الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

·         د. سيّار الجميل اكاديمي واستاذ جامعي وكاتب عراقي ينشر مقالاته في

 (العربي الجديد) اللندنية

كتاب  مفتوح أمام

السيد  رئيس مجلس الوزراء

الدكتور حيدر العبادي

 

أ.د. سيّار الجميل

 

 السيد  رئيس مجلس الوزراء المحترم  في العراق / بغداد

تحية  كبيرة  وبعد ،

 

هذا  كتاب  أفتحه أمام  سيادتكم  ، وهو  يتضمّن  بعض  الأفكار  والاراء المستمدة من  مناشدات  العراقيين بمختلف اطيافهم .. وان ما  ساضمنّه في ادناه يشكّل مختصر  خارطة طريق قدّمت فيها الاهم على  المهم لما  تطمح اليه أغلبية ابناء  الشعب العراقي  وكل  من  يؤمن  بهذا الوطن  في وحدته والحفاظ على  كيانه ، وسيرورته  نحو  معالجة  اوضاع  مجتمعه  واصلاح  مؤسسات  دولته  .. وبناء مستقبل اجياله  ، وأنتم  أدرى  بأحوال العراق  اليوم  وهو  غارق  بالازمات والمشكلات  . لست  سياسياً  ولا  حزبياً ، ولا  انتمى  الى  أي  طرف من الاطراف  ، ولكن  انتمائي  كان  وسيبقى  لوطن  عريق  اسمه العراق  ، الذي قاسى  على ايدي حكومات طائشة رعناء ، او  مجنونة وسارقة هوجاء ، او  مجبولة  بالطغيان  ، وعانى  ابناؤه  من  حروب  ومشكلات وتمردات وتفجيرات واعدامات ونهب  وسرقات وتشرد في الشتات  .. وان  طموح  كلّ  المخلصين  له  يرقى  الى  هدف   استقراره وأمنه ، واجتثاث الفساد والفاسدين  منه ، وبدء  مرحلة  تاريخية ، وخلاصه من  كلّ التداعيات المريرة  التي  يعاني  منها  كلّ  الشعب العراقي  . وعليه ،  فاسمحوا لي  ان  أطرح عليكم  مختصراً  لركائز  أعتقد  انها  عملية  وبنائية  ، متمنياً  ان  يكون  لديكم الوقت الكافي للاطلاع عليها  ،  وأعتقد  اعتقاداً راسخاً  انها  ستجد الاذن الصاغية  من لدنكم للعمل  بها   ، وأقول  بأنكم  لو  أخذتم  بمثل  هذه  " الافكار "  ،  فستجدون العراق  كله  معكم  :

 

أولاً : بعد  كلّ  ما  تحقّق  على ايديكم خلال  رئاستكم  للسلطة  التنفيذية  والقيادة العامة  للقوات المسلحة ، نناشدكم الخروج من  حزب الدعوة  وبسرعة  متناهية ،  فانتم  الان  أكبر  من  هذا الحزب الذي  كانت له  أخطاؤه  وجنايات  بعض قياداته الطائفية ، والاسراع  بتأسيس  حزب  سياسي  مدني  بزعامتكم ، وأن  تقوموا  بعقد  مؤتمر  موسّع للتأسيس الجديد  تعلنون  فيه عن أفكار  وطنية ومبادئ مدنية للحزب الجديد  ، والذي  يجمع  العراقيين  وكلّ اطيافهم  باسم العراق  بعيداً عن  أي  دين  ، أو  قومية ، أو  مذهب ،  أو  قبيلة  ، أو  جهوية  او  قرابة عائلية  ..  وثق  ان  هذه الخطوة  الشجاعة  التي  طالبنا  بها  منذ  ان توليت المسؤولية  ستكسب  بها  كلّ العراقيين ، وسترى ان  كل القوى الوطنية والمدنية  ستسعى للتحالف  معك  .

 

ثانياً :  لقد  عانى  العراق المعاصر  من  المشكلة  الكردية  طويلاً  ، وربّ  ضارة  نافعة  اليوم ، اذ  ظهر  واضحاً  ان  الاستفتاء  على  ولادة  دولة  كردستان  ( في العراق )  مشروع  غير  متحقق  على الارض في  الشرق الاوسط  لسنوات  قادمة ، واصبح عبئا  ثقيلا على اصحابه . ولما  كان الكرد  والعرب  والتركمان  وكلّ  أبناء الطيف  قد  تعايشوا  لأزمنة طوال ،  فأتمنى  عليك  ان  تكون  رائداً  لهذا التعايش  ، فالكرد  ما  زالوا  عراقيين ،  وكانت  لهم  وقفاتهم  التاريخية  . وعليه ، فان  الحرب ( سواء  عبر  المدافع ام  الالسنة والاعلام المضاد )   لا  تؤدي  الا  الى المزيد من الخراب  والدمار  ، وما  دام  هناك  دستور  يحكم العلاقة  بين الطرفين  ،  فاتمنى  ان  تجنّب اقليم  كردستان العراق  أية مأساة  أو أيّ افتقاد  للامن – كما  يطمح الى  ذلك أقرب خصومك من السياسيين  -  ، وان  تعود الى كردستان الحياة الطبيعية . 

 

ثالثاً :  لقد  عانت  المناطق والمدن  العراقية في محافظات الموصل وتكريت والرمادي وديالى من الاهوال التي  مارستها  ضدهم  عصابات  ارهابية  منظمة  ومتنوعة ، ثم  بطشت   داعش بالناس  لاكثر من ثلاث سنوات  ، وقد  دمرت المدن  جراء  تحريرها تدميرا كبيرا  ،  وخصوصا  الموصل  واهلها  ،  اذ دمّرت المدينة  التاريخية  وتشّرد معظم  ابناؤها  ، وسحقت  مؤسساتها  ومصانعها  وكل  بنيتها التحتية ، وقد طالبنا  قبل اشهر  بتشكيل  هيئة  لاعمارها  وتخصيص  صندوق  خاص  لذلك  ، ولكن لم نجد  أية استجابة لندائنا، وانتم  تعلمون بأنّ الموصل  مع أطرافها هي المدينة  الوحيدة  التي  نالت  من التدمير  والانسحاق  وفقدان الالاف من اهلها ضحايا لداعش ، أو  ماتوا تحت الانقاض ميتة  بشعة   .. متمنياً  عليك يا  سيدي العزيز  زيارتها والامر بحلّ كل مشاكلها  ، وان تجد الموصل عناية  خاصة  منكم  ، وانتم ادرى  بأهلها الذين  استقبلوك  استقبالاً  عظيماً  .  انّ الموصل  وديعة  الله  في عنقك  وأعناق  كلّ العراقيين ، فهي  بأمسّ الحاجة  الى  عودة الحياة اليها  واصلاح  جسورها  ومستشفياتها  وجامعتها  وكل مؤسساتها واجهزتها واسواقها  ومرافقها  ..  كي  يعود  أهلها  الى  بيوتهم  واعمالهم  ومقاعد  دراستهم  .. 

 

رابعاً :  مضاعفة   خطواتك  في القضاء  على  الفساد  واجتثاث الفاسدين ومحاسبتهم وملاحقتهم  .  لقد دمّر الفساد والفاسدون  كلّ العراق والعراقيين  بنهب  الاموال العامة  واستشراء  العقود  الوهمية ، والاتفاقات  والصفقات  وازدياد  عدد السماسرة واللصوص والمرتشين والطفيليين .. نطالب  باجراء التحقيقات مباشرة  وتجريم  كل الفاسدين  وانزال العقوبات الصارمة  بحقهم  ، مهما  كانت  مواقعهم  ومناصبهم  .. فليس من العدالة  ابدا  ان يسرق  بعض المسؤولين  المليارات والملايين  على حساب  لقمة  عيش الملايين من  الفقراء العراقيين !  مطلوب منك  اجتثاث  ثقافة  الفساد  اينما  كانت  في العراق  . 

 

خامساً :  لا يمكن  للعراق  ان يستقر  أبداً  ما دامت  تتحكم  في مصائره  مراكز  قوى  ومنظمات حزبية  وميلشياوية  واوليغارشية  تثير  المشكلات ، وتتدّخل  سياسياً وأمنياً في كلّ الامور  ، وتجعل من نفسها  وصيّة  على  السلطات  التشريعية  والتنفيذية  وحتى  القضائية  . وعليه  ، ينبغي  ضرب واستئصال أي  مراكز  قوى  ضارة  بالعراق  ، وتستمد  سلطتها  وقوتها  من خارج الحدود  ، وادماج  قطعات  اويغارشية وطنية مع القوات المسلحة  العراقية  .  ان  بقاء  اية  مراكز  قوى وعصابات  مضادة تحركهّا  اجندة  خارجية حتى  الانتخابات  القادمة  سيمنحها  الفرصة   ان  تعبث  بالعراق  ومصيره ، وتحول  دون ابقائكم  في الحكم  بل  تسعى  لارجاع  عقارب الساعة الى  الوراء . 

 

سادساً :  تحقيق  مبدأ  " تكافؤ الفرص " للعراقيين  وتحقيق العدالة للجميع ، والنظر  الى  العراقيين  من دون أية تمايزات او  تفرقة  باستثناء من يمتلك قدراته  الذهنية  والتخصصية   ، وبذلك  تقلل  من آليات المحاصصة  التي  نخرت  كل  البلاد  نخرًا  .  واعتقد ان  المحاصصة  سوف  لن  يقضى  عليها  بسهولة  ، ولكن  لابدّ  من  زرع الثقة  بين  كلّ العراقيين  من  خلالك  وحدك  ، كي  تكون مثلا  أعلى  يحتذى  بك  الناس  .   ان  دولة  المواطنة  لابد ان  تكون  بديلاً  عن  دولة  المكونات مهما  بلغت  التحديات  ..  ان خطواتك  في هذا  الطريق  ستلف  الشعب  من حولك  وتبقيك  زعيما  منقذاً  لأهل العراق  كلهم .

 

سابعاً :   ينبغي  العمل  منذ  هذه اللحظة  على  مشروع  اعادة  النظر   في  "الدستور " الذي  كانت بعض  بنوده وراء  تدمير العراق  واهله ، ومع  الاسف  كنت  احد  المشاركين  في لجنته   .  هذا الدستور  الذي  وصفته  قبل الاستفتاء عليه  أنه  " دستور يحمل تابوت العراق " ، وانتم  أدرى  بما  يحمله من  الغام  مدّمرة  لوحدة  العراق الوطنية ، منتجاً هذه العملية  السياسية  التي  قادت البلاد الى  هذه الفجيعة ، خصوصاً ،  تناقضات  من  جمع بين الدين  والديمقراطية وغيرها  .. أتمنى  عليك  ان  تعمل على تشكيل هيئة من المختصين العراقيين وحكمائهم  لتشريع دستور  مدني  يكون  عمودا فقريا لعراق  مدني  مستقبلاً  .  وأتمنى  ان  يتحقّق ذلك  في  رئاستك  الثانية  القادمة بحول الله .

 

ثامنا  : ان  الشعب  العراقي  باسره  ينتظركم  بتوظيف  كلّ  مؤسسات الدولة  في خدمته  على  أحسن  وجه  ، وان  يتقّدم  العراقي  في  اي  مجال  يبدع  فيه ، وان  تمنح  الفرص  للمبدعين  والاكفاء  العراقيين  ، وان  تكون أنت العين  الساهرة  على ما  يحتاجه  كلّ العراقيين  من أمن وخدمات  ورعاية  ومستشفيات  ومدارس  ودور  رعاية  ..  وان  تحسّن  ظروف  الناس ، وان  تنظر  الى  كلّ  العراقيين  بعين عطوفة واحدة بلا  تفرقة  ولا  تمييز  ، وان  تمنح  حقوق الناس  كلهم  ،  فان  هناك  من لم  يستلم راتباً  حتى الان  بعد  مضى  اشهر  !!  وان  تعيد العمل  بنظام  التفتيش  الاداري  والتربوي  والقضائي  للقضاء  على  التسيب والتجاوزات والضعف والبطالة  المقنعة . 

 

تاسعا : أتمنى  عليكم  يا  سيادة  الرئيس  أن  تقدمّوا الاهم  على  المهم  في  علاقاتكم الخارجية  ، وان  تعتمد  مبدأ  المغفور  له الملك المؤسس فيصل الاول  "  خذ  وطالب  " في تعاملك  مع الامريكان  الذين  كانت لسياساتهم  الخاطئة  دورها  في  فجيعة  العراق  .. كما اتمنى مخلصا ان  يبقى  العراق مستقلا  بارادته الوطنية  من دون أيّة  املاءات  من قبل اي دولة  اقليمية خارجية ، وخصوصا  ايران  التي  لها  أجندتها  المضرّة  للمصالح العراقية . ان مصالح العراق  العليا  والدنيا  لا  يمكن أبدا  التفريط  بها  على حساب  هذا البلد او  ذاك  ..  مع  عدم توريط العراق  بأية  مشكلات مع الاخرين  او  حروب  اقليمية ..   ولكن  لابدّ أن  يكون  للعراق  عمقه العر بي  ، اذ  أنه  كان  مركز اً  حقيقياً  للحضارة  والثقافة  العربيتين ، والعراق  له مكانته في قلوب كلّ العرب  .  ولا  يمكن ابداً  اأن  يجد العراق  متنفساً  ثقافياً  وسياسياً  واجتماعياً واعلامياً  الا  من خلال  ذلك العمق العربي . 

 

عاشراً :  ترشيق  السلطات والمؤسسات  من خلال  رئاسة الوزراء  ،  وان  تشكيل  اية  سلطة  وطنية في العراق  ينبغي  ان  يكون  تحت  رعايتك  واختيارك  للاكفأ  في  شغل  مكانه المناسب  ، بعيدا  عن  املاءات الاحزاب والتيارات  والكتل  والتحالفات  والوسطاء  وسماسرة المصالح الخاصة   . وان تبدأ  بالحلقة  الاولى  من حولك  ثم  تتسّع  الى  الوزراء  والسفراء  والوكلاء  والرؤساء  والمدراء العامين  وكل القادة  العسكريين  .. الخ  أي  بمعنى  " تهذيب  الدولة من كل الطارئين  عليها  "  .

وأخيراً ،  ان هذه  " الافكار "  التي تضمنتها  عشر  نقاط  تعدّ  ركائز  لخطّة  عمل  ينبغي  البدء  بها  منذ  اللحظة والالتزام امام العالم  بتنفيذها  ، وثق  يا  سيدي  العزيز  ان  المضيّ   بها  بشجاعة وايمان  سيجعل  هذا  الشعب  يرى  فيك  كلّ الامل  المنشود  .. وستذوب  كلّ الاحتقانات ، وتختفي كلّ التناقضات  .. مؤملاً  أخذها  كاملة  دون  نقصان وان  تعلن  ذلك  على  رؤوس الاشهاد  دون أيّ تراجع   ،  فهي  مبادئ  اكثر  منها  وسائل  ، وربما  ستشتد  عليك  ضغوطات  أصحاب  المصالح الشخصية  والفئوية  والطائفية ، فلا  تلتفت  اليهم   ، فلقد  ثبت  للعالم  تمتعك  بالصبر  والجلد  والمثابرة  .. ان  اية  تحولاّت  نحو  الافضل  سوف  لن  تتم  الا  من  خلال  تحولّكم  تماماً  الى  الخط  المدني  ، وسيتحوّل  أغلب العراقيين  نحو  الافضل ، وبدأ  صفحة تاريخية  جديدة  ..اللهم اني  بلغّت ، اللهم  اشهد     تمنياتي  لكم  بالنجاح والسؤدد ، وتقبّلوا  أسمى  الموّدة  ووافر التقدير .

 كتب  في  يوم الجمعة  العاشر  من تشرين الثاني / نوفمبر  2017  .

موقع الدكتور سيار الجميل 

http://sayyaraljamil.com/

 

تلك اللغة الهابطة

بين الكرد والعرب في العراق

سيّار الجميل

 

قبل قرابة نصف قرن، رقص العراقيون، عربا وكردا، عندما اتفقوا، وشاعت في بلدهم أغنية تقول بعض مقاطعها: هربجي كرد وعرب رمز النضال/ من تهب نسمات عذبة من الجبال/ على أطراف الهور تتفتح گلوب/ لو عزف على الناي راعي من الشمال/ على الربابة يجاوبه راعي الجنوب.. إلخ. كتبها الشاعر العربي، زاهد محمد، ولحنها وغناها الكردي العراقي أحمد الخليل. وهربجي تعني في الكردية الجدية بين الإخوة. ثم نسي العراقيون، عربا وكردا، كعادتهم، تلك الأغنية، كونهم لا يدركون قيمة وطنهم أبدا، واختلفوا وتصالحوا، ثم تصارعوا واتفقوا، وهذا ديدنهم، فالأزمات العراقية تمنح العالم كل يوم صوراً جديدة عن شعبٍ إن توحّد أبدع، وإن تفرّق أكل نفسه بنفسه. منذ زمن طويل، يختلف معي بعضهم، عندما أصرّ على إن العراق يصعب جداً تقسيمه.
تدنّت الأزمة الحالية بين إقليم كردستان وبغداد إلى مستويات شعبيّة، قبل الاستفتاء، ودارت رحى معارك ساخنة إعلامية وإلكترونية ومهاترات تلفزيونية لا تصدّق، كما عدّت أشرس حرب إعلامية منذ شهرين، قبل زحف القطعات الاتحادية نحو كركوك والمناطق التي سميت متنازعا عليها، ولم تزل الأزمة تتفاعل على جبهات متنوعة. ويبدو واضحاً أن مشكلة العراقيين أنهم يتفاهمون ويتحالفون ضد بعضهم، وهم يتصارعون باسم وطنٍ ذبحوه، ودمّروا شعبه، وقسّموه جميعاً إلى مكونات وأطياف وأكثريات وأقليات. 
يعلم من رصد نماذج عديدة من تراشقات الطرفين أن حرباً باردة اندلعت بينهما، إثر إصرار  

رئيس الإقليم، مسعود البارزاني، على أن يكون استفتاء الكرد "للاستقلال"، وليس "للانفصال" عن العراق في موعده 25 سبتمبر/ ايلول 2017.. وفي الوقت الذي اندفع فيه الكرد اندفاعا كبيرا للتعبير عن رغبتهم، وبلغت نسبة التصويت بنعم أكثر من 92%، واعتقادهم الخاطئ أن الوقت حان لتشكيل دولتهم الموعودة، بلا وعي جمعي وبلا حساب للمخاطر والتحديات، وراح رئيس الوزراء، حيدر العبادي، يشدّ الحبل بالضدّ، بعد أن كان متراخياً سنوات طويلة، واستفحلت موجة إعلامية صاخبة بين الطرفين، كانت الشوفينية والطائفية والكراهية تترسخ بأوسخ التعابير، وأقسى العبارات المتبادلة على ألسنة المسؤولين الرسميين والغلاة المتطرفين، وغابت الحكمة وغاب العقل، وراح كل طرف يغرس سكاكينه في قلب الآخر.. واستخدمت التجريحات وتبودلت التهديدات، وتوزعت الشتائم بأساليب غير لائقة أبداً، لنسوة ورجال، بحيث سمعنا خطابات فجّة، وسجالات خالية من الذوق والأعراف والقيم بين مواطنين عاشوا سويّاً منذ أزمان، وما زال كلّ العراقيين ينتمون إلى دولة واحدة، ودستور كسيح صنعوه بأنفسهم. وزاد في الطين بلة أن الإخوة الكرد تكلّموا على أساس الجيرة، وكأنهم في دولة أخرى! مستعينين بأفكار برنارد ليفي وأضرابه الصهاينة. ومع احترامي إرادتهم الجمعية التي كانت واضحة، حتى قبل الاستفتاء، صرّحوا بها علناً منذ العام 2003، فإن هذا "الحدث" منح الكرد جميعاً درساً أن التفكير بالانفصال ليس عن العراق أو تركيا أو إيران لن يتحقق لمائة سنة مقبلة. وأن الحلم الكردي لن يرى النور إلا بتغيير شامل لكلّ خرائط المنطقة ودولها، ولا يمكن التكهّن مستقبلاً بما سيجري. وفي الوقت نفسه، هذا "الدرس" جعله الخصوم العراقيون مادة دسمة في انتصار وهمي لهم على الكرد، مستفيدين من مواقف إقليمية إيرانية وتركية مضادة للكرد، وكأن الكرد ليسوا أبناء وطن واحد وإخوة شركاء. ولا ينم تقويمٌ كهذا إلا عن غباء مستفحل، والنظر بعين واحدة للعراق، وكأنّ من يحكم العراق هو من يمتلك الحق بيده وحده، والآخرون مجرّد ذباب ينبغي إبادته (!). ولم نسمع أو نقرأ أيّ بيان يدعو إلى المحبة والتسامح والعقل، إلا نادراً لبعض الحكماء العراقيين.
لا يليق ما يستخدمه الطرفان من لغة وخطاب بأبناء شعب واحد، جمعهما تاريخ واحد، ووطن واحد، وجغرافيا واحدة، ونظام واحد، وتحالف ثنائي واحد، ومصالح مشتركة واحدة. وغابت الدعوات إلى السلم والمحبة، وغابت الرؤية الواقعية ومعرفة طبيعة الزمان وظروف المكان المعينين، خصوصاً وأن جرح "داعش" لم يلتئم بعد. والمتمنى أن يدرك الإخوة الكرد طبيعة جغرافيتهم المتقوقعة الصعبة بين طوروس وزاغروس، ولو تعلّموا من دروس التاريخ القريب بعض العبر، فإن كانت جغرافيتهم قد خانتهم، فإنهم لم يلتفتوا إلى التاريخ، ولم يأخذوا منه العبر.
وإذا كانت إسرائيل حقا صديقة للكرد، فهل من العقل أن يرفع علمها علناً مع علم كردستان على رؤوس الأشهاد؟ هل من الحكمة أن يتمّ ذلك، وصاحب القضية لم يحقق أي خطوةٍ على درب الانفصال؟ هل من العقل أن يصّرح أحد القياديين إنه "لم يبق إلا أسبوع على الاستفتاء ونخلص من جهنم"؟ اندفاع الكرد ضد العراق بهذا الزخم وتشكيل إرادة خاطئة بالضدّ تبلور منذ سنين، ولم تنكشف الحقيقة وتنفضح تلك الارادة إلا ووجد الكرد أنفسهم وحدهم أمام العالم الذي وقف ضدهم. وقد كتب صاحب هذه السطور، في مقال سابق في "العربي الجديد" قبل الاستفتاء، أن إخفاق الكرد في هذا الاستفتاء سيؤدي إلى كارثة تاريخية. وعليه، كان عليهم استخدام تعبئة مضادة للشحن العدائي، وكنت أراقب اللغة الصعبة والمشينة التي استخدمت على صفحات التواصل الاجتماعي بين الحليفين، الكرد والشيعة العراقيين، والتي وصلت إلى أدنى الدرجات الواطئة، فضلاً عن تجاوزاتٍ افتعلها مسؤولون كرد، وخصوصاً في كركوك. وأسأل الإخوة الكرد: هل اكتشفتم فجأة، بعد مضي 15 سنة، على تحالفكم مع المسؤولين في بغداد، أن نظام الحكم في العراق غير صالح للحياة، وكنتم جزءا منه؟ وإذا كان "النظام" طائفي النزعة، فهل كان يوما عكس ذلك؟ وخصوصاً في عهد نوري المالكي الذي عرف بمهازله وفواحشه وفساده وجرائمه التي لا تحصى. وكنتم حلفاء الشيعة ضد السنة في العراق، وكتب الدستور العراقي حسب مزاجكم ومطالبكم، فإن كنتم قد توجّستم الخطر من تحركات إيران، فهل كانت خطوة الاستفتاء حلاً، أم أنها بمثابة سنّارة إيرانية لإخراج السمكة من الماء؟
صمت العراقيون السنّة على مشهد الصراع بين الشيعة والكرد، وبان للعالم حجم الهشاشة  

للتحالف الذي كان يربطهما ضدّ العراقيين السنّة. ولكن بقدر ما كان للكرد من حرب دعائية من أجل الاستفتاء والتغنّي بالدولة الوليدة القادمة، كانت للطرف العراقي المقابل لغته المتهتكة وشتائمه التي يعاف المرء سماعها، وما ألصق من بشاعات في التعليقات، وإفراغ ما في الصدور من كراهية وأحقاد وانفضاح للأدوار، وبشاعة في الطعون، وتداول السباب مع التشبيهات الهزلية والانتقاص من القادة، ورمي المسؤولين بالاتهامات القاسية مع حرق الأعلام والضرب بالأيادي، والزجر بالأحذية في قاعة البرلمان مع المقاطعات وبثّ التصريحات القاسية. كلّ المسؤولين العراقيين وجدوا أنفسهم فجأة وطنيين للعظم، يدافعون عن وحدة العراق، بعدما نالوا منه جميعاً وتقدّموا عليه بانتماءاتهم المتعصّبة البغيضة، طائفية كانت أم شوفينية أم جهوية. شعروا فجأة أنهم أصحاب نخوة عراقية، وهبّوا جميعاً لإنقاذه، بعد أن ساهموا كلهم في تدمير مدنه وحرق أهله، وتهجير أبنائه، ونهب خيراتهم وسرقة ثرواتهم. 
دوماً أشبّه الكرد والحكومات العراقية المتعاقبة مثل قطارين يسيران بمواجهة أحدهما الآخر. ولكن على سكّة واحدة، وكثيراً ما تصادما أو وصلا إلى نقطة التماس في اللحظات الحرجة، من دون إيجاد محطاتٍ تمكّنهما من تجنب التصادمات. التصادم والحرب لا ينفعان، فكثيراً ما تصادم القطاران، وراح مئات من ضحايا العراقيين، كرداً وعرباً، بفعل عوامل خارجية، ويرجع الطرفان من جديد كي يرقصا ويغنيا: هربجي كرد وعرب رمز النضال.. تشتعل عواطفهم في زمن، ثم يحتربون في زمن آخر. وفي الحالتين، أجدهما بلا حكمة ولا محبة. فهل يتعايش أهل العراق في قابل؟

(العربي الجديد) لندن

 

ماذا يفعل برنارد

ليفي في أوطاننا؟

سيّار الجميل

من هذا الشخص؟ ما الذي يريده منّا؟ من الذي حمله إلى أوطاننا، وهو يتنّقل فيها كما يشاء؟ لماذا ارتبط أسمه في السنوات العشر الأخيرة بالأحداث الساخنة في مصر وليبيا والسودان والعراق وأمكنة أخرى؟ ما قصته مع العرب، وأخيرا معالكرد العراقيين؟ بل وجدنا صوره برفقة قادة الجيش العراقي قريباً من الموصل بعد سحقها وتدميرها؟ ما صلة هذا الرجل بداعش، وقد عُرف بانحيازه لإسرائيل؟ ما هذه الهالة التي رسمها عن نفسه، وهو يتنّقل بين الحرائق؟ نعرف أنه فرنسي (يهودي)، ولد في الجزائر في 1948، ونشأ في فرنسا، وغدا صحافياً، وسافر عام 1971، كي يغطي انفصال بنغلادش ضدّ باكستان. وعاد ليكتب مغتبطاً: "بنغلادش، القومية في الثورة" (1973)، ثم بدأ ينشر كتاباته، مدّعياً أنه يساري، ولكنه يعارض الاشتراكية إبّان السبعينيات! ونشر في 1981 "الإيديولوجيا"، مقدماً صورة قاتمة للتاريخ الفرنسي، وانتقد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشدة. وفي 1985، وقّع على عريضة لدعم القوات المتطرفة في نيكاراغوا. وهو من أشدّ المؤيدين للصهيونية، ونشر كتباً ومقالات أثار بعضها جدلاً، وقد أشهرته الصهيونية العالمية "فيلسوفاً ومفكراً يسارياً"، فيما هو "يميني صهيوني" متعصّب لإسرائيل على صعيد المواقف والممارسة السياسية. .. وكان قد دعا أيضاً إلى تدّخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في يوغسلافيا السابقة، وروّج تفكيكها. 
في التسعينيات، دعا ليفي إلى التدخل الأوروبي والأميركي في الحرب البوسنية خلال تفكيك يوغوسلافيا. وتحدث عن معسكرات الأسرى الصرب الذين كانوا يحتجزون المسلمين، ويمارسون ضدهم صنوف العذاب، وروّج الهولوكوست تحت شعار حريات الشعوب (!) عندما توفي والده 1995، أصبح لفترة وجيزة مدير شركة بيكوب، وباعها في 1997 بمبلغ 750 مليون فرنك لرجل الأعمال فرانسوا بينولت. وأسس، في نهاية التسعينيات، مع بيني ليفي  

وألاين فينكيلكراوت معهدا للدراسات باسم Levinassian في القدس، تكريما لإيمانويل ليفيناس. في 2003، كتب ليفي تقريرا عن جهوده لتتبع مقتل مراسل صحيفة وول ستريت جورنال دانيال"، دانيال بيرل، والذي خطفه متطرفون إسلاميون وقطعوا رأسه، وزار ليفي أفغانستان وباكستان والهند وأوروبا والولايات المتحدة.. وكتب أشياء غير حقيقية، عن بيرل، حتى اضطرت أرملة الأخير وصف ليفي بأنه "دمر نفسه بالأنا الخاصة به"، واتهمته بتهم مخيفة، فضلا عن أن المؤرخ البريطاني، وليام دالريمبل، دانه كونه يكتب أشياء من خياله، ويقنع الناس بها باعتبارها حقائق. وصلت ثروته، عام 2004، إلى 150 مليون يورو، وهو يملك سبع شركات لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وله استثمارات واسعة في البورصة. 
وفي مارس/ آذار 2006، برنارد هنري ليفي اشترك مع عشرة أشخاص للتوقيع على "بيان لمواجهة الشمولية الجديدة"، ردّاً على احتجاجات عنيفة ودامية في العالم الإسلامي، تتعلّق بالرسوم الكاريكاتيرية الساخرة عن الرسول الأكرم في الدنمارك. وقام في سبتمبر/ أيلول 2008، بجولة في الولايات المتحدة، لترويج كتابه "اليسار في الظلام: موقف ضد البربرية الجديدة". وفي العام 2006، شارك في الحوار عن الحجاب للمرأة المسلمة. وفي أغسطس/ آب 2008، وصل إلى أوستيا الجنوبية، وقابل رئيس جورجيا، ميخائيل سكاشفيلي، خلال الحرب التي جرت مع روسيا وقت ذاك، مروّجاً لغة الدم. خلال العقد الأول من هذا القرن، دعا إلى الاهتمام بأزمة إقليم دارفور. 
نشر في فبراير/ شباط 2016، كتابه "روح اليهودية"، حكى فيه عما سماها "العبقرية اليهودية". ويستكشف الكتاب اعتبارات دولة إسرائيل، كونها اختباراً لليهود وغير اليهود على حدّ سواء؛ فضلاً عن جذور معاداة السامية وأسبابها، حيث وجد بكلّ صفاقة "أن الجيش الإسرائيلي أكثر الجيوش أخلاقية وديمقراطية" (كذا)، وهو القائل إن الجولان "أرض مقدسة"، وكان مرشحاً لرئاسة إسرائيل. 
من قرأ كتبه في ثقافتنا السياسية؟ من اكتشف من يكون؟ ما وظيفته الحقيقية الخطيرة؟ وما طبيعة مهمّته وحركته في أوطاننا؟ وإذا كان قد وصف نفسه مفكرا، وأنه من أبرز المثقفين الفرنسيين.. فهل من واجب المفكّر أن يتنّقل في بيئاتٍ ساخنةٍ في الشرق الأوسط، ويلتقي بمسؤولين وساسة وزعماء من هنا وهناك؟ 
خلال مايو/ أيار 2012، وجد في ميدان التحرير في أثناء الثورة المصرية، وترك انطباعاً لمشاهدي فيلمه بأنّ الثورات العربية ما كان لها أن تقوم، لولا أنه شخصياً كان خلفها مشجعاً ومخططاً وقائداً. وكان قد دافع عن جنرالات الجزائر، لمحاربتهم "إرهاب الفاشيين الإسلاميين". وقد أرخ في كتابه "الحرب من دون أن نحبها.. يوميات كاتب في قلب الربيع العربي" (صادر أواخر 2011) لحيثيات الثورة الليبية، وكواليسها ومجرياتها، وقد كان "شاهد عيان عايش فصولها" ما بين 23 فبراير/ شباط و15 سبتمبر/ أيلول 2011، مجدّداً ادعاءاته، ومخفيا مهامه الحقيقية. ونشر في مايو/ أيار 2016، فيلما وثائقيا باسم "اليشمركة"، عرض في مهرجان كان. 
يمثّل بيرنارد هنري ليفي دور الباحث اليائس عن الإسلام المتنور، لكنه كما يبدو يحمل كرهاً  

شديداً ضدّ العرب والمسلمين وكلّ المجتمعات الشرقية، ويتذّرع بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، ولكن من يدقق في خطابه يجده مثيرا للنعرات، ونافياً التعايش التاريخي في مجتمعاتنا، ويسعى إلى تفكيك حياتنا وإثارة الحساسيّات الشوفينية. وكان يصفق للاستلابات التي هزّت الثورات العربية، وعمد إلى تشويهها، وتنقّل بين الأمكنة، موظّفاً أجندته باسم حرية الضمير والمعتقد، وتحفيز المتخيلات التي تريد مجتمعاتنا اللعب عليها.. حتى وجد في كردستان العراق أخيرا، وأنبِّه الإخوة القادة الكرد أن يأخذوا حذرهم، وأن لا يأخذوا بنصائحه. 
يقدم هذا الشخص الغريب نفسه منقذاً، أو بطلاً لتحقيق أحلام أمّة كاملة في حين يخفي أوراقه، إذ يعلن، في بعض المرات، عكس ما يبطن. وقد واجه سيلاً من الانتقادات الساخنة، والسخط المبرم، والعبارات الساخرة، من دون أن يشعر بالحرج، وكأنه في مهمة عسكرية، كما يتصرف ليس باعتباره مثقفا يكتفي بالمراقبة، وإبداء الرأي، ولكنه يجعل من نفسه حكماً وزعيماً غير متوج، كما اتهم بأنه لا يقرأ، مخادع كبير ودجال مبطّن، وينتشي بإشعال الحروب والتشفي بالمآسي والانسحاقات. ومن أعظم المصائب أن حكامنا ومسؤولينا الجدد يرحبون به، ويمنحونه ثقتهم، فهل علموا لماذا رفضته بلغراد على أراضيها أخيرا، وضربه شبابها التقدّمي، وتلطخ بالقاذورات؟ 
تزوج ثلاث مرات، وزوجته الحالية الممثلة والمغنّية الفرنسية أريل دومباسل، وكان صديقاً للرئيس الفرنسي الأسبق، نيكولاي ساركوزي، لكن علاقتهما انقطعت في 2007 خلال الانتخابات، إذ رفض دعمه. ومن أخطر كتبه "تأملات حول الحرب والشر ونهاية التاريخ" (2002)، وجعل من نفسه أوليغارشياً من أجل تدمير الأمم، وزرعها بالفاسدين الأقوياء ومصالحهم القذرة. وقد أطلق عليه فلاسفة فرنسيون كبار، أمثال جيل دولوز وجاك دريدا والمؤرخ بيار فيدال ناكيه، أسوأ الصفات، وأسموه "الخديعة الثقافية". 
في الخلاصة أن برنارد هنري ليفي تتحكّ فيه خمس نزعات خطيرة جداً: كراهيته الشديدة للعالم، من خلال تعصبّه وغلوه الصهيونيين، واحتقاره مجتمعاتنا العربية والاسلامية ونعتها بأسوأ النعوت. ازدواجيته، فهو ممثل بارع للفكر التقدمي، ولكنه غارق في اليمينية والفكر غير الإنساني، فهو يوظف مفاهيم الحوار في خطاباته، لكن مواقفه تنبئنا بما يحمله من مشاعر التدمير الكاسح. هو فعلا خديعة ثقافية، نظرا لخداعه كبار الساسة والقادة والإعلاميين الفرنسيين وغيرهم. يستغل سمعة مزيفة في تنقلاته، ويثير الأسئلة عن أدواره المشبوهة في بيئات متنوعة في العالم. ليس له تخصص ثابت، فهو ليس مفكّرا حقيقيا، ولا مخرجا سينمائيا، ولا عالماً ذكياً ولا إعلامياً مهنياً .. إنه أداة أسرائيلية متنقلة من أجل إثارة الفتن وصناعة الكوارث واستلاب الثورات. أقول للعالم أجمع: احذروه.

(العربي الجديد) لندن

أمّة مواطنة عراقية

ومشروع دولة جديدة

أ.د. سيّار الجميل

 

هذا جزء مترجم من محاضرتي في 26 سبتمبر/ أيلول الجاري في جامعة ميغيل University McGill في مدينة مونتريال الكندية عاصمة اقليم  كيبك  ، وكانت عن مستقبل الشرق الأوسط، ضمن هيئة دراسات المستقبل، مخصصّاً تحديد العلاقة الكردية العربية في العراق الذي يعيش اليوم مخاضاً صعباً يتضمّن قرار الكرد تحديد مستقبلهم عبر استفتاء أجروه يوم 25 سبتمبر الجاري لاستقلالهم عن العراق ، في "دولة" قومية. دعوني اقول بأن محاضرتي كانت جزءاً من دراسة موسعة، مستخلصة من حوارات مع المفكر العربي عزمي بشارة، أجراها معه صقر أبو فخر، وضمّنها كتاب "في نفي المنفى" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017).

يعيش العراق اليوم معضلاتٍ معقّدة لا حصر لها في كل المجالات. وتمنى العقلاء أن تحظى البلاد بقادة أذكياء وبناة أكفاء يتمتعون بحكمة وعقل ووطنية وخبرة، من أجل إدارة أزماتها ومعالجة أوضاعها وازديادها تهرّؤاً مع توالي الأيام. والعراق منذ 2003 ينتقل من سيناريو متوحش صعب إلى سينايوهات الجحيم، ولا حلول لمشكلاته. ولأول مرة في تاريخه، يواجه مسألة انفصال الكرد عنه بعد تعايش اجتماعي بقي مئات السنين. والمسؤولية التاريخية لوحدة العراق الوطنية والجغرافية يتحمّلها النظام السياسي الحاكم، وهو المسؤول الحقيقي عن تفكك العراق وتشرذم نسيج مجتمعه وضياعه، في الإصرار على الأجندة التي جاء يبشّر بها، وضربه النزعة الوطنية، وتفسيخ العراق على أساس بعثرة المكونات وتهميش الأغلبيات على حساب سيادة الأقلية الحاكمة وطغيانها، فكيف سيغدو مستقبله في ظلّ ما قام به نظام يقوم على أسس طائفية ومرجعيات متآكلة، وسيطرة طبقة سياسية فاسدة ومتخلّفة، تستمدّ قوتها من مومياءات العصور الوسطى. فالمشكلة بحاجة إلى حلول جذرية. وقد جرى تحالف الشيعة مع الكرد بعد العام 2003، بمباركة أميركية وإيرانية، وثار العرب السنة بعد  اقصائهم وتهميشهم وسحقت الأقليات الأخرى، وساد التوحّش وجثم الصراع الطائفي وتهتك المجتمع الذي يعتبر غالبية سكانه من العرب.

يقول عزمي بشارة: "لنأخذ العراق.. فإن معظم أهله عرب.. هذا مكوّن رئيس ومهم في  تشكيل هويتهم الثقافية.. وفي تميّزهم عن الإيرانيين والأتراك المحيطين بهم.. هذه الهوية هي قاعدة ثقافية مشتركة عابرة للطوائف، بين الشيعة والسنة العرب، وهي غير مصطنعة، ويمكن بسهولة تتبع تاريخ مشترك لها. وفي الوقت نفسه، يمكننا تخّيل أمة عراقية، لا أمة عربية وقومية عربية، من غير الممكن بناء قومية عراقية. وما يمكن أن ينشأ هو أمة مواطنين، وتشمل هذه الأمة العراقية أكراداً لهم قوميتهم المشتركة مع أكراد آخرين، لا يعيشون في العراق، كما تشمل عرباً هم أغلبية سكان العراق، يمكن التوّصل إلى حلول خلاقة للعلاقة بين القوميتين العربية والكردية، على أساس احترام الحقوق الفردية والجماعية" (ص 47- 48).

هذه فكرة موضوعية، اعتبرها قيمة فكرية في تحديد علاقات جديدة بتشكيل "أمة مواطنين عراقيين" تجمع كلّ القوميات والهويّات في كيانٍ يشترط أن يكون مدنياً يحكمه دستور مدني، ربما بالصيغة التي طرحتها مؤخرا لمّا سميّتها "الولايات العراقية المتحدة"، يبنى على أساس جغرافي من خمس ولايات، كأن يكون الأساس إدارياً أو فيدرالياً أو كونفيدرالياً.

ويتجاوز عزمي بشارة الحيادية إلى الموضوعية في تحديد رؤية مستقبلية للعراق، سبقت إجراء الاستفتاء بشهور. يقول ".. فالكرد أقرب الشعوب إلى العرب، لكن ثمّة قوميين راديكاليين عرباً لا يعترفون بوجود قومية كردية، وقوميين راديكاليين كردا يسعون إلى الوحدة مع باقي الأكراد في دولة واحدة، ولو أدى ذلك إلى تطهير إثني لتحقيق تجانس في مناطق معينة، وهذا تراجع إلى الخلف، حتى عمّا كان القوميون العرب يفكرّون فيه. الأحزاب الكردية الرئيسة في العراق تفكر في الانفصال، والهوية المشتركة بين باقي العراقيين هي غالباً هوية عربية، وتهميشها قاتل، لأن البديل منها هو العصبيات الطائفية" (ص 48).

نعم، كان تاريخ التعايش الاجتماعي بين العرب والكرد في العراق لابد أن يكون البديل الحقيقي لكلّ من حالات الصراع السياسي، أو التنافر القومي، وفهم كلّ طيفٍ أمنيات الآخر، إذ أثبتت الوقائع التاريخية منذ العام 1959 أن العلاقات التي وصفت بأنها أخوية كانت مزيفة على أشد ما يكون الزيف، ويتوضح جلياً أن الإرادة الجمعية للكرد مع الانفصال.

يتابع عزمي بشارة رؤيته ومعالجته: "دولة عراقية وقومية عربية وقومية كردية، لكن الحالة في العراق تبدو متجهة نحو الانفصال، على الرغم من هذه الإمكانية.. أنا أقول بقومية عربية ودول مواطنين عربية الطابع، مؤلفة من قوميات وإثنيات عدة. هذا إذا نجحت الدولة في بناء أمة المواطنين. والطريق الوحيد إلى الوحدة بينها، كما أحلم، هو اتحاد دول عربية، أو الدول العربية المتحدة". (ص 48). وللعلم، نادى بهذه "الفكرة" الملك فيصل الأول منذ بدايات العرب النهضوية، واستعادها نوري السعيد في الأربعينيات من القرن العشرين، لكنها قوبلت بالرفض واستعيضت بجامعة الدول العربية. يجدد عزمي بشارة اليوم هذه "الفكرة"، لتكون قيمة نهضوية جديدة من أجل بناء مستقبل العرب، ليس من أجل الكرد وحسب، بل من أجل تعايش العرب، وغيرهم من القوميات والإثنيات والأقليات. وكان على العراق أن يخطو الخطوة الأولى، كونه البلد الأصعب من هذه الناحية، وإن تعقيداته لو جرى حلّها ومعالجة نتائجها، لما وصل الحال إلى هذا المآل، ولكانت الخطوة الأولى على الطريق أمام كلّ العرب.

يستطرد بشارة: ".. يفترض أن يكون العراق أمة مواطنية تتضمّن غير العرب. لكن، لا يجوز أن تنكر عروبة الأغلبية... ومن حق القوميات الأخرى أن تحافظ على هويتها القومية، وأن تتمتع بحقوق جماعية في هذا المجال، مثل الإدارة الذاتية على درجة مختلفة، تصل إلى حد الفيدرالية، وحتى الكونفيدرالية. وفي حالة الإخفاق، سيكلف الانفصال ضحايا أكثر بكثير من الوحدة" (ص 48).

ولكن أين المشكلة؟

إن معالجات عقلانية ورؤية موضوعية كهذه لم تجد اليوم أيّ تفعيلات إجرائية على الأرض، جراء استقطابات الطرفين، ويمكن إيضاحها في الآتي:

أولاً: يتحمّل النظام السياسي الحالي في العراق مسؤولية ما يحدث اليوم، جرّاء تحالفات سياسيّة بعثرت المجتمع، وهمّشت أجزاء منه وسحْق أقليات فيه . انها  مسألة وطنية وليست مجرد أزمة سياسية .

ثانياً: سحق سيناريو "داعش" المدن العراقية السنيّة، وتهجير سكانها إلى إقليم كردستان، ما جعل السنّة يجدون في الكرد دالةً مخلصة في حمايتهم، في حين أغلقت سلطات بغداد أبوابها أمامهم. وهذا ما يترجمه صمت العرب السنة الذين لا حول لهم ولا قوة.

ثالثاً: مع تسيّد الأحزاب الطائفية السلطات الحقيقية، فإنه لا تأثير لأصحاب مناصب الكرد والسنة العرب، لا في القرار، ولا في صناعة الأحداث. وينبغي ان تسود العقلانية  والحوار  والاحترام المتبادل  بين  المركز والاقليم  ، اذ لا تنفع  لغة  التهديد  والوعيد  وما  نجده  لدى الطرفين اليوم من الردح  والشتائم والتهيّج من اعلى المستويات حتى  ادناها . 

رابعاً: إذا كان العراقيون قد خدعهم الكرد، كما يقولون، فإن علاقات الشيعة والكرد السابقة كانت بلا مصداقية، بل لها مصالحها الآنية. كان الكرد يعملون، من خلال تعاقب المراحل، على تحقيق مصالحهم للوصول إلى هدفهم في الانفصال.. وكان الأمر مكشوفاً، لكن الطبقة الحاكمة كانت غبية وغاشمة ومستحوذة على الحكم مهما كلّف الامر .

والسؤال: هل سيحقق الكرد طموحهم القومي بتأسيس دولة لهم في المستقبل المنظور أو البعيد؟

لقد خانتهم الجغرافيا البرية، وهم بين ثلاث قوى إقليمية: تركيا وإيران والعرب.

خامساً: سينشئ انفصال الكرد تاريخاً معقدّاً ودموياً من الصراع الإقليمي، وسيمهد الطريق إلى انفصال أجزاء أخرى، في ظل وجود نظام سياسي جائر، وغير مدرك أبداً المخاطر المقبلة، كما أن إخفاق التجربة الكردية سيكون كارثة للكرد كلهم. وعليه، أناشدهم التفكير بهذا "المشروع". ولتكن  تجربة  اقليم  كيبك  في كندا  نموذجا متقدما  يمكن الاستفادة  منه  ، شريطة  اجراء تغيير  جذري  في نظام الحكم والغاء دستوره الكسيح .

سادساً: وعليه، إن رضي العراقيون جميعاً بهذا "المشروع"، وسعوا إلى تطبيقه في فترة انتقالية بتأييد من المجتمع الدولي ، ينبغي أن يتساوى الجميع في نيل حقوقهم الوطنية، قبل أن يتفسّخ كلّ العراق.

مونتريال

العربي الجديد  ويعاد نشرها  على موقع  الدكتور سيار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

 

 

المؤرخ سيّار الجميل  يقّدم  صيغةً  للعراق

مشروع دومينيون  "الولايات العراقية المتحدة"

بديل تاريخي ومصيري لابقاء العراق منسجمًا وموّحدأً

وصفت صحيفة العربي الجديد  التي تصدر  في لندن  بعددها 1113 اليوم  الاثنين 18  سبتمبر / ايلول 2017    " مشروع المؤرخ  سيّار الجميل  "  قائلة :

يطرح المؤرخ العراقي أ.د. سيار الجميل، صيغة للعراق، تحمي وحدته وكيانه الاجتماعي، تقوم على فكرة »الولايات المتحدة«، أي  أقاليم الدومينيون التي تتمتع كل منها بالمساواة مع بعضها الآخر  ، ولا تخضع الواحدة للأخرى بأي طريقةٍ كانت في أي جانب من شؤونها الداخلية أو الخارجية. وفي حالة كونها اتحادية ثمة محور يجمعها في كومنولث واحد"

ويقدّم البروفيسور  الجميل  مسوغات أطروحته، والمبادئ التي تقوم عليها ..

يأتي " المشروع"  لدعم  الوحدة الوطنية العراقية، قبل أن يحلّ  التمزق ، وهو ضرورة  تاريخية وحاجة أساسية، والبديل  الحقيقي لكل الفشل  الذي أصاب العراق  ..  وقال :  ينبغي تأسيس العراق  على ستة مبادئ،  على غرار تجارب الدول  الأخرى المتقدمة:

الوطنية، 2) الاتحادية، 3)  المدنية، 4) الديمقراطية،  5) التعايش والعدالة  (السلم الأهلي )  ، 6) الاعمار  والنزاهة

وحملت الصحيفة  مانشيتات  عريضة عن هذا " المشروع  "  ، وركزّت على ان  :  "مشروع دومينيون العراق الاتحادي تغلب فيه المصالح الوطنية العليا على ما دونها من التطلعات الطائفية والعنصرية والانقسامية" .  وقالت أيضا :  في   معرض  ما  تضمنّه " المشروع  "  تجارب ودراسات   :  تم تقديم »مشروع« الولايات العراقية المتحدة هنا، بالاستفادة من  تجارب في العالم، مثل "دومينيون  كندا " واتحاد سويسرا والولايات المتحدة

وتجربة دولـة الامارات وغيرها. ويكاد يكون المشروع العقلاني  الوحيد المنقذ للعراق من معضلته التاريخية، وخشية العقلاء من  تمزقّه  ومروره بسلسلة حروب داخلية. كما أن حال العراق سينتقل  بالضرورة إلى دول أخرى. وقد تمت الاستفادة أيضًا من عدة دراسات  وبحوث في طبيعة المجتمع العراقي، فضلا  عن أن دولته الحديثة  التي ولدت عام 1921 كانت مركبة، جمعت ثلاث ولايات عثمانية،  عاشت أربعة قرون، قبل تأسيسه على أيدي البريطانيين إثر احتلالهم له  بين 1914 -1918.

 

المشروع

مشروع دومينيون.. "الولايات العراقية المتحدة "

أ.د. سيّار الجميل

لماذا .. هو  الحل  ؟

كانت للتغيير التاريخي الذي حدث في العراق آثار قوية، ليس في داخله وساحته وحده، بل في كلّ منطقة الشرق الأوسط. وشمل تأثيره العالم كله، وخصوصاً من خلال التطورات الصعبة في العراق إثر احتلاله في عام 2003. ناهيكم عن كلّ مجريات الأحداث الساخنة على امتداد خمسة عشر عاما مضت.. والمتمنّى أن يبرز من رحم هذا المخاض الصعب عراق جديد، بات اليوم في أمسّ الحاجة إلى وقفة موضوعية وطنية تتدارس، بدقة وأمانة وتجّرد، كلّ ما جرى وما سيجري على أرض العراق، بعد كلّ المحن والمآسي التي وقعت إزاء ما حدث من سوء في الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية والقضائية والتعليمية. وكانت الإدارة الأميركية قد ذهبت باتجاه آخر بتسليم العراق إلى حفنة من الساسة الضعفاء، فكان أن غدوا طبقة سياسيّة حاكمة وفاسدة وطفيلية، كان من نتائج حكمها تدمير العراق ونهب ثرواته، وبدء مشروعات الانفصال عنه. وعاش العراق على امتداد 15 سنة في حالة من التمزّق والمآسي والاضطرابات، ولم يزل حاله على أسوأ ما يكون، بسبب سوء نظامه السياسي الذي يمثله أسوأ السياسيين، وأردأ الأحزاب الطائفية، وما عليه من النكبات والأزمات والصراعات الأهلية. وبلغ الأمر اليوم أن يكون مصير العراق كله مهدّداً عند الهاوية، إذ بدأ إقليم كردستان إعلانه الاستفتاء على الانفصال، وإذا نجحت محاولته سيلحق به انفصال جزء آخر من العراق الذي سينكمش ويدخل مرحلة صعبة جدا من الضآلة والتبعية.

ومن أجل ألّا يغرق العراق بالدماء، وليتخلص من التهديدات والصراعات، وتوقيّاً من الانقسامات، وهو يشهد اليوم محاولة إقليم كردستان الانفصال، وتأسيس دولة جديدة للكرد، من دون أن نجد بدائل حقيقية لهذه المأساة التاريخية، وبدل استخدام لغة الشتائم والتهديد والوعيد والتصريحات الجوفاء، من الضرورة تقديم مشروع بديل، يطرحه كاتب هذه السطور للحاضر والمستقبل، في مشاركة وطنية يمكنها العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، صدورا عن قناعةٍ بأن انفصال إقليم كردستان سيجرّ العراق إلى انفصال مناطق أخرى هي أكثر تضرّرا وتهميشا وانسحاقا، فضلا عن تدخلات الآخرين في شؤون العراق أجمع، وسيبقى التمزق سياسياً على حساب تاريخ العراق وجغرافيته ومجتمعه إلى أزمنة قادمة لا يُعلم مداها.

التعريف والمسبّبات

الدومينون وضع أو حالة (Dominion Status) لمجتمعاتٍ تتمتع بالحكم الذاتي، كالتي كانت ضمن مجال بريطانيا. وتتمتع أقاليم الدومينيون على قدم المساواة مع بعضها الآخر، بحيث لا تخضع الواحدة للأخرى بأي طريقةٍ كانت في أي جانب من شؤونها الداخلية أو الخارجية. وفي حالة كونها اتحادية ثمة محور يجمعها في كومنولث واحد ( راجع : معجم بلاكويل للعلوم السياسية )  . وكان مهمّاً لو أن بريطانيا طبقت ذلك على العراق بعيد الحرب العالمية الأولى، وتشكيل المملكة العراقية، بدل إبقاء القديم على قدمه. ومثلما طبقت وضع الدومينيون على كندا التي تنعم اليوم بنظامها الاتحادي، وبوجود إقليم كيبك الفرنسي فيها، وهي من أبرز الدول المتقدمة اليوم.

.. لا يمكن للعراقيين أن يعيدوا تأسيس بلدهم إلا بعد إدراكهم معاني ما يريدونه في معرفة المفاهيم، فالوطن هو الأرض، والدولة هي المؤسسات، والنظام السياسي هو طبيعة السلطة، والمجتمع مهما كان متنوعاً هو الشعب، والدومينون حالة اتحاد.. ينبغي أن يكون الوطن ثابتاً، وما عداه يتغير مع تطور الحياة والتاريخ، فلا يمكن عندما يختلف المرء مع المؤسسات، أو مع النظام السياسي أن يعلن الانفصال، أو يقوم بالاستقلال وكأن الكل قد احتل الجزء، خصوصاً إذا كانت كلّ الأجزاء تعيش تعاسة سياسات النظام الحالي، واشتراك المتحالفين قبل سنوات في اختراع دستور كسيح انتقدناه يوم ولادته 2005، ووصفناه بأنه "دستور يحمل تابوت العراق".

مبادئ وإجراءات

من المهم بعد قرابة مائة سنة من تاريخ العراق البحث عن مبادئ ملائمة للعراقيين، يتّفقون عليها، مهما كانت أديانهم وطوائفهم وقومياتهم وأعراقهم وثقافاتهم.. ينبغي تأسيس العراق على ستة مبادئ، على غرار تجارب الدول الأخرى المتقدمة، والمقترح هنا أن تكون: الوطنية، الاتحادية، المدنية، الديمقراطية، التعايش والعدالة (السلم الأهلي)، الإعمار والنزاهة.

أما الإجراءات فهي:

1ـ بالإمكان تسمية جمعية تأسيسية، تتألف من رئيس وعشرة من رجالات العراق ونسوته المشهود لهم بالاستقلالية والنضج والأهلية والخبرة (كلّ في اختصاصه) والنزاهة والنزعة الوطنية والعقلية المدنية، ليكونوا بمثابة بناة للتأسيس الجديد، لكي يقرّوا مبادئ العراق في القرن الحادي والعشرين، وهم نواة للمجلس العراقي الوطني الكبير في مرحلة مقبلة.

2ـ تنتدب الجمعية التأسيسية هيئة من الخبراء الاكفاء في شؤون العراق ومجتمعه، وهم العلماء المعروفون، ليكتبوا دستورا مدنيا للعراق الاتحادي، بديلا عن الدستور الحالي الكسيح الذي كان وبالاً على المجتمع والدولة، شريطة أن يتضمّن انبثاق قانون أساسي، ينصّ على جعل العراق خمس ولايات كبيرة، تمثل كل واحدةٍ إقليما له تجانسه وموارده وحكومته الإقليمية ومؤسسته الأمنية وأجهزته وإدارته الإقليمية.

3ـ يتشكّل دومينيون العراق من خمسة أقاليم: كردستان ومركزه أربيل، نينوى شمال العراق ومركزه الموصل، الوسط ومركزه بغداد (العاصمة الاتحادية)، الفرات الأوسط ومركزه الحلة أو الديوانية ، البصرة والجنوب ومركزه البصرة. ويتشكل المجلس الاتحادي من رؤساء هذه الأقاليم أعضاء، يتقدمهم رئيس الاتحاد بالانتخاب. وتكون حكومة الوسط في بغداد منفصلة عن الحكومة الاتحادية التي ترعى شؤون الأقاليم، من خلال محكمة اتحادية وجيش اتحادي وبنك مركزي عراقي.. إلخ.  

4ـ بدء حياة سياسية مدنية عراقية بتشكيل حكومة تنفيذية اتحادية مؤقتة، تعتني بشؤون العراق خلال طور انتقالي (5 سنوات) تنبثق عنها سبع مؤسسات كبرى، يدير كل واحدةٍ خبير له كفاءته وخبرته ونزاهته وسمعته وتمدنّه، وهي: السياسية والقضائية والمالية والاقتصادية والعسكرية (والأمنية) والتعليمية والخدمية. ولكل مؤسسة نظامها القانوني الخاص خلال الفترة الانتقالية.  ويكون الاعلام  حرّا  ويقيد بقانون خاص .

5ـ خلال خمس سنوات من المرحلة الانتقالية، يُصاغ قانون انتخابات جديد، ينبثق من خلال دستور مدني جديد، لبدء حياة برلمانية تشريعية على أسس انتخابية مدنية صارمة. وخلال هذه المرحلة، ينبغي الحفاظ على الأمن والسلم الأهلي، بتصفية المليشيات والعصابات والقضاء المبرم على الفساد ، وتقويم كل من القضاء والتربية والتعليم وكل المرافق الأخرى.

15 سنة من الفوضى والضياع

أخذت الإجراءات المتسرعة والمجنونة في أثناء ولاية الحاكم المدني الأميركي، بول بريمر، العراق، بعد احتلاله في عام 2003، إلى طريق الجحيم. وكتب صاحب هذا " المشروع "، في حينه، عندما تقدم بمشروع أولي لبناء مستقبل العراق من خلال عقد مؤتمر وطني لكلّ الطيف السياسي : "سيغدو العراق فاتحة ارتكازية لتحوّلات الشرق الأوسط في الأجلين، القصير والمتوسط. .. وسيوظّف العراق، بعد استقراره أمنياً وسياسياً ودستورياً، كلّ تحوّلات مجاله الحيوي، إلى خطوات واسعة النطاق في الثلاثين سنة المقبلة من القرن الجديد. وفي حالة انعدام جمع الشمل على مبادئ عراقية أساسية يتفق عليها العراقيون في مؤتمر كهذا، فسيأخذ العراق طريقه إلى الجحيم لا سمح الله". وكتبت أيضا : "ناهيكم عن هواجس تنتابنا بأنّ العراق سيأخذ طريقاً صعباً لا نتمنى حصوله منذ تنتقل الصراعات السياسية إلى البنية الاجتماعية لتفكّكها، وتتلاعب بمصيرها وعند ذاك لا ينفع الندم".

 مشروع دومينيون العراق الاتحادي تغلب فيه المصالح الوطنية العليا على ما دونها من التطلعات الطائفية والعنصرية والانقسامية، وسيدعم وحدة العراق ويبقيه منسجما، وسينعم أبناؤه بالحرية والازدهار، خصوصا أن كل إقليم سيحافظ على أمنه الداخلي، وسيكون مجال منافسة للأقاليم الأخرى في العراق الذي سيكون منفتحا أمام جميع العراقيين، مع احتفاظ كل إقليم بشخصيته الإقليمية داخل العراق. وأن يتم تدعيم ذلك كله من خلال النهج المتمدن والديمقراطي، وتحقيق السيادة العليا للبلاد، وتطبيق القانون وضمان العدالة لجميع فئات الشعب، والأخذ بيده لتحقيق التقدم الاقتصادي، وإعمار العراق وتطويره بكل أجزائه ومكوناته.. وأن ينعم أبناء وادي الرافدين بالعيش الكريم وبالأمن والاستقرار والكرامة، بعد أن طالت المعاناة وكثرت الصعاب والأهوال.

ويتطلع المشروع المطروح هنا لتأسيس دومينيون العراق إلى أن يتم الوعي به خريطة طريق لاكتماله، من خلال حوارات ومناقشات فيه من أجل البدء بإجراءاته وتطبيق تفصيلاته، والخروج بنتائج جدّ مهّمة، لا تقتصر في تطلعاتها ورؤاها على معالجة الواقع المضني المرير للعراقيين وحسب، بل تحاول أن تّقدم نماذج وأفكارا ومقترحات للمرحلة المقبلة من مسيرة العراق ثلاثين سنة مقبلة، وتفعيل مبدأ التعايش بين كل أبناء المجتمع المنوّع، بلا تمايزات ولا فوارق ولا مشاحنات، والسعي إلى وضع العراقي المناسب في المكان المناسب، بعيدا عن القوى العراقية المهيمنة على النظام السياسي الحالي، والخلاص من آثار المرحلة السابقة بشتى الوسائل، والعمل على التفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية، لوضع خطوط مشتركة للبدء بإعمار البلاد، وفرض الأمن والاستقرار في ربوعها، والتعويل على الأجيال المقبلة في حمل الأمانة من أجل ضمان المستقبل وضمان مصير العراق في القرن الواحد والعشرين. والمؤكد أن المسؤولين العراقيين سيرفضون هذا "المشروع"، ويقابلونه بالسب والشتم، ففاقد الشيء لا يعطيه.

العراقيون جميعا مدعوّون اليوم للعمل على جعل بلدهم وطنا للجميع، ولا يمكن أبداً أن يكون وطناً لجماعة معينة، أو طبقة سياسّية فاسدة، أو طائفة دينية محدّدة. لا بدّ أن يكون بلداً تسوده الحياة المدنية فقط، فلا حياة للعراق مع أية قوى وأحزاب وجماعات وتكتلات دينية وطائفية، إذ تعلّم العراقيون كم فتك بهم هؤلاء. وما دام هذا "المشروع" يؤمن وحدة العراق الجيوتاريخية، فسوف يكون محوراً جديداً للقوة الاقتصادية نحو الآفاق الرحبة، ويمتد المحور من قلب بغداد إلى عموم الشرق الأوسط، كما ينبغي أن يجد الصيغ الجديدة للتعامل مع العمق العربي، وصيغ جديدة مشتركة للتعامل مع كلّ من إيران وتركيا، باعتبارهما جارتين كبيرتين، لهما وزنهما وثقلهما وضمان عدم تدخلاتهما، وأن يستفاد منهما من أجل التنمية.

لا بد أن تعّزز خطواتنا هذا الهدف، فمن مصلحة العراق الاتحادي أن يكون مستقراً بخمسة أقاليم، بدل أن يتمزّق شبراً شبراً إلى كانتونات هزيلة وجمهوريات موز ذليلة، وقد جعل العالم، بكلّ تحوّلاته وتراكيبه الاقتصادية، الفكرة الاتحادية قاعدة للتقدم. ولا بد من الارتفاع فوق كل الجراح الماضية ومآسيها، كما لا بدّ من إعادة اللحمة الإقليمية، وتحديث الرؤية العربية لمصالحها في العراق. إعادة السلم والاستقرار والصلح والأمن بين دول الإقليم سيفتح الأبواب والقنوات الرئيسية باتجاه العالم كلّه. ومن دون ذلك، ستتحول المنطقة بالكامل إلى مناطق مقفلة عازلة Buffer Zone تقطع الطريق أمام المصالح الإقليمية والعربية والدولية.

أهداف وتطلعات كبرى

لعل من أبرز الأهداف والتطلّعات الاستراتيجية الكبرى التي ينوي المشروع المطروح هنا، في تفصيلاته اللاحقة، تحقيقها والتوّصل إليها، دعم الوحدة الوطنية العراقية، وتعزيز أواصرها، من أجل الوصول إلى الأسس الشرعية لتمثيل أبناء الشعب العراقي كافة، وتحقيق كل استحقاقاته، بكلّ فصائله وشرائحه وفئاته وقسماته، ضماناّ لوحدة العراق الأزلية.. ومن أجل الوصول إلى ذلك كله، لا بد لنا من آليات وأساليب عمل لمواصلة الخطوات وتحقيق الأهداف المتوخاة:

بناء عراق جديد يتمتع بسمات عراق مدني اتحادي ديمقراطي حر. العراق للعراقيين كلهم، وليس لفئة أو جماعة أو طائفة معينة. استقلالية العراق وبناء إرادته السياسية بعيدا عن أية أجندة خارجية. بناء نظام سياسي مدني جديد وتأسيس دستور مدني جديد يقهر الفساد. قوة السلطة مع كل الشعب، من خلال العمل والنزاهة في خمسة أقاليم كبرى. إعمار العراق وتطويره من خلال مؤسسات اتحادية ومؤسسات إقليمية. تحقيق الأمن والخدمات والرخاء لكل العراقيين. تطوير العلاقات الخارجية. تطوير التربية والتعليم العالي والثقافة. تطوير الخدمات وكل ما يحتاجه أهل العراق.

ويتم تقديم هذا "المشروع" المفترض خدمة لدعم الوحدة الوطنية العراقية، قبل أن يحلّ التمزّق يوماً بعد آخر. وهو ضرورة تاريخية وحاجة أساسية، والبديل الحقيقي لكل الفشل الذي أصاب العراق والعراقيين، وأحداث أهم التطوّرات السياسّية في العراق، وخصوصاً الداخلية والخارجية (الإقليمية والدولية). كما أنه سيتابع، خلال السنوات اللاحقة، كلّ خطوات المسألة الدستورية والانتخابات والاستفتاءات وصناديق الاقتراع، وتأسيس الحكومات في الأقاليم الخمسة، وكيفية الارتقاء بالعراق، وجعله نموذجاً لبيئة سياسية متميزّة، لها تحديثها السياسي، وبيئة اقتصادية متطورة لها قوتها وتأثيرها.

كل الأمل أن يتفهّم كلّ العراقيين هذا "المشروع"، وأن يقتنعوا به خريطة طريق للمستقبل، ومن ثم رعايته والمطالبة بتحقيقه. صحيح أن أي عراقي لم يتخيّل يوما أن يتفكّك العراق ويتجزأ، ولكن هذا البديل يعدّ أهون الحلول. والمرجو أن يصغي كلّ العراقيين إلى صوت العقل، ليجتمعوا على كلمة سواء، بدل التراشق بالاتهامات والتهديدات، إذ هما خياران أمام العراقيين، إما مثل هذا الطريق السوي لبناء العراق، أو طريق آخر سيودي بالعراق والعراقيين إلى المهالك، لا سمح الله.  انني  اذ اطرح هذا " المشروع " بعيدا عن  اي  توجّه  طائفي  او  عرقي  او  جهوي  ، ومن اجل انقاذ  العراق  قبل ان يتفسّخ  ، وسيكون ضميري  مرتاحا  انني  قلت كلمتي  للتاريخ  والمستقبل في هذه الايام  الحرجة  من حياة  وطن عزيز  اسمه العراق   . 

سيّار الجميل 

نشر  في العربي الجديد  يوم الاثنين 18 سبتمبر / ايلول 2017  ، ويعاد نشره  على  موقع الدكتور سيار الجميل 

https://sayyaraljamil.com

 

 

مقالات سابقة للكاتب

منظومةٌ بشعةٌ تأكلُ العراق

سيار الجميل

 

ليس ثمّة ما يماثل ثقافة الفساد التي تعمّ العراق في أي مكان. إنها ثقافة منحّلة، ليست نقض سلوكيات، أو مجرّد انحرافات، أو مجموعة تجاوزات، يمكن أن تعالجها إصلاحات.. لقد غدت منظومة الفساد متكاملة ببشاعتها، وتعمّ كلّ البيئات العراقية اليوم، ولا تستوي أبداً مع قيم العراقيين وأخلاقياتهم التاريخية.. والمشكلة أن غالبية الناس معترفة بها ومدركة تفاصيلها، ولكن لم تعد تنفع معها أيّة قناعات أو قرارات أو قوانين إصلاحات وترقيعات، إذ طاولَ الفساد حتى القضاء. قد يتفلسف بعضهم بأنّ الفساد مستفحلٌ في كلّ العالم اليوم، ونردّ عليه: ينفرد العراق بهذه البشاعة، كونه غارقا في تناقضاتٍ غدت مبرّرةً من الملايين. لم يقتصر الفساد على مؤسسّات الدولة المتعفّنة، بل أخذ ينخر في المجتمع نخراً مميتاً. وتفاقمت المشكلات التي يعاني منها العراقيون، بحيث يقف الجميع اليوم أمام مفترق طرق صعب، وقد فقدوا القدرة على تمييز الصواب والخطأ. مشكلتهم الحقيقية أنهم افتقدوا القدرة على أن يكونوا عراقيين حقيقيين، لهم شعورهم الموحّد تجاه وطنهم الذي كان ولم يزل ينزفُ نزفاً شديداً، وقد استهلكوا جرّاء هذه "الثقافة" التي لا مثيل لها في العالم، مذ افتقدوا شعورهم الموحّد بعضهم إزاء بعضهم الآخر. 
ينتظر العراقيون أربع سنوات، من أجل معترك الانتخابات، فالناس تنتظر الإصلاح، وهناك من يترصّد منصباً، أو كسب جاه، وهناك ضباع تقتنص الفرص للنهب من المال العام، وهناك من يريد ممارسة السلطة والنفوذ ويشتري منصبه بملايين الدولارات، ووصل الحال في العراق إلى درجةٍ بائسة لما عصف به وبأوضاعهِ على امتداد سنوات طوال.. كثرت المساومات وشراء الذمم وتهريب ملايين رصدت للنازحين، وانتشرت الجريمة. وأتعجّب من رئيس وزراء يعلن عكس ما يصرّح به قبل 24 ساعة، ويسود التزوير في كلّ المرافق، بل وتجد مئات من المسؤولين أصحاب شهادات مزوّرة، وهم جهلة لا تواريخ احترافية لهم، ولا سير مهنية عندهم.. وقد تفشّت الرشوة بشكل لا يصدّق، وتسود المحسوبيات والمنسوبيات في كلّ الحكومة ومرافقها، فكلّ وزارة فيها تمتلئ بأقارب الوزير وقريباته.. في حين أكلت الانقسامات الطائفية المجتمع العراقي بشحنه سياسياً وإعلامياً بأبشع الأوصاف، وسادته أعرافٌ وتقاليد بدائية، وانتشرت فيه ثقافة الأحقاد والكراهية التي تصل إلى حدود الهمجيّة وأخذ الثارات، وانتشرت في المدارس والجامعات سلوكياتٍ لا تمّت للتمدّن بصلة.. ولم ينفع أيّ علاجٍ مع هذه الطبقة 

الحاكمة التي تسيّدت الموقف منذ 2003، وقد مارست كلّ الشناعات ضدّ العراقيين، بحيث لا يمكن للمرء أن يصدّق ما يروى ويكتب عن أحوال الفساد اليوم في العراق، وما مارسه من نهبٍ منظّم أصحاب النفوذ والمناصب، رؤساء ووزراء ووكلاء وسفراء ومدراء ونواب ومستشارون ومتنفذون وقوى مليشياوية ألصقت بها الصفات الرسميّة، وأضحت تمارس بطشها باسم القانون بكلّ عنت واستهتار وولاءاتها خارج الحدود. وأتمنى أن يردّ بعضهم مدافعاً، كون الدولة منشغلة ضد "داعش"، وكأن الوضع منذ 2003 كان زاهياً، وكأن الحكومة السابقة لم تتحمّل مسؤوليتها في الجريمة.. تعاقبت عدة حكومات منذ 2005، ولم نجد أيّ منجزاتٍ حقيقية تذكر مقارنة بحجم الهزائم والمجازر والإقصاءات والتخريب والتدمير والصفقات غير المشروعة ولجان التحقيق الوهمية، وحروب أهلية وإشاعة مفضوحة للطائفية والمحاصصات مع ممارسات علنية لها. 
مارست الولايات المتحدة الأميركية سياسات خاطئة جداً في العراق منذ 2003، وقد سمحت بسحق المؤسسات وتمزيق نسيج المجتمع، كما سمحت لدول الجوار بأن تعبث بمقدّرات العراق. وكنّا ولم نزل نجد دور إيران الخطير في اختراقاتها، ولعب أدوارها كما تريد سلطات ولاية الفقيه في إيران. وقد ساعد على ذلك تأييد أحزاب وتيارات عراقية حاكمة السياسات الإيرانية، وهي دينية وطائفية، لا تمتلك أيّ شعور بالمواطنة، شيعية كانت أم سنيّة. الطابور الخامس هو الذي يحكم العراق اليوم، بعد أن نجح في ضياعه، والعبث بمقدّراته ونهب موارده بمليارات الدولارات. 
السؤال الأهم: هل ثمّة إمكانية لمعالجة أوضاع العراق؟ قبل الإجابة، مستغربٌ من عراقيين فقدوا ضمائرهم وأخلاقهم، ورموا نزعتهم الوطنية والأخلاقية، بحيث لا يريدون أبداً سماع ما يستلزمه الواقع المضني، والمتمثّل بتغيير النظام الحالي، علماً أنهم يدرون تماماً بحجم الجريمة، والمأساة الكبرى التي اقترفها كلّ من تسلّم أية مسؤولية سياسية أو إدارية أو اقتصادية أو دبلوماسية، أو حتى تعليمية أو خدمية في العراق. تدرك الآلاف المؤلّفة من العراقيين جيّداً مدى الفساد المهول الذي اجتاح، ولم يزل، مؤسّسات البلاد وكلّ شرائح المجتمع، ويعرفون جيّداً حجم العقود الوهمية، وحجم الرشاوى والنهب من المال العام، وولادة فئة طفيلية سارقة للمليارات والملايين، وثمة من يسطو على العقارات وعلى أراضي الدولة وأملاكها.. ناهيكم عمّا يمزّق

العراق من عصابات وأعمال القتل والجريمة المنظمة وحجم الاختلاسات، وقد استحدثت هذه الثقافة لغة لها مفرداتها القبيحة، وأصبح العراقيون يتداولونها. 
هل ينتخب العراقيون في الانتخابات المقبلة عناصر من هذه الطبقة الحاكمة نفسها، والتي عبثت بمقدّرات العراق، وحطّمته ومزّقته بجهالتها وغبائها وانعدام أخلاقها، وقبلت الرضوخ لقوى خارجية، ولم تستطع ضبط الأمن والنظام في البلاد، بحيث انتشرت الفوضى والتفجير وقتل الناس بالآلاف، وسمحت لـ"داعش" أن يسيطر على ثلث العراق، وعلى أعرق مدنه، والتي تمّ سحقها سحقاً.. وقد فشلَ نظام الحكم برمّته في كلّ المجالات، إذ قاد العراق إلى التبعيّة والتخلّف والانقسام، ونرى كم تردّى التعليم بشكلٍ لا يوصف، وصرفت ملايين الدولارات على تحسين الكهرباء منذ سنوات من دون جدوى، وذهبت الأموال سدىً، وآلت الحالة من سيئ إلى أسوأ.. وهكذا بالنسبة للخدمات المعدومة في عموم العراق. آلاف المشروعات والشركات الوهمية التي تعاقدت معها الحكومة قد تقاسمت معها، فتبدّدت الصفقات في الجيوب وسرق المال، ولم تحقق على الأرض شيئاً. 
هنا مناشدة لكل العراقيين الغيارى على وطنهم ومصالح أهلهم ومستقبل أجيالهم أن يرفضوا رفضاً حقيقياً هذا النظام برمته، وأن يرفعوا صوتهم عالياً ليسمعه الجميع، ليس لمجرد إدانة النظام وحسب، بل للدعوة إلى تغيير هذه الطبقة الحاكمة بقضّها وقضيضها، وتقويض كلّ ما ترتّب ما بعد 2005 من نظام سياسي فاسد، مارس التزوير من أجل البقاء، وأشاع منظومة فسادٍ بكلّ ثقافتها البشعة وجرائمها الخطيرة، وأن يسعى الجميع للعمل من أجل انبثاق حكومة مدنية مؤهلة دولياً، تستمد مشروعيتها من الشعب وحده، بعيداً عن صناديق اقتراع مزوّرة.. وكما كنت أطالب منذ سنين، سأبقى أنادي بتأسيس حكومة إنقاذ وطنية مدنية، تحمي أولاً استقلال البلاد، وتؤمن ثانياً الأمن، وثالثاً محاسبة المجرمين والفاسدين من هذه الطبقة الحاكمة علناً.. يقول نائب في البرلمان "الجميع غطس في الفساد، ولا يستثني منهم أحداً بمن فيهم هو نفسه". 
أخيراً، لا يمكن تغيير الأوضاع الفاسدة في العراق إلا بتغيير الوجوه السائدة، وتغيير الدستور، وحلّ الأحزاب الدينية والطائفية، وحل القوى الأوليغارشية والمليشيات والجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، وأن تشرع حكومة مؤقتة تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فهل هناك من ينقذ العراق من هذا المأزق التاريخي؟ متى تبدأ المرحلة الأخرى من استراتيجية أميركا في المنطقة؟ ومتى يتولد الوعي جيداً لدى كل العراقيين بكل هذه الدروس المضنية؟

 

 

مناورة انشقاقات

الطبقة العراقية الحاكمة

سيار الجميل

باتَ معلوماً لدى المؤرخ أن أيّ نظام سياسي في العراق يؤسّس نفسه من خلال قوى أجنبية، وفي غفلة من الشعب أو بمعرفته، سيّولد طبقة سياسيّة تتبوأ السلطة، ولا تتنازل عنها أبداً، وهي تضطهد كلّ القوى الوطنية والشريفة، وتناور بشتى الأساليب القذرة كي تبقى مستحوذةً على الحكم، حتى يأتي أجلها بانقلاب عسكري، أو تطحنها حربٌ دمويةٌ تندلع خصيصاً للإتيان بطبقة جديدة. وكلّطبقة سياسية حكمت العراق، مكسوة بشعارات خادعة للناس، لمرحلة تاريخية صعبة في بلاد متخلّفة، بل وتضلّل جيلا كاملا يتربّى على مفاسدها وأكاذيبها، بل وتجد من يصفّق لها، أو يترحّم عليها لاحقاً، وهي غارقة في الضلال والآثام. انتقل العراق من دولة لويثان (الوحش الضخم)، حسب تعبير توماس هوبز، إلى دولة الحشرات. كيف؟ 
غرقَ العراق منذ زمن طويل بالحروب والدماء والآثام والمآسي، وبقي المجتمع بلا وعي سياسي، حتى وإن بقيَ يلتئم أو يتغلّف بأرديته الوطنية، وقد انتهى نظام الحكم السابق منذ العام 2003، وبدأ نظام سياسي جديد لم يسعف العراق بأية منجزاتٍ سياسية أو اقتصادية أو خدمية أو ثقافية، بل أمات النزعة الوطنية، وسحق المؤسسات وشوّهها، واستحدث دستوراً كسيحاً خلا من المستلزمات والمبادئ والضرورات العراقية، بل سمح بتقطيع أوصال المجتمع، وبدل أن يعلن عن "قانون أساسي مدني"، يحافظ على الوطن والمواطن، فقد استبدله بالمكونات والطوائف، وسمح للمحاصصة أن تشرذم العراق، ولم ينبثق أي عقد اجتماعي بين المجتمع والدولة، وأوجد طبقة سياسيّة متشيطنة ومتفرعنة، في ظل غياب القانون والنظام، فشلّت  

المؤسسات، وغدت الدولة فاشلة مع إنتاج مجتمع مشرذم ومنقسم على نفسه عرقياً وطائفياً وجهوياً مناطقيا، وسمحت الطبقة السياسيّة الحاكمة لدول الإقليم بالتلاعب والعبث والتدخل السافر في شؤون العراق.. وخدعت هذه "الطبقة" الشعب، إذ أشاعت مسميّاتٍ عدّة، كالتوافقية والديمقراطية وصناديق الاقتراع والحريات والنزاهة والشفافية والفيدرالية ودولة القانون والشراكة.. وكلها تعابير منمّقة لأساليب مزيّفة لا يمكن البتة أن تطبق في غياب المبادئ الوطنية والفكر السياسي المتمدن، وعلى أيدي رجال أكفاء.. ووزعت المناصب على الجهلاء من التافهين والمدمجين (أناس عاديون جداً منحوا رتباً عسكرية عليا)، والمهرّجين ومزوري الشهادات، وهم بالآلاف، فكان أن عمّ الفساد واستشرى عند الجميع. 
اعتلت هذه الطبقة السياسية مكانتها العليا، لتغدو كلّ من السلطة والقوة بيدها، وتكوّنت الطبقة من أحزاب حاكمة، وكلهّا أحزاب إسلاموية فوضوية فاسدة ومزيفة، سنيّة كانت أم شيعية، مع تحالفات تعقد بعد الاستئثار بالسلطة، وهي تتخذ "المذهبية" و"المرجعيّة" الدينية وسيلة لها من أجل البقاء في السلطة، سواء في المركز أم في المحافظات، وكان أن أشاعت الطائفية في محاصصاتها العلنية، وممارسة هذه النزعة المقيتة على الأرض. وعليه، ازداد العراق منذ 2003، يوماّ بعد آخر، ضعفاً وانقساماً وفساداً وتشرذماً. وكانت كلّ مشكلاته وأزماته بسبب سوء هذه الطبقة السياسية الحاكمة، في الأجهزة التنفيذية والتشريعية والرئاسية (الرئيس الشكلي ونوابه الثلاثة)، وحتى المؤسسة القضائية غدت مشلولة، وتفاقم الفساد فيها كثيراً، ناهيكم عن مجالس المحافظات. الطبقة الحاكمة وكل تشكيلاتها وكوادرها تعدّ غير كفؤة ولا مهنية، احتلت مناصبها في الوزارات والإدارات والسفارات والجيش والشرطة والمال والأعمال.. إلخ، وما يلحق بها من أجهزة شبه رسمية قد سببت ولادة قوى وعصابات وجماعات ومليشيات (منها متعدّد الولاءات للخارج).. منحت الشرعيّة من الحكومة، لتغدو جزءاً من هذه الطبقة السياسيّة الفاسدة.. ولا يمكن نسيان أن السلطة الخامسة، المتمثلّة بالإعلام، بما في ذلك الصحف والفضائيات والمواقع الإلكترونية، قد ساهم أغلبها في تدمير العراق لغلبة المرتزقة والمهرّجين والمتعصّبين من خلال التشهير والتسقيط والإساءة وتبادل الاتهامات والشتائم. 
كلّما يقترب موعد الانتخابات العامة في العراق، تجد أن هذه الطبقة السياسية تبدأ جملة من المناورات والتكتيكات الكاذبة من أجل ممارسة خداع خفي أو مكشوف للجماهير، وتحاول، بوسائلها غير الأخلاقية، البقاء في سدّة الحكم، مهما كلّف الأمر ذلك. 
نسمع اليوم عن انشقاقات في كتل وصراعات داخل أحزاب، وانسحاب هذا وذاك، كي يؤسّس هذا حزباً، أو يشكّل ذاك تيارا، أو تولد هنا جماعة أو تلك هناك لدى الجانبين السنة والشيعة! والمكيدة التي يجب ألّا تمرّ على العراقيين أن عناصر هذه الطبقة اكتشفت الآن فقط أن أحزابهم لم تعد ملائمة للمرحلة، كي يضحكوا على الناس بتسمياتٍ جديدة تلائم هذه المرحلة، بعد أن فجعوا العراق وسحقوه، فتجد هذا أصبح متمدّناً ووطنياً، والآخر إصلاحياً، والآخر حكيماً، والآخر ليبرالياً، بعد أن كانوا سنوات طوالا من الإسلاميين أو المذهبيين أو الدعوويين أو المجلسيين أو الإخوانيين، وكانوا جميعا من الطائفيين حتى النخاع .. فهل اكتشفوا أنفسهم فجأة، ليغيروا مبادئهم وقيمهم السياسية؟ هل من الأخلاق بمكان أن يلعبوا بالدين منذ العام 2003 لعبهم الوضيعة التي خرّبوا من خلالها البلاد والعباد، كي تأتيهم الصحوة الوطنية، ويؤمنوا فجأة بالتمدّن والإصلاح والحداثة؟ 
أنبه الشعب العراقي أن هؤلاء سيخدعونكم، حتى إذا ما تمّ انتخابهم وبقوا في السلطة، فسوف تعاد تحالفاتهم، للبقاء والإمعان في خراب العراق وسرقته. مرّت سنوات طوال، وهم يشيعون ويصرّحون ويتكلّمون، باسم المكوّنات والأغلبيات وحكم الأكثرية، وبيتنا وبيتكم، ويثيرون الانقسامات ويحلمون بالأقاليم .. اليوم فقط بدّلوا قناعاتهم، كي يتحدّثوا باسم الوطنية والوحدة والتمدّن.. سنوات طوال، وأنا أكتب داعياً أن يحلّوا أحزابهم الدينية الطائفية، لتأسيس أحزابٍ وطنيةٍ متمدّنة، ولم نجد إلا الإمعان في التعصّب والتشتت والشتيمة.. اليوم فقط، وجدوا أن الانشقاقات وسيلةٌ مؤقتة، ستبقيهم في السلطة، وبطريقة مراوغة، عبر مناوراتٍ لا أخلاقية. وخصوصاً الأحزاب الحاكمة التي اتهمتها منظمة الشفافية العالمية قبل أيام بأنها الأخطر فساداً في العراق. 
على العراقيين الابتعاد عن التخندق الطائفي بأي ثمن، وأن يقفوا بوجه كلّ من يستورد الحلول والنصح من الجيران، مهما كانت قدسية هذا الجار أو ذاك.. وأن يصرخ كل عراقي غيور  

بوجه هذه الطبقة الحاكمة: كفى تخريبكم العراق الذي أغرقتموه بالفساد والفاسدين.. كفى تلميع بعض الوجوه الكالحة منكم لكي يتم تسيّدهم الموقف على حساب مصالح كلّ الشعب العراقي.. كفى سيناريوهاتكم التي ترسمونها هناك، وتطبقونها على أرض العراق.. لا حياة لكم بعد اليوم فقد نهبتم العراق والعراقيين.. وقد أفسدتم المجتمع، وأفشلتم الدولة، وخرّبتم التربية والتعليم، وعبثتم باستقلالية القضاء، وضاع الأمن والأمان وزرعتم العراق بالمليشيات والعصابات والجماعات الشاذّة.. أخفيتم أسرار أخطر الأحداث، ولم تُطلعوا الناس على خفايا جرائم "القاعدة" و"داعش"، وجنحهما وتجاوزاتهما وجناياتهما.. أفقرتم الشعب، وبدّدّتم ثرواته، وأنهيتم الزراعة والصناعة والتجارة وكل الخدمات.. نكلّتم بالحياة العراقية المدنية، وقتلتم ثقافة العراقيين المدنية وأفسدتم روح الفن والذوق.. ما هي إنجازاتكم في البنية التحتية للبلاد بحق السماء؟ وغدا كلّ واحد منكم معروفة سيرته وتاريخه الشخصي، ودوره في نهب العراق، وإيذاء أبنائه. كما ولا يسمح لكم أبداً أن تنتقدوا هذا "الدستور" الذي حاربتم كلّ من انتقده عند إصداركم له حرباً قذرة. 
طبقةٌ سياسيةٌ تحكم العراق اليوم سيلعنها التاريخ لعنة أبديّة، وستذكرها الأجيال المقبلة بأسوأ الذكر.. أناشد الشعب العراقي أن لا يبقيها في السلطة أبداً، وأن يكون ذكياً في معرفة ما يدور في الكواليس الخفية.. على العراقيين كلهم ألّا تتلاعب العواطف برؤوسهم، وأن يتخلصوا من الانحيازات لهذا أو ذاك من عناصر هذه الطبقة، مهما كانت طائفته، أو كان مذهبة أو دينه أو جنسه.. عليهم أن يرفضوا هذه الطبقة الفاسدة التي فشلت فشلاً ذريعاً في حكم العراق، ويجمعوا على عراقيين شرفاء وطنيين، نزهاء أكفاء لهم مكانتهم وتخصّصاتهم وأخلاقياتهم وشخصيتهم ونظافة أيديهم واستقلاليتهم.. فهل سيحدث ذلك؟ أشك في ذلك.

(العربي الجديد) لندن

 

هل تعود الموصل إلى

الحياة.. كما هيروشيما؟

 

د. سيّار الجميل

 

خرجت الموصل، مدينةً وشعباً، من تحت بطش "داعش" بأثمانٍ غاليةٍ جداً، بعد أن قامت أربع فرق عسكرية عراقية، وبقيادات مهنيّة عليا، بتحريرها، وبمساعدة لوجستية جوية ومخابراتية من التحالف الدولي. وعلى مدى تسعة أشهر صعبة جدا، تعرّض الأهالي خلالها إلى أقسى محنةٍ تاريخيةٍ، فهرب بعضهم، وذبح آخرون، ونزح آلافٌ تحت القصف الشديد، ومات الآلاف بتأثير العبوات الناسفة، أو القنص، أو الجوع، ولم تزل المعاناة لا يتخيّلها أحد أبداً. وعلى الرغم من استخدام القوّة والعنف براً وجواً، إلّا أن المدنيين تعاونوا مع الجيش تعاوناً خلاقاً، وساهموا مساهمةً فعّالة في خلاص الموصل من "داعش"، وتجحفلت معه قوات من العشائر والبشمركة وحرس نينوى والشرطة الاتحادية والمحليّة.

المشكلة في أساسها، سياسيّة واجتماعية وانقسامية، وهي التي أوجدت مثل هذا "التنظيم" الوحشي في غياب مبدأ المواطنة العراقية، إذ عاش العراق قبل "داعش" انقسامات شنيعة، بغياب المبادئ الوطنية تماماً على حساب التمزّقات الجديدة والمحاصصات، والتصنيف على أساس المكوّنات، بقوة تأثير مراكز القوى الجديدة على حساب وحدة الشعب، وهو حال يكاد لا يصدّق، وكأن هذه الحرب قد تحوّلت إلى حربٍ بين العراق والموصل، على حد زعمهم الكريه.. وكأن الموصل دار حرب غير عراقية، عندما يتشدّق هذا وذاك بأننا خلصناكم من "داعش"، وكأن المنتصر يريد فرض شروطٍ على مدينةٍ عراقية يعمل على ضمها إلى حظيرته، لا عودتها إلى الوطن.

كان نابليون بونابرت قد أوصى نائبه كليبر، وهو يغادر مصر إلى فرنسا بأنّ عليك أن تحترم مشاعر الناس، وأن تحترم حرمات بيوتهم وأملاكهم. استلب "داعش" الناس بيوتهم بالقوّة، واغتصب أملاكهم، وسبى اليزيديات، وهجّز المسيحيين والكرد، وقتل كل المعارضين، ونكّل بمن وقف ضدّه أبشع تنكيل بمن فيهم النسوة الموصليات .. فهو العدو الأول والأخير لأهل الموصل، فلا يمكن أبداً أن يطلق بعض العراقيين ألسنتهم بالبغضاء ضد الموصل، وكأن الموصل غير عراقية، وكأنّ تحريرها منّة منهم لا واجب عليهم.. فما معنى ما سمعناه علنا : "أن بسطار جندي من الجنوب يشّرف الموصل" (كذا).. هذا كلامٌ لو جرى في بلدٍ يحترم نفسه، فسيقتصّ القضاء من السفهاء الذين يتحدّثونه.. وأتحدّى إن كان هناك أحد في الموصل يصف أيّ مدينة عراقية في الوسط او الجنوب مثل هذا التوصيف الجارح، فما بال رئيس الوزراء لا يعاقب هؤلاء وأمثالهم عنده في بغداد، قبل أن يطلق التصريحات ضد الطائفيين، ولا نعرف من يقصد.

كان من الضرورة الماسّة أن تؤمّن الوسائل الناجعة لحماية المدنيين، كيلا يعاني النازحون في محنتهم القاسية. وحبذا لو بقيت العمليات عسكرية وأمنية صرفة، بدل أن تغدو ألعوبة سياسية وإعلامية لكلّ من هبّ ودب، إذ أضرّت الصراعات السياسية والهياجات الإعلامية والتعابير القاسية والرخوة بمصالحنا الوطنية أجمع ودمرّتها تدميراً.. ناهيكم عن إطلاق الأحكام العشوائية وتبادل الاتهامات وصراعات مراكز القوى الداخلية، والكلّ يعلم، في هذا العالم، منظومات الفساد العراقية وضياع القيم الوطنية، وزحمة الانهيارات الأخلاقية وانحدار الكفاءات لوزراء يثيرون السخرية، وفي ظل دولةٍ فاشلةٍ، يسعى الفاسدون فيها إلى الانتخابات القادمة ، لكي يبقوا في السلطة، ويمعنوا في قتل العراق.

حطمت الموصل القديمة، وغدت خراباً، حتى وصفها أحد المراقبين بأنها تضارع هيروشيما اليابانية، أو درزدن الألمانية إثر الحرب العالمية الثانية. وعليه، يستوجب الخروج من ماراثون الصراعات السياسية، وإبعاد العناصر السيئة من أجل إعمارها من جديد، وستضيء ثانية بإذن الله. ولكن، لا بد من توضيح حالتها المأساوية امام العالم، ثم السماح للبرامج متنوعة الأساليب وموحّدة الهدف، مع معالجة مأساة النازحين في مخيماتهم، وما يعانونه من الأمراضِ والجوعِ والعطش وسط طقسٍ حار جداً. وعلى أهل الموصل أن يأخذوا زمام المبادرة في إعمار مدينتهم، ولكن الانسحاق الذي وصل إليه الساحل الأيمن لا يمكن أن يقوم به إلا مشروع استراتيجي، فإن كانت مدينة دريزدن الألمانية قد تكفّل مشروع مارشال الأميركي بإعمارها، فانّ كلاً من هيروشيما وناغازاكي رصدت لهما الحكومة اليابانية من ميزانيتها صندوقاً لإحيائهما من بين الأنقاض. فهل الحكومة العراقية قادرة على تبني أي مشروع استراتيجي، كي تسترجع الموصل عافيتها وإعمارها؟

أشك في ذلك، فالحكومة جزء من منظومة فاسدة، وتمثلّها دولة فاشلة.. يموت الناس من الجوع والحر الشديد، ولا منقذ ولا مجيب.. ورئيس الوزارة منشغلٌ باجتماعاتهِ وإلقاء نصائحهِ، غير آبه أو ملتفتٍ إلى الناس في محنتهم وآلامهم اليوم.. مبارك هو الانتصار على "داعش" وخلاص الموصل منه، ولكن المهم ما بعد "داعش"، فهل بدأت الحكومة مشروعاً أمنياً صارماً معتمدة على أهل البلد؟ هل بدأت بتنفيذ أي برنامج طويل المدى، كان من الضرورة إعداده منذ ثلاث سنوات؟ هل بدأت بإعمار المدارس والجامعة قبل قدوم بدء الدراسة؟ والمصيبة ما يتعرّض له أهل الموصل من حملات إعلامية وسباب وشتائم وأوصاف مطلقة جارحة من بعضهم.

الانقسامات في داخل العراق سببّتها عملية سياسية جاءت بطغمة فاسدة جهولة وحقودة، لتتشكّل طبقة سياسيّة فاسدة أباحت نهب العراق، ونشرت الفساد، واعتمدت المحاصصة، وأشاعت الطائفية، وأحدثت مراكز قوى متعدّدة، لها ارتباطات خارجية، وسمحت للتدخلات الإقليمية العبث بمصير البلاد، واتخاذ القرارات نيابة بشأن مستقبلهم. التشدّق بالوطنية على ألسن الانقساميين لا ينفع أبداً، وكأن النصرَ الذي تحقق ليس عراقياً، إذ اعتبروه نصر مدن على مدينة، أو نصر طائفةٍ على أخرى، أو نصر طبقةٍ سياسيّة حاكمة.. النصر الحقيقي، يا سادة، عندما يتخلّص العراق نهائياً من كلّ الدواعش والفاسدين والجهلاء والمرابين وتجار الحروب بدماء الناس، أينما كانوا في أرض العراق. أين تعاطف الحكومة مع مأساة العراقيين؟ لماذا لا تسموّنها مدينة منكوبة؟ لماذا لا يحاسب من تسبّب في هذه النكبة؟ لماذا لا تقطعون دابر الفتنة الطائفية، وتستوعبون هذا الدرس البليغ بتجديد العملية السياسية، وإقرار مبادئ وطنية ودستورية مدنية؟ لماذا يستخدم أغلب العراقيين، بكلّ أنواعهم، لغة مؤذية وفوضوية، وضارة بالقيم الوطنية والأخلاقية العليا فيما بينهم.. لماذا تسود اللغة الغارقة بالنديّة والكيدية والكراهية العميقة؟ المأساة أكبر مما يتخيّلها أحد، وعلى هذا الأساس، تقدّم هذه المقالة الاقتراحات التالية، عساها تنفع وتفيد في إعادة بناء الموصل المنكوبة:

أولا: تشكيل هيئة حاكمة وقوات ردع تستمد صلاحياتها من الحكومة المركزية، وهي قيادية عسكرية واستشارية مدنية محلية، لتوطيد الأمن والنظام على مدى خمس سنوات، لمنع أية خروق أو إحداث أعمال شغب، وأخذ ثارات وعمليات فساد، وقطع دابر الارهاب .

ثانيا: تأسيس هيئة إعمار فنية وخدمات بلدية من أبناء المدينة للإعمار والصيانة لكلّ المؤسسات الحكومية والمستشفيات والمعامل والدوائر والشوارع والكهرباء والماء والحدائق والأبنية الرسمية وغيرها.

ثالثاً: تأسيس وزارة عراقية باسم وزارة الموصل لتأمين إعمار المدينة، بعد خرابها، يقودها خبير مختص، وتخصيص ميزانية لإعمار الموصل، مع هيئة مالية ورقابية للصرف والنزاهة والرقابة، بحيث تكون صمام أمان على الودائع والمنح والتبرّعات من الدول المانحة والمنظمات وصناديق الإغاثة، وتخضع للتفتيش الدوري الأسبوعي.

رابعاً: الإسراع في إصلاح الجسور الخمسة بين الساحلين، الأيمن والأيسر، وإصلاح المستشفيات والمستوصفات كلها، ثم الجامعة وكل المدارس، مع توفير الكهرباء والماء.وكل المرافق الحيوية ، والاستفادة من كل الخبرات المتقدمة .

خامساً: تأمين عودة النازحين إلى بيوتهم ومناطقهم، مع تسهيلات عودتهم وضبط أماكن وجودهم، شريطة عودة أهل الموصل فقط، بعيدا عن الغرباء والطفيليين الذين قدموا قبل "داعش"، في أثناء وجودها، وبعد زوالها ، فمن الضرورة ، الحفاظ على ديمغرافية كل محافظة نينوى .

سادساً: تعويض الذين تضررّوا جراء وجود "داعش"، وفي أثناء تحرير المدينة، وعودة الحقوق إلى أصحابها من كل أبناء الطيف، مع تأمين مستقبل المعوقين والأيتام والمشرّدين.

 

وأخيرا ، تحيّة مباركة الى كلّ الشهداء العراقيين الابرار ، والى كلّ الضحايا الابرياء الذين سالت دماهم وذهبوا من اجل العراق وحريته ومستقبله ، فهم قرابين هذا الوطن .. تحيّة الى كلّ المقاتلين الصادقين .. الى كلّ من قضى تحت الانقاض .. الى كلّ الصامدين والمنكوبين في الموصل وانحائها قاطبة .. الى اليتامى والارامل والمشردين والمعوقين والمسحوقين . نأمل ان يأخذ كلّ المسؤولين والمواطنين مثل هذه المقترحات في أعلاه على محمل الجدّ ، من أجل اعادة البناء والتعلّم من التجارب المضنية والدروس القاسية .. نأمل أن يتخّلص العراق مستقبلاً من كلّ أمراضه ومن كلّ الاوبئة التي تجتاحه ، وتعود الموصل إلى الحياة، كما عادت هيروشيما في اليابان من قبل.. إنني متفائل بعودتها بإذن الله، فقد تميّز أهلها بالصمود الاسطوري والعمل الجاد والمهنيّة العالية والفن والإبداع والاستجابة لأشدّ التحديات التاريخية المريرة.

 

(العربي الجديد) ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

 

تدمير منارةلحدباء في الموصل..

المعنى والدلالة

والرمز والخسارة الكبرى


د. سيّار الجميل



" حكاية أهالي الموصل مع الجامع النوري الكبير ومنارة الحدباء ، فيها الكثير من الشجن والالم ، فهي المنارة التي اعطاهم اياها التاريخ محملّة بلمسات من مرّوا على أرضهم ، طغاة كانوا أم قادة ، وهنا المنبر الذي اعلن البغدادي منه ميلاد امارة التوحش التي اذاقتهم الويلات .. الباحث المؤرخ الدكتور سيار   الجميل  ، يقدّم  في مطالعته هذه ، سردا لتاريخ هذه المنارة وما حيك عنها من أساطير  ..  انها المعنى  والدلالة  والرمز  والخسارة الكبرى "   ( المحرر ) .

" بعد مئات السنين ، تزول هذه المنارة العالية المنحنية نحو  الشرق  ، والتي اعتبرت الاعلى في العالم الاسلامي  قاطبة  عبر تاريخ طويل    "    الجامع النوري الكبير  ، جامع بناه نورالدين  زنكي  ورممه  مسيحي "  و "المؤكّد أن المنارة التي عاشت تسعة قرون كانت ستعيش طويلا لو تمّت صيانتها دولياً بإشراف من منظمة "يونسكو"  ( المحرر ) .

مقدمة

تعد منارة الحدباء رمزاً تاريخياً وحضارياً لمدينة الموصل، إذ لم تكن مئذنةً دينيةً عادية فقط، بل تعدّ من أشهر منارات العالم الاسلامي قاطبة، ويعتز بها الموصليون اعتزازاً شديداً، وكانوا قد ورثوها عن آبائهم وأجدادهم منذ القدم.. وقد فجّرت يوم 21 يونيو/ حزيران الجاري، واتّهم تنظيم داعش بتفجيرها وإزالتها، فكان أن سبّب ذلك حزناً وأسىً وكمداً في قلوب كلّ العراقيين الغيارى، وخصوصاً أهلها الذين بكوا عليها، في حين وجدنا على شبكة التواصل الاجتماعي موجة فرح تعمّ بعض العراقيين، كتبوا كتابات غير لائقة أبداً، وسيئة بحق المنارة والجامع الكبير ومؤسسه نور الدين، وتحمل كراهية شديدة ومقيتة للموصل وأهلها وتاريخهم، كونها مدينة حضارية قديمة، لا تستقيم وأمزجة الثقافة السائدة اليوم في العراق.

التوصيف التاريخي

بعد مئات السنين، تزول هذه المنارة العالية المنحنية نحو الشرق، والتي اعتبرت الأعلى في العالم الإسلامي عبر تاريخ طويل، إذ وصل ارتفاعها إلى أكثر من 50 مترا منذ مئات السنين. ويعد جامعها النوري الكبير من جوامع العالم القديمة، بناه الأمير نور الدين زنكي في عام 1172- 1173م، أي قبل 850 سنة، وهو ثاني جامع يُبنى في الموصل بعد الجامع الأموي في الكوازين الذي بني بعد فتح الموصل في عام 17هـ/ 638 م، وقد أعيد إعمار الجامع النوري عدة مراتٍ، كانت آخرها عام 1363هـ/ 1944م.

الأمير نور الدين هو الابن الثاني لمؤسس الدولة الزنكية، عماد الدين زنكي، الذي قام بتأسيس أتابكيته في الموصل، أما ابنه فقد تحوّل إلى بلاد الشام التي كانت تعاني طويلا من الصليبيين ومن الفتن الداخلية. وقد اقترنت الموصل الأتابكية بعهد تاريخٍ مزدهر بثقافاتها وصناعاتها وعمارتها ومنتجاتها وتعايش مجتمعها وكثرة القادمين والزائرين لها، ما جعل الجامع على مرأى ومسمع العالم كله.

حكم نور الدين زنكي (511 - 569 هـ / 11 فبراير 1118 - 15 مايو 1174) موسعّا إمارته تدريجياً، كما ورث عن أبيه مشروع محاربة الصليبيين، والقضاء على الفتن المهلكة في بلاد الشام، ونشأ السلطان صلاح الدين الأيوبي في قصره، وهو الذي أرسله نور الدين وزيراً في مصر التي كانت تعاني من انهيار الحكم الفاطمي وهجمات الصليبيين عليها، فكان أن أسس صلاح الدين دولته الأيوبية هناك، وقاد جيشه لتحرير القدس وقلاع أخرى في بلاد الشام، وعدّه الدارسون والمستشرقون والمؤرخون من أعظم القادة في التاريخ بلا منازع  .

يتوّسط الجامع النوري الكبير، بمنارته الطويلة ومآذنه العديدة، قلب الموصل القديمة، وقد زاره رحالةٌ وبلدانيون وآثاريون ومستشرقون وسفراء ورؤساء دول عديدون، ومنهم من صلى فيه.. والجدير بالذكر أن زعيم تنظيم داعش الدموي الملقب "أبو بكر البغدادي"، قد أعلن الخلافة من على منبر هذا الجامع، وخطب الجمعة في 6 رمضان 1435هـ / 4 يوليو/ تموز 2014 م. وبعد ثلاثة اسابيع، بدأ "داعش" مشروعه الهمجي في الموصل بنسف جوامع النبي يونس والنبي شيث والنبي جرجيس وغيرها من الأضرحة والمقامات والنصب، وأقدم على محاولة تفجير الجامع النوري ومنارته الحدباء، لكن بعض أهالي الموصل تصدّوا لهم، ومنعوا المسلّحين من القيام بذلك، باعتصامهم في الجامع الكبير الذي تعرّض للقصف مرات في معركة الموصل (2016–2017)، ما هدّد بانهيار المنارة، وفي يوم 25 رمضان 1438هـ 21 يونيو/ حزيران 2017 م دُمر الجامع ومنارته الحدباء بعد تفجيرها بالكامل .. ويبقى  هذا اليوم ذكرى  يوم  مفجع على امتداد الزمن  .

رمز تاريخي

وصف الرحالة ابن بطوطة الجامع الكبير ومنارته وصفاً دقيقاً، وهو أول من سماها الحدباء، في القرن الرابع عشر، إذ كتب إثر زيارته الجامع: "بداخل المدينة جامعان، أحدهما قديم، والآخر حديث. وفي صحن الحديث منهما قبةٌ في داخلها خصة رخام مثمنة، مرتفعة على سارية رخام، يخرج منها الماء بقوة وانزعاج، فيرتفع مقدار القامة ثم ينعكس، فيكون له مرأى حسن". أما المؤرخ ابن الأثير فأكد أن نورالدين أمر ابن أخيه فخرالدين ببناء الجامع، وأن نورالدين جاء إلى موقع الجامع لتفقده، وأمر بمصادرة الأراضي المحيطة به، بعد تعويض مالكيها تعويضا مجزيا. أما الرحالة الإنكليزي، غراتان جيري، فقد زار الموصل في القرن الـ 19، وقال عن المئذنة الحدباء "إنها تميل عن الزاوية القائمة بعدة أقدام، على الرغم من أنها تنتصب من الأرض بشكل سليم، كما تسترد استقامتها عند قمتها، شكلها يشبه رجلاً وهو ينحني".

كان هذا الجامع قد دمّره المغول عام 660 هـ / 1260م، ولكن المنارة بقيت شاهقة وصامدة تتحدّى كلّ الفجائع.. وقد رمّم الجامع ومنارته عدّة مرات، حيث بقيت ثابتة لم تتزعزع منذ مئات السنين. وتمّ تفسير ميلان المنارة نحو الشرق بعدة تفسيرات أسطورية، فقال بعضهم إنها انحنت إكراما وإجلالا للرسول محمد، عندما عرج إلى السماء (كذا)! أما المسيحيون في الموصل ، فقالوا إنها اتجهت شرقا نحو قبر السيدة مريم العذراء الموجود قرب أربيل! وقدّر الميلان بـ 253 سم قبالة محور عمودي. وعليه، لم تكن المنارة مستقرّة منذ قرون خلت، ما كان يشكّل مصدر قلق بسقوطها يوماً، ولكنها صمدت قرابة ثلاثة عصور (900 سنة). لم تسقط، بل انهارت اليوم، بفعل تفجيرٍ بالألغام عمداً وعن سبق إصرار. وعليه، يتحمل من فعل ذلك مسؤولية جريمته التاريخية. والمؤكّد أن المنارة التي عاشت تسعة قرون كانت ستعيش طويلا لو تمّت صيانتها دوليا بإشراف من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) التي اعتبرتها من عشرة أماكن تاريخية في العالم بحاجة إلى ترميم.. وكانت الـ "يونسكو" قد بدأت عملها منذ يونيو/ حزيران 2014 للحفاظ على هذا الرمز الحضاري، لكن المدينة احتلتها "داعش" بعد أيام.

حكاية التاريخ الأتابكي

عندما زار نور الدين زنكي الموصل، أنجز عدة إصلاحات فيها، منها الأمر ببناء جامع جديد وكبير، لحاجة الناس إليه، إذ لم يعد الجامع الأموي القديم يتسع، إثر ازدياد نفوس الموصل. كتب ابن خلكان في "وفيات الأعيان"، نقلا عن العماد الأصبهاني في كتابه "البرق الشامي" أن أحد شيوخ نور الدين، واسمه معين الدين عمر الملاء، وهو من الزّهاد الصالحين، قد اقترح على سيده بناء هذا الجامع، فوكّله لصلاحه وزهده ونظافة يده، فأنفق أموالا طائلة وأتم بناءه في سنتين على يد اشهر  معمار عهد ذاك  اسمه ابراهيم الموصلي  ، وأوقف عليه إحدى ضياع الموصل. وقد حدثني المؤرخ الراحل الذي اشتهر بكتبه عن تاريخ الموصل، سعيد أفندي الديوه جي، رحمه الله، وكان قد ألف كتابا عن " الموصل في العهد الأتابكي " ، قال إن اسم " الملاء " جاء من ملئه التنانير بالآجر. ويعود الفضل إليه في بناء هذه المنارة، خصوصاً أنها بنيت على مراحل بالآجر، ومن النورة (مادة بناء تستخدم في صنع أنواع من الملاط والشيد والطلاء. وهي مادة كيميائية "هايدروكسيد الكالسيوم" قلوية بشكل مسحوق أبيض اللون)، وكانت تخلط بالبيض، وقد استخدم الملايين من بيض الدجاج كي يتماسك الآجر، ويغدو صلبا جدا بعد البناء.. باشر الشيخ عمر مشروع بناء الجامع سنة 566 هـ/ 1170م . وكان يملأ تنانير النورة بنفسه، وبقي يشتغل في عمارة الجامع ثلاث سنوات، حتى انتهى منه سنة 568 هـ/ 1172م  . وقد ألحق بالجامع مدرسةً، عرفت بمدرسة الجامع النوري.

شهدت الموصل نهضة عمرانية وفنية وإنتاجية واسعة على عهد الأتابكة الزنكيين، وكان لمنارة الحدباء طرازها الفريد، إذ اشتهرت بالزخارف الجبسية، والمحراب قديم جدا، وكان محفوظا حتى عام 2003 في متحف القصر العباسي ببغداد. وقد تأثر طراز المآذن عصرذاك بالنمط الفارسي السلجوقي، كما حال منائر أربيل وماردين وسنجار، وبالذات المنارة المظفرية في أربيل. استخدمت أعلى فنون البناء في منارة الحدباء التي زركشت بأنواع الفنون عهد ذاك، وبنيت دواخلها بأسلوب مغاير. تتألف المنارة من قسمين، أحدهما أسطواني في الأعلى، يقوم على قسم آخر منشوري. ويشتمل الأول على سبعة أقسام زخرفيه أجرية نافرة مرتبة حلقات. وللمنارة مدخلان يصل كل منهما إلى درجٍ إلى الأعلى، من خلال سلمين يعلوان في باطن المنارة وبنيا بشكل حلزوني، منفصلان، يلتقيان عند منطقة الحصن في الأعلى، فالصاعد إلى الأعلى لا يرى النازل إلى الأسفل، وكان الهدف الأساسي من ذلك تخفيف ثقل المئذنة الكبير على القاعدة.. وهذا لا نجده إلا نادرا. من نجح في الصعود إلى أعالي صحنها الأعلى هالته إطلالتها على مدينة الموصل قاطبة. عاد نور الدين زنكي إلى الموصل سنة 568 هـ/ 1172م  لافتتاح جامعه وصلى فيه، وأوقف عليه عدة أوقاف، منها "العقر الحميدية" و"قيسارية الجامع النوري" و"أرض خبرات الجمس". كانت تكلفة بناء الجامع غير معروفة، ولكنها تراوحت بحدود ثلاثمائة ألف دينار. وكتب ابن كثير في "البداية والنهاية" إن أول مدرس في المدرسة كان أبي بكر البرقاني، تلميذ محمد بن يحيى تلميذ الغزالي.

كثرت الآراء بشأن احتداب المنارة وانحنائها نحو الشرق، فثمة من قال إنها حدثت بسبب هبوب الريح الغربية في الموصل، حيث تؤثر الرياح الهابّة على الآجر والجصّ المبنية منه المنارة، فكان أن أدّت إلى ميلانها شرقا.لا أميل إلى هذا الرأي، فقد وجدها ابن بطوطة حدباء منذ زيارته لها. وثمة من يقول إنها بسبب تغيراتٍ في درجة الحرارة، وحدوث تفاوتٍ في أسس بناء المنارة، مع تفاسير أخرى، إذ لا يُعلم السبب الحقيقي في حدوث هذا الميلان أو الاحتداب.. وكان هاجس الانهيار واردا، بسبب زيادة نسبة المياه الجوفية واهتراء القاعدة، إذ أدرجت مؤسسة الصندوق العالمي للآثار والتراث في قائمة الأكثر مائة أثر مهدّد في العالم.

وبعد مرور أقل من مائة سنة على التأسيس، جاء الاحتلال المغولى للموصل 660 هـ/ 1260م بقيادة سنداغو الذي خرّب الجامع وأهمله، لكن منارته بقيت قائمة، بعد أن دُمرت الموصل تدميرا شبه كامل.. وفي سنة 1146هـ / 1733م، تولى الوزير الحاج حسين باشا الجليلي ولاية الموصل، واهتم بالجامع النوري، وفي عام 1150 هـ/ 1737م، انتشر في الموصل طاعون شديد، مات فيه كثيرون من أهلها. وفي السنة نفسها، أعيد إعمار الجامع وتنظيفه. وفي أثناء حصار الموصل من نادرشاه عام 1156ه/ 1743م، رشقت الموصل بآلاف القنابل، ولكن لم تصل واحدة منها إلى المنارة العالية فبقيت سليمة. وحاول محمد بن الملا جرجيس القادري النوري ترميم الجامع، واتخذ له في الجامع تكية عام 1281هـ / 1864م.

الجريمة التاريخية

كتبت مراسلة صحيفة واشنطن بوست، لوفيداي موريس، إن المنارة تحولت أنقاضاً بعد أن ظلت رمزا تاريخيا منذ مئات السنين.. وأن تفجير الجامع النوري الكبير ومنارته الحدباء تمّ والقوات العراقية على بعد 50 ياردة من المكان. ويظهر فيديو لقيادة العمليات المشتركة في العراق انفجارا هائلا في الجامع. وادّعت وكالة أنباء أعماق التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية  (داعش) أن الجامع برمته قد دمرته غارة جوية أميركية، وهو ما نفاه التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، إذ قال قائد القوات البرية للتحالف، الجنرال جوزيف مارتن، في بيان "هذه جريمة ضد شعب الموصل وكل العراق.. ومسؤولية هذا الدمار وضعت في رقبة داعش". وكانت داعش، عند احتلالها الموصل في 10 يونيو/ حزيران 2014، قد هدّدت بتفجيره، عندما قامت بتفجير عدة جوامع ومراقد لأنبياء وأولياء، ولكن عشرات من الناس اعتصموا فيه ورفضوا الخروج منه، محتجّين على هذا التصرّف الذي جاء بعد شهر على إعلان "الخلافة" المزعومة من قلب هذا الجامع.. ويبدو أن مشروع "داعش" كان قد تأجل في وضع نهاية حقيقية للمنارة بالذات وكنت أتمنى ان  ينعاها  هذا العالم  اسوة  بنعيه  تمثال بوذا  قبل سنوات  ، أو  نعيه  عدة  رموز  تاريخية أخرى  ،  وقبل  العالمين  الخارجي  والعربي والاسلامي ،  عتبي كبير على  السلطات العراقية  نفسها  ، اذ كان عليها ان تعلن للعالم كله عن  موقفها  من  الجريمة  التاريخية  ، ومن فقدان  أحد ابرز  معالم  العراق الحضارية والذي  سحقه داعش ، فهي المنارة التي بكاها  كلّ الموصليين  دماً  كونها تمثّل رمز وجودهم  وذاكرتهم عبر التاريخ  .. ولكنها  لم تفعل ذلك  ويا للاسف الشديد !

قصة الأمس واليوم

عندما تهدمت أجزاء من منارة الجامع النوري الكبير الحدباء في الموصل في سنة 1940، طلبت الحكومة العراقية من عبودي الطنبوره چي (أو الطمبوغه چي بلهجة أهل الموصل)، وهو أشهر بنّاء ومعماري في الموصل في القرن العشرين إصلاح ما كان قد تهدّم، وإعادة بناء أجزاء ما تهدم، خصوصا أنها في مكان عال وله خطورته. وافق وجهز العدة والعدد، وقد أنزلوه من أعلى المنارة بصندوق خشبٍ مربوط بحبال قوية، وأكمل بناء الجزء المهّدم، وأعاد النقوش إلى حالتها الأولى والناس متجمعة في الأسفل تترقب متخوفة، وقد أكمل مهمته بنجاح ونزل.. فتقدّم متصرف الموصل شاكرا له صنيعه، وسأله عن أجوره في ما قام به، فأجابه الطنبورجي: هذا جامع، وهو من بيوت الله، وأجري عند الله، علما أن المعمار عبودي الطنبوره چي مسيحي موصلي لا يأخذ اجراً في بناء جامع او كنيسة  ابداً. وهذه قصة حقيقية شهيرة، يردّدها الناس دلالةً على قوة التعايش بين المسلمين والمسيحيين في الموصل قديما.

في عام 1401هـ/ 1981م، حاولت شركة إيطالية تثبيت المنارة، بسبب تسرّب المياه في جوف قاعدة المنارة، ما أضعف بنيتها، وزاد احتدابها حوالي 40 سنتيمترا. كما جرت محاولة أخرى لوزارة السياحة والآثار العراقية لترميم المنارة، بضخ كميات من الإسمنت المسلح إلى قاعدتها للحفاظ عليها، وكانت مجرّد حلّ مؤقت، ولكن مخاطر انهيارها كانت قليلة، وربما كانت ستعمّر طويلا، لو جرت استعادة بنيوية كاملة لهياكلها الداخلية والخارجية. ولكنها ذهبت ضحية لا تقدر بأي ثمن، بعد تفجيرها ظلما وعدوانا، وجريمة تاريخية لا يمكن أن يغفرها التاريخ أبدا وانني اعتقد ان اعادة بنائها  سيكون امراً صعباً للغاية  ليس من الناحية  الفنية والمعمارية حسب ، بل من النواحي  السياسية والاجتماعية  وفي ظل  الاوضاع المأساوية  التي تعيشها الموصل  اليوم  .

تمّ التفجير يوم الأربعاء 21 يونيو/ حزيران. وكان مقرّراً أن يتم تحرير الجامع الكبير يوم الخميس، ما يعني أن استعادة الجامع النوري الكبير سليما من الجيش كانت سيعدّ ضربة هي الأكثر رمزيةً في القضاء على "داعش" في معقلها نهائياً، فكان أن تمّ التفجير قبل ساعات من اقتحامها.. وقد ثارت شكوك، ولم تزل بشأن المسؤول الفعلي عن تدمير هذا الصرح، ليس لأنه مجرّد مئذنة عادية، بل لأنه كان وسيبقى رمز مدينة عريقة اكتسبت اسمها منه. ويمكن القول إن المستقبل سيكشف أوراقاً جدّ خفية عمّا جرى في تلك اللحظات الصعبة، وستتّضح الصورة الحقيقية للجريمة عن الفاعل ، ومع من جرى تعامله، ما صلته بجماعات معيّنة أو دولة ما، أو جهات لها مصلحة حقيقية في سحق الموصل ورموزها التاريخية والحضارية.



 

نشرت  في باب " قضايا "  ، العربي الجديد اللندنية  ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

بعد ثلاث سنوات

على داعش في الموصل

د. سيّار الجميل

تمرّ ذكرى مرور ثلاث سنوات على احتلال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الموصل، وقد امتدت نحو أصقاع غرب العراق ووسطه، إثر عمليةٍ لم تكن مباغتةً أبداً للمراقبين في العالم. ولكن، جرت صناعة الحدث من خلال قوى خفية، سهّلت ذلك الاحتلال المأساوي بانسحاب ثلاث فرق عسكرية، وتبدّد الشرطة المحلية، وسط فوضى صُنعت خصيصاً لهذا الغرض، وتركت مئات الدبابات والأسلحة طعاماً لعناصر "داعش"، وسط إعلام مموّه، وصمت رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، الذي يتحمّل المسؤولية التاريخية عن ضياع قرابة نصف العراق بأيدي "داعش"، والغدر بنصف المجتمع العراقي، وما جرّ الحدث من ويلاتٍ وتداعياتٍ وضحايا وخراب. وكان الرئيس الامريكي السابق باراك اوباما قد خرج علينا اثر احتلال داعش للموصل قائلا : " ان اخراجهم من الموصل بحاجة الى ثلاث سنوات بالضبط " ، ولا ادري كيف عرف او قدّر التوقيت وضبطه ؟؟ 
ما جرى قبل ثلاث سنوات جعل ثاني أكبر مدن العراق وملحقاتها تحت بطش أشرس فئة ضالة وشريرة من البشر، نجحت في تخريب المدينة، وسحق مأثوراتها، وحرق جامعاتها ومكتباتها ومتاحفها، وتفجير أبرز معالمها وجوامعها وأديرتها وكنائسها القديمة.. ومن ثمّ ما اتبع من شراسةٍ لا توصف في حكم العباد، إذ قُتل من البشر ما لا يُحصى عدده، وقُطعت رقاب نسوة ورجال في ساحة قلب المدينة، ونكب جيل بانقطاعه عن الدراسة والتعليم ثلاث سنوات. وشتت الناس وجاعوا وتشردوا، وتيتّم مئات الأطفال، فضلاً عن استئصال المسيحيين الموصليين من المدينة وأطرافها وطردهم والاستيلاء على ممتلكاتهم، وكذا العبث باليزيدية، وقتل رجالهم وسبي نسائهم وامتلاك أطفالهم.. إلى غير ذلك من المخازي التي لم يشهد مثلها التاريخ أبداً
هذا الحدث المأساوي سيسجله التاريخ نقطة سوداء في تاريخ العراق على امتداد الزمن. وقد سعى كلّ الخيرين بالعمل المضاد ضدّ هذا السرطان الذي اجتاح العراق وكلّ المنطقة، هذا الغول الذي استلب حركة التغيير والثورات العربية، ليقلبها إلى حالات متنوعة من الفوضى المبرمجة والقتل والبطش، وقد انتشر هذا الوباء في أجزاء متعددة من العالم، لكي يفرض إرادته بالحديد والنار من خلال التفجيرات والقتل الجماعي، سعياً وراء ما سميت دولة الخلافة الإسلامية التي جعلت الموصل عاصمة لها، والتي بدأت عمليات تحريرها منذ أشهر، وقد تحرّر الساحل الأيسر منها، ولم تزل القوات العراقية تسعى لكي تحرّر ما تبقى من الساحل الأيمن والمدينة القديمة المكتظة بالبشر. وقد شهدت عمليات التحرير أهوالاً ولم تزل، إذ وقعَ الناس في المدينة أسرى بأيدي الدواعش الذين خسروا كلّ مقوماتهم، والذين باتوا كالأفعى التي قطع ذيلها، وهي تفترس كلّ الأحياء
سيسجل التاريخ كيف عاش أكثر من مليوني إنسان تحت ظل هذا الوباء البدائي. كيف عوملوا بشراسةٍ لا توصف. وكيف مارسوا حياتهم تحت الإرهاب المنظم. وكيف عاشت المرأة عيشة صعبة لا تطاق. وكيف غدت كلّ الحياة مكبّلة بقيود من حديد. وكيف قطعت رقاب الناس لأتفه الأسباب. وكيف مارس التنظيم الدموي حكمه باسم الشريعة. وكيف هدمت معالم المدينة الحضارية. وكيف بيعت الآثار والمكتنزات النادرة. وكيف بقي الناس في منازلهم خشية المساءلة، وخشية التهم السخيفة باسم المحرّمات. وكيف كان المشهد المأساوي العام الذي كسا مجتمع المدينة. وكيف ماتت الأسواق. وكيف بقيت الناس بلا أرزاق ولا رواتب ولا أجور ولا عمل. كيف فرضت المحرمات والممنوعات على الناس، رجالاً ونسوةً وأطفالاً. وكيف فرض النقاب على كل النسوة، واللحى على كل الرجال. وكيف غدت الحياة جحيماً في ظل حكم التنظيم الوحشي الذي لا يعرف الرحمة، ولا القانون ولا التفاهم ولا الوعي ولا التفكير السوي ولا الوسطية.. ماذا عانى الناس من شماتة الآخرين، ناهيكم عن التجريح وكيل السباب والشتائم ضمن فوضى ضياع الأخلاق والقيم الوطنية. إنها تجربةٌ تاريخيةٌ مريرة، صنعها غير أسوياء اجتمعوا في الموصل من شتات الأرض، أجانب وعرب ومعهم عراقيون من فاقدي الضمائر والغيرة على أهلهم وبلدهم، وقد انساقوا مع تيار العنف بقناعاتٍ لا يمكن استيعاب مدلولاتها أبداً
بدأ الجيش العراقي، ومن تجحفل معه، عملياته بتحرير الموصل منذ شهور، وكان الثمن غالياً جداً، إذ تحوّلت دواخل المدينة، سواء بمساكنها أو دوائرها ومدارسها وجامعتها وكل مؤسساتها، إلى ساحة حربٍ استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة، كما نال القصف الجوي أماكن حيوية وسكنية عديدة، وسقط مئات الضحايا، ونزح عن الموصل قرابة مليون نسمة، فضلاً عن مليون آخر، كان قد هرب من المدينة عشية احتلال داعش لها. ويصادف آلاف النازحين اليوم متاعب لا حصر لها، خصوصاً وأن الحكومة العراقية لم تهيئ للناس مستلزمات أية حماية أو وسائل عيش، أو خدمات طوارئ، ولا مراكز صحية متنقلة، ولا أغذية، ولا أغطية. ستلحق كارثة بآلاف النازحين الذين يزداد عددهم يوماً بعد آخر، ناهيكم عن تزايد عدد المشرّدين والأطفال الذين مات أهلهم وتركوهم لمصير مجهول
كان بعضهم يشعر بأن حكومة نوري المالكي السابقة أشبه بقوة احتلال، مهدت لهيمنة تنظيم الدولة الإسلامية، وكما ذكرت وكالة أنباء رويترز: "الانطباع الأول كان أشبه بفتح أبواب السجن.. ولكن، بدل تذوّق طعم الحرية، دخلت الموصل في زنزانة مقفلة ومظلمة". وقد تأكد ذلك بعد أيام قلائل بتفجير مراقد الأنبياء وأضرحة الأولياء التي كان يعتز بها الموصليون، وبدأت سلسلة إعدامات بحد بالسيف أو إقامة الحدود بالجلد أو الغرق أو رمي البشر من فوق العمارات الشاهقة أحياء، أو الإعدامات بالجملة رمياً بالرصاص. وكان الناس يصدمون كل يوم بغرائب الأمور. بعد سقوط الموصل، أصدر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "ميثاق المدينة" الذي لخص فيه رؤيته الصارمة، متمثلة في حظر التدخين والمخدرات والكحوليات وهدم الأضرحة التي يرى فيها التنظيم الشرك بعينه، وأمر بارتداء النساء ملابس محتشمة مع قفازات سوداء والتزامهن المنازل
وبدأ التنفيذ منذ الأسبوع الثاني، إذ حطم المتشدّدون الداعشيون تماثيل حضارية رائعة لرموز الموصل، منها تمثال للشاعر العباسي أبي تمام، وآخر للموسيقار الملا عثمان الموصلي الذي عاش في القرن التاسع عشر، ونبشوا قبر المؤرخ ابن الأثير الذي عاش في القرن الثاني عشر، ودمروا القبة المقامة فوق الضريح مع الحديقة المحيطة به. وفي استعراضٍ متوحشٍ ضخم للقوة، سار آلاف من مسلحي التنظيم الدواعش في وسط الموصل في ساعة متأخرة من أحد الأيام الأولى، رافعين بنادقهم ومستعرضين مدافعهم المضادة للطائرات ومنصات إطلاق القذائف الصاروخية. ووسط الناس الذين تجمّعوا للمشاهدة، هتف الدواعش: "الدولة الإسلامية هنا لتبقى" و"من هنا سننطلق إلى بغداد ومن هناك إلى دمشق". اضطربت الحياة العامة كلها، فماتت التجارة، وسدّت المطاعم، وأغلقت المدارس، وحوصرت الناس في منازلها، ثم بدأت عملية استئصال كل المسيحيين وإخراجهم من دون موجوداتهم، سواء من الموصل أو أطرافها
وسيطر الداعشيون على أملاك المسيحيين، وأملاك كل الفارين من وجوههم. وعندما تم سبي النسوة اليزيديات، جيئ بهن إلى الموصل، ليصبحن ممتهناتٍ لدى هؤلاء المتوحشين الجدد، كما جرى تشتيت الشبك والتركمان والكرد والأرمن والسريان والكلدان والآثوريين.. وأخليت قرى كاملة من سكانها، وسرعان ما أصبحت الموصل مقراً لحكم داعش الصارم الذي نفر منه السكان
نهاية "داعش" قريبة بحول الله، وأتمنى مخلصاً على أهلنا في الموصل أن تكون هذه المحنة درساً بليغاً وتاريخياً لهم، مناشداً الحكومة العراقية أن تفي بالتزاماتها بفرض الأمن والقانون وتعمير الجامعة والمدارس والمؤسسات والدوائر الرسمية والشوارع والمستشفيات، ومساعدة الناس في الاستماع إليهم وتلبية مطالبهم المشروعة، بالقضاء على "داعش" قضاء مبرماً. والمناشدة هنا من أهل الموصل أن لا يبقوا على أيٍّ من خلايا "داعش" تنمو وتتحرك على الأرض أبداً، إذ عليهم أن يطووا صفحة "داعش" إلى الأبد. وستبقى تجربة إجرامية متوّحشة في الذاكرة التاريخية

العربي الجديد / لندن  ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل 
http://sayyaraljamil.com/

 

 

 


 

هزيمة 67... العقل يحاكم

التاريخ وينصف البطولات

سيار الجميل

 

نجح المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في عقد مؤتمر مهم في الدوحة، 20 – 22 مايو/ أيار 2017، "خمسون عامًا على حرب حزيران/ يونيو 1967: مسارات الحرب وتداعياتها"، لمناسبة مرور نصف قرن على أهم حدث تاريخي في حياة العرب إبان القرن العشرين، والذي أنتج كارثة مروّعة جرّاء هزيمة العرب الكبرى أمام إسرائيل. وشارك في المؤتمر نخبة من الباحثين والمؤرخين، وكذلك قادة عسكريون عرب كانت لهم مشاركاتهم في الحرب. وقد عرضت ونوقشت نحو 25 ورقة علمية بحثية، خضعت للتقويم العلمي، مع تقديم أربع شهادات لقادة وضباط عرب قدامى. وكان المؤتمر، بحد ذاته، تظاهرة علمية وفكرية عربية، نظرا لاهتمام المركز العربي بالموضوع، والتحضير له عشرة أشهر. 

منهاج عمل وتفكير 
كانت محاضرة الافتتاح للدكتور عزمي بشارة بمثابة منهج عمل، ومثّلت خطاباً فكرياً جديداً، له تميّزه وأفقه الواسع، وكان قوامها العقل في التعمّق بطبيعة التاريخ المقارن بين العرب وإسرائيل، وصاحب ذلك نقد للثقافة العربية إزاء تداعيات امتدت نصف قرن مضى. ومن خلال تحديد رؤية الخطاب تاريخ 1967، أدركنا أن نشوء إسرائيل الحقيقي قد تبلور بعد الحدث، إذ استقر مشروع إسرائيل، وتكثفت الهجرة نحوها، وتدفقت الاستثمارات والمعونات والتسلح الأميركي، وطورت دعايتها المضادة بالتباكي من تفوق العرب العددي، وإن دفاعها كقلة ضد الكثرة أسطورة كاذبة. واتخذ تاريخ المنطقة مساراً متبايناً صنعته نتائجها المريرة. وقد فسر الخطاب معنى الهزيمة التاريخية للأنظمة السياسية والحركة القومية العربية، وتفكّكت بنية الصراع العربي الصهيوني، وصولا إلى عمليات التفاوض المنفصلة، وغدت القضية قضية شعب فلسطيني وحده، وترك الفلسطينيون يواجهون مصيرهم وحدهم إزاء عدوهم الماكر. وبقيت الأنظمة تتاجر باسم فلسطين من أجل استحواذ "الشرعنة"، وبقائها في السلطة. موّه العرب الهزيمة التاريخية لتغدو مجرد "نكسة" من دون الاعتراف بالهزيمة، وجعلوا إسرائيل "أسطورة" لا تهزم، وأفشلوا الوعي العربي سايكولوجياً، وأسس آخرون فكرة "مؤامرة يهودية عالمية"، بسيطرة اليهود على أميركا وصنع قراراتها، من أجل مفاوضاتٍ بين أقزام وقوى خارقة. وراح كل من يعارض تلك السياسة يوصم بالعمالة للاستعمار والصهيونية، في حين لم يتعرَض كل المسؤولين إلى أية مساءلة أو تحقيق، وغابت الدراسات المعمقة عنه، مقارنةً بما حصل في إسرائيل والغرب عموماً. وراجت في ثقافتنا بعد الهزيمة عباراتٌ مائعة إزاء كيان كانوا يعتبرونه هشّا ومؤقتا، وأنه مجرد عصابات، ولكنهم اصطدموا بكيانٍ له مؤسساته وسياساته الماكرة. 
يؤسس الخطاب أيضا عدة ركائز منهجيّة، والدروس المستوعبة لها الاعتبارات التالية: من النكبة إلى الهزيمة كلٌّ لا يتجزأ. شتان بين خطط إسرائيل وسياسات العرب. قضية مركزية إلى قضية مهمّشة. غيبوبة العقلنة العربية. إسرائيل، من تكون؟ الضحيّة والجلاد.. صورة حمل يعيش بين الذئاب. 

قراءات وشهادات 
هزّت هزيمة حزيران/ يونيو 1967 الوجدان العربي والضمائر الحية، وعلينا أن ندرك أن 

المركز العربي هو الوحيد الذي أحيا ذكرى الهزيمة، من أجل فهم ما حدث من خطايا بحق الأمة، فضلا عن إنصاف جملةٍ من البطولات الرائعة. 
بدأت جلسات المؤتمر بمشاركة أكثر من ثلاثين أكاديمياً وباحثاً مع قادة عسكريين. تمّت الاستفادة من تحليل حالة الصراع داخل أجنحة العسكر في الجيش المصري، وهي التي أدّت إلى الهزيمة عام 1967، وكشفت الحرب "عقلية العسكر" وصراعات الأجنحة، ووجدنا المهنية متآكلةً جرّاء عبادة البطل والخوف منه، وتغليب السياسي على الوطني، واستناد تلك العقلية إلى نظرية المؤامرة، حتى في تفسيرهم الهزيمة. وعولجت مسببّات الحرب وعللها، فضلاً عن عمليات الجبهة السورية عشية الحرب، وتبين أسرار ما جرى في الدوائر الأميركية العليا، ومتابعة الضربة الإسرائيلية الخاطفة والخادعة في الساعات الأولى، وردود الفعل الأميركية والدولية، ومواقف السوفييت المتذبذبة، عبر الخط الساخن مع الأميركان، وما خطط له الأميركان لتغيير أنظمة سياسيّة لاحقاً في كلّ من العراق (1968) وليبيا (1969) وسورية (1970)، ورحيل جمال عبد الناصر المباغت والغامض (1970) والسودان (1971). وقد ألقيت أضواء ساطعة على تاريخ يوم مفجع في تاريخ العرب المعاصر من خلال قراءة معمقّة لوثائق الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون، وعلاقة السوفييت بالحدث. ومواقف بعض الزعماء العرب، وخصوصاً جمال عبد الناصر والملك حسين. 

الجبهة المصرية 
وعليه، سيطرت "ذهنية الهزيمة"، على الرغم من تفوق مصر والعرب في العدد والعتاد، والتصعيد السياسي والتعبئة الإعلامية لأجهزة إعلام نظام الرئيس جمال عبد الناصر، مع فشل الجيوش في مهنيتها وتنظيمها. والفجيعة أنها عدّت تاريخاً مسكوتاً عنه على امتداد نصف قرن مضى، وكيف كان قرار غلق مضايق تيران أحد أسباب اندلاع الحرب، فوجدت إسرائيل أنه فرض الحصار البحري عليها، وعمل حربي وعدائي، علماً أنها كانت تتعامل مع موانئها المتوسطية بحيوية. وكانت مصر تعيش أزمة اقتصادية مؤثرة. وتتحملّ الدبلوماسية المصرية مسؤوليتها، فالعلاقات مع الأميركان متدهورة، وتقارير السوفييت ضللت عبد الناصر لردع أيّ تحرّكات إسرائيلية ضدّ سورية. 

الجبهة السورية 
ما جرى على الجبهة السورية عدّ انتصاراً سهلاً حققته إسرائيل، بقضائها على ثلاثة جيوش عربية في ستة أيام. وإن الجيشين المصري والسوري لم يكونا مستعدين للحرب. ويعتبر 

الإعلان عن سقوط القنيطرة قبل حدوثه جريمة لم يحاسب أحد عليها، إذ فضّل نظام الحكم السوري بقاءه في الحكم على مصلحة الوطن. وكان الجيش السوري قد أنهكته الانقلابات العسكرية، فتلاشى في 5 يونيو/ حزيران 1967. وقد أخرج نظام "البعث" مئات الضباط المحترفين، وفرض الصيغة العقائدية، وبدأ صراع الكتل العسكرية ذروته، فقاد إلى الكارثة. وكشفت الوثائق الأميركية صراعات الأجنحة داخل حزب البعث قبل الحرب، وفي أثنائها وبعدها، وتمكّن وزير الدفاع، حافظ الأسد، من بناء تحالفاتٍ عسكرية لصالحه، مكنتّه من السيطرة على حساب هزيمة سورية وخسرانها الجولان، وسيطر على الجيش كاملاً، وبدأ يستعد لانقلابه العسكري عام 1970 الذي كشفت عنه المخابرات المركزية قبل وقوعه. 

الجبهة الأردنية 
قدمت رؤية مختلفة عن حرب 1967، وخصوصاً عن المشهد الأردني، وما دار في الضفة الغربية، وموقف الجيش الأردني، بعد أن طار الملك حسين إلى القاهرة، وتوقيعه معاهدة الدفاع العربي المشترك مع الرئيس جمال عبد الناصر، وعاد مصطحباً معه الفريق المصري عبد المنعم رياض، ليتولى قيادة الجيش في الأردن، لكي يتحمل المسؤولية وحده، إذ كان الملك حسين يدرك النتيجة المأساوية، ولكنه لم يستطع الوقوف على الحياد، خوفاً من الناس، فلم يتول القيادة بنفسه، ولم يقلّدها لقائد أردني، كيلا يتهم بضياع القدس. وعلى الرغم من مهنية الفريق رياض، إلا أنه قاد المعركة من دون إدراك طبيعة مقاتليه، ولا الأرض، ولا الخطط، ولا العدة اللازمة، فكان أن ضاعت الضفة الغربية، ومعها مدينة القدس الشرقية. 
وفي رؤيةٍ أخرى، ثمة إشارات عن وجود "العديد من المذكرات السرية والشهادات والروايات التي لم تنشر بعد عن خفايا حرب 1967، ... وتؤكد شهادات ضباط أردنيين عدم استطاعتهم تفسير أخطاء الفريق رياض خلال الحرب. وبدا واضحاً أن الأردن لم يستطع النجاة من النتائج المرّة للحرب، سواء شارك فيها أو امتنع عن خوضها، فالنظام كان مهدداً، أما القوات الجوية العراقية، فكان لها دورها وتأثيرها في مسرح العمليات، إبّان حرب يونيو/ حزيران 1967، وللطيارين العراقيين بطولاتهم وخسائرهم فيها. 

البيئة الإقليمية والدولية 
موضوعات مهمة أخرى عولجت بمهارة، فقد وضعت وثائق المشهد الإقليمي والدولي تحت 

المجهر، وقُدمت أسئلة تمثل إجاباتها مقاربةٌ متعددةُ المداخل للبيئتين، الإقليمية والدولية، اللتين جرت الحرب في سياقهما؛ هل كان على العرب التورّط فيها؟ وما منظور التطورات التي جرت في أروقة الأمم المتحدة؛ إذ كانت إدارة الأزمة محدودةً في الجمعية العامة، بينما كان مجلس الأمن مكبلًا بحق النقض (الفيتو) والاستقطاب الدولي بين القوتين العظميين. وعليه، كانت مسألة سحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء لها خطورتها، ثم فرض وقف إطلاق النار، وصولًا إلى إنفاذ قرار مجلس الأمن، وفحص ما إذا كان في وسع تلك القوة الدولية، في ذلك الوقت، توفير بديل من الحرب، أو الحد من تداعياتها. وما طبيعة المقاربة الأميركية للعلاقة مع إسرائيل لما قبل الحرب وأثنائها، أو بعد أن تحققت هزيمة العرب، ثمّ تأسيس مبدأ "الأرض مقابل السلام". وثمّة قراءة للوثائق السوفييتية ومواقف أطّرت موسكو وأطراف الحرب، بعيداً عن مواجهة الأميركيين. وطبيعة بخل موسكو وتقشفها مع حلفائها العرب، سواء في الاستخبارات أو الدعم العسكري، وبيع العرب أسلحة قديمة. أما العلاقة بين إيران وإسرائيل، فمتطورة بينهما، ما قاد إلى تصاعد المعارضة ضد الحكم، مع تطوّر هجرة يهود إيران إلى إسرائيل بعد هذه الحرب. 

رؤى عربية 
قدمّت مراجعة للرواية الإسرائيلية للحرب، وما تعلّق بالصراع داخل النخبة الإسرائيلية العسكرية والسياسية، وتم التأكيد على تعقيدات صنع قرار دخول الحرب، وتداخل العوامل الداخلية والدولية، إذ كانت استكمالًا لأهداف المشروع الصهيوني عام 1948، وتغلبت رؤى العسكريين الساعين إلى استغلال الفرصة السانحة والاستثنائية لتوسيع حدود إسرائيل. منذ الخمسينيات والستينيات، وعدم التوقف عند حدود الهدنة 1949. ثمة خطط لتوسيع حدود اتجاهات إسرائيل، ومن أهم الخطط خطة "كلشون"، (الشوكة أو المذراة أو السهم) التي استهدفت احتلال سيناء وقطاع غزة، والوصول إلى قناة السويس في ستة أيام، ثم خطة "موكيد" (الموقد) لضرب مطارات مصر وتدمير طائراتها.. والاجتياح البري لاحتلال سيناء من محاور عدة. أما خطة "فرجول" (الكرباج)، لاحتلال الضفة الغربية، وضمنها القدس الشرقية، لكي تصل إلى نهر الأردن خلال 72 ساعة، وهناك خطة "ملكحايم" (الكماشة)، لاحتلال هضبة الجولان السورية حتى مشارف دمشق. ثمّ طرحت نظرة فحص التصورات المؤدلجة بطرح قصة داود وجالوت، منظوراً لتصوير الحرب عند مايكل أورين وتوم سيجيف ويوسي هاليفي. الجدل الإسرائيلي حول حرب 1967 أعمق كثيرا من مجرد رؤى متباينة، فمن المسؤول عن الحرب ومن بدأها؟ جدل حدث بسبب ظهور المؤرخين الإسرائيليين الجدد. في تطور يعدّ مهما على الصعيد الأكاديمي، كونه فتح باباً جديداً لتاريخ القضية والصراع معا، والتغير جزء من ظاهرة جدلية ثقافية وفكرية معقدة حول التاريخ الإسرائيلي. 
ثمّة صورة للاستراتيجية الإسرائيلية الحربية لما بعد تحقّق أهداف الحرب. ومعرفة العرب وسائل إسرائيل في تنفيذ عملياتها من أهم ما يحتاجه العرب اليوم ومستقبلا. اختلال التقييمات العربية لهذه الحرب ألقى باللائمة على الشعوب، فتجاهلت هذه التقييمات دور الحكام المسؤولين العرب الحقيقيين عن الهزيمة، ولم يحاكموا أبداً، بل سادوا واستبدوا، وبدل أن تُعارض 

سياساتهم وتنتقد أخطاؤهم، تمت تبريراتٌ للهزيمة وتمرير لها، والدفع بذهنية الخضوع لتُهدر طاقات مجتمعاتنا التي بدت قابلةً مفاهيم الانهزام وتدجينها على الضعف والهشاشة وقبول المستبدين. إن استعراضًا للتحركات الدبلوماسية العربية في مواجهة العدوان، ومقرّرات مؤتمر القمة العربي في الخرطوم الذي أشهروه باسم "اللاءات الثلاث" لخداع الجماهير، وتحولات النظام الإقليمي العربي من بعدها إلى اللعب باسم الشعارات، لتنفيذ مآرب جديدة، وذلك على حساب تداعيات الاحتلال الإسرائيلي للجولان وسياسات الاستيطان الإحلالية فيه، من دون تقييم (ودراسة) الخطط الإسرائيلية التي استخدمت في الهجوم في حرب 1967، وكيف تجذّرت مطامع إسرائيل وتخطيطها المسبق لاحتلال الأراضي العربية، إذ تم كشف دوافع عديدة لسياسات الاحتلال وممارساته في الجولان واستهدافها الاستيطان. 
إعلامياً، ما كانت تذيعه الإذاعات العربية عدّه العقلاء كلّه تهريجاً كاذباً، وحتى البيانات الرسمية التي كانت تذيعها القيادات العامة، معلوماتها كاذبة ومدلسة، كما أشار إلى ذلك أكرم زعيتر في تسجيلات يومياته التي كان ينقل فيها ما يسمعه من هذه الإذاعة أو تلك، وقد تبيّن واضحاً بعدئذ مصداقية ما كان يسجله من تعليقات على الأخبار التي كان يسمعها. 

شهادات عسكرية 
وقدم أربعة من الضباط شهاداتهم عن مشاركاتهم في الحرب، فالجبهة المصرية لم تشهد قتالاً حقيقياً، وكانت الجبهة السورية ضعيفة جدًا باختراق الدبابات الإسرائيلية الجولان بلا أية دفاعات. ووصلت القوات العراقية متأخرة، ولكن سلاح الجو العراقي قاتل بضراوة. ورويت في المؤتمر قصة حقيقية عن سقوط القدس الشريف والضفة الغربية، فثمّة جيوب ناضلت حتى النهاية وسط تدفق الدبابات الإسرائيلية. 
وأخيراً، مؤتمر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ظاهرة معرفية، وله نتائج جدّ مهمّة في فهمه ونقد عناصره وفصوله ووقائعه، وفهم إسرائيل واستراتيجياتها، خدمة للأجيال المقبلة. وعليه، ينبغي شكر وتقدير المركز العربي على مبادرته العلمية في الوقوف على فهم أبرز حدث مأساوي عند العرب في القرن العشرين.

(العربي الجديد) لندن


 

العرب والكرد ..

جدلية التعايش والمصالح

أ.د. سيّار الجميل



 

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمراً مهماً وساخناً ومثيراً في الدوحة على مدى ثلاثة أيام، بدءاً من 29 أبريل/ نيسان2017، تحت عنوان "العرب والكرد: المصالح والمخاوف والمشتركات". عولجت في أوراقه جملة من الطروحات السياسية، وأثيرت في حواراته وجهات نظر متعدّدة، ومتضاربة في جوانب ومتهاودة في أخرى، وفي مجالات تاريخية وسياسية وجغرافية وسوسيولوجية واقتصادية، وعالجها باحثون متخصّصون ومؤرخون عرب وكرد، وبالذات من العراق وسورية. ويعدّ المؤتمر أوسع تظاهرة أكاديمية في موضوع العلاقات العربية – الكردية، يجتمع فيها باحثون وأكاديميون من الطرفين لمناقشة قضايا إشكاليّة راهنة، تفرض نفسها على الأجندات البحثية العربية والكرديّة معًا، وتتنوع مواضيعها بتنوع التخصصات العلميّة والأكاديمية. وبقدر ما كانت جلسات اليوم الأول ساخنة ومتشنجةً، وصاحبتها ردودُ فعل مباشرة، غدت في اليوم الثاني أقلّ تصلّباً، ثم بردت وغدت أكثر ليونةً ورشاقةً في اليوم الثالث ما يدلّ على أن مبدأ الحوار والعقل، إذا ساد بين الجانبين، يزيل نسبةً عالية من التباينات والتضادّات، بل ويقّرب المسافات الطويلة ويذيب  كتل الجليد.. وهنا، ينبغي الإشادة بالدور الذي يقوم به المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في إثارة موضوعات استراتيجية وحيوية، وهو يتبنى فلسفة ثورة الإشكاليات المعرفية، وتطبيقها على الواقع بكل نتائجها واستخلاصاتها. من أجل مستقبل ديمقراطي وعقلاني  تسوده الثقة والتكافؤ بين كلّ الاطياف في المنطقة .  

من الموصل إلى العراق وسورية

بدا واضحاً أن جلَّ الكرد العراقيين يعودون، في التقسيم الإداري العثماني إلى ولاية الموصل، وتبين أن التعايش الاجتماعي بين العرب والكرد فيها كان قوياً. وقد كانت هذه الولاية تضمّ كلّ كرد العراق إلى جانب الأطياف الاجتماعية الأخرى. وكان هذا التعايش التاريخي بين الطرفين يمتد أنثروبولوجيًّا إلى أزمنةٍ قديمة، بل إنّه يرجع إلى مشروع الشيخ المستشار إدريس البدليسي في تثبيت أركان الإدارة الأهلية في بلاد الجزيرة وولاية الموصل، على عهد السلطان العثماني سليم الأول في الفترة 1512-1520. وكانت للكرد  اماراتهم المحلية على  امتداد الازمنة العثمانية ، وقد شارك الأكراد في الحياة العراقية، دولةً ومجتمعاً، وخصوصًا في المشتركات السياسية على مستوى الأحزاب أو التمثيل النيابي، وخصوصاً مشتركات "العرب والكرد في العهد الملكي العراقي، إذ بدت محاولةً ناجحةً في بناء الهوية الوطنية العراقية الجامعة"، فمن الثابت تاريخياً أنّ المنطقة الكردية في العراق، وخصوصاً المحافظات الكردية الثلاث، مضافًا إليها قطاعات من محافظات أخرى، كانت على الدوام مناطق تدين بتابعيتها وولائها إلى مركزية بغداد. وعليه، كان سكان هذه المناطق عراقيين على الدوام، مهما كانت التسميّة التي تُطلق على هذه الرقعة الجغرافية. وثمّة حقائق لابدّ من الاعتراف بها، إذ أن العلاقات بين الطرفين كانت، اجتماعياً واقتصادياً، أقوى منها سياسياً وثقافياً، ولا يمكن أبداً، لا اليوم ولا في المستقبل، أن يستغني الكرد عن العرب في كلّ من العراق وسورية، فإنّ ما يجمعهم هو أكثر بكثير مما يفرّقهم، وأن مشتركاتهم ومصالحهم معاً، في كلّ من البلدين، هي أقوى بكثير مما هو عليه الحال في تركيا وإيران وعلينا  ان ندرك ان الكرد  قد لاقوا  اضطهادا مريرا في مراحل  من العهود الجمهورية في العراق ، وخصوصا  ابان  حركات التمرد والثورة  التي أعلنوها سواء على  عهد عبد الكريم قاسم  ام  عهدي الاخوين عارف  أم عهدي  احمد حسن البكر  وصدام حسين   .



 

 الشراكة تسبق القطيعة

وثمّة صوتٌ انبعث في واحدة من جلسات المؤتمر يقول إن كرد العراق، حتى إن انفصلوا عن عرب العراق وتركمانه، قريباً أو بعيداً، فإن مصير الجغرافيا هو الذي سيحدّد طبيعة علاقتهم مع بعضهم، فالمصالح التي تجمعهم أقوى بكثيرٍ من الكراهية والأحقاد التي تفرّقهم، والتي يتلاعب الآخرون من خلالها عاطفياً (!). ولقد نوقشت جملة كبيرة من المسائل التاريخية والعالقة من المشاركين، وكثيراً ما يصل المتحاورون إلى عدة نقاط إيجابية بتقاطعاتهم بعضهم الآخر مع بقاء العديد من المفترقات بتحميل بعض الموضوعات أكثر من طاقتها.. ومما يدعو إلى الطمأنينة أن الكرد استجابوا لمثل هذا "المشروع" الحواري والجدلي الرائع، إذ ربما يعقد اللقاء الثاني في كردستان العراق لمواصلة مداولاتٍ من نوع آخر.

وقد بدا واضحاً أن تاريخ العلاقات بين الطرفين كانت التعايشات فيه قد أنتجت مشتركاتٍ لا حصر لها في المجتمع، سواء من المصاهرات الأسرية، أو الحلقات الدراسية، أو التكايا الصوفية، أو الأسواق والتبادلات السلعية، وصولاً إلى العادات والتقاليد المشتركة، ولكن عقم السياسات التي مورست في القرن العشرين بالذات قد سببّت افتراقات وتمرّداتٍ واشتعال ثوراتٍ على السلطات التي لم تحسن التعامل بالحكمة والعقل أولاً، في حين كان الكرد لا يكتفون بما يأخذون، بل سعوا إلى تطبيق مبدأ "خذ وطالب". وقد بدأت جذور المشكلة بعد وقوع بلاد الشام والعراق تحت نظام الانتداب. وفي حين خرجت تركيا من التحول بمنزلة الدولة القومية الوحيدة المستقلة، وترتّب على ذلك أنْ كان العرب والأكراد والأرمن أكبرَ الخاسرين.



 

من المسؤول؟

وهنا، برز صوتٌ عربي يقول للكرد: خرائطنا لم يكن العرب مسؤولين عن وضع خطوطها، او هندستها ، فالعرب والكرد والتركمان والأرمن، وكل المسيحيين، وبقية الأطياف الاجتماعية قد ارتهنوا للإرادة الدولية إثر الحرب العالمية الأولى، وإن الهوية الكردية وجدت نفسها تتحرّك بحرية في العراق وسورية ومصر أكثر بكثير مما كان، ولم يزل، حالها في كلّ من إيران وتركيا. ويأتي صوت كردي مبرزاً غياب موقف عربي موحد من القضية الكردية، على الرغم من أهميتها، ولم تحصل على التوجيه المناسب لها، فيما يصبّ في مصلحة الوحدة والديمقراطية في العراق، ولم تذكر أو يذكر "الكرد" في أيٍّ من الشؤون العربية خلال السنوات الفائتة كلّها، مع أهمية هذه القضية وتعلّقها، بصورةٍ ما بأمن الشرق الأوسط. أجاب مشاركٌ عربيٌّ بأن علاقات الكرد القديمة بإسرائيل وحتى يومنا هذا، كان ذلك سبباً جوهرياً في وضع علامة استفهام كبيرة، رد عليه مشارك كردي: من أجل قضيتنا العادلة، نطرق كلّ أبواب العالم.

وأعتبر أن غياب سياساتٍ متناسقة ومتوافقة داخل النظام الإقليمي العربي تجاه القضايا الداخلية والخارجية كان أحد الأسباب التي أثرّت على شكل التأثير في العلاقات العربية الكردية وقلته. ويعتقد بعضهم أن العرب والكرد قد تعرّضا معاً إلى حالةٍ من الدمج والانصهار الايديولوجي، خلال العقود الأخيرة، وفي مختلف العهود. ويرى بعض العرب أن للكرد كل الحق للمطالبة بـ "حق تقرير المصير"، ولكن المسألة لا تعود إلى العرب في العراق أو سورية، وافقوا أم لم يوافقوا، بل إلى إيران وتركيا في قبول هذا "الحق" واشتراطات هذا المبدأ ومخاطره..

في الحقيقة ، لو أرادت الولايات المتحدة فعل ذلك لمنحت الكرد استقلالهم السياسي منذ 1991 في العراق، واعترفت به، وجعلت العالم كله يعترف سياسياً وإعلامياً ودبلوماسياً. ولكن، يبدو أن ثمة حساباتٍ أخرى لدى القوى الكبرى! فضلاً عن أنه ليست لدى الكرد توجّهات موحّدة في تشكيل أمّةٍ لها هويتها القومية، مع افتراقاتٍ لغوية وثقافية واجتماعية وسياسية مع افتراقات الكرد على قيادة موحدة. وعليه، فقد استُخدموا "أوراق ضغط" من قوى عدة دولية وإقليمية على نظم سياسيّة، وعلى حساب أهدافهم.. وإذا كان الكرد الأوائل قد قبلوا أن يكونوا وطنيين عراقيين أو سوريين، فإن الكرد من الجيل الجديد لا يقبلون أبداً الانضواء في دواخل "أوطانٍ" يعتبرونها مزيفة (كذا)، ولا ينتمي لها أبداً! ولكنه جيلٌ ليس في استطاعته فهم مشكلته الحقيقية، فهو يعيش قلقاً وطنياً وقومياً ومستقبلياً، فهو لا يعرف أين تمتد حدوده مع الآخر في أراضٍ سمّاها "أراضي متنازع عليها". والمشكلة فيها أنه لم يتوارثها منذ القدم كيانات قائمة بذاتها ولها حدودها، بل هي أراضٍ مختلطة السكان من ممتلكات أراضي ولاية الموصل العثمانية. ويؤكّد أحدهم، وهو يجيب على العرب، قائلاً: أيّ نظرة إلى المسألة الكردية على أنّها مجرّد قضية إدارية أو نزاع على النفط، مع إغفال الأهمية الرمزية والعاطفية للأرض، بوصفها وطنًا، تبسيط للأمور 



 

مفاهيم ينبغي معرفتها

يعكس تحليل أحد الباحثين وجهات نظر سياسيّة ومستقبليّة، إذ يطرح أحد الأحزاب الكردية "الكونفيدرالية" علاجاً واقياً بعد فشل كلّ من تجربتي الحكم الذاتي واللامركزية والفيدرالية.. كي يتم تحديد العلاقة بين كردستان والعراق مثلاً كونفيدرالياً، أو انبثاق "كونفيدراليات كردية" في سورية والعراق وإيران وتركيا، لكي يوحّدها اتحاد كونفيدرالي. هنا، ينبغي الإجابة على مثل هذا "الطرح"، ذلك أن هؤلاء الباحثين والسياسين الكرد لم يدركوا حتى اليوم ما تعنيه المفاهيم والمصطلحات، حتى يتم استخدامها بهذا الشكل، فالفيدرالية اتحاد كيان إقليمي، والكونفيدرالية تعني اتحاد كيان دولي باتحاد دولٍ معترف بها رسمياً ودولياً.. وبحسب الخطاب الكردي، لا تعني الفيدرالية تقاسم الإدارة من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فقط، بل تعني تقاسم السيادة والسلطات أيضاً، فهم يبرّرون ما يقومون به بأن لفيدراليتهم خصوصية، وعلى العراقيين أن يتقبلوا هذه "الخصوصية".

دعوة الكرد إلى الفيدرالية مبنيةٌ حصراً على أساس خصوصيتهم القومية- الإثنية، أي أنهم يريدون أن يتولوا إدارة المناطق التي يعتقدون أنهم يشكلون فيها تاريخياً أغلبية سكانية. وتعود مطالبة الكرد بدولة فيدرالية إلى عام 1992. وقد عجز الوضع العراقي بعد عام 2003 عن استحداث فضاء جماعي تتقاسمه الأغلبية، كما تسبب غياب مؤسسات الدولة عن نسيج اجتماعي مبني تاريخياً وثقافياً على أساس الولاء لها بوصفها قاعدة جامعة في استقطابٍ أشدّ حدة مما مضى، وتكرّس من جديد على أساس الولاءات الطائفية، والإثنية، وولاءات العشيرة والمحلية.

أما "صورة الآخر في المتخيل الجمعي.. العرب والكرد في العراق"، فإن الشؤون الاجتماعية في المجال العام بين القوميتين، كالزواج المختلط قومياً، والتجاور، والمشاركة الاقتصادية وغيرها كانت عناصر جمعٍ قوية بين القوميتين. تتقبل الأكثرية المشاركة في تلك الشؤون، في حين شكلت أكثرية القضايا السياسية نقطة افتراقٍ بينهما، ما يدل على أن السياسة تؤدي الدور الأكبر في إفساد العلاقات والروابط بين القوميتين العربية والكردية. قال أحد المختصين العرب إن "استقلال الكرد في شمال العراق حلم أكثر منه إمكانية حقيقية". وإن "هناك انقساماً كردياً – كردياً حادّاً، وهذا الانقسام الكردي لن يتبع بإنتاج دولة حقيقية في كردستان، وبالتالي قضية الحديث عن استفتاء بالإقليم تأتي في إطار التصعيد السياسي للحصول على مكاسب". وكان أحد أهم دارسي القضية الكردية، فرد هاليداي، قد كتب منذ فترة طويلة أن "الانقسامات داخل كردستان تتعمّق، وإننا لسنا إزاء انقسام سياسي وحسب، بل انقسام ثقافي وإيكولوجي ولغوي. وبالتالي، هناك عوامل موضوعية تمنع فكرة الدولة الكردية المستقلة". لكنه استدرك "هذا لا يعني عدم وجود إشكاليات حقيقية بين الإقليم والمركز". ويتحدّث مختصٌ كرديٌّ معالجاً ثلاثة خياراتٍ أمام إقليم كردستان: "الاستقلال السيادي، وأن يحظى باستقلال اقتصادي، من خلال إعادة تعزيز الفيدرالية، أو تصحيح مسار الفيدرالية التوافقية، أو إعلان الدولة الكردية". وأكاد أجزم أن لدى الكرد خلافاتهم الجزئية في ما بينهم، ولكنهم متفقون، من حيث المبدأ، على الأهداف المشتركة، عكس العرب الذين لديهم خلافاتهم الكلية في ما بينهم، ولكنهم متباينون حتى في الأفكار التي تجمعهم.



 

وأخيراً: دستور غير توافقي

انقلب دستور 2005 في العراق الذي أقر الفيدرالية، وبإلحاح من الكرد، ليصبح وبالاً عليهم، وهو لا يعد كما وصفته إحداهن من أهمّ التطورات القانونية والسياسية التي أحدثت تغييراتٍ أساسيةً في بنية النظام السياسي، والقانوني، والاجتماعي، والاقتصادي، في المجتمع العراقي. ونعتقد، عكس ما قالت، إذ لم تحقق هذه التجربة استقرارًا نسبيًّا في أغلب المستويات، ولم تكن ممهّدةً لإمكانية بناء دولةٍ مدنيةٍ ديمقراطيةٍ حديثةٍ في الشرق الأوسط، يكون فيها العرب والكرد شركاء حقيقيين في بناء الوطن، ولكن جملة مشكلاتٍ بدأت تظهر، بعد أن اختلف القائمون على السلطة في تفسير مواد الدستور الذي أقر بعجالةٍ من الأمر. وبدأ مع هذا الاختلاف صراع بين الحكومة الاتحادية التي حاولت فرض سيطرتها على أبعد ما نصَّ عليه الدستور، وحكومة إقليم كردستان التي سعت إلى توسيع الاختصاصات والامتيازات التي جاءت في الدستور لمصلحتها.

وأخيراً، تساءل أحدهم، في نهاية مؤتمر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.. لقد انتهت اللعبة؟ أجبته :  إن اللعبة في بدايتها، ولم تبدأ بعد، وأمامنا وأجيالنا المشتركة، عرباً وكرداً، سنوات طوال من تقاذف الكرة في الملعب، حتى تنتهي اللعبة بعد قرابة عقدين أو ثلاثة من الزمن الآتي الصعب.



 

العربي الجديد ، لندن  ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

https://sayyaraljamil.com

 

 

 

هل سيعيش

النظام الحاكم في العراق؟

سيّار الجميل

 

بدأت تطفو على السطح في العراق جملة منالمساعي السياسية، وخصوصاً من قادة الكتل والاحزاب والقوى المختلفة، نحو ما يمكن تحصيله من الانتخابات المقبلة، البلدية والبرلمانية، وهي لا تعدو أن تكون كعادتها التي جرت متكرّرة في إطارٍ من إشباع الرغبات والطموحات من أجل النيابة، أو المناصب، أو الفوز بالمقاعد، أو نيل الحقائب الوزارية في نظام سياسي ينقسم العراقيون بين القبول به عن قناعةٍ ورضى مقنّع بالطائفية، ورفضه من كلّ من يسعى إلى بناء مشروع وطني مدني لنظام سياسي أكثر نظافةً وعدالةً وحداثةً واستقلاليةً، على الرغم من أن عموم العراقيين يدركون، بما لا يقبل مجالا للشك، أن أوضاع البلاد متدهورة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. ناهيكم عن فشل الحكومة العراقية في الإصلاح وأداء الخدمات وتلبية شكاوى المواطنين من أقصى الشمال حتى أقصى الجنوب، باستثناء حالة كردستان أمنياً وسياسياً، كما أن البلاد لم تزل تدفع أثمان السياسات الخاطئة التي اتبعتها حكومتا نوري المالكي، ثماني سنوات، قبل وصول حيدر العبادي إلى السلطة. وكانت حكومة الأخير، ولم تزل، ضعيفة ومفكّكة، وقد شغلت، منذ أكثر من سنتين، بتطهير نصف البلاد من أوبئة "داعش"، وآخرها تحرير نصف مدينة الموصل، بمساعدة التحالف الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية التي تشهد اليوم تغيراتٍ جذرية في الرؤية والممارسة تجاه العراق، ولا يمكن التكهن بما سيكون عليه الوضع على عهد الرئيس الجديد، دونالد ترامب، وتوعداته الخطيرة ليس للعراق وحده، بل لكل دول المنطقة.
في وقتٍ ينبغي على النظام السياسي في العراق البدء بجملةٍ من التغييرات في السياسات  

والمؤسسات والأنظمة والقوانين، وفي مقدمتها النظام الانتخابي وإصلاح الدستور، لكي لا يستمر هذا "النظام" دائراً في حلقة مفرغة ومألوفة، تثير غضب الناس، فإنّ أركان هذا "النظام" يصرّون على انتهاج الخديعة نفسها، في ظاهرةٍ كانت ولم تزل مهترئة، بل باتت مكشوفةً اليوم. وبدل أن تتحرّك قوى سياسيّة عراقية فاعلة وجديدة على الساحة، فان الوجوه المألوفة هي الوحيدة التي بدأت تسعى إلى البقاء في السلطة، أو تبقى سيدة للمواقف كلها، وببضاعتها الديماغوجية نفسها، واللعب بعواطف الجماهير طائفياً، لكي يتحمّل الناخب مسؤوليته في استمرار هذا النظام الرّث. 
وكان مأمولاً من رئيس الوزراء، حيدر العبادي، أن يغتنم فرصته، كما ناشده كلّ المخلصين، لا التابعون، الخروج من حزبه، وتشكيل حزبٍ جديدٍ عابر للطائفية، أو تأسيس كتلةٍ سياسية جديدة، لها وطنيتها تكون أكثر مقبولية لدى بقيّة الأطراف، بدل أن يبقى رقماً، حتى لو كان متقدماً في حزب الدعوة الإسلامية الذي تشكّل دولة القانون، بزعامة نوري المالكي، ركنه الحقيقي. ولكن، يبدو أنه ليس في مقدور العبادي التحرّك وسط جوقةٍ من القوى والأطراف القوية التي لها توحشها وعلاقاتها مع إيران.
من يظنّ أن ما طالب به الآخرون من الإصلاحات والتغيير، سواء في لوائح الدستور أو النظام الانتخابي، سيتحقق، فهو واهم جداً، ذلك أن النظام الحالي تلتف حوله أطراف أخطبوط واسع، يتحرّك وسط سياسات محكمة، ويسيطر على أجهزة إعلامية كبيرة، ويمتلك نفوذاً واسعاً وإنفاقات مذهلة، فضلاً عن أطروحاتٍ تأتي من هنا وهناك، لا تمت بأيّة صلة إلى المشروع الوطني العراقي الذي ينادي به الأحرار، وكلّ المواطنين من المدنيين والعلمانيين والتقدميين والراديكاليين والمستقلين. وهؤلاء لا معنى لهم، بل ولا قيمة لهم أبداً لدى أركان النظام الحاكم في العراق، إذ يصفونهم، في أجهزتهم الإعلامية، بعثيين وكافرين ومارقين. وصل الأمر بنخبة من المثقفين العراقيين في الداخل أن يناشدوا الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، أن يخلّصهم من الحكام الحاليين الذين زرعتهم بلاده في العراق، فشكلّوا، على امتداد 15 سنة، طبقة سياسية باغية وفاسدة، تتحرّك بإرادة إيرانية، وهي طبقة تنتقل، باسم الديمقراطية، من مرحلة إلى أخرى، بتزويراتٍ فاضحةٍ من دون أيّة متغيرات حقيقية، تحقّق آمال العراقيين بمشروع وطني حقيقي! كما طالبوا بانتخاباتٍ حرة ونزيهة، شريطة مراقبة ممارساتها دولياً، وأن يقضى على الإرهاب قضاء مبرماً باستئصال أسبابه وعوامل استفحاله، ليس في العراق حسب، بل في كلّ دول المنطقة. والكلّ ينتظر ما الذي سيفعله هذا الرئيس الأميركي الجامح في كلّ المنطقة، وخصوصاً في 
العراق وإيران؟ 
هنا يسأل المرء: لماذا تأتي ما سميت بالتسوية التاريخية اليوم في إطار النظام السياسي نفسه، ومن واحدٍ من زعماء "التحالف الوطني"؟ وما نفع هذه التسوية حتى إن صدّق بعضهم نياتها وحسن غاياتها، إن لم تعالج أبداً أخطر المعضلات والمشكلات التي كان النظام السياسي نفسه وراء استفحالها؟ وأعتقد أن مشروع هذه "التسوية" الذي لا أؤمن به، يأتي بمهمّة متخبطة في مستنقع يثوي فيه النظام السياسي بالكامل، لكنه "مشروع" قد حفّز قوى سياسيّة من السنّة العرب على أن يكونوا كتلةً سياسيةً أكثر وحدة وتنظيماً في مواجهة النظام نفسه، وإذا كانت قد قدمت مطالبها، كونها آمنت بمثل هذه "التسوية"، إلا أنني أجد أن من العبث التحّرك في مثل هذا الإطار مع بقاء النظام السياسي نفسه، لم يصحّح سياساته الخاطئة التي اتبعّها منذ سنوات طوال. 
هنا سؤال: لماذا لم يتفق أركان النظام السياسي الحاكم للسعي باسم "الدولة" نفسها من أجل 

رأب ما حدث في المجتمع العراقي من تصدّعات وتمزقات وتشظيات؟ ويستغرب المرء كيف يمكن لرئيس وزراء سابق، فشل في مهمّته فشلاً ذريعاً ثماني سنوات، وأتّهم اتهامات خطيرة، أن تكون له اليوم قوّته السياسية، ليس لموقعه نائباً لرئيس الجمهورية، بل لبقائه يعبث في شؤون العراق، ويتبجّح إعلامياً وسياسيّاً حتى اليوم، ويختلق من خلال عناصره، هنا وهناك، جملةً كبيرة من المشكلات في الحكومة والبرلمان وضدّ بقيّة الكتل، ويتصّرف طائفياً بعد كلّ ما جرى بسببه؟ إنه يعمل ليلَ نهار من أجل الوصول إلى السلطة ثانية، وأتوقّع أن يصل إليها، على الرغم من كلّ الكراهية التي يكنها له الشعب العراقي، وخصوصاً إن بقيت الأوضاع السياسية مهترئة، وتدّخلات إيران سافرة في العراق إلى درجة تحّكم سفير إيراني فوق العادة جاء تنصيبه من المرشد خامنئي نفسه، وكانت إيران قد عيّنت، أخيراً، العميد إيرج مسجدي، وهو قائد خطير في الحرس الثوري، سفيراً لها في العراق، بدلاً من الحالي حسن دانائي. وليس للعراقيين ألبتة أيّ رأي في تنصيب أيّ سفير أو مبعوث دبلوماسي إيراني في بلدهم، بل تأتي مباركتهم كلّ ما تقوم به طهران، حتى وإن اختلف ذلك مع قناعات الشعب العراقي وتوجهاته ومبادئه الوطنية. 
وعليه، أقول إن ما يطمح إليه كلّ العراقيين في تحقيق أيّة تغييرات مجرّد سراب، إن لم تتوفّر جملة من العناصر الجديدة، لتحقيق أية مهام عملية، لها مصداقيتها ومبدئيتها، ضمن مشروع وطني يمنح فرصةً أطول لمرحلة انتقالية، تعالج خلالها الخروق والسلبيات والخطايا التي اقترفت بحقّ 
العراقيين، دولة ومجتمعاً، منذ عهود طوال، وخصوصاً إيجاد القوة السياسية لنظام سياسي مدني مستقل ومتجانس، يعمل على تحديث المؤسسات وتطهيرها من الفساد والفاسدين. وعند ذاك، سيتوفر الأمن مع تشكيل حكومة خدمات، ومباركة مؤسسة عسكرية مهنية، تحارب الإرهاب، لكي يقال إن العراق بدأ يتنفس هواءً نظيفاً. العراق بعد "داعش" بحاجة إلى أن يعيد التفكير في مستقبله. وستبدأ مرحلة تاريخية جديدة لدى أبنائه الذين عانوا طويلاً من عوامل الفوضى واستفحال الإرهاب، وما حصدوه من نتائج مؤلمة، إن جرت أية متغيرات دولية وإقليمية. عليهم التفكير أولاً بطبيعة نظام الحكم وتبديله إلى نظام سياسي يخلو من كلّ المعوقات والتقاليد التي ألفوها منذ العام 2003.

(العربي الجديد) لندن

 

العرب بلا مشروع

إزاء مشروعي تركيا وإيران

سيّار الجميل

 

منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، كانت مجموعاتٌ من النخب العربية تأمل ولادة أيّ مشروع عربي يواجه تحديّات الدواخل، ويمكنه أن يقف حائلاً إزاء مشروعات الآخرين الخارجية، خصوصاً أنّ ثمة زعامات عربيةوعدت شعوبها بالإصلاحات والديمقراطية والانفتاح على العصر. وجاء ذلك بالذات إثر التداعيات الخطيرة التي أعقبت تفجيري برجي التجارة العالمية في نيويورك في سبتمبر/أيلول 2001، وقد أعقب ذلك الاحتلالان الأميركيان لأفغانستان عام 2002 والعراق عام 2003. ومنذ تلك اللحظة التاريخية المريرة، كثرت مطالب الشعوب العربية بالحريّات والديمقراطية وتحسين فرص الحياة السياسية والمعيشية، وكذب الزعماء العرب الذين وعدوا شعوبهم بذلك. وأذكر أنّ النداءات كثرت، وأن القمم العربية التي عُقدت لم تنفع شيئاً، بل وأوهمت السياسات العربية نفسها بأنّ الإصلاحات انحسرت في جامعة الدول العربية. وشاركت هذه المؤسسة المشلولة في زرع الآمال الكاذبة عند الناس، وكأنّ مشكلة العرب تكمن فقط في "برلمان عربي"، لم نعد نسمع عنه شيئا أبداً، وثمّة شعوبٌ عربيةٌ باتت تُسحق اليوم سحقاً. وقد تبيّن للأذكياء كم كانَ الأفق السياسي ضيقاً عند العرب منذ زمن طويل، بحيث كانوا، وما زالوا، يتصارعون على أتفه الأشياء والأمور، ولا يقيمون وزناً أبداً لأمّهات القضايا الجوهرية. 
واندلعت الثورات العربية، وكان هناك من يبشّر بولادة مشروع عربي رصين، من أجل الحرّيات والديمقراطية والعدالة والتحديث، ولم يزل المنادون بذلك يصرّون على الأخذ به في مواجهة العرب التحدّيات من خلال الثورات الشعبية التي عمّت الأرض العربية، وشاع أثرها في العالم، إذ كانت تعبّر عن ضمير عربي حي، فكان أن سقطت أنظمة سياسيّة في أكثر من  

بلد عربي، وسقط أكثر من دكتاتور ومستبدّ. وعلى الرغم من اختراق تلك الثورات، واستلابها ضمن سياسات داخلية ومصادرتها من إرادات خارجية، وقد اتُهمت بشتى التهم التي لا أساس لها من الصحّة أبداً، فإنّ السبب الحقيقي وراء هذه الحالات المأساوية التي نشهدها اليوم في كلّ من العراق وسورية واليمن وليبيا ومصر والسودان وبلدان أخرى، إنما سببها الحقيقي يكمن في غياب أي مشروع عربي حتى اليوم، مهما كانت طبيعته وخطابه وأفقه العريض في المكان والزمان. مشروع يمهّد خريطة طريق لهذه المنظومة العربية التي كان لابدّ أن تجتمع، على الرغم من كلّ الخلافات السياسية والأيديولوجية في ما بينها، مع وجوب الاتفاق على مبادئ عربية يوقّع الجميع عليها في "ميثاق شرف"، بعيداً عن النزق السياسي العربي الذي خذل منظومتنا منذ أكثر من ستين عاماً، وبعيداً عن كل من يتحالف مع الآخر ضد أهله، وأن تكون مرتكزاً حقيقياً وتاريخياً لمشروع عربي يقف بقوة إزاء المشروعين، الإيراني والتركي، في المنطقة، وكلنا يدرك أن لهذين المشروعين تاريخهما في إطار الإسلام السياسي. وعلى الرغم من اختلاف أحدهما عن الآخر اختلافاً جذرياً. ولكن، لكلّ "مشروع" منهما غاياته وأهدافه وخططه، وأنهما قد أُسّسا من أجل التقدّم بالمصالح العليا لكلّ من البلدين الجارين. 
السؤال: لماذا لم ينجح العرب في بلورة أيّ مشروع باستطاعته فرض إرادته في الداخل، وتأثيرات قوته في الخارج؟ 
كان لا بدّ أن ينبثق أي مشروع عربي يتفق عليه الجميع، رغبت أميركا والقوى الأخرى في العالم أم لم ترغب، فلا يمكن أبداً أن يدخل 
العرب القرن الحادي والعشرين، وهم في مثل الحالة المزرية التي دخلوها إليه، فكان أن وجدت القوى الخارجية فرصتها للتدخّل في أكثر من مكان عربي. وإذا كانت تركيا قد طوّرت مشروعها السياسي داخلياً، وقالت للعرب بـ "صفر مشاكل"، فإنها لم تُبق على أصفارها، بل دخلت بناءً على الحيثيات التي قدّمتها لتطوير منظومة مصالحها الإقليمية، في حين كانت إيران قد طوّرت مشروعها السياسي، ولم تقصره على دواخلها، بل بدأت تسويقه وترويجه في دول ومجتمعات عربية بلا خجل، ومن دون أيّ استحياء، كونه يعلن أن إيران صاحبة مشروع ديني تودّ تصديره أو نشره من دون أيّ إحساس بذنب التدّخل في شؤون الآخرين، كونه يحمل شعارات دينية. 
وعليه، في ظل غياب أي مشروع عربي يرتكز على مقومات ومبادئ، عانت عدة بلدان عربية من خطايا أنظمة حكم سياسيّة، وارتكاب خطايا وحماقات وجنايات بإشعال حروب ومباركة  

إرهاب.. وغرقت البلاد العربية في آثام الطائفية والانقسامات الاجتماعية، مع استفحال تدخّلات الآخرين، وولادة مليشيات أوليغارية، جعلت من العراق وسورية مثلاً مسرحاً لأكثر من حرب أهلية مع سياسة احتلال ونفوذ إيراني سافر. غياب أيّ مشروع عربي أوجد موجةً من الضياع مع غلبة التعصّبات، وتفاقم سلسلة من الموجات المرعبة. كان على العرب أن لا يمنحوا الفرصة لأيّ تدخل أجنبي، كي لا تغدو الأرض العربية مباحةً للآخرين أن يعبثوا بها لاحقاً، كما يجري اليوم. وقد تبيّن واضحاً أن أيّة دولة حقيقية لها مؤسساتها لا يمكنها البقاء من دون أن يكون لها مشروعها الوطني أو القومي. وتركيا وإيران من أقرب الدول الإقليمية في تماسّهما بالعرب، براً وبحراً، وكلتاهما تطوّران سياساتهما من خلال مشروعيهما الإقليميين. هنا، لا أسأل عن غياب أيّ مشروع عربي يأتي فضفاضاً لا نفع فيه، بل أسأل: هل كان يمكنه أن ينبثق مع ضعف القيادات وتناحر السياسات وعدم قناعة الشعوب به، كونهم يعتبرونه مرادفاً لتجارب الوحدة العربية سابقاً.. كيف؟ 
لم يقدّم العرب حتى اليوم أيّ مشروع استراتيجي لهم في الإقليم والعالم، أولاً لأنهم فقدوا مصداقية أنفسهم مع دواخلهم، ولم يعد يثق الأحد بالآخر مع تباين سياساتهم المحلية، وأن كياناتهم قد ضعفت بهشاشة مؤسساتها وهزال مسؤوليها، بل ولم يتم إفساح المجال أمام النخب أن تعلن عن آرائها وأفكارها، بصراحةٍ متناهيةٍ، كي تتم الاستفادة منها، ناهيكم عما حدث من خللٍ في الوعي الجمعي العربي إزاء أي مشروع عربي لا يبتغي أكذوبات الوحدة والحرية والاشتراكية، كما كانت تسوّقه الأنظمة القومية، بل مطالبة هذا الوعي بضرورة الاتفاق على "مبادئ" تحافظ على كينونتنا ووجودنا مجموعة بشرية عريقة، وهي ترى الآخرين ينتصرون عليها، بل ويخترقون مجتمعاتنا ويعبثون بها. ناهيكم عن أن فكرة الانقسام كانت مزروعة في الذات العربية، وهي تغلب فكرة التوحد، بانسلاخ مجموعات سكانية عن واقعها وتاريخها ووجودها جرّاء ما حصل من استخدام الإرهاب والسياسات الجائرة ضد كل المجتمع.. وعليه، لم يقتصر الأمر على الإحباط لكل أبناء الطيف من أبناء الأقليات، بل أصابهم الخذلان جرّاء العنف الذي مورس بقساوةٍ لا توصف. وهكذا، وجدت روح الانفصال تأخذ طريقها إلى التحقيق من أعراق وجماعات تشكل أطيافاً لها مشروعاتها الانفصالية عن ذاك الذي أسموها "الأمة الواحدة". 
ما أصاب منظومتنا العربية منذ خمسين سنة كفيل بإيجاد جماعات متوحشة، مثل "داعش" وغيرها، لتسحق مجتمعاتنا ووجودنا.. وكانت السياسات العقيمة التي اتُبعت كافيةً لانتشار الفساد، وتهتك بلداننا إلى الحد الذي جعل نظما سياسية تستعين بالآخر لسحق شعوبها، من خلال قوات عسكرية وقوى أوليغارية ومليشيات مرتبطة بالآخرين. وعليه، لم تعد مجتمعاتنا موحّدة ومتجانسة، كما كانت عبر التاريخ. لم يكن تلاحم مجتمعاتنا أمراً تلقائياً مباشراً، بل أوجدت البيئات العربية وجغرافية العرب حقائق تاريخية، تثبت أنّ المجتمعات، كما كانت في السابق، تنقسم وتتفكّك في حال ضعفها، وتتمرّد وتقسو في حال قوتها. السنوات العجاف التي عاشتها مجتمعاتنا منذ داهمتها الحروب الداخلية والإقليمية والدولية منذ أكثر من خمسين سنة قد منحت العقلاء دروساً حكيمةً، لا يمكن نسيانها أبداً، بل ولابدّ أن تكون خرائط طريق إزاء المستقبل. علمتنا التجارب الصعبة أن منظومتنا الجغرافية العربية بحاجة ماسة إلى "مشروع" استراتيجي، له قوته وتأثيره في الحفاظ على مصالحنا العليا المشتركة، وعلى تعايش نسيج مجتمعاتنا، وعلى تطوير جماليات ثقافتنا، وعلى كلّ وجودنا ومصيرنا.

(العربي الجديد) لندن

 

 

هَل ماتَ ضميرُ العرب؟

د. سيّار الجميل

سؤالٌ بسيطٌ أطرحه على كلّ الناس، بعد أن اختلف الناس بغيرهم في هذا الزمن الكسيح.. سؤال كان من الصعوبة قوله قبل خمسين سنة، إذ لا جواب عليه وقت ذاك. أما اليوم، فمن السهولة أن يطرح على الناس، ولكن من الصعوبة أن يجدوا أجوبة عليه، لأنّ الضمير العربي، بصراحة، باتَ ميّتا، ولم يعد يعرفونه، وربما كان قد مات منذ زمن طويل. وعليه، بدأت أعتقد أنّ كلّ ما شهدناه في القرن العشرين ليس إلا مجرّد أكاذيب وشزوفرينيات، وسلسلة ديماغوجيات، واستعراض عضلات، ونسج خيال من "التلاحم القومي"، و"المصير الواحد" و"الأمة الخالدة".

شعوبٌ باتت في حكم الموتى، لا نطالب بأن يكون لها حياة، فحياتها غدت تافهة، وقد أغرقت بالعبثية والنزق والتفاهة، وباتت بلا مواقف، وبلا فكر. باختصار، إنها بلا ضمير وبلا أخلاق! إن أمّة بلا ضمير لا يمكنها أن تحيا أبداً. الناس الأبرياء يسقطون، الأطفال يسحقهم الكونكريت المسلّح، الرؤوس تقطّع، الأجساد تعذّب حتى الموت، النسوة تشّرد. الموت المجاني يعرض بصوره المؤلمة على شاشات فضائيات كلّ العالم، والأخبار تنقل الحقائق على الأرض لحظة بأخرى، والكلّ يدرك أنّ مدناً عربية عريقة تسحقُ سحقاً، والكلّ يدرك أنّ الهاربين من النار والفارّين من جحيم ما يلقى عليهم من حمم السماء هم بالملايين، والصمتُ مطبقٌ، الكلّ لاذ بالسكوت، وكأنّ لا جرائم ترتكب بحق أخوة وأخوات، نسوة ورجال، وبحقّ أطفال أبرياء، وبحق شيوخ وعجائز كبار السن. زعامات العرب ساكتة، وكأن شيئاً لم يحدث، ولا أريد لها أن تندّد ببيانات ومؤتمرات وإدانات وتصريحات، إذ لم تعد تنفع أبداً. ولكن، أسأل أين صيحات المجتمع العربي الكبير؟ أين الشارع العربي؟ أين القوى والأحزاب العربية؟ أين المنظمات؟ أين النقابات؟ أين التجمعات؟ أين طلبة الجامعات؟ أين حشود الجماهير العربية المليونية كتلك التي خرجت تريد زعيماً مهزوماً أن يرجع، أو التي خرجت بالملايين تبكي رحيل العندليب الأسمر، أو تلك التي خرجت تولول على هزيمة نكراء، أو طافت بالشوارع مهتاجة غاضبة تحيي هذا أو ذاك من صغار الضباط الانقلابيين المجانين.. إلخ؟ "ما نفع أكثر من 400 مليون من العرب اليوم، وهم يقطنون في قلب العالم منذ فجر التاريخ إن كانت حصونهم مهدّدة من دواخلها هذه الأيام؟" من يسأل نفسهُ سؤالاً واحداً: هل جرى في تاريخ أمّة تحترم نفسها أن قام زعيمٌ عربي، مهما بلغ من التفاهة، الاستعانة بالأجنبي لسحق أهله وشعبه سحقاً مبيناً، وتدمير مدن كاملة بقسوة منقطعة النظير؟ هل بلغت الوقاحة بأيّ نظام عربي في التاريخ أن يجلب مرتزقة غرباء ومليشيات كريهة، لكي تفتك بأبناءِ شعبه وأطفال بلده؟ تفتدي إسرائيل أسراها بالمئات من الأنفس، وزعيم عربي يتبرّع من أجل أن يبقى في السلطة بقتل الملايين من أبناءِ وطنهِ وتشريدهم، بل ويسحق المدن على رؤوس أصحابها بدمٍ باردٍ كي يلاحق الارهابيين؟

وأسأل: من سلبَ ثوراتنا العربية؟ مَن زَرع الارهاب في مجتمعاتنا؟ ليس كلّ من عارض النظام السوري إرهابياً ومتآمراً، وليس كلّ من عارض النظام العراقي الحالي داعشياً وبعثياً، وليس كلّ من وقفَ ضدّ النظام الإيراني وهّابياً، وليس كلّ من عارض النظام المصري إخوانياً، وليس كلّ من عارض التدخلات الإيرانية في الأرض العربية تكفيرياً. هل بلغ الانحطاط ببعض العرب كراهية أنفسهم وعروبتهم بأساليب لا يمكن تخيلها أبدا؟ ما هذه الأنفاس الشعوبية التي يطاول فحيحها أرجاء مشرقنا ومغربنا العربيين؟ من ذا الذي مزّق نسيج مجتمعاتنا العربية، وأوصلها إلى هذا المنحدر اللااخلاقي؟

ما هذه اللامبالاة التي غدت عليها الأجيال الجديدة، بحيث يسيّرها جهل مطبق، ولا وعي جمعي بالمصير القادم أبداً؟ من ذا الذي مات ضميره، ويبقى ساكتاً، وهو يسمع أحد المسؤولين الإيرانيين يهلّل لسحق حلب، وهو يهدّد كلّ بلاد العرب بالانسحاق؟ ما هذه الريح الصفراء التي هبّت على مجتمعاتنا لإفنائها وتدمير نسيجها، وسحق تراثها، وتشويه تاريخها، وقتل أهلها، أو تهجيرهم، والتشنيع بهم؟ يبرّر أحدهم بأنّ كلّ ما تجده مفبرك وكاذب، ويسّوغ ثانيهم كلّ ما يجري بالحرب على الإرهاب.. وهكذا مع ثالثهم ورابعهم ممن ماتت ضمائرهم.وأسأل: كيف ترضى أن تكون شاتماً أهلك، وأنتَ تهلّل وتكبرّ لانتصار جلاد على شعبهِ؟ كيف ترضى أن ترقص مع راقصةٍ في حلبة حفلٍ ماجنٍ، وأهلك يرون الجحيم بعينه؟ كيفَ تقبل أخلاقك أن يبقى أخوتكَ من "بلاد العرب أوطاني" بلا ملاذ، ولا ماء، ولا زاد جرّاء حربٍ لم تبق ولم تذر؟ كيفَ تجد الراحة، أنتَ المنادي بالأوطان البديلة، وأهلك يهلكون في أوطاننا الحقيقية، وفي أمهات مدننا العربية؟

كيف تقبلون أنتم الذين صفقّتم للأمة العربية المجيدة لأكثر من خمسين سنة أن يصيبكم اليوم عمى الألوان، فلم تعودوا تكترثون للأعداء الحقيقيين الذين يقومون بصلب عروبتكم في صحنِ داركم؟ كيف تقبلَ نفسك أن تعيش في أوطانٍ عربية، تغنينا بها قديماّ، وقد ساهمت في تحريرها عدة أوطان عربية أخرى، تعيش هي اليوم محنةً تاريخيةً قاسيةً، وأنت تتفرج عليها مماحكاً، أو لا مبالياً، أو متشفّياً؟ أدركُ أننا اليوم في زمن منحطّ، فقدَ الإنسان والمجتمع معاً فيه كلّ قيمه وأخلاقه. لسنا اليوم في زمن المثاليات، ولا في عصر القوميات، ولا في وقت توازن القوى، ولم تعد تلك الأيديولوجيات القومية والراديكالية لها نفعاً، فالكلّ منشغلٌ بالبحثِ عن مصالحهِ وأنوياته، ولكن الأمر هنا يختصّ بالهويّة والانتماء، ويعتني أساساً بالمسألة الاخلاقية. وهنا أقرع جرساً للزعماء العرب قاطبة، قائلاً لهم: إنّ النارَ التي لا تهتمون بها اليوم قادمة تسري نحوكم لتحرقكَم وتهاجم بيوتكم، ما دام غيركم قد سمحت أخلاقه بأقلمة قضيته وتدويلها، كي يقتل ويفني ابن وطنه الذي جمعتك وإياه هوّية وانتماء وتاريخ، وآخر يتحالف مع عدو الأمس له تحالفاً يعمل بالضد من انتمائه وهويته.. ثم ما هذه النزعة المريضة التي يحملها العرب اليوم، فقد صفقَ الجميع للثوار والأحرار عندما قاموا بالثورة على المستبدّين. واليوم تنكر على الآخرين ثورتهم التي استلبت، وسمحت للأعداء التاريخيين أن يخترقوك، وسمحتَ حتى لجيوش أمم أخرى تعبث بك، وتسحق وجودك على أرضك.. فإن قبلت أن تسحق مدينةً أو أكثر من قبل قاصفات روسية، ومليشيات إيرانية، ومرتزقة عراقيين، فاعرف أن القصفَ والقتلَ والتدمير سيطاولك في يوم قريب..

أشعر بالخجل من مشاركة مرتزقة عراقيين في قتل أبرياء حلبيين وتعذيبهم، وأنا أدرك كم قدّم الحلبيون والسوريون عموماً من يد العون للعراقيين أيام محنتهم قبل سنوات. في حين، كان النظام السوري يرسل الإرهابيين إلى مدن العراق لقتل العراقيين، حسبما كان يصرّح نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي وقت ذاك. علينا ألا ننتقد الضمير العالمي لفقدان إنسانيته، ما دام الضمير العربي قد مات ورحل عن الوجود، فماذا أبقيتم للآخرين لكي يقولوا بكائياتهم؟ وماذا فعلتم أنتم حتى نطالب العالم بأن يكون صاحب غيرة وإنسانية؟ لقد بدأ الخراب منذ زمن طويل، مذ اضمحلت قوة العراق، ومنذ انهارت مركزية مصر، ومذ تحالفت سورية مع إيران، ومذ غرّدت دول المنظومة المغربية وحدها، ومذ ضعفت جبهة دول مجلس التعاون الخليجي.وأخيرا أسأل: من تدخّل من العرب في شؤون الآخرين حتى يعبث الآخرون بوجودنا ومستقبلنا بهذا الشكل هنا، وبذلك الشكل هناك؟ هل  فكر  العرب يوما : لماذا  بقوا بلا مشروع  استراتيجي يجمعهم ازاء المشروعات التي غدا عليها غيرهم  ؟  لماذا غدا الارهاب يعبث بهم  ؟ وما دورهم في صنعه وتسويقه  منذ اكثر من ثلاثين سنة ؟  ما نفع أكثر من 400 مليون من العرب اليوم، وهم يقطنون في قلب العالم منذ فجر التاريخ إن كانت حصونهم مهدّدة من دواخلها هذه الأيام؟

نشرت في العربي الجديد ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

 

 

 

في رحيل كاريزما كاسترو

د. سيّار الجميل

  رحل آخر الشيوعيين الملتزمين الذين شغلوا الدنيا بنضالهم الصاخب، وشجاعتهم القوية، إبّان القرن العشرين. رحل الزعيم فيديل كاسترو الذي حكم نحو خمسين سنة بلداً صغيراً مثل كوبا، لكنه كان مثل قطٍّ بري يناطح فيلاً كبيراً، إذ جابه أميركا القريبة منه، ولم يخش من أنيابها، ولا يفصله عنها إلا خليج الخنازير. حكم بين 1959 و2008، وفرض هيمنته على بلاده، مطبقاً نظاماً شمولياً صارماً. وتضم كوبا أكثر من 11 مليون نسمة، وهي أكبر جزر الأنتيل جنوبي الولايات المتحدة، وأُلحقت بالملكية الإسبانية حتى حرب الاستقلال 1895-1898 بدعم أميركي، فأنهت معاهدة باريس 1898 الهيمنة الإسبانية، وحصل استقلالها النهائي في العام 1901.

أطيح في 1/1/ 1959، فولغينسو باتيستا، زعيم كوبا، الذي عُرف بانحرافاته وديكتاتوريته منذ 1952، إثر حركة تمرّد قامت بها مجموعة باربودوس (أصحاب اللحى) بقيادة كاسترو. فنجح ورفاقه في تأسيس جمهورية اشتراكية، بالتحالف مع رفيقه غيفارا. ورسخ علاقاته إبّان الحرب الباردة بالاتحاد السوفييتي، فقطعت أميركا علاقاتها مع كوبا في 1961، وفشلت محاولتها إنزال قواتٍ معادية لكاسترو في خليج الخنازير. إثر اندلاع أزمة خطيرة باكتشاف وجود صواريخ سوفييتية في كوبا. وكاد كاسترو يفجّر حرباً نووية في العالم، في عهدي الرئيس الأميركي جون كيندي ورئيس مجلس السوفييت الأعلى نيكيتا خروشوف. تأسس حزبٌ وحيد، هو الحزب الشيوعي الكوبي في 1965، وأصبح لكوبا دستور عام 1976.

بقي كاسترو يناضل ثلاثين سنة حتى انهيار الاتحاد السوفييتي 1990، فارتهنت كوبا لشريكتها فنزويلا تجارياً وبترولياً، مع تحدّيات اقتصادية قاسية واجهها الكوبيون. ولكن، ما طبيعة هذه الزعامة الكاريزمية لكاسترو؟ آمن هذا الثوري المتمرّد بالحدود الدنيا لمعيشة أبناء شعبه في دولته الفقيرة، وبنى بإمكاناتها البسيطة قاعدة صحيّة لأبناء شعبه، ولم يرض أبداً أن تكون كوبا مزرعةً أميركية أبداً، وبالقدر الذي آمن به المعجبون به في العالم. بقي مناضلاً صلباً وملتزماً بأيديولوجيته التي لم يتنازل عن حرفٍ منها. ويؤكد معارضوه، منذ زمن طويل، أن كوبا لو

"لا يمكن نكران ما تمتع به كاسترو من كاريزما، شغلت اهتمام العالم كله في النصف الثاني من القرن العشرين"

توفّر لها قائد سياسي غيره غلّب سياساته على مؤدلجاته، لاستغلّ مكانتها الجغرافية القريبة من أميركا، وجعلها بلداً متقدماً تابعاً لها ولمساعداتها، بل لو مُنح مصالح أميركية على أرضه، لعاش كل الكوبيين عيشة رخاءٍ وحرياتٍ، بدل الذي فعله بهم كاسترو الذي أوهم نفسه ورفاقه وشعبه بأكذوبة عاشتها كلّ الأنظمة الشمولية والتوتاليتارية والديكتاتورية ممن أغلقوا الأبواب أمام شعوبهم عن الحياة السياسية الغربية، فتأخرت شعوبهم، كما يقولون، بل وفرّ أغلب المعارضين نحو أميركا. ويتابع معارضوه قائلين إن انغلاق كوبا كان على غرار ما حدث في ألبانيا وألمانيا الشرقية وكوريا الشمالية، وغيرها من الأنظمة الحديدية. ولكن، فات على هؤلاء الموقع الجغرافي لكوبا، وأن كاسترو امتلك حريّة القرار، وحفظ بلاده من تدخّلات أميركية، إذ أصرّ على أن لا يكون ذيلاً لها أبداً.

كان كاسترو قد نجح، في شبابه، في أن يخلّص كوبا من نظام باتيستا المتخلّف، لكنه بدّل الاستبداد بالشمولية، وبدل الضياع بالانغلاق، وزاد في جعل الشعب يعتمد على نفسه في الحفاظ على ثروته، والعيش من منتجاته، فبقي الشعب فقيراً، وبقيت أدواته ومعيشته بسيطة، وبقيت حتى السيارات التي تمشي في شوارع هافانا مهترئة، وهي من خمسينيات القرن العشرين. وإذا كان كاسترو قد احتكر حرية شعبه، فقد أحدثت سياساته ردود فعل قوية ضده منذ خمسين سنة، لكنه بقي مثيراً وصامداً وقوياً لا يتزعزع قيد أنملة عن المبادئ التي آمن بها بعد أن اعتنقها، وبقي وفياً لها حتى النهاية. إذ آمن بأنّ الحريات لا تُمنح، بل تُنتزع انتزاعاً، ومن الخطأ استجداء الحرية من الأميركيين. لم يتنازل عن السلطة أبداً حتى وهو خرف ضنين، وعندما تنازل عنها، منحها لأخيه راؤول كاسترو، ليس كمن يرث الأخ أخاه، بل لأنه يثق ثقةً عمياء في أخيه، لكي يحافظ على الإرث الكاستروي، وخوفاً من أن تتحوّل كوبا إلى حقل دواجن يتوارثها الأميركيون، وقد ضربوا بتلك الشعارات المزيفة التي روّجوها، وتصارخوا من أجلها مع بقية من ناصروهم في العالم، عرض الحائط. وبقي كاسترو طوال حياته ثائراً ينتقد كل الثوريين المنحرفين عن مبادئهم ومناهجهم، ويعارض تحولاتهم من ثوار إلى مستبدين، ومن مناضلين إلى ذيول للأميركيين.

بقي كاسترو الذي علّم شعبه كيف يعيش من موارده ثائراً على الميوعة السياسية لزعماء انقلابيين، تصنّعهم دوائر مخابرات إمبريالية، لهم هشاشتهم، بحيث غدت عدة بلدان يحكمها قطّاع طرق وأولاد شوارع وعمال غير فنيين وضباط ثكنات خونة من أنصاف المجانين، وكلهم جاؤوا معه زمنياً باسم الثورة والثوريين والثوار الأحرار، وروّجوا شعارات راديكالية، فكانوا فجيعة على شعوبهم التي لم تزل تعاني من استبداداتهم وديكتاتورياتهم، وقراراتهم الهوجاء، وشعاراتهم الجنونية البلهاء، وسياساتهم التي مارسوها بالحديد والنار، خصوصاً من الذين أعجبوا إعجاباً منقطع النظير بتجارب كاسترو وستالين وماوتسي تونغ وكيم إيل سونغ وغيرهم، لكن هؤلاء شيء وأولئك أشياء ومخلوقات أخرى.

برحيل الرفيق كاسترو، تكون آخر القلاع الشيوعية (مع كوريا الشمالية) في حالة احتضار أمام حركة (وعجلة وقانون) التاريخ الذي يحتّم انتصار ما سميت الليبرالية الجديدة، فالتاريخ انتهى مع الحكومات الأيديولوجية والشمولية، بحيث عادت الاستبدادية والنماذج العسكرية والعائلية والدينية والطائفية باسم "الديمقراطية" كالتي تعيش اليوم في بلدانٍ متفرقة، لا تمت للثورة

"برحيل الرفيق كاسترو، تكون آخر القلاع الشيوعية في حالة احتضار أمام حركة التاريخ الذي يحتّم انتصار ما سميت الليبرالية الجديدة"

الحقيقية بأيّ شيء، وأن الأنظمة المهزوزة لابد أن تغمرها أعاصير السياسات الأميركية، آجلاً أم عاجلاً، باسم الحريات والديمقراطية، كونها تخوض معارك خاسرة أمام قيم التقدم والتنوير والحداثة الحقيقية التي لا تقودها إلا الثورات الحقيقية، وهي أنظمة موبوءة، صنعها الآخرون، لابد أن تشهد نهايتها المحتومة في مزبلة التاريخ. ولا عجب أن نجد الديكتاتوريات الصغيرة والمقلدة في بعض بلداننا العربية وشخوصها ممن كان لديهم إعجاب واقتداء بكاسترو وستالين وكيم إيل سونغ وماوتسي تونغ، لكنهم سقطوا سريعاً، كونهم أسّسوا أنظمة شمولية وعسكرتارية وديكتاتورية في التاريخ الحديث والمعاصر. ولكن، بموت الرئيس كاسترو اليوم، تكون آخر القلاع الثورية في العالم في طريق الانقراض، فهو آخر المتبقّين من زعماء العالم الذين امتلكوا كاريزما الانجذاب إبّان القرن العشرين. ولكن، على المؤرخ أن لا ينسى جهود كاسترو في بناء قاعدةٍ طبيةٍ متميزة في بلاده، وعنايته بالمعرفة والتعليم بشكل خاص.، ناهيكم عن فرض الامن في ربوع البلاد التي لا تعرف الا البساطة في العيش  ، مع كوبا جديدة بدأت تنفتح على الحياة والمستقبل ومواجهة تحديات من نوع جديد .

منذ 2006، طلب فيديل كاسترو، بسبب مرضه، من شقيقه راؤول أن يحل بدله على رأس الدولة. فبدأ الأخ الرئيس الجديد إجراءات وإصلاحات تدريجية لكي يحسّن اقتصاد كوبا، وفتح الباب على خجل للمبادرات الخاصة والاستثمار الأجنبي، مع معزوفة الحفاظ على "مكاسب الاشتراكية"، في اقتصادٍ مترهّلٍ، لم يزل تحت هيمنة الدولة بنسبة 80%. وفي فبراير/شباط 2008، أصبح راؤول رسمياً رئيساً لكوبا، وفي أبريل/نيسان 2011 أصبح راؤول على رأس الحزب الشيوعي الكوبي، إثر تخلّي فيديل عن منصبه، وأعلن عن تقارب تاريخي بين كوبا والولايات المتحدة نهاية 2014، وطي صفحة نصف قرن من العزلة، فأعيدت العلاقات في يوليو/تموز 2015. وفي مارس/آذار 2016، قام أوباما بالزيارة الأولى لرئيس أميركي لكوبا منذ ثورة كاسترو. وتعزّز تصدير الخدمات (الطبية خصوصاً) مصدراً أول للدخل من العملات الأجنبية لكوبا، مع نحو 8 مليارات دولار سنوياً، ثم السياحة التي تدر 2.8 مليار دولار. وبحسب التوقعات الحكومية، لن تزيد نسبة النمو التي بلغت 4 % في 2015 عن 2% في 2016، ما يعني أن كوبا تعاني إزاء تحديات وصعوبات كبيرة ان ابرز ما لمسته عند الشعب الكوبي قناعته  وبساطته وعيشه على ما ينتج .. السؤال : ماذا بعد مرحلة كاسترو  الطويلة في مواجهة العالم الجديد ومتغيراته السريعة ؟

سيسجّل التاريخ لكاسترو مواقفه، إيجابية كانت أم سلبية. ولكن، لا يمكن نكران ما تمتع به من كاريزما، شغلت اهتمام العالم كله في النصف الثاني من القرن العشرين ،

العربي الجديد   ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

 

 

هل يحوّل ترامب

العالمَ نحو اتجاه آخر؟

د. سيّار الجميل

 

"على زعمائنا في المنطقة أن يكونوا أذكياء جداً في تعاملهم مع التنين القادم"

 دونالد جون ترامب رجل أعمال أميركي، دخل المعترك السياسي أخيراً، ليغدو فجأة رئيساً منتخباً للولايات المتحدة الأميركية عن الجمهوريين بعد معركةٍ انتخابية مثيرة للجدل ضد هيلاري كلينتون عن الديمقراطيين، إذ كان ترامب يتقلد عدة إداراتٍ لشركات قابضة ومشروعات ومصالح تجارية. ويتبادل أتباعه نيته لإخلاء نفسه لمنصب الرئاسة. وكان ناجحاً في بناء امبراطويته المالية التي نشر اسمه عليها في كلّ العالم. ما يهمنّا قوة تحوّلاته التي يخطّط لها بينه وبين نفسه، ويحاول تحقيقها بأيّ ثمن. ولم يكن غامضاً، بل صريحاً لا يخشى من الآخرين، ويعتزّ بنفسه كثيراً، ويفتخر باسمه، وقد تزوج ثلاث مرات، مكرّساً حياته للأفكار التي يؤمن بها، وقد بلغ السبعين عاماً.

لم تمرّ أيّة انتخابات أميركية سابقة بمثل هذا الماراثون العاصف الذي كان بطله ترامب بلا منازع، وقد صدم العالم كله بفوزه، وسجّل الصندوق الانتخابي كلمته الفاصلة، لكي يعد فوزه المثير علامة فارقة في التاريخ الأميركي. ولكي نشهد تاريخاً جديداً، يعبّر حقيقةً عن كلّ ما يجري في العالم من تفاقم للتناقضات وضياع للقيم وانهيار في أساليب الحياة والتفكير، مقارنة بما كان سائداً في القرن العشرين.

النظام الليبرالي الغربي برمته في خطر، بعد أن نضج منذ مائة سنة، إثر الحرب العالمية الأولى. ولم تهزّه الحرب الباردة مع المنظومة الاشتراكية، ولكنه بدأ يهتز من دواخله، منذ أعلن هانتينغتون عن صدمة الحضارات قبل 25 عاماً، لكي تعلن قوى جديدة غاضبة ومحتدمة على نتاج الغرب من قيم ليبرالية وانفتاح، لتقول بالتغيير نحو اتجاهات أخرى، كما ندرك ذلك من تعابير قالها ترامب، ليس كما يفسرها بعضهم إنها مجرد دعايات انتخابية، بل إنها تعلن عمّا يدور في أعماق تفكيره المخالف لكل الراهن، وهو يتمتع بصراحة، ومن دون وجل. وعليه، أخالف كلّ الذين خرجوا علينا، وقالوا إنّ الرجل لا خبرة سياسية له، ولم يحسن قوله، إذ وجدته، منذ صعوده على المسرح السياسي منافساً، يتمتع بقوة الذئب، ليس في المخاتلة، بل في الوثوب، وليس في الانصياع بل في الهجوم، وليس في التباكي، بل في الوقاحة، وليس في الجهالة، بل في السفاهة الذكية .. ناهيكم عن تجربته في إدارة المال والأعمال، فكيف سيتمكن من صنع القرار المناسب؟

يأتي ترامب اليوم معبّراً عن إرادة جيل مهني جديد، فاقد للعمالة، يختلف تفكيره عمّا ساد سابقاً من أجيال القرن العشرين، ولكن الخطأ ليس فيه أو في السياسات الأميركية العقيمة التي ارتكبت أخطاء غبية، صنعها رؤساء سابقون، بحيث نشروا ظواهر مميتة صادمة للحياة، بصناعتهم المستبدين والفوضى والإرهاب والحروب، وأحدثوا في العالم قوميّاتٍ، لها نرجسيتها، وأماتوا حريّة الشعوب، وباركوا الحركات الدينية والطائفية العنيفة، وأشعلوا صراعات الأعراق والمذاهب، وفتحوا أبوابهم لجحيم المهاجرين الذين يلوذون بالفرار نحوهم، ساحبين معهم كلّ أوبئتهم وثقافاتهم الرثة وأساليبهم غير الشرعية، ليأتي ترامب اليوم في لحظةٍ تاريخيةٍ حاسمةٍ رافضاً ما حدث رفضاً قاطعاً، فيشكل ظاهرة جديدة برزت فجأة لتخيف دولاً وزعماء وقوميات ومنظمات، عندما قال مردّداً "سأعيد لأميركا مكانتها"، فكان ذكياً في سحب البساط من تحت أرجل ليس الديمقراطيين وحسب، بل في سحب من كان يقف فوق ذلك البساط المهترئ، ويتركه بعيدًا، وأغلبهم من فئات العمال والقوى الفاعلة التي عانت من تراجع المشروعات الصناعية الكبرى، جرّاء سياسات الديمقراطيين البلهاء. ربما يختلف المرء معه أو يقف ضده بسبب رعونته أو مجابهته، لكنه، في الحقيقة، جواب تاريخي للسياسات البليدة التي مارستها أميركا منذ سقوط المنظومة الاشتراكية، وهو أيضاً ظاهرة عبرت عن نتائج أفرزها احتدام أجيال جديدة خابت آمالها، وهي تتطلع إلى استعادة قوة أميركا ثانية في العالم. ومع غيبوبة النخب والفئات المخملية في المدن، تتبلور القوى الشعبوية في الطبقات الوسطى والعاملة في أصقاع متنوعة، تطالب بزعامات مشاكسة، تنادي بثورات التحدّي ضدّ كلّ الاهتراءات في العالم، مع شعور الأميركان بغيبوبة زعاماتهم القوية إزاء غيرها في العالم، مثل بوتين روسيا، وأردوغان تركيا، وأوربان هنغاريا، وترودو كندا. ويبرز فجأةً ترامب أميركا، عندما اختفت فرص العمل والوظائف واعتمدت الشركات على عمالات أخرى، بسبب تقليل الإنفاقات وضعف الإنتاج الأميركي في السوق العالمي، كالذي أحدثته العولمة التي جنت منها الشركات والمؤسسات التجارية الأميركية وحلفاؤها أرباحاً غير متخيلة، ومنها مؤسسة ترامب نفسه الذي خبر الألعوبة، فزجّ نفسه ليكون جمهورياً، فنزل إلى الحلبة بأمواله، ليعبّر عن هشاشة الديمقراطيين الذين بقوا لسنوات طوال، وهم يشهدون مأساة الإرهاب في العالم وحروب الأهالي وقصف المدن الآهلة وهشاشة صنع القرار وميوعة حسم تداعيات السياسات الأميركية في الشرق الأوسط.

لم يكن للديمقراطيين، كعادتهم، إلا التنظير في الهوية والبيئة والتباكي على المثليين، ومكوكية وزير الخارجية الفارغة، والكذب في إطلاق الوعود من دون تنفيذها. ومن الفجيعة أن يذوي كلّ اليسار إثر اختفاء المنظومة الاشتراكية، وانساقت القوى الثورية القديمة في ركاب الديمقراطيين والوسطيين والليبراليين، ووصل الأمر إلى أن يكونوا من الليبراليين الجدد. فما المتوقع من ترامب؟

ثمّة مفاجآت قوّية وصاعقة، في مقبل الأيام، كجزء من ثورة التحدّي وطور الاحتدام،  وخصوصاً مع أوروبا، ومع الشرق الأوسط ، وستجري تحولات قوية بتحجيم دور إيران في المنطقة، وستجري متغيرات قوية في السياسات الاقتصادية، وستهتز منظومة الأمن في العالم، وسيجري كلّ شيء بأثمان، ربما تكون باهظة، ناهيكم عن إعادة التفاوض في الاتفاقيات التجارية الحالية، وكيفية التعامل مع كندا التي يحكمها الليبراليون، وربما الخروج عن الاتفاقيات السابقة إن لم ينصع الآخر لمطالب ترامب. المتوقع أن يقوم بتحجيم أدوار المتحالفين مع الولايات المتحدة، إذ سيحول حلبة السياسة إلى سوق بضاعة يديرها بنفسه. وهنا سيلعب ترامب بالنار إذا ما غامر بذلك، إذ سيمرّ اقتصاد العالم بمخاطر كبرى. وإذا كان ترامب يفكر بأن لكل شيء ثمنه، فربما سيخضع الميديا والاتصالات وثورة المعلومات وشبكات التواصل لسيطرته الأميركية، وربما فرض قيوداً عليها، أو طالب ببيعها بأعلى الأثمان. كما أن سياسات أميركا الخارجية ستختلف كلياً عما كانت عليه، ولا ندري من سيكون مسؤولاً عن هذا الميدان الحيوي، ومن هم الصقور الذين سيعتمد عليهم ترامب، في ترتيب العلاقات الخارجية بالنسبة لروسيا والصين وأوروبا، وبالنسبة لمشكلات الشرق الأوسط الصعبة القديمة والجديدة.

لم تعد أميركا كما كانت عليه في بدايات القرن العشرين، تحمل مبادئ ولسن في الحريات وتقرير المصير، ولم تعد الشفافية تنفع، ولا القوة الناعمة، بل سنسمع سياسة الإهانة واستعراض القوة الخشنة. وعليه، هل باستطاعة ترامب مسك العصا الغليظة التي يتوعّد بها هذا وذاك؟ هل سيمتلك طاقماً من الخبراء الذين يمكنهم ترجمة أفكاره في الواقع؟ هل سينجح في استعادة أميركا دورها القوي، لا المستعرض؟ هل ستكون سياسته متوحشةً وصريحة، أم تكون ناعمة وخبيثة؟ هل سيترجم أفكاره الصاخبة بصدد المهاجرين؟ هل سينجح في إيجاد فرص العمل للأميركيين؟ ما سياسته إزاء جيرانه الكنديين على عهد الليبراليين؟ ما سياساته إزاء أوروبا التي يريد أن تحمي نفسها بنفسها؟ هل ستبقى سياسات أميركا السابقة التي اتبعت في الشرق الأوسط؟ هل سيبقى صناعة الفوضى والميوعة البليدة والتمويه على الإرهاب والتمتع بما يجري من تفكيك وانقسامات؟ هل سيلغي الاتفاق النووي مع إيران؟ هل سيتبع سياسات مغايرة في العراق وسورية؟ ما سياسته إزاء إسرائيل والفلسطينيين؟ وهل يستطيع البقاء في الحكم إن نجح في تغيير اتجاه العالم؟ وهل يستطيع أن يبقي على حياته، وهو في السلطة، إن بدأ تطبيق أفكاره نحو الاتجاه الآخر. إلى غير هذه الأسئلة التي لا يجد أغلب الناس أجوبة عليها إلا بعد حين. وأخيراً، أقول إن على زعمائنا في المنطقة أن يكونوا أذكياء جداً في تعاملهم مع التنين القادم.

صحيفة العربي الجديد / لندن  ،. ويعاد نشرها على مواقع الدكتور سيار الجميل



 

 

 

الموصل وحلب

وهواجس التفكّك الداخلي

سيّار الجميل

إنها قصة مدينتين تسمّيان الموصل وحلب، وهما من أقدم مدن الشرق في التاريخ، وقد اشتركتا على امتداده معاً في كيانات سياسيّة، وارتباطات اقتصاديّة، وامتزاجات اجتماعيّة منذ عهود الأمويين والعباسيين، مروراً بالحمدانيين والعقيليين والأتابكة الزنكيين، وصولاً إلى الأيوبيين وانتهاء بالعثمانيين، كما بقيت كلّ منهما تشكّل حصناً منيعاً أمام الغزاة، سواء الفرس الساسانيين أم الروم البيزنطيين.. ولعلّ أشهر شراكة تاريخية لهذا التوأم وقوف حلب، بقيادة واليها الوزير، حسين باشا القازوقجي، إلى جانب الموصل في دفاعها الأسطوري ضدّ حملة نادرشاه على الموصل وحصاره لها 1743 ميلادي، وكانت بقيادة واليها الوزير، حسين باشا الجليلي، وقد انتصرت على ذاك التنين الأحمر انتصاراً تاريخياً. 
لعلّ أولى الإشارات التاريخية لتعرّض المدينتين لكلّ ما يصادفهما اليوم، إنما يدّل دلالات واضحة على أهميّتهما الاستراتيجية، كونهما تمثلان عمقاً تاريخياً لكلّ من العراق وسورية، ناهيكم عن موقعيهما الاستراتيجيين لكلّ من العرب والأتراك والإيرانيين.. وكان العالم قد رصدهما طويلاً، إبّان النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وجرى التركيز عليهما، إذ عاش بين ظهرانيهما قناصل عديدون، وزارهما عشرات الرحالة والآثاريين، وتأسسّت فيهما عدّة بعثات تبشيرية، وهما تؤأمان حقيقيان، عاشتا تشابه إحداهما الأخرى، خصوصاً في الثقافة والطبائع والخصوصيات الاجتماعية. وتتميز الاثنتان بنسيجهما السكاني المتنوّع، فقد استوطنهما العرب منذ القدم، وكانتا موطناً للسريان الآراميين، وغدتا مركزي جذب لكلّ من الكرد والترك وعناصر سكانيّة أخرى، وخصوصاً من بلاد الجزيرة الفراتية ومن الأناضول. 
تتفاقم الهجمة اليوم، منذ أكثر من سنتين على المدينتين، بشكل يستدعي القلق على مستقبليهما، وتفكّكهما الداخلي بنزوح أهاليهما، بعد أن فشلت كلّ من حكومتي سورية والعراق في حمايتهما ووقايتهما من التحدّيات التي عصفت بهما، وإذا كانت حلب قد تمزّقت جرّاء حربٍ قذرة، وتلقّت الحمم والقنابل من سمائها، وأفرغت من سكانها بعد أن سحقت مآثرها، ودمرت أحياؤها، وهجرها 80% من سكانها، وغدت أجزاء منها أشلاء وخراباً، فإن الموصل تعرّضت، منذ 

عشر سنوات، لأهوالٍ من نوع آخر، جرّاء الإهمال والتهميش والإقصاء، إذ تمثّل ذلك بولادة خلايا إرهابية نائمة كانت مدّعمة، في البداية، من النظام السوري الحاكم الذي كانَ يرسل مجاميع الإرهابيين وبالمئات، وهم يفجرّون ويفخّخون ويقتلون ويدمّرون ويبتزون ويبطشون، ومروراً بمشروع اغتيال العراق، وانتهاء بهمجية قطع الرؤوس وتفخيخ السيّارات في المدن العراقية. وكان أهل حلب ودمشق يستقبلون الآلاف من الفارين، وخصوصاً من الموصليين الشاردين من قسوة الإرهاب وبطشه، ويشهد كلّ الذين احتموا بمدينة حلب على حسن استقبال السوريين الطيبين عموماً أولئك النازحين والفارين العراقيين منذ العام 2005 وحتى 2010.. ولم يكن أحد يدري أنّ الدمار سيلحق حلب ومدناً سورية أخرى لاحقاً.
ثمّة حقائق لابدّ أن ندركها قبل التأمّل في مستقبل هاتين المدينتين المنكوبتين، ذلك أنّ كلتا المدينتين تمتلك نسيجاً اجتماعياً تتنوّع فيها الأديان والأعراق، لا المذاهب والطوائف، واستوعبت كلّ منهما سكاناً من الأكراد والتركمان الذين اختلطوا مع سكان المدينتين في دواخلهما. ولكن بقيت أطيافهم واضحة المعالم في الأطراف. جغرافياً، المدينتان هما أقرب المدن العربية إلى الحدود التركية، وإذا كانت الموصل هي المركز الطبيعي للدخول إلى جبال كردستان، ومنها إلى قفقاسيا وإيران، فإن حلب هي الأقرب إلى البحر المتوسط والأناضول. وعليه، تعد استراتيجية المدينتين الأساس الحقيقي لقوة الشرق الأوسط في العصر الحديث، كونهما المعبر الجاذب بين الشرق والغرب معاً في جغرافية العالم الاقتصادية والحضارية. ومن البديهي أن تعيش المنطقة دوماً تناقضات الماضي وصدامات الحاضر ومواجهات المستقبل. وستبقى تواجه تحدّيات صارمة وتدّخلات خارجية سافرة، ينتج عنها مزيد من الاضطرابات والكوارث. 
من سخرية القدر أن تعيش كلٌّ من الموصل وحلب في قفص سلطة كلّ من بغداد ودمشق بعد اضمحلال الدولة في العراق 2003، وفي سورية 2011، وانسحاق النزعة الوطنية والأخلاقية في كليهما، بحيث أصبحت الأحزاب والمليشيات والعصابات الإرهابية تعبث بمصيرها من جانب، كما وغدا كلّ من البلدين مسرحاً لتدخلات الدول الإقليمية والخارجية. ما يثير القرف أن تنتقد الحكومة العراقية سياسات بشّار الأسد في السنوات الخمس الأولى بعد 2003، وفجأة تغيّر موجتها، كي نجد اليوم أكثر من عشرين مليشيا عراقيّة تقاتل على الأرض السورية من أجل إبقاء سورية في الفلك الإيراني. ويعترف الطرفان في بغداد ودمشق بقوّة علاقتهما بإيران وأجندتها في كلّ المنطقة. إنّ التدّخلات الإيرانية السافرة في سياسات العراق وسورية جعلتهما يطوفان في بحرٍ من الدماء، وغدت المنطقة تنتقل من موديل إلى آخر، نتيجة التحوّلات الصعبة من الصراعات الطائفيّة، وتفاقم ذلك بالتدّخل السافر لكي تتحوّل الثورة السورية السلمية إلى حربٍ قذرة ضدّ الناس، وتتحكمّ بها اليوم عصابات طائفيّة وإرهابية، تنجز فجائع تاريخية برفقة الطائرات، وتحل فيها كلّ القسوة والآلام ليس من أجل إبقاء الأسد في السلطة فقط، بل من أجل أن يبقى نظامه حليفاً إيرانياً، وظهيراً قوياً لسياسات إيران في المنطقة العربية برمتّها. مررنا بصفحاتٍ لا تعدّ ولا تحصى من الصراعات، والتي يتفاقم حجمها يوماً بعد آخر، بل باتت اللعبة تجري على المكشوف، ولا نستثني حتى وجود "داعش" الذي قدم من سورية إلى العراق، وتفاقمت مخاطره، بإعلان خلافته الإسلامية من الجامع النوري الكبير في الموصل.
أصبح الخطاب الطائفي اليوم مشاعاً، وتبلورت احتقانات لا أوّل لها ولا آخر، ما يعجّل بصنع 

شحنات مضادة متفجرّة، غضباً على أجيالٍ قادمة، فما هي الصورة التي تمنحنا إيّاها الرؤية المستقبلية في ظلّ التفاعلات السريعة؟ أقول إنّ المنطقة كانت، وستبقى، تعيش سلسلة صراعات عنيفة، بسبب الأجندة التي تطمح إيران إلى تحقيقها بأيّ ثمن في ظلّ تدويل قضيتهما، فغدت حلب بأيدي الروس واستراتيجيتهم ومصالحهم، في حين غدت الموصل ومحيطها من نصيب الأميركيين واستراتيجيتهم ومصالحهم.. ولا ننسى التصريحات المهمّة التي يطلقها كلّ من البريطانيين والفرنسيين من حين إلى آخر. تسعى إيران، اليوم، من الحرب ضد داعش العمل للسيطرة على بلدة تلعفر غرب الموصل، لتكون نقطة اتصال نحو سورية، وقد حشدت آلاف المقاتلين المنضوين في مليشيات تابعة لإيران، في حين هددّت تركيا مباشرةً بتدّخلها لحماية تركمان تلعفر .. وقد أعلن أكثر من مسؤول عراقي، ومنهم نوري المالكي نفسه، أنّ مليشيات عراقية ستساهم في تحرير الرقّة السورية. وما يروّج إعلامياً يقابله صمت مطبق من الحكومة العراقية. السؤال: لماذا؟ 
ما يهمّنا أصلاً البنية الديموغرافية لسكان المدينتين المنكوبتين، والتي يسكت عنها العالم سكوتاً مطبقاً، وخصوصاً في تشرّد آلاف العوائل ونزوحها وهجرتها، وإفراغهما من سكانهما. ثم ما مصير الجيل الجديد في كلّ من هاتين المدينتين، مع انعدام الدراسة وانسحاق الجامعات والمدارس وكلّ البنية التحتية للمدينتين؟ ما يهمّنا أيضاً، مصير جيل كامل وصراعات الحقوق المستلبة والممتلكات المسحوقة على تراب أوطاننا كجزء من صراعات إقليمية، وإعلان شعارات طائفيّة مقيتة، والتوعّد بالانتقامات وأخذ الثارات من أجيال تتهم بخطايا لم تقترفها أبداً، ولكن بحجة أنهم أحفاد للأجداد الأوّلين من الأمويين الذين قتلوا الإمام الحسين (!). إنها مانشيتات تاريخية موروثة، تعلن في ظروف صعبة جداً، ليس لتحقيق مآرب مذهبيّة باسمها، لكنها وسيلة ديماغوجية من أجل بناء استراتيجية امتدادات إيران نحو المتوسط، إذ لا يمكن لعاقل أن يؤمن أنّ للموصل وحلب علاقة بالتشيّع أبداً. ومن المعيب جدّاً على العرب أنهّم لم يواجهوا التحديّات الإيرانية بذكاء وخطط وأساليب غاية في الدهاء، بل تعاملوا مع المأساة تعاملاً غبيّاً. منطقتنا مقبلة، بعد الموصل وحلب، على صراعات متنوّعة لها مسببات عدّة في أماكن معينة، وستحترق مناطق أخرى لم تكن مشتعلة في الماضي. جوهر معضلة منطقتنا العربية اليوم امتلاكها المجال الحيوي الحقيقي في العالم.

(العربي الجديد)

 

رموز العراق

 وازدواجية المعايير

د. سيّار الجميل

حدثني الاخ الفنان حمودي الحارثي  في 16 تشرين الثاني / نوفمبر 1997 ، اذ كنت قد التقيت به في واحد من مطاعم العاصمة الاردنية عمّان  قبل قرابة عشرين سنة  .. حدّثني عن رحيل استاذه الفنان الراحل سليم البصري  والذي كانت المنية قد عاجلته في 8 مايس / ايار من ذلك العام .. حدثني الحارثي ، وهو يكابد حزنه وألمه على نهاية البصري  المأساوية ، وكيف لم يجد أحداً يرفع تابوته ويمشي في جنازته التي لم يكن فيها غير عبوسي واثنين آخرين  ، وكأن سليم البصري لم يزرع البسمة طوال سنوات على ثغر العراقيين ، ولم ينتزعهم من مكابداتهم  الصعبة ، ولكنهم ان لم يعرفوه في نهايته المؤلمة  ، فهم لم يعرفوه حتى بعد مماته   بسبب مجافاة السلطات له .. وتسعفني ذاكرتي أيضاً عندما مات العديد من المبدعين العراقيين الكبار في الشعر والفن والتاريخ والقانون والتشكيل والطرب والادب وميادين اخرى ، فلم يحفل لهم أحد  .. انهم يصبحون عالة على انفسهم في شيخوختهم ، ويغادرهم الناس ، وهم يتحسرون على شبابهم ، وقد غدوا يتضورون من الفاقة والحرمان والعوز ولا احد يهتم بهم ، او يكافئهم  ، او يتفقد أمراضهم  ويعمل على ابقائهم اعزاء كبار النفوس والامثلة لا تعدّ ولا تحصى  .. كنت اتمشى يوما في الصالحية قرب دار الاذاعة  وقد خرجت من المنصور ميليا ، فوجدت الفنان الرائع رضا علي رحمه الله  عند محطة الباص يتشبّث بباب باص مصلحة نقل الركاب ، ولكن شبابا مستهترين  دفعوه ، فوقع أرضا  مع اهانة قاسية بلعها وسكت متحسّرا  ، وكان نظره ضعيفاً ، فانكسرت نظاراته ، وقام من الارض متألمّاً بعد ان ركضت نحوه وساعدته وهو في اشدّ حالات اليأس  ، وقد قمت بايصاله بسيارتي الى بيته ! ولن اصّرح بما قاله لي في تلك اللحظة الاليمة !

ان المبدعين العراقيين لا يلقون اي اهتمام في مجتمعهم ، وما ان تنطفئ أسرجة حياتهم ، فأمّا  يموت ذكره  ، وقد تناساه الجميع  ، وأمّا  تضجّ الدنيا  ، وتنقلب الاسارير  ويصبح الفقيد الراحل من أعاظم  الناس ،  ومن اوفى الاصدقاء لبعضهم ، ويتبرّع الجميع بالحزن والاسى  ، او أنهّم يشاركون في العزاء والبكاء  ويسارعون بتدبيج المقالات في لحظة زمنية تمرّ  وعندما تتوالى الايام  ، يصبح هذا الراحل او ذاك مهملاً او  نسيّا منسيا ! انها ازدواجية المعايير لدى الشعب العراقي الذي لم أجده موّحدا وله كلمته الواحدة في تقييم رموزه ، ومنح الاعتبار الوطني لجميعهم ، مهما اختلف الناس في شأنهم  .. ان أهواء الناس في العراق تميل الى حيث مالت اتجاهات السلطة فيه ، فان رضيت السلطة عن شخص رضوا عنه ، وتوددّوا له ،  وان وقفت السلطة منه موقف الضدّ والتجاهل تناهوا منه ، وان حذرت منه انفضوا عنه خوفا ورياء ومداهنة  .. وقد وصل الحال اليوم الى اسوأ درجات التمييز بين هذا وذاك ، اذ يغلب الوازع الطائفي على الناس  ، فيغالب البعض من المتشددّين الطائفيين في تلميع  هذا  والتقليل من شأن ذاك  ، بل ويصل الامر الى جعل هذا في مصاف القديسين وهو لا يستحق ذلك ، الا لكونه محسوب على هذا الطرف ، وينالون او يتجاهلون اسماً آخر لكونه ينتمي الى طرف آخر  .. وهذا ما يذكرني  بمن كان يداهن السلطة على العهد السابق ازاء من يقف مستقلاً  او معارضاً لها ، بحيث يتداول الناس تهماً ملفقة واساءات لا حقيقة لها ابداً عن فنان او اديب او مثقف مبدع ، فقط لكونه لا يجاري الوضع القائم .. وهذا ما نلحظه اليوم ، فما ان يبدي أي رمز او مبدع رأيه المضاد للوضع العام  يرمى في سلة المهملات  .. حكى لي يوماً احدهم وهو يعدّ نفسه اكاديميا ومثقفاً ، ولكنه طبل فارغ  لا تجده الا منفوخاً ، حدّثني عن تهم ملفقة ضدّ واحد من علماء العراق المشهورين ، اذ اتهمّه بتهمة تعتبر كسر عظم في العموم ، قال انه كان يتقاضى راتباً من السفارة الامريكية في بغداد  لقاء تجسّسه ، قلت له : وما حيثياتك وأدّلتك وقرائنك ضدّه ؟ قال : انني  سمعت ذلك من فلان ! قلت له : ولكن فلان كان خصماً لدوداً له لاسباب شخصيّة ، وهذه تهمة خطيرة  والرجل في رحاب الله  ، فسكت على مضض ، ولكن احجية هذا تناقلها من كان حاضرا  ! 

 سئمت جدا من تصرفات  بعض العراقيين وأهوائهم وامزجتهم في ممارسة بعض عاداتهم السقيمة ، وتبيان مظاهرهم  واستعراضاتهم الكاذبة ، وأغلبها لا حقيقة لها وغير واقعية ولا حقيقية ابدا .. وهي تدّل دلالات فاضحة على  غرابة سايكلوجياتهم ،  وغباء تصرفاتهم  ، عندما يرفعون أسم هذا الى عنان السماء ، أو عندما يجعلون اسم الاخر في اسفل سافلين !   ولم تكن الامثال الشعبية العراقية المتوارثة الا حصيلة دروس لما اتصف به الناس في هذا المجتمع  الذي سحقته التناقضات سحقا .. فهم لا يهتمون بهذا الشخص المبدع  ولا ذاك العملاق الكبير ، ولا بتلك العلامة البارزة  ، ولا يهمّهم هؤلاء في حياتهم  ، ولم يكلفوا انفسهم  عناء السؤال عن شيخوختهم  ، ولا البحث عن معاناتهم ، ولم يقفوا معهم في محنهم  القاسية  عند نهايات حياتهم ، وخصوصاً عندما تبدأ حياة اولئك العمالقة  بالذبول ..فلم يسعوا الى مساعدتهم ، ولا الى تلبية حاجاتهم ولا المساهمة في شراء أدويتهم ، ولم يراعوا صحتهم ، ولم يمنحوهم حبهم او محبتهم  الا عند سماعهم بموتهم ، ليجعلوا من هذا " الحدث " كرنفالا لاحدهم  ولحظة صمت لا مبالية لأحدهم الاخر  .. هذا يشيعونه باعلان شهادات الوفاء واقامة المهرجانات الخطابية ، ونشر كلمات التأبين ، وذاك لا يجد احدا يواريه الثرى !

وعليه قال العراقيون في امثالهم :  من يموت  فلان تطول كراعينه "  ، اذ تبدأ  العواطف  تشتعل  وتظهر الاحزان ، وتنهمل الدموع ، ويضجّ الجميع بالبكاء والنواح .. وتبدأ  تبثّ الصور، وتذاع الخطب ، وتنشر المقالات  عن شخص مبدع يجعلونه واحدا من اصدقائهم   ، وقد كان الرجل قبل ايام  يعاني دون ان يلتفت اليه احد ،  وعاش سنواته الاخيرة  وهو عزيز النفس  لم يطلب من أحد شيئاً وهو في ديار الغربة ، والكلّ يعلم كم هناك مئات او الوف التافهين اصبحوا اليوم من اصحاب الملايين ، وهم لا تاريخ لهم ، ولا خدمات لديهم ، ولا ابداعات منهم    .. اننا ندري بأنّ الطبول الفارغة تسكت  ، والجعجعة سرعان ما تنتهي فورتها ، اذ يلحق ذاك المبدع بقافلة المبدعين العراقيين الذين  لم يروا في حياتهم الا الجحود  والتجاهل والتنكر  والانكار ، ولكن  عند  رحيلهم  تضرب الخدود وتشقّ الجيوب  وتبرز الذكريات وتنشر الصور لتبيان مدى الوفاء والاخلاص ،  وتستعرض الصداقات مع الراحل وتتمظهر الاستعراضات الشخصية ، وكأنّ هذا الراحل  لم يعرف غيرهم  ..  انها من اسوأ عادات العراقيين  ، ان  ميزوّا احدا قدسوه  ، وان كرهوا احداً تجاهلوه ، وان خالفهم أحد عادوه  ، وان حسدوا أحداً قاموا بتشويه سمعته وقللوا من شأنه بين الناس  .. ليس لهم الا الزوابع الفارغة والمظاهر الخادعة والعواطف الكاذبة  .. يمثلون دور الشاكي  في حياة هذا ، ويمثلون دور الباكي في ممات ذاك  ..

انّ الاشجار اليانعة ان لم تزوّدها بالماء ، فسوف تذوى وتتيبّس وتموت     قال فولتير : " ما نفع  ان يمدحني الناس بعد مماتي وهم  ينكرونني  في حياتي   "  . اتمنى عليهم لو كانت لهم ضجتهم  الكبيرة  من اجل الوقوف مع  أي مبدع عراقي ، وهو حي  يرزق  في شبابه او كهولته  او شيخوخته  بعد ان صرف حياته في  خدمة العراق واهله   .. واتمنى عليهم لو  كرموه أعزّ تكريم في حياته ، ومنحوه عواطفهم  الساخنة  في أيّامه الصعبة  ..  وأتمنى أن يمنحوه  ما لديهم  من دون نفخةٍ كاذبةٍ ومظاهر  بليدة وادعاءات فارغة  ..  وأن يتساوى جميع المبدعين في تكريمهم  سواء في حياتهم  او في تأبين ذكراهم  اثر رحيلهم  ..  وكلّنا يعرف نهايات شخصيات ورموز عراقية امثال الرصافي والصافي النجفي والكاظمي والسياب وجميل بشير وعبد الرحمن البزاز وعبد العزيز الدوري وجلال الخياط  ويونس بحري  وعفيفة  وزينب وفؤاد سالم  وغيرهم كثير كثير ..

وأخيراً اقول بأنّ ما نشهده من حالات في المجتمع العراقي لم نشهد ذلك ابداً في ايّ بلد عربي آخر  .. اذ يكفي مثلاً احتفاء كلّ أبناء شعب مصر  برموز مصر نسوة ورجالاً  ، وجميعنا يشهد كيف يوّدع الناس فيها رموزهم التي يعتزون بهم جميعاً  غاية الاعتزاز .. فهل يدرك أهلنا في العراق وكلّ العراقيين في شتات العالم مغزى هذا الكلام  ؟

نشرت في افتتاحية الزمان ، لندن ، العدد 5539 الخميس 26 من محرم 1237هـ - 27 من اكتوبر /  تشرين  اول 2016م

 

 

تحرير الموصل... تحوّل تاريخي

د. سيار الجميل

انطلقت، فجر يوم 17 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، معركة تحرير الموصل من قبضة داعش، وهي الانطلاقة التي انتظرها الناس طويلاً، كون الموصل تتمتع بجيوستراتيجية بالغة الأهمية، فهي في قلب الشرق الأوسط، وتكاد أبعادها تتساوى نحو بحارٍ، مثل قزوين والأسود والمتوسط، ويمر بها دجلة نحو الخليج، وهي تصل بلدان الشرق بالمتوسط، وتصل الهند بأوروبا براً.. وتعد الموصل/ نينوى رأسا للعراق، كما يقول المؤرخ لونكريك، إذ لا يمكن للعراق أن يحيا من دون هذا الرأس، مدينة وإقليماً، نظرا لما تمتلكه الموصل من توابع جغرافية، وما تتمتع به من مكانةٍ حيويةٍ واستراتيجية منذ القدم، فضلا عن أنّ الموصل وقعت في "قلب الشرق الأوسط"، إذ تقع في مركزيته، فموقعها الجغرافي تتوازى منه المسافات بينها وبين البحار، إذ تتقارب المسافات البرية بين الموصل وكلّ من بحر قزوين والبحرين، الأسود والمتوسط، وبينها وبين الخليج العربي نهران عبر دجلة وشط العرب.

 تعد مدينة الموصل الأقدم وجوداً في هذه المنطقة بأسرها، وقد بقيت حيّةً صامدةً تجابه التحديّات، وتقارع الأعداء، وتصارع الأضداد، ولم تمت كغيرها.. إنها اليوم وأهلها عند مفترق طرق صعب إزاء المستقبل، وهي تتحدّى كلّ التوّحش والإرهاب، وعلى سكانها أن يأخذوا حذرهم من أعدائهم، ومن المتحفزين ضدّهم. ويصّر ناصحون لهم على أن يبقوا على أرضهم، وفي بيوتهم، ومتمسكين بمدينتهم. عليهم أن يقبلوا بكلّ الأوفياء المخلصين الذين جاؤوا لإنقاذهم، وأن لا يسمحوا أبداً لكلّ من تسّول له نفسه العبث بالمدينة وأهلها، سواء من العصابات أو المليشيات والقوى الحزبية والطائفية التي تبثّ التضليل والأباطيل والكراهية والثارات والانتقام الطائفي.. وعلى رئيس الحكومة العراقية والقائد العام للقوات المسلحة أن يفي بوعده وكلمته أمام العالم، أن لا يدخل المدينة إلا الجيش العراقي والشرطة. 

يأتي تحرير الموصل الذي تقوم به القوات العراقية والقوات المتجحفلة معها، بقيادة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، بناء على ضرورة تاريخية، فرضتها الظروف الصعبة التي تمرّ بها هذه المدينة والمحافظة، علماً بأنّها تعيش في قبضة داعش مع سكانها منذ قرابة عامين ونصف العام.. وأن الظروف الآن نضجت لتتم عملية تحريرها من "داعش" وإنهاء وجوده. ولكن، ما يهمنا أساساً: 
أولاً، الحفاظ على مصير الناس في الداخل، وهم يعيشون في قبضة الأعداء، ويتجاوز عددهم مليوناً ونصف المليون من البشر، في حين بلغ عدد المهاجرين والنازحين أكثر من مليون. 
ثانياً، ما الذي ستتمخّض عنه هذه الحرب في المراحل الأولى؟ ومن ثمّ البدء بالطور الانتقالي لها، وذلك لضبط أوضاعها الأمنية والعسكرية والإدارية.
ثالثاً، ما الخطوات التي يمكن اتخاذها في مرحلة ما بعد "داعش"؟ خصوصاً من الناحيتين، الأمنية والسياسية، وترتيب وضعها الإداري بالحفاظ على وجودها في الداخل.
رابعاً، تسهيلات عودة النازحين وإعادة فتح المؤسسات والمدارس والجامعات والدوائر إلى الحياة، ناهيكم عن الإصلاح وإرجاع الممتلكات إلى أصحابها، ومسألة التعويضات للمتضرّرين، والطلب من المجتمع الدولي المساهمة بإعمار ما خرّبته الحرب، وما تدمّر في المدينة، والمحافظة منذ العام 2014 وحتى التحرير. 
خامساً، لعل أهم عنصر من عناصر استقرار البلد ورجوعه إلى طبيعته يتمثل باستعادة روح التعايش، ليس بين الناس وحسب، بل مزاولة نزعة الاحترام بين مركزية بغداد والمحافظة، بعيدا عن إيجاد الحساسيات والمشكلات والتهميش والإقصاء. الموصل ومحافظة نينوى تطالب بأن تمنح خياراتها في الحياة، وأن تكون عراقية، واعتبارها جزءاً غالياً من الوطن. وعلى أهلها في الداخل والخارج البدء بصفحةٍ جديدةٍ من التعاون والعمل على ما دمره "داعش"، وإيجاد روح الألفة والمحبة بين الناس، فضلا عن إعادة التفكير في كلّ ما أنتجه الإسلام المتشدّد. 
وعليه، ينبغي وضع أسس وخطوات رئيسية وجوهرية، في أن تكون الموصل عراقية إلى الأبد، لكنها منفتحة على كل العراقيين والعالم، وقد تخلّصت من الإرهاب، بعد أن مرّت بأقسى تجربة في تاريخها، وستترتب على ذلك جملة من الحقوق التي لا يريد أحد أن تضيع، إذ يكفي ما أصاب الناس من إحباط وقهر وسبي وآلام وقطيعة واستلابات ورعب وفقدان لعناصر الحياة الكريمة والأساسية، ومن أبرزها غلق المدارس والجامعات والدوائر والمؤسسات.. تريد الموصل التعايش والسلام، لكي تبدأ حياتها في العمل من جديد، وبناء ما دمره "داعش" ببطشها، وما نتج من خرابٍ في هذه الحرب. سوف لا تستعيد الموصل وتوابعها في عموم نينوى حياتها الطبيعية، إن لم تتخلص من "داعش" وآثاره خلاصاً نهائياً، ناهيكم عن تمتع أهلها بالاحترام، وتأدية دورهم الوطني وشعورهم بالمساواة مع بني شعبهم العراقي، فإن لم يحصل ذلك، لسبب أو آخر، فللموصل خياراتٌ من نوع آخر. 
كم هي ضرورة مناقشة المجالات التي من شأنها مساعدة الموصل ونينوى، في محنتها وحالة الخروج من هذه المحنة. بجعل الموصل/ نينوى في حيّز المعاش، وإرسال رسالة تحمل الأفكار والرؤى الجديدة في الحفاظ على وحدتها، وإيجاد الفرص الهادئة بين مختلف ألوان 

الطيف مع إقرار مرحلة نقاهة، بعد إزالة هذا الكابوس عن صدور الناس الذين عانوا طويلاً، وإطلاق طاقات التواصل الحديثة، بعد رجوع الآلاف المؤلفة من النازحين والمهجرين، وتطوّير الأوضاع الخدمية، وإعمار ما هدمه داعش، أو ما تخرّب بتأثير الحرب، فضلا عن عدم المسّ بالمعطيات الديموغرافيّة من جهة أخرى، فلا يمكن أبداً إنجاح أية حملة لتغيير التركيبة السكانية الديمغرافية في أي شبر من أرض المحافظة.. وأن يشعر المجتمع بمضامين الوحدة الوطنية في حياته اليوميّة، وأن يشارك الناس في كل مكان بصياغتها وبمشاركة حقيقيّة وفاعلة. 
لا يمكن أن تدوم أية عمليات عسكرية إن لم تكن واضحة الغايات، وسيكون "التحرير" خطوة أولى لبعض الحكماء الذين يسعون إلى بلورة أفكار تأسيسّية وجامعة، ربما ستأخذ شكل سياسات، ومشروعات يمكن تطبيقها بعد انتهاء عمليات التحرير. تتطلب عودة الموصل إلى حضنها العراقي الوطني وجود خريطة طريقٍ طويلة الأمد، لتجسيد معالم فكريّة جليّة، تعاش على كلّ مستويات حياة الموصل الداخليّة.
وأخيراً، لا بدّ من إرسال رسالة، تحمل الأفكار والرؤى الجديدة في الحفاظ على وحدة الموصل، وأن ينشد الجميع وحدة الكلمة، بعيداً عن الانقسامات والاختلافات والصراعات، خصوصا من السياسيين في الموصل ومن يمثّل المحافظة في مجلس النواب، وفسح المجال لكي يقول أبناء الموصل كلمتهم الحرّة، وإيجاد الفرص الهادئة بين مختلف ألوان الطيف، مع إقرار مرحلة نقاهة بعد إزالة هذا الكابوس عن صدور الناس الذين عانوا طويلاً ، وإطلاق طاقات التواصل الحديثة، بعد رجوع الآلاف المؤلفة من النازحين والمهجّرين، وتطوير الأوضاع الخدمية، وإعمار ما هدمه "داعش"، أو ما تخرّب بتأثير الحرب، فضلا عن عدم المسّ بالمعطيات الديموغرافيّة، فلا يمكن أبداً إنجاح أية حملة لتغيير التركيبة السكانية الديمغرافية في أيّ شبرٍ من أرض المحافظة .. وحاجة الشعب إلى مضامين الوحدة الوطنية في حياته اليوميّة، وأن يشارك الناس في كلّ مكان بصياغتها وبمشاركة حقيقيّة وفاعلة. ستكون هذه الرؤية، في حال نجاح تجربة الموصل بعد المحنة، مثلاً حقيقياً أو نموذجاً يحتذي به كلّ أبناء العراق مستقبلاً. وأرى أن جملة تحوّلات تاريخية ستعقب تحرير الموصل، لا تقتصر على العراق وحسب، بل على غيره في المنطقة.

(العربي الجديد) لندن

 

قبل معركة الموصل

سيّار الجميل

يترّقب العالم اليوم، كما تشير وكالات الأنباء العالمية، اندلاع معركة الموصل، إثر دخول التوقيت المحدّد بساعة الصفر مرحلته النهائية. ويبدو أن الولايات المتحدة قرّرت حسم هذه المعركة التي ستقضي على أخطر تنظيم إرهابي في الأرض.. ولكن، لا تُعرف ما هي القوى اللوجستية المساندة والمشاركة للجيش العراقي في مهمته الوطنية المشرّفة. يرحب أهل الموصل، وكلّ أبناء إقليم نينوى، بكلّ القوى الخارجية والداخلية المساندة والمشاركة في مهمّة التحرير، لكنهم لا يقبلون ألبتة دخول أيّة مليشيات طائفية ترتبط بإيران مدينة الموصل، إذ لا يريدون تبديل لطخة ظلامية سوداء بأخرى دموية حمراء، لها ممارساتها السالبة مع مناطق وجهويات سنيّة أخرى في العراق. وعلى الرغم من وجود الآف المسلّحين الذين يريدون اكتساح الموصل، إلا أن "رسالة" يريد أن يوجهها أهل الموصل إلى رئيس الوزراء، حيدر العبادي، كونه القائد العام للقوات المسلحة، أنّ كارثةً ستحلّ بالموصل، في حالة دخول أيّة مليشيات طائفيّة الموصل، فإن كان يوجّه خطاباته إلى أهل الموصل، ويطالبهم بالتعاون من أجل تحرير أرضهم وجغرافياتهم فهم يطالبونه بأن لا يحقّق للمليشيات الطائفية رغبتها وأغراضها أبداً، وأن يحول دون أيّة ممارساتٍ لا إنسانيةٍ ضدّ أهلنا في الموصل. السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يتم القبول بكلّ القوى الوطنية والإقليمية والخارجية بتحرير الموصل، ويتمّ رفض هذه المليشيات رفضاً قاطعاً؟ يبدو السبب واضحاً: أن قطيعة تاريخية قديمة حدثت بين الطرفين، وأنّ للمليشيات الطائفيّة أجندتها السياسيّة والايديولوجية، وهي تعبّر تعبيراً علنياً عن سياسات إيران. وعليه، فهي بذلك قد خرجت من ثوب الوطنية العراقية، لكي تكون في خدمة إيران وسياساتها، خصوصاً أن للموصل تاريخها المتشنّج والمأزوم ضدّ إيران منذ مئات السنين. 
إنّ دوراً مهماً يلعبه المقاتلون في هذه الأيام بمختلف أنواعهم، مع دخول أسلحةٍ جديدةٍ تستخدم، أوّل مرّة، من أجل حملة استعادة السيطرة على الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق، والتي هيمن عليها تنظيم داعش الإرهابي، وبطش بها منذ عام 2014. ومثلما كان سقوط الموصل بأيديهم، قبل سنتين ونصف السنة، مجالا لتحقيق مزيد من كسب العراق، أو قضمه، لكي يصلوا إلى أطراف بغداد، فانّ من المرجح أن يكون التحرير واستعادة إقليم نينوى من براثن داعش نقطة تحوّل في تنظيف المنطقة كلّها منهم، والسيطرة على آخر معقل للمسلحين في العراق. مضت عدة أشهر طوال من التأخير، ومع بداياتٍ خاطئةٍ في التعامل مع الإرهاب. ولكن، تبدو 

حملة الموصل تدخل المرحلة النهائية الآن. وقد وضعت الخطط للمعركة المقبلة، خصوصاً بعد استعادة قوات البيشمركة الكردية عدة قرى شرق االموصل، وبعد السيطرة الناجحة على قاعدة الكيّارة الجويّة، وهي على بعد 40 ميلا جنوب الموصل، ويحدّد كلّ من العراقيين والأميركيين وكلّ الشركاء الدوليين منطقة انطلاق استراتيجية للهجوم على المدينة. وقد تعهّد مسؤولون أكراد بأنهم يخططون للتقدّم إلى داخل حوالي 10 أميال من أطراف مدينة الموصل، من دون الدخول إليها. معنى ذلك أن المعركة الأساسية سيلعبها الجيش العراقي، في حين تلعب البيشمركة دوراً داعماً. ويتوّقع مقاتلون بيشمركة في خطّ المواجهة حدوث معركة دامية وطويلة ومعقدة في المستقبل، في حين يؤكد المقاومون من أهل الموصل، وفصائلهم الوطنية التي يقودها أثيل النجيفي، بأنّ مقاومة العدو ستبدأ في الانهيار، حال اندلاع المعركة الفاصلة. 
أما الجنرال الأميركي، شون ماكفارلاند، فقد بدا متفائلاً في قوله "الأهداف سهلة جداً لنا"، وقد أبلغ الصحفيين أنّ "الدواعش تكبّدوا خسائر جسيمة جداً، فقد قتلت قوات التحالف ما يقرب من 45000 مقاتل من المتشدّدين، وإنّ الأعداد المتبقيّة منهم تقدّر بين 15000 إلى 30000 محارب، هم الأقلّ فعاليّة والأضعف ممّا كانوا عليه في الماضي". وأضاف "عندما نذهب إلى مكانٍ ما، من السهل أن نذهب إلى هناك الآن مقارنةً بما كان عليه الوضع قبل عام، وغدا العدو أضعف من المواجهة في معركة مصيرية". وعليه، لا يمكن الاستهانة بمقاتلين شرسين جداً، خصوصاً أنهم يتوزعون على امتداد الخطوط الأمامية، فمن المتوقع حدوث مقاومةٍ شرسةٍ من القناصة، وربما تكون "غير مسبوقة" مع استخدام عبواتٍ ناسفة وهجومات انتحارية مع محاولات مخادعة، وربما تكون يائسة ومعبرّة عن "الموقف الأخير"، لأنه ليس في استطاعة أحدٍ من هؤلاء المسلحين التراجع أو الاستسلام، اذ يستدعي ذلك الغضب والموت الشنيع. 
يتابع ماكفارلاند: "الكفاح من أجل الموصل يختلف عن أيّ شيء آخر رأيناه في العراق، نظرا لأهمية المدينة استراتيجيا، وكونها اتخذها داعش مركزاً حقيقياً له، فالموصل هي التي تشغلنا جميعا أكثر من أيّ مكان آخر". وعليه، من يسمع هذا كله سيعتقد أنّ المعركة ستكون دموية. من غير الواضح متى سيبدأ القتال بشكل جدّي، أو كم من الوقت سيستغرق ذلك. وقد رفض ماكفارلاند الكشف عن جدول زمني لعمليةٍ يقوم بها الجيش العراقي جنوب الموصل، ولكن من المتوّقع أن يؤدي الهجوم بكفاءة مع جنود الولايات المتحدة في مركز الخدمات اللوجستية جنوب المدينة، والمتخذ من قاعدة الكيارة الجوية دائرة له. 
وقد توّفرت لكلّ من الجيش العراقي والبيشمركة الأكراد، في ربيع العام الجاري، جملة من 

المعدات الهائلة، مثل ناقلات جند مدرعة ومدافع الهاون والأسلحة المضادة للدبابات مع أسلحة جديدة، اكتملت التدريبات عليها في دورات مدة ثمانية أسابيع. وفي الشهر الماضي، وقعت وزارة الدفاع العراقية اتفاقاً لتزويد القوات الكردية بمبلغ قدره 415 مليون دولار لدفع رواتب للمقاتلين، ولشراء المواد الغذائية والوقود والذخائر والإمدادات الأخرى. ويوضح المتحدّث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، رانكين غالاوي، أنّ تسليح الأكراد عملية حسّاسة، وإن أيّ اتفاق كردي مع حكومة المركز يثير معارضة من أعضاء في البرلمان. 
مصدر المشكلات والتوترات والأزمات في العراق قوى لا تريد استقراره وتقدّمه. وكان من نتائج سوء سياسات رئيس الحكومة السابق، نوري المالكي، كارثة سقوط الموصل، بعد أن حكم دورتين ثماني سنوات، شهد العراق في أثنائها أسوأ حرب أهلية، وغرق العراق في الفساد والتفكك بين بغداد وأربيل ليست جديداً. ولم يزل هذا الرجل يثير المشكلات والنعرات والانقسامات. ويرجح أن استعادة الموصل (وتحريرها) ستكثف الصراعات الداخلية على السلطة. وإن جملة تحوّلات استراتيجية ستحدث، ليس في العراق وحده، بل في كلّ المنطقة، فمن المتوقّع ان يحافظ العراق على وحدته بولادة أقاليم بديلاً عن المحافظات الحالية .. كما أن التوقعّات تشير إلى حدوث تبدّلات جذرية في العملية السياسية، وتغيير النظام السياسي إلى نظام سياسي عقلاني من نوع آخر، مع تحجيم دور إيران في العراق. 
ويعتقد مراقبون عديدون أنّ تحرير الموصل والمناطق المحيطة بها (يسكنها خليط من المسلمين العرب السنة، والمسيحيين السريان والكلدان والآشوريين واليزيديين والأكراد والتركمان والشبك) سوف يؤدي إلى تفاقم التوترات العرقية والدينية. وعليه، من أجل أن لا يقود الصراع إلى حدوث مظالم جديدة، وانتهاكاتٍ طويلة الأمد بشأن توزيع السلطة والأراضي والنفط، فمن الأجدر تأسيس إقليم نينوى، ومركزه الموصل، للمحافظة على مصالح أبناء الإقليم، ووحدتهم المستقبلية وخصوصياتهم الاجتماعية والثقافية، فضلاً عن قدرة الإقليم في الدفاع عن أهله كلهم، وعودة النازحين والمهجّرين إلى بيوتهم، والمطالبة وطنياً ودولياً بتعويضات كلّ المتضررين بدمائهم وأعراضهم وأموالهم وأملاكهم، مع إعادة فتح المدارس والجامعات.. ومعاقبة كلّ المجرمين الذين قاموا بعمليات القتل والبطش وهتك الأعراض، ولعلّ من أهم الضرورات فرض الأمن والعدالة وإعادة القضاء وفرض القانون، خوفاً من وقوع عملياتٍ وحشية، كما تؤكد على ذلك جماعات حقوق الإنسان.

(العربي الجديد)

 

الموصل ليست

حلبةً لرقص الآخرين

سيّار الجميل

 

قال الرئيس الأميركي، باراك أوباما إن المعركة الفاصلة ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل لاستعادة المدينة من قبضة داعش قد تبدأ "سريعاً إلى حدّ ما"، وأقرّ بأنها ستكون صعبة، مشيراً إلى أنّ الموصل "مدينة كبيرة"، وأنّ "الدولة الداعشية رسّخت نفسها بقوة داخل هذه المدينة"، لكنه استدرك: "نحن على ثقةٍ من أننا في موقفٍ يمكّننا من التقدّم سريعاً"، مضيفاً أنه يتطلع إلى إحراز تقدّم بحلول نهاية العام الحالي. وشدّد الرئيس الأميركي على ضرورة إعادة بناء الموصل "لمنع المتشددّين من العودة إليها"، وقال إنه سيطلب من الكونغرس، ودول أخرى، تقديم الدعم لتلك الجهود. وقد سقطت الموصل في قبضة التنظيم في يونيو/ حزيران 2014. 
وتمّ التأكيد على أنّ استعادة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، بحلول نهاية العام الحالي. ورجح عسكريون عراقيون أن يبدأ هذا الزحف في النصف الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل. وتضمّ الموصل قرابة مليونين من السكان المدنيين الذين يرفضون رفضاً قاطعاً دخول الفصائل والمليشيات الطائفية إليها، وكلّ المتحالفين معها. وحذّر مسؤولون من وقوع كارثةٍ إنسانيةٍ داخل المدينة، حيث يعيش السكان تحت حكم الحديد والنار لتنظيم داعش. الأخبار شحيحة جداً من داخل الموصل ومأساتها الحقيقية، إذ تضاءلت إمدادات الغذاء، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني. ثمّة عمليات مقاومة ناجحة، يقوم بها مسلحون من أبناء المدينة مع سلسلة إعدامات تجري يومياً ضد كلّ من يحترز جهاز موبايل. وقد انقطعت الأخبار نهائياً، بعد أن أقدمت "داعش"، قبل شهرين، على قطع كلّ وسائل الاتصال الإلكتروني، فانعزل الناس انعزالاً كاملاً، ولا تعرف الآن ظروفهم وتفاصيلهم المأساوية. 
من أبرز ما يمكن التفكير فيه لا يقتصر على مسألة إرجاع أرض أو عودة مدينة، على الرغم من قناعة غالبية الناس بأنها لن تسلم من الدمار والخراب، كالذي حدث في رصيفاتها التاريخية، حلب والرمادي، مع اختلاف طبيعة الأحداث بين المدمِّر والمدمَّر. ولكن، لم يستبق أحد التفكير والمناداة بالعمل لوجستياً في خطط، حتى لو كانت بسيطة، لما بعد تحرير الموصل، خصوصاً أن ما شهده المجتمع في المدينة، وتوابعها في الأطراف، كان عصّياً على الفهم والتفكير، فقد أخليت الموصل وأطرافها من المسيحيين الذين اختاروا النفي، وأجبر بعضهم على المغادرة وترك بيوتهم وأملاكهم نهائياً، ناهيكم عن الاستئصال الإجرامي الذي مورس ضد شرائح معينة من السكان، وفي مقدّمتهم اليزيدية والشبك، وكلّ من تعامل سياسياً أو عسكرياً أو إدارياً أو تشريعياً في مرحلة ما بعد عام 2003. 

السؤال المثير: هل كانت هذه التجربة المريرة بسقوط الموصل تحت بطش أقذر احتلال ظلامي افترس المجتمع وأخلاقياته وثقافته، ودمر رموزه المعمارية والحضارية، سبيلاً حقيقياً ومنطقياً لتوحّد أبناء الموصل ونينوى، وجعلهم يفكّرون بطرقٍ جديدةٍ، لا علاقة لها بما كانوا يفكرون به قبل المأساة؟ وهل استدعى ذلك كلّه، لكي يبحثوا في مصيرهم لما بعد التحرير؟ ما يخشى منه العقلاء من أبناء الموصل، وإقليمها نينوى، أن يرقص الآخرون على دماء أبنائها، والعراق يعيش فجيعة دولة عراقية ضعيفة وانفلات أمني، وانهيار وتفكّك اجتماعي، وانعدام روحٍ وطنيةٍ، وبطش مليشيات وعصابات موالية للآخرين. وما يسمعونه من دعواتٍ تطلقها أكثر من جهة لتقرير مصيرها، وعلى ألسنة كلّ من هبّ ودب، من دون أيّ تقديرٍ لظروف المحنة التاريخية التي عاشتها الموصل وسكانها. من التعاسة أن يوزّع الأحكام أولئك الذين لا علم لهم بقيمتها، وهم بعيدون عنها جغرافياً، ولا يفقهون علاقات الناس بعضهم بالآخر.. ما يحمّلهم هموماً وكمداً سيكولوجياً لا يعرف مداه إلا الله. كلّ الخوف أيضاً أن تستعر أيّة حربٍ أهليّة داخلية، خصوصاً أنّ موصليين متشدديّن قد روّجوا "داعش" منذ سنوات، بل وأصبحوا دواعش بامتياز ضدّ أهلهم ومجتمعهم، ناهيكم عن خطر الأطراف على الدواخل، وسحق النسيج الاجتماعي. 
ما تتعرّض له المنطقة اليوم أتعس بكثير من المرحلة الصعبة التي أعقبت "سايكس- بيكو" ومؤثراتها الجيوسياسية، فكيف بنا اليوم، ونحن نشهد صراعاتٍ طائفيةً وتشرذماتٍ مذهبية، وحكومات بائسة لا تعنيها المصلحة العامة، ولا مصائر الشعوب، ولا محنة البشر. مصير الموصل سيحدّد سمات مرحلة مستقبلية مقبلة، ترسم بدم الناس الأبرياء الذين كانوا حطباً لنارٍ أشعلها كل من الطغاة والمتشدّدين في بلدانهم، بل وسمحوا لعصاباتٍ ومليشياتٍ بالعبث والتدمير. 
من المهم تحرير الأرض من "داعش"، لكن الأهم هو مصير الإنسان ما بعد "داعش". إنّ طوراً انتقالياً مهمّاً جداً ينبغي أن يمر خلال الشهور الأولى، وتتمثّل خطورته بما سيجري على الأرض، والعناية بالإنسان في مجتمعٍ انسحق تماماً من الناحية النفسية، بعيداً عن أي تصريفاتٍ عرقيةٍ، أو أيّة تمايزات دينيّة أو مذهبية أو طائفية.. مرحلة تتضمّن وحدة الرأي مع وحدة الهدف، وبعيداً عن أيّة تجاوزات جغرافية أو جيوبوليتيكية ما أنزل الله بها من سلطان على الموصل، وحدة إدارية جغرافية ديموغرافية. ولا يمكن إلغاء علاقات المجتمع فيها بمحيطه ومصالحه، فالموصل وإقليمها على أقل تقدير لا يمكن اعتبارها واعتباره مجرّد أسلاب حربٍ لهذا الطرف أو ذاك، وكأنها مشاعة ومن دون أصحاب، وكأنهّم يتعللّون بمصطلح سياسي ظريف ومثير وقليل الاستعمال في ثقافاتنا العربية والشرقية، مطاطي وذو أوجه متعددة، وترجمته باللهجة الموصلية "كل من يريد ما يعفّ"، أو بالسورية "كلّ من إيدو إلو". 
وعليه، لا يمكن لأيّ طرفٍ في داخل العراق وخارجه أن يوزع الغنيمة على أهله من دون أيّ معرفةٍ سابقةٍ بدقائق الجيوبوليتيكية للموصل ولإقليم نينوى، وعلاقاته التاريخية والعضوية مع جيرانه، وخصوصا إقليم كردستان الذي كان حاضنةً آمنة لكلّ المهاجرين والنازحين، ويحدثنا التاريخ أنّ الموصل ونينوى كانت حاضنةً آمنةً لكلّ من كان يلجأ نحوها، أو ينزح إليها من أعماق الجبال. هكذا، يمكن القول إنه من دون الالتفات إلى أهل المدينة وأهالي إقليم نينوى (باستثناء كلّ الدواعش منهم) عن مصيرهم المقبل، إثر خروجهم من المحنة القاسية بحول الله قريباً، فلا يمكن للآخرين أن يرقصوا على حلبة الموصل، وكأنها ملك لهم. وعليه، ليس لهم الحق في فرض وصايتهم عليها أبداً والعبث بمقدّراتها. 
أساء بعضهم تفسير معنى إقليم الموصل، أو المطالبة بإقليم نينوى، إذ ما يزال بعضهم يتخيّل العراق ما زال قوياً وموحداً، والآخر لم يزل يفور وطنيّة في متخيله السياسي، ويرفض الآخر التعامل مع آليات ما بعد عام 2003، وأنا معهم جميعاً. لكن، للضرورات أحكام، خصوصاً أن الموصل التي تعرّضت لأسوأ الأحداث مدينة قديمة عريقة، وتضمّ مجتمعاً متنوعاً. كانت ولايةً عثمانيةً قويةً وثقيلةً بعدد سكانها وتنوع ثرواتها قديماً، وتضمّ سناجق (ألوية) عديدة، ثم غدت مركز لواء بعد سقوطها بيد البريطانيين عام 1918، وغدت سناجقها ألوية، كأربيل والسليمانية وكركوك، وبقيت لواءً، حتى صدر قانون المحافظات إبّان السبعينيات، لتغدو محافظة، وانفصل عنها قضاء دهوك، ليغدو محافظة، ثم جاء الغزو الأميركي عام 2003، وتأسيس إقليم كردستان، فانفصلت عنها أقضية عقرة وعين سفني وسنجار وغيرها. ثم احتلها "داعش" عام 2014 وهروب قوات الجيش العراقي، بأوامر من رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، الذي يعد المتهم الأول بسقوطها. 
اليوم ستحرّر الموصل. ولكن، لا يمكنها أن تبقى رفقة إقليمها معرّضة، ليس للتقسيم وحسب، بل للانسحاق بتجريدها من إقليمها. تعد المطالبة بإقليمها إدارياً ضرورة تاريخية، لا يمكن أبداً إبقائها عرضةً للآخرين، كي يفعلوا بها ما يريدون، بمعزل عن أهلها أصحاب المصلحة الأولى في تحديد مصيرهم ومستقبل أجيالهم .. وتقتضي الضرورة فرض أحكام عرفية، فور تحريرها، وأن يفرض الأمن عليها فرضاً. 

(العربي الجديد)

 

إقالة وزير الدفاع...

مهزلة برلمانية في العراق

سيار الجميل

 

صوّت البرلمان العراقي، قبل أيّام، على إقالة وزير الدفاع خالد العبيدي عن منصبه، في خضم الموجة السياسيّة المهترئة التي تتّصف بها العملية السياسيّة في البلاد، وجاءت الإقالة بطريقة سياسيّة هزلية وغير تشريعية، بل وعدّت بمثابة أخذ ثأر شخصي، ذلك أن الوزير فضح بعض الجوانب الفاسدة، وأعلن عمن اعتبرهم نواباً فاسدين، ومنهم رئيس البرلمان نفسه، وكشف لأول مرّة عن صفقات وابتزازاتٍ تعرّض لها منهم. لم يتهّم الجميع، فثمّة من هو أكبر منه يمثّلون حيتان فساد وتنانين متوّحشين في نهب المال العام. شهدنا اللقاء العاصف تلفزيونياً، وسمي يوم الاستجواب، كانت قد تقدّمت بطلب تحقيقه نائبة من اللواتي لهنّ مع الوزير قضايا متعلّقة في المحاكم، بسبب تهم وطعون قدمتْها ضدّه. وهنا، يفتقد الاستجواب شرعيته، إذ بين المستجوِبة والمستجوَب قضايا أمام القضاء، لكنها، كما يبدو، مؤامرة دبرّت ضدّ الوزير في مثل هذا الوقت. 
يبدو واضحاً أنّ كلّ التساؤلات التي تحمل طعوناً واتهامات إضافية، إذ كان الوزير نفسه قد تعّرض لاستجوابٍ سابق قبل شهور، قامت به نائب أخرى، والاثنتان تنتميان إلى الفصيل السياسي الذي يرعاه نوري المالكي، وهو المتهّم الأكبر في أسوأ التهم الخطيرة التي يصل بعضها إلى الخيانة العظمى، من دون أن يحاسبه أحد. كان الاستجواب الأول قد مضى على خير، بسبب اهتراء تلك الطعون وقِدمها قبل تسلّم الوزير حقيبته. ولكن، في الاستجواب الثاني، وجدنا الوزير يعلن، منذ البدء، في الاجتماع البرلماني، أنّ مؤامرة مبيّتة قد جرت لاستجوابه، وتوقّع إقالته. وقال، مستطرداً، إنّه كان يتعرّض لضغوط كبيرة من الساسة والنواب العراقيين، لكي يوافق لهم على عقودٍ وصفقاتٍ وعمولات، كون وزارته من أغنى الوزارات.. بمعنى أنّ استجوابه الثاني كان وسيلةً للضغط والإكراه، أو إقالته للإتيان بوزير آخر، يكون ألعوبةً بأيديهم. 
وعليه، التقى الوزير بعض رؤساء الكتل، لكي يقفوا معه في أزمته، لكنهم خذلوه، وهم يعلمون جميعاً أنّ البلاد تمرّ بأقسى الظروف، وتعيش حرب الجيش العراقي ضد "داعش"، والتقدّم الذي يمتد نحو الموصل لتحريرها. وسواء كان الوزير مسؤولاً أو غير مسؤول عمّا يتحقّق من نجاحاتٍ عسكرية، فهو يبقى وزيراً للدفاع، ويمثّل رمز مؤسسّة عسكريةٍ، مهمّتها هذه الأيام مقدّسة، في نظر العراقيين جميعاً.. وسواء رضينا أم لم نرض بهذا الوزير، كونه وصل عن 

طريق المحاصصة السياسية والطائفية، فهل كان غيره من الوزراء والنواب قد أتى إلى منصبه ضمن أجندة وطنية مشروعة على أسس الكفاءة وحسن السيرة والأخلاق؟ كل النواب العراقيين لا معرفة لهم أبداً بالشؤون العسكرية، ققد أغلق الاجتماع، هذه المرة، وجعل التصويت سرياً من أجل إقالته، فكانوا 262 نائباً، صوّت 142 نائباً منهم على إقالته، وصوّت 102 منهم على رفضها، وامتنع 18 عن التصويت. فإن كان الحق دستورياً ورقابياً، مارسوه ضمن مادة دستورية، فقد وقعوا في خطأ جسيم بمجرد تفكيرهم السيئ، من دون أن يراعوا الظروف التي يمرّ العراق بها، وجنودهم يقاتلون "داعش" قتالاً مصيرياّ، وهم يتقدّمون باتجاه مدينة الموصل لتحريرها، ومن دون مراعاة أنّ إقالة وزير دفاع نشيط، وجده الناس يتنقّل من مكان إلى آخر، على الرغم من أنه مهندس عسكري فني، وليس ضابطاً أو قائداً ميدانياً. 
وزارة الدفاع، في مثل هذا الوقت، هي التي ستحدّد مصير العراق، والجيش العراقي، كما يبدو، هو غير الجيش الذي انهزم أمام داعش من الموصل، وتركها طعماً له على عهد المالكي. ونسأل: لماذا لم يستجوب البرلمان وزير الدفاع السابق، نوري المالكي، ولم يصوّتوا على إقالته، علماً أنّ العبيدي لم يرتكب جريمةً كالتي اقترفها المالكي وضباطه؟ ربما كانت للوزير المقال أخطاؤه، لكنها لا ترقى أبداً إلى إقالته بمثل هذه الكيفية المسرحية.. ظهرت عاصفةً من الاحتجاجات العراقية على شبكات التواصل الاجتماعي ضدّ هذه الإقالة، وعبرّت عن ضمير شعبي، خصوصاً أن الوزير المقال كسب الجولة لدى الشعب، وانتصر لصوت الحق بعيداً عن الطائفية المقيتة.
نعم، اكتسب الوزير شعبيةً مباشرةً واسعةً لدى العراقيين الذين وجدوا فيه الشجاعة التي كشف لهم من خلالها جملةً من الفضائح والاهتراءات لبعض النواب والمسؤولين. وقد وجد أغلب النواب وزعماء الكتل السياسيّة أن الوزير لابدّ أن يُعاقب، ويقطعوا دابر الأمر بإقالته، كي لا تنفضح جرائمهم الأخرى بحقّ الشعب. ولكن الوزير لم يقل لمثل هذا السبب أو ذاك فقط، بل يعتقد بعضهم اعتقاداً راسخاً بأنّ الوزير ما دام ابن الموصل، فلا يمكن أن يبقوه وزيراً للدفاع، خوفاً أن يكون بطلاً في تحريرها من "داعش" (!). وهناك من يقول إنّ إيران كانت وراء هندسة هذه المسرحية والإقالة والتحريض على استجوابه، وفرض الضغوط عليه، كونه رفض تصريحات قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، بإصرار الأخير على دخوله الموصل، إذ تعد هذه المدينة عدواً تاريخياً لايران، بسبب تاريخها الوطني الحقيقي في صدّ جيوش إيران عن العراق منذ مئات السنين، فلم تزل إيران تضمر للموصل الحقد والكراهية العمياء، فكان أن دبّرت هذه المؤامرة التي نفّذها من يسير على نهجها، ويؤمن بسياساتها من أتباعها العراقيين، أو من سيق إلى ذلك جرّاء غبائه، أو كرهه الشخصي الوزير المذكور. 
وبين استجواب الوزير وإقالته أيام، يزور في أثنائها رئيس البرلمان، سليم الجبوري، إيران، ولا 

نعرف ما الذي دعاه لزيارتها، إلا لكي ينال رضاها، ثم يعود من أجل إقصاء وزير الدفاع الذي كان ندّا قويّاً للجبوري بفضحه له، علماً أنّ القضاء العراقي لم يكن عادلاً أبداً ، بل مسيسّا منذ زمن بعيد، فقد أجرى تحقيقاً شكلياً في نصف ساعة مع الجبوري، وأرجعه سالماً إلى منصته، بيقوم بإقصاء من فضحه بتورّطه مع نواب آخرين في سلسلة من التهم الذي تصل إلى حدّ الجرائم. 
ويشيع بعض النواب أنّ الوزير المقال كان يسبّ النواب ويشتمهم، واتهم بأنّه لم يكن مهنياً، وانمّا تعامل بشعبوية تفتقر للذكاء والحكمة (كذا)، وهذه جملة اتهاماتٍ كيديةٍ، فالكلّ شهد جلسة الاستجواب وراقبها، وتحلى الوزير فيها بالصبر والأدب، لكنه كان يردّ على الإساءات التي يسمعها من هذا وذاك من نواب غير مؤدبين بمثلها، وكانوا يجلسون أمامه، وكان رئيس الجلسة بالنيابة يصرخ بوجهه بلغةٍ متهدّجةٍ مكسرّة، من دون أن يضبط الجلسة الكوميدية، أو يضبط نوابه، إناثاً وذكوراً، ممن كانوا يُسمعون الوزير كلاماً قاسياً وجارحاً، وقد تصرّفت نائبة بما لا يليق مع وزير دفاع وهيبته أمام الملايين. وكانوا قد سألوه: لماذا أخفيت هذه المعلومات، من دون أن تعرضها سابقاً، فأجاب مباشرة بأنه كان يطلع رئيسه، حيدر العبادي، عليها أولاً بأول. 
يضيف البرلمان العراقي مشهداً هزليا آخر، وخطيئةً أخرى، بإقالة وزير الدفاع بهذه الطريقة التي شهدها العالم، بحيث يقترف نواب تعساء ونائبات شعبويات أسوأ الافعال الصبيانية، ومن دون أيّة لياقة في تصرّفاتهم، أو لباقة في حواراتهم، أو احترام لبلدهم، أو تأمل في مصيرهم. وكنت أتمنى أن يتهّم الوزير بتهم ترقى الى الخيانة أو الجريمة، حتى يصوّت على إقالته ومحاكمته، ولكن أن يصل الأمر إلى أن يُقال لأسباب سياسيّة وتآمرية وكيدية تافهة، فهذا إسفافٌ يُضاف إلى مستوى نظام الحكم الكسيح الذي أوصل العراق إلى أدنى درجات الحياء. 
من لديه أية معلومات أو أسرار يمكن أن تدين الرجل مطالبٌ بأن يكشفها. وكنت أتمنّى أن يحال كلّ المشبوهين من المسؤولين الكبار السابقين والحاليين، من رئيس وزراء سابق ووزراء ورؤساء كتل سياسية وسفراء ومسؤولين، إلى المحاكم بعد إقالتهم، فهم أولى بالإقصاء من دون أن يصبح وزير الدفاع وحده كبش فداء. ولكن، ينبغي القول إن العراقيين، كما يبدو، قد تعاطفوا معه، وهم يعتزون بشجاعته ومواقفه.

(العربي الجديد)

 

سلطة برلمان أم  حمّام نسوان ؟؟



 

د. سيّار الجميل



 

يقال ان حمامات النسوان في العراق خلال ازمنة مضت ، كانت تشتهر بالفوضى والصياح والمناكفات والمهاترات والضرب بالقباقيب وحالها حال سوق هرج  مرج .. لا ادري لماذا تبادر الى ذهني ذلك ، وانا اتابع خلال اليومين السابقين ما جرى في جلسة البرلمان العراقي بصدد استجواب وزير الدفاع من قبل بعض النائبات والنواب الذين اتت بهم الصدف التعيسة ليكونوا ممثلين للشعب العراقي كمشرعين ومراقبين في سلطة سامية تمثّل في بلدان اخرى ذروة النخب بانتخابهم على اساس الكفاءة والاهلية وحسن السلوك والتاريخ الوطني المشرف  ، فاذا بهم  في العراق مجموعة مافيا  ليس لها الا التدليس والاختلاسات والعلاقات المريبة  .. ومذ جاءوا ليتصدروا على كراسيهم ، انتقدت وصولهم نوابا الى البرلمان ، فوصلني عتب بعضهم عليّ ، فأجبته قائلا : هؤلاء في اغلبهم غير مؤهلين ان يكونوا مشرعّين لقوانين ومراقبين دستوريين ، بل اصلح لهم  ان يقوموا بدور كومبارس في مسرحيات هزلية ساذجة !

راقبوا كيف تحوّلت الجلسة الى سوق هرج ومرج ، اذ لا حرمة  للجلسة ، ولا تقاليد  في الحديث ، انه اداء مهرجين في عرض كومبارس  يشاهد في سيرك تافه :  هذا قاعد ، وذاك واقف ،  والاخرى  تذهب تجادل الوزير على المنصة ، ونائب يشتم ، والاخر يلعب باذنه ، وآخر بخشمه  واخرى  تبقى صائحة كالديك ، وأخرى تعلك وتوزع الابتسامات وهي غير مبالية  ! والاخر يصّور المشهد المزري ،  ووزراء قدماء يهذون ، احدهم  يقاطع الاخر  ، ونائب يعانق نائبا وكأنه في مقهى او شارع  ..  ورئيس برلمان اصغر من حجمه ، وهو لا يراعي التقاليد ويترك مكانه لنائبه ، وبحركته الهستيرية ، ثبّت رئيس البرلمان التهمة على نفسه  ، وهو ونائبه لا يمتلكان اية مزايا بسيطة في ادارة الجلسات ، وكان البعض ساخطا لا يتكلم  ..  صورة كاريكاتيرية مهينة مضحكة ومبكية وكأننا في سوق الصفارين حيث لا يسمع المتكلم صوته أو ( ..... )   .!!

لقد شغلوا كل العراقيين بما دار من مناكفات مع اطلاق شتائم  وخروج النواب ورئيسهم عن اخلاقيات العمل النيابي ، وكيلت الاتهامات الشخصية بالجملة ، واطلقت الاهانات ضد الوزير وهو برتبته العسكرية ، فرد عليهم  !  لقد قدّم نواب الامة مشهدا مزريا ومهينا للعراق والعراقيين امام كل العالم ، وخصوصا من اشخاص لا مؤهلات لهم ، ولا تواريخ مشرفّة لديهم وقد طعن في تصرفاتهم ، فان كان وضع البعض من الاسماء ، فما بالنا ان انفضح الجميع ؟  لقد انشغلنا بقضايا فساد ومكاشفات عن جرائم  مالية وعقود وهمية وعن علاقات غير نظيفة ابدا  .. تذكرت احد صفوف مدرسة مليئة بالاطفال المشاكسين ، وقد غاب المعلم عنهم  لوهلة بسيطة  ! وبنفس الوقت تذكرت مقارنا جلسات البرلمان الاوربي الموقرة في بروكسل الذي حضرت بعضها  عام 2005  !

 في برلمانات العالم ، الاعضاء يتصارعون ويتناكفون سياسيا وايديولوجيا من اجل قضايا وطنية ، او مشروعات سياسية ، او برامج تنموية  ، اما ان تصل صراعات المسؤولين العراقيين ، وخصوصا عن نواب يمثلون شعبهم كسلطة تشريعية في قضايا نهب وعقود وهمية وعلاقات غير نظيفة  وبيع مناصب وشراء ذمم ، ووكلاء سيارات ، وتوظيف ووساطات وترقيات وكلها محسوبيات ومنسوبيات ، فان ذلك يدل دلالات فاضحة عن سوء هؤلاء المسؤولين لا يمثلون في الحقيقة ضمير العراقيين ، بل يمثلون اسوأ الاحزاب والتكتلات والتيارات في التاريخ ، اذ يبدو ان 95% من هؤلاء هم مافيات وعصابات تتعامل مع بعضها الاخر باوسخ اساليب الفساد  من اجل الكسب غير المشروع والنهب المنظم وتدمير العراق .  فان كان هذا هو حال مجلس النواب كسلطة تشريعية بائسة ، فما بال وضع السلطة التنفيذية في العراق ، وهي تتألف من وزراء قدم اغلبهم من هذا المستنقع الآسن؟؟؟   سنوات عجاف مضت ، ونحن واقفون ضدهم  وضد ممارساتهم البشعة ، وتفاهاتهم  وسوء سياساتهم واخلاقهم وممارساتهم ، والعالم كله يدري بما يجري في العراق على ايدي هؤلاء المسؤولين الجدد الذين ضيعوا البلاد واحرقوا مواردها ومزقوا مجتمعها واساءوا لثقافة ابنائها ووظفوا  كل ابنائهم واقربائهم ومحسوبيهم في السفارات .. وجعلوا الغرباء يسرحون ويمرحون في ارض العراق من دون اي تغيير  !  

 والسلطة القضائية لم تتحرك ابدا في التحقيق بكل الجرائم التي جرت منذ سنين ، كي تأتي اليوم لتتحرك على استحياء فهذه السلطة  لا استقلالية لها ابدا  ، وكانت ولم تزل اداة طيعّة بايدي مراكز القوى السياسية  والطائفية .. اما رئيس الدولة ، فكأنه دخل سردابا لينام نومة اهل الكهف وهو لا يدري ما الذي يفعله هؤلاء ، او  انه قد شاركهم  في الوليمة ، وكأن العراق لا يعنيه امره  !  سنوات طوال والشعب العراقي منشغل بتفاهات هؤلاء الحكام الجدد الذين لا ضمير لهم ، ولا اخلاق لديهم  ، ولا  حياء عندهم ابدا .. العراق ينتقل من كارثة الى اخرى  ، بفعل هذه الطبقة الحاكمة التي استحوذت على الحكم وطغت وتجبرت  ومارست كل الموبقات والفواحش والمفاسد والنهب والاستحواذ وبث الاكاذيب  وكتم الفضائح  .. دون ان يعترفوا بجرائمهم ومفاسدهم وهم يخفون رؤوسهم في الرمال واشلائهم في العراء  ، فمنهم من هرب بالملايين والمليارات ، ومنهم من يزل يمارس كل الدعارات .. بل والانكى من ذلك ان هناك من يزل يصفق لهم ! 

دولة هرج ومرج اضاعت العراق والعراقيين يقودها سراق ومجانين ومشعوذين وتافهين ومعممين منافقين ومشاغبين وكذابين و " لوكيه هتلية ".. ومعهم نائبات محجبات يصلحن ان يعملن دلالات في الشوارع ، او دلاكات في حمام نسوان !  ان مصير العراق والعراقيين  في خطر ان بقيت هذه الطغمة الفاسدة على رأس الحكم في العراق .. لقد بلغ السيل الزبى  ، فالجيش العراقي يقدّم دمه  الى العراق ضد داعش ، والبرلمانيون يرقصون على جراح  كل العراقيين  . ان التغيير بات ضرورة حياة او موت يا ناس  .. 



 

تنشر على صفحة الدكتور سيّار الجميل بتاريخ 2 آب  / اغسطس 2016

انظر  المقال والتعليقات والردود الموسعة على صفحتي في الفيس بوك على الرابط التالي :

https://www.facebook.com/sayyar.aljamil

 

 

 

 

برنارد لويس: أكمل المائة سنة

د. سيّار الجميل



 

لا أعتقد أبداً أنه "أسطورة الشرق الأوسط"، كما وصفته واحتفلت معه ندوة "الناشيونال ريفيو"، يوم عيد ميلاده المائة 31 مايو/ أيار، إذ كان قد ولد في مثل هذا اليوم عام 1916. ولا يمكننا، نحن العرب، أن نحتفي بمئويته، كونه لم يتراجع أبداً عن بعض كتاباته وكتبه التي أساء فيها لتاريخنا، ناهيكم عن مواقفه المضادة التي أضرت بحياتنا المعاصرة، وما أسداه من آراء وأفكار بعيدة جداً عن الصواب، علماً أننا نقدّر نخبة من زملائنا المؤرخين العرب الذين تتلمذوا على يديه، وقد رحل عدد كبير منهم إلى دار البقاء، فإن كانت للرجل منهجيته المعمقة التي علّمها لطلبته على مدى سبعين سنة مرّت، فليس معنى ذلك أنّه شكّل مشهداً، له مصداقيته ولا رجعة فيه في مضامين الدراسات الحديثة للشرق الأوسط.

برز برنارد لويس مؤرخاً ومستشرقاً بريطانياً شهيراً له انتماؤه إلى يهوديته وصهيونيته معاً، عمل في الجيش البريطاني إبّان الحرب العالمية الثانية، وأحيل للعمل إلى وزراة الخارجية، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، عاد أستاذاً إلى مدرسة سوس في جامعة لندن، وتسلّم رئاسة دائرة الشرق الأوسط، وكان المؤرخ الأكثر تأثيراً في كتابة تاريخ العرب والعثمانيين والإسلام وشؤون الشرق الأوسط. وإذا كانت أطروحته الأولى عن تاريخ الإسماعيلية أنيقة ومعمّقة، كما هي دراساته الأكثر تخصّصاً، عدّ برنارد لويس رائدها في كتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، فضلاً عن استخدامه المحفوظات العثمانية الواسعة جرّاء معرفته القويّة بكلّ من العربية والتركية، لكن انحيازاته إلى الصهيونية في تآليفه الأخرى قد أكدت، بما لا يقبل مجالاً للشك، أنه فاقد للموضوعية، ونشر آراءه التي وقعت في متناول جمهور واسع في أصقاع أوروبا وأميركا.

لم يكتف بتاريخ العرب، بل انغمر بعمله عن العالم الإسلامي قبل العصر الحديث، وكان المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، يتمنّون عليه أن يكون منصفاً وحيادياً، ومن دون التقليل من شأن تلك الشعوب التي نالت من قساوة خصومها وأعدائها، سواء في العصور الوسطى أم مستعمريها ومضطهديها، إبّان العصر الحديث، وانتهاء بإسرائيل التي شكّلت تحدياً للعرب والمسلمين قاطبة، وقد وقف معها، ومع كلّ أخطائها التي مارستها على امتداد أكثر من ستين سنة.. ناهيكم عن تسخير ثروته الفكرية في معالجة القضايا العربية بعجرفةٍ واضحةٍ، وقد اعتمدت عليه حكومات وإدارات أميركيّة، وخصوصاً بعد أن انتقل ليعيش في الولايات المتحدة منذ خمسين سنة، مساهماً في استشاراته لها مؤرخاً مختصاً وخبيراً متضلّعاً لا مجرّد مراقب للتاريخ الحديث، مدّعيا أنّ ثمّة حوارات داخلية مع الشعوب المسلمة، وخرج بفكرة لقاء مع القيم وقوة الغرب.

كان ستيفن همفريز قد وفّر له مكاناً غير عادي في جامعة كاليفورنيا، وجعلته أميركا على رأس قيادة مجمل التاريخ الإسلامي وتاريخ الشرق الأوسط، بدءاً من لحظة محمّد التاريخية وانتهاء بيومنا هذا. "كما وكان فؤاد عجمي (توفي 2014) من جامعة جونز هوبكنز قد صفّق له طويلا، ووصفه في عيد ميلاده التسعين قبل عشر سنوات، بأجّل الصفات، ووضعه على رأس مؤسسة هذا العصر الأميركي الجديد في أراضي العالمين العربي والإسلامي"، إذ كان عجمي أحد أبرز المساندين للمحافظين الأميركيين الجدد في سحق العراق وصناعة الفوضى .. ونحن كنّا، ولم نزل، نشهد ما حلّ بالعراق وسورية ومصر من فجائع وكوارث وانقسامات وتمزّقات وانسحاقات.

امتدت حياة برنارد لويس المهنيّة الطويلة والزاخرة أكثر من 75 عاماً، بدءاً بمقالته الأولى عن "النقابات الإسلامية" المنشورة 1937، وصولا إلى عنايته بسيرته الذاتية عام 2012. وقد كشف أنه في منتصف حياته عام 1969، دخل إسرائيل، وكان يقول للطلبة المبتدئين في إحدى الكليات بإسرائيل إنها "وطنه الحقيقي"، وأضاف : إن طموحه كان طاغياً لدراسة الرياضيات، لكنه فكّر مليّاً في التحوّل إلى دراسات الشرق الأوسط، كونه تذوّق هذا الميدان الجديد، من دون أن يعلن أنّ ضرورة خدمة إسرائيل كانت السبب الحقيقي في انعطافته الذكيّة تلك، وكان كتابه "العرب في التاريخ" من نتاج تلك الانعطافة عام 1950.

كانت مسيرته، منذ خمسين سنة مضت، متواصلةً لممارسة دوره الذي بدا واضحاً أن له تأثيراً عميقاً على طلبته وقرائه، وكلّ المهتمّين بشؤون العرب والمسلمين، كما نجح في توظيفه أدواته الفكرية وتقديمها كي نجد استيعاب وجهات نظره، وقراءة العديد من أعماله المنتشرة، والتي كان تسويقها كبيراً من المؤسسات المروجّة التي كانت ترعاه وترعى عروض جميع كتاباته ومؤلفاته بإيجابية كبيرة، وخصوصا سبعة من كتبه (في 1982، 1986، 1988، 1989، 1994، 1996، و 2000)، إذ حقّق انتصاراً في مبيعاته أكثر بكثير من أيّ كاتب آخر. كما حقّق اسمه ذيوعاً منقطع النظير على مواقع الويب مقارنة بالآخرين.. فضلاً عما حقّقه من أرقام عالية في فهم الشرق الأوسط وتركيبته الاجتماعية وأوضاعه السياسية، وبدا للعالم أجمع بأنه أكثر من أي شخصٍ آخر تأثيراً في فهم للشرق الأوسط والإسلام. يُقال إنه جادل جورج دبليو بوش بشأن العراق، وكان متشكّكاً في جهود الأميركيين، وخصوصا في جلب الحرية للشرق الأوسط، إذ لا يؤمن أبداً بأن العرب يدركون معنى الحرية! وعلى الرغم من ذلك، بقي مصدر إلهام لعديدين من التابعين له والموالين لأفكاره المتعصّبة ضدّ العرب، وخصوصاً كما بدا ذلك من محاضراته ومناقشاته، مع أبا إيبان مثلاً.

كتبت قبل 15 سنة عن برنارد لويس، ولقاءاتي العابرة معه في مؤتمرات علمية عدة في العالم على مدى ثلاثين سنة مضت ، مضمّناً ذلك فصلة في كتابي "نسوة ورجال: ذكريات شاهد الرؤية" (2002)، وقلت عنه: "لم أجد مستشرقاً له قدرة على إشعال المشكلات وتأجيج الإشكاليات وتحليل الواقع وعدم الانفصال عن مرجعياته نفسه كما وجدت ذلك عند برنارد لويس الذي لم يزل يشعر أنه في ريعان الشباب"، واستطردت قائلاً: "... زاد برنارد لويس من أخطائه بانتقاداته للعرب المسلمين انتقادات صارخةٍ، لا تنم عن سلامة في الضمير، بل إنه يترصد الأخطاء، ويبحث عن مسوّغات لتبرير كل أطروحاته الفكرية والسياسية، وخصوصاً في كتبه الفكرية التي أصدرها، أخيراً، وخصوصاً بعد الحادي عشر من سبتمبر / أيلول 2001! وهو اليوم لا يقتصر على تجريحنا تاريخياً، لكنه يلقي بمزيد من اتهاماته السياسية، لكنه على الرغم من كلّ تبريراته التي يقدّمها بين حين وآخر، فهو أقل ما يقال عنه إنه غير حيادي في معالجة قضايا الشرق الأوسط اليوم " . اقول ذلك وقد عرفته عن قرب وخبرت فكره وما الذي يريد الوصول اليه في محاضراته وكتاباته ، وكانت قد توثقت عرى صداقته مع هنري كينسجر وزير الخارجية الامريكي الاسبق وغيره من المسؤولين الامريكيين . . "  

عدّ برنارد لويس، بعد دخول القرن الحادي والعشرين، أحد رموز المحافظين الجدد، وقد اعتمدت عليه سياسات الولايات المتحدة بين عامي 2007- 2009، وسمي عرّاباً رائداً للغرب في منطقة الشرق الأوسط. وكثيراً ما أصغى صنّاع القرار إلى نصائحه كواحد من المحافظين الجدد المؤثرّين، بمن فيهم الرئيس بوش وطاقمه، إذ دعم لويس الحرب ضدّ العراق، وكان يطمح على غرار جماعات أخرى، لتبديد قوته وسحق استراتيجيته في الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، وهو – أيضا - يقلّل من شأن مذابح الأرمن عام 1915، ويرفض تسميتها بالإبادة الجماعية، كي لا تزاحم ما سميت "المحرقة اليهودية" عند اليهود ، كما وقف ضد الراحل إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" (1978)، إذا كان لويس قد الّف، في مطلع حياته العلمية، كرّاساً عن الاستشراق في بريطانيا.. المهم أنه يحتفل بمئويته اليوم، ولم يزل يمتلك ذاكرةً قويةً، ويقضي ساعات طوالاً أمام شاشة الكومبيوتر.



 

نشرت في صحيفة العربي الجديد / لندن ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 

 

كلوفيس مقصود

حياً في ذاكرتنا العربيّة

سيّار الجميل

 

 

رحل أحد أبرز أعمدة العروبيين الذين عرفناهم منذ زمن المد القومي العربي.. رحل المفكر القومي، كلوفيس مقصود، بعد أن التصق بالحياة العربية، وهو يتابع شؤونها منذ أكثر من ستين سنة.. رحل هذا الرجل المرموق الذي بقى نقيّاً، يعبّر عما في سريرته من دون لفّ ولا دوران. كم كان العرب في حاجة إليه في أيّامهم الكالحة هذه، وكم تحتاج الأجيال الجديدة إلى تمثّل فكره وسجاياه ومواقفه وصفاء عروبته واستقامة سلوكياته وأخلاقياته المتمدّنة التي كتبتُ عنها قبل عشرين سنة في "ذكريات شاهد الرؤية ". 
رحل كلوفيس عن الحياة التي عشق أن يعمل فيها كاتباً صحفياً قبل أن يكون سفيراً، ومحامياً، ودبلوماسياً وأستاذاً أكاديمياً ورئيس مؤسسة، ومدير مركز ومستشاراً وكبير مندوبين.. ولكن الكتابة أعز عملٍ كان يمارسه كلّ يوم، إذ لم ينقطع أبدًا عن الكتابة، وأسعد لحظاته عندما يشرع بقراءة ما كتبه منشوراً هنا وهناك. رحل من كانت تشغله هموم العرب ومشكلاتهم وقضاياهم. رحل من كان يهتم بهم كمجموعة بشريّة لها تاريخ حضاري، وهي تجد نفسها اليوم في الجنوب، فكان أن ندب نفسه محامياً لقضاياها في هذا العالم الصعب والمتوّحش. 
رحل من كان يصرّ على تسميته وتوصيفه بالمفكر العربي، إذ لا يجد نفسه إلا لبنانياً في الولادة، ومارونياً في المذهب. وكان متحضّراً متمدّناً، لا تهمّه سذاجات الآخرين، ولا حماقاتهم التي تعبّر عنها تعصّباتهم ومغالاتهم. كان منفتحاً في مجتمعه، ومتعفّفاً عن ممارسة التقاليد البالية. كان كتلة متحرّكة، وواعية، ومؤمنة عميقاً بحركة القومية العربية، بأساليب عصريّة متمدّنة، فمشاعره العربية تغلب على انتماءاته الأخرى، إذ أصرّ على أن يتحدّى العالم، ويتزوّج مسلمة، وظلّ مؤمناً بما هو أكبر من الخلافات التي تفرّق أبناء الوطن الواحد، ورأته أسر لبنانية بأنه واحد من السعاة البناة لوحدة أمّة كاملة، فكيف لا يسعى إلى بناء أسرة سعيدة. 
إبّان السبعينيات، كان في منتهى حيويته، عندما التقيته في جامعة أكسفورد أول مرّة، وكان زائراً لمبانيها التي عشقها منذ درس في ردهاتها، ومشينا بين الأبنية القديمة، وحكى لي عن ذكرياته فيها، ونحن نتناول الغداء، وحكى لي عن جمال عبد الناصر وإعجابه اللامتناهي به. وكان ضدّ سياسة أنور السادات، فتعمّقت الصلة بيننا، وهو بمكانة أستاذ لي، كونه يسبقني بجيل. حكى لي عن سفارته الناجحة جداً في الهند إبّان الستينيات، وكيف كان سفيراً عربياً للقضية العربية 1961- 1966 في بلدٍ يؤمن بفلسفة عدم الانحياز، بقيادة نهرو الذي أحب كلوفيس، وتعاطف معه ومع قضايا العرب، وكان دائم الاجتماع معه. وقال: كانت لي فسحة من الحرية التي كنت أتحرّك من خلالها نحو سفراء عديدين، أو مبعوثين دائمين، أو وفود زائرة من أنحاء العالم. 
التقيت به ثانيةً في لندن، إبّان الثمانينيات، وكان قادماً من مصر، وجدته مرجلاً فائراً، يحترق في أعماقه على لبنان الذي يعيش حربه الأهليّة. وقال إن إسرائيل تعبث بلبنان وبمصيره. جلست معه طويلاً، فوجدت حيويته كبيرة، وقد ازدادت ثقافته في شؤون العرب وتمّرس في أساليبهم. وحكى لي عن وضع العراق وحربه المستعرة مع إيران الخمينية، وعن نزق قادةٍ عرب، لا يدركون أين تسير هذه الأمّة. وسألته عن كمال جنبلاط وعن ميشيل عفلق وعن شارل مالك. قال: يبدو أن زمنهم قد رحل، ونحن أمام متغيراتٍ جديدة. 

كان الرجل قد تشرّب الفكر القومي منذ دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت، وتأثره 

بالمؤرخ الراحل قسطنطين زريق الذي كانت له مكانة كبيرة في قلب كلوفيس، وكان يعتز بآرائه وأفكاره، وحكى لي أشياء كثيرة عنه، وعن النخبة العربية التي تخرّجت على يديه، وهي تؤمن بأفكاره القومية.. وفي لقائي الأخير مع كلوفيس في واشنطن، وجدته يتصفّح كتاباً جديداً عن زريق للصديق عزيز العظمة، وهو من أجمل ما كتب عن زريق. اعتبر كلوفيس تلك المرحلة زمناً ذهبياً عربياً، كان سيدوم ويرتقي نحو السموق، لولا مؤامرات إسرائيل والقوى الخارجية التي أسهمت في تدمير الحياة العربية من كلّ النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكنت أجيبه دوماً: لا تنس العوامل الداخلية والأخطاء العربية التي جنيناها بحقّ أنفسنا، يا سيدي. 
ولما التقيت مع كلوفيس في التسعينيات في بيروت، كان بكامل حيويته، وقد زاد تمسّكه بقوة مبادئه القوميّة التي آمن بها. وفي إحدى زوايا فندق الكارلتون، راح يحكي لي عن الصدمة الشديدة التي تلقاها إثر سماعه غزو الجيش العراقي الكويت عام 1990، وكيف تمّ ضرب العراق، ولماذا سحقت بنيته التحتيّة عام 1991، وصبّ غضبه على قراراتٍ كان الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، يصدرها، وقال إن الرجل يعيش أزمةً نفسيةً حادةً، بعد أن أكمل حربه مع إيران، وجد العالم يتخلى عنه شيئاً فشيئاً، فكال الصاع صاعين، ولم يعرف خطورة لعبته وأبعاد تداعياتها. قال كلوفيس: في تلك اللحظة التاريخية الصعبة، كسرت قلمي، وضربت بيدي على الطاولة، وأعلنت استقالتي. واستطرد: إنه أثقل حدث مأساوي هزنّي في حياتي، بعد حدث مأساوي آخر واجهناه بقوة وحزم، يوم خسرنا حربنا مع إسرائيل في 5 يونيو/ حزيران 1967، لكن عزمنا العربي، إبّان الستينيات، كان أقوى بكثير مما غدونا عليه في التسعينيات، كما قال. 
في لقاءات أخرى مع كلوفيس في واشنطن في السنوات الأخيرة، استقبلني بحفاوةٍ ومحبةٍ في مكتبه مديراً لمركز الجنوب العالمي في الجامعة الأميركية. كان قد تقدّم به العمر، لكن فكره لم يزل وقاداً وقلمه مضاءً. انتقدني بأدبٍ جمّ، في إحدى المرات، لإصداري كتابي "تفكيك هيكل"، وقال: كنت قاسياً جداً على هيكل. ولكنه، في مرةٍ أخرى، عاد وانتقد هيكل بشدّة، جراء "هذيانه" على شاشة "الجزيرة" بصدد بعض الزعماء العرب، على حدّ توصيف كلوفيس، وأخيراً انتقاداته موقف هيكل من متغيرات مصر الأخيرة. 
سألته: زاملتَ اثنين من أعمدة الصحافة العربية في القرن العشرين، غسان تويني في بيروت عندما عملت في "النهار" 1977- 1979، ومحمد حسنين هيكل في القاهرة عندما عملت كبيراً للمحرّرين في "الأهرام" إبّان الستينيات. فما الفرق بين الاثنين؟ أجاب: كل منهما يعيش في عالم يختلف عن الآخر، ولكلّ منهما سجاياه المتباينة عن الآخر مع مهنيّتهما العالية. سألته: أيهما أكثر مصداقية؟ أجاب مباشرة: تويني. وقال: غسان متواضع وورث مهنته عن أبيه جبران الذي أعرفه جيداً، وهو يردّ على قرائه ونقّاده بصدر مفتوح. أما هيكل، فعلى العكس، يحب الفخفخة، ويتعالى على الآخرين. سألته عن جامعة الدول العربية التي له معها تاريخ طويل، وهو يعرف خبايا أمورها، وما جرى في كواليسها من مثالب وسقطات، وكان يقول دوماً: علينا أن لا نفرّط بوحدة الكلمة، مهما بلغت بنا الاختلافات، نحن العرب. وعدني في آخر لقاء لي معه أن يزور كندا، فقلت له: يا مرحبا بك. ولمّا زارها، كنت على سفر في الدوحة ولندن، ففاتني أن ألتقي به، وعلمت أنه قد حظي بحفاوة أصدقاء عديدين في تورنتو. 
نشر الأستاذ كلوفيس حزمة كبيرة جداً من المقالات الصحفية في أمّهات الصحف العربيّة، وله كتب منشورة قرأناها قبل زمن طويل، أبرزها "معنى الحياد الإيجابي" و"أزمة اليسار العربي" و"العروبة في زمن الضياع".. إلخ. وكان يتابع يوميّاً شؤون العالم العربي والشرق الأوسط، وكانت له آراؤه في سقوط بغداد عام 2003 بأيدي الأميركان، وبدأ يشغل نفسه بأمور البيئة والتنمية وحقوق الإنسان، وحاجة العالم إلى الأمن الإنساني أمام زحف الإرهاب، وشغل نفسه أيضاً بكيفية معالجة الألغام الأرضية ومشكلات السكان والانفجار البشري، ونزع السلاح، وكانت له آراؤه المصيبة في الذي جرى خلال الأعوام الخمسة الأخيرة وما سمي الربيع العربي. 
كانت مقالاته تعتمد الرأي والنصح في عالم عربيٍّ خذل نفسه بنفسه، وأكل نفسه بنفسه، واستلب ثورته ونكّل بأفكاره.. ستبقى أفكاره في مقالاته وكتبه ومحاضراته ودراساته ومواقفه تنير الطريق الطويل. في أكتوبر/ تشرين الأول 2007، أُقيم احتفال كبير في جامعة جورج تاون في واشنطن، لمناسبة إعلان إنشاء كرسي باسم (كرسي كلوفيس وصالة مقصود) للدراسات العربية. ستبقى ذكراه حيةً في القلوب والعقول.. سيبقى اسم كلوفيس نقطة وضيئةً مضيئةً في تاريخنا العربي الحديث.

(العربي الجديد)

 

"سايكس بيكو" بعد مائة عام

سيّار الجميل

 

 

أعادت القوى الأوروبية، قبل قرن، رسم خطوط بلاد الشام والعراق، وفقاً لاحتياجاتها الخاصة، وضرورات العالم الذي كانت تحكمه. ذهبت تلك "القوى الاستعمارية"، ولكن، لا تزال هناك خريطة أو مجموعة خرائط تركتها لنا نحن العرب، جنباً إلى جنب مع المفارقة المخجلة لكياناتٍ سياسيةٍ يجمعها إرث تاريخ واحد، ولكن تفرقها جغرافية وحدود ونزاعات سياسية وأيديولوجية لا تكاد تنتهي حتى تبدأ من جديد: إنها الطريقة التي وجدها الأوروبيون الأفضل لضبط حدودٍ رسمت لمجموعة دولٍ، كانت سابقاً مجموعة أقاليم (= ولايات) اقتطعت من الإمبراطورية العثمانية، فبقيت سنواتٍ تحت احتلالات الإنجليز والفرنسيين وانتداباتهما، ومن ثم تستقل بأنظمةٍ سياسية متنوعة.. وبعد مائة سنة من ذلك التاريخ، بدأت تحرق نفسها وتدمّر ذاتها بيديها، لأسبابٍ وعوامل طائفية وسلطوية وسطوة أنظمة دكتاتورية، استمر بعضها أكثر من أربعين سنة، مع هيمنة قوى خارجية جديدة.
قامت اتفاقية سايكس بيكو بعد التوقيع عليها يوم 15 مايو/ أيار عام 1916، وقد نصّت على اتفاق وتفاهمٍ سريٍّ بين فرنسا وبريطانيا، بمصادقةٍ من الإمبراطورية الروسية، على اقتسام النفوذ لمنطقة الهلال الخصيب بين قوتين عظميين وقت ذاك، فرنسا وبريطانيا. ولتحديد مناطق النفوذ في عموم غرب آسيا إبّان الحرب العالمية الأولى، وخصوصاً بعد الضعف الذي حاق بالدولة العثمانية التي كانت تسيطر على هذه المنطقة. وقد تم التوصل إلى هذه الاتفاقية، إثر مداولاتٍ سياسيةٍ سريةٍ، استغرقت زهاء ستة أشهر بين نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1915 ومايو/ أيار عام 1916، وقد تخللتها مفاوضات سرية بين الدبلوماسي الفرنسي، فرانسوا جورج بيكو، والبريطاني، مارك سايكس، كما تبودلت وثائق تفاهم بين وزارات خارجية فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية آنذاك. وقد تم الكشف عن ذلك الاتفاق، إثر وصول الشيوعيين إلى سدة الحكم في روسيا عام 1917، فافتضح أمرها، ما أثار غضب الشعوب التي تمسها الاتفاقية، وأحرج موقفي فرنسا وبريطانيا.
السؤال: ما هي الأهداف المحورية التي كانت تريدها كل من لندن وباريس من عقد اتفاقية سايكس بيكو التي أدت قبل مائة عام إلى تقسيم الشرق الأوسط بين الطرفين؟ حتى تلك اللحظة التاريخية، كانت الإمبراطورية العثمانية هي المسيطرة الفعلية على تلك المنطقة، باستثناء جنوب العراق الذي وقع تحت السيطرة البريطانية. وكانت باريس ولندن تؤمنان إيماناً حقيقياً بأن الإمبراطورية العثمانية انتهت، وإنها مهزومة لا محالة. وبالتوصل إلى تفاهم سايكس- بيكو، كان الهدف هو العمل على تفادي وقوع نزاعاتٍ محتملةٍ، بعد كسب الحرب العالمية الأولى، وتوزيع غنيمتها بين المنتصرين. وكانت هناك قد استجدّت، لاحقاً، خلافات كبيرة بين فرنسا وبريطانيا حول الرسم الدقيق للحدود، وبالتالي، كانت تلك الاتفاقية فقط محاولة أولى للتقسيم الذي تجسّد فيما بعد بشكل آخر. ومن يتأمل في ذلك الرسم الذي أخرجته اتفاقية سايكس – بيكو، سيجده بليداً وغبياً، ولا يتطابق أبداً، مع الإرث التاريخي للأقاليم الإدارية العثمانية التي عاشت قرابة أربعة قرون. ولكن، هل لم يزل ذلك الاتفاق يثير المشاعر في عالمنا العربي، حتى بعد مرور 100 عام. ولماذا؟

ينظر العرب إلى الاتفاقية نظرة سيئة للغاية، كونها شكلت رمزاً للنظام الجديد المعقد والمتشعب 

في تلك المنطقة، بعد الحرب العالمية الأولى. وبدت تلك الخطوط وكأنها السكين قد رسمتها بلا وجه حق. ولكن، بدا واضحاً أن هناك سلسلة من الاتفاقيات والمعاهدات سيئة النيات. وتركز هذه السطور، هنا، على " إعلان بلفور" في نوفمبر/ تشرين الثاني 1917 الذي وعد فيه وزير الخارجية البريطاني، أرثر جيمس بلفور، اليهود بإقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين، أو ما جرى كذلك من مراسلات بين الشريف حسين والمفوض البريطاني السامي في مصر السير هنري مكماهون، وطريقة الخداع التي مارستها بريطانيا بالوعود التي قالت بها للشريف عن ضرورة تأسيس مملكة عربية مستقلة، تمتد من جبال طوروس شمالاً إلى اليمن جنوباً، ومن العراق شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً. شكلت هذه الاتفاقيات نوعاً من المخادعة، من أجل تنفيذ مخططات ووعود تمّ الإعلان عنها، في مؤتمر فرساي عام 1919، أو ما تلاه من مؤتمراتٍ، مثل سيفر وسانت ريمو. ولكن، لم يكن بيد العرب أن يفعلوا شيئاً إزاء تلك المخططات، على الرغم من الكشف عن فضيحة سايكس بيكو التي ارتبطت بتاريخ الكشف عنها، فبعد الثورة البلشفية في روسيا، نشر المفوض السابق للشؤون الخارجية، ليو تروتسكي، مباشرة محتوى تلك الاتفاقية، مثالاً واضحاً على غدر القوى الكبرى ومطامعها الإمبريالية. وأوضحت الخريطة المرتبطة بالاتفاقية مدى الجشع الذي عبرت عنه رسوم التفكير الإمبريالي، إذ لا يمكن للأسوياء أن يتخيلوا كيف يتم فرض حدود بمئات الكيلومترات، تبدأ من حيفا، وتنتهي إلى كركوك. اتضح للمؤرخ العربي أن هناك في العالم العربي ما يشير، عبر التاريخ الطويل، إلى تآمر الغرب على المشرق بسرية تامة، وكشف ما تحقق لاحقاً بوضوح كم جرت من مؤامراتٍ على الشعوب العربية، وعلى حقوقها، وشعوبٍ أخرى تجاورها، أو تشترك معها في المصير نفسه. 
إذن، تدخل اتفاقية سايكس بيكو في قالب هذا النوع من نظريات المؤامرة وتطبيقاتها، حيث أنها كانت سرية، وتخدم فقط مصالح القوى الكبرى. ومع أن الاتفاقية لم تطبّق أبداً ببنودها، إلا أنها زرعت النقمة في قلوب العرب ضد الغربيين عموماً، بدءاً بنشر الفضيحة التاريخية، وانتهاءً عند تفجير إرهابيي تنظيم داعش قبل أكثر من سنتين مركز مراقبة حدودي بين العراق وسورية، في بهرجةٍ تشير إلى نهاية اتفاقية سايكس بيكو، من دون أن يعلموا أن الاتفاقية لم تطبق. وأعتقد أن الحدود الحالية بين سورية والعراق، مثلاً، تشكلت ضمن اتفاقياتٍ أخرى بصفة نهائية، ضمن الانتداب البريطاني الفرنسي الذي أقيم هناك نهاية العشرينيات، وهي علامات غدت تاريخيةً للدولة الوطنية بين البلدين اللذين كانت لهما فرص تاريخية وسلمية عديدة، لتوحدهما على عهود الاستقلال والحزب الواحد، لكنهما لم يتوّحدا لعوامل داخلية معقدة، لم يدركها الدارسون بعد.
وعليه، للعرب، حتى يومنا هذا، تلك الرمزية المبدئية التي ما زالت تأتي بمفعولها. إذ هناك رفض كبير لدى المواطنين العرب للتاريخ الطويل الذي مارسه التأثير الغربي في الشرق الأوسط، ناهيكم عن نقمة قومياتٍ أخرى ضد البريطانيين والفرنسيين، كونهم لم يأخذوا حقوقهم القومية في محيط عربي واسع. يرى العرب بالذات وجود أسبابٍ عديدة، أدت إلى مأزق هذا الوضع الكارثي الراهن في السياسة الغربية، والتي تجلت بقوة بعد الحرب العالمية الأولى. واليوم، أعتقد أن الواقع يتحدّث لغة أخرى، اذ لو سألنا أي لبناني أو أردني عن مدى رغبته في أن يكون سورياً أو عراقياً في إطار سورية الكبرى، أو سوراقيا العظمى، فإن الغالبية الساحقة سترفض ذلك نهائياً. وهكذا، لن يتنازل أي عراقي عن عراقيته، ولا أي فلسطيني عن فلسطينيته، فكلها أوطان قديمة، عرفها آباؤنا وأجدادنا منذ آلاف السنين.
وعليه، ما هو الدور الذي لعبته اتفاقية سايكس بيكو بالنسبة للإسلام السياسي؟ تعد الاتفاقية لبنة أساسية لقوة الغرب، ولتدخله المباشر في شؤون منطقتنا العربية، وخصوصاً الهلال الخصيب في بلاد الشام والعراق. إذ احتلت "سايكس بيكو" الآن الصدارة في الاهتمامات التاريخية والسياسية، لأنه باحتلال العراق عام 2003 ونشوب الثورة في سورية منذ عام 2011، باتت المنطقة غير مستقرة، والتي كانت ترسم حدودها تلك الاتفاقية المجحفة. وستبقى "سايكس بيكو" في الذاكرة العربية، كونها رسمت، منذ مئة سنة مرت على شعوبنا، أسوأ الخطوط التقسيمية، ليس من أجل مصالحنا المصيرية، بل من أجل مصالح الآخرين.

(العربي الجديد)

 

خطوة جريئة في إثراء

الدراسات التاريخية العربية

سيّار الجميل

 

 

 

كان وسيبقى للمركز العربي للأبحاث ودراسة الدراسات، منذ تأسيسه، دوره الفعال في إثراء الدراسات التاريخية العربية الجديدة، إذ انعقد المؤتمر السنوي الثالث للدراسات التاريخية 22- 24 نيسان/ إبريل 2016 في بيروت، وذلك بمحتوى متنوع ومكتنز تحت عنوان "التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كُتب وكيف يُكتب؟ - الإجابات الممكنة"، بمشاركة نخبةٍ ذكيةٍ من المؤرخين المتخصصين العرب، وبجهود مكثفة بارعة قدمها الزميل المؤرخ وجيه كوثراني وفريق عمله المثابر. فكانت أوراق المؤتمر، وما دار فيه من حوارات رائعة بمثابة خطوة جريئة في إثراء الدراسات التاريخية العربية. 
بشأن غنى المحتوى وتعدّد الموضوعات وتنوع ألوان المعرفة التاريخية بين التأريخ (
Histography) والتاريخ (History)، فالمؤتمر حقاً، حلقة متطورة لمؤتمرين سبقاه: التأسيسي الأول 2014، والسنوي الثاني 2015. 
وجدنا أنفسنا اليوم أمام نخبة مؤرخين، تدرك أن ليس هناك من طريقة واحدة، أو منظور واحد لكتابة تاريخنا، وقد طرحت مفاهيم عديدة عن التحولات التاريخية العربية. وجاءت مضامين الورقة الخلفية للمؤتمر، واضحة المعاني وعميقة المقاصد بتأسيس تاريخ عربي شامل للعرب، بعد أن أتخمت ثقافتنا بالتواريخ الإقليمية أو الوطنية، مع حاجتنا الماسّة إلى العقلية العلمية والممارسة النقدية لكل ما أنتجه المؤرخون العرب المعاصرون في هذا المجال. دعا المؤتمر إلى استخدام الوثائق في كتابة التاريخ العربي، وتواريخنا المشتركة مع أمم أخرى وحاجتنا إلى كل أنواع الوثائق ومصنفاتها، إذ تكمن أهميتها في تبديل فهم التاريخ وكتابته جذرياً في كل حقول الحياة. 


النزعة السياسية في كتابة التاريخ العربي


من الضرورة أن ندرس تواريخنا من منظور التاريخ العالمي والانفتاح على الثقافات الأخرى والمنهجيات المتطورة، فالعالم اليوم غدا تحت مظلة العولمة، وحاجتنا كبيرة إلى حوارات متنوعة مع العالم، وعلى المؤرخ الناجح التحلّي بأحاسيس رقيقة تمنحه الشفافية في التعامل مع الآخرين. تداول المؤتمرون فكرة أخرى، تخص الأحادية التاريخية المبكرة للحركة القومية العربية، ونقدها، إذ لم تكن حركة متكاملة، بل تناصفها العرب في مواجهتهم العثمانيين بين الولاء للسلطان من طرف والولاء للغرب من طرف آخر. وعليه، لا وجود للقومية العربية المبكرّة في ظل العثمانيين. وانتقدت تجربة كتابة التاريخ الرسمي العربي انتقاداً مريراً، وخصوصاً تجربة جامعة الدول العربية التي عمل فيها عشرات من المؤرخين العرب، وقد أخفقت مراراً، لكنها ولدت عملا اعترف الجميع بهشاشته وضعفه، بعد أن جرى تنفيذه وتمويله من الرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، وكان "المشروع" قد لازمته اعتراضات بعض الدول العربية وخلافات عميقة بين المؤرخين العرب، فخرج كسيحاً في المنهج والمضمون. 
وعولج موضوع "التحقيب التاريخي"، سواء إزاء الربيع العربي الذي ترك تأثيراً ثقافياً عربياً حتى بعد استلابه، وعد الابن الشرعي للتحوّلات العالمية، بناء على ثلاثة مؤشرات، وهي: مقولة النهايات، والعصر الرقمي، إضافة إلى مسألة الهويات التي مرّت بها الهوية المركبة أو الهجينة أو العابرة للقارات، كما درس "التحقيب" كمشكلة في تاريخنا، مع تمكّن تجارب العالم منه! وتدارس المؤتمرون "الزمن الفائت – صراعات الثورة والذاكرة والعدالة في مصر"، والحاجة إلى تحقيبها كتاريخ جديد عمل على خلخلة الماضي، عبر الحراك الثوري اليومي. ثم انتقلنا إلى درس "الحضارات القديمة في البلاد العربية ومسألة تكوين الهوية التاريخية لأمة العرب"، ودور الأركيولوجيا الغربية وغيبوبة المؤرخين العرب عن تاريخهم الذي كتب الغربيون أغلبيته. أما منهجية التأريخ العربي، فكانت ضعيفة لغياب المؤسسات العلمية المماثلة لتلك الموجودة في الغرب. ثم تمّ التركيز على التاريخ الاقتصادي الذي جاء اهتمام المؤرخين العرب به متأخراً، علما أن المؤرخ عبد العزيز الدوري أول من فتح هذا الميدان عقب الحرب العالمية الثانية. وجرى الحديث عن "كتب النوازل مصدراً للدراسات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب والأندلس" (النوازل تعني الفقهاء والقضاة في القضايا اليومية الحياتية). 
كنت أتمنى مخلصاً أن تتم دراسة نماذج شخصية عديدة، وفهم تجارب الرواد العرب المحدثين. ولكن، اقتصر على فهم تجارب كل من المؤرخ جواد علي، في ريادته تاريخ ما قبل الإسلام، والمؤرخ كمال الصليبي في منهجيته درس التوراة، كونها "جاءت من جزيرة العرب"، وكل من تجربتي مقاربتين للمؤرخين فيليب حتي وألبرت حوراني في كتابة التاريخ العربي. وأتمنى مخلصاً أن تعالج تجارب أخرى لمؤرخين، كان لهم باعهم في الريادة والتميّز والإبداع.

وتعمّق المؤتمرون في "مسائل واتجاهات في التواريخ الوطنية: إشكاليات الجزئي والعام والمقارن"، وأبحروا ليجدوا أن أقرب العلوم إلى التاريخ هو علم الاجتماع .. ومررنا بتحقيب الكتابة التاريخية في لبنان إبّان القرن العشرين"، حسب مراحل: الحرب الأولى، إعلان لبنان الكبير، الانتداب الفرنسي، الاستقلال ، والحرب الأهلية 1975، وفترة ما بعد الحرب. سادت منذ البدايات النهضوية تجربة الآباء اليسوعيين، ثم رجال الدين المارونيين، وبعدهم القوميون اللبنانيون الفينيقيون أو السوريون، ثم الماركسيون والعروبيون والإسلاميون. ولكن، تفوق الأكاديميون على هؤلاء جميعاً، ممثلين بالمؤرخ أسد رستم. ثم تعمق المؤتمرون في "تاريخ العرب الحديث: بين التقسيم الإقليمي والتهميش المذهبي والإثني واستخدمت الإباضية مثالاً"، فالتفتنا إلى منهجية تربط المناطق بعضها ببعض. ثم تعرّفنا على تهميش المجتمعات الإباضية. ثم التفتنا إلى إشكاليات وجهة النظر السردية الطائفية في التأريخ للحملات المملوكية على كسروان". بين عامي 1292 و1305م، وهي مرحلة التحول التاريخي من الصليبية إلى المملوكية، وكيف انشغل بعض المؤرخين اللبنانيين بديموغرافيتها وتأثيراتها الطائفية التي استمرت حتى اليوم. 
أبحرنا في موضوع "إنتاج المعرفة التاريخية في المغرب بعد الاستقلال عام 1956"، بوجود طفرة بوصول عدد المؤرخين الأكاديميين في المغرب فقط إلى أكثر من 300 مؤرخ محترف. مع اتجاهاتهم خلال الأربعين سنة المنصرمة، وتعرفنا على "كتابة تاريخ المغرب وتحقيب الزمن الطويل". ويعد التحقيب إشكالية تاريخية عربية وعالمية عموماً، وهو يرتبط بابتكار المؤرخ وموسوعيته. أما "مسألة الدولة في الإستغرافيا التونسية الحديثة: سياقات ومقاربات"، فتم تركيز بعض المؤرخين على الدولة أواخر القرن التاسع عشر وبداية دخول الاستعمار. فالدولة لم تزل تشكل هاجساً بحثياً عربياً، كونها ترتبط بشكل الهويات الوطنية والمواطنة وسواها، لقد بدت الدولة منظومة عنف على المجتمع، وهي بالنسبة إلى هؤلاء المؤرخين الأوائل حديثة وأجنبية. أما "أزمة كتابة التاريخ الوطني في موريتانيا"، فتتعلق أسبابها بمواقف الإسلاميين من التأريخ الديني، ومواقف القوميين من الخلاف حول التاريخ الوطني، إضافة إلى سبب جوهري يتعلق بالقبائلية التي تسود المجتمع. أما "الكتابة التاريخية في العراق"، فتمّ التركيز في سياقات الكتابة التاريخية على معيارين مميزين، ضمن السياقات السياسية المتغيرة. وتشكل الأنماط الراسخة فيها: الوطني، والقومي، والماركسي، ونمط الإسلاميين، والنمط الطائفي بعد 2003. أما "تحولات الكتابة التاريخية في مصر المعاصرة" على مدى قرن، فكان هناك تمجيد البطل الفرد، وتوظيفه في خدمة السياسات، بعيدًا من المسائل الاقتصادية والاجتماعية. وانتهى ذلك مع 1952، ونشأ تاريخ مصر الاجتماعي، بتأثير جمال عبد الناصر. ثم الالتفات إلى هوية مصر العربية، مع تحول آخر حصل بعد وفاة عبد الناصر، إذ قفز مؤرخون من ماركسيين ليصبحوا إسلاميين. أما الأردن المعاصر: "التاريخ الوطني واتجاهات التدوين"، فسيتم الاحتفال هذا العام بذكرى مرور مائة عام على الثورة العربية الكبرى. ولكن، لم تحصل في الأردن تغييرات جذرية في السياق الرسمي، ما ألقى بظلاله على كتابة التاريخ فيه. وانتقلت اتجاهات كتابة التاريخ هناك من مرحلة اليقظة العربية وثورتها إلى مرحلة الكتابة عن تاريخ الأمير والإمارة، تلاها مرحلة الاهتمام بالأردن. 



الغرب يكتب تاريخ العرب


تابع المؤتمرون شؤون "الغرب الإسلامي بين البحث التاريخي العربي والغربي"، بانتقاد الدارسين الغربيين المحدثين، إذ وصفهم مكسيم رودنسون "أنهم يعيشون في غيتو". ثم تم التوغل في "تاريخ إفريقيا الشمالية والمدارس الفرنسية المعاصرة"، وإن للتاريخ وظائف معرفية عدة، اجتماعية وانتقادية ونسبية. وللأسف، طغى التاريخ السياسي الرسمي على هذه النواحي. وأشير إلى أن ابن خلدون ومارك بلوخ قد طرحا على المؤرخ انفتاحه على الآخر، وسيره في اتجاه العلوم الإنسانية، ويهتم بكل ما هو جمْعي، ويلتزم الإيقاع البطيء على حساب الحدثي السريع، وضرورة طرح أسئلة كبرى، مع الإشارة إلى الفارق الزمني البالغ بنحو أربعمئة عام بين ابن خلدون والمؤرخ مارك بلوخ. ووقفنا أمام "صورة البيزنطيين في الحضارة العربية من خلال اللغة"، وهل في الإمكان كتابة تاريخ العرب بمعزل عن تاريخ الآخر، وكيفية استخدام العرب كلمات من البيزنطيين، وكيف تشكّلت صورة البيزنطيين عند العرب، ومنها الاعتبار الديني. وناقش المؤتمرون "الذاكرة والتاريخ وحقل المنبوذ والمطموس"، وتم طرح "الإستغرافيا العربية المعاصرة بين التاريخ والذاكرة – المغرب نموذجًا"، التي تشكّل جدلية وحقلًا جديدًا، مع اتساع الموضوع في المغرب، بعد بدء هيئة الإنصاف والمصالحة أعمالها في عام 2004 لطيّ ذاكرة الإساءات الفظيعة بحق المواطنين. يهتم هذا التاريخ بالسرد والمجالس السياسية وتقديس الأسطورة والهوية ويعكس أيديولوجيا السلطة. لذا، أغلب هؤلاء المؤرخين فاعلون سياسيون، ويمكن القول إنّ هذا الصنف من التأريخ نوع من الأسطورة التربوية. ثمة أنماط في كتابة تاريخ المغرب بدأت منذ ما قبل الاستعمار في محاولة استعادة هوية المغاربة وذاكرة البلاد، ما أنتج إشكالية الذاكرة والتاريخ وثنائية المؤرخ والحدث، مع صعوبة مواجهة الموضوعية، بسبب استقصاء الذاكرة، وانتقائية الأحداث والمرويات. وعليه، لا بد من اعتماد مقاربة تصالحية بين الذاكرة والتاريخ. أما "كتابة التاريخ في الجزائر بين إحياء الذاكرة والبحث الأكاديمي"، فهل كانت هناك مدرسة تاريخية فيها؟ إنها أيضاً إشكالية الحدود بين الذاكرة والتاريخ، لكنهما يتكاملان ويتعارفان في آن. الذاكرة تفرض المقدس، في حين يحلل التاريخ بمنهج علمي، ورؤية نقدية واعتماد التحولات الزمنية في قراءته. فهل المؤرخ وحده يكتب التاريخ؟ وانتقلنا إلى "الميثولوجيا (الأسطورة) والتاريخ: نماذج للتحليل والاختبار"، فعرفنا أن النص الميثولوجي غالباً ما يكون هامشياً في كتاباتنا التاريخية. وأنّ الإنتاج الميثولوجي هو التعبير الحقيقي عن مخيال المجتمع. ودخلنا إلى عالم السير الشعبية مصدراً لقراءة تاريخ فتح مصر"، فسلط الضوء على السيرة في الحضارة العربية الإسلامية ومجال نظرتها إلى الآخر، وهل تصلح هذه السيرة لقراءة التاريخ. وانتقلنا إلى "تاريخ المهمشين في الإسلام المبكر: قراءة نقدية جديدة لسير بعض الصحابة"، وتم التساؤل عن المشروعية ومقتضيات التاريخ ومركز الحماية في التأريخ للإسلام، فشهادتهم كانت بمنزلة شهود على الوحي والعاملين على النقل، ما أبعدهم عن المساءلة. ثم تساءلنا : "ابن خلدون في خطاب الهوية السودانية"؟ والالتفات إلى السياسات والأمزجة التي ترتبت عليها اهتزازات وشرعيات خدمت السلطة في استفادة بعض أركانها من ابن خلدون. 
أما بشأن "الواقعة في تقاطع المنظورات ودخول العرب إلى أفريقيا"، فقد تم التركيز على إعادة ترتيب القيم الأخلاقية والحضارية والتدقيق في السردية الجماعية. وانتقلنا "نحو مداخل منهجية وأدوات جديدة لتأرخة المطموس: تأريخ النبذ والإقصاء نموذجًا"، وهي جملة تحديات في كتابة تاريخ الحقل الاجتماعي، وثمّة آليات عملية الطمس وتهميش الأخبار بأدوات تقوم بها السلطة أو المحسوبون عليها من بعض الأكاديميين، وكيف يتم ما يسمى الطمس الناعم الذي يمارسه المؤرخ مدلساً، وخصوصاً في عمله بالأرشيفات، واللجوء إلى تغييب أحداثٍ لا تريدها السلطة، أو من خلال العبث بالوثائق الرسمية بشطب فقراتٍ فيها. وهذه من أخطر الحالات التي أعتقد أن دولاً عربية عدة تمارسها خفية أو علانية، من دون أي وازع أخلاقي. 



تاريخ العلوم العربية


وأخيراً، ثمة معالجة لـ "إشكالية التأريخ العربي لثقافة العلوم"، إذ اشتمل الإنتاج الثقافي العلمي في مجتمعاتنا الكلاسيكية آلاف على المخطوطات العلمية في بيئاتٍ واسعةٍ، تمتد من حدود الصين وحتى الأطلسي ثمانية قرون. وقد شهدت العقود الأربعة الأخيرة نمواً ملحوظاً في الدراسات التفصيلية لمجموعة كبيرة من المخطوطات العلمية العربية، فأضافت معرفة في العلوم الإسلامية المختلفة، لكن التأريخ الثقافي الشامل لم يزل يعاني من التبسيط والتسطيح والتمجيد والتفخيم. ثمّة مقاربات تؤكّد التعارض بين العلمي المتخصص والثقافي العام السائد في مجتمعاتنا التي لم تزل تعاني من انحطاط الثقافة العلمية. بهيمنة سؤال الانحطاط أو الانحدار على سائر أسئلة التأريخ. وبذلك، تنحدر ثمانية قرون من الإبداعات العلمية إلى مجرد النفاذ الأبله عبر عدسة الانحطاط التي تسيطر على تاريخنا العربي اليوم.
من جانب آخر، "العلوم العربية والمركزية الأوروبية الجديدة: إشكاليات التأريخ العربي للعلوم في الحضارة الإسلامية". تعد موضوعاً حيوياً أمام هاجس المؤرخين العرب، في الرد على آراء الأوروبيين، أنّ مؤرخي العلوم العرب ركّزوا جهودهم على تبيان الدور العربي المحوري في صناعة النهضة الأوروبية، بوصفه هدفاً أساسياً لمشروعهم، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: لماذا ساهموا في صناعة النهضة الأوروبية، ولم يساهموا في نهضتهم؟ من أهم الأمور تجاوز التناقضات الدينية – العلمية، بفصل المسائل والإنجازات العلمية عن الدين والمقدس، وينبغي إعادة كتابة تاريخ العلوم العربية على خطوط التماسّ مع المركزية الأوروبية.

(العربي الجديد)

 

العراق.. اعتصامات لا تنفع

وعمليّة سياسيّة كسيحة

سيّار الجميل

 

دخل العراق طوراً جديداً في الأسبوعين الماضيين، وخصوصاً بعد انسحاب مقتدى الصدر من قيادته الاعتصامات في المنطقة الخضراء في بغداد، أملاً في الموافقة على تعديل الوزارة، بطرح أسماء مستقلة. وكان كاتب هذه السطور قد انتقد هذه الخطوة، بعد أن زرع الصدر الإحباط لدى كلّ أصناف المعارضة السياسية من المتظاهرين والمعتصمين، لمّا أمر بفضّ الاعتصام في خطابه المكتوب الذي جاء مباشرة بعد إنهاء رئيس الحكومة، حيدر العبادي، كلمته في البرلمان، وتسليمه أسماء من رشّحهم في ملف. وبدا للعالم كله، كم كانت واضحة المؤامرة السياسية ضد ما يدعونها "الإصلاحات"، فهم لا يريدون أية إصلاحات، بل إبقاء القديم على قدمه، وتمرير المصالح والإبقاء على المحاصصة الطائفية في الحكم، فكانت العملية واضحةً وساذجةً في ترك فجوة زمنية أسبوعين، من أجل إقرارها من البرلمان، فكان أن تآمروا في ما بينهم على ترشيح أسماء، يُحسب أصحابها عليهم من دون الالتفات إلى الأسماء الأولى التي تقاذفها الجميع بشتى الاتهامات.
وعلى الرغم من انسحاب مرشحين للوزارة من القائمة الأولى التي قدّمها العبادي، إلا أن رؤساء الكتل، بمن فيهم ما يسمى "التحالف الوطني" وجدوا في بعض الأسماء المستقلة ما يهدّد، ليس وجودهم، بل مصالحهم، فكان أن تآمروا على ترشيح أسماء أخرى، استناداً إلى مرتكزاتهم الطائفيّة، وعلى أسس المحاصصة الحزبيّة والسياسيّة مع تصريحات بعض رؤساء الكتل، أمثال عمار الحكيم ونوري المالكي الذي اتهم العراقيين المعتصمين بأنهّم يتآمرون على المشروع الإسلامي في العراق.. ومع حالة الضياع السياسي والأمني التي يقودها حيدر العبادي، وهو الذي يقوده زعماء كتلته وحزبه انقياداً كاملاً، فلقد جيء بأسماء مرشحين آخرين، أفرزهم ما سمي "اتفاق الشرف"، وبموافقة رئيس الجمهورية، فؤاد معصوم، ورئيس البرلمان، سليم الجبوري، وبدا هذا "الاتفاق" لدى العراقيين الوطنيين أنه "بلا شرف".
ومن تفاهة التاريخ أن يوقّع على (اتّفاق الشرف) قادة أحزابٍ وتكتلاتٍ، ومنهم حسين الشهرستاني، المتّهم الآن، دوليّاً، بتهم خطيرة في نهب المال، وأخذ الرشاوى بالملايين. اتفق حيتان الفساد في العراق هؤلاء على أسماء وزراء أرادوا تمريرها في البرلمان، في عمليّة خائبة وخبيثة، وبعد أن وافقت عليها الرئاسات الثلاث، بمعنى أن الرئاسات الثلاث (الممثلة بفؤاد معصوم وحيدر العبادي وسليم الجبوري) قد اشتركت في مثل هذا الماراثون المخزي، والتوقيع على هذه الخطّة البليدة لإبقاء نفوذ الطبقة السياسيّة الحاكمة. ولمّا طرح "المشروع" في البرلمان العراقي، حدثت مشكلة دستورية، بتمرّد بعض النواب على رئاستهم، وعلى مثل هذه الخطّة التي شيطنها رؤساء الكتل الدينية والطائفية، فكان أن اعتصم بعض النواب في داخل قبّة البرلمان. وحتى إن كان ذلك سابقة تاريخيّة، فالبرلمان العراقي يعيش حالة فوضوية منذ تأسيسه، نظراً لأنّ نواباً فيه، إناثاً وذكوراً، لا يستحقون أن يكونوا دلالين ودلالات في سوق شعبي، فكيف حدث ذلك؟ 

ما إن أعلن رئيس مجلس النواب، سليم الجبوري، رفع الجلسة إلى يوم 14 إبريل، الخميس 

الماضي، بعد أن تسلّم أسماء الكابينة الوزارية الجديدة من رئيس الحكومة حيدر العبادي، حتى تحوّل البرلمان إلى مكان للاعتصام، إذ رفض 167- 171 نائباً إقرار هذه الخطة التي تضم أسماء مرشّحة، اعتمدت المحاصصة الطائفيّة والسياسيّة في توزيعها، فضلا عن أنها أسماء مجهولة، ولها ارتباطاتها بالعملية السياسية الحالية، ولا تواريخ مهنية لأصحابها من اللاهثين وراء المناصب والمنافع. جاء اختيار هؤلاء من أجل تأمين مستقبل مصالح الطبقة الحاكمة في البلاد، واستشراء نفوذها من دون الأخذ بمطالب الشعب العراقي، والبحث عن أكفأ الناس، من أجل أن يخلصوا العراق من أزماته ومشكلاته، ومن المأزق الذي يعيشه منذ 13 عاماً. 
غدت الرئاسات الثلاث اليوم منبوذة من البرلمان العراقي، ضمن سيناريو ربما أعدّ بإحكام، إذ قال نائبٌ من كتلة الأحرار إن ما حدث يوم 12 إبريل بمثابة "انتفاضة"، كان غرضها أن تكون الحكومة المقبلة حكومة تكنوقراط، وليس حكومة محاصصة كما يريدها بعضهم. واستطرد: التقت رئاستا البرلمان والحكومة على مطالب المرجعية والمعتصمين، وكافة أبناء الشعب العراقي، من خلال محاولتهم تشكيل حكومة محاصصة جديدة. .. وإن اجتماع رئيس الوزراء حيدر العبادي مع رئيس البرلمان وقادة الكتل السياسية الثلاثاء شهد عراكا على المناصب، وكأن الأمر كعكة يُراد تقسيمها. وحسب النائب، لم يُحسن العبادي استغلال تفويضه من المرجعية الدينية العليا، ولا من الشعب العراقي في عملية الإصلاح. تفاقمت الأمور، واختلقت أزمة، يقال إنها مدبرة من رئيس المجلس لإحباط أية محاولة لإقالته.
بدا واضحاً أنه كلما زاد الشعب العراقي من مطاليبه العادلة زاد توحّش الذين يسيرون بالعملية السياسية في العراق. إنهم يوقعون "اتفاق شرف" في ما بينهم، كونهم يشعرون جميعاً بغدر أحدهم بالآخر، وإن قادة الكتل السياسية يريدون الآن الانتقال من المشاركة في الكعكة إلى الاستبداد بها، في حين ينتفض بعض النواب اليوم، بعد أن لازمهم الصمت قرابة سنتين، وقد جاءوا جميعاً من خلال عملية سياسية كسيحة، لا أدري إن كانوا ما زالوا يؤمنون بها.. ربما سيكبر عددهم، من أجل إقالة الرئاسات الثلاث، وهم يتحركون بسرعة خوفاً على مستقبلهم السياسي في المستقبل المنظور، وربما اندفع بعضهم منفذاً تعليمات قياداتهم من زعماء الكتل. 
أعتقد أن الكتلة (الجديدة) في البرلمان أحد العناصر التي تطبق سيناريو جديداً في العراق، فثمة مفاجآت قريبة في العراق. ونكتشف يوماً بعد آخر، عند ناسٍ كثيرين، كم هو حجم تقلّبهم السياسي، فهم غير مبدئيين، ولا شرف لهم عندما كانوا قبل أشهر يسبّحون بحمد النظام السياسي، ويتعبّدون في محراب العملية السياسيّة التي تديرها طبقة سياسيّة جاهلة، أوجدها المحتل الأميركي، ورعتها إيران الإسلامية رعاية الأطفال المشاكسين، وباركتها مرجعية الإمام السيستاني بشكل لا محدود. وكان هناك كارتلات من الطفيليين والمرتزقة العراقيين يدافعون بشراسةٍ عن النظام الطائفي، وعن نوري المالكي ورهطه، وعن العمليّة السياسية المقرفة، وعن الدستور الموبوء. واليوم يظهرون وقد تغيّروا، وخرجوا من عباءاتهم وجلودهم، في تغيرّ اللغة التي يستخدمونها تغيرّا واضحاً في المواقف السياسية، وعلناً، ولا يقتصر الأمر على برلمانيين وإعلاميين، بل يشمل ذلك العدد الكبير من المثقفين والكتّاب وأصحاب المواقع الإلكترونية، خصوصا الذين انقطع عنهم سيل الرشاوى والمكافآت المالية التي كانت تغدق عليهم. 
دعونا نترقّب الأحداث على مهل، فثمّة من يدير دفّة هذه السيناريوهات جمعاء في العراق، وسنرى ماذا سيحّل بالعراق، بعد أن بقي يسير في مأزقٍ تاريخيٍّ لا يُحسد عليه.

(العربي الجديد)

 

لن يعيش العراق في

جلباب حزب الدعوة وحلفائه !



 

د. سيّار الجميل

 

توقعنّا منذ وصول حيدر العبادي للسلطة ان لا ينفّك ابداً عن حزبه، الدعوة الاسلامية، وكان قد آمن بمبادئه الديماغوجية منذ اربعين سنة ولن يتخّلى عنه. وهذه ليست مشكلتنا معه، بل المشكلة الحقيقيّة مع حزبه وحلفاء هذا الحزب، ذلك انّ تشبثهّم بالسلطة واستماتتهم للبقاء بها بعد ان وصلوا اليها بفضل الاميركان وبقائهم فيها بفضل ايران .. فالعبادي يحاول ان يقّدم ترقيعات في نظام الحكم الذي كرهه عموم الشعب العراقي.. ترقيعات باسم " الاصلاحات " وكأنه متفّضل على العراقيين كما ظهر  في خطابه الاخير في مجلس النواب، مع كيل الوعود للشعب بان يحاسب الفاسدين  ويقضي على الفساد وكأنّه يضحك على شعب ذكي جدا "مفتّح باللبن " على قولة البغداديين، وقد بدا انه يمارس لعبته المعتادة في السيرك امام جمهرة حاذقة من المشاهدين العراقيين !

ان منظومة هذا الحزب والمتحالفين معه، لا تقبل البتة التنازل عن الحكم بالرغم من كلّ ما اقترفه قياديوها من اخطاء وسرقات وجرائم باتت مفضوحة، وهي شلّة لا تقبل ان تعترف بالخراب الذي سببّته للعراق، وغير صادقة في حمل الامانة الوطنيّة .. ويبدو ان لا مبالاتها قد وصلت الى درجة لعينة من التردّي بحيث تجد السخط عليها في كلّ العراق، وهي تصرّ على البقاء في السلطة مهما كانت الاثمان غالية . وكم شعر  ملايين العراقيين بالاحباط تجاه القرار الذي اتخذه السيد مقتدى الصدر بوقف حركة العصيان المدني ، اثر التظاهرات الاحتجاجيّة التي بدأت منذ اشهر  ضدّ سوء الاوضاع،  ما اعطى الانطباع بان السيد الصدر لا يبتغي التغيير الحقيقي لمن في سدّة الحكم ، بل هو مجرّد اختلاف بين اركان ما يسمّى بـ " التحالف الوطني " الذي تجتمع فيه احزاب تكتلات طائفية.. وعليه ، فقد شعر العراقيون بخيبة أمل كبيرة جرّاء انهاء الاعتصامات لحظة اعلان العبادي عن ترشيحاته، وكنت اراقب الموقف وكأنّ اتفاقا قد جرى بين الاثنين ، فما ان اكمل العبادي خطابه في قاعة البرلمان، حتى انطلق السيد الصدر بقراءة كلمته المكتوبة من خيمة اعتصامه في المنطقة الخضراء !

كم كانت محاولة حيدر العبادي مخيبّة للامال الوطنية التي حملها ملايين العراقيين وهم ينتظرون التغيير الجذري في النظام السياسي ، ولكن من البديهي ان لا يتمّ ايّ تغيير جذري في العراق من دون ثورة تطيح بكلّ الرؤوس التي لا تفيد معها لغة "عيني واغاتي".  ان التغيير الحقيقي ليس مجرّد تبديل شلّة وزراء بشلّة اخرى ، فالوزراء يأتون ويذهبون وهم يدورون  في اطار عجلة عربة مهترئة تجرّها التكتلات السياسيّة الطائفية الحاكمة .. بل ان المعضلة الحقيقيّة تكمن في طبيعة هذا " النظام السياسي " الذي قاد العراق الى التهلكة والخراب ومآسي الفساد . انه النظام الفاسد الذي صنعه بول بريمر قبل سنوات طوال، وقامت بادارته جوقة من السياسيين العراقيين الفاشلين والفاسدين والجهلة وقليلي الخبرة الذين شكّلوا اليوم طبقة سياسيّة تقف تحت مظلة كتل متحالفة من أجل المنافع ونهب المليارات ، واحزاب تمييز طائفي عمياء ، وكل الطبقة عملت في جلباب حزب الدعوة الذي اتسمّ بعدم القابلية على الحكم ، وممارسات قادته الذين قادوا البلاد الى هذا الانهيار المفجع ، وقد سحقوا العراقيين منذ 13 سنة على وجودهم البائس !

لا يهم أبداً إن كان حيدر العبادي يحمل الدكتوراه أم لا ؟ ولا يهمّ ان كان من التكنوقراط أم لا ؟ ولا يهمّ أبداً ماذا سيكون دوره في المستقبل المنظور ، فلقد ثبت للجميع عجزه السياسي  واخفاقه القيادي  وضعف شخصيته  وجهله بالادارة العليا ، ناهيكم عن فقره السياسي وترددّه وخوفه من الآخرين. وبدا في خطابه البائس الاخير امام مجلس النواب وهو يقدّم المرشحين الجدد لوزارته كم هو مضطرب وعاجز ومتردد ويخشى من حزبه والآخرين، بل يخشى من كلّ الفاسدين الذين ابتلعوا ثروات العراق، وكأنّه قد فعل فعلته معهم - كما يشاع.

ويبدو ان الاختيارات لاسماء وزراء رشحهم العبادي كانت اعتباطية، ومن دون ان يسأل بعضهم عن قبولهم او رفضهم المناصب الوزارية بدليل عدم قبول الدكتور نزار محمد سليم ترشيحه لحقيبة وزارة النفط ورفضه العمل وزيرا في مثل هكذا حكومة ترقيعية، فالرجل يبدو انه يحترم نفسه وتأريخه.

واذا كانت البقية الباقية من الاسماء قد قبلت ترشيحها لهذه المناصب، فانني اعتقد بأنها سوف تحسب على هذا النظام، وانها غدت من حيث تدري او لا تدري تعيش في جلباب حزب الدعوة الذي يقود "التحالف الوطني".. وليعلم هؤلاء الاخوة، انهم سيكونوا مجرد أدوات تنفيذيّة او مجرّد بقايا خردة لسياسات سيئة وطائفيّة يرسمها كبار  رؤوس النظام، ويمليها عليهم رئيسهم حيدر العبادي ! فلا تفرحوا بمثل هذه المناصب التي غدا أصحابها على عهد هذا النظام، مجرّد بيادق على رقعة شطرنج يحرّكها بلهاء، وتقودها  شلّة من كبار الفاسدين في التاريخ .

ماذا ينفع هؤلاء ان جاءوا كوزراء ترقيع في حكومة عاجزة في ادائها  ومكبّلة بارادات غير عراقية، ولا تهتم بهموم الشعب، بل ولا يضيرها ان توجّه اليها اللكمات وهي تبرّر  للمسؤولين السابقين جرائمهم ومفاسدهم وفضائحهم وعلى رأسهم المالكي وشلتّه ؟ ما دوركم في حكومة يقف على رأسها رئيس وزراء ليس باستطاعته محاكمة الفاسدين والمجرمين الذين انفضحت صفقاتهم ومنهوباتهم ؟ ماذا ينفع هؤلاء ( التكنوقراط ) الا في تنفيذ سياسات لا يقومون برسمها، وهم في ظلّ اجندة ماكرة يطلقها نوّاب لهم تبعيتهم لقادتهم من زعماء الكتل؟ ماذا باستطاعة الوزراء فعله في دوائر ومؤسسّات ابتليت بالمخرّبين والمرتشين واكلي السحت الحرام ؟ كيف يعملون في غياب القوانين ووصولية القضاء وتغافله عن المجرمين؟ كيف باستطاعتهم رسم خارطة طريق جديد في ظلّ دستور عقيم وهيمنة طبقة سياسيّة رعناء؟ ماذا يصلحون ان كان ربّ الدار بالدفّ ناقرا، ولم يزل عضوا قياديا في حزب فاشل؟ ستجدونهم يرقصون على الحلبة رقصة الجوبي وهم متكاتفون كتفا بكتف!  كيف ينفع هؤلاء السادة الوزراء، وهم يعملون في نظام حكم لا يعاقب المجرمين والفاسدين والقتلة، ولا يجتّث كلّ المسؤولين السابقين ، ولا يحاكم ولا يعاقب كلّ الذين تسببّوا في مسلسل الهزائم النكراء؟ كيف يشتغلون ومشكلة النظام سائدة بعدم مطاردة كلّ الذين سرقوا المال العام كي يرجعوه بأيّة وسيلة من الوسائل الى خزينة البلاد؟ ماذا تنفعكم مناصبكم التكنوقراطية الّا ان كنتم من السعاة اللاهثين للجاه والمال والسلطة المزيّفة ؟ انكم سوف تشكلّون جوقة فساد من نوع آخر ! سيضحك التاريخ عليكم وسيسجل لكم المستقبل خنوعكم وانتم تجلسون على مائدة واحدة مع فاشلين .. لا تهمّكم ابدا الهتافات والصيحات والتهاني والتبريكات التي تنهال عليكم من الاف العراقيين، فان الملايين من العراقيين يشعرون باحباط شامل واستياء عارم من الوضع وهم يكظمون غيضهم، وما هذه الخطوة  الا مجرّد بوابة يتنّفس منها النظام السياسي الحاكم، وستكونون معه في قارب واحد ان قبلتم العمل معه، علما بأنّ بعضكم يعمل معه منذ سنوات خلت! 

لا يغرّنكم وقف العصيان  المدني على ابواب  المنطقة الخضراء، فالمسألة قد توضّحت الآن جليّا بأنّ اتفاقا سياسيّا  قد دبّر بليل بين الكبار على هذا "الحل" الخادع الذي ينفذّه وزراء يسعون للسلطة بأيّ ثمن، وهم مخدوعون أو لاهثون، وهو "حّل" سينقذ التحالف الوطني من المأزق الذي يعيشه. وكما قال السيد مقتدى لواحد من الساسة المستقلين العراقيين جوابا على سؤال له: "أبعدوا أنفسكم، فالمشكلة يمثلها خلاف في التحالف الوطني"، فإن صحّ هذا  فكلّ "هوسة" الاعتصام لا دخل لها بمعضلة وطن ولا بتغيير  جذري، ولا باسقاط نظام !

من يعتذر عن قبول هذه المناصب سيسجّل لنفسه مأثرة لا تقدّر بثمن أبداً، فلا تربطوا انفسكم، ايها التكنوقراط، بهذا النظام السياسي الفاشل الذي لا يمكنكم العمل على صلاح شأن العراق بوجوده مع هكذا طبقة سياسيّة حاكمة تتصدر  مشهد السلطة العليا وكل التابعين لها يملؤون قاعة البرلمان . الايام القادمة ستحدد من هو على خطأ ومن يكون على صواب !



 

نشرت في جريدة المدى ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار  الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 

 

متى ترفضون

أن يكون للخراب وطن؟

 

د. سيّار الجميل

 

دعوني أستعير عبارةً قالها القس جوستن بيركنس قبل 150 سنة "قلمي يرفض أن يقول للخراب وطننا". فمتى ترفضون، أيها العراقيون، هذه الطبقة السياسية الحاكمة التي عملت على أن يكون للخراب وطن؟ الكلّ يراقب ما يحدث في العراق من تطورات، وما يدور في المنطقة الخضراء، وما يتداوله بعضهم من مطالب.. ويلعب اليوم السيد مقتدى الصدر دوره من أجل تحقيقها، ويعتكف معتصماً بنفسه بعد اقتحام المنطقة الخضراء التي أمست رمزاً للخراب، صنعه المحتل الأميركي قبل سنوات، فهي منطقة احتوت على كل الفاسدين والمأجورين وسرّاق المال العام.. وكنت أتمنى أن تكون رمزا للبناء والنخوة والنظافة والعمل الخيري والتعايش الوطني. وهنا أسأل: ما فائدة المطالبة بالترقيعات، إذا لم تنادوا بالتغيير الجذري ومحق الطبقة السياسية التي دمّرت العراق وسحقت العراقيين؟

ما يحتاجه العراق، اليوم وغداً، هو أكبر من تنازلات أو توافقات أو مجرد ترقيعات .. وليس المهم الإسراع بتشكيل "أية حكومة". ولكن، المهم ما نوعية تلك الحكومة ؟ يا تعاستها ان بقي العبادي يترأسها ! ليس المهم أن يجمع البرلمان الجديد الأصوات لهذا أو ذاك، بقدر ما يحدثه من تغييراتٍ دستوريةٍ مطالب بإجرائها منذ سنوات! ليس المهم أن يتم الإصرار على أن يحكم هذا (المكون)، كما أسموه، لا ذاك، كما نشهد اليوم، بل المهم البدء في مشروعٍ وطني ومبادرة وطنية، وإعادة تأسيس دولةٍ لا تصادرها طائفةٌ معينة، ولا طبقةٌ سياسيةٌ معيّنة، ولا بأغبياء يحتكرون الحكم، وهم من المتاجرين بالدين وبالوطن، حتى وإن كانوا يحملون شهاداتٍ عليا، ويسمونهم "تكنوقراط"، ولا يمكن قبول أحزاب سياسية مأجورة، أو كتل طائفية فاسدة أو مليشيات مرتزقة من أجل أخذ الثارات .. إلخ.

يريدون " حكومة تكنوقراط " ، يختارون لها بيادق وإمّعات، ليكونوا مجرّد أدواتٍ بأيدي رؤساء الكتل السياسية التي لم تزل تتصدر المشهد السياسي ، ويقف في مقدمتهم رئيس حكومةٍ أثبت الواقع فشله في مهمته فشلاً ذريعاً.. ان البرلمان ان اقّر  اية حكومة جديدة ، فسوف يبقى الحال على ما هو عليه ما دام الخلل يكمن في الاسس والركائز  التي تعمقت منذ 13 عاما  . أن الضرورة باتت تقضي باقتلاع الأدغال من جذورها، ولن ينفع التربة أي استصلاح لها من مجرد الأملاح، فقد غدت الطبقة السياسية الحاكمة خائسةً ومتعفنة سوداء اللون تزكم الأنوف. وينتظر العراقيون حكومة وبرلماناً ونهجا جديدا مغايرا يشارك فيهما نسوة ورجال من البناة الأذكياء الحقيقيين المخلصين.

ما يطالب به اليوم بعض العراقيين الذين غدوا صنّاجةً بأيدي الكبار التافهين يتمثّل في السعي إلى "تشكيلة وزارية"، لا تختلف عن سابقتها إلا كونها حكومة "تكنوقراط"، كما يسمونها، ولا أعتقد أن هناك أي مختص عراقي يحترم نفسه يقبل ضميره أن يعمل وزيراً في حكومة تافهة. ولقد رشحت في البداية أسماء لا يعرفها أحد، وبدت لعبة المحاصصة واضحةً في الترشيحات التي قام بها أناسٌ ترتبط بالمنظومة الحاكمة، وأعقبتها ترشيحات اخرى لاسماء لم تكن غائبة عن المشهد السياسي لما بعد 2003 !  هنا ، نسأل :  هل المهم، عند هؤلاء، السعي إلى التغيير الشامل والجذري من أجل البدء بعملية سياسية جديدة، لها ركائزها الوطنية، والمضي في الإجراءات القانونية، للتأكد من تغيير الدستور الذي قاد إلى كلّ هذا الخراب، مع إصدار قوانين صارمة للبدء بحياةٍ سياسيةٍ جديدةٍ، تعمل من دون أية تمايزات جهويّة أو من دون تفرقة طائفيّة، فالشعب يطمح إلى التغيير، ولا يريد إبقاء الحال على ما هو عليه، كي يضحكوا عليه باسم "وزارة تكنوقراط". المهم جداً أن تتمّ محاسبة كل المقصّرين والمجرمين صنّاع الخراب، وأن يمثل أمام العدالة كلّ الفاسدين والمفسدين لينالوا جزاءهم العادل، بعد أن ترفع كلّ الحصانات عنهم، من دون أن تشفع لهم أيّة ضمانات. عندما يحدث ذلك، سنصفق للخروج من عنق الزجاجة.

وعلى الرغم من بصيص الأمل لدى بعض العراقيين الذين تحرّكهم عواطفهم الساخنة، ولكن

"التغيير سيأتي في العراق في لحظةٍ تاريخيةٍ مفاجئةٍ للجميع، ضمن أسبابٍ معينة، وضمن خططٍ معينةٍ" يبدو أن التشاؤم قد سيطر على أغلب العراقيين. علينا أن نطرح أسئلةً، ونحاول معا الإجابة عليها. وعلى الرغم من تنوع الاتجاهات السياسية والفكرية، إلا أن العراقيين انقسموا إلى قسمين، قسم له منافعه ومفاسده وعلاقاته، فهو قابل بهذا الوضع، ويصفّق مع المصفّقين لهؤلاء المسؤولين، وقسم له معاناته وشقاء وعيه ورؤيته لما حدث في العراق من انهيارات، ويحلم بالتغيير الحقيقي، وازالة خراب الوطن.. وثمّة حلول ومبادرات، لا يريد سماعها من هو مستفيد من الحالة الراهنة، خصوصا وأن هذه "الحالة"، كما وصفتها جنجر كروز (نائب مفتش عام برنامج إعمار العراق)، أحد تجليات شمولية الفساد، فالفساد في العراق انتشر وتغلغل في كلّ البنى والمؤسّسات، ولم يبق حكراً على الطبقة الحاكمة. شمل الفاسدون في العراق خريجي المدارس والجامعات، وموظفي الدولة والمؤسسات من مدير عام فما دون ، والتجار والمقاولين والعاملين، وشيوخ العشائر ورجال الدين.. فكيف لا يطاول النواب والوزراء والرؤساء؟ السؤال: هل سنبقى أسرى هذا الوضع المأساوي، ونحن نشهد شمولية جرائم الفساد وشلالات الدم، من خلال صفقاتٍ مشبوهة، لم تزل تجري في كلّ العراق؟ هل في وسع العراقيين فعل شيء؟ هل في وسع هذا النظام الحاكم ان يقبض على كل المسؤولين الفاسدين ويحاكمهم وينزل فيهم العقوبات اللازمة ؟

لن تقبل الطبقة السياسية الحاكمة أن تتنازل عن مصالحها، ولن تقبل بحلّ الأحزاب والكتل، ولا بمحاسبة رئيس الوزراء السابق ورهطه وذويه، لما جنوه بحق العراق وأهله.. معللين ذلك بالشرعية الانتخابية، وقد كُشف ما حصل من تزويرات مفضوحة. إنهم يضيّعون الوقت بتشكيل " حكومة تكنوقراط " وسوف لا تقدّم ولا تؤخّر، والعراق يسير مسرعاً إلى انهيار اقتصادي مريع ، فما نفع تشكيل حكومة تكنوقراط من وزراء (دكاترة لا يفرقون بين الضاد والظاء)، وبضمنهم رئيسهم، حيدر العبادي، الذي لا أعرف كيف يحمل الدكتوراه منذ 35 سنة، وهو لم ينشر في حياته خلاصة بحث واحد؟ إنهم يقومون في الحقيقة بطلاء الخراب، ليس عن غباء وسذاجة، بل لأنهم يعملون على إبقاء الخراب.. المسؤولون اليوم عن العراق ومؤسساته، لا يمتّون بصلة إلى هذا العصر. يريدون سحق كل الجماليات وإبقاء القبيح على قبحه. المشكلة أنهم يسوّقون أنفسهم باسم الدين والطائفية والتوافقية، والتراقص على نهش الكعكعة، وما تبقى منها. ولكن، يبدو أن الفرقاء لا يقبلون بمبدأ المشاركة أصلاً.. أي حتى المشاركة أصبحت مرفوضة.. علينا ألا نتخيل الإصلاح والتغيير قاب قوسين أو أدنى من التنفيذ، فكلّ الذين يقودون هم ينتمون إلى أحزاب طائفية، أو دينية، لا يهمهم ما نطالب به.. تهمهم أشياء وأمور أخرى. إنها مشكلة انقسامية بنيوية، تتحكم في مصير المجتمع العراقي على امتداد أزمنة قادمة.

وعليه، فان تعابير، كالوطنية والثورة والتغيير وغيرها، لا يمكن أن تكون مستهلكة من دون فعل، ولا بديل للعراقيين عنها.. ولا يمكن إحداث التغيير، ما لم يبدأ العمل بمشروعٍ وطنيٍّ، يعمل في إطار مبادئ أو ركائز أساسية لبناء عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع، بعيداً عن الخراب.. إن أية حكومة تكنوقراط يتوجب أن يكون أعضاؤها من الأذكياء وذوي تجارب حقيقية، ومستقلين عن أي حزبٍ، أو طرف أو إقليم أو طائفة أو دين.. إنها حكومة عمل، وتنفيذ قوانين، لا حكومة تسلط ومناصب. لا أعتقد أبدا أن الشعب سيقول كلمته في التغيير الجذري، إلا حين تعلن ساعة الصفر، فالشعب مغلوب على أمره اليوم.. ولكن التغيير سيأتي في لحظةٍ تاريخيةٍ مفاجئةٍ للجميع، ضمن أسبابٍ معينة، وضمن خططٍ معينةٍ، مع توفر مناخ ملائم لحدوثه، ينطلق به عراقيون يرفضون أن يكون للخراب وطن.



 

العربي الجديد ، وسيعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 


قصف جامعة الموصل:

ثنائية الانسحاق والشماتة

تساؤلات صارخة بوجه اهل العراق !

 
 !د. سيّار الجميل


تناهت الى السمع والبصر يوم امس الاخبار المزعجة المسموعة والمرئية عن الموصل وقصف الطائرات لابنية جامعة الموصل ، وما الحق ذلك القصف المخيف من دمار واسع النطاق ليس بالجامعة حسب ، بل بكل ما يحيطها من ابنية واسواق وبيوت وشوارع ومناطق حيوية تكتظ بالناس .. باختصار ، لي تساؤلات واضحة اطرحها على الناس والمسؤولين العراقيين في مقدمتهم الذين ثبت للعالم كله ، دورهم جميعا في الكارثة التي حلت بالموصل منذ سنتين .. وكأنها ليست مدينة عراقية ، ويقطنها سكان عراقيون ، وكان لها دورها التاريخي والحضاري في بناء العراق الحديث .. 
أسأل : من قام بقصف جامعة الموصل يوم امس قصفا ساحقا ماحقا ، هل هي طائرات التحالف الدولي ؟ هل هي طائرات ما يسمى بالتحالف ( الوطني ) ؟ هل هي طائرات جاءت من دولة مجاورة من دون هوية ؟ 
أسأل : هل تريدون سحق داعش ومن هم وراء داعش ؟ ام تريدون قتل الابرياء وتدمير البنية التحتية للموصل بهذه الطريقة ؟ وكنتم قد قصفتم على امتداد الايام السابقة مدارس وبنوك ومؤسسات مدنية في الموصل بنفس الطريقة ؟ هل تريدون تدمير وتخريب مدينة تعدّ الثانية في العراق من حيث الاتساع وحجم السكان ؟ ام تريدون اخراج داعش ؟
أسأل : بعض من يسمّون انفسهم بـ " عراقيين " ويرفعون مجرد شعارات يوهمون بها انفسهم ، هل من الاخلاق في شيئ ان تتشمّتوا على طريقتكم البذيئة وتتلذذوا باساليبكم غير الاخلاقية بسحق الموصل ، وشتم اهلها وسبّهم ونسائهم بطريقة مقذعة لا يمكن ان يتخيلها عدو من الاعداء ؟ ماذا تريدون من كل هذه الشتائم والسباب والطعون والاتهامات التي تطلقونها بشكل عام على كل اهل الموصل ؟ والجميع يدرك من كان وراء حدوث الكارثة في سقوط الموصل ؟ ان ما قرأناه يوم امس من كلام شنيع أتى على لسان الالاف من العراقيين ضد الموصل واهلها ونسائها يعد فجيعة اخلاقية بكل المقاييس . أين تربّى هؤلاء الناس ؟ من علمهم كل هذا الحقد الاعمى ؟ من زرع فيهم كل هذه الكراهية ؟ اين تعلموا مثل هذا الكلام البذئ ؟ 
أسأل : هل سمعنا بأية ادانة على ما يجري وما يقال بحق شعب اعزل كامل في الموصل واقليمها ، منه مليون مهجّر ومنه اكثر من مليونين من البشر وقد وقعوا تحت البطش ؟ هل صاح احد المعممّين الكبار بكلمة ( لا ) ؟ هل اطلق نداءات شديدة القوة بايقاف هذا السيل من السباب والشتائم ؟ هل قام بالقاء خطبة جمعة ينصح الناس بأن يكونوا اهل عقل ، واهل اخلاق ، واهل تعامل حسن مع بني جلدتهم، بأن يكفوا عن كلّ هذا الشتم والسبّ والاذى والقاء التهم والتشمّت الذي البسوه البسة طائفية ، وكأن ابناء العراق هم اعداء الّداء منذ الازل ؟ هل قام لفيف من المثقفين والاعلاميين العراقيين ( وهم كثر ما شاء الله ) بتوعية الجهلة والمتخلفين والمتهتكين بأن يكفوا لسانهم ويرتفعوا باخلاقهم كي يحسنوا معاملة ابناء شعبهم ، ام أنهم اثروا الصمت حتى اليوم ؟ 
أسأل : اين دور المسؤولين العراقيين ان كانوا بمسؤولين حقا عن العراق واهله من الحالة غير الاخلاقية المتدنية التي اوصلوا العراق اليها ، وخصوصا اولئك الذين يتزعمون الكتل والاحزاب والتيارات .. توقفوا قليلا وتأملوا ما الذي احدثتموه ليس في العراق وحده ، بل ما صنعتموه عند العراقيين من انقسامات وعداءات وثارات ستبقى تلاحق العراقيين لازمنة يكسّروا عظام بعضهم الاخر .. حتى غدت مدنا عراقية كاملة لن ترفضكم وحدكم بل ترفض الانتماء للعراق ! ان من يعامل بهذه الطريقة ، ويرى ان الجميع قد آثر الصمت عن هذه الآثام ، فسوف لن يقبل الوقوف تحت مظلة واحدة
واخيرا : يا اهل الموصل جميعا ، وانتم طيف تتعدد فيه الالوان والاديان وكل العناصر ، اهيب بكم وانتم تواجهون هذه المحنة التاريخية وفي غمرة هذا التحدي المصيري ، ان تكونوا يدا واحدة ازاء كل هذه الاصوات المنكرة التي تأتي من بعض بني جلدتكم وهم يشمتون بكم ، وان تواجهوا المحنة الصعبة بقلوب قوية ، واخلاقيات عالية ، ولا تنحدروا ابدا لما يريده خصومكم الذين يهددونكم بالويل والثبور ، فانتم اقوى منهم .. انكم دوما كما علمنا التاريخ اقوى من كل الشدائد .. الله معكم ، ستتحرر الموصل ، وسينفتح تاريخ جديد امامكم عمّا قريب بعد ان تنفّك مدينتكم من اسرها بحول الله . حفظ الله الموصل أم الربيعين وحرس اهلها النجباء ، واعادها مدينة حيوية ونشيطة وهي تتوسط اقليمها الرائع اقليم نينوى العريق بكل طيفه ، مبارك يوم نوروز الجميل وهو يبدأ ربيعا جديدا في تلك الربوع الساحرة الخضراء .. وسامح الله كل الاخوة العراقيين الذين يريدون شرّا بالموصل وبأهلها ويا للاسف الشديد .


تنشر يوم 21 آذار / مارس 2016 على موقع الدكتور سيار الجميل
 
www.sayyaraljamil.com

 

 

جورج طرابيشي..

رؤية لما بعد الرحيل

د. سيّار الجميل

توفي الصديق المفكّر والناقد والمترجم العربي المعروف، جورج طرابيشي، يوم الاربعاء 16 مارس/ آذار 2016 في باريس عن عمرٍ ناهز 77 عاماً. ولد في حلب عام 1939، ودرس في سورية، وحمل الليسانس في اللغة العربية والماجستير في التربية، متخرجاً في جامعة دمشق. عمل مديراً لإذاعة دمشق (1963-1964)، ورئيساً لتحرير مجلة دراسات عربية (1972-1984)، ومحرّراً رئيسياً لمجلة الوحدة (1984-1989). أقام ردحاً في لبنان، لكنه غادره، إثر اندلاع الحرب الأهلية، إلى فرنسا التي بقي فيها حتى وفاته متفرغاً للكتابة والتأليف. اتصف، منذ صغره، بشغفه الشديد بالكتابة والترجمة، بحيث كان ينعزل أياماً حتى يترجم كتاباً عن الفرنسية التي خبرها منذ تكوينه الأول، اذ ترجم لفرويد وهيغل وسارتر وبرهييه وغارودي وسيمون دي بوفوار وآخرين، في موضوعات مختلفة وميادين متنوعة في الفلسفة والأيديولوجيا والتحليل النفسي والرواية.

كتب الكثير في الماركسيّة والنظريّة القوميّة وفي النقد الأدبي للرواية العربية. وكان سبّاقاً في تطبيق مناهج التحليل النفسي في نقداته وكتاباته. وعدّ مصنفا بارعا في مؤلفّه "معجم الفلاسفة"، وغدا كاتبا نهضوياً في مؤلفه "من النهضة إلى الردة"، وفي "هرطقات 1 و2"، وعدّ ناقداً قويّاً في مشروعه الضخم الذي عمل عليه سنوات طوال، وصدر منه خمسة مجلدات بعنوان "نقد نقد العقل العربي" كان آخرها مجلده الخامس "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث" (2010)، وكان قد انطلق فيه من خلال نقده مشروع المفكّر المغربي محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، فكان ندّا حقيقيّا له، إذ وضع طرابيشي النقاط فوق الحروف التي لم يدركها الجابري، وكان طرابيشي أذكى من الجابري في توغّله بموسوعيّةٍ كبيرةٍ باحتوائه على قراءةٍ ومراجعةٍ دقيقةٍ للتراث اليوناني وللتراث الأوروبي الفلسفي وللتراث العربي الإسلامي بمختلف تخصصّاته، وليس الفلسفي فحسب، بل أيضاً في ما يخص علم الكلام والفقه والتصوّف واللغة.. اذ عالجها طرابيشي معالجةً علميةً أرقى بكثير من الجابري الذي استلهم نظريات غيره، ولم يكن ذكياً في تطبيقاته لها، فكان أن تصدّى له طرابيشي، وأفحمه في جنباتٍ كثيرة، أخفق فيها الجابري، وخصوصاً عندما دعا الأخير إلى تمفصل المشرق العربي عن المغرب العربي، وادّعى بأن لا فلسفة ولا فكر إلا في المغرب! وكنت بدوري قد انتقدت خطابه ذاك في كتابي "الرؤية المختلفة: قراءة نقدية في منهج محمد عابد الجابري" (1999) .

قلت لطرابيشي يوماً: ما ضرّك لو صرفت السنوات التي قضيّتها في نقد الجابري بتقديم مشروع فلسفي مضاد إلى ثقافتنا العربية؟ انتبه وقال: لم أكن اتوّقع أنه سيأخذني كلّ هذا المطال. سألته: وهل للعقل (العربي) هويّة قوميّة، حتى نميّزه عن العقل البشري؟ ابتسم لمثل هذا السؤال الساخر، وقال: اسأل صاحبك الجابري. أعتقد أن جورج كان الأقدر عربياً في اقتحام مشروع الجابري ونقده وترميم أحجاره، فهو يمتلك الأداة النقديّة ومبضع الجرّاح، لكي يعتكف سنوات طوال في عمله، كما اعتقد أن جورج لن تكون له القدرة، منذ بداياته الأولى وحتى نهاياته، كي يكتب مشروعاً فكرياً عربياً، إذ كان يردّد دوما أنه من الهواة الذين أقحموا أنفسهم في عالم الفلسفة، إذ لم يكن من جماعة المتخصصّين.. وعليه، فقد برع في نقد الجابري براعة قويّة، وفشل الجابري نفسه في أن يردّ عليه ردّاً شاملاً بحجم ما كتب جورج في نقد نقد العقل (العربي)، سواء في تكوينه أو بنيته، أو ما ألحق الجابري بذلك من ملحقات.

لعل أبرز الإجابات التي قدمها طرابيشي على سؤال أساسي: هل جاءت استقالة العقل في

"سيبقى اسم جورج طرابيشي علامة بارزة، ووضيئة في الثقافة العربية الحديثة" الإسلام نتيجةً لعامل خارجي، وقابلة للتعليق على مشجب الغير؟ أم هي مأساة داخلية ومحكومة بآليات ذاتية، يتحمل فيها العقل العربي الإسلامي مسؤولية إقالة نفسه بنفسه؟ وهكذا، وجدتني معه في حواراتٍ جمعتنا معا عند لقاءاتنا المتباعدة، فكان الرجل يشاركني القول إن العقل في تاريخنا ووجودنا قد ضاع منذ زمن طويل، وكان ذلك "العقل" مجبراً أن يقيل نفسه جرّاء ما أصاب الوعي والتفكير من جمود وانحطاط وانغلاق في دوامات التصوّف والخرافات.. لقد استقال العقل (العربي الإسلامي) عن أداء دوره منذ زمن بعيد جداً، وكان على موعد أن يحيا من جديد على أيدي نخبةٍ مستنيرةٍ عربيةٍ عليا مخضرمة بين القرنين التاسع عشر والعشرين. ولكن، ضاعت الفرصة التاريخية ممثلة بهجمة الأيديولوجيات التي قطعت الطريق على المعرفة والعقل والتفكير العلمي .

أهم المحطات الفكرية في مسار طرابيشي انتقاله من الفكر القومي والنزعة الثورية إلى التنظير في الماركسية، ثم جاء التحوّل نحو الفلسفة الوجوديّة التي غمر نفسه فيها زمناً، إذ كان، منذ بدايات الستينيات، قد أعجب بسارتر وأفكاره، ثم انتقل اهتمامه إلى التحليل النفسي، وأعجب بسيغموند فرويد إعجاباً بالغاً، حتى بدأ يفسر حركة الجماعات والتراث بالعصابية وتحجّر التفكير من خلال التعصّب، ثم تحوّل، أخيراً، إلى تبني نزعة نقدية جذرية، فوجد فيها الموقف الوحيد الذي يمكن أن يصدر عنه المفكر، ولا سيما في الوضعيّة العربية الراهنة التي يتجاذبها قطبان: الرؤية المؤسطرة للماضي والرؤية المؤدلجة للحاضر.

التقيت الرجل عدة مرات في بيروت وعمّان وباريس، وفي كلّ مرة أجده إنساناً متواضعاُ. في بيروت، كان لقاء عابراً، وكنت في مطلع الشباب، وعبّر وقت ذاك بالتوأمة التاريخية لكل من حلب والموصل، حيث يمتد انتماؤنا هو وانا، لكن جلساتي معه في عمّان عند منتصف التسعينيات كانت غنيّة جدا، فقد توفّرت لكلينا فرصة التلاقي والحوار، وأذكر أنه وقف معي في ردّي على الكاتب المصري، محمد عمارة، الذي كان يصرّ على ترديد أخطاء بحق تقييم تاريخ جمال الدين الأفغاني، فكنت قاسياً على عمارة، وجاء رد طرابيشي الأقسى عليه، فاتهمنا بالعلمنة والمروق، وكأن الأفغاني عنده من الآلهة المقدّسة. وفي باريس، التقيت مع جورج طرابيشي عدة مرات في زياراتي لها، وقد وجدته غير ذلك المفكر الثوري الذي عرفناه إبّان الستينيات، إذ بدا لي وقد تخلّى نهائياً عن افكاره القديمة، ولمّا ذكّرته بما كان يكتبه وينشره في "دراسات عربية" التي تنشرها دار الطليعة ببيروت، أجاب: العقل الذي طردناه من الشبابيك رحبنا به اليوم من الأبواب .. تغير الزمن بغير الزمن، وقد كشفت لنا التسعينيات عند نهايات القرن العشرين حقائق فاضحة عن الأوهام التي آمنا بها زمناً طويلاً. انتقدت استخدامه عنوان "مذبحة التراث"، وأذكر أنني قلت له، في حوار تجاذبناه طويلاً، إنّ مجتمعاتنا تزحف بجهالة نحو عصر الظلمات.

في السنوات الأخيرة، كنا على اتصال دائم، وكنت أشعر كم كان الرجل يعيش مرارة وأحزاناً على سورية التي مزقّها الأغبياء والأشقياء، كان محبطاً جداً، إذ لم يتخيّل يوماً حجم الكارثة التي مني بها كل من سورية والعراق.

لا أدري، إن رحل من تبقوا من آخر العنقود في ثقافتنا العربية الحديثة، فمن سيأتي ليحلّ محلهم. .في كل سنة تمر علينا، يرحل فيها من تبقى من مفكرين ومبدعين ومترجمين. في كل سنة، يزداد حجم الفتق كبيراً على رقعتنا العربية، وتبرز للعيان هياكل عارية، تكشف لنا أزمة الفكر في عالمنا العربي، ويشغلنا ذهنياً التأثير المخيف من إشكالية الفكر العربي الذي بات لا يعبر تعبيراً حقيقياً عن قضايا المجتمع العربي ومشكلاته المستعصية، وهي إشكالية متأزمة ومزمنة، مقارنة بما كان عليه الحال في كل من القرنين السابقين، التاسع عشر والعشرين، حيث كان الفكر العربي الحديث مستنيراً، وغدا مبدعاً في القرن العشرين، حيث صارت عناصره معبرة عن ضرورات المجتمع، ومنتجة للحياة الحديثة.

أخيراً: ستبقى ذكرى الصديق جورج طرابيشي حيّة في القلوب، وسيبقى اسمه علامة بارزة، ووضيئة في الثقافة العربية الحديثة.

نشرت في العربي الجديد ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيّار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 

 

جلسة مسائية هادئة في لندن


مع الصديق الدكتور غسّان العطيّة


د. سيّار الجميل


كان من دواعي سروري ان ألبي دعوة الصديق القديم الاستاذ الدكتور غسّان العطيّة في لندن بعد غياب طويل لم يخل من مراسلات واتصالات تلفونية بيننا ، وكان اللقاء في امسية يوم 1 آذار / مارس 2016 ، وقضينا معا قرابة 4 ساعات تحاورنا خلالها في عدة موضوعات عن الماضي والحاضر وما الذي يمكن عمله بشأن المستقبل ، وكان العراق واوضاعه ومستقبله هو هاجسنا وموضوعنا ، وما الذي يمكن فعله للعراق وكيفية ايجاد الحلول والمعالجات ، وهو يمر باشرس محنة تاريخية سياسيا واجتماعيا وثقافيا في حياته الحديثة .. 
والاخ الدكتور غسان معروف بتاريخه وعروبته ووطنيته ، ولد في بغداد عام 1940 ، اذ كان قد تربى في بيت معروف بنزعته العروبية ومشيخته العراقية ، فهو ابن الشيخ رايح العطية الشخصية السياسية الشهيرة على العهد الملكي في العراق ، كان والده رئيسا لعشيرة الحميدات القاطنة في قضاء الشامية بلواء الديوانية في ربوع الفرات الأوسط، وشارك الاب في ثورة العشرين ، اذ كان احد قادتها ، وقد غدا عضوا في البرلمان العراقي عام 1925، ولقد تولى في ما بعد مناصب وزارية ابان العهد الملكي ، وكان من أبرز المؤيدين لحكم العائلة الهاشمية في العراق قبل انقلاب 14 تموز / يوليو 1958 والتي أطاحت بها . كما ويعجب غسان مثلي في شخصية نوري السعيد السياسية اعجابا كبيرا . 
درس الرجل الثانوية في بيروت ، وتخرّج غسان العطية في اروقة الجامعة الأميركية في بيروت عام 1963 ، وكان في شبابه المبكر قد انتظم بالعمل السياسي في بيروت منخرطا في صفوف حركة القوميين العرب، مناضلا سياسيا بعد التحاقه بجامعة بغداد لمواصلة النضال ضد حكم عبد الكريم قاسم، ثم عاد فيما بعد لمواصلة دراسته في الجامعة الامريكية في بيروت.
ولما كان من انصار جمال عبد الناصر، فقد تعرض اثر عودته الى بغداد الى الأعتقال في أيلول / سبتمبر 1963 على يد الحرس القومي ، ويقول بأن مكان توقيفه وتعذيبه كان في البناية التي كانت على ايام العهد الملكي مجلسا للنواب، ولقد توفرت الفرصة له ان يهرب اثر الاعتقال الى الكويت ومنها الى مصر. ومنها عاد الى العراق بعد سقوط البعث عام 1963 ، ولكنه آثر ان يغادر الى بريطانيا من اجل اكمال دراسته ونال شهادة الدكتوراه في جامعة إدنبرة باسكتلندا عام 1968 في العلوم السياسية .
عمل بعد تخرجه مدرسا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة بغداد، وتولى عام 1972 مسؤولية ادارة مركز الدراسات الفلسطينية التابع للجامعة، ثم انتقل فيما بعد مستشارا للوفد العراقي للأمم المتحدة في نيويورك. وقد استقال من وزارة الخارجية العراقية عام 1974 وعاد للعمل في الجامعة حتى إعارة خدماته الى جامعة الدول العربية في مقرها الجديد في تونس بعد تجميد عضوية مصر عام 1980 وذلك بصفتي مديرا للاعلام. ولقد انتهت مهمته عام 1984 ، فانتقل الى العاصمة البريطانية ، اذ بدأت تجربة العمل المستقل حيث قام بتأسيس دار اللام للنشر والتي اعتنت منشوراتها بالشأن العراقي .. بعد احتلال الكويت عام 1990 ، عاد الى العمل السياسي وقد اعلنت الحرب على العراق في العام التالي، فقام باصدار مجلة الملف العراقي التي باتت مصدرا توثيقيا للشأن العراقي اعتمادا على امكانات مالية متواضعة، بعيدا عن اي دولة او حزب، واستمر الملف بالصدور قرابة 15 سنة ، اي لغاية عام 2005. وكانت اعداد الملف تصلني بين فترة واخرى ، ايام انتقالي من بلد الى آخر ، وكنت اخفيها بعد اطلاعي عليها ، وقد اهديتها كاملة الى مكتبة جامعة آل البيت بالاردن عام 2000 اثر مغادرتي الاردن . وكنت اجد محرر "الملف العراقي" الاخ العطية يتعب بنفسه كثيرا في رصد المعلومات وجمع الاخبار عن العراق ونظام الحكم من كل انحاء العالم ، ويقدم في كل عدد ذخيرة من الاراء والافكار والمعلومات . واعتقد ان الملف العراقي يعد اليوم واحدا من اهم مصادر كتابة التاريخ عن تلك المرحلة الصعبة كدورية توثيقية للشأن العراقي عند نهايات القرن العشرين ، وكان عمله فيها خيريا ، وينفق عليها من ماله الخاص. 
لقد كان انخراط الاخ العطية ابان التسعينات بالعمل السياسي المعارض للدكتاتورية دون ان ينضم الى اي حزب سياسي معين ، ولكنه سعى الى تشكيل تكتل سياسي مستقل باسم " تيار الوسط" عام 2000 كأطار لجمع القوى والشخصيات المدنية العراقية الليبرالية ، ولكن سرعان ما تلاشى ذلك التكتل بسبب ما عانت منه كل المعارضة العراقية في الخارج من اوبئة سياسية وامراض سايكلوجية وارتباطات مشبوهة، اذ فشلت كل الجهود الخيرة من قبل عراقيين مناضلين حقيقيين سواء في داخل البلاد بقمعهم واعداماتهم او في خارج البلاد جراء الفشل الذريع في بلورة اطار ديمقراطي ذات مصداقية وطنية كبديل حقيقي للنظام الحاكم القائم انذاك، والمعروف ان الدكتور العطية معارض سياسي، وينشط بشكل خاص في الإطار الثقافي، ورفض دعوات العمل لاسقاط النظام العراقي بالتعاون مع قوى خارجية ، فضلا عن رفضه احتلال العراق بواسطة قوى خارجية . وفي العام 2000 ، ظهر العطية على شاشة الجزيرة مجادلا ضد النظام العراقي السابق ، المحامي اللبناني ورجل الأعمال المؤيد للنظام العراقي الياس الفرزلي، فكان ذلك سببا مباشرا لاهدار دمه وحجز امواله المنقولة وغير المنقولة ، وعبر فيه العطية عن آرائه التي ينشرها عادة في مقالاته الصحافيــة. ولما انعقد مؤتمر لندن الذي اجتمعت قوى المعارضة السياسية العراقية فيه عام 2002 وكان يدير اعماله السفير الامريكي زلماي خليل زادة ، رفض الدكتور العطية كل مقرراته التي تقضي بالاحتلال والتقسيم الطائفي البشع .
هبت العاصفة وحلت الكارثة ، بانتقال عناصر المعارضة الموبوءة لتسلّم بعضها للسلطة عام 2003 بفضل الاحتلال الامريكي ، فنكبت الحركة الوطنية العراقية اذ وجدت الاحزاب الطائفية والانقسامية مع تحالفاتها الهلامية نفسها على طبق من ذهب ، ولم يكن لنضالها الشعبي او الوطني اي دور يذكر ، بل ولم يعرف هؤلاء الذين حكموا العراق اليوم اي تاريخ سياسي او اية سير وطنية حافلة ، مما قاد الى الخراب والدمار لفترة ما بعد الاحتلال وحتى يومنا هذا .
لقد عاد الاخ العطية بعد سقوط الدكتاتورية عام 2003 مدشنا فصلا سياسيا جديدا حيث قام بانشاء المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية كمنظمة مستقلة غير حكومية، وساهم المعهد في بلورة فكر ونهج مدني ليبرالي مستقل ، وكنت ارى ان العراق لا يمكن ان تنقذه اية منظمات مدنية كونه غاص في مستنقع الاقتتال الطائفي منذ عام 2005 بعد السياسات العقيمة واصدار دستور انقسامي ، فكان المستنيرون الاحرار وكل المتمدنين والوطنيين العراقيين في مقدمة من سحقوا ، وغدوا ضحايا الاستقطاب والتمييز الطائفي باستخدام حالة التطرف ضد قوى الأعتدال وقمع الاعتدال بالعنف المنظم ، فلم يعد هناك اي سبيل للتغيير.
لقد اخفق الاخ العطية في العمل مع الطاقم السياسي العراقي الحالي الذي استحوذ على السلطة تحت الارادة الاميركية ، وقد وجد نفسه انه لا يمكنه العمل السياسي مع هؤلاء الساسة الجدد الذين ليس لأي واحد منهم اي باع في الادارة او القيادة ، ومن عمل معهم اقصوه او هددوه او همشوه او حاربوه .. كونهم لا يريدون من هو اقوى منهم ابدا ، فضلا عن كونهم لا يتمتعون باي فهم حقيقي للعراق والعراقيين ، وكان ان ناصب العطية العداء اغلبهم ، وقد هدد من قبل نوري المالكي بطريقة مبطنة ، فخرج من العراق ، ليعمل داعيا حقيقيا الى الاصلاح والتغيير ، ولقد عرفت فيه هذه النزعة منذ اكثر من عشر سنوات مضت . وكان الرجل ولم يزل يرفض الطائفية والتمييز الطائفي بين السنة والشيعة ، ويرى أن توحدهم في مجال القومية والتعايش الوطني هو الأفضل.
ولقد ذكّرت الاخ العطية بذلك في جلستنا الاخيرة ، اذ كان قد نسي بعض المواقف التي شاركته فيها شخصيا ، ومنها ما يمكنني تدوينها الان كي احفظها للتاريخ وللاجيال من بعدنا ، اننا دعينا نحن الاثنين العطية وانا الى المشاركة كمعقبّين اثنين في ندوة مغلقة لم يعرف بها احد ، اذ غاب عنها الاعلام السمعي والمرئي والورقي عام 2004 ، وهي " الندوة " التي نظمتها وزارة الخارجية الاماراتية في قاعة كبرى بالعاصمة ابو ظبي ، وقد حضرها عدد غفير من المسؤولين والسفراء والدبلوماسيين من دول مجلس التعاون الخليجي ، وكانت " الندوة " قد استضافت وفدا عراقيا على مستوى عال يضم اربع شخصيات سياسية ، هم كل من السادة : د. موفق الربيعي ود. فالح عبد الجبار ومحمد بحر العلوم وهمام حمودي تحدثوا جميعهم في جلستين : الاولى تحدث فيها الربيعي وعبد الجبار وعقب عليهما غسان العطية ، والثانية تحدث فيها محمد بحر العلوم وهمام حمودي وقمت بالتعقيب عليهما . ولا يمكنني ابدا نسيان رد د. غسان العطية على موفق الربيعي حيث مسح به الارض مسحا لما كان قد تفّوه به من اراء طائفية وتهليل بالامريكان ومباركة بما فعلوه في العراق ! واذكر انني كنت قاسيا جدا ايضا في الجلسة الثانية ، وانا ارد على المعمّمين محمد بحر العلوم وهمام حمودي ، اذ قال الاول في كلمته امام المؤتمرين جميعا ان 80 % من العراقيين شيعة ، و15% اكراد و5% مجموعة اقليات ، ثم اعقبه همام حمودي فنال ايضا من العراقيين ومن تاريخهم بطريقة لا اخلاقية ، فرددت عليهما ردا قويا يستحقانه وفي مكانه ، مما حدا ببحر العلوم ان ينتفض وقد احمرّت اوداجه وغادر القاعة بحجة التزاماته ، ولم ينس ان يتوّقف حيث كنت جالسا ، طالبا من احد ولديه الشابين المرافقين له ان يعطيني بطاقة تعريف له ومضى الى سبيله ! ولم استطع فهم تلك الحركة التي قام بها حتى هذا اليوم ، وكنت اعرف الرجل منذ ايام لندن خلال الثمانينيات عندما كان يتردد على معهد الدراسات الشرقية والافريقية في جامعة لندن راكضا لاهثا وراء شبلي ملاط المعروف بارتباطاته !! اما همام حمودي ، وبعد ان سمع ردّي عليه ، اصفرّ وجهه اصفرارا رهيبا ،وخرس ولم ينبس ببنت شفة ! 
لقد ادرك كل المؤتمرين في ابو ظبي منذ تلك اللحظة المخيبة للامال ، حقيقة هؤلاء الحكام الجدد وقد اصبح العراق بأيديهم اثر الاحتلال ، كما ان مصير العراق واجياله القادمة في اشد انواع الخطر بسبب هذه الفئة التي تسلمت الحكم ، وهي تتعامل مع العراق والعراقيين بهكذا منطق وبهكذا لغة ..
بقي غسان العطية معتزا برأيه ولم يقبل المساومة ولم يتنازل عن ارائه ومواقفه ، فكان لابد ان يعزل ويهدد بطريقة لبقة بأن يغادر العراق ، فغادره الى بريطانيا ، ولم يرجع اليه حتى اليوم .. ويقول الاخ العطية : " اخذ راس النظام الحاكم ينزلق تدريجيا نحو الانفراد والاستبداد مستغلاً المال العام والقضاء والمؤسسة الامنية لقمع معارضية. وبعد ان تجاوزت العقد السابع من عمرى، اصدرت حكومة المالكي في صيف عام 2013، امرا –استنادا الى وشاية المخبر السري- باعتقالي بتهمة الاتصال بعناصر من حزب البعث المحظور، الذي كنت ضحيته عام 1963 و 2000، وخيرت بين مغادرة العراق او الاعتقال وهكذا كتبت على الغربة للمرة الخامسة ".
لقد بقيت على اتصال به بحكم الصداقة والعلاقة الاكاديمية التي جمعتنا ، وكنت ادرك بأنه سوف لن يهدأ ابدا وكنا نتبادل الرسائل والاراء من اجل عمل شيئ ونحن نعلم بأن العراق ينحدر سريعا نحو الهاوية .. لقد كانت جهود الاخ العطية واضحة في تشكيل جماعات ضغط في الداخل والخارج ، خصوصا وان مناصريه ومؤيديه ليسوا من القلة ، بل انهم يتوزعون في شمال العراق ووسطه وجنوبه ، وانه شخصية وطنية لا تحمل اية نزعة انقسامية او طائفية ، فضلا عن اعتزاز الرجل بعروبته واحترامه لكل الطيف في عموم العراق . 
واليوم ، وجدته كما هو ، سريع الحركة ، دائب التفكير ، يحمل هموم العراق ، ويتابع شأنه العام والخاص ، ويشعر بالمخاطر التي يرزح تحت وطأتها . لقد تحدثنا اليوم عن مشروعه السياسي الذي اسماه بـ " المبادرة الوطنية : موطني " ، وحكى لي ان مؤتمرا قد عقد في بغداد بعد سلسلة حلقات سياسية قد نظمت في المحافظات من قبل اولئك العراقيين المؤمنين بالفكرة والمبادئ التي حملتها ، وهم ليسوا قلة ، بل انهم يزدادون عددا وحراكا ، وينضمون الى التيار بمختلف اطيافهم واديانهم ومذاهبهم .. وليس لهم الا وطنيتهم واحترامهم للتعايش وايمانهم بالمصير الواحد . وكان مؤتمر بغداد ناجحا ، وان الاقبال عليه من الشباب العراقي كبيرا ومن كلا الجنسين ، وكلهم من المؤمنين بمدنية الدولة والمجتمع المدني وحقوق الانسان ووحدة العراق وقيام اصلاحات حقيقية مع بناء المؤسسات بعيدا عن المحاصصة الطائفية او الجهوية وبعيدا عن الانقسامات الطائفية والدينية ومصالحة العراقيين على اهداف وطنية .. ومن ثم تنفيذ مؤتمرات اجرائية في عمّان بالاردن ، ولندن في اوربا الغربية وكذلك في مكان من اميركا الشمالية كي تكون جميعها موارد عمل لكل العراقيين المنتشرين في العالم وتواصلهم مع العراقيين في الداخل كي تبدأ اعمال المؤتمر التأسيسي لاحقا ، ولكن اكبر مشكلة تواجه العمل هو التمويل ، اذ ينبغي ان يكون ذلك عراقيا ، ويأتي على يد عراقيين لهم غيرتهم وتبرعاتهم .. 
قال لي الدكتور غسان بأن ليس هدفنا تشكيل حزب او تكتل سياسي ، بقدر ما نحاول ان نرسم الطريق لتشكيل " تيار " وطني يملأ الفراغ الكبير الذي حدث سياسيا في العراق ، وقد اشاد الرجل بالشباب العراقيين الذين يعملون ليل نهار من اجل نصرة هذا " التيار " ونشره بين الناس . والتخلص من حالة الفوضى والتطرف الطائفي التي سادت العراق بعد الاحتلال والتي هددت حياة الملايين فرضت على العمل السياسي مجدداً، للمساهمة في رفد تيار الأعتدال المدني المؤمن بالانسان اولا وليس بالعرق او القومية، وبالمواطنة اولا وليس بالطائفة او القبيلة، وبالديمقراطية اسلوباً وليس العنف سبيلا لبناء عراق حر مزدهر. 
واخيرا ، اقول بأن رجلا مثل الدكتور غسان العطية هو احوج ما يكون العراق اليه هذا اليوم ، فهو من النخبة المثقفة العليا في العراق ، وهو كما بدا لي منذ زمن طويل لا يبحث عن جاه ولا عن مال ولا عن اية مناصب .. ان اهدافه سامية في خدمة العراق والعراقيين ، فتحية له شاكرا له دعوته الكريمة ومتمنيا على كل الاخوة العراقيين وضع هذا الرجل المناسب في مكانه المناسب من اجل التغيير الحقيقي في العراق .


 

 

من أجل ساعة صفر عراقيّة

سيّار الجميل

متى يدرك كل العراقيين أنّ العلّة الأساسية في إخفاق بلدهم وتدهوره وتمزقه وتقهقره هو النظام السياسي الحاكم الذي طالما انتقده العقلاء. ولكنْ، بدا من عمق التجربة المأساوية أن المعارضين لا يعارضون النظام السياسي نفسه، بل يعارضون سياسات حكومة وتصريحات رئيس وزراء، وانتقاد فاسدين، ورداءة وزراء وتهافت نوّاب .. إلخ. المشكلة الأساسيّة في نظام الحكم نفسه، وخصوصاً في مبادئه الهشّة، ودستوره الضال، وتحالفاته البليدة، ومراكز القوى الدينية والحزبية العابثة بمصيره، وما أنتج ذلك كله من سياسات منحرفة، ومحاصصات طائفيّة وجهويّة وعشائريّة وشوفينيّة، مع إلغاء النزعة الوطنيّة، إذ حلّت بدلها نزعة شعوبيّة مقيتة، تستشري يوماً بعد آخر ضدّ كلّ ما هو عربي.. 
مرّ العراق، منذ سقوط النظام السابق، بمراحل وأزمنة مأساويّة، سواء على عهد الاحتلال الأميركي، أم بتأسيس نظام سياسي حالي، أطلقوا عليه تسمياتٍ شتّى، واستخدموا توصيفات ماكرة، بدءاً بالتوافقيّة والفيدرالية، بإصدار دستور مخل بشرف العراق، ومضت عشر سنوات على عهد نوري المالكي، رئيساً للحكومة (8 سنوات) وعهد خليفته حيدر العبادي (سنتان)، والعراق يمرّ بأسوأ الأحوال، حيث انتشر الفساد انتشاراً رهيباً، وأفرغت الخزينة العراقية من أموالها بالمليارات جرّاء الاختلاسات، واستباح تنظيما القاعدة وداعش وبقية المليشيات المتهّتكة أهل العراق، وأقيم كيان دولة إسلامية في الموصل وتوابعها. 
كانت الأحوال مضطربة مع تدّخلات الآخرين، حتّى في تنصيب المسؤولين العراقيين.. مع رجوع العراق إلى حياة العصور البدائية المظلمة، مع غياب القانون والنظام والأمن والأمان. فهل هناك من عاقل في مثل هذا العصر لا يعارض نظاماً سياسياً متهالكاً كهذا؟ وهل هناك عراقي شريف واحد يقبل على نفسه أن يغدو العراق كما هو عليه اليوم؟ وهل هناك من وطني غيور يرضى أن يمسي العراق لقمة سائغة بأفواه الآخرين، وهو عرضة اليوم للتقسيم والتشرذم؟ 
قبل أكثر من ثلاثة أعوام، تظاهر الناس في أماكن عدة من العراق، يطالبون بحقوقٍ لهم، فاتهّم كلّ المتظاهرين بشتّى الاتهّامات. وقبل عام، تظاهرت قوى سياسيّة معارضة للحكومة والفساد، ولم تزل تتظاهر، كلّ يوم جمعة، من أجل الإصلاح. وستبقى هذه التظاهرات تعلن صيحاتها. ولكن، من دون أيّ فائدةٍ تُذكر، كونها لم تع أنّ أسّ الخراب يكمن في النظام السياسي الحاكم، وأنّ الفسادَ والحكومة والمالكي والعبادي وسقوط الموصل ونهب البلاد وخواء الخزينة.. إلخ كلها نتائج تطبيق ذلك النظام، وما عبّر عنه أناس يعتبرون جميعاً بيادق لذلك النظام السياسي، وهم رؤساء كتل وأحزاب، إذ تبيّن أنّ أغلبهم لا يعرف ألف باء السياسة والإدارة، أو طريقة صنع القرار، أو أسلوب بناء العلاقات. وعد العبادي الشعب بالإصلاحات، فأيّ إصلاحات قام بها، وهو يرأس مجلس وزراء من الفاشلين؟ وأمامنا نماذجهم التعيسة، ممن تحاصصوا على توزيرهم، واتفق رؤساء الكتل والأحزاب على تنصيبهم.. فمن بيادق طبقة سياسيّة أمسكت بحكم العراق ضمن أكذوبة الديمقراطية والانتخابات التي تبيّن تزويرها وتدخلات الآخرين فيها.. وفرض أسماء معينة لقيادة البلاد. 


كشفت مصادر سياسيّة، أخيراً، عن تغييرات وزاريّة مرتقبة في الحكومة الحالية، برئاسة حيدر العبادي. وقالت، في تصريحات نقلتها قناة الحرة الأميركية، إن "العبادي، وبعد اجتماعه، أمس، برؤساء الكتل، اتّفقوا على تغييرات وزارية"، مبينّةً أن "من أبرز التغييرات هي تغيير وزير الداخلية برئيس كتلة بدر النيابية"، وإلغاء وزارة الشباب والرياضة وتحويلها إلى هيئة، ودمج وزارة النفط والكهرباء بواحدة، ودمج وزارة النقل بوزارة الاتصالات، ويتولى رئيس كتلة الحل منصب وزارة التجارة. واستبدال مرتقب لوزير المالية بنائب رئيس الوزراء الكردي. ولفتت إلى تسريباتٍ تشير إلى تولي وزير التعليم العالي والبحث العلمي منصب وزارة الخارجية، بدلاً من الوزير الحالي".
هذا ما قرأناه، أخيراً، وهي عملية لإلهاء الناس، وكأن الحكومة ستغدو طاهرةً وذكيّةً بخروج شهاب الدين وتولّي أخيه المسؤوليّة! الحكومة العراقية كلّها فاسدة، لا تصلح أبداً للحكم بمعيّة رئيس الوزراء نفسه الذي ينبغي أن تكثر مطالبات العراقيين باستقالته أو تنحيته. ولكن، حتى إن تنحّى عن الحكم، وتغيرّت الوزارة، وجيء بحكومة أخرى، فستبقى حليمة على عادتها القديمة، إذ تكمن المشكلة، أصلاً، في صلب النظام السياسي الذي ينبغي على كلّ العراقيين التجرّد منه وتغييره بنظام سياسي آخر، وبأيّ وسيلة كانت. لا تنفع العلاجات المطروحة أبداً، سواء كانت بأسلوب المطالبات أو الإصلاحات أو التبديلات، ما لم يتمّ تغيير جذري وحقيقي لهذا النظام السياسي الذي يعتبره بعضهم مثالياً، كونه البديل الوحيد لزوال النظام السابق، وهذه خدعة يُراد منها إبقاء هذا النظام، مهما عانى العراق، ومهما أصاب العراقيين، حتّى لو كان ذلك على حساب هلاك أهله كلّهم. 
طالبنا مراراً وتكراراً أن لا يحكم العراق أيّ حزب طائفي ديني، وأن لا تتدّخل أيّ مرجعيّة دينية في شؤون الحكم، وأن لا تكون وصيّة على أيّ نظام سياسي، وأن يُحافظ على الجيش العراقي، منظومةً عسكريّةً دفاعيّةً واحدةً، من دون أن تشاركها أيّ مليشيات أوليغارية بأعمال عسكريّة، وأن تكون للعراق سياسة مستقّلة عن دول الجوار، وأن يتساوى وزن المشاركة في حكم البلاد بين الأغلبيّات وأبناء الطيف العراقي كلهم. وأن يعيش العراق نظاماً سياسيّاً مدنياً بدستور مدني، لا يخضع إلى أيّ إرادة أخرى، غير إرادة كلّ العراقيين.. 
متى تحين ساعةُ الصفر؟ متى يثور كلّ العراقيين ضدّ هذا النظام الفاسد؟ ومتى يدرك أهل العراق معنى الثورة الحقيقيّة، بعد أن تشدقّوا طويلاً بالثورات، والتي كانت مجرّد انقلابات عسكرية؟ وإذا كانوا قد آمنوا حقّاً بالثورات.. أليسَ الآن هو أوانها، والعراق يغرق، يوماً بعد آخر؟ ألم يحن زمن الثورة، والطبقة السياسيّة الحاكمة مجموعة تحكم باسم الدين، فلا حياة لهم بعد اليوم في العراق؟ إلى متى تبقى المحاصصات وتوزيع المسؤوليّات حكراً على زعماء للكتل؟ متى تتوقّف المرجعيّة في النجف الأشرف عن نصائحها، بعد أن كانت قد ساهمت في تأييد هذه الطبقة الحاكمة، وباركت بعضهم في مناصبهم، فكانوا من أكبر الفاسدين؟ وستتحمّل مسؤوليتها الشرعيّة والتاريخيّة أمام الله والتاريخ. صفقتم للفدرالية والأقاليم قبل سنين، وكرّستم ذلك في دستور عقيم، من دون سماع من نصحكم أنّ مشروعكم هو تمزيق للعراق والعراقيين. واليوم، تتباكون كي يبقى العراق كله بأيديكم، وكأنكم تؤسسون نظاماً سياسياً سيحيا إلى الأبد. 
الثورة والتغيير الجذري لابدّ أن يكونا الحلّ الأول والأخير لكلّ العراقيين الشرفاء، وأن تنحصر مطالبهم على تجميد العمل بالدستور، وحلّ البرلمان، وتشكيل حكومة طوارئ انتقالية، والاعتماد على الجيش قوة دعم للحفاظ على الأم، وحلّ الفصائل المليشياوية المسلحة المرتبطة بالحركات الحزبية والطائفية.. ولكن، من طرف آخر، يقول بعضهم إنّ الواقع يقرأ نفسه بطريقة معاكسة بغياب القوى السياسية المعارضة الحقيقية، والبقاء في طور الإصلاحات، ويقول بعضهم، والحق معه، إن تقديم العبادي استقالته أمنيّة لا يمكننا قبولها، إذ يعني ذلك وضع البلاد في حالة من الفوضى. لذلك لابد من تشجيعه، لاتخاذ قراره الحاسم في الإصلاح، والتبرؤ من حزبه، حزب الدعوة. وهذا لا يمكن قبوله أبداً، إذ ستبقى العلّة كامنة في الأعماق، وسيبقى النظام السياسي مع رموزه جاثماً على أنفاس العراقيين.. وستبقى الطبقة السياسيّة تعبث بشأن العراق وأهله إلى ما شاء الله.. الثورة هي الحلّ، ومن مخاضها ستولد طبقة حاكمة جديدة، وستكون أفضل بكثير من الطبقة السياسية الحالية، الفاقدة شرعيتها ووطنيتها، فمتى تعلنوا ساعة الصفر، أيها العراقيون؟

 

(العربي الجديد)

 

التاريخُ لا يكتبَ مرّةً واحدة !

د. سيّار الجميل

 

لكَ الذكرى الطيبّة يا من أسميتهم بـ " مرضى نفسيين ووحوش مفترسين في آن واحد " ، حيث يأكلُ أحدهم الاخر حيّا او ميّتا ، ونجدهم وكأنّهم رجعوا الى بيوتهم وقد بحّت أصواتهم ، وألتهبت حناجرهم وأدميت أكفّهم في هوس الفوضى ، وقد فرحوا بما انجزوه من مهمّات ، وما حققّوه من دمار وخراب بعد ان طافوا في الشوارع والحارات مع شعاراتهم الخيالية الجوفاء في عصر الفوضى السياسية والزعماء المراهقين قبل عشرات السنين . آه ، كم لبسوا ثوب الوطن ليكونوا من ابشع الناس باسمه قبل ان يأتي كلّ المتاجرين اليوم ليتكلموا باسم الدين ليكونوا اكثر بشاعة ووقاحة وفساداً !

لقد عشنا منذ الصغر على صراعاتهم وشعاراتهم وافكارهم التي فاتها الزمن وأكلتها الحياة الجديدة وهم ما زالوا يلوكونها ليل نهار حتى اليوم .. كانوا وما زالوا منقسمين الى شيع واحزاب وفرق وملل ونحل وكتل .. بل وصل الامر الى انّ كلّ واحد منهم يشكّل منظومة قتل ، او ميليشيا خطف ، او جماعة اباحيّة ، او عصائب وعصابات سيئة الاخلاق وعديمة الضمير .. وقد مزّقهم التعصّب للرأي دون ان يقبلوا او يتقبّلوا الرأي الاخر مهما كان المقابل مسالماً او ناصحاً او سليم القلب والنوايا ..

لقد بقوا يؤمنون بالمطلقات والاحكام المطلقة التي يورثونها من جيل الى آخر  من دون أيّ مدار له مرونته من نسبيّة الاشياء .. اذ لم يستقم أي فكر نقدي او تفكير نسبي في اذهانهم الصلدة .. كلّ واحد منهم يرى نفسه الاعلى ، وهو الاصلح وهو الاصوب ، اذ لا يتقبّل التنازل عن رأيه ولم يعترف باخطائه أبداً .

ووصل الامر الى ان يلعن أحدهم أمّة بكاملها من أجل موت زعيم من الزعماء قبل عشرات السنين !  ان العقل يقول بأنّ فهم الماضي ورجاله مع درس تجاربهم لمعالجة الحاضر ، أهمّ بكثير من البكاء والعويل والشتم والسبّ .. فلم يزل مجتمعنا السياسي يتبادل اتّهامات سياسيّة بلا أيّة حيثيات تاريخيّة بين طرفين اثنين ، وتاريخ مضى على رحيله اكثر من نصف قرن !

كلّ واحد من الطرفين المتصارعين يرى نفسه فوقَ الاخرين ، وهو الافهم ، وهو الاصلح ، وهو الاصوب ، اذ لا يتقبّل التنازل عن رأيه ، ولم يعترف بأخطائه أبدا ، فالاعتراف بالخطأ عندة مذّلة وكسر خشم وهو يتخيّل نفسه فوق مستوى البشر  كلهّم ! وكم اتمنى مخلصا ان يفهم هؤلاء ام اولئك بأن لا مثالية في الحياة ، وان كلا الطرفين له اخطاؤه وجناياته .

طوال تاريخكم تصنعونَ من الاحجار آلهة ، ومن التمور اصناما ، ومن المجانين أبطالاً ، ومن الخونة زعماء ، ومن الحمقى رؤساء ، ومن التافهين طواغيت ، ومن الاقزام قامات ...   حتى رضيتم اليوم من المشعوذين حكّاماً ! ومن المجرمين والقتلة وشذّاذ الافاق مسؤولين ومدراء وأمراء دنيا ودين .. ومن الجهلة التعساء فقهاء ناصحين ووعّاظ مرشدين وعلماء دين . 

متى تتركون ألبستكم المضحكة التي ارتديتموها في القرن العشرين ؟  متى تتعّلمون من التجارب القاسيّة التي كللّت حياتكم الشقيّة بالعبر والدروس التي لا تذكرونها ابدا ؟ متى تجتمعون في بيتٍ واحدٍ ، وتأكلون من صحن واحدٍ ، وتزرعون الاشجار المثمرة  بدل حصدكم الاشواكَ .يوما بعد آخر ؟ متى تنتهي نزاعاتكم الفجّة وموضوعاتكم التافهة كي انتهي من سخريتي ؟  فقد غدوتم سخرية أمام هذا العالم وانتم تمثلون الادوار الصبيانيّة منذ عقود طويلة من الزمن ؟

 

الى متى يبقى الانقسام الايديولوجي عندكم جميعاً مذ ولدت الانقلابات العسكريّة في حياتكم وقد خدعتم سايكلوجيا منذ ان كنتم صغارا  ؟ وكأن لا شغل شاغل لنا الا جناياتكم بحق بعضكم الاخر !   متى  تدركون أن التاريخَ لا يرجع الى الوراء ابداً وانه لا يكتب مرة واحدة .. فما تعتبرونه مثاليا وساميا اليوم ستأتي اجيال قادمة تفند ما تقولون  ؟ ماذا يفيدكم تمجيدكم هذا والنيل من ذاك ؟  ماذا تريدون من الماضي الذي تتصارعون على أشلائه ؟ ما لكم تقتلون القتيل ، فمنكم من يمشي طول الدهر في جنازته وهو ينوح ويبكي .. ومنكم من يبقى يتشمّت بالقتل ويتشفّى بأبشع أنواعه ؟  ولم يكن أحدكم أحسن من الاخر  في التصفيّات القاتلة !

من قتل الملك الشاب ؟ من سحل الباشا العجوز ؟ من قطّع أوصال الامير ؟  من أعدم الزعيم الاوحد ؟ من أسقط طائرة المشير ؟ من أمات الاب القائد ؟ من شنق السيد الرئيس ؟ والحبل على الجرار ..  لا اعتقد ان أناسا من خارج الارض قد اتوا ليصنعوا هذه الاحداث ؟ بل صنعتموها بأنفسكم ، فأنا لم اعد افرّق بينكم أبدا ، فرؤيتي واحدة اليكم جميعاً !

 لا ادري متى تبدأ قطيعتكم مع تاريخكم القريب المرير ، كي تفهمونه قبل ان تتعبّدوا في محرابه ؟؟ متى يتمّ توقفّكم عن الركض وراء السراب ؟ متى تفكّروا في شعارات تربيتم عليها وكلها اوهام واضغاث احلام ؟ متى يتمّ ابتعادكم عن التحيّزات ؟ متى يعود الوعي ليطغى على العواطف ؟  متى يتمّ فهم التاريخ بعيداً عن السياسة والايديولوجيات ؟ متى يتوقّف بكائكم على عهودٍ سياسيّة مضت وقد ولدت رغماً عن أنف البعض  ، ورحلت رغماً عن أنف البعض الاخر ؟  متى تعترفون بحقائق الاشياء ؟ متى تتوقّفون عن تدليس التاريخ وتشويه صفحاته ، والنيل من الاخرين دون ان تروا انفسكم ، وما الذي فعلتموه بها وبوطنكم الرائع ؟

متى تسكت أفواهكم عن الشتائمِ واطلاق أقذع الكلمات ؟ متى تتعلّمون من أخطاء جيل مضى وسترحل بقاياه قريباً  وبكلّ خطاياه التي صنعها بنفسه ؟  لقد شارك الجميع في ماراثون القتل والاغتيالات وصنع الفوضى وترسيخ الكراهيّة وتوزيع الاحقاد .. وأخذ الثارات وتأجيج الصراعات .. والبلاد ترنّحت يوما بعد آخر  بعد ان غدت مجرّد كرة يدحرجها المتخندقون في خندقي الحرب الباردة بين الغرب والشرق ! وكلّ الزعماء الجهلاء مجرّد دمى يحرّكها الاقوياء في العالم .

الناس ليسوا كلّهم سذّجا حتى يصدقّوا ما تقولون ، فالزعماء ليسوا ملائكة ، والخونة ليسوا ثوّارا  .. ان الحلولَ ليست بمشروعات للقتل ، او دعوة الى الاعدامات والتشفّي بنصب المشانق .. والتسيّب بأسم النضال ، والتسلّط بأسم الثورة .. ولا في اقامة المجازر التي شهدها تاريخكم المضني بدءا بقصر الرحاب ومرورا بدملماجة الموصل وكركوك وساحة ام الطبول وقصر النهاية وساحة الحرية ببغداد والامن العامة .. وانتهاء بسبايكر  والسلسلة قادمة في القتل الجماعي ..

انّ الحريّة لا تمتلك بوقاً عسكرياً كئيباً يقيّد الناس في الصباح الباكر ويفك قيدهم ليناموا في الليل ، والحرية ليست ساحة للاعدامات حيث تنصب المشانق ، والحرّية ليست مجرّد جدارية تحكي قصّة كفاح شعب لم يعرف معنى الحياة ولم يفرّق البتة بين الحريّة والفوضى !  ولا يميّز  أبداً بين التاريخ حيث رحل ، وبين الواقع حيث يقوم ، وبين المستقبل حيث يبنى الحلم .. اليوم نعيش حصاد جنايات تاريخ مرير  لم يكتب بعد .. وسيكتب اكثر من مرّة في قابل الايام والسنين .

 مع موقع الدكتور سيار الجميل 

 

WWW.SAYYARALJAMIL.COM

 

 

ديالى تحت وطأة تطهير طائفي

د. سيّار الجميل

 

"العراقيون يُقتلون ضمنَ خطّة مرسومةٍ، لها شموليتها ومنهجيتها في التطهير الطائفي"

"على العالم أن يدين الحكومة العراقية ورئيسها الذي يقف متفرجّاً مع رهطه على مأساة قتل العراقيين وتهجيرهم"

 

لا يمكن لأيّ عراقي منصف له ضميره الحي أن يسكت على الجرائم النكراء التي ترتكب اليوم في محافظة ديالى الواقعة شرقي العاصمة بغداد، والمتاخمة للحدود الوسطى مع إيران، إذ تشهد حاضرتها ومدنها سلسلة أعمال قتل متعمّد، وعنف طائفيّ على أيدي مليشيات طائفيّة متعصّبة، عرفت ببطشها وسوء أخلاقها وانعدام وطنيتها تماماً، بسبب عمالتها المفضوحة لإيران، وهي تمارس عمليّاتها بأحقادها الكريهة. والأنكى من ذلك كلّه أنها تتحّرك على مرأى ومسمع من القوات العراقية (النظاميّة)، في محاولة بائسةٍ لإفراغ المنطقة من سكانها العرب السنّة من خلال تغيير ديمغرافي واسع النطاق.

لمحافظة ديالى حدود طويلة مع إيران تقدر بـ 240 كلم، ويقطنها نحو مليون ونصف المليون، نسبة السنّة منهم بين 85 إلى 88 %، لكن هذه النسبة أخذت بالتناقص منذ العام 2003. وكانت ديالى، منذ القدم، تمتلك الخط الاستراتيجي الذي يصل بغداد مع إيران، وتعتبر المنذريّة ومندلي نقطتي حدود تفصلان البلدين، وهذا ما سهّل تحّرك المليشيات التي تستلم أوامرها من إيران منذ العام 2003. وقد أثبتت الوثائق والشواهد ما عاناه كلّ العراقيين العرب السنّة، والذين يشكلّون 65% من سكان ديالى الذين انخفضت نسبتهم اليوم لتغدو أقل من 50%، إذ استخدمت ضدهم كل عوامل الاستئصال، كالتهجير والإرهاب والقتل، مع شراء أراضيهم بأثمانٍ بخسة، ورافق ذلك تدمير زراعتهم وقطع إيران مياه الأنهر عنهم، وحرق بساتينهم، كيلا يعود أهلها إليها ثانية.. تطبيق تلك السياسات وممارسة جملة اضطهادات وتنكيل ولّد ردود فعل مضادّة لدى الناس، وقد وصلت إليها كلّ من القاعدة وداعش، ووقع الأبرياء بين مطرقة إيران وسندان الإرهاب، مع وجود مسؤولين سياسيين وإداريين من أبناء ديالى، ليس لهم وزنهم ولا قيمتهم، ولهم مصالحهم الشخصية وتحالفاتهم الحزبية، كونهم بيادق في السلطة.

ويبدو واضحاً أن السلطات العراقية، بمن فيها القوات المسلحة، تواطأت مع المليشيات في تنفيذ هذا الماراثون المجنون في حربٍ طائفيةٍ قذرة، وتدّل التقارير على أنّ ثمّة تسهيلات لتحرّك المليشيات، وقد ترسّخ ذلك التعاون على امتداد ثماني سنوات صعبة جداً من حكم نوري المالكي، وحكم خلفه حيدر العبادي، وهما اللذان يؤمنان بالسياسة نفسها، فكلّ منهما ينفّذ مرحلةً من المشروع الطائفي الذي اضطلع به نظام الحكم، ليس في تهميش السنّة العرب فقط، بل في استئصالهم باسم الإرهاب وداعش، وخصوصاً بعد أن وقعت مناطق شاسعة بأيدي داعش قبل عام ونصف العام، فكانت دعاوى محاربة تنظيم داعش تبريراً لكلّ عمليات القتل والتهجير! والمجازر التي ارتكبتها المليشيات لا تقلّ سوءاً عن ممارسات داعش الإجرامية.

وكان مركز جنيف الدولي للعدالة قد أصدر تقريراً موجّهاً للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، اتّهم فيه حكومة العراق بأنها شريكة في جريمة التطهير الطائفي في محافظة ديالى، وأنها عاجزة عن الحؤول بين المليشيات والسكان المدنيين. وهنا، ينبغي الدعوة إلى إجراء تحقيق دولي لكشف ملابسات الجرائم التي تحصل على مرأى الحكومة العراقية، وأن تكون الإدانة دوليّة لما يحصل في العراق من بشاعات. وأضاف تقرير المركز المذكور أن "ما تشهده محافظة ديالى من أعمال قتل وتهجير طائفي، تستهدف في الأساس العرب السنّة، إنما هو مخطّط متكامل ومترابط النتائج، ويتألف من حلقاتٍ تشارك فيها الأجهزة المرتبطة بالسلطة، ومن خلال أذرعها ووحداتها المختلفة التي تلتقي في وحدة الهدف، وفي الاتفاق على التنفيذ، سعياً إلى تنفيذ المشروع الإيراني في العراق".

لعلّ أقسى ما واجهته مدينة المقداديّة في ديالى، على مدى أسبوع، تلك الحملة الضارية الطائفيّة المسعورة التي راح ضحيتها عشرات من الناس الأبرياء في البيوت والشوارع وعلى الجسور، وحرق تسعة من مساجد أهل السنّة أو تفجيرها، وتنفيذ اعتداءات وحشيّة على الناس، لتهجيرهم من ديارهم، بموافقة ضمنيّة مفضوحة من الحكومة العراقية البائسة التي لم تستطع قواتها فعل شيء إزاء العبث التي تقترفه المليشيات الطائفية في المقداديّة، بل إن كلاً من رئيسي الحكومة والبرلمان زارا بعقوبة، ولم يزورا المقدادية، بسبب سيطرة المليشيات عليها. وهنا، وصل سخط الناس إلى أقصى مداه ضدّ هذه الحكومة وضدّ البرلمان وضدّ الجيش العراقي، لأنّ هذه المؤسّسات الثلاث لم تستطع وضع حدّ لهذه الجريمة ومرتكبيها، بل وُصف كلّ المسؤولين العراقيين بأنهم متواطئون مع الجناة، كما أن المليشيات تنفّذ أجندات مرسومة لها في عمليّات التطهير الطائفي في العراق.

لم يعد مقبولاً أبداً أن تبقى الحكومة العراقية الحالية سادرة في غيّها، والعراقيون يُقتلون ضمنَ خطّة مرسومةٍ، لها شموليتها ومنهجيتها في التطهير الطائفي الذي بات مفضوحاً، ولو بقي الضمير حيّا، لأعلن حكام العراق مسؤوليتهم المباشرة عمّا حدث، ومن دون إيجاد الأعذار والتبريرات الواهية، والادعاء بأنّ ما يجري يمثّل تنفيذ جهاتٍ خارجة على القانون، وأنّ هذه الجهات ستتم محاسبتها، أو بإلقاء المسؤولية على جماعات "إرهابية". كانت المليشيات تجوب شوارع مدينة المقدادية، وهي تطلق بواسطة مكبرّات الصوت صيحاتٍ هستيريةً، وشتائم مقذعة، وشعارات طائفيّة، تهدّد فيها المواطنين العرب السنّة، وتدفعهم إلى النزوح منها، أو منع المليشيات عودة المهجريّن إلى مواطنهم وقراهم ومدنهم وبساتينهم.

يبدو للمراقبين واضحاً أنّ التفجيرات التي تتّهم داعش بتنفيذها معدّة ضمن الخطّة المرسومة مع تدخّلات إيران السافرة، لكي تبدأ عمليّات انتقاميّة ضدّ السكان، وتبدأ سلسلة الشناعات الطائفيّة لإقصاء الناس، وزرع الرعب في كلّ المناطق التي يقطنها السنّة، ونهب دورهم السكنيّة وإحراقها، والسؤال: لماذا يتم نسف تسعة من مساجد السنّة في المقدادية؟ ويجري هذا وذاك والعالم يعيش صمتاً وعدم مبالاة.

وعليه، لا يواجه العراق خطراً واحداً تمثله داعش وحدها، بل يجابه أخطاراً أخرى، لا تقلّ بشاعة من داعش، تمثلّها المليشيات والعصابات الطائفيّة التي تسرح وتمرح، في ظلّ حكومة فاقدة للضمير والأخلاق. وقع العراقيون السنّة بين مطرقة الدواعش وسندان مليشيات إيران، فإن كانت عصابات داعش لا تستطيع أن تحتفظ بالأرض، فلماذا تجعل الناس دروعاً بشرية، أو تتركهم لقمة سائغة بفم المليشيات المتوحّشة؟ وعلى العالم أن يدين الحكومة العراقية ورئيسها الذي يقف متفرجّاً مع رهطه على مأساة قتل العراقيين وتهجيرهم، فإما يكون متواطئاً مع تلك المليشيات، أو أنه واقع تحت سطوتهم. وفي الحالتين، هو ورهطه إزاء المساءلة والتحقيق والمحاكمة من الشعب. ينبغي على العراقيين وكل الشرفاء في العالم أن يسألوا هذه الحكومة، وكل المسؤولين العراقيين: ما حجم هذا الانتقام الجمعي؟

بأي حق يجنى على الناس، وتهان كرامتهم، وتهجّر عوائلهم، ويقتل الرجال ببرود في الشوارع ، او بتقطيع رؤوسهم، من دون أي تحقيق ولا أي ذنب؟ أين السلطة العراقية؟ ولماذا يستخدم المسؤولون العراقيون الطائفية القذرة، بهذا الأسلوب أو ذاك؟ وعليه، لا يمكن لمثل هذه المليشيات الوقحة المشاركة في تحرير الموصل من داعش أبداً.. أما ديالى، فلا يمكنها أن تبقى خارج إطار السيادة العراقية، ولابد من تحّرك عربي ودولي، من أجل إنقاذ ديالى من براثن إيران وعملائها. وإذا كان المجتمع العربي والدولي قد تعامى عن مصير مدن سوريةٍ مسحوقة ومستلبة، مع ناسها الذين نخرت عظامهم، فهو يتعامى اليوم عن مأساة ديالى في العراق. وعليه، أهيب بشيعة العراق الاحرار ادانة هذه الاعمال البربرية وقتل الابرياء وارجاع الناس الى بيوتهم ومدنهم ،  ويجدر أن يقف كل العراقيين الشرفاء وقفة وطنية واحدة، لإدانة ما يجري في مدنهم، وضد أهلهم في العراق ، مهما اختلفت دياناتهم ومذاهبهم وأطيافهم.. العلاج الحقيقي لهذه المأساة وغيرها يتمثل بهبّة الشعب العراقي ضد نظام الحكم الحالي الذي مزّق البلاد وذبح العباد، وأفلس الخزينة، وبارك أعمال المليشيات والعصابات، ولم يتصدّ لداعش، عندما اخترقت العراق.

 

نشرت في العربي الجديد / لندن ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

نوستالجيا العراقيين

اسئلة عن تاريخ الجيش العراقي وخطاياه

د. سيّار الجَميل

مرت قبل ايام 6 كانون الثاني / يناير  الذكرى 95  لتأسيس الجيش العراقي ، فهو من اقدم الجيوش العربية بتأسيسه عام 1921 ببغداد على ايدي نخبة لامعة من القادة والضباط العراقيين العثمانيين سابقا والذين شارك اغلبهم في الثورة العربية عام 1916 ضد حكومة الاتحاديين في الدولة العثمانية .. وقد عاش ذلك " الجيش " حتى سقوط العراق بأيدي الاميركان عام 2003 ، فتشتت وتبعثر وسرقت عدته ، وقام بريمر  بحلّ الجيش العراقي في اسوأ قرار  اتخذه ضد العراق والعراقيين ..  وكنت قبل اكثر من عشر سنوات  قد نشرت بعض الملاحظات النقدية عن تاريخ الجيش العراقي  الذي نعتز به جميعا وبعراقته وادواره الوطنية ، فكان ان خرج علينا احدهم وهو ضابط متقاعد ، فكتب ردّا معتبرا الجيش العراقي له قدسيته ولا يمكن المساس به . واليوم ، اجد تمجيدا لا تقويما ، وانفعالا لا استفادة من تاريخ منظومة بقدر ما كانت لها بطولاتها  وامجادها في ساحات الوغى ، فقد كانت لها اخطاءها وخطاياها  .. واعتقد أن أغلب العراقيين الوطنيين لا ينكرون ابدا شجاعة جيشنا السابق وبطولاته ، لكن علينا ان نعترف بأنه ساهم بارتكاب خطايا كبرى في تاريخ العراق الحديث ، اذ كان الى جانب ابطال الجيش العراقي ثلة حمقى ومرضى ومجانين، والى جانب الاذكياء والنظاميين ، كما ضمت الثكنات الى جانب المخلصين والوطنيين والمحترفين الحقيقيين، خونة ومأجورين وسفهاء مارقين   ..

واذا كان العراقيون اليوم يمجدّون الجيش العراقي السابق، فلأنهم وجدوا انفسهم مؤخرا ازاء جماعات وعصابات وميليشيات منفلتة عديمة الولاء للوطن وعديمة الاخلاق في التعامل ،  كما ان شعبنا بحاجة الى جيش وطني حقيقي يحميهم من قوى ومنظمّات ودعشاء وطفيليّات وتحزبّات متعصّبة وطائفيّة .. لا ينفع للجيش ان يكون صاحب عقيدة عسكرية فقط ، بل هو بحاجة ماسة الى ان يكون صاحب اخلاقيات وله امانته واستقلاليته وانتفاء طائفيته  وعدم تدخله في السياسة  .

كان تأسيسه قويا على ايدي رجال مهنيين محترفين اقوياء لهم تجاربهم ومعارفهم ووطنيتهم واخلاقياتهم العالية ، وكان " العسكر " في العراق قد جمع كلّ الطيف الاجتماعي المتنّوع في ثكنة واحدة ، ووحّدهم علم واحد ، ونسّقت اصطفافاتهم ساحة عرضات واحدة ، وكان الوطن عقيدتهم ضمن نظام واحد .. نحتفل كلّ عام بذكرى تأسيسه يوم 6 كانون الثاني / يناير  1921 ، ايّ منذ 95 سنة ، ولكنه جيش شهد تاريخه مختلف البدائل بين الكوارث والمحن والانتصارات والانكسارات .. بين الرفعة والسمو الى التفاهة  والانحدار  .. كان جيشا منظما قويا  جراء قوّة مؤسّسيه الكبار الاوائل ، ولكنه ضمّ عشرات بل مئات الفاشلين الذين لم تقبلهم الجامعات في الاجيال اللاحقة ، وبقدر ما حقّق من انتصارات للعراق ، فقد نكّل بالعراقيين وخذلهم وتدخّل في شؤونهم ، كما وتدّخل في السياسة والامن الداخلي .

وبدل ان يحمي حدود البلاد في ازمنة عصيبة ، فقد ادخل خشمه في قضايا سياسيّة داخليّة  هو في غنى عنها ، وبدل ان يتخلّق كلّ ابنائه بالأخلاقيّات العالية ، فقد ساءت اخلاق بعض ابنائه كثيرا وخصوصا من الضبّاط الذين تجعلهم الرتب على اكتافهم يتفوّقون بصلافتهم  وعنجهيتهم على المدنيين من البشر ، وتكالب البعض من اجل السلطة ونخر الجيش التحزّب السياسي حتّى نجح  في سحق البلاد .. وهذه حقيقة يقرّها العقلاء من كبار القادة العراقيين .

انني اعتقد ان نوستالجيا العراقيين للعسكر وللبنية العسكريّة هي مجرّد احساس عاطفي يأتي في زمن فرغ العراق خلاله من القوّة والاخلاق ومن النظام الوطني اليوم ، ومن السطوة التي كان يفرضها  العسكر العراقي على الحياة وقت ذاك ، وخصوصا بانتظار  الناس اذاعته  البيان رقم (1) الذين تعوّدوا على سماعه، او في  بيانات القيادة العامة لمجريات الحرب مع ايران التي لها اطماعها وتنفيذ مشروعها  . العراقيون كعادتهم لا يقبلون الاعتراف بحقائق التاريخ ، ولم يزل حنينهم لأيام سوداء اساء بعض قادة الجيش وضبّاطه التصرّف فيها  برعونتهم وما فعلوه بالعراق الذي حولوه في مجزرة دامية الى " دولة خاكيّة " كما خطب هستيريا احد مؤسسي الجمهورية الخالدة !

امضيت خدمتي الالزامية والاحتياط اكثر من سنتين من حياتي جندّيا  في الجيش العراقي بعد اكمالي الجامعة بالعراق، وعليه ، فانا احد ابناء هذه المؤسّسة واعرفها بالرغم من تقديس العراقيين وعشقهم لها اليوم كونهم يعتبرونها الوحيدة التي  تحميهم من جحيم ما حدث لاحقا ، لكنهم لم يلتفتوا قليلا الى الوراء ليتأملوا خطاياها على حياتهم، وما فعله القادة العسكر  ببلادهم وقد خانوا الامانة ، وانها مؤسسة اعتزت بها  الدولة وكل مؤسساتها وتفاخرت برجالها ، ودللّتهم ، ولكنهم خانوا الامانة وسحقوا البلاد بمن فيها سواء بسلسلة الانقلابات العسكرية التي قامت بها ، او  بخيانات البعض ، او بمؤامرات البعض ، او عمالات اخرين ، او محاكمات آخرين ، او اعدامات آخرين .. ؟؟؟؟  مؤسسة تضيع حقوق المرء فيها بين بائس تأكله الحرب او تأسره او تعوّقه .. وبين متشدّق يعلن اليوم بوقاحة انه لم يخدم في الجيش ابدا !

 أسأل : هل من اجابات عاقلة على اسئلة اطرحها على العراقيين :   من قتلَ مؤّسس الجيش العراقي عام 1936 ؟ الم يقتله جيشه ؟ ولماذا ادخل الجيش انفه في السياسة ليقوم بأوّل انقلاب عسكري عربي عام 1936 ؟  ولماذا استخدم الجيش دوما لحسم  مشكلات سياسيّة ، وتظاهرات شعبيّة ، وتمرّدات عشائرية ؟  ولماذا تأشكل الجيش قبيل 1941 ؟ وشكّل حكومة الدفاع الوطني واشعل الحرب ضد بريطانيا بتعاونه مع المحور ، ويعدم العقداء الاربعة  ؟  ولماذا  تعلن الطوارئ  ليمارس الجيش السلطة في الشوارع ؟  ومن هم الضبّاط الاحرار  وما طبيعة اتصالاتهم الخفيّة ؟  ولماذا  قاموا بقلب نظام الحكم  عام 1958 ونالوا من زعيمهم نوري السعيد بتقطيعه اربا ؟  بأي حق يحاكم الضباط الصغار قادتهم الكبار  في محكمة عسكرية ( عليا ) خاصة يترأسها المهداوي ؟  ومن احدث التمرّد في الموصل بقيادة عبد الوهاب الشواف عام 1959؟ وما دور عبد الناصر مع ضباط عراقيين قبل 14 تموز او من بعدها ؟ ولماذا انقسم الجيش العراقي بين قوميين وشيوعيين ؟ وكيف تم اذلال الضباط ؟ وكيف يقوم الضباط بإعدام زملائهم في ساحة ام الطبول ؟ وماذا حدث للجيش  في كركوك  ومآسيها ؟ ومن قام بانقلاب 8 شباط/ فبراير  1963 ؟ وماذا فعل الضباط البعثيون بزملائهم وخصومهم الاخرين وعلى رأسهم عبد الكريم قاسم والمهداوي ؟  من بصق بوجه الزعيم قاسم وهو معدوم  على شاشة التلفزيون ؟ الم يكن جنديا في هذا الجيش ؟  وماذا فعل البعثيون بالضباط الشيوعيين؟  ومن الذي منح العقيد الركن عبد السلام عارف رتبة "مشير ركن " ونصبه رئيسا بلا اية انتخابات ؟ من قام بحركة حسن سريع وهو نائب عريف شيوعي ومعه عصبة من العرفاء والجنود  ؟  من قام بحركة 18 تشرين الثاني / نوفمبر  1963 ولماذا سمى عبد السلام عارف نفسه بابي الثورات الثلاث ؟ من وزع الوزارات والمناصب العليا على الضباط العسكريين ؟  من قام بحركة عارف عبد الرزاق الاولى والثانية وبمؤامرة  دبرها جهاز المخابرات المصرية ؟   اليس هو الجيش  ؟ من اقصى عبد الرحمن البزاز  عن ترشيحه رئيسا للجمهورية .. اليس ضباط الجيش ؟ من قام بحركتي 17 – 30 تموز/ يوليو  1968 ؟ الم يساهم الجيش بتآمرات ضباطه وخياناتهم واعتلاء احمد حسن البكر رئيسا بلا اية انتخابات  ؟ من اجلس المئات من القادة والضباط الشرفاء في بيوتهم وصبغ الجيش بالصبغة الحزبية ؟ من نكّل بمن ؟  من منح  صدام حسين رتبة "مهيب ركن" وهي اعلى رتبة متخيلة ، والرجل لم يخدم يوما واحدا خدمته الالزامية ؟  من اعدم جملة من الضباط العسكريين بتهم الخيانة العظمى والتآمر ؟ من منح حسين كامل وعلي حسن المجيد وغيرهما رتبا عليا في الجيش كالفريق اول ؟؟

نعم ، لقد شارك الجيش العراقي بشمم واباء في حرب 1948 ، وحرب 1967 ، وحرب 1973 ضد الكيان الصهيوني ، ثم امضى ثماني سنوات عجاف استمرت حرب العراق ضد ايران وتوسعاتها  .. وكم اكلت تلك الحرب من بشر ومن خيرات العراق ؟  وكم صنعت من بطولات ؟ وكم فجعت من عوائل ؟؟  اذا اعتبرت تلك الحرب ضرورة  تاريخية ؟ فهل من عراقيين اليوم يفسرون لي ما حل بقيمتها الوطنية والتاريخية بعد سقوط النظام السابق وتمزّق الجيش شرّ ممزّق ؟  واسأل : من الذي غزا الكويت عام 1990 وجنرالات العراق لم تعلم ؟ وما الذي فعله ذلك الجيش هناك على مدى ستّة اشهر قاتلة ؟ وماذا حصل لذلك الجيش عام 1991 ؟ والعراق تسحق بنيته التحتيّة ل43 يوما بالطائرات الاميركيّة ؟ من قام بتهريب طائرات العراق الى ايران في اغبى عمليّة لم تحدث ابدا من قبل ؟ ما ذنب الالاف المؤلفة من الضباط والجنود العراقيين يسحقون وهم ينسحبون من الكويت تحت النيران الاميركية ؟ ومن قال بانتفاء التمييز في الجيش .. كنت بنفسي ارى كيف يعامل الصابئى والمسيحي واليزيدي والتركماني وغيرهم من قبل المراتب الاجلاف !

  واتمنّى على من يخالفني الان ان يسأل نفسه : كم من الشرفاء العسكريين العراقيين قالوا : لا  وانتهوا نهايات بائسة ؟ كم من القادة العسكريين الكبار قد اعدموا بعد ان عذبوا في قصر النهاية ؟  سنوات طوال والتمييز قائم في العراق بين الجيش النظامي والحرس الجمهوري والحرس الخاص .. وعندما اقتربت 2003  ينصّب  اناس لا حرفية لهم قادة على الشمال والجنوب  ليتمزّق الجيش العراقي شذر مذر ، وتسرق عدّته ، ويبعثر بالكامل ، وتهرب فيالق كاملة  ، ولم تنفع نصائح  واراء اسداها  البعض من الضباط  والقادة  الكبار كما حدثني بها لاحقا بعض القادة الكبار  ومنهم نزار الخزرجي  ورعد الحمداني وعبد الوهاب القصاب وغيرهم   .. اذ لا يمكن ابدا ان يقحم الجيش في معركة خاسرة بلا غطاء جوي لينسحق العراق انسحاقا ؟؟

لقد جنى الجيش العراقي ليس على نفسه وحدها ، بل على العراق واوصله الى هذا المصير  .. فهل وعى كل العراقيين الدرس اليوم ؟  انني اشك في ذلك !

 

نشرت في  جريدة المدى  ، بغداد ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيّار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 

 


دعاء الشرق : وقفة تأمّل

د. سيّار الجميل

 


"
رائعة هي كلمات الشاعر  محمود حسن اسماعيل ، وخلود لحن وضعه وغناه الموسيقار
محمد عبد الوهاب قبل اكثر من ستين عاما " .


لقد كان دعاء الشرق الجميل قد سمعناه طويلا.. نحن جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية والذي عاش خصب حياته في النصف الثاني من القرن العشرين .. لقد كانت قصيدة رائعة محفّزة ، ولكنها توهم الناس بجعل الاخيلة حقائق ثابتة ، وكان الناس قد آمن معظمهم بمبادئ كانت اساسية في تفكيرهم .. ولما توالت النكبات والهزائم .. هربوا منها نحو اخيلة واوهام من نوع آخر ، ولم يفكروا ابدا بواقعهم ، وما الذي يمكنهم ان يعملوا من اجله .. لقد استلبت تلك المعاني من قبل الاحزاب القومية على مدى ثلاثين
سنة ، وعند العام 1979 ، بدأت تلك المعاني تسحقها احزاب الاسلام السياسي واتجاهاته القاتلة .  

ان دعاء الشرق ستحلق بنا في اجواء مشحونة بالكرامة والتمجيد والمفاخر ، وان كلماتها والحانها معا تجعل الانسان اليوم يتأسّى كثيرا لما كان عليه الحال قبل ستين سنة .. دعونا نتوقف قليلا عند صاحبها الشاعر  الرائع وموسيقارها الكبير  ونسمعه بصوته  . 

وقفة عند الشاعر 

ولد الشاعر  المصري القدير محمود حسن إسماعيل في بلدة النخيلة بمحافظة أسيوط  2 يوليو / تموز  1910 ، وتوفي في الكويت  25 أبريل/ نيسان  1977 ، ونقل جثمانه ليدفن في مصر. ، وكان قد تخرج في كلية دار العلوم ، وقد نبغ في الشعر نبوغا مبكرًا واستقطب  ادبه الشباب ، وقد أصدر ديوانه الأول وهو طالب سنة 1935 بعنوان "أغاني الكوخ" وبعد ثلاثين سنة من الابداع ، نال جائزة الدولة في الشعر سنة 1965 على عهد الرئيس عبد الناصر  . غنى له العديد من الفنانين ، وفي مقدمتهم الموسيقار محمد عبد الوهاب قصيدة "النهر الخالد". وتوفي في الكويت ونقل جثمانه ليدفن في مصر.

ومن قصائده المغناة " النهر الخالد" و"دعاء الشرق" اللتان غناهما الموسيقار محمد عبد الوهاب، وتغنّى ببغداد  في قصيدة "بغداد يا قلعة الأسود" التي غنتها السيدة أم كلثوم، وقصيدة "نداء الماضي" التي غناها الفنان عبد الحليم حافظ، وأنشودة "يد الله" للمطربة نجاح سلام و"الصباح الجديد" التي غنتها الفنانة فيروز.

ان اعمال محمود حسن إسماعيل تتمثل في القصائد والاشعار في دواوين ، هي :  1- أغاني الكوخ 1935 ،  2- هكذا أغني 1937 ،  3- الملك 1946، 4- أين المفر 1947،  5- نار وأصفاد 1959 ، 6- قاب قوسين  1964 ، 7 - لا بد 1966   ،  8-
التائهون 1967   ، 9- صلاة ورفض 1970 ، 10- هدير البرزخ 1972  ،  11- صوت من الله 1980 ،   12- نهر الحقيقة 1972 ،  13- موسيقى من السر 1978 ،   14- رياح المغيب، نشرته دار سعاد الصباح لأول
مرة عام 1993

عمل محررا ومساعدا للدكتور طه حسين في المجمع اللغوي المصري  ، كما عمل مستشار ا ثقافيا في الإذاعة المصرية  ، وتقلد منصب مدير عام البرامج الثقافية والدينية ورئيس لجنة النصوص في الإذاعة المصرية. وأنشأ محطة القرآن الكريم وجمع تسجيلات الشيخ محمد رفعت وحفظها.  واخيرا عمل مستشارا في لجنة المناهج بوزارة التربية بالكويت التي توفي فيها عام 1977 .
من يقرأ اشعاره يجده من التقليديين المجددين المتأثرين بجماعة شعر ابوللو الشهيرة ، وهو رومانسي النزعة مع التزام
ديني .. خياله خصب وعاطفته مشبوبة ويرسم الاوهام حقائق ، او انه يعبّر عن مرحلة تفكير  غير واقعية في مرحلة تاريخية اعتقد الناس فيها ان الاحلام تتحقق او هي متحققة في اذهانهم .. 

نص " دعاء الشرق "


لقد اهتم الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب بهذا " النص " ، وخرج مبدعا في تلحينه لحنا رائعا وقام بأدائه نفسه . انه " نص " يلائم تلك المرحلة التاريخية الصعبة التي خرج منها العرب عند منتصف القرن العشرين ، وقد تأسست اسرائيل في قلب
فلسطين اثر  انتهاء الحرب العالمية الثانية .. ونضوج الفكر ة القومية التي كان العرب يهيمون بالأهداف التي رسموها لهم ، وبروز جيل جديد طموح يسعى الى التحرر والتقدم بوسائل مختلفة ..

لقد قسّم عبد الوهاب اللحن الذي اعده لغناء هذه القصيدة الى ثلاثة كوبليهات .. استطيع ان اصف الكوبليه
الاول بأنه  تمجيدي يحكي قصة العرب في الشرق وانتقالهم من الظلام  الى المجد ، ولكن يحفز  ويغنيها عبد الوهاب بحركة هادئة متسلسلة مكررا اياها

يّا سَمَاءَ الشَّرقِ طُوفِي
بِالضِّيَاءِ وَانشُرِي شَمسَكِ فِي كُلِّ سَمَاءِ 

ذَكِّـرِيهِ وَاذكُـرِي أيِّامَهُ بِهُدَى الحَــقِّ وَنُـــــــــورِ
الأنبِيَــــاءِ 

كَانَــتِ الدُّنيــــَا ظَلامًا حَـــولَهُ وَهوَ يَهدِي
بِخُطَاهُ الحَائِرِينَا 

أَرضُــهُ لَم تَعــرِفِ القَيـــدَ وَلا خَفَضَت إلا
لِبَارِيهَا الجَبِينَــا

كَيفَ
يَمشِي فِي ثَرَاهَا غَاصِبٌ يَملأُ الأُفــقَ جِرَاحًا وَأنِينَــ ا

كيف من
جناتها يجنى المنى ونرى في ظلها كالغرباء

ثم الكوبليه الثاني يبدأ التساؤل عن
الرايات وهي تزحف عبر  التاريخ ، وكأنها
قادمة من اعماق العصور الوسطى يحملها المنتصرون ، وكانت خفاقة في الشهب ..  كلمات مشبوبة تحكي الى اين وصل العز  والبأس والكلّ يمشي وراء ذلك .. وقد اصرّ عبد
الوهاب على ان يجعل هذا الكوبليه ، وكأنه مارش من المارشات العسكرية التي يحتاجها
الشباب في اندفاعهم نحو بناء الحياة ، وهو تصويري لزحف غاضب كبير نحو الغاصبين الذين
ملأوا الافق جراحا وانينا ، ويغني عبد الوهاب

أيها السائل عن راياتنا   لم تزل خفاقة في الشهب

تشعل الماضي و تذكي ناره   عزة الشرق و بأس العرب 

سيرانا الدهر نمضي خلفها   وحدة مشبوبة باللهب 

أمماً شتى و لكن العلى    جمعتنا أمة يوم الندا

ثم يأتي الكوبليه الثالث ليحكي لنا قصة
الحاضر  ، ويتخيل وحدة الشعب وانبعاثه من
جديد في طريق واحد .. ويفترض الهدى والحق والاباء وميثاق العهد .. ولكن الشاعر يتخيل اخيرا انه كان يحلم في نومه ، وقد شق الفجر واشرقت الشمس وينتهي بأجمل صورة بأن ذلك الفجر  الذي كان مقيدا بدمائنا وان جذوتها قلوب الشهداء الذين ضحّوا من اجل مبادئ وقيم عليا .. اخذت بالاضمحلال هذا اليوم في الحقيقة ويا للأسف .. فهل كان الحلم مزيفا ؟ ام كان الناس يعيشون اوهاما ويصدقونها ؟ فكل ما حدث ويحدث لا يترجم ابدا تلك " الصورة " المثالية التي تربينا عليها قبل خمسين سنة

نحنُ شعبٌ عربيٌ واحد ضمّـــه في حَومة البَعث طريقٌ

الهُدَى وَالحَقُّ مِن أعلامِهِ وَإبَاءُ الرُّوحِ وَالعَهـــدُ الوَثِيــقُ 

أَذَّنَ الفَجــــرُ عَلَى أيَّامِنَــا وَسَرَى فَوقَ رَوَابِيهَا الشُّــرُوقُ 

كُلُّ قَيــــدٍ حَولَهُ مِن دَمِنَــا جَذوَةُ تَدعُـــو قُلُوبَ الشُّــــهَدَاءِ 

واخيرا اقول بأن كلمة
"
البعث " التي استخدمها الشاعر  ، لم يقصد بها حزب البعث ، بل قصد بها الانبعاث من الموت الى الحياة  . ان كلا من الكلام واللحن يعبران عن روح
عصر  نهضوي جديد ، ومن دون ان يدرك الشاعر ان الشعب لم يكن واحدا ، ولكنه " دعاء " خذل من قبل اهله
قبل ان يكتسحه الاخرون لنصبح غرباء في بيوتنا وفي اطراف هذا العالم  بعد مرور ستين سنة  على حلم ذلك الزمن الجميل .. 

https://www.youtube.com/watch?v=DmqqUE9HVNI

لسماع دعاء الشرق بصوت عبد الوهاب ، اضغط على الرابط

نشرت على صحيفة الدكتور سيار الجميل في 10 يناير / كانون الثاني 2016  وعلى موقعه 

www.sayyaraljamil.com


 

 

الكيل بمكيال لا بمكيالين متناقضين

 

سيّار الجميل

 

لم يكن رجل الدين يوماً مناضلاً أو مفكراً أو صاحب مشروع، بل هو "داعية"، أو يتسمى مجاهداً في سبيل الله، وكان عليه أن يكتفي بمهمّته الفقهية ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ولكن الموجة الجديدة أبدلت الجهاد الديني والهياج الطائفي ليحلّ محل النضال السياسي والوطني، وترك المجتمع وراءه نهايات رجال حقيقيين، ناضلوا من أجل قضاياهم القومية والإنسانية، واستسلم لتوّجهات دول وسياسات طوائف وإعلاميات مللٍ ونحلٍ مذهبية، تلبس اسم الإسلام زوراً وبهتاناً، وحلّ السباب والشتم محل الحجّة والمناظرة، وأخذ التسقيط والإساءة والتشهير محل الحسنى والمعروف، وسادت الأحقاد والكراهية محل المحبة والاحترام. 
يهتاج الإعلام العربي فجأة، وتبدأ الأقلام تجسّم الموقف، وتبثّ الرعب بنذر الحرب، وكأنّ مجتمعاتنا لم تواجه حالاتٍ كهذه، ولا أدري لماذا لم تقم الدنيا وتقعد إثر حوادث أدهى وأمّر جرت من قبل؟ وكثيرون هم الذين أعدمتهم حكوماتهم، بناء على أنشطتهم المعارضة، وسواء كانوا معارضين سلميين، أو مجاهدين صادقين، أو متآمرين خونة، فهم يدركون جيداً طبيعة الخطوط الحمراء التي في كل بلد، وإن تجاوزوها فمصيرهم معلق بيد حكامهم، سواء كانوا مستبدين أم عادلين. في الماضي، كانت ردود الفعل سياسية بحتة، أما اليوم فالمشكلة تتأجج من خلال ردود فعل طائفية عمياء، من دون التمهّل قليلاً، وتغليب العقل على العواطف. 
كثيرة هي الأسماء التي مرّت في ذاكرتنا العربية، وخصوصاً من رجال الإسلام السياسي الذين صعدوا إلى المشانق، وقد اعتبرتهم حكوماتهم خونة مارقين، أو عملاء متآمرين، أو دعاة محرّضين على الاضطراب والتمرّد والعنف والفوضى ضدّ المصالح الوطنية. لقد أعدم الرئيس جمال عبد الناصر سيد قطب عام 1966، وأعدم البعثيون عبد العزيز البدري في العراق عام 1969، واختفى السيد موسى الصدر على يد معمر القذافي عام 1978، وأعدم السيد محمد باقر الصدر مع أخته العلوية نور الهدى بأمر من صدام حسين عام 1980، وأعدم خالد الإسلامبولي عام 1982 في مصر، بعد إدانته بقتل الرئيس أنور السادات علناً، وأعدم المصلح المسالم محمود محمد طه عام 1985 في السودان، وكان زعيم حركة إصلاحية غير تحريضية ولا طائفية، وقتل الصهاينة الشيخ أحمد ياسين عام 2004 كونه يجاهد على أرضه. وكان مصرع الشيخ محمد سعيد البوطي في دمشق عام 2013. كل هؤلاء وغيرهم من رجال دين أعدموا وقتلوا، وآخرهم إعدام المجاهدين، مولوي عبدالقدوس ملا زهي ومولوي محمد يوسف سهرابي، في إيران، لكننا لم نجد ما نجده اليوم من ردود فعل طائفية عاصفة، ولم تهاجم فيه أية سفارة، ولم تقطع علاقات دبلوماسية بين دول، بل ويمضي الحدث، من دون أن نسمع أي احتجاج أو تنديد. 
هنا نسأل: ما الذي يجعل بعضهم يُصاب بهستيريا سياسية وإعلامية واسعة لمثل حدث معين دون غيره؟ وكل هؤلاء الذين ذكرناهم لم يكونوا شرسين جداً في خطبهم، ولم يستخدموا الشتائم، ولم يؤججوا المشاعر المضادة على ابن البلد أن يدرك تماما طبيعة النظام السياسي 

الحاكم فيه، فقد تربى في رعايته، وعلى ابن البلد أن لا يكتشف نفسه معارضاً وهو في سن متقدمة، وكأنه اليوم فقط أدرك طبيعة النظام الذي يعارضه، لكي يلقي بخطبه المتصفة بالعنف وتحريضاته التي تدعو إلى التمرد والمجابهة، والكل يعلم أنه حتى في النظم الديمقراطية ثمّة خطوط حمراء لا يمكن أن يتعدّاها المعارضون إزاء رموز تاريخية أو مقدسة في المجتمع، ولا يمكن التعرّض لها أو تشويه أسمائها. ويستوجب على كل المعارضين معرفة نطاق حدودهم، والمجال الذي يمكنهم أن يتحركوا فيه، إلا إذا كان بعضهم يسعى إلى الموت بنفسه، ليجعل من نفسه بطلاً في التاريخ. وهنا، لا يمكن لكل المتعاطفين معه أن يتمرّدوا على الطريقة الإيرانية في إحراق السفارات وجعل الدبلوماسيين رهائن وتخريب العلاقات بين الدول. 
بدأت ردود الفعل إيرانية، ثم انتقلت إلى بلدان أخرى تدور في فلك طهران، فالمشكلة إيرانية قبل أن تكون عربية، والكلّ يدرك كم أعدم من نشطاء وساسة ومعارضين إيرانيين على امتداد أكثر منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية قبل 35 عاماً، فهل سمعنا دولة عربية أو نظاماً عربياً، أو حتى شارعاً عربياً واحداً تدخّل في شؤون إيران الداخلية بشكل سافر؟ ربما استخدمت الاحتجاجات في الإعلام، غير أننا لم نجد عربياً يعتدي على السفارات، كما هي مهنة الحرس الثوري في إيران. 
لم يقتصر الأمر على رجل دين أعدم لمعارضته السلطة وحدها، بل إنه تعرّض للمجتمع عندما سبّ الصحابة جهراً، من دون أن يحسب أي حساب لمشاعر الناس، ومن أجل تمرير شعاراته في بلده الذي ينبغي عليه معرفة حدوده فيه، بل لم يعرف الرجل إلا السبّ والقذف والقدح في كلّ ما استمعت إليه من خطب صارخة. وكنت تمنيت لو حكم على الشيخ نمر النمر بالسجن المؤبّد بدل الإعدام، ولكن ما يستغرب له المؤرخ أن تقوم الدنيا ولا تقعد لإعدامه، وعندما نستذكر حوادث إعدام طاولت رؤساء حكومات وجمهوريات ووزراء وقادة، نجد ردود فعل باردة ومتباينة على نهايات رجال وزعماء حقيقيين، كانت لهم مواقفهم ومشروعاتهم وأعمالهم، وقد تباينت ردود الفعل تلك لدى الدول والمجتمعات من إعدامهم ، إذ هناك من صلى صلاة الغائب على موت هذا الذي جاء بطريقة محزنة، وهناك من وقر في بيته وحزن مع أهله وأصدقائه على نهاية ملك رحيم، أو موت رمز قومي، أو زعيم أحبّ شعبه، أو رئيس صاحب مشروع. وهناك من عبّر عن استيائه من طريقة إعدام رجل مفكّر، أو زعيم بلد بقصيدة أو مرثية أو مقالة محزنة، وهناك من مشى في الشوارع بصمتٍ، بربطة عنق سوداء، وهو يحمل الزهور، كي يضعها على رفاته. 
أُعدم أنطون سعادة في لبنان عام 1949، وكان صاحب مشروع سياسي ناضج، ناضل ومات من أجله وسيذكره التاريخ، وقد بكاه من أحبوه. وقتل نوري السعيد رئيس وزراء العراق وسحل في الشوارع عام 1958، ويستذكر العراقيون اليوم ذكراه الطيبة بألم وحسرة. وأعدم سعيد القزاز وزير الداخلية في العراق عام 1959، وكان من أكفأ الرجال في إدارة الأزمات، وقال عند شنقه: سأصعد إلى المشنقة، وأرى تحت أقدامي ناساً لا يستحقون الحياة. وأعدم عدنان مندرس رئيس وزراء تركيا عام 1960، وكان صاحب مشروع سياسي خطير سينضج بعده، وقد بكاه الناس في بيوتهم وصلّوا من أجله. وأعدم عبد الكريم قاسم رئيس وزراء العراق عام 1963 إثر محاكمة صورية، وبطريقة مثيرة للاشمئزاز، وما زالت ذكراه باقية لدى عراقيين يبكون عليه. وأُعدم الزعيم الباكستاني، ذو الفقار علي بوتو، عام 1979، بعد محاكمة مثيرة للجدل، والرجل شهير بتوجهاته الفكرية ومشروعه السياسي، بعد أن لفّقت له تهمة باطلة، وقد مشى الناس مؤبّنين صامتين في الشوارع. وأعدم نظام الحكم في إيران عام 1982 صادق قطب زادة وزير الخارجية الذي لازم الخميني وخدمه سنوات، قبل اتهامه بالخيانة. كما أعدم رئيس أفغانستان محمد نجيب الله شنقاً عام 1996 وسط كابول، ولم تنفع مناشداته للعالم.. هذا قليل من كثير، ناهيكم عن ثوار ومناضلين ومثقفين أعدموا أو قتلوا، وكانوا يخدمون قضاياهم الوطنية والتحررية، عمر المختار وعبد الكريم الخليل وتشي غيفارا وكمال عدوان وفرج فوده وشكري بلعيد والإيرانية ريحانة جباري، وغيرهم كثيرون. 
كلّ هؤلاء وأولئك يعدمون ظلماً وعدواناً، ومنهم من كان مناضلاً حقيقياً، ولم نسمع قط عن ردود فعل شرسة، ولا عن أّيّة تداعيات بين دول. فمتى يتحكّم العقل وتسود الحكمة في سياسات دولنا، كي تتعلم منها مجتمعاتنا؟ متى يكيل الناس بمكيالٍ، لا بمكيالين متناقضين؟ متى؟ 

(العربي الجديد)

 

العراق وسوريّة.. قسوة الزمن

 

د. سيّار الجميل

 

أقامت هيئة دراسات المستقبل يوم 19 ديسمبر/ كانون أول الجاري، وكعادتها في نهاية كل عام، يوماً دراسياً في معهد السلام العالمي في مدينة تورنتو في كندا، بحثت فيه الكارثة الإنسانية البشعة التي تعيشها سورية ويغالبها العراق. وكانت هذه "الهيئة" قد تأسست في العام 2002 من خمسة أساتذة أكاديميين معروفين في العالم، تخصصاتهم متنوعة في العلوم الاجتماعية، وانضم إلى الهيئة أربعة أعضاء جدد، وكنت أحد المشاركين في الندوة، بحكم عضويتي التأسيسية للهيئة منذ العام 2002 . وكان موضوع ندوة هذا العام 2015 تراجيدياً مؤلماً، ليس لما عرض فيه من معلومات وأرقام بالخسائر البشرية. ولكن، لما جرى بأعداد الأطفال القتلى والمشوّهين والضائعين والمحترقين، وما جرى من تفسّخ سريع في العلاقات الاجتماعية، وبالمآسي التي حلّت بالمرأة والعائلة وتفكّك نسيج المجتمع، أو بذاك العبث الصبياني الذي ارتكبه المسؤولون المتسلّطون وقد فقدوا غيرتهم وضمائرهم ، ومعهم الفصائل والمنظومات والمليشيات والمرتزقة والإرهابيون، مع مشاهد كلّ الدمار والخراب والحرق الذي حلّ بأغلب المدن، وانتهاكها مع الريف .. إلخ.

طرحت في جلسات الندوة تساؤلات مهمة، منها: ماذا ستغدو عليه الأوضاع إثر تداعيات هذه الكارثة التي تجتاح كلّاً من العراق وسورية بالذات؟ ولماذا يتفاقم هذا التنكيل بالإنسان بأقسى ما يمكن؟ ولماذا يتم سحق العراقيين والسوريين بمثل هذه الشراسة، على مسمع العالم ومشهده؟ ما حجم التفسّخ الذي حصل حتى الآن؟ وما السبيل إلى التهدئة؟ ما مسؤولية المجتمع الدولي في حدوث ما نرى؟ وما الذي يمكن فعله؟ أين أصوات الأحرار في هذا العالم؟ ولماذا لم يسمعها أحد؟ وما المصير الذي سيلحق ليس بالكيانات السياسية في المنطقة، بل بنسيج المجتمعات في كلّ من العراق وسورية؟

عرضت في ثلاث جلسات معلومات رسميّة موثّقة، كما عرضت صور وفيديوهات شواهد حية لما حلّ من خراب ودمار وبشاعات يندى لها الجبين. وبحثت الجلسة الأخيرة ثلاث ساعات مصير آلاف اللاجئين والنازحين والمشرّدين في الأرض، ودارت أسئلة محدّدة عن العهر الذي يمارسه المجتمع الدولي في منطقتنا العربية، وخصوصاً في العراق وسورية، وهو يشهد أبشع جريمة تمارس بحقّ البلدين العريقين الجارين، وفي ظلّ حكومتين فاسدتين ومستبدتين، ساهمتا في سحق البلدين وقتل الشعبين عن قصد وسبق إصرار، ودور كلّ منهما مشهود في إشعال الحرب الأهليّة الطائفيّة، تحت سمع العالم ورؤيته، فضلاً عن دور الجماعات المسلّحة والمليشيات والمرتزقة التي رعاها النظامان الحاكمان لإشعال تلك الحرب المقيتة.

لم تبدأ الحرب على العراق وقتل الناس والتدمير الإنساني في عام 2003، بل عاش ثلاث مراحل دمويّة عصيبة، تمثلّت الأولى بحرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، والتي فقد العراق فيها أكثر من ربع مليون إنسان، ثم بدأت حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت عام 1991 وسقط فيها آلاف العراقيين، وسحقت أميركا البنية التحتية العراقية بقصف طائراتها العراق، والتي أعقبها نظام عقوبات الأمم المتحدة وحجم الوفيات البشرية والموت الجماعي العراقي. ثم جاء الاحتلال الأميركي عام 2003 في لحظة تاريخيّة صعبة، إذ استخدمت مواد محظورة، كالكيميائيات والمعدّات الأساسية لنظام معالجة المياه، وكأنّ ثمّة خطّة مبيتّة عن جرائم الإبادة الجماعية ضدّ العراقيين، حسب الوثيقة السريّة لوكالة استخبارات الدفاع الأميركية (DIA)، والتي اكتشفها البروفيسور توماس نوجي في جامعة جورج واشنطن. وقد تأكد مشروع الإبادة الجماعية وثائقيّاً، إذ كشف عن "التفاصيل الدقيقة لطريقة "الإبادة" على مدى عقد، وأوجدت سياسة العقوبات "الظروف الملائمة لانتشار الأمراض على نطاق واسع، بما في ذلك انتشار الأوبئة واسعة النطاق"، وبالتالي "تصفيّة جزء كبير من سكان العراق".

"خسرت سورية في خمس سنوات أكثر من ربع مليون إنسان، في أكبر جريمة ارتكبت بحق السوريين، وبحق تاريخ سورية والأمّة، وخسر العراق على امتداد ثلاثين سنة من تاريخه المعاصر ضعف هذا العدد. وعليه، جاء الانسحاق لكلّ من البلدين الجارين متزامناً ومكمّلاً بعضه الآخر"

ودخل العراق في حرب أهليّة طائفيّة طاحنة، وصلت إلى ذروتها في العام 2006، وصولاً إلى 2015، والعراقيون يعيشون مأساة من التفخيخات والانفجارات الانتحارية والعبوات الناسفة والقتل بالكواتم، وصولاً إلى تمددّ داعش وسقوط الموصل وتوابعها والحرب معها. هذا يعني أنه، في العراق وحده، والحرب التي تقودها الولايات المتحدة بين 1991-2003 قتل 1.9 مليون عراقي لأسباب شتى. ثم اعتباراً من العام 2003، كما شرد وهرب من العراقيين قرابة خمسة ملايين على مدى أكثر من عقدين.

اقترفت جرائم إبادة جماعيّة ضد العراقيين، ولم يسكتها أحد، ولم يعارضها أحد. ويستغرب كلّ المؤمنين بحقوق الإنسان عن سكوت المجتمع الدولي، وفي الصدارة منه الولايات المتحدة، وخصوصاً عن الجرائم البشعة التي ارتكبت، ولم يسمع العالم حتى اليوم أية ادانات حقيقية لما يتمّ في المنطقة، خصوصاً وأن الولايات المتّحدة كانت المسبّبة في فتح الأبواب والحدود أمام كلّ المنظمات الإرهابية التي عبثت دموياً بكلّ من سورية والعراق، إذ كان العراقيون، وما زالوا، يعيشون مأساة حقيقيّة منذ العام 2003، بحيث استقبلت النجف وحدها 40000 من الجثث منذ بدء الحرب. ووفقاً لوثائق كشف عنها، فإن 655000 حالة وفاة سجلت في العراق حتى عام 2006 (ويستقرئ أحد المراقبين أن أكثر من مليون نسمة عراقي خسره العراق حتى اليوم).

أما سورية، فقد بدأت المأساة فعلاً في العام 2011، عندما لم يحسن "النظام الحاكم" التعامل السياسي الذكي مع أبناء شعبه سلماً، لتأمين مصالحه الوطنية، ولكنه عامله معاملة الأعداء. لعلّ من أهم ما يمكن الوقوف عنده تلك "التقارير" التي تتضمّن أعداداً مخيفة للقتلى على مدى خمس سنوات في سورية، فهل ماتت الضمائر والناس تسمع وتراقب ما يحدث في سورية، إذ بلغ عدد القتلى السوريين إجمالاً في العام 2011 (7,841). في العام 2012 (49,294). في العام 2013 (73,447). في العام 2014 (76,021). في العام 2015 (50,496). المجموع , 79257 قتيلاً.

خسرت سورية في خمس سنوات أكثر من ربع مليون إنسان، وفي أكبر جريمة ارتكبت بحق السوريين، وبحق تاريخ سورية والأمّة قاطبة، وخسر العراق على امتداد ثلاثين سنة من تاريخه المعاصر ضعف هذا العدد. وعليه، فإنّ الانسحاق لكلّ من البلدين الجارين جاء متزامناً ومكمّلاً بعضه الآخر.

ساهمت في صنع النكبة التي حلت بالبلدين سياسات بليدة ومجرمة وطائفية، وانتهك الزعماء والمسؤولون في البلدين كل مبادئ الشرعية والوطنية وحقوق شعبيهما، بتغذيتهما الإرهاب، ناهيكم عن مؤامرات حيكت في السر والعلن، ليغدو كل من العراقيين والسوريين مادة دسمة للاستلاب، ودفع الشعبان ثمناً باهظاً في تاريخه اليوم، وبدا كل منهما لا يعرف مصيره.  والكل يدرك ان المستفيدين من تفكك العراق وسورية وضعفهما هم كثر ، ولكن في مقدمتهم اسرائيل .

جرى تحليل لتقرير "بي إس آر"، وتصريحات هانز فون سبونيك، مساعد الأمين العام السابق للأمم المتحدة، وطرح أن الكشف عن أعداد القتلى والمفقودين تعد مساهمة كبيرة في إشعار الرأي العام بخطورة الموقف، خصوصاً وأن التقديرات الموثوقة لضحايا الحرب، وخصوصاً المدنيين في العراق وسورية، ستعمل على تضييق الفجوة بين الواقع الذي تعيشه هذه المجتمعات العريقة واللا أبالية الدولية، مع استهتار العالم بأرواح آلاف البشر في مجتمعاتنا، مقارنة بثائرتهم وهياجهم بسقوط واحد أو اثنين منهم في بلدانهم. ويبدو أنّ العالم لا يعنيه الإرهاب الذي ترعرع في ظلّ سياسات معيّنة، واستراتيجيات مرسومة، ولأهداف مبيّتة.  

نجحت ندوة هيئة دراسات المستقبل في تورنتو، فقد فتحت ثغرات خطيرة ومعالجة بعض المشكلات الممنهجة من بعض السياسات، ومنحت فرصة مهمّة للمشكلة التي يعاني منها كلّ من العراق وسورية، وأنها دفعت رسالة إلى المجتمع الدولي، متسائلة عن مصير كلّ من البلدين العريقين.

 

العربي الجديد ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 

 

الكلدان العراقيون الأميركيون في ديترويت..

المنجزات التاريخية والمشكلات الجديدة

د. سيّار الجميل*

الحياة الكلدانية الجديدة في مشيغان

عندما ازور  ديترويت دوما اكون موضع ترحيب من قبل الاخوات والاخوة الكلدان العراقيين فيها ، وهم يؤلفون جالية عراقية اميركية كبيرة تنتشر في عموم الولايات المتحدة وكندا ، وكان آباؤهم قد استقروا في ولاية مشيغان على امتداد تضاعيف القرن العشرين ، وكان اغلبهم قد تدفق بكثافة واستقر في ديترويت منذ عقد الستينات من القرن العشرين حتى فاق عددهم عبر هجرات متعاقبة اكثـر من 150 الف نسمة ، وفقا لما اعلمتني به مؤسستهم .. ويسعفنا الصديق جاكوب بكال من خلال كتابه بالإنكليزية الكلدانيون في ديترويت  Chaldeans in Detroit ( نشر في الولايات المتحدة 2014 ، ص 11) عن معلومات مهمة وصور تاريخية تثبت وجود الكلدان العراقيين من الكاثوليك في ولاية مشيغان كمجموعات مهاجرة مبدعة على امتداد القرن العشرين ليتمتعوا بحرياتهم الاقتصادية والسياسية التي يعتبرون انهم كانوا محرومين منها في العراق ، وقد تكاثروا مستفيدين من القوانين التي صدرت عام 1965 ليزداد عدد المهاجرين الكلدان العراقيين اكثـر فاكثـر  .. ولقد تطورت ديترويت بفضل استثماراتهم ومؤسساتهم وفنادقهم واعلامياتهم ومشروعاتهم التنموية ، فضلا عن جمعياتهم الخيرية المتعددة .

واليوم ، يبلغ عددهم تقريبا 150000 كلداني يقطنون ديترويت وتوابعها ، وهناك ايضا 50000 استوطنوا كاليفورنيا ، والينويز ، وايروزونا ، وشيكاغو ومناطق اخرى في الولايات المتحدة ، ويضاف اليهم اكثر من 50000 كلداني آخر  في مجاميع تنتشر في مناطق وبلدان اخرى في العالم ، مثل : كندا واستراليا ونيوزيلندا واوروبا .. بمعنى ان اكثر من ربع مليون كلداني عراقي كان العراق قد فقدهم نهائيا ، وهم من ابنائه القدماء ، وقد اتوا جميعا في الاصل من الموصل وتوابعها في سهول الموصل الشرقية المزدحمة بالقرى والاديرة المسيحية ، وخصوصا من ناحية تلكيف  وقراها .

الكلدان : لم تزل هويتهم عراقية

لقد وجدت ان الكلدان في العالم يحملون العراق في وجدانهم وضمائرهم ، وقد حملوه معهم ، ولم تبق معهم الا ذاكرتهم التاريخية التي يريدون توريثها لأبنائهم واحفادهم بعد ان هاجروا او اجتثوا بالقوة من وطنهم الام لأسباب لا يمكن ان ينكرها اي عراقي منصف ، وهو يتابع ما يحدث في العراق منذ ستين سنة ، اذ تفاقم حجم الكراهية وتفوقت الاحقاد على قيم التسامح والتعايش المشترك ، فضلا عن انهم كانوا وما زالوا من مشارب سياسية مختلفة : شيوعيون وقاسميون وبعثيون وليبراليون وملكيون وغيرهم ، ولكنهم جميعا ضد النظام الرث الحالي الذي لم يجدوا في عهده اي امان ، ولا اية ثقة ، ولا اي احترام ، ويخشى المسيحيون العراقيون على من تبقى منهم في العراق ، فمشروع اضطهادهم وغيرهم من ابناء الطيف قائم حتى الان من قبل الاحزاب الدينية ومراكز القوى السياسية ورعاع السلطة ، وقد وصل الامر مؤخرا الى فرض الحجاب على بناتهم ونسوتهم ، فكان ذلك محل استنكار شديد من قبل بطريرك الكلدان لويس روفائيل الاول ساكو  في العراق  .

تعددت أسباب هجرة الكلدان من العراق الى ديترويت ، إلا أن معظمهم توجهوا الى " الحي الكلداني" لكي ينضموا الى الاسر الشريدة والبحث عن حياة جديدة لضمان كرامتهم فيها ، اذ كانوا يشعرون بالاضطهاد ليس السياسي ، بل الاجتماعي وكان يتفاقم خفية منذ سقوط العهد الملكي عام 1958 ، بالرغم من فسحة الحريات التي تمتعوا بها ، الا ان الصراعات السياسية قد عكست ظلالها على المسيحيين الكلدان والسريان والاثوريين والارمن ، وبالأخص الشيوعيين منهم ! لقد بدأ عشرات الآلاف من المهاجرين الكلدان حياتهم العراقية الجديدة فـي هذا الحي الاميركي  الذي كان جزءاً من منطقة بينروز. حتى يقال ان استقرار الكلدان في ديترويت قد اثر على طبيعة ديمغرافيتها السكانية ، اذ  عاش تقريباً ربع المهاجرين الكلدان فـي عموم منطقة ديترويت ضمن ذلك الحي الذي  قدرت مساحته بنحو نصف ميل مربع.

كانت العلاقات بين المهاجرين الكلدان قوية في وشائجها ، اذ التصق بعضهم بالآخر مع توفير الاجواء العراقية التي تجمعهم ، كما ساد التعاون فيما بينهم  على افضل درجاته .. وكان الكلدان من القدماء يعتنون بكل من يصل اليهم من الكلدان العراقيين كي يعينوه على مواجهة الحياة الجديدة  على مدى ستة اشهر ، ومن ثمّ يبدأ الاعتماد على نفسه في المأوى والعمل ، وبعد مرور اكثر من نصف قرن غدت الجالية الكلدانية في مشيغان قوة مؤثرة على مستوى المدينة والولاية معا ، بحيث امتلكوا اكبر قدر من الاستثمارات ولهم كنيستهم ووسائلهم الدعائية والمعنوية ومرافقهم الحيوية التي بدت لي انها تمتلك القيم العراقية في التعامل ، كما ان لها اعتزازها بالمواريث القديمة ولم تزل تعتز  بمواريث عراقية رائعة .

الحي الكلداني :  تطور مشيغان

عندما كثر توافد الكلدان فـي عقد الستينات من القرن العشرين ، بدأ المهاجرون الجدد يؤسسون محالهم واسواقهم ومطاعمهم ومخابزهم ومتاجرهم وفنادقهم واستثماراتهم ، وكانوا يوظفون ابناءهم واقاربهم للعمل في مؤسساتهم المربحة ..  وبحلول السبعينات ، عجّ بعشرات المخابز الصغيرة والمتاجر المتخصصة والمطاعم المتنوعة والقاعات الاجتماعية والمقاهي . واصبح الحي الكلداني نقطة جذب رئيسية للمهاجرين الجدد. وبلغت قوة الكلدان في ديترويت ومشيغان مداها بحيث سيطروا على اقتصاد الولاية الاميركية واسواقها ، وبدأوا يؤثرون في حياتها السياسية والمؤسساتية  ، وكانوا قد تميزوا بالتزامهم القوانين والمصداقية في العمل والتلاحم فيما بينهم .. وبالرغم من التحديات التي واجهتهم في ميشيغان ابان عقد الثمانينات بسبب هجرة البيض عنها ، وتفشي الجريمة والمخدرات وانهيار الشرطة ، فانتقل اغلبهم الى الضواحي فـي مقاطعتي ماكومب وأوكلاند.   وكان ان رافقهم النجاح التجاري ، ما جعلهم في مستوى معيشي أفضل فـي مدن مثل وورن وستيرلنغ هايتس وماديسون هايتس وصولا الى الضواحي الراقية فـي مقاطعة أوكلاند. ولكنها كانت تحديات صعبة لم تجعلهم يغادرون مكانهم حتى في السنوات التي انحدرت فيها الحياة بديترويت .  لقد عانى الكلدان فـي الثمانينات حين بدأت أحوال ديترويت تتدهور وزادت هجرة السكان البيض من المدينة على نطاق واسع، بعد تفشي الجريمة والمخدرات وانهيار الشرطة،

وكان المجلس العربي الاميركي والكلداني ،وهو منظمة غير ربحية، يقدم منذ ١٩٩٧ خدمات عامة للجالية مثل المشورة والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والتدريب المهني وفصول تعليم اللغة الانكليزية. وبعد مرور عشر سنوات، قام المجلس ببناء مركز آخر مجاور للتعليم. وهو يتقبل أي شخص من المنطقة، سواء أكان كلدانياً أم لا.

ما الانفع .. بناء صوامع ام تأسيس مصانع؟

اثيرت مؤخرا مشكلة من قبل الشيعة العراقيين في ديترويت والذين قدّموا طلبا رسميا للسلطات لبناء جامع او حسينية باسم "مركز  ديني" في منطقة سترلنك هايتس بالولاية ، وعندما سئل سكانها رفضوا ، وهم اميركان من اصول مختلفة ومنهم بعض الكلدان ، كونه  "مشروعا" له اهداف مبيتة ضدهم ، علما بأن عدد الشيعة قليل في هذه "المنطقة" مقارنة بمنطقة ديربورن التي ينتشرون فيها بكثافة ، اذ غدت منطقة سكن خاصة بهم ، وغدت تعد ذات كثافة واغلبية سكانية من المذهب الشيعي تصل الى اكثر من 70% وفيها جوامع وحسينيات ومراكز دينية شيعية وصحف ومكتبات واذاعات ومراكز تجارية وتسويق خاصة فيها وكلها تحمل يافطات بالعربية وعناوين شيعية، واغلب سكانها من المهاجرين الشيعة العراقيين واللبنانيين ..

وقد علمت من مصادر موثقة ومطلعة في مشيغان ان مساحة الارض التي سيتم بناء الجامع الشيعي عليها في منطقة سترلنك هايتس بالولاية تبلغ 20500 قدم مربع (عشرون الف وخمسمئة قدم مربع) ما يعادل 2000 متر مربع تقريبا (الفي متر مربع) وبكلفة بناء تقدر بين 4 - 6 مليون دولار امريكي .. ولقد تفاقمت المشكلة بين الطرفين الكلدان والشيعة العراقيين الى حد تبادل الاتهامات بين الطرفين في الصحف والاذاعات ، كما وانتقد الكلدان خطبة امام وخطيب مركز الزهراء الاسلامي الشيعي في ديترويت سيد حسن قزويني ، ووصفوها انها خطبة عنصرية واستفزازية وتطاول مرفوض جملة وتفصيلا تتناقض مع روح الدستور والقانون الامريكي وروح العصر ، وهي خطبة تحريض على العنصرية والتفرقة .. وردّت صحيفة شيعية على الكلدان بأقذع التعابير  كونهم عارضوا المشروع . ويقول الكلدان بأنهم ليسوا ضد بناء الحسينية او الجامع في أي مكان ، ولكنهم ضد تأسيسه في هذا المكان بالذات !

صحيح ، ان من حق اية جالية ان تتمتع بحريتها واختياراتها ضمن القانون ، ولكن لماذا هذه  "المنطقة" بالذات والتي يصر  الاخوة الشيعة على بناء مشروعهم فيها ؟  خصوصا وانهم كانوا قد عزلوا انفسهم عن بقية العراقيين في ديربورن منذ سنوات طوال .. انني احترم المبادئ التي يحملها الاخرون من أي طرف ، ولكن اليس من المنطق والعقل ان تبنى بمثل هذه المبالغ التي لا يعرف مصدرها مصانع توظف الناس العاطلين من الشيعة كي يحسنوا ظروفهم المعيشية بدل بناء جوامع وحسينيات وصوامع في ديترويت ؟

ان السلطات القانونية في الولاية بدأت بالاستفسار والتدقيق  عن مصدر هذا التمويل لبناء الجامع والجهة التي تقف خلفه علما ان محافظ مدينة سترلنك هايس السيد مايكل تيلر قال انه لا يشجع بناء الجامع في هذه المنطقة المزدهرة التي ستتحول بوجود جامع كبير الى منطقة رثة تسكنها الاشباح السوداء . ويبدو ان الصراع يستفحل الان بين الطرفين مع تفاقم الحرب الاعلامية عبر الاذاعات ، ويبدو ان القائمين على هذا "المشروع" يتلقون الدعم من مراكز قوى سياسية متنفذة في كل من بغداد وطهران . اتمنى مخلصا ان تحلّ هذه "المشكلة" بين العراقيين في مشيغان ، وان يلتفت كل العراقيين فيها الى تطوير انفسهم وحياتهم ومصالحهم ومنافعهم وعقولهم قبل التنازع  والاصرار  على بناء الجوامع والصوامع  !

 

* مؤرخ عراقي

نشرت في جريدة المدى ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيّار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 

 

الموصل.. بوصلة

الأحداث في الشرق الأوسط

سيّار الجميل

"ربما تخلينا عن البلاد العراقية كلها، لكني لا أفهم الحكمة من انسحابنا من الجزء الأهم الذي يبشر بالخير العميم، فولاية الموصل ذات موارد عظيمة، لأن فيها رواسب نفطية غنية، ولعلها أغنى الموارد في العالم... فماذا سيحصل لو خرجنا منها؟". لويد جورج (1863 - 1945م) رئيس الوزراء البريطاني في بيان في مجلس العموم البريطاني، قبل توقيع معاهدة أو اتفاقية سان ريمو في 25 مارس/ آذار 1920، رداً على الحملة البرلمانية المطالبة بجلاء بريطانيا عن العراق. 

من يراقب تاريخ الموصل منذ ثلاثة قرون، وهي المدينة العراقية الثانية بعد بغداد، وعاصمة إقليم بلاد الجزيرة الفراتية، يجدها بوصلة حقيقية لكل مدارات الأحداث في الشرق الأوسط، فهي التي غيّرت مجريات تاريخه في حصار نادرشاه لها، وانتصارها على جيوشه عام 1743م، وهي التي ضمت قنصليات أوروبية عديدة إبّان القرن التاسع عشر، وانجذب العالم لها ضمن تغيّرات التاريخ، وهي التي كانت مثار قضية تاريخية باسم مشكلة الموصل في القرن العشرين، وقد حسم أمرها لصالح العراق، فساهمت، من خلال ثقافتها وأبنائها، في بناء العراق وقوته ومؤسساته العسكرية والمدنية. وتعيش اليوم محنة تاريخية في القرن الجديد، عندما وقعت أسيرة بأيدي أخطر منظمة إرهابية، وقد سحقت سياسياً وثقافياً وحضارياً، وبقيت وحدها صامدة، من دون أية حماية عراقية مركزية، أو لا مركزية عليها، فأين سيكون مصيرها، ليحسم بذلك مصير المنطقة برمتها، بسبب توسّط موقعها الجيوستراتيجي في قلب مربع الأزمات. 

 


تبلور التحالفات الإقليمية برعاية دولية 
نجحت تركيا الأردوغانية، حتى الآن، في الوقوف ضد اختراقات روسيا بإسقاط إحدى طائراتها، وأسكتت إعلامياً وسياسياً ما أثير حول ذلك، كونها أثارت "قضية" شغلت الرأي العام كله، بتحرك بعض قواتها البريّة نحو كردستان والموصل في شمال العراق، مستغلة الاتفاقات القديمة والتعهدات الجديدة مع الحكومة العراقية وحكومة كردستان، للتوغل نحو الموصل، وقد اتخذت من منطقة بعشيقة، شمال شرق الموصل (30 كلم)، معسكرات لها. ويبدو واضحاً أن "الخطوة" تأتي ضمن اتفاقات "تحالف" ضد الإرهاب، جرى التعاقد عليها بين تركيا وكردستان والسعودية، وبعلم حلف شمال الأطلسي (الناتو) والولايات المتحدة الأميركية، للوقوف إزاء تحالف آخر، يضم إيران وسورية والعراق، وبترتيب من روسيا الاتحادية. ويدعي كل من التحالفين أنه ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والإرهاب، ونجد الاتحاد الأوروبي يقف باستعداد تام إلى جانب تركيا التي نجحت في تعويم ما قامت به روسيا التي ادعت أنها ستقضي على داعش في غضون ثلاثة أسابيع! في حين أن السياسة الروسية بقيت تعلن عن دورها في حماية نظام الأسد في سورية. وحرب المصالح الميدانية ترافقها حروب إعلامية وسيكولوجية وسياسية بشعة، تمارسها مختلف الأطراف على حساب مجتمعاتنا قاطبة، ومصائر بلداننا القديمة. إن كلا من التحالفين الاثنين سيزيد من هوّة الانقسام الطائفي في العراق، إذ سيتخندق أغلب العراقيين بين خندقين اثنين، بعيداً عن وطنيتهم العراقية. 

جذور مشكلة حسمت لصالح العراق 
لا تعد خطوة الأتراك باتجاه الموصل مجرّد رسالة مزدوجة المعاني إلى روسيا وإيران معاً، بل لأن تركيا تمتلك تاريخ "مشكلة سياسية" قديمة مع العراق، بمطالبتها بولاية الموصل، وتعود المشكلة إلى العام 1925، عندما طالب أتاتورك بولاية الموصل (كانت تشمل ألوية الموصل 

وكركوك وأربيل والسليمانية)، من أجل ضمها إلى الجمهورية التركية، وقد بقيت المشكلة شهوراً حتى كان قرار عصبة الأمم بإبقاء ولاية الموصل عراقية، بعد أن تدارست لجنة منها أوضاع جغرافيتها السكانية وطبيعتها الجيوتاريخية، فضلا عن دور أبناء الموصل في تشكيل اللجان السياسية في الدفاع عن هويتها العراقية والعربية. وكانت العلاقات العراقية التركية قد ترسّخت، يوماً بعد يوم، اعتماداً على النهج العقلاني الذي اعتمده الملك المؤسس، فيصل الأول، في بناء علاقات العراق القوية مع ثلاث قوى إقليمية سياسية مجاورة، كانت مثيرة لقلق العراقيين، إيران وتركيا والسعودية، إذ عقد اتفاقيات صداقة وحسن جوار عراقية معها، واستمرّت العلاقات العراقية التركية قوية على امتداد العهود الملكية والجمهورية. 

التدخل التركي 
واليوم، وبعد أن بلغت علاقات العراق مع تركيا أوج قوتها من النواحي السياسية والاقتصادية، واحتواء تركيا نحو مليون من العراقيين المهجرين والمشرّدين واللاجئين، تتغيّر موجة العلاقات الثنائية، كما يقول أحد المراقبين، لكي يفتح العراقيون نيران إعلامياتهم الحكومية، وتحريض العراقيين ضد السياسة التركيّة التي لم يأت اختراقها الأرض العراقية أول مرة. ويتابع أنه حدث مرات منذ أيام النظام السابق ضمن اتفاقيات سرية ثنائية، وإن رئيسي الحكومة العراقية السابق والحالي، نوري المالكي وحيدر العبادي، قد أكدا ترحيبهما بالمساعدات التركية علناً من دون أن يمنعا الأتراك اختراق التراب العراقي، واعتبار ذلك خدشاً بالشرف العراقي، بل يستند المسؤولون الأتراك في ذلك على موافقة بغداد، كما جاء على لسانهم. ولكن، يستغرب العراقي ابن الوطن من تصرّف الحكومة العراقية التي لم تمنع أبداً إيران من توغّل قواتها عبر الحدود العراقية، وسرقة بترول العراق من حقوله الحدودية، وقطع مياه الأنهر عن العراقيين، ولم نسمع تصريحاً عراقياً واحداً يدين الإيرانيين على أفعالهم في العراق (!)، كما لم نسمع تصريحا عراقياً واحداً يدين الأتراك على اتهامهم بالموقف من داعش، كما لم نسمع عن أيّة قوة عراقية تمنع تسلل الآلاف المؤلفة من الأفغان والشيشان وغيرهم إلى الأراضي العراقية. 

ردود الفعل الفوضوية 
تؤشر سياسة العراق الفوضوية اليوم، والتي يمثلها موقف حكومة حيدر العبادي، وكل المسؤولين العراقيين الآخرين، بشأن تحركات تركيا ومشروع أردوغان، إلى حالة من التفاهة 

السياسية التي "يثوى" بها هؤلاء الذين تحرّكهم أصابع هذا وذاك بعيداً عن تقدير أوضاع البلاد، وهي تمر بأسوأ مراحلها التاريخية، حيث يتكالب عليها الجميع. وحكومة العبادي عاجزة وضعيفة ومشلولة مع طاقمها، وتكتفي بإطلاق الأقوال والتصريحات النارية. ألا تجد هذه المجموعة الحاكمة في العراق أن سياساتها الطائفية قد دمرت العراق، وجعلته نهبا للأطماع الخارجية، وأنها نجحت في تفسيخ المجتمع العراقي، ونهب خيراته، وزرع الكراهية والأحقاد بين أبنائه؟ إن كل الذين يحكمون العراق، اليوم، لا يعترفون بأخطائهم أبداً، ولا يرون كم هي جهالتهم السياسية، ولم يكتشفوا ضحالة أنفسهم وخياناتهم وحجم سرقاتهم، كما أنهم لم يدركوا قيمة الموصل، كما أدركها رئيس الوزراء البريطاني في 1920، لويد جورج، عندما أضاعوها في ساعة، كي تبقى المأساة حتى اليوم، وقد فرحوا بما جنت أياديهم، وشمت بالموصل وأهلها كل الذين ناصروهم، وعادوا اليوم ليتباكوا عليها، وهي التي ستغدو بوصلة للتغيير التاريخي، سواء في العراق أم في سورية، أم في كلّ المنطقة. 
لو كان المسؤولون العراقيون الذين يتحصّنون في المنطقة الخضراء في بغداد حريصين على الموصل حقاً، لحاسبت الحكومة، منذ أكثر من عام، كل السياسيين والعسكريين العراقيين المسؤولين عن سقوط الموصل بأيدي داعش يوم 10 يونيو/ حزيران 2014، وحاكمتهم. وعليه، فإن هؤلاء لا يبكون على الموصل ومصيرها، بل على تبلور تحالف إقليمي جديد يخالفونه، وهو يقف، اليوم، في مواجهة تحالف إقليمي آخر يناصرونه. ويبدو أن الفجيعة التاريخية التي تمثلها المحاصصات الطائفية في العراق انتقلت لتتمثّلها دول الشرق الأوسط وأقاليمه عامة. 

سياسات عراقية مرتبكة 
ليس في وسع المسؤولين العراقيين أن يلوموا الآخرين على سياساتهم إزاء العراق، بل ينبغي أن يلوموا أنفسهم على ما اتبعوه من سياسات ظالمة وشنيعة بحق العراقيين، وبحق الموصل 

التي تركوها طعماً للضواري، وكانوا قد ساموا أهلها سوء العذابات، فكان ذلك سبباً أساسياً في نضوج ردود فعل مضادة وقاسية، ثم هربت القطعات العراقية من دون الدفاع عنها! واليوم، يتشدقون باسم الموصل، وهم فرحون بالمأساة التي تعيشها. يوزعون اليوم التهم بالخيانات العظمى على الآخرين، وكأنهم لم يكونوا وراء تمزيق العراق والعبث بموارده وسكانه ومصيره. جعلوا رجال الدين يتدخّلون في قرارات استراتيجية سياسيّة، وهم لا يعرفون شيئاً عن العراق والعراقيين، وتاجروا بأسماء ومذاهب وكتل ومليشيات وشعارات ضد الإرادة الوطنية، وثلموا وحدة العراق بسياساتهم البليدة الخرقاء. جاؤوا اليوم فزعين من تدخل الأتراك، من دون أن يدركوا كيفية اتباع سياسات عراقية مخلصة من أجل مصالح العراق منذ سنوات، فهم لم يعملوا يوماً من أجل العراق ومصالحه. 
لماذا أربك القادة العراقيون، في تصريحاتهم وإعلامياتهم، الشارع العراقي، وأحدثوا هذه الفوضى السياسية، وصنعوا عدواً جديداً للعراق، من دون أن يعترفوا أبدا أنهم غير قادرين على ردعه أو إسكاته، فكيف يريدونه أن لا يتوغل في تراب العراق؟ ليس لديهم إلا الكلام وبيع الشعارات في سوق مليء بالحرامية والأفاقين والمشعوذين والدجالين، وهم ليس باستطاعتهم أن يفعلوا شيئاً، بجيش عراقي مهلهل، وبمليشيات لا ترتبط بهم، وخزينة منهكة جرّاء ممارسات النهب والاستلاب. ستشجع هذه التصرّفات الرسمية في العراق ليس الآخرين على جعل العراق جاذبا لهم، وساحة صراع من أجل مصالحهم، بل جعل العراقيين أنفسهم ينقسمون بين مرحّب بهذا وزاجر لذاك، وهذا ما ترجمته الحالات الإعلامية، وانشغل الناس كرّة أخرى بإطلاق الشتائم والسباب، وكأن العراق حالة وطنية موحدة، وهذا ليس صحيحاً أبداً، فالعراق بعد مصرعه لم يبق منه إلا جسد ينهشه كل العابرين. 

مأساة الموصل إلى أين؟ 
فشلت سياسات العراق المنحازة لطرف دون آخر في حماية الموصل وتوابعها، وأبقت الموصل، بعد سقوطها، بأيدي الدواعش، وأبقت أكثر من مليون من أهلها، من داخل المدينة أو توابعها، بين مشرد ونازح ومهاجر ولاجئ. هي التي جعلت بعضهم مستعدين للتعاون، حتى مع الشيطان من أجل تحرير مدينته وأهله. ورفض أهل الموصل دخول أية مليشيات إلى كل من المدينة والإقليم دليل على تخوفاتهم من سوء الممارسات الطائفية، وخصوصاً أنهم كانوا قد عانوا من سياساتها الظالمة التي اتبعت طوال سنوات مضت، فضلا عن ممارسات التطهير الطائفي. ويبدو أن بعض العراقيين لا يشعر بها ولا بخطورتها أبداً، إذ يعتقد عن قصد أو جهل بأن العراق لون واحد، ودين واحد، ومجتمع واحد، وثقافة واحدة، وبيئة واحدة. 
ينطلق المسؤولون العراقيين، في تصريحاتهم، من وجهة نظر سياسية قاصرة ومخجلة، يؤمنون بها، لكنها لا تمثّل أبداً إرادة كلّ الشعب العراقي، وهم يقدّمون أهدافهم الأيديولوجية على نزعتهم الوطنية، كما أنهم غير حياديين في تفضيلهم سياسات إيران على سياسات تركيا إزاء آخرين، يؤمنون بالعكس، بعيداً عن أي مبدأ وطني عراقي يجمع الاثنين. وعليه، لا تلوموا أي طرف خارجي في تدخلاته السافرة في العراق، بل لوموا أنفسكم، واعترفوا بأخطائكم وخطاياكم، فالكل يبحث عن مصالحه في العراق، والعراقيون لا يبحثون عن مصالحهم أبداً من قال وبلى. على المسؤولين العراقيين أن يكونوا آخر من يتكلمون عن حقوق الوطن، وعن الموصل بالذات، فقد كانوا، وما زالوا، مجموعة حاكمة خربت البلاد، وسحقت العباد، وأفقرت العراق، وفتحت الأبواب للجميع كي يستبيحوا العراق. وليعلم الجميع أن تركيا وإيران سوف لن تخرجا من العراق إلا بثمن باهظ جداً إن بقي هؤلاء الضعفاء يحكمون العراق، ويستهترون بمقدراته ومصير أهله. 

 

(العربي الجديد)

 

 

هجمات باريس

تطفئ أنوار "الكريسمس"

 

د. سيّار الجميل

 

"زادت القناعة بعد هجمات باريس لدى الرأي العام الأوروبي بأن المتطرفين الإسلاميين يخططون لتحويل أوروبا إلى قارة إسلامية"

 

منذ الهجمات التي تعرضت لها باريس، والصحف الغربية بشكل عام تشن حملات كاسحة، ليس على الإرهاب، وعلى العمليات التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية، بل تشن حملاتها الواسعة على الإسلام والعالم الإسلامي وشعوبه، وقد وصف الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند هجمات 13 نوفمبر/تشرين ثاني  هذا العام في باريس بأنها تقع ضمن "أعمال الحرب" التي ارتكبها التنظيم، وأعطت "هيرالد تربيون" له كل الحق بوصفها له أنه كان محقاً في الاعتراف، وتعقب قائلة: لكن، مع بعض التأخير، والجهاديون يشنون منذ عدة سنوات الحرب ضد الغرب. واعتقد ان جيلا كاملا قد تربى على مفاهيم خاطئة في مجتمعاتنا العربية والاسلامية .

سببت الهجمات الجديدة موجة من الاستياء واسع النطاق، حتى على مستوى الشارع، بل وينقل الإعلام الغربي أن ثمة هجمات تتوعد بها "الدولة الإسلامية" في أوروبا، وهي تنقل تصريحات زعيم تلك "الدولة" وهو يهدّد ويتوعد ، ويطالب الرأي العام الحكومات الأوروبية كلها بوجوب وضع كل إمكاناتها قيد الاستعداد للحرب، وحشد كل القوة العسكرية اللازمة لتدمير "الدولة الإسلامية" التي تدّعي نظام الخلافة في سورية والعراق، سواء من خلال "الاحتواء" أو "الإضعاف"، بحيث يؤدي كل منهما إلى تدميرها تدميراً نهائياً.

ويجيب مراقبون أوربيون: لكن، حتى إذا تم تدمير "الدولة الإسلامية" تماماً، فإن التطرف الإسلامي لن يختفي أبداً، وأن تدمير تلك "الدولة" سوف يزيد من التشدد والتعصّب والتطرف، وسيزيد التشديد على الحماس الديني، ليس من قوى في دواخل العالم الإسلامي، بل من المسلمين الذين يقطنون في أوروبا، بحيث تقوى إرادتهم بإعادة إقامة الخلافة. واعتقد ان فكرة بناء " الخلافة " كانت ولم تزل هي الحلم الذي تؤمن به الملايين !!  وعليه، يقترح بعض المحللين على القادة الأوروبيين الاستجابة لاتخاذ قرارات مهمة، وأن تتولى فرنسا القيادة، فهي أولى من غيرها في أن تقود الآخرين إلى الطريق.

هناك من اقترح العمل على تغيير النظرة السائدة في التعامل، وهناك من قال بضرورة تغيير العقلية المضادة الكامنة والمختفية في المجتمعات الأوروبية، وقال آخرون بالإسراع لمنع حدوث هجمات جديدة على نطاق أكبر. وحذّر بعض الأكاديميين من حدوث صراعاتٍ داخليةٍ، من شأنها أن تؤدي إلى شل قدرات القوى الاقتصادية. كما زادت القناعة، اليوم، بعد هجمات باريس لدى الرأي العام الأوروبي بأن المتطرفين الإسلاميين يخططون لتحويل أوروبا إلى قارة إسلامية، أي انهم سيشعلونها ويبيدون ثقافاتها ويحطمون كل تكويناتها وهذا ما نتلمسه من اسلاميين عرب وغير  عرب قدموا الى الغرب واستقبلهم واكرمهم ، ولكنهم تنكروا له من خلال سيطرة ثقافتهم الاولى عليهم سيطرة عمياء ..  بحيث قال أحد المحللين إن مثل هذا "التفكير المتصادم" ضدنا قد يثير حرباً أهلية قوية بعد ذلك في مناطق أوروبية عديدة، توقّع أن تشبه، في نهاية المطاف، البلقان في أوائل التسعينيات!

صاغت صحيفة لوموند ثلاثة مقترحات، للقضاء على ما وصفته بـ "السرطان الإسلامي"، يمكن اعتمادها للقضاء عليه:

أولاً، أن يتكيف المدى الأوروبي كله على حد سواء في الوعي بخطورة واقع الحال. والعمل على استئصال كل من يقف ضد وسائل حياتنا وأساليب قيمنا ومناهج ثقافاتنا ووحدة حضارتنا الغربية.

ثانياً، أن جوهر الحرب مفروض علينا من عدو لنا يعلن ذلك، فينبغي أن تتحول وسائل دفاعاتنا إلى خطط هجوم. ليس من الضروري أن نسأل ما إذا كان ينبغي لنا أن نفعل ذلك، إن قرر المهاجم أن يهاجم بالفعل. يعود فقط إلى تنفيذ وسائل للدفاع عن أنفسهم.

ثالثاً: لا مخاوف مشروعة بعد اليوم من استخدام الحرب، وما تسببه في الواقع، إذ يبدو الأمر، من وجهة نظر مختلفة، حالة شاذة، أو حتى غير مناسبة تماماً، مقارنة لما عشناه من حروب. غير أن التاريخ الأوروبي قد يرسم، في النهاية، على مر القرون، واقعاً آخر من الحرب، عندما كان هناك حديث عن جيوش نظامية، تمثل دولاً، علينا أن نعلن أن حربنا هي التي تمثلها مجتمعاتٌ قد عانت، بوضوح، من هذه الأشباح السوداء.

ويعلق أحدهم على سؤال: لماذا لم تهبّوا بوجه الإرهاب الذي ذبح العراق وسورية وليبيا وغيرها على مدى سنوات، بأنه لو كان الرأي العام العربي معنا لاستجبنا للتحديات الصعبة في منطقتكم، لكن السواد الأعظم في مجتمعاتكم يكرهنا ويكره تاريخنا مع العرب. وكتب أحد القراء في تعليقاته: علينا ألا نتخوّف من الإرهابيين، فهم موجة سوداء كبقية الموجات التي اجتاحت حياتنا في القرن العشرين، فأجابه قارئ آخر: لا تستخف بهم، "إنهم يؤمنون بخطط لما بعد مأساة باريس. لانتزاع حضارتنا، وإعلانهم انتصار الظلامية على التنوير، وهزيمة التحرر على يد العبودية، كونهم مجرمين ينتمون إلى عقيدة تبيح النساء والأطفال منهج حياة في العبودية". وتجيب قارئة أخرى: كلا، مارسوا إخضاع كل الإسلام لمفاهيمهم، وفرض وجهة نظرهم المشوهة له والنظر إلى الوراء، لا إلى الأمام، والإسلام الحقيقي براء منهم. ويجيب ساخط على الخط الآخر: أميركا هي السبب في زرع الإرهاب في العالم، فيسكته بقية المشاركين. واعتقد ان العالم كله يغلي اليوم ضد ما يمارسه الغلاة من الاسلاميين ، وسينعكس ذلك بالضرورة ضد مجتمعاتنا ومصالح بلداننا وعلى مستقبل اجيالنا .. واعتقد ان على كل دولنا ان تعيد النظر  جذريا في مناهج التربية والتعليم وفق اسس مدنية ومستنيرة ، وان تحد تماما من انشطة المتعصبين في المؤسسات الدينية والاعلامية ..

انشغلت الصحف ووسائل الإعلام، في غرب أوروبا عموماً، بمناشدة التحالف ضرب هذه الدولة الشريرة التي تريد أن تطفئ أنوار العالم، وأن عليهم أن يغلقوا كل منافذ الإرهاب وقطع شرايين تواصله. قالوا: حان الوقت للتضامن، كي لا تتهدم الحضارة البشرية بأيدي القتلة، وهم يضربون القلب باستهداف باريس، كونها الرمز الثقافي للعالم بامتياز، وهي العاصمة التي تأبى أن يدمرها انتحاريون أشرار، ونحن نمدّهم بكل الوسائل، ونمنحهم كل الحريات في فعل ما يريدون .. بدءاً برياض الأطفال، وحتى كبارهم وشيوخهم العاجزين، ولا يعلم ما الذي يخبئه المستقبل.

يشكل الغضب، اليوم، موجات متوالية، تمتد في عموم أوروبا أكثر بكثير من قارة أميركا الشمالية التي يعاتبها الأوربيون كثيراً، وخصوصا عن لا مبالاتها، بالقدر الذي كانت عليه قارة أوروبا إزاء المأساة.. "إن موسيقانا واحدة، تلك التي لا يمكن للأشرار من سفاكي الدماء الرقص عليها فوق جثث الأبرياء"، قالها أحدهم. وقالت أخرى: دعونا نتحلى بالشجاعة في القضاء على هذه الآفة التي تهددنا، والحفاظ على شغف الحياة فينا. وقال آخر: على حكوماتنا الغربية أن تغيّر سياساتها الداخلية إزاء المتطرفين الإسلاميين، وأن تحد من الظواهر البائسة التي طرأت علي مجتمعاتنا، وتمنع هذه الثقافة السلبية المنكمشة على ذاتها، وغير المتفاعلة مع مجتمعاتنا، وهي مجتمعات كافرة وسيئة وغير نظيفة في نظرهم واعتقادهم.

مثل هذه الحملات الإرهابية التي تضرب مدن الغرب باسم الإسلام، ستكون لها تداعيات خطيرة جداً، ليس فقط على جاليات العرب والمسلمين في الغرب نفسه، بل على مجتمعاتنا قاطبة، وعلى أوطاننا كلها. ينتشر الغضب مما سببته هجمة باريس ليس على الإرهاب، بل على الإسلام والمسلمين، إذ حدثت عشرات الحوادث ضد نسوة محجبات مسلمات، وضد تلاميذ مسلمين في المدارس، وضد موظفين وعمال، وحتى ضد شباب في الأماكن العامة. ثمة إجراءات ساخنة ستتخذ ضد العرب والمسلمين وتقاليدهم وطقوسهم في المجتمعات والدول الغربية.

عرضت وجهات نظر أخرى، في الصحافة الأوروبية، تنبه إلى أن هجمات 13 نوفمبر/تشرين الثاني الإرهابية ستخيّم بظلالها على انحسار الموسم السياحي، وستصيب التجارة ببعض الركود . وأوردت صحيفة الموندو الإسبانية أن متاجر كبرى في باريس، مثل "لافاييت مول"، انحسر الزبائن فيها إلى قرابة النصف، بعد أن كانت مكتظة بالسائحين. وتؤكد ذلك أيضا "لوفيغارو" الفرنسية التي كتبت عن شلل اقتصادي أصاب باريس ومتاجرها من جرّاء ما حدث، وذلك على الرغم من التطمينات التي أذاعتها الحكومة لتهدئة مخاوف التجار، وإشعار الناس بأن الحياة طبيعية. وعلى الرغم من ذلك كله، فإن تداعيات الهجمات ستنعكس سلباً من دون شك على اقتصاد البلاد، إذ حذّر رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، من أن زيادة ميزانية الأمن ستؤثر على التزام حكومته بخفض العجز التجاري، ووفقًا لوزير المالية تم توفير 8.500 وظيفة جديدة في قطاع الأمن والشرطة والقضاء ستكلف فرنسا 600 مليون يورو مع مطلع 2016. كما حذرت وكالة "ستاندرد أند بورز" الأميركية من أن الهجمات ستؤثر ليس على فرنسا وحدها، بل على أوروبا.

/ فرانكفورت - المانيا

نشرت في العربي الجديد ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 

 

الحرب العراقية الايرانية :

التاريخ العسكري والاستراتيجي

لمؤلفيه : وليامسن موراي وكيفن وودز

بقلم : أ. د. سيّار الجميل

Williamson Murray and Kevin M. Woods, The Iran-Iraq War: A Military and Strategic History , (Cambridge University Press, 2014), 343 pp., with maps, tables, appendices, index.

الحلقة الاولى

مقدمة

كنت قد وعدتكم قبل اسبوعين انني سأنشغل بقراءة كتاب جديد آخر عن تاريخ الحرب العراقية الايرانية 1980 – 1988 ، وها انا ذا قد اكملت قراءتي له ، وكتبت ملاحظاتي النقدية والمنهجية عليه في اكثر من حلقة ، وقد وعدتكم ايضا بأنني سأقدّم قراءة وافية لكتاب بالعربية صدر بعنوان : الحرب العراقية الايرانية 1980- 1988 : مذكرات مقاتل ، والذي قام بتأليفه الفريق اول الركن نزار الخزرجي ، وقدمه وراجعه : د. عبد الوهاب القصّاب ( صدر عن المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات بالدوحة ، 2014 ) . وسأتفرغ له ولمقدماته بعد نشر الحلقة الثانية من هذه " الدراسة " .

تعد الحرب بين إيران والعراق واحدة من أكبر الحروب التقليدية المعاصرة ، ولكن تفاصيل الصراعات الدقيقة فيها هي الأقل توثيقا في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر . ويبدو ان المؤلف الاساسي وليامسن موراي قد رسم اشياء كثيرة من ذاكرة التخزين المؤقت ورصد سجلات واسعة من سجلات الحكومة العراقية التي استولي عليها اثر الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 . ان هذا الكتاب هو أول رواية في التاريخ العسكري والاستراتيجي الشامل للحرب من خلال عدسة النظام العراقي وكبار القادة العسكريين.

الوقوف بوجه العاصفة

ويستكشف ان عمليات كبرى كانت قد اتخذت من ورائها جملة من القرارات ، وهي التي دفعت العراقيين لمواجهة التحديات التي في بعض الأحيان، قد هددت الوجود والمصير . وبدا للمؤلفين ان القادة العراقيين ما كانوا يحسبون ان الحرب ستطول اكثر من 4- 5 اسابيع . اذ ادركنا انعدام غريب للتخطيط من قبل العراقيين في غزوهم إيران، وقد كشف الكتاب محاولات الرئيس العراقي صدام حسين اليائسة لتحسين الكفاءة لدى الضباط ، بعد ان كان قد مارس تطهيرات واسعة في الجيش من اجل الحفاظ على ولائهم لطغيانه، ومن ثم وجد العراقيون انفسهم يقفون بصمود في وجه العاصفة .. ولأول مرة ، يشهد التاريخ هذا الحجم الجنوني من هجمات الموجات الانتحارية التي يشنها الثوار الايرانيون المتدينون . وعليه اقول بأن " الكتاب " مساهمة فريدة ومهمة في فهمنا لتاريخ الحرب والشرق الأوسط المعاصر.

الحرب البشعة

ان هذا " الكتاب " يوفر للعالم ، أول رواية تاريخية لكل من الجيش والاستراتيجية الشاملة في مضامين الحرب العراقية الإيرانية المستمدة من السجلات الحكومية الرسمية التي لم يسبق لها مثيل .. وهنا ، انبّه الى قيمة هذا " الكتاب " بالنسبة الى العلماء المؤرخين والى طلاب التاريخ العسكري، والى الباحثين في دراسات الحرب ودراسات الشرق الأوسط . وخصوصا عندما يعتبر المؤلف بأن الحرب بين إيران والعراق كانت واحدة من أكثر الصراعات وابشعها دموية قاتلة تأتي بعد الحرب العالمية الثانية بأربعين سنة . ان تلك الحرب العراقية الايرانية قد خلقت آثارها وتداعياتها ، كمثل حجر يلقى في بركة ماء ، فهو يخلق تموجات يمكن أن تصلنا حتى اليوم، ولعل أبرز تلك التداعيات والموجات تتمثل بصعود الدولة الإسلامية.

مفصل 1982 : اخطر سنوات الحرب

يرسم الكتاب صورة بانورامية للصراع مع توفير الخلفية المؤهلة لإسقاط العراق في احضان ايران ، مما ادى إلى غزو العراق لإيران وتنفيذه باندفاع العراق في الاراضي الايرانية مما اشعل في التالي سلسلة من المعارك الضارية التي انهكت كلا البلدين في نهاية المطاف . وبعد مرور سنتين على اندلاع الحرب ، قادت الاستراتيجية الايرانية والتعبئة الدينية إلى انتصار إيران بعدة انتصارات مذهلة في خوزستان ( - عربستان ) في عام 1982 ، ولكن تلاها فشل ذريع في عدد قليل من المعارك الاخرى . بعد مرور أشهر على الهجوم الايراني الاول على الاراضي العراقية. والتي قام المؤلفان بتحليل ذلك تحليلا مفصلا في القسم الاخر من الكتاب . لقد قام المؤلفان بدراسة حرب الاستنزاف طويلة الامد التي دامت بين 1983-1987 ، وكيف كان نظام صدام حسين يعاني ببطء من الهجمات البشرية التي تركزت على خاصرة العراق الوسطى والاقرب الى العاصمة بغداد ، ولقد تعلم على مهل وبشكل مؤلم الدروس العسكرية التي كانت قد تمّ استغلالها في اداء سلسلة من نجاحات عراقية مذهلة لاحقا دفعت الإيرانيين إلى الخلف عبر الحدود.

نظام الجيش العراقي

يتمحور اساس هذا الكتاب على تحليل تاريخ استراتيجيات الحرب ومدياتها وطبيعة معاركها واصناف اسلحتها وتنوع ميادينها في البر والبحر ، وكيف كان تفكير صدام حسين طوال فترة الصراع، اذ لا يقتصر "الكتاب" على تدوين العمليات العسكرية فقط ، فضلا عن عناية كل من بالعراق وعلاقاته مع الدول الأخرى داخل وخارج منطقة الشرق الأوسط. وعليه ، فان " الكتاب " يقدّم - كما وجدت من خلال قراءتي الاولى له - مادة تاريخية غنية بالمعلومات لأي باحث او مؤرخ يدرس الفترة المعنية أو ما حصل من بعدها في تاريخ الشرق الأوسط بتأثير منتجاتها ، وأنه يوفر معلومات قيمة حول مواقف الرئيس صدام حسين والتوغل في عقليته ونواياه ، فضلا عن خططه التي نفذها في الحرب . وما الذي كان يقرره من قرارات علما بأنه لم يكن ضابطا او قائدا عسكريا ، او ما يرسمه من استراتيجيات ، ويقف فيها الى جانبه نخبة من القادة العراقيين المحترفين الذين انجبتهم كليات مرموقة سواء الكلية العسكرية القديمة ام كلية الاركان ام جامعة البكر ام الكليات والمدارس المختصة بالجو والبحر مع اعداد الدورات الخاصة بأنواع الاسلحة .. وكان العراق قد اشتهر منذ تأسيس جيشه بنظامه العسكري المنضبط وحسن صناعته للقادة الميدانيين والضباط المحترفين .

حرب بأنواع المعارك

لقد وجدنا في " الكتاب" ما يخبرنا عن الحماس الذي بالغ فيه صدام حسين بالنسبة للأسلحة الكيميائية ، بحيث يجعل القراء وهم يقرءون ما حدث ، تقشعر ابدانهم وهو يتابعون بحرص ما كان يخطط له العراق بشكل خاص من اجل ان لا يقع العراق بين انياب ايران . وعلى الرغم من تحليل تفاصيل ما حدث في المعارك الساخنة على الجبهة المشتعلة . لكنني وجدت ان كلا المؤلفين قد حرصا على عدم الغوص في الأسفل ، وصولا إلى التكتيكات أو ما تقوم به الوحدات ذات العمليات الخاصة التي كثيرا ما كانت تقدم أفكارا رائعة في الميدان ، وخصوصا في الحرب الجوية للقوة الجوية العراقية وما احدثته من خسائر جسيمة في القوة الايرانية ، وهناك ما جرى في الميدان وحروب الدبابات وخصوصا في العام 1982 الذي يعد اخطر سنوات الحرب لما خسره الطرفان من خسائر مهولة .. وهناك سلاح الصواريخ الذي طال 15 لواء ايرانيا ، وكانت حرب الصواريخ قد تنوعت بين ضرب المدن والعاصمة الى ضرب الموانئ والسفن . ( وهناك رصد تاريخي لما جرى نقلا عن المجلة البريطانية للتاريخ العسكري، المجلد 1، العدد 2، فبراير 2015 ) .

هناك ايضا حرب ناقلات النفط ، وكان المؤلفان قد اشتغلا في التأليف عن هذا " الموضوع " حيث اوضحا ان هناك استخدامات واسعة النطاق للأسلحة المضادة للسفن والتي تطلق من الجو ، وقد استغرق عمل المؤلفين وقتا طويلا لإظهار كيف كانت مفاتيح النجاح العراقي ترتكز ليس فقط عن طريق القوة العسكرية الساحقة ، ولكن أيضا البراعة من قبل المخابرات في اعمالها الممتازة في ايصال المعلومات .

دور العلاقات والاستخبارات

يوضح "الكتاب" كيف لعبت توترات الحرب الباردة من خلال علاقة العراق مع القوى العظمى، اذ تضمن " الكتاب " وجهات نظر حول كيفية موازنة الاستخبارات العراقية في النظر إلى الفوائد السوفييتية والى القدرات الأميركية. في هذا الصدد، ويظهر الكتاب الحرب بين إيران والعراق وكيف قامت المخابرات بالاستخدام الامثل للمساعدات التقنية المقدمة من الاتحاد السوفياتي لتعزيز استخبارات الاتصالات. وعلى النقيض من ذلك، فإن العراقيين عدّوا ان لا قيمة ابدا للمساعدة الأميركية لهم تماما ، فهي ليست كما ينبغي وليست بنفس الطريقة في التعامل مع السوفييت .. وكانت القيادة العراقية غير سعيدة ولا سيما مع نوعية رديئة من صور الأقمار الصناعية الأمريكية. والمثير للدهشة، كما يشير المؤلفان انهما يتذكران كيفية عملهما السابق واصفين الصعوبات التي كان يعاني منها العراق في تتبع الحرس الثوري (الباسدران) وهي المنظمة التي تشكّل زبدة تركيزات الثورة الإيرانية.

تبدد اسرار الحرب

لقد بقيت اسرار الحرب بين العراق وايران مختفية حتى العام 2003 عندما انهار النظام السياسي في العراق عقب الاحتلال الامريكي ، وكما تم استجواب الجنرالات الالمان من قبل الحلفاء بعد انسحاق المحور ، كذلك حدث مع العراقيين الذين كانوا يحتفلون كل عام يوم 8/8 بالانتصار والذي سمي بـ " يوم الايام " . ولكن نقطة ضعف تلازم هذا " الكتاب " مفادها ان معلومات العراق كانت هي المعوّل عليها في كتابة هذا " التاريخ الحربي والاستراتيجي " اذ ان نقطة ضعف رئيسية تنقص من جهد المؤلفين الاثنين متمثلا ذلك بعدم قدرتهما في الوصول إلى المواد الوثائقية التي ظهرت في إيران منذ نهاية الحرب حتى الان .

لقد تمّ تعويض هذا الضعف من خلال استخدام المؤلفين مصادر ثانوية ممتازة ، وخصوصا في التوقف عند آثار الخسائر الإيرانية والتفاعل بين أرض المعركة وحملة النظام الإيراني ضد المعارضة السياسية وتسميتها بـ " الإرهاب " . وحتى مع ذلك ، فان هناك بعض المواد تخص اليات صنع القرار الإيراني والسماح بالمقارنة مع استراتيجية صدام، التي اعترف بها من قبل الإيرانيين أنفسهم. وبصرف النظر عن كل ما في الكتاب من القصور، الا انه يعتبر واحدا من أهم الدراسات حتى الآن عن التاريخ الاستراتيجي والعسكري في معالجة جوانب الحرب بين إيران والعراق. وعليه ، فان هذا الكتاب سوف لا ستغني عنه المهتمون فقط بتاريخ الحرب واحداثها الضارية ، بل تستوجب قراءته الاساسية من قبل أولئك الذين يدرسون تداعياتها.

قسوة الحرب المنسية

في شهر أكتوبر / تشرين الاول 1980، أطلعت وكالة الاستخبارات المركزية مرشح الرئاسة الاميركية رونالد ريغان عن أثر اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في الشرق الأوسط. ومن المشكوك فيه ان احدا لم يكن يتخيل وقت ذاك ان صراعا كان عمره شهر واحد سوف يصبح واحدا من أطول الحروب الدموية في القرن العشرين (سبتمبر 1980 إلى أغسطس 1988) ، وقد شكّل ذلك " الصراع " قضية الأمن القومي الرئيسية لإدارة ريغان. وهنا علينا ان نسأل المؤلف عن الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الامريكية في تلك الحرب ومضاعفاتها السياسية لاحقا . لماذا بقيت الحرب مستعرة بين بلدين مهمّين لمدة ثماني سنوات كاملة ؟ لماذا بقيت مستعرة بين الجانبين في حين نساها العالم وغدت تسمى بـ " الحرب المنسية " ؟

لقد درست العديد من الأعمال الممتازة جوانب الحرب الصعبة بين إيران والعراق، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيران-كونترا. وحجم القسوة الذي مورس من قبل القادة في كل من العراق وايران ، ولقد كان تركيز الكتاب في معظمه على صدام حسين اذ نال الكثير من تسليط الضوء ووصف بالديكتاتور في الادارة القتالية المرعبة للحرب. وتعد الحرب العراقية الإيرانية في تصنيفها حرب A في طبيعة قوتها العسكرية ، ومدياتها الاستراتيجية ، وقد ذهب المؤلفان إلى ما هو أبعد من هذه الموضوعات، مع تحليل للقرارات التي كان يصدرها صدام حسين وما النظرة غريبة النوع كالتي كانت تلاحق العمليات على الجبهات الساخنة طوال فترة الحرب. واستطيع القول ان كل ما بذله العراق ابان الثمانينيات ايام الحرب الصعبة ، بدده في التسعينيات مع الاسف ، وقاد الى المأساة عام 2003 !

الوثائق العراقية : كنز تاريخي منهوب

ان هذا ما توصل اليه كل من المؤلفين الاثنين باستخدامهما كنوز اصلية من الوثائق العراقية (وصل بعضها الى 600000 وثيقة ) كان تلك الوثائق الحقيقية قد استولي عليه خلال عملية احتلال ( يسميه المؤلف بتحرير ) العراق ، وكم صرفا من آلاف الساعات في اجراء المقابلات مع المسؤولين العسكريين العراقيين السابقين . ان الهزيمة التاريخية التي حاقت بالعراق والعراقيين مع سقوط نظام صدام حسين قد سحقت الجيش العراقي ، وجعلت قياداته اسرى بأيدي المحتلين ، ومن ثم بأيدي اركان النظام الجديد الذي خلقه الامريكان .. وحاقت الهزيمة ايضا بكنوز العراق وآثاره ووثائقه وسجلاته واضابيره ( ضمن سلسلة منظمة من سحق المتاحف ونهب المكتبات ) ، بحيث تبددت ملايين الوثائق ، وخصوصا الوثائق العسكرية التي تختزن اسرار البلاد وذاكرتها التاريخية . لقد خسر العراق وكل اجياله القادمة ذاكرته التاريخية ويا للأسف الشديد ، اما ايران ، فلم تزل تحتفظ بكل اوراق الحرب كجزء من ذاكرتها التاريخية .. واذا كان البعض من العراقيين يدين تلك الحرب العراقية الايرانية من وجهات نظر سياسية ، فان الحرب العراقية الايرانية كانت وستبقى جزء لا يتجزأ من ذاكرة العراق التاريخية شئنا ام ابينا ، وقد اصبحت اليوم في عداد التاريخ ، كما هي حروب الامم الاخرى .. وان العراق الذي فرح بانتصاراته ، خاب حاضره ومستقبله في هزيمته ليس بسقوط النظام السابق عام 2003 ، بل بانسحاقه وطنيا وحضاريا واجتماعيا ..

ماذا عن مؤلفي " الكتاب " ؟

استطيع القول ونحن نختتم الحلقة الاولى من هذه " القراءة " ان تلك الحرب القاسية كانت وما زالت تنتج تداعياتها المزمنة حتى يومنا هذا ..

ان البروفيسور موراي معروف جيدا للمجتمع الأكاديمي وله، مع زميله المشارك في التأليف الدكتور وودز، وهو من معهد تحليلات الدفاع، قد صرفا وقتا طويلا في درس هذه الحرب. لقد قابل – كما يقول - العديد من كبار القادة والضباط العراقيين، وكان أيضا الوصول إلى كنز من الوثائق العراقية التي تمّ الاستيلاء عليها. وقد تم نشر عدد قليل من هذه الوثائق من خلال مركز أبحاث (CRRC) . ان الوثائق وحدها هي التي تقوم بتشكيل الأساس من هذا التاريخ العسكري طال انتظاره للصراع. في ضربات واسعة..

ان إنجاز كل من المؤلفين ويليامسون موراي ، وهو أستاذ في جامعة مشاة البحرية الأمريكية، وزميل اكاديمي بارز في معهد بوتوماك، وأستاذ فخري في جامعة ولاية أوهايو ، ويعد المؤرخ الاول للحرب العراقية الايرانية نظرا لكثرة ما سجله عنها وما اتمّ تأليفه ونشره عنها من كتب ومقالات ومحاضرات . والثاني كيفن ودز ، وهو مؤرخ وباحث معروف في معهد تحليلات الدفاع، وشغل منصب مدير مشروع وجهات نظر العراقيين، فضلا عن مشروع بحثي تحت رعاية الجيش الامريكي من اجل الاحتراز على الوثائق والسجلات التي تم السيطرة عليها ، مع عمليات الفحص المباشر التي أجريت على الوثائق المتعلقة بالعراق الذي تورطّ افتراضيا منذ البداية في الإرهاب بناء على ما تمّ تصنيفه من الوثائق العراقية التي تم التقاطها ، واحترز عليها لمدة تسعة اشهر حتى رفعت عنها السرية بعد أن تم تسليم نسخة سرية في يناير 2007.

تمّت الحلقة الاولى

انتظروا الحلقة الثانية

نشر على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 

شعراء العراق

اهازيج وشجن لا أوصياء على وطن !

د. سيّار الجميل

 

عذرا لكم اصدقائي من الشعراء والشاعرات ، وانا اكتب مقالتي اليوم عنكم .. امضيت الايام الاخيرة ، وانا ارقب ما حل بالعراقيين مثقفين واشباه مثقفين وادباء ومتابعين ومتفكهين وساسة وتابعين وقراء ومتسكعين .. وكأنهم غدوا في حرب اهلية مستعرة ، يتشاتمون ويتصارعون ويتنابزون ويتصايحون حول قضيّة بليدة جدا ، لا تشكّل خطرا لا قبل موت صاحبها ولا بعده  ، ونسوا كل فجائعهم ومآسيهم ومشاكلهم ليشغلوا انفسهم بموقف سياسي لاحد شعرائهم الكبار الراحلين ، والذي لا يختلف اثنان على شاعريته المرهفة وقوة كلمته وقد رحل عن الدنيا قبل ايام تغمده الله برحمته الواسعة ، ولا اعتقد ابدا ان المسألة بحاجة الى هذا القدر من الانقسام وذاك الحجم من الاهتمام . واعتقد بأن التفكير الخاطئ في الزمن الخاطئ قد دفعهم كما هي العادة لخلق قضايا تافهة ، تجعلهم دوما يأكلون انفسهم بأنفسهم ، ويزداد تفسّخهم ، وتكبر تناقضاتهم في ما بينهم ، وقد غاب العقل تماما لديهم كما هو حالهم منذ ازمنة مضت !

  دعوني اقول ، وليعذرني ثانية اصدقائي من الشعراء العراقيين والعرب وغيرهم في هذا العالم وهم كثر ، بأن الشاعر  ليس هو المبدع الوحيد في هذا الكون الفسيح ، والشاعر  ليس هو المحتكر  الاول والاخير  للكلمة ، ولا وحده يملك الفكر  ، ولا يمكن له وحده احتكار  الوطن  !  ان الشاعر  الحقيقي من ينغمس في الام شعبه ، ويعيش معاناة الناس ، ويعبر تعبيرا صادقا عن احلامهم وتطلعاتهم وخلاصهم من مآسيهم ..  ولا تعنينا تقلّبات امزجته وتراكيب ذاته ، وكأنه وحده يعاني دون الاخرين  ! نعم ، ان الشاعر الحقيقي فنّان مرهف الاحساس ، يعيش مع ( شياطينه كما قالوا في قديم الزمان) او مع توابعه – كما اسموها في التوابع والزوابع - واخيلته وعواطفه وموسيقاه من اجل ان يثير زوابعه ! والعراق يترّبع عليه الشعراء ( الذين يتبعهم الغاوون ) منذ ازمان قديمة طوال ، وهم اكثر من استحوذ على صور العراق والوانه واعلامه وترجماته واحجياته وتراثه .. وعلى مر ازمنة وعهود في التاريخ ، والمجتمع لا يعرف منهم الا المدح والقدح والهجاء والتشبّب والتفاخر والاوصاف والاوهام .. والعراق لا يعرف منهم الا تأليه المستبدّين ، والحِكَم العرجاء ، او السباب والشتائم ، او العزلة في كهوف المتصوفة ، او التغزل بالغلمان ، او التصابي امام الفتيات ، او التذلل عند الابواب ، او  التلون كالحرباء مع  تبدّل الازمنة ، فمن مديح بطل قومي الى اللطم عند مراقد الائمة العظام ..

الشاعر العراقي ، عليه ان يتخلّص من تناقضاته قبل ان يتخندق في زاوية من الزوايا !  الشاعر العراقي متى يعيش على الطبيعة في كوخ بسيط ، ويتأمل في جمالياتها ، ويرضى ان يخدم الناس دون ان يكون تابعا لقائد او صديقا لزعيم ، او عضوا في حزب وتنظيم ، او طبلا  لجماعة او دين .. فان ارتضى ان يكون كذلك فهو يصنّف كرقم في دائرة بلدية ، او بوقا في ثكنة عسكرية ! وعليه ان لا يصفق لجماعة او طائفة حتى لا تطوّقه الاحزمة الطائفية .. طمعا في منصب ، او جاه ، او حفنة دراهم ، او التنعّم بسيارة فارهة ، او بقصر منيف ، او ببعض المكرمات بدءا بكيس مليء بالذهب قبل الف سنة الى برميل نفط كواحد من المكرمات الرئاسية ! الشاعر والفنان والعالم والمثقف الحقيقي لا يكون بيدقا يحركونه كيفما شاءوا ، ولكي لا يغدو " مثقف سلطة " او  " بيّاع كلام " ابدا  ! ان اكثر ما يزعج الناس العقلاء ان يتحوّل المبدع او المثقّف عالي المستوى في المجتمع الى مثقف سلطوي او حزبوي ، او  الى مريد ذليل ينتظر عند ابواب السلطان ، او ان يتمسّح بأذياله ويستخدم الوطن صنّاجة باسمه فقط ، كي يصفّق له التابعون !

وأسأل : متى يغيّر العراقيون نظرتهم الساذجة الى امثال هؤلاء واولئك ؟  متى يتم تحكيم  العقل لا العاطفة في تقويم الناس وسلوكياتهم واخلاقياتهم ؟  متى يتم التخلّص من التسّرع في اصدار الاحكام القاتلة بحقّ هذا او  ضدّ ذاك ؟  متى يتمّ التوّقف عن استهلاك بعضهم الاخر ؟  هل يلزمون انفسهم بأن لا يكيلوا آيات المدح والتأليه لشاعر ، وان لا يطلق آخرون عليه اللعنات وكلّ الشتائم ؟؟!!   متى يتخلص الشاعر العراقي من تناقضات مجتمعه ، ليغدو مرآة حقيقيّة لتطلّعات شعبه نحو افاق جديدة في الحياة ؟! متى يكون مثقّفا ومبدعا عضويا يعيش الام الناس وتطلعاتهم ، ويشعر بمعاناتهم ، ويكتوي بآلامهم ، ويعبرّ عن مآسيهم وهمومهم ؟    وأسأل : متى ترجم الشاعر العراقي بشكل عام ، الام الناس العراقيين كلهم ؟ وباستثناء البعض من الشعراء الحقيقيين ، متى حكي لنا الاساطين من شعراء العراق في القرن العشرين عن متاعب الناس وافكارهم ومعاناتهم ، وقتل ابريائهم ، وملاحقة مناضليهم  ، وسحق شبابهم ، وقمع نسوتهم ، وضياع اطفالهم ، وسقوط جنودهم ، وبؤس اسراهم  ، واخيرا عن سبي نسائهم ، وتشريد شيوخهم وعجائزهم  ؟؟؟ 

ومتى نجح اولئك الشعراء العمالقة في خلق نصوص حقيقيّة نفكّر فيها ، قبل ان ينظمّوا الابيات والقوافي التي توقد العواطف وتعصف بالتصفيق في رحاب القاعات المغلقة ؟! متى ينتبه الشعراء في العراق الى عمق مأساة ما جرى في بلادهم  ليتخلّصوا من سماع المدائح كونهم " قامات " و " هامات " و " عمالقة " و " اساطين " دون ان ينتبهوا الى ان ادوارهم سيئة الصيت التي قاموا بها في حياتهم على مختلف العهود وتبدّل الانظمة السياسيّة ؟؟ متى يتمّ خلاصهم من غنج الكلمة وترديد الآهات والصيحات والاكاذيب والشعارات ؟؟ متى يبدّل الناس في العراق نظرتهم الى الشعراء ويتم الرفق بحالهم من دون جعلهم انبياء مرسلين او اوصياء واساطين ؟

اما تناقضاتهم كشعراء فحدث عنها ولا حرج .. وكلها غير منظورة لدى شعب مشبّع بالعواطف وتتلاعب بعقله الاساطير والخرافات ويتأمل خيرا في الاوهام والاخيلة ، ويعيش في باحات يهذي ويلطم فيها ، وتبكيه الكلمات ، ويميته المستبدون ، ويحييه الشعراء والشياطين ، انه الشعب الوحيد الذي يرى الشعراء فوق البشر ، ويختلف الشعب ويتضور انقساما على مجرد تفاهات كل من الملالي المعممّين الدجالين ، والساسة الكاذبين المارقين ، والشعراء الذين يتبعهم الغواة والمجانين ! من حق اي شاعر ان يكتب شعره للناس والحياة ، ولكن ليس من حقه ان يحتكر  الوطن باسمه ، او  يكون سببا في انقسام مجتمعه ، ويربك حياتنا وتفكيرنا .. !!

نشرت هذه المقالة على موقع الدكتور سيار الجميل بتاريخ 30 نوفمبر / تشرين الثاني 2015

www.sayyaraljamil.com

 

 

 

حقيبة ذكريات

عزيز أفندي خياط 1893-1973م

فنان عراقي رائع صاحب صوت شجي

د. سيّار  الجميل

الحلقة الاولى : سيرته وشخصيته وابداعه

مقدمة

لقد آليت على نفسي ان انشر مقالتي هذه بحلقتين اثنتين عن احد الشخصيات الموصلية الرائعة من المبدعين العراقيين المغمورين ، وكان الرجل قد عاش في النصف الاول من القرن العشرين وجمع الثقافة والطرب والفن وقراءة القرآن وقراءة المقام والانشودات والتنزيلات الموصلية مع الموشحات .. بالرغم من كونه تربويا ومعلم اجيال ومدير مدرسة مشهورة ومفتشاً تربوياً ومدير معارف لسنوات طويلة ، وكان قد تنقل في مدن عراقية عديدة شمالا وجنوبا ، وعاش في العاصمة بغداد ردحا من الزمن ثم زاول عدة وظائف بصفة " مدير " .. ولما كنت قد عرفته معرفة قريبة ومنذ زمن طويل ، فلابد من احياء ذكراه احتفاء بكل المبدعين العراقيين الافذاذ الذين انقرضوا هذه الايام ، وطويت  ذكراهم ، ونسيت جهودهم ، وامحّت قيمهم واخلاقياتهم  ولم يعد يذكرهم احد .. وكانوا قد ولدوا وعاشوا وماتوا في العراق وقد خدموا مجتمعهم ودولتهم على احسن ما يكون .. وهذا عزيز افندي خياط احد اولئك المبدعين  العراقيين الافذاذ .

هذا الرجل .. من يكون ؟

 هو  عزيز  افندي خياط  ، كما جرت تسميته عند اهل الموصل ، او  عبد العزيز  خياط  بن السيد يحيى بن قاسم بن أحمد، من بيت خياط ، وهناك في الموصل اكثر من عائلة تتسمّى بآل الخياط ، اذ هناك آل خياط من المسيحيين السريان الذين ينتمي اليهم الدكتور حنا خياط وزير الصحة الاسبق ابان العشرينيات ،  وهناك ال احمد افندي بن الخياط وهو من علماء الموصل ، وهناك عائلة المرحوم ايوب صبري الخياط ، وهناك آل عزيز افندي خياط ، وهناك آل محمد سعيد الخياط وهناك اسرة قديمة منها احمد افندي بن محمد افندي بن طه الخياط

يقال ان آل عزيز افندي ينتمون في الأصل الى بيت المصلي ، وكانوا قد استوطنوا الموصل قبل اكثر  من 350 سنة ، اذ كانوا قد قدموا من عنه بعد ان هاجر جدهم الأعلى إلى الموصل، واستقر  في محلة الامام ابراهيم المتاخمة لمحلة النبي جرجيس في قلب الموصل ، وقد درس جدهم على يد إمام مدرسة آل الخياط قرب الإمام إبراهيم ، فتكنوا بكنيته، وكان بيت جدهم يقع عند رأس المحلة المقابل للزقاق المؤدي إلى محلة (الكوازين ) .

يقول المؤرخ ابراهيم العلاف : ” انه الاستاذ عبد العزيز يحيى السيد الملا احمد الواعظ الشهير بـ”عبد العزيز الخياط ” .ولد في الموصل وفي محلة الامام ابراهيم يوم 23-6-1893 م وأصل عائلته من لواء الدليم ، اي محافظة الانبار حاليا وهم ( ال الواعظ) المعروفين في عانة ..جده عندما قدم الموصل اقصد الملا احمد افندي الواعظ انشأ مدرسة ومسجد الامام ابراهيم القريب من محلة رأس الكور . والامام ابراهيم هو ابن الامام جعفر الصادق عليهما السلام ،  وعندما توفي دفن بجانب الشباك المطل على مرقد الامام ابراهيم ،  وكان واعظا في جامع النبي جرجيس ، وخطيب جامع الامينية .وقد الف كتابا عن “رجالات الدين والشريعة والاعلام ” طبعه الاستاذ سعيد الديوه جي “(1).

اعماله ومواهبه وشخصيته

لقد اشتهر عزيز  افندي خياط في النصف الاول من القرن العشرين ، وعاش ثماننن سنة ، اي بين 1893- 1973  وعمل معلما ومربيا ومدير مدرسة ومفتشا للمعارف ومديرا للمعارف .. وكان يعشق هواياته في قراءة القرآن وتجويده على الطرق السبع ، وعشق المقام الموصلي وغنى القصائد واجاد في الانشاد وقراءة الموالد النبوية والتنزيلات ..  درس عزيز  خياط في بداياته بدار العرفان ، وانخرط ليدرس في “دار المعلمين ” العثمانية في مدينة الموصل ، وتخرج فيها ليعمل في التعليم منذ سنة 1911 وكان ابن الثامنة عشرة من العمر  ، وكان ذكيا جدا ، اذ تثقف بثقافة قوية  في اللغة العربية والادب العربي  ولازم منذ شبابه المبكر الموسيقار الفنان الكبير  الملا عثمان الموصلي ودرس على يديه  واخذ عنه الكثير  ، فضلا عن استاذه الفنان الشهير السيد احمد ( ابن الكفر ) الذي تعلم منه طريقة الاداء للمقامات الموصلية وقراءة التنزيلة الموصلية ، وهي فن خاص بموشحات الموصل التي تقرأ في الموالد الدينية ، كما تعلم الموسيقى على يد الموسيقار الارمني الشهير نوبار  في العراق ، وكان من اشهر معلمي الموسيقى العراقيين  عام 1919   وبقي عزيز افندي يزاول التعليم والفن معا  . وغدا لوحده في ما بعد مدرسة قائمة بذاتها ، اذ لم يكن تابعا لأحد ، بل كان قد فرض شخصيته القوية ، وغدا معلما ، لكنه للاسف الشديد لم يترك من بعده نخبة من التابعين الذين يمارسون نهجه وطريقته في التجويد والترتيل والقراءات والغناء الجميل .

 لقد جاء عنه جريدة الرأي الجديد “الموصلية ” في عددها الصادر يوم  24 -5-2012  اذ كتبت تقول : ان عزيز خياط عين بعد تخرجه معلما ، ثم مديرا لمدرسة كويسنجق الابتدائية ، وقد نقل الى الموصل ليصبح مديرا لدار العرفان الابتدائية ثم معلما في مدرسة تطبيقات دار المعلمين سنة 1932 . وفي سنة 1938 صار مديرا للمدرسة الخضرية ،  اذ  قدم للعمل كي يدرس درس الفن والنشيد في المدرسة الخضرية ويعلم الصبيان الأصول الموسيقية ، وكان قد عمل معه كل من الاساتذة المثقفين الاوائل : المؤرخ أحمد الصوفي والمثقف الماركسي الاول في العراق يحيى قاف العبد الواحد والاستاذ يوسف كنعان وغيرهم   . بقي عزيز  افندي في وظيفته  معلما ناجحا ، وكوّن له شخصية محبوبة  حتى نصّب مديرا للمدرسة الخضرية ( وكانت تسمى بالخضرية لقربها من جامع الامام الخضر  المطل على دجلة خارج ســــور الموصل (2) ويقال انه دمّر هذا اليوم بفــــــــــعل داعش   ) .. كانت شخصيته واقعية جدا ، وكان سريع البديهة  وطليق النكتة وحسن المعشر  .. وكان فكها يرد على السخرية بأجمل منها  ويتمتع بمحبة الجميع في المجتمع ، فهو  يعلّم ويدير مدرسة وينشد الاناشيد الوطنية لتلاميذه  بصوته في ساحة المدرسة في كل صباح  ، وله مكانته في مجالس المثقفين الكبار ، ويقرأ القرآن الكريم في الجوامع والمساجد ، ويرافق القراء والمنشدين في الموالد ليشاركهم قراءاتهم للتنزيلات الموصلية بصوته الرخيم ..  وفي الليل يحضر حفلات الطرب ، ويقرأ المقامات الموصلية بكل انواعها التي كان قد ضبط انظمتها سواء على الطريقة الموصلية او البغدادية بصوته العذب ، وكان يحضر ويغني في حفلات الأنْس في المناسبات التي كان يقيمها العديد من اصدقائه في دورهم او في سفراتهم الربيعية . اجاد العربية والتركية والكردية والفارسية وغنى في هذه اللغات كلها  ، وكان على صلة بوجهاء مدينة الموصل منذ العشرينيات امثال الاساتذة : علي الجميل ،  و د. فاروق الدملوجي ، و د. داود الجلبي ، واسعد العمري واخوه الاصغر خير الدين العمري ، وتوفيق الدملوجي ،  ويونس بحري  وفريد الجادر  وغيرهم  ، ..  وكان يضبط كل المقامات  العراقية  ويجيد كل انواع الغناء العراقي وبعدة لغات كالعربية والتركية والكردية   .. وبإجادة كبيرة. وقد شهدت حفلة قال عنها بنفسه انه سيرسم فيها خارطة عراقية ، فاذا به يغني كل الوان الغناء العراقي بدءا بالكردية والتركمانية والبدوية والحضرية والريفية ثم الجنوبية والمقام البغدادي والموصلي والكركوكي وصولا الى الخشابة بالبصرة ..  وكان الرجل يوثق علاقته  بالجميع ، وخصوصا من اصحاب النفوذ  والجاه  في كل مدينة يقيم فيها  ،وكان على اتصال بالمسؤولين الكبار في كل مكان يذهب إليه، بسبب ما يمتلكه من مواهب وإجادته للغناء والطرب  وبما يختزنه من ثقافة واسعة  وحبه للمجالس وأماكن الغناء والطرب .

تنقلاته الوظيفية

انتقل الاستاذ عزيز خياط إلى العاصمة بغداد للتدريس ثم انتقل إلى مدينة السليمانية في أوائل عقد الثلاثينات وأصبح مديراً لمدرسة في كويسنجق ، ثم عاد إلى بغداد ، وقد حدثنا قائلا  (اذ سمعت منه المعلومة التالية عدة مرات)  انه قد استدعى من قبل المسؤولين الكبار في بغداد ليكون اول من يفتتح  دار الاذاعة العراقية في بغداد ابان الثلاثينات من القرن الماضي بتلاوة القران الكريم وكان انئذ معاونا لمدير معارف (تربية ) بغداد .. وكانت الاذاعة عبارة عن غرفتين من الجينكو وتقوم المرسلات الى جانبها .. كما سمعت منه قوله انه كان قد درب على يديه بعض المقرئين البغداديين الذين اشتهروا لاحقا في دار الاذاعة العراقية ومنهم المقرئ محمود عبد الوهاب  وغيره .  وانتقل ليعمل في الجنوب ثم ارتقى ابان الثلاثينيات حتى أصبح مديراً لمعارف بغداد ( مديرا للتربية والتعليم ) ، ثم نصّب مفتشاً في العديد من ألوية العراق ، اي مفتشا لمدارس البصرة والمنتفك والعمارة والديوانية ثم مديرا لمعارف -تربية الدليم وبعدها مفتشا لمعارف المنطقة الشمالية -الموصل واربيل سنة 1941 . ومن ثمّ أحيل على التقاعد عام 1941 بعد فشل حركة مايس / أيار  التي قادها الضباط الأربعة برئاسة رشيد عالي الكيلاني. وكان وقت ذاك  مديراً لمعارف تربية لواء الرمادي. وكان يمتلك نزعة وطنية عميقة ، وينشد الاناشيد الحماسية  ويعزو الدكتور العلاف قائلا : ” ترك التعليم بعد ثورة مايس 1941 المعروفة بحركة رشيد عالي الكيلاني والحقيقة ان الانكليز عدوا ساطع الحصري مدير المعارف العام مسؤولا عن شيوع التوجه القومي العربي في التعليم فأقصوا معلمين ومدرسين كثيرين عن التعليم وجاؤوا بمشرفين انكليز على التعليم ” “(3) وعاد الى الموصل ، ورجع الى حياته الاجتماعية الاولى وبقي 6 سنوات  ، ثم حاول عزيز خياط أن يجد عملاً له في بغداد ، متذرعا بأصدقائه القدماء ، فكان ان عاد إلى الوظيفة عام 1947 ? واضحى مفتشاً ، ولكن أحيل على التقاعد ثانية عام 1950. فعاد إلى الموصل ، ومكث فيها اربع سنوات وكانت صعبة جدا ، وعاد الى بغداد عام 1954 لعله يجد عملاً، لقد كان عزيز خياط قد عمل في الادارة ، فأصبح مديرا لإدارة بلدية الموصل وبعدها مفتشا لمديرية الري والاشغال العامة ، ثم مفتشا عاما للمصايف الشمالية ، ومديرا لإدارة حلج الاقطان في كركوك ..احيل على التقاعد وتفرغ لنشاطاته الخاصة ..

وكانت الدنيا قد تغيرت بظهور جيل جديد ، وقد رحل او تقاعد معظم ابناء جيله ، وقد سكن في بغداد الجديدة ، إلا أنه لـم يوفق فعاد إلى الموصل بعد سنة من فراقها !

بيته وبستانه قرب غابات الموصل

عاد عزيز افندي إلى مدينته الموصل برفقة عائلته التي كانت قد كبرت ، وقد ضاقت الدنيا  عليه خصوصا عندما وجد أن تقاعده لا يكفيه او يسد رمقه ابدا ، خصوصا وانه لم يدخّر له مالا ، وكان سخيا ومضيافا  . وعليه ، فقد اشترى له قطعة ارض  في قرية القاضية القريبة من الموصل والواقعة خارج مدينة الموصل على طريق الموصل تلكيف دهوك ، وهي تقع على الشارع العام ومكانها اليوم مقابل الطريق الي يوصل الطريق العام بمنطقة الغابات مقابل فندق اوبروي نينوى ، وبنى له بيتا فيها ومعه بستان يزرعها بعد ان حفر له بثرا فيها ، وعاش هو وأولاده من غلة البستان وذلك منذ بداية عقد الخمسينات وكانت داره أول دار تقام في تلك القرية التي كانت في ذلك الوقت نائية ، واذا كانت اكواخ القرية مبنية على التلول ، فان بيت عزيز  خياط كان يقع على الشارع العام الذي يربط الموصل بدهوك ، وتقع القرية بين المجموعة الثقافية التي لم تبن في لك الوقت بعد وبين كل من مار كوركيس وقرية الرشيدية  وكان بيتا متواضعا جدا وقد بناه من الحجر  . لقد غدا بيته وبستانه محل سهر وطرب ، اذ اخذ يسهر عنده وجهاء المدينة وكبار اعيانها ليستمعوا إلى غنائه ويطربوا لشدوه ، وتوثقت علاقته بأبناء اصدقائه القدامى . وكان من اصدقائه القدامى متصرف الموصل الاستاذ سعيد قزاز ابان الخمسينيات ، وكثيرا ما كان يحي الحفلات ، وكان من اخص اصدقائه كل من الاساتذة : والدي القاضي كوكب علي الجميل ، والمتصرف صبحي علي آل عبيد اغا الجليلي ، والوجيه حسن خير الدين العمري ، والسياسي الشهير سامي باشعالم ، والمؤرخ المعروف سعيد الديوه جي ، والقاضي عبد الهادي الجوادي ، والوجيه سالم نامق ،  والرحالة الشهير يونس بحري ، والقاضي عبد الله الشبخون ، والقاضي اسماعيل العمري ، والوجيه صالح حديد ، والوجيه نوح الجلبي ، وقارئ المقام الشهير سيد اسماعيل الفحام  وغيرهم. وكلهم من أصحاب المجالس العامرة ومن المحبين للطرب والغناء ، وكان عزيز افندي خياط يحي حفلاتهم بغنائه  وبصوته العذب  .. وكان من قبلهم الاساتذة : متصرف الموصل سعيد قزاز  ، والاديب المصلح علي الجميل ، والقاضي ابراهيم الواعظ ، وتوفيق الدملوجي والاخوة الاعيان الثلاثة مدير الاوقاف أسعد ورئيس الوزارة المهندس ارشد ورئيس البلدية خير الدين العمري ، ومؤسس المكتبة العامة جميل الجميل ، والوجيه حمدي جلميران ، والتربوي الشهير يحي قاف العبد الواحد ، والوجيه نجيب الجادر  ، والوجيه عبد الله نشأت  وغيرهم رحمهم الله جميعا .

 

 

 

 

 

حقيبة ذكريات

عزيز أفندي خياط 1893-1973م

فنان عراقي رائع صاحب صوت شجي

د. سيّار  الجميل

الحلقة الثانية :  ذكريات وتصويبات

ما سجلته ذاكرتي عنه

كان والدي القاضي كوكب علي الجميل – رحمه الله –  1918- 1968م ، يزوره في بيته دوما ، وكنت بصحبته ، وقد التقيت به عدة مرات ابان الستينيات من القرن الماضي ، وكنت في مقتبل الصبا ، وقد حضرت اكثر من حفل خاص كان يقيمه الاستاذ عزيز  افندي خياط ، معتمدا على ولده البكر هاشم الذي كان فنانا ماهرا يعزف له على كل من الكمان والعود ، ولقد سجلت له عدة حفلات رائعة ، ومن اشهر ما غنى من قصائد ، تلك التي كان قد انتقاها من ديوان جدي الاستاذ علي الجميل 1889- 1928 م ، وخصوصا قصيدة ” انا والنوى ” ومطلعها :

  هل انت مثلي قد شجتك يد النوى ام سالمتك فقمت تلحن بالنوى

إنّـِي وَمــَنْ فَلـَقَ النّـَوى أبداً فَلا قَلبـي لِغيـرِ وِدادِكُـم يومـاً نَوى

ياأهلَ مَوصِلَ مـا قطعـتُ مَـدامِعي عَنكُـم ومازالَ الهُيامُ بنينــــوى

قدْ خُضْتُ فـي لُجَجِ الغرام ببُعدِكُـم وَشَقيتُ لكنَّ غُصنَ شوقـي ما ذَوى

وغناها من مقام النوى وهو من اصعب المقامات ،

وغنى للجميل ايضا من مقام الصبا قصيدته ” انا والنسيم”  التي ارسلها الى احبائه في الموصل من استانبول ، ويقول مطلعها  :

نسيم الصبا هل جئت يوما احبتي         واهديت من اهواه عني تحيتي ..

وقبلت عني ثغر من هو قبلتي               وعاتبته عني بحسن تلطف

نسيم الصبا وحقك بعدهم              فهل لك أن تأتي بذكري عندهم

على الود لم أنكث لعمري عهدهم       وتعلمهم شوقي وعظم تلهفي (4)

وقد احب ان يغنيها عزيز افندي خياط لكل من هجر الموصل من اهلها الى الديار البعيدة

وهناك قصيدة عزيزة على قلب عزيز خياط ، وكان يغنيها بمختلف المقامات ، ويرددها دوما  ، وهي قصيدة للشاعر  الموصلي الشهير الملا حسن البزاز  1845- 1887م التي قال فيها :

منازل الحي حي الله مغنـــاك              اين البدور التي فيها عرفناك

اين الاحبة لا عاش النوى نزلوا            بالله يا ورق نوحي واسعدي الباكي

ريح الصبا ام راح الصبا فلقد            اصبحت والله نشوانا برياك

هل من حليف جوى مثلي اسامره      هيهات ما في الحمى من يسمع الشاكي

انت المنون ام الآجال كنت لنا           فان اهل الهوى اصبحن قتلاك (5)

كما غنى عدة قصائد نظمها الشاعر الموصلي المعروف عبد الله راقم افندي (1853- 1891م) ، ومنها التخميس البديع الذي مطلعه :

نوى وجوى وهجر واحتمال

وبال لا يلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم به مــلال

هلكت وليت شعري هل يقال

بأي جناية منع الوصــــــــــــــــــــــال (6)

واذكر ان هذه القصيدة قد غناها الموسيقار الملا عثمان الموصلي – كما قال عزيز افندي – وذيلها بأغنية شهيرة هي " عالروزنة عالروزنة " وهذه الاغنية ، هي من الحان الملا عثمان نفسه لأحدى التنزيلات . وقد كتبت  قبل عشر سنوات في احدى مقالاتي ، قائلا  عنها : " اصل لحن اغنية ( عالروزانا ) المشهورة في سوريا ولبنان ، فأقول بأنها من ابداع الملا عثمان في واحدة من " تنزيلاته " ( التنزيلة الموصلية : فن موشح خاص بفولكلور مدينة الموصل يقرأ في الموالد النبوية لموشحات لها تقنية معينة في نظمها والملا عثمان واحدا من اهم شعراء التنزيلة . اما كلمة الروزانا فيلفظها الموصليون باحالة الراء الى غاء فيقولون : غوزانا ، ثم يميلون حرف الالف الاخير الى ياء فيلفظونها غوزاني ومعناها : الفتحة العليا في الجدار التي تطل على حوش او مكان عام ) وثمة وثائق تحتفظ بها مكتبة العلامة الراحل الدكتور محمد صديق الجليلي في العراق تثبت ما اقول " (7) .

كانت كل تلك الحفلات التي يحييها عزيز افندي خياط مسجلة على شرائط تسجيل لا اعرف مصيرها اليوم ويا للأسف الشديد ، كما كان والدي رحمه الله يحتفظ للأستاذ عزيز خياط بأشرطة قراءات متنوعة لسور من القرآن الكريم بصوت الاستاذ عزيز  ، ولقد حفظت من خلال تلك الاشرطة كل من سورتي طه وابراهيم ، اذ كان يتميز  بقراءة متميزة للقرآن بصوت غاية في العذوبة وبطريقة تجذب الاخرين ، والتي كان قد استلهم طريقتها عن الموسيقار المقرئ الملا عثمان الموصلي .. وكنت مطلعا منذ صغري على ما يحتفظ به ولده البكر  الفنان الاستاذ هاشم عزيز خياط من تسجيلات فريدة لمقامات وتنزيلات وقراءات وتلاوات متميزة بصوت والده .. ولا يعرف مصيرها اليوم بعد مرور اكثر من نصف قرن عليها .. عسى يعثر عليها ، فهي ثروة فنية وتاريخية نادرة لا تقدر بثمن ابدا .. اتذكر الاستاذ عزيز افندي خياط  جيدا ا، ذ كان قد تجاوز السبعين من العمر  ، كان يستقبلنا في حديقته التي يعتني بنفسه فيها وبزهورها ، وخصوصا تربيته لابصال وردة النرجس الموصلية التي كان يعشقها ، الى جانب شجيرات زهرة الفل التي تشتهر بها بيوتات الموصل .. كان الرجل ابيض البشرة ، ويلبس السيدارة ، عظمي الوجه ، صغير العينين ، ويضع نظارة طبية على عينيه ، عذب الكلام ضحوكا بشوشا متفائلا لا يهتم بالمشكلات مهما عظمت ، واسع الثقافة ، سريع الذاكرة ، ولم ينس اصدقائه القدماء .. بيته يزدحم بأفراد عائلته  ، اذ يقال انه ترك من ورائه عشرة من الابناء والبنات ، وقد عرفت من بينهم ولده حسن اذ كنا في عمر  متواز  ، وقد كان حسن هو الوحيد الذي ورث عن ابيه حلاوة الصوت ومعرفة المقامات ، اما البقية ، فلا اعرف اين تفرقت بهم الحياة من بعده  .سمعته يوما يحكي لوالدي قصته مع الملك فيصل الثاني والامير عبد الاله والحاشية ، اذ كان في يوم من الايام عام 1956 ? يجلس في بستانه تحت عرزال العنب ، واذا بركب من ثلاث سيارات سوداء اللون ، يتوقف عند باب بيته وبستانه ، ويترجل من سيارة سوداء كبيرة كل من  الملك فيصل الثاني وخاله الامير عبد الاله والسيد نوري السعيد ، فخرج اليهم محيّيا ومرحبا  ، ودخلوا معه بيته وبستانه برفقة حاشيتهم قليلة العدد ، فأجلسهم في بيته المتواضع وعلى الكراسي العتيقة ، وقدّم لهم الشاي ، وقضوا برفقته قرابة ساعة من الوقت ، وقد اعاد نوري باشا ذكرياته مع عزيز افندي  خياط  وتبادلا  الطرائف  ، ثم شكروه على ضيافته ، وانطلقت بهم السيارات الثلاثة الى مصيف سرسنك الذي كان الملك فيصل الثاني يحرص على ان يصطاف فيه في صيف كل عام منذ صباه .

سيرة الرجل بين الدقة وبين التشويه

ترجم سيرة حياته كل من المرحوم الدكتور عمر الطالب والدكتور ابراهيم العلاف ، ولكن ما كتبه عنه المؤرخ العلاف من مقال مختصر اضبط بكثير مما كتبه المرحوم الطالب الذي يبدو انه كان متحاملا عليه لأسباب نجهلها ، فقد اخطأ في حقه كثيرا ، ونقل اتهامات ضده لا اساس لها من الصحة ، فضلا عن عدم الدقة في المعلومات التاريخية وفي الاسماء ، وذكر ان سنة ولادته 1887 في حين ان ولادته كانت في سنة 1893  كما اخطأ ايضا عندما قال بأن الوجيه مصطفى الصابونجي كان يتصدّق على عزيز  خياط لمدة عشرين سنة من ماله .. !! وهذا كذب وبهتان على الرجل . كما ونقل د. عمر الطالب ايضا تلفيقات كان قد سجلها الاستاذ ذنون ايوب ضد عزيز خياط عندما كان مفتشا في الناصرية بجنوب العراق ! ويقول : وكانت سمعة هذا المفتش الوطنية سيئة حتى في مدينة الموصل” حسب ما كتبه ذنون أيوب في سيرته الذاتية (ذو النون أيوب حياته بقلمه) 1980-1986  . ولا ادري ما الذي جعل البعض يطعن في عزيز خياط وطنيا ، علما بأن الاستاذ خياط رجل عصامي مكافح وصاحب مواهب متنوعة ، وليس له اي اذى على الاخرين ! فضلا عن ان سيرته الاجتماعية والوظيفية بيضاء ناصعة لا غبار عليها ابدا . وثمة خطأ آخر  عند عمر الطالب رحمه الله ، بقوله ان عزيزا قد انتقل عندما طعن في السن من الغناء الى التكايا الصوفية ، وهذا ليس له اي اساس من الصحة ، فقد كان الرجل طوال حياته يقرأ القرآن الكريم ، ويقرأ المقام الموصلي ، ويقرأ التنزيلة الموصلية ، ويغني ويطرب ! كما اضاف عمر الطالب خطأ آخر في موسوعة اعلام الموصل المليئة بالأخطاء عند كتابته سيرة عزيز خياط (8) وخصوصا عندما قال بان السهرات الليلية قد انتقلت الى دار صالح الشبخون ، والكل يدرك ان الاخير لم يكن صاحب سهرات ليلية ، بل كان رجلا صالحا ورعا تقيا ، ويصفه المؤرخ عبد المنعم الغلامي في كتابه ” الانساب والاسر في الموصل ” الجزء الاول (9)? بأن الرجل ” كان من الصلحاء الاخيار ”  ! ليس لأن السهرات الليلية محرمة ، بل لأن لا حقيقة لذلك كله ، وانه طعن في الاموات  !

وفاته

توفي الاستاذ عزيز افندي رحمه الله في بيتــــــــــه بالموصل يوم 23-1-1973  وكان آخر مرة رأيته فيها حضوره حفل التأبين الذي اقيم في نادي المحامين بالموصل لمناسبة مرور 40  يوما على وفاة والدي يوم 28  نيسان / ابريل 1968  وكان قد افتتح الحفل بنفسه ، اذ قدّم قراءة لبعض من أي الذكر الحكيم .

واخيرا : ماذا اقول ؟

فان رحلة حياة عزيز افندي خياط كانت حافلة جدا بالابداع والعلاقات الاجتماعية والوظيفية .. واذا كان الرجل قد اشتهر بفنه الراقي وقراءاته المتنوعة المبدعة ، فقد كان قد اكتسب ثقافة عراقية خصبة ، وتعلم من كل مكان عراقي كان يعيش فيه ويندمج مع اهله ويحاورهم من خلال فنهم وثقافتهم .. لقد كان مبدعا في قراءاته المتنوعة والنادرة للقرآن الكريم ، ويكفي انه كان اول من دشن مفتتحا دار الاذاعة العراقية بعشر من القرآن الكريم ، اذ اختير من بين كل القراء العراقيين ليكون في مقدمتهم .. رحم الله هذا الفنان الذي سيبقى ذكره وتاريخه ، ويا حبذا لو عثر على كل تساجيله ، فهي مدرسة فنية ابداعية عراقية رائعة في المستقبل .

اين هو  ولده الفنان الرائع حسن خياط؟

انه الفنان القدير  والمطرب الصادح بحنجرته التي تشبه الى حد ما حنجرة ابيه عزيز افندي خياط .. عرفته منذ ايام الصبا مذ كنت التقي به اثناء زيارتنا الى بيت والده في القاضية ، وكان من طفولته صاحب موهبة وصوت شجي .. اختفى من الموصل فجأة ، فسألت عنه فقيل لي انه التحق بكلية الفنون الجميلة في بغداد ، .. ولم اعثر حتى اليوم عليه ، اذ كنت قد علمت بأنه قد هرب منذ العام 1971 من العراق الى سوريا واستقر بها  بعد ان تعرّض للاضطهاد والمتاعب من قبل فنانين عراقيين كانت لهم علاقاتهم مع النظام الحاكم السابق ، وكانوا من المتريفين ولم يقبلوا أي فن غنائي عراقي حضري ، بل ورفضوا هذا ” الفنان ” الاصيل القادم من الموصل ..  وقد اخبرني الصديق الموسيقار احمد الجوادي (المقيم في السويد اليوم )  بأن الفنان حسن خياط كان قد غادر العراق الى سوريا ولم يعد اليه ثانية ، وانه اشتغل فنانا واشتهر هناك واحيا عدة حفلات .. واليوم بعد ان حلّ كل الدمار بسوريا ، لم اعرف ما الذي حل به وبعائلته .. ولقد اتصلت بالأخ الموسيقار الجوادي قبل ايام ، واكذّ بأن لديه اتصال بالأخ حسن من وقت الى آخر  حــــماه الله رفقة عائلته ..

الهوامش والملاحظات

 (1)مدونة الدكتور ابراهيم العلاف ، مقاله عن  عبد العزيز الخياط

(2)جريدة الرأي الجديد “الموصلية ” في عددها الصادر يوم  24 -5-2012.

(3)مدونة الدكتور ابراهيم العلاف  ، المرجع السابق .

 (4)    ديوان  علي الجميل  وما تبقى من  رسائله  ( مخطوط في حوزتي ، سينشر قريبا ) .

 (5)    ديوان البزاز : الملا حسن افندي البزاز الموصلي الخزرجي 1261- 1305 للهجرة ، اعده وقدم له : فاتح عبد السلام ، ط2 بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،  طبعة مزيدة ومنقحة 2010    ص 252.

(6)     ديوان عبد الله راقم افندي  ( مخطوط في حوزتي ، سينشر قريبا ) .

(7)  سيار الجميل " اسطورة الاغاني العراقية: تأملات نقدية " ، نشرت في ايلاف ، الاحد 13 نوفمبر / تشرين الثاني 2005 .

(8) عمر الطالب ، موسوعة اعلام الموصل في القرن العشرين ، ط1 ( جامعة الموصل : مركز دراسات الموصل ، 2008

(9)     عبد المنعم الغلامي ، الانساب والاسر في الموصل ” ج1  ط1 (طبع في بغداد سنة 1384 هـ / 1965 م ) .

 

نشرت الدراسة في ملحق الف ياء ، صحيفة الزمان / لندن  يوم الثلاثاء 9-10 / تشرين الثاني / نوفمبر 2015  ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

الاصدقاء الاعزاء

ها قد وجدت صديق الصبا الفنان الرائع حسن خياط ، وهو يشدو في مهرجان المحبة عام 1995

انه الفنان القدير  والمطرب الصادح بحنجرته التي تشبه الى حد ما حنجرة ابيه الراحل الكبير عزيز افندي خياط .. عرفت حسن منذ ايام الصبا مذ كنت التقي به اثناء زيارتنا الى بيت والده في المنطقة المقابلة للغابات  قرب قرية القاضية ، وكان حسن  يتمتع منذ طفولته بحنجرة  قوية  اذ كان صاحب موهبة وصوت شجي .. اختفى من الموصل فجأة ، فسألت عنه فقيل لي انه التحق بكلية الفنون الجميلة في بغداد ، .. ولم اعثر عليه حتى اليوم بعد ان تفرقنا منذ اربعين سنة ، اذ كنت قد علمت بأنه قد هرب منذ العام 1971 من العراق الى سوريا واستقر بها  بعد ان تعرّض للاضطهاد والمتاعب من قبل فنانين عراقيين كانت لهم علاقاتهم الحزبية مع النظام الحاكم السابق ، وكانوا من المتريفين ولم يقبلوا أي فن غنائي عراقي حضري ، بل ورفضوا هذا ” الفنان ” الاصيل القادم من الموصل ..  وقد اخبرني الصديق الموسيقار الاستاذ احمد الجوادي (المقيم في السويد اليوم ) قبل اشهر بأن الفنان حسن خياط كان قد غادر العراق الى سوريا ولم يعد اليه ثانية ، وانه اشتغل فنانا واشتهر هناك واحيا عدة حفلات .. واليوم بعد ان حلّ كل الدمار بسوريا ، لم اعرف ما الذي حل به وبعائلته .. ولقد اتصلت بالأخ الموسيقار الجوادي قبل ايام ، واكذّ بأن لديه اتصال بالأخ حسن من وقت الى آخر  حــــماه الله رفقة عائلته .. تحياتي اليه والى كل الفنانين الموصليين المبدعين الذين تشتتّوا وتفرقت بهم السبل طوال خمسين سنة مضت من المحن والرزايا والكوارث السياسية حتى يومنا هذا ..

ادعوكم الان الى سماع الفنان الاستاذ حسن الخياط  وهو ابن الفنان الكبير عزيز افندي خياط

https://www.youtube.com/watch?v=JM-HzKOmFI0

 

 

 

 

قصة صعود ايزيس

د. سيّار الجميل

تحليل كتاب "صعود داعش:

إيزيس والثورة السنيّة الجديدة"

لباتريك كوكبرن

 

| الحلقة الاولى |

 

ان ما هو جوهري هو الذي يجري "على الأرض" !

باتريك كوكبرن

هكذا بدأ بارتريك كوكبرن Patrick Cockburn كتابه الجديد " صعود الدولة السنية الإسلامية: اس اس والثورة السنيّة الجديدة " (2015), The Rise of Islamic State: Isis and the New Sunni Revolution, London and New York: Verso, الذي نزل الى الاسواق قبل ايام ، وقد استطعت ان اطلع على نسخة منه وصلتني قبل 3 ايام ، وقد صدر لمناسبة مرور سنة كاملة على سقوط الموصل بأيدي تنظيم داعش ، وتوسّع حدودها، التي كانت ولم تزل تعمل بقوة تنظيم ارهابي يمارس كل الوسائل من اجل تهديدات جديدة وتوسعه في كل العالم . وتعتبر حركة داعش هي الأسرع نموا في تاريخ الشرق الأوسط عبر التاريخ .. لقد قرأت هذا " الكتاب " ، وتوقفت محللا جواب من محتوياته المهمة ، ولكن دعوني اقدم في البداية شيئا عن مؤلفه .

وقفة عند المؤلف باتريك كوكبرن Patrick Cockburn

باتريك كوكبرن أوليفر ، من مواليد 5 مارس/ آذار 1950 ، صحفي ايرلندي كان مراسل الشرق الأوسط لصحيفة فاينانشال تايمز، ومنذ عام 1991، ثم الاندبندينت . كما عمل مراسلا في كل من موسكو وواشنطن . كتب ثلاثة كتب عن تاريخ العراق الحديث. وقد حصل على جائزة مارتا جيلهورن عام 2005، وجائزة جيمس كاميرون عام 2006، وجائزة أورويل للصحافة عام 2009، وجائزة الصحافة الدولية عام 2010 ، وغيرها من جوائز الصحافة البريطانية 2014. ولقد التقيت به مرة واحدة في المجلس الدولي للصحافة بالعاصمة البريطانية لندن مساء يوم السبت 8 أيار 2010 عندما منح جائزة المجلس ، وبعد ان القى كلمته سألته في لقاء معه عن رؤيته الى مستقبل العراق ، فقال : انه مستقبل غامض في ظل سياسة متبرمة من المجتمع المنقسم على ذاته . ولد كوكبرن في أيرلندا، ونشأ في مقاطعة كورك. وكان والداه كل من الكاتب الاشتراكي المعروف والصحافي كلود كوكبرن وباتريشيا بايرون . تلقى تعليمه في كلينموند Glenalmond، في بيرثشاير، وكلية ترينيتي في أوكسفورد. وعمل باحثا في معهد الدراسات الايرلندية، جامعة كوينز بلفاست، 1972-1975. تزوج عام 1981 من جانيت اليزابيث مونتيفيوري (14 نوفمبر 1948)، بروفيسورة الأدب الإنكليزي في جامعة كينت، كانتربري، وهي ابنة الراحل الأسقف هيو مونتيفيور .

كتب باتريك ثلاثة كتب عن العراق. ، هي : الخروج من الرماد: قيامة صدام حسين، وكتبه مع شقيقه اندرو قبل الحرب في العراق. واعيد نشره لاحقا في بريطانيا ، ولكن بعنوان : صدام حسين: هوس الأميركيين. وله عليه اضافاته بعد الغزو الأمريكي للعراق ، وخصوصا ما ضم اليه من بعد بعض تقاريره من العراق. وهناك كتابه : الاحتلال: الحرب والمقاومة في العراق (2006) وهو اشبه بتقارير عن العراق . ويأتي كتابه الجديد وهو يعالج موضوعا بالغ الأهمية سواء ما يخص الغزو ، او ما يخص تطور آليات السلفيين السنّة الاصوليين الذين يشكلون جزءا كبيرا من التمرد الحاصل في العراق . وجاء كتابه الاخر عن السيد مقتدى الصدر، بعنوان : إحياء الشيعة، والنضال من أجل العراق في عام 2008. وقد درس فيه تفاصيل التيار الصدري من خلال منهجه الصحفي وسلسل تاريخ عائلة الصدر دينيا وسياسيا بشكل بارز ، وكيفية صعود مقتدى، وتطور ظاهرة تياره منذ العام 2003 ، وقام كوكبرن بتأليف كتاب الجهاديين الموسوم : العودة: إيزيس وانتفاضة جديدة في سنة (2014)، وهو الكتاب الذي ترجم إلى تسع لغات، ثم كتابه الاخير الذي اضاف الى كتابه السابق جملة هائلة من التحليلات والشروحات والمعلومات المقارنة وهو بعنوان : صعود الدولة الإسلامية: إيزيس والثورة السنية الجديدة (2015). ان كلا الكتابين يتبنى الاجابة عن كيفية ولادة ونشوء داعش في العراق والشام (إيزيس = داعش ) وكيف كانت لديها القدرة على اقامة دولتها ( = الخلافة الاسلامية ) في شمالي العراق وشرقي سوريا . كما نشر أيضا سلسلة مقالات عن الاتحاد السوفياتي في 1989، فضلا عن مشاركته في كتاب شياطين هنري وغيره من الاعمال القوية . ولقد راقب في السنوات الاخيرة ما جرى من مذابح وحشية في سوريا والعراق ، فكان ان اثمرت تلك المذابح هذه الدولة الاسلامية التي اجده في تحليلاته لها واقفا موقف الحياد ، مسميا كل الاشياء باسمائها في ريبورتاجاته وتقاريره وحتى كتبه !! وهو مطلع على المذابح وحالات الاستئصال الطائفي المقيت ، وخصوصا في العراق .

ولادة ايزيس / داعش

لقد ولدت هذه " المنظومة " الصلبة التي لا تعرف لغة التفاهم ، في خضم الحروب الأهلية العراقية والسورية معا بعد العام 2009 ، وهي نتيجة تاريخية متوقعّة للسياسات الطائفية التي اتبعتها ايران بعد ثلاثين سنة من حدوث الثورة فيها عام 1979 . وكانت هذه داعش قد أدهشت العالم في العام 2014 من خلال إنشاء قوة جديدة وقوية في الشرق الأوسط – على حد تعبيره - . اذ قامت بالجمع بين التعصب الديني والقوة العسكرية، والخلافة المعلنة الجديدة ، وهي لا تعرف السياسة او التفاوض بقدر ما تعرف القتل والتدمير . وعليه ، فهي تشكل خطرا على الوضع السياسي الراهن في المنطقة بأسرها. في صعود داعش، يصف باتريك كوكبرن طبيعة الصراعات الداخلية والتي يعتبرها وراء انهيار جذري في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وقال انه تبين كيف خلق الغرب شروط النجاح لهذه المنظمة الخطيرة وفي منطقة قابلة للانفجار قبل تأجيج الحرب في سوريا. وان ثمة ردود فعل ساخنة جدا ازاء الغرب ، وخصوصا الولايات المتحدة الاميركية وحلف شمالي الاطلسي في محاربته تنظيم القاعدة من طرف ومغازلته للشيعة في العراق وايران ، اذ خلق إمكانية جهنمية للسنة الجهاديين المسلحين ، ولم ينفع أي تحرك ضدهم بفشله بعد فوات الأوان ، وخصوصا ضد رعاة الجهادية في المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان.

صعود داعش - قصة إيزيس من رحم القاعدة

يؤشر باتريك كوكبرن عدة حالات في طريقة صعود إيزيس وما تميزت به هذه " المنظمة " من ذكاء وتخطيط بعد ان افتقد الانسان في العالم الاسلامي أي جدوى من الغرب ، وغدت افكاره لا يعتمد في اذكائها على القراءة المحبطة له لما اساء له الغرب كثيرا ، وهو في الاساس قد تربى على كراهية الغرب المقترن لديه بالاستعمار ، ولكنه اصبح اليوم يعيش نار الحرب الضارية ، فكان ان غير هدفه من عدم الاقتصار على تغيير الانظمة السياسية الدكتاتورية التي رعاها الغرب ، بل لتأسيس داعش التي لا علاقة لها مع الغرب ! ان مقاتلي إيزيس في سوريا، قد بدأوا يتحركون في أكتوبر \تشرين الاول2013: كما يكتب كوكبرن .. ولم يلتفت اليهم احد من المحللين ولا المصورين ولا المتابعين !

لقد كان ذلك في المراحل المبكرة ، وهي مرحلة جديدة واقوى واكثر عنفا من التشدد الإسلامي. اثر مصرع أسامة بن لادن في مايو / آيار 2011، واندلاع الثورات الشعبية في معظم أنحاء العالم العربي، وخصوصا في ميدان التحرير بمصر او شوارع ليبيا واليمن .. كلها احداث كانت تعد إيذانا تاريخيا بانتهاء دورة زمنية كانت قد بدأت مع هجمات التاسع من سبتمبر الشهيرة ( أي عشر سنوات بين 2001 و 2011 ) لقد كانت دورة ابن لادن قد بدأت في سبتمبر / ايلول 2001 . وقد بلغت ذروتها من حيث العنف طوال عام 2005 ، ثم هدأت في نهاية العقد الزمني ، وقفلت بالثورات العربية ( التي اسميت حالتها بالربيع العربي ) ، وكان لابد ان تستلب تلك الثورات استلابا من قبل اعدائها اللدودين الذين يمثلون الجماعات الجهادية الاسلامية وتيارات العنف الاسلاموي ، اذ وجدت جماعات متشددة ارهابية كل في حيزها الجغرافي والأيديولوجي ، وقد وجدت ان قوتها قد تقلصت وحيويتها قد ضمرت ، في المدن والدواخل ، فما كان الا ان تنشأ لاستعادة قوتها من جديد وبدت تعمل على قدم وساق ، ولكن في مساحات شاسعة من الصحراء وفي عشرات البلدات الاخرى تحت سلطات غاية في التطرف كالتي تتوزع في اماكن موبوءة بالحروب الاهلية في الشرق الأوسط، ولقد وجدت نفسها مستقطبة جيل من الشباب المحبط والذي تربى على الالتزام وعلى حلم الخلافة الاسلامية ، فانبعثت طاقة جديدة لم يكن يمتلكها تنظيم القاعدة ، كما وساهمت وسائل الاتصالات الحديثة واستخدام الشبكات الخاصة في تدفق الجهاديين مع السيطرة على المعلومات من خلال تلك الشبكات التي لا تعد ولا تحصى فكان ان تبلورت حركة تنظيمية لها سيطرتها وقوتها .

يمكن للمرء ان يحدد أربع فئات نشيطة من المتشددين في الوقت الراهن. اذ هناك مجموعتان رئيسيتان تقاتل من أجل التفوق : تنظيم القاعدة المخضرم اولا وتنظيم الوافدين الجدد ايزيس الذي نجح في تأسيس داعش . وهناك العديد من المنظمات التابعة لكل من الطرفين الاول والاخير .. وهناك مجموعات أخرى مستقلة تماما، على الرغم من أنها قد يكون لها بعض الاتصالات الترابطية مع مسلحين آخرين، مثل المنظمة الكريهة المسماة بوكو حرام في نيجيريا . ثم هناك جماعات بالمئات تعمل لحسابهم الخاص، والشبكات ذاتية التكوين من جماعات لا حصر لها ، وهي تتشكّل من الإرهابيين الذين يتحملون المسؤولية بشكل متزايد عن العنف في شوارعنا واحيائنا ومرافقنا الحيوية . ان هذه الصورة ستبقى كئيبة لزمن طويل قادم على أقل تقدير.

ان قدرة المسلحين على الحاق الضرر بكل من يخالفهم او حتى يقف موقف الصامت تجاههم ، فهم يؤمنون بأن من لم يكن معهم ، فهو ضدهم تماما .. ان تلك " القدرة " تأتي دوما من خلال الاتصالات بين كافة المجموعات المتلاقية اهدافها وغاياتها ، وخاصة بين هذه الفئات الأربع. وعليه ، فثمة تنسيق بينها على سيرورة العمليات والتزام الصمت عند كل الاطراف كما حدث في هجمات باريس في أوائل يناير / كانون الثاني 2015 ، تمثلت الاولى في الهجوم على سوبر ماركت يهودي، ومقتل أربعة، بينما تم الهجوم على هيئة تحرير المجلة الساخرة شارلي ابدو ومقتل عشرة من اعضاء هيئة التحرير فضلا عن قتل اثنين آخرين . لا يمكن أن يكون الحادث بسيطا ، بل كان ذلك مرعبا، وهو تذكرة قوية من تزايد معاداة السامية في أوروبا. ولكن هذا الحادث الأخير كان من الأهمية العالمية، مما دفع التعليق الهائل والاهتمام من وسائل الإعلام وقادة العالم ومع الهدف الذي اختارته بعناية، وكشف عن مواقف الاستقطاب الشديد بين الكثيرين في الغرب وكثيرين في العالم الإسلامي. كان الهجوم على شارلي ابدو له مخطط حضر في اليمن من قبل جماعة القاعدة .

انتظروا الحلقة الثانية

نشرت في صحيفة المدى ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 

 

 

أحمد الجلبي ..

اسمه بالحصاد ومنجله مكسور

 

د. سيّار الجميل

 

رحل السياسي العراقي، أحمد الجلبي، عن نحو 70 عاماً، فجر 3 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، مات وهو وحده في غرفة نومه، وكان يجلس على كرسي بملابسه الرياضية، وقد سقط هاتفه من يده. وأثار رحيله المفاجئ تساؤلات عديدة، خصوصاً أنه لم يعان من أية متاعب صحية، ويمارس رياضته اليومية. وإذا كان موته لغزاً، فقد كان في حياته حزمة ألغاز، وكان ولم يزل مثيراً للجدل الواسع. وفيما أعجب بعض العراقيين به، وجعلوه بطلاً ومنقذاً، شتمه آخرون شتائم مقذعة، وجعلوه عميلاً وفاسداً، وإنه كان وراء تدمير العراق. واليوم، ثمة من يمدحه ويبجله  ، وثمة من هو شامت به وشتّام له. وهكذا شأن العراقيين في تقويم ساستهم وحكامهم على مدى التاريخ. ولكن، لا الشماتة والشتيمة تنفع شقاقا ، ولا التسبيح بحمده ينفع نفاقا . أصبح أمره من شأن المؤرخين ليقولوا ما يستخلصونه عنه. ولكن، دعونا نقف وقفة قصيرة ربما تكون ناقدة، سعياً وراء كشف حقيقة رجل مثير للجدل حقاً. وهل مات الرجل فعلاً واسمه بالحصاد، ومنجله مكسور؟

هو سليل أسرة شيعية معروفة في بغداد، ورثت ثروتها عن جده عبد الحسين الجلبي الذي كان رئيس بلدية الكاظمية على العهد العثماني لسنوات طوال ، وقد تملك من خلال منصبه مساحات شاسعة من الأراضي حول بغداد القديمة، وكان ابنه عبد الهادي الجلبي أحد الأعيان في العهد الملكي في العراق، وتسلّم مناصب عدة، كونه من أقطابه، وزاد ثراؤه من بيع تلك الأراضي التي حولها من أميرية إلى ملك صرف، وجعلها سكنية، مثل مدينة الحرية، ثم جاء الحفيد أحمد الجلبي، وهو الابن الأصغر، ليعيش مرفها مدللاً، ويدرس على أيدي الفاذرية الأميركان في كلية بغداد الشهيرة.

حدثني عن الجلبي زميله في كلية بغداد ابان الخمسينيات ، طبيب العيون الصديق نبيل ممو، قال إنه كان تلميذاً نجيباً ذكياً وخجولاً لا يختلط كثيراً مع غيره، توصله إلى المدرسة سيارة والده السوداء وترجعه، ويشغل همه الدرس والقراءة، على عكس زميلنا الآخر، إياد علاوي، الذي كان يعمل في السياسة منذ صباه، وهو كثير الحركة والتمرد والثورة، إذ كانت لإياد صفات القيادة منذ الصغر. وبعد إطاحة الحكم الملكي في 14 يوليو/تموز 1958، غادر الجلبي بغداد، وعمره 14 عاماً، ولم يعد إليها إلا بعد 55 عاماً في 2003. كان قد أكمل دراساته في جونز هوبكنز وحصل على الدكتوراه في شيكاغو، وعمل أستاذاً للرياضيات في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا، والجامعة الأميركية في بيروت حتى 1977، ثم أدار بنك البتراء الذي أسسه في عمّان بالأردن إبّان الثمانينيات، وكان أن هرب من الأردن ليلا، بعد سحبه أمواله الخاصة من البنك - كما يقول - ، لكنه اتهم بسرقة البنك، فحوكم وعوقب غيابيا من محكمة اردنية عسكرية. وأثير، أخيراً، ما عرضه بعضهم (نقلا عن وثائق كما قيل) أن الجلبي كان يورد سلاحاً إلى العراق، في أثناء حربه ضد إيران، وفي أثناء وجوده في الأردن، وكان محل ثقة النظام السابق ورئيسه (!).ولم اسمع الجلبي انه كذب الخبر او ردّ عليه بالنفي ، وهذا الامر بحاجة الى ان يتحقق منه المؤرخون بدقة . .

قاد الرجل معارضته السياسية بعد 1991 ضد نظام صدام حسين، وشكل "المؤتمر الوطني العراقي"، وكان قوي الإرادة ودائب الحركة، وعلى الرغم مما قيل إنه الذي أقنع الأميركان بغزو العراق، إلا أنه لا يبدو مقنعاً أن الأميركان قد بنوا خطتهم لغزو العراق من خلال أحمد الجلبي عام 2003 ، اذ كانوا قد سحقوا البنية التحتية للعراق في تحرير الكويت عام 1991 من دون الجلبي ،  وربما غدا من الشخصيات العراقية التي اعتمدها الأميركان قبل الغزو، واعتمدوه في مسائل كبيرة، في زمن لم تكن الأحزاب الإسلامية الحاكمة اليوم لا في العير، ولا في النفير، بل إن كل الذين وصلوا إلى حكم العراق الحالي صعدوا على أكتاف الجلبي الذي لم يتحقق حلمه في حكم العراق، إذ لم يجعلوه لا وزيراً ولا مديراً ولا خفيراً حتى رحيله.

إدانة الجلبي على أخطائه متروكة للمؤرخين لاحقاً، ولكن هناك ملاحظات وتمنيات كان عليه العمل بها بعد العام 2003، وكان يدركها ويستوعب خطورتها على سمعته من بعده، فضلا عن وعيه السياسي بالجنايات والجرائم التي حدثت في العراق، ولم تزل تحدث. ويعتبر صمته وسكوته وعدم مبالاته بالشتائم التي كيلت له، والانتقادات ضده، من أكبر أخطائه، وكأنه اعترف بصحة ما سجله كل من عارضه وانتقده وشتمه، بل وبقي صامتاً إزاء حملة إعلامية ضده منذ شهرين، من قبل كاتم أسراره سنوات طويلة، من دون أن يرد عليها رداً قوياً، بل ويبدو ضعفه وقلة حيلته في الناس التافهين الذين اعتمد عليهم وجعلهم من موظفيه ومساعديه، وإذا بهم يخونونه ويفضحونه، وهو لم يبد أي تأسف أو أي غضبة تذكر، فهل كان يأكل نفسه بنفسه متندماً، أم أنه غدا يتلقى اللكمات من دون قدرة له على الرد؟

كنت أتمنى عليه أن يقف منذ زمن ليعارض هذا الحكم الفاسد الذي شارك في صنعه، كنت أتمنى عليه أن يعترف بخطئه في تأسيسه ما يسمى "البيت الشيعي" الذي بدأت منه شنيعة الانقسام. وكم تمنيت عليه ان يؤسس بيتا عراقيا تغلب عليه المحبة والسماحة والعقل بين كل الاطياف .. وكنت أتمنى عليه أن يقول دعوني وحدي مؤمناً بنظام سياسي مدني، وأنني أكبر من أكون حليفاً في ظل عمامة، أو وزيراً في ظل رئيس وزراء فاسد وغبي وطائفي. كنت أتمنى عليه أن يعترف بأن ليس من حقه السيطرة على وثائق العراق الخطيرة، وتسليم معلومات إلى إيران تحت أية ذرائع، مما قاد أميركا إلى مهاجمته ودهم بيته والاستيلاء على كل ما لديه من وثائق وأجهزة، وجمّدت اميركا علاقته بها. كنت أتمنى عليه أن يقطع صلته بالأحزاب الدينية تماماً، ويبقى وحده، أو أن يتحالف مع رفيق صباه، إياد علاوي، لتشكيل جبهة سياسية وطنية مدنية معارضة، لا علاقة لها بالطائفيين. كنت أتمنى عليه أن يدين بشدة كل ممارسات الفساد، والمحاصصات السياسية، ويطهر نفسه من أية شبهة، باصطفافه مع كل العراقيين. كنت أتمنى عليه أن لا يركض وراء سلطة أو قوة أو مال أو منصب وزاري أو إداري، وأن يعترف بأنه تعامل مع أقزام فاسدين خانوه، أو تراجعوا عنه، أو تآمروا ضده أو شتموه، وتراهم اليوم يمشون في جنازته، فرحين ضاحكين برحيله.

وكنت أتمنى أن يكشف ليس أرقاما مذهلة سرقت ونهبت، بل يعلن عن أسماء فاسدين، لا يعدون ولا يحصون، سرقوا الملايين والمليارات. وكنت أتمنى أن يصحو اليوم ليراهم، وهم يمشون في جنازته، ويكيلون له المديح الفارغ، ويكتبون عنه أجمل العبارات. ولكن للعلم ، لم يقف أحد من كل هؤلاء معه في محنته الأخيرة، ولم يكتب أي واحد منهم مقالة في حقه، وفي أثناء حياته للوقوف حقاً إلى جانبه، لكنهم اليوم، وبعد رحيله، يترحمون عليه ويكتبون عنه ويجعلونه بطلاً. إنهم من أصعب الناس، وأكثرهم نفاقاً وتعقيداً وشقاقاً، مقارنة بعراقيين آخرين، كانوا قد وقفوا منه ومنهم موقف الضد، وهو خصمهم، كونه ساهم في إسقاط النظام السابق.

بدأ أحمد الجلبي لغزاً، وعاش لغزاً، ومات لغزاً، عرفت الكثير عنه، وبشهادة أساتذة أميركيين، التقيت بهم ، إذ وصفوه بالذكاء، وان قدرته كبيرة في تخزين المعلومات وطرق البحث عنها والسيطرة عليها، ولديه القدرة على استيعاب المسائل الرياضية والحسابية. ولكن، تنقصه أدوات التحليل الفكرية والخروج باستنتاجاتٍ، يمكن أن يتبنى من خلالها أحكامه السياسية. وعلى الرغم من أنه كان براغماتياً في تفكيره السياسي، لكنه كان يوظف كل شيء في سبيل الفكرة التي يؤمن بها.

أخيراً، كان يفترض بالجلبي أن يعارض السياسات التي مورست في العراق معارضة شديدة، وأن لا يسكت أبدا على ما حاق من ظلم بالكفاءات العراقية، وان لا يتعاون مع التافهين في عملية سياسية اودت بالعراق الى المهالك  ، وأن لا يتحالف مع التيار الصدري الذي خذله، ولا يتحالف مع المجلس الأعلى فخذله هو الآخر، فقد كان اسمه بالحصاد، ولكن منجله مكسور من بيته الشيعي الذي بناه بنفسه  .

 

نشرت في العربي الجديد ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 

 

جاستن ترودو... فاز الليبراليون في كندا

سيّار الجميل

 

فاز الحزب الليبرالي الكندي، يوم 20 أكتوبر/تشرين أول الجاري، في الانتخابات التشريعية، وأزيح رئيس الوزراء المحافظ، ستيفن هاربر، (56 عاماً) عن حكم استمر 9 سنوات، وسيشكل جاستن ترودو (43 عاماً) الحكومة المقبلة، إثر استعادة الليبراليين السلطة في كندا التي حكموها في القسم الأكبر من القرن العشرين. وكان الكنديون قد مارسوا حقهم الانتخابي في 65 ألف مركز تصويت، وصوّت حوالى 26,4 مليون ناخب لـ 338 نائباً. وكانت الحملة الانتخابية غاية في الأمانة والثقة والتنظيم والشفافية، وتقدم المتنافسين الحزبان الليبرالي والمحافظون، وفاز الليبراليون، وصعد زعيم حزبهم جوستن ترودو (مواليد 1971) إلى الحكم، وهو نجل بيير ترودو، رئيس وزراء كندا قبل سنوات، والذي كانت له مواقف متقدمة في حقوق الإنسان، ولترودو الابن برنامجه الإنساني، ويحمل أفكاراً جديدة، وعد بها الكنديين، أنها ستأخذهم نحو مستقبل جديد، خلافاً للسياسة التي اتبعها سلفه ستيفن هاربر. وسنراقب كيف ستكون سياسة الليبراليين إزاء إسرائيل والقضايا العربية. 
كان والده بيير إيفز اليوت ترودو (1919 – 2000)، رئيس وزراء كندا الخامس عشر في بين 1968 و1979، وبين 1980 و1984. وكان يؤمن بأفكار اشتراكية، لكنه انتهى ليبرالياً بعضويته في الحزب الليبرالي الكندي إبان الستينيات. وتقلد مناصب وزارية ليصبح زعيماً ملهماً يتمتع بكاريزما سحرية، مشكلا ظاهرة سياسية عرفت باسم "الترودومينيا" قبل أربعين عاماً، متبنياً مبدأ "العقل قبل العاطفة"، واعتزل السياسة في 1984، بعد أن عمل على الحفاظ على الوحدة الوطنية، إزاء سياسات الانفصاليين في إقليم كيبيك، وتأسيس ميثاق الحقوق والحريات، من خلال الدستور الكندي. واتهمه بعضهم بالتحيز للحكومة الفيدرالية، وكان قد انفصل عن زوجته مارغريت بسبب انشغاله عنها في دوامة الحكم والسياسة، (كان الفرق بينهما 30 عاماً)، علماً أنهما تزوجا عن حب جارف. 
فاز ولدهما البكر، جوستن ترودو، في الانتخابات العامة، ويتزعم الحزب الليبرالي الكندي منذ انتخابه لهذا الموقع في أبريل/نيسان 2013. وكان قد انتخب عضواً في مجلس النواب عام 2008، وأعيد انتخابه عام 2011. وشغل مناصب في حكومة ظل حزبه، مدافعاً عن هموم الشباب والتعددية الثقافية والمواطنة والهجرة، واهتمامه بمرحلة ما بعد التعليم الثانوي. وكان في السادسة من عمره عندما انفصل والده عن والدته مارغريت، ابنة جيمس سنكلير، وزير الثروة السمكية في حكومة لويس سانت لوران. حصل على البكالوريوس في الآداب، ثم بكالوريوس في التربية في جامعة بريطانية. وعمل مدرساً للفرنسية والرياضيات في أكاديمية ويست بوينت وفي مدرسة السير ونستون تشرشل الثانوية في مدينة فانكوفر. ودرس بين 2002 - 2004، الهندسة في جامعة مونتريال. وحصل على الماجستير في الجغرافيا البيئية في جامعة ماكغيل قبل خوضه الحياة السياسية العامة. وفي 2007، تألق جوستن ترودو، في جزئي مسلسل سي بي سي المسمى "الحرب العظمى"، والتي سلطت الضوء على مشاركة كندا في الحرب العالمية الأولى. وتقمص دور تالبوت ميرسر بابينو الذي قتل في أكتوبر/تشرين أول 1917، في معركة باشنديل.
كان جوستن قد تأثر بوفاة شقيقه ميشال في انهيار جليدي خلال تزلج عام 1998، فأطلق 

حملة للسلامة العامة في مزاولة لرياضات الشتوية عام 2000. ترأس بعد ذلك برنامجاً للشباب، ثم أصبح عضواً في فريق برنامج "كندا تقرأ"، مشجعاً رواية "مستعمرة الأحلام غير المتبادلة". ثم افتتح، رفقة شقيقه ألكسندر مركز ترودو لدراسات السلام والنزاعات في جامعة تورنتو عام 2004؛ والذي غدا جزءاً من مدرسة مونك للشؤون العالمية. وخاض ترودو الابن عام 2005، معركة ضد مقترح منجم للزنك بقيمة $100 مليون، بدعوى أن المنجم سيسمم نهراً في الأقاليم الشمالية الغربية من كندا حفاظاً على البيئة، وكان هذا النهر يعد موقع تراث عالمي في تصنيف الأمم المتحدة، وتقدم مسيرة دعت للمشاركة الكندية في حل أزمة دارفور.
لمع اسم ترودو في مؤتمر القيادات السياسية عام 2006، وكان ذلك بداية حقيقية لدخوله المعترك السياسي، علماً أنه كان يدعم الحزب الليبرالي، منذ سن مبكرة، وقدم دعمه لزعيم الحزب جون تيرنر في الانتخابات الفيدرالية عام 1988. وبعد عامين، دافع عن الفيدرالية الكندية. وبعد وفاة والده، أصبح جاستن أكثر انخراطاً في الحزب الليبرالي. مستضيفاً في حفل تكريم رئيس الوزراء السابق، جان كريتيان، في مؤتمر قيادة الحزب عام 2003. ثم عين لاحقاً لرئاسة فرقة عمل معنية بتجديد متطلبات الشباب بعد هزيمة الحزب في الانتخابات الفدرالية عام 2006.
وفي أكتوبر/تشرين أول 2006، انتقد جاستن ترودو قومية كيبك، ووصف الفكر القومي أنه "قديم يعود إلى القرن التاسع عشر، ومبني على أفكار صغرى"، لا علاقة لها بحداثة إقليم كيبك، فلم يدعم الاعتراف بإقليم كيبك أمة قومية منفصلة، وبعد أن تأهل مرشحاً لزعامة الحزب الليبرالي، فاز ضد منافسيه في أبريل/نيسان 2007، بسهولة. وانتخب عضواً في البرلمان الاتحادي في انتخابات 2008، والتي فاز فيها حزب المحافظين بحكومة أقلية، ودخل ترودو البرلمان عضواً من المعارضة الرسمية. وقدم مقترحاً دعا فيه إلى "سياسة الخدمة التطوعية الوطنية للشباب". وفاز الاقتراح بدعم من البرلمانيين من جميع الأحزاب. وترأس في أبريل/نيسان 2009 المؤتمر الوطني للحزب الليبرالي في فانكوفر، ثم أوكلت إليه عام 2010 مهمة تعدد الثقافات والشباب والمواطنة والهجرة. وله جهوده في زيادة جهود الإغاثة الكندية بعد زلزال هايتي عام 2010، وسعى إلى إجراءات هجرة أكثر سهولة من هايتي إلى كندا في أوقات الأزمات. وأصبح جاستن كـ "نجم الروك" للحزب، ومنذ إعادة انتخابه تجول عبر البلد لجمع التبرعات للجمعيات الخيرية والحزب الليبرالي. وفي مارس/آذار 2012، شارك في مباراة ملاكمة خيرية باسم "قاتلوا من أجل العلاج" ضد عضو مجلس الشيوخ من حزب المحافظين، باتريك برازو، وفاز في الجولة الثالثة من المباراة، واعتبرت النتيجة مفاجأة. 
وكان الزعيم الجديد قد أطلق شريط فيديو على الإنترنت عام 2014 بعنوان "الاقتصاد الذي يعود بالفائدة علينا جميعاً"، روى فيه برنامجه الاقتصادي. وقال، إن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في كندا انخفضت في السنوات الأخيرة، وحان الوقت أن "تصعد" نحو الذرى. تزوج صوفي غريغوار التي كان يعرفها منذ طفولته عام 2005. وفي 2013، إثر ارتقائه إلى رئاسة الحزب الليبرالي، باعا منزلهما في مونتريال، واستأجرا منزلاً في أوتاوا، ويقيمان فيه مع أولادهما الثلاثة. ويقضي برنامجه بفرض ضرائب على الأكثر ثراء لخفض ضرائب الكتلة الكبرى من الكنديين، والقيام بأشغال بنى تحتية ستؤدي إلى عجز ميزاني لثلاث سنوات، كما أنه سيدعم الحريات الشخصية والتعددية، ويحل مشكلات المهاجرين واللاجئين. تحدث، بعد انتصاره، قائلاً إنه سأل مهاجرة مسلمة محجبة، وكانت رفقتها ابنتها الصغيرة في مركز انتخابي: من تنتخبين؟ أجابته: سأنتخبك، لأضمن الحقوق الشخصية لابنتي في المستقبل. 
هل تكون التجربة الكندية درساً لآخرين من ذوي التجارب البائسة في الديمقراطية والانتخابات؟

 

انحدار الأخلاق وتفسّخ

السلوكيات فـي المجتمع العراقي

د. سيّار الجميل

الحلقة الثانية |  2 - 2  |

 ماذا نحكي اليوم  عن  مجتمع  عراقي  أفرزته الأيام الصعبة وعانى طويلا ، وإن كان قد عاش قبل أجيال ليبدع ويكون صاحب أخلاق حميدة وتقاليد نبيلة     ، ولكن يبدو انه اليوم تربّى تربية سيئة ليس في المدارس فحسب، بل حتّى في بيوته نسوة ورجالا، ومن شبّ على شيء شاب عليه، فالأمر  لا يتعلق بجاهل او عاقل، ولا بمثقّف او شخص عادي او واحد من الرعاع، فكثيرا ما اجد اليوم من يحمل شهادات عليا، وهو من اسوأ الناس واوسخهم، ومن سيئاته انه ينفخ نفسه ويستعرض عضلاته بأنويته ونرجسيته ، ولا يحكي إلا عن نفسه ويتفاخر ببطولاته وامجاده الكاذبة، او تراه لئيما خداعا يظهر عكس ما يبطن، فتبقى معه زمنا، وفجأة يلدغك من حيث لا تدري .. او تجده يبرّر سوء اخلاقه بمسوغّات بدائية ، وهو يستخدم لغة باطنية ، او يسكت على سوء الاخلاق باسم مداراة الواقع .

وقد كثرت النسوة الشريرات ايضا، وتعلمّن اوسخ الكلمات والتعابير، يظهرن كالمسترجلات يتاجرن بالوطنيّة او بالدين او بالمذهب ، وهن مشبّعات بأسوأ الاوبئة والادران وسوء الاخلاق .. ومنهن مبرقعات ومحجبّات وفوق الحجابات عباءات سود ، رأيت قبل شهرين ، احداهن لابسة ثوبا اسود وسخا في مطار فرانكفورت، وهي نائبة شهيرة ومثيرة للشغب في البرلمان العراقي، وكانت تمشي برفقة صبيّة محجبة ايضا، تذكرت كيف تقلّبت هذه ( النائبة ) من حزب الى آخر بعد ان ادخلها احدهم الى ميدان السياسة في العراق الجديد بثمن بخس ! ولا احد يدري ما الذي تفعله في المانيا ؟

ولكن بالرغم من كلّ هذا وتلك، لم يزل في مجتمعنا قلّة من الاوفياء، وندرة من العقلاء ، وحفنة من الامناء سواء في الدواخل الكئيبة ام في ضياع الشتات ، اذ لم يزل هناك في مجتمعنا ابناء نخوة وقيم وسماحة ونظافة يد ، وبياض قلب ، مع نبل وطيبة ونخوة وعفو عند المقدرة وروح مساعدة ، ولم تزل هناك سيّدات عراقيّات رائعات ومبدعات حقيقيّات نباهي بهنّ اروع النسوة في العالم .. ولم يزل هناك في العراق اصحاب اخلاق عليا كونهم تحلّوا بقلوب طيّبة ووعي وتربية وحسن سلوك وعلو جناب وانعدام فوارق وتمييز .. ولكنهم، للأسف يتناقصون يوما بعد آخر ، فان كانوا هم يحملون بعض اخلاقيات الماضي ، فانّ بعض ابناء وبنات هذا الجيل له انحرافاته وتعصبّاته وانقساماته وطائفيّته وشوفينيته .. وهو يرفض ان ينسجم مع غيره من العراقيين !

سئل احدهم يوما : انت كعراقي هل تتعاطف مع ابن وطنك ان اختلف عنك في مذهبك وطائفتك ودينك.. ام تتعاطف مع " هندي " لا يشاركك مواطنتك، بل يشاركك الانتماء الطائفي ؟ اجاب مباشرة قائلا : اصطّف مع الهندي كوننا في خندق واحد ! وهذا يذكّرنا بأمواج من العراقيين كانوا الى قبل زمن قصير يكرهون بشار الاسد كراهيّة عمياء " كونه على رأس نظام بعثي ويعتقد بالأمّة العربيّة والفكر القومي " ، وقد جعل نفسه مصدّرا للإرهاب ضدّ العراق والعراقيين بإرساله عشرات الارهابيين لتفجير العراقيين على مدى سنوات .. وفجأة ينقلب دين تلك الامواج البشريّة ، ويغيرّون معتقدهم ، ليصبح الاسد عندهم قائدا شريفا رائعا وله وطنيّته ، فاخذوا يتفاخرون به ويناصرونه .. اجابني احدهم يوما ، وكان قد صنع ثروته البالغة على عهد النظام السابق ، اذ كان ربيب قياداته من البعثيين : بصراحة ، اننّا مع ايران وسياستها وتوجّهاتها ، ولا يهمنّا مصير سوريا والعراق .. فماذا نفسّر هذه " الحالة " السايكلوجية الجمعيّة ؟

للأسف ، ثمّة مجموعات كبرى من الناس من عوام وخواص ، قد فقدوا الاخلاق مذ تربوا على سلوكيّات سالبة كالخديعة والابتزاز والرشوة والسرقات والسيئات وعلى التوحّش والانانيّة والتعصّب الاعمى والاحقاد وكراهيّة المجتمع ، وقد ماتت عندهم كلّ القيم العليا والدنّيا ، وربما لم يعرفوا السماحة منذ ان ولدوا .. وعاشوا بكل وضاعة تأكل الاحقاد قلوبهم في الازقة الخاوية التي امتلأت بأبناء ما اسموها بـ " المكوّنات الثلاثة " ، فذبحوا المجتمع العراقي ذبحا ، فاذا كانت هذه المكونّات الثلاثة غير منسجمة اصلا ، ولا تجد فيها الا التنافر ، فهل يعقل ان تنسجم الاكثريّات مع ( الاقليّات ) التي اخذت تسحق يوما بعد آخر كالمسيحيين والصابئة واليزيدية والارمن وغيرهم ؟؟؟ ..

لقد انحدر العراقيون الى الاودية والقيعان في الخمسين سنة الاخيرة ، ولم يرتفعوا نحو القمم واعالي الذرى بأخلاقياتهم السامية .. انحدروا حيث الهاوية السحيقة التي ليس باستطاعتهم الخروج منها ابدا جراء الاخلاقيات المتدنيّة .. لقد فقدوا كلّ سبل العودة، ولم يتركوا هامشا واحدا كي يعودوا من حيث ذهبوا، او يصعدوا من حيث نزلوا .. لم يتعلّموا قيم الانسان في المعروف ، بل رضعوا من اثداء الخبائث والمنكرات ، فهم ينكرون المعروف ولا يذكرون من صنعه معهم .. لم يحترموا صلة الأخوّة والصحبة ولا ايام الوقفات الوطنية الصعبة .. لقد فقدوا عذريتهم وشهامتهم كأناس اسوياء ما داموا قد شبعوا او استفادوا او قضوا مصلحتهم او مصالحهم .. ان الفارغين والتافهين يسرعون الى استخدام الشتائم والسباب ، لقلّة حيلتهم ، وانعدام حجتّهم وهم من مختلف الاطراف والالوان .. وقد هرعوا الى انتماءاتهم التافهة القبليّة والعشائريّة والطائفيّة والعرقية والجهويّة على حساب انسحاق مواطنتهم العراقيّة ..  ولكنهم لا يدركون حجم الايذاء النفسي الذي يتعرّض له من وقف معهم واكرمهم وفتح قلبه لهم ..

ان المسألة مبدئيّة ، فالعلاقات الاجتماعية في نسيج المجتمع الواحد لها حقوق ولها واجبات ، ولا يمكن ان تتمتّع بحقوقك مع كلّ ذوي علاقة معك، وانت لا تؤدّي واجبك تجاهه باحترامه مهما اختلف عنك ، كما تقول كلّ الاعراف ، خصوصا اذا كانت العلاقات لا تشوبها اشياء خطيرة او منافسات بين الخصوم على منفعة معينّة.. كما لم يعد هناك في المجتمع من يقول كلمة صدق ، ولم يسع لإصلاح ذات البين ، ولا تجد الا الرياء واللامبالاة والصمت  . كنت اقول يوما ان وراء كلّ ذلك التصلّب في القوميّة ، او التشدّد في الطائفة ، ولكن بدا ان ايّ منظومة مذهبيّة او عرقيّة او طائفيّة سياسية تجد انقساماتها في دواخلها نفسها ايضا .. فاذا كانت المضامين خاوية ، فكيف ستكون الشعارات التي يتشدّقون بها ؟

باتوا يكرهون حتّى انفسهم مذ طغت العلاقات النفعيّة والبينتهامية التافهة في ما بينهم .. وكم هم من المنافقين ، فهناك من تراهم يظهرون الود والمحبة لك في وجهك ، ولكنهم يكذبون ، فقد مهروا مهنة النفاق والتزييف ولبس الاقنعة بمهارة عالية عبر التاريخ ، كما احترفوا اللعب على هذا وذاك .. وترى آخرين يصومون ويصلّون ويتعبّدون جهرا ويتبجّحون بذلك كالمرائين، ولكن الايذاء سمتهم ، والنذالة ديدنهم ، والاحقاد تأكلهم ! هم يمارسون كل الدعارات ، ولكنهم يعتقدون ان الدين والتقوى بضاعة نفعية ايضا، ولكن الدين لا يمنحهم شهادة حسن سلوك لا في الارض ولا في السماوات، او يحسبون انه يرفعهم على بقيّة الناس مقامات ! ولقد اتخذوا من شعار " الوطن  "  بضاعة بخسة لهم باحتكاره دون الآخرين ، يتاجرون باسمه ، ويتناحرون باسمه ، وقد ضاع العراق واهله. لقد ماتت رجولتهم مذ غابوا عن أسمى المعاني.

لقد اصبحوا داعرين مذ تركوا الاخلاق والقيم العليا في صندوق القمامة .. وعمّت البلايا حتى في ابسط العلاقات السليمة بين ابناء البلد الواحد .. ذهب الوفاء ، وماتت الطيبة مع اهلها الطيبين الوديعين .. وقد يسأل سائل : لماذا حلّت الكراهية بين الإخوة العراقيين ؟ واصبحوا كالأعداء تأكلهم الاحقاد، وكلّ طرف يصف الآخر بأقذع الصفات. لماذا التجريح بين المعارف والاصدقاء؟ لماذا التسقيط من دون وجه حق ؟ لماذا الصاق التهم الضالة والرخيصة بأصحاب الرأي الاخر ؟  ما سمة هذا الزمن الكسيح ؟ لقد غدا اصدقاء الامس لا يطيقون بعضهم بعضا لأسباب اعتبرها واهية ومضحكة ، وباتت العلاقات الاجتماعية مجرد اكذوبات ولعب على الذقون وعلاقات سمجة لا معنى لها في حياة منفعية تافهة وخليعة شبيهة بالمبغى العام! فهذا يغطّي لذاك .. وهؤلاء كلهم يغطّون ويعتمّون على حكّام ومسؤولين واستخدام التمويه والتعمية والانحسار !   لماذا انحدر المجتمع برمتّه الى هذا الانهيار ؟     ثمة اسباب متنوعة وراء العلاقات السايكلوجية غير المتكافئة بين العراقيين ، منها مسببات طائفية مذهبية، ومحلية جهوية، وعرقية وجغرافية وسياسية أيديولوجية .. واغلبها قديمة نضجت على مهل من خلال الكبت الجمعي  الخ واذكيت على مدى اكثر من خمسين سنة مرت على المجتمع العراقي الذي كان متناقضا مع ذاته ، ثم منقسما على ذاته، ثم محاربا ذاته، واخيرا مشوها ذاته بأساليب لا يمكن تخيلها ابدا اليوم !

وعليه ، كيف تكون النذالة للوطن ، للمجتمع ، للإنسان ، للتاريخ .. بعد ان كانت نادرة جدا في الزمن الجميل ؟ النذالات صنعتها الخيانات، والغدر صنعته المؤامرات ، والانشقاقات صنعتها الانقسامات، وكثيرا ما تردّدت هذه " المرادفات " الرخيصة في قاموس البيانات ( الثورية ) رقم (1) التي كانت تأتي بها الانقلابات الصبيانية العسكرية التي يتحمّس مذيعوها ، ويشقون حناجرهم عبر اجهزة الراديو او شاشة التلفزيون ، فخلقت وعيا شعبويا بها ، ومن ثم امسينا اليوم نعيش ثقافة لا اخلاقية ابدا .. لقد عمّت الكراهيّة بشكل صارخ حتى بين من تجمعهم صلة قربى، او صلة عصب، او علاقة رحم، او صداقة طفولة، او شراكة ذكريات شباب او زمالة عمل .. لماذا نجد الحياة عندهم نسوة ورجال كغابة موحشة يأكل احدهم لحم الآخر؟ انني استغرب ان اجد الانسان في مجتمعنا ( سواء في الدواخل او عند جالياتنا في الشتات ) وقد غدا سيئ الظنون ، طويل اللسان، وقليل الادب، وبذيء الكلمات، وسريع الشتيمة والغضب يتبرّع بتطفّله عليك بلا ايّ سبب ، حتىّ عند نسوة يعتبروهن سيّدات سواء كنّ محجبات مغلفّات ام سافرات غير محجبّات، وقد ملأن قلوبهن بالغل الاسود ! وهذه مسألة خطيرة ينبغي استئصال الورم الخبيث من اذهان العامة والخاصة معا ، والذين صدّقوا الاكاذيب ، وهم يعتقدون ان كلّ الاحزاب والتيّارات الاسلاميّة السنيّة والشيعية الحاكمة ، مقدسّة ومتجليّة بسموها واخلاقها .. وقد اثبت الواقع على الارض بأنها اسوأ الكائنات في ممارسة السياسة والحكم ، وانها كلها عديمة الاخلاق والتربيّة ، ولا تؤمن بالتراث الانساني والاخلاقي والعلمي والقانوني لهذا العصر !

كم يا ترى الاناء كبير ينضح بما فيه في مجتمعنا ؟ كم يا ترى اتّسع الشقّ على الراقع .. ولم يعد صالحا ابدا ! والمصيبة ان هناك من رحل ، او هاجر ، او نزح نحو مجتمعات غربية ، ولكنه لم يتعلّم ابدا من اساليب انسانيّة رائعة ، ولا من قيم خيرية نبيلة ، ولا من مزايا الصدق واحترام الزمن واحترام الموعد او من الاخلاص والوفاء او احترام الرأي المخالف وعدم الخروج عن القانون  .. او من الكلمة الطيّبة او من حسن الاخلاق والنوايا ، ولم يعرف المعاني الخصبة للتسامح .. بعدم ايذاء الآخرين ، فكيف بإيذاء الصديق والقريب ؟!! ولعلّ الايذاء النفسي اقسى بكثير من الايذاء الجسدي، فانظروا اين وصل الانحدار لدى العراقيين.

ان اوضاع المجتمع العراقي لابد من تفكيكها، ونقد مضامينها بجرأة وإقدام .. انها بحاجة ماسّة الى الوعي بها من قبل الناس جميعا ، والخروج من دوائر تجميل هذا الواقع المزري ومداراته كونه يحكم من فلان او علان ، او الخوف منه او الخوف على المصالح الانوية .. ان نكبة العراق ستستمر ان تربت الاجيال الجديدة على افرازات هذا الواقع وتناقضاته المهلكة وبؤس الطبقة السياسية التي تحكمه . ان العراقيين بحاجة ماسة الى ثورة تربوية وعلمية لا يمكن ان يحققّها هؤلاء الذين جلسوا في السلطة ، واستحوذوا على مؤسسات العراق الحيوية     . وعليه ، فانّ الضرورة تقضي بتغيير العملية السياسية الى ثورة اجتماعية من اجل التمدن والاخلاق قبل اي شيء آخر . اننا بحاجة ماسّة الى قيادة اخلاقية للبلاد ، وكما يري عالم الاجتماع هيفتيز بأن على القيادة الاخلاقية استخدام السلطة لجعل الناس اسوياء في مجتمعهم والاعتماد على افضل الناس في النمو الاجتماعي .. أما عالم الاجتماع الآخر بيرنز فيرى ان على القادة الاخلاقيين التخفيف من القيم المتصارعة وتلبية الحاجات المعنوية والمادية معاً .. فمن ذا الذي يسمع ومن ذا الذي يرى اليوم من قيادات العراق الكسيحة ؟

 

نشرت في جريدة المدى ، بغداد  ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 

 

انحدار الأخلاق وتفسّخ

السلوكيّات فـي المجتمع العراقي

د. سيّار الجميل

|  1 - 2  |

أتمنّى مخلصاً أن لا يتشدّق البعض بالقول إننّا نتجنّى على الشعب العراقي إذا ما تدارسنا سايكلوجيّاته وأمراضه وتعقيداته اليوم، وما آلت إليه أحوال العراقيين بعد أزمنة توالى خلالها الدمار والخراب يوماً بعد آخر، وحلّت الانقسامات الاجتماعيّة الضاريّة إثر الانشقاقات السياسيّة المدمرّة، واستفحل اليوم دور الملالي متدني المستوى سواء كانوا بالعمّات السوداء أو البيضاء أو بغيرها فهم من الدجالين الكذابين ، وحكم البلاد الشقاة والطائفيون والمليشيات والمتحزّبون والمرتزقة والمتعصبّون واللصوص الذين أتى بهم أولئك الانقلابيون من المجانين الحمقى اولاد الشوارع ، أو أولئك المحتلون البغاة الذين تقاطعت مصالحهم مع حكم المستبدّين وهيمنة أبناء العائلة ومن أحاطها من أحلاف العشائر التي ضمت شرائح من الجهلة القساة والأغبياء العتاة ، ومن صفّق لهم من المنافقين (اللوكيين) والمرائين والملالي والمرضى النفسيين وانصاف المثقفين .

إن المجتمعات السويّة، كائنات جمعيّة تتمتّع بصفات الطبع والتطبّع كالبشر السوي، وهي تتعرّض لأمراض وأوبئة وطواعين في عاداتها وسلوكيّاتها، وقد تكون الأمراض مزمنة متوّطنة ، أو تكون عابرة للبيئات والمناطق حسب عادات وقيم كلّ بيئة .. ومجتمعنا العراقي يتعرّض منذ أزمنة مضت إلى أشدّ أنواع الامراض المستعصيّة التي لم يعالجها احد ، لا من العلماء ولا من القادة والحكماء على مهل شديد بسبب شراسة المجتمع اولا والدولة معا ، بل إن العراقيين قد ابتلوا بأوبئة وامراض سايكلوجية تعود في بعض عواملها الى ازمنة طويلة جدّا ، وتمتد الى مئات السنين ، كما مرّوا بمحن ومراحل صعبة جدا طالهم فيها الاستئصال والكراهيّة والاحقاد والايذاء والانقسام والاضطهاد والبطش والغزوات والقحط والتهجير والرعب والطواعين المعدية .. وكلّها كانت لها آثارها وتداعياتها على سلوكيّاتهم وعاداتهم ومأثورهم الشعبي ، بل كانت افعالها وردود الافعال تنخر افكارهم واذهانهم وسايكلوجياتهم، فتجدهم يظهرون في حالة ويبطنون حالات اخرى، تجدهم لا يفصحون عن كلّ ما في دواخلهم ويستقوون ويضعفون حسب المناخات السياسيّة .. يخافون من القويّ ، ويستبيحون الضعيف ، ينفرون من اناس لا يعرفونهم ، بل يحقدون عليهم ويريدون سحقهم ! يصبح الحقّ عندهم باطلا والباطل حقّا مشروعا .. ويناصرون غيرهم حتى لو كانوا من حلفاء من يتعبدّونه ويخلصون له ، ان سجل تاريخ العراقيين حافل بالخيانات ، ما دامت الامراض تستفحل في المجتمع والداء يسري في مفاصله من دون تربويات ومن دون اخلاقيات ومن دون وعي بالقيم  !

عراقيون يدينون حركات ومجتمعات وسياسات وانظمة وآراء ومفاهيم .. كونها لا تلتقي مع معتقداتهم وافكارهم دون ان يعلنوا عن ذلك .. إنهم يكذبون على انفسهم باستغفالهم الآخرين كونهم من ابناء هذا العصر ، ولكنهم في الحقيقة يعيشون قيما ماضوية مهترئة، وبعضهم يكذب على الآخرين كونه من التقدمييّن او اليساريين او القوميين ، ولكن سلوكيّات اغلبهم لم تزل متحجّرة حتّى يومنا هذا . لو سمح لكلّ انسان في المجتمع العراقي ان يكتب قصّته الحقيقيّة والصريحة في الحياة ، لوجدتم ان هناك مسرحا سورياليا مقيتا هائل الابعاد تتنافر فيه التناقضات الى درجة العبث والجنون من الكراهيّة والاحقاد .. ويقابله مسرح صغير جدا تتحرّك فيه القيم الجميلة والسلوكيات الرائعة لنخبة من العراقيين الذين لا يمثّلون إلا عشر معشار ذاك العبث المجنون !

أقرّت المجتمعات المتمدّنة ضمن سلوكيّات الناس تقدّما ملحوظا منذ القرن السادس عشر ، اذ تشير بعض الادلّة التاريخيّة ان منع الناس من البصاق في الشوارع والاماكن الخاصّة والعامة لها دلالات حضاريّة في التخلّص من سلوكيّات العصور الوسطى، ثم غدت هذه العادة منذ اكثر من خمسة قرون هي الدالة على الخلق الحسن، وكعادة حسنة تخلّص عموم الناس من انتشار المكروبات في ما بينهم ، لتغدو هذه " الظاهرة " دلالة على مدنية المجتمع من تخلفه ، وكلّما مضت الايام ، تحسنّت اخلاقيّات الانسان وتميّز عن الآخرين ليس بحسن الخلق او قوّة الثروة ، بل بحسن السلوك وقوّة الاخلاق . ومن يراقب تاريخ سلوكيات المجتمعات المتقدّمة ، يرى بعد ذلك، ان البصاق أصبح أكثر تقييدا من أيّ وقت مضى حتّى تمّ حظره تماما.

في عقد الستينيات من القرن العشرين، حيث وصل المجتمع البريطاني الى ذروة تقدّمه ، كنت ترى معظم الحافلات البريطانية لم تزل تحمل في دواخلها علامات "يمنع البصاق قطعيّا " . ان التأكيد على ذلك بعد مرور اكثر من اربعة قرون على منعه دلالة ليس على منع انتشار الامراض حسب، بل التأكيد على جماليات السلوك .. وهذا ما نجده في قراءتنا لتواريخ مجتمعات الغرب، عموما، حتّى اختفت عادة البصاق نهائيا . وعندما نتعمّق في قراءة تاريخ السلوكيّات الاجتماعيّة لمجتمعات العالم كلّه، نجد ان المجتمعات المتمدّنة قد اكدّت على القطيعة مع عادات الناس في القرون الوسطى، وجاءت بالبدائل القيميّة الجديدة ، فمثلا انتهى نهائيا لعب الانسان بأنفه باستخدام اصبعه امام الآخرين، إذ يعدّ ذلك مثلبة وعيبا كبيرا . وفي عام 1885، حذر يوليوس هارت احد كتّاب الأدب الألماني قرّاءه، قائلا: "حذار ان تقوم بتنظيف أنفك بإصبعك او بايّ قطعة من ملابسك، وان يكن ذلك، فينبغي ان يكون ذلك وحدك مع استخدام منديل" !

من الواضح انها كانت عادة عامّة، ولكنها سيّئة جدا، لم تزل حتّى اليوم لمن يوظف اصبعه او كمّ قميصه أيضا لهذا الغرض، لكن تجد من خلال هذه الالتفاتة المفارقة، ان مسافة شاسعة تفصل بين مجتمعات واخرى ، مجتمعات تتفّوق بعاداتها الجميلة وسلوكياتها القيمية ومجتمعات لم تزل تعيش مثالب العصور الوسطى او حتّى توّحش العصور البدائية! وكثيرا ما المحتُ للعديد من الاصدقاء الى فعل لا انعكاسي – كما يبدو – لدى نائبة برلمانيّة عراقيّة محجبّة وفوق الحجاب عباءة ، كانت تخرج على شاشة التلفزيون، وهي تمسح بظهر يدها، او بكم عباءتها انفها ، اذ كانت تمخط دوما اثناء حديثها الى الناس بين الحين والآخر!   الكارثة، ان تجد في مجتمعاتنا من يدافع اليوم عن تلك الترسّبات من العادات والتقاليد البالية، ويحاول ان يجد الاعذار والتبريرات لسلوكيّاته المهترئة اولا، او يحاول ان يجد مثالب وسلبيات في سلوكيّات مجتمعات متمدّنة ، ويقرنها مباشرة بالدّين او المذهب اولا وبجاهليّة تلك المجتمعات ثانيا ..

المجتمع عموما، ان لم يكن صاحب حركة تمدّن تقودها نخبة متمدّنة ومستنيرة من اجل التغيير والمطالبة بتبديل السلوكيّات واحلال اخلاقيات جديدة ، فستبقى مجتمعاتنا تثوى في حياة العصور الوسطى وتوحش الازمنة البدائية، وعلى المستنيرين من المفكرين والمثقفين والمتخصّصين الاقوياء ان يعترفوا بأنّ هذا الواقع الاجتماعي المريض قد خلق من امامه امراض واقع سياسّي متهتّك جدّا ، وان تبديله يتطّلب نخبة من البناة المتمدّنين الذين يمتلكون شجاعة قوية ، وبدئهم تبلور حركة فكرية واصلاحية وسيادة سايكلوجية تطمح للقطيعة مع الواقع ، لا التسبيح بحمد الواقع او الخوف منه، من أجل أن تكون قادرة على السيطرة على نفسها واستمرار ذلك على الدوام، ولجم كل المعترضين من الافاكين والمنافقين والمتخلفين والملالي ورجال الدين الذين لا يريدون تبديل سلوكيات الانسان ولا تحريك عقله كيلا يرفضهم برفضه الواقع المر، ولكن بهذه الطريقة فقط يمكن للمرء ان يخضّ المجتمع ويهزّه وتعويد نفسه على رفض السلوكيّات المريضة والخروج بسلوك لائق دون انقطاع . ولكن المشكلة لدى تلك النخب التي باتت تتآكل جرّاء صراعاتها وامراضها هي الاخرى، وخصوصا السايكلوجيات الطائفية التي نخرت عظام العراقيين بشكل مخيف من خلال هيمنة طوابير خامسة وسادسة من المرضى النفسيين على حكم العراق .

إن الامراض الاجتماعيّة التي اصابت جميع العراقيين بكلّ مستوياتهم ومحليّاتهم سواء في دواخل بلدهم، ام في مهاجر شتاتهم، تكاد تكون اوبئة متفشيّة تزداد ضراوتها يوما بعد آخر، بل شملت حتّى فئات المثقّفين من ذوي الجهالة الصبيانيّة الذين يُغلّفون مخارجهم بالوعي المزيّف .. لقد كثرت تجنيّات العراقيين على بعضهم الآخر منذ زمن الانقسامات السياسيّة ، أما اليوم ، وفي زمن التمزّقات الاجتماعية، فقد عمّ الجهل وكثرت المزايدات وانتشرت الكراهيّة .. وافتقدت القيم العالية ، واضمحل الوفاء ، وأُسيء للعلاقات العامة والخاصة ، واضمحلّت روح المواطنة ، وانتهت الأخوّة سواء على مستوى الجيرة ام القرابة ام الصداقة ام الاستذة والتلمذة ، ام الروح المهنيّة او الوظيفيّة .. وذهب احترام المواقف والثبات على المبادئ، وماتت الضمائر، وزاد المنافقون والمراؤون والطفيليون وتفاقم عدد "اللوكيّة " (= المتملقون بالتعبير العراقي ) سواء في مجتمعاتنا في الداخل ام حتّى لدى الجاليات بالخارج وفي كلّ بقعة من شتات الارض، وهم بمجاملاتهم المزيّفة وعواطفهم الكاذبة قد تلوّنوا بالمظاهر الخدّاعة، وانحدرت الاخلاق انحدارا مريعا في زمن كثر فيه المعمّمون والملتحون والملالي والكذابون والمهاترون ومن تطبّع بثقافتهم الضحلة .. وازدحمت الحياة بالتافهين والوصوليين والافّاقين .. وتلوّن البشر مذ لبسوا الاقنعة، وتفاقم امر المرتزقة، وكثر الاشرار وقلّ الاخيار، وتناقص ذوو الاخلاق الحميدة والقيم النبيلة .. وتخدّر المجتمع على ايدي رجال الدين الافاقين والدجالين والسقعاء الذين دجّنوا الناس على امزجتهم الرديئة وعقولهم الخاوية وعلى احاديثهم المثيرة للاشمئزاز والقرف .. وبدا للعيان ان المسؤولين العراقيين يرتكبون جملة هائلة من الاخطاء والتصرفات الصبيانية التي لا تستقيم ابدا والسلوكيات الجميلة ، ناهيكم عما اقترفوه من جرائم وجنايات بحق الدولة والمجتمع ، فاذا كان القادة بمثل هذه المستويات ، فكيف ستكون التوابع ؟

انعدم الوفاء نهائيا، ولم يعد ايّ انسان يثق بالآخر وتبددّت جماليّات الحياة العراقيّة  .. حدثتني سيّدة عراقيّة محترمة لها عمق تفكير ، وبعد نظر ، بأنّها مشيت في مناطق كانت في يوم ما راقية بالعاصمة بغداد، فوجدتها كسيحة وبدائيّة، ذلك ان الناس اختلفت بغير الناس، وان تعاملهم يبدو على غير ما اعتدنا عليه كعراقيين ! فهم ليسوا جهلة فقط ، بل بلا ذوق ، وبلا اخلاق ، ولا اي اصول .. وان وجوها غريبة على العراقيين تسير في الشوارع بكلّ فجاجتها ، ولغتها الجلفية ، ومفرداتها الرديئة. قلت لها: لقد مرّت بالعراق تواريخ مريرة متنوّعة، فكان تارة يشهد كثرة من الاخيار سائدة فينعم الناس ، وتارة نجد ان الاشرار هم الذين يملؤون العراق ويحكمونه فيتردّى المجتمع . المشكلة اصعب من هذا بكثير، واذا كانت مجتمعات اخرى عربيّة او غير عربيّة في العالم لها مشاكلها الصعبة ايضا ، إلا انني اعتقد بأنّ مشكلات المجتمع العراقي لها احاديتّها وضراوتها، وقد لا تنفع معها ايّة حلول آنية معاصرة او حتّى تجريبيّة ثبت نفعها في مجتمعات اخرى .

إنّ مشكلات العراق الاجتماعية لها مسببات جيوتاريخية وسوسيو اثنوغرافية وانثربولوجية وثقافيّة بيئيّة ودينيّة مذهبيّة وسياسيّة تربويّة .. إنها ليست مشكلات تاريخ اللحظة ، بل انها حصيلة تحكّم التاريخ في الراهن ، وإثارته بشكل متشنج ولا أخلاقي البتّة ..

انتظروا الحلقة الثانية

نشرت في جريدة المدى ، بغداد ، 18 اكتوبر / تشرين الاول 2015 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 

 

 

روسيا في الشرق الأوسط...

امتناع التنازلات

 

سيّار الجميل

 

بين العامين 1990 و2015، تغيّرت نظرة العالم إلى الشرق الأوسط، نجحت إسرائيل في دفع التحديات المحيطة بها نحو خارج تخومها، وانتقل الشرق الأوسط من مثلث للأزمات، كانت القدس نقطة الارتكاز فيه، إلى مربع للأزمات غدت بغداد نقطة الارتكاز فيه، لينتقل اليوم إلى دائرة دولية كبرى للأزمات، ستكون الموصل نقطة الارتكاز، بعد أن غدت مركزاً استراتيجياً لما تسمى الدولة الإسلامية، المخيفة بتحركاتها وإعلامياتها البشعة. ولأول مرة، يصبح إقليم الجزيرة الفراتية معقلاً ومسرحاً لها بين العراق وسورية، وبالأحرى بين الموصل وحلب. وهذا ما يخيف دول المنطقة، بما فيها إيران. 
كان المراقبون يعتقدون أن ضعف الاقتصاد وتهديدات توسع الدولة الإسلامية في قلب مربع الأزمات قد يحدّان من بعض الأدوات المتاحة لروسيا في التحرّك نحو الشرق الأوسط. ولكن، من غير المرجّح أبداً أن تتغيّر النظرة الشاملة لموسكو في استراتيجيتها إزاء سورية. وكما تورطت واشنطن وطهران في العراق، بعد سقوط نظام صدام حسين، لإكمال سحقه، فإن جميع الدول المتورطة في الأزمة السورية ساهمت في سحق سورية، في الرهان على بشار الأسد ونظامه. وكانت روسيا، وهي من أكثر المناطق انعزالاً في السابق عن مشهد أحداث الشرق الأوسط، قد غدت حيوية إزاء سورية خصوصاً، وقد أحبطت مساعي الدول الغربية وحلفائها الإقليميين في سياساتها لإطاحة الرئيس بشار الأسد، وأصيبت تلك المحاولات، مراراً، بالفشل، في حين تفاقم تهديد (الجهاديين) والمعارضين على الأرض، وكان آخرها نموذج متوّحش اسمه الدولة الإسلامية (داعش) الذي وقفت من ورائه قوى خفيّة سابقاً، ولم تعد مجهولة اليوم، امدّته بالمساعدات اللوجستية والحركة والتنقّل من أجل ازدهار الفوضى في العراق وسورية. 
لمربع الأزمات الذي غدت الموصل قاعدة توسعية زواياه الأربع حيث تقع كل من الشماليتين بين بحر قزوين والبحر الأسود، وتقع كل من الجنوبيتين بين رأس الخليج العربي ورأس البحر الأحمر، وتجد اللاعبين الإقليميين الحقيقيين منقسمين إلى جناحين من دول عدة، وقد ازدهرت في الفوضى في توسع مربع الأزمات إلى دائرة كبرى لها، بدخول روسيا لاعباً أساسياً إلى جانب إيران وحلفائها، ومشاركة الولايات المتحدة الأميركية لاعباً أساسياً إلى جانب تركيا والسعودية وحلفائهما. ولقد ضعف دور كل من العراق وسورية، بحيث باتت أراضيهما مسرحاً للغرباء والمرتزقة من كلّ العالم. وإذا كانت سياسة بشار الأسد تعمل ضمن مخطط إيران، فإن سياسة العراق تقودها مجموعة هزلية لا تعرف لمن تكون، فهي موالية لإيران، خاضعة للإرادة الأميركية وهي مشتتة المواقف. وإذا كانت الولايات المتحدة قد أبرمت اتفاقاً مع إيران بمشاركة الأوروبيين، فإن الدور الأوروبي أشد وضوحاً من الدور الأميركي إزاء أزمات الشرق الأوسط، فكانت أوروبا، ولم تزل، تحمل هموم الشرق الأوسط أكثر من الولايات المتحدة التي بدأ الناس يتهمونها علناً بأنها وراء وجود داعش وتحركاته السريعة والمباغتة، جرّاء ردود الفعل الأميركية اللامبالية تجاه ما حدث في كل من العراق وسورية منذ أكثر من عام، وقد شهد العالم كيف حطمت سياسات الرئيس باراك أوباما سمعة بلاده (العظمى) في العالم، جرّاء اتفاقاته المبهمة مع حلفائه في المنطقة من طرف، وإزاء الاتفاقية التي وقعها مع الإيرانيين من طرف آخر، والتي أعتقد أنه ستنجم عنها تداعيات كبيرة، بل وربما مفاجآت جديدة، ومن أكبر الاحتمالات أن لإسرائيل دوراً فيها. 


يشير بعضهم من المراقبين إلى أن ثمّة بنودا سريّة اتفّق عليها بين الأميركان والروس لما يمكن عمله إزاء الشرق الأوسط، ولا يمكن التكهّن إن كانت طهران طرفاً في ذلك أم لا. ولكن، يبدو أن روسيا وجدت في اندفاعها نحو السواحل والتراب السوريين تلبية لطموحاتها التي كانت تعمل من أجلها زمنا طويلاً، بربط قزوين، عبر البر الأذري الإيراني والكردستاني العراقي والسوري نحو سواحل المتوسط، سواء كانت التكاليف التي ستؤديها موسكو محدودة أم غير محدودة. 
كيف تمّ ذلك؟ كانت الأحداث محسوسة لربط المنطقة كلّها في دوامة الصراع، ففي أوائل ديسمبر/كانون الأول الماضي، اشتبك مسلحون إسلاميون مع القوات الروسية في غروزني، ما أسفر عن مقتل 20 منهم، وأثار مخاوف الروس من العنف المستوحى والمخطط له من داعش في شمال القوقاز. وقد انخفضت أسعار النفط إلى 65 $، ما أثر تأثيراً مباشراً على الكرملين وخفض ميزانية الروس 35%/ إضافة إلى العقوبات الغربية على روسيا، جرّاء التدّخل في أوكرانيا، وقد تراجعت قيمة الروبل بشكل مخيف، وبدأ شبح شلّ الاقتصاد الروسي، فكانت روسيا بحاجة إلى استراتيجية من نوع آخر، تضمنّت التدّخل في سورية، لا لإنقاذ بشار الأسد، بل لإنقاذ نفسها أساساً. 
بداية الأزمة، اعتقد المحللون الغربيون خطأ أن دعم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، النظام في سورية كان يدور حول الحفاظ على مصالح بلاده في سورية، من خلال وجود بحري صغير في طرطوس، رفقة سوق سلاح متواضع. ويُعتقد أن مثل هذه المصالح المادية هي، في الواقع، هامشية. إذ بدلا من ذلك، وجد بوتين من خلال رؤيته أن سورية ينبغي أن تكون، في المقام الأول، من خلال عدسة جيو استراتيجية ليقود الأزمة، ويلعب دوره دولياً على حساب تراخي السياسة الأميركية، وتنكيل تلك السياسة بحلفائها في المنطقة، والذين وقفوا سياسياً وإعلامياً ضد الأسد ونظام حكمه في سورية. ويبدو واضحاً أ