الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

سلامة كيلة مفكر يساري فلسطيني له العشرات من الكتب والدراسات الماركسية  يكتب في جريدة (العربي الجديد) لندن

 

مقالات سابقة

 المرض السوري

سلامة كيلة

 

أتحدث عن إشكالية العقل الذي حكم المعارضة وقطاعاً كبيراً من النخب السورية، وليس عن الشعب. المرض المستحكم منذ بدء الثورة، ولا شك الذي كان نتاج تكوين طويل لم يؤسس لوعي حقيقي، بل أبقى الشكلية المفرطة متحكمةً. والمشكل أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت تشكّل فضيحة في هذا المجال. أول الظواهر التي عبّرت الحالة المرضية هذه تمثّل في هيمنة "عقل قطعي"، يؤسس لفرض وجود "معسكرين" (أو فسطاطين حسب التعبير الأثير للسلفية) فقط، أي النظام ونحن. فقط النظام ونحن الذين نعرّف أنفسنا بأننا "الثورة" (على الرغم من أن كثيرين ممن يطرحون ذلك يعيشون بعيداً)، ولهذا على كل شيء، كل شخص، كل فاعلية، أن يصطف، أو تكون، في أحد هذين "الفسطاطين"، هكذا حتماً، وبالضرورة القطعية (أو القطيعية). وبالتالي يصبح كل من ليس معنا هو في الجهة المقابلة حتماً، فليس من متردّد أو محتار أو "غير فاهم"، فكل هؤلاء يجب رميهم في الجهة الأخرى، هم إذن مع النظام حتماً.
طاول هذا الأمر الموقف من الجيش ومن مؤسسات الدولة، وكل الهيئات والاتحادات. وربما يكون التمثيل الأخير لذلك حول ما جرى في مباريات كرة القدم. لكن يمكن ملاحظة خطورة هذا "المنطق" (وهو منطق أصولي اجتثاثي) حين تناول الموقف من الجيش منذ بدء الثورة، حيث بات جيش الأسد. وعلى الرغم من أن كل المؤشرات كانت توضّح أن الجنود يجرّون الى الصراع ضد الشعب رغماً عنهم (فيما عدا بعض القطاعات، منها الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري وبعض قطاعات الوحدات الخاصة)، فقد وُضع الجيش في صفّ العدو، وعملت أطرافٌ في المعارضة على تأسيس جيش بديل هو الجيش الحر، وأصبح المطروح على ضباط الجيش وعناصره الالتحاق بهذا الجيش أو وصمهم بأنهم "جيش 
الأسد"، والتعامل معهم عدواً.
لكن تبيّن فيما بعد أن هناك 200 ألف ضابط وجندي في حالة فرار، بالضبط لأنهم لا يريدون مواجهة 
الشعب، وأن ضباطاً كثيرين ممن انشقوا وُضعوا في "الحجز" في البلدان التي وصلوا إليها، ولم يسمح لهم الانخراط في الثورة. حيث بلغ عدد المنشقين بين ستين ألفاً وسبعين ألفاً. ويوضح ذلك كله أن الجيش لم يكن جيش الأسد، وأن الاحتقان من النظام كان يتغلغل فيه، وبالتالي كان يمكن التعامل بشكل يسمح بتحويل كل هؤلاء إلى قوة مع الثورة ببعض الشغل الصحيح. كان يمكن الحصول على السلاح منهم (وكان يحصل ذلك أحياناً) بدل مهاجمة معسكراتهم مثلاً، وكان يمكن عمل تمرّد في بعض القطاعات، أو استغلال وضعهم للقيام بعمليات اغتيال لرموز في النظام. لكن ما ظهر أن هناك من لا يرى، وينطلق من الثنائية المشار إليها، بالتالي فإن كل من لم ينشق هو مع النظام. كما كان هناك من لا يريد أي دور للمنشقين أصلاً، لأنه يريد أن يكون هو البديل (وهذه سياسة جماعة الإخوان المسلمين)، بالتالي عمل على تشويه الجيش.
المشكل هنا أن هذا "المنطق" يفترض أن الأمور يجب أن تجري "وحدها"، بعفوية، أي من دون مجهود نقوم به نحن، ويتمثل دورنا في إصدار الأحكام، ووصم كل من ليس معنا بأنه عدو. أي ممارسة دور المفرّج الذي "يصيح"، "يشتم"، ويتهم بلا كلل. بينما كانت إستراتيجية النظام، منذ البدء، تتمثل في العمل على أن تبقى الكتلة المتردّدة من الشعب على تردّدها، حيث تشكّل الخطاب الإعلامي من كل العناصر التي تدفع إلى تكريس التردّد، وبذل الإعلام مجهوداً كبيراً في إيصال ذلك. ربما نجح، لكن إعلام المعارضة و"أصدقاء الشعب السوري" كانا العون الأكبر له.
إذن، المرض السوري يتمثل في "ممارسة القطيعية" في الخطاب، والعجز عن بذل أي جهد لإقناع المتردّد أو حتى المختلف، فهو "بذاته" يجب أن يكون هنا أو هناك. ونحن لا دور لنا في التمييز بين "العقائدي" وذوي المصالح، وبين المتردّد أو المتشكّك، أو غير المستوعب ما يجري.

(العربي الجديد)

 

عن بقاء الأسد

سلامة كيلة

 

باتت كل الأخبار تتمركز حول بقاء الأسد الذي ظهر أنه انتصر، على الرغم من أنه أعلن انتصاره وإن أقرّ بأن الصراع لم ينته. لهذا ظهر أن هناك حركة واسعة من أجل الحج إلى دمشق، وإلى الإعلان عن قبول بقائه في السلطة. عربياً، تنفتح الخطوط مع النظام، ليس من أحزاب باتت تنشط من أجل الضغط على نظمها لإعادة العلاقات، بل إن نظماً باتت تعلن ذلك. يسعى الأردن إلى فتح الحدود، حيث يظهر شَرَهاً في تصدير السلع إلى سورية، والسعودية تمهّد لإقرار قبول النظام. باختصار، هناك نشاط محموم من أجل تتويج بشار الأسد منتصراً.
في مستوى آخر، باتت دول "أصدقاء الشعب السوري" الأوروبية تعلن موقفاً مختلفاً، حيث "لم تعد تتمسّك برحيل بشار الأسد"، وأنه يمكن أن يشارك في المرحلة الانتقالية، وحتى يمكنه الترشح للانتخابات، كما أوضح وزير خارجية بريطانيا. وموقف فرنسا شبيه بذلك، حيث أن بشار الأسد هو عدو الشعب السوري، وليس عدو فرنسا، وبالتالي لم تعد تتمسّك برحيله. وأميركا تتوافق مع روسيا (في سورية تحديداً بعد الخلاف المتصاعد)، وتقبل منظور روسيا للحل "السياسي". ولم تعد تركيا تبتعد كثيراً عن هذا الجو. بالتالي، بات واضحاً أن كل هذه الدول، العربية والغربية، قد أسقطت "شروطها"، وسلمت الأمر لروسيا.
بالتالي، يمكن القول إن الكل تخلى عن المعارضة السورية التي بنت إستراتيجيتها على دور "الغرب"، ودول الخليج، وتركيا. من هذا المنظور، يجب فهم ما جرى في الرياض من حوار بين "منصات المعارضة"، وتمسّك منصة موسكو بعدم ذكر مصير بشار الأسد. لقد بدا أن الخلاف في حوار المنصات يتمحور حول هذا الأمر، وظهر أن منصة موسكو وحدها ترفض تناوله، وتراهن على تغيرات دولية تفرض نجاح رؤيتها التي أوضحها قدري جميل، بعد انتهاء الحوار من دون نتيجة، بأنهم ليسوا مع رحيل الأسد وليسوا مع بقائه، بل إنهم مع خيار ثالث، يتمثل في تحديد الأمر في المفاوضات مع النظام. تكتيك "بارع" يطرحه قدري جميل، وهو يصرّ على أنه لمس موقفاً سعودياً إيجابياً، ينمّ عن تغيّر حدث أخيراً.
يشير ذلك كله إلى مأزق تعيشه المعارضة التي لم تستطع أن تبني إستراتيجيةً صحيحة منذ البدء، وخضعت لما كان يهمس به "الحلفاء"، أولاً أميركا في جنيف 2، ثم تركيا والسعودية وقطر. حيث كانت تغوص إلى قاع غائر. ستظهر نتائجه في الفترة المقبلة، حين تصبح منصة موسكو قائدة الحوار مع النظام، ويتهمّش الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وربما كذلك هيئة التنسيق.
كان الخطأ القاتل منذ البدء هو قبول الحوار مع وفد النظام (وفد بشار الأسد) وليس وفداً من النظام يقبل "جنيف1"، وبالتالي يقبل بتشكيل هيئة حكم انتقالي تبدأ بإبعاد الأسد. فوفد الأسد لن يقبل برحيل الأسد. ولهذا ظلّ يناور، ويُفشل المفاوضات، ما جعلها بلا معنى. وإلى الآن، تريد الهيئة العليا للتفاوض التفاوض مع وفد النظام، من دون أن تفهم أن الأمر عبثي، وهو من أشكال تضييع الوقت الذي يستغله الروس لترتيب الأمر "على الأرض". وبات الوضع الآن مرتباً على الصعيد السياسي، من خلال الميل العربي الدولي إلى قبول الأسد. ومرتب في الواقع على ضوء إقامة المناطق "منخفضة التوتر". وباتت روسيا المايسترو المعترف به مقرّراً لطبيعة الحل السياسي.
جيد التمسك برحيل الأسد، وجلبه إلى المحاكم الدولية، لكن ليس جيداً التمسّك بالمفاوضات، وتكرار موقف بات من الماضي. هذا لا يعني التخلي عن رحيل الأسد، بل يعني التخلي عن المفاوضات التي تسير نحو أن تصبح منصة موسكو قائدتها. وربما التكتيك الصحيح الآن أن يطرح الوفد المفاوض قبول قدري جميل رئيساً في المرحلة الانتقالية، بدل بشار الأسد.
هذا تكتيك وفق الوضع القائم الذي نشأ عن جرائم ارتكبتها قوى المعارضة، ومجموعات مسلحة كثيرة، أما الثورة فستستمر على الرغم من أن الشكلانية التي تحكم النظر لا تصل إلى رؤية أن الشعب هو الذي فجّر الثورة، وسيستمر بها على الرغم من كل التآمر عليه من كل الأطراف.

(العربي الجديد) لندن

 

عن "تحرير" الرقة

سلامة كيلة

يبدو أن كلمة "تحرير" باتت تعني شيئاً آخر غير ما نعرفه، باتت تُعطى معنىً جديداً، فالتحرير، كما نعرف، هو إنهاء وجود قوة تحتل بلداً أو مدينةً أو حيّاً، بطرد هذه القوة منها، لتبقى البلد أو المدينة أو الحي، بعد أن يتخلص أهلها من المحتل. هذا هو المعنى المتعارف عليه، على الأقل إلى ما قبل سنة 2011.
ما نشهده منذ بدء "الحرب على داعش" بات يعطي هذه الكلمة معنىً آخر، حيث بات علينا أن نضع كلمة مقاربةً مرادفاً لها: التدمير. بالتالي، نحن نتحدث الآن عن "تدمير" الرّقة. حيث نشهد، كل يوم، مدى التدمير الذي يلحق بها، وعدد القتلى الذي يسقط تحت حجة "تحرير" الرّقة من داعش. هل التدمير ضروري لتحقيق هذا "التحرير"؟
هذه المقالة عن الرّقة الآن، وسبقتها مقالات عن الموصل، كما جاء صاحب هذه السطور على الرمادي والفلوجة وتكريت، وانتظار "تحرير" تلعفر، ودير الزور. وليس المراد هنا الحديث عن "تحرير" المدن والقرى والأحياء السورية الأخرى التي يقوم بمهمتها طرفٌ آخر، هو النظام السوري ومجموعات إيران، وأخيراً روسيا، والتي يبدو أنها تعتمد المعنى الجديد لكلمة "تحرير"، على الرغم من أن الهدف يختلف، حيث بدأ النظام هنا (وأكمل الباقون) حرق شعبٍ تمرّد عليه. وإنما المراد هنا هو الحديث عن "قائدة الحرب ضد الإرهاب": أميركا وتحالفها. فهل كانت هزيمة "داعش" تفترض كل هذا التدمير والقتل، ولماذا قتاله في المدن بهذه الطريقة، من دون قطع طرق الإمداد؟ بمعنى، أليس هناك "خطة عسكرية" لا تودي إلى كل هذه الكوارث؟ 
أولاً، ما يملكه تنظيم "داعش" من أسلحة خفيفة أو متوسطة، ويمكن بسهولة قطع طرق الإمداد عنه، فالصحراء تتيح للطيران أن يقطع كل الطرق المؤدية إلى المدن التي سيطر عليها. كما أن عدد أفراده، وفق أكبر تقدير، وفي كل مناطقه (أي في سورية والعراق) وصل إلى ثلاثين ألف "جهادي"، وهو عدد لا يستطيع ضمان أمن كل هذه المنطقة الشاسعة. وكان عدد "مقاتليه" في المدن لا يتجاوز ألفاً أو ألفين أو ثلاثة (أعلنت الولايات المتحدة عن وجود ألفين في الموصل، ويعلن الآن عن وجود ألفين في الرقة)، وهو عدد ضئيل للسيطرة على مدينةٍ. ووفق الأسلحة التي يمتلكها، يمكن بسهولة السيطرة عليه بدون طيران، وبوحدات خاصة (مع قصف مدفعي محدود على مناطق تمركزها فقط).
ثانياً، جرى التهويل من خطر المفخخات، والكيماوي، وهو تهويلٌ لا معنى له، لأنه يمكن كشف الأمر بعد حصار المدن. وكذلك يجري التهويل من القناصة، على الرغم من أنه يمكن معالجة الأمر من دون قصف البنايات على من فيها. والغريب أنه، بعد كل هذا القصف والتدمير والقتل للمدنيين، لا يعتقل أو يقتل من عناصر "داعش" سوى القليل القليل، بينما يخرج الآخرون سالمين.
ثالثاً، يمكن أن يجري التقدم بشكل مختلف، خصوصاً أن تنظيم داعش غير قادر على حماية كل محيط المدن أصلاً، لا بالتفخيخ ولا بالعناصر ولا بالسدود. ويمكن أن يستخدم الطيران عند الضرورة، وربما تكون المروحيات هي الأفضل لأنه يمكن استخدامها بالقنص.
لا تستأهل القدرة الواقعية لداعش (كما تظهر في آخر الأمر) هذا الشكل من الحرب، ولا شكّ في أن الحرب هي ليست ضد داعش، بعد أن يظهر أن جلّ عناصره قد خرج سالماً (أو أُخرج سالماً)، بل هي ضد المدن والشعوب، كما يظهر في آخر الأمر. فهي تقع تحت سيطرة داعش، من أجل أن تُدَمر بحجة "الحرب ضد داعش". ولا شك في أن تضخيم قدرة داعش تهدف إلى استخدام كل هذه الأسلحة، وإطالة الحرب كل هذا الزمن الضروري لتدمير المدن فقط. لهذا نعيد تأكيد أن داعش "شركة أمنية خاصة" لها دور في إظهار وحشية الشعوب باسم الإسلام، ولكي تكون مبرّراً للتدخل من أجل تحقيق سياسات. وفي هذا السياق، تجري ممارسة أبشع مجزرة، حيث ترى الطغم الرأسمالية أن هناك "شعوباً زائدة" لا بدّ من حرقها.
إذن، داعش عنصر مُدْخَل من أجل أن نرى مدناً وقد باتت أطلالا.

(العربي الجديد ) لندن

 

هجمة انتصارات

مع الإقرار بالهزيمة

سلامة كيلة

 

يبدو أن "قراراتٍ" اتخذت للحج إلى سورية، صدورا عن أن الانتصار النهائي يكتمل، وبالتالي، يجب تدعيم ذلك من خلال زحف وفود من أحزاب مختلفة في البلدان العربية، ومن دول كذلك. في لبنان، يريد حزب الله كسر "النأي بالنفس" الذي اتخذته الدولة اللبنانية، بدفع وزراء منه إلى زيارة سورية رسمياً. ومن فلسطين، يزحف بعضهم للتهنئة والتبريك. وفي مصر، تصدر أحزاب "قومية" بياناً تدعو فيه الدولة إلى إعادة العلاقات مع سورية، وربما يجري ترتيب زيارة رسمية. وكان كاتب هذه السطور قد كتب عن الحج التونسي إلى دمشق. والدولة الأردنية ترتب سيطرة النظام على الحدود وتريد فتح المعابر. ويمكن أن نصادف وفوداً من دول خليجية تحج إلى دمشق. 
يتعلق الأمر بتوهم الانتصار. ولهذا يأتي ذلك كله في سياق الحل الذي سيُفرض، والقائم على بقاء بشار الأسد، حيث إن ما يتردد هو أن "الجيش العربي السوري" ينتصر، وقد حُسمت الأمور. لهذا يجب تدعيم ذلك من خلال المستوى الدبلوماسي و"التضامني" من أتباع "الممانعة، فهو يحتاج إلى ذلك، لكي يستطيع الجلوس على الكرسي، ومن ثم الوقوف لإعلان النصر النهائي. بالتالي، فإن شغلا يُبذل من أجل "احتضان الانتصار الكبير"، من خلال الشغل على إعلان مواقف داعمة للنظام، والقيام بزيارات مستمرة تؤكد عودة "الوضع الطبيعي"، وإعطائه "الأوكسجين" ليستطيع العودة إلى الحياة، بعد أن مات منذ زمن ليس قصيرا. وهذا ما توضحه تصريحات أخرى، حيث يتسابق داعموه لكي يبرز كل منهم عضلاته التي "منعت سقوط بشار الأسد". 
كل التصريحات التي تنطلق من إيران وحزب الله و"الحشد الشعبي" ومن روسيا تقول إن بشار 

الأسد كان قد هُزم وشارف على السقوط، لولا تدخل هؤلاء. هذا ما أشار إليه أكثر من مسؤول إيراني في أكثر من مناسبة، وكرّره حزب الله بصوت خافت، وكرّره أخيرا قادة في "الحشد الشعبي" العراقي. كذلك صرّح به وزير الخارجية الروسي لافروف، وكان أشار إليه الرئيس بوتين نفسه. وكل واحد من هؤلاء يؤكد على أنه الذي منع سقوط النظام، وقالت إيران إنها هي التي منعت سقوطه، والحشد "الشيعي" قال الأمر نفسه، وكذلك روسيا قالت إنها من منع سقوط النظام. بهذا، نجد أن كلا من هذه القوى يدّعي أنه الذي منع سقوط النظام، ليعلن أنه هو الذي انتصر. ولا يذكر أي من هؤلاء دوراً لـ "الجيش العربي السوري" (إلا بالتعفيش)، وبالتالي يقرّون بأنه لا وجود لقوى عسكرية نظامية تقاتل، وكان لها دور في منع سقوط النظام
بهذا، لم يعد بشار الأسد منذ زمن (بداية سنة 2013) قادراً على الحكم، ولم يعد لديه ما يحمي الدولة، ولهذا استقدم هؤلاء ليبقى في السلطة. بالتالي هو باقٍ بقوة تلك التدخلات، وليس بقوة يمتلكها، وجيش قال هو، منذ صيف سنة 2015، أنه تقلص إلى 130 ألفا، ما جعله غير قادر على السيطرة على الأرض السورية، ولهذا قرَّر أن يمركزه في بعض المواقع (تقلص عداد الجيش أكثر خلال السنتين التاليتين). وإذا كان جرى تعميم مسألة التدخلات الخارجية ضد النظام، وجرى التهويل بها، فيمكن دراسة الأمر زمنياً ليتوضح أن أول سقوط له، على الأقل، كان بقوة الشعب. 
تدخل حزب الله وإيران بداية سنة 2013، وكان نائب الرئيس، فاروق الشرع حينها، قبلها بقليل، قد صرّح لصحيفة الأخبار البيروتية الموالية للنظام بأن النظام غير قادر على الانتصار، وكذلك المعارضة، لهذا وصف الوضع بوجود استعصاء، وقال إن الحل يكمن في التفاوض بين الطرفين، والذهاب إلى حل سياسي (جرى تهميش الشرع بعد هذا التصريح). حينها لم يكن هناك وجود حقيقي للقوى التالية: داعش وجبهة النصرة، أحرار الشام وجيش الإسلام، وكل المجموعات السلفية، وكان التسلح محدوداً، ويعتمد على منشقين من الجيش، ومن الشباب الذي كان يتظاهر سلمياً، ولم يكن هناك "دعم خارجي"، لا للعمل المسلح ولا للنشاط الشعبي. ولكن، حينها كانت الثورة قد عمّت كل سورية، وظهر ضعف النظام بالتصدّع الكبير في الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري (قوتا الصدام مع الشعب منذ البداية)، وتذمّر واسع في صفوف الجيش فرض أن يضعه النظام في معسكرات مغلقة، لكي لا ينشق أو يتمرّد. وكان النظام منذ إبريل/ نيسان سنة 2012 قد انسحب من مناطق واسعة في الشمال والشرق، لكي يستطيع "لملمة الجيش" ومنع انشقاقه. وبالتالي، كانت قوى النظام التي استخدمها لسحق الشعب قد أصيبت بالهزال، وظهر من داخل السلطة من يريد التفاوض والوصول إلى حل سياسي. في الوقت الذي كانت فيه أميركا تطلب من روسيا "أن ترعى مرحلة انتقالية كما حدث في اليمن"، وتعمل على لجم دور تركيا، وحيث سحبت المعارضة من تحالف قطر/ تركيا إلى السعودية وروسيا. بالتالي، كان النظام يتهاوى، وكان يمكن أن تسقط دمشق. 
لكن، كما قرَّر النظام منذ البدء حسْم الأمر بالقوة لإنهاء الثورة، تقدمت إيران بدعم الخيار العسكري من خلال إرسال قوات حزب الله، ثم المليشيا الطائفية العراقية، وأيضاً الحرس 

الثوري الإيراني (كان لها دور منذ البدء في خبرات قمع التظاهر، والقناصة، وضباط يتابعون الوضع). فهي لا تريد "حلا وسطا" كان ممكناً، بل تريد استمرار بشار الأسد. هذه المرحلة (2013 إلى صيف 2015) هي مرحلة دعم وجود داعش وجبهة النصرة من أطراف عديدة، منها النظام وإيران والنظام العراقي (كما أميركا وتركيا ودول الخليج)، لإيجاد مبرّر للتدخل الإيراني، ولتشويه الثورة عبر قوى يجري احتسابها عليها وهي آتية لتدميرها (وكذلك تدخلات خليجية لكبح أزلامها كي لا يتطور الصراع). وهي مرحلة تحوّل الثورة إلى صراع مسلح وتهميش دور الحراك الشعبي. في هذه المرحلة، تضخمت المجموعات السلفية "الجهادية"، وأخذت تقضم الكتائب المسلحة، وتقتل ناشطي الحراك الشعبي. وارتبطت بدول إقليمية (أحرار الشام وجيش الإسلام، وكل المجموعات السلفية). 
اختلت موازين القوى سنة 2015 على ضوء تفاهم إقليمي سعودي/ قطري/ تركي، حيث ظهر عجز قوى إيران، بعد أن استطاعت المجموعات السلفية و"الجيش الحر" السيطرة على إدلب وجسر الشغور، والتقدم في ريف حماة الغربي. لهذا ركض قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، إلى موسكو لتتدخل. وهنا يظهر أن الصراع الإقليمي قد فرض اختلالاً أسقط قدرة إيران وحزب الله وكل المليشيا الطائفية "الشيعية" على حماية النظام، ليظهر أنه سيسقط. على الرغم من أن كل الدعم الإقليمي تمثّل في تزويد المقاتلين بمضادّات للدبابات مع بقاء الفيتو الأميركي على تزويدهم بمضادّات الطائرات، وهو الخطر التدميري الذي كانت تواجهه سورية. 
بهذا، من حق إيران وتابعيها القول إنهم مَنْ منع سقوط بشار الأسد، على الرغم من أنهم فشلوا في ذلك، وإلا لما كانوا في حاجة لتدخل روسي. كما من حق روسيا أن تقول الأمر نفسه، فبقاء النظام متوقف الآن على الوجود الروسي الذي بات احتلالاً بعد توقيع اتفاقات تبقي القواعد الروسية أكثر من نصف قرن. لا شك أن النظام أنقذ. لكن، هل يبقي التفاهم الإقليمي الدولي بشار الأسد، أشك كثيراً في ذلك، فالرئيس القادم هو من ستفرضه روسيا من "أصحابها". 
لهذا، ستبدو الهجمة على سورية لزيارتها وإعادة العلاقة معها تكريما للاحتلال الروسي، وليس لنظام بات يخضع لقرارات قوى الاحتلال. وربما حفلة توديع لبشار الأسد أكثر منه تكريساً له رئيساً على شعبٍ يرفضه.

(العربي الجديد) لندن

 

قادة "بروليتاريا"

تونس في دمشق

سلامة كيلة

وفود تونس تتوالى على دمشق، لكن ليس أيّ وفود. فقبل أشهر، حجّ وفد من برلمانيين أعضاء في الجبهة الشعبية، التي من المفترض أن تمثّل اليسار الذي يعطي الأمل للشعوب بالتحرّر والتطور. وقبل أيام، حجت "البروليتاريا" التونسية، ممثلة بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل. ويجري الحديث عن زيارة وفد برلماني كذلك. 
كل هؤلاء مع النظام نكاية بحركة النهضة، أو/ ونتيجة "معرفة" اليسار و"البروليتاريا" بالوضع العالمي، وفهم "المؤامرات" التي تقوم بها الإمبريالية ضد "النظم التقدّمية"، أو باختلاط السببين معاً. فهمٌ عظيمٌ للوضع العالمي وللمؤامرات الإمبريالية، وأعظم منه ضرورة الحج إلى دمشق، للتعبير عن "التضامن الأممي" في وجه الهجمة الإمبريالية، خصوصاً وهم يشاهدون "الجيش الأحمر"، عفواً جيش الرأسمالية الروسية، يزحف لصدّ هذه "الهجمة الشرسة"، بعد أن سبقتهم "بروليتاريا الشيعة" في لبنان والعراق وإيران وأفغانستان وباكستان. ويجب ألا ننسى أن الحكم في سورية هو للعمال والفلاحين الذي يحقّقون الاشتراكية، إلى الحد الذي جعل 70% من الاقتصاد في جيب عائلة واحدة متحالفة مع كبار التجار والسماسرة. وأنه "عادى الإمبريالية" إلى الحد الذي جعله، حينما اختلف معها، أن يطلق على وضعه: ممانعة. 
في كل الأحوال، ما يجب أن يعرفه هؤلاء "الثوريون" جداً: 
أولاً، كان نظام بشار الأسد حليفاً موثوقاً لنظام بن علي، وكان التنسيق الأمني في أوجه (وهو الذي سهّل فيما بعد ترحيل الدواعش)، ولا يتحقق ذلك إلا بين نظم متشابهة. ولا شك في أن تشابهاً كبيراً كان يجمعهما، فكلاهما كان يمثّل نظاماً أمنياً مافياوياً عائلياً. ولم تتوقف هذه العلاقة الأمنية بعد الثورات في تونس وسورية، وربما هذا الأمر هو الذي يجعل قياداتٍ في الاتحاد العام، عملوا تحت سلطة بن علي وكانوا من داعميه، يسعون إلى إعادة العلاقة مع النظام السوري. والآن، يجري التوافق بين هذا التيار القوي في قيادة الاتحاد وتيار "يساري" هو "متطرّف" في معاداته الإمبريالية، ومتطرّف في الفهم الشكلي للأمور، مال منذ البدء لدعم النظام السوري. ومع الأس،ف انجرفت أحزاب أخرى في المسار ذاته "نكايةً" بحركة النهضة "حليفة الأمس"، وربما لكي تظلّ مقبولةً في بيئة الجبهة الشعبية التي تخضع لـ "الهوس القومي". وهو هوس حقيقي، يظهر في النزق وإعلاء الصوت والتعصب بلا وعي ولا تدقيق. 
ثانياً، لم يفعل كل هؤلاء شيئاً، ونحن نطالبهم بمواجهة القوى التي ترسل "الجهاديين" إلى سورية، والذين كانوا يشكلون خطراً على الثورة، وليس على النظام الذي أرسلهم وساعدهم، وأمدّهم بالأسلحة، بعد أن زرعهم في بيئة الثورة، لكي يسحقوا الشعب الذي ثار. وفرحوا باختراع فكرة جهاد النكاح التي جرى تلفيقها في تونس (وبعض قيادات اليسار التونسي تعرف ذلك). ربما كان كل هؤلاء فرحين بذهاب هؤلاء "الجهاديين" إلى سورية، للتخلص منهم أولاً، ولمعرفة بعض القيادات المذكورة أن دور هؤلاء مجهض للثورة ثانياً. وفوق ذلك أراحهم أن توسم الثورة السورية بأنها ليست ثورة، بل نشاط إرهابيين من أجل التمسّك بالنظام "الوطني التقدمي" و"المعادي للإمبريالية". 
ثالثاً، أنهم يذهبون إلى دمشق لدعم نظامٍ لم يعد قائماً أصلاً، بعد أن أصبح القرار بيد روسيا، وباتت المتحكّم في كل شيء، وبعد أن باتت دولة محتلة، أوجدت قواعد عسكرية لتسعة وتسعين سنة، وتسعة وأربعين سنة. ومارست كل الوحشية بأحدث الأسلحة ضد الشعب، بعد أن قام النظام بعملية تدمير شاملة، وبعملية إفناء للشعب الذي تمرَّد عليه. 
ربما شيء جميل من "بروليتاريا" ومن "يسار" أن يدعم احتلال بلد عربي، ونظاما إجراميا بكل معنى الكلمة. ولم يرَ كيف أن ثورة الشعب استحقت كل هذه التدخلات لكي تسحق، ولم تسحق. على الرغم من كل التشويه الذي نالها من أعدائها ومن "أصدقاء الشعب السوري". ثورة ظهر أن كل العالم تدخل لسحقها، وأنه فعل ذلك للرعب الذي أصابه من امتداد الثورة من تونس إلى سورية مروراً بكل المنطقة. ولا شك في أن اليسار العالمي كان في هذا الصفّ ضد الشعب وضد الثورة. ولهذا يستحق الفناء.

(العربي الجديد)

 

 

داعش تتلاشى؟

سلامة كيلة

 

بات واضحاً أن دور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق وسورية قد انتهى. أدّت المهمة، وأجرت الشركة الأمنية تدريباً مشتركاً مع قوات أميركيةوعراقية، ومن قوات سورية الديمقراطية، وانسحب عناصر الشركة هذه، تاركة العناصر المنخرطة تحت وهم الإسلام، لكي تلقى مصيرها. كما دمّرت ما هو ضروري، ونهبت تراثاً وحضارة.
لكن، هل انتهت "داعش"؟ لا بالتأكيد، فقد وُجدت ليس لكي تنتهي، بل لكي تخدم استراتيجية دول ممولة، وخصوصاً أميركا "مالكها الحصري" (على الرغم من اختراق دول كثيرة أخرى). ولا شك أن أميركا هي التي تتحكّم بها. لهذا، لكي نعرف مصيرها لا بد من معرفة الاستراتيجية الأميركية. بالضبط، لأنها أداة الطغم المالية الإمبريالية للتدخل والتدمير، حيث أنها المبرِّر الأساسي للتدخل العسكري، وفرض السياسات. وقد استغلتها في العراق، لكي تعيد السيطرة على النظام، والواضح أنها استطاعت ذلك. واستغلتها في سورية ورقة ضغط على روسيا، وللمساومة معها، ويبدو أن الأمور تسير نحو "نهاية سعيدة". لكن هل انتهت الحاجة إليها؟ لا بالتأكيد. لهذا، لا بد من فهم أولويات أميركا، لمعرفة أين ستذهب "داعش". السبب في قول ذلك أن هذا الشكل من التنظيمات ليس نتاج البيئة، على الرغم من انخراط أفراد فيه من العراق وسورية، بل أنه تجميع لأشتات من "مهووسي" الدين، تنحكم لبنيةٍ "فوقية" مصنّعة كشركة أمنية. وتخضع هذه الشركة لسياسات الطغم المالية، والشركات الاحتكارية. لهذا، حين تنتهي مهمتها في منطقةٍ تُنقل إلى أخرى، ويجري التضحية بهؤلاء المهووسين، أو اختراع فتوى تدفعهم إلى الانتقال إلى المنطقة الجديدة، كما حدث حين جرى الانتقال من أفغانستان إلى العراق، ومن ثم إلى سورية.
بمعنى أن "داعش"، وتنظيم القاعدة الأم، وكل فروعه، هي أدوات لتبرير التدخل، مخترعة من الطغم المالية على شكل شركاتٍ أمنية، ومُلْبَسة غلافاً أصولياً، هو أكثر منظورات "الإسلام" تخلفاً. ولهذا، تعمل في خدمة سياسات هذه الطغم والشركات بالأساس. وعلى الرغم من تحكّم هذه الطغم فيها، إلا أن دولاً أخرى تغلغلت فيها، وطوّعت بعض أطرافها لخدمتها هي، لكن كان يتحقق ذلك بمعرفة ورضى من صانعيها. ومن ثم يجب فهم أولويات أميركا، لكي نفهم مصير أيٍّ منها.
يمكن القول إن لأميركا مصالح مباشرة في منطقتين، أفريقيا، وشمال أفريقيا خصوصاً (المغرب العربي)، حيث أنها تريد الحصول على متكأ لكي تتوسع في القارة التي كانت تخضع لمصالح فرنسا، وأصبحت مجال نشاط كبير للصين، خصوصاً في الدول التي كانت تدّعي الماركسية. ولا شك أن فرنسا تحاول إعادة ترسيخ وجودها من خلال دعم دكتاتوريات وسط القارة وغربها. وبالتالي، ليس أمام أميركا إلا تبرير وجودها العسكري. لهذا أسست قبل سنوات "أفريكوم"، وكانت تبحث عن مقرٍّ لها، لكنها لم تحقق ذلك بعد، على الرغم من أن الميل نحو تونس. ولهذا، إذا كان تنظيم القاعدة موجوداً في هذه المنطقة، وبات تنظيم داعش موجوداً (في ليبيا)، ربما تفرض نهاية مهمة "داعش" في سورية والعراق تركيز وجوده في هذه المنطقة، لتوسيع الدور العسكري الأميركي هناك.
من جهة أخرى، الصين هي "الخطر المحتمل" للطغم المالية، وللدولة الأميركية. لهذا، يمكن أن يكون لهذه التنظيمات مهمة كبيرة في البلدان حول الصين. أعلن أيمن الظواهري افتتاح فرع في تلك المنطقة، وأصبح تنظيم داعش موجوداً في الفلبين، ومن ثم يمكن أن يُنقل عناصر منه إلى هناك، لتعزيز التدخل العسكري الأميركي. ربما وصولاً إلى آسيا الوسطى "الإسلامية"، حيث يمكن مناوشة روسيا كذلك.
"الطابع الإسلامي" لهذه التنظيمات يعني أن لها مهمة في "العالم الإسلامي"، من المغرب إلى أندونيسيا وماليزيا وآسيا الوسطى. وبعد تركيز الوجود الأميركي في العراق، والمساومة مع روسيا، سنرى كيف أن "المعركة" سوف تنتقل إلى تلك المناطق.
إذن، لمعرفة أين ستذهب "داعش"، يجب البحث في سياسات الطغم المالية.

(العربي الجديد)

 

على المعارضة

السورية الرحيل

سلامة كيلة

مرّت ست سنوات ونصف السنة على انطلاق الثورة السورية. لا يبدو أننا وصلنا إلى لحظة اكتشاف نهاية لها. اعتبر كثيرون ممن شاركوا فيها أنها انتهت، وأن ما يجري صراعٌ مسلحٌ دموي، وظهر أن المجموعات السلفية هي التي تسيطر على المشهد "المضاد للنظام"، كما أن القتل والتدمير والتهجير الذي حدث أظهر ضخامة الكلفة التي ألمّت بسورية.
عوامل عديدة أفضت إلى هذه الوضعية. لا شك في ذلك، لكن بعد ست سنوات ونصف السنة لا بد من أن نتناول بـ "الجلد" المعارضة التي اعتبرت أنها ممثل الثورة، من دون أن يختارها أحد، حيث كانت عبئاً على الثورة، وأضرت بها كثيراً، بحيث يمكن أن نقول إنها أسهمت في إيصال الوضع إلى ما نحن فيه، سواء من ناحية تضخّم دور "السلفية الجهادية" والأصولية، أو بالوصول إلى تحكّم دول إقليمية وكبرى بالوضع، فقد كانت أزمة الثورة الأولى تتمثل في غياب القيادة الفعلية لها، وبالتالي تحكّم العفوية بها، ومن ثم قدرة النظام وحلفائه على التأثير في مساراتها، بما يخدم سياساته هو.
فأولاً، كان واضحاً الانفصال بين المعارضة والشعب، حيث كانت المعارضة غارقةً في همومها، وأزمتها بعد أن فرض استبداد السلطة وشموليتها تهميشها، نتيجة حملات اعتقال، طاولت كثيرين من كوادرها. لكن ما فرض الانفصال حتى حينما أصبحت هناك نافذة تركيزُها على هدفٍ وحيدٍ، هو الديمقراطية، بدا ردَّ فعلٍ على ما تعرّضت له من قمع، أو الصراع الغريزي مع النظام. وهو الأساس الذي شكّل كل سياساتها، وخصوصاً بعد الثورة. حيث محورت كل خطابها عن الحرية والكرامة، أو إسقاط النظام بالتدخل "الخارجي". وبهذا، لم تلتفت إلى الشارع، حيث كان يحتاج قيادة فعلية، وبلورة خطابٍ يعبّر عن مطالب الطبقات الشعبية كلها، ويضمن توحيدها كلها في وضعٍ كان يجري اللعب لتحقيق شرخ عميق بينها عبر استخدام التخويف الطائفي.
وثانياً، كان واضحاً رهانها على الخارج. لهذا عمل جزء مهم منها على نقل نشاط المعارضة  

الذي يدّعي تمثيل الثورة إلى الخارج، وتشابك مع دول إقليمية وكبرى، على أمل أن تسقط هذه الدول النظام وتفرضها بديلاً عنه. وبهذا، سمحت بأن تخضع الثورة لمصالح تلك الدول وسياساتها وصراعاتها. وأن تكون أداة لهذا الخارج. راهنت وظلت تراهن على أن هذه الدول هي التي ستساعدها على إسقاط النظام واستلام السلطة. وبهذا، كان واضحاً أنها لا تفهم الواقع العالمي وتحولاته، ولا مصالح الدول التي تعتمد عليها، فقد اعتقدت أن أميركا تنتظر لحظة إسقاط النظام، ما جعلها تعتقد أنها سوف تتدخل مستغلة الثورة، وأنها ستأتي بها إلى السلطة. وإذا كانت مصالح دول، مثل قطر وتركيا وفرنسا، تتمثل في أن يكون بديل النظام خاضعاً لها، ولهذا شكّلت معارضة الخارج، فقد أفضى الفيتو الأميركي إلى فشل هذا الخيار، ومن ثم الى تغيّر مصالح هذه الدول. ومن ثم إلى بحث هذه المعارضة عن دعم دول، فيما هذه الدول متنافرة أصلاً.
وثالثاً، كانت تستعجل التسلح بلا حساب، ودفعت إلى سياسة عسكرية مضرّة من خلال ما أُطلق عليه سياسة التحرير في وضع مختلّ كثيراً لمصلحة النظام، وما كان يوازن ميزان القوى ويغيره هو القوة الشعبية، وليس القوة العسكرية، وهي التي أدت سياسة التحرير إلى تفكيكها، عبر الرد الوحشي الذي قام به النظام، بتدمير كل المناطق التي ثارت، ما أفضى إلى تهجير هائل، ومن ثم حصار المقاتلين في مناطق منعزلة، أفضت إلى استسلام كثير منها. كانت خطة النظام واضحة، وتقوم على محاصرة المناطق المتمردة مقدمة لإخضاعها، وكان يبدو أن بساطة المقاتلين، أو غباء أطراف المعارضة، يوصل إلى ما يريد النظام.
ورابعاً، عملت بعض أطرافها، وخصوصاً هنا جماعة الإخوان المسلمين، على أسلمة الثورة، على الرغم من شعارات الشباب الذي كان يخوضها التي أعلنت "لا سلفية ولا إخوان، الثورة ثورة شبان"، حيث كانت تعتقد أنه لا دور لها من دون أن تتحوّل الثورة إلى حراك "إسلامي"، يجعلها هي قيادته. ولقد ساعدها على ذلك علاقاتها الإقليمية التي سمحت لها بأن تمتلك قنواتٍ فضائية، وميل النظام من طرف والدول الإقليمية من طرف آخر إلى أسلمة الثورة. وربما كان هذا أخطر ما حدث منذ بدء الثورة، وجرت رعايته من أطراف متعدّدة، بالضبط لأنها تريد إجهاض الثورة، وتحويلها إلى صراع طائفي.
إذن، يمكن القول إن كل طرف في المعارضة كان ينطلق من منظور ذاتي، ويحاول استغلال الثورة لتحقيق مصالح ذاتية، بعيداً عما أراده الشعب الذي ثار يريد إسقاط النظام، فقد عمل بعضها على استغلال الثورة من أجل تحقيق "الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية"، وكان بعضها ينطلق من صراع غريزي، يريد الاقتصاص من النظام الذي سحقه أو ظلمه، حتى وإنْ تحقق ذلك بالتدخل الخارجي، أو تدمير البلد. وكثيرون ممن ادّعوا المعارضة كانوا يعتقدون أن النظام آيل إلى السقوط السريع، وعليه أن يحجز مقعداً في السلطة الجديدة، وهو أصلاً لا يعرف مشكلات الشعب، ولا يفكّر بها. وأيضاً كان هناك من يمتلك أوهاماً كثيرة عن التغيير والعالم والبديل.
الآن، لم يكن ذلك كله بعيداً عن التأثير في مسار الثورة، بل أنه أثّر بشكل مباشر فيها، وأوجد تعقيدات، وأضراراً، أسهمت في وصول الوضع إلى ما نحن فيه. وإذا كانت الثورة قد تُركت للعفوية، خصوصاً بعد أن عمل النظام على تصفية التنسيقيات التي ضمت فئاتٍ شبابيةً وناشطين لديهم قدر من الفهم السياسي، وحاول استثارة غرائز الفئات الشعبية، عبر أشكال مختلفة من الاستفزاز والوحشية، فقد شكّلت المعارضة عبئاً ثقيلاً على الثورة، وأضرّت بها في مختلف مراحلها. ويمكن توضيح ذلك في ثلاثة مستويات:
أولاً، إذا كانت الثورة قد توسعت ببطء، وأخذت سنة لكي تشمل كل سورية، حيث ظهر أن  

هناك فئة كبيرة متردّدة، سنلمس كيف أن النظام كان يلعب على هذا التردّد، حيث أصرّ على أن ما يجري هو من فعل مجموعات أصولية سلفية إخوانية إرهابية. هذا هو خطاب النظام الذي وجد ما يقابله فيما تسمى المعارضة، حيث ظهرت شخصيات معروفة بتكفير العلويين والأقليات، وبالدعوة الأصولية المغرقة، ادّعت أنها المعبّر عن الثورة، وكانت تلقى تجاوباً من أطراف معارضة، وحتى من شباب يتظاهر. كذلك كانت تسميات أيام الجمعة تصبّ في المحور ذاته، وأيضاً التغطية الإعلامية لبعض القنوات التي كانت تعبّر عن جماعة الإخوان المسلمين وعدنان العرعور. كما كانت الدعوات من أطراف معارضة إلى التدخل الأميركي تثير الخوف الشعبي، بعد أن كان الشعب السوري قد لمس نتائج التدخل الأميركي في العراق.
كل هذا التأخير في توسّع الثورة نتيجة ذلك كان يعطي النظام الفرصة للتماسك، والتخطيط لمواجهة الثورة، والتحكّم في مسار الصراع. لهذا ظل متماسكاً سنة وتسعة أشهر، فظل قادراً على ضبط تمرّد الجيش، ومنع تفكك السلطة، بينما كان هذا الزمن مهماً في سياق إسقاط النظام، وكان التأخر مضرّاً بالثورة، كونها بلا قيادة فعلية ولا إستراتيجية. وهذا ما ظهر في المرحلة التالية.
ثانياً، كان الشغل "الخارجي" على الأسلمة والتسليح يسمح باللعب بالفصائل المسلحة التي باتت تحتاج المال والسلاح. وقد ظهر خطر الأسلمة جلياً، بعد أن بدأ النظام خطته، لتشكيل مجموعات سلفية إرهابية، حيث أطلق سراح "جهاديين" معتقلين، وأخذ ينفّذ خطة تشكيل فرع لتنظيم القاعدة، ثم "داعش". فقد أسهمت الأسلمة في إيجاد بيئة قابلة بهذا الوجود، ومهيئة لتقبّل مجموعاتٍ تأتي من الخارج. خصوصاً أن أطرافاً متعدّدة في المعارضة الخارجية رحبت بـهذا الوجود وأيدته ودعمته. وبهذا، أصبحت المجموعات الأصولية القوة الأكبر، سواء تعلق الأمر بـ "داعش" وجبهة النصرة أو حتى المجموعات الأخرى التي لا تختلف عنها كثيراً. لقد وُجدت هذه المجموعات ونمت تحت غطاء معارضة عاجزة تنتظر من يوصلها الى السلطة.
وأخيراً، أفضى ذلك الى أن تتحكم "الدول الداعمة" بالقرار، وأن تحدّد أدوار القوى، وتكتيكاتها، وأن تستخدمها في سياساتها، بما يخدم مصالحها هي ضداً على الثورة. وكما يبدو، سيكون الحل في مصلحة روسيا بتوافق كل هذه الدول "الداعمة"، فهي كلها تركض للتفاهم معها.
أخفقت المعارضة السورية، وأضرّت، وعليها الرحيل.

(العربي الجديد) لندن

 

عن جبهة النصرة للمرة الألف

سلامة كيلة

 

حققت جبهة النصرة نقلة جديدة في سيطرتها على منطقة إدلب، وهو أهم دور لها في سياق ما تقوم به منذ تأسّست، حيث سيطرت على إدلب ومعظم ريفها حتى باب الهوى. ولا شك في أن كثيرين ممن يعتبرون مع الثورة السورية فوجئوا بما جرى، وما زالت "نخب" كثيرة تدافع عن الجبهة كذلك. لكن ربما تكون الأمور قد اتضحت الآن بشكلٍ لا يسمح بأي دفاع عنها، على الرغم من أن هناك من يغرف في هوس أصولي سلفي، بالتالي يرى في الجبهة قوة معادية للنظام، على الرغم من "أخطائها" كما يظن.
لا شك في أن الهوس الطائفي يغطي على العقل، بما لا يسمح برؤية شيء، ولا بالتفكير المنطقي حتى. وأمام أزمة الثورة، غرق رهط من "النخب" في هذا الهوس. ولهذا، دافع ويدافع عن جبهة النصرة إلى الآن.
منذ البدء، أشرت إلى ضرورة سحق تمظهراتها الأولى، لأنها آتية لكي تفعل بالثورة السورية ما فعل تنظيمها الأصلي (قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين وهو فرع للقاعدة في العراق) بالمقاومة العراقية، وأشرت إلى أنها أتت للتخريب، وليس لـ "نصرة أهل الشام"، لكن عتاولة المعارضة تصدّت لذلك، وأخذت تلقي قصائد المديح للجبهة، ما هيأ لها "قاعدة شعبية". بات الآن واضحاً أنها قامت بدورها بكل جدارة، وأنها صفَّت كثيرا من كتائب "الجيش الحر"، ومن القادة والشباب الناشط، وكبرت بحيث تستطيع السيطرة، وسحق حتى الكتائب السلفية "أخوة المنهج". 
وعلى الرغم من أنها، في منظورها المعلن، ليست مع الثورة، بل مع مسار مضادّ لها، فإن الأمر يتعلق هنا بمنظورها الديني، على الرغم من أصوليته ووحشيته، بل في أنها "صناعة مخابراتية"، على الرغم من انخراط كثير من الشباب السوري، ومن جماعة الإخوان المسلمين فيها. ودورها مخابراتي بامتياز، ولا علاقة له بالدين. هذا هو أساس فهمها وفهم دورها، وغير ذلك تضليلٌ وجنونٌ وأوهام. فقد كان لـ "والدها" (تنظيم قاعدة الجهاد) دور كبير في افتعال الصراع الطائفي خدمةً للمحتل الأميركي للعراق، ولإيران التي كانت تريد تخويف "الشيعة العرب"، لكي تهيمن عليهم، ومن ثم لسحق "السنة" خدمةً للمحتل وإيران معاً. ولقد صُدِّرت لسورية لتكمل المهمة بعد اندلاع الثورة. هذا ما حذَرت منه، منذ إعلان تشكيلها، وما وصلنا إليه الآن، مع الألم الذي ينتج عن ذلك.
جبهة النصرة هي أخت "داعش"، وكان لكل منهما دور محدَّد، كما شرحت، في مقالات سابقة، وكتبت أن مهمة "النصرة" السيطرة على منطقة إدلب، لكي تعود إلى "حضن الوطن"، أي لكي تسلمها لـ "حضن الوطن". لكن في السياسة السذاجة مدمرة، والصراع الغريزي مدمِّر، ولا أشك في أن أطيافا كثيرة في المعارضة كانت تنطلق من صراع غريزي. بالتالي، كانت تقبل كل من تتوهم أنه يقاتل النظام، بغض النظر عن ماهيته. ولهذا، وقعت في سقطاتٍ تفرض عليها أن "تشنق"، فقد سهّلت الوصول إلى هذه الهاوية بغباءٍ لا يبرّر لها. والمأساة أن هؤلاء الذين "احتضنوا" ودافعوا عن "النصرة" ما زالوا يعتبرون ذواتهم قياداتٍ في المعارضة، بدل أن يسحقوا بالأقدام. لن أسمي، فهؤلاء معروفون بالاسم. لكن، لا بد يوماً من المحاسبة، ليس لعصابات النظام فقط، بل كذلك لعصابات المعارضة وجهلتها، فكلاهما أوصل الثورة إلى هذا الحضيض.
أقول من جديد ليست "النصرة" تنظيماً أصولياً، على الرغم من خطابها الأصولي الوهابي، بل هي افتعال مخابراتي، وقادتها هم عناصر مخابرات، ربما من بلدان متعدّدة. لكن، بالتأكيد للمخابرات السورية عدد وازن فيها. هي كما "داعش" شركة أمنية خاصة، تخدم سياسات دول، وباتت تلعب دوراً مهماً في تدمير الثورات، بعد أن باتت النظم ترتعب من الثورة. وأشير الى أن ذلك يعني أن تكفّ الدول التي تدّعي دعم الشعب السوري عن دعم هذا التنظيم، فعديد منها يمدّه بالمال، وتسهيل الوصول في سياق لعبة إقليمية، تتصارع فيها دولٌ لتحقيق مصالحها.

(العربي الجديد) لندن

 

ذكرى ثورة 23 يوليو..

"النظم القومية" في مسار تاريخي

سلامة كيلة

 

 

"وقعنا في ثنائية الاستبداد/ الديمقراطية مقياساً عاماً لتحديد الموقف، وبتجاهل كامل لكل ما تحقق طوال ثلاثة عقود من التحولات والصراعات"

"جوهر الأزمة المجتمعية كان يتمثّل في الريف الذي انحكم، في بلدان أخرى، لقيادة الشيوعيين، لكنه في بلداننا كان بلا قيادة"

"تغلغل الفكر الحداثي قبل الانقلابات بأكثر من نصف قرن، لكنه لامس بالكاد وعي "النخب" الريفية"

 

يبدو أن ما حدث أواسط القرن العشرين من تحوّلات في البلدان العربية (وفي دول الجنوب عموماً) ما زال يحمل الالتباس، ويُعطى توصيفاتٍ، وأحكاما بعيدة عن الواقع، في الغالب هي نتاج الميل "الفكري" الذي كانت من منتجات هذه التحولات. وبالتالي، هي تحاكم بما أوصلت إليه، وما أنتجته من ردود فعل أكثر من تحاكم ضمن السياق الذي أتت به، وبتحديد الأسباب التي أنتجتها.
فقد أنتجت هذه التحولات نظماً استبدادية شمولية، وكان من نتيجة ذلك نشوء الميل نحو الديمقراطية والتحرّر لدى أجيال عاشتها، واستفادت منها، بشكل أو بآخر. وبالتالي، باتت تحاكم هذه التحولات انطلاقاً من منظور ديمقراطي محض. ولأن النظم كانت استبداديةً شموليةً، فقد أصبحت مجال إدانة وتقريع، وحتى شتم. بهذا، جرت رؤية النظم التي نتجت عن هذه التحولات من منظورٍ وحيد، هو ردّ فعل على طابع النظم ذاتها. ووقعنا في ثنائية الاستبداد/ الديمقراطية مقياسا عاما لتحديد الموقف، وبتجاهل كامل لكل ما تحقق طوال ثلاثة عقود من التحولات والصراعات. وبالأساس، من دون قدرة على رؤية التحولات نفسها، وما نتج عنها من تغيير في البنى والأفكار. ومن ثم كيف ولماذا انهارت؟ ربما على العكس، لا يجد هؤلاء ما يستدعي القول إنها انهارت، لأنها بالنسبة لهم مستمرة، وممثلة بحكم العسكر، أو حكم الطائفة أوالحزب.
فهم ما جرى، بغض النظر عن الأحزاب والأشخاص، يمكن تحديده في ثلاثة عناصر، أو يمكن القول إنه كان نتاج ثلاثة عناصر:
أولاً، ما أفضت إليه الحرب العالمية الثانية هو، من جهة، اشتداد حالة الفقر والبطالة في مجمل البلدان العربية. ومن جهة ثانية، تراجع وضع الدول المستعمِرة. لهذا، كان من الطبيعي أن يتصاعد الصراع الطبقي، وأن يشتدّ متداخلاً بالنضال الوطني ضد الاستعمار والأحلاف الاستعمارية. ومثال مصر واضح هنا، حيث تصاعدت حركة الاحتجاجات والإضرابات والتظاهرات منذ سنة 1946 إلى 1952، وظهرت آثارها واضحة حينها بما حدث من فوضى وضعفٍ في النظام، وانفلاتٍ عام، ونشاط سياسي للأحزاب. كذلك ظهر الأمر في سورية والعراق، حيث تصاعدت الإضرابات والاحتجاجات، ودخلت قضية فلسطين لكي تزيد من تعقيد الصراع، وهو ما ظهر في تعدّد الانقلابات في سورية، وفي حركة الإعدامات للشيوعيين في العراق. وفي الجزائر اندلعت الثورة ضد الاحتلال الفرنسي، وكذلك في تونس.
بمعنى أن الوضع لم يعد مستقراً، وأن الشعوب ما عادت قادرةً على تحمّل الوضع الذي هي فيه، ومن ثم باتت النظم عاجزةً عن الحكم. وكان ذلك كله يوضّح أن الواقع يطرح ضرورة التغيير، وأن الصراع الطبقي يجب أن يوصل إلى تغيير النظم التي باتت متهالكة.
ثانياً، كانت هذه الوضعية بحاجة الى أحزاب معنية بالتغيير الذي يعبّر عن مطالب الطبقات 

الشعبية، العمال والفلاحين وفئات وسطى مدينية، حيث لا إمكانية لتحقيق التغيير من دون قوة منظمة. وكان واضحاً منذ ثورة أكتوبر في روسيا في 1917، ومن ثم الثورة الصينية في 1925، أن التغيير يستلزم ليس الرأسمالية التي باتت جزءاً من النظم القائمة، بل الطبقة النقيض المتمثلة بالشيوعيين. وهي الموجة التي اجتاحت العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وانتصرت في دول كثيرة. وكانت البلدان العربية هذه تحفل بوجود أحزابٍ شيوعية، لعبت دوراً في تأجيج الصراعين، الطبقي والوطني، لكنها كانت منحكمةً لمنظور (ربما ما زال يحكم بقاياها وكثير من "الماركسيين" المتأثرين بالسوفيت)، يقوم على أن المرحلة ليست مرحلتها، بل هي "مرحلة بورجوازية"، وحيث أن البورجوازية هي التي تنجز الثورة الديمقراطية، وأن على الشيوعيين دعمها. بالتالي، لم يكن في استراتيجية هؤلاء الاستيلاء على السلطة، وتحقيق مطالب الطبقات الشعبية، ولا نشطوا من أجل تطوير حراك الشعب، لكي يسقط النظم.
هنا كان الوضع في مأزق، حيث لم يعد الشعب قادراً على الاستمرار بما هو فيه، وضعفت النظم بما جعلها عاجزةً على الحكم. تقع المسؤولية هنا على عاتق الشيوعيين الذين أنفوا السلطة، وساروا خلف تصوّر وهمي، فتركوا فراغاً كان لا بد من أن يُملأ.
ثالثاً، إزاء ذلك كله، كان لا بد من حل "قسري". هنا لا بد من دراسة وضع الجيش الذي قام بعملية التغيير (حتى في البلدان التي فيها حزب قام الانقلاب باسمه، مثل سورية والعراق)، فقد فرض تكوين النظم إدخال الفلاحين ليس جنودا بل ضباطا كذلك. وعلى الرغم من أنهم من الرتب المتوسطة، فهم من قام بالانقلابات التي هزّت البلدان العربية منذ انقلاب 1952 في مصر، وصولاً إلى انقلاب 1963 في سورية، و1968 في العراق. لماذا استطاع هؤلاء فعل ذلك؟ لا شك أن ضعف النظم مع تصاعد الحراك الشعبي كان يدفع هؤلاء إلى التعبير، ليس عن النظم ذاتها كما هو الأمر الطبيعي، كون الجيوش هي أداة النظم لسحق الشعب، بل عن الفئات الاجتماعية التي ينتمون إليها، وعن مجمل الطبقات الشعبية. وظهر هنا أن الفلاحين الذين يؤخذ عليهم أنهم لا يستطيعون تنظيم ذاتهم في حزب، وجدوا من يعبّر عنهم، وهو بنية منظمة ومنضبطة، وأداة للسلطة.

الريف والفلاحون
يستلزم هذا الأمر دراسة وضع الفلاحين، لكي يكون ممكناً فهم ما جرى، سواء فيما يتعلق بالانقلاب، أو بالتغييرات العاصفة التي تلت ذلك، والتي سمحت بوسم ما جرى أنه ثورة. فقد كان الطابع العام للتكوين المجتمعي ريفياً، وكانت نسبة الفلاحين تصل إلى 80% من الشعب، وعلى الرغم من وجود فلاحين متوسطين وصغار وعمال زراعيين، فقد اتسم الريف بسيطرة كبار ملاّك الأرض. وحيث كان يسود الفقر والتخلّف والأمية. لهذا، يمكن القول إن جوهر الأزمة المجتمعية كان يتمثّل في الريف الذي انحكم، في بلدان أخرى، لقيادة الشيوعيين، لكنه في بلداننا كان بلا قيادة، أو يدعم أحزابا وكتلا "وطنية"، على الرغم من أنها لا تطرح حلاً لمشكلاته. وكان الريف خزّان الجيش ومتوسطي الضباط، بينما ظلّ كبار الضباط أبناء مدن.
يمكن تلمّس سمتين حكمتا الريف الذي كان يعاني من الاستغلال والتخلف والجهل. الأولى: أن الفلاح يميل عادة إلى التملك، لهذا كان المنطق الذي يحكم الريف هو الحصول على أرض، الأمر الذي كان يعبّر عن الميل إلى الارتقاء الطبقي. الميل إلى التملّك هو مطمح الفلاح. الثانية: الحداثة التي تسرَّبت إلى المدن الكبيرة بالكاد لامست الريف. ولهذا، ظل وعي "النخب" الريفية مختلطاَ بين وعي تقليدي وحداثة شكلية. وإذا كانت أفكار الحرية والتقدم والحق في التعليم والمساواة تتردّد لدى هذه النخب، فقد ظلّ الوعي البطريركي يحكم منطقها "السلطوي"، وظل سلوكها تقليدياً. لقد تغلغل الفكر الحداثي قبل الانقلابات بأكثر من نصف قرن، لكنه لامس بالكاد وعي "النخب" الريفية، خصوصاً ضباط الجيش.
تفاقم الصراع الطبقي من طرف، و"رفض" الشيوعيين قيادة عملية التغيير، على الرغم من 

قدرتهم، نتيجة الأوهام الأيديولوجية التي كانت تحكمهم، فرضا انقلاب موقف الجيش من أن يكون أداة النظام في سحق الشعب إلى أداة الشعب في التغيير. لكنه في الواقع كان يعبّر عن وطأة استغلال الريف، ومصالح الريف الذي كان يمتلك طموح الارتقاء الطبقي. وكان توافق الريف مع مجمل فئات الشعب يتحدّد في التخلص من استغلال الإقطاع والنظام الذي يمثله، وبالتالي مجمل بنية الطبقة المسيطرة، والحصول على الملكية وحق التعليم، وهو الأمر الذي كان يفتح مجالاً لتغييرٍ كبيرٍ في المجتمع، يسقط نمطا اقتصاديا سياسيا لمصلحة ميلٍ تتنازعه مصالح متعدّدة، لكنه يقوم على أساس مبدأ إعادة توزيع الثروة الذي تمثّل في الإصلاح الزراعي، والحق في العمل والأجور التي تناسب الأسعار، والحقوق التي تخص العمال، والتعليم المجاني، والضمان الصحي والاجتماعي الشامل.
بالتالي، يمكن القول إن دور الجيش وحكمه تمثلا في تحقيق حلٍّ لأزمةٍ مجتمعيةٍ ظهرت واضحةً بعد الحرب العالمية الثانية، انطلاقاً من مصالح فئات وسطى، ريفية في الغالب، ومن منظور وعيها الذي كان مختلطاً بين الحداثة والمحافظة. وإذا كان قد حقق "نهضةً" في مراحل حكمه الأولى، حيث نشأت الصناعة، وتطور الاقتصاد، وتعمم التعليم، وتوسّع نشر الثقافة، وتحصلت الطبقات الشعبية على حقوق كبيرة، فقد أفضت مركزة الثروة بيد الدولة، وفي ظل نظام شمولي، إلى أن تميل الفئات الريفية التي باتت المؤسس لبنية النظام الجديد إلى "تحسين وضعها"، عبر "مدّ يدها" على الفائض الذي بات يحقّقه "القطاع العام". هذا ما أدى إلى "أزمةٍ" في هذا القطاع، لكنه أوصل إلى نشوء "رجال أعمال جدد" (القطط السمان). لقد ظهرت الدولة وكأنها عنصر تحويل للملكية من ملاّك قدامي (ملاّك الأرض والتجار وأصحاب البنوك) إلى ملاّك جدد، بعد أن كان نشاط الدولة هذا قد حقّق تراكماً كبيراً في الثروة. وكانت هذه العملية بحاجةٍ إلى الشمولية بالضرورة، لأنها تمثّل عملية نهبٍ لا بدّ من المداراة عليها. وكانت بنية الوعي والسلوك اللذين يتسم بها هؤلاء الضباط الذين باتوا هم، أو جزءٌ منهم، السلطة، تناسب هذه الوضعية، حيث جرى تأسيس نظام بطريركي في غلاف حداثي.

الجيش و"التغيير"
أشرت إلى أن ما حدث حل "قسري"، بالضبط لأنها حالةٌ نادرة أن يقوم الجيش بعملية تحويل كبيرة، ويستطيع الريف أن يرسم ملامح التطور. ويتمثل السبب، كما حاولت التوضيح، في أن القوى التي كان يمكن أن تقوم بعملية التغيير "الجذري"، أي الشيوعيين الذين أظهر القرن 

العشرون أنهم من حقّق التغيير في مناطق واسعة، كانت "عقيمة"، بعد أن حُقنت بـ "نظريةٍ" اخترعتها الماركسية السوفيتية خدمة لسياساتها العالمية، تقول "إن دور الشيوعيين لم يحن بعد". ولا شك في أنه، حتى الشيوعيين، ما كان من يمكن أن يؤسّسوا "نظاماً ديمقراطياً" حينها. لكن، كان من الممكن أن يحققوا تغييراً عميقاً في التكوين الاقتصادي، يفرض تجاوز البنى والوعي التقليديين، وأن يؤسّسوا نمطاً صناعياً قابلاً لأنْ يثوّر كلية بنية المجتمع. لهذا، لا بدّ من توجيه النقد الشديد هنا أولاً، قبل الغوص في نقد تجربة النظم "القومية". ومن ثم لمس أن ما جرى قد أنهى نمطاً اقتصادياً متخلفاً، على الرغم من أن النتيجة لم تكن مشرّفة، حيث أنه بعد تطور محدود جرت عملية إعادة تكريس البنى الاقتصادية التابعة، وإعادة إنتاج التخلف، من فئاتٍ استفادت من واقع التجربة، لكي تصبح هي المافيا الجديدة.
وهنا، لا يفيد كل "النقد" المنطلق من منظور "ديمقراطي"، لأن التجربة أوسع من ذلك، وأن هذه لم تكن مشكلتها الوحيدة، ولا مشكلتها الأساس. وكذلك لأن كل النقد "الديمقراطي" يؤسّس لحالةٍ من الحنين لما قبل هذه التجربة، أي إلى ماضٍ موهوم، لم يُلمس منه سوى بعض المظاهر "الديمقراطية"، وكأنه لا علاقة لنهب الفلاحين وتخلفهم وأميتهم بالديمقراطية. ولكي تكون اللبرلة الحلّ الوحيد، على الرغم من أنها ما أفضى إلى كل الدمار الاقتصادي والتعليمي والصحي، وكل البطالة والفقر والتهميش، الذي نعيشه. وليكون دور الدولة الاقتصادي منبوذاً، لأنه "يؤسّس للاستبداد"، على الرغم من الأهمية الحاسمة لهذا الدور في بناء الصناعة وتطوير الاقتصاد ككل، وفي فرض مجانية التعليم والضمان الصحي وكل الحقوق الضرورية لعيش كريم. وإذا كان يُلقى على دور الدولة هذا سبب الاستبداد، سنلمس أنه يجري تجاهل البحث في الطابع الطبقي للفئات التي استلمت الحكم، وطبيعة مصالحها، ووعيها، حيث كان هذا سبب طابع الدولة والمآل الذي وصل إليه الوضع، وليس دور الدولة بالذات. على الرغم من أن دور الدولة الاقتصادي يطرح إشكاليةً بحاجة إلى تحليل، تتمثل في أنه يعطي الفئات المسيطرة عليها قدرة هائلة، ما يتيح لها التصرّف بشكل أكبر مما يجب. وهذا هو الأمر الذي يفرض الميل إلى الاستبداد. لكن حلّ هذه الإشكالية لا يفرض رفض دور الدولة الاقتصادي، لأنه الوحيد الممكن لتحقيق التطور والحداثة، بعد أن بات الرأسمال في الأطراف ليس معنياً، لا بالتصنيع، ولا بتطوير قوى منتجة، ولا بالحداثة والديمقراطية كذلك.

(العربي الجديد)

 

مرض روسيا العراقي

سلامة كيلة

عقدة ما حدث لروسيا في العراق سنة 2003، وما حدث لها كذلك في ليبيا، بعد موافقتها على التدخل الدولي، جعلتها تعيش حالةً مرَضية، لهذا في كل لحظة تكرّر: "لا نريد أن يحدث في سورية، كما حدث في العراق". تتمثل المشكلة هنا في أن احتلال العراق تمَّ تحت أنظار روسيا، وأن التدخل الأطلسي في ليبيا تمّ بعد موافقةٍ روسية، وكلاهما حدثا وفلاديمير بوتين هو "الدكتاتور" القابع في الكرملين. وبالتالي، سنجد أن الغباء الروسي (البوتيني) الذي أدى إلى ذلك ينقلب غباءً معاكساً في سورية. ولا شك ستكون النتيجة هي نفسها، فيما يتعلق بوضع كل من العراق وليبيا وسورية: الدمار. مع فارقٍ يتمثل في أن أميركا تريد السيطرة على العراق وروسيا تريد السيطرة على سورية. 

 يقول وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إنه بالنسبة لما جرى في العراق، فإن دولا غربية كثيرة كانت "متعطشة للقضاء على الدكتاتور" هناك. وأردف: "ولهذا، أخشى من أنه بعد القضاء على الدكتاتور (في سورية) سيجري القضاء على البلد أيضا، لأننا نشهد هناك تطوراتٍ شديدة التعقيد". 
ما يقوله لافروف هو أنه تحت حجة القضاء على "الدكتاتور"، جرت عملية تدمير للعراق. ولهذا يريد الحفاظ على الدكتاتور السوري، لكي لا يُدَمَّر البلد. لكن ما قامت به أميركا في العراق، حينما احتلته، أنها دمّرت البنية التحتية، ولم تَقُم بتدمير مدن ومناطق إلا بعد "اكتساب الخبرة السورية"، وتحت حجة الحرب على "داعش"، حيث أمعنت في تدمير مدن غرب العراق، من تكريت والأنبار والفلوجة إلى الموصل. بينما أصبح ثلث سورية مدمَّرا نتيجة قصف الطائرات والصواريخ التي يمتلكها النظام، ثم بأحدث الأسلحة الفتاكة التي استخدمتها روسيا. وخلال ذلك، جرى تشريد أكثر من نصف السكان (نصفهم بات خارج سورية). ولا شك في أن الدكتاتور لا يزال واقفاً على قدمين، من "تدخل خارجي" لإيران، بكل أذرعها "الشيعية"، وروسيا بكل تطورها العسكري، ووحشية سلاحها. 
الدكتاتور مستمر فقط نتيجة ذلك، لكن استمراره كما تريد روسيا لكي لا تتكرّر "مأساة" العراق، حين جرى السعي إلى القضاء على الدكتاتور، يعني أن عليها أن تكمل تدمير البلد وترحيل شعبها إلى خارج الحدود، بحيث يصبح هناك "رئيس" لسورية، لكنه من دون شعب، ولا مدن ولا اقتصاد، وفقط محمول على جيوشٍ أجنبية، لديها طموح إمبريالي. 
لم تصل أميركا في العراق إلى هذه الوضعية، وربما استفادت كذلك من "العبقرية" الروسية، حيث إنها كذلك تريد عراقا مدمرا، وآبار نفط تحت سيطرتها. خصوصاً أن كليهما يضع حجة "الحرب ضد داعش" أساسا لدور عسكري تدميري فظيع. مع فارقٍ يتمثل في أن أميركا قصفت ودمرت مناطق وجود "داعش"، المدن والنواحي والقرى التي تقع تحت سيطرة "داعش"، بينما يقوم الروس بقصف المدن والنواحي والقرى البعيدة عن سيطرة "داعش" وتدميرها. ربما تتسم روسيا بالحول كذلك بعد الغباء، لكنها تعرف أن الخطر على النظام حليفها يتأتى من الشعب، وليس من "داعش" الذي جرى تصنيعه، وكان للنظام دور في ذلك، كذلك كان لروسيا دور في ضخّ "المجاهدين الشيشان". كما فعلت أميركا في العراق وسورية أيضاً، وكذلك دول عديدة أخرى. 
بالتالي، فرض "المرض العراقي" على الروس عملا أسوأ مما حدث في العراق، بحجة عدم إزاحة الدكتاتور، ليبقى الدكتاتور وحيداً، بلا شعبٍ، محاطاً بجيوش روسيا وإيران وأدواتها. بينما ليس من مقارنة بين الوضعين، العراقي والسوري، بالضبط لأن هناك كان أميركا تحتل وتزيل الدولة، بينما في سورية كان الشعب يطالب بإسقاط النظام، وليس إزالة الدولة، وظهر واضحاً أنه يستطيع. لهذا جاء التدخل الإيراني لكي يمنع ذلك، وحين فشل تقدّم الروس لمنع إسقاط النظام وفرض نظام آخر. هذا الفارق هو الذي يُظهر الغباء والحَوَل الروسيين معاً. 
إذن، بات "قانون" روسيا في سورية، "بعد تجربة"، يتمثل في بقاء الدكتاتور وفناء الشعب. 
روسيا مريضة بالفعل، ومرضها هو شره الهيمنة والسيطرة.

(العربي الجديد) لندن

 

جدال في شأن

"إنسانية" الرأسمالية

سلامة كيلة

 

كان ظهور روسيا يُفسّر على أنه على حساب أميركا، وأنها باتت تناهض "الإمبريالية الأميركية"

"التيار الذي "أصابه الهوس الأميركي" يرفض توصيفها بأنها إمبريالية، لأنها "تساعد الشعوب في تحقيق حريتها"

"التيار الذي عاد يمجّد الرأسمالية نشأ من شيوعيين ومن "اليسار الجديد"، والتيار الذي يمجّد الرأسمالية الجديدة نشأ من المصدر ذاته"

هل الرأسمالية إنسانية؟ يتكرّر طرح هذا السؤال في أوساط تدّعي أنها تنتمي إلى الماركسية، ولطالما أسّست تيارات ماركسية تصوراتها على هذا الأساس، أو على أساس تقديم الرأسمالية ودورها "التحضيري". وربما كانت فقرة في البيان الشيوعي (1848)، تبيّن أنها خاطئة، الأساس الذي كان يغذّي هذا الميل إلى "تبييض" الرأسمالية، والتعلُّق بها، وكيل المديح لها. 
شكلت الرأسمالية نقلة نوعية في التطور البشري، وهي تصعد مدمّرة الإقطاع، ومؤسِّسة نمطا حضاريا جديدا بعد اكتشاف الصناعة. وبالتالي، كانت بلا شك مرحلة أرقى في التاريخ البشري. لكن، هل نستطيع أن نظلّ نكرّر ذلك، بعد أن نضجت وتوسعت واحتلت ونهبت؟ حتى ماركس الذي أشار إلى "الدور التحضيري" للرأسمالية، وأنها سوف تدكّ أسوار حتى الأمم الأكثر همجيةً عبر سلعها، اكتشف كيف أنها قامت على نهب الأمم الأخرى، وعلى تدمير اقتصاداتها، من ذهب أميركا إلى الهند والصين وعبيد أفريقيا. وبالتالي، اكتشف بربريتها هي، وميلها الوحشي إلى تدمير حضارات الشعوب في سعيها إلى نهب هذه الحضارات. أعطى ذلك كله له مسمى "التراكم الأولي"، أو "التراكم البدائي" الذي أسس لنشوء الرأسمالية. بمعنى أن الرأسمالية قامت أصلاً على نهب الشعوب واستعبادها وسحقها، وتدمير حضارتها. 
على الرغم من ذلك، كانت فكرة إنسانية الرأسمالية قد تكرّرت في تاريخ الرأسمالية، وظهرت خلافات عديدة بشأن هذا الأمر، فقد جرى تفسير إشارات "البيان الشيوعي" إلى دور الرأسمالية في مواجهة الإقطاع، وتحقيقها الانتقال الى مجتمع جديد، بشكلٍ جعل الرأسمالية تحمل كل سمات التقدّم والإنسانية والحضارة. وكذلك جرى فهم الإشارات في "البيان" حول دور الرأسمالية "التحضيري" وهي تتوسع وتحتلّ، تأكيدا لدورها الإنساني. 
وكانت هذه الفكرة حول إنسانية الرأسمالية، ودورها "التحضيري"، جزءاً من الصراع في إطار التيارات الماركسية خلال الحرب العالمية الأولى، حيث ظل جزءٌ من هؤلاء ينظر بـ "عين الرضى" والإيجابية إلى الرأسمالية، وإلى "إنسانيتها" حتى وهي تخوض حرباً مدمرة بين دولها. وقد ظلت هذه الفكرة كامنة، تظهر حيناً وتتراجع أخرى. تظهر أحياناً في صلب  

المنتمين إلى الماركسية، وأخرى لدى منشقين عنها. حكم ذلك كل سنوات القرن العشرين، خصوصاً بعد أن ظهر مأزق الأمم الرأسمالية، بعد أن حققت هذه حالةً من الاستقرار الطبقي، همَّش الصراع الطبقي، أو عزله في حدود ضيّقة. على الرغم من أن ماركسيي العالم كانوا مندفعين إلى الصراع ضد الرأسمالية، وكان النظام السوفييتي يعزّز الميل إلى تسويد الرأسمالية، وتكريس الخطاب الذي يُظهر عيوبها، حتى ما كان إيجابياً لديها كان يجري تسويده، لكي لا تظهر إيجابية تدفع الشعوب إلى قبول الرأسمالية. كل ذلك على الرغم من أن الخطاب السوفييتي كان يقوم على ضرورة تحقُّق التطور الرأسمالي في الأطراف، وكان يرفض كل ميلٍ إلى انتصار الاشتراكية فيها. ومن انتصر كان على خلافٍ مع الدولة السوفييتية، من الصين والهند الصينية إلى كوبا. 
وقد قاد انهيار الاشتراكية، ومن ثم الأزمة الاقتصادية التي انفجرت سنة 2008 في أميركا، وطاولت كلية النظام الرأسمالي، عودة ميْلين ينظران إلى الرأسمالية من منظور "إنسانيتها". ظهر الأول عقب انهيار الاتحاد السوفييتي وظهور مصطلح، وخطاب، العولمة. حيث جرى ربط العولمة بالتطور التكنولوجي بالتحديد، وتأسّس تصورٌ حول تطور الرأسمالية حضارياً، بما يجعلها تتجاوز عنفها ونهبها السابقين، وأنها باتت تنحكم لقيم الحرية والديمقراطية، وأصبحت تتقدّم لتحقيق مصالح الشعوب، أو للدفاع عن الشعوب، خصوصاً بعد صدور قرار من الأمم المتحدة عن "التدخل العسكري الإنساني". وكان الخطاب الذي عمّمته الرأسمالية يركّز على الحرية والديمقراطية، و"يحثُّ" على دعم الحركات التي تدعو إلى ذلك، بل دعم تشكيل حركاتٍ تدعو إلى ذلك. بمعنى أن الرأسمالية تخلت عن وحشيتها واستغلالها ونهبها، وباتت إنسانيةً تريد ارتقاء الشعوب، وتجاوزت استخدام العنف للقبول بالنضال السلمي الإنساني، وتعميم حرية الرأي، وأنه في وضعٍ كهذا ليس من موقعٍ للثورات، بالضبط لأن الخيار الوحيد يتمثل في "النضال اللاعنفي"، و"الإصلاح الديمقراطي"، والديمقراطية قيمة مطلقة. يصل الأمر إلى حدّ التدخل العسكري الإمبريالي، من أجل "فرض" الديمقراطية. 
دفع هذا الوهم قطاعا من اليسار إلى الميل يميناً والتلبرل، حتى أكثر من ذلك، الاندغام بـ "الغرب"، أو الاستلاب تجاهه. وفي مفارقةٍ، بات هذا القطاع يقبل التدخل العسكري للدول الرأسمالية، ويرحّب أشدّ ترحيب بذلك، منطلقاً من أن هدف تدخلها هو تحقيق الديمقراطية، بعد التخلص من النظم الاستبدادية. ولهذا، بات يقبل الاحتلال والاستعمار تحت حجة "إنسانية" الرأسمالية و"دورها التحضيري" الذي سوف يؤدي إلى بناء نظم ديمقراطية، وسوف يعمّم الحرية في كل العالم. لقد بلغ الاستلاب حدّ التبعية المطلقة، وتمثّل الخطاب الإمبريالي، وبالتالي الدفاع العنيف عن الليبرالية والاقتصاد الحرّ، والتمحور حول هدفٍ وحيد هو: الديمقراطية، على الرغم من أن هذا اليسار المتلبرل لم يكن ديمقراطياً في تكوينه، ولم يعرف الديمقراطية في ممارساته. 
إذن، الرأسمالية باتت إنسانية، وما علينا سوى أن نلتصق بها، أن نتبعها، لأن ذلك هو أساس 

تحقيق "إنسانيتنا"، حتى وإنْ تم ذلك من خلال الحرب والاحتلال. وأن تطوّرنا مرتبط بذلك، حيث يجب أن نتمثل "القيم الغربية"، ولا يتحقّق ذلك إلا بالتبعية لها، بالضبط لأنهم يجب أن يعلمونا، وإنْ كان الأمر يحتاج الى التدخل والاحتلال. هنا، يظهر تحكُّم "منظور إمبريالي" بكل هؤلاء، وخضوعهم لاستلاب شامل، تحت حجة الحرية والديمقراطية. 
الميل الثاني، ظهر على ضوء "نهوض" روسيا بعد الأزمة المالية التي عانتها الرأسمالية الأميركية، وسعيها إلى التوسّع الخارجي، وهو ما ظهر واضحاً في تدخلها في سورية. كان ظهور روسيا يُفسّر على أنه على حساب أميركا، وأنها باتت تناهض "الإمبريالية الأميركية". لهذا باتت على رأس "قوى السلم العالمي الصاعدة"، التي تريد فرض "القانون الدولي" (كما كتب قدري جميل). لقد أجزل قطاع من اليسار في توصيف طبيعة روسيا الراهنة، من الإشارة إلى ميلها الاستقلالي، إلى أنها مع "تحرّر الشعوب" ضد التسلط الأميركي، إلى أنها رأسمالية داعمة للشعوب، وما إلى ذلك من توصيفاتٍ تعطي الرأسمالية سماتٍ إيجابية، و"إنسانية"، و"تحرّرية"، وحتى "ثورية"، وأكثر من ذلك القول إن صراعها مع الإمبريالية الأميركية يدفعها إلى الاشتراكية. هكذا بالضبط كما يرد في برنامج حزب الإرادة الشعبية في سورية. ينطلق كل تيار "اليسار الممانع" من الأفكار هذه ذاتها، ويكيل المديح لروسيا ودورها العالمي، ويبرّر تدخلاتها وحروبها، وحتى وحشيتها. وعلى ضوء ذلك، بات احتلالها سورية أمراً إيجابياً، وهو ليس احتلالاً أصلاً، لأن وجودها قائم على طلبٍ من "نظام شرعي"، وقد أتت لمحاربة الإرهاب، ودعم "وحدة سورية"، و"هزيمة المخطط الإمبريالي"، وإفشال "مشروع الشرق الأوسط" و"الفوضى الخلاقة". وباتت كل وحشيتها ضد الشعب السوري واستخدامها أكثر أسلحتها تطوراً، وفتكاً، واستعراضها العسكري بغرض تسويق سلاحها، كي تزيد من صفقات بيعه، وتدميرها مدنا وبلدات وأحياء، وكذلك قصف الأسواق والمدارس والمشافي والبيوت، مبرّرة، بالضبط لأنها موجهة ضد الإرهاب، وتهدف إلى الحفاظ على سورية مستقلة، ومتحرّرة، و"مناهضة للإمبريالية"، على أساس أن النظام فيها لم يعد تابعاً لروسيا الإمبريالية. 

إحالة إلى الإمبريالية 
نلمس هنا أن المبرّر وطني، وليس إنسانياً كما في الميل الأول. ويتأسس ليس على فهم وضع روسيا وقيمها بذاتها، بل على دورها العالمي "ضد" الإمبريالية الأميركية الذي يجري تفسيره بأنه يخدم تحرّر الشعوب. وانطلاقاً من ذلك، يجري نفي إمبرياليتها، بل هناك مَنْ يصوّرها دولة ضعيفة و"مسكينة" من دول الأطراف التي تريد التحرّر من التبعية للإمبريالية الأميركية، على الرغم من ضخامة جيشها وتطورها العلمي والتكنولوجي والصناعي، وطموحها للسيطرة والاحتلال ككل إمبريالية ناهضة. 
اللافت أن الميليْن يرفضان مصطلح إمبريالية للدول الرأسمالية التي يدافعان عنها، فالتيار الذي "أصابه الهوس الأميركي" يرفض توصيفها بأنها إمبريالية، لأنها لا تحتل، بل "تساعد الشعوب في تحقيق حريتها". كذلك التيار الذي "وقع في غرام روسيا ما بعد السوفييتية" يرفض توصيفها بأنها إمبريالية، وأيضاً لأنها لا تحتل، بل "تساعد الشعوب في تحقيق الحرية". بالتالي، فإن كليهما يرى أن الرأسمالية باتت "إنسانيةً"، حيث تريد حرية الشعوب واستقلال الدول وتطبيق القانون الدولي. لكنّ كلٌاً يميل إلى إمبرياليته، وكأن صداماً يحدث بينهما، وليس تنافساً يبحث عن توافقٍ في سياق تقاسم جديد للعالم. 
سأتجاوز تعبير إمبريالية في توصيف روسيا هنا، وأنطلق من التعبير الدارج الذي يوصّفها بأنها رأسمالية فقط (على الرغم من أن ميل كل رأسمالية هو نحو الإمبريالية، وليس من رأسماليةٍ وصلت إلى مرحلة بناء الصناعة ونشوء الاحتكارات إلا أن باتت إمبرياليةً، كما حاججت 

طويلاً، وأصلاً كما تؤكد الماركسية)، فهل يمكن أن نقول إن هناك رأسمالية إنسانية؟ 
هذا نقاش قديم ظهر نهاية القرن التاسع عشر في إطار الأممية الثانية، وظهر كذلك أنه قد حُسم حينها. ولهذا، ألصقت الأحزاب الشيوعية كل الشرور بالرأسمالية، ورفضت حتى التطور في شكل النظام السياسي الذي أعطى فسحةً أوسع قليلاً لدور الشعب، حيث جرى اعتباره "ديمقراطية بورجوازية" ممقوتة. والواضح الآن، أنه من داخل هذه الأحزاب، ظهر الميْلان اللذان أشارت إليهما السطور السابقة. فالتيار الذي عاد يمجّد الرأسمالية نشأ من شيوعيين ومن "اليسار الجديد"، والتيار الذي يمجّد الرأسمالية الجديدة نشأ من المصدر ذاته. لنعود إلى فكرة "الرأسمالية الإنسانية"، وإن كان كل تيار يقصد رأسماليةً محدَّدة، هي ضد الرأسمالية الأخرى، على الرغم من أن الواقع سوف يُظهر توافقهما. 

الربح أساسا وجوهرا 
نعود بالتالي إلى "الرأسمالية الإنسانية"، هل يمكن أن تكون الرأسمالية إنسانية؟ هذا ممكن فقط إذا ما تخلت الرأسمالية عن الربح، فهل يمكنها ذلك أصلاً؟ الربح هو "ديدن الرأسمالية" كما قال ماركس، ولا يمكنها العيش بدون الربح والربح الأعلى وهكذا. فهي تُنتج السلعة لكي تبيعها في السوق، وهي تراكم الربح لتوظيفه في السوق كذلك. لهذا، ينشأ الميل لديها لإيجاد الأسواق، و"فتحها" (هكذا بكل معنى الكلمة). كما تريد هزيمة المنافسين في السوق، أو حرمانهم منه. ومن أجل ذلك، ترتكب كل الجرائم والفظائع، أيضاً حسب ماركس. لهذا، نجدها تتقاتل للسيطرة على العالم، ولتقاسم المصالح حين يكون ذلك ممكناً. وقد شرح لينين ذلك بتفصيل. كما أن أدوار أميركا، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، واضحة في التدخل العسكري والاحتلال والقتل وتعميم الإرهاب لاستغلال ذلك في تدخلها. وقد ارتكبت مجازر في أفغانستان والعراق ترقى إلى أن تكون جرائم ضد الإنسانية. وارتكبت روسيا في الشيشان وأبخازيا وأوكرانيا، وخصوصاً في سورية، المجازر التي ترقى كذلك إلى أن تمثّل جرائم ضد الإنسانية. 
هل تطورت الرأسمالية بما يجعلها تتجاوز ذلك؟ هل ارتقت "حضارياً"؟ أو هل أن الرأسمالية التي نشأت حديثاً بعد انهيار الاشتراكية أكثر "إنسانية"، ومع حقوق الشعوب وتحرّرها؟ 
لكن، هل تخلت عن تصدير سلعها، ورأسمالها، وعن الربح؟ بالتأكيد لا، وحتى حينما باتت مالية (أي يتمركز نشاطها في المضاربات) زادت من وحشيتها، وباتت معنيةً بالنهب بشرهٍ أكثر، وبدعم مافيات، وأيضاً باتت ترى أن جزءاً من شعوب العالم بات زائداً. لهذا، أخذت تعمم كل ما يؤدي إلى الموت والقتل. لكن المشكلة أعوص لدى الرأسمالية الجديدة: روسيا، فهي كما كانت ألمانيا، أصبحت رأسمالية والعالم مهيمن عليه من الرأسمالية القديمة، وتوقعت أن تقاسمها تلك الرأسمالية الأسواق، لكنها باتت تزيد من عنفها للحصول على ذلك، فالرأسمالية لا تعيش بدون الأسواق (كذلك حسب ماركس)، لتصدير السلع (وهنا السلاح والنفط والغاز خصوصاً)، والرأسمال (ومافياتها تمتلك ما يفرض ذلك). لهذا، ليس أمامها إلا أن "تُبرز نيوبها"، لكي تفرض السيطرة على الأسواق. 
هل في ذلك إنسانية؟ 
تظهر في سورية الأمور واضحة، حيث خطاب "إنساني"، وممارسة وحشية، فهي تريد السيطرة لتوفير سوق لـ "شركاتها" (كما صرّح سفيرها في دمشق). وبالتالي، لا شك في أنها تريد أن تُبعد "السيطرة الأميركية"، و"تُفشل المخطط الإمبريالي". لكن، من أجل أنْ تُنجح مخططها في السيطرة والاستحواذ. أن تكون سورية سوقاً لشركاتها ورأسمالها، ومرتكزاً جيوسياسياً لقواعدها العسكرية في ظل سعيها إلى دور عالمي مهيمن. 
لن تكون الرأسمالية إنسانية، لأن ديدنها الربح، والربح الأعلى، حتى على حساب قتل الشعوب. هذا هو مختصر الأمر. وبالتالي، كل ما يُطرح باسم اليسار لا صلة له باليسار، بل يعبّر عن أوهام فئاتٍ وسطى، تطمح لأن تترسمل. وكل من أشرت إليه قبلاً يقع في هذه الوضعية بلا شك.

(العربي الجديد) لندن

 

ترامب في سورية

سلامة كيلة

ظهر تزايد في الدور الأميركي في سورية في الأسابيع التي تلت استلام دونالد ترامب الرئاسة الأميركية. وظل الحوار الأميركي الروسي راكداً، على الرغم من كل الآمال التي عُقدت على نجاح ترامب في ما يتعلق بعلاقته مع روسيا. لهذا، ظلت المشاركة الأميركية في مفاوضات أستانة وجنيف "خارجية"، حيث تعاملت بوصفها مراقباً. لكنها أوجدت قاعدةً عسكريةً في منطقة التنف على الحدود السورية العراقية الأردنية، بعد أن أقامت، في فتراتٍ سابقة، قواعد في الشمال الشرقي، في سياق التنسيق مع "قوات سورية الديمقراطية". ولقد قصفت قواتٍ داعمة للنظام السوري، حين تقدّمت باتجاه التنف، بعد أن كانت قد قصفت مطار الشعيرات بصواريخ بعيدة المدى، وأسقطت طائرةً له، يُقال إنها كانت تقصف "قوات سورية الديمقراطية".
ضمن ذلك كله، ما هو الممكن في سياسة أميركا تجاه سورية؟ يبدو واضحاً أن أميركا تريد تصفية وجود "داعش" في الرّقة، وحصره في دير الزور، وربما التقدّم من الجنوب لوصل التنف، حيث باتت تتمركز في الرّقة، وأيضاً ربما الاندفاع للسيطرة على الشرق والشمالي الشرقي، وفرض أمر واقع يتمثل في سيطرة أميركية على جزءٍ من سورية في مقابل السيطرة الروسية على الجزء الآخر. في هذه المعادلة، يصبح التفاوض الأميركي الروسي مبنياً على "توازن قوى" في سورية، وبالتالي، يجعل المفاوضات تبدأ من أساسٍ مختلفٍ عما يجري حالياً، حيث تتحكّم روسيا بكل اللعبة. ولقد عزّزت من مسار أستانة بديلاً عن جنيف، وهو المسار الذي يعني فرض "الحل الروسي" القائم على بقاء الأسد، ومحاولة دمج بعض الكتائب "الإسلامية" في بنية الدولة، على الرغم من أن هذا المسار تتشارك فيه تركيا التي تضغط على الكتائب "الإسلامية" للمشاركة، وقبول الشروط التي يجري التوافق عليها بين كل من تركيا وروسيا، والتي تعني إعطاء تركيا دوراً في السيطرة على الشمال الغربي من سورية، وإشراك "جماعتها" في الحل السياسي الروسي.
أميركا تحسم في العراق، وقد ظهر أن "داعش" يتلاشى، ولقد بات التأثير الأميركي كبيراً هناك، حيث لا بد من أن يصبح العراق مجال سيطرةٍ أميركيةٍ بديلة لسيطرة إيران. ولهذا، يصبح تركيز أميركا على وضع سورية، ولا شك في أنها تقدّمت في حسم الحرب ضد "داعش" في الرّقة، ووضعت حدوداً لنشاط قوات النظام السوري، على الرغم من كل التحذيرات الروسية، وتعزّز من دورها السوري أكثر مما كان، من خلال إرسال قوات برية وصواريخ مضادة للطائرات ودبابات. وبهذا، فقد زرعت عدداً من القواعد العسكرية، بـ "التحالف" مع "قوات سورية الديمقراطية"، وكتائب من الجبهة الجنوبية، جرى تدريبها في الأردن. هذا الوضع لا شك يجعل التفاوض الأميركي الروسي مختلفاً عمّا كان في السابق، وبالتالي يفرض شروطاً جديدة.
لكن، لا بد من ملاحظة أن أميركا ليست معنية بسورية في نهاية الأمر، وأن دورها الراهن يأتي في سياق كسب الأوراق في التفاوض مع روسيا. وهو الأمر الذي يعيد إلى أن الوصول إلى حلّ ما زال مرتبطاً بما يمكن أن تتفق عليه روسيا وأميركا، ومن دون ذلك سيبقى الصراع قائماً. والوصول إلى توافقٍ لا يرتبط بوضع سورية فقط، بل يشمل على الأقل كما تريد روسيا، التوافق في أوكرانيا والعقوبات المفروضة على روسيا من "الغرب". وهذا أمرٌ لا يبدو أن في الأفق ما يشير إلى أنه قريب، نتيجة التشدّد الروسي، فروسيا تريد أن تظهر هي المنتصرة في هذا "الصراع"، وأنها كسبت ما يجعلها قوةً عالمية مهيمنة، في وقتٍ يبدو فيه أن أميركا ما زالت في غير وارد التخلي عن دورها العالمي الأول، وأن كل ما تقبله أن تشكّل مع روسيا ثنائياً "يحكم العالم".

العربي الجديد - لندن

 

روسيا تدافع

عن الشرعية الدولية؟

سلامة كيلة

 

كلما جرى الحديث عن تنحية بشار الأسد، تقدّمروسيا خطابها المعهود، حيث إنها تتمسّك بالشرعية الدولية، ولا تقبل بقلب النظم، أو تغيير الرؤساء، فبشار الأسد رئيس شرعي، ولا يقرّر مصيره إلا الشعبالسوري. وبالتالي، ليس مصير الأسد مطروحاً في محادثات السلام، وكأن الأمر يتعلق بحرب أهلية يكون حلها بعقد صفقة تعيد "المتمرّدين" إلى الشرعية مع تحقيق بعض مطالبهم.
إقرار شرعية بشار الأسديعني أن ما حصل هو تمرّد عليه، فإما أن يُخمد بالقوة أو عبر حل سياسيٍّ يقوم على إشراك المتمردين في الحكومة. ولا شك في أن روسيا تعمل على إخماد "التمرّد" بالقوة، في وقتٍ تفاوض لإشراك بعض من الفصائل التي تشكلت، وبعض أطراف المعارضة، والمعارضة المزيّفة في حكومة "وحدة وطنية".
ما تريد تناوله هذه السطور لا يتعلق بذلك، إلا من زاوية الخطاب الروسي المتمسّك بـ "الشرعية". وهو تمسّكٌ نابعٌ من عنصرين، يتمثل الأول في أن الروس لا يريدون الإقرار بوجود ثورةٍ، فما جرى مؤامرة. وهذا ناتجٌ عن رفضهم الجوهري كل ثورة، لأن من يحكم في روسيا هو رأسمالية مافيا، تعرف أنها ستواجه ثورة. وبالتالي، يجب "كسر الثورات المخملية"، كما صرّح وزير الدفاع شويجو. تخاف الرأسمالية الثورة، لهذا ترفض الاعتراف بحدوثها في أيّ بُقعة في العالم. ويتمثل الثاني في أن وجودهم العسكري في سورية الذي بات يشكّل احتلالاً لا يكون "شرعياً"، إلا بتأكيد شرعية النظام. ولأنهم لا يقرّون أنهم محتلون يريدون تأكيد شرعية قدومهم بطلب من "رئيس شرعي".
لهذا لم يُعترف بالثورة، لأنها تعني إسقاط شرعية "الرئيس المنتخب".
لكن روسيا التي تتمسّك إلى هذا الحد بـ "الشرعية الدولية"، وقرارات مجلس الأمن، ترفض أولاً ما ورد في هذه القرارات، حيث إنها تنصّ على تشكيل هيئة حكم انتقالي، تقود مرحلة انتقالية، بالتالي، لا يكون لبشار الأسد موقع فيها. لكنها ثانياً تمارس ما يناقض كل خطابها "الشرعاني" هذا، حيث إنها تدخلت عسكرياً في جورجيا، فاحتلت أوستينيا الجنوبية. وتدخلت في أوكرانيا، حيث ضمّت شبه جزيرة القرم بدون قرار دولي. وأرسلت قواتٍ لمساعدة حلفائها في شرق أوكرانيا التي باتت مقسّمةً بين حكومة منتخبة وحكومة سابقة أسقطتها الثورة. طبعاً بالنسبة لروسيا الثورة في أوكرانيا هي "ثورة برتقالية" هذه المرة، بعكس المرة السابقة (سنة 2004) التي أسقطت "عملاء الغرب"، وسمحت باستحواذ حلفائها على السلطة، على الرغم من أن الشعب هو ذاته الذي قام بالثورتين.
وإذا كانت أميركا، منذ ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، باتت تتدخل من دون قرار دولي، وقد احتلت أفغانستان والعراق، وتدخلت في ليبيا، وكان الخطاب الروسي يدين الخروج على الشرعية الدولية، على الرغم من أنه كان يوافق أو يلوذ بالصمت، فإن روسيا مارست السياسة ذاتها في محيطها، أي في البلدان التي كانت ضمن الاتحاد السوفييتي، حيث تعتبر أن هذا "مجالها الحيوي". وهي هناك، كما في سورية، ادعت شرعيةً لتبرير تدخلها (كما فعلت أميركا كذلك)، حيث كان لها "عملاء" يستطيعون "استدعاءها" لكي تحمي "الشرعية".
ما يُراد الوصول إليه، هنا، أن خطاب الشرعية غطاءٌ ما دامت روسيا تمارس عكسه، ولا تلتزم بـ "قرارات الشرعية الدولية"، والهدف منه تبرير تدخلها واحتلالها ليس أكثر، فدولة تخرج "الشرعية الدولية" وتعتدي على أمم أخرى لا يعني شيئاً تمسّكها بـ "الشرعية الدولية"، حين يخدم هذا الخطاب مصالحها. لقد لفظته، وهي تحتل شبه جزيرة القرم، وتتدخل في شرق أوكرانيا، وقبل ذلك حينما احتلت أوستينيا الجنوبية. وبالتالي، فهي تتمسّك به في سورية بالضبط لتغطية احتلالها، ولتبرير تدخلها. وهي هنا، مثل أميركا، تحتكم لمنظور إمبريالي، يبرّر كل عملية تدخل أو احتلال أو نهب.

(العربي الجديد) لندن

 

ليست شعبويةً

بل ميل شعبي

سلامة كيلة

كان الانتباه مركّزاً، خلال السنة الأخيرة، على صعود الشعبوية، الظاهرة التي تجلت في انسحاب إنكلترا من الاتحاد الأوروبي، ونجاح دونالد ترامب رئيسا فيأميركا، وصعود مارين لوبان في فرنسا، وظهور تجمعاتٍ يمينيةٍمتطرفة، وحيث كلها تميل إلى توافق مع فلاديمير بوتين، الذي بدا كأنه ملهم لهذه الشعبوية. بمعنى أن ميلاً يمينياً "متطرّفاً" ينتصر بدعم شعبي، وهو يؤسس لوضع عالمي جديد، يندفع نحو الحدية في الصراعات، ويفتح على بناء تحالفاتٍ تهدم ما بني في النصف الثاني من القرن العشرين. ولا شك في أن الأزمة في الرأسماليةتفضي إلى نشوء الميل اليميني المتطرّف، أو تدفع فئات شعبية إلى دعم ميول يمينية متطرّفة. 
لكن، علينا الآن أن نتحدّث عن أمر آخر، هو الذي يُظهر بروز ميلٍ شعبيٍّ إلى تجاوز ماضٍ ما. حيث يظهر واضحاً، وبعد الانتخابات الفرنسية خصوصاً، أن التيار الشعبي بات يميل إلى تجاوز كل الأحزاب التي تشكلت خلال القرن الماضي، وأنه بات ينتخب ما يعبّر عن شكلٍ جديدٍ للسياسة، ويطرح ما يقارب الوضع الشعبي. بالتالي، يمكن القول إن البنى السياسية القديمة باتت من الماضي، وأن الواقع يفرض تشكّل بنى جديدة. وهذا يعني أن الأزمة الاقتصادية باتت تنعكس على بنية الدولة، وعلى خيارات الشعوب التي ربما لم يتوضّح لها، إلى الآن، ما البديل الضروري، لكنها بدأت في البحث عن ذلك، وإنْ كانت بدأت في الشكل، أي شكل السلطة والنخبة التي تحكم من دون لمس الخيارات الاقتصادية، أو لمسها بمعنى يساري ما. 
وإذا كان جرى التركيز على ظاهرة ترامب الذي أتى من خارج "الطبقة السياسية"، ورغماً عن الحزب الذي يقول إنه يمثله (الجمهوري)، فإن درس ما جرى في السنوات القليلة السابقة ربما يوضّح طبيعة الظاهرة أكثر، فقد اكتسح حزب سيريزا الانتخابات اليونانية، مهمشاً الحزبين القديمين اللذين كانا يتناوبان على حكم اليونان، وهو حزب جمع أشتات يسار، بعضه "تقليدي"، وبعضه فوضوي، أو نقابي، ولكن بعضه يسار حقيقي. وعلى الرغم من أن الحزب لم يفِ بوعوده التي نجح على أساسها، فقد نجح مرة أخرى بعد إعادة الانتخابات. كادت هذه الظاهرة أن تتكرّر في إسبانيا مع حركة بوديموس التي باتت قوة برلمانية على الرغم من طابعها الشبابي، وميلها اليساري. في أميركا، مثّل بيرني ساندرز هذا "الشطح" نحو اليسار، وحصل على دعم كبير في أوساط الحزب الديمقراطي، وربما جرى إبعاده عن السباق، على الرغم من أنه كان الأجدر. وكان واضحاً أنه يمكن أن يفوز على ترامب، أو ربما كان هو الوحيد الذي يمكنه أن يفوز على ترامب. انتقلت الظاهرة الى إنكلترا، وعلى الرغم من عدم فوزه بقيادة جيرمي كوبين، فقد حقق حزب العمال تقدماً كبيراً، ربما يرشّحه لأن يفوز في مرة قريبة، بعد أن أصبح اليمين ضعيفاً في الحكم. وأتت الانتخابات الفرنسية لكي تطيح الحزب الاشتراكي، وتُضعف الحزب اليميني، وتهمّش اليمين المتطرف (وكذلك اليسار المتطرف)، وتأتي برئيس وبرلمان من الشباب، والذي هو في الغالب ليس متمرّساً في السياسة. وربما نشهد ظواهر شعبوية مماثلة في الفترة المقبلة، فأزمة العالم تسير نحو تدمير ما بُني في العقود السابقة، ربما لفتح الأفق لمسار جديد. 
ما يظهر واضحاً هنا، وبغض النظر عن ميول المنتصرين، يسارية أو يمينية أو وسطية، أن الوضع الشعبي، ونتيجة الأزمة الاقتصادية التي باتت تعاني منها حتى الدول الرأسمالية، بات معنياً بـ "تدمير" النظام القديم. لهذا، يميل إلى انتخاب أشخاص جدد، ومن الشباب في الغالب، حتى وهؤلاء لا يمتلكون خبرة سياسية، أو مشروعاً بديلاً. بالتالي، يمكن القول إن "النظام القديم" ينتهي، يترنّح، ويسير نحو حتفه. ولا شك في أن واقع الرأسمالية يُظهر أنها قد شاخت، بعد أن عاشت بما فيه الكفاية، وأن الشعوب تريد تغيير واقعها. ولهذا، دخلنا في مرحلة البحث عن البديل، البديل الذي يحقّق مطالب الشعوب، في عالمٍ استهلك القوى التي طرحت ذاتها بديلاً.

(العربي الجديد)

 

 

القوى "المتقاتلة" في

سورية لتدمير الثورة

سلامة كيلة

 

"* الثورة السورية كانت التعبير عن تفجّر الصراع بين الشعب والنظام، نتيجة الوضعية التي بات يعيشها الشعب على إثر اللبرلة التي اجتاحت سورية، بعد تسعينيات القرن العشرين، وخصوصاً بعد استلام بشار الأسد السلطة"

 * الثورة السورية كانت التعبير عن تفجّر الصراع بين الشعب والنظام، نتيجة الوضعية التي بات يعيشها الشعب على إثر اللبرلة التي اجتاحت سورية، بعد تسعينيات القرن العشرين، وخصوصاً بعد استلام بشار الأسد السلطة"

 "*   في مقابل حشد إيران "الشيعي"، جرى حشد "سني"، لكي يتقاتلا على جثة الثورة. هذا من حيث الشكل، أو من حيث الخطاب الإعلامي، لكنهما أتيا لكي يقتلا الثورة"

 ليس هناك ثورة كما يُراد أن يقال، وكما جرى الاشتغال عليه منذ البدء. بالتالي، هي حرب عالمية ضد الإرهاب على الأرض السورية (والعراقية) وليس غير ذلك"

 

يصوّر الصراع الجاري في سورية "حربا ضد الإرهاب"، وكذلك "حرباً أهلية"، أو حتى صراع النظام "العلماني" ضد قوى أصولية وسلفية. ويوصّف بأنه "مؤامرة" إمبريالية ضد "النظام الوطني"، وعديد من التوصيفات الأخرى. بالأساس، يجري الهروب من القول بحدوث ثورة في سورية، وأن الشعب تظاهر أشهراً طويلة من أجل "إسقاط النظام". 
هذه الثورة هي التي كانت التعبير عن تفجّر الصراع بين الشعب والنظام، نتيجة الوضعية التي بات يعيشها الشعب على إثر اللبرلة التي اجتاحت سورية، بعد تسعينيات القرن العشرين، وخصوصاً بعد استلام بشار الأسد السلطة. وإذا كان النظام يعتمد على قوة أجهزته الأمنية المتعددة، وعلى "البنية الصلبة" في الجيش (الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري ووحدات خاصة)، وكان يعتقد نفسه قادراً على هزم الثورة بها، وبمجمل السياسات التي اتبعها، ظهر (على الرغم من كل مساعدات إيران التقنية واللوجستية، وكذلك مساعدات روسيا) أنه، مع نهاية سنة 2012، لم يعد قادراً على الصمود في وجه الثورة التي بدأت سلميةً، وتسلحت بعد أكثر من ستة أشهر، لكن القوى المسلحة كانت قليلة وبسلاح بسيط. توسعت الثورة خلال سنة، لكي تشمل معظم أرجاء سورية، وبقيت فئات جرى تخويفها من "السلفية والإرهاب" ومن "الطائفية"، وحيث ساعد خطاب أطرافٍ في المعارضة بذلك. كذلك ظلت الرأسمالية السورية، وبعض الفئات الوسطى، ملتصقةً بالنظام. ووصل التوتر إلى الجيش الذي بات النظام عاجزاً عن استخدامه ضد الشعب، وأخذ يعاني من حالات انشقاق وفرار من الجندية. لهذا، أفضى توسّع الثورة وتسلحها، و"تحييد" الجيش، إلى أن تُنهك "البنية الصلبة"، وتخسر جزءاً مهماً من عدادها. 
هذه اللحظة هي التي فرضت استجلاب "قوى العالم" إلى سورية. لم يكن الشعب السوري يحتاج "دعماً خارجياً"، حيث أظهر أنه قادر على إسقاط النظام، لكن النظام بالتحديد هو الذي احتاج دعماً خارجياً. ولهذا، فإن كل من دخل سورية، بعدئذ، دخل لكي يساعد النظام، بغض النظر عمّا طرح، أو أين جرى تصنيفه، أو الأوهام التي ألقيت عليه. 


هنا لا أودّ التحليل، بل أودّ التوصيف أكثر، لكي أوضّح طبيعة الصراع الذي يقوم من أجل خنق الثورة وتدميرها. ولأوضّح أنه فوق الثورة تراكب صراع قوىً وهمي، كان غرضه سحق الثورة بالأساس. وبالتالي، لم يكن صراعاً حقيقياً كما يظهر في الخطاب الرائج. وهو ما حاولت التأشير عليه منذ البدء، حيث بدأ الخطاب بالإشارة إلى "الحرب الأهلية"، ومال إلى التلميح إلى "حربٍ طائفية"، وصولاً إلى التركيز على "الحرب ضد الإرهاب"، حيث إن كل الحشد الذي تجمّع في سورية هو من أجل الحرب ضد الإرهاب! هذا الإرهاب الذي تجمّع كذلك في سورية. لماذا في سورية التي تشهد ثورة تجمّع الإرهاب؟ وبالتالي، أي إرهابٍ يحارب كل هؤلاء الذين تجمعوا في سورية كذلك؟ ربما المصادفة وحدها هي التي جمعتهم. 
إذا كانت جبهة النصرة قد أُعلنت بداية صيف سنة 2012، فقد ظلت بلا فاعليةٍ إلى نهاية ذلك العام. ولم ينشأ تنظيم داعش، إلا في إبريل/ نيسان سنة 2013. ثم ضعف النظام نهاية سنة 2012، وأخذت تتوافد قوى جديدة، لكي تقاتل الثورة. تدخّل أولاً حزب الله (بعد أن كانت إيران تخطط، وترسل أدوات القمع، والقنّاصة، والطيارين فيما بعد)، لكن توسّع التدخل لكي يشمل قوى طائفية عراقية (لواء أبو الفضل العباس، وحزب الله العراقي، وعصائب أهل الحق، وفيلق بدر). وتحت هذا المسار، شارك الحوثيون قبل أن يعملوا على الاستيلاء على السلطة. لكن، يمكن اليوم أن نحدِّد مشاركةً كبيرة من لبنان (حزب الله، وبعض القوميين)، والعراق (كل تلك المليشيات، وأيضاً النجباء، وغيرها)، ومن أفغانستان وباكستان (الزينبيون). وكل ما يجمعها هو الانتماء للطائفة الشيعية، وحيث الارتباط بإيران، الدولة التي أرسلت كذلك الآلاف من الحرس الثوري، ومن الباسيج، وحتى من جيشها. بالتالي، بات في سورية عشرات الآلاف، وربما فاقوا المائة ألف، مرسلين ومسلحين وممولين من إيران، وباتوا هم "حُماة" النظام منذ تدخلهم. وأصبح قادة إيرانيون هم الذين يقودون المعارك، ويعيّنون الضباط القادة. 
نحن هنا أمام مئات الآلاف ممن ينتمون إلى الطائفة الشيعية، يجري توظيفهم لحماية النظام ومنع سقوطه (مع بضعة مئات من القومجيين العرب من لبنان وتونس خصوصاً). وهؤلاء هم مَنْ منع إسقاط الشعب السوري النظامَ في المرحلة الأولى من الثورة، على الرغم من أنهم لم يستطيعوا ذلك بعد عامين من تدخلهم. 
في الفترة ذاتها، أي بعد نهاية سنة 2012، جرى تشكيل جبهة النصرة ثم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وبدأت عملية ضخّ "جهاديين" من كل أصقاع الأرض، من السعودية والكويت ودول الخليج، إلى مصر وتونس وليبيا ولبنان إلى الشيشان والأغور، والتركمان والأتراك، والأوزبك، ومن مسلمي أوروبا. وحتى من أميركا وإنكلترا. وهؤلاء يمثلون مجموعاتٍ أصوليةٍ سلفيةٍ مغرقةٍ في تعصبها. وهي التي تُعتبر الممثل "الحصري" للإرهاب في سورية. والتي تتدخل كل الأطراف الدولية من أجل مواجهتها. هذه القوى أتت، كما تُعلن، من أجل إقامة "دولة الخلافة"، ولقد تمركزت في المناطق التي كان النظام قد انسحب منها، بعد إبريل/ نيسان سنة 2012، والتي باتت تُعتبر مناطق "محرّرة"، أو مناطق خارجة عن سيطرة النظام. وعملت على تصفية كل الناشطين والكتائب المسلحة التي تقاتل النظام، والإعلاميين والذين نشطوا لمساعدة المهجّرين. وكذلك فرض "الشرع"، وتحويل الناس إلى قطيع. لقد فرضوا سلطة استبداديةً مغرقة في الجهل والوحشية. 
كانت المعارك الأوسع لكل هؤلاء مع الكتائب المسلحة التي تقاتل النظام، ومع الناشطين السياسيين والإعلاميين والإغاثيين، وكل المجموعات التي تظاهرت ضد النظام وقاتلته. وظهر واضحاً أن "داعش" خصوصاً، ولكن كذلك جبهة النصرة، كانا يعملان بجهدٍ حثيثٍ لقضم قوى الثورة، وإنهائها. بمعنى أنها عملت على تكملة ما كان يقوم به النظام، ليظهر أن هدف الطرفين إنهاك الثورة وتصفيتها. لهذا كان تركيزهما على قوى الثورة. وبهذا سيطر "داعش" على جزء كبير من شمال سورية وشرقها، وامتد جنوباً، وكذلك نحو القلمون. وعملت جبهة النصرة على السيطرة في المناطق التي انحصرت فيها الكتائب التي تقاتل النظام، وقامت بتصفية كثير من تلك الكتائب، ومن قتل أو اعتقال كادراتٍ كثيرة. 

"الإرهاب" الذي بات يعني وجود آلاف الأجانب المنخرطين في "تنظيم جهادي"، وجرى تسهيل وصولهم من دول عديدة إقليمية ودولية، ومن النظام ذاته، أي الذي جرى حشده، هذا الإرهاب هو الذي بات يبرّر كل الحشود الأخرى، على الرغم من أنه حشد من الدول نفسها التي حشدت وتحشد لمواجهته. فالمعركة يجب أن تكون في البلد الذي يشهد ثورةً، لكي يفضي الصراع إلى تدمير "الأخضر واليابس". بالتالي، في مقابل حشد إيران "الشيعي"، جرى حشد "سني"، لكي يتقاتلا على جثة الثورة. هذا من حيث الشكل، أو من حيث الخطاب الإعلامي، لكنهما أتيا لكي يقتلا الثورة. 
ثم تحت مسمى قوات سورية الديمقراطية، نجد أن أكراداً أتراكاً وعراقيين يشاركون فيها، هم من حزب العمال الكردستاني، وأتى "يساريون" من بلدانٍ عديدة لمشاركة "الحزب الماركسي اللينيني" نضاله الثوري. ولقد مثّل ذلك دخول قوى جديدة في الصراع، بعد أن اتخذ حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) طريقاً "مستقلاً" في مسارٍ يهدف إلى تحقيق "كيان كردي" (فيدرالية روجافا). ولقد تعاون مع النظام، ومع أميركا وروسيا في سبيل الوصول إلى ذلك، وهو يقاتل تحت إشراف وتدريب وسلاح أميركي. 
وهنا ننتقل إلى مستوى آخر من التدخل العسكري، حيث تتدخل أميركا بقواتها الجوية (ثم الآن البرية) بالتحالف مع حزب الاتحاد الديمقراطي (بي يي دي) (تحت مسمى قوات سورية الديمقراطية) لمحاربة "داعش". والطائرات الأميركية تقصف كذلك جبهة النصرة (باتت جبهة فتح الشام، ثم هيئة تحرير الشام). ولا شك في أن تركيزها ينصبّ على هذه الجبهة. وروسيا أرسلت طيرانها وقواتها التي تدعم النظام. وظهر كذلك أن هناك شركات أمنية خاصة روسية ترسل المقاتلين والخبراء الروس إلى سورية لدعم النظام. وكذلك بات هناك قوات برية روسية وشرطة عسكرية روسية على الأرض. وكل دولة منهما تدعم طرفاً، لكن ليسا الطرفين المتصارعين، فإذا كانت روسيا تدعم النظام، وقد منعت سقوطه بعد هزيمة قوات إيران، وتعمل بجدية كاملة لسحق الثورة، حيث تركّز حربها ضد الكتائب التي تقاتل النظام (الإسلامية وغير الإسلامية)، وتعمل على قضم المناطق واحدة بعد أخرى، وتمارس الوحشية ضد الشعب، نجد أن أميركا تمركز دعمها لقوات سورية الديمقراطية في الشمال، وبعض الكتائب التي جرى تدريبها في الأردن في الجنوب، وتركّز قصفها في مناطق "داعش"، وعلى مقار جبهة النصرة. وترفض تسليح الكتائب التي تقاتل النظام، بل تريد أن تحوّلها "حرباً ضد داعش"، وهذا شرطها لدعم "المعارضة المسلحة". 
إذن، هناك "مقاتلون" من "كل العالم" في سورية، ويركّز الإعلام (الغربي، والعربي)، وتركز أطراف الصراع على أنه صراع بين النظام وحلفائه من طرف، والمجموعات الأصولية التي تمثّل الإرهاب من طرف آخر. حيث إن كل تلك القوى التي أتت لكي تدعم النظام أتت لمحاربة الإرهاب. ولهذا، على العالم أن يقف مع النظام لهزيمة الإرهاب. لكن، هل يتقاتل هؤلاء الذين يدعمون النظام وأولئك الإرهابيون كما توضّح الصورة في الإعلام والخطاب؟ 
الخطاب الرائج، والمقصود ترويجه، ينطلق من هذه الثنائية، حيث يقاتل النظام و"حلفاؤه" المجموعات الإرهابية تلك. هذه هي الصورة المتداولة. لكن، أين موقع الثورة من ذلك كله؟ ليس هناك ثورة كما يُراد أن يقال، وكما جرى الاشتغال عليه منذ البدء. بالتالي، هي حرب عالمية ضد الإرهاب على الأرض السورية (والعراقية) وليس غير ذلك. حيث يظهر أن النظام وإيران، بقواتها متعددة الأشكال، وأميركا والحشد الشعبي في العراق، كلها تقاتل "داعش" وجبهة النصرة. لهذا، يصبح السؤال: هل تتقاتل هذه القوى فعلياً؟ هل تقاتل أميركا الإرهاب؟ يبدو ذلك، لكن الإرهاب صناعتها، ولهذا يصبح السؤال عن قتالها هذا الإرهاب الذي صنعته. هنا نلمس سعيها إلى العودة إلى السيطرة على العراق، وإبعاد إيران عنها، وإعادة تموضع قوات لها في العراق، كما قرّرت منذ بدء احتلال البلد. وفي سورية تمكين أكراد متعاونين معها، أي "قوات سورية الديمقراطية"، في إطار التفاهم مع روسيا، حيث كان واضحاً "اعتراف" أميركا بأحقية روسيا في سورية منذ سنة 2012. 


لكن، ماذا تفعل كل تلك القوى التي "تتقاتل" في سورية؟ هناك جبهة النظام ضد الثورة، وتشمل قوات حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية والحرس الثوري الإيراني، والأفغان وغيرهم، وكذلك القوات الجوية الروسية، وقوات برية أيضاً. وقد تركزت معاركها ضد الكتائب المسلحة التي نتجت عن التظاهرات، وبعض المجموعات الأصولية (أحرار الشام وجيش الإسلام ومجموعات أخرى). وهناك جبهة داعش و"النصرة" التي قاتلت كتائب الثورة ونشطاءها، ولعبت دور المعتقل والقاتل لكثير من كادراتها، وأيضاً فرضت سلطةً أصولية قروسطية على مناطق سيطرتها. وبينما ظهر أن جبهة النصرة تقاتل النظام كان "داعش" بعيداً عن ذلك. حيث يظهر أن معظم معاركه هي مع قوى الثورة، وخاض "معارك" مع قوات النظام، كان يبدو أنها مرتبةٌ سلفاً لأسباب متعددة. في كل الأحوال، فإن أغلب عملياته تركزت على مواجهة الكتائب المسلحة التي تقاتل النظام. ولعبت جبهة النصرة دور "المخرِّب" من داخل مناطق الثورة، سواء بقتل النشطاء أو بتوريط الكتائب الأخرى في معارك خاسرة، أو قضم تلك الكتائب. وكان واضحاً أنها قوى "مزروعة" لخدمة تدمير الثورة. أما حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) فقد عمل على السيطرة على مناطق الجزيرة السورية، وكان يريد التمدّد إلى شمال غرب سورية (عفرين)، لكي يكون كل شمال سورية وشمال شرقها فيدرالية روجافا. وهو لذلك كان يتعاون مع من يخدم هذه الفكرة، على الرغم من أن اعتماده الأساسي كان وما زال على أميركا، لكنه تعاون مع الروس ومع النظام في مناطق عديدة. بينما تركزت عمليات حلفاء النظام على مواجهة الكتائب المسلحة، وكان الهدف تصفيتها، واسترجاع المناطق التي تسيطر عليها. 
يظهر واضحا في كل هذه الصورة أن كل المعارك كانت تهدف إلى تدمير قوى الثورة، والفصائل الأصولية (أحرار الشام وجيش الإسلام ومجموعات أخرى) التي تقاتل النظام بالتحديد. ولم يكن من قتال بينها، لا بين أميركا و"داعش"، ولا النظام وحلفائه مع "داعش" وجبهة النصرة. وظهرت هذه الفصائل الأصولية أنها خاضعة لسياسات دول إقليمية، وتلتزم بالسياسات التي تقرّرها. وأن قتالها النظام أو فيما بينها هو نتيجة حسابات تلك الدول. 
إذن، أين الثورة، وأين الشعب؟ هو الذي ينسحق بصراعات كل هؤلاء، لكنه مصمم على استمرار الثورة.

 

(العربي الجديد)

 

 

ترامب في الرياض

سلامة كيلة

 

لم تكن المليارات الثلاث مائة ونصف المليار، أو الأربع مائة ونصف المليار، هي أكثر ما هو ملفت في زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، السعودية، فقد أخذت الولايات المتحدةأضعافها في العقود الماضية، ويكفي أن نتذكّر أن دول الخليج خسرت في الأزمة المالية الأميركية سنة 2008 مبلغاً وصل إلى ثلاثة تريليونات دولار، وأن أموال النفط (مصدر الدخل الوحيد لهذه الدول) تمرّ في أميركا بالضبط، لأن النفط يسعَّر بالدولار فقط "خاوة"، ويجري التحكّم في توزيعها "استثمارات" وشراء سلاح وسلع، حيث تحصل أميركا على أكثر من ثلثي مداخل النفط. وتسعير النفط بالدولار جزء من عناصر دعم "قوة الدولار"، مثل الديون التي تُدفع للدول بالدولار. بمعنى أن أميركا تهيمن على مداخيل هذه الدول أصلاً.
وربما كانت أهمية الصفقة في إعادة السعودية ارتباطها بأميركا، بعد أن حاولت، في السنوات الأخيرة، بعد استلام الرئيس السابق، باراك أوباما، وتقرير سياسة انسحابية، أن "تنوّع" في شراء السلاح والسلع، وصل إلى الاتفاق مع روسيا، بعد اتفاقات مع فرنسا وإنكلترا. حيث أصبحت تحتاج إلى السلاح، بعد أن تورطت في اليمن، الورطة التي كانت من حظ شركات السلاح. ولا شك في أن هدف فرض شراء السلاح على دول الخليج تشغيل صناعات الأسلحة في أميركا وأوروبا، الصناعات التي لا تستطيع هذه الدول إهمالها، لأنها بحاجة إلى تطوير سلاحها وجيوشها هي.
وبالتالي، ربما كان موقع زيارة ترامب في أنها فرضت على السعودية ضبط مشترياتها من السلاح، وتحديدها في أميركا أولاً، حيث تحتاج صناعات السلاح الأميركية "دعماً" كي تبقى قادرةً على الاستمرار، في وضع بات التنافس كبيراً في ميدان الأسلحة، بعد أن دخلت روسيا منافساً قوياً، وفرض اختلاف السياسات أن تميل دول الخليج، والسعودية خصوصاً، إلى الشراء من دول غير أميركا. ويبدو أيضاً أن ترامب يريد أن يورّط السعودية أكثر في الاستثمار في أميركا، وهو الذي وعد بإقامة مشاريع كثيرة لتنشيط الاقتصاد الأميركي، وضمان استقرار العمالة. وربما يوقع مثل هذه الاتفاقات مع دول خليجيةٍ أخرى، مثل الإمارات وقطر والكويت، فهو يريد إعادة مركزة فوائض تلك الدول في أميركا، بعد أن بدأت تستثمر في أوروبا وروسيا ودول أخرى، مبتعدةً عن السوق الأميركي، بعد الأزمة التي أصابت الاقتصاد الأميركي، والخلافات التي ظهرت في عهد باراك أوباما، وأثارت الخوف لديها من انعكاس هذا الخلاف على الاستثمارات في أميركا، حيث صدرت تهديداتٌ أميركية بمصادرتها، قابلتها "تهديدات" سعودية بسحبها.
إذن، مثلت خطوة ترامب، ربما، إعادة ربط لهذه الدول بها، بعد أن قاد تراجع أميركا إلى ميلها إلى تشكيل "تحالفاتٍ" جديدة، وبالأساس الانتقال إلى مصادر جديدة لشراء السلاح وللاستثمار. هذا يعني أن ترامب يريد القول إن مرحلة "ضعف أميركا" انتهت، وأن مصالح أميركا يجب أن تعود كما كانت. وبالتالي "ما لأميركا لأميركا". في هذا السياق، جرى استغلال الخوف الخليجي من إيران من أجل ذلك كله، على الرغم من أن سياسة ترامب تقوم على "قصقصة" تمدّد إيران ومحاصرتها، بالتالي، وبعكس سياسة أوباما، هناك توافق كبير على الموقف من إيران، وعلى الخطوات التي يجب القيام بها تجاهها، في اليمن والعراق وسورية ولبنان. لهذا، نلمس أن ترامب يحصد مستفيداً من الخوف من إيران، ومن التوافق على الموقف منها. ليتأسّس تحالف موجه ضد إيران، يمكن أن تظهر مفاعيله في الفترة المقبلة، حيث لا بد من حسم معركة اليمن وإنهاء دور إيران فيها، وهذا يعني إنهاء الظاهرة الحوثية. ولا بد من تركيز الوجود الأميركي في العراق، وقصقصة "الحشد الشعبي". وفي سورية، لا بد من الضغط على روسيا، المعترف بمصالحها هناك، من أجل إنهاء وجود حزب الله والمليشيات التي ترسلها إيران.
نظرياً، ربما هذا ما تقرَّر في قمم الرياض. لكن، كيف ستسير الأمور؟ هذا يعتمد على السياسة الأميركية التي ظهرت زيادة تدخلها في سورية.

 

(العربي الجديد) لندن

ماس تقبل

بالحل المرحلي

سلامة كيلة

 

ليست هذه المرة الأولى التي تعلن فيها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن قبولها بدولة على حدود سنة 1967، ولا تكرارها عدم الاعتراف بالدولة الصهيونية، وهي تقبل هذا الحل، فقد تكرّر الموقف عديد المرات، منذ شاركت في الانتخابات التشريعية سنة 2006، وبعد أن نجحت في الحصول على الأغلبية. لكن، ربما هذه المرة ضمّنت "حماس" ذلك في برنامجها السياسي. طبعاً، مع تضمين البرنامج الموقف "المبدئي" من فلسطينواللاجئين ودولة الاحتلال الاستيطاني، والمقاومة والتحرير. ولقد أشرت حينذاك إلى أن حركة حماس تتبع خطى حركة فتح في تنازلاتها، لأن "فتح" وكل الفصائل الفلسطينية التي تعتبر الآن أن حل الدولتين الحل النهائي، كانت قد بدأت بـ "تبليع" الشعب الفلسطيني الحل نقطةَ نقطة. لهذا، مع قبولها الدولة الفلسطينية على الأرض التي جرى احتلالها سنة 1967، كانت تزيد من "دوز" التشدّد، مؤكدة على كل فلسطين من النهر إلى البحر، وعلى المقاومة والتحرير، مردفةً أن الظروف تفرض القبول بهذا الحل الذي يؤكد على إقامة "دولة فلسطينية" على 20% من أرض فلسطين التي جرى التشدُّد في التمسّك بها. 

 وحركة حماس تفعل ذلك الآن، وبالطريقة ذاتها. لكن، بعد أن بات حلّ الدولتين من الماضي، وظهر أنه لم يكن سوى وهم جرى تعميمه، لكي تقوم الدولة الصهيونية بالسيطرة على الأرض وبناء المستوطنات. وبات كل الحديث يجري عن "الدولة الواحدة"، فحلُّ الضفة الغربية بات مسيطراً على جزء أساسي من أرضها، وأصبحت المدن محاصرةً بالجدار والطرق الالتفافية والحواجز. كما أصبح الحل المطروح واضحاً بشكل لافت، ويقوم على إعطاء السكان "حكماً ذاتياً موسّعاً"، بعد ضم المنطقة ج التي تشمل الأرض، وكذلك جزءا من ب التي تشمل القرى. حيث تحاول الدولة الصهيونية التقدّم خطوة في طريق "الحل" التي تعني ضم الأرض وإخراج السكان من المعادلة. وهي تعتقد أن الوضع الأميركي الجديد يمكن أن يساعد في ذلك، وأن روسيا التي اعترفت بالقدس الغربية عاصمة للدولة الصهيونية يمكن أن لا تعارض هذا الحل. 
أما غزة، فهي تحت سلطة حماس محاصرةٌ من كل الجهات (من الدولة الصهيونية، ومن النظام المصري)، وتعيش حالة خنق مريعة. ولا تخرج سلطة حماس عن فعل الخنق هذا، لأنها تمارس الاستبداد والأصولية المفرطة، على الرغم من كل ما ورد في البرنامج الجديد من إشارةٍ الى الديمقراطية والحرية والكرامة، ومن رفض التمييز، وكذلك من "التعدّدية والخيار الديمقراطي والشراكة الوطنية وقبول الآخر واعتماد الحوار". وقد دفعت هذه الوضعية وتدفع وستدفع كثيرين من سكان غزة إلى الرحيل في أول فرصة ممكنة، لأنها باتت "غير صالحة للعيش"، خصوصاً بعد "عقوبات" السلطة بتنزيل الرواتب، وعدم دفع فاتورة الكهرباء. وبالتالي، يعيش 
سكان غزة في وضعيةٍ غاية في الصعوبة، و"حماس" ممن يساهم في ذلك. 
على ضوء ذلك، ما الهدف من خطوة "حماس" الجديدة؟ ستبدو بلا نتيجة، لأنها جاءت بعد أن فشل كل المسار الذي قام على "القبول بدولة على حدود سنة 1967"، لكنها ليست ضربة طائشة في الهواء. وليست في معزل عما يدور من أحاديث عن "صفقة القرن" التي تعني تفاهم الدول العربية مع الدولة الصهيونية، على أساس إيجاد حل للمسألة الفلسطينية. لكن، لن يكون هذا الحلّ أبعد مما قرّرته الدولة الصهيونية منذ أمد بعيد، أي حكم ذاتي موسّع لسكان الضفة الغربية، وربما "استقلال" أكبر لقطاع غزة. لتكون، بالتالي، الدولة على حدود سنة 1967 هي دولة غزة. 
فكت "حماس" الارتباط مع جماعة الإخوان المسلمين كما يظهر من نص البرنامج، ويبدو أن ذلك هو المقدمة لكي تحصل على "الجائزة"، أو أنها تتكيّف بما يسمح لها أن تحصل على "الجائزة". والأهم هنا هو عدم ذكر ارتباطها بالجماعة، بل اعتبرت أن "مرجعيتها" هي الإسلام "في منطلقاتها وأهدافها ووسائلها".

 

حين يلتقي

 اليسار مع اليمين

سلامة كيلة

ربما أظهرت الانتخابات الفرنسية ما يجب التدقيق فيه. لا أقصد من نجح إلى الدورة الثانية، أي ماكرون ولوبان، حيث يبدو أن ماكرون هو الأوفر حظاً، لكنني أقصد كيف أن أقصى اليمين: مارين لوبان، واليسار: ميلونشون، يتخذان المواقف نفسها في السياسة الخارجية. ولأن السياسة الخارجية هي استمرار للسياسة الداخلية، يبدو الموقف ملتبساً، حيث المفترض أنهما على طرفي نقيض في السياسة الاقتصادية، والسياسة الداخلية عموماً.
حتى فيون يتوافق معهما. وهذا ما يظهر واضحاً في العلاقة مع
روسيا، والتعلُّق الشديد بفلاديمير بوتين. وأيضاً دعم النظام السوريوبشار الأسد. توافق مدهشٌ لا شك في ذلك، وربما غريبٌ أيضاً، لكنه قائم، وظهر خلال الحملة الانتخابية، ومن خلال تصريحات الطرفين. ما هذه "المصادفة"؟
يميل اليمين المتطرف الفرنسي، منذ زمن طويل، إلى "الانغلاق القومي"، ويرفض المهاجرين واليورو، وكل الاتفاقات الدولية حول التجارة. وهو يحاول أن يعيد "المجد القومي" إلى فرنسا. بالتالي، لم يكن محباً لأميركا، ويميل إلى التخلص من سيطرتها. لهذا، كان طبيعياً أن يميل نحو بوتين، الرئيس الذي سعى إلى مجد روسيا القومي، ولتحرّرها من الهيمنة الأميركية بعد سنواتٍ من الانهيار، سمح بسيطرة "فئاتٍ تابعة"، وأفضى إلى دمار قدرات روسيا. ولقد عاد بوتين إلى الرئاسة، بعد أن "سلَّفها" لصديقه ميدفيديف دورة واحدة، معلناً التزامه بالدستور الذي يمنعه الترشح أكثر من دورتين، عاد وهو ينوي التوسع الخارجي، وكسر عصا الطاعة لأميركا، بعد أن شعر بضعفها على ضوء الأزمة المالية العويصة التي وقعت فيها سنة 2008. وقد جعلته هذه الوضعية مركز استقطاب. حيث وجد اليمين المتطرّف فيه حليفاً من أجل كسر عصا الطاعة لأميركا، والتحرّر من سياساتها "التحرّرية" التي فرضت تعميم العولمة وفتح الأسواق والحرية المطلقة لرأس المال. ووجد اليسار فيه حليفاً ضد الهيمنة الأميركية أيضاً. ومن الطبيعي أن يلتقي اليمين المتطرّف مع بوتين المتطرّف في اليمين، حيث يريد أن يعيد تشكل العالم على أسس "قومية"، ويدفع نحو سيطرة إمبريالية جديدة لدولٍ كان عبء السيطرة والقدرة الأميركيتين يمنعان ذلك. وهو شكل من العودة إلى سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية، حيث تعمل رأسمالية كل دولة من الدول 
الإمبريالية على تشكيل التحالفات التي تفرضها قوة مهيمنة. بالتالي، ينظر اليمين إلى بوتين حليفاً إمبريالياً في صراع بين إمبرياليات للهيمنة على العالم.
هذا هو جوهر طبيعة اليمين المتطرّف (أو الشعبوي). ونحن إزاء محاولة أطرافٍ من الرأسمالية لأن تعيد السيطرة، وتشكيل تحالفاتٍ عالمية، لكي تصبح قوة مهيمنة، حيث تميل هذه الأطراف إلى التشدّد (التعصب) والعدوانية على أمل تحقيق ذلك. لكن، ما موقع اليسار من ذلك كله؟ ولماذا "يحب" بوتين والنظام السوري؟
ربما هي نزعة الـ "أنتي أميركا" التي تجمع بينهما، وهذا ملفتٌ. فأن يتوافق اليمين المتطرّف مع اليسار في هذه المسألة يثير أسئلةً كثيرة. وبالتالي أن يكون الموقف واحداً في التعامل مع الوضع الدولي، يطرح الشك في موقف اليسار، لأن من الطبيعي أن يسعى اليمين المحتج على هيمنة أميركا إلى التقارب والتحالف من أجل كسر هذه الهيمنة. لكن، إلى ماذا يهدف اليسار من هذا التقارب أو التحالف؟ الوقوف مع إمبريالية ضد أخرى؟
هذه هي النتيجة العملية، حيث يتحالف مع الإمبريالية الروسية ضد الأميركية. لكن المأساة هي في منظور هذا اليسار للصراع العالمي، حيث يعتبر أن روسيا ليست إمبرياليةً، بل دولةً وطنيةً، تعمل على التحرر من القبضة الأميركية. والنظام السوري هو كذلك ليس خاضعاً للإمبريالية الأميركية، وهذه تتآمر عليه. وهو ما يقوده الى اتخاذ موقف اليمين المتطرّف بتبريرٍ أيديولوجي مختلف، مع فارق أن اليمين المتطرّف يعرف مصالحه جيداً، بينما هذا اليسار تائه، لهذا يخدم مصالح الرأسمال ذاته.
هي ذاتها أوهام اليسار خلال الحرب العالمية الأولى تتكرّر.

(العربي الجديد)

 

صعود اليمين

الشعبوي ومأزق الهيمنة

 

سلامة كيلة

كأننا على أبواب صعود اليمين الشعبوي. وكأن العالم يسير نحو "انسجامٍ" جديد بين قوى يمينية تصل إلى السلطة في عدة بلدان رأسمالية. وكأن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو المحور الذي بات يجمع كل هؤلاء، ليظهر أن محوراً يمكن أن يتشكّل من فرنسا مارين لوبين إلى أميركا دونالد ترامب، مروراً بدول أخرى ربما تتهيأ لوصول اليمين إلى السلطة فيها. وكأننا على أبواب حربٍ عالميةٍ نتيجة هذا الاصطفاف، خصوصاً أن هذا اليمين يعلي من "صوت المدافع"، فقد نجح ترامب في أميركا وهو يحمل خطاباً شعبوياً. ومالت بريطانيا قبل ذلك إلى "التقوقع"، بعد التصويت على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. وتُنافِس مارين لوبين على الرئاسة في فرنسا، ومن المتوقع أن تجتاز الدور الأول، وربما تفاجئ، كما حدث مع ترامب. وكانت هولندا مهدّدة بانتصار اليمين الشعبوي، ولا زالت النمسا مهدّدة بانتصار لليمين الشعبوي، وربما كذلك عدد من دول أوروبا الشرقية. 
ما يميّز هذا اليمين هو الإعلاء من "قيم الوطنية"، وفرضها في المستوى الاقتصادي، حيث يسعى إلى التحرّر من "فوضى العولمة"، وتجاوز "التحرّر" الشديد الذي طبع مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، والتي تعمّمت أفكارها تحت عنوان: العولمة. حمل ترامب في جعبته تصوراتٍ حول إلغاء الاتفاقيات التجارية التي كانت أهم ما تحقق في العقد الأخير من القرن العشرين، والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين. اتفاقات منظمة التجارة العالمية، واتفاقات النافتا وغيرها. وشدّد على "وطنية" الصناعة الأميركية، حيث أشار إلى ضرورة منع انتقالها إلى الخارج، مع فرض ضرائب على تلك الصناعات التي "هاجرت"، لكي تستفيد من رخص الأيدي العاملة. معلناً "أميركا أولاً". وتميل لوبين، منذ زمن طويل، إلى "الانكفاء" بالتخلي عن الاتحاد الأوروبي وإعلان "فرنسا أولاً"، وهو حال كل اليمين الشعبوي الأوروبي الذي يميل إلى ضبط "حدوده القومية" في مواجهة "تغوّل العولمة"، وإيجاد ظروف عالمية تُضعف اقتصادات البلدان التي ينشأ فيها هذا اليمين. وتعلن روسيا بوتين منذ سنوات أن "روسيا أولاً"، وهي تتوسع بالفعل عسكرياً، وباتت المثال لكل هذا اليمين الذي يسعى إلى السيطرة على العالم، فيما يعتبر بلده أولاً. 


لقد أدت العولمة التي عنت انفتاحاً شاملاً سمح بالقول إن العالم بات يشكّل سوقاً واحدة إلى اختلالاتٍ في التنافس، هدَّد قطاعات اقتصادية أساسية في مجمل البلدان الرأسمالية، فقد هيمنت الطغم المالية وصاغت العولمة في حدود مصالحها، الأمر الذي أضرَّ قطاعاتٍ اقتصادية في دول رأسمالية عديدة، وأضرَّت فئات شعبية فقدت فرص العمل. هذا ما أسَّس لأن ينشأ اليمين الشعبوي الذي يريد التخلّص من العولمة، وإعادة بناء الدولة قوةً تريد الهيمنة عالمياً، لفرض مصالح تلك الفئات المتضرّرة، والتي باتت مأزومة. فقد انهارت قطاعات صناعية في المراكز، بعد أن جرى نقل قطاعات أخرى إلى دول تتسم بوجود "عمالة رخيصة"، وهو الأمر الذي سمح بزيادة تركّز القطاع المالي، وتحكمه في مجمل العملية الاقتصادية. ويريد هذا القطاع حريةً مطلقة لحركة الرأسمال. وبالتالي، كان مع "التحرير الشامل" للاقتصاد، بغض النظر عن انعكاسه على القطاعات الأخرى. وباتت الشركات الكبرى هي التي تتحكّم بالسوق العالمي، الأمر الذي وضع الشركات الأصغر في حالة تدهور. وأصبح التنافس مضرّاً لقطاعات اقتصادية في كل البلدان الرأسمالية، الأمر الذي أوجد وضعاً متأزماً لقطاع اقتصادي كبير. لكنه كذلك دلّ على أزمة مجتمعية، نتيجة التمركز العالي للشركات، وانهيار الشركات الصغرى، حيث تقلصت فرص العمل، وتدنت الأجور. 
يشير ذلك كله إلى صراعاتٍ في الرأسمالية بين قطاعات استفادت من العولمة (ربما هي من صنعها، وأقصد الطغم المالية التي باتت تنشط في المضاربات)، وتلك التي تضرّرت منها، وهي تشمل قطاعاتٍ صناعيةً وتجاريةً وخدمية. وهو ما يعني أن الصراع بين الرأسماليات سوف يكون، في كل دولة من هذه الدول، بين قطاعات رأسمالية. لكن، يبدو أن انعكاس التكوين الاقتصادي المهيمن على المجتمع، حيث البطالة أو الخوف منها، وحيث تدنّي الأجور، جعل القطاع الأضعف في الرأسمالية يلقى تجاوباً "شعبياً". وأن تكون "الوطنية" هي الغلاف الذي يوجد الوحدة بين الرأسمالية التي تشعر بالانهيار والقطاع الشعبي الذي يحسّ بأنه على شفير الانهيار. وربما يكون ذلك أساس نشوء هذا اليمين، وطابعه الشعبوي. لا نعرف أي البلدان سوف يترسّخ فيها هذا اليمين، لأن تكوينات الدول الرأسمالية مختلفة من حيث هيمنة الطغم المالية ودور الصناعة في الاقتصاد. وبالتالي، مدى الأزمة التي تعيشها القطاعات الاقتصادية نتيجة التأثّر بالعولمة. لكن، لا يبدو أن أميركا قادرة على تحمّل يمين شعبوي، بعد أن بات اقتصادها مالياً. كذلك بريطانيا. أما ألمانيا فتبدو بعيدةً عن سيطرة يمين شعبوي، ربما تقع فرنسا في هذا المطبّ، على الرغم من أن الميل يسير نحو "تكاتف" يسار الوسط، وتبدو فرنسا اليمين هي الأكثر ميلاً إلى التحالف مع روسيا، بعد أن كانت ألمانيا هي التي تميل إلى التقارب مع روسيا، وكان بينهما علاقات جيدة، لكن ميل روسيا التوسعي في شرق أوروبا، ومحاولة السيطرة على أوكرانيا، كان يهدّد السيطرة الألمانية، ولهذا ظهر الموقف الألماني الذي يوافق أميركا على معاقبة روسيا. 
هنا، لا بد من ملاحظة التناقضات في الرأسمالية "القومية"، وما يمكن أن تفضي إليه، حيث ليس مؤكداً سيطرتها في عالمٍ بات معولماً تحت سيطرة الطغم المالية، على الرغم من أنه مأزوم بشكلٍ لا مثيل له. فالأزمة هي التي تنتج اليمين الشعبوي، كما حدث في الماضي، حيث قادت إلى تنامي "النزعة القومية"، وإلى الحربين العالميتين الأولى والثانية. كانت أزمة ألمانيا، كبلد مهزوم في الحرب الأولى، ومأزوم نتيجة الانهيار الاقتصادي الذي طالها، وأصلاً نتيجة حاجة رأسماليتها إلى التوسع، هو الذي قاد إلى نجاح النازية. وهو الأمر الذي عانت منه إيطاليا واليابان. لكن، هل يمكن أن تقود الأزمة الحالية إلى وصول اليمين الشعبوي؟ 

أشرت إلى ضعف هذه الاحتمالية، ولا شك في أن ردود الفعل على نجاحه في أميركا تدفع إلى تحالفات و"بدائل" تمنع وصوله، على الرغم من تصاعد قوته. لكن، يبقى السؤال الجوهري هنا: هل يستطيع اليمين الشعبوي الحكم؟ لقد نجح في أميركا، ولا يبدو أن "وول ستريت" سوف تجعل ترامب يحكم وفق منظوره. وعلى الرغم من جدية منافسة لوبين في فرنسا يبدو أن صدمة ترامب فرضت أن تكون النتيجة في غير صالحها، كما لم ينجح اليمين الشعبوي في هولندا. لا شك في أن تشابك العالم، وهيمنة الطغم المالية، لا يسمحان بانتصار "النزعة القومية" القائمة على "رفض التحرّرية"، وفرض القيود على التبادلات التجارية. وحين تسمح الأزمة الداخلية بوصول رئيس شعبوي، سوف تميل الطغم المالية إلى "ضبطه" أو طرده، فهذه الطغم لم تعد تستطيع الوجود والتوسع، إلا في الوضع الاقتصادي العالمي. في عالم مفتوح. وهي تريد تعزيز هيمنتها العالمية. وهذا ما تتوافق به مع اليمين الشعبوي، على الرغم من اختلاف السياسات، حيث يريد تعزيز سيطرته العالمية، لكن من خلال "قوة الدولة"، الدولة التي يفكّر في إعادة بنائها في الحدود القومية، ويعيد إليها مجدها الاقتصادي الداخلي، بعد أن أخذت القوى المنتجة تتلاشى، نتيجة انتقالها إلى بعض البلدان رخيصة العمالة. 
وإذ يبدو أن اليمين الشعبوي يميل إلى الوحدة، حيث يُظهر حبه بوتين، وميله إلى التحالف مع هذا الرجل، فإن "نزعة العزة القومية"، وميل هذه القطاعات من الرأسمالية، في حال استلامها السلطة، إلى تعزيز قوة الدولة في مواجهة الدول الأخرى، وسعيها إلى تحقيق مصالحها عالمياً، لن تؤدي إلى تحالفها، بل ربما إلى تصارعها. فكل دولة يمكن أن يحكمها هذا اليمين سوف تسعى إلى تعزيز مصالحها القومية، وتحسين سيطرتها العالمية، فليس من الممكن بناء اقتصاد قومي قوي، إلا عبر التوسع عالمياً. هذا الأمر يعني العودة إلى التنافس على الأسواق والمواد الأولية، والتسابق على السيطرة على البلدان الأخرى. وبهذا، فإن "حُب بوتين" لن يفيد في تشكيل تحالفٍ يجمعها، لأنه كذلك يسعى إلى السيطرة من أجل احتكار الأسواق والتحكّم بالمواد الأولية. 
يمكن أن نصل هنا إلى أن اليمين الشعبوي يمثل الشكل القديم لسيطرة الرأسمالية، القائم على دور الدولة في التوسع والسيطرة، وحيث يكون استخدام القوة المسلحة ضرورة. وهذا ما تمثله أصلاً روسيا بوتين، حيث إن ضعف وضعها الاقتصادي العالمي، نتيجة سيطرة الرأسماليات الأخرى على العالم، يدفعها إلى القوة من أجل فرض سيطرتها. ولأجل ذلك، تستخدم "النزعة القومية". وربما يكون ذلك تعبيراً عن عمق أزمة الرأسمالية، وتصاعد تناقضاتها، حيث إنها باتت "مالية"، ما يجعلها في حالة انهيار متكرّر، وفي تناقضات داخلية، نتيجة هيمنة الطابع المالي وتهميش قطاعات اقتصادية. وفي كل الأحوال، فإن كل أطرافها لا تجد حلاً لمشكلاتها إلا بالتوسع الخارجي، والميل إلى تعزيز السيطرة على الاقتصاد العالمي. 

بالتالي، تنتج أزمة الرأسمالية التفكك الداخلي بين فئاتٍ في الطبقة الرأسمالية ذاتها، وتصارعها، كما أنها تنتج تناقضاتٍ عالمية، نتيجة الميل إلى السيطرة لكل رأسمالية منها، حيث إن التناقضات الداخلية تتعلق بطرق الهيمنة الخارجية، وتنطلق من طبيعة البناء الداخلي الذي يسمح بهذه الهيمنة. وهذا ما يعني العودة إلى التصارع العالمي، كما كان في المرحلة السابقة لانقسام العالم إلى معسكرين، رأسمالي موحد واشتراكي. 
وما سيؤثر على ذلك كله هو الأزمة العميقة التي تعيشها الرأسمالية، بعد أن هيمنت الطغم المالية، وأصبح الطابع المالي هو المسيطر فيها، حيث إن حدوث انهيار مالي جديد، وهو أمر بات طبيعياً بعد هيمنة الطابع المالي، سوف يقود إلى تفاقم التناقضات الداخلية في بنية الرأسمالية في كل دولة، وفي الشره للسيطرة الخارجية كذلك. وسوف يصعّد هذا الأمر من تناقضات الرأسمالية، ويُبقي كل احتمالات التحالف قائمة. لهذا، قد يتعزّز أكثر الشكل الشعبوي الذي يبرز الآن قوة يمكن أن تسيطر، ما سيفتح على صراعات عالمية كبيرة. 
أشرت الى أن صعود اليمين الشعبوي هو نتاج أزمة الرأسمالية التي باتت مستمرة، حيث أظهرت العولمة تهميشاً لرأسماليةٍ محلية، وفتح الأسواق لكل الآثار المدمرة للمضاربات المالية، والأزمات التي تخلقها في بنية الرأسمالية. والتي أينما حدثت سوف تنعكس على كل الدول الرأسمالية. ولا شك في أن توسّع الأزمة مع حدوث انهياراتٍ جديدةٍ ربما تدفع إلى انتصاراتٍ أكبر لهذا التيار الشعبوي، على الرغم من أنه يمكن أن يقود كذلك إلى نشوء بدائل يسارية عبر انحياز الشعوب لخيارٍ يتجاوز الرأسمالية. في كل الأحوال، لا تبدو حظوظ اليمين الشعبوي كبيرة، نتيجة قوة الطغم المالية من طرف، والأزمة التي تُنتجها هذه القوة من طرف آخر، والتي سوف تدفع الشعوب يساراً. 
ما يراد قوله هنا أن الأزمة التي غرقت الرأسمالية بها هي التي أنتجت اليمين الشعبوي، والذي ربما يصل إلى السلطة هنا أو هناك، وهذا ما يمكن أن يضع العالم على شفير صراعاتٍ وحشية. لكن، يمكن أن يقود عمق الأزمة واستمراريتها إلى نشوء بدائل أكثر جذرية، بالضبط لأن شره الرأسمالية يدفع الشعوب إلى الإفقار الأشد، وهو الأمر الذي يسمح بنشوء بديلٍ يطرح تجاوز الرأسمالية. وهو ما ظهر في نشوء "يسار جديد" في اليونان وإسبانيا، على الرغم من محدوديته، وكذلك في الميل اليساري في حزب العمال البريطاني، وما ظهر كذلك في التنافس ضمن الحزب الديمقراطي الأميركي. ولا شك في أن ذلك كله هو إرهاصات، وليست الشكل النهائي ليسار جديد، هذا اليسار الذي سيكون نتيجة عمق أزمة الرأسمالية، والذي سيتأسّس وفق منظور تجاوزها. 
الرأسمالية في أزمة عميقة، ولا شك في أن الرد الأولي يتمثل في صعود اليمين الشعبوي. لكن، ليس من الممكن أن يتمكّن هذا اليمين من السيطرة، على الرغم من أن الأزمة يمكن أن تدفع الرأسماليات من جديد إلى تحالفات جديدة، وسياسات متطرّفة تقوم على التهديد بالحروب.

(العربي الجديد) لندن

 

الثورات العربية

لم تنته... بدأت للتو

 

سلامة كيلة

ما يبدو ويُكرّر، وما ترتاح له النظم، وحتى نخب كثيرة، هو القول إن الثورات قد انتهت. ويجري الانطلاق في التحليل من هذه "البديهية" التي لم تعد تستحق النقاش. ارتفع منسوب الرعب بعد بدء الثورات، كما ارتفع منسوب الأمل، النظم عاشت حالة رعب، والنخب العاجزة عاشت حالة أمل، أمل أن يتحقق التغير و"تركب" هي الموجة لكي تصبح المهيمنة، أو في وضع مريح. لكن، تعقّدت الأمور، وتشابكت في شكلٍ بات "يستعصي على الفهم" بالنسبة لها، ويشير إلى نجاح خطط النظم التي عملت على تهشيم الثورات وتدميرها بأشكال مختلفة. لهذا، بات الحديث يجري عن الثورات باعتبارها شيئاً من الماضي، ليطرح السؤال ماذا حققت؟ أو لماذا فشلت؟ أو كيف جرى اختطافها وتحويلها إلى إرهاب، أو حتى بات يتكرّر أنها لم تأتِ سوىبالخراب؟

 موجة سوداوية تنتشر بين الذين حلموا بأن تكون هذه الثورات أساس تغيير كبير، مع فرح كبير من النظم، لأنها استطاعت تشويه الثورات وتدميرها. ولا شك في أن النظم والإمبريالية استطاعت أن تتدخل بشكلٍ شوّه الثورات، أو حرفها، ومن ثم عمّمت "الحرب على الإرهاب"، للقول إن الأمر يتعلق بتعصب وأصولية وعنف، وليس بشعوب تريد التغيير لتحقيق مطالب لها.
لكن، لا شك في أن السوداوية تُظهر أن ما يجري في الواقع بعيد عن الفهم، لا قبل الثورات، لهذا لم يجرِ توقع انفجارها، ولا بعد الثورات. بالتالي، لم يُفهم السبب في انفجارها، وما يمكن أن يفرضه هذا السبب. لهذا نشأت قناعةٌ بأن الثورات فشلت، وأنها استُغِلّت للتخريب والتدمير، واختطفها الإسلام السياسي. هذه استنتاجات متسرعة، وتنمّ عن سوء فهم للواقع، وربما نزق فئات وسطى، لا تمتلك الصبر الذي تحتاجه الثورات. لكنها، كذلك، تنمّ عن هروبٍ من 

المسؤولية التي يتحملها هؤلاء، سواء نتيجة سوء الفهم، أو نتيجة غياب الدور الفاعل الذي عليهم القيام به. فالثورات لا تنتصر عفوياً، ولا تنجح إذا لم يكن هناك من يعرف كيف يطوّرها، والى أين سيوصلها، ومن ثم التكتيك الذي يجب أن يتبعه من أجل تحقيق التغيير الذي يحقق مطالب الشعوب، فالثورات كانت بحاجة إلى "قادة" يعرفون ذلك كله، ولديهم استراتيجية واضحة تهدف إلى الاستيلاء على السلطة، ويحملون برنامجاً يحقق مطالب الشعوب.
كانت الأحزاب التي كان يجب أن تلعب هذا الدور "في وادٍ آخر" هو الإصلاح والدمقرطة فقط، والشباب الذي انخرط في الثورة لم يكن يمتلك وعياً سياسياً أصلاً نتيجة التهميش والاستبداد الطويل. لهذا، يمكن أن ألفت إلى مسائل ثلاث جوهرية، ربما هي التي يمكن أن ترسي رؤيةً مختلفةً حول الثورات ومصيرها، وتحدّد دوراً جديداً لمن يريد انتصار الثورات.
الأولى: لم يكن ممكناً للثورات أن تعطي أكثر مما أعطت إلى الآن، أي أن ما حدث لم يكن طارئاً ومفاجئاً، بل نتج عن واقع الشعوب والظروف الموضوعية التي شهدتها العقود السابقة للثورات. وأقصد هنا انهيار اليسار عموماً، وتحوله إلى "جثث محنطة"، لا تطالب إلا بوضع أفضل لمكان تحنيطها. لهذا لم تطالب بغير الديمقراطية، لكي تجد مكاناً مريحاً لنشاطها الهامشي. باتت أحزاب هرمة بالتالي، نتيجة تحنيطها الذي جعل الشباب ينفر منها، نتيجة الغربة التي تشعره بها، وسوء الفهم الذي يظهر في خطابها، وخصوصاً أنها لا تلمس وضع الفئات المفقرة أصلاً. إضافة إلى ذلك، أو بديلاً عنه، نهوض الإسلام السياسي (وبمدح شديد من اليسار ذاته)، وتحوّله إلى القوة المعارضة الأساسية، الأمر الذي جعله "نقطة جذبٍ" بعد الثورات، من "النظام القديم" الذي أراد إشراكهم في السلطة، ومن قطاعاتٍ مجتمعيةٍ، توهمت أنه يمتلك الحل لمشكلات المجتمع. وأيضاً، مع إنشاء "المجموعات الإرهابية"، وتعميم الفكر الأصولي الوهابي، والشغل على ورقة الإرهاب ضد النظم وبحجة "الاحتلال". وكان ذلك كله يوضح أن انفلات الصراع الطبقي يجعل لكل هذه القوى دوراً "مركزياً"، مرحلة أولى، ولأنه لا يحمل مشروعاً يحقق مطالب الشعب ستنهار. وأن الإرهاب هو نتيجة غياب تنظيم الشعب، حيث يمكن أن تلعب النظم والإمبريالية به ضد الثورات.
بالتالي، كان واضحاً أن الثورات سوف تقود إلى الفوضى، لأنها بدون قيادة ثورية، وهذا وضع يمكن أن تستغلّه أطراف متعددة كما شهدنا. إذن، بعد الانفجار الشعبي العفوي جاء دور كل هذه العوامل، وبات الوضع مجال تدخل أطراف عديدة، من أجل تخريب الثورات وتدميرها، وتحويلها إلى عقاب لكل من يتمرّد من خلال العنف والدمار والوحشية التي ظهرت بعدها.
الثانية: لن تنتهي الثورات، بالضبط لأن الشعوب لم تعد قادرة على الاستمرار في الوضع 

المزري التي باتت تعيشه. يشار عادة إلى أن الوضع الثوري هو نتاج شعور الشعب بأنه لم يعد قادراً على العيش، وشعور النظام بأنه بات عاجزاً عن الحكم والسيطرة. وهو الوضع الذي يفتح على صراع يفرض التغيير. هذا ما هو قائم منذ بداية القرن الواحد والعشرين، حيث أنهكت الشعوب من البطالة والفقر والتهميش والأمّية، والعجز عن توفير السكن والزواج. بالتالي، غابت المسافة بين الحياة والموت نتيجة ذلك كله. هذه اللحظة هي التي تؤسس لصراع حدّي، لا يمكن أن يتوقف، قبل تحقيق التغيير الذي يغيّر وضع الشعب.
بالتالي، يمكن القول إن الثورات قد انفجرت ولم تحقق إلى الآن المطالب التي يريدها الشعب، هذا واضح جداً، ربما على العكس، زاد الوضع سوءاً نتيجة الإيغال في سياسة الخصخصة، ورفع الأسعار وانهيار العملة المحلية، لكنها فتحت على وضع ثوري، يمكن أن يتحوّل إلى ثوراتٍ جديدة في أي لحظة. "الهدوء" الذي حدث في الحراك الشعبي لا يعني نهاية الثورات، بل إنه يعبّر عن قدرات الشعوب نفسها، لكن الاحتقان المتصاعد سوف يفرض انفجارات ثورية جديدة، إلى ثورات جديدة، إلى أن يكون ممكناً "إسقاط النظام" (أي النظام السياسي الاقتصادي، أي الطبقة المسيطرة) وفرض نظام شعبي يحقق مطالبه.
الثالثة: يغيب عن الثورات "العقل" الذي يحمل إمكانية تطويرها، والوصول إلى انتصارها، وهو عادة ما يتمثل في حزبٍ أو أحزاب، فإذا كانت الثورات قد تجاوزت النظم، فقد تجاوزت أيضاً الأحزاب كلها. هذه هي "نقطة ضعف" الثورات، وأساس كل التداخل والاختلاط الذي عانته، ومدخل كل التدخلات الإقليمية والدولية. لكن، لا بد من ملاحظة أن انخراط
 الشعب في الثورة، وخصوصاً الشباب هنا، الذي يشكل النسبة الأكبر في المجتمع، والذي يعاني من البطالة والفقر أكثر من الفئات الأخرى، يُدخله في "تجريبيةٍ" تفرض الانتقال من العفوية إلى الوعي، حيث أن أزمة الثورات فرضت طرح الأسئلة على مفجريها، وأصبح سؤال، ما العمل؟ هو المطروح، وهو الذي فتح على تجاوز "لاءاتٍ" كانت قائمة، مثل لا للأيديولوجية، ولا للتنظيم، حيث كانت أزمة الأحزاب وعجزها يدفعان الشباب إلى رفع هذين الشعارين، لكن "التجربة" أعادت التفكير بهما، وأصبح واضحاً أن الثورات تفتح على ثورةٍ في الفكر، والعمل السياسي.
بالتالي، يمكن القول إن الثورات أطلقت "مفاعيلها الذاتية" لبناء الأحزاب القادرة على استنهاضها وإيصالها الى الانتصار. لقد بدأت الحركة، ومن ثم بدأ الوعي بالتشكّل، وهما معاً سوف يفرضان انتصار الثورة. طبعاً مع الإفادة من كل الأفكار والتجارب والتصورات التي تبلورت خلال العقود السابقة، ودمجها في صيرورة الوعي والخبرة اللذيْن يتشكلان في بطن الثورات نفسها.
إذن، يمكن القول إننا لا نزال في وضع ثوري، وهذا يعني أن الشعب لن يتراجع عن انفجاره، على الرغم من المرور في انكفاءاتٍ و"هدوء"، وربما حالات يأس، ولسوف يبقى معنياً بالتغيير، ومن ثم لا يجب التغافل عن أن الثورات سوف توجد البديل الذي يعبّر عنها في مسارها نحو الانتصار.

 

(العربي الجديد) لندن

 

بمناسبة تقرير "أمنستي"

سلامة كيلة

 

أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً مفصلاً عن إعدام النظام السوري 13 ألف معتقل في سجن صيدنايا. وكان "قيصر" قد سرّب صور 11 ألف معتقل قتلوا في السجون في السنوات الأولى للثورة. العدد سيكون أضخم، لأن ما تسرّب لم يصل إلى كل ما جرى في السجون ومراكز الاحتجاز، حيث كان واضحاً بعد عام من الثورة (حين جرى اعتقالي) أن التعليمات كانت تنصّ على ممارسة الوحشية، بغض النظر عن نتائجها على المعتقلين، وأن توتر النظام كان قد وصل إلى مرحلة الرعب من قوة الشعب، وهو الأمر الذي جعله يطلق يد الأجهزة الأمنية (والمخابرات الجوية خصوصاً)، بحيث تمارس الوحشية، بعد أن كان "التأديب" قد فات أوانه. 
حين اعتُقلت في 23 إبريل/ نيسان سنة 2012، وغير ما مورس علي، سمعت ممن عشت معهم أياماً عن صنوف التعذيب التي مورست. لكن ما كُشف في ما بعد، وخصوصاً في تسريبات "قيصر"، فسّر لي ما شاهدته، حين نقلت إلى مشفى 601، حيث شاهدت الأجساد الهزيلة، التي ليس فيها سوى العظم والجلد، فقد كان معي في الغرفة اثنان من هؤلاء، توفي واحد وأنا هناك، وكان ينقل الآخر إلى الإنعاش، ويعاد لينقل من جديد. وربما لم أكن أفهم سبب هذا الهزال، على الرغم من أنني عشت أياماً بأقل ما يمكن من الأكل. ولقد استشهد معتقل آخر خلال مدّة وجودي، وثالث كان قد فقد عقله، نتيجة التعذيب (ذلك كله خلال أسبوع من وجودي في المشفى، أو المسلخ، حيث يمارس التعذيب اليومي). ولفت انتباهي أن المسؤول الأمني كان مهتماً بتسجيل أسماء من توفوا. 
كانت هذه الحالة في السنة الأولى للثورة، وتوسعت مع تأزّم وضع 
النظام، بعد أن تراجعت قدرته على المواجهة، ومن ثم قرّر ممارسة الإبادة في السجون، والتي طاولت مئات الآلاف، وفي المناطق المحاصرة، وكذلك في كل المناطق الخارجة عن سيطرته، فقد قرّر الانتصار بالإبادة، إبادة الشعب من أجل أن يبقى في السلطة. لكنها سلطةٌ بلا شعب. فقد قتلت مئات الآلاف (وربما مليون)، وشرّدت أكثر من نصف السكان في سورية وخارجها، بعد أن دمّرت جزءاً مهماً من سورية. بالتالي، فإنها تسير لأنْ لا تبقي الدولة أصلاً. 
طبيعي أن تنفي السلطة ما جاء في تقرير "أمنستي"، لأنها لن تعترف بأنها تمارس الإبادة الجماعية، وأن تنفي روسيا ما جاء في التقرير فأمر مفهوم، لأنها تغطي جرائم السلطة، وتشاركها فيها، عبر القصف الوحشي على المدن والبلدات والقرى، بأحدث الأسلحة التي تقول إنها جرّبت أكثر من ستين نوعاً من الأسلحة الحديثة، لكن التبرير الروسي لرفض التقرير يقوم على أنه "يثير الأحقاد" بين السوريين، وكأن الكلمات وحدها ما يفضي إلى فعل إثارة الأحقاد، وليس الممارسات الفعلية للسلطة (ولروسيا كذلك). ويتجاهل الروس أن معظم سكان سورية يلمسون كل هذه الوحشية التي أشار التقرير إلى جزء محدود منها. وهنا، حتى من يُعتبر "موالياً" يعرف الوحشية، لأنها طاولته بشكل أو بآخر. يعرف كل السوريين، فيما عدا الممانعين وأصحاب المصالح، أي وحشيةٍ مارستها السلطة، وأن السلطة، بالأساس، هي التي مارست كل هذه الوحشية، وحتى وحشية "داعش" وجبهة النصرة ذات صلة بالسلطة ذاتها وداعميها. 
ربما لا تقود تحيزات الصراع القائم، والأوهام التي تثير الخوف من "الجهاديين"، إلى أن يقول الذين يعتبرون موالين ذلك. لكن، حتى هؤلاء لا يخفى تلمسهم بشاعة ما مارسته السلطة، واعتبار أنها المدمِّر الأساس للبلد، ومن ثم خوفهم منها، من وحشيتها. ولا شك في أن كل من سُجن يعرف ما يجري في السجون، وقد فاق هؤلاء المليونين ربما. وكذلك يعرف الوحشية كل من هُدم بيته وشُرِّد، أو قتل أحدٌ من أهله. بالتالي، تعرف الملايين السورية، بدقة وتفصيل، وحشية النظام، وتصدِّق كل ما يقال عن ذلك. كيف يمكن لنا أن نقنع هؤلاء كلهم أن تقرير "أمنستي" كاذب؟ أما أنه "يزيد الأحقاد" فالشعب السوري لم يحقد، لكنه يريد إسقاط النظام ومحاسبة مسؤوليه على البربرية التي مارسوها، وأيضاً يريد محاسبة كل من تدخل لحماية النظام، من إيران وحزب الله، إلى روسيا، و"داعش" و
جبهة النصرة، وكل من دعم تدمير الثورة من دول إقليمية وعالمية.

(العربي الجديد)

 

إيران ترامب

سلامة كيلة

ماذا سيفعل ترامب بإيران؟ كل المؤشرات تقول إنه يصعِّد ضد النظام الإيراني، بالضبط كما قال في أثناء معركته الانتخابية. ولقد جرى اعتبار أنها الراعي الأكبرللإرهاب، وجرى تهديدها على دورها في اليمن، حيث بات الحوثيون أداة إيرانية. ليبدو أنه يقلب السياسة الأميركية بعد سنوات ثمان من سياسةٍ ديمقراطيةٍ، كانت تشير إلى ميل أميركي شديد للتحالف مع إيران، وهو الأمر الذي أفضى إلى توقيع الاتفاق النووي الذي جرى اعتبار أنه يخدم إيران.
إذا كانت سياسة بوش الابن تقوم على "تقويض" النظام الإيراني، في سياق سياسة أميركا التي كانت تقوم على الهيمنة على العالم بالقوة، فقد أفضت الأزمة المالية سنة 2008، والتي أتت بباراك أوباما رئيساً نتيجة سياسته "الانكفائية"، والميل إلى إعطاء أولوية للوضع الاقتصادي المتدهور، إلى سياسة تفرض تغيير كلية المنظور الأميركي، والإستراتيجية الأميركية التي كان في محورها اعتبار الصين الخطر المركزي. لهذا، قامت سياسة أوباما على مبدأ "حصار الصين"، وهو الأمر الذي فرض ضرورة التحالف مع 
روسيا ومع إيران، لإكمال طوق الحصار. وعلى الرغم من أن "التقارب" مع كليهما لم يكن سهلاً، ومرّ بأزمات عويصة، إلا أن المسار العام ظلّ يقوم على التفاهم مع روسيا والتقارب مع إيران.
ولا شك في أن شعور إيران بضعف الوضع الأميركي كان يدفعها إلى محاولة الحصول على أقصى ما يمكن من التنازلات التي ربما كان الاتفاق النووي أهمها. كانت العنجهية الإيرانية عاليةً بما يكفي، والمسؤولون فيها يعلنون سيطرتهم على أربع عواصم عربية، ويؤكدون تدخلهم العسكري المباشر في أكثر من بلد.
الآن، يأتي ترامب بسياسة جديدة، يمكن القول إنها متشدّدة وهجومية، على الرغم من أن 
الصين ما زالت الخطر الممكن، وتبقى سياسة حصارها قائمة. وربما كان الأمر يتعلق الآن بتغيير النظام بدل التحالف معه، لكي يؤتى بنظام "موالٍ". هل هذا هو ما يعمل عليه ترامب؟ لم يكن موقف أوباما الميّال إلى التحالف مع إيران قائماً على القبول برؤيتها، ولا بالسماح لها أن تسيطر على "الشرق الأوسط"، خصوصاً على العراق الذي هو جزء من الخليج العربي الذي هو جزء من الأمن القومي الأميركي، حسب مبدأ كارتر لسنة 1980. ولا كان داعماً وجودها في سورية، حيث باعها لروسيا منذ بداية سنة 2012، وربما لاعب السعودية في اليمن من خلال "موقف ملتبس" من الحوثيين. فقد أراد تقليص نفوذ إيران في العواصم الأربع، وخصوصاً تهميش دورها في العراق، لأن البلد يجب أن يبقى تحت السيطرة الأميركية. ذلك كله مقابل التحالف معها، وأولاً فكّ الحصار الاقتصادي عليها، وتسهيل حصولها على أموال النفط، بعد أن اعتقد أنها يمكن أن تكون حليفاً يضمن حصار الصين، ويمنع وصولها إلى النفط.
لهذا، يبدو الخلاف هنا خلافاً في "التكتيك"، حيث هناك أولوية في ضمّ إيران للتحالف الأميركي، وربما بعد تعثّر سياسة أوباما الإيرانية، أو نتيجة الإحساس بتعنّتها، كان ليس من بدٍّ في الانتقال إلى الصدام معها. فأميركا تريد إيران، لكنها تريدها ضمن حدودٍ "معقولة"، لكن إيران التي تشعر بتراجع الدور الأميركي تريد ما هو "غير معقول"، تريد أكثر مما تسمح لها حدود المصالح الأميركية.
لقد بدأ أوباما الحرب ضد "داعش" في العراق، من أجل أن يعيد تثبيت وجود أميركا العسكري هناك، كما كان مقرّراً بعد الاحتلال. ولهذا، كانت "داعش" المشجب الذي جرى استغلاله من أجل ذلك. ويظهر ترامب الآن أكثر تشدّداً مع النظام العراقي، وربما يسعى إلى الضغط من أجل فرض نظام موالٍ تماماً، بدل موالاة إيران. لكن الأخطر من ذلك هو الاندفاع إلى حربٍ ضد إيران، فيبدو أن أميركا باتت معنية بتغيير النظام هناك، لكي تضمن استقرار الخليج، وحصار الصين.

(العربي الجديد)

 

بعد ست سنوات ..

 لماذا تعثرت الثورات العربية؟

سلامة كيلة

 

"نعيش فوضى وصراعات دموية تُظهر وكأن الأمل الذي نهض قبل ست سنوات تلاشى"

"الثورة لكي تنتصر بحاجة إلى قوة منظمة، وواعية، ومناضلة، وكل هذه الصفات لم توجد لدى أيٍّ من الأحزاب القائمة"

"الشعوب لن تجد أمامها سوى الاستمرار بالثورة، فليس لديها ترف التراجع حتى وإنْ أرادت"

 

 

منذ ست سنوات، ونحن، في العالم العربي، نعيش حالة من الحراك الشعبي، بدأت بثورات انطلقت في 17/12/2010 في تونس، وتوسعت إلى بلدان عربية أخرى، ظهر في أثنائها أن الوضع العربي ينقلب بشكل دراماتيكي، بعد أن باتت الشعوب هي التي تملك الشارع، وأصبحت النظم في موقفٍ ضعيفٍ تحاول المداورة من أجل بقائها. وكذلك باتتالرأسمالية تعيش حالة توترٍ، لأنها تعيش أزمة اقتصادية، قد تسمح بتوسّع الثورات عالمياً. وأصبحت شعوب العالم تنظر بإعجابٍ لما حصل، الحدث الذي ظهر أنه يكشف عن دافع داخلي لديها للقيام بالثورة.
لكننا الآن نعيش حالة من 
الفوضى والصراعات الدموية تُظهر وكأن الأمل الذي نهض قبل ست سنوات قد تلاشى، وأن الثورات التي جرى توقُّع الكثير منها قد "فشلت"، ومن ثم أن ما جرى قد فتح على الفوضى والقتل والحروب الأهلية والصراعات الطائفية أكثر مما فتح على التغيير والتقدم. هذا ما استدعى الخطاب الذي يؤكد فشل الثورات، أو الخطاب الذي يقول، إن ما جرى مؤامرة، أو حتى الخطاب الذي يكيل آيات الندم على ما جرى.

هل كان ممكناً ألا تحدث الثورات؟
بالتأكيد لا، بالضبط لأن مجمل السياسات الاقتصادية التي بدأت مع "سياسة الانفتاح" قبل عقود، كان من المحتم أن تقود إلى ذلك، فقد أدت إلى نشوء فروق طبقية واسعة، وإلى بطالة عالية وإفقار شديد، وتهميش، إضافة إلى أن النظم التي اتبعتها كانت مستبدة، فقد عملت فئة رأسمالية على نهب المجتمع وتركيز الثروة بيدها، وأفقرت كتلة كبيرة من الشعب، وصلت إلى حالة من "العجز عن العيش"، الأمر الذي دفعها إلى التمرّد، بعد تراكم طويل لاحتقان عميق. هذا أمر موضوعي نتج عن تحكّم رأسمالية مافياوية بالاقتصاد والدولة، وفرض نهب المجتمع بعد خصخصة الاقتصاد. وهو أمرٌ لا يستطيع أحد القول إنه مفتعل أو "سابق لأوانه"، لأنه نتيجة انهيار في الوضع الاقتصادي، أوصل إلى حافة الموت جوعاً. وهو أمر أتى على الضد من رغبات النظم والنخب بالضرورة، و"في غفلةٍ" من أحزابٍ ربما يجري التوهم أن عليها أن تكون على رأس الثورة.
أدت الأزمة المالية التي حدثت سنة 2008 إلى رفعٍ في أسعار السلع، وزيادةٍ في النهب، ما كسر حالة "حافة الهاوية" التي كانت تعيشها الشعوب منذ تعمّمت اللبرلة. وبهذا، باتت غير قادرة على العيش نتيجة البطالة المرتفعة والأجور المتدنية، وبالتالي، العجز عن الحصول على حالة الكفاف. تدفع هذه الوضعية الشعوب إلى الثورة بالضرورة. وبالتالي، كان حتمياً أن تنفجر الثورات، ولا يفيد لا الندب ولا التفسير التآمري، بل يجب فهم الأسباب التي فرضت هذا المسار الفوضوي والدموي، والذي أدى إلى تدخلات إقليمية وعالمية.
هل كان لها ألا تسير في المسار الذي سلكته؟
لا، بالضبط لأن 
الشعوب تستطيع أن تتمرَّد، لكنها لا تستطيع أن ترسم طريق الانتصار، ولا  

كيفية تحقيق المطالب التي تطرحها. "وعيها الحسّي" هو الذي يدفعها إلى الثورة، وبالتالي تحديد "عدوها"، لكن الوعي الحسي لا يسمح بتحديد البديل الممكن عن الوضع القائم، ولا التكتيكات التي تسمح بإسقاط النظام، وهو الشعار الذي تلمسته الشعوب بحسّها العفوي، وأن عليها الاستيلاء على السلطة، لكي تحقق مطالبها. هي تثور، تتمرَّد، تندفع إلى الشارع، تريد إسقاط النظام. لكن، بلا رؤية ولا بديل ممكن، ولا آليات تنظيمية هي ضرورية للوصول إلى ذلك.
هنا، لا بد من القول، إن الثورة لكي تنتصر هي بحاجة إلى قوة منظمة، وواعية، ومناضلة، وكل هذه الصفات لم توجد لدى أيٍّ من الأحزاب القائمة، وخصوصاً الأحزاب اليسارية التي من المفترض أنها المعنية بالطبقات الشعبية وبالتغيير وكل بالثورة. ويوضح هذا الأمر جوهر إشكالية الثورات، حيث تمرّدت الشعوب بكل القوة والجرأة، لكن لم تجد القوة التي تعطيها الأفق والآليات والهدف. لهذا، غرقت في الفوضى، وخضعت لتجريبية صانعيها وبساطتهم، وسمحت للسلطة أن تناور لكي تلتفّ عليها، لكن كذلك سمحت لتدخلاتٍ متعددةٍ، كانت معنية بإجهاضها في وضع إقليمي وعالمي مهيئين للثورة.
بالتالي، وضع الثورات هو نتيجة عجز الأحزاب، هذه الأحزاب التي تندب عليها، أو تُصدر الأحكام القاطعة أنها ليست ثوراتٍ لأنها بلا قيادة ولا رؤية، متناسية أن هذا هو دورها الذي لم تقم به، وكانت تستخفّ به أصلاً، وهي تلهج بكلمة ثورة كلازمة، أو تريد الإصلاح و"التطور التدرجي"، أو حتى تدافع عن النظم التي كانت تصنع كل الظروف التي تفرض الثورة. ربما يكون ذلك التعبير عن حالة الاغتراب التي تعيشها، ويفسّر أنها تنشط خارج بنى الصراع الطبقي، على هامش الدولة. ولا شك في أن الثورات قد وضعت حجر الشاهد على قبر هذه الأحزاب كلها. 

هل فشلت أو ستفشل؟
بالتأكيد لا. يمكن هنا تحديد أسباب هذا الرفض المشدد لهذا الحُكم، الذي ربما يبدو مغايراً 

 لمجمل ما يُكتب عن مصير الثورات، فأولاً لا بد أن نفهم أساس انفجار الثورات، والذي هو أساس استمرارها، حيث أن الانهيار الاقتصادي الذي طاول الشعوب هو الذي فجّر الثورات، وأفضى إلى كسر حاجز الخوف، ووضع الشعوب في حالةٍ من الحسم. بالضبط لأنها لم تعد تستطيع العيش كما كانت، أي في الوضع البئيس الذي وصلت إليه. وهذا يعني أن حراكها سوف يستمر، وأن انفجارها لم يعد حالةً عابرةً، بل وضعاً لا يمكن التراجع عنه، فليست المسألة احتجاجاً على أمر عابر، يمكن السكوت عنه حال فشل تحقيقه، بل هي مسألة الحياة ذاتها، حيث أن الوضع الذي بات يحكم هذه الشعوب هو وضع الموت أو الثورة. وهذه هي اللحظة التي تكسر حاجز الخوف والرهبة من النظم، أي حين يتساوى الموت والموت (هذا الموت الذي يتشكّل من الخوف من النظم).
وثانياً، أفضت الثورات التي حدثت، بالضرورة، إلى ضعف النظم، ومن ثم عدم قدرتها على البقاء كما كانت، والحكم بالطريقة التي كانت تحكم بها. حيث أن الصراع الطبقي الذي وصل إلى حدّ الانفجار الشعبي، يجعلها عاجزة عن الضبط والتحكّم بالوضع، كما كانت تفعل قبلئذ. ولا شك أن الثورات التي هي التعبير الأرقى للصراع الطبقي تنعكس على بنية النظم، بحيث يخترقها الصراع الطبقي، وتصبح فاقدةً التماسك الذي شكّلته عقوداً سابقة. وبهذا، تصبح عاجزة عن الحكم، مهما استخدمت من قوة وأظهرت من جبروت، لأن ذلك كله هو التعبير عن الضعف الكامن فيها، والإظهار للقوة التي هي التعبير عن الشعور بالعجز، والخوف من ثورات جديدة.
وثالثاً، وهو الأدهى، أن هذه النظم استمرت في السياسة الاقتصادية التي أفضت إلى نشوب الثورات، حيث اتبعت سياسات اقتصادية زادت من انهيار الوضع المعيشي للشعوب، سواء برفض رفع الأجور أو زيادة الضرائب، أو انهيار العملة الوطنية، أو خصخصة ما تبقى من مرافق حيوية، مثل الماء والكهرباء والتعليم والصحة والمواصلات. بمعنى أن حاجة النظم للنهب الأقصى تدفعها إلى نهب المجتمع بشكل أقسى. وبالتالي، توسيع الطبقات التي تنحدر إلى ما دون خط الفقر، وتدمّر الطبقات المفقرة. وهو يعني أن الشعوب لن تجد أمامها سوى الاستمرار بالثورة، فليس لديها ترف التراجع حتى وإنْ أرادت، بالضبط لأنها تُدفع الى الموت بالحتم. لهذا لن تجد من خيار أمامها سوى الثورة من جديد، وهكذا إلى أن تفرض التغيير الذي يحقق مطالبها.
ورابعها أن الوضع الاقتصادي العالمي ليس في حالٍ حسن، على العكس، هو في أسوأ حالاته، وهو يفرض الميل إلى النهب الشديد، ويدفع رأسماليات الأطراف إلى زيادة نهبها، وتوسيعه. فقد أصبح المال يهيمن على الرأسمال، أي باتت المضاربة والمديونية وكل الأشكال المالية هي المهيمنة، وهذه تفترض التراكم المتسارع. وبالتالي، تفرض النهب الأوسع في الأطراف، وحتى في المراكز. وهذا يجعل الرأسماليات المحلية ليس في وضع يسمح لها أن تكون مرنةً، بل يفرض عليها النهب المتسارع، وهذا ما يظهر في توحّش السياسات الاقتصادية التي تريد خصخصة كل شيء، ونهب كل شيء. لكن، سوف تفرض الأزمة التي تعاني منها الرأسمالية، والسياسات الاقتصادية المتبعة، والتي هي ضرورة حتمية لنمط الرأسمالية قائم، تفرض انفجار الثورات في بلدان عديدة في العالم، وليس الوضع العربي استثناءً، بل إنه الشكل النموذجي لطبيعة الرأسمالية النهّابة التي تحكم العالم. وهذا يعني بالنسبة لنا تخفيف الضغوط الخارجية وضعف النظم الداخلية التي لن تجد سنداً لها.
وخامسها، سوف يبقى الظرف الموضوعي كما كان لحظة انفجار الثورات. أكثر من ذلك سوف تزداد الأزمة المجتمعية نتيجة الميل إلى تعميق النهب، وهو الأساس الموضوعي لانفجار 

الثورات واستمرار انفجارها. لكن الأهم هو العنصر الذي كان مفتقداً في الثورات، والذي سوف يتبلور في أثناء الصراع المحتدم بشدة. وأقصد "وعي الثورة" وأدوات تنظيمها. فإذا كانت المرحلة الأولى من الثورات قد فقدت قوتها الواعية والمنظِّمة، فإن التجربة التي استمرت ست سنوات من عدم القدرة على الانتصار قد أوجدت الوضعية التي تفضي الى امتلاك الشباب الذي خاض الثورة الوعي، وبلورة الرؤية والمطالب والأهداف، وكذلك التكتيك، التي كلها ضرورية لانتصارها، فالثورة هي المخاض الذي يُنتج البنى المطابقة لأهدافها، والأدوات التي تسمح بتحقيقها. فـ "التجربة تعلّم"، وقد أفضت سنوات الثورة وارتكاسها إلى تراكم في الخبرة والوعي، وشعور بضرورة التنظّم، سوف تفضي كلها إلى أن تتشكّل الثورة في بنية منظمة و"واعية"، وهي الحاجة التي تسمح بانتصارها بالضرورة.
لا تشير كل هذه العوامل إلى استمرار الثورات فقط، بل وإلى انتصارها كذلك، بغض النظر عن كل التكتيكات و"المؤامرات" والتدخلات التي يمكن أن تواجهها، فالاحتقان متصاعد، والحراك مستمر، وعودة الثورة مؤكدة. وفي الوقت نفسه، نجد أن ما ينقص الثورة يتبلور في داخلها. في المقابل، باتت النظم مضعضعة، ويخترقها الصراع الطبقي، والطبقة الرأسمالية المسيطرة مستمرة في النهب، وهي "عاجزة" عن وقفه، بعد أن بات ترابطها العالمي يفرض ذلك، والرأسمالية تعاني من أزمةٍ مستعصيةٍ، يمكن أن تنفجر في كل وقت. وكذلك تعود الصراعات العالمية، والتنافس للسيطرة وتقاسم العالم في وضع تعاني كلها من الأزمة، ومن خطر انفجارها.
إذن، بعد ست سنوات، لا يزال الوضع ثورياً، وحالات التململ، وأشكال 
الحراك تظهر من جديد، وربما نكون مع عودةٍ جديدةٍ للثورات في دورة ثانية، لأن النهب يتزايد بشكل لافت، في عالمٍ بات النهب عن طريق المضاربة والمديونية والمشتقات المالية وأسواق الأسهم هو ما يحكمه. بالتالي، ربما كانت السنوات الست مفيدةً لدرس واقع الثورات، وفهم مشكلاتها، من أجل التحضير لانتصارها. لهذا، بدل اليأس والقنوط، والانسحاب، يجب درس الوضع جيداً، وتحديد ما هو مطلوب لكي تنتصر. نحن في بداية مسار ثوري، سوف يفضي حتماً إلى التغيير، ويخضع زمنه لما يمكن أن يسرّع في تطوير الوعي وتحديد الرؤية والأهداف. العمل النظري ضرورة هنا من أجل ذلك، وهو أساس تسريع نضج بلورة البديل الذي يتشكّل في الثورة.

 

(العربي الجديد) لندن

 

عن جبهة النصرة مجدّداً

سلامة كيلة

 

هناك من اكتشف طبيعة جبهة النصرة(فتح الشام حالياً) الآن فقط، وبات يندب على ما تفعله في لحظة حرجة، ربما من دون أن يراجع ما كان يقوله عنها منذ نشأت إلى وقت قريب، ولم يرغب في استعادة السياق الذي أوصل إلى أن تصبح قوة مؤثرة، وأن تسعى إلى السطو على الثورة لمصلحة النظام. 
نبه كاتب هذه السطور، منذ البدء، إلى خطر قبول جبهة النصرة، ودعا إلى ألا يسمح لها بالوجود، حين كانت مجموعة صغيرة، وكتب أن دورها هو تكرار ما فعله تنظيم التوحيد والجهاد في بلاد الرافدين في المقاومة العراقية، وكانت "النصرة" تتشكل من أفرادٍ كانوا جزءاً من ذاك التنظيم الذي بات يسمى تنظيم دولة العراق الإسلامية ثم الدولة الإسلامية في العراق والشام (
داعش). وقد ووجهت بردود سيئة، أو ووجه رأيي بلا مبالاة. وظل الموقف من "النصرة" ملتبساً لدى كثيرين إلى وقت قريب، وحتى إلى الآن. 
وأشرت، منذ مدة، إلى أن الخلاف بين "داعش وجبهة النصرة لم يكن حقيقياً، بل إن من يحرّكهما وجد ضرورة أن يسيطر هذا على مناطق "مستقلة"، وأن تبقى الجبهة في حضن الثورة للتخريب فيها. وأكملت أنه يبدو أن مخطط النظام و
روسيا وإيران يتمثل في أن"تبلع" الجبهة التنظيمات الأخرى، وتصفيها لكي تسيطر على إدلب وريفها، لينتهي الصراع بانتصار النظام عبر هذه الأداة. لكن من ركّز على إسقاط النظام فقط، ومن توهّم أن "النصرة" آتية للإسهام في ذلك، وأساساً كان يعرف عجزه عن إسقاط النظام، وبالتالي أراد أن تحقق قوة أخرى ذلك، لكي ينتصر هو، دافع عن الجبهة بشراسة، وهاجم كل منتقد أو رافض لها، وحمل لواء الدفاع عنها في كل الأحوال. ومعظم هؤلاء من "الديمقراطيين" و"اليسار"، إضافة إلى مجموعات شبيهة بالجبهة. ونتذكر دفاع أشخاص "بارزين" في هيئات المعارضة، وحماسة كثير من "النخب" لهذا التنظيم الوهابي الإرهابي والمفتوح على تأثير (أو خدمة) أجهزة مخابرات، والذي قتل واعتقل آلافاً من الناشطين والقيادات، وصفّى كتائب تقاتل النظام، وفرض على المجتمع أصوليةً مفرطةً فرضت أن تخرج التظاهرات الشعبية ضده. 
لم يكن ما تفعله جبهة النصرة تجاوزات، ولا أخطاء، بل كان فعلاً قصدياً يهدف تخريب بيئة 
الثورة وقتل ناشطيها لمصلحة النظام، وبتخطيط النظام. لكن وصول الجبهة، كما "داعش" وكل المجموعات الشبيهة مثل "جند الأقصى" وغيرها، إلى هذا الوضع كان نتاج سياقٍ لا بد من لمسه، لكي يحاسب كل من ساهم فيه، لأن مصير الثورة هو أهم. وبالتالي، لا بد من كشف كل من أوصل إلى هذا الوضع. ولا شك في أن الأسلمة التي بدأت، منذ بدء الثورة، من بعض أطراف المعارضة، والتسلح العشوائي، كانت البيئة التي أوصلت إلى أن تتحضر الظروف التي سمحت للنظام بأن يُخرج من السجون هؤلاء "الجهاديين"، وأن يمدّهم بما يجعلهم قوة بمساعدة دول إقليمية ودولية. فهذا هو "مخطط" النظام الذي أطلق عليه "خطة بندر"، لنجد أن من نفذه هو كل هؤلاء "المعارضين الأشاوس"، ودول "أصدقاء سورية" بالتكامل مع داعمي النظام. 
الآن، يبدو أن دور "النصرة" وجند الأقصى (فرع داعش)، وستبرز قوى أخرى، بات يتمثل في تصفية كل المجموعات المسلحة في إدلب وريفها بحجة قبول الذهاب إلى أستانة، على الرغم من أن "أحرار الشام" مثلاً لم تذهب. ونكون قد كرّرنا خطيئة المقاومة العراقية، حين توهمت أن أبو مصعب الزرقاوي آتٍ لقتال الاحتلال الأميركي، أو توهم "البعث" العراقي أن التحالف مع "داعش" ضروري لإسقاط النظام في بغداد. 
يفرض ذلك كله الثورة ضد كل المعارضات التي حضّرت البيئة، مثل جماعة الإخوان المسلمين وإعلان دمشق، والتي دافعت عن "النصرة"، وإعلان أنها داعش الأخرى، وأنها إرهابٌ في خدمة النظام. بمعنى يجب أن توضع في مصاف "داعش"، فهي ليست للعب لا في المماحكات السياسية، ولا في المساومات السياسية.

(العربي الجديد)

 

المؤامرة ونظرية المؤامرة

سلامة كيلة

 

المؤامرة هي "تنظيمٌ" يجري "في الخفاء" لفعل شيء ما، وهي عادة من فعل مجموعة أفرادٍ يسعون إلى إحداث انقلابٍ أو "ثورة"، أو اغتيال. أو هي من فعل أجهزة مخابراتٍ تعمل في الخفاء، لاغتيال شخصياتٍ أو تحقيق انقلاب. وهي تتميَّز عن الفعل الموضوعي، أو الفعل الذاتي المرتبط بفعل موضوعي. أي تتميَّز عن ثورات الشعب أو دور الأحزاب في تطوير حراك الشعب، لكي يصنع ثورة. لكنها تعبّر عن سياسات الدول لخدمة مصالحها، وكذلك التعبير عن ميول أفرادٍ يسعون إلى التغيير بـ "ضربة واحدة"، أي عبر قتل زعيمٍ أو رئيس، أو "إرهاب" الدولة من خلال قتل رموزها مدخلاً "حاسماً" لتغييرها. لهذا، المؤامرة صنع أجهزة أو افراد، لتحقيق مصالح أو أوهام. 
لكن، ما ينتجه "العقل العربي" هو تفسير كل ما لا يفهمه بأنه مؤامرة. ويظهر ذلك حين شيطنة دولة أو فرد أو حزب. والشيطنة هنا عنصرٌ حاسم في نظرية المؤامرة، حيث بدونها لن تقوم نظرية المؤامرة هذه، لأنها مفصلٌ فيها، حيث هناك "شيطان" (هنا يجري الانطلاق اللا واعي من ثنائية: ملاك/ شيطان) هو الذي يقوم بكل السوءات، وهو الذي يفعل كل الشرور. طبعاً، هذا منطق أسطوري، لكنه يستحكم في "العقل العربي"، وحتى اليسار العالمي. وهو نتاج فهمٍ ما قبل حداثي، ينحكم لمنطق صوري، وتفسير ميتافيزيقي. وأوّل أمرٍ فيه هو أنه لا يرى الواقع، ولا يدقّق في التكوين الواقعي، بل يتبع ما كان يسميه ياسين الحافظ: الشلف. 
فرض هذا الاستحكام تفسير الثورة بأنها مؤامرة، انطلاقاً من موقف "الشيطان الأكبر" السابق من النظام الذي قامت ضده. ولكن، تأسيساً على رؤية استعلائية جاهلة نحو الشعوب. حيث تغيب الشعوب من كل منظور. أكثر من ذلك، يُنظر إليها على أنها جاهلة وعاجزة، وخانعة. لهذا، يجري الانطلاق من استحالة أن تقوم بالثورة، فهي خارج حساب الصراع أصلاً، وهي جاهرة إلى حدّ أنْ "تُغتصب من أول عابر طريق". وهي مُخدّرة إلى حدّ أن تُحرّك بـ "الروموت كونترول"، حين يريد "الشيطان الأكبر" تحريكها. هي "حجارةٌ على رقعة الشطرنج". 
هذه "الخلفية" التي تسكن "العقل العربي"، وبالتحديد "العقل (أو اللا عقل) اليساري"، هي التي واجهت انفجار الشعوب، وثورتها ضد النظم. لهذا، كان سهلاً تفسير الثورة في سورية بأنها من "فِعل 
إمبريالي" (من فعل الشيطان الأكبر)، فقط لأن النظام كان يبدو (وأصرّ على يبدو هذه) في موقع العداء لأميركا، التي هي الشيطان الأكبر. ومن ثم حدث التداعي إلى حدّ اعتبار ما جرى في كل الثورات أنه من "فِعل إمبريالي"، من فعل الشيطان الأكبر، فأميركا التي صاغت المنطقة كما تبلور منذ سبعينات القرن العشرين، وكرّست نظماً تابعة، ونهبتالاقتصاد، وبالتالي، أوجَدت "ستاتيكاً" ينحكم لهيمنتها، أعطى المجال للدولة الصهيونية، لكي تهيمن على كل فلسطين. أرادت أميركا هذه أن تقلب هذا الستاتيك، وأن تحقق "الفوضى الخلاقة". لهذا "صنعت الثورات". لماذا تريد أن تقلب الستاتيك؟ ليس معروفاً، سوى الحديث عن إسقاط "نظم الممانعة"، إلى حدّ أن نظم بن علي وحسني مبارك وعلي عبد الله صالح باتت نظمَ ممانعة. 
الخطر في الأمر هو الانطلاق من "القدرة الخارقة" للإمبريالية الأميركية من جهة، ومن سهولة جرّ الشعب إلى الثورة عبر "التحكُّم الإنترنتي" من جهةٍ أخرى. 
المفزع في هذه النظرة أن اليسار الذي من المفترض أنه يثق بقدرات 
الشعوب، ويراهن على دورها، ويعتبر أن الثورات هي نتيجة تفاقم الصراع الطبقي، حين ينهار وضع الطبقات المفقرة معيشياً، هو الذي يعتبر أن ثورتها مؤامرة، ومن فعل "عدوها الطبقي": أي الإمبريالية. هل هناك أكثر بؤساً من ذلك؟ 
يسار بائس يستحق الدفن، فلم يفعل سوى الهذر.

(العربي الجديد) لندن

 

كسورية وليبيا

سلامة كيلة

كل إعلام النظم، وحتى الإعلام الغربي، يكرّر لازمة هي: كسورية وليبيا، مشيراً إلى أن على الشعوب أن تقبل بما تفرضه النظم من نهبٍ عليها، ومن سحق، أفضل من أن تعاني ما تعانيه كل من سورية وليبيا. على الشعوب أن تقبل كل السياسات الاقتصادية التي يفرضها صندوق النقد الدولي، وكل النهب الذي تقوم به الطبقة المسيطرة، والتي تتحكّم في الدولة. هذا هو ملخص الخطاب المعمم، من كل الرأسماليات المركزية والطرفية، وهي "مضطرة" إلى زيادة النهب، وبالتالي، إغراق الشعوب بالفقر الأشدّ من الشديد، الذي يؤدي إلى الموت جوعاً. 
يعني ذلك أن
الرأسماليات مصمّمة على زيادة النهب، ولا تستطيع التراجع عن ذلك، أو حتى التخفيف منه، فقد لاحظنا أنه على الرغم من أن الثورات عبّرت عن انحدار الوضع المعيشي للشعوب، نتيجة هذه السياسة الاقتصادية، إلا أن النظم استمرت في السياسات نفسها التي أوصلت إلى ذلك، وبخطواتٍ أشدّ حدّة. لهذا، تميل إلى تخويف الشعوب، سواء بإظهار القوة وتشديد العنف، أو عبر خطابٍ تخويفي عنوانه: سورية وليبيا. لكن، يمكن أن نسأل: لماذا حدث ذلك في سورية وليبيا؟ هل هو خطأ تمرُّد الشعوب، أو نتيجة وضع تاريخي فرضته النظم ذاتها، وصنعته هي بالذات؟ 
دمّرت النظم السياسة والتعليم، وأفقرت الشعوب، وبنت وجودها على أساس سياسة ليبرالية متوحشة اتسمت بالنهب الشامل. وحينما ثارت هذه الشعوب واجهتها بكل وحشية، لأن عليها أن تقبل كل هذا النهب، من دون أن تعترض أو تحتج. وكانت هذه الوحشية هي ما فتح على كل التدخلات الخارجية، سواء لأن
الرأسماليات تريد تدمير الثورة قبل أن تصل إليها، أو لأنها تريد حصةً من خلال السيطرة. تتعلق المسألة، إذن، بالنظم ذاتها، بميلها إلى الإفقار الشديد للشعوب، وميلها إلى سحق هذه الشعوب حينما تثور. 
بالتالي، ما معنى التخويف بسورية وليبيا؟ إنه يعني ضمن السياسة التي تتبعها النظم (التي تستخدم خطاب التخويف) أن على الشعوب أن تقبل الموت جوعاً، بدل أن تموت قتلاً. هكذا بالضبط. فالشعوب لم تَثُرْ "بمزاجها"، وهي أصلاً لا تميل لا إلى الثورة ولا إلى مخالفة النظم. لكن تثور، وبكل جرأة، حينما ينحدر وضعها إلى حالةٍ من الهاوية، حيث تعجز عن العيش، هكذا بالضبط تعجز عن العيش. وسبب ذلك هو نهب الطبقة المسيطرة وسطوة نظمها. بالتالي، ما قيمة التخويف هنا؟ وما قيمة الميل إلى السيطرة الشديدة، وممارسة القمع والضبط والاعتقال؟ لا شيء، بالضبط لأن ذلك كله يؤثر فقط في أشخاصٍ يخشون ما يخسرونه. لهذا، يبرّرون القبول بالأمر الواقع، ويكرّرون خطاب النظم، ويخوّفون بـ "سورية وليبيا". لكنه لا يؤثر في منْ يقف على حافة الموت جوعاً، حيث يتصرّف "غريزياً"، ومن ثم لا يعود يحسب لما يمكن أن يحدث معه، لأن ما يمكن أن يحدث معه هو حادث معه. التخويف من الموت قتلاً لا يخيف من يقف على حافة الموت جوعاً. الموت واحدٌ بغض النظر عن طريقة حدوثه، هكذا بالضبط. 
في الواقع، تعمم الرأسماليات خطاب الخوف من الثورة، وهي تدفع الشعوب إلى الثورة. ولهذا، ليس من أثر لخطابها إلا للفئات التي هي ليست في وضع كارثي، بل إنها تعيش. ولهذا، يبدو خطاب التخويف هذا وكأنه خطاب لـ "الذات"، أي للنظم نفسها التي تريد أن تطمئن على أن استمرار نهبها والتوحّش في النهب لن يفضي إلى الثورة. هو مراوغة ذاتية لتبرير الإمعان في النهب، والقناعة بأنها قادرةٌ على ذلك، بعد أن أخافت الشعوب. وبالتالي، هو خطاب يدلّ على رُعب النظم وخوفها من الثورة، وبالتالي، حاجتها لما يُطمئنها بأن المجزرة الوحشية التي حصلت في سورية، والحرب الدموية التي تجري في ليبيا، كفيلتان بأن تمنعا الثورة ضدها. 
لكن، وصل الوضع إلى لحظةٍ بات التخويف فيها بلا جدوى، فالموت يحيط بالشعوب، ولا حلّ أمامها سوى الثورة. هذه حالةٌ غريزيةٌ لا يوقفها العقل، بل يجب أن يُنجحها العقل.

(العربي الجديد)

 

خط الغاز والثورة السورية...

سيناريو "المؤامرة"

 

سلامة كيلة

 

جرى، منذ بدء الثورة السورية، استخدام خطابٍ "مقنع" لتفسير ما يجري، فقد كان مطلوباً رفض أنها ثورة، والتأكيد على أنها مؤامرة. قام هذا الخطاب على فكرة "خط الغاز"، وجرى تأليف رواية تقول إن قطر طلبت مدّ خط أنابيب غاز إلى البحر المتوسط، وأن بشار الأسد رفض ذلك، نتيجة علاقته الجيدة مع روسيا، لأنه يُعتبر منافساً للخط الروسي الذي يغذّي أوروبا. 
ولا شك في أن مسألة خطوط النفط والغاز كانت قد أخذت حيزاً من النقاش، وخضعت للمناورات بين الدول، نتيجة مصالح كل منها، فقد كان من أسباب احتلال أفغانستان مدّ خط نفط من بحر قزوين إلى المحيط الهندي عبر أفغانستان وباكستان. كما أنه جرت نقاشات وخلافات حول مدّ خط النفط من آسيا الوسطى إلى أوروبا، حيث كان الصراع يجري بين روسيا وتركيا حول أين يمكن أن يصبّ، بعد أن طرحت تركيا ميناء جيهان، وكانت روسيا تريد أن يمرّ بأراضيها. 
لا ترغب روسيا في مدّ خط غاز، خصوصاً من الخليج العربي إلى البحر المتوسط، فذلك يشكّل تنافساً معها على السوق الأوروبي الذي هو أساسي بالنسبة لها. ولهذا، كانت تتخوّف من كل محاولات مدّ خطوط النفط والغاز إلى البحر المتوسط، حيث يكون سهلاً وصولها إلى أوروبا. لكن، لم يجرِ نقاش كبير حول الأمر حينها، ربما ظل "تحت الرماد"، فالأمر يشكّل حساسيةً عالية لروسيا التي يعتمد ثلثا دخلها على النفط والغاز. 
ما يمكن توضيحه هنا أن النظام السوري لم يكن معنياً بالحساسية الروسية، ولم يفكّر بها أصلاً، لأن العلاقة مع روسيا لم تكن لا متطوّرة ولا حتى عادية، بل كانت باردة جداً. فقد زار بشار الأسد موسكو سنة 2008، وتكلم عن النفط والغاز والبحار الأربعة، لكنه وثّق علاقاته مع كل من قطر وتركيا، مع استمرار علاقته التقليدية مع إيران. وحين فرض الحصار الأميركي عليه توقيع اتفاق استراتيجي مع إيران، وقّع في المقابل اتفاقاً استراتيجياً مع تركيا. وقد ظهر المحور التركي السوري القطري تحالفاً موحداً، ومن خلاله قدّم بشار الأسد كل التنازلات الاقتصادية لهما. هذا هو محور الممانعة الذي يتغنى اليسار الممانع به إلى الآن. 


ضمن هذه العلاقة الثلاثية المتطورة، طُرحت فكرة مدّ خط غاز إلى ميناء طرطوس. وكان البحث يجري بين كل من قطر وإيران من طرف كمصدّر للغاز، والنظام السوري بلد تصدير إلى أوروبا، مروراً بالعراق. وكان المطروح هو التصدير من حقل الغاز القطري الإيراني المشترك في الخليج. وقد جرى التوقيع على هذا الخط، على الرغم من الاعتراض الأميركي الشديد، لأن أميركا كانت تفرض الحصار على إيران، ولا تريد لها أن تصدّر الغاز، كونه يكسر الحصار. وحينها، جرى ضغط على قطر، لكي تمتنع عن المشاركة في الخط. 
يوضح هذا الأمر أن النظام السوري لم يكن يرفض "خط الغاز"، بل وقّع عليه، ومن ضغط لمنعه هو أميركا. توقيع إيران والنظام مثبت، وهو ما أقرّه بشار الأسد أخيراً، حين قال "كان هناك خطان سيعبران سورية، أحدهما من الشمال إلى الجنوب يتعلق بقطر، والثاني من الشرق إلى الغرب إلى البحر المتوسط يعبر العراق من إيران، كنا نعتزم مد ذلك الخط من الشرق إلى الغرب". 
جرى إخفاء هذه الوقائع بعد الثورة، بالضبط من أجل اختراع سبب يبرّر التآمر على النظام. ولا شك في أن مقابلة بشار الأسد مع صحيفة إيل جورنالي (30/ 12/ 2016، والنص منقول عن وكالة الأنباء السورية "سانا") توضّح هذه الفبركة. فمن الواضح أنه ارتبك حين سؤال الجريدة له حول "خط الغاز القطري". لهذا أجاب بطريقة مضحكة. قال "أعتقد أن هناك دولاً كانت تعارض سياسة سورية، لم ترغب بأن تصبح سورية مركزاً للطاقة، سواء كانت كهربائية أو نفطية، أو حتى أن تصبح نقطة تقاطع للسكك الحديدية، وما إلى ذلك، هذا أحد العوامل، لكن الخط المتجه من الشمال إلى الجنوب، وعلاقته بقطر لم يطرح علينا بشكل مباشر". على الرغم من أنه يقول "كان أحد العوامل المهمة، لكنه لم يعرض علينا بشكل علني، لكني أعتقد أنه كان مخططاً له". هو يعتقد أنه "كان مخططاً له"، وأنه قال "لا" لما كان يعتقد أنه كان مخططاً له. تحاول هذه الإجابة التوفيق بين الرواية المخترعة والواقع، حيث إن ما يؤكده هو أنه لم يُطرح مشروع مدّ خط أنابيب من "الشمال إلى الجنوب" (وليس من الجنوب إلى الشمال). وبالتالي، لم يقل "لا" على ما لم يُطرح عليه. ما طُرح هو خط أنابيب من الخليج عبر العراق إلى طرطوس، وبتشارك إيراني قطري، ولقد قال "نعم"، ووقع الاتفاق. 
وفي جوّ الود الكبير الذي كان قائماً مع قطر، كان من الطبيعي أن يقول النظام "نعم"، فقد قدّم لقطر مشاريع اقتصادية عديدة، وسمح للاقتصاد التركي أن يسهم في تدمير قطاعاتٍ اقتصادية في سورية. كلام بشار الأسد واضح في موافقته، وتأكيده عدم معرفته بخط "شمال/ جنوب" (أو أن قطر لم تطرحه)، ويبدو من ذلك أنه حاول التأكيد على أن خط الغاز كان سبب "المؤامرة" التي يفرح باعتبارها كذلك، لكنه نفى أصلاً وجود مشروع خط أنابيب مطروح عليه. لهذا، تبدو الـ "لا" التي يقولها في المقابلة هي ضمن السيناريو المكتوب كخطاب يبرّر "المؤامرة" بعد نشوب الثورة، وليس لأنه قالها في الواقع، فقد أكد أن الأمر لم يطرح عليه "بشكل مباشر"، وهو يعتقد "أنه كان مخططاً له". لتبدو المسألة هنا مسألة "اعتقاد". والفرق كبير بين أنه كان هناك مشروع لمدّ خط أنابيب من الشمال إلى الجنوب، وطُرح عليه فرفضه، وبين أن المسألة لم تخرج عن مسألة الاعتقاد. هذا هو التخريج بين حقيقةٍ تتمثل في أنه لم يُطرح مشروع خط شمال/ جنوب، وبين السيناريو الذي بني على أن المشروع كان حقيقة، وكان سبب "المؤامرة. وكان السيناريو يحتاج إلى سبب، لكي يقول إن ما يجري ليس ثورة، بل مؤامرة نتيجة رفض مدّ خط أنابيب الغاز من قطر إلى تركيا مروراً بسورية. لكن تصريح "الرئيس" يقول إن المشروع لم يُطرح "بشكل مباشر"، وبالتالي، لم يكن بحاجة لقول "لا" مع حلفاء "حقيقيين"، و"أصدقاء كبار". وربما يمكن سرد كثيرٍ من كلمات التبجيل والتعظيم التي كانت ترد في التصريحات وفي الخطاب الإعلامي، وتُترجم بمشاريع اقتصادية فعلية. 
ولا شك في أن الطرف الذي كان يرفض هو أميركا، بالضبط لأنه خط مشترك قطري إيراني، وهذا ما أقرّ بشار الأسد أنه وافق عليه. وكذلك روسيا التي كانت تتخوّف من نجاح المشروع، لأنها لا تريد منافساً لها في السوق الأوروبية التي تتعامل معها بوصفها احتكاراً خاصاً. وإذا كانت روسيا ترفض خط شمال/ جنوب، لأنه يمدّ الغاز إلى أوروبا، فأجدى أن ترفض كذلك خط شرق/ غرب، لأنه ينافس الخط الروسي. ولو كان الأسد رفض الخط الأول، نتيجة مراعاة "الرفاق الروس"، فأجدى أن يرفض الخط الثاني للسبب نفسه. ما أقصده أن النظام لم يكن حينها يأخذ في الحسبان الموقف الروسي، لأن علاقته بها كانت "في أدنى مستوياتها"، ولم يزرها سوى مرة، بينما زار أوروبا مرات عديدة (وهذا ما قاله بوتين في أحد تصريحاته، ليشير إلى أن العلاقة مع النظام لم تكن جيدة قبل الثورة). وقد كان حلف النظام هو تركيا/ قطر وإيران، وكانت العلاقة مع أميركا قد عادت إلى مجاريها "وأفضل"، كما قال السفير السوري في واشنطن سنة 2010. 

لهذا، حين يشير بشار الأسد، في مقابلته مع الصحيفة الإيطالية، إلى أنه يعتقد "أن هناك العديد من الدول التي كانت تعارض سياسة سورية لم ترغب بأن تصبح سورية مركزاً للطاقة، سواء كانت كهربائية أو نفطية، أو حتى أن تصبح نقطة تقاطع للسكك الحديدية، وما إلى ذلك"، فلا شك أن من بين هؤلاء روسيا بالتحديد (وليس قطر الصديقة حينها)، لأنها تريد احتكار تزويد أوروبا بالنفط والغاز، ولا تريد منافسةً من أطراف أخرى. وكل المشاريع التي طُرحت لتصدير نفط وغاز آسيا الوسطى، والخليج، كانت تصطدم بالموقف الروسي. فاعتماد روسيا على النفط والغاز جعلها تحاول احتكار الأسواق، لكي تضمن تسويقه من دون منافسين. وعلى الرغم من أنها بحثت عن أسواقٍ عديدة مثل الصين، إلا أن اعتمادها الأساس حينها كان على السوق الأوروبي، وقد ظهر ذلك، حين أوقف خط الأنابيب المارّ من أوكرانيا، بعد العقوبات عليها، وباتت هي تبحث عن منفذ تركي. 
واضحٌ، إذن، أن روسيا من الدول التي كانت لا ترغب أن تصبح سورية مركزاً للطاقة، وهذا  أحد الأسباب الجوهرية التي فرضت التدخل العسكري في سورية، وتوقيع اتفاق مع النظام هو اتفاق احتلال روسي طويل الأمد، فهي تريد التحكّم في خطوط النفط والغاز، وهذا ينطبق على إيران كما على قطر. وبالتالي، لن يُنفّذ المشروع الذي وقع عليه الأسد لخط الأنابيب من الشرق إلى الغرب، لهذا السبب بالذات، بعد أن باتت روسيا المتحكّم بالنفط والغاز السوري، وكذلك بطرق المواصلات إلى البحر المتوسط. هل نعتبر أن ما جرى في سورية "مؤامرة روسية"؟ بالتأكيد لا، لكن روسيا استغلت الوضع، لكي تتدخل وتفرض حضورها، وتتحكّم بالقرار السياسي في دمشق. ومن ضمن أهدافها منع نشوء خط الغاز. 
إذا كان النظام وأنصاره قد كتبوا سيناريو "الحرب على الغاز"، فقد وضعوا أحد الأسس التي يمكن على ضوئها فهم التدخل العسكري الروسي، والوحشية التي تمارسها ضد الشعب السوري، ومن ثم الاتفاق حول احتلالٍ طويل الأمد. فروسيا تستشرس من أجل منع كل محاولات مدّ خطوط نفطٍ إلى أوروبا، وهم داخلون في صراع عنيف من أجل التحكّم بسوق النفط والغاز. على الرغم من أن التطورات لم تكن في صالحهم نتيجة انهيار أسعار النفط. لكن، لا شك في أن التدخل في سورية كان يحمل الميل إلى منع "خط الغاز"، ليس القطري فقط بل الإيراني كذلك. 
ألّف أيديولوجيو النظام "قصة خط أنابيب الغاز" من أجل القول إن ما جرى في سورية مؤامرة "قطرية"، بسبب رفض النظام مدّ خط أنابيب الغاز "من الشمال إلى الجنوب"، كما قال بشار الأسد قالباً الأمر، وهو القلب الذي يوضّح جوهر الأمر، أي أن هذا الأمر لم يُطرح، وأنه وافق على خط من الشرق إلى الغرب، من دون حساب لمصالح روسيا، بالضبط لأنها كانت خارج الحساب بالنسبة له، حيث كانت حساباته تتمحور حول كل من تركيا وقطر وإيران. وبالتالي، ينكشف أن هذا "التأليف" كان هزيلاً، ربما أقنع "مؤيدين"، لكنه لا يقنع غيرهم، وأنه كان يفرض تفسير الماضي باللاحق، أي تفسير الموقف من قطر وتركيا، بما كان يجب أن يقال عنهم بعد الثورة، وليس كما كان حقيقةً قبلها. بالضبط لربط الثورة بهما، ومن خلفهما أميركا. لكن، يشير كل سياق الواقع إلى غير ذلك، إلا لمن يمتلك "عقل سمكة" فينسى ما كان قبل يوم أو أسبوع، ليتمسّك بالرواية الرائجة اليوم، وبما تخدم من مصالح. ولا شك في أن ارتباكات تصريح بشار الأسد تشي بذلك كله، وتكشف ما حاول "التأليف" إخفاءه، وهو أنه لم يكن هناك خط غاز قطري، بل إن الخط المطلوب كانت قد جرت الموافقة عليه، وقطر جزء منه. 
الذي يتدخل وفي رؤيته التحكّم بخطوط النفط والغاز هو روسيا، روسيا الإمبريالية التي تريد احتكار النفط والغاز، وهذا ما يجعلها حريصةً على السيطرة على "الشرق الأوسط".

 

(العربي الجديد)

 

دور لروسيا

القيصرية في إجهاض الثورات

 

سلامة كيلة

حينما تدخلت في سورية، برّرته روسيا بمواجهة الإرهاب وسحق الإرهابيين "الشيشان" قبل أن يعودوا إلىروسيا، وهي الصيغة التي برَّر بها الرئيس الأميركي، جورج بوش الابن، غزو أفغانستان ثم العراق. ثم أوضحت أكثر أنها تدخلت لمنع سقوط النظام في لحظةٍ كان عاجزاً عن الاستمرار، وكان يجب أن يجري إبعاد المتحكّمين فيه في سياق حلّ سياسي، لتحقيق تغيير يؤسّس لوضع جديد. وربما جرى ترداد تبريراتٍ أخرى، منها أن "النظام الشرعي" هو الذي طلب التدخل الروسي. 
لكن، ربما أوضح تصريح وزير الدفاع الروسي، سيرجي شويغو، الأمر من زاويةٍ أخرى، تنفي كل ما قيل قبلاً عن مبرّرات التدخل. قال، وهو يشير إلى "الضربات الجوية" التي أسفرت عن قتل 35 ألفاً "من الإرهابيين" أن روسيا "نجحت في وقف سلسلة الثورات في الشرق الأوسط"، وجزم أن "سلسلة الثورات التي انتشرت في أنحاء الشرق الوسط وأفريقيا انكسرت" (رويترز 22/12/ 2016). هو هنا يعلن "الهدف الأسمى" للتدخل في سورية، على الرغم من أن مصالح روسيا الاقتصادية والجيوإستراتيجية كانت في جوهر الأسباب التي دفعتها إلى التدخل وإقامة قواعد عسكرية، جوية وبحرية وبرية، لأجلٍ "غير محدَّد". ويوضح شويغو بالتأكيد شعور روسيا الإمبريالية بخطر الثورات وخطورتها عالمياً، وعلى روسيا خصوصاً. بالضبط، لأن الوضع الاقتصادي الروسي ليس في وضعٍ مريح، والشعب الروسي يعاني من الفقر والبطالة كذلك. 
وإذا كان هذا التقدير ليس في مكانه، بالضبط لأن أساس نشوب 
الثورات لا زال قائماً، فإن هذا الإعلان الواضح بأن تدخّل روسيا ووحشيتها قد أدتا إلى "إخماد ثورات الشرق الأوسط" يعني أن روسيا كانت، أولاً، ضد كل الثورات العربية، وهو ما وَضُح في موقفها من ثورات تونس 

ومصر، ومن ثم اليمن وليبيا، حيث دافعت عن زين العابدين بن علي وحسني مبارك، وغضّت النظر عن سحق مظاهرات البحرين، وقبلت الدور السعودي الذي كان يناور لإجهاض ثورة اليمن، ولم تكن مع الثورة في ليبيا بل ظلت تدافع عن معمر القذافي، على الرغم من أنها تقول إن "الغرب" قد خدعها، حين وافقت على قرار مجلس الأمن الذي يسمح بالتدخل العسكري "المحدود". لا يتعلق الأمر هنا، إذن، بالثورة السورية فقط، بل يصيب كل الثورات العربية، وكل الثورات الممكنة في العالم. ومن المنظار نفسه، كانت ضد ثورة أوكرانيا، وتدخلت عسكرياً لضم القرم، والسيطرة على شرقها. بمعنى أن روسيا الإمبريالية ضد كل الثورات، وهذا "طبيعي" لإمبرياليةٍ تريد السيطرة والاحتلال. 
وثانياً تدخلت وهي مصممة على ممارسة كل الوحشية التي مارستها، من أجل إجهاض الثورة و"كسر" سلسلة الثورات التي بدأت من تونس. بالتالي، عملت على إكمال سياسات النظام، وإيران (وأدواتها) المتعلقة بالتدمير والقتل والترحيل، بكل الأسلحة المتطورة التي تمتلكها، من أجل تحويل الثورة إلى مجزرة. يوضح هذا التصريح أن السياسة التي وضعتها روسيا لتدخلها العسكري انطلقت من تدمير الثورة، بغض النظر عن الكلفة، ومن ثم كانت تعرف أن عليها، بالضبط، لأنها تواجه ثورة شعب، وليس إرهاب مجموعاتٍ صغيرة متحكَّم بها، أن تمارس كل الوحشية التي تجهض الثورة، بغض النظر عن عدد القتلى أو مستوى التدمير. ولا شك في أن إشارة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، حين لقائه كلاً من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في برلين، موحية هنا، حيث أشار إلى أنه سيمارس في حلب كما فعل في غروزني، أي ممارسة عملية التدمير الشامل بكل الأسلحة (البراميل المتفجرة من اختراع بوتين، ومورست للمرة الأولى في غروزني). 
تعتبر روسيا هنا أنها، من أجل كسر سلسلة الثورات، كان لا بد لها من أن تمارس كل الوحشية التي توقفها، ليس في سورية فقط بل في "الشرق الأوسط". وهذا ربما يوضّح الأرقام التي أتى بها شويغو في التصريح نفسه عن قتل "35 ألف مسلح" أو "إرهابي"، بعد أن نفذ الطيران الحربي الروسي (فائق التطور) 18800 طلعة منذ سبتمبر/ أيلول من سنة 2015. وربما توضّح أسماء القتلى طبيعتهم التي يقول إنهم من الإرهابيين، ولقد نشرت الأرقام وصفات هؤلاء (وأكثر منهم) وأعمارهم في تقارير لمنظمات وهيئات سورية ودولية مستقلة، فهم في معظمهم من الشعب الذي يعتبره شويغو إرهابياً ما دام قام بالثورة (وشويغو يعترف بأنها ثورة). وجرى قتلهم عن عمدٍ، لأنهم قاموا بالثورة التي يعلن أنه كسرها، ليس في سورية فقط بل في "الشرق الأوسط وأفريقيا"... هو الرعب من الثورة إذن، من إمبرياليةٍ تريد النهب والسيطرة. وهو رعب الإمبرياليات الأخرى. 
وثالثاً، أنها بهذا التدخل نفذت ما أرادت الإمبرياليات الأخرى، وكانت الأداة التي جرى 

استخدامها، ليس من أجل إجهاض الثورات فقط، بل وتحويلها، في سورية، إلى مجزرة تخيف شعوب العالم. وهذا يفسّر الموقف الإمبريالي الأميركي الذي كان يغضّ النظر عمّا فعل النظام من وحشيةٍ في القتل والتدمير واستخدام الأسلحة المحرّمة، وما فعلته روسيا بتدخلها. لقد أخافت سلسلة الثورات التي ظهرت كانفجار سريع وكبير يهدّد الرأسمالية كل الدول الإمبريالية، في لحظة أزمتها المستعصية على الحل، والتي فرضت سياسة التقشف التي تعني انهيار الوضع المعيشي للشعوب في البلدان الرأسمالية ذاتها، وتسريع نهب الأطراف وتدمير مقومات وجود شعوبها. لهذا، كان لا بد من مجزرة كبيرة تدمّر بلداً له تاريخ حضاري كبير (بعد أن دمرت الإمبريالية الأميركية العراق)، وموقع مميز، من أجل أن تعي شعوب العالم التي باتت تنهب بشراسة أن عليها قبول الموت الذي تعيشه، أو تنتظره من دون مقاومةٍ أو تمرّد أو ثورة، لأنها حينها ستدمر بكل العنف والوحشية. بالتالي، تقول هذه الإمبرياليات إن الموت البطيء أفضل من الموت الوحشي، على الرغم من أنه في الحالين موت، وأن الإحساس بالموت جوعاً هو الأساس الذي يفرض الثورات، مهما كانت النتائج، لأنه "رد الفعل الطبيعي" على الشعور بالموت هو الحركة، التمرّد، أي الثورة. 
إذن، روسيا الإمبريالية هي ممثلة الإمبرياليات في السعي إلى سحق الثورات، وهي أداة هذه الإمبرياليات لهذا السحق. ولسخرية التاريخ أن يعاد كمهزلة، بعد أن كان تراجيديا حينما لعبت روسيا القيصرية دور "حصن الرجعية" (كما سماها ماركس) من أجل سحق ثورات سنة 1848 في أوروبا. إذن، يعود حصن الرجعية، لكنه هذه المرة مستفيداً من كل التطور التكنولوجي العسكري الذي أنجزته الاشتراكية مع الأسف، وليكون هو قوة الصدام المعلنة ضد ثورات الشعوب. وأن يسلّح بجيش "عرمرم" من "اليسار الممانع" في العالم كله، يقدّم له المبرّر الأيديولوجي لما يفعل، من خلال تشويه الثورات، و"القتال المستميت" للتأكيد على أنها "مؤامرة إمبريالية"، أو أنها ليست ثوراتٍ، لأنها بلا قيادة "ماركسية لينينية"، أو لأنها أتت بـ "الإرهابيين". هذا اليسار الذي فقد كل فهم، وكل معرفة، وكل إنسانية، وبات أداةً بيد "حصن الرجعية" في ضخّ الترهات حول الثورات، وقام بالتمهيد "النظري" لسحقها. 
إذا كان سيرغي شويغو هو وزير حرب الإمبرياليات، فيمكن القول إن قدري جميل وكثيرين من "شيوعيي" العالم هم هيئة الأركان الأيديولوجية في الحرب التي تخوضها الإمبرياليات ضد الثورة. وليبدو أن الاتحاد السوفييتي لم يُنتج سوى هاتين "القوتين": حصن الرجعية العسكري وحصن الرجعية الأيديولوجي.

(العربي الجديد) لندن

 

نقد الثورة السورية

سلامة كيلة

 

يبدو أن التطورات الأخيرة في الوضع السوري فرضت "استفاقة" لدى نخب وناشطين. ولهذا قرّرت أن تقدّم وجهة نظرها لتصحيح مسار الثورة. ولا شك في أن وقع خسارة حلب، و"صدمة" تطور العلاقة التركية الروسية، كانتا "لحظة الصدمة" التي استدعت ذلك، الآن وبعد ست سنوات من الثورة. ولكن بعد أن كان لكثيرين من هذه النخب والناشطين والمثقفين دور ليس قليلاً في وصول الوضع إلى ما وصل إليه، أي بعد أن أسهم كل هؤلاء في الانحدار الكبير الذي حدث، بعد أن عمّمت الأوهام حول قضايا كثيرة باتت مجال نقدهم الآن. 
من المفيد الميل نحو إعادة النظر في مسار ست سنوات، ومهم كذلك أن يشار إلى "خطايا" عديدة جرى ارتكابها، لكن الأهم هو نقد الذات قبل نقد الثورة، فما عانته الثورة كان من فعل مباشر من النخب التي عملت على حرفها عن سياقها ووضعها في سياقٍ مختلف، مستفيدةً من تكريس كل الإعلام والقنوات الفضائية لتعميم أوهامها، وإظهار الثورة بصورةٍ ليست فيها. سواء تعلق الأمر بالأسلمة، حيث كانت النخب فاعلةً في هذا السياق، أو في استدعاء التدخل الإمبريالي، أو في تخريب الفعل الواقعي للشباب الذي كان يقود الثورات، والشغل على شرائه أو تهجيره. 
ولا شك في أنه يجب تحديد المطالب التي فرضت انطلاق الثورة. لكن، لا يبدو أن النخب التي تنتقد معنيةً بذلك. لهذا، نجدها تعيد تكرار خطابها الذي لم يلامس مشكلاتٍ مجتمعيةً عميقة. ولهذا، لم يؤثّر في قطاعاتٍ شعبيةٍ، كان يجب أن تكون مع الثورة. على العكس، طرحت أوهامها هي، أو لكي أكون "دبلوماسياً"، طرحت مطلبها الخاص كنخب ما ترى أنه مشكلة هو استبدادية النظام، لكنها لم تلمس انهيار الوضع الاقتصادي، وارتفاع البطالة بشكل كبير، ولا انهيار الوضع المعيشي لنسبة كبيرة من الشعب. وهي العوامل التي أحدثت الاحتقان الذي فرض انفجار الثورة، وهي تتلهى بشعار "الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية"، وتظن أن الشعب عاجز عن فعل شيء. وهذه المسألة هي التي أطلقت المراهنات على التدخل العسكري الخارجي، وربط مصير الثورة بالدول 
الإمبريالية التي كانت تخطط لتدمير الثورة، لأنها تخاف الثورة أكثر كثيراً مما تخاف الاستبداد، بل تحبّذ الاستبداد. 
هل تستطيع هذه النخب مواجهة الخطاب 
الأصولي السلفي الذي ساعدت على انتشاره، حين غطت على القوى التي تطرحه، وأوهمت أنها آتيةٌ لإسقاط النظام، وأن أصوليتها ووهابيتها ليست سيئة، و"هذا هو وعي شعبنا"، وما إلى ذلك من تبريرات؟ هل تستطيع كشف أطراف المعارضة التي عملت، منذ اللحظة الأولى، على أسلمة الثورة عبر فرض شعاراتٍ وأسماء جُمعٍ كانت البداية في مسيرةٍ أسلمةٍ وجدت منابرها الإعلامية في القنوات الفضائية؟ أشير هنا الى "الإخوان المسلمين" وتواطؤ "إعلان دمشق"، ونخبٍ كثيرة باتت تلهج بالخطاب الطائفي. 
كانت الثورة السورية كاشفاً لأمراض ومصالح وأوهام كثيرة، وأيضاً القدرات. ولهذا، ظهر واضحاً أن كل من تصدّى لقيادة ثورةٍ لم يتوقعها ولا شارك فيها، ولا انتبه إلى مشكلاتها، لم يكن في مستواها، بل إن كثيرين ممن "تعربشوا" عليها كان يلحق مصالحه في لحظةٍ أحسّ أن النظام سيسقط، وعليه أن يقفز لكي يحكم بديلاً عن النظام. ولهذا، قبِل التبعية للدول الإقليمية أو "الغربية"، وقبِل أن يكون بوقاً لها، وأن ينفّذ سياساتها التي كانت تهدف الى تدمير الثورة بالتحديد، بغض النظر عن كل البروباغندا الإعلامية، وكل الحديث عن "دعم الشعب السوري". 
لهذا، ما دام الأمر قد فرض أن تجري مراجعة تجربة سنوات ست، لا بد من القول الواضح إن المعارضة التي تصدّت لقيادة الثورة، وفرحت بحصولها على "اعتراف دولي"، كانت عبئاً على الثورة وأضرّت كثيراً. وبالتالي، ليست جديرةً بأن تبقى، أو تجري المراهنة على أن تعيد النظر في سياساتها، بالضبط لأن المصالح الخاصة تقبع تحت هذه السياسات. وبالتالي، يجب أن تُعرّى، وأن تُلفظ، هكذا بالضبط، وحين تأتي لحظة المحاسبة أن تحاسب على كل ما فعلت. 
ليس هؤلاء من هم في مستوى الثورة، بكل قوتها وعظمتها وتضحياتها، بكل الجبروت الذي واجهت النظام به. ومن ثم لكي تنتصر، لا بد من أن تُنتج هي قادتها الفعليين، من الشباب الذي أطلقها، والذي خاضها بكل جرأة وقوة، ولا يزال.

 

(العربي الجديد)

 

بعد حلب...

أزمة المنظور الروسي في سورية

سلامة كيلة

 

يتوضّح أكثر بعد معركة حلب أن روسيا تسير في خيار الحسم العسكري، وإنْ كانت تعمل على ذلك بـ "هدوء"، أو بـ "بطء". فقد سكّنت الجبهة الجنوبية بالاتفاق مع النظام الأردني. وأخذت تقطف ثمار الحصار الطويل لكل المدن والبلدات في محيط دمشق، من خلال تحقيق "المصالحات" التي تقتضي خروج المقاتلين والسكان منها. وقرّرت حسم الصراع بالقوة في حلب وإدلب والشمال عموماً، بعد أن سمحت لتركيا بالسيطرة على شريطٍ من حدودها مع سورية في حرب ضد "داعش". وهي غير مهتمة بـ"داعش" ومناطق سيطرته، لأنها تستطيع استعادتها بـ "هدوء" حين تريد، لأنها تخدمها من خلال السيطرة على مناطق النفط التي باتت من حصة الشركات الروسية، وحيث تتحكّم في جزء منها هناك. لهذا لم تقاتل مسلحي "داعش"، على الرغم من "الأفلام" التي نشاهدها بين حين وآخر. ويبدو أنها تريد الآن تشكيل "معارضة معتدلة"، تقبل الاتفاق مع النظام، لكي تقول إنها أنهت الصراع الطويل في سورية، وأعادت الهدوء إلى هذا البلد.
يتمثل المنظور الروسي في حسم الصراع بالقوة وفرض بقاء بشار الأسد ونظامه. ولهذا، يستخدم قواته الجوية والبرية، ويعتمد على مليشيا طائفية من بلدان عديدة. هذه هي، باختصار، الإستراتيجية الروسية التي استخدمت سورية حقل تدريب لجيشها، وتجريب سلاحها الجديد، واستعراض قوتها لكي تزيد من مبيعات سلاحها. وهي تريد احتلال سورية من أجل مسائل عديدة. أولها استراتيجي، يتعلق بأن سورية مرتكز توسيع السيطرة على "الشرق الأوسط" الذي يعيش حالة انسحاب أميركي. وثانيها عسكري، يتعلق بتوفير قواعد بحرية في سورية من أجل الهيمنة على البحر المتوسط، وقواعد جوية وبرية لـ "حماية مصالحها" في سورية و"الشرق الأوسط". وثالثها الحصول على مصالح اقتصادية، تتعلق بالنفط وإعادة الإعمار ومشاريع تقطف ثمارها الشركات الروسية. ورابعها التحكّم بخطوط النفط والغاز، لكي تمنع كل إمكانية لمد خطوط عبر سورية، تنافس روسيا في أوروبا.
ولا شك في أن ذلك كله "مصيري" وحاسم لروسيا، البلد الإمبريالي الذي يريد الأسواق، لكنه يريد كذلك منع التنافس، كي يُبقي أوروبا في حاجةٍ إليه في ما يتعلق بالنفط والغاز. لهذا، تسعى إلى فرض احتلال على سورية، وليس فقط إقامة علاقات متميزة، لأن هذا هو ما يضمن لها ذلك كله، ولأن ضرورة إقامة قواعد عسكرية يعني فرض الاحتلال، كما أرادت وتريد أميركا في العراق. وتدفعها كل هذه الأمور إلى الحسم العسكري، والسيطرة على كل سورية (وهنا، يصبح كل حديث عن التقسيم لعبة مسلية، هدفها تشتيت النقاش وتضييع الحقائق). لكن، لنفترض أن روسيا استطاعت، بكل تفوقها العسكري، أن تسيطر على كل الأرض السورية، فهل تستطيع ضمان قدرة النظام على الحكم؟
السؤال نابع من ملاحظة بسيطة، هي أن النظام لم يعد يمتلك جيشاً، وهذا ما اعترف به بشار 

 الأسد في صيف سنة 2015 مقدمة لطلب التدخل الروسي، حيث هناك بقايا جيش، وعصابات تسمى "الجيش الوطني"، وحتى فرق الجيش باتت تتشكل من هذه العصابات، بعد فرار أغلبية الجيش أو انشقاقه، وهروب الذين يُطلبون إلى الخدمة العسكرية، ومقتل آلاف منه. ولهذا، من يقاتل الثورة "قوى خارجية". هكذا بالضبط، وهي حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية والأفغانية والباكستانية، والحرس الثوري الإيراني، ومرتزقة من فلسطين ولبنان وغيرهما. وبالتالي، كيف يمكن أن يحكم بعد تحقيق "الانتصار"؟
أمام روسيا خياران. الأول الاعتماد بشكل مستمر على هذه القوى التي هي خاضعة لإيران، وهذا يعني أن على روسيا أن تقاسم إيران في "الغنائم"، ومنها القبول الروسي بمدّ خط أنابيب الغاز الذي وقعته مع بشار الأسد سنة 2010، وضمان مشاريع اقتصادية لها، وسداد ديون النظام لها. وأيضاً أن تقبل سياسات إيران التي تستغلّ حزب الله من أجل التفاوض، حيث تريد السيطرة على سورية ولبنان (والعراق واليمن) كما يصرّح قادتها. ويتناقض هذا الأمر مع تحالف روسيا مع الدولة الصهيونية التي تريد إنهاء وجود حزب الله، وإبعاد إيران عن حدودها. ولا شك في أن ذلك كله يتناقض مع مصالحها هي، حيث تريد السيطرة الأحادية على سورية، ومدّ سيطرتها إلى "الشرق الأوسط". والخيار الثاني أن تأتي بقواتها هي، لكي تصنع أرجلاً لنظامٍ تريد استمراره، وهذا يورّطها في حرب طويلة، وهي حربٌ ستحدث، حتى وإنْ اعتمدت على قوى إيران.
تحتاج إعادة بناء جيش سوري إلى زمن طويل، وربما لا يكون ممكناً ذلك نتيجة "غياب الشباب" الذي يقبل الخدمة العسكرية، بعد أن جرى تهجير أكثر من نصف السكان، وفرار شبابٍ كثيرين من مناطق النظام، وحتى من "داعميه". بالضبط لأنهم لا يريدون المشاركة في هذه الحرب القذرة، بعد أن فقدت تلك المناطق عشرات آلاف الشباب في حرب النظام ضد الشعب، ومن أجل إجهاض الثورة. والعجز عن بناء جيشٍ جديد يعني أن على روسيا إما أن تقبل بتقاسم مع إيران، وهو تقاسم غير مضمون النتائج، أو تزيد من قواتها البرية، وهذا أمر يغرقها في أفغانستان جديدة. فهل تقبل أن تبقي المعادلة الحالية بعد أن تحسم الأمور؟
هذه هي معضلة روسيا في سورية، ذلك أن "انتصارها" لن يكون مكتملاً، وسوف يخضع

لظروفٍ تقلل من قدرتها على السيطرة واحتكار سورية. وأشير إلى ذلك انطلاقاً من بديهية واضحة، هي أنه حتى وإنْ استطاعت روسيا السيطرة على كل سورية، فإن الحرب ضدها وضد النظام لن تتوقف، وإنْ اتخذت أشكالاً جديدة، فليس من انتصارٍ حاسم ممكن لها في كل الأحوال. ولا شك في أن تمسّكها ببشار الأسد، وببنية النظام كما هي، من دون أن تقدم "تنازلاً" واحداً، سوف يفرض عليها أحد الخيارين السابقين، أي الاعتماد على قوات إيران وملحقاتها أو إرسال قواتها. لا بد، في الحالة الأولى، من أن تقدّم تنازلاتٍ لإيران، وهو ما لا تستطيعه، أو إرسال قواتها، وهذا سيدخلها في أفغانستان جديدة، ربما أسوأ من السابقة، خصوصاً أن الوضع العالمي يعاني من سيولةٍ وتحوّلٍ في التحالفات، يمكن أن تقود إلى تصارع مصالح في سورية، يعزّز من الصراع ضدها. والأهم هنا هو أن الشعب الذي ثار لن يقبل الهزيمة التي تتمثل ببقاء بشار الأسد ومجموعته. وبالتالي، سوف يستمر العمل المسلح ضد النظام وحامليه من إيران إلى روسيا، ولسوف يتخذ أشكالاً أفضل مما جرت ممارسته منذ ثلاث سنوات. فحرب العصابات هي التي ستكون الرد المناسب على وضعيةٍ مفروضةٍ منبقايا نظام وسلطة احتلال وأدوات طائفية. ولكن، يمكنها تحويل وجهة الصراع من روسيا في حالةٍ واحدة فقط، هي إنهاء سلطة بشار الأسد ومجموعته، وإعادة بناء الدولة على أسس تشاركية. فهذا هو المدخل الوحيد لبناء قوى عسكرية تحمي الدولة، حيث إنها الخطوة التي تسمح بعودة عشرات آلاف الفارّين من الجيش، وتهدئة القوى التي تقاتل الآن ضد النظام، وتحقيق "قبول شعبي" بشكلٍ ما. على الرغم من أن الصراع سوف يستمر بأشكال أخرى، نتيجة الحاجة لتحقيق مصالح الشعب، الاقتصادية والسياسية، فالشعب يريد العيش الكريم والديمقراطية، هذا هو ملخص الحرية التي يريدها، وطرحها منذ البدء.

(العربي الجديد)

 

بعد حلب.. هل من حل روسي؟

سلامة كيلة

ظهر أن روسيا تنتقل بعد "تحرير" حلب (من سكانها) إلى طرح صيغةٍ للحل السياسي، ولقد توافقت عليها مع كل من إيران وتركيا. وهي صيغةٌ تقوم على الحوار بين النظام والمعارضة، بعيداً عن جنيف 1، وقرار مجلس الأمن رقم 2254. بالتالي، تفرض صيغتها التي تقوم على بقاء بشار الأسد، وتشكيل "حكومة وحدة وطنية". وتعتبر أن الحرب على الإرهاب هي ما يفرض التحالف بين تلك الدول، على الرغم من أن كلاً منها يعرف أن الإرهاب المشار إليه هو من صنعها، حيث عملت الدول الثلاث على دعم "داعش" وجبهة النصرة بأشكال مختلفة، وعززت من دورها لإضعاف الثورة من جهة، ومن جهةٍ أخرى لاستغلال وجودها مبرراً لقصف الكتائب المسلحة والهجوم عليها. هذا ما فعلته روسيا بالضبط، حيث أنها لم تقصف لا "داعش" ولا "النصرة" (إلا بشكل استعراضي)، وركّزت قصفها وقتلها على الكتائب التي تتصف بطابع شعبي، والتي تمثّل القوى الشعبية التي ثارت ضد النظام من خلال التظاهرات السلمية، ثم اضطرت إلى حمل السلاح. وكان واضحاً أن ما تريده روسيا، مثل النظام، هو بالتحديد سحق قوى الثورة، وليس لا "داعش" ولا جبهة النصرة، ولا حتى المجموعات الأصولية الأخرى.
ما يخيف روسيا، بالتالي، هو روح الثورة التي كانت تتحسّس من وصولها إليها، مثلها هنا مثل كل الدول الإمبريالية، والنظم التابعة. وباتت تريد، كما يبدو، فرض الحل السياسي الذي يناسبها، بالضبط كما فعلت السعودية في اليمن، حينما أبقت علي عبدالله صالح في السلطة، وراوغت طويلاً قبل تنحيته من دون أن تسمح في تغيير في بنية الدولة. لكن ذلك كله لم يمنع انفجار الوضع من جديد. ولا شك في أن الحل الروسي كما يُطرح لن يمنع انفجار الوضع من جديد، على الرغم من وجود قواتها العسكرية (الجوية والبرية) في 
سورية.
ربما تستطيع روسيا الآن أن تقرّر حلاً، بعد أن ضمنت كل من إيران وتركيا، وهو ما يسمح بإخضاع القوى التابعة لكل منها، وبحصار القوى الرافضة، لكنها لا تستطيع تحقيق قبول الشعب، وبالتالي، القدرة على بناء جيشٍ يحمل الدولة التي باتت تُحمل على أرجلٍ من إيران وروسيا وأشتات العالم.
لكن، سيقود هذا التوافق بين هذه الدول إلى انكشاف المعارضة والكتائب المسلحة التي اعتمدت على الدول الأخرى، لأن التوافق بين هذه الدول الثلاث سوف يفرض قبول الدول الأخرى. فقد عملت روسيا على "تبليغ" أميركا بنتيجة الاتفاق، وسوف تفعل ذلك مع السعودية وقطر وأوروبا، وأظن أن كل هذه الدول سوف تدعم الصيغة التي جرى التوافق عليها. وسوف تعلن كلها "الحرب على الإرهاب"، على جثة الشعب السوري.
ما سيكمل "الصورة" هو الدور الذي ستلعبه جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً) في جرّ مجموعاتٍ سلفيةٍ، لكي تخضع لسيطرتها، وتأسيس إمارة سلفية في إدلب، تكون مدخلاً لتبرير "الحرب على الإرهاب"، على الرغم من أن "النصرة" هي أول من يُسمح لها بالخروج والحركة، كما حدث في حلب، حيث خرجت أولاً بهدوء على الرغم من أن كل الحرب على حلب جرت بذريعة تصفيتها. إنها المبرّر للحرب، لكنها لا تُحارب، لأنها "الطُعم" فقط، الطُعم الذي أوجده النظام، ويُستخدم للقتل والتدمير "من دون أن يُصاب بأذى". ولهذا، سوف ينتهي دورها حال الوصول إلى حل، بعد أن تكون قد عاثت بالثورة، وخدمت كل سياسات النظام وروسيا، وإيران.
اللافت بعد الانسحاب من حلب أن جبهة النصرة تريد "توحيد" المجموعات السلفية تحت سيطرتها تحت مسمى توحيد "قوى الثورة"، على ضوء "الضغط الشعبي"، ما يعني تبرير قصف تلك القوى تحت حجة الاندماج بهذا التنظيم الذي يُصنّف إرهابياً. لكن ما يظهر واضحاً بالفعل أن المجموعات السلفية لا تستطيع سوى التقارب، لأن منطقها واحد، وهدفها واحد: "دولة إسلامية". ولا شك في أن ذلك كان جزءاً من "خراب" الثورة. الثورة التي لن تنتهي، على الرغم من كل ما حدث. كيف؟ سنجيب على ذلك.

(العربي الجديد)

 

ثورة ضد العالم

سلامة كيلة

 

نلاحظ كيف أن "كل العالم" بات يتدخّل في سورية. أمر يسترعي الملاحظة ولا شك، حيث إن الدول الإمبريالية والإقليمية باتت تتدخل، لأنها تربط تدخلها بدورها الإقليمي أو العالمي. على الرغم من أن ما قام به الشعب السوري هو ثورة من أجل إسقاط النظام، لتحقيق مطالبه التي تراكمت عقوداً، سواء تعلق الأمر بالفقر والبطالة وانهيار التعليم والصحة، أو تعلق بالاستبداد والشمولية اللذيْن حكما ممارسة النظام، والتي أدت إلى قمع شديد واعتقالات واسعة. 
أتت الثورة السورية بعد ثوراتٍ بدأت بـ "حادثة بسيطة"، انتشرت على أثرها بشكل سريع ومخيف في البلدان العربية، على الرغم من أنها باتت ثورات في خمس دول فقط. وقد جرت محاولات محلية ودولية لكبح الثورة، من خلال التغيير السريع للرؤساء، وإظهار نجاح الثورة، أو بالتدخل العسكري، كما في البحرين وليبيا، أو بالمناورة طويلة الأمد، كما في اليمن. لكن، لم ينجح الأمر في وقف الثورة الممتدة، والتي ألهمت شعوب العالم التي تحلم بالثورة، نتيجة وضعها، بعد أن باتت الرأسمالية تعاني من أزمة اقتصادية عميقة، أخذت تنعكس عليها. 
لهذا، يبدو أن الكل، كل هؤلاء الإمبرياليين، قرّروا أن تكون سورية مقبرة الثورة، الثورة التي بدأت في تونس، وامتدت إلى مصر والبحرين واليمن وليبيا وسورية، وأخرجت تحركات كبيرة في عُمان والعراق والأردن، وفي الجزائر والمغرب. وبالتالي، كان يجب أن تواجه في سورية، مع نظامٍ متعطش للسلطة، خصوصاً أنه اعتبر أنها وراثة لملكية خاصة، ويمكن أن يمارس كل العنف الذي عُرف عنه منذ عقود أربعة. النظام الذي شاهد رحيل زين العابدين بن علي ثم حسني مبارك، فاستخرج "مخططاته" القديمة، بعد أن استنتج أن العنف وحده الذي يسحق الثورة، وينهي إمكانية اللجوء إلى ترحيل الفئة الماسكة بالسلطة. 
وبهذا بات على الشعب السوري أن يواجه العالم. بات في مواجهة العالم. فقد واجه النظام بكل قوته ووحشيته وكسره. حيث بعد أقل من عامين، كان النظام يتهاوى، بعد أن أصبحت الثورة تشمل معظم سورية، وبات السلاح يهزّ قوة النظام، بعد أن فرضت وحشية النظام استخدامه. ولكن، بعد أن اخترق الاحتقان صفوف الجيش، وبات كثيرون من ملاكه يميلون إلى الانشقاق 

أو الفرار، ما جعل النظام يضع معظم الجيش في معسكراتٍ مغلقة، وظل يستخدم "البنية الصلبة" التي اعتمد عليها منذ البدء. هذا الاستخدام هو الذي جعل السلطة عاجزةً ليس عن الحسم، بل عن الصمود. حرّكت الثورة المجتمع والدولة، وجعلت استمرار النظام مستحيلاً. 
حينها، واجه الشعب السوري أول تدخل خارجي يهدف إلى حماية النظام من السقوط. واجه حزب الله، ثم المليشيا الطائفية العراقية، ثم الحرس الثوري الإيراني، ومن ثم "الزينبيين"، وهم من جمعتهم إيران من أفغان وباكستانيين، وزجتهم في أتون الحرب ضد الثورة. زجّت إيران بعشرات آلاف "المجاهدين"، وقدّمت الخبرات العالية منذ البدء، وأغدقت بمليارات الدولارات، وبكل احتياجات السلاح وأدوات القمع. بهذا، بات الشعب يخوض الصراع مع بقايا قوات النظام، خصوصاً طيرانه وصواريخه الباليستية (السكود)، وعملاءه داخل صفوف الثورة، وكذلك مع كل ما أرسلت إيران من قوات وسلاح. باتت المعركة مع إيران بالأساس، وبقيادةٍ عسكرية إيرانية، مستتبعة ببقايا قوات النظام، والأخطر فيها هو الطيران. 
في الوقت نفسه، جرى تسهيل إرسال "الجهاديين" على أساس أنهم آتون لمحاربة النظام، لكنهم عملوا على تخريب بيئة الثورة، وقتل أفضل قادتها وكادراتها السياسية والإعلامية والإغاثية، وسيطروا على مناطق، طاردين منها الكتائب الثورية. كما وضعوا في "حضن" الثورة جبهة النصرة، وكذلك الزعران والجواسيس. حيث باتت الثورة تواجه النظام، وكل هؤلاء معاً. لكن، ظهر واضحاً سنة 2015 أن ميزان القوى ينقلب، وأن النظام بات يتراجع بتسارع، الأمر الذي قاد إلى تدخل روسيا بكل قوتها العسكرية، وتكنولوجيتها الحديثة وسلاحها المدمّر. 
في المقابل، كانت الثورة عفوية، ما يعني أنها بلا قيادة حقيقية، وهذا ما جعل تمظهراتها العسكرية متشتتة ومناطقية، ومتناحرة في حالاتٍ عديدة، وتقبل وجود قوى "إرهابية" صنعتها أجهزة المخابرات، وكما يقبل بعضها الربط مع دول إقليمية. كما كانت تعاني من "تخريب" أطرافٍ من المعارضة التي أرادت ركوبها بأشكالٍ شتى، حيث ساعدت دول إقليمية في الأسلمة وقبول "الإرهاب"، ودافعت عنه. لكنها عانت من كبح "الحلفاء" الذين أمدوا "مزاجياً" بالسلاح والمال، بحدود مضبوطة، بالضبط لكي لا تنتصر الثورة، لأنهم ضد الثورات أصلاً. وحيث قبل هؤلاء كذلك بالخضوع لقرار أميركي بحصار الثورة. 
بمعنى أن الثورة واجهت، ليس النظام فقط، فقد أضعفته بعد عام ونصف العام، وأصبح معرّضاً للتغيير، لكنها واجهت في حربٍ عنيفةٍ إيران بكل أدواتها التي شكلتها، ومن ثم روسيا الدولة

الإمبريالية الآتية لكي تثبت قدرتها الفائقة وتفوقها العسكري. ومن أجل ذلك، أتت بأحدث أسلحتها، واستخدمت أقصى العنف والوحشية. لكنها واجهت أيضاً كل الدول التي قالت إنها تدعم الشعب السوري ضد النظام، هذه الدول التي عاثت تخريباً، ودعمت إرسال "الجهاديين" الذين أتوا بقصد التخريب. ولهذا، نجد أن من يقاتل الثورة أفراد ومجموعات وجيوش من لبنان والعراق وإيران وباكستان وأفغانستان، ومن السعودية والكويت والمغرب العربي وليبيا والأردن وأوروبا، والشيشان وتركمانستان، ومن روسيا، وحتى من كوريا. 
جرى التحجج حين التدخل، سواء من إيران أو روسيا، بأن الثورة تُدعم من دول مثل السعودية وتركيا وقطر. ويظهر الآن واضحاً أن هذه لم تكن مع الثورة، وأن مصالحها هي التي فرضت تدخلها بشكل أو بآخر، لكنها، في كل الأحوال، لم تدعم الثورة، وعملت على تخريبها. وبهذا، فإن كل هذه التدخلات كانت ضد الثورة. فأولاً كل هذه الدول هي ضد الثورات، وقد أصابها الرعب من نشوبها في تونس، ومن ثم انتشارها حريقاً هائلاً. لهذا، كانت المسألة المركزية التي تحكمها هي سحق الثورة، مباشرة أو عبر تفكيكها، وتحويل سورية إلى مثالٍ لنتيجة الثورة، أي الإسهام في تحويلها إلى مجزرة. وثانياً أن سورية كانت مفصل تنافس عالمي. ولهذا، أدى نشوب الثورة إلى التدخلات المختلفة للنهب. ولكن، أيضاً لفرض دور إقليمي أو عالمي. 
بالتالي، منذ أربع سنوات والشعب السوري يخوض الصراع ضد دول وقوى، وليس ضد النظام فقط، وهو يقاتل على جبهتين معاً، ضد النظام وتلك القوى التي أتت لحمايته، وضد المجموعات "السلفية الجهادية" التي أرسلت لكي تسحقه. وهو في وضع مشتت. على الرغم من ذلك، لا زال يقاوم كل هؤلاء، ولا زال يسعى إلى أن ينتصر. الأمر صعب، لكنه ممكن. حيث إن الصراع ليس في سورية فقط، بل هو جزء من الصراع الذي بدأته الطبقات الشعبية العربية، من أجل التغيير الجذري، في عالم يعاني من أزماتٍ سوف تنفجر، وهي تفتح على تفاقم الصراع الطبقي في بلدان كثيرة. 
الثورة السورية هي ضد العالم. لهذا سوف يكون لها موقعها الكبير في مسار الثورات العربية والعالمية.

(العربي الجديد)

 

المراوغة الروسية

سلامة كيلة

تزيد روسيا من وحشيتها ضد حلب وإدلب والريف الشمالي، وهي تمارس عملية إبادة شاملة، على الرغم من أنها تراوغ من خلال التواصل تحت حجة البحث عن حل، لكنها تعتبر أن فشل الوصول إلى حل ناتج عن تمسّك بعض الأطراف بإزاحة بشار الأسد. ولهذا، تزيد من ضغطها ومناوراتها، من أجل "إقناع" هذا البعض بالتخلي عن مطلبه هذا.
فشل الوصول إلى حل ناتج عن "معضلة" بشار الأسد، فالمواقف تفترق حين التطرق إلى وضع الأسد، وتفشل المفاوضات، لأنها لا يجب أن تتناول وضعه. وإذا كان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يعتبر أن سبب الفشل هو نتيجة التمسك بإزاحته، فيمكن أن نقول العكس، أي أن سبب الفشل هو نتيجة تمسك الروس ببقاء بشار الأسد، فقد تمحور الصراع، منذ بدء الثورة، حول رحيله. لهذا رفع الشعب شعار إسقاط النظام، وضحّى، وعانى، وواجه وحشية النظام وإيران وروسيا من أجل إزاحة بشار الأسد، فكيف يمكن أن نعتبر أن سبب فشل المفاوضات هو التمسّك بإزاحة بشار الأسد؟
قبول الذين خرجوا لتغيير النظام بالحل، بالتالي، ينطلق من إزاحة بشار الأسد. وإذا كان الرئيسان في تونس ومصر أزيحا بهدوء، ومن دون تضحيات كبيرة، فكيف يمكن أن يقبل الشعب بقاء رئيسٍ دمّر نصف البلد وهجّر نصف سكانه، وقتل مئات الآلاف، واعتقل مئات الآلاف كذلك؟
لا ترى روسيا ذلك، بل إنها تساهم فيه، وتساهم فيه بجدارة، معلنةً أنها تجرّب أحدث أسلحتها، ومؤكدها أنها تهدّد العالم بتفوق قوتها. وقد رأت في كل الثورات "مؤامرةً" أصلاً، لأنها تتخوّف منها، وتعرف أن الثورات الآن لن تصبّ في مصلحتها، لأن الشعوب تريد التحرّر من السيطرة والاحتلال والاستغلال والنهب، ولا تريد قبول بديلٍ آتٍ من أجل السيطرة والاحتلال والاستغلال والنهب. وتعرف أن الوضع العالمي ينحو نحو انفجار الثورات، وبالتالي، يمكن أن تصل إلى موسكو من دون أن تستطيع مقاومتها. وتعرف كذلك أنه لا أحد في الدول الإقليمية والإمبريالية يسعى إلى دعم ثورةٍ أو السماح بانتصارها، لأنه يرى نتائجها عليه، حيث أن وضعها جميعاً متأزم، وتخضع لأزمةٍ اقتصاديةٍ عميقةٍ، لا حلّ لها. 
لهذا، تقدّمت إلى سورية، لكي تستولي عليها، وليس لكي تتوصل إلى حل سياسي، فهي تريد التوسّع بعد أن باتت إمبريالية، حيث تحتاج إلى الأسواق والسيطرة على الجغرافيا السياسية، وإيجاد أسواق لأسلحتها وسلعها. لهذا، فرضت على بشار الأسد أن يوقّع معها اتفاقية احتلال "غير محدّد" الزمن، ولقد سرّبوه هم. وبالتالي، بات بشار الأسد المشرِّع لوجودهم، وواجهة هذا الوجود. ومن ثم أصبح من البديهي ألا يجري طرح مسألة إزاحته، واستغراب أن هناك من يطرح ذلك.
مسألة فشل الحل هي بالضبط نتيجة التمسّك ببشار الأسد، لأنه ليس من حلّ في ظل استمرار سلطته، بعد أن رفع الشعب شعار إسقاط النظام، وبعد كل ما فعل. وعلى الرغم من كل التوافق الدولي الذي حصل، ويمكن أن يحصل بشأن وضع بشار الأسد، فإنه لا حلّ من دون أن يبدأ بإزاحة الأسد. طبعاً على الرغم من كل الوحشية الروسية، ووحشية إيران وعملائها، ووحشية النظام الذي بات الأضعف في معادلة السلطة في سورية. فقد كان رئيساً يحكم قبل الثورة ومع انطلاقها، وحاول أن يقاوم الثورة بالقوى التي يملكها، ثم بات خاضعاً لسلطةٍ أعلى، إيران في المرحلة الأولى، حيث باتت تتحكّم بالقرار العسكري السياسي، ومن ثم روسيا التي تتحكّم بكل القرارات وبالسلطة، وبالتالي تحكم بشار الأسد. لهذا بالضبط لا تريد أن يتحدّث أحد عن مصيره، وهي مصممة على ألا يدخل في بورصة التفاوض.
ذلك كله حتى وإنْ فرض الوضع تدمير ليس حلب فقط بل ما تبقى من سورية. فإذا كان الأسد قد عمّم ما فعله حافظ الأسد في حماة سنة 1982 على كل سورية، فيبدو أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين آتٍ لكي يعمم ما فعل هو في غروزني على كل سورية، ليعود الى الشعار الأثير: الأسد أو نحرق البلد، الأسد أو لا أحد. هذا هو بالضبط موقف روسيا.
من أفشل الحل السياسي هو من تمسّك ببقاء الأسد، لأنه لا حلّ ممكن في وجوده، ليس لأن هناك من يتمسّك بذلك من الدول أو المعارضة، بل بالضبط لأن الثورة لم تعد تسمح ببقائه، فكل حلٍّ يبقيه يعني بقاء الصراع.

(العربي الجديد)

 

الانتصار بالإبادة

سلامة كيلة

 

ما يحدث في سورية هو محاولة تحقيق الانتصار عبر الإبادة، هكذا بالضبط. فقد حاول النظام إبادة التظاهرات حين انطلقت، وخصوصاً بعد أن توسّعت، حيث أدخل الجيش في الحرب على الشعب، وعلى الرغم من أن معظم الجيش لم يكن موثوقاً به، فقد كان يدفع بعض قطاعاته تحت تهديد السلاح من أجل مواجهة الشعب. 
وحين فشلت هذه الصيغة، بات يستخدم الصواريخ بعيدة المدى والطائرات، ومختلف أنواع الأسلحة، حتى الأسلحة الكيماوية. انتقل من قتل المتظاهرين إلى تدمير البيوت والأحياء، القرى والمدن، والقتل بالجملة. وكذلك على التهجير الجماعي، ودفع جزءاً كبيراً من الشعب إلى أن يترك مدنه وقراه، وحتى يترك سورية، هارباً من جحيم العنف والوحشية، والحصار الشديد والانهيار الاقتصادي. 
كان الهدف هو الانتصار على الثورة، حتى وإن تطلب ذلك تدمير المدن والقرى، وقتل الشعب أو تهجيره، لأن السلطة تريد أن تبقى هي السلطة، أن تبقى تحكم سورية حتى بدون شعب. فهي كسلطة عائلية تنطلق من أن سورية ملكيتها الخاصة، فإذا تمرّد الشعب، يجب أن يُسحق ويشرّد، ويُطرد من مملكةٍ تمت وراثتها. والسلطة فعلت ذلك، بالضبط، لأنها تعرف أن الأمر يتعلق بشعبٍ تمرّد عليها، وليس بعصاباتٍ و"مجموعاتٍ إرهابية" سلفية، هي التي افتعلتها بالأصل، قبل أن تُدعم من دول متعدّدة. هذا الشكل من المواجهة الذي قامت به السلطة هو بالضبط ما يؤكد أن ما حدث هو ثورة شعب، وكان استنتاجها من الثورات العربية يتمثّل في أن البقاء في السلطة يفترض سحق الشعب بكل العنف والوحشية، وإلا انهارت السلطة ذاتها. 
لكن السلطة كانت على شفير الانهيار، حين بعثت إيران جيوشها، من حزب الله والمليشيات الطائفية العراقية والأفغانية والباكستانية، ومن الحرس الثوري الإيراني، فقوى السلطة لم تستطع سحق الشعب، حتى الجيش بات عبئاً عليها، نتيجة الاحتقان الذي عاشه، لأن أهله هم من يُقصف ويُقتل، وبيوته هي ما يُدمر. وقد مارست قوى إيران الطريقة نفسها في القتل والتدمير، في ظل استمرار استخدام السلطة طيرانها وصواريخها وبراميلها المتفجرة التي تقتل من دون تمييز. 
وحين شارفت هذه كلها على الانهيار، كانت السلطة بحاجة إلى قوة عظمى، لكي تحمي وجودها، وكانت روسيا تنتظر اللحظة التي تسمح لها باحتلال سورية، سورية كمرتكز للسيطرة على "الشرق الأوسط"، والتحكّم البحري بالبحر الأبيض المتوسط، وأيضاً التحكّم بـ "خطوط الغاز"، ونهب الاقتصاد. ولقد أتت بقواتها، وهي تحمل حلم السيطرة العالمية، وإرهاب العالم. وكان في سياستها تنفيذ ما قامت به في الشيشان، حين دمرت غروزني العاصمة. وهذا ما قاله الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، حينما اجتمع مع كل من المستشارة الألمانية ميركل والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، في برلين، فقد بنى مجده في التحكّم في السلطة على أنقاض غروزني، وهو يريد بناء مجده العالمي على أنقاض حلب الآن، وربما سورية كلها، لكي يكمل ما بدأته السلطة نفسها. 
تلخص معركة حلب ذلك كله، إذ تتم المجزرة بالشراكة بين السلطة وروسيا وإيران بأدواتها المتعدّدة، وبات "الانتصار" فيها مسألةً حاسمة لكل هؤلاء. ولهذا، يجري تكثيف كل ما مورس في سورية في السنوات السابقة، بما يحقق ذلك. لقد حاصرت السلطة مناطق كثيرة، في دمشق ومحيطها، وفي حمص، وعملت على ترحيل سكانها إلى الشمال، بعد أن مارست كل الوحشية الجوع والسلاح. وهي تريد من حلب الأمر ذاته. وربما نشهد في الفترة المقبلة وحشيةً مركّبةً لتصفية الثورة، الثورة التي تعني الشعب، والتصفية التي لا تتحقق إلا بإبادة الشعب. يريد النظام سورية من دون شعب، كذلك روسيا وإيران وكل "قوى الممانعة" التي تدافع عن وهم فتقبل قتل الشعب. لكن، ليس ممكناً إبادة شعب، وبالتالي، إنهاء ثورته. 
الانتصار بالإبادة هو شعار النظام، لكنه شعار روسيا التي تريد أن تفرض نفسها قوةً إمبرياليةً مهيمنة.

(العربي الجديد)

 

هل ستحسم

الحرب ضد داعش؟

 

سلامة كيلة

 

تسربت قبل مدة قصيرة معلومات تقول إن الرئيس الأميركي، باراك أوباما، اتخذ قراراً باستعادة الموصل والرقة، قبل رحيله من البيت الأبيض. وكان التحضير لمعركة الموصل قد امتد طويلاً بعد استعادة الفلوجة، والإشارة الى "قرب" استعادة الموصل. كذلك كانت هناك إشارات أميركية بتحضير القوى لاستعادة الرقة.
بدأت الآن عملية استعادة الموصل، وهي تتقدم بشكل سريع كما يبدو. كما أشار وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر، وكذلك وزراء دفاع التحالف الدولي (وهنا فرنسا خصوصاً) إلى ضرورة ربط استعادة الموصل باستعادة الرقة. وبالتالي، يمكن تأكيد أن القرار الأميركي بات يتمثل في حسم "المعركة"، وإنهاء سيطرة داعش على كل المنطقة الممتدة من الموصل إلى الرقة. ولا شك في أن تركيا، عبر دعم "الجيش الحر"، تقوم بإنهاء سيطرة التنظيم على مناطق شمال شرق حلب، وعلى الحدود التركية السورية بين جرابلس وبلدة الراعي. ومن ثم يبقى مصير دير الزور غير واضح، إلا إذا تقدمت قوات سورية الجديدة التي دربتها أميركا في الأردن من التنف نحو البوكمال إلى دير الزور، على الرغم من أن هذه المناطق إلى تدمر هي "في عهدة" روسيا، وتخضع لنشاط طيرانها، مع وجود قوات للنظام فيها.
لكن، يمكن لمس أن التركيز الأميركي الآن هو على "داعش العراق"، حيث يبدو أنه بات ضرورياً إنهاء وجودها في مختلف مناطق العراق، وفرض سيطرة الدولة عليها. وربما تبقى "داعش سورية" إلى مرحلة تالية، أي إلى مرحلة "الرئيس الجديد"، وتحديد أسباب ذلك يفرض الإجابة على السؤال: هل حققت أميركا ما تريد في العراق، لكي "تنتهي مهمة داعش"؟ وبالتالي، هل "مهمتها" ما زالت قائمة في سورية، لكي يجري تأجيلها إلى رئيس جديد، ربما يكون أشد في "مواجهة" العنجهية الروسية؟
في العراق، على الرغم من استمرار دور الحشد الشعبي، الحشد الطائفي، الذي يمارس المجازر في المناطق التي تحرَّر من داعش، انطلاقاً من أن كل ساكنيها هم دواعش، فإن ما يبدو 

واضحاً أنه بات لأميركا عدد كبير من القوات في العراق، ستبقى إلى أمد طويل، ربما كما كان مخططاً لذلك بعد احتلال العراق، حيث لا بد من وجود بين عشرة وخمسة عشر ألف جندي في القواعد الضخمة التي أشادتها. فهذا الوجود وحده هو الذي يضمن الهيمنة على القرار السياسي للدولة، واحتكار ثرواتها، ولا شك في أن تدخلها بذريعة داعش (كانت لعبة متعددة الأطراف، منها رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، وأميركا وبعض الدول الإقليمية) كان يهدف إلى ذلك بالضبط، فقد قرّرت العودة إلى السياسة التي كانت مرسومة منذ احتلال العراق، وأهملتها بعد الأزمة المالية التي حدثت سنة 2008، وخصوصاً بعد شعور الإدارة الأميركية أن الأزمة مزمنة، ولا حل لها. فأميركا منذ عقود سابقة باتت معنيةً بوضع يدها على النفط في الخليج العربي، واستطاعت ذلك منذ الحرب الأولى سنة 1991، حيث أوجدت قواعد عسكرية في تلك الدول. وكان تدخلها في العراق لإكمال هذه السيطرة، فالخليج العربي (ومنه العراق) "جزء من الأمن القومي الأميركي".
السؤال هنا هو: هل حققت أميركا ما يسمح لها بإعادة السيطرة على العراق، وبالتالي، تحجيم سيطرة إيران؟ لا يعني حسم الصراع ضد داعش إلا ذلك، فقد أتت من أجل ذلك بالضبط. وعلى الرغم من الميل الأميركي للتفاهم مع إيران، إلا أن هذا التفاهم يخضع لمصالح أميركية في العراق، وليس من الممكن لأميركا أن تقبل أن تهيمن على النفط دولة غيرها، خصوصاً أن هيمنة إيران تعني التحكُّم بجزء مهم من النفط العالمي، ويجعل قدرتها على المناورة كبيرة. لكن هذه النتيجة تفرض التطرّق لوضع الحشد الشعبي، الخاضع لقيادة إيرانية وسياسة إيرانية، ولتعصب طائفي مستمد من أيديولوجية طائفية ضيقة، عممتها السلطة في إيران. فهل تعني نهاية داعش ميلاً أميركياً لتحجيم الحشد الشعبي، وتقزيم دوره؟
ربما كان غياب التوافق الدولي، خصوصاً الأميركي الروسي، هو الذي جعل أميركا تميل الى 

حسم الصراع في العراق، ولإبقائه مفتوحاً في سورية، فقد أربك التصميم الروسي على الحسم العسكري في سورية سياسة أميركا التي كانت تعمل على التوافق على حل سياسيٍّ، يبقي الهيمنة لروسيا بعد أن تكون قد استحوذت على العراق. لكن العنجهية الروسية، وتصعيدها الصراع إلى المدى الأعلى، واستخدام أسلحتها المتطورة، والتدمير الذي تحدثه صواريخها، والذي يقتل الأطفال والنساء والأطباء، جعل أميركا في وضع حرج، فهو يعني "ضعفها"، وهذا ما يتكرّر في ما يخص سياسة أوباما، ويطاول النقد الحزب الديمقراطي المشرف على انتخابات رئاسية حاسمة.
ولا شك في أن قرار أوباما حسم الحرب ضد داعش في العراق، في هذا الوقت بالذات، يرتبط بالانتخابات الأميركية، لأن هذا الحسم سوف يعزّز من حظوظ هيلاري كلينتون بالضرورة (على الرغم من أن الأمور تظهر بشكل واضح أنها محسومة)، ويُظهر أوباما رئيساً قوياً، وهو يغادر البيت الأبيض عكس ما قيل عنه. ولا شك كذلك في أن أميركا ستميل إلى حسم السيطرة على الرقة، قبل نهاية ولاية أوباما. لكن، كما يبدو ستبقى داعش لعبة أميركا في سورية في مواجهة العنجهية الروسية. ماذا يعني ذلك؟
اللعبة الممكنة لكبح العنجهية الروسية، التي لا تخصّ سورية فقط بل تخص منظور روسيا العالمي، التي تريد عبر وحشيتها في سورية أن تفرض سطوتها العالمية، وهذا ما يربك أميركا أكثر من تدمير سورية وقتل السوريين وتهجيرهم، وحتى سيطرة روسيا على سورية. اللعبة يمكن أن تكون الميل الأميركي بالتعاون مع تركيا، هذه المرة، للسيطرة على كل مناطق داعش في سورية، وبالتالي، السيطرة على الشمال والشرق السوريين. فعبر ذلك، يمكن كبح العنجهية الروسية، والتفاوض مع روسيا من موقع مختلف، يجعلها عاجزة عن الرد، لأن ذلك يعني الصدام مع أميركا.
ليس من الممكن أن تجري هذه اللعبة في نهاية عهد أوباما، لهذا ربما سيجري تصدير الدواعش من العراق إلى سورية، ومن ثم تعزيز الدور العسكري الأميركي في سورية. هذا ما يمكن أن يكون أولوية هيلاري، خصوصاً أن تميل إلى "دعم أكبر" للقوى التي تقاتل داعش، وحتى النظام.
تتمثل مشكلة أميركا في أن سورية هي لعبة روسيا للسيطرة على العالم، بعد أن باتت تفكر في تجاوز الثنائية القطبية لمصلحةٍ أحادية، هي زعيمتها. وهذا ربما هو ما يمكن أن يجعلها "تتشدّد" قليلاً في "مواجهة" روسيا في سورية بالتحديد، لكن الحل في سورية سياسي، وتحت الهيمنة الروسية، لا تغيير في ذلك. ما تريده أميركا من ذلك هو بالضبط "كبح عنجهية روسيا"، و"تعريفها حدودها". هل ينجح ذلك مع دولة "منفلتة الأعصاب"؟
في سورية يتمحور الصراع على العالم، هكذا بالضبط.

 

(العربي الجديد)

 

عالم رأسمالي وحشي

سلامة كيلة

 

يعيش النظام الرأسمالي أزمةً عميقةً، لا حلّ لها، حيث هيمن المال على الرأسمال، هيمنت المضاربات على الإنتاج الحقيقي. ويعيش تصارعاً بين دول إمبريالية من أجل الحصول على الحصة الأكبر ضمن الصراع لتقاسم العالم. ويظهر واضحاً أن الهدف من التصارع هو السيطرة على الأطراف، ليس لتصدير السلع فقط، بل أكثر من ذلك لممارسة النهب عبر نشاط المال، الذي بات هو الأكثر أهمية بالنسبة لطغم المال، وهي العملية التي تفرض تأسيس فوضى عالمية، وليس تحقيق الاستقرار العالمي. 
تنتشر بؤر التوتر والصراع في كل العالم، ويتوسع عدم استقرار النظم في الأطراف يتوسع. وإذا كانت الإمبرياليات لا تغامر في حربٍ عالميةٍ نجدها تتدخل في حروبٍ وتوتراتٍ إقليمية، كما يحدث في أوكرانيا وسورية وليبيا واليمن. ونلمس تصاعد التوترات في المحيط الهادئ وبعض مناطق أفريقيا. وربما تتخلى أميركا اللاتينية عن حالة الاستقرار التي عاشتها تحت حكم "اليسار". ولا شك في أن حدَّة التنافس بين الإمبرياليات، والحاجة الملحة لتوسيع السيطرة من بعضها، مثل روسيا، يمكن أن يزيد من الحروب الإقليمية، ومن التوترات التي توحي بالصدام بين الإمبرياليات، على الرغم من أن الخوف من "حربٍ نووية" تبقى اللاجم لانفلات الصراع. 
وفي هذه الوضعية، يتصاعد بيع السلاح، وتُعقد الصفقات بمئات مليارات الدولارات، وبهذا تنشط الصناعات العسكرية التي باتت المحرِّك الأول للصناعة (والاقتصاد عموماً) في بعض هذه الإمبرياليات، مثل أميركا وروسيا. وهي العملية التقليدية لتنشيط الاقتصاد، والتي تعني أن تبقى التوترات مرتفعة من دون الوصول إلى صدامٍ من أجل تسويق السلاح بشكل أكبر. ولا شك في أن "الاستعراض الروسي" في سورية واضح هنا، ولقد أدى إلى أن تصبح ثاني أكبر بائع للسلاح بعد أميركا، بعد أن كانت تعاني من "حصار" فيما يتعلق ببيعها السلاح. 
لكن، ربما كانت هيمنة طغم المال قد دفعت إلى أشكال جديدة من الصراع والفوضى، وإذا كان الإرهاب قديماً، واستخدم في مراحل مختلفة، فقد بات جزءاً "أصيلاً" من تكوين الرأسمالية كما يبدو. فـ "الحرب على الإرهاب" التي بدأت مع بداية القرن الجديد، وهدفت إلى تبرير احتلال أفغانستان والعراق، وتوسيع الوجود العسكري الأميركي في العالم كجزء من التحكُّم فيه، لم تتوقف على الرغم من التراجع الأميركي. وهي تضرب في "الشرق الأوسط"، وتمتد إلى "شمال أفريقيا"، وتغزو أفريقيا، وتصل إلى آسيا، وباتت تضرب أوروبا ذاتها. 
يفترض النشاط المالي المضارب الفوضى كما يبدو، وهو لا يريد دولاً مستقرة، بل دولاً ضعيفة وهشّة، حيث إن النهب عبر النشاط في الاقتصاد الريعي يفترض ذلك، وأيضاً فإن "الاستثمار قصير الأجل"، الذي هو التسمية "الاقتصادية" أو "الأكاديمية" للمضاربات، يريد فوضى يتحرّك فيها. والطغم المالية التي باتت تهيمن على الاقتصاد العالمي تريد سيادة مافياتٍ محلية، وهذه تمارس النهب عبر "البلطجة"، ومن ثم الفوضى. 
أُطلق الإرهاب بشكله "الإسلامي"، لكي يتغلغل في هذه المنطقة الواسعة التي يجري الصراع حولها، من إندونيسيا إلى نيجيريا. وهو يستخدم لتخويف دول، وإرعاب شعوب، ولتبرير التدخل العسكري حين الضرورة، كما حدث في أفغانستان والعراق، ويحدث في ليبيا وبعض بلدان أفريقيا. كما كان يحدث في بلدان أميركا اللاتينية خلال ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، من خلال ما كان يسمى: فرق الموت. 
وينعكس الصراع بين الإمبرياليات في سعي كل منها إلى استغلال الظاهرة في سعيه إلى السيطرة والتدخل، وتخويف الآخرين، وفرض سياساتٍ تخدم مصالحه. وربما أفضت الأزمة المالية، وما يمكن أن ينتج عنها من ثورات، وكذلك التصارع بين الإمبرياليات، إلى تصعيد أكبر لظاهرة الإرهاب، وتوسيع فاعليتها، لكي تكون "مخلباً" يبرّر التدخل في الأطراف. 
إذن، تفترض الأزمة التي تعيشها الرأسمالية الإرهاب، وكذلك التصارع بين الإمبرياليات، وأيضاً الخوف من ثوراتٍ تستبطن العالم، نتيجة السياسات التي تتبعها الإمبرياليات لتجاوز أزمتها، ولطبيعة النهب الذي بات سمة اقتصاد المال/ اقتصاد المضاربة.

(العربي الجديد)

 

عالم مليء بالتناقضات بلا أفق

سلامة كيلة

 

عاش العالم مرحلة "استقرار" خلال الحرب الباردة، وانحصر الصراع في الأطراف التي نزعت إلى الاستقلال، في ظل "تقابل" القطبين: الاتحاد السوفييتي والإمبريالية الأميركية. حيث كان لكل منهما معسكره، وكان يظهر أن العالم مقسوم مناصفة تقريباً. 
كان الوضع يميل لمصلحة أميركا، مع بدء انهيار نظم حركات التحرّر، على الرغم من خسارتها الكبيرة في فيتنام. تمثل التحوّل الجوهري في انهيار البلدان الاشتراكية والاتحاد السوفييتي، حيث ظهر أن الإمبريالية انتصرت "نهائياً". انهار هذا التصور مع انفجار الأزمة المالية سنة 2008، حيث ظهرت "حدود قدرة" الرأسمالية التي خرجت منتصرةً في الحرب الباردة، لكنها منهكة إلى حدّ كبير. ولقد أوجد التحولان وضعاً جديداً اتسم بالفوضى والتنافس، فقد أدت الأزمة إلى انكفاء أميركي، وضعف أوروبي ياباني، وتقدم روسي صيني، ومحاولاتٍ من دول أخرى، لكي تصبح جزءاً من القوى العظمى، واختلفت أولويات كل منها، وظهرت ميول متعدّدة، لتشكيل تحالفاتٍ لم تنجح بعد.
فالوضع العالمي يعيش الحالة بين الأزمة المستشرية ومحاولات الدول حلها كلٌّ على حساب الآخرين، أو أن يرسم تحالفاتٍ تخدم مصالحه على حساب الآخرين. لهذا، ومع تراجع قدرة أميركا على أن "تحكم العالم"، كما أرادت بعد انهيار الاشتراكية، مساراً جوهرياً لحلّ مشكلاتها على حساب العالم، وجدنا روسيا تتقدم لكي "ترثها"، أو على الأقل توازيها في "حكم العالم"، وتسعى الصين إلى أن تكون هي البديل. وتحاول دولٌ عديدةٌ التقدم لكي تكون في "القمة" مع القوى العظمى القديمة. الأمر الذي يشير إلى مرحلةٍ جديدة من "تقاسم العالم". لكن، في وضع انهياري، وليس كما كان مع بداية القرن العشرين، حينما كانت الصراعات تنطلق من تقاسم العالم بين دول صاعدة، وأخرى تريد الصعود. وفي مرحلةٍ كانت الرأسمالية نفسها في مرحلة صعودها وفرض سيطرتها على العالم.
فأميركا الإمبريالية تتراجع، لكنها تريد إعادة ترتيب سيطرتها، وضمان تحالفاتٍ تخدم هذه السيطرة، لكي تبقى القوة "الأولى" التي "تقود من الخلف"، كما كرَّر باراك أوباما. وأن تفسح مجالاً لدول أخرى، لكي تلعب دوراً مكافئاً أو "أقلّ قليلاً"، وهي تتخوّف من تقدم الصين، على الرغم من أن الصين التي تقدمت بشكل متسارع أصيبت بـ "مرض الرأسمالية الجديد"، ودخلت مرحلة الفقاعات المالية. وتريد أميركا، في هذا المجال، بناء طوق حول الصين ومنازعتها في مناطق توسعها (إفريقيا)، مع ضمان تحكمها في منطقة آسيا والمحيط الهادي، وكذلك العودة إلى فرض هيمنتها على أميركا اللاتينية. وهي تساوم روسيا على "الشرق الأوسط"، مع ضبط توسعها الأوروبي في أوكرانيا، وربما مجال الاتحاد السوفيتي السابق. وروسيا تريد مجالها السوفيتي السابق و"الشرق الأوسط"، وربما تفكّر في العودة إلى بلدان أوروبا الشرقية. وتحاول إيجاد موطئ قدم في أميركا اللاتينية وآسيا الجنوبية.
حاولت فرنسا التوسع في "الشرق الأوسط" (سورية ومصر وليبيا)، وفي إفريقيا، لكي تستعيد سيطرتها القديمة أو تُمدِدها. وتبدو ألمانيا مكتفيةً بوضعها المهيمن في أوروبا.
بالتالي، ما يبدو أنه يثير الانتباه هو "الصراع" الأميركي الروسي، على الرغم من توافق الطرفين على ضرورة التوافق، وانطلاق روسيا من أنها باتت جزءاً من النظام الرأسمالي العالمي، وأن دورها هو من داخله. ليبدو أن التصارع هذا لا يعدو أن يكون "عضّ أصابع"، يريد كل طرفٍ أن يحقق التوافق. لكن، في مصلحته هو. وربما تدخل الصين مجال التنافس هذا، خصوصاً وهي تسعى إلى تطوير قواتها وإيجاد قواعد عسكرية خارج حدودها، في سياق الدفاع عن مصالحها.
ماذا يمكن أن ينتج عن ذلك كله؟ نظام متعدد الأقطاب أو ثنائي القطب أو بلا أقطاب؟
تتمثل المشكلة الجوهرية في أن كل هذه الصراعات تجري، وكل هذا التنافس يجري، في لحظة أزمة لا حلّ لها، وهي تشمل كل هذه الدول. بالضبط، لأنها أزمة في بنية النمط الرأسمالي نفسه. أزمة هيمنة المال على الرأسمال، وبالتالي، التضخم غير العقلاني في القيم من دون أساس إنتاجي، ومن ثم نشوء الفقاعات وانفجارها تاركةً اقتصادات منهكة، وميلاً لدى الطغم الإمبريالية لحلها على حساب الشعوب.

(العربي الجديد)

 

سورية: صراع

من أجل روسيا مهيمنة

 

سلامة كيلة

 

تريد روسيا حسم الصراع في سورية بالقوة، وتريد فرض منظورها القائم على بقاء الأسد وسحق الثورة. كانت سورية اللحظة التي سمحت لروسيا بأن تتقدّم لكي تظهر قوة عالمية، حيث وقفت بشراسة في مجلس الأمن (ومعها الصين) ضد كل قرار يستهدف النظام السوري، أرادت منها أن تُظهر أنها قوةٌ عالمية، وأنها قوةٌ عالميةٌ مقرِّرة. لم تكن أميركا حينها ترفض الموقف الروسي، لأنها كانت تريد، وفق إستراتيجيتها المقرّرة بعد الأزمة المالية سنة 2008، التفاهم مع روسيا من جهة، وتريد كذلك سحق الثورات التي بدأت من تونس من جهة أخرى. وربما توضح هذه المسألة كل الموقف الأميركي إلى الآن. وكذلك كانت "تبيع" سورية لروسيا.
ولا تزال روسيا تعتبر أن سورية هي اللحظة التي تسعى، من خلالها، إلى أن تفرض نفسها قوة عالمية، فقد تدخلت لمنع سقوط النظام، وأوجدت قواعد عسكرية في الأرض السورية "غير محدَّدة الزمن"، وباتت القوة الأساسية في الحرب ضد الثورة، والتي تمارس أقسى العنف والتدمير لسحقها. ومنظورها بسيط، ينطلق من ضرورة تثبيت النظام بما فيه "الرئيس"، مدَّعية الحفاظ على "الشرعية"، لأنه "رئيس منتخب". هذا هو جوهر خطابها على الرغم من تكرارها تبريراتٍ متعدّدة، منها "الحرب ضد الإرهاب"، الحرب التي لم تَخُضها إطلاقاً. لهذا، فإن ما تريد أن تقوله لكل العالم إنها باتت قوةً عالمية، وإنها مستعدة للتدخل العسكري، وحتى الذهاب إلى حربٍ عالمية من أجل فرض مصالحها وتنفيذ ما تقول، وقد قالت، في سورية، إن الحل يقوم على بقاء الأسد، وعلى العالم أن يقبل ذلك، وعلى "المسلحين" أن يخضعوا لذلك، وإلا سيواجهون كل العنف الممكن بأحدث الأسلحة التي يقول الروس إنهم يستخدمونها لأول مرة. وحتى لفعل ما فعله فلاديمير بوتين في غروزني، العاصمة التي دمّرها في الحرب ضد شعب الشيشان. 


"الرسالة العالمية" لروسيا من كل ما تفعله في سورية أنها تنفذ ما تُقرّر، وأنها التي تقرّر، وأنها مستعدة للذهاب إلى أقصى مدىً في الحرب من أجل تحقيق ذلك. وبالتالي، تحاول في دورها السوري أن تفرض هيمنةً عالميةً، بعد أن باتت معنيةً بتجاوز "الثنائية القطبية" لمصلحة دورها الهيمني. استخدمت في سورية أحدث الأسلحة، وصرّح مسؤولون فيها إنها تجرِّب تلك الأسلحة، وقد أظهرت وحشية فائقة في القتل والتدمير عبر استهداف المشافي والمدارس والأسواق، وفرق الإنقاذ، والبيوت، وهي مصرّة على حسم الحرب لمصلحتها. وذلك كله من أجل "تخويف" العالم، وجعله يقبل بسطوتها وهيمنتها. وفي هذا السياق، زادت من ميزانية الحرب، وأخذت تحرّك أساطيلها وطائراتها للتذكير بوجودها العالمي، ولإفهام العالم أن بوتين جاد جداً في ما يقول ويقرّر.
بالتالي، إذا كان الفيتو في مجلس الأمن، مع بداية الثورة السورية، هو للتذكير بأن روسيا قوة عالمية، وإن لها رأياً ومصالح، ومن ثم يجب أخذها بالاعتبار، فإن الأمر بات يتعلق بصياغة النظام العالمي على أسسٍ جديدةٍ، تكون روسيا فيها الطرف المهيمن. لم تعد تقبل أن تكون طرفاً مكافئاً لأميركا، بل باتت تهدف إلى أن تحلّ حلها. وربما شعرت بأن أميركا في وضعٍ صعب، لا يسمح لها بأن تواجه التقدّم الروسي، كما ظهر واضحاً في سورية وفق ما توهمت، نتيجة "اللا مبالاة" الأميركية التي جرى تفسيرها بأنها نتيجة ضعف أميركا. لكن ما يدفع إلى هذا الوهم هو أزمتها هي، التي تتمثل في أنها باتت رأسمالية في وضع عالمي جرى تقاسمه، بما في ذلك البلدان التي كانت تابعةً لها خلال المرحلة السوفييتية (العديد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية)، فهي بحاجة إلى الأسواق وتصدير الرأسمال المتراكم لدى مافياتها، وخصوصاً هنا تصدير السلاح الذي هو السلعة التي يمكن أن تنافس فيها. ولهذا، تقوم بعملية استعراض ضخم في أجواء سورية، وعلى الأرض السورية، لتسويقه. هذه هي أزمة كل رأسمالية تتقدّم متأخرة، حيث يكون سوق المساومات قد أُغلق.
هذه هي الحالة التي أفضت إلى حربين عالميتين، بعد أن تقدمت ألمانيا، لكنها وجدت أنه جرى تقاسم العالم بين الرأسماليات القديمة. وهي الحالة التي تواجهها روسيا، حيث استغلت الرأسماليات القديمة انهيار الاتحاد السوفييتي، لكي تسيطر على البلدان التي كانت تحت سيطرته، وبالتالي، أن تُقلّص حدود المناورة الروسية التي حينما حاولت النهوض مع وصول بوتين إلى السلطة كانت منهارةً داخلياً وفاقدةً كل مرتكزاتها الخارجية، حتى في محيطها السابق.
وهذا هو الوضع الذي جعلها، لتجاوز "هزائمها" في العراق وليبيا ويوغوسلافيا السابقة، وشعورها بأن "الغرب" خدعها، تميل في سورية الى إثبات ذاتها عبر الفيتو أولاً، وعبر الوجود العسكري الفعلي ثانياً. والآن، عبر التأكيد للعالم أنها باتت معنيةً بفرض ما تقول، بعد أن تقدّمت ببطء في جورجيا (أوستينيا الجنوبية) وسحق الشيشان بوحشية، ومن ثم قضم شبه جزيرة القرم، ومحاولة السيطرة على شرق أوكرانيا بعد أن فقدتها. والآن، في سورية، حسم الأمر لمصلحة الاعتراف بها القوة المهيمنة. 


إنها تحاول إخافة العالم، والدفع إلى الحدّ الأقصى الذي يوشك على الاشتباك، على أمل قبول منظورها خشية حربٍ عالميةٍ تفرض استخدام السلاح النووي. وعلى الرغم من كل الحشد الذي حشدته في سورية وفي البحر المتوسط، يبدو أنها تميل إلى حشد كل قواتها البحرية وجل قواتها الجوية في البحر المتوسط، بالضبط لكي تقول إن قرارها يجب أن يُفرض، أو ستكون الحرب.
هل ستنجح هذه السياسة الهجومية، والمتطرّفة؟ ما زالت أميركا تعتبر أنها القوة الأكبر، وإذا كانت قد تراجعت عن ميلها إلى الهيمنة المطلقة، فلم تتراجع عن كونها قوةً عظمى أولى. وبالتالي، إذا كانت تميل إلى التفاهم مع روسيا، وتقاسم المناطق معها، فإنها لا تبدو في وضعٍ يجعلها تقبل أن تصبح روسيا هي القوة المهيمنة. أوروبا كذلك (خصوصاً إنكلترا وألمانيا وفرنسا) تريد أن تزيد من دورها العالمي، لا الوقوع تحت سيطرة قوةٍ عظمى جديدة. وبالتالي، فإن الرأسماليات القديمة ترفض كلها الميل الهيمني الروسي، لكن "حرب الغرب" ما زالت تنحصر في العقوبات الاقتصادية، والضغط على الداخل الروسي، ولا تريد الوصول إلى مرحلة حربٍ عالمية. وهذا أيضاً تبتزّ روسيا به، وتستغلّ ذلك لتصعيد ضغطها وتخويفها، وتهديدها بالحرب، إلى حدّ أن الإعلام الروسي بات يتحدّث عن حربٍ عالميةٍ ثالثة بشكل متكرّر. على الرغم من أن للرأسماليات القديمة، ولأميركا خصوصاً، قدرة على استثارة المشكلات لروسيا، وتوريطها في معارك فرعية تنهكها. وأنه إزاء المصالح يمكن الانجراف إلى حربٍ مدمرة.
حتى الصين لا تقبل بأن تتبوأ روسيا هذا الموقع الذي تريده هي، وتسعى إليه بكل "نعومة"، وعبر التوسع الاقتصادي، على الرغم من أنها توسّع من قدراتها العسكرية، وتعزّز من وجودها العسكري في بحر الصين، وباتت تميل إلى إنشاء قواعد عسكرية في الخارج (جيبوتي)، فالصين أقوى اقتصادياً من روسيا، وأكثر طموحاً لأن تعتلي قمة الهرم.
وبالتالي، إذا كان هتلر قد وجد رأسمالياتٍ أخرى يتحالف معها (إيطاليا واليابان)، فإن روسيا لا تجد من تتحالف معه، حتى الصين التي يُشار عادة إلى "التحالف الروسي الصيني"، و"حلف شنغهاي" أو "دول البريكس"، ليس من الممكن أن تميل إلى تحالفٍ مع روسيا، على الرغم من التنسيق هنا أو هناك، بالضبط لأن الصراع بينهما هو "على القمة"، حيث تحسّ الصين أنها البديل، بقوة اقتصادها الذي بات ثاني أكبر قوة بعد أميركا، وتوسّعها الاقتصادي في مختلف أصقاع العالم، من أفريقيا إلى أميركا اللاتينية، وأوروبا وآسيا، وحتى أميركا نفسها. وبالتأكيد، ستستفيد من "الغباء الروسي"، لكي تعزّز مواقعها.
ما الممكن إذن؟ تندفع الأمور نحو تصعيدٍ كبير للتوتر، على الرغم من "هدوء" الرأسماليات القديمة. لكن، ربما يقود خطأ ما إلى كارثة. أو يُضبط "جنون" بوتين في روسيا نفسها. وخيار روسيا هو تجاوز الميل الإمبريالي لمصلحة بديل شعبي. وربما تدفع أزمةٌ ماليةٌ جديدةٌ تحدث في هذا البلد الرأسمالي أو ذلك إلى انفجار كبير يخلّص العالم من مجانينه.
في كل الأحوال، نحن من يتحمل نتائج "أزمة روسيا" التي حولتها إلى دولةٍ معتدية ومتوحشة، تريد الاحتلال والسيطرة، حتى وإن كان ذلك يتمّ على جثث السوريين، وعلى دمار تاريخ طويل لحضارة عريقة عاشتها.

(العربي الجديد)

 

أيضاً إيران وتركيا

سلامة كيلة

تركيا وإيران من الدول التي حاولت أن تصبح "دولاً عظمى"، واشتغلتا على الهيمنة على "الشرق الأوسط"، فقد ارتبط نجاح حزب العدالة والتنمية في الوصول إلى الحكم بـ "نفور" الأتراك من أوروبا التي ظلت عقوداً رافضة قبولهم في عائلتها، حيث ظهر الارتباط بين الميل نحو الشرق والميل "الإسلامي"، خصوصاً أن التيار الإسلامي كان يركّز على "العودة الى الشرق"، وعبّر عن برجوازية "المدن الصغيرة" والأرياف.
لهذا، اعتمدت سياسة الحزب على "صفر مشاكل" وترتيب الوضع الداخلي اقتصادياً (وهو ما نجح الحزب فيه)، والتحوّل إلى "دولة عظمى". وكان في ذلك يميل إلى "الابتعاد" عن أميركا، وهو ما ظهر في الحرب ضد العراق واحتلاله سنة 2003، ورفض مساوقتها في حصار النظام السوري سنة 2005. وإذا كانت خلال ذلك تعبّر عن "برجوازية هامشية" مرفوضة من الجيش الذي يمثل "البرجوازية الحقيقية" بنت نظام أتاتورك، فقد دفعت الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 2008 إلى أن تنخرط هذه "البرجوازية الحقيقية" في المشروع الأردوغاني (وهو ما سمح بالسيطرة شيئاً فشيئاً على الجيش)، الذي فتح لها سوقاً واسعاً هو "الشرق الأوسط"، أي سورية والسعودية ودول الخليج والعراق ومصر وليبيا، إضافة الى أسواق في آسيا الوسطى، من دون أن يقطع مع السوق الأوروبي، ومن ثم فتح السوق الروسية التي باتت هي الأكبر.
حققت تركيا نقلة مهمة خلال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية، وسعى الحكم خلالها إلى أن يجعل تركيا قوة موازيةً لأوروبا وأميركا. وإذا كانت الثورات العربية قد ساعدتها على "كسب" مصر، فقد خسرت ليبيا، ومن ثم حققت خسارتها الأكبر، حين اندلعت الثورة السورية، والمسار الذي سار الصراع فيه، والذي حرمها من "طريق سلعها" الى الخليج، وخسارتها سورية ذاتها، الأمر الذي أدى إلى صعوباتٍ اقتصادية كبيرة كانت تدفع الحكم إلى التشنج، وصولاً إلى الصدام مع روسيا، نتيجة الصراع على سورية، ومن ثم إعادة العلاقات بينهما. ويظهر واضحاً الآن أن أميركا تكبح الميل التركي إلى فرض سيطرة على "الشرق الأوسط"، و تراجع الاهتمام الأوروبي بوضع تركيا، ولم يعد أمامها سوى التحالف مع روسيا، الأمر الذي يعترضه تناقضٌ في المصالح في سورية خصوصاً، وتنافس في آسيا الوسطى. وتركيا تغرق في أزمة اقتصادية، لن تسمح لها بالتمدّد كما كان طموح أردوغان.
عملت إيران أيضاً على السيطرة على "الشرق الأوسط"، وكانت قد عزّزت علاقاتها مع النظام السوري، وأسّست حزب الله كأداة "إعلامية" تبرّر دوره في المنطقة، تحت عنوان "الصراع مع إسرائيل". وكان الاحتلال الأميركي للعراق فرصةً لمدّ سيطرتها على العراق، من خلال وضع أميركا أزلامها في السلطة تحت عنوان: حكم الأغلبية. لكنها هيمنت بشكل كامل بعد الانسحاب الأميركي، حيث "وضعت يدها" على النظام. وقد تمدّدت تحت عنوان طائفي، هو "الشيعة"، وبدت أنها تتغلغل دفاعاً عن "الشيعة"، أو كتحسين لمواقعهم، بينما كانت تريد الهيمنة، لكي تصبح "دولة عظمى" تسيطر على كل الشرق العربي، وهو الأمر الذي أوصلها، بعد لبنان وسورية والعراق، إلى اليمن.
لكن، كان البرنامج النووي الأساس في انطلاق إيران "دولةً عظمى"، حيث طوّرت من قدراتها النووية بشكل لافت، وحقّقت إنجازاتٍ كبيرة، لم تتراجع عنها إلا نتيجة الحصار الاقتصادي الأميركي، خصوصاً على النفط، ما منعها من القدرة على بيعه، أو الحصول على مردوده، بسبب أنه يباع بالدولار حصراً. ولم تفلح كل محاولات الالتفاف على العقوبات حين وصل الأمر إلى النفط. بهذا، وافقت على وقف برنامجها النووي، وسلمت اليورانيوم المخصّب لروسيا، وهو الأمر الذي فرض أن تخضع لعملية "ضغط" لكي تتراجع سيطرتها في العراق وسورية، حيث أنها تخضع لضغط أميركي، لكي تقبل بدور محدود في الخليج، لضمان استقراره، مع إنهاء دورها الخارجي الذي كانت تطمح إليه. وهي بهذا ربما تسير إلى التفاهم مع أميركا. وفي سورية، لن يكون من دور لها، لأن سورية "محمية" روسية.

(العربي الجديد)

 

روسيا المصمّمة

على النصر في سورية

سلامة كيلة

 

ما زالت روسيا تتمسك ببقاء بشار الأسد رئيساً في سورية، وتبرّر ذلك بأسبابٍ عديدة، جديدها التأكيد أنها لا تريد أن يحدث في سورية ما حدث في العراق وليبيا، من انهيارٍ للدولة. لكن السؤال الجوهري: إذن، ما سبب التدخل العسكري الكبير لإيران و"فيالقها"، ومن ثم التدخل العسكري الروسي بكل هذه القوة والتفوق؟ هل لأن الدولة ما زالت قويةً وثابتة، وقادرة على الاستمرار؟
يبدو المنطق الروسي مقلوباً، فإذا كانت الدولة ما زالت قائمةً، ولديها جيشها الذي يدافع عنها، ومؤسساتها وأمنها، فلماذا، إذن، تدخلت روسيا لمنع سقوط بشار الأسد، كما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟ بمعنى، هل فعلاً بقيت دولة في سورية؟ وهل بقيت مؤسسات دولة قابلة للاستمرار؟ وهل هناك جيش قادر على حمايتها؟
يؤكد دخول كل هذه القوى للدفاع عن النظام أنه لم يعد قادراً على الحكم، وأنه على وشك السقوط. لهذا، كان ضرورياً لكي يبقى أن ترسل إيران عشرات الآلاف من حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية والأفغانية والباكستانية، ومن الحرس الثوري الإيراني، ومن الجيش الإيراني، ومن ثم أن تدخل روسيا بكل قوة طيرانها وقواتها، وكل دعمها العسكري، فقد انهارت قوى النظام أمام الحراك الشعبي الذي كان قد تحوّل جزءٌ منه إلى السلاح، في وقت قريب نهاية سنة 2012، حيث انشق جزء من الجيش، وشكّل عدد كبير منه حالات فرار، وتحطمت الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري (وما بقي ظل من أجل حراسة القصر الجمهوري). ولقد بقي منه أقل من مائة ألف، بعد أن كان عديده يناهز الأربعمئة ألف. وكذلك بات يعاني الجيش، حينها، من حالة احتقان كبيرة، فرضت وضعه في معسكراتٍ مغلقةٍ، كي لا ينشق. ولهذا، بات النظام بحاجة إلى "دعم خارجي" لكي يبقى. ومن دون ذلك، كان يمكن أن تسير الأمور في مسارٍ آخر، حيث أدت هذه الوضعية إلى أن تميل أطرافٌ في السلطة إلى حل سياسي، كما دعا فاروق الشرع، الذي كان نائباً للرئيس حينها. وفي ذلك الوقت، كان يمكن الحفاظ على الدولة، عبر حل "مصري" أو "تونسي"، يقوم على إبعاد بشار الأسد، لكن تمسك المجموعة التي تحكم بواجهة بشار الأسد (آل مخلوف والأسد) فتحت سورية لكل من هبّ ودبّ، من "الجهاديين" إلى "المجاهدين"، وأوصلت البلد إلى الدمار والتهجير والقتل، وأيضاً "نهاية النظام"، وتفكّك الدولة، حيث إن نصف سورية مدمر، وأكثر من نصف سكانها مهجّر أو لاجئ، والاقتصاد منهار كلياً، بلا جيش أو أجهزة دولة حقيقية، وبلا قرار سياسي نتيجة هيمنة روسيا (وقبلها إيران) على القرار السياسي، والتحكّم بكل وضع سورية، وبتوزع للسيطرة على الأرض بين أطرافٍ عدة، أقلها هي تحت سيطرة النظام. 


وهذا يوضح في أن من يحارب على الأرض دفاعاً عن النظام قوى ليست سورية، إيران وأتباعها بشكل مباشر، و"جهاديون" بشكل غير مباشر، لكنها خطر على الشعب، لأنها تسحقه، بحجة فرض الشريعة، وأن من يقرر في السياسة هي روسيا، بعد أن كانت إيران، في الفترة منذ نهاية سنة 2013 إلى مرحلة التدخل الروسي.
إذن، أي دولة هذه التي يريد الروس الحفاظ عليها؟ يريد الروس دولتهم، الدولة التي يتخذون من بشار الأسد رمزاً لها، لكن غير الموجودة في الواقع إلا بقوتهم (والقوى الإيرانية)، والتي فقدت شرعيتها منذ بدء الثورة، ومع كل الجرائم التي ارتكبتها. ويتلخص ذلك كله بـ "الرئيس" وحاشيته، أي من قرّر "حرق البلد". وبهذا، هم يتمسكون بـ "شرعية" هي لا شرعية، ولا يمكن أن تعود، حتى وإن استطاعت القوات الإيرانية الروسية السيطرة على كل سورية (وهذا مستحيل أصلاً على الرغم من كل العنجهية الروسية). وهي، في هذه الحالة، سوف تبقي قواتها للحفاظ على سلطة بشار الأسد. ليس خوفاً فقط من الشعب الذي ثار ضده، بل كذلك من "المؤيدين" الذين فقدوا الآلاف من شبابهم، لكي يتحكّم بهم شبيحة، أو يظل بشار الأسد رئيساً. وبهذا، تبقى دولة محتلة، وسلطةً تابعةً لمحتل، لكي تكون سورية مستعمرة روسية، تنهبها الشركات التي تكلم باسمها قبل مدة السفير الروسي في دمشق. وفي هذه الحالة، سوف تواجه كقوة احتلال حقيقي، وستخسر.
ما تفكّر به روسيا كإمبريالية هو استمرار النظام الذي يضمن استمرار سيطرتها. ومن الواضح أنها "لا تثق" إلا ببشار الأسد، حيث تعيش هلوسة "المؤامرة العالمية" التي تحفر عميقاً في منظورها وسياساتها، وهو الأمر الذي سوف يجرّها الى ورطةٍ أفغانيةٍ جديدة بكل تأكيد، فليس هناك أي إمكانية لأن يستطيع بشار الأسد ومجموعته الاستمرار في الحكم، مهما كانت نتائج الصراع على الأرض، لأنه فقد كل "البنية الصلبة" التي أسسها حافظ الأسد، وهو يسعى إلى سحق الثورة، وقد فقدها بالضبط، لأنه واجه ثورة شعب، وليس عصابات مسلحة، كما ادعى إعلام النظام. وبالتالي، يعني استمرار سلطته أن يعتمد على القوات الروسية والإيرانية، أي أن تتورّط هذه القوات في الصراع أكثر، وأن تغرق في "مستنقع أفغاني". وسوف ينعكس هذا الأمر، بالضرورة، على وضع البلدين اللذين يستنزفان في "الحرب السورية"، وسوف يفرض ذلك انفجار الوضع فيهما على ضوء أزمتهما الأصلية.
إذن، الدولة السورية منهارة، وهي تقف على أرجل روسية إيرانية. وما يسترعي التفكير هو كيفية إعادة بنائها. هذه هي المسألة المركزية. ولهذا، كل حديثٍ عن منع انهيارها ليس إلا هلوسات تنتجها مصالح إمبريالية، فهي منهارة بالتأكيد، وباتت تابعةً لحُماتها. ويتعلق الأمر بإعادة بناء الدولة، ليس كما حدث في تونس ومصر، حيث ظلت الدولة، وتغيرت أشكال الرؤساء، إعادة بناء الدولة المنهارة بجيشها وأجهزتها وسيطرتها على الأرض واقتصادها. بالتالي، على من يريد الدولة، كي لا يحدث ما حدث في العراق وليبيا، ولا كما حدث في اليمن، أن يحقق الحل السياسي، والذي يبدأ بإبعاد بشار الأسد ومجموعته، لكي يكون ممكناً إعادة بناء الدولة، لكي تعود الدولة دولةً. حيث إن إعادة بناء الدولة تفترض، بالضرورة، قبول الشعب بها، وهذا غير ممكن في ظل وجود بشار الأسد، حتى العنف هنا لا يغيّر في هذه النتيجة شيئاً. تفترض إعادة بناء الدولة حتماً قبول الشعب الذي قُتِل ودُمرت بيوته، والذي هُجر أو بات لاجئاً، وقبول كل من حمل السلاح ضد النظام، وكل من انشقّ عن الجيش، أو فرّ من الخدمة العسكرية والمدنية، ومن سُجن أو ما زال في السجن. وكذلك من كان يُحسب على النظام، وعانى من فقدان أبنائه، أو من تعدّيات الشبّيحة (الجيش الوطني لاحقاً)، وكل من بات يتخوّف من وحشية مارسها النظام. وكل هؤلاء هم الشعب السوري الذي ذاق مرارة وحشية النظام، بقيادة بشار الأسد. 


تفترض إعادة بناء الجيش، وهي خطوة ضرورية لإعادة بناء الدولة، عودة المنشقين والفارين من الجندية و"الهاربين" من الخدمة العسكرية الذين يشكلون أكثر من ثلثي الجيش. وهذا ليس ممكناً من دون تغيير النظام وتنحية "الرئيس" ومجموعته، أي التحالف الأمني المالي المتحكّم بالقرار خلال الصراع الوحشي ضد الثورة. وقبول المقاتلين الذين ردّوا على وحشية النظام بالسلاح، بعد أن فشل الحراك السلمي، لن يلقوا السلاح من دون الثقة بأن الوحش قد غادر، وأن نضالهم حقق شيئاً ما. وليس ممكناً تهميش المجموعات السلفية "الجهادية"، إلا بقبول الشعب في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام بالحل السياسي. ولا يتعلق الأمر هنا بـ "داعش" الذي سينتهي، لحظة تحقيق التوافق الإقليمي الدولي، ولا بجبهة النصرة التي هي أداة خارجية كذلك، بل يتعلق بمجموعات أخرى، باتت سلفية نتيجة أزمة الصراع ضد النظام، وشباب كثيرون صاروا كذلك نتيجة هذه الأزمة، حيث اضطروا إلى ذلك، نتيجة وحشية الحرب، والحاجة للسلاح والمال، وربما "العزاء الروحي".
بالتالي، يتمثل ملخص الأمر في أن نجاح الحل السياسي يفترض تحقُّق الثقة بالوضع الجديد، الشعور بالأمان، وعدم الملاحقة وضمان العيش. حيث لا يمكن أن يتحقق ذلك أولاً بوجود النظام الحالي، وثانياً بدون "انتصارٍ" ما للذين تمردوا على النظام، يفرض ثالثاً قبولهم بالحل ومشاركتهم فيه. وتفترض هذه المشاركة بالضرورة وجود تغيّر أساسي في النظام ذاته، هو رحيل "الرئيس"، ومشاركة المعارضة ومن تمرّد على النظام في الدولة الجديدة.

 

 

.. والصين كخطر إمبريالي

سلامة كيلة

 

بالنسبة لأميركا، الصين هي الخطر الحقيقي. وبالنسبة لروسيا، الصين ورقة لعب في العلاقة مع أميركا. لكن، ما هي الصين؟
منذ أخذت الصين التحوّل نحو الرأسمالية، بنت علاقات وثيقة مع أميركا، ووصلت، في تسعينات القرن العشرين، الى فتح مناطق صينية لنشاط الرأسمال الأميركي والأوروبي. وكان هذا يرى فيها سوقاً واسعاً استوجب بناء الصناعة في تلك المناطق، حيث كان يظهر أن الرأسمال الإمبريالي يتعامل مع الصين بوصفها سوقاً، من طرف، وأيدي عاملة رخيصة من طرف آخر. لهذا، كانت الصين ملجأ الرأسمال الفائض خلال تلك السنوات وبعدها. لكن، كان منظور الصين يقوم على مبدأ اكتساب الخبرة والتقنية خصوصاً. وهذا ما أفلحت به، واستطاعت تطوير صناعاتها بشكل لافت، بعد أن كانت السلع الأساسية في التقنيات العالية والسيارات والملابس وغيرها تصنّع "ماركات عالمية" أو صناعات "وطنية" في الصين.
انتقلت الصين، في مرحلة تالية، ومع عولمة العالم ودخولها منظمة التجارة العالمية، إلى التصدير، فقد باتت بضائعها "هي المدفعية بيدها" لدكّ كل الأسواق، خصوصاً وهي تقدّم سلعاً مختلفة مستويات السعر، من الرخيص جداً إلى الأغلى. وبالتالي، باتت تدمّر صناعات الغزل والنسيج في كل العالم تقريباً. ونشرت سلعاً مختلفة، غاية في الرخص، من الموبايل إلى القدّاحة، حتى بات يظهر أن كل السلع المتداولة عالمياً صينية. تحوّل، في هذه اللحظة، إلى إمبريالية تجارية تغزو العالم، وتصل إلى أقاصي الأرض بأسعارٍ بخسة، في عالمٍ كان يزحف الفقر الى كل أطرافه، وأخذت مطاعمها تنافس أرقى المطاعم، حتى في المراكز.
وهذا ما جعلها تراكم فائضاً ضخماً، أخذت تصدره كذلك، حيث باتت تصدّر الرأسمال إلى مختلف بقاع العالم، وتشتري العقارات والشركات الكبرى، وتوظف في البناء والطرق، والنفط. وضخت مئات مليارات الدولارات في أميركا اللاتينية (خمسين مليار في البرازيل وحدها)، وفي أفريقيا، وكذلك في أوروبا، حيث عملت على شراء شركات عملاقة وفنادق ضخمة وعقارات. ذلك كله إضافة إلى التوظيف في أميركا، وخصوصاً في سندات الخزينة التي تعني أن أميركا باتت مديناً لها. على الرغم من ذلك، ربما تكون هي البلد الذي يملك أكبر احتياطي نقدي من الدولارات (3,5 تريليونات دولار). وهي تتوسع لمدّ سيطرتها الاقتصادية على محيطها الآسيوي، وتضخِّم من قواتها العسكرية، وقد بدأت في بناء قواعد خارج حدودها، حيث أقامت قاعدةً بحرية في جيبوتي.
يُظهر ذلك كله أن التراكم المالي بات يصبّ في خزينتها، بعد أن باتت القوة الاقتصادية الثانية بعد أميركا، متفوقة على أوروبا واليابان، وبالتأكيد على روسيا.
ولا شك في أن تطورها السريع في إطار رأسمالي، على الرغم من سيطرة "حزب شيوعي" على السلطة، وحكمه بشكل دكتاتوري فظ، واستغلاله العمال بشكل عبودي، جعلها تتقدّم من أجل فرض سطوتها العالمية. وعلى الرغم من التشابك "المالي" والتجاري الضخم بينها وبين أميركا، فهي تتقدّم بهدوء، لكي تحلّ محلها عبر السيطرة على السوق العالمي والتحكّم بالدولار، من خلال التراكم الضخم الذي تملكه. وإذا لا تزال تحافظ على سعر مضبوط لليوان، عملتها الرسمية، وترفض تعويمه، أملاً في أن تفرضه بديلاً عن الدولار، إلا أن تشابكها الاقتصادي العالمي لم يمنع من أن تتسرَّب إليها أعراض مرض الرأسمالية، أي الطابع المالي للاقتصادي وسيطرة المضاربة وأسواق الأسهم. لهذا، بات يشار الى الفقاعة الصينية، والتي ظهرت في انهيار أسواق المال قبل فترة وجيزة. ومن ثم نجدها تعاني من أزمةٍ مجتمعيةٍ نتيجة الاستغلال الفظ للعمال والفلاحين، وتراكم مالي بات يؤسس لفقاعاتٍ مالية قابلة للانفجار.
على الرغم من ذلك كله، تسعى الصين إلى أن تفرض قوتها عالمياً، وأن تصبح قوةً عسكرية قادرة على الدفاع عن مصالحها الممتدة من أفريقيا الى أميركا اللاتينية، ومن أميركا إلى أوروبا. إنها الخطر الإمبريالي على أميركا. لكن، ربما على العالم.

(العربي الجديد)

 

التمدّد الإمبريالي لروسيا

سلامة كيلة

قاد انهيار الاشتراكية إلى ميل البيروقراطية الحاكمة إلى "نهب" الاقتصاد الذي كان في حكم الملكية العامة، لكنه كان يخضع لتصرف تلك البيروقراطية. وكان الدعم الإمبريالي للتغيير الرأسمالي في روسيا يهدف إلى تحويلها إلى دولة عالمثالثية، من خلال تدمير صناعاتها وتهديم جيشها، ودعم تحكُّم مافيا في النظام. وهذا ما ظهر فترة حكم بوريس يلتسين، وأفضى إلى دمار صناعي، وتركيز على قطاع النفط/ الغاز، واستيلاء تلك المافيا على الصناعات وشركات الدولة، خصوصاً النفط.
لكن تطور روسيا لم يكن يسمح بانتصار هذا الميل التدميري الذي يفرض التحاقها بالإمبريالية المهيمنة، أي أميركا، بعد أن كانت قوةً عظمى موازية، وتمتلك قدرات الرد. لهذا، تحركت قطاعات من داخل السلطة، لكي تفرض مساراً آخر يعيد روسيا كقوة عظمى. هذا ما بدأ مع سيطرة فلاديمير بوتين على السلطة، وعمله على إعادة ترتيب العلاقة بين المافيا التي نهبت الاقتصاد السوفيتي والدولة. وهي المرحلة التي جعلت الاهتمام الروسي يتركّز على الوضع الداخلي، حيث كان يجب إعادة بناء الجيش والاقتصاد وتثبيت بنية السلطة الدكتاتورية.
الأزمة المالية التي حدثت سنة 2008، وطاولت أميركا، ودفعتها إلى بناء إستراتيجية جديدة، كانت المدخل لانتقال روسيا إلى "الهجوم"، فقد تدخلت، في جورجيا، لفرض استقلال أوستينيا الجنوبية سنة 2008، وخاضت الحرب ضد الشيشان في أغسطس/ آب سنة 2009. وعملت على دعم النظام في أوكرانيا، بعد أن نجح الحزب المؤيد لها في الانتخابات بعد الثورة البرتقالية سنة 2005. وكانت أوكرانيا مهمةً لها، لأنها ممر خط أنابيب الغاز إلى أوروبا، وهو شريانها المالي الأساسي. كما سعت إلى تشكيل تكتل عالمي، تمثل في الإسهام في بناء تحالف البريكس، كتحالف اقتصادي مع الصين والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا. وأيضاً تحالف أمني ضمن معاهدة شنغهاي. وفي ذلك كله، كانت تميل إلى التفاهم مع أوروبا، وتشكيل تحالف دولي يقوي من تعاملها مع أميركا، في ظل حرصها على تطوير العلاقة معها.
كانت الثورات العربية مربكةً، ليس لأميركا فقط بل لروسيا كذلك، حيث أنها توجست منها خشية انتشارها العالمي. لهذا، كانت ضد الثورة المصرية، ومجمل الثورات. وعلى الرغم من أنها لم تعارض تدخل حلف الأطلسي (الناتو) في ليبيا، إلا أنها اعتبرت أن "الغرب" قد "ضحك" عليها. لهذا، استغلت نشوب الثورة السورية، لكي تحاول فرض نفسها قوة عالمية مقرِّرة، وهي في ذلك كانت تتحالف مع الصين. فأصبح الفيتو الروسي/ الصيني في مجلس الأمن الدلالة على بدء مرحلة جديدة، مطوّرة ذلك إلى دعم كامل للنظام السوري، وصولاً إلى التدخل العسكري المباشر.
كان التقدم الروسي يستغلّ التراجع الأميركي، وعلى الرغم من الصراع في أوكرانيا وحولها بين الطرفين، عملت روسيا على إظهار ميلها الإمبريالي في سورية، وهي المنطقة التي لم تعد في جدول الاهتمام الأميركي، فقد ظهر أن روسيا تريد شبه جزيرة القرم، كونها قاعدة بحرية لبحريتها المتجهة إلى البحر المتوسط، وكذلك تريد السيطرة على نصف أوكرانيا الروسي، وهو ما قامت به. وأدى ذلك إلى ارتباك علاقاتها مع أوروبا التي دافعت عن كيان أوكرانيا، بعد أن أطاحت الثورة حزب روسيا.
تنطلق روسيا، إذن، لكي تفرض تموضعها العالمي قوة أساسية، موازيةً أو حتى متفوقة على أميركا. ربما في ذلك مبالغة إمبريالية، لكن ما يظهر واضحاً أن روسيا تعود إلى أن تصبح قوة عالمية أساسية. وأنها تسعى إلى مدّ سيطرتها على مناطق خارج حدود الاتحاد السوفيتي، وأن تفتح أسواقاً لسلعها التي لا تعدو أن تكون هي السلاح، وأن توظف الرأسمال المتراكم لدى مافياتها في مشاريع في الدول التي تستطيع السيطرة عليها. ومثال سورية واضح في هذا السياق، حيث باتت تحظى بسيطرةٍ على النفط والغاز، وعلى مشاريع كثيرة، وتتهيأ لكي تحصل على حصتها من "إعادة الإعمار".
يفرض ذلك كله البحث في طبيعة روسيا وبمنظورها للسيطرة العالمية.

(العربي الجديد) لندن

 

المنظور الليبرالي وتونس

سلامة كيلة

إذا نظرنا من منظور ديمقراطي، ستكون تونس البلد الأفضل لما تحقق بعد الثورات، حيث لا زال "المسار الديمقراطي" يحكم الوضع. لكن، كيف يمكن أن ينجح هذا المسار والوضع الاقتصادي يتردّى، ووضع الشعب يزداد بؤساً؟
ربما هذا الأمر هو الذي يوضح اختلاف المنظورات فيما يخصّ الثورات العربية، حيث أن الميل العام لتيار عريض من الليبراليين و"الديمقراطيين" (وهم بالمناسبة غالبية الأحزاب المعارضة وكل نخبها) يقوم على التأكيد على منظور ديمقراطي، يعتبر أن سبب الثورات وهدفها هو تجاوز الاستبداد الذي اتسمت به النظم وبناء نظام ديمقراطي، ويستنتج أن الثورات فتحت الطريق لمسار ديمقراطي، هو النتيجة الطبيعية لهذه الثورات، وهو الانتصار الكبير الذي نتج عنها. وهو ما يوصله إلى نتيجة أن التجربة المصرية سقطت بـ "انقلاب عسكري" ألغى النظام الديمقراطي، وأسقط الرئيس "المنتخب"، وأعاد إنتاج الاستبداد. وأن التجربة التونسية هي الناجحة، حيث استمر المسار الديمقراطي، على الرغم من الإرباكات التي كادت تطيحه. وبالتالي، باتت تونس المثال الناجح للثورات العربية.
يجري التركيز هنا على "الحرية والديمقراطية" أولوية وأساساً لتحقيق التطور والاستقرار، و"مطالب الشعب" (كما يشير بعضهم). وأن ما هو مطلوب هو الإصرار على إنجاح هذه التجربة، لأنها "النتيجة الطبيعية" للثورات، والانتصار "الحقيقي" لها. ولهذا، تُرى الثورات لحظة انفجارية حدثت وانتهت، بعد أن أسست لانطلاق المسار الديمقراطي. لنعود إلى التركيز على الديمقراطية/ الاستبداد مطمحاً، بعد أن كانت المعادلة هي: الاستبداد الجاثم/ الديمقراطية.
من هذا المنظور، يُنظر إلى التجربة التونسية على أنها الناجحة، حيث لا زال المسار الديمقراطي قائماً، ولا زال تنافس الأحزاب وصندوق الاقتراع هو الذي يحكم التجربة. ربما يشير ذلك إلى طبيعة فهم الديمقراطية، كونها تعدّد أحزاب وانتخابات، ولا شك في أنه مفهوم قاصر، وسطحي، لأن الديمقراطية أعمق من ذلك. وهذا أمر يوضح مدى قصور الوعي بالديمقراطية ذاتها، حيث تظهر كأنها كاريكاتور، حتى من الزاوية الديمقراطية وحدها. لكن، ربما يكون السؤال الأهم، ونحن في خضم الثورة: بماذا تأتي الديمقراطية؟ بمعنى، ما هي طبيعة الأحزاب التي تُنجحها الانتخابات، حتى من دون أن نسأل كيف تنجح؟ 


ما أفضت إليه الانتخابات، كما ظهر في تونس، ومصر كذلك، هو نجاح أحزابٍ ذات ارتباطٍ وثيق بالنظام القديم، أو هي لا تختلف مع النظام القديم من حيث المنظور الاقتصادي، فهي كلها تنطلق من استمرار السياسة الاقتصادية التي تعمّمت منذ بدء مسار اللبرلة، أي أنها أحزابٌ تعبّر بالضرورة عن مصالح رأسماليات مسيطرة في المستوى الاقتصادي، ومتداخلة مع الطغم المالية العالمية، وخاضعة لشروطها التي يعمّمها صندوق النقد الدولي. في مصر، التزمت جماعة الإخوان المسلمين هذه السياسة، وعملت على الحصول على قروض من صندوق النقد الدولي، واستمر النظام بعدها في المسار نفسه. وفي تونس، استمرت حركة النهضة (وتحالفها في الترويكا) بالسياسة القديمة نفسها، ثم قبلت بحكومة "تكنوقراط" تنفذ شروط صندوق النقد الدولي. وفي انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2014 التشريعية، تقاسم النظام القديم (نداء تونس) وحركة النهضة مع أحزاب أصغر السيطرة على البرلمان، وهي مستمرة في الخضوع لشروط صندوق النقد الدولي، ولمجمل السياسات التي يقرّرها خدمةً للطغم المالية الإمبريالية.
لهذا، وجدنا أن الانتخابات أتت بأحزاب، ربما أنها تتنافس على الرغم من حاجتها للوحدة، لكنها ممعنة في المسار الاقتصادي القديم الذي كان الأساس الذي دفع الشعوب إلى الثورة، لأنه أفقرها وهمّشها بشكل مريع (وفق كل الإحصائيات). بمعنى أن تنافس هذه الأحزاب هو التعبير عن اختلافاتٍ بين فئات الرأسمالية نفسها. ولهذا، تُدفع بضغط القوى الخارجية للوحدة في مواجهة "الكارثة" التي هي الثورة، وفق منظور هذه القوى.
قامت الأحزاب "المنتخبة" بتنفيذ سياسات صندوق النقد الدولي، فعملت على "تحرير" العملة والإمعان في الخصخصة، وزيادة الأسعار، خصوصاً ما يمسّ الطبقات الشعبية مباشرةً، فوسّعت من أزمة هذه الطبقات. هذا ما حدث في مصر وفي تونس. ولهذا، يبدو أن الانتخابات تأتي بأحزابٍ تمثل الطبقة الرأسمالية المافياوية ذاتها، بغض النظر عن طابعها الأيديولوجي. فهل يُنجح ذلك كله المسار الديمقراطي؟
يكتفي المنظور الليبرالي بذلك، ويعتبر أن التجربة ناجحةٌ، لأنها لا زالت قائمة على الانتخابات، وأن الحكم هو للأحزاب التي "تفرزها صناديق الاقتراع". لكن، هل يؤدي ذلك إلى تحقيق الاستقرار وتجاوز لحظة الثورة؟ أي هل ينهي الظروف التي فرضت نشوب الثورة؟
لا يسعى المنظور الليبرالي إلى الإجابة على هذا السؤال، بالضبط لأنه لا يريد رؤية الظروف المعيشية التي تتحكّم بغالبية الشعب، بل يريد التعلق بالحريات والديمقراطية. لكن، هل يحقق المسار الديمقراطي ما يريده الشعب؟ بالتأكيد لا، بالضبط لأن الشعب الذي ثار، في غالبيته، ثار لأنه معطلٌ عن العمل أو مفقر ومهمّش، وأصلاً هذا هو الشعار الجوهري للثورة التونسية: العمل استحقاق، يا عصابة السرّاق. في تونس، كانت الشعارات المطلبية واضحة، أي العمل والأجر، وبالتالي، يصبح السؤال هو هل ترتضي كل هذه الطبقات التي ثارت بإبدال مطالبها المعيشية بمسارٍ ديمقراطيٍّ لا يتناول هذه المطالب؟
هنا، نعود إلى مسألة النظر إلى الثورة، فهل كانت نتيجة الاستبداد أو نتيجة البطالة والفقر والتهميش؟ ركّز المنظور البديل على أن ثورة الشعب كانت نتاج الوضع المعيشي، وأن الحرية والديمقراطية مطمح فئات وسطى، ليس بالضرورة تعيش وضعاً اقتصادياً سيئاً. وبالتالي، ما دامت النخب سعت إلى أن تحقق مصالحها هي في الحرية والديمقراطية فقط، فهل يمكنها أن تؤسّس لنظام مستقر؟ لا شك في أن ذلك مستحيل، بالضبط لأن الطبقات الشعبية تعطي الأولوية لوضعها الاقتصادي، فهي غير قادرة على العيش، والوجود والحياة أولوية على كل شيء.
إذا ما عدنا إلى تونس، لا شك في أن النتيجة التي تتعمّم مثالاً سوف تسقط في أول امتحان شعبي. حيث يبدو واضحاً أن المسار الديمقراطي يتفارق مع المسار الشعبي، ويتناقض معه، بالضبط لأن "الأحزاب المنتخبة" تعمِّق من مشكلات الشعب، بإيغالها في الخصخصة واللبرلة، وفتح البلد لنهب الطغم الإمبريالية. وكذلك بالحرص على استمرار سلطة الرأسمالية المافياوية التي حكمت زمن بن علي، ثم ظلت تحكم. الأمر الذي يقود إلى استنتاج بسيط هو أن تونس مقبلة على ثورة جديدة، كما حدث في مصر بعد حكم "الإخوان المسلمين"، وما يمكن أن يحدث الآن ضد النظام "الجديد".
الديمقراطية التي يجري التهليل لها في تونس هي ديمقراطية الأحزاب الليبرالية التي تريد ضمان استمرار النظام ذاته، نظام الرأسمالية المافياوية. والتي سوف تسقط أمام أول تحرّك شعبي كبير. بالضبط، لأن الشعب يريد الخبز والحرية معاً. 
إذن، تونس هي المثال على هزل المنظور الليبرالي.

(العربي الجديد)

 

أميركا ليست مع الثورة السورية

سلامة كيلة

ما يشغل المعارضة السورية، في هذه الأيام، هو الموقف الأميركي من الثورة، إذ اكتشفت أن أميركا ليس فقط ليست معنا، بل هي ضدنا. ولهذا، أخذ "الردح" لها يتكرّر، وبات الخطاب "حادّاً" ضدها، كأن هؤلاء من "اليسار الممانع"، بحيث باتوا يتلمسون "إمبرياليت"ها. 
لست في معرض سرد ما بات يتكرّر، أو الاستشهاد بنصوصٍ باتت كثيرة، لكنني فقط سأشير إلى نص كتبه الصديق ميشيل كيلو، ربما يختصر كل "الجو" الذي بات يحكم هذه المعارضة، وربما يحبطها. يقول ميشيل إن "صديقنا الأميركي المخلص نجح في الضحك علينا وخداعنا، طوال السنوات الخمس الماضية التي كنا أثناءها في غفلةٍ أوقعتنا في حال من الغباء وسوء التقدير والفهم". 
أولاً: على الرغم من أنني أعرف رأي ميشيل، فسوف أتناول، أولاً، فكرة حكمت المعارضة "الخارجية" وبعض المعارضة الداخلية (لم يكن ميشيل منها) هي فكرة "صديقنا الأميركي المخلص"، حيث أفضى الارتداد الذي أعقب انهيار الاشتراكية إلى التعلق "المَرَضي" بأميركا، وأفضى تدخلها العسكري واحتلالها العراق إلى التعلق بأمل أن تفعل ذلك بسورية، حيث تبلورت فكرة "نريد الديمقراطية وإن على الدبابة الأميركية". وبهذا، يلخص ميشيل الأمر باختصار. فهذا هو "الوعي" الذي تغلغل لدى تلك المعارضة، وبات عنصراً مركزياً في نشاطها. 
ثانياً: لا شك في أن هذا التعلق بأميركا هو ما أدى الى الغفلة والغباء وسوء التقدير والفهم التي يشير إليها ميشيل. حيث أقام جزء مهم من المعارضة استراتيجيته على التدخل الأميركي، وعلى سياسة أميركا، حتى وهو يتحالف مع قطر وتركيا وفرنسا، لكنه كان ينطلق من أن هذا التحالف سوف يكون مدخلاً لتدخل حلف الأطلسي (الناتو) بقيادة أميركا. ولهذا، اشتغل على "تبليع" الشعب السوري مسألة التدخل الأميركي، من خلال "خطة" قامت على الإقناع أولاً بفكرة "حماية المدنيين"، ثم بـ "الحظر الجوي"، ومن ثم "التدخل العسكري"، وظهر ذلك في تسمية أيام الجمع التي كانت خاضعةً لطرف معارض، هو جماعة الإخوان المسلمين. 


وكانت القناعة بأن أميركا "جاهزة"، بينما يجب إقناع الشعب. كانت هذه "السياسة" ترهق الثورة، بالضبط لأنها تخيف قطاعات مجتمعية ليست قليلة، حيث لمست معنى التدخل الأميركي في العراق عيانياً، ولأنها أصلاً ضد الاحتلال الأميركي. ولمعرفة النظام بهذا الوعي الشعبي ركّز كثيراً على سياسات هذه المعارضة، لكي يمنع توسع الثورة بحجة "وطنية". بالتالي، قاد "الغباء وسوء التقدير والفهم" إلى إضعاف الثورة وتأخير توسعها، حيث كانت سرعة التوسع مهمةً في إرباك النظام وتحقيق التغيير. وهذا من المسارات التي أوصلتنا إلى المأزق والاستعصاء، ومن ثم تحكم دول خارجية بمصير سورية. 
ثالثاً: لهذا، حين الاعتراف بالغفلة والغباء وسوء الفهم والتقدير، لا بد من الانزياح جانباً، فليس منطقياً أن تمارس المعارضة ذلك كله، وتبقى في مواقعها. ليس منطقياً أن تكتشف، بعد خمس سنوات، الموقف الأميركي، وتظل تعتبر أنها تمثّل الثورة. ولا شك في أن عجزها عن فهم طبيعة الموقف الأميركي ينعكس على فهمها لكل الدول والقوى التي "تعتمد" عليها، وتراهن على دورها، وربما آخرها تركيا، من دون أن نتجاهل السعودية. فما ظهر منذ البدء أن "الغريزة" هي التي تحكم أطرافاً في المعارضة أساسية، وأن ما يتحكّم في رؤيتها هو فقط "إسقاط النظام"، بغض النظر كيف ومن يقوم بذلك؟ بمعنى أنها تخلت عن كل القيم الوطنية والطبقية والأخلاقية، وهي تسعى إلى إسقاط النظام. وفكّرت في كيف تصبح سلطة بديلة فقط، من دون أن تختلف عن النظام في أي تفصيلةٍ غير شكل الأشخاص. 
النظام استبدادي شمولي، ومارس العنف العاري والاعتقال المديد والقتل من دون رادع، لكن الغريزة ليست هي الرد، لم يفعل الشعب الذي ثار ذلك، وقد أراد أن يحقق النظام مطالبه، قبل أن يكتشف أن هذا النظام وحشي. على الرغم من ذلك، ظل يتمسك بـ "إسقاط النظام"، من أجل نظام يحقق مطالبه من دون ميل غريزي (ربما إلى أن تعممت الوحشية، وفرضت تدخلاتٍ ركّزت على الغريزة، مستقطبة بعض القطاعات التي صنعت الثورة). وهذه الغريزة التي حكمت المعارضة هي التي جعلتها تقبل "أي شيء" من أجل "الانتقام". 
الآن، "الاكتشاف العظيم" الذي توصلت إليه المعارضة هذه لا بد من أن يجعلها تنزوي جانباً، بالضبط لأنه ثبت أنها لا تمتلك الوعي الذي يسمح لها بفهم الواقع، أي فهم الوضع العالمي ومواقف القوى الإمبريالية، والوضع الإقليمي الذي تتنازعه دولٌ أرادت التوظيف في الثورة السورية لمصلحتها، وكانت تضر الثورة، وبعضها يريد تشويهها من أجل تدميرها. ولم تفهم أصلاً أسبابها، على الرغم من أنها حاولت تقليصها الى "إسقاط النظام"، أو حصرها في مطلب عمومي هو "الحرية"، حتى بهمسٍ خفيفٍ حول الديمقراطية. ومن ثم قبول كل من توهمت أنه قادم لخدمة هدفها في الوصول إلى السلطة من المجموعات الأصولية السلفية. ولا شك في أن الانتقام لا يسمح بانتصارٍ، لأنه يقوم على فقْد الوعي والفهم، وبالتالي، الرؤية التي تتحدّد لكيفية انتصار الثورة. 
ليست المسألة هيّنة، حيث ابتلت الثورة السورية بأضعف نخبة، وأهزل قوى، أسهمت في المصير الصعب الذي تعيشه الثورة، والمصير المأساوي لكل السوريين الذين وقعوا بين نظامٍ وحشيٍّ ومعارضة تنحكم للغريزة، وعالم يريد تدمير الثورة، وليس إسقاط النظام. كان يهم أميركا تدمير الثورات العربية، وسحق الشعوب، وأرادت تحويل الثورة الى مجزرةٍ لكي "تؤدب" شعوب العالم بإخافتها بـ "المصير ذاته" الذي تعرّض له الشعب السوري. فالثورة هي الخطر الأكبر على رأسماليةٍ تعيش أزمةً عميقةً لا حلّ لها، ويمكن أن تؤدي إلى انهياراتٍ ماليةٍ جديدةٍ، كما حدث سنة 2008، سوف تفضي إلى ثورات في بلدان أخرى، وربما في بلدان كثيرة. 
الوهم الليبرالي من طرف، وغريزة الانتقام من طرف آخر، وتعميم الأصولية من طرف ثالث، هي آفة الوضع السوري، و"الجرائم" التي تركّبت على الثورة، وأضعفتها، وهي ما يجب أن يُطرد من الثورة.

 

(العربي الجديد)

 

الانتخابات الأميركية.. تحليل مبكر

سلامة كيلة

يمكن أن نقول إن هيلاري كلينتون هي الرئيس الأميركي القادم. ظهر تماسك الحزب الديمقراطي ووقوفه خلف المرشح الذي حصل على دعم الحزب، بينما ظهر أن الحزب الجمهوري منقسم في الموقف من مرشحه دونالد ترامب، حيث بدأ التشكيك في قدرته على الحكم من داخل الحزب نفسه، ومن مواقع وازنة فيه.
ما ميّز الاستعداد للانتخابات من كلا الحزبين هو الاستقطاب الشديد بين يمين متطرّف (ومهووس) ويسار استبعد في اللحظات الأخيرة، أقصد هنا بيرني ساندرز الذي كان منافساً قوياً، إلى اللحظات الأخيرة، وقيل إن الهيئة المشرفة على اختيار ممثل الحزب الديمقراطي لمنصب الرئاسة أسهمت في استبعاده. تشير هذه الوضعية إلى مأزق أميركي كبير، لا شك في أن الأزمة العميقة التي تحكم الاقتصاد الأميركي (وبالتالي العالمي)، التي انفجرت في سبتمبر/ أيلول سنة 2008، وفرضت نجاح باراك أوباما، من دون أن تُحلّ، هي التي فرضت إيقاع التصويت في جولة اختيار مرشحي الأحزاب، حيث أظهرت أنها تدفع فئاتٍ مجتمعيةً إلى التطرف اليميني، ومعاداة المهاجرين (على الرغم من أن أميركا أمة من المهاجرين)، هي الفئات التي فرضت اختيار ترامب مرشح الحزب الجمهوري، على الرغم من رفض قطاعات أساسية في الحزب له، ومن ثم فرضت تخلي جزءٍ من الحزب عن انتخابه، مع أنه مرشح الحزب، بل أن يجري الضغط من أجل استبعاده. وتصب هذه الوضعية في مصلحة مرشح الحزب الديمقراطي بالتأكيد، الحزب الذي ظهر أنه يعاني من انقسام حادٍ بين التيار الذي يريد استكمال سياسة باراك أوباما، والتيار الذي يريد للحزب أن يسير نحو "اليسار" أكثر مما ظهر مع أوباما الذي استطاع أن يوقف آثار الأزمة المالية، ويحسّن جزئياً في وضع الاقتصاد، على الرغم من أنه لم يجد حلاً للأزمة، وعمل على إدارتها (أي أن يؤخّر انفجاراً جديداً، وأن يقلل من آثاره إذا ما انفجر).
وربما يمكننا القول إن تحالف الاحتكارات ومراكز الدراسات (التي تمثل الطغم الرأسمالية) قد أثّر كثيراً في مسار اختيار المرشحين، حيث أنه يريد أوباما جديداً، ولا يريد من هو أسوأ من "المحافظين الجدد". لهذا ركّز على إنجاح كلينتون (حتى عبر تزوير "صغير" لمصلحتها يبعد ساندرز)، وربما أيضاً على إنجاح ترامب، لكي لا يكون قادراً على المنافسة أصلاً. تريد الطبقة المسيطرة أوباما جديداً، بالضبط، لأنه استطاع أن يهدئ من الأزمة، واشتغل على إعادة موضعة أميركا في الجيوبوليتيك العالمي. لهذا كانت كلينتون هي الاستمرار لسياسة أوباما، خصوصاً أنها شاركت في رسمها في رئاسة أوباما الأولى.
وإذا كانت أميركا لا تزال غير قادرةٍ على استيعاب رئيس "يساري"، على الرغم مما قيل عن أوباما حين وصل إلى سدة الرئاسة، فإن ما يظهر واضحاً، هنا، أن في أميركا مساراً لكسر تابوات قاسية حكمت بنيتها السياسية قرنين، كان أولها وصول رئيس "أسود" هو باراك أوباما (بعد إدخال مسؤولين مهمين من "السود" في مناصب رفيعة). ويبدو أن ثانيها هو وصول "رئيسة" (بعد أن وصل عدد من النساء إلى مناصب رفيعة)، ما يجعلنا نقول إن بنيةً قديمة تتكسر لمصلحة "تحرّرية" تخلص أميركا من عقدها التي نشأت معها. ولا شك في أن ذلك يتطابق مع "شخصية" كلينتون التي تناولتها قبلاً.
ما أشير إليه هو أن وضع أميركا المأزوم اقتصادياً يفرض أن يكون الرئيس من النخب القابلة بـ"انكفاء" أميركا، وتركيزها على آسيا والمحيط الهادئ، بلا مغامرات المحافظين الجدد أو "جنونهم".
هل سيغيّر نجاح كلينتون من سياسة أميركا تجاه سورية؟ لا، بكل تأكيد، فليس الرئيس هو من يحدّد السياسة، بل مراكز الاحتكارات، وتأتي بالرئيس الذي يوافق على تحقيق السياسة. بالتالي، يمكن القول إن رئاسة كلينتون هي الثالثة لباراك أوباما، بغض النظر عن الاختلافات الجزئية التي يمكن أن يفرضها تكتيك الاحتكارات.

(العربي الجديد)

 

سورية: 2011

ليست امتداداً لأحداث 1980

سلامة كيلة

منذ بدء الثورة السورية، عمد النظام بوعي إلى ربطها بأحداث سنوات 1979/ 1982، حيث خاضت جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم الطليعة المقاتلة حرباً مسلحة ضد النظام، ردّ عليها بعنف، وانتهت بتدمير أحياء عديدة في مدينة حماة. وكانت الأحداث قد بدأت بقتل إبراهيم اليوسف جنوداً في مدرسة المدفعية في مدينة حلب.
وكان هدف الربط هو تخويف السوريين العلويين من الثورة عبر ربطها بأحداث سابقة، ظهرت وكأنها صراع طائفي، قام النظام خلاله بتصفية جماعة الإخوان المسلمين بوحشية، من أجل القول إن الجماعة تقوم عبر ما يجري بالانتقام من العلويين الذين يُحمّلون وزر المجازر التي قام بها النظام نفسه، من خلال المماهاة بين النظام والعلويين. وذلك كله من أجل إخافة العلويين من الثورة، ودفعهم إلى الالتصاق به، كونه يستخدم فئات منهم في "بنيته الصلبة" التي سيواجه الثورة بها.
اعتبرت جماعة الإخوان كذلك أن ما حدث، منذ 15 مارس، آذار امتداداً لأحداث تلك السنوات. وظلت تشير إلى أسبقيتها في مواجهة النظام، وتقديمها "آلاف الشهداء". وكان هدفها هو القول إنها القوة التي يجب أن تقود الثورة، وأن تصبح هي السلطة الجديدة. وقد كرَّر قادتها هذا الربط مراتٍ كثيرة، وعملوا على تكريسه بإحكام. ولا شك في أن إطلاق إسم ابراهيم اليوسف الآن على معركة حلب هو من باب هذا التكريس، بعد أن تراجع دورها الفعلي، وتهمّش دورها السياسي، حيث يبدو أنها تعود الآن من بوابة جبهة النصرة (سابقاً) وجبهة فتح الشام راهناً.
نلمس هنا التطابق في استخدام الرمز بين الجماعة والنظام. وعلى الرغم من أن النظام استنفذ أغراضه من ذلك، تعود الجماعة إلى تأكيده. خصوصاً بعد أن نجح النظام في الوصول إلى ما أراد منه، حيث كان هذا الربط عنصراً مهماً من جملة عناصر، جرى استخدامها لتخويف العلويين (بينها طبعاً عدنان العرعور). ليبدو أنها تصرّ على أن ما جرى سنة 2011 من ثورة شعب هو امتداد لما قامت به هي نهاية سبعينات القرن العشرين، وسنوات 1980/1982، ولتؤكد أنها تريد الانتقام، بالضبط كما صور النظام الأمر.
بين سنوات 1980/1982 وسنة 2011 تحولات واختلافات كبيرة، أولها أن طبيعة الصراع مختلفة، وأن الأهداف مختلفة كذلك، وهي مختلفة جذرياً، إلا إذا اعتبرنا أن هدف الثورة هو إسقاط النظام "الأقلوي"، لكي تحكم "الأغلبية السنية"، وهذا ما يتناقض مع جوهرها وشعاراتها ومطالب الشعب الذي قام بها. 


في نهاية السبعينات، كانت الأصولية "الإسلامية" تنتشر بدعم سعودي مباشر، بهدف "تصفية الحساب" مع حركات التحرّر، وكل الأفكار القومية والاشتراكية والتحررية. وقد خاضت تلك الأصولية الصراع على هذه الأرضية، وليس لأن النظام السوري استبدادي، أو يستغلّ الشعب. وانطلقت من منظور طائفي ينطلق من صراع "السنة" ضد "العلويين"، وليس ضد النظام السياسي المتحكّم بالسلطة. لهذا، مارست القتل على الهوية (كما فعل إبراهيم اليوسف، وفعلت الجماعة ضد شخصيات "علوية"). بالتالي، كانت معركة الطليعة المقاتلة والجماعة هي تصفية الحساب مع مرحلةٍ كانت تشهد ميلاً إلى النهوض، وتحقيق مطالب الشعب، لمصلحةٍ وهابية معمّمة، وحربٍ طائفية تفكيكية.
وقد ظهر واضحاً حينها أن هذه الحركة هي تعبير عن فئات "محافظة"، تطرح ما هو معاكس لمسار الواقع، وهو ما جعلها معزولةً عن الشعب، ومثّلت مجموعاتٍ قامت بعمل إرهابي، ليس ضد أفراد النظام فقط بل ضد المؤسسات الاستهلاكية والحافلات العامة والسينمات (كما مارست في حلب)، ورفعت شعارات ضد اليسار كذلك. فكان واضحاً أنها تفرض "أصوليةً" على المجتمع، وحرباً طائفية ضد النظام الذي كانت توصمه بأنه علوي، على الرغم من أنه كان يستند الى تجار دمشق الذين تدخلوا معه لمواجهة الجماعة. وفشلت في تحقيق ما تريد نتيجة رفض الأغلبية الشعبية لها، وبالتالي، قدرة النظام على حصارها في بعض المدن، والقيام بمجزرة حماة سنة 1982 لـ "تأديب" الشعب السوري كله، حيث قام بعملية اعتقالات واسعة ضد كل أحزاب المعارضة اليسارية.
سهّل صراع الجماعة مع النظام عليه سحق كل المعارضة، وتشديد الطابع الاستبدادي، والاعتماد أكثر على "علويين" في المواقع الحساسة في الدولة، لكنه عزَّز كذلك علاقة النظام بتجار دمشق وحلب، وسمح لهم بتعزيز نشاطهم الاقتصادي.
بلا شك، الوضع مختلف عما حدث منذ 15 مارس/ آذار سنة 2011، حيث لم يكن لأي قوة سياسية دور، بل جاء ما حدث حراكاً شعبياً توسع ثورةً من أجل إسقاط النظام. هنا، كانت الأغلبية الشعبية هي التي تندفع إلى إسقاط النظام، بينما عملت المعارضة على ركوب الحالة، وعملت جماعة الإخوان المسلمين على تصوير الحراك "إسلامياً"، واشتغلت على أن تصبح "الممثل" له، من خلال دعم دول خارجية، وليس نتيجة وجود شعبي. وما هدفت إليه الثورة هو الحرية والديمقراطية وتحقيق مطالب الشعب التي هي، في جوهرها، "اقتصادية"، تتعلق بالقدرة على العيش، بعد انهيار الوضع المعيشي لنسبة كبيرة من الشعب. وبالتالي، هي تطرح ما يناقض كل منظور الجماعة، وكل المجموعات الأصولية، وما يعبّر ليس عن ميل فئةٍ أصوليةٍ، تريد فرض نظام قروسطي يميّز بين المواطنين على أساس الدين والطائفة، ويفرض قوانين مغرقةً في الرجعية، ونظاماً استبدادياً أكثر شمولية من النظام القائم.
ما قامت به الجماعة منذ بدء الثورة، وما يقوم به كل الأصوليين، هو ركوب الثورة لفرض منظور معادٍ لها، وجاءت استعادة اسم إبراهيم اليوسف لتأكيد ذلك، حيث أنه يستعيد "كابوس" سنوات 1980/1982، ويخيف ليس الأقليات فقط، بل أغلبية الشعب الذي لم يكن مع صراع الجماعة في تلك السنوات. إبراهيم اليوسف هو رمز لصراع طائفي، ولا شك في أن أبو فرات هو رمز الثورة، رمز "البطل الشعبي" الذي يريد إسقاط النظام من أجل سورية. هذه القطيعة بين سنة 1980/1982 وسنة 2011 يجب أن تحدث، بالضبط لكي تنتصر الثورة.

 

الحاجة إلى روسيا

سلامة كيلة

لم يعد الحج نحو موسكو يقتصر على دول الخليج، بل كانت تركيا تسبقها قبل "الصدام" العسكري الذي حدث. ولأن موسكو حاجةٌ، فقد عادت تركيا إلى الحج إليها.

 لا شك في أن تحولات الوضع الدولي تفرض ذلك، حيث أن الميل التركي إلى التحوّل قوةً عالميةً فرض الذهاب نحو روسيا التي تبدو منافساً (وليس عدواً) لأميركا. وفرضت أزمة أميركا الاقتصادية، وتخوفها من "نهوض الصين"، الميل إلى التحالف مع إيران، ما أخاف دول الخليج، فدفعها إلى الميل نحو روسيا، والحج المستمر إلى موسكو.
نحن، إذن، في سيولة في الوضع الدولي، نتيجة الأزمة الاقتصادية العميقة التي ضربت الرأسمالية وأميركا خصوصاً. وقد فرضت هذه السيولة محاولاتٍ لتأسيس تحالفاتٍ جديدة، انطلاقاً من مصالح كل دولة، حتى التي تخضع لسيطرة أميركية، حيث أن "ضعف يد" أميركا بات يسمح بذلك.
ما علاقة ذلك بالوضع السوري؟ أثار تراجع تركيا عن صدامها مع روسيا حول سورية شكوكاً بشأن القبول التركي ببقاء بشار الأسد، ضمن صفقة المصالحة التي تحققت. لكن، قبل ذلك، كانت تركيا في "تحالف" مع روسيا، على الرغم من الخلاف حول سورية، وهو خلاف كان يبدو عميقاً، نتيجة التنافس على سورية، لأنها من منظور كل منهما مفصل في سياساتهما، روسيا للهيمنة على "الشرق الأوسط"، وكذلك تركيا. وربما كان التصعيد التركي ضد روسيا قد أوحى بجدية تركيا للتدخل في سورية، بالتالي، كان تراجعها يشير إلى خسرانها، ومن ثم قبولها السيطرة الروسية على سورية. وهذا ما يظهر من تأكيدها على محورية الدور الروسي في سورية، وهو اعتراف بـ "الأمر الواقع"، لم تكن تركيا تريده سابقاً. لكن، هل يوصل ذلك إلى قبول الحل الروسي في سورية، والقائم (إلى الآن) على بقاء بشار الأسد؟
ما يهمّ تركيا، أولاً، هو مصالحها في سورية، حيث حصلت من بشار الأسد على امتيازاتٍ اقتصادية كبيرة، بما في ذلك تسهيل مرور السلع التركية إلى السعودية ودول الخليج، إضافة إلى مشاريع اقتصادية، وتسهيل دخول السلع التركية إلى السوق السوري. لهذا، سيكون التفاهم الأساس مع روسيا حول ما يمكن أن تتحصل عليه تركيا، بعد الإقرار بالسيطرة الروسية على سورية. وما تتحصل عليه هو الذي سيحدّد مدى قبولها الحل الروسي بكل تأكيد، لكن هذا لا يعني ألا يكون مصير الأسد مطروحاً، حيث أظن أن تركيا تفضّل رحيل الأسد، على الأقل، للقول إنها حققت شيئاً ما "يخدم الشعب السوري"، ويعزّز من مصداقيتها.
من جهة أخرى، تركز السعودية على علاقتها المميزة مع روسيا، وتؤكد أنها تسعى إلى تطويرها، على الرغم من الخلاف حول المسألة السورية. ولا شك في أن تخوفها من التقارب الأميركي الإيراني يدفعها إلى أن تعزّز تقاربها مع روسيا، وتطوير علاقتها بها، مع أن العلاقات الاقتصادية ليست أساسية هنا، بعكس تركيا التي أصبحت روسيا البلد الثاني، بعد الاتحاد الأوروبي ككل، في التبادل التجاري والعلاقة الاقتصادية. وما يبدو أن السعودية تصرّ على رحيل الأسد، ليس لخلافٍ شخصي، فقد دعمته سنتين بعد الثورة، مالياً وتكتيكياً، خصوصاً في الأسلمة وتفكيك قوى الثورة، لكنها وجدت أن ضعف النظام فرض بدل الوصول إلى حل سياسي تدخلاً عسكرياً إيرانياً كثيفاً، أفضى إلى السيطرة على القرار السياسي في دمشق. هذا الأمر بالتحديد هو الذي فرض انقلاب الموقف السعودي، والتمسك برحيل الأسد.
ونتيجة الميل إلى التقارب الأميركي الإيراني، سعت دول الخليج إلى تطوير علاقتها مع روسيا، على الرغم من اختلاف موقفها من رحيل بشار الأسد، حيث أن بعضها ليس معنياً بذلك. لكن كمجموعة يبدو أنها أميل إلى التأكيد على رحيل الأسد. وتحالف روسيا مع كل هذه الدول مغرٍ لها، وبالتالي، قد يدفعها إلى قبول رحيل بشار الأسد، ما دامت كل هذه الدول قد قبلت بـ "دورها" السوري. على الرغم من أن العنجهية الروسية التي تريد "تعليم العالم" أنها تفرض ما تريد، يمكن ألا توصل إلى ذلك، على أمل قبول كل هذه الدول بحلها. ربما فقط اليأس من حسم عسكري هو ما يجعلها تقبل بما تحقق.

(العربي الجديد)

 

 

مخيم خان الشيح

سلامة كيلة

 

يُقصف مخيم خان الشيح بالبراميل المتفجرة، وبأحدث الأسلحة الروسية. والمخيم لا يحوي "إرهابيين"، ولا مسلحين، لا في السابق ولا الآن. إذن، لماذا يُقصف؟ 
قُصف المخيم في درعا، بسبب اتهام الفلسطينيين بتقديم المساعدات الغذائية، حينما حاصر النظام المدينة، وكان ذلك قبل أن يصبح السلاح وسيلة ردّ الشعب السوري على وحشية النظام. وفي مخيم اليرموك، تحجج النظام بسيطرة "الإرهابيين" على المخيم، على الرغم من أن النظام وأتباعه من التنظيمات الفلسطينية كانوا يحشدون السلاح في المخيم، وأنه كانت للنظام علاقة بأول من اقتحموا المخيم. وهكذا في كل المخيمات الفلسطينية، في اللاذقية وحمص وحلب. لكن، ظل مخيم خان الشيح بعيداً عن السلاح، ولم يحوِ مسلحاً واحداً، وظل بعيداً عن الصراع. لهذا، يصبح السؤال عن سبب قصفه كاشفاً، ويوضّح هدف النظام من كل ما قام به ضد كل المخيمات الفلسطينية. ذلك أن قصف هذه المخيمات وتدميرها لا يرتبطان بوجود المسلحين، أو أن وجود المسلحين كان مبرّراً فقط، وأن النظام هو الذي عمل على زجّ المخيمات في الصراع. 
يجب أن نتذكّر من أجل فهم الهدف من القصف، أنه، بعد احتلال العراق وتهجير الفلسطينيين منه، لم يسمح النظامان، السوري والأردني كذلك، بدخول هؤلاء، ووضعهم السوري في مخيم التنف في الصحراء سنواتٍ، إلى أن جرى نقلهم إلى أميركا اللاتينية. لماذا؟ لأن النظام خضع لقرار أميركي يفرض منع تمركز اللاجئين الفلسطينيين في محيط فلسطين، وتهجير من هم مقيمون فيها، حيث يجب أن يتشرّد اللاجئون بعيداً، لكي ينتهي حقهم في العودة. 
ربما يُفهم قصف مخيم يحوي "مسلحين"، على الرغم من أن الأمر أبعد من ذلك. لكن، أن يُقصف مخيم لا "مسلحين" فيه، وأن يحاصر ويتعرّض للبراميل المتفجرة، وللطيران الروسي بكل أسلحته الحديثة جداً، فهو الأمر الذي يدفع إلى أن في الأمر هدفاً آخر، لا علاقة له بـ "المسلحين"، بل يطاول المخيمات نفسها. لهذا، انطلاقاً مما يتعرض له مخيم خان الشيح، يمكن القول إن النظام يعمل على تدمير المخيمات قصداً، ولهدفٍ يتعلق باللاجئين أنفسهم. وقد استغلت الثورة السورية، لكي يمارس النظام وحشيته ضد الفلسطينيين الذين اتهمهم بأنهم سبب "الأحداث" في درعا واللاذقية منذ الأيام الأولى للثورة. والواضح الآن أن هذا الاتهام لم يكن عبثياً، بل كان المقدمة لسياسة التدمير الممنهج للمخيمات. 
إذن، يمكن القول إن ما يتعرّض له مخيم خان الشيح من قصفٍ وحصارٍ يكشف الهدف من كل ما تعرّضت له المخيمات الأخرى. وهو هنا، كما جرى لفلسطينيي العراق، تهجير فلسطينيي سورية بعيداً عن حدود فلسطين، وفق القرار الأميركي الذي يأتي خدمةً للدولة الصهيونية التي تريد التخلص من "مشكلة اللاجئين" من خطرهم، وهم يقطنون في محيط فلسطين. 
يتقصّد النظام الممانع، إذن، تدمير المخيمات، وهي ورقةٌ يقدمها للدولة الصهيونية التي يحاول، منذ مدة، أن يتواصل معها من أجل "السلام"، وبالأساس دعم بقائه. وهي "مقاولةٌ" يقبض عليها مالاً. لكن "الجو الفلسطيني" لا يلتفت إلى ذلك، لأنه يتمسّك بـ "دولة الممانعة"، وتزجّ تنظيماتٌ ملحقةٌ به فلسطينيين في حرب النظام ضد الشعب السوري. وتقف تنظيماتٌ أخرى متفرّجة، أو خرساء، لأنها تدعم النظام الممانع، أو لا تجرؤ على قول رأيها، ليس في الثورة السورية، حيث لم يطلب منها أحد ذلك، بل فيما يحدث للمخيمات. والآن، لمخيم خان الشيح الذي هو خارج "الصراع السوري السوري"، حيث لا سلاح ولا مسلحين يكونون مبرراً لتدميره. 
بالضبط، لهذا السبب يجب أن يتوضح هدف النظام من قصفه، وبالتالي، من تدمير مخيماتٍ أخرى. لا يتعلق الأمر بمواجهة "إرهاب"، بل بسياسة تدميرٍ ممنهجٍ للمخيمات الفلسطينية، بغية تهجير اللاجئين، بعيداً عن فلسطين. الممانعة تفعل ذلك.

 

(العربي الجديد)

 

البديل الاقتصادي

سلامة كيلة

 

يجري التحجّج، حين المطالبة بحل مشكلات الفقر والبطالة، بأن الدولة لا تملك ما يسمح بذلك، فقد أغرقها النظام القديم بالديون. حيث أنها لا تستطيع رفع الأجور، نتيجة العجز في الميزانية، ومن ثم ليس لديها خيارات لتوظيف العاطلين عن العمل، إلا بشكل محدود. وأيضاً لا تستطيع تحسين الخدمات والبنية التحتية، على العكس، فإنها "مضطرّة" لأن تخصّص ما تبقى من مؤسساتٍ في مجالاتٍ أساسيةٍ للمجتمع، مثل التعليم والصحة، وزيادة أجور المواصلات.
مصفوفة طويلة من المبرّرات التي تهدف الوصول إلى نتيجة أن الدولة عاجزةٌ عن تغيير وضع المفقرين والعاطلين عن العمل، وتحسين الخدمات والبنية التحتية، وضمان استمرار مجّانية التعليم والصحة، فهي تعاني من عجزٍ في الميزانية، وأن سداد فوائد المديونية وأقساطها عبءٌ تتحمله. وعلى الرغم من أن الدولة ترفض فرض الضرائب على الرأسماليين الذين أسّسوا ثروتهم من نهب الدولة والمجتمع، وتقدّم كل التسهيلات لهم، فإنها تزيد الضرائب على الشعب، وتعتبر أن زيادة الأسعار ضرورة. وهو الأمر الذي يزيد من البطالة والفقر والتهميش وإهمال البنية التحتية والخدمات.
لكن، هل فعلاً ليس هناك حل لهذه الأزمة المجتمعية؟ يمكن الإشارة الى أن القول بنعم سيفضي إلى نتيجةٍ بسيطةٍ، تتمثل في أن تمرّد الشعب سيستمرّ، وسيتصاعد، ويشتدّ. بالتالي، سيفرض حلاً بالقوة الشعبية. هذا ما سيحدث، على الرغم من أنه يواجَه بخطاب أن لا حلّ ممكناً، بعد النهب الفظيع الذي مورس، والذي بات يحمّل سبب الأزمة المجتمعية، ويلقى على كاهل "النظام القديم". ولا شك في أن الإجابة بأنْ لا حلّ، تنطلق بالضبط من منظور الرأسمالية التي نهبت وتحكّمت بالاقتصاد، وتتحكّم بالسلطة. فهي لا تمتلك حلاً للمفقرين، لأنها تسعى إلى مراكمة ثروتها، بغض النظر عمّا تسببه مجتمعياً. إنها تبحث عن حلّ يخدم مصالحها تحديداً، وهو الحل القائم على تصعيد النهب، وتخفيض الأجور وزيادة الأسعار، والضرائب، وخصخصة كل المؤسسات التي كانت بيد الدولة، بحجة أنها خاسرة.
بالتالي، ليست السلطة والطبقة الرأسمالية المافياوية التي تتحكّم بها معنيتين بإيجاد حل للمشكلات المجتمعية. على العكس، حاجة الرأسمالية لتصعيد التراكم المالي عبر النهب الأكبر تجعل الأمور أكثر سوءاً كما أشرت. لهذا، يجب البحث عن الحل في مكان آخر، حيث يفترض الاستقرار المجتمعي الآن، ليس العنف الذي لن يوقف الصراع وتمرُّد الشعب، بل حل مشكلات البطالة والفقر وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية. حيث لا بد من رفع الأجور أضعافَ ما هي الآن، ولا بد من تقديم أجرٍ أدنى للعاطلين عن العمل، إلى حين توفير فرص عمل لهم، ومن ثم وضع ميزانياتٍ كبيرة للقضايا الأخرى. ومن أجل ذلك، يجب إعادة بناء الاقتصاد على أساسين: الأول، بناء صناعة وتطوير الزراعة، لأنه من الضروري أن تُبنى قوى منتجة لحل مشكلات البطالة والفقر والمسائل الأخرى، كون ذلك يقلّص الاستيراد، ويأتي بفائض قيمة يسمح بذلك.
طبعاً، في هذا الإطار يطرح خطاب السلطة عجز الدولة عن ذلك، لأنها "مفلسة". وهذا صحيح، لأنها نُهبت من الرأسمالية المسيطرة، والمرعية من الدولة، والمحمية بقوى قمعها. ولا شك أن توفير المال اللازم لذلك مشكلة كبيرة، فقط إذا نظرنا من منظور الرأسمالية نفسها، التي تُخرج وضعها من أي نقاشٍ أو حساب، حيث تريد الحلول من خارجها، وأيضاً لنهب الأموال التي يمكن أن توضع في هذا المسار.
يتحدّد الأساس، هنا، في مصادرة الأموال المنهوبة التي أخذت من الدولة بواسطة السلطة بأبخس الأثمان أو بلا مقابل. يبدأ الحل بالتالي من مصادرة أموال الرأسمالية نفسها، واستعادة الدولة لكل المشاريع والمصانع والأراضي والعقارات التي سُلبت منها. نُهبت أموال الشعب، ويجب أن تعود إليه من خلال مصادرة أموال الناهبين جميعاً، وأن يحاسب هؤلاء على التخريب الذي أحدثوه في الاقتصاد الوطني. وأيضاً إلغاء المديونية التي تراكمت، وكانت جزءاً من عملية النهب المحلي والدولي، وحيث جرى تسديد ما يفوقها بكثير.
الدولة مفلسة. لكن، هناك مئات مليارات الدولارات التي نهبا "رجال الأعمال الجدد" والطغم العالمية، وهي من حق الشعب.

(العربي الجديد)

 

ظاهرة داعش في الوقائع

سلامة كيلة

 

كان التفسير الذي يتناول تنظيم داعش ينطلق من فكرة التعصب الديني، ومما هو أيديولوجي، ومن الثقافة "الدينية"، وجرى اعتبار كل البيئة المتديّنة "بيئة حاضنة" لهذا التنظيم. بمعنى أن هذا التعصب والعنف الذي يظهر في ظاهرة داعش هو نتاج الإسلام. ولكن، لم تدرس "بيئات" الأفراد الذين يتهافتون على التنظيم، وأقصد هنا الظروف التي يعيشونها، وطبيعة "تديّنهم"، ومن ثم الأسباب التي تدفعهم الى الانضمام إليه.
وعلى الرغم من أن المنابع متعدّدة، كما يمكن أن يُلمس، ربما يكون التدقيق في طبيعة الأفراد الذين قاموا أخيراً بعمليات إرهابية في أوروبا وأميركا مؤشراً إلى مسار آخر، وإلى إشكالياتٍ تخص البيئات هناك، فيما يتعلق بمن هم من أصول "إسلامية". مع ملاحظة أن هناك من "السكان الأصليين" الذين يقومون أيضاً بالأعمال نفسها تحت مسمياتٍ أخرى، أي أن الميل إلى التطرّف هناك لا يتعلق بدين، بل بشرائح اجتماعية، بغض النظر عن أصولها. وفي كل الأحوال، كل هؤلاء مواطنون في تلك البلدان، ولدوا فيها، ودرسوا، وعملوا. وبالتالي، يمكن القول إن تلك البيئة هي التي أنتجت هؤلاء "الإرهابيين"، بغض النظر عن الشكل الذي يعبّرون فيه عن إرهابهم. على الرغم من أن الأمر أعمق من ذلك، ويخصّ البيئة نفسها التي تنتج من يسهل عليه ممارسة الإرهاب.
وكما ظهر من معلومات حول تاريخ عدد ممن قام بعمليات قتْل أنهم لم يكونوا متديّنين، بل على العكس، عاشوا حالات "انحراف"، وذهبوا إلى السجن لقضايا جنائية، وتعاطى عديدون منهم الحشيش والخمر، وحتى الدعارة. بمعنى أن حياتهم كانت حياة فئات مهمشةٍ وذات أسبقيات جنائية. وذلك كله إلى فترة قريبةٍ من انتمائهم لتنظيم داعش، وحتى أن بعضهم من هذه البيئة بات يعلن التحاقه بداعش، قبل أن يمارس "عملية إرهابية" مباشرةً، كما فعل عمر متين الذي كانت مشكلته تتمثل في أنه مثليّ، وقرَّر أن يقوم بمجزرة بمثليين. وهو أمر لا يدخل في "رؤية" داعش، وليس من هدفٍ سياسي وراءه، لكنه أعلن أنه من "داعش"، وتبنى "داعش" عمليته الإرهابية (ربما لتخفيف الأزمة الأميركية بإلقاء سبب القتل لميل تطرفي). وكذلك يمكن أخذ وضع أباعود وصلاح عبد السلام والمجموعة التي قامت بعمليات إرهابية في باريس وبروكسل مثالاً على ذلك، حيث أنهم كانوا يمارسون ما هو "مخالف للدين"، وسجن بعضهم في قضايا جنائية، وكان لبعضهم محلات بيع خمور، كما ظهر بعد أن قاموا بعمليات قتل في باريس وبروكسل. 


تفرض هذه المؤشرات أن نبحث في وضع هؤلاء، ولماذا باتوا إرهابيين، وقد تربّوا في "الغرب"، وانخرطوا في قاع المجتمع. لهذا، يمكن النقاش في مستويين، الأول يتعلق بالظروف التي تدفع أوروبيين أو أميركان إلى القيام بأعمال إرهابية، حيث يظهر التهميش وانحدار التعليم وغياب العمل أسباباً موضوعيةً لانحراف أفراد، خصوصاً هنا من أبناء المهاجرين الذين باتوا بلا تعليمٍ ولا عمل، ولا أفق لحلٍّ لوضعهم. هذا أمر يدفع نحو "الشغل في الأسود"، والانحراف الاجتماعي. وإن من يدقّق في وضعية المهاجرين في فرنسا أو بلجيكا أو هولندا، وغيرها، يلمس مدى التهميش الذي يطاول هؤلاء، حيث تظهر البيئة الأفقر، والأقل تعليماً، والأكثر عرضةً لتعديات الشرطة. وفيها ينتشر الحشيش والدعارة والسرقات، وعمليات النصب. تلك بيئاتٌ منتجة للتمرد بالتالي، على الرغم من أن التمرّد يتخذ شكلاً "انحرافياً" لدى بعضهم. ولا ننسى "الثورة" التي قامت في الضواحي الباريسية قبل سنوات قليلة، وكان التهميش والفقر في أساسها. بمعنى أن هؤلاء هم نتاج بيئتهم "الغربية" (الرأسمالية)، حيث كانوا الأضعف، كونهم من أصول غير أوروبية. ولهذا، عانوا الإهمال في التعليم والشغل، وحتى البنية التحتية، فأصبحوا "عالمثالثيين"، وهم في عواصم الحضارة الأوروبية.
إذن، يمكن ملاحظة أن الفئات التي انتمت الى "داعش"، أو قالت إنها تنتمي لـ"داعش"، من الشباب الذي يعيش في أوروبا وأميركا، مهمشةٌ أصلاً، ولم يكن لها علاقة بالدين كذلك، وليست متعصبةً فحسب. عاشت وضعاً "مخالفاً للشرع" (كما يمكن أن تكون فتوى داعش أو غيرها)، نتيجة وضعها الهامشي. بالتالي، هي نتاج الرأسمالية بشَرَهِ ميلها إلى النهب والاستغلال والإفقار. وكان يمكن لهؤلاء (ويمكن لهم) أن يكونوا جزءاً من ثوراتٍ يمكن أن تنشب في تلك البلدان، من أجل الاشتراكية. لكن انحصار التهميش في مهاجرين، حتى وإن كانوا من الجيل الثالث أو الرابع، لا يعطي الإمكانية لهذه الثورة. لهذا يميل هؤلاء إلى الانتقام. على الأقل كما يظهر الى الآن.
يتعلق المستوى الثاني بـ "الضخ الإعلامي" الذي كان يهدف إلى تضخيم داعش (وقبلها تنظيم القاعدة)، حيث ظهر أن من يواجه "الغرب" (أي أوروبا وأميركا) هو داعش، وأنه يمكن لهذا التنظيم أن يهزم هذا "الغرب" الذي همّش هؤلاء الشباب، وأفقرهم، ودفعهم إلى الانحراف. اشتغل الإعلام بعد "11سبتمبر" سنة 2001 على تضخيم تنظيم القاعدة، واعتباره "قوةً خارقة" تمتد في كل العالم، ويمتلك الأسلحة الخطيرة، بما في ذلك ربما السلاح النووي، كما أشيع حينها. للوصول إلى فكرة، أو لإيصال فكرة، تتمثل في ضرورة تدخل أميركا العسكري. هذا ما حدث كذلك بعد يونيو/ حزيران سنة 2014، حيث عمل الإعلام "الغربي" على تضخيم التنظيم، واعتبار أنه "خطر عالمي"، وقوة "خارقة"، ويهدّد "السلم والأمن العالميين". بات الطرف الآخر في التناقض مع "الغرب"، المكافئ أو المؤثر والمخيف. وفي هذه الوضعية، تميل الفئات المهمشة إلى الانخراط في هذا "التيار الجارف" (أو القوة الخارقة)، لأنها تمثل بالنسبة لها قوةً تستطيع من خلالها مواجهة من همّشهم وأفقرهم، ودفعهم إلى الانحراف. كانت هذه الحالة تدفع مهمشين كثيرين إلى الانخراط في اليسار، حينما كان القوة المؤثرة حقيقة ضد الرأسمال، وكان ينتصر في مناطق عديدة. وربما كانت هذه الحالة في خلفية "تضخيم" قوة أصولية إرهابية متحكم فيها، لكي تمتص غضبة هؤلاء، بدل أن يتحوّلوا إلى اليسار.
لهذا، نجد أن التعبير عن رفض التهميش في "الغرب" بات يدفع إلى الالتحاق بهذه "القوة الخارقة"، خصوصاً أن لها "رابطاً" ما بهؤلاء. هنا، يظهر دور الدين رابطاً، على الرغم من أن السبب يتمثل في أنه "قوة خارقة"، يمكن عبرها الانتقام من "الغرب". ومن دون قناعةٍ حقيقية بالدين. لكن، ربما باستحضار "تاريخ" انتصارات وحضارة باسم الدين. طبعاً من دون أن يعرف هؤلاء أنهم يخدمون طرفاً في "الغرب" نفسه. 
بالتالي، ما يظهر أن التضخيم الإعلامي لداعش هو الذي يدفع قطاعاتٍ مهمشةً، هنا أو هناك، للانخراط فيها كحالة انتقام ممّن همشها. بهذا، تسقط مسألة "التعصب الديني" أو البيئة الحاضنة، ليظهر أن تضخيم الظاهرة فرض التحاق مهمشين، وهو ما يفرض التدقيق في من ضخّمها.

 

(العربي الجديد)

 

 

هل تنفجر إيران؟

سلامة كيلة

 

بات وضع إيران "على كفّ عفريت"، حيث أخذت التحركّات الداخلية تتصاعد، كأن البلد سينفجر. فقد عاد الأكراد إلى ممارسة الحرب ضد النظام. وهذا ما يقوم به العرب في عربستان. وأيضاً، يقوم به البلوش. إضافة إلى تظاهراتٍ في كردستان إيران وعربستان. وربما غداً في طهران وكل المدن الأخرى، فقد أثّر الحصار الإمبريالي الأميركي على الوضع الاقتصادي، لأنها لم تعد قادرةً على بيع نفطها في السوق العالمية، نتيجة أنه يُباع حتماً بالدولار، وقد فرض بنك الاحتياطي الأميركي حصاراً على البنك المركزي الإيراني، ما جعل كل دولار يُستحق لإيران من النفط يمرّ في أميركا، وبهذا تمكن مصادرته. كما أنها استهلكت أموالها في حروبها الخارجية، في العراق ولبنان وسورية واليمن، وربما بلدان أخرى، حيث صرفت مئات المليارات على تدخلاتها في هذه البلدان وحروبها فيها، على الرغم من أنها نهبت من العراق، نتيجة هيمنة "أتباعها" على السلطة، وهذا ما ظهر بفقد العراق ما يزيد على 800 مليار دولار في السنوات التالية للاحتلال، وقد نهب قادةٌ كثيرون ملياراتٍ منه، لكنه كان يذهب الى إيران. على الرغم من ذلك، لم يتحسّن الوضع الاقتصادي، بل ازداد صعوبةً وتعقيداً.
وبدا أن الاتفاق النووي سوف يحل المشكلة، من خلال فك الحصار وبيع النفط، وكذلك استرداد الأموال المجمدة في أميركا وأوروبا. لكن ذلك كله لم يحدث، وأن ما تحقق جزئي، ولن يحلّ مشكلةً تراكمت خلال عقود. وقد بلغ حماس الشركات الأوروبية والروسية والأميركية أوجه، بعد توقيع الاتفاق، حيث سعت إلى أن تحصل على مشاريع تتعلق بتطوير آبار النفط والبنية التحتية وغير ذلك، لكننا نشهد اليوم هبوطاً في الاهتمام، وتراجعاً في الطموح، على ضوء ما ظهر في الواقع.
لهذا، لم يطرأ جديد على وضع إيران الاقتصادي، وظل الأفق مغلقاً على إمكانية تحسين الوضع، بفعل عودة إيران إلى وضعها الطبيعي في تصدير النفط. على الرغم من أنها بدأت في التصدير. ويبدو أن الأمر يحتاج إلى حلٍّ أكثر جذريةً من أجل إسعاف الاقتصاد، وتحقيق الاستقرار.
لكن، يمكن الإشارة الى أن طبيعة النظام الاقتصادي الذي أقامه الملالي، والذي هو اقتصاد ليبرالي مافياوي، فرض تحولاً كبيراً في بنية المجتمع، نتج عنه توسّع حالة الفقر في صفوف قطاعٍ كبيرٍ من الشعب، وتهميش مناطق عديدة، ودخول المجتمع في أزمةٍ كبيرة، خصوصاً كذلك أن المال المتوفر بيد الدولة كان يذهب، أولاً، إلى الحرس الثوري والمافيا المحيطة به. لهذا، بات وضع الشعب صعباً، وإذا كان صامتاً طوال العقد الأخير، حتى حينما تحركت الفئات الوسطى سنة 2009 دعماً للإصلاحيين، فإن عمق الأزمة ربما بات يدفعه إلى التذمر.
أولاً، هناك احتقان يتراكم لدى الطبقات المفقرة، وهي واسعة في إيران، ولا شك في أن الفقر يزيد، والبطالة تتصاعد، الأمر الذي يجعل الحراك أمراً ممكناً، وربما يهيء لثورة.
وثانياً، لا شك أن تأزم الوضع المجتمعي فرض تصاعد أهمية المسألة القومية، حيث إن إيران تتكون كدولة من قومياتٍ وأجزاء من قوميات، تخضع لسيطرة فئاتٍ من القومية الفارسية. وإذا كان هناك من القوميات من لا يفكّر في طرح مشكلاته في تضادٍّ مع الدولة، فإن بعضها، وخصوصاً ما هو امتداد لأمةٍ، بات يطرح مسألة الاستقلال هدفاً، كما يفعل الأكراد والعرب والبلوش.
وبهذا، لم تعد القوميات قابلةً بالوضع القائم، وأيضاً لا يبدو أنه سيطول فرض الطبقات المفقرة لوضعها المزري. ولهذا، تطرح في إيران مسائل عديدة دفعةً واحدة. أولاً، الوضع المعيشي لأغلبية باتت مفقرة، ولم تعد قادرةً على تحمُّل وضعها، وإذا لم تعبّر عن ثورتها إلى الآن، يمكن أن تفعل ذلك في أي وقت. وثانياً، أن مسألة القوميات باتت تُطرح، حيث يميل بعضها إلى الاستقلال، ولم يعد الأمر عابراً، بل بات جدياً. وثالثاً، هناك الفئات الوسطى التي تريد التخلص من نظام الملالي، وبناء دولة مدنية. ويشكل هذا كله مخاض إيران.

(العربي الجديد)

 

ثورة 30 يونيو... أيضاً وأيضاً

سلامة كيلة

 

يبدو أن الكاتب نزار قنديل يعتقد أنه وحده كان يعرف أن قيادة الجيش المصري، ودولا إقليمية، كانت تخطط لتغيير نظام محمد مرسي. لهذا، جهد في الإشارة إلى "مصادر" مؤكدة، توضح ذلك (نزار قنديل، مصر... ثورة واحدة، "العربي الجديد" 9/ 7 /2016) رداً على مقالي "ثورة 30 يونيو" (7/ 7/ 2016 "العربي الجديد") 
أولاً، لم يلتقط نزار النقطة الأساسية في مقالي. لهذا دخل في نقاش انقلاب أو ثورة، مستنداً إلى تصريحات و"اعترافات" تالية للحدث، تؤكد أنه كان هناك تخطيط لتغيير محمد مرسي. وهذا نقاش بدأ منذ 3/7/ 2013، وكان يعبّر عن تحيّزات، من دون بحث جدي في الحدث. أجبت حينها أن ما حدث هو ثورة، ولم أكن أجهل كل التخطيط الذي جرى لكي يستلم الجيش السلطة، وكتبت ذلك حينها، وتحدّثت عن صناعة دكتاتور، وأشرت إلى سبب تضخيم الصراع مع الإخوان المسلمين. فهؤلاء توافقوا مع المجلس العسكري (برعاية أميركية) على تقاسم السلطة بعد ثورة 25 يناير، ثم أخل المجلس العسكري بذلك، حينما ترشحوا لمنصب الرئاسة. وقد فرض هذا الأمر بالتأكيد تفكير قيادة الجيش وعملها على إبعاد "الإخوان" عن السلطة (ولن أناقش هنا "الديمقراطية" التي جرى انتخاب مرسي بها، لأنني لا أراها كذلك). وبدأ الشغل على ذلك بعد اقتحام قصر الاتحادية في ديسمبر/ كانون الأول 2012، وترابط مع جبهة الإنقاذ وحركة تمرد. وذلك كله مشروح في كتابي "ثورة مصر، الصراع الطبقي المفتوح"، الذي كتب قبل الحدث وفي أثنائه. 


ثانياً، الفرق بيني وبين نزار، وكل الذين يكرّرون أن ما حدث انقلاب، يتمثل في أنني تابعت ورأيت مستوىً آخر من مستويات الصراع الذي هو الأساس، وهو الذي صنع ثورة 25 يناير، أقصد الطبقات الشعبية. وهذا مستوىً يجري تجاهله وإهماله، حيث يبقى النظر إلى المستوى السياسي في الصراع، أي صراع أحزاب ونظام، فكما حدث ضد نظام حسني مبارك، كان الاحتقان الشعبي يتراكم ضد نظام الإخوان المسلمين. بالضبط، لأنهم لم يحققوا أيّاً من المطالب المطروحة، لا الحد الأدنى للأجور، ولا الحد من البطالة، ولا إنهاء التهميش، ولا حل مشكلات المناطق والبنية التحتية. وقد ظهر هذا في تظاهرات الذكرى الثانية للثورة، وحجم الحشد الذي تجمّع، والذي أشار إلى أن ثورة قادمة في مصر. كان هذا الجو يجري التخطيط لاستغلاله من قيادة الجيش؟ طبعاً وبالتأكيد، لكنه الأساس فيما حدث في 30 يونيو، حيث دونه لم يكن ممكناً لأن يتحقق "الانقلاب" الذي سميته انقلاباً على الثورة وليس على محمد مرسي، لأن الشعب هو الذي أسقط مرسي. كان الحشد ضد مرسي أكبر بكثير مما كان ضد حسني مبارك، وكان هناك غلّ أعلى مما كان تجاه مبارك، بالضبط لأن مرسي جاء باسم الثورة، وخانها بعدم تحقيق مطالبها. على العكس، أكد على كل سياسات نظام مبارك الاقتصادية والسياسية (حتى مع الدولة الصهيونية وأميركا يا عزيزي). 

ثالثاً، تقوم الحجج التي تتكرّر على اعتبار حكم مرسي "أول تجربة لحكم ديمقراطي" في مصر. وكما أشرت، لا أريد البحث في ديمقراطيتها. لكن، لا بد من التوضيح أن ثورة 25 يناير لم تنته، ولم توصل صنّاعها إلى السلطة لكي يحققوا مطالب الطبقات الشعبية، على العكس سيطر الجيش (كما حدث في 3/ 7/ 2013) وتحالف مع "الإخوان" ضد الشعب، وسلّم الإخوان مجلسي الشعب والشورى. لهذا، ظل الحراك الشعبي قائماً، وقمعه التحالف الجديد. لكن الوضع بات مفتوحاً على صراع مستمر، لأن الشعب لم يعد قادراً على التراجع، من دون تحقيق مطالبه. وفي هذه الوضعية، ليس من موقع لما أسمي "المسار الديمقراطي"، وليس من شرعيةٍ سوى للشارع. وهذا لا زال قائماً، وسيؤدي إلى ثورة جديدة. 
بالتالي، ليس لأن مرسي "منتخب ديمقراطياً" يجب أن يكون سقوطه انقلاباً، ولا أن يكون ليس من حق الشعب الثورة من جديد. والشعب يريد حل مشكلاته، البطالة والفقر والتهميش والتعليم والصحة والبنية التحتية، يريد أن يعيش بشكل أفضل. ولهذا ثار ضد نظام حسني مبارك، وبات شعار الثورة "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وثار ضد نظام مرسي، وسيثور ضد نظام عبد الفتاح السيسي. إلى أن يأتي بنظام يحقق مطالبه في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. وكان طبيعياً أن يثور ضد "الإخوان المسلمين"، بالضبط لأنهم لا يحملون منظوراً اقتصادياً، يتضمن حل مشكلاته، فهم مع الاقتصاد الحر المغطى بأيديولوجية أصولية. وهذا ما كان يدفعني الى التأكيد باستحالة استمرار حكمهم، على الرغم من خوف المعارضة المصرية من "فاشية الإخوان". وقد أشرت، مبكراً، إلى أنهم لن يحققوا مطالب الشعب، ولهذا سيثور ضدهم، وسيحاولون السيطرة على بنية السلطة، ما يدفع هذه إلى الرد، ما يجعلهم "يُفعسون" بين الشعب وبيروقراطية السلطة (أو قيادة الجيش). أتوا ليحلوا مصالح مافياوية في مقابل مصالح مافياوية تشكلت فترة حكم حسني مبارك. وبالتالي، كان سقوطهم أمراً طبيعياً، بثورةٍ استغلتها قيادة الجيش، كما حدث في 25 يناير/ كانون الثاني 2011، وقبلته جماعة الإخوان، بل شاركت فيه ضد الشعب. الفرق الوحيد أنه في 25 يناير لم يكن هناك تخطيط، لأنه لم يكن متوقعاً أن تحدث ثورة، على الرغم من رؤية الجيش لمنع التوريث، أما في 30 يونيو/ حزيران 2013، فقد خططت قيادة الجيش بالتأكيد. لكن، في الحالين، الشعب هو الذي صنع ثورةً جرى الالتفاف عليها. 
أخيراً، كما لا يجوز الدفاع عن حكم عسكري، لا يجوز الدفاع عن حكم إخواني، لأنه لا اختلاف جوهرياً بينهما، لأنهما يمثلان مصالح تتناقض مع مطالب الشعب. ولا شك في أن تكرار مسألة "التجربة الديمقراطية" لا يعدو أن يكون دفاعاً عن الإخوان المسلمين، وعن نظامهم، وبالتالي عن المصالح التي يمثلونها. موقعي هو مع الشعب، وأظن أنني أعرف ما جرى جيداً، حيث شاركت في 25 يناير وكذلك في 30 يونيو، ودققت في كل تفاصيل المشهد. ولم أكن أقيس على الأحزاب، بل على البسطاء الذين خرجوا للتغيير الذي يحقّق مطالبهم. وشاهدت دور الإخوان في 25 يناير الذي لم يكن سوى "لحظة عابر"، بعد أن قرّروا عدم المشاركة فيها، بعدها توافقوا مع المجلس العسكري. ولهذا، عاد يُطرح إعادة التحالف من جديد، حيث سيعود "الإخوان" جزءاً من النظام، كما كان مقرراً قبل "طمع" الإخوان. 
إذن، هذا صراع على السلطة، بعيداً عن مطالب الشعب.

 

(العربي الجديد)

 

ثورة 30 يونيو

سلامة كيلة

بعد ثلاث سنوات، يبدي بعض ممن شارك في ثورة 30 يونيو 2013 في مصر "الندم" على المشاركة فيها، بعد أن لمس ما وصل إليه الوضع. لا أظن أن هذه النتيجة صحيحة، وربما هي نتاج "نزق" فئاتٍ وسطى، أخذت تقيس الأمور بـ "نتائجها" القريبة، وكانت تعتقد أن التغيير قريبٌ وسهلٌ و"سلمي". 
أولاً، كان ما حدث "حتمية" (وليس ضرورة فقط) لأن نظام محمد مرسي لم يحقق شيئاً من مطالب ثورة 25 يناير 2011، فقد ازداد الوضع الاقتصادي سوءاً، ولم يظهر أن لدى جماعة الإخوان المسلمين حلاً للمشكلات المجتمعية التي فجّرت ثورة 25 يناير. ولهذا، كان من الطبيعي أن تعود حشود 25 يناير إلى الشارع (تلك الحشود التي كان وجود الإخوان المسلمين فيها محدوداً، نتيجة ميلهم التهادني مع نظام حسني مبارك)، لأنه لم يعد بإمكانهم قبول الوضع الذي هم فيه. وقد تمرّدوا على نظامٍ كان يعتبر قوياً. لكن الأمر ازداد تعقيداً، لأن "حزب الكنبة" قرّر الثورة كذلك، حين اكتشف منتخبو "الإخوان" ومرسي من الفئات المتدينة أنه لم يفِ بما كان يطرح، واستمرّ في سياسة النظام السابق، ولهذا اعتبروا أنه "كذب"، الأمر الذي دفعهم إلى التراجع عن دعمه، وإلى الثورة ضده. كما أن النخب المدينية خشيت من سياسة "التمكين" التي تهدف إلى الوصول إلى فرض "الدولة الدينية"، وهو ما ظهر في السياسات التي اتبعها "الإخوان" بعد أن وصلوا إلى السلطة. ولهذا، انخرطت في الثورة. 
كانت هذه العناصر تجعل الثورة حتمية، فكل ذلك هو الذي فرض النزول إلى الشارع، ووسّع الحشد أكثر مما كان ضد حسني مبارك. وبالتالي، كان يتعلق الأمر بثورةٍ حقيقيةٍ أرادت التغيير. وفي هذه الحالة، لا فائدة من "الندم"، على ضوء الظرف التالي. لكن، لم تحظَ الثورة بقيادة حقيقية، ذلك أن جبهة الإنقاذ التي ضمت معظم الأحزاب المعارضة، وأيضاً حركة تمرد، قبلت بأن تنضوي تحت "دور الجيش"، وتقبل الإخراج الذي جرى ترتيبه، والذي أظهر الثورة كانقلاب. وسيظهر كانقلاب على الثورة، الثورة التي أسقطت محمد مرسي وحكم "الإخوان". بالتالي، كانت المشكلة في أن الحشد الشعبي الكبير لم يجد من يوجهه، بحيث يفضي إلى استلام السلطة، الأمر الذي يعني أن ما ينقص هذا الحراك الشعبي الكبير هو القيادة التي تطرح الشعارات الصحيحة، والتي تنظمه، بحيث يحقّق هو التغيير، أي لا ينتظر التغيير من داخل النظام، أو من طرفٍ لا يعبّر عن مصالح الشعب. 
لا شك في أن حراك الشعب العفوي يعطي الخبرة للشعب نفسه، ويبلور في خضم الصراع بدائل تكون أفضل، وتتطور بحيث توصل إلى قبول التغيير الجذري. ولهذا، فإن التجربة ربما أوصلت الشعب إلى تجاوز المراهنة على بديلٍ من داخل النظام، وأنها طرحت عليه أن يقرّر في ثورة مقبلة أن يحاول فرض بديلٍ يختاره هو. وهذه خطوةٌ مهمة ومتقدمة، وقد اكتسبها الشعب بالتجربة، التجربة التي ستتكرّر كذلك. 
انكسار حالة الخوف بعد الثورة الأولى، والظروف التي لم تتغيّر، بل ساءت، سوف تبقي الثورة قائمة، على الرغم من الركود الذي يحدث بين ثورة وأخرى، وهو ركود طبيعي، لأن بعضهم يأمل في أن يحقق التغيير مطالبه، ولأن العفوية لا تسمح بتمردٍ طويل. وهذا يوضح أننا ما زلنا في بداية طريقٍ، يعتمد طوله أو قصره على تبلور البديل من داخل الحراك الشعبي، وبفعل فئاتٍ عرفت ما تريد وكيف تريد تحقيقه. وفي سياقه، سيتراجع بعضهم، ويُحبط آخرون، و"يرتدّ" بعض ثالث. وهكذا في سيرورةٍ سوف تفرض، بكل تأكيد، التغيير الذي يحقق مطالب الشعب، الشعب الذي لم يعد قادراً على الاستمرار في الوضع الذي هو فيه، وبات النظام عاجزاً عن الحكم، كما كان في السابق.

(العربي الجديد)

 

حيرة تركيا وأزمتها

 

سلامة كيلة

 

قبلت تركيا اعتذار الكيان الصهيوني عن مهاجمتها أسطول الحرية سنة 2009، وقدّمت اعتذاراً لروسيا على إسقاطها الطائرة الحربية الروسية قبل أشهر. فقد وتّرت علاقتها بالدولة الصهيونية، وهي في علاقات ممتازة مع العرب، وتطمح لأن تلعب دوراً محورياً في الشرق. وتوترت علاقتها بروسيا، وهي في أزمةٍ عميقةٍ على ضوء تطور الوضع السوري، والصراعات الإقليمية والدولية حول سورية.
مع استلامه الحكم، عمل حزب العدالة والتنمية على نظرية "صفر مشاكل" مع الدول المجاورة. لكن، كان يبدو أن رفض أوروبا تركيا يدفع الأخيرة نحو الشرق. هذا ما ظهر في تصويت الشعب لحزب العدالة والتنمية (وقبله لحزب أربكان الذي هو جزء من تنظيم الإخوان المسلمين)، وما جعل الحزب يميل إلى تطوير علاقاته مع "الشرق"، العرب وإيران. وقد ظهر أن منظوره يقوم على أحقيّة تركيا مدّ سيطرتها على هذا الشرق، خصوصاً البلدان العربية، في سياق سعيه إلى أن تصبح تركيا قوة عالمية، كما تكرّر في خطاب أردوغان وداود أوغلو. وكان الاقتصاد في جوهر الأمر، حيث أن تطور تركيا وتحولها قوةً عالميةً يفرض أن يتطور اقتصادها بشكل سريع، ويزداد دخلها القومي وأرباح رأسمالييها. لهذا، رأت في البلدان العربية سوقاً كبيراً لسلعها ولنشاط رأسمال برجوازيتها. لهذا، نشطت في مشاريع في ليبيا والعراق وسورية ومصر، وطورت تصديرها إلى هذه البلدان. وزاد النشاط الاقتصادي لها في هذه البلدان، كما تضاعف تصدير السلع.
انطلاقاً من ذلك، رأت أنها أحقّ من الدولة الصهيونية في السيطرة. لهذا، قرّرت الاصطدام مع هذه الدولة لتحجيم طموحاتها، وفرض حلٍّ ينهي الصراع، وبالتالي، يلغي الطموح الصهيوني للسيطرة الأوسع. هذا الأمر الذي ظهر في سعيها إلى كسر الحصار عن قطاع غزة، الأمر الذي فرض الصدام مع الدولة الصهيونية، ومن ثم حدوث القطيعة معها. على الرغم من أن العلاقات بين البلدين كانت متطورة، حيث أن الدولة الصهيونية "حليف" مباشر لحلف الناتو، ما فرض تطور العلاقات العسكرية بينهما. وظهر نتيجة هذا الصدام أن العلاقات انتهت "إلى الأبد"، وأن ميل تركيا إلى تحجيم الدولة الصهيونية جدّي، بالضبط لأنها تريد هي الهيمنة والاستحواذ على سوف "الشرق الأوسط".
كان لسورية موقع محوري في إستراتيجية حزب العدالة والتنمية، ليس لقربها فقط، ولا نتيجة العلاقات "التاريخية" القائمة، على الرغم من مرورها بأزماتٍ كبيرة، نتيجة الخلاف على لواء الإسكندرون، ودعم النظام السوري حزب العمال الكردستاني (وهذا ما جرى حله بتنازل النظام عن الإسكندرون بعد تطور العلاقات)، لكن لحصولها على مشاريع كثيره، وحصولها على تسهيلاتٍ كبيرة في مجال تصدير السلع إلى السوق السورية. وأيضاً كانت سورية الممر الأهم للسلع التركية إلى الخليج، فهو الأقرب والأكثر أمناً. هذا الأساس هو ما أنشأ العلاقة الوثيقة و"الحميمة" بين البلدين ورئيسيهما، إضافة إلى تشكيل محور الممانعة مع قطر، حيث كسرت تركيا القرار الأميركي بحصار النظام السوري. وهذا ما جعل أردوغان يحاول طوال ستة أشهر بعد الثورة إقناع الأسد بضرورة الإصلاح وتأسيس دولة تعدّدية، لكي يبقى في السلطة. حيث كانت الخشية التركية (كما خوف النظام) من تدخل أميركي يسقط النظام (وهو وهم مشترك). لكن رفض النظام القيام بإصلاحاتٍ جعل تركيا تنقلب إلى دولة تريد تغيير النظام (مع قطر وفرنسا)، قبل أن يحدث "التدخل الأميركي" كما جرى التوهم. فهي معنيةٌ باستمرار مصالحها التي أخذتها من بشار الأسد، ولا تريد أن يحدث تحول يُخرج سورية من حدود مصالحها. وهذا كان يُظهر الخلاف التركي الأميركي، مع أن واشنطن لم تكن معنيةً بالتدخل أصلاً. وظهر الخلاف أكثر بعد أن شكلت تركيا وقطر وفرنسا بديلها السوري (المجلس الوطني السوري)، حيث منعت أميركا خطط التدخل العسكري من حلف الناتو، وحتى دعم المسلحين، ومن ثم "باعت سورية لروسيا" منذ سنة 2012، خصوصاً مع إقرار مبادئ جنيف1.
هنا، وقعت تركيا في إشكاليةٍ أولى، حيث ظهر أن "القوى العظمى" توافقت على مصير سورية، وأنها خارج الحساب في هذا الأمر. وكان ذلك يعني انهيار كل منظور أردوغان والبرجوازية التركية. والواضح أن أميركا كانت تتقصّد ذلك، حيث ظهر أنها تريد تحجيم تركيا، ربما نتيجة اعتراضاتها المتتالية على الإستراتيجية الأميركية، وتخلي أميركا عن الاهتمام بها، بعد انتقال أولوياتها إلى آسيا والمحيط الهادي. هنا، ظهر لتركيا أنها محاصرة من أميركا التي تريد تقزيم دورها، وتحطيم طموحها لأن تتحوّل الى قوة عالمية.

وإذا كانت تركيا قد عملت على أن تقيم حواراً مع إيران وروسيا حول الوضع السوري، ولحل "الأزمة" السورية، وأن يكون هذا الثلاثي هو من يحقق الحل (أي بعيداً عن أميركا)، فقد اصطدمت بزيادة الدور الإيراني المباشر في سورية، من خلال إرسال قوات حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية والحرس الثوري، من أجل ضمان استمرار النظام. وقد استغلت الوضع الجديد، لكي تُحكم سيطرتها على القرار في الدولة، وأن ترفض كل حلٍّ خارج بقاء النظام وتصفية الثورة. ولهذا، باتت العلاقة التركية الإيرانية مرتبكة، على الرغم من أن تركيا أسهمت في كسر الحصار الأميركي على إيران، وسهّلت بيع النفط، وتحويل ريعها إلى ذهب. وكانت المدخل للسلع المستوردة من إيران.
ظهر الخطر الأكبر حين تدخلت روسيا عسكرياً. كان واضحاً لتركيا أن أميركا تميل إلى أن "تعطي" سورية لروسيا في إطار التقاسم العالمي، وظهر ذلك واضحاً في التوافق على مبادئ جنيف1 في أواسط 2012. لكن العلاقات التركية الروسية ظلت تتطور إلى حدّ الاتفاق على مدّ خط أنابيب غار عبر تركيا إلى أوروبا، كما كانت روسيا هي الشريك الأول في التبادل التجاري مقارنة بأوروبا وأميركا (فقط كان مجمل التجارة مع الاتحاد الأوروبي ككل أكبر من التجارة مع روسيا). وكان يظهر أن التفاهم على الوضع السوري أمر ممكن. إلى أن تدخلت روسيا عسكرياً، ودعمت الحرب ضد الكتائب المعارضة، وحاولت سحقها في ريف اللاذقية (حيث هناك وجود للتركمان)، والتقدّم للسيطرة على الحدود الشمالية لسدّ الطريق على التدخل التركي. 


هنا، تفجّر التناقض التركي الروسي، حيث ظهر جلياً أن كلاً منهما يريد السيطرة على سورية، وأن سورية مسألة مفصلية في استراتيجية كل منهما. فجرت السياسة العسكرية الروسية حنق تركيا التي أسقطت طائرةً روسية دمرت العلاقات بينهما، على الرغم من أهميتها للطرفين. فروسيا تقدمت إلى سورية، لكي تفرض سيطرتها، وأيضاً لإظهار قوتها من أجل أن تثبت قدرتها لأن تكون قوةً عالميةً مكافئة لأميركا، ووريثة لها. ولهذا، كان إسقاط الطائرة إثباتاً على ضعف قدرتها العسكرية، وهذا يخلّ بإستراتيجيتها التي تقوم على أن تكون قوة هيمنةٍ عالمياً، إمبريالية. وأحسّت تركيا أنها محاصرة، وتفقد كل أوراقها، حيث تلجمها أميركا من طرف، وباتت في وضعٍ يفرض خسارتها سورية، وأيضاً تشكيل "كيان كردي" على حدودها الجنوبية، بدعم أميركي روسي. لهذا، انفلت هدوؤها، واندفعت إلى الصدام مع روسيا. لكن تركيا وجدت نفسها وحيدة في صراع كبير، فعلى الرغم من دعم حلف الناتو لها كونها عضواً فيه، إلا أنه كان واضحاً أن الحلف لا يريد الصدام مع روسيا، ولن يشارك في صدامٍ ممكن أن يقع بين تركيا وروسيا. لهذا، كان عليها أن تقرّر إما الانزلاق الى حرب مع روسيا في سورية وحيدة، أو إعادة بناء إستراتيجيتها. وتفرض هذه المسألة الأخيرة عليها التخلي عن جزءٍ من طموحها الكبير، أو على الأقل الأمل في أن تحققه وفق سياسة "صفر مشاكل" من جديد. فهي بحاجةٍ إلى تفاهم مع روسيا لتخفيف الضغط الأميركي، ونتيجة المصالح الاقتصادية الكبيرة بينهما، وكذلك للجم "حلم الفيدرلية الكردية". وهي بحاجةٍ لعلاقاتٍ جيدة مع إيران، نتيجة العلاقات الاقتصادية، والتوافق على رفض الفيدرالية الكردية. وضمن ذلك كله، يمكن أن تعيد العلاقة مع الدولة الصهيونية التي هي مفيدة اقتصادياً وسياسياً لها.
ظهر، إذن، انهيار حلم "الإمبراطورية" الذي حكم أردوغان، وبات يتصرّف انطلاقاً من المصالح الاقتصادية، وممكنات موازين القوى. ولا شك في أنه يحلم بالتفاهم مع روسيا على "تقاسم" المصالح في سورية. وفي كل الأحوال، سوف يعيد إنهاء الصراع السوري فتح الطريق لبضائعه، لكي تصل إلى الخليج. وهذا يعني، أيضاً، تهميش وضع الإخوان المسلمين في استراتيجيتهم، والقبول بالحل في سورية، ربما كما السعودية على أساس ترحيل بشار الأسد، وهي المسألة التي يمكن أن يجري التوافق عليها مع روسيا.
سوف ينعكس ذلك كله على طبيعة الصراع في الشمال السوري، فربما كان وقف دعم روسيا تقدّم قوات النظام في الشمال، ومحاولة الكتائب المسلحة إعادة السيطرة على المناطق التي خسرتها في الهجوم المدعوم روسياً، بداية ترتيب التوضعات العسكرية مقدمة للوصول إلى الحل السياسي. وربما كان ذلك كله يجري في ظل "حكمة" الدبلوماسية الأميركية التي تكون قد أقنعت تركيا بأن سورية هي لروسيا.
ربما لم تحقق تركيا حلمها الإمبراطوري، لكنها ظلت تحافظ على وضعيةٍ تخدم مصالحها، وقد ساعدت على ذلك المصالح المشتركة مع روسيا.

 

(العربي الجديد)

 

سورية والإعلام الغربي

سلامة كيلة

كما جرى التفاجؤ بالموقف الأميركي من سورية، يجري التفاجؤ بموقف قنوات غربية، مثل "بي بي سي" و"فرانس 24"، حيث ظهر في الفترة الأخيرة (فقط لبعضهم) أنها منحازة للنظام السوري. كان التصوّر لدى المعارضة السورية أن "الغرب" معها، وبالتالي، من الطبيعي أن يكون الإعلام الغربي معها وضد النظام. لكن بعض البرامج التي أذيعت، أخيراً، فاجأت هؤلاء.
وكما في اكتشاف التواطؤ الأميركي مع روسيا (ومع النظام)، يُظهر هذا الاكتشاف الجديد مدى السذاجة والسطحية، وحتى الجهل الذي يحكم من تصدّى لقيادة الثورة، معتبراً أنه الأحق في ذلك، وأيضاً الأقدر على ذلك. لكن، يتضح الآن أكثر كيف أن كل المنظور الذي حكم هذه المعارضة كان يقوم على الأوهام والأهواء معاً، على الرغبة والتقدير العشوائي، و"الظن الحسن" إذا ما أردنا الانطلاق من تبسيط للأمر.
كل تقديرات هذه المعارضة كانت خاطئة، ومضرّة بالثورة، كما أشرت إلى ذلك مبكراً. ولهذا، اشتغلت على "إستراتيجية" وهمية، وأقامت علاقات و"تحالفات" مضرّة بالثورة، لكنها كذلك لم تخدم هؤلاء، بل خدمت الدول التي قيل إنها "أصدقاء الشعب السوري". وما كان غائباً عن الفهم، وربما كان هناك استحالة لفهمه، هو أن الأمر لم يكن يتعلق بمشكلةٍ في سورية، ولا عنف وحشياً يقوم به النظام سوف يدفع الغرب، الحضاري والمؤيد للديمقراطية! إلى أن يتدّخل لوقف الجرائم التي بات النظام يمارسها وهو يقاتل الشعب. بل كان يتعلق بثوراتٍ نهضت ضد نظم رتبتها الإمبريالية الأميركية منذ عقود، وفرضت استقرارها، وهي تعمل على نهب المجتمعات. والأخطر أن هذه الثورة انتشرت بسرعةٍ لافتةٍ من تونس الى سورية، مروراً بمعظم البلدان العربية. وفي وضعٍ تشهد فيه الرأسمالية أزمةً حرجة وخطيرةً، لم تجد حلاً لها، وهو ما يعني أن إمكانية انتشار الثورة عالمياً يمكن أن يكون أمراً قائماً، كما شهدنا في إسبانيا واليونان وإيطاليا وحتى فرنسا، وأيضاً "وول ستريت".
من لا يعرف معنى ذلك بالنسبة للرأسمال الإمبريالي لا يكون "ذا فهم"، ويتسم بالغباء المفرط. كان الهمّ بالنسبة للغرب هو كيف يمكن إجهاض الثورات، وكيف يمكن تخريبها، وأيضاً كيف يمكن التخويف منها. كانت هذه المسألة الأخيرة من مهمة الإعلام الذي أراد "نقل صورةٍ خاطئة" عما يجري، وأن يصوّر الأمر وكأنه يتعلق بأصوليةٍ تريد السيطرة والحكم. بالتالي، أن من يتحرّك ضد النظم هم الأصوليون تحديداً. لهذا، تحدّث الإعلام الغربي (خصوصاً "بي بي سي"، و"فرانس 24") مبكراً عن "حربٍ أهلية" و"صراع طائفي" في سورية، منذ كان الحراك شعبياً سلمياً. وكان يبدو أنه يريد ترسيخ صورةٍ عما يجري في سورية، يتوافق مع خطاب النظام الذي اعتبر أن ما يجري حراك سلفي إخواني، أصولي إسلامي. كما نشط الإعلام هذا على تضخيم أدوار تنظيم القاعدة ثم "داعش"، واعتبار أنها الخطر الفعلي، مغطيةً على الحراك الفعلي الذي هو ثورات تريد إسقاط النظم.
والآن، باتت الأولوية هي اعتبار أن الصراع هو مع الإرهاب، أي مع "داعش" والأصولية الإسلامية. لهذا، يُرفَض الحراك الشعبي لمصلحة النظم التي يقال إنها ضد "الإرهاب". وبالنسبة لهذا الإعلام، لم يعد هناك ثورات (بعد أن اعترفت جزئياً في البدء) بل إرهاب أصولي إسلامي، ومن ثم أصبح الدفاع عن النظم ذا أهمية، حتى النظام السوري الذي يقال إنهم "معادون" له. فالأنظمة القائمة هي "أقل ضرراً" من الثورات، مهما كان الموقف منها، أو "الصراع" معها. وكلها نظم مافياوية، تشكلت في سياق الهيمنة الإمبريالية، بعد أن فرضت الخصخصة والانفتاح الاقتصادي خياراً وحيداً، وقبلته هذه النظم نتيجة مصالح فئاتٍ فيها نهبت الاقتصاد (القطاع العام).
الإعلام "الغربي" متحيّز طبعاً، بالضبط لأنه يعبّر عن مصالح الطغم المالية التي تريد إجهاض الثورات.

(العربي الجديد)

 

خيبة اليسار الممانع

سلامة كيلة

 

حين وصلنا إلى سورية، بعد امتداد الثورة من تونس، أصبح الموقف من النظام أساس تحديد المواقف، والماهيات من اليسار الممانع عربياً وعالمياً. بالتالي، أصبح تصنيف القوى والأشخاص انطلاقاً من موقفهم من هذا النظام: مع أو ضد. مع النظام أو ضده، بالتالي، مع أميركا والسعودية وقطر. حيث كان المنظور الذي يحكم هؤلاء يقسم العالم إلى "ديار إسلام أو ديار حرب"، أي مع النظام أو مع أميركا وأتباعها. وهو منظور لم يكن بحاجة إلى فهم الآخر، ومعرفة مجمل رؤيته، بل كان يضع "الأساس" الذي يقسم العالم إلى ديار خير وديار شر. بالضبط، لأن العالم هكذا وفق هؤلاء، فلا ثالث بينهما، فهو خير أو شر. 
لهذا، يصنفني هذا اليسار بأنني مع أميركا والسعودية وقطر، وأيضاً مع "داعش" وجبهة النصرة. ومن الطبيعي أن أكون كذلك وفقهم، ما دمت ضد النظام السوري، بغض النظر عن كل ما كتبت وأكتب عن أميركا والسعودية وقطر، وعن "داعش" وجبهة النصرة والقاعدة والإسلام السياسي (كانوا حلفاء له عكس موقفي). ويبدو أنهم يغيّرون مواقفهم بسهولة شديدة، يعتقدون أن الآخرين مثلهم يفعلون كذلك، وأن عقل الآخرين هو نفسه الذي يحكمهم، والذي يتسم بالشكلية والسطحية (وبالمصطلح الفلسفي، بسيادة المنطق الصوري). 
ما أنطلق منه، بعكس هؤلاء، هو التحليل الاقتصادي الطبقي الذي هو أسّ الماركسية التي أعتنقها. مقابل "التحليل" المنطلق من العلاقة، وليس من الوجود، ليكون "تحليلاً" سياسياً بالمعنى السطحي للسياسة. وأضع كلمة تحليل بين مزدوجين بالضبط، لأنه ليس لدى هؤلاء تحليل، بل "أحكام قيمة" (وبالأساس شتائم تشير إلى العجز عن التحليل والفهم، وتغني عن المعرفة). لهذا، أرى النظام السوري ممثلاً لفئة رأسمالية مافياوية هم رجال الأعمال الجدد والبورجوازية التجارية التقليدية متّحدين. وهو المنظور نفسه الذي أرى فيه كل النظم العربية، فالسعودية تمثل سلطة عائلية تنهب النفط، وكذا دول الخليج. وأيضاً مصر التي يهيمن فيها "رجال الأعمال" الذين نهبوا الاقتصاد عبر العلاقة مع السلطة. وأيضاً تونس والمغرب. وبالتالي، لا يختلف موقفي هنا عن هناك، ومن هذا التحليل، أحدّد أدوارها لا كما يشاع في الإعلام. وهذا ما جعلني أكتب مع بدء الثورات العربية: النظم العربية كلها يجب أن ترحل. 
فليس الموقف المعلن من "الشعب السوري" (كما يحبّ "الأصدقاء" القول) هو ما يحدّد الموقف، ولا رفضي النظام السوري هو الذي يفرض "التحالف" مع خصومه، فهذه "نظريةٌ" سخيفة، لا تدخل في قناعاتي، حيث أنطلق من أن هناك صراعاً موضوعياً لستُ معنياً بالوقوف مع طرفٍ فيه ضد آخر. بالضبط، لأن تحليلي الطبقي للنظم هو ما يحدّد موقفي. هناك رأسماليات تتصارع من أجل الكسب والسيطرة، ليس من الممكن أن يكون الماركسي مع طرفٍ فيها ضد آخر، وإلا خرج من الماركسية وبات ملحقاً بهذا أو ذاك. النظم في البلدان العربية تمثّل سلطةً رأسمالية مافياوية، ومرتبطة بالرأسمال الإمبريالي، وتعمل في المجالات التي يسمح بها، والتي تدرّ الربح من دون مغامرة. 
ومن منطلق التحليل الطبقي نفسه، أطرح تجاوز الرأسمالية، وهذا يعني أنني في صراعٍ معها، ومعنيّ بتطوير القوى التي تفرض تجاوزها. ولا شك في أن ارتباط الرأسماليات المحلية بالطغم الإمبريالية يفرض الصدام مع تلك الإمبريالية. الإمبريالية الأميركية التي أرادت "حكم العالم"، وفرضت الأزمة المالية عليها التراجع، والإمبرياليات الأخرى، بما في ذلك الجديدة: روسيا والصين. حيث إن التنافس بينها هو على السيطرة والاستحواذ على الأسواق، وليس على "دعم قضايا الشعوب"، كما كانت تفعل البلدان الاشتراكية، فقد فتح "ضعف أميركا" على ميلٍ إلى نشوء عالم متعدّد الأقطاب، وعلى دخول إمبريالياتٍ منافسة، وبالتالي، فهي تتصارع من أجل السيطرة والنهب. ولا يوصل التنافس، هنا، إلى حدّ الصراع، بل يفرض تحسين شروط التسويات. 
بمعنى أنني ضد كل النظم، وكل الإمبرياليات، واليسار الممانع يقف مع طرفٍ ضد آخر، وسيكتشف أنه مع إمبريالياتٍ تتنافس، ولا تتصارع.

(العربي الجديد)

 

معركة الفلوجة

سلامة كيلة

بعد التحضير لمعركة الموصل، والبدء في تنفيذ خطة استرجاعها، انقلبت الأولويات نحو الفلوجة، البلدة التي قاومت الاحتلال الأميركي وأذلّته، وترابطت في مقاومتها مع مدينة الصدر، المدينتين اللتين صبّ الاحتلال جام غضبه عليهما. لماذا هذا الانقلاب؟ أو لماذا هذه السرعة في فتح معركة الفلوجة، وإدخال "الحشد الشعبي" طرفاً رئيسياً فيه، ضد مدينةٍ متهمة بالأصولية، على الرغم من أنها كانت البلد المقاوم للاحتلال؟ 
من الواضح أن الصراعات الداخلية هي التي فرضت هذه المعركة، حيث تصاعد الحراك الشعبي ضد الحكومة والعملية السياسية والتدخل الإيراني، وتوسع كثيراً، بعد أن دخل التيار الصدري على خط الصراع، ودعم تحقيق تغيير حقيقي. في معظم هذا الحراك، يظهر أنه ينطلق من "بيئةٍ شيعيةٍ"، وهو الأمر الذي يضعف التحالف "الشيعي" المسيطر على الدولة، والذي، في جزءٍ كبيرٍ منه، هو تابع لإيران. لهذا، كان ضرورياً الذهاب إلى معركةٍ يكون الهدف منها هو "الشحن الطائفي"، لفرض تماسك "الشيعة" بالتخويف من "السنة"، وإنْ كان عنوان المعركة هو طرد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من الفلوجة. حيث جرى تسريب فيديوهات طائفية فظيعة بلسان قادة من "الحشد الشعبي"، تؤكد على سحق الفلوجة (وليس داعش). وجرى إظهار دور قاسم سليماني قائداً لـ"الحشد الشعبي"، واستعيد نوري المالكي (الذي سلّم الفلوجة أصلاً لداعش). 
هذا سيناريو لتخريب الحراك الشعبي، سواء بإعطاء الأولوية لـ"الحرب ضد داعش"، كما تفعل أميركا وروسيا، وكل هؤلاء لا يحاربون داعش، وبالتالي، سحب التركيز جهة بعيدة عن الصراع الفعلي الذي يهدف إلى إطاحة العملية السياسية، في سياق محاربة الفساد وإنهاء المحاصصة الطائفية. أو سواء لاستعادة الشحن الطائفي، والسعي إلى "ضبط" الشيعة تحت المظلة الإيرانية، بعد أن خرجت بعيداً عنها، بل طالبت برفض التدخل الإيراني. "البيئة الشيعية" هي التي باتت تُصارع النظام الطائفي الذي كرّسه الاحتلال الأميركي، وورثه النظام الإيراني، المصمّم على الفرز الطائفي، لكي يضمن سيطرته، حيث إنه يستغلّ الشيعية غطاءً أيديولوجياً لسيطرةٍ فعليةٍ طويلة الأمد. 
ما ظهر هو هذا الفعل الطائفي الذي مارسه "الحشد"، حيث قتل واعتقل وعذّب كثيرين من أهالي الفلوجة الذين نزحوا وفق طلب "الحكومة"، وفعل الأمر نفسه في القرى التي سيطر عليها. ليظهر أن داعش "الشيعية" "تقاتل" "داعش السنية". وقد وضعت، هنا، كلمة تُقاتل بين مزدوجين، بالضبط لأن الداعشين لا يتقاتلان، بل الذي يُقتلون هم أهالي المنطقة، تحت عنوان أنهم سنة. خصوصاً لأن قتال هؤلاء ضد الاحتلال كان يتناقض مع السياسة الإيرانية التي كانت متوافقة مع الاحتلال (وهو ما ظهر في وثائق جديدة). وكما تريد أميركا الانتقام، يقوم "الحشد" كذلك بالانتقام. 
يحمل "الحشد الشعبي" (فيلق بدر وسرايا خراسان وعصائب أهل الحق وحزب الله العراق وغيرها) منظوراً طائفياً متوتراً وانتقامياً. وقد مارس ذلك في تكريت، حين سيطر عليها بمساعدةٍ جويةٍ أميركية (بعد أن عجز وحده عن احتلالها). ومارسها، ولا زال، في ديالى، حيث قتل على أساس طائفي، ومارس التطهير "الطائفي". وهو، في ذلك كله، يشابه داعش والنصرة، ويحمل أيديولوجية أصولية منغلقة مثلها. لكنه أيضاً يخضع لسياسة أجهزة مخابرات مثلها، وينفّذ سياساتٍ تخدم النظام الإيراني تحديداً، بينما يخدم تنظيم داعش استخبارات دول متعددة، من أميركا إلى إيران وتركيا والنظام السوري وروسيا. لتكون الحرب المعلنة بين هذه وتلك الشكل الذي يجري عبره تحقيق مصالح الدول، وتخريب الثورة، والانتقام من الشعب الذي ثار. 
بالتالي، إذا كانت "معركة" أميركا مع داعش هي لترتيب وضع السلطة، بما يجعلها تعيد السيطرة عليها، بعد أن سيطرت إيران بعد الانسحاب العسكري الأميركي. وبالتالي، تكمن مناورة سياسية خلف هذه "المعركة"، وتمارس إيران الأمر نفسه في الفلوجة، لتعزيز سيطرتها، بإعادة إنتاج الانقسام الطائفي الذي كان يتفكّك نتيجة تحويل الصراع إلى صراع الشعب ضد النظام. وإذا كانت "المنطقة السنية" قد هُرست بذاك الصراع "ضد داعش"، فإن الصراع ضد العملية السياسية والسيطرة الإيرانية سوف يتصاعد.

(العربي الجديد)

 

عن هجاء أميركا

سلامة كيلة

 

كنتُ، وما زلت، ضد الإمبريالية الأميركية، ولم أخلط في موقفها من الثورات العربية، ولا تشكّكت في إمكانية تدخلها في سورية منذ البدء، كما توهم رهط من المعارضين ومحبي "الغرب". لكن الملفت أن هؤلاء المحبين باتوا يسترسلون في خطابات الهجاء ضد أميركا، بعد أن اكتشفوا أنها ليست مع الثورة السورية، ما يعني بالنسبة لهم أنها معهم في تغيير النظام، وستقوم بتغييره "كرمان عيونهم"، أو لأنها "ضد النظام". فجأة، ظهر أنها ليست معنية بهم، بل معنية بروسيا.
كان واضحاً أن أميركا سعت إلى إطفاء الحريق سريعاً، بعد انفجار الثورات العربية من خلال تغيير الرئيس، وترتيب مشاركة الإسلاميين في السلطة، على أمل أن تنتهي الموجة، ويتوقف المد الثوري الذي وصل إلى إسبانيا وإيطاليا وفرنسا. بالتالي، كان همّها تدمير الثورات وليس دعمها، بغض النظر عن موقفها من النظم. بالضبط، لأن هذه الثورات هي الأخطر عليها في عالم رأسمالي، يعيش أزمة عميقة لا حل لها. لهذا، حين وصلت الثورة إلى سورية، كان يجب تدميرها، وليس دعمها. ولأنها لا تستطيع فعل ما قامت به في تونس ومصر، عبر الضغط من أجل تغيير سريع للرؤساء، فقد ارتبكت ومالت إلى تشويه الثورة، ومن ثم دعمت الدور الروسي، هذا منذ بداية سنة 2012.
كانت المعارضة في واد آخر، حيث توهمت أن أميركا تريد فعلياً تغيير النظام، بعد أن أسقطت صدام حسين، وتدخلت في ليبيا. ولم تلمس أن تدخلها في ليبيا كان جزئياً وعابراً، ولقد حاسب مجلس النواب الرئيس باراك أوباما على قراره التدخل الجوي. كذلك، لم تلمس تحسّن العلاقات بينها وبين النظام منذ سنة 2010. ولا تابعت التغيّر الكبير في الإستراتيجية الأميركية الذي بدأ يظهر سنة 2010 وتبلور بداية سنة 2012، وقام على أساس أولوية آسيا والمحيط الهادئ، وليس "الشرق الأوسط" كما كان قبلاً. وبالتالي، أخذت أميركا تنسحب من "الشرق الأوسط"، ومن ثم باتت هذه المنطقة مجال مساومةٍ مع روسيا. ومن ثم "باعت سورية لروسيا"، كما كتبت منذ ذلك الوقت.
إذن، يمكن القول إن سياسة المعارضة، منذ بدء الثورة، كانت خاطئة، وأيضاً مدمّرة، ومضرّة بالثورة، حيث دعت إلى تدخل إمبريالي، كان يخيف قطاعاتٍ كبيرة من الشعب السوري (كما كتبت حينها). ومن ثم ظلت تضرّ الثورة طوال السنوات الخمس، نتيجة أوهامها حول التدخل الأميركي، ومطالبة "الصديق الأميركي" بدعم الثورة، من دون فهم أن هذا "الصديق" هو أصلاً ضد الثورات التي بدأت في تونس وتوسعت، وكان يخاف امتدادها العالمي. وأصلاً، لم يكن ضد النظام، كما كانت تتوهم المعارضة، بل عمل على إعادة ترتيب العلاقة معه.
الآن، ماذا يفيد كل هذا الردح لأميركا؟ انقضى الزمن، وما ظهر أن المعارضة لا تمتلك القدرة التحليلية على فهم العالم، وتحديد الصديق والعدو. وأنها أضرّت الثورة بما يكفي، وهي تراهن على عدوٍّ، لكي يغيّر النظام كي تحكم هي، قابلة بأن تكون "عميلة" له. لكنه كان في وادٍ آخر، ولا ننسى تقييم باراك أوباما لهم، الذي أظهر استخفافاً كبيراً بهم، واستهزاءً مذلاً لقدراتهم. وماذا يقول عن "نخبةٍ" ليس لديها قدرة على فهم العالم، وتقدير مصالح القوى المتصارعة، وأصلاً ليست مقبولة شعبياً، بالضبط لأنها لا تفهم مشكلاته؟
رفقاً بالردح لأميركا، فلن تفيد شيئاً، ولن يجعلها تتراجع عن موقفها المبني على مصالحها التي تحدّد التحالف مع روسيا (أو على الأقل المساومة معها). ما هو مهم ألا تتوهموا في أصدقاء هم فعلياً ليسوا كذلك، على الرغم من أنكم ما زلتم تؤكدون صداقتهم، وتتوهمون أنهم طريق الخلاص. وما يجب أن يكون واضحاً هو أن كل المتصارعين في سورية وحولها ينطلقون من مصالحهم، وكلهم معادون للثورة وللشعب السوري. فليس للثورة السورية أصدقاء سوى الشعوب فقط، وهذا ما يجب أن يُبذل الجهد من أجله.

(العربي الجديد)

 

التّمرين الإمبريالي

الروسي في سورية

 

سلامة كيلة

 

هل هدف التدخل العسكري الروسي في سورية إلى التدريب، كما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أم أنه أتى كاستعراض عسكري لأحدث الأسلحة الروسية، من أجل تسويق بيعها، كما أشار بوتين كذلك؟ أم كذلك يهدف إلى فتح بابٍ واسع للشركات الروسية، لكي تحصل على مصالح اقتصادية، كما قال سفير روسيا في دمشق؟ أم أيضاً هدف هذا التدخل منع سقوط النظام، كما كرّر بوتين مراراً، أو محاربة الإرهاب في سورية، قبل أن ينتقل إلى روسيا، كما كرّر كذلك؟ 
ربما كان هدف منع سقوط النظام أساسياً بعد اختلال ميزان القوى ربيع سنة 2015، واعتراف بشار الأسد بأن جيشه تلاشى، وأن الوضع بات خطيراً. لكن، بالتأكيد لم يكن هدف التدخل محاربة الإرهاب الذي يتمثل في تنظيمي داعش والنصرة، حيث استحوذت الضربات ضدهما على أقل نسبةٍ من الضربات الجوية الروسية، ولم يظهر أن روسيا تريد تصفية الإرهاب فعلياً، بل ظهر التواطؤ بينها وبين داعش على الأقل، وأن لها "داعشها" الذي يسيطر على مناطق واسعةٍ من شرق سورية. 
ما ظهر في الواقع أن ضعف النظام وحاجته إلى التدخل الروسي كان المدخل للحصول على قواعد عسكرية في مناطق متعدّدة من سورية، مثل قاعدة حميميم في اللاذقية (وهي قاعدة أساسية)، والقاعدة البحرية في طرطوس التي تأسست قبل عقود، لكنها كانت مغلقة، وعدد من القواعد الأخرى في مناطق حمص. ومن ثم بات وجود قوات برية وجوية وبحرية يلعب دوراً أساسياً في الصراع ضد الثورة، وفرضت تعديل ميزان القوى، بحيث ظهر توازن تريد أن يختلّ أكثر لغير مصلحة الثورة، ويفضي إلى سحقها. وقد كرّست هذا الوجود باتفاق مذلّ، هو أقرب إلى الاحتلال، وقعه بشار الأسد حينما أُخذ إلى روسيا، كما يبدو. وهذا يعني أن روسيا حصلت على مرتكز عسكري مهم في "الشرق الأوسط"، وهو مهم في سعيها إلى تطوير دورها العالمي، وتوسيع سيطرتها، وفرض نفسها قوة عالمية أساسية، وربما كالقوة العالمية الأساسية بعد تراجع الدور الأميركي، والانسحاب من "الشرق الأوسط"، هذا "الشرق الأوسط" الذي يشكل مفصلاً في تكريس الدور العالمي لأي قوة. 
إذن، ستكون حماية النظام من السقوط المدخل لفرض السيطرة وتأسيس القواعد العسكرية، من أجل تكريس روسيا قوة إمبريالية عالمية، لديها طموح الهيمنة العالمية. وهذا شكل إمبريالي كلاسيكي، مرّت به كل الإمبرياليات. وإنْ كان أتى ذلك على شكل "دفاع شرعي عن نظام يتهاوى"، على الرغم من سقوط شرعية النظام منذ بدء الثورة، وسعي الشعب إلى إسقاطه، فعادة كانت هناك مبرّرات لتدخل الدول الإمبريالية، مثل "تحرير العرب من الاحتلال العثماني"، أو "امتلاك الأسلحة النووية"، كما فعلت الإمبريالية الأميركية في العراق. وبالتالي، ليس "السبب" هو ما يجب أن يلفت الانتباه، بل طموح الدولة المتدخلة، وحاجتها لمبرر من أجل التدخل والسيطرة، فالدول ليست "جمعيات خيرية" (كما صرّح بوش الابن مرة)، بل تنطلق من مصالح رأسمالياتها، ومن طموح هذه الرأسماليات. 

هذا ما ظهر في "الاتفاقات الاقتصادية" التي حصلت بعد الدعم السياسي الذي قامت به روسيا 

بعد بدء الثورة، لكي لا يتخذ مجلس الأمن قرارات بالتدخل كما حدث في ليبيا (على الرغم من أن الأمر لم يكن كذلك في سورية، وكانت أميركا غير معنية بالأمر أصلاً)، حيث تحصلت شركاتها على الاستثمار في النفط والغاز، وفي مشاريع اقتصادية كثيرة. وزادت بعد ذلك باستثمار حقول الغاز التي اكتشفت في البحر المتوسط مقابل الساحل السوري، ومشاريع أخرى في مجالاتٍ متعددة، وربما التقدم للاستحواذ على إعادة الإعمار. وهو ما يُظهر الطابع الإمبريالي لروسيا، ويوضح أن تدخّلها يهدف بالضبط، كما أوضح السفير في دمشق، حيث قال إن هذا الدعم سوف يخدم مصالح الشركات الروسية. 
بالتالي، السيطرة الاقتصادية هي أساس التدخل الروسي في سورية، ولكي تتحقق وتُحمى، كان يجب أن تقام قواعد عسكرية، لأجلٍ "غير محدَّد"، كما نصت الاتفاقية الروسية السورية. وهنا، تصبح سورية سوقاً للسلع والرأسمال الروسي، حيث تنشط الشركات للحصول على مشاريع اقتصادية، واضح أنها بدأت في ذلك، حتى قبل انتهاء الصراع. وهي، في ظل سيطرتها العسكرية، تستطيع التحكم في "الصادرات والواردات"، وبالتالي، إلزام الدولة السورية بتحديد استيرادها من روسيا، وبإعطاء الأولوية للرأسمال الروسي. وهي السمة "المثالية" لكل إمبريالية. 
نعود إلى "التمرين"، فملاحظة بوتين أن التدخل في سورية "أرخص" من تمرين تدريبي كانت تشي بعنجهية إمبريالية، يكمن خلفها "ضعف بنيوي"، لأنه لا يمكن أن يكون التدخل العسكري مطابقاً لعملية تدريب روتينية. بالضبط، لأنه مفتوح النهايات، فليس قرار بوتين هو الذي سينهي التدخل العسكري، وربما يكون التشدّد في الحسم العسكري، لإظهار قوة روسيا وتفوّق سلاحها، مدخلاً لتورط أفغاني يحاول بوتين الهروب منه، أو يحاول أن يوحي للشعب الروسي أنه لن يحصل. وهذا هو هدف الإعلان عن الانسحاب، على الرغم من أن القوات الروسية لا زالت كما كانت، وربما جرى تبديل بعض الوحدات، فقد اتضح، أخيراً، وجود عدة قواعد عسكرية، ووجود بري غير الطائرات. 
لكن، من الواضح الأهمية التي يوليها الروس لإظهار تفوق السلاح الروسي. وهنا، نلمس الميل الإمبريالي إلى تصدير السلاح، وهو الصناعة الأكثر تطوراً في روسيا، بعد أن انهارت وتراجعت مجمل الصناعات الأخرى، حيث يجب إثبات كفاءتها "في الميدان". وهنا، على رأس الشعب السوري، العمل من أجل أن يتدفق الطلب العالمي لشرائها. لهذا، أعلن بوتين فرحاً أن مبيعات السلاح الروسي وصلت إلى 15 مليار دولار، وباتت روسيا البلد الثاني في بيع السلاح، بعد أميركا التي باعت بـ 36 مليار دولار العام الفائت. 
بالتالي، تريد روسيا أن تثبت تفوقها العسكري من جهة، وأن يدفع ذلك إلى تشغيل مصانع الأسلحة لديها، بزيادة مبيعاتها من جهة ثانية. ولروسيا منظورها الإستراتيجي في تدخلها في سورية، حيث تعتبر أن السيطرة على سورية، وإظهار جبروتها هنا، المدخل لتسيدها العالمي، بعد أن تراجع وضع أميركا. إنها إمبريالية ناهضة في زمن الأزمة المستعصية على كل الإمبرياليات، وللنمط الرأسمالي ككل.

(العربي الجديد)

 

 

فبركة صور حلب

سلامة كيلة

 

بعد ثلاث سنوات من "تجاوز" الحديث عن أن ما يجري في سورية، ويعرض على الفضائيات "المغرضة"، صور مفبركة، عاد الأمر نفسه، وهذه المرة في مصر خصوصاً، حيث تكلم أكثر من "ممثل" أو إعلامي أو فنان أو صحافي إن ما يُعرض من صور حول القتل والتدمير في حلب فبركات. وظهر أن خلف ذلك "نشاطا" من النظام للتغطية على ما يجري في حلب، بمعنى أن هناك من وجّه لتكرار ذلك، بعد أن ظهرت وحشية النظام.
في المراحل الأولى من الثورة، اهتم النظام جدياً، من جهةٍ، بفبركة فيديوهات تشير إلى "وحشية الثورة"، وتظهر "طائفية" المشاركين فيها، وتعمّمت على "يوتيوب" فيديوهات عن "عمليات ذبح" يقوم بها "الإرهابيون"، تبيّن أن مصدرها تونس (خرج منها كذلك ادعاء جهاد النكاح، وجرى تصدير "الجهاديين" من أطراف معلومة)، التي ظهرت مركزاً إعلامياً مهماً لتشويه الثورة، وتدعيم النظام بالدواعش (قيل إن عددهم وصل إلى خمسة آلاف). ومن جهة ثانية، كيل الاتهام أن كل ما ينشر عن وحشيته فيديوهات مفبركة، وجرى التركيز على قنوات الجزيرة (كانت حليفاً للنظام السوري سنوات)، والعربية، وعلى إعلام المعارضة. على الرغم من أن الوحيد الذي شكّل "جيشاً إلكترونياً" هو النظام، وتدرّب كثيرون من كادره على "الفوتوشوب" والتركيب، والفبركة على يد خبراء إيرانيين وروس.
ألصق النظام بالثورة "أعمالاً إرهابية" منذ الأيام الأولى للثورة، وجرى تعميم فيديوهات تُظهر "وحشية الثورة"، واستخدامها السلاح وسيطرة "مجموعات سلفية" و"جهاديين" (كانوا حينها في السجن عند النظام). لكن بشار الأسد فضح الأمر، بالخطأ، بعد عام من الثورة، حيث قال في خطاب له في "مجلس الشعب" إنه "في الأشهر الستة الأولى، لم يكن هناك سلاح ولا مسلحون"، وأكد نائبه فاروق الشرع ذلك بعد ستة أشهر (وعُزل حينها). ليتبخر كل حديث عن "إرهاب" أو "مسلحين" أو قتل يُمارس من الثورة.
بعدها، خفت الاتهام بأن ما يُنشر فبركة، وبات "ممانعون" كثيرون يؤيدون ويبررون كل ما يقترفه النظام من وحشيةٍ وقتل وتدمير، بعد أن جرى "تصنيع" جبهة النصرة ومن ثم داعش، والتركيز على خطرها ووحشيتها التي أخافت فئاتٍ اجتماعية من "الأقليات" خصوصاً، لكن كذلك من العلمانيين. ولم تعد الصور التي تُنشر مفبركةً، أو من إنتاج "الجزيرة" أو "العربية"، بل كانت التعبير عن "قوة النظام" الذي يسحق "الإرهابيين"، ويقتل آلافاً منهم. وبهذا، أصبحت الوحشية من فعل النظام، لكنها مبرّرة، وضرورية لسحق الإرهاب، ومحاربة "داعش" وجبهة النصرة. أصبح للوحشية "قيمة عليا"، ومبرر أخلاقي، وباتت "ضرورة حياتية" لهؤلاء المرعوبين من الصورة التي تُعمم حول "داعش" و"النصرة"، من النظام ومن الإعلام الإمبريالي معاً، وكذلك من الإعلام العربي، بما في ذلك فضائيتا العربية والجزيرة. وأصبح لا مانع لديها بقتل الشعب السوري كله، ما دام هو "البيئة التي تُنتج كل هذا الإرهاب"، على الرغم من أن الإرهابيين قادمون من كل العالم إلا سورية، من تونس والسعودية ومصر والعراق، وخصوصاً من أوروبا وأميركا، حيث تتشكل بؤر كبيرة تحت أعين الأجهزة الأمنية فيها، وبرعايتها.
ما أوضحته الموجة الجديدة التي تتهم أن الصور حول حلب مفبركة، والتي وجدنا أنها طفت في مصر (وفي تونس)، هو أن النظام بات في مأزقٍ كبير. لهذا، بات معنياً بالعودة إلى مخططه الذي اتبعه منذ البدء، أي الاتهام بالفبركة لكل الصور التي تُظهر الوحشية التي يمارسها (وتمارسها روسيا).
خبراء الفبركة في إيران وروسيا، واستمدها النظام منهما. وقد مارستها إيران في مواجهة انتفاضة سنة 2009، ومارستها روسيا في حرب النظام ضد الشيشان. أما الشعب السوري فهو "يمثل" باللحم الحي، وبالدم، وبالدمار الذي يطاول بيوته. في كل ما جرى في سورية هذه هي الحقيقة الأسطع.

(العربي الجديد)

 

 

الشعوب العربية والتغيير..

التطلعات الباقية والاحتجاجات القائمة

 

سلامة كيلة

 

·         في ظل التخويف من الإرهاب وانهيار الدولة و"المثال السوري"، جرى الإيغال في اللبرلة، حيث زادت الأسعار، وتراكمت الضرائب الجديدة على الشعب، وأصبحت الخصخصة الخيار الأخير "من أجل إنقاذ البلد""

 

·         التكوين الاقتصادي، الذي سيطر في البلدان العربية كتابع للطغم الإمبريالية، بعد سياسات الخصخصة واللبرلة، هو الذي فرض إفقار غالبية الشعب وتهميشه"

 

تعود أجواء سنة 2011 لتسيطر على المشهد، فقد حدثت تحركات كبيرة في عدة بلدانٍ شهدت ثورات. ظنَّ قطاع ممن شاركوا في الثورات أن ثوراتهم فشلت، وأن التغيير يبدو مستحيلاً. هذا ما عزَّز الميل إلى اليأس والعودة إلى اللامبالاة، أو حتى الكفر بالثورة. ليس الحديث، هنا، عن معظم الأحزاب والنخب التي "شاركت" في الثورات الأولى، حيث التحقت بالنظم "الجديدة" أو مالأتها، وباتت معنيةً بوقف كل حراكٍ شعبي، وكل احتجاج، مكرّرة ما كان يقوله إعلام النظم نفسه: هذه احتجاجات فئوية. وأصبح شعارها هو السكينة، وكسب ما يمكن كسبه من "النظام الجديد"، أو حصر "الصراع" بنشاطها البرلماني، وبياناتها، من دون حاجةٍ إلى إضرابات أو تظاهراتٍ تجاوزها الزمن. 
الأخطر كان يتمثل في يأس فئات شبابية من الطبقة الوسطى، ظنّت أن الانتصار ممكن بشكل سريع، وأن الأمر بسيط بلا تعقيد. وهذه فئات نشدت الحرية والديمقراطية بالأساس، حيث كانت تريد أن "تعبّر عن ذاتها"، من دون تعقيدات سلطوية، واحتمالات قمع وسجن، وأن يكون لها رأي في "الشأن العام". ولم تكن في وضع معيشي سيئ، مثل طبقاتٍ شعبية كثيرة، بل كانت قادرة على العيش الجيد. تعبت، وانكسر حلمها بتغيير سريع، فمالت إلى الانكفاء في حالة يائسة. لكن موجات الاحتجاج عادت تتصاعد، بعد انتظار تحقيق مطالب بسيطة، ثار الشعب من أجلها: أقصد حق العمل لملايين العاطلين عن العمل، وزياد الأجور بما يكفي العيش الكريم، ومجانية التعليم، بعد أن انهار، وبات في الغالب مخصخصاً، وتكريس كفاءته، والضمان الصحي والاجتماعي، ومطالب أخرى، مناطقية أو قطاعية أو مهنية، فقد ناورت النظم من أجل تجاهل هذه المطالب. زادت السيطرة البوليسية، واخترعت "الحرب على الإرهاب" لتحويل الصراع من كونه صراعاً طبقياً إلى كونه صراعاً "وطنياً"، أو "دولتياً"، حيث يصبح الإرهاب "الخطر الرئيسي" الذي يعلو على كل خطر ومطلب، ويصبح الحفاظ على الدولة همَّاً "شعبياً"، بعد أن ظهر ضعف الدول في ليبيا وسورية واليمن، ويكون الخوف من الانجراف إلى حرب أهلية وصراع طائفي وتدمير مجتمعي هو الذي يسكن الجموع، من خلال الضخ المركز من إعلام النظم، وترداد "النخب" الهزلية. 


على العكس، ففي ظل التخويف من الإرهاب وانهيار الدولة و"المثال السوري"، جرى الإيغال في اللبرلة، حيث زادت الأسعار، وتراكمت الضرائب الجديدة على الشعب، وأصبحت الخصخصة الخيار الأخير "من أجل إنقاذ البلد". بمعنى أن السبب الذي أفضى إلى انهيار الوضع المعيشي لكتلةٍ ضخمة من الشعب، وزيادة البطالة بشكل كبير، والذي أفضى إلى انهيار التعليم، وسحب دعم الدولة الصحة والتعليم والبنية التحتية، هذا السبب هو الذي ظل النظام حريصاً على الإيغال فيه، في ظل تخويفٍ وممارسةٍ للإرهاب. فقد ثارت الطبقات الشعبية، لأن نسبة كبيرة باتت ملقاة في البطالة (30% تقريباً من القوى العاملة) ونسبة أكبر في الفقر (تصل إلى 40% و50% بالمائة). وبالتالي، لم تعد قادرة على العيش، وتراكمت مشكلات السكن والزواج والتعليم والعلاج. لهذا، أملت في تغيير النمط الاقتصادي، بما يحقق هذه المطالب، لكنها وجدت أن الوضع يسير في المنحَدَر نفسه، وأن وضعها يسوء، وينحدر وضع فئات أخرى من الطبقة الوسطى. 

زعم "الحفاظ على الدولة" 
كان "لعب" النظم يقوم على عنصرين من أجل التغطية على هذه المطالب أولاً، والاستمرار في لبرلةٍ تفقر الشعب. تمثل الأول في "المسار الديمقراطي"، حيث أعلنت أن الثورة انتصرت، وأن المطلوب الآن هو ترسيخ الديمقراطية عبر المسار الانتخابي، وخلاله، يمكن أن تجد المطالب حلولاً ما (كما يبرّر يسار متلبرل)، وكان هذا يعني الإعلاء من "أهمية الانتخابات" والحرية، وكونها أساس مطالب الثورة. لكن، كان الهدف هو الاستمرار بلبرلة مميتة (أو قاتلة)، والعنصر الثاني، المكمل لذلك هو تحويل الأنظار إلى "الخطر الرئيسي"، كما أشرت، و"توحيد" الشعب والنظام ضد الإرهاب، ومن أجل "الحفاظ على الدولة". 
لم يموه ذلك الأمر على الشعب، على الرغم من أنه كان يتأمل، في بعض اللحظات، برئيس أو حزب. فاستمرت الاحتجاجات، على الرغم من كل القوانين التي صدرت لقمعها، وكل محاولات النظم "الكذب" على الشعب، أو تخويفه بالقوة الفعلية. ونجدها تتوسع الآن، وتتصاعد قوتها. فقد ملَّ الشعب الانتظار، ولم يعد معنياً بقبول تبرير أو تحمل تخويف، أو حتى الخوف من العنف السلطوي، حيث جرّبه سابقاً، وعرف أنه قادر على سحقه وهزيمة النظام. 
في تونس، انتفضت جزيرة قرقنة، وشهدت القصرين اعتصامات، كذلك الدهماني، وتونس، تتعلق بالمعطلين، و"المفروزين أمنياً" الذين حاول النظام الالتفاف عليهم بوعودٍ كاذبة. والاحتجاجات تتصاعد في كل مكان، الأمر الذي يشير إلى وصول الأزمة إلى لحظة انفجارٍ جديد، بعد أن انتظر الشعب طويلاً من دون أن يحقق فرص العمل، وزيادة حقيقية في الأجور. وبعد أن زادت أزمات الشعب، بفعل زيادة الأسعار والضرائب، والتوسع في الخصخصة، وتحكم صندوق النقد الدولي في البنك المركزي والسياسة المالية. إننا إزاء لحظة انفجارٍ، لن يغطيها كل الحديث عن "المعجزة التونسية" في المجال الديمقراطي (كما كانت معجزة اقتصادية في زمن بن علي). فالبوليس لا زال هو ما صنعه بن علي، وإذا كان قد تراجع إلى الخلف قليلاً، فقد عاد من جديد في ممارساته نفسها، وما زالت المافيا الرأسمالية تمارس سياستها الاقتصادية كما كانت، ومن دون أي تغيير، وعلى العكس توحشت أكثر. 

مصر والعراق.. وسورية 

وفي مصر، تصاعدت الاحتجاجات، في الفترة الماضية، في الوسط العمالي، وفي المناطق، وكان واضحاً أن الاحتقان يتصاعد بعد "كشف المستور" في المشاريع الاقتصادية، من دون أن تحلّ، كذلك، مشكلات البطالة والفقر والتهميش. وعلى العكس، زادت كذلك نتيجة زيادة ضرائب الدولة ورفع أسعار الغاز والكهرباء والبنزين، وبالتالي، كل السلع الأخرى، والميل إلى خصخصة التعليم والصحة، ومن ثم انهيار الجنيه، الأمر الذي عنى ارتفاعاً جديداً في الأسعار والأعباء. وإذا كان قانون الخدمة المدنية قد أشعل احتجاج الموظفين (وعددهم كبير) إلى أن سقط، فإن ما حدث لجزيرتي تيران وصنافر بعد التنازل عنهما للسعودية قد "قلّب المواجع"، ليفضي إلى حالةٍ احتجاجيةٍ جديدة، ربما تكسر قانون منع التظاهر، وتفتح إلى انفجار اجتماعي كبير. 
يشهد العراق استمرار الحراك الشعبي الذي يرفض الفساد، بعد أن سُرقت مداخيل العراق من النفط، وباتت الدولة عاجزةً عن دفع الرواتب أو زيادة الأجور. لكنه حراكٌ يطاول كلية العملية السياسية، التي شكلها الاحتلال الأميركي، والقائمة على أساس المحاصصة الطائفية. كما يطاول السيطرة الإيرانية على العراق، على الرغم من أنه حراكٌ يجري في المناطق التي تُصنّف شيعيةً، بعد إلهاء المنطقة "السنية" بالحرب ضد داعش، وتدميرها تحت هذه الحجة. وبالتأكيد، إن "اختراع" داعش، والحرب ضدها، بعد سنة من الاعتصام والاحتجاج في المناطق الغربية والشمالية من العراق، هدف إلى تشويه الصراع الشعبي ضد النظام المصنوع أميركياً، والمسيطر عليه إيرانياً، وفكفكته، وإغراق العراق في حروب لا تنتهي. لكن الحراك مستمر، ويمكن أن يفضي إلى إنهاء نظام أقامه الاحتلال، لمصلحة نظام شعبي. 
سورية، التي تغرق في حرب متعددة المستويات، مع النظام وضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة، وحزب الله وإيران والمليشيا الطائفية العراقية، ومن كل الأصقاع، وتشهد التنافس الإقليمي والدولي الذي يؤثر في طبيعة الصراع فيها، شهدت حال تراجع الصراع المسلح انطلاق التظاهرات الشعبية ضد النظام، وضد جبهة النصرة، في المناطق التي هي خارج سيطرة النظام، وليست تحت سيطرة "داعش"، وهو ما أوضح أن هناك ثورة جرى التغطية عليها، عبر إدخال "جهاديين" وسلفية وأصوليات "شيعية"، وبتدخل دولٍ مثل إيران وروسيا. كما تحركت السويداء التي قيل إنها من "الأقليات" المؤيدة، على الرغم من أن حراكها كان، منذ بدء الثورة، لكنها تعود الآن لكي تقول إن الشعب يريد إسقاط النظام. 



انفجارات محتملة 
إذن، عادت موجة التظاهرات من تونس إلى مصر والعراق إلى سورية، ولبنان كذلك. ونشهد إضراب عمال النفط في الكويت. وربما نشهد انفجار الاحتجاجات في المغرب والجزائر والأردن ولبنان والسودان. موجة جديدة تذكّر بسنوات الأمل والكرامة، منذ 17/12/ 2010، ربما إلى سنة 2013. سنوات الحراك الشعبي الكبير الذي أدهش العالم، قبل أن يواجَه بالعنف، وتظهر عناصر القصور فيه، وتغرقنا النظم في العنف و"الحرب على الإرهاب"، وليقال إن الثورات فشلت. 
ما يجب أن يكون واضحاً هو أن التكوين الاقتصادي، الذي سيطر في البلدان العربية كتابع للطغم الإمبريالية، بعد سياسات الخصخصة واللبرلة، هو الذي فرض إفقار غالبية الشعب وتهميشه، وأن هذا التكوين لا يمكن أن يقدّم خطوة إلى الوراء، لأنه يقوم على نهب متسارع لمافيا حاكمة ليست لديها "المرونة"، لكي تتراجع قليلاً في مهبها (على الأقل كما حدث في ثمانينيات القرن العشرين، بعد الانتفاضات التي ملأت الوطن العربي). فهي تحتاج إلى تراكم متعاظم، لكي تبقى قوةً في السوق، المحلية والعالمية. لهذا تعزّز اللبرلة، وتزيد النهب، وتحمّل الشعب عبء المديونية التي سرقتها، من خلال زيادة الضرائب، وتتحلل من كل دور للدولة، لمصلحة خصخصة شاملة، وتنهي دعم الدولة لكل القطاعات التي دعمتها، من الخبز إلى التعليم والصحة، أكثر من ذلك تغرق في خصخصة كل شيء، كل شيء. لهذا، فهي تسترسل في النهب والإفقار والتهميش. وفي المقابل، ليس من خيار لدى الشعب سوى الثورة. 
هذا ما فعله، ويفعله وسيظل يفعله، إلى أن يحقّق التغيير الحقيقي، التغيير الذي يحقق مطالبةً في العمل والعيش الكريم والتعليم المجاني عالي المستوى، والعلاج المجاني والضمان الاجتماعي، والبنية التحتية المتطورة. 
الثورة بدأت للتو، ويجب معرفة كيف تنتصر. لا نحتاج إلى اليأس، بل إلى الفهم والوعي والقدرة على رسم طريق التغيير، فهذا ما ينقص الثورة، ويجعلها تتعثر أو تتأخر في تحقيق انتصارها.

 

(العربي الجديد)

 

أيديولوجية إرهابية

سلامة كيلة

 

ثلاثة شعارات توضح الطابع الإرهابي والوحشي للنظام السوري، تكرّرت منذ بدء الثورة، ومورست بالفعل. يقول الأول: الأسد أو نحرق البلد (أو لا أحد). وكان الثاني خطاباً لبشار الأسد يقول إن الإرهابيين هم ملايين. والشعار الثالث الركوع أو الجوع. هي شعارات فاشية في الجوهر، وتعبّر عن جوهر النظام الذي قام على أساس ديكتاتورية فرد، وأصبح وراثياً على أساس أن سورية "ملكية خاصة" له ولورثته. وتشكّل على أساس أنه نظام بطريركي، ينحكم لعائلة "مميزة"، ليست من البشر، بل من "أنصاف الآلهة"، يحكم "رعاع" و"غوغاء" لا يُحكمون إلا بالعنف، وليس لهم حق التمرُّد أو الاحتجاج.
شعار الأسد أو نحرق البلد هو التعبير عن أيديولوجية هذا النظام الذي ينحكم لسلطة مطلقةٍ لفرد/ ديكتاتور، لكنه أيضاً "مالك"، ويشغِّل "رعاعاً"، فهو يعتبر أن سورية كلها ملك خاص، وأن كل من يعيش فيها "عاملاً" لديه. هنا، نجد أننا نعيش عصر الإقطاع، عصر الأقنان، من جهة، لكن باستخدام أحدث الأسلحة من جهة أخرى. فالمنطق الذي يحكم النظام أن سورية ملكية شخصية، ومن حق المالك أن يؤدب، وحتى أن يقتل كل عامل يتمرَّد.
لهذا، نلمس كيف أن هذا الأساس الأيديولوجي يتبلور في فكرةٍ كرّرها بشار الأسد، توضح كيف أنه يعتبر أن الملايين إرهابيون يستحق قتلهم وتدمير بيوتهم، أو تهجيرهم أو حصارهم حتى الموت جوعاً. ففي خطاب متلفز يقول: هناك آلاف "الإرهابيين" السوريين، ولكل واحدٍ منهم أهل وجيران وأصدقاء، ليكون كل هؤلاء إرهابيين. وبالتالي، يمكن "أن نقول إن هناك مئات آلاف، بل ملايين الإرهابيين". فعلى الرغم من أن الإرهاب يتشكّل من مجموعات صغيرة منعزلة، وتعمل بشكل سري عادةً، فإن هذا القول يسم كل متمرد بأنه إرهابي. هنا، تصبح "البيئة" كلها إرهابية، إذا ما ظهر إرهابي واحد فيها، ويصبح مطلوباً تدمير هذه البيئة بكل الأسلحة الممكنة. هذا ما مارسه النظام منذ بدء الثورة، وما زال يمارسه بوحشيةٍ أشد. فالإرهاب يصبح ليس فرداً أو مجموعة صغيرة، بل بيئة كاملة، شعب كامل، لأن "هناك إرهابيين" في بيئة معينة.
عمّم هذا المنظور الإرهاب على كل من تمرَّد على النظام، وعلى كل الشعب. لهذا بات "حرق البلد" مبرراً، وبات شعار ألا يبقى أحد مؤسسٌ أيديولوجياً. فبضعة إرهابيين تعني أن كل الشعب إرهابي، وبهذا فهو يستحق الحرق. وقد اتبع النظام كل الأساليب الممكنة من أجل ذلك: القتل في السجون لعشرات الآلاف، وفي القتل المباشر خلال التظاهرات، ومن ثم من خلال القصف بالصواريخ والطائرات والبراميل المتفجرة، ومن ثم بالكيماوي. استخدم النظام كل الأسلحة التي اشتراها بحجة "توازن القوى" مع الدولة الصهيونية، وأساسها الصواريخ البالستية والأسلحة الكيماوية. لكن ذلك كله لم يؤدِّ إلى هزيمة الثورة وانكسار الشعب. لهذا أضاف على ذلك كله شعار: الركوع أو الجوع. الشعار الذي عنى محاصرة كل منطقة يستطيع حصارها، ومنع وصول كل شيء إليها، الغذاء والدواء ووسائل التدفئة. ودفع الشعب لكي يأكل الحشائش والقطط، ومن ثم الموت جوعاً، أو عقد هدنةٍ تفرض استعادة سيطرة النظام وخروج المقاتلين تحت ضغط الوضع الصعب.
بالتالي، قامت البنية الأيديولوجية التي نهض عليها النظام كمعبّر عن سيطرة ديكتاتور على أساس احتكاره المجتمع، حيث كان يقدِّم "الهبات" لمن يعطي الولاء، ويُصدّر الحرمان لمن يرفض ذلك. لهذا، فهي بنية أيديولوجية مرتبطة بعائلة أساسها حاكم ديكتاتور، على الرغم من أن الأمر اختلف بعد رحيل مؤسس النظام، أي حافظ الأسد، حيث أصبح هناك "رجال أعمال جدد" هم المسيطرون على الاقتصاد والدولة، وهم من أقرباء العائلة ومريديها. وإذا كانت هذه الأيديولوجية تتفكّك لمصلحة سيطرة هؤلاء، فإن انفجار الثورة فرض استعادتها في مواجهة الشعب.
لهذا، نجد أنها أيديولوجية تدمير وقتل وتجويع، بالضبط، لأنها من اختراع سلطة مافياوية. إنها أيديولوجية إرهاب.

(العربي الجديد)

 

مافيا ترتكب مجازر

سلامة كيلة

كان واضحاً أن النظام السوري لا يريد الحل السياسي، وهذا هو موقف النظام الإيراني الذي أرسل، لأول مرة، قوات من جيشه، بعد أن أغرق سورية بالحرس الثوري والقوى الطائفية الملحقة به، كذلك هو موقف روسيا التي تحاول أن تُظهر أنها تنتصر في كل حربٍ تدخلها، وهذا تعبير عن "نقص" في الثقة بالذات، تتحكم في سياستها الدولية، كإمبريالية تريد الهيمنة.
لهذا، جرى التوافق على فتح معركة حلب، على الرغم من التوافق الأميركي الروسي على "فرض" وقف إطلاق النار، وهو ما أعلنه رئيس وزراء النظام، ونال على أساسه توبيخاً روسياً، الدولة التي باتت هي المقرّر في سورية. والهدف، هنا، هو حسم معركة الشمال، وسد الطريق على تركيا من جهة، وعلى الكتائب المسلحة من جهة أخرى. وهي المعركة التي خيضت ضد الكتائب المسلحة من ثلاثة أطراف معاً: القوات الإيرانية وحزب الله، وحزب الاتحاد الديمقراطي وداعش، تحت غطاء جوي روسي. لكنها فشلت، بالتالي، أصبح واجباً حسم معركة حلب، بغض النظر عن "الخسائر". حيث استخدم النظام "طيرانه" المتطور من أجل إبادة حلب، ومن ثم التقدم شمالاً.
ولإخفاء الوحشية التي تمارس، عاد النظام إلى استخدام "ماكيناته الإعلامية" التي تتمحور في خطابها على مسألة وحيدة: إن كل الصور المعممة حول حلب "مفبركة". استخدم الفبركة الإعلامية منذ البدء، وكانت هذه الوسيلة جزءاً من حربه لتشويه الثورة، و"إبقاء المتردّدين" متردّدين، وأيضاً إعطاء الممانعين مبرّراتٍ لاستمرار القناعة الذاتية، وتأكيد الدعم. لهذا، وجدنا أنه، في موازاة الهجوم الوحشي على حلب، باشر هجوماً إعلامياً يؤكد على فبركة الصور التي تظهر هذه الوحشية. وهذا ما يكرّره الممانعون في البلدان العربية، ربما لإقناع الذات فقط، بعد أن أوغلوا في دعم نظام وحشي، تحت حجة "المؤامرة الإمبريالية، حتى بعد أن كشف أوباما كل مواقفه من سورية منذ بدء الثورة، وكان فرحاً وراضياً أنه لم يتدخل.

الأمر هنا واضح، حيث أن إعادة النظر في الموقف تعني قبول هؤلاء اتهامهم بكل جرائم النظام وروسيا وإيران وحزب الله، من ثم لا خيار سوى الإيغال في الرواية المزوّرة عما جرى ويجري في سورية.
ليست الصور مفبركة، لأن خبير الفبركة هو النظام، والوحشية هي ما يمارسه النظام وكل القوات التي تدافع عنه، بعد أن "تبخّر الجيش العربي السوري"، نتيجة فرار غالبية عناصره أو انشقاقهم، وهو ما اعترف به بشار الأسد صيف سنة 2015. والنظام الإيراني يعلن، علناً، عن إرسال قوات جديدة بين حين وآخر، من دون أن يفلح بكسب الحرب، حتى بعد أن استظلّ بالطيران الروسي، الأحدث عالمياً، والآتي من أجل إثبات تفوقه النوعي، كي تبيع شركات الأسلحة الروسية بمليارات جديدة، كما أعلن بوتين الفرح بأنه باع أكثر بعد تدخله في سورية.
منطق إمبريالي يحكم الدولة التي تريد أن تصبح القوة العظمى في عالمٍ يعاني من أزمة رأسمالية عميقة، ستطيح كل هذه النظم. وفي وضعٍ لا يسمح لروسيا أن تكون كذلك نتيجة سيطرة المافيا على مفاصل الدولة والاقتصاد، وتشابكها المالي العالمي، وأيضاً ضعف صناعاتها. وذلك كله هو ما يجعلها تتصرّف بوحشية، وتدعم نظماً متوحشة.
لن تنهزم حلب، على الرغم من كل القتل والدمار والوحشية، ومن سينهزم هو النظام وداعموه. بالضبط، لأن الشعب هو الذي يقاتل، ولا إرهابيين ولا عصابات جرى جلبها من أطراف العالم، لكي تخرّب على الثورة مدعومة من النظام وروسيا وإيران وأميركا وتركيا، فكل هؤلاء يخافون الثورة، ويعرفون أن انتصار الثورة، هنا، يعني انتقالها إليهم، فالوضع العالمي ثوري، نتيجة الأزمة العميقة التي دخلها كل النمط الرأسمالي، ونتيجة سيطرة طغم المال التي تعمل على نشر الوحشية في العالم، لأن هناك "زوائد بشرية" يجب أن تفنى. هذا ما قامت به أميركا في العراق، وما زالت. وهذا ما قام به النظام السوري، وما زال. وهو ما باتت تقوم به روسيا في سورية وأوكرانيا.
لهذا، كان النظام السوري مناسباً لوحشيةٍ تريدها الطغم الإمبريالية.

(العربي الجديد)

 

عن الاحتجاجات الاجتماعية

سلامة كيلة

كانت الأزمة الاقتصادية في أساس الأسباب التي أدت إلى انفجار الثورات، حيث أفضت مركزة الثروة بيد أقلية ضئيلة وإفقار الأغلبية من خلال البطالة المرتفعة، أو الأجر المتدني، وسحب كل المنجزات التي تحققت خلال عقود سابقة، من مجانية التعليم والضمان الصحي إلى توازن الأجور والأسعار عبر دعم الدولة السلع وضبط الأسعار، أفضت إلى أزمةٍ مجتمعيةٍ فرضت هذا الانفجار.
بالتالي، كان من أواليات ما يجب أن يتحقق، بعد التغيير الذي حدث هو "إعادة توزيع الثروة" لحل المشكلات سالفة الذكر. لكن ما جرى عكس ذلك تماماً، حيث لم يجرِ الالتفات إلى البطالة التي هي في تزايد سنوي، نتيجة غياب فرص العمل، ولا جرت الموافقة على زيادة الأجور، بما يسمح بتحسين وضع تلك الأغلبية، بل إن ما جرى هو أن السياسة الاقتصادية التي أفضت إلى كل تلك المشكلات، أي سياسة اللبرلة وتعميم الخصخصة، تصاعدت وتوسعت، لتشمل قطاعاتٍ كانت وما زالت عامة، مثل التعليم والصحة. وبدل زيادة الأجور زادت الأسعار بشكل متسارع، لتزيد من الأزمة المجتمعية. كما زادت الضرائب، وكأن الدولة تنهب الشعب.
حجج النظم "الجديدة" أنها ورثت من "النظام القديم" وضعاً سيئاً لا حل له، وأن على الشعوب أن تتحمل الوضع، لأنه الخيار الوحيد القائم، وأيضاً أن تتحمل كل السياسات الجديدة التي هي إغراق في اللبرلة والخصخصة، لكنها أساساً إغراق في مركزة الثروة، وفي إفقار الأغلبية التي زاد عددها مع حدوث ذلك التمركز. وبالتالي، يمكن القول إن الثورات أتت بـ "نظامٍ" لا يحمل حلاً للمشكلات التي طرحها الشعب. على العكس، ظهر أن الحل الذي يُطرح هو الذي يخدم الرأسمالية المافياوية، حيث كان الإيغال في الخصخصة واللبرلة يخدم هذه الطبقة، وكان مطلوباً أن تستمرّ في نشاطها المافياوي بحماية النظام نفسه، فهي تريد الاستمرار في تحقيق التراكم السريع.
تراكمت الأزمة المجتمعية، وتعمم الفقر والبطالة. لكن، أيضاً باتت الدولة في أزمةٍ نتيجة الإيغال في المديونية، على الرغم من أنها كانت تمتلك ثروة هائلة قبل سنوات قليلة، فقد سُرقت في مسار الخصخصة والاستدانة، وهو المدخل الذي أوجد "رجال أعمال جددا"، أو مافيا جديدة، وهي المافيا التي نهبت ملكية الدولة، واستولت على جزءٍ مهم من الديون. كانت السلطة الممر الذي عبره استحوذت فئة قليلة على كل الثروة التي راكمتها الدولة طوال عقود، من خلال دور "القطاع العام". وباتت معنية باستمرار سيطرتها الاقتصادية ونهبها المتسارع.
لكن، على الرغم من ذلك، يجب أن يكون الحل على حساب الشعب الذي أدت كل سياسات الخصخصة إلى إفقاره. حيث يجب أن يرضى بالبطالة وبالأجر المتدني، ويقبل زيادة الضرائب، ويقتنع بضرورة الخصخصة. وأيضاً أن يقبل بتخفيض الضرائب على الرأسمالية التي هي وحدها التي تحمل الحل. فأقساط الدين وفوائده يجب أن يدفعها الشعب عن طريق زيادة الضرائب، وإنهاء دعم السلع والخدمات والتعليم والصحة. واستمرار مراكمة أرباح المافيات الحاكمة يجب أن يكون على حساب الشعب من خلال زيادة الأسعار والحفاظ على "استقرار" الأجور، وحتى البحث في تخفيضها. هذا الشعب الذي أُفقر إلى حد الوقوف على حافة الموت جوعاً.
ليس من خيار لدى النظم، والطبقة الرأسمالية المافياوية التي تحكم سوى أن توغل في سياساتها. لكن، هناك حل آخر بالتأكيد، حيث على الدولة أن تعكس منظورها، بحيث يكون الحل هو على حساب تلك الرأسمالية المافياوية التي نهبت الاقتصاد طويلاً، وسرقت "القطاع العام" وأراضي الدولة، والمساعدات المقدمة من دول أخرى، وحتى الديون. ما يعني أن تصادر أموال هؤلاء، لكي تكون بداية "نقدية" لكي تعيد الدولة نفسها بناء الاقتصاد، بما يؤسس لمشاريع تحل مشكلات البطالة واستيراد السلع وتحقيق فائض قيمة. المصادرة هي الحل، لكن ذلك يفرض تغيير السلطة الطبقية من سلطة مافيا إلى سلطة الشعب نفسه.

(العربي الجديد)

 

أزمة المفاوضات السورية

 

سلامة كيلة

 

ما زالت المفاوضات السورية من دون معنى، على الرغم من التركيز في الجولة الثالثة على "هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية"، فالخلاف يتركز على تناقض منظورين. الأول، ما يطرحه وفد النظام، وينطلق من بقاء النظام ورئيسه وأجهزته، وأن المفاوضات تهدف إلى تشكيل "حكومة وحدة وطنية"، ربما تعطى بعض الصلاحيات، حيث يجري طرح تعديل الدستور. وبالتالي، هو لا يعترف بأن تغيراً كبيراً جرى، وأن هناك مطالب طرحها الشعب، بل يفكّر في كيفية "استيعاب" المعارضة في بنية النظام، كما فعل سنة 2012، حين أدخل أحزاباً تقول إنها معارضة "شريفة". والمنظور الثاني الذي ورد في بيان جنيف1، وكان أصلاً ينطلق من توافق أميركي روسي، وافقت عليه مجموعة العمل من أجل سورية، وتتمسك به المعارضة، وهو ينطلق من أن الأمر يحتاج إلى "مرحلة انتقالية"، تبدأ بإنهاء الوضع الحالي للنظام، وتقودها "هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحية التنفيذية"، يشكلها النظام والمعارضة وهيئات من المجتمع المدني. يتعلق الأمر هنا بضرورة إزاحة بشار الأسد والمجموعة المرتبطة به فقط، والحفاظ على بنية النظام التي تحتاج بعدئذ إلى "تعديلٍ" يتناسب مع الوضع الجديد. هذا أمر "طبيعي" حدث في الثورات الأخرى، حيث أزيح زين العابدين بن علي ومجموعته في تونس، كذلك جرى مع حسني مبارك في مصر. حتى في اليمن جرت إزاحة علي عبدالله صالح بعد عناء ومراوغة، على الرغم من أنه تبين أنه كان لا زال يمسك بكل مفاصل الدولة، وهو خارج السلطة. وبالتالي، من الطبيعي أن تكون إزاحة بشار الأسد ومجموعنه أمراً بديهياً، وأنها المدخل لأي حل، خصوصاً وأنه مارس وحشية هائلةً، تفرض أكثر مما حدث في البلدان الأخرى، أي تحويله إلى محكمة الجنايات الدولية.
تتمحور الأزمة هنا، حيث يرفض النظام ذلك حتماً، وهو يصرّ على استمراره، كونه يمثل الشرعية التي أتته من "الانتخابات"، مع أن كل الانتخابات كانت مزورة، ومرتبة أمنياً، فلا شرعية لانتخاباتٍ تجري في ظل نظامٍ مستبد، يتحكم الأمن في كل مفاصله. وبالتالي، لا يعترف بأن الملايين التي ثارت ضده تعطي شرعية، على الرغم من أنها الأكثر شرعية، فالثورة هي الشرعية قبل الانتخاب. لكن، لا يمكن لوفدٍ يمثل النظام القائم، والذي خاض الحرب ضد الشعب، أن يقول غير ذلك، وأن يؤكد على شرعيته ورفضه التقدم خطوةً "وسط"، من أجل الوصول إلى حل سياسي.
ما جرى في تونس ومصر أن الجيش تقدّم لكي ينحّي الرئيس، ويبعد بعض أتباعه، طبعاً من أجل الحفاظ على "الدولة" (وهي دولة الرأسمالية المافياوية). وفي اليمن، أُبعد صالح بالضغط السعودي الخليجي، وكان إبعاده شكلياً جداً، أكثر مما حدث في تونس ومصر، وهذا ما أعاد الصراع، وأدخل اليمن في حرب داخلية (من الشعب والأحزاب ضد صالح والحوثيين) وإقليمية (التدخل السعودي). 

 

بالتالي، كان يجب أن يظهر طرف من السلطة يُبعد بشار الأسد ومجموعته، ليتقدّم نحو الوصول إلى تحقيق "مرحلة انتقالية". لم يكن ضرورياً أن تكون في السنتين الأوليين مع المعارضة، بل كان يكفي "تقليد" تجربتي تونس ومصر. هذا ما بدا ممكناً نهاية سنة 2012، حين خرج فاروق الشرع الذي كان حينها نائباً للرئيس بدعوةٍ (نُشرت في جريدة الأخبار اللبنانية المدافعة عن النظام) للتفاوض والوصول إلى حل، لأنه لا إمكانية لانتصار طرف. والواضح أن مبادرته كانت مدعومةً من أطرافٍ في السلطة. لكن، لعبت إيران من أجل ألا تسير الأمور في هذا المسار، حيث أقنعت الأسد بأنها قادرة على الدفاع عنه، وسحق الثورة، حيث بدأت ترسل قوات حزب الله وقوات طائفيةٍ عراقيةٍ ومن الحرس الثوري، فشلت في أن تهزم الثورة، على الرغم من أنها ما زالت تحاول، بعد أن أدخلت روسيا في الصراع المسلح.
بهذا، انتهت إمكانية أن تُبعد هيئة أو مجموعة من داخل السلطة الفئة المتمسكة بالحل العسكري، وفتح طريق تحقيق مرحلة انتقالية، تسمح بتغيير شكل النظام السياسي لمصلحةٍ تعدديةٍ سياسية، وحريات وانتخابات "حقيقية". أو كما أسمي في تونس ومصر بدء "المسار الديمقراطي" الذي يفتح لمشاركة المعارضة. في الوقت الذي أصبح فيه القرار "ليس سورياً"، بعد أن تحكّم النظام الإيراني بالقرار في دمشق، على ضوء وجوده العسكري الكثيف، الوجود الذي بات هو الذي يواجه الثورة، بعد أن "هزُلت" قوى النظام، وتبخّر "الجيش العربي السوري"، وأصبح الضباط الإيرانيون من يحددون الخطط والقادة، حتى من السوريين. بدأ هذا الوضع من أول دخول مباشر لحزب الله، بداية سنة 2013، وكانت إيران تهدف منه إلى سحق الثورة، فهي كذلك لا تريد سقوط النظام، وتعتبر أن وجوده بقيادة بشار الأسد "مكسب إستراتيجي" لها. ولهذا أفشلت مفاوضات جنيف 2 بداية سنة 2014.
وظهر صيف 2015 أن ميزان القوى اختلّ لغير مصلحة النظام وإيران وحزب الله، بعد التقدم الذي حققته الكتائب المسلحة. وبهذا، جرى الحديث عن دعم أميركي لدور روسي لرعاية جنيف 3. لكن، ظهر أن روسيا تطمح إلى التدخل العسكري لحماية النظام، ولتكريس وجود اقتصادي عسكري طويل الأمد، لكنها عادت، بالتوافق مع أميركا، لفرض وقف إطلاق النار وبدء المفاوضات. وقد أرسلت روسيا الوفد الذي يمثل بشار الأسد كما كان في جنيف 2، ويتمثل تبريرها في أنه يمثل الشرعية، ولا شك أن هذه المسألة هي ما برّرت تدخلها في سورية به. وهو الأمر الذي يعني أنْ ليس هناك مراهنة روسية على المفاوضات، وأن روسيا ما زالت غير معنيةٍ بالوصول إلى حل سياسي، على الرغم من أنها تراهن على وقف إطلاق النار، لكنها، كما يبدو، تريد قضم مناطق المعارضة.
قال رئيس وفد النظام في مفاوضات جنيف، بشار الجعفري، إن مصير بشار الأسد غير مطروح للتفاوض، كما أنه ليس مطروحاً نقاش مسألة هيئة الحكم الانتقالية. وهو محق في أن مصير الأسد ليس مطروحاً، لكن بالضبط لأن أي حل يمكن أن ينجح يجب أن ينطلق أصلاً من إبعاد الأسد ومجموعته، وبالتالي، يكون خارج النقاش الذي يتركز على تشكيل هيئة الحكم التي تدير المرحلة الانتقالية. فمن يأتي من النظام يجب أن يكون موافقاً مسبقاً على بيان جنيف1 الذي يحدد المرحلة التي تلي حكم بشار الأسد.
لا بد أن يكون واضحاً أنه لا نجاح للحل مع بقاء بشار الأسد، ولا يفيد هنا التهديد بـ "معارضةٍ" أخرى، هي في الواقع مصنّعة، فهذا الأمر هو الذي يحدّد المعارضة من غيرها. كل حل يبدأ برحيل الأسد، هكذا ببساطة. ولهذا، يبدأ الحل من دمشق، ومن داخل النظام، بفعل ذاتي ربما لم يعد قائماً أو بفعل روسي. ومن دون ذلك، لا حل مهما استمرت المفاوضات. الحل بترحيل الأسد.

 

(العربي الجديد)

 

المفاوضات

والشرعية والنظام السوري

سلامة كيلة

بعد أن ظهر أن المفاوضات السورية تتقدّم، لأن روسيا باتت معنية بالوصول إلى حل، بعد أن سرّبت إمكانية التخلي عن بشار الأسد، وسحب جزء من قواتها، وأن أميركا باتت تشدّد على تحقيق الحل على ضوء أزمة اللاجئين التي أوجدت مشكلة في أوروبا. الأمر الذي كان يشير إلى توافق أميركي روسي، ينطلق من تشكيل "هيئة حكم انتقالي" من دون بشار الأسد، حيث باتت المسألة الأولى في المفاوضات. بعد ذلك، وصلنا إلى وضعٍ يشير إلى تراجع المفاوضات، واحتمالات العودة إلى الحرب، على الرغم من أن أشكالاً من الحرب ظلت قائمة من النظام وروسيا. فقد أرسل النظام الإيراني قوات من جيشه علناً، ليعزز جبهة حلب، كما جرت الإشارة، وتحدث النظام عن حسم السيطرة على حلب، مؤكداً أن ذلك تمّ بالتوافق مع روسيا. وأصبح الأمر يتعلق بقضم المناطق واحدة وأخرى، تحت مسمى وقف إطلاق النار الذي لم يتوقف أبداً. وهذا يشير إلى أن الحسم العسكري ما يزال هدف النظام وإيران، وأن المفاوضات هي فقط لاستقطاع الوقت والتغطية على الدور العسكري.
كما عادت روسيا تماطل، وتصرّ على "انتقال شرعي" في السلطة، أي أن يتحقق ذلك من خلال الدستور الحالي. وبهذا، وجدت أن في الدستور ليس هناك نص يقول بتأسيس "هيئة حكم انتقالية". بالتالي، لا بد من البدء بالدستور. وأخذت تميل إلى تشكيل "حكومة وحدة وطنية"، كما كانت تكرّر منذ البدء، وهدّدت باستجلاب وفد تفاوضي، يمثل "المعارضة"، صنعته في قاعدة حميميم العسكرية، وبإعادة إحياء الحديث عن دور مؤتمري موسكو والقاهرة بوصفهما يمثلان معارضة.
يعني ذلك كله أن المسألة الجوهرية لم تُلمس بعد، فروسيا تنطلق من "شرعية النظام"، وتُقرّ بأنه "منتخب شعبياً"، وأن الدستور القائم أُقرّ في انتخابات "شرعية". وهي، بالطبع، ترفض أن ثورة نشبت، وأن "الشعب يريد إسقاط النظام"، فهي ترتعد من ثورةٍ في روسيا، وككل إمبريالية ترفض حق الشعوب في الثورة. لكن، حدثت في سورية ثورة، أسقطت شرعية النظام. بالتالي، لم يعد ممكناً استمراره. وأنهت الثورة شرعية كل النظم التي حدثت فيها، وحتى النظم العربية التي لم تشهد ثوراتٍ، حيث ظهر أن الشعب يريد التغيير. ولا يغيّر في ذلك كل مواقف النظم الإقليمية والدول الإمبريالية.
فـ "شرعية" النظام قامت على القوة، من خلال السطوة الأمنية والسيطرة على كل مجالات المجتمع. وإذا كان ذلك مقبولاً شعبياً، في الفترة الأولى من حكم البعث، نتيجة ما حقق من تغييرات، فقد أدى النهب المتسارع للمجتمع إلى أن تصبح القوة "الأساس الشرعي" للنظام، بعد أن أقامت السلطة قوة أمنية كبيرة، وسيطرت على الجيش والنقابات والهيئات والمدارس والجامعات. ولم تكن هذه "الشرعية" نابعةً من دستور أو انتخابات، التي كانت النتيجة المنطقية للسطوة الأمنية، والشكل الذي تظهر السلطة فيه، ربما لكي تخفي السطوة الأمنية. وكان الحزب الذي "يقود الدولة والمجتمع" الشكل الذي يُراد منه إخفاء ذلك كله.
فالانتخابات هي الإطار الصوري لأشخاص معينين مسبقاً من الأجهزة الأمنية، فالأمن هو الذي يختار أعضاء "مجلس الشعب"، وكانت نسبة المشاركة في التصويت هزيلة دائماً، وهذا ما أشارت إليه جريدة الأخبار التابعة للنظام في الانتخابات أخيراً، وفي انتخابات سابقة. وأشارت جريدة الأخبار كذلك إلى نسبة التصويت على تعديل الدستور سنة 2012، حيث كانت المشاركة هزيلة. يعني أن نسبة من يشارك في التصويت هامشية لا تسمح بإعطاء شرعية للنظام. بالتالي، لا الدستور الذي يكرّس سلطة مطلقة لـ "الرئيس"، ولا مجلس الشعب، يعطيان شرعية للنظام الذي يقيم شرعيته على القوة، القوة فقط هي أساس شرعيته.
لهذا، حين تراجعت قوته نتيجة الثورة، استعان بحزب الله والمليشيا الطائفية العراقية وغيرها، وعلى الحرس الثوري الإيراني، ثم على الجيش الإيراني، وكذلك على القوة الروسية. لكن ذلك كله من دون جدوى، فسيسقط. لم تكن الثورة قادرة على إسقاط النظام، نتيجة عفويتها وكل التدخلات الإقليمية والعالمية، لكنها لا تسمح بالوصول إلى حلٍّ يبقي بشار الأسد ومجموعته. هذا أساس كل تفاوض.

(العربي الجديد)

 

أوراق بنما

سلامة كيلة

أصبح الحديث عن أوراق بنما مسترسلاً، بعد أن جرى كشف الشركات التي تعمل في "ملاذات آمنة"، والحسابات المصرفية التي تختبئ في هذه الملاذات. والأرقام المتداولة مهولة، على الرغم من أن المعلومات المنشورة أولية، حيث ظهر أن هناك كثيرين من كبار السياسيين والزعماء والرؤساء ورجال الأعمال ممن يخفي أرصدته، أو نشاطه التجاري عبر شركات مسجلة في "الأوف شور". وبهذا طاولت الفضائح سياسيين ورجال أعمالٍ كثيرين، وظهر أن جزءاً مهماً من الاقتصاد العالمي "يعمل في الخفاء"، حيث هناك تريليونات الدولارات توظف تحت هذه "القوقعة" التي هي "الملاذات الآمنة". 
التهرب الضريبي جزء من العملية، وربما كان الجزء الأضعف. ومشاركة رأسماليي البلدان الإمبريالية ربما تكون الأقل. وكما يبدو من الأسماء المفرج عنها أن الأكثر ميلاً إلى هذه الممارسة سياسيون وزعماء نهبوا دولهم، وبالتالي، كان من الطبيعي أن تُخفى الأموال التي نهبوها، بالضبط لأنها أموال نهب. وظهرت في القائمة الأولية أسماء عربية عديدة من بشار الأسد إلى علي عبدالله صالح إلى حسني مبارك، ومسؤولين في الجزائر والعراق وغيرهما. 
كنا نعرف كيف نهب "القطاع العام"، وكيف عملت الفئات التي حكمت على نهب الثروات الوطنية وتهريب الأموال إلى الخارج. وكنا نعرف أن الأموال تهرّب إلى أماكن مجهولة، لكنها تهرّب بفعل سيطرة المهربين على السلطة، وفي ظل حكم استبدادي. وربما لم نكن نعرف المبالغ التي نهبت، على الرغم من أننا لمسنا كيف انهار الاقتصاد، وكيف سيطر "رجال أعمال جدد"، هم أقرباء رجالات السلطة الأساسيين، على الاقتصاد، بعد أن فُرضت اللبرلة، فقد عملت الفئات التي سيطرت على السلطة على نهب القطاع العام من خلال "السرقة"، والسمسرة، والفساد. ومن ثم تحوّلت إلى "رجال أعمال جدد"، سرعان ما سيطروا على الاقتصاد، بعد أن أقرّت السلطة الخصخصة. وفي هذه العملية، نُهب القطاع العام، ونهبت الديون التي قُدّمت لمعالجة وهم "عجز الميزانية"، فتراكمت على الشعوب ديون كبيرة، وفُرض عليهم دفع فوائد الديون وأقساطها، ولا زالت الديون ضخمة. 
كانت هذه العملية بحاجة إلى "ملاذاتٍ آمنة" لكي تخفي النهب هذا، ولكي لا يُعرف الذين سرقوا ونهبوا، وبالتالي، لكي يراكم هؤلاء مليارات الدولارات نتيجة موقعهم السلطوي. هذه عملية طاولت البلدان العربية، كما طاولت بلداناً كثيرة، وشكلت عملية نهب ضخمة لاقتصاداتٍ كانت تحدّد اقتصادات نامية، وبعد أن نشطت الدولة، بوصفها رب عمل، من أجل تحقيق التطور ومراكمة الرأسمال. 
وإذا كانت كل أوراق بنما تهم في البحث الذي يُظهر كيف تحول الاقتصاد الرأسمالي إلى اقتصاد مافياوي، فإن ما يهمنا أكثر هو الأرقام التي تتعلق بنهب مجتمعاتنا، بالضبط لكي نعرف المبالغ التي نهبت ومن نهبها. فقد أُفقرنا بالضبط نتيجة هذه العملية التي تعلقت باتخاذ الاستبداد غطاءً لممارسة عملية نهب فظيعة، جعلت بضعة أفراد مليارديرات هرّبوا أموالهم إلى الخارج، ونشطوا تحت مسميات "وهمية" وبحماية الملاذات الآمنة.
ربما نستطيع اليوم توثيق ما نهب من مجتمعاتنا، وكشف كل الذين نهبوا خلال عقود طويلة، وبالأسماء. لكن، يجب أن يكون واضحاً أن الملاذات الآمنة من صنع الرأسمالية، وأن الرأسمالية نفسها قامت بالنهب، وتشجع عليه، وتريد أن تنزح ثروات الشعوب إلى بلدانها، وأن تستخدمها هي لمصلحتها. وطابع الرأسمالية الراهن، القائم على أساس المضاربات المالية والنهب والسرقة، يشجّع على ظاهرة الملاذات الآمنة، ويحمي المافيات التي نهبت وتنهب الشعوب، ويحتضن الأموال التي تهرّب من الأطراف. بالتالي، نستطيع القول إن الكشف عن الملاذات الآمنة، وعن النشاط الذي يجري فيها، يوضح طبيعة الرأسمالية الراهنة، كرأسمالية مافياوية أصلاً، جوهر نشاطها هو المضاربات والنهب.

(العربي الجديد)

 

حراك شعبي مستمر

 

سلامة كيلة

 

لا يزال الجدال مستمراً حول أسباب الثورات في البلدان العربية، ولا زالت النخب تعتبر أن السبب الجوهري هو الحرية، بمعناها المتعلق بتحقيق الدمقرطة. وفي هذا السياق، يجري اعتبار تونس المثال على "نجاح" المسار الديمقراطي، حيث جرت انتخابات، وتشكل "نظام جديد" مستقر.
لكن الملاحظ أن حركات الاحتجاج مستمرة، وأن الذين صنعوا الثورة من المفقرين من طبقاتٍ شتى لا زالوا يقاومون من أجل تحقيق مطالبهم. حيث أن كل "التغيرات" في الشكل السياسي للنظام، سواء ما جرى اعتبارها ناجحة (كما تونس) أو فاشلة (كما مصر) لم تقنع هؤلاء بأنهم حقّقوا ما ثاروا من أجله. وهذا يبرز الأساس الذي أنتج الثورات، كما يبرز أن الثورات لم تنتصر بعد، على الرغم من التغيير الذي حدث في شكل النظم. فقد تلونت النظم، واتخذ بعضها مظهراً ديمقراطياً، لكن ذلك كله لم يلامس مشكلات الطبقات الشعبية التي فرض عليها وضعها المزري أن تثور من أجل عيشٍ أفضل. ولهذا، لم تحسّ هي بأن ما جرى حقّق ما طالبت به، أو حتى بعض ما طالبت به. لهذا، لا زالت مستمرة في الاحتجاج. خصوصاً وأن السياسات الاقتصادية التي اتبعتها النظم أدت إلى زيادة أزمة هذه الطبقات، حيث أن الطبقة المسيطرة لا زالت تزيد في النهب. وبدل تخفيف الأعباء على الطبقات الشعبية، زادت منها، من خلال زيادة الأسعار، والإيغال في الخصخصة، حتى بما هو أساسيّ لهذه الطبقات، مثل التعليم والصحة والماء والكهرباء والطرق وغيرها. بالتالي، في الوقت الذي لم تحلّ فيه أزمة البطالة وتدني الأجور، زادت الأسعار.
لهذا وجدنا أن الاحتجاجات في تونس تتصاعد، سواء من المعطلين، أو قطاعات العمال المفقرة. الاعتصامات مستمرة، وحركة الإضرابات كذلك من بنقردان إلى الدهماني. وفي مصر تتزايد الإضرابات العمالية، والاحتجاجات التي حاولت الرأسمالية تسميتها "فئوية"، على الرغم من أنها تخص طبقات شعبية. وكل التوقعات من مقربي السلطة تقول بانفجار قادم. ويبدو أن المغرب على شفير انفجار اجتماعي، بعد حركات الاحتجاج القائمة والمستمرة. وشهد العراق تحركاتٍ كبيرة ضد الفساد، وخصوصاً ضد العملية السياسية والسيطرة الإيرانية على الدولة، على الرغم من أن العراق يعيش حالة حربٍ، تحت مسمى الحرب ضد داعش. وشهد لبنان تحركاً ضد "الزبالة" والفساد. وفي الأردن، هناك تحركات طلابية وحالات احتجاج.
المعنى أن المخاض الذي فرض انفجار الثورات العربية لا زال يعتمر في وسط الطبقات الشعبية. وأن الاحتقان الذي لم ينته بعد الثورات يتصاعد من جديد، خصوصاً مع اللبرلة المتوحشة التي لا زالت مستمرة، والتي يبدو أن المافيا الحاكمة غير قادرة على التخلي عنها، نتيجة حاجة الطغم الإمبريالية إلى استمرار التراكم المتسارع والمتصاعد، وهو القانون الذي بات يحكم نشاطها. فالنهب هو العملية الاقتصادية المركزية في التكوين الرأسمالي القائم، عالمياً ومحلياً. وهو يفترض زيادة النهب إلى حدّ تجريف المجتمعات. وهو الأمر الذي يعني أن المسار هو نحو مركز معظم الثروة العالمية بيد عدد محدود من البشر (من الأشخاص تحديداً). بالتالي، ستكون ردود فعل الشعوب هي الثورة، والاستمرار في الثورة، حيث لا يُعقل أن تُدفع هذه الشعوب إلى الفقر المدقع، وأن تبقى من دون عمل، وتبقى من دون أن تثور على كل القوانين التي فرضتها الرأسمالية، وعلى النظام الرأسمالي نفسه.
السياسة الطبقية التي تستخدمها الطبقات المسيطرة هي "الحرب على الإرهاب"، بالضبط من أجل توجيه الصراع نحو عدو وهمي من جهة، وبالتالي، دفع النخب لكي تلتف حول النظم. ومن جهة أخرى، استخدام كل أشكال العنف ضد الحراك المجتمعي تحت حجة الحرب على الإرهاب. على الرغم من أن الإرهاب صناعة.
أولاً، يتضح أكثر أن الظروف المجتمعية هي التي تدفع إلى الاحتجاج والثورة. وثانياً، سيكون مسار الثورة مستمراً إلى أن يتحقق التغيير الجذري في التكوين الاقتصادي السياسي. هذا ببساطة هو الوضع.

(العربي الجديد)

 

روسيا تنسحب من سورية؟

سلامة كيلة

أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عن سحب "معظم" قواته من سورية. كانت الخطوة مفاجئة وأثارت تكهنات كثيرة، وترحيباً مبالغاً فيه من أطراف متعددة، بما في ذلك أطراف المعارضة. وأثارت أيضاً خشية وترقباً وخوفاً من النظام وداعميه. هل حققت روسيا أهدافها لهذا قرّرت الانسحاب؟ أو أن الأمر متعدد الأهداف؟
لكن، أولاً، ما هي الأهداف الروسية؟ باختصار، كان الهدف هو وضع اليد على سورية، ولقد فعلت ذلك. وأرادت إظهار قوتها، وأيضاً فعلت ذلك. وثالثاً تكريس أنها قوة عالمية أساسية، أو حتى أنها القوة العالمية الأساسية، كذلك فقد حققت ذلك. ما كان يبدو أنها تريده هو تكريس بشار الأسد رئيساً لسورية من خلال سحق الثورة، ولا شك أن طموحها هذا ارتبط بكون بشار الأسد هو من وقّع على كل الاتفاقات معها، بما في ذلك الوجود العسكري "الرسمي" في سورية، والحصول على اتفاقاتٍ اقتصاديةٍ تتعلق بالنفط والغاز والمشاريع الاقتصادية الأخرى. وهو ما يعني تحقيق السيطرة العسكرية والنهب الاقتصادي معاً.
ظنت أنها قادرة على تعديل جذري في ميزان القوى لمصلحة النظام، من خلال القصف الجوي العنيف الذي مارسته، وشكّل شكلاً من أشكال التدمير الوحشي، كما فعلت في غروزني في جمهورية الشيشان. وعلى ضوء ذلك، تستطيع السيطرة على معظم مناطق سورية التي خرجت عن سيطرة النظام، الأمر الذي يعني فرض "الحل السياسي" الذي تريده، والقائم على إشراك أطرافٍ تعتبرها معارضةً في "حكومة موسعة"، ليكون هذا هو الحل النهائي لـ "الأزمة" التي تعيشها سورية. لكنها انسحبت قبل أن تحقق ذلك، وهذا ما أثار التساؤل حول الأسباب التي دفعت بوتين لسحب الجزء الأكبر من قواته، كما أعلن، حيث ظهر أنها فشلت في سحق الثورة، وتغيير ميزان القوى جذرياً لمصلحة النظام.
لماذا قرّر بوتين ذلك قبل أن "يُنهي المهمة"؟
هذا ما يجب التمحيص فيه. لكن، يجب الإشارة إلى أن روسيا لم تسحب قواتها، بل سحبت بعضها، بعد أن أصبح لها قواعد عسكرية في سورية، تستلزم بقاء قوات كبيرة. لكنها سحبت قوات الطيران "الزائدة"، التي كانت تستخدمها لقصف الجيش الحر، وتمهيد التقدم لقوات النظام التي هي، في الغالب، قوات من حزب الله وإيران وأشتات من العالم. على الرغم من ذلك، تعني هذه الخطوة "التخلي" عن أحد أهداف التدخل العسكري الروسي، والمتمثل في سحق الثورة وتحقيق انتصار الأسد، لأن سحب جزء من القوات مع التزام عدم القصف العنيف للجيش الحر (مع بقاء بعض القصف) يعني أن روسيا أوقفت محاولتها لتحقيق تقدم أكبر لقوات النظام تلك، وكرّست "الأمر الواقع" القائم على سيطراتٍ متعددة على الأرض السورية، بما في ذلك الجيش الحرّ الذي كان مستهدفاً بالأساس من الطيران الروسي.
هل يعني ذلك أن روسيا قرّرت تعديل ميزان القوى على الأرض، من أجل أن تكون المفاوضات "متكافئة"، بعد أن كان ميزان القوى العسكري مختلاً صيف 2015 لمصلحة الثورة؟ هذا ما صرّح بوتين به، حيث أفاد أن القوات الروسية قامت بمهمتها من أجل التمهيد للمفاوضات، بعد أن كان النظام مهدداً بالسقوط، الأمر الذي يخالف المبرّرات التي رافقت التدخل، والتي قامت على محاربة الإرهاب، ويخالف الهدف العملي الذي هو بقاء الأسد.
حصلت روسيا على قواعد عسكرية طويلة المدى في سورية، وأصبحت المسيطر على القرار السياسي في النظام. لكنها، كما يبدو، حصلت على اتفاق مع أميركا، يؤكد سيطرتها على سورية، ويجعل أميركا عنصراً فاعلاً في تكريس ذلك، ربما بإبعادها دور دولٍ إقليميةٍ، مثل تركيا، عن التدخل في سورية، وحصلت على "سيطرة اقتصادية" كذلك. وبعد ذلك كله، حصلت على وقف إطلاق النار، وتكريس التقدم الذي حصلت عليه قوات النظام بفعل التدخل الروسي. ومن ثم لتكون "جنيف 3" المدخل لتكريس الحل الذي يعني سيطرة روسيا على سورية، والذي بات ممكناً بدون الأسد.

(العربي الجديد) لندن

 

الفيدرالية في سورية

سلامة كيلة

 

أعلن الحزب الاتحادي الديمقراطي (بي ي دي) قيام فيدرالية في الشمال السوري، تحت مسمى روجافا، بعد أن كرَّر طويلاً أنه بات مُقِراً بصيغةٍ للحكم، تقوم على سلطة المجالس الشعبية، وهو ما فعله بعد أن تسلّم السيطرة على محافظات الحسكة والقامشلي من النظام الذي قرَّر الانسحاب منها.
في المسار الطبيعي، تقوم الفيدرالية على ضوء توافق مجتمعي، يجد تمظهره في الدستور الذي يشمل البلد كلها. بالتالي، من غير الطبيعي أن يعلن حزبٌ قيام فيدرالية فقط، لأنه سيطر بالقوة، وبتواطؤ النظام، على مناطق معينة، يقول إنها كردية، أو يعتبر أنها جزء من "الأرض التاريخية" للأكراد. ولهذا، من الواضح أن الحزب يستغلّ ظرف سورية الراهن، من أجل فرض أجندته هو، وليس أجندة الأكراد، بقوة السلاح. ومن الطبيعي أن يقود ذلك إلى صدامٍ عسكري، وحرب، وهذا هو الخطر الممكن في الفترة المقبلة.
لا بد من التوضيح، أولاً، أن الفيدرالية نظام إداري لدولة اتحادية، وبالتالي، فإنه لا يخص لا القوميات ولا الطوائف، على الرغم من أن الإمبريالية الأميركية حاولت تكييفه، لكي يصبح التعبير عن "التقسيم الطائفي والإثني" كما فعلت في العراق، وكما عمّمت في خطابها العولمي، من خلال الحديث عن المكونات. وبهذا، يبدو أنه أصبح متداولاً من أطرافٍ عديدةٍ، انطلاقاً من هذا الفهم الذي كان مدخلاً لتفكيك الدول أصلاً.
وعلى الرغم من أن إعلان الفيدرالية من الحزب تقصّد ضم عرب وسريان، لكي يخفي الطابع الكردي للفيدرالية، لكنه ينطلق من منظور الحزب إلى حدود الوجود الكردي في سورية التي كان يحدّدها حزب العمال الكردستاني، الحزب الأم لحزب البي ي دي، بشمول شمال سورية من البحر المتوسط إلى حدود دير الزور. وهذا الأمر هو الذي دفع الحزب إلى محاولة توسيع سيطرته في شمال حلب، من أجل ربط عفرين بعين العرب والوجود الكردي في شمال شرق سورية. وهذه مشكلة أخرى، تخص الحزب الذي ينطلق من منظور تعصبي قومي، لا يتناسب مع الوضع في سورية، وهو ما يظهر بتسمية المنطقة "روجافا"، والتي تسمى كذلك "كردستان الغربية"، والتي تضم أغلبية عربية أصلاً (وهذا الوضع هو الذي دفع الحزب إلى إظهار وجود عرب وسريان معه). 
مرّ وجود الأكراد في سورية بمراحل متعددة. لكن، لا بد أن يكون واضحاً أنه وجود حديث، وليس كما الوجود في شمال العراق. فقد عملت الدولة العثمانية على نقل مجموعاتٍ كرديةٍ إلى مناطق عديدة في سورية، في سياق سعيها إلى ضمان طريق الحجاز، وقد نقلت كذلك تركماناً وشيشانا. لهذا، تشكلت مدن كردية في عفرين وجبل الأكراد في ريف اللاذقية، والعتمانية في الجولان وغيرها. وقد حدث ذلك كله في القرن التاسع عشر، لكن انهيار الدولة العثمانية، وميل الأكراد إلى الثورة ضد الدولة الجديدة أدى إلى هجراتٍ كرديةٍ إلى الشمال الشرقي السوري. وهي هجراتٌ كبرت، منذ نهاية الخمسينيات من القرن العشرين فقط، وظهرت واضحةً في الستينيات.
هذا يعني أن الوجود الكردي ليس تاريخياً في سورية، وأنه نتاج هجرات إلى أرضٍ عربية. وبهذا، نشأ شعب على أرضٍ عربية، أرضٍ يسكنها عرب وسريان تاريخياً (وسكنوا كل جنوب تركيا منذ قرون طويلة). وهذا لا يعني أنْ لا حقوق لهؤلاء، نتيجة حداثة وجودهم، لكنه يعني فهم الوضع بشكلٍ دقيقٍ، لكي لا يجري الانسياق نحو الشطط القومي، وفتح صراعاتٍ لا أفق لها. وبالتالي، تمثل الحالة الكردية وجود أقليةٍ قومية، والحل يكون بإقرار مبدأ المواطنة من جهة، وإقرار الحقوق القومية التي تتمثل في التكلم باللغة وتعليمها، والتعبير عن الثقافة والتراث الشعبي. لكن، كذلك يمكن قيام الإدارة الذاتية في المناطق الأساسية لتمركز الأكراد، وهي هنا في الشمال الشرقي السوري، وفي مناطق محدَّدة فيه.
من حق الأكراد الحصول على حقوقهم، في إطار سورية موحّدة.

 

(العربي الجديد)

 

لكي تُستعاد الثورة

سلامة كيلة

 

أنعشت التظاهرات التي جرت في الأيام الماضية، في مدن سورية عديدة، الأمل بالثورة، وأبانت عن حيويتها، بعد سنتين من الصراع المسلح، والعنف الوحشي من النظام، وأدوار المجموعات السلفية "الجهادية" التي أكملت سياسة النظام لحشر الثورة بين "عدوين"، لإنهاكها وتخريبها، ومن ثم إظهار أن الأمر يتعلق بصراع بين النظام وداعميه مع هؤلاء "الجهاديين". وبالتالي، لكي تخرج الثورة من معادلة الصراع، وتُدفن.
أبانت التظاهرات عن حيويةٍ لافتةٍ، وهمّةٍ على الاستمرار بلا كلل. لكن ظهر أن أمراً ينغّص، حيث عملت جبهة النصرة، من خلال جيش الفتح، بتخريب التظاهرة في إدلب، الأمر الذي أدى إلى عدم خروجها في الأسبوع التالي. تكرّر الأمر الجمعة الفائتة في معرّة النعمان، حيث خرّبت جبهة النصرة التظاهرة. ولم تكتفِ بذلك، حيث هاجمت ليل السبت الأحد الفرقة 13، وقتلت عناصر منها واعتقلت آخرين، وسيطرت على مكاتبها، ليظهر أنها ضد الثورة، لهذا تمنع التظاهرات وترفض عَلَمها، لتكريس العلم الأسود، كما أنها بدأت من جديد في سياسة قضم الكتائب المسلحة التي تقاتل النظام، بعد أن أوهمت، خلال الفترة الماضية، أنها تقاتل النظام.
لم ينتبه أحد إلى نقل النظام عناصر "النصرة" من درعا ومن مخيم اليرموك إلى إدلب، بل جرى غض النظر عن كل وسائل الدعم التي قامت بها "النصرة" لمصلحة داعش في مراحل هزيمتها. ولا إلى ما قال أبو محمد الجولاني، في مقابلته الأخيرة، حيث أوضح أن لا خلاف فقهي وفي التوجّه مع داعش. الآن، يجب فهم أن ما بدأ هو ما كان محدّداً لدور جبهة النصرة التي ظهرت أنها ضد داعش، وقيل إنها تضم سوريين، على الرغم من أن قيادتها والمتحكّمين بها هم ليسوا سوريين، وأيضاً مشكوك بهم كما في داعش. وأظن أن هذا القَسْم بين داعش والنصرة كان له هدف عملي، ربما سيظهر الآن. حيث ستقوم "النصرة" بالدور الذي قامت به داعش، فتفرض سيطرتها على كل مناطق الشمال الغربي السوري، وحتى ريف حماة وحمص. وبهذا، ينتهي الجيش الحر هناك، ويخرج من قصف الطيران الروسي وطيران النظام، ليستعاد ببساطة إلى "حظيرة" النظام.
بعد الهدنة، يبدو أنه جاء دور جبهة النصرة، لكي تقوم بما قامت به داعش. لهذا، لا بد، أولاً، من أن تدين كل أطراف المعارضة التي غطت على جبهة النصرة وامتدحتها، معتبرةً أنها جزء من الثورة، الجبهة وترفع الغطاء عنها، وإلا يجب أن تُدان هي من الشعب، لأنها تغطي على قوة إرهابية، تخدم النظام. لقد استرسل العديد من "قيادات" المعارضة في كيل المديح للجبهة، والدفاع عنها، وتبرير جرائمها، وعلى هؤلاء أن يعلنوا موقفاً واضحاً الآن، وإلا سيوضعون مع الجبهة الإرهابية، ويسجّل أنهم أسهموا في تخريب الثورة، بدعم قوى أتت لتخريبها. أعرف الجهل الذي يحكم هؤلاء، والغباء الذي يلفهم، لكن الآن، وبسرعة، يجب كشف الغطاء عن جبهة النصرة، قبل أن تكمل مخططها، فتأكل الثورة المسلحة، وتدمر الحراك الشعبي الذي عاد من جديد.
من جهة أخرى، يجب كشف كل الدول التي تدّعي أنها من "أصدقاء الشعب السوري"، وتقوم بدعم الجبهة وتمويلها، وحمايتها سياسياً، فقد حظيت الجبهة بتمويل ودعم من دول ورجال أعمال، وجرى تظهيرها في إعلامها. هذه الدول هي ليست مع الثورة السورية، وربما تريد، الآن، طمس الحراك الشعبي الجديد. لكن، يجب أن تُكشَف، لأنها تسهم كذلك في تخريب الثورة، ولقد كانت كذلك منذ البدء، فهي تريد تدمير المسار الثوري العربي، ودفنه في سورية، على الرغم من كل تصريحاتها وخطاباتها.
جبهة النصرة هي الجزء الثاني من المسلسل نفسه، هكذا بالضبط. لم يعد ما يفرض الإخفاء، بعد أن نهضت الثورة من جديد، بشبابها وعَلَمها، وبكل الحماسة التي ظهرت. بالتالي، لكي تُستعاد الثورة يجب إنهاء النصرة، ولا شك في أن القوى المقاتلة الموجودة قادرة على ذلك، أو سيكون من يرفض خائناً للشعب وللثورة. وبالتأكيد، سوف يكنسها الشعب، كما فعل في معرّة النعمان.

(العربي الجديد)

 

خمس سنوات على

الثورة السورية..

مقدمات وأجواء وتحولات

سلامة كيلة

 

·         كل الثورات العربية تأثرت بالظروف العالمية والمحلية، وأصلاً كانت نتاج بعضها. لكن، كان الأمر أكثر تعقيداً في سورية"

·          

·         النمط الرأسمالي ككل مأزوم، وأن الرأسمالية باتت عاجزةً عن حل أزمته، لأنها تتعلق بتضخم مرضي في القطاع المالي. ولضرورة تحقيق التراكم المتصاعد والمتضخم، يجب نهب المجتمعات، بما في ذلك المجتمعات الرأسمالية نفسها"

سلامة كيلة

 

التباسات الثورة السورية كثيرة، وسوء الفهم هو الذي طالها، ولا زال الأمر ملتبساً ومشوّشاً، وربما أكثر من ذلك، حيث يصطف اليسار العالمي إلى جانب النظام، وتقف القوى الإمبريالية معه، أو تناور لمصلحته، وهكذا الدول الإقليمية. لهذا، لا بد من تحديد السياق التاريخي الذي انفجرت فيه، والظروف التي أحاطت بها، حيث ليس من الممكن فهمها من دون فهم ذلك كله. وبالتالي، لا يمكن فهم المسار الذي اتخذته، والواقع الذي وصلت إليه من دون ذلك. ولا شك في أن كل الثورات العربية تأثرت بالظروف العالمية والمحلية، وأصلاً كانت نتاج بعضها. لكن، كان الأمر أكثر تعقيداً في سورية.

الأزمة المالية العالمية في 2008  

شكّل انفجار الأزمة المالية في سبتمبر/ أيلول سنة 2008 نقطة تحوّل عالمي، فهي ليست أزمة مالية عابرة، خصوصاً وأن النمط الرأسمالي بات يخضع لسيطرة الطغم المالية، بعد أن أصبح "اقتصاد المضاربة" هو الأساس في الاقتصاد الرأسمالي، فقد أصبحت أسواق الأسهم والمديونية والمضاربة على النفط والسلع والعملة، وسيادة "الاستثمار قصير الأجل"، هي السمات الطاغية في النمط الرأسمالي، وهذا ما جعله اقتصاداً أزموياً (أو مأزوماً)، نتيجة الآثار التي يتركها هذا النمط من النشاط الاقتصادي على بنية الرأسمالية، ما يسمح بنشوء "الفقاعات"، نتيجة التراكم التضخمي المتسارع.

لقد أظهر انفجار الأزمة تلك مدى التعقيد الذي باتت تعيشه الرأسمالية، ومدى الضعف الذي بات يحكمها. لأن سيادة الاقتصاد المالي على الاقتصاد الرأسمالي يؤدي إلى احتلالات كبيرة، ليس من الممكن ضبطها، بالضبط بفعل التراكم التضخمي الذي ينتج عن اقتصاد المضاربة والديون والاستثمارات قصيرة الأجل. وإذا كانت الأزمات الرأسمالية السابقة تجد حلاً لها، وكانت أزماتٍ ناتجةً عن مشكلات فيض الإنتاج، فإن الأزمة الراهنة التي أتت نتيجة "فيض الأرباح" لا يبدو أن هناك إمكانية لحلها. هذا ما ظهر بعد سنوات من الأزمة، وظهر أن احتمالات تكرارها كبيرة وحتمية. وإذا كانت قد أصابت الاقتصاد الأميركي، فقد أثّرت في مجمل الاقتصاد الرأسمالي. وبالتالي، يمكن القول إن هذا الاقتصاد بات معرّضاً لأزماتٍ مستمرة، متكرّرة، وربما تكون أسوأ من الأزمة السابقة.

وتعيش أوروبا أزمة ديون "دول الجنوب" (اليونان وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال)، وهي مهدّدة بانهيار كبير كذلك نتيجة احتمالات عجز تلك الدول عن سداد ديونها. وبات الحل يقوم على فرض سياسة تقشّفٍ، تلقي ملايين العمال والموظفين والفلاحين في الفقر. وكذلك تعيش بلدان أوروبا الشرقية أزمات كبيرة نتيجة الإفقار الذي تعمم فيها.

هذا الوضع يعني أن النمط الرأسمالي ككل مأزوم، وأن الرأسمالية باتت عاجزةً عن حل أزمته، لأنها تتعلق بتضخم مرضي في القطاع المالي. ولضرورة تحقيق التراكم المتصاعد والمتضخم، يجب نهب المجتمعات، بما في ذلك المجتمعات الرأسمالية نفسها. وهذا ما يجعل الانفجارات الاجتماعية وتفجّر الصراع الطبقي ممكناً، بل حتمياً. لقد بات العالم "على صفيح ساخن"، وباتت احتمالات الثورة كبيرة، ليس في منطقة واحدة فقط، ولا في الأطراف فحسب، بل حتى في البلدان الرأسمالية نفسها. إذن، تشهد الرأسمالية أزمةً عميقةً لا حل لها، وما قامت به الطغم الرأسمالية هو السعي إلى إدارتها، حيث يجري تأخير حدوثها أو تخفيف آثارها. ليبدو العالم على أبواب ثوراتٍ كبيرةٍ، نتيجة ذلك، ونتيجة السياسة التي تستخدمها الرأسمالية، ليس من أجل حل الأزمة، بل من أجل زيادة التراكم المالي عبر الديون والنهب والمضاربات، والتي تتمثل في سياسة التقشف، وخصخصة "كل شيء"، بما يلقي كل العبء على الشعوب.

ولا شك في أن انفجار الثورات العربية كان نتيجة تلك الأزمة، بعد مسار من الانهيار الاقتصادي، بدأ من سبعينات القرن العشرين، وهدف إلى نهب "القطاع العام"، والمجتمع، وتحكّم الطغم الإمبريالية ورأسمالية مافياوية محلياً. وهي حالةٌ، يمكن أن تحدث في بلدان أخرى، في حال حدوث أزمات جديدة. هذا الوضع هو الذي كان يجعل الرأسمالية قلقة، وتخاف الانفجارات الاجتماعية. في المقابل، هي عاجزة عن تخفيف نهبها، لأن الطابع التضخمي للتراكم المالي يفرض زيادة النهب، وليس تخفيفه. لهذا وجدنا أن سياسة توسيع الخصخصة وزيادة الأسعار والضرائب والنهب زادت بعد الثورات، على الرغم من أن الفقر والبطالة والتهميش كانت كلها في أساس هذه الثورات.

ولا شك في أن انفجار الثورات العربية كان يؤشّر إلى الأخطار التي باتت تحيق بالرأسمالية. لقد أشّرت إلى آثار الأزمة التي لا حل لها، وبالتالي، إلى إمكانية انتشارها عالمياً.

ثانياً: التوضُّع الجديد لأميركا

ضربت الأزمة أميركا بالأساس، فهي مركز التراكم المالي، وحيث تظهر هيمنة الطغم المالية. وإذا كان واضحاً أن أميركا تعيش أزمة منذ سبعينات القرن العشرين، كان يجري تحديدها في ثلاث عناصر: العجز في الميزان التجاري، حيث باتت تستورد أكثر مما تصدر، والعجز في الميزانية، حيث باتت تنفق أكثر من مدخولها كدولة، وتراكم المديونية بشكل كبير. إذا كان واضحاً ذلك، فقد ظهرت أزمة الاقتصاد عبر حالات الإفلاس المستمرة، ومن ثم تمركز الشركات، وتزايد دور المال، بعد أن تضخّم التراكم المالي على حساب الاقتصاد الحقيقي. وهو ما دفع بعد انهيار الاشتراكية إلى محاولة السيطرة المباشرة على العالم عبر الحروب. وعلى الرغم من احتلالها أفغانستان والعراق، وتوسيع قواعدها في العالم، لم تمنع انفجار الأزمة سنة 2008. فقد أصبحت أميركا المثال على هيمنة المال على الرأسمال، وهذا ما ظهر في انفجار أزمة الرهن العقاري التي أوضحت تضخم القروض، من دون ضمانات كافية.

كان واضحاً أن تجاوز الأزمة ليس ممكناً، وأن ما هو ممكن هو إدارتها، مع توقّع حدوث أزمات أخرى، فالفقاعات كثيرة، ويمكن، في كل لحظة، حدوث ما يؤدي إلى انفجارها. ولقد أدت الأزمة إلى كشف ضعف القدرة المالية للدولة الأميركية، بعد أن باتت المديونية تساوي الدخل القومي. وهو ما فرض إعادة النظر في كل الوضعية التي عملت على أساسها الإدارات الأميركية، منذ انهيار الاشتراكية، حيث سعت أميركا إلى مدّ سيطرتها، لكي تشمل العالم، من أجل التحكم بالنفط والأسواق والمواقع الإستراتيجية، وضمان تنافس لا متكافئ مع الرأسماليات الأخرى، يصبّ في مصلحتها، لتعديل كلية وضعها الاقتصادي. لقد سعت لكي يكون العالم أحادي القطب، ومتحكماً به، بلا منافسين. وهي السياسة التي بدأت بالحرب على العراق سنة 1991، وامتدت إلى سنة 2008، حيث انفجرت الأزمة.

أدى الفشل في حل الأزمة، ومن ثم العمل على إدارتها، إلى تغيير كبير في المنظور الأميركي للعالم. لم تعد تعتقد أن في مقدورها السيطرة وفرض أحادية القطب، حيث فرضت الأزمة تقليص ميزانية الجيش، وتخفيض عديده. وبالتالي، بات عليها أن تعيد النظر في توضعها العالمي بما تسمح به قدراتها، وعلى أساس ما تعتقد أنه أولوية لها. لهذا، أقرّت إستراتيجيةً تنطلق من أن أولويتها هي منطقة آسيا والمحيط الهادي (الباسيفيك)، لأنها اعتبرت أن الخطر الممكن ربما يأتي من الصين، التي تتقدّم بشكل لافت، ولقد باتت القوة الثانية على الصعيد الاقتصادي. مما جعلها تمركز قواتها هناك، وتوصلت، أخيراً، إلى عقد شراكة إستراتيجية مع عدد من دول المنطقة.

كانت هذه الإستراتيجية تبعدها عن "الشرق الأوسط"، ما دامت قد نقلت أولويتها، من دون أن تكون بلدان الخليج العربي (وبضمنها العراق) مشمولة بذلك، حيث ظلت تخضع لمبدأ كارتر الذي يعتبرها جزءاً من الأمن القومي الأميركي. بالتالي، قرّرت الإدارة الأميركية سياسة "انسحاب تدريجي". وضمن هذه الوضعية، باتت تسعى إلى بناء تحالفاتٍ جديدة على ضوء الخوف من "الخطر الصيني". وهنا، باتت معنية بتطوير علاقاتها مع روسيا، وأيضاً مع إيران، على الرغم من الخلافات التي كانت لا زالت قائمة معها، والتي لا زال بعضها قائماً.

ما يمكن قوله هنا هو أن إستراتيجية بوش الإبن قُبرت، وتراجع الاهتمام بالمنطقة العربية نسبياً، وبات منظورها لا مبالياً بشكلٍ ما. كل ذلك بمعنى التمسك بالسيطرة على الدول، كما كان الأمر في السابق. بالتالي، تراجع اهتمامها بالسيطرة عليها، على الرغم من أن تراجعها لم يكن سريعاً، وليس بدون تدخلات.

ثالثا: تموضع النظام

كانت سياسة بوش الإبن تدفع النظام السوري إلى الخلاف معها، حيث كان الهدف هو تغيير النظام وفرض نظام "طوائفي" تحكمه "السنّة". ولهذا، ظهر أنه جزء من محور "مناهض" لأميركا، وهو ما أسمي محور "الممانعة"، وضم تركيا وقطر وإيران والنظام في مقابل المحور الاعتدال الذي كان بقيادة السعودية، وبدعم أميركي. ولقد أظهر اغتيال رفيق الحريري هذا التناقض بين المحورين، وأظهر أن أميركا تريد تغيير النظام، على الرغم من سعي "رجال الأعمال الجدد" المشكّلين من العائلة وروابطها (الأسد، مخلوف، شاليش) إلى فتح الخطوط معها، وتحقيق التفاهم الضروري لاستمرار النظام.

ظهر سنة 2005 أن أميركا والسعودية يعملان من أجل تغيير النظام، مستفيدين من مقتل رفيق الحريري، الذي أفضى إلى انسحاب القوات السورية من لبنان، وتصاعد الضغط الدولي عليه. لكن، فشل التغيير، وأفضت الأزمة المالية إلى نجاح باراك أوباما، الذي أتى بسياسة جديدة، قامت على التهدئة في "الشرق الأوسط"، والانسحاب من العراق، وتجاوز الصراع الذي كان يبدو أنه ضد الإسلام.

وإذا كان النظام يتمترس خلف "محور الممانعة" المتشكل من تركيا وقطر وإيران، فقد سارع إلى التجاوب مع سياسة أوباما الجديدة. لهذا، أخذت تتطور العلاقة بين البلدين خلال سنة 2009 وسنة 2010، إلى الحدّ الذي جعل سفير النظام في واشنطن، عماد مصطفى، يعبّر عن فرحه للتطور الذي شهدته العلاقة بين البلدين. انتهى اهتمام أميركا بسورية، لهذا جرى التخلي عن سياسة بوش الإبن، وهو ما سمح بإعادة العلاقات وتطورها بشكل سريع.

مع السعودية التي كانت أكثر تأثراً باغتيال "صديقها" الحريري، فقد شهدت سنة 2010 أيضاً تحسناً في العلاقات خلال مؤتمر القمة العربي في الكويت. فقد التقى الملك عبدالله بن عبد العزيز بشار الأسد، وعطف عليه، وقرّر دعم سورية مالياً. طبعاً، لم تكن إيران المتحكم بالنظام الأساسي حينها، بل كانت كل من تركيا وقطر الدولتين الأكثر تأثيراً على النظام. ويبدو أن السعودية كانت تعرف أنها قادرة على جذب النظام إلى جانبها، بعد أن أخذ الخلاف مع قطر يتصاعد.

في هذا الوضع، يكون النظام قد حسّن علاقاته الدولية والعربية (كانت روسيا خارج المعادلة حينها)، وأخذ يرتب وضعه على أساس علاقات جيدة مع أميركا التي كان طموح المافيا الجديدة تطوير العلاقات معها منذ البدء، ومع السعودية التي ظلت حليفاً للنظام منذ أيام حافظ الأسد، ولم يخرّبها سوى قتل رفيق الحريري. وبالتالي، استقبل النظام سنة 2011 وهو في وضع مريح خارجياً. وكان محور الممانعة يتلاشى، في مواجهة تلاشي المحور الآخر.

بهذا، لم يكن النظام حين بدأت الثورة في تناقض مع أميركا ولا مع السعودية، وكان في علاقات "حميمة" مع كل من تركيا وقطر، وعلاقات ثابتة مع إيران. وبالتالي، كان يتكسر الحصار الذي فرضته أميركا حوله منذ سنة 2005، وينفتح على العالم، محسّناً من وضعه وتموضعه. وكان يعتبر أن وضعه "الطبيعي" أن يكون في علاقة جيدة مع أميركا، القوة المسيطرة عالمياً، والتي جهد، منذ ما بعد احتلال العراق، إلى تأسيس علاقة وثيقة معها. بالضبط، لأن نشاط المافيا الاقتصادي الذي يتحقق خارج سورية من الأموال التي تنهبها منها، يجب أن يجد ظروفاً مناسبة، لا أن يقع تحت بند العقوبات الأميركية، كما حدث منذ سنة 2005 واستمر إلى سنة 2010.

رابعاً: تتالي الثورات العربية

إذا كانت الرأسمالية تعيش أزمة عميقة، واحتقاناً قابلاً للتفجّر. وكانت أميركا نتيجة أزمتها قد أخذت تنسحب من الشرق الأوسط، ومن ثم كان النظام السوري قد أعاد ترتيب علاقاته العربية والدولية. فإن نشوء الثورات وامتدادها من تونس إلى مصر واليمن والبحرين وليبيا ثم سورية، وانتشار الحراك في الجزائر والمغرب وعُمان والأردن والعراق، قد أوجد حالةً من الخوف لدى دول إقليمية مثل السعودية وحتى إيران، ودولية مثل روسيا وخصوصاً أميركا. فالحالة تخيف نتيجة هذا الامتداد السريع، والذي يعني أن الثورات من الممكن أن تتوسّع في عالم يعيش أزمة عميقة، وأطراف نهبت خلال العقود السابقة بشكل مشابه.

باتت أزمة الرأسمالية التي تفجرت في المركز تلقي بظلالها في الأطراف، وهذا ما يجعل انفجار الثورات العربية مؤشراً على خطر قادم، خطر توسّع الثورات إلى بلدان أخرى، مهيأة للثورة، بعد أن نهبت وأُفقرت وهُمّشت. وأيضاً، كان امتدادها العربي يخيف دولاً، مثل السعودية، من انتقال الثورة إليها، نتيجة وجود ظروف اقتصادية اجتماعية (البطالة والفقر والتهميش) مشابهة.

هذا ما يوضّح طبيعة التعامل المختلف بين الثورات الأولى (تونس ومصر) والوسطى (اليمن والبحرين) والأخيرة (ليبيا، وخصوصاً سورية). فقد عملت الإدارة الأميركية على تحقيق تغيير سريع في كل من تونس ومصر، من أجل إنهاء الثورات بسرعة، حتى وإنْ كان ذلك على حساب إبعاد الرئيس. كان الهدف هنا هو منع تفاقم الثورة، وإنهائها قبل أن تمتدّ إلى بلدان أخرى. لقد أرادت "إطفاء الحريق" بالسرعة الممكنة، لكي لا يتوسّع إلى بلدان أخرى. حدثت هذه المحاولة في البحرين، حيث سحقت قوات "درع الجزيرة" السعودية الاحتجاجات، وفي اليمن عبر "المبادرة الخليجية". وفي ليبيا، تقرَّر تدخل حلف الأطلسي عبر الطيران. لكن، يبدو أن الأمر بات بحاجة إلى شكل آخر، بعد أن استمرت الثورة في سورية، وباتت تهدد النظام، حيث يبدو أن أميركا كانت تعتقد أن النظام قادر على سحق الثورة.

أصبح مطلوباً وقف المدّ الثوري في سورية، وقف هذه الموجة التي كانت لا زالت تتوسع عبر الحراك في العراق والأردن والمغرب، واستمرار الثورة في اليمن، على الرغم من محاولات الالتفاف السعودية. بات الهدف وقف المدّ الذي انطلق من تونس، لكي لا يتوسع إلى بلدان أخرى، وكانت السعودية مهيأة لذلك، نتيجة انتشار البطالة والفقر والتهميش، وبالتالي، باتت هي المعنية أكثر في وقف هذا المدّ. باتت معنية بوقف الثورة في سورية وسحقها، هذه كانت أولويتها، وأساس سياستها منذ 15/ 3/ 2011. فالخطر بات ليس إيران، كما كان يروَّج، ولا تحالف النظام مع إيران كما كان يُكرَّر، بل الثورة. وعلى أساس ذلك، بنت سياستها التي قامت على مساعدة النظام في افشال الثورة. هذه نقطة مهمة، بغض النظر عن كل التصريحات التي كانت تُطلق، على الرغم من أن الموقف السعودي في السنة الأولى لم يكن واضحاً، أو داعماً للمعارضة السورية، حدث ذلك فقط نهاية سنة 2012، بعد أن صدرت مبادئ جنيف1، وجرى ترتيب المعارضة الخارجية، بما يجعلها توافق على تلك المبادئ، ومن ثم جرى تحويل "الملف السوري" من قطر إلى السعودية. وتغيّر نحو دعم بعض أطراف المعارضة بعد التدخل العسكري الإيراني، عبر حزب الله ثم مباشرة. لكن، في كل الأحوال، كان الهدف السعودي منع انتصارها عبر التزام السياسة التي قرّرها النظام، بإظهار أن الثورة "حراك سنّي"، ومجموعات سلفية إرهابية. فكان دورها تحويل ثورة الشعب إلى حراك سنّي، والكتائب المسلحة إلى مجموعات أصولية.

تطور الأمر مع استمرار الثورة، وتصاعد وحشية السلطة، وإدخالها المجموعات الأصولية طرفاً في الصراع، لتأكيد خطابها المسبق، لكن لتخريب بيئة الثورة، واختراق هذه البيئة عبر تلك المجموعات. وأيضاً استخدام كل أنواع الأسلحة ضد الشعب، والإيغال في القتل والتدمير. فقد بات منذ سنة 2013 ودخول قوى إيران الصراع ضد الشعب، أن أميركا خصوصاً، وكل الرأسمالية التي تخاف الثورات، باتت معنيةً بتحويل الثورة إلى مجزرة، لكي تكون مثالاً لكل شعوب العالم المفقرة والمضطهَدة، والتي تتحفز للثورة، بما يردعها. كانت الرأسمالية بحاجة إلى مثال، مثال كيف أن كل تمرُّد على النظم والرأسمالية يقود إلى مجزرة.

ربما هذا هو ما دفع أميركا لتسهيل دور داعش والنصرة في خدمة النظام، ومن ثم لتدخلها بحجة "الحرب ضد داعش"، حيث توسعت بعد هذا التدخل. حيث بدا أن الصراع هو "ضد الإرهاب"، أي "ضد داعش"، وليس صراع شعب ضد نظام من أجل الحرية والعيش الكريم. كل ما بات يركّز عليه الإعلام الغربي هو أن الثورات تقود إلى الفوضى، هذه الفوضى التي تستغل من المجموعات الأصولية، ويتحوّل الصراع إلى "حرب أهلية" و"صراع طائفي"، وعمليات قتل وتدمير وحشية. على الرغم من أن ذلك كله هو "من صنع" النظام والقوى الإمبريالية والدول الإقليمية (السعودية خصوصا، ومن ثم قطر وتركيا).

لهذا، نجد أن الإعلام وخطاب النظام بات ينطلق من أن سورية مثال جيد على كيف أن التمرّد يفضي إلى القتل والتدمير والتهجير، لكي يقول إن قبول الوضع القائم، على الرغم من كل سوئه، أفضل من التمرُّد عليه.

إذا كانت المرحلة الأولى من الثورة قد شهدت تدخلاً إقليمياً لوقفها، وصدّ موجة الثورات التي امتدت من تونس إلى سورية، فقد بات مطلوباً في المرحلة الثانية أن تتحوّل الثورة إلى مجزرة، لكي تكون مثالاً "مبهراً" في العنف والوحشية، يخيف شعوب العالم المتحفّزة للثورة، نتيجة أزمة الرأسمالية، وميلها إلى زيادة إفقار الشعوب، ودفعها إلى البطالة والتهميش. كان عمق أزمة الرأسمالية يفرض أن ينشأ مثال على نتائج كل تمرُّد عليها، مثال وحشي، يهدف إلى ردع الشعوب عن الثورة. إذن، هو مثال "مصنوع"، ككل أفلام هوليود. خصوصاً وأن الرأسمالية مضطرة لأن تزيد في نهبها واستغلالها وإفقارها الشعوب، نتيجة طابعها الذي يتسم بالمضاربة.

بالتالي، ما يجري في سورية هو من صنع متعدّد، على الرغم من كل "التناقض" الذي يبدو بين الأطراف المتدخلة في الصراع، فلم تكن مشكلة أميركا هي "الخلاف" مع النظام (على الرغم من أن الخلاف كان قد انتهى كما أشرنا)، بل كان في الخوف من الثورة. وأيضاً، لم تكن مشكلة السعودية علاقة النظام بإيران (كانت العلاقة قد عادت إلى "طبيعتها") بل كانت في الخوف من امتداد الثورة إليها. وهكذا إيران وروسيا ودول أخرى ظلت تدعم النظام، علناً أو خفية. تمركز كل الهجوم على الثورة إذن، من كل الأطراف التي رأت في الثورات خطراً عليها، في عالم متفجّر وثوري. وهذا الرد هو نتاج الأزمة العميقة التي تعيشها الرأسمالية، ورد الدول التي نهبت شعوبها وأفقرتها، فقد كانت هناك ضرورة لـ "اطفاء الحريق"، وتحويل نتائجه إلى مثالٍ على ما يمكن أن يفضي إليه كل تمرّد أو ثورة.

خامساَ: طبيعة بنية النظام

كل ما أشرت إليه يتعلق بالوضع الدولي وعلاقة النظام الدولية، والذي كان يؤشّر إلى أن الهدف الرأسمالي كان "إطفاء الحريق"، وأن أميركا كانت تنسحب من "الشرق الأوسط"، على الرغم من أنها باتت معنية بتحويل الثورات إلى مجزرة، وأن النظام السوري كان قد استعاد علاقاته مع أميركا والسعودية، بعد أن كانتا في صدام معه. الآن، لا بد من تلمّس بنية النظام الذي كان يسعى إلى التكيف مع أميركا والرأسمالية، على الرغم من أنه كان مهدداً بالإسقاط من تلك الدول، قبل أن يركن إلى علاقاتٍ جيدة معها. وبالتالي، لماذا كان وضع سورية مشابهاً لأوضاع البلدان التي حدثت ثورات فيها؟

إذا كان النظام "تنموياً"، وكان "القطاع العام هو أساس الاقتصاد، فقد أخذت الأمور تتغير منذ سنة 1991، حيث صدر المرسوم رقم 10 الذي يتعلق بالسير في طريق توسيع دور القطاع الخاص، وتحقيق الانفتاح الاقتصادي. ربما توقفت هذه السياسة نهاية سنة 1996، بعد مرض حافظ الأسد، لكنه عاد بقوة بعد استلام بشار الأسد، حيث ظهر أن الفئات التي نهبت "القطاع العام"، طوال السنوات السابقة، خصوصاً آل مخلوف (خال بشار الأسد) وشاليش (أولاد عمته)، قد تقدّمت، لكي تفرض منظورها الاقتصادي، وتصبح الفئة المسيطرة، ليس في الاقتصاد فقط، بل في الدولة كذلك. فتسرّع في تحقيق الانفتاح الاقتصادي عبر "اقتصاد الصدمة" الذي اكتمل سنة 2007. وقد حدث خلال ذلك تحويل في بنية الاقتصاد، حيث انهارت الزراعة، نتيجة ارتفاع أسعار المازوت والبذور والأسمدة، وحدثت هجرة كبيرة من أهم المناطق الزراعية (منطقة الجزيرة)، كما جرت خصخصة المشاريع الناجحة في "القطاع العام"، وترك المشاريع الأخرى في حالة "موت سريري"، وأدى الانفتاح إلى انهيار صناعات أساسية، مثل النسيج والصناعات الغذائية والأدوية. وتشكّل اقتصاد يقوم على الخدمات والعقارات (بالتشارك مع الرأسمال الخليجي)، وأصبح الاستيراد السمة التي تحكم التجارة بعد تراجع الصادرات، واستيراد السلع التي كانت تنتج محلياً. بالتالي، تحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي، تتحكم به فئة مافياوية عائلية (آل الأسد ومخلوف وشاليش) مع شركاء آخرين، بالتحالف مع البورجوازية التقليدية في دمشق وحلب. وهذا هو التحالف الطبقي الذي بات يحكم سورية بشكل مباشر منذ سنة 2007، وهو التحالف الذي بات يتحكم بنسبة 60 إلى 70% من الاقتصاد (والعائلة كانت تتحكم بنسبة 30%). ليظهر تمركز الثروة بيد أقليةٍ حاكمة، كانت تصدّر أرباحها إلى الخارج، من أجل الاستثمار في الخليج أو تركيا أو أوروبا الشرقية.

في المقابل، ونتيجة تحويل وضع الاقتصاد وتراجع فرص العمل لدى خريجي الجامعات، وصلت نسبة البطالة إلى 30/33% من القوى العاملة. وعلى الرغم من تصاعد أسعار السلع، نتيجة اللبرلة والتحوّل نحو الاستيراد، ظلت الأجور ثابتةً، أو ازدادت بشكل هامشي. فقد باتت أجور "القطاع العام" هزيلة، وكانت أجور القطاع الخاص أهزل، سوى التي تتعلق بالتقنيات الحديثة. لهذا، وحسب دراسةٍ أجريت سنة 2010، كان الحد الأدنى الضروري فيما يتعلق بالأجور هو 620 دولار (31 ألف ليرة)، بينما كان الحد الأدنى القائم هو 140 دولار (6000 ليرة)، ومتوسط الدخل هو 220 دولار (11 ألف ليرة). ولا شك أن هذا يظهر الفارق الكبير بين الضرورة والقائم، ويوضح مستوى الفقر الذي بات يحكم قطاعاً كبيراً من الشعب. وهذا طال العمال وموظفي الدولة وكثيرين من موظفي القطاع الخاص. وكان التشكّل الاقتصادي المشار إليه، وضعف القدرة الشرائية، يفضي إلى تراجع وضع فئات وسطى من المهنيين، الأطباء والصيادلة والمهندسين والمحامين والأساتذة، وانهيار وضع تجار متوسطين، مقابل استفادة فئة من كل هذه الفئات باتت تشكّل جزءاً من التحالف الطبقي الحالكم.

بهذا، باتت فئات فلاحية وعمالية، ومن الفئات الوسطى كبيرة العدد مفقرة، في اقتصاد كان يتحوّل إلى الريعية، ويمركز الثروة بيد أقلية، ويجمّد الأجور في وقتٍ كانت تشهد الأسعار، السلع والخدمات، ارتفاعاً كبيراً، ولا يسمح باستيعاب العمالة التي تدخل السوق سنوياً. لا شك في أن هذا الوضع هو وضع كل البلدان العربية التي شهدت ثوراتٍ وتحركات شعبية، ووضع كثير من بلدان الأطراف.

ربما كان الاختلاف يتمثل، أولاً، في تأخر انتصار اللبرلة (2007)، وثانياً طبيعة السلطة كدكتاتورية شمولية، واجهت معارضيها بوحشية، طوال سنوات حكمها، سواء بالسجن الطويل أو التدمير، كما حدث في حماة سنة 1982. وهيمنته على النقابات والاتحادات، وتفكيكه الأحزاب وتهميشها، وتدمير السياسة في المجتمع. لهذا، كانت ردود الفعل على التحولات الليبرالية ضعيفة، وربما لم تأخذ مداها، حيث بدأت الثورات العربية في 17/12/ 2010. ففي مصر، بدأت اللبرلة، منذ أواسط سبعينات القرن العشرين، وتصاعدت في تسعيناته. وفي تونس، بدأت اللبرلة كذلك منذ السبعينات. وكذلك في المغرب، وفي الثمانينات في الجزائر. وتأخر اللبرلة، مع عنف السلطة، لم يكن يسمح بحراكٍ احتجاجيّ جدي قبيل الثورات العربية، لتأتي الثورات نفسها عنصراً مفجّراً للثورة.

خلاصة

كان الوضع في سورية يشي باحتمالات الثورة. لكن، لم يكن الاحتقان قد تراكم بما يسمح بكسر حاجز خوفٍ بني على العنف والوحشية. لهذا، ساعدت الثورات العربية في تفجرّها. ونتيجة هذا الوضع، استمر توسعها عاماً كاملاً، لكي تصل إلى معظم سورية، أي من درعا إلى حلب.  وتطورت مواجهتها من عنفٍ إلى عنف أشدّ، حيث كان واضحاً أن النظام يريد الحسم العسكري فقط. وكانت طبيعة تكوينه تجعله يسير في هذا الطريق، حيث لا بد للمافيا الحاكمة، وللعائلة التي فهمت أن سورية ملكية خاصة لها، أن لا تقبل "الحل الوسط"، بل أن تسعى إلى الحسم، مهما كان العنف الضروري لذلك، والأساليب التي يمكن استخدامها من أجل الوصول إلى ذلك. ومن ذلك إطلاق "جهاديين" من السجون، لكي تشكّل تنظيمات أصولية إرهابية.

وكان الخوف من انتشار الثورات أكثر قد دفع نظم إقليمية لكي تشتغل على إعاقتها ووقفها. ودفع الطغم الإمبريالية إلى أن تدفع، مستفيدة من وحشية النظام ودخول القوى الأصولية وتدخل دول إقليمية، نحو أن تتحوّل الثورة إلى مجزرة، لكي تكون مثالاً يخيف شعوب العالم من كل ثورة. باتت سورية، إذن، مركز وقف الثورات وتحويلها إلى مجزرة. لهذا، تدخلت كل القوى، الإمبريالية والإقليمية، من أجل إجهاض الثورة وتحقيق ذلك. كانت هذه هي المسألة الأهم بالنسبة للرأسمالية عموماً، وهي الضرورة التي يجب أن تردع الشعوب، في عالمٍ مقبل على الثورات، نتيجة الأزمة العميقة التي تعيشها الرأسمالية.

وإذا كان يُفهم ما جرى في سورية، انطلاقاً من المنظور الذي حكم اليسار في الحرب الباردة، حيث باتت أميركا هي التي تفتعل الصراع في سورية عبر "مؤامرة"، فإن فهم استراتيجية أميركا ما بعد الأزمة يمكن أن تلقي الضوء على دورها ومواقفها. ولقد أشرت إلى أن العلاقة الأميركية السورية عادت "إلى طبيعتها" سنة 2010، والى انسحاب أميركي من المنطقة، فإن الموقف الأميركي كان مربكاً في السنة الأولى من الثورة، لكنه لم يكن يسمح بتدخل دول "حليفة"، مثل تركيا وقطر في الصراع، ومن ثم تفاهم مع روسيا على الحل، وبات يدعم الدور الروسي لرعاية مرحلة انتقالية (كما صرّح باراك أوباما بداية سنة 2012). وحين تدخلت إيران، ولم يستطع الروس تحقيق الحل، جاء تدخلهم غير المباشر أولاً، ثم بشكل مباشر. لكن، من أجل محاربة داعش (كما قالت). ولا شك في أنها شاركت في توسيع دور المجموعات الأصولية، داعش والنصرة، وضبطت ما يمكن أن يرسل من سلاح للكتائب المسلحة، ودعمت الدور السعودي في الأسلمة والسيطرة على المسلحين. بمعنى أن الموقف الأميركي تطوّر من محاولة تحقيق حل روسي ينهي الثورة، إلى دعم تفاقم الصراعات وتحويلها إلى صراعاتٍ طائفية وأهلية، وإرهابية. وما أرادته، هنا، كما أشرنا قبلاً، هو تحويل الثورة إلى مجزرة. لكنها لا زالت تعمل على أن تكون روسيا راعية الحل، والمسيطرة على سورية. على الرغم من الخلافات والاحتكاكات التي تظهر أحياناً، وعلى الرغم من الغباء الروسي الذي يفشل الوصول إلى حلول، فأميركا لا تعتبر نفسها معنية بالسيطرة على سورية، هي تريد العراق. لهذا، لا تعمل في سورية من أجل منافسة روسيا، بل من أجل مساعدتها على السيطرة.

(العربي الجديد)

 

ثورة حقيقية في سورية

سلامة كيلة

 

ما إن توقف إطلاق النار جزئياً في سورية، حتى خرج آلالاف في تظاهراتٍ تعيد الصورة التي بدأت بها الثورة. تظاهرت كل المناطق التي هي خارج سيطرة النظام وداعش، الحليفين اللذيْن يعملان (مع جبهة النصرة) لإجهاضها. إذن، نهض الشعب من تحت الرماد، يعلن أنه يريد إسقاط النظام، وأنه مصمم على الاستمرار في الثورة، وأيضاً أنه هو الثورة، هو وليس كل الذين ادعوا ذلك، أو ركبوا على أكتافها، أو الذين قدموا لكي "يقيموا الدين في مالطا" على جثث الشعب السوري. 
ظهر، في السنوات الثلاث الأخيرة، أن الشعب تلاشى، وحلّ في المقام الأول وعلى السطح أشتاتٌ من المرتزقة والقتلة، ومن الأصولية والرايات السود، ورجال المخابرات. وبالتالي، بات ما يجري "حرباً أهلية" و"صراعاً طائفياً" أو صراعاً إقليمياً دولياً، ولا شك في أن الوضع حمل أشكالاً من ذلك، هي التي غطت على ثورةٍ حقيقيةٍ، تريد الحرية والعيش الكريم، تريد الخبز والحرية. ولقد اشتغل النظام ودول إقليمية وإمبرياليات على أن تنقلب الثورة حرباً أهلية وصراعاً دولياً، لكي تتدمر الثورة، ويتدمر كل أمل للشعوب في العالم بالتغيير. تكاتف العالم الإمبريالي كله، والرأسماليات التابعة الإقليمية كلها من أجل وقف الموجة الثورية التي انطلقت من تونس في سورية، ولا أحد يظن أن دولةً كانت مع ثورة الشعب السوري، فهذه مهزلةٌ تنمّ عن قصور وعي، بل جهل.
وظهر أن السياسة التي اتبعتها كل هذه الدول، سواء دعمت النظام أو ادعت أنها مع الشعب، قد نجحت، وأن الثورة انتهت، وبات على القوى الدولية أن تحدِّد مصير سورية، وباتت الدول الإقليمية تنازع لكي تحصل على حصة. وحتى أطياف المعارضة، وبعض اليسار الذي كان يدعم الثورة، اعتبر أن الثورة انتهت، حيث بات الصراع هو "بين قوى رجعية"، أو أنه حربٌ إقليمية بالوكالة. وتعمّمت فكرة أن ما يجري في سورية هو حرب داعش والنصرة والأصولية عموماً ضد النظام، وأن ما يجري جريمة بحق سورية، تقوم بها هذه القوى (وليس النظام).
بعد ذلك، وفجأة يعود الشعب، ينهض من تحت السواد، لحظاتٍ، بعد أن هدأ القصف والقتل والعنف وكل الوحشية التي مورست من أجل أن تنهي تظاهراته وتقتل صوته، وتردم فوق ذلك كل السواد والدم والتدمير من طرف، وكل الأفكار حول طابع الصراع صراعاً إقليمياً أو حرباً ضد إرهابيين، أو قتالاً ضد "المجاهدين" الذين يريدون إقامة "دولة إسلامية"، أو يريدون القتل فقط، من طرف آخر.
هذه ثورة حقيقية، كما قلت منذ زمن، وإذا كانت هيمنت قوى أصولية، أو سيطر السلاح الذي كان ضرورة من هؤلاء الشباب الذين يتظاهرون الآن في مواجهة وحشية النظام، وتدخلت دول وقوى لحرف سلاحهم، من خلال الأسلمة أو وضعه في معركةٍ غير متكافئةٍ، كانت تريدها السلطة، فقد كانت قوة الشعب هي التي سمحت بضعف النظام، وحاجته للتدخل الإيراني ثم الروسي، وهي القوة التي يجب أن تدعم الحراك الشعبي، لا أن تحلّ محله، كما جرى.
عاد الشعب لكي يعبّر عن ذاته، وليستعيد ألق الثورة، ويعود إلى النشاط الذي اختاره من أجل إسقاط النظام. هذه هي الثورة التي جرى الاعتقاد أنها انتهت. وكانت وحشية النظام وتهجيره لجزء كبير من الشعب، ومن ثم لاعتبار السلاح هو الحل الوحيد، قد غطى عليها، همّشها، وأوصل إلى أنها انتهت. لكن الشعب ما زال يريد إسقاط النظام، سواءً تحقق حلّ سياسي تفرضه الدول الإمبريالية والإقليمية أو لم يتحقق سوف يستمر في الثورة.
بقي أن نقول إن الثورة بحاجة إلى إعادة بناء، بالضبط على أساس الحراك الشعبي، وليكون السلاح هو العنصر الداعم لهذا الحراك، وليس البديل له، وأن يخرج من المدن، ويمارس دوره على جبهات القتال، وأن يتولى الشعب إدارة حياته، عبر تأسيس مجالس محلية ومحاكم تدير شؤونه.

(العربي الجديد)

 

ليس ربيعاً

سلامة كيلة

 

ما جرى في البلدان العربية سمي الربيع العربي، وهو المصطلح الذي يتكرّر في الإعلام، ومن النخب، وكأنه التعبير الحقيقي عما حدث منذ 17/12/2010. هل هو ربيع عربي؟ أي ربيع مكمّل لما حدث في "ربيع براغ" سنة 1968، وما حدث في أوروبا الشرقية وروسيا؟ 
كان المنظور الذي حكم كل هؤلاء اعتبار أن ما يجري في الوطن العربي استمرار لما حدث في بلدان أوروبا الشرقية وروسيا، حيث سقطت الشيوعية وانتصرت الديمقراطية. وهي الحالة التي أدت إلى تعميم خطابٍ تحت مسمى العولمة، يقول بنشر الحرية والديمقراطية، الخطاب الذي كانت الإمبريالية تعمل على تعميمه في دول أوروبا الشرقية وروسيا، من أجل فكفكتها وإنهاء الشيوعية. لكن، لم يكن الخطاب هو الذي أفضى إلى الانهيار، على الرغم من أنه كان يلامس أزمة المجتمعات التي كانت تحكمها أنظمة شمولية، بل إن أزمتها الداخلية، واتساع الفوارق بين الشعب والبيروقراطية الحاكمة من حيث الوضع المعيشي، وتعمُّق الاعتراب نتيجة الشمولية المفرطة، كلها أضعفت النظام وعزّزت من الميل لتجاوزه. وقد حمل هذا التجاوز الميل إلى تحقيق الحرية والديمقراطية، والعودة إلى الرأسمالية. 
فتح انهيار الاشتراكية الطريق لسياسة أميركية جديدة، تقوم على تعميم اللبرلة وفتح الأسواق، وتحقيق انفلات النشاط المالي. ارتبطت هذه السياسة "العملية" بخطاب "تحرّري"، يركز على مواجهة النظم الشمولية، وعلى تدخل الدولة في الاقتصاد، حيث هدف خطاب الحرية والديمقراطية إلى تقزيم دور الدولة في المجال الاقتصادي بالأساس، وليس لتحقيق نظمٍ ديمقراطيةٍ حقيقية. لكن النخب العربية انساقت خلف هذا الخطاب، وأخذت تكرّر مجمل عناصره، بما في ذلك قبول اللبرلة، وباتت تركّز جل نشاطها حول ذلك. كان نشاطها، طوال العقدين السابقين للثورات، على "الإصلاح السياسي" و"الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية"، وأخذت تكرّر مصطلحات الخطاب العولمي الذي قام على مفهوم المكونات بالمعنى الطائفي والإثني، وعلى بناء النظم الطوائفية، وكذلك التركيز على الانتخابات، من دون التأسيس المجتمعي الضروري لذلك، مثل مفهوم المواطنة الذي يتجاوز مفهوم المكونات. 
هذه الأجواء هي التي فرضت النظر إلى الثورات على أنها ربيع عربي، ربيع يكرّر الربيع الأوروبي الذي حمل هدف الحرية، والربيع الذي طاول البلدان الاشتراكية، وحمل مطلب الحرية في مواجهة شمولية ونظم دكتاتورية. فقد أضفت النخب على ما جرى مطمحها هي، ومنظورها الذي تبلور في كنف خطاب العولمة بالتحديد. ولهذا أرادت أن يحمل ما حدث هدف الحرية والديمقراطية فقط، لأنها لا تعارض اللبرلة التي حققتها النظم، وربما كانت تريد لبرلةً أكثر. ولم تلمس أن سبب الثورات هو اللبرلة، وما أفضت إليه، بل قاتلت من أجل أن تفرض على الثورات منظورها الليبرالي الديمقراطي (على الرغم من تشوّه مفهوم الديمقراطية لديها). بالتالي، كان مصطلح الربيع مرتبطاً بالسعي نحو الحرية والديمقراطية فقط، وكانت النخب تريد حصر الثورات في هذه الحدود. 
بالتالي، ما جرى ويجري ليس ربيعاً، ولن يكون ربيعاً بالمعنى الذي جرى تعميمه. وهو المصطلح الذي سمح بالحديث عن "خريفٍ إسلامي"، آلت إليه الأمور بعد "انتصار" الإسلاميين في الانتخابات، ومن ثم إلى "شتاء جهادي"، أو "شتاء إرهابي"، بعد أن جرى نشر المجموعات "الجهادية" في العراق وسورية وليبيا واليمن، وكل المنطقة. ومن ثم اعتبار أن ذلك كله هو نتاج طبيعي لانفجار الثورات، ويبرّر العودة إلى تكريس استبدادية النظم، تحت حجج "الحفاظ على الدولة"، و"الحاجة لمحاربة الإرهاب". وهو الأمر الذي حوّل "دعاة الديمقراطية والحرية" إلى قبول الاستبداد، ويقفون ضد "المطالب الفئوية" التي تفضي إلى احتجاجاتٍ وإضراباتٍ وتظاهرات، ويدعون إلى قبول الشعب بـ "النظام الجديد" الذي هو النظام القديم مجدداً. 
ما حدث إذن، هو ليس ربيعاً بل ثورات حقيقية، ثورات اجتماعية، هذا ما يجب أن يكون في أساس الفهم، حين تناول الأحداث منذ 17/12/2010.

(العربي الجديد)

 

مثل مصير سورية

 

سلامة كيلة

 

بات مثال سورية تكرّره نظم عربية حاكمة، للقول إن كل تمرُّد للشعوب سوف يفضي إلى ما وصل إليه الشعب السوري من قتل وتدمير وتشريد وانهيار اقتصادي ومجاعة. وذلك بغرض تنبيه الشعوب كي لا تتمرَّد، وأن تقبل الوضع الذي هي فيه، وربما وضعاً أسوأ، نتيجة حاجة الطبقة المسيطرة لزيادة النهب. 
لكن، مَنْ أوصل الوضع السوري إلى هذه الحال؟ "مزاجية" الشعب، وتأففه، وميله إلى التمرّد العشوائي، أم أن الأمر يتعلق بالوضع الذي بات ينحكم إليه، بعد أن بات عاجزاً عن العيش نتيجة النهب المريع الذي مورس عقوداً من سيطرة طبقة مافياوية، ومن سياسة ليبرالية أفقرت الكتلة الأكبر؟
مجمل السياسات الاقتصادية التي جرى اتباعها منذ "الخصخصة"، وتعميم اللبرلة خدمة لمصالح طبقة رأسمالية محلية، والطغم الرأسمالية العالمية، هي التي فرضت انهيار الصناعة والزراعة والتعليم والصحة والبنية التحتية، لمصلحة اقتصاد ريعي قائم على الخدمات والاستيراد والسياحة والعقارات والبورصة، وهو الاقتصاد الذي بات يهم تلك الطغم وهذه المافيات. وهو الأمر الذي أفضى إلى إفقار كتلة كبيرة من الشعب، وإلى زيادة كبيرة في نسبة العاطلين عن العمل، وبالتالي، إلى انهيار التعليم والصحة والبنية التحتية، حيث لم تعد الدولة الممثلة لتلك الطبقة معنية بالصرف على هذه القطاعات الحيوية للشعب، من أجل أن تذهب ميزانية الدولة إلى تسديد فوائد الديون وأقساطها. 
إذن، السلطة، كممثلة للطبقة المسيطرة مافياوية الطابع، هي التي أفضت إلى هذه الحالة من سوء العيش للكتلة الأكبر من الشعب. إنها المسؤولة عن هذه الوضعية التي بات يعيشها الشعب، والتي دفعته إلى التمرّد. لقد نهبت هذه الطبقة الاقتصاد، وأكملت دولتها النهب عبر الضرائب المتصاعدة والتخلي عن دورها الخدمي. وبهذا، بات الشعب يعيش في وضع مريع فرض تمرّده. هذا ما حدث في سورية. ولكن، كذلك في كل البلدان العربية، وفي دول الأطراف، وحتى في بلدان عربية رأسمالية، وهو الوضع الذي يفرض الثورة بالضرورة. 
الآن، لماذا وصل الوضع السوري إلى ما وصل إليه؟ بالضبط، لأن النظام ردّ على تمرّد الشعب الذي كان سلمياً، بكل الوحشية. قرَّر أن يسحق الشعب الذي تمرّد، وأن يبيده إنْ لزم الأمر، وكان شعاره: الأسد أو لا أحد. لهذا واجه التظاهرات السلمية بالرصاص، ثم بتدخل الجيش والطائرات والصواريخ. وكذلك بتسهيل دخول "الجهاديين"، وفي تسليحهم وتعزيز نشاطهم ضد الشعب والثورة. وأخذ يحوّل الثورة إلى مجزرة. لقد قرَّر، منذ البدء، أن الخيار الوحيد الممكن لديه هو القتال إلى النهاية، دفاعاً عن وجوده، وعن نهب المافيا المسيطرة. ولم يقبل أيَّ تنازلٍ لمصلحة الشعب، لا في المجال السياسي حيث كانت المطالبة بالديمقراطية، أو في المجال الاقتصادي، حيث كان الشعب يريد المقدرة على العيش. 
هذا الخيار الوحشي هو الذي أوصل الوضع السوري إلى ما وصل إليه، وسمح بتدخلاتٍ كثيرة، وبتسرّب "الجهادين"، وبكل ما نشاهد من قتل وتدمير وتشريد. لهذا، كل من يشير إلى ما وصل إليه الشعب السوري لا بد له أن يعرف أن قراره هو الذي يمكن أن يوصل إلى هذا الوضع، أي أن قرار النظم والطبقات المسيطرة بمواجهة الشعب بالعنف والوحشية هو الذي يوصل إلى وضعٍ يشابه الوضع السوري، فالشعوب، بعد أن نُهبت وأُفقرت وتهمشت، لم يعد أمامها خيار سوى الثورة، فهي أصلاً لم تعد تستطيع العيش. وبالتالي، إن ميل النظم لمواجهتها بالعنف والوحشية هو الأساس في الوصول إلى حالةٍ مشابهةٍ من القتل والتدمير والتشريد. النظم هي المسؤولة، وهي التي، من أجل الحفاظ على نهبها واستغلالها، تلجأ إلى الوحشية، لكي تبقى حاكمة ومسيطرة. 
لكن، في كل الأحوال، لم يعد ممكناً للطبقات المسيطرة أن تستمر، تمرّدت الشعوب وهزّت كلية الوضع، وهو ما سوف يؤدي إلى سقوط النظم.

(العربي الجديد)

 

 

داعش الروسية

سلامة كيلة

 

أتت القوات الروسية إلى سورية لمحاربة داعش، هكذا عمّم الإعلام الروسي، وكرّره مسؤولون روس. لكن الحرب طاولت قوى الثورة، أي الكتائب التي تقاتل النظام، حتى جبهة النصرة المصنفة دولياً تنظيماً إرهابياً لم يطلها القصف الروسي. طبعاً أميركا تعمل الأمر نفسه، حيث أنها شكلت تحالفاً ضد "داعش"، لكن قصفها قلما يطاول مسلحي هذا التنظيم.
وإذا كانت المؤشرات عديدة حول علاقة داعش بأميركا، فقد كان الشك قليلاً بعلاقة روسيا بهذا التنظيم. حتى إيران والنظام السوري كانت هناك مؤشرات لعلاقة ما مع داعش. كان عدم الشك بروسيا واضحاً على الرغم من أعداد "الجهاديين" الشيشان الكبيرة في بنية داعش، وحتى في قيادتها، ومن هؤلاء أبو عمر الشيشاني. وذلك كله على الرغم من أن روسيا بوتين تعاملت مع "التمرّد الشيشاني"، واخترقت "المجاهدين"، وتوصلت إلى قتل أحد قادتهم، المسمى خطّاب. واستطاعت أن تستميل كثيرين من هؤلاء، وأن تفرض سلطتها عبر أحد أبرز الرموز الشيشانية، قاديروف.
لهذا، كان ممكناً توقّع وجود علاقة بين روسيا وداعش، وخصوصاً أن التدخل الروسي الذي أتى باسم الحرب على داعش لم يطاوله سوى بشكل هامشي. على الرغم من أن ما كان يعمّم، أو يُفرض كمنظور، يقوم على أن داعش "تنظيم مستقل"، هو نتاج واقعنا، على الرغم من أن كتلة عناصره الأساسية آتية من الخارج، أو أنه فعل أميركي. لا أشكك بأنه فعل أميركي، لكنه "مخترق" من دول أخرى، ظهر دور إيران واضحاً، لكن الدور الروسي ظل "خارج النقاش"، سواء لأنها قاتلت الشيشانيين، أو لأنها لا تستخدم هذه الأساليب، لأنها "معادية للتعصب الديني".
لكن ما صرَّح به قاديروف ربما يغيّر من هذه النظرة، ويُدخل روسيا في إطار الدول التي "تخترق" داعش. قال "إنه تم إرسال أفضل المقاتلين الشيشان" إلى داعش، "لجمع المعلومات"، والعمل من الخلف لدعم التدخل العسكري الروسي، لكنه أوضح "أن عملاء الاستخبارات الشيشان في بداية الحرب الأهلية في سورية تم إرسالهم سرياً إلى معسكرات تدريب، لتدريب المقاتلين الذين يعلنون الوهابية"، وأفاد بأنهم "كشفوا أنه كان هناك مدربون من دول حلف شمال الأطلسي". إذن، أرسلت روسيا "مدربين"، وقيادات وعناصر، كما فعلت الدول الأخرى، على الرغم من أن كلّاً منها كان يعتبر أنه يسيطر على التنظيم، وأنهم جميعاً استفادوا منه.
ربما هذا أول اعتراف بدور روسي في تنظيم داعش. وهذا يفسّر لماذا لا يقصف الطيران 

الروسي التنظيم، حيث أن هذا "الاختراق" هو من أجل استخدام التنظيم، كما تفعل أميركا تماماً. ومن ذلك ما نشرته مجلة فورن بوليسي، أخيراً، حول التعاون مع "داعش"، فيما يخص النفط في المنطقة الشرقية. حيث ذكرت أن شركة "سترويترانسجاز" الروسية التي حصلت على امتياز استثمار حقل توينان للغاز، استأنفت أعمال التشييد في الحقل بعد سيطرة "داعش" عليه في مطلع 2014، وبموافقة التنظيم، وأن المهندسين الروس ظلوا يعملون هناك لإكمال المشروع، مشيرة إلى أن تقريراً نشرته صحيفة تشرين التى يديرها النظام، فى يناير/كانون الثاني 2014، بدا معززاً لذلك". " ونقلت "تشرين" آنذاك، عن مصادر حكومية سورية، إن "سترويترانسجاز" أنجزت 80% من المشروع، وإنه يُتوقع أن تُسلم المنشأة للحكومة فى النصف الثاني من العام، من دون أن تذكر أنها خاضعة لسيطرة "داعش". ولا شك في أن إشارة الصحيفة السورية الحكومية تعطي المصداقية على ذلك، لأنها تشير إلى نشاط الشركة في فترة سيطرة "داعش".
بالتالي، تمارس الشركة الروسية نشاطها في منطقةٍ تسيطر داعش عليها، وهذا ما يشرحه موظف لدى النظام، يعمل في تمديد خطوط الغاز والنفط، تصميماً وتنفيذاً وإشرافاً، وهو يعمل في تدمر وبادية حمص والرقة، أي في أرض الدواعش وحمايتهم وتقديمهم خدمات وتسهيلات العمل والدعم اللوجستي والعمل لصالح النظام، كما قال. وأشار إلى حقل توينان الذي يحوي مخزوناً هائلاً من الغاز، وقال إن العمل فيه لا يزال مستمراً تحت حماية الدواعش حتى هذه اللحظة. ويقوم الخبراء الروس والعمال المحليون بأعمالهم، وكأن لا شيء حولهم. وقال إن 50% من الدواعش هم من الروس، ويقومون بمهمة الحماية. وأكمل أن هذه المناطق هي لروسيا، وليست للنظام، بموجب عقود وتفاهمات بين النظام والروس، قديمة قبل الثورة، ومن الطبيعي أن تُحرس وتحمى من جنود روس. لذلك، كان 50% من تركيبة داعش روساً مدرّبين تدريباً عالياً، ويقومون بدور الحماية، ويتوسعون باتجاه السيطرة وانتزاع الأرض من قوى الثورة. وهم كما يشير قاديروف من الشيشان بالأساس.
لهذا، يسيطر الروس على حقول النفط والغاز تحت يافطة "داعش"، وهم من يصدر النفط باسم "داعش" إلى النظام ودول أخرى. وهذا يؤكد أن "داعش" يتعاون مع النظام والروس في تصدير النفط، لأنه أصلاً للروس والنظام، و"داعش" هو الحارس له، على الرغم من أنه يُصدَّر باسمه.
ربما هنا تظهر أهمية ما قاله قاديروف، والذي نشر في صحف روسية (موقع سبوتنيك)، حيث أن هؤلاء الذين يسيطرون على تلك المناطق من الشيشان في الغالب، وهم من أرسلتهم المخابرات الروسية لكي يكونوا "جهاديين" في داعش، وأن يدربوا الوهابيين. ولهذا، لا يتعرضون للقصف الروسي (أو حتى الأميركي)، ويخضعون لتكتيك الروس والنظام في الصراع ضد الثورة. إذن، هذا هو الفرع الروسي لداعش الذي لا يوجد في تلك المناطق فقط، بل يعمل في أكثر من منطقة، ضمن سياسة النظام والروس لسحق الثورة.
هنا، نحن لا نحلل فقط، بل نستند إلى معلومات موثقة من مصادر روسية ومن النظام. لتظهر طبيعة "داعش". ولكن، أيضاً زيف خطاب الروس والنظام الذي يقول إنه يحارب داعش. فداعش شركة أمنية خاصة ومساهمة، يوظّف فيها أطراف كثيرون. وهنا، يظهر التوظيف الروسي، كما ظهر التوظيف الإيراني، والتركي، وتوظيف النظام. وروسيا سيطرت عبر التنظيم على مناطق النفط السوري الذي تحصلت على حقوق استغلاله، وتدفع به لقتال الكتائب المسلحة ضمن هجوم مزدوج (أو متعدد، بعد مشاركة قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي) في شمال حلب.
وربما انطلاقاً من هذه المعلومات، يمكن تفسير عمليات عسكرية عديدة، قام بها التنظيم ضد جيش النظام في المنطقة الشرقية من سورية، وفي حصاره مطار كويرس أكثر من سنة ونصف من دون اقتحامه، ومن ثم تسليمه للنظام أخيراً، وأيضاً كل المعارك التي خاضها ضد الكتائب التي تقاتل النظام.
الآن، يمكن أن نقول إننا عرفنا داعش الروسية.

(العربي الجديد)

 

روسيا كإمبريالية متوحشة

سلامة كيلة

 

يستفزّ توصيف روسيا إمبريالية يساريين كثيرين، وبالتالي، سيستفزهم توصيفها بالمتوحشة أكثر. ليس مهماً ذلك، حيث إنهم لا يريدون الفهم، ويتجاهلون الوقائع، حيث ينحكمون لموقف غريزي تجاه النظام السوري (كما أطراف عديدة في المعارضة السورية)، وفي الغرائز لا إمكانية للفهم، أو التفهيم، أو الاستفهام، ولا مكان للوقائع كذلك. 
روسيا إمبريالية بفعل تكوينها الداخلي، كما شرحت مراراً، واستظهاراً بدورها العسكري الخارجي ضد جاراتها أولاً، ثم في سورية ثانياً. ولأنها تسعى إلى "التوسع الاقتصادي" ككل إمبريالية، حيث إن توسعها العسكري ليس من أجل "الخدمات الإنسانية"، كما تفعل كل إمبريالية كذلك (وأميركا مثال واضح)، بل من أجل المصالح. هذا ما كان ينفيه كل "اليسار الممانع"، وينفيه الخطاب الإعلامي الروسي نفسه. فهي آتية من أجل "محاربة الإرهاب الداعشي"، أو من أجل "حماية النظام من السقوط بيد أميركا"، كما يشار عادة، وأن ليس لديها أي مطامع أخرى. فماذا في سورية، لكي تتدخل روسيا بهذه الطريقة كي تكسبه أصلاً؟ كما يشير كل هؤلاء. 
لكن كل خطاب متهافت لا بد من أن يأتي ما يكشفه. فهذا سفير روسيا في دمشق يقول إن روسيا تقدم السلاح للنظام بلا مقابل، أو بشروط مرنة. لكنه يكمل أن ذلك كله "سيتحوّل إلى مكاسب اقتصادية للشركات الروسية". هكذا بالضبط، ككل خطاب إمبريالي، حيث سيتحوّل التدخل العسكري، وتتحول المساعدات العسكرية، إلى "مكاسب اقتصادية"، وتحديداً للشركات الروسية. فالدولة الروسية هنا تدفع كل قيمة الأسلحة التي تضخها للنظام، أو تستهلكها في الحرب، وكل الضحايا التي يمكن أن تقدمها، من أجل مصالح "الشركات الروسية". وهي ستفعل كل ما تستطيع من أجل ذلك، لأنها ممثلة الشركات الروسية، هي أداة الرأسمالية المافياوية الروسية. 
إذن، هي إمبريالية، لا تتردد في استخدام جيوشها من أجل مصالح شركاتها. وهي حتى قبل انتهاء الصراع تغطي نشاط شركاتها في سورية، وتقيم المشاريع، وتنشط في حقول النفط والغاز، حتى تلك التي تحت سيطرة داعش. فقد حصلت من النظام أن دعمته سياسياً في مجلس الأمن على حق استغلال كل حقول النفط والغاز، وكثير من المشاريع الأخرى. وهي كدولة إمبريالية حصلت على قواعد بحرية وجوية، وربما برية، في إطار تعزيز وضعها العالمي، والتهيئة للسيطرة على بلدان أخرى. ولهذا، فهي تستعرض قوتها العسكرية، حيث تستخدم كل الأسلحة (عدا النووية، على الرغم من أن بوتين هدد بها)، من أحدث الطائرات وأكثرها فتكاً، إلى الصواريخ بعيدة المدى، والقنابل العنقودية والصواريخ الفراغية، وغيرها من أسلحة التدمير. 
الحرب الروسية في سورية، إذن، هي من أجل "مكاسب اقتصادية للشركات الروسية". هكذا كل إمبريالية، فقد فعلتها أميركا الإمبريالية في أفغانستان، وخصوصاً في العراق، ولقد استخدمت أحدث الأسلحة كذلك، وقامت بالتدمير أيضاً. لكن، ربما تتفوق روسيا على ما فعلته أميركا في العراق، حيث إنها تستخدم سياسة التدمير الشامل وتشريد الشعب، وقصف المستشفيات والمدارس والأحياء الشعبية، ومخيمات اللاجئين، والمصانع والأسواق الشعبية. إنها تتبع سياسة الأرض المحروقة، كما فعلت في الشيشان، وهي بذلك تطوّر سياسة النظام الوحشية، وتعزّزها بأسلحة في غاية التطور والفتك. فقد وسّعت التدمير والقتل، وحتى الإبادة. 
إنها إمبريالية متوحشة، تمارس كل الوحشية، لكي تظهر قوة "خارقة"، وذلك كله نتيجة إحساس قادتها ورأسماليتها بأنها مأزومة، وعاجزة عن كسب المنافسة، في مرحلة تشهد الرأسمالية ككل أزمة عميقة لا حلّ لها، وتظهر فيها روسيا كإمبريالية لا تثق بذاتها وبقدراتها، وبمصيرها. لهذا تعكس ذلك في الميل إلى ممارسة الوحشية التي ظهرت في الشيشان، حيث ليس غير القتل والتدمير، ليس لمصلحة نظام فقد شرعيته منذ بدء الثورة، بل من أجل المكاسب الاقتصادية لشركاتها، أي للرأسمالية نفسها، التي يمثلها بوتين، والتي هي ذو طابع مافياوي. 
روسيا إمبريالية متوحشة، لكنها ستهزم، فربما تستطيع هزيمة دول، لكنها لن تستطيع هزيمة شعب.

 

(العربي الجديد)

 

المجزرة الروسية

 

سلامة كيلة

 

ما يجري في سورية مجزرة موصوفة، تريدها الدول الإمبريالية من أجل وقف الثورات، وتأسيس "مثال" لما يمكن أن ينتج عن التمرّد ضد النظم. وفي هذا، تتشارك كل الإمبرياليات، كل الطغم الإمبريالية التي تعرف أن العالم مقبل عن ثوراتٍ، نتيجة النهب المريع الذي أحدثته طوال عقود طويلة. لكنها مجزرة كذلك من أجل إظهار "عظمة" روسيا، روسيا التي تريد أن تحلّ محلّ أميركا إمبريالية مهيمنة. 
بدأ النظام المجزرة باستخدام كل أسلحته ضد الثورة، ضد الشعب. فهو نظام مافيا، يريد الاستمرار حتى وإنْ دمّر البلد. وحين ضعف، تدخلت إيران لكي تدعم الجهد، لكي تستمر المجزرة تحت عنوان دعم النظام. وكانت تستخدم سورية، كما حزب الله، ورقة في المساومات الدولية، وهي تريد أن تصبح "قوة إقليمية". وها إن روسيا تكمل الجهد التدميري، بكل أسلحتها الحديثة التي تستعرضها من أجل أن تجد مشترياً، مثل كل إمبريالية هدفها الربح. 
تريد روسيا الآن الحسم العسكري، لكن هذا الحسم يقول بالتدمير الشامل لكل المناطق التي تسيطر عليها الكتائب التي تقاتل النظام بالتحديد، وليس داعش، أو حتى جبهة النصرة. وفي هذه السياسة التي هي سياسة أرض محروقة، استطاعت أن تسمح لقوات حزب الله وإيران أن تتقدم في مواقع عديدة، بعد قصف بدأ منذ آخر شهر سبتمبر/أيلول الماضي. وهي تنطلق من أنها، كقوة إمبريالية، قادرة على الحسم حين تقرّر، وأنها تفرض مصالحها بالقوة، وإنْ كانت نتيجتها التدمير الشامل. 
لهذا، وجدنا أن المجزرة تتسع، وأن كل الإمبرياليات تغطيها، وكل الدول الإقليمية، بحيث لا يجري الحديث عنها، أو اعتبار أن ما تقوم به روسيا احتلال جديد، وتدمير شامل، وقتل متمادٍ. وحتى الأمم المتحدة تغطي على الأمر، وكأن ما يجري أمر "طبيعي"، طبيعي جداً. ولا شك في أن تفسير ذلك هو القصد الإمبريالي، والأميركي خصوصاً، في تأسيس "مثالٍ"، هو مجزرة بحق شعب تمرّد على النظام، لكي تخاف شعوب العالم التي باتت تعاني من الفقر والبطالة والتهميش، نتيجة النهب الإمبريالي، فلا تنفجر في ثورةٍ، كما حدث في البلدان العربية. "استلذت" على وحشية النظام، كما هللت للتدخل الإيراني، وإطلاق "الجهاديين"، وساعدت في ذلك. وها هي تطلق العنان لروسيا، لكي تكمل المجزرة، ويُمنع على الشعب السوري أي قدر من التسلح، لكي يواجه كل هذه الوحشية. 
تحج دول الخليج العربي إلى روسيا، وباتت تعتبرها صديقاً، وأميركا "تهدد" المعارضة، وتحاول أن تدفعها لقبول الحل الروسي. وتسليح الكتائب التي تقاتل النظام متوقف منذ أكتوبر/تشرين الأول. وبالتالي، يبدو أن كل هؤلاء يشاهدون "ذبح الثورة" ربما بكل سرور. ولا شك في أنهم أصلاً عملوا على أن تكون عاجزة عن الحسم، بعد أن عملوا على الأسلمة، وتشكيل مجموعات سلفية تابعة لهم، وعزّزوا من قدرة "داعش" و"النصرة". 
يجري في سورية ذبح الثورة كمفهوم، وكأمل يراود الفقراء، وليس ذبح الثورة السورية فقط. وفي ظل أعراس الرقص القائمة، تجري إعادة صياغة النظام العالمي، وبناء نظام عالمي جديد، معادٍ للشعوب، ووحشي تجاهها. في الوقت الذي يجري فيه التنافس على السيطرة، ليس بين أميركا وروسيا، فهما متفقتان، بل مع دول إقليمية، مثل تركيا. ويظهر أن دولاً إقليمية تريد السيطرة، وتعزيز وضعها، مثل تركيا وإيران، لكي تكون دولاً "عظمى" في "العالم الجديد". وذلك كله على جثة سورية، وعلى دم شعبها. لكن جثة سورية ودم شعبها لن يكونا مدخل بناء النظام العالمي الجديد، ولا مركز تقاسم العالم، بل ستكون الثورة السورية المفصل الذي سيهيّئ لثورات عالميةٍ هي قادمة حتماً، وما الوحشية التي ظهرت سوى الرد الناتج عن الرعب منها، عن معرفة أنها قادمة. 
لكن، أيضاً لن تكون النتيجة انتصار النظام وإيران وروسيا، فالصراع مستمر، والشعب الذي ثار لن يعود خائفاً خانعاً لنظام مجرم، ولنظام عالمي إجرامي بطبعه.

 

(العربي الجديد)

 

أيديولوجية إرهابية

 

سلامة كيلة

 

ثلاثة شعارات توضح الطابع الإرهابي والوحشي للنظام السوري. تكرّرت منذ بدء الثورة، ومورست بالفعل. الأول يقول: الأسد أو نحرق البلد (أو لا أحد)، والثاني كان خطاباً للأسد، يقول إن الإرهابيين هم ملايين، والثالث يقول الركوع أو الجوع. شعارات فاشية في الجوهر، وتعبّر عن جوهر النظام الذي قام على أساس دكتاتورية فرد، وأصبح وراثياً على أساس أن سورية "ملكية خاصة" له ولورثته. وتشكّل على أساس أنه نظام بطريركي، ينحكم لعائلة "مميزة"، ليست من البشر، بل من "أنصاف الآلهة"، يحكم "رعاعاً" و"غوغاء" لا يحكمون إلا بالعنف، وليس لهم حق التمرُّد أو الاحتجاج. 
شعار "الأسد أو نحرق البلد" هو التعبير عن أيديولوجية هذا النظام الذي ينحكم لسلطة مطلقة لفرد/ دكتاتور، لكنه أيضاً "مالك"، ويشغِّل "رعاعاً". فهو يعتبر أن سورية كلها ملك خاص، وأن كل من يعيش فيها هو "عامل" لديه. هنا، نجد أننا نعيش عصر الإقطاع، عصر الأقنان، من جهة. لكن، باستخدام أحدث الأسلحة من جهةٍ أخرى. فالمنطق الذي يحكم النظام أن سورية ملكية شخصية، وأن من حق المالك أن يؤدب، وحتى يقتل، كل عامل يتمرَّد. 
لهذا، نلمس كيف أن هذا الأساس الأيديولوجي يتبلور في فكرةٍ كرّرها بشار الأسد توضح كيف أنه يعتبر أن الملايين إرهابيون يستحق قتلهم وتدمير بيوتهم، أو تهجيرهم أو حصارهم حتى الموت جوعاً. ففي خطاب متلفز يقول: هناك آلاف "الإرهابيين" السوريين، ولكل واحد منهم أهل وجيران وأصدقاء، ليكون كل هؤلاء إرهابيين. وبالتالي، يمكن "أن نقول إن هناك مئات آلاف، بل ملايين الإرهابيين". فعلى الرغم من أن الإرهاب يتشكّل من مجموعاتٍ صغيرة منعزلة، وتعمل بشكل سري عادة، فإن هذا القول يسم كل متمرد بأنه إرهابي. هنا، تصبح "البيئة" كلها إرهابية، إذا ما ظهر إرهابي واحد فيها، ويصبح مطلوباً تدمير هذه البيئة، بكل الأسلحة الممكنة. هذا ما مارسه النظام منذ بدء الثورة، وما زال يمارسه بوحشية أشد. فالإرهاب يصبح ليس فرداً أو مجموعة صغيرة، بل بيئة كاملة، شعباً كاملاً، لأن "هناك إرهابيين" في بيئة معينة. 
عمّم هذا المنظور الإرهاب على كل من تمرَّد على النظام، وعلى كل الشعب. لهذا، بات "حرق البلد" مبرراً، وبات شعار ألا يبقى أحد مؤسساً أيديولوجياً، فبضعة إرهابيين تعني أن كل الشعب إرهابي، وبهذا فهو يستحق الحرق. ولقد اتبع النظام كل الأساليب الممكنة من أجل ذلك: القتل في السجون لعشرات الآلاف، وفي القتل المباشر في التظاهرات، ومن ثم بالقصف بالصواريخ والطائرات والبراميل المتفجرة، ومن ثم بالكيماوي. استخدم النظام كل الأسلحة التي اشتراها تحت حجة "توازن القوى" مع الدولة الصهيونية، وأساسها الصواريخ البالستية والأسلحة الكيماوية. 
لكن ذلك كله لم يؤد إلى هزيمة الثورة وانكسار الشعب، لهذا أضاف على ذلك كله شعار: الركوع أو الجوع. الشعار الذي عنى محاصرة كل منطقة يستطيع حصارها، ومنع وصول كل شيء إليها، الغذاء والدواء ووسائل التدفئة. ودفع الشعب لكي يأكل الحشائش والقطط، ومن ثم الموت جوعاً، أو عقد هدنة تفرض استعادة سيطرة النظام، وخروج المقاتلين تحت ضغط الوضع الصعب. 
بالتالي، فإن البنية الأيديولوجية التي قام عليها النظام، كمعبّر عن سيطرة دكتاتور، قامت على أساس احتكاره المجتمع، حيث كان يقدِّم "الهبات" لمن يعطي الولاء، ويُصدر الحرمان لمن يرفض ذلك. لهذا، فهي بنية أيديولوجية مرتبطة بعائلةٍ أساسها حاكم دكتاتور، على الرغم من أن الأمر اختلف بعد رحيل مؤسس النظام، أي حافظ الأسد، حيث أصبح هناك "رجال أعمال جدد" هم المسيطرون على الاقتصاد والدولة، وهم من أقرباء العائلة ومريديها. وإذا كانت هذه الأيديولوجية تتفكك لمصلحة سيطرة هؤلاء، فإن انفجار الثورة فرض استعادتها في مواجهة الشعب. 
لهذا، نجد أنها أيديولوجية تدمير وقتل وتجويع، بالضبط لأنها من اختراع سلطة مافيوية. إنها أيديولوجية إرهاب.

 

المفاوضات السورية تبدأ

 

سلامة كيلة

 

يوم الجمعة سوف تبدأ المفاوضات السورية، كما أعلن دي ميستورا، على أن تستمر ستة أشهر، قبل الولوغ في المرحلة الانتقالية كما هو مفترض. من كل الاتصالات واللقاءات التي جرت في الأيام السابقة يظهر أن المنظور الذي سيحكم هذه المفاوضات هو ما قرّرته روسيا، حيث عمل وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، على تمرير الرأي الروسي لدى المعارضة، ودفعها إلى المشاركة على هذا الأساس. كما أعلن دي ميستورا أنه هو الذي سيحدد الوفد "المعارض"، كما طالبه به قرار مجلس الأمن 2254، وأوضح أن المفاوضات غير مباشرة، وسوف تكون هناك وفود متعددة في مقابل وفد النظام. 
وكما بات يتكرّر، فإن الهدف من المفاوضات هو الوصول إلى حكومة وحدة وطنية، وصياغة دستور جديد، وحق بشار الأسد في الترشح في الانتخابات التي تلي صياغة الدستور. وهو التصور الإيراني الروسي الذي يعني، في الواقع، ليس إبقاء النظام وإزاحة بشار الأسد، بل إبقاء النظام وبشار الأسد. 
يلاحظ، أولاً، أن المدة الزمنية للتفاوض طويلة بما يكفي لكي يعتقد الروس والإيرانيون أنهم قادرون على سحق الثورة. وبهذا يكون الحل المطروح "طبيعياً"، لأنه يعني إدخال بعض الأشخاص في بنية السلطة، هم إما قريبون من النظام أصلاً، أو معارضون سابقون، يتملكهم هوس السلطة. لكن السؤال يتمثل في هل إن هذا الحل سوف ينهي الصراع، ويؤسس للاستقرار، و"يوقف الدم" كما يتكرر أولوية؟ فالميل إلى تبرير تحقيق أي حل يقوم على ضرورة "وقف الدم"، والمشكلة، هنا، أن روسيا تريد "وقف الدم" بالدم وزيادة الدم. لكن، هل يؤدي هذا الحل، حتى بموافقة كل المعارضة والدول الإقليمية عليه، إلى "وقف الدم"؟ 
كل من ينطلق من أن ما يجري هو من فعل المعارضة والدول الإقليمية والدولية (أميركا) يعتقد أن الحل سوف يؤدي إلى ذلك، لأنه يعني توافق القوى "المحرِّكة" على الحل. لكن في ذلك مشكلة فهم، ومعرفة، لأن الأساس في الصراع هو الشعب، والذين حملوا السلاح منه، والقوى الشعبية التي تريد تغيير النظام. وبهذا، وعلى الرغم من الصعوبة التي يعانيها الشعب، والعنف الموجه ضده، والتشريد والجوع والتدمير، فإن كل حلٍّ لا يحظى بموافقة هؤلاء لن يكون ممكن النجاح. وبالتأكيد، لا يعني هذا الحل التغيير الجذري، بل إنه يشابه الحلول في الدول الأخرى التي شهدت ثوراتٍ، وخصوصاً هنا في سورية، بعد أن ارتكبت السلطة كل الفظاعات التي شهدناها. بمعنى أنه من دون ترحيل بشار الأسد ومجموعته (آل مخلوف والأسد، وكبار مسؤولي الأجهزة الأمنية ومسؤولي الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري) لن يستقر الوضع، حتى وإنْ استطاعت روسيا "استعادة" الأراضي التي خرجت عن سيطرة السلطة. على الرغم من أن هذا الأمر الأخير ليس سهلاً، وربما ليس ممكناً، مع الوحشية الروسية التي تقوم على سياسة الأرض المحروقة. 
أراد الشعب الإصلاح، لكن وحشية السلطة فرضت عليه أن يريد التغيير، وهذه الوحشية دفعت إلى التحوّل إلى الصراع المسلح. وفي كل هذه المراحل، كانت وحشية النظام تتزايد، تدعمت بعد أن فشلت في سحق الثورة بوحشية إيرانية، عبر قواتها وقوات حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية والأفغانية والباكستانية، ثم الآن بالوحشية الروسية. فهل بعد ذلك كله سوف يجري القبول ببقاء النظام؟ 
يفترض الحل الروسي سحق الثورة، هذا ما يظهر واضحاً في صيغته المطروحة التي تقوم على استمرار الأسد ومجموعته، وروسيا تعتبر المفاوضات الغطاء لتحقيق سحق الثورة، وهذا ما لا يبدو ممكناً، سوى أنه يطيل الصراع، ويزيد القتل والتدمير والتهجير، وهذه جريمة ضد الإنسانية، ترتكبها روسيا. 
بالتالي، ربما يتحقق الحل بعد استنزاف روسيا وإنهاك قواها، كما جرى مع إيران وحزب الله، وهذا ممكن بالتأكيد. ولهذا، إذا كانت الأشهر المقبلة هي التي سيحاول الروس حسم الصراع عسكرياً فيها، فهي كذلك مرحلة إنهاك الروس، ووضعهم في مأزقٍ يفرض عليهم خسارة سورية، وليس فقط فرض حلٍّ يحقق مصالح إمبريالية لها.

(العربي الجديد)

 

روسيا تحتل سورية

سلامة كيلة

كان هذا العنوان لمقال نشرته بعد التدخل العسكري الروسي، نهاية شهر سبتمبر/أيلول الماضي. وبعد نشر الاتفاق الموقع من النظامين الروسي والسوري، أخيراً، يظهر واضحاً أن ما جرى احتلال. لا بد من ملاحظة أن من نشره هم الروس، ولهذا معنى واضح، يتمثل في فرضه أمراً واقعاً قبل بدء المفاوضات، وبالتالي، تحديد المعارضة المقبولة روسياً، انطلاقاً من إقرارها بالاتفاق. بمعنى أن تسهيل الحل السوري يقوم على اعتراف المعارضين بالاتفاق، وقبولهم به، وبالتالي، استمرار تنفيذه بعد الوصول إلى الحل. 
أرادت روسيا نظاماً يقبل بكل اتفاقاتها الاقتصادية والعسكرية السابقة، وباتت الآن معنية أكثر بقبولها وثيقة "احتلال سورية". إن تمسكها بالأسد هو نتاج توقيعه على بيع سورية لها، وتريد ممن يشارك في "النظام الجديد" المفترض أن ينتج عن الحل السياسي أن يقبل بهذا البيع من دون نقاش. إذن، بات واضحاً الهدف من كل المناورات الروسية، وشرطها الأساسي للوصول إلى الحل، بمشاركة "معارضة" مع النظام. الحل متوقف على هذا القبول بالتالي، أو تفرض روسيا حلها القائم على بقاء بشار الأسد ومشاركة معارضة ليست معارضة أصلاً. 
الاتفاق "غير محدد"، أي مفتوح، إلا إذا رغب "أحد الجانبين" في إنهائه، فينتهي بعد سنة من ذلك. هذا يفرض أن يظل النظام في دمشق "تابعاً" لكي يظل الاتفاق غير محدد. وهو يقيم قواعد عسكرية ليس في حميميم فقط، بل في مناطق أخرى، يجري تحديدها فيما بعد. ثم إنه يعطي "حصانة كاملة" من أي "ملاحقات مدنية أو إدارية"، ينص عليها القانون السوري للمجموعات الجوية الروسية وعائلاتهم. ويمنع سورية من أن "تتقدّم بأي شكاوى أو مطالبات ضد روسيا الاتحادية أو المجموعات الجوية الروسية أو أفراد وحداتها"، ولا تقيم أي ملاحقات تتعلق بنشاطها. وكذلك تتحمل سورية مسؤولية أي شكاوى من طرف ثالث "في حال تعرّضت لأضرار بسبب" نشاطها. وأيضاً السماح بإدخال أو إخراج "أي أسلحة أو ذخائر أو معدات أو مواد أخرى لازمة لتلبية مهمات" تلك المجموعات، و"ضمان أمن أفرادها ومتطلباتهم المعيشية من دون دفع أي ضرائب أو تعرفة". وهم يتنقلون من وإلى سورية "من دون عوائق". 
ينتهك ذلك كله السيادة الوطنية، على الرغم من أن هناك أجزاء من الاتفاق لم تنشر بعد، وما زالت سرية، وبالتالي هي أسوأ مما ورد هنا. وبالتالي، لم يعد الأمر يتعلق بالسيادة فقط، بل بالتحكّم في وضع سورية مثل كل احتلال. وسنلمس، هنا، أن الاتفاق أسوأ مما وقعته أميركا في أفغانستان، ورُفض في العراق، مثل إعطاء الحصانة الكاملة، ومنع معاقبة الجنود. وبالتالي، يظهر واضحاً أن التدخل العسكري الروسي لم يأت لحماية النظام فقط، أو لمحاربة الإرهاب فحسب، بل أتى ليبقى، ويؤسس قواعد عسكرية إلى أمد "غير محدّد". 
وإذا كانت روسيا ترفض تغيير النظم كما تقول، فهي تفرض ليس النظام الذي كان يتهاوى، بل تفرض احتلاله كذلك. ولهذا، نجدها تتدخل في وفد المعارضة المفاوض، وتفرض أسماء "تابعة"، سوف تعمل على أن تفاوض النظام، والوصول إلى "حل"، يبقي بشار الأسد وبنية النظام. وعلى الرغم من أن هذا الحل سيفشل بالتأكيد، لأنه لا يحقق مطلب تنحية بشار الأسد، ويأتي بمعارضةٍ هي ليست معارضة، فإن المشاركين في هذا الوفد سيكونون خونة بنظر الشعب الذي قاتل من أجل إسقاط النظام، وتعرّض للقتل والتدمير والاعتقال والتهجير، من دون أن ينجح حلهم، فروسيا تراهن على هؤلاء "الخونة"، في سياق عملها العسكري لسحق الثورة. وهي لا تجد غيرهم من يوافق على احتلالها سورية كما يبدو. ولا شك أنها واثقة من نجاحها. وهذا يعني أن لا حل قريبا، فلن يقود هذا "الحل الروسي" سوى إلى استمرار الصراع.

(العربي الجديد)

 

العلاقات الروسية

الخليجية وسورية

سلامة كيلة

 

نلمس تطوراً متسارعاً في العلاقات الخليجية الروسية، يبدو متناقضاً مع اختلاف المواقف في الموضوع السوري، وأهمية هذا الموضوع لكلا الطرفين. فقد جرى عقد اتفاقات اقتصادية كثيرة، وعلى صعيد السلاح، وتحققت زيارات كثيرة إلى موسكو من مسؤولين خليجيين، ليبدو أن لا مشكلات تعترض تطوير العلاقة بين الطرفين، على الرغم من إظهار الاختلاف حول "مصير الأسد" في سورية. وعلى الرغم من تمسك السعودية بعدم تخفيض إنتاج النفط من أجل وقف تدهور سعره، ومن ثم تحسين وضعه، وهو الأمر الذي يضرّ روسيا بشكل كبير، كونها تعتمد على تصدير النفط والغاز في ميزانيتها.
لا شك في أن تخوّف دول الخليج، وخصوصاً السعودية، من إمكانية التقارب الأميركي الإيراني، بعد توقيع الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني، يدفعها إلى البحث عن تحالفاتٍ توازن ما يجري، وربما تسمح بكبح الميل الأميركي لتفضيل التحالف مع إيران. ولهذا، تميل إلى تطوير العلاقة مع روسيا التي تبدو أنها في تقابل مع أميركا، وتحاول تنويع علاقاتها، بما يسمح لها ضمان مصالحها في وضع عالمي يبدو في غاية السيولة. ذلك كله على الرغم من العلاقة الوثيقة التي تحكم العلاقة بين روسيا وإيران، حيث ربما تراهن هذه الدول على أن التقارب الأميركي الإيراني سوف يفتح على فك العلاقة بين روسيا وإيران، لتحتمي هي بهذه العلاقة مع روسيا.
هذا أساس يمكن أن يفسّر ميل السعودية، ودول الخليج العربي، إلى تطوير العلاقة مع روسيا، وإلى التمسك بهذه العلاقة. وهو ما يفيد روسيا من خلال الصفقات الاقتصادية (السلاح وغيره) التي وقعت، أو يمكن أن توقع. ولا شك في أن تراجع وضع أميركا العالمي، ونقل أولويتها إلى آسيا والمحيط الهادي، سمح بأن تبحث السعودية، خصوصاً عن "تحالفات" أخرى مقابل الميل الأميركي للتحالف مع إيران (رغم المشكلات التي لا زالت قائمة، وتُظهر أحياناً أن الصراع لا زال السمة التي تحكم العلاقة بينهما) في وضع عالمي يتسم بالسيولة وعدم الاستقرار. على الرغم من أن هذه السياسة تبقى محكومة بالتحكم الأميركي بمداخيل النفط الخليجي، وبوجود قواعد عسكرية أميركية في الخليج.
وأتى التدخل الروسي في سورية في أجواء العلاقات "المتطورة" مع دول الخليج، ويبدو أن ذلك جعل ردود الفعل عليه تميل إلى الإيجابية، لأنه كما رأت يفرض إبعاد السيطرة الإيرانية على النظام، فقد باتت مشكلة هذه الدول، منذ بداية سنة 2013، مع النظام، هي هذه السيطرة الإيرانية تحديداً. وخصوصاً بعد توسع السيطرة الإيرانية من بغداد وبيروت إلى دمشق وصنعاء، حيث أصبح الصراع إقليمياً، وباتت مواجهة السيطرة الإيرانية أولوية. لهذا، تجري الدعوة إلى خروج القوات الإيرانية وقوات حزب الله والمليشيات العراقية فقط من سورية. وبالتالي، لا يجري التطرق للاحتلال الروسي الذي بات أخطر من الوجود الإيراني الذي كان في نزاعه الأخير، حين تدخل الروس بطيرانهم وقواتهم، ووحشيتهم. ويجري الإصرار على خروج القوات التي أرسلتها إيران فقط.
لكن، ماذا يفيد الشعب السوري إبعاد إيران إذا كانت روسيا تدمر سورية، عبر اتباع سياسة الأرض المحروقة، وتعمل على بقاء بشار الأسد حاكماً، وفي هذا السياق، تعمل على سحق الثورة؟ وإذا كانت دول الخليج تصرّ على رحيل الأسد، فكيف يمكن لها أن توفّق بين الموافقة على الدور الروسي في سورية الذي يصرّ على بقاء الأسد ومنظورها هذا؟ هل ستقنع روسيا، أخيراً، بضرورة رحيل الأسد؟
تعتبر روسيا أن سورية لها، وأنها وحدها المعنية بمصير النظام فيها، ولا تريد تدخل أحد. لهذا تفصل بين علاقاتها الخليجية ودورها السوري، وتعتقد أنها قادرة على فرض هذا الأمر أمراً واقعاً. بالتالي، إذا كانت سورية تعني تلك البلدان لا يفيد تطوير العلاقات و"الحج" المستمر إلى موسكو، بل يحتاج الأمر إلى موقف جدي، لكن المصالح هي التي تحكم، وليس مصائر الشعوب.

(العربي الجديد)

7 يناير 2016

 

تحالف الممانعة

الروسي الإسرائيلي

 

سلامة كيلة

طرح اغتيال سمير القنطار في دمشق (جرمانا) مسألة الغارات الصهيونية على سورية بجدَّة أكبر مما طرحته غارات عديدة سابقة، خصوصاً بعد التدخل العسكري الروسي، وتحديداً بعد نشر منظومة صواريخ أس 400 التي من المفترض أنها تحمي الأجواء السورية. السبب أن القنطار "ممانع"، يدافع عن النظام السوري، لكنه قتل في دمشق، على الرغم من الحماية الروسية للأجواء السورية. 
في الأمر، كما يبدو، تواطؤ روسي. حين تدخلت روسيا عسكرياً في سورية، سارع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى موسكو لتوقيع اتفاق تفاهم حول النشاط في الأجواء السورية، وتشكلت لجنة متابعة بإشراف نواب وزراء الدفاع، غرضها منع الاحتكاك في الأجواء السورية، وبالتالي، لتنسيق الطلعات الجوية. وأشار الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في خطاب ناري أخيراً، إلى أن موسكو تنسق في الأجواء السورية مع إسرائيل والتحالف الدولي. بمعنى أن الطلعات الصهيونية في الأجواء السورية منسقة مع روسيا. إذاً، كيف تسمح روسيا بهذه الضربة؟ نفهم أن الدولة الصهيونية نسقت مع روسيا حول ما قرّرته منذ أمد، أي ضرب كل ما يتعلق بأسلحةٍ يمكن أن تنقل إلى حزب الله في لبنان، لكن الطائرات الصهيونية طاولت منظومة صواريخ سكود، وضربت في القلمون كذلك. والآن، في دمشق ضد "رمز مقاومة"، وحليف ممانعة. 
هذا يعني أن روسيا التي أتت لإنقاذ النظام تراعي المصالح الصهيونية بشكل كامل. ربما هذا ما دفع بوتين إلى إرسال مستشاره لتدارس الوضع السوري مع القيادات الصهيونية. أي لمعرفة ما هو الأفضل لها في ظل ما يمكن أن يجري من ترتيباتٍ خلال المفاوضات المقبلة بشأن سورية. وما يُفهم من ذلك أن الموقف الصهيوني أساسي في المنظور الروسي لسورية. وهذا يعني، أيضاً، أن التحكم الروسي بالقرار السياسي السوري سوف يفرض علاقة جديدة بين الدولة الصهيونية والنظام، وربما يحقق "الصلح" الذي ظهر أن بشار الأسد سعى حثيثاً إلى تحقيقه، كما ظهر في تصريحات وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، والتي كانت استمراراً لتواصل ومفاوضات جرت سنوات 2007/ 2008، رعتها تركيا حينها بطلب من النظام. 
وهو يعني، من ثم، أن ليس في المنظور الروسي وجوداً لـ "المقاومة"، وهو ما يظهر في سماحه للطيران الصهيوني بقصف السلاح الذي تعتبره الدولة الصهيونية خطراً عليها. لكن، لا شك في أن في هذا المنظور وجوداً لـ "الممانعة"، التي تعني "التعنت ضد أميركا"، وهذا ما يجمعها مع الدولة الصهيونية، وبالتالي، يجمعها مع محور الممانعة الذي خصّ فقط أميركا ولم يشمل الدولة الصهيونية. وربما هذا من العوامل التي تفرض التمسك باستمرار بشار الأسد، وأيضاً التمسك الصهيوني به. 
الآن، ربما غطى الدور الروسي في سورية على سياسات روسيا منذ سنوات، والتي ظهر أنها تعزّز تحالفها مع الدولة الصهيونية، لأنها تسعى إلى وراثة أميركا في "الشرق الأوسط"، والدولة الصهيونية جزء من هذا الإرث. كما أن ما يجعل بوتين يعتقد أنه قادر على "توظيف" هذه الدولة هو وجود حوالي مليون روسي غير يهودي فيها، إضافة إلى اليهود الروس، وأيضاً، تمركز المافيا الروسية فيها، وهي المافيا التي تلعب دوراً مهماً في الدولة الروسية. وككل منظور إمبريالي، ترى روسيا أن عليها أن تقيم إستراتيجيتها في "الشرق الأوسط" على الأساس نفسه الذي أقامته بريطانيا العظمى وأميركا الإمبريالية. وبهذا، فهي تتقدم للحلول محلّ أميركا للسيطرة على المنطقة، انطلاقاً من الوجود المركزي للدولة الصهيونية، وليس بعيداً عنها. وما يجري في الواقع، كما أشرت قبلاً، يوضّح هذا الأمر، فهي تسحق الشعب السوري، والدولة الصهيونية تصفي ما يمكن أن يشكّل خطراً عليها بمعرفة روسية. 
إنها تسحق ثورة الشعب السوري، وتسمح بتصفية بقايا "المقاومة"، لكي يجري ترتيب وضع سوري لبناني متصالح مع الدولة الصهيونية تحت السيطرة الروسية... كل التمنيات لحلف "المقاومة والممانعة"، أما الشعب السوري فسوف يهزم الاحتلال الروسي.

 

(العربي الجديد)

 

عن النصرة والقاعدة

وداعش والأصولية

 

سلامة كيلة

 

 

هل مشكلة جبهة النصرة ارتباطها بتنظيم القاعدة؟ ربما شكلاً نعم، حيث يمكن ألا تعتبر تنظيماً إرهابياً كونها فرعا لتنظيم إرهابي. لكن، هذه مسألة شكلية جداً، وإذا كانت تفيد في تجنيب ضرب بعض المناطق السورية التي توجد فيها (على الرغم من ضعف هذه الاحتمالية)، لكنها لا تفيد في الدور السلبي، والسيئ، و"المخرِّب" لها في الواقع. 
رفض أمير جبهة النصرة، أبو محمد الجولاني، في مقابلة معه أخيراً، الانفصال عن تنظيم القاعدة، لكنه أشار إلى أنه، حتى وإن تم ذلك، سوف تمارس جبهة النصرة ما تمارسه الآن، أي سوف تطبق أفكارها التي حملها تنظيم القاعدة وتحملها هي. ليظهر أن المسألة لا تتعلق بالسبب "التكتيكي"، أي تجاوز الاتهام بالإرهاب، بل تتعلق بأيديولوجية مغرقة في الأصولية والتعصب والعنف. وإذا كان السبب التكتيكي يخص الدول التي "تخوض حرباً على الإرهاب"، فإن ما هو خطر علينا كلية المشروع هذا. 
وتتمثل المشكلة الجوهرية التي تخص الثورة السورية، والصراع في سورية، في المشروع الأصولي الذي تحمله، كما داعش وتنظيمات أخرى، فجبهة النصرة، وهي تقاتل النظام، "تقضم" كتائب الجيش الحرّ، وتفرض سلطة قروسطية على الشعب، أي تطبق عليه "شرعاً" ينتمي شكلاً للنص القرآني، لكنه، في الواقع، لا علاقة له بالواقع ولا بالنص القرآني، حيث يطبّق بشكل فظ، وانطلاقاً من فهم شكلي. هذه المسألة التي فرضت التناقض مع الشعب في مناطق كثيرة سيطرت عليها، حيث أن الشكلية التي تحكم النظر إلى الدين لا تتوافق مع الوعي المجتمعي. لكن الأمر الأساس يتمثل في أن ثورة الشعب طالبت بالحرية، وليس بالسلطة الدينية، وكان طموح قطاع كبير من الشعب أن يحقق مطالب لا تفهم بها جبهة النصرة، وكل المجموعات الأصولية (أو "الجهادية")، فالبطالة والفقر والتهميش ليست في قاموس هذا التنظيم وكل هذه المجموعات، بل ما يريده هو "فرض شرع الله" الذي يبتسر في أحكام بسيطة وسطحية، وتمس، في الأساس، الأخلاق وليس الاقتصاد أو السياسة. ولهذا، "مهمة" هذه المجموعات "تقويم أخلاق البشر"، انطلاقاً من فهم مسطّح للدين، حيث ليس المهم كيف يعيش، بل المهم كيف يطبّق هذا الفهم المسطّح. 
يمكن القول إن هدف هذه المجموعات "إقامة الدين في مالطة"، كما يقول المثل، الدين الذي يعتقدون أنهم يعرفونه، وجرى ابتساره إلى بعض الأحكام التي تفرض بالعنف، بغرض ضبط المجتمع على أساسها. ويتصادم هذا المنظور حتى مع الوعي الديني في المجتمع، وهو ميل "يميني" متطرف، بات المجتمع (حتى المتدين منه) يرفضه، لأنه يضيّق حتى من المنظور الأخلاقي. 
لكن، يجب أن نلاحظ التناقض بين هذا المنظور، الذي هو غير سياسي، ولا يعتبر أن الصراع 

ضد النظام هدفه المركزي، ويركّز على "الأسلمة" فقط، التناقض مع مطالب الثورة وغياب الفهم لمجمل المشكلات التي يعيشها الشعب، والتي فرضت انفجار الثورة، فقد واجه الشعب استبداد النظام وشموليته، من أجل فرض الحرية والديمقراطية التي تجعل الشعب فاعلاً سياسياً، كونه يشكّل مجتمعاً من المواطنين، وليس رعايا. وهذا يتناقض مع إخضاع الشعب لـ "قانون" مطلق، يختص بالأخلاق (باتت من موروثات الماضي، وليست حاجة راهنة). ويكون هدف السلطة هو الاستبدادية المطلقة، والأكثر شمولية من النظام الذي يريد الشعب إسقاطه، حيث يطاول تدخل السلطة خصوصيات الشعب، وليس انتماءاته السياسية فقط. والمنظور الأخلاقي هو تدخل في هذه الخصوصيات التي استطاع الشعب "تحريرها" من تحكُّم السلطة. 
إذن، طابع السلطة التي تطرحها هذه المجموعات استبدادي شمولي، بشكل أشدّ مما تمرَّد الشعب عليه. ويمارس ذلك كله باسم الله، وباسم القرآن، لكنه يعيد أسوأ ما أنتجه التاريخ العربي الإسلامي، من الإمام الغزالي إلى ابن تيمية وابن قيّم الجوزية إلى محمد بن عبد الوهاب. وهو التأويل الذي واكب الانهيار المجتمعي، وبرَّر وجوده. وهو ما يعني انكفاءة كبيرة إلى الماضي، تفرض تدمير بنى مجتمعية، وقتل وتفكيك، والوصول إلى حالة من الدمار الاقتصادي. وهنا، نلمس المسألة الأهم في تناقض منظور هذه المجموعات مع الواقع، وخصوصاً مع مطالب الشعب، حيث كانت مسائل البطالة والفقر والتهميش، وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية، هي التي دفعته إلى الثورة، لأنه يريد حق العمل والأجر الذي يسمح له بعيش كريم، وبتحسين التعليم والصحة والبنية التحتية. وكل هذه المسائل هي خارج "المنظومة الذهنية" لهذه المجموعات، وليست مطروحة على أجندتها، ولا تعرف بها أصلاً، لأن منظورها "الفقهي" (الذي ينطلق من الوهابية خصوصاً) لا يستطيع فهم مجمل هذه المسائل. بالضبط، لأنه نشأ في عصور سابقة (قروسطية)، وتمحور حول الأخلاق، وظلّ ينهل من الفقه (وهو تفسير ماضوي وأحكام ماضوية). ولهذا، هو ينطلق من منظور مسبق، لا علاقة له بالواقع، ويريد فرض هذا المنظور بالعنف على واقع تجاوز كل مكوناته. 
بالتالي، تتناقض هذه المجموعات مع مطالب الشعب الاقتصادية والمجتمعية، وليست مهتمة بها أصلاً. بالضبط، لأنها تعيش زمناً آخر. زمن يقوم على أوهام مستمدة من الماضي، وعلى فتاوى مسخّرة، لكي تبرر الممارسة ضد الشعب، وهذا هو ما يمكن أن تفعله في كل الأحوال. 
يفترض تحقيق مطالب الشعب النظر السياسي والفهم المجتمعي، وليس لدى هذه المجموعات ما يساعد على ذلك، بالضبط لأنها تنطلق من منظور فقهي، لا يفعل سوى "تطبيق" الفتاوى التي فسّرت بعض الآيات، أو "التزمت" بعض النصوص. وكلها آتية من الماضي، ولا تمتُّ بصلة إلى الراهن. ولهذا، هي وإنْ لم تكن مخترقة، وتوظّف لخدمة سياسات معينة، لا تفعل سوى "التخريب" في الواقع، لأنها تعيد إلى مسائل بعيدة عن الواقع، وتحكم باسم قداسةٍ، جرى اختزالها في قيم تجاوزها الزمن. 
لهذا، حين النظر إلى جبهة النصرة أو داعش، أو حتى جيش الإسلام وأحرار الشام، وكل مجموعة تريد "تطبيق" الشريعة وإقامة الخلافة (أو الدولة الإسلامية)، يجب أن نلحظ أنها تدعو إلى ما يفرض الشدّ إلى الماضي، وليس التقدم إلى المستقبل. وهي، في هذه الحالة، رجعية ومعادية للتطور، ومن ثم تعادي كل ثورة السوريين الذين أرادوا الحرية والديمقراطية، كما أرادوا فرص العمل والأجر الذي يسمح بعيش كريم، والحصول على تعليم علمي متطور، ومؤسسات صحية تضمن حياتهم، وبنية تحتية تحقق الخدمات عالية المستوى لهم. الشعب يريد التقدم والتطور، وهذه المجموعات تشدّ إلى الخلف، وتعيد إلى قيم باتت من الماضي. 
بالتالي، ليس من الممكن اعتبار أن كل هذه المجموعات من الثورة، ويجب كشف دورها المضرّ، وحتى المدمّر أحياناً، وإنْ يقاتل بعضها النظام، لأن هذا لا يبرّر الموافقة عليها، ودعمها، وقبول ما تطرح، بل يجب فضح كل منظورها وما تهدف إليه، وخوض صراع أيديولوجي ضدها، من أجل هزيمتها أيديولوجياً لمصلحة تكريس مطالب الشعب، وتوضيح الطريق الذي يوصل إليها. مع داعش وجبهة النصرة يجب أن يكون الصراع مسلحاً، لأنها تفرض الصراع بالأساس. لكن، مع المجموعات الأخرى يجب خوض الصراع الشعبي والصراع الأيديولوجي (الفكري) من أجل كشف ما تهدف إليه، وتوضيح خطر ذلك على مطالب الشعب، وعلى الأهداف العامة التي طرحتها الثورة، إلا إذا قاتلت الكتائب المسلحة، أو عملت على فرض نظام أيديولوجي على الشعب. 
"الأصولية" تجعل كل تنظيماتها خارج الثورة، لأن أهدافها مناقضة لأهداف الثورة، كما أشرت. وإنْ يقاتل بعضها النظام، أو يستخدم أداة خارجية، فيقاتل النظام آناً، ويهدأ آناً آخر. فهي ليست مع الحرية والديمقراطية (وحركة أحرار الشام ترفع يافطة: الديمقراطية شرك)، بل هي مضادة لهما، حيث تعمل على فرض قيم وأخلاق وسياسة بالقوة، انطلاقاً من أنها "تطبق شرع الله". وهي لا تملك رؤية للاقتصاد الذي يحقق مطالب الشعب، على العكس، الاقتصاد الريعي القائم على النهب هو ما تعرفه. ولا يكفي، هنا، القول إنها تقاتل النظام، بالضبط فهي تقاتله من أجل مشروعها الضيق، وليس من أجل مطالب الشعب. وهي تؤسس لاستبدادية أشمل واقتصاد أسوأ. فالشعب لم يرد إسقاط النظام، لأنه لا يحب "الرئيس"، بل لأن الأخير استبد طويلاً، ونهب الاقتصاد، فأفقر أغلبية الشعب. 
قتال داعش والنصرة ضرورة، والصراع ضد المجموعات الأخرى ضرورة كذلك. وكل الأمر لا علاقة له بالدين، بل بأوهام فئات مهمشة، وتدخلات من دول لاستغلال الدين في خدمة مصالحها. 

(العربي الجديد)

 

اليسار الممانع في مساره المتقلب

التحولات والعلمية الغائبة

سلامة كيلة

 

كاد اليسار، في العقود الماضية، يتهمش ويتلاشى. بالضبط، لأن سياسته لم تكن مطابقة للواقع، حيث كان يؤسس مواقفه بناءً على هواجس، أو انطلاقاً من فهم "سياسوي"، يقوم على العلاقات، وليس على فهم الواقع الذي يبدأ من الوجود. فالعلاقة هي نتاج الوجود وليست بديله، ولا تحلّ محله، ولا تحظى بأسبقية عليه. وهنا، حلت العلاقة السياسية محل الوجود، ليُنظر إلى العالم من منظور العلاقات بين الدول، بحيث تلمس طبيعة هذه العلاقات فقط. 
وضمن هذا المنظور، يجري تحديد "الطرف الرئيسي" عدواً أو صديقاً، ليجري، بعدئذٍ، تحديد المواقف من القوى الأخرى، لتكون صديقاً أو عدواً بناءً على موقفها من "الطرف الرئيسي". على ضوء ذلك، حدد "اليسار الممانع"، أي "اليسار" الذي يدعم النظام السوري الآن مواقفه طوال السنوات الماضية. ويوضح سرد هذه المواقف، منذ بداية القرن الجديد، المتاهات التي عاشها، وكيف أنه تقلّب يمنة ويسرة، واعتبر الخاطئ صحيحاً والصحيح خاطئاً، ولم يكن الثابت، في ذلك كله، سوى معادلة أن العدو الرئيسي هو الإمبريالية الأميركية، أو أن الصديق الرئيسي هو "المقاومة"، ومن ثم "الممانعة". لكن، كان يطغى منطلق العدو الرئيسي في العقد الأول (أي قبل الثورات)، ليصبح الصديق الرئيسي هو الذي يطغى بعدئذ. والفارق في الأولوية، هنا، كان يحدد المواقف من القوى الأخرى ومن التحالفات. 
كان الصراع الرئيسي، في السنوات الأربعين السابقة، يتركز على الإمبريالية الأميركية، سواء لأنها تحتل الشعوب وتقاتلها، أو لأنها تدعم الدولة الصهيونية والنظم "العميلة"، أو لأنها في صراع مع الاتحاد السوفييتي. كانت العدو الرئيسي، العدو الذي يمثّل التناقض "الرئيسي"، في مواجهة الاشتراكية وحركة التحرر الوطني. واقعياً، انتهت حركة التحرر الوطني منذ عقود، كما انتهت الاشتراكية، لكن الإمبريالية الأميركية ظلت العدو الرئيسي. ولا شك في أنها عدو رئيسي، كونها المركز للنمط الرأسمالي، لكن منظور "اليسار الممانع" لا ينطلق من هذا الأساس، لأن هذا الأساس يفرض الوقوف ضد كل رأسمالية، لأنها باتت تكرّس الهيمنة الإمبريالية، بل ينطلق من "العلاقة السياسية"، أي من طبيعة العلاقة السياسية لهذه الإمبريالية، ليبدو أن كل مختلف معها هو عدوها، وبالتالي، هو جزء من حركة التحرر الوطني. هنا، أصبح الخلاف معها وحده كافياً لتحديد "طبيعة" المختلف، وتصنيفه في "قالب جاهز" هو استمرار لماضٍ مضى، فيكون من حركة التحرر الوطني، وبالتالي، يجب الوقوف معه ودعمه، والتحالف معه. 



بشأن "حماس" 
وإذا كانت سنوات تسعينيات القرن العشرين سنوات فوضى فكرية، على ضوء انهيار النظم الاشتراكية، وخصوصاً الاتحاد السوفييتي، وبالتالي، نهاية الحلفاء والرفاق، الذين كانوا معنا في الصراع ضد الإمبريالية، الأميركية خصوصاً. فقد أوضح القرن الجديد تخبط مواقف هذا "اليسار" وتقلبه، حيث ظل ينطلق من المنظور نفسه، بثنائية مبسطةٍ استقاها منذ مرحلة الحرب الباردة، على الرغم من اختلاف الأحوال وتغير مواقع الدول، وهو ما كان يوقعه في هذا التخبط والتقلب. وكانت أحداث "11 سبتمبر" سنة 2001 التعبير عن ذلك، فلأن الحادث كان ضد أميركا، نال أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة كل الرضى والمديح، وأُلبس بن لادن وجه جيفارا، للتعبير عن أن هذا التنظيم هو الشكل الجديد للحركة الثورية القديمة التي كانت تقاتل أميركا. انتشر شعور مليء بالفرح بحدوث نهوض ثوري جديد، أساسه "الإسلام الجهادي". ولهذا، لقي التأييد والدعم، والاندفاع، إلى أن بدأت الشكوك تحوم حول طبيعة التنظيم، خصوصاً بعد احتلال العراق والدور الذي لعبه فرع تنظيم القاعدة هناك. وهذا يُظهر "السطحية" التي حكمت الموقف، والمنطق الآلي الذي جعل كل منْ يظهر أنه ضد أميركا ثورياً. وهي السطحية والآلية نفسها التي حكمت كل مواقف هذا "اليسار" الذي سيبدو أنه ليس يساراً بأي حال. 
ثم، مع بداية القرن الجديد كانت حركة حماس تظهر "حركة مقاومة"، حيث مارست العمل المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي. كان الموقف هو "الدعم المطلق"، من دون تدقيق في ماهية حماس، وما الدور الذي تقوم به، وإلى أين سيوصل؟ بلا شك يجب دعم كل مقاومة ضد الاحتلال، لكن هذا يفرض التدقيق في بنيتها وفهم أهدافها الحقيقية، وهو ما كان يحتاج إلى منطق أعمق من المنطق الصوري الذي يحكم هذا "اليسار". الأسوأ كان في اعتبار كل "الإسلام السياسي" تحرّرياً ومعادياً للإمبريالية. وبالتالي، الانجراف المذلَ للتحالف معه، أو بالأدق للتبعية له من هذا "اليسار"، وتعميم الأوهام حول طبيعته ومواقفه، والدور الذي يلعبه. وكان دوره هذا من المسببات التي ضخّمت "الإسلام السياسي"، وخصوصاً جماعة الإخوان المسلمين. نلمس ذلك في مصر، ومن معظم اليسار الذي يقف الآن مع النظام السوري. ونلمس ذلك في الأردن، أيضاً، من الأحزاب التي تدافع، الآن، باستماتة عن النظام السوري. وفي فلسطين، حيث التحق اليسار بحماس سنوات. وفي تونس، حيث تحقق التحالف مع حركة النهضة. وفي مجمل "اليسار الممانع" الذي هلّل لـ "الإسلاميين" وطبل لهم، ونفخ فيهم، بدل أن يكشف بنيتهم ومنظورهم والمصالح التي يعبّرون عنها، وبالتالي، حدود صراعهم مع "الإمبريالية"، أو مع الدولة الصهيونية. 
سار معظم اليسار العربي، و"اليسار الممانع" أساساً، خلف الإسلاميين، وروّج أنهم معادون للإمبريالية ومع تحرير فلسطين، وضد النظم التابعة، وأنهم الشكل الجديد لحركة التحرر الوطني. وفي مستوى آخر، كان هذا "اليسار" متحمساً لدولة قطر التي قرّرت إعمار الجنوب اللبناني بعد حرب سنة 2006، وبات أميرها "أمير المقاومة" كما وصفه حسن نصرالله. كما كان يدافع باستماتة عن تركيا التي خاضت صراعاً مع الدولة الصهيونية، بعد حادث "أسطول الحرية" سنة 2009. وبالتالي كان يصطف في صف محور الممانعة الذي كان يتشكل من تركيا وقطر والنظام السوري، وإلى حدّ ما إيران. وكان الإسلاميون يوضعون ضمن هذا المحور. هذه هي الصورة التي كان يظهر هذا "اليسار" فيها، وكان يتضح أن سطحيته هي التي تجعله يصطف هنا، من دون فهم لطبيعة هذه الدول والقوى. ولهذا، ببساطة انقلب موقفه من هذه الدول والقوى، حيث باتت "عميلة للإمبريالية" الأميركية. كيف يمكن أن ينقلب الموقف بهذه البساطة؟ بالضبط، لأن هذا "اليسار" لم يحلل تكوين هذه الدول والقوى، ولم يفهم بنيتها، فقط انطلق من موقفها، في لحظة معينةٍ، ظهرت فيها أنها في صدام مع الإمبريالية الأميركية والكيان الصهيوني. ونتيجة عدم فهم البنية، التحق بهذه الدول والقوى، ونظّر لها، وبرر سياساتها. وهذه هي السمة العامة لهذا "اليسار". 



 الأسد وإيران 
هذا ما ظهر في الموقف من النظام السوري، وعلى الرغم من "الصراعات" التي حكمت بعض هذا "اليسار" مع النظام، ظهر بعد "نشوب صراع" الإمبريالية الأميركية معه، أنه ما بقي من "رائحة الماضي"، أي أنه الباقي من "حركة التحرر الوطني". وأصبح مركز "الممانعة" و"المقاومة" الذي يجب الدفاع عنه بكل قوة، لأن أميركا تحيك المؤامرات ضده. لا نريد، هنا، أن نبحث في الخلاف الأميركي السوري، والأسباب التي أوجدته، وكيف انتهى بعد وصول باراك أوباما إلى الرئاسة، حيث يمكن توهم صراع حقيقي على ضوء ما يظهر إعلامياً، ما دام البحث لم يطل بنية النظام، وسياساته، وخصوصاً المسار الذي اتخذه على الصعيد الاقتصادي، بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة. وبالتالي، تحديد طبيعة الطبقة التي تسيطر على الاقتصاد، وتقرّر سياسة الدولة. فهذه ليست في قاموس "اليسار الممانع"، بالضبط لأنه ينطلق من العلاقة، وهنا، علاقة النظام بالإمبريالية الأميركية. فما دامت "سيئة"، لا بد من الوقوف معه ودعمه، والدفاع عنه بكل شراسة، فهو، بالتالي، "ضد الإمبريالية"، وأيضاً مستقلّ وتحرري. 
لكن، ما هو الموقف من إيران، الحليف الأساسي للنظام، التي باتت تسيطر على القرار في دمشق؟ هنا، سنلمس انقلاباً معكوساً عما حدث مع تركيا وقطر، حيث كان موقف هذا "اليسار" من إيران ليس سلبياً فقط، بل إن بعضه اعتبر أنها باتت العدو الرئيسي أكثر من الدولة الصهيونية. حدث ذلك بعد الاحتلال الأميركي للعراق، والمساعدة الكبيرة التي قدمتها إيران، ومن ثم الدور الخطر الذي لعبته لتدمير العراق وقتل طياريه وعلمائه، والإسهام في تفكيكه طائفياً. كانت إيران عدواً رئيسياً وحليفاً لـ "الإمبريالية الأميركية"، وباتت الآن حليفاً وجزءاً من القوى "المعادية للإمبريالية"، ومن دول التحرر، إلى حدّ دفع بعضهم إلى الحديث عن "نهضة عربية جديدة بقيادة إيران والشيعة". وهنا انقلاب في الموقف أيضاً، فبعد أن كانت عدواً رئيسياً باتت حليفاً رئيسياً، وهذا يوضّح المنطق الشكلاني الذي يحكم النظر، حيث ينقلب الموقف من طرف إلى الطرف المقابل، في وضع يجري تصويره على أنه يتضمن طرفين فقط. طبعاً من دون فهم وضع إيران وبنيتها الاقتصادية والطبقية، وسبب خلافها مع الإمبريالية الأميركية، ومتى يمكن أن تتحالف معها بالتالي. هنا، كانت العلاقة مع النظام السوري هي التي أحدثت هذا الانقلاب الذي لا يمكن توصيفه إلا أنه بهلواني، لا تحتمله الماركسية، لأنه يتأسس على المنطق الذي تجاوزته: أي المنطق الصوري. 
كانت روسيا أيضاً مهملة، وخارج كل حساب في الفترة السابقة للثورات. بل كان النظر إليها أن نظامها الحالي هو الذي دمّر الاشتراكية، والتحق بالإمبريالية الأميركية. الآن تعامل كـ "دولة تحررية"، وتكون البرجوازية المسيطرة فيها، على الرغم من طابعها المافياوي، هي "بورجوازية مستقلة"، وتسعى إلى مواجهة الإمبريالية من هذا المنظور التحرري. ويصبح اعتبار أنها إمبريالية هرطقة، على الرغم من أن كل ما تقوم به هو التعبير المباشر عن طابعها الإمبريالي. حدث ذلك كله فقط حين دعمت النظام السوري، وحمته من السقوط (إلى الآن)، على الرغم من أنها فرضت قواعدها العسكرية في سورية ككل إمبريالية، وتقتل وترتكب مجازر ضد الشعب السوري، من أجل إنقاذ نظام على شفير السقوط. 
حينما ينقلب الموقف من نقيض إلى نقيض، يتوضّح غياب كل منطق علمي، وتظهر السطحية بكل وضوح، فهو يدلّ على تقدير صوري للقوى والدول، وتكون العلاقات هي التي تحدد الموقف، ولأن العلاقات متغيرة تتغيّر المواقف، فينقلب الصديق عدواً، والعدو صديقاً، في تحوّل سوريالي. ربما يسمح التكتيك في تحويل بعض المواقف. لكن، أن يتحوّل كل التقييم والتقدير نتيجة تحوّل العلاقات، فهو ما يعني أن الشكلانية هي التي تحكم المنطق، وهو ما حاولت توضيحه منذ البدء. الأمر الذي يعني العجز عن فهم الماركسية، وتمثّل منهجيتها، المنهجية التي تتجاوز الشكل إلى الجوهر، ولا تقسم العالم إلى طرفين، بل تلمس تعدد التناقضات، وتعدد الصراعات، وتنطلق من التحليل الاقتصادي الطبقي بالأساس، وليس من منظور العلاقات/ الصراعات الدولية. وعبر ذلك، يمكن أن تُفهم أسباب الصراعات، ومدى علاقتها بمنظور اليسار في صراعه من أجل تجاوز الرأسمالية. 
البهلوانية سمة من سمات المنطق الصوري، الذي يبدأ بالسكون ويتوقف عنده. لهذا، فإن سمة اليسار الممانع هي البهلوانية بالتأكيد. 

(العربي الجديد)

 

الأيديولوجية كجريمة

 

سلامة كيلة

 

إذا كانت الأيديولوجية هي الوعي المطابق، أو المفارق، لمصالح الطبقات، فإن هذه المصالح يمكن أن تدفعها إلى حدّها الأقصى، بما يجعلها "أداة جريمة". هذا ما فعلته النازية والفاشية، حيث دفعت أيديولوجية التفوق العنصري إلى حدّ تبرير ارتكاب جرائم ضد البشرية. 
وإذا كانت الأيديولوجية اليسارية تُطرح خدمة لمصالح الشعوب، فإن تكلسها يفضي، أحياناً، إلى أن تتحوّل إلى "أداة" لتبرير الجرائم. أقصد بالضبط أيديولوجية اليسار العالمي الذي أسس كل منظوره على أساس طبيعة الصراع في مرحلة الحرب الباردة، ومن منظور الأولوية التي طرحتها الدولة السوفييتية. حيث انبنت على أساس ثنائية صراع إمبريالية/ اشتراكية، أو إمبريالية/ تحرر وطني، كما تكرّرت في البلدان المتخلّفة. وأصبحت الأولوية تتمركز هنا، ليتحدد الصراع الداخلي على ضوء هذا المنظور، بحيث يكون كل "متناقض" معها وطنياً، وجزءاً من "حركة التحرر الوطني"، أو من "التحالف المعادي للإمبريالية". 
ولا شك في أن الصراع، حينها، كان يتمحور ضد الإمبريالية، والأميركية خصوصاً، وكان صحيحاً مواجهة الإمبريالية، على الرغم من أن التعميم الذي يحكمها كان يوجد مشكلات كبيرة في الصراع الداخلي، سواء في تحديد الطبقات التي هي في تناقض حقيقي مع الإمبريالية، أو في قيادة التحالف ضد الإمبريالية، أو كذلك في الأولويات، بعد أن بات "الصراع مع الإمبريالية" الأولوية، وهو ما ألغى التناقض الطبقي الداخلي الذي هو، حسب الماركسية، التناقض الرئيسي (والتناقض مع النمط الرأسمالي ككل هو التناقض الأساسي). 
كان هذا الخلل يؤسس لمنظور "وطني"، وظل الشعار العام هو التحرر الوطني، بعد أن استقلت الدول، وبات الربط الاقتصادي الطبقي العنصر المركزي في تكييف المحلي، لمصلحة الطغم الإمبريالية. وبهذا، أدى تضخم "الوطنية" إلى اعتبار "الصراع ضد الإمبريالية" هو المطلق، كل شيء، وهو الذي يحدِّد كل المواقف والسياسات والتكتيكات. بالتالي، أصبح الوطن فوق المواطنين، وبات "الدفاع عن الوطن" أهم من سحق الشعب، ويبرّر سحق الشعب. بات الوطن أقنوماً بالغ التجريد والقدسية. والوطن يُختزل في السلطة (الدولة) التي تكون في "تناقض" مع الإمبريالية، أو هكذا يجري التوهم. لهذا، تصبح السلطة القوة الثورية التقدمية، المقدس الذي يمثله الوطن، ويكون الشعب لا شيء. 
الوطن مقدّس، إذن، الشعب لا شيء. ولأن السلطة هي الوطن، من حقها ممارسة كل أشكال العنف ضد الشعب، خصوصاً إذا تمرّد عليها، فهي "المعادية للإمبريالية". ولهذا، كل مخالف لها مع الإمبريالية، وهذا يبرّر سحقه. فهو يتناقض مع "السلطة المعادية للإمبريالية"، "السلطة المقدسة" بالتالي. وبهذا يستحقّ الجزاء، بما في ذلك القتل، أي الإبادة، فهو يتمرّد على سلطة "معادية للإمبريالية"، "تحمي الوطن من السيطرة الإمبريالية". 
باتت الفكرة، هنا، مطلقاً، وتعمل على تحويل ما تعتقد أنه متوافق معها إلى مطلق، والباقي هو من التراب، هو دون، لهذا يستحق السحق، يستحق الكيماوي والصواريخ البالستية والبراميل المتفجرة والحصار المميت، والقتل في السجن، والتشريد إلى أقاصي الأرض. تمرّد "على الإله" الذي هو السلطة. ومن ثم، باتت الفكرة، هنا، أساس أيديولوجية فاشية، تستسهل قتل الشعوب، وتبرّر هذا القتل بـ "أفكار سامية"، أفكار "ثورية" و"جذرية"، بالضبط لأنها "معادية للإمبريالية". لهذا، باتت تؤدي الدور الإمبريالي نفسه، الدور الذي يقوم على سحق الشعوب، وتدمير قدراتها وتشريدها. 
الشعب أهم من الوطن، ومن دونه ليس من وطن. إنه يعلو على الوطن بالتالي. وكل تحليلٍ لا ينطلق من هذه البديهية يكون غارقاً في مثالية مفرطة، المثالية التي تتحوّل إلى فاشيةٍ فعلية. فـ "الإنسان أثمن رأسمال" (أظن أن هذا اسم كرّاس كتبه ستالين، لكنه أساس الماركسية بالأصل)، ومنه تتشكل الطبقات، ويُبنى الوطن، ويتأسس النهوض. 
أظن أن كل ما كتبته، هنا، يتعلق بموقف "اليسار الممانع" من سورية تحديداً، وبشكل أعم من الشعوب، لأنه يتعلق بالأفكار، يغرق بالأفكار التي لا تلمس الواقع. هذه خبرة تاريخية لديه جعلته يحصل على الدكتوراه في الفشل. ففي سورية، شعب يخوض ثورة، وهذا اليسار يصطف مع الإمبريالية وأدواتها في صف واحد ضدها.

 

(العربي الجديد)

 

روسيا تقبل إرادة الشعوب؟

 

سلامة كيلة

 

تتمثل مشكلة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في وضع بشار الأسد، في أنه يرى أنه ليس من حقه تنحيته. وقد كرَّر أكثر من مسؤول روسي ما يشبه ذلك، حيث ليس من حق روسيا تغيير النظم، وأن من يقرر مصير بشار الأسد هو الشعب السوري، وكثير من هذا الكلام المرسل. لكن روسيا سحقت الشيشان، لأن الشعب قرَّر "الاستقلال". وتدخلت في جورجيا لأنها تريد استقلال مجموعة قومية لها ارتباط بروسيا. وأخيراً، ضمت شبه جزيرة القرم، ودعم استقلال شرق أوكرانيا بالتدخل العسكري المباشر. وذلك كله لأن القيادة الروسية، خصوصاً مع بوتين، تنطلق من أن الشعب هو الذي يقرّر مصيره. 
دعمت روسيا، في سورية، النظام منذ اللحظة الأولى، أي حين كان واضحاً أن الشعب يثور سلمياً من أجل إسقاط النظام. وقد رفعت الفيتو (مع الصين) مراتٍ، لمنع فرض عقوبات على النظام، وأمدته بالسلاح إضافة إلى الدعم السياسي، بمعنى أنها كانت تدافع عن نظامٍ يريد الشعب إسقاطه، قبل كل الحديث عن "التدخل الخارجي" ومحاربة الإرهاب. ولقد استغلت أزمة النظام ومأزقه أمام ثورة شعب، لكي تحصل على مصالح اقتصادية وعسكرية كبيرة، وهو ما ظهر الآن في توسيع القاعدة البحرية في طرطوس، وقاعدة جوية في اللاذقية، وحتى وجود قوات برية. وتنتظر الحصول على السيطرة على النفط والغاز، وعلى مشاريع اقتصادية عديدة. 
ربما كانت المسألة الأخيرة هي التي تجعله يدافع عن النظام، ويقرّر بقاء بشار الأسد، فحين أرسل طيرانه وقواته، على الرغم من أن المبرر المطروح هو الحرب ضد داعش، ومحاربة الإرهاب، فقد أعلن أكثر من مسؤول أن الهدف هو "مصالح روسيا"، وجرت الإشارة إلى أن التدخل جاء لمنع سقوط النظام. بمعنى أن روسيا دعمت النظام لسحق الثورة، وهي شعبية واضحة، من دون سلاح، ومن دون تدخل خارجي أو وجود إرهاب وأصولية (أي إلى نهاية سنة 2012)، وبات لها نتيجة ذلك مصالح لم تستطع الحصول عليها قبل الثورة، بعد أن قطع النظام العلاقة الاقتصادية، وهمّش العلاقة السياسية، معها. ودعمت تدخل إيران بإرسال قوات حزب الله، ومن ثم قوات طائفية من العراق وغيرها، ثم من الحرس الثوري، لحماية النظام من الشعب. وأيضاً سهلت وجود داعش، كما فعل النظام وفعلت إيران، وأمدها بفيض من "المجاهدين" الشيشان. وبعد فشل ذلك كله في منع سقوط النظام، تدخلت هي التي ترفض "التدخل الخارجي"، حيث من الواضح أنها تعرف جيداً أن تحقيق مصالحها مرتبط ببقاء بشار الأسد، ربما بعد أن فشلت في إيجاد بدائل تحقق الهدف نفسه. 
هنا، إذا كانت معنية بأن يقرر الشعب مصير الأسد، لماذا تدخلت لمنع سقوطه؟ طبعاً على الرغم من أن وضع الثورة المسلح لم يكن يسمح بالوصول إلى سقوط النظام، نتيجة موقف "الدول الداعمة" التي أرادت تعديل ميزان القوى العسكري، لكي تقبل روسيا وإيران تنحية بشار والوصول إلى حل، لم ينافس أحد في أن تكون روسيا هي الراعي له. لكن، من الواضح أن تمسك روسيا ببشار الأسد هو الذي جعلها ترفض التوافق، وأن ترسل قواتها لحماية النظام، وفرض الأسد رئيساً. لكن، لن تختلف النتيجة على الرغم من ذلك، سوى أن الدمار والقتل العشوائي سوف يتزايدان، بعد أن أدخلت روسيا أسلحة متطورة وشديدة القوة. وباتت طائراتها والقوات الإيرانية هي التي تحمي النظام من السقوط بقوة الشعب المحاصر من كل الدول العدوة والصديقة. 
في الأخير، في الانتخابات التي جدد بشار الأسد فيها رئاسته، في 2014، لم تكن نسبة المشاركة أكثر من 10% على الرغم من كل الأرقام التي أذيعت. وفي التصويت على الدستور، كانت النسبة أقل. وفي أي انتخابات جديدة ستكون أقل كذلك، لكن السؤال يتمثل في السلطة التي تفرض أرقامها. بالتالي، لا تحقق هذه النظم انتخابات حرة، بل تخضع لسطوة الأمن. 
في كل الأحوال، لماذا يخاف الروس من المرحلة الانتقالية التي تقود حتماً إلى انتخابات حرة؟ ففي كل الأحوال الشعب سيختار.

 

(العربي الجديد)

 

حرب باردة أو أفغانستان

جديدة أم حل سياسي؟

 

سلامة كيلة

 

ربّما كان التدخل العسكري الروسي في سورية مفاجئاً لأميركا، حيث كانت الأمور تسير في اتجاه التحضير لمؤتمر جنيف 3 برعاية روسية كاملة، ولم يوحِ اللقاء بين الرئيسين، الأميركي باراك أوباما والروسي فلاديمير بوتين، على هامش اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة، أن روسيا تحضّر لما هو مفاجئ، على الرغم من ظهور اختلاف في موقفي الطرفين من دور بشار الأسد في المرحلة الانتقالية.
وبهذا التدخل، ظهر أن الخلاف كبير بين من يريد التقدم في الحل السياسي ومن يريد الحسم العسكري لمصلحة النظام السوري، على الرغم من أن أميركا كانت تدعم حلاً روسيا. وظهر أن روسيا كانت تناور في حواراتها مع أميركا، وتريد أكثر مما تقترحه الأخيرة، خصوصاً أنها اندفعت إلى تحقيق "شبه تحالف" مع كل من إيران والعراق والنظام السوري، وبدت أنها ستتدخل في العراق كما تدخلت في سورية، وتحت الراية نفسها: الحرب على داعش. لا شك في أن ذلك كله يخلّ بالاستراتيجية الأميركية التي مورست منذ التدخل "ضد داعش" صيف 2014، وربما يكشف بعض مشكلاتها، ويظهر كذلك أن روسيا تسير نحو تشكيل تحالف آخر، يفرضها قوة مهيمنة في "الشرق الأوسط".
انبنت الاستراتيجية الأميركية منذ توصلت الإدارة إلى أن الأزمة المالية التي انفجرت، في سبتمبر/ أيلول 2008 لا حلّ لها، والتي قررت إدارتها بما يسمح تأخير حدوث انفجار فقاعات جديدة، أو التخفيف من آثار أي انهيار جديد، انبنت الاستراتيجية على تحديد الأخطار التي ستنتج عن تراجع قدراتها، فأتبعت استراتيجية تنطلق من أن الخطر الممكن سيأتي من الصين. لهذا، أصبحت تبني منظورها العالمي على أساس ترتيب علاقاتها بما يجعلها قادرة على حصار الصين. وفي سياق ذلك، أصبح التحالف مع روسيا ضرورة أميركية، وكذلك التحالف مع إيران، لأن كسب البلدين يعني تحقيق حصار الصين، طبعاً إضافة إلى تمركز قواتها في منطقة آسيا والمحيط الهادي، وتعزيز تحالفها مع دول تلك المنطقة التي انتهت بتوقيع اتفاق تجارة حرة مع بلدانها. ولأنها قررت الانسحاب من "الشرق الأوسط" (عدا الخليج والعراق) فقد أصبح في وسعها المناورة، عبر "التخلي" عن بعض مناطق الشرق الأوسط لروسيا، وتحقيق بعض مصالح إيران. 
نشطت أميركا في السنوات الأربع الماضية في هذا المسار، وكان واضحاً، منذ بداية سنة 2012، أنها تدعم دوراً روسياً في سورية. ولقد نشطت من أجل نجاح ذلك، من خلال تطويع المعارضة السائرة في ركابها، لكي تقبل دوراً روسياً وسيطرتها على سورية. وكما أشرنا، مراراً، فقد شلت كل إمكانية لتدخل خارجي أو أي دعم نوعي للكتائب المسلحة، أو السماح بسقوط النظام. وعلى الرغم من أزمة أوكرانيا والخلاف الذي تبعها، ومن ثم العقوبات الاقتصادية التي فرضتها على روسيا، ظلت تحاول معها الوصول إلى توافق، في أوكرانيا كما في سورية، وفي مجمل السياسات العالمية. وحين جرى التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران، سعت إلى الوصول إلى توافق يتعلق بالوضع الإقليمي، خصوصاً وأن تدخلها في العراق "ضد داعش" كان يهدف إلى تغيير معادلة السلطة العراقية، بما يعيد هيمنتها عليها، وبالتالي، تقزيم الهيمنة الإيرانية. وبعد أكثر من عام على "الحرب ضد داعش"، كان قد توضّح أنها تناور بهذه الحرب، من أجل مكاسب سياسية أكثر من أنها تخوض حرباً حقيقية. وفي سورية، كان يظهر الأمر نفسه. لكن، هنا من أجل ترتيب سلطة تهيمن روسيا عليها، وتشمل إبعاد إيران. وفي كل هذه السياسة، كانت أميركا قد همّشت تركيا وحاصرتها، وظهر أنها لا تريد أن يكون لها أي دور في سورية.
بعد ذلك، فوجئت بسياسة روسية مختلفة، ليظهر أن المنظور الأميركي لطبيعة العلاقة بين 

الطرفين لا يروق لروسيا التي يبدو أنها لا تريد أن تكون "في ظل" السياسة الأميركية، كما كانت طوال عقدين بُعيد انهيار الاتحاد السوفييتي، بل تريد أن ترث الدور الأميركي، خصوصاً هنا في "الشرق الأوسط". لهذا تريد تشكيل تحالفات "مستقلة"، لا ترضي أميركا، كما فعلت، حين أعلنت عن تشكيل "مركز أمني"، يضم إيران والعراق وسورية، للتنسيق "ضد داعش"، وطرحت التدخل في العراق، كما فعلت في سورية. وعلى الرغم من أن تدخلها تحت عنوان "الحرب ضد داعش"، كما فعلت أميركا، فقد خاضت روسيا الحرب ضد الكتائب المسلحة التي تقاتل النظام السوري، والتي حققت تقدماً مهماً في الأشهر السابقة، فرض تغيير موازين القوى، ووضع النظام على شفير الانهيار، لكن هذه السياسة المعنونة حرباً ضد داعش أربكت السياسة الأميركية في كل الأحوال، خصوصاً أنها ربما تمتدّ إلى العراق. فكما كرّرنا مراراً، تلعب أميركا بداعش لتغيير وضع السلطة في العراق. ولهذا، سيكون الدخول الروسي على هذا الخط، وهو لعب بداعش كذلك، مربكاً لتلك السياسة، وكاشفاً عن كنهها، كونها ليست حرباً ضد داعش، بل حرب بها لخلخلة النظام العراقي، وإعادة تركيبه لمصلحتها. وبهذا، تختل كل السياسة الأميركية، وربما تسير نحو الفشل. في سورية ربما، لا تكترث أميركا كثيراً لكيفية تحقيق السيطرة الروسية، لكن وضع العراق مختلف. لهذا، ليس من السهل أن تقبل الدور الروسي الجديد. وهذا ما جعلها تضع الفيتو على "التحالف الجديد"، وتحاول إرباك القوى التي تقاتل داعش، لتبيان عجزها دون الدور الأميركي.
أدى هذا الأمر إلى فتور في العلاقة بين البلدين، حيث رفضت أميركا تنسيق النشاط العسكري سوى أدنى شكل، لكي لا يحدث التصادم بين طائرات البلدين التي تملأ سماء سورية. لكن، لا يبدو ذلك كافياً لأميركا التي فرض عليها الوضع الجديد تغيير تكتيكها تجاه داعش، أولاً. لهذا، باتت تسرّب على أنها تحضّر لاستعادة الرقة عبر دعم تحالفٍ جديدٍ، عماده قوات حماية الشعب الكردية التي تسلّمت خمسين طناً من الأسلحة أخيراً. وربما تسعى إلى إنهاء وجود داعش في سورية لسحب هذه الورقة من يد روسيا. لكن، ربما تتطور الأمور نحو دعم كتائب مسلحة بأسلحة نوعية، خصوصاً هنا صواريخ مضادة للطائرات (ستينجر)، لتقزيم القدرة الروسية التي لم تحقق تغيراً نوعياً على الأرض على الرغم من كثافة الغارات وخطورة الأسلحة التي تستخدمها. وهذا خيار يمكن أن تستفيد أميركا منه، حيث سيبدو أن الأمور لم تعد في وارد العودة إلى الوراء، بل اختلّ ميزان القوى ولن يغيّر في الأمر كل التدخل الروسي.
لكن، يبدو أن أميركا ما زالت تراهن على تفاهم مع روسيا، وليس عودة إلى الحرب الباردة، ويبدو أنها لن تقدم على دعم الكتائب المسلحة بأسلحة نوعية، إلا إذا لم تتجاوب روسيا مع مسعاها في تحقيق حل سياسي في سورية. لقد دعا وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، إلى عقد لقاء خماسي، يضم أميركا وروسيا والسعودية وتركيا والأردن، لبحث الوضع السوري، ثم عقد لقاء موسع بعد أسبوع، أصدر بياناً تناول بعض التوافقات، وأقر اللقاء من جديد بعد أسبوعين. وهي تعمل على أن تدفع روسيا نحو حل سياسي، بدل الاستمرار في حربٍ، لا يبدو أن لها أفقاً، خصوصاً بعد ما ظهر في أسابيعها الثلاثة من عجز عن تحقيق تغيير مهم في ميزان القوى على الأرض. وهو مسار من أجل عدم تطوير الصراع مع روسيا، على العكس من أجل ضبط حركتها، ودفعها بعد أن باتت قوة مسيطرة في سورية إلى أن تحقق الحل القائم على أساس مبادئ جنيف1، وإن بدا أن هناك "مرونة" في قبول مرحلي لبشار الأسد، وهو ما ظهر أن هناك توافقاً إقليمياً ودولياً عليه، ظهر في تصريحات سعودية وتركية وأوروبية.
إذن، باتت روسيا على محك الوصول إلى حل بعد أن مسكت الأرض، وهمّشت سيطرة إيران، أو أنها سوف تغرق في صراع "أفغاني". وربما كان استدعاؤها بشار الأسد وحيداً، واتصالاتها التالية لذلك، تكون في مسار يفضي إلى حل، على الرغم من كل الوحشية التي ما زالت طائراتها تقوم بها ضد الشعب السوري، وعلى الرغم من استمرار محاولاتها تغيير ميزان القوى. في المقابل، صممت أميركا على إبعاد الدور الروسي من العراق، ويبدو أنها هددت الحكومة، ما جعلها تعلن أن التوافق الذي تحقق هو فقط "تنسيق أمني"، بعد زيارة رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيوش الأميركية، لكنها تدفع نحو تحقيق حل سياسي سريع في سورية، وربما يسبق ذلك عملها على إنهاء وجود داعش في الأرض السورية. ما يمكن أن يعقد الأمر هو الموقف الروسي نفسه، فهل الروس جادون في تحقيق الحلّ؟ وهل إصرارهم على "بقاء مؤقت" للأسد مناورة، يمكن أن تكون تكراراً لما حدث في اليمن مع علي عبدالله صالح؟
أظهر التدخل العسكري الروسي، أن الوضع يميل إلى التصعيد، وربما أظهر حالة صراع جديدة بين أميركا وروسيا، ما يستجلب عادة ذكرى الحرب الباردة. لكن، بدت الأمور كأنها تسير نحو حل سياسي، بعد أن تمكن الروس من سورية. في كل هذه المناورات، يأتي الأمل في الوصول إلى حل بدل استمرار الصراع، ربما بوحشية أكبر بعد التدخل العسكري الروسي. فإما الحل الآن، أو ستسير الأمور نحو "أفغانستان" جديدة.

(العربي الجديد)

 

الإجرام الروسي

سلامة كيلة

 

جاء الطيران الروسي، وقوى برية أخرى، لكي يحارب داعش، كما كرَّر الإعلام الروسي، وإعلام النظام، لكن هذا لم يمنع صدور تصريحات عن رئيس الوزراء الروسي، ديمتري ميدفيديف، بأن التدخل يتعلق بالمصالح القومية الروسية، وأن يتسرّب عبر تصريحات متعددة أن التدخل جاء لمنع انهيار النظام في لحظةٍ، كان فيها على وشك السقوط. طبعاً، لم يظهر أن الهدف هو الحرب ضد داعش، حيث شملته غارات محدودة (طاولت المدنيين في مناطقه)، وظهرت المصالح الروسية في بناء قاعدة جوية وتوسيع القاعدة البحرية، والإتيان بقوات برية، وذلك كله لكي يتعزّز الدور الروسي في البحر المتوسط، والمنطقة العربية. 
لكن، لم يفلح الطيران الروسي في تحويل "جيش" النظام وإيران وحزب الله وغيرها إلى قوة قادرة على استرداد الأرض التي خسرتها خلال هذه السنة، خصوصاً في الوسط (ريف حماة الغربي) والريف الجنوبي والشمالي لحلب وريف اللاذقية، فقد فشلت كل الهجمات، وجرى تدمير عشرات الدبابات، وقتل قادة عسكريون إيرانيون ومن حزب الله ومن النظام عديدون. بالتالي، لم تفلح الصواريخ المتطورة التي تطلقها الطائرات الروسية، أو حتى الصواريخ البالستية التي تطلق من بحر قزوين، أو من البحر المتوسط، في تغيير ميزان القوى العسكري. على العكس، تحقق تقدم للكتائب المسلحة. 
ما يفلح به هذا الطيران بكل تقدمه التكنولوجي، وقوة صواريخه، هو الإبادة الجماعية. فروسيا بوتين تمارس ما مارسته في الشيشان، حيث قاد بوتين حملة شاملة من أجل سحق التمرد، ومارس كل أشكال الوحشية من أجل إخماده، إذ دمّر غروزني العاصمة لكي يحقق ذلك. وإذا كان النظام قد استفاد منه أصلاً، خصوصاً في "اكتشاف" البراميل المتفجرة، فإن الطيران الروسي يكمل الوحشية بصواريخ أكثر تطوراً، وهو يريد من ذلك تحقيق هزيمة الثورة، وفرض انتصار النظام. ولا يبدو أنه قادر على ذلك، لأن في سورية ثورة هزمت النظام، ولا يفيد كل التدخل الخارجي من أجل إنقاذه. 
قصف بعض مواقع الجيش الحر. لكن، يبدو أن التركيز الأساسي للقصف يطاول المستشفيات، والمستشفيات الميدانية، والمدارس والأسواق والأحياء الشعبية. الجزء الأساسي من القصف يطاول هذه المناطق في دوما وريف دمشق وحلب وريف حمص وريف حماة وإدلب وريفها، وحتى حين يقصف مناطق داعش يقصف الأحياء والأسواق والمستشفيات، كما فعل في البوكمال. لهذا تزايدت المجازر بعد التدخل الروسي، وازداد عدد الشهداء، خصوصاً من الأطفال والنساء وكبار السن. ومن أجل ذلك، يجري استخدام الصواريخ الفراغية والقنابل العنقودية، ويكمل النظام باستخدام البراميل المتفجرة وأسلحة محظورة. 
لا شك في أن هذه جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية. وربما كان هذا هو أسلوب بوتين الذي يعتقد بأن استخدام الوحشية سوف يفرض "انهيار العدو"، ومن ثم يعلن انتصاره هو. إنه يستخدم "الصدمة والرعب"، هذا المصطلح الأميركي الذي يمارسه الروس الآن في سورية. لكن، لا يبدو أن هذه السياسة قد أدت إلى نتيجة، حيث لم تؤدِ إلى تغيير ميزان القوى على الأرض. على العكس، لا زال ميزان القوى مختلاً لمصلحة الجيش الحر.
تريد روسيا الحفاظ على بشار الأسد عبر سياسة وحشية، هي استمرار لسياسة النظام، لكي يبقى مسيطراً من دون أن ينال ذلك. ولقد استجلب قوات حزب الله والحرس الثوري والمليشيا الطائفية العراقية، ومن أفغانستان وباكستان، من دون أن يغيّر ذلك في الواقع شيئاً، الأمر الذي فرض تدخل روسيا التي تريد "أن يختار الشعب السوري" من يحكمه، وهي تحاول سند نظام يتداعى، لأن الشعب قرَّر إسقاطه. 
تحاول روسيا الآن، ولسوف تصل إلى النتيجة نفسها: الفشل، على الرغم من كل الجرائم التي ترتكبها، والتي هي جرائم ضد الإنسانية، وستحاسب من الشعب التي لم ترَ إلى الآن أنه يريد إسقاط النظام. عادةً، حين تكون الإمبريالية مأزومة تمارس أقصى العنف، وترتكب الجرائم، وتقترف الإبادة الجماعية، هذا بالضبط ما تفعله روسيا في سورية.

 

(العربي الجديد)

 

فلسطين..

انتفاضات مستمرة

سلامة كيلة

عاد الحدث الفلسطيني لكي يحتلّ الصدارة، بعدما بدا أنه تراجع في الثورات العربية، وغرق في صراعات دموية، تكاد تنسى أن المسألة هي مسألة ثورات نشبت قبل خمس سنوات تقريباً. هذه الثورات التي جعلت فلسطينيين يقولون إنها همّشت القضية الفلسطينية.
لم يكن ممكناً أن تهمّش القضية، فهي في عمق الثورات العربية التي تريد كنس نظم تابعة للإمبريالية، ومتصالحة، أو تريد المصالحة مع الدولة الصهيونية. وأيضاً، لم يكن ممكناً أن تهمّش، لأن الشعب الفلسطيني ليس أمامه من خيار سوى الاستمرار في المقاومة، في مواجهة كيان يريد أن يلتهم كل فلسطين، وبالتالي، أن يدمّر وجوده.
لكن، أظهر الحراك أن الوضع ليس كما كان في الانتفاضة الأولى، ولا حتى كما كان في الانتفاضة الثانية، حيث ظهر عبء وجود السلطة جلياً. السلطة التي وافق الكيان الصهيوني على تشكيلها من أجل "ضبط" الفلسطينيين، وشل مقاومتهم، إضافة إلى تحمل عبء الإدارة المدنية، لكي تريحه. وعلى الرغم من أن حراكاً يحصل في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أنه يبدو كاحتكاك مع الحواجز الصهيونية التي تقف عند حدود السلطة. وظهر أن القدس التي هي خارج سيطرة السلطة هي مركز الحراك، ممتداً إلى الخليل بالأساس، فقد ظهر، في السنوات السابقة، أن الأجهزة الأمنية التي تشكلت جزءاً من السلطة واجهت كل حراك في هذه المناطق، حيث أن "العقيدة" التي تدربت على أساسها تقوم على "محاربة الإرهاب"، وليس حماية الشعب الفلسطيني من القتل الصهيوني.
وعلى الرغم من كل تصريحات مسؤولي السلطة، وإظهار وقوفهم مع الحراك، فإن وجود السلطة نفسه بأجهزتها الأمنية هو ما يشكّل مشكلة لتوسع هذا الحراك، ويريح الكيان الصهيوني من إمكانات توسعه. ربما هذه المسألة هي التي أوجدت فصلاً بات واضحاً بين الشباب الذي يخوض الحراك والسلطة. ولكن، أيضاً كل التنظيمات والأحزاب الفلسطينية، وهي الحالة التي حدثت في كل الثورات العربية، حيث باتت الأحزاب "في الخلف"، أو جرى تجاوزها، بينما تولى شباب لم يكن مسيساً تفجير الثورات، و"تنظيمها". وهو الأمر الذي يدمج الحراك الفلسطيني بمجمل الحراك العربي، ويعطيه الأبعاد نفسها، فقد باتت الأحزاب التي تشكلت قبل عقود من الماضي، ظهر هرمها، بينما ينفتح الأفق لبناء بدائل من الشباب الذي انخرط للتو في السياسة.
لكن، ربما أظهر الحراك الراهن مسألة أخرى، هي مرتبطة بدور الشباب بالأساس، حيث ظهر التفاعل في كل فلسطين، وخصوصاً هنا، وهذا هو الجديد بشكلٍ ما، في الأرض المحتلة سنة 1948، وظهر أن الشباب الفلسطيني بات يتجاوز "التقسيم" الذي رُسم منذ قبول حل الدولتين، ومن ثم بعد انفكاك قطاع غزة عن الضفة الغربية، نتيجة التصارع على سلطة ليست موجودة أصلاً. عادت فلسطين هي فلسطين، أي كل فلسطين، وليس الضفة الغربية وقطاع غزة كما رسمت السلطة في سعيها إلى تحقيق حل الدولتين. وهذا يعني كذلك حل "حلم" بتحقيق حل الدولتين الذي أصبح مركز الخطاب الفلسطيني منذ عقود أربعة. بالتالي، عادت فلسطين مشروع تحرر، وأصبح النضال هو شكل المواجهة الأساس، بعيداً عن كل مفاوضة من أجل حل لن يأتي أبداً عبر هذا الطريق.
يبقى أن نقول إن الوطن العربي يسير نحو حراك كبير، مترابط، ومتكامل، وأن نجاحه هو الذي سوف يدعم النضال الفلسطيني الذي بات جزءاً من هذا الحراك، ويسير في المسار نفسه، من حيث تبلور بدائل سياسية وعملية، تستطيع تطوير الصراع وتحقيق الأهداف التي تتعلق بالاستقلال والوحدة والتطور المجتمعي. بالتالي، يمكن القول إن فلسطين عادت إلى وضعها الطبيعي في قلب الصراع العربي ضد الإمبريالية والكيان الصهيوني، ومن أجل الاستقلال والوحدة والتطور والحداثة.

 

(العربي الجديد)

 

جرائم النظام السوري واليسار الممانع

سلامة كيلة

 

"كيف يمكن ليسار أن يغض النظر عن جرائم السلطة السورية، ويقف إلى صفها؟ 
يسار بلا قيم ليس يساراً."

 

يمكن تعداد جرائم عديدة ضد الإنسانية في سورية، ارتكبتها السلطة، وهي جرائم فظيعة، أدت إلى استشهاد مئات آلاف المواطنين، واعتقال مئات آلاف آخرين قتل كثيرون منهم في السجون. وتم تدمير عشرات القرى والمدن، وانهيار الاقتصاد، وطبعاً دمار الجيش الذي انشق عنه، أو هرب منه أكثر من مائتي ألف، وقتل منه مئة ألف، ولم يبق منه سوى بعض سلاح الطيران. وباتت السلطة تسيطر على ربع مساحة الدولة، وهُجّر أو لجأ أكثر من نصف السكان، قتل آلاف منهم غرقاً. 
لم يحدث ذلك كله نتيجة احتلال "إمبريالي"، كما حدث في العراق الذي عانى زمن الاحتلال من كثيرٍ مما يعانيه الشعب السوري، بل حدث بفعل مجمل السياسات الوحشية التي قامت بها السلطة (بدعم ومساندة ومشاركة من إيران ومليشياتها الطائفية التي باتت هي التي تحمي السلطة، وتحافظ على بقايا وجودها، وكذلك من روسيا التي أمدتها بأفتك الأسلحة وبخبرة البراميل المتفجرة، وبأحدث الطائرات). فقد دمرت وقتلت باستخدام الجيش والأمن والشبيحة، لكن الاحتقان الذي اخترق الجيش دفع إلى هذا العدد الكبير من "الهاربين"، وتدمرت القوات المستخدمة بشكل كبير (الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري وبعض الوحدات الخاصة). انتهى "التوازن الإستراتيجي" الذي أقامه حافظ الأسد على الصواريخ البالستية (السكود)، وتلاشى الجيش إلا بقايا. وربما هذه أكبر جريمة قامت بها السلطة التي لم تقتنع بأنها عاجزة عن الاستمرار، بعد أن تمرّد الشعب، وتحرّر من حالة الخوف التي زرعتها طوال عقود من الحكم الشمولي الاستبدادي. ولهذا، مارست "سياسة الأرض المحروقة" تحت عنوان "الأسد أو نحرق البلد". 
ولا شك في أن كل هذه الوحشية لم تكن ناتجة عن مواجهة "عصابات مسلحة"، أو حتى "جيوش من الإرهابيين"، بل كانت نتاج العمل على سحق شعب تمرّد عليها، ويريد رحيلها، حيث إن الحرب ضد عصاباتٍ لا تحتاج إلى طائرات وصواريخ استراتيجية وجيوش، بل تكفيها "وحدات خاصة" فقط، فقد عملت السلطة، عن قصد، على الحرق والسحق لشعب تمرّد، حيث "لا يجوز تمرد العبد على السيد" وفق منظورها. لهذا، أطلقت كل وحشية ورثتها من تراث العصابات والشبيحة، لكي تسحق الشعب، حتى وإنْ فرض ذلك إبادته. وهذا ما ظهر بعدد ما يمكن أن يوضع تحت بند "جرائم حرب"، أو "جرائم ضد الإنسانية". وكانت السلطة بحاجة إلى هذا المستوى من الوحشية، على أمل أن تبقى في السلطة، ولو على شعب من بضعة آلاف من البشر، أو حتى "لا أحد"، فالأمر يتعلق بـ "الأسد أو نحرق البلد"، وما جرى هو حرق البلد بكل الوحشية الممكنة. 
ليس استخدام الأسلحة الكيماوية وحده ما يعدُّ جريمة حرب، وهذا ما اهتمَّ بعضهم به جزئياً. 

لكن، يمكن أن نعدد جرائم حرب وعمليات إبادة أخرى، مثل الاعتقال الواسع والقتل في السجون، فما ظهر بالصور التي عُرضت يشير إلى قتل إحدى عشر ألف سجين، وهو عدد لا يشمل العامين السابقين، حيث تزايد قتل السجناء، فالسلطة تقتل الناشطين (وهم ليسوا أصوليين، أو إرهابيين) بالضبط، لأنها تريد قتل الثورة، وهذه جريمة حرب. وهناك حصار المناطق، ومنع دخول الغذاء والدواء، ودفع الناس إلى الموت جوعاً، هذا ما حصل في داريا والمعضمية والغوطة الشرقية، وفي حمص، ودير الزور، وفي مناطق عديدة، وهي جريمة حرب كذلك. ظهر هنا أن السلطة تعاقب الشعب الذي تمرّد عليها، وتريد فناءه، ولا يتعلق الأمر بإرهابيين، فالحصار هو لمدن وقرى وأحياء، وليس لمجموعات "إرهابية" متحصنة في مكان ما. ومن دون أن ننسى أن استخدام الصواريخ البالستية والبراميل المتفجرة جرائم حرب، لأنها تُطلق على المدن والقرى من دون تمييز، ولا تطلق ضد جيش آخر. ولا شك في أن البراميل المتفجرة هي الأكثر تعبيراً عن "العقاب الجماعي". بالضبط لأنها تُلقى من دون تمييز، وبلا هدف عسكري، بل هدفها هو القتل، قتل العدد الأكبر من الناس، وتدمير الحجم الأكبر من الأبنية. 
وكل هذه الممارسات الوحشية هي التي أنتجت جريمة جديدة، هي جعل البلد "غير ممكن السكن"، حيث يقود التدمير والقتل إلى الهرب من المناطق المتضررة، ولما كانت هذه المناطق تشمل معظم سورية المأهولة (سوى المناطق التي يسيطر النظام عليها، وتلك التي تسيطر داعش عليها)، فقد نتج عن ذلك نزوح كبير، داخلي وخارجي، خصوصاً بعد انهيار الوضع الاقتصادي والعجز عن توفير العمل والمال. بالتالي، كل هذه الجرائم، ونتائجها التي ظهرت في الانهيار الاقتصادي هي التي فرضت حدوث حالة النزوح الكبيرة (أكثر من نصف سكان سورية). وبالتالي، أدت إلى موت أعداد كبيرة غرقاً في البحر. 
كل هذه الممارسات جرائم حرب، حيث يظهر واضحاً ميل السلطة إلى سحق الشعب الذي تمرَّد، فهي تدافع عن مصالح كسبتها، وأدت إلى نهب فئة حاكمة "القطاع العام"، وتحكّمها بجزء مهم من الاقتصاد، لتبدو سورية "المزرعة" التي يجب "الدفاع" عنها، في مواجهة الشعب المنهوب، والذي أصبح عاطلاً عن العمل، أو عاجزاً عن العيش نتيجة انخفاض الأجور، والتعرُّض لنهب الضرائب التي تفرضها السلطة، واحتكار المسيطرين على الاقتصاد. هنا، تظهر وحشية الطبقة المسيطرة، ويظهر ميلها لكي تبقى مسيطرة، حتى وإنْ أدى ذلك إلى سحق الشعب وقتله. إنها تدافع عن مصالحها بكل الوحشية، وترتكب جرائم عديدة ضد الإنسانية، فقط لكي تبقى متحكمة ومسيطرة. 
نفهم لماذا لا تريد الدول الإمبريالية محاسبة السلطة على ذلك كله، حيث إنها لا تمانع في القتل والتدمير، كما فعلت أميركا في العراق (وقبلها في فيتنام)، وكما تريد أن يظهر مآل الثورات كي "تتأدب" الشعوب الأخرى، فلا تجرؤ على التمرد. لكن، كيف يمكن ليسار أن يغض النظر عن ذلك كله، ويقف إلى صف السلطة؟ 
يسار بلا قيم ليس يساراً.

 

(العربي الجديد)

 

الأولوية في سورية

 

سلامة كيلة

 

بات تناول الوضع السوري ينطلق من أولوية الحرب على الإرهاب، أو الحرب ضد داعش خصوصاً. أصبح الأمر يتعلق بالإرهاب، وليس بثورة انطلقت في 15/3/2011، وأرادت إسقاط النظام. 
تدخلت أميركا من أجل الحرب ضد داعش بعد أن شكلت تحالفاً من 60 دولة، وأرادت أن تصبح مهمة الكتائب المسلحة (الجيش الحر) هذه الحرب، وليس الصراع من أجل إسقاط النظام. وتتدخل روسيا الآن تحت شعار الحرب ضد الإرهاب، وضد داعش خصوصاً، وتعتبر أن هذه أولوية، والأساس في ترتيب وضع سورية. بالتالي، باتت مشكلة سورية هي الإرهاب الذي يستدعي كل العالم من أجل دحره، وليس وضع الشعب الذي تمرَّد لأنه يريد إسقاط النظام، بعد أن بات وضعه شديد الصعوبة، ولم يعد يحتمل بقاء الوضع كما هو. 
هل نقتنع بأن داعش هي الخطر الرئيسي؟ لكن، كما أشرنا مراراً، ليس من أحد يقاتلها بجدية سوى الكتائب المسلحة التي تقاتل النظام، فكل الغارات الأميركية كانت "على الحافر" كما يقال، وغارات الطيران الروسي تركز على الكتائب المقاتلة وليس على داعش، ومن يدقق في خريطة سيطرة داعش (شمال شرق سورية) ومواقع القصف الروسي (شمال غرب سورية) يلحظ ذلك بوضوح شديد. لتبدو داعش فزاعة فقط، لكن الهدف في مكان آخر. وداعش كذلك، لأنها نتاج سياسات أجهزة مخابرات تريد اللعب من أجل تحقيق سياسات، هي الفزاعة التي تفرض التدخل الأميركي، وبالتالي، فرض الشروط الأميركية. وهي كذلك فزاعة فرضت التدخل الروسي، من أجل فرض سيطرته على سورية. 
بالتالي، ليس لذلك كله علاقة بأهداف الثورة، على العكس، من أهدافه التغطية على الثورة، تهميش الثورة وتحويل ما يجري "حرباً أهلية" بداية، ثم الآن "حرباً ضد داعش". الهدف هو إلغاء حتى اسم الثورة، وفي هذا توافق أميركي روسي كبير، ومن ثم توافق مع النظام نفسه، ومع دول إقليمية تخاف من الثورات، وعملت على تدميرها. لهذا، يجري نقل الصراع من صراع شعب ضد النظام من أجل الحرية والعيش الكريم إلى صراع دول إمبريالية ضد الإرهاب، ودعم النظام في هذه الحرب، النظام الذي لا يعود مطروحاً تغييره، وإنْ أرادت دول تغيير رئيسه. 
في سورية (كما في العراق)، داعش فعل لجهات متعددة، ويعمل في خدمة سياساتها، من أميركا وروسيا إلى تركيا، وإيران إلى النظام، هي أداة لجهات متعددة تخدم سياساتها. ولهذا، ليس هو قوة محلية تعبّر فئات من الشعب (كما النصرة)، بل قوة مُدخَلة من أجل أهداف متعددة، أولها تخريب الثورة، وبعدها خدمة سياسات، حيث لأميركا هدف من تفعيلها، وللنظام هدف كذلك هو شطب الثورة، واعتبار أن الصراع هو ضد الإرهاب لتوحيد العالم معه، وتركيا كانت تشوش على الآخرين عبره، وإيران تخدم سياسة النظام عبره أيضاً. ولهذا، لا أحد منها يقاتل داعش. بالتالي، سوف يتلاشى دور "الإرهاب" مع توافق تلك الدول، وترتيبها صيغة السلطة. 
داعش والنصرة خطر على الثورة السورية فقط، وتستخدمان لإضعافها، حيث توضع بين القصف الوحشي للطيران الروسي ومفخخات داعش التي عملت على السيطرة على مناطق الثورة. الثورة التي تريد إسقاط النظام وبناء سورية جديدة، على الرغم من كل التشويه الذي أحدثه التدخل الخارجي فيها. بالتالي، فإن تكتيكات الدول الإمبريالية أو الإقليمية لن تحرف الثورة عن هدفها الأساس، اعتبار النظام المشكلة الجوهرية، والمطلوب تغييره، وهذه الخطوة هي التي سوف تنهي داعش وأخواته، لأن الشعب الذي قاتل هذا التنظيم المسلح في وضع صعب يمكنه أن يهزمها، حين ينتهي نظام الأسد. 
لن تغيّر كل تكتيكات الدول المتدخلة من هذه البديهية. وبالتالي، كل حل يبدأ بإنهاء سلطة بشار الأسد.

(العربي الجديد)

 

مصالح روسيا في سورية