الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

صبحي حديدي2 

*صبحي حديدي – مفكر سوري مقيم في فرنسا يكتب في جريدة ( القدس العربي)

الانتخابات الفرنسية:

رميم اليمين ورماد اليسار

صبحي حديدي

 

مضى زمن طويل منذ أن شهدت فرنسا ثورة، أو حتى محاولة إصلاح جذرية؛ تجزم أسبوعية «إيكونوميست» البريطانية، في ما يشبه التكهن بأنّ ثورة ما توشك على الوقوع هنا، في مناسبة الانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي تبدأ جولتها الأولى يوم 23 نيسان (أبريل) الجاري. ليس التشخيص صحيحاً بالطبع، إلا إذا وُضع في النصاب المعتاد الذي تعتمده أسبوعية محافظة ويمينية لمفهوم «الثورة»، أو حتى «الإصلاح»؛ إذْ في وسع المرء أن يضرب مثالاً واحداً، حديثاً، في احتجاجات 1968 التي أطاحت بالجنرال شارل ديغول (أيقونة فرنسا الأبرز منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم ربما)، وأرست سلسلة مواضعات سياسية واجتماعية وفكرية ما تزال فاعلة وراسخة.
ليست هنا المسألة التي تعني هذه السطور، بل حقيقة أنّ الانتخابات الرئاسية القادمة تبدو بالفعل حالة فارقة بالقياس إلى جميع سابقاتها، على امتداد عقود الجمهورية الخامسة؛ التي دشنها الجنرال/ الأيقونة نفسه، في سنة 1958، على أنقاض جمهورية رابعة برلمانية وشبه رئاسية، انتهت إلى ما يقارب الشلل الدستوري.
 الأكثر جدوى، في المقابل، هو التأمل في احتمال نوعي كبير، قد يصبح حقيقة صاعقة مساء الأحد القادم: أنّ «اليمين» الديغولي، و»اليسار» الاشتراكي، اللذَين تناوبا على حكم فرنسا منذ إطلاق الجمهورية الخامسة، قد يخرج مرشحاهما ـ فرنسوا فيون وبنوا هامو، على التوالي ـ من الدور الأوّل؛ وأنّ البديل قد ينحصر في ممثلة اليمين المتطرف مارين لوبين، وممثل الليبرالية التكنو ـ مصرفية إمانويل ماكرون.
المفارقة التالية، والتي تجسدت طيلة الأسابيع الماضية ولا تحتاج إلى برهة الحقيقة بعد يومين؛ هي أنّ تسعة على الأقلّ، من أصل أحد عشر مرشحاً، يزعمون مرجعية عليا مشتركة، هي… الجنرال/ الأيقونة، دون سواه! حتى لوبين، مرشحة «الجبهة الوطنية»، تعتبر أنها الوريث الأصدق الناطق بلسان ديغول، في ميادين ثلاثة تشكّل «أقانيم» عقيدتها: الاستقلال، الهوية، والأمن. وأمّا فيون، ممثّل حزب «الجمهوريين» والديغولي «الرسمي» كما يتوجب القول، فقد صنع مفارقة مبكرة حين طلب من أهل اليمين أن يتخيلوا الجنرال محالاً إلى القضاء ومرشحاً رئاسياً في آن (غامزاً من قناة منافسه، يومذاك، نيكولا ساركوزي)؛ فوقع في شرّ مطلبه هذا، إذْ هو اليوم المحال إلى القضاء، و… المرشح! ماكرون، من جانبه، يزعم شرعية ديغولية على اليمين تارة، وشرعية اجتماعية على اليسار تارة؛ كيف لا وقد كان وزيراً في حكومة اشتراكية، قبل أشهر معدودات، ثمّ استقال لأنّ سياساتها لم تكن ليبرالية كما يشتهي ويحبّ! جان ـ لوك ملنشون، مرشح «الإباء» الفرنسي، لا يعود إلى الجنرال بالطبع؛ إذْ يحلو له أن يمتدح هوغو شافيز مرّة، ومرّة أخرى… فلاديمير بوتين!
حال أشبه بالسعي إلى نفخ الحياة في رميم اليمين، أو إحياء اللون القاني في رماد اليسار؛ أو، على صفّ اليمين المتطرف، تجميل وجه جان ـ ماري لوبين، الأب المؤسس لـ»الجبهة الوطنية»، عن طريق إخضاع ابنته لجراحة تجميلية موازية»، ولكن دون القدرة على إرسال الإرث الثقيل، بأفكاره العنصرية والرهابية الأثقل، إلى رفوف التاريخ. ولكي لا يشعر كاتب الـ»إيكونوميست» بافتقاد حسّ الثورة في فرنسا، كان الراحل بيير بورديو، أحد آخر المفكرين المحترمين في فرنسا المعاصرة، بين قلة قليلة ممّن أقلقتهم هذه الحال، مبكراً؛ خاصة في قراءة شبكة العلاقات المعقدة بين رأس المال المعاصر والخطابات ما بعد الحداثية، دون الوقوع في إغواء الألعاب النظرية التي تطمس التاريخ كشرط أوّل لاستيعاب الحاضر. 
ولم يكن غريباً، بالتالي، أن يشارك بورديو، ونفر قليل من ممثّلي هذه الأقلية الفكرية، في اجتماع مع القيادات النقابية التي أدارت الإضراب الكبير شبه الشامل الذي شلّ الحياة اليومية الفرنسية طيلة أسابيع، أواخر العام 1995. ولم يكن غريباً، أيضاً، أن يضع إصبعه على الغور العميق للجرح الحقيقي، أي اغتراب المجتمع الفرنسي بين خيارين أحلاهما مرّ، شديد المرارة: الليبرالية الهوجاء التي تخبط في الإصلاح خبط عشواء، والبربرية الوقحة لنفر من التكنوقراط يرون أنهم يعرفون الدرب إلى سعادة الأمّة أكثر من الأمّة نفسها، قبلها وبعدها وفي غيابها إذا اقتضى الحال. فكيف إذا اختلط الحابل بالنابل، اليوم، وتناطح أحد عشر مرشحاً على أشبار محدودة من مساحة خبط العشواء هذه!
يومها عفّ بورديو عن التذكير بأنّ المواطن الفرنسي يعيش في نظام ديمقراطي يعطيه الحق في ممارسة الإضراب، الشامل الكامل المفضي إلى شلل شبه تامّ؛ مثلما يعطيه الحقّ في الذهاب إلى صندوق الاقتراع، ووضع الورقة التي يشاء، منتخباً مَن يشاء. بمعنى آخر، في أواخر 1995 ـ كما تكرر، أو سوف يتكرر، في كلّ جولة انتخابية، رئاسية أو تشريعية أو بلدية ـ كان المواطن الفرنسي هو الذي انتخب هذا النفر من ممثليه؛ وكان يعرف ـ أو توجّب عليه أن يعرف ـ جيداً أنّ البرامج القادمة ستكون هكذا. وكما يحدث في كلّ مرّة، يمارس المواطن الفرنسي ما يشبه «فشّة الخلق» ضدّ الجهاز الحاكم، رئيساً أو مجلساً وطنياً أو بلدية؛ ضدّ اليمين تارة، وضدّ اليسار طوراً، في انتظار أن يكون لكلّ من اليمين المتطرف أو اليسار المتمرد حصّة مستقبلية في العقاب!
وذات يوم أطلق جيم هوغلاند، المعلّق الأمريكي اليميني المحافظ، صفة «الجنون» على حركات تظاهرات طلابية واسعة اجتاحت فرنسا سنة 2005، احتجاجاً على ما عُرف باسم «عقد الوظيفة الأولى». ولقد ردّ هوغلاند «جنون» تلك الأيام إلى جنون سنة 1789، أي عام الثورة الفرنسية التي لم تبدّل وجه فرنسا مرّة وإلى الأبد، فحسب؛ بل قلبت أوروبا بأسرها، رأساً على عقب. لكنّ المعلّق الأريب تعامى، عامداً بالطبع، عن الحقائق الجوهرية التي تخصّ سلسلة مآزق الليبرالية الوحشية، والطور الراهن من مآلات اقتصاد السوق وقوانينه. وتجاهل، كذلك، أنّ الظاهرة ليست منقطعة الصلة عن اعتمالات الحاضر الفرنسي، الذي تتضاعف عواقبه كلّ يوم: داخل الجمعية الوطنية، خلف الأعمدة الثقيلة لهذا الصرح التاريخي العريق الذي شهد وقائع كبرى ليس أبرزها «إعلان حقوق الإنسان»؛ وغير بعيد عن ساحة الكونكورد، حيث تذكّر المسلّة المصرية بأمجاد جنرال الثورة الفرنسية نابليون بونابرت، وأمجاد التاريخ الاستعماري الفرنسي في آن معاً.
استطلاعات الرأي، إذا صحّت خلاصاتها حتى بنسبة ضئيلة، تشير إلى حيرة الفرنسي بين يمين متطرف، ووسط ليبرالي ويمين تقليدي؛ ليس دون تلوينات «يسارية» عند الوسط، أو حنين إلى إنزال العقاب عن طريق ترجيح التطرف. وهذا، في حدود دنيا، قلق عميق حول الهوية، وذعر من مستقبل غامض أو شبه غامض، وحذر من متغيرات عاتية… عناصر قد تأخذ الفرنسي على حين غرّة، وتضعه بين مطرقة الليبرالية البربرية، وسندان الليبرالية التكنوقراطية، على حدّ تعبير بورديو. ومنذ 1968، ثورة المجتمع المدني التي أسقطت الجنرال/ الأيقونة عن عرش مكين، تبحث فرنسا ـ بصمت مخدَّر تارة، وبصخب مؤلم طوراً ـ عن هوية فكرية وثقافية واجتماعية للخروج من حال تأرجح طويلة بين الماضي والحاضر؛ وبين تراث الجار الألماني على مبعدة أمتار، والحليف الأمريكي ما وراء المحيط.
وفي نحو اللغة الفرنسية ثمة صيغة فعل خاصة هي «الزمن الماضي الناقص»، وكان عدد من المفكرين قد تتبعوا انتقال هذا الزمن من فقه اللغة إلى فقه الحياة اليومية، ولم يجدوا صعوبة كبيرة في وصف الحاضر الفرنسي بالزمن الماضي الناقص. أو، في تشخيص آخر، حال الحيرة بين رميم اليمين، ورماد اليسار!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

)العفو الدولية( ونظام آل الأسد:

لقد أسمعتْ لو نادتْ حياً!

صبحي حديدي

 

تقرير منظمة «العفو الدولية»، الذي صدر مؤخراً بعنوان «المسلخ البشري: عمليات الشنق الجماعية والإبادة الممنهجة في سجن صيدنايا بسوريا»، أثار ردود أفعال واسعة، بالنظر إلى ما يوثقه من الأهوال والفظائع داخل سجن واحد. وكان جديراً بالانتباه أنّ الاهتمام بهذه الوثيقة اقتصر، عملياً، على وسائل الإعلام المختلفة، ووسائط التواصل الاجتماعي، وبعض التعليقات الدولية غير الرسمية (كان في عدادها موقف نوّاب في الدوما الروسية، أشبعوا التقرير ذمّاً وطعناً في مصداقية المنظمة!). أمّا على أصعدة الحكومات، شرقاً وغرباً في الواقع، فإنّ وقائع «المسلخ البشري» الرهيبة قوبلت بصمت مطبق، أو يكاد؛ ولم يكن العكس ـ أي الشجب والإدانة، في الحدود الدنيا ـ منتظَراً، في كلّ حال.
ذلك لأنّ هذا التقرير ليس الأوّل من نوعه، رغم أنه هذه المرّة يأتي على تفاصيل أشدّ وحشية؛ إذْ سبق للمنظمة ذاتها أن أصدرت تقارير حول سجون النظام السوري ومعتقلاته، طيلة عقود «الحركة التصحيحية»، كما وثّقت تقنيات التعذيب، وسجّلت شهادات شخصية لمعتقلين سابقين، ورسمت خرائط مفصّلة لمواقع التعذيب وأسماء الفروع الأمنية؛ بل ورصدت أسماء بعض الضباط الذين أشرفوا على ارتكاب جرائم حرب موصوفة، أو مارسوها بأنفسهم أيضاً. كذلك أصدرت عشرات البيانات التضامنية مع معتقلي الرأي والضمير، وأطلقت حملات عديدة تميط اللثام عن، وتفضح، أعمال عنف محددة، وتصفيات جسدية، ومجازر جماعية.
منظمة أخرى بارزة، هي «هيومان رايتس ووتش»، أصدرت في سنة 2015 تقريرها الشهير «لو تكلم الموتى: الوفيات الجماعية والتعذيب في المعتقلات السورية»؛ والذي تابع مقتل الآلاف في معتقلات الفروع الأمنية 215، 227، 216، 235، 248، 220، أقبية المخابرات الجوية، وسجن صيدنايا العسكري. كما حلل التقرير مصائر 28707، من أصل 50 ألف صورة قتيل، سرّبها المصوّر المنشق الذي عُرف باسم «قيصر»؛ واستخلص النتيجة التالية: هذه الصور «لا تمثل سجلاً شاملاً للوفيات في المعتقلات في منطقة دمشق في الفترة الزمنية التي التقطت أو جُمعت فيها هذه الصور». ذلك لأنها «ليست عينة عشوائية، لكن تمثل الصور التي توصل إليها قيصر واحتفظ بنسخ منها، حين شعر أنه يستطيع أن يفعل ذلك، بقدر من الأمان النسبي. لذا، فإن عدد الجثث في مراكز الاعتقال، كما ظهر في صور قيصر، لا يمثل إلا جزءاً من عدد من توفوا في مراكز الاعتقال في دمشق، أو حتى في هذه المنشآت بعينها، خلال فترة الـ 27 شهراً التي التقطت فيها الشرطة العسكرية والطب الشرعي هذه الصور».
وما دام سجن صيدنايا هو موضوع تقرير «العفو الدولية» الأخير، فمن المفيد العودة إلى تقرير آخر عن المعتقل ذاته، أصدرته «اللجنة السورية لحقوق الإنسان»، حول المجزرة التي شهدها السجن صباح 5 تموز (يوليو) سنة 2005: وصلت قوة تعزيز إضافية من الشرطة العسكرية تقدر بين 300 إلى 400 شرطي، وبدأت حملة تفتيش بطريقة استفزازية، تخللتها مشادات كلامية مع المعتقلين السياسيين، ثم إلقاء نسخ من القرآن على الأرض والدوس عليها، مما أثار احتجاج المعتقلين الإسلاميين الذين تدافعوا نحو الشرطة، فأطلق هؤلاء النار وقُتل تسعة من المعتقلين على الفور (زكريا عفاش، محمد محاريش، محمود أبو راشد، عبد الباقي خطاب، أحمد شلق، خلاد بلال، مؤيد العلي، مهند العمر، خضر علوش). إثر ذلك عمت الفوضى في السجن، وظنّ المعتقلون أنهم على أعتاب مجزرة تدمر جديدة، فبدأوا بخلع الأبواب لمواجهة الشرطة العسكرية، التي فتحت عليهم النار مجدداً، مما أوصل عدد القتلى إلى نحو 25 قتيلاً.
الجديد الذي اكتنف هذه المجزرة، من نظام عوّد الشعب السوري على ارتكاب المجازر، أنّ رأس النظام، بشار الأسد، اسنُقبل في باريس، عاصمة «إعلان حقوق الإنسان والمواطن»! لكنّ نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي يومذاك، لم يكن أوّل مَنْ يراقص طغاة الشرق الأوسط، سواء في العقود الأخيرة من عمر الجمهورية الخامسة في فرنسا، أم في عقودها الوسطى (أوّل زيارة للأسد الأب تمّت في عهد فاليري جيسكار ـ ديستان، 1976، بعد أشهر قليلة على دخول القوّات السورية إلى لبنان)؛ هذا إذا اعتبر المرء الأنشطة الدبلوماسية في العقود الأولى بمثابة تمرينات مبكّرة واستطلاعية على ما ستطلق عليه التنظيرات الديغولية صفة «السياسة العربية لفرنسا». وفي وجهة أخرى لنقاش الواقعة تلك، لعلّ المرء لا يبالغ إذا اعتبر خيار ساركوزي في الانفتاح على النظام السوري أقرب إلى السلوك الطبيعي، المنتظَر، غير المستغرب البتة، من ذلك الرجل بالذات.
فمن جانب أوّل، كلّ ما كان ساركوزي يعرفه (كما صرّح، بنبرته المعتادة في السخرية الرواقية الغثة) أنّ سوريا بلد متوسطي، وليس ثمة سبب واحد يبرّر عدم دعوتها إلى القمة المتوسطية؛ غير المكرّسة (في حدود علمه كما قال، وعلم الجميع كما نقول) لمناقشة احترام أو انتهاك حقوق الإنسان على ضفاف المتوسط. وهذا منطق صوري سليم تماماً، وكان استبعاد سوريا من هذه القمة هو الذي سيكون القرار الشاذّ غير الطبيعي. ومن جانب ثانٍ، مَنْ الذي يعيب على ساركوزي دعوة الأسد إلى منصّة الاحتفال بالثورة الفرنسية، يوم العيد الوطني لفرنسا، إذا كان الحابل سوف يختلط بالنابل على تلك المنصة: ديمقراطيات غربية، ودكتاتوريات شرقية أو أفريقية، جنباً إلى جنب مع إسرائيل… «واحة الديمقراطية» في الشرق الأوسط؟
وضمن المنطق الصوري إياه، كيف يستقيم أن يُدعى زعيم من هؤلاء، ويُستثنى آخر؟ لهذا، وبصرف النظر عن قيمته الأخلاقية العالية، فإنّ النداء الذي وجهته إلى ساركوزي ثماني منظمات حقوق إنسان دولية (بينها «العفو الدولية»، و»هيومان رايتس ووتش»، والاتحاد الدولي لروابط حقوق الإنسان، والشبكة الأورو ـ متوسطية، والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب…)؛ ظلّ، كما ينبغي له أن يظلّ، حبراً على ورق في ما يخصّ مطلب الفقرة الأولى: «تناشدكم منظمات حقوق الإنسان الموقعة على هذه الرسالة إيلاء اهتمام لوضع حقوق الإنسان في ذلك البلد». 
قبل ساركوزي كان ديغولي آخر هو الرئيس الأسبق جاك شيرك، الأعرق ممارسة للسياسة من ربيبه ساركوزي، قد استقبل الأسد الابن، في خريف 1999، بصفته الوحيدة المتوفرة آنذاك (نجل حافظ الأسد)؛ وذلك تلبية لرغبة رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري (الذي كان، في حينه، بين أخلص رجالات حاكم دمشق، الأسد الأب)، على سبيل تدريب الفتى الابن في ما ينتظره من مهامّ رئاسية. غير أنّ الدعوة، بمعزل عن إرضاء الحريري، كانت تعكس المزاج الحقّ للرئيس الفرنسي في ما يخصّ نظام آل الأسد؛ إذْ، للتذكير، كان شيراك هو الرئيس الغربي الوحيد الذي شارك في جنازة الأسد، وكان قبلها قد كسر عزلة الأخير الدولية حين دعاه إلى زيارة باريس رسمياً في صيف 1998، كما كان أوّل من أسبغ شرعية سياسية وأمنية على وجود القوّات السورية في لبنان خلال خطبة افتتاح القمّة الفرنكفونية في بيروت 2002.
ولا تُقتبس باريس هنا، في هذه الأسطر، إلا لأنها تُعرّف عادة بمصطلح حقوق الإنسان؛ غير أنّ في وسع المرء اقتباس الغالبية الساحقة من العواصم الغربية، والشرقية أيضاً: من واشنطن وموسكو، إلى لندن وبرلين وروما. كلهم فضّلوا التعامل مع «الشيطان الذي يعرفونه»، خادم مصالحهم الأمين، الطيّع التابع الخنوع؛ ولتذهب، إلى الجحيم، تقارير منظمات حقوق الإنسان، وحشرجات سجناء الرأي. لقد أسمعتْ لو أنها نادت الأحياء من قادة الديمقراطيات، رافعي ألوية حقوق الإنسان!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

أمريكا وحقوق الإنسان:

حتى لا يكون ترامب ضبعاً أعزل

صبحي حديدي

 

في تقريرها الدوري للعام 2017، والذي يصدر سنوياً تحت عنوان «الحرية في العالم»، خلصت مؤسسة «بيت الحرية» Freedom House الأمريكية إلى منح الولايات المتحدة علامة 89؛ مقابل 100 لفنلندا والنروج والسويد، و99 لكندا وهولندا، و98 لأستراليا ولوكسمبورغ، و97 للدانمرك واالبرتغال وإيسلندا وباربادوس. ثمّ قالت المنظمة، بصدد موجز حال الحريات في أمريكا: «يُجادَل بأنّ الولايات المتحدة هي الديمقراطية الأقدم في العالم. شعبها يتمتع بنظام انتخابي حيوي، وتراث قوي لحكم القانون، وحرّيات راسخة للتعبير والاعتقاد الديني، وسلسلة أخرى عريضة من الحريات المدنية الأخرى. والولايات المتحدة تظل مقصداً رئيسياً للمهاجرين، وما تزال ناجحة إلى حدّ بعيد في استيعاب القادمين الجدد من كلّ الخلفيات».
والحال أنّ «بيت الحرّية»، الذي ينفرد عن جميع المؤسسات المماثلة في أنه منظمة غير حكومية لكنها في الآن ذاته مموّلة من الحكومة الأمريكية، أصدر التقرير السنوي وشبح الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب يجوس أجواء أمريكا حاملاً الكثير من نقائض هذه المزاعم. ولم يطل به الوقت، بعد تنصيبه رسمياً، حتى انخرط في الطور التطبيقي من بعض وعوده الانتخابية؛ وأوّلها حظر دخول اللاجئين (والمهاجرين، بالطبع)، وحظر تأشيرة الدخول لرعايا سبع دول مسلمة. ورغم أنّ بسطاء النوايا هم، أغلب الظنّ، في الصفّ الوحيد الذي لا يطعن في مصداقية «بيت الحرية»؛ فإنّ ما شهدته مؤخراً بعض المطارات الأمريكية، والصدام المباشر بين السلطات التنفيذية والقضائية، لا يترك حتى للبسطاء أولئك هامش يقين ضئيلاً في أنّ أمريكا هي «الديمقراطية الأقدم».
يصحّ، في المقابل، التساؤل عما إذا كان ترامب الضبع الوحيد، أو الأعزل، في هذا الاستهتار الجلف بأبسط حقوق الإنسان؛ وعما إذا كان تاريخ الولايات المتحدة، المعاصر والحديث والقديم، حافلاً بسوابق نظيرة، اختلفت جلافتها في قليل أو كثير. والذاكرة الإنسانية تملك مسرداً طويلاً لانتهاكات حقوق الإنسان في أمريكا، وكيف أنها تكرست رسمياً في الدستور الأمريكي ذاته. هنالك، على سبيل المثال، حقيقة الغياب التام لكلمة «مساواة» في ذلك الدستور، الذي لا ينصّ البتة على توفير ضمانات تكفل حقّ المواطن في الغذاء، واللباس، والمسكن، والصحة، والعمل، والراحة، والأجر المعقول إنسانياً، والضمان الاجتماعي في العمل والحياة، وحماية الأسرة والأطفال. أليست هذه في صلب حقوق الإنسان؟ أليس ضمان «الحقّ المتساوي في الطعام واللباس والمسكن»، هو جوهر الشرائع والحقوق؟ أيّ حقوق إنسان هذه حين يكون في مدينة نيويورك وحدها 36 ألف مواطن مليونير، و38 ألف مواطن يقتاتون على النبش في صناديق القمامة؟ وأيّ حقوق إنسان حين تثبت هيئة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أنّ المواطن الأمريكي ليس متساوياً أبداً أمام القضاء، وأنّ الأحكام الصادرة بحقّ الأمريكيين السود والآسيويين أقسى بثلاثة، وأحياناً بأربعة، أضعاف من الأحكام الصادرة بحق البيض في قضايا مماثلة؟
ثم ماذا عن مؤسسات الديمقراطية الأمريكية ذاتها؟ ألا تنقلب عمليات انتخابات للكونغرس، مثل انتخابات الرئاسة، إلى صفقات مبيع الذمم وشرائها؟ «تعداد فلوريدا» هو الأشهر، ربما، في التاريخ الأمريكي المعاصر؛ حين اختلط الحابل بالنابل وانتصر جورج بوش الابن على آل غور بفارق أصوات يصحّ القول بأنها أتت من الغامض المجهول. ألا تُجري لجان الكونغرس تحقيقات حول فضائح التبرعات المالية غير القانونية في أعقاب كلّ حملة انتخابية رئاسية تقريباً؟ ألم تُلصق بحملة ترامب اتهامات جدية حول تورّط الأجهزة الروسية في ترجيح كفة المرشح الملياردير، صديق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟
ومن جانب آخر، أليس من حقّ الشعوب أن تثير مسألة انتهاك الولايات المتحدة لحقوق الإنسان ما وراء المحيط، ضدّ الأمم الأخرى في العالم الشاسع الواسع للإنسانية؟ وكيف تنسى الشعوب أن أمريكا، منذ تأسيسها كدولة وقوّة عظمى، شنّت أكثر من 75 عملية غزو خارجي للشعوب، واستخدمت أول قنبلة ذرية في تاريخ الإنسانية، وتمتلك وتواصل تخزين أضخم ترسانية نووية (25 ألف قنبلة)، وأنفقت أكثر من 274 مليار دولار على تطوير أسلحة الدمار الشامل، وتحتكر تصدير السلاح إلى 146 بلداً، وتهيمن على ثلاثة أرباع سوق السلاح الدولي وأسواق اندلاع الحروب الأهلية والإثنية. وفي كوريا الجنوبية، حيث ترابط القوات الأمريكية للدفاع عن «الحرية» و»حقوق الإنسان»، تشير الإحصاءات إلى 43.900 حالة اغتصاب مارسها الجنود الأمريكيون ضد فتيات ونساء هذا البلد.
ومن المعروف أن التقرير السنوي لهيئة الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان في العالم لا يوفّر الولايات المتحدة الأمريكية، بل جرت العادة أن يفرد لها استنتاجات رهيبة تذكّر بأفظع الممارسات التي اعتادت على ارتكابها الدكتاتوريات «الكلاسيكية» في أي نظام استبدادي، شرقاً وغرباً، ماضياً وحاضراً. ولقد حدث أنّ بعض أعضاء اللجنة المكلفة بإعداد التقرير السنوي قضوا في السجون الأمريكية ثلاثة أسابيع (ومُنعوا من دخول سجون أخرى)، ليخلصوا إلى النتيجة التالية حول عقوبة الإعدام بصفة خاصة: «من الواضح أن اعتبارات مثل الأصل العرقي أو الإثني، والوضع الاقتصادي ـ الاجتماعي، عناصر حاسمة في تحديد ما إذا كانت عقوبة الإعدام ستُفرض أو تُستبدل بعقوبة أخفّ، وما إذا كانت ستُنفّذ أم تُلغى بقرار أعلى صادر عن حاكم الولاية المعنية».
هنالك، أيضاً، موقف الولايات المتحدة من إعلان مؤتمر أوسلو القاضي بحظر الألغام الأرضية المضادة للأشخاص؛ إذْ كان من المدهش أن أمريكا لم تكتف بالرفض وحده، بل سارع رئيسها آنذاك، بيل كلنتون، إلى رفد تصريحاته بهجاء كوميدي لهذه الدول التي تطالب الولايات المتحدة بحظر أسلحة لا تستخدمها الولايات المتحدة أصلاً! آنذاك، رسم كلنتون ابتسامة ساخرة، وشرح للمجتمع الدولي أن الجيش الأمريكي توقف منذ عقود طويلة عن استخدام الألغام الأرضية «الغبية» التي تظلّ قابلة للانفجار حتى بعد قرون من وضع الحروب لأوزارها؛ وهذا الجيش لا يستخدم إلا النوع «الذكيّ» من ألغام أرضية تمتثل للأوامر، وتفجّر نفسها بنفسها بعد أن تنتهي الحاجة إليها. هذه الأجيال الذكية، مثلها كامل الأجيال الجديدة الذكية من الأسلحة الأمريكية، ليست موضوعاً للمساومة!
كذلك تغافل كلنتون عن حقيقة أن المنطقة المنزوعة السلاح، الواقعة على الحدود المشتركة بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية (حيث يرابط 37 ألف جندي أمريكي)، ليست مزروعة بأي لغم «ذكي»، بل بملايين الألغام «الغبية» التقليدية دون سواها. وهنا دلالة الشطر الأول من الشروط الأمريكية قبل التوقيع على اتفاقية حظر هذه الألغام: البنتاغون طالب بفترة إعفاء تمتد على تسع سنوات قابلة لتمديد إضافي لا يقل عن عشر سنوات (91 عاماً بالتمام والكمال)، يقوم خلالها خبراء الجيش الأمريكي بدراسة البدائل وترتيب الأرض، وبعدها يقررون الانضمام أو الامتناع. الشرط الثاني كان إضافة بند خاص في الاتفاقية يتيح استثناء الولايات المتحدة من جميع الالتزامات المنصوص عنها، فور اندلاع نزاع عسكري بين واحدة من الدول «المارقة» المعروفة، وبين دولة حليفة للولايات المتحدة. والنصّ الذي حمله المفاوضون الأمريكيون إلى مؤتمر أوسلو أسهب أكثر في شرح الموقع الكوني الخاص الذي تتمتع به الولايات المتحدة، بحيث بدت مصالحها القومية بمثابة مصالح كونية تهمّ الإنسانية بأسرها!
ويبقى أنّ هذا المشهد، إذا كان لا يطمس حقيقة انبثاق حركات احتجاج شعبية أمريكية، مشرّفة تماماً وجديرة بالاحترام، ضدّ سياسات البيت الأبيض؛ فإنه، من جانب آخر، لا يبدّل البتة حقيقة أنّ ترامب ليس، ولم يكن في أيّ يوم، ذلك الضبع الضاري الوحيد، أو الأعزل.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)
 

 

 

من سريبرنيتشا إلى حلب:

ماذا تبقى من متاجر الليبرالية؟

صبحي حديدي

 

«كلّ ما لاح أنه صلب في الليبرالية، يذوب إلى أثير»، هكذا يستخلص جون غراي، المفكر البريطاني البارز، وصاحب مؤلفات إشكالية وسجالية مثل «الفجر الزائف: ضلال رأسمالية العولمة»، و«يقظة الأنوار: السياسة والثقافة عند خاتمة العصر الحديث»، و«هرطقات: ضدّ التقدّم وأوهام أخرى»، و«روح مسرح الدمى: تحقيق موجز حول الحرّية الإنسانية»، فضلاً عن كتابه الأشهر: «كلاب من قشّ: أفكار حول بني البشر وحيوانات أخرى». وإلى جانب هذا الرأي القاسي حول مآلات الليبرالية المعاصرة، لا يتردد غراي في اقتباس عبارة الفيلسوف الأمريكي مارشال بيرمان، «كلّ ما هو صلب يذوب إلى أثير»، عنوان كتابه الشهير في هجاء الحداثة. 
وللمرء أن يبدأ من سلسلة تناقضات، أو هكذا تبدو للوهلة الأولى، تكتنف جاذبية غراي العالمية؛ ولعلّ مبعث اجتماعها، أو ائتلافها في أذهان المنجذبين إلى أفكاره، أنّ الرجل ليس من أهل التفكير الأحادي، الأبيض أو الأسود؛ ولهذا فإنّ الإجماع على أطروحاته إنما ينبثق عملياً من حقيقة أنّ الفكر السياسي المعاصر، ذاته، صار تعددياً بالضرورة، أكثر من ذي قبل، بل أكثر ممّا شهدته أية حقبة استقطابية حادّة في التاريخ الحديث. وهكذا، يدرّس غراي الفكر الأوروبي في «مدرسة لندن للاقتصاد»، التي لا يشكّ اثنان في أنها واحدة من أكثر قلاع الفكر الرأسمالي الحديث حصانةً ورصانةً وعلوّ شأن. وهو، ثانياً، كاتب شبه دائم في الأسبوعية البريطانية «نيو ستيتسمان»، الرصينة بدورها، اليسارية في الإجمال، والتي لا يُعرف عنها الحماس للرأسمال واقتصاد السوق. وهو، ثالثاً وفي التوصيف الأعرض، أكاديمي وفيلسوف وهجّاء للعولمة المعاصرة، الوحشية منها وغير الوحشية (من منطلقات محافظة غالباً، وليست يسارية مبدئياً).
وكانت فرضية غراي الأساسية، في «كلاب من قشّ»، تبعث على القشعريرة، رغم أنها بالغة البساطة: التراث اليهودي ـ المسيحي، وهو الفلسفة الإجمالية التي يرتكز إليها وجدان الغرب أسوة بعقل الغرب، كان يُفرِد الإنسان عن الحيوان في مواهب كبرى مثل الإيمان والاختيار والعقل واللغة والإبداع؛ الأمر الذي لا يتراجع اليوم أو ينحطّ أو ينعدم عند بني البشر فحسب، بل هو ينقلب إلى حيوانية صريحة صارخة مجانية مدمّرة، أين منها سلوك الحيوان! يكتب غراي: «على الفلاسفة وعلماء الاجتماع والأدباء أن ينبذوا إلحاحهم على مركزية الإنسان واستقلالية عقله، لأنّ المدينة باتت أشبه بقفير النحل، وصفحة الإنترنت باتت تشبه اسمها تماماً: شبكة العنكبوت»! 
أفكار غراي الأخرى تقول التالي، على سبيل الأمثلة: صحيح أنّ الأنظمة الشيوعية فشلت، وحاول اقتصاد السوق فرض نموذجه الطوباوي الخاصّ على البشرية جمعاء؛ لكنّ ما جرى في أمريكا يوم 11/9/2001 ينبغي أن يؤذن بنهاية تلك الحملة الصليبية. لماذا؟ لأنّ اليقين الذي ساد خلال العقد الماضي (حول نهاية التاريخ، وصعود الليبرالية التجارية في سياق مدّ لا تقاومه أمّة أو سوق أو ثقافة أو فلسفة)؛ اهتزّ من جذوره أمام مشهد انهيار برجَيْ مركز التجارة الدولي، تماماً كما تنهار قصور الكرتون، وبات طبيعياً أن يهتزّ إيمان الأسواق بحصانة العولمة.
ومؤخراً، في مقالة مستفيضة نُشرت في «نيو ستيتسمان» بعنوان «إغلاق الذهن الليبرالي»؛ يبدأ غراي من استعراض المشهد الكوني الراهن (أوروبا، حروب التبادل، دونالد ترامب، فلاديمير بوتين، أمواج اللجوء، الصين، حلب…)؛ لكي يبلغ خلاصة الفقرة الأولى في مقالته: «النظام الليبرالي الذي لاح أنه ينتشر عالمياً بعد نهاية الحرب الباردة، يتلاشى من الذاكرة». ورغم اتضاح هذا التلاشي، يوماً بعد آخر، فإنّ الليبراليين يجدون صعوبة في مواصلة العيش دون «الإيمان بأنهم في الصفّ الذي يحلو لهم اعتباره الصواب في التاريخ»؛ وبالتالي فإنّ إحدى كبريات مشكلاتهم أنهم لا يستطيعون تخيّل المستقبل إلا إذا كان استمراراً للماضي القريب! وحين يختلف الليبراليون حول كيفية توزيع الثروة والفرص في السوق الحرّة، فالمدهش في المقابل أنّ أياً منهم لا يُسائل نمط السوق المعولمة التي تطورت خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
وبعد الاستفاضة في مناقشة أزمة الليبرالية المعاصرة كما تتجلى في بريطانيا، في محورَيْ أزمة حزب العمال والتصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي؛ يردّ غراي السجال إلى جذور الفكر الليبرالي الحديث، في أنه نتاج متأخر من التوحيدية اليهودية والمسيحية: «من تقاليد هذَيْن الدينَيْن، وليس من أيّ شيء في الفلسفة الإغريقية، نبعت القِيَم الليبرالية حول التسامح والحرية. وإذا ساد اليقين بأنها قيم كونية، فذلك بسبب الاعتقاد بأنها فرائض إلهية. ومعظم الليبراليين علمانيون في النظرة العامة، لكنهم يواصلون الإيمان بأنّ قيمهم إنسانية وكونية». المعضلة، بعد هذا التوصيف، أنّ الذهن الليبرالي الحاضر عاجز عن الاشتغال إلا إذا أغلق الواقع، أو عرضه كبضاعة أحادية، في المتجر الليبرالي الوحيد!
ولن نعدم خطاً في التنظير الليبرالي، على غرار تفكير فرنسيس فوكوياما مثلاً، يجزم بأنّ المجتمعات الليبرالية هي وحدها التي يمكن أن تصبح حديثة؛ ليس دون التشديد، أيضاً، على أنّ العولمة تنتج طبقة متوسطة تتطلب الحرية السياسية، تماماً كما افتُرض أنّ البرجوازية الأوروبية اقتفت ذلك الدرب في القرنين التاسع عشر والعشرين. واقع الحال، في المقابل، يشير إلى مشهد متضارب تماماً في ما يخصّ علاقة الطبقة المتوسطة بالأنظمة، خاصة المستبدة وكارهة الحرّية والتسامح؛ ليس في البلدان «المتخلفة» وحدها، بل في بلد متقدم مثل روسيا، حيث يتوزع ولاء الطبقة المتوسطة على مزيج من النزعة الاستهلاكية والنزعة القومية ونصرة النظام. وأمّا أمريكا، في المقابل، فإنّ العولمة تتكفل بتفكيك الطبقة المتوسطة فيها، وتقف السوق الحرّة مكبلة، عاجزة عن المقاومة!
تبقى مسألة حقوق الإنسان، حيث يرى غراي أنها قد أصبحت «عبادة» ليبرالية خالية من المعنى، لأنها فقدت تعريف أغراضها السامية الأولى، وباتت عاجزة عن أداء أدوارها كعوائق رمزية أمام شرور قصوى مثل المجازر الجماعية والاستعباد والتعذيب. والأمثلة من سريبرنيتشا وحلب وسواهما، يكتب غراي، تبرهن أنّ حقوق الإنسان ليست بعيدة عن تأسيس نظام دولي، فحسب، بل هي استُخدمت وتُستخدم لتشريع الغزو الخارجي، وتنظيم التطهير العرقي، وارتكاب جرائم الحرب… وبهذا المعنى فإنها، مثل كلّ القيم التي تزعم الليبرالية أنها كونية، ليست مصانة حتى في قلب المجتمعات الأوروبية؛ حيث بدت، قبل سنوات قليلة فقط، مقدّسة منيعة لا تُمسّ. ولقد رُوجعت، وعُدّلت، بل أخذت تتآكل بصفة مضطردة، حين ساد افتراض عريض بأنها تتناقض مع أمن المواطن، وأنّ مبدأ «محاربة الإرهاب» لا تعلو عليه قيمة.
ويختم غراي، في ما يشبه نعياً جذرياً لليبرالية في متاجرها كافة: «إن الوثوق المتصلب، الممتزج بتفخيم الذات والارتياع، قد عرّفا الذهن الليبرالي في الماضي، كما في الحاضر. يمكن، مع ذلك، رصد مزاج مختلف في باطن هذه الحال، مفاده أنّ كل ما يتبقى من الليبرالية هو الخوف من المستقبل. وفي مواجهة ما يتلاشى أمامهم من عالم خُيّل إليهم أنهم يعرفونه، قد يُصاب ليبراليون كثر بإغواء الانطواء في عوالم متخيَّلة تصنعها منظمات يسارية الهوى، غير حكومية، أو ينغلقون في أروقة الندوات الأكاديمية. ذلك يرقى إلى التخلي عن النضال السياسي، وقد يصحّ أنّ بعضهم، ممّن جسدوا الليبرالية الحاكمة، أخذوا يدركون أنّ زمنهم قد انطوى إلى غير رجعة».
.. وبالتالي توجّب طرح السؤال، المشروع تماماً: بعد حلب، وقبلها سريبرنيتشا، ما الذي تبقى من بضائع القيم، في متاجر الليبرالية؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

ترامب الرئيس:

كرتون الأباطرة ـ

طبعة الرحم الأمريكي

صبحي حديدي

 

في مناسبة تنصيب دونالد ترامب، اليوم، وتوليه رسمياً وقانونياً مهامّ الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة؛ يذكّرنا موريس بيرمان بأنّ لأمريكا سوابق في هذا المقام: قلّة محدودة من نطاسيي علوم السياسة اليانكية توقعت أن يُنتخب رجل مثل ريشارد نكسون، الذي انتُخب بالفعل وارتكب الفظائع في الداخل كما في ما وراء المحيط؛ وقلّة أخرى، محدودة بدورها، تنبأت بأن رونالد ريغان، ممثل الدرجة الثانية، لن يتربع في البيت الأبيض فحسب، بل سيطلق حرب النجوم أيضاً! وأمّا انتخاب ترامب، يتابع بيرمان، فإنه «اللهاث الأخير» لهذا البلد: السنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية الرومانية أنتجت أباطرة كانوا بمثابة «نكات رديئة»، بمن فيهم الحمقى والصبية؛ وهذا ما وصلت إليه أمريكا مع الشخصية الكرتونية، ترامب، الذي سيترأس القوة الكونية الأعظم، بلا تجربة سياسية، ولا مواصفات إنسانية؛ والذي، في المقابل، يتوّج 400 سنة من «التناطح الخشن» بين حزب وآخر، و»عقيدة» جيو ـ سياسية وأخرى، ورئيس وسَلَفه/ خَلَفه؟
وبيرمان، للتذكير، مؤرّخ ثقافي أمريكي مرموق، صاحب الكتابَين الشهيرين «عصور الظلام في أمريكا: الطور الأخير من الإمبراطورية»، 2006؛ و»أفول الثقافة الأمريكية»، 2000؛ وكلا العملين أثار عواصف سجال ساخنة، لم تهدأ حتى اليوم، لأنها ببساطة ظلت تعيد إنتاج عناصرها على نحو أشدّ سخونة. 
وحين صعد جورج بوش الابن، وانتُخب لولاية ثانية؛ اعتبر بيرمان أنّ الحضارة الأمريكية أخذت تحثّ الخطى من طور الأفول (الذي ناقشه في كتابه الأول)، إلى عصر الظلام الفعلي (الذي تكهن به في كتابه الثاني). وما ولعه بالإحالة على مصائر مشابهة واجهتها الإمبراطورية الرومانية، إلا إعادة تشديد على خلاصات المؤرّخ البريطاني البارز شارلز فريمان، في كتابه الرائد «إنغلاق الذهن الغربي». وهكذا، كتب بيرمان: «السيد بوش، يعلم الله، ليس القديس أوغسطين، ولكنّ الأخير كما يشير فريمان هو تجسيد سيرورة أعرض أخذت تتكامل في القرن الرابع، وتمثّلت في إخضاع العقل للإيمان والسلطة. وهذا ما نشهده اليوم في أمريكا، وهي سيرورة لا يمكن أن يعيشها مجتمع ويظلّ حرّاً».
وفي فصل فريد، بعنوان «محور السخط: إيران، العراق، إسرائيل»، دشّنه باقتباس شديد المغزى من السناتور والمؤرّخ الروماني الشهير كورنيليوس تاسيتوس: «يخلقون الأرض اليباب ويطلقون عليها تسمية السلام»؛ ساجل بيرمان بأنّ زلزال 11/9 كان نتيجة حتمية للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، خصوصاً في فلسطين والعراق وإيران. منابع السخط هذه تشمل الانقلاب الأمريكي المدبّر في إيران (الذي عُرف باسم «عملية أجاكس» وأسقط رئيس الوزراء الشرعي محمد مصدّق سنة 1953)، والتدخّل الأمريكي في شؤون العراق منذ الستينيات وحتى التعاون العسكري والأمني مع نظام صدّام حسين أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية، وبينهما وقبلهما وبالتزامن معهما الانحياز الأمريكي المطلق لدولة إسرائيل.
والحال أنّ سيرورة انحلال الإمبراطورية الرومانية، وليس نظرية حلقات التصحيح الذاتي، هي التي تصلح لاستشراف مستقبل أمريكا المعاصرة. إنها قوّة عظمى تسير حثيثاً نحو الهاوية بسبب من عجوزات في التجارة لا يمكن ضبطها، وميزانيات مدينة على نحو خرافي لا سابقة له، وعملة آخذة في الاهتراء دولياً، و»هوية سلبية» تتغذى على الحرب ضدّ الأمم الضعيفة، وثقافة بلهاء تعيش على التلفزة والإعلام الضحل، والتعليم الفاشل أو التبسيطي في المدارس والجامعات، وجنون الاستهلاك، والصحافة الأسيرة، والحقوق المدنية الضائعة، ومجموعات الضغط التي تسيّر الكونغرس، ووزارة العدل التي تعيد كتابة القوانين الدستورية على هواها… ويستخلص بيرمان: «نحن مجتمع قدره محتوم لأنّ الجمهور ذاته لم يعد ناشطاً أو واعياً، وهو لا يكفّ عن إعادة انتخاب الأناس أنفسهم الذين يتولّون نسف الحرّيات»! أليس تنصيب رجل مثل ترامب ذروة جديدة في ما استبصره بيرمان قبل 17 سنة؟ أليس التعاقب العجيب، رغم تناقضاته الظاهرة، بين بارك أوباما وترامب، هو طراز من استئناف «قدر محتوم»؟
ولكن ماذا عن ديمقراطية الإمبراطورية ذاتها، بين ظهرانيها، بحقّ أبنائها، وفي قلب ركائز «الاستثناء الأمريكي» الشهير، دون سواه؟ قبل زمن ليس بالبعيد كان فيليب جيمس، أحد أبرز مخضرمي التخطيط الستراتيجي الأمريكي، قد أطلق صفة «الكابوس» على التسجيلات الهاتفية التي وافق جورج بوش الابن على إجرائها بحقّ عدد من المواطنين، ممّن ارتابت الإدارة في أنهم على صلة بمنظمة «القاعدة». «هل تنقلب أمريكا إلى الشاكلة التي تخشاها كلّ الخشية»، تساءل جيمس، قبل أنّ يحدّد الشاكلة تلك: «دولة على غرار الأخ الأكبر»؛ في إشارة إلى النظام البوليسي السوفييتي كما تخيّله الروائي البريطاني جورج أورويل في روايته الشهيرة «1984»، حيث «الحكم للأوامر العليا، ولا أحد مستثنى من تنصّت البوليس السرّي، وكلّ شيء مسموح به دفاعاً عن الوطن، بما في ذلك التعذيب»؟
هذا ـ في صياغة أخرى تأخذ بعين الإعتبار أننا نتحدّث عن الولايات المتحدة الأمريكية، صاحبة دستور 1789، وليس عن نظام استبداد وفساد وجمهورية وراثية دكتاتورية ـ انقلاب من استثنائية الحلم إلى… استثنائية الكابوس؛ أو، كما في تعبير جيمس نفسه: «عالم أورويلي، حيث المذكّرات الإدارية المدافعة عن التعذيب تُسطّر في وزارة العدل ذاتها، ويصبح القضاء مهنة فائضة عن الحاجة في الشأن العام»! وهل، في المقابل، ثمة حاجة للكثير من العناء كي يدرك المرء عواقب هذه الدولة الأورويلية على نطاق عالمي، أنّى اتجه المرء ما وراء المحيط؟
ألا تواصل الولايات المتحدة احتلال، وأداء، دور روما الإمبراطورية في العالم القديم؟ أفلا تنتهك القوانين داخل حدودها وضدّ مواطنيها بقدر ما تفعل ضدّ العالم (إنشاء سجون أمريكية غير شرعية في بعض البلدان الأوروبية، ونقل المعتقلين المختطفين في رحلات جوية سرّية عبر مطارات الديمقراطيات الغربية…)؛ لكي لا نتذكّر تلك الحقوق الكونية التي يرى قياصرة أمريكا أنّ من حقّ روما القرن الحادي والعشرين أن تتجاهلها تماماً (إعفاء الصناعة الأمريكية من التزامات بروتوكول كيوتو حول تخفيف غازات الاحتباس الحراري، على سبيل المثال)؟
وبالأمس فقط، في تقرير نشرته «أسوشيتد برس» تعليقاً على تنصيب ترامب، كتب دان بيري وبرادلي كلابر أنّ سوريا قد تكون أبكر ميادين تراجع أمريكا عن مبدأ إشاعة الديمقراطية ومساندة دولة القانون؛ بالنظر إلى ما أثاره ترامب من إمكانية الشراكة مع روسيا فلاديمير بوتين، والتلويح أيضاً باحتمال الاصطفاف مع نظام بشار الأسد في مسألة الكفاح ضدّ الإرهاب والعدو المشترك الذي تمثّله «داعش». ما يتغافل عنه كاتبا التقرير، مع ذلك، هو أنّ ذلك المبدأ كان زائفاً في الأصل، هكذا بدأ وهكذا يظلّ اليوم أيضاً؛ وأنّ ترامب لا يقوم بما هو أكثر من إعادة تدوير سياسة أوباما في سوريا، صراحة هذه المرّة، وليس مواربة!
وفي الخلاصة، هذا مشهد أمريكي يرثه اليوم الرئيس الخامس والأربعون، لكي يشارك في متابعة إنتاج أعرافه جمعاء، منطلقاً من قلب هذه الديمقراطية ذاتها التي أتاحت انتخابه على نقيض من مقولاتها التأسيسية تحديداً، وجعلت منه أمثولة الذروة بالقياس إلى سوابق مثل نكسون وريغان وبوش الابن.
 وإذا جاز القول إنّ شاغل البيت الأبيض الجديد هو ـ بدوره، واستئناساً بروحية تشخيص بيرمان ـ كرتون إمبراطوري، في طبعة أمريكية؛ فذلك لأن ترامب، أوّلاً وثانياً وثالثاً وعاشراً، نتاج أمريكي قلباً وقالباً: خرج من رحم أمريكا، ومن باطنها العميق، ولم يهبط البتة من المريخ!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

حصيلة أوباما:

وعود كاذبة وحروب مقنّعة

صبحي حديدي

 

حين فرغ الرئيس الأمريكي باراك أوباما من إلقاء خطبة الوداع لشعبه، في شيكاغو، قبل أيام؛ كانت إدارته قد ألقت 26.171 قنبلة، على سبعة بلدان: سوريا، 12.192؛ العراق، 12.095؛ أفغانستان، 1.337؛ ليبيا، 496؛ اليمن، 34؛ الصومال، 14؛ باكستان، 3. لكنه لم يحتسب هذا الرقم ضدّ إنجازاته، ولم يتطرّق إليه نهائياً، بل اعتمد العكس: سَوْقُ كلّ الإشارات، والإيحاءات، بأنه كان رئيس سلام، لا رئيس حرب؛ وأنّ خلق الوظائف، وإصلاح نظام التأمين الصحي، وتصفية أسامة بن لادن، هي الثلاثي الأبرز في منجزه الرئاسي.
والحال أنّ المرء لا ينكر على أوباما أنه، بالفعل، كان رئيس الداخل الأمريكي أكثر بكثير من الخارج العالمي؛ وذاك لم يكن حقّه فحسب، بل لعلّ البعض يساجل، عن صواب، أنه كان واجبه تجاه شعبه. ما لا يجوز نكرانه أيضاً، وفي المقابل، أنّ الرئيس الرابع والأربعين تعامى عن سلسلة وعود كان قد قطعها على نفسه؛ خاصة من موقعه كرجل تغيير رفع شعار «نعم، نستطيع!»، وكذلك لأنه ـ إذْ لا يصحّ إغفال هذا التفصيل، الحاسم ـ أوّل رئيس أفرو ـ أمريكي في تاريخ الولايات المتحدة. فكيف إذا كان قسط من تلك الوعود ينتهي إلى نقيض الصورة ـ الأخلاقية، على الأقلّ ـ التي ظهر عليها أوباما، وبَشّر بها، وقُدّم فيها.
الوعد الأول يتصل بمعتقل غوانتانامو، إذ كان أوباما ـ ومنذ أن استحق، رسمياً، صفة الرئيس المنتخب ـ قد وصف المعتقل بـ»الفصل الحزين في التاريخ الأمريكي»؛ معتبراً أنّ في وسع النظام القضائي الأمريكي أن يستوعب مختلف ملفات المحتجزين في المعتقل، لأنه أصلاً واقع خارج أراضي الولايات المتحدة. بيد أنّ طيّ صفحة هذا «الفصل الحزين» كان يقتضي إغلاق المعتقل، ليس أقلّ؛ وذاك قرار كان يرقى إلى مستوى واحد من أهمّ الاختبارات المبكّرة حول اقتران أفعال أوباما بأقواله أثناء الحملة الانتخابية. لهذا لجأ مساعدو الرئيس المنتخب إلى تسريب معلومات تفيد بأنّ الإدارة الجديدة تعكف على دراسة سلسلة مقترحات: إطلاق سراح البعض، ومثول البعض الآخر أمام محاكم جنائية أمريكية، وإحالة «حالات الخطر العالي» إلى محكمة أمريكية جديدة تتخصص في القضايا الحساسة التي تمسّ الأمن القومي…
لم يتحقق شيء من هذا، عملياً، أو بصفة ملموسة ذات تبعات قانونية يمكن القياس عليها؛ لسبب جوهري أول هو أنّ المعتقل لم يكن محض «فصل حزين»، رغم كلّ ما تثيره شروط الاحتجاز من حزن وأسى وتعاسة، بل كان، ويظلّ في المقام الأوّل، صيغة فاضحة ومعلَنة من بربرية أمريكية: قانونية، وحقوقية، وسياسية، وأخلاقية. وفي وضع المعتقل ضمن هذه الخلفية الأعرض، ثمة عبارة/ مفتاح، كان قد أطلقها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن في تبرير إنشاء هذا المعتقل العسكري، حين أقامته الإدارة في خليج غوانتانامو يوم 11 كانون الثاني (يناير) 2002، إلى جانب حزمة إجراءات أخرى خارجة عن القانون الدولي والقانون الأمريكي ذاته أيضاً، في سياقات ما أسمته بـ «الحرب على الإرهاب». قال بوش، يومئذ: «تذكروا… هؤلاء الأشخاص الموجودون في غوانتنامو قتلة، ولا يشاركوننا نفس القِيَم»… 
إنها، إذن، حكاية قيم، فكرية أو سياسية أو ثقافية أو حتى دينية؛ وليست مسألة قوانين مرعية وقضاء مستقلّ ومحاكم عادلة تنظّم شؤون الجريمة والعقاب. وأيّ انتهاك للحقوق الإنسانية والقانونية للأفراد المعتقلين في غوانتانامو مشروع تماماً، في منظار أوّل هو عدم انتماء المحتجَز إلى القيم الأمريكية؛ وأنّ تلك القيم تتمتع ـ في المنظار الأمريكي فقط! ـ بصواب أخلاقي مطلق، وبمنعة قانونية راسخة، فضلاً عن تسلحها بمختلف أنماط السطوة السياسية والعسكرية والاقتصادية. والثابت أنّ إعلان أوباما العزم على إغلاق المعتقل اكتنفته سلسلة من التصريحات المشوشة والمتناقضة، والتي ألقت بظلال الشكّ حول المدى الزمني لاقتران أقواله بالأفعال، لكي لا يذهب المرء أبعد في الظنون.
وهكذا، كان أوباما قد أبدى موافقته على إحالة بعض معتقلي غوانتانامو إلى القضاء العسكري الأمريكي، وليس إلى المحاكم الفدرالية المدنية؛ الأمر الذي ساجلت ضدّه جميع منظمات حقوق الإنسان، لأسباب جلية. وإذْ تحدّث الرئيس الأمريكي عن احتمال براءة الكثيرين من تهمة الإرهاب المنسوبة إليهم (بل ضرب مثلاً من خارج المعتقل: المواطن السوري ـ الكندي ماهر عرار، الذي اعتقلته السلطات الأمريكية في مطار نيويورك، وسلّمته إلى الأجهزة السورية، بتواطؤ من الشرطة الكندية، حيث تعرّض للتعذيب والاعتقال طيلة سنة ونيف، واضطرت الحكومة الكندية إلى الاعتذار منه وإعادة الاعتبار إليه بعد الإفراج عنه)؛ إلا أنّ المثول أمام قاض عسكري أمريكي لن يساعد كثيراً في إظهار البراءة، تماماً كما برهنت محاكمة حمزة البهلول وعمر خضر، على سبيل المثال.
الوعد الثاني الذي قطعه أوباما على نفسه كان الترخيص بنشر ما ستُسمّى «مذكرات التعذيب»، التي صدرت عن كبار مسؤولي وزارة العدل والبنتاغون في الإدارة السابقة؛ خاصة وأنّ ثلاثة كتب كانت قد تناولت الموضوع، على سبيل ارتياد حقائق ذلك الملفّ المشين: كتاب «فريق التعذيب: مذكرات رمسفيلد وخيانة القيم الأمريكية»، للمحامي البريطاني وأستاذ القانون فيليب ساندز؛ وكتاب جميل جعفر وأمريت سينغ، «إدارة التعذيب: سجلّ موثق من واشنطن إلى أبو غريب»؛ وكتاب مايكل راتنر، «محاكمة دونالد رمسفيلد: مقاضاة عن طريق كتاب»، بالتعاون مع مركز الحقوق الدستورية. وكانت هذه المؤلفات تنضم إلى سلسلة الأعمال والتحقيقات الصحافية التي بدأت من سيمور هيرش، ومرّت بأمثال مارك دانر وجين ماير ورون سوزكند وسواهم.
بيد أنّ فظائع «مذكرات التعذيب» الإدارية تلك لم تأت من ألبرتو غونزاليس، الذي كان وزير العدل في إدارة بوش الابن، أو من جاي بايبي وجانيس كاربنسكي أو دونالد رمسفيلد، فحسب؛ بل جاءت من أمثال جون يو، الأكاديمي المنظّر وأستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا، الذي زوّد الإدارة بالمسوّغات القانونية للتلاعب على اتفاقية جنيف! الإدارة كانت تعرف، إذن، بدليل التقرير الذي أعدّه العميد أنتونيو م. تاغوبا، وسلّمه إلى البنتاغون، وانطوى على 53 صفحة حافلة بوقائع رهيبة حول واقع السجون العراقية في ظلّ الاحتلال الأمريكي. يقول تاغوبا إنّ الجيش الأمريكي ارتكب أعمال تعذيب «إجرامية، سادية، صاخبة، بذيئة، متلذّذة»؛ يسرد بعضها، هكذا: صبّ السائل الفوسفوري أو الماء البارد على أجساد الموقوفين، الضرب باستخدام عصا المكنسة والكرسي، تهديد الموقوفين الذكور بالاغتصاب، اللواط بالموقوفين عن طريق استخدام المصابيح الكيماوية أو عصا المكنسة، واستخدام الكلاب العسكرية لإخافة الموقوفين وتهديدهم…
لكنّ أوباما ـ نفسه الذي نهض برنامجه الانتخابي الأول على نقيض أجندات سلفه في مسائل عديدة، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، في صلبها الموازنة بين خيارات الأمن القومي وقيم أمريكا الأخلاقية ـ أصرّ على عدم الذهاب خطوة أبعد، سواء في رفض تعيين قاض مستقلّ للتحقيق في المسؤولية عن «مذكرات التعذيب» تلك؛ أو التذرّع بضرورة الحفاظ على «مبدأ الإجماع» في مسائل الأمن القومي الأمريكي، الأمر الذي تساوى فيه مع معظم الرؤساء الأمريكيين السابقين، وبوش الابن على رأسهم. وتلك كانت أطوار المراوحة في المكان، التي أعقبتها خطوات إلى الوراء بالطبع، كما اقتضت الحال.
وحين تسلّم أوباما جائزة نوبل للسلام، فإنّ قصارى ما انتهت إليه خطبته، هذه الخلاصة: ثمة حروب عادلة، من الطراز الذي تخوضه بلدي في أفغانستان وفي العراق. أو، في صياغة أخرى: لستُ داعية سلام، ولا جنرال حرب، بل… محض رئيس أمريكي نموذجي، وكفى!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

هدنة ما قبل الأستانة:

الحاضر يُعلم الغائب!

صبحي حديدي

 

 

المبدأ الذرائعي في السياسة، والذي لا يُغفله إلا السذّج وطيّبو النوايا، يفرض على المرء أن يرى عاملَين اثنين، على الأقلّ، خلف التفاهمات الروسية ـ التركية التي انتهت إلى فرض الهدنة بين النظام السوري وبعض فصائل المعارضة.
ولعلّ العامل الأول، الروسي، يتمثل في حاجة موسكو إلى طراز، متقدّم كما تأمل، من الاستثمار السياسي لما بعد «انتصار حلب»؛ لا يتيح إجبار الطرف «المنهزم»، افتراضياً، على الذهاب إلى طاولة المفاوضات في الأستانة، فحسب؛ بل، كذلك، يُلزم النظام السوري، «المنتصر» افتراضياً أيضاً، على ملاقاة الاجتماع في العاصمة الكازاخستانية. وهذه ليست حاجة معنوية، وليست تظهيراً إعلامياً لذلك «الانتصار» في حلب؛ بل هي، أغلب الظن، عتبة أولى من ستراتيجية روسية تستهدف تقليص تورط الكرملين العسكري في سوريا، ما أمكن ذلك؛ دون التفريط في التوظيف السياسي لما أنجزه ذلك التورط حتى الساعة، بل العكس: الذهاب في استثماره خطوات أبعد.
الأرجح، على الجانب التركي، أنّ أنقرة بحاجة إلى استثمار هذه الستراتيجية الروسية، لجهة تطوير عمليات «درع الفرات»، ميدانياً على الأرض، وإتمام مساحة التوغل داخل الأراضي السورية على نحو يكفل إحكام الطوق أمام أي مسعى كردي نحو تطوير «الفدرالية»، أو الوصل بين مناطق سيطرة «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي، المتقطعة، على امتداد الحدود التركية ـ السورية، في الشمال. وما دامت موسكو قادرة على إحضار قوى كردية إلى مطار حميميم، تحت علم النظام، بل دفعها إلى إعادة تجزئة مفهوم «روج آفا» ذاته؛ فإنّ موسكو يتوجب أن تكون قادرة، أيضاً، ضمن ستراتيجية الاستثمار إياها، على استبعاد الكرد من المعادلة، وإنْ مؤقتاً، لصالح منح أنقرة الترخيص الضروري للوصول إلى بلدة الباب.
ثمة، إذا صحّ توصيف الحال هكذا، غائبان عن المشهد: واشنطن، وطهران. وغياب العاصمة الأولى ليس مردّه أنها منشغلة بمراسم تسلّم الرئيس المنتخب دونالد ترامب، بل أساساً لانّ السياسة الأمريكية في سوريا ما تزال تتخبط ضمن المعادلات المتضاربة، ذاتها، التي فرضتها «عقيدة» الرئيس الأمريكي باراك أوباما. ولقد سبق لبعض تلك المعادلات أن توصلت ـ ضمن تفاهمات مع موسكو، كذلك ـ إلى وقف لإطلاق النار في سوريا تمّ إسباغ الشرعية عليه في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، أواخر 2015؛ لكنه انتهى إلى فشل ذريع، وبقي حبراً على ورق. وهكذا فإنّ أقصى ما تستطيع واشنطن التدخّل فيه، بصدد الهدنة التي رعتها موسكو وأنقرة، هو بعض التشويش، عن طريق الحلفاء الكرد؛ وذاك، في كلّ حال، لن يرقى إلى مستوى التعطيل أو حتى العرقلة.
الغائب الثاني، طهران، لا يغيب إلا لأنه غير معنيّ بأية «هدنة» فعلية على الأرض، بل هو يواصل القتال حيثما تواجدت وحداته، من «الحرس الثوري»، إلى «حزب الله»، فالميليشيات ذات الهوية المذهبية الشيعية على اختلاف جنسياتها. وليس ما يتردد عن «خلاف» روسي ـ إيراني حول الوضع الراهن في سوريا ـ أو بالأحرى حول مشاريع موسكو في الاستثمار السياسي لما بعد «انتصار» حلب، تحديداً ـ سوى مآل طبيعي لتقاطع المصالح والغايات بين موسكو وطهران، وكذلك طبائع التوظيف البعيد أو القريب. وفي الحصيلة، إذا صحّ أن إيران هي عرّاب النظام الأول، مالياً وعقائدياً ولوجستياً؛ فإنّ موسكو هي عرّاب النظام العسكري، الذي بات أقرب إلى «متعهد» وصاية وضبط وحماية في آن، مفوّض من قوّة إقليمية كبرى هي… إسرائيل!
وكما تمخضت جنيف ـ 2 عن مسرح عبث لم يجدِ فتيلاً، ما خلا إراقة المزيد من دماء السوريين، وإطلاق يد النظام نحو حدود أكثر همجية في تدمير البلد؛ فإنّ الهدنة الراهنة، وتباشير الأستانة المقترنة بها، لا تتجاوز الطموح إلى الانطلاق من الصفر؛ بافتراض أنها بلغت ذلك الصفر، أولاً!

(القدس العربي)

 

 

(عقيدة) أوباما و«المعارضة» السورية:

المدفن أم مزبلة التاريخ؟

صبحي حديدي

 

 

 

بعد أشهر أولى قليلة، أعقبت انطلاق الانتفاضة الشعبية السورية، كانت مؤسسات «المعارضة» السورية الخارجية، خاصة تلك التي استقرت في اسطنبول، قد تمأسست، في صيغة مؤتمرات، ومجلس وطني لاحقاً؛ ثمّ استُقطبت، واستَقطبت ذاتها أيضاً، فتشرذمت إلى ولاءات عربية وإقليمية ودولية، وصارت تابعيات صريحة تارة أو مبطنة طوراً ـ «المعارضة» الأخرى، الداخلية، عقدت مؤتمرها الشهير في فندق سميراميس، الذي سوف تتشرذم مكوّناته بدورها إلى ولاءات وتابعيات مماثلة، أو منضوية «تحت سقف الوطن»، أو مكتفية بصيغة «هيئة التنسيق» التي لن يطول بها الزمن حتى تتشرذم أكثر، من داخل حال التشرذم إياها.
لافت، إلى هذا، أنّ المعارضتَين (دون استبعاد مجموعات أخرى مستقلة عن الطرفين، فضلاً عن معارضين أفراد هنا وهناك)، تقاسمتا سلسلة من التشوهات التي أصابت السياسة والتفكير والتنظير، ولم تغب كذلك عن السلوك والممارسة، وشملت موضوعات حساسة ذات بُعد ستراتيجي، وأخرى أقلّ أهمية وأقرب إلى تغذية التكتيكات الصغيرة. وتلك حال أسفرت، تلقائياً، عن ملفات سجال كثيرة، لعلّ أبرزها دار حول مسائل تسليح المعارضة (وليس «الجيش السوري الحرّ» وحده)، وعسكرة الشارع الشعبي؛ واستدراج المال السياسي («حتى من الشيطان الرجيم»، كما قد يقول قائل)؛ وتجميل التدخل العسكري الخارجي (كيفما أتى، وأياً كانت الجهة أو الجهات التي تتولى قيادته)؛ والتطبيع مع الخطاب الطائفي البغيض الذي يدين طوائف بأكملها (ولا يستثني، أيضاً، المعارضين للنظام من أبنائها، المنضوين مباشرة في مختلف أنماط الحراك الشعبي)…
غير أنّ السجال حول «صدقية» و»مصداقية» الموقف الأمريكي من الانتفاضة، سواء ذاك الذي كانت تعلنه الإدارة، أو يعتنقه ساسة أفراد ليسوا في السلطة، أو يعبّر عنه معلّق سياسي هنا، أو باحث مختصّ هناك؛ كان واحداً من الملفات الساخنة، أو الأسخن في الواقع. في ذلك الطور فات المعارضتَين ـ أولئك الذين في الخارج، ممّن أدمنوا اللقاءات بنساء ورجالات البيت الأبيض والخارجية الأمريكية والكونغرس ومراكز البحث والاستخبار المختلفة؛ وأولئك الذين في الداخل، واعتادوا لقاء السفير الأمريكي في دمشق، روبرت فورد، أو ممثلي الإدارة في هذه العاصمة أو تلك ـ أنّ جوهر الموقف الرسمي الأمريكي لم يقطع الرأي، البتة، في طيّ صفحة «الحركة التصحيحية»، ولم يستقرّ على سياسة ـ ملموسة وعملية وفاعلة، واضحة ـ تنتهي إلى إسقاط النظام.
كانت سلطة آل الأسد نظام استبداد وفساد في يقين هذه الإدارة الأمريكية، وربما جميع الإدارات منذ انقلاب الأسد الأب سنة 1970؛ وكانت جزءاً من كتلة أنظمة شرق ـ أوسطية بغيضة، في ناظر سادة البيت الأبيض، لكنها ظلّت خادمة وفية للمصالح الأمريكية، وضامنة موثوقة لأمن إسرائيل: بالحديد والنار والمجازر في الداخل، وبالمدافع الساكتة على جبهات القتال. كانت مسألة أخرى مختلفة تماماً، في المقابل، أن تتبنى واشنطن شعار «إسقاط» النظام، لأنّ هذا الخيار سوف يُلزمها بالمشاركة في سلسلة العمليات، السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية والاستخباراتية، الكفيلة بالتوصل إلى هدف الإسقاط هذا.
كذلك توجّب ألا تغيب عن لوجستيات ذلك الخيار عمليات محفوفة بمخاطر شتى، مثل إقامة المناطق الآمنة، والممرّات الإنسانية، وتأمين خطوط الإمداد في حال إقرار مشاريع تدخل عسكرية، وزرع الوحدات المكلفة بالعمليات الخاصة الحساسة، والارتباط مع الوحدات العسكرية أو المدنية الحليفة المحلية، في طول البلاد وعرضها وليس على خطوط جبهات منتقاة… وهذا كله، وسواه، كان يتناقض مع ما سُمّي بـ»عقيدة أوباما»؛ خاصة بعد أن تبلورت خلال رئاسته الثانية، وأعلنها مفصلة في خطبة عصماء، خلال حفل تخريج دفعة جديدة من ضباط «وست بوينت»، الكلية العسكرية الأمريكية الأشهر، ربيع 2014. إنها، كما نظّر لها بنفسه، لا تدعو إلى انعزال أمريكا عن كلّ نزاع لا يمسّ مصالحها، أو أمنها، أو ازدهارها الاقتصادي؛ ولكنها لا تنحاز، كذلك، إلى الرأي بأنّ إهمال تلك النزاعات سوف يشكل خطراً على أمريكا، في نهاية المطاف؛ بل هي في موقع ثالث وسيط، بين الاثنين.
قال أوباما: «لا أعتقد أن أياً من الرأيين يتجاوب تماماً مع مطالب هذه البرهة. من الصحيح تماماً أن نزعة الانعزال الأمريكية ليست خياراً في القرن الحادي والعشرين. ولا نملك خيار تجاهل ما يجري خارج حدودنا. وإذا لم تكن الموادّ النووية مؤمّنة، فإن هذا مصدر خطر على المدن الأمريكية. وإذْ تتوسع الحرب الأهلية السورية عبر الحدود، فإن الجماعات المتطرفة، المدرّبة على القتال، سوف تتزايد قدرتها على الوصول إلينا. وأي عدوان إقليمي يتواصل دون رادع، سواء في جنوب أوكرانيا، أو بحر الصين الجنوبي، أو في أي مكان آخر في العالم، سوف يؤثر في نهاية المطاف على حلفائنا، ويمكن أن يستجرّ جيشنا. لا يمكننا أن نتجاهل ما يحدث خارج حدودنا».
ومن جانب آخر، يتجاوز «هذه الاعتبارات الضيقة»، تابع أوباما: «أؤمن أننا أمام واجب، ومصلحة ذاتية الإلزام، في التأكد من أن أبناءنا وأحفادنا سوف يكبرون في عالم لا تُختطف فيه طالبات المدارس ولا يُذبح فيه الأفراد بسبب قبيلة أو عقيدة أو يقين سياسي. وأؤمن أن عالماً أكثر حرية وتسامحاً ليس واجباً أخلاقياً فقط، بل سوف يساعد في إبقائنا آمنين». حسناً، قد يبدو الكلام جميلاً، بل مبهجاً، يسير على نقيض تعطش أسلاف أوباما إلى حروب الغزو والاجتياح والتدخل؛ ولكن (وثمة «لكن» كبيرة هنا!)… كيف تُرجمت هذه الأقوال ذاتها، على الأرض، أوّلاً؟ وكيف، ثانياً، يودّع أوباما رئاستَيه هذه الأيام، حين يبدو التدخل الأمريكي في سوريا أشبه بأحجية تناقضات، بين ما تخطط له وزارة الدفاع، وما تحيكه المخابرات المركزية؟ بين «معتدلي» الجيش السوري الحرّ، وصقور الكرد؟ وبين تركيا على مشارف بلدة الباب، والقاعدة الأمريكية في الرميلان…؟
وهكذا، في إجمال الإجمال، ظلّ الموقف الأمريكي متصفاً بالتخبط، لكي لا يتخيل المرء حال جمود مفضّلة عن سابق قصد وتصميم، تواصل انتهاج قاعدة الابتداء ذاتها: أي «الهبوط السلس»، التي تفترض أنّ النظام السوري ساقط لا محالة، طال الزمان أم قصر، ولا حاجة لأمريكا بتورّط جديد بعد أفغانستان والعراق. ولا بأس، بين حين وآخر، من تلاوة صلاة تعاطف لراحة الشعب السوري الذي يُقتل بالمئات كلّ يوم، ولراحة سوريا التي يدمّرها نظام يرفع الشعار الفاشي الوحشي والبربري: «الأسد، أو نحرق البلد». وبهذا المعنى فإنّ أوباما لم يتهرّب من مسؤوليات القوّة الكونية الأعظم، أي تلك التي يتفاخر بها هو نفسه، وأسلافه من رؤساء أمريكا، فقط؛ بل سفّه «العقيدة» ذاتها، التي بشّر بها، أيضاً، وألقي بمصداقيتها السياسية والأخلاقية إلى حضيض بائس.
ولا يُلام الرجل، بعد هذا، حين يفضّل مصالح بلاده كما شخصها، على المصالح ذاتها كما فسّرها (وبئس التفسير والمفسّر!) فرسان المعارضتَين، الداخلية والخارجية، وكما خُدعوا بها، وبها خَدعوا شعبهم. وإذا جاز أن تذهب تلك «العقيدة» إلى مدفنها، يوم 20 كانون الثاني (يناير) حين يجري تنصيب الرئيس المنتخب دونالد ترامب؛ أو جاز إرسالها إلى مزبلة التاريخ، على وتيرة سابقاتها من عقائد هذا الرئيس أو ذاك؛ أو حتى جاز احتمال وسيط، كأن يتمّ تدويرها بعد إعادة إنتاجها لتصبح «عقيدة ترامب» المحسّنة مثلاً… فإنّ هذا كله لا يمسح أيّ مقدار من الخزي الذي حاق بفرسان «المجلس الوطني» و»الائتلاف» و»هيئة التنسيق» و»هيئة التفاوض»، رجالاً ونساء، شيباً ومراهقين، ممّن آمنوا بـ»ماما أمريكا»؛ ولعلهم، أو سوادهم الأغلب، على الحال ذاتها… صامدون!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

حلب و«المجتمع الدولي»:

مطاحن الإجرام والتواطؤ والنفاق

صبحي حديدي

 

خضعت حلب في الآونة الأخيرة إلى عدوان همجي منظّم ـ ضدّ البشر والحجر والزرع والضرع، سيان ـ وحرب تدمير شاملة، وتطهير وتهجير؛ اشتركت في إدارته وتنفيذه قوى عظمى دولية (روسيا)، وأخرى إقليمية (إيران)، وميليشيات مذهبية («حزب الله» وعشرات العصائب والألوية)، فضلاً عن بقايا ما تبقى من أجهزة النظام السوري وميليشياته. وهذا العدوان، في واحدة من سماته الكونية على الأقلّ، هو مثال جديد على عدد من الأمثولات العتيقة المتكررة، التي تصنع تاريخ النظام الدولي المعاصر، أو ذاك الحديث والحداثيّ بأسره لمن يشاء؛ وتنتج، وتعيد إنتاج، أخلاقياته ومعاييره وخطاباته وعلاماته.
ويكفي الآمل خيراً في هذا النظام أن يستعرض مظاهر الشدّ والجذب في أروقة الأمم المتحدة، واجهة ذلك النظام الرسمية؛ وفي عواصم عالمية ذات سلطة وقرار في تحريك النظام، مثل واشنطن وموسكو ولندن وباريس وبرلين. وفي المقابل، توفرت ردود أفعال مختلفة الطبيعة، في شوارع هذه العواصم وعلى مستوى تظاهرات الاحتجاج الشعبية ومنظمات المجتمع المدني؛ لا تذهب على نقيض حال الجمود والشلل التي عاشتها الحكومات، فحسب؛ بل تفضح، كما تكشف عورات، أكذوبة كبرى شاع استخدامها لدى القائلين بوجود، ثمّ إمكانية، إدامة هذا التكاذب المديد المفتوح، حول مسمى «المجتمع الدولي». 
مصيبة هذا المسمى، الذي بدأ غائماً وغامضاً وهكذا يواصل البقاء، لا تقتصر على ارتداده إلى سلوك سابق مكرور أثبتت الوقائع إفلاسه وعواقبه الوخيمة فقط؛ بل، كذلك، في أنّ الارتداد ينطوي على الانحطاط أكثر فأكثر، نحو عواقب أشدّ أذى وأبعد أثراً. وفي الماضي كانت صيغة الـ»كليشيه» المعتادة، عند اندلاع حروب إقليمية، تبدأ من مطلب وقف إطلاق النار فوراً؛ إنْ لم يكن بدافع النفاق ورفع العتب، فعلى الأقلّ بغية إفساح المجال أمام القوى الكبرى المعنية ببعض أو جميع أطراف الاقتتال (وهي، دائماً وأبداً، معنية بالضرورة!) كي تتساوم وتتفاهم وتتفق.
وهذه المرّة، لأنها تشارك في الحرب ضد حلب وفي تدميرها، ترفض موسكو وقف إطلاق النار، وتساندها الصين في الرفض، وتستخدم العاصمتان حقّ النقض لتعطيل قرار، هزيل أصلاً؛ وفي المقابل، لا تُسمع من أمريكا، القوّة الكونية الأولى، سوى تلك الجعجعة الأثيرة، التي بلا طحن. وكان في وسع المندوب الروسي لدى مجلس الأمن أن يذكّر زميلته المندوبة الأمريكية بتاريخ واشنطن الطويل في استخدام الـ»فيتو» إياه، ضدّ وقف إطلاق النار خلال العدوان الإسرائيلي في جنوب لبنان، عام 2006، مثلاً. كان في وسعه، أيضاً، أن يذكّر زميله المندوب البريطاني بما فعلت بلاد الأخير في المثال إياه؛ حين جارى توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا يومذاك، رغبة واشنطن في إسقاط واجب الحدّ الأدنى في الحروب، والمطالبة بوقف إطلاق النار.
من جانب آخر، أثبت الموقف من العدوان البربري على حلب أنّ أوروبا العملاقة الموحدة، القارّة العجوز العريقة وأمّ أنظمة الاستعمار وفلسفات الأنوار وأنظمة لديمقراطية في آن معاً؛ عاجزة تماماً عن اعتماد سياسة خارجية مستقلة قيد أنملة عن تلك السياسات التي تعتمدها الولايات المتحدة، مؤقتاً أو على المدى الستراتيجي، إزاء سلسلة طويلة من الملفات الدولية الشائكة، وعلى رأسها قضايا الشرق الأوسط بالطبع. الردّة، مع ذلك، أكثر فضائحية في مواقف القادة الأوروبيين، الذين أعادوا تذكيرنا بآخر مناسبة مماثلة لإعادة إنتاج المنتج القديم، في هيئة انحطاط أشدّ فضحاً لمسمّى «المجتمع الدولي».
وكيف تُطوى من الذاكرة المعاصرة، أو من أرشيف مسمّى «المجتمع المدني» ذاته، تلك الوقفة «الحربجية»، أي المناهضة لمفهوم وقف إطلاق النار، التي أتحفنا بها رهط من أبرز قيادات الديمقراطيات الأوروبية (سبعة بالتمام والكمال: الإسباني خوزيه ماريا أثنار، البرتغالي خوزيه مانويل باروسو، الإيطالي سيلفيو برلسكوني، البريطاني توني بلير، التشيكي فاكلاف هافل، الهنغاري بيتر ميجيساي، البولوني لاشيك ميللر، والدانمركي أندرس راسموسن)؛ حين اختاروا صحيفة «التايمز» البريطانية لتوقيع بيان مشترك يدعو إلى الحرب ضدّ العراق. وكيف يُنسى أنّ هؤلاء تجردوا، علانية، من الضمير، ومارسوا قلّة احترام الذات، واحتقار الشعوب، وغضّ البصر عن عذابات البشرية؟
ومن جانب ثالث، في وسع المندوب الروسي أن يردّ على الاتهام الموجه إلى بلاده ـ في أنها تستخدم مأساة حلب لإعادة تأكيد جبروتها العسكري وتصفية حساب ملفات أخرى مثل أوكرانيا وأسعار برميل النفط والعقوبات الاقتصادية… ـ عن طريق تنشيط الذاكرة العالمية، والتذكير بـ»فلسفة» الولايات المتحدة في غزو العراق. وكان وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، دونالد رمسفيلد، قد اعتبر الحرب على العراق فرصة «لاستئصال ازدواجية الموقف الأمريكي من استخدام القوّة، والتي خلّفتها فييتنام»؛ فضلاً عن تخليص البنتاغون من عقدة «الضربات الصاروخية» التي طبعت الحقبة الكلنتونية (والتي سخر منها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن نفسه). من جانبه كان ديك شيني، نائب الرئيس الأمريكي يومذاك، قد رأى في الحرب على العراق فرصة أيضاً، ولكن لتخليص الوجدان الأمريكي من «أشباح الستينيات: فقدان السلطة الأخلاقية والإحساس بأنّ أمريكا تضمحلّ أو تسير في الطريق الخطأ».
ومن جانب رابع، يستطيع المندوب الروسي تذكير زميلته الأمريكية بالأرقام التي تقول إن أمريكا تنفق على السلاح والجيوش والقضايا الأخرى الدائرة حول فكرة «الأمن القومي» ما يزيد على مجموع ما ينفقه العالم بأسره. وفي المشهد ذاته، قبل نشر عشرات الآلاف من القوّات الأمريكية في مشروع غزو العراق أو بعده؛ كان أكثر من نصف مليون عسكري أمريكي يتمركزون في 395 قاعدة عسكرية كبيرة، ومئات القواعد الثانوية الأصغر، في 35 بلداً أجنبياً. ومنذ الحرب العالمية الثانية وحتى عشية اندلاع حرب الخليج الثانية، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 200 مليار دولار لتدريب وإعداد وتسليح جيوش أجنبية في أكثر من 80 بلداً، أسفرت عن أكثر من 75 انقلاباً عسكرياً، وعشرات الحروب الأهلية التي تسببت في مئات الآلاف من الضحايا.
أخيراً، وفي غمرة ذلك كله، كانت تجري عمليات دائمة من «تصنيع» العدو وتأثيمه إلى المدى الأقصى الذي يبرّر التدخل العسكري، والغزو، والانقلاب، والحرب الأهلية. كانت هذه هي الحال مع سوريا المعاصرة، بعد بناما، مصر، البيرو، البرتغال، نيكاراغوا، التشيلي، جامايكا، اليونان، الدومينيكان، كوبا، فييتنام، كوريا الشمالية، لبنان، العراق وليبيا… وليس مهماً هنا أن يكون العدو إصلاحياً، أو ديمقراطياً، أو اشتراكياً، أو شيوعياً، أو إسلامياً. والولايات المتحدة، آنذاك كما اليوم أيضاً، تنفرد وحدها بموقع رائدة «العالم الحرّ» بامتياز، التي تفرض الثقة أو تحجبها، وتوافق أو لا توافق على هذه أو تلك من التعاقدات الدولية، بصرف النظر عمّن يبرمها.
لكن أجهزتها الأمنية ــ وتحت ستار «الأمن القومي» الأمريكي دائماً ــ شاركت في إسقاط أنظمة ديمقراطية أو إصلاحية منتخبة في غواتيمالا، غويانا، الدومينيكان، البرازيل، تشيلي، الأرجنتين، اليونان، أندونيسيا، بوليفيا، وهاييتي. كذلك شاركت الأجهزة ذاتها في مؤامرات خفية، أو عن طريق استخدام المرتزقة، ضدّ حكومات شرعية في كوبا، أنغولا، الموزامبيق، إثيوبيا، كمبوديا، تيمور الشرقية، الصحراء الغربية، سوريا، مصر، لبنان، البيرو، زائير، جنوب اليمن (سابقاً)، وجزر فيجي… وليس الحضور الأمريكي في سوريا، المتضارب بين خيارات وزارة الدفاع والمخابرات المركزية؛ وبين ثلاث مقاربات للمسألة الكردية، في سوريا والعراق وتركيا؛ سوى الوجهة الأحدث لتقلبات ومتغيرات ذلك الستار العتيق: «الأمن القومي».
وهكذا فإنّ حلب اليوم تعيد التذكير بالأمس القريب، مثل البعيد في الواقع، لأنّ سياسات الإجرام والتواطؤ والنفاق تُدار بلا توقف، في إيقاعات جهنمية، داخل مطاحن مسمّى «المجتمع الدولي»؛ حيث الجعجعة بلا طحن، دائماً.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

غارات إسرائيل في دمشق:

الأسد أو لا أحد… مع ذلك!

صبحي حديدي

 

في نيسان (أبريل) الماضي أقرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنّ الطيران الحربي الإسرائيلي شنّ، منذ ربيع 2011، «دزينة» من الغارات الجوية ضدّ أهداف لـ»حزب الله»، أو قوافل تنقل أسلحة للحزب، في أرجاء مختلفة من سوريا. وكان واضحاً في التشديد على أهداف تلك الغارات: أنها لم تستهدف قوات النظام السوري ذاتها، لأنّ إسرائيل لا تتدخل في «الحرب الأهلية» السورية. ويوم أمس ـ وعلى دفعتين: مرّة أمام سفراء الاتحاد الأوربي، وأخرى أمام لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست ـ أقرّ وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، بأنّ إسرائيل نفّذت بالفعل غارات في مدينة دمشق، وعلى طريق دمشق ـ بيروت، استهدفت منع وصول «أسلحة دمار شامل» إلى داخل لبنان، وترسانة «حزب الله» تحديداً. وهنا، أيضاً، شدّد ليبرمان على أنّ إسرائيل «ليست لها أية مصلحة» في «الحرب الأهلية السورية».
يسرح طيران إسرائيل الحربي، ويمرح، في الأجواء السورية؛ دون رادع، ليس من طيران النظام أو مضاداته، فحسب؛ وليس، أيضاً، من مختلف صنوف الأسلحة الإيرانية على الأرض السورية، بما في ذلك تلك التي هدد بها، ولا يكفّ عن التهديد، حسن نصر الله شخصياً، فحسب؛ بل أوّلاً، وأساساً، من الرادارات الروسية التي صارت ترصد أي عصفور يحلّق في أجواء سوريا. هذا، كله، ليس جديداً بالطبع، وقد تكرر قبل التورط العسكري الروسي المباشر في سوريا، مطلع خريف العام الماضي، وتكرّر بعد أن صارت موسكو سيّدة السماوات، وبعض الأرض، في سوريا. بل يمكن القول إنّ التواتر الروتيني للغارات الإسرائيلية داخل سوريا جعلتها «طبيعة ثانية»، مسلّماً بها كأمر واقع، مستدام!
لا جديد، كذلك، في الأكذوبة الإسرائيلية القائلة بأنّ لا مصلحة لإسرائيل في ما يجري داخل سوريا من صراع؛ لأنّ مسحاً بسيطاً لسلسلة الوقائع المقترنة بهذا الملفّ تثبت أنّ مصلحة إسرائيل كانت، وتظلّ حتى أمد غير منظور، مرتبطة بالحرص على بقاء آل الأسد في السلطة؛ أو، على نحو أكثر دقة: تفادي أيّ تغيير داخلي، سيما إذا كان ديمقراطي الآفاق وتحرّري الرؤية، يمكن أن يمسّ التعاقدات ـ المعلَنة، أولاَ، ثمّ الخافية ثانياً ـ بين إسرائيل ونظام «الحركة التصحيحية»، الأسد الأب ثمّ وريثه الابن، على حدّ سواء. وليس تصريح بشار الأسد الأخير، في حوار مع صحيفة «الوطن»، من أنّ «إسرائيل تبقى هي العدو»؛ إلا إعادة إنتاج لخطاب زائف عتيق سعى إلى ذرّ الرماد في العيون، حول حال العداء الوهمية هذه.
ومنذ البدء كان خيار إسرائيل هو المساعدة في المدّ بعمر النظام، اتكاءً على ثلاثة مسوّغات، بين أخرى أقلّ إلحاحاً:
ـ أنّ نظام «الحركة التصحيحية» حافظ على حدود الاحتلال الإسرائيلي للجولان، لا كما فعل أيّ نظام سوري سابق، منذ تأسيس الكيان الصهيوني؛ ولم يكن الوضع المسمى «حالة اللاسلم واللاحرب» إلا حال سلام الأمر الواقع، فعلياً، وعلى الأرض.
ـ أنّ أيّ نظام قادم على أنقاض «الحركة التصحيحية»، بصرف النظر عن محتواه والقوى الغالبة فيه، لن يكون أفضل حالاً لإسرائيل؛ بل الأرجح أنه سوف يكون أسوأ لأمنها، القريب والبعيد، بالنظر إلى الروابط التاريخية والجغرافية والشعورية العميقة التي شدّت، وستظلّ تشدّ، الشعب السوري إلى القضية الفلسطينية.
ـ وما دام جيش النظام استخدم ضدّ المعارضة، ويستخدم كلّ يوم، صنوف الأسلحة جميعها، من الدبابة والمدفعية الثقيلة إلى السلاح الصاروخي والجوّي، بما في ذلك البراميل المتفجرة، والقنابل العنقودية، والألغام البحرية والسلاح الكيميائي…؛ وما دامت المعارضة ليست مكتوفة الأيدي، فهي تدمّر الدبابة وتُسقط الطائرة وتقتل، مثلما يُقتل منها…؛ فإنّ إسرائيل رابحة من هذا الاهتلاك المتبادل، على المدى البعيد. الأصل في هذا حقيقة بسيطة تقول إنّ أفواج الجيش السوري النظامي، في سوريا المستقبل، ومختلف فصائل المعارضة، تظلّ في العمق قوّة معادية لإسرائيل، ومكمن خطر مباشر دائم. 
ظلت هذه الأقانيم الثلاثة راسخة ومعتمَدة، ولعب نتنياهو شخصياً دور الحَكَم الأخير في ترسيخ توازناتها، وتخفيف وطأة خلافات الرأي بشأنها، بين جنرالات الجيش وجنرالات الأجهزة الاستخبارية؛ حتى بعد أن طرأت على الوضع الميداني السوري تطورات نوعية «دراماتيكية»، في وصف نتنياهو نفسه، اقتضت الانحناء أمام الرياح العاصفة، وتغيير الدفة. وفي طليعة تلك التطورات أتى وصول بعض فصائل «الجيش السوري الحرّ»، ثمّ «جبهة النصرة» و»داعش» بعدها، إلى بلدات وهضاب الجولان المحتل؛ خاصة وأنّ خطوط الفصل بين القوى العسكرية على الأرض تشكّل طبوغرافية اختلاط معقدة بين قوّات الاحتلال الإسرائيلية وجيش النظام السوري ومراقبي الأمم المتحدة، ممّا يمنح مقاتلي المعارضة السورية أفضلية إرباك عالية للجميع، وللجيش الإسرائيلي أيضاً.
والأرجح أنّ سلسلة من الحقائق، التي اكتنفت تاريخ العلاقة مع النظام احتلّت الصدارة في تفكير نتنياهو وهو يتمسك بخيار الإبقاء على الأسد: المواقف التي اتخذتها «الحركة التصحيحية» منذ أواسط السبعينيات، في ملفات عربية كبرى ذات طابع إقليمي قومي إجمالاً (حرب الخليج الأولى، والثانية)؛ والتدخّل التدميري في الحرب الأهلية اللبنانية (احتلال البلد عسكرياً، وإخضاعه سياسياً وعسكرياً وأمنياً، وتخريب الحركة الوطنية اللبنانية، والتخاذل أمام الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982)؛ ومحاربة منظمة التحرير الفلسطينية على نحو خاص (حرب المخيمات، وشقّ المنظمة، ومطاردتها إلى سواحل طرابلس)… وكلها سياسات كانت تصبّ الماء في الطاحونة الأمريكية ـ الإسرائيلية.
ولعلّ نتنياهو استعاد، أيضاً، مفارقة أن يكون السلام الإسرائيلي مع النظام السوري مطلوباً بشروط قائمة على حسابات خارجية باردة تخصّ مستقبل النظام وضمانات أمنه إقليمياً ودولياً؛ في وقت شهد صدور ذلك التصريح/ القنبلة من فم الأسد الأب شخصياً، خلال لقاء مع عضو الكونغرس الأمريكي توم لانتوس: «إنّ مفهومي للسلام واضح، وحين أتحدث عن السلام الكامل فإنني أقصد السلام الطبيعي من النوع القائم اليوم بين 187 دولة في العالم»! الظروف الداخلية السورية، من جانبها، وضعت حكاية السلام تلك على جدول أعمال الحياة اليومية للنظام، التي كانت تقبل الحلول البطيئة والمتباطئة؛ قبل أن تمحوها مسألة ترتيبات توريث الأسد الابن، وهذه لم تكن تقبل إلا الحسابات الساخنة والحلول العاجلة.
ذلك الوضع الجدلي كان يفضي بالنظام إلى راعٍ واحد، عملياً، هو البيت الأبيض؛ حيث بيل كلنتون، الذي يتحرّق لحيازة نوبل السلام من بوّابة التسوية السورية ـ الإسرائيلية، بعد أن أفشل ياسر عرفات مساعيه في إغواء الأكاديمية السويدية! وهكذا، باتت خيارات الأسد الأب، الماهر في المناورة عادة، تمرّ من خرم إبرة؛ وفي السياسة يحدث كثيراً أن تضطر الميكيافيللية الماهرة إلى قدر كبير من التواضع، لكي تمرّ من ذلك الخرم الذي ينصبه التاريخ في البرهة القاتلة. وحين نطق الأسد الأب بـ»كلمة السحر»، على حدّ تعبير المعلق الإسرائيلي زئيف شيف، في لقاءيه مع كلنتون (في جنيف، ودمشق)؛ صار موقف البطء والتباطؤ يُطبخ على نار التوريث، وأمكن لرئيس وزراء إسرائيل يومها، إيهود باراك، أن يفضّل انتظار الوريث الآتي، بشار الفتى، على معاندة الحاكم الشيخ الموشك على الرحيل!
هذه كلها قسمة أولى، استراتيجية وتكتيكية في آن معاً؛ وعربدة الطيران الحربي في سماءات سوريا، قسمة ثانية، أخرى ومختلفة. وأمّا حصيلة القسمتين فهي بالغة البساطة: تسرح إسرائيل وتمرح وتقصف، متى شاءت؛ الأمر الذي لا يمنعها من الإصرار على خيار الأسد، أو… لا أحد!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

مؤتمر «فتح» السابع:

العواصف المقبلة أشدّ عتوّاً!

صبحي حديدي

 

مَنْ يصغي إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولكن تحت صفة زعيم «حركة التحرير الوطني الفلسطيني» (فتح)، سوف يحار في أمر «قائد» حركة تحرّر وطني لا يرى في الانتفاضات الشعبية العربية إلا صفة ربيع لا هو بالربيع، ولا هو بالعربي، لأنّ «ما يحصل الآن هو سايكس بيكو جديدة». وأمّا أوان الحيرة، فالأرجح أنه سيكون قصيراً، وربما عابراً، حين يتذكر المصغي إياه أنّ التصنيفات هذه قيلت في خطبة افتتاح المؤتمر السابع لـ»فتح»؛ وأنّ الرئيس/ القائد، القائل، خلع منذ سنوات طويلة كوفية مقاوم الاحتلال والمناضل من أجل «التحرير الوطني الفلسطيني»، وألقى عصا الترحال عند انشغالات بروتوكولية، بعضها دامع كئيب، مثل المشاركة في تشييع شمعون بيريس…
بيد أن عقابيل الرئيس/ القائد تهون، والحقّ يُقال، أمام ما تشهده الحركة ذاتها التي أعادت انتخابه خلال مؤتمرها السابع؛ الذي ينعقد بعد مؤتمر 2009 السادس، وهذا الأخير كان قد تأخر بعد استعصاء دام… 20 سنة! وللكاتب والحقوقي الفلسطيني مهدي عبد الهادي تشخيص طريف، صائب وبليغ، لمعضلات «فتح»، ينهض على أربع متتاليات لحرف الفاء: فلتان، فساد، فوضى، فتنة! وفي ضوء واقع الحركة كما تنقلها وقائع مؤتمرها الراهن، ليس من الواضح أنّ أياً من هذه المتتاليات قد فقد زخمه ـ إذا جاز الحديث عن زخم، هنا ـ أو تراجعت مفاعيله على تنظيم الحركة، وربما على بعض عقائدها أيضاً.
وبمعزل عن «فلتان» قيادات المنظمة، بين الداخل والخارج، وبين مجموعة الرئاسة ومجموعة فاروق القدومي ومجموعة أبو ماهر غنيم ومجموعة هاني الحسن (وإقصاء مجموعة محمد دحلان، ورهط «المتجنحين»!)؛ ثمّ بصرف النظر عن ارتطام الفلسفات، بين جيل المؤسسين وأجيال الكوادر الوسيطة والشابة، ما قبل الانتفاضة الأولى وما بعد اتفاقيات أوسلو؛ فإنّ ما جرى حتى الساعة بين أبناء «الشريحة الفتحاوية» الواحدة، ذاتها، لا يلوح أنه تعبير عن عافية من نوع ما، في ثقافة الحوار والخلاف، بل هو أقرب إلى مكوّنات انفجار داخلي لن يسفر عن انشقاق أو انشقاقات، فحسب؛ بل عن قطيعة جذرية، بعد كسور وصدوع. والأرجح أنّ في طليعة الأسباب التنظيمية التي صنعت فجوة السنوات العشرين بين مؤتمر وآخر كان هذا «الفلتان» تحديداً، سواء اتخذ صفة الخلاف حول السياسات الفلسطينية الوطنية العامة في مواجهة إسرائيل، أو في المحيط الإقليمي؛ أو دار جوهره حول نزاعات تنظيمية داخلية، بصدد قضايا متشعبة واسعة، صغيرة عابرة أو خطيرة مزمنة.
وفي ملفّ الفساد، كان فشل الحركة الذريع في الانتخابات التشريعية، مطلع العام 2006، هو الثمن الباهظ الذي توجّب أن يدفعه الفتحاويون لقاء تورّط بعض كبار قياداتهم في استغلال النفوذ والإثراء الفردي، مباشرة أو عبر الأبناء والشركاء والوسطاء والأزلام؛ وبلغ الأمر ذروة درامية قصوى حين شاع أنّ قيادياً من الصفّ الأوّل كان متعهد توريد الإسمنت إلى الشركات الإسرائيلية، التي تولّت بناء جدار العزل العنصري. ولقد أجمع الكثيرون على قبول تلك الخلاصة العجيبة التي تقول إنّ الناخب الفلسطيني لم يمنح حركة «حماس» تلك الأغلبية الساحقة في المجلس التشريعي، إلا لأنه كان يُنزل العقاب الشديد بحركة «فتح». ذلك، بالطبع، لا يلغي حقيقة أنّ اعتبارات أخرى كانت قد تدخلت في تكييف ميول الناخب الفلسطيني، مثل فشل اتفاقيات أوسلو وعجز السلطة الوطنية الفلسطينية ـ والحركة تُعتبر عمودها الفقري، وفصيلها الأبرز والأقوى ـ عن حلّ مشكلات المجتمع الفلسطيني، المعيشية اليومية منها، أو تلك التي تخصّ الإستيطان والإفراج عن السجناء الفلسطينيين وفتح المعابر وسواها.
في الجوهر البسيط كانت الأسئلة تسير هكذا: كيف، ولماذا، تمكنت «حماس» ـ الإسلامية، حديثة العهد، المنكفئة في غزّة أساساً ـ من اجتياح أيقونة الديمقراطية، أي صندوق الاقتراع، على ذلك النحو غير المنتظَر أبداً؟ وكيف، ولماذا، فشلت «فتح» ـ التاريخية، «العلمانية»، العرفاتية… ـ حتى في الحفاظ على حجمها السياسي كما كانت تؤكده الحسابات؟ وهل كان يكفي أن تكون بعض قيادات الحركة فاسدة، لكي يهبط بها الشارع الفلسطيني إلى ذلك الدرك المهين؟ أم أنّ المحاسبة على الفساد هي، أوّلاً، عقاب على فساد السياسات قبل فساد الذمم؟
مشروع الانقلاب الأمني/ العسكري/ السياسي، الذي أراد محمد دحلان تنفيذه في غزّة ضدّ «حماس»، صيف 2007؛ كان ذروة أخرى في الفوضى داخل الحركة، وتبعثُر قراراتها بين أجهزة سياسية وأخرى أمنية وثالثة أقرب إلى الإمارات الشخصية المستقلة. وليس أمراً غريباً، استطراداً، أن تصبح تلك المغامرة، ثمّ شخص دحلان نفسه، بنداً شبه دائم على الأجندات الفتحاوية؛ خاصة بعد تحميله المسؤولية المباشرة عن هزيمة الحركة في غزّة، استناداً إلى معطيات كانت قد توصّلت إليها لجنة التحقيق الثانية، المؤلفة من أعضاء اللجنة المركزية، الطيب عبد الرحيم وحكم بلعاوي وعبد الله الإفرنجي، إضافة إلى عضو المجلس الثوري عثمان أبو غربية. وكان الصحافي البريطاني دافيد روز قد نشر، في مجلة
Vanity Fair لشهر نيسان (أبريل) 2008، تحقيقاً مثيراً عن ذلك الحدث، اعتمد فيه على وثائق أمريكية رسمية عالية السرّية، تبرهن أنّ دحلان ـ في صفته الأمنية الممثّلة للسلطة الوطنية ـ قام بالتنسيق مع جهات أمريكية وإسرائيلية بالتخطيط لانقلاب أرادوا منه أن يتعشّوا بـ»حماس»، فتغدّت بهم!
والفتحاوي الذي وصف حركة «حماس» بأنها «إرهابية» و»انقلابية» و»تكفيرية»، كما فعل الرئيس الفلسطيني في خطاب ناريّ أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية (الذي، للإيضاح المفيد، لم يكن قد اجتمع منذ عام 2003!)؛ فماذا يسمّي ذلك الفتحاوي ناخبي «حماس» الذين صوّتوا لها بالأغلبية الكاسحة الشهيرة؟ هل هم، بدورهم، «إرهابيون» و»انقلابيون» و»تكفيريون» و»خونة»؟ وإذا كان رئيس كلّ الفلسطينيين (وليس الزعيم الفتحاوي فقط، أخلاقياً ودستورياً في الأقلّ) أطلق هذه الصفات على أبناء شعبه ناخبي «حماس»؛ فهل نلوم الخطاب الإسرائيلي أو الأمريكي إذا وضع الفلسطينيين، جميع الفلسطينيين، في خانة الإرهاب؟ وكيف صحا عبّاس، ذلك اليوم فقط، على هذه الحقائق الإرهابية الانقلابية التكفيرية الخيانية لحركة هزمت حركته التاريخية، وكلّفها بتشكيل حكومتين، ووقّع معها اتفاقاً ذهبياً في رحاب مكة المكرّمة، برعاية سعودية، وفي غمرة إغداق متبادل للمديح، وإهراق للنوايا الطيبة؟
ومع ذلك فإنّ الأهمّ أمام مؤتمر «فتح» يبقى حسن استثمار حقيقة كبرى أساسية تقول إنّ المجتمع الفلسطيني المعاصر، الواقع تحت واحد من أبشع الاحتلالات وأكثرها فاشية وبربرية على امتداد الذاكرة الإنسانية، ليس نابضاً بالحياة، فحسب؛ بل هو أكثر حيوية من معظم ـ لكي لا نقول: جميع ـ المجتمعات العربية الأخرى الواقعة تحت هذا الشكل أو ذاك من أنماط الاستبداد والشمولية والاحتلالات الخارجية المقنّعة أو حتى المباشرة. وهو مجتمع برهن على أنّ أنساق مقاومة الاحتلال كانت، وتظلّ، إطاراً تربوياً في ما يخصّ السياسة، وخزيناً فكرياً وأخلاقياً صانعاً للوعيّ العصري المتقدّم في ما يخصّ علاقات المجتمع المدني. والانتخابات، الرئاسية ثمّ التشريعية، التي سبق أن أُجريت تحت مجهر مراقبة غربيّ لصيق وصارم، برهنت أنّ هذا المجتمع علمانيّ الروح، تعدّدي المزاج، ديمقراطي السلوك، يقظ، ذو بصر غير حسير، وبصيرة غير قاصرة.
وأن تنتقل متتاليات الفلتان والفساد والفوضى والفتنة من المؤتمر الفتحاوي السادس إلى نظيره السابع، أمرٌ يصعب أن يهضمه مجتمع من هذا الطراز. وثمة، استطراداً، نُذُر عواصف عتيقة، تستجمع ذاتها في أخرى جديدة، أشدّ عتواً!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

كاسترو: أيقونة صالح في ثمود

صبحي حديدي

 

رحل الزعيم الكوبي فيدل كاسترو (1926 ـ 2016) عن إرث متناقض متلاطم، شخصي فردي وعامّ وطني، سياسي ونضالي وعقائدي؛ ظلّ، مع ذلك، وفي الحصيلة الإجمالية، مقترناً بهذه الجزيرة العجائبية، كوبا، التي كادت أن تشعل حرباً نووية بين عملاقَيْ القرن العشرين؛ وبقيت، في سياقات لا تقلّ عجباً، بمثابة جار/ خصم للقوّة الكونية العظمى، أقرب إلى «شوكة في الخاصرة، رغم أنها تبقى جزيرة ضئيلة الحجم، ضعيفة القوّة، جائعة ومحاصَرة.
من جانبي أحفظ لهذا الثوري العجوز سلسلة خيارات نبيلة، شاقة تماماً، ركن إليها في أزمنة عاصفة مصطخبة، ومناخات اغتراب عن العصر، وربما عن الأزمنة الحديثة جمعاء؛ سواء بعد انهيار، وتفكك، ما كان يُدعى «المعسكر الإشتراكي»، والعواقب الكونية، السياسية والاقتصادية والإيديولوجية، التي خلّفتها هذه الهزّة الكونية؛ أو بعد صعود، وترسّخ، العولمة في أنساقها المختلفة، والوحشية الهوجاء منها بصفة خاصة.
وأحفظ له، غنيّ عن القول، سلسلة أخرى من الخيارات النقيضة، المستبدة والطغيانية والفردانية؛ التي لا يلوح أنّ التاريخ قَبِل، أو سيقبل، أياً من العوامل والشروط والظروف التي ساقها كاسترو في تسويغ اتخاذها.
أحفظ، على سبيل المثال الأول، فلسفته بصدد علاقات الشمال والجنوب، والتي عرضها في خطبته الافتتاحية الشهيرة أمام «قمّة الفقراء»، في العاصمة هافانا، مطلع الألفية: «لم يسبق للبشرية أن شهدت مثل هذا الإمكان العلمي والتكنولوجي، وهذه القدرة الفريدة على إنتاج الثروات والرفاه. ولكن لم يسبق أن كانت اللامساواة واللاتكافؤ على هذه الدرجة من العمق في العالم»، قال كاسترو. وإذا كانت الأعاجيب التكنولوجية قد قلّصت الكرة الأرضية على مستوى الاتصالات والمسافات، تابع السجال، فإنّ هذه الأعاجيب «تتعايش اليوم مع الهوّة المتزايدة التي تفصل بين الثروة والفقر، وبين التطوّر والتخلّف».
أمّا العولمة فإنها «حقيقة موضوعية» تضع أبناء البشرية في مركب واحد، ولكنها لا تساوي بينهم في اعتبارات الغذاء السليم والماء النقيّ والرعاية الصحية واستخدام العلوم؛ هذه التي تحتكرها نسبة 15٪ فقط من راكبي المركب الواحد ذاته. ذلك لأنّ المركب إياه «مبنيّ على قدر من المظالم أكبر بكثير من أن يسمح له بالطواف ومواصلة هذا الدرب اللاعقلاني وصولاً إلى مرفأ آمن». هذه العولمة لا تشيع فلسفة أخرى سوى الليبرالية الجديدة في طبعتها الوحشية، ولا تُعَوْلم التنمية بقدر ما تعولم الفقر، ولا تحترم سيادة الأمم بقدر ما تنتهكها يومياً. وليس أدلّ على اختلال التوازن في علاقات أبناء المركب الواحد من حقيقة أنّ النموّ الدولي خلال الربع الأخير من عمر الألفية الثانية لا يرقى إلى نصف ما كان عليه بين أعوام 1945 و1975.
أحفظ، في مثال ثانٍ، تلك المقارنة المفزعة التي عقدها كاسترو، بين مسؤولية النظام النازي عن جثث الهولوكوست، ومسؤولية النظام الاقتصادي العالمي الراهن عن جثث الجائعين في أفريقيا. كم من المرّات لجأت شاشات التلفزيون الغربية إلى تحذير مشاهديها من أنّ المشاهد التالية قد تكون «مؤذية» للمشاعر: أطفال يرضعون من أثداء ضامرة تحوم حولها أسراب ذباب ليست أقلّ جوعاً، وأطفال يُدفنون بعد أن التصقت جلودهم بالعظام ونفقوا جوعاً (والفعل «نفق» يخصّ الماشية عادة، لمن ينسى أو يتناسى)، ورجال ينبشون الرمل بحثاً عن عروق وجذور ودرنات… أيّاً كانت؟
وكاسترو لم يكن يفتقر إلى الأرقام ذات الإيحاءات المأساوية الهولوكوستية: في عام 1973 تأثر بالمجاعة نحو ثلاثة ملايين آدمي، وفي عام 1984 بلغ الرقم 7.8، وفي عام 1991 انخفض قليلاً ليبلغ… 6.2 مليون. مجاعة سنة 2000، حين انعقدت قمة الـ77 في مطلع ألفية جديدة، كانت تهدد 7.8 مليون نسمة في إثيوبيا، و2.7 مليون في كينيا، و1.2 مليون في الصومال، و1.6 مليون في بروندي؛ هذا إذا وضعنا جانباً أعداد المتأثرين في إريتريا ورواندا وأوغندا وجيبوتي والسودان.
ويبقى أن النظام الذي خلّفه كاسترو ليس ديمقراطياً، وفق معايير الحدّ الأدنى من أيّ تعريف سليم متفق عليه لمفهوم الديمقراطية؛ بل هو أقرب إلى ديكتاتورية الحزب الواحد في كلّ ما يخصّ حرّيات أساسية مثل التعبير والصحافة والتظاهر والتعددية الحزبية والقضاء المستقلّ؛ وهذا توصيف لم يسبق لي، شخصياً، أن أغفلته في أيّ تثمين للتجربة الكوبية.
في الآن ذاته لم أخفِ يقيني بأنّ حجم المشكلات الداخلية والخارجية الهائلة التي جابهتها كوبا، داخلياً وخارجياً، يجعل سجلّ إنجازات النظام أرفع من أن يُقارن بالغالبية الساحقة من أنظمة العالم الثالث؛ خاصة تلك التي سُمّيت ذات يوم «ثورية» أو «تحرّرية» أو «تقدّمية».
ولأنه بات غريباً، كصالح في ثمود، أو حتى بمعنى الاغتراب الهيغلي الذي يكرّس انفصال الذات عن روحها الاجتماعية؛ فالأرجح أنّ نموذج كاسترو انطوى نهائياً، في مستواه الأيقوني، ربما قبل سنوات سبقت رحيله الجسدي!

 

 

ترامب بين أصوليتين:

«منقذ» في المسيحية…«مخلّص» في اليهودية

صبحي حديدي

 

أشارت مواقع إسرائيلية، وكتب معلّقون إسرائيليون راسخو العلم في شؤون وشجون المجموعات الإسرائيلية اليمينية المتدينة، والمتشددة تحديداً، أنّ شرائح واسعة من هذه المجموعات ترى أنّ انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة يمثّل «معجزة إلهية». كما تنظر إلى شخص الرجل «وكأنه المخلّص المنتظر»، حسب توصيف موزال موعالم، معلّقة الشؤون الحزبية في موقع «يسرائيل بالس»، لأنّ ترامب سوف يسمح بتهويد الضفة الغربية والقدس المحتلة، وسيحقق البرنامج السياسي لليمين الإسرائيلي، خاصة إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية.
تقارير أخرى، وتعليقات مماثلة، يمكن العثور عليها مترجمة إلى العربية في موقع «عربي 21»، بينها ما كتبه بن كاسبيت، أحد أبرز المختصين في سياسات مجموعات اليمين الإسرائيلي المتدين، من أنّ «فورة الفرح» التي اجتاحت هذه المجموعات كانت تشبه ما وقع بعد هزيمة جيوش الأنظمة العربية في حرب 1967.
ونقل كاسبيت عن وزير التعليم المتدين، نفتالي بينيت، الذي يحدث أنه رئيس حزب «البيت اليهودي» أيضاً، قوله إنّ «ترامب يمثّل المسيح المخلّص»، وهذا ما جعله «يطالب بضمّ الضفة الغربية لإسرائيل، إلى جانب إعلانه موت حلّ الدولتين».
فإذا صنّف المرء هذا كلّه في باب هستيريا التشدد الفقهي اليهودي، وثمة هنا فصول أكثر إثارة للعجب، أو في باب خبل التأويل، الناجم عن فورة الفرح الغشيم إياها، فإنّ الأدهى، والأهمّ دلالة، هو مواقف مجموعات الضغط اليهودية، المنحازة إلى إسرائيل على نحو أعمى، إزاء بعض الشخصيات التي رُشحت لاحتلال مناصب رفيعة في فريق إدارة ترامب. على سبيل المثال الأول، عُيّن ستيف بانون مسؤولاً عن ستراتيجيات البيت الأبيض، وكبير مستشاري ترامب، فسكتت عن التعيين أبرز مجموعة ضغط إسرائيلية في أمريكا، الـ«إيباك»، رغم أنّ بانون متهم بمعاداة السامية، وباتخاذ مواقف عدائية من اليهود. كذلك رفض الخوض في الموضوع ـ على غير العادة، بالطبع! ـ غالبية المعلّقين الأمريكيين الذين اعتادوا التطبيل لإسرائيل، والتزمير عند أدنى بارقة خطر تتبدى في واشنطن ضدّ تل أبيب.
ثمّ إذا انتقل المرء إلى أمريكا ذاتها، وإلى المجموعات المسيحية المتشددة، في صفوف البيض تحديداً (وهم أمضى أسلحة الحزب الجمهوري، في مواسم الانتخابات خصوصاً)، فإنّ المؤشرات تقول إن غالبية ساحقة من هؤلاء اختاروا ترامب، بل خاضوا معارك شرسة، «من باب إلى باب» كما يُقال، لدعم حملته، وتسهيل انتخابه. ورغم الارتياب في حقيقة إيمان ترامب، من زاوية دينية مسيحية، فإنّ 80٪ من الناخبين الإنجيليين البيض صوتوا له مقابل 15٪ من الإنجيليين السود والهسبان. وكما هو معروف، انبثقت الحركات الإنجيلية في أواسط القرن العشرين، وبدت غير مكترثة بالسياسة والتحزب، حتى اجتذبتها إلى المعمعة قوانين تشريع الإجهاض، مثلاً، وكانت سنة انتخاب جيمي كارتر، «المتدين» و»الورع» كما صُوّر يومئذ، بمثابة الذروة في التنشيط السياسي للحركات الإنجيلية.
طريف، في المقابل، أنّ هذه الشرائح تتلاقى مع تلك الشرائح اليهودية المتدينة في إسرائيل، حول سلسلة من التفسيرات الفقهية، توراتية المنابع، حتى إذا ظلّت قاصرة في التفسير أو مفرطة في التأويل. ثمة نظرية متكاملة (جرى التبشير بها في القرن الثامن عشر)، تقول بعودة يسوع إلى عالمنا هذا لتخليصه من الشرور، وذلك حين تكتمل جملة شروط: قيام دولة إسرائيل، ثمّ نجاحها في احتلال كامل «أرض التوراة»، أي معظم الشرق الأوسط، وإعادة بناء الهيكل الثالث في موقع، وعلى أنقاض، قبّة الصخرة والمسجد الأقصى، وأخيراً، اصطفاف الكفرة أجمعين ضدّ إسرائيل، في موقعة ختامية سوف يشهدها وادي أرماغيدون (دون سواه!)، حيث سيكون أمام اليهود واحد من خيارين: إمّا الاحتراق والفناء، أو الاهتداء إلى المسيحية، الأمر الذي سيمهّد لعودة المسيح المخلّص!
وكما هو معروف، هنالك سلسلة ولايات تُلقّب بـ «حزام التوراة» نسبة إلى شدّة تديّن أبنائها. وثمة شبح يجوس ليالي، ونهارات، كبار ممثّلي الحزب الجمهوري، خاصة حين تأزف مواعيد انتخابات الكونغرس أو الانتخابات الرئاسية، متخذاً هيئة كابوس يحمل الويل والثبور عند البعض، أو هيئة ملاك حارس يحمل البشرى والسند عند البعض الآخر. وهذا شبح من لحم ودمّ، صاخب، مشاكس، لا يكفّ عن اتخاذ المواقف وإطلاق التصريحات التي تضعه على كلّ شفة ولسان: إنه ماريون غوردون (بات) روبرتسون، المؤسس والزعيم التاريخي لمنظمة «التحالف المسيحي»، أكثر الحركات الدينية القاعدية نفوذاً وسطوة في السياسة الأمريكية المعاصرة.
روبرتسون ذهب إلى حدّ وضع ترامب في مصافّ يسوع، وحكى للمؤمنين هذه «الرؤيا»: «زارني الله في المنام ليلة أمس وأراني المستقبل. أخذني إلى السماء، وهناك رأيت دونالد ترامب جالساً على يمين الربّ مباشرة». أيضاً، استهجن روبرتسون ما تردد حول فضائح ترامب الجنسية، معتبراً أنه «عنقاء سوف تنهض من الرماد»! وليس من الحصافة أن يُنظر باستخفاف إلى موقف كهذا، أو أن يهمله المراقب المعنيّ بالديناميات الداخلية لمشهد الحركات الأصولية المسيحية، من الطراز الذي يقوده روبرتسون على وجه التحديد. الرجل كان مرشّح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية التمهيدية لعام 1988، وحركته تضمّ ما يزيد على 1.2 مليون عضو منتسب، وتُقدّر لائحة بريدها الإلكتروني بنحو 2.8 مليون عنوان، وتدير إمبراطورية هائلة عمادها التبشير الديني المتلفز عبر عشرات الشاشات، التي بينها الشبكة المعروفة
CBN، فضلاً عن «قناة الأسرة» المستقلة، والعديد من الإذاعات، وجامعة معلنة واحدة على الأقل هي جامعة ريجنت، و«المركز الأمريكي للقانون»
فوق هذا وذاك، التفّ ويلتفّ حول المنظمة كبار أفيال الحزب الجمهوري، ممّن يشغلون أرفع المسؤوليات في الكونغرس (حين يكون الحزب خارج السلطة)، وفي البيت الأبيض حين يكون الرئيس جمهورياً، واللائحة أطول من أن يفصّل المرء أسماءها الشهيرة ومواقعهم الحساسة. والمنظمة، إجمالاً، تسيطر على ممثلي الحزب الجمهوري في أكثر من 12 ولاية، بما في ذلك تكساس وفلوريدا، ولوائحها للانتخابات المحلية بمختلف صنوفها تحصد عادة نسبة تتراح بين 40 و60٪. وفي انتخابات 2000 الرئاسية، كان السناتور الجمهوري جون ماكين (المرشّح آنذاك لبطاقة الحزب) قد اضطرّ إلى خوض معركة شرسة ضدّ روبرتسون، المتحالف مع جورج بوش الابن، قبل أن يلعق جراحه، ويطوي جناحيه، وينسحب من معركة الترشيح.
وفي صيف 2006 سارع روبرتسون إلى إسرائيل، لكي يصلّي مع رئيس وزرائها آنذاك، إيهود أولمرت، من أجل انتصار جيشها في عدوانه البربري على لبنان. هنا فقرة ممّا فاضت به روحه من «مشاعر» خلال تلك الصلاة: «أنا هنا لكي أقول إنني أحبّ إسرائيل. أنا هنا لكي أقول إنّ المسيحيين الإنجيليين في أمريكا يقفون مع إسرائيل في كفاحها. ومن أجلنا جميعاً، لا ينبغي لإسرائيل أن تخسر هذا الكفاح. أعتقد أنّ شعب إسرائيل يعرف أصدقاءه، ويعرف أنّ أصدقاء إسرائيل هم المسيحيون الإنجيليون». ختام تلك «المشاعر» كان المزاودة على أعتى صقور الدولة العبرية، حين اعتبر روبرتسون أنّ مرض أرييل شارون هو «عقاب إلهي»، سببه قرار الأخير بالانسحاب من غزّة!
فهل من الغرابة، والحال هذه، أن تتقلّب النظرة إلى ترامب عند الأصوليتَيْن، اليهودية والمسيحية، بين «المعجزة» و«المنقذ»، دون أدنى اكتراث بسجلّ الفضائح والمخازي، أو بأمزجة العداء للسامية، لدى بعض رجالات الإعجاز والإنقاذ؟ أو، بالأحرى، هل من الحكمة أن يتناسى المرء أنّ التقاء المصالح، في غمرة هستيريا التأويل وعماء التشدد، على غرار ملتقى الأصوليتَيْن، هو القاعدة وليس الاستثناء؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس


(القدس العربي)

 

 

طارق علي:سبحان الذي يغيّر!

صبحي حديدي

 

ترعرع طارق علي وسط مظاهر الرفاه التي تلفّ أرجاء بيت الأسرة الضخم في لاهور، رغم أنّ الوالد كان رئيس تحرير الصحيفة الاشتراكية «باكستان تايمز»، وأنّ الوالدة بكت بحرقة حين علمت بوفاة جوزيف ستالين. كان طارق وقتها في العاشرة، يكبر مع الأفكار الاشتراكية التي تمتزج بين الحين والآخر بمسحة ليبرالية غربية، ينقلها صديق الأسرة، ذو الفقار علي بوتو. بعد أربع سنوات، سوف يقود الفتى تظاهرة طلابية ضدّ الحكم بالإعدام على رجل أسود في الجنوب الأقصى من الولايات المتحدة، اتُهم بسرقة دولار واحد.
تلك كانت التظاهرات التي ستقوده إلى سلسلة، متعاقبة مديدة، من التظاهرات؛ في لندن وأكسفورد خاصة، حيث ترأس اتحاد الطلاب، وشكّل رويدا رويدا ما سّمته بريطانيا «ظاهرة طارق علي». إنه الآن تروتسكي مشاغب، ساخط حانق، يحتجّ على أي شيء، وتختلط رطانته الماركسية بطوباوية آسيوية مسلمة، وعبث طفولي؛ فضلا عن «كلاشنيكوف لفظي» هادر أبدا، أفقد حزب العمال البريطاني جناحا يساريا عريضا، ضمّ عددا لا يُستهان به من خيرة الكوادر الشابة.
في أواسط ستينيات القرن الماضي، لفت علي أنظار برتراند راسل، الفيلسوف الشيخ المنهمك في إدارة «حملة التضامن الفيتنامية»، فعهد إليه بأكثر المهامّ حساسية: الندوات المتلفزة. وعلى يديه، مع انصرام العقد، طوّرت الحملة بُعدا بريطانيا خاصا انطوى على تعرية الكثير من العفن المقترن بالمملكة؛ فتنوّعت أساليب الاحتجاج، وتراوحت بين تظاهرات الطلاب، والافتتاحيات اللاهبة في «القزم الأسود»، الصحيفة نصف الشهرية التي أطلقها علي وترأس تحريرها. وبعد توقف حملة فيتنام، قاد علي تيار «المجموعة الماركسية الأممية»، التي انشقت عن الأممية الرابعة، وانتهجت طريق الصدام المتواصل مع معظم التيارات التروتسكية العالمية الأخرى، أو جميعها في الواقع.
في السبعينيات خبا نجمه حين مُني بهزيمة تلو الأخرى على صعيد تكهناته السياسية، حتى قيل إنه أخطأ على طول الخطّ، وفي كلّ القضايا التي تحزّب لها أو نظّر حول مآلاتها، وفي كلّ العواصم التي زارها وبشّر فيها بثورة وشيكة.
وحدها القناة الرابعة في الـ
BBC وفّرت له الغطاء الذي وقاه شرّ الغضب الثاتشري والمدّ المحافظ، فتابع شغبه (الذي بات الآن من طراز «ناعم»!)، عبر برنامجه «ملفّ باندونغ»، ثمّ سيرته الذاتية «سنوات قتال الشوارع»، ومسرحيته «ليال إيرانية» التي تفتح ملفّ سلمان رشدي، و»ذهب موسكو» بالاشتراك مع هوارد برنتون وفرقة شكسبير الملكية.
لكنّ الرجل أخذ يتغيّر، كما هو ديدن البشر أجمعين؛ وإنْ على نحو أشبه بالسير على الرأس، بدل القدمين!
«طارق الأحمر» صار طارق علي فقط؛ والوجه الغاضب أبدا، ارتدّ إلى ملامحه الأرستقراطية الآسيوية؛ وخطابه غادر مفردات السخط إلى هدوء الناظر إلى التاريخ من عين النسر، وعبر انكسارات الحاضر؛ وعنفوان الصبا خمد، كثيرا، فغادر سخونة البيان السياسي إلى سكينة النصّ الروائي، في موضوعات تاريخية غالبا. غير أنّ علي لم يفلح في عبور تلك الهوامش، القاطعة الحادّة أحيانا، التي تفصل سرد الروائي عن حزب الناشط ولافتة الناقد الاجتماعي؛ وذلك لأنّ العمل الفني الذي يسعى إلى نقد حالة اجتماعية ما، أو يعيد كتابة وقائع تاريخ من منظورات حكائية، قد يحقق تسعة أعشار الأغراض المرسومة في ذهن صاحب العمل؛ لكنه لن يبلغ الدرجة الكافية من الصدق الموضوعي، وبمعزل عن ذاك الفنّي بالطبع، ما دام الفنان متحزبا أصلا، وسلفا.
وحين تتعثر المشاريع الكبرى، أو تفشل، فينكسر ما ارتبط بها من أحلام، وينهار ما صعد معها من قِيَم، أو ينقلب رأسا على عقب؛ فإنّ الناقد الاجتماعي، على شاكلة علي تحديدا، يجد نفسه في متاهة الانفكاك عن التحزب أو التحزبات القديمة، وعلى مفترق طرق قسري، أو يكاد: إمّا أن يدافع، بعينين مغلقتين، عن «السلّة» العقائدية التي اعتنقها، وصنعت هويته الفكرية، ثمّ تسللت إلى أسلوبيته الفنية أيضا؛ أو أن ينقلب إلى خليط متشابك، ومتناقض أحيانا، من المواقف والآراء والتأويلات، التي تتحدد أولى وظائفها في التذكير بـ»السلّة»، دون سواها.
وهكذا، كانت روايات مثل «ليلة الفراشة الذهبية»، وقبلها «ظلال شجرة الرمان» و«كتاب صلاح الدين» و«امرأة الحجر»، و«سلطان في باليرمو»؛ ومؤلفات سياسية مثل «صدام الأصوليات: الحملات الصليبية، الجهاديون، والحداثة»، و«بوش في بابل: إعادة استعمار العراق»، و«بروتوكولات حكماء سدوم»، و«قراصنة الكاريبي: محور الأمل»… تسعى، بين أغراض أخرى بالطبع، إلى التذكير بـ«طارق الأحمر»، التروتسكي المشاغب النزق الراديكالي، تحت توقيع طارق علي.
وهكذا أيضا، ولكن في المقابل، تقلّبت مواقفه من الانتفاضة السورية، فبدأ من الترحيب بها بحرارة قصوى، طافحة بالحرارة التروتسكية («الشعب على حقّ دائما»!)؛ ثمّ انتهى إلى تبرئة النظام السوري من ارتكاب المجازر، بما في ذلك الهجمات الكيميائية على الغوطة. ولكي تتطابق مواقفه، أكثر مع نظيره الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك، أعلن علي أنه لا يجد كبير فارق بين هيلاري كلنتون ودونالد ترامب، بل كاد أن يردد صدى جيجيك في دعوة أمريكا إلى انتخاب ترامب!
تغيّر طارق علي، إذن، مرارا؛ وسبحان الذي لا يتغيّر!

(القدس العربي)

 

مأساة ترامب وملهاة جيجيك

صبحي حديدي

 

لعلّ سلافوي جيجيك، الفيلسوف والناقد الثقافي السلوفيني الشهير، أكثر الناس تحمساً للبرهنة على جدارته بلقب خاصّ اقترن باسمه منذ سطوع نجمه: أنه إلفيس برسلي الفلسفة، بمعنى يُردّ إلى اشتهار المغنّي الأمريكي الراحل بالرقص القائم على الاهتزاز والنواس والتذبذب. والرجل الذي اعتاد مزج فلسفة هيغل بالنكتة القديمة السلافية أو اليهودية، والتحليل النفسي حسب لاكان بفيديوهات السخرية من الألبان والبوسنيين؛ اهتزّ أخيراً، ثمّ ناسَ وتذبذبَ، ليخرج بـ«أطروحة استفزازية» كما وصفها بنفسه، مفادها أنّ دونالد ترامب، المرشح للرئاسة الأمريكية عن الحزب الجمهوري، هو «ليبرالي الوسط»، أوّلاً؛ وهو، ثانياً، أقلّ خطراً من هيلاري كلينتون، مرشحة الحزب الديمقراطي؛ الأمر الذي يدفع جيجيك، ثالثاً، إلى حضّ الأمريكيين على انتخابه.
ولكي يُنصف الرجل، الذي يحظى بشعبية واسعة عالمياً (ولدى «يسار الممانعة» العربي، خاصة)؛ هنا اقتباسات شبه حرفية من تصريحاته في تبرير الموقف المؤيد لانتخاب ترامب. ففي حوار نظمته صحيفة الـ«غارديان البريطانية»، وأداره غاري يونغ، أواسط نيسان (أبريل) الماضي؛ قال جيجيك: «إقرأ ترامب جيداً ـ وأعرف أن هذا الأمر صعب ـ فإذا أفلحتَ في استبعاد حماقاته العنصرية والجنسية، سوف ترى أنه هنا وهناك، وحيث يقدّم مقترحات متكاملة، ليس سيئاً أبداً». وأيضاً: «ترامب مفارقة: إنه بالفعل ليبرالي الوسط، ولعله أيضاً أقرب إلى الديمقراطيين في سياساته الاقتصادية، وهو يسعى يائساً لإخفاء الأمر. وهكذا فإنّ وظيفة كلّ هذه النكات القذرة والحماقات هي التغطية على حقيقة أنه سياسي عادي تماماً من خطّ الوسط».
فاضح، دونما حاجة إلى أيّ تفلسف، أنّ النجم الهيغلي ـ اللاكاني يستسهل تصريف سياسات تمييز عنصرية وجنسية جسيمة وخيمة العواقب، إلى محـــــض «حماقات»؛ قبل أن يستسهل، بل يحضّ على، استبعادها من النقاش!
وفي مطلع حزيران (يونيو) الماضي، خلال حوار مع سيرجيو كانتوني على فضائية «يورونيـــــوز»، سُئل جيجيك إنْ كانت أمريكا تشهد ثورة مع ترامب، فأجاب: «بالطبع. ترامب مقزز كشخص، بنكــــاته العنصرية الرديئة، وابتذالاته، وما إلى ذلك. ولكن هل لاحظتَ، في الآن ذاته، كيف قال أشياء صحيحة تماماً عن فلسطين وإسرائيل؟
قال إن علينا أيضاً أن نرى المصالح الفلسطينية ونقارب الموقف بطريقة أكثر حيادية. قال إنه لا يتوجب علينا الاكتفاء بمنازعة روسيا، بل البحث عن حوار معها. حتى أنه طالب برفع الحدّ الأدنى للأجور. وألمح إلى أنه لن يلغي نظام الرعاية الصحية الذي أدخله أوباما». فهل ترامب ليبرالي وسط؟
يجيب جيجيك: «هذه هي أطروحتي الاستفزازية! لأنك إذا مسحتَ السطح المضحك، وأقرُّ بأنه خطير أيضاً، فإنّ ترامب مرشح وصولي ولعلّ سياسته الفعلية ليست سيئة أبداً»! والحال، هنا أيضاً، أنّ ما قاله ترامب عن الفلسطينيين يمكن أن يقوله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه، إذْ تظلّ عبارة «مصالح الفلسطينيين» غائمة وغامضة وفضفاضة؛ وفي المقـــــــابل، أعلن ترامب سلسلة مواقف منحازة لإسرائيل، انحيازاً واضحاً أعمـــى، وشبه مطلق، يبدأ من الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، ولا ينتهي عند توصيفه لذاته بـ»مؤيد إسرائيل الأكبر». أمّا الموقف من روسيا، فمَن قال أصلاً إنّ واشنطن في نزاع مع موسكو!
أخيراً، وقبل أيام، نقلت «القناة الرابعة» البريطانية تصريحات جديدة للفيلسوف السلوفيني، حين سُئل: إذا كنت أمريكياً، لمن تصوّت؟ «ترامب. إنه يفزعني. ولكني فقط أعتقد أن هيلاري هي الخطر الحقيقي. لماذا؟ لأنها شيّدت تحالفاً شاملاً مستحيلاً»، أجاب جيجيك؛ ثمّ أردف: «في كل مجتمع هنالك شبكة كاملة من القواعد غير المكتوبة، حول كيفية اشتغال السياسة، وكيفية بناء الإجماع. ترامب خلخل هذا، وإذا فاز فإن الحزبين الكبيرين، الجمهوريين والديمقراطيين، سيتوجب عليهما العودة إلى الأسس، وإعادة التفكير في الـــــذات، وقد يحــــدث شيء ما هنا. هذا أملي اليائس، اليائس للغايــــة، في أن يفوز ترامب. أنظر، أمريكا ليست بعد دولة ديكتاتورية، وترامب لن يُدخل الفاشية إليها، ولكن قــد يكون الأمر أشبه باستفاقة. سيرورة سياسية جديدة سوف تتحرك، وسوف تُطلق. ولكني مدرك تماماً أن الأمور بالغة الخطورة هنا، ليس فقط حول مجموعات التفـــــوّق العرقي الأبيض، ولكن إسمعْ: قال ترامب بصراحة، وهنالك تقرير يشــير إلى أنه قد يفعلها، وأنت تعرف أهمية المحكمة العليا في أمريكا. قال بأنه سوف يعيّن فيها أعضاء من اليمين، ولهذا فهناك خطر، ولكني خائف أيضاً من أن هيلاري سوف تساند هذه العطالة، وهي الأخطر بين الاثنين. لأنها من جماعة الحرب الباردة، وما إلى ذلك، مرتبطة بالمصارف، وتزعم أنها تقدمية». 
فأي غرابة في أن يهتزّ برسلي الفلسفة المعاصرة، وأن ينوس ويتذبذب، إزاء ترامب؛ هو الذي، قبل ثلاث سنوات فقط، برّأ بشار الأسد من الهجمات الكيميائية على الغوطة، واعتبر أنّ «سوريا بشار الأسد ادّعت أنها دولة علمانية على الأقلّ، ولهذا فلا عجب أنّ المسيحيين والأقليات الأخرى تميل اليوم إلى الاصطفاف معه ضدّ المتمردين السنة»! وكيف لا يلجأ المرء إلى كارل ماركس، واستطراداً إلى عنوان واحد من مؤلفات جيجيك نفسه، لتوصيف حصيلة آرائه السياسية: «كمأساة أوّلاً، وثانياً كملهاة»!

(القدس العربي)

 

 

متلازمة مونيكا لوينسكي

صبحي حديدي

 

إذا تصفح المرء أي موسوعة شعبية، من طراز «ويكيبيديا» على سبيل المثال، باحثاً عن طرائف الفضائح الجنسية لدى كبار ساسة أمريكا؛ فإنّ الحصيلة ستكون وفيرة دسمة، ولعلها سوف تدهش الكثيرين من حيث اتساع نطاقها، وتنوّع ملابساتها. هذا مع العلم أنّ العقود الراهنة ليست، البتة، أكثر احتشاداً بالفضائح من العقود الأولى التأسيسية في التاريخ السياسي الأمريكي بأسره.
خذوا، بادئ ذي بدء، سنوات 1776ـ1899؛ التي شهدت منعطفات فاصلة مثل الثورة الأمريكية، وإعلان الاستقلال، ومؤتمر مسودة الدستور الأولى، وانتخاب جورج واشنطن رئيساً، ونقل العاصمة من فيلادلفيا إلى واشنطن، وإعلان الحرب على بريطانيا، وقرار الرئيس جاكسون بإجلاء الهنود الحمر عن أراضيهم بالقوة، وانتفاضة العبيد بقيادة نات تيرنر، واكتشاف الذهب في كاليفورنيا، وصدور رواية هارييت بيشر ستو «كوخ العم توم»، واندلاع الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وإعلان تحرير العبيد، واغتيال أبراهام لنكولن، وتدشين نصب تمثال الحرية…
هنا بعض الأسماء، في الفضائح الجنسية خلال تلك العقود، حيث الغالب عليها علاقات غير شرعية مع نساء متزوجات: ألكسندر هاملتون، وزير الخزانة؛ توماس جيفرسون، الرئيس؛ أندرو جاكسون، عضو الكونغرس، ومجلس الشيوخ، ثمّ الرئيس لاحقاً؛ ريتشارد منتور جونسون، عضو مجلس الشــــيوخ، الذي أثار نقمة إضافية في صفوف حزبه الديمقراطي لأنــــه كان على علاقة مع جاريته السوداء؛ جون هنري إيتون، وزير الحرب، الذي تسبب في انتحار زوج السيدة التي كان على علاقة بها؛ جيمس هــــــنري هاموند، عضو مجلس النواب، ثمّ الشيوخ، الذي اتُهم بإقامة علاقة مع جارية عمرها 12 سنة؛ دانييل وبستر، عضو مجلس الشيوخ؛ جيمس بوكانان، عضو مجلس الشيوخ، والرئيس لاحقاً؛ غروفر كليفلاند، الرئيس؛ وليم بركندرج، عضو مجلس النواب…
الأشهر، في العصور الحديثة، هو الرئيس الأسبق بيل كلينتون، وعلاقته مع المتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي؛ مع فارق قد يكون جوهرياً بعض الشيء: أنّ أواخر القرن العشرين كانت قد أفضت إلى مقدار غير مسبوق من الحريات الجنسية، في الولايات المتحدة تحديداً؛ بحيث ثار نقاش واسع حول مدى ارتباطها بالحريات الشخصية، أو العامة، حتى لدى سيد البيت الأبيض نفسه. ومع ذلك، فإنّ «متلازمة لوينسكي»، إذا جاز القول، كانت قد استقرت في الوجدان الجَمْعي الأمريكي، بالنظر أيضاً إلى انفجار طرائق تبادل المعلومة، وتنويعات إنتاج الخبر؛ فضلاً، بالطبع، عن الشغف الفضولي بالفضيحة، على نحو أقرب إلى الهستيريا.
وشخصياً يحضرني من ذاكرة تلك الأزمنة واحد من أبرز شخوص المسرح، وأعترف انني كنت شديد الإعجاب بأدائه على الخشبة/ منبر الخطابة؛ وأقصد هنري هايد (1924ـ2007)، الذي كان رئيس اللجنة القضائية في الكونغرس، وكبير «المدراء» الجمهوريين الذين أداروا الاتهام ضدّ كلينتون. ثمة ما يشبه هالة ملائكية ظلت ترفرف على وجه هايد، وعلى حركات جسده، ولغة لسانه؛ أمّا صوته فقد كان دائم التهدّج، تكاد العبرات تفيض من عينيه كلما اعتلى المنبر ليشرح هذه أو تلك من حيثيات إدانة كلينتون. وكان لا يكفّ عن الاستعانة بعبارة من الروائي الأمريكي وليم فوكنر تارة، ومن قصائد وليم شكسبير أو ديلان توماس طوراً («أعطونا الحقيقة، وسنمضي لطفاء، في الليل اللطيف»، كان يردّد)؛ ومن نصوص «العهد القديم» حيناً (والوصايا العشر بصفة خاصة)، وخُطَب عظماء أمريكا الأسلاف حيناً آخر.
لكنّ الخصال تلك لم تكن هي وحدها التي شدّتني إليه، بل حقيقة أنّ المستر هايد كان أيضاً الدكتور جيكل، نقيض ذلك كلّه، تماماً كما في رواية ر. ل. ستيفنسون الشهيرة، حيث ينشطر الكائن الواحد إلى كائنين متناقضين: الأوّل نهاريّ أرستقراطي خيّر هو الدكتور جيكل، والثاني ليليّ صعلوك شرير هو المستر هايد. ذلك لأنّ حامل لافتة الأخلاق القويمة هذا، كان رجل فضائح مالية وسياسية وقانونية وجنسية بامتياز؛ وسبق للكونغرس أن أوصى بتغريمه بمبلغ 850 ألف دولار عقاباً له ولعدد من زملائه على إهمالهم الشديد في متابعة مسؤوليات إحدى اللجان، الأمر الذي كلّف دافع الضرائب الأمريكي خسارة مقدارها 68 مليون دولار!
وفي عام 1983 نظر الكونغرس في أمر توجيه تقريع إلى عضو الكونغرس الجمهوري دانييل كرين، بسبب ثبوت علاقته الجنسية بوصيفة في الكونغرس عمرها 17 سنة.، لكنّ هايد هبّ للدفاع عن زميله وابن حزبه، رافضاً فكرة التقريع، ورافضاً أيضاً فكرة التوبيخ، مذكّراً الجميع بأن الشفقة والعدالة ليستا متناقضتين أبداً، وأنّ التراث اليهودي ـ المسيحي يقول: أمقتوا الخطيئة، وأحبّوا الخاطئ! أمّا هو، نفسه، فقد افتُضحت علاقته بامرأة متزوجة، فأقرّ بالفضيحة، لكنه اعتبر أنها من طيش الشباب (رغم أنه، خلال تلك العلاقة، كان قد تجاوز الأربعين!).
وهكذا، ليست مبالغة أنّ يكون المرشح الجمهوري دونالد ترامب قد فقد 3ـ5٪ من ناخبيه المتحمسين، بعد انكشاف سلسلة فضائحه الجنسية؛ على نقيض هيلاري كلينتون، التي لن تخسر كثيراً، كما يلوح، جراء إعادة فتح التحقيق حول رسائلها الإلكترونية. فالأمن القومي شيء، و«متلازمة لوينسكي» شيء آخر!

 (القدس العربي)

صبحي حديدي

 

 

مغامرات ترامب وغارات بوتين:

تكامل الحياء والدماء

صبحي حديدي

 

خلال الأسبوع المنصرم، وحده، الذي شهد كثافة عالية لعمليات الطيران الحربي الروسي ومروحيات النظام السوري ضدّ مناطق في إدلب وريفها؛ ارتفع عدد الشهداء السوريين المدنيين إلى 90، بينهم 22 طفلاً و20 امرأة، فضلاً عن عشرات الجرحى. ذروة هذه الوحشية وقعت قبل يومين، حين قُصف تجمّع للمدارس في بلدة حاس، القريبة من كفرنبل، فبلغ عدد الشهداء ـ حتى ساعة كتابة هذه السطور، بالطبع ـ 35 مدنياً، بينهم 11 طفلاً و7 نساء. قبل مجزرة حاس، كانت أعمال القصف قد استهدفت مدن وبلدات وقرى جسر الشغور ومعرة النعمان والبارة والشيخ مصطفى والنقير، ومعرشمارين وبابولين…
في وسائل الإعلام الروسية، حتى تلك التي تُلصق صفة «المعارضة»، أو الليبرالية، أو النأي عن سياسات الكرملين، أو تعكس وجهة نظر رجال الأعمال الأقرب إلى الغرب (والمرء يضع جانباً إعلام المافيا الروسية، لأنه مرآة بالغة الإخلاص للنظام)… ثمة تطبيل وتزمير لتصريحات وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، حول توقف المقاتلات الروسية عن قصف حلب خلال الأيام الماضية/ وثمة، في السياقات ذاتها، ولع بحديثه عن «الممرات الآمنة» لتأمين خروج المدنيين من حلب؛ ومباركته لمقترحات المبعوث الأممي، ستافان دي ميستورا، حول ممرات أخرى موازية لانسحاب مقاتلي جبهة النصرة (الإعلام الروسي، في غالبيته، لا يعترف بالتسمية الجديدة: «جبهة فتح الشام»!).
ماذا عن إدلب؟ ماذا عن مدارس حاس؟ ماذا عن تلامذة المدارس؟ لا شيء، تقريباً؛ أو لا وقائع خارج تلك التي يتحدث عنها الوزير شويغو. 
ولا غرابة، أيضاً، في واقع الأمر. هذه قوة عظمى تمارس جرائم الحرب في سوريا، بصفة يومية؛ فلا تستثني مستشفى، أو مدرسة، أو مخبزاً، أو سوقاً شعبية، أو مسجداً. وهي تستخدم كلّ صنوف الأسلحة، خاصة المحرّمة منها دولياً، وبالأخصّ تلك الصنوف التي عفا عليها الزمان، ومن الأجدى إسقاطها على مدن وبلدات وقرى سوريا، بدل تلويث أراضي روسيا الأمّ عن طريق إتلافها أو طمرها (كما يتفاخر فلاديمير جرينوفسكي، زعيم «الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي»!). وهي قوة عظمى لا تجد رادعاً يردعها، ضمن صفوف ما يُسمّى «المجتمع الدولي»؛ وتجد أكثر بكثير مما تحتاج من خنوع وتبعية بشار الأسد، وشهيته لتحليق القاذفات الروسية في أربع رياح سوريا، وإفناء البشر والشجر والحجر…
فماذا، في المقابل، عن القوة العظمى الأولى: الولايات المتحدة الأمريكية؟ وماذا عنها، ليس على صعيد السياسات الرسمية لإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، فهذه باتت كلاسيكة؛ بل على صعيد الإعلام الأمريكي المستقل، أو الذي يزعم استقلالية أوسع بكثير من تلك التي تُنسب إلى الإعلام الروسي؟ ثمة مقالات الاحتجاج على خيارات البيت الأبيض، التي مكّنت موسكو من هذه الحال في سوريا؛ ولا يخلو المشهد من كتابات الإشفاق على الضحية السورية، وتقارير التعاطف مع الأطفال بصفة خاصة، واستهجان السلوك الروسي، وتقريع سيد الكرملين فلاديمير بوتين نفسه. وبين هذه وتلك، ثمة أولئك الغيارى على انحسار السطوة الأمريكية في العالم عموماً، وفي الشرق الأوسط خصوصاً؛ وأولئك الذين يعلقون الآمال على احتمال استئناف نفوذ واشنطن الكوني، على يد إدارة هيلاري كلنتون إنْ فازت، أو حتى دونالد ترامب!
وإذا كان في الوسع تفهم انشغال أمريكا بالانتخابات الرئاسية الوشيكة، فإنّ مقدار الانهماك بغارات بوتين الدموية يبدو مكمّلاً ـ من حيث معدّل النفاق الأخلاقي، بادئ ذي بدء ـ لانهماك أمريكا بتعقّب افتضاح الأسرار حول مغامرات ترامب الجنسية: غارة لا تجبّ مغامرة، ولكنّ المغامرة تفعل… فلا تجبّ فقط، أو تُلهي وتُنسي وتحرف الانتباه فحسب، بل تحثّ أيضاً على مزيد من النفاق! فإذا جرى ربط ما، وهذا إجراء نادر تماماً، بين الغارة والمغامرة؛ فإنّ الغائب الأكبر ـ أو بالأحرى: المغيّب، عن سابق قصد وتصميم ـ سوف يكون مقدار التنافر بين التباكي على الأخلاق الجنسية للمرشح ترامب، والتباكي على الأخلاق العسكرية للرئيس بوتين! وفي كلّ حال، شائع أيضاً ذلك المقدار من التعامي عن مستويات التورط الأمريكي الفعلي على الأرض السورية، مقابل الزعم بعدم الرغبة في التورط!
والحال أنّ عناصر كثيرة في المشهد الأمريكي الراهن تعيد التذكير بمغامرات جنسية أخرى، لرئيس أمريكي هذه المرة، وليس مجرد مرشح للرئاسة: بيل كلنتون، ومونيكا لوينسكي، وغراميات المكتب البيضاوي، ودراما التحقيقات، ودراما المحاكمة، ودراما التبرئة… وبذلك فإنّ المرء لا يلوم الأمريكيين هذه الأيام، إذا ما استعاد مناخات تلك الأزمنة المشحونة بالمسرح السياسي والجنائي والبوليسي والقضائي. وبعد أكثر من نصف قرن على صدور رواية جورج أورويل «1984»، ولكن على نحو كان سيقشعرّ له بدن «الأخ الكبير» نفسه، كان الأمريكي يصل الليل بالنهار وهو يكدّس معرفة أورويلية كاملة الشفافية، حول تفاصيل الحياة الجنسية لرئيسه الحبيب، الذي انتخبه مرّتين. كل شيء، تقريباً: أيّة فانتازيا جنسية كانت تستهويه أكثر، وأيّ شعر إيروسي ألهب مخيّلته، وأيّ الأماكن كانت الأنسب للغرام، أيّ الأوقات، أيّ الثياب…
آنذاك تحدّث البعض ــ بهمس خافت، سرعان ما تعالى تدريجياً ــ عن الأبعاد النفسية الأعمق وراء هذا السعار الجماعي المحموم لهتك الأستار الشخصية للرجل الأوّل في البلد، الذي يزعم أبناؤه أنه بلد هو العالم بأسره. يومئذ، بالفعل، حلّ زمان أمريكي عجيب أتاح لنا أن نقرأ كبار المنظّرين الليبراليين وهم يذكّرون الدهماء بأن تفاصيل الحياة الشخصية هي مكوّن أساسي في صناعة الوجود الإنساني المتمدّن (كما ينبغي أن يُقارن بالوجود الإنساني البربري، في الأدغال على سبيل المثال!). «لماذا يجد الأمريكيون كلّ هذه المتعة في هتك الأعراض»، سأل أنتوني لويس، قبل أن يجيب بأسى عميق: «ألأننا فقدنا الإحساس بقيمة الحرّية الشخصية في المجتمع الأمريكي»؟ ولكن ماذا عن حرّية ترامب، اليوم؟ وأيّ نفاق يسحب هذه «الحرّية» من تلك؟ وهل هذه المغامرات الجنسية هي، حقاً، أمّ القضايا التي تشغل الناخبين قبل أسابيع قليلة تسبق التصويت؟
في غمرة هذا الاقتران بين المغامرة الجنسية والغارة الدموية، بين أمريكا وروسيا؛ تظلّ على الألسن، وطيّ المقالات والتقارير والتحليلات، عبارة «محاربة الإرهاب»، بوصفها مقتصرة على جهاديي سوريا والعراق، من السنّة حصرياً. الميليشيات ذات التمذهب الشيعي، القادمة من أصقاع شتى؛ و»حزب الله» اللبناني، الذي صار في سوريا جيشاً كامل العديد والعدّة؛ وضباط وعناصر «الحرس الثوري» الإيراني، وغيرهم وسواهم… ليسوا، البتة في عداد الإرهاب. ومثلهم، بل قبلهم، ليس إرهابياً أبداً العدوان العسكري الروسي، الذي أتمّ سنة أولى ونيف؛ وليست إرهابية أعمال القصف الوحشي التي لا تُبقي ولا تذر… 
صحيح أننا نقرأ، في الصحافة الأمريكية، نقداً شديداً للتدخل العسكري الروسي؛ ونقرأ، في الصحافة الروسية، نقداً لا يقلّ شدّة لاحتضان البنتاغون بعض الفصائل العسكرية «المعتدلة» في صفوف المعارضة السورية؛ ولكن هيهات أن نعثر، هنا أو هناك، على ما يوحي بصفة «الإرهاب» لدى أيّ من الفريقين. وبذلك فإنّ انشغال واشنطن وموسكو بالملفّ السوري له حيثيات متنافرة غالباً، أو متناقضة أحياناً؛ ولكنّ المآلات، بصدد توصيف فعل القوتين العظميين، سياسياً وعسكرياً ـ ثمّ أخلاقياً، لمن يشاء! ـ ليست على درجة مماثلة من التنافر أو التناقض. وليست هذه خلاصة جديدة، في أية حال، ما خلا أنها تتجدد تلقائياً؛ كلما أريق ماء الحياء في فضيحة جنسية عند ترامب، أو أريقت دماء سورية، في قصف وحشي يأتمر بأمر بوتين.
تكاملٌ بين الحياء والدماء، ليس أقلّ!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

الفاتيكان وخمير الفريسيين:

حلب ليست غروزني

صبحي حديدي

 

زائر الموقع الرسمي لإذاعة الفاتيكان يعثر على موادّ كثيرة تخصّ معاناة السوريين عموماً، وأهل حلب بصفة خاصة. وتنقل الإذاعة، على لسان البابا فرنسيس نفسه، نداءات تعاطف وإشفاق وقلق، في ما يتصل بأعمال القصف تحديداً، والحثّ على إجلاء المدنيين، والأطفال أولاً. وفي واحدة من أحدث مقابلاته العامة مع المؤمنين، قال البابا: «يتجه فكري مرة جديدة إلى سوريا الحبيبة والتي تعاني بشدة»، مضيفاً أنه يتحد مع سكان حلب في معاناتهم، من خلال الصلاة والقرب والروحي. وإذ عبّر عن ألمه العميق وقلقه الشديد إزاء ما يحصل في هذه المدينة، حيث يموت أطفال ومسنون ومرضى وشباب كما نقلت الإذاعة، جدّد البابا دعوة الجميع إلى الالتزام بحماية المدنيين لكونه واجبًا إلزاميًا وملحاً: «أتوجه إلى ضمير المسؤولين عن عمليات القصف الذين سيحاسبون أمام الله!».
وإذا صحّ أنّ المرء، الناظر إلى الحال هذه من زاوية واقعية مبسطة، وبصدد الملف السوري في حصيلته الراهنة، لا ينتظر من الفاتيكان ما هو أبعد، أو أكثر، من مواقف التعاطف الروحي؛ سواء صيغت بلغة إنجيلية مفعمة بالألم، أو ذهبت أبعد فألمحت إلى الحساب يوم الدين، أو التزمت الحدود الدبلوماسية التي لا تخرج بها عن الحياد إلا في مستوى التآخي الإنساني مع العذاب. فهل يتوجب، أخلاقياً أولاً، ثمّ تاريخياً تالياً، أن يكون العكس هو الصحيح: أي أن ينحاز الفاتيكان إلى الضحية والقتيل، ضدّ مجرم الحرب والقاتل، وأن يسمّي الأساء بمسمياتها الفعلية، بوضوح وصراحة، دون تلطيف وتشذيب، ثمّ دون حيادية لا تنتهي إلى المثالية الصرفة بل إلى المواربة كذلك؟
سؤال وجيه، بالطبع، رغم أنّ التاريخ لا يقدّم عليه إجابة شافية، بل لعلّ مواقف الفاتيكان تشير إلى النقيض. هنالك، أولاً، ميل الكنيسة إلى تسويات ما تزال جزئية فقط، أو مجتزأة ناقصة، في الملفّ الأكثر حساسية، والأعلى مسؤولية أخلاقية في الواقع؛ أي مواقف الصمت أو التواطؤ أو حتى المباركة، التي اتخذتها بعض المؤسسات الكاثوليكية إزاء الجرائم النازية. وعلى سبيل المثال، في خريف 1997، أقرّت الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية، بعد 57 سنة، أنّ صمتها المطبق على ترحيل 75 ألف يهودي إلى المعسكرات النازية (لم يبق منهم على قيد الحياة سوى ثلاثة آلاف) لم يكن سلوكاً مسيحياً لائقاً، وهو بالتالي يستوجب الاعتذار العلني وبأفصح العبارات.
«إننا نسأل الله الغفران، ونريد من الشعب اليهودي أن يستمع إلى كلمات توبتنا هذه»، غصّ الأسقف أوليفييه دوبيرانجيه وهو يتلو نصّ التوبة، محاطاً بما لا يقلّ عن ثلاثين من كبار أساقفة الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية. ولكي يقترن الاعتذار بالدرجة المطلوبة من التفلسف حول الذاكرة وجدل التاريخ، بدأ الأسقف دوبيرانجيه خطبته بهذه العبارة الدالة: «الحدث الرئيسي الأكبر في تاريخ القرن العشرين، أي محاولة النازيين إفناء الشعب اليهودي، يطرح على الضمير أسئلة جلية لا يمكن لأي كائن بشري أن يتجاهلها. ولأنها أبعد ما تكون عن المطالبة بنسيان ذلك الحدث، فإن الكنيسة الكاثوليكية تعرف أن الضمير يتأسس بفعل الاستذكار، وأنه ما من مجتمع، وما من فرد في مقدوره العيش بسلام مع الذات حين يكون الماضي مطموساً أو كاذباً».
كان الكلام جميلاً وسليماً تماماً، خاصة إذا تذكّر المرء الصمت (الرهيب بالفعل!) الذي التزمته الكنيسة الكاثوليكية إزاء ترحيل اليهود، وإخضاعهم لسياسات تمييز جائرة، مثل تعليق نجمة داود على الصدر بصورة إلزامية، والمنع من الوظائف الدبلوماسية والعسكرية والتدريسية، ومصادرة الأملاك. أكثر من ذلك، ثمة تلك العبارة/ المسمار التي رددها، آنذاك، الكاردينال بيير جيرلييه أسقف ليون: «الماريشال بيتان هو فرنسا، وفرنسا هي الماريشال بيتان»، ورددت أصداءها جدران كاتدرائية بوردو العريقة أثناء قيام الماريشال بزيارة الكاتدرائية، بصفته زعيم حكومة فيشي المتعاونة مع النازيين. وثمة ذلك النداء، الرهيب بدوره، الذي أطلقه الكاردينال الفرنسي الكاثوليكي بودريار عام 1941: «لأنني قسّ وفرنسي يمرّ بمرحلة حاسمة، هل في وسعي أن أرفض إقرار المشروع النبيل المشترك الذي تقوده ألمانيا، والذي يسعى إلى تخليص فرنسا وأوروبا والعالم بأسره من الهواجس الأشد خطورة، وإقامة تآخٍ صحي بين الشعوب على خلفية تجديد مسيحية القرون الوسطى؟ ها قد حان الوقت لحملة صليبية جديدة. وأؤكد لكم أن ضريح المسيح سوف يتحرر. ومن خلال أحزان اللحظة سوف ينبلج فجر جديد».
الاعتذار، بالتالي، كان واجباً على الكنيسة، وحقّاً لا يُنازع لآلاف اليهود الفرنسيين الذين أبيدوا أو اضطُهدوا أو خضعوا لهذه أو تلك من ممارسات التمييز على أساس المعتقد الديني. ولكن… ألم تكن المناسبة، أو ما يشابهها من مناسبات، تستثير اعتذاراً مماثلاً عن صمت الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية (ذلك الصمت الذي كان مطبقاً أحياناً، نسبياً أحياناً أخرى) إزاء مليون ضحية جزائرية، أثناء حرب التحرير؟ وإذا كانت تعقيدات أرشيفية سياسية وتاريخية، ما تزال تكتنف هذا الملفّ بالذات، فماذا عن المجزرة الرهيبة الشهيرة التي وقعت عام 1961، وذهب ضحيتها 200 من المتظاهرين الجزائريين، الذين قضوا غرقاً حين دفعتهم مفارز الشرطة الفرنسية إلى مياه نهر السين، في قلب باريس، أيام الجنرال دوغول دون سواه؟ وماذا عن المفارقة الرديفة لهذه الجريمة البشعة، والمتمثلة في أنّ قائد الشرطة، الذي أعطى الأمر بقمع المتظاهرين إلى درجة إبادتهم جماعياً، لم يكن سوى موريس بابون… الذي شاءت فرنسا أن تحاكمه علانية بتهمة تسهيل تسليم اليهود إلى النازيين؟
وبمعزل عن مقدار الشكّ أو اليقين حول تنويعات نظرية المؤامرة، التي تقول بتأثير مجموعات الضغط اليهودية في حياة العالم السياسية والاقتصادية والمالية، وكذلك الاجتماعية والثقافية والدينية كما يذهب البعض، فإنّ من الإنصاف القول إنّ هذه المجموعات واصلت إحراز انتصارات مؤزرة في حكاية اعتذار الكنيسة الكاثوليكية. وقد يقول قائل، محقاً بالطبع، إنّ مأساة اليهود لا تشبه مأساة الجزائريين، ولا السوريين في أيامنا هذه؛ فيردّ عليه آخر، محقاً من جانبه أيضاً، أنّ الموقف من المآسي الجماعية لا يجوز أن يخضع لسلّم درجات تفضيلية، أو أولويات. ولكن، في المقابل، وبين هذا القائل وذاك، يعيد التاريخ استذكار ملفات أقدم عهداً تثبت صفة الرعاية الاستثنائية التي صارت الكنيسة تمنحها للهولوكوست، بدليل الاعتذارات المتواصلة بصدد وقائعه المختلفة، بالمقارنة مع صمت الكنيسة إزاء مآس أخرى ليست أقلّ احتشاداً بالأهوال والفظائع. 
على سبيل المثال الأبرز: ما تزال الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية تمارس الصمت المطبق إزاء عمليات الإبادة الجماعية التي مارسها الفاتحون الإسبان ضدّ الأقوام الأصلية الأمريكية (الهنود الحمر في تسمية كريستوفر كولومبوس)؛ وسط لامبالاة الكنيسة، ولكن… مع مباركتها للمذابح في أمثلة عديدة! والتاريخ يسجّل أنّ المبشّر المسيحي كان العمود الرابع في تنفيذ الفتح، بعد الملاّح، والكاتب المؤرّخ، والفاتح العسكري. يومذاك كان الفقيه الإسباني خوان دي سيبولفيدا قد برّر إبادة أهل الأرض هكذا: «كيف يمكن لأحد أن يعتبر غزوهم، وإبادتهم في حال الضرورة، أمراً غير مبرر وهم في ما هم عليه من همجية وبربرية ووثنية وكفر ودعارة»؟
وقبل أيام ذهب البابا فرنسيس إلى إنجيل لوقا، فاقتبس يسوع: «إحذروا خمير الفريسيين،‏ الذي هو الرياء»؛ ولعلّ الاقتباس لا يخص المرائين المنافقين هنا وهناك في العالم خارج الفاتيكان، فحسب؛ بل ينطبق كذلك على مواقف كنائس كثيرة لا ترى تشابهاً بين حلب ـ أو دير الزور أو دوما أو الزبداني أو قدسيا… ـ وبين أوشفتز؛ أو حتى… غروزني!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)
 

 

قيصرية بوتين:

بربرية سكرى…

يُراق على جوانبها الدم!

 

صبحي حديدي

 

رغم أنّ شرائح واسعة في الشارع الروسي تعتبر فلاديمير جرينوفسكي مجرّد مهرّج يستخدمه الكرملين لتسخين الرأي العام الروسي، أو لجسّ نبض الاحتجاج والرضا، والحراك والركود، في الأوساط الشعبية الفقيرة بصفة خاصة؛ فإنّ حزبه القوموي المتطرف (وأولى العجائب أنّ اسمه «حزب روسيا الليبرالي الديمقراطي»!)، حلّ ثالثاً في الانتخابات التشريعية الروسية الأخيرة. جرينوفسكي، إلى ذلك، حليف موثوق/ تابع أمين لحزب «روسيا الموحدة»، الذي حلّ أوّلاً، ويُعدّ عملياً حزب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومطية «الديمقراطية» الروسية ما بعد الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين (1931 ـ 2007)، وانتهاج بوتين مبدأ التناوب على الرئاسة مع ظلّه الطيّع ديمتري مدفيديف.
وجرينوفسكي لا يهدد خصوم «روسيا العظمى» بما هو أقلّ من السلاح النووي: قنبلة ذرية تبيد اسطنبول عن بكرة أبيها (أيام التوتر الروسي ـ التركي، السنة الماضية)؛ قنبلة أخرى تمحو، تماماً، جزيرة دونباس على الجبهة الأوكرانية (200 ألف نسمة)؛ وإذا لم يكن الدرس بليغاً بما يكفي لردع أمريكا وأوروبا، فإنّ برلين على مرمى الرؤوس النووية الروسية…! وهو لا يحثّ أمريكا على انتخاب دونالد ترامب، وليس هيلاري كلنتون، فحسب؛ بل يهدد بالويل والثبور: «فليدرك الأمريكيون الذين سيصوتون في 8 تشرين الثاني (نوفمبر)، أنهم يصوتون من أجل السلام على الكرة الأرضية إذا انتخبوا ترامب. لكنهم إذا انتخبوا هيلاري، فإنها الحرب. سيكون فيلماً قصيراً. ستكون هناك هيروشيما وناغازاكي في كلّ مكان».
ثمة بُعد تهريجي في سلوك، ومواقف وتصريحات، جرينوفسكي، لا ريب في هذا؛ غير أنّ الرجل، بما ينبش من أحقاد قوموية وانحيازات عنصرية، يزرعها في أذهان شرائح غير قليلة من الروس؛ وما يثيره في النفوس من نوستالجيا إمبراطورية (نموذجه الأعلى هو القيصر ألكسندر الثالث)؛ وما يترجم، على نحو فجّ وشعبوي وغوغائي، من سياسات بوتين… كلّ هذا، وسواه، يجعل منه ظاهرة تتجاوز، بكثير، مستوى التهريج والتنفيس وجسّ النبض. إنه ممثّل قطاع غير بسيط من أبناء روسيا المعاصرة، ممّن لا يكفيهم اليقين بحقّ الروس في استعادة أمجادهم السالفة وإحياء الرفعة الإمبراطورية القيصرية؛ بل تتناهبهم رغبات جارفة، متقاطعة ومتناقضة ومتصارعة، في تحقيق هذا الغرض عبر القوة والجبروت والهيمنة والتوسع…
وفي الخلفية الاجتماعية ـ الإيديولوجية، ثمة معركة حامية الوطيس، تحتدم في الخفاء تارة أو في العلن طوراً؛ بين استقطابين عملاقين تتمحور من حولهما وتلتقي فيهما، أو على النقيض منهما، جملة التيارات الشيوعية، والليبرالية، والاشتراكية الإصلاحية، و»اشتراكية السوق»، والنزعات القومية المعتدلة أو تلك المتطرفة. وكانت المعركة تصنع كلّ يوم، وتُبلور أكثر فأكثر، تيّارين مركزيين باتا جزءاً لا يتجزأ من الفسيفساء المعقدة التي رسمت قسمات روسيا ما بعد الحرب الباردة: الاستقطاب الاستغرابي (نسبة إلى الغرب)، والاستقطاب الأورو ـ آسيوي (نسبة إلى موقع روسيا الفريد على التخوم الحاسمة لقارّتين شهدتا وتشهدان أعمق الصراعات الحضارية على مرّ التاريخ).
ولكي لا يخوض المرء على الفور في المستنقعات العكرة لأطوار ما بعد الحرب الباردة (خصوصاً بعد أن تكفّل التاريخ ذاته بإلحاق الهزيمة النكراء بالنهايات التي سارع إلى تلفيقها أمثال فرنسيس فوكوياما)، تجدر الإشارة إلى أن هذين التيارين لم يولدا على حين غرّة. والباحث الروسي فلاديمير بيلينكين رصد الأجنّة الأولى منذ السبعينيات، في الأوساط الإيديولوجية والفكرية القريبة من المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي والأجهزة البيروقراطية العليا، فضلاً عن الـ
KGB. وغنيّ عن القول إن هذين الاستقطابين كانا يتناميان في حاضنة مناسبة للغاية، أبرز عناصرها:
ـ قوّة عظمى تملك ثاني ترسانة نووية في العالم، ولكنها تنزلق رويداً رويداً إلى مصافّ المقاييس التقليدية لدولة عالمثالثية، في المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، فضلاً عن سمات عديدة على صعيد الثقافة.
ـ إقتصاد نهض على التصنيع الثقيل، ولكنّ أساسه الوطني صار يعتمد على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات الغذائية المصنّعة، فتزايد ارتهانه للرأسمال الأجنبي والاستثمارات المتعددة الجنسيات.
ـ تباين صارخ في التوزيع الاجتماعي للثروة القومية، وشروخات حادة بين الأغلبية الأكثر فقراً وبؤساً، والأقلية المنعمة المنشطرة بدورها إلى كومبرادور رأسمالي متحالف مع الشركات الغربية العملاقة، وقطاعات طفيلية متحالفة مع المافيات الداخلية ومجموعات الضغط القوموية.
لكنّ المرتكز العقائدي للاستقطاب الاستغرابي الروسي بدأ من إعادة النظر في الثورة الروسية والطور السوفييتي بوصفهما إجهاضاً للمسار التاريخي الكوني الطبيعي الذي كان سيفضي بروسيا إلى النظام الرأسمالي، كما هي حال أوروبا والغرب إجمالاً. من هنا دعا هؤلاء إلى تصحيح ما أسموه بـ»الخطأ التاريخي» الفادح، والعودة بالاقتصاد السياسي والنظرية الاجتماعية إلى «الينبوع»: إلى آدم سميث ومفهومه للمجتمع المدني المنظّم ذاتياً، وإلى مدرسة شيكاغو الاقتصادية في أقصى تمثيلاتها اليمينية (جورج شولتز، وأضرابه). وبالطبع، لم يكن من هامش عند هؤلاء للتفكير في الديمقراطية بمعزل عن الليبرالية والسوق المنفلت من كل عقال، ولا مجال أيضاً لأية عقلنة في اقتباس الأنساق الثقافية السائدة في النماذج المعاصرة من المجتمعات الرأسمالية. وهكذا كان يتمّ استيراد الليبرالية والثاتشرية والريغانية والتفكيكية وما بعد الحداثة، تماماً كاستيراد سيارات المرسيدس والأوبرا الصابونية والـ»سيكس شوب» وعنف شوارع لوس أنجليس والبغاء المخملي.
ولكن خطّ التدهور الموضوعي الملازم لهذا الانفتاح البربري كان كفيلاً باستيلاد القطب الأخلاقي النقيض له، أي ذاك الذي يدغدغ «روح روسيا» وماضيها الأدبي والفكري والفنّي والعلمي. وهكذا فإنّ دعاة هوية روسيا الأورو ـ آسيوية لم يتورعوا عن وصف الحضارة الغربية بـ»الظاهرة الكولونيالية الإثنو ـ ثقافية»، التي تستخدم الاقتصاد والسياسة والثقافة والجيوش لإخضاع الحضارات الأخرى، وإجهاض مسارات تطورها الطبيعية. أكثر من ذلك، وبدل الذهاب إلى آدم سميث، توقف الأورو ـ آسيويون عند الأنثروبولوجيا الثقافية لكي يشددوا على أن الروس جزء رائد في عائلة الشعوب التي حكمت وجودها، وصنعت حضارتها، قيمٌ أخرى مختلفة عن تلك التي أشاعتها وفرضتها أوروبا «الرومانية ـ الجرمانية».
وفي الحصيلة، كانت أطروحات المستغربين تقرّب بيوتات المال والمافيا، وتنفّر عامة الشعب؛ وكانت أطروحات الأورو ـ آسيويين تفضي إلى العكس: إثارة حفيظة المستثمرين والصيارفة والليبراليين والتكنوقراط، واجتذاب سلسلة التناقضات العقائدية التي تجمع الحزب الشيوعي والحزب الزراعي وحزب جرينوفسكي القوموي العنصري… وفي القياس على الموقف من البربرية الروسية في حلب، على سبيل المثال الراهن الحيّ، ثمة إجماع عريض لدى غالبية واسعة، من أبناء العامة وأبناء الصفوة، الـ»موجيك» مثل الشاعر والسينمائي والتشكيلي، رجل الأعمال أسوة بالأكاديمي العالِم… أنّ القاذفات الروسية تدافع عن مجد روسيا، ولا ضير ـ هكذا حرفياً: نعم! ـ أن يُراق دم السوريين على مخاض تلك القيصرية البوتينية البربرية؛ ولا مشكلة، أخلاقية هذه المرّة، في أن يكون العنوان العريض هو خدمة نظام بدأ من الاستبداد والفساد، ويترنح وينتهي في غمرة جرائم الحرب بحقّ مئات الآلاف، وممارسة التطهير العرقي، وتشريد الملايين، وتسليم مقدرات البلد إلى دول وقوى وميليشيات خارجية. 
هي قيصرية بوتينية تسكرها حال المتفرج مكتوف اليدين، التي تتخذها القوة العظمى الأولى، أمريكا. الأمر الذي لا يُسقط عن الكرملين صفة مخلوق ديناصوري نووي، مغترب عن هويته، رهين توصيف اختصره الجنرال ألكسندر ليبيد هكذا، ذات يوم غير بعيد: «روسيا ضائعة حائرة بين فكرتين: واحدة قديمة أسالت أنهاراً من الدماء، وأخرى جديدة لم تتحقق إلا على نحو رديء». يلزمها، استطراداً، المزيد من الدماء والجثث والأشلاء!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

في إنصاف رياض الترك:

مَنْ ساءه سبب أو هاله عجب!

صبحي حديدي

 

 

 

ذات يوم، في نيسان (أبريل) 2011، بعد أسابيع قليلة على انطلاق الانتفاضة الشعبية في سوريا، أعلن أحد أبواق النظام، الدكتور طالب إبراهيم، أنّ رياض الترك، الشخصية المعارضة الأبرز في سوريا المعاصرة (ولكن: «الأمين العام لرابطة العمل الشيوعي»، كما صنّفه إبراهيم!)؛ متواجد داخل المسجد العمري في درعا، ممّا يعني اشتراك الشيخ السلفي أحمد صياصنة، مع الشيوعي العلماني رياض الترك في «التآمر على الدولة». ولقد فات الدكتور، وهو الذي يزعم المعرفة والمعلومات ويتفاخر بالتواصل مع قيادات النظام الأمنية ومكتب وزير الدفاع (رغم أنه ليس بعثياً، كما يردّد دائماً)، أنّ الترك مناضل مخضرم وقيادي بارز في «حزب الشعب الديمقراطي»، وليس في «حزب العمل الشيوعي»؛ وأنّ هذا الحزب الأخير، ذاته، تخلى منذ سنوات طويلة عن اسم «رابطة العمل الشيوعي»!
اليوم لا يُهاجَم الترك من جانب أمثال إبراهيم، إذْ يلوح أنّ الأبواق تنازلت عن هذه المهمة لحفنة من ممثّلي «يسار» سوري لا يجتمع على أمر، أو على سلوك، قدر اجتماعه على شتم الترك، وإعادة إنتاج الشتائم إياها، واجترارها، وتدبيج المطولات فيها… كلما الناقوس رنّا! وهذا رغم أنّ الحجج التي تُثار ضدّ الرجل تعود إلى عام 2003، في أقرب أجل؛ لسبب جوهري بسيط هو أنّ الحياة، وراهن نظام الاستبداد والفساد، أسوة بمآلات الانتفاضة الشعبية، أنصفت آراؤه على نحو لا يلوح أنه يقبل النقض أو الدحض من جانب فرسان اللفظ والخواء، زاعمي خصومته.
وهذه السطور لا تتوخى الدفاع عن الترك، فهو بيت متين لا يهزّه الرجم بحجارة الأحقاد، السياسية أو الإيديولوجية أو الطائفية؛ كما أنه كائن بشري يصيب ويخطئ، خاصة وأنّ عمره النضالي يتجاوز ستة عقود، بينها قرابة ربع قرن في سجون أنظمة مختلفة، ونحو 18 سنة في زنزانة منفردة زمن حافظ الأسد. هي، في المقابل، استعادة لبعض مواقف الرجل، بهدف وضعها، وبالتالي وضعه معها، على محكّ التاريخ، وتمحيصها في ضوء الآدمي الخطّاء، وليس ذاك المعصوم عن الخطأ. ولعلّ الأجدى، استئناساً بمجريات الأمور الساخنة اليوم في سوريا، البدء من استعادة رأي الترك في علاقة الولايات المتحدة بالانتفاضة الشعبية في سوريا.
ففي سنة 2012، خلال حوار مع محمد علي الأتاسي، في هذه الصحيفة، «القدس العربي»، تحديداً؛ قال الترك إنّ الولايات المتحدة الأمريكية، ضمن سياق تبرير «موقفها المتقاعس تجاه ثورة الحرية والكرامة (…) لا تقبل أبداً بالانتصار الكامل للثورة. فموقفها في المحصلة لا يختلف عن الموقف الروسي، إلا في كون الموقف الأمريكي ذكياً والثاني غبياً أحمق. هم يريدون إنهاك الطرفين لإيصالهم إلى حلّ على الطريقة اللبنانية». وتابع الترك: «في ظلّ هذا السياق يمكن أن تتحول اتفاقية جنيف إلى بازار بين الروس والأمريكيين، ثمنه التوافق على إزاحة بشار الأسد، والاتفاق على حكومة هجينة تحافظ على بعض مؤسسات النظام، مضافاً إليها بعض رموز المعارضة المدجنة (…) بهذا المعنى أيضاً يمكن للروس أن يحققوا بعضاً من طموحاتهم ومطالبهم. كما يحقق الأمريكان من خلال هذا النظام الهجين شيئاً من العودة إلى ‘الاستقرار’ وضمان أمن إسرائيل».
وفي الراهن، أيضاً، سؤال الطائفية في سوريا، وبقاء جزء هام من أبناء الطائفة العلوية خارج الثورة، أجاب الترك: «إ ذا ألقينا نظرة على ثورات العالم، نجد أنّ أياً منها لم ينجح في جذب كل فئات المجتمع للانخراط فيها. مع ذلك أظن أنّ الثورة السورية حققت نسبة عالية من المشاركة الشعبية (…) من هنا ليس علينا إلا الصبر والتفاؤل في أن غالبية إخواننا العلويين سيدخلون الثورة عاجلاَ أو آجلا، رغم محاولات النظام المستميتة لتجنيدهم من حوله، وربطهم به من خلال شبكة من المصالح والولاءات. نحن إلى اليوم لم ندخل في حرب أهلية ولكننا نُدفع اليها دفعاً، وعلينا أن نعي أن خدمة أهداف النظام، وهي أيضاً خيانة للثورة، تكون بتعميم منطق طائفي يرى في الثورة السورية صراعا سنياً ـ علوياً، ويقوم على إلغاء طرف للطرف الآخر. من هنا علينا أن نكون غاية في اليقظة والحذر من الوقوع في مطبات الطائفية، مهما قسا النظام ونكل بالمواطنين، ومهما خرج الناس العاديون عن طورهم وانزلقوا في مهاوي الطائفية».
هل أخطأ الترك في هذا التقدير، بعد أربع سنوات من تسجيله؟ قد يساجل البعض بأنّ غالبية ساحقة من أبناء الطائفة العلوية لم تلتحق بالانتفاضة، بل انكفأت شرائح أوسع في صفوفها بعد صعود النزعة الجهادية واتساع الأسلمة المتشددة. غير أنّ جوهر تقدير الترك، في أنّ مصالح الطائفة العلوية الأساسية تقتضي «العيش بسلام مع باقي الطوائف»، ما يزال صائباً، أو لعله في منزلة مَزْجية بين التحقق والركود والانكفاء. 
هذا إذا لم يذهب المرء إلى رياضة أخرى، مشروعة ومنصفة، مفادها وضع مواقف أبناء الطائفة العلوية على خلفية الشدّ المذهبي الذي يمارسه حضور الميليشيات الشيعية في المعادلة السياسية والعسكرية الراهنة في سوريا؛ وكذلك تحوّل موجات التشيّع من صيغة التبشير بالعقيدة، إلى صيغة التطويع السياسي والتجنيد العسكري، والاشتباك مع الحياة اليومية لأبناء الطائفة العلوية، خاصة الشرائح غير المدينية.
كذلك فإنّ الإنصاف، والسجلّ التاريخي، وحقوق الحقيقة، تقتضي التذكير بأنّ الترك قاد حركة تجديد عميقة خلّصت الحزب الشيوعي السوري، التقليدي والمتمركس سوفييتياً فقط، من جموده العقائدي وانغلاقه الفكري؛ وأعادت له بعض نقائه الوطني، والكثير من أواصر الصلة مع الشارع العريض، الذي كان يفتقد الشيوعيين في الداخل، وفي الموقف من القضايا الوطنية الكبرى (الوحدة العربية، فلسطين، التنمية، الديمقراطية، الاستبداد…)، ولا يُعثر عليهم إلا حين يتّصل الأمر بالتضامن الأممي واللهاث خلف القاطرة السوفييتية.
وفي هذا، ذكّر التركُ الشارع العريض بأنّ الشيوعي يمكن أن يكون معارضاً أيضاً، بل قد يتوجب أن يكون أوّل المعارضين بالتعريف، إزاء نظام حكم يزعم اعتناق الاشتراكية ولا يطبّق سوى رأسمالية الدولة الطفيلية.
وهكذا كان محتّماً أن يدفع الترك ثمناً باهظاً جرّاء صورة نضالية تذهب، أياً كانت مقادير الاختلاف أو الاتفاق مع خياراتها وآرائها وممارساتها، عكس تمثيلات القيادات الشيوعية التقليدية؛ تلك التي ظلّت وفيّة لميراثها في نهاية الأمر، واختارت صفّ السلطة، وتحالفت مع النظام (كما حدث في نموذجَي حزب خالد بكداش وحزب يوسف فيصل). وحين كسر الصمت، وحده تقريباً، وصرّح لصحيفة «لوموند» الفرنسية بأنّ انتخاب بشار الأسد «مهزلة» أو «سخرية من الشعب»، لأنّ سوريا تحوّلت في «نفسية» حافظ الأسد إلى «ملكية شخصية، فتوجّب تناقلها وكأنها تعود إليه، وكأنها ميراث»؛ توجّب أن يعيده النظام إلى الزنزانة، وأن يتهمه إعلام السلطة بـ»التطاول على هيبة الدولة»، و»عرقلة مسار الحرية والديموقراطية»!
هذه الحصيلة تظلّ في ذمة التاريخ، وفي الوجدان السياسي والإنساني السوري المعاصر، وفي حاضر ومستقبل الحزب الذي ينتمي إليه الترك؛ كما أنها تبقى على ارتباط وثيق بمآلات الانتفاضة الشعبية، وما تشهده أو سوف تشهده سوريا في قادم الأيام.
الأمر الذي لا يمنع «يسراوياً»، هنا أو هناك ـ قبل أيّ من أبواق النظام! ـ من اختزالها وابتسارها وتشويهها وإفقارها، بقصد اجترار الشتائم وتأجيج الأحقاد؛ ولعلها حال لا تمنع الترك، بدوره، من اقتباس أبي العلاء المعري: مَنْ ساءه سببٌ أو هاله عجبٌ/ فلي ثمانون عاماً لا أرى عجبا!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

في ليبيا بعد العراق:

إنه برميل النفط… يا غبي!

صبحي حديدي

 

نقلت وكالة أنباء رويترز عن المؤسسة الوطنية الليبية للنفط أنّ الأخيرة سوف ترفع حالة «القوة القاهرة» عن ثلاثة موانئ سيطرت عليها قوات الجنرال خليفة حفتر، بعد أن أقرّت المؤسسة تسلّم (أم هو تسليم؟) المنشآت النفطية، بهدف الشروع في استئناف تصدير الخام. وبالفعل، اشارت رويترز، نقلاً عن مسؤول في ميناء راس لانوف أن ناقلة ـ هي الأولى، منذ عام 2014 ـ رست في الميناء، كما رست ناقلة ثانية في ميناء البريقة. وصرّح مصطفى صنع الله، رئيس المؤسسة، أن قرار استئناف التصدير من ميناءي الزويتينة وراس لانوف قد اتُخذ بناء على تعليمات من الحكومة التي تدعمها الأمم المتحدة في طرابلس والبرلمان المنعقد في الشرق.
في قراءة أخرى، أبسط وأكثر احتواءً على الدلالة، السلام ممكن دائماً إذا اتصل الأمر بالنفط؛ بل هو ممكن، دائماً أيضاً، حتى عن طريق جنرال إشكالي تكتنف تحركاته أسئلة شائكة، ليس في ما يخصّ تمويلاته وولاءاته الخارجية العربية، فحسب؛ بل كذلك طبيعة ارتباطاته بقوى خارجية غربية (أمريكا وفرنسا…)، وأخرى أفريقية (تشاد إدريس ديبي، وميليشياته متعددة الجنسيات مثلاً). أكثر من هذا، تردد أنّ الملفّ الليبي ينتظر، أسوة بملفات إقليمية وعالمية عديدة، نتيجة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، واتضاح هوية شاغل البيت الأبيض وخياراته، الأمر الذي حوّل أنشطة المبعوث الأممي إلى ليبيا، مارتن كوبلر، إلى سلسلة ألعاب في الوقت المستقطع قبيل تشرين الثاني (نوفمبر) القادم.
ما خلا الملفّ النفطي… الذي اتضح أنه لا ينتظر أكثر، ويتوجب فيه طرق الحديد عند أول اتقاد!
وإلا كيف للمرء أن يفسّر تلك السهولة التي أتاحت للجنرال السيطرة السريعة على الموانئ، رغم الإشكاليات العديدة المستعصية التي تكتنف حضور حفتر في المعادلات الداخلية الليبية الراهنة عموماً، وفي تلك التي تخصّ النفط خصوصاً؟ وكيف انحنى ـ هكذا، سريعاً، بيُسْر وارتهان وسلاسة…! ـ أمير الحرب النفطي إبراهيم الجضران، بعد مداولات وجيزة مع كوبلر؛ هو الذي ذهب إلى مستوى اعتماد ثقافة القرصنة من أجل استئناف التصدير لحسابه، أو تحت سلطته؟ وكيف، إذا لم يكن برميل النفط مقدساً هكذا، نفسّر المباركة الأمريكية الصامتة لجنرال كان في عبّ الاستخبارات الأمريكية وصار عبئاً على خططها الليبية؛ هو الذي صرّح، قبل أيام قليلة فقط، أنّ الضربات الأمريكية ضدّ مواقع «داعش» في مدينة سرت «لا يوجد لها غطاء قانوني»، وحكومة الوفاق الوطني لا تملك أصلاً شرعية طلب المساعدة من واشنطن؟
إجابة أولى على هذه الأسئلة، صالحة للاستخدام دائماً، حتى في معناها المجازي: إنه برميل النفط، وكفى به تفسيراً وتعليلاً؛ تماماً على غرار العبارة الشهيرة التي تُنسب إلى جيمس كارفيل، مدير الحملة الانتخابية لرئاسة بيل كلنتون سنة 1992، التي قد تكون إحدى أبرع الحملات في تاريخ الولايات المتحدة: إنه الاقتصاد، يا غبي! وإنّ الدور في هذه الحكمة قد حلّ على ليبيا، بعد أن دار وصال وجال في العراق، فور استقرار الغزو العسكري للبلد، ربيع 2003؛ ثم تواصل، وتعاقبت أدواره وصولاته وجولاته حتى هذه الساعة. أساطير «داعش» بأكملها، أسوة بحقائق ممارساتها الفعلية على الأرض، لم تمنع ممثّلي شركات النفط العملاقة من التقاطر إلى العراق، لاغتنام ـ أو بالأحرى: اصطياد، واقتناص، واختلاس… ـ عقود تطوير واستثمار الآبار، قديمها وجديدها. ظلّ الـ»بزنس» هو الـ»بزنس» كالمعتاد بالنسبة إلى هؤلاء، ونقطة على أيّ سطر وكلّ فقرة!
ومن الضروري هنا، أخلاقياً ثمّ سياسياً وحقوقياً، التذكير مجدداً بما كشفه محمد القيسي، في الجزء الثالث من دراسته الممتازة «المخططات الأمريكية لاستنزاف ثروات العراق وسرقة أمواله: أرقام وحقائق»؛ وهو الجزء الذي يفصّل القول في طرائق النهب المباشر عن طريق الإستيلاء أو وضع اليد، والتي تبلغ شأو السطو الصريح، ولا يمكن أن تندرج في الخانة المألوفة للفساد المعتاد فقط. هنا ثلاثة أمثلة: 
ـ تمّ وضع اليد، بقرار مباشر صدر عن البيت الأبيض سنة 2003 أثناء العمليات العسكرية لغزو العراق، على الأموال العراقية المودعة هنا وهناك في مصارف العالم، والتي تقدّر بأكثر من 13 مليار دولار، أضيفت إليها أموال العراق في الولايات المتحدة، البالغة أكثر من ثلاثة مليارات.
ـ بمصادقة من مجلس الأمن الدولي، استولت سلطات الاحتلال الأمريكية على الرصيد المتراكم من أموال برنامج «النفط مقابل الغذاء»، والتي كانت في حساب العراق حتى آذار (مارس) 2003، بقيمة 21 مليار دولار.
ـ جمعت سلطات الاحتلال سيولات مالية متفرقة، عُثر عليها في القصور الرئاسية والمقرّات الخاصة، لا تقلّ عن ستة مليارات، تُضاف إلى أربعة مليارات من الدولارات كانت في المصرف المركزي العراق.
وغنيّ عن القول إنّ هذه الأموال لم تذهب إلى خزينة إنماء الشعب العراقي أو تطوير الديمقراطية أو بناء المشافي والمدارس ورياض الأطفال والجامعات، بل جرى صرفها لصالح الشركات الأمريكية الكبرى، وشراء الذمم السياسية، وتوزيع الهبات والأعطيات على الأزلام والموالين، أفراداً وقوى سياسية ومذهبية على حدّ سواء. وكانت هيئة الـ
BBC قد أجرت تحقيقاً مثيراً حول اختفاء مبلغ 11 مليار دولار قبيل ساعات معدودات من مغادرة الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر العراق نهائياً، كما أشارت تقارير صحافية أخرى إلى أنّ المبلغ «طار» ـ بالمعنى الحرفي للكلمة، وعلى ظهر حوّامة عسكرية! ـ إلى جهة مجهولة في كردستان العراق، قبل أن يسافر من جديد إلى بنك مغمور في سويسرا، كما رجحت صحيفة الـ «فايننشيال تايمز» آنذاك.
للمرء أن يعود، أيضاً، إلى ذلك المؤشر ـ شبه الوحيد، إذا جاز القول! ـ الذي يمكن أن يمثّل انتصاراً أمريكياً من نوع ما في مشروع غزو العراق: قانون النفط والغاز، الذي كانت حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي قد اقرته وأحالته إلى مجلس النوّاب (رغم المعارضة المعلنة للكتلة الصدرية والنوّاب السنّة، يومذاك). يومها كان احتياط النفط العراقي يتراوح بين 115 و215 مليار برميل، وإنتاجه يمكن أن يبلغ ستة مليارات برميل يومياً، بعائدات سنوية لا تقلّ عن 130 مليارا؛ وتلك أرقام تكفي بذاتها لكي ينظر المرء بعين الريبة الشديدة إلى قانون يُسقط عن الحكومة العراقية الحقّ في احتكار التنقيب عن النفط، ويمنحه إلى شركات أجنبية؛ كما يترك الباب موارباً، أو مفتوحاً في حالات عديدة، أمام خيار «اتفاقيات تقاسم الإنتاج».
وفي جانب آخر لا يقلّ خطورة، كان إقرار القانون الجديد كفيلاً بإبطال جميع الاتفاقيات السابقة التي وقّعها العراق، في عهد صدّام حسين أو العهود السابقة، مع شركات فرنسية أو روسية أو صينية، وبالتالي لم تحظَ الشركات الأمريكية بحصّة الأسد في التنقيب والاستثمار، فحسب؛ بل استأثرت، أو احتكرت، جميع ميادين صناعة النفط العراقية. فهل كان مستغرباً أن سيّد البيت الأبيض طوى، مؤقتاً، استياءه الشديد من المالكي، وسارع إلى مهاتفته وتهنئته على تمرير قانون النفط والغاز؟ ألم يكن ذاك ثمناً معقولاً، من وجهة نظر البيت الأبيض، لما يُقارب 700 ألف ضحيّة من أبناء الشعب العراقي، و4000 من جنود الاحتلال الأمريكي، وتخريب البلد، ووضعه كلّ يوم أدنى فأدنى من حافة الحرب الأهلية؟ وهل كان هذا المعنى، بالضبط، هو الذي دار في خلد جورج بوش الابن حين ألمح إلى أنّ العراق يواصل معارك روّاد استقلال أمريكا، من أجل استمرار ولادة الأمّة؟
في برميل النفط أساساً؛ قبل، وربما دون الحاجة إلى، رحم التاريخ!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

أوباما:

أمثولة العدّاء في جنازات اليمن

صبحي حديدي

 

تقول الأرقام الرسمية الصادرة عن القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية إن طائرات التزويد بالوقود نفّذت 1200 طلعة منذ اندلاع الحرب الأهلية في اليمن، وخدّمت 5600 طلعة سعودية فوق الأجواء اليمنية. فإذا احتسب المرء حقائق لجوء الطيران الحربي السعودي إلى قصف المشافي اليمنية، وبينها تلك التي تديرها منظمة «أطباء بلا حدود»؛ وأنّ هذه المنظمة اضطرت، مؤخراً، إلى سحب 550 عنصراً من مجموعاتها العاملة في الشمال، وأخلت ستة مواقع على الأقلّ؛ فإنّ مقداراً أكبر من الشكوك، وربما العجب، يتوجب أن يكتنف ما تردد مؤخراً عن مبادرة سلام أمريكية حاول تسويقها وزير الخارجية جون كيري، في السعودية.
كذلك، ضمن سياسة عسكرية جديدة اعتمدتها السعودية منذ استئناف القصف بعد انهيار محادثات الكويت وتهدف إلى عزل العاصمة صنعاء، يعمد الطيران الحربي السعودي إلى تدمير جسور حيوية وحساسة، مثل جسرَي المدرجة في مديرية صعفان، وجسر مكحلة في باب الشق ـ مديرية بني سعد؛ رغم أنّ هذه الجسور تُستخدم، أيضاً وأساساً، لمرور قوافل «برنامج الغذاء العالمي» إلى المناطق المنكوبة. هنا، أيضاً، يُثار السؤال حول طبيعة مبادرة السلام الأمريكية: إذا صحّ أنّ البنتاغون هو الذي يتولى تزويد الطيران الحربي السعودي بلوائح أهداف القصف على الأرض، وأنّ بعض مسؤولي القيادة المركزية الأمريكية أبلغوا الكونغرس بأنّ هذه الجسور كانت على لوائح الأهداف محظورة القصف؛ فهل كان البنتاغون يغضّ الطرف، متواطئاً، أم كان الطيران السعودي يضرب عرض الحائط باشتراطات البنتاغون، عامداً؟
صحيح، تماماً، أنّ جميع أطراف النزاع على الأرض تتحمل مسؤولية مباشرة عن الحال المأساوية، الإنسانية والغذائية والصحية خاصة، التي يعيشها اليمن؛ وأنّ الحوثيين وأنصار الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح يتحملون وزراً أكبر، لأسباب سياسية وعسكرية وأخلاقية؛ إلا أنّ الشراكة الأمريكية ـ السعودية، في أعمال القصف الجوي تحديداً، تتحمل المسؤولية الأشدّ في حصيلة ما شهدته مختلف أرجاء البلاد منذ آذار (مارس) 2015: مقتل قرابة 3800، وجرح 6700، وتشريد 2،4 مليون، ومعاناة 6،7 مليون من سوء التغذية… حسب آخر تقارير مجلس حقوق الإنسان في جنيف.
بذلك فإنّ المبادرة الأمريكية تبدو، اليوم، أقرب إلى تلك الأمثولة العتيقة، حول قاتل يقتل القتيل ثمّ يسير في جنازته؛ خاصة وأنّ الرئيس الأمريكي باراك أوباما، صاحب عقيدة سحب الولايات المتحدة من ميادين الحروب الخارجية، كان بين أكثر رؤساء أمريكا المعاصرين تعطشاً إلى استخدام عمليات الاغتيال الفردي عبر الطائرات بلا طيار، في اليمن تحديداً. وهو، بهذا، لا يسير خبباً في جنازات اليمن، بل هو يعدو عدواً، خائضاً في الدماء والجثث ومواكب النازحين وقوافل الجياع؛ ليس أقلّ، بل أعظم، مسؤولية من سادة الحرب الأهلية أنفسهم.
وفي مقابل مهزلة الاتفاق بين جماعة الحوثي وحزب «المؤتمر الشعبي العام»، حول إنشاء مجلس سياسي أعلى لإدارة شؤون البلاد، واجتماع البرلمان اليمني للمرة الأولى منذ سنتين لمنح «المجلس» الثقة، واقتصار حضور الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي على اللقاءات البروتوكولية والتصريحات الجوفاء وامتداح التحالف السعودي؛ فإنّ المبادرة الأمريكية لا تبدو كسيحة ومعاقة وتحصيل حاصل لتراث العجز في جولات الكويت، فحسب، بل هي معطّلة سلفاً ما دامت تنطلق من مطالبة الحوثيين بسحب أسلحتهم من صنعاء (أي الاستقالة من النزاع طواعياً، عملياً!)، والقبول بتشكيل حكومة وحدة وطنية (وكأنّ «المجلس السياسي» العتيد لم ير النور وسط ضجيج وعجيج!).
وما خلا السير في جنازات اليمن، ما الجديد الذي أضافته المبادرة الأمريكية إلى حلول ومقترحات جهد في اختراعها إسماعيل ولد الشيخ، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، طيلة أشهر ممضة وثقيلة و… دامية؟

(القدس العربي)

 

تركيا في جرابلس:

هل تقدّم أردوغان أم تقهقر أوباما؟

 

صبحي حديدي

في غمرة الحديث عن التحوّل العسكري التركي النوعي بصدد الملفّ السوري، ودخول الدبابات التركية إلى بلدة جرابلس السورية، ضمن تعاون وثيق وميداني مباشر مع بعض فصائل «الجيش الحر» لانتزاع البلدة من قبضة «داعش»؛ تناسى الكثيرون، تحت وطأة ما اتسم به الحدث من سخونة، أنّ هذه ليست بالضبط المرّة الأولى التي شهدت دخول الجيش التركي إلى الأراضي السورية. وكما هو معلوم، في أواخر شباط (فبراير) 2015، عبرت قوّات تركية (39 دبابة، 57 عربة مدرعة، 100 عربة، و572 جندياً) إلى محيط ضريح سليمان شاه، جدّ مؤسس الإمبراطورية العثمانية، تبعتها قوّات إضافية انتشرت في قرية أشمة؛ فرفعت العلم التركي، ودمّرت جميع مباني الضريح، بعد أن جمعت ونقلت «الأمانات ذات القيمة المعنوية العلالية» إلى الداخل التركي.
ما يُنسى أيضاً، رغم أنه أعلى دلالة، وأكثر ارتباطاً بواقعة جرابلس الراهنة؛ أنّ تلك القوّات التركية دخلت إلى الأراضي السورية بالتنسيق مع الوحدات الكردية في غرفة عمليات «بركان الفرات»، والتي كانت تضمّ «وحدات الحماية الكردية» (الـ ي ب ك)، و»ثوار جبهة الأكراد»، فضلاً عن «ثوار الرقة»، و»ألوية فجر الحرية». واليوم لا تخفي تركيا، بلسان رئيسها رجب طيب أردوغان شخصياً، أنّ الهدف من عملية «درع الفرات» لا يقتصر على دحر «داعش» في جرابلس، بل ينطوي أيضاً على محاربة «إرهابيي حزب الاتحاد الديمقراطي». وهكذا، إذا كانت الفوارق بين «بركان الفرات» و»درع الفرات» تنبثق من متغيرات عديدة في جيو ـ سياسة المنطقة، والخيارات التركية في الملفّ السوري، وأحوال «داعش» العسكرية ميدانياً (في هذا الجيب السوري، أو في جيوب أخرى سورية وعراقية)؛ فإنّ فوارق أخرى، موازية ومتكاملة ذاتياً، تخصّ واقع القوى الكردية المقاتلة ـ ضمن مجموعات الـ ي ب ك و»قوات سوريا الديمقراطية»، على حدّ سواء ـ تنبثق من التحوّل الأخير الذي طرأ على الموقف الأمريكي تجاه هذه القوى.
أهذا فصل جديد، في مسلسل الخيانات الأمريكية للكرد، والتي تكررت على امتداد قرن ونيف، في إيران كما في تركيا، وفي العراق أسوة بسوريا؟ ليس تماماً في الواقع، لأسباب ثلاثة رئيسية، بين أخرى أقلّ شأناً: 1) لم تكن واشنطن مساندة، البتة، لأي مشروع كردي ذي صفة كانتونية في «روجافا» أو «كردستان السورية»، وبالتالي ليس من الإنصاف اتهام أمريكا بالحنث بأي وعد في هذا الصدد؛ و2) في مناطق الجزيرة السورية عموماً، المالكية (ديريك) ورميلان والقامشلي والحسكة وعامودا والدرباسية، وكذلك في عين العرب (كوباني) وعفرين ومنبج… لم تشجّع واشنطن أيّ تنشيط، من أيّ نوع، لنواة «دويلة» كردية، بل لعلّ العكس كان هو الصحيح؛ و3) السذّج وحدهم (وثمة نماذج منهم، للأسف، في قلب القيادات الكردية، الـ ي ب ك و»قوات سوريا الديمقراطية» و»حزب الاتحاد الديمقراطي» ذاته)، صدّقوا أنّ ما تريده واشنطن من الكرد يتجاوز قتال «داعش»، فقبلوا بصيغة التعاون تحت اشتراطات دقيقة مُحْكمة، بعضها أقرب إلى منطق التبعية منها إلى التحالف.
ليست خيانة، إذن، لأنها لا تخرق اتفاقاً تعاقدياً بين البنتاغون و»حزب الاتحاد الديمقراطي» ومجموعاته العسكرية المختلفة، من جهة؛ ولكنها، من جهة ثانية، ليست مجرّدة تماماً عن استسهال الغدر، والانقلاب على الحليف، وتبديل السياسات في أية برهة ذرائعية، وسوى هذه وتلك من تراث التعامل الأمريكي مع «الحلفاء المحليين» عموماً، وكرد المنطقة خصوصاً. الأمر الذي يطرح السؤال المشروع اللاحق: لماذا تغيّر موقف واشنطن الآن؟ أو بالأحرى: لماذا تغيّر هذا الموقف لصالح الخيار التركي (وضدّ الكرد، منطقياً واستطراداً)، بعد أن كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد تمسك بموقف مغاير، وامتنع عن إطلاق يد أنقرة في الملف السوري إجمالاً، وحول المعادلة الكردية ضمن هذا الملفّ خصوصاً؟ وإذا جاز القول إنّ الأسباب الكلاسيكية واضحة لكلّ ذي بصيرة (تركيا ما بعد إفشال الانقلاب العسكري، العلاقات التركية ـ الأمريكية في ضوء فشل الانقلاب، زيارة أردوغان إلى موسكو وإحياء العلاقات الروسية ـ التركية، انفتاح آفاق جديدة لحوار إيراني ـ تركي…)؛ فإنّ الأسباب غير الكلاسيكية، في المقابل، وغير المنكشفة المعلَنة، كانت بدورها ذات ثقل في تبدّل موقف واشنطن. 
بادىء ذي بدء، اعتبرت واشنطن أنّ «حزب الاتحاد الديمقراطي» أدّى، عبر مجموعاته العسكرية، ما كان مطلوباً منه في قتال «داعش»، في ساحتَيْ عين العرب (كوباني) ومنبج، معاً؛ ولهذا فإنّ أيّ نزوع كردي إلى التمدد خارج هذا النطاق، «غرب الفرات» كما في المصطلح الشائع، وخاصة ربط هاتين البلدتين مع عفرين، هو انخراط في مشروع «دولة» كردية، على الأرض، فعلية بمقدار أوسع، وتتجاوز الصيغة البلاغية واللفظية والمجازية لفكرة «روجافا» أو «كردستان السورية»؛ وهذا خطّ محرّم أمريكياً. ذلك لأنه، أيضاً، خطّ أحمر تركي لا يُلحق الأذى بدولة حليفة، عضو في الأطلسي، حاضنة القاعدة العسكرية الأمريكية/ الأطلسية الأهمّ في المنطقة، فحسب؛ بل أيضاً لأنه يتناقض، حتى بالمعنى الشكلاني، وحسّ المنطق البسيط، مع المعادلة التبسيطية التالية: كيف يمكن لواشنطن أن تدعم كياناً تهيمن عليه مجموعة سياسية ـ عسكرية، يحدث أنها امتداد سياسي وعسكري للـ ب ك ك، المنظمة الأمّ التي تصنّفها واشنطن رسمياً في خانة «الإرهاب»؟ 
لكنّ أنقرة، في احتساب سبب ثانٍ، لم تلبث ساكنة ساكتة، مكتوفة اليدين، تنتظر تبدّل الموقف الأمريكي بعد انتزاع منبج من قبضة «داعش»؛ بل كانت قد لعبت دوراً ـ قابلاً للنقاش، من حيث أحجامه الحقيقية، ميدانياً على الأقلّ ـ في تكييف معارك حلب الأخيرة، ومعمعة سقوط مدارس وكليات النظام السوري في أيدي قوّات المعارضة. كذلك تولّت أنقرة تشجيع «الجيش الحرّ» على طرد «داعش» من بلدة الراعي، ونقل عدد من الفصائل («حركة نور الدين الزنكي»، «فيلق الشام»، «لواء المعتصم»، «فرقة السلطان مراد»… ) إلى معركة جرابلس، تمهيداً لضرب «خلافة البغدادي» في واحد من آخر معاقلها الحلبية: بلدة الباب. وليست مصادفة، أو أعجوبة عسكرية، أنّ «تحرير» جرابلس استغرق تسع ساعات فقط، وأنّ «داعش» لم تقاتل عملياً بل انسحبت بانتظام، وأنّ طيران التحالف الدولي (أي الطيران الحربي الأمريكي أساساً) ساهم في المعركة مباشرة.
أخيراً، في ترجيح سبب ثالث، لم تكن مساندة واشنطن للكرد خالية من إشكالية خاصة، سياسية وسوسيولوجية وإثنية، محرجة ومربكة في الواقع، هي استبعاد العرب من قتال «داعش» في المقام الأوّل (ومن هنا حرص البنتاغون على تضخيم أعداد المقاتلين العرب ضمن صفوف «قوّات سوريا الديمقراطية»)؛ ثمّ، في المقام الثاني، الاستمرار أكثر في منع تركيا، بوصفها قوّة إقليمية مسلمة (وسنّية، كما تجب الإشارة) من قتال «داعش»، على الأقلّ من أجل تأمين حدودها وحماية شعبها من سلسلة العمليات الإرهابية الداعشية. وهكذا توجّب أن تنوّع واشنطن خياراتها، فتكفّ يد الكرد بعد منبج، وتجبرهم على الانسحاب من مناطق توسعهم غرب الفرات، وتطلق يد تركيا في جرابلس، وربما الباب قريباً، حتى إذا انتهى هذا التنويع إلى تكريس منطقة حظر جوي/ أمر واقع؛ خاصة بعد أن فرضت واشنطن ما يشبه منطقة الحظر هذه في الحسكة، ضدّ طيران النظام السوري.
الأرجح، إذن، أنّ طرازاً من تقدّم أردوغان هجومياً، وتقهقر أوباما دفاعياً، صنع المشهد الراهن في جرابلس؛ الأمر الذي لا يلغي احتمال التقاء المتقدّم والمتقهقر في منطقة وسطى، آتية، تمنح أنقرة يداً أطول في الملف السوري، بعد طول انتظار!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

صفقة همذان:

عرب أطاعوا وباعوا…

وفرس وروس اشتروا!

صبحي حديدي

 

انطلاق القاذفات الاستراتيجية الروسية من قاعدة همذان العسكرية الإيرانية، لقصف أهداف في سوريا، ليس قراراً سياسياً في المقام الأوّل، كما سارت بعض التحليلات الغربية؛ يستهدف إرسال إشارات (أوضح مما تبدّى حتى الآن؟)، حول طبيعة التنسيق العسكري الروسي ـ الإيراني، في الملف السوري على الأقل.
صحيح، إلى هذا، أنّ الرمزية السياسية عالية، كما أنها غير مسبوقة أيضاً، في هذا الإجراء العسكري؛ وأنّ تشغيل رموز من هذا الطراز يخدم موسكو وطهران على قدم المساواة، في الساحات الجيو ـ سياسية التي تتهدد فيها، أو تتوطد، مصالح البلدين. العاصمة الأولى تقول، أو بالأحرى تشدد على، ما اعتادت تسويقه منذ أيلول (سبتمبر) الماضي، حين كرّست تدخلها العسكري المباشر في سوريا؛ من أنها قوة كونية عظمى جديرة بمجابهة أمريكا والأطلسي خارج حدود جورجيا وأوكرانيا، ثمّ استطراداً خارج حروب أسعار النفط والعقوبات الاقتصادية.
والعاصمة الثانية، طهران، تذكّر بأنها قوّة إقليمية عظمى، مستعدة للاتجار بالمصالح الكونية الجيو ـ سياسية مع قوى كونية أخرى غير أمريكا؛ وأنّ الاتفاق النووي الذي وقعته مع «المجتمع الدولي» ليس منتهى تلك التجارة، أو حتى ذروتها القصوى.
من الصحيح، في المقابل، بل لعله الأصحّ في الواقع، أنّ الغاية العسكرية الصرفة هي عماد ذلك الإجراء، وأنّ حال النظام السوري القتالية الميدانية لا تسرّ خاطر رعاته ومسانديه وحلفائه، في موسكو أسوة بطهران وبيروت/ الضاحية الجنوبية.
ما جرى عسكرياً في حلب مؤخراً، وما يجري ببطء أكثر وبضجيج إعلامي أقلّ في ريف دمشق، يستوجب نقلة نوعية في إسناد النظام على الأرض؛ حيث يُتاح لقاذفة الـ
Tu-22M الروسية الاستراتيجية أن تلقي 20 طناً مترياً من القنابل أو الصواريخ، ولا بأس أن تحمل أيضاً رسائل سياسية متعددة العناوين: إلى واشنطن، والحلف الأطلسي، وأوكرانيا، والاتحاد الأوروبي، وسوق النفط، وسوق السلاح… هذا بافتراض أنّ مقاتلات الـ Su-34 الروسية، التي أخذت الآن تنطلق كذلك من قاعدة همذان، لا تحمل الرسائل ذاتها؛ مضاعفة، إذا جاز القول، لأنّ هذا الصنف من الطيران الحربي الروسي يعمل لتوّه، من مطار حميميم في اللاذقية. ولا بأس، في المقابل، من جرعة علاج بالصدمة، تصنعها حقيقة مرور القاذفات الروسية من إيران إلى سوريا عبر الأجواء العراقية (عراق حيدر العبادي، بعد عراق نوري المالكي، للإيضاح!)؛ الأمر الذي يعيد التأكيد على إجراء عراقي سابق (عبور الطائرات الإيرانية التي تشحن العتاد والمقاتلين عبر الأجواء ذاتها نحو سوريا): وأمّا العلاج فهو تعويد العرب على متغيرات التحالف بين العرب، مع غير العرب، ضد العرب أنفسهم (صيغة «فرس وروس» لمن يشاء!)؛ وأمّا الصدمة فهي، بين مقاصد أخرى، فهي تسخيف بعض أساطير العرب، عن التضامن الأخوي العروبي!
طريف، أولاً، متابعة التراشق اللفظي بين واشنطن وموسكو، حول استخدام قاعدة همذان في انطلاق القاذفات الروسية نحو سوريا؛ إذْ بدأت الجولة من تصريح مارك تونر، الناطق باسم الخارجية الأمريكية، من أن الإجراء الروسي هذا قد (نعم: قد!) يكون انتهاكاً لقرار مجلس الأمن الدولي 2231، القاضي بحظر تزويد أو بيع أو نقل الطيران الحربي إلى إيران؛ وأنّ القاذفات الروسية، التي تقول موسكو إنها سوف تستهدف «الدولة الإسلامية، سوف «تستهدف عملياً قوات المعارضة السورية المعتدلة». ردّ وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، كان كالعادة دبلوماسياً وساخراً في آن: «هذه الطائرات تستخدمها قوات سلاح الجو الروسية، بموافقة إيران، ضمن عملية محاربة الإرهاب في سوريا، بناء على طلب الحكومة السورية الشرعية». أقلّ دبلوماسية، كما يُنتظر منه، كان ردّ إيغور كوناشينكوف، رئيس الدائرة الإعلامية في وزارة الدفاع الروسية: ليس من عادتنا أن نلقّن مسؤولي الخارجية الأمريكية دروساً في حُسن قراءة القانون الدولي!
والحال أنّ السذّج، فضلاً عن رهط «الممانعين» مكمّمي العقول عن سابق قصد، هم وحدهم الذين يمكن أن يعتقدوا بأنّ الصفقة الروسية ـ الإيرانية، في استخدام قاعدة همذان؛ قد تمّت دون علم، ثمّ موافقة وترخيص، البيت الأبيض والبنتاغون؛ أو دون علم، ثمّ موافقة وترخيص، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شخصياً، صديق بوتين وحليفه، والحائز من سيّد الكرملين على هدية ثمينة لا ككل هدايا العباد: دبابة سورية! في تفاصيل مثل هذه، تعبر النطاق الجيو ـ سياسي إلى ذاك العسكري الستراتيجي، المحلي والإقليمي والدولي؛ لا مجال للعبث أو المناورة أو المغافلة، لأنّ العواقب سوف تكون وخيمة لا ريب، ولأنها قد تنقلب على أصحاب الشأن قبل سواهم. وفي كل حال، ليس استنتاجاً خارقاً للعادة ذاك الذي يقول إنّ المصلحة مشتركة، بين واشنطن وموسكو وطهران وتل أبيب؛ ليس في قصف «داعش» أو «جبهة فتح الشام» أو «أحرار الشام»، فحسب؛ بل كذلك فصائل الجيش الحر «المعتدلة»، أينما وحيثما توجّب الحفاظ على المقدار المطلوب من التوازن العسكري بين المعارضة والنظام.
وبصدد تقاطع (بمعنى تطابق وتناغم…) السياسات الإيرانية والإسرائيلية حول الملفّ السوري، ليست جديدة تلك المواقف التي تصدر عن كتّاب ومعلّقين وساسة يهود، وتعلن ـ على نحو صريح تارة، ومبطّن خافٍ طوراً ـ مناصرة نظام بشار الأسد، ومعاداة الانتفاضة الشعبية؛ خشية على دولة إسرائيل إذا سقط النظام الذي كفل صمت السلاح في هضاب وبطاح الجولان طيلة 46 سنة، وقدّم خدمات ثمينة لأمن إسرائيل في لبنان وفلسطين والأردن، ولأمن راعيتها الكبرى الولايات المتحدة، لا سيما في تحالف «حفر الباطن». للمرء أن يستذكر مواقف ألكسندر آدلر، المؤرّخ والصحافي الفرنسي اليهودي المعروف، والكاتب في صحيفة الـ»فيغارو»، والمساهم في مطبوعات ومواقع أخرى يمينية غالباً، محافظة، وشديدة الانحياز لإسرائيل.
بصدد العلاقات الإسرائيلية ـ الإيرانية، والبرنامج النووي الإيراني، يقول آدلر: «لا أعتقد أنّ الإيرانيين أرادوا في أي يوم امتلاك القنبلة النووية لتهديدنا، نحن اليهود؛ وأنّ الهدف في الحقيقة كان بلوغ التفوّق على العالم العربي، والعالم العربي السنّي، في موازاة تجربة الباكستان النووية التي تمّ تمويلها بالكامل من المملكة العربية السعودية ودول الخليج». ثمّ يربط هذا التقدير بواقع انتفاضات العرب، ومصر تحديداً، فيقول: «إذا سألتني عن جوهر موقفي، أرى أنّ الشعب الإيراني هو الأقرب إلى الشعب اليهودي، وإذا كان ثمة بلد محصّن ضدّ العداء للسامية، فهو إيران (…) واليوم أعتقد أنّ العدو الرئيسي هو تجمّع المتشددين المسلمين السنّة، العرب، القائم على خليط من الناصرية وعقيدة الإخوان المسلمين، والذين ـ انطلاقاً من مصر، التي كانت على الدوام البلد الجدّي الوحيد في المنطقة ـ يوشك على ترتيب محاصرة إسرائيل، والتحضير للهجوم عليها بين يوم وآخر». 
وليست نادرة، بل لعلها الشائعة أكثر، مواقف أمثال آدلر في إسرائيل وأمريكا؛ وكذلك أمثاله في روسيا، مختلطة بنزوعات الفخار القومي والحنين الإمبراطوري القيصري؛ وأمثاله في إيران، ممّن أتقنوا المزج، النفعي، بين المشروع الخميني/ الخامنئي في «تصدير الثورة»، ومشروع التوسع الإقليمي الذي يستلهم جذوراً فارسية صرفة. ومن سماءات إيران، إلى سماءات سوريا، تحت سمع وبصر ـ وبالطبع: ترخيص ـ أمريكا وإسرائيل؛ ثمة هذه الصفقة التي تدفع إلى استذكار محمود درويش: «سقط القناعُ/ عربٌ أطاعوا رومهم/ عربٌ وباعوا روحهم»؛ فكان مآلاً طبيعياً أن يشتري الروس، بعد أن اشترى الفرس، سقط متاع أنظمة الفساد والاستبداد والمزارع العائلية، وتُبّع المذاهب والطوائف والميليشيات، ومجرمي الحرب وقتلة الأطفال!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

كريستال فيديل كاسترو

صبحي حديدي

 

في أيلول (سبتمبر) 1960 وصل إلى نيويورك لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، ممثلاً لبلد حرّ مستقلّ، عضو في الهيئة الأممية. لكنّ أياً من فنادق نيويورك لم يقبل بإيوائه، والوفد المرافق له، بضغط خفيّ من المخابرات المركزية الأمريكية، وضغوطات علنية وهستيرية من وسائل الإعلام. وحين هدد بنصب معسكر خيام قبالة مبنى الأمم المتحدة، والإقامة فيه وكأنه ورفاقه يستأنفون حرب الغوار في الأدغال، رضخت واشنطن وسمحت لفندق «تيريزا» باستقباله.
تلك واحدة من عشرات الأقاصيص المثيرة التي اكتنفت حياة الثائر الكوبي فيديل كاسترو، وتُستعاد اليوم بمناسبة بلوغه سنّ التسعين، يوم 13 آب (أغسطس) الجاري. وحين تقاعد عن العمل السياسي، سنة 2008، كان عملياً ينحني أمام أثقال 82 سنة؛ بينها نصف قرن كامل في قيادة الثورة الكوبية، ومساندة حركات التحرّر في أمريكا اللاتينية، ومقارعة عشرة من رؤساء أمريكا (أيزنهاور، كنيدي، جونسون، نيكسون، فورد، كارتر، ريغان، بوش الأب، كلينتون، وبوش الابن)، إذا استُثني أوباما؛ فضلاً عن موقعة ملحمية أسفرت عن هزيمة نكراء للولايات المتحدة في «خليج الخنازير»، وأزمة بين الجبّارين كادت تشعل أوار الحرب العالمية الثالثة… النووية.
والحال أنّ نظام كاسترو ليس ديمقراطياً، وفق معايير الحدّ الأدنى من أيّ تعريف سليم متفق عليه لمفهوم الديمقراطية، وهو أقرب إلى دبكتاتورية الحزب الواحد والحاكم الأوحد في كلّ ما يخصّ حرّيات كبرى مثل التعبير والصحافة والتظاهر والتعددية الحزبية والقضاء المستقلّ. ولكن إذا أخذ المرء بعين الاعتبار حجم المشكلات الداخلية والخارجية التي جابهتها كوبا، فإن سجلّ النظام يترك انطباعات طيبة، ومدهشة، تحسده عليها الغالبية الساحقة من أنظمة العالم الثالث، خاصة تلك التي سُمّيت ذات يوم «ثورية» أو «تحرّرية» أو «تقدّمية».
وعلى الصعيد الإيديولوجي لم يتضح أبداً أنّ كاسترو خسر الكثير من جرّاء سقوط النظام السوفييتي أو المعسكر الاشتراكي بأسره؛ لأنّ الكاستروية، إذا صحّ هذا التعبير، كانت أصلاً حالة وسيطة بين اللينينية الرومانسية، والماوية الثقافية، والبلانكية المعقلنة، والغيفارية الثورية.
وطيلة عقود من الحصار الأمريكي الذي فرضته واشنطن، وبعض حلفائها، على الجزيرة الصغيرة؛ ظلّ الزعيم الكوبي يضحك في عبّه على مشهدين متناقضين ـ متكاملين: الرأسماليات الغربية، تتسابق على خطب ودّ الصين واختطاف ما يمكن توقيعه من عقود مع اقتصادها، الذي يتنامى مثل تنّين خرافي؛ والرأسماليات ذاتها وهي تتملص من أعباء العلاقة مع روسيا بوريس يلتسين واقتصادها، الذي يترنح مثل «موجيك» خائر القوى، ذهبت الفودكا الرديئة بعقله وجسده!
كذلك لم يكن كاسترو بحاجة إلى كثير من المهارات التكتيكية لكي ينفذ من ثغور المصالح المتضاربة بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، ولقد استرخى مراراً وهو يتابع فصول الشدّ والجذب بين قرارات الكونغرس الأمريكي المتعنتة في استمرار الحصار، من جهة؛ وعقود الشركات الأوروبية الطامحة إلى الاستثمار في كوبا، من جهة ثانية. في الآن ذاته، كانت إنجازات الثورة الكوبية (محو الأمية، الإصلاح الزراعي، تطوير صناعة السكر، الثورة الثقافية…)؛ قد أعطت الكثير من أُكلها، بمعدّلات لم يكن ينتظرها أعتى خبراء البيت الأبيض والمخابرات المركزية والكونغرس. كذلك كان حجم المبادلات الكوبية مع أوروبا الغربية قد برهن على حيوية عالية، خصوصاً إذا ما قيس بما آلت إليه الاقتصادات الأخرى للدول الاشتراكية سابقاً؛ حيث جرى فرض اقتصاد السوق قسراً، بوحي العقيدة، وليس استناداً إلى أيّ منطق اقتصادي سليم.
وقبل 18 سنة قام البابا يوحنا بولس الثاني بزيارة «تاريخية» إلى كوبا، دفعت جيم هوغلاند، أحد ثقاة المعلّقين الأمريكيين، إلى مراهنات قصوى على ذلك الحدث المشهود، بلغت درجة التنبؤ بأنّ البابا سوف يعجّل بسقوط كاسترو. أكثر من ذلك، اختار هوغلاند ذلك التفاؤل الذي لا يمكن أن توفّره إلا أبراج التنجيم، فاعتبر أنّ الحدث أفضل ما يمكن أن تقدمه كرة الكريستال السحرية إلى أولئك الحالمين بسنة جديدة معطاءة! البعض، من خصوم كوبا وأصدقائها على حدّ سواء، رأوا أنّ العكس قد يكون الصحيح، لأنّ الزيارة يمكن أن تنقلب إلى مسمار جديد يُدقّ في نعش الحصار الأمريكي المفروض على الجزيرة الصغيرة منذ نحو أربعة عقود. ولقد جادل هؤلاء بأنّ هذا البابا تحديداً يعرف أنّ المجيء إلى الجزيرة على رأس جيش إيماني لن يصطدم بالجيوش الماركسية ـ اللينينية وحدها؛ بل بجيوش عشرات العقائد الإيمانية الأخرى التي تتعايش في الجزيرة، وتبدأ من الوثنية والتقمّص والشامانية والـ «فودو» الأسود، ولا تنتهي عند تنويعات البروتستانتية واليسوعية و»اللاهوت الثوري» الذي اشتهرت به أمريكا اللاتينية.
وبصرف النظر عن اختلاف المرء، في الجوهر أيضاً، مع النظام السياسي الذي خلّفه كاسترو؛ وحقيقة أنّ العلاقات الأمريكية ـ الكوبية تبدّلت جذرياً، ومعها كُسر الحصار؛ فإنّ من المبهج للمرء ذاته أن يقول: لا عزاء لأمثال هوغلاند وسائر الشاخصين إلى كرات الكريستال، وعيد ميلاد سعيد لهذا الشيخ الثوري المتقاعد.

صبحي حديدي

(القدس العربي)
 

 

 

عصر اللايقين:

كلاب من قش

ومقامرات مفتوحة

صبحي حديدي

 

«مرحباً بكم في عصر اللايقين»، يقول عنوان مقال مسهب نشرته صحيفة الـ»غارديان» البريطانية لأحد كتّابها المخضرمين، ستوارت جيفريز؛ المختصّ بوسائل الإعلام الجماهيرية والتلفزة والثقافة الشعبية، إلى جانب مساهماته في أعمدة الرأي. وهذا العصر، الذي نُرحّب بالعيش فيه، يتيح للارتياب أن يجبّ الثقة، ليس بمعنى الشكّ الفلسفي الديكارتي، بل قياساً على أسئلة حائرة لا تجد لها إجابات شافية. مثل هذه، على سبيل النماذج التي اختارها جيفريز نفسه: هل سيقع الـBrexit حقاً، فتغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي؟ هل يمكن أن يفوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية؟ هل وظيفتي مضمونة البقاء؟ ألا يبدو المستقبل غامضاً بعيداً عن التكهن؟ هل هنالك وسيلة لتفادي هذا الخوف، والقلق، والشلل؟ 
وإذْ يقتبس جيفريز أفكار مواطنه الفيلسوف جون غراي، وتحديداً كتابه الأشهر ربما، «كلاب من قشّ: أفكار حول بني البشر وحيوانات أخرى»؛ فإنه، للغرابة، يسوق أفكار الكتاب على سبيل ثقة غراي بالمستقبل، حتى إذا كان ذلك المستقبل يمكن أن يقلب حسابات توفير المواطنين إلى ما يشبه المقامرة المفتوحة. لكنّ الكتاب كان قد أثار الكثير من اللغط بالطبع (وهذا لم يكن جديداً على كتابات غراي)، ولكنه هذه المرة خلّف مزيجاً من الذعر والذهول والاستغراب والاستنكار في آن معاً. وكيف لا يفعل، والكتاب يقول إنّ الإنسان، كما يفيد العنوان، لم يعد مختلفاً كثيراً عن الحيوان، أو بات يشبهه في جانب مركزي واحد على الأقل: أنه لم يعد يحتلّ مركز الصدارة في ترتيب عناصر الكون! محاججة غراي الأساسية، خلف هذه الفرضية التي تبعث على القشعريرة، بالغة البساطة مع ذلك: التراث اليهودي ـ المسيحي، وهو الفلسفة الإجمالية التي يرتكز إليها وجدان الغرب أسوة بعقل الغرب، كان يُفرِد الإنسان عن الحيوان في مواهب كبرى، مثل الإيمان والاختيار والعقل واللغة والإبداع؛ الأمر الذي لا يتراجع اليوم، أو ينحطّ أو ينعدم، عند بني البشر، فحسب؛ بل هو ينقلب إلى «حيوانية» صريحة صارخة، مجانية مدمّرة، أين منها سلوك الحيوان!
يكتب غراي: «على الفلاسفة وعلماء الاجتماع والأدباء أن ينبذوا إلحاحهم على مركزية الإنسان واستقلالية عقله، لأنّ المدينة باتت أشبه بقفير النحل، والإنترنت باتت تشبه اسمها تماماً: شبكة العنكبوت!». وأمّا أفكاره الأخرى فتقول التالي، على سبيل الأمثلة: صحيح أنّ الأنظمة الشيوعية فشلت، وحاول اقتصاد السوق فرض نموذجه الطوباوي الخاصّ على البشرية جمعاء؛ لكنّ ما جرى في أمريكا يوم 11/9/2001 ينبغي أن يؤذن بنهاية تلك الحملة الصليبية. لماذا؟ لأنّ اليقين الذي ساد خلال العقد الماضي (حول نهاية التاريخ، وصعود الليبرالية التجارية في سياق مدّ لا تقاومه أمّة، أو سوق، أو ثقافة، أو فلسفة…)؛ اهتزّ من جذوره أمام مشهد انهيار برجَيْ مركز التجارة الدولي، تماماً كما تنهار قصور الكرتون، وبات طبيعياً أن يهتزّ إيمان الأسواق بحصانة العولمة.
لكن جيفريز يذهب إلى شخصية غربية أخرى مارست تأثيراً بالغاً في الحياة السياسية ـ الاقتصادية الأوروبية المعاصرة: جون كنيث غالبريث، الاقتصادي الكبير والشهير، الذي كان ـ إلى جانب مؤلفاته الكثيرة اللامعة ـ قد أنتج، في عام 1977 لصالح الـ
BBC، مسلسلاً تلفزيونياً بعنوان «عصر اللايقين»، ذاع صيته في أربع رياح الأرض. وفي موازاة «اليقينيات الكبرى في الفكر الاقتصادي خلال القرن الماضي»، أقام غالبريث تضاداً مباشراً مع «اللايقين الكبير الذي تُواجَه به المشكلات في عصرنا». هنا أيضاً، وكما فعل في مثال غراي، يغضّ جيفريز النظر عن سلسلة من «اليقينيات» التي ارتبطت بالاقتصاد الرأسمالي، وبالفلسفة الليبرالية ذاتها التي يدافع عنها غالبريث.
ففي معظم أطراف المعسكر الرأسمالي المعاصر (إذْ لا يزال يستحقّ صفة «المعسكر»، حتى بعد غياب المعسكر الاشتراكي النقيض)، في فرنسا كما في الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا واليابان؛ تتابع أخلاقيات السوق العيش وفق قواعد «ثقافة الرضا»، حسب تعبير غالبريث. إنها جسم إيديولوجي اجتماعي ـ اقتصادي يلبس لبوس الديمقراطية (حين لا تكون هذه خيار مجموع المواطنين، بل أداة أولئك الذين يقصدون صناديق الاقتراع دفاعاً عن امتيازاتهم الاجتماعية والاقتصادية)؛ وتفرز أجهزة حكم لا تنطلق في تطبيقاتها السياسية من مبدأ التلاؤم مع الواقع والحاجة العامة، بل من طمأنة الخلايا الدقيقة المنعَمة والراضية، التي تصنع الأغلبية الناخبة. والفكر الاجتماعي الرسمي، من حول هذه الثقافة، لا يلحّ على قضية أخرى قدر إلحاحه على الطبقة، أو بالأحرى على غياب مفهوم الطبقات. وبدلاً من هذا التوصيف الكابوسي الذي يرجّع أصداء الماضي، يلجأ ذلك الفكر إلى البلاغة فيتحدث في أمريكا عن «الطبقة السفلى
Underclass، وفي فرنسا عن الذين «بلا عنوان دائم» SDF، وفي بريطانيا عن «المشردين» Homeless. لكن المحتوى في جميع الأحوال يصف ملايين الفقراء والعاطلين عن العمل، ويصف طبقات جديدة، وأخرى عتيقة.
الموقف من الزمن التاريخي (أي ذاك الذي يرتد إلى الماضي من المستقبل، مروراً بالحاضر) هو إحدى السمات المكوّنة في لاهوت ثقافة الرضا، كما وصّفها غالبريث. إنها لا تنكر التأزّم (حيث يتعذر الإنكار)، لكنها تسعى إلى تأجيل الفعل اللازم لحله، وتنحي جانباً كل ما يثير الاضطراب: مظاهرات، إضرابات، نتائج انتخابية تقلب المعادلات الراسخة رأساً على عقب… واليوم، بعد مرور عقود على النظريات التي تبشّر ببزوغ فجر الرأسمالية واقتصاد السوق مرّة وإلى الأبد، ليس عسيراً أن نشهد استقطابات عميقة تتحرّك في السطوح الأعمق من السياسة اليومية؛ الميدان المعلن الذي يتبدّى فيه عجز الاقتصاد الرأسمالي عن تطويع الحياة اليومية. ويكفي أن يتابع المرء ما يجري في أيّ من البلدان الرأسمالية الأساسية، في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، بصدد السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة أو الحرب أو السلام… لكي يتذكّر المرء نبوءة كارل ماركس الرهيبة حول برجوازية لا تملك سوى أن تخلق حفّاري قبورها!
في المقابل، يتحاشى جيفريز تناول موضوع ذي صلة مباشرة بحال اللايقين، خاصة في تلك الهوامش المتقاطعة بين الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتكنولوجيا والعولمة والثقافة؛ أي فلسفة «السبيل الثالث»، الذي تتغنى به بعض القوى والأحزاب الاشتراكية التقليدية في أوروبا، من طراز حزب العمال البريطاني والحزب الاشتراكي الفرنسي، وبعض تيارات الخضر. والحال أنّ السبيل الثالث هذا هو خطّ الوسط القديم ـ الجديد، دون سواه: خطّ الوقوف عند نقطة متساوية بين أقصَيَين، وخطّ التوسّط بين اليسار واليمين في عبارة أوضح. ومنذ أن دعا البابا بيوس الثاني عشر إلى «سبيل ثالث» بين الاشتراكية والرأسمالية في نهاية القرن التاسع عشر، كان المصطلح يصعد هنا وهناك في الثقافة السياسية الغربية، وكلما اقتضى الأمر هذا أو ذاك من أشكال التصالح أو التحالف أو المساومة. وكان غالبريث، نفسه أيضاً، قد رفض هذا السبيل، وأعلن صراحة عجزه عن فهم طبيعته الملموسة: «هل يُراد منه احتلال موقع وسيط بين الصحيح والخاطئ؟ وفي الأساس، ما السبيل الأوّل والسبيل الثاني اللذان يُفترض في السبيل الثالث أن يتجاوزهما أو يتخلص منهما»؟
«نشرب لكي نخمد أسباب قلقنا، ولكي نُخرس ـ لساعات قليلة ـ الشكوك الملحاحة التي تتملكنا باستمرار»، يختم جيفريز مقالته المسهبة؛ التي ـ وإنْ تقصدت غضّ النظر عن عوالمنا، نحن، حيث تتحالف تكنولوجيا القوى العظمى مع رثاثة البراميل المتفجرة، في الفتك بمواطنينا ـ تظلّ، مع ذلك، راهنة مرتبطة بما يجري عندنا. مأساة اليقين هنا تفجّر مقامرة اللايقين هناك، سواء بسواء!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

نتنياهو ملك أفريقيا:

حطام إرث عبد الناصر

صبحي حديدي

 

حتى الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، لم يُمنح نعمة ـ وامتياز، في نهاية المطاف ـ الإطلال على حيوانات حديقة القصر الرئاسي الأثيوبي، في أديس أبابا؛ على نقيض رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي أطلّ على الحديقة، صحبة الرئيس الأثيوبي مولاتو تيشومي، ومتّع ناظريه بالمشهد، فتذكّر التوراة وأنشد، من سفر صموئيل الثاني: «أخفّ من النسور وأشدّ من الأسود». لم يكن يوناثان التوراتي هو وحده الذي في ذهن نتنياهو، بل لقد استرجع، أيضاً، يوناثان؛ شقيقه الذي قُتل في عملية عنتيبي الشهيرة، قبل 40 سنة. «نعود إلى أفريقيا، وأفريقيا تعود إلينا»، هتف «بيبي الملك/ الأسد» كما لقبه بعض منافقي أفريقيا وإسرائيل.
والحال أنّ هذه «العودة» ليست متبادَلة تماماً، أو هي ليست متكافئة من حيث انفتاح فريق على فريق، أو على الأقلّ مئات الملايين من الدولارات التي تنوي إسرائيل استثمارها في أفريقيا. وعلى سبيل المثال، شتان بين مجيء الرئيس الأثيوبي إلى المملكة العربية السعودية للعلاج، قبل أسابيع؛ ووقوفه، قبل أيام، مع نتنياهو لتوقيع اتفاقيات تعاون دسمة، على بساط أحمر عتيق، يحمل نجمة داود السداسية، وعليه يربض الأسد الأثيوبي العتيق بدوره. وبهذا المعنى فإنّ مسار «العودة» هذا انطوى على ثلاث محطات: إسرائيل الوليدة، بعد 1948، كمثال يُحتذى في دول أفريقيا الساعية إلى التحرر من الاستعمار؛ ثمّ إسرائيل 1967، كقوّة استعمارية واستيطانية، ومخفر متقدّم للإمبريالية العالمية؛ وأخيراً، إسرائيل ما بعد اتفاقيات كامب دافيد، ومؤتمر مدريد، واتفاقيات أوسلو، حيث لا يجوز للعرب أن يحرموا الأصدقاء الأفارقة مما يمارسونه هم أنفسهم من تطبيع مع إسرائيل.
ولعلّ من المفيد العودة إلى برهتَين سابقتين في العلاقات العربية ـ الأفريقية: الأولى كاريكاتورية، مثّلها دكتاتور ليبيا القتيل معمر القذافي؛ والثانية مجيدة، كان صانعها الزعيم المصري ـ العربي، ولكن الأفريقي أيضاَ، جمال عبد الناصر. وفي وقفة ـ وجيزة فقط، لاعتبارات عديدة ـ عند الأول؛ يستعيد المرء خطبة العقيد العتيد في افتتاح أعمال القمة العاشرة لمجموعة دول الساحل والصحراء، أو «سين صاد» كما أجاز لنفسه القول، في كوتونو عاصمة بينين، 2008: «آسيا هذه قارة أخرى مطلة على البحر المتوسط من ناحية الغرب، لكن فيها صراعات ومشاكل بين الأكراد والأتراك، وبين الفلسطينيين وإسرائيل، واللبنانيين والسوريين والأردنيين، وهذه المنطقة شائكة، ولا تتفاهم إلا بالصواريخ وبالقصف وبالقتل، وهذه منطقة غير مؤهلة أن نجلس معها في البحر المتوسط». وأضاف، وكأنّه صديق صدوق ناصح للأوروبيين: «هذه آسيا، وإذا أنتم الأوروبيين تحبون أن تتعاملوا مع هذا الجانب، أنتم أحرار تعاملوا معهم وحدكم، لكننا لا ندخل معكم بهذه ‘الطبيخة’ في آسيا»!
ورغم تغنّي القذافي بخرائط أخرى لإمبراطورية الأغالبة والإمبراطورية القرطاجية والعثمانية والفاطمية، حسب ترتيبه، ورأى أنها أفريقية نظيرة للخرائط الاستعمارية الغربية، وجعلت صقلية ورودس ومالطا ومرسيليا وكورسيكا وسردينا ولامبيدوزا وفنتالاريا وإسبانيا تابعيات عربية (أو «تبعنا» كما عبّر العقيد)؛ فإنّ «الطبيخة» الأفضل في نظره هي صيغة «سين صاد»، أي اتحاد الساحل والصحراء بوصفه الوحيد الذي يتيح للدول الأفريقية أن تكون «جزءاً من فضاء كبير، يضم سوقاً استهلاكية كبيرة، وسوقاً إنتاجية كبيرة، وعملة واحدة، وتأشيرة واحدة، ونظماً أمنية واحدة، وأخرى دفاعية واحدة، فضلاً عن موقف تفاوضي واحد».
في المقابل كان ملهِم العقيد،، جمال عبد الناصر، مصرياً أوّلاً، ثمّ عربياً، ومسلماً، وأفريقياً؛ وذاك ترتيب برهنت السنوات، والوقائع/ العواصف العاتية، أنه كان مربّع تفكير الرجل وسلوكه وخياراته، وطنياً وإقليمياً وعالمياً. وفي كتابه «فلسفة الثورة» اعتبر أنّ مصر هي المركز في ثلاث حلقات: العالم العربي، والعالم المسلم، والقارّة الأفريقية، وقال ما معناه: لا نستطيع، بأية طريقة وحتى لو رغبنا، أن نقف جانباً وبعيداً عن الصراع الدامي والرهيب الذي يندلع الآن في قلب القارّة، بين خمسة ملايين أبيض ومائتي مليون أسود. ولا نستطيع القيام بذلك استناداً إلى مبدأ واحد ولسبب واضح: أننا، نحن أنفسنا، في قلب أفريقيا. ذلك الإعراب عن الانتماء إلى أفريقيا كان نقلة جديدة بعيداً عن قول الخديوي إسماعيل، في عام 1870، إن مصر «لا تقع في أفريقيا، بل في أوروبا». واليوم، في غمرة ما تشهده القارّة من مخاضات وتحوّلات وحروب ومجاعات (وكذلك في ضوء جولة نتنياهو الأخيرة)؛ من الإنصاف البسيط أن يسجّل المرء لعبد الناصر أنه أدخل مصر، والشطر العربي الشمالي من أفريقيا إلى القارّة، و»اكتشف» الطاقة السياسية الكامنة في هذا الانتماء.
ذلك لأنّ مسألة الانتماء هذه ليست بالبساطة التي تبدو عليها، ولقد مضى، دون أن تنطوي فصوله تماماً، نقاش عميق حول طبيعة الهوية الأفريقية لمصر بالذات، ولبلدان شمال أفريقيا إجمالاً. وليس خافياً أنّ هذا النقاش اتخذ أحياناً صيغة متوترة حين شارك فيه منظّرون أفارقة من أمثال النيجيري أوبافيمي أوولو، الذي طوّر نقداً شديداً لمفاهيم عبد الناصر حول الشطر الأفريقي من الهوية المصرية، وكتب يقول: «إن الجمهورية العربية المتحدة، المخلوق الأثير عند عبد الناصر، والتي تضع قدماً في أفريقيا وأخرى في الشرق الأوسط الآسيوي، هي النقيض الصريح لفكرة الوحدة الأفريقية». وفي كتابه الممتاز «نحو سلام أفريقي»، الذي يبحث آفاق تحالف أفريقي حضاري وستراتيجي على طراز السلام الروماني والسلام البريطاني، ناقش الباحث الكيني المرموق علي مزروعي إشكالات هذا الانتماء، وكيف يبدو عميقاً وملموساً في غرب وجنوب الصحراء الكبرى أكثر منه في شمالها، حيث الميول العربية ترجّح الانتماء إلى آسيا والمشرق العربي والإسلامي.
خلاصات النقاش كانت تنبثق من اعتراف ضمني بأنّ مصر هي الأقلّ «أفريقيةً» بين بلدان شمال أفريقيا، بسبب التاريخ الفرعوني، والفتح الإسلامي، والتأثيرات الغربية والانخراط في مشكلات المشرق العربي أكثر من مشكلات القارّة. ولكنّ مصر في عهد عبد الناصر تحوّلت، في الآن ذاته، إلى أكثر دول شمال أفريقيا دفاعاً عن مفهوم الجامعة الأفريقية، ومن هنا جانب البراعة والعمق في تحليل عبد الناصر للمعطيات الجيو ـ سياسية والثقافية والتاريخية لموقع مصر على حدود التقاء آسيا بأفريقيا. وكان الراحل، وهو أوّل زعيم مصري يحكم مصر منذ عهود الفراعنة، قد ألزم بلاده بمبدأ «نحن في أفريقيا»، تماماً كما التزم به زعيم بارز مثل الغاني كوامي نكروما، رغم ملابسات هذه المقارنة.
وانحياز عبد الناصر إلى الهوية الأفريقية كان قد اتخذ أشكالاً إجرائية مباشرة وملموسة، مثل إعطاء المُنَح الدراسية للطلاب الأفارقة، وجعل العاصمة المصرية ملاذاً دائماً لنشاطاتهم، وتحويل إذاعة القاهرة إلى منبر مناهض للاستعمار والقوى الرجعية في القارّة والعالم العربي، والمشاركة النشطة في المداولات والمؤتمرات والمفاوضات حول مستقبل الدول الأفريقية، وفي تعميق الصلة مع المراكز والتجمعات المسلمة في مختلف أرجاء أفريقيا. ومن المفارقة أنه لا العرب ولا الأفارقة كانوا أوّل مَنْ أدرك طبيعة الترابط الجدلي والوثيق بين الشرق الأوسط وأفريقيا، بل كانت القوى الإمبريالية الأوروبية هي السبّاقة إلى ذلك الإدراك الحاسم؛ وعلى منوالها سارت أبكر السياسات الإسرائيلية.
وليست جولة نتنياهو في سبع دول أفريقية سوى الواقعة الأحدث، في سجلّ إسرائيلي حافل، لم يستهدف ربط القارّة مع إسرائيل بوصفها أفضل البوّابات إلى أمريكا، والغرب عموماً، فحسب؛ بل كذلك لتقويض ذلك التراث الفريد، والمجيد، الذي صنعه عبد الناصر.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

 

هل تملك داعش

«سياسة خارجية»؟

صبحي حديدي

رغم أن داعش اختارت لنفسها تسمية تقصر الانتشار الجغرافي لـ«الدولة الإسلامية» على العراق والشام، واستقرّ مقدار كبير من وجودها العسكري، ضمن صيغة «التمدد» الشهيرة، على هذين البلدين بالفعل؛ إلا أنّ مفهوم «الخلافة»، أياً كانت عناصر الزيف والتزييف التي تكتنفه، لم يكن لينحصر في أية بقعة أو بلد أو حدود أو جغرافيا. في المنطوق الجهادي البسيط أو التبسيطي، إذا وضع المرء اعتبارات المنطوق السياسي الدنيوي أو الذرائعي جانباً، فإنّ أرض الخلافة هي امتداد المعمورة بأسرها، في أربع رياح الأرض!
وبهذا المعنى فإنّ فرضية وجود «سياسة خارجية» للتنظيم أخذت تترسخ شيئاً فشيئاً، وباتت ملامحها العامة تتضح أكثر فأكثر، منذ أن غادرت داعش النطاقَين الابتدائيين، في العراق وسوريا؛ أو بالأحرى منذ أن انتقل التنظيم من ساحته الأولى، العراقية، ومن نواته التأسيسية هناك، إلى بنية تنظيمية وعقائدية مكّنته من احتلال موقع المحور الفاعل والرئيسي في التنظيمات الجهادية المشرقية. وعلى نحو أشدّ مغزى: منذ أن تحوّل التنظيم إلى منافس للحاضنة الأمّ، منظمة «القاعدة»، أعلى جاذبية منها لجهة التجنيد والتنسيب، وأفضل استثماراً لمشاعر السخط والاحتجاج والرفض، ومزيج الهستيريا والاستيهام، لدى الشباب المسلم على مستويات كونية.
ولعلّ من المتفق عليه، أو هكذا تبدو الحال اليوم عملياً، أنّ تلك «السياسة الخارجية» تنهض على ثلاث ركائز؛ تضم، في الآن ذاته، بعض عناصر «السياسية الداخلية»، إذا جاز القول هكذا. الركيزة الأولى هي زرع الخلايا في دول الجوار، خارج العراق والشام، كما في لبنان والأردن والسعودية واليمن وتركيا؛ والبعض لا يتورع عن الإشارة إلى الضفة الغربية وغزّة وسائر فلسطين! وهذا خيار لا يقتصر على الصفة الكلاسيكية لتلك الخلايا، في أنها تظل «نائمة» حتى ساعة استفاقة، لتنفيذ عملية ما مباغتة؛ وإنما يتسع ويتشعب ليشمل وظائف الدعوة والتبشير والتجنيد والتعبئة، فضلاً عن الأنشطة الاستثمارية التي تسند «بيت مال» التنظيم (ثمة تقارير جادّة عن قرابة 20 مليون دولار تكسبها «الدولة»، شهرياً، من عمليات المضاربة بالعملات والأسهم).
الركيزة الثانية هي التمدد، حتى دون الاضطرار إلى الإعلان، أبعد من جغرافية التسمية الأصلية، العراقية/ الشامية؛ ليس إلى دول الجوار بالضرورة، لأنّ مبدأ الخلايا يتكفل بهذا، بل إلى ميادين مثل ليبيا وصحراء سيناء، الأمر الذي يوفّر ساحة انتشار وحشد، من جهة أولى؛ كما يؤمّن قاعدة تمركز احتياطية إذا اضطرّ التنظيم إلى تقليص وجوده العسكري في العراق والشام، من جهة ثانية. وليس خافياً أنّ هذه الميادين تتكفل بتخفيف الضغط العسكري عن «الدولة»، في الجبهات التي تشهد قتالاً عسكرياً نظامياً، وتخضع لعمليات قصف جوي مكثفة؛ لكنها أيضاً تمنح التنظيم، في المقابل، فرصة إضافية لاستقطاب المزيد من المتطوعين، وإشعال أنماط أخرى من الاحتجاج ضمن سردية الاستهداف العالمي لـ»الخلافة».
الركيزة الثالثة هي تنويع على مبدأ زرع الخلايا، ولكن في النطاق العالمي هذه المرّة، خاصة في الغرب، حيث الآلاف من المتطوعين المنتسبين إلى «الدولة»، والذين يمكن أن يعودوا من ساحاتها الجهادية الخارجية، في العراق والشام تحديداً، لتنفيذ أعمال إرهابية في بلدانهم الأصلية. وليس خافياً حجم التأثير المعنوي، ثمّ السياسي والأمني، الذي تسفر عنه مثل تلك الأعمال الإرهابية؛ وكيف تُحسن «الدولة» استثمار ما تخلّفه من مناخات، سواء لجهة ترهيب الناس أم اجتذاب الأنصار.
ويبقى أنّ عماد هذه «السياسة الخارجية» لا يعتمد على أية سياسة، بأي معنى مألوف للمفردة؛ بقدر ما ينتهج إراقة الدماء والإرهاب المحض والترهيب العشوائي الأعمى، بصرف النظر عن الهدف: الكرادة في بغداد، مثل مطار في اسطنبول؛ ومطعم في دكا، مثل مسجد في المدينة المنورة!

(القدس العربي)

 

بعيداً عن باريس وإسطنبول:

إرهاب واشنطن في كولومبيا

صبحي حديدي

 

قد يكون مفيداً فتح ملفات أخرى حول الإرهاب، تتجاوز المألوف «الإسلامي ـ الجهادي» عموماً، و«القاعدي» و«الداعشي» خصوصاً… وذلك لأسباب عديدة؛ بينها تحريض العقول الراكدة على النظر أبعد من أرنبة الأنف، والتفكير أقرب إلى الحال المركبة للواقع الفعلي ـ وهكذا، إذْ يضرب الإرهاب في اسطنبول، بعد أن ضرب في باريس وبروكسيل؛ يصبح مشروعاً الانتقال إلى إرهاب الدول، وليس الجماعات والمنظمات وحدها، كما في استخدام القاذفات الروسية أسلحة محرّمة دولياً، ضدّ الإنسان والعمران، والمشافي والأسواق والمخابز. أو إرهاب الولايات المتحدة، في أنماطه الكثيرة والمتغايرة؛ من القصف العشوائي، إلى الاغتيال بالطائرات الذكية…
ثمة، إلى هذا، تطوّر وقع مؤخراً، في بلد بعيد عن الشرق الأوسط وحواضن الإرهاب «الإسلامي ـ الجهادي»؛ سمته المميزة الأخرى أنه يلملم الجراح ولا ينكأها، ويدشن ميدان مصالحة وطنية بدل إشعال ساحة نزاع واحتراب، بعد خمسة عقود ونيف من الحرب الأهلية الدامية، سقط خلالها ربع مليون ضحية، وشُرّد الملايين. هذا البلد هو كولومبيا، الذي شهد ـ في العاصمة الكوبية هافانا، برعاية إضافية من فنزويلا وتشيلي، فضلاً عن الأمين العام للأمم المتحدة ـ توقيع اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار وإنهاء الأعمال القتالية، بين الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس، ورودريغو لوندونو زعيم «جبهة القوات المسلحة الثورية الكولومبية» اليسارية، الـ»فارك». والاتفاق يتضمن تفاصيل إلقاء السلاح بالنسبة إلى قرابة سبعة آلاف مقاتل في صفوف الـ»فارك»، والضمانات الأمنية التي ستوفّر لهم عند بلوغ المصالحة الوطنية النهائية.
تطور بهيج بالطبع، لا يخلو مع ذلك من طرافة سوداء: مشاركة برنارد أرونسون، الدبلوماسي المخضرم ومبعوث البيت الأبيض، في مراسم التوقيع؛ وكأنّ إدارة باراك أوباما تريد التأكيد على أنّ سياسات واشنطن بخصوص كولومبيا لم تكن سليمة وحصيفة فقط، بل هي جديرة بالتكريم في هذا اليوم الكولومبي الأغرّ أيضاً! وما دام أرونسون يختزل في شخصه، عبر عقود من التخصص في شؤون أمريكا اللاتينية منذ 1977، روح سياسات جيمي كارتر وجورج بوش الأب وبيل كلنتون، معاً، في علاج الحرب الأهلية الكولومبية؛ فإنّ إرساله اليوم إلى كوبا هو أقرب إلى بصمة أوباما على وثائق الاتفاق!
وفي الماضي لم يكن أي تقرير عن كولومبيا، يصدره معهد «راند» الأمريكي المختصّ بأبحاث «الدفاع الوطني»، يخلو من تفاصيل مذهلة حول تهريب السلاح والاتجار به استيراداً وتصديراً؛ في بلد تقول أكثر الإحصائيات تفاؤلاً إنّ نسبة الجريمة فيه هي الأعلى في العالم. غير أنّ هذه الحقيقة، أي العلاقة بين تجارة السلاح وارتفاع معدّل الجريمة، لم تكن مدعاة ذهول أكثر من الحقيقة الأخرى التالية: أنّ معظم هذا السلاح يأتي من مصدر واحد هو ما يُسمّى «مستودعات الحرب الباردة»، أي تلك الكميات الهائلة من الأسلحة التي سبق أن خزّنتها الولايات المتحدة في بلدان أمريكية ـ لاتينية، مثل الهوندوراس والسلفادور ونيكاراغوا.
ليس هذا فحسب، بل إنّ الوجود العسكري الأمريكي الثابت في كولومبيا يُراد منه، كما يُقال لأهل البلد وللعالم بأسره، محاربة هذه الظواهر الباعثة على العنف تحديداً. ولقد تكفلت معونات أمريكية بقيمة 3.5 مليار دولار، فضلاً عن مئات العسكريين الأمريكيين، بنقل كولومبيا إلى المرتبة الثالثة في ترتيب الدول التي تتلقى مساعدات عسكرية أمريكية على نطاق العالم! وبالطبع، ليس من جديد في القول إنّ الهدف الرئيسي للوجود العسكري الأمريكي هناك إنما ينحصر في حماية خطّ أنابيب البترول التابع لشركة «أوكسدنتال بتروليوم»، في قلب منطقة أروكا النفطية.
في الآن ذاته، ظلت إدارات البيت الأبيض المتعاقبة تغفل الإشارة، حتى على استحياء، إلى «أعمال القتل غير المشروعة» وحالات «الاختفاء القسري»، التي تُعزى إلى قوّات الأمن الكولومبية، وتعجّ بها تقارير منظمات حقوق الإنسان. وهذه الانتهاكات لا تُعدّ بالعشرات أو بالمئات، بل بالآلاف وعشرات الآلاف؛ وهي تشمل وجوه المعارضة الديمقراطية السلمية، وليست تلك المسلحة التي تخوض حرب عصابات، فضلاً عن ممثّلي النقابات في ميدان أشغال النفط تحديداً، وبعض أبرز وجوه المجتمع المدني الكولومبي. وإذْ ظلّ البلد يشهد حرباً أهلية طاحنة، ينخرط فيها عشرات الآلاف من أعضاء الميليشيات يميناً ويساراً؛ فإنّ البيت الأبيض، وبصرف النظر عن هوية شاغله الأوّل، وما إذا كان جمهورياً أم ديمقراطياً، ظلّ يختزل هذا كلّه إلى مجرّد حرب أمريكية ضدّ المخدرات.
والاختزال ينطوي، بالطبع، على طمس الحقائق السياسية والاجتماعية وراء هذه الحرب الأهلية؛ وكيف أنّ بعض الجوهريّ الأهمّ فيها كان مصادرة أراضي مئات الآلاف من الفلاحين، وطردهم من مئات القرى على امتداد ثلاثة عقود، الأمر الذي أطلق شرارة العصيان الشعبي الذي تتزعمه اليوم الـ»فارك». ورغم أنّ هذه الجبهة سيطرت على مساحات شاسعة واسعة من الأراضي الوطنية، فإنّ الولايات المتحدة تصرّ على اختزالها إلى «عصابة مخدّرات»، وتضع أمر تصفيتها على قدم المساواة مع محاربة عصابات المخدرات الحقيقية.
الحقيقة، رغم ذلك، تشير إلى أنّ الزمرة العسكرية المهيمنة على المؤسسات الديمقراطية الشكلية هي التي تسهّل زراعة المخدرات، وتصنيعها وتجارتها؛ لأنها شريكة مباشرة في الـ»بزنس»، بل هي الشريك الأوّل الذي لا غنى عنه. وفي عام 1998، لتقديم مثال مضحكٍ ـ مبكٍ، هبطت طائرة رئيس أركان سلاح الجوّ الكولومبي في مطار ميامي، وشاءت الصدفة وحدها أن تُكتشف على متن الطائرة الرسمية كمية من الكوكايين لا تقلّ عن… نصف طن!
المدهش أكثر أنّ الرئيس الكولومبي الأسبق أندريس باسترانا سارع، فور انتخابه، إلى فتح حوار مع الـ»فارك»، رافضاً التصنيف الأمريكي الذي يضعها في خانة عصابة مخدرات، ومعتبراً أنها حركة ثورية ذات مطالب سياسية واجتماعية. ومَن الذي فرمل حوار الرئيس؟ الولايات المتحدة وحدها، سواء عن طريق الضغط المباشر على الرئيس، أو عن طريق تحريض الطغــمة العسكرية على تصعيد العمليات العسكرية ضد الـ»فارك» بالتزامن مع إطلاق مفاوضات السلام بين السلطة والجبهة؛ أو ــ أخيراً ــ عن طريق الزيادة الدراماتيكية في حجم ونوعية المساعدات العسكرية الأمريكية، ورفع تلك المساعدات إلى مستوى التدخل العسكري.
وفي الآن ذاك، حين كانت الدوائر الأمنية الأمريكية تسعى إلى تفخيخ حوار باسترانا مع المعارضة الثورية، كان الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون يزور البلاد بهدف دعم الرئيس الكولومبي في «المعركة التي يخوضها من أجل تثبيت دعائم الحكم الديمقراطي»! الزيارة، مع ذلك، اقترنت بتقديم مساعدات أمريكية بقيمة 1.3 مليار دولار أمريكي (الرقم الثالث لأعلى مساعدات أمريكية خارجية، بعد إسرائيل ومصر)؛ تأخذ في الجوهر شكل معدّات عسكرية، ولا علاقة لها بالتنمية أو التطوير الاقتصادي والاجتماعي.
أليس إعلان الولايات المتحدة الحرب على الـ»فارك» يعني «اصطفاف البيت الأبيض مع الطغمة العسكرية، المتورطة تماماً في تجارة السموم، والمتحالفة مع ــ والساكتة عن ــ ميليشيات اليمين التي تمارس الإرهاب والمذابح البربرية كلّ يوم؟»؛ تساءل روبرت وايت، السفير الأمريكي المتقاعد الذي عمل في السلفادور والباراغواي.
بالطبع، وهكذا ستبقى الحال في كلّ ملفّ تباشره واشنطن بروحية الاختزال، ولا يراه البعض إلا عبر أرنبة أنف تبصر باريس وبروكسيل واسطنبول، وتنحسر عن إرهاب القوى العظمى؛ في حلب، كما في بوغوتا!

 

 

خصوم «داعش»:

كلّ يغنّي على ليلاه!

صبحي حديدي

 

ما خلا أنصار «الخليفة» البغدادي، لن يحزن الكثيرون إذا انتُزعت بلدة منبج من سيطرة «داعش»؛ وهذه خلاصة قد تسري، وإنْ بدرجات متفاوتة من الحماس الشعبي والإشكالية السياسية ـ العسكرية، على كلّ المناطق التي يحتلها تنظيم «الدولة». فإلى جانب ممارسات «التوحش» التي باتت سمة كبرى لصيقة في علاقة التنظيم مع الأهالي، مقترنة كذلك بفرض طراز غليظ شائه مشوّه من تأويل أحكام «الشريعة»؛ فإنّ سكان مناطق «داعش» باتوا ضحايا تقاطع النيران من كلّ حدب وصوب، وصار تحريرهم من احتلال التنظيم يرقى إلى سمة أولى جوهرية، هي الخلاص من أحد مصادر النار ومسببات الدمار، أياً كانت هوية «المحرر».
بيد أن هذه الخلاصة، الصحيحة من حيث المبدأ، لا تكفي في ذاتها لتغطية واقع الحال على الأرض، بمعنى ذرائعي أوّل يقول بأن إسقاط «داعش» في مناطق سيطرتها غاية جديرة بتبرير كلّ التعقيدات الأخرى، اللاحقة، التي لن تكون أقلّ من عواقب سياسية واجتماعية، والبعض يتحدث عن عوامل اقتصادية أيضاً، تصيب حياة السكان أكثر من إصابة «داعش» ومقاتليها وأنصارها. في صدر تلك العواقب تأتي حقيقة الاشتباك المحلي، السياسي والإثني والأخلاقي بادئ ذي بدء، بين القوى التي تقاتل «داعش»: «قوات سوريا الديمقراطية»، بتركيبها الديمغرافي الغائم بين الكرد والعرب، والذي يعبّر عن التنافر والتنافس أكثر من الانسجام والوئام؛ ثمّ وحدات «الجيش السوري الحرّ»، التي تُركت في العراء شهوراً طويلة حتى استفاقت واشنطن على ضرورة مدّها، جوّاً، ببعض الذخائر؛ ثمّ ما تبقى من جيش النظام السوري في محيط الرقة وحلب، ومقــاتلي «حزب الله» والميليشيات المختلفة ذات الانتماء المذهبي.
وليس أقلّ عاقبة ذلك الاشتباك الآخر، الجيو ـ سياسي، الإقليمي والدولي هذه المرّة؛ الذي يزجّ بالولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا، فضلاً عن عمليات التحالف الدولي الجوية، والعمليات البرية التي تقوم بها وحدات خاصة بريطانية؛ في أتون سلسلة من معارك الكرّ والفرّ مع «داعش»، لا يلوح البتة أنّ مقوّمات حسمها قد اكتملت أصلاً. هذا إذا وضع المرء جانباً حقيقة أنّ ثلاث قوى على الأقلّ، من أطراف هذا الاشتباك، تخوض معارك مماثلة مع تنظيم «الدولة» في العراق؛ حيث يكون امتداد الجغرافيا العراقية ـ السورية عاملاً حاسماً في وصل خطوط قتال، وإمداد، «داعش»، إلى جانب ما ينطوي عليه من اعتبارات التكتيك العسكري الميداني الصرف.
الأهمّ، مع ذلك، هو أنّ خصوم «داعش» متفقون على خصومتها، بالطبع، وهذه هي الغاية المعلَنة؛ أمّا ما يختصمون فيه، بين بعضهم البعض، فهو ليس كثيراً أصلاً، ويتزايد مع الأيام، فحسب؛ بل هو خزّان تطورات ميدانية مرشحة لتفريق الصفوف، أو حتى وضع صفّ في مواجهة صفّ آخر، أو كتلة صفوف متحالفة. لا نعرف، على سبيل المثال، متى ستدخل تركيا بقوّة أشدّ ضدّ الكرد، و«قوات سوريا الديمقراطية» ذاتها، سواء عن طريق الارتقاء بتسليح حلفائها في فصائل «الجيش الحرّ»، أو حتى بتنفيذ عمليات توغل ميدانية غرب نهر الفرات. وإذا كنّا نعرف مقدار حساسية العرب، ولا تُستثنى منهم شرائح واسعة من البدو وأبناء العشائر في محيط الرقة؛ فليس جلياً، بعد، آفاق انقلاب تلك الحساسية إلى حروب مناطقية شعواء. كذلك الأمر بالنسبة إلى واشنطن وموسكو، ما دام التعاقد بينهما على عمل مشترك في سوريا لم يكتمل بعد، وما دامت احتمالات النجاح الراهنة واهنة وبطيئة.
 وبذلك فإنّ الخلاصة الأخرى تشير إلى أنّ خصوم «داعش» كُثُر، ولكن كلّ منهم يغنّي على ليلاه، وكلهم يدّعي وصلاً بالشعب السوري، ضحية الاشتباك الأولى.

(القدس العربي)

 

محور بوتين ـ نتنياهو:

رميم (الممانعة) وغرام (المبادرة)

صبحي حديدي

 

إذا كانت دبابة، فقدتها إسرائيل خلال اجتياح لبنان سنة 1982، هي هدية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المادية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بمناسبة زيارته إلى موسكو مؤخراً؛ فإنّ هدية الأخير إلى بوتين معنوية، ثمّ سياسية بامتياز: إدخال الكرملين على خطّ التسويات الإسرائيلية ـ الفلسطينية، والإسرائيلية ـ العربية عموماً، في موازاة السلّة التي كان البيت الأبيض يحتكرها، وفيها يضع العرب كلّ البيض. ليس دون مقابل إضافي (إذْ أنّ الدبابة الهدية ليست كافية في حدّ ذاتها!)، يتمثل في سعي بوتين إلى إدخال تل أبيب على خطّ التنسيق العسكري الأمريكي ـ الروسي في سوريا؛ كما سرّبت وسائل إعلام إسرائيلية على صلة وثيقة بصنّاع القرار في إسرائيل.
وتلك خطوة تستوجب، من موسكو دائماً، استدراج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وضمان بعض الرضا ـ أو، على الأقلّ، الصمت ـ من الجانب السعودي. وفي أوّل برهان عملي على انخراط موسكو في تجريب الفكرة، قررت موسكو تخفيض مشاركتها في المؤتمر الوزاري الذي شهدته باريس مطلع الشهر، حول التسوية العربية ـ الإسرائيلية، فاكتفت بإرسال ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية سيرغي لافروف. ليس هذا فحسب، بل حرص بوغدانوف على تقديم اقتراح بصدد المستوطنات الإسرائيلية، أقرب إلى صورة طبق الأصل من مقترح أفيغادور ليبرمان القديم: منح السلطة الفلسطينية أراض «إسرائيلية» ذات أغلبية سكانية عربية، مقابل تخلّي السلطة عن أراض داخل الضفة الغربية تتكدس عليها المستوطنات.
ولكي يتخذ مشروع هذا المحور الروسي ـ الإسرائيلي الجديد صيغة تطبيقية ميدانية، لها أيضاً صفة اختبار النوايا والجاهزيات، فقد شاء نتنياهو منح بوتين امتياز تنظيم مؤتمر دولي، فلسطيني ـ إسرائيلي في الجوهر، لا يسحب البساط من تحت المبادرة الفرنسية، والشريك الأمريكي فيها، فحسب؛ بل يفرغها من محتواها أيضاً، ضمن تكتيك إسرائيلي مزدوج: رفض ما يُعرف باسم «المبادرة العربية»، في قمة باريس؛ وقبولها، ولكن ضمن إعادة تصنيع روسية، في مؤتمر موسكو الذي يُخطط له. لهذا كان لافروف هو الذي تولى قصب السبق في إعلان موافقة نتنياهو على المبادرة، مؤكداً أنه لم يسمع من رئيس الوزراء الإسرائيلي أي شرط مسبق، أو تعديل، لها؛ الأمر الذي «يجعل من الممكن النظر في تفاصيل الخطوات التالية لتطوير تسويات سلمية إسرائيلية ـ فلسطينية وإسرائيلية ـ عربية». في السياق ذاته، ولكن من باريس هذه المرّة، أكد وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، أنّ المبادرة العربية تضم «جميع العناصر التي تتيح التوصل إلى السلام»؛ نافياً أي تعديل لأيّ من بنودها، ومؤكداً أنّ المملكة تعتبرها «الفرصة الأفضل»، وآملاً أن «تسود الحكمة في إسرائيل وأن يوافق عليها الإسرائيليون».
والمرء، بادىء ذي بدء، يحقّ له أن يتساءل عن معنى إعادة تفعيل مبادرة أُقرّت في قمّة بيروت سنة 2002، وعُرفت باسم آخر أوضح مغزى في الواقع، أي «مبادرة الأمير عبد الله» وليّ العهد السعودي يومذاك: أهذا نبش من باطن الأرض، لما بات من عاديات الزمن، بعد 14 سنة حفلت بعواصف هوجاء وهزّات عاتية؟ وبأيّ رميم عظام سوف يُبنى كيان تلك المبادرة، ومَن سيفعّل ماذا، مع مَن؟ وما رُفض في الماضي، من جانب إسرائيل أولاً، ومحور «الممانعة» تالياً؛ كيف يُقبل اليوم من إسرائيل، ولماذا؟ وهل يكون رميم تلك «الممانعة»، المشغولة بقتال الشعب السوري، جنباً إلى جنب مع نظام الاستبداد وجرائم الحرب والإبادة، هو الملاط وحجر الأساس؟
للمرء، مع ذلك، أن يستذكر تفصيلاً طريفاً وذا دلالة في آن معاً: أنّ «المبادرة» اتخذت، في الأصل، شكل مقترح تبسيطي، تكشّف في سياق دردشة (غير بريئة على الأرجح) بين الأمير عبد الله والصحافي الأمريكي الشهير توماس فريدمان؛ قبل أن ينقلب المقترح سريعاً إلى «مبادرة سلام» هلّلت لها الأمم شرقاً وغرباً. الجديد الخطير لم يكن يكمن في صدور المقترح عن المملكة العربية السعودية (بما كان يعنيه ذلك من شحنة سياسية ورمزية دالّة)، وعن الأمير عبد الله بالذات، وليّ العهد والحاكم الفعلي والرجل الذي عُرف عنه التشدّد في القضية الفلسطينية ومسألة القدس (الأمر الذي كان لا يستبعد غياب الإجماع حول المقترح في صفوف الأمراء السديريين، أو عدم اتضاح أيّ نوع من التوافق بين آل سعود والمشايخ الوهابيين، في أمر يمسّ ثوابت المملكة وجوهر موقعها السياسي والديني في المحيط العربي والعالم الإسلامي).
الجديد الخطير كان يكمن في تلك المقايضة، الجديدة بالفعل على الأجندة الرسمية العربية: الأرض مقابل التطبيع، والتطبيع الشامل كما لاح آنذاك (وكما توجّب أن نفهم من كلام فريدمان، وليس من التعليقات السعودية)؛ من النوع الذي تريده الدولة العبرية، وكانت وما زالت تسعى إليه. التطبيع الذي يُدخلها في عَقْد الشرق الأوسط كدولة مشارِكة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وكعامل «منشّط» و»محرّض» وضامن لولادة «الشرق الأوسط الجديد». هذا ما حلم به الصهاينة الأوائل، وهذا ــ وليس «السلام» التعاقدي، أيّاً كان محتواه ومفرداته ــ هو ما يسعى إليه الصهيوني ـ السياسي، والصهيوني ـ العسكري، والصهيوني ـ رجل الأعمال، والصهيوني ـ المبشّر الثقافي…
والحال أنّ قرارات الأمم المتحدة ذاتها، و242 بصفة خاصة، لا تشترط كلّ هذا «الغرام» بين الدول العربية وإسرائيل، مقابل الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967. كذلك فإنّ مبدأ «الأرض مقابل السلام»، الذي استند إليه مؤتمر مدريد وبات حجر الأساس في إطلاق «العملية السلمية» العربية ـ الإسرائيلية؛ لا يقول بما قالت به المبادرة، أي: التطبيع التامّ بين إسرائيل والدول العربية كافّة. وفي هذا تكون «دردشة» الأمير عبد الله قد ذهبت أبعد ممّا ذهبت إليه مبادرات وجهود ومؤتمرات أخرى حول السلام في الشرق الأوسط، من مشروع الملك فهد في العام 1981 (الذي عُرف بعدئذ باسم «خطة فهد») إلى مفاوضات كامب دافيد بين الفلسطينيين والإسرائيليين برعاية الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، مروراً بمؤتمر مدريد دون سواه.
وفي الأساس، ما الذي كانت الرياض تريده من طرح المبادرة؟ بل ما الذي أراده الأمير عبد الله بالذات، استطراداً؟ لماذا ـ إذا صدّقنا رواية فريدمان، كما نقلها عنه ناحوم برنياع في «يديعوت أحرونوت» آنذاك ـ كان مكتب الأمير عبد الله متلهفاً على نشر مقال فريدمان حول المبادرة، أكثر بكثير من لهفة الصحافي الأمريكي نفسه؟ ولعلّ أولى مفاتيح الإجابة على هذه الأسئلة كانت تلك الريبة الغريزية التي تقود إلى القول بأنّ المبادرة موجهة إلى البيت الأبيض أكثر من أرييل شارون، رئيس وزراء إسرائيل في حينه؛ وأنّ حاجة المملكة إلى ترميم علاقاتها مع الإدارة الأمريكية، وتحسين صورتها أمام الرأي العام الأمريكي بعد هجمات 11/9، كانت أشدّ إلحاحاً من رغبة الأمير عبد الله في إطلاق مبادرة سلام لا يمكن أن تحظى بشعبية داخلية، في أوساط مشايخ الوهابية بصفة خاصة.
وفي الخلاصة فإنّ ما يقترحه محور بوتين ـ نتنياهو، اليوم، لا يتجاوز ذرّ الرماد في العيون واللعب في الوقت الضائع، ومن الإنصاف الترجيح بأنّ رميم «الممانعة» العربية، الذي يخلّفه أمثال خامنئي وحسن نصر الله وبشار الأسد، مروراً بأمثال قاسم سليماني وهادي العامري وقيس الخزعلي؛ هو مادة الترميم الأولى، التي لن تزيد العظام إلا تسوّساً ونخراً.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 



ماذا تبقى من

«إسلام» إخوان الأردن؟

صبحي حديدي

 

كما سبقت الحال في مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، توجّب على جماعة الإخوان المسلمين في الأردن أن تنحني ـ أو، بالأحرى، تُجبر على الانحناء ـ أمام عواصف الأزمنة المتغيرة، فتفكّ عرى العلاقة التاريخية، القديمة والطيبة والقائمة على تفاهمات صامتة أو معلَنة، مع السلطة. وليس هذا التطور مفاجئاً في الواقع، بل يمكن القول إنه تأخر أيضاً، على نحو ما، لأنّ منطق العلاقة الذي استمر طيلة أكثر من سبعة عقود؛ أخذ يتآكل تدريجياً وعلى أكثر من صعيد، ابتداءً من انقسامات الجماعة ذاتها داخلياً، أو في علاقتها مع المركز المصري الأمّ، وليس انتهاءً بمفاعيل «الربيع العربي» وتذبذبات «حماس» وتحالفات قياداتها مع أنظمة الاستبداد والفساد العربية.
فكيف تُلام السلطة الأردنية إذا اختارت هذه البرهة بالذات لكي تشرع في تفكيك تلك العلاقة، الآن وقد أخذت شعبية الجماعة في الانحسار على مستوى معياري هامّ هو الانتخابات النقابية مثلاً (والإشارة أتت، قوية، من انتخابات المعلمين قبل أسابيع قليلة، حين خسر الإخوان نفوذهم في نقابة هيمنوا عليها في سنة 2014 و2012)؛ وصار البيت الإخواني الواحد متشرذماً بين أربع جماعات على الأقل، ليس لأسباب تتصل بصراعات هرم القيادة فقط، بل في قلب القواعد أولاً، حول مسائل سياسية وعقائدية وأجيالية، تخصّ الداخل الأردني أسوة بالخارج العربي في فلسطين وسوريا ومصر واليمن.
وإذا كانت السلطات الأردنية لم تذهب مذهب مصر والسعودية والإمارات في وصم الجماعة بصفة الإرهاب، وتحريمها على هذا الأساس استطراداً؛ فإنّ الخيار المغربي، أي استيعاب الجماعة وتحييدها عن طريق وضعها أمام تحديات انحسار الشعبية، لا يبدو مطروحاً أيضاً، لسبب بسيط أوّل، قائم في المدى الراهن على الأقلّ، يفيد بأنّ السلطة ليست البتة محتاجة إلى اعتماد خيار مثل هذا. يكفي أن يلجأ أمين العاصمة عمّان، أو حتى رؤساء بلديات الطفيلة والمفرق وإربد والكرك والرمثا… إلى نصوص القانون التي تنظّم عمل الأحزاب؛ لكي يصبح إغلاق هذا المقرّ أو ذاك، في هذه المدينة أو تلك، إجراء مشروعاً تماماً، بل ومطلوباً أيضاَ من باب احترام القانون!
من جانب آخر، يقول المنطق إن مصير جماعة الإخوان المسلمين في الأردن غير منفصل عن مصائر ذلك الإسلام السياسي الشعبي، أو الشعبوي في أمثلة كثيرة؛ الذي أحسن استغلال موجات التديّن العامّ، وامتطى سخط الشعوب من الأنظمة المستبدة، وسعى إلى توظيف احتجاج الشارع، فاكتسب مقادير متفاوتة من الشعبية، كانت في كلّ حال أكبر مما استطاعت اكتسابه تيارات علمانية يسارية أو ليبرالية زعمت تمثيل آمال الناس ومطامحهم. غير أنّ خلوّ برامج ذلك الإسلام السياسي من المعالجات الملموسة للهموم الشعبية، والوطنية، فضلاً عن تقلّب المواقف السياسية ومهادنة الأنظمة وخيانة العهود والمواثيق، أتاح لـ»إسلام» آخر أن يصعد بقوّة، وأن يجمّد نفوذ جماعات الإخوان المسلمين التقليدية، ثمّ ينتقل من التجميد إلى التجنيد من داخل قواعد الإخوان، قبل أن يشقّ الصفوف ويشرذم التنظيمات. ذاك كان إسلام أسامة بن لادن، والزرقاوي، والبغدادي، والجولاني.
ثمة صراع حول السياسات هنا، بالطبع، وارتطام في العقائد والبرامج، وتناقضات كبرى في الأهداف القريبة والبعيدة؛ ولكن ثمة علم اجتماع أيضاً، وربما أساساً، يفيد بأنّ «إسلام» الجماعة قد فقد الكثير من مدلولاته الاجتماعية، وجاذبيته الإيديولوجية، وقابليته لاستثمار نقمة الجموع. وبذلك فإنّ انقسامات الجماعة ليست مؤشرات على بلوغ التأزم الداخلي ذروة غير مسبوقة، فحسب؛ بل هي علائم على تحوّلات عميقة، وخسارات جسيمة، إذا لم يتجاسر المرء فيرى نذير المحاق!

(القدس العربي)

فتنة كنعان مكية

صبحي حديدي

 

■ لا تهدف هـــذه الســطور إلى أيّ طــــراز من التـــــناول النقدي، أو المراجعة، لرواية العراقي كنعان مكية The Rope، التي نًشرت مؤخراً عن بانثيون، في نيويورك، كما صدرت لاحقاً بالعربية تحت عنوان «الفتنة»، عن منشورات الجمل. ولكنها تهدف، في المقابل، إلى وضع العمل ضمن سلّة كتابات ومواقف متناقضة متضاربة اقترنت بمكية، وحفلت بالانتهاز والنفاق وخيانة الضمير والتلفيق، وغطّت مساراً طويلاً كان قد بدأ قبل «جمهورية الخوف»، 1989، الكتاب الذي وقّعه مكية باسم مستعار هو سمير الخليل.
«الفتنة» في الإصدار العربي يخلو، بادىء ذي بدء، من أي إشارة إلى أنّ النصّ مترجم عن الإنكليزية، الأمر الذي يوحي، ضمناً، بأنّ مكية هو الذي كتبه أيضاً بالعربية. ورغم أنني سألت الناشر شخصياً، خلال محادثة عابرة في معرض أبو ظبي للكتاب، فأكد لي أن مكية هو الذي كتب النسخة العربية، فإنّ الأمر مدعاة ارتياب كبير، لأننا لا نعرف لمكية كتابات بالعربية، في هذه السوية اللغوية على الأقلّ. فإذا صحّ التزييف هنا، عن سابق قصد، فهذه نقطة نزاهة أخلاقية أيضاً، خاصة وأنّ الفروق بين النصَّيْن الإنكليزي والعربي لا تقتصر على العنوان، بل تشمل ما هو أدهى.
في النسخة العربية، يختتم مكية الكتاب بـ>كلمة شكر واعتذار»، جاء في الفقرات الأخيرة منها ما يلي: «أعتذر أولاً من الشعب العراقي، وثانياً من الطائفة الشيعية، لأنني لعبت دوراً قبل حرب 2003 لإضفاء الشرعية الدولية والعالمية على أولئك الذين كنا نسميهم طيلة التسعينيات المعارضة العراقية، وهم الذين حكموا العراق بعد 2003. هؤلاء لا يستحقون وصفهم بمعارضين لنظام البعث، ولا يستحقون أن يحكموا أحداً. التاريخ سيسجل أنه ليس هناك تجربة سياسية فاشلة بحجم فشلهم، وخاصة المتشيعين منهم، فشل ستُضرب به الأمثال لأجيال. فشل لا مثيل له لا في القرن العشرين ولا هذا الذي نعيش مآسيه الآن، ولا حتى في أي بقعة من القارات الآسيوية والأفريقية والجنوب أمريكية».
إلى هنا قد يبدو هذا الإقرار بمثابة نقد ذاتي، وله فضيلة الاعتراف بالخطأ ربما، لولا أنّ الفقرة بأكملها لم تظهر في ختام النصّ الأصلي الإنكليزي، بالرغم من «هامش شخصي» يضعه المؤلف، ويمتدّ على أكثر من 30 صفحة، وفيه اعترافات أشدّ جسارة (كالقول بأنّ «اجتثاث البعث» انتهى إلى «اجتثاث السُنّة»!). هذه ليست حكاية انعدام نزاهة، أو قلّة أمانة بين نصّ عربي وآخر إنكليزي، بل هي، ببساطة، أحد مظاهر التلفيق التي اعتاش عليها مكية منذ أن أخذ يظهر على الفضائيات الأجنبية، بعد اجتياح صدّام حسين للكويت، متخفياً داخل بقعة سوداء تغطي وجهه، أو مديراً ظهره للعدسات.
ذاكرة العراق المعاصرة تسجّل، في المقابل، أنّ مكية ـ في مطلع 1991، بعد إعلان وقف إطلاق النار في حرب الخليج الثانية ـ كتب، بتوقيع سمير الخليل: 1) الفكرة القائلة بأنّ نموذجاً منهكاً من صدّام حسين يمكن أن يحافظ على العراق موحداً، هي فكرة أقرب إلى أضغاث الأحلام، 2) لا شيء سيعكس مسار تفتت العراق إلا التدخل الخارجي، ويتوجب على الحلفاء الاعتراف أولاً بالثائرين على صدّام والتعاون معهم، ثمّ يتحلى الجنرال شوارزكوف بالرؤية التي امتلكها الجنرال ماك آرثر [أواخر الحرب العالمية الثانية، حين احتلّ اليابان]، فيزحف على بغداد، 3) الحفاظ على النصر أكثر أهمية من النصر ذاته. ماذا كان سيحدث لو أنّ الولايات المتحدة انسحبت من أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية دونما التزام بالديمقراطية وإعادة البناء الاقتصادي؟ 4) بمشيئة الحلفاء، يبــــدو محتملاً تماماً أن تقوم في العراق ديمقراطية علمانية تضمن الحقوق القومية للأكراد، وتحمي جيران العراق من مخاوف عدوان جديد في المستقبل، 5) الشعب العراقي بحاجة إلى عون الجيوش ذاتها التي دمّرت قدراته، والشعب العراقي سوف يستقبل الجنرال شوارزكوف وجيشه بأذرع مفتوحة.
وفي مطلع كانون الثاني (يناير) 2003، قبل أسابيع قليلة سبقت الغزو الأمريكي للعراق، حين استقبله الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن في المكتب البيضاوي، بحضور مستشارته للأمن القومي آنذاك، كوندوليزا رايس، قال مكية إنّ الشعب العراقي سوف يستقبل القوّات الأمريكية بالحلوى والزهور، وعلى الرئيس أن يتأكد من هذا تماماً. وحين أخذت القاذفات الأمريكية تدكّ بغداد، كتب في مجلة
New Republic، يمتدح القصف: «هذه القنابل لها وقع الموسيقى في أذني. إنها أشبه بأجراس تُقرع للتحرير في بلد تحوّل إلى معسكر اعتقال هائل».
أن يصل مكية متأخراً، في «الحبل»/ «الفتنة» مثلاً، خير من ألا يصل أبداً، كما قد يساجل البعض؟ ليس تماماً، ومجدداً، لأنّ هذا الإقرار بالوضع الكارثي في العراق لا يتعدى الاعتراف البسيط بتحصيل حاصل صار الملايين يرونه على نحو أشدّ وضوحاً ممّا يفعل مكية اليوم، وأشدّ نقداً بالطبع، وأرقى سلوكاً.
وكما يقول ت. س. إليوت، من جديد ودائماً: «بعد كلّ هذه المعرفة، أيّ غفران»؟، خاصة حين يسير العراق من خراب إلى يباب…

(القدس العربي)

 

 

طبخة ضابط إسلامي

الهوى يدعى… السيسي!

 

صبحي حديدي

 

لعلّ من الخير، وفي باب إنصاف التاريخ المعاصر أيضاً، أن يعود مراقب الشأن المصري الراهن ـ وفي ملفّ الحقوق والحريات العامة، تحديداً ـ إلى إحدى الركائز الكبرى التي كانت وراء انقلاب المشير عبد الفتاح السيسي، ثمّ صعود نجمه إلى ما هو عليه اليوم. تلك الركيزة انبثقت من جدل الأسابيع الأولى بعد انتفاضة ميدان التحرير، حين بات من المشروع أن يطُرح سؤال الخيار الختامي الذي سوف يستقرّ عليه الجيش المصري: أن يقف مع الشعب، فعلاً، في وجه مؤسسة رئاسية بدأت عسكرية منذ سنة 1952، مع محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، وهكذا ظلت؟ أم يلجأ إلى تكتيكات الالتفاف على الشارع الشعبي، والمناورة المؤقتة ما أمكن ذلك، لإنضاج «طبخة» ما، على نار ليست هادئة بالضرورة، تعيد إنتاج ماضي المؤسسة الرئاسية، مع تصحيحات هنا وهناك تشمل الخطاب والوجوه وبعض الأجهزة، وتجمّل الصورة القبيحة في هذا التفصيل أو ذاك؟
ولقد اتضح، سريعاً في الواقع، أن المؤسسة العسكرية المصرية لا تنوي قطع حلقة الرئاسات العسكرية، من جهة أولى؛ وهي بالتالي لم تكن راضية عن برنامج التوريث الذي انخرط فيه آل مبارك، بالتعاون مع حيتان النهب والفساد. وهكذا كانت المؤسسة، التي تشرف أيضاً على جهاز المخابرات العامة، قد استذكرت تلك الحكمة العسكرية التي ترى في الدفاع خير وسائل الهجوم؛ فبادرت إلى استثمار احتجاج الشارع الشعبي، وأعادت حشر الجيش كرقم صعب في المعادلة السياسية الداخلية. والخطأ الحسابي القاتل، والغبيّ تماماً في الواقع، الذي وقع فيه محمد مرسي، الرئيس الوحيد المدني في تاريخ مصر الحديث؛ كان اليقين بأنّ تحييد المؤسسة العسكرية (ممثّلة، يومذاك، بمجموعة المشير حسين الطنطاوي ورئيس الأركان سامي عنان)، يمكن أن يتمّ بيسر وسهولة، عبر ترقية ضابط مغمور، إسلامي الهوى (كما لاح لجماعة الإخوان المسلمين، يومئذ) يدعى… السيسي!
بدوره، كان هذا الضابط، القادم من الصفوف الخلفية، قد تنبّه جيداً إلى أنّ الشرعية الحقوقية والدستورية التي امتلكها مرسي أخذت تتصادم، تدريجياً، ولكن على نحو منهجي منتظم، مع إرادة شعبية واسعة النطاق أخذت تسائل الكثير من أهداف انتفاضة 25 يناير 2011، وتلحظ خسوفها وانقلابها إلى النقائض. كذلك راقب السيسي، بعين ضابط الاستخبارات هذه المرّة، أنّ زخم ميدان التحرير الديمقراطي والمطلبي والوطني صار يُختصر في تجاذبات أقرب إلى دائرة مفرغة، بين جماعة الإخوان المسلمين الحاكمة المستفرِدة، وجماعات المعارضة المتشرذمة والعاجزة عن بلورة مشروع معارِض مضادّ ذي مصداقية كافية. وبذلك بدت الإنجازات الديمقراطية (الانتخاب، والتصويت، والحرّيات السياسية والنقابية والإعلامية…) وكأنها السطح الساخن الظاهر، الذي يخفي غليان الأعماق كما جرى التعبير عنه في ثقافة «ملء الميادين»، على الطرفين في الواقع، ولكن بمعدّلات أعلى وأشدّ فاعلية في صفوف القوى الشعبية المناهضة لسياسات مرسي والإخوان.
والحال أنّ فئات المعارضة المصرية التي أبهجها انقلاب العسكر على مرسي، وضدّ الإخوان عموماً، كانت قد ارتكبت خطأ جسيماً حين ظنّت أنّ قهر الرأي وقمع حرّية التعبير وحظر النشاط السياسي هي الوسائل المثلى لمحاربة الإخوان. التجارب أثبتت سطحية هذا التقدير وخطورته، كما برهنت على أنه ينتج نقيضه في نهاية المطاف. وهذه مآلات يترجمها المشهد الراهن لانتهاك الحقوق والحريات العامة، وابتذال الخطاب السياسي لرأس النظام نفسه، والتفريط بالمياه والأرض والثروات، وإعادة تأهيل الفساد والنهب بوتائر أخبث مما كانت عليه خلال عهد مبارك؛ فضلاً، بالطبع، عن تدني الإعلام المصري، الرسمي والخاص، على نحو مريع.
طبخة مسمومة، إذاً، على غرار ما طبخت عسكرتاريا العالم العربي طيلة عقود؛ ولا عزاء لمَن ابتلعها، وهو عارف مدرك!

(القدس العربي)

 

 

بوتين وحلب: حلم نبوخذ نصّر

صبحي حديدي

 

في مثل هذه الأيام، ولكن قبل ثلاث سنوات، كان بشار الأسد يعيش نشوة انتصار عسكري نادرة، بل لعلها كانت الأولى منذ أن لجأ إلى استخدام أقصى أنماط العنف، وأشدّ النيران فتكاً، في محاولة قمع الانتفاضة الشعبية. كانت ميليشيات حليفه حسن نصر الله قد اجتاحت بلدة القصير، في ريف حمص، وسط تهليل واحتفاء، والكثير من التضليل والتزييف حول الأسباب التي تجعل القصير بوّابة لحماية مقام السيدة زينب، في ظاهر دمشق.
وتلك نشوة دغدغت أوهام الأسد في استخدام الحليف إياه ـ ولكن بأعداد تُحتسب بالآلاف وليس بالعشرات أو المئات؛ وبإسناد مباشر من وحدات الجنرال الإيراني قاسم سليماني؛ والميليشيات الشيعية العراقية، ومرتزقة أفغان وحوثيين وسواهم؛ ثم… بتواطؤ ميداني مباشر مع «داعش» ـ لمحاصرة مدينة حلب، وتوجيه ضربة قاصمة إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. وإلى جانب أحياء المدينة ذاتها، كان ثلاثي الأسد/ نصر الله/ سليماني يتطلع إلى استكمال مشهد ستراتيجي كاسح على الأرض، يتضمن توليف العناصر التالية، وزجها في المعركة: كسر الحصار عن قاعدة وادي الضيف، وتنشيطها؛ والقيام بخطوة مماثلة، في مطار منغ؛ وتحريك الميليشيات الموالية، في نبل والزاهرة؛ وإقامة تنسيق عملياتي مع «وحدات الحماية الكردية»، في حيّ الشيخ مقصود ذي الأغلبية الكردية؛ وصولاً إلى شنّ الهجوم الأرضي، بعد حملات قصف جوي ومدفعي مكثفة.
وذاك خيار فشل سريعاً، بل أسفر عن نتائج معاكسة تماماً، فخسر النظام الكثير، خاصة في ريف حلب الشمالي وإدلب والغاب، وبات سقوطه العسكري أقرب من أية برهة سابقة؛ الأمر الذي استوجب تدخلا روسياً مباشراً، اُضيف إلى المشهد الستراتيجي السابق إياه. ورغم آلاف طلعات القصف الروسية، واستقدام المزيد من مقاتلي «حزب الله» و»الحرس الثوري» الإيراني والميليشيات المذهبية والمرتزقة، فإنّ عناصر الميزان العسكري مع المعارضة، بما في ذلك خطوط الاشتباك مع «جبهة النصرة» و»أحرار الشام»، وخطوط التواطؤ مع «داعش»، ظلت على حالها تقريباً، دون تغيير جوهري.
وإذا كانت أغراض التدخل الروسي في سوريا عديدة ومتشابكة، بعضها جلي قريب وبعضها الآخر خفيّ بعيد المدى؛ فإنّ أحد الأغراض العسكرية الواضحة كان تمكين جيش النظام، وحلفائه، من إعادة استجماع القوى على نحو يتيح تحقيق مكاسب مادية صريحة، واسترداد مناطق ذات قيمة ستراتيجية، أو ذات صفة رمزية؛ لا تعيد زمام المبادرة إلى النظام فقط، بل تتحوّل إلى أوراق ضغط على طاولة المفاوضات: في يد موسكو، مع واشنطن والغرب حول ملفات أوكرانيا وسعر برميل النفط والقبّة الصاروخية في أوروبا؛ ثمّ، استتباعاً، في يد موسكو أيضاً، حين يتوجب أن تقترح الحلّ السياسي الذي يرضيها في سوريا.
وما دامت جميع المؤشرات تؤكد أن عمليات القصف الجوي الوحشية التي نفّذها طيران النظام استهدفت تهجير المدنيين من حلب، نحو الحدود التركية، بوصفها الوحيدة المتاحة، ولكن المغلقة، في آن معاً؛ فإنّ معركة حلب الراهنة هي، أيضاً، فصل جديد في حرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ضدّ نظيره التركي رجب طيب أردوغان. وهنا، لا يحتاج المرء إلى ذكاء إضافي كي يدرك أبعاد قيام طيران النظام بقصف مخيم كمونة للاجئين، الذي يقع داخل الأراضي السورية، ولكن على الحدود التركية.
ومنذ حزيران (يونيو) 2013، لا يلوح أنّ المشهد العسكري في حلب قد تغيّر كثيراً، ما خلا أنّ الكفة مالت لصالح المعارضة في الواقع؛ الأمر الذي لا يعني أنّ استيهامات الأسد لن تصيب بوتين بالعدوى؛ فيحلم، مثلاً، بأن يقود صديقه فاليري جيرجيف أوركسترا  مارينسكي حين تعزف أوبرا «نبوخذ نصّر»، على سلالم قلعة حلب!


(القدس العربي)

 

انحطاط التأويل السياسي للفقه الشيعي:

القدس… عبر حرستا وحلب!

صبحي حديدي

 

«بإيعاز من قائدي، أنا مستعد للتضحية بحياتي/ الهدف ليس تحرير العراق وسوريا فحسب/ دربي يمرّ بالمقام الشريف/ ولكن هدفي هو إلى القدس/ عن طريق حلب»؛ هكذا تقول الأهزوجة، التي يؤديها أطفال إيرانيون يرتدون الثياب العسكرية المرقطة، استعداداً للتطوع بالقتال في العراق وسوريا. وهذا شريط سينمائي دعائي وتعبوي، بل أنتجته وحدات الـ»باسيج»، أي «قوات التعبئة الشعبية» التي أنشأها آية الله روح الله الخميني في سنة 1979، وهي جزء من «الحرس الثوري»، الذي يتبع مباشرة للمرشد الأعلى.
قبل حلب، كانت بلدة حرستا موضوع «لطمية» هستيرية انتشرت كالنار في الهشيم، خاصة في صفوف ميليشيات المتطوعين العراقيين الشيعة، الوافدين للقتال إلى جانب النظام السوري في دمشق وأريافها؛ يقول مطلعها: «قدح من درعا الشرر/ وخصم مهدينا ظهر/ ومن حرستا ننتظر/ أوّل علامة/ زينب اليوم بخطر/ وسكنى بمرقدها انتثر/ يا أم رقية/ بكرا تقوم القيامة/ بكرا الجيش المنتظر/ يهتف يا حيدر.»… وهذه «اللطمية» ليست تخريفاً هذيانياً، أو شعبوياً دعائياً صرفاً، لأنها في الواقع تزعم الاتكاء على حديث للإمام علي بن أبي طالب، ينسبه إليه ابن أبي زينب النعماني، في كتابه «الغيبة»: «إذا اختلف الرمحان بالشام، لم تنجل إلا عن آية من آيات الله. قيل: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: رجفة تكون بالشام، يهلك فيها أكثر من مائة ألف، يجعلها الله رحمة للمؤمنين وعذاباً على الكافرين. فإذا كان ذلك، فانظروا إلى أصحاب البراذين الشهب المحذوفة، والرايات الصفر، تقبل من المغرب حتى تحلّ بالشام، وذلك عند الجزع الأكبر والموت الأحمر. فإذا كان ذلك فانظروا خسف قرية من دمشق يقال لها حرستا. فإذا كان ذلك خرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس، حتى يستوي على منبر دمشق. فإذا كان ذلك فانتظروا خروج المهدي».
والتخاريف حول ظهور المهدي لم تقتصر على منشد لطميات مثل حيدر العطار، بل اقترنت ذات يوم بالعدّة السياسية والعقائدية لرأس السلطة المدنية (إذا جاز التعبير) في إيران، أي الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد؛ الذي اعتبر أنّ «الإمام المهدي» هو الذي «يدير العالم ونرى يده المدبّرة في شؤون البلاد كافة»، بما في ذلك نصر إيران على العراق، وتقدّم البرنامج النووي الإيراني. كذلك جزم بأنّ المهدي هو «هالة النور»، التي تحيط به، أي نجاد، كلما ألقى خطاباً؛ وهو «يد الله»، التي سوف «ترفع جذور الظلم عن العالم»… وتلك هلوسات أثارت حفيظة بعض خصوم نجاد، من ممثّلي التيّار المحافظ أنفسهم، كما في تعليق حجة الإسلام غلام رضا مصباحي: «مؤكد أنّ المهدي المنتظر لا يقرّ التضخم الذي بلغ 20 في المئة، وغلاء المعيشة، والكثير غيرهما من الأخطاء».
ومع ذلك، فإنّ ما أغدقه حسن نصر الله، الأمين العام لـ«حزب الله»، من سجايا فائقة على شخص نجاد، كفيل بمنح الأخير فضيلة تمثيل شرائح واسعة من صانعي التشوّه والتشويه في الفقه السياسي الشيعي المعاصر: «نشمّ بك يا سيادة الرئيس رائحة الإمام الخميني المقدّس، ونتلمس فيك أنفاس قائدنا الخامنئي الحكيم، ونرى في وجهك وجوه كلّ الإيرانيين الشرفاء من أبناء شعبك العظيم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه في كلّ الساحات، ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا». لافت، في هذا، أنّ ملايين الإيرانيين الذين لم يصوّتوا لنجاد، في الانتخابات الرئاسية التي أعقبت هذه المدائح، لم يشاطروا نصر الله في شمّ المقدّس أو إبصار الحكمة؛ بل الأرجح أنهم هم الذين ينطبق عليهم تصنيف الشرفاء والصادقين.
وما دمنا في سيرة نصر الله، لعلّ من الواجب استذكار التحوّل النوعي، المذهبي الصريح، في خطابه السياسي ابتداءً من العام 2013؛ حين أعلن، ليس دون فورة غضب أشدّ من المعتاد: «نريد أن نقول لكلّ عدو ولكلّ صديق، نحن شيعة علي بن أبي طالب في العالم»؛ «ونحن حزب الله. الحزب الإسلامي الشيعي الإمامي الإثنا عشري، لن نتخلى عن فلسطين»؛ وأيضاً: «قولوا رافضة. قولوا إرهابيين. قولوا مجرمين. اقتلونا تحت كل حجر ومدر، وفي كل جبهة، وعلى باب كلّ حسينية ومسجد، نحن شيعة علي بن أبي طالب!».
صحيح أنه لم يستبق أهزوجة أطفال الـ»باسيج» الإيرانيين، في الربط بين حلب والقدس؛ إلا أنّ نصر الله لم يتلكأ عن استئناف لازمة كبرى في خطاباته، منذ أن أقرّ علانية باشتراك حزبه في القتال إلى جانب النظام: «إنّ وجود مقاتلينا ومجاهدينا على الأرض السورية، هو بهدف الدفاع عن لبنان والدفاع عن فلسطين وعن القضية الفلسطينية»!
والوشائج، الإشكالية منها بصفة خاصة، بين الفقه الشيعي المذهبي والفقه الشيعي السياسي، ليست موضوع هذه السطور، ولا يسمح بها المقام أصلاً؛ ما خلا التشديد على التئام البون بين التبشير والتفكير من جهة أولى، والفعل والممارسة على الأرض من جهة ثانية. وهنا تُتاح هوامش واسعة لتلمّس مقدار الانحطاط في تفكير يحثّ الأطفال على التطوّع للقتال من أجل القدس، ولكن عبر حلب؛ وممارسة ميدانية، في أصقاع مختلفة من سوريا، لا تخلص في نهاية المطاف إلا إلى مساندة نظام الاستبداد والفساد وحكم العائلة والوراثة وجرائم الحرب. وهكذا فإنّ مشهد «الثورة الإسلامية» في إيران يبدو اليوم بعيداً كلّ البعد، ولعلّه بات منفصلاً تماماً، عن ذلك المشروع الذي شاع سنة 1979، وانطوى على ما سُمّي بـ»بديل اجتماعي وقومي، في إطار ديني ثوري»، يسند إلى رجال الدين أدواراً اجتماعية وسياسية وإيديولوجية عابرة للطبقات والأديان والعقائد. 
وسيبقى أنّ حال الانحطاط هذه ليست منفصلة، على أيّ نحو، عن مبدأ ولاية الفقيه؛ بل من المشروع للمرء أن يقول اليوم، كما في الماضي وعلى امتداد 37 سنة من عمر «الثورة الإسلامية»، أنّ الأمل لن يكون كبيراً في تعديل مسيرة الانحدار ـ الفقهي/ السياسي المشترك، هذه المرّة ـ ما لم يقف الإيرانيون موقف المراجعة الراديكالية الشاملة لهذا المبدأ بالذات، وتصحيح علاقته بالحياة والحقّ والحقوق، وبالسياسة في الداخل والجوار والعالم.
وذات يوم غير بعيد، كان آية الله أحمد أزاري ـ قمّي، أحد كبار شارحي فكر الخميني ومنظّري ولاية الفقيه، قد اشتكى ـ في رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأسبق محمد خاتمي، وقعت في 34 صفحة، تمّ تداولها على نطاق واسع ـ من أنّ الأجهزة الأمنية المرتبطة مباشرة بمكتب خامنئي أخذت تضيّق الخناق عليه، بعد تنكيلها بالشخصية البارزة المعارضة آية الله منتظري، بسبب معارضته العلنية لمبدأ ولاية الفقيه. وانطوت الرسالة على هذه المناشدة، بعد تذكير الرئيس أنّ 23 مليون إيرانية وإيراني صوّتوا له: «بهذا التصويت وضع شعبنا الشجاع قيادتنا الراهنة بأسرها تحت المساءلة، وأنا فخور بهذا. ولكن حذار، سيدي الرئيس، من أن تكون آخر رؤساء الجمهورية الإسلامية، لأنّ هذا قد يكون مصيرك إذا لم تتحرّك الآن من أجل الوقف الفوري للمظالم التي تلحق بالناس تحت اسم الإسلام».
هل كان أزاري ـ قمي ينفخ في قربة مقطوعة؟ أغلب الظنّ، إذا استعرض المرء مسارات الانحطاط اللاحقة: من نبوءات أحمدي نجاد، حول «المهدي يد الله»؛ وصولاً إلى نصر الله وقاسم سليماني، حيثما اختارا جغرافية تزييف المسير نحو القدس؛ وصولاً إلى أطفال خامنئي، المتطوعين للجهاد في حلب.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

(القدس العربي)

 

لصّ بغداد الأمريكي!

صبحي حديدي

 

ذات يوم غير بعيد كان زلماي خليلزاد، السفير الأمريكي الأسبق في العراق (و»المسلم الأرفع وظيفة» في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، كما يحلو للبعض تعريفه)؛ قد مازح الإيرانيين بالقول: لقد خلّصتكم أمريكا من ألدّ خصومكم في الجوار: الطالبان في أفغانستان، ثمّ نظرائهم في العراق. وتلك مزحة أغفلت، طيّ فكاهة ملطخة بدماء مئات الآلاف من الأبرياء في البلدين، أنّ هذه الهدية إلى إيران لم تكن وبالاً على الشعب العراقي ومستقبل البلد بعد الاجتياح الأمريكي لعام 2003، فحسب؛ بل رسخّت محاصصة في الحكم، طائفية أولاً وفاسدة ثانياً وعاشراً، هي محض نتيجة مباشرة للسياسات الأمريكية.
وبهذا المعنى فإنّ الأزمة السياسية الراهنة، بين الشارع الشعبي العريض من جهة أولى، والتيار الصدري كأحد مكوّناته الفاعلة؛ وساسة الفساد ووزرائه وبرلمانييه، من مختلف الكتل والأحزاب والتجمعات، من جهة ثانية؛ ليست سوى الفصل الأحدث في تراث متعاقب من المآزق، لعلّ أكثر تعبيراته إفصاحاً وصدقاً تلك الأغنية التي صدحت بها ملايين الحناجر: «جينا على الدخل نحسب الخرجية/ صفر ناقص صفر فارغة البسطية/ باسم الدين باكَونا (سرقونا) الحرامية»! ومن جانب آخر، إذا كان نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق، يتحمل مسؤولية مباشرة عن تمدّد تنظيم «الدولة الإسلامية» في مناطق واسعة من العراق، أسوة ببطانته الحكومية والعسكرية الفاسدة؛ فإنّ الولايات المتحدة، بهدي من نصائح أمثال خليلزاد، هي المسؤولة عن صعود التنظيم، ابتداءً من جذوره العقائدية التي تضرب في أرض خلّفها الاجتياح الأمريكي للعراق، وحتى تغلغل تلك الجذور إلى أراض أخرى في سوريا، وأبعد وأوسع نطاقاً في جغرافية المنطقة.
وهذا مأزق ينقل المياه، دافقة جارفة أحياناً، إلى الطواحين ذاتها التي تحرّك صعود «داعش»، أو نجاحها في صدّ هجمات الجيش العراقي؛ لسبب أوّل جوهري، هو أنّ هذا الجيش مرتبط، عضوياً، بمؤسسة الحكم، يتأثر تلقائياً بما تشهده من مدّ وجذر، فضلاً عن أنه امتداد طبيعي لكثير من مفاسدها ومباذلها ومحاصصاتها. السبب الثاني، وهو لوجستي وعسكري محض، يشير إلى سحب عدد من الوحدات المشاركة في الحملة على «داعش»، وإعادة نشرها في العاصمة بغداد ومحيطها؛ تحسباً لاحتمالات تطوّر الموقف إلى مواجهات عنيفة، مع شارع الاحتجاج الشعبي المتعاظم.
وهذا، استطراداً، مأزق كفيل بإعادة الزمن إلى ما قبل العام 2011، حين تابع الرئيس الأمريكي باراك أوباما قرار سحب القوات الأمريكية من العراق؛ وحين كان خيار «الصحوات»، وستراتيجية الجنرال الأمريكي دافيد بترايوس بعد العام 2007، قد أثمرت عن نجاحات ملموسة ضدّ «القاعدة» بصفة خاصة. الدليل على هذا أنّ أعداد القوات الأمريكية، المشاركة في الحملة العسكرية الراهنة ضدّ «داعش»، آخذة في الازدياد، وقبل أيام قليلة فقط أعلن وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر عن إرسال 200 جندي إضافي، والمزيد من حوامات الأباشي. طريف هنا، ولكنه مفيد أيضاً، أن يستعيد المرء تصريحات كارتر السابقة، حول انحدار  كفاءة الجيش العراقي، وإقراره بأن «القوات العراقية أبدت عدم رغبتها في القتال»، وأنّ عددهم أكبر من مهاجميهم بكثير، في الحقيقة، ومع ذلك فقد فشلوا في القتال وانسحبوا من الموقع»، و»لدينا مشكلة في إرادة العراقيين بالقتال ضد داعش، والدفاع عن أنفسهم».
وفي كلّ حال، ليس سياقاً منقطعاً عن الشرط الراهن أن يضع المرء تصريح بترايوس الشهير، أنّ الجنرال الإيراني قاسم سليماني «شرير»، و»العقل المدبر للفوضى في العراق»، وذلك على خلفية أدوار ميليشيات «الحشد الشعبي» في تغذية المأزق الراهن؛ في موازاة مزحة خليلزاد، عن الهدايا الأمريكية لطهران؛ وبينهما الأهزوجة العراقية، عن لصوص سرقوا الشعب باسم الدين. ولا يُنسى، بالطبع، لصّ بغداد الأمريكي، في صفّ «الحرامية»!

صبحي حديدي

 

 

لورانس العرب و… يهوذا!

صبحي حديدي

 

في «لورانس العرب»، 1962، شريط ديفيد لين الشهير؛ ولكن، أيضاً وأصلاً، في كتاب ت. إ. لورانس «أعمدة الحكمة السبعة» الذي اعتمد عليه سيناريو الفيلم؛ ثمة ذلك المشهد الهوليودي المثير، حين ينصب الضابط البريطاني كميناً لقطار يحمل جنوداً عثمانيين، ثم يقفز من كثيب الرمل كالفهد، فيصعد فوق سطح إحدى العربات، بثوبه البدوي الأبيض وعقاله الذهبي.
بعد 100 عام على تلك الواقعة، التي شهدتها محطة حالة عمار على الحدود السعودية ـ الأردنية، أتانا نبأ العثور على فارغ الطلقة التي أطلقها لورانس العرب، يومذاك، من مسدس الـ«كولت 1911» الأوتوماتيكي، وكان الوحيد الذي يحمل هذا السلاح الفردي/ الدرّة. وأمّا المبشّر بالنبأ فهو فريق «مشروع الثورة العربية الكبرى» الأركيولوجي، التابع لجامعة بريستول البريطانية؛ والذي ينقّب، منذ 16 سنة، في مواقع مختلفة شهدت وقائع تلك الثورة.
إلى هنا والحكاية لا تتجاوز ما تنطوي عليه الكشوف الآثارية من طرافة وإثارة، غالباً، وتصحيح لهذه أو تلك من مسلّمات التاريخ؛ كأنْ يراجع البعض، خاصة كتّاب سيرة لورانس العرب، خطّ التفكير الذي يرجّح أنّ المشهد ذاك كان مثالاً صارخاً على نزوع الرجل إلى تفخيم ذاته وتضخيم دوره في تلك الثورة. ليس هذا كافياً، يساجل فيليب بوستروم في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية؛ لأنّ التثبّت من مصداقية الضابط البريطاني في هذه الواقعة، ينبغي أن ينقلب أيضاً إلى عنصر تثبيت، قاطع، لمسألة إشكالية أخرى، هي انحياز لورانس العرب إلى… المشروع الصهيوني في فلسطين!
وهكذا، تنقلب مهمة لورانس، صحبة الآثاري سير ليونارد وولي، في فلسطين وشبه جزيرة سيناء، من مهمة مسح عسكرية تجسسية صرفة، تستهدف استكشاف صحراء النقب لصالح وزارة الدفاع البريطانية، تحسباً لإمكانية توغل العثمانيين عبرها لاجتياح مصر؛ إلى بعثة توراتية تفتش عن تخوم «برّية صين»، الواردة في مستهل سفر يشوع ـ 15، الأمر الذي سيسبغ شرعية معاصرة على «حصة يهوذا» في تلك الأصقاع! أيضاً، يتابع بوستروم، ألم تكن دعوة لورانس إلى «زراعة» فلسطين بأقصى سرعة، بمثابة ترخيص للاستيطان الصهيوني؟
هذا الإفراط في التأويل، الأقرب إلى الهذيان، يعيد التذكير بذلك التحالف الوثيق بين العقيدة الصهيونية وعلم الآثار؛ أو تلك المؤسسة المتكاملة التي سعت، وتسعى، إلى البرهنة على أسبقية الحقّ اليهودي في فلسـطين التاريخية، من جانب أوّل؛ وإنكار حقّ الفلسطينيين فيها، من جانب ثانٍ مرتبط بالأوّل أيضاً. وليس دون مغزى خاصّ أنّ التنقيب عن الآثار هو الهواية التي اشــــترك فيها معــــظم جنرالات الـــــدولة العبرية (إيغال يادين وموشـــــيه دايان أبرز الأمثلة)؛ وأنّ عالِم الآثار يؤدّي، في باطن الأرض، الواجب ذاته الذي يؤدّيه المحارب على سطحها.
ذلك لا يطمس حقيقة وجود حركة أخرى مضادة، إذا جازت صفة كهذه؛ قوامها تنفيذ مراجعة عميقة وجذرية في مختلف فروع ما يُسمّى «علم الآثار التوراتي»؛ يتولاها علماء آثار إسرائيليون لا تختلف مناهجهم ومقارباتهم عن تلك التي اعتمدها «المؤرّخون الجدد» الإسرائيليون عند مراجعتهم للرواية الصهيونية (الزائفة والمزيّفة إجمالاً) عن تاريخ تأسيس الدولة العبرية. وهذه المراجعة، الآثارية، ليست بالغة التعقيد في الواقع، لأنها تنهض ببساطة على مبادئ العمل التالية: البحث هو البحث؛ والدليل المادي شيء، والأسطورة شيء آخر؛ والأمم التي لا تدقّق في حقائق تاريخها ليست جديرة بحياة راسخة، ولا طويلة. والآثاريون هؤلاء سئموا طمس، وردم وهدم وتشويه واستبعاد، الدليل المادّي (المستند إلى الحجر والرُقيم والمحفور) لصالح إعلاء الحكاية التاريخية كما يسردها النصّ التوراتي وحده. وهم يقولون ما يبعث القشعريرة في أوصال ملايين اليهود، المؤمنين بالوثوق التامّ والنهائي والمطلق للرواية التوراتية حول مسائل ليست في عداد الثوابت التاريخية، فحسب؛ بل هي، أيضاً، في رأس مبررات وجود الدولة العبرية ذاتها.
فماذا لو تبيّن، بالدليل العلمي القاطع، أنّ حكاية «الخروج» محض أسطورة مختلَقة، أو متخيَّلة في أفضل الأحوال؟ وأي ضربة قاصمة للوجدان الجَمْعي الإسرائيلي، وما يُسمّى بـ «الهويّة الإسرائيلية»، إذا اتضح أنّ ملحمة البطولة والصمود والفداء والمقاومة هذه لم تكن أكثر من حكاية خرافية ليست أعمق أثراً، في دلالاتها التاريخية والشعورية والنَصّية والرمزية، من حكايات الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة؟
وماذا إذا كشف باطن الأرض، مثل سطحها، عن حقيقة أنّ الإسرائيليين لم يتيهوا في الصحراء، ولم يغزوا أرض كنعان، ولم يشكّلوا في أيّ يوم تلك المملـــكة المتحدة ــ والقوّة الإقليمية الجبّارة ــ التي تنسبها أسفار العهد القديم إلى داود وابنه سليمان؟
وماذا لو كانت تلك المملكة مجرّد كيان قَبَلي صغير، لم يشهد تهديم «الهيكل الأوّل»، ولا تهديم أسوار أريحا، ولا معركة أرماغيدون الشهيرة؟
وهكذا فإنّ التأويل الصهيوني لطلقة لورانس العرب يبدو، اليوم، تأكيداً جديداً على اختبار بسيط عتيق: ما دام الآثاري الإسرائيلي يحمل المعول باليد اليمنى، والتوراة باليد اليسرى؛ فليس أقلّ من أن تبرهن أفعال اليد الأولى، على مصداقية أقوال الكتاب في اليد الأخرى!

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

)السفير( الورقية:

في انتظار الاستقلاب

صبحي حديدي

 

تاريخ صحيفة «السفير» اللبنانية، الذي بدأ في 26/3/1974، انطوى على صفحات كثيرة مجيدة، وأخرى سارت على نقيض صارخ يستدعي الكثير من نعوت الانحطاط؛ كما أنها، في سياقات هذه السيرورة، قلبت العديد من المعاطف، ونقّلت ولاءاتها مراراً وتكراراً. إنها الصحيفة التي احتضنت كتابات ياسين الحافظ وعبد الرحمن منيف والياس خوري وجوزيف سماحة، وقدّمت شخصية حنظلة في رسومات ناجي العلي، وتابعت الصدور على مبعدة أمتار من دبابة الاجتياح الإسرائيلية سنة 1982. وهي، أيضاً، الصحيفة التي اختارت، مطلع 1979، أن يكون المانشيت الرئيسي فيها باللغة الفارسية: «بهمت خميني.. شاهنشاه در به در شده»، أي «بهمّة خميني بات الشاه مشرداً»، وكان ذلك إنذاراً مبكراً يخصّ واحداً من كبرى تحولات الصحيفة، التي ستبلغ ذات يوم درجة «التطنيش» التام عن أخبار جرائم الحرب والمجازر التي يرتكبها النظام السوري وميليشيات إيران و»حزب الله» في سوريا.
هو تاريخ إشكالي إذاً، له ما له، وعليه ما عليه؛ أسوة بمعظم الصحف اللبنانية العريقة، وتلك الأعرق أيضاً. وإذا جاز القول إنّ المحطات والنقلات التي عاشتها الصحيفة كانت انعكاساً صادقاً لهزّات وانقلابات «النموذج اللبناني» ذاته، في السياسة والاقتصاد والأحزاب والمحاصصة الطائفية والإعلام… فإنّ الصحيح الآخر هو أنّ المال السياسي الخارجي، المرتبط بأنظمة عربية ـ «تقدمية» أو رجعية، سواء بسواء ـ كان سمة التمويل الكبرى، وربما الوحيدة في حالات غالبة. واجتماع هذه العناصر، وحدها، كفيل بتقويض مؤسسات سادت ورسخت ولاح أنها استقرت حتى إشعار طويل؛ لولا أنّ للمال السياسي أطوار لا تحمد عواقبها، ومن خصاله أن يقلب ظهر المجنّ… حتى دون إنذار مسبق!
فكيف، إلى هذا، إذا كانت أزمة الصحافة اللبنانية الورقية مقترنة، كلّ الاقتران في الواقع، بالمآزق البنيوية الراهنة لذلك «النموذج اللبناني» إياه: من غياب الرئاسة، إلى ما يمثّله «حزب الله» من دولة داخل الدولة (الهشة لتوّها، الشائخة رغم عقود عمرها القليلة!)؛ ليس دون المرور بأزمات دراماتيكة أوضح، وأعطنَ رائحةً، مثل العجز عن تنظيف العاصمة بيروت من القمامة. وكيف، استطراداً، إذا كان ذلك الاقتران ذاته بمثابة «شاخصة» منفّرة، أقرب إلى الفزاعة، تُبعد القارىء اللبناني/ المواطن عن دفع أي ثمن بخس لقاء صحيفة مؤجرة، لكي لا يردف المرء: بل مأجورة كذلك؟ وكيف، ثالثاً، إذا كانت الاستقطابات الطائفية في البلد عنصراً تكوينياً في توصيف هذه الصحيفة أو تلك، بحيث تكون واحدة للشيعة، وأخرى للسنّة، وثالثة للموارنة، ورابعة للدروز، وخامسة… للروم الأرثوذكس!
ثمة، بالطبع، فضيلة شكّ واحدة يمكن أن ترتبط بقرارات إقفال الطبعة الورقية من صحيفة مخضرمة كـ»السفير»، وسواها؛ وهي أنّ الإعلام المعاصر شهد في العقد الأخير انفجارات تكنولوجية هائلة، وتحوّلات جذرية في الشكل والمحتوى، وباتت المواقع الإلكترونية للصحف الورقية، ووسائل الإعلام التي لا تصدر إلا إلكترونياً، وشبكات التواصل الاجتماعي، والمدوّنات… هي الحاضنة الأكثر ديناميكة لاستقبال وإنتاج أنساق التبادل المعلوماتي المختلفة. ويصحّ هذا، بصفة أخصّ، على الشرائح الشابة التي تنأى عن وسيلة الإعلام الورقية، بل وسائل الإعلام التقليدية عموماً؛ إما لأنها باتت جزءاً من ماضٍ لم يعش فيه الشاب، أو لأنه يأنف من ابتياعها وقراءتها لأسباب أخلاقية تخصّ نفوره من ولاءاتها وارتباطاتها.
فهل ستُرفع الأقلام وتجفّ الصحف، في «السفير» على سبيل المثال، لأنّ «الظروف قد اختلفت، خاصة في ظل ثورة المعلومات (مواقع التواصل)، فضلاً عن تبدل الأحوال في طول الوطن العربي وعرضه، نحو الأسوأ، مع الأسف»، كما كتب طلال سلمان في رسالته إلى أسرة «السفير»، فحسب؟ أم أن معطيات «تبدّل الأحوال» لا تستبعد طور انقلاب جديداً، مقبلاً، لعله يشبه الاستقلاب؛ ينقل ولاء الصحيفة من حال إلى حال؟

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

(أوراق بنما) :

فضح المعلوم وكتم المستور

صبحي حديدي

 

إذا كان المرء لا يبصر ـ حتى الساعة، أي حتى إشعار آخر ـ أي اسم أمريكي في لوائح «أوراق بنما»؛ فالأمر لا يرجع إلى نظرية مؤامرة أمريكية من أيّ نوع، لأربعة أسباب على الأقلّ:

1)      أنّ النظام الضريبي الأمريكي يحابي كبار الأثرياء، وفي وسعهم العثور على جُزُر ضريبية آمنة، وطنية تماماً، في وايومنغ أو ديلاوير أو نيفادا؛

2)      أنّ كُتَل الأموال الأمريكية الفلكية، ومؤسساتها العملاقة، معولَمة أصلاً وعابرة للقارّات والمحيطات، وهي استطراداً جزء لا يتجزأ من البنية الكونية للفساد والإفساد؛

3)      أن يُكشف النقاب عن تورّط عدد كبير من المؤسسات المالية والجهات الإسرائيلية، أمر غير مألوف في سيناريوهات التآمر الأمريكية؛

4)      لو كان الأمر مؤامرة ما (من جورج سوروس شخصياً، كما يصرخ المدافعون عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين)، لاقتضت الحبكة استغفالاً أقلّ لعقول الناس، وانطوت اللائحة على كبش فداء أمريكي هنا أو هناك.
الأمر الذي لا ينفي، كما يتوجب الإيضاح دون إبطاء، أنّ «اتحاد الصحافيين الاستقصائيين»، الذي تولى التحقيقات في أكثر من 11,5 مليون وثيقة، ليس مموّلاً ـ جزئياً فقط، للإنصاف ـ من شركات ومؤسسات مالية ومنظمات أمريكية كبرى مثل صناديق «فورد»، و»المجتمع المفتوح» و»كيللوغ» و»عائلة روكفلر». غير أنّ استعراض تاريخ الاشتغال على الوثائق (طيلة عام كامل تقريباً، في أكثر من مكان، وأكثر من 100 مؤسسة إعلامية)، وعدد الصحافيين المشاركين (قرابة 400 صحافي، ينتمون إلى 70 جنسية)، دققوا معاملات 214 ألف شركة، فعلية أو وهمية؛ إنما يؤشر، في معطياته هذه أولاً، على مقدار ما احتوته «أوراق بنما» من معطيات وحقائق.
وإذا كان آخر ما يُستغرب من الطغاة، على امتداد العالم بأسره، ولكن في العالم العربي تحديداً، أن يلجأوا إلى كلّ ما يتوفّر من أساليب ملتوية ومخادعة وجنائية وإجرامية، لحُسن تخزين أموالهم ـ التي نُهبت من كدّ الشعوب وإملاقها وثرواتها الوطنية، في نهاية المطاف ـ وحمايتها وتوظيفها، بعد التعتيم على وجودها أصلاً؛ فإنّ تورّط رجال ونساء، مواطني ديمقراطيات غربية تسود فيها دولة القانون، على غرار بريطانيا وإسبانيا والنمسا واليونان ونيوزيلندا وأستراليا وآيسلندا… هو الذي يضيف قيمة خاصة إلى «أوراق بنما»، حتى إذا كان لا يأتي بجديد في الواقع. وإذا غابت ألمانيا عن اللائحة ـ حتى الساعة، للتذكير مجدداً ـ فإنّ مكتب المحاماة «موساك فونسيكا»، حاضنة الشبكات موضوع الفضائح، تأسس سنة 1977، على أيدي البنمي رامون فونسيكا، وشريكه… الألماني يورغن موساك!
وليت أساليب التحايل اقتصرت على إنشاء شركات وهمية تتيح التهرّب من الضرائب، أو تمويل صفقات سرّية لتبييض أموال شتى أصناف الاتجار غير المشروع، أو إدارة أنشطة مالية محظورة، أو تكديس ثروات خارج أية رقابة مالية… الأدهى هو تورّط شركات عالمية كبرى، في مساعدة عدد من مجرمي الحرب على التملّص من عقوبات مفروضة عليهم من جانب مؤسسات عالمية ودول عظمى؛ والعمل على تأمين الوقود لقاذفات النظام السوري، التي تحصد أرواح الأطفال والشيوخ والنساء والأبرياء المدنيين كافة، لكي يسوق المرء مثالاً واحداً، دامياً وهمجياً. والأشدّ وقاحة أن يقول المحامي فونسيكا إنّ مكتبه لم يخالف القانون، وكلّ ما فعله هو «تنفيذ صفقات اندماج أو حيازات عابرة للحدود، أو إجراء معاملات إعادة الهيكلة واجتذاب الرساميل من مستثمرين ينتمون إلى أنظمة قضائية متباينة، ويبحثون عن نظام قانوني وضريبي محايد».
والحال أن فونسيكا، على وقاحته، لا يجانب الصواب تماماً، من حيث الأبعاد القانونية لتأسيس الشركات الوهمية وتوظيف الأموال الفلكية، أو حتى تبييض بعضها على نحو لا مساءلة فيه (تماماً كما فعل رجل أعمال سوري، اشترى عقارات في لندن نيابة عن آل الأسد وشركائهم!). ثمة هنا سرّ معلوم، ولكنه مفتضَح لتوّه ومنذ عقود، أو بالأحرى منذ ترسيخ النظام المالي الكوني الراهن؛ اسمه الجُزُر الضريبية الآمنة، ولا يبذل طغاة الكون وأثرياؤه أية مشقة في العثور على الجزيرة الملائمة: بنما، جُزُر سيشل، جُزُر كايمان، جُزُر فرجينيا البريطانية، أو حتى دولة مثل لوكسمبورغ أو أختها سويسرا. وحين يجد أثرياء الأنظمة الديمقراطية مشكلة من أيّ نوع تعيق قدرتهم على صناعة القوانين وصناعة السياسة والاقتصاد في بلدانهم؛ أو حين يضطر الطغاة والفاسدون في الأنظمة الدكتاتورية إلى تهريب الأموال نتيجة ضغط خارجي ما، أو رغبة دفينة في الاستئناس بحماية صيرفي أجنبي؛ فإنّ هذه الجُزُر بانتظارهم، تفتح لهم مصارفها وقوانينها، على الرحب والسعة.
والمرء لا يملك إلا تصديق «موساك فونسيكا» حين تعلن أنها لا تعرف، من الأسماء الحقيقية لعملائها مالكي الشركات، إلا 204 من أصل 14.086 شركة؛ وذلك ضمن ما سجّلته من شركات في جُزُر سيشل، في المحيط الهندي. في المقابل، نعرف اليوم أن في عداد زبائنها 58، على أقلّ تقدير، من أقرباء أو أصدقاء أو زبانية رؤساء دول، وملوك، ورؤساء حكومات… ولقد حدث، ذات مرّة، أنّ الحكومة البريطانية غرّمت «موساك فونسيكا» مبلغ 37,500 جنيه استرليني لأنها خرقت قانون حظر تبييض الأموال، في جُزُر فرجينيا؛ حين سجّلت شركة باسم علاء مبارك، نجل الرئيس المصري المطاح به، وذلك رغم إحالة الأب والابن على القضاء بتهمة الفساد. لا نعرف واقعة أخرى من هذا الطراز، وبالتالي فإنّ «موساك فونسيكا»، الابنة الشرعية لقوانين السوق والعولمة والأخلاقيات الرأسمالية المعاصرة، ذات سجلّ عدلي نظيف تماماً، أو يكاد!
يبقى، بالطبع، أنّ ما افتُضح حتى الساعة، وما سيُفتضح في قادم الأيام، ليس سوى أسرار السطح التي كانت مفتضَحة في الأساس، وتلهج بها الألسن، خاصة في ظلّ أنظمة الاستبداد والفساد. ولقد مضى زمن غير بعيد (أواسط الثمانينيات في الواقع)، كانت فيه دورية اقتصادية رأسمالية عريقة مثل «هارفارد بزنس ريفيو» تعتمد ما يشبه الفلسفة «الثقافية»، المستندة إلى مقاربة «أنثروبولوجية» أيضاً، في تفسير شيوع الرشوة والفساد في بلدان العالم الثالث: هذه «مكوس» لا تُدفع للفرد وحده، بل للقبيلة بأسرها، تساجل المجلة؛ وثمة شبكة من المصالح المشتركة بين الأفراد والقبائل تستدعي تحصيل نصيب غير مباشر من الثروات، يُوزّع على أفراد القبيلة، أو يُصرف في تحسين سُبل عيشها داخل المؤسسة الأكبر للدولة.
وأسرار الفساد (مثل خفايا الإفساد) ليست شارعاً وحيد الاتجاه: ثمة الفاسد والمرتشي وقابض العمولات، وثمة المفسد والراشي ودافع العمولات. وتقارير منظمة «الشفافية الدولية» تسجّل هذه الحقيقة، بل هي تتكىء عليها بصفة أساسية حين تتحدّث عن العواقب البنيوية الوخيمة التي تلحق بالاقتصادات النامية جرّاء شيوع الفساد في أجهزة الدولة المعنية مباشرة بالتنمية. والتقرير الرائد في هذا الصدد، الذي وضعه باولو ماورو في سنة 1995، أشار إلى أنّ الدول الأكثر فساداً تشهد القليل فالأقلّ من توجّه ناتجها القومي الإجمالي إلى الاستثمار، والقليل فالأقلّ من معدّلات النموّ.
ولقد بدأ الأمر قبل نحو عام، من مجهول اتصل، على نحو مشفّر، بصحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» الألمانية، وقدّم معطيات عن مكتب محاماة مغمور في بنما، واليوم يتضح أنّ المغمور كان أكثر أخطبوطية من أيّ معلوم راهن في شارع الفساد. ولأنه متعدد الاتجاهات، وكان وسيبقى متعدد الأسرار كذلك؛ فإنّ ما خفي في الشارع إياه، هو ذاك الذي عجزت عن كشفه 11,5 مليون وثيقة، وهو الذي كان ويظلّ الأعظم!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

اليمين الفرنسي والنظام السوري:

تحالف البرابرة

صبحي حديدي

 

قبل نحو عام، أعلن النائب الفرنسي جاك ميار أنه، خلال زيارة إلى دمشق قام بها مع وفد من برلمانيي اليمين الفرنسيين، تشرّف بلقاء البطريرك إغناطيوس الرابع هزيم، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، وتباحث معه حول أوضاع مسيحيي سوريا. كان ميار يحاول استمالة مسيحيي فرنسا، بالطبع، لكنّ غباءه قاده إلى الخلط بين هزيم (الذي رحل عن عالمنا قبل سنتين من وصول النائب الفرنسي الهمام إلى دمشق)، ورجل دين مسيحي يُدعى جون إكس دانتيوش! ذاك كان وفد «حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية»، الذي كان يتزعمه الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي؛ وأما الوفد الثاني الذي زار النظام السوري مؤخراً والتقى مع بشار الأسد، فهو وفد الحزب ذاته بعد أن تغيّر اسمه إلى «الجمهوريون»، وما زال ساركوزي رئيسه أيضاً.
وإلى جانب حماقات ميار، كان في وسع الأسد أن يشنّف أذنيه لسماع تصريحات النائبة فاليري بوييه، التي رفعت عقيرتها من مقاعد الجمعية الوطنية الفرنسية لتتهم اللاجئين السوريين بالتخلي عن بلدهم: «بدل البقاء فيه والكفاح من أجل الحرية، في حين أن أجدادنا مكثوا في فرنسا للقتال ضد النازيين»؛ وأنهم، أيضاً، جبناء توافدوا إلى أوروبا لاغتصاب النساء. وإذا كان خطابها هذا يقتبس أفكار مارين لوبين، زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا؛ فإنّ الطريف، من جانب آخر، أنها تقارن بين النظام السوري والنازية، ثمّ تذهب إلى دمشق للتضامن مع هذا النظام إياه! أمّا رئيس الوفد، تييري مارياني (وهو ليس برلمانياً عادياً لأنه، إلى جانب كتلته اليمينية المتشددة داخل حزب ساركوزي، يشغل عضوية لجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية)؛ فقد بشّر الفرنسيين بأنه وجد الأسد «أكثر استرخاءً» مما كان عليه قبل أشهر. ولأنه معجب بشخص فلاديمير بوتين، أكثر بكثير من إعجابه بشخوص الثورة الفرنسية من أمثال روبسبيير أو لافاييت أو ميرابو؛ فإنه نقل إلى أقرانه من الفرنسيين تطمينات الأسد بأنّ روسيا باقية في سوريا… وتتمدد!
والحال أنه لا جديد في هذه الخطوة، إلا بمعنى أنها استجدت زمنياً فقط بالقياس إلى خطوات سابقة في سجلّ انحطاط اليمين الفرنسي المعاصر، وربما على امتداد كامل العقود التي أعقبت انطواء المدرسة الديغولية. فهؤلاء النوّاب (لكي لا يشير المرء إلى مرافقيهم من عتاة قيادات «الجبهة الوطنية» المتطرفة) هم، بادىء ذي بدء، في عداد العناصر الأشدّ هوساً بالدعوة إلى التناغم، والتماهي، مع خطاب اليمين الفرنسي المتطرّف والعنصري والشوفيني. والخطوة، من جهة ثانية، ليست أقلّ من إنتاج، وإعادة إنتاج، نمط فرنسي مبتذل من فلسفة «المحافظين الجدد» في أمريكا، كما بشّر بها ساركوزي نفسه، على مسار سنواته في قصر الإليزيه، وكذلك في كتابه الأحدث «فرنسا إلى الأبد». وكانت زيارته إلى سوريا، سنة 2008، بمثابة كاشف لهذا الخيار، حين انتهى إلى التعاطي مع النظام وفق قاعدة «حوار على أسس واضحة، بشأن القضايا المشتركة»؛ فاكتفى بقصاصة ورق دسّها برنار كوشنر، وزير الخارجية الفرنسي يومذاك، في جيب وليد المعلّم، تضمنت لائحة بأسماء حفنة من المعتقلين السياسيين السوريين الذين ستبتهج فرنسا بإطلاق سراحهم!
وهؤلاء، في الجانب السوسيولوجي والسيكولوجي الأبعد غوراً، نوّاب يمثلون شرائح فعلية في الاجتماع الشعبي الفرنسي؛ وليس ذاك الشعبوي المحض، الذي تتقاذفه الهواجس والمخاطر والكوابيس والعقائد، والتي لم تبدأ من شرور الإرهاب المقترن بالإسلام الجهادي المتطرف، بل انطلقت من رهاب الحجاب والنقاب والبرقع، ووجدت بعض ترجماتها في اعتبار لحم الخنزير جزءاً لا يتجزأ من «القِيَم الحضارية» للمجتمع الفرنسي، بل ولليعاقبة والثورة الفرنسية الأمّ ذاتها! وهؤلاء نوّاب يستغلون، لأنهم في الواقع يقتاتون سياسياً وأخلاقياً على، سلسلة المفاهيم التي تضخّم خواف الفرنسيّ مثلما تدغدغ نزوعاته القوموية، وكلّ ما يتصل بالقلق حول الهوية، وبالذعر من مستقبل غامض أو شبه غامض؛ ثمّ ما يتصل بالحذر من متغيرات عاتية تأخذ الفرنسي على حين غرّة وتضعه بين مطرقة الليبرالية البربرية وسندان الليبرالية التكنوقراطية، على حدّ تعبير بيير بورديو، عالم الاجتماع والمفكّر الفرنسي البارز (1930 ـ 2002).
ومنذ أحداث 1968 (التي طوت صفحة الديغولية، ولم يكن غريباً أن يدعو ساركوزي إلى «تصفيتها»، دون حياء من المحتوى الجلف غير الديمقرطي لفكرة التصفية)؛ وفرنسا في حال من البحث المضني: إنها تبحث، بصمت مخدَّر تارة، وبصخب مؤلم طوراً، عن هوية فكرية وثقافية واجتماعية تكفل الخروج ـ أو بعض الانفلات، بعض النقاهة، بعض التحرّر… ـ من حال تأرجح طويل بين الماضي والحاضر، وبين تراث الجار الألماني على مبعدة أمتار، والحليف الأمريكي وراء المحيط. وفي علم النحو الفرنسي ثمة صيغة فعلية تُدعى «الزمن الماضي الناقص»، أتاحت لعدد من المفكرين أن ينقلوا صيغة الفعل من فقه اللغة إلى فقه الحياة اليومية، فلم يجدوا صعوبة كبيرة في وصف الحاضر الفرنسي بأنه… زمن ماضٍ ناقص.
وكان بورديو أحد آخر الكبار المحترمين، أفراد قلّة قليلة حقاً، ممّن كرّسوا الكثير من الجهد المعمّق المنتظم والمنهجي لدراسة ظواهر السياسة اليومية في فرنسا المعاصرة، ولم يكتفوا بالتأمّل المحض بل انخرطوا في الفعل أيضاً، وفي المشاركة المباشرة. وهذا الرجل كان شديد القلق إزاء شبكة العلاقات المعقدة بين رأس المال المعاصر والخطاب السياسي الشعبي، أو حتى الشعبوي؛ وكان بالغ الحصانة ضدّ إغواء الألعاب النظرية ما بعد الحداثية (على الطراز الذي أشاعه جان بودريار مثلاً، حين اعتبر أنّ حرب الخليج الثانية، 1990، لم تقع!)، التي تطمس التاريخ كشرط أوّل لافتتاح اللعب. ولم يكن غريباً بالتالي أن بورديو، صحبة نفر قليل من ممثلي هذه الأقلية، شارك في اجتماع شهير مع القيادات النقابية الفرنسية لاتخاذ قرار الإضراب الشامل الواسع الذي شلّ مختلف قطاعات الحياة اليومية الفرنسية أواخر العام 1995. ولم يكن غريباً، أيضاً، أنه آنذاك وضع إصبعه على الغور العميق للجرح الحقيقي، أي اغتراب المجتمع الفرنسي بين خيارين أحلاهما مرّ، بل شديد المرارة: الليبرالية الهوجاء التي تخبط في الإصلاح خبط عشواء، والبربرية الوقحة لنفر من التكنوقراط يرون أنهم يعرفون الدرب إلى سعادة الأمّة أكثر من الأمّة نفسها، قبلها وبعدها وفي غيابها إذا اقتضى الحال.
وآخر تجليات هذا التحالف البربري، بين أمثال النائب الفرنسي والنظام السوري، ما قاله مارياني عن الأسد: «كان واضحاً: إنه مستعد للقيام بانفتاح واسع، واستقبال جزء من المعارضين، والعفو عن مقاتلين ضدّه وإدخالهم في الجيش، شريطة أن يحترموا سلطته. لكنه غير مستعدّ أبداً للتنازل عن الحكم»! تخيّلوا هذا النائب، الذي انتُخب ديمقراطياً في بلده فرنسا، كيف يدافع عن رأس نظام لا يقبل، «أبداً»، بالتنازل عن سلطة استبداد وفساد ومجازر وجرائم حرب، تسلمها أصلاً بالوراثة من أبيه، وهو اليوم أباد نصف مليون مواطن، وهجّر الملايين داخل البلد وخارجها، واستخدم صنوف النيران كافة، ويدمّر سوريا بأسرها… دفاعاً عن عرش الدمّ؛ ذاته الذي ذهب أمثال مارياني وبوييه وميار لمصافحته!
وكيف، للأسف، يمكن لهذا التحالف البربري ألا يدفع العشرات من الشبان الفرنسيين، العرب أو المسلمين، إلى اختيار التشدد والتطرف، والركون إلى أشدّ عناصر الهوية جموداً وقتامة وانعزالاً وحقداً؟ وكيف لا يهجرون هذه الديمقراطية، ويهاجرون نحو «داعش» بوصفها بديل استنهاض الذات الجريحة المهانة، ومخرج الثأر وردّ الصاع إلى «ديمقراطيي» هذا الزمان، حلفاء البرابرة؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

انسحاب بوتين:

الظاهر أصدق إنباءً من الخافي

صبحي حديدي

 

في وسع امرىء، متعقل عند الحدود الدنيا فقط، أن يطمئن إلى نفسه إذْ يضرب صفحاً عن تسعة أعشار ذلك النمط من التحليلات التي تُعنَون على هذا المنوال وتنويعاته: الأسباب الخفية (ثلاثة، أربعة، خمسة…) وراء قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالانسحاب من سوريا. أسهل، بكثير في الواقع، وأشدّ احتراماً للعقل، أن يتمعن المرء في الظاهر من القرار، وليس في ما خفي داخل الكواليس ويظلّ طيّ الترجيح والرجم بالغيب؛ خاصة وأنّ في الخيار الأول مادّة وفيرة، بيّنة لتوّها، بل ساطعة، أقرب إلى تحصيل حاصل لا يستدعي مشقة الاستنتاج والاستنباط والتكهن.
ففي الواضح الجلي إعلان بوتين أنّ الهدف من التدخل العسكري في سوريا هو محاربة «الإرهاب» في عقر دياره، وقبل أن يتفشى فينتقل إلى الديار الروسية؛ وهذا هدف باء بفشل ذريع، رغم آلاف الطلعات، لأنّ «داعش»، المحور الأوّل المعلَن خلف مجيء موسكو، ما تزال حيّة تتمدد وتسعى وتتسع. ولم يكن مراقبو الشأن السوري على الصعيد العالمي، وربما في ما تبقى من أطلال إعلام روسي موضوعي، بحاجة إلى تطبيق قواعد منطقية تفضي إلى هذه الخلاصة؛ لا لشيء إلا لأنّ طلعات القصف الجوي الروسية طالت المشافي التي تديرها منظمات دولية محايدة مثل «أطباء بلا حدود»، بعد أن استهدفت المستوصفات المدنية ورياض الأطفال والمدارس والمساجد والأسواق الشعبية، وأودت بحياة قرابة 2000 مدني سوري أعزل. 
وكذلك، على قدم المساواة، كان الهدف الحقيقي غير المعلن هو انتشال ركام جيش النظام من حافة الهاوية، ثمّ إصلاح التوازنات على الأرض عبر معادلة تقول بإمكانية ترجمة القصف الجوي (ضدّ المعارضة وفصائل الجيش الحرّ، تحديداً) إلى مكاسب ميدانية: سواء عن طريق استعادة ما تمّ خسرانه من مناطق، أو وقف خسران مناطق أخرى ذات أهمية فائقة للنظام (الساحل وشمال حلب وسهل الغاب، أساساً)؛ إنْ لم يكن عن طريق ركام الوحدات النظامية والميليشيات الموالية، فعلى الأقلّ عن طريق مقاتلي «حزب الله» ومرتزقة الميليشيات المذهبية الإيرانية والعراقية والأفغانية وسواها. هنا، أيضاً، لا تبدو الحصيلة هزيلة تماماً ـ بالقياس، دائماً، إلى الحجم الهائل من القوّة التدميرية التي استخدمتها موسكو، بالأسلحة الأرقى ـ فحسب؛ بل ثمة ما هو فاضح بالمعنى العسكري الصرف، لأنه كشف الكثير من عيوب الجيش الروسي، والكثير من نقاط ضعفه (ليس أبرزها سقوط الصواريخ، عابرة القارات إلى سوريا، في الباحة الإيرانية!). 
وفي الظاهر، ثالثاً، أن بوتين شاء افتتاح ساحة قتال إضافية في سوريا، تستكمل حروبه مع الغرب والولايات المتحدة، التي تُخاض منذ سنوات على ثلاث جبهات: العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو، وخفض أسعار النفط، والمسألة الأوكرانية. ليست أقلّ ضراوة تلك المواجهات الشرسة، الدامية أيضاً، التي تستنزف من موسكو خسائر بقيمة 600 مليار دولار أمريكي، خلال الفترة بين 2014 و2017؛ وليس في وسع الـ»سوخوي 25» أن تكون فيها فيصلاً حاسماً، سواء خيض الصراع مباشرة في كييف عاصمة أوكرانيا، أو بالإنابة في سوريا عبر مطار حميميم! لكن هذه الساحة القتالية (التي قدّر لها الكرملين ثلاثة شهور لكي تأتي أكلها)، أسفرت عن مآل أقرب إلى نقيض: تآكل مضطرد لديناميكيات التدخل الجوهرية، بل والبسيطة أحياناً، حتى بعد أن استطالت الأشهر الثلاثة إلى سبعة، وتكثفت أوحال «المستنقع السوري»، وأخذت شباك الورطة تلتف حول عنق الدبّ الروسي أكثر فأكثر، واتضح أنه يوشك على استئناف سجيته التاريخية المأثورة: التخبط في مخزن خزف!
وفي الظاهر، رابعاً، أنّ نطاسي السياسة الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، أقنع سيد الكرملين بأنّ «عقيدة أوباما» ـ الذي جاء لانتشال أمريكا من حروب سلفه جورج بوش الابن، لا للانخراط في أي مستوى من الاحتراب ـ هي الفرصة الثمينة لكسر أحادية القطب، والعودة إلى المنطقة، بل للانقضاض على ما لأمريكا فيها: عبر مياه المتوسط الدافئة، وبالتراضي مع إسرائيل بنيامين نتنياهو، ليس دون إغفال إيران وبوابتها العراقية. فات لافروف، مع ذلك، خاصة وأن ثقافته في تاريخ المنطقة ضحلة وسطحية واستشراقية (خشي ذات يوم من «دولة سنّية» في سوريا لا يكون فيها مستقبل لـ»ديانات» أخرى مثل العلويين والمسيحيين و… الكرد!)؛ أنّ الفخّ الأمريكي لم يكن يتشوّف إلى تطوّر آخر مثل تشوّفه إلى تورّط موسكو في «المستنقع السوري» إياه: كانت واشنطن سعيدة بحربَيْ استنزاف مجانية يخوضها خصمان، إيران و»حزب الله»، في صالح إسرائيل أولاً؛ فباتت أسعد بانضمام موسكو إلى النادي، بثمن بخس دائماً في إنفاق واشنطن، وباهظ تماماً في مديونية الكرملين…
هذه، مع اختلاف ضروري في التفاصيل، ليست حال جديدة على بوتين، وفي وسع المرء أن يعود بالذاكرة عقداً من الزمن إلى الوراء، ليكتشف بوتين المتمرد على نظام القطب الواحد، «اللاديمقراطي» في توصيفه. آنذاك لاح أنّ الرئيس الروسي أشبه بنافخ في قربة مثقوبة. فما الذي، في سؤال واحد كافٍ، منع موسكو من استخدام حقّ النقض (الـ»فيتو») في مجلس الأمن الدولي، لتجريد واشنطن من غطاء «الشرعية الدولية» في غزو أفغانستان والعراق، وذاك كان أضعف الإيمان على درب اختراق نظام القطب الواحد؟ 
أيضاً، حين كانت أنظار العالم منشدّة إلى أمريكا على أكثر من صعيد (مجازر جيش الاحتلال الأمريكي في مدينة الفلوجة العراقية، وذبح مئات الأبرياء من أبنائها بذريعة محاربة الإرهاب، واستقالة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول، وتوطيد صفوف «الصقور» في الإدارة ذاتها بعد ترشيح كوندوليزا رايس لقيادة الدبلوماسية الأمريكية…)؛ مَن الذي دخل على الخطّ بغتة، ودونما دعوة؟ بوتين، بالطبع، حين عقد اجتماعاً دراماتيكياً مع أركان القيادة العسكرية الروسية، وباغت العالم بأنّ روسيا سوف تنشر في الأعوام القليلة القادمة أنظمة صواريخ نووية جديدة متفوّقة على كلّ ما تمتلكه القوى النووية الأخرى في العالم أجمع.
الصواريخ تلك لم تُنشر، بالطبع، ولكن قبل أيام معدودات سبقت رياضة التصريحات الملتهبة كان رودريغو راتو، المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي، يقوم بزيارة خاطفة إلى روسيا للبحث في ضرورة سداد موسكو ديون الصندوق (بوصفه الدائن الأكبر) اعتماداً على الوفر الخاصّ الذي نجم مؤخراً عن ارتفاع أسعار برميل النفط. آنذاك توجّب على موسكو أن تسدّد مبلغ 2.7 مليار دولار أمريكي، وكان واضحاً أنّ بوتين يتخاطب مع راتو بصدد تأجيل تلك الديون، عن طريق التلويح بأنّ الصبر على المدين أفضل كثيراً من حشره خلف منصّة صاروخ نووي! المدهش، رغم هذا، أنّ إدارة بوش لم تأخذ تلك التصريحات على محمل الجدّ، وأعلن الناطق باسم البيت الأبيض آنذاك، سكوت ماكليلان، أنّ أخبار موسكو ليست جديدة على الإدارة: «نحن على اطلاع تامّ حول جهودهم الثابتة لتحديث آلتهم العسكرية».
وهكذا فإنّ خلاصة الحال سبق أن اختصرها وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت غيتس، في أنّ حرباً باردة واحدة تكفي، وأمريكا لا تنوي استئناف أيّ من تلك المعارك الافتراضية العتيقة مع موسكو. وأمّا اليوم فإنّ إدارة بوتين هي التي تختصر حالها، بذاتها، دبلوماسياً وعسكرياً واقتصادياً، وفي أُطُر وأخلاقيات أحادية القطب دون سواها: رحم الله قوّة عظمى عرفت حدّها، فوقفت عنده؛ أو ارتدت إليه، اضطراراً أو رضوخاً أو تعقلاً، إثر مغامرة قاصرة الحسابات، عاثرة!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

البيت الشيعي العراقي ومصنع الألغام

صبحي حديدي

 

ذات يوم، حين كانت معزوفة «تحرير» العراق هي الأسطوانة المفضّلة لدى جنرالات الجيش الأمريكي، أسوة بمرتزقة «مجلس الحكم» العراقي؛ كانت قاذفات الـ»ف ـ 16» ومروحيات الـ»آباشي» تحصد أرواح العراقيين المدنيين بالعشرات، في صفوف النساء والأطفال والشيوخ أولاً. ويومئذ، كان الجنرال ريشارد مايرز، رئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي، يستخدم توصيفات مثل «المتمردين» و»العصاة» في تصنيف عناصر «جيش المهدي» التابع للزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر؛ وأما بول بريمر، الحاكم المدني الأمريكي في العراق، فقد كان يردد أنّ كابوس حياته سوف يكون مواجهة بين الشيعة وقوّات الاحتلال.
هذه الخلفية ليست عتبة صالحة للولوج إلى حجرات البيت الشيعي العراقي، الذي تعصف به الأنواء اليوم، فحسب؛ بل هي مفتاح، أيضاً، لفهم خلافات ذلك البيت بالقياس إلى أقطاب صراعاته الأخرى: العسكري مع «داعش» بادئ ذي بدء، ثمّ السياسي مع شرائح عريضة من الشارع السنّي تالياً، وصولاً إلى إرث الاحتلال الأمريكي في مجمله. فكيف إذا كانت عناصر هذه المعادلة خاضعة، من جانب آخر ليس أقلّ أهمية، لمعطيات وضع إقليمي متفجر، بالغ التعقيد، تنقلب فيه «سلّة المصالح القومية» الإيرانية إلى مصنع ألغام، وليس في وسع البيت الشيعي العراقي إلا أن يكون على التخوم الأولى المحاذية لذلك المصنع!
وفي العودة إلى إرث الاحتلال الأمريكي ـ قبل أن تنشأ منظمات مثل «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين»، أو «دولة العراق الإسلامية» أو «الدولة الإسلامية في العراق والشام»؛ وقبل أن يصعد قادة جهاديون غلاة من أمثال أبو مصعب الزرقاوي وأبو محمد العدناني وأبو بكر البغدادي… ـ عهدت واشنطن بمهمة مجابهة معضلات ما بعد الاحتلال إلى أتباع من أمثال محمد محسن الزبيدي (الذي سارع إلى تنصيب نفسه في موقع «رئيس حكومة بغداد»!) أو جودت العبيدي (في منصب «رئيس بلدية العاصمة») أو مشعان الجبوري («حاكم الموصل»). وكان طبيعياً أن يكون «امتياز» هؤلاء هو إغماض الأعين وصمّ الآذان تماماً عن السلب والنهب والتخريب (كما تردّد مراراً، وبحقّ: هذه القوّة الغازية، أمريكا، القادمة من تاريخ حضاري لا يزيد عن مائتي سنة، أنّى لها أن تحترم بلداً مستباحاً حضارته تُعدّ بآلاف السنين؟)؛ أو عقد اجتماعات لكلّ مَن هبّ ودبّ من أطراف معارضة مفلسة عاجزة، منعزلة وانتهازية، مرفوضة من الشارع العراقي العريض.
فما الذي تغيّر حقاً، وجوهرياً، في لجوء طهران إلى تعهيد شؤون العراق («ما بعد الاحتلال» أو «ما بعد التحرير»، كما يُقال لنا، زيفاً ودجلاً)؛ إلى رجال من أمثال حيدر العبادي، أو نوري المالكي قبله، أو إبراهيم الأشيقر الجعفري قبلهما؟ وأيّ عراقيين هؤلاء، قادة «الحشد الشعبي»، أمثال أبو مهدي المهندس وهادي العامري وقيس الخزعلي؛ الذين يبدأون قتال «داعش» عن طريق ارتكاب الفظائع بحقّ أبناء جلدتهم من المدنيين العراقيين السنّة، أو عن طريق التهجير القسري أو التطهير المذهبي للمناطق؛ كما أقرّ التيار الصدري ذاته، وليس أيّ فريق آخر سنّي التكوين؟
ليس عجيباً والحال هذه، بل هو المآل المنطقي الطبيعي، أنّ جماهير شيعة العراق، التي هتفت، مطلع الاحتلال، بحياة مقتدى الصدر وعلي السيستاني والحوزة العلمية، بدل أحمد الجلبي أو إياد علاوي أو موفق الربيعي أو عدنان الباجه جي أو حتى عبد العزيز الحكيم؛ تهتف اليوم ضدّ «البوّاقين»، لصوص الشعب الفاسدين المفسدين، الطائفيين اللاوطنيين، عملاء مصنع الألغام دون سواه…
ذلك لأن قاطرات التاريخ لا تسير في خطّ وحيد مستقيم، نحو اتجاهين لا ثالث لهما: إمّا الحوزة الحسينية، أو قاذفة الـ «ف ـ 16»!.

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

 

«الإحياء» الإسلامي ومنتصف العصا:

رحل الترابي وتسلّم الغنوشي!

صبحي حديدي

 

في وسع أنصار الشيخ راشد الغنوشي، رئيس «حركة النهضة» التونسية، أن يسارعوا إلى تنصيبه خليفة مستحقاً للشيخ حسن الترابي (1932ـ2016)؛ إنْ لم يكن على الصعيد التنظيري. وللأول باع طويل وعتيق في هذه الرياضة الفكرية، فعلى الآقل، بل على الفور، في ميدان الحذلقة السياسية والتكتيك العتيق في إمساك العصا من المنتصف، وادعاء العدل على طرفيها، والإنصاف التام. وسبحان المصادفات، حقاً، بين رحيل الشيخ السوداني وتصريحات الشيخ التونسي حول «حزب الله»: لا نصنفه كتنظيم إرهابي، لأنه لا أحد يستطيع أن يزايد على الحزب في دوره الوطني (هذا منتصف العصا الأول)؛ لكن دور الحزب في سوريا هو إشكالي، وهو محل أخذ ورد لأنه دعم الثورة المضادة (منتصف العصا الثاني)…
أن ترسل آلاف المقاتلين (أنفسهم، حَمَلة راية «الدور الوطني») إلى سوريا، ليس للقتال دفاعاً عن نظام مجرمي الحرب ومصاصي دماء الشعب السوري، فحسب؛ بل، أيضاً، لارتكاب المجازر ومحاصرة المدن والبلدات والقرى وتجويع النساء والأطفال والشيوخ؛ أمر «محل أخذ ورد»، ليس أكثر، في تنظير الشيخ الغنوشي. لكنه ـ لا عجب البتة، في الواقع، ولا جديد في التكتيك ـ تنظير قابل للقلب والاستقلاب؛ لأن أجهزة الشيخ سارعت إلى تخفيف أضرار هذه الأقوال، التي لا تروق لكبار رعاة الغنوشي خارج «النهضة» وخارج تونس كلها، بالقول إن تصريحات الشيخ «فُهمت بطريق الخطأ»: من جانب العباد الخطائين بالطبع، لأن لغة الشيخ لا يأتيها خطأ من داخلها!
من جانبه كان الترابي ـ سواء كان الشيخ في واحدة من الإشراقات المعدّة للاستهلاك الداخلي، أو تلك الخاصة بالتصدير إلى الخارج – كما تقول النكتة الشعبية السودانية ـ المنظّر الأبرز لما سُمّي بـ»حركة الإحياء الإسلامي»؛ وكان «القدوة الحسنة» لجيل (أوّل وثانٍ ربما) انخرط في تسييس معقّد، تنظيمي وفكري، لستراتيجيات وتكتيكات جماعات «الإخوان المسلمين» وعقائدهم. صحيح أنه لم يكن حسن البنّا، وكان محالاً أن يعيد إنتاج شخصية أبو الأعلى المودودي؛ لكنه ظل شديد الولع بطراز من الهوس البلشفي بالتنظيم والتعبئة. ذلك، والكثير سواه، يتيح استبعاد النظرة الأحادية إلى شخصية الترابي على الضفتين: التقيّ النقيّ (كما يردّد الحالمون من أتباعه)، أو المنافق ومنظّر الإرهاب (كما يردد العصابيون من خصومه).
«ما الذي يمكن أن يعنيه الحكم الإسلامي؟» سأل الترابي ذات يوم. «النموذج بالغ الوضوح، أما أفق الحكم فهو محدود، والقانون ليس توكيلاً للرقابة الاجتماعية لأنّ المعايير الأخلاقية والضمير الفردي شديدة الأهمية، وهي مستقلة بذاتها. لن نلجأ إلى ضبط المواقف الفكرية من الإسلام، أو قنونتها، ونحن نثمّن ونضمن حرية البشر والحرية الدينية ليس لغير المسلمين فحسب، بل للمسلمين أنفسهم حين يحملون قناعات مختلفة. إنني شخصياً أعتنق آراء تسير على النقيض تماماً من المدارس السلفية في التشريع حول مسائل مثل وضع المرأة، وشهادة غير المسلم في المحاكم، وحكم الكافر. البعض يردد أنني متأثر بالغرب إلى حدّ اقتراف الكفر. ولكني لا أقبل الحكم على سلمان رشدي بالموت، ولو استفاق مسلم ذات صباح وقال إنه كفّ عن الإيمان، فهذا شأنه وحده».
ويمضي الشيخ في شرح تفسيره لعلاقة الدين بالدنيا فيقول: «الحكم الإسلامي ليس شاملاً لأن الإسلام وحده هو الرؤية الشاملة للحياة، وإذا اختُزل في الحكم وحده فإن الحكومة ستكون عاجزة مشلولة، وهذا ليس من الإسلام في شيء. الحكم لا مصلحة له في التدخل في عبادة الفرد أو صلاته أو صيامه إلا في ما يتصّل بالتحدّي العلني للصيام. نحن لا نخلط بين ما هو أخلاقي وما هو شرعي. الرسول نفسه أغلظ في القول ضدّ الممتنعين عن الصلاة، ولكنه لم يتخذ أي إجراء بحقهم. وتوجد فروض اجتماعية حول كيفية اختيار الرجال والنساء للباسهم، ولكن المسألة ليست جزءاً من القانون». ولا يكتمل المعمار التنظيري للشيخ الترابي من دون التوقف عند الإسلام الراهن، في العالم الراهن: «قد تكون النزعة القومية هي البديل عن الإسلام في بلدان أخرى. لكن الإسلام هو النزعة القومية الوحيدة المتوفرة أمامنا إذا شئنا تأكيد قيمنا الوطنية الأصلية، وأصالتنا، واستقلالنا عن الغرب. الإسلام هو حداثتنا الوحيدة. إنه العقيدة الوحيدة التي يمكن أن تقوم مقام العقيدة الوطنية في أيامنا هذه».
هذا منتصف العصا، في افتراض مشروع، فما الذي احتواه المنتصف الثاني؟ ذات يوم، بسبب تصريحات اعتبر فيها أنّ الرئيس السوداني عمر البشير «مدان سياسياً بجرائم ارتكبت في دارفور، وعليه المثول طوعاً أمام المحكمة الجنائية الدولية»، لجأت السلطات السودانية إلى اعتقال الشيخ الترابي. بعد احتجاز دام شهرين، تمّ الإفراج عنه، ليس بدون مفارقة صارخة: كان الاعتقال يستهدف التنكيل به، وكان الإفراج يسعى إلى… استرضائه، والإيحاء بتوفّر إجماع شعبي سوداني حول رفض المذكّرة. لكن إيمان الترابي بـ «العدالة الدولية» ـ كما مثّلها، يومذاك، القاضي لويس مورينو أوكامبو ـ بدا موضع مساءلة فورية؛ بالنظر إلى لائحة مواقف الترابي السابقة من قرارات «المجتمع الدولي» حول السودان، لكي لا يتحدّث المرء عن كامل فلسفة الترابي في صدد المعادلات ما بعد الكولونيالية بين المستعمِر والمستعمَر، والشرق والغرب إجمالاً.
«عرب الحدود»، في جانب آخر من تنظير الشيخ، هو التعبير الذي اعتاد استخدامه لوصف عواقب الفاصل الزمني الطويل الذي جعل ولادة الهوية العربية في السودان قيصرية، بالمعاني السيكولوجية والسياسية والجغرافية؛ وسهّل لجوء الإدارة الاستعمارية البريطانية إلى سياسة الباب المغلق، المعاكسة تماماً للسياسة التي اعتمدها الروّاد العرب. وفي معجم مفردات التاج الإمبراطوري، كان إغلاق الباب على عرب الشمال المسلمين يعني فتحه على مصراعيه أمام قبائل الجنوب عبر تقسيمه إلى ثلاثة أقاليم، وتأسيس وضع خاص بها، وإسناد الخدمات التربوية والاجتماعية إلى البعثات التبشيرية، وتكليف زعماء القبائل بالشؤون الإدارية المحلية، وإحياء اللغات الإثنية والثقافة القبلية على حساب الإسلام واللغة العربية. وحين أحرز السودان استقلاله عام 1956، كان الجنوب يسترجع، لتوّه، ذاكرة الرقّ وإرث الطريقتين الصوفيتين ـ السياسيتين (الأنصار والختمية)، ويستعد للأسوأ عن حقّ أو عن باطل.
ومن المفارقات ذات الدلالة أنّ «الاستبداد العلماني»، كما يصف الكاتب الأمريكي ملتون فيورست أسلوب حكم جعفر النميري بعد انقلاب 1969، حظي بدعم مبدئي من الشيوعيين، وبمعارضة من الشيخ الترابي الذي بقي رهن الإعتقال طيلة سبع سنوات. ثم انقلبت الأقدار سريعاً، فأعدم النميري عشرات القادة الشيوعيين، قبل أن يهتدي إلى فضائل الشريعة وتطبيق الحدود في قوانين أيلول (سبتمبر) 1983، فلا يكتفي بالإفراج عن الترابي بل ويعيّنه وزيراً للعدل! المفارقة الأخرى أنّ اكتشاف النفط كان المعيار الحاسم لاختبار سلسلة القوانين الاستبدادية (غير العلمانية هذه المرة!)، وطرح ورقة الإنفصال بعنف حصد أكثر من مليون ضحية، في أقلّ التقديرات تشاؤماً. الترابي كان المهندس الحقيقي وراء هذا الطور من نقل «عرب الحدود» إلى «عرب الإسلام»؛ أو الحكم الإسلامي، أو الشريعة في تطبيقها الدنيوي المعتدل، أو ما يشاء المرء من تسميات تدخل في النطاق الدلالي ذاته.
وذات يوم، أخيراً، كان منتصف عصا الشيخ يشير إلى سهره شخصياً على طيب إقامة أسامة بن لادن في السودان؛ وكان المنتصف الثاني ينقل وقائع جلسة الكونغرس الأمريكي المخصصة للاستماع إلى الشيخ، ينظّر وينظّر وينظّر. العصا آلت اليوم إلى الغنوشي، أغلب الظن، وتنظيرات الوريث عن «حزب الله» ليست سوى أول الغيث!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

تركيا والكرد:

ليس جنس الملائكة!

صبحي حديدي

 

لا جديد في القول إنّ العنصر الأبرز في ستراتيجية الأمن القومي التركي إزاء الجارتَين، العراق وسوريا، كان ويبقى الحيلولة دون إقامة كيان كردي مستقلّ على أيّ نحو؛ خاصة إذا نشأ بمبادرة من حزب العمال الكردستاني، الـPKK، أو وقع تحت سيطرته حزبياً وعسكرياً. الجديد، في المقابل، كثير ودائم من حيث حال الشدّ والجذب التي تعتري هذا العنصر، وصعود أو هبوط معدّلات نفوذ الـPKK، أو تبدّل خياراته ميدانياً؛ سواء على صعيد الداخل التركي أولاً، أو استطالاته نحو شمال العراق، وبعض إيران، وسوريا، تالياً.
ولا سرّ، إلا عند السذّج ودافني الرؤوس في الرمال، أنّ الجناح العسكري الضارب لحزب «الاتحاد الديمقراطي الكردي»، وكذلك «وحدات الحماية الشعبية»، لا يتلقى أوامر التحرّك الكبرى من قياداته الكردية في سوريا، صالح مسلم أو سواه؛ بل من جبال قنديل، في كردستان العراق، حيث تقيم القيادة العسكرية الفعلية للـ
PKK. وهنا مستوى التناقض الفاضح الأول بين قيادة تزعم الانتساب إلى الماركسية ـ اللينينية، وقواعد تؤمر باستقبال مندوبي البيت الأبيض، والتنسيق مع ضباط البنتاغون والاستخبارات الأمريكية، وفتح مهبط رميلان أمام حوامات اليانكي!
ولا سرّ، أيضاً، في أنّ تركيا ما تزال عضواً في الحلف الأطلسي؛ بل هي عضو مدلل على نحو ما، لأنها الوحيدة المسلمة في عداد الدول الـ 28، أعضاء الحلف؛ وهي الأقرب إلى قوس الأزمات الشرق ـ أوسطي التاريخي، في العراق وإيران والخليج العربي، ثمّ سوريا ولبنان وإسرائيل. وإذا كانت امتيازات هذه العضوية لا تمنح أنقرة حقّ النقض على سياسات واشنطن في التنسيق مع الجناح العسكري، السوري، من الـ
PKK، وتلميعه، وإعادة إنتاجه كأداة «معتدلة» في محاربة «داعش»؛ فإنّ تركيا، من جانبها، تمتلك حقّ التشويش على الخطط الأمريكية، أو حتى تعطيلها مباشرة، عبر اعتبار العنصر الأبرز في ستراتيجية أمنها القومي هو، بالتعريف والتضامن الأطلسي، عنصر بارز أمريكي أيضاً.
هذه هو وجه التناقض من الجانب الآخر، الموازي للتناقض الخاصّ بالـ
PKK؛ الأمر الذي يفسّر بارومتر المواقف الأمريكية تجاه احتمالات التوغل العسكري البرّي التركي في العمق السوري، أو على خطوط المواجهة مع وحدات الـYPG. تارة ترسل واشنطن إشارات تنمّ عن عدم الرضا، وهو الموقف الأعمّ أغلب الظنّ؛ وطوراً يتدخل الرئيس الأمريكي باراك أوباما شخصياً، لتأكيد «تفهم» الولايات المتحدة لهواجس تركيا حول التحركات الكردية قرب الحدود التركية ـ السورية. وهكذا، بعد تصريح أردوغان بأن هذه الوحدات تستخدم أسلحة أمريكية، جرى اتصال هاتفي بين الرئيسين التركي والأمريكي استغرق 80 دقيقة (حسب وكالة أنباء رويترز)، لم يكن موضوعه جنس الملائكة بالتأكيد!
وفي تراث العلاقات السورية ـ التركية، لا تُنسى تلك الواقعة المفصلية التي شهدها صيف العام 1998، حين بادرت تركيا إلى إبلاغ حافظ الأسد هذه الرسالة الوجيزة القاطعة التالية: إمّا أن يرفع الغطاء عن عبد الله أوجلان، زعيم الـ
PKK، فيُطرد من سورية ومن البقاع اللبناني، وتُغلق معسكراته، ويُوقف أيّ دعم لوجستي وعسكري واستخباراتي كان النظام يقدّمه له؛ وإمّا… الحرب العسكرية المباشرة الشاملة. ولقد انحنى الأسد، بالطبع، وفي تشرين الأول (أكتوبر) من العام ذاته، غادر أوجلان الأراضي السورية واللبنانية إلى غير رجعة، أو بالأحرى إلى حيث يقيم اليوم: في المعتقل التركي!
والحال أنّ جنرالات أردوغان ليسوا أقلّ تعطشاً من أسلافهم، حينما يتصل الأمر بالحرب ضدّ الـ
PKK؛ ويُخشى أنّ قيادات قنديل، اليوم، ليست أقلّ استعداداً لتكرار أخطاء أسلافها في إقامة تحالفات خاطئة، مع الولايات المتحدة أو مع النظام السوري، دفع الكرد أثمانها باهظةً ودامية، مراراً وتكراراً.

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

الواجب الكفائي… في طهران

صبحي حديدي

 

في أواسط حزيران (يونيو)، أعلن الشيخ عبد المهدي الكربلائي، ناطقاً باسم المرجعية الشيعية وآية الله علي الحسيني السيستاني، أنّ «العراق وشعبه يواجه تحدياً كبيراً وخطراً عظيماً» من «الإرهابيين «؛ ولهذا فإنّ «مسؤولية التصدي لهم ومقاتلتهم مسؤولية الجميع ولا تختص بطائفة دون أخرى أو طرف دون آخر»، وهذا واجب كفائي.
بعد 16 شهراً، ومن منبر الأمم المتحدة في نيويورك، أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أنّ «الحشد الشعبي»، الوليد الأحدث عهداً لنداء الواجب الكفائي، هو «أحد تشكيلات الدولة الرسمية التي تدافع عن البلاد صفا واحداً مع باقي القوات الأمنية الباسلة التي تحارب الإرهاب والعصابات الإجرامية التي تحاول العبث بالسلم الاجتماعي». وقبل أسابيع قليلة، خلال خطبة عصماء أمام مؤتمر برلمانات الدول الإسلامية، شدد العبادي على أنّ «الحشد الشعبي الذي يقاتل اليوم ضد عصابات داعش، يمثل صورة للتلاحم العراقي». وأمّا قبل ساعات، خلال كلمته في مؤتمر ميونيخ للأمن، فقد أقرّ الرجل بأنّ «الحشد الشعبي أفرز جماعات خارج إطار الدولة»، معتبراً أن وجود هذه العصابات يتطلب تدخلا لمكافحتها، ويجب القيام بإصلاحات تمكن الدولة من السيطرة على العصابات المنفلتة».
والحال أنّ قوّات «الحشد الشعبي» لا تتبع الدولة العراقية، بما في ذلك وزير الداخلية محمد سالم الغبان، الذي تربى في كنف «منظمة بدر»، الحاضنة الأمّ لـ»لحشد»؛ كما أنها لا تأتمر مباشرة بما يصدر عن المرجعية، خاصة وأنّ المرجع الأعلى يدرك ذلك، ويحرص على عدم طلب ما لا يُطاع! وأمّا تابعية هذه القوّات ـ في مكوناتها الثلاثة الأبرز: «بدر»، و»عصائب الحق»، و»حزب الله» اللبناني ـ فإنها قد عُقدت لمركز واحد وحيد، هو طهران. وبمعزل عن تعقيدات المشهد الشيعي الداخلي في العراق، وصلاته بمركزية المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي؛ فإنّ جذور «الحشد الشعبي» لا تضرب في تربة راهنة، ذات صلة بسقوط الموصل في براثن «داعش» وزحف التنظيم نحو العمق العراقي، بل هي بين أولى الثمار الشائهة، والسامة الدامية، التي استنبتها الاحتلال الأمريكي للعراق، قبل 13 سنة.
وبهذا المعنى فإنّ الاعتراض الأمريكي على استدخال «الحشد الشعبي» ضمن صفوف الجيش والشرطة والأمن التابعة للدولة العراقية، ليس مردّه ما افتُضح ـ والبعض يقول: جرى تسريبه علانية عن سابق قصد ـ من فظائع وحشية ارتكبها «الحشد» ضدّ مواطنين مدنيين أبرياء من أبناء الطائفة السنية، فحسب؛ بل كذلك ما يعتبره مراقبون بنداً مكمّلاً في أجندة «ستراتيجية الخروج» الأمريكي من العراق… مرّة وإلى الأبد، كما يساجل البعض!  وليس غريباً، بعد انكشاف الاعتراض الأمريكي على استمرار عمل «الحشد» ضمن صفوف الوحدات العسكرية والأمنية العراقية الرسمية؛ أن ينقضّ عمار الحكيم، باسم المجلس الإسلامي الأعلى، على هذا التفصيل، ليحفر حفرة للعبادي، بقصد الإطاحة به.
لكنّ الساسة العراقيين الشيعة، من العبادي والحكيم إلى رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وزميله إبراهيم الجعفري، يتصارعون في واد؛ وقادة «الحشد» الميدانيين، من هادي العامري إلى أبو مهدي المهندس (جمال جعفر علي)، دون استثناء قاسم سليماني، جنرال «الحرس الثوري» الإيراني، يتناغمون في واد آخر… شاسع البون، واسع الشقة! هذا إذا استبعد المرء، مؤقتاً على الأقلّ، احتمالات الصراع، وربما الصدام العسكري المباشر، بين «الحشد» وقوات «البيشمركة» الكردية في الشمال، إذا حانت ساعة التناقض.
فإذا أقرّ المرء بوجود «معادلة إيرانية» كبرى في قلب المسألة العراقية، فإنّ الواجب الكفائي لـ»الحشد»، وسواه من التكوينات السياسية والميليشياتية الشيعية العراقية، ذو مرجعية عابرة للحدود العراقية، نحو طهران، وحدها.

صبحي حديدي

 

 

قرآن الأسد وتوراة أوباما

 

صبحي حديدي

 

 لعلّ بشار الجعفري، مندوب النظام السوري وممثله في مباحثات جنيف الأخيرة، هو الاختزال الأصدق لهذه الجولة؛ قبل أن تبدأ، وبعد أن فشلت، سواء بسواء. لقد أعلن ـ ساحباً البساط من تحت أقدام الرعاة الثلاثة، واشنطن وموسكو والأمم المتحدة ـ أنّ «الفاتحة» في «القرآن تبعنا»، أي قرآن سيّده بشار الأسد، هي هذه: «لن يكون هناك تفاوض، نحن هنا لإجراء محادثات غير مباشرة على شكل حوار سوري ـ سوري، دون شروط مسبقة، ودون تدخل خارجي». ورغم أن «محادثات» من أيّ نوع لم تجرِ، في نهاية المطاف، ما خلا تلك التي عقدها المندوب الأممي ستافان دي ميستورا؛ فإنّ كامل الضجيج والعجيج الذي اكتنف ما سُمّي جنيف 3، انتهى إلى «الفاتحة» إياها.
وليس الأمر أنّ النظام الذي يمثّله الجعفري على قدر من البأس يمكّنه من سحب البساط هكذا، مخاطراً بانقلاب أقدام الرعاة عليه؛ بل الحال أبسط بكثير، وأشدّ وضوحاً من أن تخفي حقائقه تجاسر الجعفري على «الفاتحة» و»القرآن» و»صدق الله العظيم». ذلك لأنّ الأخير ـ بعد تسميته ممثلاً للنظام، ثمّ استبداله بوزير الخارجية وليد المعلّم، ثمّ إعادته ثانية إلى الواجهة ـ جاء محمّلاً بوصية واحدة من مولاه الأسد: هذا لعب في الوقت الضائع، فالعبْ ولاعبْ! ومن جانبه، لم تكن فراسة الأسد وعبقريته وحُسْن قراءته للمشهد السياسي، هي العناصر التي أتاحت له بلوغ هذه النتيجة، بل كانت موسكو قد باحت له بالسرّ، وأنّ التفاهمات الأمريكية ـ الروسية لا تريد من جنيف 3 هذا، أكثر من هذا: اللعب في الوقت الضائع.
ذلك لأنّ الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد باشر في حزم الحقائب التي سترافقه عند مغادرة البيت الأبيض، وهو لتوّه «بطة عرجاء» كما يقول التعبير الأمريكي الشهير في توصيف رئيس يختتم ولايته الثانية. وما دام قد صرف سبع سنوات تحت لواء عقيدته الشهيرة ـ التي قالت بإغلاق حروب أمريكا الخارجية، والامتناع عن فتح أية معركة في أية حرب جديدة ـ فإنه لن يخرق القاعدة الذهبية الآن، إذْ يودّع. وعلى نحو ملموس أكثر، إذا كان قد رأى المغنم كلّ المغنم في توريط خصمَين ستراتيجيين، إيران وروسيا، في حرب استنزاف مفتوحة على ساحة الصراع في سوريا؛ ورأى الحماقة كلّ الحماقة في كسر هذه المعادلة، ما دامت مخاطر المغانم الأمريكية المجانية قابلة لـ»احتواء» محسوب؛ فما الذي سيدفعه، اليوم، إلى مجافاة ما يلتزم به منذ انطلاق الانتفاضة السورية، في آذار (مارس) 2011؟
وفي مقابل هذه الـ»توراة» الأوبامية، لكي يتابع المرء غمزة الجعفري من القرآن؛ ثمة حاجة روسية ماسة إلى كسب الوقت، أو ملاقاة واشنطن عند نقطة اللعب في الوقت الضائع، لتحقيق سلسلة «انتصارات» عسكرية على الأرض، تنجزها الميليشيات الإيرانية بدعم من الطائرات الحربية الروسية، التي تمارس قصفاً كثيفاً شاملاً، وعشوائياً أعمى، في آن معاً. هذا مآل في وسع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن يتفاخر به على الملأ، كحصيلة روسية صرفة، دونما إشارة إلى أي دور يُنسب إلى ما تبقى من جيش النظام. وله، أيضاً، أن يلبّي رغبة زميله الأمريكي، جون كيري، في الضغط على، وتليين عريكة، معارضة سورية قررت ـ أخيراً! ـ الذهاب إلى محفل مفاوضات دولي، حاملة مطالب مشروعة لا تروق للرعاة الثلاثة معاً.
ولكنّ ما أخطأت، وتخطيء، فيه قاعدة أوباما ـ حول حدود الانفجار التي بلغها الملف السوري أصلاً، فكيف بـ»احتواء» مخاطره ـ تقتفي أثره أخطاء تكتيكات موسكو، التي غرقت بالفعل في المستنقع؛، وتبحث لتوها عن مخارج الأمر الذي يجعل تخرصات الجعفري تحصيل حاصل، ومحض أصداء جوفاء.

صبحي حديدي

 

 

ذكرى مجزرة حماة:

قبائح (المجتمع الدولي)

صبحي حديدي

 

الذكرى الرابعة والثلاثون لمجزرة حماة (شباط/ فبراير، 1982) تكتسب صفة خاصة هذه الأيام تحديداً، لأنها تعيد التذكير بمقدار صمت ما يُسمى «المجتمع الدولي» عن أهوال النظام السوري، وما يُصنّف منها في باب جرائم الحرب تحديداً. وذلك الصمت، الذي بلغ شأو التواطؤ المباشر وغير المباشر أحياناً، انتقل بدرجات متفاوتة إلى الإعلام، الرسمي الحكومي أو الخاص المستقل؛ وكانت الذريعة عجز التكنولوجيا الإعلامية، يومذاك، عن تغطية ما شهدته المدينة من أهوال. اليوم تعيد الولايات المتحدة الكرّة، على نحو أو آخر، مع تنويعين: أنّ وسائط تناقل المعلومة شهدت تطورات هائلة، من حيث الانتشار والتغطية والتوقيت؛ وأنّ الصمت على الجرائم بحقّ الشعب السوري تتمّ تغطيته تحت شعار خدمة «العملية السياسية»، وتسيير مباحثات جنيف، والتفرّغ لـ»داعش». وفي المقابل، تواصل روسيا تشديد عمليات قصف المدارس والمشافي والأسواق الشعبية، وتعيد إنتاج نماذج مصغّرة من مجزرة حماة، كلّ ساعة وكلّ يوم، تحت ذريعة «محاربة الإرهاب».
ويُذكر أنّ الموقف الأمريكي الرسمي من مجزرة حماة 1982، بعد شيوع أخبارها تحديداً، وليس خلال تنفيذ الفظائع داخل المدينة؛ اقتصر على حركة خجولة محدودة، هي تصريح من الخارجية الأمريكية يقول بأنّ «السلطات السورية عزلت مدينة حماة عن العالم الخارجي»، بسبب «وقوع اضطرابات خطيرة». من جانبه كان جون كيفنر، مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، قد نقل تصريحاً لوزير إعلام النظام، أحمد اسكندر أحمد، يفيد بأنّ المدينة تشهد «حملة تفتيش» ينفذها بعثيون وبعض عناصر الأمن «بحثاً عن أسلحة وعصابات إرهابية». وهكذا فإنّ خارجية ألكسندر هيغ أدّت واجب الحدّ الأدنى الذي أتاحته سياسة الرئيس رونالد ريغان يومذاك، في الموقف من أنظمة الاستبداد العربية عموماً، ونظامَيْ حافظ الأسد وحسني مبارك بصفة خاصة؛ واقتدى بهما الصحافي مراسل الصحيفة العريقة، فلم ينبس ببنت شفة!
أسبوعية الـ»إيكونوميست» البريطانية، وهي ليست البتة أقلّ عراقة من اليومية الأمريكية، انتظرت شهرين على مرور المجزرة، ثمّ طلعت بالتالي: «الرواية الحقيقية» لما جرى في مدينة حماة «لم تُعرف بعد، ولعلها لن تُعرف أبداً». وإذْ اعترفت بأنّ المدينة صارت «خرائب» بعد أن قُصفت بالدبابات والمدفعية والطيران طيلة ثلاثة أسابيع، وأنّ «جزءاً كبيراً من المدينة القديمة قد هُدم تماماً، وسُوّي بالجرافات»؛ فإنّ المجلة لم تتحدث البتة عن مجزرة، وأسهبت في توصيف الصراع على النحو الأكثر غموضاً وركاكة في آن: متمردون، ضدّ قوّات حكومية! ولم تكن الـ»إيكونوميست» أفضل حالاً من الموقف الرسمي للحكومة البريطانية، وتحديداً مارغريت ثاتشر رئيسة الوزراء آنذاك، رغم الجفاء الظاهر الذي كان يهيمن على العلاقات البريطانية ـ السورية في تلك الحقبة.
وحدها صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية صنعت الفارق المميز، والفريد في الواقع، بفضيلة الروح الفدائية التي تحلّى بها أحد كبار مراسليها، سورج شالاندون. لقد خاطر الرجل بحياته، فتدبّر أمر التسلل إلى قلب مدينة حماة، منتحلاً اسم شارل بوبت، ومتخذاً لنفسه مهنة كاذبة هي التنقيب عن الآثار؛ فكان أوّل صحافي أجنبي يدخل المدينة الشهيدة، ويسجّل بأمّ العين الكثير (إذْ كان محالاً أن يلمّ بكامل) ما حاق بأهلها وبعمرانها، القديم قبل الحديث، من قتل وتخريب وتدمير. «الأموات أخذوا يُعدّون بالعشرات أوّلاً، ثمّ بالمئات، ثمّ بالآلاف خلال الساعات الأولى فقط. لقد رافقني أحد وجهاء المدينة، فتنقلنا من بيت إلى بيت، ورأينا العائلات الثكلى، والجثث التي تُجرّ من الأقدام، أو تُحمل على الأكتاف»، كتب شالاندون، متقصداً أن يخنق في داخله روح الروائي، هو المتمرّس في فنّ السرد والحائز على جوائز مرموقة، لكي ينتصر لواجب الإخبار الحقيقي الصرف، الأشدّ تأثيراً من أي مراس في التخييل.
ذاك هو درس حماة الأوّل في مضمار مواقف «المجتمع الدولي»، أسوة بوسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية في أوروبا وأمريكا خاصة؛ وهي مواقف يمكن، ويحدث بالفعل، أن تنحني أمام سطوة الصورة وما تخلقه من مضمار أخلاقي عام؛ ولكنها لا تنفّذ الانحناءة الكبرى، في نهاية المطاف، إلا أمام ميزان الربح والخسارة في احتساب المصالح. أما عند السوريين، فإنّ درس حماة 1982 هو سلسلة المجازر التي ارتكبتها كتائب مختارة من «سرايا الدفاع»، الخاضعة لقيادة العقيد رفعت الأسد، شقيق حافظ الأسد؛ أسوة بكتائب مختارة من «الوحدات الخاصة»، التي كان يقودها اللواء علي حيدر. تلك الألوية، وكانت تضمّ وحدات مدرّعة ومدفعية وقوّات إنزال مظلية، قامت بمحاصرة المدينة طيلة 27 يوماً، فقصفتها بالمدفعية الثقيلة والدبابات، قبل اجتياحها واستباحتها. الحصيلة كشفت عن عدد من الضحايا يتراوح بين 30 إلى 40 ألفاً من مواطنيها المدنيين، فضلاً عن 15 ألف مفقود لم يتمّ العثور عليهم حتى اليوم، وتهجير نحو 100 ألف من سكان المدينة، وكانت حينذاك تعدّ قرابة 400 ألف نسمة (هو العدد الذي سيتظاهر ضدّ النظام في ساحة العاصي، أواخر حزيران/ يونيو، بعد 29 سنة على المجزرة!).
و»درس حماة» هو، إلى هذا، مجزرة ارتُكبت بالدم البارد، عن سابق تصميم وتصوّر، لكي تبدو من حيث الشكل بمثابة الخطّ الأخير الفاصل في المعركة بين النظام والفصائل الإسلامية المسلحة. ولهذا فقد وافق حافظ الأسد على إعطاء القادة العسكريين نوعاً من التفويض المطلق، وترخيصاً صريحاً بأن تُستخدم كلّ الأسلحة، وكلّ طرائق القمع والردع والعقاب؛ حتى إذا اقتضى الأمر تهديم أحياء بأكملها (مثل البارودي، والكيلاني، والحميدية، والحاضر)، أو إلحاق اضرار جسيمة بالمساجد (الشرقي، الشراباتي، الشيخ الكيلاني، الأفندي، الشريعة، السلطان، المدفن، الشيخ داخل، الشيخ زين، الحميدية، بلال بن رباح، الشيخ علوان، عمر بن الخطاب، المناخ، السرجاوي، سعد بن معاذ، الهدى، الجامع الكبير…)، والكنائس(أربع منها قديمة، نُسفت اثنتان، وهُدم جزء من الثالثة، ونُهبت محتويات الرابعة، بما في ذلك كنيسة حديثة ذات طراز معماري بديع نُسفت بالديناميت).
على صعيد «عقيدة» السلطة، ضمن التطورات التي صارت بعض مقدّمات المجزرة، كان المؤتمر القطري السابع لحزب البعث الحاكم (كانون الأول/ديسمبر 1979) قد شهد إعلان رفعت الأسد، بوصفه عضو القيادة القطرية، أنّ مَنْ لا يقف مع الثورة يقف في صفوف أعدائها حكماً؛ كما شهد اقتراحه الشهير، المطالب بشنّ حملة «تطهير وطني»، قوامها بإرسال المعارضين إلى معسكرات عمل وتثقيف في الصحراء. وكان الأسد الشقيق يستبق حركة الاحتجاج الشعبي التي تبلورت في إطار الأحزاب المعارضة غير المنضوية في جبهة السلطة، وفي النقابات المهنية للأطباء وأطباء الأسنان والمهندسين والصيادلة والمحامين، الذين أعلنوا إضراباً ليوم واحد (31/3/1980)؛ احتجاجاً على غياب الحريات، وشراسة آلة القمع وانتهاك حقوق المواطن. وكان ردّ السلطة الفوري هو حلّ هذه النقابات، واعتقال عدد من أبرز قياداتها؛ وبعد أشهر، سوف تشنّ السلطة حملة واسعة ضدّ أحزاب المعارضة.
وهكذا أُريد لمجزرة حماة 1982 أن تصبح الدرس الأقصى، والأقسى، للشارع السوري بأسره، إسلامياً كان أم علمانياً، وفي مستوى الشارع العريض والأحزاب المعارضة مثل النقابات والاتحادات المهنية ومجموعات المثقفين. لم يحدث هذا، بالطبع، فلا المدينة خضعت، ولا سوريا رُوضت، ولا النظام تعلّم درساً واحداً مفيداً حول الخيارات الأمنية والعنفية. وأمّا حكومات «المجتمع الدولي» فإنها تواصل الصمت أو التواطؤ أو… ممارسة رفع العتب عن طريق نصف الانحناءة أمام انفجار الصورة الدامية، ليس أكثر.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

مآلات حزب البعث:

لم يعد العربي سيّد القدر!

صبحي حديدي

 

استحقّ الشاعر السوري الراحل سليمان العيسى صفة «شاعر البعث»، إنْ لم يكن بسبب انتمائه التنظيمي الفعلي إلى «حزب البعث العربي الاشتراكي»، وقصائده البعثية العديدة؛ فعلى الأقلّ لأنه كان مؤلف النشيد الرسمي للحزب. وفي أحد مقاطع هذه القصيدة، يقرأ المرء التالي: «نحن فلاح وعامل/ وشباب لا يلين/ نحن جندي مقاتل/ نحن صوت الكادحين/ من جذور الأرض جئنا/ من صميم الألم/ بالضحايا ما بخلنا/ بالعطاء الأكرم». ولا يحتاج المرء إلى أيّ جهد، في قراءة صفحات تاريخ المشرق العربي الحديث والمعاصر، لكي يستنتج الحصيلة الكارثية، والاستبدادية والدموية والفاشية، لذلك «العطاء الأكرم»؛ في سوريا كما في العراق، وفي لبنان والأردن واليمن والسودان وتونس، أو حيثما تواجد فرع لهذا الحزب. في الشعر، دائماً، كان البعثي السوري نجم الدين صالح قد امتدح حافظ الأسد هكذا: «يا حافظاً للبقايا من أصالتنا/ لولا فعلتَ لكان العرب ما وُجدوا». رفيقه العراقي شفيق الكمالي، قال التالي في تأليه صدّام حسين: «تبارك وجهك القدسي فينا/ كوجه الله ينضح بالجلال».
أمّا في الفكر، إذا جاز استخدام هذه المفردة، فإنّ زكي الأرسوزي، أحد الآباء الروحيين المؤسسين للحزب، وابن أنطاكيا، بلدة الشاعر العيسى، اجترح هذا القول العرمرمي: «العربي سيّد القدر». سوري آخر هو ميشيل عفلق، أبرز الأسماء في لائحة المؤسسين، عاد من دراسته في جامعة السوربون، فرنسا، بمزيج عجيب زاوج فيه بين فلسفتَيْ فيخته ونيتشه معاً: من الأوّل ميتافيزيقا الأمّة الألمانية، ومن الثاني فلسفة القوّة التي سيسقطها على شخصية البعثي السوبرمان! بدأ هذا الحزب، إذاً، في سياق من سفاح عجيب بين الفلسفات والطبقات والشعارات؛ ثمّ انتقل، وهو في السلطة، إلى سفاح لا يقلّ عجباً بين الأحكام العرفية والفاشية والشمولية و»اشتراكية» النهب، والطائفية، والجمهورية الوراثية، والوطن/ المزرعة!
وفي الموسوعة البريطانية، مادّة «حزب البعث»، نقرأ ما يلي: «حزب سياسي عربي يدعو إلى قيام أمّة عربية اشتراكية واحدة. للحزب فروع في العديد من بلدان الشرق الأوسط، وهو حاكم في سوريا والعراق. تأسس الحزب سنة 1943 في دمشق على يد ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وأقرّ دستوره سنة 1947، واندمج مع الحزب العربي الاشتراكي لتشكيل حزب البعث العربي الاشتراكي». الطبعات اللاحقة من الموسوعة سوف تضطرّ إلى إدخال تعديلات جذرية على هذا التعريف، إذْ لم يعد الحزب حاكماً في العراق، وحُلّ بعد الغزو الأمريكي للبلد. وفي سوريا فقدت مفردة «اشتراكية» كلّ مدلولاتها في عقيدة الحزب الراهنة، و»الجيش العقائدي» انتهى إلى تكوينات ميليشياتية ومناطقية وطائفية، لا تقاتل إلا الشعب السوري وترتعد فرائصها أمام القاذفات الإسرائيلية. واختراع «الديمقراطية الشعبية» صار جمهورية وراثية، والقطاع العام صار مزرعة عند أمثال رامي مخلوف، و»الرفيق البعثي» صار شبيحاً، أو مخبراً، أو «منحبكجياً» في أخفّ الوظائف!
ومن مجازر حماه 1982 في سوريا، إلى جرائم الحرب في حلبجة العراقية والغوطة السورية (بين جرائم الحرب الكيميائية الأفظع ضدّ المدنيين في تاريخ البشرية)؛ ومن احتلال لبنان، وضرب المخيمات الفلسطينية، والتفرّج على الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، إلى اجتياح الكويت وصناعة واحدة من أغبى كوارث العرب في التاريخ الحديث (حيث انضمّ جيش البعث السوري إلى قتال تحت الراية الأمريكية، ضدّ جيش البعث العراقي)؛ ومن وأد انتفاضات العراقيين في الجنوب والشمال، عرباً وكرداً، إلى محاولة وأد انتفاضة الشعب السوري الراهنة باستخدام كلّ الأسلحة، دون استثناء تسليم البلد إلى روسيا وإيران و»حزب الله» والميليشيات المذهبية والجهادية على اختلاف عقائدها وأجنداتها… في ذلك كله ثمة منطق صارم يربط البدايات بالمآلات، التي سوف تفضي إلى النهايات.
وفي أحدث هذه المآلات ما نقلته صحيفة «الأخبار» اللبنانية، الموالية للنظام السوري، من أنّ القيادة القطرية لحزب البعث أصدرت مؤخراً «قراراً حلت بموجبه وبشكل نهائي القيادة القومية للحزب»؛ وجاء ذلك «نتيجة عاملين أساسيين، الأول ضعف نشاط القيادة القومية وغيابها عن ساحة العمل الحزبي لعقود طويلة، والثاني تنفيذ مضمون قانون تأسيس الأحزاب السياسية الذي يحظر على الأحزاب المؤسّسة في سوريا افتتاح فروع خارجية لها»، كما قالت الصحيفة. ولعلّ فضيلة هذا الإجراء، حتى إذا لم تدر في خلد القيادة القطرية، تكمن في تطبيق مبدأ أخلاقي يقول بأنّ إكرام الميت دفنه: هذه القيادة القومية تحولت إلى جثة هامدة منذ رحيل حافظ الأسد، آخر أمين عامّ قومي في الجناح السوري لحزب البعث؛ وكانت، قبلئذ، قد دخلت في طور احتضار منهجي بطيء، منذ اختتام أعمال مؤتمرها القومي الثالث عشر، صيف 1980.
طريف، إلى ذلك، أنّ الهيئة الأدنى (القطرية) هي التي تلجأ إلى حلّ الهيئة الأعلى (القومية)؛ خاصة إذا استعاد المرء ما تقوله أدبيات الحزب عن المؤتمر القومي (والأخطاء اللغوية في الأصل البعثي): «هو أعلى سلطة في الحزب، ويمثل تنظيمات الحزب القومية في الأقطار العربية كافة، ويتكون من أعضاء القيادة القومية الأصلاء والاحتياط، وأعضاء القيادات القطرية وممثلي الأقطار المتممين المنتخبين من بين أعضاء المؤتمرات القطرية وممثلي المنظمات القومية، إضافة لأعضاء المحكمة الحزبية». هذا في الجانب التنظيمي، الذي يتوازى مع دور المؤتمر في صناعة «فكر» الحزب: «تقوم المؤتمرات القومية بإغناء عقيدة الحزب وفكره، حيث ترسم المناهج والسياسات وتتخذ القرارات والتوصيات المتعلقة في المجالات الثقافية والتنظيمية والسياسية والاقتصادية إضافة لتطوير القاعدة التنظيمية للحزب بما يتناسب مع كل مرحلة»!
لا حاجة، هكذا، إلى المساجلة حول مقدار الانحطاط الذي هبط إليه هذا الحزب، ليس بدلالة ما آلت إليه قيادته القومية هذه، وبالتالي اندثار شعاره القومي الشهير: «أمّة عربية واحدة/ ذات رسالة خالدة»، فحسب؛ بل بدلالة الموقع الراهن لقيادته القطرية ذاتها، والسيرورة الثابتة التي أدّت إلى ابتذالها وتفكيكها واهترائها، على يد الأسد الأب منذ فجر ما يُسمّى «الحركة التصحيحة». ففي أيّام «المجموعة القومية»، أي ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأمين الحافظ؛ كما في أيّام «المجموعة القطرية»، أي صلاح جديد وحافظ الأسد ويوسف زعين وإبراهيم ماخوس؛ ـساد اليقين بأن التنسيب الواسع للأعضاء الجدد سوف يؤذي جسم الحزب، ويتسبب في تمييع خطه السياسي وتركيبه الطبقي. ولهذا كان التركيز شديداً على ما عُرف آنذاك بـ»المنبت الطبقي» للمرشح، وجرى تفضيل أبناء الطبقات الكادحة على أبناء الأغنياء من الإقطاعيين والبرجوازيين.
تصحيح الأسد الأب تمثّل في فتح باب الحزب على مصراعيه أمام المنتسبين الجدد أيّاً كان منبتهم الطبقي، بل وجعل الانتساب إلى الحزب أمراً لا غنى عنه من أجل ضمان القبول في المعاهد والجامعات، وضمان الحصول على الوظيفة. وكان الغرض المضمر هو بالضبط ما سعى «القوميون» و»القطريون» إلى تفاديه: تضييع الخطّ السياسي، وتمييع التركيب الطبقي. وبالفعل، لم يمضِ وقت طويل حتى انقلب الحزب إلى مؤسسة انتهازية نفعية خاضعة للأجهزة الأمنية، وسرعان ما انخرط أعضاؤه في تعامل مباشر أو غير مباشر مع مختلف فروع الاستخبارات، وأخذوا يعتبرون كتابة التقارير الأمنية واجباً تنظيمياً، فدانوا بالطاعة إلى رئيس فرع المخابرات أكثر بكثير من طاعتهم لأمين فرع الحزب.
وليس عجيباً، في المحصلة الراهنة، أنّ الدراما التي صالحت فيخته مع نيتشه في سنوات التأسيس؛ تخلي اليوم مكانها لتقاسم وظيفي بين ولاية الفقيه علي خامنئي، ومافيا القيصر فلاديمير بوتين، وبينهما، أيضاً… «عصائب الحقّ»!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

إيران والغرب: ألعوبة النووي

صبحي حديدي

 

يسود لدى مراقبي الشأن الإيراني، بعد سريان مفعول الاتفاق النووي مع مجموعة الـ5+1، افتراض منطقي المنطلق؛ مفاده أنّ الرئيس الإيراني حسن روحاني ـ بوصفه شاغل الوظيفة الأرفع في صفّ الذرائعيين داخل هرم السلطة الإيرانية ـ سوف يجد يديه طليقتين، نسبياً على الأقلّ، في الذهاب أبعد، وتحسين علاقات طهران مع الغرب عموماً، أو على الأقلّ في الميادين التي يمكن لطهران أن تقايض فيها ملفاً بملفّ، على وتيرة ما تفعل كلّ مقاربة ذرائعية، وفي الغرب وأمريكا أولاً، حيث مسقط رأس الفلسفة الذرائعية.
ليس تماماً، يردّ آخرون من أهل الاختصاص ذاته؛ فالقول الفصل، قبل الاتفاق النووي وبعده، يبقى منعقداً للمرشد الأعلى، علي خامنئي، وأطقم العمل المتعددة المرتبطة بمكتبه مباشرة، ذات الأذرع الضاربة في أجهزة الاستخبارات والحرس الثوري والجيش ومجمّع تشخيص مصلحة النظام… وليس من السهل، كما لا يجوز الإفراط في التفاؤل، حول استعداد خامنئي للاعتدال، أو حتى التراخي، حول أدوار إيران في ملفات إقليمية كبرى، مثل سوريا والعراق واليمن، ثمّ السعودية والبحرين راهناً، وتجييش الجمهور الشيعي لأغراض سياسية وأمنية في المنطقة بأسرها.
هذه المعادلة لن تلغي، أغلب الظنّ، اشتداد ديناميكية التنافس ـ لكي يتجنب المرء المفردة الأصعب: التصارع ـ بين المحافظين والذرائعيين، ليس بصدد الملفات الإقليمية، على أهميتها البالغة، وانعكاساتها المباشرة في المشهد الداخلي الإيراني، فحسب؛ بل، أولاً، حول سلسلة من الاستحقاقات الاقتصادية والمعاشية الناجمة، في قسط كبير منها، عن العقوبات الغربية التي ارتبطت بالبرنامج النووي؛ وكذلك، استطراداً، حول سلسلة أخرى من الإصلاحات السياسية والاجتماعية والحريات العامة، خاصة على أبواب الانتخابات البرلمانية التي ينتظرها البلد أواخر شباط (فبراير) القادم. ولن يكون مستغرباً أن يلجأ خامنئي إلى إقامة محاصصة من نوع ما، بين الفريقين، روحاني والحكومة من جهة، ومختلف مجموعات التشدد التابعة لمكتبه من جهة ثانية؛ بحيث يتولى محمد جواد ظريف، وزير الخارجية، على سبيل المثال، تخفيف أجواء الاحتقان مع السعودية، وترطيب المناخات مع تركيا، والانفتاح أكثر على الولايات المتحدة والغرب، وتحسين صورة الجمهورية الإسلامية إجمالاً؛ وفي المقابل، يواصل الجنرال قاسم سليماني، على سبيل المثال الموازي، مهامه التسخينية والتجييشية في سوريا ولبنان والعراق واليمن، ثمّ السعودية والبحرين أيضاً… لِمَ لا!
على الجانب الآخر، الولايات المتحدة بادىء ذي بدء، سوف يتضح سريعاً أنّ البرنامج النووي الإيراني لم يكن سوى ألعوبة السطح، رغم الأهمية الفائقة لسردية امتلاك القنبلة الذرية بالطبع؛ وأنّ ما خفي على الدوام، في ملفّ العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية منذ ثورة 1978، سيظلّ يخفي المزيد من القضايا الشائكة، العالقة، المحرّضة على التأزم بدل الحلحلة. والكاتب الأمريكي ماكس فيشر لا يتردد في الجزم بأنّ هذه العلاقات ستظلّ رهينة صراعات مزمنة بين ثلاثة محاور/ ستّ مواجهات، تحكم السياسة الخارجية الأمريكية: محور الذرائعيين، مقابل دعاة الهيمنة؛ والدبلوماسيين، أمام العسكر؛ ومشجّعي إصلاح الشرق الأوسط، في وجه المطالبين بالإبقاء على الأوضاع القائمة.
وإذا جاز القول إنّ إسرائيل، في ظلّ حكومة بنيامين نتنياهو الراهنة تحديداً، سوف تمضي قدماً في استغلال الاتفاق النووي بين الـ5+1 وإيران، من حيث المطالبة بمزيد من المساعدات الاقتصادية والعسكرية، خاصة من واشنطن؛ فإنّ المرجح، أيضاً، أن تواصل الضغط من أجل تحجيم إيران ما أمكن، في مستوى برامج التسلّح الأخرى غير النووية. وليست العقوبات الأمريكية الأخيرة بصدد برامج طهران في تطوير الأسلحة الصاروخية، سوى المؤشر المبكر على أنّ الألعوبة في اشتداد، وليست في ارتخاء؛ ما دامت الهواجس الفعلية أبعد بكثير من محض برنامج نووي، نُزعت منه تسعة أعشار الأسنان!

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

 

فيلسوف الرأسمالية:

ليس في طبع الليالي الأمان!

صبحي حديدي

 

خلال الأشهر القليلة الماضية، وليس بالضرورة تحت ضغط موجة الإرهاب التي شهدتها العاصمة باريس في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي؛ غزت مكتبات فرنسا سلسلة من المؤلفات التي تتناول شتى ضروب الإرهاب، الشائع المشترك فيها ثلاثة عناصر: العرب، ثمّ الإسلام، ثمّ الخلطة (الاستشراقية، بالضرورة هنا!) الناجمة عن اجتماعهما (وهذه لا تتمّ إلا بالضرورة، حكماً!). المحتوى، من حيث القيمة، معمّق ورصين، تارة؛ أو على ضحالة وخفّة وتسطيح طوراً؛ أو يتوسل تقديم وجبة سريعة فقيرة العناصر، جذابة المظهر، غالباً.
نقرأ في بعض العناوين، على سبيل الأمثلة فقط، جيل كيبيل: «هوى عربي»، عن مذكرات المؤلف منذ انطلاق «الربيع العربي»؛ كورالي موللر: «تحقيق حول الدولة الإسلامية»، والمقصود تنظيم «داعش» بالطبع؛ دافيد بينيشو، فرهاد خسروخفار، وفيليب ميغو: «الجهادية: فهمها من أجل حُسن محاربتها»، ولا حاجة لمزيد من التعريف؛ بيير ـ جان لويزار: «داعش الفخّ: الدولة الإسلامية أو عودة التاريخ»، ليس أقلّ؛ مارك تريفيديك: «الإرهابيون: الأعمدة السبعة لاضطراب الصواب»، والمؤلف قاضٍ يقترح علينا التوغل في دواخل الجهاديين الأفراد؛ وأخيراً، وليس آخراً، إريك فوتورينو (مشرفاً على مجموعة مؤلفين، بينهم إدغار موران، الطاهر بن جلون، أوليفييه روا، ريجيس دوبريه، هنري لورانس، جيل كيبيل، جيرار شالان، روبير سوليه…): «من هي داعش؟ فهم الإرهاب الجديد»…
بيد أنّ الكتاب الأطرف، رغم أنه لا يقارب الإرهاب أو «داعش» مباشرة، هو «هل يمكن استبصار المُقْبِل؟»، بتوقيع جاك أتالي؛ الذي عمل مستشاراً وكاتم أسرار في حاشية الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتيران، فوقف على الكثير من خفايا السياسة الدولية خصوصاً في طور انهيار المعسكر الاشتراكي وحرب الخليج الثانية. كذلك فإنّ أتالي، ثانياً، اقتصادي بارز، شغل منصب المدير العام لأوّل بنك أوروبي موحّد، وُضع تحت تصرّف وإدارة الاتحاد الأوروبي. وهو، ثالثاً، مفكر سياسي يهودي الديانة، يراقب العالم بذلك النوع الحصيف والمرتاب والمتنبّه إلى نُذُر الكارثة. وقبل أسابيع، كان أتالي قد استبق كتابه هذا بإعادة تنقيح وتطوير عمل سابق هو «المُقْبِل: تاريخ وجيز»، صدر سنة 2006، وتناول السنوات الخمسين الآتية كما في وسعه أن يتخيّلها.
طريف، أيضاً، أنّ الصفحة الأولى من كتابه «هل يمكن استبصار المُقْبِل؟» تقتبس واحدة من أشهر رباعيات عمر الخيام؛ أي تلك التي تقول، في ترجمة أحمد رامي: «لا تشغل البال بماضي الزمان/ ولا بآت العيش قبل الأوان/ واغنم من الحـاضر لذّاته/ فلـيس في طبع الليالي الأمان». وتأسيساً على هذا، فإنّ فصول الكتاب الأربعة تساجل حول القدرة على، أو العجز عن، استبصار الآتي: التكهن بأقدار السماء هو سلطة الآلهة، والسيطرة على الزمن هي سلطة البشر، كما في اختصار الفصلين الأول والثاني. أمّا السيطرة على المصادفة والتصادف، فإنها سلطة الآلة المعاصرة، موضوع الفصل الثالث؛ وتبقى إمكانية الآدمي في استكناه المُقْبِل، والفصل الرابع يتكفل بتقديم سلسلة مقترحات أتالي حول امتلاك هذه االقدرة.
منطلقاته الأولى بسيطة في الواقع، أو هو يسعى إلى تبسيطها عامداً: كلّ المنجزات الكبرى للإنسانية تمّت ضمن سياقات التفكير بالمُقْبِل والأجيال الآتية، سواء في أعمال الفنّ أو البنى التحتية أو أنظمة التعليم والصحة؛ ولكننا إذْ نتناسى الماضي، في عصرنا الحاضر، فإننا في الآن ذاته لا نعتني كثيراً بالمُقْبِل، يشدد أتالي، وهذا يعني طغيان الأنانية المعممة، واستهلاك الحاضر. واللافت هنا أنه ينسب صعود اليمين المتطرف إلى هذه الميول تحديداً، فضلاً عن مشكلة كامنة في قلب أيّ نظام ديمقراطي، أي تقييد حرية الاختيار الفردي، التي لن تعلو على حرية الاختيار الجماعي.
وهو إذْ يشدد على المُقْبل تحديداً، وليس المستَقْبَل، فلأنّ الأوّل يستلزم بناء ديمقراطية خاصة به تمكّن الفرد من التحكّم بالآتي من زمانه، في مواجهة دكتاتورية من طراز خاصّ، قد يتصف بها المُقْبل؛ وتلك سمة معاصرة، اقترنت بالوجود الإنساني المعاصر، والآلة والتكنولوجيا والمعلوماتية في قلب معادلاته؛ على نقيض مجتمعات مصر وبلاد النهرين واليونان، حيث الآلهة هي التي تتحكم بالمصائر؛ أو الأديان التوحيدية، التي تبدّل الصيغة قليلاً فتمنح الإنسان فرصة اختيار الخير ونبذ الشرّ. وأتالي يقترح منهجاً في استبصار المُقْبل، ينهض على خمس دراسات: استرجاعية (معرفة المتغيرات)؛ حيوية (استخلاص تشخيص ملائم)؛ بيئية (تمحيص ما تمنحه بيئة المرء من معطيات)؛ وجدانية (دراسة مواقف النطاق البشري المحيط)؛ وإسقاطية (إحصاء الحوادث المُقْبلة).
لكنّ خلاصات هذا الكتاب الجديد تبدو مدهشة، خصوصاً، إذْ تأتي من أتالي نفسه؛ الذي رأى قبل سنوات قليلة فقط أنّ السمة الجوهرية السائدة اليوم هي «انهيار»
Crash الحضارة الغربية، وليس «صراع» Clash هذه الحضارة مع سواها، غامزاً بذلك من قناة صمويل هتنغتون حول صراع الحضارات. وإذْ جادل بأنّ الحضارة الغربية موشكة على الانهيار، فإنه كتب بالحرف: «بالرغم من القناعة السائدة القائلة بأنّ اقتصاد السوق اتحد مع الديمقراطية لتشكيل آلة جبارة تساند وتُطوّر التقدّم الإنساني، فإنّ هاتين القيمتين عاجزتان عن ضمان بقاء أية حضارة إنسانية. إنهما حافلتان بالتناقضات ونقاط الضعف. وإذا لم يسارع الغرب، ثمّ الولايات المتحدة بوصفها قائدة الغرب المعيّنة بقرار ذاتي، إلى الاعتراف بنقائص وأزمات اقتصاد السوق والديمقراطية، فإنّ الحضارة الغربية سوف تأخذ في الانحلال التدريجي، ولسوف تدمّر نفسها بنفسها».
كذلك أشار أتالي إلى أنّ الشقوق والصدوع أخذت اليوم تظهر هنا وهناك على سطح الحضارة الغربية، وأنّ تنفيذ أبسط صورة بأشعة
X سوف يكشف مظاهر الاعتلال العميق في الجسد ذاته، وليس على جلده وقشرته الخارجية فقط، وسوف يحدّد بوضوح صارخ «خطر الفناء» الوشيك الذي تراكمه مظاهر الاعتلال تلك. ولقد بدأ بتحديد ثلاثة تناقضات مستعصية، غير قابلة للتصالح، تمنع حدوث الزواج الناجح بين اقتصاد السوق والديمقراطية: الأوّل هو أنّ المبادىء الناظمة لاقتصاد السوق والديمقراطية لا يمكن تطبيقها في معظم مجتمعات الغرب (ونضرب نحن مثالين: فرنسا الرأسمالية العريقة، حيث المكاسب الاجتماعية، وحال النقابات والجمعيات السياسية، وميراث الثورة الفرنسية تعيق انطلاق اقتصاد السوق إلى ما يحتاجه أحياناً من وحشية قصوى عمياء؛ وتشيكيا الرأسمالية الوليدة كمثال ثان حديث العهد، لأسباب تخصّ مركزية اقتصاد الدولة القديم مقابل هشاشة اقتصاد السوق الوليد). التناقض الثاني هو أنّ هاتين القيمتين، السوق والديمقراطية، تدخلان غالباً في حال تصارع بدل التحالف، وتسيران وجهاً لوجه بدل السير يداً بيد. والتناقض الثالث هو أنهما حملتا على الدوام بذور تدمير الذات، لا لشيء إلا لأنّ ديمقراطية السوق كفيلة بخلق «دكتاتورية السوق»، بوصفها عنوان حروب التبادل بين ديمقراطية صناعية كبيرة وأخرى أكبر وثالثة تعدّ نفسها الأكبر.
ويبقى أنّ أتالي كان قد ودّع العام 2010 بكتاب عنوانه أقرب إلى بيان نعي: «هل سينهار كلّ شيء خلال عشر سنوات؟». الطبعة الأولى بلغت 70 ألف نسخة، ليس لأسباب تخصّ علوّ كعب المؤلف في الاقتصاد السياسي، بل لأنّ توقيت النشر كان يتناغم مع حال الرعب العامة إزاء العواصف التي اجتاحت الاقتصادات الغربية، في المصارف والبورصات، كما في خزائن الدول وديونها العامة. وفي كلّ حال، لم يسبق أن عُثر في مؤلفات فيلسوف الرأسمالية المستقبلي هذا، على أيّ مُقْبِل ملموس يشير إلى «داعش»؛ هذه التي غزت أمن فرنسا مثل مكتباتها فرنسا، وأثبتت أنْ ليس في طبع الليالي الأمان!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي

(القدس العربي)

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا