما لمسناه من توتر في جو الرحلة لم نعرف له سبباً.

 

الهروب الى الاردن

وعن انشقاق والدها حسين كامل وهروبه الى الاردن قالت حرير تحت عنوان (الفتنة الكبرى) .. في عام خمسة وتسعين وقبل ايام من احتفالات ذكرى النصر على ايران الخميني كنتُ امارس السباحة في الفترة المسائية، دخلت عليّ المربية وهي تقول لي «يجب أن تخرجي حالا سنذهب للعوجة». شعرتُ بجو من التوتر يحيط بنا وخاصة بوالدي ووالدتي وكذلك اخوتي والمربيات والسائقين والحرس والجميع.

ركبنا المرسيدس الخاصة بوالدي وركبت والدتي بجواره وشقيقتي المولودة حديثا ( بنا) تجلس في حضن والدتي. ونحن الاشقاء الاربعة الباقون في الخلف . كانت سيارة بها عائلة عمي صدام كامل وزوجته خالتي ( رنا) وابناؤها وخلفنا بمسافة قريبة سيارة حماية بها عمي حكيم وعدد آخر من الحرس. استمرت السيارات الثلاث تنهب الارض نهباً وبعد مسافة من الطريق المرهق رأينا عبارة ( بغداد تودعكم) وعرفنا اننا في طريقنا الى الاردن، ولسنا في الطريق الى العوجة . لم تسعنا الدنيا من الفرحة. فقد كانت امي منذ مدة تطلب من ابي إقناع جدي بالسماح لنا بالخروج من العراق عن طريق الاردن لقضاء بعض الوقتفي الخارج لتغيير الجوفجميعنا اشتقنا للسفر. فمنذ ان تم منعنا من السفر افتقدنا ذلك الشعور بالمغامرة والاستكشاف الذي يصاحب السفر.

كنتُ اعتقد أن إلحاح والدتي على والدي بأن يقنع جدي للسماح لنا بالسفر قد أتى ثماره أخيراً. وانطلقت صيحات السعادة المكتومة منا بيني وبين اخوتي .غير أننا لم نستطع أن نطلقها باريحية لما لمسناه من توتر في جو الرحلة لم نعرف له سبباً.

رأيتُ أمي وقد نظرت الى السيارة التي بها عمي حكيم والحرس والذين كانوا يشيرون اليهم وهم يستغربون أننا سلكنا هذا الطريق وهي تقول لأبي بلغةذات معنى « أخيراً إنتبهوا». كان هناك أمر ما في الجو بين امي وابي .. سر ما لا نعرفه.

وهنا بدأنا ننتبه الى أن والدي كان صامتاً أثناء الطريق ولم يتحدث كعادته. أبي الذي كان يمزح في اقسى الظروف كان صموتاً جداً في ذلك اليوم. جاءتنا صيحة هادرة من والدي تطالبنا بالنزول – لاحظنا عصبية أبي الاضافية في ذلك اليوم. فعدنا الى مقاعدنا ولاحظتُ ملامح أبي التي كانت في عزلة غريبة في ذلك اليوم. ولاحظنا الاجواء المتوترة فقد ضرب أخي علي واختي وهج ووصلنا الى النقطة الحدودية مع المملكة الاردنية الهاشمية في منطقة (طريبيل) وتم وضعنا في سيارة (كرفان) على الحدود. كنا تسعة أطفال ولم نتكلم بناءا على طلب والدي. كان الجنود في النقطة على علم بهوية الزائر ، فقد وصل عمي صدام كامل قبله بثلاث دقائق وطلب من الجنود تفريغ الحدود لأن حسين كامل سيعبر وحصلنا على حالة من الاهتمام. افهمهم والدي بأن لديه ضيوفاً سريين في (الكارفان) وعليه عبور الحدود بسرعة . كان الكارافان مغلقاً وقد غطيت الشبابيك بستائر لكي لا يظهر الاطفال داخله.

يبدو ان جنود الحدودو كانوا معتادين على هذا الامر فقد عبرنا الحدود العراقية بسرعة ويسر وبدون مشاكل تذكر . فقد كان اسم حسين كامل يكفي لفتح جميع البوابات امامنا. وطلب والدي من مسؤول المخابرات العراقية الى الحدود أن يركب معه لتجنب الزحمة في الحدود العراقية وتكرر الامر في الحدود الاردنية ولم نتأخر إطلاقاً. وقد فعل والدي ذلك بذكاء لغرضين الاول هو أن ينهي عبورنا للحدود بسرعة والثاني كي لا يستطيع ضابط المخابرات إبلاغ بغداد بأننا غادرنا. وقد اصدر جدي صدام حسين بعدها قراراً بمنع حرس الحدود منخروج اي ضابط مهما كانت رتبته قبل الاستئذان من بغداد. ووصلنا الى عمان حوالي الرابعة صباحاً ولاحظنا أن حرس والدي متورون جدا للحد الاقصى ولكنهم لم يسألوا عن أي شيء .

وتقول حرير: يعتقد الناس دوما ان الشخص الذي يكون في قمة هرم السلطة يكون اسعد الناس ولكن الحقيقة التي يفهمها كل من جرب أن يكون في السلطة ذات يوم هي أن وجود اسرة ما في السلطة يعني اقصى درجات التضحية من اجل الوطن واقل درجات التضحية هي عدم الحصول على الحرية وراحة البال . دعك عما اذا كان البلد في حالة حرب ، النوم القليل . المسؤولية المستمرة .الخوف على الاسرة. كذلك روحك التي تكون على علم بأنها مستهدفة في أي لحظة .

أنا اتعاطف بشكل كبير مع جميع السياسيين حتى إن أختلفت آرائي معهم لانني أعلم أنهم لم يناموا كما يريدون ولم ينعموا براحة البال قط حتى لو امتلكوا مليارات الدنيا وجميع وسائل الراحة.

على ان فترة الراحة لم تطل لكي نفهم ما يحصل فبعد فترة ظهر والدي على شاشات جميع وسائل الاعلام العالمية وهو يقول اموراً كثيرة لم نفهمها ولكننا صدمنا من ردة فعل والدتي فقد كانت تشاهده على التلفاز بوجود احدى الضيفات من الاردن ثم انهارت فجأة وأغمي عليها. كنا خارج غرفة والدي نسترق السمع ونسمع صوت الشجار سمعنا مقتطفات من حديثهما لماذا لم تخبرني منذ البداية .. لقد جئت معك بناءا على تربيتي ولكنك خدعتني.. لا تضعني في خيار بينك وبين أبي فأختار أبي.. وغيرها من العبارات التي كانت أمي ترددها غاضبة .

تحرك المعارضة العراقية والمخابرات الاجنبية

وتضيف حرير: بدأت المخابرات العالمية والمعارضة العراقية تتواصل مع والدي بشكل يومي . وهنا انتهى السيناريو الجميل الذي كانت والدتي والخالة رنا ترسمانه بأن الموضوع زعلة ستذهب .. لانهم جميعاً أهل وأنساب وأقارب. كما أن الموضوع أصبحت فيه إساءات متبادلة وتدخلات خارجية وخرج الخلاف الى العلن. واستمر زوار الليل والنهار لوالدي بمن فيهم الامريكان. وجاءت المعارضة التي تحكم العراق اليوم لتجلس معه عدة جلسات واستمرت الزيارات من الامريكان والمعارضة لوالدي بشسكل شبه يومي. .. وهكذا أنتهت الحفلة قبل أن تبدأ وهدأت الامور مؤقتاً وبقيت أيامنا في الاردن غير متشابهة وبقي والدي يكابر ولكنه في الحقيقة كان حزيناً وعصبياً. عمي صدام بدوره كان يعتصره الألم ولكنه كان صموتاً وصابراً وأكثر تقبلاً للواقع الجديد من والدي. وقد قام بإفتتاح مكتب تجاري صغير وبدأ بممارسة عمله إذ أراد أن يعيش بشكل طبيعي . اما والدي فقد احاط نفسه باصدقاء المصلحة وبدد الكثير من الاموال التي كانت بحوزته كعادته في اعطائها لاشخاص ليسوا ثقة وقاموا بالتلاعب بها .. كان عمي صدام يذهب يومياً الى مكتبه وهو يحمل معه حقيبته السامسونايت الجلدية الجوزية او البنية كما تعلمنا في الاردن وكان عز الدين المجيد وزوجته عمتي واخوته معنا وقد سكنوا في القصر مع ساكنيه. ظل عز الدين معنا في القصر لمدة شهر واحد بعد ذلك غادر بمفرده واتضح فيما بعد أنه ذهب الى زوجته الثانية تاركا عمتي( الهام) واولادها الاربعة في القصر معنا . سكن جميع العزاب بمن فيهم عمي حكيم في غرف السرداب.

 

كان عمي صدام متأكداً من أن عاقبة الامر لن تكون سليمة. بالاضافة الى أنه كان في أيامنا الاخيرة في الاردن مريضا بشدة. كما انه ربى لحية غليظة ولم يحد من شاربيه.

 

الحنين والعودة الى العراق

وبدأت اعراض (حمى العراق) تظهر علينا كما تقول حرير، وراحت والدتي تشتري الصحف العراقية لتملأ عينيها من اخبار جدي. في الوقت الذي كان ابي متألماً جداً من موقف جدي واستغنائه عنه. وذات ليلة دخل علينا والدي وهو يحمل على وجهه تعبيراً لا يمكنني فهمه وقال عبارة واحدة ولكن بعصبية « جهزوا جنطكم .. راح نرجع لبغداد…» لم تكن الارض قادرة على استيعاب حجم فرحتنا . تم اتخاذ قرار المغادرة في اليوم نفسه وفتحت ابواب القصر خلال ساعات. ركبنا وغادرنا في سيارات المرسيدس نفسها التي خرجنا بها من بغداد ولكنها الان تحمل ارقاما اردنية . كان خروجنا من الاردن سريعا وغير منظم كان والدي يضع رشاشاً اسفل قدميه. وصلنا الى الحدود العراقية ليلاً . وقال عز الدين المجيد لوالدي «من ترجع تنذبح ابو علي» فرد عليه والدي وكأنه موقن مما سوف يحدث «صار لي سبعة شهور هنا.. أنذبح ببلدي وبين اهلي أشرف لي» كان والدي مؤمنا ليس علينا أي شيء ، ولكن كان مؤمنا بنسبة 90% بأنه سيقتل . كان يعلم أنه سيقتل ولكن خطأ والدي في حساباته هذه المرة كان ابي لا يحسن المكر ولهذا لم يكن يتوقع المكر من احد وخاصة من المقربين منه.

اجرى والدي مكالمة هاتفية مع خالي عدي الذي كان ودودا جداً وقال لوالدي ولأمي « انتم عندي» أي أنهما في حماه ، فسحبت والدتي الهاتف من يد والدي وسألت خالي عدي «أكيد يا عدي ؟ «فقال لها «أنتو بشاربي» فطمأنت أمي جداً لكلمة خالي عدي وإطمأن والدي .. تقبّل عمي صدام كامل الموضوع على مضض.

وبالمقابل لم يوافق عمي صدام كامل أبي أبداً على إطمئنانه .. ولكن والدي لم يرض بأن يبقى في الاردن وقال له أثناء التباحث على العودة «جئنا معاً ونعود معاً» ورفض عمي صدام كامل ذلك فبكت خالتي رنا بشدة وطلبت من إبنتها (نبع) أن تقنع والدها بالعودة. كان عمي صدام كامل يحب ابنته نبع جداً ودخلت عليه وهو يرتدي لبس النوم في في احد الايام وأنا معها وكان يرتدي وشاحاً وهو مريض ومحموم . وقالت له «بابا» .. انحنى عليها وهو يقبلها ليسمع طلبها فأردفت «الله يخليك خلينا نرجع».

وتوصل حرير ذكرياتها قائلة: لا أنسى حتى اليوم تلك النظرة التي نظر اليها وكأنه يقول «قتلتموني». ومن الحب ما قتل.

كان عمي صدام متأكداً من أن عاقبة الامر لن تكون سليمة. بالاضافة الى أنه كان في أيامنا الاخيرة في الاردن مريضا بشدة. كما انه ربى لحية غليظة ولم يحد من شاربيه. كانت صورته ملائكية في تلك الايام ، نقول في العراق شكله (ابن آخرة) أي أن علامات الموت قد ظهرت عليه .. نزل وزنه حوالي عشرة كيلوغرامات بسبب توقفه عن شرب الشاي المحلى بالسكر رغم ولعه به.

 

دخول الاراضي العراقية

وصلنا الى داخل العراق وقد أخذ منا التعب حصته وصلنا جائعين وعطشانين علينا وعثاء السفر فخشينا ان نطلب من والدي حتى استخدام الحمام لفرط عصبيته. تم ادخالنا الى بناء بسيط ووضع النساء والاطفال في غرفة. رأينا من وراء الزجاج والدي وعمي يقفان في الخارج . جاء خالي عدي وسلم بشكل بارد جدا على والدي وعمي ثم دخل الى حيث نحن .. هرعنا اليه جميعاً وكنا مشتاقين له جداً. وبحضوره بدأت معالم العراق تظهر لنا تدريجيا بعد فراق وإشتياق إستمر سبعة اشهر. كان هادئاً معنا ومتزناً وقال لنا سيوصلنا بنفسه الى المنزل. وهنا إطمأنت أمي بشكل كبير كان خالي شخص آخر.

الطريق الى القصر الجمهوري كان معروفاً للجميع، لذلك حين تغير الطريق قال والدي «أها.. بدينا».

اوقف والدي السيارة وكذلك عمي صدام كامل أوقف سيارته واوقف خالي عدي سيارته التي كانت تتقدمنا مع مرافقه .. توتر الجو .. توقفت السيارتان بجوار بعضهما .. وقال خالي عدي لوالدي «لم أشأ إزعاجكم في البداية .. لقد تمت مصادرة منزلكم حين غادرتم.. ولهذا سأخذكم الى منزل آخر مؤقت. سكت والدي بينما نظر اليه عمي صدام كامل نظرة « ألم أقل لك؟» بدا على عمي صدام هدوء غريب وكأنه واثق مما سيحدث . بينما كان والدي لا يزال بين بين. وصلنا الى بيت تملكه المخابرات من طابقين كان صغيراً ومهينا بشكل مناسب .كنا سعداء جداً ونسأل باستمرار « متى سنرى جدتي ساجدة ؟» .متى سنرى بابا صدام ؟»

وفي اليوم التالي جاءت جدتي صفية والدة حسين كامل ،وكان هناك عدد من اقارب والدي ممن قدموا علينا للسلام أو الاطمئنان. بينما لم يأت احد من خالي أو من جهتهما .. كان البيت مقبضاً ويدفع الى التشاؤم. ثم جاء خالي عدي وطلب منا ألا نطبخ لأنه سيحضر الطعام للفطور والغداء . وطلب منا ألا نخرج من المنزل حتى تهدأ الامور.. وبالفعل وصلت الاطعمة ولكنها لم تكن معدة في مطبخ خالي عدي بل كانت معبأة في علب المنيوم للاستخدام المؤقت . وكانت باردة نوعا ما وبلا طعم.

 

تقرير مفصل عما جرى في الاردن

بعدها جاءت اوامر جدي لأبي بكتابة تقرير مفصل عن كل الذين قابلوه في الاردن وعن اسئلتهم ورغباتهم وما يحيكونه للعراق من مؤامرات .

طار والدي فرحاً بهذا التكليف وتغيرت نفسيته فوراً .. وانعزل عما حوله تماما واخذ يسرد لوالدتي وهي تكتب. اذ اعتبر والدي طلب جدي التقارير فرصة ذهبية .. بدأت والدتي تكتب ولساعات طويلة ما يسرده عليها والدي من تفاصيل.

وفي المساء جاءت جدتي ساجدة مع حرسها وبدا من الواضح أنها غاضبة ومستاءة جداً لم تتكلم ولم تسلّم . قال لها والدي « شلونج عمتي؟» فجاوبته بهمهمة « هلا .. هلا» دون النظر اليه . قبلتها عمتي الهام.. كان من الواضح انها لا تحتمل والدي ولا عمي ولا عماتي ولا وجوههم . قالت انها ترغب بأخذ الاطفال لكي يسلموا على جدهم. فلم يعترض والدي ولا عمي . وخرجنا بملابس العيد التي جئنا بها من الاردن ولم ننظر الى الخلف. ولم تتبادل اي كلمة مع والدتي وخالتي . وطالبت منهما ان تعتذرا من والدهما بشدة لانهما قد زعلتاه بشكل كبير. وصلنا الى القصر الجمهوري وجلس الكل في غرفة جدتي ساجدة. رأينا جدي صدام حسين قبلناه وقبلنا واحتضننا بطريقة آلية دون أن يتكلم . وقد سمعتُ امي تكرر على جدي اكثر من مرة « بس إسمع منه يا أبي أرجوك .. بس إسمع منه».

وفي اليوم التالي جاء خالي قصي لزيارتنا وكان ايضاً منزعجاً وباردا وجافاً مثل البقية.. يبدو أننا إعتدنا على هذا النمط من الاستقبالات ، فلم نتأثر بإستقبال خالي قصي الباردة كثيراً.

 

في اليوم نفسه الذي جاءت به جدتي لاخذنا الى جدي صدام قرر عمي ووالدي ترك المنزل المؤقت في الجادرية وهو ذلك البيت المشؤوم الذي كانت رائحة الموت تفوح منه.

 

قرار طلاق ابنتي صدام

وفي اليوم الثالث إستيقضنا على اصوات بكاء وعويل في القصر . فزعنا وركضنا الى الصالة لنجد والدتي وخالتي رنا تبكيان بطريقة هستيرية ..ركضت الى أمي واحتضنتها . فقالت لي من بين دموعها « يريدون يطلقون امكم من ابوكم» كان خالي قصي يقف غير بعيد وقد يديه خلف ظهره وبدا عصبياً جداً.

وكانت امي وخالتي رنا تبكيان وهما تحاولان إقناعه بأمر ما .وكانتا تقولان له « حسين وصدام لم يطلقونا ..مستحيل أن نصدق ذلك».غير ان خالي قصي قال لهما « وافقا على طلب الطلاق» الى أن يهدأ والدي ومن ثم ستعودان لزوجيكما».

قالت أمي « لا اوافق على الطلاق الا اذا سمعتها من فم حسين شخصياً.. كانت امي تعرف ان ابي يموت قبل أن يجبره احد على التلفظ بما لا يرغب بقوله . وبعد الحاح شديد تم السماح لأمي وخالتي رنا بالاتصال بوالدي وعمي صدام كامل في البيت الذي بقيا فيه . وقال والدي لأمي « رغد أنت تقبلين تتطلقين؟» فقالت والدتي « لا والله ما اقبل» وبالمثل سألتي خالتي ونا زوجها عمي صدام كامل وكان جوابه بالمثل.

عندها إتضحت الصورة وأن الاربعة مرفوض لديهم موضوع الطلاق بتاتاً . أمر جدي بإحضار قاضي القضاة للبدء بإجراءات الطلاق وقد اخبر القاضي جدي انه شرعا وقانونا لا يستطيع الموافقة على الطلاق قبل سماعه بنفسه طلب الطلاق من المعنيين بالامر أي والدتي وخالتي. وجاءت امي وخالتي ومثلتا أمام القاضي فسألهما « هل تريدين الطلاق فعلاً؟» فاجابته بنبرة تحد وعتب « والله ما اعرف .. إسأل والدي؟»

ابلغ جدي بعدم قدرته على إتمام إجراءات الطلاق لعدم موافقة والدتي واعطوا والدتي ورقة الطلاق لتوقعها فغيرت توقيعها في ذلك اليوم كدليل على عدم الموافقة.

وفي الوقت نفسه وعلى الطرف الآخر تم ارسال احد الاقرباء وهو ابن عم والدي وقد أمر والدي وعمي بتطليق زوجتيهما وكان معه مرافق من اهل الدور. عرفنا أن ابن عم والدي هناك ولكننا لم نعرف بما دار بينه وبين والدي بالتفصيل تماما. وبعد فترة عاد ابن عم والدي الى القصر الجمهوري كان وجهه مهموما جداً كأنما كان يعرف بالمذبحة التي ستحصل.

قرار العشيرة بغسل العار

في اليوم نفسه الذي جاءت به جدتي لاخذنا الى جدي صدام قرر عمي ووالدي ترك المنزل المؤقت في الجادرية وهو ذلك البيت المشؤوم الذي كانت رائحة الموت تفوح منه. طلب من والدي وعمي القدوم الى منزل آخر لعقد اجتماع عند الثالثة فجراً . كان اجتماعاً عائلياً هادئاً وان كانت علامات التوتر غير خافية . ولكن سبب الهدوء كان يعود الى ما اعلن رسمياً والذي يمثل الجانب الحكومي عن العفو الذي اصدره جدي صدام حسين عن والدي وعمي في اليوم نفسه. وكان جدي قد صدام حسين قد جمع البيجات كلهم وقال لهم أنه عفا عن حسين كامل ولكنه اضاف كلمة غيرت كل شيء « لقد عفوتُ عن حسين كامل .. قانونياً أما عشائريا يجب غسل هذا( العار) والتقط عم والدي ورد فوراً « سيدي الرئيس ..إن كنتَ قد عفوتَ .. فنحن كعشيرة لم نعفو». فصمت جدي ولم يجب. ورفع احد الاقارب يده وقال « هم ازواج بناتك وآباء احفادك فاعفوا عنهم .. فأجابه جدي صدام» نحن لا نترك حقنا كعشيرة ولا نعفو» واضاف خالي عدي» الاصبع الخايس من الايد نكصه « وواصل» بأننا نغسل عارنا بأيدينا».

ومن ذلك الاجتماع وتحت شعار « عارنا نغسلوا بايدينا» وهي كلمة الحق التي اريد بها باطل» وقد اتخذ القرار على جميع آل بو غفور الذين صادقوا عليه الا جدي كامل الذي قالها بوضوح «اذا قطعتموني إرباً لا أتبرأ من ابنائي .. كيف لأب أن يتبرأ من أبنائه»

 

يوم الثأر والانتقام العشائري

تم تطويق منطقة السيدية بالكامل من قبل قوات الجيش منذ منتصف الليل وكانت مهمة الجيش هي فقط تطويق المنطقة بكاملها بدون تدخل عسكري. وتم تطويق المنطقة التي فيها المنزل عشائرياً بهدوء قبيل الفجر بساعات . بدأ إطلاق النار عند الثالثة فجراً. وفي مساء اليوم الذي يسبقه طلب من والدته .. جدتي صفية أن تذهب لتفزع على اعمامه. وبالمثل كان قد خزّن الكثير من الاسلحة في المنزل خوفاً مما قد يقع وكانت في اغلبها غدارات ومسدسات حفيفة وليست اسلحة ثقيلة .

فتحت النار بقوة من الجهتين وراحت النسوة يصرخن ويستغيثن . وقتُتل الرضيع وقاتل حسين قتال الابطال . قُتل الاطفال جميعهم . قُتلت المربيتان تاضي وشقيقتها.

ارهق عمي صدام المهاجمين وعرقل صعودهم على السطح قبل أن يردوه قتيلاً. قُتل عمي صدام وهو يصرخ « هل هذا هو عفو صدام حسين؟» وقُتل جدي كامل. وقُتل عمي حكيم . واستمر أبي يقاتل من داخل المنزل . إثنتي عشرة ساعة بقي والدي يقاتل خالي عدي وخالي قصي. اثنتي عشرة ساعة قتل خلالها إثنان من عم والدي الذين كانوا من المهاجمين لقتل والدي. وقفز والدي الى المنزل المجاور وفي باحة المنزل ولكثرة الاصابات اصبح جسده منخلاً لكثرة ما اصابته الرصاصات . كان لابد ان يسقط في النهاية ولكنه سقط مقاتلا وبطلاً. كانت اخر كلماته لمقاتليه وبعد ان نفذت ذخيرته بالكامل « ها أنا ذا..» ووسط ذهول الجميع لم يستسلم كما ارادوا ومات بطلاً كما عاش سحبت جثته ولوحظ عليها أن الكثير من الخشب قد تم لفه على اطرافها المختلفة وكأن صاحبها قد رمم جسده لكي يبقى يقاتل.

اما نحن في القصر الجمهوري كنا متحلقين ويملأنا الامل .. لم نكن نعرف بالمجزرة التي تجري في مكان آخر من بغداد. ورأيت والدتي ومعها خالتي رنا ووراءهما جدتي ساجدة ثم التفتت والدتي الينا وقالت لنا بهستيريا « لقد قتلوا آباءكم».

 

العائلة بين الغاضب والمتعاطف

كانت خالتي حلا غاضبة لغضب جدي ، رد فعلها قاسياً فقد كان زوجها مشاركاً في عملية ( الثأر العشائري) لذا لم تكن متعاطفة معنا مما جعل العلاقة بيننها وبين شقيقاتها تفتر لسنوات قادمة.

اذ استمر غضب جدي صدام حسين من إبنتيه لفترة ولكن زعله من والدتي كان اكبر لانه يرى بأنه قد خيبت أمله بخروجها الى الاردن مع زوجها وخاصة انه كان متعلقاً بها. وقال جدي ذات يوم « طلعت – خروج – حسين كامل كسرت ظهري».

بعد مدة استعجلت والدتي بالانتقال الى قصرنا في منطقة الجادرية، وبعد ان رفضت عرض جدتي ساجدة بأن ننتقل للاقامة لديها.

وكنا قد اعتدنا أن يقوم رجال الاستعلامات بايصال ما يصل لنا الى اي مكان نرغب فيه، اصبح رجال الاستعلامات يلقون أثاثنا امام البوابة ويذهبون. وبقي تعاملهم معنا سيئاً بل ويكتبون تقارير دورية عنا.مما سبب لنا كثيرا من المشاكل.

منعت جدتي ساجدة الاقارب والعمات والخالات من زيارة والدتي لايقاف المشاكل . واصرت العمة سهام رحمها الله أخت جدي صدام حسين والعمة ( هيفاء) احمد حسن البكر زوجة ابن خال جدي عدنان خير الله وشقيقي جدتي ساجدة على زيارة امي وخالتي بشكل مستمر. وكذلك العمة الاكبر سناً آمال.وكذلك (لمى) زوجة خالي قصي ويبدون تعاطفهم واستنكارهم لما حدث.

وتغير جدي صدام حسين واصبح منطويا على نفسه بشكل كبير لا يستقبل الا الاصدقاء المقربين يقرأ القرآن بشكل يومي ولفترات طويلة جدا.وبقي من اعمامي جمال على قيد الحياة لكنه قتل بعدها بطريقة غريبة . فبعد الاحتلال بفترة عاد ليبيع قطعة ارض يمتلكها فقتلته المليشيات الطائفية رغم انه لم يكن له اي منصب سياسي بل لكونه شقيق حسين كامل.ومن اقارب صدام حسين.

كرهتُ في تلك السنة خالي قصي وكرهت خالي عدي بشكل اكبر لانه هو الذي اقنعنا بالعودة ووعدنا بأننا سنكون في حمايته. وكرهتُ جميع الاقارب الذين إشترك آباؤهم في عملية تصفية والدي.

 

لا يوجد في الحرب منتصر

وعن الحرب والاحتلال تقول حرير: وانا منذ صغري وحتى الآن لم أر حرباً خاضها محتل بشرف ولم أر أي مبرر منطقي لقتل الاف الناس بحجة تغيير نظام لا يعجبهم . وبرأيي لا يوجد طرف واحد منتصر في أي حرب ، فكلا الطرفين خسرا حتماً الكثير من الارواح والمال العام ، وكسبا تخلفاً للدولة بدلاً عن تطويرها والكثير من المآسي التي لن يستطيع الوقت أن ينسيها لضحايا أو يعوض فيها عن عزيز فقدوه. هكذا هي الحروب فلا عدالة فيها ولا اخلاق فالعدالة والاخلاق تخرج أسوأ ما في النفوس وأسوأ ما في الشعوب وأسوأ ما في الامم.

 

 

 

 

مقالات سابقة

ثقافة العنف


سيف الدين الدوري

المعروف أن الحكم العنيف يميل الى أن يأكل نفسه ، بل أن أخطر من العنف هو ثقافة العنف، لقد مثّل العنف أحد ركائز الدولة العراقية التي اقتربت به مع الزمن من نموذج العنف المطلق عقب ثورة 14 تموز 1958.
ان هذا العنف قد مزق أوصال المجتمع السياسي العراقي وأخلاه من الجانب الاكبر من حيويته وقوته وقدرته على المحاسبة المنهجية أو الثورية لقادة الانظمة التي تعاقبت عليه، حيث تحمّل الشعب العراقي دمارا مذهلا لكل ما أنجزه خلال النصف الاول من القرن العشرين. كما انه اكتشف أن عليه أن يستمر في معاناة لا يعرف متى تنتهي.
ان الاندماج القومي والمذهبي في العراق كان قد قطع شوطا بعيدا عن طريق انصهار الجميع في الهوية العراقية الموحدة، لكن التطورات التي أعقبت ثورة 1958 أيقظت الحساسيات العرقية والطائفية، وذلك بسبب الدولة التسلطية العنيفة في العراق التي أصبحت تتعارض مع طبيعة التحولات التي حدثت في تركيبة المجتمع التعددي المركب . ومع ذلك فقد ظلت النزعة الاندماجية مقيدة بشدة، وقد أدت مصادرة الارادة السياسية لكل الجماعات الوطنية والقومية والدينية، ولكل تيارات المجتمع السياسي الى حجز العملية الاندماجية ، كما أن سياسة البطش الشديد برموز وقيادات هذه الجماعات أوقف تطور ثقافة مشتركة ذات مصداقية يمكنها أن تقوم بوظيفة الدمج.
ان ما حدث منذ عام 1958 وما أعقبها هو سيطرة نخب القمع والاستبداد والاقلية الضيقة الجاهلة والمقيمة لكل شيء ، العنف المبرمج العصري ، الارهاب المتعدد، فكل شيء كان جوابه المختصر من خلال القمع ، قمع الاقلية الجاهلة للاكثرية المثقفة كشرط لتكوين دولة حديثة قوية قادرة على اشباع حاجات الفئة المحتكرة لكل وسائل الحياة، وقمع ثقافي كشرط لتكوين ثقافة محلية لا تنفذ اليها التيارات والطفرات والثورات، فاخذت هذه الانظمة تستعين – مع الاسف - بنوعية معينة من المثقفين - ممن يلهثون وراء المال والجاه- للدفاع عن نظامها ومؤسساتها السياسية وتغطية ممارساتها القمعية التسلطية، ونثر البخور للحاكم، فأصبح هؤلاء كما يسميهم العلامة المرحوم الدكتور علي الوردي بـ ( وعاظ السلاطين) نقول أصبح هؤلاء الوجه الثاني للمؤسسة العنفية والمدافعين عنها ومدحها. فيصورون الهزائم انتصارات والمصائب محاسن والاسود ابيض ، واصبحوا طبقة عازلة بين القيادة وبين الشعب ، فهم أعلى من الشعب وأدنى من القيادة. وهؤلاء من الطبيعي يكون العنف الصادر عنهم أكبر وأكثر ايلاما للجماهير لكونهم يمارسون دورا ازدواجيا أي دورالضحية والجلاد في آن واحد، مما يمنح المؤسسة العنفية بقاءا واستمرارية أكثر.
لقد سادت العراق عقب 1958 حالة من الفوضى والاضطراب وعدم الاستقرار نتيجة للتفاقم المستمر للخلافات والصراعات السياسية - بمساعدة هؤلاء ادعياء الثقافة- واتخذت في بعض الاحيان الطابع الدموي والتصفيات الجسدية راح ضحيتها رؤساء وقادة مدنيون وعسكريون بدءا من العائلة المالكة الهاشمية مرورا باعدام ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري ورفاقهما ،ثم باعدام الزعيم عبد الكريم قاسم وانتهاءا باعدام الرئيس صدام حسين. اضافة الى المئات من قيادات وكوادر القوى والحركات السياسية الوطنية العراقية المدنيون منهم والعسكريون بعد انتقال الخلافات هذه - التي اثارتها بعض النخب المثقفة من هذا الطرف او ذاك - الى القوات المسلحة والى الشارع 
كل ذلك جرى بسبب غياب الديمقراطية، اذ أن الديمقراطية والدكتاتورية نقيضان لا يظهر أحدهما الا في غياب الاخر،فاذا دخلت الدكتاتورية من الباب تخرج الديمقراطية من الشباك وقد اتسمت تلك الخلافات احيانا بالدموية والتصفيات الجسدية- ( باستثناء فترة حكم الرئيس عبد الرحمن عارف ورئيسي الوزراء عبد الرحمن البزاز وطاهر يحيى وناجي طالب) التي وصلت عقب الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 الى القتل على الهوية بجز الرقاب ونحرها . عنف دموي لم يسلم منه لا الشيخ الكبير ولا المرأة ولا حتى الاطفال- كل ذلك جرى ايضا ومنذ عام 1958 بغياب الشخصية القيادية العقلانية التي تمتلك القدرة على التحكم بتلك الخلافات والصراعات هذه وحفظ توازنها كحد ادنى، وايجاد معالجات لها كحد اقصى -.بل بسبب غياب الدور المؤثر للمثقفين في ادانتها وشجبها ووقف مسلسلها- فانساقت الحركات السياسية بمساهمة بعض المثقفين او ادعياء الثقافة وراء صراع عنيف ومكشوف على السلطة. كما أن مشكلة الحكام الذين تعاقبوا على حكم العراق هي تأمين البقاء في الحكم تحت حماية الاجهزة الامنية أو المليشيات التي ظهرت عقب الاحتلال الامريكي للعراق التي اصبحت هي المحرك الاول للحياة السياسية في العراق ، لذلك فان معظم الذين قادوا الانقلابات او امسكوا بزمام السلطة في العراق كانوا يبدأون ملائكة وينتهون شياطين . واخيرا فان سياسة العنف التي جعلته الاحزاب السياسية والعناصر المثقفة التي كانت قبل 1958 وقبل الاحتلال الامريكي للعراق ترفع شعارات الحرية والديمقراطية ، تنكرت لها بمجرد وصولها الى السلطة هي ذاتها سقطت بسببه واصبحت ضحية نهجها العنيف وخسر العراق جراء سياسات العنف المتعاقبة هذه الالاف بل مئات الالاف من كوادره الوطنية والاكاديمية والثقافية.
فعلى الرغم من مرور اكثر من نصف قرن لم تستطع هذه الاحزاب ولا العناصر المثقفة ان تتفق على الهوية العراقية – هوية الوحدة العراقية – وطبيعتها او تجمع عليها بل شاب ذلك غموضا وتشويها للوحدة ليلائم المصالح الحزبية والطائفية والاثنية الضيقة فدخلت في دهاليز العنف فيما مارست الاخرى سياسات الهيمنة او التهميش والاقصاء.دون اية محاولة لاجراء حوار حقيقي صادق بين جميع الاحزاب والكتل السياسية والدينية والعرقية سواء المشاركة منها في السلطة او المعارضة لها او من هي خارجها بهدف تنقية الاجواء وفي مقدمتها حالة الاحتقان الطائفي وانهاء دورات العنف والنعرات الطائفية والقتل على الهوية التي تعج بها محافظات العراق جميعا , واعتماد صناديق الاقتراع بعيدا عن أي وجود اجنبي او تدخل خارجي باعتبار هذه الصناديق هي الوسيلة الاصح لتداول السلطة بطريقة سلمية وتجاوز مخلفات الماضي.
ان ما يدور داخل الساحة العراقية لم يكن بجديد ولا هو منفصل عما يدور داخل الساحة العربية من جهة وعن تداخل مصالح الدول الكبرى التي تعمل كل باسلوبها وبوسائلها للوصول الى المنطقة الغنية بالبترول والسعي للمحافظة على مصالحها الاستراتيجية من جهة ثانية.
فلم يشهد قطر من الاقطار العربية عددا من الصراعات الداخلية وخاصة بين احزابه السياسية والدينية التي اتخذت احيانا طابعا دمويا كالذي شهده العراق . وبسبب دموية هذه الصراعات تركزت انظار المجتمع الدولي وخاصة المثقفين فيه اكثر من مرة خلال اكثر من نصف قرن باتجاه العراق وهي تحاول ان تعرف تفاصيل الاقتتال الدموي الذي شهده العراق منذ تأسيسه عام 1921 حتى غزوه واحتلاله عام 2003 .

 

 

مقال عقب اعتقال الرئيس صدام حسين

سيف الدوري

عقب اعتقال صدام حسين وظهوره على شاشة التلفزيون يوم 14/12/2003 حيث كان المنظر مؤلما جدا لانه يشكل اهانة لبد وشعب له تاريخ عميق في الحضارة . وطبيعي نتألم لهذه الحال التي وصل اليها صدام حسين. فكتبت عمودا صغيرا في جريدة الزمان اللندنية بتاريخ 21/12/ 2003 اعيد نصه ادناه:
لم تكن قوات التحالف وحدها التي اسقطت صدام حسين باسلحتها الحديثة المتطورة من طائرات ودبابات وصواريخ. بل اسقطته قوى اخرى تحالفت لاسقاطه عراقية وعربية واجنبية استخدمت اسلحة فتاكة هي النفاق والدجل .
لقد اسقطه افراد عائلته، اخوته واولاده وابناء عمومته وخاصة علي حسن المجيد الذي وصفته رغد صدام حسين في حديثها للفضائية العربية بالبذرة الخبيثة. واسقطه اقاربه والكثيرون من هؤلاء الذين سيطروا على مرافق الدولة والحزب وشددوا من قبضتهم على الاجهزة الامنية ، فاتسع الكبت من خلالهم وتحولوا الى اشبه بطبقة الاباطرة والقياصرة من خلال القصور والقلاع التي كانوا يعيشون فيها، فاقاموا بروجا عاجية تزخر بالتحف النادرة الثمينة والسجاد العجمي ، وابوابها الضخمة ومفاتيحها المطلية بالذهب بعد ان احتكروا التجارة الداخلية والخارجية ، اضافة الى تعاطي الرشوى والاتاوات فعاشوا خحياة الترف والبذخ والاسراف.
اسقطه اعضاء قيادة الحزب والدولة والحاشية المنتفعة الذين ظلوا يناصرونه ويتعصبون لمواقفه واجراءاته وقراراته وافكاره بعد ان انزلهم منزلة فاخرة ووضعهم موضعا خاصا من العناية مقدما لهم مختلف انواع المغريات المادية والمعنوية ، هؤلاء الذين قاموا باخطر الادوار فقاوموا كل اتجاه يهدف الى مجلس قيادة الثورة واعادة الدستور والحريات البرلمانية في البلاد، بل ان بعضهم كان على استعداد لاستخدام العنف والقسوة والتسلط والارهاب واستخدام السلاح واغراق البلاد بالدم، وهذا ما حصل في سبيل ابقاء السلطة بيد صدام حسين وبالتالي استمرار بقائهم في مناصبهم الكبيرة والحفاظ على امتيازاتهم الضخمة ومكاسبهم الوفيرة ، فاصبح هؤلاء دولة داخل دولة ويملكون صلاحيات صدام حسين نفسه يعتقلون من يشاءون ويطلقون سراح من يشاءون لمجرد مزاجات شخصية,
هؤلاء المنافقون كانوا يخشون العودة الى الحياة الدستورية والحريات العامة والديمقراطية لان ذلك سيؤدي الى افتضاح امرهم وانكشاف سر ما ارتكبوه من جرائم مما سيؤدي بالتالي الى وقوعهم تحت طائلة القانون والعدالة وتقديمهم الى المحاكم لينالوا جزاءهم العادل.
أسقطه اولئك الذين اوكلت اليهم مهمة مراقبة وملاحقة ومطاردة القوى السياسية المعارضة فاوغلوا في جرائمهم ومارسوا القسوة في التعذيب داخل السجون والمعتقلات وخارجها ومارسوا القتل والاعتداء على المواطنين وكرامتهم واموالهم واملاكهم.
اسقطه المثقفون والكتاب والصحفيون والشعراء العراقيون والعرب الذين صوروا الهزائم انتصارات والمصائب محاسن واخفوا الحقيقة عن الناس واصبحوا طبقة عازلة بينه وبين الشعب، طبقة تحت القيادة وفوق الشعب بعد ان امتلأت جيوبهم بالدولارات وبيوتهم بكل ما لذ وطاب وجعلوا الاسود ابيض والابيض اسود ومن الشر خيرا ومن الخير شرا والبطل خائنا والخائن بطل والشريف عميلا والعميل شريفا والباطل حقا والحق باطلا.
اسقطه اولئك الذين كانوا يتوافدون على بغداد وينامون في فنادقها اكثر مما ينامون مع نسائهم من سياسيين ومثقفين وكتاب وفنانين فحولوا المهرجانات الى مناسبة لمديح السلطان فحولوه الى صنم يعبد وخلعوا عليه القاب الشجاع والقائد والمنتصر والمقتدر وعبد الله المؤمن وصلاح الدين الايوبي ونبوخذ نصر الى آخر الالقاب والاوصاف حتى خدروه فاسقطوه قبل ان تسقطه القوات الامريكية

صفحة الكاتب على الفيس بوك

 

سيف الدوري الحاكم الذي نريد

سيف الدوري *


تعقيبا على كتابي عن نوري السعيد الذي لم يكن يهتم بلقبه وترك الاخرين يتساءلون بعضهم يقول قره غولي واخر يقول كردي واخر يقول عربي بينما هو عراقي وبغدادي اصيل. وقد عقب صديقي داوود الحديثي على هذا وقال نحن نريد حاكما مخلصا . جوابا على تساؤل الاخ داوود اكتب عن الحاكم الذي نريد
نريد حاكما يقود شعبه من الهزيمة الى النصر ومن اليأس الى الامل ومن العدم الى الوجود
نريد حاكما يرفع الشعب الى الاعلى لا ان يرتفع هو به
نريد حاكما يضع في مكتبه وفوق رأسه عبارة تقول" سيد القوم خادمهم" لا سيد والقوم يخدموه
نريد حاكما يصرخ بالنائمين أن إستيقظوا والعابثين واللاهين والصوص والمرتشين والطائفيين أن قفوا مكانكم
نريد حاكما لايترك بريئاً واحدا داخل السجن ولا يترك مجرما واحدا خارجه
نريد حاكما يمتليء صدره بالايمان بشعبه لا بالانواط والاوسمة
نريد حاكما يرفه عن شعبه لا ان يغتني على حسابه
نريد حاكما يعلم أن السلطة ليست مغنما وليست عضوية في إدارة شركة تدر الذهب على أعضائها
نريد حاكما لايثري ويزداد الشعب فقراً
نريد حاكما كل وقته للعمل ولا يعتبر العراق ضيعة يستغلها او بقرة حلوب يستنزف حليبها
نريد حاكما يعتبر كل العراقيين أصدقاءه لا حفنة من المواطنين
نريد حاكما يعتبر خزائن الدولة حراما عليه وعلى اقاربه ومن يلوذ به
نريد حاكما يبني للفقراء بيوتاً لا أن يبني لنفسه قصوراً وقلاعاً
نريد حاكما يهتم بمضاعفة دخل الشعب لا أن يضاعف دخله على حساب الشعب
نريد حاكماً له إرادة لا رجل مسلوب الارادة يسيره من هم حوله
نريد حاكما لايضعف امام المال ولا ينحني رأسه لغير الحق ولا يشتري الدنيا بالاخرة
نريد حاكما تضرب العدالةفي عهده بيد من حديد للذين أثروا على حساب قوت الشعب
نريد حاكما في عهده يرتفع المواطن بكفاءته وعلمه وخبرته لا بحسبه ونسبه وطائفته
نريد حاكما يتقشف ليسعد المحكومين لا أن ينفق الملايين في مناسبات خاصة يقتطعها من قوت الشعب والفقراء الجائعين وأن تتوقف مظاهر الاسراف والترف
نريد حاكما يجري اصلاحا إجتماعيا تضيق به المسافة بين الطبقات يأخذ من الكبير ليعطي للصغير ويقتطع من الغني ليطعم الفقير
نريد حاكما تكون الكلمة للشعب حقا وفعلا وتكون الدولة في خدمة الشعب قولا وفعلا
نريد حاكما يجري اصلاحا ادارياً وفق نظرية الرجل المناسب في المكان المناسب وان تكون الوظائف وفق الكفاءات وليس الانتماءات الطائفية

·         كاتب وصحفي عراقي من جيل الرواد المقالة من صفحته على الفيس بوك

 

الفساد توأم الاستبداد

سيف الدوري


المعروف ان الفساد في كل زمان ومكان ، والفساد ليس فساد المال فقط بل فساد السلوك والاخلاق وفساد الحكم . فقد عرف العالم صورا عديدة للفساد من ضمنها هذه الانواع الثلاث ، ولكن اخطر ما عرفه العالم هو ذلك الفساد الذي يتم بحماية الحاكم ومعرفته هو ومن معه من المسؤولين القياديين.وعندها تكون الكارثة والخطر وتكون النتائج والاثار التي تتحمل الاجيال فيما بعد نتائجها . فحينما ينتشر الفساد تضيع الكرامة ويحكم المجتمع السيف لا القانون ويبدو للانسان الشريف الذي يعيش الواقع الفاسد ان كل ما قرأ عن القيم الخيرة والنزوع البشري الى الخير ما هو الا اوهام او انه يعيش حالة من الصراع النفسي ويتسلل الشك الى نفسه ويتساءل قد يكون هو على خطأ والاخرون المفسدون على صواب وحينما لم يجد جوابا مقنعا يصاب بالصداع ويفكر بالهرب الى الخارج .
فقد اصبح الفساد من الامراض المزمنة شأنه شأن أمراض القلب والسكر وارتفاع ضغط الدم المنتشرة في العالم تشكل آفة خطرة تهدد البشرية.
فقبل فترة تناقلت الانباء في العاصمة السورية دمشق عن احالة وزير الصناعة السوري الى التحقيق بتهمة الفساد . وفي العاصمة الاردنية اعلن قبل فترة ان المحكمة العسكرية اصدرت احكامها بالسجن لسنوات متفاوتة على عدد من المسؤولين في الاردن استخدموا نفوذهم للحصول على تسهيلات بنكية حسب ما جاء في لائحة الاتهام.
ومن العاصمة المصرية القاهرة وردت انباء قبل فترة ايضا تفيد انه صدر حكم بالسجن من محكمة جنايات القاهرة ضد رئيس المحكمة الذي تسلم مبلغا من المال كرشوة في قضية كان ينظر فيها.
فقبل عشرات السنين سمعنا عن فساد الرشاوي في اليابان وخاصة فضيحة " لوكهيد" التي تورط فيها احد المسؤولين اليابانيين حول صفقة طائرات بوينك الامريكية ، ومسؤول ياباني اخر يعمل في شركة هونداي اليابانية انتحر بعد فضيحة فساد اخرى حيث القى بنفسه من مكتبه في احد البنايات بعد اتهامه بقضايا الفساد ، وكانت الانباء قد تناقلت منذ سنوات عن تهم فساد ضد مستشار المانيا السابق " هلموت كول" لتلقيه مساعدات لصالح حزبه ، كما وجهت تهم الفساد للرئيس الاسرائيلي الاسبق " عزرا وايزمان" لتلقيه رشاوي مالية وكذلك الرئيس الاسرائيلي الذي جاء بعده " كساب" بتهمة التحرش الجنسي. وكذلك زعيم حزب " شاس " الاسرائيلي المتطرف – إيريه درعي" الذي حكمت عليه احدى المحاكم الاسرائيلية بتهمة الفساد. وسمعنا عن فساد الحكم في عهد بناظير بوتو رئيسة وزراء باكستان السابقة وبعدها نواز شريف ، وسمعنا عن فساد الرئيس الزائيري موبوتو وعن فساد الرئيس الاندونيسي الاسبق سوهارتو وافراد عائلته والذي جمع مبلغا قيل انه تجاوز الاربعين مليار دولار وتورط ابنه الاصغر تومي في عمليات فساد مالي وحكم عليه بالسجن 18 عشهرا الا انه فرّ من وجه العدالة .
وقبل سنوات سمعنا عن عمليات فساد اخرى متورطة فيها الرئيس الفلبيني " جوزيف سترادا" الذي جمع ثمانية ملايين دولار من صالات القمار والملاهي الليلية، وسمعنا ايضا عن عمليات فساد اخرى اثارها حزب الفضيلة التركي الذي تغير اسمه فيما بعد الى حزب العدالة حول افلاس عشرة بنوك تركية تسببت باضرار للبلد والشعب التركي بلغت قيمتها ثمانية مليارات دولار ، وسمعنا ان ابن شقيق الرئيس التركي الاسبق سليمان ديمريل متورط فيها.
ومنذ عشر سنوات اي من الاحتلال الامريكي البغيض ونحن نسمع يوميا اخبار الفساد التي اصبحت اشبه باخبار الطقس اليومية فسمعنا عن صفقات فساد اتهم فيها وزير الكهرباء الاسبق ووزير الدفاع الاسبق ووزير التجارة الاسبق ووكيل وزارة الصحة الاسبق بل وفي كل يوم نسمع تقارير عن لجنة النزاعة تتهم فلان وعلان بالفساد وسرقة المال العام ونسمع ايضا بمحاولات تهريب الاموال الى الخارج وشراء ليس البيوت فقط بل العمارات السكنية في دول الخليج وكذلك النوادي الرياضية دون ان نسمع من الحكومة التي يبدو انها الراعية والحامية لكل حالات الفساد المالي والاخلاقي.
ان هذه الظاهرة تستدعي التوقف عندها والاهتمام والتأمل بها وهي سقوط عدد من الزعانات بسبب اعمال الفساد وهذا السقوط الذي جاء نتيجة النقمة الجماهيرية العارمة والعامة التي عبرت عن نفسها بصورة لا تحتمل الشك واكدت بشكل قاطع وجازم ان جماهير الشعب لم تكن راضية عنهم ولا عن سياستهم وان هذه النقمة هي التي بررت عمليات التغيير او ستغيرها في هذه البلدان.
ونحن لو توقفنا قليلا وتاملنا قاليلا في هذه الظاهرة لوجدنا ان بعض زعماء الدول قد اصابهم الغرور بحيث باتوا يتصورون ان وجودهم في اعلى السلطة يعطيهم الحق في حكم الشعب بطريقة دكتاتورية ويتصرفون بامواله متجاهلين حقوقه فيها وحقوقهم في الحرية في اختيار طراز الحياة هؤلاء الزعماء من اجل البقاء في السلطة والتمتع بمزاياها يمارسون القمع ضد شعوبهم ويفرضون على البلاد حكما بوليسيا ارهابيا يحصي على الناس انفاسهم . هؤلاء الزعماء نسوا او تناسوا ان الشعوب تجاوزت مرحلة النضال ضد الاستعمار ودخلت مرحلة النضال ضد الفساد والاستبداد

 صفحة الكاتب (الفيس بوك)

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا