الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

·         د. سيّار الجميل اكاديمي واستاذ جامعي وكاتب عراقي ينشر مقالاته في

 (العربي الجديد) اللندنية


 

 

وحدة العراقيين

في إطار التنوع

سيار الجميل

 

"تراجع عراقيون كثيرون عن أفكارهم القديمة، وأخذوا يُمعنون النظر في تواريخهم المعاصرة"

"يصفق العراقيون لرموزهم الوطنية، أو للمنتفضين الثائرين

الذين سقطوا شهداء على الأرض بلا خوف وليس للمستبدين والراقصين على الحبال"

 

تحدّث الفيلسوف نيتشه عن الأمل ووحدة الجماعات. وجد الطريق سيصل بالناس إلى نهايته، وقد احمرّت أوداجهم بتأثير اجتيازهم كل البركان. ويمكن تشبيه هذا بحالة العراقيين اليوم، الذين لم تنقطع أنفاسهم يوما عبر آلاف السنين، سيخرجون قريبا من أتون البركان وعصفه الشديد المخصب بالحمم واللهب والشواظ. وهم يهشّمون في طريقهم كل البشاعات، ويمزّقون تراتيل الخرافات، ويبعدون الخوف من الشعارات، فتموت الأحقاد والثارات عن نفوسهم المشبعة بالآلام والقسوة.

يتوهجون، في العموم، كلّ حين، ويعبّرون بكلّ وسائلهم، في أيٍّ من المناسبات المؤثّرة، ليقولوا لا للأشرار والفاسدين، وبلى للأخيار والمبدعين، لا للطائفيين والانقساميين، ونعم للوطنيين المتمدّنين. يبحثون عن أية وسيلةٍ من أجل أن يتّحدوا فيها، على الرغم من كلّ التحدّيات الصعبة. ولعل أغرب ما تراه اليوم فيهم استجابتهم السريعة جدّاً للتحدّيات التي يعانون منها، وهم يستبعدون كلّ عوامل القلق والدعوات الناشزة. ويجد المرء هذا المتغيّر الرائع في أنفسهم، بحيث بات رحيلٌ مفاجئ ومحزن لأحد رموز لاعبيهم الرائعين للكرة العراقية، أحمد راضي، مناسبة للاتحاد، حتى في المجال الافتراضي، وهم يبحثون عن أيّ مشروع وطني يوحّدهم من أجل المستقبل، مستبعدين الشعارات المغرضة، والأوهام الداعية إلى الانقسامات، وهم يقاربون أحدهم الآخر في أن يجمعهم وطنهم، ويوحدهم من جديد. نعم، إنهم يريدون الخروج من مأزق الانقسامات إلى حيث التنوّع والوحدة، تنوع في التعدّدية، ولكن الطريق واحد نحو الأهداف. وأعتقد أنهم سيصلون إلى مبتغاهم، وهم يحملون أكاليل المحبة والتبجيل.
وربما ثمة تفسير آخر، ما كتبه شتراوس، وهو يحلل الأصول الأنثروبولوجية لسايكولوجية  

مجموعات الأحرار ممن لهم أحاسيس جد مرهفة، فهم يحاولون التخلّص من كلّ تناقضات المجتمع بالانعزال عنه، بعد التمرّد عليه وإعلان البراءة منه. ولكنهم يبقون ملتصقين بأعماقهم، أي بأوطانهم، ويموتون بعد احتضار أليم، قد يكون طويلاً أم قصير الأمد، بسبب غربتهم عنها! وهذا ما أجده، ليس عند مجموعات واسعة قد تكون سيكولوجياتها مدمّرة أو متعبة أو هشّة، جرّاء حدّة التناقضات وكثرة الأوبئة السياسية والاجتماعية، ولكنهم في اللاوعي، جمعوا أنفسهم على الوحدة، حتى وإن تباعدوا في غفلةٍ من الزمن، لأسبابٍ سياسيةٍ ومذهبيةٍ وعرقية وثقافية.
تراجع عراقيون كثيرون عن أفكارهم القديمة، بل وأخذوا يُمعنون النظر في تواريخهم المعاصرة، كي يكونوا واقعيين وأسوياء، بل وحتى العراقيين من الأحرار الملتزمين باتوا لا يقتنعون بما تتضمنّه خطب دينية، أو خطابات سياسية أو تصريحات إعلامية، ويدركون ما يتفوّه به المهرّجون والمنافقون والذيول الذين ترقّصهم الشعارات وتسيّرهم الإرادات الإقليمية، أو أولئك الذين يسمّيهم فيلسوف راحل الأغبياء المنافقين، وأسميهم المتطفلين. انظروا إليه الآن، وهو يرفض كلّ ذاك المجد المزيف الذي بني على النفاق والشقاق وسوء الأخلاق. واليوم ليس لنا إلا مذكرات أولئك الذين ناضلوا وتبتّلوا طويلا في محراب الثورة من أجل أوطانهم، وقد أتى ليحيا اليوم، ولكنه اكتشف هول الفاجعة، ولكنه يصر على كشف الغمّة وبزوغ الفجر من جديد.
الترحم الجمعي والتأبين الواسع لرحيل رمز من رموز الرياضة العراقية، والتفاخر بمجدٍ صنعه عراقي، يمنحاننا دلالاتٍ حيةً وموثوقة بأنّ العراقيين لا يمكنهم أبداً أن يتخلّوا عن وطنهم أولاً، ولا عن رموزهم ثانياً.. وهم، بعملهم الموحد هذا، يريدون إيصال رسالةٍ إلى هذا العالم بأنهم ما زالوا أحياء يُرزقون، لهم حيويتهم وفعالياتهم. والأهم طموحهم بالاتحاد والمناجزة، فلا يمكنهم أن ينجحوا في أي مشروعٍ وطني، إن لم يكونوا موحدين، ولا يمكنهم أن ينتصروا في أية ثورةٍ أو انتفاضةٍ ضدّ الفاسدين والجائرين والغلاة، إن لم يكونوا موحّدين، ولا يمكنهم التقدّم خطوة في طريق الإصلاح أو التغيير أو البناء، إنْ لم يكونوا موحدين أصلاً.
انظروا، إنهم لن يصفّقوا أبدا للمجانين ولا للأغبياء ولا للمستبدّين ولا للراقصين على الحبال بعد  

اليوم. إنهم يصفقون لرموزهم الوطنية، أو للمنتفضين الثائرين الذين سقطوا شهداء على الأرض بلا خوف. قال لي صاحبي: "نحن بحاجة لتطهير ذاتي وتبتّل شخصي. لذا لا بد أن تكون خطوتنا الأولى الاعتذار كثيراً من أمجادنا وتواريخنا، كما اعتذرت الأمم عن أخطائها. ولكن هل يحتاج هذا عشرات السنين، لأننا نتصوّر أنفسنا كلنا، بما فينا الزعماء والحقراء، كلهم آلهة وبررة ومعصومين ومقدّسين، لا يعرفون الخطأ؟ أجبته: لا يستغرق الأمر طويلا. دعونا نفكّر طويلا، ونتأمل أن بعضهم أصابه اليأس والقنوط. وأقول: لا، فالمعرفة لا تُبنى على وضاعة وانحراف! والوحدة بحاجةٍ ماسّةٍ إلى جملة من الأخلاقيات، بحيث لا يمكن الصفح عن قتلة ومجرمين وسرّاق ومشعوذين وفاسدين. والتاريخ لا يسامحنا أبدا إن لم نقدّم جملة من الاعتذارات إليه، وإننا لن نستطيع البناء وحدنا، فينبغي المقايسة بالأمم الأخرى التي اعتذرت عن أخطائها وبدأت بالتقدّم.
وأخيرا، راحة النفوس في الوحدة الوطنية، فالأمر ليس هيناً في أن نطمح إلى بناء مستقبل، كي يكون لنا، نحن العراقيين، وجود رائع. ولكن ليس بترسبات ومخلفات وبقايا شنيعة، مع إبقاء الرموز والمبدعين والمثقفين الحقيقيين يحتضرون، وهم غرباء يتمزّقون ويموتون في عزلتهم عن أوطانهم. لقد بدأ الجيل الجديد يحمل وعياً جديداً، فليس الكلّ زعماء، وليس الكلّ رهباناً، وليس الكل أبراراً، وليس الكلّ أفذاذاً، وليس الكلّ ملائكة. إذ كُشفت حقائق كانت غائبة أو مغيبة. يملأ الفاسدون الأرض جوراً، وطبقة سياسية عراقية تعبث بمقدّرات البلاد، وهناك من يصمت على أفعالها، ولا يدينها، فلا طريق أمام العراقيين إلا الوحدة، مهما بلغت التنوعات، وليكن هناك انتماء واحد، مهما كثرت الانتماءات.

كاتب وباحث عراقي

(العربي الجديد)

 

حكومة مؤّقتة في العراق .

. أيّ مهمّات وممكنات

 

أ.د. سيّار الجميل

 

من أغرب المشاهد التلفزيونية المثيرة أنّ المسؤولين العراقيين قاطبة يخافون جدّاً على أنفسهم من عدوى كورونا، فتجدهم دوماً وهم بأقنعتهم وقفازاتهم البلاستيكية، نسوةً ورجالاً، وكأنّ الموت سيتخطّفهم بتأثير الفيروس واحداً بعد الآخر. ولكن غباءهم مفرط، بحيث يجالسون بعضهم ويتصافحون ويتعانقون، وكأنّهم في مشهد عرسٍ هزلي مثير للسخرية. تماماً كما جرى في مسرحية ترشيح ثلاثة للوزارة رفضوا على التوالي، ثم خضعوا لإرادة خارجية بتنصيب رئيس وزراء مؤقت، ليكمل مع حكومته الشوط المتبقي من الدورة الحكومية حتى الانتخابات المقبلة.

بعد خمسة أشهر تقريباً من استقالة عادل عبد المهدي من رئاسة الوزارة، وشغور في السلطة وتقلّب الأدوار، شكّل العراقيون حكومة مؤقتة في يومي 6 و7 مايو/أيار الجاري. وأمام النواب المضحك منظرُهم بظهورهم ملثّمين جميعهم مع قفّازاتهم الملوّنة، ورعبهم من الفيروس التاجي، أدّى رئيس المخابرات العراقية السابق، مصطفى الكاظمي (53 سنة)، اليمين الدستورية، مع 15 وزيراً، ومنح البرلمان الثقة لحكومةٍ غير مكتملة كالعادة، حيث تواجه البلاد واحدة من أخطر الأزمات في تاريخها. وهي تأتي مع انهيار أسعار النفط، وبالتالي انخفاض إيرادات الدولة،إلى إعادة الهجمات اليومية من خلايا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الخفية تحت الأرض، ولا يجد التوتر نفسه غائبا عن النظام سوى غطاء مقصود على الانتفاضة الشعبية التي بدأت في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2019، وما زالت جمراً تحت الرماد، ولكنها فقدت بريقها، مع نسيان مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمعوّقين.

ولكن مع خفوت أصواتٍ عارضت تنصيبه بحجّة موالاته الأميركان تحدّياً من الفصائل المدعومة من إيران، وهدّدت باستخدام النار ضدّه، كونه (شريك) الأميركان في تدبير مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، وصاحبه قائد "الحشد الشعبي"، أبو مهدي المهندس، في 3 يناير/كانون الثاني الماضي، كما تبجّح آخرون قائلين إنه يتقدّم إلى دور محكوم عليه بالفشل، ولكنهم، في النهاية، رضخوا جميعاً بعد زيارة خاطفة قام بها القائد الجديد لفيلق القدس، إسماعيل قاآني، إلى بغداد، ليحسم الموقف على رقعة الشطرنج.

وعليه، لا أحد حتى الآن يفهم النقطة الأكثر صعوبة، والقائلة كيف اكتسب الكاظمي ثقة طهران وحلفائها في بغداد فجأة، خصوصاً الذين اتهموه بأنه "عميل لوكالة المخابرات المركزية الأميركية"، وأنه كان (شريكًا) في الاغتيال الأميركي للجنرال سليماني. وعليه، من المحتمل أنه أعطى ضماناتٍ لإيران التي تعرف أنها لا تستطيع إدارة العراق بمفردها، لكنها ترفض تسليم البلاد إلى الولايات المتحدة. وعليه ، فالكاظمي ليس رجل امريكا في العراق ، بل هو حلقة في سلسلة رؤساء حكومات اتت بهم ايران لخدمة مصالحها . ان الأمل مفتقد في إن شراكة إيرانية أميركية في إدارة الشؤون العراقية ستفتح أمام إيران مستقبل تجسير لعلاقات مستقبلية!

أما سوق المناصب وشراؤها في العراق، فلم ينته مادياً أو وصولياً أو محاصصياً لكلّ من الثلاثة، محمد علاوي أو عدنان الزرفي ثم مصطفى الكاظمي الذي لاقى – كما أشيع - مباركةً من وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو !! وقد اشيع انه لأول مرة لقي ترحيبا من مجلس الأمن (!)، علما بأن الاميركان لا دخل لهم في ما حصل . فهل سيتمكّن الرجل من إنجاز توحيد فسيفساء السياسة العراقية باسمه، أو تخرج من ظل عباءته؟ انني اشّك في ذلك ، فالعراق غدا رقعة شطرنج تلعب عليها إيران وأميركا، ويبقى هذا البلد المسكين يعيش المأزق الكامل مع نفسه، كي يبقى الشريكان يلعبان على أرضه لصالحهما او لتصفية حساباتهما . ولا أحد منهما لديه مصلحة في تغيير المسار لصالح العراق، خصوصاً وأن ترك الوضع العراقي يتعفّن هو أفضل من المخاطرة بانفجارٍ لا يمكن السيطرة عليه، وهما يدركان حدّة الانقسام الاجتماعي في العراق بين التي أسموها المكوّنات الثلاثة أولاً، وتفاهة الطبقة السياسية العراقية التي تقبض على أنفاس العراق ثانياً!

ليس هؤلاء الثلاثة وحدهم الذين سعوا من أجل الفوز بالمنصب، فهناك عراقيون كثيرون طموحون متغوّلون وحالمون بتسلّم السلطة، وهي سلطة مهترئة تتحكّم فيها قوى متوحّشة. أغلب العراقيين يعوّلون، في كلّ مرّة، للأسف، على رئيس وزراء جديد، كي ينقذهم ويوصل العراق إلى برّ الأمان باجراء تغيير حقيقي ، ولكن الشعب متوهّم أشدّ التوهّم، فالحكومة الجديدة مؤقتة، وحتى إن كانت دائمة تبقى محتكَرة الإرادة، لأنها أضعف من القوى العميقة المسيطرة على مقدّرات العراق ، ولا مناص من تمّسح رئيس الوزراء بها . ولا يمكن للحكومة أن تفعل شيئاً أو تقرّر شيئاً إلّا من خلال موافقة البرلمان الذي تسيطر عليه تلك القوى، فأيّ تغيير يمكن حدوثه وأيّ إصلاح يمكن إجراؤه؟ كلّ ما نسمعه من تصريحات وقرارات لا يمكنها إلغاء ما صدر من قوانين تشريعية، فالقانون لا يلغى إلّا بقانون، فكلّ ما سمعناه هراء ما لم يلغه البرلمان، فأما الحكومة لا تعرف القانون، أو أنها تضحك على شعبها.

المهمّة الأساسية التي على الحكومة التخطيط لها إعداد انتخابات "نزيهة وشفافة" في الأشهر المقبلة، وتلك مهمّة عويصة لمرحلة أربع سنوات. يواجه رئيس الوزراء الجديد مهمّات خطيرة، فهو يواجه دفع رواتب ستة ملايين موظف في الدولة، مع انخفاض في الميزانية بمقدار الثلثين، ومن المرجح استئناف إجراءات التقشف، واللجوء إلى القروض، وتحميل العراق أثقالاً أخرى.. علماً أن حكومته نشرت وثيقة من ست صفحات تشرح فيها بالتفصيل "برنامجها"، حيث يتصدر تنظيم الانتخابات "الصادقة والشفافية" قائمة الأولويات، فما الذي يمكن أن تفعله حكومته مع مفوضية انتخابات مخترقة من القوى الشريرة وغير نزيهة على الإطلاق؟

ويبدو أن "البرنامج" المقدم مجرد كليشيه أصبحت مبتذلة، لكي يطمئن الشعب إلى مصداقية واهية، فكيف يمكن للحكومة المؤقتة أن تلتزم بـ"تقوية سلطة الدولة"، والحدّ من امتلاك الأسلحة "للمؤسسات الحكومية والعسكرية" فقط، وهي تدرك أنّ المليشيات المتوحشة منفلتة عن سيطرتها. وما فائدة وعد منها بتوظيف "حوار وطني صريح ومسؤول مع جميع مكونات المجتمع للاستجابة لمطالب حركة الاحتجاج السلمي". ذلك تخدير كاف ما دامت الحكومة مقيّدة في إجراءاتها، وليس باستطاعتها أن تقبض على الدولة العميقة، وتحيل حيتان الفساد إلى القضاء!

لا تطلب هذه المقالة من مصطفى الكاظمي المستحيل بوصفه رئيس وزراء مؤقتاً، ولكن لابدّ أن تكون حساباته دقيقة، وأن يمتلك مصداقية لكشف البضاعة على الناس، وأن يكون أكثر حذاقة في فهم الحدث وصنعه، ولا يشبعنا مجرد كلام مليئ بالاخطاء إن أراد التغيير الحقيقي. وعليه أن يكون في مسار من نوع آخر، أي ندّاً للبرلمان والمفوضية العليا والقوى الشريرة . الخطوات التي يعتقد أنها جيدة لا يمكن إصدارها إلّا بقانون، ولا يتم إلغاؤها إلا بقانون، وهو ليس قادراً على إصدار قوانين، فتلك مهمّة البرلمان، فكيف سيشتغل إذن؟ المعادلة أكبر منه، فقوى شريرة في الداخل بدأ يداهنها ، وهي مرتبطة مع بعضها لن تسمح للكاظمي بالتحرّك، إلّا إن ضربها ليغدو "صنديداً". السؤال: هل باستطاعته القيام بذلك من دون شيطنة أميركية؟

العربي الجديد ، ويعاد نشرها على الموقع الرسمي للدكتور سيار الجميل
http://sayyaraljamil.com/

 

 

 

رفعت الجادرجي..

رمز ثقافي عراقي مختلف

سيّار الجميل *

 

 

وصفت المعمارية الفرنسية، سيسيليا بييري، الجادرجي بأنه "أحد عمالقة العراق في القرن العشرين""

"كان الجاردجي مهندسًا معماريًا ومصوّرًا ومؤلفًا وناشطًا ومثقفاً ومفكراً عراقياً حقيقياً"

 

 

في ذروة المحنة التي تجتاح الجميع، رحل في لندن، يوم 10 إبريل/ نيسان الجاري، أحد آخر رموز العراق من المثقفين المتميّزين، وترحل معه قرابة مائة سنة من التاريخ المتجدّد والإبداعي.. وتفتقد الثقافة العربية واحداً من أبرز مبدعيها ممن تألقوا في الزمن الجميل. رحل الفنان المعماري الذي وصفته المعمارية الفرنسية، سيسيليا بييري، بأنه "أحد عمالقة العراق في القرن العشرين". رحل المعماري الكبير رفعت الجادرجي (93 عاماً) الذي كان وراء تصميم نصب الجندي المجهول القديم عام 1959 في قلب ساحة الفردوس في بغداد، وتصميم نصب الحرية الذي غدا رمزاً لبغداد في ساحة التحرير. رحل المعماري والمهندس والفنان والمثقف والمفكر الذي استحق أن يكون رمزاً بجدارة، على الرغم من أنه عاش ومات مخالفاً للآخرين في فكرهِ وتجاربهِ وحداثتهِ، وقد عاش ومات مقتنعاً بما آمن به، وبقيَ يعمل من أجل نشر كتاب معروف الرصافي "الشخصّية المحمديّة"، ونجح في ذلك بعد مرور نصف قرن على تأليف الكتاب. 

ولد في بغداد يوم 6 ديسمبر/ كانون الأول 1926، وهو نجل السياسي كامل الجادرجي (1897-1968) الذي كان له دور محوري في الحياة السياسية العراقية إبّان العهد الملكي، وفي تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي المعارض. وقد اعتنى رفعت لاحقاً بتراث والده 

السياسي، ونشره في عدة كتب. أكمل دراسته في مدرسة هامر سميث للحرف والفنون، البريطانية، وعاد ليعمل في مكتب استشاري للعمارة أنشأه في 1951 وتابع فيه عمله حتى 1977. تقلّد منصب رئاسة قسم المباني في مديرية الأوقاف العامة، ثم مديراً عاماً في وزارة التخطيط نهاية الخمسينيات، ورئيسا لهيئة التخطيط في وزارة الإسكان. وبقي طوال حياته يبلور أسلوباً معمارياً عرف به. اعتقل عام 1977 إثر تهمة كيدية تافهة، وحكمت عليه محكمة الثورة في 1978 بالسجن المؤبد مدى الحياة، مع مصادرة جميع أمواله، وبقي في سجن أبي غريب 20 شهراً، ثم أطلق سراحه، لتكليفه بإعادة التنظيم العمراني لبعض الأماكن في بغداد. وشرحت زوجته محنة اعتقاله في كتاب "جدار بين ظلمتين"، وسجلت تاريخ مأساته التي عاشها مسجوناً. غادر العراق في الثمانينيات نحو بيروت ثم انتقل إلى لندن، وعاد إلى بغداد عام 2009، وصدم بشدّة لهول ما رآه. وقال: "لا أصدق ما الذي جرى. لقد تحوّل كلّ شيء إلى خراب تقريباً، لقد تعرّض العراق لغزوات، ولم يستقر منذ فترات طويلة، وهذا ما ينعكس باستمرار على التفاصيل الحياتية والعمرانية".
بقي الرجل حيوياً بذاكرته على الرغم من أوجاعٍ رافقته في سنواته الأخيرة. كان مهندسًا معماريًا ومصوّرًا ومؤلفًا وناشطًا ومثقفاً ومفكراً عراقياً حقيقياً. لم يقصر نفسه على تخصّصه، بل كانت له فلسفته في الحياة، وله رؤيته المعمّقة إلى الإنسان والطبيعة، ويبتعد كثيراً عن الميتافيزيقيا، وقد لقّب "أبو العمارة العراقية الحديثة"، حيث قام بتصميم أكثر من مائة مبنى في جميع العراق، مستوحياً تجاربه المعمارية من خصائص العمارة العراقية العريقة، وقد تميّز  

بذكاء وتأصيل ومزاوجة بين التقليد والاحتياجات الاجتماعية المعاصرة. كما لخّصها في فلسفته وشرحها في كتبه، وكان يردّد: منذ بداية ممارستي، اعتقدت أن من الضروري أن يخلق العراق لنفسه، عاجلاً أم آجلاً، بنية فيها خصوصيتها بطابعٍ عصري حديث، ولكنها مستوحاة من تاريخه الحضاري، وهو جزء من الأسلوب التقدّمي اليوم في العالم". وهذا يتّفق تماماً مع سياق النهج الذي آمنت به "جماعة بغداد الحديثة" التي تأسست عام 1951، وكان رفعت الجادرجي عضوًا مبكرًا فيها. وسعى إلى ترجمة نهجها الفني في الجمع بين التراث العراقي القديم والفن الهندسي المعماري الحديث، لتطوير جمالية عراقية معاصرة، والتي أثرت أيضًا على تطوير لغة بصرية عربية لاحقاً.
كانت أعماله المبكرّة راسخة في خطاب "مجموعة بغداد للفن الحديث" وإبداعها، بمن فيهم كل من الفنانين جواد سليم ومحمد غني حكمت وشاكر حسن آل سعيد. واعتمدت تصاميمه على تجريد مفاهيم وعناصر المباني التراثية وإعادة بنائها بأشكال معاصرة. وأشار منتقدوه إلى أنه كان متعاطفًا مع أهداف الجماعة، إلا أنه كان في الأساس حداثيًا في القلب، ومتجاوزاً أطر التقاليد المتوارثة. كان من أعظم أعماله نصب الجندي المجهول عام 1959، وقد كلّفه بتصميم النصب الزعيم عبد الكريم قاسم، فجاء رمزاً عراقياً بجدارة، غير أن الرئيس صدّام حسين دمّره لاحقا، واستبدله بآخر ولأسباب شخصية وسياسية. وقد وصف بأنه بنية رمزية وحديثة بسيطة. والجادرجي هو الذي صمّم نصب الحرية الشهير في بغداد عام 1961، والذي نفّذه جواد  سليم.
استمر رفعت يرسم تصميمات متنوّعة رائعة أكثر من أربعين سنة، متحكّماً في ضوء الشمس والحرارة والتهوئة والأفنية والجدران والأقواس والأرصفة، مستنداً إلى الميراث العراقي القديم. وتتلخّص تصاميمه المدمجة من الماضي الذكي في أشكال جديدة، من الديكورات الداخلية الأوروبية. نال رفعت جوائز دولية وعربية تقديراً لجهوده الفنية المعمارية والعلمية والفكرية. وفي العام 2017 خصصت جائزة تحمل اسمه للمهندسين المعماريين الشباب الذين يساهمون في إعمار ما دمّرته الحروب في العراق، وتبرع الرجل بأرشيفَيه المعماري والتاريخي إلى مركز الآغا خان للتوثيق في مكتبات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
عرفتُ الرجل معرفة عميقة منذ أكثر من ثلاثين سنة، في لندن وهارفرد وأبو ظبي، وكتبت عنه وعن أفكاره الطريفة والغريبة، ووجدت فيه إنساناً متميزاً ومخالفاً ومتجدّد التفكير، وباحثاً يؤمن بحقائق الأشياء وصريحاً وشجاعاً في إبداء آرائه التي قد يختلف معه بعضهم، ففكرهُ قد خرج عن سرب المجاميع، وبقي يحلّق وحده غير مكترث بالآخرين، كونه يؤمن بمبادئ غير مألوفة، بل ويعتبرها بعضهم خارجة عن سياقات وتقاليد موروثة، في حين يراها هو نفسه طبيعية، وتناهض الجمود والتبعية والمساكنة. وقد فصّلت عنه رؤيته للحياة والأرض والسحر والدين والمرأة والتراث والتاريخ والبيئة والزواج والإنجاب .. إلخ، في أكثر من حوار معه.
وكان يؤمن إيماناً راسخاً بالنظام الديمقراطي. له عدة كتب، أغلبها عن العمارة وفلسفتها، وجاءت مقدمة رائعة كتبها لأحد كتب أبيه مساهمة طيبة في تاريخ الثقافة العراقية الحديثة. تزوج رفعت الجادرجي بالكاتبة بلقيس شرارة (عراقية من أصل لبناني)، وكانت رفيقة دربه، ورفضا الإنجاب، وقال: "أنا وزوجتي قرّرنا ألا ننجب أطفالاً؛ لأن البشر يخرّبون الأرض"!

·         اكاديمي عراقي واستاذ جامعي –مسيساغا - كندا

(العربي الجديد) لندن

 

كورونا : خط أحمر بين زمنين

أ.د. سيّار الجَميل

جائحة الموتل

فايروس كورونا مفاجئة وبائية اجتاح العالم بسرعة متناهية ليدقّ أجراس الخطر عبر القارات ، وليجد العالم كلّه امام فايروس غير منظور مكبّلا ومسجوناً وخائفاً مرتعباً من الموت : زعماء وصغراء ء، أغنياء وفقراء ، جبابرة وضعفاء .. العالم يحتشد بالأخبار عن وباء أكل آلاف البشر في بحر شهر واحد، والعالم ازاءه مجموعة من بلدان مرتعشة تنقسم الى قسمين : بلدان منظمّة وصارمة في تطبيق القانون والصحة والتعليمات ، وبلدان منفلتة غرقت في فوضى جماعية ولا سيطرة من دولة أو وعي مجتمع ، الّا ما يفرضه الخوف من الموت .

انّ الوباء الجديد قد جعل الانسان في كلّ العالم محجوزاً او محجوراً في زوايا محددة ليعيد التفكير في نفسه ومستقبله ومصيره على الارض، وقد اغلقت حتى الاماكن المقدسة في العالم ولأول مرة ، كونها وسيلة للعدوى ، وهذا أمر صعب الاحتمال ! أكل فايروس كورونا اهتمامات العالم في اقل من شهر واحد ، ولا يعرف الانسان هوية الفايروس حتى الان ان كانَ قد انتشر من مختبرات جرثومية مصنّعة له أو أنه قد وفد من مخلفات كائنات حية ! وستكشف الأيام عن مصدره الحقيقي ، ولكن بعد أن كشف عورات الجميع، بما فيها دول ومنظومات واديان ومعتقدات وايديولوجيات واتحادات .. الخ

الكارثة : هل تجتثّ التخّلف ؟

ولكن هل الكارثة مناسبة لاجتثاث التخلّف من مجتمعنا كما قال الصديق الفنان العراقي المعروف كوكب حمزة ؟ كنت أعتقد ان مجتمعنا قد ابتلي باوبئة لها سلالاتها المتوارثة، وهي تفضي الى جهالة مركبة لا يمكن ان تجتثّها أية كوارث طارئة أو مكروبات عابرة ، وان مجتمعنا لا تقوم له قائمة ان بقيت الخرافة والخزعبلات مسيطرة على العقول ، فان بقي عموم الناس يتبّعون الجهالة وروّادها الذين يقررّون كل شيئ في الحياة باسم القداسة والطهارة ، فسيبقى التخلف سائداً في العقلية بمثل هذا الشكل المخجل !!! وان مرّت الكارثة ، فسوف تعود حليمة الى عادتها القديمة في مجتمعات ، او ستعقب هذه المحنة تحولات جذرية في التفكير عند مجتمعات أخرى .

الدجالون والمشعوذون ما زالوا يستهترون

ان الذي يهمّنا ايضا هو ما نشهد حدوثه عند بعض الدجّالين والمشعوذين الذين بقوا على استهتارهم بحياة البشر ، وهم مستمروّن على ما يقولونه للناس في مثل هذه الظروف الصعبة جدا ! مجتمعات لم تزل تؤمن بالخرافات وتوافه الأمور وتقديس الأضرحة وشم الخرق .. فما مصير هؤلاء ان لم يعيدوا التفكير بما يؤمنون به ويعتقدون ايّاه ؟ أجدهم يريدون قتل الناس، فهم بلا عقلِ ولا تفكير .. وعلى كلّ الحكومات اغلاق كلّ المعابد والاضرحة وكل المساجد والكنائس كما فعلت دول اخرى في العالم .. وان تفرض عقوبات صارمة على كلّ من يقدّم النصائح التافهة نيابة عن الله والناس تصدّقهم ويا للأسف الشديد ! لابدّ من تغيير تفكير الناس في نظرتهم لمثل هذه التحدّيات غير المنظورة .. وليسأل كلّ انسان سويّ نفسه : ماذا فعل كلّ من يتّمتع بالقداسة في حلّ مثل هذه الكارثة ؟ انهم جناة بحق المجتمع عندما يدعون بأن العلاج عندهم !!!!

الجبابرة خرّوا راكعين

لقد انشغلت كلّ وكالات الأنباء العالمية بكورونا، وعافت كلّ السياسات والصراعات وانحسرت أدوار دول كانت تتشدّق بالقوة ، وتوّضحت طبيعة العلاقات بين الدول والمجتمعات ، وتعّرت كلّ السياسات وبانت على حقيقتها .. ان أول ما جرى من تحوّلات كبرى اثر اجتياح كورونا انحسار دور امريكا كرائدة للعالم كما كانوا يسمّونها ، وبدت تلوذ بنفسها ، أما اوروبا ، فقد اظهر الاجتياح الوبائي فشل الاتحاد الاوربي في مواجهة الازمة القاتلة ، وظهر الاتحاد مجرّد تجمع اقتصادي كل عضو فيه ينشد مصلحته ،اذ انكفأت كل الدول الاوربية على نفسها ، ولم تنفع صيحات بعض الأوربيين لجيرانهم ، وظهرت الصين متماسكة وملتزمة ، لتمدّ يد المساعدة لايطاليا الاكثر فجيعة في اوربا ، وتمنّعت فرنسا في بداية الأزمة ، وبقيت تتفرّج على المشهد وهي قريبة منها , كما ذكر انه بسبب عدم استعداد دول فقيرة وخصوصا الشرق اوسطية لمثل هكذا متغيّرات كاسحة ، فستنحدر نحو الهاوية وقد يزال بعضها !

التحّول الى زمن جديد

هل تصدّقون أنّ ثمّة تغييرات كبرى في التفكير البشري ستحصل . ولكن الخطورة ان يكون مفعول الخرافة والطغيان باعتبارهما يحكمان بعض مجتمعاتنا في ايامنا هذه هو الاقوى فيزول وباء كورونا لتبقى أوبئة أخطر منه !؟ ان الحياة تجدّد نفسها دوماً ، وأن الانسان يستجيب دوما للتحديّات التي تواجهه، وسيخرج من هذه المحنة الصعبة في حالة جديدة اذ ستهتز قناعاته بالعديد من الأسس التي تربي عليها ، وسينظر الى الحياة بمنظار آخر مع رؤية مغايرة للواقع المألوف ، وسيتخّلى عن الكثير من الموروثات والترسّبات التي عاش عليها تاريخاً طويلاً .. سيبحث عن الايقونات والمتخيّلات التي ترسّخت في تفكيرهِ ، فلم يجدها .. بعد أن اقترب كثيراً من الموت .. سيكون واقعياً أكثر مما عاش عليه من التصوّرات والاخيلة . سيقترب الانسان من أخيه الانسان بشكل أكبر ، وستذوب كلّ الحواجز التي صنعها التاريخ الطويل .

ينبغي حدوث تغيير نوعي في طريقةً التفكير. ويراجع تفكيره ويحاول الاجابة على أسئلة فرضها هذا الوباء ،وسيفكّر الانسان بمن أنقذه من الموت المحقّق ؟ وهو اليوم بانتظار المنقذ المخلص الذي سيخترع له مصلاً أو مضاداً حيوياً . وسيرى بنفسه من سيوقف هذا الوباء المخيف ! فهل تبدأ مجتمعاتنا بتفكير جديد يخالف ما ألفوه من مركّبات ذهنيّة ، وخصوصاً بين المقدّس والمدنّس؟ وهل سيقف اولئك الذين تحكّموا بثروات العالم قليلاً كي يعيدوا التفكير في جشعهم واستغلالهم البشرية ، وقد وجدوا أنهم قد تساووا في لحظة زمنية واحدة على متن الكرة الارضية أمام فايروس حقير لا يرى بالعين المجردة ؟

الاسئلة الحائرة

ثمة اسئلة مطروحة تقول : هل سيعود الانسان الى طبيعته ليكون أكثر توازنا ؟ هل سيحترم البيئة أكثر ، ويخلّصها من التلوث ؟ هل سيخرج من حالة الجنون التي وصل اليها في علاقاته السياسية وولاءاته المضطربة ومشروعاته العدوانية ؟ الانسان اليوم ببيته في حالة اقامة جبرية والحياة معطلة ، والدراسة مؤجلة، والتجمعات مستحيلة ، والرعب مسيطر على الانسان . نعم ، هدأت الحياة من فوضى الانسان وضوضاء السيارات .. وكره الانسان اليوم المدن الكبيرة ، وتمنى أن يعيش في قرى وأرياف جميلة ، كما خلي العالم من المتسّكعين والسكيرين بعد أن أغلقت المقاهي والبارات والملاهي والمطاعم أبوابها ، وخليت المباني العامة من الاجتماعات وتأجّلت المؤتمرات والندوات .. وشعر الانسان بقيمة العمل والانتاج والابداعات .. وكان الاقوى من منغصاته غلق المدارس والجامعات في كلّ مفاجئاته وتصرفاته .. الخ من المظاهر الطارئة .

 وأخيرا ، ان هذه ” الظاهرة ” المفاجئة للانسان قد كشفت حقائق لم يكن الانسان يفكّر فيها من قبل ،واوضحت له علنا انه بكلّ ما يملك من مال وقوة وسلاح ونفوذ أضعف من فايروس خطير حقير لا يرى أبداً !

تنشر على الموقع الرسمي للدكتور سيار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

 

أخطر  الأوبئة في تاريخ البشرية

 

أ.د. سيّار الجميل

 

ليسَ وحدنا فقط نعيش على هذه الأرض، اذ تشاركنا عليها كائنات من حيوانات وحشرات ، ويقر المؤرخون أن الأوبئة كلها مصدرها مكروبات طيور وزواحف وحشرات تنتقل منها للانسان عبر الهواء او  الماء . ولم يكن البشر يتمتّع بكلّ ما هو عليه اليوم مقارنة لما عاش عليه طوال تاريخه على الارض، بل وأن ما يصيب الكائنات كلّها يصيبه ، اذ تعرّض الى  سلسلة  أوبئة وامراض قتلت ملايين البشر عبر التاريخ. الهلع يجتاح العالم اليوم جراء انتشار وباء كورونا ،  وهو امر طبيعي ، ولكنه مفاجئ لم يحسب الانسان له أيّ حساب ، وعليه أن يتعلم من  التاريخ الكثير ، فثمّة تاريخ مفجع للامراض والاوبئة  عبر  العصور  . وكانت  تحدّيات  غامضة  وصعبة جداً واجهها الانسان بحيث مات الملايين  قبل ان يكتشف العلاجات والامصال الواقية في العصر الحديث ليحدّ من  توّغل  الطواعين  والاوبئة  عبر القارات .

ان  عشرة أوبئة خطيرة واجهت البشرية، ولكن شلّ الانسان خطورتها ، ويواجه اليوم وباء كورونا  القادم من الصين، وللعلم ان قارة آسيا هي مصدر أخطر  الطواعين والاوبئة  بدءاّ من مصدر  الكوليرا  في الهند  وانتهاء بالصين في تصدير  كورونا  ! واذا كان الرعب منها يفسر  سابقاً على  أساس  ديني كونها غضب من الله، فان البعض اليوم يفسر سارس وكورونا تفسيراً مؤامراتياً ، سياسياً  او  مالياً  وثمة معلومات غير مؤكدة تقول بأن ما  نشهده اليوم من حرب  جرثومية  تقف  من ورائها  جهات واطراف  في العالم  لها اهدافها  الجشعة  على حساب الفتك بملايين الضحايا من الابرياء  !!

ثمة دراسات رئيسية وواسعة النطاق للآفات الوبائية الكبرى للبشرية - الطاعون والجذام والجدري والزهري والكوليرا والحمى الصفراء / الملاريا - على مدى القرون الستة الماضية. كما أنها أكثر من ذلك بكثير. ويطبق شيلدون واتس ، المؤرخ الثقافي والاجتماعي الذي قضى معظم حياته المهنية في الدراسة والتدريس في جنوب العالم ، منظورًا أصليًا تمامًا لدراسة الأمراض العالمية ، واستكشاف الروابط بين حركة الأوبئة ومظاهر القوة الإمبراطورية في الأمريكتين وآسيا وأفريقيا والبلدان الأوروبية. ويوضح كيف تغيرت تصورات من يستهدف المرض بمرور الوقت وأثرت استجابات سياسية وطبية مختلفة. وهو يجادل غيره من المؤرخين  بأن الطب الغربي لم يفشل فقط في علاج الأمراض التي ولدها توسعه الخاص ، ولكن هذا الطب الإمبراطوري كان في الواقع وكيلًا وأداة للإمبراطورية ، وكما  هو  وضع اليوم ، اذ  تحتكر  الشركات  المعنية  صناعة  الادوية  واللقاحات الحيوية المضادة .

ان نفرا قليلا من المؤرخين في العالم اليوم ، ومنهم  فرانك سنودن  Frank M. Snowden يكّرس  الاهتمام  في دراسة  تاريخ الاوبئة  التي  اجتاحت  البشرية  عبر التاريخ  الصعب  والطويل  ،  ونجد  المؤرخ واتس على رأسهم ، وهو يفحص العلاقة بين مهنة الطب قبل الحداثة والحديثة والكوارث الوبائية مثل الطاعون في أوروبا الغربية والشرق الأوسط ؛ الجذام في الغرب ابان العصور الوسطى وفي العالم الاستوائي في القرن التاسع عشر ؛ فضلا عن انتشار الجدري إلى العالم الجديد في عصر الاستكشافات الجغرافية ؛ ومرض الزهري والأمراض غير الجنسية في اتصال أوروبا مع آسيا ؛ وموجات الكوليرا في الهند خلال الحكم البريطاني ؛ والملاريا في حوض الأطلسي خلال عصور العبودية التراجيدية ( ويدخلها أم بي أي اولدستون  Oldstone M B A في قائمة الاوبئة  في حين  بقيت الملاريا  من الامراض المزمنة )   . ولقد تدارس المؤرخون بالتفصيل العلاقة بين التغيرات البيئية العنيفة والمرض ، وبين المرض والمجتمع ، وانتقاله  الى  وباء  يجتاح  القارات  سواء في المجال المادي أو في عقول وأرواح الحكام والمحكومين. ان  مجتمعاتنا  في الشرق الاوسط  قاطبة  هي في امس الحاجة  الى  الثقافة  التاريخية  ومعرفة الحساب القياسي للطريقة التي تم فيها تفسير الأمراض - الناشئة عن طريق الصدفة ، من خلال التغيير البيئي المتهور الذي صممه الإنسان ، أو من خلال مزيج حافل  بتحركات  الانسان من مكان الى آخر  لاسباب  عدة  ونقله  للفايروسات والمكروبات والاوبئة  .  ولقد  قلت في  كتابي  ( تحولات الازمنة 2017 )  ان اخطر  الاوبئة في التاريخ  كانت الكوليرا  والطواعين  . ولولا  الادوية  والمضادات الحيوية والامصال لاكلت الاوبئة كل  العالم  كما  يقول ر  بورتر    R Porter  و   اي  وات  S Watts

دعوني الخص ما صنعته الاوبئة  العشرة الشهيرة  في  تاريخ البشرية كي ندرك  حجم  الكارثة التي  سيتعرّض  العالم لها اليوم :

أولا :  الموت الأسود: الطاعون الدبلي :

دمر الموت الأسود معظم أمم أوروبا والبحر المتوسط ​​بين 1346 - 1353. ومات أكثر من 50 مليون انسان ، أي أكثر من 60 ٪ من سكان أوروبا وقت ذاك. وبدأ الوباء كما يعتقد المؤرخون في الهند وسهوب آسيا الوسطى العشبية بسبب ملايين القوارض، فسميت بؤرة الطاعون والعدوى بواسطة البراغيث من الفئران الى الانسان وفي 3-5 ايام بعد لدغة واحدة يتسبب بحمى وصداع وتضخم الغدد اللمفاوية المؤلمة وينتقل الى الرئتين في طاعون الدبلي ويموت  80٪ من المصابين في غضون خمسة أيام.   ولم يكن وباء الطاعون في القرن 14 م  هو الوحيد في تاريخ البشرية. فقد كان هناك طاعون جستنيان كأول وباء اندلع في مصر عام 541 م  ، وطاعون الصين الممتد الى  هونغ كونغ عام 1894. وانتشاره  بعد حين وآخر الى اوربا عبر الشرق الاوسط على امتداد القرون الاربعة الاخيرة . ولم يزل الطاعون موجوداً برغم المضادات الحيوية ، فثمة بؤر مزمنة الطواعين  في افريقيا وآسيا واميركا الجنوبية .

ثانيا : الجدري : الوحش المبقع :

  يعود الوباء الى عصور ما قبل التاريخ ، ولكنه ظهر لأول مرة حوالي   10000 ق . م. ويبدو ان فرعون مصر  رمسيس الخامس قد أصيب به   ( 1156 ق . م. ووصفت نصوص سنسكريتية قديمة انتقال فيروس الجدري بالعدوى اثر الاتصال المباشر مع المصاب أو اشيائه الملوثة والاماكن المغلقة . حضانته 17 يومًا وتشبه اعراضه الأولية الإنفلونزا قبل انتشار البقع الصغيرة داخل الفم وعلى اللسان. ويبدأ الطفح الجلدي في مدة 24 ساعة على الوجه وينتشر ويغدو بثورا مرتفعة تشبه البراكين مليئة بسائل كثيف غير شفاف. وتترك ندوبًا محفورة على الجلد . عام 1800 كان معدل الوفيات السنوي 400000 انسان في اوربا وحدها وتكثر عند الرضع (80-98 ٪) ، وثلث جميع الناجين أصيبوا بالعمى. وتعرية الانوف ! وانتصر التطعيم عليه في سبعينيات القرن 20 .

ثالثا : الجذام: وباء العهد القديم :

الجذام عدوى تسببها بكتيريا بطيئة النمو، وحضانتها طويلة تستغرق 2-3  سنوات (وحياتها من 6 أشهر إلى 40 عامًا) واعراضها خدر وفقدان شعور في منطقة من الجلد اي تقارب البكتيريا للخلايا العصبية.  وهي شديدة العدوى ، واعتقد الناس انه لعنة أو عقاب من الله ، وخشوا من المصابين بملابسهم الخاصة ورنين اجراسهم .وباء بمرض جلدي ويمتد الى العمى وتشوهات الوجه  البشعة .  لم يزل الوباء سائدا باسم  هانسن عالميا وابلغ عن وجود 200000 حالة بتقرير منظمة الصحة العالمية كل عام ، ويكثر في مناطق رطبة استوائية قرب خط الاستواء ، مثل الهند. وينتقل الوباء من خلال مهاجرين ، وعلى الرغم من الشفاء منه ، إلا أن التشوهات وتلف الأعصاب لا رجعة فيها.

رابعا : أنفلونزا الطيور:

مصدرها الطيور، ولقد وجدتُ اسمها في صحيفة عربية قديمة قبل مئة سنة مضت ، وهي شائعة ، وقد حدثت عدة حالات تفشي رئيسية في العالم منذ أن تم تسجيل المرض لأول مرة في إيطاليا 1878. واستغرق الأمر حتى 1955 لاكتشاف أن الفيروس المسبب لأنفلونزا الطيور كان فيروسًا من النوع A.  يحدث الوباء بشكل طبيعي بين الطيور المائية البرية ويمكن أن تنتشر بسهولة إلى الدواجن وهي الأكثر عرضة للإصابة - فقد تم تدمير ملايين الدجاج والإوز والديك الرومي لمنع المزيد من انتشار المرض في أعقاب تفشي المرض في عامي 2015 و 2016.   وخلال 2017 ، أصيب 1565 شخصًا بفيروس الطيور ، توفي منهم 610 (39٪).

خامسا : بشاعة  الكوليرا  في  التاريخ

قلت في  كتابي ( تحولات الازمنة   2017  )  :  الكوليرا الآسيوية  يعرفها  الذين  عانوا من اهوالها  ابان القرن 19 . لقد حصدت الكوليرا والطواعين الملايين من البشر  في القرون 17 و18 و 19  ، ويحلّ الوباء  فجأة ويتفشى بين الناس بسرعة شديدة  ، بانتقال الفايروس في الهواء  ، ويجتاح بلدانا واسعة ، وانتشرت فايروساته من موطنها الاصلي في شمال شرق  الهند  ، وخصوصا خلال فتح طرق التجارة والمسالك المأهولة وزيادة اعداد الحجيج ...  اعراضه : اسهال شديد  ونضوب سريع في سوائل الجسم  والاملاح  . في القرنين الماضيين امتدت الكوليرا في جميع انحاؤ العالم فادت الى اختلال نسيج  مجتمعات كاملة  .. امتد  في  انحاء العالم  وقتل الملايين في القرن 19 في  ست موجات كبرى   وصل فيها الى  الامريكتين عبر  اوروبا  حتى  القرن العشرين  (  ص 167- 173 )  . 

سادسا : شلل الأطفال: مرض الطفولة الأكثر رعباً في الاربعينيات والخمسينيات من القرن20:

وهو مرض معد يصيب الأطفال بالشلل وغالبًا ما يكون مميتًا. ويصيب من دون الخامسة. وبالرغم من اجتياح أوبئة دورية في أواخر القرن 19 ، ولكن هذا الوباء فاجئ العالم قبل 80- 60  سنة جر الى حملة عالمية للتطعيم ضده . وهو  ناجم عن فيروس شديد العدوى واعراضه تشبه الأنفلونزا (مثل التهاب الحلق والحمى والتعب والصداع والغثيان وآلام البطن) خلال 1-2 اسبوع  بعد الإصابة. تنمو أعراض أكثر حدة مثل وخز الأطراف والتهاب السحايا (أي : إصابة الدماغ والنخاع الشوكي) وضعف الأطراف والشلل الذي قد يؤدي إلى إعاقة دائمة والموت ان تتأثر عضلات الجهاز التنفسي.  وقضي على الوباء عالميا خلال  30 عامًا فقط ، وانخفض الاصابات به من 350 حالة 1988 إلى 33 حالة 2018.

سابعا : الإيبولا : Ebola Virus Disease

مرض قاتل في اغلب الأحيان (معدلات الوفيات بين 25-90 ٪) ، سببه خمسة انواع من الفيروسات اكتشفت لأول مرة 1976 والخفافيش مستودعها ، ويتلقفه البشر بالاتصال المباشر عبر الجلد والأغشية المخاطية والاتصال الجنسي والابر . أعراضه بين 2- 21 يومًا بالحمى والصداع الشديد وألم العضلات والإسهال والقيء والنزيف حتى الموت. تفشى تاريخيا بين 2014 - 2016 ، في غينيا وسيراليون والكونغو وليبريا.  وأصيب 28،616 شخصًا ، وأن 11،310 شخصًا ماتوا .

ثامناً : جنون البقر vCJD :

يمكن اعتبار البروتينات المعدية بمثابة تهديد وبائي محتمل. لحسن الحظ ، مرض كروتزفيلد جاكوب المتغير (vCJD) - الناجم عن بروتينات البريون المعدية من الأبقار المصابة باعتلال الدماغ الإسفنجي البقري (BSE) – اي فشل في التطور والانتقال إلى جائحة بشرية واسعة النطاق ، على الرغم من أنه من السابق لأوانه شطبه تمامًا. قال هينريك  وغنيير Henrik Wegener ، مدير معهد الغذاء الوطني في الدنمارك: "كان من الممكن أن يكون مرض جنون البقر - vCJD أسوأ جائحة على الإطلاق حيث تعرضنا له قبل وقت طويل من اكتشافه". "لقد كان من حسن الحظ أن العامل لم يكن لديه إمكانات وبائية كاملة".

تاسعاً  :  سارس  SARS-CoV:

متلازمة تنفسية حادة ووخيمة ، تقول (مجلة تايم ، عدد 5 مايو 2003 ) ان تاريخ الوباء قصير، ولكنه مخيف مرعب نجم عن فيروس كورونا غير المعروف سابقًا (SARS-CoV) وهو من نفس عائلة فيروسات نزلات البرد. عمره 2- 10 أيام من ملامسة للفيروس ، مع حمى شديدة وصداع وآلام مفاصل وإسهال. مع صعوبات التنفس ثمّ التهاب رئوي حاد . بحلول نهاية 2003 ، كان 774 شخصًا قد ماتوا من بين 8098 مصابًا تم إخطارهم لمنظمة الصحة العالمية. انتشر سارس من خلال الرذاذ لسعال وعطس. بدأ في آسيا ، ومصدره خفافيش حدوة الحصان الصينية البرية التي تباع في السوق. تحمل فيروسًا ؛ ينتقل للانسان. في غضون عام ، وانتشر  في الصين مع العدوى إلى أكثر من عشرين دولة قبل احتوائه عالميا .

عاشراً : كورونا Coronavirus  Pandemic (COVID-19:

متلازمة تنفسية من الصين، من خلال عدوى فايروس يمكن أن تكون قاتلة. وانتشر في العالم اليوم  2020 وبسرعة  كبيرة  ومفاجئة  ، وقد  سبب  هلعا كبيرا في  كل العالم  لعدم وجود اي  مضاد حيوي  له ، واصاب  الالاف  من  البشر  ،  وقد قتل عشرة الاف  انسان في  غضون  شهر  واحد  ومن اخطر  البلدان التي  امتد  اليها من الصين  ايران  وايطاليا  واسبانيا  وهو  ينتقل  اليوم  بسرعة  في  دول  اوربية  وفي  الولايات المتحدة  ، وشهد العالم لأول  مرة  في التاريخ  تعطيلا  كاملا  للحياة  والاقامة  الجبرية  في البيوت  .  وسوف  يسبب هذا الوباء كوارث  اقتصادية واجتماعية وسياسية في حال انتشاره وعدم  ايقافه في  زمن محدد  .. 

المراجع  المعتمدة

A J Bollet, Plagues and Poxes: The Impact of Human History on Epidemic Disease (New York: Demos, 2004).

Frank M. Snowden, Epidemics and Society: From the Black Death to the Present, ( Yale University Press, 2019 ).

J N Hays, Epidemics and Pandemics: Their Impacts on Human History (Oxford: ABC-CLIO, 2006).

M B A Oldstone, Viruses, Plagues, and History (Oxford: Oxford University Press, 1998).

P. Bourdelais, Epidemics Laid Low: a History of What Happened in Rich Countries (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2006).

R Porter, The Greatest Benefit to Mankind: A Medical History of Humanity (London: Harper Collins, 1999).

S Watts, Disease and Medicine in World History (London: Routledge, 2003).

Sheldon Watts, Epidemics and History  :  Disease, Power and Imperialism ( Yale University Press, 1999).

سيار  الجميل ،  تحولات الازمنة : رؤية عربية للتحقيب التاريخي ، ط1 (  بيروت :  المؤسسة العربية  للدراسات والنشر ، 2017 ) . 

 الموقع الرسمي  للدكتور سيار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

 

العراقيون والبرنامج الوزاري الجديد

سيّار الجميل

 

"لا تملك المرحلة الانتقالية عصا سحرية لمعالجة كلّ التهرؤات،

ولكن مهمتها نقل البلاد من حالة التردّي إلى حالة الاستعداد بفرض العدالة الاجتماعية"

"ليس المهم الحديث عن "مكافحة الفساد" الأهم هو كيف تقضي على الفساد"

 

أصدر رئيس الوزراء العراقي المرّشح، محمد توفيق علاوي، برنامجه الوزاري للمرحلة الانتقالية التي سيتوّلى فيها منصبه، إن حظي بمصادقة مجلس النواب على حكومته التي يشكلها وبرنامجه الذي قدّم نصه، والذي يوضّح سياسته التي سيتبّعها في أقل من سنة، إن حظيَ بموافقة النواب، كما طرح إجراء انتخابات تشريعيّة في غضون أقلّ من سنة. وبدا واضحاً من قراءة البرنامج أنه يريد إقناع كلّ العراقيين، كونه قد أعدّه وكأنه سيحكم أربع سنوات، بأنه برنامج يأخذ العراق كلّه إلى مصاف متقدّمة، فيما يدري علاوي جّداً أنّ الخراب قد طاول كلّ المؤسسات، فلا يمكن أبداً أن يكون هذا البرنامج (أو المنهاج) خطّة عمل لوزارة انتقالية، ولا يمكن أبداً أن تنبثق أيّة إيجابيات من واقع موبوء يتحّتم علاجه أولاً. 

لنتفق مع صيغة البرنامج ومضامينه المتنوعة، والتي شملت كلّ القطاعات، ولكن من دون التركيز على الجانب السياسي، إذ هل يمكن لمثل هذا البرنامج العمل في ظل حياة سياسيّة متعبة ومتشرذمة بوجود كتلٍ سياسيةٍ تعتبر حيتاناً لها أساليبها المتوّحشة في الوقوف ليس ضدّ التغيير فقط، بل ضد الإصلاحات أيضا. ولا يمكن لهذا البرنامج الحكومي أن يعمل يوما واحدا، ما دام لم يتطرّق ألبتة إلى آليات التغيير الحقيقية، والأمر نفسه جرى مع ذلك المنهاج الذي قدّمه رئيس الوزراء المقال، عادل عبد المهدي. وكان يتضمّن موّادّ ووعوداً رائعة، ولكن صاحبه لم يستطع أن ينفّذ منه شيئاً، فالوعود التي تخّدر الناس، إنْ لم تصاحبها أفعال على الأرض مع نيات صالحة مع خطة وطنية، وترجمة حقيقية لما تريده الجماهير، فلا فائدة من كلّ المناهج والوعود المعسولة.
يتمنّى كلّ العراقيين أن تتحقق قفزة نوعية في كلّ ميادين الحياة العراقية، سواء في الصحة أو  

التعليم أو الاقتصاد أو المواصلات أو الطيران المدني أو الخدمات.. إلخ. ولكن ما يهمّ العراقيين أساساً يتمثّل بالأمن والنظام، والتغيير السياسي، وتخليص البلاد كلّها من المليشيات والفصائل المسلّحة وارتباطاتها بإيران، وضرب الفاسدين ومحاسبة المفسدين حساباً عسيراً، وتهيئة البلاد والعباد لانتخابات نزيهة وعادلة، وبإشراف دولي وقضائي، بعيداً عن أية مفوضية عراقية ستخترق حتماً من أجل التزوير.
لا تملك المرحلة الانتقالية عصا سحرية لمعالجة كلّ التهرؤات، ولكن مهمتها نقل البلاد من حالة التردّي إلى حالة الاستعداد بفرض العدالة الاجتماعية، وكبح جماح الكتل والأحزاب المسيطرة على الموقف والقرار، من خلال نفوذها وطغيانها، فهي تمتلك القوة والمال والنفوذ، فكيف يمكن إيقاف جموحها ومؤامراتها وفسادها وهيمنتها، بضربها بيدٍ من حديد، وإلّا مهما كان منهاج هذه الوزارة الجديدة والانتقالية واعداً وحالماً، فهي ستتكرر المأساة نفسها، ما دام النظام السياسي برمته يحتكره حيتانٌ، رؤوسها في بغداد وأحشاؤها في إيران! سيبقى الحال على حاله، وربما يسوء بشكل أكثر. وعندما يعد برنامج حكومة توفيق علاوي العراقيين بأن يحصر السلاح بيد الدولة، فما الطريقة التي تجعل عشرات المليشيات والفصائل تتنازل عن حمل السلاح؟
كان المتمنّى من رئيس الوزراء الجديد أن يقدّم للعراقيين منهاج عمل واقعياً لسنة واحدة، يلخص فيه الرجل فلسفته في إدارة البلاد ومعالجة أزماتها الفعلية، بدل برنامج مليء بالوعود المتخيّلة التي لا يمكن تحقيقها. تتطلب إدارة البلاد في أي طور انتقالي عدّة معايير أساسية، يمكنه اتباعها مع فريقه الوزاري. ولكن لا أستطيع أن أجزم بكيفية أداء هذا "الفريق الوزاري" الجديد، وما يمكن تحقيقه في الشهور المقبلة إن نجح في نيل الثقة من البرلمان، وهذا مؤسسة بائسة تتحّكم فيها قوى تلك الكتل التي لا تريد أبداً أن تفارق السلطة. وقد راقبنا كيف تصرّف الرئيس المرشّح محمد علاوي، سواء خضوعه لإرادة كتل أو رفضه ضغوط كتل أخرى، فضلاً عن ردود فعل تلقاها من الكرد ومطالبهم، وفرض ما يريدونه ورفضهم ما يريده. مصيره ستحدّده هيمنة الكتل السياسية في ظل الوضع الحالي، كما أن الشارع بكلّ هيجانه لم يقف معه، أن ترشيحه قد جاء مرتبّاً من طرف معروف، ومن ضمن دائرة النظام الحاكم.
بعيداً عن الأخبار التي راجت أخيرا، ومنها ما ذكرته مصادر سياسية مطّلعة فإن "حديث بعض النواب والمحللين عن وجود بازار لبيع الوزارات في حكومة محمد توفيق علاوي مجافٍ للحقيقة، ونابع من رغبة تلك الكتل في الحصول على وزارات". ولكن تجمع أغلب الآراء على أن الرجل لن يقوى أبداً على الصمود والمواجهة، مهما قدّم من وعود، أو ما تضمّنه برنامجه الوزاري. وليس المهم أن نقول بـ "ردع الفاسدين" و"مكافحة الفساد" و"ملاحقة الفاسدين" و"اتخاذ إجراءات صارمة للقضاء على ظاهرة الفساد" .. إلخ. ولكن الأهم هو كيف تقضي على الفساد. إنه يتم بأبسط وسيلة، تتمثل بمعاقبة أخطر عشرة مسؤولين فاسدين في العراق وفي قلب بغداد، وسترى النتيجة كيف يترجمها الشعب، وتغدو بطلاً وطنياً في غضون ساعات، وسيجعلك ذلك تتفرّغ للبناء ومعالجة مؤسسات الدولة في كلّ المرافق.
كان المتمنى أيضاً أن يكون محمد توفيق علاوي، في برنامجه الحكومي، حازماً في ردع من  

جعل العراق ممرّاً له وساحة حرب له ضد الآخرين، فحماية الحكومة الأرض وشرفها حماية للمال العام وقدسيته. ومن يتولى أمر البلاد يغدو سيداً لها، وأباً لشعبه، لا يفرّق بين بيئة وأخرى، ولا بين جماعة وأخرى، ولا محافظة وأخرى. ثمّة معالجات عاجلة ينبغي أن يشدّد عليها البرنامج الوزاري في طوره الانتقالي، ولا يذكرها من باب ترديده، فالمطلوب التشديد عليه مهما كانت الظروف: إرجاع النازحين إلى بيوتهم وديارهم، وتعمير ما تدمّر من مدن وجسور ومستشفيات وأجهزة كبرى في حياة كل العراقيين. ولا يكفي القول إننا نريد تطوير القوات المسلحة بقدر تنفيذ إرادة كلّ الشرفاء بتطهيرها من كلّ العناصر الموبوءة وحرمان هؤلاء من رتب حملوها بلا استحقاق. كما أنّ ثمّة مطلباً لكلّ شعب العراق بمحاكمة كلّ القتلة والمجرمين والقنّاصة الذين قتلوا العراقيين، وإنزال العقاب الصارم بحقهم.
وأخيراً، أتمنى على علاوي، وعلى كلّ مسؤول عراقي على عهده، النزول إلى الشارع ولقاء المتظاهرين، فهم من الوطنيين العراقيين الشباب الذين لا يطالبونه بسلطة أو مال.. هذا وذاك أهم وأجدى من منهاج مليء بالوعود التي يستحيل تحقيقها من دون إجراءات ميدانية على الأرض، وبعيداً عن كلّ القوى الماكرة المهيمنة على أنفاس العراق. وبعيداً عما يريده الآخرون من العراق واستراتيجيته وثرواته.

 

كاتب وباحث عراقي

 

قبطان عراقي

 جديد لسفينة غارقة

أ.د. سيّار الجميل

 

يقول مثلٌ عربي "السفينة تغرق إن كثرَ ربابنتها". هذا ينطبق على العراق، فهو اليوم مثل سفينة تائهة بين أمواج العاصفة، وكلّ ربّان يأتي ليقودها يكون ضعيفاً وهزيلاً وغير حاسم. والسفينة تترّنح، والفوضى تعمّ أرجاءها بين ربابنتها . كلّف محمد توفيق علاوي بمنصب رئيس وزراء للعراق في ظلّ مظاهرات مناهضة للحكومة والنظام السياسي برمّته، وكانت محتدمة منذ أكثر من أربعة أشهر، وهي تطالب بوضع حدّ قاطعٍ للفساد السياسي. وقدّم المتظاهرون شروطهم لاختيار رئيس وزراء جديد، ويدرك كلّ العراقيين أن الرجلَ الجديد لا يمكن أن يوافق عليهِ الأحرار من الثائرين المنتفضين، كون شروطهم لا تنطبق عليه أبداً، ولكن رئيس الجمهورية قامَ بتكليف هذا ( القبطان ) الجديد، إثر فشل البرلمان في القيام بذلك أكثر من شهرين، تاركًا البلاد والعباد بلا رحمةِ، ولا تقديم أي حلّ ناضج، وفي وقتٍ تزدحم فيه الأزمات السياسية المتعدّدة.

رئيس الوزراء العراقي المكلف (أو الجديد؟) عضو سابق في البرلمان، ووزير سابق للاتصالات. اتّهمه رئيسه نوري المالكي سابقاً عدّة اتهامات إثر خلاف معه، ولكن العراقيين باتوا يدركون أن مزاعم الفساد تطارد أغلب الشخصيّات السياسيّة العراقية. وعلى الرغم من إشادة محمد توفيق علاوي، بعد قبوله التكليف، بالمتظاهرين المناهضين للحكم والنظام منذ أربعة أشهر، فقد وعدَ بإبقاء مطالبهم في المقدّمة، وفي مركزه وعلى رأس برنامجه السياسي. وقال في شريط فيديو "أريد التحدّث إلى الشعب العراقي مباشرة". "لقد قرّرت التحدّث معك قبل التحدث مع أي شخص آخر، لأن قوتي تأتي منك وبدون تضحياتك وشجاعتك، لن يكون هناك أيّ تغيير في البلد". وهذا كلامٌ كبير، لكنه غير نافع، إذ لم يعد الكلام المعسول ينفع من دون اتخاذ أيّ فعل على الأرض، وإجراءات تخطف الأبصار، خصوصاً وقد بات التعامل مع جيل جديد أذكى بكثير مما نتصوّر.
ليس في استطاعة توفيق علاوي الإيفاء بتعهّداته، فاذا كانت له قوته وجرأته، فمن الطبيعي أن ينزل إلى ساحة التحرير، ومنها يصدر قراراته الثورية، ويشكل وزارته في منأى عن أيّ طرف، ويقوم بتجميد حركة الفرقاء من الأحزاب والقوى السياسيّة المهيمنة على النظام. مجرّد إطلاق الكلام المعسول على عواهنه لا يجدي. وبقدر ما أطلق الوعود لم يُسكت الاحتجاجات التي انقلبت ضدّه الآن كونه غير مطلوب، بل وقد غدا المسؤول عن أرواح العراقيين ودمائهم التي لم تزل تهرق منذ تكليفه برئاسة الحكومة، ومن قبله قتل مئات وجرح آلاف.
غرق العراق في مشكلات وتعقيدات، منذ بدأت الاحتجاجات التي تحدّت النظام السياسي، ثم أصبحت عنيفة بشكلٍ متزايد بعد استخدام السلاح والنار ضدّ المتظاهرين السلميين. وقد وصلت هذه التوترات إلى ذروتها مع مصرع كلّ من الجنرال قاسم سليماني ووكيل قائد الحشد الشعبي وفصائل عدة موالية لإيران في العراق. ومن غير الواضح ما إذا كان تعيين رئيس وزراء جديد مثل هذه الشخصية سيؤدي إلى تهدئة البلاد، ويسكت مطالب العباد، أو ما إذا كانت الأحزاب السياسية والجماعات والفصائل المسلحة، ولعديد منها صلات عضوية بإيران، ستستمر في السيطرة على المشهد السياسي.
لم تأت الاحتجاجات التي تطالب بوضع حدّ للفساد والتدّخلات الإيرانية بإعادة وطن من فراغ. ويؤكد استمرارها مصداقيتها وقوتها في آن، على الرغم من القمع العنيف الذي تلقاه المحتجون والمنتفضون من قوات الأمن العراقية، والطرف الثالث الذي عُرف أنه فصائل مسلّحة مرتبطة بإيران. مجرّد الاستجابة لإرادة العراقيين المنتفضين تعني على الأرجح أنّ الطبقة السياسية الراسخة ستفقد السلطة، شاءت أم أبت. وبقيت سلطة "المرجعية الشيعية" غير قادرة على أن تأخذ أيّ موقف حاسم ضّد قتل الشباب المطالبين بالتغيير، والذين دفعت ضغوطهم رئيس الوزراء السابق، عادل عبد المهدي، إلى الاستقالة في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. منذ ذلك الحين، لم يستطع البرلمان، ولا رئيس الدولة، العثور على مرّشح قوي لرئاسة الوزراء، يمكن أن يوافق عليه كلّ من البرلمان والمتظاهرين.
يعدّ اختيار محمد توفيق علاوي محاولة لاختيار شخصٍ عمل مع مجموعة واسعة من الأحزاب السياسية، وهو مهندس وخلفيته دينية. ويقول من يعرفه إنه عاش حياته منغلقاً على نفسه، ولا يمتلك مؤهلات رجل دولة، وليست له قدرة على الحسم وإدارة الأزمات، وليس له تاريخ سياسي وإعلامي قوي، باستثناء نشاطه في المعارضة ضد صدام حسين سابقا، وانجذابه إلى حزب الدعوة وعدم انسجامه مع الآخرين، كما أن علاقته ليست قويّة بقريبه إياد علاوي الذي يختلف عنه جملة وتفصيلاً، شخصياً وسياسياً واجتماعياً ونضالياً . وقد أشيع أنّ الشعب اختاره، فلم يأت مرشّحاً من كتل سياسيّة، ولكن يبدو أنه وصل إلى السلطة إثر طبخةٍ دبّرت بين قُم وبيروت، من خلال مقتدى الصدر الذي بارك تكليفه مباشرة، كون الاثنين يرتبطان بقرابة ومصاهرة. وعليه، لم يصل محمد توفيق علاوي إلى السلطة إلّا بموافقة إيرانية كالعادة. المهم أن سياسته ستتّضح للجمهور العام من خلال برنامجه وفريقه الوزاري وقراراته، وتعجيله بإجراء انتخابات مبكرة، والسعي إلى الحفاظ على سيادة البلاد، وموقفه من الكتل والأحزاب والقوى المشيطنة والعميلة والشريرة .
إذا استطاع محمد توفيق علاوي أن ينجح، على الرغم من افتقاره إلى قاعدة سياسية، وعلى الرغم من صعوبة تحمّل ضغوط الفصائل المسلحة الموّجهة من إيران، فكيف سيوفّق في مهمّته، إن كان ضعيفاً، ولم يمتلك كاريزما أو سجايا زعيم قوي، فكيف باستطاعته أن يمتلك المقدرة على التغيير الجذري؟؟ علما أنه غدا مباشرةً في مرمى المحتجيّن والرافضين الذين لم تخدعهم تعابيره عن تعاطفه معهم. لقد شكّكوا في مصداقيته منذ تكليفه، وانتقدوا رئيس الدولة على ذلك.
علينا أن نسأل الرئيس المكلّف محمد توفيق علاوي: هل في مقدورك أن توّحد كلمة العراقيين من خلال برنامج وطني ؟ وهل في استطاعتك أن تقود ثورة التغيير ضدّ الطبقة الحاكمة، إذا اعتبرت نفسك لست جزءاً منها؟ وهل لك الاستقلالية الكاملة في تأليف وزارةٍ بعيدة عن المحاصصة ، ولا علاقة لوزرائها بهذه الطبقة الحاكمة، وهي قادرة على تأدية مهامها على أحسن وجه؟ هل في استطاعة وزارتك أن تحافظ على المال العام، وتطهّر العراق من الفاسدين، ومحاكمة كلّ المجرمين والقتلة وجاهياً وعلنياً؟ هل باستطاعتك وانت المهذّب ان تقضي على قراصنةٍ من الأشرار المتوّحشين ؟ الأهم والأخطر، هل لك الشجاعة الكافية تحديد علاقات العراق مع إيران، والغاء كلّ عملائها في العراق؟ إذا نجحت في ترجمة إجاباتك عن هذه الأسئلة عمليّاً على الأرض، فسيصفّق لك كلّ العراقيين، وإلّا سيكون الثمن غالياً.

 العربي الجديد / لندن  ويعاد نشرها على الموقع الرسمي للدكتور سيار الجميل

 

 

أبعدوا العراق عن

حرب أهلية أخرى

 

سيار الجميل *

 

النظام العراقي الحاكم سيجرّ العراق، رغم أنف شعبه، إلى حرب إبادة"

"العراق على حافّة انفجار يسعى إليه النظام الحاكم"

"لا يمكن لإيران وذيولها في العراق البقاء ساكتين على الحراك الثوري"

 

 

لولا التدخل الإيراني في سورية، وبواسطته، دخل الروس إلى المنطقة، لسقط نظام بشار الأسد، واتخذت سورية لها طريقاً تاريخياً آخر، ربما كان أفضل بكثير من سيناريو الخراب والدمار الذي حاق بالسوريين، وبأرواحهم ودمائهم وأحوالهم ومدنهم وكلّ حياتهم. وعلى الرغم من النفق المظلم الذي دخله العراق، وعاش عدّة سيناريوهات مرعبة طوال 17 عاما، إلا أنه اليوم يسير داخل النفق، ونهاياتُه بواباتٌ مسدودة، ليس باستطاعة العراقيين فتحها، وليس في وسعِ أحد حلّ معضلات البلاد الصعبة.

قبلَ أن تدّشن سنة 2020 بداياتها، اندلعت الثورة في العراق في 1 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 ضد الأوضاع السيئة، ولكن سرعان ما غدا الثوّار خصوماً ألدّاء للنظام الحاكم، برفعهم شعار "إسقاط النظام"، والدعوة إلى طرد الوجود والمشروع الإيراني، وإنهاء تدخلاته السافرة في شؤون العراق، ولاقت ثورة الشباب العراقيين السلمية تعاطفاً شعبياً واسعاً، كونها وحّدت العراقيين، وخصوصاً بعد أن تعاملَ معها النظام الحاكم بقسوةٍ منقطعة النظير، إذ قتل مئات وجرح آلافا، وخطف عشرات، واذا اعتقد العالم أن النظامَ يخشى على نفسه من السقوط، فإن سبباً أساسياً آخر يكمن وراء كلّ المذابح ضدّ العراقيين، ممثلاً بدفاع النظام الدامي عن المشروع الايراني في العراق والمنطقة، إذ يعتقد أصحابه أن سقوطه هنا سيعقبه لا محالة سقوطه في سورية ولبنان، وسينتهي نهاية حرجة أمام العالم.
يمكن تصنيف العراقيين اليومَ الى أربعة أصناف: الثوّار الأحرار والأغلبية التي تساندهم ضدّ 

 الصنف الثاني ممثّلاً بالطبقة الحاكمة ورموزها من القوى المليشياوية والأوليغارشية مع مناصريهم من التحالفات، من حماة النظام، وهؤلاء يُدعون "الذيول" لإيران. والصنف الثالث هم المنفصلون عن الحراك الثوري، وعن النظام الحاكم، ويمثلهم الكرد وكلّ السّنة وبقية الأطياف الاجتماعية، وهؤلاء يترقبون التحوّلات الصعبة عن كثب. والصنف الرابع يمثلّه كلّ اللامبالين الذين لا يهمّهم ما يحدث على الأرض، وتمثّلهم شرائح المترقبين والخائفين، وأصحاب المصالح الخاصة، وكل الذين دمّرتهم السنوات العجاف.
اليوم، يبدو أنّ العراق على حافّة انفجار يسعى إليه النظام الحاكم، وجعل العراق ساحة حرب، إذ لا يمكن لإيران وذيولها في العراق البقاء ساكتين على الحراك الثوري، متخّذين من قتل الأميركان قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، على الأرض العراقية، حجّة للمطالبة بمغادرة القوات الاميركية العراق، وكأنهم اكتشفوها اليوم فقط. ليعلن مقتدى الصدر وجماعته من مدينة قم الإيرانية دعوته إلى مظاهرة مليونية في بغداد ضدّ الوجود الأميركي. ويبدو واضحاً أنهم يريدون إشعال فتيل حربٍ أهلية في العراق، وتطبيق السيناريو السوري لإفناء كل الأطياف في المجتمع العراقي. ويؤمن كلّ العراقيين إيمانا راسخا بأن وجود قوات أميركية هو بمثابة "بيضة القبان"، ووجودها يؤّمن إبقاء التوازن بين الفرقاء العراقيين، وأن خروج الأميركان من العراق سيجعله ميداناً مباحاً للتصفيات والتهجير والقتل والفصل الطائفي المستعر، بل وستكون كلّ طائفة وكلّ طيف في صراع قاتل مع نفسه، فالانقسامات ستتشظّى في حربٍ لا تبقي ولا تذر. وعليه، ينبغي أن يدرك كلّ عراقي ما ستؤول إليه نتائج بقاء الذيول في الحكم والسيطرة.
دعوة الصدر إلى مليونيةٍ ممالئةٍ لإيران ضدّ القوات الأميركية ستكون مصيدةً لحرب إبادة ضدّ الثوار العراقيين، من خلال انفجار خطير يسعى إلى تحقيقه النظام الحاكم بكل اتباعه للخلاص من أزمته، وهذا ما تخشى منه الجماهير التي تتطلّع إلى غدٍ أفضل وحياة كريمة بانتظاره، وهو فتح غير مخطط له أبداً ولا بمدروس البتة، إنه يمثل بالفعل انفجاراً شعبياً هادراً، قد تكون له نتائج خطيرة وتداعيات مريرة. وهناك من يسعى إلى إشعال الفتيل، كي يسحق الثورة وينهي حراكها الشعبي. وهنا لا بدّ من التنبيه من اندلاع حربٍ أهلية يسعى إليها هؤلاء من رموز الطبقة الحاكمة، خشية زوالهم على أيدي الثوار الأحرار الذين لا بدّ أن يتجسّد هدفهم بتبديل النظام والبدء بتاريخ جديد، خصوصاً مع استخدام "النظام"، ولمّا يزل، كلّ أدوات البطش وتنوّع وسائلها ضدّ المتظاهرين في القتل والخطف والقنص والاضطهاد والتفجير. وعليه، فإنّ الثوّار لا بدّ أن يطوّروا مطاليبهم مع مرور الزمن.
باتت الحقائقَ واضحة اليوم، ولا يمكن الدفاع أبداً عن خطايا تُرتكب، وجرائم تحدث. يصمت  الجميع لمداراة الوضع أو بالدفاع الذي لا معنى له، إذ على الشرفاء وكل الوطنيين أن يعارضوا ما يتم على أيدي مليشيات، لا أدري هل تسمّت هي بالحشد الشعبي، أم هي مندمجة فيها تحت مسمى "الفصائل"، وتعلن أنّ ولاءها لغير العراق، وكل الدلائل تشير إلى أنهّا تتكلم باسمه، وتفعل ما تشاء كونها "مليشيات طائفية"، كما يفتخر قادتها بذلك، وبأدوارها القبيحة في كلّ من العراق وسورية. وثمّة تصريحات على ألسنة قادتها أنفسهم بالثأر والانتقام من الآخرين، فماذا تسموّن ذلك؟ وإذ يقف بعضهم اليوم صامتاً إزاء هذا المارثون المخجل بحقّ العراقيين، فقد أثبت مقتدى الصدر أنه قد تقلّب كثيراً في مواقفه، وخدع ناسا كثيرين وقوى سياسية بحالته المطاطية وقفزاته من مكانٍ إلى آخر! أما أن يلجأ إلى إيران، ليُصدر قراراته من قم، بصدد العراق وشؤونه، فهذا غير مقبول البتة، وهو يعلم علم اليقين أن إرادة العراقيين ترفض رفضاً باتاً جعل العراق ساحة حرب، لتصفية حسابات أميركا وإيران على أراضيه. والنظام العراقي الحاكم سيجرّ العراق، رغم أنف شعبه، إلى حرب إبادة، وسيجعل كلّ العراقيين يدفعون أثمانا باهظة بإدخال العراق إلى الجحيم.
وأخيراً، متى يخجل هذا النظام الحاكم من قتل العراقيين؟ لماذا لم يُكشف عن أولئك الذين سماهم "الذيول"؟ متى تتوّقف هستيرية النظام، عندما ينتقد بعضهم سياساته الذيلية للآخرين في العراق؟ لماذا يثير الاستفزاز، ويعامل الناس أسوأ معاملة، وينعتهم بأسوأ النعوت؟
لو وقف على رأس العراق أي عراقي مخلص لإرادة أهله كلهم من دون محاصصة أو تمييز، ولو كان انتماؤه للعراق وطنيا وأبويا من دون أن يكون ألعوبةً بيد غيره، وأدخل كلّ العراقيين تحت مظلته لقبل الناس. تكمن المشكلة الأساسية في من يرى انتماءه لغيره، لا لأهله وترابه، وهو يرى نفسه متميزا عن الآخرين، ولا يريد أن يشرك الآخرين في صنع قرارات مصيرية. وكلّ من يصف الثوار الحقيقيين بأشنع الصفات، كونهم طالبوا بالعدالة وتغيير النظام. مصير العراق في خطر، عندما يندفع قادة المليشيات للتبرّع بالحرب، وتعريض العراقيين للهلاك، خصوصاً عندما يرى ملايين العراقيين أن المشروع الإيراني مصدر خطر على كلّ العراق والعراقيين.

·         (العربي الجديد) لندن

 

 


الجنرال قاسم سليماني ودوره في الشرق الاوسط:

الجنرال الغامض .. من يكون ؟ من مجرد حارس ليلي الى سردار كبير ومن قائد خفي الى لغز شهيرأ.د. سيّار الجَميل 

الحلقة الاولى

الحلقة الاولى : الجنرال الغامض .. من يكون ؟
من مجرد حارس ليلي الى سردار كبير
ومن قائد خفي الى لغز شهير

مقدمة :
هذه ” دراسة ” مختزلة عن الجنرال الايراني قاسم سليماني الذي شغل اسمه الناس، وأرعب بتدخلاته الواسعة في شؤون العراق وسوريا خلال 15 سنة مضت جملة من المسؤولين والرؤساء والوزراء والنواب والاحزاب ، بل وبدا المتنفذ الحقيقي في العراق وسياساته التي اتبعها من اجل تنفيذ اجندة ايران من خلال خططه وتشكيلاته وجماعاته وميليشياته ، دعوني أحلل ، من يكون هذا الرجل وما دوره المؤثر والقوي في صناعة الاحداث بمنطقتنا وفي الشرق الاوسط عموما ، وساكون موضوعيا الى حد كبير في تناول هذه ” الشخصية ” الغامضة التي شغلت حيزا بالغا في السياسة الايرانية وصناعة الحرب الاقليمية ، ولكن لا اضمن الا ان اكون منحازا للعراق وسوريا ضد اي مشروع يفرض من الخارج عليهما دون ارادة شعبيهما الرائعين ، فكثير من الناس تسمع باسم قاسم سليماني ، ولكن لا تعرف من يكون ؟ وما دوره الخطير في صنع الاحداث ؟ فضلا عن الاجابة على تساؤل مهم : كيف اكتسب هذا الرجل هذه القوة السياسية على عهد ولي الفقيه الايراني علي خامنئي ؟ وما الذي حققه لصالح ايران في الشرق الاوسط ، وخصوصا في سوريا والعراق ، وايضا في اليمن ولبنان ؟ وأود القول هنا ان ليس كل من خالف قاسم سليماني وعارض سياسات ايران المعاصرة يعدّ ممالئا للسياسة الاميركية ، او الاسرائيلية ، او انه داعشي ، او بعثي ، او وهابي كما جرت عليه سلسلة التهم الجاهزة من قبل عملاء ايران ومناصري سياساتها في المنطقة كلها ! ان اي مواطن لا يقبل تدخل اي اجنبي في شؤون بلده حتى لو كان من الملائكة ! لقد اعتمدت على مصادر موثوقة تأكدت من مصداقيتها باستثناء مراجع عادية وسياسية سواء تلك التي تسبّح بحمد سليماني وايران ولي الفقيه ، او تلك التي ليس لها الا الشتم والسباب .

اولا : قاسم سليماني : من يكون ؟
قاسم سليماني ، قائد عسكري فارسي من مواليد 11 مارس / أذار 1957) ، وصل الى مرتبة لواء في فيلق الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) ، ومنذ عام 1998 يتبوأ منصب قائد قوات القدس – وهي فرقة مسؤولة بشكل أساسي عن العمليات العسكرية والسرية خارج الحدود الإقليمية لايران. وهو من خلفية اجتماعية متواضعة في غربي ايران . بدأ مسيرته العسكرية منذ بداية الحرب العراقية الايرانية في عقد الثمانينيات ، اذ قاد ابان الحرب الفرقة 41. وقد شارك لاحقًا في عمليات خارج الحدود الإقليمية لايران باخلاص ، فاثبت كفاءته من اجل انتصار اجندة ايران السياسية الاقليمية ، حيث قدم مساعدة لوجستية للجماعات العراقية المعارضة لحكم صدام ، فارتبطت به تلك الجماعات بقوة وولاء منقطع النظير ، ثم ارتبط به حزب الله في لبنان لاحقا ، وللجنرال سليماني رأيه في حرب حزب الله مع اسرائيل كما يشرحها نفسه في واحد من لقاءاته الصحفية ، وكان له دوره في دعم الحكومة السورية بعد الثورة السورية ، فكان الحليف الإيراني الرئيسي للاسد خلال الحرب الأهلية السورية والتي اهلكت سوريا وسحقت العديد من مدنها ، بعيدا عن اية علاجات اخرى تقي سوريا شرور الارهاب والتدخلات الخارجية .
كما ساعد سليماني أيضًا في قيادة الحكومة العراقية المشتركة مع قوات الميليشيات التابعة له في الوقوف ضد داعش عامي 2014-2015. وعلى الرغم من ان الرجل يمتلك سجلا حافلا مثل هذا وذاك ، الا انه لم يعمل من اجل سواد عيون العراقيين او السوريين او غيرهم ، كما يتوهم السذج والمتعصبين والمغالين والمتطرفين ،اذ انه كان ولم يزل يعمل على تطبيق اجندة سياسية معينة تريد ايران نشرها بالقوة في العراق وسوريا ولبنان منذ تأسيس نظام ولي الفقيه فيها عام 1979 وحتى اليوم .

خلفية حياته وسيرته الشخصية
وُلد قاسم سليماني في قرية قناة مالك بمحافظة رابر او ( رافر ) بمقاطعة كرمان في قلب ايران والواقعة شرقي شيراز في عائلة فلاحية فقيرة. وهو فارسي من تلك المقاطعة النائية الموحشة التي تبعد عن طهران 960 كم ، وتبدو طبيعة جغرافيتها الكئيبة مرسومة على وجه الرجل . وهو ابن الحاج محمد سليماني وامه الحاجة فاطمة سليماني.
كان والده مزارعًا توفي عام 2017.وينتمي إلى عائلة تتكون من تسعة أفراد ولديه ثلاث شقيقات وشقيق واحد اسمه سوهراب ، الذي عاش وعمل مع سليماني في شبابه. وهو مدير عام سابق لسجون طهران. وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه في أبريل/ نيسان 2017 “لدوره في الانتهاكات في السجون الإيرانية”. كانت لقاسم شقيقة كبرى له اكبر منه 5 سنوات ، وهو الأوسط وسوهراب هو الأخ الأصغر للعائلة. ويذكر سوهراب في مقابلته بأن ابيه كان مزارعا ونحن اصلا نوع من البدو الرحل ،ولكن كان استقرارنا في مقاطعة كرمان، بمعنى ان اصله مجهولا ان كان من البدو الرحل في ايران ، اذ لم نعرف الى اية قبيلة ايرانية ينتمي مع عائلته .
كما تولى الحاج قاسم مسؤولية قوة القدس بعد طرده من جيش ثارالله – على حد زعم اخيه – ، وكان قاسم يشتغل قبل ذاك في هيئة المياه . وفي الحفل الختامي للمهرجان الدولي الرابع عشر لأفلام المقاومة الذي أقيم في برج ميلاد ، كان هناك ضيفان مميزان للغاية. فاطمة مغنية ابنة عماد مغنية وصديقتها زينب سليماني ، ابنة سردار قاسم سليماني ، وكانتا ضيفتا شرف الحفل .. في ذلك الوقت ، عمل الحاج قاسم في القسم الاداري بهيئة المياه ، ثم دخل في معترك العلاقات العامة ، وغدا رياضياً ، وكان يمتلك موهبة في الكاراتيه ثم عمل في نادي كمال الأجسام وكان أحد مدربي كمال الأجسام .وحصل بطولة في الكاراتيه وكان مدربًا للياقة البدنية في شبابه. لديه أربعة أطفال: ابنان وابنتان. وقد توفيت والدته فاطمة في عام 2013. انتقل في شبابه إلى مدينة كرمان وعمل عامل بناء كي يساعد والده في سداد الديون المستحقة عليه ، ولم يكمل دراسته في المدرسة . وفي عام 1975 ، بدأ العمل مقاولا لمنظمة مياه كرمان. واستهوته رياضة رفع الاثقال في اوقات فراغه ، فقضى وقته في عدة نواد رياضية محلية وحضور مواعظ الحجة كامياب وكان احد الملالي المتنقلين ومن المرتبطين بآية الله الخميني. وقد سهّل له اثر الثورة الايرانية الانضمام إلى الحرس الثوري الايراني عام 1979 ، التي شهدت تولّي الخميني السلطة.
وبالرغم من ان تدريبه كان ضئيلاً ، لكن وجدنا تقدّمه سريعا بعد ان كان مجرد حارس ليتمركز في شمال غربي إيران ، ويشارك في قمع الانتفاضة الكردية الانفصالية في مقاطعة أذربيجان الغربية.. ويبدو للمراقبين ان ثقافة الرجل محدودة جدا ، كونه لم يكمل تعليمه المدرسي ، او يتخّرج من اي معهد ، او مدرسة فنية ، او اكاديمية حربية ، ويبدو ان وقته لم يسمح له بالقراءة وتكوين ثقافة متواضعة لديه لا في الجغرافية ولا في التاريخ ، ولكنه ملتزم بقوة بشعائره وطقوسه، وهو مغامر ومحارب ومتشبّع بنزعته الفارسية ، ويرى ان عنصره اقوى العناصر البشرية ، وانه يعتقد ان مجد ايران لا يمكن بناؤه الا بالتوسع غربا باتجاه العراق وبلاد الشام وصولا الى المتوسط ، كما هي عادة اسلافه القدماء والجدد . وانه قد وجد ضالته في المبادئ المتطرفة التي اعاد تأسيسها ونشرها الامام اية الله الخميني بعنوان ” ولي الفقيه ” ، وهذا ما يقوله كلّ من عرفه عن قرب ، وسجل لنا سيرته الخاصة .
دخل قاسم سليماني أولاً فيلق القدس حارسا (فخريا) ، وكان يعتمد عليه في ترتيب أحد أهم المسيرات في كرمان ابان الثورة ، وعندما أعلن عن تشكيل الحرس الثوري ، كانت يحث الخطى بقوة للذهاب فوراً إلى الحرس الثوري الإيراني حارسا (فخريا) . وبعد الانتهاء من الدورات التدريبية في عملية قام بها طاقم خفيف في حميدية الأهواز ، تم إرساله كنائب ضابط في كتيبة الى كرمان. يستطرد اخوه سهراب قائلا : وكنت مع الحاج قاسم ، في تلك العملية عندما كنت في المدرسة الثانوية ، بالطبع ، في اثناء تلك العمليات ، كان السيد مهاجري المدير العام لسجن مقاطعة كرمان سابقا ، ودفعني قائد الكتيبة للانتقال إلى العمل في السجون ، وبعد ان أصيب القائد ، تولى الحاج قاسم مكانه ، وكم اراد ان اكون منضبطا ومطيعا ، ولكنني كنت غاضبا فتركت الجيش بعد ان تركت المدرسة ايضا . لقد بقيت مع اخي قاسم 5 سنوات ، وفي النهاية قاطعني قاسم بسبب المخالفات التي تعرضت لها. وبسبب عناد كل واحد منّا ،بعد ان كنت حارسا له حتى نهاية الحرب ، وقد اصبحت ضابطا قائدا في ن غدا الحاج قاسم سردار ا وكان وقته قليلا مع عائلته ، انه عاطفي للغاية ، ولكنه بقي يراقبني لأنني كنت أعمل في مؤسسة السجن والتواصل مع النزلاء ومراقبة حياة الأشخاص حتى لا يطاله الاحتقار بسببي ! فهل تجتمع العاطفة عند سليماني مع الصرامة ؟ وهل يعرف سليماني الرحمة وهو يمارس كل القسوة ؟
يقول سوهراب شقيق الجنرال الإيراني إن الحاج قاسم كان يتحمل العديد من المسؤوليات ، وجاء إلى المنطقة الشرقية من البلاد حتى بعد الحرب. ليزيل انعدام الأمن الذي كان قد تفشّى هناك بالقوة والصرامة ، وبقي حتى الآن ! وقد وصف جنرالات المنطقة بأنهم من المحاربين الفارغين في حين اثبت قاسم سليماني من قبل اسياده الاعلون إنه رجل يقف على المنحدرات بلا مشهد قتال ، بدلا من ثرثرة هوليوود ، وهو في الواقع ، رجل صعب المراس وبطل حقيقي – كما يقول مناصروه – ، وان حياته الخاصة هي بالتأكيد مثيرة للاهتمام لكثير من الناس سواء عند المعجبين به او المضادين له . وقد قال اخوه سوهراب سليماني المدير العام لسجون طهران في مقابلة أجرتها معه وكالة فارس للأنباء بأن شقيقه الذي اسماه بالسردار سليماني أنه قائد عالمي لا ينتمي لعائلتنا ، بل ينتمي الى بلد شيعي وشعب شيعي ، وحين التقى حاكم كرمان السابق مع والد سليماني منذ فترة ، سأله : هل تعرف مدى شهرة ابنك ؟ فاجابه الاب : إن ابني جندي إقليمي ، وهو مجرد علامة واحدة مرسومة على الدولة الإسلامية والشيعة في العالم .
يضيف اخوه قائلا : على الرغم من كونه جنرالا لقوة فيلق قدس ، ولكن من الصعب ان يتصالح مع حياته ، بل كثر انتباهه إلى المحيطين به ، ولم يتضاءل والحمد لله . . ان خصومه يتكاثرون وتزداد شائعاتهم ضدنا ومن تلك الشائعات : أن ابن عمدة طهران هو ابن الحاج قاسم سليماني ، وهذا غير صحيح على الإطلاق ، ولكن إحدى بنات الحاج قاسم متزوجة من ابن عمدة طهران! وقيل إن عماد مغنية كان صهرا لعائلتنا .. ومن يريد التفصيلات عن السيرة الذاتية للجنرال سليماني قراءة ما ورد عند : علي الفونه في قراءته الموسومة : “العميد قاسم سليماني: سيرة ذاتية” في توقعات الشرق الأوسط ( بالانكليزية ) 18 فبراير/ شباط 2013. ، ولكن ما جرى لما بعد 2013 من احداث دراماتيكية على الارض العربية ، فذلك بحاجة الى رصد لقرارات سليماني في ما يخص العراق وسوريا معا ، وكيف تحّول من الرجل الخفي الى الرجل اللغز ، كما وصفه علي المعموري في واحد من اهم تقاريره . كما ان د. اياد علاوي رئيس وزراء العراق الاسبق وصف سليماني في واحد من لقاءاته التلفزيونية ان الاخير قد زاره في بيته وبمعيته بعض حاشيته ، قال علاوي يصف سليماني أنه دمث الاخلاق ويتكلم بمرونه عاليه ، وليس عدوانيا ، وقد طلب منه تنفيذ بعض الامور ، رفضها علاوي ، واجابه بأنه يرفض تدخلات ايران في العراق ! ولكن المرء يجد نفسه امام سليماني خطيبا صارما ، وهو يوجه عام 2018 خطابا شديد اللهجة ضد الرئيس الاميركي ترامب ويتحداه شخصيا ، واصفا اياه بعديم الاخلاق ، وادان سياساته وتدخلاته في شؤون ايران واهانتها !! قلت لنفسي : الم يكن للعراق وسوريا كرامة عندما تدخّل سليماني نفسه في شؤونهما ؟؟

تسلّقه العسكري وتكوينه الايديولوجي
لما اندلعت الحرب بين ايران والعراق ( في 22 سبتمبر 1980 حسب ما تدّعيه ايران ) ، والتي دامت ثمان سنوات (1980-1988) ، انضم قاسم سليماني إلى ساحة المعركة ، اذ جمع شخصيا مجموعة عسكرية من اقليم كرمان ، وقام بتدريبهم وزج نفسه في القتال بمعيتهم ، فسرعان ما اكتسب سمعة لدى السلطات الايرانية واشتهر لديهم بشجاعته وموالاته حتى العظم ، فكان ان اغتنم الفرصة وتسلق الصفوف في الحرس الثوري ، وقام بعمليات ناجحة في استعادة الأراضي التي احتلها العراق ، ليصبح في نهاية المطاف قائد فرقة سارالاس الحادية والأربعين ، وكان لم يزل في العشرينات من عمره ، وبقي محاربا ومشاركا في معظم العمليات الرئيسيةالمتركزة في الجبهة الجنوبية للحرب . لقد أصيب بجروح بالغة في احدى العمليات التي وصفها بأنها ” افضل عملية لا تنسى للغاية نظرا لصعوبتها وقساوتها ” وذلك في مقابلة أجريت عام 1990 ، كما شارك في قيادة وتنظيم مهام الحرب غير النظامية في عمق العراق ، والتي نفذها في تلك المرحلة ، مؤسسا لعلاقات وشيجة مع منظمة بدر والكرد المناوئين لصدام في العراق . وكان سليماني قد عارض خطة ايرانية رسمتها قيادة الحرس الثوري لتشر قوات في جزيرتين غرب ارفاندرود ( نهر شط العرب بالفارسية ) في 17 يوليو / تموز 1985 . وكان مقترحه صائبا لدى الايرانيين .
نصّب بعد الحرب قائدًا في الحرس الثوري الإيراني في مقاطعة كرمان ابان التسعينيات . ونجح في تهريب الافيون الافغاني الى تركيا واوروبا ، بحكم علاقاته المتينة مع الافغان العرب – ثمة تفصيلات عند علي صوفان في كتابه الجديد ” تشريح الإرهاب من رحيل بن لادن إلى صعود الدولة الإسلامية ” ، كما ساعدته خبرته العسكرية الناجحة ضد تهريب المخدرات. وخلال تمرّد الطلاب في العاصمة طهران عام 1999 ، كان سليماني أحد ضباط الحرس الثوري الإيراني الذين وقعوا رسالة إلى الرئيس محمد خاتمي. ذكرت الرسالة أنه إذا لم يقم خاتمي بسحق التمرد الطلابي ، فإن الجيش سيفعل ذلك ، وقد يشن أيضًا انقلابًا ضد خاتمي. فما قصة هذه الرسالة ؟
في عام 1999 ، وقع سليماني ، إلى جانب كبار قادة الحرس الثوري الإيراني ، رسالة إلى الرئيس آنذاك محمد خاتمي بشأن الاحتجاجات الطلابية في يوليو / تموز. لقد كتبوا له قائلين : “عزيزي السيد خاتمي ، كم من الوقت يتعين علينا أن نذرف الدموع ، والحزن على الأحداث ، وممارسة الديمقراطية عن طريق الفوضى والشتائم ، والصبر الثوري على حساب تخريب النظام؟ عزيزي الرئيس ، إذا كنت لا تجعل لك قرارًا ثوريًا ويتصرف وفقًا لمهامك الإسلامية والوطنية ، سيكون الغد متأخراً للغاية ولا يمكن استرجاعه ولا يمكن حتى تخيله. ” !

قيادة قوة فيلق قدس وأدواره
لا يعرف بدقة متى تمّ تنصيبه قائدا لقوات فيلق قدس في الحرس الثوري الإيراني ، ولكن يرجح ان يكون ذلك بين 10 سبتمبر/ ايلول 1997 و 21 مارس/ آذار 1998. وكان يعد أحد القادة المحتملين لمنصب قائد الحرس الثوري الإيراني ، عندما غادر اللواء يحيى رحيم صفوي هذا المنصب عام 2007. وفي عام 2008 بدأ يلمع اسمه نظير المقترحات التي كان يقدمها بكل هدوء ، وكان سليماني قد قاد مجموعة من المحققين الإيرانيين الذين يبحثون في وفاة عماد مغنية. كما تقول معلومة مهمة ان سليماني قد ساعد في ترتيب وقف لإطلاق النار بين الجيش العراقي وجيش المهدي في شهر آذار / مارس 2008. في عام 2009 ، ذكر تقرير تم تسريبه أن الجنرال سليماني التقى كريستوفر آر هيل والجنرال ريموند تي. أوديرنو (أكبر مسؤولي أمريكا في بغداد في ذلك الوقت) في مكتب الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني (الذي عرف الجنرال سليماني منذ عقود زمنية ، وكان يخشى منه ).

احاديته وفرديته
في أعقاب هجمات 11 ايلول / سبتمبر 2001 ، سافر ريان كروكر ، وهو مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية في الولايات المتحدة الاميركية ، إلى جنيف للقاء الدبلوماسيين الإيرانيين الذين كانوا تحت إشراف قاسم سليماني بهدف التعاون لتدمير طالبان في افغانستان . كان ذلك التعاون فعالاً في تحديد أهداف عمليات القصف في أفغانستان وفي القبض على العناصر الرئيسية في تنظيم القاعدة ، لكن الاجتماع انتهى بصورة غامضة ومفاجئة في يناير / كانون الثاني 2002 ، اذ اكتشفت علاقة خفية لايران بطالبان فقام جورج دبليو بوش بالاعلان على ان إيران تعد جزءا من “محور الشر” لمشاركتها في الارهاب .
في 24 يناير / كانون الثاني 2011 ، تمت ترقية سليماني إلى مرتبة اللواء من قبل القائد الأعلى علي خامنئي. يوصف خامنئي بأنه يرتبط بعلاقة وثيقة معه ، ويساعده مالياً وقد وصف سليماني بأنه “شهيد حي” ، وهنا يجعله بمنزلة السيد المسيح (ع ) ( كذا ) . لقد تم وصف سليماني بأنه “أقوى رجل منفرد في الشرق الأوسط اليوم” والاستراتيجي العسكري الرئيسي والتكتيكي في الجهود الإيرانية لمكافحة التأثير الغربي وتعزيز توسع النفوذ الشيعي والإيراني في جميع أنحاء الشرق الأوسط. في العراق ، كقائد لقوة قدس ، يُعتقد أنه كان له تأثير قوي على تنظيم الحكومة العراقية وتسمية اعضائها واحدا واحدا ، ولا سيما دعمه لانتخاب رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي. حتى أن سليماني وصف بأنه في ايران يشبه “إيروين رومل” القائد الالماني الذي دعي بـ ” ثعلب الصحراء ” ابان الحرب العالمية الثانية . ووفقا لبعض المصادر ، فإن سليماني هو القائد الرئيسي للمهندس العسكري للحزب الشيعي اللبناني حزب الله منذ تنصيبه قائدا لجيش القدس في عام 1998. وقد وصفته جوانا باراسزكوك في دراستها عنه في مجلة ” الاتلانتيك ” عام 2014 ، بأن سليماني هو “قائد الظل” الإيراني يخطو خطوات نحو النور “. اذ بعد ان كان خفيا ، بدأ يظهر للعيان متنقلا من مكان الى آخر ، وقد اتخذ بغداد مركزا لتحركاته في المنطقة – كما يعلمنا احد التقارير – .

مقاربة في فهم شخصيته القيادية الغامضة
وقد سجل اكثر من مراقب ان سليماني يتمتع بحضور هادئ جدا ، وتبدو على محياة سمة التواضع والاخلاق العالية ، ولا يتكلف الابتسامة الا مع من هم قد كسبوا ثقته فقط ، اذ له نظرات باردة وزائغة ولكنها ذات مغزى عميق ، يتعمد ان يبدو ثقيلا جدا ويحمل نفسه الكثير عندما يتكلم “بشكل غير واضح ونادراً ما يرفع صوته” ، اذ يعتقد ان صرامته في نظراته وقوته في شروده في الفراغ كما تفعل الذئاب ، وقد وصفه ديكستر فيلكينز في كتابه الذي اصدره منذ العام 2013 بـ “قائد الظل” ، وقال بأنه دوما ما يتحرك في الظل ، اذ يظهر فجأة ويختفي فجأة ، وكأنه حارس ليل ، ولكنه يدير المفاجئات بطريقة صامتة ويختفي بعد ان يفعل فعلته ، وهذا ما أكده كامبيز فوروهار عندما وصفه بـ “قائد الظل الإيراني”.!
سليماني هو القائد الوحيد المستمر في توجيه وخوض العمليات منذ حقبة الدفاع المقدس، وقد حصل على عدة اوسمة، كان آخرها وسام ذو الفقار الذي يعتبر أعلى وسام يقلد للقادة العسكريين من قبل المرشد الاعلى علي خامنئي وهو اعلى وسام يمنح للقادة العسكريين. وقد قال قائد الثورة الاسلامية بشأن اللواء سليماني، ” انه الشهيد الحي، وهو يمكنه ان يشفع في الآخرة ” ( كذا ، فهذا كلام لا يمكن ان يصدر عن رجل عاقل !) . ويقال ان سليماني قد تعرّض لعدة محاولات اغتيال ولم تنجح ، كما وانه جرح عدة مرات ، واسعف مباشرة . ويعده مير لنج في كتابه : ” الحروب العربية الجديدة ” انه احد الذين اشعلوا الفتن والحروب الاهلية في بلدان عربية مهمة ” !
ونظرا للدور الكبير والواضح للقوة التي يقودها اللواء سليماني في محاربة اعداء الثورة الاسلامية خارج الحدود، والتي مازلنا نشهد تجسدها الملموس في سوريا والعراق و…، فيمكن القول انه القائد الوحيد الذي مازال متواجدا في ساحة المعركة؛ القائد الذي قال عنه قائد الثورة: انه عرض نفسه للخطر مرارا ومرارا في مهاجمة الاعداء، وقد جاهد في سبيل الله ولله ومخلصا لله.. ولقد صور سليماني وهو يدور مع حراسه في شوارع حلب بعد حطامها ، وشوهد في قلعة حلب متشفيا ، كما انه تواجد خفية في الموصل بعد انسحاقها وتحريرها من داعش ليقف على قلعة باشطابيا متنكرا ، وهو يشكر الله لأنه انتقم من الموصل انتقاما يليق بها ( كذا ) ! ويذكر جيمس فيريني في كتابه الجديد ” ان عليهم الآن الموت: الموصل وسقوط دولة الخلافة ” بأن ثمة قرارات خاطئة في تحرير الموصل من بطش داعش، اذ كانت السلطات المشتركة في كل من ايران والعراق ويقف سليماني على رأسها يعتبرون الموصل قاعدة للسنة الاشرار ويتوجب عقوبتها وقد سحقت بضراوة بالغة منذ ان سمح لداعش بدخولها والسيطرة عليها والبطش بسكانها وحتى تحريرها ، وان مناشدة رئيس الوزراء حيدر العبادي لسكانها اكثر من مرة ان يبقوا في بيوتهم ولا يخرجوا منها عند التحرير ، كانت في الاصل اوامر سليماني له حتى يتم سحقهم احياء تحت الانقاض ..!!

انتهت الحلقة الاولى

 

الحلقة الثانية

 

الجنرال قاسم سليماني ودوره في الشرق الاوسط الحلقة الثانية :

كيف أسّس السردار هيمنته الخطيرة في العراق ؟

الجنرال قاسم سليماني ودوره في الشرق الاوسط
كيف أسّس السردار هيمنته الخطيرة في العراق ؟

مقدمة
لم يكن الجنرال الايراني ( او: السردار ) الحاج قاسم سليماني “جنرال ظل” ، او “الجنرال الشبح” ، أو “حفيد كورش” كما يصفه الإعلام الإيراني ويفاخر به العالم ، زعيما كبقية الزعماء او الضباط ، ولم يكن مسؤولاً عادياً في إيران، فلقد تنوعت خصاله ومواصفاته ، وتعددت صلاحياته ومسؤولياته بين دعم عسكري لوجستي لميليشيات تباينت أسماؤها في العراق وسوريا واليمن ولبنان وأفغانستان وباكستان، مع خروقات اقليمية لا حد لها لشؤون الاخرين ، فضلا عن تدخلات سياسية في شؤون بلدان اخرى تتجاوز العلاقات الخارجية والدبلوماسية الى فرض الهيمنة واصدار القرارات ، وفي ايران اخترق هذا الشخص حجمه ليصل الى درجة تعيين سفراء لإيران في الدول التي تستعر فيها الصراعات الإقليمية. واذا كان له هذا الدور في بلاده ، فقد تعدّى حدوده ليجعل من العراق وسوريا ولبنان مسرحا له يصول ويجول فيها ، ويبّت في شؤونها الداخلية في تعيين رؤسائها ومسؤوليها .. فكيف نجح في اختراق العراق والسيطرة على مقدراته ، بل وحتى على موارده ؟ وكيف هيمن على الحياة السياسية فيه ؟ ان المؤرخين في المستقبل سيسمون هذا الزمن للشرق الاوسط باسم عهد سليماني .. دعونا نتأمل في كيفية تأسيس هيمنته بعيدا عن التعّصب له والانحناء نحوه والتفاخر به وبعيدا أيضا عن شتمه ووصفه بأسوأ النعوت .

كيف اسس سليماني ادارته لشؤون المنطقة من العراق ؟
كتب مارتن تشولوف تقريره عن الجنرال الإيراني قاسم سليماني ونشره في 28 تموز / يوليو 2011 بوجهه الغامض ونظراته الزائغة وعقيدته الفارسية، وهو صاحب نفوذ كبير في العراق والمنطقة لدرجة أن البغداديين يعتقدون أنه يسيطر على البلاد من دون ان يعلموا ما الذي يفعله في الكواليس الخفية وهو يدير شؤون المنطقة كلها سراً من بغداد . ولقد اعادت الكارديان نشر التقرير مؤخرا ، وجاء فيه ان سليماني لا يقود مجرد لواء من المليشيا ، بل بأمرته عشرات المليشيات ، وقال خصمه ديفيد بتريوس انه تلقى في اوائل 2008 رسالة منه تقول : “الجنرال بترايوس ، عليك أن تعلم أنني قاسم سليماني ، أطبّق سياسة إيران واتحكّم بالعراق ولبنان وغزة وأفغانستان. ” لقد كان ذلك من اكبر خطايا الاميركان عندما تركوا العراق لقمة سائغة بافواه الايرانيين ، اذ لم تعد هناك حاجة لبتريوس. فتمّ تقويض مهام الاميركان في العراق ، وقام بترايوس ( منذ 2010 ) باخبار مراكز بحوث ومعهد دراسات الحرب عن مشكلة سليماني معه باتساع نفوذ الاخير اتساعا كبيرا، وان الدبلوماسية صعبة جداً لأنّ التعامل هنا مع عصابة في المنطقة طوال 3 سنوات ، وخصوصاً بعد أن غدت سوريا في دائرة نفوذ ايران الواسع .
كان النظام السوري وعلى مدى سنوات يجلب الارهابيين العرب ويدربهم ويمنحهم المال والسلاح ويرسلهم الى دواخل العراق عبر الحدود ليؤسسوا لهم نفوذهم باساليب عنيفة وقذرة ولا اخلاقية في القتل والذبح والتفجير وزرع العبوات ، ويقول تقرير منشور عام 2008 بأن ايران هي التي كانت تخطط ذلك مستخدمة النظام العميل لها في سوريا ، وان العديد من المسؤولين العراقيين يعلمون ذلك ، ولما اعترض المالكي على ارسال سوريا للارهابيين الى العراق باوامر من بشار الاسد وطلب محاكمته لما كان يفعله بالعراقيين ، اسكتت ايران المالكي والقمته حجرا ، فراح المالكي ليكون ربيبا تافها لايران رقم 1 ، وذيلا لقاسم سليماني ، علما بأن ايران كانت ممر عبور بين العراق وافغانستان . ( انظر : “Iranian who brokered Iraqi peace is on U.S. terrorist watch list”. McClatchy Newspapers. 31 March 2008. Archived from the original on 18 July 2008 ).

قوة سليماني تترسخ من خلال تفاهة المسؤولين العراقيين
لقد نجح سليماني ان يؤسس له نفوذه الصلب والصارم في العراق منذ ذلك الوقت وقد استخدم شتى الوسائل للوصول الى ذلك ، ومنه ليتحكم في شؤون الشرق الاوسط . لقد اكتشفنا قوّة العلاقة بينه وبين المسؤولين العراقيين، فمنهم من هو معجبٌ به ، ومنهم من كان يخشاه ويرتعب منه ، ومنهم وزير أمن الدولة العراقي السابق شروان الوائلي وكان يخشى سليماني كثيراً، اذ تتغير لهجته ويتلعثم بمجرّد ذكر اسمه أمامه وهو احد اتباع ايران ، وكان شروان يمنحها العطاءات بمعرفة الجميع . لقد أنكر أن إيران لعبت دوراً واسع النطاق في العراق، وتجاهل السؤال : متى كانت آخر مرة وصل سليماني المنطقة الخضراء، وهي المنطقة الحكومية المحصنة في قلب بغداد؟ اهتزت يد الوائلي اليسرى قليلاً ، وابتلع ريقه وحكّ جبينه. وقال: “تقصد سيد قاسم سليماني” ، وأضفى عليه شرفًا وتقديراً.. ان سليماني في بغداد، ولا يوجد اسم آخر يضاهي صولته ومكانته ، ويدرك بعض العراقيين ان قوة العراق غدت فجأة بيد جنرال ايراني غامض، وهذا ما يثير الانزعاج وعدم اليقين والخوف. لكن اتباعه من الكثرة بمكان وأغلبهم يتمّسحون بايران ، فهذا موفق الربيعي ، وزير الأمن القومي العراقي السابق ، يقول في يوليو / تموز 2010: بأن “سليماني أقوى رجل في العراق بلا شك. لم يحدث شيء في العراق من دونه”. ولكن حتى الآن لا أحد من العراقيين يتحدث بصراحة عن هذا الجنرال الإيراني الغامض ، وعن الدور الذي يلعبه في العراق ، وكيف يشكّل جداول أعمال رئيسية لا مثيل لها ويفرض هيمنته ويخضع له الجميع. وقال مسؤول أمريكي رفيع المستوى “بإنهم مشغولون للغاية في التعامل مع النتائج”. “فهذا الرجل يملي الشروط ثم يجعل الأمور تحدث ، ويترك العراقيين يديرون موقفًا مليئا بالازمات لم يكن لهم أي تدخل فيها ” . ان سليماني لا تهمه حالات العراق الامنية بقدر ما يهمه ابقاء نفوذه مهيمنا باسم ايران ومشروعها ..

قاسم سليماني وسياساته الصعبة
كان قاسم سليماني قد تسلّق بثبات في صفوف الجيش الإيراني منذ 1979 وحتى 2002 ، وتم تعيينه لقيادة فيلق جيش قدس التابع للحرس الثوري، وهو جيش لا مثيل له مهمته الأساسية المعلنة هي حماية الثورة، ولكنه مسؤول أيضًا عن تصدير أهداف الثورة إلى أجزاء مهمّة وجيوستراتيجية من العالم العربي . ولقي تعاطفاً من المجتمعات الشيعية في جميع أنحاء المنطقة كونها الارض الخصبة لرسائل ولي الفقيه الثورية، فتشكلت شراكات عميقة ودائمة لجماعات وأحزاب وقوى تحت هيمنة قاسم سليماني الذي كان يشتري النفوس الضعيفة والمواقف بسرعة نظرا لكثرة المرتزقة اولا ، ولاتساع حجم المتأثرين بالقداسة الايرانية ثانيا .
كان العراق ساحة رئيسية يصول سليماني ويجول فيها ، اذ شهدت السنوات الثماني الماضية حروباً عاصفة ونزاعات أهلية وآثاراً طائفية مدّمرة وهجمات ارهابية وسيناريوهات لا اخلاقية ولم تزل تفاعلاتها ساخنة حتى اليوم. وقال احد المشاركين في نظام الحكم في العراق بأن قوة قاسم سليماني ” تأتي مباشرة من ولي الفقيه خامنئي.. وإنها تتجاوز الجميع ، بمن فيهم أحمدي نجاد ” . وعليه ، فان سليماني اخطر من رئيس الجمهورية الاسلامية في داخل ايران وخارجها . وتابع المسؤول العراقي قوله : “كلّ الأشخاص المهميّن في العراق ينقادون اليه لتقديم الولاء له. الناس مفتونون به ويرونه ملاكا” ! لكن من وجهة نظر آخرى فهو سيد المجرمين وشرير اسطوري يشتبه به مذ اعتاد ممارسة الرعب والقسوة والتأثير المهيمن على الجميع ويحمل ركاما من الكراهية والاحقاد على العرب بالذات .. عنده استعداد ان يقتل كل العالم من اجل البقاء في السلطة ! ويعلق احد الاميركان قائلا : “لم يكن أحد يعرف من هو هذا الرجل فهو نفسه. إنه في كل مكان ، لكن ليس في أي مكان” !
وأضاف نائب شيعي بارز: “لقد تمّكن سليماني من إقامة روابط مع كلّ مجموعة شيعية على حدة .. وفي اجتماع عقد بدمشق تمخّض عن تشكيل الحكومة العراقية ، كان سليماني يدير الاجتماع مع قادة من سوريا وتركيا وإيران وحزب الله. “لقد أجبرهم جميعًا على تغيير رأيهم وتعيين المالكي زعيماً لولاية ثانية” . وعلى مدى السنوات الخمس التي قضاها المالكي في السلطة، مُنح سليماني جميع مستشاريه الرئيسيين صلاحيات كبرى في إيران ليحكموا العراقيين ، وكان الجنرال نفسه يلتقي الرئيس العراقي جلال طالباني بانتظام ، وأحيانًا على طول الحدود التي تفصل بين البلدين ليتلقى طالباني منه الاوامر !

استراتيجية ايران باتجاه العراق وسوريا
أن إستراتيجية إيران في العراق مع انتهاء النزاع المزمن بين الطرفين تتمّثل في إبقاء العراق في حالة فوضى دائمة يمكن السيطرة عليها. وقال مسؤول لبناني في بيروت “إن الايرانيين يبقون منطقتنا على نار هادئة ويديرونها صعوداً وهبوطاً عندما يريدون ذلك”. ويقول اللواء الاميركي جيفري بوكانان. “كانت استراتيجية ايران الشاملة هي إبقاء [العراق] معزولًا عن بقية جيرانه العرب وعن الولايات المتحدة ، ايران تريد من العراق مشلولاً ويلعب دورًا ضعيفًا وليس فعالًا”. ويقول سياسي كردي مستقل : “قاسم سليماني هو الرجل الرئيسي في كلّ قرار يتخذ في العراق.” ويضيف ” من العار أن يلعب مثل هذا الرجل دورًا نافذاً في هذا البلد. يجب أن تكون هناك علاقة طبيعية مع الدول المجاورة”.
وشارك قاسم سليماني في قمع الثورة السورية بتحويل سوريا الى بركة دم . لقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات شخصية على سليماني واثنين من الجنرالات الايرانيين الآخرين نظراً لتنظيم الحملة التي يعتقد أنها قتلت أكثر من 1600 مدني “.. وكان لجهود سليماني الدور البالغ في ابقاء السلطة بيد بشار الأسد ، اذ عدَ سقوط الأسد نكسة استراتيجية خطيرة لإيران وسليماني بالذات . ولولا تدّفق الأسلحة عبر العراق أيّ من حدود دولة (ذات سيادة) ! و”إنها أسلحة مدمّرة ولا يمكن أبداً إنكار مسؤوليتها”. . واذا كان سليماني يعده الشيعة بطلاً منقذاً ويعجبون بمهاراته وموهبته واخلاقياته ، فانّ السنّة لا يطيقون ذكر أسمه كونه مصدر فجائع الشرق الاوسط برمته . أما الاميركان، فهم يشعرون بالحيرة تجاه أهدافه. ويدافع كل المناصرين والمؤيدين العراقيين لقاسم سليماني عنه وعن اهدافه ، ويتوقفون في ردّهم على معارضيهم من خصوم سليماني ليقولوا بأن الرجل دافع عن العراق والعراقيين ضد داعش ولولاه لكان العراق غدا لقمة سائغة في افواه الدواعش ..
انظر : ” Ali Mamouri, “The enigma of Qasem Soleimani and his role in Iraq”.
AL-MONITOR , 13 October 2013
وهنا نسأل هؤلاء : هل كانت الحرب ضد الدواعش فقط ، ام ذهب بجريرتهم الاف الابرياء سواء في تهجيرهم وقتل شبابهم وسحق مدنهم والاعلان عن اخذ الثأر والانتقام – كما جاء ذلك على لسان قيس الخزعلي – وتصفية حسابات طائفية بشكل علني مفضوح ؟ وهل جاء سليماني للعراق من اجل تحريره من داعش ؟ ام جاء منذ اكثر من عشر سنوات وهيمن على مقاليده بحيث اخذ يعين الرؤساء والوزراء في العراق ، ويصدر القرارات ويحرك المليشيات ويسحق التظاهرات وينفذ استراتيجيته الايرانية منتهكا سيادة العراق وكرامته؟ وبأية مشروعية يتدخّل ايراني بشؤون بلاد عربية وخاصة سوريا والعراق ؟

واخيراً أقول :
ان ” التقرير ” بجملته هو ادانة فاضحة للسياسة الاميركية في العراق لما فعلته عندما تركت ايران تعبث بالعراق بالطريقة التي دامت سنوات طوال حتى نال العراق كل الدمار ، فان كانت اميركا تعلم كلّ هذا وذاك عن هذا الجنرال الايراني ، فلماذا تركت مصير العراق بيديه طوال هذي السنوات ، وبالتالي جعلت كل المنطقة مشحونة بالبؤس والصراعات ومصبوغة بالدماء مع مقتل الاف البشر وتهجير الالاف مع سحق المدن ؟ لماذا بقي سليماني كل هذي السنين وهو يعبث بالعراق حتى اليوم ويهيمن على مقاليده ؟ ثم لماذا يثار هذا ” التقرير ” اليوم ؟

كتبت هذه ” الدراسة ” بالانكليزية قبل شهر تقريبا ، اي قبل مصرع قاسم سليماني من قبل الاميركيين. وتترجم على حلقات وتنشر باللغة العربية .
تنشر هذه الحلقة على الموقع الرسمي للدكتور سيار الجميل بتاريخ 4 / 1/ 2020

http://sayyaraljamil.com/


انتظروا الحلقة الثالثة ( وسيكون موضوع حلقتنا القادمة عن دور سليماني في سوريا).

 

من يقف ضدّ

الثورة في العراق؟

سيار الجميل

العراقيون اليوم في مخاضِ ثورةٍ شعبيةٍ واسعةٍ من أجل تحقيق أهداف وطنية عليا افتقدها العراق منذ سنوات طوال، وظهر أنّ المسؤولين جميعهم لم يستجيبوا لنداء الثورة، كونهم يدورون في حلقة منظومة واحدة، ولهم شبكاتهم ومصالحهم، مهما كانت انتماءاتهم السياسية. وهي حالة غريبة جداً أن يبقى الكلّ في طرف والشعب في طرفٍ آخر. ولكي يهرب النظام من جرمهِ، ابتدع تسمية الطرف الثالث! ولكن ثمّة من يلعب على الحبال كطابور خفي، يعلن تأييده الثورة ويخفي ولاءه للنظام. وعليه، ينقسم المجتمع العراقي على نفسه بين ثائرين ومناصرين، وبين متسلّطين وموالين. وهناك ملايين مع الثوّار الصامدين مع آخرين صامتين. ولكن هناك من لا يُستهان بهم من رجال دين طائفيين تافهين ومنتفعين ومرتزقة وفاسدين من عموم المجتمع، يتسمون بشخصياتهم المهزوزة وسايكولوجياتهم المريضة.

في كل مجتمع أخيار وأشرار، فإن كان المتسلطون من الأشرار الفاسدين ومرتزقتهم والمتحزبين لهم، فإن العراق لم يعدم من ملايين الأخيار الذين تحرّك وعيهم اليوم، وثاروا ضدّ كلّ الممارسات التي زاولها نظام الحكم بكلّ رؤسائه ووزرائه ونوابه، وكل أساليب المسؤولين القذرة التي عرفها كلّ العالم، أن العراقيين لم يحسبوا أنّ الطبقة السياسية الحاكمة شريرة ومجرمة إلى هذا الحدّ، وأنها بلا شخصية ولا أخلاق ولا تعرف إلا الخسّة والنذالة في قتل المعارضين السلميين المسالمين، واستخدام أبشع الوسائل في القهر والاضطهاد أو في القتل والإعدامات بالجملة في سلسلة مذابح ومجازر في بغداد ومدن أخرى. وهناك من يأتي ليمتدح  

هؤلاء القتلة، ويبرّر لهم جرائمهم. هل هناك عراقي شريف يقبل بهؤلاء حكاماً بعد اليوم؟ سيسدل الستار عليهم قريباً، وقد سجّلوا أسوأ صفحات التاريخ على مدى 16 سنة مضت.
لا يلام بعد اليوم من يستخدم أقسى الكلمات الجارحة بحقّ الأشرار ومرتزقة المليشيات القذرة، وكلّ من يؤيدهم من الإعلاميين والكتاب المأجورين.. هؤلاء ليسوا عراقيين أصلاء، وليست لهم نخوتهم وأخلاقهم وقيمهم. هم من سقط المتاع، وقد استخدموا التزوير والغش والتضليل، واشتروا الذمم الرخيصة، كي يحكموا العراق من خلال عصاباتهم وأحزابهم وتكتلاتهم وحشودهم ومليشياتهم، وهم نسيج من المخزيات، واحدهم يحمل صفات الآخر. يكرهون العراق وأهله الكرام كراهية عمياء، بل ويكرهون العرب والعروبة حتى النخاع، إذ يحملون سمات الشعوبية المقيتة، وستتم إزاحتهم، فقد فقدوا ورقة التوت وبانت عوراتهم، فهل من منتصر لهم بعد اليوم؟ وهل من مؤيد لهم بعد اليوم؟ وهل سينتخبهم أحد..
يبدو أن السنة الجديدة المقبلة حبلى بالأحداث والوقائع التي ستغيّر مجرى تاريخ صعب. ويدرك العقلاء أنّ كلّ من يقف ضد الثورة العراقية اليوم إنما يدرك أن جدار العراق إن سقط، فسوف  

يسقط النظام السوري من بعده لا محالة، وتتحول خريطة الأنظمة السياسية، لأن إيران سوف تفتقد معبرها نحو المتوسط.
كلّ من يقف ضدّ أهله الثوار ويصفهم بالمخرّبين والمندسين، ويوزّع أوصافه البذيئة من دون لغة مهذّبة، أو نقده الموقف نقداً نزيهاً وعقلانياً فيه قليل من الرجولة والحجج والبراهين، فهو مارق ووصولي، وقد سقطت كلّ أوراقه. وعليه، فالمشكلة الحقيقية ليست في منظومة من الساسة ورجال الدين التافهين الذين فهم العالم ديدنهم اليوم في حكمهم للعراق، ولكن المشكلة في من يؤيدهم من الطوابير الخامسة الخفيّة التي تظهر وتختفي، والتي توارثت الخيانة والأحقاد منذ مئات السنين.
بات العراقيون بأمسّ الحاجة لأن ينسوا خلافاتهم، وأن يتحدوا الآن باصطفاف وطني واحد، وباتجاه هدفٍ واحد، لاستعادة وطن عزيز ذبحه الأشقياء والعملاء والأغبياء والملالي، وكلّ الفاسدين والطفيليين الطارئين والمارقين والمرتزقة الذين عاثوا بالعراق فساداً، ووصل طغيانهم إلى قتل العراقيين وخطف النسوة في الشوارع، فليكن كلّ العراق كتلة واحدة متراصّة ضدّ هذه الطغمة الباغية الحاكمة، وكل من يناصرها زورا وبهتانا..
العالم يسألكم: كيف تحكمون والشعب يرفضكم؟ كيف تقتلون الشباب بدم بارد؟ كيف ترفضون الحلّ الأمني، وأنتم تستخدمون كلّ وسائل العنف المحرّمة؟ أنتم بلا حياء، عندما تسمعون كلّ ما يسيء إليكم، وإلى وجودكم ومستقبلكم؟ كيف تواجهون شعبكم، وأنتم تحتكرون السلطة احتكاراً؟ هل من الأخلاق أن تبقوا في السلطة، وأنتم قد مارستم الجريمة والمجازر بأقنعة متعدّدة؟ هل من الأخلاق أن تعدوا العالم بأنكم ستكشفون عن أسماء القتلة وأنتم تكذبون؟ لو لم تكونوا جبناء لنزلتم إلى الشوارع معلنين استقالاتكم؟ لقد نزعتم بأنفسكم الأستار وبانت عوراتكم جميعاً .
تصطف جوقات من العراقيين المتحزبين اليوم مع النظام الحالي، وهؤلاء ضدّ الثورة والثوّار،  

ولم يزل قمعهم بكلّ الوسائل غير الأخلاقية وبكلّ الأسلحة. أية دولة هذه التي تريد أن تذهب إلى اللادولة؟ أيّة مشروعية بقيت لكم، يا قتلة المواطنين العراقيين الأبرار الأحرار، وأنتم ما زلتم في الحكم وتريدونه بأية وسيلة قذرة؟ أية فتنة تتخوفون منها لتدمير (المنجزات)؟ ما هي منجزاتكم في مؤسسات فاسدة وانقسام الناس، وحلت به النكبات، وسرقت منه الموارد بالمليارات؟ أية لعبة تتحدّثون عنها، وأنتم تستهجنون إرادة جيل كامل سحقه فساد النظام؟ كونوا أصحاب ضمير حيّ عندما تتكلمون وتنشرون، فالشعب العراقي ذكي، ويدرك ما يريده، وأنّ كلّ من يحاول التشكيك فيه، وكلّ من يحاول زرع التخوّف من الفتنة والحرب الأهلية، فهو يبغي إبقاء هذا النظام الفاسد، وكأنّ العراقيين لم ينتقلوا من فتنة إلى أخرى منذ 16 سنة؟ لا تدافعوا عن نظام سياسي وهو في طريقه إلى الهلاك، طال الزمن أم قصُر.

 

حقوق الانسان

المنعدمة في العراق

 

نص كلمة الدكتور سيّار الجميل في المؤتمر السنوي الخامس عشر

لحقوق الانسان والخاص بالشباب/ تورنتو 29 نوفمبر  2019 .

 

انعقد مؤتمر حقوق الانسان الدولي السنوي يوم الجمعة الموافق 29 نوفمبر 2019 في القاعة العليا بفندق دون فالي بمدينة تورنتو في كندا ، وقد دعيت لالقاء كلمة عن حقوق الانسان في العراق من ضمن عدد من المدعوين في العالم ، وهذا مختصر مترجم الى العربية عن الانكليزية للكلمة الذي القيتها في المؤتمر المذكور . وقد حضر المؤتمر لفيف من الاساتذة والخبراء والمراقبين الدوليين لرصد حقوق الانسان في العالم .

نص الكلمة :

السيدات والسادة،
بادئ ذي بدء، أوّد أشكر السيدة ن . غاليرن مديرة هذه المنظمة الرائعة لحقوق الإنسان واهتمامها بالشباب لأن الشباب هم بناة المستقبل في هذا العالم – كما تقول - .كما أشكر جميع الأصدقاء في هذه المنظمة وصوتهم القوي في هذا العالم وجميع أولئك الذين يؤمنون بحقوق الإنسان والحريات والتشريعات المدنيةوالأساليب الثقافية المتقدمة في الحياة الحديثة.
عليّ أن أبلغكم ايها الاصدقاء بأن هناك ثورة شعبية كبرى في العراق تتفجر اليوم في الشوارع والساحات، بدأت قبل شهرين في قلب العاصمة العراقية بغداد وانتقلت بسرعة إلى بقية مدن جنوب العراق. الآن، يثور الآلاف من الشباب ضد النظام السياسي الحالي الفاسد والقمعي للغاية والذي سمح للنظام السياسي في ايران بالتدّخل العميق في الشؤون العراقية بشكل فاضح ومكشوف ! وهذا سر فشل العراق منذ اكثر من 16 سنة مضت على الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 ، وتنصيب فئة باغية لحكم العراق ، غدت اليوم طبقة سياسية فاسدة ومهترئة تماما، ولا تهمها الا مصالحها ومصالح نظام ايران السياسي بعيدا عن مصالح البلاد العليا ، ووحدة البلاد ومصير الشعب العراقي .
في الواقع ، بدأت الثورة العراقية الحالية في 1 أكتوبر / تشرين الاول 2019 ، وهي حصاد لتراكم عدد لا محدود من خطايا الحكومات السابقة والحالية وما اقترفته من الجرائم والمجازر والتجاوزات الطائفية والتفجيرات المرتكبة ضد العراقيين بالإضافة إلى النهب المنهجي المنظم للأموال العامة والبترول، وصفقات العقود الوهمية وتهريب الاموال والتزويرات وفساد جميع المؤسسات على الاطلاق من دون اية انجازات ابدا لا على مستوى الخدمات ولا على مستوى البناء . . تتفاقم الثورة يوما بعد يوم ، وهي ثورة شبابية وسلمية وانسانية وتطالب بالحقوق المشروعة،وقد زادت مطالب المتظاهرين وكبر سقف تلك المطالب يوما بعد آخر سعيا وراء تحقيق الاهداف الوطنية بتغيير النظام السياسي الحالي ، والمناداة بحكومة مؤقتة تعمل على اجراء انتخابات نزيهة لا يشترك فيها اي عنصر ساهم في العملية السياسية لما بعد 2003 وحتى اليوم مع تبديل الدستور ومحاكمة كل الفاسدين وبدء تاريخ جديد ..
لقد واجهت الحكومة الحالية هذه الاحتجاجات السلمية بالقمع والقتل والاضطهاد من قبل عناصر حكومية رسمية او مليشيات وعصابات شبه رسمية لها وتكريس نفوذها باستخدام البطش والاضطهاد . أقول لكم إن أكثر من 500 قتيل و 20000 جريح ( والارقام تتصاعد كل يوم ) مع خطف وتعذيب وقتل بطيء كلها أعمال وحشية تجري اليوم في العراق ضد حقوق الإنسان نسوة ورجالا ، اطفالا وشبابا. وان ما يمارس ضد المتظاهرين العراقيين الصامدين من اعمال وحشية قاسية ومجازر مفزعة لا تتفق أبدا مع ابسط قواعد الاخلاق ، ولا يمكن ان تقبلها المنظمة الدولية لحقوق الانسان ابدا، والفت انتباهكم الى ممارسة قوات الامن المتنوعة لشتى صنوف التعذيب ضد من يختطف او يعتقل من المتظاهرين ، او من يقوم بمساعدتهم واسنادهم في العيش والاعلام. ولعل من ابشع ما استخدم قبل ايام وضع المعذبين مع دمائهم في اكياس بلاستيكية وتركهم في برادات لساعات طوال من اجل تجميدهم باستخدام الموت البطئ ضدهم ! وتحكي الصور مشاهد مروّعة وقاسية .
ايها الاصدقاء :
كما تعلمون ، فإن المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات ، والمعروفة تاريخياً باسم بلاد ما بين النهرين ، يشار إليها عادةً بأنها مهد الحضارة. ومن هنا ، بدأت البشرية أولاً في الزراعة والاستقرار ، وتأسيس المدن وبدأت القراءة والكتابة ووضع القوانين والعيش في المدن في ظل حكومات منظمة بدءا بالسومريين وانتقالا الى الاكديين والبابليين ثم الاشوريين وانتقالا الى العصور الوسطى لتغدو بغداد قلب العالم النابض بالحياة على مدى 500 سنة . اليوم ، العراق بلد غني ، يطوف على بحر من النفط والغاز بالإضافة إلى شعب حيوي وله انشطته ومواهبه ، وبلغ عدد سكانه اكثر من 38 مليون نسمة . نعم ، العراق واحد من أقدم الدول في العالم وشهد على مر التاريخ العديد من الحضارات منذ العصور الكلاسيكية والعصور الوسطى مع تعدد الثقافات ودوره في التجارة العالمية. لكنه اليوم يبدو منتكسا ومن اسوأ دول العالم ، ويعاني كل العراقيين من فقدان حقوقهم الانسانية في الحياة الكريمة والحرة والمستقلة على ايدي طبقة حاكمة لا تمتلك اي ضمير انساني حي. العراق وشعبه لا يستحقان العيش اليوم تحت قسوة حكومة بدائية ونظام فاسد ونفوذ رجال دين متخلفين ، واحزاب متكالبة على السلطة. والحكومة منذ سنوات وهي العوبة بايدي عصابات وميليشيات ارهابية مدعومة من النظام الحاكم في إيران بذلك . ان حكومة عميقة مشيطنة تقتل الشباب من خلال القنص أو استخدام الغاز السام وتفجير رؤوسهم. واليوم تمارس القمع في شوارع بغداد وفي مدن الجنوب العراقي الثائر ، وهي على غرار حكومات عميلة لنظام ولي الفقيه في ايران .
سيداتي وسادتي ،
لقد أوصاني العشرات من الاصدقاء العراقيين عبر وسائل الاتصال المختلفة منذ ايام، بأن أنقل هذه الرسالة المهمة إلى العالم من خلال منظمتكم الدولية لحقوق الإنسان ، وأن يعرف العالم كله ما يجري في شوارع العراق ضد الثوار المتظاهرين المسالمين والسلميين الذين لديهم مطالبهم المشروعة فقط. كنت على استعداد لأظهر امامكم على الشاشة بعض الصور ومقاطع الفيديو المؤلمة عن قتل الشباب باساليب مروعة ولا انسانية ، ولكن الوقت المخصص لخطابي هذا لم يساعدني .
اليوم ، أصبحت هذه الطبقة الحاكمة في العراق التي وصلت الى سدة الحكم بالتزوير وشراء الذمم والترويج الاعلامي الكاذب، فضلا عن طريق الاحتيال الديني وبواسطة التزوير وصفقات الفساد ، وأصبحت الدولة ضئيلة وتافهة . لا توجد فيها سيادة ، ولا كرامة ، ولا حياة كريمة ، ولا تعليم ، ولا صحة ، ولا خدمات ، ولا كهرباء ، ولا أمن ، وملايين العاطلين عن العمل مع انتشار الجائعين والنازحين والمهجرين مع الاف مؤلفة من المسحوقين ، واطفال مشردين وشباب متحفز للحياة ينتظر اية فرص للعمل والابداع .
وأخيرا ،
سأكون ممتنًا للغاية لكم ، لو تمكنتم من فعل أي شيء لأطفال وشباب العراق وأهله ؟ وأتمنى عليكم مخلصا إرسال هذه "الرسالة" إلى جميع منظمات حقوق الانسان في العالم ، والى كلّ الأحرار في جميع أنحاء الارض ، وصورة منها الى منظمة الامم المتحدة والمؤسسات التابعة لها لإنقاذ المتظاهرين العراقيين الذين قاوموا واستجابوا لجميع التحديات . ان الثورة العراقية هذه قد قدّمت حتى الان منجزات كبرى بتوحيد الارادة الوطنية العراقية وتلاحم العراقيين والغاء المحاصصة الطائفية واذلال النظام الفاسد واضمحلاله وايضا كشفت الثورة عن الوجوه القبيحة وكشف ادوارهم السيئة في اضعاف العراق وافقاره . وستقّدم للعالم دروسا غاية في الاهمية . كل الآمال معقودة على ما سيحققه الجيل الجديد من الشباب في التغيير الكامل والخلاص من هذه المهزلة الدموية في العراق التي ستنتهي حتما لتبدأ صفحة تاريخية جديدة للعراق وستسقط بتأثير ذلك أنظمة جائرة اخرى في الشرق الاوسط، وان يكون للعراقيين دورهم الحضاري والانساني في العالم خلال المراحل القادمة من القرن الحادي والعشرين .

شكرا جزيلا لحسن اصغائكم وأهتمامكم بموضوع العراق ومصيره .


http://sayyaraljamil.com

 

العراق.. السلطة

جلّاد والشعب ضحيّة

د. سيار الجميل

 

شهد العراق منذ أوّل أكتوبر/ تشرين الأول الماضي انفجاراً سياسياً بخروج آلاف مؤلفة من الشباب إلى الشوارع في بغداد وعدّة مدن جنوبية، واستمرت التظاهرات السلميّة أكثر من 45 يوما، ولكنها قوبلت بوحشية، وسقط مئات الشباب ضحايا الرصاص الحي والقنابل السامة مع استخدام الخطف والتنكيل، وجرح الآلاف وامتلاء المعتقلات بآلافٍ غيرهم.. وتعيش الطبقة الحاكمة اليوم مأزقاً لا يمكنها الخروج منه، إذ كانت الحكومة العراقية قد وقعت في تناقضات جدّ كبيرة بينها وبين الشعب، وفقدت مصداقيتها، كونها خرقت الدستور، وأنها كانت ولم تزل تكذب على العالم، فهي الجلّاد الذي قتل الشباب على الأرض بدم بارد، وهي الضحيّة كما تصوّر نفسها للعالم أنها لا تعرف من الذي تصدّى لقتل المتظاهرين. 

كفل الدستور العراقي حق المواطن في التعبير السياسي سلمياً من دون مزاحمته أو قمعه، أو إهانته، فكيف بقوات عسكرية وأمنية ومليشياوية تابعة للحكومة تقتل المتظاهرين العزّل ظلماً وعدواناً؟ وكيف يمكن أن تمثّل الرئاسات الثلاث كوميديا تافهة بإعلان رئيس الجمهورية عن استقالة رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، ولكن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، يمنعه من تقديمها بفعل هيمنته الغبية على صنع القرار في مصير العراق، في حين أن الايرانيين تأثروا بثوّار العراق، لتنطلق شرارة الاحتجاجات الإيرانية ضد نظام وليّ الفقيه، وستتلاقح الأحداث من بلد إلى آخر.
يحمّل الشعب العراقي المسؤولية كاملة لحكومة عادل عبد المهدي في قمعها المتظاهرين، والعالم كله يعلم أن العراق يزدحم بالمليشيات والعصابات التي لها قوتها على الأرض وبطشها بالناس، كما لها سيطرتها على الرؤوس الكبيرة في البلاد، وقد ثبتَ للعالم ضعف هذا النظام وانهيار  

أخلاقياته، من خلال استماتته للبقاء في السلطة، مهما بلغت الأثمان، كما دلّت الأحداث المأساوية على تماسك جبهة المتظاهرين العراقيين وصمودهم بوجه تفاهة الطبقة الحاكمة ودورها غير الأخلاقي، إذ لم نشهد أية استقالات فردية أو جماعية باستثناء استقالة نائبين شيوعيين.
وبدا واضحاً، بعد مضي أكثر من 45 يوما على الثورة، ازدياد مطالب الشعب من السلطة بمرور الزمن، وكنا قد سمعنا للمرة الأولى في عموم العراق ارتفاع شعار "نريد إسقاط النظام"، وللمرّة الثانية ارتفاع شعار "إيران بره بره"، بمعنى أن الشعب المتضرّر لا يهمّه بعد اليوم الكلام المعسول، ولا الخطب والتصريحات الكاذبة والوعود الجوفاء، بل يريد استعادة حقوقه التي استلبتها الطبقة السياسية الحاكمة منذ 17 عاماً، واستلبت المليشيات العميلة كلّ العراق وضيعت موارده بالمليارات، وشوهّت صلة العراق بأشقائه العرب.
تدعو سلسلة مظاهرات العراقيين الضخمة والمثيرة إلى التأمل كونها تفاقمت، كما يظهر، بلا قيادة حقيقية لها، وأن هويتها عراقية، على الرغم من عدم اشتراك الجميع فيها، وكأنّ اتفاقاً مشتركاً قد تمّ عقده في الخفاء، أو أن أجندة خفيّة سعت إلى هذا الأسلوب لتحقيق الأهداف بسرعة، كيلا تتّهم الحكومة الثوار بتهم طائفية أو جهوية أو عربية. وكانت الأحداث المستمّرة عنيفة جداً ومفاجئة باستخدام قوات الأمن النار والغازات السامة ضد المتظاهرين الذين كانوا يأملون تحسن أوضاعهم المعيشية والخدمية والصحية. ولكن الحياة العراقية غدت لا تطاق، بفعل الفساد المستشري، وسياسات الحكومات البليدة، وضياع فرص العدالة بسيطرة الطفيليين والفاسدين، وتطبيق المحاصصات الطائفية في كلّ أصقاع البلاد، مع سوء الخدمات وتهرؤ المؤسسات. وفوق هذا وذاك، اختراق ايران العراق وهيمنتها على مقدراتّه من مليشيات تابعة لها مباشرة.
وعليه، ليس للشعب العراقي، وبفعل حرمانه الجمعي، إلا الثورة في محاولة بطولية لاسترداد الكرامة المفقودة، وأن الانفجار ضدّ الحكومات العراقية ومن يمثلها، فضلا عن الوقوف ضد السلطات الثلاث، العليا والتشريعية والتنفيذية، والغضب من القوى المشيطنة والأحزاب والكتل والتيارات والمليشيات السياسية.. وأغلبها قوى دينية طائفية مراوغة ومخادعة وكاذبة ومزوّرة، لا تتمتع بأية مصداقية، ولا أيّ احترام مع عبثها ومطامعها، واستحواذها على أنفاس العراقيين.
معاناة العراقيين من الفساد المستشري في خلايا نظام الحكم مع اقتصاد فاشل ومسروق بمئات المليارات، وندرة فرص العمل، وتزايد سياسيين تافهين يتوزّعون بالمحاصصة في المراكز الحساسة والمناصب العليا! المشكلة أن هؤلاء يمثلون جميعاً طبقة نفعية وصولية لها مصالحها، وليس لها أيّ ضمير إنساني ولا أي شعور بالذنب، ولا أيّ مصداقية، فيما يتحدثون باسم الدين والإسلام والمرجعية. وبدا واضحاً أنّ شرخاً بدأت تتسّع خروقه في النسيج الاجتماعي العراقي منقسماً بين جيلين، كهول وشباب، إذ بدأ جيل الشباب يأخذ دوره التاريخي.
بدأ التصادم على الأرض واستمر سلمياً، على الرغم من كلّ أدوات العنف والاضطهاد. ومن أسوأ ما تفكر به الطبقة الطفيلية الحاكمة كيفية الحفاظ على مصالحها، من خلال التشبّث بالسلطة  

بنظرتها الدونية إلى جيل جديد يبحث عن ذاته المقهورة، وهويته الضائعة، ووطنه المستلب، وعيشه البائس، وحياته التعيسة إزاء قوى سفيهة وجاهلة، تستحوذ على كلّ الموارد والمناصب، وتنعم بالملذات وتهريب المليارات. والحكومة لا تلبّي أية طلبات شعبية، حال حكومات فاسدة أخرى سبقتها.. سيكون رد الفعل قويا، وهو يحمل صفة التذمر والغضب والإحباط النفسي والاكتئاب وفقدان معنى الحياة والشعور السلبي إزاء المستقبل، فضلا عن فك العلاقة المترسخة بين المجتمع وعناصر هذا النظام وحماته من رجال الدين ومرتزقة المليشيات. وأكبر منجز حققته هذه الثورة السلمية يتمثل بتعرية هذا النظام السياسي وكشف مفاسده.
وقد جاء في واحد من التقارير المهمة أن الثقة قد تزعزعت بين الشعب وهذا النظام، ليقتصر المؤيدون على 15% من نسيجهم الاجتماعي عن ثقتهم بالبرلمان والقضاء والحكومة، كما تقلّصت ثقة الشباب الشيعة بالمؤسسة الدينية ومرجعيتهم، بعد أن كانت أقل من 40%.. أما الاستثناءات، فنجدها مفضوحة من خلال النظام وأجهزته القمعية وكلّ المنتمين للمليشيات التي تتحكم بأمن البلاد..
بغباء كبير، واجه النظام كلّ المتظاهرين بحملة من القمع والاضطهاد، واستخدام النار والغازات السامة، ما كثّف الغضب الشعبي وإصرار الناس في المضي نحو إسقاطه، مهما بلغت الأثمان، وعزّز الشعور الوطني العام بسوء عمل الحكومة والبرلمان، وسوء قراراتهما وسياساتهما الفاشلة بالضرب العشوائي، أو القنص الماكر ليسقط مئات القتلى، وآلاف جرحى، وهم يحملون الأعلام العراقية، ما أشاع شعوراً بالتمكين والثبات والوحدة الوطنية اجتاح كلّ العراقيين، وغدا عاملاً رئيسياً في تفاقم النقمة والغضب ضدّ النظام كله، وتصاعدت بسببه موجات الاحتجاجات في داخل العراق وخارجه.
اليوم، ثمّة مطالبات بمحاكمة المسؤولين عن قتل المتظاهرين المدنيين ومعاقبتهم، فضلا عن محاسبة أركان النظام الكبار والصغار على ما اقترفوه من جرائم وجنايات. ويقضي الإجماع بتأسيس حكومة مؤقتة، وإلغاء العملية السياسية الحالية والدستور، والبدء بحياة سياسية جديدة ونظيفة.

 

 

عشرة أيام هزّت العراق

أ.د. سيّار الجميل *

نجح الشباب العراقيون من الجيل الجديد في دقّ ناقوس الخطر، في ثورتهم السلمية التي جابهها النظام الحاكم بالقسوة والقتل والقمع والاضطهاد، ولكنها استمرّت بسلسلة أحداث صنعها آلاف مؤلفة من العراقيين في بغداد ومدن أخرى، وكان من ورائهم الملايين يؤيدون انتفاضتهم السلمية. وعلى مدى أكثر من عشرة أيام، لم يتراجع المتظاهرون عن حِراكهم الثوري القوي، وقد كشفوا من خلاله زيف 17 سنة مرّت، قامت الطبقة الحاكمة المنبثقة من الأحزاب الإسلامية والطائفية بخداع شعب العراق بسياسة خرقاء اعتمدوها، وقد جّرت الخراب إلى البلاد كلها.

اليوم، انحسر الناس عن شوارعهم، بسبب مناسبة الأربعينية الحسينية الدينية، وربما اشتعلت الثورة، وتواصلت من جديد، ما دام وقودها ساري المفعول، وسيبقى حتى بلوغ الأهداف، ويتبادل العراقيون الأخبار، إذ يقال إنّ قوّة عصابات مكوّنة من سبعة آلاف وخمسمئة عنصر وصلوا إلى العراق من إيران، لأداء المهام الأمنية بحجّة هذه المناسبة. ولكن الحقيقة أنّ إيران باتت تخشى ضياع هيمنتها على العراق (ومنه في سورية ولبنان) إنْ نجحَ الشعب العراقي في ثورته لإزالة الطبقة الباغية المرتبطة بإيران، والتي باتت تخشى من انفلات الوضع، فالقسوة لم تعد يخشاها الأحرار من شباب العراق، وهم يدوسون على الخرافات والأوهام التي زرعها المعمّمون الدجّالون وأحزابهم المهترئة.

بات معلوماً عند العراقيين أنّ كلّ التصريحات والخطابات التي وعدت بها الرئاسات الثلاث، العليا والتشريعية والتنفيذية، مجرّد هراء ووعود بمحاولات ترقيعية لم تعد تجدي أو تنفع، خصوصًا   وأن أصحابها الثلاثة هم المسؤولون الحقيقيون عن أمن البلاد وحياة العباد، وقد سقط نحو 130 قتيلاً، وآلاف من الجرحى، في الشوارع ظلماً وعدواناً. ومن اللاأخلاق تعيين أحد الذين رفضهم الشعب بسبب موالاته العلنية لإيران، واسمه فالح الفياض، رئيس لجنة تحقيق في حوادث القتل.

كانت الأيام العشرة قد هزّت العراق، وأيقظت الملايين من سباتهم، وقضّت مضاجع أركان النظام السياسي الحاكم ومن يناصره، كما أنها عّرت الجميع، وفضحت مواقفهم السياسية، وبان حجم ولاء الفئات المحسوبة على النظام، ودور الإعلام المخزي وغير الأخلاقي من الأزمة، ودور من يدعون أنفسهم مثقفين وطنيين عراقيين، فضلاً عن حجم المحسوبين والمنسوبين من طائفيين ومستفيدين وأذناب فاسدين لا يهمهم الوطن، ولا المواطن، بل شكّل هؤلاء طبقة طفيلية طارئة على المجتمع، تريد إشباع أطماعها في ظل النظام القائم. وبينّت الثورة للعالم كلّه، وهي في مرحلتها الأولى، أنّ الشعب العراقي قد ينام حيناً، ولكنه مستيقظ حيّ لا يموت. .. وبعد رصد نتائج عشرة أيام هزّت العراق من شماله حتى جنوبه، أمكن الانتهاء إلى النتائج التالية:

أولاً: توسعت الفجوة، لتغدو هوّة بين الشعب العراقي ومشايخ معمّمين جعلوا الجيل الجديد ينفر من خرافاتهم منذ سنين، وكانوا يقيمون الدنيا ولا يقعدونها بشأن أحداثٍ في اليمن والبحرين مثلاً، بينما آثروا السكوت لمقتل مئات العراقيين. ثانياً: نجحت الثورة في تحجيم دور الأحزاب الدينية والتيارات الطائفية التي شيطنت السياسة لمصالحها الفئوية، واختفى من الميدان صوت من كان زعيم تيار، أو مختار عصر، أو قائد حشد، أو كبير ائتلاف.. إلخ. ثالثاً: نجحت خطة الثوّار الذكية في أن يطلق ثورتهم الوطنية عراقيون شيعة. ويبدو واضحاً أنّ السنّة قد وجدوا أنّ من صالحهم البقاء بعيداً، كيلا تتهم الثورة اتهامات باطلة وتفشل. رابعاً: بقيت الثورة مدنية طليعية  قوامها الشباب، ولم تستطع أيّة قوى دينية أو طائفية اختراقها بغية استلابها، ولم يركب أيّ منافق، أو مناور، أومتشدّق، على ظهرها. ناهيكم عن أن الثورة أوضحت للجميع أن العراقيين لا يوالون ولي الفقيه في إيران، وأن هناك فئة عراقية باغية منبوذة توالي إيران، وتؤّدي مهمتها في العراق لصالحه. خامساً: ليس من أي تأييد رسمي عربي، ولم تصدر جامعة الدول العربية أيّ بيان إدانة لما جرى في شوارع العراق، وكأن العرب لم يعد يعنيهم العراق وأهله، وكأن هذا البلد لم يفتقدوه لصالح ولي الفقيه، وبدا الإعلام العربي مقصّراً بشأن ما يجري. سادساً: بدا واضحاً وكأن أميركا قد تخلّت عن العراق، وهي التي ساهمت في فجائعه وكوارثه منذ عقود. وليس من الأخلاق احتلال بلد وجعله كسيحاً، ثمّ يتمّ تسليمه للآخرين، ويترك أهله طعماً للأعداء التاريخيين. سابعاً: بدت واضحة أكذوبة الديمقراطية والدستورية والشفافية في العراق اليوم، وتوظيف ذلك زوراً وبهتاناً، فكل شيء بدا مزيفاً وكاذباً، وأن النظام الحاكم لا يتمتع بأيّ مصداقية، وأنّ العراق يخلو من الحرّيات، وأن النظام لا يعرف الإنسانية حتى مع مواطنيه. وإذا كان يتذرّع بالشرعية الانتخابية، وهي مزوّرة، فإنه فقد أيّ مشروعية له.

ثامناً: بدا واضحاً أنّ كلّ المسؤولين العراقيين جبناء وضعاف، إذ هرعوا إلى قطع الإنترنت عن   العراقيين، كما عتموا إعلامياً على الأحداث بطرق صبيانية، وكانت تصرّفاتهم هستيرية تجاه الثوار، مع سيل اتهاماتهم الباطلة لهم، وكلّ الثوار من جيل اليوم الذي ثار من أجل الحياة والكرامة.

تاسعاً: استخدام الرصاص الحيّ وقنص الثوار من فوق المباني العالية وضع النظام برّمته في مأزق، وهو يريد الخلاص من هذه الجريمة مع أعوانه وعصاباته ومليشياته وملثميه الذين وقفوا معه، وستثبت الإدانة ضدّ رئيس الوزراء، فإن كان هو مصدر الأوامر سيُتّهم بالإجرام، وإن لم يكن هو المسؤول عما حدث، فكيف سيبقى في السلطة هو والنظام برمته بعد اليوم؟

عاشراً: مقارنةً بأحداث مشابهة في العالم، فقد هزّت الأحداث في العراق كل الضمائر العراقية، في حين لم تهتم بها أية منظمات دولية ولا عربية ولا إقليمية ولا حتى محلية عراقية. وحتى المرجعية الدينية كانت متراخية وصامتة أسبوعاً، إذ وقف الجميع يتفرّجون على المشاهد المؤلمة.

أخيراً، وقف العراقيون، وخصوصاً في المهجر، وقفة رجل واحد، مناصرين ثورة الشباب من أجل استعادة الكرامة وإعادة العراق إلى مساره الطبيعي. ولن تنطفئ جذوة الثورة حتى تنتصر على نظام الفاسدين والعملاء والطفيليين والطارئين.

·         اكاديمي عراقي  (مسيساغا ) كندا

العربي  الجديد  - لندن

http://sayyaraljamil.com

 

 

في العراق..

 ثوّار إلى آخر مدى

أ.د. سيّار الجميل

يعيش العراق معضلة كبيرة، وهو في زقاق مسدود لا منفذ له، ويريد الأحرار فيه أن يشقّوا لهم شقّا بأيديهم. وعلى الرغم من كلّ العوامل غير المباشرة التي يدركها الجميع، والتي فجّرت ما حدث في مطلع أكتوبر/تشرين الأول الحالي، إلّا أن الشرارة قد انطلقت بعد الإهانة التي سدّدها رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، لأحد أبرز قادة الجيش العراقي، الفريق عبد الوهاب الساعدي، الذي له مكانته في قلوب كلّ العراقيين. وبدلاً من معالجة الأمر بكلّ ذكاء وحنكة وعدم الانصياع لإملاءاتِ مراكز قوى غير وطنية، راح رئيس الوزراء يبرّر قراره بمنتهى السذاجة، وكأنّه يحكم دولةً لها مؤسساتها المحترمة، وتقاليدها العسكرية المنضبطة، ونحن نرى والعالم يتابع ما آلَ اليهِ الوضع المزري في العراق ومؤسساته الفاسدة، وما وصل إليه مجتمعه من تمزقات وتعاسة جراء سياسات هذا النظام  ، ناهيكم عن تدخّلات الآخرين في شؤون العراق علناً، وعلى رؤوس الأشهاد.

انطلق العراقيون في بغداد وستّ محافظاتٍ في الجنوب ليعبّروا عن سخطهم سلمياً، ولأوّل مرّة يُرفَع شعار "إسقاط النظام". وإذا كان المتظاهرون قد بدأوا حراكهم واحتجاجهم سلمياً، فإنّ  هناك من يطمح إلى أن تكون هناك "ثورة شعب" تقتلع النظام الفاسد من جذوره وأن يتبلور بديلٌ مؤقّتخطيئة الحكومة أنها واجهتهم بالسلاح الحيّ، وسقط عشرات الجرحى مع عدد من القتلى لم يعلن عنهم رسميّاً، إذ ستدين الحكومة نفسها في هذه الحالة، ولكن الأخبار تناقلت عن مقتل ثلاثة متظاهرين وإصابة مائتين بجراح على الأقل.

وعليه، فإنّ الحكومة هي التي غيّرت مسار ذلك الحراك السلمي إلى أشبه بـ"ثورة"، ولكنّ الثورة بحاجةٍ ماسّة إلى قيادة وخطط، مع تنازع العراقيين واختلافهم بصدد نوع التغيير، فهناك من يطمح إلى أن تكون هناك "ثورة شعب" تقتلع هذا النظام الفاسد من جذوره، وأن يتبلور بديلٌ مؤقّت عنه، وهناك من يقول بعدمِ تشويه هذا الحراك، فالعراق لا يحتاج ثورة، بل تظاهراتٍ تطلب الإصلاح والتغيير، والقصد واضح، الاكتفاء بإسقاط الحكومة التي يقودها عادل عبد المهدي، كونه أثبت فشلهُ، وهذا ما ينبغي التنبيه عليه. كيف؟

مؤكّد أنّ هناكَ حيتان فساد تنتظر المشاركة في الوليمة لضرب عصفورين بحجر، أولهما قمع هذا الحراك من داخله، لأجل إسقاط عبد المهدي، وهذا ما يريده رئيس الحكومة الأسبق، نوري المالكي، ورهطه، كي يعودوا إلى السلطة. وثانيهما الوصول إلى السلطة، وإبقاء الوضع على ما هو عليه، أي استلاب الحكم بأيّة طريقة. ويبدو أنّ الحكومة تصرّفت بغباءٍ شديد، باستخدامها القوّة الغاشمة، أو أنها تنفّذ أجندات خارجية ضدّ الشباب العراقيين الذين ازدادوا حنقاً على تصرّفات الحكومة، نظراً إلى خيانتها وعمالتها بتحويل الحراك السلمي إلى مذبحة دموية. وعليه، فإن سقوط الحكومة لا يكفي أبداً، إذ سيخرج عبد المهدي من الباب، ويدخل رهطه من الشباك! بمعنى أنّ المعضلة ليست في عبد المهدي، بل في النظام برمّته ، وهذا  ما يدركه كل  وطني  غيور  .

العراقيون جميعاً اليوم أمام لحظةٍ تاريخيةٍ حاسمة ، وما سيفرز من حقائق على الأرض، علماً أنهم ينقسمون بين من يريد الإصلاح وبقاء النظام ويائس من النظام القائم، ويريد تغييره بأيّ شكلٍ من الاشكال . ولكن ثمّة أسئلة مطروحة على كلّ مواطن عراقي: هل أنت مع الشعب والوطن والتغيير الحقيقي، أم مع نظام هذه السلطة الفاسدة التي أذلّت البلاد والعباد؟ هل يمكن لأيّ عراقي أن يثق، بعد اليوم، في جميع الأحزاب الدينية والتكتلات السياسيّة في العراق، من دون استثناء، أم لا؟

رسائل سياسيّة عدّة تزدحم بها  الاخبار  وما  يسري في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي تعبّر عن الأمل الكبير لمسيرة ثوار أحرار من الشرفاء نذروا أنفسهم للثورة حتى النصر، ولكن من ينصرهم إلّا الله؟ فهل سيخذلهم إخوتهم في الجيش والشرطة والأمن بفتح النار عليهم؟ هل ستخذلهم المرجعية الدينية ( الصامتة حتى الان ) في نهاية المطاف؟ هناك من يتوقّع أنّ ما يحدث مجرّد فقاعة صابون ستركد، أو زوبعة في فنجان سترقد، أو موجة بحر طاغية ستهمد.. أو من سيقوم بمهمّة سحب البساط من تحت أرجل المنتفضين لاستلاب إرادتهم أو خداعهم أو استخدام القمع المفرط.

وعليه، نشير إلى تأسيس مبادئ في التعامل مع الحدث، كما تتضح الرؤية من خلال الرأي العام:

أولاً: لا بدّ من تنسيقيات للثورة، أو الانتفاضة، فهذا الحراك يجتاح بغداد حتى البصرة، بما فيها  واسط والديوانية وميسان وبابل وذي قار ومدن أخرى. وحسناً أن يكون كذلك، من دون أيّ تدخّل من العراقيين السنّة، كي لا يتهموا بتهمٍ جاهزة، كما ثبت فشلهم سياسياً.

ثانياً: على المجتمع الدولي أن يدرك إرادة العراقيين وطبيعة حراكهم الثوري، وأن يتحمّل مسؤوليته الأخلاقية تجاه الشعب العراقي.

ثالثاً: حذار من الأحزاب المسيطرة والقوى الفاسدة ومافيات الفساد الشريرة سلب الأحداث وتدجينها لصالحها.

رابعاً: مهما كانت قسوة المواجهة الحكومية والقوى المندسّة والاستهتار السياسي للسلطة الغاشمة وذيولها، على المحتجين والمتظاهرين والثوّار عدم التراجع عن الأهداف السامية التي نذروا أنفسهم من أجلها.

خامساً: على كلّ الظلاميين والفاسدين والعملاء الذين تخلّوا عن وطنيتهم لصالح دول أخرى، واستخدموا الرصاص والغازات، وتعاملوا بهمجية وأساليب قمعيّة ضدّ الثوار، أن يدركوا أنّ ذلك سيزيد من إصرار العراقيين الأحرار على إسقاطهم، حتى لو كانوا في بروجٍ مشيدة.

سادساً: لا تكتفوا، أيها الثوار الشرفاء، بإسقاط الحكومة أبداً، بل نادوا بالتغيير الحقيقي، وتخليص البلاد والعباد من كلّ الأشرار والعملاء والفاسدين ومحاكمتهم على  جرائمهم .

سابعاً: لا يمكن أن تتطوّر الأحداث من دون تنسيق وولادة خلايا قيادية سياسية نظيفة، بعيداً عن الأحزاب الفاسدة، من أجل صناعة مصير قادم وغد مشرق.

وأخيراً، العالم كلّه يعلم صعوبة الوضع الداخلي في العراق، خصوصاً أنه مرتهن الإرادة لإيران إقليمياً، إذ أنّ نفوذها كبير فيه، كما صرّح رئيسها علناً، فضلاً عن ارتهان العراق سياسياً لأميركا دولياً.. ولكن لا سبيل أمام العراقيين بعد مرور 17 عاما على مشهدهم التاريخي المأساوي إلا الخلاص والتحرّر من ربقة نظام فاسدٍ، وأن يكونوا ثواراً إلى آخر مدى، يصنعوا تاريخهم بأنفسهم، والبدء بصفحةٍ جديدةٍ تتوفّر فيها المساواة والعدالة والحياة الكريمة، وما ذاك عليهم ببعيد.

العربي الجديد / لندن  

http://sayyaraljamil.com/

 

 

لا معارضة عراقية حقيقية

سيار الجميل

بعد مرور سنة عليها، لم تنجح حكومة عادل عبد المهدي في العراق في مهمتها، ولا البرلمان نجح في ولادة معارضة سياسية حقيقية، ولا النظام السياسي برمته نجح في معالجة نفسه وإصلاح ما يعتوره من الخلل، ولا الشعب العراقي نجح في فرض إرادته في التغيير. وها قد مضت سنة أخرى من عمر النظام الحاكم، والعراق يتأخر أكثر فأكثر، إذ كان مؤملا أن يطبّق عبد المهدي برنامجه الذي وعد الناس به، ولكنه فشل في أداء مهمته، إما لتقصير منه، إذ لم يقو على تحمّل المسؤولية أسوةً بمن سبقه، أو أنه ضعيف الإرادة والموقف إزاء حيتان وتماسيح لم يستطع ولن يستطيع السيطرة عليهم، أو أنه ضالع في مخطّط إقليمي لا فرار منه لتأدية واجبه على أحسن ما يكون، بعيداً عن مصالح العراق الوطنية. 

مرت 17 سنة على سقوط النظام السابق. ومع مرور التجارب الصعبة في ظل الاحتلال، وانطلاق دستور كسيح دائم للبلاد، ومن ثم تشكيل حكوماتٍ عراقيةٍ هزيلة، ولكن لم تنبثق حتى اليوم أيّة معارضة سياسية حقيقية في داخل النظام الحاكم، علماً أنه يتشدّق دوماً بالديمقراطية والبرلمانية والشفافية. وباستثناء المعارضة الحقيقية للنظام السياسي برمته من خارجه، فإن المعارضة الحقيقية غائبة تماماً عن الميدان، والنظام لا يتقبّل أي معارضة، لا سرّية ولا علنية، لا بتظاهرات، ولا بصحف معارضة، ولا برأي عام مخالف، فثمّة مقدّسات وخطوط حمراء لا يمكن الاقتراب منها، وهي حارقة ومدّمرة في حالة تخطيها أو تجاوزها.
ناسٌ كثيرون لا يدركون معنى المعارضة. إنها ببساطة شيء يتعارض مع شيء، أو شخص  

يختلف مع شخص آخر، أو حزب مع آخر، كما وردَ في القاموس السياسي. وقد اختزلت عند بعضهم باختلاف رأي عن أي رأي سياسي سائد، أو متغير. وفي هذا التوصيف سذاجة، ولكن ربما تغيرت مفاهيم "المعارضة" اليوم في كلّ الأنظمة السياسية، وهناك تجارب لا تحصى، يتصف بعضها بسمات وركائز محددة، منها ما يختص كلّ بلد بأساليب المعارضة فيه، ففي البلدان الديمقراطية المستقرّة، والعريقة بتجاربها البرلمانية، يمكن التحقق من المعارضات الحقيقية فيها. وفي بلدان تتحكم فيها عقائد وأيديولوجيات متنافرة، من الصعب وجود معارضة سلميّة فيها، إذ تجنح إلى معارضة الأنظمة برمتها. وقد تقود إلى حمل السلاح وسلاسل من التمرّدات! وعليه، فالمعارضة البرلمانية هي من أشكال المعارضة السياسية لحكومة أو إدارة معينة، بدلا من الدولة، سيما في النظام البرلماني القائم لدى أمم متعدّدة. وعادة ما ينتقل لقب "المعارضة الرسمية" إلى أكبر الأحزاب التي تجلس في المعارضة، مع إعطاء زعيمها لقب "زعيم المعارضة". بمعنى أنه المنافس الأول ومن معه لمن بيده مقاليد الأمور.
لا وجود لهذا النوع من المعارضة في تجربة العراق الحالية، إذ كان من الصواب أن يترّسخ العمل السياسي من خلال الانجذاب إلى حزبين رئيسيين، مع تجمّعات حزبية أخرى، تشبع طموحات الناس، كما لم تذهب أدوار الحكومة والمعارضة إلى مجموعتين رئيسيتين بشكل تسلسلي بالتناوب، كون التجربة العراقية لقيطة، ولدت على أيدي المحتل. ولا شرعية لها، فهي بلا معارضة برلمانية فيها. وكان متوقعا أن يكون نظام التمثيل في العراق أكثر تناسبيًا، ما سيزيد من احتمال ظهور أحزاب سياسيّة متعدّدة ومدنية وجديدة، بدل الأحزاب الطائفية التي سيطرت على الحكم بمشيئة أميركية وإيرانية، ومنعت من ولادة وتبلور مناخ سياسي وديمقراطي حقيقي، لا يمتّ بصلة إلى أحزاب دينية وطائفية، كي تتعزّز فرص تشكيل معارضة متعدّدة في البرلمان. وهذا لم يحصل إطلاقا على مدى 15 سنة من الحكم المحاصصاتي، وإذا برز اليوم من يقول إنه في طريقهِ إلى تشكيل كتلة موّحدة تعارض حكومة اليوم، فهذا هراء، لأنّ المعارضة الحقيقية لها برامجها وأساليبها المخالفة مع احترامها قواعد اللعب، وهذا ما لم يتوفّر حتى اليوم لدى أيّ فصيل أو كتلة أو حزب.
وللعلم، تقلل بعض الديمقراطيات جيّدة التنظيم، والتي يسيطر عليها فصيل واحد على المدى الطويل، منجزاتها من معارضتها البرلمانية الرموز، وخصوصاً إن كانت المنجزات أكبر من حجم التصدّي. وتمثل سنغافورة حالة معارضة ضعيفة عدديًا لقوة ما ينجز على الأرض؛ كما حافظت جنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري على اختلال طويل الأمد في البرلمان. وفي بعض الحالات، تنشئ المجموعات الحاكمة أحزابا "معارضة" من أجل إحداث انطباع بالحوار الديمقراطي بين الفرقاء. أمّا في العراق، فالحال ينتقل من سيئ إلى أسوأ في بقاء طبقة حاكمة مسيطرة، ولا معارضة حقيقية لها في الداخل، لا برلمانيا ولا في الشارع ولا إعلاميا. ويعدّ هذا أحد أهم عيوب العملية السياسية في العراق، بعدم وجود معارضة حقيقية. بسبب ما يجري من تزوير ومن شراء ذمم وشراء مناصب وعقد صفقات وفقدان إرادة وطنية وفساد مسؤولين كبار وصغار ومهزلة قضاء وتدخل إقليمي سافر وفراغ أمني.
لا يهم كثيرا أن يصعّد أحدهم انتقاداته للحكومات العراقية بطريقة مباشرة، متناولا أكثر مجموعة واسعة من القضايا. ولكن يدري الجميع أن ذلك يأتي تعبيراً عن سخط شخصي أو تصادم  

مصالح، أو ابتلاع حصص، أو عدم إشباع ما يتطلب من محاصصة في المناصب أو مقاسمة في المنافع. وعلى الرغم من مناداة عقلاء عديدين خيّرين بتأسيس معارضة لأنواع السياسات الحكومية، ونقد وفضح مهازل ما يجري، ولكن العرف الذي أباحوه للجميع أن لا يتمّ الالتفات إلى أيّ صوت معارض، وإن من يعارض يتّهم بشتى الاتهامات. وغاية من يعارض تتمثل بـ "إضعاف الحكومة"، ومن يعارض نظام "المحاصصة" مثلا يوصف بأنه خارق للدستور، من دون أن يدري الجميع أن المحاصصة أصلاً قد وجدت لإرضاء أطياف معيّنة. والحقيقة أن الحكم بأيدي طبقة متحالفة طائفياً، وهذا سرّ فضيحتها.
لا أحد يخشى معارضة ما يخصّ الميزانية الفيدرالية التي وصفت النسخة الأولية منها بأنها "كارثية"، ولا أحد يعارض أداء البرلمان العراقي. وعلى الرغم من أنّ عمله يستند إلى اللجان البرلمانية الهزيلة، وما جرى ويجري حول المبيعات المفتوحة للمناصب الحكومية. وإذا كان تيار الحكمة الذي يقوده عمار الحكيم قد سمّى نفسه معارضة، فذلك لا ينفي وجود عناصر من التيار نفسه في الحكومة والبرلمان، فالمعارضة الحقيقية لا تتمّ من خلال تحالف ضدّ تحالف، ولا بانتقادات توّجه شخصياً إلى هذا المسؤول أو ذاك القرار. تتم المعارضة الحقيقية داخل البرلمان من خلال نوّاب أقوياء ومحترمين في نقد السياسات والقرارات والتشريعات لكلّ من الحكومة والبرلمان نفسه، وحتى لرئاسة الجمهورية إذا تعدّت حدودها المرسومة في الدستور... المعارضة الحقيقية لها حقّ المساءلة القانونية عن الخزينة والموارد والإنفاق الحكومي وعن الفساد المستشري في كل مؤسسات العراق. للمعارضة الحقيقية، برلمانية أم سياسية، الحق ليس فقط في مساءلة وزراء وسفراء ورئيس حكومة، بل من حقّها الاعتراض على سياسات وخطط واستراتيجيات وعقود وصفقات وتدّخلات خارجية، ومن حقها نقد أية قوىً تتحكّم في القرار وتشكل دولة عميقة في داخل البلاد.
وعليه، لا يمكن إبقاء الوضع على ما هو عليه، لأنّ ذلك سيحول دون تطوّر ديمقراطية سليمة في العراق. ولا يمكن أن تكون موافقاً ومعارضاً في آن، كأن تُبقى إحدى قدميك في الحكومة والأخرى في المعارضة. وهذا ما استخدمته الكتل السياسّية لتحقيق مآرب أو مكاسب على حساب العملية السياسية الهزيلة، ولا يمكن إبقاء الفوضى في التصريحات، وليس باستطاعتك معرفة ما يجري، ولا يمكن، في ظل وضع مهترئ مثل هذا، أن تمنع وجود معارضة برلمانية. ولا يمكن أن تمنع قيام معارضة سياسية ضدّ النظام القائم، إذ تصبح المعارضة السياسية ضد النظام برمته حقاَ مشروعاً في ظلّ أوضاع داخلية مهترئة.

(العربي الجديد) لندن

مصير العراق في خطر


(1) استئصال مخالب ايران من المنطقة


أ.د. سيّار الجميل

 

دعوني أقدّم خلاصة مركّزة عن ندوة أكاديمية لهيئة دراسات المستقبل بعنوان " مصير الشرق الاوسط " انعقدت في مدرسة القانون بهارفرد قبل اسبوعين ، وكنت ضيفا مشاركاً فيها ، وقد عالجت احدى الورقتين الموثقتين مصير العراق الذي سيحدّد دوره في اطار سيناريو الحرب المفترض حدوثها او المتوقع التسويف في اندلاعها بين الامريكان ضد ايران وحلفائها في الشرق الاوسط لكنني لم أجد أيّة اجابة واضحة على سؤال حول دور العراق في الأزمة ، ولكن الاشمئزاز وصل الى ذروته بعبث سياسة ايران في العراق من خلال عملائها وميليشياتها كأدوات لها ، اذ تسيطر ايران سيطرة شبه محكمة على العراق فضلا عن سيطرتها على اجزاء واسعة من سوريا .واذا كانت ايران تنافس الروس في سوريا ، فهي تنافس الامريكان على مصالحهم في العراق. وتشبه العلاقة الان وكأنها لعبة قط وفار ، وسواء اندلعت الحرب ام لم تندلع ، فان تسويف ايران لا ينفع الا الاذعان للشروط الاميركية ، وحتى ان اذعنت، فسوف لن تبقى مخالبها مغروسة في دول المشرق العربي. ان استراتيجية ايران منذ العام 1979 تقوم على غرس مخالبها في الشرق الاوسط ، بمعنى ان اذعانها للشروط الاميركية سيكلفها انكسار ظل ولي الفقيه فيها ويتجرّع السم ثانية ويفتقد شرعيته، وهذا امر جلل بالنسبة للنظام الايراني فان خضع خامنئي للارادة الاميركية فسوف تزحف القوى المضادة والمعارضة في الداخل لتأكله أكلا .

العراق ساحة حرب بالنيابة 
انهم يرون ان استفحال ايران وعبثها في الشرق الاوسط يمثل على المدى الطويل ضررا للمصالح الدولية عموما ، فينبغي ايقافها عند حدودها ، خصوصا وان العراق قد غدا ضحية متهتكة المعالم ولحقت به سوريا ، ولولا العراق لما نجحت ايران في سوريا ، وان هيمنة ايران جعل كل من حكومتي العراق وسوريا تبدوان امام العالم كدميتين بايدي الايرانيين ، وان الحاكم المطلق لكليهما هو قاسم سليماني. وعليه، فان حكومة العراق ليس بمقدورها ايقاف ما تريده مليشيات ايران على ارض العراق ،كما ولم تستطع ايقاف حتى التصريحات النارية المضادة للاميركيين من قبل قادة مليشيا مندفعين من ايران ، وهذا سيجعل العراق ساحة حرب لا محالة. لقد وجدت بان الخطورة تعتمد على مستوى التهديد الذي سيواجهه العراق قبل إيران. 
عاملان أساسيان يجب مراعاتهما قبل تلاشيهما: مرجعية السيد السيستاني العراقية والتي تعكس إرادة أغلب الشيعة العراقيين والتي لم تعد تنفع ابدا امام شراسة الايرانيين في العراق علما بأن هناك من يرى عكس ذلك ، وايضا الحكومة العراقية الفاشلة التي كانت ولم تزل وستبقى ضائعة وعاجزة عن اتخاذ أيّ قرار يخصّ مصير العراق . فان كانت مرجعية الشيعة في العراق قد وقفت مع الأمريكان عام 2003 ضدّ حكم صدام حسين ، فهل يمكنها الوقوف معهم ضدّ حكم ولاية الفقيه في ايران ؟ هذا محال ! 
وعلى الرغم من تمسك مرجعية شيعة العراق قائلة بـأنّ "مصالح العراق يجب أن تأتي أولاً وقبل أيّ مصالح أخرى، وأن العراق يجب ألّا يكون جزءًا من الصراع الإيراني الأمريكي لأنّ هذا الصراع لا يستند الى أيديولوجية معينة "؛ وان الولايات المتحدة لا تهدف إلحاق الهزيمة بالشيعة في الشرق الأوسط أو مهاجمة عتباتهم المقدسة لاعتبارات شتى . وثمّة رأي آخر يجيب بأنّ المشكلة تكمن في سياسات ايران التي زرعت كلّ الشرق الأوسط بالألغام من خلال قواها الشيعية السياسية المليشياوية المسلحة التابعة لها والمنضوية تحت مظلتها والمنفذّة لأوامرها حرفيا ، ويجيب آخر معتقداً أنّ الصراع الإيراني الأمريكي قائم على معركة النفوذ في العراق وسوريا ولبنان أصلاً، ومن ثمّ تغلغلها في بيئات أخرى، ناهيكم عن مسألة أسواق النفط. وبالتالي، لا ينبغي للعراق أن يقف إلى جانب هذا النوع من الصراع ، ولكن لا ينبغي له من طرف آخر، أن يلتزم بأي إملاءات أمريكية ، وهنا – يتابع - يتأكد المرء بأنّ غالبية الشيعة العراقيين يدافعون عن ايران وسياساتها او يلتزمون الصمت خوفا من زوال حكم الشيعة للعراق .

اسماك القرش الايراني 
خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الايراني حسن روحاني إلى النجف في شهر آذار / مارس 2019 ، لكن ما أعلن اعلامياً لا ينفي ما دار خفية مع السيد السيستاني الذي لا يريد أن يرى العراق يشارك في مزيد من الحروب على أراضيه – كما اعلن - ، ولكن ثمة لغة أخرى استخدمت داخل الاجتماع .. وبالرغم من أنّ الحكومة العراقية تعلن نفس المسار على استحياء، ولكنها لا تقوى أبداً على تحجيم تدّخل القوى السياسية والمليشيات الايرانية والاحزاب الشيعية في الازمة القائمة، فهم اكبر منها .. وان رئيس الوزراء نفسه سيكون ألعوبة بأيديها ، ففي العراق قوى دولة عميقة تتسلّم أوامرها من ايران نفسها مباشرة ! وأن نفوذه سياسياً أضعف من نفوذ المرجعية روحانياً، ولكنه يخشى أسماك القرش المسلحة المؤيدة لايران وحفلاتها في كلّ مكان من العراق ، خصوصاً وانه يهدّد دوماً بدواعشٍ جدد ! فيزداد ضعفه وخوره . وعليه ، فان البدايات ستكون متمثلة بالقضاء على زعانف ايران في العراق ، وتقويض هيمنتهم وجنونهم فيه وعبثهم الدموي في المناطق المدمرة، وما فعلوه بأهلها . 
بالرغم من ادماج رئيس الوزارة للحشد الشعبي مع الجيش، وتلك عملية خاطئة تماماً ، فانّ عدة جماعات وعصابات متنوعة تسرح وتمرح في البلاد ، وهي ليست جزءًا من حشدٍ شعبي ، وهذا خطأ شائع تكرره وسائل الإعلام دوماً . أن الحشد الشعبي (
PMU) يقوده رجل إيراني صرف (هو الثاني في القيادة) وأسمه أبو مهدي المهندس، ورغم اطاعته الأوامر ، لكنه يتحّرك وفقاً للمشيئة الايرانية اذ يستمد سلطته من الجنرال قاسم سليماني مباشرة .. وينتشر شركاء إيران في العراق مثل "عصائب اهل الحق"، و"كتائب سيد الشهداء" ، و"حركة النجباء " ، و"كتائب إمام علي" ، و"حزب الله العراق" وغيرهم من الذين شاركوا في فصائل الحشد الشعبي ، ولكن قطعوا علاقتهم بها بمجرّد انتهاء الحرب ضدّ داعش . وفي الانتخابات البرلمانية. أحدثوا جملة خروقات بليغة بتأثير من ايران ، ولم تزل تعدّ ضرورة للنظام ، وعبئاً مأساوياً على العراقيين وخصوصا البطش الذي مارسوه منذ سنوات ضد الالاف من ابناء السنة اسراً وسجناً وتعذيباً وقتلا، واعتبار كلّ السنة دواعش يستوجب قتلهم .. او الانتقام منهم كونهم احفاد قتلة الحسين !! وكل ذلك جرى والحكومة العراقية تدرك وتعرف ما الذي يحدث من جرائم وجنايات، ولكن ليس باستطاعتها ان تفعل شيئا ، فهي تلوذ بالصمت امام هؤلاء الذين لم يخجلوا ان يعلنوا امام العالم بالثأر والانتقام كما جاء على لسان احدهم وهو قائد العصائب ويسمى الخزعلي قائلا : " بعونه تعالى تحرير الموصل هو تمهيد لدولة العدل الإلهي، وهو انتقام وثأر لقتلة الحسين، لأن هؤلاء الأحفاد من أولئك الأجداد”. ! الامام الحسين هو الحشد الشعبي بهذه العقيدة نقاتل بهذه العقيدة انتصرنا في الفلوجة وفي تكريت وفي ديالى وبهذه العقيدة سنقاتل في الموصل نقاتل من ؟ نقاتل من؟ اقولها بصريح العبارة يفهمها من يفهمها يشوهها من يشوهها نقاتل قتلة الحسين القوم هم القوم هؤلاء الاحفاد اولئك القوم ما دامت العقيدة نفس العقيدة " ! 
ان تحليل النص في اعلاه، يشير ويدل صراحة على حرب عقائدية ثأرية وانتقامية قذرة في هذا العصر ،ولم يستخدم صاحب النص اسم داعش للدلالة، بل استخدم القوم والعقيدة ، بمعنى تحويل الصراع من حرب ضد الارهاب الى حرب اهلية وطائفية بامتياز . فكيف يقبل اي عراقي ذلك ؟

نشرت بتاريخ 30 آب / اغسطس 2019

http://sayyaraljamil.com/
انتظروا الجزء الثاني من المقال " مصير العراق في خطر (2) ساحة دموية في الحرب او اللاحرب "

 

 

الفساد الذي يأكل العراق

سيار الجميل

 

"تفشّى الفساد في كلّ المرافق والمؤسسات الرسمية وشبه الرسمية، وحتى لدى شرائح المجتمع"

 

مرّ العراقَ بمراحل مختلفة من الفساد، بفعل تداعيات الحروب والحصار الاقتصادي، واستشرى بشكلٍ بشعٍ منذ دخل العراق حالة فوضى جماعية بعد غزو أميركي عام 2003، عندما حاول الأميركيون والعراقيون على حدّ سواء الاحتيال على الحكومتين العراقية والأميركية، بكلّ ما يمكنهم الحصول أو الاستحواذ عليه. ثم أصبحت ظاهرة الفساد منظومة مؤسسيّة تمارسها الأحزاب العراقية الحاكمة. وبحسب مراقبين، تبلورت "الظاهرة" مع أول ثلاث دفعات من الفساد، لكي تصبح شوكة تقف ضدّ أيّ عملية إصلاحية حقيقية. 

سئل المفتش العام ستيوارت بوين عن طبيعة الفساد في العراق؟ فقال: انتقل من تحت السيطرة إلى فساد خارج عن السيطرة، إلى فساد في السيطرة نفسها. والفساد عراقياً يأخذ مسلكين، ممارسات تافهة على المستوى المحلي وممارسات كبيرة على مستوى الحكومة المركزية. وبقيت "الظاهرة" تتفاقم دائمًا لتغدو أصعب مشكلة، ولم تخضع لرقابة صارمة على المستوى الأعلى، حيث كان هناك فساد خطير لدى القيادة العليا للبلاد، وهذه تغطّي على منظومة كاملة تمثّلها الطبقة الحاكمة التي استحوذت على كلّ الموارد، وسيطرت على كلّ المؤسسّات، واستشرت من خلال الصفقات، وساعدت على ذلك قناعة مطلقة بأنّ للنهب مشروعيته، خصوصاً إن كان من المال العام، بعيداً عن الشعور بالذنب، والتعامل مع الحالة من خلال شبكة متلاحقة، تتمّ من خلالها العلاقات وتوزيع المناصب وشراء الذمم وإرضاء كلّ جوقات المشاركين في الماراثون. وعليه، للفساد خلايا تكوّنت في ظلّ حكومات فاسدة، وظروف تجد فيها سوء الإدارة والحروب المدمرة والصراعات الجهوية والنزاعات العشائرية والإقصاءات المحاصصية الطائفية.. ليغدو الفساد متغلغلاً من الكبير إلى الصغير، ويكون القاعدة والمقبول. 
تفشّى الفساد في كلّ المرافق والمؤسسات الرسمية وشبه الرسمية، وحتى لدى شرائح المجتمع.. في المدارس والجامعات، ولدى ضباط المرور والشرطة والأطباء والموظفين الإداريين والقضاء وكل القطاعات. وزارات حكومية كاملة ومديريات ومؤسسّات وأجهزة بيعت لهذا الحزب أو ذاك التيار. آلاف الأسماء الوهمية مسجلة كونها رسمية، ولا وجود لها، فهي افتراضية، وأطلق على أصحابها اسم "الفضائيين"! مع آلاف المشروعات والمقاولات الوهمية التي لا وجود لها. طاول الفساد الكبير الحكومات ودورات البرلمان، وتجد التزوير في كل مكان. 
كان المجتمع العراقي قد تحطّم في حرب الثمانينيات، وحروب التسعينيات العسكرية 

والاقتصادية، واحتدام الفوضى على عهد الاحتلال الأميركي. وصولاً إلى الحرب الأهليّة التي كانت لها تداعيات صعبة على مبدأ المواطنة الذي لم يعد موجوداً على حساب مصالح الجماعات والأحزاب الدينية والأطراف المتحالفة معها، باتباع النمط النفعي وتلبية المصالح الخاصة على حساب المصلحة العليا للعراقيين كلّهم، واتباع كلّ الوسائل اللامشروعة، وإيجاد المبررّات لكلّ الخطايا، وتموّه الخفايا من كلّ الفاسدين والتابعين لهم، وسرعان ما تبدّل الأطراف، وتُبرم الصفقات، وتوقّع العقود، وتختفي المعلومات.. أو يستخدم العنف والعمل السياسي بكلّ مناحيه الوسخة. 
يمرّ كلّ ما حدث ويحدث تحت مرأى الولايات المتحدة الأميركية ومسمعها. وفي مقدمة ذلك إحداثها الانقسام الشيعي والكردي والسني في العراق، باسم "المكوّنات" وامتداده حتى اليوم، وهي مقتنعة بأن المحاصصة تعدّ الأُس الحقيقي للفساد، ولم يكن هناك أيّ نوع من التبصّر بشأن عدد لا يحصى من استشراء فساد العشائر والفصائل السياسية والمليشيات والعصابات والحركات الدينية للجماعات المختلفة التي استفحلت في الهيمنة على الحكم، من خلال انتخابات مزوّرة ومفضوحة. أوجدت تلك السياسات، مثلا، أساليب عنف شيعي سني اتّسم بالتوحّش، وثمة عنف داخل بنية الشيعة السياسيّة، وهو أكثر قسوة. إذ انقسم الشيعة بين متعصبين ومدنيين، وهكذا بالنسبة للسنة العراقيين الذين حرقوا كلّ أوراقهم، بغبائهم وبعدم تقديرهم التحوّلات المصيرية الحاصلة، ودفعوا أثمانا باهظة جرّاء ما فعله كلّ من تنظيمي القاعدة وداعش. ناهيكم عن الذين كانت إيران قد جنّدتهم من أجل تمرير سياساتها بواسطة أعوانها وعملائها الذين شكّلوا لهم دولة عميقة في العراق، وقد تورّمت جماعاتهم ومليشياتهم وجيوشهم في العراق، ليغدوا في إطار طبقة حاكمة فاسدة، وهم الأكثر عسكرة وشراسة. وقد انضم إليهم أنصار بين فقراء المدن والريف معاً، وهم يفاقمون المشكلات، متوقّعين تمامًا عودة المهدي المنتظر. وكان السنة أكثر انكساراً وانسحاقاً، وبدأت حرب داخلية ثابتة داخلهم، إذ تعرّضوا لمآسٍ أحدثتها القاعدة أولا و"داعش" ثانيا. 
كان الأكراد وحدهم هم الذين شكلوا جبهة موحدة، وحتى تم تقسيمهم إلى فصيلين مع حركات سياسيّة منفصلة وعناصر استخباراتية. كان الشيوعيون والديمقراطيون الليبراليون والبعثيون والزعماء القبليون وغيرهم من الجماعات الصغيرة، جميعهم على استعدادٍ لاختيار جانب في المد والجزر، فمنهم من انضم إلى جهاز الحكم، وبينهم منافقون ومداهنون يتراقصون بين الخنادق، ومنهم من فضّل استخدام العنف، فباء بالفشل الذريع، ومنهم من حرص على الاستفادة من أي فرصةٍ للنهوض بجماعاتهم وأنفسهم ضمن مصالحهم الفئوية. اعتقد الأميركيون زوراً وبهتاناً، وهم من المتحيّزين لتدمير العراق، بأن الديمقراطية هي الحلّ لجميع مشكلات العراق. ولكن بالنسبة للعراقيين، لم تكن الديمقراطية عندهم إلا مجرّد وسيلة للنشاط السياسي، والسعي إلى المناصب، وفرص النهب مهما كلّف الأمر، وكان سعي الذئاب في مجتمع تلزم الأغنام فيه بأن تصوّت للذئاب. 
تحوّل الفساد من كونهِ خارج نطاق السيطرة إلى سيطرة. لم تستخدمه الهيئات الحكومية في أداء مهامها، بل لتوفير الثروات الخيالية والمحسوبية للكتلة السياسية المسؤولة عنها. وهكذا تحوّل  

الفساد من حلب البقرة إلى جوقات سياسية تأكل البقرة نفسها. أصبحت الوسائل التي حدث فيها الفساد أكثر تطوراً وابتكاراً. وكلّما نخر الفساد مؤسسّة زاد ضعفها وخورها، وخير دليل على ذلك أنه لم يكن من الغريب على الجيش العراقي في الموصل أن ينسحب ذليلا وينهزم خائراً أمام حفنة من الأشقياء الذين مارسوا الرعب نحو ثلاث سنوات. 
لقد خرجَ الفساد في العراق فعلاً عن نطاق السيطرة، مع وجود ثلاث هيئات ووكالات منفصلة أسسها الحاكم العسكري الأميركي بول بريمر، وقتئذٍ: المجلس الأعلى للتدقيق، ولجنة النزاهة العامة، ونظام المفتش العام لكلّ وزارة، ولكنها لم تنفع جميعها في ظلّ غياب للقانون وأحكام الطوارئ وعدم إجراء تحقيقات صارمة ومحاكمات سريعة، واتخاذ قرارات إجرائية قوية ونافذة. وكانت خيبات الأمل الكبيرة في حملة مكافحة الفساد في العراق تتمثّل بعدم وجود قضاء مستقل، بل مسيّس، فلم نشهد أيّ ملاحقات قضائية في ما يتعلق باللاعبين الرئيسيين في المشهد السياسي للبلاد. وإذا جرت تحقيقات مع متهمين ودينوا قضائياً بثبوت الأدلة، سرعان ما يفرج عنهم بعد أيام دون أيّ حساب أو تعهد، ولا كتاب مع فشل المقاضاة الجنائية، وكأنهم جزء من مخطط منظم تقف على رأسه حيتان ضخمة من كبار المسؤولين الذين تعرفهم السفارة الأميركية جيداً. ويدرك الأميركيون مدى السخط العارم للشعب العراقي مما حصل ويحصل منذ أكثر من 15 سنة مضت. القناعات الأميركية تدعم الفساد فعليًا، وهو المستشري في كلّ نسيج العراق الذي غدا اليوم ميدانا موبوءاً بزعامات أوليغارشية والمافيات والعصابات والمجرمين والمرتشين والقطط السمان من السلابة والناهبين والعملاء والمشاركين في العائدات من ذوي القرابة. وتشتمل المنظومة حتى على العشائر ورجال الدين مع هزال المؤسسات في كيانٍ رخوٍ لا يقوى على الحياة، وقد ضاعت فيه المحاسبة والتفتيش مع ضياع مليارات الدولارات نظرا لسهولة إخفاء الأموال الحكومية. 
غدا الفساد مستشرياً في كلّ مرافق الحياة التي تقوم على التزوير والصفقات اللاأخلاقية والعبثية والتهديدات وشراء الذمم، وكلّ الموبقات التي تمارسها الأحزاب المشاركة في العملية السياسية. أخطر جريمة كانت ولم تزل تمارس تجاهل الرأي العام وعدم الالتفات إلى من يعارض وينتقد ويفضح هذا الفساد الذي يأكل العراق جهارا نهارا.

العربي الجديد – لندن

كل هذه

الحرائق في العراق

د.سيار الجميل *

 

تعوّد العراق على سلسلة كوارث مستمرّة ومتنوعة، ومتعمدّة بفعل فاعل في أغلبها، ففي كلّ فصل من فصول السنة، كارثة جديدة تعقب أخرى، فهي سلسلة لا تُحصى، فمن الكوارث أخيرا جرائم ارتكبت من دون مساءلة: الجفاف وقطع المياه عن أنهر العراقيين، ثم انسداد مجاري الصرف الصحي، ثم تجريف أشجار النخيل، ثمّ تسميم ملايين الأسماك في الأنهر، مآسي الفيضانات، ثمّ ما يحدث في المستشفيات وصولاً إلى إشعال الحرائق في الحقول الزراعية والحرب الاقتصادية الشعواء ضدّ العراقيين. والمشكلة أنه لا أثر للحكومات العراقية المتعاقبة أبداً في إيقاف حجم الكوارث، ودرء مخاطرها، بسبب ضعف هذه الحكومات وهشاشتها وانعدام مسؤولياتها، وهيمنة قوى سياسية متنفّذة عليها. أمّا الجناة من المجهولين الذين في الوسع القبض عليهم، ومعاقبتهم أشدّ العقاب، فما زالوا يسرحون ويمرحون في كلّ العراق. 
آلاف الهكتارات من الأراضي المزروعة تلتهمها النيران كلّ يوم في حرائق متعمّدة، ونحن الآن في موسم حصاد الحنطة والشعير، خصوصاً في محافظة نينوى المغضوب عليها من النظام الحاكم. ونرى ونسمع أنّ محاصيل الناس تحترق في العراق، وهذا ما يؤلم كلّ عراقي له نخوته الوطنية، إذ هذا أمر بالغ السوء للاقتصاد العراقي. ومنذ شهرٍ مضى، ونحن نسمع عن حجم النيران التي أكلت الزروع والضروع، حتى وصلت إلى أبواب المدن. وممّا يثير الانتباه تضاعف هجمات الحرائق في المناطق الزراعية في شمال العراق خلال الأسابيع الأخيرة. في شهر واحد، وخصوصاً في الموصل وتوابعها، إذ دمّر 236 حريقاً أكثر من 5100 هكتار من الأراضي الزراعية المكتنزة بالمحاصيل. وقد بلغت اليوم أكثر من ستة آلاف هكتار. 
ومن السهولة ألا يقبض على الجناة، ولكن تنشر مزاعم سهلة الترويج أنها من عمل تنظيم

 الدولة الإسلامية (داعش)، وسواء كانت من "داعش" أو غيره، فإنّ الحكومة العراقية ملزمة بتقديم الجناة للعدالة، وإلّا فإنّ الاتهام سيوجّه إلى أكثر من فصيل سياسي، أو مليشياوي، وإلى كلّ من له مصلحة حقيقية في تدمير الموارد العراقية في هذه المرحلة الصعبة. وسواء كانت الشكوك منصبّة على "داعش" أو على بعض السكان المحليين، أو الاكتفاء بسذاجة ترويج ارتفاع درجات الحرارة سيجعل الأمور أسوأ، وأن الحكومة هي المسؤولة عن العراقيين وحياتهم وأموالهم وحلالهم، فهم الضحايا، فضلا عن مسؤوليتها المباشرة المحلية في مكافحة الحرائق. 
وتعاني الموصل وتوابعها، حسب وكالات الأنباء، منذ أكثر من شهر، من أشرس الحرائق، إذ كانت حقول القمح والشعير في شمال العراق ضحيّة حرائق غامضة، أثبتت الشرطة رسميا أنها متعمّدة، ما تسبب في تلف آلاف الهكتارات من أراضي المحاصيل. وتعتبر سهول الموصل في المنطقة سلة الخبز الكبيرة في البلاد. وليس المهم أن يلقي بعضهم اللوم على جهاتٍ معينة، ولكن الأهم معرفة الجناة بالفعل ومحاكمتهم، سواء كانت الجريمة نفذتها هذه العصابات أم تلك الجماعات، حتى إن أشار آخرون بأصابع الاتهام إلى النزاعات العرقية المحلية. كيف؟ 
ضربت الحرائق أربعة أقاليم شمالية في العراق، صحيح أنها كانت كلّها تحت سيطرة ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية جزئيًا على الأقل بين عامي 2014 و2017، وأنها ظلت ضمن تقاطع ذئاب التنظيم الوحيدة، أو ما تبقى من الخلايا النائمة. في الواقع، غدت هذه المناطق مسرحاً لكلّ العصابات والمجموعات المتنوعة الموجّهة ضمن أجندات مضادّة سيطرت عليها وتنفّذت في المدن، وهي قادرة على إيذاء الدواخل في المدن وتوابعها، فكيف لا تستطيع إشعال الحرائق في البراري الخصبة والحقول الزراعية. وقد نشر بعض الناس على وسائل التواصل الاجتماعي صوراً لقطع زجاجية أو عدسات مستخدمةً، لإشعال النار من خلال حرارة الشمس دليلا على أنها كانت متعمّدة. 
ولما صرّح مسؤولون من الشرطة بأن 38 حريقاً قد سجّلوا فيه الجرم ضد فاعل، فلماذا لا يعلن من يكون الجناة إعلاميا؟ ولماذا لم نسمع من الحكومة المركزية شيئاً عن هذه الكوارث المهدّدة ليس للاقتصاد العراقي وحده، بل للبيئة بشكلٍ عام، ذلك أن الحديث يدور عن تدمير مئات الهكتارات المملوكة لعراقيين، زرّاعا وملاكين، في محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى. لا يمكن أن يمرّر ما يصّرح به مسؤولون بأن "داعش" هو المسؤول عن بعض الحرائق على الأقل، لأنّ المزارعين رفضوا دفع الزكاة، وهي ضريبة مفروضة بموجب الشريعة الإسلامية. وإذا كان بعض الحرائق من فعل "داعش" فمن أشعل الحرائق الأخرى؟ وإذا كان ضابط شرطة في كركوك قد صرّح بأن الفاعلين "جاءوا بالدراجات النارية، وبدأوا الحرائق، وزرعوا المتفجرات التي تنفجر عندما يصل السكان أو رجال الإطفاء إلى هناك"، وقتلت الألغام خمسة أشخاص على الأقل، وأصابت عشرة آخرين في محافظة كركوك وحدها، فما هي هوية من يقود الدراجة النارية؟ 
يتردد الخبراء في إلقاء اللوم بإشعال جميع الحرائق على الدواعش، إذ يضعون علامات استفهام 

كبيرة على قوى متشيطنة، علما أن بعضهم يقول إن الحرارة الشديدة بلغت درجاتها 45 درجة مئوية، وهي كافية لإحداث ظروف جفافٍ شديد. وهناك من يبرّر الكارثة أيضًا بقوله إن المزارعين يحرقون النباتات في الحقول التي تُترك بورا، لجعل التربة أكثر خصوبة في المواسم المقبلة، ولكن المزارعين ليسوا مجموعة بهائم حتى تحرق ملايين السنابل التي أنضجتها عدة أسابيع من الأمطار الغزيرة، وما أعقبها من موسم الجفاف. 
تنتج محافظة نينوى وحدها ما بين 40% و50% من القمح، ولمّا كانت 60% من الحرائق قد طاولت حقولها، فإن الكارثة كبرى في التقديرات العالمية، مع عدم اكتراث الحكومة العراقية ولامبالاتها، فضلا عن عدم توفّر ما يكفي أصلاً من الجرافات والحفارات والإطفائيات والطائرات الخاصة للمساعدة في إخماد الحرائق. وقد زحفت النيران إلى أحياء أطراف الموصل. ويقول شاهد عيان: في الأيام القليلة الماضية وحدها، شهدنا عشرات الحرائق.. السؤال هو: ما هذا الإهمال، لماذا لم يتحرّك المسؤولون للحدّ من حجم الكارثة؟ ومن غرائب الكارثة احتراق حتى الحدائق العامة، فحديقة الشهداء في قلب الموصل، وهي من أجمل الحدائق القديمة قد أحرقت بالكامل. 
ماذا تسمّى هذه الكارثة المتعمدة إلا محاولة قذرة لتدمير الاقتصاد العراقي، وإبقاء العراقيين يعتمدون، في غذائهم، على استيراداتهم من الآخرين.. الحكومة العراقية مطالبةٌ بأن تعلن مدى فشلها الذريع، وأن تكشف للعالم عن مسؤوليتها في إخفاء الجرائم والكوارث، وأن تعلن الحقائق بدل المخاتلة. وهل ستكون هذه آخر كوارث العراق؟ أشك في ذلك.

اكاديمي واستاذ جامعي وكاتب عراقي (مسيساغا اونتاريو) (العربي الجديد) اللندنية

 

 

الحكومة العراقية

وفشلها المبكر

سيار الجميل

كان رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، قد وعد قبل سبعة أشهر مع حلفه اليمين الدستورية، بتطبيق خطّة مدتها خمس سنوات، تحدّد أنشطة حكومته، وإصلاح أهم مفاصلها ببنودٍ استراتيجية مهمّة جداً يمكنها إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومنها وعوده بتحقيق الرفاهية والاستقلالية في زمن قصير جداً.. ولكن تبيّن أنه كان مجرّد كلام معسول ووعود لا تتحقّق، ذلك أن حجم المشكلات والأزمات العميقة أكبر بكثير من بنود خطّة وهمية، فالوزارة لم يكتمل نصابها حتى الآن، نظراً لضعف رئيسها أمام القوى الحزبية والمليشياوية، بما في ذلك أهم وزارتين شاغرتين، الدفاع والداخلية. 

وعلى الرغم من مجابهة الحكومة (الجديدة) جملة من التحدّيات، إلا أن ظروفها أفضل من ظروف حكومات سبقتها، ولكن المناخ الاجتماعي والسياسي العراقي لم يزل مضطربًا للغاية، بسبب التحديّات الإقليمية والضغوط الخارجية أولا، وبسبب وجود قوى داخلية متنفذة ومتغوّلة سياسياً وأمنياً في العراق ثانياً. 
بعد تسنمه منصبه، وبدء أعمال حكومته، قال عبد المهدي إن هذه الحكومة قدمت برنامجاً وزارياً كاملاً في إطار زمني واضح، "ونحن نعمل على تنفيذ هذه البرامج". وأردف: "هدفنا الكبير هو تلبية مطالب الأمة". ولكن يبدو وبعد مرور سبعة أشهر عليه في منصبه أنه لم ينجز أيّ شيء حقيقي على الأرض، على الرغم من أنّ المزاج السياسي الجديد في العراق لا يظهر أبداً أن الحكومة قد بدأت عزمها بتحقيق توازن إيجابي، وأنها تعتمد نهجاً مستقلاً، وأنها لم  

تتفاعل بقوّة مع دول أخرى في المنطقة، وإنها فشلت في إيجاد واجهة بين القوى الإقليمية من خلال هيمنة إيران على العراق. 
لم يظهر عبد المهدي، في محاولته الأولى، أنه يتخذ خطوات مستقلة، كونه لم يستطع فعل ذلك أبداً، فلماذا ضمّن ذلك في خطته وبرنامجه؟ ولماذا أعلن عن عدم خضوعهِ للعقوبات الأميركية ضد الدول الأخرى؟ ولماذا أكّد أنه يتصرّف في مواجهة العقوبات الأميركية ضدّ إيران؟ وهل أتّم تحديد الأولويات في قضية استقلال البلاد ومصالحها؟ وسواء كانت له دراية جيدة بالعلاقات الثنائية مع إيران أم لا، فليسَ من مصالح العراق العليا أن تجده مع أميركا، وتجده مع إيران في آن واحد، إذ سيكون ضحية للاثنين معاً، مهما بلغ حجم الحياد الذي يتشدّق به، ومهما وزّع بيضه بين السلتين، علماً أنّ إرادة إيران كانت ولم تزل تتحكّم بالعراق. 
ثمّة أسئلة ملحّة مطروحة على رئيس وزراء العراق، بعد مرور أكثر من ستة أشهر على حكمه، منها: هل نجحَ في إدارته للحكم، وخصوصاً أنه تولّى منصبه بعد موافقة القوى السياسيّة الشيعية عليه، فأصبح رهينة لمشيئتها، والرجل مختص في الاقتصاد، لكنه لم يزاول العمل الأكاديمي أو البحثي، كونه اشتغل في السياسة، وتقلّب أيديولوجياً من الماركسية إلى البعثية إلى الإسلامية، كما انتقل من راديكاليته العنيفة إلى الاعتدال.. واليوم، يعجز رئيسا للحكومة في مواجهة تحديّات حقيقية، ولم تنجح حكومته في قضايا استراتيجية وملحّة في البلاد، وهي قضايا لا تكفيها إصلاحات جديّة هشّة، بل هي بحاجة للتغيير الجذري، كما عجز الرجل في الاستجابة للتحدّيات الأساسيّة، وبدا غير مؤهل لقيادة البلاد، بعد نكث العهود التي قطعها على نفسه أمام العالم، وخصوصا ما يتعلّق بالسياسة الداخلية، فما هي تلك التحدّيات؟ 


أولا، المسؤولية الوزارية واستقلاليتها، إذ سجّلت الحكومة، برئاسة عادل عبدالمهدي، فشلاً ذريعاً كما جرى في حكومات من سبقه، وفشل في التغلب على هيمنة القوى والأحزاب السياسية، ولم يستطع فرض إرادته، كي تكون حكومته مستقلة عن الحيتان المسيطرة، فهذا أوّل مؤشّر على فشله وحكومته، وخصوصاً بعد أن فرضت تلك القوى أسماء معينّة عليه، فقبلها، فدق أسافين مسمومة في حكومته التي تبدو وقد أخفقت معه. 
ثانيا، لقد وعد بمحاربة الفساد في العراق، وهو أكبر آفة خطيرة تتجاوز ظاهرة الإرهاب، بسبب تغلغلها في كلّ مفاصل الدولة ومؤسساتها على جميع المستويات. وكان من المؤمّل أن يبدأ بإصدار قراراتٍ حديّة وصعبة، ولا تراجع فيها باجتثاث الفساد وضرب بنيته وشبكاته، وتبدأ من الأعلى نحو الأدنى، ومحاكمة الفاسدين علناً، وإجراء تحقيقات واسعة، بمساعدة خبراء محليين ودوليين، وبمشاركة فرق ومنظمات دولية لمكافحة هذه الآفة الخطيرة. لكن عبد المهدي لم يفعل. 
ثالثا، الحدّ من انتشار الأسلحة في البلاد، وحصرها في يد الدولة، وهذا أيضاً من أخطر التحديّات التي تحدّد ملامح ومستقبل كلّ من الدولة والمجتمع العراقيين، فلا يمكن لأيّة حكومة استعادة هيبتها داخلياً وخارجياً مع وجود فصائل مسلّحة حزبية وحشدية وعشائرية، شيعية وسنية، وهي تقاسم الحكومة ممارسة السلطة والنفوذ.. ومن المستحيل التحدّث عن مكانة الدولة الوطنية الحديثة وسيادة القانون، مع وجود وانتشار السلطات الموازية لسلطة الدولة في الأمن والجيش والتعليم والخدمات.. وعليه، فقد فشل عبد المهدي في انتشال العراق من دولته العميقة. 
رابعا، الفشل في تحييد القضاء وتعديل الدستور، وكان هذا التحدّي أحد أبرز المشكلات التي قوّضت عمل الحكومة والبرلمان، فإن تسييس القضاء يسمح بنمو الصراعات السياسية مع بقاء الفساد، مع بقاء الثغرات في الدستور وبنوده، والتي اعترف بها الجميع، إذ سمحت للقوى  

والأحزاب والمليشيات باستغلال الدستور والتنكيل بالمؤسسة التشريعية وخرق السلطة التنفيذية. وعليه، فشلت الحكومة الحالية بإعادة الثقة من خلال تحييد القضاء وتعديل الدستور. والمؤكّد أن كلّ هذا وذاك سيقود إلى تحديد طبيعة العلاقة مع إقليم كردستان، وتحديد العلاقة بين الحكومة المركزية ومجالس المحافظات التي تشهد فساداً مريعاً في أغلبها. 
خامسا، تحييد العراق وتطبيق استقلاليته التامة عن سياسة المحاور (الإقليمية والدولية). والعمل على فك الارتباط السياسي غير الرسمي لبعض الفصائل المسلحة، وزعماء بعض القوى، مع إيران، وتفعيل الدبلوماسية العراقية في مجالاتها المختلفة، ووضع مصلحة العراق العليا أولوية قصوى للدبلوماسية. 
أخيرًا، يمكننا نقد حكومة عادل عبد المهدي، والتي فشلت حتى الآن في أدائها، بل وعجزت عن تقديم ما وعدت بإنجازه خلال مدّة محدّدة على مستوى الخدمات، وفشلت ليس في تطويرها، بل حتى في معالجة مشكلاتها. وهنا، تتوجب إعادة تنشيط جميع مفاصل الدولة في مجالات الخدمات والأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، والنهوض بالبنية التحتية للبلد، والعناية بتطوير بنيته الفوقية، وإزالة الهيئات الاقتصادية للأحزاب السياسيّة من الميدان، وإعادة الإعمار والاستثمار لكلّ أجزاء العراق، وخصوصا المدن المنكوبة. وعليه، نطالب رئيس الوزراء بأن يبرهن على ما قدّمه من منجزات أساسيّة.. ويقدّم الحقائق إلى الناس، فالعراق ما زال يغوص في مشكلاتهِ وترديّات واقعه، فمتى يتم انتشاله منها؟

 

 

رسالة محبة


الى أهلنا في الموصل

وكلّ العراقيين الطيبين


أ.د. سيّار الجميل

 

مقدمة
أوجه رسالتي اليكم ايها الاحبة فانتم اولى بها من غيركم .. وانتم اليوم من يعنيني امرهم لا غيرهم . رسالتي اوجهها لكم ، والحرب تشنّ عليكم منذ سنين ، وكل يوم يمضي ، والكلّ يشهد حجم الكراهية والاحقاد التي يستقطبها الاعداء ضدّكم ، وكأنكم قد أتيتم من عالم اخر غير عالمهم ، وكأنكم غرباء عن وطن اسمه العراق ، وعن شعب يكونه العراقيون ، وعن بلد ساهمتم انتم وابائكم واجدادكم في بنائه واعماره في حين كان الاخرون مجرّد كائنات طريدة لا تعرف الا قطع الطرقات واستلاب الابرياء . وبالوقت الذي اثمن مشاعركم الكريمة ومواقفكم المشرفة وارائكم السديدة ازاء كلّ التافهين الذين فرضهم الزمن التعيس علينا في العراق ، وخصوصا هذا الوباء الذي يجتاحنا من رجال دين ومعممّين فقدوا اخلاقهم وقيمهم وتوازنهم .. ثقوا يا اعزائي بأنني سوف لا ارد على امثال هذا ( المفتي ) او غيره ، ولكن ساكتب هذه " الرسالة " بطريقتي الخاصة ، والمتضمنة لمساءلات واستفهامات .. ان الشتائم والسباب لا تنفع جميعها .. اذ لابدّ من توجيه الطعون والتحقيق مع هؤلاء وامثالهم بما يستحقونه كي يخرسوا ، ويأخذوا جزاءهم العادل حتى ان اطالوا لحاهم لما تحت الحزام .. 
انني ادرك ان لا قيمة لهم ابدا ، ولكن المشكلة في من يسمع خطابهم ويأخذه على عواهنه وهو خطاب تجريمي وتجريحي للهيئة الاجتماعية العراقية بتوزيع التهم مناطقيا ، كما انه مثير للقرف نظرا للاحكام المطلقة التي يتضمنها ضد اسر وعوائل بشكل جمعي .. يقول فولتير : " أن التاريخ لن يقف على قدميه ما لم نبعد عنه رجال الدين " ، فلم يقتصر تدخّل هؤلاء في السياسة ومستنقعاتها ، لكنهم بدأوا في العراق يدخلون انوفهم في المجتمع لزرع الفتنة والكراهية والاحقاد .. بئس ما يدعون اليه وبئس ما يريدون .. سيلقنهم المجتمع درسا لن ينسوه ابدا في قابل الايام بحول الله .

الموصل .. ستبقى مدينة عراقية حضرية مهما حاول البغاة استلابها 
انني الفت انظاركم الى حجم المؤامرة التي تعرضت لها الموصل وضواحيها وتوابعها ولم تزل .. مؤامرة تترجم حجم الاحقاد والكراهية التي يحملها اعداء قدماء منذ خمسة قرون مضت ، وأعداء جدد لا تعرفونهم ، ولكنهم يعرفون اهلها حق المعرفة ولا يطيقون حتى ذكرهم والاشادة بمنجزاتهم ، ويكنون لهم ولثقافتهم وخصوصياتهم عميق الاحقاد .. وقد وجدنا كم تشمّت بهم هؤلاء وبالغوا في الشماتة عندما سحقت مدينتهم الموصل وتشرد اهلها وعبث العابثون بها بخطط كانت قد أعدّت في دوائر مغلقة ومبهمة ، ولم تعرف الحقائق كاملة ما دام هناك تعتيم على ما حدث .. واذا كان هذا النفر الضال في العراق او بدفع من هذا الجوار او ذاك ، فان هناك ملايين العراقيين تعشق الموصل، وتتغني بها ، وتحترم اهلها ، وتقدر تراثها ، وتثمن تاريخها ومواقفها التاريخية .. وكم حاول المخلصون ان يلفتوا نظركم الى امور تخصكم وتخص مستقبلكم ، ولكن الاوان كان قد فات ، وكثيرا ما قوبلت مشروعات تخص الموصل واهلها بالسباب والاتهامات والشتائم ووصفت باشنع الصفات .. واليوم ، الم يتضح حجم المؤامرة ناصعا امامكم وواضحا امام ناظريكم وضوح الشمس ؟

ستبقى الموصل مدينة للتعايش والتآخي والمحبة 
الم يحن الاوان لتقولوا الى هذه القوى الباغية من الغرباء واللقطاء والموتورين وعلى راسهم مفتي ديار السنة ورئيس الوقف السني وغيرهما من المتطفلين السنة .. كفى : لقد كشفت مؤامرتكم واكاذيبكم ، ولم ولن يستسلم مجتمعنا العراقي لكم . نعم ، لا تستسلموا ابدا يا اهلنا في العراق لاكاذيب هؤلاء ، فالصراع كما يبدو يأخذ له ابعاده الخفية بين التحضر والتخلف وبين التخلّق وبيع الذمم .. صحيح ما اقل اهل التحضر ازاء الجهلة والمتخلفين والفاسدين وهيمنة قوى المتحزبين والمعممين ورجال الدين مع عصابات شريرة من الطامعين والطفيليين، ولكن تأكدوا أنه بوجود الإيمان والوطنية والاخلاق في النفوس ، فإن القدرة والقوة ستتوفران بسهولة.. خصوصا ، وان ليس لأحد الحق في ان يتكلم باسم غيره في مثل هذا الزمن الصعب .
ان الموصل ام الربيعين سوف لن ولم ترضخ لأولئك الذين يدعون أنهم شركاء في صنع مستقبلها من الجهلة والرعاع والدخلاء، وقد ادخلوا انوفهم في الاكمال او الاجهاز على مصيرها ، وهم يعلمون علم اليقين أن اهاليها جميعا ومن كل الاطياف يعملون عكس هذا المبدأ !! قولوا لهم ولكل صنائعهم من العملاء والمدجنين الفاسدين والسفهاء التافهين : “ انكم ان تمكنتم من سحق الموصل ، وقهر تراثها ، فانكم لم ولن تتمكنوا من كسر ارادة اهلها ، او تدمير ثقافتهم ، او تغيير خصوصيتهم ، او العبث بلغتهم .. ولم ولن تقدروا على تشتيت شمل وحدتهم ، ولا تمزيق تعايشهم ووحدتهم ، او كسر انوفهم .. وانكم مهما حاولتم ان تبثوا السموم ضدهم ، وتشويه سمعتهم ، وتضليل الناس عنهم ، فهم اقوى منكم ، وهم لا يحسبون حسابا لترهاتكم واحقادكم وسماجتكم . وان سماحتهم هي غير سماجتكم ، واعلموا بأن خصوصيتهم الحضرية بكلّ ما اكتنزوه من عادات وتقاليد متنوعة وثقافات جامعة لمسلمين ومسيحيين من السريان والكلدان والآثوريين وعرب وكرد وتركمان ويزيدية وشبك وارمن وجرجرية وغيرهم .. لا يمكن ان يكون اصحابها بعنصريين او متقوقعين على ذاتهم ، فقد عاشوا معا منذ الاف السنين واختلطوا مع بقية العراقيين وتزاوجوا معهم .. وليدرك كل التافهين الذين يطلقون الاوصاف البذيئة على عواهنها ضد الناس في الموصل وغيرها دون تحديد وبلا تخصيص بأنه جهلة ، وواحدهم لا يعرف ان يزن كلماته ولا يتحكّم في تعابيره او انه مجنون او مريض نفسيا ، او مدفوع باجر ممن يبيع ذمته للاخرين .. ونحن ندرك منذ الصغر ان علماء الدين الكبار لا يمكنهم ان يكونوا ابواقا سياسية او اعلامية ، فهم لا يمكنهم ان يدلوا بتصريحات ، بل ينبغي ان يتمتعوا باحترام الاخرين ، وانا لا ادري كيف باستطاعة رجل دين ان يوزع الاتهامات الرخيصة على هذا وذاك بناء على ما سمعه من قال وقيل لهذا السياسي او ذاك ؟ اليس هذه جناية بحق ذاتها ؟ اين ضيعتم الدين واهله يا شذاذ الافاق ؟ وانا اعلم ان من ابرز شروط الفقيه هي العلم بالقواعد الفقهية الكلية والجزئية وأن لا يكون كالذين نراهم اليوم على شاشات الفضائيات !

الجناية الكبرى : توصيف اهل الموصل بالعنصرية ! 
عبارة سمعتها مرارا من اكثر من (عراقي) منذ ازمان " ان المصالوة عنصريين " ، واخرهم قالها خرف ضنين على شاشة فضائية .. ولا ادري هل من يمتلك ثقافته المحلية الحضرية وخصوصيته الاجتماعية والادبية ومكانته الجغرافية والتاريخية يغدو هكذا بسرعة عنصريا ؟؟؟؟ لو انهم بعنصريين يا هذا ، ما كانوا وكل ابائهم واجدادهم من بناة العراق القديم والحديث ! لو كانوا بعنصريين يا هذا ، ما كانوا من اكثر الناس انخراطا في جيش العراق ليدافعوا عنه بدمائهم وارواحهم ! لو كانوا بعنصريين يا هذا ، ما كانوا من اكثر العراقيين مشاركة اياهم في حياتهم السياسية والثقافية والاعلامية والاجتماعية والاكاديمية على امتداد قرن كامل ! لو كانوا بعنصريين يا ناس لما خدموا كوزراء وسفراء وقضاة ومدراء وخبراء واطباء ومهندسين واكاديميين وفنانين متنوعين في عموم العراق !! لو كانوا بعنصريين لما توطن في الموصل : آل العاني وآل الراوي وآل التكريتي وآل السوري وآل الحلبي وآل البيروتي وآل المصري وآل مقدسي وآل الديري وآل الدوري وآل اغوان وآل الارمني وآل سناطي وآل السنوي وآل عقراوي وآل النقشبندي وآل الزيباري وآل بريفكاني وآل التلعفري وآل سنجاري وآل آمدي وغيرهم .. كما قطن الموصل شيوخ شمر الجربا والجبور وأعنزة وتميم والعزة والبدران والشهوان والنعيم والجحيش والموالي وغيرهم .. لو كانوا بعنصريين يا هذا ما كان اباؤهم واجدادهم يشاركون في احزاب البلاد ويناضلون في الشوارع ويؤسسون الصحف ويتغنون بالعراق في اغانيهم واشعارهم واناشيدهم وعرفوا بجمعياتهم وادبياتهم وشعرائهم وعلمائهم واطبائهم وفنانيهم .. وعلينا ان نسأل كم سكن بغداد ومدن اخرى في العراق من اهل الموصل منذ اكثر من 200 سنة وتزاوجوا مع اهلها واختلطوا بهم .. قليلا من الخجل يا رجال الدين سواء من اطال لحيته منكم او قصفها ، فان اصحاب اللحى لا تخيفنا ابدا ، فانتم لستم اوصياء الله على الارض ، فالانسان بسيرته وتاريخه وحسن تصرفاته ومواقفه واخلاقياته لا بلحيته الطويلة او شاربه الكث ، او عمامته مهما كثرت لفاتها !! ان وصف اهل الموصل بـ " العنصريين " على الملأ وبهذه الطريقة يعتبر جريمة ، لو كان في البلد قانون وقضاء كما هو الحال في بلاد تحترم نفسها ، تكفي لادانة صاحبها على تجريحاته ، ولكان قضى 7 سنوات منبوذا في السجن !!!! وصدق ابو الطيب المتنبي في قوله : 
إذا أتَتْكَ مَذَمّتي من نَاقِصٍ فَهيَ الشّهادَةُ لي بأنّي كامِلُ”

واخيرا : مجرد تساؤلات واستنتاجات 
هنا دعوني اتساءل : من دفع الاثمان البليغة في هذه المدينة يا الله ؟ من ساهم في هذا المصير الذي عليه الموصل ام الربيعين ؟ متى تنكشف اوراق التاريخ الخفي لتعرف الحقائق ؟ كم من الصدمات والصواعق التي ألمّت بالموصل سواء قبيل داعش واثناء حكم داعش وما بعدها ؟ كم الناس بحاجة الى اختبارات لتقول كلمة سواء وانصاف بعيدا عن المزايدات وبيع الضمائر ؟؟ لماذا تمزقت اوصال العراق بهذا الشكل ليغيب الشرفاء وكلّ المستقلين المخلصين عن الميدان ويتحكم بهم السفهاء والمعتوهون ؟ كم كنت اتمنى على امثال هؤلاء ان يساهموا باخراج الجثث من تحت انقاض الموصل القديمة في زياراتهم للموصل سعيا لمصالحهم او تحقيقا لاغراض مشبوهة بدل حضور المآدب والرقص على اجساد ضحايا الابرياء . قاتلهم الله . 
الثورة والاحتجاج على الاخطاء والجنايات هي العلاج الوحيد امام الناس .. فان ضاعت حقوقهم المادية وبيوتهم ومؤسساتهم وحتى دور عبادتهم .. فليس من العدل ان تضيع حقوقهم المعنوية وان تشوه سمعتهم بهذا الشكل او ذاك على السنة معتوهين وزنادقة ينافقون باسم الدين .. ان ما نصت عليه اللوائح من شروط تتوفر في المفتي : يشترط في المفتي العام للدولة أن يكون ذا علم واسع، وأن يكون ذا ورع شديد، مع التقوى والصيانة والتحلي بمكارم الأخلاق وخصال المروءة. هنا لا ادري كيف يريد بناء دولة اسلامية ، وقد سمح لنفسه ان يتجنى على الناس على نحو جمعي ؟ واذا كان كلامهم بهذه النوعية ، فكيف ستكون فتاويهم ؟ ومن سمح لهم بالتشدق بالاسلام والدعوة الى جمهورية عراقية اسلامية ؟؟

كتبت يوم 19 مايو / ايار 2019 ، وتنشر على الموقع الرسمي للدكتور سيار الجميل 
http://sayyaraljamil.com


 

 

طبول الحرب تقرع

وأجراس السلام تصمت

د.سيار الجميل

"ربما ستكون هناك مفاجآت صاعقة لما قد خطط له تحت الطاولة، وستنقلب الموازين رأساً على عقب"

 

ليس الصراع حرباً مع إيران كالذي كان في حرب العراق، إذ سيكون الأسوأ والأخطر والأشنع. ولا يصدر هذا الكلام من فراغ، بل انطلاقاً من المظاهر المفضوحة والتصريحات الغبيّة لكلّ من الطرفين، مع ازدياد التوتر بقرع طبول الحرب وصمت أجراس السلام، ذلك أن الولايات المتحدة وإيران تقتربان من المواجهة بشكل مثير للقلق، فالجدال لم يعد عقيماً أو تسويقياً أو دعائياً بشأن إدارة أميركية يقودها رئيس جمهوري متعجرف وسيئ الكلام، وكأنه متعطش لتحقيق أغراضه، في تركيزه على نيل مقاصده من الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، مع انقسام عربي يتمثّل بين مصفقين لأميركا وآخرين يسكنهم الهلع والخوف من مصير مجهول للمنطقة عموماً. ويؤدي جون بولتون مستشار الأمن القومي للرئيس ترامب، دوراً رئيسياً في تعزيز حال الترقب الماثل، وأجواء العسكرة، وهو ما فعله إبان الرئيس جورج بوش في غضون غزو العراق، ما أكسبه سمعة متهورة ورديئة. وقد قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قبل أيام، إن "الأفراد المتطرفين في الإدارة الأميركية" كانوا يحاولون كذباً إلقاء اللوم على إيران في حوادث الخليج. 
وعلى الرغم من التشابه الموضوعي في التعامل وتسلسل الإجراءات السياسية والاقتصادية ، فإن الصراع مع إيران لن يكون مثالاً نموذجياً معاداً لحرب 2003 ضدّ العراق، فالحرب اليوم ستكون مختلفة تماماً في الطرق والأساليب والخطط والأسلحة والتدابير، وهو بالتأكيد أسوأ بكثير ممّا حدث للعراق وتداعياته على المنطقة. إن وقعت الحرب اليوم، فستكون أكثر بشاعة وتشظياً، ذلك أن النار لن تطاول إيران فقط كما حدث للعراق، بل ستحرق كلّ جيوبها. ومع الاعتبار للفارق الزمني بين الحربين، يزيد عن 15 عاماً، أي بين 2003 و2019. وسيشهد الشرق الأوسط تمزّقات واسعة ودماراً كبيراً، وخصوصاً إذا استخدمت أسلحة نووية، سواء دامت الحرب ساعات أو أياماً، فهي مختلفة جداً عما كان يحدث في الماضي. 
لإيران ثقل استراتيجي في غربي آسيا، وهي ليست مغلقة وصغيرة كالعراق، وفيما سكان 

 العراق عام 2003 كانوا 25 مليون نسمة، فإن سكان إيران اليوم 85 مليون نسمة. ورقعة إيران 591 ألف كيلومتر مربع، مقارنة مع 168 ألف كيلومتر مربع للعراق. لديها 523 ألف مقاتل في الخدمة من العسكريين الفعالين، فضلاً عن 250 ألف من الاحتياطي المدربين. وإيران قوة بحرية في بحر قزوين شمالاً والخليج العربي وخليج عُمان جنوباً. وتشترك في حدود برية مع حلفاء الولايات المتحدة المضطربين، بما في ذلك أفغانستان وباكستان وتركيا والعراق، ناهيكم عن حدود بحرية مع دول الخليج العربي التي تواجه إيران غرباً. وتوصف الترسانة الصاروخية الإيرانية بأنها "الأكبر والأكثر تنوعاً في الشرق الأوسط". والسؤال هنا: ما الذي يريده الرئيس ترامب من إيران، بحيث يُحدث منعطفاً حاسماً نحو الأسوأ، بعد تاريخ من العلاقات المضطربة؟ وقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز قبل أيام، أن وزير الدفاع الأميركي بالوكالة باتريك شاناهان، وضع خططاً لنشر 120 ألف جندي أميركي في المنطقة، إذا هاجمت إيران القوات الأميركية أو أعادت تشغيل برنامجها النووي. وكان هذا قائماً على سيناريو لا يشتمل على غزو، وهو ما يتطلب مزيداً من القوات. وهنا سيناريو يختلف تماماً عن الذي جرى ضد العراق في العام 2003، فقد شارك في غزو العراق 150 ألف جندي أميركي، إلى جانب الدول المتحالفة معها. وتم ربط التكلفة المالية لحرب العراق بأكثر من تريليوني دولار عام 2013، مع ما يقدر بنحو أربعمائة ألف شخص قتلوا بين 2003 و2011. أما إيران، فقد أكسبها موقعها في وسط أوراسيا أهمية استراتيجية خاصة للتجارة، فنحو ثلث حركة ناقلات النفط في العالم يمر عبر مضيق هرمز، وهو الطريق الاستراتيجي للشحن، ويقدر اتساعه بأقل من ميلين، وأيّ حجب للمرور من خلاله قد يؤدي إلى كارثة في نقل شحنات صادرات النفط اليومية إلى العالم لينخفض بنسبة 30%.
من حيث القوة العسكرية التقليدية، إيران أضعف بكثير من الولايات المتحدة التي انتهجت استراتيجيات غير متماثلة، يمكن أن تلحق بها أضراراً جسيمة وبمصالحها في المنطقة، وخصوصاً أن الحرس الثوري الإيراني تشكيل هائل من القوات الموالية للمرشد علي خامنئي، وهو يعدّ منفصلاً عن الجيش النظامي، ويختصّ التشكيل بالعمليات الخاصة الخارجية، وله  

جيوب متوزعة في أماكن حيوية في الشرق الأوسط، وذراعه التي عرفت باسم جيش القدس قد نشرت نفسها سراً وعلناً بأسأليب غير شرعية، في أماكن مثل العراق ولبنان وسورية. 
وفي الوقت نفسه، عناد إيران وتصلّبها قد يعرّضانها لأخطارٍ جسيمة، ثمناً لزوال النظام السياسي فيها، الذي تغلغل في كلّ مفاصل المجال الحيوي للشرق الأوسط. وكانت إيران مصدراً أساسياً للأزمات والمشكلات المعقّدة في أكثر من مكان عربي فيه، ولم يكن ذلك ليشكّل سبباً جوهرياً في حسابات الأميركيين، بل كان ارتخاء قوتهم إزاء تغلغل النفوذ الإيراني في العراق وسورية ولبنان واليمن سبباً في ذلك. وهنا سؤال: لماذا تصدّعت العلاقات الإيرانية الأميركية فجأة؟ هل اكتشف البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) الآن مقتل 608 أميركيين في العراق بين 2003 و2011، على أيدي الإيرانيين، وأن وكلاءهما وعملاءهما سبب الفوضى في العراق وأفغانستان مرة أخرى بعد سنوات من الفجائع؟
يعرف المخططون العسكريون الأميركيون ذلك كله، وربما ستكون هناك مفاجآت صاعقة لما قد خطط له تحت الطاولة، وستنقلب الموازين رأساً على عقب. إنها استراتيجية محفوفة بالمخاطر، تثير قلق بعض أقرب حلفاء أميركا. جنون العظمة الإيراني من طرف آخر لم يحسب أي حساب لمصير إيران والمنطقة كلها، إذا استخدمت الأسلحة النووية، وليس ترامب عاجزاً عن استخدامها إن أراد، وخصوصاً أن أميركا قد استخدمتها قبله ضد اليابان، فهل في استطاعة 14 مليون طالب إيراني أن يوقفوا الجحيم، يا وزير التربية والتعليم الايراني؟

 

كاتب وباحث عراقي

 

ماذا ينتظر العراق ؟

أ.د. سيّار الجَميل

إذا كانت الرهانات متوقفة الآن حول أي بادرةٍ للتغيير في العراق، فإنها ليست مستحيلة أبداً، في ظلّ حكومةٍ وعدت بالإصلاحات، ولكنها لم تستطع تنفيذ وعدها، والتقدّم بعدم وجود أيّة استراتيجية وطنيّة قوّية باستطاعتها تحقيق ما تعجز عنه، بسبب وجود عوامل قاهرة، وبسبب الانشغال بالأزمة الإيرانية – الأميركية، وتيه السياسة العراقية إزاء سطوة كلّ من الإرادتين، الأميركية من طرف والايرانية من طرفٍ آخر.

لم تزل البلاد مجروحة وغير متعافيةٍ بعد من أخطبوط تنظيم  (داعش)، وما خلّفه من الاضطرابات الداخلية، وهي تلوح في الأفق من عدم الاستقرار وعدم اليقين للحكومة التي تخنقها المشكلات المزمنة والمستجدة، بانتقال العراقيين من الجفاف وندرة المياه إلى الفيضانات القاتلة لمصادر العيش، ناهيكم بالفساد المستشري في المركز وكلّ المحافظات، وخصوصاً الموصل والبصرة. إذا نظرنا إلى مستقبل العراق المنظور لما سيأتي به النصف الثاني من العام 2019، فإنني أتمثّله جريحا تبرز أشلاؤه، وهو يمرّ زاحفاً بدمائه عبر قاعة المرايا، ذلك أن الواقع مشوّه غاية التشويه، والرؤية باتت غير واضحة، أو حتى غير مرئية. ولكن من المؤسف حقاً أن 16 عاما مضت على احتلاله، ويبدو العراق وقد رجعَ القهقرى نحو الوراء، وأنّ كلّ من راح بعيداً في مخيالاته بات يعيد حساباته، ليس في صعوبة المتغيرات، بل في استحالة تحقيقها، وأن من خرج وتظاهر وعارض وبحّ صوته، ورسم نفسه كبيرا، بات صامتاً اليوم، مع سكوت عدة جهات فاعلة، خصوصاً بعد أن تحوّل اهتمام الأميركيين من العراق وأفغانستان نحو إيران. وعلى الرغم من إجادة الولايات المتحدة لعبة القط والفأر مع إيران في الشرق الأوسط. ولكن لا يمكن التنبّؤ، ولا حتى التخمين ما الذي تريده أميركا من المنطقة، وما خططها إن كانت قد رسمت لها أيّة خطط في ظلّ شراء هذا وبيع ذاك في السوق التي تتحكّم به. أتعس من يسمّم الرأي العام العراقي إعلامياً هو القنوات الفضائية العراقية قاطبة مع وسائل التواصل، فهي تعكس حالة الهشاشة والتخبّط السياسيين عند العراقيين الذين لم يتبلور بعد ما يوحّدهم في وطنهم إزاء مستقبلهم.

مع هدوء أمني نسبي، لم يزل العراق عرضة للنار، يتفجّر بشكل متقطع، وخصوصاً في  الموصل والبصرة، ناهيكم بمشكلات العراقيين اليومية المستمرة التي تقود إلى غضب الناس الذين ليس في استطاعتهم فعل أيّ شيء، نظراً إلى سطوة القوى المخيفة وبطشها بالقتل والتغييب أو الترغيب والترهيب، مع عبث بعض العشائر بمصائر الناس. وقد يسألني سائل: أليس في الواقع، وبعد 16 سنة من سقوط النظام السابق، قد تحقق قدر من الديمقراطية في العراق؟ وأنّ هناك من يتمتّع بذلك، ويشيد بالتجربة، على الرغم من أخطائها وخطاياها؟ ولكن لم يزل أغلب العراقيين يعانون من نقص الخدمات الأساسية، مثل مياه الشرب والكهرباء والرعاية الصحية الملائمة وفرص العمل والسكن وفساد الإدارة وغلاء الأسعار والتعليم. وكما يؤكد أغلب الصحافيين، ومنهم البريطاني باتريك كوكبورن، أن العراقيين باتوا في حالة استياء دائم من “حالة بلدهم المتداعية، وخصوصاً الافتقار إلى الطرق والجسور والمستشفيات والمدارس، فضلاً عن نقص الكهرباء والماء”. ويبقى التساؤل مشروعاً بشأن ضرورة إعادة بناء البنية التحتية، وقدرة النازحين وضحايا الأزمة، للعودة إلى منازلهم، وهي لم تزل حطاماً، والأكثر مأساوية أنّ الإنسان بات مدمراً محطماً يائساً بائساً تائهاً، وهو في خضمّ معاناته التي لا يمكن احتمالها.

اليوم، وفي ظلّ أوضاع مأساويةٍ كهذه لعموم العراقيين، ما خلا فئات من الطفيليين والفاسدين وطغمة المسؤولين والقوى المهيمنة، تحت مسميات شتى، والتي تعيش عيشة فارهة، يبدو الواقع مخيفاً جداً، وهو مبهم، إذ بدا أن المسؤولين العراقيين لا يعرفون ماذا يفعلون، خصوصاً في ظلّ التهديدات الأميركية لإيران التي لها نفوذها القويّ في العراق، وخيبة أمل الشعب العراقي  من الحكومة الجديدة على كلّ المستويات. مع خفوت دور مقتدى الصدر الذي كان متمسّكاً بشروطه، وقد جمع كل المعارضة التي نادت لتحويل العراق من نظام برلماني إلى نظام رئاسي. ولم يعد اليوم لأنصار مثل هذا التغيير أنه من الممكن أن تكون هذه القوى أكثر قوةً وأكثر مرونة، وأنها قد تكون أكثر فعالية. ولكن مع أخبار تفيد بانعقاد مؤتمرات عراقية معارضة بإشراف أميركي، ومنها للبعثيين الذين يسعون إلى السلطة بأيّ ثمن، سواء من خلال الأميركيين، أو كما ناشد الأمين العام لحزب البعث، عزت الدوري، في كلمته أخيرا، بتوسلاته حكام الخليج واعترافه بخطأ غزو الكويت في 1990. ولكن الزمن ليس مع هؤلاء البعثيين،، بل لأن العراق سار في اتجاه تاريخي من نوع آخر، وأن “البعث” لم يجدّد نفسه باسم جديد مع رجل قوي غير محسوب على مرحلة مضت ليكون مقبولاً. عراق 2019 ضحيّة قوتين مهيمنتين عليه، على الرغم من إرادة العراقيين المكبوتة، الأميركيين وإيران، وسيطحن بينهما في حال استخدامه رقعة شطرنج بائسة. وسيبقى مشلولاً ما دام الصراع موجوداً، وهماً كان أم حقيقة.

وعليه، المتمنّى من العراقيين أن يوحّدوا أنفسهم، ليكونوا جبهة متراصّة ضدّ كلّ التحديات، وأن لا تشغلهم همومهم مع هذا أو تعاطفهم مع ذاك.. لا بدّ من حل مشكلات الفساد والركود البيروقراطي، وإتاحة الخدمات الأساسية وتوفير الأمن والحد من طغيان الأغلبية. يتحدث كل المسؤولين العراقيين بشكل كبير عن الديمقراطية، والحريات، والصحافة الحرة، وتعزيز  العلاقات  ( الاخوية ) مع  العرب  إلخ.. بغض النظر عن توضيح أية محاولات لمعالجة وضع حدٍّ للقوى المهيمنة والعصابات ودعاوى العشائر ومعاقبة الفاسدين والغرباء  والاجراء  والعملاء  المنتشرين  في  البلاد عقاباً صارماً. إن نجح العراقيون في اغتنام الفرصة التاريخية لتأسيس استراتيجية وطنية، بعيدة عن نفوذ الآخرين وهيمنتهم، فسيكون ذلك السبب وراء إيجاد مجتمع مدني حقيقي متعلّم.    هي مناشدة هنا من كل العراقيين بالأخذ بأسباب الأمل خلال هذه المرحلة الحرجة من 2019، خصوصاً بإعطاء الأولوية للتنمية والخدمات الاجتماعية والانتباه إلى جيل جديد سئم أكشاك الاقتراع، جيل لم يشهد في معظمه سوى الحرب وانعدام الأمن والفقر والأمراض والنزوح والتهجير  والقتل  والعذابات والمشكلات المتنوعة وهيمنة  الآخر  ، لكنه مرتبط بالعالم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام غير العراقية التافهة..  صحيح  ان  الواقع  لا  يمكن  ان  يتغيّر  بسهولة  ، فهو  واقع  ابتلي  بالاشرار  والطفيليين  الذين  لا  يمكن  للحكومة المركزية  السيطرة  عليهم  أبدا  ،  ولكن  لابد  من  تعرية  الواقع  لندرك مدى  خطورته  ، وما السبيل  الى  فتح الاذهان  لتبديله  بالرغم من كل  التحديات والصدمات !  وما  يفرح  حقا  بما  نسمعه بوجود جيل جديد  يدرك حقوقه كمواطنين في البلاد، لا يخضع لوصايا الآخرين، جيل يرى أنّ المرحلة اليوم تتطلب مخاض ولادة مجتمع مدني بعيداً عن الأوصياء.

تورنتو - كندا 

العربي الجديد 

http://sayyaraljamil.com/

.

 

 

 

كارثة العبّارة في

الموصل.. ماذا بعد؟

سيّار الجميل *

 

تبجّح محافظ الموصل أنه سيمتثل لأي أمر يصدر من المرجع الشيعي، السيستاني، وكأنه موظف عند الأخير، وهو ليس من أتباعه!"

"يسجّل أهالي مدينة الموصل، اليوم، موقفاً مضاداً ومعارضاً ضدّ كلّ السياسات التي تريد تمرير أجندة خارجية وطائفيّة"

 

ضمن سلسلة كوارث العراق المزمنة ومآسيه المرعبة، شهدت الموصل، أخيرا، كارثة جديدة أحدثت حزناً عميقاً في النفوس، وأوجدت احتقاناً اجتماعياً لا يبارَى، ضمن احتقانات المجتمع ضدّ السلطتين، المحلية والمركزية، فضلاً عن وحدة الخيرين والطيبين إزاء البشاعة وصنّاعها من السماسرة الجشعين في التي يسمّونها "المكاتب الاقتصادية". ومنها مكتب الجزيرة السياحية في منطقة الغابات في الموصل، وكان المكتب ينقل الناس، ضمن واحدةٍ من عبّاراته، إلى الجزيرة النهرية، إذ انقلبت العبّارة بالناس التي عليها في نهر دجلة، وهي تحمل أكثر من مائتي راكب، من نسوة وأطفال وشباب، ليذهب أكثر من مائة قتيل غرقا وأربعين مفقودا، مع إنقاذ الأهالي ما أمكن إنقاذهم من مياه دجلة الطاغية في ذلك اليوم المشؤوم، إذ لم تمتلك الشرطة النهرية أي زورق إنقاذ.

تتكّتم الجهات الرسمية على أسماء المسؤولين الحقيقيين، والجهة المستثمرة وراء الكارثة، ما يثير تساؤلاتٍ عن وجود جريمةٍ مع سبق الإصرار والترصّد! ولكن جرى اتهام المحافظ ونوابه بالمسؤولية، على الرغم من الشكاوى ضده، كونه أحد أشنع المتهمين بالفساد، مع رهطه المحسوبين على فصيلٍ من المليشيات، إذ أبلغ المحافظ على أسرار "الحشد الشعبي" المشارك في عقد الاستثمار بطريقة غير قانونية. وبدا المحافظ رفقة رئيس الوزراء، في أثناء تفقّده الضحايا في الطب العدلي، وبدا غير مبالٍ بالكارثة. ولما أبلغ رئيس الوزراء البرلمان بمناقشة تبديل هذا المحافظ، هرب الأخير نحو أربيل، وبلغ الهياج الجمعي داخل الموصل أقصى مداه من جرّاء الحزن والغضب على السلطتين، المحلية والمركزية، إذ تهاونت كل منهما في إعمار المدينة من انسحاقها، وإنقاذ آلاف الناس من المخيمات، وعدم تقديم مستحقات الموصل المالية، وعدم الاهتمام بمرافقها وجسورها وأسواقها ومستشفياتها.. وقد تبجّح المحافظ، نوفل العاقوب، أنه  

سيمتثل لأي أمر يصدر من المرجع الشيعي، السيستاني، وكأنه موظف عند الأخير، وهو ليس من أتباعه! وقد تواترت الأخبار عن وصول بعض رموز الفساد إلى هذا المحافظ لمساومته بإسقاط التهم عنه في حال تكتم على القوى الشريرة في الموصل.
وقد تبيّن من المحافظ أن وراء الكارثة مستثمرين فاسدين، ينتمون لفصيل عصائب أهل الحق، المسلح. ولما انكشفت الحقيقة، هدّد أحد عناصر الفصيل بأن العصائب لا تخضع للحساب والمساءلة، وتحدى العالم بأن المكاتب لن تخرج من الموصل. والسؤال: من يقف وراء هذه العصائب؟ من أين رضع هؤلاء كل هذه السموم؟ أين هي الحكومة المركزية إذن؟ أين دور القضاء؟ أين البرلمان؟ لماذا يتكتمون على الجريمة؟ لماذا لم تجر أية تحقيقات مباشرة وفي الحال؟ لماذا لم يُحَل أحد إلى القضاء؟ هنا، ينبغي على أهل الموصل إدراك حجم الكارثة التي لا تقتصر على مجرد عبّارة غرقت في دجلة، بل معرفة من يسيطر عليهم سيطرة عمياء، ومعرفة حجم الجريمة التاريخية التي تُرتكب بحق الموصل والعراق كله.
ليست هذه الكارثة نهاية المطاف، بل ستعقبها سلسلة كوارث، ما دامت الأمور كلها بأيدي إرهابيين مليشاويين لهم أجندتهم الخفية في تدمير الموصل وبقية المحافظات، وعملهم على تغيير الديمغرافية السكانية، وإلا ماذا نفسّر بقاء الحشد الشعبي في الموصل وسيطرته أمنياً واقتصادياً واستثمارياً، وإعاقته كلّ المشروعات الحيّة والضرورية.
كم هذه الرئاسات الثلاث (رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان) في العراق ساذجة وغير مسؤولة، ولا تعي حجم الكارثة، إذ تخرج الرئاسات، بعد اجتماع ثلاثي عقدته يوم 22/3/ 2019 بتوصياتٍ هزيلةٍ، منها تعويض أهالي المنكوبين بمبالغ نقدية، وتشكيل لجنة تحقيق تنظر في الأمر! يا للتعاسة، هل تعوّض الأرواح المفقودة بمجرّد مال.. أهذه قيمة العراقيين لديكم؟ وهل الكارثة تحقق فيها لجنةٌ يعرف العالم كلّه مصيرها، كبقية اللجان الأخرى في كوارث أخرى حدثت في العراق، وأهمها جريمة سقوط الموصل بأيدي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في عام 2014؟
المطلوب، يا قادة البلاد، إحالة المتهمين باقتراف الجرائم والفساد مباشرة إلى القضاء ومحاكمتهم، وفق الأصول القضائية، لينال من تثبت عليهم الاتهامات جزاءهم العادل، ومعهم المحافظ وأعوانه المتهّمون بالفساد، وعلاقته بالسماسرة، وبيعه "سكراب المدينة" إلى مستثمرين في "الحشد الشعبي". وأيضاً إيقاف عمل القوّات الأمنية جميعها، كونها لا تقوم بواجباتها، إذ حصل تفجير إرهابي كبير قبل كارثة العبّارة، راح ضحيته العشرات. مطالبات الأهالي اليوم تقوم على سحب "الحشد الشعبي" من داخل الموصل، وإيقاف إجراءاته التعسّفية ضدّ أهالي الموصل، وإعلان حكم طوارئ حتى تنفيذ القانون، والبدء بحلّ مشكلات الموصل المتفاقمة، والبدء بإعمارها على نحو إنساني، ورفع مئات الجثث المتيبّسة والمتعفنّة من تحت أنقاض 

 

المدينة القديمة، وإعمار المستشفيات والجسور وكلّ المرافق الحيوية، وحلّ مشكلة النازحين.. إلى غير هذه كلها من المشكلات التي يعاني منها أهالي الموصل.
يسجّل أهالي مدينة الموصل، اليوم، موقفاً مضاداً ومعارضاً ضدّ كلّ السياسات التي تريد تمرير أجندة خارجية وطائفيّة، وهم يطالبون بالثأر لكرامتهم المهدورة وأرواح أبنائهم وبناتهم، وأن يقفوا ضدّ السياسات الحكومية إزاءهم، فضلاَ عن معاناتهم اليومية والمعيشية، وأنهم قد تعلّموا كثيراَ من سياسات الحكومات المتعاقبة تجاههم، ولم يعودوا يقبلون أيّ رضوخ جماهيري، أو كسر إرادة، أو قتل بشر، أو إفناء المدينة من خلال مكاتب اقتصادية، أو هيمنة حشود شعبوية. وهم لا يطالبون الآخر بإرسال التعازي والمواساة، بقدر ما يهمّهم أن يكونوا أسياد أنفسهم في بلد ممّزق، ومؤسساته مهترئة، وسلطاته مخترقة، ومجتمعه لا يعرف الانسجام، وسلطاته تتكتّم على الكوارث وفق أجنداتٍ مثيرة للشبهات، وحكومة محليّة لها تواطؤها مع مراكز قوى عميلة ومليشيات فاسدة، من غير أهل نينوى..
وأخيرا، إن نجحت الموصل في فرض إرادتها، سيكون ذلك مفتاحاً لكلّ العراقيين بخلاصهم من الفساد والفاسدين، ورحيل الطارئين النهائي. ولكنني أشك في ذلك، نظراً إلى حجم المؤامرة، وبطش العدوان، واهتراء السلطات، وهزال الحكومة، وبشاعة من يقف مع هؤلاء.. السؤال: متى يدرك الشعب العراقي المأساة وكيفية سعيه في خلاصه من مصادرها الخبيثة؟

·         اكاديمي ومفكر عراقي (مسيساغا – كندا) (العربي الجديد) لندن

 

أديب الجادر..

 باقياً في الوجدان

سيّار الجميل

 

رحل يوم 10 مارس/ آذار الجاري، الأستاذ العراقي القدير والوزير السابق أديب عزّت الجادر، إذ غادرنا في رحلته النهائية، بعد مضيه سنواتٍ طويلة مريضاً، يعاني وحده في دار للعجزة في جنيف. وكان فاقداً ذاكرته، فلم يستطع أن يتعرّف إلى أقرب المقربين إليه. وكان العراقيون قد نسوه تماماً، بعدما كان أحد أبرز رجال النخبة العراقية المثقفة من التكنوقراط القوميين المؤمنين بالديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ قدّم للعراق وأهلِه خدمات مثلى، طوال حياته الوظيفية والنضالية. وكان المدير العام السابق لمركز دراسات الوحدة العربية في بيروت خير الدين حسيب، الوحيد الذي يتردّد عليه، إذ كان من أعزّ أصدقائه، وابن خالته، وتلازما معاً طوال حياتهما، وبقي رفيقه منذ زمن الصبا حتى الرحيل.
ولد الراحل في أسرة معروفة في الموصل سنة 1927، وعمّه التاجر الشهير محمد نجيب الجادر، وكانت وفاة والده في حياة جده سبباً في حرمان أديب من ميراث العائلة وأملاكها وفقاً للشرع الإسلامي، الأمر الذي أدى به أن يكون عصامياً، وكان وحيداً لأمه التي اعتنت به كثيراً، وكان تكوينه التربوي والتعليمي في ما بين الحربين العالميتين، درس في مدارس الموصل، وسافر إلى إسطنبول لدراسة الهندسة الصناعية، وتخرج فيها 1949، وعاد إلى بغداد ليلتحق مهندساً، ثم مديراً مفوضاً لشركاتٍ صناعية في الخمسينيات من القرن الماضي، مثل شركة الغزل والنسيج العراقية في الكاظمية التي كانت تضم مصنع "الوصي"، وانخرط منذئذ في الحياة السياسية التي سبقت انقلاب 14 تموز/ يوليو 1958 على النظام الملكي. وكان سياسياً قومياً معارضاً مؤمناً بالديمقراطية، له مقاربته من الاتجاه الناصري، وكوّن منذ ذلك التاريخ علاقاته الوطيدة مع لفيفٍ من السياسيين القوميين اللبنانيين، حتى زوال العهد الملكي. وبناءً عليه، يعدّ الرجل من أوائل الناصريين العراقيين، وانخرط في كلية التجارة في بغداد، وتخرج فيها 1954. 
كان أحد أبرز مؤيدي النظام الجمهوري، إثر انقلاب 14 تموز، فعيّن في وزارة الاقتصاد  

مديراً عاماً لشؤون النفط. على عهد وزيرها إبراهيم كبة، ومشرفاً على شؤون العلاقات مع الشركات المنتجة للنفط. وفي بدايات 1959، كان عضواً في الوفد العراقي إلى مصر، والمشارك في المجلس الاقتصادي لجامعة الدول العربية، وضم الوفد نخبة ممتازة من الاقتصاديين العراقيين الحاذقين، أمثال محمد سلمان حسن وجميل ثابت وأندراوس مراد الشيخ وطلعت الشيباني وغيرهم، ولكن أديب استقال بعد استفحال الخلاف مبكراً بين القوميين والشيوعيين. وغدا معارضاً لحكم عبد الكريم قاسم، ليعود قريباً من السلطة، بعد مصرع قاسم، على أيدي البعثيين في 1963. إذ برز قيادياً سياسياً، بعدما كان قائداً نقابياً، فقد انتخب رئيساً لنقابة المهندسين أربع دورات: الثالثة 1961 والرابعة 1962 والخامسة 1963 والسادسة 1964، وشغل منصب رئيس اتحاد الصناعات العراقية في 1963. وكان قد تقدّم دوره بعد إطاحة حكم البعثيين في 2/ 11/ 1963، إذ أصبح عضواً قيادياً في مجلس الرئاسة المشترك مع الجمهورية العربية المتحدة 1964، وتولى عدة مناصب في العراق، منها إعادة انتخابه رئيساً لاتحاد المهندسين العرب 1965، ووزيراً للصناعة 1964، وترأس الوفد العراقي إلى الاتحاد السوفييتي في 25/ 2/ 1965، حين أجرى محادثاتٍ أسفرت عن تصديق الاتفاقية الإنتاجية الاقتصادية. وفي 11/ 7/ 1965 تخلى عن منصبه، لينصّب رئيساً لمجلس إدارة شركة النفط الوطنية في العراق، وعضو اللجنة الاقتصادية الوطنية لخبراء النفط في 1966، ثم اختير وزيراً للاقتصاد في 30/ 10/ 1967 ضمن حكومة طاهر يحيى. وكان قد ألّف كتابي "خمسة مقالات في صناعة النفط" و"صناعة الغزل والنسيج في العراق"، فضلاً عن دراسات ومشاركات أخرى. 
وينبغي الوقوف عند دور الرجل في السنين الأخيرة من حكم عبد السلام عارف، فقد انصرف إلى العمل في المعركة النفطية، بعدما أصبح عضواً في اللجنة العليا للنفط، وكان دوره مؤثراً في السياسة النفطية العراقية، وبدأت المفاوضات في 2/5/1964، التي دامت 13 شهراً، وانتهت 3/6/ 1965. وتم التوصل إلى مشروع عقد اتفاقيتين منفصلتين. وقد اتبع سياسة منع شركة نفط العراق من الاستيلاء ثانية على الحقول النفطية التي تم الاستيلاء عليها، بموجب القانون المعروف المرقم 80 لسنة 1961، ومحاولات شركة النفط الوطنية استثمار حقل الرميلة الجنوبي وتطويره. وعرضت اتفاقية شركة نفط بغداد على مجلس الوزراء، فأحدثت  

انقساماً شديداً بين أعضائه، أدّى إلى استقالة ستة منهم، في مقدمتهم وزير الصناعة أديب الجادر. وعند عرضها على مجلس قيادة الثورة، ظهر أن المجلس لم يكن على علم بتفاصيل مجريات المفاوضات، ما أدى إلى عدم حصول موافقته على الاتفاقية كذلك. وكما ترى المؤرخة فيب مار، في كتابها عن تاريخ العراق المعاصر، أن تلك السياسات لم تمسّ مصالح شركة نفط العراق فحسب، وإنما أثّرت على مجمل السياسة العراقية الخارجية، بل أثرت على مستقبل العراق الداخلي، وستحاول شركات النفط أن تعمل على تغيير السياسة العراقية. 
عندما رجع البعثيون إلى الحكم في يوليو/ تموز 1968، تم اعتقال أديب الجادر بلا أي تهمة. وبقي سنة كاملة معتقلاً بلا محاكمة، ونال قسطاً كبيراً من التعذيب في قصر النهاية، وأطلق سراحه في 1969، وكانت أيام الاعتقال من أصعب أيام حياته، وقد أفرج عنه بتأثير من الرئيس جمال عبد الناصر (كما حدثني عنها لاحقاً في بيروت إبان التسعينيات). ترك العراق ولجأ سياسياً إلى القاهرة التي احتضنته قبل رحيل عبد الناصر، الذي كان على معرفةٍ قوية به. ولم يزر العراق مرة أخرى حتى 2003، بعدما سقط نظام البعثيين الذي عارضه معارضة شديدة في الخارج، إذ قام بتأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان 1983 في ليماسول، وغدا رئيساً لها في 1997. انتقل إلى جنيف للعمل في منظمة الأمم المتحدة (أونكتاد للتجارة والتنمية)، وعمل رئيساً للهيئة الاستشارية العراقية التي تزاول نشاطها من الخارج، وهي هيئة علمية تقدّم دراسات حول القضايا العراقية. وشغل الراحل مواقع ثقافية وفكرية مهمة، أبرزها عضويته في مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية. وما يميز الرجل أنه كان كثير التحرّي، وشديد الدقة إزاء المعلومات التي تصل إليه من العراق، عبر الجهات الدولية المعادية للعراق والأمة العربية. 
وقف أديب الجادر ضد نظام العقوبات غير الإنساني، الذي فرض على العراق، ودعا إلى إلغائه، كما رفض التعاون مع أي قوى خارجية لغزو العراق، على الرغم من عدائه الشديد  

لنظام صدام حسين. وفي مقابلة له عشية الحرب على العراق، قال "نحن ضد الحرب، ولا نريد أن يُحتل العراق من جديد أو يُحكم عسكرياً.. ولا يمكن الخروج من هذا المأزق الخطير إلا باحترام الإرادة الشعبية، وتنظيم انتخابات حرة، والقضاء على أساليب القمع، وضمان الحريات، وتأكيد وحدة العراق باحترام كل مكوناته الدينية والعرقية". كما كان من الشخصيات العراقية التي وقعت بياناً في 22 /2/ 2003 يتضمن نداءً ضد الحرب، وضد صدام، حذرت فيه من "أخطار حرب مدمرة بالنسبة للشعب العراقي وشعوب المنطقة والأمن والسلم في العالم"، وطالبت صدام حسين بالتنحّي عن الحكم.
وبعد الاحتلال الأميركي للعراق في 2003، زار العراق مرة واحدة، وكانت له آراؤه الممتازة في إعادة بناء العراق على أسس مدنية وديمقراطية جديدة، ولكنه لم يوفّق في مهمته الاستراتيجية، فعاد ليقدم أفكاره لانتشال العراق من مأزق تاريخي وقع فيه.. الرحمة له، وستبقى ذكراه الطيبة في الوجدان.

 

 

الكراهية وبحر البشاعات

د. سيّار الجميل

 

شاهدت أمس من خلال اليوتيب برنامجا تلفزيونيا على قناة فضائية يمتلكها رئيس وزراء عراقي سابق اسسها من اموال السحت الحرام

 وكان عنوان البرنامج " مكاشفات " وهي مفردة كنت قد استخدمتها بعد نحتها عربيا في ادبياتي النقدية .. لا ضير ، وفي حلقة بثّت في الاسبوع الماضي ، كنت اعتقد ان الانفاس الطائفية الكريهة قد انحسرت عند من يسمون انفسهم بعراقيين جدد ، ولكن هالني ما سمعت ورأيت ، فالكراهية بلغت اليوم اعلى مداها في مجتمعنا العراقي الذي يأكل نفسه بنفسه ، وهي لم تقتصر على جوانب سياسية معينة يكثر فيها الخلاف في الرأي ، بل مسّت عصب المواطنة والانتماء والضرب على الرأس في الصميم .. ولقد توضحت كم هو حجم الاساءة للشخصية العراقية وسط هذا العالم
ان احقاد العراقيين ضد بعضهم البعض الاخر لم تزل متأججة من دون ان يصدر بشأنها اي حساب ، ولا اي عقاب سواء من خلال جهات رسمية او أي ردع من قبل سلطات اجتماعية ، فالجميع يؤثر السكوت .. وبات الاقصاء الجهوي والتمايز الاجتماعي في اعلى مداه .. ولم تقتصر على القاء التهم جزافا ، بل دخل فيها التشمّت والتشفّي بمصير مدينة منسحقة او منطقة منكوبة واتهام أهلها بالعار والشنار ! ويأتي هذا على ألسنة من يدّعون انهم من المحللين واصحاب الشهادات العليا المزوّرة ، اذ امتلأت نفوسهم المتوحشة قيحا ، وبدوا وكأنهم يريدون افتراس اهلهم من ابناء شعبهم العراقي ومحوهم من الوجود ، والمشكلة ان هؤلاء وامثالهم لا يجدون من ينصحهم ، ولا يتورعون أبداً ممن يردعهم ! وصدق فيهم المثل العراقي : " يثرد بدم اخوه " !!
ماذا نفسّر هذه الاحقاد العميقة المتداولة عراقيا بين تسميات مضادة وتصنيفات مضحكة ، فهذا ابن الشمال وهذا نفط الجنوب ؟ لقد سمعت باذني في البرنامج المذكور من يسمّي هؤلاء بالشروقية واولئك بالغربية ؟ ما هذه الديماغوجية السمجة بحيث اسس النظام الجديد مبادئ الكراهية بتصنيف العراقيين لتكون بحرا من البشاعات .. واسس لدستور تمنح بعض بنوده للعراقيين حقوقهم من خلال المكونات والادارة الفيدرالية .. ولكن يتخلى بعضهم اليوم عن تلك البنود لينفث سمومه ضد ابناء وطنه ، وكأنهم اعداء لدودين وتاريخيين ؟؟ لقد وصلت الحالة البشعة ان يعّير الجنوبي ابن الشمال برزقه كون الجنوب نفطيا وهو يعيله ! .. ومع ذلك ، فالحكومة لا تمنح الحق لاهله من العراقيين بالتساوي وتمايز جهويا بينهم ، بل وانها تعاقب مدنا كبرى ، فهل تريدون ان يسكت الناس ؟ لابد ان يبحثوا عن وسائل ادارية واقتصادية في اطار القانون لعيشهم واصلاح مدنهم وبناء مستقبل اولادهم .. 
انني اخاطب هذا الذي رضي ان يخرج على الناس في مثل هذه القناة الفضائية ويعرض قضيته امام خصومه ، وليست لديه القدرة ان يدافع عنها في مناظرة فاقدة للاخلاق وكل المعاني ؟ المشكلة اليوم ، انك متهم في وطنيتك في ظل نظام يدعي الديمقراطية كذبا وبهتانا ، وهو اصلا جعل الوطن مزبلة للاخرين يعبثون به فسادا ليل نهار ! المشكلة اليوم انك ليس لوحدك متهما في وطنيتك ، بل يسحب ذلك على اجيال سبقتك برز منهم اعاظم الرجال لا يعترفون بهم فقط ، بل يشوّهون صورتهم اللامعة ويتنكرون لادوارهم الوطنية ! المشكلة اليوم ان ليس المشاعر الوطنية قد ماتت لدى العراقيين ، بل ان اللا وعي الجمعي بذلك قد طغى على الجميع ما دام كل من النظام السياسي والشرائح المجتمعية راضية وساكتة على نشر مثل هذا الغسيل القذر على العالم من خلال الفضائيات دون ان يوقفه أحد
وعليه ، انصح كل المخلصين العراقيين ان لا يتورطوا ابدا ويوقفوا تسارعهم للظهور فقط على الشاشات ، فبضاعتهم خاسرة ذلك ان معد البرنامج ومقدمه والقناة كلها لا تمتلك ادنى درجة من الحيادية والموضوعية والاخلاق والنزاهة ، بل انها مساهمة في بث الكراهية والاحقاد والعمل على وأد اي مشروع فكري ، او برنامج سياسي ، او تشويه سمعة اصحابه باساليب غاية في القذارة والاساليب اللااخلاقية .. يبدو ان العراق لم يزل غير مكتمل في تشظيه ، وان النظام السياسي الحالي يمعن في تمزيقه اربا بفرض ارادته التافهة هو وحده على كل العراقيين من خلال قوى وعصابات وجماعات متوحشة واقزام تافهين يقدمونهم كونهم من (الدكاترة ) المزورين .. وهذا جنون ولا يمكن ان يحدث ابدا في اي امة تحترم نفسها .. انكم نازعتم الدنيا من اجل الفيدرالية ، ولكنكم لا تريدونها اليوم .. انكم تتشدقون بالديمقراطية ، ولكنكم لا تسمحون لأحد ان يبدي رأيه السياسي او مشروعه الفكري ، او فكره المعارض .. انكم يا قوم تحملون ايديولوجية تمايزية بشعة ولا تتقبلون ان يعارضكم احد ، بل ولا يخالفكم احد .. والتمايز يعاقب عليه القانون في الامم العاقلة . ولم اجد احدا في كل امم الدنيا يتهم ابن وطنه بدينه او مذهبه او طائفته او مدينته او منطقته او عشيرته ، بل يفخر به ويحترم كل خصوصياته .. 
انكم تدركون جيدا انكم فئات ضالة تختلفون عن العراقيين الحقيقيين الاصلاء ، ولكنكم تريدون ابتلاع كل العراق لوحدكم دون الاخرين .. وهذا سوف لم ولن يحدث ابدا ، فالعراقي الحقيقي معدنه واحد ، وانتمائه واحد ، وهويته واحدة ، وثقافاته متنوعة ، وارثه واحد وفكره مستنير .. العراقيون الحقيقيون ليسوا بنهابين ولا سراقا ولا مرتشين ولا اكلة السحت الحرام .. العراقيون الحقيقيون لا يكرهون اهلهم ولا ابناء جلدتهم ، ويقدمونهم على انفسهم .. العراقيون الحقيقيون يحترمون شعائر اخوانهم وثقافتهم وقيمهم واعرافهم ولا يفرقون بين سني وشيعي ولا بين شمالي وجنوبي او شرقي وغربي .. العراقيون الحقيقيون يعشقون كل العراق وأهله بمدنه وانهاره وقصباته واهواره وكل اجوائه واطيافه ..
سيلفظكم الزمن في مزبلة التاريخ قريبا ، كما لفظ من سبقكم في حكم العراق .. ستبقى ارادة العراقيين الاحرار متأصلة في النفوس مهما طال الزمن ، ولابد لليل ان ينجلي ولابد للقيد ان ينكسر عما قريب .

صباح الاثنين 4 /3/ 2019 على الموقع الرسمي للدكتور سيار الجميل 
http://sayyaraljamil.com/

 

 

5 استراتيجيات مقترحة

ضدّ الفساد في العراق

 

أ.د. سيّار الجميل

 

غدا الفساد قصّة مألوفة لأربعين مليون عراقي في بلد غني بثرواتهِ، ولكنه كسيح في أنظمته، ويعد في المرتبة 171 في مؤشر مدركات الفساد؛ إذ يرتبط بمحاسبة ضعيفة بشكل مزمن وحكم غامض. وتختلف تقديرات إجمالي الأموال المفقودة، وتصل إلى 300 مليار دولار، فضلا عن مئات المليارات التي صرفت على المشروعات الوهمية لعدّة وزارات، مموّلة من الفواتير المزورة المقدّمة إلى البنك المركزي، ولم تتوقف مزادات العملة على الرغم من أنها قتلت العراق. تُرى، ما هي الخطوات الجادة والحقيقية التي اتخذتها الحكومة الحالية في القضاء على الفساد، كما وعدت العراقيين بذلك؟

إنه فساد طبقةٍ سياسيّة حاكمة، وإدارات ومؤسسات، في نهب منظّم للمال العام منذ 16 عامًا. ويقتنع أغلب العراقيين باستحالة تحسن الأوضاع، بعد فقدان الأمل من مسؤولين غير مؤهلين للحكم أبداً، وقد أمنوا العقاب. واقتنع الجميع بعدم وجود حلول للكارثة، فالجميع فاسدون؛ فالفساد كالتنين اجتاح العراق من كلّ الاتجاهات، بحيث وصمت هيئة ما تسمى النزاهة نفسها بالبشاعة، وكان الفاسدون الكبار وراء استشراء "داعش" الذي عبث بالعراقيين قتلاً وتشريداً. وأمسى الفساد ثقافةً مستحكمةً عند العراقيين، بفعل هيمنة مافيات سياسّية جائرة، احتكرت الرئاسات الثلاث، العليا والتشريعية والتنفيذية منذ 2005، وغدت القضائية العوبة بالأيدي ،  فضلاً عن قوى غير رسمية عابثة، وإن مسؤولي لجان حكومية وبرلمانية يهرّجون بالإصلاح، ولكنهم غرقى في الفساد، فهم يُظهرون عكس ما يبطنون. ولم يزل كبارهم، منذ 15 عاما، كالتماسيح يتلاعبون بمليارات الدولارات، من دون حسيب أو رقيب.

لم يتمكّن العراق من الوفاء بتعهداته أمام العالم في القضاء على الفساد، أو الإيفاء بتعهّدات بناء الخدمات ومحطات الطاقة في السنوات المنصرمة. ولم تخلق خطورة الأزمة أية حسابات تهزّ   وجدان المسؤولين الذين قادوا ظاهرة الفساد، ما جعل العراق يُصنّف باستمرار واحدةً من أتعس خمس دول، هي الأكثر فسادًا في العالم. كان كبار المسؤولين السبب في سرقة ثروات البلاد من المال العام. وهناك عصابات ومافيات، تحرّكها رؤوس معينّة، تشكل فايروسات قاتلة ضدّ كلّ من يفشي أسرار الظاهرة التي باتت مفضوحةً لدى الجميع، ولم يستطع حتى رجال الدين والمراجع الكبار فعل شيء، وهم يدركون غرق العراق في الكبائر والآثام، ولكنهم لم يدينوا أحداً أبداً، ولم يحرّضوا على الثورة، خوفاً على النظام وهويته ومصالحه، وهم يعلمون حجم الجريمة، ويدركون فشل العملية السياسية برمتها، ما دامت هناك مليشيات وعصابات فساد منظمة تدير البلاد الفاسدة.

وصل الغضب الشعبي إلى درجة الخطورة، بسبب أزمة الرواتب التي ضربت القطاع العام العراقي المتضخم. وكانت الحكومة تنفق أكثر من ثلاثة مليارات دولار على الأجور، وهناك إنفاقات خفية ورواتب خاصة ورواتب فضائيين (أسماء وهمية)، فضلا عن رواتب تصرف لأناس تحت أغطية مجاهدين سابقين ومستشارين، وهناك من يستلم أكثر من راتب.. إلخ. العدالة معدومة تماماَ بين العراقيين جرّاء سياسات التمايز، وتسييس الوزارات ونظام المحاصصة المختل عقلياً. وهناك السطو مثل الممتلكات الكبيرة الخاصة والعامة، وغموض ما يحدث، إذ تجهل المعلومات عن الأصول السرية.

ومن خلال تبادل المعلومات مع منظماتٍ، مثل مبادرة استعادة الأصول المسروقة التابعة للبنك المركزي، يمكن للمسؤولين العراقيين البدء في تطوير صورة أوسع للأماكن التي يتم فيها إخفاء الأصول. وحتى الآن، هناك صعوبة في استعادة الأصول المسروقة الكبيرة، ليس في تجربة العراق وحسب، بل في تجارب دول أخرى، والتي تختلف عن تجربة العراق المتدنية، إذ ليس مهمّاً استرداد الأصول المسروقة، بل الأهم كيفية الحفاظ عليها، وحمايتها من سرقتها ثانية.

باختصار، الفساد يعني ممارسة الحصول على السلطة أو النفوذ أو المكاسب الشخصية الأخرى، بوسائل غير مشروعة، غالباً على حساب الآخرين. الفساد ميزة غير ربحية، أو ربح أو كسب للظلم من خلال إساءة استخدام السلطة والتحايل عليها. ولا ينحصر الفساد السياسي بشخص واحد، بل هو حالة عامة، وثقافة مسيطرة تمثلها جماعات وأحزاب وشرائح وتيارات وشركات ومؤسسات ووزارات وإدارات .. إلخ غارقة في الفساد.

أقصر الطرق لتدمير الفساد في كل من النسيج الاجتماعي والمؤسسي للبلد الالتفات إلى خيارات  الإصلاح المفتوحة أمام الحكومات، للحد من الفساد وصدّ آثاره البشعة. إننا نوصي باستراتيجية ذات شقين: المكافأة والعقاب قوة دافعة للإصلاحات. ولمّا كان العراق حالةً خاصة ونادرة الحصول، فإن معالجة الفساد فيه ستكون خاصة، في ظل أي نظام سياسي يحكم الدولة والمجتمع، ففي غياب الدولة وضياعها اليوم، تمزق المجتمع أشلاء، وطغت فيه كل السلبيات. هنا استراتيجيات مقترحة على العالم ، يمكن تنفيذها على مراحل تحت اشراف  دولي :  

أولا، تمكين الدولة من استعادة هيبتها وهيمنتها بتنظيف مؤسسات الحكومة من كل الفاسدين وضعاف النفوس وعديمي الأخلاق وناقصي الكفاءة. ينبغي إجراء تحقيقات قضائية لكل المسؤولين الحكوميين المدانين ومعاقبتهم في ظل تشريع قانون نشر الفضائح والعار. وتشريع قوانين تضبط أجهزة الخدمة المدنية، ورفع مستواها بالحوافز والدوافع في كلّ المؤسسات، وفحص كل مؤهلات موظفي الدولة، بإشاعة الشفافية والانفتاح والدقة والأمانة في الإنفاق الحكومي، وضبط الائتمانات والعقود والضرائب والذكاء في إدارة الموارد العامة وتوظيف المساعدات الأجنبية مع  ضبط  ثروات البلاد  بما فيها  انابيب النفط .

ثالثا، تنزيه البرلمان باتباع استراتيجية التشريعات، وقطع الروتين المألوف، وتحريم التراخيص، وتنزيه القضاء، وتتبع الشفافية بسلوك "النهج الأكثر وضوحًا، ويقوم ببساطة بتطوير القوانين والبرامج التي توّلد الفساد". من أجل القضاء على التشوهات والتزوير في المجتمع كله. ويكمن التحدي في إيجاد ثقافة نقدية تعّبر عن الواقع، فضلا عن بذل جهود متجدّدة ومنسقة دوليًا لبناء القدرات. وتوفير الخدمات المدنية.. إلخ. ولم تحقق عائدات النفط العراقي التي وصلت إلى 700 مليار دولار أكثر من ذلك بكثير، من دون أي شعور بالخجل.

رابعا، اتباع نهج الأمن المالي الصارم، وتنفيذ أكثر قوة لقوانين مكافحة الفساد والتجريم ، قياساً إلى اتفاقية  مكافحة الرشوة في منظمة التعاون والتنمية. سيتعين على الحكومات أن تكون أكثر نشاطاً في الحد من التضليل وازدواجية المعايير، وتحريم الرشاوى والعمولات والسمسرة والابتزاز والعلاقات الخاصة الوصولية، بما فيها المحسوبيات والمنسوبيات والحسابات الطائفية والجهوية والعشائرية والمصالح الخاصة، وينبغي تجريم النهب للمال العام بكل أصنافه، العينية والمادية والعقارية.

خامسا، الفلسفة الأساسية في القضاء على الفساد بواسطة تغيير الحوافز، وإغلاق الثغرات والقضاء على القواعد الخاطئة التي تشجع السلوك الفاسد، مع تشجيع الزراعة والصناعة. ولكن من المرجّح أن يكون النهج الذي يركز فقط على تغيير القواعد والحوافز، المصحوبة بعقوبات صارمة على نحوٍ ملائم لانتهاك القواعد أكثر فعالية، كونها مدعومةً بجهودٍ لدعم الأساس الأخلاقي والسلوك الإنساني لوأد الفساد، من أجل بناء مستقبل زاهر لبلدٍ نظيف من كلّ الأوبئة والامراض.

العربي الجديد  /  لندن   يعاد  نشرها  على  الموقع  الرسمي  للدكتور سيار الجميل 

http://sayyaraljamil.com/

 

 

 

رموز وأشباح الحلقة 22


الهتافات والشعارات

والهوسات في العراق


تناقضات اجتماعية تنتج اللامعقول


أ.د. سيار الجميل

مقدمة 
هذه محاضرة اخرى من محاضرات تجمع بانيرا الثقافي في مدينة مسيسوغا بكندا ، وقد القيتها على جمهرة من اعضاء التجمع الكرام مؤخرا ، واثارت " المحاضرة " وافكارها جملة من الحوارات والتساؤلات ، واستخلصنا منها جملة من الاستنتاجات والدروس .. وجاء في المحاضرة :

الاصدقاء الاعزاء 
لا يقتصر ترديد الهتافات والشعارات على العراقيين وحدهم ، بل نجد ان الحالة عربية بامتياز وخصوصا في مصر وسوريا وبلدان اخرى يتم فيها ترديد الهتاف شعبيا ، وتتفاقم الحالة كثيرا في العراق ، تصل فيها الى درجة من الغرابة واللامتخيل ، وخصوصا عندما تضاف اليها الهوسات الشعبية والاهازيج التي باتت جراء استخدامها سياسيا واعلاميا ، متفشية في كل العراق .. ان الهتافات فعل سياسي شعبي، ومن ثم غدت كأي فعل حزبي ، وتمت صناعتها لاحقا في دوائر رسمية معينة في الدولة كي تتناقها الافواه في الشوارع بعد ان يتمّ تلقينها ، وفي حين كانت عفوية تصدر عن هذا وذاك ثم تنتشر لدى المتظاهرين ، كما تنتشر النار في الهشيم ، فقد غدت حالة يصطبغ بها تاريخ اي نظام سياسي أو حزب وتبقى ملازمة له . واذا كانت الهتافات شعبية او حزبية ، فان الشعارات تكون رسمية او شبه رسمية قد تعّبر عن غضب واشمئزاز او عن فرح ونشوة في الوعي الجمعي .. واذا كانت الهتافات والشعارات موجودة منذ ان وجد العراق المعاصر على العهد الملكي ، فقد زادت كثيرا على العهود الجمهورية ، ووصلت الى ان تكون صناعة رسمية بين 1968- 2003 تمارس بالقوة ، وان كان الهتاف السياسي والشعارات الشعبية والرسمية لها طابع التحزب المعبر في شوارع العاصمة والمدن الكبرى ، فان الاهزوجة والهوسات الشعبية هي عشائرية بامتياز ، وطابعها من تراث جنوب العراق والفرات الاوسط الادنى ، اذ بات يغزو كل العراقيين ! 
نعم ، عاش العراقيون زمنا طويلا ، وهم يرددون في المظاهرات والمسيرات ، وفي الاجتماعات والقاعات هتاف " يعيش .. يا يسقط يا " ، وذبحت حناجر بعضهم ، واغلب حكام العراق يطرب للهتافات ،واطلاق الاوصاف المبجلة له دون الاقتصار على التصفيق ، اذ تخلل الخطابات هتافات كلها لا تعبر عن الحقيقة ، وهي ظاهرة عراقية بامتياز أيضا بالرغم من توظيفها لدى عرب آخرين في بلدان اخرى .. ووصلت الحالة العراقية ان ينتج الصراع السياسي بين القوميين والبعثيين من طرف والشيوعيين والقاسميين من طرف آخر ، مجموعة شعارات وهتافات مضادة خلال عهد عبد الكريم قاسم 1958- 1963 . ولم يقتصر الامر على الناس بانفراد بعض الغلاة والمتعصبين لاعلان هتاف او التشهير بشعار ، بل وجدنا بعض زعماء العراق تصل نرجسيته الى ان تصبح اوصافه رسمية ، فوجدنا على امتداد العهود الجمهورية اوصافا غير معقولة ، منها : الامين ، والاوحد ، وابن الشعب البار ، والزعيم الثاني ملا مصطفى بارزاني ، والرئيس المؤمن ، وعبد الله المؤمن ، وابو الثورات الثلاث ، والقائد الضرورة ، والاب القائد ، والبطل القومي ، وقمر بغداد ، وغيرها اذ كانت تزاحم " رائد الامة العربية" التي كانت تطلق على جمال عبد الناصر .. الخ

نماذج من الهتافات 


دعونا نتأمل قليلا بعض الهتافات التي انتشرت في العراق واغلبها مثيرة للعواطف والوجدان وقد فسرت كونها تستنهض الهمم وتثير العواطف حتى وان كانت خارجة عن نطاق العقل ، والسؤال : ان كانت العبارة قد صدرت عن احدهم ، فلماذا سرت في اللاعقل الجمعي العراقي بمثل هذه السرعة ، وبقيت تتناقلها الاجيال ؟

البدايات : من ثورة العشرين والعهد الملكي 
اثار تعجب العراقيين عندما وجدوا امامهم طائرة تطير في السماء من قبل الانكليز ، يستهزئ احدهم برب العالمين ، قائلا : " متعجب خالقله بعيره " ! هكذا ، بسرعة صدمة الحدث ليستنكر على الله خلقه ! وهنا اختار البعيرة .. ويأتي الاخر ليصيح ابان ثورة العشرين: " الطوب احسن لو مكواري " ، فهو يستحسن المكوار على المدفع ويذهب هتافه مثلا ، وتمر اجيال وهي تعتقد ان مكوارها احسن من مدفع الاعداء حتى وصل الامر لأن يعلق السيد الرئيس في نهاية القرن على طائرات الشبح : " يكدر الراعي يوكعها "!! ، وعندما يقوم الشيخ ضاري بقتل القائد الانكليزي الميجر ليجمان في خان النقطة ، يسري نص هاتف يقول " هز لندن ضاري وبجّاها " ، ويبقى هذا حياً لدى العراقيين ، بحيث يردده حتى صدام حسين لاحقاً ، اذ اعتقد اهل العراق ان ضاري بالفعل قد هز لندن وابكاها ! لننظر الى الصورة كم رسمت كبيرة في ضمائر العراقيين على امتداد القرن العشرين بحيث شاع لديهم : " الله اكبر يا عرب .. شبانه جتلوهم الله اكبر يا عرب .. شبانه جتلوهم " . وهذا ما رسخ فكرة البطولة عند العراقيين لدى العرب ، اي بمعنى انهم سلالة من الامجاد . 
يقال ان فيصل الاول لم يكن يميل ابدا لسماع التمجيد والتفخيم بحقه ، اما غازي الاول فكان يطمح ان يكون العراق قوياً مثل المانيا ، وشاعت اهازيج وهتافات على عهده وبعد مصرعه ، منها : أويلاخ يابا انجتل غازي " بعدما كانت اهزوجة قد رسخت عنه في ضمير العراقيين .. في حين كان الشاب فيصل الثاني بمنتهى التواضع .أما نوري السعيد ، فنال نصيبه من الهتافات المضادة ، ومنها :
" نوري السعيد قوندره .. وصالح جبر كيطانه " . ةتقبلها برحابة صدر ، فقابلها أنصاره : بـ " نوري السعيد شدة ورد وصالح جبر ريحانة " 
وكتب الراحل سامي موريه عن فرهود اليهود العراقيين هذا الهتاف : 
"الله اشحلو الفرهود يا أسلام يا ريته يعود كل سنة وكل عام.... " !
وفي العام 1956 ، شاع عراقيا هتافا ردده الالاف في الشوارع : "مصر حرة أبية .. فلتسقط الصهيونية ". وتردد في الشوارع : " فوت بيها وعلى الزلم خليها "

هتافات وشعارات العهد الجمهوري الاول : الشيوعيون والقاسميون
راجت بعد 14 تموز / يوليو 1958 ، هتافات ساخنة لا اول لها ولا آخر عن الجمهورية الخالدة ، وعن الثورة وعن الزعيم ، وبدأ الصراع بين الشيوعيين والقوميين وتعاقبت المسيرات والمهرجانات والكرنفالات ، ورفعت الاف اللافتات ، وكتبت الاف الشعارات منها للشيوعيين المروجين للزعيم وللحزب ، وتقابلها أخرى للقوميين والناصريين الذين كان يطلق عليهم جميعا بالبعثيين وكلهم كانوا يروجون لجمال عبد الناصر والوحدة العربية ، في حين تمّ ترديد : " كرد وعرب فد حزام ..عاش الزعيم المقدام " ، وعندما تولت نزيهة الدليمي وزارة البلديات ، وكانت شيوعية ، رفع القوميون هتاف :" نزيهة صارت بالحكم موتوا يا بعثية " ، فرد عليهم ( البعثيون ) قائلين :" نزيهة بالت بالحكم وازحلق المهداوي " ..! عاش العراقيون تحت وطأة "المؤامرة" ، فانطلقت شعارات عديدة منها :" ماكو مؤامرة إتصير والحبال موجوده " .! وبعدما قوي الشيوعيون ، وارادوا من الزعيم عبد الكريم قاسم إشراكهم في الحكم ، فانطلق هتاف :"عاش زعيمي عبد الكريمي .. حزب الشيوعي في الحكم مطلب عظيمي " . ! 
وعندما تفاقم الامر بعد قيام الزعيم عبد الكريم قاسم بإعدام زميله ناظم الطبقجلي ورفاقه من المتهمين بمؤامرة الشواف في الموصل ، وخصوصا بعد محاكمة الضباط المشتركين في تلك الحركة ، وصدرت عليهم في المحكمة العسكرية العليا الخاصة الاحكام بالاعدام ردد البعثيون والقوميون :" يابغداد ثوري ثوري ،خلي قاسم يلحك نوري " ، ورد الشيوعيون عليهم قائلين :" عبد الناصر شيل إيدك ..شعب العراق ما يريدك"، وكانت اذاعة صوت العرب الناصرية تلهب الموقف في دواخل العراق ..اندفع الشيوعيون ليرددوا في الشارع مخاطبين الزعيم هتافات من قبيل : " اعدم اعدم ،لا تكول ما عندي وكت ... إعدمهم الليلة " ، وردد الشيوعيون في الشوارع : سنمضي سنمضي إلى مانريد ...... وطنٌ حرٌ وشعبٌ سعيدْ 
سنحمي سنحمي قلاع السلام ....... ونبني ونبني عراقاً جديدْ .
ردد القوميون والبعثيون :" نحن جنودك يا جمال ..جيب سلاح وإخذ إرجال " .
وبعد اعدام الضباط القوميين ، ردد انصارهم : " الله أكبر يا عرب شُبانه جتلوهم ..... ما صارت إبكل الدول قاسم نذل سواها " .. وفي الموصل ترددت هتافات شتى ، منها : "هوب هوب عفلق كدامك الطسّة .. جمال وكع بالخرا محد سمع حسّه " 
وفي عيد السلامة والابتهاج، وهي مناسبة استشفاء عبد الكريم قاسم من هجوم البعثيين عليه في شارع الرشيد ، تردد صدى هتاف : 
"سبع ملايين تصيح .. فدوة لبن قاسم " ..و "سلامات .. سلامات ... يا حبيب الملايين " ، وتردد في الشوارع : " شلت الأيدي الأثيمة ..ماتت الروح اللئيمة " وتردد "إعدم .. إعدم .. جيش وشعب يحميك يا قائد الثورة " . وجاء رد الزعيم : عفا الله عما سلف ، اذ شعر الرجل لأول مرة بالخوف . وعندما الغى الزعيم قاسم قطعة نقود 4 فلوس ( العانة ) وجعلها 5 فلوس ، طار الهتاف : عبد الكريم النمس زيّد العانه فلس . وظهرت إشاعات بأن مؤامرة بعثية ستقوم وردد الشيوعيون : " خمسة بالشهر ماتت البعثية " ؟؟ واعتقد ان بعض الهتافات كان يصوغها احدهم دون تفكير فتسري كالنار في الهشيم .

هتافات البعثيين استمرت طويلا على عهدي الرئيسين البكر وصدام


.بعدما سقط نظام حكم الزعيم عبد الكريم قاسم في حركة 8 شباط / فبراير 1963 وتولى البعثيون السلطة قالوا :" جئنا لنبقى " ، وهو شعار رفع ايضا بعد 17 تموز / بوليو 1968 وشاعت مقولة علي صالح السعدي :"جئنا بقطار اميركي " ... وذاع في الاعلاميات العراقية مطلع قصيدة شعر ية غدا هتافا في الشوارع وعلى اللافتات :
لما سلكنا الدرب كنا نعلم.. ان المشانق للعقيدة سلم
وطن تشيده الجماجم والدم تتهدم الدنيا ولا يتهّدم 
وخلال فترة حكم البعث الاولى 1963 ، والثانية 1968-2003 ، ساد أهم شعار حزبي في العراق هو " امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة " وترديده بمثابة القسم .. وظهرت أهازيج ، وشعارات ، وأناشيد ، وأغان كثيرة جدا ومعظمها كان يدور حول تمجيد حزب البعث العربي الاشتراكي، ومنها ما كان يردده البعثيون عندما يأتي أحد قادتهم الكبار لحضور احتفال ما :"هلا بيك هلا .. وإبجيتك هلا " . 
وفي عهد احمد حسن البكر ، طارت هتافات وشعارات لا اول لها ولا آخر ، اذكر منها : "بالروح بالدم نفديك ابو هيثم " ، و "هربجي كرد وعرب رمز النضال " ، و " دايمين او دايم وطنه بيكم " ، "هلهولة للحزب الصامد" ( التي تضمنتها اغنية لداوود القيسي ) . 
وتطورت الاهازيج والاناشيد والمقولات السياسية لتتركز على الرئيس القائد ومنها مثلا :
" اذا قال صدام قال العراق "، و"عمود البيت إحنا انصيرلك سور" و "علم عال يمر بين الاعلام " و " الوطن غال غال الوطن غال غال "و " سمح ويا اليحبون نحن انحبك يا صدام العزيز انت "،و"حياك يا ابو حلا " و" صدام غالي " و "صدام حسين احنة يلوكنه" ،و" عزيز الكوم يا عونهى " و" بالروح بالدم نفديك يا صدام " و " هلا بيك هلا وبجيتك هلا " . 
وعندما اندلعت الحرب العراقية –الايرانية في 1980 ، انتشرت اهازيج واغان كثيرة منها :"ياحوم اتبع لو جرينا " و"منصورة يا بغداد " و" ياكاع إترابج كافوري " و"عجيد الكوم يا عونه " و"قادسية صدام قادسية كل العرب " . والقادسية الثانية أو قادسية صدام مصطلح اطلق على الحرب العراقية –الايرانية 1980-1988 ، ثم جاء وقف الحرب بين العراق وايران يوم 8/8/ 1988 فسماه صدام " يوم الايام " كما اسمى البصرة "مدينة المدن ." . 
وبعد ان اجتاح الجيش العراقي دولة الكويت في 2 آب /اغسطس 1990 ،رفعت شعارات عديدة من قبيل "الفرع عاد الى الاصل " ، وردد البعض بعد ان عادت الكويت الى العراق :"اسمع يا الرئيس الفرع الخايس كصيناه " ، واطلق تعبير (أم المعارك ) على ما حدث انذاك من حرب بين العراق ودول التحالف بقيادة الولايات المتحدة ، وما حدث من تداعيات الحصار الجائر على العراقيين لسنوات طوال بحيث ردد البعض تعبير " أم المهالك " .

الاحتلال الامريكي 2003 وما بعده من تداعيات 


وفي 9 نيسان / ابريل 2003 ، اندلعت حرب غير متكافئة وسقط النظام السياسي في العراق ، واحتل العراق من قبل الولايات المتحدة ، وذاع تعبير " العراق الجديد " ، ودخلت البلاد في بحر من المشاكل والانقسامات والمحاصصات التي تحتاج الى وقت طويل لحلها . . لقد حلت الفوضى ، وطارت شعارات شتى عن الديمقراطية والفيدرالية والمكونات والمظلومية وغلبت الهوسات واهازيج طائفية على الهتافات والشعارات القديمة ، ولكن تردد شعار .." هيهات منّا الذِّلَّة" و " ايران برة بره " . ومن هتافات العراقيين. التي سمعناها : ".والله والله والله فضحتونا " و "إخوان سنة وشيعة هذا الوطن ما نبيعه " .. " يا جامع النشالة يا مالكي يا زباله " .. الخ ورفعت في بغداد وبقية المدن مئات الهتافات والشعارات على مدى 16 سنة دون اية استجابة تذكر !

تحليل هذه الظاهرة العراقية 
السؤال الان : كيف نحلل هذه " الظاهرة " العراقية ؟ وما مدى نجاحها وفشلها في حياة المجتمع الذي عاش على سماعها ورددها عفويا او قسرا ؟ 
يبدو للعقلاء وهم يتأملون طويلا في هذه " الظاهرة " التي يفسرها من يؤمن بها انها وسيلة للاستنهاض واحياء الهمم واثارة المشاعر الوطنية ، ولكن الحقيقة ان من ينظر اليها مجردة من اهدافها ، سيجدها ظاهرة غوغائية وفوضوية منذ بداياتها وحتى نهاياتها ، وكانت قد اسهمت في الانقسامات وبث روح التخلف ، بل وغدت عند البعض من المغالين والمتعصبين لهذا الطرف دون ذاك بمثابة طقوس لمصالح معينة ، وقد تغلبت على الروح الوطنية باستخدامها كاداة سياسية .. وعليه نتساءل ايضا : هل بقيت هذه الظاهرة حية بكل مقولاتها تعيش في كل الضمير العراقي ام انها عبرت عن نفسها مرحلتها وماتت دون رجعة ؟ هل كانت واقعية تعبر عن ضرورات الحياة بسلبياتها وايجابياتها ام كانت طوباوية وخيالية تعبر عن افكار متخلفة لا يمكن لها الحياة ؟ ولماذا استخدم الدم في الهتافات ؟ ولماذا استخدمت البذاءة في الشعارات ؟ واذا كانت المدن قد ذبحت حناجر اهلها في الشوارع من خلال التظاهرات والمسيرات ، فهل كانت الاهزوجات هي الاخرى معبرة عن افكار وطنية ام انها منطلقة من ثقافة عشائرية متخلفة ؟ بعض الاهزوجات والهوسات لا يمكن ان يفهمها حتى ابناء الجنوب والفرات الاوسط الادنى ، فكيف يفهمهما كل ابناء الشعب العراقي ؟ انها تعبر عن بيئة عشائرية معينة ، وقد طغت الثقافة الشعبية في كل العراق ، فاشاعت هوساتها حتى في شوارعها وثكناتها واسواقها وحتى مدارسها ودواوين وزاراتها اليوم ! كنت اسأل عن معنى ما يقوله صاحب الهوسة وما يردده من يتجمع من حوله ( ثم يدورون حول انفسهم وهم يعيدون عبارته ويرددون ما يسمى بالردسة على ارض ضيقة تسمة بالملعب ، فلم اجد اي معنى لها ، الا كونها اهازيج تلهب المشاعر ، كما كانت تستخدم من قبل عشيرة ضد اخرى ! حدثني احد الاصدقاء قال بأن الهتافات قد لا يكون مصدرها حزب معين ، ولكن قد يطلق احد المتظاهرين هتافا يتلقفه منه من يمشي معه فيروجونه بعد ان يسمعه الناس ، فيلصق باسم هذا الحزب او ذاك ! خصوصا وان المجتمع العراقي يتصف عن غيره انه يزدحم بالتناقضات وقد اصيب بهوس الشعارات وتفاهة الهتافات واكاذيب الخطابات التي لم تطعم فقيرا ولم تلبس مسكينا ولم تحقق العدالة الاجتماعية ولا السياسية ولا الثقافية في العراق .. 
يقول آخر ممن يدافع عن هذه الظاهرة ويعتبرها تراثا لشعب حي، فلولا تلك الشعارات لانهزمنا امام ايران في الحرب بيننا وبينها ، اذ ان الشعارات قد جعلت الجبهة الداخلية قوية صلدة ومتماسكة .. وهذه وجهة نظر تتحدث عن رأي عام كان مفقودا ، وعن خوف ورعب كان مسيطرا ، وعن ظاهرة ماتت لم تكن معبرة عن وجدان شعب قلب ظهر المجن، فاين هو تراث تلك الحرب اليوم ؟ انها ظاهرة واحدة ولكنها ملونة ، ففي كلّ عهد يتراقص من خلالها اناس على الحبال ، وما ان يتغير النظام السياسي حتى يبدأ الرقص على حبال اخرى ! ان الوطن ابعد ما يكون عن هذه " الظاهرة " التي لا اعتقد ان العراقيين سيتخلصون منها عاجلا ام آجلا ، فهم كما يبدو على قناعة بها من دون مبرر حقيقي لها ! ويؤكد احد العراقيين انه في شبابه كان يردد في البصرة هتافات لا يدرك معانيها ، واليوم يسخر منها ومن نفسه ! 
ان العراق اليوم بحاجة ماسة الى طريق عقلاني جديد له منهج يقوم على العقل والتمدن لا على الهوسات والهتافات .العراقيون بحاجة ماسة الى فلسفة متمدنة جديدة وتفكير يعاصر هذا العالم بديلا عن كل هذا الميراث المتخلّف .. العراقيون بحاجة ماسة اليوم الى ان يخرجوا من عباءة الماضي العقيم الذي سجنوا انفسهم تحت طياته .. العراقيون بحاجة ماسة الى ان يفهموا بعضهم بعضا بدل هذه البيئية المنكودة ، والعشائرية المتخلفة ، والطقوس السياسية المؤدلجة التي توارثوها عن احزاب ماتت اليوم بعد ان عاشت وسادت وطاشت بمثالياتها ورومانسياتها واكذوباتها المفضوحة .. العراقيون اليوم ليسوا بحاجة الى هتافات عاطفية ، فهم ليسوا مومياءات او اقزام يحركونها على مسرح العرائس .. العراقيون اليوم ليسوا بحاجة الى هوسات واهازيج تافهة تشحن عواطفهم بالمفاخرات والاكذوبات ، وكأنهم في نزاعات قبلية .. كفاهم تغطية للمثالب بالفخر والتنطع بالحماسة الفارغة .. وعليه ، فانهم ان بقوا في مثل هذه الدوائر البليدة المغلقة ، فسوف لا يتغير شيئ عندهم أبدا .. انا لست ضد هذه الظاهرة كلها ، بل اتمنى مخلصا توظيف العقل في ممارستها .. فكم من الناس تؤيدني في ما اقول ؟ وكم من الناس تخالفني كونهم بحاجة ماسة الى التفكير والتأمل طويلا ، كي ينفكوا عن هذه الظاهرة المتعبة ؟

تنشر بتاريخ 23 شباط / فبراير 2019 على موقع الدكتور سيار الجميل 
http://sayyaraljamil.com/
انتظروا الحلقة القادمة رجاء

 

 

عن تدمير النظام

التعليمي في العراق

د. سيّار الجميل

 

"تمتّع العراق بأفضل نظام تربوي وتعليمي في الشرق الأوسط منذ تأسيسه الحديث على أيدي رجال بارعين بناة أكفاء"

"مفتش وزارة التعليم العالي وجد 2769 حالة من الشهادات المزوّرة في عامين، ووجدت هيئة الشفافية وسلامة النزاهة 1088 حالة أخرى"

 

العراق هو الدولة الأكثر تفسّخاً، ومرتبتها 168 في سلم الفساد من بين 175 دولة، وفقاً لمؤشر العام 2018 لمنظمة الشفافية الدولية، إذ بلغ متوسط معدل الفساد في العراق 162.19 بين 2003 - 2018، ووصل إلى أعلى مستوياته على الإطلاق، رقم 178 عام 2007، بعد أن كان قد سجل مرتبة قياسية هي 113 عام 2003. ويصنف مؤشّر مدركات الفساد في كلّ البلدان على أساس تغلغل الفساد في قطاعها العام. وأن تصنيف الفساد عراقياً، بالإضافة إلى الإصدارات السابقة، والتوقّعات التاريخية العليا والمنخفضة وقصيرة الأجل، والتنبؤ على المدى الطويل، والتقويم الاقتصادي وإجماع الاستطلاعات، في ما يخصّ تصنيف الفساد عراقياً من خلال البيانات الفعلية والمخطط التاريخي، وتقويم الإصدارات مع فبراير/ شباط 2019. وتعتني هذه المقالة بالنظام التعليمي العراقي، وما أصابه من تدمير. 

تمتّع العراق بأفضل نظام تربوي وتعليمي في الشرق الأوسط منذ تأسيسه الحديث على أيدي رجال بارعين بناة أكفاء، ولكنه أصيب بنكساتٍ قويةٍ منذ عقد ثمانينيات القرن العشرين إبان الحرب العراقية الإيرانية، على الرغم من بقائه الأفضل على غيره عربياً، لكنه عانى من مشكلاتٍ بنيويةٍ وأكاديميةٍ، بسبب التسييس الحزبي والحروب والعقوبات وضحالة التدريس وهجرة الكفاءات وملاحقتها. وقد عقدت الوزارة المختصة، في عقد التسعينيات، ندوة كبرى بعنوان "إصلاح التعليم العالي والبحث العلمي في العراق"، لكنها لم تفلح في معالجاتها بتاتًا. والحقيقة أن الحكومات العراقية المتعاقبة لم تلتفت إلى ما أصاب هذه المؤسسة من معضلاتٍ  

خطيرة، إذ تعرضّت للتهديدات والهجرة القسرية والخطف الجماعي واغتيالات الأكاديميين العراقيين، ورثاثة المدارس ومحو التقاليد التربوية. في 2004، قال وزير التعليم العراقي، طاهر البكاء، إن النظام التعليمي في البلاد فاسدٌ، إلى درجة أنه، بصفته وزيرا، لا يوجد ما يمكنه فعله حيال ذلك، على الرغم من تطلّعه لفعل الكثير. 
شاعت بعد العام 2003 مطالباتٌ من نخبة الأكاديميين في المنفى العودة إلى العراق للمساعدة في إعادة بناء البلاد على أسس صحيحة، لكن محكمة بروكسل حذّرت لاحقاً من أن "هؤلاء الأكاديميين العائدين قلّما يعثرون على وظائف والترحيب بهم أبعد ما يكون عن الدفء". وأثار البيان قلقاً كبيراً لدى الأكاديميين العائدين.. إذ كانوا يعانون كثيراً، فهم على مسرحٍ يزدحم بالأعمال الإجرامية، مثل الخطف والاغتيالات، وصولا إلى أنّ أهل الداخل، وخصوصاً ممن تمّ تصنيعهم داخلياً، رفضوا هؤلاء القادمين، وطردوهم بعدم الاستماع لهم، بل ولم يمنحوهم وظائفهم مرّة أخرى.
تعود عوامل خراب التعليم في العراق إلى هجرة أعداد كبرى من المختصين، وهروبهم نحو الخارج قبل سنواتٍ من الاحتلال وما بعده، فغدا نظام التعليم في حالةٍ يرثى لها، فضلاً عن رسوخ النزعة الإقصائية التي مورست ببشاعةٍ سياسياً في مختلف العهود، وحلّـت معها أيضاً النزعة الطائفية، فقاد ذلك إلى مزيدٍ من محو الذاكرة الجماعية والوطنية، وزادَ من ابتذال الثقافة العراقية. وكما كان النظام السابق يرسل الحزبيين فقط إلى الخارج، أو يقبلهم في الداخل للدراسة والتحصيل، مارس النظام الجديد الفعل نفسه، معتمداً الخلفيات الطائفية للطلاب والمدرسين، وليس مهاراتهم أو كفاءاتهم، وتجنّب المنافسة، كما مورس تغيير الأسماء على دفاتر الامتحانات، ليقطعوا الطريق على الطلاب المبدعين. وحلّ الاحتيال والاستلاب بدل البطش والظلم كما كان. وأخذ الفاسدون الجدد يغيرّون حتى في أوراق الامتحان، أو يبيعون الأسئلة. أو يطرحون أسئلة امتحان يصعب على الطلبة الإجابة عليها، فانخفضت نسب النجاح. وهناك أيضا الجهوية التي لعبت دوراً قذراً في رفع معدّلات أبناء جهةٍ على حساب التنكيل بجهة أخرى، ولأسبابٍ معلومة ومكشوفة! وقد علّل ذلك أحد المسؤولين بقوله "إنه خلال حكم صدام لم يأخذ الطلاب في الجنوب استحقاقهم بدرجاتٍ عالية، وتمت الآن تسوية العدالة"، ما يعني أنّ تمييزاً مقرّراً يجري من المسؤولين الجدد للعراقيين، وهذه جريمة نكراء جرى تسويقها علناً، ووجدنا رئيس لجنة التعليم في البرلمان يقول إنه قلق من مزاعم إن وزارة التعليم تميّز ضدّ الأقليات. 
انتقل التعليم في العراق من حالة الضعف والتسييس إلى حالة الفساد والاحتيال والتزوير إلى حالة الفوضى العارمة في جميع أنحاء البلاد. وتتحمّل الولايات المتحدة منذ العام 2003 مسؤولية الفساد الذي زرعته باعتماد المحاصصة على أساس طائفي وعرقي، بدل التمايز الحزبي الذي كان سائداً، فقاد ذلك إلى تدمير أجهزة الدولة ومؤسساتها العامة. واستخدم التزوير في الشهادات، بغرض التوظّف والتحكّم في تلك الأجهزة. والنتيجة فساد عام لا يمكن المساس به، واستشراء ثقافته القاتلة بحماية من الأحزاب الحاكمة على مرأى المسؤولين الأميركان ومسمعهم مع استخدام نظام الكوتا وجرائم التلاعب بالسجلات واضطهاد الموظفين غير المتعاونين، وتزوير العلامات والوثائق ونفوذ مليشيات وعصابات، ناهيكم عن محاولاتهم في محو التاريخ وتشويه الذاكرة الوطنية، وثقافة البلد والإبادة الثقافية، والتهديدات والاغتيالات للمثقفين العراقيين التي هي بمثابة جرائم حرب، بموجب اتفاقية جنيف.. وكسر الحق العالمي في المساواة والعدالة ومعدلات الكفاءة. وعليه، لا عدالة في العراق أبداً، ليس في التعليم فحسب، بل في كلّ مرافق الحياة.
في مؤسسةٍ كهذه، مدمّرة وخربة، وبعيدة عن أنظمة التعليم وأخلاقياته، هل نسأل: ما فائدة هذا الركام من شهادات الماجستير والدكتوراه التي تمنحها أقسام معيّنة في أغلب الجامعات؟ وما  

مستوى أصحاب هذه الشهادت؟ وما دورهم في التنمية والتطوير؟ وفي أية مؤسّسات سيعملون؟ وما قيمة "البحوث" التي ينجزونها، وما مدى مصداقيتها؟ لماذا هذا الإصرار على منح الشهادات العليا ضمن هذه الوضعية الصعبة؟ لماذا تصّر الأقسام الجامعية على التنطّع بمثل هذا الركام، خصوصاً في تخصصّاتٍ لا نفع فيها؟ أين سوق العمل لهؤلاء؟ جامعات قديمة في العالم تتحرّج من فتح دراسات عليا فيها لأسباب عدّة، تتعلق بالتخصصات ونوعية الكورسات. وفي العراق، تمنح الشهادت العليا كما تمنح الحلوى للأطفال.
وكان قد نشر أنه تمّ الإبلاغ في 1 سبتمبر/ أيلول 2009 أنّ التقرير الرسمي لمفتش وزارة التعليم العالي وجد 2769 حالة من الشهادات المزوّرة في العامين السابقين، ووجدت هيئة الشفافية وسلامة النزاهة 1088 حالة أخرى. ويدعي آخرون أن هناك قرابة مائة ألف من الشهادات المزورة، وأن مكاتب في بغداد، يمكنك شراء شهادتك الخاصة منها. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2007، أفيد بأن وزارة الداخلية العراقية اعترفت بأنّ أكثر من تسعة آلاف من موظفي الخدمة المدنية، بمن فيهم رفيعو المستوى في مكتب رئيس الوزراء، قدّموا شهادات جامعية مزيفة. وأفاد تقرير الشفافية الدولية بأن الفساد في العراق سيصبح على الأرجح "أكبر فضيحة فساد في التاريخ". وعليه، لابد من حلول عاجلة وجذرية للنظام التربوي والتعليمي تبدأ من نقطة الصفر.

 

 

 

رموز  واشباح

الحلقة 20

تداعيات 8 شباط 1963

وانشقاقات البعثيين

عوامل الفشل


أ.د. سيّار الجميل

مقدمة 
هذه حلقة جديدة اخرى من حلقات كتاب " رموز واشباح " ، وستعقبها حلقة اخرى اخطر تتحدث عن انقلاب عسكري 18 تشرين الثاني 1963 ضد البعثيين بقيادة عبد السلام عارف واسبقياته اذ سبقه انقلاب حزبي بعثي بين البعثيين انفسهم .. وهنا ليدعني القراء الكرام اقول بأن كل المعلومات التاريخية الواردة هي معتمدة على مصادر ووثائق .. وهي تكشف ما جرى في العراق بعد 14 تموز / يوليو 1958 .

عبد السلام عارف يقطف الثمار 
بعد 8 شباط / فبراير 1963 ، تفجرت خلافات داخلية بين جناحين بعثيين من المدنيين ، اولاهما يقوده عل صالح السعدي وجماعته ، والثاني يمثله طالب شبيب وحازم جواد وجماعتهما . وأمام تفاقم الخلاف الحاد بين الجناحين وتدهور الاوضاع السياسية الداخلية ، قام عبد السلام عارف في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 1963 بحركة عسكرية سريعة انقّض فيها على البعثيين الذين اتوا به الى رئاسة الجمهورية ومنحوه رتبه المشير الركن وجعلوه قائدا عاما للقوات المسلحة .. فنجح في اقصائهم بتحالفه مع الضباط العسكريين ، واقصى من خلالها أغلب البعثيين عن الحكم ، وحل مليشيات الحرس القومي ( الذي اسماه باللاقومي ) ، وكان هو نفسه قد لبس لباسهم ووقف معهم في الشوارع ، كما قام بتسفير ميشيل عفلق وأمين الحافظ عن العراق بعد اعتقالهما لساعات ( ولم يمسسهما بأذى جراء تعليمات وصلته من مكان ما في العالم ، فالتزم بها ) ، وقد سمى البعثيون تلك الحركة بـ " ردة تشرين " ، اذ انها وقعت في 18 تشرين الثاني / نوفمبر 1963 وقالوا بانهم جلبوا عارف من بيته يوم 8 شباط 1963 لينصبوه رئيسا للجمهورية لأول مرة ويمنحوه رتبة ( مشير ) ، وبتوصيف من صدام حسين في ساحة الكشافة ( اعتقد عام 1970 ) قال بالحرف الواحد " خلينا عبد السلام ورانا ، مد ايده بالخرج " ( والخرج بالعراقي هو ما يحمله رعاة الاغنام لوضع حاجياتهم فيه ) !! في حين سمّى عارف نفسه اعلاميا ( ابو الثورات الثلاث ) .. وفي شهر شباط 1964 ، أوصى ميشيل عفلق بتعيين صدام حسين عضواً في القيادة القطرية لفرع حزب البعث العراقي ، وكان جهاز حنين قد تشكّل على يد صدام حسين ليباشر مهمته في التصفيات الدموية ( التي اسموها بالممارسات الثورية ) .
دعونا نعالج الحدث تاريخيا بتفاصيل موثقة

انشقاقات البنية السياسية للبعثيين وعوامل الفشل 
لقد عصفت الخلافات السياسية الداخلية في قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي الذي لم تكن عناصره متجانسة اجتماعيا وثقافيا ، اذ ان اعضاءه ينتمون لطبقات متباينة متمايزة اجتماعيا ، فضلا عن كونه خليط من اهل الريف والمدن فالاختلافات الثقافية الحادة انعكست على وجوده السياسي ، وبالرغم من ذلك كله ، فان جله كان من الطبقة البرجوازية الصغيرة ، ومع توالي الزمن ، انضم ابناء المتريفين اليه في المدن ، فغدت تركيبته صعبة جدا مما خلق جملة صراعات داخلية فيه ، وهي صراعات تباينت من بيئة عراقية الى اخرى . ومما اساء الى بنيته السياسية ان اغلب المنتمين الاوائل اليه كانوا من الطلبة الذين وصلت نسبتهم الى حوالي 50% في حين بدت نسبة الفلاحين فيه 5% و20% من العمال ، وان المتبقي 25% قد جمع معلمين وضباطا وعسكريين وموظفين واصناف من المهنيين والعاطلين ، وان اغلب الفلاحين من الجنوب ، ولكن اغلب العسكريين من سنة بغداد وما يعلوها وان القيادة الاولى كانت من 3 سنة و5 شيعة ، ومن مجموع 52 من قادة والكادر المتقدم للحزب ، كان 38,5% منهم من السنة، و53,8 % من الشيعة، و7,7 % من الأكراد الفيلين. 
لم يقتصر الامر على تباينات البنية الحزبية ، بل على صراعاتها الخفية في دواخلها ، اذ ساوى الحزب بين الخيرين والاشرار ، وبين ذوي الكفاءات والجهلة ، وبين ابناء المدن وابناء الريف ، وبين الاذكياء والاغبياء ، فكانت البنية الحزبية محفوفة بالمخاطر والتوجهات جراء حركة المد والجزر في الافكار والتطلعات خصوصا وان نسبة عالية من الشباب الذين لم تتجاوز اعمارهم عموما على العشرين عاما كانوا من الطائشين - كما وصفهم مؤسس البعث ميشيل عفلق بعد الذي جرى في 8 شباط / فبراير 1963 ، واكتشف بأنهم ليسوا من عيار قيادة بلد، وشعب !! وقال عفلق في اجتماع مغلق عام 1964 وهو يصف احوال ما بعد 8 شباط في العراق : " بدأت اشعر بالقلق من فرديتهم وطريقتهم الطائشة في تصريف الامور . واكتشفت انهم ليسوا من عيار قيادة بلد وشعب ، بل انهم يصلحون لظروف النضال السلبي " ! وتحدث عن نزوات البعثيين العراقيين واهمالهم وارتجالهم ونزاعاتهم الشخصية وتسابقهم الى المناصب والمغانم .. ( راجع كتاب بطاطو ، ج3 ، ص 325 ، 328 ) ، كما وان حكم عبد الكريم قاسم وما جرى فيه من ممارسات خاطئة ، دفعت نقمة البعض من الشيوعيين الارتماء في احضان البعثيين . وعليه ، فان من الصعب ان يكون هؤلاء ممثلين لبنية سياسية قوية اولا ، كما انهم غير قادرين على حمل ايديولوجيا سياسية ثانيا ، فضلا عن ان عناصرها قد برزت ممثلة لتكتلات جهوية او عشائرية او طائفية ثالثا كما توضح ذلك لاحقا من تاريخ البعثيين في العراق .

عبد السلام عارف تغدّى بالبعثيين قبل ان يتعشوا به 
كان عبد السلام بالنسبة للبعثيين ورقة مهمة لهم ، فهم غير معروفين ارادوا التسلّق على سمعته التي حصدها يوم 14 تموز 1958 وايضا بعد محاكمته امام المهداوي عام 1959 كونه يمثّل زعيما للتيار القومي .. بعد يومين فقط من تنصيبه رئيسا للجمهورية من قبلهم ومنحه رتبة مشير ركن وهو عقيد ركن ، وجد نفسه يصطدم معهم ، وخصوصا مع علي صالح السعدي الذي طالب بازاحة عارف عن منصبه ، اذ توقّع بأنه سيسبب متاعب لهم وخطورة عليهم ، وهدّد السعدي بالاستقالة اذ لم تستمع القيادة الى رأيه ، لكنه انصاع لرأي جمعي رفضت موقفه .. وقد وصلت المعلومات كاملة الى عارف من قبل حازم جواد وقد اخبره ان السعدي ينوي التخلص منه وقتله . ومنذ الايام الاولى افتقدت الثقة كاملة بين عارف والحزب ، وبدأ عارف يخطط للاطاحة بالبعثيين . 
ويبدو ان الاخير وجد في بعض القادة البعثيين العراقيين العسكريين مادة خصبة للتوغل في خطته .. ناهيكم عن ان عارف كان على علاقة قوية بالناصريين والحركيين الذين كانوا على افتراق سياسي وايديولوجي حاد مع البعثيين ، وخصوصا بعد مباحثات الوحدة الثلاثية التي جرت في القاهرة بقيادة جمال عبد الناصر ، فجرت افتراقات في العراق جراء سياسة عبد الناصر ، خصوصا وان القيادة القطرية للحزب قد انقسمت حول تشكيل جبهة قومية واسعة تضم البعثيين مع القوميين والناصريين والحركيين ، وهي التي طالب بها حازم جواد وطالب شبيب ورفضها السعدي وكتلته ، وتأزم الموقف بعد اتهامه بالتعصب والتهور 
كان التخندق السياسي واضحا ، فالبعثيون قد انقسموا في ما بينهم ، وكانوا قد غدوا اعداء الّداء من قبل الاسلاميين العراقيين سنة وشيعة وخصوصا الذين خاب رجاءهم منهم ، ومن ممارسات الحرس القومي ، دعك من مواقف الشيوعيين والقاسميين المضادة من البعثيين ، وكان الشيوعيون ينتظرون اي لحظة يطاح من خلالها بخصومهم البعثيين .. وبالرغم من ان عبد السلام كان ضد الشيوعيين والقاسميين ، الا انه وقف على مسافة محددة من الجميع باستثناء الخط الساخن للبعثيين بقيادة السعدي الذي كان يفتقد يوما بعد آخر مكانته الثورية المزعومة ، وخصوصا بعد الممارسات غير المسؤولة لعناصر الحرس القومي في اماكن عدة من العراق .. كما اشتعلت الحرب بين النظام والكرد في 10 حزيران / يونيو 1963 .

الحرس القومي : قشة قصمت ظهر البعير 
بعد قرابة 4-5 شهور صعبة ، اي في حزيران / يونيو 1963 ـ تبلورت مواقف جديدة لدى قيادة الحزب ليس بفعل ممارسات الحرس القومي ، ولكن ازاء الفوضى السياسية والصراع بين الجيش وقوات الحرس القومي ، اذ قامت القيادة العليا للقوات المسلحة بتوجيه برقية تحذير الى قيادة الحرس القومي في 4 تموز 1963 تهددها بحل الحرس القومي ان لم تتوقف قيادته وعناصره عن كل ما يعكّر صفو الأمن العام وراحة المواطنين، اذ بلغت النقمة حدا كبيرا من قبل الناس وخصوصا في المدن وضواحيها ضد تصرفات الحرس القومي . ولقد استهان القائد العام لقوات الحرس القومي منذر الونداوي بالبرقية وطالب قيادة الجيش بسحبها والغائها متحديا وقال بأن الحرس القومي قوة شعبية لها قيادة مستقلة، ولا يحق لشخص اصدار الاوامر ، فالسلطة معتمدة شعبياً في ظل ظروف الثورة الراهنة هي المجلس الوطني لقيادة الثورة فقط . هنا ، وصل الامر بعبد السلام عارف نقطة اللاعودة في وضع حد للبعثيين وقلب نظامهم السياسي بأي ثمن ، علما بأنه نفسه قد لبس في الايام الاولى لباس الحرس القومي ووقف معهم في الشوارع . وهكذا وصل التناقض والخلاف بين البعثيين وضباط الجيش، وعلى رأسهم عبد السلام عارف، إلى مرحلة عالية من التوتر، مما جعل عبد السلام عارف يصمم على قلب سلطة البعثيين بأسرع وقت ممكن .

اليمين واليسار في البعث العراقي
بدأ الانقسام يتعمّق داخل قيادة الحزب ، اذ اتفق كل من احمد حسن البكر وحازم جواد وطالب شبيب ( ومعهم عبد السلام عارف الذي لم يكن بعثيا ) للاطاحة بعلي صالح السعدي، واخراجه من الوزارة ، ومن مجلس قيادة الثورة، لكن الظروف لم تكن مؤاتية لهم بتنفيذ هذه الخطوة . وفي 13 أيلول / سبتمبر 1963 انعقد المؤتمر القطري للحزب، وجرى خلاله انتخاب ثلاثة أعضاء بعثيين جدد ، هم هاني الفكيكي وحمدي عبد المجيد ومحسن الشيخ راضي وكانوا من جناح اليسار الذي يقوده السعدي في حين فاز حازم جواد، وأحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش، وكريم شنتاف من جناح اليمين ، ولم يفز طالب شبيب . فتبلور الانقسام بين اليمين واليسار في الحزب ، واخذ اليسار التقرب من الماركسية وتبرئة نفسه من دماء الشيوعيين . وفي اكتوبر / تشرين الاول عقد على مدى اكثر من اسبوعين المؤتمر القومي للحزب في دمشق ، وسيطر اليسار على المؤتمر وقراراته وشن الهجوم العنيف على اليمين وعلى رمزه المؤسس ميشيل عفلق ، وطرحت افكارا راديكالية قوية بتعاون السعدي وحمود الشوفي اذ ضمنا اصوات العراقيين والسوريين ، مما جعل عفلق يبدو محبطا من حزبه ، وفقد الرجل المؤسس قدرته في التأثير والمبادرة .

وبدأ الصراع على الارض 


لقد قادت الخلافات الحزبية المبدئية والسياسية بين الجناحين العراقيين المدني والعسكري بعدما غدا مركز علي صالح قويا جدا داخل القيادتين القطرية والقومية ، وأخذ جناحه الراديكالي يطرح افكاره اليسارية والاشتراكية نحو استقطاب اقصى ، اخذ الجناح اليميني وخصوصا من الضباط البعثيين يبدون محبطين جدا وتباعدت مواقفهم وانتزعت ثقتهم الرفاقية ، وقد قاد الانقسام الاول الى انقسام اخر عند البعثيين المدنيين ، وتباعدوا عن مواقف السعدي، وبدا التخندق البعثي واضحا في ثلاث كتل تمثل قوى سياسية في بنية مفككة ممثلة بـ : خندق منذر الونداوي قائد الحرس القومي وحمدي عبد المجيد ممثل اتحاد العمال ، ومحسن الشيخ راضي، ممثل اتحاد الطلبة إلى جانب السعدي، وخندق كل من حازم جواد، وطالب شبيب، وطاهر يحي رئيس أركان الجيش ، وحردان عبد الغفار التكريتي قائد القوة الجوية وعبد الستار عبد اللطيف وزير المواصلات ومحمد المهداوي قائد كتيبة الدبابات الثالثة .. معارضين لجناح السعدي ، وخندق ثالث ممثلا بـ أحمد حسن البكر، وصالح مهدي عماش يقف على الحياد، مما جعل السعدي يتهمهما بدفع الحزب نحو اليمين، و هما يؤيدان من يعارضه خفية ( وكان البكر صديقا لعبد السلام عارف اذ كان ينقل اليه كل ما يدور في كواليس الحزب ) . 
كان احمد حسن البكر قد اتفق مع عبد السلام عارف على ازاحة السعدي ، فصدر إجراء تعديل وزاري يوم 11 أيار / مايس 1963، اعفي بموجبه السعدي من منصب وزير الداخلية وتنصيبه وزيراً للإرشاد، وجرى تنصيب خصمه حازم جواد مكانه وزيراً للداخلية. فكانت تلك هي الضربة الاولى للسعدي ، ثم جرت محاولة إخراجه من كل من الوزارة ومجلس قيادة الثورة، ثم محاولة القضاء على قوات الحرس القومي بقيادة منذر الونداوي، وكان السعدي يعتمد عليها اعتماداً كلياً. ويحدثني احد الذين عرفوا منذر الونداوي معرفة عميقة عن قرب لاحقا بأن الرجل كان بعثيا حقيقيا وملتزما ونزيها وغاية في الشجاعة والاقدام ، ويأبى الثرثرة وتعظيم الذات اذ يلازمه الصمت في اغلب الاحيان ، وهو جنتلمان في علاقاته سواء ايام بقائه سفيرا ام ايام بقائه في اسبانيا .. 


واخيرا : الاسئلة التاريخية 
ان اهم ما يمكن ان يتساءل المرء عنه : ما الذي دعا المؤسس ميشيل عفلق وصف البعثيين العراقيين عام 1963 مثل هذه الاوصاف كونه مارسها هو نفسه عندما وصل العراق برفقة امين الحافظ رئيس الجمهورية السورية ؟ ولماذا انتقدهم في اجتماع مغلق وليس في العلن ؟ وسنرى في الحلقة القادمة دوره هو نفسه في الاحداث المريرة .. وهل سيأتي انقلاب عبد السلام عارف من فراغ ضد البعثيين ام سبقه انقلاب حزبي بين البعثيين انفسهم بتدبير من ميشيل عفلق نفسه ؟ 
ان أهم ما يمكن الخروج منه تاريخيا والتعرف على تجربة حكم البعثيين الاوائل عام 1963 والتي لم يتعلم منها البعثيون كثيرا ، انهم ليسوا جميعا كما وصفهم ميشيل عفلق نفسه باسوأ الاوصاف فالبعثيون ثلاثة اصناف من البشر : صنف يحمل جملة قيم مبدئية وله شجاعته ونزاهته وعمق وطنيته وعشقه للعراق واهله وله تضحياته ، وقد وجدنا الكثير من هؤلاء الذين ان لم يعترفوا بالاخطاء ، فهم صامتون .. وصنف يحمل حماقته وأنويته وفرديته وعدوانيته ويريد اذى كل من يقع فريسة بيديه ، وله طيشه ونزعته الشريرة في ممارسة العنف كجزء من الثقافة البليدة التي يحملها ، ويبقى يدافع عن الاخطاء بقباحة متناهية .. وصنف كبير من الوصوليين والمتسلقين والمداهنين والانتهازيين الذين يهربون او يتبدلون او يبيعون كل البعث بعدة قروش .. هؤلاء طلاب منافع ومناصب ولا يهمهم لا العراق ولا الامة العربية وما اكثرهم ..

ملاحظة : قائمة المصادر والوثائق المعتمدة في نهاية الفصل من كتاب رموز واشباح وهي كثيرة .

تنشر يوم 8 شباط / فبراير 2019 على موقع الدكتور سيار الجميل 
http://sayyaraljamil.com 
انتظروا الحلقة القادمة عن تفاصيل انقلاب عبد السلام عارف يوم 18 تشرين الثاني 1963

رموز  واشباح

الحلقة 19

شعراء لا أوصياء على وطن !

أ.د. سيّار الجميل

مقدمة :

قبل  قرابة  خمسين  سنة  ، اقيم  في  واحدة  من مدن العراق  العريقة  مهرجان  شعر  كبير  لمناسبة  مرور  الف  عام  على  رحيل  احد  شعرائها العظام  ، ودعي  للمهرجان كبار  شعراء العربية  ومفكريها  .. وكنت طالبا في  السنة الجامعية  الاولى  ،  احضر  ذلك  المهرجان وسمعت  لأروع  شعراء  العربية  ،  وخصص  يوم  في المهرجان كي  يلقي  بعض  شعراء  العراق  قصائدهم  ، فكان  ان  قدم بعضهم  نصوصا  مخجلة  ، فعّلق  احد الضيوف  وهو  الاستاذ  الكبير  نجيب  البهبيتي - رحمه الله - قائلا :  أهؤلاء  حفدة  الشاعر  الذي  جئنا  لنحتفي  هنا  بالفيته !؟؟  اذ  كانوا  صبيانا مهرجين فرضوا  انفسهم  من  خلال الاجهزة الرسمية والحزبية كونهم  شعراء  من المبدعين  !  ولم  يستطع  احد من الناس  ان  ينتقد  تلك  الحالة  المزرية  التي اساءت  لسمعة  العراقيين  كونهم من  مدللي  النظام  الحاكم  .. هكذا ،  ففي  كل  حقل  من حقوق البلاد  جماعة من المدللين  الذين  اساءوا  كثيرا  للحياة  والاداب  والفنون  وكل المؤسسات  ، وارتكبوا  اسوأ  الافعال  باسم  الحزب  والدولة  واحتكار  الوطن  كله !  

دعونا  نكمل  ما  كنا  قد  بدأنا  معالجته  في  الحلقة  المنصرمة  .. 

متى تتغيّر  العقليات الجامدة ؟  ومتى  تتفكك الذهنيات  المركبة  ؟؟ 

هنا أسأل : متى يتخلص الشاعر العراقي من تناقضات مجتمعه ، ليغدو مرآة حقيقية لتطلعات اسمى  ابناء  شعبه والاخذ  بيد  مجتمعه نحو افاق جديدة في الحياة ؟! متى يكون مثقفا ومبدعا عضويا يعيش الام الناس وتطلعاتهم ، ويشعر بمعاناتهم ، ويكتوي بآلامهم ، ويعبر عن مآسيهم وهمومهم ؟    وأسأل : متى ترجم الشاعر العراقي بشكل عام ، الام الناس العراقيين كلهم ؟ وباستثناء البعض من المبدعين الحقيقيين المضطهدين ، متى حكي لنا الاساطين من شعراء العراق في القرن العشرين عن متاعب الناس وافكارهم ومعاناتهم ، وقتل ابريائهم ، وسحق شبابهم ، وقمع نسوتهم ، وضياع اطفالهم ، وسقوط جنودهم ، وبؤس اسراهم   ؟  كم  من  هؤلاء  وقف  ضد الطغيان  والاستبداد  وكان  حرا  في  التعبير  عن  رأيه  ونقد  الاخطاء  الجسيمة ؟  واخيرا ، من عبّر  عن  ضميره  بقتل البشر  او  تعذيبهم  ، او  قتل  الابرياء  ،  وتفجير  المجتمع  وصولا  الى  سبي نساء ، وتشريد شيوخ وعجائز  ؟؟؟  ومتى نجح اولئك (العمالقة) في خلق نصوص نفكر فيها بعمق  ، قبل ان ينظم الابيات والقوافي التي توقد العواطف وتعصف بالتصفيق في رحاب القاعات المغلقة والمهرجانات المسيسة  ؟! متى ينتبه الشعراء في العراق الى عمق مأساة ما جرى في بلادهم  ليتخلصوا من سماع المدائح كونهم " قامات " و " عمالقة " و " اساطين " – كما  يصفونهم  -   دون ان ينتبهوا الى ان ادوارهم سيئة الصيت التي قاموا بها في حياتهم على العهود وتبدل الانظمة السياسية ؟؟ متى يتخلصون من غنج الكلمة ، وترديد الآهات والصيحات والاكاذيب ؟؟ متى يبدّل الناس في العراق نظرتهم الى الشعراء ويرفقون بحالهم دون جعلهم ملائكة  ، او انبياء مرسلين ،  او اوصياء واساطين ؟

اما تناقضاتهم كشعراء فحدث عنها ولا حرج .. وكلها غير منظورة لدى شعب مشبّع بالعواطف وتتلاعب بعقله الشعارات والاساطير والخرافات ويتأمل خيرا في الاوهام ، ويعيش في باحات يهذي ويلطم فيها ، وتبكيه الكلمات ، ويميته المستبدون ، ويحييه الشعراء والشياطين ، انه الشعب الوحيد الذي يرى الشعراء فوق البشر، ويختلف الشعب ويتضور انقساما على مجرد تفاهات هذا المعمّم او هذا السياسي ، او ذاك الشاعر ! من حق اي شاعر ان يكتب شعره للناس والحياة والزمن ، ولكن ليس من حقه ان يحتكر  باسمه كل الوطن ، او  يكون سببا في انقسام مجتمعه ، ويربك حياتنا وتفكيرنا  ، ويحارب كل المبدعين الحقيقيين .. كما  لا  يمكن  اعتباره  مثقفا  وحيدا  في  مجتمع  يزهر  بالادباء  والعلماء  والفنانين  المبدعين الآخرين . 

لقد مرت مئة سنة علينا .  فماذا وجدنا  من صور  ومواقف ؟

شاعر عتيق يدعو الى التقدم وتحرر المرآة وسفورها ، ولكنه يمدح المحتل  البريطاني علنا ! وسمي  بالمجنون  والزنديق  كونه  اعلن  الحاده  على  الملأ  !   والاخر  شاعر عنيد جدا عاش حرا  في احقر منطقة في قلب بغداد ، لكنه لم يكن مثقفا سلطويا ابدا ! وشاعر فرّ من العراق نحو مصر  ، وعاش فيها ساخطا متبرما ،  ومات بعيدا ولا يعرف قبره في مصر !  وشاعر اخر  ، وزع مدائحه الشعرية العصماء على رؤساء وملوك وامراء عرب ومدح زعيما ثم شتمه ،  وشتم رئيسا ثم مدحه ؟  وشاعر لم يطق قسوة العراق والفقر فيه ، ففرّ بجلده كي يعيش شريدا فقيرا اصابته رصاصة  قناص على قارعة الطريق ببيروت،  ومات لوحده كفيفا  بعد ايام  في  بغداد ! وشاعر  خالف  آخر  في  مدح  فيصل الثاني  ، فهجاه  هجاء  مريرا  فيه  اقذع الكلمات !  وشاعر شعبي لم يخلق كمثله في السباب والهجاء ، وله ديوان كامل في شتم خصومه شتما لما تحت الحزام !  وشاعر آخر  اشتهر بتقلباته السياسية وقفزاته غير المستقرة ، ثم مات لوحده ،  وقد غدا يكلم الاشباح بعيدا يعاني الفاقة والمرض !  وشاعرة تصر  على ريادتها الشعرية وهاجسها الا يقال ان زميلها يحمل مشعل الريادة ! وشاعرة شهيرة اخرى كانت تتغنج وتتغزل بشاعر عباسي عتيق ، رباها ابوها المخبول على ان الامطار هي بول الملائكة ! وشاعر  مبدع  لم  يجد  فرصته  في الشهرة  كونه  بقي  استاذا  مهنيا  طوال حياته ،  ولم  يهرّج  سياسيا  علما  بأنه  كان من افضل  طلبة  طه حسين  !   وشاعر   ادّعى  قول الشعر  ، وصار  حزبيا ونال المناصب  الاعلامية  والدبلوماسية ، وصار سفيرا !   وشاعر آخر  شجاع ومناضل لم اجد عراقيا مثله خجلا مؤدبا وصريحا ، ولكنه وصف زعماء الامة وهم جالسون امامه كلهم بأولاد القحبة ولم يستثن منهم احدا! وشاعر آخر  ناله الاحباط الشديد،  فتمرد على الجميع ورفض كل شيء الا  عشقه لصديقه السياب ،  وقال بانه الشيوعي الاخير  بعد ان وجد الكل يرقص على الحلبة ! وشاعر جعلوه وزيرا  كتب قصائده يؤله فيها رئيسه ، ثم سخر منه سرا  ، فكان جزاؤه الاعدام بعد ان قطع لسانه بالسكين ! وشاعر  متسول  احولا ومريضا  يموت  بالتدرن  بعد  ان  عانى في  الامن العامة اشهرا  وهو  الذي  قال : وطن  تشيّده الجماجم والدم .. !!    وشاعر ماركسي يصبح بعثيا من اجل منصب ثقافي ،  ويموت دون ان يذكره احد  !  وشاعر آخر  يشتم كل الشعراء كونه اعتقد انه الوحيد في قول الشعر ، ثم مات في عزلته في دمشق  .. وشاعر  يفيض  حقدا  وكراهية  على  آخرين من دونه  ويموت  حزنا  وكمدا  بسببهم !  وشاعر  يتفاخر  على  غيره من  شعراء العراق كونه لم يتكسب بشعره ، ويقول "  عاشرت ملوك العراق وحكامه ورؤساءه والمتنفذين فيه ... فلم امدح احداً منهم "   .. وشاعر  ثوري مناضل  اسموه  بـ "  شاعر الشعب  "  كان  جريئا  في  قول  ما  يريد  حتى  وهو  في  زنزانته ، وعذب  وسجن  ولم يتنازل  عن  مبادئه ،    وشاعرة  هربت الى ابعد مكان في العالم  ، ولم تزل تتغزل بعشيقها العراق والبدر الذي  فيه ، وهي  ملكة  الغنج  العراقي  !  وشاعر  أديب هجر  مدينته التي  اسماها  بمدينة العناكب  ، ورضي ان يكون وزيرا للخارجية ليموت مسموما ،  وهو برئ من اية تهمة تذكر ! وشاعر كان يسرق الكتب في استراليا تحت معطفه ليبيعها من اجل كأس يسكره ولقمة تسد رمقه !  وشاعر  شعبي  يدّعي  انه  ساهم  في  صنع  حدث  تاريخي  فاشل  ويعد نفسه من المناضلين  !  وشاعر لا سكن له يقضي وقته سكرانا بين الحانات ،  وينام تحت درج مكتب واحد من المحامين ! وشاعر تلتقطه الشرطة مساء في بساتين طويريج بصحبة احدى المعلمات وبوضع لا اخلاقي ليكتم القضاء على فضيحته كيلا ينكشف ستر  المعلمة ! وشاعر  صريح جدا  في اعترافه  انه  باع  شرفه  مع  احد المأبونين  لقاء دريهمات لشراء وجبة عشاء  في  باريس  كونه لم  يأكل  لاربعة  ايام  !  وشاعر   مطارد  يطالب  بالحرب  من خلال الكلمات  مستشهدا  بمقولة  نصر  بن  سيار  ، ويدعو من خلاله  الى التحريض والكشف والشهادة على الواقع والنظر إلى الأبعد، وشاعر يغدو مستشارا لوزارة الثقافة فيجعل مكتبه مجرد مقهى لأصدقائه ، وظل يتعبد في محراب (صديقه الرئيس) ويموت لينقسم الناس حول ذلك وكأنه اسطورة في بلاد كانت كلها اساطين شعر  واساطير نثر.. ،  وشاعر  سلطة  يتحدى  شعراء  المهجر  بقول : " سأخلع قندرتي (حذائي) واضرب بها على رؤوسهم الخاوية."   !!  ونشر  أحد  الصحافيين العراقيين البارزين  على  عهد  الرئيس  صدام  قوله : "  ان بعض الشعراء يقولون ما لا يفعلون وينكرون الجميل، فقد أغناهم صدّام بعدما كانوا نكرات ،  ولكن في سبيل حفنة من الدولارات يسيل لعابهم ويهيمون في كل واد " ،   وشاعر  وصفوه بالصبي المدلل ..  كان  تافها  ومتعجرفا ، وكتب  عنه احدهم  فوصفه : " انه قناعاً للاستبداد الصغير. ،فما ان اعطي سلطة حتى راح يمارس نزواته القمعية والجنسية والارهابية " ،  وشاعر  تمتع بعقلية “تفتيشية”، وقام رفقة رفاقه بحملات تطهير حزبية ضد ثقافة الآخرين وابداعاتهم – كما  كتبوا  عنه -  بينما لا  يبدو  كذلك  ، وشاعرة  اطلقوا عليها  بشاعرة  ام المعارك  لم  تنفع  اهازيجها  شيئا  العراق ،  ويقال انها  تتغزل  اليوم  ببلد  عربي  آخر  تقيم  فيه  !  . .  وشاعر  يقول :  "  كنت أحفظ قصائدي التي كانت ضد السلطة في مكان أمين خارج بيتي وعند أخي الصغير وكنت أعاني ما أرى من أصدقائي الصامتين وهم يرون ما جرته الحروب من ويلات وضيم  ،   واليوم ولت لا تعرف الا الاضرحة واللطم عند قبر   " ، وشاعر  من  شعراء  السبعينيات الشباب  يرفض  اتهامه  بتهم  جاهزة  كالشيوعية  والصعلكة    الخ  وشاعرة  مغتربة  لم تنل  حقوقها  وهي  تحفظ  على  ظهر  قلب  كل  ما  قاله  السياب  ، وخصوصا  المومس العمياء  !!   وشاعر  عاقل  اجاب  قائلا  :  "  لقد مات عالمنا الذي تربيّنا في داخله.وكذلك مات ذلك الصنف من الناس الذين عشنا بينهم.أما المدينة فلقد بقيت أطلالا وذكريات دامعة.. والإغتراب هو أننا بقينا في داخل عالمنا الجميل ذاك الذي اندثر.. نعم نحن غرباء الآن. "   ..

ويشهد الجميع  بأن عشرات الشعراء العراقيين تغنّوا بالزعيم الأوحد  وجمهوريته الخالدة ، ثم  صفقوا  للمشير  ابو  الثورات الثلاث  !!  ثم انقلبوا ليذبحوا حناجرهم بالبعث وثورته والآب  القائد  ، ثم بالبطل القومي والقادسية وام المعارك  ، واليوم يتغنون بالإمام الحسين وثورته في العراق منذ  مئات السنين ، وسيأتي يوم يتغنون بشيء ثالث ثم رابع ثم خامس ..  !  ولا اعتقد ان الخلفاء والزعماء والرؤساء يصادقون الشعراء والفنانين والخلعاء ، بل يوظفونهم لتمجيدهم  وتعظيمهم ويمنحونهم الدراهم  والشهرة  والسلطة  ثم  يتخلصون منهم    . وشعراء  اقوياء  جدا  من العراق  ظهروا  وما  زالوا  على  امتداد  قرن  من الزمن  وما  زالوا  حتى هذه اللحظة  يحاربون  حربا  قذرة  لا  هوادة  فيها  من  قبل  سلطة  الاقوياء  وسلطة  المؤسسات  لاسباب  وعوامل  سياسية  وجهوية  واجتماعية  واليوم  يهب  عليا  اعصارا  اسودا  يحمل  الطائفية  والعشائرية  ليجعل  عالم  شعراء العراق  سورياليا  لا  تعرف  رأسه من اساسه  بعيدا  عن  فنتازيا  الجمال  وعدالة  المجتمع     

اخيرا  وليس  آخرا

الشعراء اناس مثل بقية الخلق ، او قل مثل بقية الكائنات البشرية .. انهم ليسوا اساطير  ولا اساطين ولا ملائكة  أو  قديسين ولا اولياء اصفياء او انبياء مرسلين  ، بحيث ينقسم المجتمع من اجل مزاج هذا الشاعر ، او  من اجل موقف ذاك الاخر  .. ان انشغال الناس بأمور تافهة كهذه دليل على ضحالة  التفكير  وتدنّي مستوى الوعي في المجتمع ، بل وان الفوضى التي تعمّ اليوم كل المثقفين العراقيين هي البديل الحقيقي لكل من الحرية ومناخاتها  او الدكتاتورية وسجونها .. عظماء في هذا العالم يرحلون ، فتنعيهم محطة اذاعة ، وتذكرهم صحيفة ، وتؤبنهم مؤسسة ، ويكتب عنهم صديق عزيز واثير لديهم ، ويخلد ذكرهم بصورة او  عبارة .. وكان العراق يعج باكبر الاسماء والرموز من مؤلفين ولغويين وقضاة ومؤرخين وعلماء ومبدعين ومهندسين وروائيين ومعماريين وفنانين واطباء ورجال حكمة وفلسفة وامثال وعباقرة غيرهم .. يرحلون كما يرحل كل الناس ، فلا تقوم الدنيا ولا تقعد في العراق الا للشعراء  المنحازين .. فثمة  شعراء  من اروع المبدعين العراقيين لا  يتلقون  اي  تشجيع  وهم  في مقتبل العمر  ، وستتوالى السنين  وهم  من المغيبين في الدواخل او  المغتربين  في الشتات دون ان  يعرفهم أحد  حتى  رحيلهم ..  .

الامر  لا يحتاج الى حرب اهلية باردة تشتعل مثل النار  بين مناصرين للشاعر وبين خصوم له  كي نعيش كل يوم تصفية حسابات واخذ  ثارات  ،  والعقلاء يضحكون ويتندرون على اصحاب الافق الضيق .. وكأن  الناس لا عمل لهم ، ولا تفكير عندهم ، ولا قضايا تنتظرهم  حتى ينشغل الرأي العام بموقف شاعر ، او مزاج شاعرة !  ان العراقيين لا يأكلون شعرا ، ولا يتنفسون اخيلة ، ولا يحتسون كلاما  يفرض  عليهم  في كل يوم ، حتى تغدو المسألة حياة او موت .. ان امامكم  مشكلات شتى وقتكم اولى بمعالجتها والاهتمام بها ..  وثقوا ان حلولها لا تركن وراء سماع قصيدة شعر  ، ولا امام شاعر  عراقي لا يعرف الا نظم القصائد العصماء  في  المدح  او  الفخر  او  الهجو   او  الطلاسم  الجديدة ،  واليوم  اكتسح  الشعر  الشعبي  كل  الاماكن والبيئات ، ولم  يعد الاهتمام  كبيرا  بالشعر  العربي  لا العمودي  ، ولا  بشعر التفعيلة  ، ولا  بالشعر الحر  ،  ولا بفتازيا المنثور . هذا جنون مجتمع يعيش افلاسا حضاريا  واخلاقيا ، اذ تشغله هكذا قضية تافهة ، ولا يشغله ان العراق قد غدا محطما  ومدّمرا يعيش حالة افلاس حقيقي في التاريخ ..

تنشر  بتاريخ    الجمعة  1 فبراير / شباط  2019  على  موقع  الدكتور سيار الجميل  

http://sayyaraljamil.com

 

 

قصيدة البلاد المحجوبة لجبران خليل جبران

هوَ ذا الفَجرُ فَقُومي نَنصَرِف عَن دِيارٍ ما لَنا فيها صَديق

ما عَسى يَرجو نَباتٌ يختلف زَهرُه عَن كُلِّ وردٍ وَشَقيق

وَجَديدُ القَلبِ أَنّى يَأتَلف مع قُلوب كُلُّ ما فيها عَتيق

هوَ ذا الصُّبحُ يُنادي فَاِسمَعي وَهَلمّي نَقتَفي خُطواته

قَد كَفانا مِن مَساء يَدّعي أَنّ نُورَ الصُّبحِ مِن آياتِهِ

قَد أَقَمنا العُمرَ في وادٍ تَسير بَينَ ضلعَيهِ خَيالات الهُموم

وَشهِدنا اليأسَ أَسراباً تَطير فَوقَ مَتنَيهِ كَعقبانٍ وَبُوم

وَشَربنا السّقمَ مِن ماء الغَدير وَأَكَلنا السُمّ مِن فَجّ الكُرُوم

وَلَبِسنا الصَبر ثَوباً فالتَهَب فَغَدَونا نَتَرَدّى بِالرّماد

وَاِفتَرَشناهُ وِساداً فَاِنقَلَب عِندَما نِمنا هَشيماً وَقتاد

يا بِلاداً حُجِبَت مُنذُ الأَزَل كَيفَ نَرجوكِ وَمِن أَيّ سَبيل

أَيّ قَفرٍ دونَها أَيّ جَبَل سُورها العالي وَمَن مِنّا الدَّليل

أَسرابٌ أَنتَ أَم أَنتَ الأَمَل في نُفوسٍ تَتَمنّى المُستَحيل

أَمَنامٌ يَتَهادى في القُلوب فَإِذا ما اِستَيقَظَت وَلّى المَنام

أَم غُيومٌ طُفنَ في شَمس الغُروب قَبلَ أَن يَغرَقنَ في بَحر الظَّلام

يا بِلاد الفِكر يا مَهدَ الأُلى عَبدوا الحَقَّ وَصَلّوا لِلجَمال

ما طَلَبناكَ بِرَكبٍ أَو عَلى مَتنِ سُفنٍ أَو بِخَيلٍ وَرحال

لَستُ في الشَّرقِ وَلا الغَربِ وَلا في جنوبِ الأَرض أَو نَحوَ الشّمال

لَستُ في الجَوّ وَلا تَحتَ البِحار لَستُ في السَّهلِ وَلا الوَعرِ الحَرج

أَنتَ في الأَرواحِ أَنوارٌ وَنار أَنتَ في صَدري فُؤادي يَختَلج

 

قال جبران  خليل جبران

هو ذا الفجر  ، فقومي  ننصرف            عن  ديار  ما  لنا  فيها  صديق

ما  عسى يرجو  نبات  يختلف               شوكه  عن  كل  ورد   وشقيق

وجديد  القلب  أنّى  يأتلف                   مع  قلوب  كل  ما  فيها   عتيق

وقال  نزار  قباني  :

يا عيد عذراً فأهل الحيِّ قد راحوا..     واستوطن اﻷرض أغراب وأشباحُ...

ياعيد ماتت أزاهير الرُّبى كمداً..        وأوُصِدَ الباب ما للباب مفتاحُ...

 

 

 

 

رموز  واشباح

الحلقة 18

هستيريا  الشعراء  العراقيين  !

أ.د. سيّار الجميل

مقدمة

    يقول بول فاليري  Paul Valéry  1871- 1945 م  ابان العشرينات من القرن العشرين: "الجديد ، ان الذي يمكن أن يكون قابلاً للتأثر بطبيعته ، هو من النوعية البارزة التي يفسدها غيابها عن الآخرين  بسبب  نزقها ، ويحولها حضورها الى  مجرد  نص  بلا  حياة  "!   وقد تسارع تجديد الأمور أكثر من ذلك. في الفنون الجميلة و الأدب الذي كان تقليده منذ فترة طويلة هو  القاعدة السامية  في  تطور  فكر  المجتمع  ورقي  الانسان ، وأصبح  ضمن الجديد قد التزم  بحتمية الحداثة و الطليعية والتعبير  عن  واقع  .   وكان  الصيحة "  اجعله جديدًا "  عندما أعلن ذلك  عزرا باوند  Ezra Pound. 1885- 1972م  وبالتالي فإن فكرة التقدم قد هيمنت على الفنون والتقنيات على مدى قرن جيد. وقد وصفت ناتالي ساروت Nathalie Sarraute  1990- 1999  الادب  في عام 1964 ، قائلة : "الأدب يبدو وكأنه حلبة سباق يتابع. الجميع مشاهدة الميدان  وكم كاتب  وشاعر  فيه يجري  ليسبق  من  هو  امامه  باسلوبه  دون ان  يتمكن من العودة او حتى البقاء. "  لكن اليوم ؟ ماذا سيكون مكان الأدب ، والرومانسية ، والشعر ، وقبل كل شيء القراءة  والتفكير  ، في العالم العالمي الذي لدينا أكثر وأكثر منذ الثورة الرقمية؟ هل ما زال مبدأ "التطوير الثابت" للأدب ذا صلة؟ أم سيبقى ، في عالم "التقادم المبرمج" ، من خلال  عقيدة المحافظة؟   هل ما زالت هناك اختراعات أدبية جمالية؟ ألم يقل ألبرت كامو  Albert Camus    1913-  1960  أن مهمة جيله هي "منع العالم من الضلال"؟ اذا  كان  هذا  تفكير  العالم  ،  فنحن  في  ثقافتنا  العربية  افتقدنا النقد  او  كدنا  نفتقده  ..  وافتقدنا  الادب الحقيقي ، ولكن لم  يزل  اغلب العراقيين  يعيشون  هستيريا  الشعر  والشعراء  أكثر من غيرهم  .. ولكن  بأي  تفكير ؟ !

بينهم  وبين  هستيريا  من نوع آخر  في مصر  

امضيت الايام الاخيرة وانا ارقب ما حل بالعراقيين مثقفين واشباه مثقفين وادباء ومتابعين ومتفكهين وساسة وتابعين وقراء مهتمين  أو متطفلين على الادب  ...  ، وكأنهم غدوا في حرب اهلية مستعرة ، يتشاتمون ويتصارعون ويتنابزون ويتصايحون حول قضيّة بليدة جدا هنا  لا تشكّل خطرا لا قبل موت صاحبها ولا بعده  ، فقد مات  شاعر  شعبي  عراقي ، فانقلبت  الدنيا  وعاش  المجتمع  الثقافي  العراقي  هستيريا انقسامية كما هي  عادته ، اذ  يختلف العراقيون بشدة  على  أية قضية  سياسية او  جهوية  او  طائفية  تافهة خاسرة ويتجادلون  ويتنافرون  وتمضي الايام ،  فينسون  ما  حدث ، وكأن  شيئا  لم  يكن !!   على  عكس  اخوتهم من المصريين  الذين  يعيشون  هستيريا  توحدّهم  كما  هي  عادتهم  منذ  عشرات السنين  ، وابرز  مثال  عندما رحل  جمال عبد الناصر  ، او  مات  عبد الحليم حافظ  او  رحلت  ام  كلثوم  أو  غيرهم  ..   ان من يرقب ردود  فعل العراقيين  عند  موت  شاعر  أو  اسم  معين  له  رصيد  سياسي او  اعلامي  ، فترى هذا يرفعه  الى السماء  ، وترى ذاك ينزله  الى  سابع  طبقات الارض بعد  ان  عاش رجلا  كان  ام  أمرأة ،  مهمشّا  او  مبعدا  او  مغتربا  ومنسيا   لم  يذكره  أحد  وعند مماته  ، يتم النفخ في  مقامه  لايام هستيريا ، ثم  يطويه النسيان  .. 

حالة  سايكلوجية  مضطربة

أنهم  ينسون كل فجائعهم ومآسيهم ومشاكلهم ليشغلوا انفسهم بموقف سياسي او  شخصي  لاحد اسماء الكبار الراحلين ، والذي لا يختلف اثنان على ابداعه وقوة كلمته ،  وقد رحل عن الدنيا قبل ايام  ، ولا اعتقد ابدا ان المسألة بحاجة الى هذا القدر من الانقسام وذاك الحجم من الاهتمام . واعتقد بأن التفكير الخاطئ في الزمن الخاطئ قد دفعهم كما هي العادة لخلق قضايا تافهة  ، او  مناسبات  فضفاضة ، تجعلهم دوما يأكلون انفسهم بأنفسهم ويزداد تفسخهم وتكبر تناقضاتهم في ما بينهم ، وقد غاب العقل تماما لديهم كما هو حالهم منذ ازمنة مضت ! وهذا  وجه  من  وجوه  شخصيتهم  القلقة التي  تغرق  في  العواطف  دوما  والمغالاة  فيها  ،  اذ  تجد  اي  عراقي  ينتفض  مزمجرا  ثائرا  صاخبا  شاتما  وسرعان  ما  ينطفئ  غضبه  ويخفت  زعيقه  ،  ويبدأ  بلوم  نفسه  بنفسه ،  لكنه لا  يتراجع  أبدا  اذ  تأخذه العزة  بالاثم  ، او  تجده  يتصالح مع  خصمه  في اليوم التالي ،  وكأن شيئا لم  يكن  من دون  اي  اعتذار  ، فالاعتذار  عند  العراقيين  عيب ، وكأنه ان  اعتذر  ،  فهو  يطعن في  شرفه  !

هذه الشخصية  المضطربة  تفتقد  الى  الحلم  اولا  ،  والى  الهدوء  ثانيا ،  والى  البساطة  ثالثا  ..  اذ  تعتقد  اعتقادا  عميقا وراسخا  بأنها  دوما على  صواب  والاخر  على  خطأ  !  مما  يجعلها  عرضة  لأن  توصف  بالجحود  والنفاق  .  ويعجب  المرء  من  حالات التناقض  التي  تتلبس  هذه  الشخصية  ، ففي الوقت  الذي  تجد  فيها  كل الطيبة  والوداعة  والكرم  والعفوية وروح الالفة لدى الطيبين  .. تجد  فيها  على  الطرف المقابل  العنف  والثأر  والجحود  وركام الاحقاد والكراهية   .. 

الذاكرة  التاريخية للعراقيين :  الشعراء  أولا

العراق  هو  بلاد  الشعر  والشعراء والادباء  والكتّاب  والمؤلفين  منذ  القدم  ، وقد انجب  الالاف  من الشعراء والادباء  على  امتداد  الازمنة  الخالية    .. لقد بقي الشاعر منذ اكثر من الف سنة في الذاكرة الجمعية العراقية ، وكأنه هو الوحيد الذي يستنهض الهمم والعزائم ، وكأنه هو المخلّص لكلّ ما حاق بالعراق من انكسارات وهزائم او التشدّق  بالانتصارات    وصنع  المفاخر  ،   ويتعامل بالسيف والترس لا بالحكمة والرأي  والكتب !  ان اجيالا عراقية وعربية عديدة قد تربّت تربية خاطئة لما قاله " شعراء " عظام ،  وحفظت نصوصهم على ظهر قلب ،  وفيها  من  الحماسة  والحكمة  والامثال السائرة  ، وكأنها نزلت من السماء باعتبار اصحابها عمالقة وقامات او اوصياء وانبياء  وستبقى  تلك  " النصوص  "  حية  لن  تموت  " وان  من الشعر  لحكمة "  ،  وفي المقابل  ، ثمة  نصوص  اخرى  شعرية  او  نثرية  ،  عندما نتوغل في فهمها  ، نجدها مجردة من العقل والعاطفة تماما ، ولا يمكن قبولها ابدا وسوف  تموت  مع  توالي  الازمان ، فهي  ضد  حقوق الانسان  ، وضد  ما  يريده  العالم  وما  يقبله العقل  !  اننا  نعلم  بأن  ابياتا من الشعر  قد  احتوت على  حكم  وامثال  رائعة  .. ولكن  ليست  كلها  أبدا  ..

فأحدهم يعلمنا بأن الدم هو  الذي يسلم الشرف الرفيع ! والاخر  يشترط ان تخرّ الجبابر  سجودا لطفل منهم بلغ الفطام ! اما الاخر  ، فيرى في الناس السود مجرد عبيد وانجاس مناكيد !  وشاعر آخر  ، يصرّ  على فرديته وأنويته في الوجود ، فان مات ظمآنا فلا نزل القطر  على  كل العالم  !  وكم هو نرجسي ذاك الذي لا يعشق الا انويته القاتلة ! وكم هو الاخر شتّام خوّان سبّاب هجاء  واشتهر  بشعر النقائض وابدع  في  غرض  الهجاء  !  اما شاعر اخر ، فيعدّ الاكثر تقلبا على الحبال والجلوس على كل الموائد في المقّرات وغرف الملوك والمستبدين  الخ  وآخر  يذكي  الحروب  ويريد  ان  يبقيها  مشتعلة  الى ابد الابدين  ..  وآخر   لا  يرى  في  صنمه  الا  معبودا  من  قبل الملايين  .. وآخر   في  رثائه  لرئيس  عربي  مات  يؤنب  نفسه  وامتع  قائلا  :  " قتلناك  يا  آخر الانبياء  "  !    هذه  مجرد  أمثلة  وغيرها  كثير   ،  تتداولها  الاجيال  كابرا  عن  كابر  من دون  ادراك  تأثيرها  في  تشكيل  الشخصية  وسايكلوجيتها  المضطربة  ، اما النصوص  الجديدة  فبعضها  متهافت  جدا  ، او  مشيطن  او   متلبس  بالمبالغات   . 

الشعراء  تحركهم  توابعهم  ( او  :  شياطينهم ) 

  دعوني اقول ، وليعذرني اصدقائي الاعزاء  من الشعراء العراقيين المبدعين  ، بأن الشاعر  ليس هو المبدع الوحيد في هذا الكون الفسيح .. والشاعر  ليس هو المحتكر  الاول والاخير  للكلمة والثقافة ، ولا وحده يملك الفكر  والعقل ، ولا يمكن له وحده احتكار  الوطن  بحيث  نجده  في  كل الازمنة  يهيمن  على  الاعلام  والصحف  والمهرجانات  والاحتفالات  دون  غيره من المبدعين !  ان الشاعر  الحقيقي هو  المبدع الملتزم  الذي  ينغمس مع الام شعبه ، ويعبر  عن  وجدانهم  ،  ويعيش معاناة الناس ، ويفصح صادقا عن احلامهم وتطلعاتهم ،  ويخشى  على  مصيرهم  ..  ولا تعنينا تقلبات امزجته وتراكيب ذاته ، وكأنه وحده يعاني دون الاخرين  ! شعراء  يتراكضون  لنشر  دواوين  تضم  كلاما  فارغا  لا  خيال ولا  عاطفة  ولا موسيقى  فيه ،مجرد  كلام  خال  من  الصور  الشعرية  الجديدة ، وليس له  اي  معنى ! .

نعم ، ان الشاعر الحقيقي فنان مرهف الاحساس يعيش مع توابعه  ( أي  مع  شياطينه كما قالوا في قديم الزمان ) في  حالة  جنون ، او يناغي  مع اخيلته وعواطفه وموسيقاه من اجل ان يثير زوابعه ! والعراق يتربع عليه الشعراء ( الذين يتبعهم الغاوون ) منذ ازمان قديمة طوال ، وهم اكثر من استحوذ على صور العراق والوانه واعلامه وترجماته واحجياته وتراثه .. وعلى مر ازمنة وعهود ، والمجتمع لا يعرف من  أغلبهم الا المدح والقدح والهجاء والتشبب والتفاخر والاوصاف والاوهام  والمطولات من المديح  الكاذب  او  بعض نصوص شعرية يكتبها  صعاليك  ومجانين ومرضى  نفسيين  وتافهين   ، اي  باختصار  لا  يعرف  منهم  الا  المجاملات الفارغة  او  الهجاء  المقذع او  المديح المجاني او  الانخراط  في  خدمة السلطة والسكوت  عن  جرائمها    .. انه  باستثناء  المعاندين والمعارضين والمناضلين  الملتزمين الحقيقيين  ، فان العراق لا يعرف من اغلبهم الا تأليه المستبدين ، والحكم العرجاء ، او الهجو  المفعم بالسباب والشتائم  والاوصاف المقرفة والتهديد  بالقتل  وسفح  الدماء والتصفيق  للمستبد  وتوظيف الشعر  لالقائه بغرض  اذكاء  النار   ، او العزلة في كهوف المتصوفة ، او التغزل بالغلمان ، او التصابي امام الصبايا ، او التذلل عند الابواب ، او  مديح  شيخ  قبيلة  ، او  التلون كالحرباء مع  تبدل الازمنة ، والتزلّف  لهذا  او  ذاك  باسم  الوطن  ،  فمنهم من عشق  جلالة  الملك وقال فيه  شعرا    ، ومنهم  من كال المديح  للزعيم  ألاوحد  الى  من كتب  المطولات  في تقديس  البطل القومي  والقائد الضرورة   ، وصولا  الى  القصائد  المهرجانية  عند مراقد الائمة  والبكاء  والعويل  ..

وماذا  أيضا ؟ 

على الشاعر  والمثقف  والمبدع  العراقي ان يتخلص من تناقضاته قبل ان يتخندق في زاوية من الزوايا !  أتصوّره .. متى يعيش على الطبيعة في كوخ بسيط ، ويرضى ان يخدم الناس دون ان يكون تابعا لقائد  ضرورة ، او صديقا لزعيم  أوحد ، او  يكون  عضوا في حزب وتنظيم ، او طبلا  فارغا  لجماعة او  متنطعا  في  المجتمع  باسم  طائفة  او  دين ..  فسيبقى  نقيا  من  كل  الادران  ، ولكنه  ان ارتضى ان يكون جزءا  من  سلطة  او  نظام  أو  مؤسسة  حكم   ، فهو يصنّف كرقم في ثكنة عسكرية ، او  منديلا  متوسخا  يرمي  في  المزبلة  ! وعليه ان لا يصفق لجماعة او طائفة ،أو  حزب  سياسي  حتى لا تطوّقه الاحزمة السياسية  او  تتلاعب  به  الاوبئة  الطائفية .. طمعا في منصب ، او تحصيل  جاه ، او الارتزاق  بحفنة دراهم ، او التنعّم بسيارة فارهة ، او يفوز  ببعض الهبات والعطايا بدءا بكيس مليء بالذهب قبل الف سنة الى برميل نفط كواحد من المكرمات  ! وأخيرا  ،  على الشاعر والفنان الملتزم  والعالم والمثقف الحقيقي لا يكون بيدقا يحركونه كيفما شاءوا ، ولكي لا يغدو " مثقف سلطة " او  " بيّاع كلام " أو  "  مدّاح  نظام  "  أو   " شاعر   حكام  "   ابدا  !

ان اكثر ما يزعج الناس العقلاء ان يتحول المبدع او المثقف عالي المستوى الى مثقف سلطوي ، او  الى مريد ذليل ينتظر  المكافآت  والهدايا عند ابواب السلطان ، او يتمسح بأذياله ويستخدم الوطن صناجة باسمه فقط ، كي يصفق له التابعون !

http://sayyaraljamil.com

 

 

إعادة بناء

 الموصل مطلَباً ملحّاً

 

أ.د. سيّار الجميل

 

الموصل، أم الربيعين، من أمهّات مدن الشرق، وثاني أكبر مدينة عراقية. استمرت حياتها الحضرية متواصلة عبر آلاف السنين. وعلى الرغم من كلّ ما صادفها من تحدّيات وكوارث، بقيت حيّةً ومنتجةً ومبدعةً ومنفتحةً طوال  حياتها  بعلاقاتها  مع العالم  ، وببكرنفالاتها ومهرجاناتها، لكن ما صادفته من محن وكوارث خلال العقدين الأخيرين فاقَ المتصوّر والمتخّيل، إذ دمّرت تدميراّ كاملاّ، وعانى أهلها كثيراً، وهم أكثر من أربعة ملايين إنسان... ومنذ فتك تنظيم (داعش) بها، وحتى تحريرها منه في 2017، وهي لم تزل مدمّرةً، تحتاج إلى إعادة بناء، ومشروع إعمار، وخطّة تأهيل للمدينة والمجتمع معاً.

من له القدرة على أن يعمّر بيته أو عقاره يفعل ذلك. ومن ليست لديه القدرة فكيفَ يمكنه إعادة الحياة إلى نفسه ومدينته؟ للعلم، تزداد، يوماً بعد آخر، مطالبة أهل الموصل من حكومتهم المركزية في بغداد، كي تعيد مدينتهم إلى الحياة الطبيعية، واستعادة قوّتها الاقتصادية والاجتماعية. ومن المضحك المبكي أن ما رصدته الحكومة المركزية من أموال ضمن ميزانيتها الأخيرة أقلّ بكثير مما يتصورّه المرء، فهل من الإنصاف أن يتم تعامل الحكومة العراقية مع مدينةٍ بحجم الموصل، وثقلها التاريخي والحضاري، بهذه الطريقة؟

بعد أكثر من عام على تحريرها، والقضاء على تنظيم داعش، وكلّنا يعلم كيف سقطت المدينة بأيديه، وقد حكمها بالحديدِ والدمّ والنار، وكم صمدت بوجه الأشرار، ودفعت آلافا من أبنائها 

 قرابين وضحايا ونازحين ومشرّدين ومستلبين ومختطفات ومفقودين.. إلخ. وعندما حرّرتها القوّات العراقية المسلحة، ومن تجحفل معها، فضلا عن طائرات قوى التحالف، سحقت الموصل القديمة سحقاً لا مبررَ له، وتشرّد آلافٌ من الناس، واختفى آلافٌ في سراديبهم وبيوتهم، وماتوا تحت الأنقاض، إذ أرسلت الحمم من النار عليهم. وكان قد وقرَ ناسٌ كثيرون في بيوتهم، آخذين بنصيحة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة السابق ليموتوا أبشع ميتة. وإذا كانت المدينة القديمة قد سحقت سحقاً مبرحاً، فإن ما حصلَ بعد التحرير لم يبشّر بخير أبداً، على الرغم من نداءاتنا المتكرّرة بوجوب تأسيس صندوق خاص لإعادة إعمار الموصل... إذ لم تلتفت الحكومة العراقية إلى الموصل، لتعيد بناءها، وتصلح جسورها الخمسة على نهر دجلة.

لم تزل الناس تعاني الأمرّين من التشّرد والجوع، بعد أن فقدت بيوتها، واستلبت حاجياتها، وسحقت أسواقها، وسرقت موجوداتها في وضح النهار. الموصل في الجانب الأيمن، وعلى الرغم من جهود الأهلين ومساهمات الخيّرين في رفع بعض الأنقاض، وهدم ما لا يمكن تصليحه، أو تصليح بعض ما تهدّم، ولكن الحياة لا يمكنها أن تعود إلّا إذا وضعت الحكومة المركزية مشروعاً استراتيجياً لإعمار المدينة بشكل كامل، وإعادة بناء المستشفيات والمدارس والمؤسسات والأجهزة، فما يستعمل اليوم من مستشفياتٍ يتمثل بمجموعة كرافانات تمتلئ بالمرضى والمراجعين البائسين، وهم في حالاتٍ مزريةٍ، يرثى لها، وأسأل: لماذا تمّ تدمير كلّ جسور المدينة كاملة ؟ ولماذا لم يتم تصليحها حتى اليوم ، وهي عصب الحياة فيها؟ ومن الذي يقوم بتصليحها، يا حكومة العراق؟ هل تريدين من الأهالي القيام بتصليحها؟ إلى جانب الأضرار الكبيرة التي لحقت بالطرقات والشوارع والسكك الحديدية، وكلّ المرافق البلدية والخدمية، فهي ليست من مسؤولية المواطنين، يا حكومة العراق. مع قناعتنا بعوامل تدمير المدينة لعوامل ثأرية، وأسباب كيدية، وسحقها بهذا الشكل المأساوي، وإبقائها مسحوقةً على ما هي عليه. ،  ويقال ان  الاف الجثث  لم  تزل  تحت الانقاض  حتى الان !   

ونسأل :  هل ستبقى المدينة مدمّرة ومنسحقة؟ وإلى متى؟ ومن يقف وراء إيقاف إعادة إعمارها؟ وهل  ستبقى  ملحقات الموصل  وتوابعها  في  حالة  بؤس  شديد ؟  هل من أجوبة وافية من الحكومة في بغداد؟ وتساءل أحد المتضرّرين: إذا بقيت الحكومة تتجاهل الموقف، وبقيت تهمل كلّ الصيحات والنداءات، فلماذا يسموننا عراقيين؟ ألم يكتف أولئك وهؤلاء بتدميرنا حتى يحرمونا من الإعمار؟ واليوم، بالوقت الذي  يسعى  كل الخيّرين  من  الاهلين  لاعادة الحياة  الطبيعية  الى اصلاح بيوتهم  وبعض مرافقها الخاصة  ،  يجري في الموصل استعداء قوى شريرة مهيمنة على الوضع مع توزيع المنافع، وهي تعبث بحياة المدينة، وتستلب حتى الخرائب والأطلال، إذ تبيع المخلّفات بملايين الدولارات... وتخيم اليوم على المدينة عدة مراكز قوى فاسدة، تطاول كل شيء، وينبغي إيقافها بعد كلّ النزيف.

لقد ارتكبت سلسلة من الجنايات وترتكب بحق الموصل منذ سنوات، وتحت مرأى الحكومة المركزية ومسمعها، من دون إجراء أية تحقيقات، وكأن ما يحدث مخطّط له عن قصد مبيّت، ولم تزل الاستلابات مفضوحةً من أجل تغيير البنية الاجتماعية والديمغرافية، خصوصاً أن بغداد تتجاهل كلّ النداءات الصادرة من كلّ أهالي الموصل الذين يعانون كثيراً، ولا سبيل لخلاصهم من المشكلات التي يعيشونها... ناهيكم عن إبقاء الحال على حاله، والحؤول دون عودة الناس إلى بيوتها، مسلمين كانوا أو مسيحيين.

هنا  ، أوّد  التذكير  بما  حصل  بعيد  الحرب العالمية الثانية  في كل من المانيا  واليابان  ، فقد خصص لمدينة درسدن الألمانية التي دمّرتها تلك الحرب ، وخصوصاً الحريق الذي  أجهز عليها ليلة 13 فبراير/ شباط 1945، مشروع إعادة إعمار ضخم مصمّم، لتخرج إلى الحياة مدينة رائعة في فترة قياسية. وأعيد بناء مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، بعد ضربهما بقنابل ذرية نهاية الحرب الثانية. وبعد 1945، أعيد إعمارهما بسرعةٍ، بمساعدة من الحكومة الوطنية من خلال قانون بناء مدينة هيروشيما للسلام التذكاري الذي تم إقراره. وقدمت المساعدة المالية لإعادة الإعمار، إلى جانب الأراضي التي تمّ التبّرع بها، وكانت مملوكة من الحكومة الوطنية، وتستخدم لأغراض عسكرية لتقوم فيها متنزهات غنّاء.

عندما يعبر المرء نهر دجلة أولاً باتجاه المركز التاريخي للموصل القديمة، عبر الجسر القديم، وهو الوحيد الذي أتم البريطانيون إصلاحه في العام المنصرم – كما قيل  لي  -  ، يبدو وكأنه يسير على أرض من العصر الحجري، حيث الحطام في كلّ مكان: الجوامع المخربّة، والقلاع المتدلية، والقناطر والكنائس المهدّمة، والازقة المحطمة، والشوارع الترابية التي كانت قبل خمسين سنة تزهو بأسواقها وساحاتها ومقاهيها وسينماتها ومدارسها ومتنزهاتها وتظاهرات مناضليها الوطنيين. كم الحاجة ضرورية اليوم أن يعلن كل العراقيين الموصل "مدينة سلام"، كما أعلن البرلمان الياباني هيروشيما 1949.

وعليه، هل من مبادرة من حكام العراق ليهتموا بمدن العراق، وتحظى الموصل الجريحة بمزيد من الاهتمام الوطني والدولي، من خلال  مشروع  استراتيجي للأعمار  ،  باعتبارها موقعاً مهماً جداً لعقد مؤتمرات دولية عن التمّدن والتحضّر والقضايا الاجتماعية، وأن تستعيد خصوصياتها الاقتصادية وأدوارها الثقافية والحضارية، وأن  يعتنى  بأهلها  قاطبة ممن أصابهم  الاذى  ،  خصوصاً وأنها تنفض اليوم من خلال الجيل الجديد كلّ مآسي الماضي... هذا  ما  نريد  توضيحه للعالم . 

العربي  الجديد / لندن  

 http://sayyaraljamil.com

 

رموز وأشباح


بانوراما النهايات المفجعة

للمثقفين الحقيقيين في العراق


أ.د. سيّار الجميل


القى الاستاذ الدكتور سيار الجميل محاضرته الموسومة " بانوراما النهايات المفجعة للمثقفين الحقيقيين في العراق المعاصر " مساء الاربعاء 16 /1/ 2019 في جماعة بانيرا الثقافية بمدينة مسيساغا / كندا ، وهذا ملخص لها :

تقديم : العراق ونزيف المثقفين 
منذ اكثر من اربعين عاما وأنا اسمع بين الحين والاخر السمفونية الثانية للموسيقار النمساوي غوستاف مالر 1860-
Gustav Mahler 1911 والتي اسماها بيوم القيامة The Resurrection Symphony ، وكلما اسمعها توحي الي مقاطعها الهادئة والصاخبة عن جحيم يعيشه كل من تعب على نفسه في مجتمع لا يستوعب الانسان المثقف الحقيقي ، وهو يركض وراء المزيفين والاشباه والمداهنين للسلطة .. وما اندر البعض الذي يعارض ويعاند من اجل الحقيقة كي تتقدم الحياة ، وما اكثر الناس الذين ليس لهم الا الاستلاب ! 
على مدى اكثر من مائة سنة مضت ، افتقد العراق اناسا من خيرة نسوته ورجاله الذين تنطبق عليهم توصيفات علماء وفلاسفة كونهم من المبدعين والمثقفين الحقيقيين الذين دفعوا الاثمان الباهضة من حياتهم او تشردهم او راحتهم او ابداعاتهم وحلت بهم الفجائع ، بل وانتهوا نهايات تراجيدية او محزنة .. ويكاد يكون العراق هو البلد الوحيد في منطقتنا ، قتل فيه الالاف المؤلفة من البشر ، وامتهنت على امتداد عهوده السيئة كرامة الانسان ، اذ تيبسّت ارادته ، وامتهنت كرامته ، واستلبت ابداعاته ، واسيئ الى سمعته .. ولا اعتقد ان الدولة بكل انظمتها السياسية كانت السبب وراء ذلك ، بقدر ما ساهم المجتمع نفسه في صنع التناقضات ، ففي كل عهد سياسي يحرق المجتمع كل اوراقه من اجل مصالح ومنافع ومناصب وارتباطات خفية .. وهو يعبر عن انعدام انسجامه بين شرائحه وطبقاته او بين فئاته وجهوياته كونه ورث تاريخا مثقلا بالترسبات العقيمة التي لم تجد لها اية حلول عبر مائة سنة مضت .. ولعل اسهل طريقة للخلاص من اية ازمة او اية معاناة للمثقف هي الهروب من الميدان ليس للخلاص بحياته ، وانما لكي يجد البيئة المناسبة التي تحتضنه وتوفر له الحياة والحرية .. وهو يواجه نهايته بعد عذاب من الاغتراب النفسي والثقافي والوطني . وعليه ، فهو لا يتخلص من نهايات محزنة وهو بعيد عن وطنه الذي يعشقه بطريقته واسلوبه .. وكما قلت في احدى محاضراتي في لندن ببريطانيا قبل اشهر بأن العراق طارد لابنائه وجاذب للاخرين على امتداد حياته ..

محن المثقفين العراقيين الاوائل ونهاياتهم 
دعونا نتساءل من خلال امثلة ونماذج محددة عن اناس رحلوا عن الحياة ، وهم في بؤس شديد لا يستحقونه وكانوا من ابرز المثقفين الحقيقيين في الدواخل .. نسأل عن نهاية الشاعر معروف الرصافي (1875 - 1945 م) وقد مات كئيبا مريضا لوحده في غرفته الحقيرة بالاعظمية ، ونسأل عن جميل صدقي الزهاوي 1863 - 1936 الشاعر الفيلسوف - كما اسماه المصريون - وقد مات مكروها بسبب الحاده ، ولم يخرج في جنازته حتى ابن اخيه الشيخ امجد الزهاوي لبغضه له !! نسأل عن الشاعر توفيق حسين اغوان الذي مات مجنونا وعاش سنواته الاخيرة في اسوأ الاحوال ! نسأل عن فَهْمي المُدَرّس (1873 - 1944 م) وقد مات كمدا بسبب فشل مشروع فيصل الاول في تأسيس اول جامعة اسمها آل البيت ، وكم كان صراع رجال الدين العراقيين ضد اي جامعة مدنية يؤسسها العلمانيون !! ونسأل عن محنة أحمد الصافي النجفي (1897 - 1977) عاش متشردا فقيرا ببيروت يعطف عليه اللبنانيون ، وقد اخترقته رصاصة قناص ابان الحرب الاهليه هناك ، ثم نقل الى بغداد كفيفا ومات اثر جراحة وهو في اسوأ الحالات ! ونسأل عن مصيبة بدر شاكر السياب (1926 - 1964) بعد ان تدهورت صحته ، وثقلت حركته وضمر جسمه وتوفي بالكويت وحيدا ، بعد ان عدّه العرب رائدا للشعر الحر ! ونهاية الفنان جواد سليم (1921 - 1961)، اذ توفي أثر نوبة قلبية جراء تعبه في نصب الحرية ، ودفن في مقبرة الخيزران !! ونسأل عن الشاعر حسين مردان ( 1927- 1972 ) وكان شاعراً متمرداً صعلوكاً متشرداً عبثياً وجودياً ، غادر الحياة معذبا .. ونسأل عن شاغل الدنيا بزمنه يونس بحري 1900- 1979 ، اذ عاد الى وطنه ، فجاع في نهايات عمره ووجدوه مرميا على الرصيف وتوفى في المستشفى ! ومات الشاعر عبد الامير الحصيري بعد أن اشتهر بشيخ صعاليك بغداد عاش ومات شريدا ولد في النجف 1942، ورحلَ 1978 . ونسأل عن الفنان سليم البصري (حجي راضي) الذي اسعد الناس لسنوات طوال ، وهو من مواليد 1926، وقد انزوى مهموما في آخر سني حياته ومات 1997 ولم يشيعه أحد الا الفنان حمودي الحارثي الذي روى ذلك لي ! ومات الفنان المبدع رضا علي 1929 - 2005 مهموما متحسرا وهو يعاني من بصره !
ومات كل من المبدعين العراقيين من دون ان يعتني بهم احد : رضا الشاطئ ومجيب حسون وسليمة مراد واحمد الخليل ومحمد عبد المحسن وراسم الجميلي وعفيفة اسكندر ونجيب يونس وراكان دبدوب وعبد الحق فاضل واكرم فاضل وعباس جميل ومدني صالح وغيرهم كثير ممن لا يحصى عددهم ..

نماذج من مشروعات قتل وتعذيب لا تحصى 
ونسأل : لماذا اغتيل توفيق الخالدي ؟ ولماذا انتحر عبد المحسن السعدون ( او بالاحرى قتل ) ؟ ولماذا أعدم المحامي عبد الله فائق ؟ لماذا قتل الوزير المثقف رستم حيدر 1889 – 1940 توفي متأثراً بجراحه في 22 كانون الثاني 1940. وكان لبنانيا ؟ ونسأل : لماذا قتل الدكتور المصري حسن سيف ابو السعود استاذ القانون في كلية الحقوق بغداد وقتله طالبه العراقي ؟؟ ولماذا قتل المثقف الشيوعي كامل قزانجي خريج الجامعة الامريكية ببيروت ؟ ولماذا شتق المثقف القومي يونس السبعاوي مع العقداء الاربعة اذ كان احد قادة حركة رشيد عالي 1941 ؟ لماذا قتل وسحل هاشم عبد السلام 1959 ؟ ولماذا قتل القاضي امجد المفتي في 1959 ؟ لماذا عذب عبد الجبار وهبي وجماعته وماتوا جميعا تحت العذاب ؟ ونحن نعرف ان باسل الكبيسي (1934 - 1973) قتله الموساد ، وكان احد مؤسسي (حركة القوميين العرب) ! ولكن لماذا عذب الدكتور عبد الرحمن البزاز عذابا شديدا في قصر النهاية وكان استاذ قانون وله ثقافته العالية ، ومات وهو في اسوأ الاحوال ؟ لماذا عذب اللواء الركن عبد العزيز العقيلي عذابا شديدا وكان من ابرز مثقفي الجيش العراقي ومات بعد ان ضمر ضمورا بشعا ؟ لماذا عّذب زكي عبد الوهاب وكان احد مثقفي العراق عذابا شديدا ثم اعدم ؟ وقد عذب معه شقيقه المثقف عطا عبد الوهاب وقد نجا الاخير بحياته بعد 13 سنة في قصر النهاية ؟ لماذا اغتيل الدكتور ناصر الحاني 1917- 1968 ؟ لماذا أذيب المحامي والاديب عبد القادر العبيدي بالتيزاب 1968 ؟ لماذا قتلت السيدة جاهدة زوجة الوزير شكري صالح زكي ؟؟ لماذا قتل المؤرخ والمثقف عبد الله سلوم السامرائي بعد التعذيب ؟ لماذا اعدم الفنان صباح السهل ظلما وعدوانا ؟ هل يستحق السيد محمد باقر الصدر واخته نور الهدى الاعدام بالرصاص بعد التعذيب ودفنهما سرا ؟؟ وأسأل ايضا : لماذا اعتقل الكاتب المعروف عزيز السيد جاسم عام 1991 ، واختفى عن الانظار بعد ان غيب في سجن ابي غريب طويلا ؟ واخيرا ، لماذا قتلت الاستاذة المثقفة حياة شراره غدرا مع ابنتها في بيتها ببغداد ؟ وقتلت الفنانة التشكيلية ليلى العطار 1944- 1993 ، اذ رسمت جورج بوش الأب على أرضية فندق الرشيد ، وقد قتلت بغارة جوية استهدفت حياتها . وثمة قصص اخرى للنهايات من خلال القتل والتعذيب حتى الموت .

القتل بالسم ( الثاليوم ) :
لماذا دس السم للفنان ناظم الغزالي 1963 ولم يحقق في موته الغامض ؟ أسأل ايضا : لماذا مات الشاعر شاذل طاقة مسموما كما تبين من وضوح الادلة الجنائية ؟ لماذا قتل الشاعر شفيق الكمالي 1929 – 1984 ومات مسموما بحقنة بعد تعذيبه تعذيبا شديدا على مدى 3 اشهر ؟ ومن الطريف انه قتل وكل العراقيين ينشدون النشيد الوطني الذي كتبه ! يا لمهزلة القدر ! وأسأل : لماذا دس السم للشاعر عبد المحسن عقراوي ، اذ مات بعد ان اعتقل 6 اشهر للتحقيق في قصيدة نظمها معارضا فيها قصيدة سعاد الصباح وهي تتغزل بصدام حسين .. كما اعتقل بمعيته الاستاذ المثقف حسن العمري الذي ردد القصيدة وماتا ميتة غامضة بعد 6 اشهر من اعتقالهما ؟؟

موت المثقفين العراقيين اغترابا 
مات الشاعر الكبير عبد المحسن الكاظمي 1871 - 1935م بعد أن هجر العراق بسبب الضنك النفسي ، وتوفي في مصر وحيدا ! ومات شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري 1899- 1997 في دمشق بعيدا عن دجلة الخير بعد ان عاش مغتربا !! وماتت الشاعرة نازك الملائكة 1923 - 2007، وكانت كئيبة مريضة على فراشها بمصر ، وكانت تتغنى بالعراق !! ومات الشاعر بلند الحيدري 1926 – 1996 معتلا مغتربا في مستشفى بنيويورك. . ومات الشاعر سيف الدين ولائي كاتب اغنيات 1915 - 1984 توفي في دمشق 1984 ودفن في مقبرة الغرباء وهو يردد : ارجعوني الى العراق !! ومات الشاعر عبد الوهاب البياتي 1926 - 1999 بعد أن اقام في عمان الأردن ثم غادرها إلى دمشق واقام فيها متصوفا بتأثير اغترابه حتى وفاته !! ومات القاص غازي العبادي في موسكو مغتربا ولا يعرف عنه شيئ ! . وقتلت الدبلوماسية المثقفة بلقيس الراوي 1939-1981 زوجة الشاعر نزار قباني ، اذ قُتلت في تفجير السفارة العراقية ببيروت ورثاها نزار بقصيدة محزنة !! ومات الشاعر سركون بولص 1944 – 2007 بعد ان صارع مرض السرطان، توفي في برلين مغتربا !! ومات الكاتب الشارد أمير الدراجي كمدا بعد ان عاش مقهورا عبرت عنها كتاباته الفلسفية ! ومات الشاعر جان دمو ( أو : ديوجين ) 1942- 2003 في لحظة ملتبسة مات جان دمّو في استراليا ، حاملاً معه أسماله وشتائمه وتمرده. حينها أعلن عربيا رحيل آخر صعاليك الشعر العراقي. ورحل بدري حسون فريد 1927 - 17 نوفمبر 2017 معدما عاش في المغرب عاد إلى العراق ودخل في غيبوبه نتيجه لجلطه دماغيه عام2017 .. ورحل كل من رموز الاغتراب العراقي : شعراء وصحفيون اعلاميون واكاديميون ودبلوماسيون ورجال فكر وقانون مهما كانت توجهاتهم السياسية والفكرية : 
اذ مات المؤرخ عبد العزيز الدوري 1919- 2010 في عمّان مغتربا لسنوات طوال ، ومثله الاستاذ فاضل الجمالي الذي مات في الغربة متحسّرا ، وكان من ابرز المثقفين العراقيين . ومات المؤرخ مجيد خدوري 1907 – 2007 مغتربا ، اذ توفي في منشأة للرعاية في قرية بوتوماك الواقعة في ولاية ماريلاند. بالولايات المتحدة الامريكية .. ومات الاستاذ علي الوردي 1913 – 1995 في الاردن وهو في حسرة وكآبة مضنية ، وايضا عزيز سباهي وعبد الجبار عبد الله وعبد الكريم زيدان ومحمد محمود الصواف وغيرهم كثير .. . 
ومات عدد كبير من المثقفين والمبدعين العراقيين اغترابا ، ومنهم : د. جلال الخياط 1932 – 2004 مات في لندن وهو في عزلته . والموسيقار جميل بشير 1921 – 1977 توفي في في لندن.بعد ان حاربته وزارة الثقافة ، وهو من اروع رجال الموسيقى في العراق . ورحل الصديق الموسيقار فريد الله ويردي 1923 – 2007 بعد ان حورب حربا شعواء ، فترك العراق وكان من اشهر الموسيقيين في العالم مات مغتربا ، ومات الفنان فؤاد سالم 1945- 2013 وهو مطرب وشاعر مناضل طورد طوال حياته وعاش مشردا وخائفا ومات كمدا في دمشق .. وماتت المعمارية العالمية زها حديد 1950 – 2016 ، في ميامي باميركا ، وهي لم تلق اي اهتمام من كل الحكومات العراقية قاطبة حتى رحيلها المبكر ! أما الشاعر المناضل مظفر النواب ، فقد وجد مأواه في دمشق دون بغداد التي طاردته ردحا طويلا من الزمن بعد خطفه وهروبه .. 
ومات عدد كبير من المبدعين الشعراء والفنانين والعلماء الاكاديميين العراقيين في العالم غرباء : الفنان جاسم الخياط والفنان خليل شوقي و الاديب ذنون أيوب والفنان عوني كرومي ود. يوسف عز الدين ود. بهنام ابو الصوف والفنانة زينب واحمد النعمان و د. محمد رشيد الفيل و د. سانحة امين زكي وزهير الدجيلي و د. ابراهيم الداقوقي ود. فالح عبد الجبار والفنانة سحر طه واخر العنقود علي الشوك وغيرهم كثير في الغربة بلا القاب رحمهم الله

وأخيرا : المفقودون والمعدومون 
في آخر المحاضرة ، وبعد ان جئت بنماذج واسماء كأمثلة من ركام كبير نحن بحاجة الى دراسته ومعالجة كل جوانبه .. أطرح جملة من الاسئلة الصعبة موجها المسؤولية لكل من الدولة والمجتمع معا ، فما ذكرته في اعلاه هو اقل بكثير من الذين ذهبوا ورحلوا مع معاناتهم وعذاباتهم وكبتهم وكمدهم ومآسيهم من دون اي رعاية من قبل المجتمع ، وان العراقيين يتشبثون ببعض الاسماء دون غيرها ، او انهم يحصرون الثقافة العراقية كلها في اسم واحد فقط ، وان جحودا كبيرا يبرز 
واضحا بحق ابرز المثقفين والمبدعين ، وان العراقيين لم يتحمّل احدهم الاخر جراء عوامل منها معروفة ومنها خفية .. وان الدولة لم تكّرم مثقفيها ومبدعيها ولم تشجع الشباب منهم ، ولم تقّدر الكبار فيهم .. وأسأل :أيضا : لماذا اعدم اكثر من 130 رجل دين في عهد سياسي واحد ، واسماؤهم موجودة بشكل كامل ؟ لماذا بلغ عدد المفقودات العراقيات 2274 إمرأة مفقودة في عهد سياسي معين ؟ لماذا قتل المئات من المثقفين والمبدعين العراقيين سواء كانوا من الاساتذة الاكاديميين والاطباء والضباط والطيارين والصحفيين والاعلاميين والكتاب والمثقفين والفنانين اثر 2003 .. ولما تزل النكبات تتوالى ؟ لماذا الثارات راسخة ؟ لماذا التشمّت والتشفّي يعلن عن نفسه بلا اية نوازع اخلاقية ؟ وكان آخر الاسئلة : لماذا كان القتل مشروعا ؟ لماذا المعاملة البربرية المتوحشة والتعذيب والقساوة ؟ لماذا يتبهدل المثقف الحقيقي في حياته ومماته معا ؟ متى يتوقف نزيف الهجرة الداخلية والخارجية للمثقفين والمتخصصين ؟ وما الذي يمكن فعله للاجيال العراقية القادمة من اجل تغيير الذهنية السائدة ؟ ومن اجل محو الترسبّات التاريخية القاتلة ، ومن أجل فتح صفحة تاريخية جديدة من العلاقات الانسانية بين العراقيين انفسهم .. انني مقتنع تماما ان تاريخا كهذا لا يمكن استمراره ابدا ، ولا يمكن ان نزرع الفرح في النفوس ، الا بعد معرفة العراقيين التمييز بين الحياة والموت .. على المجتمع كله الخروج من اثوابه القديمة ومن عباءاته واغطيته الثقيلة ليكون متسامحا قنوعا منفتحا ، وان يترجم محبته لوطنه بمحبة اهله ورسم طريق الحياة لا الموت من اجل بناء مستقبل يختلف عن الماضي .. . 
تنشر بتاريخ 18 كانون الثاني / يناير 2019 على موقع الدكتور سيار الجميل 
http://sayyaraljamil.com
حضر المحاضرة كل من الاساتذة الافاضل : الدكتور كامل كمونة والاستاذ المحامي عماد العزاوي والاستاذ المهندس طالب مطلك والدكتور عبد الحميد البياتي والاستاذ قيس الاطرقجي والاستاذ عماد شريف والاستاذ صائب السامرائي ..

في جماعة بانيرا الثقافية / كندا

 

رموز وأشباح 

نوستالجيا العراقيين

اسئلة عن تاريخ الجيش

العراقي بين أمجاده وخطاياه


أ.د. سيّار الجَميل

مقدمة 
تمر اليوم في 6 كانون الثاني / يناير الذكرى 98 لتأسيس الجيش العراقي ، فهو من اقدم الجيوش العربية عندما تأسس عام 1921 ببغداد على ايدي نخبة لامعة من القادة والضباط العراقيين العثمانيين سابقا والذين شارك اغلبهم في قواطع استراتيجية ابان الحرب العالمية الاولى وعمليات الثورة العربية الكبرى عام 1916 ضد حكومة الاتحاديين في الدولة العثمانية .. وقد عاش ذلك " الجيش " حتى سقوط العراق بأيدي الاميركان عام 2003 ، فتشتت وتبعثر وسرقت عدته ، وقام الحاكم الاميركي بول بريمر بحلّ الجيش العراقي في اسوأ قرار اتخذه ضد العراق والعراقيين .. 
وكنت قبل اكثر من 13 سنة قد نشرت بعض الملاحظات النقدية عن تاريخ الجيش العراقي الذي نعتز به جميعا وبعراقته وادواره الوطنية ، فكان ان خرج علينا احدهم وهو ضابط متقاعد احترمه واعتز به ، فكتب ردّا عاطفيا معتبرا الجيش العراقي له قدسيته ، ولا يمكن المساس به . واليوم ، اجد تمجيدا لا تقويما ، وانفعالا من اجل التقديس لا استفادة من تاريخ منظومة بقدر ما كانت لها بطولاتها وامجادها في ساحات الوغى ، فقد كانت لها اخطاءها وخطاياها .. وقبل ثلاث سنوات نشرت ايضا عن الجيش العراقي نشرت في جريدة المدى ، بغداد 19 كانون الثاني / يناير 2016 .

المؤسسة المستلبة 
اعتقد أن أغلب العراقيين الوطنيين لا ينكرون ابدا شجاعة جيشنا السابق وبطولاته التي يعترف بها العدو قبل الصديق ، بل ان اسرائيل كانت تخشى كثيرا من الجيش العراقي ، لكن علينا ان نعترف بأن ذلك " الجيش " ساهم بارتكاب خطايا كبرى في تاريخ العراق الحديث ، اذ كان الى جانب ابطال الجيش العراقي ثلة حمقى ومرضى ومجانين ومستهترين وسفهاء واغبياء ومغامرين وطائشين وطارئين ومسيّسين الى جانب الاذكياء والنظاميين ، كما ضمت الثكنات الى جانب المخلصين والوطنيين والمحترفين الحقيقيين، عشرات الخونة والمأجورين والسفهاء المارقين .. 
واذا كان العراقيون اليوم يمجدّون الجيش العراقي السابق، فلأنهم وجدوا انفسهم مؤخرا ازاء جماعات وعصابات وميليشيات منفلتة عديمة الولاء للوطن وعديمة الاخلاق في التعامل ، كما ان شعبنا بحاجة الى جيش وطني حقيقي يحميهم من قوى ومنظمّات وتدخلات وطفيليّات وتحزبّات متعصّبة وطائفيّة .. لا ينفع للجيش ان يكون صاحب عقيدة عسكرية فقط ، بل هو بحاجة ماسة الى ان يكون صاحب اخلاقيات ومبادئ والتزامات وتقاليد وطنية وله امانته واستقلاليته ، وانتفاء طائفيته ،وانعدام خياناته ، وعدم تدخله في السياسة أبدا .
كان تأسيسه قويا على ايدي رجال مهنيين محترفين اقوياء لهم تجاربهم ومعارفهم ووطنيتهم واخلاقياتهم العالية ، وكان " العسكر " في العراق قد جمع كلّ الطيف الاجتماعي المتنّوع في ثكنة واحدة ، ووحّدهم علم واحد ، ونسّقت اصطفافاتهم ساحة عرضات واحدة ، وكان الوطن عقيدتهم ضمن نظام واحد في ظل العرش .. وكان العراقيون يحتفلون كلّ عام بذكرى تأسيسه يوم 6 كانون الثاني / يناير 1921 ، في عطلة رسمية لكل البلاد ، ولكنه جيش شهد تاريخه مختلف البدائل بين الكوارث والمحن والانتصارات والانكسارات .. بين الرفعة والسمو الى التفاهة والانحدار .. انها مؤسسة عراقية قديمة كانت لها تقاليدها ومهنيتها ونظمها ومساقاتها البريطانية ، ولكنها استلبت شيئا فشيئا ، فتكثر خطاياها القاتلة .

المنجزات والمثالب 
كان جيشا منظما قويا جراء قوّة مؤسّسيه الكبار الاوائل ، ولكنه ضمّ عشرات بل مئات الفاشلين الذين لم تقبلهم الجامعات في الاجيال اللاحقة ، او دخل البعض اليه جهويا بواسطة فلان او علان وكانوا لا يصلحون اصلا كمعلمين فاشلين في الابتدائيات ، وبقدر ما حقّق الجيش العراقي من انتصارات للعراق برا وجوا وبحرا ووقف الى جانبه في المحن والكوارث والفيضانات وادواره في فلسطين وقوته الجوية في مصر .. الخ ، فقد نكّل بالعراقيين وخذلهم وتدخّل في شؤونهم الداخلية ، كما وتدّخل في السياسة والقضاء والامن الداخلي من خلال المحاكم العرفية وفرض منع التجوال والمحاولات الانقلابية الناجحة والفاشلة واستهان بالشرطة العراقية .. فضلا عن دوره في الصراعات السياسية ومحكمة الشعب وتمرد الاشقياء ودور بعض الضباط الذين خانوا الامانة واخلوا بالقسم واليمين الذي أدّوه .
وبدل ان يحمي حدود البلاد في ازمنة عصيبة ، فقد ادخل خشمه في قضايا سياسيّة داخليّة هو في غنى عنها ، وبدل ان يتخلّق كلّ ابنائه بالأخلاقيّات العالية ، فقد ساءت اخلاق بعض ابنائه كثيرا وخصوصا من الضبّاط الذين تجعلهم الرتب على اكتافهم يتفوّقون بصلافتهم وعنجهيتهم وبذاءتهم على المدنيين من البشر ، وتكالب البعض من اجل السلطة ونخر الجيش التحزّب السياسي حتّى نجح في سحق البلاد سحقا ، وشهد العراق موجات من الاعدامات للعسكريين بدءا باغتيال العسكر العراقي لمؤسسه العظيم جعفر العسكري في حركة انقلاب بكر صدقي 1936 ، ثم مقتل بكر صدقي على ايدي العسكريين بعد اشهر ، ثم حركة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الاربعة عام 1941 .. وفشلها وهروبهم ثم القبض عليهم وتسليمهم من قبل الانكليز ليعدموا .. اخر المسلسل الذي يثير التساؤلات لاينتظر الاجابات من عقلاء .. فالحقيقة يقرّها العقلاء من كبار القادة العراقيين .

نوستالجيا العراقيين وعواطفهم اكبر من منطق الاحداث المأساوية
انني اعتقد ان نوستالجيا العراقيين للعسكر وللبنية العسكريّة هي مجرّد احساس عاطفي يأتي في زمن فرغ العراق خلاله من القوّة والاخلاق ومن النظام الوطني اليوم ، ومن السطوة التي كان يفرضها العسكر العراقي على الحياة وقت ذاك ، وخصوصا بانتظار الناس اذاعته البيان رقم (1) الذين تعوّدوا على سماعه، او في بيانات القيادة العامة لمجريات الحرب مع ايران التي لها اطماعها وتنفيذ مشروعها في تصدير مبادئها والثأر من العراق واهله . العراقيون كعادتهم لا يقبلون الاعتراف بحقائق التاريخ ، ولم يزل حنينهم لأيام سوداء اساء بعض قادة الجيش وضبّاطه التصرّف فيها برعونتهم ، وما فعلوه بالعراق الذي حولوه في مجزرة دامية الى " دولة خاكيّة " كما خطب هستيريا احد مؤسسي الجمهورية الخالدة ! 
امضيت خدمتي الالزامية والاحتياط اكثر من سنتين من حياتي جندّيا في الجيش العراقي بعد اكمالي الجامعة بالعراق، وعليه ، فانا احد ابناء هذه المؤسّسة واعرفها بالرغم من تقديس العراقيين وعشقهم لها اليوم كونهم يعتبرونها الوحيدة التي تحميهم من جحيم ما حدث لاحقا ، لكنهم لم يلتفتوا قليلا الى الوراء ليتأملوا خطاياها على مدى حياة كل جيل من اجيالهم ، وما فعله القادة العسكر ببلادهم وقد خانوا الامانة ، وانها مؤسسة اعتزت بها الدولة وكل مؤسساتها وتفاخرت برجالها ، ودللّتهم ، ولكنهم خانوا الامانة وسحقوا البلاد بمن فيها سواء بسلسلة الانقلابات العسكرية التي قامت بها ، او بخيانات البعض ، او بمؤامرات البعض ، او عمالات اخرين ، او محاكمات آخرين ، او اعدامات آخرين .. ؟؟؟؟ مؤسسة تضيع حقوق المرء فيها بين بائس تأكله الحرب او تأسره او تعوّقه .. وبين متشدّق يعلن اليوم بوقاحة انه لم يخدم في الجيش ابدا !

تساؤلات مثيرة 
أسأل : هل من اجابات عاقلة على اسئلة اطرحها على العراقيين : من قتلَ مؤّسس الجيش العراقي عام 1936 ؟ الم يقتله جيشه ؟ ولماذا ادخل الجيش انفه في السياسة ليقوم بأوّل انقلاب عسكري عربي في العراق عام 1936 ؟ ولماذا استخدم الجيش دوما لحسم مشكلات سياسيّة ، وتظاهرات شعبيّة ، وتمرّدات عشائرية ؟ لماذا رفض الفرات الاوسط قانون الخدمة الالزامية ؟ لماذا استخدم الجيش قوتة المتغطرسة في داخل العراق ؟ لماذا يقتل جعفر العسكري ويهرب ياسين الهاشمي ؟ ولماذا تأشكل الجيش قبيل 1941 ؟ وشكّل حكومة الدفاع الوطني واشعل الحرب ضد بريطانيا بتعاونه مع المحور وهتلر والنازية ، ويعدم العقداء الاربعة ؟ ولماذا تعلن الطوارئ ليمارس الجيش السلطة في الشوارع ؟ ما دوره القوي في حرب فلسطين 1948 ؟ ما تأثير بعض ضباطه في بلاد عربية اخرى مثل جمال جميل في اليمن وحركته الانقلابية هناك واعدامه ؟ ومن هم الضبّاط الاحرار ؟ وما طبيعة اتصالاتهم الخفيّة ؟ ولماذا قاموا بقلب نظام الحكم عام 1958 ونالوا من زعيمهم نوري السعيد بتقطيعه اربا اربا بعد سحله في الشوارع ؟ لماذا يقتل الضباط الاحرار الملك فيصل الثاني وتباد عائلته ؟ بأي حق يحاكم الضباط الصغار قادتهم الكبار في محكمة عسكرية ( عليا ) خاصة يترأسها العقيد فاضل عباس المهداوي ؟ ومن احدث التمرّد في الموصل بقيادة عبد الوهاب الشواف عام 1959؟ وما دور الرئيس عبد الناصر مع ضباط عراقيين قبل 14 تموز او من بعدها ؟ ولماذا انقسم الجيش العراقي بصنوفه كافة بين قوميين وشيوعيين ؟ وكيف تم اذلال الضباط ؟ وكيف يقوم الضباط بإعدام زملائهم في ساحة ام الطبول ؟ وماذا حدث للجيش في كركوك ومآسيها ؟ من قام باعدام الطبقجلي ورهطه من الضباط العراقيين المتمردين ؟ ومن قام بانقلاب 8 شباط/ فبراير 1963 ؟ وماذا فعل الضباط البعثيون بزملائهم وخصومهم الاخرين وعلى رأسهم عبد الكريم قاسم والمهداوي ؟ من بصق بوجه الزعيم قاسم وهو معدوم على شاشة التلفزيون وقد قتل شر قتلة ؟ الم يكن جنديا في هذا الجيش ؟ وماذا فعل البعثيون بالضباط الشيوعيين؟ ومن الذي منح العقيد الركن عبد السلام عارف رتبة "مشير ركن " ونصبه رئيسا بلا اية انتخابات وهو برتبة عقيد ركن ؟ من قام بحركة حسن سريع وهو نائب عريف شيوعي ومعه عصبة من العرفاء والجنود ؟ من قام بحركة 18 تشرين الثاني / نوفمبر 1963 ؟ وما دور الجيش وضباطه ؟ ولماذا سمى عبد السلام عارف نفسه بابي الثورات الثلاث ؟ من وزع الوزارات والمناصب العليا على الضباط العسكريين ؟ لماذا استأثر العسكر بحكم العراق ؟ من قام بحركة عارف عبد الرزاق الاولى والثانية وبمؤامرة دبرها جهاز المخابرات المصرية ؟ اليس هو الجيش ؟ من اقصى عبد الرحمن البزاز عن ترشيحه رئيسا للجمهورية .. اليس ضباط الجيش وعلى رأسهم سعيد صليبي ؟ من قام بحركتي 17 – 30 تموز/ يوليو 1968 ؟ الم يساهم الجيش بتآمرات ضباطه وخياناتهم واعتلاء احمد حسن البكر رئيسا بلا اية انتخابات ؟ من اجلس المئات من القادة والضباط الشرفاء في بيوتهم وصبغ الجيش بالصبغة الحزبية ؟ من نكّل بمن ؟ من منح صدام حسين رتبة "مهيب ركن" وهي اعلى رتبة متخيلة ، والرجل لم يخدم يوما واحدا خدمته الالزامية ؟ من اعدم جملة من الضباط العسكريين بتهم الخيانة العظمى والتجسس والتآمر امثال عبد العزيز العقيلي وغيره ؟ من منح حسين كامل وعلي حسن المجيد وغيرهما رتبا عليا في الجيش كالفريق اول ركن من دون اي استحقاق ؟؟

المشاركة في الحروب 
نعم ، لقد شارك الجيش العراقي بشمم واباء في حرب 1948 ، وحرب 1967 ، وحرب 1973 ضد الكيان الصهيوني ، ثم امضى ثماني سنوات عجاف استمرت حرب العراق ضد ايران وتوسعاتها .. وكم اكلت تلك الحرب من بشر ومن خيرات العراق كي يدفع بموجة ما سمي من قبل الايرانيين بـ " تصدير الثورة " ؟ وكم صنعت من بطولات ؟ وكم فجعت من عوائل ؟؟ اذا اعتبرت تلك الحرب ضرورة تاريخية لدى العراقيين الذي فقدوا الالاف المؤلفة من ابنائهم ؟ فهل من عراقيين اليوم يفسرون لي ما حل بقيمتها الوطنية والتاريخية بعد سقوط النظام السابق وتمزّق الجيش شرّ ممزّق ؟ وأسأل : كيف تعامل بعض ضباط الجيش العراقي مع الكرد في حرب داخلية قاسية جدا استمرت في كل العهود الجمهورية ؟ واسأل : من الذي غزا الكويت عام 1990 وجنرالات العراق لم تعلم ؟ وما الذي فعله ذلك الجيش هناك على مدى ستّة اشهر قاتلة ؟ وماذا حصل لذلك الجيش عام 1991 ؟ والعراق تسحق بنيته التحتيّة ل43 يوما بالطائرات الاميركيّة ؟ من قام بتهريب طائرات العراق الى ايران في اغبى عمليّة استراتيجية لم تحدث ابدا من قبل ؟ ما ذنب الالاف المؤلفة من الضباط والجنود العراقيين يسحقون وهم ينسحبون من الكويت تحت النيران الاميركية ؟ ومن قال بانتفاء التمييز في الجيش .. كنت بنفسي ارى كيف يعامل الصابئى والمسيحي واليزيدي والتركماني وغيرهم من قبل المراتب الاجلاف !

الكارثة والفجيعة ونهاية المؤسسة 
واتمنّى على من يخالفني الان ان يسأل نفسه : كم من الشرفاء العسكريين العراقيين قالوا : لا وانتهوا نهايات بائسة ؟ كم من القادة العسكريين الكبار قد اعدموا بعد ان عذبوا في قصر النهاية ؟ في عهود مضت كانت ميليشيات رسمية كالمقاومة الشعبية او الحرس القومي او الجيش الشعبي تمتلك القوة والنفوذ بحيث اهانت افراد من الجيش العراقي في عهود جمهورية متعددة ! كم اهدرت اموال وثروات على التسلح والعتاد والتصنيع العسكري بلا فائدة ؟ سنوات طوال والتمييز قائم في العراق بين الجيش النظامي والحرس الجمهوري والحرس الخاص والطوارئ وغيرها من التشكيلات .. وعندما اقتربت 2003 ينصّب اناس لا حرفية لهم قادة على الشمال والوسط والجنوب ، ليتمزّق الجيش العراقي شذر مذر ، وتسرق عدّته ، ويبعثر بالكامل ، وتهرب فيالق كاملة ، ولم تنفع نصائح واراء اسداها البعض من الضباط والقادة الكبار كما حدثني بها لاحقا بعضهم لاحقا .. اذ لا يمكن ابدا ان يقحم الجيش في معركة خاسرة بلا غطاء جوي لينسحق العراق انسحاقا ؟؟ لقد جنى الجيش العراقي ليس على نفسه وحدها ، بل على العراق واوصله الى هذا المصير .. فهل وعى كل العراقيين الدرس اليوم ؟ انني اشك في ذلك ! أتمنى مخلصا ان يتعلم كل العراقيين من تجارب الماضي ودروسه من اجل بناء مستقبل جديد وضاء لمنظومة عسكرية تحكمها التقاليد والمعرفة والهيبة والاحتراف من خلال عقيدة وطنية .

نشرت يوم 6 كانون الثاني / يناير 2019 على موقع الدكتور سيار الجميل 

الحلقة 15


http://sayyaraljamil.com
انتظروا الحلقة القادمة

 

تهافت اندلاع

حرب جديدة في 2019

 

أ.د. سيّار الجميل

 

لا أدري كيفَ يجازف "بعضهم" بنشر توقّعات خطيرة، وهو تنقصه المعرفة التاريخية، كما لا يراقب أيّة إحداثيات يومية في العالم، ناهيكم عن ضيق أفقه، ومحدودية رؤيته، وانطلاقه دوما من زاويةٍ محدّدة قبع فيها منذ عشرات السنين (!). جاءنا يسعى اليوم مع إطلالة 2019، ليبشّر بالحرب في مِنطقتنا التي يصفها أنها "تقف على حافّة الهاوية"، من دون أن يدرك أن دولنا الحالية جميعاً هي في الهاوية، ولا قدرةَ لها على الحرب، إلّا إذا قادَ الآخرون حروبهم على أراضيها. من يبشّر باندلاعِ حرب هو بلا عينين، وقد خفي عنه حجم الحروب المستعرة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية في أكثر من مكان.  الحرب، إذا اعتقد بعضهم، مجرّد نزهة يستدعيها مزاجه متى يريد، أو أنه يخيف بها أحداً، فهو واهم حقاً. أما توصيفه أنها ستكون طائفية بغلاف "قومي عربي لسحق أجنحة إيران" فذلك منتهى البلادة السياسية، إذ لم تعد هناك أية نزعة قومية عربية اليوم، حتى في أروقة جامعة الدول العربية، بل بات طرف خارجي، أميركا تحديدا، لا يريد البتة أن يخسر أبناءه وراء البحار، ما دامت مصالحه يصنعها الآخرون له بمنتهى الوضاعة. وقد أثبتت تجارب الرئيسين، بوش الأب والابن، للشعب الأميركي خطل سياسات عهديهما. وعليه، فإنّ لأميركا وسائل أخرى اليوم لفرض هيمنتها، وتحديد مخاطر المجالات الحيوية في العالم لمصالحها.

من قال إن الوهابية باتت واهنةً، وأنها تنازع لتموت في السعودية قريباً؟ ومن يؤكد أن الدولة السعودية ستخرج بثوبٍ عصري جديد مع تحالفات جديدة واهم.. هل قرأ هؤلاء تاريخ السعوديين منذ جذوره؟ إنه تاريخ تشكّل مع الحركة الوهابية، باعتبارها عقيدةً مذهبيةً، بتزاوجها السياسي مع السعوديين، فقطارهم لا يمكنه أن يمشي على سكّةٍ من مخدّة واحدة، فهو يمشي، منذ ولادته، على سكتين اثنتين، العرش والمذهب، فليسَ هناك سعودية قديمة وأخرى جديدة، فهي لا تستطع التخلّي عن الوهابية أوّلاً، وهيَ لا تمتلك مؤهلات الحداثة السياسية ثانياً، كون نظام الحكم فيها لا يؤمن بالتجارب الحديثة في العالم، وهي غير مؤهلة لاتباع ذلك أبداً ثالثاً.

وعليه، لا يمكن التعويل إلا من الساذجين على هذا الشاب الذي تبوأ ولاية العهد، كي يصفهُ بعضهم "البلدوزر"، وأنه سيقوم بعصرنة مملكته، مهما كلّف الأمر. لا يمكن لأيّ غبيٍّ أن يقتنع بأن أميركا تناضل من أجل عقد قرانٍ من خلال تحالفاتٍ مصيريةٍ ومستقبلية مع دولةٍ مثل السعودية، حتى لو كان التحالف بقيادة أميركية، فأميركا ترامب غير أميركا روزفلت، ولا يمكن لأميركا أن تفتح جبهة حربٍ هذه الأيام ضدّ إيران أو غيرها، وتجربة السعودية بدت واضحة في اليمن، فهل للسعودية وحلفائها في الإقليم القدرة على مواجهة إيران؟

الفوضى تضرب أطنابها في دولنا ومجتمعاتنا كافة. وليست زاحفةً إلى منطقتنا كما يتغنّى بعضهم.. الحربُ قاسيةٌ جداً على كلّ المجتمع اليمني، فليس سقوط صاروخ على الرياض أو نجران يغيّر من المعادلة شيئاً، فللحرب في اليمن جذور قديمة في بلادٍ جغرافيتها مقفلة ومجتمعها مغلق.. أما تشدّق بعضهم باسم التوقعات الاستراتيجية، وتبشيرهم باندلاع حرب، وهو لا يعرف قراءة طبيعة العلاقات الدولية، ولا أوضاع المجتمعات، فاشتعال حربٍ لا يحصل بمثل هذه السهولة، وخصوصاً بين دولٍ تمتلك قوة الطاقة في العالم. نجحت إسرائيل مثلاً في إشعال الفوضى، ومدّها في كلّ مكانٍ عربيٍّ حيوي يهدّدها، بدل أن تخوض حروباً بنفسها ضدّ العرب.

طرح بعضهم توقّعاته البائسة، وقال إن الخطر سينتقل، خلال أسابيع، إلى المرحلة الثانية لرسم ملامح خرائط جديدة. وهذا لم يحصل، وسوف لن يحصل في هذه المرحلة.. وقد بدت جميع تلك التوقعّات خاطئة، فليس هناك أية تحالفات حقيقية سياسية، ولا عسكرية، مع المعسكر الأميركي، وليس هناك أي تحالف مضاد له، بمشاركة روسيا أو عدمها.

أسدى السياسي الفرنسي، جان مونيه، نصيحة ثمينة في قوله إن عليك لحلّ أيّة مشكلة مستعصيّة تغيير السياق... ولا يمكن حل مشكلات الشرق الأوسط المستعصية أبدا من دون تغيير السياقات فيها... ابحثوا عن الذين يقفون حائلا دون تغيير المساقات في كلّ من العراق وسورية مثلاّ، وستجدون أن ثمّة إرادة دولية، وأخرى إقليمية، لإبقاء السياقات على حالها، لإكمال مهمّة التدمير الممنهج وإبقاء الفوضى.

هل تغيرت الأوضاع والرؤية اليوم كي تتغير السياقات في العام 2019؟ ما نجده على الأرض يعكس حقائق مخيفة، فإن كان العراق مفكّكاً ومسحوقاً ومنهوباً، وهو دمية بأيد إيرانية، فإنّ سورية محتقنة جداً، لتمزقها الاجتماعي، واختراق روسيا وإيران لها، مع وجود تركي، وهيمنة إسرائيلية على مجالها الجوي. أما الصراع في اليمن فهو حربٌ أهليةٌ داخلية، باستحقاق واضح، عبرت عنها أشكال وعناصر متباينة، وغدت أرض اليمن مجالا لتصفية حسابات إقليمية. لم يبدأ الصراع في مارس/ آذار 2015، بل في سبتمبر/ أيلول 2014، عندما تم تقويض الحكومة الشرعية التي دعمها المجتمع الدولي، إلى جانب اليمنيين أنفسهم. الأمم المتحدة هي السلطة الوحيدة الموثوقة لعقد الحل المتفاوض عليه للنزاع في اليمن. أما الوضع في ليبيا فهو القابل للإصلاح، أكثر من أيّ بلد آخر في الشرق الأوسط. ويبقى  العراق  وحده مرشحّا  لمتغيرات  صعبة  في العام  2019  ، نظرا  لحراجة  موقفه  الاقليمي  والدولي  ، وفقدانه المشروعية  ناهيكم عن  موقعه الجيوستراتيجي  في الشرق الاوسط .  

لقد صدم العالم، عندما سار قرابة المليون إنسان من سوريين وعراقيين في العامين 2014 و2015 إلى أوروبا، بعبورهم المتوسط، وامتدوا نحو البلقان، وصولاً إلى شمال أوروبا وكندا. وفي انتظارهم تدهور الأوضاع المعيشية والمشكلات الصعبة في الخارج... وطال الزمن ثماني سنوات، وباتت الضرورة ماسّة لخطاب أمني عالمي، ينذر بكارثة قادمة في الشرق الأوسط، وهو قلب العالم إذا بقيت أوضاعه تنتقل من سيئ إلى أسوأ. وقد أثبتت التجارب المرّة أن حكومات بلدانه سيئة جداً، وغير قادرةٍ على وضع حدّ للانهيارات المقبلة، مقارنة بالحكومات التي جاءت إبان التسعينيات لدول المنظومة الاشتراكية سابقاً، ونجحت في إيجاد حلول جذرية للمشكلات الصعبة فيها.

(العربي الجديد) لندن

  http://sayyaraljamil.com

 

 

العراق في نقطة الصفر

سيار الجميل

 

 

يبدو واضحاً أنّ رئيس الوزراء العراقي الجديد، عادل عبد المهدي (76 عاماً) يمتلك شخصية ملتبسة، ورؤيته السياسية محدودة جداً، وهو لا يقوى على اتخاذ قراراتٍ ضروريةٍ في ظرفٍ عصيبٍ يمرّ به العراق منذ سنوات، ولم يقو حتى الآن على تشكيل حكومة عراقية متكاملة لتسيير شؤون البلاد التي تعجّ بالمشكلاتِ الصعبة التي لا أوّل لها ولا آخر. كانت تجربته السياسية مخيّبة للآمال، فقد شغلَ منصب وزير النفط في حكومة سلفه بين 2014- 2016، ولم يكن ذكياً، ولا ملهماً ولا حريصاً، ما سمح لوزارته أن تصبح مجرّد إقطاعية خاصة لأتباع حزبه المجلس الأعلى الإسلامي، فضلاً عن فشله، فاستقال من منصبه ذاك.. ناهيكم عن تأييده إيران، وهو ملتبس في سيرته التي تزدحم بالتقلبات الحزبية والتناقضات الأيديولوجية، وعلى الرغم من أنه ضدّ العقوبات الأميركية الجديدة على إيران، الّا أنّ إدارته للحكومة تبدو فاشلة، إذ لم تصدر عنها حتى الآن أيّة قرارات جوهرية تطاول حياة الناس، وتعالج مآسيهم، ولم يصدر عنه ما يعبّر عن أيّ تعاطفٍ مع المدن المدمّرة وحالات العراق الصعبة. 

 

قبل 1500 عام، قال لاو تسو، الفيلسوف الصيني الأسطوري: "إذا لم تغيّر الاتجاه، فقد ينتهي بكَ الأمرُ إلى البقاء صفراً في مكانك". وينطبق ذلك على العراق اليوم، إذ كان العراقيون يأملون بتغيير الاتجاه، فاذا بهم يراوحون في نقطة الصفر مع تفاقم التحدّيات. كان أغلب الناس يأملون الخروج من عنق الزجاجة التي أدخلهم نوري المالكي فيها ثماني سنوات (2006- 2014)، ولحقتها أربع سنوات، فشل خلالها حيدر العبادي (2014- 2018) في إدارته وعدم قدرته على حلّ الأزمات الصعبة، فجاء هذا الجديد إثر تكليفه بالمسؤولية منذ 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، وها قد مضى أكثر من شهرين، ولم يكتمل تشكيل الحكومة بعد. 


ليست المشكلة في تشكيل "وزارة"، وإنما: هل ستغدو الحكومة الضعيفة دمية بيد تماسيح النظام الايراني، كالتي كانت على عهد المالكي؟ هل ستكون مثلها في توجهها الطائفي؟ هل ستكون سبباً باتباعها سياسة حمقاء، ليكون العراق ساحة حرب أهليّة متدنّية المستوى؟ هل ستكون نزقة تجاه المدن المدمّرة والمناطق الساخنة؟ وإذا كان قد سمح للمالكي للبقاء في السلطة مرتين، فشكّل بذلك كارثتين مدمّرتين، بجعلهِ العراق معبراً إيرانياً نحو سورية، لتعزيز النظام السياسي فيها، فهل سيتكرّر المشهد مع عبد المهدي اليوم، ولكن بصيغةٍ أخرى؟ وإذا كان نوري المالكي لصّاً متسللاً، سرقَ ثروات العراق وبدّدها، وتفاقم الفساد على عهده بشكلٍ فظيع.. فهل لعبد المهدي القدرة على كبح جماح الفساد الذي نخرَ العراق نخراً على عهد أعقب احتلال 2003؟ ولما تكررت الأخطاء على عهد حيدر العبادي أيضاً، ولم تتمّ أية تغييرات جذرية وأساسيّة، كالتي طالبَ الناس بإجرائها، وحجته كانت استئصال "داعش" واستعادة قوّة الحياة. لكن هيمنت المليشيات المرتبطة بإيران، وغدت مراكز قوى فرضت سيطرتها على النظام الحاكم أولاً، ودمّرت المدن القديمة في الموصل والأنبار وجعلها مجرد أنقاض، وقد قتل رجالها وتشتّت النساء والأطفال في بانوراما النازحين الأليم..
وعلى الرغم من أنّ عبد المهدي صرّح شيئاً، ووعد خيراً في تشكيل حكومة تكنوقراط ذكيّة ومستقلة، ومعالجة خطايا القوى الشريرة العميقة، إلا أنه كسلفهِ، بدت أفعاله مخالفة لأقواله.. وبدت النتيجة النهائية مفضوحة في مواقفهِ البليدة من تشكيل حكومةٍ تجمع تقريباً من التوابع المؤيدة لإيران، وهم بيادق لأحزابهم السياسية، لا أثقال وطنية لهم، وبدا خاضعاً لتلك القوى المهيمنة. عدم قدرة عبد المهدي على الوفاء بتعهّده قبل الانتخابات كشف ضعفه وخوره، وهشاشته السياسية، والتي يمكن أن تستغلها طهران بسرعة. وبالفعل، فإن مرشحه لوزارة الداخلية القويّة هو فالح الفياض الذي كان يدير مليشيات قوات الحشد الشعبي، المدعومة من إيران التي تصرّ على ترشيحه لهذا الموقع، الأمر الذي سيجعل العراق مكشوفاً بأمنه وحدوده ومدنه وعاصمته أمام إيران. والانقسام السياسي اليوم بين المعارض لهذا الرجل، مقتدى الصدر وحلفائه، وبين نوري المالكي وحلفائه المؤيدين لإيران في فرض هذا الفياض، صراع بين إرادة عراقيّة وهيمنة إيرانيّة. يثير إصرار إيران على تولّي الفياض هذا الموقع الخطير ليس الشبهات فحسب، بل يعدّ فضيحة لجعل العراق ساحةً إيرانية كي تعبث به كما تشاء، وهو سيناريو لا يبشر بالمستقبل الموعود. 

وعليه، العراق مقبلٌ على تشنجّ طائفي مقيت، ومزيد من تفشّي الفساد والاضطراب الاقتصادي والركود السياسي، مع عبث مليشيات وعصابات إيرانية مباشرة، وأن يغدو العراق من ممتلكات الملالي الإيرانيين، وربما تجددّت الحرب الأهلية فيه. عبث إيران بالعراق ومقدّراته هو استمرار لهيمنتها على المنطقة، فالعراق الآن يعدّ رابع أكبر منتج للنفط في العالم، حيث يبلغ إنتاجه أكثر من 4.78 ملايين برميل يومياً، ويتوّقع أن يرتفع إلى 7.5 ملايين برميل بحلول 2024، لكن الفساد الذي استشرى بعد كارثة خطيرة يتحمّل مسؤوليتها الزعماء السياسيون المتعاقبون منذ 2006 وسوء إدارتهم وفشل إمكاناتهم وانعدام وطنيتهم، ترك البلاد خراباً مع تبعثر ثروتها النفطية الضخمة. ولا يزال انقطاع التيار الكهربائي، وتداعي البنية التحتية وسوء الرعاية الصحية، ودمار شبكات الصرف الصحي مع نقص المياه، في حين تجد تحويل الدولارات البترولية، وهي تأخذ طريقها إلى حسابات البنوك الأجنبية مع انسحاق العراقيين، وتحكّم الطفيليين في العملية السياسية بمصائرهم.
يتساءل العراقيون: ما موقف الولايات المتحدة مما يحصل في فرض إيران هيمنتها على العراق؟ عليها أن تقدم إجابة ثابتة لتدّخل ايران في العراق.. أيضا، كيف يمكنها تطبيق عقوبات صارمة على إيران، والأخيرة توظف الحكومة العراقية باعتبار العراق حديقة خلفية لها؟ ثمّة أصوات عراقية وأميركية تنادي اليوم بأن على الولايات المتحدة أن توقف فوراً، كمسألةٍ ملحّة، تدخّل النظام الإيراني في العراق، والذي غدا الأولوية المتقدمة للنظام الإيراني.. أقول: العراق لا يمكنه أبداً التحّرك صوب المستقبل، إلا إن كان مستقلاً بسيادته وتوظيف موارده الهائلة وإخراجه من هذا المأزق، وتلبية رغبة أغلب أبناء شعبه في استقلالية القرار العراقي عن إيران. على العراقيين كلهم إن كانوا وطنيين حقاً الوقوف ضد ترشيح فالح الفياض، واختيار عراقي وطني له استقلاليته وخبرته وإخلاصه لشغل هذا المنصب الحيوي.

 

كاتب وباحث عراقي

 

في مفهوم الدولة العميقة

سيّار الجميل

 

مصطلحٌ جديد لا تصادفه في موسوعات العلوم السياسية سابقا، بدأ توظيفه أخيرا، وقد فسّره المؤرخ الأميركي، كريك كراندن، على أفضل ما يكون بوجود حكومة خفيّة تآمرية عميقة في أحشاء الدولة، تمثلها مراكز قوى، أو سلطة دينية، أو اجتماعية مخفيّة عن الأعين، تعمل ضدّ المصالح الوطنية، لتكبح تطور الدولة دوما، وتقيدها وتسلب مواردها بشتى الوسائل، فتعرقل نمو المجتمع، والمشكلة أنه ليست هناك أيّة قدرة لمؤسسات الدولة الراسخة، يمكنها إيقاف الشرور العميقة وتحجيم دورها، أو حتى التقليل من أثرها في دول قوية وكبيرة، فكيفَ الحال إن كانت المؤسسات عاجزةً في دولة فاشلة. ويقال، من خلال الفكر المقارن، إن توصيف الدولة العميقة اليوم هو مضاد للدولة الفاضلة التي حلم بها الفلاسفة الأوائل منذ عصر الإغريق. 
الكتابات عن "الدولة العميقة" ذكيّة وجريئة وغامرة واستقصائية، وأغلب أصحابها من اليسا الجديد في انتمائهم الذي لا يقبل الدسائس والمؤامرات والارتباطات المشبوهة للنيوليبرالية، والقوى الخفيّة المقنّعة التي تكون وراء كلّ الاضطهادات التي تتعرّض لها الشعوب المقهورة وسرقتها، كما أنّ الحالة العميقة لا يعيشها الّا الأشرار الذين ليس لهم الّا البطش والاستلاب والتآمر والتغلغل تحت مسمّيات لامعة. ما عانت منه بعض مجتمعاتنا العربية عند بدايات القرن الحادي والعشرين، وخصوصاً عندما سلبت منها ثوراتها، ونكّل بأبنائها أولاً، وسحقت إرادة شعوبها ثانيا، وأوطانها ثالثاً، وتبعثرت خيراتها ومواردها رابعاً، كما دمرّت مدنها وبنيياتها التحتية والفوقية خامساً، هذا الذي عانته بعض مجتمعاتنا العربية وقع من خلال حالات عميقة بأدوات قذرة.. ونسجت قوى شريرة أهدافها نسيجًا شاسعًا في التفسير الاجتماعي لتدمير بلداننا، وجعلها تقع في مجال عمل سلالات شريرة. وكان العراقُ في مقدمتها. 
يجد المؤرخ أن نماذجَ تاريخية عدّة قد وجدت في الدولة العميقة، إذ يقال إنّ سلطة الرب هي 

بمثابة دولة داخل دولة، ذلك أنّ رجال الدين، مثلاً، كانوا أصحاب دولة، وقد تكون قوتهم أكبر من قوة الملك نفسه، بل كان البابا نفسه يتوجهم على عروشهم. ونابليون بونابرت عندما توّج نفسه إمبراطوراً عام 1804، كأنه أزاح الدولة العميقة من إمبراطويته الأوروبية، وكلّ من أسهم في تأسيس الحكم الدنيوي كأنه أزاح عن طريقهِ قوّة دينيّة من طريقهِ، وتحرّرت دولته من قهر القوى الخفية. وأنّ التسّرب من الحالة العميقة يخلّص البلاد والعباد معاً من الدولة العميقة. وعليه، فإنّ لأية قوى خفية (أو معلنة) ممتلكاتها الخاصة، ونفوذها السياسي، ومليشياتها المسلحة، ومنظومتها الخاصة، وسلطتها الإعلامية، وتأثيرها الاجتماعي على الناس داخل الدولة، وتآمرها السياسي القوي، وتدخلاتها السافرة باستخدام أساليبها وقوّتها في الدولة باسم الدولة، لتحقيق طموحاتها وأهدافها الخاصة، تعدّ هذه حالة عميقة في الدولة العميقة، ويصعب جدّاً قهر أيّة حالة عميقة الّا بتغيير جذري للنظام السياسي. 
لقد استخدم هذا "التعبير" (أو التوصيف) أخيرا في العراق مجرّدا، إذ جاء ذكره في المنهاج الوزاري الجديد، فضلاّ عن توظيفهِ أوّل مرّة في الثقافة السياسيّة العربية. ولكن من دون التوّغل في معانيهِ، على الرغم من صدى مفهومه المفعم بعلامات الاستفهام. وعليه، يمكن القول إنّ العراقَ ولبنان، بشكلٍ خاص، دليلان على ذلك، وعلى الرغم من مؤسسّات الدولة فيهما، الهشّة، وربما تصل الدولة في العراق إلى الأسفل، إذ عدّها العالم دولةً فاشلة، ولم تعد دولةً حديثة، وهي أيضاً مدانةٌ من شعبها، اذ تزدحم فيها مراكز القوى المؤثّرة على صناع القرار، ناهيكم عن دور رجال الدين الذين يتدّخلون في تحديد مصائر البلاد والعباد. 
وعليه، لا تلبّي الحالة العميقة التي يعيشها العراق أبداً طموح النخبة، ولا مطالب الجماهير. ولكن حتى إن تمّ إدراك الجماهير مخاطر ما يجري، فانّ هوسهم الديني، أو عواطفهم الطائفية، تجعلهم أسرى واقعهم، وهم مكبلّون بقيود المشاعر العميقة، وليس باستطاعتهم أن يفعلوا شيئاً، وحتى النخب، فهي تخاف قوّة السلطة السرّية التي تمارسها المليشيات والعصابات العسكرية  

والجماعات البيروقراطية والطفيلية المرتبطة بمراكز الأحزاب والقوى السياسية، وهي تكبر وتتغلغل في كلّ المفاصل، وتغدو منظومة متكاملة تجمع كلّ الطبقة السياسيّة، وكلّ من يلتحق بالديناصورات الكبار الذين لا يقف أمامهم أيّ جدار أو أيّة موانع، فهم لهم القدرة على خنق الدولة، وسرقة أموالها العامة، والعبث بأمنها القومي، والبطش بالأحرار وسحق كلّ صوت يعارضها، إذ إنها تمتلك سلطة سرّية تمارسها عصاباتها باسم الدولة، ولها تأثيرها المخيف على المؤسسّات، وخصوصاً التشريعية والقضائية، بل وأعتقد أن الحكومة نفسها تخشى سطوة الحالة العميقة وبطشها، اذ تبقى مرتبطة بمؤسسّاتها السرية، وهذا ما كان في حكومتي حيدر العبادي الراحلة، وعادل عبد المهدي الحالية. ولدت المنظومة العميقة الفاسدة في العراق منذ عهد الاحتلال 2003، وتطورّت على عهد المالكي، ولم يزل يقف على رأسها من دون أن يزحزحه أحد، ولم يزل يُلقي بتصريحاته وكأنه الحاكم بأمره. 
ويذهب كرايك كراندن إلى أن المصطلح يعني طبقة سرية ربما نكون سلالية، إذ يرث الابن أباه، للاستحواذ حتى على الأمن والاستخبارات، وتشكيل "مجتمع مخابراتي" لتفعيل دور "حكومة غير مرئية"، لاستخدام الباربولتيكس و"السياسة العميقة" لها ميزانيتها الخفية. وعليه، تساءلت برلمانية عراقية، قبل أيام، عن حقيقة وجود ميزانية خفية غير مرئية ضمن الميزانية العامة للعام 2018 ! علماً أنّ تمويل الدولة العميقة لا تُعرف مصادره، على الرغم من التفاصيل. وكلنا يتذكّر أن "إيران – كونترا" حدثت بالفعل. وكما ثبت ذلك عند الجميع بعقد صفقة فاسدة، فالمؤامرات موجودة بالفعل في دواخل السياسات، سواء في النظرية القانونية أو في السياسة: "ووترغيت"، "إيران – كونترا"، فضيحة الادخار والقروض في الثمانينيات/ التسعينيات، "وصفتها وزارة العدل بأنها" ألف مؤامرة. من الاحتيال والسرقة والرشوة، وهي "أعظم جريمة مالية في التاريخ" الذي نعرفه، وما خفيَ كانَ أعظم.



 

استيزار حكومة عراقية جديدة

سيّار الجميل

 

الوزير، في قاموس بلاكويل للعلوم السياسية، هو "الرئيس السياسي لإدارة مؤسّسة حكومية كبرى هي الوزارة". وهناك وزراء أعلى لصنع القرارات، ووزراء أدنى لإدارة الوزارات، بأساليبٍ سليمةٍ وذكيةٍ ونزيهة، ضمنَ هيئةٍ دعيت في بريطانيا بالمجلس (Cabinet) التي يدعوها العراقيون اليوم بـ "الكابينة"، واتّخذ "المصطلح" في الولايات المتحدة الأميركية مفهوم الإداري أكثر منه سياسياً، ليُسمّى الوزير سكرتيراً، ويجتمع أقلّ عدد من الوزراء في أكبر دولةٍ، في حين يكثر عدد الوزراء في دولٍ هشّةٍ وضعيفة وفاشلة. 
الدولةَ الضعيفة، أو التي اصطلح عليها أخيراً بالدولة الفاشلة، والتي تنطبق عليها أوضاعالعراق الحالي، هي بأمسّ الحاجة إلى رجال أقوياء ووزراء حكماء ومسؤولين نزهاء وأصحاب كفاءات وضمائر وطنية حيّة لادارتها، ولهم القدرة على صنعِ القرارات النافذة، وإعادة بناء ركائزها من جديد على أسسٍ قويّةٍ بالاعتمادِ على قوى فاعلةٍ ونخب ذكية من المستشارين والمختصّين في مجتمعٍ هو بأمسّ الحاجة إلى المؤسسّات الإدارية النشيطة كي يستعيد عافيته وقوته. 
كلّ هذا وذاك هو ما يحتاجه العراق وشعبه اليوم، وبعد مرور قرابة 16 سنة على الاحتلال

 الأميركي له، وتغييرهم نظامه السياسي السابق، والتحوّل من "الدكتاتورية إلى الديمقراطية". ولمّا لم يمرّ العراق بطورٍ انتقالي حقيقي من العدالة الانتقالية، وما حاقَ به من التناقضات، وما جرّت عليهِ التدخلات الأجنبية السافرة.. فضلاً عن نمو طبقةٍ طفيليةٍ غير سياسيّة، وغير كفوءة، استحوذت على مقاليد الحياة في العراق، وقادت البلاد من سيئ إلى أسوأ، من خلال ممارسات طائفية وتمايزيّة وانقساميّة تحتَ مسميّات التوافقية، فانّ نتائجَ كارثية حاقت بالبلاد، ولم تستطع حكوماتٌ متعاقبة معالجة الأوضاع وإيقاف الفساد المستشري، والنهب المنظم للمال العام، وسوء الإدارة، وانتشار الفوضى بانعدام الأمن، حتى بات الناس ينتظرون الخلاص من كلّ حكومة جديدة. 
بعد رحيل وزارة حيدر العبادي، ووصول عادل عبد المهدي إلى رئاسة الحكومة، أمل العراقيون أن تتشكّل وزارة نافذة، أو حكومة قويّة، تكون لها القدرة على تحقيق الحدّ الأدنى من التغيير والإصلاح وإتاحة فرص الحياة، وكنتُ آمل في الرجل الإصرار على أن يكون بعيداً عن محاصصات الأحزاب والكتل والقوى المستحوذة على العراق بقضّه وقضيضه، فإمّا يفرض إرادته القوّية أو يُعفى من المهمّة، لكنهُ مضى في تشكيلِ وزارته. وقد سمعتُ منهاجه الحكومي الذي قدّمه، وكأنه يتقدّم لحكم دولةٍ مزدهرةٍ لا مشكلات فيها، ولا كأنّها تغوصُ في أشدّ المعضلات.. وعلى الرغم من إعلانه تلقّي ترشيحات من يرغب بالمناصب الوزارية بواسطة الإنترنت، إلّا أنّ هذه الخطوة وجدتها مدعاةً لسباقٍ محمومٍ من كلّ طلاب المناصب الوزارية. وقد سمعنا أنّ آلافا منهم قد أرسلوا سيرهم الذاتية، وفي أغلبها معلوماتٌ كاذبةٌ وغير دقيقة، فضلاً عن أنّ الترشيحات باتت على أفواه الجميع، اذ أصبحَ الاستيزار سوقاً رائجة للعراقيين، فتجد الأحزاب والكتل، وحتى العصابات، تفرض أسماء منها، وتجد هناكَ من يَسعى إلى المناصب من خلال القرابة والنسابة، أو من خلال شرائها بملايين الدولارات، وطرح بعض الكتّاب السذّج في مقالاتٍ كتبوها ترشيحَهم أصدقاء لهم هذا يمجّد ذاك، وآخر يمدح تلك، في عملية كاريكاتيرية هزلية مضحكة، وكأن الاستيزار مزاد علني لكلّ من هبّ ودبّ في مجتمعٍ أكله التخلّف والتوحّش وصراع الأضداد. 
وصلت التعقيدات في عملية الاستيزار في العراق إلى حالة مرعبة، بحيث ضاعت فيها المقاييس ضياعاً حقيقياً، وسط سعيٍ محموم لطلاب السلطة والجاه والمال على حساب ذوي المكانة الوزارية الحقيقية، وبقيت العمليّة خاضعةً للمحاصصات والمزايدات والمناقصات والبيع والشراء والابتزاز من قوى طفيلية داخلية، ومن ذوي التحكّم الخارجي، وضياع الركائز الحقيقية في استقلالية الرئيس، باختيار وزرائهِ الذين يمكن أن يطمئن ضميره وأخلاقه على قدرتهم في إدارة الحكم وإدارة مؤسساتهم، وما يتصفون به من نزاهةٍ وقدراتٍ وطنية في العمل وصنع القرارات. 
برزت مشكلة تشكيل الوزارة العراقية الجديدة في جلسة البرلمان، حيث قّدّم عادل عبد المهدي  

قائمة من الوزراء، وطلب باستيزارهم، فقبل البرلمان جماعة منهم، وتحفّظ على آخرين، علماً أنّ أغلب النواب العراقيين لاحقتهم الاتهامات بصعودهم من دون وجه حق، جرّاء التزويرات والصفقات، كما اعترف بها رئيس الحكومة السابق، حيدر العبادي، ورهط من المسؤولين، فضلاً عن فضائح المكالمات الهاتفية التي أثبتت للعالم كله حجم الزيف في برلمانٍ مزوّر، يجلس اليوم أعضاؤه نواباً مخادعين، يمثلون شعباً ضحكوا عليه طويلاً. وعليه، فإن شرعية البرلمان العراقي الدستورية مزوّرة أصلاً، ولا يمكنه أن يوافق على أيّة وزارة، إذ سيُطعَن بها وبشرعيتها الدستورية. 
عودة إلى من استوزرهم عبد المهدي، ليكونوا وزراء معه في إدارة العراق وحكمه، للقول له: لقد قضيتَ عمراً طويلاً في السياسة، ألم تتعلّم شيئاً عن خبرات العراقيين في هذا العالم؟ أليس لديك من مراقبتك سنواتٍ طوالا أيّة معرفة بكفاءات بعض العراقيين وقدراتهم ونزاهتهم واستقلاليتهم وأدوارهم، مهما كانت انتماءاتهم الدينيّة والمذهبيّة والجهويّة والعرقيّة والثقافيّة والسياسيّة؟ لماذا استسلمت لتغوّل القوى المتوّحشة التي كانت ولم تزل تفرض هيمنتها وقوّتها على العراقيين في الداخل والخارج؟ ما الذي جعلك تقبل ترشيح محسوبين ومنسوبين لهذا أو ذاك؟ هل عرفت ما القرابة وما تأثيرها في الوصول إلى السلطة والمناصب لنحر العراق؟ كيف قبلت باستيزار صبيّةٍ لم يمض على تخرّجها إلا بضع سنوات، وهي لا تجربة لديها كي تجعلها وزيرة للعدل؟ وهكذا بالنسبة إلى وزاراتٍ أخرى، كالتخطيط والثقافة والتربية.. إلخ، ومؤسسات حساسة أخرى، مثل أمانة العاصمة، ومحاسب البنك المركزي، ورئيس أركان الجيش.. إلخ. 
بدت عمليّة الاستيزار الجديدة للعراقيين والعالم أول خطوة فاشلة لرئيس وزراء جديد، وقصّة هزليّة مخجلة ومضحكة، يتداولها الناس منذ أيام في وسائط التواصل الاجتماعي، وعلى شاشات الفضائيات، وهم يعلنون عن سخطهم غير المتناهي.. حتى من الذين كانوا يؤيّدون العملية السياسيّة برمّتها، كون عادل عبد المهدي يقف اليوم وحده في الميدان، وسط تياراتٍ عاصفة لا ترحم، فالكلّ يريد أن يبتزّه أو يطيحه، كي يحظوا بسدّة الحكم بدلا منه. وعليه، إن لم تمتلك الحكومة الجديدة، من خلال أعضائها، مواصفات ذكرها المقال، فإنّ أربع سنوات مقبلة ستكونعجافاً، لا سمح الله.

(العربي الجديد)

 

العروبة الجديدة

سيار الجميل

 

حركة نهضوية عربية جديدة تنبثق في زمنٍ صعب جداً بعد العام 2009، تشابه، إلى حدٍ كبير، تلك الحركة العروبية النهضوية الأولى التي انبثقت قبل قرن، في العام 1909.. فاذا كانت "القومية العربية" قد عاشت مائة سنة 1909 - 2009، وصادفت شتى التحديّات، وارتكبت تحت اسمها جملة أخطاء كبرى، فانحرفت عن منطلقاتها النهضوية المستنيرة، لتغدو أيديولوجيا تتناهبها الأحزاب السياسية والتيارات الأيديولوجية والشوفينيات المتصادمة، فكانت أن أجهزت على "العروبة"، فأخفقت في تحقيق الأهداف النبيلة التي رسمتها وأعلنتها وبوسائل فاشلة، كأن يتم التغنّي بها رومانسياً، أو تتصارع سلطوياً، أو يتلاعب بأمرها ضباط انقلابات عسكرية، أو تتراشق بها جماعات حزبية، فابتعدت عن منطلقاتها النهضوية الأولى، بعدما حقّقت القطيعة التاريخية بين العرب النهضويين والاتحاديين العثمانيين مع نهايات الحرب الأولى، فالنهضة العربية قد استمرت، ولكن الظاهرة القومية قد أخفقت. 
ولكن سرعان ما انتقلت عدوى الشوفينيات والأساليب الفاشية والأفكار النازية إليها من أوروبا، فكان أن استعارت، بل وسرقت جملة هائلة من "الشعارات" التي لم تكن تلائم الواقع العربي وضرورات مجتمعاتنا وحقائق أوضاعنا، بل ولم تحقق الأهداف الكبرى والمثالية التي نادت بها، وانتكست انتكاساتٍ مريرة بهزائمها أمام إسرائيل وغير إسرائيل، وخصوصاً بعدما هيمنت عليها قوى الاستبداد وزعامات الطغيان وترييف الفكرة القومية.. وأخيرا الإسلام السياسي بأشكاله العنيفة. 
كتبت في مقال لي في "روز اليوسف" المصرية، يوم 25 إبريل/ نيسان 2009، إنه كان من المحتم أن تنهزم القومية العربية، ثقافة وإيديولوجية، كونها عبرت عن مصالح قوى حزبية، أو سلطات انقلابية، وحكومات عسكرية لا تعّبر عن أمنيات مجتمع، وتنمية فكر، واستنارة  

عقل! وعلينا أن نعلم بأن "نزعة العروبة" قد استلبتها "الظاهرة القومية"، وتحدّثت باسمها لزمن طويل! اليوم، كثيرا ما تشتم العروبة ظلماً وعدواناً، بسبب كراهية الموجات القديمة والجديدة القومية العربية والفكر القومي العربي. ولم يزل القوميون حتى يومنا هذا يدافعون دفاعاً مستميتاً عن تاريخهم، إزاء استثناء ثلة منهم، راجعوا أنفسهم، فوجدوا أن مجتمعاتنا عاشت مخدوعةً خديعة كبرى بفعل الوازع القومي الذي لا وجود له في مجتمعاتٍ لم تكن تعرف إلا ما يجمعها (عروبياً). ولكن مع وجود خصوصياتٍ يختص بها كلّ مجتمع عن الآخر، من المضحكات القومية أن تغدو كلّ هزائمها بطولات عظيمة. 
كم هي الضرورة ملحّة هذا اليوم كي ندرك حاجتنا إلى مشروع  نهضوي عربي كهذا بعد مئة سنة من زوال الإيديولوجيات وممثليها عن الساحة من زعماء طغاة ومستبدين ومنظرين لأحزابٍ قوميةٍ أساءت كثيراً لتاريخنا ومجتمعاتنا؟ ما أحوج مجتمعاتنا وثقافتنا العربية إلى من ينقذها من العوارض والقوارض التي طرأت في حياتها وظواهرها القاتلة المتمثلّة بانقساماتٍ وصراعاتٍ وحروبٍ باردة وساخنة، وتدّخلاتٍ أجنبية، وشعوبيات، وطوائفيات، وحروب ارتزاق، وسحق مدن، وتمزق مجتمعات.. إلخ. 
ثمّة مرتكزاتٌ للعروبة الجديدة، أجدها معايير أخلاقية وقيماً فكرية، وربما تغدو مبادئ أساسية لمشروعٍ عربي نهضوي قادم، إن نجحَ المؤسسون بعقد مؤتمر تأسيسي بعنوان "العروبة الجديدة.. مشروع نهضوي".. تتبلور العروبة الجديدة اليوم بأساليب حضارية متمدنة لحركة نهضوية بعيداً عن الأدلجة السياسيّة، ويتصدّر مشهدها وريادتها المفكر العربي عزمي بشارة الذي لخّص فكر "العروبة الجديدة"، ورسم ملامح مشروعها بعقلانية ومهارة في حواره القيم الذي صدر في كتاب عنوانه "في نفي المنفى"، بتحرير صقر أبو فخر (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017)، وأيضا في ثنايا أدبياته وخطاباته منذ عشر سنوات مضت. وأدناه جملة من المعايير الأخلاقية والقيم الفكرية للعروبة الجديدة، كما أوضحها بشارة: 
أولا، الديمقراطية حلا لقضية الاستبداد، ولا مكان لطغيان السلطة باسم العروبة القائمة على العصبية. 
ثانيا، الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة، وتعدّد الهويات في مجال الأمة من خلال الحداثة والتمدّن. 
ثالثا، العروبة هي ثقافة وذاكرة تاريخية وانتماء متجاوز للطوائف والقبائل والعشيرة، ولا يمكنها أن تستند إلى الدم، أو تقوم على أساس الجنس والشوفينية. 
رابعا، الدين لا يمكن قمعه، فهو حق مشروع لمعتقدات الجماعات المتنوعة داخل الأمة، وأن  

العروبة الجديدة، في الوقت نفسه، ليست ديناً أو عقيدةً مقدسة أو ديماغوجيا فاشية كما وصفت القومية العربية، إنها انصهارٌ مع الوطن واحترام للمواطن وتعزيز حقوقه وواجباته، لا تقديساً للفكرة أيديولوجياً، أو تسييس الدين أو عبادة السلطة. 
خامسا، اعتماد مفهوم دولة المواطنة الناضجة تقوم بها المؤسسّات الفاعلة، وتعتمد مبدأ الفصل بين السلطات، وأن تكون الدولة العربية دولة مواطنين، ومنفتحة على العالم. 
سادسا، العروبة الجديدة ترفض الميراث الساخط والبالي، أمة مواطنين منفتحة، لا أمة قومية واحدة مغلقة. 
سابعا، الواقعية والعقلانية وتحكيم العقل، لا الرومانسية في الشعارات والأوهام والأفكار المتخيلة، وعدم التعامل معها حقائق ثابتة. وهوية العروبة الجديدة انتماءٌ حضاري وثقافي عابر لكل أوبئة القرن العشرين. 
ثامنا، العروبة الجديدة ثقافة نهضوية، وتربية أخلاقية، وعناية لغوية، وذاكرة تاريخية، وانتماء يتعلم من أخطاء الماضي، ومتطلعة إلى بناء المستقبل بالتفاعل مع روح العصر. 
تاسعا، العروبة الجديدة مشروع تنويري، ملهم لكلّ الأساليب والرؤى السياسية والاجتماعية والاقتصادية في كلّ البيئات العربية، كي يعمل على تقدّمها نحو الأمام، لا سحبها إلى الوراء. 
عاشرا، لمّا فشلت القومية العربية في تحقيق أهدافها كلها في الوحدة والحرية والاشتراكية، فإنّ العروبة الجديدة تقترح لأبنائها منظومة عربية حضارية قوية تعاونية مشتركة منفتحة ومتقدّمة، والسعي إلى إعادة الحقوق العربية كلها من مغتصبيها عبر وسائل العصر الحديث. 
وأخيراً أقول إنّ العروبة الجديدة قد انطلقت اليوم، وبالتحديد منذ العام 2009، كما كانت العروبة الأولى قد انطلقت عام 1909، فإن كانت الأولى قد ترجمت نفسها من خلال الجمعيات والمنتديات والمنشورات وتأسيس المؤتمر العربي الأول في باريس 1913، فإنّ العروبة الجديدة ترجمت نفسها بنخبةٍ مستنيرة من المفكرين والمختصين والإعلاميين والمثقفين. وأناشد الدكتور عزمي بشارة بعقد مؤتمر تأسيسي للعروبة الجديدة، من أجل ترسيخ المبادئ الأساسيّة لهذا "المشروع" النهضوي العربي، المتمنّي أن يبقى مستقلاً ومستنيراً، ومعبراً عن حاجات الأمة، وبعيداً عن عبث الدوائر الخارجية، وأن لا يكون عباءة سياسية للتسلّط، أو أيديولوجية للطغيان..

العربي الجديد - لندن

بغداد... قنبلة موقوتة

أ.د. سيّار الجميل

 

ثمّة تساؤلات، يحسن التفكير في الإجابة عنها بلا عواطف أو انحيازات، فالذي يمرّ به العراق من أحداثٍ ووقائع تعكس واقعهِ المزري الذي يعدّ نتاج حقبة تاريخية مضطربة جداً، ناهيكم عن أنه لم يشهد أيّة حالة مستقرّة من كلّ النواحي، فضلاً عن فقدان المجتمع بوصلته الوطنية الموحدة التي عاشَت قرابة قرن، فأينَ مصيره المجهول سيكون؟ 
يعترف الكلّ بأنّ العراق لم يتقدّم خطوةً واحدةً نحو الأمام، بل وليس جامداً في مكانهِ، بل هو يتراجع تراجعاً مخيفاً لم يشهده تاريخه، وقد قُضيَ على كلّ إنجازاته التي حقّقها الآباء في القرن العشرين. وهو اليوم يقترب من نيرانٍ غير التي ألفها ودمرته تدميراً، فقد خرجَ من الحرب العراقية الإيرانية متعباً، وخرج من حرب الخليج الثانية مدمرةً بنيتُه التحتية، وعاش حصاراً قاتلاً سنوات طوال، وعاش حرباً صعبة في العام 2003، أسفرت عن تغيير نظامه السياسي السابق باحتلالٍ أميركي سيئ الصيت ودمار ثقافي، قاد إلى قيام نظامٍ سياسي (جديد)، وفق مقاسات تمايزية، ومحاصصية لا تنسجم وطبيعته الاجتماعية والسياسية، فلم ينجح أبداً، منذ 15 سنة، ضمن الأطر والمعايير المتناقضة غير المتوازية، إذ توالت الإخفاقات عليه، وتفكّكت أواصره مع اضمحلال بنيته الفوقية، وتشرّد كفاءاته، وموت أبريائه، وكثرت تدخّلات الآخرين فيه، ما أحدث ظاهرة الإرهاب التي أوجدتها تناقضاته المريرة، والتي اشتركت في صنعها معظم دول الجوار، وأوجدت طبقة سياسيّة حاكمة غير مؤهلة، ولا كفوءة ولا مخلصة أبداً للعراق وأهله. وهيمنت على مقاليد الأمور أحزاب طائفيّة، وجماعات وصولية، بوصول ساسة أغبياء وجهلاء الى سدّة الحكم، فهزلت المؤسسات وعمّ الفساد في كلّ أرجاء البلاد، إلى جانب انسحاق المدن العراقية، إحداها تلو الأخرى، وفرار أهاليها، وخير دليل ما حدث للموصل قبل عام، وما يحدث للبصرة اليوم، وما سيتلوهما في بغداد، لا سمح الله
الظروف الصعبة، والفوضى السياسية التي تضرب أطنابها على كلّ مساحات العراق، وخصوصاً في العاصمة بغداد، تفيد كلّها بأن العراقيين في مأزق مصيري، لا يحسدون عليه أبداً، فهم غير قادرين على التفاهم في ما بينهم، والساسة غير مؤهلين كي يجدوا الحلول المناسبة، لا للمشكلات السياسية ولا الخدمية، لأنّ الطبقة السياسية المستحوذة على الحكم فاسدة كلّها بلا استثناء، ولم تصدُر أية عقوبات صارمة بحق المسؤولين الفاسدين، وغالبيتهم مطعون في أهليتهم وتاريخهم، إضافة إلى أنهم مجموعة دكاكين وجدت كي تبحث عن مصالحها الشخصية والفئوية، بعيداً عن المصلحة الوطنية العامة، وأنّ بعضهم أجراءٌ لهذه أو تلك من دول الإقليم. وعليه، فقد أصبح القرار بيد الآخرين، وخصوصاً إيران والولايات المتحدة. ولما كان الوضع بين الدولتين متجهاً نحو التشظّي في نوفمبر/ تشرين الثاني القادم بتطبيق العقوبات الحقيقية على إيران، فانّ العراقَ بات في زقاق مسدود الأركان، والنار مشتعلة على بوابته، فأين المفر؟ 
ما يجري من مآسٍ في البصرة اليوم سيناريو مختلف عن تراجيدية الموصل منذ أعوام، واذا كانت الأخيرة قد سُحقت، فإنّ البصرةَ ستلحق بها، لأنّه لا يمكن معالجة مآسيها ضمن سياقات الحكم الحالي، والعاصمة بغداد تعيش ملهاة الصراع على السلطة بشكل مقزّز.. أيّة حلول لانبثاق سلطات رئاسية وتشريعية وتنفيذية ليست واضحة في الأفق حتى الآن، جرّاء المساومات، فكلّ طرف يعزف على هواه لضمان مصالحهِ، والصراع الداخلي لا يمكن التكهن بنهايته، جرّاء التقلّبات المفضوحة للساسة الذين انتخبوا في "دورةٍ " اعترف مسؤولون أنها مزوّرة، فكلّ ما سينتج عنها هو باطل. وإذا مارس بعضهم سياسة الحيّة الرقطاء، إذ يُظهر نفسه ضدّ الطائفية والمحاصصات، فهو كاذب، يبطن عكس ما يظهر، في حين يتّبع آخرون سياسة النعامة التي تخفي رأسها في الرمالِ، وسيقانها أشلاء عارية. وتجد المجرم في الأمس غدا حليفاً لخصمه اليوم، وتجد من كان متظاهراً إرهابياً معتصماً في الأمس غدا اليوم مناضلاً ومجاهداً، والكلّ قد غسّل وجهه بفضلاته بلا حياء ولا أخلاق!
وهكذا، فالعراق في مستنقع سياسي آسن، تخلو أحزابه وتكتلاته من أيّة مبادئ وطنية، وتنعدم البرامج العملية عند جلّ القادة السياسيين. ويعجب المراقبون من تصريحاتٍ قوية ومثقلة بالتهديدات، تأتي من أقزام غدوا مراكز قوى، تفعل ما تشاء بلا أيّة ضوابط وأنظمة.. السلطة فاشلة لا تسمع منها إلا اللغو والأكاذيب، وثمّة مليشيات ودوائر حاكمة تتحرك بنفوذها بمعزلٍ عن السلطة الرسمية. تريد إيران العراق حديقة خلفية لها، باستخدام كلّ مصادره وتوظيفها من أجل مصالحها، وأميركا تشدّ وترخي، لكي تديم البوابة الشرقية لمصالحها الخاصة في الشرق كلّه
ما شوهد من فصول تراجيدية مأساوية وكوميدية هزلية سنوات، وما حدث للعراقيين باسم الحفاظ على العمليّة السياسية، وعلى النظام السياسي (الجديد)، وما مرّ من سيناريوهات وانتهاكات مؤلمة على معظم أراضي العراق، وما صار إليه شعبه، يجعلنا نفكر بالمصير الخطير لهذا الشعب، من خلال ما سيحدث في بغداد التي تتجمّع فيها كلّ عوامل الانفجار. ولن يثور الشعب من تلقاءِ نفسهِ، لكنه ينتظر الفرصة السانحة والملائمة التي سيشنّع فيها إثر انفجار القنبلة الموقوتة، وحدوث الهيجان الكبير.. ولاتَ ساعة مندم. وفرص إشغال هذا الشعب، والضحك والكذب عليه، والتغرير به، موجودة إعلامياً، دينياً أو سياسياً. ولكن ما معنى أن تُسحق كلّ مدن العراق، وتبقى بغداد في مأمن من الانفجار؟ ما معنى النفخ في الصراعات الداخلية تارة، وإطفائها تارةً أخرى؟ ما معنى هذا اللّف والدوران بين العراقيين أنفسهم، وهم يدركون المحرّك الأساسي لكلّ اللعبة؟ ما معنى انقسام الشيعة على أنفسهم اليوم من أجل السلطة والنفوذ ؟ ما معنى هشاشة الساسة السنّة اليوم وتفاهتهم وتغوّلهم وفجاجتهم ؟ ما معنى انقسام الكرد على أنفسهم اليوم لكسب منصب رئاسة الجمهورية ؟ ما معنى الصراع اللاأخلاقي التافه من أجل الكتلة الكبرى (وليس الأكبر) وأهل العراق يعيشون فجائع ومحنا تاريخية لا توصف؟ ما معنى إصرار هؤلاء على توزيع المناصب وخضوعها للشراء والبيع ؟ ما معنى عدم استقالة المسؤولين المقصّرين وعدم محاسبتهم على جرائمهم؟ ما معنى اندلاع حرائق هنا وهناك في العراق وشيطنة المحاور والتحالفات الواهية ، وخصوصاً في بغداد؟ ما معنى استمرار فقدان الأمن والخدمات ووسائل العيش الكريم وقتل النسوة وإشاعة الفوضى القاتلة.. إلخ؟ 
لا يمكن لهؤلاء الذين يتصارعون على السلطة والنفوذ والمناصب أن يعالجوا مشكلات العراق أبداً. والحلّ واحد غير مدرك وصعب التحقيق حتى الآن، ولكن لا خيار للعراقيين جميعاً إلا بوجود حكام ومسؤولين أقوياء، يتحمّلون مسؤولياتهم التاريخية والاخلاقية ، ويعرفون اختياراتهم الوطنية بتخليص العراق من المستنقع الآسن الذي وقع فيه، وأن تكون لهم ركائزهم في التعامل مع الداخل الصعب، ومع الخارج الأصعب.
وعلى العراقيين جميعاً أن يدركوا أن هؤلاء المتصارعين على السلطة لا يصلحون أبدا لقيادة البلاد في مرحلتها الخطيرة اليوم. إن حكومة إنقاذ وطني لا يمكنها أن تتشكّل من هذه الطبقة السياسية الحالية، بل لا بدّ أن تنبثق هذه الحكومة في بغداد، بأيّة وسيلة كانت، ممثلة لإرادة الشعب، وتبدأ بإلغاء كلّ الأحزاب والتكتلات والمليشيات والعصابات وتجرّدها من السلاح، وإصدار قوانين إرجاع الحقوق المغتصبة للدولة والمجتمع من أجل القضاء على الفساد، وتطبيق عقوبات صارمة بحق المخالفين والأجراء والفاسدين، حكومة إنقاذ لها قوتها واستقلالية قراراتها، تنبثق بصلاحيات مركزية مؤقتة خلال طور انتقالي، إلى حين إجراء انتخابات عامة، وإصدار دستور مدني محترم، لائق بالعراق والعراقيين. لا مناص من ذلك، فهو الحلّ الوحيد للعراق إيقافاً للتدهور، وعسى أن يكون هذا الحلم واقعاً في يوم قريب، وينجلي الليل الطويل بانتهاء المهزلة.

(العربي الجديد ) لندن
http://sayyaraljamil.com/

 

ماراثون

"الكتلة الكبرى" في العراق

سيّار الجميل

طالما أتأمّل طويلاً في مقولة ذكيّة قالها ألبرت آينشتاين، وهو يعيش مرارة من يصفّق للسياسيين الأغبياء، قال: العالم لا يتحطّم بواسطة الأشرار، بل بواسطة من يشاهدونهم من دون أن يفعلوا شيئاً ما ضدّهم كي يوقفوهم عند حدّهم.. وهذا ما يحدث في العراق منذ سنوات.. يعيش العراق اليوم ماراثون البحث عن الكتلة الكبرى، بحيث يمكنها تسلّم الحكم، كعادة حليمة القديمة.. وها نحن نرى كلّ المساومات والوصوليات، وسوق الذمم حيث تباع وتشترى، ومزاد كلّ الاتفاقات والتحالفات الخالية من كلّ القيم والمبادئ لدى طبقةٍ سياسيةٍ تسعى إلى البقاء في السلطة، مهما كلّف الأمر.. ويأتي السباق اليوم بعد فشل انتخابات تشريعية فشلاً ذريعاً، إذ اتهمت رسمياً وشعبياً، كونها انتخاباتمزّورة، بمعنى أنّ أيّ تشكيل سياسي تربَّع على دست الحكم سيكون لا شرعية له أبداً. 
عندما تختفي المبادئ من شرعة أيّ بلد، أو من أيديولوجيته الوطنية، نجد الأوضاع تغوص في مستنقعٍ من الفوضى السياسيّة، وهذا ما يشهده العراق اليوم، إذ نجد سباقاً غير أخلاقي، ومنعدم الثوابت لدى قوى سياسيّة مزمنة، لها مراكز قوة ونفوذ، وقد فرضت نفسها بقوة المال والسلاح، ويصل توحشّها حدّ الافتراس في الوصول إلى السلطة والاستحواذ عليها، أو حتى استلابها، بعد أن افتقدت كلّ المعاني السامية التي لم يزل يؤمن بها المخلصون منالعراقيين، ذلك أنّ المتصارعين السياسيين يخضعون لعوامل وأجندات خارجية، أكثر منها وطنية، ناهيكم عن نوازعهم الشريرة من أجل حكم البلاد. وعليه، فهم يسعون إلى تشكيل الكتلة الكبرى، كي يفوزوا بالمناصب، واحتكار السلطة والانفراد بالقرار السياسي. 
مضت مراحل ساخنة من 2018، شغلت الناس بالانتخابات التشريعية، وكم سمعنا قيادات تافهة تتحدّث للناس باسم التغيير، والقضاء على الفساد، وتشكيل النزعة المدنية، وإرساء  

الوطنية، واعتماد الكفاءة، ورفع شعارات الديمقراطية، وأنهم ضد المحاصصة.. إلى غير ذلك من الكليشيهات الوهمية المرحلية، ومرّت الانتخابات على أسوأ ما يكون الحال، واتهموا هم أنفسهم جولات الانتخابات بالتزوير، وأدينت المفوضية وسط تشكيك أحدهم بالآخر.. ونودي بإلغاء الانتخابات التي طاولها الفساد باعتراف الجميع. ولكن خرجت المحكمة العليا بقراراتها التي مسحت كلّ ما حصل بجرّة قلم، جرّاء تواطؤها المخزي، فعادت مراكز القوى وكلّ أتباعها تتسابق من أجل تشكيل الكتلة الكبرى للفوز، وهم بين قوتين اثنتين: إيران والولايات المتحدة.. ولا يعرف حتى اليوم أي موقف عراقي وطني، له ثوابته إزاء الأزمة بين الدولتين، ولم يعد الأمر مفضوحاً فقط، بل يشكّل فجيعة تاريخية مدمرّة للعراق، يوماً بعد آخر، إذ تتسابق مراكز القوى في العراق لكسب ود الطرفين، بلا أية إرادة وطنية، تكسي هؤلاء المتصارعين على السلطة عريهم المكشوف. والسؤال هنا: ما حصيلة التزوير؟ من هم أبطاله؟ أين لجان التحقيق؟ أين النتائج؟ 
يتسابقون اليوم إلى تشكيل الكتلة الكبرى، ليس من أجل تسيير شؤون العراق المعطّلة، أو خلاصهِ من هذا المستنقع الآسن، بل من أجل الاستحواذ على السلطة، مهما كانت الأثمان باهظة.. ويكفي أن واحداً من ثلاثة سيرشّح رئيساً للوزراء، فكيف سيتم تشكيل الحكومة اذن؟ ولا يبدي الشعب أي اعتراضات حقيقية على ما يحدث، وكأنّ الشعب قد صدّق أكذوبة العمليّة الانتخابية، وأن الفائزين يتمتعون بصفة الزعامة أو الريادة أو القيادة في الحقيقة. وقد صدّق هؤلاء من المتنازعين مرة، والمتحالفين مرات، أنهم يمتلكون الشرعيّة وسط هذه الفوضى السياسيّة العارمة. 
الكتلة الكبرى تعني الاستحواذ المحاصصي للسلطة، كما هو متوقّع.. تعني هيمنة قوى حزبية أو طائفية أو عميلة على مجلس النواب، كما تشير كلّ الدلائل.. الكتلة الكبرى تعني دكتاتورية الجماعة المسيطرة التي تتألّف من عصابات ومليشيات، وبمعيّتها من رضي بالتحالف لينال الفتات.. الكتلة الكبرى تعني إبقاء البلاد تحت هيمنة هذا أو ذاك، في ظلّ أوضاع منقسمة وخطيرة تمرّ بها منطقة الشرق الأوسط بأسرها، وخصوصاً في العراق الذي يُخشى من أن يزّج في حربٍ طاحنةٍ قادمة، أو جعل العراق، ومن أكبر الاحتمالات، بقرة حلوباً لإيران، في أزمتها الفعلية اقتصادياً ومالياً. الكتلة الكبرى تعني امتلاك كلّ القرار السياسي، وكلّ المقدّرات بيدها، وسحق كلّ الكتل الأصغر واحتقارها، وخصوصاً من يملك ذرةً من الوطنية، ويطالب بإعمار العراق وتحقيق أمنه القومي.. الكتلة الكبرى تعني انفتاح الباب لامتهان كلّ العراقيين، واستمرار النهب، وغياب الأمن، واستشراء الفساد تحت أغطية جديدة.. والسماح ببقاء التظاهرات الشعبية، ما دامت سلمية ووديعة، وليس للشعب فيها إلا شقّ الحناجر، ولطم الخدود، وإعلان الغضب. 
ما نشهده اليوم لدى الطبقة السياسية، وفي مقدّمتها الأحزاب وجماعات الحكم وعلاقاتها 

المتفسخّة التي تتحكّم بها المصالح الفئوية والطائفية، وحتى الشخصية.. وما تتصّف به من دسائس ومشاغبات، وتبادل مصالح وممارسة تشهير، وبيع الذمم وشرائها وامتهان القيم وتوزيع الحصص حسب الإملاءات.. حتى بات الكلّ يتعامل وسط مستنقع قذر، باشتراك الجميع فيه، ومن خلال سيناريو يجيد الساسة العراقيون اليوم تلاعبهم على ملعبه، فمن كان عدّواً لدوداً لخصمه بات رفيقاً له، ومن كنت تجده يستعرض عضلاته، بوطنيته وشرفه وولائه الطائفي، بات اليوم يلعق الأحذية لتحقيق مصالحه. من كان يتأمل به أهله الخير في إعمار مدينته بات اليوم حليفاً لقاتله، كي يفوز بمنصب سيادي.. وهكذا بالنسبة للأسماء التي تعوّدت الانتقال من منصب إلى آخر. 
كم كان حريّاً بالعراقيين، إن بقيت لديهم مجرد ثوابت وطنية عليا، السعي إلى إلغاء أوسخ عملية انتخابية غير تشريعية جرت حتى الآن، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني، تقوم بإعادة الانتخابات العامة في ظل قانون طوارئ خاص، يمنع كلّ المتورطين من الاشتراك فيها، وتشكيل هيئة تحقيق قضائية عليا، لمحاسبة الفاسدين، من دون تلكؤ أو تأخير أبداً.. العراق لا يمكنه الخلاص من ربقة هؤلاء، إلا في هذه المرحلة التي تشعر فيها إيران بالاختناق، ولكي لا يكون العراق متنفساً لها، أو رئة تتنفس من خلالها، وتزيد من انسحاقه يوماً بعد آخر.. وحتى لا تتكرّر مآسي نشوب حرب أهلية، فالانقسامات السياسية شديدة جداً، وهي تنذر بالخطر. إن حكومة إنقاذ وطني ستكون منقذاً للعراق، تجنّبه الكوارث، وتخلّصه من كلّ الإجحاف الذي حاق به، كما أنها ستنقذ كلّ العراقيين من الانسحاق الذي يعيشونه منذ سنوات طوال.. فهل سيتحقق حلم العراقيين وإنقاذهم؟ أشكّ في ذلك.



 

 

أزمة سعودية واهية مع كندا

سيّار الجميل

 

لا نعيش اليومَ في العصور الوسطى، بحيث يقضي البشر حياتهم في الأقبية، ليموتوا من دون أن يعرف بهم أحد. لا نعيش اليوم بمنطق القبيلة وأعرافها، بحيث تخاصم القبيلةالأخرى من أجل سبب واهٍ سخيف. لا نعيش اليوم في مرحلة دكتاتوريات، بحيث لا يسمح لأية دولة أن تؤذي نشطاءها ومعارضيها، من دون أن يتحرّك العالم. لا نعيش في زمنٍ يمتلك الحاكم، سعودياً كان أم ايرانياً أم غيرهما، تفويضاً له من الله، لكي يحتكر كلّ الحياة لنفسه وباسمه، بل ويجعل الدين والمقدّسات من ممتلكاتهِ أيضا. لا نعيش اليوم في عصر الظلمات، بحيث يتعّرض الإنسان، رجلاً أو امرأة، للأذى والجلد والضرب وقطع الأيادي والرقاب. 
مشكلة السعودية مع كندا واهية، كما تبدو، بل ومفتعلة من السعوديين باتجاه كندا التي تعتبر الدولة الأولى في العالم، وخصوصاً في حقوق المرأة، إذ تجد المرأة فيها حقوقها كاملة، وحريتها باعتبارها إنسانا، على عكس السعودية التي تسيطر عليها طبقةٌ من رجال "التابو" المتعصّبين. وكان متوقعا حدوث أزمةٍ كهذه مذ دانت منظمتا العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش اعتقال نشطاء سعوديين كثيرين، في 15 مايو/ أيار 2018، وكان منهم سبع ناشطات سعوديات مناضلات بارزات في مجال الدفاع مهنياً وإعلامياً وثقافياً عن حقوق المرأة والحياة: لجين الهذلول وإيمان النفجان وعزيزة يوسف وحصة آل شيخ وعائشة المانع، وأخيراً مديحة العجروش وولاء آل شبر. وكانت هناك غيرهن من المثقفات المناضلات اللواتي أثرنَ الرأي العام. ويبدو أن الاحتجاجات الدولية كانت أكبر مما كانت تتوقّعه السعودية، في حين لم تحدث أيّة احتجاجات عربية خوفاً ومداهنة، بل أعلن بعضهم تأييدهم السعودية، بقطع علاقاتها مع كندا، ليس إيماناً بمبادئها الأيديولوجية، بل تعاطفاً سياسياً معها.. ومن دون معرفة إجراءات السعودية بحق نشطائها ومعارضي سياساتها، إذ شعرت كندا بقلق بالغ إزاء الاعتقالات التعسّفية الإضافية لنشطاء المجتمع المدني ونشطاء حقوق المرأة السعودية، بما في ذلك المناضلة سمر بدوي، فأخذت كندا تحثّ السلطات السعودية على الإفراج عنها فوراً وعن جميع النشطاء السلميين الآخرين في مجال حقوق الإنسان. 
كانت هذه مجرد تغريدة كندية نشرت على "تويتر"، لكنها غدت بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير، أو الشرارة التي أشعلت حريقاً هائلاً بين السعودية وكندا، وكأنّ السعودية كانت تنتظرها من بلدٍ مسالم ككندا، ومن خلال الصفحة الرسمية لسفارتها، حتى قامت السعودية بالردّ المباغت بتجميد العلاقات الاستثمارية والاقتصادية مع كندا، وجعلتها في لحظةٍ عدوّة لها باستدعاء السفير السعودي وطرد السفير الكندي، بسبب ما اعتبرته تدخّلاً سافراً في شؤونها الداخلية، وتطاولاً كندياً على سيادتها. وجاء في بيان الخارجية السعودية أن هذا الموقف السلبي والمستغرب من كندا يُعد ادّعاءً غير صحيح، جملة وتفصيلاً، ومجافياً للحقيقة، وأن السعودية لم يحدث في تاريخها أيّ تدخل خارجي في شؤونها. 
وفي أول ردّ كندي على قطع العلاقات، قالت المتحدّثة باسم الحكومة، ماري بير باسل، إن الحكومة الكندية تحاول إجراء اتصالات مع السعودية، وإن الكنديين يشعرون بالقلق الشديد ويسعون إلى التواصل مع المملكة. وأكّدت أن بلادها ستقف دائماً مدافعة عن حقوق الإنسان، بما فيها حقوق المرأة وحريّة التعبير، في كلّ العالم، وإن الحكومة الكندية لن تتردّد أبداً في نشر هذه القيم، كما تعتبر أنّ الحوار يحظى بأهميةٍ حيويةٍ بالنسبة للدبلوماسية الدولية. وأضافت أن بلادها تريد الحصول على مزيد من الوضوح من السعودية، بخصوص قرارها الذي أثار أزمة دبلوماسية بين البلدين. 
لم يقف التصعيد السعودي عند هذا الحدّ، فقد أصدر الديوان الملكي السعودي أمراً يقضي بـإيقاف علاج المرضى السعوديين في كندا، ونقلهم إلى دول أخرى، كما علقت الخطوط الجوية السعودية رحلاتها من تورنتو وإليها، وإعفاء كلّ التذاكرالصادرة منها وإليها من أية قيود أو  

رسوم عند الإلغاء أو إعادة إصدار التذاكر أو استعادة قيمتها. وقد جاءت إجراءات السعوديين مفاجئة وسريعة وانقضاضية، وكأنّ المملكة تريد فتح باب لها للهروب من أزمةٍ بنيويةٍ تعاني منها جرّاء تصادم ما تؤمن به مع متغيرات هذا العصر، وبحجّة تدخّل كندا، من خلال تعليقات لوزيرة الخارجية الكندية والسفير في الرياض على "تويتر"، في محاولةٍ لنصح السعوديين من أجل احترام حقوق الإنسان، فاعتبرت السعودية ذلك تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية، وكأنها لا تعلم أنها تدّخلت في شؤون داخلية لدول عدة، بل وأشعلت النار في أكثر من نظام سياسي، وأنفقت المليارات لهذا وذاك منذ عشرات السنين.. واندلعت حروبٌ، وقامت انقلاباتٌ، وثارت تمرّدات هنا وهناك. والرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ينتهك كلّ الأعراف، ويعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والسعودية لا تحّرك ساكناً، لكنها تستأسد على كندا: أية دبلوماسية سعودية هذه؟ 
لو تعلم السعودية المواقف الإنسانية التي تتبنّاها كندا إزاء العرب وغيرهم ممن فقدوا بوصلتهم في هذا العالم، وتركوا أوطانهم، فاستقبلتهم كندا على الرحب والسعة، لخجلت من فعلتها. لو تعلم السعودية حقوق الإنسان والحيوان والنبات في كندا، لسكتت، وتعلّمت من الاخرين كيف تكون معاملة الإنسان حقيقة وفعلاً. لو علمت أن مصالحها ومصالح أبنائها وبناتها الذين يدرسون في مدارس كندا وجامعاتها، بحيث يزيد عددهم على 15000 طالب وطالبة، هي أكبر من مصالح كندا في السعودية، لأجابت السعودية بأساليب عقلانية، لا بأسلوب الهراطقة. لو تعلم السعودية كيف يتم الحفاظ على المصالح، وكيف تحترم العلاقات بين الشعوب، لما أقدمت على فعلتها المفتعلة، خصوصاً أن حروباً اشتعلت بين بلدانٍ بقيت علاقاتها الدبلوماسية ثابتةً في أثناء الحرب. 
من حقّ كندا، ومن حقّ أي بلدان مسالمة ومتحضرة، أن تبدي رأيها ونصيحتها لمن غاب عنده العقل والمنطق.. من حقّ أيّ عربي أن يقول كلمته الصريحة في أي موضوع يمسّ كرامة أي عربي أو غير عربي في أي مكان. شعوب عربية انتهكت أعرافها وتقاليدها ومزّقت أنسجتها وثقافاتها.. شعوب عربية سحقت مدنها، وفنيت مواردها، وديست كراماتها، والسعودية منشغلة عن أداء واجبها تجاهها. إذا لم تريدوا أن يتدّخل أحد في شؤونكم، فلا تتدخّلوا أبداً في شؤون الآخرين، وإذا أردتم أن يحترم العالم تقاليدكم وأعرافكم، فالمرجوّ أن يحترم السعوديون تقاليد الآخرين في بلدانهم، إذ ندرك ما الذي يفعلونه في ربوع أوروبا وأميركا الشمالية والشرق الأقصى، فضلاً عن بلداننا العربية، واعلموا كيف تعامل كندا العرب والمسلمين على أراضيها.. واعلموا أيضاً أن الآلاف من الحجيج تقصد بيت الله الحرام لأداء الحج والعمرة من كلّ أنحاء العالم.. أتمنى أن تعيد السعودية علاقاتها الكاملة مع كندا، بلا أية تشنجات سياسية، من أجل مصالحها المستقبلية ومصالح العرب والمسلمين.

العربي الجديد - لندن

لتتحوّل احتجاجات

العراقيين إلى ثورة

 

سيّار الجميل

 

تبرز في ظلّ التداعيات التي أفرزتها الانتخابات النيابية في العراق أخيرا، وما رافقها من إخفاقات وانحرافات خطيرة، وحالة الفوضى السياسّية، وتفاقم المشكلات الصعبة التي مسّت حياة الناس، وإغراقهم بالأزمات القاسية، وعجز الحكومة وإدارات المحافظات عن معالجتها، واستشراء الفساد لدى كلّ الطبقة الحاكمة التي تؤلفها كلّ الأحزاب والكتل والمليشيات.. تبرز ظاهرة الاحتجاجات الجماهيرية منطلقةً، هذه المرّة، من البصرة ضّد الأوضاع المأساوية القائمة التي يعيشها العراقيون منذ 15 سنة، إذ يفتقد أغلب العراقيين أبسط وسائل الخدمات، وأهمها الكهرباء والماء والدواء، مع انعدام بقية الخدمات. وفي مثل هذا الصيف، يطالب المحتجون بتحسين الأوضاع وتوفير فرص عمل، وتلبية متطلباتهم من الماء والطاقة والأدوية.. ويبدو عجز الحكومة الحالية واضحاً وفاضحاً، فهي لم تستطع معالجة التهرؤات في المؤسسات، ولم تحدّ من الفساد المستشري في كلّ مرافق الحياة العراقية، ولم تستطع منع حمل السلاح في أيدي الناس.. ناهيكم عن فقدان الأمن والنظام، كما يعرف الجميع ذلك. 
هذه الاحتجاجات السلمية الساخنة يمكنها أن تتحول إلى ثورة حقيقية عارمة لاقتلاع الفساد والفاسدين، بالقضاء على الأحزاب والجماعات الحاكمة والمسؤولين الذين يشكلّون طبقة فاسدة واسعة النفوذ، بوجود مليشيات منفلتة تابعة لزعماء الكتل والأحزاب، والذين نجدهم وقد سكتوا الآن، ولازمهم الصمت، متهمّين المظاهرات بوجود مندسين (!). ويؤكد أحد أبرز الكوادر قائلاً إنّ زعماء بعض الكتل قد اتفقوا على حرق بغداد بالكامل، إن استمرت الثورة، ووصل شواظها إليهم، فضلاً عن تحدّيات أخرى، تواجه المنتفضين السلميين بزرع شراذم من المدنيين المخرّبين، ليقوموا بأعمال محرمّة ومخزية، يوصم بها المتظاهرون الأحرار. 
ثمّة وصايا مبدئية، مقترحة على كلّ الثائرين العراقيين، ولا بدّ من معرفتها وإدراك ما يمكن 

اتخاذه من إجراءات، حسب المعايير المتّفق عليها في كلّ ثورات العالم وانتفاضاتهم، والاّ فانّ احتجاجاتكم ستذهب سدىً، وسوف لا يلتفت إليها أحد من هؤلاء المسؤولين الذين غرقوا بالفساد والعمالة وسحق العراق. وقد اعترف أحدهم بمثل هذه الجريمة، طالباً السماح من الشعب العراقي على كلّ جناياتهم المخزية.. وكان مأمولا أن ينهي كلمته بانسحاب نفسه من الميدان، كما يفعل غيره في العالم، ولكن يبدو أنه يمارس لعبة من ألاعيبهم في البقاء في السلطة، على الرغم من كلّ العار والشنار الذي يحملونه على كاهلهم. والمقترحات، إن كان العراقيون يؤمنون حقّا بالتغيير التاريخي: 
أولا: لا يمكن لأي مؤسساتٍ متطورةٍ في هذا العالم تلبية مطالبكم بهذه السرعة، ولا يمكن لأيّة حكومة عراقية توفير آلآف فرص العمل فجأة، ولا تلبية ما تريدونه من خدمات، وليس لها القدرة على أن تقول: كن فيكون.. وعليه، ينبغي أن يكون الحل سياسياً، برفع سقف المطالب، وطرح شعار تغيير النظام السياسي الحاكم، إذ إنه رأس البلاء منذ 15عاما. وقد ثبت عجزه التام في الأداء على كل المستويات بترّهاته وفساده، وانحرافات دستوره وجرائم أحزابه الحاكمة، وجرائم المسؤولين الذين تولوّا الحكم فيه. وأن ينادي كل العراقيين بدولة مواطنة ذات نظام ديمقراطي حقيقي، بدل دولة مكونات طوائفية، ذات نظام محاصصي كسيح. 
ثانيا: المطالبة الحقيقية برفع أيدي إيران من العراق تماماً، وحظر تدّخلاتها السافرة في الشأن العراقي، وتحديد طبيعة العلاقات الدبلوماسية والتجارية معها، كونها لا عهود لها مع العراقيين أبداً، وأنها استغلت أوضاعهم، فعبثت بمقدّراتهم الأمنية، ولعبت بجغرافيتهم لقطع الماء عنهم، وقطع الكهرباء عنهم، إذ تتقاضى سنويا تسعمائة مليون دولار من العراق لشراء الكهرباء فقط... إيران داء العراق العضال، وما دامت هذه الطبقة السياسية على رأس حكم العراق، فانّ هذا البلد سيكون ألعوبة بيد إيران، كون هذه الطبفة من عملائها المفضوحين. 
ثالثا: على الشعب العراقي كلّه أن يهبّ هبّة واحدة في وجه هذا النظام الجائر، كي تعلم الولايات المتحدة الأميركية مدى معارضة العراقيين اختياراتها البائسة.. عليهم كلّهم مناصرة الثورة في أي مكان تنشب من العراق، ولا تبقى البصرة أو مدن أخرى عرضة للتنكيل من أزلام النظام ومرتزقته المتوّحشين.. عندما ثارت الأنبار وتكريت والموصل وديالى على عهد نوري المالكي قبل سنوات، صفّق الكلّ ضدّ اعتصاماتهم ووصفوها بأشنع الصفات، وقد وعد النظام بتلبية المطالب، ثم خان الوعد.. اليوم، يثور الجنوب، فعلى الوسط والشمال والغرب الوقوف معه، ليعلم العالم أن الشعب كلّه ضدّ هذا النظام الفاسد. 
رابعا: على العراقيين أن لا ينخدعوا بكلمات معسولة، أو خطب ناعمة، أو تصريحات مخاتلة، فكلّها وعود كاذبة، يلقيها كلّ عناصر النظام، ممثلّين بزعمائهم الذين لم تنفع معهم أبداً لغة المكر والخداع، فقد تمرّسوا على الكذب والمراوغة. وعليه، تنفع ضدّهم كلّ أساليب الثورة واقتلاعهم وعقابهم بإحالتهم إلى محكمة الجنايات، وإنزال القصاص بهم جرّاء ما اقترفوه من جرائم بحقّ العراقيين. على الثوار أن يرفعوا سقف مطالبهم بمحاسبة كلّ رؤوس هذا النظام قاطبة، سواء بمن اشترك في السلطات العليا والتشريعية والتنفيذية، وساهم، بشكل أو بآخر، في خراب العراق ونهبه وسحق شعبه. 
خامسا: ضرورة ولادة زعامة سياسية مواطنية جديدة، أو إيجاد قيادة سياسيّة رئيسية، تنبثق عنها هيكلية قيادات سياسية للثوار والمتظاهرين والمعارضين، تتوّحد لاحقاّ من أجل معرفة فصائل الثورة، فهي مؤهّلة ضمن الظروف التي تعيشها اليوم أن تنخرط فيها عناصر مندسّة ومخربة ومأجورة لتفجيرها من الداخل، أو استلابها لصالح إبقاء هذا النظام في حكم العراق. وستفعل إيران ما في وسعها لإجهاض أيّ تغيير سياسي جذري في العراق من خلال عملائها  

ووكلائها، وخذلان أية حركة تحرّرية عراقيّة، تسعى إلى استعادة الوطن وأهله من أبناء شعب العراق العريق الذي لا يرضى بحكم الفساد والفاسدين، ولا يرضى بأدوارهم العميلة. 
سادساً: على كلّ الشرفاء وأصحاب الضمائر الحية من المثقفين ونخب الموظفين والعاملين وأساتذة الجامعات والمعلمين والإعلاميين وكلّ النقابيين والمهنيين والفنيين من الوطنيين العراقيين الوقوف مع العراق في محنته اليوم، وتخليصه من أيدي هذه الطبقة الحاكمة التي تحالف معها كلّ المرابين والفاسدين والطفيليين والسارقين وذوي المصالح الخاصة من شيوخ العشائر ورجال الدين المعمّمين. دعم هذه الاحتجاجات التي يقوم بها كلّ المناضلين العراقيين، وتحويلها إلى ثورة عارمة بحاجةٍ إلى وقوف كلّ العراقيين معها، كي تتحقق الأهداف السامية، وأن يجتاح صوت هذا الحراك الوطني كلّ وسائل الإعلام ليتعّرف العالم على مأساة العراق والعراقيين. 
أي إخفاقٍ يصيب هذا الحراك الشعبي سيمكّن الطبقة الحاكمة من البقاء، وفرض إرادتها على العراق، وتنكيلها بالعراقيين، وسينتقل الحال من سيئ إلى أسوأ بوجود هذه العملية السياسية الفاشلة.

 

العراق أسير دوائر مغلقة

سيّار الجميل

 

يكفي ما يحدثُ في العراقِ من اللامعقول لأن يصنفه مؤرخ المستقبل مستشفىً للمجانين.. أحداث متداخلة مع صخب وهياج، وتناقضات سياسية واجتماعية لا نهاية لها، وشخوصٌ لا يمكن أن يتخيّل المرء أنّهم يحكمون العراق سنوات طوال باسم "الديمقراطية" الكاذبة، وبواسطة صناديق انتخابات فُضحت تزويراتها في عمليةٍ دنيئةٍ تقود العراق من فاجعةٍ إلى أخرى.. والكلّ يدين ما حدث، ولكن لا يمكن أبدا معرفة من قام بذلك، ولصالح من. دوماً هناك سياسة لإخفاء الجريمة، والتغطية على المجرمين.
كان الظن أن المشكلة كامنةٌ في طبقةٍ حاكمةٍ مثيرة للقرف، بما فعلت بالعراق وأهله ومدنهِ ومواردهِ. ولكن يبدو أن شرائح كبرى من العراقيين فقدت صوابها، وطاش عقلها، عندما انتخبت الجوقة نفسها، والمؤلفة من الفاشلين والمزوّرين والتافهين والفاسدين والسارقين، وثمّة خونة وعملاء وقتلة أميّون وجهلة وطائفيون.. هؤلاء الذين يُعاد انتخابهم، ويبدو أنّ مقولة "المجرّب لا يُجرّب" كانت للاستهلاك الإعلامي، إذ بات العراق اليوم في هاويةٍ سحيقةٍ بعد الانتخابات التي تعدّ الأسوأ في التاريخ الحديث. 


كلمّا تمرّ أربع سنوات، يعيش العراق مسرحية هزلية لها تراجيديتها، ويبقى يعاني ويكابد، وليس في استطاعته الخلاص منها أبداً، إذ تفاقمت مشكلاته الأساسيّة اليوم بعد كلّ هذي السنين التي شهد شعبه في أثنائها الفواجع والآلام والكوارث والانسحاق والموت، وتولدت عن المشكلات الكبرى جملة هائلة من المعضلات الفرعية الصعبة في كلّ ميادين الحياة الصعبة، ويصعب جداً معالجتها أو إيجاد الحلول لها. وغدت الدورة الانتخابية الشغل الشاغل لطبقةٍ سياسيّة متورّمة، مستحوذة على مصير العراق وأهله وموارده، وهي السبب الحقيقي في كثرة المشكلات بكل خطوطها وحدودها وأبعادها، فكان أن اختنق كلّ العراقيين بما التف عليهم من الخيوط والأسلاك. 
يعيش العراق في مستنقع مياهٍ آسنةٍ منذ أزمنة مضت، فأينما تلتفت، لا تجد في مرافقه كلها جانباً صحيحاً أو سالماً، فكلّ العراق في فوضى سياسيّة متخبّطة عارمة، ويكابد الناس فيه من فقدان الأمن والاختطاف والقتل والجريمة، وكلهّا تلصق بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لكن ما خفيَ كان أعظم. يعيش العراق أوضاعاً أمنية مزرية بعودة سقوط ضحايا في اعتداءات عصاباتٍ إرهابية، انتقالاً إلى تهرّؤات اقتصادية وشحّ المياه في الفراتين العظميين، فضلاً عن تهافت الأمن الغذائي، وموت الناس متسممّين أو متسرطنين.. ولا تسل عن الفصول الأخرى من الفساد المستشري في كل مكان.. أزمات ومشكلات لا تعدّ ولا تحصى، سواء في المؤسسات الصحية التي تخلو من أبسط المستلزمات الطبية. أما ما يحدث في المدارس والجامعات من هبوط حاد في المستويات، وتناقصٍ في الكفاءات وبيع أسئلة الامتحانات، وفشل ذريع يحيط بالمؤسسة التربوية والتعليمية، مع انقطاع الكهرباء وشحّ المياه مع بقاء المدن المسحوقة على حالها، من دون أن يلتفت إليها أحد، وخصوصاً الموصل التي نكبت نكبة تاريخية.. كل هذه الكوارث والحكومة منشغلة بالانتخابات، لكي يضمن أعضاؤها الفوز والبقاء في السلطة. 
كلّ الطبقة السياسية الحاكمة منشغلة مع أتباعها بالانتخابات والتزويرات وفرز الأصوات وإعادة الفرز والعدّ وحرق الصناديق وسقوط الأجهزة وإجرام مفوضية الانتخابات.. إلخ. إنه صراع المصالح الشخصية والتكالب على المناصب العليا، واستحواذ كتل وأحزاب سياسيّة على السلطة، يقودها أناسٌ، افتقدوا مؤهلات الزعامة والذكاء والمواطنة والقيم وأخلاقيات العمل. إنهم في الواجهة منذ 15 عاماً من دون أن يتزحزح أيّ منهم عن موقعه. بدأوا بدائرةٍ مصغرّةٍ، وباتوا اليوم يمتلكون دائرة كبرى تطوّق كلّ العراق، وتخنق بها كلّ العراقيين الذين يتطلعون إلى إيجاد حلول حقيقية وجذرية لمشكلاتهم المستديمة. لقد دخلوا الانتخابات، وهم يتشدّقون بالوطنية والمدنية والحكمة، وقاموا بتسويق سياسي كاذب، الادّعاء أنهّم ضدّ المحاصصات، وأنهم عابرون للطائفية. وكم طالبناهم، منذ البداية، بأن يكون الإشراف بأيدي قضاةٍ عراقيين، وإشرافٍ دولي محكم، بدل هيئة مفوضية انتخابات، اختاروها بأنفسهم، وصرفت الملايين من الأموال، وأتعبوا الناس في الإدلاء بالأصوات في الداخل والخارج.. ثم كانت المهزلة التي سيذكرها التاريخ، أنهم باسم "الديمقراطية" مارسوا أوسخ عمليات تزوير، وكلّ يوم تظهر فضائح تلو أخرى. 
طبقةٌ فاسدة مهيمنة على حكم العراق، تقود عملية انتخاباتٍ فاشلة، تمارس فيها بشاعات من أجل بقاء هذا أو ذاك في الحكم والاستئثار بالسلطة. وبعد التي واللتيا، تضرب إرادة الناخبين، وترمى الأصوات في المزبلة، وتبدأ التحالفات المخزية لتشكيل "الكتلة الكبرى" وفقاً للمحاصصات الطائفية، وان اعترضت عليهم، أجابوا: حفاظاً على العملية السياسية، وكأنها مشروع تاريخي مقدّس، سينقل العراق إلى الذرى كما أوهموا الناس. تتحمل السلطات الحالية 

المسؤولية كاملة فيما لحق بالعراق من أضرار. رئيس للجمهورية غافلٌ عمّا يفعله الآخرون بالبلاد. رئيس وزراء ليس له إلا تصريحات نارية صارخة ضد خصومه المفتعلين، من دون أداء أي فعل مؤثر، وكأنه لا يملك أية سلطة حقيقية بيديه.. وهو منشغلٌ بالانتخابات، لا يلتفت إجرائيا إلى حياة الناس الكئيبة، وحالاتهم الصعبة التي يُرثى لها، فهم ينتقلون من مشكلةٍ إلى أخرى.. برلمان فوضوي، لا يعرف القيم والأخلاق أبداً، وهو يسعى ببعض أعضائه إلى أن يجدّد بقاء دورته، على الرغم من أنف الدستور، وخصوصاً ما يريده الذين لم يحالفهم الفوز في الانتخابات.
المشكلة الأخرى أنهم يستغبون الناس بإخفائهم ما يبطنون، وأنهم يظهرون ويعلنون عكس ما يفعلون، حتى غدت الناس لا تصدّق أبداً تصريحاتهم ووعودهم، إذ انفضحت أكاذيبهم أمام كلّ الملأ، فهم خصوم قبل انطلاق الصفارة. ولكن، قبل وصولهم إلى الهدف، يتحالفون ضدّ الآخرين، كما بدا واضحاً أن "داعش" غدا بالنسبة لهم بمثابة شمّاعةٍ يعلقون عليه كلّ غسيلهم القذر، إذ أمسوا يهدّدون العراقيين باسم "داعش"، وهم يفعلون ما يريدون.
إلى أين يسير العراق؟ كيف له الخروج من الدوائر المغلقة التي التفّت عليه، ولم يعدّ ينظر حتى بعين واحدة؟ لقد ملّ الناس، وسئموا من هؤلاء الساسة، ومن كتلهم وأحزابهم وتصريحاتهم الإعلامية، وتسويقهم على شاشات الفضائيات. يعد العراق، بعد كلّ هذه الانسحاقات، أسوأ بلد في الفساد عالميا، وهو مثل سفينةٍ تائهةٍ وسط أعاصير البحر، ويقودها ثلّة من المجانين، فمن ينقذ هذا البلد العزيز؟

عند الزريبة ..  كومة  عظام

سيّار الجميل

كنت قبل يومين  على  متن  طائرة  تقطع  الاطلنطي  الذي  أسماه  العرب  ببحر الظلمات ..  كنا  في  السماء مسرعين عابرين  من العالم القديم  نحو العالم الجديد  .. أخذتني  سنة  من النوم ، والشمس مشرقة في كبد السماء  ، ووجدت نفسي  وكأني عدت  عشرات السنين الى  الوراء  ، سألت صاحبي على  مقعد الدراسة :  في اي مرحلة  من الدراسة  نحن الان ؟  شعرت وأنا  في السادس  الابتدائي  من جديد  ، وأستاذ العربية  رحمه الله يوصينا  بكتابة  مقطوعة  انشاء  موضوعها  " الراعي  والقطيع  " ، وتذكرت  انه  منحني أعلى  درجة على  انشاء  كتبته له منذ أكثر من خمسين سنة عن  " مشهد  النهر  في يوم ممطر "  .. 

عدت الى  البيت في نومي ،  ورحت  أكتب  قائلاً :  في  القرية  التي  تقع  عند  ساقيتين تحتقن  فيهما المياه الاسنة  ..  زريبة  قديمة  جداً  ،  تهدّمت حيطانها  ، وتشققّت  أسقفها  ، وغدت  بلا  أسوار  ، وبلا  شبابيك  وابواب  ..   وجدت  القطيع قد كبر  جداً ، ولا تسمع  منه الّا  الثغاء والسعال .. نعاج  هرمة  لا  تمشي ،  وخراف  هزيلة  بلا  حراك   ، والاكباش  مريضة او  مخصيّة  لا  تقوى على الوقوف ،  وقد تكسّرت  قرونها   الملتوية  ، وتلطخت أصوافها المنفوشة  والمتدلّية  كلّها بالقاذورات ، لا  تجد  كبشاً  واحداً  يناطح  ويجالد  ويمشي  متبختراً  في المقدّمة  ..  الرعيان  كسالى  ناموا  جميعاً وهم  مرضى عند  أفياء  السفح تحت  الشجرة الخضراء  حتى  لا  تلسعهم  الشمس الحارقة ، وهم  يجتمعون  ويتصارعون بالطول والعرض من اجل الزعامة على  الزريبة ! 

تسّلم أمر  القطيع  حمار  أحول  ، ولكنه  انشغل  عن  مهمّته  بعليق  علفه من التبن الأصفر  .. وراح  القطيع  ينفرد  هنا  ، وينزوي  هناك ..  والكلابُ  تغيرّت  طباعها الهائجة ، وصغرت  حجومها الهزيلة ،  وغدت  تراقص  هذا  وتلاعب ذاك  ولم  تعد  تعوي  أبداً ولا  تخيف  أحداً ..   الذئاب  ترصد القطيع  من  بعيد  خلف أشجار المنطقة الخضراء ..  خرج  قطاع الطرق  كالعادة  عند  كلّ مساء  ،وتكاثروا   ساعة بعد أخرى ، واخترقوا  القطيع  .. جزّوا  الأصواف  ما استطاعوا  .. حلبوا  الشياه  ما  أرادوا   .. ذبحوا  الطليان  وأكلوها  وشربوا  دمها ..  سرقوا  ما  استطاعوا  من الرؤوس في الزريبة ، ولم  تسلم  حتى  عليقة  الحمار  من الدمار  ..  وعادوا الى  جحورهم  التي  غدت  قصوراً  في الصحراء ، وهم  يتنقّلون بطائراتهم الخاصة  !

سأل أحد  الخرفان  صاحبه : هل  رأيت ما الذي  فعلته اللصوص  بنا ؟   أجابه :  نعم  ،  رأيتهم وأنا اراقبهم وراء الباب  خوفاً  أكون طعاماً  شهيّاً  لهم ..  وكيف  رأيتهم  اليوم ؟     أجابه : كالعادة المألوفة فهم  أنفسهم  ، وقد  تناسلوا  وتكاثروا ، ولكنهم  بدّلوا  جلودهم  ،  وغيّروا  امزجتهم ، وحلقوا  شواربهم الكثة  ورموا  الزيتونيات  في المزابل ، تجدهم اليوم  : ارتال  معممّين.. جوقات شيوخ معكلين ، نسوة  ملكجات ، وأشباه رجال تافهين من سحرة ومزوّرين ومحاصصيين وقوّالين ومثرثرين روزخونيين ودجالين وقوادين وشاذين ونشالين ودواعش زرقاويين  محنطين بعد ان  كانوا  شراذم  مطايا وشياطين  ومخبرين قساة وقصابين ومهربين وعلوج  مرتزقة  وامرين ومأمورين ورقاصين  مع  الغجريات الكاولية في  بيوت الطين  .  سألت  احدى النعاج سيادة الحمار  القائد  :  لماذا  لا  تهزّ  جرسك  يا  حمار  لما  رأيت قدوم  هؤلاء الفجّار ؟  وأين  كلاب الحراسة ؟ وأين الرعيان ؟  أجاب الحمار : الزمي الصمت  أيتها الرعناء ،   فالكلاب  غدت  تعاشر  الذئاب  في  هذا الزمن الديمقراطي ، والرعيان  نقلوا اجتماعاتهم الى  مستشفى  الشماعية ! وأمسى كلّ  الحرامية  طبقة  عليا حاكمة  على كل القطيع ، وغدت الزريبة  دار  دعارة  وكلجية  . 

في  اعماق الليل  ،  هاجمت الذئاب  كلّ القطيع  وجعلته  شذر  مذر   .. ولم  يبق  من القطيع الا  كومة  عظام  تعبث  بها  الجوارح والهوام  !  

صحوت من  النوم  على  نشرة  أخبار  جاء  فيها  :  يتصارعون انتخابياً ثم  يتحالفون فضائياً من أجل تشكيل الكتلة الاكبر  ، والناس  تموت  من التسمّم  وأكل اللحوم الحمراء الفاسدة  !! 

بعد  برهة  حطّت  الطائرة  بسلام  في العالم  الجديد  ،  ولم  تزل الشمس  مشرقة  على  بحر الظلمات !

 

http://sayyaraljamil.com/

 

 

ضد النهش في صلاح الدين

سيّار الجميل

كنت أتمشّى يوماً في صيف 1978، أحاور أستاذي المستشرق ديفيد جاكسون في حدائق جامعة سانت أندروس الاسكتلندية. سألته: من هو أعظم الزعماء في نظرك؟ أجابني مباشرة: صلاح الدين الأيوبي الذي كتبت عنه، برفقة الزميل لايونز، كتابا كبيراً. هو بطل حقيقي حاربه المسلمون أكثر من أعدائه الصليبيين! واليوم، تجتاح ثقافتنا العربيةعاصفة هوجاء أبطالها مثقفون عرب يعادون تاريخهم، فأخذوا ينهشون فيه وفي رموزه، ويسيئون إلى بعض صفحاته، وتتحكم في أغلبهم نزعاتهم السايكولوجية الموروثة، أو تربيتهم المنحرفة، وتصل حماقاتهم إلى درجة أسوأ من كلّ الأعداء الألّداء لنا في العالم.. أي تتفوق عداءاتهم  ضدّ تواريخهم ورموزهم على كتابات الخصوم من مستشرقين وصهاينة ومناوئين لتاريخنا ووجودنا. وكم تمنّيت أن تتم كتابة التاريخ بموضوعية، وأن يحكم التوازن أصحابها في دراسة الشخصيات المؤشكلة، وفهم الكليّات كاملة من دون اجتزاءاتٍ ينقسم حولها الناس. 
لا أحد ينكر ما يمارسه المخالفون العرب، وهم يشوّهون التاريخ، لأسبابٍ طائفيةٍ ومذهبية وعرقية وأيديولوجية.. والمرء يقف، بين حين وآخر، على نماذج منهم، وهم يصدرون أحكامهم القاتلة، وتوصيفاتهم الجائرة، وكأنهم يمتلكون الحقائق بتحريفهم المعلومات، وتشويه كلّ الأسانيد، واختلاقهم شتّى الاتهامات، وتضخيمهم الأخطاء. وهم بلا مناهج نقدية، ولا مصادر موثوقة لديهم، ويمهرون في القدح وإطلاق الشتائم، وكلهم من المتطفلين على كتابة التاريخ. 
أطلق يوسف زيدان من مصر وصفا ظالما على صلاح الدين الأيوبي، إذ قال في حواره مع الإعلامي عمرو أديب "إن صلاح الدين واحد من أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني" 

(كذا)، واتهمه عدّة اتهامات جائرة، قد لا يكون لها أي أساس من الصحة أبدا.. هنا أتوقف قليلا للرد، فالحقائق التاريخية التي يغيبّها بعضهم لأغراضٍ سياسية وأيديولوجية هي بضاعة هذه الأيام التي تشهد فوضى فكرية ضالة.. فالزعيم صلاح الدين، وهو من أصل كردي، كان بطلاً رياديا تاريخيا قبل أن يلمّع الرئيس جمال عبد الناصر صورته في فيلمٍ أخرجه يوسف شاهين عام 1963 باسم "الناصر صلاح الدين"، ولم يكن مجهولاّ حتى يعرّفنا به عبد الناصر، بل كتب عنه أبرز المستشرقين الكبار، واعتنوا بسيرته ومنجزاته الكبرى ومشكلاته مع معارضيه، ومنهم: هاملتون كيب ورنسيمان وستانلي بول وبوزوورث وكلود كاهن ودي سلان وبرنارد لويس وسوفاجييه وستيفنسون ولايونز وديفيد جاكسون. ووصف أحدهم صلاح الدين بأنه أشرف محارب عرفه التاريخ، كونه أخرج الأعداء الأسرى من ملوك أوروبا والأباطرة ورجال الدين من القدس، من دون أن يمسسهم بأذى، ثم اقتحمها. 
أزعم أنني خبرت تاريخ الرجل بجزئياته بعد كتابتي سيرته في سيناريو سينمائي سمّيته "النسر الأحمر.. صلاح الدين الأيوبي" بأكثر من تسعين مشهداً، وكان سيخرجه فيلماً دولياً المخرج الراحل مصطفى العقاد، لكن القدر كان له بالمرصاد، وقد نشر السيناريو في كتابٍ عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان في 1997. وعليه، أعتراض على أوصاف مقذعة وشتائم تطلق على هذا الرمز الكبير في تاريخنا الوسيط، والذي يشكّل بإنجازاته علامة تاريخية فارقة، فكيف يمكن أن يكون رمزاً مخفياً أحياه عبد الناصر؟ وإذا كنتم ضد سياسات الرئيس المصري الراحل، فما دخل صلاح الدين بها، حتى يُنعت بأسوأ النعوت؟ علماً أن أغلب الدول العربية اتخذت شعاره رمزا لها، فشعاره "النسر الأحمر". 
لأيّ عهد سياسي في التاريخ خطاياه، وكانت كل دول تاريخ الإسلام متصارعة في ما بينها، فالشيعة ضد الأمويين في دمشق، والعباسيون في بغداد ضد الفاطميين في مصر. وكان صلاح الدين محسوباً على العباسيين، وللعباسيين والفاطميين أخطاؤهم، فقد عاشت الدولتان في العصور الوسطى، واكتنز الخلفاء فيهما الأموال، واتبعوا سياسات جائرة. وقد وصل صلاح الدين إلى مصر بطلبٍ من الفاطميين أنفسهم، فكان أن حفظ الرجل مصر وحماها من الصليبيين، ولم يؤسس دولته إلا بعد موت الخليفة الفاطمي الأخير، وأنزل أعلامهم الخضر ورفع أعلام العباسيين السوداء، مغتنماً ضعفها وشللها، فأعلن دولته، والتفّ الناس حوله.. وإذا كان قد عزل من تبقّى من الأسرة الفاطمية الحاكمة، وسجنها كي لا تستعيد قوتها ثانية، فقد أعتق آلاف الجواري والعبيد، كما احتفظ بـ120 ألف مجلد، في حين أمر بإحراق كلّ ما يدعو إلى التشيّع الإسماعيلي. ومن جانب آخر، أعاد إلى مصر هيبتها في وجه الصليبيين، بعد دحره إياهم في معركة دمياط ومعارك أخرى. 
تعد إنجازاته انتصاراً تاريخياً، ولا يمكن إنكار دوره العظيم في معركة حطين، أو دوره البطولي والإنساني في فتح بيت المقدس، وفكّ حصارات عسقلان والكرك وصور وعكا وتحرير بلاد الشام من الصليبيين.. وتساقطت من خلاله الحصون وتحرّكات سراياه في عموم فلسطين، وتوحيد المنطقة، وصولا إلى الموصل.. وهذا ما لم يفعله غيره أبدا. أيحقّ، بعد هذا وذاك، أن ينعت صلاح الدين بأنه أحقر الشخصيات في التاريخ؟ علينا أن ندرك أنه لم يحيَ في عصرنا الحديث، حتى تطبّق عليه أحكامه وموازينه، فينبغي اعتبار تجربته ضمن معايير العصور الوسطى. 
لا يمكن أن تجد زعيماً ملائكياً ومثالياً بلا أخطاء أو خطايا، فهو إنسانٌ يحكم أنواعاً متباينة من البشر، وأن تاريخ أي زعيم وسيرته يكتنفها الصواب والخطأ. وربما كان الصواب خطأ عند بعضهم، والخطأ صواباً عند بعضهم الآخر، وخصوصاً أن مجتمعاتنا الإسلامية قد احتدمت تنوّعاتها، وتعدّدت فصائلها، وتباينت أفكارها واختلفت سياساتها ومعتقداتها.. وإذا عرفنا حجم ذلك التنوع والاختلاف على عهد صلاح الدين، أدركنا ثقل المسؤولية التي تقلّدها الرجل، علماً أنّ كلّ المؤرخين أكدوا أن إنجازاته الكبرى في التاريخ حمايته مجتمعات الشرق الأوسط قاطبة من التشرذم والتفكك والضياع، فقد نجح في توحيدها وانتصارها على أعتى الأعداء، وردّ كيد 

الحملات القاسية التي عاثت في بلداننا فساداً عشرات السنين.. فكيف يكون صلاح الدين حقيراً إذا غلبنا قوّة إيجابياته على أخطائه في الداخل؟ وحتى إن اتبع سياسة قاسية ضدّ معارضيه المتمرّدين من الحشاشين والباطنيين وأرتال الخونة، أمثال جوهر، والمتآمرين أمثال كمشتكين، وكلهم كانوا يناوئونه الحكم لفقدان الخلافة الفاطمية من مصر، وهم من بقاياها، بإثارتهم الفتن والاضطرابات، كما حيكت جملة مؤامرات داخلية وخارجية ضده، فهل يتركهم يفعلون ما يريدون، وقد حاولوا اغتياله مرات؟ 
من يقرأ سيرة صلاح الدين الأولى يجده مثقفاً من الطراز الأول، وكان يحفظ ديوان الحماسة لأبي تمام، وقد تضلع في علوم الدين والدنيا والحياة، كما أنه تربّى في قصور الأتابكة الزنكيين، سواء في طفولته في الموصل أم في شبابه في دمشق، واكتسب من أدبياتهم وأخلاقياتهم الكثير، وأرسله السلطان نور الدين زنكي إلى مصر، من أجل إنقاذها من الصليبيين، بطلب من خليفة الفاطميين، وكانت تعاني ضعفاً وتفككاً في أواخر عهدهم، ليغدو وزيراً فيها في ظلهم، ثمناً لما قدّمه لمصر ضد تهديدات الصليبيين وفرسان الاسبتارية البحريين (جماعة دينية صليبية).
عانت الخلافة الفاطمية شللاً وانهياراً، وانتهت على يديه بعد موت الخليفة الأخير العاضد، وانتهوا بعد مضي قرابة 250 عاما في الحكم. وعلى المؤرخ أن يعلم كم حاربه الأعداء في الداخل.. وإذا خضع أحد المؤرخين لإرادته، فإنّ جملة مؤرخين كبار سجلوا أدقّ المعلومات، كابن الأثير، والأصفهاني، والبنداري، وأحمد بن إبراهيم الحنبلي، وأبو شامة، وابن شداد، والقلقشندي، وابن واصل، والوهراني، والقاضي الفاضل، والمقريزي، وغيرهم. ولم يسبّح هؤلاء بحمده، بل كتبوا سيرته كما جرت.. وأخضعت أعمالهم للنقد والتحقيق العلمي في العالم. لنكن موضوعيين في كتابة تاريخنا، وأن لا تنساق ثقافتنا العربية إلى تشويهه، بل إخضاعه للمقارنات الموازية، وتحكيم الضمائر بمعزل عن العواطف والانتماءات.

(العربي الجديد) لندن

العراق .. ماراثون

إعادة إنتاج الوجوه نفسها

 

أ.د. سيّار الجَميل

 

يُقال إنّ أهل قرية كرهوا عمدتها، لعسفهِ وظلمهِ وطغيانهِ وفسادهِ كراهيةً عمياء، فانتظروا عمدة جديداً، ففرحوا بمقدم عمدة جديد لهم، لكنهم اكتشفوه لاحقاً بأنه عمدتهم الأول قد غيّر ملابسه مزيفا فكرهوه، وانتظروا عمدة جديداً، وفرحوا بمقدمهِ، فاحتفلوا وغنوّا ورقصوا، لكنهم اكتشفوا بعد حين أنّه ذاك القديم الذي جاءهم، وقد خدعهم بقناعهِ ولحيته.. ففقدوا الأمل، حتى يستعيدوا وعيهم كي تحين الفرصة ليهجموا عليه ويقتلوه ويتخلّصوا من شروره..

تشبه هذه الحكاية عرس العراقيين الكوميدي كلّ أربع سنين، إذ تتسارع الأيام من أجل عرس الانتخابات، وللبغداديين تشبيه جميل فيصفونه بـ "عرس واوية" (جمع ابن آوى) كونه عرس المخاتلين، اذ يتفاقم الصراع بين التحالفات السياسية للفوز بالسلطة عبر صناديق الاقتراع وإجراء الانتخابات في 12 مايو/ أيار2018، وستبقى الوجود المألوفة، وتمضي المسرحية المضحكة بازدياد التنافس بين المرشّحين الذين بلغ عددهم الكلّي 904 مرشحين للانتخابات، ممثلين الأحزاب، وسيجري التنافس لانتخاب 329 نائباً منهم، وهم الذين سيختارون رؤساء الجمهورية ومجلس الوزراء والبرلمان.

وبغض النظر عن مواقف العراقيين المتذبذبة اليوم إزاء هذه العملية الانتخابية المحاطة بالزيف والمخادعة والأكاذيب، فإنها فاتحة مخاطر كبيرة، مثل ماراثون صعب يشترك فيه قرابة عشرة آلاف عراقي وعراقية من الساعين إلى السلطة في نظام حكم سياسي مهترئ تماماً يعتمد دستوراً كسيحاً، وكلّ مرشّح منهم يقدّم نفسه على أحسن ما يكون، فمنهم الوطني والشهم وأبو الفقراء والمصلح والمنقذ والشيخ والمجاهد والمتمدن والمنتصر والفاتح ومختار العصر وأم ارادة وابو  الحكمة .. وغيرها من الأوصاف الكاذبة.. واحتدام المواقف بين الفرقاء بسقوط قتلى وجرحى لا يمنع من إكمال هذا الماراثون الذي سينتج بضاعة ملونة وهزيلة، تتولى مقاليد البلاد أربع سنوات مقبلة، ويبدو واضحاً أمامنا اليوم، وخصوصاً من لديه الحكمة والحلم والتفكير متسائلاً: ما نوعية هؤلاء المتصارعين من أقطاب الكتل السياسية، وأتباعهم، فالكلّ يتسابق من أجل السلطة والجاه والنهب والاستفادة والمصالح الشخصية، إذ أحسّوا بطعم الملايين رجالاً ونسوةً ، ويندر جداً من تجده مخلصاً لمبادئه، وفياً لوطنه، أميناً على شعبه.. الكلّ تجدهم يقتحمون الميدان بلا أية برامج سياسيّة ذكية، وبلا أيّة أفكار عملية ومهنية ، وبلا اية  تواريخ  شخصية متميزة  ، وبلا أية مشروعات وطنية، اطلع عليها الناس قبل الإدلاء بأصواتهم وتلوين أصابعهم باللون البنفسجي .  

أغلب المرشحين التابعين للكتل والأحزاب يتقافزون كالضفادع من هنا إلى هناك بلا مبادئ ولا قيم، ولا أية ثوابت ، فمن يرفضه  هذا  يتلقفه  ذاك  ، مما يعني أنه سباق محموم من أجل المصالح الشخصية، وسيكون جلوسهم كالدمى في البرلمان المقبل، وكم هي المساومات حول تسلسل هذا أو ذاك مع  شراء الذمم  .. المليارات والملايين تصرف من هذا وذاك في هذا الماراثون (الانتخابي) من أجل الفوز، ولم يجب أيّ منهم عن مصادر هذه الأموال. إنها أموال منهوبات أو سرقات واختلاسات واقتناصات أو منح من دول معينة .. هلوسة وهستيريا وجنون الدعايات الكاذبة في الشوارع والميادين وشاشات الفضائيات وحتى في المقابر، وهي دعايات سخيفة، تثير السخرية والقرف مع الصور الكالحة والإعلانات البلهاء مدفوعة الاثمان الباهظة .. وجوه إعلاميين متخلفين، أو متعصبين طائفيين، أو جوقة عاطلين من الجهلة والجاهلات وقد انضموا إلى هذه المهزلة الكوميدية التي ترعاها مفوّضية يشكّ في أمرها أغلب العراقيين، كونها انبثقت بترتيب ماكر من الأحزاب الدينية الحاكمة.

نسوة عراقيات متنوعات، قسم منهن تثار حولهن علامات استفهام وتساؤلات لا حدود لها، وقد جلبن بعضهن لاكمال نصاب الكوتا ..   قتلى هنا وتفجيرات هناك مع تصفيّة حسابات ،  والتغاضي عن مسؤولين مجرمين، لم يحاكموا لما اقترفته أيديهم بحقّ العراق بفتح  سجونه وسحق مدنه وتهجير أهله وقتل شبابه. واليوم يسعون بجنون إلى حكم العراق ثانية! ورئيس وزراء ليس له إلا التصريحات السريعة من دون أية علاجات حاسمة ومصيرية، فهو يعد ويتوّعد من دون أي فعل أو قرارات جريئة بالإصلاحات، في حين يأكل الفساد كلّ العراق.

كرنفال غير نظيف أبداً يعيشه العراقيون هذه الايام، وتمثّل في هذا السيرك أجناس ممن يسعون ليكونوا جوقة جديدة في منظومة الفساد والنهب والخراب والدمار .. هذا "الفساد" الذي سحق العراق وأهله، ودوخنّا المسؤولون بالقضاء عليه كذباً وبهتانا ، فهم جميعاً حيتان فساد.. وقد جعلوا العراق عارياً، وصلبوه وأجلسوه على مسامير حادة في تنور مسجور. وكلام مبهم تطلقهُ المرجعية الشيعية العليا، وكلّ يفسرّه على هواه من دون أيّة محددات وضوابط، ولا أعتقد أنها غافلة عما يفعله السفهاء والظالمون، فالعراق ليس حقل تجارب للفئران والجرذان.

نسبةً كبيرة من العراقيين افتقدوا أي أمل بالقادمين الجدد إلى السلطة، كونهم من اللاحقين  بالطبقة الحاكمة المزمنة التي جثمت على صدور العراقيين، وأباحت كلّ شيء في العراق لمصالحها الشخصية والعائلية والفئوية منذ 2004.. بل وما نسمعه ونراه اليوم من وعود وعهود من هذا  وذاك  سيمحى بعد الانتخابات، وستجد إعادة غير أخلاقية للتحالفات، بحيث تبقى الأحزاب الحاكمة مهيمنة على الأوضاع، ويعود العراقيون ليأكل بعضهم بعضا!. أبشع ما يمكن تخيلّه عن هؤلاء أنهم كانوا من المسؤولين الحقيقيين عن تفاقم المحاصصة الطائفية والعرقية باسم التوافقية السياسية، واليوم يدينونها وينتقدونها، مستهترين بعقول العراقيين، وكأنهم لم يكونوا هم أنفسهم من عتاتها سابقاً ، وكلهم قد  تبرؤا  من جرائمهم ! يغيرّون جلودهم كلّ أربع سنوات، وتجدهم جميعاً وقلوبهم شتّى.. فلم تزل هناك قوائم شيعية وقوائم سنية وأخرى كردية لها أجندتها المتناقضة غير الوطنية.. ولما كانوا من أسوأ المخاتلين والمرائين، فهم يتكلمون باسم العراق والعراقيين بلا أيّ خجل أو حياء. وقد تجدهم من الأحزاب والكتل الدينية والطائفية، لكنهم دجالون يخلطون الأوراق، إذ يتكلّمون اليوم باسم المدنية، وكأنهم يريدون بدوغمائية  عمياء حرق المدنيين الحقيقيين.

ان العراق  في  محنة  حقيقية ، اذ يعيش العراقيون اليوم انقساماً حاداً، فهناك من لم يزل مخدوعاً بهذا النظام (الديمقراطي)، وهو يأمل إصلاحه من خلال هذه الانتخابات، وهناك من يرفض تماماً المشاركة في الانتخابات، إذ فقد الأمل أساساً من هذه الوجوه الكالحة التي تريد البقاء في الحكم بأيّ ثمن. انني أؤمن بالديمقراطية تماماً، ولكن أن تكون سلمّاً لمثل هؤلاء أن يحكموا العراق، فإنني انّزه نفسي عن المشاركة في هذا الماراثون الذي سيجري بلا أية رقابة دولية ولا اية  قيم  وطنية  أو أخلاقية .. واخيراً أقول للعراقيين، بأنّ أربع سنوات قادمة ستكون صعبة جداً عليكم، وعلى بلادكم حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

 

العربي الجديد / لندن  

ويعاد  نشرها على  موقع الدكتور سيار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

حيتان فساد

مدمّرة تبتلع العراق

د. سيار الجميل

 

يعيش الساسة العراقيون اليوم هستيريا ضارية مع اقتراب الانتخابات، فالكلّ يسعى إلى الفوز بالمناصب، حيث اعتاد هؤلاء جميعاً على خوض معترك انتخاباتٍ برلمانيةٍ من أجل المنافع والمصالح الذاتية والحزبية. وكنت قد وصفت بداية الدمار قبل سنوات في مقال عنوانه "الديمقراطية الكسيحة" نشر في 11 أغسطس/ آب 2010.. وفيه: "العراق أمام قوى حزبية طائفية ومليشياوية وعشائرية وجهوية، ساهمت كلها في تفكيك المؤسسات وسحقها، وجعلها تتوزع المناصب والوظائف في ما بينها.. إنه أمام نوازع جشعةلأصحاب مصالح فئوية وشخصية غير نظيفة أبدا، أدت إلى انتشار الخراب والسرقات للمال العام والرشاوى، وكل الفساد الذي أمسى العراق الأول فيه عالميا! إنه أمام انقسام طائفي وتشرذم اجتماعي وصراع عرقي، لم يعرفه تاريخ العراق سابقا بهذا النحو أبدا.." وفيه "العراق أمام مشهد فاضح من إقصاء المتميزين، وتهميش المجتهدين، وعدم الاستماع للمستقلين، مع إبعاد أصحاب الكفاءات والخبرات، موظفين ومستشارين من كل مؤسسات الدولة وأجهزتها، والاعتماد على المنافقين والموتورين والمعممين والمصفقين والمتحزبين الديماغوجيين..". 
اليوم، تسعى 
الطبقة الحاكمة نفسها، وبمختلف الذرائع والوسائل، إلى الوصول إلى السلطة، أمام مشهد يشارك في تمثيليته شعب العراق الذي يبدو أنه لم يتعلم شيئا من تجاربه التي مرت عليه خلال 12 سنة مضت. وإذا كان بعضهم ينادي اليوم بمقاطعة الانتخابات، فهو ينفخ في قربةٍ مقطوعةٍ، لأن كل الأمور تسير لصالح تكتلات حيتان فسادٍ احتكرت السلطة والنفوذ والمال،  

وإن المقاطعة المزعومة لا تشكلها إرادة شعبية واسعة، لم تدعمها أية مؤسسة دينية متنفذة، ولم تسندها قوى لها سيطرتها وهيمنتها. وعليه، تتمثل المشكلة بتغلغل الحيتان في أعماق المجتمع، إذ عملت هذه على شراء الذمم بوسائل قذرة استثمرت أموال الفساد السياسي لغسل أدمغة ملايين العراقيين، رفقة قانون سانت ليغو 107 والالتفافات التي جرت عند تشكيل مفوضية الانتخابات الراضخة للأحزاب الفاسدة وقمعها الإرادة السياسية المخالفة. فضلا عن استخدام المقود الطائفي للسفينة، والذي يمكن تحريكه ضمن اتجاهات معينة، خصوصا أن قبطان السفينة غدا متمرسا في لعبته القذرة، وهو ينفق من المال المنهوب.. هذه المعادلة غدا يسعى إليها جميع المرشحين، إلا من ندر. 
تعد الانتخابات المقبلة حلقة أخرى من الديمقراطية الكسيحة التي ولدت في بلاد مفرغة سياسياً من القيم الأخلاقية، وقد احتكرت السلطة طبقة ولدت مع المحتل الأميركي الذي سعى إلى إشاعة الفوضى في كل المجالات العراقية، من دون المرور بأية مرحلة انتقالية، تتحقق فيها العدالة الانتقالية، ويولد من خلالها دستور مدني محترم.. وعليه، غدا العراق مجرّد بحيرة صاخبة تسودها حيتان الفساد، وكل أربع سنوات تتوالد لتأكل الأخضر واليابس. كبرت هذه الطبقة الحاكمة التي لا تريد مغادرة السلطة أبداً، وتصرّ على البقاء مهيمنة، وهي تجمع كلّ القتلة والفاسدين، وكانت ولم تزل تعمل على استغلال النفوذ، حتى وإن سُحق العراق وأهله. وكانت كلّ الانتخابات السابقة قد ثبت التزوير فيها، وشككت الحيثيات بنزاهتها، فمن يضمن نزاهة الانتخابات المقبلة، ما دام نفوذ الطبقة الحاكمة مكرّساً في مفوضيّة الانتخابات التي تقاسمت الأحزاب الحاكمة الحصص فيها. 
مضت سنوات طوال، وبعض العراقيين ينادون بالإصلاح السياسي، ويطالبون بتغيير أساليب الانتخابات، ويقترحون على الحكومة معالجة أمر الفاسدين بيد من حديد، كما انتقدت هلامية الأحزاب العراقية المؤسسة على أسس طائفية ودينية، ولكن لا من سامع ولا من مجيب. وعليه، العراقيون مقبلون على مرحلة تاريخية صعبة جداً، ذلك أن الحيتان المفترسة الجديدة،  

مهما كانت مقاعدها في البرلمان، فهي قادمة هذه المرة من أجل اكتناز الملايين، وسيبقى الفساد مستشريا في الحكم والسلطة، باستحواذ الحيتان على كلّ المصالح بتحالفاتها مع أسماك القرش الدموية التي لها منافعها هي الأخرى. وعليه، لا يمكن أبداً تغيير النظام، ولا أساليبه، ولا ممارساته التي استشرت قوّةً، وغدت ثقافة فسادٍ طاغيةٍ، لا يمكن إزاحتها بسهولة أبداً، حتى وإن كثر الأحرار من العراقيين. وعلى العراقيين أن يدركوا أن لا تغيير جذريا سيحصل، إن لم تكن هناك إرادة أميركية قويّة، وهذا صعبٌ حصوله، كما لا يمكن حدوث أيّ تغيير إصلاحي، ما دامت الوجوه الكالحة الحاكمة موجودة على دست الحكم. 
حاورت قبل أيام أحد مؤيدي النظام الحاكم اليوم في العراق، سألته: ما رأيك لو طالب العراقيون بحكومةٍ تنفيذيةٍ وسلطة برلمانية ورئاسة عليا، يعمل كلّ من يصل إلى منصبه فيها تبرّعا، ليعمل بلا مقابل أربع سنوات، ويحاسب عند مغادرته السلطة كيلا يكون قد استغل منصبه؟ أجابني: هذا محال، لا يمكنني قبوله.. من أين أقبض شهريتي الجارية إذا حُرم المسؤولون من منهوباتهم (المشروعة). هذه هي "الثقافة" التي تسود العراق اليوم. قلت: هل بالإمكان أن ينتخب الناس أسماء أشخاصٍ في انتخابات عامة، بلا أية أحزاب أو كتل أو تيارات أو تحالفات ثبت إجرامها بحقّ العراقيين وبحق ثرواتهم، وجعل العراق دائرة انتخابية واحدة، بحيث يحقّ لابن الموصل أن ينتخب عراقيا من البصرة أو بغداد أو العكس، حتى يكونوا ديمقراطيين حقيقيين، لا فرق بينهم؟ أجابني: لا أوافق على ذلك، إذ سينتقل الحكم إلى أيدٍ جديدة لم تتلوث، وهذا لا نقبله أبداً. قلت: أسفاً على العراق، تحكمه حيتان فاسدة، وأسماك قرش مدمّرة، تتسلط على العراقيين وباسمهم. ولكن كما تكونوا يوّلى عليكم.

(العربي الجديد) لندن

ضآلة المعرفة

 وتشويه التاريخ لدى أدونيس

أ.د. سيّار الجميل

مقدمة :

وقع  سمعي  صدفة  على  " فيديو " يتضمن حواراً  تلفزيونياً  مع  ادونيس[1]   الشاعر  والكاتب  السوري  المعروف  الذي  كتبتُ  عنه  فصلة  منذ سنين  في  كتابي  " نسوة ورجال : ذكريات شاهد  الرؤية "  ، وادونيس  اسم اسطوري فينيقي مستعار  اختاره  صاحبه  لنفسه بدل اسمه العربي الحقيقي  (علي أحمد سعيد إسبر ) .  ولد عام 1930 في قرية قصابين التابعة لمدينة جبلة في سوريا ، وكان قد غادر  سوريا  نحو  لبنان منذ شبابه المبكر  ثم استقر  في فرنسا  حتى  اليوم .  والحقيقة ، انني  لم  استغرب  من حديثهِ  الذي  كشف  فيه  اليوم  عن نفسه  تماماً  بعد ان  أخفى  أوراقه الحقيقية  تحت  عباءات شتّى  طوال  حياته .. لم  استغرب  لما قاله  ، لأنني ادرك ادراكاً عميقاً ، ومنذ  سنين ان الرجل  تتحكّم بواطنه في  عقله  ، وقد ترسخّت فيه بقايا  ترسبّات  ثقافته المحلية الشعبوية والانغلاق  عليها  بالرغم  من ادعائه التحرر  والحداثة  والتقدم  ، وانه يجهل  تماماً  الرؤية الواضحة الى  تاريخنا  العربي  والاسلامي  بموضوعية ، وبانت  عارية  دوافعه  ضد  تراثنا  العربي كله  ، فاستخفافه  بتاريخنا  واعجابه  منقطع النظير بتاريخ اوروبا  دليل  على  كونه  منقطع تماماً  عن انتمائه العربي  ، وان انحرافاته  تدّل  دلالات  فاضحة عن  انكاره جذوره الحضارية ، ناهيكم عن عقدة  النقص  التي  تربّى  عليها في بيئته المغلقة وتربيته الباطنية  والتي  يبرزها  في  كتاباته  واحاديثه بأساليب  غير  مباشرة ، فينطلي كلامه  على الكثير  من الناس الذين  لم  يعرفوه معرفة  معمقّة   . وكلامه  هذا  ليس  غريباً  عني  ، فقد  كنت  قد  سمعت  عن  ندمائهِ  من بني  جلدته  منذ  أكثر من  35  سنة ما  يشابهه  ،  اذ كانوا  يتداولونه سراً  في ما بينهم ، ولكنهم اليوم  خرجوا  من  أوكارهم ليكونوا  اكثر  توحشاً  وضراوة ، واكثر  صراحة وشعوبية  لبثّ  كراهيتهم  وأحقادهم  علناً  من دون أيّ  رقيب ، ولا  أي ناقد  أو حسيب  ، وفي زمن  تباح  للشعوبيين  والطائفيين والانقساميين أفكارهم  الشريرة ، وصدق من قال  بأنّ  أوطاننا  مهدّدة  من  دواخلها  ..

تفكيك  خطاب أدونيس وتشريحه  ونقده

ان  من  يسمعه  لا  يستنكر  بعض أحكامه  ، بل  يحاكمه  على  مواقفه  التي  يحدّد  بعضها  جهله التام  بالموضوع الذي  يتحدث  فيه  واستخفافه  به أساساً   ،  أو  التي  يكشف  بعضها الاخر  جهالته  بالتاريخ  ، اذ  أنه  لم  يقرأ  التاريخ مطلقاً  كما  يبدو  ، ولم  يكن  في يوم من الايام  مؤرخاً ، فهو  يعدّ نفسه  شاعراً ،  ويصنّف  نفسه  (مفكراً  ) وهي  كلمة توصيف مكابر  للذات ، وقد غدت  اليوم  مبتذلة  على أشد ما  يكون  الابتذال في الثقافة العربية ، وفي  الفضائيات  الاعلامية .. أو  انه  يتعمّد  ذلك  لغرض  في نفسه ، أو  غايات  دفينة  ازاء  ثقافة عربية يكرهها  كرهاً  ويمقتها  مقتاً  شديداً ، وحسناً  أنه  ظل  شاعراً  يكتب  طلاسمه والغازه ، او  كاتباً  يكتب  انشائيات  قوّية مليئة بالالتباسات والمفاهيم  والتعابير المستعارة  التي يخدع الناس بها بعد ان  يأخذ  من هذا  مفاهيمه  ، أو  من ذاك  أفكاره واتعابه .  دعوني  أتوّقف  عند  بعض  أقواله بالنص  لنخضعها  للنقد  بعد  تفكيكها ، وتوضيح  مقاصده  منها  :

اولا :  يقول :  " الدولة الاسلامية الاولى بدوية  تأسست على  العصبية  القبلية "  .

هنا  يقرن  أدونيس القبيلة  بالبداوة  ، وهذا  خطل  في التاريخ  ، وخطأ  كبير  في  سوسيولوجية حياة الامم  ، فالبداوة  مصطلح  له  معناه  ، وليس شرطا  ان  تكون  القبيلة  رهناً تحتكرها البداوة ،  فالمجتمع  في مكة والمدينة كان حضرياً  مدينياً ، ولكنه  يتكون من قبائل  متوطنة منذ القدم  في مكان  هي مكة  ، ذلك ان  قبيلة قريش  متوطنة  في  مدينة  مكة  ، ولم  تكن  بدوية  رحالة تنتقل  في  البوادي  من مكان الى آخر ، علما  بأننا  نتحدث عن  زمن  كان  جزءاً من  حقبة  عبودية لا  يمكننا  ان  نسحبها  منه الى  زمننا  لندينها   .. وان  كانت الدولة الاسلامية  قد تأسست  على  العصبية القبلية  بزعامة  قريش ، فان بريطانيا  يحكمها آل  ستيوارت منذ  القرن الثاني عشر الميلادي حتى  يومنا  هذا  وكذلك  بالنسبة  الى  كل دول العصور الوسطى والامبراطوريات القديمة في الشرق والغرب  كآل رومانوف  وآل  بوربون  وآل  هابسبورك  وغيرهم   .

 وكان  حال الدولة العربية  هكذا منذ  نشأتها ، وانتقلت  من الراشدين  الى الامويين الى  العباسيين  ، فما بالك  ان  تأسست على  سلالة آل البيت وحدهم  كما  يطالب  بذلك  شيعتهم  منذ مئات السنين ؟؟   اتريد  سحب  العصور  الوسطى  الوسيطة  الى  عصرنا  هذا  لتحاسب  الدولة الاسلامية الاولى  على  مقاييس اليوم  يا  ادونيس ؟  اذا  كان  هذا ما يدور  في  ذهنك  ،  فاسمح لي ان اعلمك باننا  نعلم  طلبتنا في اقسام التاريخ ،  ومنذ  بدايات قراءتهم  للتاريخ ان  يذهبوا  بعقولهم ومشاعرهم الى  الماضي ليتعايشوا معه ،  لا  ان  يسحبوا الماضي  الى معاصرتنا  لمحاكمته  !   ولماذا  اقتصرت على الدولة الاسلامية الاولى  فقط ،  ولم  تذكر  الدول التي  كانت تعاصرها  عصرذاك ، او الدول  التي  اعقبتها ؟  وما  طبيعة  كل دولة من تلك الدول  ؟ ثم  لماذا  الدولة  العربية  وحدها ، ونحن  نعرف  ان  تاريخنا  ازدحم  بتواريخ  دول  شتى  وكلها  دول  سلالية  سواء  كانت  عند  ملوك وامراء  الهند والملايو  ، او  شاهات  ايران  ، او  خانات المغول  والتتار  ، او  سلاطين الترك  والآفار  وغيرهم  في المغرب  وافريقيا  .. وقد  وصفها كارل ماركس  وغيرها من  دول  الشرق  بدول  الاستبداد  الشرقي حسب  النمط الاسيوي  للانتاج [2]  .

القبائل والأمم

لقد رافقت نقاشات كبيرة الجهود لتحديد القبائل وتوصيفها. ويدرك العلماء الاختلافات بين القبائل السابقة للولاية والقبائل المعاصرة ؛ هناك أيضا جدل عام حول التطور الثقافي والاستعمار. في الخيال الشعبي ، تعكس القبائل طريقة للحياة تسبقها ، وهي طبيعية أكثر من تلك الموجودة في الدول الحديثة. القبائل أيضا امتياز في العلاقات الاجتماعية الأساسية والواجهة بوضوح ، متجانسة ، ضيقة ، ومستقرة. القبائل هي منظمة بين العائلات (بما في ذلك العشائر والأنساب) ، والتي تولد أساسًا اجتماعيًا وأيديولوجيًا للتضامن يكون محدودًا بشكل ما أكثر من "المجموعة العرقية" أو "الأمة". وقد تحدى البحث الأنثروبولوجي والعرقي جميع هذه المفاهيم ،  كما  يقول  مورتن  فرايد  وبول  جيمس  وجريجوري  ناكي  وغيرهم [3]  .

ثانيا :  يقول أدونيس : " لم تتوقف الحرب  العربية  العربية  ابدا  .. في  تاريخنا  كله "

هكذا  ،بالمطلق  يا  ادونيس  في تاريخنا  كلّه ؟  أية  حروب  عربية  عربية  تقصد  ؟  كذلك  تفقد  السيطرة  على  نفسك ، وانت  في غمرة  عاطفتك المشبوبة المضادة للعرب  لتوزع  عليهم  أحكامك  التي   لا  وزن  لها  ، كونها  لا تستند  الى  حقائق  تاريخية ولا الى اية  حيثيات موضوعية !  ولماذا الحروب  الاهلية  العربية  ، وكأنها  من طبائع  تاريخنا  وحده  دون  المقارنة مع تواريخ  أمم  اخرى  شهدت  هي الاخرى  صراعات  دموية  وحروباً اهلية  ، بل  وشهدت  أقسى  الاحداث  بدءا  بنزاعات  قبلية ، وصراعات دينية ، وانتهاء  بحروب اهلية  ..  السؤال المهم الذي  يفرض  نفسه  على  شخص  مثل ادونيس  عاش  مغيباً  تماماً  عن  تاريخ  العرب  بتحقيباته  الكلاسيكية  والوسيطة  والحديثة  يتمثل  بـ :  لماذا  هذا  التأكيد على  المثالب والسلبيات  ، وكأن العرب  لم  يتعايشوا ،  ولم  يتحالفوا مع بعضهم الاخر  ،  ولم  يتوّحدوا  يوما  أبداً لا  بين  انفسهم  ولا  بينهم  وبين الاخرين ؟  وكأنهم  لم  يكونوا يداً  واحدة  في  قلب  الازمات الحادة  والتحديات الصعبة ؟  وان  كانت  ثمة  صراعات سياسية وانشقاقات ايديولوجية  ، فلماذا  تنسى  الانسجام الاجتماعي  والتماسك الثقافي  الذي  حكم  المدن العربية  بكل أطيافها  الدينية والقومية على  امتداد اكثر من الف سنة ؟  تمنيت ان تقرأ  وتتأمل قليلاً  كتب  المؤرخ المستشرق الفرنسي اندريه ريموند André Raymond في الذي  كتبه عن المدن العربية  على  امتداد العصور الحديثة [4] . وكيف توهجت الحياة  فيها  ، وكيف  عاش الناس  فيها مقارنة  بمدن  اوروبا  ابان العصور الوسطى  ؟  وقارن  صراعات  العرب السياسية  بصراعات الاخرين  وغيرهم من الامم  ، ستجد  ما عاناه  الجرمان  والوندال والفرنجة والساكسون والرومان والبيزنطيين  والساسانيين  وغيرهم  من  الصراعات الداخلية  ابان العصور  الوسطى  الاولى  والوسيطة والمتأخرة  ؟ وستجد  بما لا يقبل  مجالا  للشك  انك  تقوم  بتشويه  تاريخنا  عن  قصد  ، وان حجم الانحرافات في ارائك  كبير  جدا  ، لم  يقم  به  حتى الاعداء .  

ثالثا :  يقول :  " لم نستطع  أن  نبني  مجتمعا  مدنيا واحدا  على  مدى  14  قرنا " .

ما تعريفك  للمجتمع  المدني  يا ادونيس  ؟  هذا  مصطلح  جديد  ولد  في  القرن العشرين ، فما  علاقته  بما مضى  لـ   14  من القرون ؟   المجتمع المدني هو "مجموع المنظمات والمؤسسات غير الحكومية التي تظهر مصالح المواطنين وإرادتهم". يشمل المجتمع المدني الأسرة والمجال الخاص ، ويشار إلى "القطاع الثالث" في المجتمع ، المتميز عن الحكومة والأعمال. من قبل مؤلفين آخرين ، يستخدم "المجتمع المدني" بمعنى 1) مجموع المنظمات والمؤسسات غير الحكومية التي تعبر عن مصالح وإرادة المواطنين أو 2) الأفراد والمنظمات في مجتمع مستقل عن الحكومة.  في بعض الأحيان يتم استخدام مصطلح المجتمع المدني بمعنى أكثر عمومية "عناصر مثل حرية التعبير ، والقضاء المستقل [5]، وما إلى ذلك ، التي تشكل مجتمعا ديمقراطيا" (Collins English Dictionary ) لا سيما في المناقشات بين المفكرين في أوروبا الشرقية والوسطى ، ينظر المجتمع المدني أيضا كمفهوم للقيم المدنية. أحد الممثلين المعروفين على نطاق واسع لهذا المفهوم هو المنشق البولندي السابق آدم ميتشنيك  [6]

شهدت العصور الوسطى تغييرات كبيرة في المواضيع التي ناقشها الفلاسفة السياسيون. بسبب الترتيبات السياسية الفريدة للإقطاع ، ولقد اختفى مفهوم المجتمع المدني الكلاسيكي عمليا من النقاش السائد. بدلاً من ذلك ، سيطر الحديث عن مشاكل الحرب العادلة ، وهو انشغال قد يستمر حتى نهاية عصر النهضة.   ومجيئ  توماس  هوبس   وجون  لوك  وجان جاك روسو  وصولا  الى  امانوئيل  كانت  وهيغل  وماركس  وانتهاء  بدولة  (الولفير = دولة الرفاهية )  .  وأسألك  :  ماذا  فعلت  القوانين  ، واين كان  المجتمع المدني  ابان القرن العشرين  عندما  اندلعت  اقسى  حربين  عالميتين في التاريخ ، وذبح الملايين  من البشر  في قلب اوروبا  ؟ 

رابعا :  يقول أدونيس  " بقيت  مجتمعاتنا  تراكمات قبلية وانتماءات  طائفية  .. والتوفيق والتلفيق  بين جماعات  مختلفة جذريا  بعضها  عن  بعض  " .

لا  ليست كل مجتمعاتنا  لها  ما  وصفت ، اذ  يزداد  ذلك  التنوع من التناقضات في  كلّ  من  سوريا  والعراق  ، واذا  كانت التراكمات القبلية  تنتشر  في بعض اجزاء الجزيرة العربية  ، فان الانتماءات الطائفية  تتفاقم  في  كل من  لبنان وسوريا والعراق  نظرا  لازدحام الطوائف  الدينية  والمذهبية والباطنية  فيها  منذ العصور الوسطى وما  عاشته مجتمعاتنا  من مشكلات وتناقضات  ، وهي  فعلا  جماعات  مختلف  بعضها عن الاخر   في بحر  من الاغلبيات  ..   لقد  عشت  سنوات  من حياتي  في  بلدان عربية  عديدة  سواء  في المشرق  ام  المغرب العربيين  ، فلم  اشهد اية  تراكمات  قبلية ،  او انتماءات طائفية  في  مصر  او  تونس  او  المغرب  او الجزائر  .. ولكن  تحولت  مجتمعاتنا  في ثقافاتها من  مجتمعات مدينية الى  مجتمعات  مختلطة تطغى  على  بعضها الثقافات الريفية والشعبوية المتخلفة  ..  وحتى  مجتمعاتنا  العربية  لم  تعرف  الانتماءات الطائفية  الا  في  الاربعين  سنة  الاخيرة وبالذات بعد متغيرات العام 1979 [7] ، اذ  كانت النزعات الوطنية  هي المسيطرة في مجتمعات اغلب  بلداننا  العربية  ، وكانت  مجتمعات  الجزيرة العربية  تسودها المشيخات القبلية ، والتي  تحولت  اليوم الى  كيانات  سياسية مشيخية  تتركز  عند  السواحل  كون الدواخل  اكثرها  لا  يصلح  لنمو المجتمعات  نظرا  لطبيعتها الصحراوية .    

خامسا : يقول ادونيس  " ثقافة  التسامح  ثقافة قروسطية  .. الغزو والفتوحات والتسامح  عنصري  والمساواة اقرار  في مجتمع  يحكمه القانون " .

ليس  هناك  ثقافة  تسامح  بل  هناك نزعة  مسامحة تستخدم اجتماعيا من اجل ترسيخ  ثقافة  تعايش ، والفرق  بين  اللفظين  كبير  جدا  ، وحتى ان  غلبت  في  بعض  مجتمعاتنا  كلمة  "التسامح " ،  فهو  يعبر  عن  واقع  مجتمع  متسامح  ، ولولا  ذاك  لما  تعايش  الناس  في  المدن  والارياف في قسمات اوطاننا مع  بعضهم الاخر  باستثناء  من  يريد  العزلة  او  فرض العزلة  على نفسه  ، فكل اليهود  الشرقيين  في مجتمعاتنا  عاشوا  في  بعض مدننا  واريافنا  ، ولكن  في  محلات او حواري  خاصة  بهم  على  غرار  ما  عاشوا  عليه في اوربا  متمثلا  ذلك  في  " غيتات ( مجموع : غيت ) " او  كما يطلق  عليها  بـ  Shtetl  ، اذ  كانت  لهم  غيتاتهم  المنفصلة [8] .. وعاش  اليزيدية  لوحدهم  في شمال العراق  منعزلين ومتسامحين عن  المجتمعات المتنوعة ، بالرغم من  مشكلاتهم  الداخلية  في ما بينهم وخصوصاً  في  الجبال اتقاء  التصادم   ، اسوة  بالعلويين  النصيرية  في سوريا وجنوبي  تركيا ، اذ  بقوا  مئات السنين  قد فرضوا على انفسهم  العزلة  في جبلة  وضواحيها  جنوب اللاذقية مثلا  وانت  منهم  يا ادونيس  ، وهم  يخفون  كل  شيئ يخصهم عن العالم، ولكنهم  خرجوا الى  الحياة ، وانخرطوا  في  الحياة  السياسية والاجتماعية  من دون ان  تسحقهم الغزوات والفتوحات  .. والتاريخ لا  يحدثنا ابدا  عن  غزوات قام  بها  اهل الشام واهل حلب  انفسهم  ضد  النصيرية  العلويين  أو  غيرهم  ، الا  ان  كانت  هناك  قوى  اجنبية  مهيمنة على الاوطان ، ويكتشف  المجتمع  من  يتواطئ  معها  ، او  اكتشف الناس  طوابير  خامسة  كي  تتحالف مع الاعداء  ضدّ  اهلها  عبر  التاريخ ! 

وعليه ، فكيف  يمكن  اعتبار  التسامح  ثقافة قروسطية ؟  وكيف يكون  التسامح  عنصري ؟  واذا  كان القانون  رديف  الدولة  الحديثة  ،  فهل خليت  تواريخنا  من  تجارب  مساواة  وعدل يا ادونيس ؟  ما  ركائز  الاخلاقيات العربية  التي  عبّر  عنها  بـ  " مكارم الاخلاق "  ؟ وما  منظومة  القيم العربية  التي  عاشت  عليها  مجتمعاتنا  ازمنة  طوالاً ؟   لماذا  تغيّب  عن  قصد  يا  ادونيس  كلّ الايجابيات  كالاباء  والغيرة  والعفة  واغاثة الملهوف والكرم  والنخوة  والمروءة  وغيرها  من  النزعات السايكلوجية الرائعة التي  لا  تجدها  لدى  تواريخ  مجتمعات أمم  اخرى  ؟؟  اذا  غابت  مثل  هذه النزعات اليوم نتيجة  سوء  انظمة  الحكم وانعكاساتها على  الانظمة الاجتماعية العربية  مع سياسات تربوياتها الفاسدة  في مثل هذه الازمنة  ، فهل معنى  ذلك  ان  مجتمعاتنا  لم  تعرف  روح الانفتاح  ..  ؟  كيف  عاملت  مجتمعاتنا  كل الذين  نزحوا  اليها ، واستوطنوا  بلداننا  مثل  الاتراك  واليونان والفرس والطليان والارمن  والبلوش  والجركس  والشيشان وحتى بقايا  الصليبيين والتتار  والهنود وغيرهم ؟  

سادسا :     يقول ادونيس  : " الثورة  اتسخت  اذ يقوم  بها  متطرفون متفسخون اكثر  من المسؤولين"

انت  تدرك  جيدا يا  ادونيس ان  الثورات  يقوم  بها الاحرار  .. وان  الثورات العربية  التي  انفجرت  نهاية 2010  كانت في  بدايات  الامر  سلمية  ومدنية لاناس  اغلبهم من الشباب التائه ،  او  الجائع ، او  العاطل .. طالبوا  بتحسين  أحوالهم المعيشية واصلاح  انظمتهم السياسية والاقتصادية  والقضاء على  الفساد ، ولكنها  ثورات  استلبت  من قبل  جماعات  وانظمة سياسية دينية  وطائفية  ، واصبحت  سلعة  تباع  وتشرى  من  قبل  سلطات  ودول حاكمة  عربية  وغير  عربية ، اقليمية  وأجنبية .. في  زمن  يتصارع  فيها  الاسلام  السياسي  مع  بعضه  بعضاً  .. وكانت مجتمعاتنا  ضحايا  ذلك  الصراع .. ابحث  عن  المتطرفين  المتفسخين  ستجدهم  في  كل  مكان ، وعند  كلّ  ملّة  ولدى  كلّ  نظام  سياسي  جائر  ..  وكنت آمل  ان  تكون  اكبر  من  ذلك في  توصيف  الثورات  وقبرها  من  قبل  كلّ الاطراف  المشاركة والممولة والاجنبية  والداخلية والخارجية   .    

سابعا: يقول أدونيس " نحن الان  في  مرحلة انقراض  نحن  بحيرة  تجف  مليئة  بالاسماك الذي ياكل  بعضه  بعضا 

من  يكون  هذا  " النحن "  ؟  يا  ادونيس  تصورت  انك  اكبر  عقلاّ وارجح  فهماّ  من  طرح هذا  التوصيف في الانقراض  ..  من  يكون  في مرحلة الانقراض  ؟  ومن  قصدت  بوصفك  نحن  بحيرة  تجفّ  ..  ؟؟  وعندما  تجفّ البحيرة  ستجد  كلّ الاسماك  ميتة  ..  ولكن  البحيرة  لن  تجف  ابداً  .. مرت  مجتمعاتنا ( العربية  بالذات )  بتواريخ  صعبة  جداً  وجابهت  تحدّيات  كبرى  استجابت  لها في ازمنة  متعددة  ، ولم  تستسلم  ابداً  ..  مجتمعات عربية  واجهت الاغريق والحيثيين  والرومان  والساسانيين والوندال  والبرابرة والقوط  والمغول من قبل  جنكيزخان  وهولاكو  ، وتتار  تيمورلنك  ، والصليبيين لمئات السنين ، ثم  المستعمرين  الاوربيين  المتنوعين  من  هولنديين  وبرتغاليين  وفرنسيين  وبريطانيين  وطليان  واسبان  وغيرهم ناهيكم عن  تأسيس  كيان اسرائيل  في  قلب  فلسطين  وصولاً  الى  الامريكان والروس  دون ان  تنقرض  مجتمعاتنا  ..  انها  مجتمعات  حية  تمرّ  اليوم  في ازمنة  صعبة ، وتتلبسها  انقسامات  دينية  ومذهبية  وطائفية وهي بحاجة الى علاجات  وخطط  واصلاحات  ..  وتتعرّض  بعض  مدننا  للانسحاقات المدمّرة  من قبل  انظمة سياسية  جائرة  ، ولكنها  لن  تموت  ابداً  ولن  تنقرض  . ربما  ستنقرض  بعض الاقليات  السكانية  في سوريا  والعراق  مثلا بسبب  الابادة  المنظمة  والهجرة  والنزوح ،  ولكن  سترجع الحياة  يوماً  ..  ويقول  الحكماء  : "  الحياة تستمر طالما هي مستمرة انفعالاتنا، وبدونها تصبح الحياة غبارًا فحسب "  .

ثامنا  : يقول ادونيس  :  "  الخروج من هذا السياق التاريخي  القطيعة  مع الماضي ، والخروج الى القانون  لا القبيلة ولا الدين  ولا  الطائفة ولا العشيرة ..  "  .

لقد  فضّ  ادونيس  المشكلة  التاريخية  بعدد من الكلمات  مقترحاً  الخروج من هذا  السياق  التاريخي مستخدماً  القطيعة  مع الماضي، ولا ادري هل قرأ  مفهوم  القطيعة الايبستمولوجية  لدى  المفكرين والنقاد  الفرنسيين  ،  ام  لا  ؟  لقد  ادرك  معناها  كلّ من  الاساتذة  عبد الله  العروي  ومحمد عابد الجابري  ومحمد اركون  بتأثرهم  من دون  استخدام  المطلقات  في  توظيف "القطيعة " ،  بل  فهم  الماضي  بأشكال  نسبية ،  وليدرك  ادونيس ومن هم على  شاكلته وما اكثرهم اليوم  ، بأنّ  مجتمعات  الدنيا  كلها  لم  تخرج من سياقاتها  التاريخية  ، بل  نجحت  في  تجديد  أساليبها في الحياة  ، وليس  هناك  أيّة  أمة  من الامم  تتنكر  لماضيها  ، فكلّها تعتز  بتواريخها ، وهي  تتعلم منها  ، وهي  تميّز  بين  ايجابيات  التاريخ  وسلبياته  ..  تواريخنا  يا ادونيس  ليست  بهذا السوء  الذي  تتحدّث  به  بعصبية  نابعة  من كراهيتك  لها ، كما  يبدو  ذلك  من  حديثك المتحامل ، وهي  صفة  لا  يتمتع بها العلماء   .. 

لقد  وقف  المئات  من  المؤرخين  والمستشرقين  وقفات  علمية  رائعة  ازاء  تواريخنا  العربية  والاسلامية،  ووصفوا  صفحات  منها  بالمجد  والعظمة والخلود ، ويكفي  ان  ازدهار  حضارتنا في التاريخ الوسيط ،  والتي  اشترك  فيها الجميع ، وساهمت  في صناعتها  كلّ  الاديان وكل الاعراق ، وكل الملل اذ استخدم  الجميع في بيئاتنا الثقافة  العربية ، وأغنيت المعرفة  بالمزيد من المنجزات العظمى.. كانت هي حلقة  الوصل  بين الحضارات  القديمة والحضارة  المعاصرة  ، فلن  تنشأ النهضة  الاوربية  الحديثة الا  من خلال  المدارس  العلمية  العربية  الاسلامية ، واشير  عليك  بقراءة  ما  كتبه ونشره  غوستاف لوبون[9] وجورج سارتون [10]وارنولد توينبي[11] وزيغريد  هونكة[12] وهاملتون كيب[13] ورينولد نيكلسون [14]وروبرت منتران[15] واندريه ميكال [16]وجاك  بيرك [17]  وكليفورد بوزوورث[18] وغيرهم   .    

تاسعا  يقول أدونيس : "  الاسلام  رسالة  ماتت  مع  محمد  واصبحت  ايديولوجية ..  وتحويل الاسلام  الى  سلاح  والى ايديولوجية ..  اربعة خلقاء مؤسسين  ماتوا  قتلا  ويجب ان نتذكر  ماذا حدث  للامويين  وماذا فعلوا  ،  وماذا حدث للعباسيين  وماذا فعلوا  .. "  .. 

اي  اسلام  تقصد  يا  ادونيس  ؟  اي اسلام  تريد  ؟  اذا  كان الاسلام السياسي والمذهبي والطائفي  المعاصر  قد  انتهك  حياتنا العربية  ومزّق  شمل مجتمعاتنا العربية  والاسلامية  ، فان  ديانة الاسلام لم  تنزل  لاغراض سياسية ، بل عقيدية أسوة بالديانات الاخرى  ، ولم  تعرف  تلك الديانة عند ولادتها المذاهب  والطوائف  والملل والفرق  عند  مجيئها  ،  كما  لم  يعرف  السيد المسيح  وحواريه  الانقسامات بين الاريوسيين  والاثنوسيين التي حدثت لاحقا  ، ولم  تعرف  المسيحية الاولى  الصراعات الدموية  التي  عاشتها  الديانة  المسيحية وخصوصا  بين الكاثوليكية  والارثودكسية ابان العصور  الوسطى .. مع  بقاء  الهراطقة والمذابح الدينية  . كم  كنت  اظنك يا ادونيس ، أنك  قارئ  جيد  للتاريخ  ، ولكن  خاب  ظني  فيك ،   فما علاقة الاسلام  كدين  وعقيدة  في  بداياته  بمصرع  الخلفاء  الاربعة  المؤسسين وتباين  سياساتهم  في الدولة الناشئة ؟  وهذا  ينسحب  على  الامويين ( في الشام والاندلس معا )  والعباسيين  في بغداد ، مع  حكم  استمر  لاكثر من ستمائة  سنة  ، وينبغي ان تدرك ان  ليس  هناك  حكومات  مثالية وامبراطوريات ملائكية  ابان العصور الوسطى  ، ولكن  ما كانت  للعرب ان تقوم قائمة  لولا  انجازاتهم التاريخية ،  وسواء  اعتبرتها  سلبية كارثية واعتبرها  غيرك  ايجابية وحضارية  ، فينبغي عليك  ان  تميز  وتفرّق بين  التاريخين السياسي  والحضاري  لأية  أمة  ، وما  حصيلة  تلك المنجزات الكبرى  وتأثيرها في تاريخ العالم  ..  واذا  كانت  الغزوات  والفتوحات  التي  تصفها  بالدموية  قد  اوصلت العرب الى  اسبانيا  وفرنسا غربا  ، فان التجارة  والرحلة  والمعرفة والقيم الاخلاقية  قد  اوصلت العرب مع رسالة  الاسلام الى  اعماق آسيا الوسطى  وجنوب شرق آسيا  ..  واذا كان الامويون قد حكموا  دمشق  91  سنة  ، فان  الامويين  في الاندلس  حكموا لاكثر من 275 سنة ، وحكم العباسيون لأكثر من 500 سنة  ، وشهد  العالم عصرذاك تطورا  عظيما  في  المعرفة  الجغرافية والبلدانية والفلك  والارصاد  والرياضيات  والطب والجراحة  والعمارة  والكيمياء  وعلم  الجبر  والاداب  والفنون والموسيقى  من خلال الثقافة  العربية  القديمة  ناهيك عن  علوم اللغة  وغيرها .. واعلم  ان  لولا  ذلك التاريخ  الحضاري  المتّصف بانفتاحه وانسجامه  ومرونته  لانقرضت  العربية  كما  انقرضت رصيفاتها  الاخرى . 

وبالرغم  من  تموجات التاريخ السياسي  لدى  العرب والمسلمين ومثالب  بعض  عهوده  ، فقد  انجب  العديد  من الرجال العظماء من  العمالقة البناة المسلمين الذين  صادفوا  امامهم  تحديات  قاهرة  ، ومؤامرات  بشعة ،  وتحالفات  صعبة  واتهموا  باشنع التهم  .  ويكفي  ان  اذكرك  ان ابا  جعفر المنصور  بني  بغداد  التي  غدت قبلة العالم  الوسيط  ، وان المستنصر بالله بني  الجامعة  المستنصرية ، وان  عبد الرحمن الناصر  بنى  قرطبة العظيمة  ،  وان القاهرة المدينة الرائعة  والازهر  الشريف اقترنا باسم  المعز  الفاطمي ..  وغيرهم  مقارنة  بالغزاة  الذين  دمروا  كياناتنا ، ومزقوا مجتمعاتنا ، وفرقوا  شملنا ،  فلا  احد  ينسى ما الذي  فعله  هولاكو  ببغداد  ، وما الذي فعله  تيمورلنك  عندما  احرق  دمشق  كلها بعد تدميره مدنا اخرى  ،  وما الذي  فعله  الصليبيون من اجرام  ليس  ضد المسلمين حسب ، بل حرب الكاثوليك اللاتين  ضد السيكولاريين الشرقيين كالارثودكس والاقباط وغيرهم من الذين اسموهم بالهراطقة ..

واعود  لاذكرك يا ادونيس  بأن الاسلام  لم  يمت  كرسالة مع  محمد – كما  تقول -  ، اذ  بقي  " رسالة " قابلة  لأن تكون  رسالة انسانية  وحضارية للبشر كلهم في الدنيا  ، او ان تكون رسالة  سياسية او ايديولوجية لفئة  محدودة من الناس عاشوا وماتوا من اجل السلطة  . واعتقد ان ليس  هناك في الاسلام  بحد  ذاته  كديانة اية  مشكلة  بقدر  ما  تتواجد  المشكلة  لدى  المتطرفين المتعصبين الاصوليين باتجاهه او  بالاتجاه  المضاد له  من الاعداء المتعصبين  اللائكيين المنحرفين ضده  .        

عاشرا   : يقول أدونيس  "  وكيف اتت الدولة العثمانية ؟  400 سنة  حكمت العالم العربي  ..  400 سنة كان العرب  صحراء  .. دولة  لا  قيمة  لها  على الاطلاق  ابدا ,  ما لها  قيمة !  مين تركيا  ؟ مين الدولة العثمانية ؟  دولة لا تعرف الا  العنف  والارهاب  والقتل  .. "  .

لا  يا  ادونيس  ، ما عهدتك  بهذه  المستوى من فقر  المعرفة  ، وانت تطلق الاحكام  التاريخية  التي  يخشى  كبار  المؤرخين  من اطلاقها ، او  يتنازلون عن عشر  معشار  نحو  هذا المستنقع ، ويصعب عليهم ان  يكونوا بمثل هذا المستوى الضحل  من التفكير  ..  كنت اتمنى  عليك  ان  تقرأ  تاريخ الدول المقارن  ، وتقف  قليلا  عند  تاريخ  هذه الدولة  التي  وصفتها بأن لا قيمة  لها  لتجد  نفسك  من الضآلة والاستخفاف  . وكم اتمنى  ان  يقرأ  المرء  قبل ان  يطلق  مثل هذه الاحكام  لعشرات  او مئات المؤرخين  القدماء  والمحدثين  . انني اتأمل فقط كم  صرف  العشرات والمئات  من المؤرخين والباحثين والمستشرقين ازمانهم وجهودهم واتعابهم واسفارهم وهم من  بلدان عدة في العالم  لدراسة  تواريخ  ومواريث  هذه الدولة  العثمانية ( التي وصفها ادونيس  بان لا  قيمة لها )   .. 

وكم هي  الموضوعية  مهمة  في  درس التاريخ  ، وكم  هي النسبية  مطلوبة  في تقويم  الاحداث  والدول والمجتمعات .. من التفاهة  ان  يأتي  احدهم  وهو لا  يعرف  شيئا  عن  بنية  تاريخية قديمة دامت  اكثر  من  ستة  قرون  ليقول  بأنها  لا قيمة  لها  ..  لست مدافعا  عن  تاريخ هذه الدولة  او  تلك ، ولكن  لا  يمكنني قبول  مثل  هذه  التهريجات الاعلامية المقصودة التي  تزيّف الحقائق التاريخية ، وتوهم الناس  بالمثاليات والمخيالات المثيرة  للاحقاد .. ربما  كانت  الدولة  العثمانية  لا  تعرف الا  العنف  والارهاب  والقتل ، ولكن  اسألك  هل  كانت   كل  الدول الكبرى  في التاريخ مسالمة وقانونية  ومثالية وانسانية  في سياساتها ؟؟   ، ان الدولة العثمانية  عرفت  كيف  تدافع  عن  الارض  والوجود  ازاء  الامتدادات الصليبية في البحار   .. صحيح انها سحقت  البيزنطيين ، وهيمنت على  الكنيسة الشرقية  في القسطنطينية عام 1453 ،  ولكن الكنيسة  الغربية  في روما بقيت  تتفّرج على  مأساة الارثودكس وهي  تشمت بها  !  وكانت للدولة  العثمانية  نظمها  وقوانينها  وقدرتها ومؤسساتها  في حماية  الشرق الاوسط  كله  من  توغل  البرتغاليين والهولنديين  في البحار  الشرقية  ..  لم  يكن  لا  العرب  ولا  الارمن  ولا  الكرد  ولا  القبط  ولا  الامازيغ  ولا  غيرهم  في  صحراء يا ادونيس  ..  كانت للمدن العربية  وغير العربية حياتها الاقتصادية وتقاليدها الاجتماعية  ونظمها التعليمية  وثقافتها  العربية  ومدارسها  ،  واذا  كانت  مجتمعاتنا العربية  قد  غرقت  بالطرق الصوفية  والتقاليد البالية  ،  فلم  تكن  بقية  المجتمعات الشرقية  بأحسن  حالا  منها ،  وكم  تمنيت  على  ادونيس واضرابه  قراءة  طبيعة الحكومات المحلية  التي  نشأت  ابان القرن الثامن عشر  ، وليقف  على  اوضاع دمشق  عصرذاك – مثلا -   ليرى  حجم  ما كان  فيها  من تطورات اقتصادية  .. ومن قبلها  مدن  فلسطين الساحلية المتطورة  ابان القرن السابع عشر  ،  وما  شهدته  مصر  من تطورات كبرى ابان التاسع  عشر  ..  قد  نخالف  سياسات  محلية  اتبعت  من قبل العثمانيين  ازاء  المتمردين  في  العراق  او بلاد الشام  او  اليمن  ،  مع استخدام القسوة وسوء الادارة  ولكن  ما  ينفعنا  هو  المحصلة  التاريخية  ..  وعلى  ادونيس  واضرابه ان  يفصل  بين  الاوضاع التي  كانت  سائدة  قبل  1909 ، والحالة  التي  فرضتها سياسة الاتحاديين  ليس على  العرب  وحدهم  بل  على  الاغريق  والبلغار  والارمن  وغيرهم  مما  قاد الى  الثورات  والانفصال  . قرن كامل  مضى  وقد  تربى  المجتمع العربي على  اوهام  وشعارات ومثاليات كالتي  يرفعها أدونيس ، حتى  قّيض للعرب  العديد من المؤرخين العرب الموضوعيين  الذين  تعبوا  من اجل  كشف  حقائق  تاريخية ، وفهموا  الحقبة  العثمانية فهما  علميا  انت  من ابعد الناس  عن  فهمها  او  حتى الاقتناع بها  ، لأنك  تربيت  على  اسس خاطئة  .  واليوم  اسألك  عن  مجتمعاتنا  العربية  وقد  تحررت من الهيمنة العثمانية  منذ  اكثر من مائة  سنة ..  كيف  تصفها  وقد  نالت استقلالاتها  واستعادت كرامتها  ؟  هل  ان  الطغاة  والمستبدين العرب الذين  استباحوا  مجتمعاتنا  ، وسحقوا  مدننا ، واهلكوا الحرث والنسل بعد ان فسدوا في الارض ..  كانوا  من نسل آل عثمان ؟  

استخلاص  توصيات

واخيرا ، اود ان  أنبه  ادونيس الى  بعض  الملاحظات  التاريخية  التي  ينبغي  التفكير  فيها  طويلا  قبل ان  يقحم  نفسه  في  مجال  يفتقر  فيه الى  الخبرة والمعرفة :

1/  لا  يمكنك  ابدا  ان توغل  في  تصوير  تاريخنا بهذه البشاعة  كونك  فاقد الانتماء  اليه  ، وتسعى  الى  ان  يفقد  كل الآخرين  انتماءهم اليه  ،  فمن لا  تاريخ له  لا جلد  له  ، اذ لا يمكنه ابدا  ان  يستعير  جلد غيره  ليتلبسه  . وانا  ادري ان  هناك  من يصفق  لك  كونك  تشبع  ما  يريده  ، ولكن مشاكستك غير  معرفية ، وهي لا  تنفع  المعرفة  ، وهي تسئ  لك  ولا  تنفعك  ابدا .

2/  اتمنى  عليك ان لا تعمم فهمك الخاطئ للقطيعة  التاريخية او المعرفية  لتجعلها  قطيعة مع الماضي ، او كراهية  للتاريخ  ، فلم  يقل  ذلك  غيرك من الذين نادوا  بالقطيعة  ، اذ  انهم  آمنوا  بأن  لا معرفة ايبستمولوجية  للامور  الا  من خلال  فهمها  وادراك  قيمتها  في  ازمنتها نفسها  ، واسلوب القطيعة  المعرفية عنها ، وراجع غاستون باشلار   Gaston Bachelard  في ذلك[19] .

3/  لا  يمكنك  ابدا  ان  تقف  عند  المثالب  والسلبيات  التي  حدثت  في تاريخنا السياسي  لتعممها  على  كل التاريخ السياسي  الذي  شهد  تطورات واسعة  في  عهود  ومراحل تاريخية  متنوعة في التشريعات  والنظم  والقوانين والشرائع   على ايدي  خلفاء  وزعماء  وسلاطين  ، وما  حدث من تطورات في المدن  والزراعة  والري  والمدارس  والجامعات  والعلوم والمكتبات  والنظم الزراعية  والاصناف  الصناعية  الحرفية  والتجارة  .. الخ  هو  كثير  جدا 

4/  ونسيت او تناسيت يا ادونيس  ما  فعله  الاخرون  بمنطقتنا  من خلال  حروبهم وغزواتهم  لماذا  لاتذكرها ابدا ؟  ماذا  فعل الصليبيون بمنطقتنا ؟ ومن تحالف معهم ؟  ماذا  فعل  المغول  والتتار  بمدننا  ومجتمعاتنا  ومدارسنا ؟ ومن  تعاون معهم  ؟   ماذا  فعل فرسان القديس  يوحنا  بشواطئنا العربية ، ومن  خان  وطنه  وتجسس على اهله  ؟  ماذا  فعل  الاسبان  الكاثوليك  باهل الاندلس عربا  ويهودا  وامازيغا ومحاكم التفتيش خير  دليل على  بشاعة تاريخهم  ؟  ماذا فعل البرتغاليون  في  بحارنا  العربية ؟  ماذا  فعل  الفرنسيون والبريطانيون  باوطاننا التي  قسمّوها ؟  ماذا  فعل الصهاينة باهلنا في فلسطين  على  امتداد القرن العشرين ؟  وماذا  فعل الاميركان والروس عند  فاتحة  القرن الحادي والعشرين  بمنطقتنا العربية  اليوم ؟ 

5/ كن منصفا  با ادونيس  ، واعلم  ان  الانسان  يبقى  يتعّلم  كلما  مر  به الزمن ، واحنت  ظهره   كل السنين  ، وان  تدرك  ان  المؤرخ  لا  يمكنه  ان يكون  الا  مع  الموضوعية  حتى  وان  كانت له مواقف  ايديولوجية   او طائفية  او  مذهبية  من تواريخ  معينة  .. وان  يكون منهجيا  بحيث  يدرك ان التاريخ  ليس  مجرد وجهات  نظر  ، بل  هو  معلومات لا تقبل  التزييف  او  التشويه جراء  ايديولوجيات خفية  وباطنية  قد  يحملها  البعض في اعماقه  . 

6/  ان التعصب  للشيئ  هو  نفسه  مقايسة  ان كان ضد  الشيئ  ، فان  كان  هناك  متعصب  لدين  معين  ويغالي  في  التطرف والتعصب الاعمى له فهو  مثل  اي  متعصب  ضد  ذلك الدين  ويغالي  في  مقته له  وكراهيته له  .  وهكذا  بالنسبة  لمن  يتعصب  لتاريخ  دولة  معينة  او  لبطل  معين  في التاريخ او  عقيدة  او  مذهب  فهو  يساوي  كل من  يغالي  في  الضد  من  كل  ذلك  . وعليه  ادعوك  ان تكون متسامحا  مع  نفسك  اولا  ، وتبعد نفسك  عن الغلو والتعصب  ثانيا  ،  وان  تكون  موضوعيا  ومتوازنا  في تقديرك  الامور ثالثا ..  وان  تكون هادئا  وتمتلك  نسبية  في التقدير  ، وان تخفف من  اطلاق  الاحكام الارتجالية  رابعا ..  وان  تكون  واقعيا  بعيدا عن  اللائكية  والتعصب  للاضداد  خامسا  ، وان  تعيش  في  زمنك  دون ان تسقط  افكارك  وارائك  وبعض المفاهيم الحديثة  على  الماضي  ،  وان  تعيش  التاريخ  لا  ان تسحبه  اليك  كي  تدينه  على  هواك  سادسا .   

 تنشر  على  موقع الدكتور سيار  الجميل 

http://sayyaraljamil.com/

ونشر  النص  بلا هوامش  في  صحيفة  قريش  /  لندن  يوم 10 /4/ 2018

 



 


[1]  حوار  ادونيس    على الرابط التالي :   

https://www.youtube.com/watch?v=0tpeTMxcuiw

[2]   انظر  :

Wittfogel، Karl ، Oriental Despotism; A Comparative Dtudy of Total Power، ) Yale University Press, 1957), pp. 56-9.

[3] حول هذا " الموضوع  "  ،  راجع  المراجع التالية  :

Fried, Morton H. The Notion of Tribe. Cummings Publishing Company, 1975.

Helm, June, ed., 1968. Essays on the Problem of Tribe, Proceedings, American Ethnological Society, 1967 (Seattle: University of Washington Press).

James, Paul (2006). Globalism, Nationalism, Tribalism: Bringing Theory Back In. London: Sage Publications.

James, Paul (2001). "Relating Global Tensions: Modern Tribalism and Postmodern Nationalism". Communal/Plural. 9 (1).

Nagy, Gregory, Greek Mythology and Poetics, Cornell University Press, 1990. In chapter 12, beginning on p. 276, Professor Nagy explores the meaning of the word origin and social context of a tribe in ancient Greece and beyond.

Sutton, Imre, Indian Land Tenure: Bibliographical Essays and a Guide to the Literature (NY: Clearwater, 1975): tribe—pp. 101–02, 180–2, 186–7, 191–3.

Renfrew, Colin, and Paul G. Bahn. Archaeology: Theories, Methods and Practice. New York: Thames and Hudson, 2008.

[4]André Raymond,    The great cities in the sixteenth to eighteenth centuries: An introduction. New York University Press, 1984.  See also,  André Raymond,  Arab cities in the Ottoman period: Cairo, Syria and the Maghreb. Ashgate Variorum, 2002.

[5]Alagappa, Muthiah. Civil Society and Political Change in Asia. Stanford: Stanford University Press, 2004.

Colletti, Lucio. ‘Introduction’, in Karl Marx, Early Writings, Pelican, 1975, pp. 7–56.

Edwards, Michael. Civil Society. Cambridge, England: Polity Press, 2004..

Draper, Hal. Karl Marx's Theory of Revolution (Volume 1: State and Bureaucracy, Volume 2: The Politics of Social Classes). New York: Monthly Review Press, 1977 & 1986.

Ehrenberg, John. Civil Society: The Critical History of an Idea. New York: New York University Press, 1999.

Ginsborg, Paul. Italy and Its Discontents: Family, Civil Society, State (2003)

[6] "Civil Society". Collins English Dictionary – Complete and Unabridged 11th Edition. Retrieved 2 August 2012 from CollinsDictionary.com website:

[7]   سيار الجميل  ،  تحولات الازمنة  :  رؤية  عربية  للتحقيب التاريخي ، ط1 (  بيروت :  المؤسسة  العربية  للدراسات والنشر ،  2017 ) ، ص 265.

[8] Petrovsky-Shtern, Yohanan . The Golden Age Shtetl: A New History of Jewish Life in East Europe. ( Princeton, NJ: Princeton University Press. 2014).   Cf. Shandler, Jeffrey (2014). Shtetl: A Vernacular Intellectual History.  (New Brunswick,  NJ: Rutgers University Press, 2014). .

[9]  راجع :  غوستاف  لوبون ، حضارة العرب  ، نقله الى  العربية  : عادل زعيتر  ( مصر : مطبعة  عيسى البابي الحلبي  ، 1969 ) . 

[10] George Sarton , Introduction to the History of Science (I. From Homer to Omar Khayyam, 1927 — II. From Rabbi Ben Ezra to Roger Bacon, pt. 1-2, 1931. — III. Science and learning in the fourteenth-century, pt. 1–2, ( Baltimore: Williams & Wilkins, 1947-48).

[11] Toynbee, Arnold J. A Study of History abridged edition by D. C. Somervell, 2 vols, (  Oxford University Press  , 1947); pp. 356-9.

[12]    زيغريد هونكه ،  شمس العرب  تسطع على  الغرب  : اثر الحضارة العربية  في اوربه ، نقله عن الالمانية :  فاروق بيضون  وكمال دسوقي  ، راجعه  ووضع حواشيه :  مارون عيسى الخوري ، ط 8  ( بيروت : دار الجيل & دار الافاق الجديدة ،  1993) . 

[13]  Hamilton Alexander Rosskeen Gibb,  Studies on the Civilization of Islam , ( Princeton U. Press. 1982) ,  See also  his book  in two vols, Islamic Society and the West with Harold Bowen (vol. 1 1950, vol. 2 1957).

[14] Reynold Alleyne Nicholson, A Literary History of the Arabs (C. Scribner's sons, 1907).

[15]Robert Mantran,   L'Empire Ottoman du XVIe au XVIIIe siècle : administration, économie, société ) Londres : Variorum reprints , 1984).

[16] André Miquel, La géographie humaine du monde musulman jusqu’au milieu du 11e siècle, vol.3: ( Le milieu naturel., 1980).

[17] Jacques Berque, Mémoires des deux rives. Paris, Seuil, 1989

[18] Clifford Edmund Bosworth,  The Islamic Dynasties: A Chronological and Genealogical Manual (Edinburgh University Press, 1980).

[19] Dominique Lecourt, L’épistémologie historique de Gaston Bachelard (1969). Vrin, Paris, 11e édition augmentée, 2002.

 

 

 

أطياف العراقيين

 في طور الانقراض

سيّار الجميل

 

"كثر اليوم قتل العراقيين المسيحيين بأبشع الأساليب، من دون القبض على الجناة والمجرمين"

"ما فقده العراق من رجاله ونسوته وأطفاله، ومن مختلف الأطياف العراقية، يعدّ معضلة تاريخية"

 

أسئلة مشروعة: لماذا يفرغ العراق من أطيافه الاجتماعية القديمة الجميلة والنادرة؟ لماذا اختلفت الأسباب والموت واحد لأبناء مجتمع يغيب تنوّعه وفسيفساء ألوانه يوماً بعد آخر؟ لماذا يتمّ التركيز على عراقيين معينين لقتلهم، أو سحقهم دون آخرين؟ لماذا اختفى كلّ الصابئة المندائيين، وهرب أغلب اليزيدية العدويين، وذاب كلّ الكاكئيين والبهائيين؟ لماذا يطاول القتل  كلّ الكلدان والسريان، ويلاحق الأرمن والآثوريين؟ وقد شبع قتلاً وتفجيراً وتعاسة غيرهم من المسلمين؟ إلى متى يبقى ملايين النازحين والمهاجرين واللاجئين خارج مدنهم ودياهم مبعدين؟ يبدو للدارس والمؤرخ أن مشروعاً لقتل العراقيين، أو خطفهم، من أجل تهجيرهم، قائم على قدم وساق في بلادٍ ضاعت فيها المقادير، وتاه عنها الأمن والنظام، وافتقد منها القانون، وانغمست في الفوضى والعبثية .. واستمر مشروع الاستئصال يتفاقم سنة بعد أخرى، منتقلاً من مكان إلى آخر في العراق.
شريعة الغاب تسيطر على مجتمع العراق، بدءاً من بغداد، وانتقالا باتجاهات شتى.. وثمّة عمليات ممنهجة لشريعة الغاب، والحكومة (وما سبقها من حكومات) ساكتة عنها، ولا تعرف إلّا الإدانة، وكيل الوعود وترديد المواساة، وتشكبل اللجان من دون أيّة نتائج إيجابية على الأرض منذ سنوات طوال، فأوصلت البلاد إلى أتعس الأحوال، فالدولة فاشلة بامتياز، وغدت عبئاً على المجتمع، إذ تزدحم بالمشكلات والمفاسد، وليس لرئيس الوزراء أيّ فعل إجرائي يضبط من خلاله البلاد باستثناء الإدانات والتسويف وإلقاء الكلمات السريعة، علماً أنّ المجتمع غدا يأكل بعضه بعضاً من دون أيّ علاج حقيقي، ولن تأتي الانتخابات المقبلة بأي جديد. 
كثر اليوم قتل العراقيين المسيحيين بأبشع الأساليب، من دون القبض على الجناة والمجرمين،  

فما الذي يبقي هذا الطيف مستمراً في العراق، إن كان وجوده مهدّداً بالاستئصال؟ ويجمع مراقبون ودارسون عديدون على أن استمرار هذا الحال لسنوات مقبلة سيجعل العراق يخلو من كلّ الأطياف، فثمّة خطط قذرة للتغيير الديمغرافي.. والأمثلة والشواهد فضحت هذه السياسات المستمرة منذ سنوات مضت، والتي اتبعت خططها المرسومة بحذاقة متناهية، بحيث خلت الموصل من مسيحييها القدماء، وقامت عصابات بتهجير المسيحيين من البصرة، ولم يبق إلا القليل منهم في بغداد، والتي ستخلو منهم بعد سلسلة العمليات الهجومية عليهم.. ويعاني المسيحيون في قراهم في سهل نينوى كثيراً من سياسات غاشمة. وسينقرض طيف الصابئة المندائيين، بعد تشريدهم والنيل منهم، فضلا عن اليزيدية الذين انقسموا في ولائهم بين حكومتين، مركزية وإقليمية، وبعد جرائم "داعش" ضدّهم، فقد هاجر آلاف منهم إلى ألمانيا.
إن خططاً خفيّة تطبقّها قوى مجرمة وعصابات إرهابية دينية وطائفية، لإبادة العراقيين المتنوعين، وتشويه المجتمع العراقي تشويهاً غريباً، فهي تؤمن بالأحادية، ولا تسمع للآخرين، كونها تكرههم كراهية عمياء، فهي تظلم الناس ظلماً جائراً.. وأتحدّى الحكومات العراقية منذ العام 2005 قاطبة أن تكون قد اقتصت من أيّ مجرم قاتل، أو مسؤول فاسد، فهي فاقدة مسؤولياتها في حفظ الأمن وتطبيق العدالة. وليست المشكلة منحصرة بحكومات فاشلة، بل منحصرة أساساً في نظام حكم سياسي محاصصي فاسد، يعد مسؤولاً عن وجود طبقة سياسيّة جائرة، أباحت لقوى شريرة من أحزاب وعصابات ومليشيات وجماعات إجرامية وإرهابية لها حركتها وتسلحها وعبثها وفسادها في كلّ العراق.. وليس لأركان النظام إلا الإدانة والخنوع، علماّ أن ما يحصل هو نتاج سياساتهم الخاطئة. وعليهم الاعتراف بالفشل الذريع في حكم العراق، وهم مستمرون على غيّهم ونهجهم الذي يبيح للطبقة السياسية الحاكمة احتكار الدولة، والسيطرة على أموال الناس وحلالهم وممتلكاتهم.. نظام حكم افتقد شرعيته التي خدعوا العالم به، كونه نتاج ديمقراطية وصناديق انتخابات كانت مزيفة، وكما حدث من تزويرات في السابق، فستحدث في الانتخابات المقبلة تزويرات فاضحة، بحيث تبقى الطبقة السياسية المعتوهة في سدة الحكم، لتكمل مهمتها في سرقة موارد البلاد، وسحق الناس وتدمير المجتمع، وهذا ما نشهده منذ 15 سنة مرت، حيث تفكك المجتمع ونهبت أمواله وسادت فيه شريعة الغاب.
قتل العراقيين وسحقهم مع مدنهم ودفنهم أحياء تحت أنقاض بيوتهم، وبقاء جثثهم حتى اليوم، وتبرير الفساد وبغاء الفاسدين، جريمة تاريخية كبرى، لا يمكن السكوت عليها أبداً. السكوت على المجرمين، والتغاضي عن عبث العصابات والاكتفاء بالإدانات وإطلاق الوعود الكاذبة من كبار المسؤولين يعدّ شراكة في الجريمة والفساد، وشراكة في عمليات الاستئصال المنظّم للعراقيين المتنوعين، وطردهم من مدنهم أولاً، ومن ثم تهجيرهم خارج وطنهم، والسيطرة على أموالهم وممتلكاتهم وبيوتهم. اضطهاد الأطياف العراقية المتنوّعة وحرمانها من حقوقها الوطنية لم يحدث أبداً في تاريخ العراق الطويل، مقارنة بما يحصل اليوم.. ولما لم ينفع الكلام، ولا التظاهر، ولا المعارضة من أجل الإصلاح، فإن الطريق الوحيد أمام العراقيين هو خطة طريق جديدة من أجل تغيير نظام الحكم الحالي الذي تفاقمت جرائمه، وتعاظم فساده، وتواصل فشله.. وينبغي محاسبة كلّ الصامتين على ما يحدث، ومعروفة هي تبريراتهم الواهية من أجل إبقاء هذا النظام المتهرئ. 
ليعلم كلّ العالم أن إفراغ العراق من أهله الأصلاء بوسائل وحشية وإجرامية، والحكومة لا

 تحرّك ساكناً.. كنت أتمنى أن تستنفر كلّ مؤسساتها، كي تقبض على المجرمين وتحاكمهم، وتنزل أشدّ العقوبات بهم.. هي خطة مستمرة لإفناء كلّ أطياف المجتمع المتنوعة، في حين تحتكر السلطة شرذمة بائسة جاهلة فاسدة، غدت طبقة مسيطرة، ولها استبدادها وطغيانها، وأنها باقية بقوّة من يؤيّد وجودها، ويسكت على فسادها، ويدافع عن سياساتها. 
خمسة عشر عاما من تطبيق هذه السياسات، وعلى أيدي الأحزاب والكتل والتيارات الدينية والطائفية التي تمثل هذه الطبقة الجائرة وذيولها من الشراذم والأتباع، جعلت العراق بؤرة للإرهاب والقتل وإشاعة الطائفية المقيتة والفساد والفاسدين.. إنها سنوات عجاف، لا يمكنها أن تستمر أبداً في حكم العراق، خصوصا إذا كان الجلاد يعدّ نفسه ضحية للفساد، من دون أية خطوات للقضاء عليه.
لا بد أن يأتي اليوم ليثور الشعب العراقي على نظام حكم سياسي مهترئ، بسبب الظلم والتمييز والفساد المستشري في كلّ المفاصل، ولا بدّ من تصحيح العمليّة السياسية الكسيحة التي أدّت بحياة العراق وسمعته إلى أسفل سافلين. ما فقده العراق من رجاله ونسوته وأطفاله، ومن مختلف الأطياف العراقية، يعدّ معضلة تاريخية، لا مجرّد جرائم تمرّ مرور الكرام، والنظام السياسي الحاكم هو المسؤول الأول والأخير عن هذه المعضلة التي لا علاج حقيقيا لها إلا بتغيير النظام، واستئصال الطبقة الحاكمة، ومحاسبتها حساباً عسيراً، مهما كانت الأثمان. ومن دون ذلك، سيبقى العراق تحكمه شريعة الغاب، وهو ينتقل من سيئ إلى أسوأ. على كلّ أحرار العراق مناشدة العالم أجمع بأنّ مصير بلادهم بات مهدّداً جرّاء سياسات هذا النظام، بحكوماته الفاسدة وأحزابه المقيتة، وطبقته الحاكمة المسؤولة عن كلّ ما يحصل أمام الله والناس والتاريخ.

(العربي الجديد) لندن

العراق : مزبلة نفايات

ايرانية على يد ولايتي!


أ.د. سيّار الجميل


يبدو انك يا ولايتي قد تجاوزت كلّ الحدود السوداء والخطوط الحمراء ، وقد اشعلت النار بتصريحاتك الايرانية من قلب بغداد متدّخلا تدّخلا سافراً في شؤوننا ليس العراقية فقط ، بل العربية ايضاً ، ولم أجد بعد مضي ساعات على خطابه أية ردود فعل عراقية رسمية أو حتى معارضة سياسية وطنية ، اذ جعل من نفسه وصياً على العراقيين وعلى مصيرهم ومستقبلهم وكأنّهم بيادق شطرنج أمامه .. لا تخيفنا يا ولايتي بتقسيم العراق ، فالعراق لن ينقسم ، ولو أراد الاخرون تقسيمه لفعلوا ذلك منذ العام 1991 .. واذا كان العراقيون قد دعوك الى مؤتمر تأسيسي باسم المجمع العراقي للوحدة الاسلامية والذي سيكون بوابة أخرى لشرعنة التدّخلات وتصدير الاوبئة باسم هذه الوحدة الواهية التي تعيش فقط في المخيلة المريضة ، فان كلّ البشرية أدركت ان العالم الاسلامي تنتهكه الانظمة الدينية والسياسات الطائفية وتمزقه المذاهب الهرطقية ، وتعبث به المليشيات والجماعات الارهابية ، فاي اسلام بدأ يستعيد مكانته اليوم يا ولايتي ؟ وما معنى تصاعد أمواج الصحوة الاسلامية التي تغنيتّم بها طويلا ، ولم تأت لنا الا بالدمار والخراب والارهاب ؟ 
كفاكم تتاجرون باسم الاسلام كي تحققوا أحلامكم المريضة .. ويكفي ما أصاب العراق والمنطقة على أيديكم ! كفاكم ترعبون العالم الاسلامي والمنطقة من التقسيم الذي تدعون أن امريكا تسعى اليه ، وكأن العالم الاسلامي يعيش وحدة وتكاملاً وانسجاماً ونضوجاً حضارياً في مثل هذا الزمن الكسيح .. لماذا تزرعون هذه الاوهام المرعبة في قلوب الناس ، وتغسلون عقولهم ، وتتلاعبون باعصابهم من أجل تحقيق اهدافكم في الهيمنة على الشرق الاوسط برمّته ؟ واذا كانت لكم مصداقيتكم ، فلماذا عقدتم مع امريكا معاهدتكم الشهيرة ؟ لستم حماة ديارنا العربية ، ولا كنتم أوصياء على شعوبنا الاسلامية ، ولم يوكلكم أحد لتكونوا وحدكم بموقع محامي الدفاع عن قضايانا ؟ ولا ادري اين كنتم طوال هذا الزمن حتى تكتشفوا الان فقط ان الامريكان والغرب يحاولون تمزيق المجتمع الاسلامي ؟ فأيّ مجتمع اسلامي تقصد يا ولايتي ؟ وأية وحدة اسلامية تقصد بعد كلّ ما حدث ويحدث في بلداننا العربية خصوصاً ؟ 
واعود الى حكام العراق وكلّ المسؤولين والنواب البرلمانيين فيه لاقول لهم : هل توافقون ولايتي على تصريحاته هذه التي غرّد بها من قلب بلدكم أم تخالفونه فيها ؟ هل انتم معه ام مع الامريكان ؟ كونوا شجعانا في التعبير عن موقفكم عراقياً . هل تريدون ابقاء العراق حمّام دم في صراع مفتعل بين الطرفين ؟ واعود لولايتي لاطرح عليه بعض التساؤلات والملاحظات وخصوصاً حول تأكيده المضحك عن " ضرورة احياء القيم الاسلامية الاصيلة " ، واستطرد قائلا : " ان هذا الامر يؤدي الى انقاذ المجتمع وتحريره مضيفا اننا نأمل في تعميم فكرة تأسيس مراكز التقريب في الدول الاسلامية لنحظى بمركز عالمي للتقريب بين كافة المذاهب الاسلامية. " أية قيم اسلامية أصيلة تريد ان تحيا ؟ هل تقصد بث مذهب ولاية الفقية ، ام مذهب داعش ، أم مذاهب دينية أصولية أم باطنية اخرى ؟ واية قيم تنقذ المجتمع وتحرره يا هذا ، ان لم تكن حضارية معاصرة ومتمدنة تؤمن بقيم هذا العصر ونظمه وافكاره بديلا عن كل الظلاميات والسكونيات والبدائيات العفنة ؟ دعوا مجتمعاتنا يا سيد ولايتي بحالها بلا تقريب مذاهب وبلا صراع طوائف .. اذ ثبت خطل مثل هذا التفكير البائس في ظل تأجيج سياسات تنطلق من أجندة تذكي الصراعات وتشعل الحروب وتمزق المجتمعات . 
الا يكفي ما فعلتم ببلادكم الجميلة وسحقتم تقدّمها ، وبعثرتم مواردها ، واغلقتم مجتمعاتها ، واضطهدنم نسوتها .. واستخدمتم "الديمقراطية " وسيلة دوغمائية كاذبة من اجل السلطة وفرض التوحش ؟ ويبدو أن اجندة جديدة لكم يتضمّنها برنامج تأسیس مجمع التقریب بین المذاهب الاسلامیة في العراق بإشراف لجنة الاوقاف البرلمانیة في مجلس النواب العراقي . وهي لعبة اخرى للتغوّل الايراني يقف على رأسها علي العلاق الذي دعاك يا ولايتي الى العراق كي تتحدث على هواك مترجماً أجندة نظام الحكم في ايران ، والتي سوف لن تنجح ابداً لا في العراق ولا في أي مكان آخر من الشرق الاوسط ! واريد ان أسجّل للتاريخ أمام كلّ الناس ، بأن تصريحات ولايتي الساذجة في بغداد تترجم بوضوح : ان حربا دموية شنيعة قادمة على منطقتنا ، اتمنى على العراقيين وكلّ ابناء المنطقة ( وخصوصا العراق ودول شرق المتوسط ) الوعي بها ، والحذر منها ، فنحن لن نكون وقوداً لا من اجل ايران ، ولا من اجل وجود اي نظام ديني آخر ! 
دعني اقول بأن ليس لك الحق يا سيد ولايتي ان تعلن بعدم سماحك لمن اسميتهم بالشيوعيين والليبراليين العراقيين بالعودة الى الحكم !! لقد كنت لا تستحي فقلت ما شئت ، ولكن يبدو انك بمنتهى الجهالة ، اذ قلت أشياء عراقية ليس لك علم بها ، ولا حق لك ابدا بتدخلك فيها . فمتى حكم كل من الشيوعيين والليبراليين العراق ؟ واعلم أن العراق لا يستقيم وضعه ان بقي حكامه من المعممّين ، او الملتحين ، او المنغلقين وكلهم من الفاسدين والدجالين والكاذبين .. ان العراق لن يجد الاستقرار ولا التعايش الاجتماعي والتوافق السياسي الا بتغيير هذه الطبقة السياسية الباغية الفاسدة ليكون بايدي العراقيين الوعاة من المتمدنين الوطنيين والعلمانيين المنفتحين والنزهاء المستنيرين . 
وأخيرا ، هنا اناشد كلّ العراقيين من ذوي الضمائر الوطنية الحية قائلاً : هل تقبلون مثل هذه التدخلات السافرة من قبل ولايتي في شؤونكم ؟ عارضوا خطاب ولايتي يا اهلنا في العراق ، فان سكتم عليه ، فان ايران ستفرض ارادتها على الانتخابات القادمة ونتائجها ، وسيبقى العراق مزرعة لها ، وستبقي الفاسدين والتافهين واضرابهم من عملائها في حكم العراق ، وتنقل العراق الى حالة ظلامية اخرى ، وستبقيه معبراً اساسياً لها نحو غرب الفرات ، وربما بقي ساحة صراع لها . لقد حمل ولايتي رسالة ايرانية مفضوحة لكلّ العراقيين لجعل العراق مزرعة خلفية لنفاياتها القذرة .

تنشر على موقع الدكتور سيار الجميل 
http://sayyaraljamil.com/

 

أحمد الكبيسي..

 هذه المخادعة

 

سيّار الجميل

عندما التقيتُه في ندوةٍ عامةٍ في عمّان في 1998، وكنا من المشاركين فيها، وجدت الداعية العراقي، الشيخ أحمد الكبيسي، أكثر قدرة على معالجة الأمور مما آل إليه حاله اليوم. وعندما كنّا نلتقي في دار الصديق المرحوم الدكتور علي النميري في دبي 2003 - 2004، بصدد تأسيس المنتدى العراقي، رفقة أصدقاء عراقيين، أغلبهم أحياء يُرزقون، كنتُ أخالفه في ما يطرح من أفكار. ولكنني اليوم أستهجن ما يصدر عنه من آراء، وما يطلق من أحكام، إذ بقيت أسمع، بين حين وآخر، ما يصرّح به سياسّياً أو دينياً أو طائفياً، أو يذهب كالأعمى إلى مظان التاريخ، فيسلخ منه سلخاً، ويمسخ الحقائق مسخاً، فأنتقده بمرارة لما يتفوّه به من غريب التناقضات.
ولعلّ ما يعنيني أصلاً ما يطلق الشيخ أحمد الكبيسي من آراء لا تعقل، وما يتخذ من مواقف لا تقبل، كنت أعزوها إلى افتقاد التوازن في تصريحات عبثيّة، أو مطلقات ساذجة، أو هفواتٍ بليغةٍ، إذ بلغت أخيرا أقصى درجات الهذيان. لا يهمني أصلاً أقواله على شاشة تلفزيون دبي، في برنامجه الديني الذي كان يزداد فيه شططاً، فأغلقوه بعد أن أقيمت ضدّه الدعاوى، واستهجن الناس مواقفه المضطربة بين سياسات هذا وذاك. وكم كنت أود أن يعيد الرجل التفكير، مرة تلو أخرى، في الشخصية التي رسمها عن نفسه، وقد أنيطت صلاحية ما يشاء قوله، وما أذاعه من أحكام تدلّ دلالة كبيرة على غرائب تعكس وجه بيئته وثقافته في العراق وحده، من دون معرفته العالم أو قراءة ثقافاته. وكنت أعطف عليه، وأنا أجده يُدخل نفسه في ما لا يعنيه.. أو يمضي على غير هدى، وخصوصاً عندما بدأ يشتغل في السياسة وهو ليس سياسيا، وراح يغرد في  

التاريخ وهو ليس مؤرخا، وأخذ يوزّع الأحكام جزافاً في الجغرافيا العراقية وهو ليس عالما فيها.. ولكن من أكثر منحدراته أنه أخذ يتنبأ بما سيحصل، وما سيجري، إذ جعل العراق فردوساً وجنانا، وتلك لعمري أكذوبة وخديعة للناس واللّعب على عواطفهم، ولم نجد حتى الآن شيئاً من تنبؤاته قد تحقق. ونسأل: لماذا كلّ الإساءات والمبالغات وتضخيم الذات وكيل المديح الفارغ والمجاملات؟ من أسوأ ما لدى هذا الشيخ الخلط بين الدين والسياسة، وبين المذاهب والأوطان، وبين الواقع والخيال، وبين الماضي والمستقبل، وبين الأسطورة والأوهام، وبين الشيعة والسنة، وبين علي ومعاوية، وبين السعودية وإيران، وبين عشق الحاكم وشتمه مثل صدام حسين ونوري المالكي وغيرهما.. وكم تمنيتُ عليه أن يبقى محترماً نفسه في قصره في دبي، ليقضي ما تبقى من حياته سعيداً بصالح الأعمال بعيداً عن الهذيان، ومن دون الدخول في ما لا شأن له به. 
أكتب مقالتي اليوم ناقداً معارضاً، بعد أن بلغ السيل الزّبى في موقفه أخيرا، إذ كانت زيارة الكبيسي أخيرا إلى العراق، بدعوة من رئيس الحكومة، حيدر العبادي، من دون الإفصاح عنها، ولا عن فحواها أو هدفها، فما جدواها يا ترى؟ خرج رئيس ديوان الوقف السني، عبد اللطيف الهميم، يستقبله بحفاوةٍ على سجادة حمراء. ويتجلى هنا موقف جديد بمناداة الكبيسي الهميم أن يكون مرجعاً أعلى للسنّة العراقيين، في خطوة بليدة وساذجة ومخادعة، لا سابقة لها في التاريخ، فالشيخ الكبيسي يدرك حتماً أن ليس للسنّة في التاريخ أيّ مرجع ديني يجمعهم، أو إمام يتقدمّهم جميعاً. والسنة في العراق على مذاهب ثلاثة: حنفية وشوافع وبعض حنابلة.. وسنّة العراق أنواع وألوان، فهم بين متصوفة بطرائق ثلاث أو أكثر، كالقادرية والنقشبندية والرفاعية، وسلفية وأصولية سياسية باتجاهات معقدّة شتى، وأحزاب وجماعات متطرفة ومتعصبّة ووسطية، فما معنى أن يكون هناك عرش فقهي للعراقيين السنة؟ فهم ليسوا على غرار الشيعة الاثني عشرية، لا في الشريعة، ولا في التاريخ، لا في الواقع، ولا في البيئات، لا في النظام، ولا في الطقوس أباً عن جد. ومن ناحية أخرى، الشيخ عبد اللطيف الهميم متهمّ بتهم شتى، ولا يصلح رئيساً لوقف المسلمين، فكيف يغدو مرجعاً دينياً أعلى للسنة المسلمين؟ هل كان ترشيحه مرجعاً لعموم السنة في الأرض، أم للعراقيين السنة؟ علماً أنّ السنة على امتداد تاريخهم لم يكن لهم إمام يقتدون به، أو مرجع يهتدون بهديه. وإن كان هذا حال السنة العراقيين الملتزمين، فما الذي يجبر غيرهم من غير الملتزمين دينياً على قبول هذه الخطوة المفلسة؟ 
إن كانت قد وجهت الدعوة للكبيسي لزيارة العراق، باعتبارهِ واسطة عقد لتقريب السنة إلى نظام الحكم الحالي، فقد أخطأ الطرفان، فالعبادي الذي استقبله لا نعرف ما الذي أراده. أما الكبيسي فقد استُخدم ورقةً من أجل الانتخابات المقبلة، لا أكثر ولا أقل. وسيُرمى بعيداً وهذا ما حصل. إذ كانت زيارته في مهمّة قصيرة، تبدو سياسيّةً أكثر منها وطنية، فلم يبق هذا الزائر على  

أرض وطنه إلا ساعات معدودات، أطلق فيها التصريحات النارية ومضى عائداً إلى دبي. ولو سألني لقلت له: شعبك العراقي أهم بكثير من نظامٍ حاكم لم تتوان تصفق له ولرؤسائه عهداً وراء آخر.. وكنت سأنصحه أن يزور العراقيين المسحوقين في مدنهم المدمّرة، وأن يقف عند إخوته النازحين وقفة وطنية، ولو مرة واحدة. كنت سأنصحه أن يقول كلمة حقٍّ عن وطن ذبحه الأشقياء والمخادعون والمجانين، ويفصح مليا عن السبب الحقيقي لزيارته الخاطفة. 
استهجن الشعب العراقي، بعموم سنّته وشيعته، وكلّ فئاته المتنوعة، هذه الحركة التي مثّل دورها شيخ يتكّلم باسم العراقيين السنة، وهم لا يعلمون شيئاً. يدرك العراقيون أن شيوخا معممّين ومعكّلين اتهموا بصفقات سياسية ومالية ورشاوى وتبديد أموال الوقف السني، والاستيلاء على الأراضي الوقفية والتصريحات العنترية، وعدم الوقوف أبداً مع حقوق أهلهم، فضلا عن أنهم بيادق سلطة أولا، وعملاء لهذه الدولة أو تلك ثانياً، فضلا عن مشاكساتهم وعجزهم الفاضح أمام الدواعش ثالثاً. 
كانت دولة الإمارات قد أرسلت الشيخ الكبيسي إلى العراق بعد الاحتلال الأميركي في العام 2003 في مهمّة سياسيّة واضحة، وبدأ يلقي خطبه في المساجد، وأسس هيئة علماء المسلمين. وكانت له أنشطته السياسيّة في العراق في ظلّ الاحتلال الذي سمح له بإلقاء خطبه وإصدار صحيفته، ولكن مهمته انتهت بمغادرته العراق فجأة، هاربا بسبب تهديداتٍ تلقاها. هذا السيناريو فعله كثيرون أمثاله. المشكلة في الرجل أنه مطالبٌ بإيضاح تناقضاته التي كنا سمعناها وشاهدناها مراراً، ومنها محاضرة ألقاها في عمّان قبل أعوام، تعهّد فيها أن يصير العراق، بعد سنة على وصول نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة، بلداً متطوراً مثل السويد. وقال إن للسنة أيضاً مهديا منتظرا يراه اليوم يمشي في شوارع بغداد، وقريباً سيقود العراق إلى مدارج العلى والكمال في أسرع مما نتخيل (!). وقبل فترة، وضع نفسه في مأزقٍ لا يحسد عليه، خرج يهاجم الوهابية بعنف، فأقيمت دعاوى قضائية ضدّه، وصدر الأمر بإغلاق برنامجه الديني من محطة تلفزيون دبي، ومنها جوابه غير اللائق على امرأةٍ كانت تحاوره بطريقة معقولة، ومنها تأييده الكرد في انفصالهم وتأسيس دولتهم، وتشبيهه الزعيم العراقي الكردي، مسعود البارزاني، بصلاح الدين الأيوبي، ودعوته السنة أن يلتحقوا بالدولة الكردية! في حين يردّد دوما أن العراق هي البلاد المقدسة.. إلى غير ذلك من أخطاء مفضوحة. 
أدعو للرجل أن يستعيد عقله بمراجعة فكره ومحاسبة ذاته، وأن يقدّم اعتذاره، ويسحب تصريحاته ويشجبها.

مشاركة

(العربي الجديد)

 

العراقُ.. هذا الاهتراء

عشيّة الانتخابات

أ.د. سيّار الجميل

 اختصر الإخوة المصريون مثلا عربياً قديماً بقولهم: "موت يا حمار"، وأبقاه الأهل في الموصل بجملته الكاملة، وهو جواب اليائس البائس من قضيّة مهمّة، أو الذي لم يعد يأمل الخير قريباً. والعراق قد ملّ أهله من إصلاح الأوضاع، أو من تغيير الوجوه الحاكمة التي تهيمن على مقدّراته اليوم، إذ مضت 15 سنة على حكم الاحتلال وأذنابه من العملاء والأغبياء والطارئين والمفسدين في الأرض، ولم تزل عمليتهم السياسيّة تدور رحاها لتطحن العراق، وتمزّق شعبه تمزيقاً. وعلى الرغم من إيمان النخب العراقية الحية بالديمقراطية والتمدّن والوحدة والعدالة، إلا أن العراقيين ما زالوا منقسمين بين مخدوعين ومتخندقين، وبين مؤيدين ومعارضين، وبين متشبثين بالحكم وكارهين له كره الموت. ولم تزل العملية السياسية الحالية تدور عجلتها المكسرة، وتمضي في إطار مزيّف من "الديمقراطية " بالتزوير والانتهاكات، وهو إطار ثبت فشله من خلال نظام حكم فاشل، ودولة فاشلة، وكلها باسم "ديمقراطية" شكلية بمضامين طائفية، دمرت المجتمع تدميراً حقيقياً، ذلك أن العوامل التي تمّ فرضها منذ العام 2005، بإصدار دستور كسيح، كانت خاطئة جملةً وتفصيلاً.

وعلى الرغم من كلّ الفشل الذريع الذي لازمَ العملية السياسية بإيجاد نظام حكم طائفي ومحاصصي بغيض، مع صناعة طبقة سياسية فاسدة مهيمنة على مقاليد الأمور، فإن الحالة تنتقل، سنة بعد أخرى، من سيئ إلى أسوأ، في مخاضٍ لا يمكن إنقاذ العراق أبداً من خلاله. والانتخابات التشريعية المقبلة في العراق ستمرّ عبر نفق مظلم آخر، إذ تقف على مدخله إيران بكلّ ثقلها التاريخي والأيديولوجي، وتقف عند مخرجه أميركا التي لم تزل تبارك ما يحصل، من دون أيّ شعور بالذنب، ومن دون أية إجراءات عملية كفيلة بإنقاذ البلاد من ورطتها 

ثبت أن الشعب العراقي منقسم على نفسه انقساماً بنيوياً حاداً منذ العام 2003، ولا يستطيع أن ينقذ نفسه بيده أبداً، ما دام أن السلطة الحالية أسسّت نفسها من خلال المحاصصات، وروّجت المكونات، وأشاعت مبدأ الأغلبية والأقليات، وعملت من خلال نظام حكم له أجندة طائفية، وأحزاب غير وطنية، وأنتجت منذ 2005 دستوراً يعج بالتناقضات، وتوالدت طبقة أوليغارشية تؤيدها مرجعية دينية، وتبارك أعمالها قوى خارجية، كانت لها القدرة على احتواء العراق، من خلال مرتزقتها وموظفيها وعملائها، وكلّ الشرائح التي قدّمت الأجندة الطائفيّة على العقيدة الوطنية.

الصورة القاتمة، والتي تزداد حلكةً وظلامية وفوضوية سوريالية، اصطبغ بها مجتمع يبدو للعيان أنه متصالحٌ مع نفسه، لكنه ممزّق في نزعاته، وتائه في أهوائه، وغارقٌ في فساده إزاء تحالفات الطبقة السياسية الحاكمة التي تريد البقاء في السلطة بأي ثمن. وقد مرت سنوات طوال على حالاتٍ فاسدةٍ، وقراراتٍ ضالة، وبعثرة للموارد بشكل لا يوصف. وكلّ يوم نسمع بضرورة الإصلاح، وهي أكاذيب مسؤولين، لم يقدمّوا أبداً أيّ برنامج إصلاحي حقيق للبدء بالتغيير. الوعود التي كيلت لا حدّ لها، وكلها أكاذيب ومبرّرات. ولم يُعاقب أحد من المجرمين والسارقين والقتلة والخونة. وتأتي الانتخابات، كي يبقى هؤلاء في السلطة، وقد احتكروها لأنفسهم، وهم يدركون حجمهم، حتى وصل الأمر بأحدهم ليقول: علينا أن نحافظ على العملية السياسية، حتى إن سحبنا الناس سحباً إلى صناديق الاقتراع! بهذا الأسلوب المتوّحش، يريدون البقاء في السلطة باسم الحفاظ على العملية السياسية، وهم يخدعون الملايين بهذه الحجة التافهة التي يخشى منها بعضهم، كونهم اقتنعوا بأن العراق لهم، لا للجميع.

تشتعل الآن صراعات خفية بين أعضاء الطبقة الحاكمة، وستزداد ضراوتها مع الأيام. رئاسة الجمهورية ستكون الآن لغير الكرد، ولكن لا تأثير يُذكر لمن ستسند إليه، فالصراع على رئاسة مجلس الوزراء، والأسماء المرشحّة حتى الآن جرّاء التحالفات الشيطانية الماكرة هي بين 3-4 أسماء، لا يمكن أن يتنازل أحدهم للآخر أبداً، فمثلا إياد علاوي الذي كان قد فقد حقّه المشروع ي رئاسة الحكومة بالقوة، ليأتي نوري المالكي بدله، وهو الذي جعل العراق مزرعة للفساد والإرهاب، وبدل أن يحاكم ويعاقب في عهد حيدر العبادي، بقي بلا حساب ولا عتاب، وربما يعود إلى السلطة ثالثة، بفعل نزعته الطائفية وأجندته الايرانية. وستتكرر مأساة للعراق ثانية، كي يصفّي حساباته الآن قهراً لإرادة الشعب وسحق العراق. أما علاوي، فإن فرصه الآن أقل مما كانت، بسبب ضعف تحالفاته اليوم، وكنت أتمنى عليه تقديم مشروع وطني قوي، لتشكيل جبهة سياسية عراقية، تطرح نفسها بديلاً للمشروع الطائفي للمالكي وحلفائه. أما حيدر العبادي، فإن فرصه تضيع يوماً بعد آخر، فهو كالاسفنجة التي كانت غاطسة في الماء، وقد خرج منه ليغدو هشاً إزاء حيتان يريدون إخراجه خارج الملعب، مهما كان الثمن وابتلاعه، وهو الذي جنى على مستقبله، كونه لم يستمع إلى أية نصائح قدّمت له، فكان أن فشلَ سياسياً، في عدم قدرته على صنع التحالفات وتقديم مشروع وطني بديل، وغدا ألعوبة ضمن شيطنة إيرانية مفضوحة بتحالف الحشد الشعبي معه، ثم انسحاب الحشد منه، ناهيكم عن تراخي العبادي، وعدم قدرته القيادية، وخلوه من الحنكة في صناعة أي قرارات جريئة. إذ ملّ الناس وعوده التي لم  يستطع تنفيذها بالقضاء على الفساد والفاسدين، ولم يزل يغني هذا الموال من دون جدوى. ضعفه وخوفه جعلا خصومه ينتهكون إرادته، خصوصاً أنهم يعرفونه شخصاً متردداً منذ زمن بعيد.

وهناك اسم جديد تلمّع إيران فيه ليكون سيّداً للمرحلة المقبلة، وهو هادي العامري الذي يتزّعم فصائل الحشد الشعبي، وله تاريخه المرتبط بإيران منذ حربها ضدّ العراق قبل أكثر من 35 عاما. واذا كان عراقيون يستهجنون اسمه اليوم، إلا أنه متى يصلَ إلى السلطة، سوف يصفّقون له كعادتهم، ولكن على حساب تفاقم الاحتقان الاجتماعي، وستمرّ مرحلة صعبة وقاسية جداً بتدّخل إيراني واسع النطاق ، وربما دخل كلّ العراقيين حرباً أهلية من نوع جديد – لا  سمح الله -  .  

تتمثل المشكلة الحقيقية مجسّمة اليوم بين العراقيين الشيعة والسنّة، علماً أن الكرد فقدوا قدرتهم على المطاولة في بغداد، إزاء الوضع الذي قادوا أنفسهم إليه. وعليه، تتمثّل مشكلة السنّة العراقيين في أحزابهم المتشظية وتحالفاتهم المهترئة وصراعاتهم على المناصب والمصالح والنفوذ بشراكتهم البليدة في هذه العملية السياسيّة. وإذا كان الشيعة يختلفون في الأساليب، ويتوّحدون على الهدف، فإن السنّة ضيعوا الطريقين معاً، فضلاً عن ضعف موقف المدن السنية الكبيرة التي تدّمرت دماراً كبيراً، وتشرّد منها الناس، وقد ضعفت جبهة الموصل والأنبار جرّاء ما حاق بهما من تمزّق وانسحاق ونزوح، فكيف ستكون النتائج يا ترى؟

وعليه، فإنّ أوضاعاً كهذه للشيعة والسنة معاً هي التي ستحدّد مصير أربع سنوات مقبلة، مع سماع نداءات كبرى من عراقيين بمقاطعة الانتخابات، من أجل إفشال العمليّة السياسية، وإلغاء نظام الحكم الحالي، بحثاً عن بديل جديد، مهما كان نوعه، يمكنه أن يخلّص البلاد والعباد من هذه المعضلة التاريخية المريرة . الأسئلة الآن: إلى متى سيقبل شيعة العراق ما تفرضه إيران عليهم؟ هل ستبقى أميركا قابلة بهذا المشهد المهترئ؟ هل سيبقى حيدر العبادي في الحكم، أم سيتلقى طعنة نجلاء ربما  تفقده حياته ؟ هل لدى العراقيين قدرة على مقاطعة الانتخابات ؟ ولكن متى  توحّدوا على رأي  وطني  واحد ؟  هل سيجتمع السنّة تحت راية إياد علاوي من أجل قلب الطاولة؟ وهل بامكانهم  فعل  ذلك ؟ هل سيكون لمقتدى الصدر دوره الحاسم في تغيير الصورة الحالية؟ هل ثمّة مفترق طرق للعراق، سواء في انتشاله من صبخة الوحل، أم أنه سيغوص فيها نحو الأعماق؟

وأخيراً، أقول لكل الحالمين بالعراق المزدهر والديمقراطي والآمن والمستقر ما يقوله المثل المعروف: " موت، يا حمار، لما يجيك الربيع " .

 

العربي  الجديد ، ويعاد  نشرها  على  موقع الدكتور سيار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

 

صراع من أجل

السلطة لا لمستقبل العراق

أ.د. سيّار الجميل

 

تعمّ العراق اليوم حمّى الانتخابات المقبلة، وتزداد سخونةً مع تسارع الأيام، ولم تزل الوجوه السياسية نفسها المسيطرة على المشهد السياسي، ولم تزل الطبقة السياسية التي جاءت بها أحداث 2003 والاحتلال الأميركي هي التي تتنافس في الاستحواذ على السلطة، وتتكالب في البقاء على سدّة الحكم بشكلٍ لا يمكن تخيله، ولم يفسح المجال أبداً حتى الآن لأي قوى سياسيّة جديدة، كي تأخذ طريقها، لا لتتنافس من خلال صناديق الاقتراع، بل لإثبات نفسها أمام الشعب. واستماتت الطبقة الحاكمة في أن تبقي مفوضية الانتخابات تحت هيمنتهم بلا قضاة، ولا  اية  رقابة  قانونية  او  دولية .

أغلقت المفوضيّة العراقية العليا للانتخابات مهامها في تسجيل التحالفات السياسّية لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة. وعليه، فان الصراع المحتدم اليوم يتمثّل حقيقة بين أربع قوى شيعية كبيرة: تحالف دولة القانون ويمثله نوري المالكي وحلفاؤه، وهناك تحالف النصر لحيدر العبادي وجماعته، وتحالف جديد سمّوه بتحالف المجاهدين، أو تحالف الفتح المبين (بدلا من الحشد الشعبي) ويمثلهم هادي العامري وأمراء الحشد (وهذا تجاوز دستوري والتفاف على الدستور)، ثم هناك التيار الصدري واسع النطاق وتحالفه باسم ثائرون للإصلاح.. أما ما تسمّى التحالفات المدنية، فهناك التجمع المدني للإصلاح بزعامة إياد علاوي، وتحالف القوى المدنية مع الشيوعيين.. أمّا الأكراد فمنقسمون بين القائمة الوطنية الكردية والتحالف الكردستاني. هذه هي التشكيلات الأساسية المتصارعة من أجل الاستحواذ على السلطة باسم الانتخابات.

وبدا واضحاً أن الصورة التي بدت عليها التشكيلات التي ستخوض الانتخابات تستند إلى الطائفية المقيتة مع استثناءاتٍ لا تأثير لها، ذلك أن الوجوه التي بقيت مصرّة على البقاء في السلطة، وتتداولها فيما بينها هي نفسها منذ 15 سنة مضت، فلا يمكن لأحدٍ بعد اليوم أن يعتب على حكامٍ عراقيين سابقين احتكروا السلطة فيما بينهم زمناً طويلاً، وإذا كانوا قد احتكروها إبان عهودهم، فقد قدّموا للبلاد إنجازاتٍ كبرى، فما الإنجازات التي قدّمتها الحكومات الحالية العراقية منذ 15 عاماً؟ على كلّ عراقي أن يسأل نفسه: هل يقبل ضمير أي عراقي أن يعيد انتخاب هؤلاء الذين دمرّوا العراق، وسرقوه وأضعفوه، وامتهنوا إرادة أهله وبعثروا موارده؟ هل يحقّ لأمثال هؤلاء الذين سحقوا العراق أن يعيدوا ترشيح أنفسهم من أجل أن يبقوا في السلطة ثانية  ، وثالثة، بلا أيّ رادع أخلاقي ولا أي حياء؟ تاريخ أيّ واحدٍ من هؤلاء، أو تاريخ أيّ حزبٍ من أحزابهم، يوضح أن كلا منهم غاطس في الجرائم والفساد ودماء العراقيين ونهب البلاد، فكيف يحقّ لكم أن تعيدوا إنتاج أنفسكم ثانية، من أجل البقاء في السلطة؟ ماذا قدّمتم للعراق والعراقيين منذ 15 سنة غير الكوارث والنكبات والحروب الأهليّة والصفقات المشبوهة والتدمير الممنهج للمدن، وبعثرة اقتصادات البلاد، وسحقتم الناس ونهبتم المال العام؟ هل حاسبتم أحداً من المجرمين الكبار؟ هل اعتذرتم عن أسوأ القرارات؟ هل راجعتم أنفسكم مراجعة ذاتية، واعترفتم بما فعلتموه ظلما وعدواناً ؟ هل قمتم بالتحقيق مع أيّ مجرم فاسد تولى المسؤولية، وأساء إلى العراق وإلى أهله وتاريخه ؟ هل صدّقتم في الذي ناديتم من أجله، ووعدتم الناس بالإصلاحات؟ أين هي إصلاحاتكم؟ تغنيّتم بالحياة السياسية المدنية قبل أشهر، أين غدت وعودكم اليوم وقد  بقيتم  مع  احزابكم  وتحالفاتكم  بلا  اي  تبديل  جذري  ؟