الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

·         د. سيّار الجميل اكاديمي واستاذ جامعي وكاتب عراقي ينشر مقالاته في

 (العربي الجديد) اللندنية

 

استيزار حكومة عراقية جديدة

سيّار الجميل

 

الوزير، في قاموس بلاكويل للعلوم السياسية، هو "الرئيس السياسي لإدارة مؤسّسة حكومية كبرى هي الوزارة". وهناك وزراء أعلى لصنع القرارات، ووزراء أدنى لإدارة الوزارات، بأساليبٍ سليمةٍ وذكيةٍ ونزيهة، ضمنَ هيئةٍ دعيت في بريطانيا بالمجلس (Cabinet) التي يدعوها العراقيون اليوم بـ "الكابينة"، واتّخذ "المصطلح" في الولايات المتحدة الأميركية مفهوم الإداري أكثر منه سياسياً، ليُسمّى الوزير سكرتيراً، ويجتمع أقلّ عدد من الوزراء في أكبر دولةٍ، في حين يكثر عدد الوزراء في دولٍ هشّةٍ وضعيفة وفاشلة. 
الدولةَ الضعيفة، أو التي اصطلح عليها أخيراً بالدولة الفاشلة، والتي تنطبق عليها أوضاعالعراق الحالي، هي بأمسّ الحاجة إلى رجال أقوياء ووزراء حكماء ومسؤولين نزهاء وأصحاب كفاءات وضمائر وطنية حيّة لادارتها، ولهم القدرة على صنعِ القرارات النافذة، وإعادة بناء ركائزها من جديد على أسسٍ قويّةٍ بالاعتمادِ على قوى فاعلةٍ ونخب ذكية من المستشارين والمختصّين في مجتمعٍ هو بأمسّ الحاجة إلى المؤسسّات الإدارية النشيطة كي يستعيد عافيته وقوته. 
كلّ هذا وذاك هو ما يحتاجه العراق وشعبه اليوم، وبعد مرور قرابة 16 سنة على الاحتلال

 الأميركي له، وتغييرهم نظامه السياسي السابق، والتحوّل من "الدكتاتورية إلى الديمقراطية". ولمّا لم يمرّ العراق بطورٍ انتقالي حقيقي من العدالة الانتقالية، وما حاقَ به من التناقضات، وما جرّت عليهِ التدخلات الأجنبية السافرة.. فضلاً عن نمو طبقةٍ طفيليةٍ غير سياسيّة، وغير كفوءة، استحوذت على مقاليد الحياة في العراق، وقادت البلاد من سيئ إلى أسوأ، من خلال ممارسات طائفية وتمايزيّة وانقساميّة تحتَ مسميّات التوافقية، فانّ نتائجَ كارثية حاقت بالبلاد، ولم تستطع حكوماتٌ متعاقبة معالجة الأوضاع وإيقاف الفساد المستشري، والنهب المنظم للمال العام، وسوء الإدارة، وانتشار الفوضى بانعدام الأمن، حتى بات الناس ينتظرون الخلاص من كلّ حكومة جديدة. 
بعد رحيل وزارة حيدر العبادي، ووصول عادل عبد المهدي إلى رئاسة الحكومة، أمل العراقيون أن تتشكّل وزارة نافذة، أو حكومة قويّة، تكون لها القدرة على تحقيق الحدّ الأدنى من التغيير والإصلاح وإتاحة فرص الحياة، وكنتُ آمل في الرجل الإصرار على أن يكون بعيداً عن محاصصات الأحزاب والكتل والقوى المستحوذة على العراق بقضّه وقضيضه، فإمّا يفرض إرادته القوّية أو يُعفى من المهمّة، لكنهُ مضى في تشكيلِ وزارته. وقد سمعتُ منهاجه الحكومي الذي قدّمه، وكأنه يتقدّم لحكم دولةٍ مزدهرةٍ لا مشكلات فيها، ولا كأنّها تغوصُ في أشدّ المعضلات.. وعلى الرغم من إعلانه تلقّي ترشيحات من يرغب بالمناصب الوزارية بواسطة الإنترنت، إلّا أنّ هذه الخطوة وجدتها مدعاةً لسباقٍ محمومٍ من كلّ طلاب المناصب الوزارية. وقد سمعنا أنّ آلافا منهم قد أرسلوا سيرهم الذاتية، وفي أغلبها معلوماتٌ كاذبةٌ وغير دقيقة، فضلاً عن أنّ الترشيحات باتت على أفواه الجميع، اذ أصبحَ الاستيزار سوقاً رائجة للعراقيين، فتجد الأحزاب والكتل، وحتى العصابات، تفرض أسماء منها، وتجد هناكَ من يَسعى إلى المناصب من خلال القرابة والنسابة، أو من خلال شرائها بملايين الدولارات، وطرح بعض الكتّاب السذّج في مقالاتٍ كتبوها ترشيحَهم أصدقاء لهم هذا يمجّد ذاك، وآخر يمدح تلك، في عملية كاريكاتيرية هزلية مضحكة، وكأن الاستيزار مزاد علني لكلّ من هبّ ودبّ في مجتمعٍ أكله التخلّف والتوحّش وصراع الأضداد. 
وصلت التعقيدات في عملية الاستيزار في العراق إلى حالة مرعبة، بحيث ضاعت فيها المقاييس ضياعاً حقيقياً، وسط سعيٍ محموم لطلاب السلطة والجاه والمال على حساب ذوي المكانة الوزارية الحقيقية، وبقيت العمليّة خاضعةً للمحاصصات والمزايدات والمناقصات والبيع والشراء والابتزاز من قوى طفيلية داخلية، ومن ذوي التحكّم الخارجي، وضياع الركائز الحقيقية في استقلالية الرئيس، باختيار وزرائهِ الذين يمكن أن يطمئن ضميره وأخلاقه على قدرتهم في إدارة الحكم وإدارة مؤسساتهم، وما يتصفون به من نزاهةٍ وقدراتٍ وطنية في العمل وصنع القرارات. 
برزت مشكلة تشكيل الوزارة العراقية الجديدة في جلسة البرلمان، حيث قّدّم عادل عبد المهدي  

قائمة من الوزراء، وطلب باستيزارهم، فقبل البرلمان جماعة منهم، وتحفّظ على آخرين، علماً أنّ أغلب النواب العراقيين لاحقتهم الاتهامات بصعودهم من دون وجه حق، جرّاء التزويرات والصفقات، كما اعترف بها رئيس الحكومة السابق، حيدر العبادي، ورهط من المسؤولين، فضلاً عن فضائح المكالمات الهاتفية التي أثبتت للعالم كله حجم الزيف في برلمانٍ مزوّر، يجلس اليوم أعضاؤه نواباً مخادعين، يمثلون شعباً ضحكوا عليه طويلاً. وعليه، فإن شرعية البرلمان العراقي الدستورية مزوّرة أصلاً، ولا يمكنه أن يوافق على أيّة وزارة، إذ سيُطعَن بها وبشرعيتها الدستورية. 
عودة إلى من استوزرهم عبد المهدي، ليكونوا وزراء معه في إدارة العراق وحكمه، للقول له: لقد قضيتَ عمراً طويلاً في السياسة، ألم تتعلّم شيئاً عن خبرات العراقيين في هذا العالم؟ أليس لديك من مراقبتك سنواتٍ طوالا أيّة معرفة بكفاءات بعض العراقيين وقدراتهم ونزاهتهم واستقلاليتهم وأدوارهم، مهما كانت انتماءاتهم الدينيّة والمذهبيّة والجهويّة والعرقيّة والثقافيّة والسياسيّة؟ لماذا استسلمت لتغوّل القوى المتوّحشة التي كانت ولم تزل تفرض هيمنتها وقوّتها على العراقيين في الداخل والخارج؟ ما الذي جعلك تقبل ترشيح محسوبين ومنسوبين لهذا أو ذاك؟ هل عرفت ما القرابة وما تأثيرها في الوصول إلى السلطة والمناصب لنحر العراق؟ كيف قبلت باستيزار صبيّةٍ لم يمض على تخرّجها إلا بضع سنوات، وهي لا تجربة لديها كي تجعلها وزيرة للعدل؟ وهكذا بالنسبة إلى وزاراتٍ أخرى، كالتخطيط والثقافة والتربية.. إلخ، ومؤسسات حساسة أخرى، مثل أمانة العاصمة، ومحاسب البنك المركزي، ورئيس أركان الجيش.. إلخ. 
بدت عمليّة الاستيزار الجديدة للعراقيين والعالم أول خطوة فاشلة لرئيس وزراء جديد، وقصّة هزليّة مخجلة ومضحكة، يتداولها الناس منذ أيام في وسائط التواصل الاجتماعي، وعلى شاشات الفضائيات، وهم يعلنون عن سخطهم غير المتناهي.. حتى من الذين كانوا يؤيّدون العملية السياسيّة برمّتها، كون عادل عبد المهدي يقف اليوم وحده في الميدان، وسط تياراتٍ عاصفة لا ترحم، فالكلّ يريد أن يبتزّه أو يطيحه، كي يحظوا بسدّة الحكم بدلا منه. وعليه، إن لم تمتلك الحكومة الجديدة، من خلال أعضائها، مواصفات ذكرها المقال، فإنّ أربع سنوات مقبلة ستكونعجافاً، لا سمح الله.

(العربي الجديد)

 

العروبة الجديدة

سيار الجميل

 

حركة نهضوية عربية جديدة تنبثق في زمنٍ صعب جداً بعد العام 2009، تشابه، إلى حدٍ كبير، تلك الحركة العروبية النهضوية الأولى التي انبثقت قبل قرن، في العام 1909.. فاذا كانت "القومية العربية" قد عاشت مائة سنة 1909 - 2009، وصادفت شتى التحديّات، وارتكبت تحت اسمها جملة أخطاء كبرى، فانحرفت عن منطلقاتها النهضوية المستنيرة، لتغدو أيديولوجيا تتناهبها الأحزاب السياسية والتيارات الأيديولوجية والشوفينيات المتصادمة، فكانت أن أجهزت على "العروبة"، فأخفقت في تحقيق الأهداف النبيلة التي رسمتها وأعلنتها وبوسائل فاشلة، كأن يتم التغنّي بها رومانسياً، أو تتصارع سلطوياً، أو يتلاعب بأمرها ضباط انقلابات عسكرية، أو تتراشق بها جماعات حزبية، فابتعدت عن منطلقاتها النهضوية الأولى، بعدما حقّقت القطيعة التاريخية بين العرب النهضويين والاتحاديين العثمانيين مع نهايات الحرب الأولى، فالنهضة العربية قد استمرت، ولكن الظاهرة القومية قد أخفقت. 
ولكن سرعان ما انتقلت عدوى الشوفينيات والأساليب الفاشية والأفكار النازية إليها من أوروبا، فكان أن استعارت، بل وسرقت جملة هائلة من "الشعارات" التي لم تكن تلائم الواقع العربي وضرورات مجتمعاتنا وحقائق أوضاعنا، بل ولم تحقق الأهداف الكبرى والمثالية التي نادت بها، وانتكست انتكاساتٍ مريرة بهزائمها أمام إسرائيل وغير إسرائيل، وخصوصاً بعدما هيمنت عليها قوى الاستبداد وزعامات الطغيان وترييف الفكرة القومية.. وأخيرا الإسلام السياسي بأشكاله العنيفة. 
كتبت في مقال لي في "روز اليوسف" المصرية، يوم 25 إبريل/ نيسان 2009، إنه كان من المحتم أن تنهزم القومية العربية، ثقافة وإيديولوجية، كونها عبرت عن مصالح قوى حزبية، أو سلطات انقلابية، وحكومات عسكرية لا تعّبر عن أمنيات مجتمع، وتنمية فكر، واستنارة  

عقل! وعلينا أن نعلم بأن "نزعة العروبة" قد استلبتها "الظاهرة القومية"، وتحدّثت باسمها لزمن طويل! اليوم، كثيرا ما تشتم العروبة ظلماً وعدواناً، بسبب كراهية الموجات القديمة والجديدة القومية العربية والفكر القومي العربي. ولم يزل القوميون حتى يومنا هذا يدافعون دفاعاً مستميتاً عن تاريخهم، إزاء استثناء ثلة منهم، راجعوا أنفسهم، فوجدوا أن مجتمعاتنا عاشت مخدوعةً خديعة كبرى بفعل الوازع القومي الذي لا وجود له في مجتمعاتٍ لم تكن تعرف إلا ما يجمعها (عروبياً). ولكن مع وجود خصوصياتٍ يختص بها كلّ مجتمع عن الآخر، من المضحكات القومية أن تغدو كلّ هزائمها بطولات عظيمة. 
كم هي الضرورة ملحّة هذا اليوم كي ندرك حاجتنا إلى مشروع  نهضوي عربي كهذا بعد مئة سنة من زوال الإيديولوجيات وممثليها عن الساحة من زعماء طغاة ومستبدين ومنظرين لأحزابٍ قوميةٍ أساءت كثيراً لتاريخنا ومجتمعاتنا؟ ما أحوج مجتمعاتنا وثقافتنا العربية إلى من ينقذها من العوارض والقوارض التي طرأت في حياتها وظواهرها القاتلة المتمثلّة بانقساماتٍ وصراعاتٍ وحروبٍ باردة وساخنة، وتدّخلاتٍ أجنبية، وشعوبيات، وطوائفيات، وحروب ارتزاق، وسحق مدن، وتمزق مجتمعات.. إلخ. 
ثمّة مرتكزاتٌ للعروبة الجديدة، أجدها معايير أخلاقية وقيماً فكرية، وربما تغدو مبادئ أساسية لمشروعٍ عربي نهضوي قادم، إن نجحَ المؤسسون بعقد مؤتمر تأسيسي بعنوان "العروبة الجديدة.. مشروع نهضوي".. تتبلور العروبة الجديدة اليوم بأساليب حضارية متمدنة لحركة نهضوية بعيداً عن الأدلجة السياسيّة، ويتصدّر مشهدها وريادتها المفكر العربي عزمي بشارة الذي لخّص فكر "العروبة الجديدة"، ورسم ملامح مشروعها بعقلانية ومهارة في حواره القيم الذي صدر في كتاب عنوانه "في نفي المنفى"، بتحرير صقر أبو فخر (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017)، وأيضا في ثنايا أدبياته وخطاباته منذ عشر سنوات مضت. وأدناه جملة من المعايير الأخلاقية والقيم الفكرية للعروبة الجديدة، كما أوضحها بشارة: 
أولا، الديمقراطية حلا لقضية الاستبداد، ولا مكان لطغيان السلطة باسم العروبة القائمة على العصبية. 
ثانيا، الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة، وتعدّد الهويات في مجال الأمة من خلال الحداثة والتمدّن. 
ثالثا، العروبة هي ثقافة وذاكرة تاريخية وانتماء متجاوز للطوائف والقبائل والعشيرة، ولا يمكنها أن تستند إلى الدم، أو تقوم على أساس الجنس والشوفينية. 
رابعا، الدين لا يمكن قمعه، فهو حق مشروع لمعتقدات الجماعات المتنوعة داخل الأمة، وأن  

العروبة الجديدة، في الوقت نفسه، ليست ديناً أو عقيدةً مقدسة أو ديماغوجيا فاشية كما وصفت القومية العربية، إنها انصهارٌ مع الوطن واحترام للمواطن وتعزيز حقوقه وواجباته، لا تقديساً للفكرة أيديولوجياً، أو تسييس الدين أو عبادة السلطة. 
خامسا، اعتماد مفهوم دولة المواطنة الناضجة تقوم بها المؤسسّات الفاعلة، وتعتمد مبدأ الفصل بين السلطات، وأن تكون الدولة العربية دولة مواطنين، ومنفتحة على العالم. 
سادسا، العروبة الجديدة ترفض الميراث الساخط والبالي، أمة مواطنين منفتحة، لا أمة قومية واحدة مغلقة. 
سابعا، الواقعية والعقلانية وتحكيم العقل، لا الرومانسية في الشعارات والأوهام والأفكار المتخيلة، وعدم التعامل معها حقائق ثابتة. وهوية العروبة الجديدة انتماءٌ حضاري وثقافي عابر لكل أوبئة القرن العشرين. 
ثامنا، العروبة الجديدة ثقافة نهضوية، وتربية أخلاقية، وعناية لغوية، وذاكرة تاريخية، وانتماء يتعلم من أخطاء الماضي، ومتطلعة إلى بناء المستقبل بالتفاعل مع روح العصر. 
تاسعا، العروبة الجديدة مشروع تنويري، ملهم لكلّ الأساليب والرؤى السياسية والاجتماعية والاقتصادية في كلّ البيئات العربية، كي يعمل على تقدّمها نحو الأمام، لا سحبها إلى الوراء. 
عاشرا، لمّا فشلت القومية العربية في تحقيق أهدافها كلها في الوحدة والحرية والاشتراكية، فإنّ العروبة الجديدة تقترح لأبنائها منظومة عربية حضارية قوية تعاونية مشتركة منفتحة ومتقدّمة، والسعي إلى إعادة الحقوق العربية كلها من مغتصبيها عبر وسائل العصر الحديث. 
وأخيراً أقول إنّ العروبة الجديدة قد انطلقت اليوم، وبالتحديد منذ العام 2009، كما كانت العروبة الأولى قد انطلقت عام 1909، فإن كانت الأولى قد ترجمت نفسها من خلال الجمعيات والمنتديات والمنشورات وتأسيس المؤتمر العربي الأول في باريس 1913، فإنّ العروبة الجديدة ترجمت نفسها بنخبةٍ مستنيرة من المفكرين والمختصين والإعلاميين والمثقفين. وأناشد الدكتور عزمي بشارة بعقد مؤتمر تأسيسي للعروبة الجديدة، من أجل ترسيخ المبادئ الأساسيّة لهذا "المشروع" النهضوي العربي، المتمنّي أن يبقى مستقلاً ومستنيراً، ومعبراً عن حاجات الأمة، وبعيداً عن عبث الدوائر الخارجية، وأن لا يكون عباءة سياسية للتسلّط، أو أيديولوجية للطغيان..

العربي الجديد - لندن

بغداد... قنبلة موقوتة

أ.د. سيّار الجميل

 

ثمّة تساؤلات، يحسن التفكير في الإجابة عنها بلا عواطف أو انحيازات، فالذي يمرّ به العراق من أحداثٍ ووقائع تعكس واقعهِ المزري الذي يعدّ نتاج حقبة تاريخية مضطربة جداً، ناهيكم عن أنه لم يشهد أيّة حالة مستقرّة من كلّ النواحي، فضلاً عن فقدان المجتمع بوصلته الوطنية الموحدة التي عاشَت قرابة قرن، فأينَ مصيره المجهول سيكون؟ 
يعترف الكلّ بأنّ العراق لم يتقدّم خطوةً واحدةً نحو الأمام، بل وليس جامداً في مكانهِ، بل هو يتراجع تراجعاً مخيفاً لم يشهده تاريخه، وقد قُضيَ على كلّ إنجازاته التي حقّقها الآباء في القرن العشرين. وهو اليوم يقترب من نيرانٍ غير التي ألفها ودمرته تدميراً، فقد خرجَ من الحرب العراقية الإيرانية متعباً، وخرج من حرب الخليج الثانية مدمرةً بنيتُه التحتية، وعاش حصاراً قاتلاً سنوات طوال، وعاش حرباً صعبة في العام 2003، أسفرت عن تغيير نظامه السياسي السابق باحتلالٍ أميركي سيئ الصيت ودمار ثقافي، قاد إلى قيام نظامٍ سياسي (جديد)، وفق مقاسات تمايزية، ومحاصصية لا تنسجم وطبيعته الاجتماعية والسياسية، فلم ينجح أبداً، منذ 15 سنة، ضمن الأطر والمعايير المتناقضة غير المتوازية، إذ توالت الإخفاقات عليه، وتفكّكت أواصره مع اضمحلال بنيته الفوقية، وتشرّد كفاءاته، وموت أبريائه، وكثرت تدخّلات الآخرين فيه، ما أحدث ظاهرة الإرهاب التي أوجدتها تناقضاته المريرة، والتي اشتركت في صنعها معظم دول الجوار، وأوجدت طبقة سياسيّة حاكمة غير مؤهلة، ولا كفوءة ولا مخلصة أبداً للعراق وأهله. وهيمنت على مقاليد الأمور أحزاب طائفيّة، وجماعات وصولية، بوصول ساسة أغبياء وجهلاء الى سدّة الحكم، فهزلت المؤسسات وعمّ الفساد في كلّ أرجاء البلاد، إلى جانب انسحاق المدن العراقية، إحداها تلو الأخرى، وفرار أهاليها، وخير دليل ما حدث للموصل قبل عام، وما يحدث للبصرة اليوم، وما سيتلوهما في بغداد، لا سمح الله
الظروف الصعبة، والفوضى السياسية التي تضرب أطنابها على كلّ مساحات العراق، وخصوصاً في العاصمة بغداد، تفيد كلّها بأن العراقيين في مأزق مصيري، لا يحسدون عليه أبداً، فهم غير قادرين على التفاهم في ما بينهم، والساسة غير مؤهلين كي يجدوا الحلول المناسبة، لا للمشكلات السياسية ولا الخدمية، لأنّ الطبقة السياسية المستحوذة على الحكم فاسدة كلّها بلا استثناء، ولم تصدُر أية عقوبات صارمة بحق المسؤولين الفاسدين، وغالبيتهم مطعون في أهليتهم وتاريخهم، إضافة إلى أنهم مجموعة دكاكين وجدت كي تبحث عن مصالحها الشخصية والفئوية، بعيداً عن المصلحة الوطنية العامة، وأنّ بعضهم أجراءٌ لهذه أو تلك من دول الإقليم. وعليه، فقد أصبح القرار بيد الآخرين، وخصوصاً إيران والولايات المتحدة. ولما كان الوضع بين الدولتين متجهاً نحو التشظّي في نوفمبر/ تشرين الثاني القادم بتطبيق العقوبات الحقيقية على إيران، فانّ العراقَ بات في زقاق مسدود الأركان، والنار مشتعلة على بوابته، فأين المفر؟ 
ما يجري من مآسٍ في البصرة اليوم سيناريو مختلف عن تراجيدية الموصل منذ أعوام، واذا كانت الأخيرة قد سُحقت، فإنّ البصرةَ ستلحق بها، لأنّه لا يمكن معالجة مآسيها ضمن سياقات الحكم الحالي، والعاصمة بغداد تعيش ملهاة الصراع على السلطة بشكل مقزّز.. أيّة حلول لانبثاق سلطات رئاسية وتشريعية وتنفيذية ليست واضحة في الأفق حتى الآن، جرّاء المساومات، فكلّ طرف يعزف على هواه لضمان مصالحهِ، والصراع الداخلي لا يمكن التكهن بنهايته، جرّاء التقلّبات المفضوحة للساسة الذين انتخبوا في "دورةٍ " اعترف مسؤولون أنها مزوّرة، فكلّ ما سينتج عنها هو باطل. وإذا مارس بعضهم سياسة الحيّة الرقطاء، إذ يُظهر نفسه ضدّ الطائفية والمحاصصات، فهو كاذب، يبطن عكس ما يظهر، في حين يتّبع آخرون سياسة النعامة التي تخفي رأسها في الرمالِ، وسيقانها أشلاء عارية. وتجد المجرم في الأمس غدا حليفاً لخصمه اليوم، وتجد من كان متظاهراً إرهابياً معتصماً في الأمس غدا اليوم مناضلاً ومجاهداً، والكلّ قد غسّل وجهه بفضلاته بلا حياء ولا أخلاق!
وهكذا، فالعراق في مستنقع سياسي آسن، تخلو أحزابه وتكتلاته من أيّة مبادئ وطنية، وتنعدم البرامج العملية عند جلّ القادة السياسيين. ويعجب المراقبون من تصريحاتٍ قوية ومثقلة بالتهديدات، تأتي من أقزام غدوا مراكز قوى، تفعل ما تشاء بلا أيّة ضوابط وأنظمة.. السلطة فاشلة لا تسمع منها إلا اللغو والأكاذيب، وثمّة مليشيات ودوائر حاكمة تتحرك بنفوذها بمعزلٍ عن السلطة الرسمية. تريد إيران العراق حديقة خلفية لها، باستخدام كلّ مصادره وتوظيفها من أجل مصالحها، وأميركا تشدّ وترخي، لكي تديم البوابة الشرقية لمصالحها الخاصة في الشرق كلّه
ما شوهد من فصول تراجيدية مأساوية وكوميدية هزلية سنوات، وما حدث للعراقيين باسم الحفاظ على العمليّة السياسية، وعلى النظام السياسي (الجديد)، وما مرّ من سيناريوهات وانتهاكات مؤلمة على معظم أراضي العراق، وما صار إليه شعبه، يجعلنا نفكر بالمصير الخطير لهذا الشعب، من خلال ما سيحدث في بغداد التي تتجمّع فيها كلّ عوامل الانفجار. ولن يثور الشعب من تلقاءِ نفسهِ، لكنه ينتظر الفرصة السانحة والملائمة التي سيشنّع فيها إثر انفجار القنبلة الموقوتة، وحدوث الهيجان الكبير.. ولاتَ ساعة مندم. وفرص إشغال هذا الشعب، والضحك والكذب عليه، والتغرير به، موجودة إعلامياً، دينياً أو سياسياً. ولكن ما معنى أن تُسحق كلّ مدن العراق، وتبقى بغداد في مأمن من الانفجار؟ ما معنى النفخ في الصراعات الداخلية تارة، وإطفائها تارةً أخرى؟ ما معنى هذا اللّف والدوران بين العراقيين أنفسهم، وهم يدركون المحرّك الأساسي لكلّ اللعبة؟ ما معنى انقسام الشيعة على أنفسهم اليوم من أجل السلطة والنفوذ ؟ ما معنى هشاشة الساسة السنّة اليوم وتفاهتهم وتغوّلهم وفجاجتهم ؟ ما معنى انقسام الكرد على أنفسهم اليوم لكسب منصب رئاسة الجمهورية ؟ ما معنى الصراع اللاأخلاقي التافه من أجل الكتلة الكبرى (وليس الأكبر) وأهل العراق يعيشون فجائع ومحنا تاريخية لا توصف؟ ما معنى إصرار هؤلاء على توزيع المناصب وخضوعها للشراء والبيع ؟ ما معنى عدم استقالة المسؤولين المقصّرين وعدم محاسبتهم على جرائمهم؟ ما معنى اندلاع حرائق هنا وهناك في العراق وشيطنة المحاور والتحالفات الواهية ، وخصوصاً في بغداد؟ ما معنى استمرار فقدان الأمن والخدمات ووسائل العيش الكريم وقتل النسوة وإشاعة الفوضى القاتلة.. إلخ؟ 
لا يمكن لهؤلاء الذين يتصارعون على السلطة والنفوذ والمناصب أن يعالجوا مشكلات العراق أبداً. والحلّ واحد غير مدرك وصعب التحقيق حتى الآن، ولكن لا خيار للعراقيين جميعاً إلا بوجود حكام ومسؤولين أقوياء، يتحمّلون مسؤولياتهم التاريخية والاخلاقية ، ويعرفون اختياراتهم الوطنية بتخليص العراق من المستنقع الآسن الذي وقع فيه، وأن تكون لهم ركائزهم في التعامل مع الداخل الصعب، ومع الخارج الأصعب.
وعلى العراقيين جميعاً أن يدركوا أن هؤلاء المتصارعين على السلطة لا يصلحون أبدا لقيادة البلاد في مرحلتها الخطيرة اليوم. إن حكومة إنقاذ وطني لا يمكنها أن تتشكّل من هذه الطبقة السياسية الحالية، بل لا بدّ أن تنبثق هذه الحكومة في بغداد، بأيّة وسيلة كانت، ممثلة لإرادة الشعب، وتبدأ بإلغاء كلّ الأحزاب والتكتلات والمليشيات والعصابات وتجرّدها من السلاح، وإصدار قوانين إرجاع الحقوق المغتصبة للدولة والمجتمع من أجل القضاء على الفساد، وتطبيق عقوبات صارمة بحق المخالفين والأجراء والفاسدين، حكومة إنقاذ لها قوتها واستقلالية قراراتها، تنبثق بصلاحيات مركزية مؤقتة خلال طور انتقالي، إلى حين إجراء انتخابات عامة، وإصدار دستور مدني محترم، لائق بالعراق والعراقيين. لا مناص من ذلك، فهو الحلّ الوحيد للعراق إيقافاً للتدهور، وعسى أن يكون هذا الحلم واقعاً في يوم قريب، وينجلي الليل الطويل بانتهاء المهزلة.

(العربي الجديد ) لندن
http://sayyaraljamil.com/

 

ماراثون

"الكتلة الكبرى" في العراق

سيّار الجميل

طالما أتأمّل طويلاً في مقولة ذكيّة قالها ألبرت آينشتاين، وهو يعيش مرارة من يصفّق للسياسيين الأغبياء، قال: العالم لا يتحطّم بواسطة الأشرار، بل بواسطة من يشاهدونهم من دون أن يفعلوا شيئاً ما ضدّهم كي يوقفوهم عند حدّهم.. وهذا ما يحدث في العراق منذ سنوات.. يعيش العراق اليوم ماراثون البحث عن الكتلة الكبرى، بحيث يمكنها تسلّم الحكم، كعادة حليمة القديمة.. وها نحن نرى كلّ المساومات والوصوليات، وسوق الذمم حيث تباع وتشترى، ومزاد كلّ الاتفاقات والتحالفات الخالية من كلّ القيم والمبادئ لدى طبقةٍ سياسيةٍ تسعى إلى البقاء في السلطة، مهما كلّف الأمر.. ويأتي السباق اليوم بعد فشل انتخابات تشريعية فشلاً ذريعاً، إذ اتهمت رسمياً وشعبياً، كونها انتخاباتمزّورة، بمعنى أنّ أيّ تشكيل سياسي تربَّع على دست الحكم سيكون لا شرعية له أبداً. 
عندما تختفي المبادئ من شرعة أيّ بلد، أو من أيديولوجيته الوطنية، نجد الأوضاع تغوص في مستنقعٍ من الفوضى السياسيّة، وهذا ما يشهده العراق اليوم، إذ نجد سباقاً غير أخلاقي، ومنعدم الثوابت لدى قوى سياسيّة مزمنة، لها مراكز قوة ونفوذ، وقد فرضت نفسها بقوة المال والسلاح، ويصل توحشّها حدّ الافتراس في الوصول إلى السلطة والاستحواذ عليها، أو حتى استلابها، بعد أن افتقدت كلّ المعاني السامية التي لم يزل يؤمن بها المخلصون منالعراقيين، ذلك أنّ المتصارعين السياسيين يخضعون لعوامل وأجندات خارجية، أكثر منها وطنية، ناهيكم عن نوازعهم الشريرة من أجل حكم البلاد. وعليه، فهم يسعون إلى تشكيل الكتلة الكبرى، كي يفوزوا بالمناصب، واحتكار السلطة والانفراد بالقرار السياسي. 
مضت مراحل ساخنة من 2018، شغلت الناس بالانتخابات التشريعية، وكم سمعنا قيادات تافهة تتحدّث للناس باسم التغيير، والقضاء على الفساد، وتشكيل النزعة المدنية، وإرساء  

الوطنية، واعتماد الكفاءة، ورفع شعارات الديمقراطية، وأنهم ضد المحاصصة.. إلى غير ذلك من الكليشيهات الوهمية المرحلية، ومرّت الانتخابات على أسوأ ما يكون الحال، واتهموا هم أنفسهم جولات الانتخابات بالتزوير، وأدينت المفوضية وسط تشكيك أحدهم بالآخر.. ونودي بإلغاء الانتخابات التي طاولها الفساد باعتراف الجميع. ولكن خرجت المحكمة العليا بقراراتها التي مسحت كلّ ما حصل بجرّة قلم، جرّاء تواطؤها المخزي، فعادت مراكز القوى وكلّ أتباعها تتسابق من أجل تشكيل الكتلة الكبرى للفوز، وهم بين قوتين اثنتين: إيران والولايات المتحدة.. ولا يعرف حتى اليوم أي موقف عراقي وطني، له ثوابته إزاء الأزمة بين الدولتين، ولم يعد الأمر مفضوحاً فقط، بل يشكّل فجيعة تاريخية مدمرّة للعراق، يوماً بعد آخر، إذ تتسابق مراكز القوى في العراق لكسب ود الطرفين، بلا أية إرادة وطنية، تكسي هؤلاء المتصارعين على السلطة عريهم المكشوف. والسؤال هنا: ما حصيلة التزوير؟ من هم أبطاله؟ أين لجان التحقيق؟ أين النتائج؟ 
يتسابقون اليوم إلى تشكيل الكتلة الكبرى، ليس من أجل تسيير شؤون العراق المعطّلة، أو خلاصهِ من هذا المستنقع الآسن، بل من أجل الاستحواذ على السلطة، مهما كانت الأثمان باهظة.. ويكفي أن واحداً من ثلاثة سيرشّح رئيساً للوزراء، فكيف سيتم تشكيل الحكومة اذن؟ ولا يبدي الشعب أي اعتراضات حقيقية على ما يحدث، وكأنّ الشعب قد صدّق أكذوبة العمليّة الانتخابية، وأن الفائزين يتمتعون بصفة الزعامة أو الريادة أو القيادة في الحقيقة. وقد صدّق هؤلاء من المتنازعين مرة، والمتحالفين مرات، أنهم يمتلكون الشرعيّة وسط هذه الفوضى السياسيّة العارمة. 
الكتلة الكبرى تعني الاستحواذ المحاصصي للسلطة، كما هو متوقّع.. تعني هيمنة قوى حزبية أو طائفية أو عميلة على مجلس النواب، كما تشير كلّ الدلائل.. الكتلة الكبرى تعني دكتاتورية الجماعة المسيطرة التي تتألّف من عصابات ومليشيات، وبمعيّتها من رضي بالتحالف لينال الفتات.. الكتلة الكبرى تعني إبقاء البلاد تحت هيمنة هذا أو ذاك، في ظلّ أوضاع منقسمة وخطيرة تمرّ بها منطقة الشرق الأوسط بأسرها، وخصوصاً في العراق الذي يُخشى من أن يزّج في حربٍ طاحنةٍ قادمة، أو جعل العراق، ومن أكبر الاحتمالات، بقرة حلوباً لإيران، في أزمتها الفعلية اقتصادياً ومالياً. الكتلة الكبرى تعني امتلاك كلّ القرار السياسي، وكلّ المقدّرات بيدها، وسحق كلّ الكتل الأصغر واحتقارها، وخصوصاً من يملك ذرةً من الوطنية، ويطالب بإعمار العراق وتحقيق أمنه القومي.. الكتلة الكبرى تعني انفتاح الباب لامتهان كلّ العراقيين، واستمرار النهب، وغياب الأمن، واستشراء الفساد تحت أغطية جديدة.. والسماح ببقاء التظاهرات الشعبية، ما دامت سلمية ووديعة، وليس للشعب فيها إلا شقّ الحناجر، ولطم الخدود، وإعلان الغضب. 
ما نشهده اليوم لدى الطبقة السياسية، وفي مقدّمتها الأحزاب وجماعات الحكم وعلاقاتها 

المتفسخّة التي تتحكّم بها المصالح الفئوية والطائفية، وحتى الشخصية.. وما تتصّف به من دسائس ومشاغبات، وتبادل مصالح وممارسة تشهير، وبيع الذمم وشرائها وامتهان القيم وتوزيع الحصص حسب الإملاءات.. حتى بات الكلّ يتعامل وسط مستنقع قذر، باشتراك الجميع فيه، ومن خلال سيناريو يجيد الساسة العراقيون اليوم تلاعبهم على ملعبه، فمن كان عدّواً لدوداً لخصمه بات رفيقاً له، ومن كنت تجده يستعرض عضلاته، بوطنيته وشرفه وولائه الطائفي، بات اليوم يلعق الأحذية لتحقيق مصالحه. من كان يتأمل به أهله الخير في إعمار مدينته بات اليوم حليفاً لقاتله، كي يفوز بمنصب سيادي.. وهكذا بالنسبة للأسماء التي تعوّدت الانتقال من منصب إلى آخر. 
كم كان حريّاً بالعراقيين، إن بقيت لديهم مجرد ثوابت وطنية عليا، السعي إلى إلغاء أوسخ عملية انتخابية غير تشريعية جرت حتى الآن، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني، تقوم بإعادة الانتخابات العامة في ظل قانون طوارئ خاص، يمنع كلّ المتورطين من الاشتراك فيها، وتشكيل هيئة تحقيق قضائية عليا، لمحاسبة الفاسدين، من دون تلكؤ أو تأخير أبداً.. العراق لا يمكنه الخلاص من ربقة هؤلاء، إلا في هذه المرحلة التي تشعر فيها إيران بالاختناق، ولكي لا يكون العراق متنفساً لها، أو رئة تتنفس من خلالها، وتزيد من انسحاقه يوماً بعد آخر.. وحتى لا تتكرّر مآسي نشوب حرب أهلية، فالانقسامات السياسية شديدة جداً، وهي تنذر بالخطر. إن حكومة إنقاذ وطني ستكون منقذاً للعراق، تجنّبه الكوارث، وتخلّصه من كلّ الإجحاف الذي حاق به، كما أنها ستنقذ كلّ العراقيين من الانسحاق الذي يعيشونه منذ سنوات طوال.. فهل سيتحقق حلم العراقيين وإنقاذهم؟ أشكّ في ذلك.



 

 

أزمة سعودية واهية مع كندا

سيّار الجميل

 

لا نعيش اليومَ في العصور الوسطى، بحيث يقضي البشر حياتهم في الأقبية، ليموتوا من دون أن يعرف بهم أحد. لا نعيش اليوم بمنطق القبيلة وأعرافها، بحيث تخاصم القبيلةالأخرى من أجل سبب واهٍ سخيف. لا نعيش اليوم في مرحلة دكتاتوريات، بحيث لا يسمح لأية دولة أن تؤذي نشطاءها ومعارضيها، من دون أن يتحرّك العالم. لا نعيش في زمنٍ يمتلك الحاكم، سعودياً كان أم ايرانياً أم غيرهما، تفويضاً له من الله، لكي يحتكر كلّ الحياة لنفسه وباسمه، بل ويجعل الدين والمقدّسات من ممتلكاتهِ أيضا. لا نعيش اليوم في عصر الظلمات، بحيث يتعّرض الإنسان، رجلاً أو امرأة، للأذى والجلد والضرب وقطع الأيادي والرقاب. 
مشكلة السعودية مع كندا واهية، كما تبدو، بل ومفتعلة من السعوديين باتجاه كندا التي تعتبر الدولة الأولى في العالم، وخصوصاً في حقوق المرأة، إذ تجد المرأة فيها حقوقها كاملة، وحريتها باعتبارها إنسانا، على عكس السعودية التي تسيطر عليها طبقةٌ من رجال "التابو" المتعصّبين. وكان متوقعا حدوث أزمةٍ كهذه مذ دانت منظمتا العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش اعتقال نشطاء سعوديين كثيرين، في 15 مايو/ أيار 2018، وكان منهم سبع ناشطات سعوديات مناضلات بارزات في مجال الدفاع مهنياً وإعلامياً وثقافياً عن حقوق المرأة والحياة: لجين الهذلول وإيمان النفجان وعزيزة يوسف وحصة آل شيخ وعائشة المانع، وأخيراً مديحة العجروش وولاء آل شبر. وكانت هناك غيرهن من المثقفات المناضلات اللواتي أثرنَ الرأي العام. ويبدو أن الاحتجاجات الدولية كانت أكبر مما كانت تتوقّعه السعودية، في حين لم تحدث أيّة احتجاجات عربية خوفاً ومداهنة، بل أعلن بعضهم تأييدهم السعودية، بقطع علاقاتها مع كندا، ليس إيماناً بمبادئها الأيديولوجية، بل تعاطفاً سياسياً معها.. ومن دون معرفة إجراءات السعودية بحق نشطائها ومعارضي سياساتها، إذ شعرت كندا بقلق بالغ إزاء الاعتقالات التعسّفية الإضافية لنشطاء المجتمع المدني ونشطاء حقوق المرأة السعودية، بما في ذلك المناضلة سمر بدوي، فأخذت كندا تحثّ السلطات السعودية على الإفراج عنها فوراً وعن جميع النشطاء السلميين الآخرين في مجال حقوق الإنسان. 
كانت هذه مجرد تغريدة كندية نشرت على "تويتر"، لكنها غدت بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير، أو الشرارة التي أشعلت حريقاً هائلاً بين السعودية وكندا، وكأنّ السعودية كانت تنتظرها من بلدٍ مسالم ككندا، ومن خلال الصفحة الرسمية لسفارتها، حتى قامت السعودية بالردّ المباغت بتجميد العلاقات الاستثمارية والاقتصادية مع كندا، وجعلتها في لحظةٍ عدوّة لها باستدعاء السفير السعودي وطرد السفير الكندي، بسبب ما اعتبرته تدخّلاً سافراً في شؤونها الداخلية، وتطاولاً كندياً على سيادتها. وجاء في بيان الخارجية السعودية أن هذا الموقف السلبي والمستغرب من كندا يُعد ادّعاءً غير صحيح، جملة وتفصيلاً، ومجافياً للحقيقة، وأن السعودية لم يحدث في تاريخها أيّ تدخل خارجي في شؤونها. 
وفي أول ردّ كندي على قطع العلاقات، قالت المتحدّثة باسم الحكومة، ماري بير باسل، إن الحكومة الكندية تحاول إجراء اتصالات مع السعودية، وإن الكنديين يشعرون بالقلق الشديد ويسعون إلى التواصل مع المملكة. وأكّدت أن بلادها ستقف دائماً مدافعة عن حقوق الإنسان، بما فيها حقوق المرأة وحريّة التعبير، في كلّ العالم، وإن الحكومة الكندية لن تتردّد أبداً في نشر هذه القيم، كما تعتبر أنّ الحوار يحظى بأهميةٍ حيويةٍ بالنسبة للدبلوماسية الدولية. وأضافت أن بلادها تريد الحصول على مزيد من الوضوح من السعودية، بخصوص قرارها الذي أثار أزمة دبلوماسية بين البلدين. 
لم يقف التصعيد السعودي عند هذا الحدّ، فقد أصدر الديوان الملكي السعودي أمراً يقضي بـإيقاف علاج المرضى السعوديين في كندا، ونقلهم إلى دول أخرى، كما علقت الخطوط الجوية السعودية رحلاتها من تورنتو وإليها، وإعفاء كلّ التذاكرالصادرة منها وإليها من أية قيود أو  

رسوم عند الإلغاء أو إعادة إصدار التذاكر أو استعادة قيمتها. وقد جاءت إجراءات السعوديين مفاجئة وسريعة وانقضاضية، وكأنّ المملكة تريد فتح باب لها للهروب من أزمةٍ بنيويةٍ تعاني منها جرّاء تصادم ما تؤمن به مع متغيرات هذا العصر، وبحجّة تدخّل كندا، من خلال تعليقات لوزيرة الخارجية الكندية والسفير في الرياض على "تويتر"، في محاولةٍ لنصح السعوديين من أجل احترام حقوق الإنسان، فاعتبرت السعودية ذلك تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية، وكأنها لا تعلم أنها تدّخلت في شؤون داخلية لدول عدة، بل وأشعلت النار في أكثر من نظام سياسي، وأنفقت المليارات لهذا وذاك منذ عشرات السنين.. واندلعت حروبٌ، وقامت انقلاباتٌ، وثارت تمرّدات هنا وهناك. والرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ينتهك كلّ الأعراف، ويعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والسعودية لا تحّرك ساكناً، لكنها تستأسد على كندا: أية دبلوماسية سعودية هذه؟ 
لو تعلم السعودية المواقف الإنسانية التي تتبنّاها كندا إزاء العرب وغيرهم ممن فقدوا بوصلتهم في هذا العالم، وتركوا أوطانهم، فاستقبلتهم كندا على الرحب والسعة، لخجلت من فعلتها. لو تعلم السعودية حقوق الإنسان والحيوان والنبات في كندا، لسكتت، وتعلّمت من الاخرين كيف تكون معاملة الإنسان حقيقة وفعلاً. لو علمت أن مصالحها ومصالح أبنائها وبناتها الذين يدرسون في مدارس كندا وجامعاتها، بحيث يزيد عددهم على 15000 طالب وطالبة، هي أكبر من مصالح كندا في السعودية، لأجابت السعودية بأساليب عقلانية، لا بأسلوب الهراطقة. لو تعلم السعودية كيف يتم الحفاظ على المصالح، وكيف تحترم العلاقات بين الشعوب، لما أقدمت على فعلتها المفتعلة، خصوصاً أن حروباً اشتعلت بين بلدانٍ بقيت علاقاتها الدبلوماسية ثابتةً في أثناء الحرب. 
من حقّ كندا، ومن حقّ أي بلدان مسالمة ومتحضرة، أن تبدي رأيها ونصيحتها لمن غاب عنده العقل والمنطق.. من حقّ أيّ عربي أن يقول كلمته الصريحة في أي موضوع يمسّ كرامة أي عربي أو غير عربي في أي مكان. شعوب عربية انتهكت أعرافها وتقاليدها ومزّقت أنسجتها وثقافاتها.. شعوب عربية سحقت مدنها، وفنيت مواردها، وديست كراماتها، والسعودية منشغلة عن أداء واجبها تجاهها. إذا لم تريدوا أن يتدّخل أحد في شؤونكم، فلا تتدخّلوا أبداً في شؤون الآخرين، وإذا أردتم أن يحترم العالم تقاليدكم وأعرافكم، فالمرجوّ أن يحترم السعوديون تقاليد الآخرين في بلدانهم، إذ ندرك ما الذي يفعلونه في ربوع أوروبا وأميركا الشمالية والشرق الأقصى، فضلاً عن بلداننا العربية، واعلموا كيف تعامل كندا العرب والمسلمين على أراضيها.. واعلموا أيضاً أن الآلاف من الحجيج تقصد بيت الله الحرام لأداء الحج والعمرة من كلّ أنحاء العالم.. أتمنى أن تعيد السعودية علاقاتها الكاملة مع كندا، بلا أية تشنجات سياسية، من أجل مصالحها المستقبلية ومصالح العرب والمسلمين.

العربي الجديد - لندن

لتتحوّل احتجاجات

العراقيين إلى ثورة

 

سيّار الجميل

 

تبرز في ظلّ التداعيات التي أفرزتها الانتخابات النيابية في العراق أخيرا، وما رافقها من إخفاقات وانحرافات خطيرة، وحالة الفوضى السياسّية، وتفاقم المشكلات الصعبة التي مسّت حياة الناس، وإغراقهم بالأزمات القاسية، وعجز الحكومة وإدارات المحافظات عن معالجتها، واستشراء الفساد لدى كلّ الطبقة الحاكمة التي تؤلفها كلّ الأحزاب والكتل والمليشيات.. تبرز ظاهرة الاحتجاجات الجماهيرية منطلقةً، هذه المرّة، من البصرة ضّد الأوضاع المأساوية القائمة التي يعيشها العراقيون منذ 15 سنة، إذ يفتقد أغلب العراقيين أبسط وسائل الخدمات، وأهمها الكهرباء والماء والدواء، مع انعدام بقية الخدمات. وفي مثل هذا الصيف، يطالب المحتجون بتحسين الأوضاع وتوفير فرص عمل، وتلبية متطلباتهم من الماء والطاقة والأدوية.. ويبدو عجز الحكومة الحالية واضحاً وفاضحاً، فهي لم تستطع معالجة التهرؤات في المؤسسات، ولم تحدّ من الفساد المستشري في كلّ مرافق الحياة العراقية، ولم تستطع منع حمل السلاح في أيدي الناس.. ناهيكم عن فقدان الأمن والنظام، كما يعرف الجميع ذلك. 
هذه الاحتجاجات السلمية الساخنة يمكنها أن تتحول إلى ثورة حقيقية عارمة لاقتلاع الفساد والفاسدين، بالقضاء على الأحزاب والجماعات الحاكمة والمسؤولين الذين يشكلّون طبقة فاسدة واسعة النفوذ، بوجود مليشيات منفلتة تابعة لزعماء الكتل والأحزاب، والذين نجدهم وقد سكتوا الآن، ولازمهم الصمت، متهمّين المظاهرات بوجود مندسين (!). ويؤكد أحد أبرز الكوادر قائلاً إنّ زعماء بعض الكتل قد اتفقوا على حرق بغداد بالكامل، إن استمرت الثورة، ووصل شواظها إليهم، فضلاً عن تحدّيات أخرى، تواجه المنتفضين السلميين بزرع شراذم من المدنيين المخرّبين، ليقوموا بأعمال محرمّة ومخزية، يوصم بها المتظاهرون الأحرار. 
ثمّة وصايا مبدئية، مقترحة على كلّ الثائرين العراقيين، ولا بدّ من معرفتها وإدراك ما يمكن 

اتخاذه من إجراءات، حسب المعايير المتّفق عليها في كلّ ثورات العالم وانتفاضاتهم، والاّ فانّ احتجاجاتكم ستذهب سدىً، وسوف لا يلتفت إليها أحد من هؤلاء المسؤولين الذين غرقوا بالفساد والعمالة وسحق العراق. وقد اعترف أحدهم بمثل هذه الجريمة، طالباً السماح من الشعب العراقي على كلّ جناياتهم المخزية.. وكان مأمولا أن ينهي كلمته بانسحاب نفسه من الميدان، كما يفعل غيره في العالم، ولكن يبدو أنه يمارس لعبة من ألاعيبهم في البقاء في السلطة، على الرغم من كلّ العار والشنار الذي يحملونه على كاهلهم. والمقترحات، إن كان العراقيون يؤمنون حقّا بالتغيير التاريخي: 
أولا: لا يمكن لأي مؤسساتٍ متطورةٍ في هذا العالم تلبية مطالبكم بهذه السرعة، ولا يمكن لأيّة حكومة عراقية توفير آلآف فرص العمل فجأة، ولا تلبية ما تريدونه من خدمات، وليس لها القدرة على أن تقول: كن فيكون.. وعليه، ينبغي أن يكون الحل سياسياً، برفع سقف المطالب، وطرح شعار تغيير النظام السياسي الحاكم، إذ إنه رأس البلاء منذ 15عاما. وقد ثبت عجزه التام في الأداء على كل المستويات بترّهاته وفساده، وانحرافات دستوره وجرائم أحزابه الحاكمة، وجرائم المسؤولين الذين تولوّا الحكم فيه. وأن ينادي كل العراقيين بدولة مواطنة ذات نظام ديمقراطي حقيقي، بدل دولة مكونات طوائفية، ذات نظام محاصصي كسيح. 
ثانيا: المطالبة الحقيقية برفع أيدي إيران من العراق تماماً، وحظر تدّخلاتها السافرة في الشأن العراقي، وتحديد طبيعة العلاقات الدبلوماسية والتجارية معها، كونها لا عهود لها مع العراقيين أبداً، وأنها استغلت أوضاعهم، فعبثت بمقدّراتهم الأمنية، ولعبت بجغرافيتهم لقطع الماء عنهم، وقطع الكهرباء عنهم، إذ تتقاضى سنويا تسعمائة مليون دولار من العراق لشراء الكهرباء فقط... إيران داء العراق العضال، وما دامت هذه الطبقة السياسية على رأس حكم العراق، فانّ هذا البلد سيكون ألعوبة بيد إيران، كون هذه الطبفة من عملائها المفضوحين. 
ثالثا: على الشعب العراقي كلّه أن يهبّ هبّة واحدة في وجه هذا النظام الجائر، كي تعلم الولايات المتحدة الأميركية مدى معارضة العراقيين اختياراتها البائسة.. عليهم كلّهم مناصرة الثورة في أي مكان تنشب من العراق، ولا تبقى البصرة أو مدن أخرى عرضة للتنكيل من أزلام النظام ومرتزقته المتوّحشين.. عندما ثارت الأنبار وتكريت والموصل وديالى على عهد نوري المالكي قبل سنوات، صفّق الكلّ ضدّ اعتصاماتهم ووصفوها بأشنع الصفات، وقد وعد النظام بتلبية المطالب، ثم خان الوعد.. اليوم، يثور الجنوب، فعلى الوسط والشمال والغرب الوقوف معه، ليعلم العالم أن الشعب كلّه ضدّ هذا النظام الفاسد. 
رابعا: على العراقيين أن لا ينخدعوا بكلمات معسولة، أو خطب ناعمة، أو تصريحات مخاتلة، فكلّها وعود كاذبة، يلقيها كلّ عناصر النظام، ممثلّين بزعمائهم الذين لم تنفع معهم أبداً لغة المكر والخداع، فقد تمرّسوا على الكذب والمراوغة. وعليه، تنفع ضدّهم كلّ أساليب الثورة واقتلاعهم وعقابهم بإحالتهم إلى محكمة الجنايات، وإنزال القصاص بهم جرّاء ما اقترفوه من جرائم بحقّ العراقيين. على الثوار أن يرفعوا سقف مطالبهم بمحاسبة كلّ رؤوس هذا النظام قاطبة، سواء بمن اشترك في السلطات العليا والتشريعية والتنفيذية، وساهم، بشكل أو بآخر، في خراب العراق ونهبه وسحق شعبه. 
خامسا: ضرورة ولادة زعامة سياسية مواطنية جديدة، أو إيجاد قيادة سياسيّة رئيسية، تنبثق عنها هيكلية قيادات سياسية للثوار والمتظاهرين والمعارضين، تتوّحد لاحقاّ من أجل معرفة فصائل الثورة، فهي مؤهّلة ضمن الظروف التي تعيشها اليوم أن تنخرط فيها عناصر مندسّة ومخربة ومأجورة لتفجيرها من الداخل، أو استلابها لصالح إبقاء هذا النظام في حكم العراق. وستفعل إيران ما في وسعها لإجهاض أيّ تغيير سياسي جذري في العراق من خلال عملائها  

ووكلائها، وخذلان أية حركة تحرّرية عراقيّة، تسعى إلى استعادة الوطن وأهله من أبناء شعب العراق العريق الذي لا يرضى بحكم الفساد والفاسدين، ولا يرضى بأدوارهم العميلة. 
سادساً: على كلّ الشرفاء وأصحاب الضمائر الحية من المثقفين ونخب الموظفين والعاملين وأساتذة الجامعات والمعلمين والإعلاميين وكلّ النقابيين والمهنيين والفنيين من الوطنيين العراقيين الوقوف مع العراق في محنته اليوم، وتخليصه من أيدي هذه الطبقة الحاكمة التي تحالف معها كلّ المرابين والفاسدين والطفيليين والسارقين وذوي المصالح الخاصة من شيوخ العشائر ورجال الدين المعمّمين. دعم هذه الاحتجاجات التي يقوم بها كلّ المناضلين العراقيين، وتحويلها إلى ثورة عارمة بحاجةٍ إلى وقوف كلّ العراقيين معها، كي تتحقق الأهداف السامية، وأن يجتاح صوت هذا الحراك الوطني كلّ وسائل الإعلام ليتعّرف العالم على مأساة العراق والعراقيين. 
أي إخفاقٍ يصيب هذا الحراك الشعبي سيمكّن الطبقة الحاكمة من البقاء، وفرض إرادتها على العراق، وتنكيلها بالعراقيين، وسينتقل الحال من سيئ إلى أسوأ بوجود هذه العملية السياسية الفاشلة.

 

العراق أسير دوائر مغلقة

سيّار الجميل

 

يكفي ما يحدثُ في العراقِ من اللامعقول لأن يصنفه مؤرخ المستقبل مستشفىً للمجانين.. أحداث متداخلة مع صخب وهياج، وتناقضات سياسية واجتماعية لا نهاية لها، وشخوصٌ لا يمكن أن يتخيّل المرء أنّهم يحكمون العراق سنوات طوال باسم "الديمقراطية" الكاذبة، وبواسطة صناديق انتخابات فُضحت تزويراتها في عمليةٍ دنيئةٍ تقود العراق من فاجعةٍ إلى أخرى.. والكلّ يدين ما حدث، ولكن لا يمكن أبدا معرفة من قام بذلك، ولصالح من. دوماً هناك سياسة لإخفاء الجريمة، والتغطية على المجرمين.
كان الظن أن المشكلة كامنةٌ في طبقةٍ حاكمةٍ مثيرة للقرف، بما فعلت بالعراق وأهله ومدنهِ ومواردهِ. ولكن يبدو أن شرائح كبرى من العراقيين فقدت صوابها، وطاش عقلها، عندما انتخبت الجوقة نفسها، والمؤلفة من الفاشلين والمزوّرين والتافهين والفاسدين والسارقين، وثمّة خونة وعملاء وقتلة أميّون وجهلة وطائفيون.. هؤلاء الذين يُعاد انتخابهم، ويبدو أنّ مقولة "المجرّب لا يُجرّب" كانت للاستهلاك الإعلامي، إذ بات العراق اليوم في هاويةٍ سحيقةٍ بعد الانتخابات التي تعدّ الأسوأ في التاريخ الحديث. 


كلمّا تمرّ أربع سنوات، يعيش العراق مسرحية هزلية لها تراجيديتها، ويبقى يعاني ويكابد، وليس في استطاعته الخلاص منها أبداً، إذ تفاقمت مشكلاته الأساسيّة اليوم بعد كلّ هذي السنين التي شهد شعبه في أثنائها الفواجع والآلام والكوارث والانسحاق والموت، وتولدت عن المشكلات الكبرى جملة هائلة من المعضلات الفرعية الصعبة في كلّ ميادين الحياة الصعبة، ويصعب جداً معالجتها أو إيجاد الحلول لها. وغدت الدورة الانتخابية الشغل الشاغل لطبقةٍ سياسيّة متورّمة، مستحوذة على مصير العراق وأهله وموارده، وهي السبب الحقيقي في كثرة المشكلات بكل خطوطها وحدودها وأبعادها، فكان أن اختنق كلّ العراقيين بما التف عليهم من الخيوط والأسلاك. 
يعيش العراق في مستنقع مياهٍ آسنةٍ منذ أزمنة مضت، فأينما تلتفت، لا تجد في مرافقه كلها جانباً صحيحاً أو سالماً، فكلّ العراق في فوضى سياسيّة متخبّطة عارمة، ويكابد الناس فيه من فقدان الأمن والاختطاف والقتل والجريمة، وكلهّا تلصق بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لكن ما خفيَ كان أعظم. يعيش العراق أوضاعاً أمنية مزرية بعودة سقوط ضحايا في اعتداءات عصاباتٍ إرهابية، انتقالاً إلى تهرّؤات اقتصادية وشحّ المياه في الفراتين العظميين، فضلاً عن تهافت الأمن الغذائي، وموت الناس متسممّين أو متسرطنين.. ولا تسل عن الفصول الأخرى من الفساد المستشري في كل مكان.. أزمات ومشكلات لا تعدّ ولا تحصى، سواء في المؤسسات الصحية التي تخلو من أبسط المستلزمات الطبية. أما ما يحدث في المدارس والجامعات من هبوط حاد في المستويات، وتناقصٍ في الكفاءات وبيع أسئلة الامتحانات، وفشل ذريع يحيط بالمؤسسة التربوية والتعليمية، مع انقطاع الكهرباء وشحّ المياه مع بقاء المدن المسحوقة على حالها، من دون أن يلتفت إليها أحد، وخصوصاً الموصل التي نكبت نكبة تاريخية.. كل هذه الكوارث والحكومة منشغلة بالانتخابات، لكي يضمن أعضاؤها الفوز والبقاء في السلطة. 
كلّ الطبقة السياسية الحاكمة منشغلة مع أتباعها بالانتخابات والتزويرات وفرز الأصوات وإعادة الفرز والعدّ وحرق الصناديق وسقوط الأجهزة وإجرام مفوضية الانتخابات.. إلخ. إنه صراع المصالح الشخصية والتكالب على المناصب العليا، واستحواذ كتل وأحزاب سياسيّة على السلطة، يقودها أناسٌ، افتقدوا مؤهلات الزعامة والذكاء والمواطنة والقيم وأخلاقيات العمل. إنهم في الواجهة منذ 15 عاماً من دون أن يتزحزح أيّ منهم عن موقعه. بدأوا بدائرةٍ مصغرّةٍ، وباتوا اليوم يمتلكون دائرة كبرى تطوّق كلّ العراق، وتخنق بها كلّ العراقيين الذين يتطلعون إلى إيجاد حلول حقيقية وجذرية لمشكلاتهم المستديمة. لقد دخلوا الانتخابات، وهم يتشدّقون بالوطنية والمدنية والحكمة، وقاموا بتسويق سياسي كاذب، الادّعاء أنهّم ضدّ المحاصصات، وأنهم عابرون للطائفية. وكم طالبناهم، منذ البداية، بأن يكون الإشراف بأيدي قضاةٍ عراقيين، وإشرافٍ دولي محكم، بدل هيئة مفوضية انتخابات، اختاروها بأنفسهم، وصرفت الملايين من الأموال، وأتعبوا الناس في الإدلاء بالأصوات في الداخل والخارج.. ثم كانت المهزلة التي سيذكرها التاريخ، أنهم باسم "الديمقراطية" مارسوا أوسخ عمليات تزوير، وكلّ يوم تظهر فضائح تلو أخرى. 
طبقةٌ فاسدة مهيمنة على حكم العراق، تقود عملية انتخاباتٍ فاشلة، تمارس فيها بشاعات من أجل بقاء هذا أو ذاك في الحكم والاستئثار بالسلطة. وبعد التي واللتيا، تضرب إرادة الناخبين، وترمى الأصوات في المزبلة، وتبدأ التحالفات المخزية لتشكيل "الكتلة الكبرى" وفقاً للمحاصصات الطائفية، وان اعترضت عليهم، أجابوا: حفاظاً على العملية السياسية، وكأنها مشروع تاريخي مقدّس، سينقل العراق إلى الذرى كما أوهموا الناس. تتحمل السلطات الحالية 

المسؤولية كاملة فيما لحق بالعراق من أضرار. رئيس للجمهورية غافلٌ عمّا يفعله الآخرون بالبلاد. رئيس وزراء ليس له إلا تصريحات نارية صارخة ضد خصومه المفتعلين، من دون أداء أي فعل مؤثر، وكأنه لا يملك أية سلطة حقيقية بيديه.. وهو منشغلٌ بالانتخابات، لا يلتفت إجرائيا إلى حياة الناس الكئيبة، وحالاتهم الصعبة التي يُرثى لها، فهم ينتقلون من مشكلةٍ إلى أخرى.. برلمان فوضوي، لا يعرف القيم والأخلاق أبداً، وهو يسعى ببعض أعضائه إلى أن يجدّد بقاء دورته، على الرغم من أنف الدستور، وخصوصاً ما يريده الذين لم يحالفهم الفوز في الانتخابات.
المشكلة الأخرى أنهم يستغبون الناس بإخفائهم ما يبطنون، وأنهم يظهرون ويعلنون عكس ما يفعلون، حتى غدت الناس لا تصدّق أبداً تصريحاتهم ووعودهم، إذ انفضحت أكاذيبهم أمام كلّ الملأ، فهم خصوم قبل انطلاق الصفارة. ولكن، قبل وصولهم إلى الهدف، يتحالفون ضدّ الآخرين، كما بدا واضحاً أن "داعش" غدا بالنسبة لهم بمثابة شمّاعةٍ يعلقون عليه كلّ غسيلهم القذر، إذ أمسوا يهدّدون العراقيين باسم "داعش"، وهم يفعلون ما يريدون.
إلى أين يسير العراق؟ كيف له الخروج من الدوائر المغلقة التي التفّت عليه، ولم يعدّ ينظر حتى بعين واحدة؟ لقد ملّ الناس، وسئموا من هؤلاء الساسة، ومن كتلهم وأحزابهم وتصريحاتهم الإعلامية، وتسويقهم على شاشات الفضائيات. يعد العراق، بعد كلّ هذه الانسحاقات، أسوأ بلد في الفساد عالميا، وهو مثل سفينةٍ تائهةٍ وسط أعاصير البحر، ويقودها ثلّة من المجانين، فمن ينقذ هذا البلد العزيز؟

عند الزريبة ..  كومة  عظام

سيّار الجميل

كنت قبل يومين  على  متن  طائرة  تقطع  الاطلنطي  الذي  أسماه  العرب  ببحر الظلمات ..  كنا  في  السماء مسرعين عابرين  من العالم القديم  نحو العالم الجديد  .. أخذتني  سنة  من النوم ، والشمس مشرقة في كبد السماء  ، ووجدت نفسي  وكأني عدت  عشرات السنين الى  الوراء  ، سألت صاحبي على  مقعد الدراسة :  في اي مرحلة  من الدراسة  نحن الان ؟  شعرت وأنا  في السادس  الابتدائي  من جديد  ، وأستاذ العربية  رحمه الله يوصينا  بكتابة  مقطوعة  انشاء  موضوعها  " الراعي  والقطيع  " ، وتذكرت  انه  منحني أعلى  درجة على  انشاء  كتبته له منذ أكثر من خمسين سنة عن  " مشهد  النهر  في يوم ممطر "  .. 

عدت الى  البيت في نومي ،  ورحت  أكتب  قائلاً :  في  القرية  التي  تقع  عند  ساقيتين تحتقن  فيهما المياه الاسنة  ..  زريبة  قديمة  جداً  ،  تهدّمت حيطانها  ، وتشققّت  أسقفها  ، وغدت  بلا  أسوار  ، وبلا  شبابيك  وابواب  ..   وجدت  القطيع قد كبر  جداً ، ولا تسمع  منه الّا  الثغاء والسعال .. نعاج  هرمة  لا  تمشي ،  وخراف  هزيلة  بلا  حراك   ، والاكباش  مريضة او  مخصيّة  لا  تقوى على الوقوف ،  وقد تكسّرت  قرونها   الملتوية  ، وتلطخت أصوافها المنفوشة  والمتدلّية  كلّها بالقاذورات ، لا  تجد  كبشاً  واحداً  يناطح  ويجالد  ويمشي  متبختراً  في المقدّمة  ..  الرعيان  كسالى  ناموا  جميعاً وهم  مرضى عند  أفياء  السفح تحت  الشجرة الخضراء  حتى  لا  تلسعهم  الشمس الحارقة ، وهم  يجتمعون  ويتصارعون بالطول والعرض من اجل الزعامة على  الزريبة ! 

تسّلم أمر  القطيع  حمار  أحول  ، ولكنه  انشغل  عن  مهمّته  بعليق  علفه من التبن الأصفر  .. وراح  القطيع  ينفرد  هنا  ، وينزوي  هناك ..  والكلابُ  تغيرّت  طباعها الهائجة ، وصغرت  حجومها الهزيلة ،  وغدت  تراقص  هذا  وتلاعب ذاك  ولم  تعد  تعوي  أبداً ولا  تخيف  أحداً ..   الذئاب  ترصد القطيع  من  بعيد  خلف أشجار المنطقة الخضراء ..  خرج  قطاع الطرق  كالعادة  عند  كلّ مساء  ،وتكاثروا   ساعة بعد أخرى ، واخترقوا  القطيع  .. جزّوا  الأصواف  ما استطاعوا  .. حلبوا  الشياه  ما  أرادوا   .. ذبحوا  الطليان  وأكلوها  وشربوا  دمها ..  سرقوا  ما  استطاعوا  من الرؤوس في الزريبة ، ولم  تسلم  حتى  عليقة  الحمار  من الدمار  ..  وعادوا الى  جحورهم  التي  غدت  قصوراً  في الصحراء ، وهم  يتنقّلون بطائراتهم الخاصة  !

سأل أحد  الخرفان  صاحبه : هل  رأيت ما الذي  فعلته اللصوص  بنا ؟   أجابه :  نعم  ،  رأيتهم وأنا اراقبهم وراء الباب  خوفاً  أكون طعاماً  شهيّاً  لهم ..  وكيف  رأيتهم  اليوم ؟     أجابه : كالعادة المألوفة فهم  أنفسهم  ، وقد  تناسلوا  وتكاثروا ، ولكنهم  بدّلوا  جلودهم  ،  وغيّروا  امزجتهم ، وحلقوا  شواربهم الكثة  ورموا  الزيتونيات  في المزابل ، تجدهم اليوم  : ارتال  معممّين.. جوقات شيوخ معكلين ، نسوة  ملكجات ، وأشباه رجال تافهين من سحرة ومزوّرين ومحاصصيين وقوّالين ومثرثرين روزخونيين ودجالين وقوادين وشاذين ونشالين ودواعش زرقاويين  محنطين بعد ان  كانوا  شراذم  مطايا وشياطين  ومخبرين قساة وقصابين ومهربين وعلوج  مرتزقة  وامرين ومأمورين ورقاصين  مع  الغجريات الكاولية في  بيوت الطين  .  سألت  احدى النعاج سيادة الحمار  القائد  :  لماذا  لا  تهزّ  جرسك  يا  حمار  لما  رأيت قدوم  هؤلاء الفجّار ؟  وأين  كلاب الحراسة ؟ وأين الرعيان ؟  أجاب الحمار : الزمي الصمت  أيتها الرعناء ،   فالكلاب  غدت  تعاشر  الذئاب  في  هذا الزمن الديمقراطي ، والرعيان  نقلوا اجتماعاتهم الى  مستشفى  الشماعية ! وأمسى كلّ  الحرامية  طبقة  عليا حاكمة  على كل القطيع ، وغدت الزريبة  دار  دعارة  وكلجية  . 

في  اعماق الليل  ،  هاجمت الذئاب  كلّ القطيع  وجعلته  شذر  مذر   .. ولم  يبق  من القطيع الا  كومة  عظام  تعبث  بها  الجوارح والهوام  !  

صحوت من  النوم  على  نشرة  أخبار  جاء  فيها  :  يتصارعون انتخابياً ثم  يتحالفون فضائياً من أجل تشكيل الكتلة الاكبر  ، والناس  تموت  من التسمّم  وأكل اللحوم الحمراء الفاسدة  !! 

بعد  برهة  حطّت  الطائرة  بسلام  في العالم  الجديد  ،  ولم  تزل الشمس  مشرقة  على  بحر الظلمات !

 

http://sayyaraljamil.com/

 

 

ضد النهش في صلاح الدين

سيّار الجميل

كنت أتمشّى يوماً في صيف 1978، أحاور أستاذي المستشرق ديفيد جاكسون في حدائق جامعة سانت أندروس الاسكتلندية. سألته: من هو أعظم الزعماء في نظرك؟ أجابني مباشرة: صلاح الدين الأيوبي الذي كتبت عنه، برفقة الزميل لايونز، كتابا كبيراً. هو بطل حقيقي حاربه المسلمون أكثر من أعدائه الصليبيين! واليوم، تجتاح ثقافتنا العربيةعاصفة هوجاء أبطالها مثقفون عرب يعادون تاريخهم، فأخذوا ينهشون فيه وفي رموزه، ويسيئون إلى بعض صفحاته، وتتحكم في أغلبهم نزعاتهم السايكولوجية الموروثة، أو تربيتهم المنحرفة، وتصل حماقاتهم إلى درجة أسوأ من كلّ الأعداء الألّداء لنا في العالم.. أي تتفوق عداءاتهم  ضدّ تواريخهم ورموزهم على كتابات الخصوم من مستشرقين وصهاينة ومناوئين لتاريخنا ووجودنا. وكم تمنّيت أن تتم كتابة التاريخ بموضوعية، وأن يحكم التوازن أصحابها في دراسة الشخصيات المؤشكلة، وفهم الكليّات كاملة من دون اجتزاءاتٍ ينقسم حولها الناس. 
لا أحد ينكر ما يمارسه المخالفون العرب، وهم يشوّهون التاريخ، لأسبابٍ طائفيةٍ ومذهبية وعرقية وأيديولوجية.. والمرء يقف، بين حين وآخر، على نماذج منهم، وهم يصدرون أحكامهم القاتلة، وتوصيفاتهم الجائرة، وكأنهم يمتلكون الحقائق بتحريفهم المعلومات، وتشويه كلّ الأسانيد، واختلاقهم شتّى الاتهامات، وتضخيمهم الأخطاء. وهم بلا مناهج نقدية، ولا مصادر موثوقة لديهم، ويمهرون في القدح وإطلاق الشتائم، وكلهم من المتطفلين على كتابة التاريخ. 
أطلق يوسف زيدان من مصر وصفا ظالما على صلاح الدين الأيوبي، إذ قال في حواره مع الإعلامي عمرو أديب "إن صلاح الدين واحد من أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني" 

(كذا)، واتهمه عدّة اتهامات جائرة، قد لا يكون لها أي أساس من الصحة أبدا.. هنا أتوقف قليلا للرد، فالحقائق التاريخية التي يغيبّها بعضهم لأغراضٍ سياسية وأيديولوجية هي بضاعة هذه الأيام التي تشهد فوضى فكرية ضالة.. فالزعيم صلاح الدين، وهو من أصل كردي، كان بطلاً رياديا تاريخيا قبل أن يلمّع الرئيس جمال عبد الناصر صورته في فيلمٍ أخرجه يوسف شاهين عام 1963 باسم "الناصر صلاح الدين"، ولم يكن مجهولاّ حتى يعرّفنا به عبد الناصر، بل كتب عنه أبرز المستشرقين الكبار، واعتنوا بسيرته ومنجزاته الكبرى ومشكلاته مع معارضيه، ومنهم: هاملتون كيب ورنسيمان وستانلي بول وبوزوورث وكلود كاهن ودي سلان وبرنارد لويس وسوفاجييه وستيفنسون ولايونز وديفيد جاكسون. ووصف أحدهم صلاح الدين بأنه أشرف محارب عرفه التاريخ، كونه أخرج الأعداء الأسرى من ملوك أوروبا والأباطرة ورجال الدين من القدس، من دون أن يمسسهم بأذى، ثم اقتحمها. 
أزعم أنني خبرت تاريخ الرجل بجزئياته بعد كتابتي سيرته في سيناريو سينمائي سمّيته "النسر الأحمر.. صلاح الدين الأيوبي" بأكثر من تسعين مشهداً، وكان سيخرجه فيلماً دولياً المخرج الراحل مصطفى العقاد، لكن القدر كان له بالمرصاد، وقد نشر السيناريو في كتابٍ عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان في 1997. وعليه، أعتراض على أوصاف مقذعة وشتائم تطلق على هذا الرمز الكبير في تاريخنا الوسيط، والذي يشكّل بإنجازاته علامة تاريخية فارقة، فكيف يمكن أن يكون رمزاً مخفياً أحياه عبد الناصر؟ وإذا كنتم ضد سياسات الرئيس المصري الراحل، فما دخل صلاح الدين بها، حتى يُنعت بأسوأ النعوت؟ علماً أن أغلب الدول العربية اتخذت شعاره رمزا لها، فشعاره "النسر الأحمر". 
لأيّ عهد سياسي في التاريخ خطاياه، وكانت كل دول تاريخ الإسلام متصارعة في ما بينها، فالشيعة ضد الأمويين في دمشق، والعباسيون في بغداد ضد الفاطميين في مصر. وكان صلاح الدين محسوباً على العباسيين، وللعباسيين والفاطميين أخطاؤهم، فقد عاشت الدولتان في العصور الوسطى، واكتنز الخلفاء فيهما الأموال، واتبعوا سياسات جائرة. وقد وصل صلاح الدين إلى مصر بطلبٍ من الفاطميين أنفسهم، فكان أن حفظ الرجل مصر وحماها من الصليبيين، ولم يؤسس دولته إلا بعد موت الخليفة الفاطمي الأخير، وأنزل أعلامهم الخضر ورفع أعلام العباسيين السوداء، مغتنماً ضعفها وشللها، فأعلن دولته، والتفّ الناس حوله.. وإذا كان قد عزل من تبقّى من الأسرة الفاطمية الحاكمة، وسجنها كي لا تستعيد قوتها ثانية، فقد أعتق آلاف الجواري والعبيد، كما احتفظ بـ120 ألف مجلد، في حين أمر بإحراق كلّ ما يدعو إلى التشيّع الإسماعيلي. ومن جانب آخر، أعاد إلى مصر هيبتها في وجه الصليبيين، بعد دحره إياهم في معركة دمياط ومعارك أخرى. 
تعد إنجازاته انتصاراً تاريخياً، ولا يمكن إنكار دوره العظيم في معركة حطين، أو دوره البطولي والإنساني في فتح بيت المقدس، وفكّ حصارات عسقلان والكرك وصور وعكا وتحرير بلاد الشام من الصليبيين.. وتساقطت من خلاله الحصون وتحرّكات سراياه في عموم فلسطين، وتوحيد المنطقة، وصولا إلى الموصل.. وهذا ما لم يفعله غيره أبدا. أيحقّ، بعد هذا وذاك، أن ينعت صلاح الدين بأنه أحقر الشخصيات في التاريخ؟ علينا أن ندرك أنه لم يحيَ في عصرنا الحديث، حتى تطبّق عليه أحكامه وموازينه، فينبغي اعتبار تجربته ضمن معايير العصور الوسطى. 
لا يمكن أن تجد زعيماً ملائكياً ومثالياً بلا أخطاء أو خطايا، فهو إنسانٌ يحكم أنواعاً متباينة من البشر، وأن تاريخ أي زعيم وسيرته يكتنفها الصواب والخطأ. وربما كان الصواب خطأ عند بعضهم، والخطأ صواباً عند بعضهم الآخر، وخصوصاً أن مجتمعاتنا الإسلامية قد احتدمت تنوّعاتها، وتعدّدت فصائلها، وتباينت أفكارها واختلفت سياساتها ومعتقداتها.. وإذا عرفنا حجم ذلك التنوع والاختلاف على عهد صلاح الدين، أدركنا ثقل المسؤولية التي تقلّدها الرجل، علماً أنّ كلّ المؤرخين أكدوا أن إنجازاته الكبرى في التاريخ حمايته مجتمعات الشرق الأوسط قاطبة من التشرذم والتفكك والضياع، فقد نجح في توحيدها وانتصارها على أعتى الأعداء، وردّ كيد 

الحملات القاسية التي عاثت في بلداننا فساداً عشرات السنين.. فكيف يكون صلاح الدين حقيراً إذا غلبنا قوّة إيجابياته على أخطائه في الداخل؟ وحتى إن اتبع سياسة قاسية ضدّ معارضيه المتمرّدين من الحشاشين والباطنيين وأرتال الخونة، أمثال جوهر، والمتآمرين أمثال كمشتكين، وكلهم كانوا يناوئونه الحكم لفقدان الخلافة الفاطمية من مصر، وهم من بقاياها، بإثارتهم الفتن والاضطرابات، كما حيكت جملة مؤامرات داخلية وخارجية ضده، فهل يتركهم يفعلون ما يريدون، وقد حاولوا اغتياله مرات؟ 
من يقرأ سيرة صلاح الدين الأولى يجده مثقفاً من الطراز الأول، وكان يحفظ ديوان الحماسة لأبي تمام، وقد تضلع في علوم الدين والدنيا والحياة، كما أنه تربّى في قصور الأتابكة الزنكيين، سواء في طفولته في الموصل أم في شبابه في دمشق، واكتسب من أدبياتهم وأخلاقياتهم الكثير، وأرسله السلطان نور الدين زنكي إلى مصر، من أجل إنقاذها من الصليبيين، بطلب من خليفة الفاطميين، وكانت تعاني ضعفاً وتفككاً في أواخر عهدهم، ليغدو وزيراً فيها في ظلهم، ثمناً لما قدّمه لمصر ضد تهديدات الصليبيين وفرسان الاسبتارية البحريين (جماعة دينية صليبية).
عانت الخلافة الفاطمية شللاً وانهياراً، وانتهت على يديه بعد موت الخليفة الأخير العاضد، وانتهوا بعد مضي قرابة 250 عاما في الحكم. وعلى المؤرخ أن يعلم كم حاربه الأعداء في الداخل.. وإذا خضع أحد المؤرخين لإرادته، فإنّ جملة مؤرخين كبار سجلوا أدقّ المعلومات، كابن الأثير، والأصفهاني، والبنداري، وأحمد بن إبراهيم الحنبلي، وأبو شامة، وابن شداد، والقلقشندي، وابن واصل، والوهراني، والقاضي الفاضل، والمقريزي، وغيرهم. ولم يسبّح هؤلاء بحمده، بل كتبوا سيرته كما جرت.. وأخضعت أعمالهم للنقد والتحقيق العلمي في العالم. لنكن موضوعيين في كتابة تاريخنا، وأن لا تنساق ثقافتنا العربية إلى تشويهه، بل إخضاعه للمقارنات الموازية، وتحكيم الضمائر بمعزل عن العواطف والانتماءات.

(العربي الجديد) لندن

العراق .. ماراثون

إعادة إنتاج الوجوه نفسها

 

أ.د. سيّار الجَميل

 

يُقال إنّ أهل قرية كرهوا عمدتها، لعسفهِ وظلمهِ وطغيانهِ وفسادهِ كراهيةً عمياء، فانتظروا عمدة جديداً، ففرحوا بمقدم عمدة جديد لهم، لكنهم اكتشفوه لاحقاً بأنه عمدتهم الأول قد غيّر ملابسه مزيفا فكرهوه، وانتظروا عمدة جديداً، وفرحوا بمقدمهِ، فاحتفلوا وغنوّا ورقصوا، لكنهم اكتشفوا بعد حين أنّه ذاك القديم الذي جاءهم، وقد خدعهم بقناعهِ ولحيته.. ففقدوا الأمل، حتى يستعيدوا وعيهم كي تحين الفرصة ليهجموا عليه ويقتلوه ويتخلّصوا من شروره..

تشبه هذه الحكاية عرس العراقيين الكوميدي كلّ أربع سنين، إذ تتسارع الأيام من أجل عرس الانتخابات، وللبغداديين تشبيه جميل فيصفونه بـ "عرس واوية" (جمع ابن آوى) كونه عرس المخاتلين، اذ يتفاقم الصراع بين التحالفات السياسية للفوز بالسلطة عبر صناديق الاقتراع وإجراء الانتخابات في 12 مايو/ أيار2018، وستبقى الوجود المألوفة، وتمضي المسرحية المضحكة بازدياد التنافس بين المرشّحين الذين بلغ عددهم الكلّي 904 مرشحين للانتخابات، ممثلين الأحزاب، وسيجري التنافس لانتخاب 329 نائباً منهم، وهم الذين سيختارون رؤساء الجمهورية ومجلس الوزراء والبرلمان.

وبغض النظر عن مواقف العراقيين المتذبذبة اليوم إزاء هذه العملية الانتخابية المحاطة بالزيف والمخادعة والأكاذيب، فإنها فاتحة مخاطر كبيرة، مثل ماراثون صعب يشترك فيه قرابة عشرة آلاف عراقي وعراقية من الساعين إلى السلطة في نظام حكم سياسي مهترئ تماماً يعتمد دستوراً كسيحاً، وكلّ مرشّح منهم يقدّم نفسه على أحسن ما يكون، فمنهم الوطني والشهم وأبو الفقراء والمصلح والمنقذ والشيخ والمجاهد والمتمدن والمنتصر والفاتح ومختار العصر وأم ارادة وابو  الحكمة .. وغيرها من الأوصاف الكاذبة.. واحتدام المواقف بين الفرقاء بسقوط قتلى وجرحى لا يمنع من إكمال هذا الماراثون الذي سينتج بضاعة ملونة وهزيلة، تتولى مقاليد البلاد أربع سنوات مقبلة، ويبدو واضحاً أمامنا اليوم، وخصوصاً من لديه الحكمة والحلم والتفكير متسائلاً: ما نوعية هؤلاء المتصارعين من أقطاب الكتل السياسية، وأتباعهم، فالكلّ يتسابق من أجل السلطة والجاه والنهب والاستفادة والمصالح الشخصية، إذ أحسّوا بطعم الملايين رجالاً ونسوةً ، ويندر جداً من تجده مخلصاً لمبادئه، وفياً لوطنه، أميناً على شعبه.. الكلّ تجدهم يقتحمون الميدان بلا أية برامج سياسيّة ذكية، وبلا أيّة أفكار عملية ومهنية ، وبلا اية  تواريخ  شخصية متميزة  ، وبلا أية مشروعات وطنية، اطلع عليها الناس قبل الإدلاء بأصواتهم وتلوين أصابعهم باللون البنفسجي .  

أغلب المرشحين التابعين للكتل والأحزاب يتقافزون كالضفادع من هنا إلى هناك بلا مبادئ ولا قيم، ولا أية ثوابت ، فمن يرفضه  هذا  يتلقفه  ذاك  ، مما يعني أنه سباق محموم من أجل المصالح الشخصية، وسيكون جلوسهم كالدمى في البرلمان المقبل، وكم هي المساومات حول تسلسل هذا أو ذاك مع  شراء الذمم  .. المليارات والملايين تصرف من هذا وذاك في هذا الماراثون (الانتخابي) من أجل الفوز، ولم يجب أيّ منهم عن مصادر هذه الأموال. إنها أموال منهوبات أو سرقات واختلاسات واقتناصات أو منح من دول معينة .. هلوسة وهستيريا وجنون الدعايات الكاذبة في الشوارع والميادين وشاشات الفضائيات وحتى في المقابر، وهي دعايات سخيفة، تثير السخرية والقرف مع الصور الكالحة والإعلانات البلهاء مدفوعة الاثمان الباهظة .. وجوه إعلاميين متخلفين، أو متعصبين طائفيين، أو جوقة عاطلين من الجهلة والجاهلات وقد انضموا إلى هذه المهزلة الكوميدية التي ترعاها مفوّضية يشكّ في أمرها أغلب العراقيين، كونها انبثقت بترتيب ماكر من الأحزاب الدينية الحاكمة.

نسوة عراقيات متنوعات، قسم منهن تثار حولهن علامات استفهام وتساؤلات لا حدود لها، وقد جلبن بعضهن لاكمال نصاب الكوتا ..   قتلى هنا وتفجيرات هناك مع تصفيّة حسابات ،  والتغاضي عن مسؤولين مجرمين، لم يحاكموا لما اقترفته أيديهم بحقّ العراق بفتح  سجونه وسحق مدنه وتهجير أهله وقتل شبابه. واليوم يسعون بجنون إلى حكم العراق ثانية! ورئيس وزراء ليس له إلا التصريحات السريعة من دون أية علاجات حاسمة ومصيرية، فهو يعد ويتوّعد من دون أي فعل أو قرارات جريئة بالإصلاحات، في حين يأكل الفساد كلّ العراق.

كرنفال غير نظيف أبداً يعيشه العراقيون هذه الايام، وتمثّل في هذا السيرك أجناس ممن يسعون ليكونوا جوقة جديدة في منظومة الفساد والنهب والخراب والدمار .. هذا "الفساد" الذي سحق العراق وأهله، ودوخنّا المسؤولون بالقضاء عليه كذباً وبهتانا ، فهم جميعاً حيتان فساد.. وقد جعلوا العراق عارياً، وصلبوه وأجلسوه على مسامير حادة في تنور مسجور. وكلام مبهم تطلقهُ المرجعية الشيعية العليا، وكلّ يفسرّه على هواه من دون أيّة محددات وضوابط، ولا أعتقد أنها غافلة عما يفعله السفهاء والظالمون، فالعراق ليس حقل تجارب للفئران والجرذان.

نسبةً كبيرة من العراقيين افتقدوا أي أمل بالقادمين الجدد إلى السلطة، كونهم من اللاحقين  بالطبقة الحاكمة المزمنة التي جثمت على صدور العراقيين، وأباحت كلّ شيء في العراق لمصالحها الشخصية والعائلية والفئوية منذ 2004.. بل وما نسمعه ونراه اليوم من وعود وعهود من هذا  وذاك  سيمحى بعد الانتخابات، وستجد إعادة غير أخلاقية للتحالفات، بحيث تبقى الأحزاب الحاكمة مهيمنة على الأوضاع، ويعود العراقيون ليأكل بعضهم بعضا!. أبشع ما يمكن تخيلّه عن هؤلاء أنهم كانوا من المسؤولين الحقيقيين عن تفاقم المحاصصة الطائفية والعرقية باسم التوافقية السياسية، واليوم يدينونها وينتقدونها، مستهترين بعقول العراقيين، وكأنهم لم يكونوا هم أنفسهم من عتاتها سابقاً ، وكلهم قد  تبرؤا  من جرائمهم ! يغيرّون جلودهم كلّ أربع سنوات، وتجدهم جميعاً وقلوبهم شتّى.. فلم تزل هناك قوائم شيعية وقوائم سنية وأخرى كردية لها أجندتها المتناقضة غير الوطنية.. ولما كانوا من أسوأ المخاتلين والمرائين، فهم يتكلمون باسم العراق والعراقيين بلا أيّ خجل أو حياء. وقد تجدهم من الأحزاب والكتل الدينية والطائفية، لكنهم دجالون يخلطون الأوراق، إذ يتكلّمون اليوم باسم المدنية، وكأنهم يريدون بدوغمائية  عمياء حرق المدنيين الحقيقيين.

ان العراق  في  محنة  حقيقية ، اذ يعيش العراقيون اليوم انقساماً حاداً، فهناك من لم يزل مخدوعاً بهذا النظام (الديمقراطي)، وهو يأمل إصلاحه من خلال هذه الانتخابات، وهناك من يرفض تماماً المشاركة في الانتخابات، إذ فقد الأمل أساساً من هذه الوجوه الكالحة التي تريد البقاء في الحكم بأيّ ثمن. انني أؤمن بالديمقراطية تماماً، ولكن أن تكون سلمّاً لمثل هؤلاء أن يحكموا العراق، فإنني انّزه نفسي عن المشاركة في هذا الماراثون الذي سيجري بلا أية رقابة دولية ولا اية  قيم  وطنية  أو أخلاقية .. واخيراً أقول للعراقيين، بأنّ أربع سنوات قادمة ستكون صعبة جداً عليكم، وعلى بلادكم حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

 

العربي الجديد / لندن  

ويعاد  نشرها على  موقع الدكتور سيار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

حيتان فساد

مدمّرة تبتلع العراق

د. سيار الجميل

 

يعيش الساسة العراقيون اليوم هستيريا ضارية مع اقتراب الانتخابات، فالكلّ يسعى إلى الفوز بالمناصب، حيث اعتاد هؤلاء جميعاً على خوض معترك انتخاباتٍ برلمانيةٍ من أجل المنافع والمصالح الذاتية والحزبية. وكنت قد وصفت بداية الدمار قبل سنوات في مقال عنوانه "الديمقراطية الكسيحة" نشر في 11 أغسطس/ آب 2010.. وفيه: "العراق أمام قوى حزبية طائفية ومليشياوية وعشائرية وجهوية، ساهمت كلها في تفكيك المؤسسات وسحقها، وجعلها تتوزع المناصب والوظائف في ما بينها.. إنه أمام نوازع جشعةلأصحاب مصالح فئوية وشخصية غير نظيفة أبدا، أدت إلى انتشار الخراب والسرقات للمال العام والرشاوى، وكل الفساد الذي أمسى العراق الأول فيه عالميا! إنه أمام انقسام طائفي وتشرذم اجتماعي وصراع عرقي، لم يعرفه تاريخ العراق سابقا بهذا النحو أبدا.." وفيه "العراق أمام مشهد فاضح من إقصاء المتميزين، وتهميش المجتهدين، وعدم الاستماع للمستقلين، مع إبعاد أصحاب الكفاءات والخبرات، موظفين ومستشارين من كل مؤسسات الدولة وأجهزتها، والاعتماد على المنافقين والموتورين والمعممين والمصفقين والمتحزبين الديماغوجيين..". 
اليوم، تسعى 
الطبقة الحاكمة نفسها، وبمختلف الذرائع والوسائل، إلى الوصول إلى السلطة، أمام مشهد يشارك في تمثيليته شعب العراق الذي يبدو أنه لم يتعلم شيئا من تجاربه التي مرت عليه خلال 12 سنة مضت. وإذا كان بعضهم ينادي اليوم بمقاطعة الانتخابات، فهو ينفخ في قربةٍ مقطوعةٍ، لأن كل الأمور تسير لصالح تكتلات حيتان فسادٍ احتكرت السلطة والنفوذ والمال،  

وإن المقاطعة المزعومة لا تشكلها إرادة شعبية واسعة، لم تدعمها أية مؤسسة دينية متنفذة، ولم تسندها قوى لها سيطرتها وهيمنتها. وعليه، تتمثل المشكلة بتغلغل الحيتان في أعماق المجتمع، إذ عملت هذه على شراء الذمم بوسائل قذرة استثمرت أموال الفساد السياسي لغسل أدمغة ملايين العراقيين، رفقة قانون سانت ليغو 107 والالتفافات التي جرت عند تشكيل مفوضية الانتخابات الراضخة للأحزاب الفاسدة وقمعها الإرادة السياسية المخالفة. فضلا عن استخدام المقود الطائفي للسفينة، والذي يمكن تحريكه ضمن اتجاهات معينة، خصوصا أن قبطان السفينة غدا متمرسا في لعبته القذرة، وهو ينفق من المال المنهوب.. هذه المعادلة غدا يسعى إليها جميع المرشحين، إلا من ندر. 
تعد الانتخابات المقبلة حلقة أخرى من الديمقراطية الكسيحة التي ولدت في بلاد مفرغة سياسياً من القيم الأخلاقية، وقد احتكرت السلطة طبقة ولدت مع المحتل الأميركي الذي سعى إلى إشاعة الفوضى في كل المجالات العراقية، من دون المرور بأية مرحلة انتقالية، تتحقق فيها العدالة الانتقالية، ويولد من خلالها دستور مدني محترم.. وعليه، غدا العراق مجرّد بحيرة صاخبة تسودها حيتان الفساد، وكل أربع سنوات تتوالد لتأكل الأخضر واليابس. كبرت هذه الطبقة الحاكمة التي لا تريد مغادرة السلطة أبداً، وتصرّ على البقاء مهيمنة، وهي تجمع كلّ القتلة والفاسدين، وكانت ولم تزل تعمل على استغلال النفوذ، حتى وإن سُحق العراق وأهله. وكانت كلّ الانتخابات السابقة قد ثبت التزوير فيها، وشككت الحيثيات بنزاهتها، فمن يضمن نزاهة الانتخابات المقبلة، ما دام نفوذ الطبقة الحاكمة مكرّساً في مفوضيّة الانتخابات التي تقاسمت الأحزاب الحاكمة الحصص فيها. 
مضت سنوات طوال، وبعض العراقيين ينادون بالإصلاح السياسي، ويطالبون بتغيير أساليب الانتخابات، ويقترحون على الحكومة معالجة أمر الفاسدين بيد من حديد، كما انتقدت هلامية الأحزاب العراقية المؤسسة على أسس طائفية ودينية، ولكن لا من سامع ولا من مجيب. وعليه، العراقيون مقبلون على مرحلة تاريخية صعبة جداً، ذلك أن الحيتان المفترسة الجديدة،  

مهما كانت مقاعدها في البرلمان، فهي قادمة هذه المرة من أجل اكتناز الملايين، وسيبقى الفساد مستشريا في الحكم والسلطة، باستحواذ الحيتان على كلّ المصالح بتحالفاتها مع أسماك القرش الدموية التي لها منافعها هي الأخرى. وعليه، لا يمكن أبداً تغيير النظام، ولا أساليبه، ولا ممارساته التي استشرت قوّةً، وغدت ثقافة فسادٍ طاغيةٍ، لا يمكن إزاحتها بسهولة أبداً، حتى وإن كثر الأحرار من العراقيين. وعلى العراقيين أن يدركوا أن لا تغيير جذريا سيحصل، إن لم تكن هناك إرادة أميركية قويّة، وهذا صعبٌ حصوله، كما لا يمكن حدوث أيّ تغيير إصلاحي، ما دامت الوجوه الكالحة الحاكمة موجودة على دست الحكم. 
حاورت قبل أيام أحد مؤيدي النظام الحاكم اليوم في العراق، سألته: ما رأيك لو طالب العراقيون بحكومةٍ تنفيذيةٍ وسلطة برلمانية ورئاسة عليا، يعمل كلّ من يصل إلى منصبه فيها تبرّعا، ليعمل بلا مقابل أربع سنوات، ويحاسب عند مغادرته السلطة كيلا يكون قد استغل منصبه؟ أجابني: هذا محال، لا يمكنني قبوله.. من أين أقبض شهريتي الجارية إذا حُرم المسؤولون من منهوباتهم (المشروعة). هذه هي "الثقافة" التي تسود العراق اليوم. قلت: هل بالإمكان أن ينتخب الناس أسماء أشخاصٍ في انتخابات عامة، بلا أية أحزاب أو كتل أو تيارات أو تحالفات ثبت إجرامها بحقّ العراقيين وبحق ثرواتهم، وجعل العراق دائرة انتخابية واحدة، بحيث يحقّ لابن الموصل أن ينتخب عراقيا من البصرة أو بغداد أو العكس، حتى يكونوا ديمقراطيين حقيقيين، لا فرق بينهم؟ أجابني: لا أوافق على ذلك، إذ سينتقل الحكم إلى أيدٍ جديدة لم تتلوث، وهذا لا نقبله أبداً. قلت: أسفاً على العراق، تحكمه حيتان فاسدة، وأسماك قرش مدمّرة، تتسلط على العراقيين وباسمهم. ولكن كما تكونوا يوّلى عليكم.

(العربي الجديد) لندن

ضآلة المعرفة

 وتشويه التاريخ لدى أدونيس

أ.د. سيّار الجميل

مقدمة :

وقع  سمعي  صدفة  على  " فيديو " يتضمن حواراً  تلفزيونياً  مع  ادونيس[1]   الشاعر  والكاتب  السوري  المعروف  الذي  كتبتُ  عنه  فصلة  منذ سنين  في  كتابي  " نسوة ورجال : ذكريات شاهد  الرؤية "  ، وادونيس  اسم اسطوري فينيقي مستعار  اختاره  صاحبه  لنفسه بدل اسمه العربي الحقيقي  (علي أحمد سعيد إسبر ) .  ولد عام 1930 في قرية قصابين التابعة لمدينة جبلة في سوريا ، وكان قد غادر  سوريا  نحو  لبنان منذ شبابه المبكر  ثم استقر  في فرنسا  حتى  اليوم .  والحقيقة ، انني  لم  استغرب  من حديثهِ  الذي  كشف  فيه  اليوم  عن نفسه  تماماً  بعد ان  أخفى  أوراقه الحقيقية  تحت  عباءات شتّى  طوال  حياته .. لم  استغرب  لما قاله  ، لأنني ادرك ادراكاً عميقاً ، ومنذ  سنين ان الرجل  تتحكّم بواطنه في  عقله  ، وقد ترسخّت فيه بقايا  ترسبّات  ثقافته المحلية الشعبوية والانغلاق  عليها  بالرغم  من ادعائه التحرر  والحداثة  والتقدم  ، وانه يجهل  تماماً  الرؤية الواضحة الى  تاريخنا  العربي  والاسلامي  بموضوعية ، وبانت  عارية  دوافعه  ضد  تراثنا  العربي كله  ، فاستخفافه  بتاريخنا  واعجابه  منقطع النظير بتاريخ اوروبا  دليل  على  كونه  منقطع تماماً  عن انتمائه العربي  ، وان انحرافاته  تدّل  دلالات  فاضحة عن  انكاره جذوره الحضارية ، ناهيكم عن عقدة  النقص  التي  تربّى  عليها في بيئته المغلقة وتربيته الباطنية  والتي  يبرزها  في  كتاباته  واحاديثه بأساليب  غير  مباشرة ، فينطلي كلامه  على الكثير  من الناس الذين  لم  يعرفوه معرفة  معمقّة   . وكلامه  هذا  ليس  غريباً  عني  ، فقد  كنت  قد  سمعت  عن  ندمائهِ  من بني  جلدته  منذ  أكثر من  35  سنة ما  يشابهه  ،  اذ كانوا  يتداولونه سراً  في ما بينهم ، ولكنهم اليوم  خرجوا  من  أوكارهم ليكونوا  اكثر  توحشاً  وضراوة ، واكثر  صراحة وشعوبية  لبثّ  كراهيتهم  وأحقادهم  علناً  من دون أيّ  رقيب ، ولا  أي ناقد  أو حسيب  ، وفي زمن  تباح  للشعوبيين  والطائفيين والانقساميين أفكارهم  الشريرة ، وصدق من قال  بأنّ  أوطاننا  مهدّدة  من  دواخلها  ..

تفكيك  خطاب أدونيس وتشريحه  ونقده

ان  من  يسمعه  لا  يستنكر  بعض أحكامه  ، بل  يحاكمه  على  مواقفه  التي  يحدّد  بعضها  جهله التام  بالموضوع الذي  يتحدث  فيه  واستخفافه  به أساساً   ،  أو  التي  يكشف  بعضها الاخر  جهالته  بالتاريخ  ، اذ  أنه  لم  يقرأ  التاريخ مطلقاً  كما  يبدو  ، ولم  يكن  في يوم من الايام  مؤرخاً ، فهو  يعدّ نفسه  شاعراً ،  ويصنّف  نفسه  (مفكراً  ) وهي  كلمة توصيف مكابر  للذات ، وقد غدت  اليوم  مبتذلة  على أشد ما  يكون  الابتذال في الثقافة العربية ، وفي  الفضائيات  الاعلامية .. أو  انه  يتعمّد  ذلك  لغرض  في نفسه ، أو  غايات  دفينة  ازاء  ثقافة عربية يكرهها  كرهاً  ويمقتها  مقتاً  شديداً ، وحسناً  أنه  ظل  شاعراً  يكتب  طلاسمه والغازه ، او  كاتباً  يكتب  انشائيات  قوّية مليئة بالالتباسات والمفاهيم  والتعابير المستعارة  التي يخدع الناس بها بعد ان  يأخذ  من هذا  مفاهيمه  ، أو  من ذاك  أفكاره واتعابه .  دعوني  أتوّقف  عند  بعض  أقواله بالنص  لنخضعها  للنقد  بعد  تفكيكها ، وتوضيح  مقاصده  منها  :

اولا :  يقول :  " الدولة الاسلامية الاولى بدوية  تأسست على  العصبية  القبلية "  .

هنا  يقرن  أدونيس القبيلة  بالبداوة  ، وهذا  خطل  في التاريخ  ، وخطأ  كبير  في  سوسيولوجية حياة الامم  ، فالبداوة  مصطلح  له  معناه  ، وليس شرطا  ان  تكون  القبيلة  رهناً تحتكرها البداوة ،  فالمجتمع  في مكة والمدينة كان حضرياً  مدينياً ، ولكنه  يتكون من قبائل  متوطنة منذ القدم  في مكان  هي مكة  ، ذلك ان  قبيلة قريش  متوطنة  في  مدينة  مكة  ، ولم  تكن  بدوية  رحالة تنتقل  في  البوادي  من مكان الى آخر ، علما  بأننا  نتحدث عن  زمن  كان  جزءاً من  حقبة  عبودية لا  يمكننا  ان  نسحبها  منه الى  زمننا  لندينها   .. وان  كانت الدولة الاسلامية  قد تأسست  على  العصبية القبلية  بزعامة  قريش ، فان بريطانيا  يحكمها آل  ستيوارت منذ  القرن الثاني عشر الميلادي حتى  يومنا  هذا  وكذلك  بالنسبة  الى  كل دول العصور الوسطى والامبراطوريات القديمة في الشرق والغرب  كآل رومانوف  وآل  بوربون  وآل  هابسبورك  وغيرهم   .

 وكان  حال الدولة العربية  هكذا منذ  نشأتها ، وانتقلت  من الراشدين  الى الامويين الى  العباسيين  ، فما بالك  ان  تأسست على  سلالة آل البيت وحدهم  كما  يطالب  بذلك  شيعتهم  منذ مئات السنين ؟؟   اتريد  سحب  العصور  الوسطى  الوسيطة  الى  عصرنا  هذا  لتحاسب  الدولة الاسلامية الاولى  على  مقاييس اليوم  يا  ادونيس ؟  اذا  كان  هذا ما يدور  في  ذهنك  ،  فاسمح لي ان اعلمك باننا  نعلم  طلبتنا في اقسام التاريخ ،  ومنذ  بدايات قراءتهم  للتاريخ ان  يذهبوا  بعقولهم ومشاعرهم الى  الماضي ليتعايشوا معه ،  لا  ان  يسحبوا الماضي  الى معاصرتنا  لمحاكمته  !   ولماذا  اقتصرت على الدولة الاسلامية الاولى  فقط ،  ولم  تذكر  الدول التي  كانت تعاصرها  عصرذاك ، او الدول  التي  اعقبتها ؟  وما  طبيعة  كل دولة من تلك الدول  ؟ ثم  لماذا  الدولة  العربية  وحدها ، ونحن  نعرف  ان  تاريخنا  ازدحم  بتواريخ  دول  شتى  وكلها  دول  سلالية  سواء  كانت  عند  ملوك وامراء  الهند والملايو  ، او  شاهات  ايران  ، او  خانات المغول  والتتار  ، او  سلاطين الترك  والآفار  وغيرهم  في المغرب  وافريقيا  .. وقد  وصفها كارل ماركس  وغيرها من  دول  الشرق  بدول  الاستبداد  الشرقي حسب  النمط الاسيوي  للانتاج [2]  .

القبائل والأمم

لقد رافقت نقاشات كبيرة الجهود لتحديد القبائل وتوصيفها. ويدرك العلماء الاختلافات بين القبائل السابقة للولاية والقبائل المعاصرة ؛ هناك أيضا جدل عام حول التطور الثقافي والاستعمار. في الخيال الشعبي ، تعكس القبائل طريقة للحياة تسبقها ، وهي طبيعية أكثر من تلك الموجودة في الدول الحديثة. القبائل أيضا امتياز في العلاقات الاجتماعية الأساسية والواجهة بوضوح ، متجانسة ، ضيقة ، ومستقرة. القبائل هي منظمة بين العائلات (بما في ذلك العشائر والأنساب) ، والتي تولد أساسًا اجتماعيًا وأيديولوجيًا للتضامن يكون محدودًا بشكل ما أكثر من "المجموعة العرقية" أو "الأمة". وقد تحدى البحث الأنثروبولوجي والعرقي جميع هذه المفاهيم ،  كما  يقول  مورتن  فرايد  وبول  جيمس  وجريجوري  ناكي  وغيرهم [3]  .

ثانيا :  يقول أدونيس : " لم تتوقف الحرب  العربية  العربية  ابدا  .. في  تاريخنا  كله "

هكذا  ،بالمطلق  يا  ادونيس  في تاريخنا  كلّه ؟  أية  حروب  عربية  عربية  تقصد  ؟  كذلك  تفقد  السيطرة  على  نفسك ، وانت  في غمرة  عاطفتك المشبوبة المضادة للعرب  لتوزع  عليهم  أحكامك  التي   لا  وزن  لها  ، كونها  لا تستند  الى  حقائق  تاريخية ولا الى اية  حيثيات موضوعية !  ولماذا الحروب  الاهلية  العربية  ، وكأنها  من طبائع  تاريخنا  وحده  دون  المقارنة مع تواريخ  أمم  اخرى  شهدت  هي الاخرى  صراعات  دموية  وحروباً اهلية  ، بل  وشهدت  أقسى  الاحداث  بدءا  بنزاعات  قبلية ، وصراعات دينية ، وانتهاء  بحروب اهلية  ..  السؤال المهم الذي  يفرض  نفسه  على  شخص  مثل ادونيس  عاش  مغيباً  تماماً  عن  تاريخ  العرب  بتحقيباته  الكلاسيكية  والوسيطة  والحديثة  يتمثل  بـ :  لماذا  هذا  التأكيد على  المثالب والسلبيات  ، وكأن العرب  لم  يتعايشوا ،  ولم  يتحالفوا مع بعضهم الاخر  ،  ولم  يتوّحدوا  يوما  أبداً لا  بين  انفسهم  ولا  بينهم  وبين الاخرين ؟  وكأنهم  لم  يكونوا يداً  واحدة  في  قلب  الازمات الحادة  والتحديات الصعبة ؟  وان  كانت  ثمة  صراعات سياسية وانشقاقات ايديولوجية  ، فلماذا  تنسى  الانسجام الاجتماعي  والتماسك الثقافي  الذي  حكم  المدن العربية  بكل أطيافها  الدينية والقومية على  امتداد اكثر من الف سنة ؟  تمنيت ان تقرأ  وتتأمل قليلاً  كتب  المؤرخ المستشرق الفرنسي اندريه ريموند André Raymond في الذي  كتبه عن المدن العربية  على  امتداد العصور الحديثة [4] . وكيف توهجت الحياة  فيها  ، وكيف  عاش الناس  فيها مقارنة  بمدن  اوروبا  ابان العصور الوسطى  ؟  وقارن  صراعات  العرب السياسية  بصراعات الاخرين  وغيرهم من الامم  ، ستجد  ما عاناه  الجرمان  والوندال والفرنجة والساكسون والرومان والبيزنطيين  والساسانيين  وغيرهم  من  الصراعات الداخلية  ابان العصور  الوسطى  الاولى  والوسيطة والمتأخرة  ؟ وستجد  بما لا يقبل  مجالا  للشك  انك  تقوم  بتشويه  تاريخنا  عن  قصد  ، وان حجم الانحرافات في ارائك  كبير  جدا  ، لم  يقم  به  حتى الاعداء .  

ثالثا :  يقول :  " لم نستطع  أن  نبني  مجتمعا  مدنيا واحدا  على  مدى  14  قرنا " .

ما تعريفك  للمجتمع  المدني  يا ادونيس  ؟  هذا  مصطلح  جديد  ولد  في  القرن العشرين ، فما  علاقته  بما مضى  لـ   14  من القرون ؟   المجتمع المدني هو "مجموع المنظمات والمؤسسات غير الحكومية التي تظهر مصالح المواطنين وإرادتهم". يشمل المجتمع المدني الأسرة والمجال الخاص ، ويشار إلى "القطاع الثالث" في المجتمع ، المتميز عن الحكومة والأعمال. من قبل مؤلفين آخرين ، يستخدم "المجتمع المدني" بمعنى 1) مجموع المنظمات والمؤسسات غير الحكومية التي تعبر عن مصالح وإرادة المواطنين أو 2) الأفراد والمنظمات في مجتمع مستقل عن الحكومة.  في بعض الأحيان يتم استخدام مصطلح المجتمع المدني بمعنى أكثر عمومية "عناصر مثل حرية التعبير ، والقضاء المستقل [5]، وما إلى ذلك ، التي تشكل مجتمعا ديمقراطيا" (Collins English Dictionary ) لا سيما في المناقشات بين المفكرين في أوروبا الشرقية والوسطى ، ينظر المجتمع المدني أيضا كمفهوم للقيم المدنية. أحد الممثلين المعروفين على نطاق واسع لهذا المفهوم هو المنشق البولندي السابق آدم ميتشنيك  [6]

شهدت العصور الوسطى تغييرات كبيرة في المواضيع التي ناقشها الفلاسفة السياسيون. بسبب الترتيبات السياسية الفريدة للإقطاع ، ولقد اختفى مفهوم المجتمع المدني الكلاسيكي عمليا من النقاش السائد. بدلاً من ذلك ، سيطر الحديث عن مشاكل الحرب العادلة ، وهو انشغال قد يستمر حتى نهاية عصر النهضة.   ومجيئ  توماس  هوبس   وجون  لوك  وجان جاك روسو  وصولا  الى  امانوئيل  كانت  وهيغل  وماركس  وانتهاء  بدولة  (الولفير = دولة الرفاهية )  .  وأسألك  :  ماذا  فعلت  القوانين  ، واين كان  المجتمع المدني  ابان القرن العشرين  عندما  اندلعت  اقسى  حربين  عالميتين في التاريخ ، وذبح الملايين  من البشر  في قلب اوروبا  ؟ 

رابعا :  يقول أدونيس  " بقيت  مجتمعاتنا  تراكمات قبلية وانتماءات  طائفية  .. والتوفيق والتلفيق  بين جماعات  مختلفة جذريا  بعضها  عن  بعض  " .

لا  ليست كل مجتمعاتنا  لها  ما  وصفت ، اذ  يزداد  ذلك  التنوع من التناقضات في  كلّ  من  سوريا  والعراق  ، واذا  كانت التراكمات القبلية  تنتشر  في بعض اجزاء الجزيرة العربية  ، فان الانتماءات الطائفية  تتفاقم  في  كل من  لبنان وسوريا والعراق  نظرا  لازدحام الطوائف  الدينية  والمذهبية والباطنية  فيها  منذ العصور الوسطى وما  عاشته مجتمعاتنا  من مشكلات وتناقضات  ، وهي  فعلا  جماعات  مختلف  بعضها عن الاخر   في بحر  من الاغلبيات  ..   لقد  عشت  سنوات  من حياتي  في  بلدان عربية  عديدة  سواء  في المشرق  ام  المغرب العربيين  ، فلم  اشهد اية  تراكمات  قبلية ،  او انتماءات طائفية  في  مصر  او  تونس  او  المغرب  او الجزائر  .. ولكن  تحولت  مجتمعاتنا  في ثقافاتها من  مجتمعات مدينية الى  مجتمعات  مختلطة تطغى  على  بعضها الثقافات الريفية والشعبوية المتخلفة  ..  وحتى  مجتمعاتنا  العربية  لم  تعرف  الانتماءات الطائفية  الا  في  الاربعين  سنة  الاخيرة وبالذات بعد متغيرات العام 1979 [7] ، اذ  كانت النزعات الوطنية  هي المسيطرة في مجتمعات اغلب  بلداننا  العربية  ، وكانت  مجتمعات  الجزيرة العربية  تسودها المشيخات القبلية ، والتي  تحولت  اليوم الى  كيانات  سياسية مشيخية  تتركز  عند  السواحل  كون الدواخل  اكثرها  لا  يصلح  لنمو المجتمعات  نظرا  لطبيعتها الصحراوية .    

خامسا : يقول ادونيس  " ثقافة  التسامح  ثقافة قروسطية  .. الغزو والفتوحات والتسامح  عنصري  والمساواة اقرار  في مجتمع  يحكمه القانون " .

ليس  هناك  ثقافة  تسامح  بل  هناك نزعة  مسامحة تستخدم اجتماعيا من اجل ترسيخ  ثقافة  تعايش ، والفرق  بين  اللفظين  كبير  جدا  ، وحتى ان  غلبت  في  بعض  مجتمعاتنا  كلمة  "التسامح " ،  فهو  يعبر  عن  واقع  مجتمع  متسامح  ، ولولا  ذاك  لما  تعايش  الناس  في  المدن  والارياف في قسمات اوطاننا مع  بعضهم الاخر  باستثناء  من  يريد  العزلة  او  فرض العزلة  على نفسه  ، فكل اليهود  الشرقيين  في مجتمعاتنا  عاشوا  في  بعض مدننا  واريافنا  ، ولكن  في  محلات او حواري  خاصة  بهم  على  غرار  ما  عاشوا  عليه في اوربا  متمثلا  ذلك  في  " غيتات ( مجموع : غيت ) " او  كما يطلق  عليها  بـ  Shtetl  ، اذ  كانت  لهم  غيتاتهم  المنفصلة [8] .. وعاش  اليزيدية  لوحدهم  في شمال العراق  منعزلين ومتسامحين عن  المجتمعات المتنوعة ، بالرغم من  مشكلاتهم  الداخلية  في ما بينهم وخصوصاً  في  الجبال اتقاء  التصادم   ، اسوة  بالعلويين  النصيرية  في سوريا وجنوبي  تركيا ، اذ  بقوا  مئات السنين  قد فرضوا على انفسهم  العزلة  في جبلة  وضواحيها  جنوب اللاذقية مثلا  وانت  منهم  يا ادونيس  ، وهم  يخفون  كل  شيئ يخصهم عن العالم، ولكنهم  خرجوا الى  الحياة ، وانخرطوا  في  الحياة  السياسية والاجتماعية  من دون ان  تسحقهم الغزوات والفتوحات  .. والتاريخ لا  يحدثنا ابدا  عن  غزوات قام  بها  اهل الشام واهل حلب  انفسهم  ضد  النصيرية  العلويين  أو  غيرهم  ، الا  ان  كانت  هناك  قوى  اجنبية  مهيمنة على الاوطان ، ويكتشف  المجتمع  من  يتواطئ  معها  ، او  اكتشف الناس  طوابير  خامسة  كي  تتحالف مع الاعداء  ضدّ  اهلها  عبر  التاريخ ! 

وعليه ، فكيف  يمكن  اعتبار  التسامح  ثقافة قروسطية ؟  وكيف يكون  التسامح  عنصري ؟  واذا  كان القانون  رديف  الدولة  الحديثة  ،  فهل خليت  تواريخنا  من  تجارب  مساواة  وعدل يا ادونيس ؟  ما  ركائز  الاخلاقيات العربية  التي  عبّر  عنها  بـ  " مكارم الاخلاق "  ؟ وما  منظومة  القيم العربية  التي  عاشت  عليها  مجتمعاتنا  ازمنة  طوالاً ؟   لماذا  تغيّب  عن  قصد  يا  ادونيس  كلّ الايجابيات  كالاباء  والغيرة  والعفة  واغاثة الملهوف والكرم  والنخوة  والمروءة  وغيرها  من  النزعات السايكلوجية الرائعة التي  لا  تجدها  لدى  تواريخ  مجتمعات أمم  اخرى  ؟؟  اذا  غابت  مثل  هذه النزعات اليوم نتيجة  سوء  انظمة  الحكم وانعكاساتها على  الانظمة الاجتماعية العربية  مع سياسات تربوياتها الفاسدة  في مثل هذه الازمنة  ، فهل معنى  ذلك  ان  مجتمعاتنا  لم  تعرف  روح الانفتاح  ..  ؟  كيف  عاملت  مجتمعاتنا  كل الذين  نزحوا  اليها ، واستوطنوا  بلداننا  مثل  الاتراك  واليونان والفرس والطليان والارمن  والبلوش  والجركس  والشيشان وحتى بقايا  الصليبيين والتتار  والهنود وغيرهم ؟  

سادسا :     يقول ادونيس  : " الثورة  اتسخت  اذ يقوم  بها  متطرفون متفسخون اكثر  من المسؤولين"

انت  تدرك  جيدا يا  ادونيس ان  الثورات  يقوم  بها الاحرار  .. وان  الثورات العربية  التي  انفجرت  نهاية 2010  كانت في  بدايات  الامر  سلمية  ومدنية لاناس  اغلبهم من الشباب التائه ،  او  الجائع ، او  العاطل .. طالبوا  بتحسين  أحوالهم المعيشية واصلاح  انظمتهم السياسية والاقتصادية  والقضاء على  الفساد ، ولكنها  ثورات  استلبت  من قبل  جماعات  وانظمة سياسية دينية  وطائفية  ، واصبحت  سلعة  تباع  وتشرى  من  قبل  سلطات  ودول حاكمة  عربية  وغير  عربية ، اقليمية  وأجنبية .. في  زمن  يتصارع  فيها  الاسلام  السياسي  مع  بعضه  بعضاً  .. وكانت مجتمعاتنا  ضحايا  ذلك  الصراع .. ابحث  عن  المتطرفين  المتفسخين  ستجدهم  في  كل  مكان ، وعند  كلّ  ملّة  ولدى  كلّ  نظام  سياسي  جائر  ..  وكنت آمل  ان  تكون  اكبر  من  ذلك في  توصيف  الثورات  وقبرها  من  قبل  كلّ الاطراف  المشاركة والممولة والاجنبية  والداخلية والخارجية   .    

سابعا: يقول أدونيس " نحن الان  في  مرحلة انقراض  نحن  بحيرة  تجف  مليئة  بالاسماك الذي ياكل  بعضه  بعضا 

من  يكون  هذا  " النحن "  ؟  يا  ادونيس  تصورت  انك  اكبر  عقلاّ وارجح  فهماّ  من  طرح هذا  التوصيف في الانقراض  ..  من  يكون  في مرحلة الانقراض  ؟  ومن  قصدت  بوصفك  نحن  بحيرة  تجفّ  ..  ؟؟  وعندما  تجفّ البحيرة  ستجد  كلّ الاسماك  ميتة  ..  ولكن  البحيرة  لن  تجف  ابداً  .. مرت  مجتمعاتنا ( العربية  بالذات )  بتواريخ  صعبة  جداً  وجابهت  تحدّيات  كبرى  استجابت  لها في ازمنة  متعددة  ، ولم  تستسلم  ابداً  ..  مجتمعات عربية  واجهت الاغريق والحيثيين  والرومان  والساسانيين والوندال  والبرابرة والقوط  والمغول من قبل  جنكيزخان  وهولاكو  ، وتتار  تيمورلنك  ، والصليبيين لمئات السنين ، ثم  المستعمرين  الاوربيين  المتنوعين  من  هولنديين  وبرتغاليين  وفرنسيين  وبريطانيين  وطليان  واسبان  وغيرهم ناهيكم عن  تأسيس  كيان اسرائيل  في  قلب  فلسطين  وصولاً  الى  الامريكان والروس  دون ان  تنقرض  مجتمعاتنا  ..  انها  مجتمعات  حية  تمرّ  اليوم  في ازمنة  صعبة ، وتتلبسها  انقسامات  دينية  ومذهبية  وطائفية وهي بحاجة الى علاجات  وخطط  واصلاحات  ..  وتتعرّض  بعض  مدننا  للانسحاقات المدمّرة  من قبل  انظمة سياسية  جائرة  ، ولكنها  لن  تموت  ابداً  ولن  تنقرض  . ربما  ستنقرض  بعض الاقليات  السكانية  في سوريا  والعراق  مثلا بسبب  الابادة  المنظمة  والهجرة  والنزوح ،  ولكن  سترجع الحياة  يوماً  ..  ويقول  الحكماء  : "  الحياة تستمر طالما هي مستمرة انفعالاتنا، وبدونها تصبح الحياة غبارًا فحسب "  .

ثامنا  : يقول ادونيس  :  "  الخروج من هذا السياق التاريخي  القطيعة  مع الماضي ، والخروج الى القانون  لا القبيلة ولا الدين  ولا  الطائفة ولا العشيرة ..  "  .

لقد  فضّ  ادونيس  المشكلة  التاريخية  بعدد من الكلمات  مقترحاً  الخروج من هذا  السياق  التاريخي مستخدماً  القطيعة  مع الماضي، ولا ادري هل قرأ  مفهوم  القطيعة الايبستمولوجية  لدى  المفكرين والنقاد  الفرنسيين  ،  ام  لا  ؟  لقد  ادرك  معناها  كلّ من  الاساتذة  عبد الله  العروي  ومحمد عابد الجابري  ومحمد اركون  بتأثرهم  من دون  استخدام  المطلقات  في  توظيف "القطيعة " ،  بل  فهم  الماضي  بأشكال  نسبية ،  وليدرك  ادونيس ومن هم على  شاكلته وما اكثرهم اليوم  ، بأنّ  مجتمعات  الدنيا  كلها  لم  تخرج من سياقاتها  التاريخية  ، بل  نجحت  في  تجديد  أساليبها في الحياة  ، وليس  هناك  أيّة  أمة  من الامم  تتنكر  لماضيها  ، فكلّها تعتز  بتواريخها ، وهي  تتعلم منها  ، وهي  تميّز  بين  ايجابيات  التاريخ  وسلبياته  ..  تواريخنا  يا ادونيس  ليست  بهذا السوء  الذي  تتحدّث  به  بعصبية  نابعة  من كراهيتك  لها ، كما  يبدو  ذلك  من  حديثك المتحامل ، وهي  صفة  لا  يتمتع بها العلماء   .. 

لقد  وقف  المئات  من  المؤرخين  والمستشرقين  وقفات  علمية  رائعة  ازاء  تواريخنا  العربية  والاسلامية،  ووصفوا  صفحات  منها  بالمجد  والعظمة والخلود ، ويكفي  ان  ازدهار  حضارتنا في التاريخ الوسيط ،  والتي  اشترك  فيها الجميع ، وساهمت  في صناعتها  كلّ  الاديان وكل الاعراق ، وكل الملل اذ استخدم  الجميع في بيئاتنا الثقافة  العربية ، وأغنيت المعرفة  بالمزيد من المنجزات العظمى.. كانت هي حلقة  الوصل  بين الحضارات  القديمة والحضارة  المعاصرة  ، فلن  تنشأ النهضة  الاوربية  الحديثة الا  من خلال  المدارس  العلمية  العربية  الاسلامية ، واشير  عليك  بقراءة  ما  كتبه ونشره  غوستاف لوبون[9] وجورج سارتون [10]وارنولد توينبي[11] وزيغريد  هونكة[12] وهاملتون كيب[13] ورينولد نيكلسون [14]وروبرت منتران[15] واندريه ميكال [16]وجاك  بيرك [17]  وكليفورد بوزوورث[18] وغيرهم   .    

تاسعا  يقول أدونيس : "  الاسلام  رسالة  ماتت  مع  محمد  واصبحت  ايديولوجية ..  وتحويل الاسلام  الى  سلاح  والى ايديولوجية ..  اربعة خلقاء مؤسسين  ماتوا  قتلا  ويجب ان نتذكر  ماذا حدث  للامويين  وماذا فعلوا  ،  وماذا حدث للعباسيين  وماذا فعلوا  .. "  .. 

اي  اسلام  تقصد  يا  ادونيس  ؟  اي اسلام  تريد  ؟  اذا  كان الاسلام السياسي والمذهبي والطائفي  المعاصر  قد  انتهك  حياتنا العربية  ومزّق  شمل مجتمعاتنا العربية  والاسلامية  ، فان  ديانة الاسلام لم  تنزل  لاغراض سياسية ، بل عقيدية أسوة بالديانات الاخرى  ، ولم  تعرف  تلك الديانة عند ولادتها المذاهب  والطوائف  والملل والفرق  عند  مجيئها  ،  كما  لم  يعرف  السيد المسيح  وحواريه  الانقسامات بين الاريوسيين  والاثنوسيين التي حدثت لاحقا  ، ولم  تعرف  المسيحية الاولى  الصراعات الدموية  التي  عاشتها  الديانة  المسيحية وخصوصا  بين الكاثوليكية  والارثودكسية ابان العصور  الوسطى .. مع  بقاء  الهراطقة والمذابح الدينية  . كم  كنت  اظنك يا ادونيس ، أنك  قارئ  جيد  للتاريخ  ، ولكن  خاب  ظني  فيك ،   فما علاقة الاسلام  كدين  وعقيدة  في  بداياته  بمصرع  الخلفاء  الاربعة  المؤسسين وتباين  سياساتهم  في الدولة الناشئة ؟  وهذا  ينسحب  على  الامويين ( في الشام والاندلس معا )  والعباسيين  في بغداد ، مع  حكم  استمر  لاكثر من ستمائة  سنة  ، وينبغي ان تدرك ان  ليس  هناك  حكومات  مثالية وامبراطوريات ملائكية  ابان العصور الوسطى  ، ولكن  ما كانت  للعرب ان تقوم قائمة  لولا  انجازاتهم التاريخية ،  وسواء  اعتبرتها  سلبية كارثية واعتبرها  غيرك  ايجابية وحضارية  ، فينبغي عليك  ان  تميز  وتفرّق بين  التاريخين السياسي  والحضاري  لأية  أمة  ، وما  حصيلة  تلك المنجزات الكبرى  وتأثيرها في تاريخ العالم  ..  واذا  كانت  الغزوات  والفتوحات  التي  تصفها  بالدموية  قد  اوصلت العرب الى  اسبانيا  وفرنسا غربا  ، فان التجارة  والرحلة  والمعرفة والقيم الاخلاقية  قد  اوصلت العرب مع رسالة  الاسلام الى  اعماق آسيا الوسطى  وجنوب شرق آسيا  ..  واذا كان الامويون قد حكموا  دمشق  91  سنة  ، فان  الامويين  في الاندلس  حكموا لاكثر من 275 سنة ، وحكم العباسيون لأكثر من 500 سنة  ، وشهد  العالم عصرذاك تطورا  عظيما  في  المعرفة  الجغرافية والبلدانية والفلك  والارصاد  والرياضيات  والطب والجراحة  والعمارة  والكيمياء  وعلم  الجبر  والاداب  والفنون والموسيقى  من خلال الثقافة  العربية  القديمة  ناهيك عن  علوم اللغة  وغيرها .. واعلم  ان  لولا  ذلك التاريخ  الحضاري  المتّصف بانفتاحه وانسجامه  ومرونته  لانقرضت  العربية  كما  انقرضت رصيفاتها  الاخرى . 

وبالرغم  من  تموجات التاريخ السياسي  لدى  العرب والمسلمين ومثالب  بعض  عهوده  ، فقد  انجب  العديد  من الرجال العظماء من  العمالقة البناة المسلمين الذين  صادفوا  امامهم  تحديات  قاهرة  ، ومؤامرات  بشعة ،  وتحالفات  صعبة  واتهموا  باشنع التهم  .  ويكفي  ان  اذكرك  ان ابا  جعفر المنصور  بني  بغداد  التي  غدت قبلة العالم  الوسيط  ، وان المستنصر بالله بني  الجامعة  المستنصرية ، وان  عبد الرحمن الناصر  بنى  قرطبة العظيمة  ،  وان القاهرة المدينة الرائعة  والازهر  الشريف اقترنا باسم  المعز  الفاطمي ..  وغيرهم  مقارنة  بالغزاة  الذين  دمروا  كياناتنا ، ومزقوا مجتمعاتنا ، وفرقوا  شملنا ،  فلا  احد  ينسى ما الذي  فعله  هولاكو  ببغداد  ، وما الذي فعله  تيمورلنك  عندما  احرق  دمشق  كلها بعد تدميره مدنا اخرى  ،  وما الذي  فعله  الصليبيون من اجرام  ليس  ضد المسلمين حسب ، بل حرب الكاثوليك اللاتين  ضد السيكولاريين الشرقيين كالارثودكس والاقباط وغيرهم من الذين اسموهم بالهراطقة ..

واعود  لاذكرك يا ادونيس  بأن الاسلام  لم  يمت  كرسالة مع  محمد – كما  تقول -  ، اذ  بقي  " رسالة " قابلة  لأن تكون  رسالة انسانية  وحضارية للبشر كلهم في الدنيا  ، او ان تكون رسالة  سياسية او ايديولوجية لفئة  محدودة من الناس عاشوا وماتوا من اجل السلطة  . واعتقد ان ليس  هناك في الاسلام  بحد  ذاته  كديانة اية  مشكلة  بقدر  ما  تتواجد  المشكلة  لدى  المتطرفين المتعصبين الاصوليين باتجاهه او  بالاتجاه  المضاد له  من الاعداء المتعصبين  اللائكيين المنحرفين ضده  .        

عاشرا   : يقول أدونيس  "  وكيف اتت الدولة العثمانية ؟  400 سنة  حكمت العالم العربي  ..  400 سنة كان العرب  صحراء  .. دولة  لا  قيمة  لها  على الاطلاق  ابدا ,  ما لها  قيمة !  مين تركيا  ؟ مين الدولة العثمانية ؟  دولة لا تعرف الا  العنف  والارهاب  والقتل  .. "  .

لا  يا  ادونيس  ، ما عهدتك  بهذه  المستوى من فقر  المعرفة  ، وانت تطلق الاحكام  التاريخية  التي  يخشى  كبار  المؤرخين  من اطلاقها ، او  يتنازلون عن عشر  معشار  نحو  هذا المستنقع ، ويصعب عليهم ان  يكونوا بمثل هذا المستوى الضحل  من التفكير  ..  كنت اتمنى  عليك  ان  تقرأ  تاريخ الدول المقارن  ، وتقف  قليلا  عند  تاريخ  هذه الدولة  التي  وصفتها بأن لا قيمة  لها  لتجد  نفسك  من الضآلة والاستخفاف  . وكم اتمنى  ان  يقرأ  المرء  قبل ان  يطلق  مثل هذه الاحكام  لعشرات  او مئات المؤرخين  القدماء  والمحدثين  . انني اتأمل فقط كم  صرف  العشرات والمئات  من المؤرخين والباحثين والمستشرقين ازمانهم وجهودهم واتعابهم واسفارهم وهم من  بلدان عدة في العالم  لدراسة  تواريخ  ومواريث  هذه الدولة  العثمانية ( التي وصفها ادونيس  بان لا  قيمة لها )   .. 

وكم هي  الموضوعية  مهمة  في  درس التاريخ  ، وكم  هي النسبية  مطلوبة  في تقويم  الاحداث  والدول والمجتمعات .. من التفاهة  ان  يأتي  احدهم  وهو لا  يعرف  شيئا  عن  بنية  تاريخية قديمة دامت  اكثر  من  ستة  قرون  ليقول  بأنها  لا قيمة  لها  ..  لست مدافعا  عن  تاريخ هذه الدولة  او  تلك ، ولكن  لا  يمكنني قبول  مثل  هذه  التهريجات الاعلامية المقصودة التي  تزيّف الحقائق التاريخية ، وتوهم الناس  بالمثاليات والمخيالات المثيرة  للاحقاد .. ربما  كانت  الدولة  العثمانية  لا  تعرف الا  العنف  والارهاب  والقتل ، ولكن  اسألك  هل  كانت   كل  الدول الكبرى  في التاريخ مسالمة وقانونية  ومثالية وانسانية  في سياساتها ؟؟   ، ان الدولة العثمانية  عرفت  كيف  تدافع  عن  الارض  والوجود  ازاء  الامتدادات الصليبية في البحار   .. صحيح انها سحقت  البيزنطيين ، وهيمنت على  الكنيسة الشرقية  في القسطنطينية عام 1453 ،  ولكن الكنيسة  الغربية  في روما بقيت  تتفّرج على  مأساة الارثودكس وهي  تشمت بها  !  وكانت للدولة  العثمانية  نظمها  وقوانينها  وقدرتها ومؤسساتها  في حماية  الشرق الاوسط  كله  من  توغل  البرتغاليين والهولنديين  في البحار  الشرقية  ..  لم  يكن  لا  العرب  ولا  الارمن  ولا  الكرد  ولا  القبط  ولا  الامازيغ  ولا  غيرهم  في  صحراء يا ادونيس  ..  كانت للمدن العربية  وغير العربية حياتها الاقتصادية وتقاليدها الاجتماعية  ونظمها التعليمية  وثقافتها  العربية  ومدارسها  ،  واذا  كانت  مجتمعاتنا العربية  قد  غرقت  بالطرق الصوفية  والتقاليد البالية  ،  فلم  تكن  بقية  المجتمعات الشرقية  بأحسن  حالا  منها ،  وكم  تمنيت  على  ادونيس واضرابه  قراءة  طبيعة الحكومات المحلية  التي  نشأت  ابان القرن الثامن عشر  ، وليقف  على  اوضاع دمشق  عصرذاك – مثلا -   ليرى  حجم  ما كان  فيها  من تطورات اقتصادية  .. ومن قبلها  مدن  فلسطين الساحلية المتطورة  ابان القرن السابع عشر  ،  وما  شهدته  مصر  من تطورات كبرى ابان التاسع  عشر  ..  قد  نخالف  سياسات  محلية  اتبعت  من قبل العثمانيين  ازاء  المتمردين  في  العراق  او بلاد الشام  او  اليمن  ،  مع استخدام القسوة وسوء الادارة  ولكن  ما  ينفعنا  هو  المحصلة  التاريخية  ..  وعلى  ادونيس  واضرابه ان  يفصل  بين  الاوضاع التي  كانت  سائدة  قبل  1909 ، والحالة  التي  فرضتها سياسة الاتحاديين  ليس على  العرب  وحدهم  بل  على  الاغريق  والبلغار  والارمن  وغيرهم  مما  قاد الى  الثورات  والانفصال  . قرن كامل  مضى  وقد  تربى  المجتمع العربي على  اوهام  وشعارات ومثاليات كالتي  يرفعها أدونيس ، حتى  قّيض للعرب  العديد من المؤرخين العرب الموضوعيين  الذين  تعبوا  من اجل  كشف  حقائق  تاريخية ، وفهموا  الحقبة  العثمانية فهما  علميا  انت  من ابعد الناس  عن  فهمها  او  حتى الاقتناع بها  ، لأنك  تربيت  على  اسس خاطئة  .  واليوم  اسألك  عن  مجتمعاتنا  العربية  وقد  تحررت من الهيمنة العثمانية  منذ  اكثر من مائة  سنة ..  كيف  تصفها  وقد  نالت استقلالاتها  واستعادت كرامتها  ؟  هل  ان  الطغاة  والمستبدين العرب الذين  استباحوا  مجتمعاتنا  ، وسحقوا  مدننا ، واهلكوا الحرث والنسل بعد ان فسدوا في الارض ..  كانوا  من نسل آل عثمان ؟  

استخلاص  توصيات

واخيرا ، اود ان  أنبه  ادونيس الى  بعض  الملاحظات  التاريخية  التي  ينبغي  التفكير  فيها  طويلا  قبل ان  يقحم  نفسه  في  مجال  يفتقر  فيه الى  الخبرة والمعرفة :

1/  لا  يمكنك  ابدا  ان توغل  في  تصوير  تاريخنا بهذه البشاعة  كونك  فاقد الانتماء  اليه  ، وتسعى  الى  ان  يفقد  كل الآخرين  انتماءهم اليه  ،  فمن لا  تاريخ له  لا جلد  له  ، اذ لا يمكنه ابدا  ان  يستعير  جلد غيره  ليتلبسه  . وانا  ادري ان  هناك  من يصفق  لك  كونك  تشبع  ما  يريده  ، ولكن مشاكستك غير  معرفية ، وهي لا  تنفع  المعرفة  ، وهي تسئ  لك  ولا  تنفعك  ابدا .

2/  اتمنى  عليك ان لا تعمم فهمك الخاطئ للقطيعة  التاريخية او المعرفية  لتجعلها  قطيعة مع الماضي ، او كراهية  للتاريخ  ، فلم  يقل  ذلك  غيرك من الذين نادوا  بالقطيعة  ، اذ  انهم  آمنوا  بأن  لا معرفة ايبستمولوجية  للامور  الا  من خلال  فهمها  وادراك  قيمتها  في  ازمنتها نفسها  ، واسلوب القطيعة  المعرفية عنها ، وراجع غاستون باشلار   Gaston Bachelard  في ذلك[19] .

3/  لا  يمكنك  ابدا  ان  تقف  عند  المثالب  والسلبيات  التي  حدثت  في تاريخنا السياسي  لتعممها  على  كل التاريخ السياسي  الذي  شهد  تطورات واسعة  في  عهود  ومراحل تاريخية  متنوعة في التشريعات  والنظم  والقوانين والشرائع   على ايدي  خلفاء  وزعماء  وسلاطين  ، وما  حدث من تطورات في المدن  والزراعة  والري  والمدارس  والجامعات  والعلوم والمكتبات  والنظم الزراعية  والاصناف  الصناعية  الحرفية  والتجارة  .. الخ  هو  كثير  جدا 

4/  ونسيت او تناسيت يا ادونيس  ما  فعله  الاخرون  بمنطقتنا  من خلال  حروبهم وغزواتهم  لماذا  لاتذكرها ابدا ؟  ماذا  فعل الصليبيون بمنطقتنا ؟ ومن تحالف معهم ؟  ماذا  فعل  المغول  والتتار  بمدننا  ومجتمعاتنا  ومدارسنا ؟ ومن  تعاون معهم  ؟   ماذا  فعل فرسان القديس  يوحنا  بشواطئنا العربية ، ومن  خان  وطنه  وتجسس على اهله  ؟  ماذا  فعل  الاسبان  الكاثوليك  باهل الاندلس عربا  ويهودا  وامازيغا ومحاكم التفتيش خير  دليل على  بشاعة تاريخهم  ؟  ماذا فعل البرتغاليون  في  بحارنا  العربية ؟  ماذا  فعل  الفرنسيون والبريطانيون  باوطاننا التي  قسمّوها ؟  ماذا  فعل الصهاينة باهلنا في فلسطين  على  امتداد القرن العشرين ؟  وماذا  فعل الاميركان والروس عند  فاتحة  القرن الحادي والعشرين  بمنطقتنا العربية  اليوم ؟ 

5/ كن منصفا  با ادونيس  ، واعلم  ان  الانسان  يبقى  يتعّلم  كلما  مر  به الزمن ، واحنت  ظهره   كل السنين  ، وان  تدرك  ان  المؤرخ  لا  يمكنه  ان يكون  الا  مع  الموضوعية  حتى  وان  كانت له مواقف  ايديولوجية   او طائفية  او  مذهبية  من تواريخ  معينة  .. وان  يكون منهجيا  بحيث  يدرك ان التاريخ  ليس  مجرد وجهات  نظر  ، بل  هو  معلومات لا تقبل  التزييف  او  التشويه جراء  ايديولوجيات خفية  وباطنية  قد  يحملها  البعض في اعماقه  . 

6/  ان التعصب  للشيئ  هو  نفسه  مقايسة  ان كان ضد  الشيئ  ، فان  كان  هناك  متعصب  لدين  معين  ويغالي  في  التطرف والتعصب الاعمى له فهو  مثل  اي  متعصب  ضد  ذلك الدين  ويغالي  في  مقته له  وكراهيته له  .  وهكذا  بالنسبة  لمن  يتعصب  لتاريخ  دولة  معينة  او  لبطل  معين  في التاريخ او  عقيدة  او  مذهب  فهو  يساوي  كل من  يغالي  في  الضد  من  كل  ذلك  . وعليه  ادعوك  ان تكون متسامحا  مع  نفسك  اولا  ، وتبعد نفسك  عن الغلو والتعصب  ثانيا  ،  وان  تكون  موضوعيا  ومتوازنا  في تقديرك  الامور ثالثا ..  وان  تكون هادئا  وتمتلك  نسبية  في التقدير  ، وان تخفف من  اطلاق  الاحكام الارتجالية  رابعا ..  وان  تكون  واقعيا  بعيدا عن  اللائكية  والتعصب  للاضداد  خامسا  ، وان  تعيش  في  زمنك  دون ان تسقط  افكارك  وارائك  وبعض المفاهيم الحديثة  على  الماضي  ،  وان  تعيش  التاريخ  لا  ان تسحبه  اليك  كي  تدينه  على  هواك  سادسا .   

 تنشر  على  موقع الدكتور سيار  الجميل 

http://sayyaraljamil.com/

ونشر  النص  بلا هوامش  في  صحيفة  قريش  /  لندن  يوم 10 /4/ 2018

 



 


[1]  حوار  ادونيس    على الرابط التالي :   

https://www.youtube.com/watch?v=0tpeTMxcuiw

[2]   انظر  :

Wittfogel، Karl ، Oriental Despotism; A Comparative Dtudy of Total Power، ) Yale University Press, 1957), pp. 56-9.

[3] حول هذا " الموضوع  "  ،  راجع  المراجع التالية  :

Fried, Morton H. The Notion of Tribe. Cummings Publishing Company, 1975.

Helm, June, ed., 1968. Essays on the Problem of Tribe, Proceedings, American Ethnological Society, 1967 (Seattle: University of Washington Press).

James, Paul (2006). Globalism, Nationalism, Tribalism: Bringing Theory Back In. London: Sage Publications.

James, Paul (2001). "Relating Global Tensions: Modern Tribalism and Postmodern Nationalism". Communal/Plural. 9 (1).

Nagy, Gregory, Greek Mythology and Poetics, Cornell University Press, 1990. In chapter 12, beginning on p. 276, Professor Nagy explores the meaning of the word origin and social context of a tribe in ancient Greece and beyond.

Sutton, Imre, Indian Land Tenure: Bibliographical Essays and a Guide to the Literature (NY: Clearwater, 1975): tribe—pp. 101–02, 180–2, 186–7, 191–3.

Renfrew, Colin, and Paul G. Bahn. Archaeology: Theories, Methods and Practice. New York: Thames and Hudson, 2008.

[4]André Raymond,    The great cities in the sixteenth to eighteenth centuries: An introduction. New York University Press, 1984.  See also,  André Raymond,  Arab cities in the Ottoman period: Cairo, Syria and the Maghreb. Ashgate Variorum, 2002.

[5]Alagappa, Muthiah. Civil Society and Political Change in Asia. Stanford: Stanford University Press, 2004.

Colletti, Lucio. ‘Introduction’, in Karl Marx, Early Writings, Pelican, 1975, pp. 7–56.

Edwards, Michael. Civil Society. Cambridge, England: Polity Press, 2004..

Draper, Hal. Karl Marx's Theory of Revolution (Volume 1: State and Bureaucracy, Volume 2: The Politics of Social Classes). New York: Monthly Review Press, 1977 & 1986.

Ehrenberg, John. Civil Society: The Critical History of an Idea. New York: New York University Press, 1999.

Ginsborg, Paul. Italy and Its Discontents: Family, Civil Society, State (2003)

[6] "Civil Society". Collins English Dictionary – Complete and Unabridged 11th Edition. Retrieved 2 August 2012 from CollinsDictionary.com website:

[7]   سيار الجميل  ،  تحولات الازمنة  :  رؤية  عربية  للتحقيب التاريخي ، ط1 (  بيروت :  المؤسسة  العربية  للدراسات والنشر ،  2017 ) ، ص 265.

[8] Petrovsky-Shtern, Yohanan . The Golden Age Shtetl: A New History of Jewish Life in East Europe. ( Princeton, NJ: Princeton University Press. 2014).   Cf. Shandler, Jeffrey (2014). Shtetl: A Vernacular Intellectual History.  (New Brunswick,  NJ: Rutgers University Press, 2014). .

[9]  راجع :  غوستاف  لوبون ، حضارة العرب  ، نقله الى  العربية  : عادل زعيتر  ( مصر : مطبعة  عيسى البابي الحلبي  ، 1969 ) . 

[10] George Sarton , Introduction to the History of Science (I. From Homer to Omar Khayyam, 1927 — II. From Rabbi Ben Ezra to Roger Bacon, pt. 1-2, 1931. — III. Science and learning in the fourteenth-century, pt. 1–2, ( Baltimore: Williams & Wilkins, 1947-48).

[11] Toynbee, Arnold J. A Study of History abridged edition by D. C. Somervell, 2 vols, (  Oxford University Press  , 1947); pp. 356-9.

[12]    زيغريد هونكه ،  شمس العرب  تسطع على  الغرب  : اثر الحضارة العربية  في اوربه ، نقله عن الالمانية :  فاروق بيضون  وكمال دسوقي  ، راجعه  ووضع حواشيه :  مارون عيسى الخوري ، ط 8  ( بيروت : دار الجيل & دار الافاق الجديدة ،  1993) . 

[13]  Hamilton Alexander Rosskeen Gibb,  Studies on the Civilization of Islam , ( Princeton U. Press. 1982) ,  See also  his book  in two vols, Islamic Society and the West with Harold Bowen (vol. 1 1950, vol. 2 1957).

[14] Reynold Alleyne Nicholson, A Literary History of the Arabs (C. Scribner's sons, 1907).

[15]Robert Mantran,   L'Empire Ottoman du XVIe au XVIIIe siècle : administration, économie, société ) Londres : Variorum reprints , 1984).

[16] André Miquel, La géographie humaine du monde musulman jusqu’au milieu du 11e siècle, vol.3: ( Le milieu naturel., 1980).

[17] Jacques Berque, Mémoires des deux rives. Paris, Seuil, 1989

[18] Clifford Edmund Bosworth,  The Islamic Dynasties: A Chronological and Genealogical Manual (Edinburgh University Press, 1980).

[19] Dominique Lecourt, L’épistémologie historique de Gaston Bachelard (1969). Vrin, Paris, 11e édition augmentée, 2002.

 

 

 

أطياف العراقيين

 في طور الانقراض

سيّار الجميل

 

"كثر اليوم قتل العراقيين المسيحيين بأبشع الأساليب، من دون القبض على الجناة والمجرمين"

"ما فقده العراق من رجاله ونسوته وأطفاله، ومن مختلف الأطياف العراقية، يعدّ معضلة تاريخية"

 

أسئلة مشروعة: لماذا يفرغ العراق من أطيافه الاجتماعية القديمة الجميلة والنادرة؟ لماذا اختلفت الأسباب والموت واحد لأبناء مجتمع يغيب تنوّعه وفسيفساء ألوانه يوماً بعد آخر؟ لماذا يتمّ التركيز على عراقيين معينين لقتلهم، أو سحقهم دون آخرين؟ لماذا اختفى كلّ الصابئة المندائيين، وهرب أغلب اليزيدية العدويين، وذاب كلّ الكاكئيين والبهائيين؟ لماذا يطاول القتل  كلّ الكلدان والسريان، ويلاحق الأرمن والآثوريين؟ وقد شبع قتلاً وتفجيراً وتعاسة غيرهم من المسلمين؟ إلى متى يبقى ملايين النازحين والمهاجرين واللاجئين خارج مدنهم ودياهم مبعدين؟ يبدو للدارس والمؤرخ أن مشروعاً لقتل العراقيين، أو خطفهم، من أجل تهجيرهم، قائم على قدم وساق في بلادٍ ضاعت فيها المقادير، وتاه عنها الأمن والنظام، وافتقد منها القانون، وانغمست في الفوضى والعبثية .. واستمر مشروع الاستئصال يتفاقم سنة بعد أخرى، منتقلاً من مكان إلى آخر في العراق.
شريعة الغاب تسيطر على مجتمع العراق، بدءاً من بغداد، وانتقالا باتجاهات شتى.. وثمّة عمليات ممنهجة لشريعة الغاب، والحكومة (وما سبقها من حكومات) ساكتة عنها، ولا تعرف إلّا الإدانة، وكيل الوعود وترديد المواساة، وتشكبل اللجان من دون أيّة نتائج إيجابية على الأرض منذ سنوات طوال، فأوصلت البلاد إلى أتعس الأحوال، فالدولة فاشلة بامتياز، وغدت عبئاً على المجتمع، إذ تزدحم بالمشكلات والمفاسد، وليس لرئيس الوزراء أيّ فعل إجرائي يضبط من خلاله البلاد باستثناء الإدانات والتسويف وإلقاء الكلمات السريعة، علماً أنّ المجتمع غدا يأكل بعضه بعضاً من دون أيّ علاج حقيقي، ولن تأتي الانتخابات المقبلة بأي جديد. 
كثر اليوم قتل العراقيين المسيحيين بأبشع الأساليب، من دون القبض على الجناة والمجرمين،  

فما الذي يبقي هذا الطيف مستمراً في العراق، إن كان وجوده مهدّداً بالاستئصال؟ ويجمع مراقبون ودارسون عديدون على أن استمرار هذا الحال لسنوات مقبلة سيجعل العراق يخلو من كلّ الأطياف، فثمّة خطط قذرة للتغيير الديمغرافي.. والأمثلة والشواهد فضحت هذه السياسات المستمرة منذ سنوات مضت، والتي اتبعت خططها المرسومة بحذاقة متناهية، بحيث خلت الموصل من مسيحييها القدماء، وقامت عصابات بتهجير المسيحيين من البصرة، ولم يبق إلا القليل منهم في بغداد، والتي ستخلو منهم بعد سلسلة العمليات الهجومية عليهم.. ويعاني المسيحيون في قراهم في سهل نينوى كثيراً من سياسات غاشمة. وسينقرض طيف الصابئة المندائيين، بعد تشريدهم والنيل منهم، فضلا عن اليزيدية الذين انقسموا في ولائهم بين حكومتين، مركزية وإقليمية، وبعد جرائم "داعش" ضدّهم، فقد هاجر آلاف منهم إلى ألمانيا.
إن خططاً خفيّة تطبقّها قوى مجرمة وعصابات إرهابية دينية وطائفية، لإبادة العراقيين المتنوعين، وتشويه المجتمع العراقي تشويهاً غريباً، فهي تؤمن بالأحادية، ولا تسمع للآخرين، كونها تكرههم كراهية عمياء، فهي تظلم الناس ظلماً جائراً.. وأتحدّى الحكومات العراقية منذ العام 2005 قاطبة أن تكون قد اقتصت من أيّ مجرم قاتل، أو مسؤول فاسد، فهي فاقدة مسؤولياتها في حفظ الأمن وتطبيق العدالة. وليست المشكلة منحصرة بحكومات فاشلة، بل منحصرة أساساً في نظام حكم سياسي محاصصي فاسد، يعد مسؤولاً عن وجود طبقة سياسيّة جائرة، أباحت لقوى شريرة من أحزاب وعصابات ومليشيات وجماعات إجرامية وإرهابية لها حركتها وتسلحها وعبثها وفسادها في كلّ العراق.. وليس لأركان النظام إلا الإدانة والخنوع، علماّ أن ما يحصل هو نتاج سياساتهم الخاطئة. وعليهم الاعتراف بالفشل الذريع في حكم العراق، وهم مستمرون على غيّهم ونهجهم الذي يبيح للطبقة السياسية الحاكمة احتكار الدولة، والسيطرة على أموال الناس وحلالهم وممتلكاتهم.. نظام حكم افتقد شرعيته التي خدعوا العالم به، كونه نتاج ديمقراطية وصناديق انتخابات كانت مزيفة، وكما حدث من تزويرات في السابق، فستحدث في الانتخابات المقبلة تزويرات فاضحة، بحيث تبقى الطبقة السياسية المعتوهة في سدة الحكم، لتكمل مهمتها في سرقة موارد البلاد، وسحق الناس وتدمير المجتمع، وهذا ما نشهده منذ 15 سنة مرت، حيث تفكك المجتمع ونهبت أمواله وسادت فيه شريعة الغاب.
قتل العراقيين وسحقهم مع مدنهم ودفنهم أحياء تحت أنقاض بيوتهم، وبقاء جثثهم حتى اليوم، وتبرير الفساد وبغاء الفاسدين، جريمة تاريخية كبرى، لا يمكن السكوت عليها أبداً. السكوت على المجرمين، والتغاضي عن عبث العصابات والاكتفاء بالإدانات وإطلاق الوعود الكاذبة من كبار المسؤولين يعدّ شراكة في الجريمة والفساد، وشراكة في عمليات الاستئصال المنظّم للعراقيين المتنوعين، وطردهم من مدنهم أولاً، ومن ثم تهجيرهم خارج وطنهم، والسيطرة على أموالهم وممتلكاتهم وبيوتهم. اضطهاد الأطياف العراقية المتنوّعة وحرمانها من حقوقها الوطنية لم يحدث أبداً في تاريخ العراق الطويل، مقارنة بما يحصل اليوم.. ولما لم ينفع الكلام، ولا التظاهر، ولا المعارضة من أجل الإصلاح، فإن الطريق الوحيد أمام العراقيين هو خطة طريق جديدة من أجل تغيير نظام الحكم الحالي الذي تفاقمت جرائمه، وتعاظم فساده، وتواصل فشله.. وينبغي محاسبة كلّ الصامتين على ما يحدث، ومعروفة هي تبريراتهم الواهية من أجل إبقاء هذا النظام المتهرئ. 
ليعلم كلّ العالم أن إفراغ العراق من أهله الأصلاء بوسائل وحشية وإجرامية، والحكومة لا

 تحرّك ساكناً.. كنت أتمنى أن تستنفر كلّ مؤسساتها، كي تقبض على المجرمين وتحاكمهم، وتنزل أشدّ العقوبات بهم.. هي خطة مستمرة لإفناء كلّ أطياف المجتمع المتنوعة، في حين تحتكر السلطة شرذمة بائسة جاهلة فاسدة، غدت طبقة مسيطرة، ولها استبدادها وطغيانها، وأنها باقية بقوّة من يؤيّد وجودها، ويسكت على فسادها، ويدافع عن سياساتها. 
خمسة عشر عاما من تطبيق هذه السياسات، وعلى أيدي الأحزاب والكتل والتيارات الدينية والطائفية التي تمثل هذه الطبقة الجائرة وذيولها من الشراذم والأتباع، جعلت العراق بؤرة للإرهاب والقتل وإشاعة الطائفية المقيتة والفساد والفاسدين.. إنها سنوات عجاف، لا يمكنها أن تستمر أبداً في حكم العراق، خصوصا إذا كان الجلاد يعدّ نفسه ضحية للفساد، من دون أية خطوات للقضاء عليه.
لا بد أن يأتي اليوم ليثور الشعب العراقي على نظام حكم سياسي مهترئ، بسبب الظلم والتمييز والفساد المستشري في كلّ المفاصل، ولا بدّ من تصحيح العمليّة السياسية الكسيحة التي أدّت بحياة العراق وسمعته إلى أسفل سافلين. ما فقده العراق من رجاله ونسوته وأطفاله، ومن مختلف الأطياف العراقية، يعدّ معضلة تاريخية، لا مجرّد جرائم تمرّ مرور الكرام، والنظام السياسي الحاكم هو المسؤول الأول والأخير عن هذه المعضلة التي لا علاج حقيقيا لها إلا بتغيير النظام، واستئصال الطبقة الحاكمة، ومحاسبتها حساباً عسيراً، مهما كانت الأثمان. ومن دون ذلك، سيبقى العراق تحكمه شريعة الغاب، وهو ينتقل من سيئ إلى أسوأ. على كلّ أحرار العراق مناشدة العالم أجمع بأنّ مصير بلادهم بات مهدّداً جرّاء سياسات هذا النظام، بحكوماته الفاسدة وأحزابه المقيتة، وطبقته الحاكمة المسؤولة عن كلّ ما يحصل أمام الله والناس والتاريخ.

(العربي الجديد) لندن

العراق : مزبلة نفايات

ايرانية على يد ولايتي!


أ.د. سيّار الجميل


يبدو انك يا ولايتي قد تجاوزت كلّ الحدود السوداء والخطوط الحمراء ، وقد اشعلت النار بتصريحاتك الايرانية من قلب بغداد متدّخلا تدّخلا سافراً في شؤوننا ليس العراقية فقط ، بل العربية ايضاً ، ولم أجد بعد مضي ساعات على خطابه أية ردود فعل عراقية رسمية أو حتى معارضة سياسية وطنية ، اذ جعل من نفسه وصياً على العراقيين وعلى مصيرهم ومستقبلهم وكأنّهم بيادق شطرنج أمامه .. لا تخيفنا يا ولايتي بتقسيم العراق ، فالعراق لن ينقسم ، ولو أراد الاخرون تقسيمه لفعلوا ذلك منذ العام 1991 .. واذا كان العراقيون قد دعوك الى مؤتمر تأسيسي باسم المجمع العراقي للوحدة الاسلامية والذي سيكون بوابة أخرى لشرعنة التدّخلات وتصدير الاوبئة باسم هذه الوحدة الواهية التي تعيش فقط في المخيلة المريضة ، فان كلّ البشرية أدركت ان العالم الاسلامي تنتهكه الانظمة الدينية والسياسات الطائفية وتمزقه المذاهب الهرطقية ، وتعبث به المليشيات والجماعات الارهابية ، فاي اسلام بدأ يستعيد مكانته اليوم يا ولايتي ؟ وما معنى تصاعد أمواج الصحوة الاسلامية التي تغنيتّم بها طويلا ، ولم تأت لنا الا بالدمار والخراب والارهاب ؟ 
كفاكم تتاجرون باسم الاسلام كي تحققوا أحلامكم المريضة .. ويكفي ما أصاب العراق والمنطقة على أيديكم ! كفاكم ترعبون العالم الاسلامي والمنطقة من التقسيم الذي تدعون أن امريكا تسعى اليه ، وكأن العالم الاسلامي يعيش وحدة وتكاملاً وانسجاماً ونضوجاً حضارياً في مثل هذا الزمن الكسيح .. لماذا تزرعون هذه الاوهام المرعبة في قلوب الناس ، وتغسلون عقولهم ، وتتلاعبون باعصابهم من أجل تحقيق اهدافكم في الهيمنة على الشرق الاوسط برمّته ؟ واذا كانت لكم مصداقيتكم ، فلماذا عقدتم مع امريكا معاهدتكم الشهيرة ؟ لستم حماة ديارنا العربية ، ولا كنتم أوصياء على شعوبنا الاسلامية ، ولم يوكلكم أحد لتكونوا وحدكم بموقع محامي الدفاع عن قضايانا ؟ ولا ادري اين كنتم طوال هذا الزمن حتى تكتشفوا الان فقط ان الامريكان والغرب يحاولون تمزيق المجتمع الاسلامي ؟ فأيّ مجتمع اسلامي تقصد يا ولايتي ؟ وأية وحدة اسلامية تقصد بعد كلّ ما حدث ويحدث في بلداننا العربية خصوصاً ؟ 
واعود الى حكام العراق وكلّ المسؤولين والنواب البرلمانيين فيه لاقول لهم : هل توافقون ولايتي على تصريحاته هذه التي غرّد بها من قلب بلدكم أم تخالفونه فيها ؟ هل انتم معه ام مع الامريكان ؟ كونوا شجعانا في التعبير عن موقفكم عراقياً . هل تريدون ابقاء العراق حمّام دم في صراع مفتعل بين الطرفين ؟ واعود لولايتي لاطرح عليه بعض التساؤلات والملاحظات وخصوصاً حول تأكيده المضحك عن " ضرورة احياء القيم الاسلامية الاصيلة " ، واستطرد قائلا : " ان هذا الامر يؤدي الى انقاذ المجتمع وتحريره مضيفا اننا نأمل في تعميم فكرة تأسيس مراكز التقريب في الدول الاسلامية لنحظى بمركز عالمي للتقريب بين كافة المذاهب الاسلامية. " أية قيم اسلامية أصيلة تريد ان تحيا ؟ هل تقصد بث مذهب ولاية الفقية ، ام مذهب داعش ، أم مذاهب دينية أصولية أم باطنية اخرى ؟ واية قيم تنقذ المجتمع وتحرره يا هذا ، ان لم تكن حضارية معاصرة ومتمدنة تؤمن بقيم هذا العصر ونظمه وافكاره بديلا عن كل الظلاميات والسكونيات والبدائيات العفنة ؟ دعوا مجتمعاتنا يا سيد ولايتي بحالها بلا تقريب مذاهب وبلا صراع طوائف .. اذ ثبت خطل مثل هذا التفكير البائس في ظل تأجيج سياسات تنطلق من أجندة تذكي الصراعات وتشعل الحروب وتمزق المجتمعات . 
الا يكفي ما فعلتم ببلادكم الجميلة وسحقتم تقدّمها ، وبعثرتم مواردها ، واغلقتم مجتمعاتها ، واضطهدنم نسوتها .. واستخدمتم "الديمقراطية " وسيلة دوغمائية كاذبة من اجل السلطة وفرض التوحش ؟ ويبدو أن اجندة جديدة لكم يتضمّنها برنامج تأسیس مجمع التقریب بین المذاهب الاسلامیة في العراق بإشراف لجنة الاوقاف البرلمانیة في مجلس النواب العراقي . وهي لعبة اخرى للتغوّل الايراني يقف على رأسها علي العلاق الذي دعاك يا ولايتي الى العراق كي تتحدث على هواك مترجماً أجندة نظام الحكم في ايران ، والتي سوف لن تنجح ابداً لا في العراق ولا في أي مكان آخر من الشرق الاوسط ! واريد ان أسجّل للتاريخ أمام كلّ الناس ، بأن تصريحات ولايتي الساذجة في بغداد تترجم بوضوح : ان حربا دموية شنيعة قادمة على منطقتنا ، اتمنى على العراقيين وكلّ ابناء المنطقة ( وخصوصا العراق ودول شرق المتوسط ) الوعي بها ، والحذر منها ، فنحن لن نكون وقوداً لا من اجل ايران ، ولا من اجل وجود اي نظام ديني آخر ! 
دعني اقول بأن ليس لك الحق يا سيد ولايتي ان تعلن بعدم سماحك لمن اسميتهم بالشيوعيين والليبراليين العراقيين بالعودة الى الحكم !! لقد كنت لا تستحي فقلت ما شئت ، ولكن يبدو انك بمنتهى الجهالة ، اذ قلت أشياء عراقية ليس لك علم بها ، ولا حق لك ابدا بتدخلك فيها . فمتى حكم كل من الشيوعيين والليبراليين العراق ؟ واعلم أن العراق لا يستقيم وضعه ان بقي حكامه من المعممّين ، او الملتحين ، او المنغلقين وكلهم من الفاسدين والدجالين والكاذبين .. ان العراق لن يجد الاستقرار ولا التعايش الاجتماعي والتوافق السياسي الا بتغيير هذه الطبقة السياسية الباغية الفاسدة ليكون بايدي العراقيين الوعاة من المتمدنين الوطنيين والعلمانيين المنفتحين والنزهاء المستنيرين . 
وأخيرا ، هنا اناشد كلّ العراقيين من ذوي الضمائر الوطنية الحية قائلاً : هل تقبلون مثل هذه التدخلات السافرة من قبل ولايتي في شؤونكم ؟ عارضوا خطاب ولايتي يا اهلنا في العراق ، فان سكتم عليه ، فان ايران ستفرض ارادتها على الانتخابات القادمة ونتائجها ، وسيبقى العراق مزرعة لها ، وستبقي الفاسدين والتافهين واضرابهم من عملائها في حكم العراق ، وتنقل العراق الى حالة ظلامية اخرى ، وستبقيه معبراً اساسياً لها نحو غرب الفرات ، وربما بقي ساحة صراع لها . لقد حمل ولايتي رسالة ايرانية مفضوحة لكلّ العراقيين لجعل العراق مزرعة خلفية لنفاياتها القذرة .

تنشر على موقع الدكتور سيار الجميل 
http://sayyaraljamil.com/

 

أحمد الكبيسي..

 هذه المخادعة

 

سيّار الجميل

عندما التقيتُه في ندوةٍ عامةٍ في عمّان في 1998، وكنا من المشاركين فيها، وجدت الداعية العراقي، الشيخ أحمد الكبيسي، أكثر قدرة على معالجة الأمور مما آل إليه حاله اليوم. وعندما كنّا نلتقي في دار الصديق المرحوم الدكتور علي النميري في دبي 2003 - 2004، بصدد تأسيس المنتدى العراقي، رفقة أصدقاء عراقيين، أغلبهم أحياء يُرزقون، كنتُ أخالفه في ما يطرح من أفكار. ولكنني اليوم أستهجن ما يصدر عنه من آراء، وما يطلق من أحكام، إذ بقيت أسمع، بين حين وآخر، ما يصرّح به سياسّياً أو دينياً أو طائفياً، أو يذهب كالأعمى إلى مظان التاريخ، فيسلخ منه سلخاً، ويمسخ الحقائق مسخاً، فأنتقده بمرارة لما يتفوّه به من غريب التناقضات.
ولعلّ ما يعنيني أصلاً ما يطلق الشيخ أحمد الكبيسي من آراء لا تعقل، وما يتخذ من مواقف لا تقبل، كنت أعزوها إلى افتقاد التوازن في تصريحات عبثيّة، أو مطلقات ساذجة، أو هفواتٍ بليغةٍ، إذ بلغت أخيرا أقصى درجات الهذيان. لا يهمني أصلاً أقواله على شاشة تلفزيون دبي، في برنامجه الديني الذي كان يزداد فيه شططاً، فأغلقوه بعد أن أقيمت ضدّه الدعاوى، واستهجن الناس مواقفه المضطربة بين سياسات هذا وذاك. وكم كنت أود أن يعيد الرجل التفكير، مرة تلو أخرى، في الشخصية التي رسمها عن نفسه، وقد أنيطت صلاحية ما يشاء قوله، وما أذاعه من أحكام تدلّ دلالة كبيرة على غرائب تعكس وجه بيئته وثقافته في العراق وحده، من دون معرفته العالم أو قراءة ثقافاته. وكنت أعطف عليه، وأنا أجده يُدخل نفسه في ما لا يعنيه.. أو يمضي على غير هدى، وخصوصاً عندما بدأ يشتغل في السياسة وهو ليس سياسيا، وراح يغرد في  

التاريخ وهو ليس مؤرخا، وأخذ يوزّع الأحكام جزافاً في الجغرافيا العراقية وهو ليس عالما فيها.. ولكن من أكثر منحدراته أنه أخذ يتنبأ بما سيحصل، وما سيجري، إذ جعل العراق فردوساً وجنانا، وتلك لعمري أكذوبة وخديعة للناس واللّعب على عواطفهم، ولم نجد حتى الآن شيئاً من تنبؤاته قد تحقق. ونسأل: لماذا كلّ الإساءات والمبالغات وتضخيم الذات وكيل المديح الفارغ والمجاملات؟ من أسوأ ما لدى هذا الشيخ الخلط بين الدين والسياسة، وبين المذاهب والأوطان، وبين الواقع والخيال، وبين الماضي والمستقبل، وبين الأسطورة والأوهام، وبين الشيعة والسنة، وبين علي ومعاوية، وبين السعودية وإيران، وبين عشق الحاكم وشتمه مثل صدام حسين ونوري المالكي وغيرهما.. وكم تمنيتُ عليه أن يبقى محترماً نفسه في قصره في دبي، ليقضي ما تبقى من حياته سعيداً بصالح الأعمال بعيداً عن الهذيان، ومن دون الدخول في ما لا شأن له به. 
أكتب مقالتي اليوم ناقداً معارضاً، بعد أن بلغ السيل الزّبى في موقفه أخيرا، إذ كانت زيارة الكبيسي أخيرا إلى العراق، بدعوة من رئيس الحكومة، حيدر العبادي، من دون الإفصاح عنها، ولا عن فحواها أو هدفها، فما جدواها يا ترى؟ خرج رئيس ديوان الوقف السني، عبد اللطيف الهميم، يستقبله بحفاوةٍ على سجادة حمراء. ويتجلى هنا موقف جديد بمناداة الكبيسي الهميم أن يكون مرجعاً أعلى للسنّة العراقيين، في خطوة بليدة وساذجة ومخادعة، لا سابقة لها في التاريخ، فالشيخ الكبيسي يدرك حتماً أن ليس للسنّة في التاريخ أيّ مرجع ديني يجمعهم، أو إمام يتقدمّهم جميعاً. والسنة في العراق على مذاهب ثلاثة: حنفية وشوافع وبعض حنابلة.. وسنّة العراق أنواع وألوان، فهم بين متصوفة بطرائق ثلاث أو أكثر، كالقادرية والنقشبندية والرفاعية، وسلفية وأصولية سياسية باتجاهات معقدّة شتى، وأحزاب وجماعات متطرفة ومتعصبّة ووسطية، فما معنى أن يكون هناك عرش فقهي للعراقيين السنة؟ فهم ليسوا على غرار الشيعة الاثني عشرية، لا في الشريعة، ولا في التاريخ، لا في الواقع، ولا في البيئات، لا في النظام، ولا في الطقوس أباً عن جد. ومن ناحية أخرى، الشيخ عبد اللطيف الهميم متهمّ بتهم شتى، ولا يصلح رئيساً لوقف المسلمين، فكيف يغدو مرجعاً دينياً أعلى للسنة المسلمين؟ هل كان ترشيحه مرجعاً لعموم السنة في الأرض، أم للعراقيين السنة؟ علماً أنّ السنة على امتداد تاريخهم لم يكن لهم إمام يقتدون به، أو مرجع يهتدون بهديه. وإن كان هذا حال السنة العراقيين الملتزمين، فما الذي يجبر غيرهم من غير الملتزمين دينياً على قبول هذه الخطوة المفلسة؟ 
إن كانت قد وجهت الدعوة للكبيسي لزيارة العراق، باعتبارهِ واسطة عقد لتقريب السنة إلى نظام الحكم الحالي، فقد أخطأ الطرفان، فالعبادي الذي استقبله لا نعرف ما الذي أراده. أما الكبيسي فقد استُخدم ورقةً من أجل الانتخابات المقبلة، لا أكثر ولا أقل. وسيُرمى بعيداً وهذا ما حصل. إذ كانت زيارته في مهمّة قصيرة، تبدو سياسيّةً أكثر منها وطنية، فلم يبق هذا الزائر على  

أرض وطنه إلا ساعات معدودات، أطلق فيها التصريحات النارية ومضى عائداً إلى دبي. ولو سألني لقلت له: شعبك العراقي أهم بكثير من نظامٍ حاكم لم تتوان تصفق له ولرؤسائه عهداً وراء آخر.. وكنت سأنصحه أن يزور العراقيين المسحوقين في مدنهم المدمّرة، وأن يقف عند إخوته النازحين وقفة وطنية، ولو مرة واحدة. كنت سأنصحه أن يقول كلمة حقٍّ عن وطن ذبحه الأشقياء والمخادعون والمجانين، ويفصح مليا عن السبب الحقيقي لزيارته الخاطفة. 
استهجن الشعب العراقي، بعموم سنّته وشيعته، وكلّ فئاته المتنوعة، هذه الحركة التي مثّل دورها شيخ يتكّلم باسم العراقيين السنة، وهم لا يعلمون شيئاً. يدرك العراقيون أن شيوخا معممّين ومعكّلين اتهموا بصفقات سياسية ومالية ورشاوى وتبديد أموال الوقف السني، والاستيلاء على الأراضي الوقفية والتصريحات العنترية، وعدم الوقوف أبداً مع حقوق أهلهم، فضلا عن أنهم بيادق سلطة أولا، وعملاء لهذه الدولة أو تلك ثانياً، فضلا عن مشاكساتهم وعجزهم الفاضح أمام الدواعش ثالثاً. 
كانت دولة الإمارات قد أرسلت الشيخ الكبيسي إلى العراق بعد الاحتلال الأميركي في العام 2003 في مهمّة سياسيّة واضحة، وبدأ يلقي خطبه في المساجد، وأسس هيئة علماء المسلمين. وكانت له أنشطته السياسيّة في العراق في ظلّ الاحتلال الذي سمح له بإلقاء خطبه وإصدار صحيفته، ولكن مهمته انتهت بمغادرته العراق فجأة، هاربا بسبب تهديداتٍ تلقاها. هذا السيناريو فعله كثيرون أمثاله. المشكلة في الرجل أنه مطالبٌ بإيضاح تناقضاته التي كنا سمعناها وشاهدناها مراراً، ومنها محاضرة ألقاها في عمّان قبل أعوام، تعهّد فيها أن يصير العراق، بعد سنة على وصول نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة، بلداً متطوراً مثل السويد. وقال إن للسنة أيضاً مهديا منتظرا يراه اليوم يمشي في شوارع بغداد، وقريباً سيقود العراق إلى مدارج العلى والكمال في أسرع مما نتخيل (!). وقبل فترة، وضع نفسه في مأزقٍ لا يحسد عليه، خرج يهاجم الوهابية بعنف، فأقيمت دعاوى قضائية ضدّه، وصدر الأمر بإغلاق برنامجه الديني من محطة تلفزيون دبي، ومنها جوابه غير اللائق على امرأةٍ كانت تحاوره بطريقة معقولة، ومنها تأييده الكرد في انفصالهم وتأسيس دولتهم، وتشبيهه الزعيم العراقي الكردي، مسعود البارزاني، بصلاح الدين الأيوبي، ودعوته السنة أن يلتحقوا بالدولة الكردية! في حين يردّد دوما أن العراق هي البلاد المقدسة.. إلى غير ذلك من أخطاء مفضوحة. 
أدعو للرجل أن يستعيد عقله بمراجعة فكره ومحاسبة ذاته، وأن يقدّم اعتذاره، ويسحب تصريحاته ويشجبها.

مشاركة

(العربي الجديد)

 

العراقُ.. هذا الاهتراء

عشيّة الانتخابات

أ.د. سيّار الجميل

 اختصر الإخوة المصريون مثلا عربياً قديماً بقولهم: "موت يا حمار"، وأبقاه الأهل في الموصل بجملته الكاملة، وهو جواب اليائس البائس من قضيّة مهمّة، أو الذي لم يعد يأمل الخير قريباً. والعراق قد ملّ أهله من إصلاح الأوضاع، أو من تغيير الوجوه الحاكمة التي تهيمن على مقدّراته اليوم، إذ مضت 15 سنة على حكم الاحتلال وأذنابه من العملاء والأغبياء والطارئين والمفسدين في الأرض، ولم تزل عمليتهم السياسيّة تدور رحاها لتطحن العراق، وتمزّق شعبه تمزيقاً. وعلى الرغم من إيمان النخب العراقية الحية بالديمقراطية والتمدّن والوحدة والعدالة، إلا أن العراقيين ما زالوا منقسمين بين مخدوعين ومتخندقين، وبين مؤيدين ومعارضين، وبين متشبثين بالحكم وكارهين له كره الموت. ولم تزل العملية السياسية الحالية تدور عجلتها المكسرة، وتمضي في إطار مزيّف من "الديمقراطية " بالتزوير والانتهاكات، وهو إطار ثبت فشله من خلال نظام حكم فاشل، ودولة فاشلة، وكلها باسم "ديمقراطية" شكلية بمضامين طائفية، دمرت المجتمع تدميراً حقيقياً، ذلك أن العوامل التي تمّ فرضها منذ العام 2005، بإصدار دستور كسيح، كانت خاطئة جملةً وتفصيلاً.

وعلى الرغم من كلّ الفشل الذريع الذي لازمَ العملية السياسية بإيجاد نظام حكم طائفي ومحاصصي بغيض، مع صناعة طبقة سياسية فاسدة مهيمنة على مقاليد الأمور، فإن الحالة تنتقل، سنة بعد أخرى، من سيئ إلى أسوأ، في مخاضٍ لا يمكن إنقاذ العراق أبداً من خلاله. والانتخابات التشريعية المقبلة في العراق ستمرّ عبر نفق مظلم آخر، إذ تقف على مدخله إيران بكلّ ثقلها التاريخي والأيديولوجي، وتقف عند مخرجه أميركا التي لم تزل تبارك ما يحصل، من دون أيّ شعور بالذنب، ومن دون أية إجراءات عملية كفيلة بإنقاذ البلاد من ورطتها 

ثبت أن الشعب العراقي منقسم على نفسه انقساماً بنيوياً حاداً منذ العام 2003، ولا يستطيع أن ينقذ نفسه بيده أبداً، ما دام أن السلطة الحالية أسسّت نفسها من خلال المحاصصات، وروّجت المكونات، وأشاعت مبدأ الأغلبية والأقليات، وعملت من خلال نظام حكم له أجندة طائفية، وأحزاب غير وطنية، وأنتجت منذ 2005 دستوراً يعج بالتناقضات، وتوالدت طبقة أوليغارشية تؤيدها مرجعية دينية، وتبارك أعمالها قوى خارجية، كانت لها القدرة على احتواء العراق، من خلال مرتزقتها وموظفيها وعملائها، وكلّ الشرائح التي قدّمت الأجندة الطائفيّة على العقيدة الوطنية.

الصورة القاتمة، والتي تزداد حلكةً وظلامية وفوضوية سوريالية، اصطبغ بها مجتمع يبدو للعيان أنه متصالحٌ مع نفسه، لكنه ممزّق في نزعاته، وتائه في أهوائه، وغارقٌ في فساده إزاء تحالفات الطبقة السياسية الحاكمة التي تريد البقاء في السلطة بأي ثمن. وقد مرت سنوات طوال على حالاتٍ فاسدةٍ، وقراراتٍ ضالة، وبعثرة للموارد بشكل لا يوصف. وكلّ يوم نسمع بضرورة الإصلاح، وهي أكاذيب مسؤولين، لم يقدمّوا أبداً أيّ برنامج إصلاحي حقيق للبدء بالتغيير. الوعود التي كيلت لا حدّ لها، وكلها أكاذيب ومبرّرات. ولم يُعاقب أحد من المجرمين والسارقين والقتلة والخونة. وتأتي الانتخابات، كي يبقى هؤلاء في السلطة، وقد احتكروها لأنفسهم، وهم يدركون حجمهم، حتى وصل الأمر بأحدهم ليقول: علينا أن نحافظ على العملية السياسية، حتى إن سحبنا الناس سحباً إلى صناديق الاقتراع! بهذا الأسلوب المتوّحش، يريدون البقاء في السلطة باسم الحفاظ على العملية السياسية، وهم يخدعون الملايين بهذه الحجة التافهة التي يخشى منها بعضهم، كونهم اقتنعوا بأن العراق لهم، لا للجميع.

تشتعل الآن صراعات خفية بين أعضاء الطبقة الحاكمة، وستزداد ضراوتها مع الأيام. رئاسة الجمهورية ستكون الآن لغير الكرد، ولكن لا تأثير يُذكر لمن ستسند إليه، فالصراع على رئاسة مجلس الوزراء، والأسماء المرشحّة حتى الآن جرّاء التحالفات الشيطانية الماكرة هي بين 3-4 أسماء، لا يمكن أن يتنازل أحدهم للآخر أبداً، فمثلا إياد علاوي الذي كان قد فقد حقّه المشروع ي رئاسة الحكومة بالقوة، ليأتي نوري المالكي بدله، وهو الذي جعل العراق مزرعة للفساد والإرهاب، وبدل أن يحاكم ويعاقب في عهد حيدر العبادي، بقي بلا حساب ولا عتاب، وربما يعود إلى السلطة ثالثة، بفعل نزعته الطائفية وأجندته الايرانية. وستتكرر مأساة للعراق ثانية، كي يصفّي حساباته الآن قهراً لإرادة الشعب وسحق العراق. أما علاوي، فإن فرصه الآن أقل مما كانت، بسبب ضعف تحالفاته اليوم، وكنت أتمنى عليه تقديم مشروع وطني قوي، لتشكيل جبهة سياسية عراقية، تطرح نفسها بديلاً للمشروع الطائفي للمالكي وحلفائه. أما حيدر العبادي، فإن فرصه تضيع يوماً بعد آخر، فهو كالاسفنجة التي كانت غاطسة في الماء، وقد خرج منه ليغدو هشاً إزاء حيتان يريدون إخراجه خارج الملعب، مهما كان الثمن وابتلاعه، وهو الذي جنى على مستقبله، كونه لم يستمع إلى أية نصائح قدّمت له، فكان أن فشلَ سياسياً، في عدم قدرته على صنع التحالفات وتقديم مشروع وطني بديل، وغدا ألعوبة ضمن شيطنة إيرانية مفضوحة بتحالف الحشد الشعبي معه، ثم انسحاب الحشد منه، ناهيكم عن تراخي العبادي، وعدم قدرته القيادية، وخلوه من الحنكة في صناعة أي قرارات جريئة. إذ ملّ الناس وعوده التي لم  يستطع تنفيذها بالقضاء على الفساد والفاسدين، ولم يزل يغني هذا الموال من دون جدوى. ضعفه وخوفه جعلا خصومه ينتهكون إرادته، خصوصاً أنهم يعرفونه شخصاً متردداً منذ زمن بعيد.

وهناك اسم جديد تلمّع إيران فيه ليكون سيّداً للمرحلة المقبلة، وهو هادي العامري الذي يتزّعم فصائل الحشد الشعبي، وله تاريخه المرتبط بإيران منذ حربها ضدّ العراق قبل أكثر من 35 عاما. واذا كان عراقيون يستهجنون اسمه اليوم، إلا أنه متى يصلَ إلى السلطة، سوف يصفّقون له كعادتهم، ولكن على حساب تفاقم الاحتقان الاجتماعي، وستمرّ مرحلة صعبة وقاسية جداً بتدّخل إيراني واسع النطاق ، وربما دخل كلّ العراقيين حرباً أهلية من نوع جديد – لا  سمح الله -  .  

تتمثل المشكلة الحقيقية مجسّمة اليوم بين العراقيين الشيعة والسنّة، علماً أن الكرد فقدوا قدرتهم على المطاولة في بغداد، إزاء الوضع الذي قادوا أنفسهم إليه. وعليه، تتمثّل مشكلة السنّة العراقيين في أحزابهم المتشظية وتحالفاتهم المهترئة وصراعاتهم على المناصب والمصالح والنفوذ بشراكتهم البليدة في هذه العملية السياسيّة. وإذا كان الشيعة يختلفون في الأساليب، ويتوّحدون على الهدف، فإن السنّة ضيعوا الطريقين معاً، فضلاً عن ضعف موقف المدن السنية الكبيرة التي تدّمرت دماراً كبيراً، وتشرّد منها الناس، وقد ضعفت جبهة الموصل والأنبار جرّاء ما حاق بهما من تمزّق وانسحاق ونزوح، فكيف ستكون النتائج يا ترى؟

وعليه، فإنّ أوضاعاً كهذه للشيعة والسنة معاً هي التي ستحدّد مصير أربع سنوات مقبلة، مع سماع نداءات كبرى من عراقيين بمقاطعة الانتخابات، من أجل إفشال العمليّة السياسية، وإلغاء نظام الحكم الحالي، بحثاً عن بديل جديد، مهما كان نوعه، يمكنه أن يخلّص البلاد والعباد من هذه المعضلة التاريخية المريرة . الأسئلة الآن: إلى متى سيقبل شيعة العراق ما تفرضه إيران عليهم؟ هل ستبقى أميركا قابلة بهذا المشهد المهترئ؟ هل سيبقى حيدر العبادي في الحكم، أم سيتلقى طعنة نجلاء ربما  تفقده حياته ؟ هل لدى العراقيين قدرة على مقاطعة الانتخابات ؟ ولكن متى  توحّدوا على رأي  وطني  واحد ؟  هل سيجتمع السنّة تحت راية إياد علاوي من أجل قلب الطاولة؟ وهل بامكانهم  فعل  ذلك ؟ هل سيكون لمقتدى الصدر دوره الحاسم في تغيير الصورة الحالية؟ هل ثمّة مفترق طرق للعراق، سواء في انتشاله من صبخة الوحل، أم أنه سيغوص فيها نحو الأعماق؟

وأخيراً، أقول لكل الحالمين بالعراق المزدهر والديمقراطي والآمن والمستقر ما يقوله المثل المعروف: " موت، يا حمار، لما يجيك الربيع " .

 

العربي  الجديد ، ويعاد  نشرها  على  موقع الدكتور سيار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

 

صراع من أجل

السلطة لا لمستقبل العراق

أ.د. سيّار الجميل

 

تعمّ العراق اليوم حمّى الانتخابات المقبلة، وتزداد سخونةً مع تسارع الأيام، ولم تزل الوجوه السياسية نفسها المسيطرة على المشهد السياسي، ولم تزل الطبقة السياسية التي جاءت بها أحداث 2003 والاحتلال الأميركي هي التي تتنافس في الاستحواذ على السلطة، وتتكالب في البقاء على سدّة الحكم بشكلٍ لا يمكن تخيله، ولم يفسح المجال أبداً حتى الآن لأي قوى سياسيّة جديدة، كي تأخذ طريقها، لا لتتنافس من خلال صناديق الاقتراع، بل لإثبات نفسها أمام الشعب. واستماتت الطبقة الحاكمة في أن تبقي مفوضية الانتخابات تحت هيمنتهم بلا قضاة، ولا  اية  رقابة  قانونية  او  دولية .

أغلقت المفوضيّة العراقية العليا للانتخابات مهامها في تسجيل التحالفات السياسّية لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة. وعليه، فان الصراع المحتدم اليوم يتمثّل حقيقة بين أربع قوى شيعية كبيرة: تحالف دولة القانون ويمثله نوري المالكي وحلفاؤه، وهناك تحالف النصر لحيدر العبادي وجماعته، وتحالف جديد سمّوه بتحالف المجاهدين، أو تحالف الفتح المبين (بدلا من الحشد الشعبي) ويمثلهم هادي العامري وأمراء الحشد (وهذا تجاوز دستوري والتفاف على الدستور)، ثم هناك التيار الصدري واسع النطاق وتحالفه باسم ثائرون للإصلاح.. أما ما تسمّى التحالفات المدنية، فهناك التجمع المدني للإصلاح بزعامة إياد علاوي، وتحالف القوى المدنية مع الشيوعيين.. أمّا الأكراد فمنقسمون بين القائمة الوطنية الكردية والتحالف الكردستاني. هذه هي التشكيلات الأساسية المتصارعة من أجل الاستحواذ على السلطة باسم الانتخابات.

وبدا واضحاً أن الصورة التي بدت عليها التشكيلات التي ستخوض الانتخابات تستند إلى الطائفية المقيتة مع استثناءاتٍ لا تأثير لها، ذلك أن الوجوه التي بقيت مصرّة على البقاء في السلطة، وتتداولها فيما بينها هي نفسها منذ 15 سنة مضت، فلا يمكن لأحدٍ بعد اليوم أن يعتب على حكامٍ عراقيين سابقين احتكروا السلطة فيما بينهم زمناً طويلاً، وإذا كانوا قد احتكروها إبان عهودهم، فقد قدّموا للبلاد إنجازاتٍ كبرى، فما الإنجازات التي قدّمتها الحكومات الحالية العراقية منذ 15 عاماً؟ على كلّ عراقي أن يسأل نفسه: هل يقبل ضمير أي عراقي أن يعيد انتخاب هؤلاء الذين دمرّوا العراق، وسرقوه وأضعفوه، وامتهنوا إرادة أهله وبعثروا موارده؟ هل يحقّ لأمثال هؤلاء الذين سحقوا العراق أن يعيدوا ترشيح أنفسهم من أجل أن يبقوا في السلطة ثانية  ، وثالثة، بلا أيّ رادع أخلاقي ولا أي حياء؟ تاريخ أيّ واحدٍ من هؤلاء، أو تاريخ أيّ حزبٍ من أحزابهم، يوضح أن كلا منهم غاطس في الجرائم والفساد ودماء العراقيين ونهب البلاد، فكيف يحقّ لكم أن تعيدوا إنتاج أنفسكم ثانية، من أجل البقاء في السلطة؟ ماذا قدّمتم للعراق والعراقيين منذ 15 سنة غير الكوارث والنكبات والحروب الأهليّة والصفقات المشبوهة والتدمير الممنهج للمدن، وبعثرة اقتصادات البلاد، وسحقتم الناس ونهبتم المال العام؟ هل حاسبتم أحداً من المجرمين الكبار؟ هل اعتذرتم عن أسوأ القرارات؟ هل راجعتم أنفسكم مراجعة ذاتية، واعترفتم بما فعلتموه ظلما وعدواناً ؟ هل قمتم بالتحقيق مع أيّ مجرم فاسد تولى المسؤولية، وأساء إلى العراق وإلى أهله وتاريخه ؟ هل صدّقتم في الذي ناديتم من أجله، ووعدتم الناس بالإصلاحات؟ أين هي إصلاحاتكم؟ تغنيّتم بالحياة السياسية المدنية قبل أشهر، أين غدت وعودكم اليوم وقد  بقيتم  مع  احزابكم  وتحالفاتكم  بلا  اي  تبديل  جذري  ؟

قولوها بصريح العبارة، أنتم طلاب سلطة وتريدون البقاء في حكم العراق مهما كانت الأثمان باهظة. ويا حزب الدعوة، وكلّ المتحالفين والمتخندقين معك، سواء جئت بقائمة أو قائميتن أو أكثر، ثبت للعالم أجمع فشلك الذريع في إدارة البلاد، وأسأت للعباد سنوات. وإذا كان ممثلو العراقيين الشيعة قد فشلوا تاريخياً، فانّ ممثلي السنّة قد أساءوا جداً للعراقيين  أجمع ، سواء كانوا في السلطة أو خارجها. ولا يمكن للمرء المتابع والمراقب أن يفوته المشهد الهزلي الكاريكاتوري الذي أعلن فيه عن صورة التحالفات، استعداداً للانتخابات البرلمانية، وهو مضحكٌ بالفعل، بل ومثير للقرف، ومؤلم إلى درجة الغثيان. ويبدو أنّ الشعب العراقي رضخ لإرادة هذه الطبقة السياسية الفاسدة التي فعلت كلّ ما لديها، لكي تبقى مفوضية الانتخابات بمثل هذا الوضع المهترئ. كما ويصرّ رؤوس هذه الطبقة إصراراً مميتاً على إجراء الانتخابات مهما كانت الأثمان، علماً أن أوضاع الملايين من الناخبين في مدن كاملة غير مستقرة ألبتة. ولم يسمع أحد للأسباب والعوامل الموضوعية التي نادى بها من طرح فكرة تأجيل الانتخابات، لضمان مصداقيتها وتأمين حقوق كل العراقيّين الانتخابية من النازحين، وإنما أصرّ أصحاب المصالح الخاصة وطلاب السلطة على إجراء الانتخابات في وقتها المحدد، كي يضمنوا وجودهم في الحكم.

أمام هذا الماراثون المسعور والتكالب  المثبور ، كان على الشعب العراقي أن يدرك أنّ لا نفع بعد اليوم بأي علاجات آنية، ولا أية إصلاحات شكلية، ولا أية تبديلات في الوجوه، فالقادم سيكون سيئاً جداً، وستشهد السنوات الأربع المقبلة اهتراءً للعراق والعراقيين.. الأميركان هم المسؤولون الحقيقيون عن أوضاع العراق الراهنة، إذ لا يمكن إبقاء نظام الحكم الحالي، بهيئته الحالية ودستوره الكسيح، ولا يمكن للعراقيين أبداً أن يبقوا العملية السياسية مستمرة سنوات مقبلة، وبهذه الوضعية المزرية على أيدي عصاباتٍ أو أناس تلطخّت أيديهم بالدماء، أو مسؤولين نهبوا البلاد واقترفوا أسوأ الجرائم. لا عتب على نوري المالكي، أو أمثاله، في تحالفاتهم الطائفية المقيتة، فهم معروفون بذلك، ولكن كلّ العتب على من يتحالف مع التافهين الذين ارتضوا بأن يكونوا دمىً من أجل السلطة.

أيها العراقيون: هل ارتضيتم هذه الأشكال التي حكمت العراق سنوات، لكي تبقوها في السلطة ثانية، أو ترجعوها ثالثة، أو أن تعيدوا إنتاجها باسم صناديق الاقتراع، والكلّ يعلم أن التزوير سيبقى يمارس في الخفاء أو العلن؟ هل ارتضيتم أن تبقى هذه البيادق على لوحة الشطرنج، والأميركان والإيرانيون يتلاعبون بمصيركم كما يشاؤون؟ صيغة إيران الجديدة التي تطرح ما اصطلحت عليه "الأمر الواقع" ليست إلا تبديل وجوه سيئة فاشلة بوجوه أسوأ وأكثر فشلاً وانحداراً، وما طرح هذا المفهوم إلّا الانتقال حسب المراحل من السيئ إلى الأسوأ في مجتمعٍ انتزعت منه الوطنية، وسحقت عنده القيم، وبات مشرذماً بين مراكز قوى طائفية وجهوية وعميلة، وهي تستحوذ على المال والقوة والنفوذ.. أما الناخب العراقي فبين تائهٍ وغير آبه ولا مهتم أو بين غافل أو جاهل أو مريض، أو بين حالم ومستنكر ومهاجر، أو بين متشرّد ونازح ومقهور، أو بين طائفي ومتعصب أو مستفيد، أو بين فقير ومحتاج ومسحوق .

دعوني  أقول  بأن فرصة حيدر العبادي ستقلّ في الفوز شيئاً فشيئاً، فهو لم يحسن اقتناص الفرص التي  توفرت  لديه ، ولم  يحسن  الاستماع  الى  النصائح الوطنية المخلصة  التي  قدمت  له  ، وهو فاشل مع وزرائه المضحكين الذين فرضهم الأمر الواقع. لم ينجح في تحالفه، إذ أصرّ على أن يبقى عضواً في حزبٍ دعوي فاشل. وكان المتمنّى منه لو نجح في بناء حزبٍ مدنيٍّ، واتخذ  سياسة  جديدة مغايرة  ،  وحاسب  المجرمين  والفاسدين  والقتلة  الارهابيين ، وأدخل معه قادة سياسيين جددا. ناهيكم عن دور كل من أميركا وإيران في المعادلة، وتأثير الخارج، في حين ستطبخ أوسخ عملية تزوير انتخابية بتأثير الداخل كي  تبقى  هذه  الطبقة  الحاكمة  مستحوذة  على  العراق .

 

(العربي الجديد)  لندن   ،  ويعاد  نشرها  على  موقع الدكتور سيار الجميل 

http://sayyaraljamil.com/

 

 

موغابي.. المناضل

الثوري يتحوّل طاغية

أ.د.  سيّار الجميل

 

في مجتمعات متخلفة، لا يمكن ألبتة أن تطبق الديمقراطية، ولا ظواهر التاريخ المتقدمة، إذ لا يمكن الاطمئنان لمواقف عموم الناس، بل لا يمكن أن يبقى الثوري مناضلا، ولا الحزب السياسي التقدمي طليعيا، فالحكم، مع تملك القوة، يفرض على بعضهم استلاب قيمه السياسة، بل وتجعله مستبدا غاشما، بل وحتى من جاء باسم الدين أو المذهب تجعله السلطة واحدا في طبقة سياسية حاكمة فاسدة (!). وقصة رئيس زيمبابوي السابق، روبرت موغابي، من الأمثلة المعاصرة التي تعّبر عن نكوص تاريخ بلاد بالكامل، باستبداده الذي أحرق فيه كل نضالاته الأولى أيام لفظت حركات التحرّر الأفريقية أنفاسها، كي تبدأ مرحلة الدكتاتوريات.، والغريب  انه  أتى الى  السلطة باسلوب ديمقراطي  ليتحّول الى طاغية ويقوم بنحر  الديمقراطية .  

كنت، في نهاية سبعينيات القرن الماضي، أتابع أخبار العالم من القناة التلفزيونية BBC2 في لندن، ولم تكن الفضائيات قد استحدثت بعد. كنت أتابع الضجة الإعلامية الواسعة في بريطانيا، والتي أحدثتها انتخابات روديسيا الجنوبية، كما كانت تسمّى، كان يخوضها الزعيمان الوطنيان، روبرت موغابي وجوشوا نكومو، وكان لكل منهما تاريخه النضالي ضد نظام روديسيا العنصري، إذ كان بلدهما قد استقل عام 1965 عن بريطانيا، وعلى الرغم من ذلك الاستقلال، بقي النظام العنصري سائداً، وحاربه الزعيمان من خلال قيادتهما المفاوضات الصعبة من أجل مساواة السود بالبيض، فكانت أن جرت انتخابات 1980 بعد عودتهما إلى بلدهما في 1979، وقد أسدل الستار على حقبة التمييز العنصري، وبدأت حياة دولة جديدة استعادت اسمها السابق، زيمبابوي، واستعيدت مساحات واسعة من الأراضي التي كان يسيطر البيض عليها. كنّا نراقب تلك الانتخابات، مؤملين أن يفوز جوشوا نكومو الذي كان بديناً، ويتمتع  بشخصيةٍ قياديةٍ مرنة ومرحة جذابة، وهو المناضل والزعيم الذي دعي بالأب زيمبابوي، ولكن فاز برئاسة الوزراء روبرت موغابي، وقد اتهمت بريطانيا بدعمه وقت ذاك، ولكن خلافاً حاداً ظهر بين موغابي ونكومو وصل إلى أن يتهم الأول رفيقه بالخيانة، مدّعياً أنه كان يخزّن الأسلحة في مزرعته، كي يطيح حكمه.. وبدا واضحاً أن موغابي كان قد استبد بالسلطة التي لم يفارقها أربعة عقود. وبالقدر الذي تحرّرت خلاله زيمبابوي من العبودية والاستعمار، فإنها خضعت لإرادة هذا الحاكم المستبد الذي استطاع أن يشرّع عدة قوانين، يضمن من خلالها بقاءه في السلطة رئيسا للوزراء، ومن ثم رئيساً للجمهورية.

وكان الفرق بين موغابي والزعيم الجنوب أفريقي، نيلسون مانديلا، كبيراً، إذ غدا نقيضه وهو في السلطة، فالأول عشقه العالم، كونه أضاء طريق الديمقراطية بخطابه ومواقفه، ولكن الثاني فقد حتى شعبيته في بلده، كونه جاء إلى السلطة، فاحتكرها لنفسه زمناً طويلاً، ولم يعد زعيما وطنيا باغتصابه الديمقراطية، وافتقد ثقة الجميع به، كونه استثمر السلطة لمآربه الشخصية، خصوصاً عندما اتهمه شعبه أنه سيطر على مزارع المستوطنين البيض ليسلّمها إلى حاشيته وأقربائه والمقربين منه، من أجل أن يبقى في السلطة، ويستبد بشؤون البلاد، ويفتقد تاريخه الوطني. المفارقة لدى بعض الزعماء أنهم يتحوّلون من رجال وطنيين إلى طغاة مستبدين حتى نهايات أعمارهم، مثل موغابي الذي تجاوز عمره التسعين بثلاث سنين، إذ جرى قبل أيام انتزاع السلطة منه بأسلوب مهين، فخلع عنها بقوة الجيش، وأصدرت المحكمة العليا فى زيمبابوي بعد يوم فقط من أداء الرئيس الجديد، إميرسون منغانغاوا يمينه الدستورية، قرارها بشرعية الانقلاب العسكري ضدّ موغابي، في العاصمة هراري بما يتفق ويسمح به دستورياً.

وكان الجيش قد فرض إرادته، ونشر مدرعاته، وحاصر الرئيس موغابي في مقر إقامته، وأجبره على التنحّي، وكال إليه عدة اتهامات، منها الاستحواذ على السلطة، فكان أن استقال موغابي بعد حكم زيمبابوي نحو 37 عاماً، وعقب ذلك قام الحزب الوطني الأفريقي الزيمبابوي بترشيح نائبه الرئيس السابق منانغاغوا الذي كان قد فرّ من بلاده، عقب أن أقاله موغابي، ما فاقم من الاضطرابات السياسية أخيرا. أزيح موغابي، فعمت الأفراح كلّ البلاد، لكن أبناء الجيل السابق تأسف على زعيم أحرق كلّ أوراقه وتاريخه، باحتكاره السلطة وارتكابه أخطاء جسيمة، وأضاع محبة الناس له.

ما تاريخ هذا الرجل؟ إنه روبرت غابرييل موغابي، ولد في 1924، نشأ شابا ثوريا وسياسيا في زيمبابوي، وحكم بين 1980 - 2017، إذ شغل منصب رئيس الوزراء حتى 1987 ورئيسا حتى 2017. وترأس مجموعة الاتحاد الوطني الأفريقي زيمبابوي (زانو) بين 1975 - 1980 وقاد من ورائها الحزب السياسي، زانو - الجبهة الوطنية (زانو-يف)، بين 1980 - 2017. كان يبشّر أيديولوجيا بقومية أفريقية، وعرف، خلال السبعينيات والثمانينيات، بماركسيته اللينينية، والتي ماتت إبان التسعينيات، وقد أسميت حركته الاشتراكية الموغابيزم. ناضل في شبابه ضد بريطانيا التمييز العنصري، وانضم إلى الاحتجاجات القومية الأفريقية التي تدعو إلى إقامة دولة مستقلة بقيادة سوداء. وبعد أن أدلى بتعليقاتٍ مناهضة للحكومة، دين بتهمة الفتنة، وسجن بين عامي 1964 و1974. وبعد الإفراج عنه، هرب إلى موزمبيق، وأنشأ قيادته "زانو" وأشرف على دور هذا الحزب في الحرب الروديسية، محاربا حكومة إيان سميث البيضاء، وشارك على مضض في مفاوضات السلام التي توسطت فيها المملكة المتحدة، وانتهت إلى اتفاق لانكستر هاوس. وقد أفشلت الاتفاقية حكم الأقلية البيضاء، وأسفرت عن الانتخابات العامة في 1980، حيث قاد موغابي زانو - الجبهة الوطنية إلى النصر. وسعت إدارة موغابي إلى تنمية الرعاية الصحية والتعليم. وعلى الرغم من خطابه الماركسي، ورغبته المعلنة في المجتمع الاشتراكي، لكنه تمسك، إلى حد كبير، بالسياسات الاقتصادية المحافظة.

فشلت محاولاته في الدعوات المبدئية للمصالحة العرقية، ووقف تدهور العلاقات العرقية وتزايد رحيل البيض. وبردت العلاقات مع الاتحاد الشعبى الأفريقي لشعب زيمبابوي، بقيادة جوشوا نكومو، حيث سحق موغابي المعارضة بين 1982 - 1985. وقتل ما لا يقل عن 10   آلاف شخص، معظمهم من المدنيين، على يد اللواء الخامس في موغابي. وعلى الصعيد الدولي، أرسل قواته إلى حرب الكونغو الثانية، وترأس حركة عدم الانحياز (1986-1988)، ومنظمة الوحدة الأفريقية (1997-1998) والاتحاد الأفريقي (2015-2016). وقد شعر موغابي بالإحباط إزاء بطء معدل إعادة التوزيع، فبدأ عام 2000 في الاستيلاء العنيف على الأراضي المملوكة للبيض، فتأثر إنتاج الأغذية تأثرا شديدا، ما أدى إلى مجاعة وتدهور اقتصادي شديد وعقوبات الدولية. وازدادت المعارضة لموغابي، على الرغم من أنه أعيد انتخابه في الأعوام 2002 و 2008 و2013 من خلال الحملات التي يسيطر عليها العنف والتزوير الانتخابي والنداءات الوطنية لقاعدة الناخبين. ولكن تاريخه قد حسمه انقلاب عام 2017، استقال موغابي من الرئاسة.

وأخيراً، بعد أن هيمنت على سياسة زيمبابوي، منذ نحو أربعة عقود، كان موغابي شخصية مثيرة للجدل ومثيرة للانقسام. وبعد الإشادة بكونه بطلا ثوريا لنضال التحرير الأفريقي الذي ساعد على تحرير زيمبابوي من الاستعمار البريطاني والإمبريالية وحكم الأقلية البيضاء. اتهم بأنه دكتاتور مسؤول عن سوء الإدارة الاقتصادية، وانتشار الفساد، والتمييز العنصري، وانتهاكات حقوق الإنسان، وقمع النقاد السياسيين، مع سلسلة من الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. هكذا، فإن السلطة، إذا ما أصبحت تسلطا، تحوّل الإنسان، مهما كان مناضلا وثوريا، إلى طاغية ومستبد، وقلما نجد نماذج نضالية بقيت وفيّة لمبادئها في هذا العالم.

العربي الجديد  ويعاد نشرها  على  موقع الدكتور سيار الجميل 

http://sayyaraljamil.com/

 

 

كتاب  مفتوح أمام

السيد  رئيس مجلس الوزراء

الدكتور حيدر العبادي

 

أ.د. سيّار الجميل

 

 السيد  رئيس مجلس الوزراء المحترم  في العراق / بغداد

تحية  كبيرة  وبعد ،

 

هذا  كتاب  أفتحه أمام  سيادتكم  ، وهو  يتضمّن  بعض  الأفكار  والاراء المستمدة من  مناشدات  العراقيين بمختلف اطيافهم .. وان ما  ساضمنّه في ادناه يشكّل مختصر  خارطة طريق قدّمت فيها الاهم على  المهم لما  تطمح اليه أغلبية ابناء  الشعب العراقي  وكل  من  يؤمن  بهذا الوطن  في وحدته والحفاظ على  كيانه ، وسيرورته  نحو  معالجة  اوضاع  مجتمعه  واصلاح  مؤسسات  دولته  .. وبناء مستقبل اجياله  ، وأنتم  أدرى  بأحوال العراق  اليوم  وهو  غارق  بالازمات والمشكلات  . لست  سياسياً  ولا  حزبياً ، ولا  انتمى  الى  أي  طرف من الاطراف  ، ولكن  انتمائي  كان  وسيبقى  لوطن  عريق  اسمه العراق  ، الذي قاسى  على ايدي حكومات طائشة رعناء ، او  مجنونة وسارقة هوجاء ، او  مجبولة  بالطغيان  ، وعانى  ابناؤه  من  حروب  ومشكلات وتمردات وتفجيرات واعدامات ونهب  وسرقات وتشرد في الشتات  .. وان  طموح  كلّ  المخلصين  له  يرقى  الى  هدف   استقراره وأمنه ، واجتثاث الفساد والفاسدين  منه ، وبدء  مرحلة  تاريخية ، وخلاصه من  كلّ التداعيات المريرة  التي  يعاني  منها  كلّ  الشعب العراقي  . وعليه ،  فاسمحوا لي  ان  أطرح عليكم  مختصراً  لركائز  أعتقد  انها  عملية  وبنائية  ، متمنياً  ان  يكون  لديكم الوقت الكافي للاطلاع عليها  ،  وأعتقد  اعتقاداً راسخاً  انها  ستجد الاذن الصاغية  من لدنكم للعمل  بها   ، وأقول  بأنكم  لو  أخذتم  بمثل  هذه  " الافكار "  ،  فستجدون العراق  كله  معكم  :

 

أولاً : بعد  كلّ  ما  تحقّق  على ايديكم خلال  رئاستكم  للسلطة  التنفيذية  والقيادة العامة  للقوات المسلحة ، نناشدكم الخروج من  حزب الدعوة  وبسرعة  متناهية ،  فانتم  الان  أكبر  من  هذا الحزب الذي  كانت له  أخطاؤه  وجنايات  بعض قياداته الطائفية ، والاسراع  بتأسيس  حزب  سياسي  مدني  بزعامتكم ، وأن  تقوموا  بعقد  مؤتمر  موسّع للتأسيس الجديد  تعلنون  فيه عن أفكار  وطنية ومبادئ مدنية للحزب الجديد  ، والذي  يجمع  العراقيين  وكلّ اطيافهم  باسم العراق  بعيداً عن  أي  دين  ، أو  قومية ، أو  مذهب ،  أو  قبيلة  ، أو  جهوية  او  قرابة عائلية  ..  وثق  ان  هذه الخطوة  الشجاعة  التي  طالبنا  بها  منذ  ان توليت المسؤولية  ستكسب  بها  كلّ العراقيين ، وسترى ان  كل القوى الوطنية والمدنية  ستسعى للتحالف  معك  .

 

ثانياً :  لقد  عانى  العراق المعاصر  من  المشكلة  الكردية  طويلاً  ، وربّ  ضارة  نافعة  اليوم ، اذ  ظهر  واضحاً  ان  الاستفتاء  على  ولادة  دولة  كردستان  ( في العراق )  مشروع  غير  متحقق  على الارض في  الشرق الاوسط  لسنوات  قادمة ، واصبح عبئا  ثقيلا على اصحابه . ولما  كان الكرد  والعرب  والتركمان  وكلّ  أبناء الطيف  قد  تعايشوا  لأزمنة طوال ،  فأتمنى  عليك  ان  تكون  رائداً  لهذا التعايش  ، فالكرد  ما  زالوا  عراقيين ،  وكانت  لهم  وقفاتهم  التاريخية  . وعليه ، فان  الحرب ( سواء  عبر  المدافع ام  الالسنة والاعلام المضاد )   لا  تؤدي  الا  الى المزيد من الخراب  والدمار  ، وما  دام  هناك  دستور  يحكم العلاقة  بين الطرفين  ،  فاتمنى  ان  تجنّب اقليم  كردستان العراق  أية مأساة  أو أيّ افتقاد  للامن – كما  يطمح الى  ذلك أقرب خصومك من السياسيين  -  ، وان  تعود الى كردستان الحياة الطبيعية . 

 

ثالثاً :  لقد  عانت  المناطق والمدن  العراقية في محافظات الموصل وتكريت والرمادي وديالى من الاهوال التي  مارستها  ضدهم  عصابات  ارهابية  منظمة  ومتنوعة ، ثم  بطشت   داعش بالناس  لاكثر من ثلاث سنوات  ، وقد  دمرت المدن  جراء  تحريرها تدميرا كبيرا  ،  وخصوصا  الموصل  واهلها  ،  اذ دمّرت المدينة  التاريخية  وتشّرد معظم  ابناؤها  ، وسحقت  مؤسساتها  ومصانعها  وكل  بنيتها التحتية ، وقد طالبنا  قبل اشهر  بتشكيل  هيئة  لاعمارها  وتخصيص  صندوق  خاص  لذلك  ، ولكن لم نجد  أية استجابة لندائنا، وانتم  تعلمون بأنّ الموصل  مع أطرافها هي المدينة  الوحيدة  التي  نالت  من التدمير  والانسحاق  وفقدان الالاف من اهلها ضحايا لداعش ، أو  ماتوا تحت الانقاض ميتة  بشعة   .. متمنياً  عليك يا  سيدي العزيز  زيارتها والامر بحلّ كل مشاكلها  ، وان تجد الموصل عناية  خاصة  منكم  ، وانتم ادرى  بأهلها الذين  استقبلوك  استقبالاً  عظيماً  .  انّ الموصل  وديعة  الله  في عنقك  وأعناق  كلّ العراقيين ، فهي  بأمسّ الحاجة  الى  عودة الحياة اليها  واصلاح  جسورها  ومستشفياتها  وجامعتها  وكل مؤسساتها واجهزتها واسواقها  ومرافقها  ..  كي  يعود  أهلها  الى  بيوتهم  واعمالهم  ومقاعد  دراستهم  .. 

 

رابعاً :  مضاعفة   خطواتك  في القضاء  على  الفساد  واجتثاث الفاسدين ومحاسبتهم وملاحقتهم  .  لقد دمّر الفساد والفاسدون  كلّ العراق والعراقيين  بنهب  الاموال العامة  واستشراء  العقود  الوهمية ، والاتفاقات  والصفقات  وازدياد  عدد السماسرة واللصوص والمرتشين والطفيليين .. نطالب  باجراء التحقيقات مباشرة  وتجريم  كل الفاسدين  وانزال العقوبات الصارمة  بحقهم  ، مهما  كانت  مواقعهم  ومناصبهم  .. فليس من العدالة  ابدا  ان يسرق  بعض المسؤولين  المليارات والملايين  على حساب  لقمة  عيش الملايين من  الفقراء العراقيين !  مطلوب منك  اجتثاث  ثقافة  الفساد  اينما  كانت  في العراق  . 

 

خامساً :  لا يمكن  للعراق  ان يستقر  أبداً  ما دامت  تتحكم  في مصائره  مراكز  قوى  ومنظمات حزبية  وميلشياوية  واوليغارشية  تثير  المشكلات ، وتتدّخل  سياسياً وأمنياً في كلّ الامور  ، وتجعل من نفسها  وصيّة  على  السلطات  التشريعية  والتنفيذية  وحتى  القضائية  . وعليه  ، ينبغي  ضرب واستئصال أي  مراكز  قوى  ضارة  بالعراق  ، وتستمد  سلطتها  وقوتها  من خارج الحدود  ، وادماج  قطعات  اويغارشية وطنية مع القوات المسلحة  العراقية  .  ان  بقاء  اية  مراكز  قوى وعصابات  مضادة تحركهّا  اجندة  خارجية حتى  الانتخابات  القادمة  سيمنحها  الفرصة   ان  تعبث  بالعراق  ومصيره ، وتحول  دون ابقائكم  في الحكم  بل  تسعى  لارجاع  عقارب الساعة الى  الوراء . 

 

سادساً :  تحقيق  مبدأ  " تكافؤ الفرص " للعراقيين  وتحقيق العدالة للجميع ، والنظر  الى  العراقيين  من دون أية تمايزات او  تفرقة  باستثناء من يمتلك قدراته  الذهنية  والتخصصية   ، وبذلك  تقلل  من آليات المحاصصة  التي  نخرت  كل  البلاد  نخرًا  .  واعتقد ان  المحاصصة  سوف  لن  يقضى  عليها  بسهولة  ، ولكن  لابدّ  من  زرع الثقة  بين  كلّ العراقيين  من  خلالك  وحدك  ، كي  تكون مثلا  أعلى  يحتذى  بك  الناس  .   ان  دولة  المواطنة  لابد ان  تكون  بديلاً  عن  دولة  المكونات مهما  بلغت  التحديات  ..  ان خطواتك  في هذا  الطريق  ستلف  الشعب  من حولك  وتبقيك  زعيما  منقذاً  لأهل العراق  كلهم .

 

سابعاً :   ينبغي  العمل  منذ  هذه اللحظة  على  مشروع  اعادة  النظر   في  "الدستور " الذي  كانت بعض  بنوده وراء  تدمير العراق  واهله ، ومع  الاسف  كنت  احد  المشاركين  في لجنته   .  هذا الدستور  الذي  وصفته  قبل الاستفتاء عليه  أنه  " دستور يحمل تابوت العراق " ، وانتم  أدرى  بما  يحمله من  الغام  مدّمرة  لوحدة  العراق الوطنية ، منتجاً هذه العملية  السياسية  التي  قادت البلاد الى  هذه الفجيعة ، خصوصاً ،  تناقضات  من  جمع بين الدين  والديمقراطية وغيرها  .. أتمنى  عليك  ان  تعمل على تشكيل هيئة من المختصين العراقيين وحكمائهم  لتشريع دستور  مدني  يكون  عمودا فقريا لعراق  مدني  مستقبلاً  .  وأتمنى  ان  يتحقّق ذلك  في  رئاستك  الثانية  القادمة بحول الله .

 ثامنا  : ان  الشعب  العراقي  باسره  ينتظركم  بتوظيف  كلّ  مؤسسات الدولة  في خدمته  على  أحسن  وجه  ، وان  يتقّدم  العراقي  في  اي  مجال  يبدع  فيه ، وان  تمنح  الفرص  للمبدعين  والاكفاء  العراقيين  ، وان  تكون أنت العين  الساهرة  على ما  يحتاجه  كلّ العراقيين  من أمن وخدمات  ورعاية  ومستشفيات  ومدارس  ودور  رعاية  ..  وان  تحسّن  ظروف  الناس ، وان  تنظر  الى  كلّ  العراقيين  بعين عطوفة واحدة بلا  تفرقة  ولا  تمييز  ، وان  تمنح  حقوق الناس  كلهم  ،  فان  هناك  من لم  يستلم راتباً  حتى الان  بعد  مضى  اشهر  !!  وان  تعيد العمل  بنظام  التفتيش  الاداري  والتربوي  والقضائي  للقضاء  على  التسيب والتجاوزات والضعف والبطالة  المقنعة . 

 تاسعا : أتمنى  عليكم  يا  سيادة  الرئيس  أن  تقدمّوا الاهم  على  المهم  في  علاقاتكم الخارجية  ، وان  تعتمد  مبدأ  المغفور  له الملك المؤسس فيصل الاول  "  خذ  وطالب  " في تعاملك  مع الامريكان  الذين  كانت لسياساتهم  الخاطئة  دورها  في  فجيعة  العراق  .. كما اتمنى مخلصا ان  يبقى  العراق مستقلا  بارادته الوطنية  من دون أيّة  املاءات  من قبل اي دولة  اقليمية خارجية ، وخصوصا  ايران  التي  لها  أجندتها  المضرّة  للمصالح العراقية . ان مصالح العراق  العليا  والدنيا  لا  يمكن أبدا  التفريط  بها  على حساب  هذا البلد او  ذاك  ..  مع  عدم توريط العراق  بأية  مشكلات مع الاخرين  او  حروب  اقليمية ..   ولكن  لابدّ أن  يكون  للعراق  عمقه العر بي  ، اذ  أنه  كان  مركز اً  حقيقياً  للحضارة  والثقافة  العربيتين ، والعراق  له مكانته في قلوب كلّ العرب  .  ولا  يمكن ابداً  اأن  يجد العراق  متنفساً  ثقافياً  وسياسياً  واجتماعياً واعلامياً  الا  من خلال  ذلك العمق العربي . 

 عاشراً :  ترشيق  السلطات والمؤسسات  من خلال  رئاسة الوزراء  ،  وان  تشكيل  اية  سلطة  وطنية في العراق  ينبغي  ان  يكون  تحت  رعايتك  واختيارك  للاكفأ  في  شغل  مكانه المناسب  ، بعيدا  عن  املاءات الاحزاب والتيارات  والكتل  والتحالفات  والوسطاء  وسماسرة المصالح الخاصة   . وان تبدأ  بالحلقة  الاولى  من حولك  ثم  تتسّع  الى  الوزراء  والسفراء  والوكلاء  والرؤساء  والمدراء العامين  وكل القادة  العسكريين  .. الخ  أي  بمعنى  " تهذيب  الدولة من كل الطارئين  عليها  "  .

وأخيراً ،  ان هذه  " الافكار "  التي تضمنتها  عشر  نقاط  تعدّ  ركائز  لخطّة  عمل  ينبغي  البدء  بها  منذ  اللحظة والالتزام امام العالم  بتنفيذها  ، وثق  يا  سيدي  العزيز  ان  المضيّ   بها  بشجاعة وايمان  سيجعل  هذا  الشعب  يرى  فيك  كلّ الامل  المنشود  .. وستذوب  كلّ الاحتقانات ، وتختفي كلّ التناقضات  .. مؤملاً  أخذها  كاملة  دون  نقصان وان  تعلن  ذلك  على  رؤوس الاشهاد  دون أيّ تراجع   ،  فهي  مبادئ  اكثر  منها  وسائل  ، وربما  ستشتد  عليك  ضغوطات  أصحاب  المصالح الشخصية  والفئوية  والطائفية ، فلا  تلتفت  اليهم   ، فلقد  ثبت  للعالم  تمتعك  بالصبر  والجلد  والمثابرة  .. ان  اية  تحولاّت  نحو  الافضل  سوف  لن  تتم  الا  من  خلال  تحولّكم  تماماً  الى  الخط  المدني  ، وسيتحوّل  أغلب العراقيين  نحو  الافضل ، وبدأ  صفحة تاريخية  جديدة  ..اللهم اني  بلغّت ، اللهم  اشهد     تمنياتي  لكم  بالنجاح والسؤدد ، وتقبّلوا  أسمى  الموّدة  ووافر التقدير .

 كتب  في  يوم الجمعة  العاشر  من تشرين الثاني / نوفمبر  2017  .

موقع الدكتور سيار الجميل 

http://sayyaraljamil.com/

 

تلك اللغة الهابطة

بين الكرد والعرب في العراق

سيّار الجميل

 

قبل قرابة نصف قرن، رقص العراقيون، عربا وكردا، عندما اتفقوا، وشاعت في بلدهم أغنية تقول بعض مقاطعها: هربجي كرد وعرب رمز النضال/ من تهب نسمات عذبة من الجبال/ على أطراف الهور تتفتح گلوب/ لو عزف على الناي راعي من الشمال/ على الربابة يجاوبه راعي الجنوب.. إلخ. كتبها الشاعر العربي، زاهد محمد، ولحنها وغناها الكردي العراقي أحمد الخليل. وهربجي تعني في الكردية الجدية بين الإخوة. ثم نسي العراقيون، عربا وكردا، كعادتهم، تلك الأغنية، كونهم لا يدركون قيمة وطنهم أبدا، واختلفوا وتصالحوا، ثم تصارعوا واتفقوا، وهذا ديدنهم، فالأزمات العراقية تمنح العالم كل يوم صوراً جديدة عن شعبٍ إن توحّد أبدع، وإن تفرّق أكل نفسه بنفسه. منذ زمن طويل، يختلف معي بعضهم، عندما أصرّ على إن العراق يصعب جداً تقسيمه.
تدنّت الأزمة الحالية بين إقليم كردستان وبغداد إلى مستويات شعبيّة، قبل الاستفتاء، ودارت رحى معارك ساخنة إعلامية وإلكترونية ومهاترات تلفزيونية لا تصدّق، كما عدّت أشرس حرب إعلامية منذ شهرين، قبل زحف القطعات الاتحادية نحو كركوك والمناطق التي سميت متنازعا عليها، ولم تزل الأزمة تتفاعل على جبهات متنوعة. ويبدو واضحاً أن مشكلة العراقيين أنهم يتفاهمون ويتحالفون ضد بعضهم، وهم يتصارعون باسم وطنٍ ذبحوه، ودمّروا شعبه، وقسّموه جميعاً إلى مكونات وأطياف وأكثريات وأقليات. 
يعلم من رصد نماذج عديدة من تراشقات الطرفين أن حرباً باردة اندلعت بينهما، إثر إصرار  

رئيس الإقليم، مسعود البارزاني، على أن يكون استفتاء الكرد "للاستقلال"، وليس "للانفصال" عن العراق في موعده 25 سبتمبر/ ايلول 2017.. وفي الوقت الذي اندفع فيه الكرد اندفاعا كبيرا للتعبير عن رغبتهم، وبلغت نسبة التصويت بنعم أكثر من 92%، واعتقادهم الخاطئ أن الوقت حان لتشكيل دولتهم الموعودة، بلا وعي جمعي وبلا حساب للمخاطر والتحديات، وراح رئيس الوزراء، حيدر العبادي، يشدّ الحبل بالضدّ، بعد أن كان متراخياً سنوات طويلة، واستفحلت موجة إعلامية صاخبة بين الطرفين، كانت الشوفينية والطائفية والكراهية تترسخ بأوسخ التعابير، وأقسى العبارات المتبادلة على ألسنة المسؤولين الرسميين والغلاة المتطرفين، وغابت الحكمة وغاب العقل، وراح كل طرف يغرس سكاكينه في قلب الآخر.. واستخدمت التجريحات وتبودلت التهديدات، وتوزعت الشتائم بأساليب غير لائقة أبداً، لنسوة ورجال، بحيث سمعنا خطابات فجّة، وسجالات خالية من الذوق والأعراف والقيم بين مواطنين عاشوا سويّاً منذ أزمان، وما زال كلّ العراقيين ينتمون إلى دولة واحدة، ودستور كسيح صنعوه بأنفسهم. وزاد في الطين بلة أن الإخوة الكرد تكلّموا على أساس الجيرة، وكأنهم في دولة أخرى! مستعينين بأفكار برنارد ليفي وأضرابه الصهاينة. ومع احترامي إرادتهم الجمعية التي كانت واضحة، حتى قبل الاستفتاء، صرّحوا بها علناً منذ العام 2003، فإن هذا "الحدث" منح الكرد جميعاً درساً أن التفكير بالانفصال ليس عن العراق أو تركيا أو إيران لن يتحقق لمائة سنة مقبلة. وأن الحلم الكردي لن يرى النور إلا بتغيير شامل لكلّ خرائط المنطقة ودولها، ولا يمكن التكهّن مستقبلاً بما سيجري. وفي الوقت نفسه، هذا "الدرس" جعله الخصوم العراقيون مادة دسمة في انتصار وهمي لهم على الكرد، مستفيدين من مواقف إقليمية إيرانية وتركية مضادة للكرد، وكأن الكرد ليسوا أبناء وطن واحد وإخوة شركاء. ولا ينم تقويمٌ كهذا إلا عن غباء مستفحل، والنظر بعين واحدة للعراق، وكأنّ من يحكم العراق هو من يمتلك الحق بيده وحده، والآخرون مجرّد ذباب ينبغي إبادته (!). ولم نسمع أو نقرأ أيّ بيان يدعو إلى المحبة والتسامح والعقل، إلا نادراً لبعض الحكماء العراقيين.
لا يليق ما يستخدمه الطرفان من لغة وخطاب بأبناء شعب واحد، جمعهما تاريخ واحد، ووطن واحد، وجغرافيا واحدة، ونظام واحد، وتحالف ثنائي واحد، ومصالح مشتركة واحدة. وغابت الدعوات إلى السلم والمحبة، وغابت الرؤية الواقعية ومعرفة طبيعة الزمان وظروف المكان المعينين، خصوصاً وأن جرح "داعش" لم يلتئم بعد. والمتمنى أن يدرك الإخوة الكرد طبيعة جغرافيتهم المتقوقعة الصعبة بين طوروس وزاغروس، ولو تعلّموا من دروس التاريخ القريب بعض العبر، فإن كانت جغرافيتهم قد خانتهم، فإنهم لم يلتفتوا إلى التاريخ، ولم يأخذوا منه العبر.
وإذا كانت إسرائيل حقا صديقة للكرد، فهل من العقل أن يرفع علمها علناً مع علم كردستان على رؤوس الأشهاد؟ هل من الحكمة أن يتمّ ذلك، وصاحب القضية لم يحقق أي خطوةٍ على درب الانفصال؟ هل من العقل أن يصّرح أحد القياديين إنه "لم يبق إلا أسبوع على الاستفتاء ونخلص من جهنم"؟ اندفاع الكرد ضد العراق بهذا الزخم وتشكيل إرادة خاطئة بالضدّ تبلور منذ سنين، ولم تنكشف الحقيقة وتنفضح تلك الارادة إلا ووجد الكرد أنفسهم وحدهم أمام العالم الذي وقف ضدهم. وقد كتب صاحب هذه السطور، في مقال سابق في "العربي الجديد" قبل الاستفتاء، أن إخفاق الكرد في هذا الاستفتاء سيؤدي إلى كارثة تاريخية. وعليه، كان عليهم استخدام تعبئة مضادة للشحن العدائي، وكنت أراقب اللغة الصعبة والمشينة التي استخدمت على صفحات التواصل الاجتماعي بين الحليفين، الكرد والشيعة العراقيين، والتي وصلت إلى أدنى الدرجات الواطئة، فضلاً عن تجاوزاتٍ افتعلها مسؤولون كرد، وخصوصاً في كركوك. وأسأل الإخوة الكرد: هل اكتشفتم فجأة، بعد مضي 15 سنة، على تحالفكم مع المسؤولين في بغداد، أن نظام الحكم في العراق غير صالح للحياة، وكنتم جزءا منه؟ وإذا كان "النظام" طائفي النزعة، فهل كان يوما عكس ذلك؟ وخصوصاً في عهد نوري المالكي الذي عرف بمهازله وفواحشه وفساده وجرائمه التي لا تحصى. وكنتم حلفاء الشيعة ضد السنة في العراق، وكتب الدستور العراقي حسب مزاجكم ومطالبكم، فإن كنتم قد توجّستم الخطر من تحركات إيران، فهل كانت خطوة الاستفتاء حلاً، أم أنها بمثابة سنّارة إيرانية لإخراج السمكة من الماء؟
صمت العراقيون السنّة على مشهد الصراع بين الشيعة والكرد، وبان للعالم حجم الهشاشة  

للتحالف الذي كان يربطهما ضدّ العراقيين السنّة. ولكن بقدر ما كان للكرد من حرب دعائية من أجل الاستفتاء والتغنّي بالدولة الوليدة القادمة، كانت للطرف العراقي المقابل لغته المتهتكة وشتائمه التي يعاف المرء سماعها، وما ألصق من بشاعات في التعليقات، وإفراغ ما في الصدور من كراهية وأحقاد وانفضاح للأدوار، وبشاعة في الطعون، وتداول السباب مع التشبيهات الهزلية والانتقاص من القادة، ورمي المسؤولين بالاتهامات القاسية مع حرق الأعلام والضرب بالأيادي، والزجر بالأحذية في قاعة البرلمان مع المقاطعات وبثّ التصريحات القاسية. كلّ المسؤولين العراقيين وجدوا أنفسهم فجأة وطنيين للعظم، يدافعون عن وحدة العراق، بعدما نالوا منه جميعاً وتقدّموا عليه بانتماءاتهم المتعصّبة البغيضة، طائفية كانت أم شوفينية أم جهوية. شعروا فجأة أنهم أصحاب نخوة عراقية، وهبّوا جميعاً لإنقاذه، بعد أن ساهموا كلهم في تدمير مدنه وحرق أهله، وتهجير أبنائه، ونهب خيراتهم وسرقة ثرواتهم. 
دوماً أشبّه الكرد والحكومات العراقية المتعاقبة مثل قطارين يسيران بمواجهة أحدهما الآخر. ولكن على سكّة واحدة، وكثيراً ما تصادما أو وصلا إلى نقطة التماس في اللحظات الحرجة، من دون إيجاد محطاتٍ تمكّنهما من تجنب التصادمات. التصادم والحرب لا ينفعان، فكثيراً ما تصادم القطاران، وراح مئات من ضحايا العراقيين، كرداً وعرباً، بفعل عوامل خارجية، ويرجع الطرفان من جديد كي يرقصا ويغنيا: هربجي كرد وعرب رمز النضال.. تشتعل عواطفهم في زمن، ثم يحتربون في زمن آخر. وفي الحالتين، أجدهما بلا حكمة ولا محبة. فهل يتعايش أهل العراق في قابل؟

(العربي الجديد) لندن

 

ماذا يفعل برنارد

ليفي في أوطاننا؟

سيّار الجميل

من هذا الشخص؟ ما الذي يريده منّا؟ من الذي حمله إلى أوطاننا، وهو يتنّقل فيها كما يشاء؟ لماذا ارتبط أسمه في السنوات العشر الأخيرة بالأحداث الساخنة في مصر وليبيا والسودان والعراق وأمكنة أخرى؟ ما قصته مع العرب، وأخيرا معالكرد العراقيين؟ بل وجدنا صوره برفقة قادة الجيش العراقي قريباً من الموصل بعد سحقها وتدميرها؟ ما صلة هذا الرجل بداعش، وقد عُرف بانحيازه لإسرائيل؟ ما هذه الهالة التي رسمها عن نفسه، وهو يتنّقل بين الحرائق؟ نعرف أنه فرنسي (يهودي)، ولد في الجزائر في 1948، ونشأ في فرنسا، وغدا صحافياً، وسافر عام 1971، كي يغطي انفصال بنغلادش ضدّ باكستان. وعاد ليكتب مغتبطاً: "بنغلادش، القومية في الثورة" (1973)، ثم بدأ ينشر كتاباته، مدّعياً أنه يساري، ولكنه يعارض الاشتراكية إبّان السبعينيات! ونشر في 1981 "الإيديولوجيا"، مقدماً صورة قاتمة للتاريخ الفرنسي، وانتقد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشدة. وفي 1985، وقّع على عريضة لدعم القوات المتطرفة في نيكاراغوا. وهو من أشدّ المؤيدين للصهيونية، ونشر كتباً ومقالات أثار بعضها جدلاً، وقد أشهرته الصهيونية العالمية "فيلسوفاً ومفكراً يسارياً"، فيما هو "يميني صهيوني" متعصّب لإسرائيل على صعيد المواقف والممارسة السياسية. .. وكان قد دعا أيضاً إلى تدّخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في يوغسلافيا السابقة، وروّج تفكيكها. 
في التسعينيات، دعا ليفي إلى التدخل الأوروبي والأميركي في الحرب البوسنية خلال تفكيك يوغوسلافيا. وتحدث عن معسكرات الأسرى الصرب الذين كانوا يحتجزون المسلمين، ويمارسون ضدهم صنوف العذاب، وروّج الهولوكوست تحت شعار حريات الشعوب (!) عندما توفي والده 1995، أصبح لفترة وجيزة مدير شركة بيكوب، وباعها في 1997 بمبلغ 750 مليون فرنك لرجل الأعمال فرانسوا بينولت. وأسس، في نهاية التسعينيات، مع بيني ليفي  

وألاين فينكيلكراوت معهدا للدراسات باسم Levinassian في القدس، تكريما لإيمانويل ليفيناس. في 2003، كتب ليفي تقريرا عن جهوده لتتبع مقتل مراسل صحيفة وول ستريت جورنال دانيال"، دانيال بيرل، والذي خطفه متطرفون إسلاميون وقطعوا رأسه، وزار ليفي أفغانستان وباكستان والهند وأوروبا والولايات المتحدة.. وكتب أشياء غير حقيقية، عن بيرل، حتى اضطرت أرملة الأخير وصف ليفي بأنه "دمر نفسه بالأنا الخاصة به"، واتهمته بتهم مخيفة، فضلا عن أن المؤرخ البريطاني، وليام دالريمبل، دانه كونه يكتب أشياء من خياله، ويقنع الناس بها باعتبارها حقائق. وصلت ثروته، عام 2004، إلى 150 مليون يورو، وهو يملك سبع شركات لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وله استثمارات واسعة في البورصة. 
وفي مارس/ آذار 2006، برنارد هنري ليفي اشترك مع عشرة أشخاص للتوقيع على "بيان لمواجهة الشمولية الجديدة"، ردّاً على احتجاجات عنيفة ودامية في العالم الإسلامي، تتعلّق بالرسوم الكاريكاتيرية الساخرة عن الرسول الأكرم في الدنمارك. وقام في سبتمبر/ أيلول 2008، بجولة في الولايات المتحدة، لترويج كتابه "اليسار في الظلام: موقف ضد البربرية الجديدة". وفي العام 2006، شارك في الحوار عن الحجاب للمرأة المسلمة. وفي أغسطس/ آب 2008، وصل إلى أوستيا الجنوبية، وقابل رئيس جورجيا، ميخائيل سكاشفيلي، خلال الحرب التي جرت مع روسيا وقت ذاك، مروّجاً لغة الدم. خلال العقد الأول من هذا القرن، دعا إلى الاهتمام بأزمة إقليم دارفور. 
نشر في فبراير/ شباط 2016، كتابه "روح اليهودية"، حكى فيه عما سماها "العبقرية اليهودية". ويستكشف الكتاب اعتبارات دولة إسرائيل، كونها اختباراً لليهود وغير اليهود على حدّ سواء؛ فضلاً عن جذور معاداة السامية وأسبابها، حيث وجد بكلّ صفاقة "أن الجيش الإسرائيلي أكثر الجيوش أخلاقية وديمقراطية" (كذا)، وهو القائل إن الجولان "أرض مقدسة"، وكان مرشحاً لرئاسة إسرائيل. 
من قرأ كتبه في ثقافتنا السياسية؟ من اكتشف من يكون؟ ما وظيفته الحقيقية الخطيرة؟ وما طبيعة مهمّته وحركته في أوطاننا؟ وإذا كان قد وصف نفسه مفكرا، وأنه من أبرز المثقفين الفرنسيين.. فهل من واجب المفكّر أن يتنّقل في بيئاتٍ ساخنةٍ في الشرق الأوسط، ويلتقي بمسؤولين وساسة وزعماء من هنا وهناك؟ 
خلال مايو/ أيار 2012، وجد في ميدان التحرير في أثناء الثورة المصرية، وترك انطباعاً لمشاهدي فيلمه بأنّ الثورات العربية ما كان لها أن تقوم، لولا أنه شخصياً كان خلفها مشجعاً ومخططاً وقائداً. وكان قد دافع عن جنرالات الجزائر، لمحاربتهم "إرهاب الفاشيين الإسلاميين". وقد أرخ في كتابه "الحرب من دون أن نحبها.. يوميات كاتب في قلب الربيع العربي" (صادر أواخر 2011) لحيثيات الثورة الليبية، وكواليسها ومجرياتها، وقد كان "شاهد عيان عايش فصولها" ما بين 23 فبراير/ شباط و15 سبتمبر/ أيلول 2011، مجدّداً ادعاءاته، ومخفيا مهامه الحقيقية. ونشر في مايو/ أيار 2016، فيلما وثائقيا باسم "اليشمركة"، عرض في مهرجان كان. 
يمثّل بيرنارد هنري ليفي دور الباحث اليائس عن الإسلام المتنور، لكنه كما يبدو يحمل كرهاً  

شديداً ضدّ العرب والمسلمين وكلّ المجتمعات الشرقية، ويتذّرع بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، ولكن من يدقق في خطابه يجده مثيرا للنعرات، ونافياً التعايش التاريخي في مجتمعاتنا، ويسعى إلى تفكيك حياتنا وإثارة الحساسيّات الشوفينية. وكان يصفق للاستلابات التي هزّت الثورات العربية، وعمد إلى تشويهها، وتنقّل بين الأمكنة، موظّفاً أجندته باسم حرية الضمير والمعتقد، وتحفيز المتخيلات التي تريد مجتمعاتنا اللعب عليها.. حتى وجد في كردستان العراق أخيرا، وأنبِّه الإخوة القادة الكرد أن يأخذوا حذرهم، وأن لا يأخذوا بنصائحه. 
يقدم هذا الشخص الغريب نفسه منقذاً، أو بطلاً لتحقيق أحلام أمّة كاملة في حين يخفي أوراقه، إذ يعلن، في بعض المرات، عكس ما يبطن. وقد واجه سيلاً من الانتقادات الساخنة، والسخط المبرم، والعبارات الساخرة، من دون أن يشعر بالحرج، وكأنه في مهمة عسكرية، كما يتصرف ليس باعتباره مثقفا يكتفي بالمراقبة، وإبداء الرأي، ولكنه يجعل من نفسه حكماً وزعيماً غير متوج، كما اتهم بأنه لا يقرأ، مخادع كبير ودجال مبطّن، وينتشي بإشعال الحروب والتشفي بالمآسي والانسحاقات. ومن أعظم المصائب أن حكامنا ومسؤولينا الجدد يرحبون به، ويمنحونه ثقتهم، فهل علموا لماذا رفضته بلغراد على أراضيها أخيرا، وضربه شبابها التقدّمي، وتلطخ بالقاذورات؟ 
تزوج ثلاث مرات، وزوجته الحالية الممثلة والمغنّية الفرنسية أريل دومباسل، وكان صديقاً للرئيس الفرنسي الأسبق، نيكولاي ساركوزي، لكن علاقتهما انقطعت في 2007 خلال الانتخابات، إذ رفض دعمه. ومن أخطر كتبه "تأملات حول الحرب والشر ونهاية التاريخ" (2002)، وجعل من نفسه أوليغارشياً من أجل تدمير الأمم، وزرعها بالفاسدين الأقوياء ومصالحهم القذرة. وقد أطلق عليه فلاسفة فرنسيون كبار، أمثال جيل دولوز وجاك دريدا والمؤرخ بيار فيدال ناكيه، أسوأ الصفات، وأسموه "الخديعة الثقافية". 
في الخلاصة أن برنارد هنري ليفي تتحكّ فيه خمس نزعات خطيرة جداً: كراهيته الشديدة للعالم، من خلال تعصبّه وغلوه الصهيونيين، واحتقاره مجتمعاتنا العربية والاسلامية ونعتها بأسوأ النعوت. ازدواجيته، فهو ممثل بارع للفكر التقدمي، ولكنه غارق في اليمينية والفكر غير الإنساني، فهو يوظف مفاهيم الحوار في خطاباته، لكن مواقفه تنبئنا بما يحمله من مشاعر التدمير الكاسح. هو فعلا خديعة ثقافية، نظرا لخداعه كبار الساسة والقادة والإعلاميين الفرنسيين وغيرهم. يستغل سمعة مزيفة في تنقلاته، ويثير الأسئلة عن أدواره المشبوهة في بيئات متنوعة في العالم. ليس له تخصص ثابت، فهو ليس مفكّرا حقيقيا، ولا مخرجا سينمائيا، ولا عالماً ذكياً ولا إعلامياً مهنياً .. إنه أداة أسرائيلية متنقلة من أجل إثارة الفتن وصناعة الكوارث واستلاب الثورات. أقول للعالم أجمع: احذروه.

(العربي الجديد) لندن

أمّة مواطنة عراقية

ومشروع دولة جديدة

أ.د. سيّار الجميل

 

هذا جزء مترجم من محاضرتي في 26 سبتمبر/ أيلول الجاري في جامعة ميغيل University McGill في مدينة مونتريال الكندية عاصمة اقليم  كيبك  ، وكانت عن مستقبل الشرق الأوسط، ضمن هيئة دراسات المستقبل، مخصصّاً تحديد العلاقة الكردية العربية في العراق الذي يعيش اليوم مخاضاً صعباً يتضمّن قرار الكرد تحديد مستقبلهم عبر استفتاء أجروه يوم 25 سبتمبر الجاري لاستقلالهم عن العراق ، في "دولة" قومية. دعوني اقول بأن محاضرتي كانت جزءاً من دراسة موسعة، مستخلصة من حوارات مع المفكر العربي عزمي بشارة، أجراها معه صقر أبو فخر، وضمّنها كتاب "في نفي المنفى" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017).

يعيش العراق اليوم معضلاتٍ معقّدة لا حصر لها في كل المجالات. وتمنى العقلاء أن تحظى البلاد بقادة أذكياء وبناة أكفاء يتمتعون بحكمة وعقل ووطنية وخبرة، من أجل إدارة أزماتها ومعالجة أوضاعها وازديادها تهرّؤاً مع توالي الأيام. والعراق منذ 2003 ينتقل من سيناريو متوحش صعب إلى سينايوهات الجحيم، ولا حلول لمشكلاته. ولأول مرة في تاريخه، يواجه مسألة انفصال الكرد عنه بعد تعايش اجتماعي بقي مئات السنين. والمسؤولية التاريخية لوحدة العراق الوطنية والجغرافية يتحمّلها النظام السياسي الحاكم، وهو المسؤول الحقيقي عن تفكك العراق وتشرذم نسيج مجتمعه وضياعه، في الإصرار على الأجندة التي جاء يبشّر بها، وضربه النزعة الوطنية، وتفسيخ العراق على أساس بعثرة المكونات وتهميش الأغلبيات على حساب سيادة الأقلية الحاكمة وطغيانها، فكيف سيغدو مستقبله في ظلّ ما قام به نظام يقوم على أسس طائفية ومرجعيات متآكلة، وسيطرة طبقة سياسية فاسدة ومتخلّفة، تستمدّ قوتها من مومياءات العصور الوسطى. فالمشكلة بحاجة إلى حلول جذرية. وقد جرى تحالف الشيعة مع الكرد بعد العام 2003، بمباركة أميركية وإيرانية، وثار العرب السنة بعد  اقصائهم وتهميشهم وسحقت الأقليات الأخرى، وساد التوحّش وجثم الصراع الطائفي وتهتك المجتمع الذي يعتبر غالبية سكانه من العرب.

يقول عزمي بشارة: "لنأخذ العراق.. فإن معظم أهله عرب.. هذا مكوّن رئيس ومهم في  تشكيل هويتهم الثقافية.. وفي تميّزهم عن الإيرانيين والأتراك المحيطين بهم.. هذه الهوية هي قاعدة ثقافية مشتركة عابرة للطوائف، بين الشيعة والسنة العرب، وهي غير مصطنعة، ويمكن بسهولة تتبع تاريخ مشترك لها. وفي الوقت نفسه، يمكننا تخّيل أمة عراقية، لا أمة عربية وقومية عربية، من غير الممكن بناء قومية عراقية. وما يمكن أن ينشأ هو أمة مواطنين، وتشمل هذه الأمة العراقية أكراداً لهم قوميتهم المشتركة مع أكراد آخرين، لا يعيشون في العراق، كما تشمل عرباً هم أغلبية سكان العراق، يمكن التوّصل إلى حلول خلاقة للعلاقة بين القوميتين العربية والكردية، على أساس احترام الحقوق الفردية والجماعية" (ص 47- 48).

هذه فكرة موضوعية، اعتبرها قيمة فكرية في تحديد علاقات جديدة بتشكيل "أمة مواطنين عراقيين" تجمع كلّ القوميات والهويّات في كيانٍ يشترط أن يكون مدنياً يحكمه دستور مدني، ربما بالصيغة التي طرحتها مؤخرا لمّا سميّتها "الولايات العراقية المتحدة"، يبنى على أساس جغرافي من خمس ولايات، كأن يكون الأساس إدارياً أو فيدرالياً أو كونفيدرالياً.

ويتجاوز عزمي بشارة الحيادية إلى الموضوعية في تحديد رؤية مستقبلية للعراق، سبقت إجراء الاستفتاء بشهور. يقول ".. فالكرد أقرب الشعوب إلى العرب، لكن ثمّة قوميين راديكاليين عرباً لا يعترفون بوجود قومية كردية، وقوميين راديكاليين كردا يسعون إلى الوحدة مع باقي الأكراد في دولة واحدة، ولو أدى ذلك إلى تطهير إثني لتحقيق تجانس في مناطق معينة، وهذا تراجع إلى الخلف، حتى عمّا كان القوميون العرب يفكرّون فيه. الأحزاب الكردية الرئيسة في العراق تفكر في الانفصال، والهوية المشتركة بين باقي العراقيين هي غالباً هوية عربية، وتهميشها قاتل، لأن البديل منها هو العصبيات الطائفية" (ص 48).

نعم، كان تاريخ التعايش الاجتماعي بين العرب والكرد في العراق لابد أن يكون البديل الحقيقي لكلّ من حالات الصراع السياسي، أو التنافر القومي، وفهم كلّ طيفٍ أمنيات الآخر، إذ أثبتت الوقائع التاريخية منذ العام 1959 أن العلاقات التي وصفت بأنها أخوية كانت مزيفة على أشد ما يكون الزيف، ويتوضح جلياً أن الإرادة الجمعية للكرد مع الانفصال.

يتابع عزمي بشارة رؤيته ومعالجته: "دولة عراقية وقومية عربية وقومية كردية، لكن الحالة في العراق تبدو متجهة نحو الانفصال، على الرغم من هذه الإمكانية.. أنا أقول بقومية عربية ودول مواطنين عربية الطابع، مؤلفة من قوميات وإثنيات عدة. هذا إذا نجحت الدولة في بناء أمة المواطنين. والطريق الوحيد إلى الوحدة بينها، كما أحلم، هو اتحاد دول عربية، أو الدول العربية المتحدة". (ص 48). وللعلم، نادى بهذه "الفكرة" الملك فيصل الأول منذ بدايات العرب النهضوية، واستعادها نوري السعيد في الأربعينيات من القرن العشرين، لكنها قوبلت بالرفض واستعيضت بجامعة الدول العربية. يجدد عزمي بشارة اليوم هذه "الفكرة"، لتكون قيمة نهضوية جديدة من أجل بناء مستقبل العرب، ليس من أجل الكرد وحسب، بل من أجل تعايش العرب، وغيرهم من القوميات والإثنيات والأقليات. وكان على العراق أن يخطو الخطوة الأولى، كونه البلد الأصعب من هذه الناحية، وإن تعقيداته لو جرى حلّها ومعالجة نتائجها، لما وصل الحال إلى هذا المآل، ولكانت الخطوة الأولى على الطريق أمام كلّ العرب.

يستطرد بشارة: ".. يفترض أن يكون العراق أمة مواطنية تتضمّن غير العرب. لكن، لا يجوز أن تنكر عروبة الأغلبية... ومن حق القوميات الأخرى أن تحافظ على هويتها القومية، وأن تتمتع بحقوق جماعية في هذا المجال، مثل الإدارة الذاتية على درجة مختلفة، تصل إلى حد الفيدرالية، وحتى الكونفيدرالية. وفي حالة الإخفاق، سيكلف الانفصال ضحايا أكثر بكثير من الوحدة" (ص 48).

ولكن أين المشكلة؟

إن معالجات عقلانية ورؤية موضوعية كهذه لم تجد اليوم أيّ تفعيلات إجرائية على الأرض، جراء استقطابات الطرفين، ويمكن إيضاحها في الآتي:

أولاً: يتحمّل النظام السياسي الحالي في العراق مسؤولية ما يحدث اليوم، جرّاء تحالفات سياسيّة بعثرت المجتمع، وهمّشت أجزاء منه وسحْق أقليات فيه . انها  مسألة وطنية وليست مجرد أزمة سياسية .

ثانياً: سحق سيناريو "داعش" المدن العراقية السنيّة، وتهجير سكانها إلى إقليم كردستان، ما جعل السنّة يجدون في الكرد دالةً مخلصة في حمايتهم، في حين أغلقت سلطات بغداد أبوابها أمامهم. وهذا ما يترجمه صمت العرب السنة الذين لا حول لهم ولا قوة.

ثالثاً: مع تسيّد الأحزاب الطائفية السلطات الحقيقية، فإنه لا تأثير لأصحاب مناصب الكرد والسنة العرب، لا في القرار، ولا في صناعة الأحداث. وينبغي ان تسود العقلانية  والحوار  والاحترام المتبادل  بين  المركز والاقليم  ، اذ لا تنفع  لغة  التهديد  والوعيد  وما  نجده  لدى الطرفين اليوم من الردح  والشتائم والتهيّج من اعلى المستويات حتى  ادناها . 

رابعاً: إذا كان العراقيون قد خدعهم الكرد، كما يقولون، فإن علاقات الشيعة والكرد السابقة كانت بلا مصداقية، بل لها مصالحها الآنية. كان الكرد يعملون، من خلال تعاقب المراحل، على تحقيق مصالحهم للوصول إلى هدفهم في الانفصال.. وكان الأمر مكشوفاً، لكن الطبقة الحاكمة كانت غبية وغاشمة ومستحوذة على الحكم مهما كلّف الامر .

والسؤال: هل سيحقق الكرد طموحهم القومي بتأسيس دولة لهم في المستقبل المنظور أو البعيد؟

لقد خانتهم الجغرافيا البرية، وهم بين ثلاث قوى إقليمية: تركيا وإيران والعرب.

خامساً: سينشئ انفصال الكرد تاريخاً معقدّاً ودموياً من الصراع الإقليمي، وسيمهد الطريق إلى انفصال أجزاء أخرى، في ظل وجود نظام سياسي جائر، وغير مدرك أبداً المخاطر المقبلة، كما أن إخفاق التجربة الكردية سيكون كارثة للكرد كلهم. وعليه، أناشدهم التفكير بهذا "المشروع". ولتكن  تجربة  اقليم  كيبك  في كندا  نموذجا متقدما  يمكن الاستفادة  منه  ، شريطة  اجراء تغيير  جذري  في نظام الحكم والغاء دستوره الكسيح .

سادساً: وعليه، إن رضي العراقيون جميعاً بهذا "المشروع"، وسعوا إلى تطبيقه في فترة انتقالية بتأييد من المجتمع الدولي ، ينبغي أن يتساوى الجميع في نيل حقوقهم الوطنية، قبل أن يتفسّخ كلّ العراق.

مونتريال

العربي الجديد  ويعاد نشرها  على موقع  الدكتور سيار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

 

 

المؤرخ سيّار الجميل  يقّدم  صيغةً  للعراق

مشروع دومينيون  "الولايات العراقية المتحدة"

بديل تاريخي ومصيري لابقاء العراق منسجمًا وموّحدأً

وصفت صحيفة العربي الجديد  التي تصدر  في لندن  بعددها 1113 اليوم  الاثنين 18  سبتمبر / ايلول 2017    " مشروع المؤرخ  سيّار الجميل  "  قائلة :

يطرح المؤرخ العراقي أ.د. سيار الجميل، صيغة للعراق، تحمي وحدته وكيانه الاجتماعي، تقوم على فكرة »الولايات المتحدة«، أي  أقاليم الدومينيون التي تتمتع كل منها بالمساواة مع بعضها الآخر  ، ولا تخضع الواحدة للأخرى بأي طريقةٍ كانت في أي جانب من شؤونها الداخلية أو الخارجية. وفي حالة كونها اتحادية ثمة محور يجمعها في كومنولث واحد"

ويقدّم البروفيسور  الجميل  مسوغات أطروحته، والمبادئ التي تقوم عليها ..

يأتي " المشروع"  لدعم  الوحدة الوطنية العراقية، قبل أن يحلّ  التمزق ، وهو ضرورة  تاريخية وحاجة أساسية، والبديل  الحقيقي لكل الفشل  الذي أصاب العراق  ..  وقال :  ينبغي تأسيس العراق  على ستة مبادئ،  على غرار تجارب الدول  الأخرى المتقدمة:

الوطنية، 2) الاتحادية، 3)  المدنية، 4) الديمقراطية،  5) التعايش والعدالة  (السلم الأهلي )  ، 6) الاعمار  والنزاهة

وحملت الصحيفة  مانشيتات  عريضة عن هذا " المشروع  "  ، وركزّت على ان  :  "مشروع دومينيون العراق الاتحادي تغلب فيه المصالح الوطنية العليا على ما دونها من التطلعات الطائفية والعنصرية والانقسامية" .  وقالت أيضا :  في   معرض  ما  تضمنّه " المشروع  "  تجارب ودراسات   :  تم تقديم »مشروع« الولايات العراقية المتحدة هنا، بالاستفادة من  تجارب في العالم، مثل "دومينيون  كندا " واتحاد سويسرا والولايات المتحدة

وتجربة دولـة الامارات وغيرها. ويكاد يكون المشروع العقلاني  الوحيد المنقذ للعراق من معضلته التاريخية، وخشية العقلاء من  تمزقّه  ومروره بسلسلة حروب داخلية. كما أن حال العراق سينتقل  بالضرورة إلى دول أخرى. وقد تمت الاستفادة أيضًا من عدة دراسات  وبحوث في طبيعة المجتمع العراقي، فضلا  عن أن دولته الحديثة  التي ولدت عام 1921 كانت مركبة، جمعت ثلاث ولايات عثمانية،  عاشت أربعة قرون، قبل تأسيسه على أيدي البريطانيين إثر احتلالهم له  بين 1914 -1918.

 

المشروع

مشروع دومينيون.. "الولايات العراقية المتحدة "

أ.د. سيّار الجميل

لماذا .. هو  الحل  ؟

كانت للتغيير التاريخي الذي حدث في العراق آثار قوية، ليس في داخله وساحته وحده، بل في كلّ منطقة الشرق الأوسط. وشمل تأثيره العالم كله، وخصوصاً من خلال التطورات الصعبة في العراق إثر احتلاله في عام 2003. ناهيكم عن كلّ مجريات الأحداث الساخنة على امتداد خمسة عشر عاما مضت.. والمتمنّى أن يبرز من رحم هذا المخاض الصعب عراق جديد، بات اليوم في أمسّ الحاجة إلى وقفة موضوعية وطنية تتدارس، بدقة وأمانة وتجّرد، كلّ ما جرى وما سيجري على أرض العراق، بعد كلّ المحن والمآسي التي وقعت إزاء ما حدث من سوء في الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية والقضائية والتعليمية. وكانت الإدارة الأميركية قد ذهبت باتجاه آخر بتسليم العراق إلى حفنة من الساسة الضعفاء، فكان أن غدوا طبقة سياسيّة حاكمة وفاسدة وطفيلية، كان من نتائج حكمها تدمير العراق ونهب ثرواته، وبدء مشروعات الانفصال عنه. وعاش العراق على امتداد 15 سنة في حالة من التمزّق والمآسي والاضطرابات، ولم يزل حاله على أسوأ ما يكون، بسبب سوء نظامه السياسي الذي يمثله أسوأ السياسيين، وأردأ الأحزاب الطائفية، وما عليه من النكبات والأزمات والصراعات الأهلية. وبلغ الأمر اليوم أن يكون مصير العراق كله مهدّداً عند الهاوية، إذ بدأ إقليم كردستان إعلانه الاستفتاء على الانفصال، وإذا نجحت محاولته سيلحق به انفصال جزء آخر من العراق الذي سينكمش ويدخل مرحلة صعبة جدا من الضآلة والتبعية.

ومن أجل ألّا يغرق العراق بالدماء، وليتخلص من التهديدات والصراعات، وتوقيّاً من الانقسامات، وهو يشهد اليوم محاولة إقليم كردستان الانفصال، وتأسيس دولة جديدة للكرد، من دون أن نجد بدائل حقيقية لهذه المأساة التاريخية، وبدل استخدام لغة الشتائم والتهديد والوعيد والتصريحات الجوفاء، من الضرورة تقديم مشروع بديل، يطرحه كاتب هذه السطور للحاضر والمستقبل، في مشاركة وطنية يمكنها العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، صدورا عن قناعةٍ بأن انفصال إقليم كردستان سيجرّ العراق إلى انفصال مناطق أخرى هي أكثر تضرّرا وتهميشا وانسحاقا، فضلا عن تدخلات الآخرين في شؤون العراق أجمع، وسيبقى التمزق سياسياً على حساب تاريخ العراق وجغرافيته ومجتمعه إلى أزمنة قادمة لا يُعلم مداها.

التعريف والمسبّبات

الدومينون وضع أو حالة (Dominion Status) لمجتمعاتٍ تتمتع بالحكم الذاتي، كالتي كانت ضمن مجال بريطانيا. وتتمتع أقاليم الدومينيون على قدم المساواة مع بعضها الآخر، بحيث لا تخضع الواحدة للأخرى بأي طريقةٍ كانت في أي جانب من شؤونها الداخلية أو الخارجية. وفي حالة كونها اتحادية ثمة محور يجمعها في كومنولث واحد ( راجع : معجم بلاكويل للعلوم السياسية )  . وكان مهمّاً لو أن بريطانيا طبقت ذلك على العراق بعيد الحرب العالمية الأولى، وتشكيل المملكة العراقية، بدل إبقاء القديم على قدمه. ومثلما طبقت وضع الدومينيون على كندا التي تنعم اليوم بنظامها الاتحادي، وبوجود إقليم كيبك الفرنسي فيها، وهي من أبرز الدول المتقدمة اليوم.

.. لا يمكن للعراقيين أن يعيدوا تأسيس بلدهم إلا بعد إدراكهم معاني ما يريدونه في معرفة المفاهيم، فالوطن هو الأرض، والدولة هي المؤسسات، والنظام السياسي هو طبيعة السلطة، والمجتمع مهما كان متنوعاً هو الشعب، والدومينون حالة اتحاد.. ينبغي أن يكون الوطن ثابتاً، وما عداه يتغير مع تطور الحياة والتاريخ، فلا يمكن عندما يختلف المرء مع المؤسسات، أو مع النظام السياسي أن يعلن الانفصال، أو يقوم بالاستقلال وكأن الكل قد احتل الجزء، خصوصاً إذا كانت كلّ الأجزاء تعيش تعاسة سياسات النظام الحالي، واشتراك المتحالفين قبل سنوات في اختراع دستور كسيح انتقدناه يوم ولادته 2005، ووصفناه بأنه "دستور يحمل تابوت العراق".

مبادئ وإجراءات

من المهم بعد قرابة مائة سنة من تاريخ العراق البحث عن مبادئ ملائمة للعراقيين، يتّفقون عليها، مهما كانت أديانهم وطوائفهم وقومياتهم وأعراقهم وثقافاتهم.. ينبغي تأسيس العراق على ستة مبادئ، على غرار تجارب الدول الأخرى المتقدمة، والمقترح هنا أن تكون: الوطنية، الاتحادية، المدنية، الديمقراطية، التعايش والعدالة (السلم الأهلي)، الإعمار والنزاهة.

أما الإجراءات فهي:

1ـ بالإمكان تسمية جمعية تأسيسية، تتألف من رئيس وعشرة من رجالات العراق ونسوته المشهود لهم بالاستقلالية والنضج والأهلية والخبرة (كلّ في اختصاصه) والنزاهة والنزعة الوطنية والعقلية المدنية، ليكونوا بمثابة بناة للتأسيس الجديد، لكي يقرّوا مبادئ العراق في القرن الحادي والعشرين، وهم نواة للمجلس العراقي الوطني الكبير في مرحلة مقبلة.

2ـ تنتدب الجمعية التأسيسية هيئة من الخبراء الاكفاء في شؤون العراق ومجتمعه، وهم العلماء المعروفون، ليكتبوا دستورا مدنيا للعراق الاتحادي، بديلا عن الدستور الحالي الكسيح الذي كان وبالاً على المجتمع والدولة، شريطة أن يتضمّن انبثاق قانون أساسي، ينصّ على جعل العراق خمس ولايات كبيرة، تمثل كل واحدةٍ إقليما له تجانسه وموارده وحكومته الإقليمية ومؤسسته الأمنية وأجهزته وإدارته الإقليمية.

3ـ يتشكّل دومينيون العراق من خمسة أقاليم: كردستان ومركزه أربيل، نينوى شمال العراق ومركزه الموصل، الوسط ومركزه بغداد (العاصمة الاتحادية)، الفرات الأوسط ومركزه الحلة أو الديوانية ، البصرة والجنوب ومركزه البصرة. ويتشكل المجلس الاتحادي من رؤساء هذه الأقاليم أعضاء، يتقدمهم رئيس الاتحاد بالانتخاب. وتكون حكومة الوسط في بغداد منفصلة عن الحكومة الاتحادية التي ترعى شؤون الأقاليم، من خلال محكمة اتحادية وجيش اتحادي وبنك مركزي عراقي.. إلخ.  

4ـ بدء حياة سياسية مدنية عراقية بتشكيل حكومة تنفيذية اتحادية مؤقتة، تعتني بشؤون العراق خلال طور انتقالي (5 سنوات) تنبثق عنها سبع مؤسسات كبرى، يدير كل واحدةٍ خبير له كفاءته وخبرته ونزاهته وسمعته وتمدنّه، وهي: السياسية والقضائية والمالية والاقتصادية والعسكرية (والأمنية) والتعليمية والخدمية. ولكل مؤسسة نظامها القانوني الخاص خلال الفترة الانتقالية.  ويكون الاعلام  حرّا  ويقيد بقانون خاص .

5ـ خلال خمس سنوات من المرحلة الانتقالية، يُصاغ قانون انتخابات جديد، ينبثق من خلال دستور مدني جديد، لبدء حياة برلمانية تشريعية على أسس انتخابية مدنية صارمة. وخلال هذه المرحلة، ينبغي الحفاظ على الأمن والسلم الأهلي، بتصفية المليشيات والعصابات والقضاء المبرم على الفساد ، وتقويم كل من القضاء والتربية والتعليم وكل المرافق الأخرى.

15 سنة من الفوضى والضياع

أخذت الإجراءات المتسرعة والمجنونة في أثناء ولاية الحاكم المدني الأميركي، بول بريمر، العراق، بعد احتلاله في عام 2003، إلى طريق الجحيم. وكتب صاحب هذا " المشروع "، في حينه، عندما تقدم بمشروع أولي لبناء مستقبل العراق من خلال عقد مؤتمر وطني لكلّ الطيف السياسي : "سيغدو العراق فاتحة ارتكازية لتحوّلات الشرق الأوسط في الأجلين، القصير والمتوسط. .. وسيوظّف العراق، بعد استقراره أمنياً وسياسياً ودستورياً، كلّ تحوّلات مجاله الحيوي، إلى خطوات واسعة النطاق في الثلاثين سنة المقبلة من القرن الجديد. وفي حالة انعدام جمع الشمل على مبادئ عراقية أساسية يتفق عليها العراقيون في مؤتمر كهذا، فسيأخذ العراق طريقه إلى الجحيم لا سمح الله". وكتبت أيضا : "ناهيكم عن هواجس تنتابنا بأنّ العراق سيأخذ طريقاً صعباً لا نتمنى حصوله منذ تنتقل الصراعات السياسية إلى البنية الاجتماعية لتفكّكها، وتتلاعب بمصيرها وعند ذاك لا ينفع الندم".

 مشروع دومينيون العراق الاتحادي تغلب فيه المصالح الوطنية العليا على ما دونها من التطلعات الطائفية والعنصرية والانقسامية، وسيدعم وحدة العراق ويبقيه منسجما، وسينعم أبناؤه بالحرية والازدهار، خصوصا أن كل إقليم سيحافظ على أمنه الداخلي، وسيكون مجال منافسة للأقاليم الأخرى في العراق الذي سيكون منفتحا أمام جميع العراقيين، مع احتفاظ كل إقليم بشخصيته الإقليمية داخل العراق. وأن يتم تدعيم ذلك كله من خلال النهج المتمدن والديمقراطي، وتحقيق السيادة العليا للبلاد، وتطبيق القانون وضمان العدالة لجميع فئات الشعب، والأخذ بيده لتحقيق التقدم الاقتصادي، وإعمار العراق وتطويره بكل أجزائه ومكوناته.. وأن ينعم أبناء وادي الرافدين بالعيش الكريم وبالأمن والاستقرار والكرامة، بعد أن طالت المعاناة وكثرت الصعاب والأهوال.

ويتطلع المشروع المطروح هنا لتأسيس دومينيون العراق إلى أن يتم الوعي به خريطة طريق لاكتماله، من خلال حوارات ومناقشات فيه من أجل البدء بإجراءاته وتطبيق تفصيلاته، والخروج بنتائج جدّ مهّمة، لا تقتصر في تطلعاتها ورؤاها على معالجة الواقع المضني المرير للعراقيين وحسب، بل تحاول أن تّقدم نماذج وأفكارا ومقترحات للمرحلة المقبلة من مسيرة العراق ثلاثين سنة مقبلة، وتفعيل مبدأ التعايش بين كل أبناء المجتمع المنوّع، بلا تمايزات ولا فوارق ولا مشاحنات، والسعي إلى وضع العراقي المناسب في المكان المناسب، بعيدا عن القوى العراقية المهيمنة على النظام السياسي الحالي، والخلاص من آثار المرحلة السابقة بشتى الوسائل، والعمل على التفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية، لوضع خطوط مشتركة للبدء بإعمار البلاد، وفرض الأمن والاستقرار في ربوعها، والتعويل على الأجيال المقبلة في حمل الأمانة من أجل ضمان المستقبل وضمان مصير العراق في القرن الواحد والعشرين. والمؤكد أن المسؤولين العراقيين سيرفضون هذا "المشروع"، ويقابلونه بالسب والشتم، ففاقد الشيء لا يعطيه.

العراقيون جميعا مدعوّون اليوم للعمل على جعل بلدهم وطنا للجميع، ولا يمكن أبداً أن يكون وطناً لجماعة معينة، أو طبقة سياسّية فاسدة، أو طائفة دينية محدّدة. لا بدّ أن يكون بلداً تسوده الحياة المدنية فقط، فلا حياة للعراق مع أية قوى وأحزاب وجماعات وتكتلات دينية وطائفية، إذ تعلّم العراقيون كم فتك بهم هؤلاء. وما دام هذا "المشروع" يؤمن وحدة العراق الجيوتاريخية، فسوف يكون محوراً جديداً للقوة الاقتصادية نحو الآفاق الرحبة، ويمتد المحور من قلب بغداد إلى عموم الشرق الأوسط، كما ينبغي أن يجد الصيغ الجديدة للتعامل مع العمق العربي، وصيغ جديدة مشتركة للتعامل مع كلّ من إيران وتركيا، باعتبارهما جارتين كبيرتين، لهما وزنهما وثقلهما وضمان عدم تدخلاتهما، وأن يستفاد منهما من أجل التنمية.

لا بد أن تعّزز خطواتنا هذا الهدف، فمن مصلحة العراق الاتحادي أن يكون مستقراً بخمسة أقاليم، بدل أن يتمزّق شبراً شبراً إلى كانتونات هزيلة وجمهوريات موز ذليلة، وقد جعل العالم، بكلّ تحوّلاته وتراكيبه الاقتصادية، الفكرة الاتحادية قاعدة للتقدم. ولا بد من الارتفاع فوق كل الجراح الماضية ومآسيها، كما لا بدّ من إعادة اللحمة الإقليمية، وتحديث الرؤية العربية لمصالحها في العراق. إعادة السلم والاستقرار والصلح والأمن بين دول الإقليم سيفتح الأبواب والقنوات الرئيسية باتجاه العالم كلّه. ومن دون ذلك، ستتحول المنطقة بالكامل إلى مناطق مقفلة عازلة Buffer Zone تقطع الطريق أمام المصالح الإقليمية والعربية والدولية.

أهداف وتطلعات كبرى

لعل من أبرز الأهداف والتطلّعات الاستراتيجية الكبرى التي ينوي المشروع المطروح هنا، في تفصيلاته اللاحقة، تحقيقها والتوّصل إليها، دعم الوحدة الوطنية العراقية، وتعزيز أواصرها، من أجل الوصول إلى الأسس الشرعية لتمثيل أبناء الشعب العراقي كافة، وتحقيق كل استحقاقاته، بكلّ فصائله وشرائحه وفئاته وقسماته، ضماناّ لوحدة العراق الأزلية.. ومن أجل الوصول إلى ذلك كله، لا بد لنا من آليات وأساليب عمل لمواصلة الخطوات وتحقيق الأهداف المتوخاة:

بناء عراق جديد يتمتع بسمات عراق مدني اتحادي ديمقراطي حر. العراق للعراقيين كلهم، وليس لفئة أو جماعة أو طائفة معينة. استقلالية العراق وبناء إرادته السياسية بعيدا عن أية أجندة خارجية. بناء نظام سياسي مدني جديد وتأسيس دستور مدني جديد يقهر الفساد. قوة السلطة مع كل الشعب، من خلال العمل والنزاهة في خمسة أقاليم كبرى. إعمار العراق وتطويره من خلال مؤسسات اتحادية ومؤسسات إقليمية. تحقيق الأمن والخدمات والرخاء لكل العراقيين. تطوير العلاقات الخارجية. تطوير التربية والتعليم العالي والثقافة. تطوير الخدمات وكل ما يحتاجه أهل العراق.

ويتم تقديم هذا "المشروع" المفترض خدمة لدعم الوحدة الوطنية العراقية، قبل أن يحلّ التمزّق يوماً بعد آخر. وهو ضرورة تاريخية وحاجة أساسية، والبديل الحقيقي لكل الفشل الذي أصاب العراق والعراقيين، وأحداث أهم التطوّرات السياسّية في العراق، وخصوصاً الداخلية والخارجية (الإقليمية والدولية). كما أنه سيتابع، خلال السنوات اللاحقة، كلّ خطوات المسألة الدستورية والانتخابات والاستفتاءات وصناديق الاقتراع، وتأسيس الحكومات في الأقاليم الخمسة، وكيفية الارتقاء بالعراق، وجعله نموذجاً لبيئة سياسية متميزّة، لها تحديثها السياسي، وبيئة اقتصادية متطورة لها قوتها وتأثيرها.

كل الأمل أن يتفهّم كلّ العراقيين هذا "المشروع"، وأن يقتنعوا به خريطة طريق للمستقبل، ومن ثم رعايته والمطالبة بتحقيقه. صحيح أن أي عراقي لم يتخيّل يوما أن يتفكّك العراق ويتجزأ، ولكن هذا البديل يعدّ أهون الحلول. والمرجو أن يصغي كلّ العراقيين إلى صوت العقل، ليجتمعوا على كلمة سواء، بدل التراشق بالاتهامات والتهديدات، إذ هما خياران أمام العراقيين، إما مثل هذا الطريق السوي لبناء العراق، أو طريق آخر سيودي بالعراق والعراقيين إلى المهالك، لا سمح الله.  انني  اذ اطرح هذا " المشروع " بعيدا عن  اي  توجّه  طائفي  او  عرقي  او  جهوي  ، ومن اجل انقاذ  العراق  قبل ان يتفسّخ  ، وسيكون ضميري  مرتاحا  انني  قلت كلمتي  للتاريخ  والمستقبل في هذه الايام  الحرجة  من حياة  وطن عزيز  اسمه العراق   . 

سيّار الجميل 

نشر  في العربي الجديد  يوم الاثنين 18 سبتمبر / ايلول 2017  ، ويعاد نشره  على  موقع الدكتور سيار الجميل 

https://sayyaraljamil.com

 

 

مقالات سابقة للكاتب

منظومةٌ بشعةٌ تأكلُ العراق

سيار الجميل

 

ليس ثمّة ما يماثل ثقافة الفساد التي تعمّ العراق في أي مكان. إنها ثقافة منحّلة، ليست نقض سلوكيات، أو مجرّد انحرافات، أو مجموعة تجاوزات، يمكن أن تعالجها إصلاحات.. لقد غدت منظومة الفساد متكاملة ببشاعتها، وتعمّ كلّ البيئات العراقية اليوم، ولا تستوي أبداً مع قيم العراقيين وأخلاقياتهم التاريخية.. والمشكلة أن غالبية الناس معترفة بها ومدركة تفاصيلها، ولكن لم تعد تنفع معها أيّة قناعات أو قرارات أو قوانين إصلاحات وترقيعات، إذ طاولَ الفساد حتى القضاء. قد يتفلسف بعضهم بأنّ الفساد مستفحلٌ في كلّ العالم اليوم، ونردّ عليه: ينفرد العراق بهذه البشاعة، كونه غارقا في تناقضاتٍ غدت مبرّرةً من الملايين. لم يقتصر الفساد على مؤسسّات الدولة المتعفّنة، بل أخذ ينخر في المجتمع نخراً مميتاً. وتفاقمت المشكلات التي يعاني منها العراقيون، بحيث يقف الجميع اليوم أمام مفترق طرق صعب، وقد فقدوا القدرة على تمييز الصواب والخطأ. مشكلتهم الحقيقية أنهم افتقدوا القدرة على أن يكونوا عراقيين حقيقيين، لهم شعورهم الموحّد تجاه وطنهم الذي كان ولم يزل ينزفُ نزفاً شديداً، وقد استهلكوا جرّاء هذه "الثقافة" التي لا مثيل لها في العالم، مذ افتقدوا شعورهم الموحّد بعضهم إزاء بعضهم الآخر. 
ينتظر العراقيون أربع سنوات، من أجل معترك الانتخابات، فالناس تنتظر الإصلاح، وهناك من يترصّد منصباً، أو كسب جاه، وهناك ضباع تقتنص الفرص للنهب من المال العام، وهناك من يريد ممارسة السلطة والنفوذ ويشتري منصبه بملايين الدولارات، ووصل الحال في العراق إلى درجةٍ بائسة لما عصف به وبأوضاعهِ على امتداد سنوات طوال.. كثرت المساومات وشراء الذمم وتهريب ملايين رصدت للنازحين، وانتشرت الجريمة. وأتعجّب من رئيس وزراء يعلن عكس ما يصرّح به قبل 24 ساعة، ويسود التزوير في كلّ المرافق، بل وتجد مئات من المسؤولين أصحاب شهادات مزوّرة، وهم جهلة لا تواريخ احترافية لهم، ولا سير مهنية عندهم.. وقد تفشّت الرشوة بشكل لا يصدّق، وتسود المحسوبيات والمنسوبيات في كلّ الحكومة ومرافقها، فكلّ وزارة فيها تمتلئ بأقارب الوزير وقريباته.. في حين أكلت الانقسامات الطائفية المجتمع العراقي بشحنه سياسياً وإعلامياً بأبشع الأوصاف، وسادته أعرافٌ وتقاليد بدائية، وانتشرت فيه ثقافة الأحقاد والكراهية التي تصل إلى حدود الهمجيّة وأخذ الثارات، وانتشرت في المدارس والجامعات سلوكياتٍ لا تمّت للتمدّن بصلة.. ولم ينفع أيّ علاجٍ مع هذه الطبقة 

الحاكمة التي تسيّدت الموقف منذ 2003، وقد مارست كلّ الشناعات ضدّ العراقيين، بحيث لا يمكن للمرء أن يصدّق ما يروى ويكتب عن أحوال الفساد اليوم في العراق، وما مارسه من نهبٍ منظّم أصحاب النفوذ والمناصب، رؤساء ووزراء ووكلاء وسفراء ومدراء ونواب ومستشارون ومتنفذون وقوى مليشياوية ألصقت بها الصفات الرسميّة، وأضحت تمارس بطشها باسم القانون بكلّ عنت واستهتار وولاءاتها خارج الحدود. وأتمنى أن يردّ بعضهم مدافعاً، كون الدولة منشغلة ضد "داعش"، وكأن الوضع منذ 2003 كان زاهياً، وكأن الحكومة السابقة لم تتحمّل مسؤوليتها في الجريمة.. تعاقبت عدة حكومات منذ 2005، ولم نجد أيّ منجزاتٍ حقيقية تذكر مقارنة بحجم الهزائم والمجازر والإقصاءات والتخريب والتدمير والصفقات غير المشروعة ولجان التحقيق الوهمية، وحروب أهلية وإشاعة مفضوحة للطائفية والمحاصصات مع ممارسات علنية لها. 
مارست الولايات المتحدة الأميركية سياسات خاطئة جداً في العراق منذ 2003، وقد سمحت بسحق المؤسسات وتمزيق نسيج المجتمع، كما سمحت لدول الجوار بأن تعبث بمقدّرات العراق. وكنّا ولم نزل نجد دور إيران الخطير في اختراقاتها، ولعب أدوارها كما تريد سلطات ولاية الفقيه في إيران. وقد ساعد على ذلك تأييد أحزاب وتيارات عراقية حاكمة السياسات الإيرانية، وهي دينية وطائفية، لا تمتلك أيّ شعور بالمواطنة، شيعية كانت أم سنيّة. الطابور الخامس هو الذي يحكم العراق اليوم، بعد أن نجح في ضياعه، والعبث بمقدّراته ونهب موارده بمليارات الدولارات. 
السؤال الأهم: هل ثمّة إمكانية لمعالجة أوضاع العراق؟ قبل الإجابة، مستغربٌ من عراقيين فقدوا ضمائرهم وأخلاقهم، ورموا نزعتهم الوطنية والأخلاقية، بحيث لا يريدون أبداً سماع ما يستلزمه الواقع المضني، والمتمثّل بتغيير النظام الحالي، علماً أنهم يدرون تماماً بحجم الجريمة، والمأساة الكبرى التي اقترفها كلّ من تسلّم أية مسؤولية سياسية أو إدارية أو اقتصادية أو دبلوماسية، أو حتى تعليمية أو خدمية في العراق. تدرك الآلاف المؤلّفة من العراقيين جيّداً مدى الفساد المهول الذي اجتاح، ولم يزل، مؤسّسات البلاد وكلّ شرائح المجتمع، ويعرفون جيّداً حجم العقود الوهمية، وحجم الرشاوى والنهب من المال العام، وولادة فئة طفيلية سارقة للمليارات والملايين، وثمة من يسطو على العقارات وعلى أراضي الدولة وأملاكها.. ناهيكم عمّا يمزّق

العراق من عصابات وأعمال القتل والجريمة المنظمة وحجم الاختلاسات، وقد استحدثت هذه الثقافة لغة لها مفرداتها القبيحة، وأصبح العراقيون يتداولونها. 
هل ينتخب العراقيون في الانتخابات المقبلة عناصر من هذه الطبقة الحاكمة نفسها، والتي عبثت بمقدّرات العراق، وحطّمته ومزّقته بجهالتها وغبائها وانعدام أخلاقها، وقبلت الرضوخ لقوى خارجية، ولم تستطع ضبط الأمن والنظام في البلاد، بحيث انتشرت الفوضى والتفجير وقتل الناس بالآلاف، وسمحت لـ"داعش" أن يسيطر على ثلث العراق، وعلى أعرق مدنه، والتي تمّ سحقها سحقاً.. وقد فشلَ نظام الحكم برمّته في كلّ المجالات، إذ قاد العراق إلى التبعيّة والتخلّف والانقسام، ونرى كم تردّى التعليم بشكلٍ لا يوصف، وصرفت ملايين الدولارات على تحسين الكهرباء منذ سنوات من دون جدوى، وذهبت الأموال سدىً، وآلت الحالة من سيئ إلى أسوأ.. وهكذا بالنسبة للخدمات المعدومة في عموم العراق. آلاف المشروعات والشركات الوهمية التي تعاقدت معها الحكومة قد تقاسمت معها، فتبدّدت الصفقات في الجيوب وسرق المال، ولم تحقق على الأرض شيئاً. 
هنا مناشدة لكل العراقيين الغيارى على وطنهم ومصالح أهلهم ومستقبل أجيالهم أن يرفضوا رفضاً حقيقياً هذا النظام برمته، وأن يرفعوا صوتهم عالياً ليسمعه الجميع، ليس لمجرد إدانة النظام وحسب، بل للدعوة إلى تغيير هذه الطبقة الحاكمة بقضّها وقضيضها، وتقويض كلّ ما ترتّب ما بعد 2005 من نظام سياسي فاسد، مارس التزوير من أجل البقاء، وأشاع منظومة فسادٍ بكلّ ثقافتها البشعة وجرائمها الخطيرة، وأن يسعى الجميع للعمل من أجل انبثاق حكومة مدنية مؤهلة دولياً، تستمد مشروعيتها من الشعب وحده، بعيداً عن صناديق اقتراع مزوّرة.. وكما كنت أطالب منذ سنين، سأبقى أنادي بتأسيس حكومة إنقاذ وطنية مدنية، تحمي أولاً استقلال البلاد، وتؤمن ثانياً الأمن، وثالثاً محاسبة المجرمين والفاسدين من هذه الطبقة الحاكمة علناً.. يقول نائب في البرلمان "الجميع غطس في الفساد، ولا يستثني منهم أحداً بمن فيهم هو نفسه". 
أخيراً، لا يمكن تغيير الأوضاع الفاسدة في العراق إلا بتغيير الوجوه السائدة، وتغيير الدستور، وحلّ الأحزاب الدينية والطائفية، وحل القوى الأوليغارشية والمليشيات والجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، وأن تشرع حكومة مؤقتة تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فهل هناك من ينقذ العراق من هذا المأزق التاريخي؟ متى تبدأ المرحلة الأخرى من استراتيجية أميركا في المنطقة؟ ومتى يتولد الوعي جيداً لدى كل العراقيين بكل هذه الدروس المضنية؟

 

 

مناورة انشقاقات

الطبقة العراقية الحاكمة

سيار الجميل

باتَ معلوماً لدى المؤرخ أن أيّ نظام سياسي في العراق يؤسّس نفسه من خلال قوى أجنبية، وفي غفلة من الشعب أو بمعرفته، سيّولد طبقة سياسيّة تتبوأ السلطة، ولا تتنازل عنها أبداً، وهي تضطهد كلّ القوى الوطنية والشريفة، وتناور بشتى الأساليب القذرة كي تبقى مستحوذةً على الحكم، حتى يأتي أجلها بانقلاب عسكري، أو تطحنها حربٌ دمويةٌ تندلع خصيصاً للإتيان بطبقة جديدة. وكلّطبقة سياسية حكمت العراق، مكسوة بشعارات خادعة للناس، لمرحلة تاريخية صعبة في بلاد متخلّفة، بل وتضلّل جيلا كاملا يتربّى على مفاسدها وأكاذيبها، بل وتجد من يصفّق لها، أو يترحّم عليها لاحقاً، وهي غارقة في الضلال والآثام. انتقل العراق من دولة لويثان (الوحش الضخم)، حسب تعبير توماس هوبز، إلى دولة الحشرات. كيف؟ 
غرقَ العراق منذ زمن طويل بالحروب والدماء والآثام والمآسي، وبقي المجتمع بلا وعي سياسي، حتى وإن بقيَ يلتئم أو يتغلّف بأرديته الوطنية، وقد انتهى نظام الحكم السابق منذ العام 2003، وبدأ نظام سياسي جديد لم يسعف العراق بأية منجزاتٍ سياسية أو اقتصادية أو خدمية أو ثقافية، بل أمات النزعة الوطنية، وسحق المؤسسات وشوّهها، واستحدث دستوراً كسيحاً خلا من المستلزمات والمبادئ والضرورات العراقية، بل سمح بتقطيع أوصال المجتمع، وبدل أن يعلن عن "قانون أساسي مدني"، يحافظ على الوطن والمواطن، فقد استبدله بالمكونات والطوائف، وسمح للمحاصصة أن تشرذم العراق، ولم ينبثق أي عقد اجتماعي بين المجتمع والدولة، وأوجد طبقة سياسيّة متشيطنة ومتفرعنة، في ظل غياب القانون والنظام، فشلّت  

المؤسسات، وغدت الدولة فاشلة مع إنتاج مجتمع مشرذم ومنقسم على نفسه عرقياً وطائفياً وجهوياً مناطقيا، وسمحت الطبقة السياسيّة الحاكمة لدول الإقليم بالتلاعب والعبث والتدخل السافر في شؤون العراق.. وخدعت هذه "الطبقة" الشعب، إذ أشاعت مسميّاتٍ عدّة، كالتوافقية والديمقراطية وصناديق الاقتراع والحريات والنزاهة والشفافية والفيدرالية ودولة القانون والشراكة.. وكلها تعابير منمّقة لأساليب مزيّفة لا يمكن البتة أن تطبق في غياب المبادئ الوطنية والفكر السياسي المتمدن، وعلى أيدي رجال أكفاء.. ووزعت المناصب على الجهلاء من التافهين والمدمجين (أناس عاديون جداً منحوا رتباً عسكرية عليا)، والمهرّجين ومزوري الشهادات، وهم بالآلاف، فكان أن عمّ الفساد واستشرى عند الجميع. 
اعتلت هذه الطبقة السياسية مكانتها العليا، لتغدو كلّ من السلطة والقوة بيدها، وتكوّنت الطبقة من أحزاب حاكمة، وكلهّا أحزاب إسلاموية فوضوية فاسدة ومزيفة، سنيّة كانت أم شيعية، مع تحالفات تعقد بعد الاستئثار بالسلطة، وهي تتخذ "المذهبية" و"المرجعيّة" الدينية وسيلة لها من أجل البقاء في السلطة، سواء في المركز أم في المحافظات، وكان أن أشاعت الطائفية في محاصصاتها العلنية، وممارسة هذه النزعة المقيتة على الأرض. وعليه، ازداد العراق منذ 2003، يوماّ بعد آخر، ضعفاً وانقساماً وفساداً وتشرذماً. وكانت كلّ مشكلاته وأزماته بسبب سوء هذه الطبقة السياسية الحاكمة، في الأجهزة التنفيذية والتشريعية والرئاسية (الرئيس الشكلي ونوابه الثلاثة)، وحتى المؤسسة القضائية غدت مشلولة، وتفاقم الفساد فيها كثيراً، ناهيكم عن مجالس المحافظات. الطبقة الحاكمة وكل تشكيلاتها وكوادرها تعدّ غير كفؤة ولا مهنية، احتلت مناصبها في الوزارات والإدارات والسفارات والجيش والشرطة والمال والأعمال.. إلخ، وما يلحق بها من أجهزة شبه رسمية قد سببت ولادة قوى وعصابات وجماعات ومليشيات (منها متعدّد الولاءات للخارج).. منحت الشرعيّة من الحكومة، لتغدو جزءاً من هذه الطبقة السياسيّة الفاسدة.. ولا يمكن نسيان أن السلطة الخامسة، المتمثلّة بالإعلام، بما في ذلك الصحف والفضائيات والمواقع الإلكترونية، قد ساهم أغلبها في تدمير العراق لغلبة المرتزقة والمهرّجين والمتعصّبين من خلال التشهير والتسقيط والإساءة وتبادل الاتهامات والشتائم. 
كلّما يقترب موعد الانتخابات العامة في العراق، تجد أن هذه الطبقة السياسية تبدأ جملة من المناورات والتكتيكات الكاذبة من أجل ممارسة خداع خفي أو مكشوف للجماهير، وتحاول، بوسائلها غير الأخلاقية، البقاء في سدّة الحكم، مهما كلّف الأمر ذلك. 
نسمع اليوم عن انشقاقات في كتل وصراعات داخل أحزاب، وانسحاب هذا وذاك، كي يؤسّس هذا حزباً، أو يشكّل ذاك تيارا، أو تولد هنا جماعة أو تلك هناك لدى الجانبين السنة والشيعة! والمكيدة التي يجب ألّا تمرّ على العراقيين أن عناصر هذه الطبقة اكتشفت الآن فقط أن أحزابهم لم تعد ملائمة للمرحلة، كي يضحكوا على الناس بتسمياتٍ جديدة تلائم هذه المرحلة، بعد أن فجعوا العراق وسحقوه، فتجد هذا أصبح متمدّناً ووطنياً، والآخر إصلاحياً، والآخر حكيماً، والآخر ليبرالياً، بعد أن كانوا سنوات طوالا من الإسلاميين أو المذهبيين أو الدعوويين أو المجلسيين أو الإخوانيين، وكانوا جميعا من الطائفيين حتى النخاع .. فهل اكتشفوا أنفسهم فجأة، ليغيروا مبادئهم وقيمهم السياسية؟ هل من الأخلاق بمكان أن يلعبوا بالدين منذ العام 2003 لعبهم الوضيعة التي خرّبوا من خلالها البلاد والعباد، كي تأتيهم الصحوة الوطنية، ويؤمنوا فجأة بالتمدّن والإصلاح والحداثة؟ 
أنبه الشعب العراقي أن هؤلاء سيخدعونكم، حتى إذا ما تمّ انتخابهم وبقوا في السلطة، فسوف تعاد تحالفاتهم، للبقاء والإمعان في خراب العراق وسرقته. مرّت سنوات طوال، وهم يشيعون ويصرّحون ويتكلّمون، باسم المكوّنات والأغلبيات وحكم الأكثرية، وبيتنا وبيتكم، ويثيرون الانقسامات ويحلمون بالأقاليم .. اليوم فقط بدّلوا قناعاتهم، كي يتحدّثوا باسم الوطنية والوحدة والتمدّن.. سنوات طوال، وأنا أكتب داعياً أن يحلّوا أحزابهم الدينية الطائفية، لتأسيس أحزابٍ وطنيةٍ متمدّنة، ولم نجد إلا الإمعان في التعصّب والتشتت والشتيمة.. اليوم فقط، وجدوا أن الانشقاقات وسيلةٌ مؤقتة، ستبقيهم في السلطة، وبطريقة مراوغة، عبر مناوراتٍ لا أخلاقية. وخصوصاً الأحزاب الحاكمة التي اتهمتها منظمة الشفافية العالمية قبل أيام بأنها الأخطر فساداً في العراق. 
على العراقيين الابتعاد عن التخندق الطائفي بأي ثمن، وأن يقفوا بوجه كلّ من يستورد الحلول والنصح من الجيران، مهما كانت قدسية هذا الجار أو ذاك.. وأن يصرخ كل عراقي غيور  

بوجه هذه الطبقة الحاكمة: كفى تخريبكم العراق الذي أغرقتموه بالفساد والفاسدين.. كفى تلميع بعض الوجوه الكالحة منكم لكي يتم تسيّدهم الموقف على حساب مصالح كلّ الشعب العراقي.. كفى سيناريوهاتكم التي ترسمونها هناك، وتطبقونها على أرض العراق.. لا حياة لكم بعد اليوم فقد نهبتم العراق والعراقيين.. وقد أفسدتم المجتمع، وأفشلتم الدولة، وخرّبتم التربية والتعليم، وعبثتم باستقلالية القضاء، وضاع الأمن والأمان وزرعتم العراق بالمليشيات والعصابات والجماعات الشاذّة.. أخفيتم أسرار أخطر الأحداث، ولم تُطلعوا الناس على خفايا جرائم "القاعدة" و"داعش"، وجنحهما وتجاوزاتهما وجناياتهما.. أفقرتم الشعب، وبدّدّتم ثرواته، وأنهيتم الزراعة والصناعة والتجارة وكل الخدمات.. نكلّتم بالحياة العراقية المدنية، وقتلتم ثقافة العراقيين المدنية وأفسدتم روح الفن والذوق.. ما هي إنجازاتكم في البنية التحتية للبلاد بحق السماء؟ وغدا كلّ واحد منكم معروفة سيرته وتاريخه الشخصي، ودوره في نهب العراق، وإيذاء أبنائه. كما ولا يسمح لكم أبداً أن تنتقدوا هذا "الدستور" الذي حاربتم كلّ من انتقده عند إصداركم له حرباً قذرة. 
طبقةٌ سياسيةٌ تحكم العراق اليوم سيلعنها التاريخ لعنة أبديّة، وستذكرها الأجيال المقبلة بأسوأ الذكر.. أناشد الشعب العراقي أن لا يبقيها في السلطة أبداً، وأن يكون ذكياً في معرفة ما يدور في الكواليس الخفية.. على العراقيين كلهم ألّا تتلاعب العواطف برؤوسهم، وأن يتخلصوا من الانحيازات لهذا أو ذاك من عناصر هذه الطبقة، مهما كانت طائفته، أو كان مذهبة أو دينه أو جنسه.. عليهم أن يرفضوا هذه الطبقة الفاسدة التي فشلت فشلاً ذريعاً في حكم العراق، ويجمعوا على عراقيين شرفاء وطنيين، نزهاء أكفاء لهم مكانتهم وتخصّصاتهم وأخلاقياتهم وشخصيتهم ونظافة أيديهم واستقلاليتهم.. فهل سيحدث ذلك؟ أشك في ذلك.

(العربي الجديد) لندن

 

هل تعود الموصل إلى

الحياة.. كما هيروشيما؟

 

د. سيّار الجميل

 

خرجت الموصل، مدينةً وشعباً، من تحت بطش "داعش" بأثمانٍ غاليةٍ جداً، بعد أن قامت أربع فرق عسكرية عراقية، وبقيادات مهنيّة عليا، بتحريرها، وبمساعدة لوجستية جوية ومخابراتية من التحالف الدولي. وعلى مدى تسعة أشهر صعبة جدا، تعرّض الأهالي خلالها إلى أقسى محنةٍ تاريخيةٍ، فهرب بعضهم، وذبح آخرون، ونزح آلافٌ تحت القصف الشديد، ومات الآلاف بتأثير العبوات الناسفة، أو القنص، أو الجوع، ولم تزل المعاناة لا يتخيّلها أحد أبداً. وعلى الرغم من استخدام القوّة والعنف براً وجواً، إلّا أن المدنيين تعاونوا مع الجيش تعاوناً خلاقاً، وساهموا مساهمةً فعّالة في خلاص الموصل من "داعش"، وتجحفلت معه قوات من العشائر والبشمركة وحرس نينوى والشرطة الاتحادية والمحليّة.

المشكلة في أساسها، سياسيّة واجتماعية وانقسامية، وهي التي أوجدت مثل هذا "التنظيم" الوحشي في غياب مبدأ المواطنة العراقية، إذ عاش العراق قبل "داعش" انقسامات شنيعة، بغياب المبادئ الوطنية تماماً على حساب التمزّقات الجديدة والمحاصصات، والتصنيف على أساس المكوّنات، بقوة تأثير مراكز القوى الجديدة على حساب وحدة الشعب، وهو حال يكاد لا يصدّق، وكأن هذه الحرب قد تحوّلت إلى حربٍ بين العراق والموصل، على حد زعمهم الكريه.. وكأن الموصل دار حرب غير عراقية، عندما يتشدّق هذا وذاك بأننا خلصناكم من "داعش"، وكأن المنتصر يريد فرض شروطٍ على مدينةٍ عراقية يعمل على ضمها إلى حظيرته، لا عودتها إلى الوطن.

كان نابليون بونابرت قد أوصى نائبه كليبر، وهو يغادر مصر إلى فرنسا بأنّ عليك أن تحترم مشاعر الناس، وأن تحترم حرمات بيوتهم وأملاكهم. استلب "داعش" الناس بيوتهم بالقوّة، واغتصب أملاكهم، وسبى اليزيديات، وهجّز المسيحيين والكرد، وقتل كل المعارضين، ونكّل بمن وقف ضدّه أبشع تنكيل بمن فيهم النسوة الموصليات .. فهو العدو الأول والأخير لأهل الموصل، فلا يمكن أبداً أن يطلق بعض العراقيين ألسنتهم بالبغضاء ضد الموصل، وكأن الموصل غير عراقية، وكأنّ تحريرها منّة منهم لا واجب عليهم.. فما معنى ما سمعناه علنا : "أن بسطار جندي من الجنوب يشّرف الموصل" (كذا).. هذا كلامٌ لو جرى في بلدٍ يحترم نفسه، فسيقتصّ القضاء من السفهاء الذين يتحدّثونه.. وأتحدّى إن كان هناك أحد في الموصل يصف أيّ مدينة عراقية في الوسط او الجنوب مثل هذا التوصيف الجارح، فما بال رئيس الوزراء لا يعاقب هؤلاء وأمثالهم عنده في بغداد، قبل أن يطلق التصريحات ضد الطائفيين، ولا نعرف من يقصد.

كان من الضرورة الماسّة أن تؤمّن الوسائل الناجعة لحماية المدنيين، كيلا يعاني النازحون في محنتهم القاسية. وحبذا لو بقيت العمليات عسكرية وأمنية صرفة، بدل أن تغدو ألعوبة سياسية وإعلامية لكلّ من هبّ ودب، إذ أضرّت الصراعات السياسية والهياجات الإعلامية والتعابير القاسية والرخوة بمصالحنا الوطنية أجمع ودمرّتها تدميراً.. ناهيكم عن إطلاق الأحكام العشوائية وتبادل الاتهامات وصراعات مراكز القوى الداخلية، والكلّ يعلم، في هذا العالم، منظومات الفساد العراقية وضياع القيم الوطنية، وزحمة الانهيارات الأخلاقية وانحدار الكفاءات لوزراء يثيرون السخرية، وفي ظل دولةٍ فاشلةٍ، يسعى الفاسدون فيها إلى الانتخابات القادمة ، لكي يبقوا في السلطة، ويمعنوا في قتل العراق.

حطمت الموصل القديمة، وغدت خراباً، حتى وصفها أحد المراقبين بأنها تضارع هيروشيما اليابانية، أو درزدن الألمانية إثر الحرب العالمية الثانية. وعليه، يستوجب الخروج من ماراثون الصراعات السياسية، وإبعاد العناصر السيئة من أجل إعمارها من جديد، وستضيء ثانية بإذن الله. ولكن، لا بد من توضيح حالتها المأساوية امام العالم، ثم السماح للبرامج متنوعة الأساليب وموحّدة الهدف، مع معالجة مأساة النازحين في مخيماتهم، وما يعانونه من الأمراضِ والجوعِ والعطش وسط طقسٍ حار جداً. وعلى أهل الموصل أن يأخذوا زمام المبادرة في إعمار مدينتهم، ولكن الانسحاق الذي وصل إليه الساحل الأيمن لا يمكن أن يقوم به إلا مشروع استراتيجي، فإن كانت مدينة دريزدن الألمانية قد تكفّل مشروع مارشال الأميركي بإعمارها، فانّ كلاً من هيروشيما وناغازاكي رصدت لهما الحكومة اليابانية من ميزانيتها صندوقاً لإحيائهما من بين الأنقاض. فهل الحكومة العراقية قادرة على تبني أي مشروع استراتيجي، كي تسترجع الموصل عافيتها وإعمارها؟

أشك في ذلك، فالحكومة جزء من منظومة فاسدة، وتمثلّها دولة فاشلة.. يموت الناس من الجوع والحر الشديد، ولا منقذ ولا مجيب.. ورئيس الوزارة منشغلٌ باجتماعاتهِ وإلقاء نصائحهِ، غير آبه أو ملتفتٍ إلى الناس في محنتهم وآلامهم اليوم.. مبارك هو الانتصار على "داعش" وخلاص الموصل منه، ولكن المهم ما بعد "داعش"، فهل بدأت الحكومة مشروعاً أمنياً صارماً معتمدة على أهل البلد؟ هل بدأت بتنفيذ أي برنامج طويل المدى، كان من الضرورة إعداده منذ ثلاث سنوات؟ هل بدأت بإعمار المدارس والجامعة قبل قدوم بدء الدراسة؟ والمصيبة ما يتعرّض له أهل الموصل من حملات إعلامية وسباب وشتائم وأوصاف مطلقة جارحة من بعضهم.

الانقسامات في داخل العراق سببّتها عملية سياسية جاءت بطغمة فاسدة جهولة وحقودة، لتتشكّل طبقة سياسيّة فاسدة أباحت نهب العراق، ونشرت الفساد، واعتمدت المحاصصة، وأشاعت الطائفية، وأحدثت مراكز قوى متعدّدة، لها ارتباطات خارجية، وسمحت للتدخلات الإقليمية العبث بمصير البلاد، واتخاذ القرارات نيابة بشأن مستقبلهم. التشدّق بالوطنية على ألسن الانقساميين لا ينفع أبداً، وكأن النصرَ الذي تحقق ليس عراقياً، إذ اعتبروه نصر مدن على مدينة، أو نصر طائفةٍ على أخرى، أو نصر طبقةٍ سياسيّة حاكمة.. النصر الحقيقي، يا سادة، عندما يتخلّص العراق نهائياً من كلّ الدواعش والفاسدين والجهلاء والمرابين وتجار الحروب بدماء الناس، أينما كانوا في أرض العراق. أين تعاطف الحكومة مع مأساة العراقيين؟ لماذا لا تسموّنها مدينة منكوبة؟ لماذا لا يحاسب من تسبّب في هذه النكبة؟ لماذا لا تقطعون دابر الفتنة الطائفية، وتستوعبون هذا الدرس البليغ بتجديد العملية السياسية، وإقرار مبادئ وطنية ودستورية مدنية؟ لماذا يستخدم أغلب العراقيين، بكلّ أنواعهم، لغة مؤذية وفوضوية، وضارة بالقيم الوطنية والأخلاقية العليا فيما بينهم.. لماذا تسود اللغة الغارقة بالنديّة والكيدية والكراهية العميقة؟ المأساة أكبر مما يتخيّلها أحد، وعلى هذا الأساس، تقدّم هذه المقالة الاقتراحات التالية، عساها تنفع وتفيد في إعادة بناء الموصل المنكوبة:

أولا: تشكيل هيئة حاكمة وقوات ردع تستمد صلاحياتها من الحكومة المركزية، وهي قيادية عسكرية واستشارية مدنية محلية، لتوطيد الأمن والنظام على مدى خمس سنوات، لمنع أية خروق أو إحداث أعمال شغب، وأخذ ثارات وعمليات فساد، وقطع دابر الارهاب .

ثانيا: تأسيس هيئة إعمار فنية وخدمات بلدية من أبناء المدينة للإعمار والصيانة لكلّ المؤسسات الحكومية والمستشفيات والمعامل والدوائر والشوارع والكهرباء والماء والحدائق والأبنية الرسمية وغيرها.

ثالثاً: تأسيس وزارة عراقية باسم وزارة الموصل لتأمين إعمار المدينة، بعد خرابها، يقودها خبير مختص، وتخصيص ميزانية لإعمار الموصل، مع هيئة مالية ورقابية للصرف والنزاهة والرقابة، بحيث تكون صمام أمان على الودائع والمنح والتبرّعات من الدول المانحة والمنظمات وصناديق الإغاثة، وتخضع للتفتيش الدوري الأسبوعي.

رابعاً: الإسراع في إصلاح الجسور الخمسة بين الساحلين، الأيمن والأيسر، وإصلاح المستشفيات والمستوصفات كلها، ثم الجامعة وكل المدارس، مع توفير الكهرباء والماء.وكل المرافق الحيوية ، والاستفادة من كل الخبرات المتقدمة .

خامساً: تأمين عودة النازحين إلى بيوتهم ومناطقهم، مع تسهيلات عودتهم وضبط أماكن وجودهم، شريطة عودة أهل الموصل فقط، بعيدا عن الغرباء والطفيليين الذين قدموا قبل "داعش"، في أثناء وجودها، وبعد زوالها ، فمن الضرورة ، الحفاظ على ديمغرافية كل محافظة نينوى .

سادساً: تعويض الذين تضررّوا جراء وجود "داعش"، وفي أثناء تحرير المدينة، وعودة الحقوق إلى أصحابها من كل أبناء الطيف، مع تأمين مستقبل المعوقين والأيتام والمشرّدين.

 

وأخيرا ، تحيّة مباركة الى كلّ الشهداء العراقيين الابرار ، والى كلّ الضحايا الابرياء الذين سالت دماهم وذهبوا من اجل العراق وحريته ومستقبله ، فهم قرابين هذا الوطن .. تحيّة الى كلّ المقاتلين الصادقين .. الى كلّ من قضى تحت الانقاض .. الى كلّ الصامدين والمنكوبين في الموصل وانحائها قاطبة .. الى اليتامى والارامل والمشردين والمعوقين والمسحوقين . نأمل ان يأخذ كلّ المسؤولين والمواطنين مثل هذه المقترحات في أعلاه على محمل الجدّ ، من أجل اعادة البناء والتعلّم من التجارب المضنية والدروس القاسية .. نأمل أن يتخّلص العراق مستقبلاً من كلّ أمراضه ومن كلّ الاوبئة التي تجتاحه ، وتعود الموصل إلى الحياة، كما عادت هيروشيما في اليابان من قبل.. إنني متفائل بعودتها بإذن الله، فقد تميّز أهلها بالصمود الاسطوري والعمل الجاد والمهنيّة العالية والفن والإبداع والاستجابة لأشدّ التحديات التاريخية المريرة.

 

(العربي الجديد) ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

 

تدمير منارةلحدباء في الموصل..

المعنى والدلالة

والرمز والخسارة الكبرى


د. سيّار الجميل



" حكاية أهالي الموصل مع الجامع النوري الكبير ومنارة الحدباء ، فيها الكثير من الشجن والالم ، فهي المنارة التي اعطاهم اياها التاريخ محملّة بلمسات من مرّوا على أرضهم ، طغاة كانوا أم قادة ، وهنا المنبر الذي اعلن البغدادي منه ميلاد امارة التوحش التي اذاقتهم الويلات .. الباحث المؤرخ الدكتور سيار   الجميل  ، يقدّم  في مطالعته هذه ، سردا لتاريخ هذه المنارة وما حيك عنها من أساطير  ..  انها المعنى  والدلالة  والرمز  والخسارة الكبرى "   ( المحرر ) .

" بعد مئات السنين ، تزول هذه المنارة العالية المنحنية نحو  الشرق  ، والتي اعتبرت الاعلى في العالم الاسلامي  قاطبة  عبر تاريخ طويل    "    الجامع النوري الكبير  ، جامع بناه نورالدين  زنكي  ورممه  مسيحي "  و "المؤكّد أن المنارة التي عاشت تسعة قرون كانت ستعيش طويلا لو تمّت صيانتها دولياً بإشراف من منظمة "يونسكو"  ( المحرر ) .

مقدمة

تعد منارة الحدباء رمزاً تاريخياً وحضارياً لمدينة الموصل، إذ لم تكن مئذنةً دينيةً عادية فقط، بل تعدّ من أشهر منارات العالم الاسلامي قاطبة، ويعتز بها الموصليون اعتزازاً شديداً، وكانوا قد ورثوها عن آبائهم وأجدادهم منذ القدم.. وقد فجّرت يوم 21 يونيو/ حزيران الجاري، واتّهم تنظيم داعش بتفجيرها وإزالتها، فكان أن سبّب ذلك حزناً وأسىً وكمداً في قلوب كلّ العراقيين الغيارى، وخصوصاً أهلها الذين بكوا عليها، في حين وجدنا على شبكة التواصل الاجتماعي موجة فرح تعمّ بعض العراقيين، كتبوا كتابات غير لائقة أبداً، وسيئة بحق المنارة والجامع الكبير ومؤسسه نور الدين، وتحمل كراهية شديدة ومقيتة للموصل وأهلها وتاريخهم، كونها مدينة حضارية قديمة، لا تستقيم وأمزجة الثقافة السائدة اليوم في العراق.

التوصيف التاريخي

بعد مئات السنين، تزول هذه المنارة العالية المنحنية نحو الشرق، والتي اعتبرت الأعلى في العالم الإسلامي عبر تاريخ طويل، إذ وصل ارتفاعها إلى أكثر من 50 مترا منذ مئات السنين. ويعد جامعها النوري الكبير من جوامع العالم القديمة، بناه الأمير نور الدين زنكي في عام 1172- 1173م، أي قبل 850 سنة، وهو ثاني جامع يُبنى في الموصل بعد الجامع الأموي في الكوازين الذي بني بعد فتح الموصل في عام 17هـ/ 638 م، وقد أعيد إعمار الجامع النوري عدة مراتٍ، كانت آخرها عام 1363هـ/ 1944م.

الأمير نور الدين هو الابن الثاني لمؤسس الدولة الزنكية، عماد الدين زنكي، الذي قام بتأسيس أتابكيته في الموصل، أما ابنه فقد تحوّل إلى بلاد الشام التي كانت تعاني طويلا من الصليبيين ومن الفتن الداخلية. وقد اقترنت الموصل الأتابكية بعهد تاريخٍ مزدهر بثقافاتها وصناعاتها وعمارتها ومنتجاتها وتعايش مجتمعها وكثرة القادمين والزائرين لها، ما جعل الجامع على مرأى ومسمع العالم كله.

حكم نور الدين زنكي (511 - 569 هـ / 11 فبراير 1118 - 15 مايو 1174) موسعّا إمارته تدريجياً، كما ورث عن أبيه مشروع محاربة الصليبيين، والقضاء على الفتن المهلكة في بلاد الشام، ونشأ السلطان صلاح الدين الأيوبي في قصره، وهو الذي أرسله نور الدين وزيراً في مصر التي كانت تعاني من انهيار الحكم الفاطمي وهجمات الصليبيين عليها، فكان أن أسس صلاح الدين دولته الأيوبية هناك، وقاد جيشه لتحرير القدس وقلاع أخرى في بلاد الشام، وعدّه الدارسون والمستشرقون والمؤرخون من أعظم القادة في التاريخ بلا منازع  .

يتوّسط الجامع النوري الكبير، بمنارته الطويلة ومآذنه العديدة، قلب الموصل القديمة، وقد زاره رحالةٌ وبلدانيون وآثاريون ومستشرقون وسفراء ورؤساء دول عديدون، ومنهم من صلى فيه.. والجدير بالذكر أن زعيم تنظيم داعش الدموي الملقب "أبو بكر البغدادي"، قد أعلن الخلافة من على منبر هذا الجامع، وخطب الجمعة في 6 رمضان 1435هـ / 4 يوليو/ تموز 2014 م. وبعد ثلاثة اسابيع، بدأ "داعش" مشروعه الهمجي في الموصل بنسف جوامع النبي يونس والنبي شيث والنبي جرجيس وغيرها من الأضرحة والمقامات والنصب، وأقدم على محاولة تفجير الجامع النوري ومنارته الحدباء، لكن بعض أهالي الموصل تصدّوا لهم، ومنعوا المسلّحين من القيام بذلك، باعتصامهم في الجامع الكبير الذي تعرّض للقصف مرات في معركة الموصل (2016–2017)، ما هدّد بانهيار المنارة، وفي يوم 25 رمضان 1438هـ 21 يونيو/ حزيران 2017 م دُمر الجامع ومنارته الحدباء بعد تفجيرها بالكامل .. ويبقى  هذا اليوم ذكرى  يوم  مفجع على امتداد الزمن  .

رمز تاريخي

وصف الرحالة ابن بطوطة الجامع الكبير ومنارته وصفاً دقيقاً، وهو أول من سماها الحدباء، في القرن الرابع عشر، إذ كتب إثر زيارته الجامع: "بداخل المدينة جامعان، أحدهما قديم، والآخر حديث. وفي صحن الحديث منهما قبةٌ في داخلها خصة رخام مثمنة، مرتفعة على سارية رخام، يخرج منها الماء بقوة وانزعاج، فيرتفع مقدار القامة ثم ينعكس، فيكون له مرأى حسن". أما المؤرخ ابن الأثير فأكد أن نورالدين أمر ابن أخيه فخرالدين ببناء الجامع، وأن نورالدين جاء إلى موقع الجامع لتفقده، وأمر بمصادرة الأراضي المحيطة به، بعد تعويض مالكيها تعويضا مجزيا. أما الرحالة الإنكليزي، غراتان جيري، فقد زار الموصل في القرن الـ 19، وقال عن المئذنة الحدباء "إنها تميل عن الزاوية القائمة بعدة أقدام، على الرغم من أنها تنتصب من الأرض بشكل سليم، كما تسترد استقامتها عند قمتها، شكلها يشبه رجلاً وهو ينحني".

كان هذا الجامع قد دمّره المغول عام 660 هـ / 1260م، ولكن المنارة بقيت شاهقة وصامدة تتحدّى كلّ الفجائع.. وقد رمّم الجامع ومنارته عدّة مرات، حيث بقيت ثابتة لم تتزعزع منذ مئات السنين. وتمّ تفسير ميلان المنارة نحو الشرق بعدة تفسيرات أسطورية، فقال بعضهم إنها انحنت إكراما وإجلالا للرسول محمد، عندما عرج إلى السماء (كذا)! أما المسيحيون في الموصل ، فقالوا إنها اتجهت شرقا نحو قبر السيدة مريم العذراء الموجود قرب أربيل! وقدّر الميلان بـ 253 سم قبالة محور عمودي. وعليه، لم تكن المنارة مستقرّة منذ قرون خلت، ما كان يشكّل مصدر قلق بسقوطها يوماً، ولكنها صمدت قرابة ثلاثة عصور (900 سنة). لم تسقط، بل انهارت اليوم، بفعل تفجيرٍ بالألغام عمداً وعن سبق إصرار. وعليه، يتحمل من فعل ذلك مسؤولية جريمته التاريخية. والمؤكّد أن المنارة التي عاشت تسعة قرون كانت ستعيش طويلا لو تمّت صيانتها دوليا بإشراف من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) التي اعتبرتها من عشرة أماكن تاريخية في العالم بحاجة إلى ترميم.. وكانت الـ "يونسكو" قد بدأت عملها منذ يونيو/ حزيران 2014 للحفاظ على هذا الرمز الحضاري، لكن المدينة احتلتها "داعش" بعد أيام.

حكاية التاريخ الأتابكي

عندما زار نور الدين زنكي الموصل، أنجز عدة إصلاحات فيها، منها الأمر ببناء جامع جديد وكبير، لحاجة الناس إليه، إذ لم يعد الجامع الأموي القديم يتسع، إثر ازدياد نفوس الموصل. كتب ابن خلكان في "وفيات الأعيان"، نقلا عن العماد الأصبهاني في كتابه "البرق الشامي" أن أحد شيوخ نور الدين، واسمه معين الدين عمر الملاء، وهو من الزّهاد الصالحين، قد اقترح على سيده بناء هذا الجامع، فوكّله لصلاحه وزهده ونظافة يده، فأنفق أموالا طائلة وأتم بناءه في سنتين على يد اشهر  معمار عهد ذاك  اسمه ابراهيم الموصلي  ، وأوقف عليه إحدى ضياع الموصل. وقد حدثني المؤرخ الراحل الذي اشتهر بكتبه عن تاريخ الموصل، سعيد أفندي الديوه جي، رحمه الله، وكان قد ألف كتابا عن " الموصل في العهد الأتابكي " ، قال إن اسم " الملاء " جاء من ملئه التنانير بالآجر. ويعود الفضل إليه في بناء هذه المنارة، خصوصاً أنها بنيت على مراحل بالآجر، ومن النورة (مادة بناء تستخدم في صنع أنواع من الملاط والشيد والطلاء. وهي مادة كيميائية "هايدروكسيد الكالسيوم" قلوية بشكل مسحوق أبيض اللون)، وكانت تخلط بالبيض، وقد استخدم الملايين من بيض الدجاج كي يتماسك الآجر، ويغدو صلبا جدا بعد البناء.. باشر الشيخ عمر مشروع بناء الجامع سنة 566 هـ/ 1170م . وكان يملأ تنانير النورة بنفسه، وبقي يشتغل في عمارة الجامع ثلاث سنوات، حتى انتهى منه سنة 568 هـ/ 1172م  . وقد ألحق بالجامع مدرسةً، عرفت بمدرسة الجامع النوري.

شهدت الموصل نهضة عمرانية وفنية وإنتاجية واسعة على عهد الأتابكة الزنكيين، وكان لمنارة الحدباء طرازها الفريد، إذ اشتهرت بالزخارف الجبسية، والمحراب قديم جدا، وكان محفوظا حتى عام 2003 في متحف القصر العباسي ببغداد. وقد تأثر طراز المآذن عصرذاك بالنمط الفارسي السلجوقي، كما حال منائر أربيل وماردين وسنجار، وبالذات المنارة المظفرية في أربيل. استخدمت أعلى فنون البناء في منارة الحدباء التي زركشت بأنواع الفنون عهد ذاك، وبنيت دواخلها بأسلوب مغاير. تتألف المنارة من قسمين، أحدهما أسطواني في الأعلى، يقوم على قسم آخر منشوري. ويشتمل الأول على سبعة أقسام زخرفيه أجرية نافرة مرتبة حلقات. وللمنارة مدخلان يصل كل منهما إلى درجٍ إلى الأعلى، من خلال سلمين يعلوان في باطن المنارة وبنيا بشكل حلزوني، منفصلان، يلتقيان عند منطقة الحصن في الأعلى، فالصاعد إلى الأعلى لا يرى النازل إلى الأسفل، وكان الهدف الأساسي من ذلك تخفيف ثقل المئذنة الكبير على القاعدة.. وهذا لا نجده إلا نادرا. من نجح في الصعود إلى أعالي صحنها الأعلى هالته إطلالتها على مدينة الموصل قاطبة. عاد نور الدين زنكي إلى الموصل سنة 568 هـ/ 1172م  لافتتاح جامعه وصلى فيه، وأوقف عليه عدة أوقاف، منها "العقر الحميدية" و"قيسارية الجامع النوري" و"أرض خبرات الجمس". كانت تكلفة بناء الجامع غير معروفة، ولكنها تراوحت بحدود ثلاثمائة ألف دينار. وكتب ابن كثير في "البداية والنهاية" إن أول مدرس في المدرسة كان أبي بكر البرقاني، تلميذ محمد بن يحيى تلميذ الغزالي.

كثرت الآراء بشأن احتداب المنارة وانحنائها نحو الشرق، فثمة من قال إنها حدثت بسبب هبوب الريح الغربية في الموصل، حيث تؤثر الرياح الهابّة على الآجر والجصّ المبنية منه المنارة، فكان أن أدّت إلى ميلانها شرقا.لا أميل إلى هذا الرأي، فقد وجدها ابن بطوطة حدباء منذ زيارته لها. وثمة من يقول إنها بسبب تغيراتٍ في درجة الحرارة، وحدوث تفاوتٍ في أسس بناء المنارة، مع تفاسير أخرى، إذ لا يُعلم السبب الحقيقي في حدوث هذا الميلان أو الاحتداب.. وكان هاجس الانهيار واردا، بسبب زيادة نسبة المياه الجوفية واهتراء القاعدة، إذ أدرجت مؤسسة الصندوق العالمي للآثار والتراث في قائمة الأكثر مائة أثر مهدّد في العالم.

وبعد مرور أقل من مائة سنة على التأسيس، جاء الاحتلال المغولى للموصل 660 هـ/ 1260م بقيادة سنداغو الذي خرّب الجامع وأهمله، لكن منارته بقيت قائمة، بعد أن دُمرت الموصل تدميرا شبه كامل.. وفي سنة 1146هـ / 1733م، تولى الوزير الحاج حسين باشا الجليلي ولاية الموصل، واهتم بالجامع النوري، وفي عام 1150 هـ/ 1737م، انتشر في الموصل طاعون شديد، مات فيه كثيرون من أهلها. وفي السنة نفسها، أعيد إعمار الجامع وتنظيفه. وفي أثناء حصار الموصل من نادرشاه عام 1156ه/ 1743م، رشقت الموصل بآلاف القنابل، ولكن لم تصل واحدة منها إلى المنارة العالية فبقيت سليمة. وحاول محمد بن الملا جرجيس القادري النوري ترميم الجامع، واتخذ له في الجامع تكية عام 1281هـ / 1864م.

الجريمة التاريخية

كتبت مراسلة صحيفة واشنطن بوست، لوفيداي موريس، إن المنارة تحولت أنقاضاً بعد أن ظلت رمزا تاريخيا منذ مئات السنين.. وأن تفجير الجامع النوري الكبير ومنارته الحدباء تمّ والقوات العراقية على بعد 50 ياردة من المكان. ويظهر فيديو لقيادة العمليات المشتركة في العراق انفجارا هائلا في الجامع. وادّعت وكالة أنباء أعماق التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية  (داعش) أن الجامع برمته قد دمرته غارة جوية أميركية، وهو ما نفاه التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، إذ قال قائد القوات البرية للتحالف، الجنرال جوزيف مارتن، في بيان "هذه جريمة ضد شعب الموصل وكل العراق.. ومسؤولية هذا الدمار وضعت في رقبة داعش". وكانت داعش، عند احتلالها الموصل في 10 يونيو/ حزيران 2014، قد هدّدت بتفجيره، عندما قامت بتفجير عدة جوامع ومراقد لأنبياء وأولياء، ولكن عشرات من الناس اعتصموا فيه ورفضوا الخروج منه، محتجّين على هذا التصرّف الذي جاء بعد شهر على إعلان "الخلافة" المزعومة من قلب هذا الجامع.. ويبدو أن مشروع "داعش" كان قد تأجل في وضع نهاية حقيقية للمنارة بالذات وكنت أتمنى ان  ينعاها  هذا العالم  اسوة  بنعيه  تمثال بوذا  قبل سنوات  ، أو  نعيه  عدة  رموز  تاريخية أخرى  ،  وقبل  العالمين  الخارجي  والعربي والاسلامي ،  عتبي كبير على  السلطات العراقية  نفسها  ، اذ كان عليها ان تعلن للعالم كله عن  موقفها  من  الجريمة  التاريخية  ، ومن فقدان  أحد ابرز  معالم  العراق الحضارية والذي  سحقه داعش ، فهي المنارة التي بكاها  كلّ الموصليين  دماً  كونها تمثّل رمز وجودهم  وذاكرتهم عبر التاريخ  .. ولكنها  لم تفعل ذلك  ويا للاسف الشديد !

قصة الأمس واليوم

عندما تهدمت أجزاء من منارة الجامع النوري الكبير الحدباء في الموصل في سنة 1940، طلبت الحكومة العراقية من عبودي الطنبوره چي (أو الطمبوغه چي بلهجة أهل الموصل)، وهو أشهر بنّاء ومعماري في الموصل في القرن العشرين إصلاح ما كان قد تهدّم، وإعادة بناء أجزاء ما تهدم، خصوصا أنها في مكان عال وله خطورته. وافق وجهز العدة والعدد، وقد أنزلوه من أعلى المنارة بصندوق خشبٍ مربوط بحبال قوية، وأكمل بناء الجزء المهّدم، وأعاد النقوش إلى حالتها الأولى والناس متجمعة في الأسفل تترقب متخوفة، وقد أكمل مهمته بنجاح ونزل.. فتقدّم متصرف الموصل شاكرا له صنيعه، وسأله عن أجوره في ما قام به، فأجابه الطنبورجي: هذا جامع، وهو من بيوت الله، وأجري عند الله، علما أن المعمار عبودي الطنبوره چي مسيحي موصلي لا يأخذ اجراً في بناء جامع او كنيسة  ابداً. وهذه قصة حقيقية شهيرة، يردّدها الناس دلالةً على قوة التعايش بين المسلمين والمسيحيين في الموصل قديما.

في عام 1401هـ/ 1981م، حاولت شركة إيطالية تثبيت المنارة، بسبب تسرّب المياه في جوف قاعدة المنارة، ما أضعف بنيتها، وزاد احتدابها حوالي 40 سنتيمترا. كما جرت محاولة أخرى لوزارة السياحة والآثار العراقية لترميم المنارة، بضخ كميات من الإسمنت المسلح إلى قاعدتها للحفاظ عليها، وكانت مجرّد حلّ مؤقت، ولكن مخاطر انهيارها كانت قليلة، وربما كانت ستعمّر طويلا، لو جرت استعادة بنيوية كاملة لهياكلها الداخلية والخارجية. ولكنها ذهبت ضحية لا تقدر بأي ثمن، بعد تفجيرها ظلما وعدوانا، وجريمة تاريخية لا يمكن أن يغفرها التاريخ أبدا وانني اعتقد ان اعادة بنائها  سيكون امراً صعباً للغاية  ليس من الناحية  الفنية والمعمارية حسب ، بل من النواحي  السياسية والاجتماعية  وفي ظل  الاوضاع المأساوية  التي تعيشها الموصل  اليوم  .

تمّ التفجير يوم الأربعاء 21 يونيو/ حزيران. وكان مقرّراً أن يتم تحرير الجامع الكبير يوم الخميس، ما يعني أن استعادة الجامع النوري الكبير سليما من الجيش كانت سيعدّ ضربة هي الأكثر رمزيةً في القضاء على "داعش" في معقلها نهائياً، فكان أن تمّ التفجير قبل ساعات من اقتحامها.. وقد ثارت شكوك، ولم تزل بشأن المسؤول الفعلي عن تدمير هذا الصرح، ليس لأنه مجرّد مئذنة عادية، بل لأنه كان وسيبقى رمز مدينة عريقة اكتسبت اسمها منه. ويمكن القول إن المستقبل سيكشف أوراقاً جدّ خفية عمّا جرى في تلك اللحظات الصعبة، وستتّضح الصورة الحقيقية للجريمة عن الفاعل ، ومع من جرى تعامله، ما صلته بجماعات معيّنة أو دولة ما، أو جهات لها مصلحة حقيقية في سحق الموصل ورموزها التاريخية والحضارية.



 

نشرت  في باب " قضايا "  ، العربي الجديد اللندنية  ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

بعد ثلاث سنوات

على داعش في الموصل

د. سيّار الجميل

تمرّ ذكرى مرور ثلاث سنوات على احتلال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الموصل، وقد امتدت نحو أصقاع غرب العراق ووسطه، إثر عمليةٍ لم تكن مباغتةً أبداً للمراقبين في العالم. ولكن، جرت صناعة الحدث من خلال قوى خفية، سهّلت ذلك الاحتلال المأساوي بانسحاب ثلاث فرق عسكرية، وتبدّد الشرطة المحلية، وسط فوضى صُنعت خصيصاً لهذا الغرض، وتركت مئات الدبابات والأسلحة طعاماً لعناصر "داعش"، وسط إعلام مموّه، وصمت رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، الذي يتحمّل المسؤولية التاريخية عن ضياع قرابة نصف العراق بأيدي "داعش"، والغدر بنصف المجتمع العراقي، وما جرّ الحدث من ويلاتٍ وتداعياتٍ وضحايا وخراب. وكان الرئيس الامريكي السابق باراك اوباما قد خرج علينا اثر احتلال داعش للموصل قائلا : " ان اخراجهم من الموصل بحاجة الى ثلاث سنوات بالضبط " ، ولا ادري كيف عرف او قدّر التوقيت وضبطه ؟؟ 
ما جرى قبل ثلاث سنوات جعل ثاني أكبر مدن العراق وملحقاتها تحت بطش أشرس فئة ضالة وشريرة من البشر، نجحت في تخريب المدينة، وسحق مأثوراتها، وحرق جامعاتها ومكتباتها ومتاحفها، وتفجير أبرز معالمها وجوامعها وأديرتها وكنائسها القديمة.. ومن ثمّ ما اتبع من شراسةٍ لا توصف في حكم العباد، إذ قُتل من البشر ما لا يُحصى عدده، وقُطعت رقاب نسوة ورجال في ساحة قلب المدينة، ونكب جيل بانقطاعه عن الدراسة والتعليم ثلاث سنوات. وشتت الناس وجاعوا وتشردوا، وتيتّم مئات الأطفال، فضلاً عن استئصال المسيحيين الموصليين من المدينة وأطرافها وطردهم والاستيلاء على ممتلكاتهم، وكذا العبث باليزيدية، وقتل رجالهم وسبي نسائهم وامتلاك أطفالهم.. إلى غير ذلك من المخازي التي لم يشهد مثلها التاريخ أبداً
هذا الحدث المأساوي سيسجله التاريخ نقطة سوداء في تاريخ العراق على امتداد الزمن. وقد سعى كلّ الخيرين بالعمل المضاد ضدّ هذا السرطان الذي اجتاح العراق وكلّ المنطقة، هذا الغول الذي استلب حركة التغيير والثورات العربية، ليقلبها إلى حالات متنوعة من الفوضى المبرمجة والقتل والبطش، وقد انتشر هذا الوباء في أجزاء متعددة من العالم، لكي يفرض إرادته بالحديد والنار من خلال التفجيرات والقتل الجماعي، سعياً وراء ما سميت دولة الخلافة الإسلامية التي جعلت الموصل عاصمة لها، والتي بدأت عمليات تحريرها منذ أشهر، وقد تحرّر الساحل الأيسر منها، ولم تزل القوات العراقية تسعى لكي تحرّر ما تبقى من الساحل الأيمن والمدينة القديمة المكتظة بالبشر. وقد شهدت عمليات التحرير أهوالاً ولم تزل، إذ وقعَ الناس في المدينة أسرى بأيدي الدواعش الذين خسروا كلّ مقوماتهم، والذين باتوا كالأفعى التي قطع ذيلها، وهي تفترس كلّ الأحياء
سيسجل التاريخ كيف عاش أكثر من مليوني إنسان تحت ظل هذا الوباء البدائي. كيف عوملوا بشراسةٍ لا توصف. وكيف مارسوا حياتهم تحت الإرهاب المنظم. وكيف عاشت المرأة عيشة صعبة لا تطاق. وكيف غدت كلّ الحياة مكبّلة بقيود من حديد. وكيف قطعت رقاب الناس لأتفه الأسباب. وكيف مارس التنظيم الدموي حكمه باسم الشريعة. وكيف هدمت معالم المدينة الحضارية. وكيف بيعت الآثار والمكتنزات النادرة. وكيف بقي الناس في منازلهم خشية المساءلة، وخشية التهم السخيفة باسم المحرّمات. وكيف كان المشهد المأساوي العام الذي كسا مجتمع المدينة. وكيف ماتت الأسواق. وكيف بقيت الناس بلا أرزاق ولا رواتب ولا أجور ولا عمل. كيف فرضت المحرمات والممنوعات على الناس، رجالاً ونسوةً وأطفالاً. وكيف فرض النقاب على كل النسوة، واللحى على كل الرجال. وكيف غدت الحياة جحيماً في ظل حكم التنظيم الوحشي الذي لا يعرف الرحمة، ولا القانون ولا التفاهم ولا الوعي ولا التفكير السوي ولا الوسطية.. ماذا عانى الناس من شماتة الآخرين، ناهيكم عن التجريح وكيل السباب والشتائم ضمن فوضى ضياع الأخلاق والقيم الوطنية. إنها تجربةٌ تاريخيةٌ مريرة، صنعها غير أسوياء اجتمعوا في الموصل من شتات الأرض، أجانب وعرب ومعهم عراقيون من فاقدي الضمائر والغيرة على أهلهم وبلدهم، وقد انساقوا مع تيار العنف بقناعاتٍ لا يمكن استيعاب مدلولاتها أبداً
بدأ الجيش العراقي، ومن تجحفل معه، عملياته بتحرير الموصل منذ شهور، وكان الثمن غالياً جداً، إذ تحوّلت دواخل المدينة، سواء بمساكنها أو دوائرها ومدارسها وجامعتها وكل مؤسساتها، إلى ساحة حربٍ استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة، كما نال القصف الجوي أماكن حيوية وسكنية عديدة، وسقط مئات الضحايا، ونزح عن الموصل قرابة مليون نسمة، فضلاً عن مليون آخر، كان قد هرب من المدينة عشية احتلال داعش لها. ويصادف آلاف النازحين اليوم متاعب لا حصر لها، خصوصاً وأن الحكومة العراقية لم تهيئ للناس مستلزمات أية حماية أو وسائل عيش، أو خدمات طوارئ، ولا مراكز صحية متنقلة، ولا أغذية، ولا أغطية. ستلحق كارثة بآلاف النازحين الذين يزداد عددهم يوماً بعد آخر، ناهيكم عن تزايد عدد المشرّدين والأطفال الذين مات أهلهم وتركوهم لمصير مجهول
كان بعضهم يشعر بأن حكومة نوري المالكي السابقة أشبه بقوة احتلال، مهدت لهيمنة تنظيم الدولة الإسلامية، وكما ذكرت وكالة أنباء رويترز: "الانطباع الأول كان أشبه بفتح أبواب السجن.. ولكن، بدل تذوّق طعم الحرية، دخلت الموصل في زنزانة مقفلة ومظلمة". وقد تأكد ذلك بعد أيام قلائل بتفجير مراقد الأنبياء وأضرحة الأولياء التي كان يعتز بها الموصليون، وبدأت سلسلة إعدامات بحد بالسيف أو إقامة الحدود بالجلد أو الغرق أو رمي البشر من فوق العمارات الشاهقة أحياء، أو الإعدامات بالجملة رمياً بالرصاص. وكان الناس يصدمون كل يوم بغرائب الأمور. بعد سقوط الموصل، أصدر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "ميثاق المدينة" الذي لخص فيه رؤيته الصارمة، متمثلة في حظر التدخين والمخدرات والكحوليات وهدم الأضرحة التي يرى فيها التنظيم الشرك بعينه، وأمر بارتداء النساء ملابس محتشمة مع قفازات سوداء والتزامهن المنازل
وبدأ التنفيذ منذ الأسبوع الثاني، إذ حطم المتشدّدون الداعشيون تماثيل حضارية رائعة لرموز الموصل، منها تمثال للشاعر العباسي أبي تمام، وآخر للموسيقار الملا عثمان الموصلي الذي عاش في القرن التاسع عشر، ونبشوا قبر المؤرخ ابن الأثير الذي عاش في القرن الثاني عشر، ودمروا القبة المقامة فوق الضريح مع الحديقة المحيطة به. وفي استعراضٍ متوحشٍ ضخم للقوة، سار آلاف من مسلحي التنظيم الدواعش في وسط الموصل في ساعة متأخرة من أحد الأيام الأولى، رافعين بنادقهم ومستعرضين مدافعهم المضادة للطائرات ومنصات إطلاق القذائف الصاروخية. ووسط الناس الذين تجمّعوا للمشاهدة، هتف الدواعش: "الدولة الإسلامية هنا لتبقى" و"من هنا سننطلق إلى بغداد ومن هناك إلى دمشق". اضطربت الحياة العامة كلها، فماتت التجارة، وسدّت المطاعم، وأغلقت المدارس، وحوصرت الناس في منازلها، ثم بدأت عملية استئصال كل المسيحيين وإخراجهم من دون موجوداتهم، سواء من الموصل أو أطرافها
وسيطر الداعشيون على أملاك المسيحيين، وأملاك كل الفارين من وجوههم. وعندما تم سبي النسوة اليزيديات، جيئ بهن إلى الموصل، ليصبحن ممتهناتٍ لدى هؤلاء المتوحشين الجدد، كما جرى تشتيت الشبك والتركمان والكرد والأرمن والسريان والكلدان والآثوريين.. وأخليت قرى كاملة من سكانها، وسرعان ما أصبحت الموصل مقراً لحكم داعش الصارم الذي نفر منه السكان
نهاية "داعش" قريبة بحول الله، وأتمنى مخلصاً على أهلنا في الموصل أن تكون هذه المحنة درساً بليغاً وتاريخياً لهم، مناشداً الحكومة العراقية أن تفي بالتزاماتها بفرض الأمن والقانون وتعمير الجامعة والمدارس والمؤسسات والدوائر الرسمية والشوارع والمستشفيات، ومساعدة الناس في الاستماع إليهم وتلبية مطالبهم المشروعة، بالقضاء على "داعش" قضاء مبرماً. والمناشدة هنا من أهل الموصل أن لا يبقوا على أيٍّ من خلايا "داعش" تنمو وتتحرك على الأرض أبداً، إذ عليهم أن يطووا صفحة "داعش" إلى الأبد. وستبقى تجربة إجرامية متوّحشة في الذاكرة التاريخية

العربي الجديد / لندن  ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل 
http://sayyaraljamil.com/

 

 

 


 

هزيمة 67... العقل يحاكم

التاريخ وينصف البطولات

سيار الجميل

 

نجح المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في عقد مؤتمر مهم في الدوحة، 20 – 22 مايو/ أيار 2017، "خمسون عامًا على حرب حزيران/ يونيو 1967: مسارات الحرب وتداعياتها"، لمناسبة مرور نصف قرن على أهم حدث تاريخي في حياة العرب إبان القرن العشرين، والذي أنتج كارثة مروّعة جرّاء هزيمة العرب الكبرى أمام إسرائيل. وشارك في المؤتمر نخبة من الباحثين والمؤرخين، وكذلك قادة عسكريون عرب كانت لهم مشاركاتهم في الحرب. وقد عرضت ونوقشت نحو 25 ورقة علمية بحثية، خضعت للتقويم العلمي، مع تقديم أربع شهادات لقادة وضباط عرب قدامى. وكان المؤتمر، بحد ذاته، تظاهرة علمية وفكرية عربية، نظرا لاهتمام المركز العربي بالموضوع، والتحضير له عشرة أشهر. 

منهاج عمل وتفكير 
كانت محاضرة الافتتاح للدكتور عزمي بشارة بمثابة منهج عمل، ومثّلت خطاباً فكرياً جديداً، له تميّزه وأفقه الواسع، وكان قوامها العقل في التعمّق بطبيعة التاريخ المقارن بين العرب وإسرائيل، وصاحب ذلك نقد للثقافة العربية إزاء تداعيات امتدت نصف قرن مضى. ومن خلال تحديد رؤية الخطاب تاريخ 1967، أدركنا أن نشوء إسرائيل الحقيقي قد تبلور بعد الحدث، إذ استقر مشروع إسرائيل، وتكثفت الهجرة نحوها، وتدفقت الاستثمارات والمعونات والتسلح الأميركي، وطورت دعايتها المضادة بالتباكي من تفوق العرب العددي، وإن دفاعها كقلة ضد الكثرة أسطورة كاذبة. واتخذ تاريخ المنطقة مساراً متبايناً صنعته نتائجها المريرة. وقد فسر الخطاب معنى الهزيمة التاريخية للأنظمة السياسية والحركة القومية العربية، وتفكّكت بنية الصراع العربي الصهيوني، وصولا إلى عمليات التفاوض المنفصلة، وغدت القضية قضية شعب فلسطيني وحده، وترك الفلسطينيون يواجهون مصيرهم وحدهم إزاء عدوهم الماكر. وبقيت الأنظمة تتاجر باسم فلسطين من أجل استحواذ "الشرعنة"، وبقائها في السلطة. موّه العرب الهزيمة التاريخية لتغدو مجرد "نكسة" من دون الاعتراف بالهزيمة، وجعلوا إسرائيل "أسطورة" لا تهزم، وأفشلوا الوعي العربي سايكولوجياً، وأسس آخرون فكرة "مؤامرة يهودية عالمية"، بسيطرة اليهود على أميركا وصنع قراراتها، من أجل مفاوضاتٍ بين أقزام وقوى خارقة. وراح كل من يعارض تلك السياسة يوصم بالعمالة للاستعمار والصهيونية، في حين لم يتعرَض كل المسؤولين إلى أية مساءلة أو تحقيق، وغابت الدراسات المعمقة عنه، مقارنةً بما حصل في إسرائيل والغرب عموماً. وراجت في ثقافتنا بعد الهزيمة عباراتٌ مائعة إزاء كيان كانوا يعتبرونه هشّا ومؤقتا، وأنه مجرد عصابات، ولكنهم اصطدموا بكيانٍ له مؤسساته وسياساته الماكرة. 
يؤسس الخطاب أيضا عدة ركائز منهجيّة، والدروس المستوعبة لها الاعتبارات التالية: من النكبة إلى الهزيمة كلٌّ لا يتجزأ. شتان بين خطط إسرائيل وسياسات العرب. قضية مركزية إلى قضية مهمّشة. غيبوبة العقلنة العربية. إسرائيل، من تكون؟ الضحيّة والجلاد.. صورة حمل يعيش بين الذئاب. 

قراءات وشهادات 
هزّت هزيمة حزيران/ يونيو 1967 الوجدان العربي والضمائر الحية، وعلينا أن ندرك أن 

المركز العربي هو الوحيد الذي أحيا ذكرى الهزيمة، من أجل فهم ما حدث من خطايا بحق الأمة، فضلا عن إنصاف جملةٍ من البطولات الرائعة. 
بدأت جلسات المؤتمر بمشاركة أكثر من ثلاثين أكاديمياً وباحثاً مع قادة عسكريين. تمّت الاستفادة من تحليل حالة الصراع داخل أجنحة العسكر في الجيش المصري، وهي التي أدّت إلى الهزيمة عام 1967، وكشفت الحرب "عقلية العسكر" وصراعات الأجنحة، ووجدنا المهنية متآكلةً جرّاء عبادة البطل والخوف منه، وتغليب السياسي على الوطني، واستناد تلك العقلية إلى نظرية المؤامرة، حتى في تفسيرهم الهزيمة. وعولجت مسببّات الحرب وعللها، فضلاً عن عمليات الجبهة السورية عشية الحرب، وتبين أسرار ما جرى في الدوائر الأميركية العليا، ومتابعة الضربة الإسرائيلية الخاطفة والخادعة في الساعات الأولى، وردود الفعل الأميركية والدولية، ومواقف السوفييت المتذبذبة، عبر الخط الساخن مع الأميركان، وما خطط له الأميركان لتغيير أنظمة سياسيّة لاحقاً في كلّ من العراق (1968) وليبيا (1969) وسورية (1970)، ورحيل جمال عبد الناصر المباغت والغامض (1970) والسودان (1971). وقد ألقيت أضواء ساطعة على تاريخ يوم مفجع في تاريخ العرب المعاصر من خلال قراءة معمقّة لوثائق الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون، وعلاقة السوفييت بالحدث. ومواقف بعض الزعماء العرب، وخصوصاً جمال عبد الناصر والملك حسين. 

الجبهة المصرية 
وعليه، سيطرت "ذهنية الهزيمة"، على الرغم من تفوق مصر والعرب في العدد والعتاد، والتصعيد السياسي والتعبئة الإعلامية لأجهزة إعلام نظام الرئيس جمال عبد الناصر، مع فشل الجيوش في مهنيتها وتنظيمها. والفجيعة أنها عدّت تاريخاً مسكوتاً عنه على امتداد نصف قرن مضى، وكيف كان قرار غلق مضايق تيران أحد أسباب اندلاع الحرب، فوجدت إسرائيل أنه فرض الحصار البحري عليها، وعمل حربي وعدائي، علماً أنها كانت تتعامل مع موانئها المتوسطية بحيوية. وكانت مصر تعيش أزمة اقتصادية مؤثرة. وتتحملّ الدبلوماسية المصرية مسؤوليتها، فالعلاقات مع الأميركان متدهورة، وتقارير السوفييت ضللت عبد الناصر لردع أيّ تحرّكات إسرائيلية ضدّ سورية. 

الجبهة السورية 
ما جرى على الجبهة السورية عدّ انتصاراً سهلاً حققته إسرائيل، بقضائها على ثلاثة جيوش عربية في ستة أيام. وإن الجيشين المصري والسوري لم يكونا مستعدين للحرب. ويعتبر 

الإعلان عن سقوط القنيطرة قبل حدوثه جريمة لم يحاسب أحد عليها، إذ فضّل نظام الحكم السوري بقاءه في الحكم على مصلحة الوطن. وكان الجيش السوري قد أنهكته الانقلابات العسكرية، فتلاشى في 5 يونيو/ حزيران 1967. وقد أخرج نظام "البعث" مئات الضباط المحترفين، وفرض الصيغة العقائدية، وبدأ صراع الكتل العسكرية ذروته، فقاد إلى الكارثة. وكشفت الوثائق الأميركية صراعات الأجنحة داخل حزب البعث قبل الحرب، وفي أثنائها وبعدها، وتمكّن وزير الدفاع، حافظ الأسد، من بناء تحالفاتٍ عسكرية لصالحه، مكنتّه من السيطرة على حساب هزيمة سورية وخسرانها الجولان، وسيطر على الجيش كاملاً، وبدأ يستعد لانقلابه العسكري عام 1970 الذي كشفت عنه المخابرات المركزية قبل وقوعه. 

الجبهة الأردنية 
قدمت رؤية مختلفة عن حرب 1967، وخصوصاً عن المشهد الأردني، وما دار في الضفة الغربية، وموقف الجيش الأردني، بعد أن طار الملك حسين إلى القاهرة، وتوقيعه معاهدة الدفاع العربي المشترك مع الرئيس جمال عبد الناصر، وعاد مصطحباً معه الفريق المصري عبد المنعم رياض، ليتولى قيادة الجيش في الأردن، لكي يتحمل المسؤولية وحده، إذ كان الملك حسين يدرك النتيجة المأساوية، ولكنه لم يستطع الوقوف على الحياد، خوفاً من الناس، فلم يتول القيادة بنفسه، ولم يقلّدها لقائد أردني، كيلا يتهم بضياع القدس. وعلى الرغم من مهنية الفريق رياض، إلا أنه قاد المعركة من دون إدراك طبيعة مقاتليه، ولا الأرض، ولا الخطط، ولا العدة اللازمة، فكان أن ضاعت الضفة الغربية، ومعها مدينة القدس الشرقية. 
وفي رؤيةٍ أخرى، ثمة إشارات عن وجود "العديد من المذكرات السرية والشهادات والروايات التي لم تنشر بعد عن خفايا حرب 1967، ... وتؤكد شهادات ضباط أردنيين عدم استطاعتهم تفسير أخطاء الفريق رياض خلال الحرب. وبدا واضحاً أن الأردن لم يستطع النجاة من النتائج المرّة للحرب، سواء شارك فيها أو امتنع عن خوضها، فالنظام كان مهدداً، أما القوات الجوية العراقية، فكان لها دورها وتأثيرها في مسرح العمليات، إبّان حرب يونيو/ حزيران 1967، وللطيارين العراقيين بطولاتهم وخسائرهم فيها. 

البيئة الإقليمية والدولية 
موضوعات مهمة أخرى عولجت بمهارة، فقد وضعت وثائق المشهد الإقليمي والدولي تحت 

المجهر، وقُدمت أسئلة تمثل إجاباتها مقاربةٌ متعددةُ المداخل للبيئتين، الإقليمية والدولية، اللتين جرت الحرب في سياقهما؛ هل كان على العرب التورّط فيها؟ وما منظور التطورات التي جرت في أروقة الأمم المتحدة؛ إذ كانت إدارة الأزمة محدودةً في الجمعية العامة، بينما كان مجلس الأمن مكبلًا بحق النقض (الفيتو) والاستقطاب الدولي بين القوتين العظميين. وعليه، كانت مسألة سحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء لها خطورتها، ثم فرض وقف إطلاق النار، وصولًا إلى إنفاذ قرار مجلس الأمن، وفحص ما إذا كان في وسع تلك القوة الدولية، في ذلك الوقت، توفير بديل من الحرب، أو الحد من تداعياتها. وما طبيعة المقاربة الأميركية للعلاقة مع إسرائيل لما قبل الحرب وأثنائها، أو بعد أن تحققت هزيمة العرب، ثمّ تأسيس مبدأ "الأرض مقابل السلام". وثمّة قراءة للوثائق السوفييتية ومواقف أطّرت موسكو وأطراف الحرب، بعيداً عن مواجهة الأميركيين. وطبيعة بخل موسكو وتقشفها مع حلفائها العرب، سواء في الاستخبارات أو الدعم العسكري، وبيع العرب أسلحة قديمة. أما العلاقة بين إيران وإسرائيل، فمتطورة بينهما، ما قاد إلى تصاعد المعارضة ضد الحكم، مع تطوّر هجرة يهود إيران إلى إسرائيل بعد هذه الحرب. 

رؤى عربية 
قدمّت مراجعة للرواية الإسرائيلية للحرب، وما تعلّق بالصراع داخل النخبة الإسرائيلية العسكرية والسياسية، وتم التأكيد على تعقيدات صنع قرار دخول الحرب، وتداخل العوامل الداخلية والدولية، إذ كانت استكمالًا لأهداف المشروع الصهيوني عام 1948، وتغلبت رؤى العسكريين الساعين إلى استغلال الفرصة السانحة والاستثنائية لتوسيع حدود إسرائيل. منذ الخمسينيات والستينيات، وعدم التوقف عند حدود الهدنة 1949. ثمة خطط لتوسيع حدود اتجاهات إسرائيل، ومن أهم الخطط خطة "كلشون"، (الشوكة أو المذراة أو السهم) التي استهدفت احتلال سيناء وقطاع غزة، والوصول إلى قناة السويس في ستة أيام، ثم خطة "موكيد" (الموقد) لضرب مطارات مصر وتدمير طائراتها.. والاجتياح البري لاحتلال سيناء من محاور عدة. أما خطة "فرجول" (الكرباج)، لاحتلال الضفة الغربية، وضمنها القدس الشرقية، لكي تصل إلى نهر الأردن خلال 72 ساعة، وهناك خطة "ملكحايم" (الكماشة)، لاحتلال هضبة الجولان السورية حتى مشارف دمشق. ثمّ طرحت نظرة فحص التصورات المؤدلجة بطرح قصة داود وجالوت، منظوراً لتصوير الحرب عند مايكل أورين وتوم سيجيف ويوسي هاليفي. الجدل الإسرائيلي حول حرب 1967 أعمق كثيرا من مجرد رؤى متباينة، فمن المسؤول عن الحرب ومن بدأها؟ جدل حدث بسبب ظهور المؤرخين الإسرائيليين الجدد. في تطور يعدّ مهما على الصعيد الأكاديمي، كونه فتح باباً جديداً لتاريخ القضية والصراع معا، والتغير جزء من ظاهرة جدلية ثقافية وفكرية معقدة حول التاريخ الإسرائيلي. 
ثمّة صورة للاستراتيجية الإسرائيلية الحربية لما بعد تحقّق أهداف الحرب. ومعرفة العرب وسائل إسرائيل في تنفيذ عملياتها من أهم ما يحتاجه العرب اليوم ومستقبلا. اختلال التقييمات العربية لهذه الحرب ألقى باللائمة على الشعوب، فتجاهلت هذه التقييمات دور الحكام المسؤولين العرب الحقيقيين عن الهزيمة، ولم يحاكموا أبداً، بل سادوا واستبدوا، وبدل أن تُعارض 

سياساتهم وتنتقد أخطاؤهم، تمت تبريراتٌ للهزيمة وتمرير لها، والدفع بذهنية الخضوع لتُهدر طاقات مجتمعاتنا التي بدت قابلةً مفاهيم الانهزام وتدجينها على الضعف والهشاشة وقبول المستبدين. إن استعراضًا للتحركات الدبلوماسية العربية في مواجهة العدوان، ومقرّرات مؤتمر القمة العربي في الخرطوم الذي أشهروه باسم "اللاءات الثلاث" لخداع الجماهير، وتحولات النظام الإقليمي العربي من بعدها إلى اللعب باسم الشعارات، لتنفيذ مآرب جديدة، وذلك على حساب تداعيات الاحتلال الإسرائيلي للجولان وسياسات الاستيطان الإحلالية فيه، من دون تقييم (ودراسة) الخطط الإسرائيلية التي استخدمت في الهجوم في حرب 1967، وكيف تجذّرت مطامع إسرائيل وتخطيطها المسبق لاحتلال الأراضي العربية، إذ تم كشف دوافع عديدة لسياسات الاحتلال وممارساته في الجولان واستهدافها الاستيطان. 
إعلامياً، ما كانت تذيعه الإذاعات العربية عدّه العقلاء كلّه تهريجاً كاذباً، وحتى البيانات الرسمية التي كانت تذيعها القيادات العامة، معلوماتها كاذبة ومدلسة، كما أشار إلى ذلك أكرم زعيتر في تسجيلات يومياته التي كان ينقل فيها ما يسمعه من هذه الإذاعة أو تلك، وقد تبيّن واضحاً بعدئذ مصداقية ما كان يسجله من تعليقات على الأخبار التي كان يسمعها. 

شهادات عسكرية 
وقدم أربعة من الضباط شهاداتهم عن مشاركاتهم في الحرب، فالجبهة المصرية لم تشهد قتالاً حقيقياً، وكانت الجبهة السورية ضعيفة جدًا باختراق الدبابات الإسرائيلية الجولان بلا أية دفاعات. ووصلت القوات العراقية متأخرة، ولكن سلاح الجو العراقي قاتل بضراوة. ورويت في المؤتمر قصة حقيقية عن سقوط القدس الشريف والضفة الغربية، فثمّة جيوب ناضلت حتى النهاية وسط تدفق الدبابات الإسرائيلية. 
وأخيراً، مؤتمر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ظاهرة معرفية، وله نتائج جدّ مهمّة في فهمه ونقد عناصره وفصوله ووقائعه، وفهم إسرائيل واستراتيجياتها، خدمة للأجيال المقبلة. وعليه، ينبغي شكر وتقدير المركز العربي على مبادرته العلمية في الوقوف على فهم أبرز حدث مأساوي عند العرب في القرن العشرين.

(العربي الجديد) لندن


 

العرب والكرد ..

جدلية التعايش والمصالح

أ.د. سيّار الجميل



 

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمراً مهماً وساخناً ومثيراً في الدوحة على مدى ثلاثة أيام، بدءاً من 29 أبريل/ نيسان2017، تحت عنوان "العرب والكرد: المصالح والمخاوف والمشتركات". عولجت في أوراقه جملة من الطروحات السياسية، وأثيرت في حواراته وجهات نظر متعدّدة، ومتضاربة في جوانب ومتهاودة في أخرى، وفي مجالات تاريخية وسياسية وجغرافية وسوسيولوجية واقتصادية، وعالجها باحثون متخصّصون ومؤرخون عرب وكرد، وبالذات من العراق وسورية. ويعدّ المؤتمر أوسع تظاهرة أكاديمية في موضوع العلاقات العربية – الكردية، يجتمع فيها باحثون وأكاديميون من الطرفين لمناقشة قضايا إشكاليّة راهنة، تفرض نفسها على الأجندات البحثية العربية والكرديّة معًا، وتتنوع مواضيعها بتنوع التخصصات العلميّة والأكاديمية. وبقدر ما كانت جلسات اليوم الأول ساخنة ومتشنجةً، وصاحبتها ردودُ فعل مباشرة، غدت في اليوم الثاني أقلّ تصلّباً، ثم بردت وغدت أكثر ليونةً ورشاقةً في اليوم الثالث ما يدلّ على أن مبدأ الحوار والعقل، إذا ساد بين الجانبين، يزيل نسبةً عالية من التباينات والتضادّات، بل ويقّرب المسافات الطويلة ويذيب  كتل الجليد.. وهنا، ينبغي الإشادة بالدور الذي يقوم به المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في إثارة موضوعات استراتيجية وحيوية، وهو يتبنى فلسفة ثورة الإشكاليات المعرفية، وتطبيقها على الواقع بكل نتائجها واستخلاصاتها. من أجل مستقبل ديمقراطي وعقلاني  تسوده الثقة والتكافؤ بين كلّ الاطياف في المنطقة .  

من الموصل إلى العراق وسورية

بدا واضحاً أن جلَّ الكرد العراقيين يعودون، في التقسيم الإداري العثماني إلى ولاية الموصل، وتبين أن التعايش الاجتماعي بين العرب والكرد فيها كان قوياً. وقد كانت هذه الولاية تضمّ كلّ كرد العراق إلى جانب الأطياف الاجتماعية الأخرى. وكان هذا التعايش التاريخي بين الطرفين يمتد أنثروبولوجيًّا إلى أزمنةٍ قديمة، بل إنّه يرجع إلى مشروع الشيخ المستشار إدريس البدليسي في تثبيت أركان الإدارة الأهلية في بلاد الجزيرة وولاية الموصل، على عهد السلطان العثماني سليم الأول في الفترة 1512-1520. وكانت للكرد  اماراتهم المحلية على  امتداد الازمنة العثمانية ، وقد شارك الأكراد في الحياة العراقية، دولةً ومجتمعاً، وخصوصًا في المشتركات السياسية على مستوى الأحزاب أو التمثيل النيابي، وخصوصاً مشتركات "العرب والكرد في العهد الملكي العراقي، إذ بدت محاولةً ناجحةً في بناء الهوية الوطنية العراقية الجامعة"، فمن الثابت تاريخياً أنّ المنطقة الكردية في العراق، وخصوصاً المحافظات الكردية الثلاث، مضافًا إليها قطاعات من محافظات أخرى، كانت على الدوام مناطق تدين بتابعيتها وولائها إلى مركزية بغداد. وعليه، كان سكان هذه المناطق عراقيين على الدوام، مهما كانت التسميّة التي تُطلق على هذه الرقعة الجغرافية. وثمّة حقائق لابدّ من الاعتراف بها، إذ أن العلاقات بين الطرفين كانت، اجتماعياً واقتصادياً، أقوى منها سياسياً وثقافياً، ولا يمكن أبداً، لا اليوم ولا في المستقبل، أن يستغني الكرد عن العرب في كلّ من العراق وسورية، فإنّ ما يجمعهم هو أكثر بكثير مما يفرّقهم، وأن مشتركاتهم ومصالحهم معاً، في كلّ من البلدين، هي أقوى بكثير مما هو عليه الحال في تركيا وإيران وعلينا  ان ندرك ان الكرد  قد لاقوا  اضطهادا مريرا في مراحل  من العهود الجمهورية في العراق ، وخصوصا  ابان  حركات التمرد والثورة  التي أعلنوها سواء على  عهد عبد الكريم قاسم  ام  عهدي الاخوين عارف  أم عهدي  احمد حسن البكر  وصدام حسين   .



 

 الشراكة تسبق القطيعة

وثمّة صوتٌ انبعث في واحدة من جلسات المؤتمر يقول إن كرد العراق، حتى إن انفصلوا عن عرب العراق وتركمانه، قريباً أو بعيداً، فإن مصير الجغرافيا هو الذي سيحدّد طبيعة علاقتهم مع بعضهم، فالمصالح التي تجمعهم أقوى بكثيرٍ من الكراهية والأحقاد التي تفرّقهم، والتي يتلاعب الآخرون من خلالها عاطفياً (!). ولقد نوقشت جملة كبيرة من المسائل التاريخية والعالقة من المشاركين، وكثيراً ما يصل المتحاورون إلى عدة نقاط إيجابية بتقاطعاتهم بعضهم الآخر مع بقاء العديد من المفترقات بتحميل بعض الموضوعات أكثر من طاقتها.. ومما يدعو إلى الطمأنينة أن الكرد استجابوا لمثل هذا "المشروع" الحواري والجدلي الرائع، إذ ربما يعقد اللقاء الثاني في كردستان العراق لمواصلة مداولاتٍ من نوع آخر.

وقد بدا واضحاً أن تاريخ العلاقات بين الطرفين كانت التعايشات فيه قد أنتجت مشتركاتٍ لا حصر لها في المجتمع، سواء من المصاهرات الأسرية، أو الحلقات الدراسية، أو التكايا الصوفية، أو الأسواق والتبادلات السلعية، وصولاً إلى العادات والتقاليد المشتركة، ولكن عقم السياسات التي مورست في القرن العشرين بالذات قد سببّت افتراقات وتمرّداتٍ واشتعال ثوراتٍ على السلطات التي لم تحسن التعامل بالحكمة والعقل أولاً، في حين كان الكرد لا يكتفون بما يأخذون، بل سعوا إلى تطبيق مبدأ "خذ وطالب". وقد بدأت جذور المشكلة بعد وقوع بلاد الشام والعراق تحت نظام الانتداب. وفي حين خرجت تركيا من التحول بمنزلة الدولة القومية الوحيدة المستقلة، وترتّب على ذلك أنْ كان العرب والأكراد والأرمن أكبرَ الخاسرين.



 

من المسؤول؟

وهنا، برز صوتٌ عربي يقول للكرد: خرائطنا لم يكن العرب مسؤولين عن وضع خطوطها، او هندستها ، فالعرب والكرد والتركمان والأرمن، وكل المسيحيين، وبقية الأطياف الاجتماعية قد ارتهنوا للإرادة الدولية إثر الحرب العالمية الأولى، وإن الهوية الكردية وجدت نفسها تتحرّك بحرية في العراق وسورية ومصر أكثر بكثير مما كان، ولم يزل، حالها في كلّ من إيران وتركيا. ويأتي صوت كردي مبرزاً غياب موقف عربي موحد من القضية الكردية، على الرغم من أهميتها، ولم تحصل على التوجيه المناسب لها، فيما يصبّ في مصلحة الوحدة والديمقراطية في العراق، ولم تذكر أو يذكر "الكرد" في أيٍّ من الشؤون العربية خلال السنوات الفائتة كلّها، مع أهمية هذه القضية وتعلّقها، بصورةٍ ما بأمن الشرق الأوسط. أجاب مشاركٌ عربيٌّ بأن علاقات الكرد القديمة بإسرائيل وحتى يومنا هذا، كان ذلك سبباً جوهرياً في وضع علامة استفهام كبيرة، رد عليه مشارك كردي: من أجل قضيتنا العادلة، نطرق كلّ أبواب العالم.

وأعتبر أن غياب سياساتٍ متناسقة ومتوافقة داخل النظام الإقليمي العربي تجاه القضايا الداخلية والخارجية كان أحد الأسباب التي أثرّت على شكل التأثير في العلاقات العربية الكردية وقلته. ويعتقد بعضهم أن العرب والكرد قد تعرّضا معاً إلى حالةٍ من الدمج والانصهار الايديولوجي، خلال العقود الأخيرة، وفي مختلف العهود. ويرى بعض العرب أن للكرد كل الحق للمطالبة بـ "حق تقرير المصير"، ولكن المسألة لا تعود إلى العرب في العراق أو سورية، وافقوا أم لم يوافقوا، بل إلى إيران وتركيا في قبول هذا "الحق" واشتراطات هذا المبدأ ومخاطره..

في الحقيقة ، لو أرادت الولايات المتحدة فعل ذلك لمنحت الكرد استقلالهم السياسي منذ 1991 في العراق، واعترفت به، وجعلت العالم كله يعترف سياسياً وإعلامياً ودبلوماسياً. ولكن، يبدو أن ثمة حساباتٍ أخرى لدى القوى الكبرى! فضلاً عن أنه ليست لدى الكرد توجّهات موحّدة في تشكيل أمّةٍ لها هويتها القومية، مع افتراقاتٍ لغوية وثقافية واجتماعية وسياسية مع افتراقات الكرد على قيادة موحدة. وعليه، فقد استُخدموا "أوراق ضغط" من قوى عدة دولية وإقليمية على نظم سياسيّة، وعلى حساب أهدافهم.. وإذا كان الكرد الأوائل قد قبلوا أن يكونوا وطنيين عراقيين أو سوريين، فإن الكرد من الجيل الجديد لا يقبلون أبداً الانضواء في دواخل "أوطانٍ" يعتبرونها مزيفة (كذا)، ولا ينتمي لها أبداً! ولكنه جيلٌ ليس في استطاعته فهم مشكلته الحقيقية، فهو يعيش قلقاً وطنياً وقومياً ومستقبلياً، فهو لا يعرف أين تمتد حدوده مع الآخر في أراضٍ سمّاها "أراضي متنازع عليها". والمشكلة فيها أنه لم يتوارثها منذ القدم كيانات قائمة بذاتها ولها حدودها، بل هي أراضٍ مختلطة السكان من ممتلكات أراضي ولاية الموصل العثمانية. ويؤكّد أحدهم، وهو يجيب على العرب، قائلاً: أيّ نظرة إلى المسألة الكردية على أنّها مجرّد قضية إدارية أو نزاع على النفط، مع إغفال الأهمية الرمزية والعاطفية للأرض، بوصفها وطنًا، تبسيط للأمور 



 

مفاهيم ينبغي معرفتها

يعكس تحليل أحد الباحثين وجهات نظر سياسيّة ومستقبليّة، إذ يطرح أحد الأحزاب الكردية "الكونفيدرالية" علاجاً واقياً بعد فشل كلّ من تجربتي الحكم الذاتي واللامركزية والفيدرالية.. كي يتم تحديد العلاقة بين كردستان والعراق مثلاً كونفيدرالياً، أو انبثاق "كونفيدراليات كردية" في سورية والعراق وإيران وتركيا، لكي يوحّدها اتحاد كونفيدرالي. هنا، ينبغي الإجابة على مثل هذا "الطرح"، ذلك أن هؤلاء الباحثين والسياسين الكرد لم يدركوا حتى اليوم ما تعنيه المفاهيم والمصطلحات، حتى يتم استخدامها بهذا الشكل، فالفيدرالية اتحاد كيان إقليمي، والكونفيدرالية تعني اتحاد كيان دولي باتحاد دولٍ معترف بها رسمياً ودولياً.. وبحسب الخطاب الكردي، لا تعني الفيدرالية تقاسم الإدارة من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فقط، بل تعني تقاسم السيادة والسلطات أيضاً، فهم يبرّرون ما يقومون به بأن لفيدراليتهم خصوصية، وعلى العراقيين أن يتقبلوا هذه "الخصوصية".

دعوة الكرد إلى الفيدرالية مبنيةٌ حصراً على أساس خصوصيتهم القومية- الإثنية، أي أنهم يريدون أن يتولوا إدارة المناطق التي يعتقدون أنهم يشكلون فيها تاريخياً أغلبية سكانية. وتعود مطالبة الكرد بدولة فيدرالية إلى عام 1992. وقد عجز الوضع العراقي بعد عام 2003 عن استحداث فضاء جماعي تتقاسمه الأغلبية، كما تسبب غياب مؤسسات الدولة عن نسيج اجتماعي مبني تاريخياً وثقافياً على أساس الولاء لها بوصفها قاعدة جامعة في استقطابٍ أشدّ حدة مما مضى، وتكرّس من جديد على أساس الولاءات الطائفية، والإثنية، وولاءات العشيرة والمحلية.

أما "صورة الآخر في المتخيل الجمعي.. العرب والكرد في العراق"، فإن الشؤون الاجتماعية في المجال العام بين القوميتين، كالزواج المختلط قومياً، والتجاور، والمشاركة الاقتصادية وغيرها كانت عناصر جمعٍ قوية بين القوميتين. تتقبل الأكثرية المشاركة في تلك الشؤون، في حين شكلت أكثرية القضايا السياسية نقطة افتراقٍ بينهما، ما يدل على أن السياسة تؤدي الدور الأكبر في إفساد العلاقات والروابط بين القوميتين العربية والكردية. قال أحد المختصين العرب إن "استقلال الكرد في شمال العراق حلم أكثر منه إمكانية حقيقية". وإن "هناك انقساماً كردياً – كردياً حادّاً، وهذا الانقسام الكردي لن يتبع بإنتاج دولة حقيقية في كردستان، وبالتالي قضية الحديث عن استفتاء بالإقليم تأتي في إطار التصعيد السياسي للحصول على مكاسب". وكان أحد أهم دارسي القضية الكردية، فرد هاليداي، قد كتب منذ فترة طويلة أن "الانقسامات داخل كردستان تتعمّق، وإننا لسنا إزاء انقسام سياسي وحسب، بل انقسام ثقافي وإيكولوجي ولغوي. وبالتالي، هناك عوامل موضوعية تمنع فكرة الدولة الكردية المستقلة". لكنه استدرك "هذا لا يعني عدم وجود إشكاليات حقيقية بين الإقليم والمركز". ويتحدّث مختصٌ كرديٌّ معالجاً ثلاثة خياراتٍ أمام إقليم كردستان: "الاستقلال السيادي، وأن يحظى باستقلال اقتصادي، من خلال إعادة تعزيز الفيدرالية، أو تصحيح مسار الفيدرالية التوافقية، أو إعلان الدولة الكردية". وأكاد أجزم أن لدى الكرد خلافاتهم الجزئية في ما بينهم، ولكنهم متفقون، من حيث المبدأ، على الأهداف المشتركة، عكس العرب الذين لديهم خلافاتهم الكلية في ما بينهم، ولكنهم متباينون حتى في الأفكار التي تجمعهم.



 

وأخيراً: دستور غير توافقي

انقلب دستور 2005 في العراق الذي أقر الفيدرالية، وبإلحاح من الكرد، ليصبح وبالاً عليهم، وهو لا يعد كما وصفته إحداهن من أهمّ التطورات القانونية والسياسية التي أحدثت تغييراتٍ أساسيةً في بنية النظام السياسي، والقانوني، والاجتماعي، والاقتصادي، في المجتمع العراقي. ونعتقد، عكس ما قالت، إذ لم تحقق هذه التجربة استقرارًا نسبيًّا في أغلب المستويات، ولم تكن ممهّدةً لإمكانية بناء دولةٍ مدنيةٍ ديمقراطيةٍ حديثةٍ في الشرق الأوسط، يكون فيها العرب والكرد شركاء حقيقيين في بناء الوطن، ولكن جملة مشكلاتٍ بدأت تظهر، بعد أن اختلف القائمون على السلطة في تفسير مواد الدستور الذي أقر بعجالةٍ من الأمر. وبدأ مع هذا الاختلاف صراع بين الحكومة الاتحادية التي حاولت فرض سيطرتها على أبعد ما نصَّ عليه الدستور، وحكومة إقليم كردستان التي سعت إلى توسيع الاختصاصات والامتيازات التي جاءت في الدستور لمصلحتها.

وأخيراً، تساءل أحدهم، في نهاية مؤتمر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.. لقد انتهت اللعبة؟ أجبته :  إن اللعبة في بدايتها، ولم تبدأ بعد، وأمامنا وأجيالنا المشتركة، عرباً وكرداً، سنوات طوال من تقاذف الكرة في الملعب، حتى تنتهي اللعبة بعد قرابة عقدين أو ثلاثة من الزمن الآتي الصعب.



 

العربي الجديد ، لندن  ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

https://sayyaraljamil.com

 

 

 

هل سيعيش

النظام الحاكم في العراق؟

سيّار الجميل

 

بدأت تطفو على السطح في العراق جملة منالمساعي السياسية، وخصوصاً من قادة الكتل والاحزاب والقوى المختلفة، نحو ما يمكن تحصيله من الانتخابات المقبلة، البلدية والبرلمانية، وهي لا تعدو أن تكون كعادتها التي جرت متكرّرة في إطارٍ من إشباع الرغبات والطموحات من أجل النيابة، أو المناصب، أو الفوز بالمقاعد، أو نيل الحقائب الوزارية في نظام سياسي ينقسم العراقيون بين القبول به عن قناعةٍ ورضى مقنّع بالطائفية، ورفضه من كلّ من يسعى إلى بناء مشروع وطني مدني لنظام سياسي أكثر نظافةً وعدالةً وحداثةً واستقلاليةً، على الرغم من أن عموم العراقيين يدركون، بما لا يقبل مجالا للشك، أن أوضاع البلاد متدهورة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. ناهيكم عن فشل الحكومة العراقية في الإصلاح وأداء الخدمات وتلبية شكاوى المواطنين من أقصى الشمال حتى أقصى الجنوب، باستثناء حالة كردستان أمنياً وسياسياً، كما أن البلاد لم تزل تدفع أثمان السياسات الخاطئة التي اتبعتها حكومتا نوري المالكي، ثماني سنوات، قبل وصول حيدر العبادي إلى السلطة. وكانت حكومة الأخير، ولم تزل، ضعيفة ومفكّكة، وقد شغلت، منذ أكثر من سنتين، بتطهير نصف البلاد من أوبئة "داعش"، وآخرها تحرير نصف مدينة الموصل، بمساعدة التحالف الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية التي تشهد اليوم تغيراتٍ جذرية في الرؤية والممارسة تجاه العراق، ولا يمكن التكهن بما سيكون عليه الوضع على عهد الرئيس الجديد، دونالد ترامب، وتوعداته الخطيرة ليس للعراق وحده، بل لكل دول المنطقة.
في وقتٍ ينبغي على النظام السياسي في العراق البدء بجملةٍ من التغييرات في السياسات  

والمؤسسات والأنظمة والقوانين، وفي مقدمتها النظام الانتخابي وإصلاح الدستور، لكي لا يستمر هذا "النظام" دائراً في حلقة مفرغة ومألوفة، تثير غضب الناس، فإنّ أركان هذا "النظام" يصرّون على انتهاج الخديعة نفسها، في ظاهرةٍ كانت ولم تزل مهترئة، بل باتت مكشوفةً اليوم. وبدل أن تتحرّك قوى سياسيّة عراقية فاعلة وجديدة على الساحة، فان الوجوه المألوفة هي الوحيدة التي بدأت تسعى إلى البقاء في السلطة، أو تبقى سيدة للمواقف كلها، وببضاعتها الديماغوجية نفسها، واللعب بعواطف الجماهير طائفياً، لكي يتحمّل الناخب مسؤوليته في استمرار هذا النظام الرّث. 
وكان مأمولاً من رئيس الوزراء، حيدر العبادي، أن يغتنم فرصته، كما ناشده كلّ المخلصين، لا التابعون، الخروج من حزبه، وتشكيل حزبٍ جديدٍ عابر للطائفية، أو تأسيس كتلةٍ سياسية جديدة، لها وطنيتها تكون أكثر مقبولية لدى بقيّة الأطراف، بدل أن يبقى رقماً، حتى لو كان متقدماً في حزب الدعوة الإسلامية الذي تشكّل دولة القانون، بزعامة نوري المالكي، ركنه الحقيقي. ولكن، يبدو أنه ليس في مقدور العبادي التحرّك وسط جوقةٍ من القوى والأطراف القوية التي لها توحشها وعلاقاتها مع إيران.
من يظنّ أن ما طالب به الآخرون من الإصلاحات والتغيير، سواء في لوائح الدستور أو النظام الانتخابي، سيتحقق، فهو واهم جداً، ذلك أن النظام الحالي تلتف حوله أطراف أخطبوط واسع، يتحرّك وسط سياسات محكمة، ويسيطر على أجهزة إعلامية كبيرة، ويمتلك نفوذاً واسعاً وإنفاقات مذهلة، فضلاً عن أطروحاتٍ تأتي من هنا وهناك، لا تمت بأيّة صلة إلى المشروع الوطني العراقي الذي ينادي به الأحرار، وكلّ المواطنين من المدنيين والعلمانيين والتقدميين والراديكاليين والمستقلين. وهؤلاء لا معنى لهم، بل ولا قيمة لهم أبداً لدى أركان النظام الحاكم في العراق، إذ يصفونهم، في أجهزتهم الإعلامية، بعثيين وكافرين ومارقين. وصل الأمر بنخبة من المثقفين العراقيين في الداخل أن يناشدوا الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، أن يخلّصهم من الحكام الحاليين الذين زرعتهم بلاده في العراق، فشكلّوا، على امتداد 15 سنة، طبقة سياسية باغية وفاسدة، تتحرّك بإرادة إيرانية، وهي طبقة تنتقل، باسم الديمقراطية، من مرحلة إلى أخرى، بتزويراتٍ فاضحةٍ من دون أيّة متغيرات حقيقية، تحقّق آمال العراقيين بمشروع وطني حقيقي! كما طالبوا بانتخاباتٍ حرة ونزيهة، شريطة مراقبة ممارساتها دولياً، وأن يقضى على الإرهاب قضاء مبرماً باستئصال أسبابه وعوامل استفحاله، ليس في العراق حسب، بل في كلّ دول المنطقة. والكلّ ينتظر ما الذي سيفعله هذا الرئيس الأميركي الجامح في كلّ المنطقة، وخصوصاً في 
العراق وإيران؟ 
هنا يسأل المرء: لماذا تأتي ما سميت بالتسوية التاريخية اليوم في إطار النظام السياسي نفسه، ومن واحدٍ من زعماء "التحالف الوطني"؟ وما نفع هذه التسوية حتى إن صدّق بعضهم نياتها وحسن غاياتها، إن لم تعالج أبداً أخطر المعضلات والمشكلات التي كان النظام السياسي نفسه وراء استفحالها؟ وأعتقد أن مشروع هذه "التسوية" الذي لا أؤمن به، يأتي بمهمّة متخبطة في مستنقع يثوي فيه النظام السياسي بالكامل، لكنه "مشروع" قد حفّز قوى سياسيّة من السنّة العرب على أن يكونوا كتلةً سياسيةً أكثر وحدة وتنظيماً في مواجهة النظام نفسه، وإذا كانت قد قدمت مطالبها، كونها آمنت بمثل هذه "التسوية"، إلا أنني أجد أن من العبث التحّرك في مثل هذا الإطار مع بقاء النظام السياسي نفسه، لم يصحّح سياساته الخاطئة التي اتبعّها منذ سنوات طوال. 
هنا سؤال: لماذا لم يتفق أركان النظام السياسي الحاكم للسعي باسم "الدولة" نفسها من أجل 

رأب ما حدث في المجتمع العراقي من تصدّعات وتمزقات وتشظيات؟ ويستغرب المرء كيف يمكن لرئيس وزراء سابق، فشل في مهمّته فشلاً ذريعاً ثماني سنوات، وأتّهم اتهامات خطيرة، أن تكون له اليوم قوّته السياسية، ليس لموقعه نائباً لرئيس الجمهورية، بل لبقائه يعبث في شؤون العراق، ويتبجّح إعلامياً وسياسيّاً حتى اليوم، ويختلق من خلال عناصره، هنا وهناك، جملةً كبيرة من المشكلات في الحكومة والبرلمان وضدّ بقيّة الكتل، ويتصّرف طائفياً بعد كلّ ما جرى بسببه؟ إنه يعمل ليلَ نهار من أجل الوصول إلى السلطة ثانية، وأتوقّع أن يصل إليها، على الرغم من كلّ الكراهية التي يكنها له الشعب العراقي، وخصوصاً إن بقيت الأوضاع السياسية مهترئة، وتدّخلات إيران سافرة في العراق إلى درجة تحّكم سفير إيراني فوق العادة جاء تنصيبه من المرشد خامنئي نفسه، وكانت إيران قد عيّنت، أخيراً، العميد إيرج مسجدي، وهو قائد خطير في الحرس الثوري، سفيراً لها في العراق، بدلاً من الحالي حسن دانائي. وليس للعراقيين ألبتة أيّ رأي في تنصيب أيّ سفير أو مبعوث دبلوماسي إيراني في بلدهم، بل تأتي مباركتهم كلّ ما تقوم به طهران، حتى وإن اختلف ذلك مع قناعات الشعب العراقي وتوجهاته ومبادئه الوطنية. 
وعليه، أقول إن ما يطمح إليه كلّ العراقيين في تحقيق أيّة تغييرات مجرّد سراب، إن لم تتوفّر جملة من العناصر الجديدة، لتحقيق أية مهام عملية، لها مصداقيتها ومبدئيتها، ضمن مشروع وطني يمنح فرصةً أطول لمرحلة انتقالية، تعالج خلالها الخروق والسلبيات والخطايا التي اقترفت بحقّ 
العراقيين، دولة ومجتمعاً، منذ عهود طوال، وخصوصاً إيجاد القوة السياسية لنظام سياسي مدني مستقل ومتجانس، يعمل على تحديث المؤسسات وتطهيرها من الفساد والفاسدين. وعند ذاك، سيتوفر الأمن مع تشكيل حكومة خدمات، ومباركة مؤسسة عسكرية مهنية، تحارب الإرهاب، لكي يقال إن العراق بدأ يتنفس هواءً نظيفاً. العراق بعد "داعش" بحاجة إلى أن يعيد التفكير في مستقبله. وستبدأ مرحلة تاريخية جديدة لدى أبنائه الذين عانوا طويلاً من عوامل الفوضى واستفحال الإرهاب، وما حصدوه من نتائج مؤلمة، إن جرت أية متغيرات دولية وإقليمية. عليهم التفكير أولاً بطبيعة نظام الحكم وتبديله إلى نظام سياسي يخلو من كلّ المعوقات والتقاليد التي ألفوها منذ العام 2003.

(العربي الجديد) لندن

 

العرب بلا مشروع

إزاء مشروعي تركيا وإيران

سيّار الجميل

 

منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، كانت مجموعاتٌ من النخب العربية تأمل ولادة أيّ مشروع عربي يواجه تحديّات الدواخل، ويمكنه أن يقف حائلاً إزاء مشروعات الآخرين الخارجية، خصوصاً أنّ ثمة زعامات عربيةوعدت شعوبها بالإصلاحات والديمقراطية والانفتاح على العصر. وجاء ذلك بالذات إثر التداعيات الخطيرة التي أعقبت تفجيري برجي التجارة العالمية في نيويورك في سبتمبر/أيلول 2001، وقد أعقب ذلك الاحتلالان الأميركيان لأفغانستان عام 2002 والعراق عام 2003. ومنذ تلك اللحظة التاريخية المريرة، كثرت مطالب الشعوب العربية بالحريّات والديمقراطية وتحسين فرص الحياة السياسية والمعيشية، وكذب الزعماء العرب الذين وعدوا شعوبهم بذلك. وأذكر أنّ النداءات كثرت، وأن القمم العربية التي عُقدت لم تنفع شيئاً، بل وأوهمت السياسات العربية نفسها بأنّ الإصلاحات انحسرت في جامعة الدول العربية. وشاركت هذه المؤسسة المشلولة في زرع الآمال الكاذبة عند الناس، وكأنّ مشكلة العرب تكمن فقط في "برلمان عربي"، لم نعد نسمع عنه شيئا أبداً، وثمّة شعوبٌ عربيةٌ باتت تُسحق اليوم سحقاً. وقد تبيّن للأذكياء كم كانَ الأفق السياسي ضيقاً عند العرب منذ زمن طويل، بحيث كانوا، وما زالوا، يتصارعون على أتفه الأشياء والأمور، ولا يقيمون وزناً أبداً لأمّهات القضايا الجوهرية. 
واندلعت الثورات العربية، وكان هناك من يبشّر بولادة مشروع عربي رصين، من أجل الحرّيات والديمقراطية والعدالة والتحديث، ولم يزل المنادون بذلك يصرّون على الأخذ به في مواجهة العرب التحدّيات من خلال الثورات الشعبية التي عمّت الأرض العربية، وشاع أثرها في العالم، إذ كانت تعبّر عن ضمير عربي حي، فكان أن سقطت أنظمة سياسيّة في أكثر من  

بلد عربي، وسقط أكثر من دكتاتور ومستبدّ. وعلى الرغم من اختراق تلك الثورات، واستلابها ضمن سياسات داخلية ومصادرتها من إرادات خارجية، وقد اتُهمت بشتى التهم التي لا أساس لها من الصحّة أبداً، فإنّ السبب الحقيقي وراء هذه الحالات المأساوية التي نشهدها اليوم في كلّ من العراق وسورية واليمن وليبيا ومصر والسودان وبلدان أخرى، إنما سببها الحقيقي يكمن في غياب أي مشروع عربي حتى اليوم، مهما كانت طبيعته وخطابه وأفقه العريض في المكان والزمان. مشروع يمهّد خريطة طريق لهذه المنظومة العربية التي كان لابدّ أن تجتمع، على الرغم من كلّ الخلافات السياسية والأيديولوجية في ما بينها، مع وجوب الاتفاق على مبادئ عربية يوقّع الجميع عليها في "ميثاق شرف"، بعيداً عن النزق السياسي العربي الذي خذل منظومتنا منذ أكثر من ستين عاماً، وبعيداً عن كل من يتحالف مع الآخر ضد أهله، وأن تكون مرتكزاً حقيقياً وتاريخياً لمشروع عربي يقف بقوة إزاء المشروعين، الإيراني والتركي، في المنطقة، وكلنا يدرك أن لهذين المشروعين تاريخهما في إطار الإسلام السياسي. وعلى الرغم من اختلاف أحدهما عن الآخر اختلافاً جذرياً. ولكن، لكلّ "مشروع" منهما غاياته وأهدافه وخططه، وأنهما قد أُسّسا من أجل التقدّم بالمصالح العليا لكلّ من البلدين الجارين. 
السؤال: لماذا لم ينجح العرب في بلورة أيّ مشروع باستطاعته فرض إرادته في الداخل، وتأثيرات قوته في الخارج؟ 
كان لا بدّ أن ينبثق أي مشروع عربي يتفق عليه الجميع، رغبت أميركا والقوى الأخرى في العالم أم لم ترغب، فلا يمكن أبداً أن يدخل 
العرب القرن الحادي والعشرين، وهم في مثل الحالة المزرية التي دخلوها إليه، فكان أن وجدت القوى الخارجية فرصتها للتدخّل في أكثر من مكان عربي. وإذا كانت تركيا قد طوّرت مشروعها السياسي داخلياً، وقالت للعرب بـ "صفر مشاكل"، فإنها لم تُبق على أصفارها، بل دخلت بناءً على الحيثيات التي قدّمتها لتطوير منظومة مصالحها الإقليمية، في حين كانت إيران قد طوّرت مشروعها السياسي، ولم تقصره على دواخلها، بل بدأت تسويقه وترويجه في دول ومجتمعات عربية بلا خجل، ومن دون أيّ استحياء، كونه يعلن أن إيران صاحبة مشروع ديني تودّ تصديره أو نشره من دون أيّ إحساس بذنب التدّخل في شؤون الآخرين، كونه يحمل شعارات دينية. 
وعليه، في ظل غياب أي مشروع عربي يرتكز على مقومات ومبادئ، عانت عدة بلدان عربية من خطايا أنظمة حكم سياسيّة، وارتكاب خطايا وحماقات وجنايات بإشعال حروب ومباركة  

إرهاب.. وغرقت البلاد العربية في آثام الطائفية والانقسامات الاجتماعية، مع استفحال تدخّلات الآخرين، وولادة مليشيات أوليغارية، جعلت من العراق وسورية مثلاً مسرحاً لأكثر من حرب أهلية مع سياسة احتلال ونفوذ إيراني سافر. غياب أيّ مشروع عربي أوجد موجةً من الضياع مع غلبة التعصّبات، وتفاقم سلسلة من الموجات المرعبة. كان على العرب أن لا يمنحوا الفرصة لأيّ تدخل أجنبي، كي لا تغدو الأرض العربية مباحةً للآخرين أن يعبثوا بها لاحقاً، كما يجري اليوم. وقد تبيّن واضحاً أن أيّة دولة حقيقية لها مؤسساتها لا يمكنها البقاء من دون أن يكون لها مشروعها الوطني أو القومي. وتركيا وإيران من أقرب الدول الإقليمية في تماسّهما بالعرب، براً وبحراً، وكلتاهما تطوّران سياساتهما من خلال مشروعيهما الإقليميين. هنا، لا أسأل عن غياب أيّ مشروع عربي يأتي فضفاضاً لا نفع فيه، بل أسأل: هل كان يمكنه أن ينبثق مع ضعف القيادات وتناحر السياسات وعدم قناعة الشعوب به، كونهم يعتبرونه مرادفاً لتجارب الوحدة العربية سابقاً.. كيف؟ 
لم يقدّم العرب حتى اليوم أيّ مشروع استراتيجي لهم في الإقليم والعالم، أولاً لأنهم فقدوا مصداقية أنفسهم مع دواخلهم، ولم يعد يثق الأحد بالآخر مع تباين سياساتهم المحلية، وأن كياناتهم قد ضعفت بهشاشة مؤسساتها وهزال مسؤوليها، بل ولم يتم إفساح المجال أمام النخب أن تعلن عن آرائها وأفكارها، بصراحةٍ متناهيةٍ، كي تتم الاستفادة منها، ناهيكم عما حدث من خللٍ في الوعي الجمعي العربي إزاء أي مشروع عربي لا يبتغي أكذوبات الوحدة والحرية والاشتراكية، كما كانت تسوّقه الأنظمة القومية، بل مطالبة هذا الوعي بضرورة الاتفاق على "مبادئ" تحافظ على كينونتنا ووجودنا مجموعة بشرية عريقة، وهي ترى الآخرين ينتصرون عليها، بل ويخترقون مجتمعاتنا ويعبثون بها. ناهيكم عن أن فكرة الانقسام كانت مزروعة في الذات العربية، وهي تغلب فكرة التوحد، بانسلاخ مجموعات سكانية عن واقعها وتاريخها ووجودها جرّاء ما حصل من استخدام الإرهاب والسياسات الجائرة ضد كل المجتمع.. وعليه، لم يقتصر الأمر على الإحباط لكل أبناء الطيف من أبناء الأقليات، بل أصابهم الخذلان جرّاء العنف الذي مورس بقساوةٍ لا توصف. وهكذا، وجدت روح الانفصال تأخذ طريقها إلى التحقيق من أعراق وجماعات تشكل أطيافاً لها مشروعاتها الانفصالية عن ذاك الذي أسموها "الأمة الواحدة". 
ما أصاب منظومتنا العربية منذ خمسين سنة كفيل بإيجاد جماعات متوحشة، مثل "داعش" وغيرها، لتسحق مجتمعاتنا ووجودنا.. وكانت السياسات العقيمة التي اتُبعت كافيةً لانتشار الفساد، وتهتك بلداننا إلى الحد الذي جعل نظما سياسية تستعين بالآخر لسحق شعوبها، من خلال قوات عسكرية وقوى أوليغارية ومليشيات مرتبطة بالآخرين. وعليه، لم تعد مجتمعاتنا موحّدة ومتجانسة، كما كانت عبر التاريخ. لم يكن تلاحم مجتمعاتنا أمراً تلقائياً مباشراً، بل أوجدت البيئات العربية وجغرافية العرب حقائق تاريخية، تثبت أنّ المجتمعات، كما كانت في السابق، تنقسم وتتفكّك في حال ضعفها، وتتمرّد وتقسو في حال قوتها. السنوات العجاف التي عاشتها مجتمعاتنا منذ داهمتها الحروب الداخلية والإقليمية والدولية منذ أكثر من خمسين سنة قد منحت العقلاء دروساً حكيمةً، لا يمكن نسيانها أبداً، بل ولابدّ أن تكون خرائط طريق إزاء المستقبل. علمتنا التجارب الصعبة أن منظومتنا الجغرافية العربية بحاجة ماسة إلى "مشروع" استراتيجي، له قوته وتأثيره في الحفاظ على مصالحنا العليا المشتركة، وعلى تعايش نسيج مجتمعاتنا، وعلى تطوير جماليات ثقافتنا، وعلى كلّ وجودنا ومصيرنا.

(العربي الجديد) لندن

 

 

هَل ماتَ ضميرُ العرب؟

د. سيّار الجميل

سؤالٌ بسيطٌ أطرحه على كلّ الناس، بعد أن اختلف الناس بغيرهم في هذا الزمن الكسيح.. سؤال كان من الصعوبة قوله قبل خمسين سنة، إذ لا جواب عليه وقت ذاك. أما اليوم، فمن السهولة أن يطرح على الناس، ولكن من الصعوبة أن يجدوا أجوبة عليه، لأنّ الضمير العربي، بصراحة، باتَ ميّتا، ولم يعد يعرفونه، وربما كان قد مات منذ زمن طويل. وعليه، بدأت أعتقد أنّ كلّ ما شهدناه في القرن العشرين ليس إلا مجرّد أكاذيب وشزوفرينيات، وسلسلة ديماغوجيات، واستعراض عضلات، ونسج خيال من "التلاحم القومي"، و"المصير الواحد" و"الأمة الخالدة".

شعوبٌ باتت في حكم الموتى، لا نطالب بأن يكون لها حياة، فحياتها غدت تافهة، وقد أغرقت بالعبثية والنزق والتفاهة، وباتت بلا مواقف، وبلا فكر. باختصار، إنها بلا ضمير وبلا أخلاق! إن أمّة بلا ضمير لا يمكنها أن تحيا أبداً. الناس الأبرياء يسقطون، الأطفال يسحقهم الكونكريت المسلّح، الرؤوس تقطّع، الأجساد تعذّب حتى الموت، النسوة تشّرد. الموت المجاني يعرض بصوره المؤلمة على شاشات فضائيات كلّ العالم، والأخبار تنقل الحقائق على الأرض لحظة بأخرى، والكلّ يدرك أنّ مدناً عربية عريقة تسحقُ سحقاً، والكلّ يدرك أنّ الهاربين من النار والفارّين من جحيم ما يلقى عليهم من حمم السماء هم بالملايين، والصمتُ مطبقٌ، الكلّ لاذ بالسكوت، وكأنّ لا جرائم ترتكب بحق أخوة وأخوات، نسوة ورجال، وبحقّ أطفال أبرياء، وبحق شيوخ وعجائز كبار السن. زعامات العرب ساكتة، وكأن شيئاً لم يحدث، ولا أريد لها أن تندّد ببيانات ومؤتمرات وإدانات وتصريحات، إذ لم تعد تنفع أبداً. ولكن، أسأل أين صيحات المجتمع العربي الكبير؟ أين الشارع العربي؟ أين القوى والأحزاب العربية؟ أين المنظمات؟ أين النقابات؟ أين التجمعات؟ أين طلبة الجامعات؟ أين حشود الجماهير العربية المليونية كتلك التي خرجت تريد زعيماً مهزوماً أن يرجع، أو التي خرجت بالملايين تبكي رحيل العندليب الأسمر، أو تلك التي خرجت تولول على هزيمة نكراء، أو طافت بالشوارع مهتاجة غاضبة تحيي هذا أو ذاك من صغار الضباط الانقلابيين المجانين.. إلخ؟ "ما نفع أكثر من 400 مليون من العرب اليوم، وهم يقطنون في قلب العالم منذ فجر التاريخ إن كانت حصونهم مهدّدة من دواخلها هذه الأيام؟" من يسأل نفسهُ سؤالاً واحداً: هل جرى في تاريخ أمّة تحترم نفسها أن قام زعيمٌ عربي، مهما بلغ من التفاهة، الاستعانة بالأجنبي لسحق أهله وشعبه سحقاً مبيناً، وتدمير مدن كاملة بقسوة منقطعة النظير؟ هل بلغت الوقاحة بأيّ نظام عربي في التاريخ أن يجلب مرتزقة غرباء ومليشيات كريهة، لكي تفتك بأبناءِ شعبه وأطفال بلده؟ تفتدي إسرائيل أسراها بالمئات من الأنفس، وزعيم عربي يتبرّع من أجل أن يبقى في السلطة بقتل الملايين من أبناءِ وطنهِ وتشريدهم، بل ويسحق المدن على رؤوس أصحابها بدمٍ باردٍ كي يلاحق الارهابيين؟

وأسأل: من سلبَ ثوراتنا العربية؟ مَن زَرع الارهاب في مجتمعاتنا؟ ليس كلّ من عارض النظام السوري إرهابياً ومتآمراً، وليس كلّ من عارض النظام العراقي الحالي داعشياً وبعثياً، وليس كلّ من وقفَ ضدّ النظام الإيراني وهّابياً، وليس كلّ من عارض النظام المصري إخوانياً، وليس كلّ من عارض التدخلات الإيرانية في الأرض العربية تكفيرياً. هل بلغ الانحطاط ببعض العرب كراهية أنفسهم وعروبتهم بأساليب لا يمكن تخيلها أبدا؟ ما هذه الأنفاس الشعوبية التي يطاول فحيحها أرجاء مشرقنا ومغربنا العربيين؟ من ذا الذي مزّق نسيج مجتمعاتنا العربية، وأوصلها إلى هذا المنحدر اللااخلاقي؟

ما هذه اللامبالاة التي غدت عليها الأجيال الجديدة، بحيث يسيّرها جهل مطبق، ولا وعي جمعي بالمصير القادم أبداً؟ من ذا الذي مات ضميره، ويبقى ساكتاً، وهو يسمع أحد المسؤولين الإيرانيين يهلّل لسحق حلب، وهو يهدّد كلّ بلاد العرب بالانسحاق؟ ما هذه الريح الصفراء التي هبّت على مجتمعاتنا لإفنائها وتدمير نسيجها، وسحق تراثها، وتشويه تاريخها، وقتل أهلها، أو تهجيرهم، والتشنيع بهم؟ يبرّر أحدهم بأنّ كلّ ما تجده مفبرك وكاذب، ويسّوغ ثانيهم كلّ ما يجري بالحرب على الإرهاب.. وهكذا مع ثالثهم ورابعهم ممن ماتت ضمائرهم.وأسأل: كيف ترضى أن تكون شاتماً أهلك، وأنتَ تهلّل وتكبرّ لانتصار جلاد على شعبهِ؟ كيف ترضى أن ترقص مع راقصةٍ في حلبة حفلٍ ماجنٍ، وأهلك يرون الجحيم بعينه؟ كيفَ تقبل أخلاقك أن يبقى أخوتكَ من "بلاد العرب أوطاني" بلا ملاذ، ولا ماء، ولا زاد جرّاء حربٍ لم تبق ولم تذر؟ كيفَ تجد الراحة، أنتَ المنادي بالأوطان البديلة، وأهلك يهلكون في أوطاننا الحقيقية، وفي أمهات مدننا العربية؟

كيف تقبلون أنتم الذين صفقّتم للأمة العربية المجيدة لأكثر من خمسين سنة أن يصيبكم اليوم عمى الألوان، فلم تعودوا تكترثون للأعداء الحقيقيين الذين يقومون بصلب عروبتكم في صحنِ داركم؟ كيف تقبلَ نفسك أن تعيش في أوطانٍ عربية، تغنينا بها قديماّ، وقد ساهمت في تحريرها عدة أوطان عربية أخرى، تعيش هي اليوم محنةً تاريخيةً قاسيةً، وأنت تتفرج عليها مماحكاً، أو لا مبالياً، أو متشفّياً؟ أدركُ أننا اليوم في زمن منحطّ، فقدَ الإنسان والمجتمع معاً فيه كلّ قيمه وأخلاقه. لسنا اليوم في زمن المثاليات، ولا في عصر القوميات، ولا في وقت توازن القوى، ولم تعد تلك الأيديولوجيات القومية والراديكالية لها نفعاً، فالكلّ منشغلٌ بالبحثِ عن مصالحهِ وأنوياته، ولكن الأمر هنا يختصّ بالهويّة والانتماء، ويعتني أساساً بالمسألة الاخلاقية. وهنا أقرع جرساً للزعماء العرب قاطبة، قائلاً لهم: إنّ النارَ التي لا تهتمون بها اليوم قادمة تسري نحوكم لتحرقكَم وتهاجم بيوتكم، ما دام غيركم قد سمحت أخلاقه بأقلمة قضيته وتدويلها، كي يقتل ويفني ابن وطنه الذي جمعتك وإياه هوّية وانتماء وتاريخ، وآخر يتحالف مع عدو الأمس له تحالفاً يعمل بالضد من انتمائه وهويته.. ثم ما هذه النزعة المريضة التي يحملها العرب اليوم، فقد صفقَ الجميع للثوار والأحرار عندما قاموا بالثورة على المستبدّين. واليوم تنكر على الآخرين ثورتهم التي استلبت، وسمحت للأعداء التاريخيين أن يخترقوك، وسمحتَ حتى لجيوش أمم أخرى تعبث بك، وتسحق وجودك على أرضك.. فإن قبلت أن تسحق مدينةً أو أكثر من قبل قاصفات روسية، ومليشيات إيرانية، ومرتزقة عراقيين، فاعرف أن القصفَ والقتلَ والتدمير سيطاولك في يوم قريب..

أشعر بالخجل من مشاركة مرتزقة عراقيين في قتل أبرياء حلبيين وتعذيبهم، وأنا أدرك كم قدّم الحلبيون والسوريون عموماً من يد العون للعراقيين أيام محنتهم قبل سنوات. في حين، كان النظام السوري يرسل الإرهابيين إلى مدن العراق لقتل العراقيين، حسبما كان يصرّح نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي وقت ذاك. علينا ألا ننتقد الضمير العالمي لفقدان إنسانيته، ما دام الضمير العربي قد مات ورحل عن الوجود، فماذا أبقيتم للآخرين لكي يقولوا بكائياتهم؟ وماذا فعلتم أنتم حتى نطالب العالم بأن يكون صاحب غيرة وإنسانية؟ لقد بدأ الخراب منذ زمن طويل، مذ اضمحلت قوة العراق، ومنذ انهارت مركزية مصر، ومذ تحالفت سورية مع إيران، ومذ غرّدت دول المنظومة المغربية وحدها، ومذ ضعفت جبهة دول مجلس التعاون الخليجي.وأخيرا أسأل: من تدخّل من العرب في شؤون الآخرين حتى يعبث الآخرون بوجودنا ومستقبلنا بهذا الشكل هنا، وبذلك الشكل هناك؟ هل  فكر  العرب يوما : لماذا  بقوا بلا مشروع  استراتيجي يجمعهم ازاء المشروعات التي غدا عليها غيرهم  ؟  لماذا غدا الارهاب يعبث بهم  ؟ وما دورهم في صنعه وتسويقه  منذ اكثر من ثلاثين سنة ؟  ما نفع أكثر من 400 مليون من العرب اليوم، وهم يقطنون في قلب العالم منذ فجر التاريخ إن كانت حصونهم مهدّدة من دواخلها هذه الأيام؟

نشرت في العربي الجديد ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

 

 

 

في رحيل كاريزما كاسترو

د. سيّار الجميل

  رحل آخر الشيوعيين الملتزمين الذين شغلوا الدنيا بنضالهم الصاخب، وشجاعتهم القوية، إبّان القرن العشرين. رحل الزعيم فيديل كاسترو الذي حكم نحو خمسين سنة بلداً صغيراً مثل كوبا، لكنه كان مثل قطٍّ بري يناطح فيلاً كبيراً، إذ جابه أميركا القريبة منه، ولم يخش من أنيابها، ولا يفصله عنها إلا خليج الخنازير. حكم بين 1959 و2008، وفرض هيمنته على بلاده، مطبقاً نظاماً شمولياً صارماً. وتضم كوبا أكثر من 11 مليون نسمة، وهي أكبر جزر الأنتيل جنوبي الولايات المتحدة، وأُلحقت بالملكية الإسبانية حتى حرب الاستقلال 1895-1898 بدعم أميركي، فأنهت معاهدة باريس 1898 الهيمنة الإسبانية، وحصل استقلالها النهائي في العام 1901.

أطيح في 1/1/ 1959، فولغينسو باتيستا، زعيم كوبا، الذي عُرف بانحرافاته وديكتاتوريته منذ 1952، إثر حركة تمرّد قامت بها مجموعة باربودوس (أصحاب اللحى) بقيادة كاسترو. فنجح ورفاقه في تأسيس جمهورية اشتراكية، بالتحالف مع رفيقه غيفارا. ورسخ علاقاته إبّان الحرب الباردة بالاتحاد السوفييتي، فقطعت أميركا علاقاتها مع كوبا في 1961، وفشلت محاولتها إنزال قواتٍ معادية لكاسترو في خليج الخنازير. إثر اندلاع أزمة خطيرة باكتشاف وجود صواريخ سوفييتية في كوبا. وكاد كاسترو يفجّر حرباً نووية في العالم، في عهدي الرئيس الأميركي جون كيندي ورئيس مجلس السوفييت الأعلى نيكيتا خروشوف. تأسس حزبٌ وحيد، هو الحزب الشيوعي الكوبي في 1965، وأصبح لكوبا دستور عام 1976.

بقي كاسترو يناضل ثلاثين سنة حتى انهيار الاتحاد السوفييتي 1990، فارتهنت كوبا لشريكتها فنزويلا تجارياً وبترولياً، مع تحدّيات اقتصادية قاسية واجهها الكوبيون. ولكن، ما طبيعة هذه الزعامة الكاريزمية لكاسترو؟ آمن هذا الثوري المتمرّد بالحدود الدنيا لمعيشة أبناء شعبه في دولته الفقيرة، وبنى بإمكاناتها البسيطة قاعدة صحيّة لأبناء شعبه، ولم يرض أبداً أن تكون كوبا مزرعةً أميركية أبداً، وبالقدر الذي آمن به المعجبون به في العالم. بقي مناضلاً صلباً وملتزماً بأيديولوجيته التي لم يتنازل عن حرفٍ منها. ويؤكد معارضوه، منذ زمن طويل، أن كوبا لو

"لا يمكن نكران ما تمتع به كاسترو من كاريزما، شغلت اهتمام العالم كله في النصف الثاني من القرن العشرين"

توفّر لها قائد سياسي غيره غلّب سياساته على مؤدلجاته، لاستغلّ مكانتها الجغرافية القريبة من أميركا، وجعلها بلداً متقدماً تابعاً لها ولمساعداتها، بل لو مُنح مصالح أميركية على أرضه، لعاش كل الكوبيين عيشة رخاءٍ وحرياتٍ، بدل الذي فعله بهم كاسترو الذي أوهم نفسه ورفاقه وشعبه بأكذوبة عاشتها كلّ الأنظمة الشمولية والتوتاليتارية والديكتاتورية ممن أغلقوا الأبواب أمام شعوبهم عن الحياة السياسية الغربية، فتأخرت شعوبهم، كما يقولون، بل وفرّ أغلب المعارضين نحو أميركا. ويتابع معارضوه قائلين إن انغلاق كوبا كان على غرار ما حدث في ألبانيا وألمانيا الشرقية وكوريا الشمالية، وغيرها من الأنظمة الحديدية. ولكن، فات على هؤلاء الموقع الجغرافي لكوبا، وأن كاسترو امتلك حريّة القرار، وحفظ بلاده من تدخّلات أميركية، إذ أصرّ على أن لا يكون ذيلاً لها أبداً.

كان كاسترو قد نجح، في شبابه، في أن يخلّص كوبا من نظام باتيستا المتخلّف، لكنه بدّل الاستبداد بالشمولية، وبدل الضياع بالانغلاق، وزاد في جعل الشعب يعتمد على نفسه في الحفاظ على ثروته، والعيش من منتجاته، فبقي الشعب فقيراً، وبقيت أدواته ومعيشته بسيطة، وبقيت حتى السيارات التي تمشي في شوارع هافانا مهترئة، وهي من خمسينيات القرن العشرين. وإذا كان كاسترو قد احتكر حرية شعبه، فقد أحدثت سياساته ردود فعل قوية ضده منذ خمسين سنة، لكنه بقي مثيراً وصامداً وقوياً لا يتزعزع قيد أنملة عن المبادئ التي آمن بها بعد أن اعتنقها، وبقي وفياً لها حتى النهاية. إذ آمن بأنّ الحريات لا تُمنح، بل تُنتزع انتزاعاً، ومن الخطأ استجداء الحرية من الأميركيين. لم يتنازل عن السلطة أبداً حتى وهو خرف ضنين، وعندما تنازل عنها، منحها لأخيه راؤول كاسترو، ليس كمن يرث الأخ أخاه، بل لأنه يثق ثقةً عمياء في أخيه، لكي يحافظ على الإرث الكاستروي، وخوفاً من أن تتحوّل كوبا إلى حقل دواجن يتوارثها الأميركيون، وقد ضربوا بتلك الشعارات المزيفة التي روّجوها، وتصارخوا من أجلها مع بقية من ناصروهم في العالم، عرض الحائط. وبقي كاسترو طوال حياته ثائراً ينتقد كل الثوريين المنحرفين عن مبادئهم ومناهجهم، ويعارض تحولاتهم من ثوار إلى مستبدين، ومن مناضلين إلى ذيول للأميركيين.

بقي كاسترو الذي علّم شعبه كيف يعيش من موارده ثائراً على الميوعة السياسية لزعماء انقلابيين، تصنّعهم دوائر مخابرات إمبريالية، لهم هشاشتهم، بحيث غدت عدة بلدان يحكمها قطّاع طرق وأولاد شوارع وعمال غير فنيين وضباط ثكنات خونة من أنصاف المجانين، وكلهم جاؤوا معه زمنياً باسم الثورة والثوريين والثوار الأحرار، وروّجوا شعارات راديكالية، فكانوا فجيعة على شعوبهم التي لم تزل تعاني من استبداداتهم وديكتاتورياتهم، وقراراتهم الهوجاء، وشعاراتهم الجنونية البلهاء، وسياساتهم التي مارسوها بالحديد والنار، خصوصاً من الذين أعجبوا إعجاباً منقطع النظير بتجارب كاسترو وستالين وماوتسي تونغ وكيم إيل سونغ وغيرهم، لكن هؤلاء شيء وأولئك أشياء ومخلوقات أخرى.

برحيل الرفيق كاسترو، تكون آخر القلاع الشيوعية (مع كوريا الشمالية) في حالة احتضار أمام حركة (وعجلة وقانون) التاريخ الذي يحتّم انتصار ما سميت الليبرالية الجديدة، فالتاريخ انتهى مع الحكومات الأيديولوجية والشمولية، بحيث عادت الاستبدادية والنماذج العسكرية والعائلية والدينية والطائفية باسم "الديمقراطية" كالتي تعيش اليوم في بلدانٍ متفرقة، لا تمت للثورة

"برحيل الرفيق كاسترو، تكون آخر القلاع الشيوعية في حالة احتضار أمام حركة التاريخ الذي يحتّم انتصار ما سميت الليبرالية الجديدة"

الحقيقية بأيّ شيء، وأن الأنظمة المهزوزة لابد أن تغمرها أعاصير السياسات الأميركية، آجلاً أم عاجلاً، باسم الحريات والديمقراطية، كونها تخوض معارك خاسرة أمام قيم التقدم والتنوير والحداثة الحقيقية التي لا تقودها إلا الثورات الحقيقية، وهي أنظمة موبوءة، صنعها الآخرون، لابد أن تشهد نهايتها المحتومة في مزبلة التاريخ. ولا عجب أن نجد الديكتاتوريات الصغيرة والمقلدة في بعض بلداننا العربية وشخوصها ممن كان لديهم إعجاب واقتداء بكاسترو وستالين وكيم إيل سونغ وماوتسي تونغ، لكنهم سقطوا سريعاً، كونهم أسّسوا أنظمة شمولية وعسكرتارية وديكتاتورية في التاريخ الحديث والمعاصر. ولكن، بموت الرئيس كاسترو اليوم، تكون آخر القلاع الثورية في العالم في طريق الانقراض، فهو آخر المتبقّين من زعماء العالم الذين امتلكوا كاريزما الانجذاب إبّان القرن العشرين. ولكن، على المؤرخ أن لا ينسى جهود كاسترو في بناء قاعدةٍ طبيةٍ متميزة في بلاده، وعنايته بالمعرفة والتعليم بشكل خاص.، ناهيكم عن فرض الامن في ربوع البلاد التي لا تعرف الا البساطة في العيش  ، مع كوبا جديدة بدأت تنفتح على الحياة والمستقبل ومواجهة تحديات من نوع جديد .

منذ 2006، طلب فيديل كاسترو، بسبب مرضه، من شقيقه راؤول أن يحل بدله على رأس الدولة. فبدأ الأخ الرئيس الجديد إجراءات وإصلاحات تدريجية لكي يحسّن اقتصاد كوبا، وفتح الباب على خجل للمبادرات الخاصة والاستثمار الأجنبي، مع معزوفة الحفاظ على "مكاسب الاشتراكية"، في اقتصادٍ مترهّلٍ، لم يزل تحت هيمنة الدولة بنسبة 80%. وفي فبراير/شباط 2008، أصبح راؤول رسمياً رئيساً لكوبا، وفي أبريل/نيسان 2011 أصبح راؤول على رأس الحزب الشيوعي الكوبي، إثر تخلّي فيديل عن منصبه، وأعلن عن تقارب تاريخي بين كوبا والولايات المتحدة نهاية 2014، وطي صفحة نصف قرن من العزلة، فأعيدت العلاقات في يوليو/تموز 2015. وفي مارس/آذار 2016، قام أوباما بالزيارة الأولى لرئيس أميركي لكوبا منذ ثورة كاسترو. وتعزّز تصدير الخدمات (الطبية خصوصاً) مصدراً أول للدخل من العملات الأجنبية لكوبا، مع نحو 8 مليارات دولار سنوياً، ثم السياحة التي تدر 2.8 مليار دولار. وبحسب التوقعات الحكومية، لن تزيد نسبة النمو التي بلغت 4 % في 2015 عن 2% في 2016، ما يعني أن كوبا تعاني إزاء تحديات وصعوبات كبيرة ان ابرز ما لمسته عند الشعب الكوبي قناعته  وبساطته وعيشه على ما ينتج .. السؤال : ماذا بعد مرحلة كاسترو  الطويلة في مواجهة العالم الجديد ومتغيراته السريعة ؟

سيسجّل التاريخ لكاسترو مواقفه، إيجابية كانت أم سلبية. ولكن، لا يمكن نكران ما تمتع به من كاريزما، شغلت اهتمام العالم كله في النصف الثاني من القرن العشرين ،

العربي الجديد   ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

 

 

هل يحوّل ترامب

العالمَ نحو اتجاه آخر؟

د. سيّار الجميل

 

"على زعمائنا في المنطقة أن يكونوا أذكياء جداً في تعاملهم مع التنين القادم"

 دونالد جون ترامب رجل أعمال أميركي، دخل المعترك السياسي أخيراً، ليغدو فجأة رئيساً منتخباً للولايات المتحدة الأميركية عن الجمهوريين بعد معركةٍ انتخابية مثيرة للجدل ضد هيلاري كلينتون عن الديمقراطيين، إذ كان ترامب يتقلد عدة إداراتٍ لشركات قابضة ومشروعات ومصالح تجارية. ويتبادل أتباعه نيته لإخلاء نفسه لمنصب الرئاسة. وكان ناجحاً في بناء امبراطويته المالية التي نشر اسمه عليها في كلّ العالم. ما يهمنّا قوة تحوّلاته التي يخطّط لها بينه وبين نفسه، ويحاول تحقيقها بأيّ ثمن. ولم يكن غامضاً، بل صريحاً لا يخشى من الآخرين، ويعتزّ بنفسه كثيراً، ويفتخر باسمه، وقد تزوج ثلاث مرات، مكرّساً حياته للأفكار التي يؤمن بها، وقد بلغ السبعين عاماً.

لم تمرّ أيّة انتخابات أميركية سابقة بمثل هذا الماراثون العاصف الذي كان بطله ترامب بلا منازع، وقد صدم العالم كله بفوزه، وسجّل الصندوق الانتخابي كلمته الفاصلة، لكي يعد فوزه المثير علامة فارقة في التاريخ الأميركي. ولكي نشهد تاريخاً جديداً، يعبّر حقيقةً عن كلّ ما يجري في العالم من تفاقم للتناقضات وضياع للقيم وانهيار في أساليب الحياة والتفكير، مقارنة بما كان سائداً في القرن العشرين.

النظام الليبرالي الغربي برمته في خطر، بعد أن نضج منذ مائة سنة، إثر الحرب العالمية الأولى. ولم تهزّه الحرب الباردة مع المنظومة الاشتراكية، ولكنه بدأ يهتز من دواخله، منذ أعلن هانتينغتون عن صدمة الحضارات قبل 25 عاماً، لكي تعلن قوى جديدة غاضبة ومحتدمة على نتاج الغرب من قيم ليبرالية وانفتاح، لتقول بالتغيير نحو اتجاهات أخرى، كما ندرك ذلك من تعابير قالها ترامب، ليس كما يفسرها بعضهم إنها مجرد دعايات انتخابية، بل إنها تعلن عمّا يدور في أعماق تفكيره المخالف لكل الراهن، وهو يتمتع بصراحة، ومن دون وجل. وعليه، أخالف كلّ الذين خرجوا علينا، وقالوا إنّ الرجل لا خبرة سياسية له، ولم يحسن قوله، إذ وجدته، منذ صعوده على المسرح السياسي منافساً، يتمتع بقوة الذئب، ليس في المخاتلة، بل في الوثوب، وليس في الانصياع بل في الهجوم، وليس في التباكي، بل في الوقاحة، وليس في الجهالة، بل في السفاهة الذكية .. ناهيكم عن تجربته في إدارة المال والأعمال، فكيف سيتمكن من صنع القرار المناسب؟

يأتي ترامب اليوم معبّراً عن إرادة جيل مهني جديد، فاقد للعمالة، يختلف تفكيره عمّا ساد سابقاً من أجيال القرن العشرين، ولكن الخطأ ليس فيه أو في السياسات الأميركية العقيمة التي ارتكبت أخطاء غبية، صنعها رؤساء سابقون، بحيث نشروا ظواهر مميتة صادمة للحياة، بصناعتهم المستبدين والفوضى والإرهاب والحروب، وأحدثوا في العالم قوميّاتٍ، لها نرجسيتها، وأماتوا حريّة الشعوب، وباركوا الحركات الدينية والطائفية العنيفة، وأشعلوا صراعات الأعراق والمذاهب، وفتحوا أبوابهم لجحيم المهاجرين الذين يلوذون بالفرار نحوهم، ساحبين معهم كلّ أوبئتهم وثقافاتهم الرثة وأساليبهم غير الشرعية، ليأتي ترامب اليوم في لحظةٍ تاريخيةٍ حاسمةٍ رافضاً ما حدث رفضاً قاطعاً، فيشكل ظاهرة جديدة برزت فجأة لتخيف دولاً وزعماء وقوميات ومنظمات، عندما قال مردّداً "سأعيد لأميركا مكانتها"، فكان ذكياً في سحب البساط من تحت أرجل ليس الديمقراطيين وحسب، بل في سحب من كان يقف فوق ذلك البساط المهترئ، ويتركه بعيدًا، وأغلبهم من فئات العمال والقوى الفاعلة التي عانت من تراجع المشروعات الصناعية الكبرى، جرّاء سياسات الديمقراطيين البلهاء. ربما يختلف المرء معه أو يقف ضده بسبب رعونته أو مجابهته، لكنه، في الحقيقة، جواب تاريخي للسياسات البليدة التي مارستها أميركا منذ سقوط المنظومة الاشتراكية، وهو أيضاً ظاهرة عبرت عن نتائج أفرزها احتدام أجيال جديدة خابت آمالها، وهي تتطلع إلى استعادة قوة أميركا ثانية في العالم. ومع غيبوبة النخب والفئات المخملية في المدن، تتبلور القوى الشعبوية في الطبقات الوسطى والعاملة في أصقاع متنوعة، تطالب بزعامات مشاكسة، تنادي بثورات التحدّي ضدّ كلّ الاهتراءات في العالم، مع شعور الأميركان بغيبوبة زعاماتهم القوية إزاء غيرها في العالم، مثل بوتين روسيا، وأردوغان تركيا، وأوربان هنغاريا، وترودو كندا. ويبرز فجأةً ترامب أميركا، عندما اختفت فرص العمل والوظائف واعتمدت الشركات على عمالات أخرى، بسبب تقليل الإنفاقات وضعف الإنتاج الأميركي في السوق العالمي، كالذي أحدثته العولمة التي جنت منها الشركات والمؤسسات التجارية الأميركية وحلفاؤها أرباحاً غير متخيلة، ومنها مؤسسة ترامب نفسه الذي خبر الألعوبة، فزجّ نفسه ليكون جمهورياً، فنزل إلى الحلبة بأمواله، ليعبّر عن هشاشة الديمقراطيين الذين بقوا لسنوات طوال، وهم يشهدون مأساة الإرهاب في العالم وحروب الأهالي وقصف المدن الآهلة وهشاشة صنع القرار وميوعة حسم تداعيات السياسات الأميركية في الشرق الأوسط.

لم يكن للديمقراطيين، كعادتهم، إلا التنظير في الهوية والبيئة والتباكي على المثليين، ومكوكية وزير الخارجية الفارغة، والكذب في إطلاق الوعود من دون تنفيذها. ومن الفجيعة أن يذوي كلّ اليسار إثر اختفاء المنظومة الاشتراكية، وانساقت القوى الثورية القديمة في ركاب الديمقراطيين والوسطيين والليبراليين، ووصل الأمر إلى أن يكونوا من الليبراليين الجدد. فما المتوقع من ترامب؟

ثمّة مفاجآت قوّية وصاعقة، في مقبل الأيام، كجزء من ثورة التحدّي وطور الاحتدام،  وخصوصاً مع أوروبا، ومع الشرق الأوسط ، وستجري تحولات قوية بتحجيم دور إيران في المنطقة، وستجري متغيرات قوية في السياسات الاقتصادية، وستهتز منظومة الأمن في العالم، وسيجري كلّ شيء بأثمان، ربما تكون باهظة، ناهيكم عن إعادة التفاوض في الاتفاقيات التجارية الحالية، وكيفية التعامل مع كندا التي يحكمها الليبراليون، وربما الخروج عن الاتفاقيات السابقة إن لم ينصع الآخر لمطالب ترامب. المتوقع أن يقوم بتحجيم أدوار المتحالفين مع الولايات المتحدة، إذ سيحول حلبة السياسة إلى سوق بضاعة يديرها بنفسه. وهنا سيلعب ترامب بالنار إذا ما غامر بذلك، إذ سيمرّ اقتصاد العالم بمخاطر كبرى. وإذا كان ترامب يفكر بأن لكل شيء ثمنه، فربما سيخضع الميديا والاتصالات وثورة المعلومات وشبكات التواصل لسيطرته الأميركية، وربما فرض قيوداً عليها، أو طالب ببيعها بأعلى الأثمان. كما أن سياسات أميركا الخارجية ستختلف كلياً عما كانت عليه، ولا ندري من سيكون مسؤولاً عن هذا الميدان الحيوي، ومن هم الصقور الذين سيعتمد عليهم ترامب، في ترتيب العلاقات الخارجية بالنسبة لروسيا والصين وأوروبا، وبالنسبة لمشكلات الشرق الأوسط الصعبة القديمة والجديدة.

لم تعد أميركا كما كانت عليه في بدايات القرن العشرين، تحمل مبادئ ولسن في الحريات وتقرير المصير، ولم تعد الشفافية تنفع، ولا القوة الناعمة، بل سنسمع سياسة الإهانة واستعراض القوة الخشنة. وعليه، هل باستطاعة ترامب مسك العصا الغليظة التي يتوعّد بها هذا وذاك؟ هل سيمتلك طاقماً من الخبراء الذين يمكنهم ترجمة أفكاره في الواقع؟ هل سينجح في استعادة أميركا دورها القوي، لا المستعرض؟ هل ستكون سياسته متوحشةً وصريحة، أم تكون ناعمة وخبيثة؟ هل سيترجم أفكاره الصاخبة بصدد المهاجرين؟ هل سينجح في إيجاد فرص العمل للأميركيين؟ ما سياسته إزاء جيرانه الكنديين على عهد الليبراليين؟ ما سياساته إزاء أوروبا التي يريد أن تحمي نفسها بنفسها؟ هل ستبقى سياسات أميركا السابقة التي اتبعت في الشرق الأوسط؟ هل سيبقى صناعة الفوضى والميوعة البليدة والتمويه على الإرهاب والتمتع بما يجري من تفكيك وانقسامات؟ هل سيلغي الاتفاق النووي مع إيران؟ هل سيتبع سياسات مغايرة في العراق وسورية؟ ما سياسته إزاء إسرائيل والفلسطينيين؟ وهل يستطيع البقاء في الحكم إن نجح في تغيير اتجاه العالم؟ وهل يستطيع أن يبقي على حياته، وهو في السلطة، إن بدأ تطبيق أفكاره نحو الاتجاه الآخر. إلى غير هذه الأسئلة التي لا يجد أغلب الناس أجوبة عليها إلا بعد حين. وأخيراً، أقول إن على زعمائنا في المنطقة أن يكونوا أذكياء جداً في تعاملهم مع التنين القادم.

صحيفة العربي الجديد / لندن  ،. ويعاد نشرها على مواقع الدكتور سيار الجميل



 

 

 

الموصل وحلب

وهواجس التفكّك الداخلي

سيّار الجميل

إنها قصة مدينتين تسمّيان الموصل وحلب، وهما من أقدم مدن الشرق في التاريخ، وقد اشتركتا على امتداده معاً في كيانات سياسيّة، وارتباطات اقتصاديّة، وامتزاجات اجتماعيّة منذ عهود الأمويين والعباسيين، مروراً بالحمدانيين والعقيليين والأتابكة الزنكيين، وصولاً إلى الأيوبيين وانتهاء بالعثمانيين، كما بقيت كلّ منهما تشكّل حصناً منيعاً أمام الغزاة، سواء الفرس الساسانيين أم الروم البيزنطيين.. ولعلّ أشهر شراكة تاريخية لهذا التوأم وقوف حلب، بقيادة واليها الوزير، حسين باشا القازوقجي، إلى جانب الموصل في دفاعها الأسطوري ضدّ حملة نادرشاه على الموصل وحصاره لها 1743 ميلادي، وكانت بقيادة واليها الوزير، حسين باشا الجليلي، وقد انتصرت على ذاك التنين الأحمر انتصاراً تاريخياً. 
لعلّ أولى الإشارات التاريخية لتعرّض المدينتين لكلّ ما يصادفهما اليوم، إنما يدّل دلالات واضحة على أهميّتهما الاستراتيجية، كونهما تمثلان عمقاً تاريخياً لكلّ من العراق وسورية، ناهيكم عن موقعيهما الاستراتيجيين لكلّ من العرب والأتراك والإيرانيين.. وكان العالم قد رصدهما طويلاً، إبّان النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وجرى التركيز عليهما، إذ عاش بين ظهرانيهما قناصل عديدون، وزارهما عشرات الرحالة والآثاريين، وتأسسّت فيهما عدّة بعثات تبشيرية، وهما تؤأمان حقيقيان، عاشتا تشابه إحداهما الأخرى، خصوصاً في الثقافة والطبائع والخصوصيات الاجتماعية. وتتميز الاثنتان بنسيجهما السكاني المتنوّع، فقد استوطنهما العرب منذ القدم، وكانتا موطناً للسريان الآراميين، وغدتا مركزي جذب لكلّ من الكرد والترك وعناصر سكانيّة أخرى، وخصوصاً من بلاد الجزيرة الفراتية ومن الأناضول. 
تتفاقم الهجمة اليوم، منذ أكثر من سنتين على المدينتين، بشكل يستدعي القلق على مستقبليهما، وتفكّكهما الداخلي بنزوح أهاليهما، بعد أن فشلت كلّ من حكومتي سورية والعراق في حمايتهما ووقايتهما من التحدّيات التي عصفت بهما، وإذا كانت حلب قد تمزّقت جرّاء حربٍ قذرة، وتلقّت الحمم والقنابل من سمائها، وأفرغت من سكانها بعد أن سحقت مآثرها، ودمرت أحياؤها، وهجرها 80% من سكانها، وغدت أجزاء منها أشلاء وخراباً، فإن الموصل تعرّضت، منذ 

عشر سنوات، لأهوالٍ من نوع آخر، جرّاء الإهمال والتهميش والإقصاء، إذ تمثّل ذلك بولادة خلايا إرهابية نائمة كانت مدّعمة، في البداية، من النظام السوري الحاكم الذي كانَ يرسل مجاميع الإرهابيين وبالمئات، وهم يفجرّون ويفخّخون ويقتلون ويدمّرون ويبتزون ويبطشون، ومروراً بمشروع اغتيال العراق، وانتهاء بهمجية قطع الرؤوس وتفخيخ السيّارات في المدن العراقية. وكان أهل حلب ودمشق يستقبلون الآلاف من الفارين، وخصوصاً من الموصليين الشاردين من قسوة الإرهاب وبطشه، ويشهد كلّ الذين احتموا بمدينة حلب على حسن استقبال السوريين الطيبين عموماً أولئك النازحين والفارين العراقيين منذ العام 2005 وحتى 2010.. ولم يكن أحد يدري أنّ الدمار سيلحق حلب ومدناً سورية أخرى لاحقاً.
ثمّة حقائق لابدّ أن ندركها قبل التأمّل في مستقبل هاتين المدينتين المنكوبتين، ذلك أنّ كلتا المدينتين تمتلك نسيجاً اجتماعياً تتنوّع فيها الأديان والأعراق، لا المذاهب والطوائف، واستوعبت كلّ منهما سكاناً من الأكراد والتركمان الذين اختلطوا مع سكان المدينتين في دواخلهما. ولكن بقيت أطيافهم واضحة المعالم في الأطراف. جغرافياً، المدينتان هما أقرب المدن العربية إلى الحدود التركية، وإذا كانت الموصل هي المركز الطبيعي للدخول إلى جبال كردستان، ومنها إلى قفقاسيا وإيران، فإن حلب هي الأقرب إلى البحر المتوسط والأناضول. وعليه، تعد استراتيجية المدينتين الأساس الحقيقي لقوة الشرق الأوسط في العصر الحديث، كونهما المعبر الجاذب بين الشرق والغرب معاً في جغرافية العالم الاقتصادية والحضارية. ومن البديهي أن تعيش المنطقة دوماً تناقضات الماضي وصدامات الحاضر ومواجهات المستقبل. وستبقى تواجه تحدّيات صارمة وتدّخلات خارجية سافرة، ينتج عنها مزيد من الاضطرابات والكوارث. 
من سخرية القدر أن تعيش كلٌّ من الموصل وحلب في قفص سلطة كلّ من بغداد ودمشق بعد اضمحلال الدولة في العراق 2003، وفي سورية 2011، وانسحاق النزعة الوطنية والأخلاقية في كليهما، بحيث أصبحت الأحزاب والمليشيات والعصابات الإرهابية تعبث بمصيرها من جانب، كما وغدا كلّ من البلدين مسرحاً لتدخلات الدول الإقليمية والخارجية. ما يثير القرف أن تنتقد الحكومة العراقية سياسات بشّار الأسد في السنوات الخمس الأولى بعد 2003، وفجأة تغيّر موجتها، كي نجد اليوم أكثر من عشرين مليشيا عراقيّة تقاتل على الأرض السورية من أجل إبقاء سورية في الفلك الإيراني. ويعترف الطرفان في بغداد ودمشق بقوّة علاقتهما بإيران وأجندتها في كلّ المنطقة. إنّ التدّخلات الإيرانية السافرة في سياسات العراق وسورية جعلتهما يطوفان في بحرٍ من الدماء، وغدت المنطقة تنتقل من موديل إلى آخر، نتيجة التحوّلات الصعبة من الصراعات الطائفيّة، وتفاقم ذلك بالتدّخل السافر لكي تتحوّل الثورة السورية السلمية إلى حربٍ قذرة ضدّ الناس، وتتحكمّ بها اليوم عصابات طائفيّة وإرهابية، تنجز فجائع تاريخية برفقة الطائرات، وتحل فيها كلّ القسوة والآلام ليس من أجل إبقاء الأسد في السلطة فقط، بل من أجل أن يبقى نظامه حليفاً إيرانياً، وظهيراً قوياً لسياسات إيران في المنطقة العربية برمتّها. مررنا بصفحاتٍ لا تعدّ ولا تحصى من الصراعات، والتي يتفاقم حجمها يوماً بعد آخر، بل باتت اللعبة تجري على المكشوف، ولا نستثني حتى وجود "داعش" الذي قدم من سورية إلى العراق، وتفاقمت مخاطره، بإعلان خلافته الإسلامية من الجامع النوري الكبير في الموصل.
أصبح الخطاب الطائفي اليوم مشاعاً، وتبلورت احتقانات لا أوّل لها ولا آخر، ما يعجّل بصنع 

شحنات مضادة متفجرّة، غضباً على أجيالٍ قادمة، فما هي الصورة التي تمنحنا إيّاها الرؤية المستقبلية في ظلّ التفاعلات السريعة؟ أقول إنّ المنطقة كانت، وستبقى، تعيش سلسلة صراعات عنيفة، بسبب الأجندة التي تطمح إيران إلى تحقيقها بأيّ ثمن في ظلّ تدويل قضيتهما، فغدت حلب بأيدي الروس واستراتيجيتهم ومصالحهم، في حين غدت الموصل ومحيطها من نصيب الأميركيين واستراتيجيتهم ومصالحهم.. ولا ننسى التصريحات المهمّة التي يطلقها كلّ من البريطانيين والفرنسيين من حين إلى آخر. تسعى إيران، اليوم، من الحرب ضد داعش العمل للسيطرة على بلدة تلعفر غرب الموصل، لتكون نقطة اتصال نحو سورية، وقد حشدت آلاف المقاتلين المنضوين في مليشيات تابعة لإيران، في حين هددّت تركيا مباشرةً بتدّخلها لحماية تركمان تلعفر .. وقد أعلن أكثر من مسؤول عراقي، ومنهم نوري المالكي نفسه، أنّ مليشيات عراقية ستساهم في تحرير الرقّة السورية. وما يروّج إعلامياً يقابله صمت مطبق من الحكومة العراقية. السؤال: لماذا؟ 
ما يهمّنا أصلاً البنية الديموغرافية لسكان المدينتين المنكوبتين، والتي يسكت عنها العالم سكوتاً مطبقاً، وخصوصاً في تشرّد آلاف العوائل ونزوحها وهجرتها، وإفراغهما من سكانهما. ثم ما مصير الجيل الجديد في كلّ من هاتين المدينتين، مع انعدام الدراسة وانسحاق الجامعات والمدارس وكلّ البنية التحتية للمدينتين؟ ما يهمّنا أيضاً، مصير جيل كامل وصراعات الحقوق المستلبة والممتلكات المسحوقة على تراب أوطاننا كجزء من صراعات إقليمية، وإعلان شعارات طائفيّة مقيتة، والتوعّد بالانتقامات وأخذ الثارات من أجيال تتهم بخطايا لم تقترفها أبداً، ولكن بحجة أنهم أحفاد للأجداد الأوّلين من الأمويين الذين قتلوا الإمام الحسين (!). إنها مانشيتات تاريخية موروثة، تعلن في ظروف صعبة جداً، ليس لتحقيق مآرب مذهبيّة باسمها، لكنها وسيلة ديماغوجية من أجل بناء استراتيجية امتدادات إيران نحو المتوسط، إذ لا يمكن لعاقل أن يؤمن أنّ للموصل وحلب علاقة بالتشيّع أبداً. ومن المعيب جدّاً على العرب أنهّم لم يواجهوا التحديّات الإيرانية بذكاء وخطط وأساليب غاية في الدهاء، بل تعاملوا مع المأساة تعاملاً غبيّاً. منطقتنا مقبلة، بعد الموصل وحلب، على صراعات متنوّعة لها مسببات عدّة في أماكن معينة، وستحترق مناطق أخرى لم تكن مشتعلة في الماضي. جوهر معضلة منطقتنا العربية اليوم امتلاكها المجال الحيوي الحقيقي في العالم.

(العربي الجديد)

 

رموز العراق

 وازدواجية المعايير

د. سيّار الجميل

حدثني الاخ الفنان حمودي الحارثي  في 16 تشرين الثاني / نوفمبر 1997 ، اذ كنت قد التقيت به في واحد من مطاعم العاصمة الاردنية عمّان  قبل قرابة عشرين سنة  .. حدّثني عن رحيل استاذه الفنان الراحل سليم البصري  والذي كانت المنية قد عاجلته في 8 مايس / ايار من ذلك العام .. حدثني الحارثي ، وهو يكابد حزنه وألمه على نهاية البصري  المأساوية ، وكيف لم يجد أحداً يرفع تابوته ويمشي في جنازته التي لم يكن فيها غير عبوسي واثنين آخرين  ، وكأن سليم البصري لم يزرع البسمة طوال سنوات على ثغر العراقيين ، ولم ينتزعهم من مكابداتهم  الصعبة ، ولكنهم ان لم يعرفوه في نهايته المؤلمة  ، فهم لم يعرفوه حتى بعد مماته   بسبب مجافاة السلطات له .. وتسعفني ذاكرتي أيضاً عندما مات العديد من المبدعين العراقيين الكبار في الشعر والفن والتاريخ والقانون والتشكيل والطرب والادب وميادين اخرى ، فلم يحفل لهم أحد  .. انهم يصبحون عالة على انفسهم في شيخوختهم ، ويغادرهم الناس ، وهم يتحسرون على شبابهم ، وقد غدوا يتضورون من الفاقة والحرمان والعوز ولا احد يهتم بهم ، او يكافئهم  ، او يتفقد أمراضهم  ويعمل على ابقائهم اعزاء كبار النفوس والامثلة لا تعدّ ولا تحصى  .. كنت اتمشى يوما في الصالحية قرب دار الاذاعة  وقد خرجت من المنصور ميليا ، فوجدت الفنان الرائع رضا علي رحمه الله  عند محطة الباص يتشبّث بباب باص مصلحة نقل الركاب ، ولكن شبابا مستهترين  دفعوه ، فوقع أرضا  مع اهانة قاسية بلعها وسكت متحسّرا  ، وكان نظره ضعيفاً ، فانكسرت نظاراته ، وقام من الارض متألمّاً بعد ان ركضت نحوه وساعدته وهو في اشدّ حالات اليأس  ، وقد قمت بايصاله بسيارتي الى بيته ! ولن اصّرح بما قاله لي في تلك اللحظة الاليمة !

ان المبدعين العراقيين لا يلقون اي اهتمام في مجتمعهم ، وما ان تنطفئ أسرجة حياتهم ، فأمّا  يموت ذكره  ، وقد تناساه الجميع  ، وأمّا  تضجّ الدنيا  ، وتنقلب الاسارير  ويصبح الفقيد الراحل من أعاظم  الناس ،  ومن اوفى الاصدقاء لبعضهم ، ويتبرّع الجميع بالحزن والاسى  ، او أنهّم يشاركون في العزاء والبكاء  ويسارعون بتدبيج المقالات في لحظة زمنية تمرّ  وعندما تتوالى الايام  ، يصبح هذا الراحل او ذاك مهملاً او  نسيّا منسيا ! انها ازدواجية المعايير لدى الشعب العراقي الذي لم أجده موّحدا وله كلمته الواحدة في تقييم رموزه ، ومنح الاعتبار الوطني لجميعهم ، مهما اختلف الناس في شأنهم  .. ان أهواء الناس في العراق تميل الى حيث مالت اتجاهات السلطة فيه ، فان رضيت السلطة عن شخص رضوا عنه ، وتوددّوا له ،  وان وقفت السلطة منه موقف الضدّ والتجاهل تناهوا منه ، وان حذرت منه انفضوا عنه خوفا ورياء ومداهنة  .. وقد وصل الحال اليوم الى اسوأ درجات التمييز بين هذا وذاك ، اذ يغلب الوازع الطائفي على الناس  ، فيغالب البعض من المتشددّين الطائفيين في تلميع  هذا  والتقليل من شأن ذاك  ، بل ويصل الامر الى جعل هذا في مصاف القديسين وهو لا يستحق ذلك ، الا لكونه محسوب على هذا الطرف ، وينالون او يتجاهلون اسماً آخر لكونه ينتمي الى طرف آخر  .. وهذا ما يذكرني  بمن كان يداهن السلطة على العهد السابق ازاء من يقف مستقلاً  او معارضاً لها ، بحيث يتداول الناس تهماً ملفقة واساءات لا حقيقة لها ابداً عن فنان او اديب او مثقف مبدع ، فقط لكونه لا يجاري الوضع القائم .. وهذا ما نلحظه اليوم ، فما ان يبدي أي رمز او مبدع رأيه المضاد للوضع العام  يرمى في سلة المهملات  .. حكى لي يوماً احدهم وهو يعدّ نفسه اكاديميا ومثقفاً ، ولكنه طبل فارغ  لا تجده الا منفوخاً ، حدّثني عن تهم ملفقة ضدّ واحد من علماء العراق المشهورين ، اذ اتهمّه بتهمة تعتبر كسر عظم في العموم ، قال انه كان يتقاضى راتباً من السفارة الامريكية في بغداد  لقاء تجسّسه ، قلت له : وما حيثياتك وأدّلتك وقرائنك ضدّه ؟ قال : انني  سمعت ذلك من فلان ! قلت له : ولكن فلان كان خصماً لدوداً له لاسباب شخصيّة ، وهذه تهمة خطيرة  والرجل في رحاب الله  ، فسكت على مضض ، ولكن احجية هذا تناقلها من كان حاضرا  ! 

 سئمت جدا من تصرفات  بعض العراقيين وأهوائهم وامزجتهم في ممارسة بعض عاداتهم السقيمة ، وتبيان مظاهرهم  واستعراضاتهم الكاذبة ، وأغلبها لا حقيقة لها وغير واقعية ولا حقيقية ابدا .. وهي تدّل دلالات فاضحة على  غرابة سايكلوجياتهم ،  وغباء تصرفاتهم  ، عندما يرفعون أسم هذا الى عنان السماء ، أو عندما يجعلون اسم الاخر في اسفل سافلين !   ولم تكن الامثال الشعبية العراقية المتوارثة الا حصيلة دروس لما اتصف به الناس في هذا المجتمع  الذي سحقته التناقضات سحقا .. فهم لا يهتمون بهذا الشخص المبدع  ولا ذاك العملاق الكبير ، ولا بتلك العلامة البارزة  ، ولا يهمّهم هؤلاء في حياتهم  ، ولم يكلفوا انفسهم  عناء السؤال عن شيخوختهم  ، ولا البحث عن معاناتهم ، ولم يقفوا معهم في محنهم  القاسية  عند نهايات حياتهم ، وخصوصاً عندما تبدأ حياة اولئك العمالقة  بالذبول ..فلم يسعوا الى مساعدتهم ، ولا الى تلبية حاجاتهم ولا المساهمة في شراء أدويتهم ، ولم يراعوا صحتهم ، ولم يمنحوهم حبهم او محبتهم  الا عند سماعهم بموتهم ، ليجعلوا من هذا " الحدث " كرنفالا لاحدهم  ولحظة صمت لا مبالية لأحدهم الاخر  .. هذا يشيعونه باعلان شهادات الوفاء واقامة المهرجانات الخطابية ، ونشر كلمات التأبين ، وذاك لا يجد احدا يواريه الثرى !

وعليه قال العراقيون في امثالهم :  من يموت  فلان تطول كراعينه "  ، اذ تبدأ  العواطف  تشتعل  وتظهر الاحزان ، وتنهمل الدموع ، ويضجّ الجميع بالبكاء والنواح .. وتبدأ  تبثّ الصور، وتذاع الخطب ، وتنشر المقالات  عن شخص مبدع يجعلونه واحدا من اصدقائهم   ، وقد كان الرجل قبل ايام  يعاني دون ان يلتفت اليه احد ،  وعاش سنواته الاخيرة  وهو عزيز النفس  لم يطلب من أحد شيئاً وهو في ديار الغربة ، والكلّ يعلم كم هناك مئات او الوف التافهين اصبحوا اليوم من اصحاب الملايين ، وهم لا تاريخ لهم ، ولا خدمات لديهم ، ولا ابداعات منهم    .. اننا ندري بأنّ الطبول الفارغة تسكت  ، والجعجعة سرعان ما تنتهي فورتها ، اذ يلحق ذاك المبدع بقافلة المبدعين العراقيين الذين  لم يروا في حياتهم الا الجحود  والتجاهل والتنكر  والانكار ، ولكن  عند  رحيلهم  تضرب الخدود وتشقّ الجيوب  وتبرز الذكريات وتنشر الصور لتبيان مدى الوفاء والاخلاص ،  وتستعرض الصداقات مع الراحل وتتمظهر الاستعراضات الشخصية ، وكأنّ هذا الراحل  لم يعرف غيرهم  ..  انها من اسوأ عادات العراقيين  ، ان  ميزوّا احدا قدسوه  ، وان كرهوا احداً تجاهلوه ، وان خالفهم أحد عادوه  ، وان حسدوا أحداً قاموا بتشويه سمعته وقللوا من شأنه بين الناس  .. ليس لهم الا الزوابع الفارغة والمظاهر الخادعة والعواطف الكاذبة  .. يمثلون دور الشاكي  في حياة هذا ، ويمثلون دور الباكي في ممات ذاك  ..

انّ الاشجار اليانعة ان لم تزوّدها بالماء ، فسوف تذوى وتتيبّس وتموت     قال فولتير : " ما نفع  ان يمدحني الناس بعد مماتي وهم  ينكرونني  في حياتي   "  . اتمنى عليهم لو كانت لهم ضجتهم  الكبيرة  من اجل الوقوف مع  أي مبدع عراقي ، وهو حي  يرزق  في شبابه او كهولته  او شيخوخته  بعد ان صرف حياته في  خدمة العراق واهله   .. واتمنى عليهم لو  كرموه أعزّ تكريم في حياته ، ومنحوه عواطفهم  الساخنة  في أيّامه الصعبة  ..  وأتمنى أن يمنحوه  ما لديهم  من دون نفخةٍ كاذبةٍ ومظاهر  بليدة وادعاءات فارغة  ..  وأن يتساوى جميع المبدعين في تكريمهم  سواء في حياتهم  او في تأبين ذكراهم  اثر رحيلهم  ..  وكلّنا يعرف نهايات شخصيات ورموز عراقية امثال الرصافي والصافي النجفي والكاظمي والسياب وجميل بشير وعبد الرحمن البزاز وعبد العزيز الدوري وجلال الخياط  ويونس بحري  وعفيفة  وزينب وفؤاد سالم  وغيرهم كثير كثير ..

وأخيراً اقول بأنّ ما نشهده من حالات في المجتمع العراقي لم نشهد ذلك ابداً في ايّ بلد عربي آخر  .. اذ يكفي مثلاً احتفاء كلّ أبناء شعب مصر  برموز مصر نسوة ورجالاً  ، وجميعنا يشهد كيف يوّدع الناس فيها رموزهم التي يعتزون بهم جميعاً  غاية الاعتزاز .. فهل يدرك أهلنا في العراق وكلّ العراقيين في شتات العالم مغزى هذا الكلام  ؟

نشرت في افتتاحية الزمان ، لندن ، العدد 5539 الخميس 26 من محرم 1237هـ - 27 من اكتوبر /  تشرين  اول 2016م

 

 

تحرير الموصل... تحوّل تاريخي

د. سيار الجميل

انطلقت، فجر يوم 17 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، معركة تحرير الموصل من قبضة داعش، وهي الانطلاقة التي انتظرها الناس طويلاً، كون الموصل تتمتع بجيوستراتيجية بالغة الأهمية، فهي في قلب الشرق الأوسط، وتكاد أبعادها تتساوى نحو بحارٍ، مثل قزوين والأسود والمتوسط، ويمر بها دجلة نحو الخليج، وهي تصل بلدان الشرق بالمتوسط، وتصل الهند بأوروبا براً.. وتعد الموصل/ نينوى رأسا للعراق، كما يقول المؤرخ لونكريك، إذ لا يمكن للعراق أن يحيا من دون هذا الرأس، مدينة وإقليماً، نظرا لما تمتلكه الموصل من توابع جغرافية، وما تتمتع به من مكانةٍ حيويةٍ واستراتيجية منذ القدم، فضلا عن أنّ الموصل وقعت في "قلب الشرق الأوسط"، إذ تقع في مركزيته، فموقعها الجغرافي تتوازى منه المسافات بينها وبين البحار، إذ تتقارب المسافات البرية بين الموصل وكلّ من بحر قزوين والبحرين، الأسود والمتوسط، وبينها وبين الخليج العربي نهران عبر دجلة وشط العرب.

 تعد مدينة الموصل الأقدم وجوداً في هذه المنطقة بأسرها، وقد بقيت حيّةً صامدةً تجابه التحديّات، وتقارع الأعداء، وتصارع الأضداد، ولم تمت كغيرها.. إنها اليوم وأهلها عند مفترق طرق صعب إزاء المستقبل، وهي تتحدّى كلّ التوّحش والإرهاب، وعلى سكانها أن يأخذوا حذرهم من أعدائهم، ومن المتحفزين ضدّهم. ويصّر ناصحون لهم على أن يبقوا على أرضهم، وفي بيوتهم، ومتمسكين بمدينتهم. عليهم أن يقبلوا بكلّ الأوفياء المخلصين الذين جاؤوا لإنقاذهم، وأن لا يسمحوا أبداً لكلّ من تسّول له نفسه العبث بالمدينة وأهلها، سواء من العصابات أو المليشيات والقوى الحزبية والطائفية التي تبثّ التضليل والأباطيل والكراهية والثارات والانتقام الطائفي.. وعلى رئيس الحكومة العراقية والقائد العام للقوات المسلحة أن يفي بوعده وكلمته أمام العالم، أن لا يدخل المدينة إلا الجيش العراقي والشرطة. 

يأتي تحرير الموصل الذي تقوم به القوات العراقية والقوات المتجحفلة معها، بقيادة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، بناء على ضرورة تاريخية، فرضتها الظروف الصعبة التي تمرّ بها هذه المدينة والمحافظة، علماً بأنّها تعيش في قبضة داعش مع سكانها منذ قرابة عامين ونصف العام.. وأن الظروف الآن نضجت لتتم عملية تحريرها من "داعش" وإنهاء وجوده. ولكن، ما يهمنا أساساً: 
أولاً، الحفاظ على مصير الناس في الداخل، وهم يعيشون في قبضة الأعداء، ويتجاوز عددهم مليوناً ونصف المليون من البشر، في حين بلغ عدد المهاجرين والنازحين أكثر من مليون. 
ثانياً، ما الذي ستتمخّض عنه هذه الحرب في المراحل الأولى؟ ومن ثمّ البدء بالطور الانتقالي لها، وذلك لضبط أوضاعها الأمنية والعسكرية والإدارية.
ثالثاً، ما الخطوات التي يمكن اتخاذها في مرحلة ما بعد "داعش"؟ خصوصاً من الناحيتين، الأمنية والسياسية، وترتيب وضعها الإداري بالحفاظ على وجودها في الداخل.
رابعاً، تسهيلات عودة النازحين وإعادة فتح المؤسسات والمدارس والجامعات والدوائر إلى الحياة، ناهيكم عن الإصلاح وإرجاع الممتلكات إلى أصحابها، ومسألة التعويضات للمتضرّرين، والطلب من المجتمع الدولي المساهمة بإعمار ما خرّبته الحرب، وما تدمّر في المدينة، والمحافظة منذ العام 2014 وحتى التحرير. 
خامساً، لعل أهم عنصر من عناصر استقرار البلد ورجوعه إلى طبيعته يتمثل باستعادة روح التعايش، ليس بين الناس وحسب، بل مزاولة نزعة الاحترام بين مركزية بغداد والمحافظة، بعيدا عن إيجاد الحساسيات والمشكلات والتهميش والإقصاء. الموصل ومحافظة نينوى تطالب بأن تمنح خياراتها في الحياة، وأن تكون عراقية، واعتبارها جزءاً غالياً من الوطن. وعلى أهلها في الداخل والخارج البدء بصفحةٍ جديدةٍ من التعاون والعمل على ما دمره "داعش"، وإيجاد روح الألفة والمحبة بين الناس، فضلا عن إعادة التفكير في كلّ ما أنتجه الإسلام المتشدّد. 
وعليه، ينبغي وضع أسس وخطوات رئيسية وجوهرية، في أن تكون الموصل عراقية إلى الأبد، لكنها منفتحة على كل العراقيين والعالم، وقد تخلّصت من الإرهاب، بعد أن مرّت بأقسى تجربة في تاريخها، وستترتب على ذلك جملة من الحقوق التي لا يريد أحد أن تضيع، إذ يكفي ما أصاب الناس من إحباط وقهر وسبي وآلام وقطيعة واستلابات ورعب وفقدان لعناصر الحياة الكريمة والأساسية، ومن أبرزها غلق المدارس والجامعات والدوائر والمؤسسات.. تريد الموصل التعايش والسلام، لكي تبدأ حياتها في العمل من جديد، وبناء ما دمره "داعش" ببطشها، وما نتج من خرابٍ في هذه الحرب. سوف لا تستعيد الموصل وتوابعها في عموم نينوى حياتها الطبيعية، إن لم تتخلص من "داعش" وآثاره خلاصاً نهائياً، ناهيكم عن تمتع أهلها بالاحترام، وتأدية دورهم الوطني وشعورهم بالمساواة مع بني شعبهم العراقي، فإن لم يحصل ذلك، لسبب أو آخر، فللموصل خياراتٌ من نوع آخر. 
كم هي ضرورة مناقشة المجالات التي من شأنها مساعدة الموصل ونينوى، في محنتها وحالة الخروج من هذه المحنة. بجعل الموصل/ نينوى في حيّز المعاش، وإرسال رسالة تحمل الأفكار والرؤى الجديدة في الحفاظ على وحدتها، وإيجاد الفرص الهادئة بين مختلف ألوان 

الطيف مع إقرار مرحلة نقاهة، بعد إزالة هذا الكابوس عن صدور الناس الذين عانوا طويلاً، وإطلاق طاقات التواصل الحديثة، بعد رجوع الآلاف المؤلفة من النازحين والمهجرين، وتطوّير الأوضاع الخدمية، وإعمار ما هدمه داعش، أو ما تخرّب بتأثير الحرب، فضلا عن عدم المسّ بالمعطيات الديموغرافيّة من جهة أخرى، فلا يمكن أبداً إنجاح أية حملة لتغيير التركيبة السكانية الديمغرافية في أي شبر من أرض المحافظة.. وأن يشعر المجتمع بمضامين الوحدة الوطنية في حياته اليوميّة، وأن يشارك الناس في كل مكان بصياغتها وبمشاركة حقيقيّة وفاعلة. 
لا يمكن أن تدوم أية عمليات عسكرية إن لم تكن واضحة الغايات، وسيكون "التحرير" خطوة أولى لبعض الحكماء الذين يسعون إلى بلورة أفكار تأسيسّية وجامعة، ربما ستأخذ شكل سياسات، ومشروعات يمكن تطبيقها بعد انتهاء عمليات التحرير. تتطلب عودة الموصل إلى حضنها العراقي الوطني وجود خريطة طريقٍ طويلة الأمد، لتجسيد معالم فكريّة جليّة، تعاش على كلّ مستويات حياة الموصل الداخليّة.
وأخيراً، لا بدّ من إرسال رسالة، تحمل الأفكار والرؤى الجديدة في الحفاظ على وحدة الموصل، وأن ينشد الجميع وحدة الكلمة، بعيداً عن الانقسامات والاختلافات والصراعات، خصوصا من السياسيين في الموصل ومن يمثّل المحافظة في مجلس النواب، وفسح المجال لكي يقول أبناء الموصل كلمتهم الحرّة، وإيجاد الفرص الهادئة بين مختلف ألوان الطيف، مع إقرار مرحلة نقاهة بعد إزالة هذا الكابوس عن صدور الناس الذين عانوا طويلاً ، وإطلاق طاقات التواصل الحديثة، بعد رجوع الآلاف المؤلفة من النازحين والمهجّرين، وتطوير الأوضاع الخدمية، وإعمار ما هدمه "داعش"، أو ما تخرّب بتأثير الحرب، فضلا عن عدم المسّ بالمعطيات الديموغرافيّة، فلا يمكن أبداً إنجاح أية حملة لتغيير التركيبة السكانية الديمغرافية في أيّ شبرٍ من أرض المحافظة .. وحاجة الشعب إلى مضامين الوحدة الوطنية في حياته اليوميّة، وأن يشارك الناس في كلّ مكان بصياغتها وبمشاركة حقيقيّة وفاعلة. ستكون هذه الرؤية، في حال نجاح تجربة الموصل بعد المحنة، مثلاً حقيقياً أو نموذجاً يحتذي به كلّ أبناء العراق مستقبلاً. وأرى أن جملة تحوّلات تاريخية ستعقب تحرير الموصل، لا تقتصر على العراق وحسب، بل على غيره في المنطقة.

(العربي الجديد) لندن

 

قبل معركة الموصل

سيّار الجميل

يترّقب العالم اليوم، كما تشير وكالات الأنباء العالمية، اندلاع معركة الموصل، إثر دخول التوقيت المحدّد بساعة الصفر مرحلته النهائية. ويبدو أن الولايات المتحدة قرّرت حسم هذه المعركة التي ستقضي على أخطر تنظيم إرهابي في الأرض.. ولكن، لا تُعرف ما هي القوى اللوجستية المساندة والمشاركة للجيش العراقي في مهمته الوطنية المشرّفة. يرحب أهل الموصل، وكلّ أبناء إقليم نينوى، بكلّ القوى الخارجية والداخلية المساندة والمشاركة في مهمّة التحرير، لكنهم لا يقبلون ألبتة دخول أيّة مليشيات طائفية ترتبط بإيران مدينة الموصل، إذ لا يريدون تبديل لطخة ظلامية سوداء بأخرى دموية حمراء، لها ممارساتها السالبة مع مناطق وجهويات سنيّة أخرى في العراق. وعلى الرغم من وجود الآف المسلّحين الذين يريدون اكتساح الموصل، إلا أن "رسالة" يريد أن يوجهها أهل الموصل إلى رئيس الوزراء، حيدر العبادي، كونه القائد العام للقوات المسلحة، أنّ كارثةً ستحلّ بالموصل، في حالة دخول أيّة مليشيات طائفيّة الموصل، فإن كان يوجّه خطاباته إلى أهل الموصل، ويطالبهم بالتعاون من أجل تحرير أرضهم وجغرافياتهم فهم يطالبونه بأن لا يحقّق للمليشيات الطائفية رغبتها وأغراضها أبداً، وأن يحول دون أيّة ممارساتٍ لا إنسانيةٍ ضدّ أهلنا في الموصل. السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يتم القبول بكلّ القوى الوطنية والإقليمية والخارجية بتحرير الموصل، ويتمّ رفض هذه المليشيات رفضاً قاطعاً؟ يبدو السبب واضحاً: أن قطيعة تاريخية قديمة حدثت بين الطرفين، وأنّ للمليشيات الطائفيّة أجندتها السياسيّة والايديولوجية، وهي تعبّر تعبيراً علنياً عن سياسات إيران. وعليه، فهي بذلك قد خرجت من ثوب الوطنية العراقية، لكي تكون في خدمة إيران وسياساتها، خصوصاً أن للموصل تاريخها المتشنّج والمأزوم ضدّ إيران منذ مئات السنين. 
إنّ دوراً مهماً يلعبه المقاتلون في هذه الأيام بمختلف أنواعهم، مع دخول أسلحةٍ جديدةٍ تستخدم، أوّل مرّة، من أجل حملة استعادة السيطرة على الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق، والتي هيمن عليها تنظيم داعش الإرهابي، وبطش بها منذ عام 2014. ومثلما كان سقوط الموصل بأيديهم، قبل سنتين ونصف السنة، مجالا لتحقيق مزيد من كسب العراق، أو قضمه، لكي يصلوا إلى أطراف بغداد، فانّ من المرجح أن يكون التحرير واستعادة إقليم نينوى من براثن داعش نقطة تحوّل في تنظيف المنطقة كلّها منهم، والسيطرة على آخر معقل للمسلحين في العراق. مضت عدة أشهر طوال من التأخير، ومع بداياتٍ خاطئةٍ في التعامل مع الإرهاب. ولكن، تبدو 

حملة الموصل تدخل المرحلة النهائية الآن. وقد وضعت الخطط للمعركة المقبلة، خصوصاً بعد استعادة قوات البيشمركة الكردية عدة قرى شرق االموصل، وبعد السيطرة الناجحة على قاعدة الكيّارة الجويّة، وهي على بعد 40 ميلا جنوب الموصل، ويحدّد كلّ من العراقيين والأميركيين وكلّ الشركاء الدوليين منطقة انطلاق استراتيجية للهجوم على المدينة. وقد تعهّد مسؤولون أكراد بأنهم يخططون للتقدّم إلى داخل حوالي 10 أميال من أطراف مدينة الموصل، من دون الدخول إليها. معنى ذلك أن المعركة الأساسية سيلعبها الجيش العراقي، في حين تلعب البيشمركة دوراً داعماً. ويتوّقع مقاتلون بيشمركة في خطّ المواجهة حدوث معركة دامية وطويلة ومعقدة في المستقبل، في حين يؤكد المقاومون من أهل الموصل، وفصائلهم الوطنية التي يقودها أثيل النجيفي، بأنّ مقاومة العدو ستبدأ في الانهيار، حال اندلاع المعركة الفاصلة. 
أما الجنرال الأميركي، شون ماكفارلاند، فقد بدا متفائلاً في قوله "الأهداف سهلة جداً لنا"، وقد أبلغ الصحفيين أنّ "الدواعش تكبّدوا خسائر جسيمة جداً، فقد قتلت قوات التحالف ما يقرب من 45000 مقاتل من المتشدّدين، وإنّ الأعداد المتبقيّة منهم تقدّر بين 15000 إلى 30000 محارب، هم الأقلّ فعاليّة والأضعف ممّا كانوا عليه في الماضي". وأضاف "عندما نذهب إلى مكانٍ ما، من السهل أن نذهب إلى هناك الآن مقارنةً بما كان عليه الوضع قبل عام، وغدا العدو أضعف من المواجهة في معركة مصيرية". وعليه، لا يمكن الاستهانة بمقاتلين شرسين جداً، خصوصاً أنهم يتوزعون على امتداد الخطوط الأمامية، فمن المتوقع حدوث مقاومةٍ شرسةٍ من القناصة، وربما تكون "غير مسبوقة" مع استخدام عبواتٍ ناسفة وهجومات انتحارية مع محاولات مخادعة، وربما تكون يائسة ومعبرّة عن "الموقف الأخير"، لأنه ليس في استطاعة أحدٍ من هؤلاء المسلحين التراجع أو الاستسلام، اذ يستدعي ذلك الغضب والموت الشنيع. 
يتابع ماكفارلاند: "الكفاح من أجل الموصل يختلف عن أيّ شيء آخر رأيناه في العراق، نظرا لأهمية المدينة استراتيجيا، وكونها اتخذها داعش مركزاً حقيقياً له، فالموصل هي التي تشغلنا جميعا أكثر من أيّ مكان آخر". وعليه، من يسمع هذا كله سيعتقد أنّ المعركة ستكون دموية. من غير الواضح متى سيبدأ القتال بشكل جدّي، أو كم من الوقت سيستغرق ذلك. وقد رفض ماكفارلاند الكشف عن جدول زمني لعمليةٍ يقوم بها الجيش العراقي جنوب الموصل، ولكن من المتوّقع أن يؤدي الهجوم بكفاءة مع جنود الولايات المتحدة في مركز الخدمات اللوجستية جنوب المدينة، والمتخذ من قاعدة الكيارة الجوية دائرة له. 
وقد توّفرت لكلّ من الجيش العراقي والبيشمركة الأكراد، في ربيع العام الجاري، جملة من 

المعدات الهائلة، مثل ناقلات جند مدرعة ومدافع الهاون والأسلحة المضادة للدبابات مع أسلحة جديدة، اكتملت التدريبات عليها في دورات مدة ثمانية أسابيع. وفي الشهر الماضي، وقعت وزارة الدفاع العراقية اتفاقاً لتزويد القوات الكردية بمبلغ قدره 415 مليون دولار لدفع رواتب للمقاتلين، ولشراء المواد الغذائية والوقود والذخائر والإمدادات الأخرى. ويوضح المتحدّث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، رانكين غالاوي، أنّ تسليح الأكراد عملية حسّاسة، وإن أيّ اتفاق كردي مع حكومة المركز يثير معارضة من أعضاء في البرلمان. 
مصدر المشكلات والتوترات والأزمات في العراق قوى لا تريد استقراره وتقدّمه. وكان من نتائج سوء سياسات رئيس الحكومة السابق، نوري المالكي، كارثة سقوط الموصل، بعد أن حكم دورتين ثماني سنوات، شهد العراق في أثنائها أسوأ حرب أهلية، وغرق العراق في الفساد والتفكك بين بغداد وأربيل ليست جديداً. ولم يزل هذا الرجل يثير المشكلات والنعرات والانقسامات. ويرجح أن استعادة الموصل (وتحريرها) ستكثف الصراعات الداخلية على السلطة. وإن جملة تحوّلات استراتيجية ستحدث، ليس في العراق وحده، بل في كلّ المنطقة، فمن المتوقّع ان يحافظ العراق على وحدته بولادة أقاليم بديلاً عن المحافظات الحالية .. كما أن التوقعّات تشير إلى حدوث تبدّلات جذرية في العملية السياسية، وتغيير النظام السياسي إلى نظام سياسي عقلاني من نوع آخر، مع تحجيم دور إيران في العراق. 
ويعتقد مراقبون عديدون أنّ تحرير الموصل والمناطق المحيطة بها (يسكنها خليط من المسلمين العرب السنة، والمسيحيين السريان والكلدان والآشوريين واليزيديين والأكراد والتركمان والشبك) سوف يؤدي إلى تفاقم التوترات العرقية والدينية. وعليه، من أجل أن لا يقود الصراع إلى حدوث مظالم جديدة، وانتهاكاتٍ طويلة الأمد بشأن توزيع السلطة والأراضي والنفط، فمن الأجدر تأسيس إقليم نينوى، ومركزه الموصل، للمحافظة على مصالح أبناء الإقليم، ووحدتهم المستقبلية وخصوصياتهم الاجتماعية والثقافية، فضلاً عن قدرة الإقليم في الدفاع عن أهله كلهم، وعودة النازحين والمهجّرين إلى بيوتهم، والمطالبة وطنياً ودولياً بتعويضات كلّ المتضررين بدمائهم وأعراضهم وأموالهم وأملاكهم، مع إعادة فتح المدارس والجامعات.. ومعاقبة كلّ المجرمين الذين قاموا بعمليات القتل والبطش وهتك الأعراض، ولعلّ من أهم الضرورات فرض الأمن والعدالة وإعادة القضاء وفرض القانون، خوفاً من وقوع عملياتٍ وحشية، كما تؤكد على ذلك جماعات حقوق الإنسان.

(العربي الجديد)

 

الموصل ليست

حلبةً لرقص الآخرين

سيّار الجميل

 

قال الرئيس الأميركي، باراك أوباما إن المعركة الفاصلة ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل لاستعادة المدينة من قبضة داعش قد تبدأ "سريعاً إلى حدّ ما"، وأقرّ بأنها ستكون صعبة، مشيراً إلى أنّ الموصل "مدينة كبيرة"، وأنّ "الدولة الداعشية رسّخت نفسها بقوة داخل هذه المدينة"، لكنه استدرك: "نحن على ثقةٍ من أننا في موقفٍ يمكّننا من التقدّم سريعاً"، مضيفاً أنه يتطلع إلى إحراز تقدّم بحلول نهاية العام الحالي. وشدّد الرئيس الأميركي على ضرورة إعادة بناء الموصل "لمنع المتشددّين من العودة إليها"، وقال إنه سيطلب من الكونغرس، ودول أخرى، تقديم الدعم لتلك الجهود. وقد سقطت الموصل في قبضة التنظيم في يونيو/ حزيران 2014. 
وتمّ التأكيد على أنّ استعادة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، بحلول نهاية العام الحالي. ورجح عسكريون عراقيون أن يبدأ هذا الزحف في النصف الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل. وتضمّ الموصل قرابة مليونين من السكان المدنيين الذين يرفضون رفضاً قاطعاً دخول الفصائل والمليشيات الطائفية إليها، وكلّ المتحالفين معها. وحذّر مسؤولون من وقوع كارثةٍ إنسانيةٍ داخل المدينة، حيث يعيش السكان تحت حكم الحديد والنار لتنظيم داعش. الأخبار شحيحة جداً من داخل الموصل ومأساتها الحقيقية، إذ تضاءلت إمدادات الغذاء، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني. ثمّة عمليات مقاومة ناجحة، يقوم بها مسلحون من أبناء المدينة مع سلسلة إعدامات تجري يومياً ضد كلّ من يحترز جهاز موبايل. وقد انقطعت الأخبار نهائياً، بعد أن أقدمت "داعش"، قبل شهرين، على قطع كلّ وسائل الاتصال الإلكتروني، فانعزل الناس انعزالاً كاملاً، ولا تعرف الآن ظروفهم وتفاصيلهم المأساوية. 
من أبرز ما يمكن التفكير فيه لا يقتصر على مسألة إرجاع أرض أو عودة مدينة، على الرغم من قناعة غالبية الناس بأنها لن تسلم من الدمار والخراب، كالذي حدث في رصيفاتها التاريخية، حلب والرمادي، مع اختلاف طبيعة الأحداث بين المدمِّر والمدمَّر. ولكن، لم يستبق أحد التفكير والمناداة بالعمل لوجستياً في خطط، حتى لو كانت بسيطة، لما بعد تحرير الموصل، خصوصاً أن ما شهده المجتمع في المدينة، وتوابعها في الأطراف، كان عصّياً على الفهم والتفكير، فقد أخليت الموصل وأطرافها من المسيحيين الذين اختاروا النفي، وأجبر بعضهم على المغادرة وترك بيوتهم وأملاكهم نهائياً، ناهيكم عن الاستئصال الإجرامي الذي مورس ضد شرائح معينة من السكان، وفي مقدّمتهم اليزيدية والشبك، وكلّ من تعامل سياسياً أو عسكرياً أو إدارياً أو تشريعياً في مرحلة ما بعد عام 2003. 

السؤال المثير: هل كانت هذه التجربة المريرة بسقوط الموصل تحت بطش أقذر احتلال ظلامي افترس المجتمع وأخلاقياته وثقافته، ودمر رموزه المعمارية والحضارية، سبيلاً حقيقياً ومنطقياً لتوحّد أبناء الموصل ونينوى، وجعلهم يفكّرون بطرقٍ جديدةٍ، لا علاقة لها بما كانوا يفكرون به قبل المأساة؟ وهل استدعى ذلك كلّه، لكي يبحثوا في مصيرهم لما بعد التحرير؟ ما يخشى منه العقلاء من أبناء الموصل، وإقليمها نينوى، أن يرقص الآخرون على دماء أبنائها، والعراق يعيش فجيعة دولة عراقية ضعيفة وانفلات أمني، وانهيار وتفكّك اجتماعي، وانعدام روحٍ وطنيةٍ، وبطش مليشيات وعصابات موالية للآخرين. وما يسمعونه من دعواتٍ تطلقها أكثر من جهة لتقرير مصيرها، وعلى ألسنة كلّ من هبّ ودب، من دون أيّ تقديرٍ لظروف المحنة التاريخية التي عاشتها الموصل وسكانها. من التعاسة أن يوزّع الأحكام أولئك الذين لا علم لهم بقيمتها، وهم بعيدون عنها جغرافياً، ولا يفقهون علاقات الناس بعضهم بالآخر.. ما يحمّلهم هموماً وكمداً سيكولوجياً لا يعرف مداه إلا الله. كلّ الخوف أيضاً أن تستعر أيّة حربٍ أهليّة داخلية، خصوصاً أنّ موصليين متشدديّن قد روّجوا "داعش" منذ سنوات، بل وأصبحوا دواعش بامتياز ضدّ أهلهم ومجتمعهم، ناهيكم عن خطر الأطراف على الدواخل، وسحق النسيج الاجتماعي. 
ما تتعرّض له المنطقة اليوم أتعس بكثير من المرحلة الصعبة التي أعقبت "سايكس- بيكو" ومؤثراتها الجيوسياسية، فكيف بنا اليوم، ونحن نشهد صراعاتٍ طائفيةً وتشرذماتٍ مذهبية، وحكومات بائسة لا تعنيها المصلحة العامة، ولا مصائر الشعوب، ولا محنة البشر. مصير الموصل سيحدّد سمات مرحلة مستقبلية مقبلة، ترسم بدم الناس الأبرياء الذين كانوا حطباً لنارٍ أشعلها كل من الطغاة والمتشدّدين في بلدانهم، بل وسمحوا لعصاباتٍ ومليشياتٍ بالعبث والتدمير. 
من المهم تحرير الأرض من "داعش"، لكن الأهم هو مصير الإنسان ما بعد "داعش". إنّ طوراً انتقالياً مهمّاً جداً ينبغي أن يمر خلال الشهور الأولى، وتتمثّل خطورته بما سيجري على الأرض، والعناية بالإنسان في مجتمعٍ انسحق تماماً من الناحية النفسية، بعيداً عن أي تصريفاتٍ عرقيةٍ، أو أيّة تمايزات دينيّة أو مذهبية أو طائفية.. مرحلة تتضمّن وحدة الرأي مع وحدة الهدف، وبعيداً عن أيّة تجاوزات جغرافية أو جيوبوليتيكية ما أنزل الله بها من سلطان على الموصل، وحدة إدارية جغرافية ديموغرافية. ولا يمكن إلغاء علاقات المجتمع فيها بمحيطه ومصالحه، فالموصل وإقليمها على أقل تقدير لا يمكن اعتبارها واعتباره مجرّد أسلاب حربٍ لهذا الطرف أو ذاك، وكأنها مشاعة ومن دون أصحاب، وكأنهّم يتعللّون بمصطلح سياسي ظريف ومثير وقليل الاستعمال في ثقافاتنا العربية والشرقية، مطاطي وذو أوجه متعددة، وترجمته باللهجة الموصلية "كل من يريد ما يعفّ"، أو بالسورية "كلّ من إيدو إلو". 
وعليه، لا يمكن لأيّ طرفٍ في داخل العراق وخارجه أن يوزع الغنيمة على أهله من دون أيّ معرفةٍ سابقةٍ بدقائق الجيوبوليتيكية للموصل ولإقليم نينوى، وعلاقاته التاريخية والعضوية مع جيرانه، وخصوصا إقليم كردستان الذي كان حاضنةً آمنة لكلّ المهاجرين والنازحين، ويحدثنا التاريخ أنّ الموصل ونينوى كانت حاضنةً آمنةً لكلّ من كان يلجأ نحوها، أو ينزح إليها من أعماق الجبال. هكذا، يمكن القول إنه من دون الالتفات إلى أهل المدينة وأهالي إقليم نينوى (باستثناء كلّ الدواعش منهم) عن مصيرهم المقبل، إثر خروجهم من المحنة القاسية بحول الله قريباً، فلا يمكن للآخرين أن يرقصوا على حلبة الموصل، وكأنها ملك لهم. وعليه، ليس لهم الحق في فرض وصايتهم عليها أبداً والعبث بمقدّراتها. 
أساء بعضهم تفسير معنى إقليم الموصل، أو المطالبة بإقليم نينوى، إذ ما يزال بعضهم يتخيّل العراق ما زال قوياً وموحداً، والآخر لم يزل يفور وطنيّة في متخيله السياسي، ويرفض الآخر التعامل مع آليات ما بعد عام 2003، وأنا معهم جميعاً. لكن، للضرورات أحكام، خصوصاً أن الموصل التي تعرّضت لأسوأ الأحداث مدينة قديمة عريقة، وتضمّ مجتمعاً متنوعاً. كانت ولايةً عثمانيةً قويةً وثقيلةً بعدد سكانها وتنوع ثرواتها قديماً، وتضمّ سناجق (ألوية) عديدة، ثم غدت مركز لواء بعد سقوطها بيد البريطانيين عام 1918، وغدت سناجقها ألوية، كأربيل والسليمانية وكركوك، وبقيت لواءً، حتى صدر قانون المحافظات إبّان السبعينيات، لتغدو محافظة، وانفصل عنها قضاء دهوك، ليغدو محافظة، ثم جاء الغزو الأميركي عام 2003، وتأسيس إقليم كردستان، فانفصلت عنها أقضية عقرة وعين سفني وسنجار وغيرها. ثم احتلها "داعش" عام 2014 وهروب قوات الجيش العراقي، بأوامر من رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، الذي يعد المتهم الأول بسقوطها. 
اليوم ستحرّر الموصل. ولكن، لا يمكنها أن تبقى رفقة إقليمها معرّضة، ليس للتقسيم وحسب، بل للانسحاق بتجريدها من إقليمها. تعد المطالبة بإقليمها إدارياً ضرورة تاريخية، لا يمكن أبداً إبقائها عرضةً للآخرين، كي يفعلوا بها ما يريدون، بمعزل عن أهلها أصحاب المصلحة الأولى في تحديد مصيرهم ومستقبل أجيالهم .. وتقتضي الضرورة فرض أحكام عرفية، فور تحريرها، وأن يفرض الأمن عليها فرضاً. 

(العربي الجديد)

 

إقالة وزير الدفاع...

مهزلة برلمانية في العراق

سيار الجميل

 

صوّت البرلمان العراقي، قبل أيّام، على إقالة وزير الدفاع خالد العبيدي عن منصبه، في خضم الموجة السياسيّة المهترئة التي تتّصف بها العملية السياسيّة في البلاد، وجاءت الإقالة بطريقة سياسيّة هزلية وغير تشريعية، بل وعدّت بمثابة أخذ ثأر شخصي، ذلك أن الوزير فضح بعض الجوانب الفاسدة، وأعلن عمن اعتبرهم نواباً فاسدين، ومنهم رئيس البرلمان نفسه، وكشف لأول مرّة عن صفقات وابتزازاتٍ تعرّض لها منهم. لم يتهّم الجميع، فثمّة من هو أكبر منه يمثّلون حيتان فساد وتنانين متوّحشين في نهب المال العام. شهدنا اللقاء العاصف تلفزيونياً، وسمي يوم الاستجواب، كانت قد تقدّمت بطلب تحقيقه نائبة من اللواتي لهنّ مع الوزير قضايا متعلّقة في المحاكم، بسبب تهم وطعون قدمتْها ضدّه. وهنا، يفتقد الاستجواب شرعيته، إذ بين المستجوِبة والمستجوَب قضايا أمام القضاء، لكنها، كما يبدو، مؤامرة دبرّت ضدّ الوزير في مثل هذا الوقت. 
يبدو واضحاً أنّ كلّ التساؤلات التي تحمل طعوناً واتهامات إضافية، إذ كان الوزير نفسه قد تعّرض لاستجوابٍ سابق قبل شهور، قامت به نائب أخرى، والاثنتان تنتميان إلى الفصيل السياسي الذي يرعاه نوري المالكي، وهو المتهّم الأكبر في أسوأ التهم الخطيرة التي يصل بعضها إلى الخيانة العظمى، من دون أن يحاسبه أحد. كان الاستجواب الأول قد مضى على خير، بسبب اهتراء تلك الطعون وقِدمها قبل تسلّم الوزير حقيبته. ولكن، في الاستجواب الثاني، وجدنا الوزير يعلن، منذ البدء، في الاجتماع البرلماني، أنّ مؤامرة مبيّتة قد جرت لاستجوابه، وتوقّع إقالته. وقال، مستطرداً، إنّه كان يتعرّض لضغوط كبيرة من الساسة والنواب العراقيين، لكي يوافق لهم على عقودٍ وصفقاتٍ وعمولات، كون وزارته من أغنى الوزارات.. بمعنى أنّ استجوابه الثاني كان وسيلةً للضغط والإكراه، أو إقالته للإتيان بوزير آخر، يكون ألعوبةً بأيديهم. 
وعليه، التقى الوزير بعض رؤساء الكتل، لكي يقفوا معه في أزمته، لكنهم خذلوه، وهم يعلمون جميعاً أنّ البلاد تمرّ بأقسى الظروف، وتعيش حرب الجيش العراقي ضد "داعش"، والتقدّم الذي يمتد نحو الموصل لتحريرها. وسواء كان الوزير مسؤولاً أو غير مسؤول عمّا يتحقّق من نجاحاتٍ عسكرية، فهو يبقى وزيراً للدفاع، ويمثّل رمز مؤسسّة عسكريةٍ، مهمّتها هذه الأيام مقدّسة، في نظر العراقيين جميعاً.. وسواء رضينا أم لم نرض بهذا الوزير، كونه وصل عن 

طريق المحاصصة السياسية والطائفية، فهل كان غيره من الوزراء والنواب قد أتى إلى منصبه ضمن أجندة وطنية مشروعة على أسس الكفاءة وحسن السيرة والأخلاق؟ كل النواب العراقيين لا معرفة لهم أبداً بالشؤون العسكرية، ققد أغلق الاجتماع، هذه المرة، وجعل التصويت سرياً من أجل إقالته، فكانوا 262 نائباً، صوّت 142 نائباً منهم على إقالته، وصوّت 102 منهم على رفضها، وامتنع 18 عن التصويت. فإن كان الحق دستورياً ورقابياً، مارسوه ضمن مادة دستورية، فقد وقعوا في خطأ جسيم بمجرد تفكيرهم السيئ، من دون أن يراعوا الظروف التي يمرّ العراق بها، وجنودهم يقاتلون "داعش" قتالاً مصيرياّ، وهم يتقدّمون باتجاه مدينة الموصل لتحريرها، ومن دون مراعاة أنّ إقالة وزير دفاع نشيط، وجده الناس يتنقّل من مكان إلى آخر، على الرغم من أنه مهندس عسكري فني، وليس ضابطاً أو قائداً ميدانياً. 
وزارة الدفاع، في مثل هذا الوقت، هي التي ستحدّد مصير العراق، والجيش العراقي، كما يبدو، هو غير الجيش الذي انهزم أمام داعش من الموصل، وتركها طعماً له على عهد المالكي. ونسأل: لماذا لم يستجوب البرلمان وزير الدفاع السابق، نوري المالكي، ولم يصوّتوا على إقالته، علماً أنّ العبيدي لم يرتكب جريمةً كالتي اقترفها المالكي وضباطه؟ ربما كانت للوزير المقال أخطاؤه، لكنها لا ترقى أبداً إلى إقالته بمثل هذه الكيفية المسرحية.. ظهرت عاصفةً من الاحتجاجات العراقية على شبكات التواصل الاجتماعي ضدّ هذه الإقالة، وعبرّت عن ضمير شعبي، خصوصاً أن الوزير المقال كسب الجولة لدى الشعب، وانتصر لصوت الحق بعيداً عن الطائفية المقيتة.
نعم، اكتسب الوزير شعبيةً مباشرةً واسعةً لدى العراقيين الذين وجدوا فيه الشجاعة التي كشف لهم من خلالها جملةً من الفضائح والاهتراءات لبعض النواب والمسؤولين. وقد وجد أغلب النواب وزعماء الكتل السياسيّة أن الوزير لابدّ أن يُعاقب، ويقطعوا دابر الأمر بإقالته، كي لا تنفضح جرائمهم الأخرى بحقّ الشعب. ولكن الوزير لم يقل لمثل هذا السبب أو ذاك فقط، بل يعتقد بعضهم اعتقاداً راسخاً بأنّ الوزير ما دام ابن الموصل، فلا يمكن أن يبقوه وزيراً للدفاع، خوفاً أن يكون بطلاً في تحريرها من "داعش" (!). وهناك من يقول إنّ إيران كانت وراء هندسة هذه المسرحية والإقالة والتحريض على استجوابه، وفرض الضغوط عليه، كونه رفض تصريحات قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، بإصرار الأخير على دخوله الموصل، إذ تعد هذه المدينة عدواً تاريخياً لايران، بسبب تاريخها الوطني الحقيقي في صدّ جيوش إيران عن العراق منذ مئات السنين، فلم تزل إيران تضمر للموصل الحقد والكراهية العمياء، فكان أن دبّرت هذه المؤامرة التي نفّذها من يسير على نهجها، ويؤمن بسياساتها من أتباعها العراقيين، أو من سيق إلى ذلك جرّاء غبائه، أو كرهه الشخصي الوزير المذكور. 
وبين استجواب الوزير وإقالته أيام، يزور في أثنائها رئيس البرلمان، سليم الجبوري، إيران، ولا 

نعرف ما الذي دعاه لزيارتها، إلا لكي ينال رضاها، ثم يعود من أجل إقصاء وزير الدفاع الذي كان ندّا قويّاً للجبوري بفضحه له، علماً أنّ القضاء العراقي لم يكن عادلاً أبداً ، بل مسيسّا منذ زمن بعيد، فقد أجرى تحقيقاً شكلياً في نصف ساعة مع الجبوري، وأرجعه سالماً إلى منصته، بيقوم بإقصاء من فضحه بتورّطه مع نواب آخرين في سلسلة من التهم الذي تصل إلى حدّ الجرائم. 
ويشيع بعض النواب أنّ الوزير المقال كان يسبّ النواب ويشتمهم، واتهم بأنّه لم يكن مهنياً، وانمّا تعامل بشعبوية تفتقر للذكاء والحكمة (كذا)، وهذه جملة اتهاماتٍ كيديةٍ، فالكلّ شهد جلسة الاستجواب وراقبها، وتحلى الوزير فيها بالصبر والأدب، لكنه كان يردّ على الإساءات التي يسمعها من هذا وذاك من نواب غير مؤدبين بمثلها، وكانوا يجلسون أمامه، وكان رئيس الجلسة بالنيابة يصرخ بوجهه بلغةٍ متهدّجةٍ مكسرّة، من دون أن يضبط الجلسة الكوميدية، أو يضبط نوابه، إناثاً وذكوراً، ممن كانوا يُسمعون الوزير كلاماً قاسياً وجارحاً، وقد تصرّفت نائبة بما لا يليق مع وزير دفاع وهيبته أمام الملايين. وكانوا قد سألوه: لماذا أخفيت هذه المعلومات، من دون أن تعرضها سابقاً، فأجاب مباشرة بأنه كان يطلع رئيسه، حيدر العبادي، عليها أولاً بأول. 
يضيف البرلمان العراقي مشهداً هزليا آخر، وخطيئةً أخرى، بإقالة وزير الدفاع بهذه الطريقة التي شهدها العالم، بحيث يقترف نواب تعساء ونائبات شعبويات أسوأ الافعال الصبيانية، ومن دون أيّة لياقة في تصرّفاتهم، أو لباقة في حواراتهم، أو احترام لبلدهم، أو تأمل في مصيرهم. وكنت أتمنى أن يتهّم الوزير بتهم ترقى الى الخيانة أو الجريمة، حتى يصوّت على إقالته ومحاكمته، ولكن أن يصل الأمر إلى أن يُقال لأسباب سياسيّة وتآمرية وكيدية تافهة، فهذا إسفافٌ يُضاف إلى مستوى نظام الحكم الكسيح الذي أوصل العراق إلى أدنى درجات الحياء. 
من لديه أية معلومات أو أسرار يمكن أن تدين الرجل مطالبٌ بأن يكشفها. وكنت أتمنّى أن يحال كلّ المشبوهين من المسؤولين الكبار السابقين والحاليين، من رئيس وزراء سابق ووزراء ورؤساء كتل سياسية وسفراء ومسؤولين، إلى المحاكم بعد إقالتهم، فهم أولى بالإقصاء من دون أن يصبح وزير الدفاع وحده كبش فداء. ولكن، ينبغي القول إن العراقيين، كما يبدو، قد تعاطفوا معه، وهم يعتزون بشجاعته ومواقفه.

(العربي الجديد)

 

سلطة برلمان أم  حمّام نسوان ؟؟



 

د. سيّار الجميل



 

يقال ان حمامات النسوان في العراق خلال ازمنة مضت ، كانت تشتهر بالفوضى والصياح والمناكفات والمهاترات والضرب بالقباقيب وحالها حال سوق هرج  مرج .. لا ادري لماذا تبادر الى ذهني ذلك ، وانا اتابع خلال اليومين السابقين ما جرى في جلسة البرلمان العراقي بصدد استجواب وزير الدفاع من قبل بعض النائبات والنواب الذين اتت بهم الصدف التعيسة ليكونوا ممثلين للشعب العراقي كمشرعين ومراقبين في سلطة سامية تمثّل في بلدان اخرى ذروة النخب بانتخابهم على اساس الكفاءة والاهلية وحسن السلوك والتاريخ الوطني المشرف  ، فاذا بهم  في العراق مجموعة مافيا  ليس لها الا التدليس والاختلاسات والعلاقات المريبة  .. ومذ جاءوا ليتصدروا على كراسيهم ، انتقدت وصولهم نوابا الى البرلمان ، فوصلني عتب بعضهم عليّ ، فأجبته قائلا : هؤلاء في اغلبهم غير مؤهلين ان يكونوا مشرعّين لقوانين ومراقبين دستوريين ، بل اصلح لهم  ان يقوموا بدور كومبارس في مسرحيات هزلية ساذجة !

راقبوا كيف تحوّلت الجلسة الى سوق هرج ومرج ، اذ لا حرمة  للجلسة ، ولا تقاليد  في الحديث ، انه اداء مهرجين في عرض كومبارس  يشاهد في سيرك تافه :  هذا قاعد ، وذاك واقف ،  والاخرى  تذهب تجادل الوزير على المنصة ، ونائب يشتم ، والاخر يلعب باذنه ، وآخر بخشمه  واخرى  تبقى صائحة كالديك ، وأخرى تعلك وتوزع الابتسامات وهي غير مبالية  ! والاخر يصّور المشهد المزري ،  ووزراء قدماء يهذون ، احدهم  يقاطع الاخر  ، ونائب يعانق نائبا وكأنه في مقهى او شارع  ..  ورئيس برلمان اصغر من حجمه ، وهو لا يراعي التقاليد ويترك مكانه لنائبه ، وبحركته الهستيرية ، ثبّت رئيس البرلمان التهمة على نفسه  ، وهو ونائبه لا يمتلكان اية مزايا بسيطة في ادارة الجلسات ، وكان البعض ساخطا لا يتكلم  ..  صورة كاريكاتيرية مهينة مضحكة ومبكية وكأننا في سوق الصفارين حيث لا يسمع المتكلم صوته أو ( ..... )   .!!

لقد شغلوا كل العراقيين بما دار من مناكفات مع اطلاق شتائم  وخروج النواب ورئيسهم عن اخلاقيات العمل النيابي ، وكيلت الاتهامات الشخصية بالجملة ، واطلقت الاهانات ضد الوزير وهو برتبته العسكرية ، فرد عليهم  !  لقد قدّم نواب الامة مشهدا مزريا ومهينا للعراق والعراقيين امام كل العالم ، وخصوصا من اشخاص لا مؤهلات لهم ، ولا تواريخ مشرفّة لديهم وقد طعن في تصرفاتهم ، فان كان وضع البعض من الاسماء ، فما بالنا ان انفضح الجميع ؟  لقد انشغلنا بقضايا فساد ومكاشفات عن جرائم  مالية وعقود وهمية وعن علاقات غير نظيفة ابدا  .. تذكرت احد صفوف مدرسة مليئة بالاطفال المشاكسين ، وقد غاب المعلم عنهم  لوهلة بسيطة  ! وبنفس الوقت تذكرت مقارنا جلسات البرلمان الاوربي الموقرة في بروكسل الذي حضرت بعضها  عام 2005  !

 في برلمانات العالم ، الاعضاء يتصارعون ويتناكفون سياسيا وايديولوجيا من اجل قضايا وطنية ، او مشروعات سياسية ، او برامج تنموية  ، اما ان تصل صراعات المسؤولين العراقيين ، وخصوصا عن نواب يمثلون شعبهم كسلطة تشريعية في قضايا نهب وعقود وهمية وعلاقات غير نظيفة  وبيع مناصب وشراء ذمم ، ووكلاء سيارات ، وتوظيف ووساطات وترقيات وكلها محسوبيات ومنسوبيات ، فان ذلك يدل دلالات فاضحة عن سوء هؤلاء المسؤولين لا يمثلون في الحقيقة ضمير العراقيين ، بل يمثلون اسوأ الاحزاب والتكتلات والتيارات في التاريخ ، اذ يبدو ان 95% من هؤلاء هم مافيات وعصابات تتعامل مع بعضها الاخر باوسخ اساليب الفساد  من اجل الكسب غير المشروع والنهب المنظم وتدمير العراق .  فان كان هذا هو حال مجلس النواب كسلطة تشريعية بائسة ، فما بال وضع السلطة التنفيذية في العراق ، وهي تتألف من وزراء قدم اغلبهم من هذا المستنقع الآسن؟؟؟   سنوات عجاف مضت ، ونحن واقفون ضدهم  وضد ممارساتهم البشعة ، وتفاهاتهم  وسوء سياساتهم واخلاقهم وممارساتهم ، والعالم كله يدري بما يجري في العراق على ايدي هؤلاء المسؤولين الجدد الذين ضيعوا البلاد واحرقوا مواردها ومزقوا مجتمعها واساءوا لثقافة ابنائها ووظفوا  كل ابنائهم واقربائهم ومحسوبيهم في السفارات .. وجعلوا الغرباء يسرحون ويمرحون في ارض العراق من دون اي تغيير  !  

 والسلطة القضائية لم تتحرك ابدا في التحقيق بكل الجرائم التي جرت منذ سنين ، كي تأتي اليوم لتتحرك على استحياء فهذه السلطة  لا استقلالية لها ابدا  ، وكانت ولم تزل اداة طيعّة بايدي مراكز القوى السياسية  والطائفية .. اما رئيس الدولة ، فكأنه دخل سردابا لينام نومة اهل الكهف وهو لا يدري ما الذي يفعله هؤلاء ، او  انه قد شاركهم  في الوليمة ، وكأن العراق لا يعنيه امره  !  سنوات طوال والشعب العراقي منشغل بتفاهات هؤلاء الحكام الجدد الذين لا ضمير لهم ، ولا اخلاق لديهم  ، ولا  حياء عندهم ابدا .. العراق ينتقل من كارثة الى اخرى  ، بفعل هذه الطبقة الحاكمة التي استحوذت على الحكم وطغت وتجبرت  ومارست كل الموبقات والفواحش والمفاسد والنهب والاستحواذ وبث الاكاذيب  وكتم الفضائح  .. دون ان يعترفوا بجرائمهم ومفاسدهم وهم يخفون رؤوسهم في الرمال واشلائهم في العراء  ، فمنهم من هرب بالملايين والمليارات ، ومنهم من يزل يمارس كل الدعارات .. بل والانكى من ذلك ان هناك من يزل يصفق لهم ! 

دولة هرج ومرج اضاعت العراق والعراقيين يقودها سراق ومجانين ومشعوذين وتافهين ومعممين منافقين ومشاغبين وكذابين و " لوكيه هتلية ".. ومعهم نائبات محجبات يصلحن ان يعملن دلالات في الشوارع ، او دلاكات في حمام نسوان !  ان مصير العراق والعراقيين  في خطر ان بقيت هذه الطغمة الفاسدة على رأس الحكم في العراق .. لقد بلغ السيل الزبى  ، فالجيش العراقي يقدّم دمه  الى العراق ضد داعش ، والبرلمانيون يرقصون على جراح  كل العراقيين  . ان التغيير بات ضرورة حياة او موت يا ناس  .. 



 

تنشر على صفحة الدكتور سيّار الجميل بتاريخ 2 آب  / اغسطس 2016

انظر  المقال والتعليقات والردود الموسعة على صفحتي في الفيس بوك على الرابط التالي :

https://www.facebook.com/sayyar.aljamil

 

 

 

 

برنارد لويس: أكمل المائة سنة

د. سيّار الجميل



 

لا أعتقد أبداً أنه "أسطورة الشرق الأوسط"، كما وصفته واحتفلت معه ندوة "الناشيونال ريفيو"، يوم عيد ميلاده المائة 31 مايو/ أيار، إذ كان قد ولد في مثل هذا اليوم عام 1916. ولا يمكننا، نحن العرب، أن نحتفي بمئويته، كونه لم يتراجع أبداً عن بعض كتاباته وكتبه التي أساء فيها لتاريخنا، ناهيكم عن مواقفه المضادة التي أضرت بحياتنا المعاصرة، وما أسداه من آراء وأفكار بعيدة جداً عن الصواب، علماً أننا نقدّر نخبة من زملائنا المؤرخين العرب الذين تتلمذوا على يديه، وقد رحل عدد كبير منهم إلى دار البقاء، فإن كانت للرجل منهجيته المعمقة التي علّمها لطلبته على مدى سبعين سنة مرّت، فليس معنى ذلك أنّه شكّل مشهداً، له مصداقيته ولا رجعة فيه في مضامين الدراسات الحديثة للشرق الأوسط.

برز برنارد لويس مؤرخاً ومستشرقاً بريطانياً شهيراً له انتماؤه إلى يهوديته وصهيونيته معاً، عمل في الجيش البريطاني إبّان الحرب العالمية الثانية، وأحيل للعمل إلى وزراة الخارجية، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، عاد أستاذاً إلى مدرسة سوس في جامعة لندن، وتسلّم رئاسة دائرة الشرق الأوسط، وكان المؤرخ الأكثر تأثيراً في كتابة تاريخ العرب والعثمانيين والإسلام وشؤون الشرق الأوسط. وإذا كانت أطروحته الأولى عن تاريخ الإسماعيلية أنيقة ومعمّقة، كما هي دراساته الأكثر تخصّصاً، عدّ برنارد لويس رائدها في كتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، فضلاً عن استخدامه المحفوظات العثمانية الواسعة جرّاء معرفته القويّة بكلّ من العربية والتركية، لكن انحيازاته إلى الصهيونية في تآليفه الأخرى قد أكدت، بما لا يقبل مجالاً للشك، أنه فاقد للموضوعية، ونشر آراءه التي وقعت في متناول جمهور واسع في أصقاع أوروبا وأميركا.

لم يكتف بتاريخ العرب، بل انغمر بعمله عن العالم الإسلامي قبل العصر الحديث، وكان المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، يتمنّون عليه أن يكون منصفاً وحيادياً، ومن دون التقليل من شأن تلك الشعوب التي نالت من قساوة خصومها وأعدائها، سواء في العصور الوسطى أم مستعمريها ومضطهديها، إبّان العصر الحديث، وانتهاء بإسرائيل التي شكّلت تحدياً للعرب والمسلمين قاطبة، وقد وقف معها، ومع كلّ أخطائها التي مارستها على امتداد أكثر من ستين سنة.. ناهيكم عن تسخير ثروته الفكرية في معالجة القضايا العربية بعجرفةٍ واضحةٍ، وقد اعتمدت عليه حكومات وإدارات أميركيّة، وخصوصاً بعد أن انتقل ليعيش في الولايات المتحدة منذ خمسين سنة، مساهماً في استشاراته لها مؤرخاً مختصاً وخبيراً متضلّعاً لا مجرّد مراقب للتاريخ الحديث، مدّعيا أنّ ثمّة حوارات داخلية مع الشعوب المسلمة، وخرج بفكرة لقاء مع القيم وقوة الغرب.

كان ستيفن همفريز قد وفّر له مكاناً غير عادي في جامعة كاليفورنيا، وجعلته أميركا على رأس قيادة مجمل التاريخ الإسلامي وتاريخ الشرق الأوسط، بدءاً من لحظة محمّد التاريخية وانتهاء بيومنا هذا. "كما وكان فؤاد عجمي (توفي 2014) من جامعة جونز هوبكنز قد صفّق له طويلا، ووصفه في عيد ميلاده التسعين قبل عشر سنوات، بأجّل الصفات، ووضعه على رأس مؤسسة هذا العصر الأميركي الجديد في أراضي العالمين العربي والإسلامي"، إذ كان عجمي أحد أبرز المساندين للمحافظين الأميركيين الجدد في سحق العراق وصناعة الفوضى .. ونحن كنّا، ولم نزل، نشهد ما حلّ بالعراق وسورية ومصر من فجائع وكوارث وانقسامات وتمزّقات وانسحاقات.

امتدت حياة برنارد لويس المهنيّة الطويلة والزاخرة أكثر من 75 عاماً، بدءاً بمقالته الأولى عن "النقابات الإسلامية" المنشورة 1937، وصولا إلى عنايته بسيرته الذاتية عام 2012. وقد كشف أنه في منتصف حياته عام 1969، دخل إسرائيل، وكان يقول للطلبة المبتدئين في إحدى الكليات بإسرائيل إنها "وطنه الحقيقي"، وأضاف : إن طموحه كان طاغياً لدراسة الرياضيات، لكنه فكّر مليّاً في التحوّل إلى دراسات الشرق الأوسط، كونه تذوّق هذا الميدان الجديد، من دون أن يعلن أنّ ضرورة خدمة إسرائيل كانت السبب الحقيقي في انعطافته الذكيّة تلك، وكان كتابه "العرب في التاريخ" من نتاج تلك الانعطافة عام 1950.

كانت مسيرته، منذ خمسين سنة مضت، متواصلةً لممارسة دوره الذي بدا واضحاً أن له تأثيراً عميقاً على طلبته وقرائه، وكلّ المهتمّين بشؤون العرب والمسلمين، كما نجح في توظيفه أدواته الفكرية وتقديمها كي نجد استيعاب وجهات نظره، وقراءة العديد من أعماله المنتشرة، والتي كان تسويقها كبيراً من المؤسسات المروجّة التي كانت ترعاه وترعى عروض جميع كتاباته ومؤلفاته بإيجابية كبيرة، وخصوصا سبعة من كتبه (في 1982، 1986، 1988، 1989، 1994، 1996، و 2000)، إذ حقّق انتصاراً في مبيعاته أكثر بكثير من أيّ كاتب آخر. كما حقّق اسمه ذيوعاً منقطع النظير على مواقع الويب مقارنة بالآخرين.. فضلاً عما حقّقه من أرقام عالية في فهم الشرق الأوسط وتركيبته الاجتماعية وأوضاعه السياسية، وبدا للعالم أجمع بأنه أكثر من أي شخصٍ آخر تأثيراً في فهم للشرق الأوسط والإسلام. يُقال إنه جادل جورج دبليو بوش بشأن العراق، وكان متشكّكاً في جهود الأميركيين، وخصوصا في جلب الحرية للشرق الأوسط، إذ لا يؤمن أبداً بأن العرب يدركون معنى الحرية! وعلى الرغم من ذلك، بقي مصدر إلهام لعديدين من التابعين له والموالين لأفكاره المتعصّبة ضدّ العرب، وخصوصاً كما بدا ذلك من محاضراته ومناقشاته، مع أبا إيبان مثلاً.

كتبت قبل 15 سنة عن برنارد لويس، ولقاءاتي العابرة معه في مؤتمرات علمية عدة في العالم على مدى ثلاثين سنة مضت ، مضمّناً ذلك فصلة في كتابي "نسوة ورجال: ذكريات شاهد الرؤية" (2002)، وقلت عنه: "لم أجد مستشرقاً له قدرة على إشعال المشكلات وتأجيج الإشكاليات وتحليل الواقع وعدم الانفصال عن مرجعياته نفسه كما وجدت ذلك عند برنارد لويس الذي لم يزل يشعر أنه في ريعان الشباب"، واستطردت قائلاً: "... زاد برنارد لويس من أخطائه بانتقاداته للعرب المسلمين انتقادات صارخةٍ، لا تنم عن سلامة في الضمير، بل إنه يترصد الأخطاء، ويبحث عن مسوّغات لتبرير كل أطروحاته الفكرية والسياسية، وخصوصاً في كتبه الفكرية التي أصدرها، أخيراً، وخصوصاً بعد الحادي عشر من سبتمبر / أيلول 2001! وهو اليوم لا يقتصر على تجريحنا تاريخياً، لكنه يلقي بمزيد من اتهاماته السياسية، لكنه على الرغم من كلّ تبريراته التي يقدّمها بين حين وآخر، فهو أقل ما يقال عنه إنه غير حيادي في معالجة قضايا الشرق الأوسط اليوم " . اقول ذلك وقد عرفته عن قرب وخبرت فكره وما الذي يريد الوصول اليه في محاضراته وكتاباته ، وكانت قد توثقت عرى صداقته مع هنري كينسجر وزير الخارجية الامريكي الاسبق وغيره من المسؤولين الامريكيين . . "  

عدّ برنارد لويس، بعد دخول القرن الحادي والعشرين، أحد رموز المحافظين الجدد، وقد اعتمدت عليه سياسات الولايات المتحدة بين عامي 2007- 2009، وسمي عرّاباً رائداً للغرب في منطقة الشرق الأوسط. وكثيراً ما أصغى صنّاع القرار إلى نصائحه كواحد من المحافظين الجدد المؤثرّين، بمن فيهم الرئيس بوش وطاقمه، إذ دعم لويس الحرب ضدّ العراق، وكان يطمح على غرار جماعات أخرى، لتبديد قوته وسحق استراتيجيته في الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، وهو – أيضا - يقلّل من شأن مذابح الأرمن عام 1915، ويرفض تسميتها بالإبادة الجماعية، كي لا تزاحم ما سميت "المحرقة اليهودية" عند اليهود ، كما وقف ضد الراحل إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" (1978)، إذا كان لويس قد الّف، في مطلع حياته العلمية، كرّاساً عن الاستشراق في بريطانيا.. المهم أنه يحتفل بمئويته اليوم، ولم يزل يمتلك ذاكرةً قويةً، ويقضي ساعات طوالاً أمام شاشة الكومبيوتر.



 

نشرت في صحيفة العربي الجديد / لندن ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 

 

كلوفيس مقصود

حياً في ذاكرتنا العربيّة

سيّار الجميل

 

 

رحل أحد أبرز أعمدة العروبيين الذين عرفناهم منذ زمن المد القومي العربي.. رحل المفكر القومي، كلوفيس مقصود، بعد أن التصق بالحياة العربية، وهو يتابع شؤونها منذ أكثر من ستين سنة.. رحل هذا الرجل المرموق الذي بقى نقيّاً، يعبّر عما في سريرته من دون لفّ ولا دوران. كم كان العرب في حاجة إليه في أيّامهم الكالحة هذه، وكم تحتاج الأجيال الجديدة إلى تمثّل فكره وسجاياه ومواقفه وصفاء عروبته واستقامة سلوكياته وأخلاقياته المتمدّنة التي كتبتُ عنها قبل عشرين سنة في "ذكريات شاهد الرؤية ". 
رحل كلوفيس عن الحياة التي عشق أن يعمل فيها كاتباً صحفياً قبل أن يكون سفيراً، ومحامياً، ودبلوماسياً وأستاذاً أكاديمياً ورئيس مؤسسة، ومدير مركز ومستشاراً وكبير مندوبين.. ولكن الكتابة أعز عملٍ كان يمارسه كلّ يوم، إذ لم ينقطع أبدًا عن الكتابة، وأسعد لحظاته عندما يشرع بقراءة ما كتبه منشوراً هنا وهناك. رحل من كانت تشغله هموم العرب ومشكلاتهم وقضاياهم. رحل من كان يهتم بهم كمجموعة بشريّة لها تاريخ حضاري، وهي تجد نفسها اليوم في الجنوب، فكان أن ندب نفسه محامياً لقضاياها في هذا العالم الصعب والمتوّحش. 
رحل من كان يصرّ على تسميته وتوصيفه بالمفكر العربي، إذ لا يجد نفسه إلا لبنانياً في الولادة، ومارونياً في المذهب. وكان متحضّراً متمدّناً، لا تهمّه سذاجات الآخرين، ولا حماقاتهم التي تعبّر عنها تعصّباتهم ومغالاتهم. كان منفتحاً في مجتمعه، ومتعفّفاً عن ممارسة التقاليد البالية. كان كتلة متحرّكة، وواعية، ومؤمنة عميقاً بحركة القومية العربية، بأساليب عصريّة متمدّنة، فمشاعره العربية تغلب على انتماءاته الأخرى، إذ أصرّ على أن يتحدّى العالم، ويتزوّج مسلمة، وظلّ مؤمناً بما هو أكبر من الخلافات التي تفرّق أبناء الوطن الواحد، ورأته أسر لبنانية بأنه واحد من السعاة البناة لوحدة أمّة كاملة، فكيف لا يسعى إلى بناء أسرة سعيدة. 
إبّان السبعينيات، كان في منتهى حيويته، عندما التقيته في جامعة أكسفورد أول مرّة، وكان زائراً لمبانيها التي عشقها منذ درس في ردهاتها، ومشينا بين الأبنية القديمة، وحكى لي عن ذكرياته فيها، ونحن نتناول الغداء، وحكى لي عن جمال عبد الناصر وإعجابه اللامتناهي به. وكان ضدّ سياسة أنور السادات، فتعمّقت الصلة بيننا، وهو بمكانة أستاذ لي، كونه يسبقني بجيل. حكى لي عن سفارته الناجحة جداً في الهند إبّان الستينيات، وكيف كان سفيراً عربياً للقضية العربية 1961- 1966 في بلدٍ يؤمن بفلسفة عدم الانحياز، بقيادة نهرو الذي أحب كلوفيس، وتعاطف معه ومع قضايا العرب، وكان دائم الاجتماع معه. وقال: كانت لي فسحة من الحرية التي كنت أتحرّك من خلالها نحو سفراء عديدين، أو مبعوثين دائمين، أو وفود زائرة من أنحاء العالم. 
التقيت به ثانيةً في لندن، إبّان الثمانينيات، وكان قادماً من مصر، وجدته مرجلاً فائراً، يحترق في أعماقه على لبنان الذي يعيش حربه الأهليّة. وقال إن إسرائيل تعبث بلبنان وبمصيره. جلست معه طويلاً، فوجدت حيويته كبيرة، وقد ازدادت ثقافته في شؤون العرب وتمّرس في أساليبهم. وحكى لي عن وضع العراق وحربه المستعرة مع إيران الخمينية، وعن نزق قادةٍ عرب، لا يدركون أين تسير هذه الأمّة. وسألته عن كمال جنبلاط وعن ميشيل عفلق وعن شارل مالك. قال: يبدو أن زمنهم قد رحل، ونحن أمام متغيراتٍ جديدة. 

كان الرجل قد تشرّب الفكر القومي منذ دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت، وتأثره 

بالمؤرخ الراحل قسطنطين زريق الذي كانت له مكانة كبيرة في قلب كلوفيس، وكان يعتز بآرائه وأفكاره، وحكى لي أشياء كثيرة عنه، وعن النخبة العربية التي تخرّجت على يديه، وهي تؤمن بأفكاره القومية.. وفي لقائي الأخير مع كلوفيس في واشنطن، وجدته يتصفّح كتاباً جديداً عن زريق للصديق عزيز العظمة، وهو من أجمل ما كتب عن زريق. اعتبر كلوفيس تلك المرحلة زمناً ذهبياً عربياً، كان سيدوم ويرتقي نحو السموق، لولا مؤامرات إسرائيل والقوى الخارجية التي أسهمت في تدمير الحياة العربية من كلّ النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكنت أجيبه دوماً: لا تنس العوامل الداخلية والأخطاء العربية التي جنيناها بحقّ أنفسنا، يا سيدي. 
ولما التقيت مع كلوفيس في التسعينيات في بيروت، كان بكامل حيويته، وقد زاد تمسّكه بقوة مبادئه القوميّة التي آمن بها. وفي إحدى زوايا فندق الكارلتون، راح يحكي لي عن الصدمة الشديدة التي تلقاها إثر سماعه غزو الجيش العراقي الكويت عام 1990، وكيف تمّ ضرب العراق، ولماذا سحقت بنيته التحتيّة عام 1991، وصبّ غضبه على قراراتٍ كان الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، يصدرها، وقال إن الرجل يعيش أزمةً نفسيةً حادةً، بعد أن أكمل حربه مع إيران، وجد العالم يتخلى عنه شيئاً فشيئاً، فكال الصاع صاعين، ولم يعرف خطورة لعبته وأبعاد تداعياتها. قال كلوفيس: في تلك اللحظة التاريخية الصعبة، كسرت قلمي، وضربت بيدي على الطاولة، وأعلنت استقالتي. واستطرد: إنه أثقل حدث مأساوي هزنّي في حياتي، بعد حدث مأساوي آخر واجهناه بقوة وحزم، يوم خسرنا حربنا مع إسرائيل في 5 يونيو/ حزيران 1967، لكن عزمنا العربي، إبّان الستينيات، كان أقوى بكثير مما غدونا عليه في التسعينيات، كما قال. 
في لقاءات أخرى مع كلوفيس في واشنطن في السنوات الأخيرة، استقبلني بحفاوةٍ ومحبةٍ في مكتبه مديراً لمركز الجنوب العالمي في الجامعة الأميركية. كان قد تقدّم به العمر، لكن فكره لم يزل وقاداً وقلمه مضاءً. انتقدني بأدبٍ جمّ، في إحدى المرات، لإصداري كتابي "تفكيك هيكل"، وقال: كنت قاسياً جداً على هيكل. ولكنه، في مرةٍ أخرى، عاد وانتقد هيكل بشدّة، جراء "هذيانه" على شاشة "الجزيرة" بصدد بعض الزعماء العرب، على حدّ توصيف كلوفيس، وأخيراً انتقاداته موقف هيكل من متغيرات مصر الأخيرة. 
سألته: زاملتَ اثنين من أعمدة الصحافة العربية في القرن العشرين، غسان تويني في بيروت عندما عملت في "النهار" 1977- 1979، ومحمد حسنين هيكل في القاهرة عندما عملت كبيراً للمحرّرين في "الأهرام" إبّان الستينيات. فما الفرق بين الاثنين؟ أجاب: كل منهما يعيش في عالم يختلف عن الآخر، ولكلّ منهما سجاياه المتباينة عن الآخر مع مهنيّتهما العالية. سألته: أيهما أكثر مصداقية؟ أجاب مباشرة: تويني. وقال: غسان متواضع وورث مهنته عن أبيه جبران الذي أعرفه جيداً، وهو يردّ على قرائه ونقّاده بصدر مفتوح. أما هيكل، فعلى العكس، يحب الفخفخة، ويتعالى على الآخرين. سألته عن جامعة الدول العربية التي له معها تاريخ طويل، وهو يعرف خبايا أمورها، وما جرى في كواليسها من مثالب وسقطات، وكان يقول دوماً: علينا أن لا نفرّط بوحدة الكلمة، مهما بلغت بنا الاختلافات، نحن العرب. وعدني في آخر لقاء لي معه أن يزور كندا، فقلت له: يا مرحبا بك. ولمّا زارها، كنت على سفر في الدوحة ولندن، ففاتني أن ألتقي به، وعلمت أنه قد حظي بحفاوة أصدقاء عديدين في تورنتو. 
نشر الأستاذ كلوفيس حزمة كبيرة جداً من المقالات الصحفية في أمّهات الصحف العربيّة، وله كتب منشورة قرأناها قبل زمن طويل، أبرزها "معنى الحياد الإيجابي" و"أزمة اليسار العربي" و"العروبة في زمن الضياع".. إلخ. وكان يتابع يوميّاً شؤون العالم العربي والشرق الأوسط، وكانت له آراؤه في سقوط بغداد عام 2003 بأيدي الأميركان، وبدأ يشغل نفسه بأمور البيئة والتنمية وحقوق الإنسان، وحاجة العالم إلى الأمن الإنساني أمام زحف الإرهاب، وشغل نفسه أيضاً بكيفية معالجة الألغام الأرضية ومشكلات السكان والانفجار البشري، ونزع السلاح، وكانت له آراؤه المصيبة في الذي جرى خلال الأعوام الخمسة الأخيرة وما سمي الربيع العربي. 
كانت مقالاته تعتمد الرأي والنصح في عالم عربيٍّ خذل نفسه بنفسه، وأكل نفسه بنفسه، واستلب ثورته ونكّل بأفكاره.. ستبقى أفكاره في مقالاته وكتبه ومحاضراته ودراساته ومواقفه تنير الطريق الطويل. في أكتوبر/ تشرين الأول 2007، أُقيم احتفال كبير في جامعة جورج تاون في واشنطن، لمناسبة إعلان إنشاء كرسي باسم (كرسي كلوفيس وصالة مقصود) للدراسات العربية. ستبقى ذكراه حيةً في القلوب والعقول.. سيبقى اسم كلوفيس نقطة وضيئةً مضيئةً في تاريخنا العربي الحديث.

(العربي الجديد)

 

"سايكس بيكو" بعد مائة عام

سيّار الجميل

 

 

أعادت القوى الأوروبية، قبل قرن، رسم خطوط بلاد الشام والعراق، وفقاً لاحتياجاتها الخاصة، وضرورات العالم الذي كانت تحكمه. ذهبت تلك "القوى الاستعمارية"، ولكن، لا تزال هناك خريطة أو مجموعة خرائط تركتها لنا نحن العرب، جنباً إلى جنب مع المفارقة المخجلة لكياناتٍ سياسيةٍ يجمعها إرث تاريخ واحد، ولكن تفرقها جغرافية وحدود ونزاعات سياسية وأيديولوجية لا تكاد تنتهي حتى تبدأ من جديد: إنها الطريقة التي وجدها الأوروبيون الأفضل لضبط حدودٍ رسمت لمجموعة دولٍ، كانت سابقاً مجموعة أقاليم (= ولايات) اقتطعت من الإمبراطورية العثمانية، فبقيت سنواتٍ تحت احتلالات الإنجليز والفرنسيين وانتداباتهما، ومن ثم تستقل بأنظمةٍ سياسية متنوعة.. وبعد مائة سنة من ذلك التاريخ، بدأت تحرق نفسها وتدمّر ذاتها بيديها، لأسبابٍ وعوامل طائفية وسلطوية وسطوة أنظمة دكتاتورية، استمر بعضها أكثر من أربعين سنة، مع هيمنة قوى خارجية جديدة.
قامت اتفاقية سايكس بيكو بعد التوقيع عليها يوم 15 مايو/ أيار عام 1916، وقد نصّت على اتفاق وتفاهمٍ سريٍّ بين فرنسا وبريطانيا، بمصادقةٍ من الإمبراطورية الروسية، على اقتسام النفوذ لمنطقة الهلال الخصيب بين قوتين عظميين وقت ذاك، فرنسا وبريطانيا. ولتحديد مناطق النفوذ في عموم غرب آسيا إبّان الحرب العالمية الأولى، وخصوصاً بعد الضعف الذي حاق بالدولة العثمانية التي كانت تسيطر على هذه المنطقة. وقد تم التوصل إلى هذه الاتفاقية، إثر مداولاتٍ سياسيةٍ سريةٍ، استغرقت زهاء ستة أشهر بين نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1915 ومايو/ أيار عام 1916، وقد تخللتها مفاوضات سرية بين الدبلوماسي الفرنسي، فرانسوا جورج بيكو، والبريطاني، مارك سايكس، كما تبودلت وثائق تفاهم بين وزارات خارجية فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية آنذاك. وقد تم الكشف عن ذلك الاتفاق، إثر وصول الشيوعيين إلى سدة الحكم في روسيا عام 1917، فافتضح أمرها، ما أثار غضب الشعوب التي تمسها الاتفاقية، وأحرج موقفي فرنسا وبريطانيا.
السؤال: ما هي الأهداف المحورية التي كانت تريدها كل من لندن وباريس من عقد اتفاقية سايكس بيكو التي أدت قبل مائة عام إلى تقسيم الشرق الأوسط بين الطرفين؟ حتى تلك اللحظة التاريخية، كانت الإمبراطورية العثمانية هي المسيطرة الفعلية على تلك المنطقة، باستثناء جنوب العراق الذي وقع تحت السيطرة البريطانية. وكانت باريس ولندن تؤمنان إيماناً حقيقياً بأن الإمبراطورية العثمانية انتهت، وإنها مهزومة لا محالة. وبالتوصل إلى تفاهم سايكس- بيكو، كان الهدف هو العمل على تفادي وقوع نزاعاتٍ محتملةٍ، بعد كسب الحرب العالمية الأولى، وتوزيع غنيمتها بين المنتصرين. وكانت هناك قد استجدّت، لاحقاً، خلافات كبيرة بين فرنسا وبريطانيا حول الرسم الدقيق للحدود، وبالتالي، كانت تلك الاتفاقية فقط محاولة أولى للتقسيم الذي تجسّد فيما بعد بشكل آخر. ومن يتأمل في ذلك الرسم الذي أخرجته اتفاقية سايكس – بيكو، سيجده بليداً وغبياً، ولا يتطابق أبداً، مع الإرث التاريخي للأقاليم الإدارية العثمانية التي عاشت قرابة أربعة قرون. ولكن، هل لم يزل ذلك الاتفاق يثير المشاعر في عالمنا العربي، حتى بعد مرور 100 عام. ولماذا؟

ينظر العرب إلى الاتفاقية نظرة سيئة للغاية، كونها شكلت رمزاً للنظام الجديد المعقد والمتشعب 

في تلك المنطقة، بعد الحرب العالمية الأولى. وبدت تلك الخطوط وكأنها السكين قد رسمتها بلا وجه حق. ولكن، بدا واضحاً أن هناك سلسلة من الاتفاقيات والمعاهدات سيئة النيات. وتركز هذه السطور، هنا، على " إعلان بلفور" في نوفمبر/ تشرين الثاني 1917 الذي وعد فيه وزير الخارجية البريطاني، أرثر جيمس بلفور، اليهود بإقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين، أو ما جرى كذلك من مراسلات بين الشريف حسين والمفوض البريطاني السامي في مصر السير هنري مكماهون، وطريقة الخداع التي مارستها بريطانيا بالوعود التي قالت بها للشريف عن ضرورة تأسيس مملكة عربية مستقلة، تمتد من جبال طوروس شمالاً إلى اليمن جنوباً، ومن العراق شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً. شكلت هذه الاتفاقيات نوعاً من المخادعة، من أجل تنفيذ مخططات ووعود تمّ الإعلان عنها، في مؤتمر فرساي عام 1919، أو ما تلاه من مؤتمراتٍ، مثل سيفر وسانت ريمو. ولكن، لم يكن بيد العرب أن يفعلوا شيئاً إزاء تلك المخططات، على الرغم من الكشف عن فضيحة سايكس بيكو التي ارتبطت بتاريخ الكشف عنها، فبعد الثورة البلشفية في روسيا، نشر المفوض السابق للشؤون الخارجية، ليو تروتسكي، مباشرة محتوى تلك الاتفاقية، مثالاً واضحاً على غدر القوى الكبرى ومطامعها الإمبريالية. وأوضحت الخريطة المرتبطة بالاتفاقية مدى الجشع الذي عبرت عنه رسوم التفكير الإمبريالي، إذ لا يمكن للأسوياء أن يتخيلوا كيف يتم فرض حدود بمئات الكيلومترات، تبدأ من حيفا، وتنتهي إلى كركوك. اتضح للمؤرخ العربي أن هناك في العالم العربي ما يشير، عبر التاريخ الطويل، إلى تآمر الغرب على المشرق بسرية تامة، وكشف ما تحقق لاحقاً بوضوح كم جرت من مؤامراتٍ على الشعوب العربية، وعلى حقوقها، وشعوبٍ أخرى تجاورها، أو تشترك معها في المصير نفسه. 
إذن، تدخل اتفاقية سايكس بيكو في قالب هذا النوع من نظريات المؤامرة وتطبيقاتها، حيث أنها كانت سرية، وتخدم فقط مصالح القوى الكبرى. ومع أن الاتفاقية لم تطبّق أبداً ببنودها، إلا أنها زرعت النقمة في قلوب العرب ضد الغربيين عموماً، بدءاً بنشر الفضيحة التاريخية، وانتهاءً عند تفجير إرهابيي تنظيم داعش قبل أكثر من سنتين مركز مراقبة حدودي بين العراق وسورية، في بهرجةٍ تشير إلى نهاية اتفاقية سايكس بيكو، من دون أن يعلموا أن الاتفاقية لم تطبق. وأعتقد أن الحدود الحالية بين سورية والعراق، مثلاً، تشكلت ضمن اتفاقياتٍ أخرى بصفة نهائية، ضمن الانتداب البريطاني الفرنسي الذي أقيم هناك نهاية العشرينيات، وهي علامات غدت تاريخيةً للدولة الوطنية بين البلدين اللذين كانت لهما فرص تاريخية وسلمية عديدة، لتوحدهما على عهود الاستقلال والحزب الواحد، لكنهما لم يتوّحدا لعوامل داخلية معقدة، لم يدركها الدارسون بعد.
وعليه، للعرب، حتى يومنا هذا، تلك الرمزية المبدئية التي ما زالت تأتي بمفعولها. إذ هناك رفض كبير لدى المواطنين العرب للتاريخ الطويل الذي مارسه التأثير الغربي في الشرق الأوسط، ناهيكم عن نقمة قومياتٍ أخرى ضد البريطانيين والفرنسيين، كونهم لم يأخذوا حقوقهم القومية في محيط عربي واسع. يرى العرب بالذات وجود أسبابٍ عديدة، أدت إلى مأزق هذا الوضع الكارثي الراهن في السياسة الغربية، والتي تجلت بقوة بعد الحرب العالمية الأولى. واليوم، أعتقد أن الواقع يتحدّث لغة أخرى، اذ لو سألنا أي لبناني أو أردني عن مدى رغبته في أن يكون سورياً أو عراقياً في إطار سورية الكبرى، أو سوراقيا العظمى، فإن الغالبية الساحقة سترفض ذلك نهائياً. وهكذا، لن يتنازل أي عراقي عن عراقيته، ولا أي فلسطيني عن فلسطينيته، فكلها أوطان قديمة، عرفها آباؤنا وأجدادنا منذ آلاف السنين.
وعليه، ما هو الدور الذي لعبته اتفاقية سايكس بيكو بالنسبة للإسلام السياسي؟ تعد الاتفاقية لبنة أساسية لقوة الغرب، ولتدخله المباشر في شؤون منطقتنا العربية، وخصوصاً الهلال الخصيب في بلاد الشام والعراق. إذ احتلت "سايكس بيكو" الآن الصدارة في الاهتمامات التاريخية والسياسية، لأنه باحتلال العراق عام 2003 ونشوب الثورة في سورية منذ عام 2011، باتت المنطقة غير مستقرة، والتي كانت ترسم حدودها تلك الاتفاقية المجحفة. وستبقى "سايكس بيكو" في الذاكرة العربية، كونها رسمت، منذ مئة سنة مرت على شعوبنا، أسوأ الخطوط التقسيمية، ليس من أجل مصالحنا المصيرية، بل من أجل مصالح الآخرين.

(العربي الجديد)

 

خطوة جريئة في إثراء

الدراسات التاريخية العربية

سيّار الجميل

 

 

 

كان وسيبقى للمركز العربي للأبحاث ودراسة الدراسات، منذ تأسيسه، دوره الفعال في إثراء الدراسات التاريخية العربية الجديدة، إذ انعقد المؤتمر السنوي الثالث للدراسات التاريخية 22- 24 نيسان/ إبريل 2016 في بيروت، وذلك بمحتوى متنوع ومكتنز تحت عنوان "التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كُتب وكيف يُكتب؟ - الإجابات الممكنة"، بمشاركة نخبةٍ ذكيةٍ من المؤرخين المتخصصين العرب، وبجهود مكثفة بارعة قدمها الزميل المؤرخ وجيه كوثراني وفريق عمله المثابر. فكانت أوراق المؤتمر، وما دار فيه من حوارات رائعة بمثابة خطوة جريئة في إثراء الدراسات التاريخية العربية. 
بشأن غنى المحتوى وتعدّد الموضوعات وتنوع ألوان المعرفة التاريخية بين التأريخ (
Histography) والتاريخ (History)، فالمؤتمر حقاً، حلقة متطورة لمؤتمرين سبقاه: التأسيسي الأول 2014، والسنوي الثاني 2015. 
وجدنا أنفسنا اليوم أمام نخبة مؤرخين، تدرك أن ليس هناك من طريقة واحدة، أو منظور واحد لكتابة تاريخنا، وقد طرحت مفاهيم عديدة عن التحولات التاريخية العربية. وجاءت مضامين الورقة الخلفية للمؤتمر، واضحة المعاني وعميقة المقاصد بتأسيس تاريخ عربي شامل للعرب، بعد أن أتخمت ثقافتنا بالتواريخ الإقليمية أو الوطنية، مع حاجتنا الماسّة إلى العقلية العلمية والممارسة النقدية لكل ما أنتجه المؤرخون العرب المعاصرون في هذا المجال. دعا المؤتمر إلى استخدام الوثائق في كتابة التاريخ العربي، وتواريخنا المشتركة مع أمم أخرى وحاجتنا إلى كل أنواع الوثائق ومصنفاتها، إذ تكمن أهميتها في تبديل فهم التاريخ وكتابته جذرياً في كل حقول الحياة. 


النزعة السياسية في كتابة التاريخ العربي


من الضرورة أن ندرس تواريخنا من منظور التاريخ العالمي والانفتاح على الثقافات الأخرى والمنهجيات المتطورة، فالعالم اليوم غدا تحت مظلة العولمة، وحاجتنا كبيرة إلى حوارات متنوعة مع العالم، وعلى المؤرخ الناجح التحلّي بأحاسيس رقيقة تمنحه الشفافية في التعامل مع الآخرين. تداول المؤتمرون فكرة أخرى، تخص الأحادية التاريخية المبكرة للحركة القومية العربية، ونقدها، إذ لم تكن حركة متكاملة، بل تناصفها العرب في مواجهتهم العثمانيين بين الولاء للسلطان من طرف والولاء للغرب من طرف آخر. وعليه، لا وجود للقومية العربية المبكرّة في ظل العثمانيين. وانتقدت تجربة كتابة التاريخ الرسمي العربي انتقاداً مريراً، وخصوصاً تجربة جامعة الدول العربية التي عمل فيها عشرات من المؤرخين العرب، وقد أخفقت مراراً، لكنها ولدت عملا اعترف الجميع بهشاشته وضعفه، بعد أن جرى تنفيذه وتمويله من الرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، وكان "المشروع" قد لازمته اعتراضات بعض الدول العربية وخلافات عميقة بين المؤرخين العرب، فخرج كسيحاً في المنهج والمضمون. 
وعولج موضوع "التحقيب التاريخي"، سواء إزاء الربيع العربي الذي ترك تأثيراً ثقافياً عربياً حتى بعد استلابه، وعد الابن الشرعي للتحوّلات العالمية، بناء على ثلاثة مؤشرات، وهي: مقولة النهايات، والعصر الرقمي، إضافة إلى مسألة الهويات التي مرّت بها الهوية المركبة أو الهجينة أو العابرة للقارات، كما درس "التحقيب" كمشكلة في تاريخنا، مع تمكّن تجارب العالم منه! وتدارس المؤتمرون "الزمن الفائت – صراعات الثورة والذاكرة والعدالة في مصر"، والحاجة إلى تحقيبها كتاريخ جديد عمل على خلخلة الماضي، عبر الحراك الثوري اليومي. ثم انتقلنا إلى درس "الحضارات القديمة في البلاد العربية ومسألة تكوين الهوية التاريخية لأمة العرب"، ودور الأركيولوجيا الغربية وغيبوبة المؤرخين العرب عن تاريخهم الذي كتب الغربيون أغلبيته. أما منهجية التأريخ العربي، فكانت ضعيفة لغياب المؤسسات العلمية المماثلة لتلك الموجودة في الغرب. ثم تمّ التركيز على التاريخ الاقتصادي الذي جاء اهتمام المؤرخين العرب به متأخراً، علما أن المؤرخ عبد العزيز الدوري أول من فتح هذا الميدان عقب الحرب العالمية الثانية. وجرى الحديث عن "كتب النوازل مصدراً للدراسات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب والأندلس" (النوازل تعني الفقهاء والقضاة في القضايا اليومية الحياتية). 
كنت أتمنى مخلصاً أن تتم دراسة نماذج شخصية عديدة، وفهم تجارب الرواد العرب المحدثين. ولكن، اقتصر على فهم تجارب كل من المؤرخ جواد علي، في ريادته تاريخ ما قبل الإسلام، والمؤرخ كمال الصليبي في منهجيته درس التوراة، كونها "جاءت من جزيرة العرب"، وكل من تجربتي مقاربتين للمؤرخين فيليب حتي وألبرت حوراني في كتابة التاريخ العربي. وأتمنى مخلصاً أن تعالج تجارب أخرى لمؤرخين، كان لهم باعهم في الريادة والتميّز والإبداع.

وتعمّق المؤتمرون في "مسائل واتجاهات في التواريخ الوطنية: إشكاليات الجزئي والعام والمقارن"، وأبحروا ليجدوا أن أقرب العلوم إلى التاريخ هو علم الاجتماع .. ومررنا بتحقيب الكتابة التاريخية في لبنان إبّان القرن العشرين"، حسب مراحل: الحرب الأولى، إعلان لبنان الكبير، الانتداب الفرنسي، الاستقلال ، والحرب الأهلية 1975، وفترة ما بعد الحرب. سادت منذ البدايات النهضوية تجربة الآباء اليسوعيين، ثم رجال الدين المارونيين، وبعدهم القوميون اللبنانيون الفينيقيون أو السوريون، ثم الماركسيون والعروبيون والإسلاميون. ولكن، تفوق الأكاديميون على هؤلاء جميعاً، ممثلين بالمؤرخ أسد رستم. ثم تعمق المؤتمرون في "تاريخ العرب الحديث: بين التقسيم الإقليمي والتهميش المذهبي والإثني واستخدمت الإباضية مثالاً"، فالتفتنا إلى منهجية تربط المناطق بعضها ببعض. ثم تعرّفنا على تهميش المجتمعات الإباضية. ثم التفتنا إلى إشكاليات وجهة النظر السردية الطائفية في التأريخ للحملات المملوكية على كسروان". بين عامي 1292 و1305م، وهي مرحلة التحول التاريخي من الصليبية إلى المملوكية، وكيف انشغل بعض المؤرخين اللبنانيين بديموغرافيتها وتأثيراتها الطائفية التي استمرت حتى اليوم. 
أبحرنا في موضوع "إنتاج المعرفة التاريخية في المغرب بعد الاستقلال عام 1956"، بوجود طفرة بوصول عدد المؤرخين الأكاديميين في المغرب فقط إلى أكثر من 300 مؤرخ محترف. مع اتجاهاتهم خلال الأربعين سنة المنصرمة، وتعرفنا على "كتابة تاريخ المغرب وتحقيب الزمن الطويل". ويعد التحقيب إشكالية تاريخية عربية وعالمية عموماً، وهو يرتبط بابتكار المؤرخ وموسوعيته. أما "مسألة الدولة في الإستغرافيا التونسية الحديثة: سياقات ومقاربات"، فتم تركيز بعض المؤرخين على الدولة أواخر القرن التاسع عشر وبداية دخول الاستعمار. فالدولة لم تزل تشكل هاجساً بحثياً عربياً، كونها ترتبط بشكل الهويات الوطنية والمواطنة وسواها، لقد بدت الدولة منظومة عنف على المجتمع، وهي بالنسبة إلى هؤلاء المؤرخين الأوائل حديثة وأجنبية. أما "أزمة كتابة التاريخ الوطني في موريتانيا"، فتتعلق أسبابها بمواقف الإسلاميين من التأريخ الديني، ومواقف القوميين من الخلاف حول التاريخ الوطني، إضافة إلى سبب جوهري يتعلق بالقبائلية التي تسود المجتمع. أما "الكتابة التاريخية في العراق"، فتمّ التركيز في سياقات الكتابة التاريخية على معيارين مميزين، ضمن السياقات السياسية المتغيرة. وتشكل الأنماط الراسخة فيها: الوطني، والقومي، والماركسي، ونمط الإسلاميين، والنمط الطائفي بعد 2003. أما "تحولات الكتابة التاريخية في مصر المعاصرة" على مدى قرن، فكان هناك تمجيد البطل الفرد، وتوظيفه في خدمة السياسات، بعيدًا من المسائل الاقتصادية والاجتماعية. وانتهى ذلك مع 1952، ونشأ تاريخ مصر الاجتماعي، بتأثير جمال عبد الناصر. ثم الالتفات إلى هوية مصر العربية، مع تحول آخر حصل بعد وفاة عبد الناصر، إذ قفز مؤرخون من ماركسيين ليصبحوا إسلاميين. أما الأردن المعاصر: "التاريخ الوطني واتجاهات التدوين"، فسيتم الاحتفال هذا العام بذكرى مرور مائة عام على الثورة العربية الكبرى. ولكن، لم تحصل في الأردن تغييرات جذرية في السياق الرسمي، ما ألقى بظلاله على كتابة التاريخ فيه. وانتقلت اتجاهات كتابة التاريخ هناك من مرحلة اليقظة العربية وثورتها إلى مرحلة الكتابة عن تاريخ الأمير والإمارة، تلاها مرحلة الاهتمام بالأردن. 



الغرب يكتب تاريخ العرب


تابع المؤتمرون شؤون "الغرب الإسلامي بين البحث التاريخي العربي والغربي"، بانتقاد الدارسين الغربيين المحدثين، إذ وصفهم مكسيم رودنسون "أنهم يعيشون في غيتو". ثم تم التوغل في "تاريخ إفريقيا الشمالية والمدارس الفرنسية المعاصرة"، وإن للتاريخ وظائف معرفية عدة، اجتماعية وانتقادية ونسبية. وللأسف، طغى التاريخ السياسي الرسمي على هذه النواحي. وأشير إلى أن ابن خلدون ومارك بلوخ قد طرحا على المؤرخ انفتاحه على الآخر، وسيره في اتجاه العلوم الإنسانية، ويهتم بكل ما هو جمْعي، ويلتزم الإيقاع البطيء على حساب الحدثي السريع، وضرورة طرح أسئلة كبرى، مع الإشارة إلى الفارق الزمني البالغ بنحو أربعمئة عام بين ابن خلدون والمؤرخ مارك بلوخ. ووقفنا أمام "صورة البيزنطيين في الحضارة العربية من خلال اللغة"، وهل في الإمكان كتابة تاريخ العرب بمعزل عن تاريخ الآخر، وكيفية استخدام العرب كلمات من البيزنطيين، وكيف تشكّلت صورة البيزنطيين عند العرب، ومنها الاعتبار الديني. وناقش المؤتمرون "الذاكرة والتاريخ وحقل المنبوذ والمطموس"، وتم طرح "الإستغرافيا العربية المعاصرة بين التاريخ والذاكرة – المغرب نموذجًا"، التي تشكّل جدلية وحقلًا جديدًا، مع اتساع الموضوع في المغرب، بعد بدء هيئة الإنصاف والمصالحة أعمالها في عام 2004 لطيّ ذاكرة الإساءات الفظيعة بحق المواطنين. يهتم هذا التاريخ بالسرد والمجالس السياسية وتقديس الأسطورة والهوية ويعكس أيديولوجيا السلطة. لذا، أغلب هؤلاء المؤرخين فاعلون سياسيون، ويمكن القول إنّ هذا الصنف من التأريخ نوع من الأسطورة التربوية. ثمة أنماط في كتابة تاريخ المغرب بدأت منذ ما قبل الاستعمار في محاولة استعادة هوية المغاربة وذاكرة البلاد، ما أنتج إشكالية الذاكرة والتاريخ وثنائية المؤرخ والحدث، مع صعوبة مواجهة الموضوعية، بسبب استقصاء الذاكرة، وانتقائية الأحداث والمرويات. وعليه، لا بد من اعتماد مقاربة تصالحية بين الذاكرة والتاريخ. أما "كتابة التاريخ في الجزائر بين إحياء الذاكرة والبحث الأكاديمي"، فهل كانت هناك مدرسة تاريخية فيها؟ إنها أيضاً إشكالية الحدود بين الذاكرة والتاريخ، لكنهما يتكاملان ويتعارفان في آن. الذاكرة تفرض المقدس، في حين يحلل التاريخ بمنهج علمي، ورؤية نقدية واعتماد التحولات الزمنية في قراءته. فهل المؤرخ وحده يكتب التاريخ؟ وانتقلنا إلى "الميثولوجيا (الأسطورة) والتاريخ: نماذج للتحليل والاختبار"، فعرفنا أن النص الميثولوجي غالباً ما يكون هامشياً في كتاباتنا التاريخية. وأنّ الإنتاج الميثولوجي هو التعبير الحقيقي عن مخيال المجتمع. ودخلنا إلى عالم السير الشعبية مصدراً لقراءة تاريخ فتح مصر"، فسلط الضوء على السيرة في الحضارة العربية الإسلامية ومجال نظرتها إلى الآخر، وهل تصلح هذه السيرة لقراءة التاريخ. وانتقلنا إلى "تاريخ المهمشين في الإسلام المبكر: قراءة نقدية جديدة لسير بعض الصحابة"، وتم التساؤل عن المشروعية ومقتضيات التاريخ ومركز الحماية في التأريخ للإسلام، فشهادتهم كانت بمنزلة شهود على الوحي والعاملين على النقل، ما أبعدهم عن المساءلة. ثم تساءلنا : "ابن خلدون في خطاب الهوية السودانية"؟ والالتفات إلى السياسات والأمزجة التي ترتبت عليها اهتزازات وشرعيات خدمت السلطة في استفادة بعض أركانها من ابن خلدون. 
أما بشأن "الواقعة في تقاطع المنظورات ودخول العرب إلى أفريقيا"، فقد تم التركيز على إعادة ترتيب القيم الأخلاقية والحضارية والتدقيق في السردية الجماعية. وانتقلنا "نحو مداخل منهجية وأدوات جديدة لتأرخة المطموس: تأريخ النبذ والإقصاء نموذجًا"، وهي جملة تحديات في كتابة تاريخ الحقل الاجتماعي، وثمّة آليات عملية الطمس وتهميش الأخبار بأدوات تقوم بها السلطة أو المحسوبون عليها من بعض الأكاديميين، وكيف يتم ما يسمى الطمس الناعم الذي يمارسه المؤرخ مدلساً، وخصوصاً في عمله بالأرشيفات، واللجوء إلى تغييب أحداثٍ لا تريدها السلطة، أو من خلال العبث بالوثائق الرسمية بشطب فقراتٍ فيها. وهذه من أخطر الحالات التي أعتقد أن دولاً عربية عدة تمارسها خفية أو علانية، من دون أي وازع أخلاقي. 



تاريخ العلوم العربية


وأخيراً، ثمة معالجة لـ "إشكالية التأريخ العربي لثقافة العلوم"، إذ اشتمل الإنتاج الثقافي العلمي في مجتمعاتنا الكلاسيكية آلاف على المخطوطات العلمية في بيئاتٍ واسعةٍ، تمتد من حدود الصين وحتى الأطلسي ثمانية قرون. وقد شهدت العقود الأربعة الأخيرة نمواً ملحوظاً في الدراسات التفصيلية لمجموعة كبيرة من المخطوطات العلمية العربية، فأضافت معرفة في العلوم الإسلامية المختلفة، لكن التأريخ الثقافي الشامل لم يزل يعاني من التبسيط والتسطيح والتمجيد والتفخيم. ثمّة مقاربات تؤكّد التعارض بين العلمي المتخصص والثقافي العام السائد في مجتمعاتنا التي لم تزل تعاني من انحطاط الثقافة العلمية. بهيمنة سؤال الانحطاط أو الانحدار على سائر أسئلة التأريخ. وبذلك، تنحدر ثمانية قرون من الإبداعات العلمية إلى مجرد النفاذ الأبله عبر عدسة الانحطاط التي تسيطر على تاريخنا العربي اليوم.
من جانب آخر، "العلوم العربية والمركزية الأوروبية الجديدة: إشكاليات التأريخ العربي للعلوم في الحضارة الإسلامية". تعد موضوعاً حيوياً أمام هاجس المؤرخين العرب، في الرد على آراء الأوروبيين، أنّ مؤرخي العلوم العرب ركّزوا جهودهم على تبيان الدور العربي المحوري في صناعة النهضة الأوروبية، بوصفه هدفاً أساسياً لمشروعهم، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: لماذا ساهموا في صناعة النهضة الأوروبية، ولم يساهموا في نهضتهم؟ من أهم الأمور تجاوز التناقضات الدينية – العلمية، بفصل المسائل والإنجازات العلمية عن الدين والمقدس، وينبغي إعادة كتابة تاريخ العلوم العربية على خطوط التماسّ مع المركزية الأوروبية.

(العربي الجديد)

 

العراق.. اعتصامات لا تنفع

وعمليّة سياسيّة كسيحة

سيّار الجميل

 

دخل العراق طوراً جديداً في الأسبوعين الماضيين، وخصوصاً بعد انسحاب مقتدى الصدر من قيادته الاعتصامات في المنطقة الخضراء في بغداد، أملاً في الموافقة على تعديل الوزارة، بطرح أسماء مستقلة. وكان كاتب هذه السطور قد انتقد هذه الخطوة، بعد أن زرع الصدر الإحباط لدى كلّ أصناف المعارضة السياسية من المتظاهرين والمعتصمين، لمّا أمر بفضّ الاعتصام في خطابه المكتوب الذي جاء مباشرة بعد إنهاء رئيس الحكومة، حيدر العبادي، كلمته في البرلمان، وتسليمه أسماء من رشّحهم في ملف. وبدا للعالم كله، كم كانت واضحة المؤامرة السياسية ضد ما يدعونها "الإصلاحات"، فهم لا يريدون أية إصلاحات، بل إبقاء القديم على قدمه، وتمرير المصالح والإبقاء على المحاصصة الطائفية في الحكم، فكانت العملية واضحةً وساذجةً في ترك فجوة زمنية أسبوعين، من أجل إقرارها من البرلمان، فكان أن تآمروا في ما بينهم على ترشيح أسماء، يُحسب أصحابها عليهم من دون الالتفات إلى الأسماء الأولى التي تقاذفها الجميع بشتى الاتهامات.
وعلى الرغم من انسحاب مرشحين للوزارة من القائمة الأولى التي قدّمها العبادي، إلا أن رؤساء الكتل، بمن فيهم ما يسمى "التحالف الوطني" وجدوا في بعض الأسماء المستقلة ما يهدّد، ليس وجودهم، بل مصالحهم، فكان أن تآمروا على ترشيح أسماء أخرى، استناداً إلى مرتكزاتهم الطائفيّة، وعلى أسس المحاصصة الحزبيّة والسياسيّة مع تصريحات بعض رؤساء الكتل، أمثال عمار الحكيم ونوري المالكي الذي اتهم العراقيين المعتصمين بأنهّم يتآمرون على المشروع الإسلامي في العراق.. ومع حالة الضياع السياسي والأمني التي يقودها حيدر العبادي، وهو الذي يقوده زعماء كتلته وحزبه انقياداً كاملاً، فلقد جيء بأسماء مرشحين آخرين، أفرزهم ما سمي "اتفاق الشرف"، وبموافقة رئيس الجمهورية، فؤاد معصوم، ورئيس البرلمان، سليم الجبوري، وبدا هذا "الاتفاق" لدى العراقيين الوطنيين أنه "بلا شرف".
ومن تفاهة التاريخ أن يوقّع على (اتّفاق الشرف) قادة أحزابٍ وتكتلاتٍ، ومنهم حسين الشهرستاني، المتّهم الآن، دوليّاً، بتهم خطيرة في نهب المال، وأخذ الرشاوى بالملايين. اتفق حيتان الفساد في العراق هؤلاء على أسماء وزراء أرادوا تمريرها في البرلمان، في عمليّة خائبة وخبيثة، وبعد أن وافقت عليها الرئاسات الثلاث، بمعنى أن الرئاسات الثلاث (الممثلة بفؤاد معصوم وحيدر العبادي وسليم الجبوري) قد اشتركت في مثل هذا الماراثون المخزي، والتوقيع على هذه الخطّة البليدة لإبقاء نفوذ الطبقة السياسيّة الحاكمة. ولمّا طرح "المشروع" في البرلمان العراقي، حدثت مشكلة دستورية، بتمرّد بعض النواب على رئاستهم، وعلى مثل هذه الخطّة التي شيطنها رؤساء الكتل الدينية والطائفية، فكان أن اعتصم بعض النواب في داخل قبّة البرلمان. وحتى إن كان ذلك سابقة تاريخيّة، فالبرلمان العراقي يعيش حالة فوضوية منذ تأسيسه، نظراً لأنّ نواباً فيه، إناثاً وذكوراً، لا يستحقون أن يكونوا دلالين ودلالات في سوق شعبي، فكيف حدث ذلك؟ 

ما إن أعلن رئيس مجلس النواب، سليم الجبوري، رفع الجلسة إلى يوم 14 إبريل، الخميس 

الماضي، بعد أن تسلّم أسماء الكابينة الوزارية الجديدة من رئيس الحكومة حيدر العبادي، حتى تحوّل البرلمان إلى مكان للاعتصام، إذ رفض 167- 171 نائباً إقرار هذه الخطة التي تضم أسماء مرشّحة، اعتمدت المحاصصة الطائفيّة والسياسيّة في توزيعها، فضلا عن أنها أسماء مجهولة، ولها ارتباطاتها بالعملية السياسية الحالية، ولا تواريخ مهنية لأصحابها من اللاهثين وراء المناصب والمنافع. جاء اختيار هؤلاء من أجل تأمين مستقبل مصالح الطبقة الحاكمة في البلاد، واستشراء نفوذها من دون الأخذ بمطالب الشعب العراقي، والبحث عن أكفأ الناس، من أجل أن يخلصوا العراق من أزماته ومشكلاته، ومن المأزق الذي يعيشه منذ 13 عاماً. 
غدت الرئاسات الثلاث اليوم منبوذة من البرلمان العراقي، ضمن سيناريو ربما أعدّ بإحكام، إذ قال نائبٌ من كتلة الأحرار إن ما حدث يوم 12 إبريل بمثابة "انتفاضة"، كان غرضها أن تكون الحكومة المقبلة حكومة تكنوقراط، وليس حكومة محاصصة كما يريدها بعضهم. واستطرد: التقت رئاستا البرلمان والحكومة على مطالب المرجعية والمعتصمين، وكافة أبناء الشعب العراقي، من خلال محاولتهم تشكيل حكومة محاصصة جديدة. .. وإن اجتماع رئيس الوزراء حيدر العبادي مع رئيس البرلمان وقادة الكتل السياسية الثلاثاء شهد عراكا على المناصب، وكأن الأمر كعكة يُراد تقسيمها. وحسب النائب، لم يُحسن العبادي استغلال تفويضه من المرجعية الدينية العليا، ولا من الشعب العراقي في عملية الإصلاح. تفاقمت الأمور، واختلقت أزمة، يقال إنها مدبرة من رئيس المجلس لإحباط أية محاولة لإقالته.
بدا واضحاً أنه كلما زاد الشعب العراقي من مطاليبه العادلة زاد توحّش الذين يسيرون بالعملية السياسية في العراق. إنهم يوقعون "اتفاق شرف" في ما بينهم، كونهم يشعرون جميعاً بغدر أحدهم بالآخر، وإن قادة الكتل السياسية يريدون الآن الانتقال من المشاركة في الكعكة إلى الاستبداد بها، في حين ينتفض بعض النواب اليوم، بعد أن لازمهم الصمت قرابة سنتين، وقد جاءوا جميعاً من خلال عملية سياسية كسيحة، لا أدري إن كانوا ما زالوا يؤمنون بها.. ربما سيكبر عددهم، من أجل إقالة الرئاسات الثلاث، وهم يتحركون بسرعة خوفاً على مستقبلهم السياسي في المستقبل المنظور، وربما اندفع بعضهم منفذاً تعليمات قياداتهم من زعماء الكتل. 
أعتقد أن الكتلة (الجديدة) في البرلمان أحد العناصر التي تطبق سيناريو جديداً في العراق، فثمة مفاجآت قريبة في العراق. ونكتشف يوماً بعد آخر، عند ناسٍ كثيرين، كم هو حجم تقلّبهم السياسي، فهم غير مبدئيين، ولا شرف لهم عندما كانوا قبل أشهر يسبّحون بحمد النظام السياسي، ويتعبّدون في محراب العملية السياسيّة التي تديرها طبقة سياسيّة جاهلة، أوجدها المحتل الأميركي، ورعتها إيران الإسلامية رعاية الأطفال المشاكسين، وباركتها مرجعية الإمام السيستاني بشكل لا محدود. وكان هناك كارتلات من الطفيليين والمرتزقة العراقيين يدافعون بشراسةٍ عن النظام الطائفي، وعن نوري المالكي ورهطه، وعن العمليّة السياسية المقرفة، وعن الدستور الموبوء. واليوم يظهرون وقد تغيّروا، وخرجوا من عباءاتهم وجلودهم، في تغيرّ اللغة التي يستخدمونها تغيرّا واضحاً في المواقف السياسية، وعلناً، ولا يقتصر الأمر على برلمانيين وإعلاميين، بل يشمل ذلك العدد الكبير من المثقفين والكتّاب وأصحاب المواقع الإلكترونية، خصوصا الذين انقطع عنهم سيل الرشاوى والمكافآت المالية التي كانت تغدق عليهم. 
دعونا نترقّب الأحداث على مهل، فثمّة من يدير دفّة هذه السيناريوهات جمعاء في العراق، وسنرى ماذا سيحّل بالعراق، بعد أن بقي يسير في مأزقٍ تاريخيٍّ لا يُحسد عليه.

(العربي الجديد)

 

لن يعيش العراق في

جلباب حزب الدعوة وحلفائه !



 

د. سيّار الجميل

 

توقعنّا منذ وصول حيدر العبادي للسلطة ان لا ينفّك ابداً عن حزبه، الدعوة الاسلامية، وكان قد آمن بمبادئه الديماغوجية منذ اربعين سنة ولن يتخّلى عنه. وهذه ليست مشكلتنا معه، بل المشكلة الحقيقيّة مع حزبه وحلفاء هذا الحزب، ذلك انّ تشبثهّم بالسلطة واستماتتهم للبقاء بها بعد ان وصلوا اليها بفضل الاميركان وبقائهم فيها بفضل ايران .. فالعبادي يحاول ان يقّدم ترقيعات في نظام الحكم الذي كرهه عموم الشعب العراقي.. ترقيعات باسم " الاصلاحات " وكأنه متفّضل على العراقيين كما ظهر  في خطابه الاخير في مجلس النواب، مع كيل الوعود للشعب بان يحاسب الفاسدين  ويقضي على الفساد وكأنّه يضحك على شعب ذكي جدا "مفتّح باللبن " على قولة البغداديين، وقد بدا انه يمارس لعبته المعتادة في السيرك امام جمهرة حاذقة من المشاهدين العراقيين !

ان منظومة هذا الحزب والمتحالفين معه، لا تقبل البتة التنازل عن الحكم بالرغم من كلّ ما اقترفه قياديوها من اخطاء وسرقات وجرائم باتت مفضوحة، وهي شلّة لا تقبل ان تعترف بالخراب الذي سببّته للعراق، وغير صادقة في حمل الامانة الوطنيّة .. ويبدو ان لا مبالاتها قد وصلت الى درجة لعينة من التردّي بحيث تجد السخط عليها في كلّ العراق، وهي تصرّ على البقاء في السلطة مهما كانت الاثمان غالية . وكم شعر  ملايين العراقيين بالاحباط تجاه القرار الذي اتخذه السيد مقتدى الصدر بوقف حركة العصيان المدني ، اثر التظاهرات الاحتجاجيّة التي بدأت منذ اشهر  ضدّ سوء الاوضاع،  ما اعطى الانطباع بان السيد الصدر لا يبتغي التغيير الحقيقي لمن في سدّة الحكم ، بل هو مجرّد اختلاف بين اركان ما يسمّى بـ " التحالف الوطني " الذي تجتمع فيه احزاب تكتلات طائفية.. وعليه ، فقد شعر العراقيون بخيبة أمل كبيرة جرّاء انهاء الاعتصامات لحظة اعلان العبادي عن ترشيحاته، وكنت اراقب الموقف وكأنّ اتفاقا قد جرى بين الاثنين ، فما ان اكمل العبادي خطابه في قاعة البرلمان، حتى انطلق السيد الصدر بقراءة كلمته المكتوبة من خيمة اعتصامه في المنطقة الخضراء !

كم كانت محاولة حيدر العبادي مخيبّة للامال الوطنية التي حملها ملايين العراقيين وهم ينتظرون التغيير الجذري في النظام السياسي ، ولكن من البديهي ان لا يتمّ ايّ تغيير جذري في العراق من دون ثورة تطيح بكلّ الرؤوس التي لا تفيد معها لغة "عيني واغاتي".  ان التغيير الحقيقي ليس مجرّد تبديل شلّة وزراء بشلّة اخرى ، فالوزراء يأتون ويذهبون وهم يدورون  في اطار عجلة عربة مهترئة تجرّها التكتلات السياسيّة الطائفية الحاكمة .. بل ان المعضلة الحقيقيّة تكمن في طبيعة هذا " النظام السياسي " الذي قاد العراق الى التهلكة والخراب ومآسي الفساد . انه النظام الفاسد الذي صنعه بول بريمر قبل سنوات طوال، وقامت بادارته جوقة من السياسيين العراقيين الفاشلين والفاسدين والجهلة وقليلي الخبرة الذين شكّلوا اليوم طبقة سياسيّة تقف تحت مظلة كتل متحالفة من أجل المنافع ونهب المليارات ، واحزاب تمييز طائفي عمياء ، وكل الطبقة عملت في جلباب حزب الدعوة الذي اتسمّ بعدم القابلية على الحكم ، وممارسات قادته الذين قادوا البلاد الى هذا الانهيار المفجع ، وقد سحقوا العراقيين منذ 13 سنة على وجودهم البائس !

لا يهم أبداً إن كان حيدر العبادي يحمل الدكتوراه أم لا ؟ ولا يهمّ ان كان من التكنوقراط أم لا ؟ ولا يهمّ أبداً ماذا سيكون دوره في المستقبل المنظور ، فلقد ثبت للجميع عجزه السياسي  واخفاقه القيادي  وضعف شخصيته  وجهله بالادارة العليا ، ناهيكم عن فقره السياسي وترددّه وخوفه من الآخرين. وبدا في خطابه البائس الاخير امام مجلس النواب وهو يقدّم المرشحين الجدد لوزارته كم هو مضطرب وعاجز ومتردد ويخشى من حزبه والآخرين، بل يخشى من كلّ الفاسدين الذين ابتلعوا ثروات العراق، وكأنّه قد فعل فعلته معهم - كما يشاع.

ويبدو ان الاختيارات لاسماء وزراء رشحهم العبادي كانت اعتباطية، ومن دون ان يسأل بعضهم عن قبولهم او رفضهم المناصب الوزارية بدليل عدم قبول الدكتور نزار محمد سليم ترشيحه لحقيبة وزارة النفط ورفضه العمل وزيرا في مثل هكذا حكومة ترقيعية، فالرجل يبدو انه يحترم نفسه وتأريخه.

واذا كانت البقية الباقية من الاسماء قد قبلت ترشيحها لهذه المناصب، فانني اعتقد بأنها سوف تحسب على هذا النظام، وانها غدت من حيث تدري او لا تدري تعيش في جلباب حزب الدعوة الذي يقود "التحالف الوطني".. وليعلم هؤلاء الاخوة، انهم سيكونوا مجرد أدوات تنفيذيّة او مجرّد بقايا خردة لسياسات سيئة وطائفيّة يرسمها كبار  رؤوس النظام، ويمليها عليهم رئيسهم حيدر العبادي ! فلا تفرحوا بمثل هذه المناصب التي غدا أصحابها على عهد هذا النظام، مجرّد بيادق على رقعة شطرنج يحرّكها بلهاء، وتقودها  شلّة من كبار الفاسدين في التاريخ .

ماذا ينفع هؤلاء ان جاءوا كوزراء ترقيع في حكومة عاجزة في ادائها  ومكبّلة بارادات غير عراقية، ولا تهتم بهموم الشعب، بل ولا يضيرها ان توجّه اليها اللكمات وهي تبرّر  للمسؤولين السابقين جرائمهم ومفاسدهم وفضائحهم وعلى رأسهم المالكي وشلتّه ؟ ما دوركم في حكومة يقف على رأسها رئيس وزراء ليس باستطاعته محاكمة الفاسدين والمجرمين الذين انفضحت صفقاتهم ومنهوباتهم ؟ ماذا ينفع هؤلاء ( التكنوقراط ) الا في تنفيذ سياسات لا يقومون برسمها، وهم في ظلّ اجندة ماكرة يطلقها نوّاب لهم تبعيتهم لقادتهم من زعماء الكتل؟ ماذا باستطاعة الوزراء فعله في دوائر ومؤسسّات ابتليت بالمخرّبين والمرتشين واكلي السحت الحرام ؟ كيف يعملون في غياب القوانين ووصولية القضاء وتغافله عن المجرمين؟ كيف باستطاعتهم رسم خارطة طريق جديد في ظلّ دستور عقيم وهيمنة طبقة سياسيّة رعناء؟ ماذا يصلحون ان كان ربّ الدار بالدفّ ناقرا، ولم يزل عضوا قياديا في حزب فاشل؟ ستجدونهم يرقصون على الحلبة رقصة الجوبي وهم متكاتفون كتفا بكتف!  كيف ينفع هؤلاء السادة الوزراء، وهم يعملون في نظام حكم لا يعاقب المجرمين والفاسدين والقتلة، ولا يجتّث كلّ المسؤولين السابقين ، ولا يحاكم ولا يعاقب كلّ الذين تسببّوا في مسلسل الهزائم النكراء؟ كيف يشتغلون ومشكلة النظام سائدة بعدم مطاردة كلّ الذين سرقوا المال العام كي يرجعوه بأيّة وسيلة من الوسائل الى خزينة البلاد؟ ماذا تنفعكم مناصبكم التكنوقراطية الّا ان كنتم من السعاة اللاهثين للجاه والمال والسلطة المزيّفة ؟ انكم سوف تشكلّون جوقة فساد من نوع آخر ! سيضحك التاريخ عليكم وسيسجل لكم المستقبل خنوعكم وانتم تجلسون على مائدة واحدة مع فاشلين .. لا تهمّكم ابدا الهتافات والصيحات والتهاني والتبريكات التي تنهال عليكم من الاف العراقيين، فان الملايين من العراقيين يشعرون باحباط شامل واستياء عارم من الوضع وهم يكظمون غيضهم، وما هذه الخطوة  الا مجرّد بوابة يتنّفس منها النظام السياسي الحاكم، وستكونون معه في قارب واحد ان قبلتم العمل معه، علما بأنّ بعضكم يعمل معه منذ سنوات خلت! 

لا يغرّنكم وقف العصيان  المدني على ابواب  المنطقة الخضراء، فالمسألة قد توضّحت الآن جليّا بأنّ اتفاقا سياسيّا  قد دبّر بليل بين الكبار على هذا "الحل" الخادع الذي ينفذّه وزراء يسعون للسلطة بأيّ ثمن، وهم مخدوعون أو لاهثون، وهو "حّل" سينقذ التحالف الوطني من المأزق الذي يعيشه. وكما قال السيد مقتدى لواحد من الساسة المستقلين العراقيين جوابا على سؤال له: "أبعدوا أنفسكم، فالمشكلة يمثلها خلاف في التحالف الوطني"، فإن صحّ هذا  فكلّ "هوسة" الاعتصام لا دخل لها بمعضلة وطن ولا بتغيير  جذري، ولا باسقاط نظام !

من يعتذر عن قبول هذه المناصب سيسجّل لنفسه مأثرة لا تقدّر بثمن أبداً، فلا تربطوا انفسكم، ايها التكنوقراط، بهذا النظام السياسي الفاشل الذي لا يمكنكم العمل على صلاح شأن العراق بوجوده مع هكذا طبقة سياسيّة حاكمة تتصدر  مشهد السلطة العليا وكل التابعين لها يملؤون قاعة البرلمان . الايام القادمة ستحدد من هو على خطأ ومن يكون على صواب !



 

نشرت في جريدة المدى ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار  الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 

 

متى ترفضون

أن يكون للخراب وطن؟

 

د. سيّار الجميل

 

دعوني أستعير عبارةً قالها القس جوستن بيركنس قبل 150 سنة "قلمي يرفض أن يقول للخراب وطننا". فمتى ترفضون، أيها العراقيون، هذه الطبقة السياسية الحاكمة التي عملت على أن يكون للخراب وطن؟ الكلّ يراقب ما يحدث في العراق من تطورات، وما يدور في المنطقة الخضراء، وما يتداوله بعضهم من مطالب.. ويلعب اليوم السيد مقتدى الصدر دوره من أجل تحقيقها، ويعتكف معتصماً بنفسه بعد اقتحام المنطقة الخضراء التي أمست رمزاً للخراب، صنعه المحتل الأميركي قبل سنوات، فهي منطقة احتوت على كل الفاسدين والمأجورين وسرّاق المال العام.. وكنت أتمنى أن تكون رمزا للبناء والنخوة والنظافة والعمل الخيري والتعايش الوطني. وهنا أسأل: ما فائدة المطالبة بالترقيعات، إذا لم تنادوا بالتغيير الجذري ومحق الطبقة السياسية التي دمّرت العراق وسحقت العراقيين؟

ما يحتاجه العراق، اليوم وغداً، هو أكبر من تنازلات أو توافقات أو مجرد ترقيعات .. وليس المهم الإسراع بتشكيل "أية حكومة". ولكن، المهم ما نوعية تلك الحكومة ؟ يا تعاستها ان بقي العبادي يترأسها ! ليس المهم أن يجمع البرلمان الجديد الأصوات لهذا أو ذاك، بقدر ما يحدثه من تغييراتٍ دستوريةٍ مطالب بإجرائها منذ سنوات! ليس المهم أن يتم الإصرار على أن يحكم هذا (المكون)، كما أسموه، لا ذاك، كما نشهد اليوم، بل المهم البدء في مشروعٍ وطني ومبادرة وطنية، وإعادة تأسيس دولةٍ لا تصادرها طائفةٌ معينة، ولا طبقةٌ سياسيةٌ معيّنة، ولا بأغبياء يحتكرون الحكم، وهم من المتاجرين بالدين وبالوطن، حتى وإن كانوا يحملون شهاداتٍ عليا، ويسمونهم "تكنوقراط"، ولا يمكن قبول أحزاب سياسية مأجورة، أو كتل طائفية فاسدة أو مليشيات مرتزقة من أجل أخذ الثارات .. إلخ.

يريدون " حكومة تكنوقراط " ، يختارون لها بيادق وإمّعات، ليكونوا مجرّد أدواتٍ بأيدي رؤساء الكتل السياسية التي لم تزل تتصدر المشهد السياسي ، ويقف في مقدمتهم رئيس حكومةٍ أثبت الواقع فشله في مهمته فشلاً ذريعاً.. ان البرلمان ان اقّر  اية حكومة جديدة ، فسوف يبقى الحال على ما هو عليه ما دام الخلل يكمن في الاسس والركائز  التي تعمقت منذ 13 عاما  . أن الضرورة باتت تقضي باقتلاع الأدغال من جذورها، ولن ينفع التربة أي استصلاح لها من مجرد الأملاح، فقد غدت الطبقة السياسية الحاكمة خائسةً ومتعفنة سوداء اللون تزكم الأنوف. وينتظر العراقيون حكومة وبرلماناً ونهجا جديدا مغايرا يشارك فيهما نسوة ورجال من البناة الأذكياء الحقيقيين المخلصين.

ما يطالب به اليوم بعض العراقيين الذين غدوا صنّاجةً بأيدي الكبار التافهين يتمثّل في السعي إلى "تشكيلة وزارية"، لا تختلف عن سابقتها إلا كونها حكومة "تكنوقراط"، كما يسمونها، ولا أعتقد أن هناك أي مختص عراقي يحترم نفسه يقبل ضميره أن يعمل وزيراً في حكومة تافهة. ولقد رشحت في البداية أسماء لا يعرفها أحد، وبدت لعبة المحاصصة واضحةً في الترشيحات التي قام بها أناسٌ ترتبط بالمنظومة الحاكمة، وأعقبتها ترشيحات اخرى لاسماء لم تكن غائبة عن المشهد السياسي لما بعد 2003 !  هنا ، نسأل :  هل المهم، عند هؤلاء، السعي إلى التغيير الشامل والجذري من أجل البدء بعملية سياسية جديدة، لها ركائزها الوطنية، والمضي في الإجراءات القانونية، للتأكد من تغيير الدستور الذي قاد إلى كلّ هذا الخراب، مع إصدار قوانين صارمة للبدء بحياةٍ سياسيةٍ جديدةٍ، تعمل من دون أية تمايزات جهويّة أو من دون تفرقة طائفيّة، فالشعب يطمح إلى التغيير، ولا يريد إبقاء الحال على ما هو عليه، كي يضحكوا عليه باسم "وزارة تكنوقراط". المهم جداً أن تتمّ محاسبة كل المقصّرين والمجرمين صنّاع الخراب، وأن يمثل أمام العدالة كلّ الفاسدين والمفسدين لينالوا جزاءهم العادل، بعد أن ترفع كلّ الحصانات عنهم، من دون أن تشفع لهم أيّة ضمانات. عندما يحدث ذلك، سنصفق للخروج من عنق الزجاجة.

وعلى الرغم من بصيص الأمل لدى بعض العراقيين الذين تحرّكهم عواطفهم الساخنة، ولكن

"التغيير سيأتي في العراق في لحظةٍ تاريخيةٍ مفاجئةٍ للجميع، ضمن أسبابٍ معينة، وضمن خططٍ معينةٍ" يبدو أن التشاؤم قد سيطر على أغلب العراقيين. علينا أن نطرح أسئلةً، ونحاول معا الإجابة عليها. وعلى الرغم من تنوع الاتجاهات السياسية والفكرية، إلا أن العراقيين انقسموا إلى قسمين، قسم له منافعه ومفاسده وعلاقاته، فهو قابل بهذا الوضع، ويصفّق مع المصفّقين لهؤلاء المسؤولين، وقسم له معاناته وشقاء وعيه ورؤيته لما حدث في العراق من انهيارات، ويحلم بالتغيير الحقيقي، وازالة خراب الوطن.. وثمّة حلول ومبادرات، لا يريد سماعها من هو مستفيد من الحالة الراهنة، خصوصا وأن هذه "الحالة"، كما وصفتها جنجر كروز (نائب مفتش عام برنامج إعمار العراق)، أحد تجليات شمولية الفساد، فالفساد في العراق انتشر وتغلغل في كلّ البنى والمؤسّسات، ولم يبق حكراً على الطبقة الحاكمة. شمل الفاسدون في العراق خريجي المدارس والجامعات، وموظفي الدولة والمؤسسات من مدير عام فما دون ، والتجار والمقاولين والعاملين، وشيوخ العشائر ورجال الدين.. فكيف لا يطاول النواب والوزراء والرؤساء؟ السؤال: هل سنبقى أسرى هذا الوضع المأساوي، ونحن نشهد شمولية جرائم الفساد وشلالات الدم، من خلال صفقاتٍ مشبوهة، لم تزل تجري في كلّ العراق؟ هل في وسع العراقيين فعل شيء؟ هل في وسع هذا النظام الحاكم ان يقبض على كل المسؤولين الفاسدين ويحاكمهم وينزل فيهم العقوبات اللازمة ؟

لن تقبل الطبقة السياسية الحاكمة أن تتنازل عن مصالحها، ولن تقبل بحلّ الأحزاب والكتل، ولا بمحاسبة رئيس الوزراء السابق ورهطه وذويه، لما جنوه بحق العراق وأهله.. معللين ذلك بالشرعية الانتخابية، وقد كُشف ما حصل من تزويرات مفضوحة. إنهم يضيّعون الوقت بتشكيل " حكومة تكنوقراط " وسوف لا تقدّم ولا تؤخّر، والعراق يسير مسرعاً إلى انهيار اقتصادي مريع ، فما نفع تشكيل حكومة تكنوقراط من وزراء (دكاترة لا يفرقون بين الضاد والظاء)، وبضمنهم رئيسهم، حيدر العبادي، الذي لا أعرف كيف يحمل الدكتوراه منذ 35 سنة، وهو لم ينشر في حياته خلاصة بحث واحد؟ إنهم يقومون في الحقيقة بطلاء الخراب، ليس عن غباء وسذاجة، بل لأنهم يعملون على إبقاء الخراب.. المسؤولون اليوم عن العراق ومؤسساته، لا يمتّون بصلة إلى هذا العصر. يريدون سحق كل الجماليات وإبقاء القبيح على قبحه. المشكلة أنهم يسوّقون أنفسهم باسم الدين والطائفية والتوافقية، والتراقص على نهش الكعكعة، وما تبقى منها. ولكن، يبدو أن الفرقاء لا يقبلون بمبدأ المشاركة أصلاً.. أي حتى المشاركة أصبحت مرفوضة.. علينا ألا نتخيل الإصلاح والتغيير قاب قوسين أو أدنى من التنفيذ، فكلّ الذين يقودون هم ينتمون إلى أحزاب طائفية، أو دينية، لا يهمهم ما نطالب به.. تهمهم أشياء وأمور أخرى. إنها مشكلة انقسامية بنيوية، تتحكم في مصير المجتمع العراقي على امتداد أزمنة قادمة.

وعليه، فان تعابير، كالوطنية والثورة والتغيير وغيرها، لا يمكن أن تكون مستهلكة من دون فعل، ولا بديل للعراقيين عنها.. ولا يمكن إحداث التغيير، ما لم يبدأ العمل بمشروعٍ وطنيٍّ، يعمل في إطار مبادئ أو ركائز أساسية لبناء عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع، بعيداً عن الخراب.. إن أية حكومة تكنوقراط يتوجب أن يكون أعضاؤها من الأذكياء وذوي تجارب حقيقية، ومستقلين عن أي حزبٍ، أو طرف أو إقليم أو طائفة أو دين.. إنها حكومة عمل، وتنفيذ قوانين، لا حكومة تسلط ومناصب. لا أعتقد أبدا أن الشعب سيقول كلمته في التغيير الجذري، إلا حين تعلن ساعة الصفر، فالشعب مغلوب على أمره اليوم.. ولكن التغيير سيأتي في لحظةٍ تاريخيةٍ مفاجئةٍ للجميع، ضمن أسبابٍ معينة، وضمن خططٍ معينةٍ، مع توفر مناخ ملائم لحدوثه، ينطلق به عراقيون يرفضون أن يكون للخراب وطن.



 

العربي الجديد ، وسيعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 


قصف جامعة الموصل:

ثنائية الانسحاق والشماتة

تساؤلات صارخة بوجه اهل العراق !

 
 !د. سيّار الجميل


تناهت الى السمع والبصر يوم امس الاخبار المزعجة المسموعة والمرئية عن الموصل وقصف الطائرات لابنية جامعة الموصل ، وما الحق ذلك القصف المخيف من دمار واسع النطاق ليس بالجامعة حسب ، بل بكل ما يحيطها من ابنية واسواق وبيوت وشوارع ومناطق حيوية تكتظ بالناس .. باختصار ، لي تساؤلات واضحة اطرحها على الناس والمسؤولين العراقيين في مقدمتهم الذين ثبت للعالم كله ، دورهم جميعا في الكارثة التي حلت بالموصل منذ سنتين .. وكأنها ليست مدينة عراقية ، ويقطنها سكان عراقيون ، وكان لها دورها التاريخي والحضاري في بناء العراق الحديث .. 
أسأل : من قام بقصف جامعة الموصل يوم امس قصفا ساحقا ماحقا ، هل هي طائرات التحالف الدولي ؟ هل هي طائرات ما يسمى بالتحالف ( الوطني ) ؟ هل هي طائرات جاءت من دولة مجاورة من دون هوية ؟ 
أسأل : هل تريدون سحق داعش ومن هم وراء داعش ؟ ام تريدون قتل الابرياء وتدمير البنية التحتية للموصل بهذه الطريقة ؟ وكنتم قد قصفتم على امتداد الايام السابقة مدارس وبنوك ومؤسسات مدنية في الموصل بنفس الطريقة ؟ هل تريدون تدمير وتخريب مدينة تعدّ الثانية في العراق من حيث الاتساع وحجم السكان ؟ ام تريدون اخراج داعش ؟
أسأل : بعض من يسمّون انفسهم بـ " عراقيين " ويرفعون مجرد شعارات يوهمون بها انفسهم ، هل من الاخلاق في شيئ ان تتشمّتوا على طريقتكم البذيئة وتتلذذوا باساليبكم غير الاخلاقية بسحق الموصل ، وشتم اهلها وسبّهم ونسائهم بطريقة مقذعة لا يمكن ان يتخيلها عدو من الاعداء ؟ ماذا تريدون من كل هذه الشتائم والسباب والطعون والاتهامات التي تطلقونها بشكل عام على كل اهل الموصل ؟ والجميع يدرك من كان وراء حدوث الكارثة في سقوط الموصل ؟ ان ما قرأناه يوم امس من كلام شنيع أتى على لسان الالاف من العراقيين ضد الموصل واهلها ونسائها يعد فجيعة اخلاقية بكل المقاييس . أين تربّى هؤلاء الناس ؟ من علمهم كل هذا الحقد الاعمى ؟ من زرع فيهم كل هذه الكراهية ؟ اين تعلموا مثل هذا الكلام البذئ ؟ 
أسأل : هل سمعنا بأية ادانة على ما يجري وما يقال بحق شعب اعزل كامل في الموصل واقليمها ، منه مليون مهجّر ومنه اكثر من مليونين من البشر وقد وقعوا تحت البطش ؟ هل صاح احد المعممّين الكبار بكلمة ( لا ) ؟ هل اطلق نداءات شديدة القوة بايقاف هذا السيل من السباب والشتائم ؟ هل قام بالقاء خطبة جمعة ينصح الناس بأن يكونوا اهل عقل ، واهل اخلاق ، واهل تعامل حسن مع بني جلدتهم، بأن يكفوا عن كلّ هذا الشتم والسبّ والاذى والقاء التهم والتشمّت الذي البسوه البسة طائفية ، وكأن ابناء العراق هم اعداء الّداء منذ الازل ؟ هل قام لفيف من المثقفين والاعلاميين العراقيين ( وهم كثر ما شاء الله ) بتوعية الجهلة والمتخلفين والمتهتكين بأن يكفوا لسانهم ويرتفعوا باخلاقهم كي يحسنوا معاملة ابناء شعبهم ، ام أنهم اثروا الصمت حتى اليوم ؟ 
أسأل : اين دور المسؤولين العراقيين ان كانوا بمسؤولين حقا عن العراق واهله من الحالة غير الاخلاقية المتدنية التي اوصلوا العراق اليها ، وخصوصا اولئك الذين يتزعمون الكتل والاحزاب والتيارات .. توقفوا قليلا وتأملوا ما الذي احدثتموه ليس في العراق وحده ، بل ما صنعتموه عند العراقيين من انقسامات وعداءات وثارات ستبقى تلاحق العراقيين لازمنة يكسّروا عظام بعضهم الاخر .. حتى غدت مدنا عراقية كاملة لن ترفضكم وحدكم بل ترفض الانتماء للعراق ! ان من يعامل بهذه الطريقة ، ويرى ان الجميع قد آثر الصمت عن هذه الآثام ، فسوف لن يقبل الوقوف تحت مظلة واحدة
واخيرا : يا اهل الموصل جميعا ، وانتم طيف تتعدد فيه الالوان والاديان وكل العناصر ، اهيب بكم وانتم تواجهون هذه المحنة التاريخية وفي غمرة هذا التحدي المصيري ، ان تكونوا يدا واحدة ازاء كل هذه الاصوات المنكرة التي تأتي من بعض بني جلدتكم وهم يشمتون بكم ، وان تواجهوا المحنة الصعبة بقلوب قوية ، واخلاقيات عالية ، ولا تنحدروا ابدا لما يريده خصومكم الذين يهددونكم بالويل والثبور ، فانتم اقوى منهم .. انكم دوما كما علمنا التاريخ اقوى من كل الشدائد .. الله معكم ، ستتحرر الموصل ، وسينفتح تاريخ جديد امامكم عمّا قريب بعد ان تنفّك مدينتكم من اسرها بحول الله . حفظ الله الموصل أم الربيعين وحرس اهلها النجباء ، واعادها مدينة حيوية ونشيطة وهي تتوسط اقليمها الرائع اقليم نينوى العريق بكل طيفه ، مبارك يوم نوروز الجميل وهو يبدأ ربيعا جديدا في تلك الربوع الساحرة الخضراء .. وسامح الله كل الاخوة العراقيين الذين يريدون شرّا بالموصل وبأهلها ويا للاسف الشديد .


تنشر يوم 21 آذار / مارس 2016 على موقع الدكتور سيار الجميل
 
www.sayyaraljamil.com

 

 

جورج طرابيشي..

رؤية لما بعد الرحيل

د. سيّار الجميل

توفي الصديق المفكّر والناقد والمترجم العربي المعروف، جورج طرابيشي، يوم الاربعاء 16 مارس/ آذار 2016 في باريس عن عمرٍ ناهز 77 عاماً. ولد في حلب عام 1939، ودرس في سورية، وحمل الليسانس في اللغة العربية والماجستير في التربية، متخرجاً في جامعة دمشق. عمل مديراً لإذاعة دمشق (1963-1964)، ورئيساً لتحرير مجلة دراسات عربية (1972-1984)، ومحرّراً رئيسياً لمجلة الوحدة (1984-1989). أقام ردحاً في لبنان، لكنه غادره، إثر اندلاع الحرب الأهلية، إلى فرنسا التي بقي فيها حتى وفاته متفرغاً للكتابة والتأليف. اتصف، منذ صغره، بشغفه الشديد بالكتابة والترجمة، بحيث كان ينعزل أياماً حتى يترجم كتاباً عن الفرنسية التي خبرها منذ تكوينه الأول، اذ ترجم لفرويد وهيغل وسارتر وبرهييه وغارودي وسيمون دي بوفوار وآخرين، في موضوعات مختلفة وميادين متنوعة في الفلسفة والأيديولوجيا والتحليل النفسي والرواية.

كتب الكثير في الماركسيّة والنظريّة القوميّة وفي النقد الأدبي للرواية العربية. وكان سبّاقاً في تطبيق مناهج التحليل النفسي في نقداته وكتاباته. وعدّ مصنفا بارعا في مؤلفّه "معجم الفلاسفة"، وغدا كاتبا نهضوياً في مؤلفه "من النهضة إلى الردة"، وفي "هرطقات 1 و2"، وعدّ ناقداً قويّاً في مشروعه الضخم الذي عمل عليه سنوات طوال، وصدر منه خمسة مجلدات بعنوان "نقد نقد العقل العربي" كان آخرها مجلده الخامس "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث" (2010)، وكان قد انطلق فيه من خلال نقده مشروع المفكّر المغربي محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، فكان ندّا حقيقيّا له، إذ وضع طرابيشي النقاط فوق الحروف التي لم يدركها الجابري، وكان طرابيشي أذكى من الجابري في توغّله بموسوعيّةٍ كبيرةٍ باحتوائه على قراءةٍ ومراجعةٍ دقيقةٍ للتراث اليوناني وللتراث الأوروبي الفلسفي وللتراث العربي الإسلامي بمختلف تخصصّاته، وليس الفلسفي فحسب، بل أيضاً في ما يخص علم الكلام والفقه والتصوّف واللغة.. اذ عالجها طرابيشي معالجةً علميةً أرقى بكثير من الجابري الذي استلهم نظريات غيره، ولم يكن ذكياً في تطبيقاته لها، فكان أن تصدّى له طرابيشي، وأفحمه في جنباتٍ كثيرة، أخفق فيها الجابري، وخصوصاً عندما دعا الأخير إلى تمفصل المشرق العربي عن المغرب العربي، وادّعى بأن لا فلسفة ولا فكر إلا في المغرب! وكنت بدوري قد انتقدت خطابه ذاك في كتابي "الرؤية المختلفة: قراءة نقدية في منهج محمد عابد الجابري" (1999) .

قلت لطرابيشي يوماً: ما ضرّك لو صرفت السنوات التي قضيّتها في نقد الجابري بتقديم مشروع فلسفي مضاد إلى ثقافتنا العربية؟ انتبه وقال: لم أكن اتوّقع أنه سيأخذني كلّ هذا المطال. سألته: وهل للعقل (العربي) هويّة قوميّة، حتى نميّزه عن العقل البشري؟ ابتسم لمثل هذا السؤال الساخر، وقال: اسأل صاحبك الجابري. أعتقد أن جورج كان الأقدر عربياً في اقتحام مشروع الجابري ونقده وترميم أحجاره، فهو يمتلك الأداة النقديّة ومبضع الجرّاح، لكي يعتكف سنوات طوال في عمله، كما اعتقد أن جورج لن تكون له القدرة، منذ بداياته الأولى وحتى نهاياته، كي يكتب مشروعاً فكرياً عربياً، إذ كان يردّد دوما أنه من الهواة الذين أقحموا أنفسهم في عالم الفلسفة، إذ لم يكن من جماعة المتخصصّين.. وعليه، فقد برع في نقد الجابري براعة قويّة، وفشل الجابري نفسه في أن يردّ عليه ردّاً شاملاً بحجم ما كتب جورج في نقد نقد العقل (العربي)، سواء في تكوينه أو بنيته، أو ما ألحق الجابري بذلك من ملحقات.

لعل أبرز الإجابات التي قدمها طرابيشي على سؤال أساسي: هل جاءت استقالة العقل في

"سيبقى اسم جورج طرابيشي علامة بارزة، ووضيئة في الثقافة العربية الحديثة" الإسلام نتيجةً لعامل خارجي، وقابلة للتعليق على مشجب الغير؟ أم هي مأساة داخلية ومحكومة بآليات ذاتية، يتحمل فيها العقل العربي الإسلامي مسؤولية إقالة نفسه بنفسه؟ وهكذا، وجدتني معه في حواراتٍ جمعتنا معا عند لقاءاتنا المتباعدة، فكان الرجل يشاركني القول إن العقل في تاريخنا ووجودنا قد ضاع منذ زمن طويل، وكان ذلك "العقل" مجبراً أن يقيل نفسه جرّاء ما أصاب الوعي والتفكير من جمود وانحطاط وانغلاق في دوامات التصوّف والخرافات.. لقد استقال العقل (العربي الإسلامي) عن أداء دوره منذ زمن بعيد جداً، وكان على موعد أن يحيا من جديد على أيدي نخبةٍ مستنيرةٍ عربيةٍ عليا مخضرمة بين القرنين التاسع عشر والعشرين. ولكن، ضاعت الفرصة التاريخية ممثلة بهجمة الأيديولوجيات التي قطعت الطريق على المعرفة والعقل والتفكير العلمي .

أهم المحطات الفكرية في مسار طرابيشي انتقاله من الفكر القومي والنزعة الثورية إلى التنظير في الماركسية، ثم جاء التحوّل نحو الفلسفة الوجوديّة التي غمر نفسه فيها زمناً، إذ كان، منذ بدايات الستينيات، قد أعجب بسارتر وأفكاره، ثم انتقل اهتمامه إلى التحليل النفسي، وأعجب بسيغموند فرويد إعجاباً بالغاً، حتى بدأ يفسر حركة الجماعات والتراث بالعصابية وتحجّر التفكير من خلال التعصّب، ثم تحوّل، أخيراً، إلى تبني نزعة نقدية جذرية، فوجد فيها الموقف الوحيد الذي يمكن أن يصدر عنه المفكر، ولا سيما في الوضعيّة العربية الراهنة التي يتجاذبها قطبان: الرؤية المؤسطرة للماضي والرؤية المؤدلجة للحاضر.

التقيت الرجل عدة مرات في بيروت وعمّان وباريس، وفي كلّ مرة أجده إنساناً متواضعاُ. في بيروت، كان لقاء عابراً، وكنت في مطلع الشباب، وعبّر وقت ذاك بالتوأمة التاريخية لكل من حلب والموصل، حيث يمتد انتماؤنا هو وانا، لكن جلساتي معه في عمّان عند منتصف التسعينيات كانت غنيّة جدا، فقد توفّرت لكلينا فرصة التلاقي والحوار، وأذكر أنه وقف معي في ردّي على الكاتب المصري، محمد عمارة، الذي كان يصرّ على ترديد أخطاء بحق تقييم تاريخ جمال الدين الأفغاني، فكنت قاسياً على عمارة، وجاء رد طرابيشي الأقسى عليه، فاتهمنا بالعلمنة والمروق، وكأن الأفغاني عنده من الآلهة المقدّسة. وفي باريس، التقيت مع جورج طرابيشي عدة مرات في زياراتي لها، وقد وجدته غير ذلك المفكر الثوري الذي عرفناه إبّان الستينيات، إذ بدا لي وقد تخلّى نهائياً عن افكاره القديمة، ولمّا ذكّرته بما كان يكتبه وينشره في "دراسات عربية" التي تنشرها دار الطليعة ببيروت، أجاب: العقل الذي طردناه من الشبابيك رحبنا به اليوم من الأبواب .. تغير الزمن بغير الزمن، وقد كشفت لنا التسعينيات عند نهايات القرن العشرين حقائق فاضحة عن الأوهام التي آمنا بها زمناً طويلاً. انتقدت استخدامه عنوان "مذبحة التراث"، وأذكر أنني قلت له، في حوار تجاذبناه طويلاً، إنّ مجتمعاتنا تزحف بجهالة نحو عصر الظلمات.

في السنوات الأخيرة، كنا على اتصال دائم، وكنت أشعر كم كان الرجل يعيش مرارة وأحزاناً على سورية التي مزقّها الأغبياء والأشقياء، كان محبطاً جداً، إذ لم يتخيّل يوماً حجم الكارثة التي مني بها كل من سورية والعراق.

لا أدري، إن رحل من تبقوا من آخر العنقود في ثقافتنا العربية الحديثة، فمن سيأتي ليحلّ محلهم. .في كل سنة تمر علينا، يرحل فيها من تبقى من مفكرين ومبدعين ومترجمين. في كل سنة، يزداد حجم الفتق كبيراً على رقعتنا العربية، وتبرز للعيان هياكل عارية، تكشف لنا أزمة الفكر في عالمنا العربي، ويشغلنا ذهنياً التأثير المخيف من إشكالية الفكر العربي الذي بات لا يعبر تعبيراً حقيقياً عن قضايا المجتمع العربي ومشكلاته المستعصية، وهي إشكالية متأزمة ومزمنة، مقارنة بما كان عليه الحال في كل من القرنين السابقين، التاسع عشر والعشرين، حيث كان الفكر العربي الحديث مستنيراً، وغدا مبدعاً في القرن العشرين، حيث صارت عناصره معبرة عن ضرورات المجتمع، ومنتجة للحياة الحديثة.

أخيراً: ستبقى ذكرى الصديق جورج طرابيشي حيّة في القلوب، وسيبقى اسمه علامة بارزة، ووضيئة في الثقافة العربية الحديثة.

نشرت في العربي الجديد ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيّار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 

 

 

جلسة مسائية هادئة في لندن


مع الصديق الدكتور غسّان العطيّة


د. سيّار الجميل


كان من دواعي سروري ان ألبي دعوة الصديق القديم الاستاذ الدكتور غسّان العطيّة في لندن بعد غياب طويل لم يخل من مراسلات واتصالات تلفونية بيننا ، وكان اللقاء في امسية يوم 1 آذار / مارس 2016 ، وقضينا معا قرابة 4 ساعات تحاورنا خلالها في عدة موضوعات عن الماضي والحاضر وما الذي يمكن عمله بشأن المستقبل ، وكان العراق واوضاعه ومستقبله هو هاجسنا وموضوعنا ، وما الذي يمكن فعله للعراق وكيفية ايجاد الحلول والمعالجات ، وهو يمر باشرس محنة تاريخية سياسيا واجتماعيا وثقافيا في حياته الحديثة .. 
والاخ الدكتور غسان معروف بتاريخه وعروبته ووطنيته ، ولد في بغداد عام 1940 ، اذ كان قد تربى في بيت معروف بنزعته العروبية ومشيخته العراقية ، فهو ابن الشيخ رايح العطية الشخصية السياسية الشهيرة على العهد الملكي في العراق ، كان والده رئيسا لعشيرة الحميدات القاطنة في قضاء الشامية بلواء الديوانية في ربوع الفرات الأوسط، وشارك الاب في ثورة العشرين ، اذ كان احد قادتها ، وقد غدا عضوا في البرلمان العراقي عام 1925، ولقد تولى في ما بعد مناصب وزارية ابان العهد الملكي ، وكان من أبرز المؤيدين لحكم العائلة الهاشمية في العراق قبل انقلاب 14 تموز / يوليو 1958 والتي أطاحت بها . كما ويعجب غسان مثلي في شخصية نوري السعيد السياسية اعجابا كبيرا . 
درس الرجل الثانوية في بيروت ، وتخرّج غسان العطية في اروقة الجامعة الأميركية في بيروت عام 1963 ، وكان في شبابه المبكر قد انتظم بالعمل السياسي في بيروت منخرطا في صفوف حركة القوميين العرب، مناضلا سياسيا بعد التحاقه بجامعة بغداد لمواصلة النضال ضد حكم عبد الكريم قاسم، ثم عاد فيما بعد لمواصلة دراسته في الجامعة الامريكية في بيروت.
ولما كان من انصار جمال عبد الناصر، فقد تعرض اثر عودته الى بغداد الى الأعتقال في أيلول / سبتمبر 1963 على يد الحرس القومي ، ويقول بأن مكان توقيفه وتعذيبه كان في البناية التي كانت على ايام العهد الملكي مجلسا للنواب، ولقد توفرت الفرصة له ان يهرب اثر الاعتقال الى الكويت ومنها الى مصر. ومنها عاد الى العراق بعد سقوط البعث عام 1963 ، ولكنه آثر ان يغادر الى بريطانيا من اجل اكمال دراسته ونال شهادة الدكتوراه في جامعة إدنبرة باسكتلندا عام 1968 في العلوم السياسية .
عمل بعد تخرجه مدرسا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة بغداد، وتولى عام 1972 مسؤولية ادارة مركز الدراسات الفلسطينية التابع للجامعة، ثم انتقل فيما بعد مستشارا للوفد العراقي للأمم المتحدة في نيويورك. وقد استقال من وزارة الخارجية العراقية عام 1974 وعاد للعمل في الجامعة حتى إعارة خدماته الى جامعة الدول العربية في مقرها الجديد في تونس بعد تجميد عضوية مصر عام 1980 وذلك بصفتي مديرا للاعلام. ولقد انتهت مهمته عام 1984 ، فانتقل الى العاصمة البريطانية ، اذ بدأت تجربة العمل المستقل حيث قام بتأسيس دار اللام للنشر والتي اعتنت منشوراتها بالشأن العراقي .. بعد احتلال الكويت عام 1990 ، عاد الى العمل السياسي وقد اعلنت الحرب على العراق في العام التالي، فقام باصدار مجلة الملف العراقي التي باتت مصدرا توثيقيا للشأن العراقي اعتمادا على امكانات مالية متواضعة، بعيدا عن اي دولة او حزب، واستمر الملف بالصدور قرابة 15 سنة ، اي لغاية عام 2005. وكانت اعداد الملف تصلني بين فترة واخرى ، ايام انتقالي من بلد الى آخر ، وكنت اخفيها بعد اطلاعي عليها ، وقد اهديتها كاملة الى مكتبة جامعة آل البيت بالاردن عام 2000 اثر مغادرتي الاردن . وكنت اجد محرر "الملف العراقي" الاخ العطية يتعب بنفسه كثيرا في رصد المعلومات وجمع الاخبار عن العراق ونظام الحكم من كل انحاء العالم ، ويقدم في كل عدد ذخيرة من الاراء والافكار والمعلومات . واعتقد ان الملف العراقي يعد اليوم واحدا من اهم مصادر كتابة التاريخ عن تلك المرحلة الصعبة كدورية توثيقية للشأن العراقي عند نهايات القرن العشرين ، وكان عمله فيها خيريا ، وينفق عليها من ماله الخاص. 
لقد كان انخراط الاخ العطية ابان التسعينات بالعمل السياسي المعارض للدكتاتورية دون ان ينضم الى اي حزب سياسي معين ، ولكنه سعى الى تشكيل تكتل سياسي مستقل باسم " تيار الوسط" عام 2000 كأطار لجمع القوى والشخصيات المدنية العراقية الليبرالية ، ولكن سرعان ما تلاشى ذلك التكتل بسبب ما عانت منه كل المعارضة العراقية في الخارج من اوبئة سياسية وامراض سايكلوجية وارتباطات مشبوهة، اذ فشلت كل الجهود الخيرة من قبل عراقيين مناضلين حقيقيين سواء في داخل البلاد بقمعهم واعداماتهم او في خارج البلاد جراء الفشل الذريع في بلورة اطار ديمقراطي ذات مصداقية وطنية كبديل حقيقي للنظام الحاكم القائم انذاك، والمعروف ان الدكتور العطية معارض سياسي، وينشط بشكل خاص في الإطار الثقافي، ورفض دعوات العمل لاسقاط النظام العراقي بالتعاون مع قوى خارجية ، فضلا عن رفضه احتلال العراق بواسطة قوى خارجية . وفي العام 2000 ، ظهر العطية على شاشة الجزيرة مجادلا ضد النظام العراقي السابق ، المحامي اللبناني ورجل الأعمال المؤيد للنظام العراقي الياس الفرزلي، فكان ذلك سببا مباشرا لاهدار دمه وحجز امواله المنقولة وغير المنقولة ، وعبر فيه العطية عن آرائه التي ينشرها عادة في مقالاته الصحافيــة. ولما انعقد مؤتمر لندن الذي اجتمعت قوى المعارضة السياسية العراقية فيه عام 2002 وكان يدير اعماله السفير الامريكي زلماي خليل زادة ، رفض الدكتور العطية كل مقرراته التي تقضي بالاحتلال والتقسيم الطائفي البشع .
هبت العاصفة وحلت الكارثة ، بانتقال عناصر المعارضة الموبوءة لتسلّم بعضها للسلطة عام 2003 بفضل الاحتلال الامريكي ، فنكبت الحركة الوطنية العراقية اذ وجدت الاحزاب الطائفية والانقسامية مع تحالفاتها الهلامية نفسها على طبق من ذهب ، ولم يكن لنضالها الشعبي او الوطني اي دور يذكر ، بل ولم يعرف هؤلاء الذين حكموا العراق اليوم اي تاريخ سياسي او اية سير وطنية حافلة ، مما قاد الى الخراب والدمار لفترة ما بعد الاحتلال وحتى يومنا هذا .
لقد عاد الاخ العطية بعد سقوط الدكتاتورية عام 2003 مدشنا فصلا سياسيا جديدا حيث قام بانشاء المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية كمنظمة مستقلة غير حكومية، وساهم المعهد في بلورة فكر ونهج مدني ليبرالي مستقل ، وكنت ارى ان العراق لا يمكن ان تنقذه اية منظمات مدنية كونه غاص في مستنقع الاقتتال الطائفي منذ عام 2005 بعد السياسات العقيمة واصدار دستور انقسامي ، فكان المستنيرون الاحرار وكل المتمدنين والوطنيين العراقيين في مقدمة من سحقوا ، وغدوا ضحايا الاستقطاب والتمييز الطائفي باستخدام حالة التطرف ضد قوى الأعتدال وقمع الاعتدال بالعنف المنظم ، فلم يعد هناك اي سبيل للتغيير.
لقد اخفق الاخ العطية في العمل مع الطاقم السياسي العراقي الحالي الذي استحوذ على السلطة تحت الارادة الاميركية ، وقد وجد نفسه انه لا يمكنه العمل السياسي مع هؤلاء الساسة الجدد الذين ليس لأي واحد منهم اي باع في الادارة او القيادة ، ومن عمل معهم اقصوه او هددوه او همشوه او حاربوه .. كونهم لا يريدون من هو اقوى منهم ابدا ، فضلا عن كونهم لا يتمتعون باي فهم حقيقي للعراق والعراقيين ، وكان ان ناصب العطية العداء اغلبهم ، وقد هدد من قبل نوري المالكي بطريقة مبطنة ، فخرج من العراق ، ليعمل داعيا حقيقيا الى الاصلاح والتغيير ، ولقد عرفت فيه هذه النزعة منذ اكثر من عشر سنوات مضت . وكان الرجل ولم يزل يرفض الطائفية والتمييز الطائفي بين السنة والشيعة ، ويرى أن توحدهم في مجال القومية والتعايش الوطني هو الأفضل.
ولقد ذكّرت الاخ العطية بذلك في جلستنا الاخيرة ، اذ كان قد نسي بعض المواقف التي شاركته فيها شخصيا ، ومنها ما يمكنني تدوينها الان كي احفظها للتاريخ وللاجيال من بعدنا ، اننا دعينا نحن الاثنين العطية وانا الى المشاركة كمعقبّين اثنين في ندوة مغلقة لم يعرف بها احد ، اذ غاب عنها الاعلام السمعي والمرئي والورقي عام 2004 ، وهي " الندوة " التي نظمتها وزارة الخارجية الاماراتية في قاعة كبرى بالعاصمة ابو ظبي ، وقد حضرها عدد غفير من المسؤولين والسفراء والدبلوماسيين من دول مجلس التعاون الخليجي ، وكانت " الندوة " قد استضافت وفدا عراقيا على مستوى عال يضم اربع شخصيات سياسية ، هم كل من السادة : د. موفق الربيعي ود. فالح عبد الجبار ومحمد بحر العلوم وهمام حمودي تحدثوا جميعهم في جلستين : الاولى تحدث فيها الربيعي وعبد الجبار وعقب عليهما غسان العطية ، والثانية تحدث فيها محمد بحر العلوم وهمام حمودي وقمت بالتعقيب عليهما . ولا يمكنني ابدا نسيان رد د. غسان العطية على موفق الربيعي حيث مسح به الارض مسحا لما كان قد تفّوه به من اراء طائفية وتهليل بالامريكان ومباركة بما فعلوه في العراق ! واذكر انني كنت قاسيا جدا ايضا في الجلسة الثانية ، وانا ارد على المعمّمين محمد بحر العلوم وهمام حمودي ، اذ قال الاول في كلمته امام المؤتمرين جميعا ان 80 % من العراقيين شيعة ، و15% اكراد و5% مجموعة اقليات ، ثم اعقبه همام حمودي فنال ايضا من العراقيين ومن تاريخهم بطريقة لا اخلاقية ، فرددت عليهما ردا قويا يستحقانه وفي مكانه ، مما حدا ببحر العلوم ان ينتفض وقد احمرّت اوداجه وغادر القاعة بحجة التزاماته ، ولم ينس ان يتوّقف حيث كنت جالسا ، طالبا من احد ولديه الشابين المرافقين له ان يعطيني بطاقة تعريف له ومضى الى سبيله ! ولم استطع فهم تلك الحركة التي قام بها حتى هذا اليوم ، وكنت اعرف الرجل منذ ايام لندن خلال الثمانينيات عندما كان يتردد على معهد الدراسات الشرقية والافريقية في جامعة لندن راكضا لاهثا وراء شبلي ملاط المعروف بارتباطاته !! اما همام حمودي ، وبعد ان سمع ردّي عليه ، اصفرّ وجهه اصفرارا رهيبا ،وخرس ولم ينبس ببنت شفة ! 
لقد ادرك كل المؤتمرين في ابو ظبي منذ تلك اللحظة المخيبة للامال ، حقيقة هؤلاء الحكام الجدد وقد اصبح العراق بأيديهم اثر الاحتلال ، كما ان مصير العراق واجياله القادمة في اشد انواع الخطر بسبب هذه الفئة التي تسلمت الحكم ، وهي تتعامل مع العراق والعراقيين بهكذا منطق وبهكذا لغة ..
بقي غسان العطية معتزا برأيه ولم يقبل المساومة ولم يتنازل عن ارائه ومواقفه ، فكان لابد ان يعزل ويهدد بطريقة لبقة بأن يغادر العراق ، فغادره الى بريطانيا ، ولم يرجع اليه حتى اليوم .. ويقول الاخ العطية : " اخذ راس النظام الحاكم ينزلق تدريجيا نحو الانفراد والاستبداد مستغلاً المال العام والقضاء والمؤسسة الامنية لقمع معارضية. وبعد ان تجاوزت العقد السابع من عمرى، اصدرت حكومة المالكي في صيف عام 2013، امرا –استنادا الى وشاية المخبر السري- باعتقالي بتهمة الاتصال بعناصر من حزب البعث المحظور، الذي كنت ضحيته عام 1963 و 2000، وخيرت بين مغادرة العراق او الاعتقال وهكذا كتبت على الغربة للمرة الخامسة ".
لقد بقيت على اتصال به بحكم الصداقة والعلاقة الاكاديمية التي جمعتنا ، وكنت ادرك بأنه سوف لن يهدأ ابدا وكنا نتبادل الرسائل والاراء من اجل عمل شيئ ونحن نعلم بأن العراق ينحدر سريعا نحو الهاوية .. لقد كانت جهود الاخ العطية واضحة في تشكيل جماعات ضغط في الداخل والخارج ، خصوصا وان مناصريه ومؤيديه ليسوا من القلة ، بل انهم يتوزعون في شمال العراق ووسطه وجنوبه ، وانه شخصية وطنية لا تحمل اية نزعة انقسامية او طائفية ، فضلا عن اعتزاز الرجل بعروبته واحترامه لكل الطيف في عموم العراق . 
واليوم ، وجدته كما هو ، سريع الحركة ، دائب التفكير ، يحمل هموم العراق ، ويتابع شأنه العام والخاص ، ويشعر بالمخاطر التي يرزح تحت وطأتها . لقد تحدثنا اليوم عن مشروعه السياسي الذي اسماه بـ " المبادرة الوطنية : موطني " ، وحكى لي ان مؤتمرا قد عقد في بغداد بعد سلسلة حلقات سياسية قد نظمت في المحافظات من قبل اولئك العراقيين المؤمنين بالفكرة والمبادئ التي حملتها ، وهم ليسوا قلة ، بل انهم يزدادون عددا وحراكا ، وينضمون الى التيار بمختلف اطيافهم واديانهم ومذاهبهم .. وليس لهم الا وطنيتهم واحترامهم للتعايش وايمانهم بالمصير الواحد . وكان مؤتمر بغداد ناجحا ، وان الاقبال عليه من الشباب العراقي كبيرا ومن كلا الجنسين ، وكلهم من المؤمنين بمدنية الدولة والمجتمع المدني وحقوق الانسان ووحدة العراق وقيام اصلاحات حقيقية مع بناء المؤسسات بعيدا عن المحاصصة الطائفية او الجهوية وبعيدا عن الانقسامات الطائفية والدينية ومصالحة العراقيين على اهداف وطنية .. ومن ثم تنفيذ مؤتمرات اجرائية في عمّان بالاردن ، ولندن في اوربا الغربية وكذلك في مكان من اميركا الشمالية كي تكون جميعها موارد عمل لكل العراقيين المنتشرين في العالم وتواصلهم مع العراقيين في الداخل كي تبدأ اعمال المؤتمر التأسيسي لاحقا ، ولكن اكبر مشكلة تواجه العمل هو التمويل ، اذ ينبغي ان يكون ذلك عراقيا ، ويأتي على يد عراقيين لهم غيرتهم وتبرعاتهم .. 
قال لي الدكتور غسان بأن ليس هدفنا تشكيل حزب او تكتل سياسي ، بقدر ما نحاول ان نرسم الطريق لتشكيل " تيار " وطني يملأ الفراغ الكبير الذي حدث سياسيا في العراق ، وقد اشاد الرجل بالشباب العراقيين الذين يعملون ليل نهار من اجل نصرة هذا " التيار " ونشره بين الناس . والتخلص من حالة الفوضى والتطرف الطائفي التي سادت العراق بعد الاحتلال والتي هددت حياة الملايين فرضت على العمل السياسي مجدداً، للمساهمة في رفد تيار الأعتدال المدني المؤمن بالانسان اولا وليس بالعرق او القومية، وبالمواطنة اولا وليس بالطائفة او القبيلة، وبالديمقراطية اسلوباً وليس العنف سبيلا لبناء عراق حر مزدهر. 
واخيرا ، اقول بأن رجلا مثل الدكتور غسان العطية هو احوج ما يكون العراق اليه هذا اليوم ، فهو من النخبة المثقفة العليا في العراق ، وهو كما بدا لي منذ زمن طويل لا يبحث عن جاه ولا عن مال ولا عن اية مناصب .. ان اهدافه سامية في خدمة العراق والعراقيين ، فتحية له شاكرا له دعوته الكريمة ومتمنيا على كل الاخوة العراقيين وضع هذا الرجل المناسب في مكانه المناسب من اجل التغيير الحقيقي في العراق .


 

 

من أجل ساعة صفر عراقيّة

سيّار الجميل

متى يدرك كل العراقيين أنّ العلّة الأساسية في إخفاق بلدهم وتدهوره وتمزقه وتقهقره هو النظام السياسي الحاكم الذي طالما انتقده العقلاء. ولكنْ، بدا من عمق التجربة المأساوية أن المعارضين لا يعارضون النظام السياسي نفسه، بل يعارضون سياسات حكومة وتصريحات رئيس وزراء، وانتقاد فاسدين، ورداءة وزراء وتهافت نوّاب .. إلخ. المشكلة الأساسيّة في نظام الحكم نفسه، وخصوصاً في مبادئه الهشّة، ودستوره الضال، وتحالفاته البليدة، ومراكز القوى الدينية والحزبية العابثة بمصيره، وما أنتج ذلك كله من سياسات منحرفة، ومحاصصات طائفيّة وجهويّة وعشائريّة وشوفينيّة، مع إلغاء النزعة الوطنيّة، إذ حلّت بدلها نزعة شعوبيّة مقيتة، تستشري يوماً بعد آخر ضدّ كلّ ما هو عربي.. 
مرّ العراق، منذ سقوط النظام السابق، بمراحل وأزمنة مأساويّة، سواء على عهد الاحتلال الأميركي، أم بتأسيس نظام سياسي حالي، أطلقوا عليه تسمياتٍ شتّى، واستخدموا توصيفات ماكرة، بدءاً بالتوافقيّة والفيدرالية، بإصدار دستور مخل بشرف العراق، ومضت عشر سنوات على عهد نوري المالكي، رئيساً للحكومة (8 سنوات) وعهد خليفته حيدر العبادي (سنتان)، والعراق يمرّ بأسوأ الأحوال، حيث انتشر الفساد انتشاراً رهيباً، وأفرغت الخزينة العراقية من أموالها بالمليارات جرّاء الاختلاسات، واستباح تنظيما القاعدة وداعش وبقية المليشيات المتهّتكة أهل العراق، وأقيم كيان دولة إسلامية في الموصل وتوابعها. 
كانت الأحوال مضطربة مع تدّخلات الآخرين، حتّى في تنصيب المسؤولين العراقيين.. مع رجوع العراق إلى حياة العصور البدائية المظلمة، مع غياب القانون والنظام والأمن والأمان. فهل هناك من عاقل في مثل هذا العصر لا يعارض نظاماً سياسياً متهالكاً كهذا؟ وهل هناك عراقي شريف واحد يقبل على نفسه أن يغدو العراق كما هو عليه اليوم؟ وهل هناك من وطني غيور يرضى أن يمسي العراق لقمة سائغة بأفواه الآخرين، وهو عرضة اليوم للتقسيم والتشرذم؟ 
قبل أكثر من ثلاثة أعوام، تظاهر الناس في أماكن عدة من العراق، يطالبون بحقوقٍ لهم، فاتهّم كلّ المتظاهرين بشتّى الاتهّامات. وقبل عام، تظاهرت قوى سياسيّة معارضة للحكومة والفساد، ولم تزل تتظاهر، كلّ يوم جمعة، من أجل الإصلاح. وستبقى هذه التظاهرات تعلن صيحاتها. ولكن، من دون أيّ فائدةٍ تُذكر، كونها لم تع أنّ أسّ الخراب يكمن في النظام السياسي الحاكم، وأنّ الفسادَ والحكومة والمالكي والعبادي وسقوط الموصل ونهب البلاد وخواء الخزينة.. إلخ كلها نتائج تطبيق ذلك النظام، وما عبّر عنه أناس يعتبرون جميعاً بيادق لذلك النظام السياسي، وهم رؤساء كتل وأحزاب، إذ تبيّن أنّ أغلبهم لا يعرف ألف باء السياسة والإدارة، أو طريقة صنع القرار، أو أسلوب بناء العلاقات. وعد العبادي الشعب بالإصلاحات، فأيّ إصلاحات قام بها، وهو يرأس مجلس وزراء من الفاشلين؟ وأمامنا نماذجهم التعيسة، ممن تحاصصوا على توزيرهم، واتفق رؤساء الكتل والأحزاب على تنصيبهم.. فمن بيادق طبقة سياسيّة أمسكت بحكم العراق ضمن أكذوبة الديمقراطية والانتخابات التي تبيّن تزويرها وتدخلات الآخرين فيها.. وفرض أسماء معينة لقيادة البلاد. 


كشفت مصادر سياسيّة، أخيراً، عن تغييرات وزاريّة مرتقبة في الحكومة الحالية، برئاسة حيدر العبادي. وقالت، في تصريحات نقلتها قناة الحرة الأميركية، إن "العبادي، وبعد اجتماعه، أمس، برؤساء الكتل، اتّفقوا على تغييرات وزارية"، مبينّةً أن "من أبرز التغييرات هي تغيير وزير الداخلية برئيس كتلة بدر النيابية"، وإلغاء وزارة الشباب والرياضة وتحويلها إلى هيئة، ودمج وزارة النفط والكهرباء بواحدة، ودمج وزارة النقل بوزارة الاتصالات، ويتولى رئيس كتلة الحل منصب وزارة التجارة. واستبدال مرتقب لوزير المالية بنائب رئيس الوزراء الكردي. ولفتت إلى تسريباتٍ تشير إلى تولي وزير التعليم العالي والبحث العلمي منصب وزارة الخارجية، بدلاً من الوزير الحالي".
هذا ما قرأناه، أخيراً، وهي عملية لإلهاء الناس، وكأن الحكومة ستغدو طاهرةً وذكيّةً بخروج شهاب الدين وتولّي أخيه المسؤوليّة! الحكومة العراقية كلّها فاسدة، لا تصلح أبداً للحكم بمعيّة رئيس الوزراء نفسه الذي ينبغي أن تكثر مطالبات العراقيين باستقالته أو تنحيته. ولكن، حتى إن تنحّى عن الحكم، وتغيرّت الوزارة، وجيء بحكومة أخرى، فستبقى حليمة على عادتها القديمة، إذ تكمن المشكلة، أصلاً، في صلب النظام السياسي الذي ينبغي على كلّ العراقيين التجرّد منه وتغييره بنظام سياسي آخر، وبأيّ وسيلة كانت. لا تنفع العلاجات المطروحة أبداً، سواء كانت بأسلوب المطالبات أو الإصلاحات أو التبديلات، ما لم يتمّ تغيير جذري وحقيقي لهذا النظام السياسي الذي يعتبره بعضهم مثالياً، كونه البديل الوحيد لزوال النظام السابق، وهذه خدعة يُراد منها إبقاء هذا النظام، مهما عانى العراق، ومهما أصاب العراقيين، حتّى لو كان ذلك على حساب هلاك أهله كلّهم. 
طالبنا مراراً وتكراراً أن لا يحكم العراق أيّ حزب طائفي ديني، وأن لا تتدّخل أيّ مرجعيّة دينية في شؤون الحكم، وأن لا تكون وصيّة على أيّ نظام سياسي، وأن يُحافظ على الجيش العراقي، منظومةً عسكريّةً دفاعيّةً واحدةً، من دون أن تشاركها أيّ مليشيات أوليغارية بأعمال عسكريّة، وأن تكون للعراق سياسة مستقّلة عن دول الجوار، وأن يتساوى وزن المشاركة في حكم البلاد بين الأغلبيّات وأبناء الطيف العراقي كلهم. وأن يعيش العراق نظاماً سياسيّاً مدنياً بدستور مدني، لا يخضع إلى أيّ إرادة أخرى، غير إرادة كلّ العراقيين.. 
متى تحين ساعةُ الصفر؟ متى يثور كلّ العراقيين ضدّ هذا النظام الفاسد؟ ومتى يدرك أهل العراق معنى الثورة الحقيقيّة، بعد أن تشدقّوا طويلاً بالثورات، والتي كانت مجرّد انقلابات عسكرية؟ وإذا كانوا قد آمنوا حقّاً بالثورات.. أليسَ الآن هو أوانها، والعراق يغرق، يوماً بعد آخر؟ ألم يحن زمن الثورة، والطبقة السياسيّة الحاكمة مجموعة تحكم باسم الدين، فلا حياة لهم بعد اليوم في العراق؟ إلى متى تبقى المحاصصات وتوزيع المسؤوليّات حكراً على زعماء للكتل؟ متى تتوقّف المرجعيّة في النجف الأشرف عن نصائحها، بعد أن كانت قد ساهمت في تأييد هذه الطبقة الحاكمة، وباركت بعضهم في مناصبهم، فكانوا من أكبر الفاسدين؟ وستتحمّل مسؤوليتها الشرعيّة والتاريخيّة أمام الله والتاريخ. صفقتم للفدرالية والأقاليم قبل سنين، وكرّستم ذلك في دستور عقيم، من دون سماع من نصحكم أنّ مشروعكم هو تمزيق للعراق والعراقيين. واليوم، تتباكون كي يبقى العراق كله بأيديكم، وكأنكم تؤسسون نظاماً سياسياً سيحيا إلى الأبد. 
الثورة والتغيير الجذري لابدّ أن يكونا الحلّ الأول والأخير لكلّ العراقيين الشرفاء، وأن تنحصر مطالبهم على تجميد العمل بالدستور، وحلّ البرلمان، وتشكيل حكومة طوارئ انتقالية، والاعتماد على الجيش قوة دعم للحفاظ على الأم، وحلّ الفصائل المليشياوية المسلحة المرتبطة بالحركات الحزبية والطائفية.. ولكن، من طرف آخر، يقول بعضهم إنّ الواقع يقرأ نفسه بطريقة معاكسة بغياب القوى السياسية المعارضة الحقيقية، والبقاء في طور الإصلاحات، ويقول بعضهم، والحق معه، إن تقديم العبادي استقالته أمنيّة لا يمكننا قبولها، إذ يعني ذلك وضع البلاد في حالة من الفوضى. لذلك لابد من تشجيعه، لاتخاذ قراره الحاسم في الإصلاح، والتبرؤ من حزبه، حزب الدعوة. وهذا لا يمكن قبوله أبداً، إذ ستبقى العلّة كامنة في الأعماق، وسيبقى النظام السياسي مع رموزه جاثماً على أنفاس العراقيين.. وستبقى الطبقة السياسيّة تعبث بشأن العراق وأهله إلى ما شاء الله.. الثورة هي الحلّ، ومن مخاضها ستولد طبقة حاكمة جديدة، وستكون أفضل بكثير من الطبقة السياسية الحالية، الفاقدة شرعيتها ووطنيتها، فمتى تعلنوا ساعة الصفر، أيها العراقيون؟

 

(العربي الجديد)

 

التاريخُ لا يكتبَ مرّةً واحدة !

د. سيّار الجميل

 

لكَ الذكرى الطيبّة يا من أسميتهم بـ " مرضى نفسيين ووحوش مفترسين في آن واحد " ، حيث يأكلُ أحدهم الاخر حيّا او ميّتا ، ونجدهم وكأنّهم رجعوا الى بيوتهم وقد بحّت أصواتهم ، وألتهبت حناجرهم وأدميت أكفّهم في هوس الفوضى ، وقد فرحوا بما انجزوه من مهمّات ، وما حققّوه من دمار وخراب بعد ان طافوا في الشوارع والحارات مع شعاراتهم الخيالية الجوفاء في عصر الفوضى السياسية والزعماء المراهقين قبل عشرات السنين . آه ، كم لبسوا ثوب الوطن ليكونوا من ابشع الناس باسمه قبل ان يأتي كلّ المتاجرين اليوم ليتكلموا باسم الدين ليكونوا اكثر بشاعة ووقاحة وفساداً !

لقد عشنا منذ الصغر على صراعاتهم وشعاراتهم وافكارهم التي فاتها الزمن وأكلتها الحياة الجديدة وهم ما زالوا يلوكونها ليل نهار حتى اليوم .. كانوا وما زالوا منقسمين الى شيع واحزاب وفرق وملل ونحل وكتل .. بل وصل الامر الى انّ كلّ واحد منهم يشكّل منظومة قتل ، او ميليشيا خطف ، او جماعة اباحيّة ، او عصائب وعصابات سيئة الاخلاق وعديمة الضمير .. وقد مزّقهم التعصّب للرأي دون ان يقبلوا او يتقبّلوا الرأي الاخر مهما كان المقابل مسالماً او ناصحاً او سليم القلب والنوايا ..

لقد بقوا يؤمنون بالمطلقات والاحكام المطلقة التي يورثونها من جيل الى آخر  من دون أيّ مدار له مرونته من نسبيّة الاشياء .. اذ لم يستقم أي فكر نقدي او تفكير نسبي في اذهانهم الصلدة .. كلّ واحد منهم يرى نفسه الاعلى ، وهو الاصلح وهو الاصوب ، اذ لا يتقبّل التنازل عن رأيه ولم يعترف باخطائه أبداً .

ووصل الامر الى ان يلعن أحدهم أمّة بكاملها من أجل موت زعيم من الزعماء قبل عشرات السنين !  ان العقل يقول بأنّ فهم الماضي ورجاله مع درس تجاربهم لمعالجة الحاضر ، أهمّ بكثير من البكاء والعويل والشتم والسبّ .. فلم يزل مجتمعنا السياسي يتبادل اتّهامات سياسيّة بلا أيّة حيثيات تاريخيّة بين طرفين اثنين ، وتاريخ مضى على رحيله اكثر من نصف قرن !

كلّ واحد من الطرفين المتصارعين يرى نفسه فوقَ الاخرين ، وهو الافهم ، وهو الاصلح ، وهو الاصوب ، اذ لا يتقبّل التنازل عن رأيه ، ولم يعترف بأخطائه أبدا ، فالاعتراف بالخطأ عندة مذّلة وكسر خشم وهو يتخيّل نفسه فوق مستوى البشر  كلهّم ! وكم اتمنى مخلصا ان يفهم هؤلاء ام اولئك بأن لا مثالية في الحياة ، وان كلا الطرفين له اخطاؤه وجناياته .

طوال تاريخكم تصنعونَ من الاحجار آلهة ، ومن التمور اصناما ، ومن المجانين أبطالاً ، ومن الخونة زعماء ، ومن الحمقى رؤساء ، ومن التافهين طواغيت ، ومن الاقزام قامات ...   حتى رضيتم اليوم من المشعوذين حكّاماً ! ومن المجرمين والقتلة وشذّاذ الافاق مسؤولين ومدراء وأمراء دنيا ودين .. ومن الجهلة التعساء فقهاء ناصحين ووعّاظ مرشدين وعلماء دين . 

متى تتركون ألبستكم المضحكة التي ارتديتموها في القرن العشرين ؟  متى تتعّلمون من التجارب القاسيّة التي كللّت حياتكم الشقيّة بالعبر والدروس التي لا تذكرونها ابدا ؟ متى تجتمعون في بيتٍ واحدٍ ، وتأكلون من صحن واحدٍ ، وتزرعون الاشجار المثمرة  بدل حصدكم الاشواكَ .يوما بعد آخر ؟ متى تنتهي نزاعاتكم الفجّة وموضوعاتكم التافهة كي انتهي من سخريتي ؟  فقد غدوتم سخرية أمام هذا العالم وانتم تمثلون الادوار الصبيانيّة منذ عقود طويلة من الزمن ؟

 

الى متى يبقى الانقسام الايديولوجي عندكم جميعاً مذ ولدت الانقلابات العسكريّة في حياتكم وقد خدعتم سايكلوجيا منذ ان كنتم صغارا  ؟ وكأن لا شغل شاغل لنا الا جناياتكم بحق بعضكم الاخر !   متى  تدركون أن التاريخَ لا يرجع الى الوراء ابداً وانه لا يكتب مرة واحدة .. فما تعتبرونه مثاليا وساميا اليوم ستأتي اجيال قادمة تفند ما تقولون  ؟ ماذا يفيدكم تمجيدكم هذا والنيل من ذاك ؟  ماذا تريدون من الماضي الذي تتصارعون على أشلائه ؟ ما لكم تقتلون القتيل ، فمنكم من يمشي طول الدهر في جنازته وهو ينوح ويبكي .. ومنكم من يبقى يتشمّت بالقتل ويتشفّى بأبشع أنواعه ؟  ولم يكن أحدكم أحسن من الاخر  في التصفيّات القاتلة !

من قتل الملك الشاب ؟ من سحل الباشا العجوز ؟ من قطّع أوصال الامير ؟  من أعدم الزعيم الاوحد ؟ من أسقط طائرة المشير ؟ من أمات الاب القائد ؟ من شنق السيد الرئيس ؟ والحبل على الجرار ..  لا اعتقد ان أناسا من خارج الارض قد اتوا ليصنعوا هذه الاحداث ؟ بل صنعتموها بأنفسكم ، فأنا لم اعد افرّق بينكم أبدا ، فرؤيتي واحدة اليكم جميعاً !

 لا ادري متى تبدأ قطيعتكم مع تاريخكم القريب المرير ، كي تفهمونه قبل ان تتعبّدوا في محرابه ؟؟ متى يتمّ توقفّكم عن الركض وراء السراب ؟ متى تفكّروا في شعارات تربيتم عليها وكلها اوهام واضغاث احلام ؟ متى يتمّ ابتعادكم عن التحيّزات ؟ متى يعود الوعي ليطغى على العواطف ؟  متى يتمّ فهم التاريخ بعيداً عن السياسة والايديولوجيات ؟ متى يتوقّف بكائكم على عهودٍ سياسيّة مضت وقد ولدت رغماً عن أنف البعض  ، ورحلت رغماً عن أنف البعض الاخر ؟  متى تعترفون بحقائق الاشياء ؟ متى تتوقّفون عن تدليس التاريخ وتشويه صفحاته ، والنيل من الاخرين دون ان تروا انفسكم ، وما الذي فعلتموه بها وبوطنكم الرائع ؟

متى تسكت أفواهكم عن الشتائمِ واطلاق أقذع الكلمات ؟ متى تتعلّمون من أخطاء جيل مضى وسترحل بقاياه قريباً  وبكلّ خطاياه التي صنعها بنفسه ؟  لقد شارك الجميع في ماراثون القتل والاغتيالات وصنع الفوضى وترسيخ الكراهيّة وتوزيع الاحقاد .. وأخذ الثارات وتأجيج الصراعات .. والبلاد ترنّحت يوما بعد آخر  بعد ان غدت مجرّد كرة يدحرجها المتخندقون في خندقي الحرب الباردة بين الغرب والشرق ! وكلّ الزعماء الجهلاء مجرّد دمى يحرّكها الاقوياء في العالم .

الناس ليسوا كلّهم سذّجا حتى يصدقّوا ما تقولون ، فالزعماء ليسوا ملائكة ، والخونة ليسوا ثوّارا  .. ان الحلولَ ليست بمشروعات للقتل ، او دعوة الى الاعدامات والتشفّي بنصب المشانق .. والتسيّب بأسم النضال ، والتسلّط بأسم الثورة .. ولا في اقامة المجازر التي شهدها تاريخكم المضني بدءا بقصر الرحاب ومرورا بدملماجة الموصل وكركوك وساحة ام الطبول وقصر النهاية وساحة الحرية ببغداد والامن العامة .. وانتهاء بسبايكر  والسلسلة قادمة في القتل الجماعي ..

انّ الحريّة لا تمتلك بوقاً عسكرياً كئيباً يقيّد الناس في الصباح الباكر ويفك قيدهم ليناموا في الليل ، والحرية ليست ساحة للاعدامات حيث تنصب المشانق ، والحرّية ليست مجرّد جدارية تحكي قصّة كفاح شعب لم يعرف معنى الحياة ولم يفرّق البتة بين الحريّة والفوضى !  ولا يميّز  أبداً بين التاريخ حيث رحل ، وبين الواقع حيث يقوم ، وبين المستقبل حيث يبنى الحلم .. اليوم نعيش حصاد جنايات تاريخ مرير  لم يكتب بعد .. وسيكتب اكثر من مرّة في قابل الايام والسنين .

 مع موقع الدكتور سيار الجميل 

 

WWW.SAYYARALJAMIL.COM

 

 

ديالى تحت وطأة تطهير طائفي

د. سيّار الجميل

 

"العراقيون يُقتلون ضمنَ خطّة مرسومةٍ، لها شموليتها ومنهجيتها في التطهير الطائفي"

"على العالم أن يدين الحكومة العراقية ورئيسها الذي يقف متفرجّاً مع رهطه على مأساة قتل العراقيين وتهجيرهم"

 

لا يمكن لأيّ عراقي منصف له ضميره الحي أن يسكت على الجرائم النكراء التي ترتكب اليوم في محافظة ديالى الواقعة شرقي العاصمة بغداد، والمتاخمة للحدود الوسطى مع إيران، إذ تشهد حاضرتها ومدنها سلسلة أعمال قتل متعمّد، وعنف طائفيّ على أيدي مليشيات طائفيّة متعصّبة، عرفت ببطشها وسوء أخلاقها وانعدام وطنيتها تماماً، بسبب عمالتها المفضوحة لإيران، وهي تمارس عمليّاتها بأحقادها الكريهة. والأنكى من ذلك كلّه أنها تتحّرك على مرأى ومسمع من القوات العراقية (النظاميّة)، في محاولة بائسةٍ لإفراغ المنطقة من سكانها العرب السنّة من خلال تغيير ديمغرافي واسع النطاق.

لمحافظة ديالى حدود طويلة مع إيران تقدر بـ 240 كلم، ويقطنها نحو مليون ونصف المليون، نسبة السنّة منهم بين 85 إلى 88 %، لكن هذه النسبة أخذت بالتناقص منذ العام 2003. وكانت ديالى، منذ القدم، تمتلك الخط الاستراتيجي الذي يصل بغداد مع إيران، وتعتبر المنذريّة ومندلي نقطتي حدود تفصلان البلدين، وهذا ما سهّل تحّرك المليشيات التي تستلم أوامرها من إيران منذ العام 2003. وقد أثبتت الوثائق والشواهد ما عاناه كلّ العراقيين العرب السنّة، والذين يشكلّون 65% من سكان ديالى الذين انخفضت نسبتهم اليوم لتغدو أقل من 50%، إذ استخدمت ضدهم كل عوامل الاستئصال، كالتهجير والإرهاب والقتل، مع شراء أراضيهم بأثمانٍ بخسة، ورافق ذلك تدمير زراعتهم وقطع إيران مياه الأنهر عنهم، وحرق بساتينهم، كيلا يعود أهلها إليها ثانية.. تطبيق تلك السياسات وممارسة جملة اضطهادات وتنكيل ولّد ردود فعل مضادّة لدى الناس، وقد وصلت إليها كلّ من القاعدة وداعش، ووقع الأبرياء بين مطرقة إيران وسندان الإرهاب، مع وجود مسؤولين سياسيين وإداريين من أبناء ديالى، ليس لهم وزنهم ولا قيمتهم، ولهم مصالحهم الشخصية وتحالفاتهم الحزبية، كونهم بيادق في السلطة.

ويبدو واضحاً أن السلطات العراقية، بمن فيها القوات المسلحة، تواطأت مع المليشيات في تنفيذ هذا الماراثون المجنون في حربٍ طائفيةٍ قذرة، وتدّل التقارير على أنّ ثمّة تسهيلات لتحرّك المليشيات، وقد ترسّخ ذلك التعاون على امتداد ثماني سنوات صعبة جداً من حكم نوري المالكي، وحكم خلفه حيدر العبادي، وهما اللذان يؤمنان بالسياسة نفسها، فكلّ منهما ينفّذ مرحلةً من المشروع الطائفي الذي اضطلع به نظام الحكم، ليس في تهميش السنّة العرب فقط، بل في استئصالهم باسم الإرهاب وداعش، وخصوصاً بعد أن وقعت مناطق شاسعة بأيدي داعش قبل عام ونصف العام، فكانت دعاوى محاربة تنظيم داعش تبريراً لكلّ عمليات القتل والتهجير! والمجازر التي ارتكبتها المليشيات لا تقلّ سوءاً عن ممارسات داعش الإجرامية.

وكان مركز جنيف الدولي للعدالة قد أصدر تقريراً موجّهاً للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، اتّهم فيه حكومة العراق بأنها شريكة في جريمة التطهير الطائفي في محافظة ديالى، وأنها عاجزة عن الحؤول بين المليشيات والسكان المدنيين. وهنا، ينبغي الدعوة إلى إجراء تحقيق دولي لكشف ملابسات الجرائم التي تحصل على مرأى الحكومة العراقية، وأن تكون الإدانة دوليّة لما يحصل في العراق من بشاعات. وأضاف تقرير المركز المذكور أن "ما تشهده محافظة ديالى من أعمال قتل وتهجير طائفي، تستهدف في الأساس العرب السنّة، إنما هو مخطّط متكامل ومترابط النتائج، ويتألف من حلقاتٍ تشارك فيها الأجهزة المرتبطة بالسلطة، ومن خلال أذرعها ووحداتها المختلفة التي تلتقي في وحدة الهدف، وفي الاتفاق على التنفيذ، سعياً إلى تنفيذ المشروع الإيراني في العراق".

لعلّ أقسى ما واجهته مدينة المقداديّة في ديالى، على مدى أسبوع، تلك الحملة الضارية الطائفيّة المسعورة التي راح ضحيتها عشرات من الناس الأبرياء في البيوت والشوارع وعلى الجسور، وحرق تسعة من مساجد أهل السنّة أو تفجيرها، وتنفيذ اعتداءات وحشيّة على الناس، لتهجيرهم من ديارهم، بموافقة ضمنيّة مفضوحة من الحكومة العراقية البائسة التي لم تستطع قواتها فعل شيء إزاء العبث التي تقترفه المليشيات الطائفية في المقداديّة، بل إن كلاً من رئيسي الحكومة والبرلمان زارا بعقوبة، ولم يزورا المقدادية، بسبب سيطرة المليشيات عليها. وهنا، وصل سخط الناس إلى أقصى مداه ضدّ هذه الحكومة وضدّ البرلمان وضدّ الجيش العراقي، لأنّ هذه المؤسّسات الثلاث لم تستطع وضع حدّ لهذه الجريمة ومرتكبيها، بل وُصف كلّ المسؤولين العراقيين بأنهم متواطئون مع الجناة، كما أن المليشيات تنفّذ أجندات مرسومة لها في عمليّات التطهير الطائفي في العراق.