الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

المقامات اللندنية

مقامة الغضب

حدثنا أبو الكاشف ابن لندن الخبير العارف، أنه كان يجلس مع ضيوفه يتحدثون، يختلفون أحيانا ويتفقون، وقد تعلو أصواتهم فيتصايحون، فالأحاديث – كما يقولون – ذات شجون. خاضوا في العديد من الموضوعات، وتنقلوا في أحاديثهم بين خذ وهات، موضوعات اجتماعية محلية، وأخرى دولية عالمية، حتى وصلوا إلى العقيدة والدين، الموضوع الذي يعتبر الجميعُ أنفسَهم فيه علماءَ ومفتين، خاصة أن بين ظهرانينا اليوم أخبار الإساءة إلى النبي والإسلام والمسلمين، والاعتداء على الرسول الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى أصحابه أجمعين.

كان الكل مُجمِعا على قبح هذه الظاهرة، لأنها أسلوب الضعيف في التصدي للحق وإقامة الحجة بالمحاورة. أسلوب الخائفين من تعاليم الإسلام وعدالته، أسلوب العاجزين عن التصدي لمخاصمته، هو دين الفطرة، فطوبى لمن اصطفاه وتنسم عطرَه. لا شك أن للإسلام أعداء، لأنه عدو كل داء، فالربا داء والإسلام يحاربه، والعداء يناصبه، ويتوعد من يصاحبه، والحياة المادية قائمة عليه فلا بد أن يوجد من يحاربه ويغالبه. هذا على الجانب الاقتصادي، فقس عليه الجانب الاجتماعي والثقافي. وفوق ذلك هو أسرع فكر في الانتشار، لما فيه من حب وفطرة وتسامح وتعقل تؤهله للانتصار.

وهكذا كان لا بد من محاربة الإسلام ومقاطعته، والدعوة إلى تشويه سمعته، والادعاء والتشهير بعنفه وقسوته، تارة بالادعاء بنظرته الظالمة نحو المرأة، وخوضهم بالموضوع ينم عن جهل وتسرع وجرأة، ويثيرون حول الإسلام والمسلمين الزوبعة، وهم لا يعرفون من الإسلام إلا خرافة زواج الأربعة. جهل مطبق، ومستقبل مقلق.

وأخيرا تفننوا في أساليب التشويه، واستعانوا بعلم التكنولوجيا الذي فيه ما فيه. رسوم كرتونية، أفلام سينمائية، محطات فضائية، كتب مقروءة ومسموعة ومرئية، وروايات سخيفة شرقية وغربية، ومحاضرون سماتهم موت الضمير وسوء الطوية. كل ذلك لإثبات أن الإسلام عدو لقيمهم الحضارية. وللأسف ساعدهم المسلمون على تحقيق الغرض، وأظهروا لهم ما فيهم من مرض. فردوا عليهم بالعنف الذي وصفوه، وأيدوهم بالدم الذي أسالوه، وبالدمار الذي أحدثوه، دون أن يفكروا أنهم عمرانهم يحرقون، ودماء أبنائهم يسفكون.

وانتبه الحاضرون بعد قليل إلى أن عبد المذل الكاتب، الذي تعرفون الآن حياته من كل الجوانب، لم يكن بينهم فرَجَوْا حضوره، ليسمعوا رأيه ويروا تقريره، وما أن جاء ذكره، حتى كان بينهم وانجلى أمره، فقد كان يتابع ما يجري حول موضوع نقاشهم، ويضع ما يثري حوارهم وينفع حياتهم ومعاشهم. فقال لهم:

أعتقد أن المسلمين قد وقعوا في شَرَك، وعلقوا دون وعي في الشبك. ألم يعلموا أن هؤلاء يريدون أن ينشروا بين البشر، أن الإسلام لا ينفع ولا يناسب هذا العصر، وليس وراءه إلا عنف وقهر؟ هم يريدون أن تدوم سيطرة القوي الكبير على الضعيف الصغير، وسيطرة الغني على الفقير، وينتصر أصحاب الرذائل، على أتباع الفضائل، وهم يعلمون أن اتباع تعاليم الإسلام هو الحائل. ولذا كان عليهم بحسب هذا القياس، أن يقنعوا العالم بعدم صلاحيته للناس.

نسي المسلمون أن جميع الرسل تعرضوا للإساءة. أمضوا في دعوة أقوامهم كل حياتهم، ورفضت جميع دعواتهم، وكم أحسوا بشديد الألم، وهم يُرفضون من الأمم. وكم اشتكى نوح من قومه الذين صرف معهم مئات السنين، يدعوهم لاتباع دعوته، حتى لم يعد يجد من يصغي لصوته، فدعا ربه أن يعطيه منه مددا، ولا يبقي من الكافرين أحدا. ويعرف المسلمون ما عانى باقي الأنبياء، ومحمد ليس بينهم استثناء.

لقد آذاه قومه بألسنتهم فقالوا فيه أسوأ الكلمات، ساحر كذاب كاهن مجنون وغيرها من الاتهامات، كلمات واجهها كل الرسل وغيرها من الإهانات. فكيف كان رده ورد أصحابه على هذه الترهات؟ نرى من التاريخ أنهم لم يحتجوا ويخرجوا إلى الطرقات، مسلحين بالشتائم والسباب وعالي الأصوات، كانوا قول الله يفهمون: "واصبر على ما يقولون". واستعماله للفعل المضارع  "يقولون"، يدل على تكرار ذلك كلما مرت الأيام والسنون. ولقد أخبرنا الله ونعرفه قديرا، "ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا". فكيف يكون الرد على هذه الشرور؟ "ولئن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور". وذلك ليس عن ضعف وخوَر، بل هو درس في الحب لكل البشر، والدليل أنه في موقف القوة قال للأعداء، "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

ولكن لا بأس أن يكون الرد عمليا، مؤثرا لاذعا وسلميا. لا يستهينن أحد بالمقاطعة عقابا، فإن ذلك يزيد المجرمين حزنا وغما وعذابا. ماذا يضير مليار ونصف مسلم إذا لم يأكلوا من إنتاج الدولة الفلانية؟ وماذا يضيرهم إذا لم يركبوا سيارة تصنع في الدولة العلانية؟ غالبية شعوبهم، لا تهتم إلا بملء بطونهم، واهتمامهم بمشاعر الآخرين هو آخر ما يعنيهم، وشعارالكثير منهم أن تعض قلبه ولا تعض رغيفه، وذلك ما يمنع الأراذل عن المسالك السخيفة.

ليحوّل الغاضبون ذلك الغضب، إلى مواقف إيجابية وبكل أدب، فذلك يصيب الهدف ويحقق الأرب.

 

المظلومة

حدثنا أبو الكاشف، ابن لندن الخبير العارف أن أخاه وصديقة عبد المذلّ، قد حضر لمجلسه وأطلّ، وكان يبدو في عينيه الغم، وعلى جسده الحزن والهم. هو على غير عادته صامت، ولونه كئيب باهت، فظننا فيه سقما، ورجونا أن يبعد الله عنه الألما. تطلع كل منا إلى الآخرين، لعل بيننا من يعرف شيئا عن هذا الحزين!! لكن ذلك لم يجد نفعا، ولم نستطع لفضولنا دفعا. فقلت والقلق بادٍ عليّ، يا عبد المذل انتبه إليّ. فينا قلق مما نشاهد على محياك، فهل تشركنا فيما يجري وما الذي أهمك واعتراك؟ رفع رأسه، وأقسم إني رأيت الدموع في عينيه، وقد سالتْ جارية على وجنتيه. زادنا ذلك قلقا، وزادني أنا شخصيا غضبا حنقا. كيف يكون في عبد المذلّ كل هذا الضيق، ويخفيه عن أعز وأخلص صديق؟ اقتربت منه مادا يديّ نحوه واحتضنته، واغرورقت عيناي بالدموع حين أطلقته، ماذا بك يا أخي بالله عليك؟ يكفي ما تركت فينا من قلق، فما عهدنا فيك إلا السرور والمرح والأنق. ومثلك لا يستسلم لضعف، ولا يهمه غليظ أو جلف.

رفع رأسه وقد هدأ قليلا وقال: لو كان الأمر فيّ وحدي لهان الخطب، واستسلمت لما فيه من شدّ وجذب، لكنه يا إخوتي مصاب، لا ينفع معه لوم ولا عتاب. اليوم هو الثامن عشر من شهر ديسمبر كانون الأول، فهل يعني لكم شيئا يا أهل الأبسط والأسهل؟ اليوم الذي تحتفل فيه الأمم المتحدة بأمكم، التي نسيتموها وكأنها لا تهمكم!! مشكورة هي عندما تفعل ذلك، وملعون من يهملها منا فلا يهتم ولا يشارك. اليوم أحزنني أني تذكرتها وهي تنعي نفسها، مؤنبة أبناءها الذين نسوا روعتها وأنسها، أهملها الكثير من أبنائها العلماء، وسخر من أتباعها فنانون بلهاء، صار كتابها كثيري الأخطاء، ينثرون كلامهم فلا نحو ولا إملاء، بل إن من المتحدثين بها من يفضل هجرها إلى العجمة، لأن بين السامعين فردا لا يعرف منها كلمة. ومن أطرف ما رأيت، إني حضرت لقاء فيه خمسون شخصا، ويسأل المتحدث: هل هناك من لا يعرف لغة العرب، فكان في الجمع واحد رفع يده بكل أدب، فكان رأي المتحدث أن يتحدث باللغة التي يفهمها هذا الغريب، فلم يكن لكثير من الحاضرين في فهمه نصيب.

فقيدتنا يا إخوتي أمنا اللغة العربية، اللغة المظلومة، الجريحة المكلومة، التي هجرها أبناؤها فغدت غريبة، رغم ما لها من مزايا حبيبة، وقدرات خارقة عجيبة، حتى إن رب العزة اختارها لتحمل رسالته، وجعلها ركنا نؤدي بها عبادته. اهناك تكريم ارفع من هذا التكريم، فليتعظ ما كان ذا قلب واع وعقل سليم.

أنا أبكي كلما قرأت كيف نعَتْ نفسها وأرسلت النعي مع شاعرها العظيم، ابن مصر وابنها حافظ إبراهيم، يوم دافعت عن نفسها واتهمت أبناءها بالتقصير، وذكّرتهم بما لها من قدرة على العلم والبناء والتعمير. بعض الأساتذة الأجِلاء، والمفكرين الأكْفاء، والإعلاميين النشطاء، تكثر في كتاباتهم وأحاديثهم الأخطاء، وكلنا نقع أحيانا في خطأ هنا أو هناك، لكن العبرة ألا يكون ذلك عن جهل، وأن نبحث عن باب للمعرفة ينير العقل. كم أنا فخور بذلك الأخ الذي يكتب لي كلما عرضت له مسألة لغوية، رغم أن له باعا في الأمور الفقهية والدينية، والعلوم الدنيوية، لكن فيه سمات العظماء، وتواضع العلماء.

إقرأوا معي ما نعَتْ به نفسها اللغة المظلومة على لسان الشاعر الكبير، لعل ذلك يطلق فينا حبها الأسير:

رجعـتُ لنـفـسي فـاتـهـمــتُ حـصاتي                 وناديـتُ قـومي فاحـتسـبتُ حـياتي
رمَـوْني بعـقـم فـي الشـبـابِ ولـيـتـني                 عـقِـمـتُ فـلـم أجـزعْ لـقولِ عـداتي
ولــدتُ فـلــمـا لــم أجــدْ لـعَــرائـسـي                 رجــالاً وأكـــفــاءً وأدتُ بــنـــاتـي
وسِـعْــتُ كـتــابَ اللهِ لـفـظــاً وغــايـة                ومـا ضِـقْـت عـن آيٍ بـهِ وعِظـاتِ
فكيـف أضيـقُ اليومَ عـن وَصْـفِ آلـةٍ                وتـنـسـيـقِ أسْــمـاءٍ لـمُـخـتـرَعات؟
أنـا الـبحـرُ في أحـشـائـهِ الـدرُّ كـامـن                فهلْ ساءَلوا الغوّاصَ عن صَدَفاتي؟
فـيـا ويحَـكُـم أبْـلَى وتـبـلَى مَحـاسِــني                ومـنـكـمْ وإنْ عـزَّ الــدواءُ أســاتـي
أيُطرِبُكـمْ مِـن جانـبِ الـغـربِ نـاعـبٌ                يـنادي بِـوَأدي فـي ربـيـعِ حـيـاتي؟
سـقـى اللهُ فـي بَطـنِ الجـزيـرةِ أعْظُمًاً                يَــعِــزُّ عــلـيْـهــا أن تَـلـيـنَ قَـنــاتي
حفِـظـنَ ودادي في البـِـلى وحـفِـظـتـُهُ                 لـهُــنّ بــقــلــبٍ دائــمِ الـحـسَــراتِ
وفاخرْتُ أهلَ الغربِ والشرقِ مُطرِقا                حـياءً  بـتِـلـك الأعْـظُـم النخِـــراتِ
أرى كـلَّ يـومٍ فـي الـجــرائـدِ مَـزلـقـًاً                 مــنَ الـقـبْـرِ يُـدنـيـني بـغـيْـرِ أنــاةِ!
وأسـمـعُ لـلـكـتّاب فـي مِـصْـرَ ضجّـةً                فـأعـلــمُ أنّ الـصائـحـيــنَ نُـعـاتـي!
أيَـهْـجُــرُني قـوْمـي عــفـا اللهُ عـنـهــمُ                إلــى لـغــةٍ لــمْ تــتـَّـصِــلْ بــرُواةِ؟
سَـرَتْ لـوثـةُ الإفـرنجِ فيها كما سَـرَى               لـُعـابُ الافـاعـي في مَسـيـلِ فُـراتِ
فجـاءتْ كــثـوْبٍ ضمَّ سـبـعـيـن رقعـةً               مُــشــكّــلــةَ الالــوانِ مُــخــتــلِفـاتِ
الى مـعـشـرِ الكـتّـابِ والجـمـعُ حـافـلٌ                بـسطـتُ رجـائي بعـدَ بسْـطِ شَكاتي
فـإمّـا حـيـاةٌ تـبعـثُ الـميْـتَ في الـبِـلَى                وتُـنـبِـتُ في تلـك الـرُّمـوسِ رُفـاتي
وإمّـــا مَــمَــاتٌ لا قِـــيــامـــة بــعــدَهُ                 مـمـاتٌ لـعَـمْـري لـمْ يُـقَـسْ بمَمـات

 

 

وانهمر المطـر ، مـن ممـلـكة البـحـريـن وقـطــر

حدثنا أبو الكاشف، ابنُ لندنَ الخبيرُ العارف، مواطن لندن المخضرم، والصديق الأمين المحترم، أنه في الشهر الذي انصرم، كانت لأخيه عبد المذل أكثرُ الجلساتِ طرافه، وأفضلها حفة ظل وظرافه. والطرافة تكون جادة أحيانا وأحيانا سخافه، لا يسبر معناها خبير سحر ولا عرافه، ولا يملك امرؤ حيالها إلا الاستمتاع بجدها وللسخافة الهجر والعيافة. قال وقد زانت الحديثَ نكاتُه، ضاحكا حتى بدتْ من حلقه لهاتُه، وليست غريبة علينا عاداتُه:

كنا جلوسا كالعادة، ليس بيننا أحد من مدعي القياده، ولا بيننا من يتيه علينا بسلطة أو سياده، ولا من يفخر علينا بكثير تقوى وورع وعباده. كلنا من القوم البسطاء، لا تكبّر ولا عنجهية ولا خيلاء، كلنا أبسط من البساطة، ونكره التخلف وانحطاطه. تدور بيننا مختلف الأحاديث، وليس بينها حديث مغلف أو خبيث. قلوب طيبة طاهرة، ونوايا مكشوفة ظاهرة. إذ كلنا من مدينة واحدة، من لندن المدينة الصامدة، في وجه كل شخصية مقيتة حاقدة، منكرة لفضل العاملين وجاحدة.

وإذ نحن على هذه الحالة، بين ضحكة بريئة أو سرد قصة أو مقالة، إذ أطل علينا من البعيد شخص غريب، غيرُ مألوف لدينا وغيرُ قريب. صعُبَ علينا تمييزه من تلك المسافة، خاصة أننا لأول مرة نرى هذا اللباسَ وتلك القيافة. كان يسير نحونا متمهلا، وتبدي خطواتُه تثاقلا،  ونرى في مشيته خمولا وتكاسلا. صوّبْنا جميعنا نحوه الأبصار، حتى صار بيننا وقال: السلام عليكم يا أهل الدار. وجلس على أقرب مقعد، بل أرخى جسده إلى الوراء ومد رجليه وتمدّد. ونحن ننظر إليه مشدوهين، ولتصرفه الغريب منكرين.

كان يرتدي ما يعرف عند الأعراب بالدشداشة، ولا تبدو على وجهه بشاشة، ولمْ يَلُحْ على وجوهنا للقائه ارتياح أو هشاشة. ويلبس في رجليه خُفّا من قصاصات جلدية، تخرج منه أصابعه واضحة جلية، يبدو ممزقا وغير قابل للترقيع، ولم أر من لندن ساعتها إلا البرد والصقيع. له لحية صغيرة على مقدمة ذقنه، تزيد من هيبته وحسنه. كان يغطي رأسه بما يسميها الفلسطينيون (حَطّة) أو (كوفيّة) ويسميها الخليجيون (غطرة)، وفوقها دائرة سوداء مجدولة يسميها الأعراب (العقال). وعلى عينيه نظارات سوداء تخفي وراءها ألفَ سؤال وسؤال!!

كانت كل العيون مصوّبة نحو هذا الضيف، الذي هبط علينا دون معرفة أو خجل أو وجل أو خوف، وجلس بيننا مسترخيا دون استئذان، وكأنه هو صاحبُ هذا المجلس ومديرُ هذا المكان. ولم يكن بإمكاننا الاعتراض على وجوده، ولا على قيامه أو قعوده. كل ما فعلناه أننا أمسكنا عن الكلام، بانتظار معرفة هذا القادم الهُمام، والكشف عن هويتِه، لمعرفة الغرض من تطفلِه أو زيارتِه.

افتتحتُ الحديث معه مرحّبا، قائلا: أهلا وسهلا ومَرْحبا. فلم يزد على أن أومأ برأسه ردا على التحية والترحيب، واعتدل في جلسته ثم وقف بيننا كالخطيب، وقال بصوت خافت لا يكاد يسمع،  يا قوم، لقد عرفت اليوم ما يفعل اللباس، وكيف يغيّر شكل البشر ويتنكر به الناس. هل صحيح أنكم لم تعرفوني، أو قصدتم أن تتجاهلوني؟ أغيب أياما عن هذه الحاره، وأعود إليكم بدشداشة ولحية ونظاره، فتنسدل على أبصاركم غشاوة وستاره؟ أبهذه الطريقة ينكر الأخ أخاه والجارُ جارَه؟ ومد يده إلى رأسه وخلغ الحطة والعقال، ثم خلع النظارة وقال: أنا عبد المذل الكاتب، الصديق المخلص لكم والصاحب.

ضج جميع الحاضرين ورفعوا من أصواتهم، وكأنهم في انتخابات إحدى جمعياتهم، والكل يريد أن يعرف سبب هذا التخفي، هل هو من باب التفكّه والدعابة، أم وراءه أمر لا ندرك معانيه ولا نعرف أسبابه؟ ولكن عبد المذل يعرف أصحابه، وهم يعرفون حركاتِه وألعابَه، وها هم يتلهفون ليسمعوا قصته ويفهموا خطابَه. وتابع رافعا صوته فوق أصواتهم، فخفضوا من ضحتهم وضوضائهم، ليسمعوا ما قد يثير اهتماماتهم، قائلا: هذا اللباس هدية خليجبة، أو أكثر تحديدا هو هدية قطرية، ونعم هذه الهدية والعطية، من قوم يوزعون هداياهم على كل ذي شهية. تلفّت كل واحد ينظر في وجه جليسه القريب، مندهشا مستغربا من هذا الحديث الغريب. ماذا يعني عبد المذل بهذا الكلام الساخر، أيسخر منا أم له من ورائه مأرب آخر؟ فسأله عبدُ الباطن: ولماذا يقدمون لك الهدايا، ويهبونك العطايا، وما وراءها من مزايا؟ قال: لأننا لهم تبَع، أنصار لهم وشِيَع، يدفعون لنا لنمدحهم، أو على الأقل لنسكتَ عنهم.

هنا أدرك الجميع أن وراء هذا الأمر خبرًا لا بد من سماعِه، ومعرفة جذوره وتفاصيل فروعِه، فلنعرفه قبل انتشاره وشيوعِه. فصاحوا مبتهجين، ولسخريته مدركين: أسرعْ وهات أخبرْنا الخبر، عن هذا المطر الذي انهمر، من إمارتنا العظيمة قطر!! قال: قبل أيام قليلة، اتصلتْ بي سيدة جليلة، وهي تعرف علاقتي بجريدة البلاد، وقالت بلغة من يبغي الهدى والرشاد: لماذا لا تذكرون في جريدتكم، أولئك الذين يموّلونكم؟ ويدفعون لكم ويعولونكم؟ قلت: يا سيدتي ومن تعنين، قالت: أعني دولة قطر، وقد يكون هناك دويلات أُخَر. قلت لها ساخرا: بارك الله فيك على حدّة أذنك وعينك، وعلى صحوة ذهنك، الذي يتغذى على ما بطنك، وحبذا لو كتبت أنت رأيك حتى يمكنك إغماض جفنك. فانهت المكالمة، حتى دونمع السلامة”.

وكنت أظن أن هذا اللغَط، يدور في رأسها وعلى لسانها فقط، حتى سمعتُ مثله في إحدى جلسات المودة والصفاء، حيث سألني أحد الأصدقاء: لماذا لا تشيرون في كتاباتكم إلى الثورة في السعودية وفي مملكة البحرين (الغرّاء)؟ سريعا ودون رويّة أجبته: لأنهم يموّلوننا ويدفعون لنا يا زينة الأحِبّاء. ونحن نتستر على ثورتهم، التي نخفيها بما ترى علينا من آثار نعمتهم. فأدرك ما في كلامي من سخريه، وما فيه من غمزٍ وتوريَه.

ثم أضاف عبد المذلّ: أعتقد يا قوم، أننا أكثر شعب يستعمل العتابَ واللوم، كلنا في أحوال الأمة وعلومها أكْفاء، في الدين نحن فقهاء، وفي السياسة دهاقنة وعلماء، وعلى فكر الآخرين نقاد ورقباء، وقليل من يقبل من غيره الأفكار والآراء. كل من في الأمة محلل سياسة، وكل ما يتقنه أن يزيدنا هما وغما وتعاسة، وانظر في بعض أبناء مجتمعنا الذي يبيح لنفسه تخوين الآخرين، دون أن يفصح عن دليله ويبين، فذلك أفضل ما يحسن، ولا أحد يطالبه بدليل عما يُظهِر أو يُبطِن.

ادعوا جميعا أن يهدينا ربنا إلى الخير، وإلا سنظل إلى الأبد تبعا للغير.

 

المقامة التنويرية

حدثنا أبو الكاشف ابن لندن الخبير العارف، أن أخاه وصديقه عبد المذل، صاحب الأحاديث التي لا تمل، وأهل الخير الذي لا يكل، الذي لا يرضى لأحد  الظلم، وينادي دائما بالهوادة والحِلم، لم يتعود إيذاء أحد، الصغير له ولد، والكبير له أب أو جد. يحترم الجميع، ولذا الكل له مشاور ومطيع. قال:

جاءني عبد المذل يوما ومعه ضيف ذو جاه، ويبدو الاحترام والوجاهة على محياه، ولم يسبق لأحد من الشلة أن رآه، له طلعة بهية، وعليه حلة سنية، تقدما وألقى الرجلان على الحاضرين التحية، أفسح لهما في صدر المكان، ليكونا على مرأى من جميع الإخوان والخلان. جلسا، وجلس الجميع والعيون إليهما شاخصة، متشوقة لمعرفة الضيف أكثر من أن تكون نظرات فاحصة. وعندما استقر بالجميع المقام، رفع عبد المذل رأسه واستقام، وجال بعينيه على الحاضرين، وتفحصهم عن شمال وعن يمين، وقال بصوت مسموع هادئ ورصين:

ضيفنا هذا هو أخونا عبد الخافض، عقل راجح وقلب بالحب والإخلاص نابض. له في الحق باع، فليس له معارض، وليس له أو لأفكاره رافض أو ناقض. أحببت أن نجتمع معه، بعيدا عن كل مجامل أو منافق إمّعة، نتدارس معه بعض أمور إدارة بلدته وأساليبهم المتبعة. لذا ليجهز كل منكم سؤاله، وليطرحه على أخينا الضيف في هذه العجالة، فلقد سمعنا أنهم ناجحون في إدارة بلدتهم وشؤونها، فجنبوها الكثير من أشجانها وشجونها.

لديهم مؤسسات ناجحة، وجمعيات مفيدة فالحة، كل هدفها الإخلاص في الخدمة، برجال ونساء عالي المقام والهمة، فوصلوا إلى أعلى قمة، وأزالوا من حياتهم الهم والغمة. فيا ليتنا نفعل ما يفعلون، ونقوم بما يقومون، علنا نحقق ما حققوا وما زالوا يحققون.

كان جميع الجالسين يسمعون، ولا يكادون يصدقون، فالأمر أكبر مما يتخيلون. هم يعرفون هذه البلدة، وما فيها من عدد وعدة، وهم لا يصلون إلى عددنا، ومددهم أقل بكثير من مددنا، ومؤهلاتهم لا تداني مؤهلاتنا، وثرواتهم لا يمكن أن تضاهي ثرواتنا، فكيف حققوا نجاحهم، وتوّجوا بالنصر كفاحهم؟ دارت الأسئلة بالرؤوس، وبان على بعض الوجوه العبوس، عند تذكر ما هم فيه من وضع كالكابوس. هم يحلمون بأن يكونوا في مستوى أفضل الناس، ويحاولون زراعة وتنمية هذا الإحساس، ولكنهم مع كل ما يفعلون، لا يتقدمون ولا آمالهم وأحلامهم يحققون. لذا كانوا في شوق لمعرفة ما فعل إخوان عبد الخافض في بلدتهم، وكيف يتمكنون من تقليدهم ومحاكاتهم.

وبدأ عبد الخبير يسأل الضيف، وفي رأسه مئات الأسئلة عن، مَن ومتى وأين ولماذا وكيف. قال: يا أخي، كم جمعية عربية في بلدتكم؟ وكيف تدير هذه الجمعيات شؤونكم؟ ابتسم عبد الخافض للسؤال، واعتدل في جلسته وقال: ولم تطرح سؤالك بصيغة الجمع؟ نحن ليس عندنا جمعيات، عندنا جمعية واحدة، تمثلنا جميعا في كل شاردة وواردة. نعرف أعضاءها فردا فردا،  ونكنّ لكل منهم حبا خالصا وودّا، وهم بدورهم لا يألون في خدمتنا جهدا. يقدمون خدماتهم لنا (أقول لنا) لمدة عامين، ثم ننتخب غيرهم لعامين آخريْن. وهم شباب ذوي تخصصات مختلفة، ويمتازون بطباع هادئة محبة مؤتلفة. لم نسمع منهم أو بينهم عن أية مشكلات، ولم نعلم أنهم اختلفوا يوما على أمر ماض أو مشروع آت. وسبب ذلك فهمهم ووعيهم لمبدأ الحوار، وقبول راي الآخر إن جاء من كبار أو صغار.

وأضاف: ولعلك يا أخي تريد أن تسأل عن طريقة الانتخاب، فهو مجال واسع قد يسوده الكثير من الشك والارتياب، لكنه في بلدتنا يتم بأبسط الطرق، فلا مجال للشك أو أي قلق. يتولى الأمر من كان لتحمل المسؤولية أهلا، مع وفرة عنده في الوقت ليكون الأمر عليه سهلا. ونحن لم نعرف يوما أن مرشحا أحضر أقاربه لانتخابه، أو جرد يوم الانتخاب أعضاء حزبه. ولم نعرف يوما أن انتخابا تم في منزل وبسرية تامة، رغم أن الانتخاب يجب أن يتم في جلسة عامة.

والجميل في موضوع جمعيتنا، أنها تعرف اتجاهنا ووجهتنا، يزورنا أعضاء إدارتها في بيوتنا للتحاور، فالعمل النافع هو القائم على التحادث والتشاور، فذلك يزرع فينا الثقة، فنعمل بنفوس شفافة صادقة ومشرقة. وفي كل شهر نلمس منهم التقدير، حين يصلنا من الجمعية تقرير، فيه لكل ما قامت به من أعمال توضيح وتفسير.

باندهاش اتسعت أحداق الحاضرين، وتطلعت جميع الوجوه إلى جميع الوجوه عن شمال وعن يمين، ولم يقل أحد منهم أي كلام، رغن أن على شفتي كل منهم ألفاظُ اتهام.

لكن الضيف عبد الخافض تطلع في ساعته إستئذانا بالانصراف، والقوم تبدو على وجوههم أسئلة كثيرة واستعطاف، فوعدهم بالعودة مرة ثانية، للتشاور فيما ينفع ويفيد الجالية، وبكلامه صدقوا، وعلى ذلك الوعد افترقوا.       

 

"كـلـّه عـنـد غـير الـعــرب شــامـبــو"

حدثنا كعادته أبو الكاشف، حديثا خفيف الظل كالطرائف، عن صديقه عبد المذلّ، دون أن يملّ أو يكلّ. وما يعجبنا في حديثه أنه يستمتع هو نفسه بالكلام، كأنه هو السامع لا المحدث الهمام، قال:

جاءنا عبد المُذِلّ الكاتب، كعادته بأحاديث الملاحظ المراقب، الذي لا يترك سانحة إلا اغتنمها، ولا فرصة للنقد والإصلاح إلا التهمها. يريد أن يعيش في مجتمع طيب صالح، وشعب عطوف محب متسامح، بأسلوب بعيد عن الفظاظة، حتى لا يوصف بالقسوة والشدة (والغلاظة)، ورغم ذلك يتضايق البعض من بعض كلامه، فيتحاشى حتى الرد على سلامه. لكنه لا يأبه لمن يرفض حديثه ونقده، طالما أنه يقصد أن يعرف كل امرئ حدّه. صحيح قد يكون موجعا في علاج الضلال والغيّ، فقد قالت العرب إن آخر الدواء الكيّ. حتى وإن آلمَ وأوجع، فالدواء المر أحيانا أجدى وأنجع. يريد أن يبني عند البعض شفافية وذوقا، ليعرف أن بين شيء وشيء آخر فرقا. وأن يدرك الجميع أنه لا وجود لما يروون، من أنه "كله عند العرب صابون". بئس رواية كثير من الأمثال العربية المتداولة، الداعية للخمول والإحباط والتخلف والتنبلة والمجاملة.

قال لي عبد المذلّ:

الجديد في الموضوع أن المثل القائل "كله عند العرب صابون"، يبدو أنه عند غير العرب أكيد الوجود والمضمون، لكن لكي نجعله أكثر "عصرنة" جعلناه: "كله عند غير العرب شامبو".

وأضاف: حاولت أن أجد قصة هذا المثل، فاستشرت معجزة الناس غوغل، لكنه عجز عن إيجاد القصة، واكتفى بأن عرض كلمات المثل ونصّه. لكن من جهتي وبعد أن مررت بالتجربة التي سأرويها، أدركت أن بعض غير العرب أيضا، أكثر حاجة لتلميع أذواقهم، وصقل أحاسيسهم وتوسيع رؤية أحداقهم. فإليكموها، واعرفوا مضمونها وافهموها، بل محصوا ما فيها وميّزوها. فكيلو اللحم من جزء من البقرة بعشرة دولارات أو أكثر، ومن غير هذا الجزء بربع هذا السعر أو أيسر. وكله لحم. والفرق بالجودة والطعم، لا يخفى على ذي اللب والفهم.

ومثل ذلك أن شركة كبيرة اتصلت بجريدة البلاد، تطلب لقاء فحددوا لها الميعاد، قصدوا مكتبها في وسط تورونتو الكبرى، وليتهم ضاعوا فحطوا الرحال في مدينة أخرى، ولم يدخلوا وسط هذه المدينة، التي تفتقر إلى الراحة والهدوء والسكينة. الزحام فيها عنيد، والحر في صيفها شديد، وإيجاد موقف لسيارتك هناك غير أكيد. وبعد طول تجوال، والتفاف في الشوارع وارتحال، تمكنوا من إيجاد موقف للسيارة، والسير إلى المكتب المقصود في أكبر عمارة، ولم ينسوا أن يرسموا في ذاكرتهم الطريق التي سلكوها، ليعرفوا كيف يعودون إلى سيارتهم وأين أوقفوها.

المكتب كبير وأنيق، وكل من فيه يشعرك أنه لك صديق. والسكرتيرات كثيرات، فارغات بلا عمل ومشغولات.  قابلهم رجل أنيق الهندام، ورحّب بهم بسرور وحبور وابتسام. ممتدحا (البلاد) طباعة وتوزيعا، ومقدرا محتوياتها إخراجا وتنويعا، وأبدى رغبة شركته بالاعلان بـ (البلاد)، ليعرّف بخدماته بين العباد. لكنه قال إن مديرته ليست في الدار، وإنها هي صاحبة القرار. وكادوا يغادرون المكان فورا، لولا أن دعاهم للانتظار ليرتب لهم أمرا. وفي ظل تكنولوجيا الاتصالات، تمكنوا من الحديث معها ورؤيتها عبر الساتلايت، فأبدت الرغبة في الإعلان، وطلبت معلومات عن الصحيفة، وأن تعرف حجم الإعلان وتكاليفه. وبعد أن أعطيت هذه المعلومات، وسمعت وشاهدت أسعار الإعلانات، أتبعتها ببعض الشهقات، لأنها وجدت الأسعار كما قالت مرتفعة، مقارنة بما تصرفه عند الصحف الأخرى وتدفعه. ونوّهت بأنها تدفع أقل من نصف ما تطلب البلاد، ظنا منها أنه "كله عند العرب صابون"، و "كله عند غير العرب شامبو". فأفهموها أن من معلنيهم من يفرق بين أنواع الشامبو والصابون، ومنهم من ينظرون، مثلها، إلى كل ذلك بلا قلب ولا لب ولا عيون. وهؤلاء لايميزون بين طباعة وطباعة، ولا بين ما هو أصيل وما هو صناعة. ولا بين تصميم وتصميم، فكله عندهم حبر على ورق، ولا أهمية لما يصرف على ذلك من جهد ومال وعرق. ومثلهم كمثل صاحب المخ الثخين، الذي لا يميز بين صناعة ألمانيا والصين. بل إن منهم من يصر على أن "صابون العرب لِحاهم"، توفيرا للشامبو والصابون والماء والتراب، الذي يحتاجه بعد أن يلطخ يديه بالحبر ويصاب بالاكتئاب، ولا يجد على لسانه سوى اللعن والسباب.

 

المقـامـة التـاريـخـيـة

حدثنا أبو الكاشف ابن لندن الخبير العارف، أن أخاه وصديقه عبد المذل الكاتب، أقرب رفيق له وصاحب، يعكف هذه الأيام على دراسة التاريخ، التي كان يحس في أيام الدراسة أنها أبعد من المريخ. قال: لقد أخبرني أنه يوم كان على مقاعد الدراسة، لم يكن عنده رغبة في علم التاريخ ولا حماسة، رغم أنه اليوم يعلم أهميته، ولذا بدل رغبته، وصار يعشق دراسته. لقد أدرك ما تعني أحداث الماضي، وكيف تنعكس على كل البلاد والأراضي. كما أدرك أن عدم رغبته فيه تلك الأيام، يرجع إلى تقصير معلمه الهُمام.

جاءني منذ أيام، وعلى شفتيه الكثير من الكلام، فأنا أفهمه عند نظري إلى محيّاه، وحتى قبل أن ينبس بكلمة أو يفتح فاه. قلت هات ما عندك وأفصح، أيها الأريب الناقد المصلح. قال: هل تعرف لماذا نحب القصص والحكايات؟ قلت: لأنها تروّح عنا ونمضي بها الأمسيات، فهي بعض اللهو وموضوع للتسليات. قال: بئست إن كان هذا هدفها، وبعدا لها ما أقرفها. فهل تظن أن ما جاء من التأريخ والقصص في القرآن، إنما جاء لتمضية الوقت ومفاكهة الأصحاب والخلان؟ ألم يقل الله تعالى: “لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب؟ فالتاريخ إذن دروس ممن سبقوا، ليستفيد ويتعلم منها من لحقوا. إن تعبير الناس اليوم عن قتل الوقت، إنما هو أكبر الكراهة وأشد المقت. التاريخ يدعونا لنسبر غوره، ونستخلص من قصصه وأحداثه حكمة وعبرة، كما أن أحداث التاريخ ليست للمفاخرة، ولا هي للمباهاة فيها والمتاجرة، ودراستها ليست من أجل كنا وكنا، بل من أجل أن نبني عليها ونقول إنا.

وروي لي أن رجلا كان يجلس مع مجموعة من الأصحاب، وبدأوا يتذاكرون أحاديث عن الحاضر المعاب، فانطلق أحدهم يفخر بما قدم الأولون من ألأجداد، على أمل أن يستفيد منه الأبناء والأحفاد، ويقول: نحن الذين بنينا الحضارة، من دور العلم إلى فنون التجارة. نحن الذين فتحنا البلاد، ليسود العدل بين العباد، نحن ... نحن ... ورد عليه أحد الحاضرين: يا رجل لا تقل نحن وقل هم قدموا، هم فتحوا، هم علموا، ولم يستفد أبناؤهم ولا أحفادهم وما تبعوهم وما التزموا. لقد أصيب المرء بالإحباط والضيق، واقترب من إنكار ذلك الماضي ورفض التصديق، فهل يمكن أن يضيع الأحفاد كل تلك الأمجاد لو صدق التاريخ عن أولئك الأجداد؟ لقد نهض أبناء الحضارات  التي سبقتنا، وبنوا على ما فات من إرثهم، إلا نحن فقصرنا وبدأنا نعدو في إثرهم. ولعل من أسود النكات التي تتداول بين الناس، أن العالم يبني ويصنع ويشيّد، فلنجلس نحن مرتاحين نردد، لتكن عندهم العقول والأفهام، ولكن عندنا المال الذي نشتري به علم أولئك الأقوام. فلماذا نتعب أنفسنا، وهناك من يقوم عنا بالمهمة، من العلماء والمخترعين رفيعي الهمة، منهم الأعمال، وعلينا المال. وما دروا أنهم بذلك يستنفدون أسبابنا، بل ويذلون رقابنا.

كثيرا ما أجلس مفكرا، بل أجدني متحيرا، ما الذي أوصل شعوبنا إلى هذا المستوى فانحدروا، وقد سبق الأجداد بإمكانات أقل فانتصروا؟ الحق أنه ليس عندنا اليوم طموح نطلبه، حتى المال، غيرنا هو من يستخرجه لنا ويجلبه. وجدت أننا أمة لا تحب التغيير، ولا تسعى إلى تغيير الواقع وتبديل المصير، اقرأوا إن شئتم كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» لابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، وما ساق في مقدمته من وصف لأمتنا بلا كذب ولا افتراء ولا خداع، تجدوا أن الأمة لم تتغير في الأخلاق والطباع. يتكلم عمن عاصره من الأنام، كأنه يتكلم عنا نحن الذي نعيش في هذه الأيام . وزوروا البلاد التي تحوي آثار الحضارات السابقة، تجدوا أنها لم تترك أي أثر في حياة الأجيال اللاحقة، في بعض البلاد مزارات وأضرحة لقادة وعظماء الأمة، الذين فتحوا تلك البلاد وأزالوا عنها الغمة، لكنك لا تجد لأخلاقهم في الناس أثرا، ولا يأخذ البشر عنهم التاريخ والعبرا. غير أن مدفن أهل الكهف كان أصدق أثر شاهدته، فهو ما عبر عن واقع الحال فزرته. 

يا علماء الاجتماع فسروا لنا هذه الظواهر، فلعلكم تخرجوننا من هذه المساخر!!!

 

الـحـضــارة والمـدنـيــة

حدثنا أبو الكاشف، ابن لندن الخبير العارف، صاحب الظل الوارف، والمجلس المتآلف، أن مجلسه أمس قد التأم، وكل من حضر فيه قد سر لحضوره وانسجم. فقد جاءه أهل الجوار، وتنادى لحضوره الصغار والكبار، حتى امتلآت بهم ساحة الدار.

لقد صار مجلس أبي الكاشف مقصدا، وتحولت جلسات الأصدقاء إلى منتدى. فيه تدور الأحاديث المفيدة، وتناقش فيه القضايا الرشيدة. لقد فات الزمن الذي كان فيه الجلوس في ذلك البهو، فقط لتمضية الأوقات في اللعب الفارغ واللهو. لم يعد هناك مكان لـ "قتل الوقت" في لعب الورق، والتصايح طوال الليل في طيش ونزق. وكان الفضل في ذلك التغيير، لأبي الكاشف وصديقه عبد المذلّ صاحب الرأي المنير، والنظر البصير، حيث رأيا في جماعتهما الفضل الكثير، وفي تجمعهم الخير الوفير، فقررا أن يكون لهذه الاجتماعات أثر حسن في النفوس، بعيدا عن كل دنيء وجبوس(1). صار القوم يجتمعون للتحاور، للمناقشات الهادئة والتشاور، في أمور تهمّ حياتهم، وتصلح ما اعوجّ من بعض صفاتهم، ففي ذلك بناء لمستقبل أولادهم، وحفظ لفلذات أكبادهم.

صارت أحاديثهم تدور حول موضوعات سياسية، ومناقشات ثقافية، وقضايا اجتماعية، وأمور تربوية. لا هي ترتفع إلى  مستويات أكاديمية، ولا تهبط إلى المستويات الأمية، كانت في المستوى الأوسط، لتكون على الأفهام أيسر وأبسط. لم تكن محاضرات بالمعنى المعروف، بل مناقشات يشارك فيها كل متعلم بالعلم شغوف.  

كان أول درس تعلموه من هذه الجلسات، احترام الرأي الآخر مهما اختلفت الآراء والنظرات، والتحدث كل بدوره، دون الاعتداء على حق غيره، ولعل أجمل ما في هذا الاجتماع النفيس، أنه كان لكل جلسة رئيس، يأتمرون بأمره كانهم جند في خميس (2)، ولا يتكلم المتكلم إلا بإذنه احتراما، وتقديرا لغيره من المتحدثين والتزاما، حتى صار ذلك فيهم طبعا، أصيلا وأحسنوا بذلك صنعا. لقد انتقلوا من عالم التفاهة، إلى عالم علم وأخلاق صدق ونزاهة. ولعمري لقد دخلوا عالم الحضارة، وغادروا عالم التفريط والخسارة.

عرفوا معنى أن يكونوا متحضرين، وفرقوا بين المتحضرين والمتمدنين، تعلموا أن لغتنا هي الوحيدة التي تفرق بين الحضارة والمدنية، وأن الحضارة قيم ومروءة وأخلاق طاهرة نقية، والمدنية منشآت وصناعات مادية. ولا تكتمل المدنية، إلا إذا زانتها القيم والأخلاق الحضارية. فاقتناؤك للسيارة عمل مدنيّ، لكن طريقة قيادتك لها فعل حضاري، فإما أن تكون متحضرا باحترامك للمارّة وقوانين المرور، وإما أن تكون غير متحضر بقيادتك لها بفوضى وغلوّ وغرور. الشوارع ورصفها وإنارتها أمر مدني، لكن نظافتها والمحافظة عليها أمر حضاري. الحدائق وتجميلها بالأشجار والأزهار علامات مدنية، لكن نظافتها والمحافظة عليها سمات حضارية. العلم حضارة وبناء لرفعة الإنسان، ليسمو إلى عالم الأمن ودنيا الأمان، لكن شرور بعض بني الإنسان، جعلوا منه مطية للتدمير والخسران، فأية حضارة في صنع طائرة، تملكها أمة ظالمة مستبدة جائرة، وتتقوى بها على أمم ضعيفة، بغارات عنيفة، وأسلحة مرعبة مخيفة، لتنهب منها ثرواتها، وتسيطر على ناسها ومقدراتها. إن قلنا إننا نعيش في عالم وحشية الغاب، نكون قد ظلمنا الحيوان  الذي لا يأكل لحم أخيه، ولا يقلد عالم البشر والظلم الذي فيه. ما رأينا يوما أسدا ولا ذئبا ولا ضبعا، يقلد الإنسان ظلما وجورا وطبعا.

الحضارة هي حسن الخلق الذي نادت به الأديان، وأنزلت على الأنبياء من الخالق الديان، لتكون للبشر نور هداية، تصلح به البداية والنهاية، وانحصر الدين في أمر واحد، حين قال النبي القائد: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وحرف إنما كما يقول أهل اللغة يفيد الحصر، وكل ما عدا مكارم الأخلاق من العبادات إنما يؤدي إلى هذا الأمر.

كيف يمكن لأحد أن يدعي الحضارة، وهو يأكل مال الناس بجسارة، بل أكاد أقول بحقارة. أية أخلاق هذه التي تسمح لامرئ بالغش والسرقة، ألا يعلم أنه سيلقى ذلك في المحرقة؟

بكريم الأخلاق تحضروا، أنظروا في دنياكم وآخرتكم وتبصروا، فإنكم قريبا مغادرون، ودنياكم هذه مفارقون.               

(1)   الجبوس: اللئيم ومن لا مروءة له

(2)   الخميس: الجيش

 

المقامة الحضارية

حدثنا أبو الكاشف، ابن لندن الخبير العارف، الصديق الصدوق، من يعرف الواجبات والحقوق، فينصح بالحرص على أداء الواجب، وينذر أهل الجحود والعقوق. نعم الإنسان هو بين الرجال، صاحب شرف ومروءة أمام ربات الحِجال، اتخذ كل من يعرف أخا، ولم يعرف يوما تكبرا ولا بذخا. فأحبه كل من عرفه، فحب الناس كان قصده وهدفه. لم يرد يوما طالب حاجة، ولم يعرف عنه ضيق أو فجاجة. ولذا كان أقرب إلى صديقه عبد المذل، لما يتصفان به من إنصاف وعدل. كانا بعيدين عن التظاهر بما  ليس فيهما، فنعم الرجلان بين الإخوان هما. لا يعرفان ضغينة ولا حقدا، وفي كلمة الحق ما عرفنا لهما مثيلا ولا ندّا.

جلساتهما مع الأصحاب علم، يقوم على ثقافة عامة وفهم، وللكل مشاركة في الرأي وسهم، دون جناية على حق لأحد منهم أو هضم، ولذا لم يوجد بينهم عدو أو خصم. لا يتبادلون بينهم إلا المفيد من الكلام، ولا يتعاملون إلا بودّ وحب واحترام، فكان شعارهم المودة والتفاهم والوئام. استفادوا مما يسمعون عن الآخرين، وكيف تفرق القرين عن القرين، والنتيجة فريق كاسف وآخر حزين. نظروا حولهم فوجدوا بين أبناء جلدتهم تفرقا، وزادهم وضعهم هذا تشرذما وتمزقا، فتوقعوا لهم غوصا في التخلف وغرقا، وذلك ما جعلهم يأخذون الحب ديدنا وخلقا.

يقول أبو الكاشف إنه دعا بعد جلستهم الماضية المزيد من الشباب، للتحاور والاستفادة من تجارب وحكمة (الشيّاب)، ولمعرفة ما يريد هؤلاء الصغار الأحباب. توافد إلى المجلس عدد وافر، وبينهم عاقل وقور ومنهم الجموح النافر. وأعدّ لهم جوا مريحا، ليكون حوار اللقاء ظاهرا وصريحا. وحضر بعض آباء هؤلاء الأبناء ليكون الأمر أكثر وضوحا. وكان موقف أبي الكاشف واضحا وجليا، فهو يريده لقاء أخويا وعائليا، وتبادلا لفكر يراه مستقيما وسويّا، صالحا ليبني عقلا ناضجا وروحا نقيا.

جلس الجميع يتسامرون، يتبادلون الحديث ويتضاحكون، الكل يعرف الكل، أصدقاء بلا حقد ولا غل، وكلهم بانتظار عمهم عبد المذل، الذي حضر في موعده المضبوط وأطلّ.

رحب به المجتمعون من الشباب والكهول، لكنه جلس بين الشباب ضاحكا متهللا، يقول: نحن الشباب لنا الغدُ، شبابنا مؤبّدُ، وأنتم شيوخنا، إليكمُ نردّد، خصالكمْ نعدّد، ونحوكم نسدّد، صدْق الكلام نجوّدُ، وقلوبنا تدعو لكم وتغرّدُ، تشدو بحبكمُ فهو الوحيد المؤكد.

ضحك الجميع ووصفه بعضهم بالمتصابي، وبعضهم نعته  بالمتقرب للشباب والمحابي، وساد الجمعَ جو من السعادة والمرح، وما أحلى جلسات الحبور والفرح. وقال عبد المذل: هذه هي السعادة طالما أنها بريئة، بعيدة عن الأفعال والأحاديث المشينة الرديئة. ولعمري إن نشر السرور بعد مشاق العمل، لهو محو للكسل، وطرد للملل، وتجديد للأمل، بغد أفضل، ومستقبل أجمل. ونشر السعادة بين الناس، هو شعور نبيل وإحساس. وتربية هذه المشاعر هي جزء من بناء الحضارة الإنسانية، وإهمالها إهدار للأحاسيس البشرية، وتحويل البشر إلى آلات جامدة صخرية، تدور وتدور وتدور بلا هدف معروف ولا هويّة. السعادة تنشر بين الناس الحب، فيكون كل من البشر أبا لابن وابنا لأب. وهل هناك ما هو أعظم من هذه العاطفة، التي يتقاسمها الناس إنصافا ومناصفة؟ وهل أزال الحضارات إلا التجافي والتباعد، بديلا عن التكاتف والتعاضد؟ ولو بدأ كل منا بنفسه ونبذ البغض والمبغضين، لعدنا إلى الحق ولساد بيننا ما نرجوه من صدق اليقين.

أيها الأشقاء والأبناء، لو جبتم الأرض وطفتم كافة الأنحاء، وملأت الدنيا منكم القلوب والأحداق، ووصلتم الآفاق بالآفاق، لعرفتم أن بناء الحضارات بالأخلاق، فقط بمكارم الأخلاق.

 

حضارة القيم

حدثنا أبو الكاشف، ابن لندن الخبير العارف، صاحب الأخبار والعلوم والمعارف، صديق الموافق والمخالف، السباح في بحر الحقيقة بلا مجاديف ولا حتى زعانف، جليس لا يُمل معه الحديث، أمين لا ياخذ من لئيم ولا من خبيث، ليس عنده غيبة ولا نميمة، ويكره كل صفة قبيحة ذميمة، بعيد عن الرياء، ولا يعرف  الطعن في الخفاء، ولا يجامل على حساب الحقيقة، ويحترم جليسه وأنيسه وصديقه، محبوب من أصدقائه، محترم من جلسائه، كريم في عطائه. لم يُعرف عنه تخليه عن واجب، وليس بينه وبين أحبائه حاجب. وكان عبد المذل الكاتب أعز الأصدقاء عنده، ولا يطيق فراقه وبعده. إذا غاب افتقده، وإذا حضر أدنى منه مقعده. قريب منه بلا نسب، رفيق به دون أرب، وعلاقة يكسوها حب واحترام وأدب. لم يُعرف أنهما اختلفا يوما على قضية، وما أكثر القضايا المحكية. هما متحدان في الطباع، فلا خصومة ولا نزاع، هدفهما فعل الخيرات، بلا أهداف خاصة ولا غايات، من توزيع أغلى الهبات، إلى عطايا النكات والحكايات حتى تصل إلى الوصايا البناءة والعظات، والحض على الأخلاق الكريمة وتصفية النيات.

جلسا أمس مع الأحبة من الجيران، ومعهم جمع من الصبيان والفتيان، فكانت فرصة للتعليم، ووقتا مناسبا للإصلاح والتقويم، بعيدا عن مهاوي الإضلال والتأثيم. فلقد ابتعد العديد، من أبناء الجيل الجديد، عن سماع كلام الحق والرأي السديد، لكثرة تعرضه لمهاوي الزلل، حتى صار لا يعرف أين الخلل، وتفشت في عقله الآفات السلوكية والعلل. لقد أخطأ في فهمه للحرية، فأودى به هذا الفهم إلى مصيبة وبلية، ولفه من كل ناحية غباء وجاهلية، فكان مصيره الضياع، حيث لا يسمع النصح ولا الهدى ولا يعرف الطاعة ولا الانصياع. يظن أنه قد ملك الحزن والسهل، فلا حاجة به إلى أسرة ولا إلى أهل، ولا معنى عنده للعائلة، فهي بالنسبة له أساس المشكلة، هي تحديد لحريته، وتحجيم لشخصيته، يعتبر النصح له تدخلا في خصوصياته، وفي ذلك امتهان لقدراته، وعدم تقدير لما علا من صفاته، وانتقاص من ذكائه وسمو ورفعة مؤهلاته. الحرية عنده أن يغدو ويروح، دون أن يعلن عن مقصده ويبوح، دون حسيب يحاسبه، أو رقيب يراقبه، حتى وإن كان والدا محبا شفيقا، أو أخا عاقلا ورفيقا. وفي الغدو  والرواح، يعلم الله أين تقذف به الرياح، ويعلم الله أي خليل يخالل، وأي هوى في نفسه يغازل، وأي شيطان ينازل. والغريب أن الضعيف أسير هوى نفسه، ولا يكترث لغدٍ ولا يستفيد من تجارب أمسه.

كل هذه الأفكار دارت في مخيلة عبد المذل، وكان عليه أن يقدم لها الحل، وخاصة مع التئام هذا الشمل. هؤلاء الفتية بحاجة إلى النصح والإرشاد، ولا بد لكل ذلك من اجتهاد، وسعي إلى التهيئة والاستعداد، ورسم مستقبلي للنتيجة المرجوّة، والسعى إليها سعي أمل وثقة وقوة. فالشباب هم المستقبل:

هم العقل والعلم والحاسوب، هم المنشار والإزميل، هم المحراث والمنجل، هم الإحسان والإحساس والتقوى وحب الخير والإقدام والجحفل، بهم نعلو، بهم نسمو، بهم نرسي دعائم عالم أفضل. على جنباته مرآة جيل يرى فيها تباشير نصر قادم، وثراث مجد دائم أجمل.

ثم رفع رأسه وخاطب الجمع بهدوئه المعتاد، قائلا أيها الرجال والأولاد. أيها الأبناء والأحفاد، أنتم منا بمنزلة القلوب والأكباد. أنتم اليوم عندنا أغلى ما نجد، وليس عندنا في مكانتكم أحد. أنتم العدة والعتاد، فيكم الخير والرشاد، والاستقامة والسداد، وعلي الله وعليكم العون والاعتماد. لكن ذلك بحاجة إلى إعداد وتربية، وإخلاص في العمل وتزكية، وإقبال منكم وتوعية، حتى نكون في الميدان سباقين، وللمعالي هادفين، وللحق مؤيدين وناصرين. وقد نويت أن يكون لنا درس في كل مجلس، نتدارس فيه ما ينفع ويفيد ويؤنس.نتدارس فيه كيف نكون أصحاب حضارة، وكيف نعوّض ما فاتنا من خسارة. ونفهم دعائم ذلك التحضر، بفهم ودراية وتبصّر، مفرقين بين حضارة تبني الإنسان على رفعة القيم، وبين حضارة مدّعاة تدفع الإنسان نحو العدم. ونريكم أين يقف العاقل من كل ذلك، يعلو بنفسه عن الدنايا أم يدفع بنفسه نحو المهالك!!

في الجلسة القادمة سيكون لنا لقاء، يسوده روح طيب ونقاء.

 

النفقة أو الفلقة

حدثنا أبو الكاشف، أخوكم الكندي اللندني العارف، ناقل الأخبار الصادقة، وراوي تحاليل الأخبار السابقة واللاحقة، قال:

كنا جلوسا كالعادة نتسامر، نتبادل الأفكار والآراء ونتحاور. خضنا في الكثير من الموضوعات، وتجاذبنا أحاديث اتفاقات واختلافات، من أحابيل السياسة إلى أخبار المجتمعات، إلى رواية الطرائف والنكات. ولم ننس في طريقنا أهل الكبر وأصحاب الادعاءات، عندما أطل علينا زائرنا الدائم، الرقيق كالأزهار، والعنيف أحيانا كالإعصار، عبد المذل الكاتب، كاره الألقاب والمناصب، والمتهم بأنه شخص مشاغب، يتحدى كل لوّام أو معاتب. فصاح أكثرنا، جئت في الوقت المناسب. لقد كنا في انتظارك، لتخوض معنا المعارك، السهل منها والشائك. قال: اللهم يارب سترك، وخذ عبادك الصالحين في رعايتك وحفظك. قلنا: لا تخش شيئا فهي معارك لغوية، وخصومات شفوية، بعيدة عن العداء وسوء الطوية. كنا قبيل مجيئك نقرأ في صحيفة عربية، فيها مقالة عبقرية، ملأى بأخطاء لغوية وإملائية مخيفة. بعض الحاضرين رأي الأمر طبيعيا لأن بعضنا يخطئ في النحو، عن جهل فيه أو عن سهو. وبعضنا الآخر استنكر أن تصدر الأخطاء عمن يدّعي أنه من خبراء أكبر المؤسسات الدولية، وخبير في النظريات التربوية، بل هو ممن عملوا في تدريس اللغة العربية، وعالم في أدق المسائل اللغوية، فذلك هو الأمر العجيب، الذي يعجب له البعيد والقريب، ويستنكره كل فطن أريب. وعندما تقرأ ما يكتبه، تعلم حقيقة ما يدعيه ويكذبه. ففي آخر مقالة له، عدّوا له ثمانية عشر خطأ لغويا، والباقي حسبوه له أخطاء إملائية بل هي طباعية. هذا الكاتب سخر مؤخرا من أحد اللغويين وشبهه ساخرا بأبي النحو العربي سيبويه، لكنه ترفع عن مساءلته والرد عليه.

 

قال عبد المذل: دعونا من سيرة المتكبرين والمدعين، فما أكثرالعباقرة والمبدعين، ذلك شأن من بعُد عن بلاده واغترب، يتصرف ويباهي وكأنه كان ملك أرض العرب. فإن عندي موضوعا أود الحديث فيه، ويزعجني أن أسرّه في داخلي وأبقيه. هو عملية تمويل المؤسسات، التي تعمل في خدمة الأفراد والمجتمعات. لقد درجت العادة أن يجتمع أهل الخير لجمع التبرعات. أسلوب لا شك مفيد، ويعرفه القريب منا والبعيد. وكان فعالا في مدى التأييد والدعم، من كل مقتدر كريم شهم. يحضره أساتذة أكْفاء، مفكرون وعلماء أجلاء، ذوو سمعة طيبة وشعلات ذكاء، يسيرون بيننا معلمين، منظمين لأفكارنا ومبرمجين، غاسلين أدمغتنا ومنظفين. نفخر بهم ولفضلهم ندين، يحضّون أهل الخير على الترغيب في النفقة، فإن المال لا ينقص من إعطاء الصدقة. ويستجيب القادر على العطاء، ويكتفي غير القادر بالدعاء.

 

لكني أحمل في نفسي أمرا، ولا أريد له أن يبقى في صدري سرا. فمنذ اثنين وعشرين عاما حضرت اجتماع تبرعات، ولم أكن أعرف من قبل هذا الأسلوب من الحفلات، وكان معي في القاعة العشرات، بل قل كنا نعد بالمئات. وكان المتحدث الحاضّ على الخير أستاذا دكتورا جليلا، أسأل الله أن يحفظه وينفع به الجيلا. بدأ بطلب أن يتبرع أحدهم بمائة ألف دولار، جحظت عيناي بالدهشة والانبهار، فقد كنت حديث عهد بالسنت والدولار، وكيف له أن يطلب مثل هذا المقدار، من اجتماع يحضره الفقراء، فهذه الاجتماعات لا يؤمّها الأغنياء؟ ولم يجبه إلى طلبه أحد. وبعد أن بح صوته، انخفضت نبرته، وهدأت من التعب نغمته، قسم المبلغ على اثنين ثم على ثلاثة فأربعة، ولم يجبه أحد إلى طلبه، لا عن شح وبخل وتقتير، بل عن عجز إمكانية و"تعتير".

 

وتتحمس إحدى الأخوات فتتبرع بإسورة وأخرى بخاتم، فيصب علينا غضبه، وينسى مكانته وعلمه وأدبه، ويقول: يبدو أن نساءكم أعظم، وهن خير من رجالكم وأكرم. عندها تركت وأسرتي القاعة، وأعترف أني لم اعد أكنّ له أي احترام منذ تلك اللحظة وحتى هذه الساعة. 

 

و مؤخرا تجددت معنا تفاصيل الحكاية، بعد تلك السنوات وكأنها البداية، مع أستاذ دكتور عالم، ظننته الأريب الفطن الفاهم، فبعد أن تبرعت إحدى الأخوات ببعض المال، نفث ما في صدره من حنق وقال ما معناه:  أليس في القاعة رجال؟ هل يهيننا هؤلاء لأنهم تبينوا أن أدمغتنا ورجولتنا خراب، لأننا لا نملك لإصلاحها الأسباب؟ وبعرفهم فإن الأسباب هي أن تكثر مالك، فتصلح به حالك. وحتى تكون رجلا فحلا، لا بد أن تكون لقارون ندا وزنا وعدلا، وإلا فقدت الرجولة وصرت قتورا بخيلا نذلا. يريد هؤلاء أن يفهمونا أن الرجولة هي في وفرة السيولة.  وقد بحثت وما أزال، فلم اتوصل الى علاقة سيولة المال، في الرجولة والرجال. فألادب الأدب، يا أهل الشهادات والرتب!!!!!

 

أشهد أني لم أسمع ذلك إلا من هذين "العالِميْن"، ولا أقصد هنا إلا هذين الإثنين، وهما، وابعادا لكل شبهة، ليسا لندنيين.

 

وأخيرًا فإن لي في حفلات جمع التبرعات رأيا قد يفيد، وحتى لا يكرر البعض التعرض للرجولة من قريب أو بعيد، فبدل أن نبدأ بطلب الألوف ونعيد، ونكرر ذلك ونزيد، لنجربْ أولا بطلب تفريغ الجيوب من القطع النقدية الصغيرة، فنعطي الفرصة للجميع ليتبرعوا، بدل أن نطالبهم بالآلاف فيفزعوا. ثم نرفع سقف التبرع للأقدر فالأقدر، وبذا نجمع ما أراده لنا الله وقدّر.

 

تجار الآخرة

حدثنا أبو الكاشف، ابن لندن الخبير العارف، غير هياب ولا خائف، ولا منكر لما يقول ولا آسف، فالكل يعرف أنه لنصرة الحق واقف، ولأهل الرياء قارف، ولأهل العنجهيات عائف. ولأسلوب التنطع والفذلكة مخالف، ومن بحر الصدق والإخلاص غارف، ومن عسل الكلام وحلوه قاطف، وللبغي والظلم وأهلهما ناسف، وإن أوصله ذلك ليكون الخاسر النازف، كلماته سيل جارف، وأعماله في انتصاره للحق لا توقفها تهديدات ولا قذائف. اكتسب الكثير من صديقه ورفيق عمره عبد المذل الكاتب، صاحب أفضل الصفات والمناقب، الذي لا يثنيه عن قول الحق لائم أو معاتب، ولا يردعه عما في رأسه مختال أو محتال ناصب.

حدثنا، وهو في حديثه صادق، بعيد عن كل مُراءٍ أو منافق، لذا نصدقه في كل ما يقول، وهو يتنقل بين أخباره العديدة ويجول، يهدأ قليلا ثم ينتفض فيصول. ما عرفنا عنه كذبا ولا زللا، وما خبرنا في سلوكه فسادا ولا خللا، فلمَ لا نصدقه، وقد اعتدنا أن يكون أول باب نطرقه، هو قبلتنا في معرفة الأخبار، وأحوال الأخيار، ومصارع الأشرار. قال:

خبري لكم اليوم عمن أقام تجارة مع ربه، طلبا لله وحده واستئناسا بقربه، وتعبيرا عن شكره واستمتاعا بحبه. ألم يقل في محكم تنزيله، وأنصع تأويله، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، رفيق وصاحب كل معتد أثيم، مبعد أتباعه عن الصراط المستقيم: "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟ تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون". (الصف 10).

هذه هداية رب العالمين، لأحبائه من المؤمنين، منيرا لهم طريق الحلال في الكسب، بعيدا عن الاحتيال والغش والنفاق والنصب، ومبشرا بالنجاة من العذاب، عندما يحين موعد العودة والإياب، إلى الله المعطي الوهاب. بشرى يفرح لها أهل التقى، بما يبعدهم عن الهوان والشقا. نعمة ليست إلا لأهل الصلاح، فهي لهم نعم العدة والسلاح.

الموضوع بحاجة لمثل هذا المدخل حتى تتفتح له الآذان، ويتعلم منه كل ذي لب وجنان، ويعرف معنى صدقة البر والإحسان، التي تجري ما جرى بها مر الأيام والأزمان.

بطلة قصتنا امرأة فاضلة، أصفها بذلك مع أني لا أعرفها ولا أعرف لها اسما ولا عائلة، فالاسم لا يدل على صفاتها، بل فعلها ما يحيي ذكرها بعد وفاتها. لم نعرفها في حياتها، ولكنا سمعنا عن فعلها بعد مماتها. دعونا لها بالرحمة والغفران، وأن يسكنها ربها في أفسح الجنان، فهي صاحبة صدقة جارية، تمطرها الرحمات الربانية من كل زاوية.

أنتم الآن تسألون ماذا فعلت، وماذا قدمت؟

هذه السيدة العظيمة دعاها الله إلى جواره، واصطفاها مع أحبائه وأخياره، فقد جاء أجلها، وانتهى من الدنيا عملها، فكان عليها الرحيل للقائه، تسأله الحشر مع الصديقين من أحبائه. وتريد النجاة مع مريديه وشهدائه، فتذكرت التجارة التي تنجي من النار وعذابها، وتدخل الجنة من أوسع أبوابها، التجارة مع الله العظيم، الوهاب الكريم، المقتدر العليم، فكانت وصيتها أن تهب ما تملك من مال وذهب، لله الذي أعطى كل ذلك ووهب، تهبه إلى المركز الإسلامي في لندن، مع إغفال إخراج الأمر إلى العلن. هذا هو المال الذي يبقى، وكل ما عداه يهلك ويفنى. فنعم تلك التجارة الرابحة، وهنيئا للأخت الفائزة الناجحة.

ذكرني ذلك العمل الرائع بأغنياء أمتي وخزائنهم المليئة بالمال، ودعوت أن يكون كله من حلال، وأن يفنيه أهله في أفضل الأعمال، في التجارة مع الله العالِ المتعال، قبل أن يقتربوا من نهاية الآجال. وذكرني بمن يأخذون من بيوت الله بدل إعطائها، ويوهمون الناس ببنائها وإغنائها، كما ذكرني بمن كان يرفض أن يتقاضى من المسجد مالا، لأنه ماديا أحسن من المسجد حالا. 

أسأل الله لي ولأبناء أمتي الصلاح والهداية، حتى يكون لنا الفوز وتصلح لنا الخاتمة والنهاية. 

 

سُرّاق الجريدة

حدثنا أبو الكاشف، اللندني العارف أن أخاه الكريم، وصديقه الحميم، عبدَ المذل الكاتب، جاءه وهو حانق غاضب. فسأله مستفسرا، حاثا له مستبصرا: ماذا جرى يا عبد المذلّ، أرى حزنا على وجهك قد أطلّ؟ قال بل هو حزنٌ وغضبٌ إلى نفسي تسلل. أجلس إلى نفسي الكئيبة، فتشعرني أني في مصيبة. أحاول تهدئتها، فلا يتغير شيء من هيئتها. أحاول أن أحاورها، فتشير لي إلى ما يجاورها. تقول انظر حولك، وتمعّن بما أصاب أهلك. ألا ترى أنكم كثيرو العدد، وتفتقدون الساعد السند، ويتخلى عنكم العون والمدد. فلماذا هذا يا هذا؟ أمركم يهون،لأنكم متفرقون، وعن مصلحتكم غافلون، وأجزم أن من يريدون الخير للغير بينكم قليلون. فعلى المستوى الفردي بينكم الكثيرون، ممن يعملون لإيذاء الغير ويكيدون. جهل تفشى عند البعض، ولم يعد يهمه لا أرض ولا عرض. في طبعه الأذى، ويرى في عيون الآخرين القذى. ينصب ويحتال على إخوانه، ولا يهمه إن كانوا من أهله أو جيرانه. المهم أن يستفيد، وعن سوء طباعه لا يحيد. وإلا قل لي بربك عن أخلاق من يعاديك، لأنه لا يستطيع أن ينافسك أو يجاريك. إن اختلفت معه في الرأي، كان رده عليك العداء والبغي. والأمثلة على ذلك كثيرة، والمجالات في ذلك عديدة ووفيرة.

أقرب الأمثلة إلي الآن جريدة (البلاد)، وما تلقاه من بعض العباد، الذين درجوا على الكراهية والفساد والإفساد. نحن نعتقد أنها جريدة، دون أن نزكيها، فيها من النزاهة والحيادية ما فيها. وفي هذا الأمر قد نختلف، ولا بأس أن يكون لها موقف ولهم منها موقف. فنحن في بلاد الحرية والتعبير الحر، حيث تسود الحرية كل أمر. و(البلاد) تؤمن بالحرية التي لا تعتدي على أحد بشخصه، ولا دخل لها بحيْصِه وبيْصِه. لكنها لا يمكن أن تسكت على ما يضر الفرد والأمة، ويجلب لها الضيق والغمة، أعْجَبَ ذلك الفاسدين أم لم يعجبْهم، رضوا عنه أم لم يرضهم. ومن لا يرضى يمكنه أن يرد، واتساع صدورنا ليس له حد. أما أن يلجأ إلى السرقة واللصوصية، فذلك لعمري جبن ونذالة وغموصية (1). إنّ كل ما يفعل أن يأتي إلى مكان عرض الجريدة فيغطيها، ويحسب أنه يحجب عن  القارئ ما فيها. وهناك من يعمل على أخذها وإخفائها، فيكون في فعلته قد عمل على زيادة توزيعها وإطرائها. بدورنا نشكر هؤلاء السارقين، لأنهم يعلنون لنا أننا على طريق الحق واليقين. لكن أمر سرقاتهم أصبح رسميا وهو رهن التحقيق، وهذا إعلام لكل حاقد معتدٍ صفيق. تلك هي الاعتداءات المادية، لكن تتبعها الاعتداءات اللفظية المعنوية.

لا يخفي عليكم أننا ننشر بعض الأخبار الجريئة، فنتلقى عليها من الجهلة الشتائم البذيئة. واحد يطعن في ديننا ويحجز لنا مكانا في النار، وكأنه يحمل مفاتيح الجنة فيبعد عنها من يشاء ويختار. وهناك من يجعلنا عملاء لهؤلاء وهؤلاء، وهم في تقويم الخلق سفهاء بلهاء. وهناك من يشتمنا من أجل الشتيمة، فلا نرد عليه ولا نعيره أي انتباه ولا نعطيه أية قيمة. بل إننا نعتبر كل ذلك دافعا للاستمرار على طريق الحق، وإن كثر علينا الصراخ والبعق (2)، وعلا خلفنا الصياح والنق.

حتى بعض أبناء جلدتنا، ومن يدّعون أنهم من ملتنا، سعوا بالإفساد بيننا وبين بعض الساسة، واتبعوا طريق التياسة، بعيدا عن الدماثة واللطافة والكياسة.

كل هذا في بلد نحتاج فيه إلى كل عامل، وإلى نبذ كل متهاون خامل. فبينكم أناس يقدمون الأنفس والجهود، اختاروا الكفاح ونبذوا الكسل والقعود، وتخطوا بعملهم العوائق والسدود، للحفاظ على الهوية، وإذكاء روح الوطنية، وإحياء التراث واللغة العربية. فلا أقل من عرفان جميلهم، بدل إيذائهم وتعطيلهم. لكنْ كما أن لكل جواد كبوة، ثقوا أن لكل سارق هفوة، وعندها ستكون فعلته عليه جَذوة (3)، فليحتمل يومها العناء والمشقة والقسوة. وفوق ذلك عذاب الضمير، حين يصير معه كالأسير، لا معين له ولا نصير. ولا سماح ولا مغفرة، حتى يزور المقبرة. 

(1)   الغموص: المشكوك في دينه

(2)   البعق: شدة الصوت 

(3)   جمرة النار   

 

التقويم والترميم

حدثنا أبو الكاشف، اللندني المطلع العارف، الذي لم يوصف يوما بأنه خوار أو خائف، ولا نادم على قولة حق أو آسف قال:

دعانا أخونا عبد المذل الكاتب لزيارته، فعجبنا من دعوته، ولم نعلم شيئا عما في نيته. فقد كان هو الذي يأتينا، ويحمل لنا من الأخبار غثا وسمينا. فجاءنا فكر بغيض، من أن متوعك ومريض، ولذا كان سعينا له كالوميض. فوجدناه بصحة جيدة وعافية، فحمدنا الله على نعمه الغالية. قام مسرعا للقائنا وهشّ، وابتسم لدى وصولنا وبشّ، وبجهور صوته قال مرحّبا، أهلا بكم وسهلا ومرحبا. والحق أن بعضنا وقف مندهشا ومستغربا. لمح عبد المذل في عيوننا نظرة فضول، دون أن ننطق أو نقول، فانبرى ليزيل عنا الاندهاش، ويريح تفكيرنا من التمدد والانكماش. قال: أعلم ما تفكرون، فأنتم تقولون، ما الذي دعا عبد المذل لدعوتنا إليه، وقد اعتاد أن يأتينا هو برجليه؟ ليس هناك ما يدعو إلى الحيرة، فقد مللنا الجلوس من مكان واحد ويجب أن نرى غيره. هذا كل ما في الأمر، وليس هناك غموض ولا سر.

كان عبد المذل قد أعد لنا المجلس، وجال بيننا وطاف وتبيهس (1). ثم قال بعد أن جلس.

هاتوا ما عندكم، أريد أن أسمع اليوم منكم. ماذا عندكم من الأخبار، عن أشرار القوم وعن الأخيار، من حط منهم على الأرض ومن كبر رأسه فطار. مضى زمن ليس بالقصير، لم نسمع فيه القليل أو الكثير. ما أخبار جمعياتكم؟ ماذا فعلت مؤسساتكم؟ ماذا سبق وماذا سيأتي من تشاطاتكم؟

وانبرى له أخونا عبد الصبور، الذي ما عرف يوما أنه يغضب أو يثور، هادئ الطبع رزين، إن نظرت إليه ظننت أنه حزين، لكنه في الواقع عنوان للحلم، وأهل للثقة وعنوان للموادعة والسلم قال: والله يا عبد المذل اعتدنا أن نسمع منك الأخبار، الداخلية منها وأخبار البلاد والأمصار. الحقيقة أننا منذ مدة لم نسمع عن جمعياتنا ما يثير، فهي هادئة مطمئنة، لا يعكر صفوها شكوى ولا أنه. أعضاؤها في غاية الانسجام، وأحوالهم كما يقال تمام تمام. صحيح أننا لم نسمع منهم عن نشاط أو حركة، لكن كما تعلمون كل ذلك خير وبركة. فالعمل، قد يعرّض الإنسان للخطأ والزلل، فلم المغامرة والإتيان بالعلل؟ الراحة محبذة ومطلوبة، عزيزة على النفس محبوبة. خاصة لا أحد ممن انتخبهم، يأبه لما يفعلون أو يحاسبهم. حتى أنشطة الغير لا يحضرونها، يغمضون عنها ويتجاهلونها، يريدون غيرهم أن يعمل لهم ويتعب، ويكفيهم أن يجنوا هم الفائدة والمكسب.

وبصوت واحد قال كل الحضور: كلامك درر يا عبد الصبور. أعجب الجميع بما عرض، فطلبوا منه دواء لذاك المرض. فقال: الذنب ليس كله ذنبهم وكلنا ملوم، هم يحبون الكراسي والزعامة، وهذا مبدأ من الأزل حتى يوم القيامة، ونحن نمنحهم هذه الفرصة، ونجلب لأنفسنا الحسرة والغصة. كلكم كنديون، والديمقراطية تعرفون، والحرية تدركون، وقريبا تأتي الانتخابات، عند كافة الهيئات والمؤسسات والجمعيات، كل المطلوب أن تكونوا إيجابيين، لا حياديين ولا سلبيين. استفيدوا من التجارب الكندية العريقة، في اختيار من يمثلكم، ومن ينوب عنكم، ويتحدث باسمكم. ألا ترون نواب السياسة، وقت الانتخابات كلهم لطف وتهذيب وكياسة. يدقون أبوابكم، ويسالونكم وينتظرون جوابكم، وأنتم تسألون، وهم يجيبون. تسألون عن مؤهلاتهم، وتطمئنون على خبراتهم، تريدون أن تعرفوا ما عندهم من برامج، وما سيطبقون علينا من مناهج. فهل وقف أحد منكم يوم الانتخابات، في اجتماعات الجمعيات والمؤسسات، وطلب من مرشح لمنصب ما عنده من تجارب وخبرات؟ هل سأله يوما عن برنامج له ينوي تطبيقه، وعن الأسلوب والطريقة؟ بل إنكم يوم الانتخاب، قلما يتوفر لكم العدد الكافي للنصاب، وتكون الإدارة للقليل ممن حضر، فلم الشكوى ولم الغضب والكدر، وأنتم الذين لم يكن لكم أثر.

نعم إن إداراتنا بحاجة إلى تقويم، لكن تصرفاتنا بحاجة إلى ترميم. 

(1)   تبختر

 

المقــامــة الحـزبـيــة

حِزْبُ أعْدَاءِ النَّجَاح

حدثنا أبو الكاشف، اللندني العارف، المتصف بالكياسة، الكاره للخمول والتياسة، ويتعاطي أحيانا المداورة والمناورة والسياسة، يحبه الأصدقاء، وليس له خصوم ولا أعداء. إذا حدث أمتع، وإذا انتقد أوجع. ليس سهلا أن تعد كل صفاته، ويصعب عد مؤهلاته وميزاته. صديقه عبد المذل الكاتب هو الأقرب إلى نفسه، وهو صاحب جلساته ورفيق أنسه، لا يستطيع أن يتحمل بعاده، فإن بعدَ فقدَ الهناءة والسعاده، فاسمعوا ما حدثنا أيها الساده، قال:

بينما نحن جلوس بعد الظهر، صامتون كأن على رؤوسنا الطير، لا نجد حوارا ولا ثرثرة، كأننا نجلس في مقبرة. كأن كل الاحاديث قد انتهت، وكل الموضوعات قد تطايرت وتفلتت، فلم يبق منها ما ينفع للتبادل، حتى وإن كان من قبيل المجاملة أو التحايل. جلسة كل ما فيها مملّ، فقلت في نفسي أين أنت يا عبد المذل. يا صاحب الأخبار العديدة والأكيدة، القديمة منها والجديدة. متعة سماع أخبارك، مفيدة مشاركتك في أفكارك. وكنت أعرف أن كل هذه الأفكار كانت تدور في رؤوس القوم، الذين كاد يسيطر عليهم النعاس ويغشاهم النوم.

ولكن هذا الانتظار لم يطل، فها هو عبد المذل قد أطل، فانفرجت من القوم الأسارير، واستيقظوا وكأنهم المغاوير، وفسح كل منهم لعبد المذل مقعدا بجواره، حتى يكون أقرب له من سواره. سار عبد المذل حتى جلس قربي فأنا صديقه أبو الكاشف، وكان في يده اليمنى هاتف. رفعه أمام عينيه، وحرك على أرقامه إصبعيه، ثم وضعه على إحدى أذنيه، وقال ألووو.

صمت طويلا مستمعا، وبدا لونه ممتقعا، يبدو أن المتحدث من الطرف الآخر قد أزعجه، لأننا سمعناه يتمتم بعبارة "ما أسمجه". لم نرد التدخل مباشرة في الحوار، فقد يكون في الأمر حكايات وأسرار، وتركناه حتى يصرّح ويبوح، وكل الموضوع ينتشر أمره ويفوح. وهذا حقا ما حصل، فقد تنحنح عبد المذل وسأل: هل تريدون سماع الحكاية، من النهاية إلى البداية؟ إذن اسمعوا لتحققوا الغاية. وبصوت واحد أجاب الجميع، أنت صاحب الأمر وكلنا لك مطيع. هات ...

سأل: هل تعرفون كم حزبا في بلدتكم هذه؟ فعدّ الحاضرون الآحزاب، وغاب عن بالهم من الأحزاب من غاب. قال: هذه أحزاب سياسية، لبرامجها أهداف اقتصادية واجتماعية؟ فهل تعرفون غيرها؟ لم يجب أحد منهم، وطال صمتهم فأجاب هو عنهم. في بلدتكم هذه حزب هو أقوى الأحزاب، برنامجه يقوم على الدمار والخراب، يكره الذكي الأريب، ويسعى له بالدمار والتخريب، يكره نجاح الغير، ويرجو للغير زوال الخير. هو حزب لا ينفع معه طب ولا لقاح، هو حزب أعداء النجاح.

صاح الجميع، ومن أنشأ هذا الحزبَ الفظيع؟ لا بد أن أعضاءه كأنعام في قطيع.

إذن إليكم حكايته، وهاكم قصته وروايته. هو عبد لأحد أسماء الله الحسنى، لكنه لا يحمل من ذاك الاسم معنى ولا مبنى، همه أن يملأ بطنه بالصحون والملاعق والمغارف، وأن يملأ بماله البنوك والمصارف، ولا يهمه جمعه من أي طريق، المهم أن يعيش ولماله في عينيه (ذياك البريق). نفاق كل ما يقول، وأراهن أنه من أحفاد ابن سلول. اذا التقاك احتضنك وقبلك، واذا ابتعدت عنه اغتابك وطعنك. تظن أنه صديق فتأمن جانبه، وإذ به ينشب في ظهرك مخالبه. غايته الإيذاء، فالكل أمامه أعداء. ولا يهمه ما توسوس له نفسه العليلة، فشعارة الغاية تبرر الوسيلة. والمصيبة أنه يدّعي أمام القوم أنه أستاذ، ويصنف نفسه بين الأفذاذ، وهو أجهل من الجهل، وفي تكبره يفوق أبا جهل. يتنكر لمن يقدم له يدا، وكل معروف لديه سدى. إسأل عنه العاملين معه، سيقولون لك إنه عبد للسنت والدولار، يدور معه أينما دار، لا يتورع عن الغدر بأصدقائه، عله يشفى من غل قلبه وسودائه.

لا اعرف سبب حقده على الناجحين، رغم انه يدعي انه من المؤمنين، والمؤمن لايطعن اخاه في الإنسانية أوالدين، يشيع عنهم الإشاعات، انتقاما مما حققوا من نجاحات، فافتضح ما كان من أمره، وانكشف ما خبأ من سره، ولم يشفِ حزبه حقد صدره، فارتد نصله إلى نحره، حتى يكون عبرة لغيره. وسيظل في هذه البلدة صنما لا ينفع ولا يضر، منبوذا من كل امرئ محترم حر. فلا تسامحوا أعداء النجاح، وتجاهلوهم مهما علا منهم العواء وارتفع منهم النباح.  

 

   رحمة باللغة العربية

حدثنا أبو الكاشف ابن لندن الخبير المطلع العارف، ذو الأحاديث الممتعة واللطائف، وليس في أخباره قديم أو تالف، جادّ في الحديث، رغم أنه في بعضها خبيث. مزاحه جِدّ، وجِدّه فوق الجِد. يجلس إلى أصدقائه، فيمتع بحديثه كل جلسائه. يخوض في كل الموضوعات، القديمة منها والحادثات، يتحدث في أحداث التاريخ، حتى يصل إلى علوم الفضاء وغزو المريخ. كثير الاطلاع، ولا يمل من الحديث والسماع. عبد المذل الكاتب أصدق أصدقائه، يوم لا يراه كأنه إنسان تائه، ينتظره كل يوم، فعنده أصدق أخبار القوم، لكثرة طوافه وتجواله، وتفحص المجتمع وأحواله.

ها هو اليوم قد أعد الديوان، لاستقبال الأصدقاء والخلان، فهو دائما على موعد معهم، وهم لا يخلفون موعدهم، ليس عندهم مكان أهم، فهنا الحديث والعلم يجلوان الهم. يحضرون كل يوم كالعادة، حبا في متعة الحديث والاستفادة. في الجالسين كل أبواب التخصصات والحِرَف، في علوم الرياضيات والنقش على الخشب والخزف، فيهم المعلمون والكتّاب، والمحترفون في كل فن وباب.

أبو الكاشف يرحب بجلسائه، ويضحك ويمزح مع ندمائه، يتبادل مع بعضهم النكات، ويلقي على بعضهم النصائح والعظات، وترتفع معها الضحكات والقهقهات. يقول: تأخر عبد المذلّ، لكنه بعد قليل سيطلّ، لا بد أن شيئا هاما أخّره، وعلينا أن ننتظره. وما أن أكمل كلامه، حتى وجد عبد المذل الكاتب أمامه.

ما سبب التأخير يا أخانا، هل وجدت أحدا تجالسه سوانا؟ أم أن لديك خبرا جديدا، تسوقه إلينا خاصا وفريدا؟ هات ما عندك وأطِلْ، ولا تخبئ شيئا ولا تؤجلْ، وأكثر من الدقائق وفصّلْ، فنحن مشوقون لأخبارك، وكدنا نذهب ونستطلعها في دارك!!!

اعتدل عبد المذل في جلسته، مستمتعا بما سمع من مديح صحبته، ومد يده، فنظر الجميع إلى راحته، ثم إلى فيه ليستمعوا إلى خطبته، قال:

أيها الكنديون الأفاضل، يا آل عليّ وعزوز وحمداني وفاضل، وجودكم في لندن أنتاريو، لا يعني تحولكم إلى مو ومايك وماريو. كندا بلد مضياف، يريد احتفاظك بأصلك ولغتك دون أن تخاف. كن عربيا ولا توْجل، وأعلن عن نفسك ولا تخجل. تعلّم تاريخ أمتك، وحافظ على تراثك ولغتك، وأضف إليها معرفة بلدك الجديد، ففيه مستقبل الكبير المسنّ منا قبل الوليد.

فرفع أبو الكاشف صوته وقال: لا فض فوك يا صديقي، فأخبرنا الهدف الحقيقي، ما مناسبة هذه الخطبة العصماء، وما دخلها في جلستنا هذا المساء؟ لا بد أن عندك خبرا، حتى تضرب هذا الوترا، وتقضي من ورائه وطرا.

لا يا أبا الكاشف، يشهد الله أن ليس لي فيه شخصانية، وليس فيما قلت أي سوء نية. إنه مستقبل لغتنا التي تكاد تندثر، حيث لا يبقى لنا ولها أي أثر. يحزنني سماع أبنائنا يرطنون، ولغة آبائهم لا يتقنون بل لا يفهمون. وما يزيد الطين بلة، أن المؤسسات التي أخذت المهمة على عاتقها هي العلة. تدعي تدريس اللغة العربية، وهي أبعد ما تكون عن هذه الهوية. ويخجلني أن أعدد لكم مؤهلات مدرسيها، التي لا علاقة لها باللغة العربية ومؤسسيها. الكثيرون منهم لا يتقنون نطق الحروف، ولا يعرفون الصفة ولا الموصوف، كل مؤهلهم أنهم يتكلمون لغة أمهم،  ويمتون بصلة قرابة في قومهم.

أرى إن كان الأمر بهذه السهولة، فغدًا سأعلن عن افتتاح كلية، تدرس اللغة العربية، وأعلن عنها في جريدة البلاد، ليراها كل الناس والعباد، ويكون نص الإعلان كالتالي، إعلان هام إلى كل الأهالي، لمن له أطفال ولمن لا يبالي. مطلوب مدرسون ومدرسات، عرب يتقنون كل اللهجات. وحبذا لو كانت لغة شامية، ستكون لها الأولوية، فإن لم يتوفر فلتكن صومالية، أليس الصومال عضوا في الجامعة العربية؟ 

 

مقامة جمعيات قطاع خاص

حدثنا أبو الكاشف، ابن لندن الخبير العارف، مخزن الأسرار، وجامع الأخبار، عن الأشرار والأخيار. أخباره من الكل، وخاصة من أخيه وصديقه عمره عبد المذل، قال:

خرجت مبكرا هذا الصباح، بعد أن شبع ديكنا من الصياح. فتحت الباب فلم أصدق ما رأت عيناي، عبد المذل جالس يشرب الشاي. لأول مرة في حياتي أراه قد سبقني، ومن عادته دائما أن يلحقني. حتى إنه جاء وشايه معه، فكدت من غيظي أن أصفعه، فنحن لم نقصر يوما في ضيافته، حتى يبادرنا بسخافته. فصحت به معاتبا، أقسو عليه معذبا، حاطا من قدره ومؤنبا: ما هذا يا صديق العمر، أتأتينا ومعك شرابك؟ وربما بعد قليل تأتينا ومعك طعامك. فهل رأيت منا يوما تقصيرا؟ نريد منك الآن توضيحا وتفسيرا، وإن لم تفعل فلن تكون مسرورا. ما الذي جاء بك في هذا البكور، وكأنك قادم مع السحور؟ وفوق ذلك معك الشراب، لتشربه عندنا وأمام الباب.

كل هذا وعبد المذل قاعد صامت، إلا من صوت حمحمة خافت. كان يعلو وجهه ظل ابتسامة، مع ما عرف عنه من شدة وصرامة. ولما سكتُ ابتسم ابتسامة فيها كل الحب والود، وعدل من جلسته قبل أن يرد: هل انتهيت من هذا الردح، الذي قصدت منه الهجو والقدح؟ لقد أحسست به اعذب من الثناء والمدح؟ أشكرك على كل هذا الحب، الذي لا تجده إلا عند أخ أو أب. الآن عرفت أن قدري عندك رفيع، وحبك لي مهما جرى لن يضيع، يا كريم الأصل، يا أغلى من الأقارب والأهل، يا ابن خير جد وأكرم نسل. تعال واقعد وانتظر الأصحاب، فعندي لكم اليوم مشروع يفتح لكم كل الأبواب، شرط أن تعملوا بجد وتأخذوا بالأسباب.

وبدأ القوم بالتوافد، واحدا يتلوه واحد، حتى اكتمل العدد وتم النصاب، وتحلق القوم وفي عيني كل منهم سؤال ينتظر الجواب. وبدأ عبد المذل يتصفح الوجوه، ليقرأ عليها ما يأمله ويرجوه، فهو يريد أن يعقد عليهم الآمال، فلا بد من دراسة المستقبل والمآل. وبعد دراسة حال القاعدين، واستعدادهم لسماع الخبر اليقين، جلا صوته وتنحنح، ليكون في كلامة أوضح، وفي تعبيره أقوى وأفصح، ثم قال:

أيها الإخوان الأعزاء، يا عنوان الأمانة والإخلاص والوفاء، وزينة هذه المناطق والأنحاء، أتوسم فيكم الخير كل الخير، ولا أرى في التعامل معكم أي ضير. كنتم دائما نعم الإخوة، وأصحاب المروءة والنخوة....

فانفجر أحد الجالسين صائحا، وأظنه كان ممازحا: وبعدُ يا عبد المذل، لقد فلقتنا نفاقا، فهلا أفصحت عما في نفسك، وأظهرت لنا ما يجول في صدرك؟ فماذا بعد هذا الكلام المنمق، الذي يصل حد التملق؟

رد عبد المذل ردا مباشرا، حتى لا يترك في الجالسين ملتبسا وحائرا: جئت يا إخواني أقترح عليكم تأسيس جمعية، في مدينتنا مدينة لندن الأبية. نحن بحاجة لنكون مجتمعين، متآلفين متعاونين، حتى يكون لنا صوت مسموع، ورأس مرفوع. نحن بلا جمعية تضمنا، ضعاف، وبها نجري قدما فلا نخاف، أما قالوا إن في الاتحاد قوة؟ وفي التفرق هم وذل وشقوة؟ فلنعمل ما بوسعنا، ولنبذل كل جهدنا،  ليكون لنا في المجتمع وزن، وإلا قضينا عمرنا في هم وغم وحزن.

فانبرى أحد الحاضرين متسائلا، وبصوت أشبه بالاعتراض، قائلا: ولكن في مدينتنا الكثير من الجمعيات، فما الفائدة من زيادتها، أم انك تسعى لتكون أحد قادتها؟

فقال عبد المذل جادا، ولم يبد عليه أنه صار حادا، بعض الجمعيات التي ذكرت جمعيات كأنها سرية، لا تعرف لها هوية، ولا تعرف هل هي جمعية شعبية، أم مؤسسة حزبية. لا تعرف لها أعضاء ولا هيئة إدارية، وأطرف ما فيها عملية الانتخاب، التي تتم بين القليل من الأصدقاء والأصحاب، وخلف أبواب مغلقة، ونتيجة مرسومة ومحققة. نتيجة  محصورة في أشخاص كل همهم الظهور كزعماء، لجالية سلبية لا تهتم بما يفعل الرؤساء. أتحدى كل واحد فيكم أن يسمي لي أعضاء واحدة من هذه الجمعيات، فإن لم تفعلوا كنتم أشبه بمن يسمون إمّعات. بعضهم يظن أنه يضحك على السياسيين، حين يقولون إنهم يمثلون الجالية. مسكينة أيتها الجالية الغالية. حماك الله من الانحدار والهاوية.

وبعض الجمعيات قطاع خاص، مملوكة لعدد من الأشخاص. منذ عقود وهم يتولونها، وعائلات معينة تتوارثها. ولا أحد يعرف من يديرها، ومن رئيسها وأميرها. وإياكم أن يفكر أحد منكم بتقديم الخدمات، فلن تكسب منهم إلا البغض والعداوات. جربوا الترشح لهذه الجمعيات، وستعترضكم العراقيل بالمئات، وستتهمون بأنكم ستستولون على المؤسسة، وأنكم بارعون في الخبث والهندسة،

ولذا دعوتكم اليوم لنكون جمعية معلنة، لا تهدف إلى سيطرة أو هيمنة. وسيكون رئيسها أبو الكاشف، اللندني العارف، فهل بينكم معترض أو مخالف؟     

 

المقامة الانتخابية

حدثنا أبو الكاشف، اللندني العارف أن صديقه المراقب، عبد المذلّ الكاتب، غاب عنه فترة من الزمن، حتى ظن أنه غادر الوطن. لم يعد يقلق عليه، حتى ولا يحنّ إليه. يعلم أنه لا بد عائد، ولعل لغيابه بعض الفوائد. على الأقل يرتاح من شغبه، ويحط عنه بعض تعبه. ولا شك أن غيابه لعمل فيه مصلحة عامة، وأشهد أن كل أعماله هامة. لا يقصد من ورائها إلا الخير، ويهمه قبل نفسه مصلحة الغير. ولن يطول بعد اليوم غيابه، وإن غاب فله ظروفه وأسبابه.

حضر في اليوم التالي لمجلسنا المعتاد، وقد بان عليه الإرهاق والإجهاد، سلّـّم محيّيا وقعد، وتنفس عميقا وتنهد. قلنا له مرحبين، وبعودته مهنئين: مرحبا بأخينا الكاتبِ الذي طال غيابه، فاشتاق له رفاقه وأصحابه، لا شك أنك بعد هذا الغياب، تحمل لنا كل ما لذ من حديثك وطاب. أخبرنا أين كنت، وماذا من غيابك جنيت. شنّفْ بأخبارك الطيبة آذاننا، وأزل عنا همومنا وأحزاننا.

فعدّل جلسته، وصوّب نحونا نظرته، وخاطبنا وقد أعلى نبرته: عن أية هموم تتحدثون، وعن أية أحزان تهرفون، وأية أخبار تودّون؟ وكل همكم أن تجلسوا مجلسكم هذا تدخنون، وتنِمّون، وتافه الأغاني والمسلسلات تسمعون وتشاهدون، وبعد ذلك هات أسمعنا يا عبد المذل، أسمعنا ولا تُطِل، وكأنكم في شغل مفيد وعمل.

هل تعرفون شيئا عن أخبار البلد الذي فيه تعيشون، وتسرحون فيه وتمرحون، وتأكلون من خيره وتشربون، ثم بعد ذلك تلعنونه وتسبّون؟ كم واحد منكم يعرف أنه بعد أيام تأتي علينا الانتخابات؟ ويعرف ما عليه في  الانتخابات من واجبات؟ أم أن معرفة الحقوق فقط هي الأولويات؟

غبت عنكم لأستطلع ما يعرف أبناء مجتمعنا عن وطنهم، ولأعرف شيئا عن جهودهم ومساهماتهم. فوجدت نوعا لا يعرف أحزاب البلد، ولا بحث عنها ولا جدّ ولا وجد، وكأن تلك المعرفة لا تعنيه، وأن ما عنده من العلوم والمعارف تكفيه. والغريب أنه يتحدث وكأنه عالم في السياسة، وإن  اختبرته رأيته يجهل السياسة وتنقصه اللباقة والكياسة.

ورأيت نوعا يظن أنه يعرف، ولا يعرف أنه لا يعرف، وإن عرّفته رفض، وثار عليك وانتفض، فكيف تجرؤ وهو في علمه بروفيسور، وينادونه يا دكتور. تتبع ما عنده من دكتوراه، وستجد  أنها شهادة مشتراه، وبها أصابه الغرور. لكني سأسكت حتى لا أفضح المستور.

وهناك من يعرف ويقرأ ويتابع، وقابل بما عنده وقانع، ويرضيه الدائر بين الناس والشائع. كسول خانع، وفي مكانه ساكن وقابع. اطلبْ منه نشاطا أوحركة، فيقول إنه تكفيه البرَكة، ولا أدري كيف يكسب مع نفسه المعركة. له صفات انطوائية سلبية، ولا تهمه في حياته أية قضية، حتى وإن كانت شخصية. فانظروا حين تظلنا بعد أيام الانتخابات، كيف يتخلف عن أداء واجبه القوميّ، بل أقول واجبه الدينيّ العقديّ الشرعيّ، وإن أطلقت عليّ الاتهامات، التي تصل إلى حد التكفير وعبادة العزى واللات.

وهناك من يعترف بحقه في الانتخاب، ولكنه لا ينتخب انتظارا لتوفر الأسباب. فهو ينتظر أن يحكم الإسلام البلاد، ثم ينتخب الإخوان  الزهاد والعبّــاد. وعلى هذا سننتظر الكثير، ويعلم الله يومها أين سنصير. فهل بهذه الطريقة يمكن أن نحقق التغيير؟

التصويت في الانتخابات - شرعا - واجب، وإلا فلن يكون لنا في البرلمان أية مكاسب، فكيف لنا – وقد تخلفنا – أن نسعى إليه وأن نطالب؟ بتخلفنا عن الانتخابات نلغي وجودنا ككنديين، ولا يعترف بحقوقنا يسار أو يمين، ونصير في بلدنا بلا وزنْ، وحتى نحنُ لن نعرف من نحنْ!!!

بعد أيام قلائل قِصار، وتحديدا في الثاني من شهر أيار، يوم  الانتخابات، يوم تحديد وتخطيط السياسات، ليخرج كل الكنديين من كافة الأعراق والثقافات، وحدانا وزرافات، للإدلاء بأصواتهم، لاختيار نوابهم. تعرفوا إلى نوابكم وبرامجهم، لتعرفوا ما سيكون في المستقبل من إنتاجهم، ادرسوا وعود الأحزاب، وما جاء عن كل منهم من خطاب، وحكّموا ضمائركم، ساعة تضعون في الصناديق أصواتكم.   

 

   المقامة التطاولية

حدثنا أبو الكاشف، اللندني العارف، أن صديقه المراقب، عبد المذل الكاتب، كثير الميزات والمواهب، الذي يواجه أحيانا أزمات ومصاعب، فلا يحقق من مواهبه أرباحا ولا مكاسب، جاءنا يوما فرحا مرحا، وقدم لنا من عنده مقترحا. قال إن في نية أخيه عبد الباري، الذي لم نسمع عنه شيئا من قبل، أن يقيم أمسية شعرية، وقد يجعل منها لقاءات شهرية. وسيطبع مجموعة من الكتب، يضمنها ما  فاضت به قريحته من فن وأدب، وسيقيم معرضا يعرض فيها منحوتاته، والعديد من رسومه ولوحاته، وسيخبركم أنه صار مراسلا لصحيفة البلاد، حتى يستفيد من موهبته الصحفية العباد. وسيقدم مسرحية إخراجا وتأليفا، حتى تكون له سمعة طيبة وتشريفا. هو شاعر نحرير، يجيد القراءة والتحرير، ويتعاطى الكتابة والتعبير، فهو من أهل الأدب والتحبير. والرسم والصحافة والتصوير. وفوق كل ذلك هو أستاذ في التربية، وخبير في علم التغذية. وأحيانا محلل في السياسة، وعنوان للباقة والكياسة. وهنا أدركنا أن كل فنه هراء، وجهوده سراب وهباء. وذكرني ذلك ما قيل عن برنامج (وندوز) عندما ظهر قبل سنين طوال، وقالوا إنك تقوم بمعاونته بكل الأعمال. (Multi Tasking)

وحتى يكسب عبد المذل منا الودّ، ويجدَ منا الجِدَّ كل الجدّ، اخرج لنا من جيبه ما يبرهن على موهبة أخيه، وقرأ علينا شعرا ليتنا ما سمعناه من فيه.

وعندما أراد أن يكمل أوقفناه، وعن الإلقاء منعناه، وأبدينا استياءنا وما اخفيناه، وعن إعادة هذا الهراء منعناه. واستاء هو أيضا مما قلناه: أي شعر هذا؟ أخوك لا شك هَـذى، فكف عن هذا الأذى، وارحم آذاننا وأعيننا من هذا القذى. قلنا ذلك بصراحة، وشعرنا عندها بالراحة، فالمجاملة هنا لا تفيد، وموقفنا واضح وأكيد.

وكم يعجبني ذلك النظم الذي قسم الشعراء، وصنف الأدباء، ولا أملّ من ترداده، فهو صادق وحكيم في إرشاده.  وأحسب أنه ينطبق على باقي الفنون، فليتنا نلتزم بهذا التصنيف، فنوفر على أنفسنا (البهدلة) والتعنيف. قال:

الشعراءُ فاعْلمَنّ أربعة                   

شاعرٌ يجري ولا يُجرَى معهْ

وشاعرٌ يخوضُ وَسْطَ المعْمعَةْ                      

وشاعرٌ لا تشتهي أن تسمعَهْ

وشاعرٌ لا تستحي أن تصفعَهْ 

فأي شاعر من هؤلاء أخوك، فض الله فاه ولا فُض فوك؟

وعندما تأكد عبد المذل من موقفنا، أخرج لنا من جيبه وريقات، واستعد للقراءة، وعجبنا منه لهذه الجراءة. قال: هذه قصة كتبها أخي عبد الباري، فالصبر الصبر يا جاري!! قلنا ننشدك الله أن تعفينا من قصص أخيك، نسأل الله أن يشفيه ويشفيك! ألا يكفينا ما جاء في شعره، حتى تتحفنا بقصصه ونثره؟

لقد رأى منا أصرارا، فأعلنها صراحة وجهارا، ولم يرد أن يخفيَ عنا أسرارا. قال: إذن انتظروا عودتي بعد قليل، لأريكم من مواهبه العظيم والجليل. وغاب عنا ساعة من الزمن، حماكم الله من الهموم والمحن. عاد يحمل تمثالا أبدعه أخوه المحبوب، الفنان النحّات العبقري الموهوب. وتحت إبطه لوحة كاريكاتورية على هيئته، تنبئ عن فنه العظيم وموهبته. وبالمختصر يريد أن يقنعنا أنه كل الفنانين جمعوا في واحد، جلّتْ قدرة الخلاق الواحد. 

وعندها انتفضتُ منفعلا، وبصوت عال جهوري قائلا: يا أخي يا عبد المذل، أنا أعرف عنك الفهم ورجاحة العقل، وأفهم أن أخاك قد يكون له من المهارة، أن يتقن استعمال آلات النجارة، ويمكنه قيادة السيارة، وحتى أن يبني عمارة. أما في الفن فلا تنفع هذه الشطارة، والمهارة في هذه المواقف، تختلف عن الكتابة والتعبير عن الأحاسيس والعواطف. فليلزم أخوك واحدا مما يجيد من الفنون، وإلا كان نوعا من أنواع الجنون. أما التطاول والاعتقاد أنه في الشعر درويش وقباني، وفي النثر جاحظ وأصفهاني، وفي الرسم ناجي العلي، وفي الصحافة هيكل، فذلك لا شك أمر محير ومشكل.

وسمعنا أنه أقام أمسية شعرية حضرها هو وأخوه، وتخلف عنها أبوه وبنوه. فرحم الله امرءا عرف حدَّه، فوقف عندَه.

 

حدثنا أبو الكاشف، اللندني العارف، أن صديق عمره عبد المذل الكاتب، عفوا الدكتور الكاتب، لم يعد يمر على مجلسه، ويتحفه بحديثه وأنسه، صار أكبر من جلسائه، وأعلى من ندمائه، وأرفع من أصدقائه. صار قليل الزيارات، وإن زار فقليل الكلمات، يتظاهر بتنميق العبارات، وحساب النظرات واللفتات والتلميحات. احترم الجميع منه هذه المواقف، ولم يوجد بينهم معارض أو مخالف. أجمع الكل على أنه حر في تصرفاته، وليسوا أحرص منه على حياته. لكن الحقيقية أنهم افتقدوا الكثير من أحاديثه المنمقة، وحكاياته الشيقة.

يقول أبو الكاشف: شوقي لذاك الوغد، ليس له حد. فمتى يعود إلينا، ونرى إطلالته علينا، حتى وإن كان دكتورا، نحن سنبقي موضوع (الدكتور) مستورا.

في مساء يوم آخر، أطل علينا ذلك الساحر، بوجه مختلف آسر. كان منظره ينبئ بالود، ويستاهل عليه الحمد. لم يكن ذلك المتكلف، ذا المظهر المتكبر المتعجرف،  كان يبدو ودودا، مبتسما محمودا.

نظر بعضنا إلى بعضنا باستغراب، ينبئ عن دهشة وإعجاب. لم ينبس أحدنا بكلمة، ولم يفتح أحد منا فمه. صمتت ألسنتنا عن الكلمات، ونابت عنها اللفتات والنظرات. في الرجل شيء قد تغير، ومنظره قد تبدل وتحور. يبدو على وجهه لمحة من حبور، تظهر أنه مسرور. كان يتقدم منا على خجل، بل هو نوع من الخوف والوجل. الخوف من الجفا، ونحن إخوان المودة والصفا، وعنوان المحبة والوفا. تقدم حتى صار بيننا، ودنا حتى كاد يحضننا، وقال بصوت ملؤه حنان، تجاه صفوة من الأصدقاء والخلان: جئتكم يا إخوتي معتذرا، آملا في صفحكم معتبرا،  غرني الشيطان الرجيم، ونفخ فيّ من روحه اللئيم، حتى ظننت أنني العالم النحرير، والأستاذ الكبير، الذي فاق جده العلامة ابن الأثير. ظننت أني أكبر بشهادة وإن كانت مزورة، ولم أدر أن الحياة مع التزوير، هي هم ونكد و(تعتير) أشرف منها كلها المقبرة.

إن جلستي معكم أيها الإخوان، لهي أجل وأشرف مكان، فيكم الأصل الشريف، والقلب النظيف، واللسان العفيف. أدركت بعد التجربة، واختبار الذمم المخربة، أنه لا فائدة في علوم عالية، ورُكب جاثية، إن صاحبتها رؤوس خاوية، ونفوس عارية، وضمائر بالية، وأخلاق (حافية)، لا تبقي من إنسانية الإنسان باقية؟

حاولت التظاهر بما ليس في طبعي، فلم أستطع غض بصري عن الخطأ ولا سمعي. تطلعوا حولكم وانظروا الخبر، في معاملات البشر للبشر، لقاؤهم ترحيب وعناق، وكلامهم دجل وكذب ونفاق، ووعودهم إخلاف وغش وشقاق. حمانا الله من  تعاملاتهم المادية، وتداولاتهم الاقتصادية،

كان المدين أيام كانت الأخلاق الطيبة صفة حميدة، يجري من دائنه وكأنه طريدة، لا هربا من سداد دينه، بل خجلا من أن تقع عينه على عينه.

واليوم بعد أن وقحت العيون، ونزعت عنها الجفون، صارت عيناه مفتوحتين للحملقة فيك، وكأنه في مالك شريك. والويل لك إن طلبت منه دينك، يكاد بحقد نظرته أن يفقأ عينك. والأكثر غرابة أني صرت أنا من يخجل من المدين، وأبدو أمامه كسائل مسكين، وأقسم أنني كنت دائما سمحا في الاقتضاء، محافظا على ذمة وعهد ووفاء، وفي ذهني أمل حي دائم ورجاء، ألا أفقد ثقتي، في شعبي وأمتي. وأرجو أن يكون هذا الخلق أمرا مؤقتا، ولا يكون الأسوأ خلقا مبيتا، يزيد الأمور تعقيدا وتعنتا، ويزيدنا تفرقا وتشتتا، وتمزقا وتفتتا.

لكن أرجو ألا يظنن إخواني أن هذه الصفات عامة، وإلا كانت الطامة، إن عندنا الكثير من الشرفاء، من أصحاب الذمم النظيفة والوفاء، لكن المؤسف أن السيء هو من يذكر أكثر، فيطفو إلى السطح ويظهر.

 

(1)   المملوء غيظا

 

المقامة الدكتورية

حدثنا أبو الكاشف، اللندني العارف، كثير الإخوان والمعارف، من أهل الفن والأدب والمعازف، من أهل الطبيخ والمناسف، ذوي الأكف والملاعق والمغارف، وأهل العلوم والمعارف وكل شخص سائر وراء هدف وواقف، أنه كان يوما يجلس أمام داره، مع كل محب لأخيه عبد المذل وكاره. جمع من الجيران، ولفيف من الإخوان، يتجاذبون أطراف الأحاديث، وفيهم الطيب والخبيث، من يضمر لغيره شرا، ومن يرجو للجميع خيرا.

وما أن جاءت سيرة أخينا عبد المذل، حتى أقبل علينا وأطلّ. كان بكامل هيئتة، عرفناه عن بعد من زينته، ومن هندامه وقيافته. ونحن نعرف عنه سابق أناقته، ولكن ليس اليوم على شاكلته. كان الأمر مبالغا فيه، وكان يزهو بما عليه ويتيه. يحمل تحت إبطه الأيسر شنطة، منتفخة وكأنها كيس حنطة. كان الكل ينظر إلى هيئته، دون الاهتمام بشنطته.

اقترب وسلّم، وتنحنح ولم يتكلم. والجميع ينظرون إليه باستغراب، ولم يعلم هل هو استهزاء أم إعجاب. لكن أحدا لا يجرؤ على الإفصاح عن دخيلته، خوفا من لسان عبد المذل وسلاطته. ظل الجميع صامتين، راجين أن يبدأ حديثه ومنتظرين. وظل الموقف على حاله وطال، حتى استفتح أبو الكاشف بالحديث وقال:

ما بك يا عبد المذل، أنت على غير عادتك، مع اختلاف في سلوكك وهيئتك. أخبرنا، هل من جديد لا نعرف، أخبرنا باختصار ولا تسرف. عهدناك عنوانا للمرح، وفيك جد مع سرور وفرح. ما هذا الجد الذي تعتليه، والوقار الذي تدعيه؟ كأنك لا تعرفنا، وكأنك لست واحدا منا!!!

واستشاط عبد المذل غضبا، ولم يعرف الحاضرون لكل ذلك سببا. جفل الجميع لهذا التصرف المفاجئ، وهذا السلوك الطارئ. صحيح أنهم يعرفون عنه الحنق، وأحيانا يتصرف بطيش ونزق، لكنهم لا يعرفون عنه كل هذه الحدة، والصرامة والشدة. فسكت الجميع وكأن على رؤوسهم الطير، ولكنْ في داخل كل منهم فضول لمعرفة الأمر، فقرروا الانتظار وليس في انتظارهم أي ضير.

ولم يطل الوجوم، فرفع عبد المذل رأسه فتوقعوا الهجوم. لكنه قال بصوت هادئ وقور، وكأنه ليس الشخص الذي كان قبل قليل يمور ويفور. يا إخواني، يا أحبائي وخلاني، يا صحبتي وجيراني .. صحيح نحن في هذه الديرة كالعائلة الواحدة، ولا يخفى على أحد من أمرنا شاردة ولا واردة، وصحيح أننا أصبحنا جميعا أصدقاء، لا ينقصنا لبعضنا إخلاص ولا وفاء، وصحيح أني أعاملكم بمودّة وإلفة، ورفعت ما بيننا من كلفة، حتى تساوينا في المنزلة والمكانة، وكدنا نفقد الاحترام والرصانة، التي قد تؤدي إلى الاحتقار والإهانة.

وبدأ صوت عبد المذل يعلو ويتغير، وكأن في داخله بركانا يتفجر. ما الذي جرى لهذا الرجل، حتى صار يغلي كالمرجل. كان قبل قليل بكامل عقله، وتمام اتزانه وشكله. تغير فلم يعد الشخص الذي عرفناه، ولا الصديق الذي ألفناه. كأنه لم يعد واحدا منا، ولا هو من نرجو خيره ونتمنى. لكن ما أقلقنا أننا نريد سبب هذا الانقلاب، وهذا التغير الذي جاء بلا أسباب. فقلت له قبل أن يكمل، أريدك أن تفصّل ولا تجمل، ماذا أصابك يا عبد المذل؟

وزادت مع عبارتي ثورته، حتى كادت تشق حنجرته، وقال صائحا معربدا: وتناديني باسمي مجردا؟ 

فقلت: وكيف يا أيها الديك، نخاطبك ونناديك؟ قال: تناديني بلقبي العلمي، الذي يتماشى مع قدرتي وفهمي. أنا مهندس ومدرس، أنا فنان (مهيوب) وموهوب، وأحمل أعلى شهادة، تؤهلني للريادة والقيادة والسيادة. أنا الدكتور عبد المذلّ، ولا أسمح بعد اليوم بما هو أقل.

نظر بعضنا إلى بعض ولم نستطع حتى الهمس، وأدركنا أن صاحبنا قد أصابه مس. كنا كمن صببت عليه الماء البارد، وصرنا جميعنا بين شاكر على نعمة العقل وحامد. اللهم كملنا بنعمة العقل، وأبعدنا عن الغرور والغواية والجهل.

ولكن يا عبدالمذل، عفوا يا دكتور عبد المذل، كيف حدث ذلك وما عرفناه من قبل؟ من اين لك كل هذه الألقاب الطنانة، الموسيقية الرنانة؟ لم نعلم أنك ذهبت إلى جامعة، ولا إلى كلية نافعة، فكيف جاءت الدكتوراه، التي أفقدتنا معك المساواه، فصرت أعلى منا وأرفع، وصار حصنك العلمي أقوى وأمنع؟

قال: لا شأن لكم، وأخرج ورقة من الشنطة، ولا أريد أن أسمع منكم أية غلطة. رفع الورقة بيده فلمحت ما كتب فيها، وقررت جلاء معانيها. ألم يعلم أننا في عصر غوغل، فلا أسرار ولا مكنونات ولا خصوصيات. من هناك تأتي المعلومات، ومن هناك تمنح وتفحص الشهادات؟ ومن هناك عرفنا شهادة عبد المذل ومصدرها، وطريقة حصوله عليها وثمنها. كانت شهادته مشتراه، ونعم هذه الدكتوراه، وما علينا اليوم إلا قولة آه ... آه ... آه ...     

المقامة الفخارية

حدثنا أبو الكاشف، اللندني العارف، أنه يفتقد صديق عمره عبد المذل الذي طال سفره، وانقطع عنه خبره. لقد اشتاق إليه وحنّ، حتى كاد من فرط شوقه يُجَنّ. يقول إن الأيام دون عبد المذل ملل، تجلب الآهات والعلل. فعبد المذل ليس كغيره من الأصدقاء، هو دواء لكل داء، وهو للأحزان بلسم وشفاء. صحيح هو أحيانا ذو لسان سليط، لكن سلاطته على كل مختال فخور "عبيط"، هو بين الأصدقاء ميزان إنصاف، لا يهاب أحدا في الحق ولا يخاف. ولذا يقول أبو الكاشف إنه قد أحبه، ويطلب دائما وده وقربه.

ذهب هذه المرة إلى بلاد بعيدة، ونرجو أن يعود لنا بأخبار جديدة، حتى أبو الكاشف يقول إنه قد جهز له أخبارا صحيحة مفرحة وأكيدة، وينتظر عودته بفارغ الصبر، ليفرغ له ما في جعبته من أخبار المديح والفخر. فكم يحتاج عبد المذل إلى مثل هذه الأخبار، التي لم يسمع مثلها في هذه الديار. عبد المذل مميز في هذه الأمة، لما له من عراقة وعلو همة. كان دائما معها على طرفي نقيض، وانتقاد دائم وعريض، لما يجري في مجتمع عليل مريض. يريد لهذا المجتمع أن يكون قريبا من الكمال، ليتمتع بما في الحياة من حب وخير وجمال. لكنه لا يجد ما يصبو إليه، فيُصمّ، عما يسمع، أذنيه، ويُغمِضُ – لكي لا يرى – عينيه. لا يريد أن يرى ضياع المودة بين الخلان، ولا فقد الإلفة بين الأهل والإخوان. صار التفكك الذي يصيب الأسرة، يملؤه بالأسى والحسرة، يُجن عندما يسمع بالأبناء يسكنون السجون، بعد مخالفات قانونية وحفلات مجون. أين يا أهلنا الآباء، أصحاب النخوة والشرف والإباء؟

سمعنا أن عبد المذل قريبا عائد، وسيعرف قصصا من عارف شاهد. ويسمع منه ما يسعده، وقد تحقق الكثير مما كان يقصده.

نحن أيضا مشتاقون لعودته، ربما أكثر من أبي الكاشف ومودّته، نريد أن نعرف ما يخبئ أبو الكاشف من أسرار، وما جمع خلال غيابه من أخبار، يرفض أن يُطلِعَ عليها أحدا من السمار، إلا بحضور حبيب قلبه، ورفيق حياته ودربه.

وجاء يوم عودة عبد المذل، واستعد القوم لاستقباله حين أطلّ. وأقبل كعادته، مثل أي مسافر عائد إلى بيته، ولم يدر أن القوم قد استعدوا للاحتفال بأوبته. استقبله أصدقاؤه حين بلغ دارّه، وكأنه زعيم "باب الحارة". لم يعرف السبب، ولم يعرف من أين هبط عليهم كل هذا الأدب، وهو لم يعهد فيهم إلا اللامبالاة واللهو واللعب. وحدث في ذلك نفسَه، مختبرا في ذلك شعوره وحسَّه، ولم يصل فيهم إلى رأي صواب، ولم يحصل على جواب. كان كل ما يرى محيّرا، وكل ما كان يعرف قد تغيّرا. ولم يستطع على ذلك صبرا، فدعا الجميع للجلوس ليفهم معنى ما يرى. جلس الجميع وتصدر أبو الكاشف المجلس، فهو العارف المرحب والمؤنس. اشرأبّت إليه الأعناق، وصوّبت نحوه الأحداق، وصمت الجمع وكأن على رؤوسهم الطير، ينتظرون ما عند أبي الكاشف من خير. وكان كأنه الطاووس، أو كأنه في زهوه عروس.

قال بصوت جهوري عال، وأحسن الحديث والمقال: اعلم يا عبد المذل، والحديث طبعا للكل، أني في غيابك رأيت في جاليتنا ما لم يرَ الآخرون، لأني كنت دائم التفكير فيما يفعلون. رأيت والله ما يثلج الصدر، ويبعث على السرور والفخر. رأيت إخوانا متحابين، متعاطفين متكاتفين، قصروا ألسنتهم عن الغيبة والنميمة، واعتبروا ذلك عملا شائنا بل جريمة، لا يذكر أحدهم الآخر إلا بالكلمة الطيبة، ولا يلقاه إلا بابتسامة محببة. يتعاملون مع بعضهم على غير المألوف، وشعارهم الأقربون أولى بالمعروف.

كان ما يسمع عبد المذل من هذا الكلام، عصِيّا على الأذهان والأفهام، لقد اتسعت حدقتاه، وجحظت من محجريهما عيناه، لكن لم يجد على لسانه إلا لفظ "الحمد لله". وتابع أبو الكاشف:

وعلى المستوى الجماعي والجمعيات، لا تسَل عن الأعمال المشرفة والفعاليات. هل خطر ببالك أن الجمعية الأم قد دعت لاجتماع، فأتى الجميع من كل البقاع، وأمْر رئيس الجمعية الناشط ملبّى ومطاع؟ وكان هو يلقى الجميع بالتحية والأحضان، وكأنه لم يرهم من زمان. كانوا كأنهم اخوة في أسرة واحدة، وآمالهم في المستقبل  متفائلة وواعدة. لم يحدث أن اجتمعوا من قبل تحت سقف، وإن حصل فلا حب ولا مودة ولا لطف، كانت اجتماعاتهم صياحا، والانتخابات أحزانا وأتراحا. نتيجتها عداوات، وآخرتها هموم وحسرات. واليوم كل ذلك قد تبدل، وإلى العكس والأفضل قد تحوّل.

عبد المذل لا يصدق ما تسمع أذناه من تعبير، وليس عنده لذلك تفسير، كل هذا حدث في غيابه القصير؟ ويهمس لنفسه: ولم لا وعندنا متين الأساس، ونحن خير أمة أخرجت للناس.  ويتابع أبو الكاشف:

وهل خطر ببالك أن كل من حضر من الأجلاء، إخوانا ومعارف وأصدقاء، قد قرروا بإجماع الأصوات، أن يدلوا بأصواتهم يوم الانتخابات؟ أليس ذلك جديدا، وكان يبدو لنا أمرا بعيدا؟

وماذا أضيف لك من إيجابيات، كانت كلها يوما من السلبيات. لقد تبدلت الأحوال، وأصبحت في أحسن حال، والمستقبل مشرق بالأقوال والأفعال.

ولن أنسى أن أقول لك إن من أكلوا فلوس إعلانات جريدة البلاد، دفعوها كاملة مع الاعتذار من زياد!!

وصاح عبد المذل فرحا، قافزا جذلان مرحا: أريد أن أرى كل ما سمعت، لأزداد بالأهل فخرا، فقد انتظرت ذلك الأمر دهرا.

وقال أبو الكاشف: يا عبد المذل ستشهد كل ذلك اليوم، عندما تخلد إلى النوم.

 

المقامة الطبية

حدثنا أبو الكاشف، اللندني العارف، أنه في جلسته اليومية مع الأصحاب، المعارف منهم والأحباب، كانوا يجلسون خارج الدار، حيث كثر يومها الزوار، ورواة الأخبار، والمحترفون من السمار. كان عند كل زائر قصته، وعند كل سامر حكايته. وتبادل الجميع الحكايات، من قصص جادة ونكات، وكنت ترى منهم الهمسات، وتسمع منهم الضحكات. وبادر أحد الحاضرين وهو يبتسم، قائلا وكأنه يترنم: ألا تحسون أن جلستنا ناقصة ومبتسرة، فارتفعت إليه الأعين شاخصة مستفسرة.

 

ألا تفتقدون أخاكم عبد المذل؟

ولم يكمل كلمته القصيرة حتى أطلّ. فقال مقهقها: ذكرنا القط فجاء ينطّ!! كاد عبد المذل أن يُتجاهَل، فقد كان غريب الهيئة والشكل. كان يمشي منتفخ الصدر، فهل ما به غرور أو قهر؟ وكان يحمل بيده حقيبة، تبدو لأول وهلة مريبة، تنبئ عن كارثة ومصيبة. كانت أكبر من حجم الكف بقليل، يحتضنها كأصدق خليل. تسمرت الأعين عليه، ليعرفوا ما يحمل بين يديه. وأحس منهم حب الاستطلاع، فأمعن في الصمت واكتفى بالاستماع. وبدأ القوم في التكهن بما يحمل، والكل يرجو المعرفة ويأمل، فمنهم من ظن أنها إحدى طاولات الألعاب، جاء بها ليلهو مع الشباب. ومن أحسن الظن حسب أنها كتاب. ولكن ما يفعل بالكتاب في هذا الوقت، وما يحمل الناس للكتب إلا الكره والمقت!! ولم نقرأ وقد أغنتنا عن القراءة الفضائيات، بالهابط من الأفلام الخليعة والمسلسلات. عدا ما للكتاب من عواقب وخيمة، إذا عرف به واحد من أبناء اللئيمة. فكم من قارئ للكتاب ضاع، ولم يعرف من أكله من أبناء السباع.

قال أحدهم: أظن أن ما يحمل، هو شيء يؤكل، فسنوا أسنانكم، ومنّوا بالخيرات أمعاءكم. واستمر الحديث على هذه الشاكلة، بين شد ومد ومماطلة، حتى اقترب منهم عبد المذل، بعد أن سئم من أحاديثهم وملّ، وقال هذه عدة الشغل.

 

أي شغل هذا؟ وتجددت التساؤلات بـ (ما وكيف وأين ولماذا) وعبد المذل جذل مرح مسرور، وقد ملأه الغرور، ولم يبقَ بين أصحابه صبور. جلس بينهم كالطاووس المنفوش، أو كالملوك فوق العروش. الكل ينتظر المفاجأة، وعند عبد المذل المبادأة. وبدأ يفتح الحقيبة متماهلا، متأنيا متكاسلا. وكيف لا وهو يريد إشاعة الغموض، حين قال بصوت خفيض، كأنه صوت متهالك مريض. يا إخواني، وأصحابي وخلاني، هذه الحقيبة لي كسماعة الطبيب، أعالج بها المريض من بعيد أو قريب. فأشفيه بإذن الله القادر، من كل مرض مستعصٍ ونادر.

 

اتسعت مع هذا الحديث الأحداق، غير مصدقين هذا الدواء الترياق. هل اتجه عبد المذل إلى الخداع والنصب والدجل، وأراد الإثراء على عجل، ودون حياء أو خوف من الله ووجل؟ ملأت رؤؤسهم الشكوك، حول هذه التصرفات وهذا السلوك. لكنهم أرادوا اختباره، ليكشفوا خباياه وأسراره، فبدأوا يتمارضون، وعلى طبه يعرضون. هذا عنده صداع حاد، وذاك آلام في عظامه شداد، وغيرهما ضائق بالحياة والعباد. أمراض عضوية جسدية، وأخرى روحية نفسية، وعبد المذل لها بالمرصاد.

 

أخرج من الحقيبة حاسوبه، ليعطي لكل شاكٍ طبيبه. إذن الإنترنت هو الطبيب، مع غوغل الحبيب، وبرامج بين السائل والمجيب. كتب كلمة صداع، وبين آلاف الصفحات ضاع، لكثرة ما للصداع من أنواع، وما له من صفات، وما له من وصفات وعلاجات. تاه ... تاه، وليس له هدى إلا هدى الله. انتقى وصفة طبية من غوغل الأستاذ، بعد أن استخار بسره واستعاذ.

 

وصف العلاج لكل من حكى، عن آلامه واشتكى. وكان كلما وصف علاجا، يحس أنه يضع على رأسه تاجا، أصبح بين يوم وليلة طبيبا، ذكيا فاهما وأريبا، دون إضاعة سنوات، في الذهاب إلى الكليات والجامعات، بين كتب ودراسات، وأساتذة غلاظ ومحاضرات. يكفيه الآن أن يعرف القراءة والكتابة، ليتعلم من (غوغل) الطب وآدابه.

 

وانفضّ المجلس ذلك النهار، بعد أن وصف لصديقه عبد الستار، علاجا لألم في معدته، ليخلصه من ألمه وعلته.

 

وفي اليوم التالي جاءه جليسه أبو البراء، طالبا منه مرافقته ودون إبطاء، فصديقهما عبد الستار، نقل إلى المستشفى بين الحياة والاحتضار. وهناك في قسم الإسعاف كان ينام صديقه ومريضه المسكين،  بين ألم وشكوى وأنين. بكى عبد المذل وهو لا يكاد يصدق، أن صديقه نجا من موت محقق.

 

منذ ذلك اليوم قرر التوقف عن ممارسة الطب، والكتفى بما بينه وبين أصحابه من مودة وحب.

 

المقامة الكروية

حدثنا أبو الكاشف اللندني العارف، أن عبد المذل الكاتب، الهادئ أحيانا وأحيانا مشاغب، حضر يومها على غير صورته، وكدت لا أعرفه من اختلاف وغموض هيئته.

كان ذلك اليوم يوم انتهاء (المونديال)، وما أدراك ما (المونديال)، حيث ترى العالم كله في حال غير الحال. جاء عبد المذل يحمل بيده "كندرة"، أو قل "جزمة" أو "قندرة". أعترف أنه أثار فضولنا بهذه الإشارة، لعلمنا بمهارته في فن الإثارة. لكننا  اليوم لم ندر لذلك سببا، وكان أمره عندنا عجبا. نظرت إليها وإذا بها (بوط)  مما يلبسه لاعبو كرة القدم، حمله بكل احترام وتقدير وشمم.

كانت ابتسامته واسعة، لكنها كانت تخفي وراءها نظرات قاسية لاذعة. كان يلوّح بـ (البوط) ويتحرك، حركات راقصة كأنه "يدبك". قلت في نفسي: ماذا جرى لهذا الرجل الوقور، الذي أراه يضمر همًّا رغم إظهار السرور؟ لم يستغرب هو ما أصابنا، فاندفع نحونا ليزيل عنا ما بنا. قال:

"مالكم تنظرون إليّ كأني أصبتكم بمسّ، فلا أسمع منكم إلا الهمس؟ ما الأمر الغريب الذي ترون، أم أنكم من سكان كون غير هذا الكون؟ أيعقل أنكم لم تفهموا الحكاية، ولم تسمعوا الرواية، أم أنكم تتجاهلون ما وراء كل ذلك من غاية؟ هذا حذاء مثل كل الأحذية، ساجعله للناس غاية وأمنية، فهو الحذاء الأغلى، وهو بين الأحذية صاحب المنزلة الأعلى، وقد اتخذته شعارا، ليكون لأبنائنا وأحفادنا منارا".

اتسعت منهم الحدقات، وتبادلوا غريب النظرات، وهم يسمعون هذه "الترهات". ما هذا الذي نسمعه، وأي شعار هذا الذي يرفعه؟ إذن لم يفهموا بعد ويريدون الاستفادة، وتطلب نظراتهم الاستزادة. فأضاف:

"ألم تعلموا أن اليوم كان آخر أيام (المونديال)، الذي استقطب مئات الملايين من النساء والرجال والشباب والأطفال؟"

ظهر عليهم أنهم فهموا طرفا من الموضوع، لكن الغامض ما زال أكثر من المسموع. فتابع:

"شهر كامل والأنظار مشدودة، إلى شاشات لم تكن قبل هذا الشهر معهودة، شدهم إليها أمر جلل، فاق كل ما عند الأمم من مآس وعلل، فجلسوا ساعات طوالا دون كلل أو ملل، رغم أنه لا ناقة لهم في هذا الأمر ولا جمل. يستعملون عيونهم فيتحمسون، وعند ازدياد حماسهم يرقصون. ومع أن الرياضة أهم عمل لا بد من ممارسته، لحفاظ المرء على صحة جسمه ورشاقته، إلا أن هذا (الرياضي المشاهد)، الذي ظل طيلة شهر فوق عرش الأريكة يجاهد، ويعاني من شدّ أعصابه ويكابد، يجد أنه على هذا العرش، قد زاد وزنه وارتفع منه الكرش. فهل هذه هي الرياضة، أم هي فساد البدن والحراضة، أو لنقل هي الكسل والرباضة؟"

"والغريب في الأمر أنك تسمع محللي أداء اللاعبين، وطريقة ركضهم من شمال أو وسط إلى يمين. ما سمعت مثل ذلك في عمري، ولم نسمع مثل هذا عن معركة رومل ومونتغومري".

"لا شك أنكم الآن تستنكرون هذا الكلام، فهو شاذ عن أفهام بعض الخواص ومعظم العوام، لكني على استعداد لتحمل السباب، خاصة ممن يدّعون الفتوة والشباب. وليعلم الجميع أني لا أوجه إلى أحد لوما، ولا أعني جماعة معينة أو قوما. أنا نفسي لعبت الرياضات الكروية بأنواعها هاويا أيام الشباب، واليوم أستحق من نفسي اللوم والعتاب، لا على ممارستها، ولكن على أني هجرتها، وإلا لكنت اليوم من أصحاب الشهرة والملايين، لا أهتم لا لفقراء ولا لمساكين".

"لو كان أمري بيدي وحسبت الموضوع من الناحية المادية، لما ذهبت إلى جامعة ولا إلى كلية، فقد أثبتت الأيام والسنون، أن النجاح بالأرجل، لا بالدماغ، مرهون. ولعل في الأمر خطة مرسومة، لنهاية مرجوّة ومعلومة. أمريكا وعدت فريقها بعشرين مليون دولار عند الفوز، وهو لعمري ثروة طائلة وكنز. لكن فاز الفريق الإسباني بالكأس، فمبروك وليس عندي في ذلك بأس، لكن أن يحصل كل لاعب على 888 ألف دولار، فهذا أمر حيرني، وأقض مضجعي وسهرني، ودعاني إلى الحساب والسؤال حتى أضجرني: كم يحصل العالم الذي يقضي لياليه في المختبر، ليخرج بدواء شاف يريح به البشر؟ كم يتقاضى ذلك العالم الذي يرسل سفينة إلى الفضاء، ليخدم البشرية ويصل  الأرض بكل الأرض ثم بالسماء؟ كم يقبض أساتذة وباحثو الجامعات، بعد أن يبنوا أجيالا من الشباب والشابات، فيكون من المهندس الأريب، والعبقري الطبيب؟ وكم يتقاضى الشباب الذين يدافعون عن أرضهم، ويصدون عن بلدهم وعرضهم؟ هؤلاء هم خدام البشرية، ويستحقون احترام كل البرية. لكن لا يسمع بهم إلا القليل، وليس لهم إلى الإعلام من سبيل".   

"لا شك عندي أن للترفيه حيزا في حياتنا، شرط ألا  يستهلك كل أعمارنا وأوقاتنا، فيسهم في رقادنا وسباتنا، ويخرس عن الحق أصواتنا، فيكون الخير كل الخير في مماتنا".

"ورغم كل مذاهب الناس في الترفيه، يظل العلم هو الهدف الأسمى رغم الإحباط وما فيه وما يليه".

"فلتسامحنا المواهب الفتية، أصحاب الأقدام الذهبية، وأصحاب الكروش الرياضية".

 

المقامة الفلسطينية

حدثنا أبو الكاشف، اللندني العارف قال: كنت أجلس أمام بيتي أعاينُ من موقعي من يمرّ، غيرَ مُبالٍ بالجو وصَبَارّةِ القرّ. كنت أرقب الغادي والرائح، وأنا مع الجميع فكِهٌ وممازح. أرنو ببصري من فوق المطلّ، وأدعو في نفسي أن يأتيني أخي وصديقي عبدُ المذلّ. فأنا من دونه أحس بالوحدة والملل، ووحده يخرجني من هذه العلل.

وقبل أن أكمل دعائي وكلامي، رفعت رأسي فوجدته أمامي. ولأول مرة على هذه الهيئة أراه، وقد علت البهجة محياه، وكأنه قد ضحكت له دنياه، ونال كل ما يرجوه منها ويتمناه. لم يحاول أن يخبّئ فرحته، ولا أن يكتم ضحكته. كان منفرج الأسارير، ويكاد من فرحته يطير. فقلت له ممازحا: ليتني تمنيت شيئا أفضل من رؤية محياك، شيئا ينفع في زمن الهم وغيبة الإدراك.

لم يلتفت إلى مزاحي الثقيل، وكأنه ما سمع ولا انتبه لما قيل، وظل على حاله من البهجة والمرح، حتى سرى فينا أيضا السرور والفرح. مع أننا لم ندر لكل هذا سببا، وظل أمره بيننا عجبا. لم يقل سبب هذه الحالة النادرة، وكأنه يريد أن يأتي منا السؤال والمبادرة. فوقفت أمامه منتصبا، وقلت له: عجبا عجبا. ما الذي جرى لك اليوم، حتى تغيرت وتعجب منك القوم؟

قال: أتركني مع فرحتي وسروري يا أبا الكاشف، فأنا اليوم، لا أنت، اللندني العارف !! أعرف ما لم تعرف، وبي شعور غامر لا يوصف.

قلت في نفسي: لا شك أن عند عبد المذل خبرا، لم أسطع عليه صبرا. فصرخت به بأعلى صوتي: قل يا رجل ولا تكن سبب موتي.

قال: هذا ما قصدتُ أيها الصديق، أن أوصلك إلى الحيرة والضيق، وأبعث فيك اللهفة والتشويق. الآن أخبرك بما سبّب لي السرور فامتلأت نفسي بالبهجة والفرح والحبور.  اليوم – يا أبا الكاشف - حضرنا عرسا جميلا، لم نشهد له في بلدتنا هذه من قبل مثيلا.

قلت: عرس من هذا؟ فنحن لم نسمع طبلا ولا مزمارا، ولا غناء ولا أشعارا.

قال: هو العرس الفلسطيني، الذي جدّد فيّ ثقتي، بشعبي، ويقيني، بعد أن كدت أفقد الأمل، بعد زمن من انعدام الحراك والعمل. كان اليوم أعظم يوم شهدته، وأنجح اجتماع عرفته. لقاء أبناء الجالية، الذي حضره كل ذي همة عالية. لقد أخطأ من قال إن جاليتنا الفلسطينية هامدة، سلبية وجامدة. لقد أثبتت اليوم أنها جالية وثابة، وحين دعاها العمل الجاد أحسنت الإجابة. لم تعرف الجالية من قبل اجتماعا يحضره هذا العدد، الذي كان للمبدأ حقا نعم المدد. لم يجتمع من قبل مثل هذا الجمع الجليل، الذي مارس الديمقراطية على أرفع مستوى من الخلق النبيل. كان يسيطر على الاجتماعات في الماضي الصراخ والصياح، وكانت تتبعهما أحزان الفشل والأتراح. كان لنا بعض النجاحات المحدودة، لكنها كانت قليلة ومعدودة. واليوم لا يسعنا إلا أن نشكر كل من تطوع فقدم لنا وقته وجهده، ولا نملك إلا أن نحفظ له وفاءه وعهده. بورك مسعى كل من قدم كلمة نافعة، فكانت لبنة موحّدة وجامعة. وفي ذلك دروس وخبرات للهيئات الإدارية الجديدة، التي نرجو منها أن تصرف سنواتها المديدة، في أعمال مفيدة، وأفكار بناءة وسديدة. 

في هذا العرس الفلسطيني، انتخبت الجالية الفلسطينية، هيئة إدارية، أحيت بها الجمعية. أعضاؤها شباب واعد واثق بنفسه، مخلص متفانٍ، فلسطيني بعقله وحسه. رجال ونساء، إخوة صادقون أوفياء. ندعو لهم بالتوفيق والنجاح، فمهمتهم ضخمة وعملهم كفاح. 

ولن أنسى في غمرة فرحتي، وسعادتي ومرحي وبهجتي، أن أذكّر أن عندنا جمعية أخرى ندعو لها بالشفاء، قبل أن يحيق بها الاندثار والفناء. جمعيتنا العربية المجيدة، ومظلتنا الواقية الشديدة العتيدة. أتحسر اليوم على ما آلت إليه من مصير، وقد كانت قبل سنين ملء العين والقلب والضمير. أين ذهب نشاطها، وكيف انطوى بساطها؟ أكان ذلك من قلة، أم إنه مرض عضال وعلة؟ أرى أن كل المطلوب للشفاء، تحرك دائب من إدارتها، وتواصل مع أتباعها يوقظها من سباتها. شعبنا قادر على العطاء، والحب والوفاء، إن وجد معه ربان حاذق، وقائد رحلة أمين وصادق. فلتبدأ جاليتنا العربية بالعمل، لإيقاظ جمعيتنا من الخمول والكسل. هذه الجمعية – إن عاشت -  نثقل بها وزنا، ونبني لأنفسنا سمعة طيبة ونعلو بها شأنا. شدوا على أيديكم متحدين، واعملوا لخيركم وخير أبنائكم ومجتمعكم متماسكين. 

وأخيرا وقبل أن أنهي وأسلّم، أطرح شيئا مما تعلمون وأعلم. ولإخواننا الذين يتطوعون للعمل العام ومهماته، أقول وقد خبرنا جميعا بعض صفات هذا العمل وميزاته. على المرشح أولا أن يسمح وقت فراغه بالعمل، وإلا أصابه بعد حين الوهن والملل. وأن يكون مخلصا للعمل الجاد، وليعلم أن العمل العام صبر وتحمّل وجِلاد. ثم أن يختلط بالناس ويشاركهم مناسباتهم، وأن يعينهم على شؤون حياتهم. وعلى المستوى العام، لا بد من التواصل مع أهل السياسة، بكل لطف واحترام وفهم وكياسة. وليعلم أننا جميعا كنديون، مواطنون أصليون، نبني كندا آباء وأجدادا، فنخدم بذلك أجيالنا أبناء وأحفادا. كل ذلك، دون أن ننسى أهلنا المظلومين، وإخواننا المحرومين، لنحفظ حقوقنا، حقوق الإنسان، في أي زمان وفي أي مكان.

العمل العام في خدمة الناس ليس مباهاة وتشريفا، بل أحسبه عملا دائبا وتكليفا. وعلى المكلف أن ينسى معه ذاته، وأن يهب للآخرين حياته. والأمر كما نرى  ليس سهلا، بل إن فيه شدّة وعطاء وبذلا.

وفق الله جاليتنا إلى كل خير، ووقاها من كل شر، وسهّل لها كل أمر، ويسّر لها كل عسر.

 

المقامة البولونية

حدثنا أبو الكاشف، اللندني العارف قال:

جاءني صديقي عبد المذل الكاتب، الذي هو بالنسبة لي خير صاحب. لم يكن هذه المرة غاضبا، ولا عابسا مقطبا، بل أحسب أنه كان هادئا لين الجانب، وديعا قابلا للتحاور والتخاطب. سررت به لعلمي أن الهدوء ليس من عاداته، والوداعة ليست خير صفاته. حياني باحترام وإجلال، وأعجبتني منه هذه الحال.

رأيت تحت إبطه بعض الأوراق، مضمومة بترتيب واتساق، لم أتبين طبيعتها، ولا كتابتها أو لغتها. جلس إلى طاولة قريبة، وبسط جريدة عجيبة. نظرت فإذا هي بلغة أجنبية، وكتابة غريبة إفرنجية. بدأت عيناه على صفحاتها تدور، وأطال النظر وكأنه يقرأ ما بين السطور، استغربت ذلك التصفح، وعجبت منه ذلك التملح، فقلت له متمتما، والحقيقة كنت متهكما: هل تتعلم لغة جديدة، وصحافة حديثة وليدة؟ نظر إليّ بابتسامة باهتة، وقال بلهجة خفيفة خافتة: اقتربْ وانظرْ، وتمعّنْ وفكرْ. اقتربتُ ونظرت، وتمعنت وفكرت، فلم أفهم ما يعنيه، ولا عرفت ما يُخفيه.

نظر إليّ، وأطال النظرَ في عينيّ، وقال: هل تعرف صوفيّا، السيدة البولونية، والمواطنة الأمينة الوفية؟ قلت: وكيف لي معرفتها، وما مرت علي من قبل سيرتها؟ قال: ستعرف الآن بعض أمرها، وجزءا من حياتها وفكرها. هي سيدة بولونية، هاجرت إلى هذه البلاد الوفية. كانت في بلادها ذات مركز مرموق، وتعمل في مصرف ناجح وموثوق. هاجرت إلى كندا فعملت في مجال التنظيف، وهو عمل نظيف وشريف. رأيتها أمس تقرأ في هذه الجريدة، وهي مسرورة بقراءتها وسعيدة. سألتها مستفسرا، قائلا معتذرا: ماذا تقرإين؟ وماذا تحفظين؟ قالت: أقرأ جريدة بولونية، وهذه لغتي الأصلية. قلت: وهل تأتيك من بولندا، أم تجدينها هنا في كندا؟ قالت: لا بل هي من هنا آخذها من أحد المتاجر، وأستمتع بقراءتها حتى يأتي منها العدد الآخر. قلت: جميل أننا صرنا نجد جرائد بالمجان، ظاهرة صارت موجودة في كل مكان. نظرت إليّ  مستغربة، وقالت  وكأنها عاتبة: أنا أدفع ثمن هذه الجريدة دولارات أربعة، أدفعها وأنا عن ذلك راضية ومقتنعة. فناشرو هذه الجريدة، فيهم مزايا فريدة، وأرى كل صفاتهم حميدة. هم يأتون لنا بأخبار بلا دنا، فتصلنا بأرض آبائنا وأجدادنا، ونربي على ذلك أولادنا، ونورث ذلك لأحفادنا. ينشرون ثقافتنا، ويحيون لغتنا، ويعلون شأن أمتنا، فلا أقل من أن نحترم وجودهم، ونكفل استمرارهم وصمودهم، والدولارات الأربعة أقل بكثير من أتعابهم وجهودهم.

اتسعت لسماع ذلك حدقتاي، ولا أبالغ إن قلت كادت تفيض بالدمع مقلتاي. فقد تذكرت ساعتها جريدة عربية، كانت تقوم بتلك المهام العلية، وزعت في البدء مجانا، فوجدت لها محلا لائقا ومكانا. وظن الناشر أنه قد بلغ الغاية، وسيلقى من جاليته العناية والرعاية، ظن أنه قد أحسن صنعا، فأراد أن يبيع الجريدة بيعا. أراد أن يبيع العدد بنصف دولار، فانقلبت حياته إلى جحيم ونار، وعوقب الناشر على فعلته، عقابا له على استعلائه وصلافته.  استحق ذلك على تطاوله وتماديه، وكثر بعد ذلك كارهوه وأعاديه، وأخذت الجريدة طريقها إلى الاحتضار، ثم إلى الموت النهائي والاندثار.

وتذكرت كذلك ما قاله لي أحد الإخوة الكرام، وهو صاحب همة علية ومقام. قال: لم لا تباع جريدة البلاد، وقد وصلت إلى هذا المستوى بين العباد؟ لا بد أن يكون هناك ثمن لجهودكم، دعما لاستمراركم وصمودكم. ابتسمت ابتسامة أسى وحسرة، وقلت لا تجلب لنا السوء والمضرّة. لا تكثر علينا الرقباء، ويكفينا ما لنا بينهم من حاسدين وأعداء. لقد حاول من جاء قبلنا، فكان مصيره النهاية والفنا. هل ترى هذا الإعجاب العظيم بالجريدة؟ الكل يراها في مستواها فريدة، ولكن إذا وصل الأمر إلى الجيوب، فتوقع المخاطر والخطوب، وستنقلب الجريدة كلها إلى مساوئ وعيوب. فشعارنا أمام الأمر العلمي والتثقيفي، "عض قلبي ولا تعض رغيفي".

وهنا انتفض أبو الكاشف كمن وخزته إبرة، وأعلن أن قد جاءته فكرة، قال:

أرى أن تظل الجريدة على حالها، مجانية بتحقيقها وخبرها ومقالها، ثم يوضع معها على الرف صندوق وإعلان خفيف، لا يعض القلب ولا يغتال الرغيف، يقول على لسان الجريدة: أنا يا قارئي مجانية، فإن رأيت بي مقالة أو فكرة رضية، فضع في الصندوق ما تراه مناسبا، وإن لم تفعل فأهلا بك ومراحبا.

قلت: يا أبا الكاشف أنت حسن النية، وطيب القلب والطوية. ثق أننا قد نجرب يوما فكرتك، ونطبق مقالتك، فإن زالت العلة، فإن لك نصف تلك الغلة.

سلام وإجلال وتحية، إلى الصديقة صوفيّا، تلك السيدة البولونية، ذات النفس الأبية والروح (النقية)، التي قد نتعلم منها الدروس الذكية.  تحية لك يا صوفيّأ.

 

الفساد والعناد، أمام رب العباد

حدثنا أبو الكاشف، اللندني، ابن أنتاريو العارف قال:

جاءني عبد المذل الكاتب، بهيئة رجل غاضب، ووجه مقطب شاحب، فتلقيته ممازحا: أهلا بالرجل المشاغب. وليتكم كنتم معنا لتروا رد ابتسامته، التي دلت مدى كآبته. قلت في نفسي: الأمر إذن جلل، فلأبتعد عن الحوار والجدل. وإن كان ولا بد، فلنتخذ الصرامة والجد. فعبد المذل، قليل المزاح والهزل، وطيب بريء كأنه طفل، ولا يعرف الحقد والغل. فما الذي أهمه، وكأنه في أزمة مغمّة؟ جلس وجلست قبالته، لعلّي أزيل عنه كآبته، وأستدرج مقالته. قلت جادا مستفسرا: هاتِ وهوّن عليك، ولا تكن مختصرا. 

قال وبصوت عال، "اسمع مني هذا المقال: هل تعرف الحرام والحلال؟ هل تعرف الفساد، والاعتداء على العباد، وأحيانا على رب العباد؟ هل تعرف الفضائح، والكذب والغش من أجل المصالح؟ الفساد من الرئيس، وحتى أصغر مرؤوس خسيس؟ الغصب والنهب والسلب من الوزير حتى أصغر خفير؟ أيمكن أن نكون أبناء تلك الأمة، صاحبة الرفعة وعلو الهمة؟ أمرنا – يا أبا الكاشف - عجب عجاب، يحار فيه ذوو العقول والألباب. حالنا مصيرها العطب، إن لم نجد لها التأويل والسبب، ثم الحلول لهذه الكرب".

بصراحة، لم أجد عبد المذل من قبل بهذه الحدّة، ولا عرفت عنه هذه الصرامة والشدة. تركته يكمل بثه، دون أن أستعجله وأحثه. فأضاف:

"بلادنا صارت معسكرات، تحكمها الصواريخ والدبابات، المعدة للاحتفالات والاستعراضات وقمع المظاهرات، رغم أنه لا وجود لتلك المحاولات. وإن استعملت فعلى الشعب يكون النفير، للحفاظ على كرسي الرئيس والأمير. دعك من فساد مدير، واعتلال ذمة وزير. يتسابقون على الكرسي الوثير، لأن تحته الكنز الوفير، يجلس من يسبق عليه فقيرا معدما، فينال منه ثروة ومغنما. ويظهر عليه الثراء، وينسى يوم الفناء، ويظن أن له طول البقاء. ويبارك رؤساؤه فساده، ويشجعونه على تلك العادة، لأن جميعهم في ذلك أهل السبق والريادة. ثم لا ينزله عن كرسيه إلا ملك الموت، الذي لم يحسب أنه أقرب إليه من الفوْت". (1)

"ولا تظنن يا أبا الكاشف أن الفساد اختراع شرقي، أو احتكار عربي. لا بل هو صفة عمت الكرة الأرضية، وشاعت في  مجتمعات غربية، وأمم ثرية، وشعوب شبعانة غنية. السبب؟! النفس البشرية الدنية".

نحن هنا أيضا نكابد، من العديد من الفضائح والمفاسد، حكومات تهدر أموال الضرائب، على صديق خائب، أو قريب كاسب، أو فتاة كاعب، فتختلق لهم برامج ومناصب، يجنون منها الأموال والمكاسب. وتستمر هذه الحال، إلى أن ينكشف الحرام من الحلال، وتبدو مساوئ الصفات والخِلال.

ماذا تسمي برنامجا فيه ثلاثون موظفا وثلاثمائة مستشار، أليس هذا فسادا كله عار وشنار(2)؟

في البرنامج مستشار، يتقاضى في اليوم 2700 دولار، ثم إن هذا الذكي الفطن، لا يتورع عن طلب 3.26 دولار ثمن الشاي والمافن.    

مستشارة تتقاضى 300 دولار في الساعة، وعلينا نحن دافعي الضرائب السمع والطاعة، في أن ندفع لهذه المرأة، التي تطلب وبكل جرأة، أجرة قراءتها لمقالة خاصة بالبرنامج، أعطيت لها أيضا من زوجها المستشار الخبير المعالج.

سكرتيرة في البرنامج تتقاضى في اليوم 1700 من الدولارات!! فليتنا لم نذهب إلى كليات أوجامعات.

مستشارون متعاقدون بـ 2750 دولارا في اليوم، في قوائم حساباتهم يا قوم، طلب 1.65 دولار ثمن كأس من الشاي و 3.99 دولار ثمن بسكويت. أجارنا الله وإياكم من هؤلاء العفاريت.

الحكومة نفسها تعلن أن قيمة العقود التي أعطيت للشركات، ودون إعلانات، بلغت حوالي 16 مليون من الدولارات. تقول المعارضة إن هذه الشركات، فازت بالعقود لما لها مع الحزب الحاكم من علاقات.

نصيحة أخيرة للحزب الحاكم، أن يستعين بنائبه العربي النائم.

(1)   الفوْت: الفرجة بين اصبعين

(2)   الشنار: أقبح العيب  

 

 معلنون، في إنكار الحق فنانون

حدثنا أبو الكاشف، اللندني العارف، أن صديقه عبد المذل الكاتب، الذي يكره كل محتال ناصب. ويمقت كل منافق كاذب، جاءه بالأمس وهو غاضب. كان الحزن باديا على محياه، ولا يصدر منه إلا صوت التنهد والآه، قال:

رأيت عبدَ المُذِلّ على هذه الحال، التي لا ينفع معها حديث ولا مقال. فلم أنبس بأي كلام، وصمتّ احتراما مني لهذا المقام. تركته حتى يزول عنه الهم، ويتخلص مما هو فيه من غم. فأنا أعرف أنه جاء إليّ ليعرض عليّ فكرَه، وحتى يريح ذهنه وصدرَه. ولكن ما أقلقني هو ما عليه من كآبه، والغضب الذي لم أعرف بعد أسبابه. احترمت صمته، وتركته يرتاح ويأخذ وقته.

وبعد ذلك الصمت الطويل، والتنهيد العليل، اعتدل في جلسته، وأصلح من هيئته، ودار بعينيه حول المكان، وكأنه لم يره من زمان. نظر مباشرة في عينيّ، فركزت كل ذهني في أذنيّ، وبصوت فيه الكثير من الحزن قال، ووفر عليّ السؤال:

ألا تعرف عني أني صديق صدوق، رفيق بإخواني شفوق، أكره الخيانة، وأقدّسُ الأمانة؟

قلت: اللهم نعم.

قال: رمت بيَ الأقدار، مع مجموعة من الأخيار، فأصدرنا جريدة، كانت بين قريناتها فريدة. كانت فتحا في صحافة الاغتراب، واستقبلها معظم القراء بالترحاب. وبعد سنوات من العناء، تخللها الكثير من العمل والجد والدعاء، كانت النتيجة أن سمينا أنفسنا بالمجانين، من بين الصحفيين والكتاب والفنانين. وذلك لأن جهدنا المبذول في إصدارها، يفوق ما يأتينا من ريعها، الذي بالكاد يغطي مصاريف طبعها. لكن كان عزاؤنا الوحيد، ما نلقاه من  إخلاص فريد، وتشجيع من قرائنا شديد.

أنت تراني بين الحين والآخر، فترى فيّ الإنسان الهادئ الصابر، ومرة تراني الحانق الثائر. أعرف أنك تريد معرفة  حقيقة أمري، ولكني حتى اليوم فضلت الاحتفاظ به في سرّي. ولكن طفح الكيل، حتى صار يجرفنا كالسيل. عندي كلام يسيل به النهر، بل يفيض به البحر، لكنه مليء بالغيظ والقهر. فماذا أسمعك، وحديثي لا يسرك ولا يمتعك.

حزني يا أبا الكاشف ليس من تعب الجريدة، ولا من أعبائها ومهامها العديدة. حزني على ضياع أخلاق البعض من أبناء الأمة، الذين تخلوا عن الأخلاق والذمة. فلم يجدوا لهم من مكان، إلا ابتلاع فلوس الإعلان. والذي يغيظ ويجرح الإحساس، أن معظمهم من "خير أمة أخرجت للناس".

قلت: يا عبد المذل، حتى تخفف عن نفسك تحدث عن أمور الجريدة، ومهامها ومشاكلها العديدة. وحتى ترتاح عليك بالإسهاب ، وفي مثل هذه الأخلاق عليك بالإطالة والإطناب.

وتابع دون أن يلقي إلى قولي بالا، ودون أن ينتظر مني استيضاحا أو سؤالا. قال:

لا شك أن معظم المعلنين نماذج مشرفة، ولا يمنع أن يكون منهم أنواع مقرفة.

ولنبدأ بالمعلن الذي يكون أول الحاضرين إلى المسجد، والذي إن طالبته بالحق سوّف وماطل وتردد. يقف في صفوف الصلاة الأولى، لأنه يعتقد أنه بذلك هو الأولى. ولم لا!! فهو صاحب مال وثروة، يظن أنه بهما أصبح صاحب نفوذ وسطوة. ولا بأس عنده بعد ذلك من أكل مال الناس، وتحدي رب الجِنة والناس. هو عن أخلاقه راضْ، وفي حديثه عن الدين والأخلاق "فياض". أستغرب كيف يستسيغ أكل مال الإخوان والأصدقاء، وهو يحمل اسم أكرم الشهداء. لنا في ذمته مائة دولار، ستكون نصب عينيه عند ساعة الاحتضار، ثم يكوى بها في النار.

 وأما المعلن بائع العصير، فأكل الحق عنده أيسر من اليسير. رغم أنك إذا نظرت إلى لحيته، تراها تكاد تصل إلى سرّته. يستعملها عدة للنصب، وطريقة للنهب والغصب. خفضنا له من ثمن الإعلان، لأنه وعد أن يعلن حتى آخر الزمان. وبعد ثلاثة شهور دفع مما عليه شهرا، وسرق الباقي ظانا أنه بما سرق قد اغتنى وأثرى.

أما الثالث فيحمل اسم أكرم الخلق، وهو أبعد ما يكون عن اتباع الحق. يتظاهر بنظافة اليد وطيبة القلب، ولا يتورع عن الغش والسلب، عاملناه أحسن معاملة، فلم نلق منه إلا التسويف والمماطلة، وأخيرا أنكر الإعلان، وادعى أنه أوقفه من زمان، وأرانا رسالته لنا على الحاسوب، بأن الإعلان موقوف وهو غير مطلوب. وتناسى أننا نعرف هذه الخفايا، جنبنا الله وإياك الرزايا والبلايا.     

على الجانب الآخر خذ المعلن (هاري)، الذي لم يعرف في حياته صحيح مسلم ولا البخاري، يرسل شيكا بخمسة دولارات، فرق حساب كان قد سدده من قبل بالمئات. فخرج الديْنُ طاهرا من ذمته، وأشهد أن تلك صفات من تعاملت معهم من أبناء ملته.

وأشهد أن كل ما ضاع لنا من مال، ضاع عند الإخوة والأعمام والأخوال. من بني جلدتنا، ومن أتباع ملتنا.

أنا حزين لهذا القول، لكنه الحق الذي أشهد به عند المعز المذل.

 

فكرة "رجعية"

حدثنا أبو الكاشف، ابن لندن الخبير العارف، الصديق الصدوق، رقيق الطباع الدمث الخلوق، أن أخاه وجليسه، رفيقه وأنيسه، صابر بن عبد الصبور، صاحب النباهة والحضور، جاءه بالأمس متكدرا، ويبدو حزينا متحسرا. جلس والحزن باد عليه، فالتفت إليه ... مالكَ يا صابر! كن على قدر اسمك يا صابر، فأنت الثابت الصامد المثابر، الذي لا يهمه ما يقوله ويفعله جهول أو غادر. لوى بعيدا عنا رقبته، حتى لم نعد نرى من أنفه إلا أرنبته. إنها علامة الامتعاض، حين يحس بالقرف أو الانقباض. لكنه لم يتفوه بكلمه، ولم يستطع أحد منا أن يفهمه. وكيف لنا ذلك، وهو صامت والطريق نحوه غير سالك؟

أراد أحدنا أن يمازحه، وبخبيث الكلام أن يصارحه، فهذه فرصة لنا سانحة، أن نعرف ما اعتراه من هموم كاسحة، فنحقق بكشف سره صفقة رابحة. قال: اتركوه، فلعل أم البنين قد هجرَته، وأقفلت الباب دونه وطردته. التفت نحو صاحبنا مبديا نظرة حنق، لكنه هز رأسه وما نطق. لكننا لم نتركه وهو على هذه الحال، التي لم ينفع معها حديث أو سؤال. فتحلقنا حوله مناشدين، معرفة ما به ومصرّين، ولم نبتعد عنه إلا بعد أن هز رأسه وابتسم ابتسامة خفيفة، وصوبنا نحوه أعينا تنتظر منه أخبارا لا تبدو طريفة، وتوحي بأنها أخبار نرجو ألا تكون عنيفة.

طالع وجوهنا، وقد أطبقنا أفواهنا، منتظرين ما ستسفر عنه محاولاتنا، لمعرفة الجديد من حالاتنا، التي نرجو ألا تزيد معاناتنا. وقال بصوت خفيض هادئ يبدو فيه ضعف، وتلمح في ثناياه الظلم والعسف: يا إخوتي ليس ما بي مرض أو علة جسدية، ولا هي أعراض أحوال نفسية، لا يكن عليّ منكم قلق، فالله أرحم بمن أوجد وخلق. ولم يكن ما بي هم وغم وحزن، بل إشغال للعقل والإحساس والذهن، تفكير في أحوالنا اليومية، ومعاملاتنا الشخصية، وتعاملاتنا التجارية، التي أصبحت عادات تأباها الأخلاق القويمة، والفطرة الصحيحة السليمة. فكرت في بعض ما سمعت، وأعملت الذهن في الكثير مما رأيت، وأرجعت ذاكرتي إلى أيام بعيدة، حيث العفة والنزاهة والنظرات الحديدة، والآراء النيرة السديدة، رغم بساطة الناس، وقلة ما عندهم من باس، لكن كان يجمعهم حب كبير، وعطف على الفقير، ومواساة للضعيف الكسير. فأين نحن في هذه الأيام القاحلة، من تلك الأخلاق الفاضلة؟ نحن اليوم أكثر منهم مالا، وأكثر منهم نساء ورجالا، أكثر منهم استعمالا للتكنولوجيا،  لكن فينا غفلة وخوفا وفوبيا. حياتنا عقد، وحكامنا كلهم "أسد"، جاثمون على صدورنا سنين بلا عدد، وكأننا سنحملهم إلى الأبد. ولكن ما لنا وللسياسة، التي نرى جلها تياسة، مجلبة للشقاء والتعاسة، ولننظر إلى ما وصلت إليه حالنا، وتخلفت أحلامنا وآمالنا، وصرنا نتوق إلى الماضي وأخلاقه، وحريته وبساطته وانعتاقه.

كانت الأخلاق هي القانون، والكلمة هي العقد المأمون، أمانة في التعاملات، وثقة في حفظ وردّ الأمانات، ولا مكان لمبدأ هات وهات وهات، وكأن العطاء قد انتهى من حياتنا ومات. سمعتنا في انحدار، ومدّنا إلى جزر وانحسار، بعضنا يأكل مال غيره، دون مراعاة لمكان خطوه وسيْره. هل كان يستطيع في السابق أن يقول مدين لدائن، لن أدفع لك ديْنك ولو جمعت عليّ القرى والمدائن؟ هل كان يمكن أن يوجد في مجتمع آبائنا ذكر - ولا أقول رجل - مثل (ي. ح) يرفض دفع ما عليه من ديْن، دون أن يلقى عقابه من مجتمعه، وقبل أن يسقط في حبائل القانون ومستنقعه؟ هو مثال فقط، فعندنا عدد ممن وقع في أكل مال الغير فسقط. وهناك من الناس من يغش عملاءه، حتى وإن كانوا أصدقاءه. ألا تبا لمن أغرته الدينا الزائلة، وحبذا العيش في مدينة فاضلة!!

ما أجمل أيام القبيلة المتماسكة وشيخها المطاع الحازم، صاحب الحكم النافذ الحاسم، الذي لا يعصيه مدين غارم، ولا غارق في الذنب آثم، شيخ ليس لديه سجن يحجز به الحريات، ولا سجان لتنفيذ العقوبات، بل طريقة واحدة للعقاب، هي مقاطعة ذوي الإساءة في كل باب، حتى يعودوا إلى الحق واتباع الصواب. لكن ذلك مشروط بالإجماع على الطاعة، وتنفيذ الأمر بكل صرامة وقوة وشجاعة. ألم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم مع ألذين خُلفوا حتى ضاقت عليهم  الأرض بما رحبت؟ هي إذن وسيلة ذات أهداف جامعة، من أجل تربية ناجحة ناجعة. ولذا، أنا في هذه المدينة التي أريدها أن تكون فاضلة، نعمل فيها لإصلاح أواخر أمرنا بما أصلح به أسلافنا أوائله، فنقي أبناءنا مصاعب الزمن وغوائله. أسوق فكرة لا شك أنها ستبدو لدى الكثيرين مضحكة، وفي تنفيذها صعبة ومربكة، لكنني أجدها في أيامنا هذه خيرا وبركة، إن تولتها عقول واعية مدركة، بعيدا عن أفكار مشوشة مشككة. إنني أدعو إلى تشكيل مجلس يكون أعضاؤه كل العرب، ويكون له شيخ ذو حكمة ودراية وأدب، يسوس الأمور مستعملا حكمته، التي يفرض بها طاعته. ويكون الحكم مقاطعة كل معتد على حقوق الآخرين، إن ثبت أنه غير أمين، حتى يعود إلى الحق الصريح المبين. أليس هذا ما تفعله شركات بطاقات الائتمان، حين توحي بأن فلانا بلا ذمة، فيقاطع ويعجز عن البيع والشراء من كافة بني الأمة؟ 

 

بُعدا لغثاء السيل

حدثنا أبو الكاشف، ابن لندن الخبير العارف، أن صديقه ورفيق دربه، عبدَ المذلّ الكاتب خيرَ جلسائه وأنفعَ صحبه، المغرّد الصادعَ بالحق ضمن سربه، كتب له من وراء البحار، عن زياراته وتجواله في لبعض الأقطار، وما حققه من تلك الرحلات والأسفار، وأطلعه على ما شاهد وما سمع من أخبار. لقد سافر إلى تلك البلاد بعد طول غياب، لرؤية مرابع الصبا وزيارة الأحباب، وغير ذلك من عديد الأسباب. كتب له ولجلسائه يقول، وعمر القارئ والسامعين يطول:

أخي العزيز أبا الكاشف، لا تسل كم أنا آسف، على بعدي عن الصحب والمعارف. لقد اشتقت إلى جلساتكم المرحة، وإلى أحاديثكم المفرحة، ولا بد أنكم اشتقتم إلى منغصاتي، التي تمتلئ بها حكاياتي، وما يطرح عليكم من موضوعاتي. لكن لا تهتموا، ولا تغتموا، فمنغصاتي ستلاحقكم، حتى وإن كنت بعيدا عنكم. فالمنغصات ليس لها مكان محدد، وفي كثير من الأوطان تتجدد، بل مع التكنولوجيا المذهلة تتمدد. لكنْ بُعدا لمسبب المنغصات، مع القدرة على نشر الحبور وبذر الابتسامات.

لم أكن يوما ممن يحب الغم، ويسعى لجلب الضيق والهم، لكن متابعة الأخبار، التي تأتيك دون استئذان ولا إخطار، هي السبب فيما ينالك من إحباط، وما يعتريك من أخلاط، ووضع أمتنا حدث ولا حرج، وانتظر من الله وحده الفرج. وأمامك المثال، فاسمع المقال:

تابعت من مكاني الذي أنا فيه، ما يدور في المؤتمر الإسلامي ومعانيه، وتقكرت في أسباب عقده ومراميه، فلم أجد إلا أنه ينقلنا من تيه إلى تيه. ولعل بعضكم لا يعلم أن الدول الإسلامية عددها سبع وخمسون، ودول العالم المستقلة والمعترف بها سياديا اليوم مائة وثلاث وتسعون، تعدادنا فاق المليار، ورغم ذلك يضرب الأقوياء حولنا الحصار. إننا تقريبا ربع العالم في عدد الدول وتعداد السكان، ورغم ذلك لا يوجد لنا على الخارطة الإنسانية مكان، اللهم إلا أن نكون الأتباع والأعوان، يوما للروس ويوما للصين وبعدها للألمان والإنجليز والأمريكان.

ولعلكم استمعتم في هذا المؤتمر للخطب الرنانة، وما احتوته من الشعارات الطنانة، وعن معاناة الشعوب الإسلامية، وحياة أبرز سماتها الجوع والفقر والتشريد والقتل، وتلك هي الأخبار اليومية، التي أصبحت مألوفة وعادية، حتى تبلدت فينا المشاعر والأحاسيس، وتسوّد علينا اللئيم الظالم الخسيس. وصرنا أضحوكة العالم الذي حلق بعلمه في السماء، ونحن ينقصنا حتى الغذاء والماء. ورغم ما عندنا من أكفاء الرجال، وما تحت أرجلنا من ثروات وأموال، وتاريخ يمكن أن نستخرج منه بعض ما فيه من عراقة وأفضال، وامتداد جغرافي من شرق إلى غرب وجنوب وشمال، فنحن نعاني من داء مستفحل عضال، وكل منكم يملك على ذلك ألف مثال ومثال. ألا نستجدي العالم وننتظر منه العطاء والنوال؟ ألا يمكنه أن يعرينا أو يكسونا الخرَق والأطمار والأسمال؟ ويسومنا ذلا من كافة الألوان والأشكال، التي قد يكون أقلها الاستعطاء وذل السؤال؟ ويعزلنا ويفرض علينا الحجْر والإبعاد والإهمال، حتى نصير إلى الفرقة ثم النهاية والزوال، وتصبح شخوصنا بلا وجود ولا ظلال، وحينها لن ينفعنا التآخي والمودّة والوصال؟

أهو أمر طبيعي أن نجد في دولة "إسلامية" غنية مختارة، مواطنا سكنه الدائم في سيارة؟ أمنَ العقل والعدل أن تجري ثرواتهم كالأنهار، وجارهم مسلم في مالي يبيع طفله بألف دولار؟ أليس هذا هو العار؟ المؤتمرات والخطب لا تطعم الجياع، ولا تعيد آلاف القتلى بأيدي الحكام الرعاع، فهل لهم أعين يبصرون بها وأسماع؟

نعم، هي أخبار أفكار سوداوية، لكنها الواقع الذي يعرفه الخبير، ولا ينكره كل واع للأمور بصير، لقد كان أمس أفضل حالا، وكنا نرجو أن يكون حاضرنا أحسن مصيرا ومآلا، لكن الرياح لم تجرِ كما أراد الربان، فتقهقرت البلدان، وتخلف من فيها من بني الإنسان. علمونا أننا عشنا عصر الانحطاط، يوم كان يحكمنا العديد من الأجناس والأنماط، لكن التاريخ يقول إن أولئك الحكام استطاعوا أن يحموا البلاد والعباد، ويصدوا هجمات المعتدين وذوي الأحقاد، فأين حكام اليوم وهم أبناء البلاد، من أولئك القادة الأسياد؟ حكام اليوم هم الذين يستنجدون بالطامعين، ليحموهم من أبناء شعوبهم المستضعفين، فشتان بين أمراء رافعي الرؤوس، وبين من يطلبون حماية الأمريكان والروس!!

الشعوب هي التي يجب أن تمسك بالزمام، وبإرادتها وتضحياتها يمكن أن تصلح الحكام، من ذوي العقول والأفهام، فلا يستهينن أحد بقدرة الشعوب، فهي الباقية وأنجم الحكام إلى غروب. ولعل ما جرى في العامين الماضيين من ثورات جليلة، وما حققت الشعوب من منجزات وإن كانت حتى الآن قليلة، دليل على عملها المبين، الذي سيؤتي أكله ولو بعد حين، رغم التكالب عليها من اليسار واليمين. المهم أن تعيَ الشعوب مصلحتها، وتعرف كيف تعالج محنتها. ولعلي لا أجاوز حدي إن قدمت بين يديها فكرتي، التي أراها جزءا من مهمتي. الفكرة ليست جديدة، وهي قريبة وليست بعيدة، تطبيقها سهل، ولا تحتاج إلى كثير بذل. تتلخص في أن الأمة أمة مستهلكة وإنتاجها قليل، وتقوم حياتها على ما تستورد من صناعات ومحاصيل، من دول تسومها ذل الحاجة وحاجة الذليل. فماذا لو قاطعت ما تستورد من هذه الأقطار، وتعدادها نصف مليار ومليار؟ هي مقاومة لا تحتاج قتالا، ولا تتطلب مصارعة ونزالا. أليس بإمكان الشعوب أن تستغني عن الكماليات المستوردة، وهي كثيرة ومتعددة، إن كان هذا الاستغناء يحفظ لها عزتها، ويصون لها كرامتها؟ إن الشعوب الفقيرة معتادة على التقشف والصبر، واحتمال الآلام وحرمان الفقر، ولم لا إن كان في ذلك حفظ كرامة الإنسان، والعيش مع التقشف بسلام وأمان.

لا يستصغرنّ أحد سلاح المقاطعة، فهو أجدى وأنفع من ادعاء سلاح الممانعة!!!  

 

 

المقامة العائلية

حدثنا أبو الكاشف ابن لندن الخبير العارف، أن عبد المذل الكاتب، رفيق العمر والصاحب، قد كتب له من سفره، ليطلعه على خبره، ويخبره عن وضعه وحقيقة أمره. وأهم ما جاء في الرسالة، كلامه عن التربية والعوالة، قال:

لعل أهم ما يشغل بال أي والدين هو تربية أبنائهم، في زمن اختلفت فيه الموازين، واختلت فيه القواعد والقوانين، وسادت فيه الفردية، وتغلبت عليه الأنانية، وطغت المادية على النفوس، وظن الجهلة أن الحياة هي المادة والفلوس. في زمن ظن فيه البعض أنهم هم المركز، مهما تحوّل الدهر من حولهم واهتز. وانظر في مذهب وعقلانية الأبناء، الذين يظنون أنهم هم العقلاء، ولا يعترفون بغيرهم من أهل الفطنة والذكاء. هم أبناء عصر العلم، وليس لمن سبقهم علم أو خبرة أو فهم. هم الذين يسابقون الريح بسياراتهم، وحياتهم محصورة بأجهزة (كمبيوتراتهم)، وبما يحملون من أجهزة اتصالاتهم، أجهزة (تابلت) (آيباد) (آيفون) وغيرها من الأجهزة المحمولة، المعقولة منها وغير المعقولة، وبعضهم لا يعرف منها إلا الشكل، ولا يدرك ما يمكن أن تقوم به من فعل، وإن علم، استغلها فيما لا ينفعه، ولا يستمع لمن يحاول أن ينصحه أو عن الضلال يردعه. استمع لأحاديثهم الفارغة وعباراتهم، وهم يطوفون العالم من خلال شاشاتهم، مع توافه أحاديثهم و"تشاتهم"، وانظر إلى ما يناقشون من موضوعاتهم، وتمعن فيما يبدون من اهتماماتهم، وما يظهرون ويستثمرون من  هواياتهم، وينسون أن عليهم بعد ذلك أن يواجهوا الحياة بضئيل خبراتهم. هم لا يستمعون إلى نصائح الكبار لأن أفكارهم قديمة، فجدواها إذن قليلة بل هي عديمة. العلم كله عند "غوغل" المعلم، فهو الأب والأم والصديق الصادق الملهم، لم يعد الابن يستشير أباه في مسألة، ولا يسأل أمه إن واجهته مشكلة، إو اعترضت حياته أية معضلة، لأن أفكارهما أثرية، وأحاديثهم تاريخية، متناسين أن قدم الآثار هو الحضارة، وأن التاريخ هو للحاضر إشارة، وللمستقبل ضياء ومنارة. يسمعون فقط لأقرانهم، فأقوالهم هي الصحيحة، وتصرفاتهم هي المليحة، لأنها تناسب أذواقهم، وتروق لأوهامهم.

يحضر الولد أو البنت من المدرسة سريعا إلى طاولة الغذاء، فنفسه/ها لبطنه/ها فداء، ثم يهرع الجميع إلى الغرف مسرعين، فهناك ينتظرهم العلم المبين. يضعون السماعات على آذانهم، لتغطي على عقولهم وأذهانهم. ويبدأ مشوار اللهو واللعب، على الشاشات التي لا تجلب لهم إلا الهم والتعب. ونأسف لمن يتخذ في بحثه طريق الاستهتار، الذي لا يؤدي إلا إلى البوار والدمار. ولعلي يجب أن أستثني هنا من يستخدم منهم الوقت والجهاز للعلم، ولكن أشهد أنهم قليل ما هم.

حتى الأبناء الذين يعيشون مع الأمهات والآباء، يصعب أن يكون بينهم لقاء، فالأبناء يحفرون بينهم وبين أهليهم هوّة، والآباء لا حول لهم ولا قوة. وزاد الطين بلة، أجهزة الهواتف الذكية التي أصبحت مرضا وعلة. فهي معهم في كل مكان، في البيت وفي الصف الدراسي، في الحمّام والدكان. أصابعهم دائما في حركة، وعقولهم وأدمغتهم في معركة. تطلّعْ إلى الأسْرة إن تصادف أنها جلست يوما في مجلس، لا يستطيع أي من أفرادها أن يتحدث أو أن يهمس. عيونهم مسددة إلى الهواتف بشاشاتها الصغيرة، وأصابعهم تلاعب مفاتيحها بأصابع مدربة خبيرة.  

 وتباعدَ أعضاء الأسرة بالأفكار، وتناسى أهلُ الدارِ الدار، حتى بات الابن لا يعرف أباه، بل ينكره إن تصادف ورآه. ولعل من أطرف ما سمعت من الطالبة الجامعية دارين، ما أخبرَتها به صديقتها ياسمين، قالت:

أمس كنت أعمل على هاتفي، وفجأة وجدت الاتصال بالإنترنت يختفي، وكنت في الغرفة التي يجلس فيها والداي، فدارت بيننا أحاديث متفرقة كثيرة، واستمعت منهما إلى أحاديث طيبة جميلة ومثيرة، هل تعلمين يا دارين؟ أني وجدتهما لذيذين. 

 

المـقــامـة المـهـنـيــة

حدثنا أبو الكاشف ابن لندن الخبير العارف، أنه أجرى حوارا مع أحد العاملين في المجالات الثقافية، التي يفترض أنها المثال الحي للشفافية، حول الدور الذي يلعبه أصحاب المهن الثقافية في المجتمع، ما يجعل باقي المجتمع، إن أجادوا، فهم لهم تبع. قال ملخصا الحوار، وكيف تطور الحديث ودار:

تعلمون أن لكل مهنة آدابها، مهما تعددت مراميها وتنوعت أسبابها. والمطلوب لتحقيق الأرب، أن يتحلى كل صاحب مهنة بالأدب، فلا يترك للزيغ فجوة، وحتى يكون لغيره مثلا طيبا وقدوَة. فالمعلم للمجتمع نبراس، وفي نهضة المجتمع هو ركن متين وأساس، هو مربي الأجيال، ومحقق الآمال، فإن فشل انقلبت الأحوال، واقترب المجتمع من الزوال، وفشله يأتي من ضعف الأداء، الذي قد يكون من نقص علم وقله ذكاء.

المعلم عَلَم، سلاحه كتاب وقلَم، مخزن علم في اختصاصه، حريص على التمسك بأمانته وإخلاصه، متمكن من مادته، أمين في احترام مهنته، وحريص على شكله وهيئته، أما أن يعلم دارس الشريعة العلوم الرياضية، ودارس الجيولوجيا العلوم الشرعية، وممتهن الحلاقة والسباكة يعلم اللغة العربية، فذلك أمر لا يقبله الراعي ولا ترتضيه الرعية . ألا يذكّركم ذلك بحلاق القرية في أيام زمان، يوم كان هو طبيب الأسنان، وهو المعالج للنفوس والبطون والأبدان، للأطفال والرجال والنسوان؟ يصف الأدوية لجميع الأدواء، ويكتب الأحجبة ويزرع في النفوس الأمل بالشفاء.

ألا ترى جراءة البعض على الإفتاء، وهم من الفهم والعقل براء؟ ألا ترى بعضهم يصف لعلتك الدواء، وكأنه هو وجالينوس والرازي سواء؟ ما هذه الترهات، وتلك الخزعبلات، وأين العقل المميز بين الخطأ والصواب، هل ضاع مع كل ما ضاع، وحل محله الانحطاط المؤدي إلى الضياع؟      

تلك لعمري هي المهزلة، التي يستحق عليها مقترفها "المقصلة".

أيها الناس، التخصص جزء من أسس النجاح، وخلاف ذلك جهل صراح.

وقس يا صديقي على ذلك، رعاك الله ونجاك من المهالك.

ولن ننسى ونحن نتحدث في نشر  العلم والثقافة، أن نعرّج على عالم النشر والصحافة. ولنبدأ بأن نعلم أن كلا من السباك والكهربائي والحلاق والمنكانيكي يحتاج ليقوم بعمله إلى دراسة ثم إجازة وخبرة، وذلك لعمري تقدير للمهنة والعامل حتى لا يضر غيره. أما الصحافة، السلطة الرابعة ومهنة المتاعب، فلا يطلب منك لممارستها أية مؤهلات ولا توضع في دربك المصاعب. يكفي أن يكون مؤهلك بعض الدولارات، تسجل بها شركة فتصبح من أصحاب الأعمال والشركات، ولا يهم بعد ذلك ما عندك من الآليات!!

يظن معلم اللغة العربية أنه يكفيه أن يعرف اللغة ويتكلمها، متناسيا أن للمهنة آليات عليه ان يتعلمها، ويكفي معرفة شيء من اللغة حتى يدخل امرؤ عالم الصحافة، ويكون ركنا من أركان الثقافة. كل ذلك هراء وسخافة، كم من (صحفيي) اليوم من يأخذ بأسبابها، ويعرف ويلتزم بأخلاقها وآدابها؟ أليس من أسبابها معرفة اللغة ومراميها وأبعادها؟ أنا لا أجد عذرا لمن يمتهن الكتابة ويجهل أبسط قواعدها. ولعل هذه من الأمور التي يمكن تعلمها، ولكن ماذا تقول لمن يسرق جهد الغير، وينسبه لنفسه ولا يجد في ذلك أي ضيْر؟

أعرف من الصحفيين المحترفين المحترمين من يستأذن أصحاب المقالات قبل النشر، كما أعرف من مدّعي الصحافة من يسرق المقالات والإعلانات دون استئذان الغير. الصرف والنحو وقواعد اللغة يمكن أن تتعلم وإن طال العمر، لكن الأخلاق التي زرعت في الصغر سترافقه إلى القبر. ولا عجب إن وصف نفسه بأنه رخيص، فذلك لا يترك لأمل الإصلاح أيّ بصيص. 

الغريب في الأمر أن بعض المتلقين، لا يفرقون بين الغث والسمين، وتستوي عنده أعداد العشرات وأعداد المئين. ورحم الله من يقولون، كله عند بعض الناس صابون.

 

القُـبـلـة (بـضـم الـقـاف)

حدثنا أبو الكاشف ابن لندن الخبير العارف، صاحب القصص الجميلة والطرائف، وصاحب المبادئ وقويم المواقف، عن موقف له مع أخيه عبد المذل الكاتب، الصديق الصادق في الزمن المناسب قال:

دعيت أنا وأخي عبد المذل إلى حفل زواج، وكنا يومها بحاجة إلى اختلاط بالناس واندماج، وذلك بعد غياب طال، وبُعدٍ عن الصحب وانقطاع عن السؤال. لبينا الدعوة شاكرين، ووصلنا إلى مكان الحفل، حسب الموعد، مبكرين، واستقبلنا أصحاب الحفل مرحبين، ورددنا تحيتهم بأحسن من ذلك مهنئين، وجلسنا وقتها بين قليل  من المدعوين. وكالعادة طال الزمن قبل أن تمتلئ القاعة، لأن كثيرا من المدعوين لم يعرفوا حتى هذا اليوم معنى وسبب اختراع الساعة، ظانين أن ذلك كان فقط لتزيين المعاصم، مثل الأساور والعقود والخواتم. فصار الوقت عندهم هو أرخص الأشياء، فلم يستثمرْ أكثرُهم عمرَه في بناء، ولم يكن له إعمار مفيد أو بناء.

يلفني الحزن كلما تذكرت أين كانت هذه الأمة، وكيف ارتقت لتتربع يوما فوق القمة، وكيف تغشاها اليومَ كآبة وغمة، ويلفها جهل غمامة سوداء وظلمة.

اعذروني على هذا الاستطراد، وعلى هذا الحديث القديم المكرر والمعاد، فهو ليس موضوعنا هذا اليوم، كما أنني أحاول دائما الابتعاد عن العتاب واللوم، لأن ذلك يثير فينا الأشجان، على ماضٍ كان وكان وكان، ومستقبلٍ يخبر عنه الواقعُ المزري والحاضرُ المُهان.

وأخيرا حضر المدعوون والتفوا حول الطاولات، ينتظرون بدء الفقرات. تعجبني هذه الاجتماعات، في مثل هذه المناسبات، لأنك تلقى فيها من لم تلقه ربما لسنوات، رغم العيش في منطقة قليلة البيوت وقصيرة الطرقات. ما أعجب هذا العصر الذي لا تعرف فيه جارك، ولو كان مطلوبك واختيارك!!

كان أصحاب الحفل يدورون على المدعوين، مرحبين بضيوفهم فرحين، الفرحة على الوجوه ظاهرة، وابتسامات العريس وأهله  توزع على الجميع شاكرة. وعلى غير العادة، كان الجو محافِظا وزيادة.

وكما هي العادة في مثل هذه المناسبات، يلقي والد العريس وبعض صحب العريس الكلمات، يذكرون ما في العريس من ميزات، وما يتحلى به من أخلاق حميدة وصفات، ولا تخلو أحيانا من بعض "القفشات" والنكات.

تحدث الوالد عن ابنه الطبيب، عريس الحفل الذكي الأريب، ذاكرا ما فيه من الصفات الحميدة، من احترام واتزان وبِرّ وطاعة أكيدة، مفاخرا بأنه أكبر نعمة، شاكرا لله أن مثله من يحمل اسمه، وختم حديثه قبل أن يطول، مبلغا ولده منه ومن أمه الرضا والقبول.

وبعد أن أنهى الوالد كلامه، تقدم ولده الدكتور ووقف أمامه، ولم يصعد المنصة حتى يظلَّ أقصرَ منه قامة. صافح أباه وكل الشكر باد على هيئته، وانحنى إجلالا يقبل يده ويضغها على جبهته، فهكذا كانت العادة في حضرته، وكما اعتاد أن يفعل من كان في مثل خلقه وصِفته.

إلى هنا وكل شيء يبدو على ما يرام، وصفق الجمع وساد هرج ومرج وكلام، وبدوري التفتّ إلى عبد المذل فرأيت الدموع تملآ عينيه، وتسيل حتى تغطيَ وجنتيه. فسألته برفق ممزوج بقلق، ما بك بربّ الناس والفلق؟ لكنه لم يردّ على السؤال، حتى مر علينا الوقت وطال. فأخذته من يده وخرجنا من القاعة، لعلي أستطيع فهم أمره وسماعه. كانت دموعه تسيل، لكن لا يبدو عليه حزن خفيف أو ثقيل. كان ما يبدو عليه عواطف تكاد إلى الحنان والحب تميل. قلت: هات حدثني عن حقيقة أمرك، وما الذي أجرى الدمع من عينك؟ نظر إليّ وفي عينيه ذلك الحب والعطف والحنان وقال: مشهد أثار في نفسي ذكريات ثقال، حملتها زمانا واعلم أن نسيانها محال. ذلك أني لا أستطيع أن أرى أحدا ينحني ليقبّل يد أمه أو أبيه، دون أن أذرف دمعا أضع كل ما بي من مشاعرَ فيه. ولذلك قصة وذكريات. قلت له إذن هات.

قال عبد المذل: قبل ثلاثين سنة أو يزيد، كنت كالعادة مسافرا إلى عملي في بلد بعيد، وكنت أقف لأودّع والديّ قبل الفراق، دون أن أدري أنْ سيكون مع هذاالفراق آخر قبلة وآخر حضن وعناق. انحنيت لأقبل يد أبي قبلة أحفظ يها يومي وغدي، فسحب بحنان يده الطاهرة من يدي، وأخذني بحضنه الدافئ، الذي ما زلت أحسه رغم طوافي الطويل في البلاد والمرافئ. أما أمي فلم أسمح لها بأن تسحب يدها، ولم أصِخْ لها سمعا، وانكببت أقبلها وأغمرها من مقلتيّ دمعا. وكان ذلك مع والديّ آخر لقاء، ما زلت أحمله بين جنبيّ عنوانا للحب والبر والعطاء، وأسلوبا في بذل الرحمة والإخلاص والوفاء. ومنذ ذلك اليوم يبكيني مشهد تلك القُـبلة، وسيظلّ كذلك حتى أسجّى نحو القِبلة.

وأضاف: كم من أبنائنا اليوم من يقبّل يد والد أو والدة؟ الجواب مؤلم، فالأبناء لا يلتقون اليوم بآبائهم حتى حول المائدة، فالأجهزة الإلكترونية بينهم هي الحياة السائدة، وما بعد ذلك أحاديث زائدة، لا طائل من ورائها ولا فائدة.

عوّدوا أبناءكم على تلك العادة، فهو تقليد حب وبِرّ وعبادة.

أنا أقول لهم: ليتني أعود إلى أيام الطفولة والصبا والشباب، لأفتح للبر والطاعة كل باب، وأمرّغ وجهي على يديْ وقدميْ أبي وأمّي، فهناك جنتي وجلاءُ همّي وغمّي. تحت قدميْها الجنة، وذلك عطاء من الله ومِنّة. 

المقامة الثقافية

حدثنا أبو الكاشف، الكندي ابن لندن الخبير العارف، أن صديقه عبدَ المذل الكاتب أخبره مؤخرا بعض الطرائف، وكان من بينها الخبر الأطرف، بل أكاد أجزم أنه الأعنف، ما جاء فيها عن قيمة العلم والثقافة، في عصر ساد فيه الجهل وتمددت فيه السخافة، قال:

قبل أكثر من خمسة وأربعين حوْلا، كان لي شرف العيش في بلد آمن، أهله كريمو الأخلاق، يسودهم الود والوفاق، بعيدون عن الرياء والنفاق، وفيهم بعد عن الخيانة وانعتاق. لم أر بينهم خصومات، ولم يحدث أن شهدتُ بينهم عراكات. أقمت بينهم ما شاء الله لي أن أقيم، وتركتهم وقد تركوا فيّ كل أثر كريم. ومن الذكريات الطريفة التي ما زلت أذكرها، والتي لا يعرفها الشباب من أهلها، أنك كنت إذا ذهبت إلى السوق لشراء طعامك، فوجئت بما لم يخطر على بالك. لأنك ستجد طريقة عجيبة في بيع بعض السلع، ولا أدري من أين جاءت هذه البدع. فأنت تشتري (الباذنجان) مع كبر حجمه بالكيلو والميزان وإن فسد، وتشتري (البامية) على صغرها بالعدَد. يعد البائع لك مائة حبة من (البامية) وكلاكما صابر، وتتطلع إليه وأنت مما يعمل حائر.

أسوق ذلك من باب الطرافة، وليس انتقاصا منه حتى وإن أنكره الواقع وعافه. لكن ذلك يبقى نوعا من التقاليد وإرثا من الثقافة.

الثقافة ليست حكرا على ما في الكتب، ولا على ما تتداوله مجالس التاريخ ومنتديات الأدب. لكنها كل شيء شكّل شخصية الأمم، وتوارثته الأجيال وإن بلغت أوج القمم. التراث جزء من ثقافة متوارثة وإن بدا بسيطا ساذجا، فقد يكون أساسا يبني أصحابه فوقه مستقبلا أبلجا، وبحرا من المعارف هدّارا مائجا. والثقافة تقوم على أكتاف أصحاب العلم والاطلاع، والاطلاع يقوم على تجارب الحياة من خبرة ومشاهدة واستماع. وقد لا يصحب كل ذلك شهادات، ولا مدارس أو كليات وجامعات. وقد عرفت الشعوب كثيرا من النابهين الأذكياء، فنانين كبارا وشعراء، مفكرين بارزين وأدباء، دون أن يكون لهم حظ من تعليم أكاديمي عال، ولا قسط من ثروة أو مال، يعين على سفر للعلم أو ترحال. لكن موهبتهم كانت في الغرق بين صفحات الكتب، فحققوا منها الأمل الكبير ونالوا الأرب.

الكثير من أسلافنا كانوا أهل ثقافة سامية، تركوا للعالم حضارة شامخة بانية، خالدة على الأيام باقية، وتركوا مؤلفات يفخر بها وبعظمتها التاريخ، في زمن وصل الإنسان فيه إلى أعالي الفضاء وغزا  المريخ. كان واحدهم موسوعة في كل أبواب العلوم، من التاريخ والأدب إلى علوم الفلك والنجوم. والغريب أنه ضليع في كل فرع، وله مؤلفات في كل نوع.

لنقف هنا ونسأل، كيف أحاطوا بكل ذلك، رغم قلة الموارد وقصر المسالك، مقارنة بما عندنا اليوم من مصادر مذهلة في بناء الأفهام والمدارك. هل وفرة وقتهم هو السبيل أم جهدهم هو المبارك؟ نفهم الجواب إذا عرفنا أن الدقيقة في عصرنا، تعدل يوما كاملا عند من كان قبلنا. في عصرنا نقطع المسافات ونطوف القارات في مدى ساعات، وكانوا يحتاجون لهذا قبلنا إلى شهور بل قل إلى سنوات. تفوقوا علينا بإحاطتهم بالعلوم والثقافة رغم ما لدينا من إمكانيات!!!

نحن أهملنا القراءة وجفونا الكتاب، فانظر إلى من بيننا ممن تعرف من الشباب، الذين كل همهم الشاشات الصغيرة و "ثقافة" إضاعة الوقت بتافه الألعاب. وهذا لا يشمل القلة من النابهين الجادين من أهل العلم من الطلاب. فأملنا في هذه الثلة، وفيهم الأمل وزهو المستقبل رغم أنهم قِلة.

ولعل من المفيد، ونحن نتكلم عن العلم والثقافة والكتاب، أن نسوق أطرف ما مر بنا في هذا الباب. قبل أسبوعين ساقنا القدر أنا ورفيق دربي إلى محل تباع فيه أكوام كبيرة من الكتب، هرعنا نحوها ولا عجب، فنحن ندعي أننا من قراء العرب. اختار صديقي منها مجموعة من المؤلفات، في الأدب والفن والمهن والعديد من الثقافات، وحملها إلى من سيقبض منه الأثمان، تناولها الموظف المختص ووضعها على جهاز لوزن فكر النخبة من الأعيان. صدقوني يا سيداتي ويا سادتي، الكتب هناك تباع بالرطل في الميزان. فهل هناك بعد ذلك من أشجان وأحزان، تفوق بيع العقول والأذهان؟ فيا لضيعة الجهود الثقافية في هذا الزمان!!! الشهادات تباع بالمتر والكتب تباع بالأطنان!! فلمن أراد شهادة طولها نصف متر أو متر فعندنا العنوان!! 

 

 

صـراحـة الـنـاصـح ونـفـاق المـادح

حدثنا أبو الكاشف، ابنُ لندنَ الخبيرُ العارف، أن أخاه وصديقَ عمرِه، رفيقَه المطلعَ على جلّ خبرِه وأمرِه، عبدَ المذلّ الكاتب، الخبيرَ بأمر الرفيقِ والصاحب، الملاحقَ لأخبار الصّحْبِ والمتابع، الذي يعرف أخبارَهم الخفيّ منها والشائع، ما اندسّ في البيوتِ وما دار في الشارع. ليس تدخلا فيما لا يعنيه، ولكن حرصا على مصلحةِ المجتمع ومن فيه. هدفُه الإصلاحُ وبناءُ كريمِ الأخلاق، بعيدا عن الفسادِ والتملقِ والنفاق. في طرحِه للأمورِ خبير، وخبرتُه نتيجة صبرٍ على الواقعِ وفير، وقلبٍ نابضٍ بالحبِ وعقلٍ ناضجٍ منير. إن نصحَ كان صادقا في نُصحِه، وإن ذمّ كان صادقا في قدحِه، يتحملُ منه من كان مثلَه صادقا، ويضيقُ بكلامِه من كان كذّابا منافقا.

جاءني قبل أيام، ونظر إليّ بأدب جمّ واحترام، وبلهجة الصادق الوفي الأمين، قال لي بصوته الهادئ الرزين، يا أبا الكاشف أنت إنسان عظيم، بل أنت أعظم من رأيت في هذا المجتمع (الكريم)!! أمثالك في هذه الأيام قليلون، وصفاتك يتصف بها الأكرمون، الذين يندر وجودهم في هذا الزمن المجنون!!

كان يقول ذلك وأنا أحدّق في تقاطيع وجهه الجادّة، وأركز نظري على نظرته الحادّة، مستغربا هذه الافتتاحية بعد سلامه، وما عهدت منه مثل هذه النغمة في كلامه، لا شك أن في هذا الحديث أمرا، سنعرفه حالا ولو كان سِرّا. كان يتحدث وأنا أدير رأسي يمينا ويسارا، لعلي أفهم منه مغزى أو أجلو منه أخبارا.

وقبل أن يستمر في هذا المديح، قاطعته بصوت واضح وصريح: هل أنت بكامل قواك العقلية، أم أصابك مس من قوى خفية؟ ما هذا الكلام الذي أسمعه منك لأول مرة، وما مناسبة هذه الكلمات التي أراها في ظاهرها حلوة وفي داخلها تبدو لي مرة؟ 

وقال مبتسما: أنا أجاملك يا أخي، وأنا في المجاملات كريم سخي. على الأقل أنا أذكر عنك الحقيقة، بكلمات صادقة ورقيقة، بعيدا عن النفاق والمداهنة، فلا كسب من ورائها ولا مراهنة. وأنا لا أمدحك بغرض الكدية(1)، وإلا كان المدح كذبا وفرية. ولست كمن يتودّد ويمدح بهدف التكسب والعطاء، متبعا طريق مدّ اليد و (الاستجداء)، والغريب أن الممدوحين يقبلون مديحه، وهم يعرفون أنها عبارات نفاق صريحة.

وكما ينافق الفرد أبناء المجتمع، ينافق أبناء المجتمع الفرد، وهم يعرفون أنه (يتنطط) بينهم (طمعا) كالقرد. يرون منه أخطاءه المسيئة، ويترجمونها إلى هِناتٍ بريئة، والغريب أنهم يتكلمون في غيبته، ما لا يقولونه في حضرته. يقابلونه - رغم ما يعرفون عنه - بالابتسام، ويغدقون عليه الود رغم أنهم لا يكنون له أي احترام. إن جلس بينهم ضاقوا بجلسته، ورجوا أن يريحهم من طلعته. وعندما يغادرهم يتنفسون الصعداء، وكأنهم تخلصوا من محنة أو داء.

نحن لا نعتب على أبناء المجتمع البسطاء، بل على قادة المجتمع والرؤساء. كيف يعرفون من يعتدي على الناس ويتركونه، يعيث في الأرض فسادا ثم يدَعونه بل يباركونه؟ والشواهد على إدانته عديدة، وإساءاته للآخرين شديدة، وهم يعرفون، ويتجاهلون، وعنه يسكتون.

لم يكن هذا حال أجدادنا حتى في أيام العشائرية والقبلية، ما كان يومها أحد يجرؤ على الإساءة للغير، لأن زعيم (القبيلة) ينبذ الشر ويسعى لنشر الخير، والمسيء ليس له إلا الطرد والإبعاد عن الجماعة، حتى يؤوب المسيء إلى طريق الصواب والطاعة. لا يفترض بقائد الجماعة أن يكون قاسي الأحكام، بل هدفه إقامة العدل والمساواة وتطبيق النظام، حتى لا تؤدي الخلافات إلى التشتت والانقسام.

كيف عاقب الرسول صلى الله عليه وسلم  الذين تخلفوا عن الجهاد دون عذر؟ هل سجنهم؟ هل عذبهم؟ هل طردهم؟ لا، فقط طلب من المسلمين مقاطعتهم، حتى "ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم". فالمجتمع ممثلا بقادته، يجب أن يضرب على يد المعتدي حتى يرتدع، وعن عدوانه وإساءاته يرتجع. وهذا يشترط في القائد العدل الذي يفرض به الطاعة، وتصلح به حال الجماعة.

أحسن والله عبد المذل وهو يبين في المجتمع أحوالا، ما ألقينا لها من قبل بالا. فإن مجاملة المنافق نفاق، واستحسان أفعاله للمجتمع تخلف وشقاق. فليكن كل فرد حريصا على نبذ المسيء وإساءته، والابتعاد عنه وفرْض مقاطعته، كي لا يتمادى في الغيّ، ولا يتطاول على الميت والحي.

ادعوا جميعا أن يوفق قادتنا إلى الصلاح، وإلى تطهير مجتمعنا من (مسيلمة وسجاح).

(1)   الكدية: التسوّل، الشحاتة

 

فساد الذمة وسـقـوط قـنــاع جـهـيـنـة

جرت العادة أن يقوم أخي أبو الكاشف، اللندني المطلع الخبير العارف، برواية أخباري، ونتائج أسفاري، وإطلاعكم على أسراري، لما بيني وبينه من ودّ، ولما بينه وبينكم من أخذ وردّ، وجذب للأمور وشدّ. لكنه اليوم غير قادر على ذلك، لوعكة أصابته، أبعد الله عنكم المساوئ والمهالك.

لذا سأخاطبكم خطابا مباشرا، وأريد من كل منكم أن يكون واعيا للخطاب وصابرا. فإن ما سأقوله قد يعجب البعض، وغيره سيجهز أسنانه للنهش والعض. فقد جرت العادة أن المرء يريد أن يسمع ما يرضيه، ويعرض عما قد يزعجه فيرفضه ويُقصيه.

إن هذا البعض سيتصرف كما تصرف قوم نوح عليه السلام، الذين لم يرضوا منه أية نصيحة وأي كلام، بل عادوه بعد أن دعاهم للخير ليلا ونهارا، سرا وجهارا، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارا،  بل إنهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا، ووعدهم بمغفرة الله، إنه كان غفارا، وأغراهم بأن الله سيمددهم بالمال والبنين وسيجعل لهم جنات ويُجري لهم أنهارا، فلم يزدهم ذلك إلا خسارا.

هذا البعض موجود في كل زمان ومكان، ولن يقبل النقد مني أو من غيري من بني الإنسان، فقد طمس الله على قلبه، ومحا الحكمة من عقله ولبّه. وسيثور عليّ غيظا، وسأكون بالنسبة إليه جلفا فظا. فكيف أجرؤ على نقدِه، وأظهر ما خفي من سلوكه الشائن وحقدِه، وما لم يحلّ من عُقَدِه؟ وهو يظن في نفسه النزاهة، مع أن ظنه أنه نزيه هو عين البلاهة.

حاشا لله أن يجتمع أبناء المجتمع على الضلال، وأن تسوء في جمعهم الخلال، أنا أتحدث عن قلة قليلة في المجتمع، أعماها الجشع، وأفسد أخلاقها الطمع، فأحلت لنفسها الحرام، وأفلت من بين أيديها الزمام، فعتتْ وبغتْ، ثم في وحل الخطيئة هوتْ. مات فيها الضمير، دون أن تحسب المآل والمصير. هؤلاء يستحلون أموال الغير، ويستمرئون الشر دون الخير، ولا يجدون في ذلك أي ضير. النيل من الناس فلسفتُهم، وسلاحهم في نشر الباطل ألسنتُهم، إذن في هذا البعض صنفان، صنف يأكل أموال الناس بالباطل، وصنف يخوض في خصوصيات الغير سافل جاهل.

هذا الكلام ليس نظريا، وليس دعائيا، بل كان وما زال حولنا سلوكا عمليا. وإليكم الأمثلة، وأنتم وجهوا حسب تجاربكم وخبراتكم البوصلة.

ماذا تسمي من تقدم له خدمتك، التي من ثمنها تعول أسرتك، ثم بوقاحة يرفض أن يدفع لك أجرتك؟ أو ذاك الذي تبيعه بضاعتك بكل سماحة، ثم يعتبر مطالبتك له بحقك عين الوقاحة. أنت نفسك تخجل من كثرة التردد عليه رغم أنك صاحب الحق، وهو يقابلك بدم بارد زنخ كدم البق. أي جلد ثخين هذا الذي يكسو عظامه، وأين ترقد نفسه التي يفترض أن تكون نفسا لوّامة؟ والأغرب من ذلك أن من هؤلاء من يدعي التقوى والورع، رغم ارتكابه للمعاصي وشرور البدع، لا يفكر بأي وجه سيلقى ربه، وهو يحمل أوزاره عارا وسبّة.

أعرف شخصا أكل مالا حراما من أخيه، اقرأ صحافة المدينة ترَ ما فعل الله فيه. وآخر نصاب اغتصب مال صديق، تتبعْ أخباره وانظر ما أصابه وما هو فيه من ضيق. كانت تقول جدتي (الختيارة): ربك لا يرشق الناس بالحجارة.

أما الصنف الآخر فهو الجبان، الذي يتفنن في أذى بني الإنسان، ويخفي شخصيته تحت اسم مستعار، وهذا هو الجبن والنقيصة والعار. بل إنه شكّل جماعة مجحفة، تدعي ما عند جهينة من معرفة. هدفها النيْل ممن أحسنوا إليه، رغم أن جميلهم ما زال فوق كتفيه، وحتى الآن لا أعرف لإيذائه لنا سببا، ونرى في تصرفه الأرعن عجبا. هذه لمحة موجزة عن هذه القصة، وقريبا ستكون على أبطالها حرقة وغصة. قريبا سأفتح الباب على مصراعيه، لقصة جهينة وأعضائها وما ترمي إليه. فقد أميط اللثام عن أبطالها، ولن يحول (الموت) دون إيصالها.       

وأخيرا كلمة إلى كل مؤذٍ بالمال أو اللسان، ألا يحسب أنه في أمان، وأنه بعيد عن الواحد المنّان، فسيأتي عليه يوم السداد، ويحاسب على ما نشر من فساد، حين يقف بين يدي رب العباد، عندها سيعرف أن ربه له بالمرصاد. 

جـمـاعـة الـشـحّـاديـن

حدثنا أبو الكاشف، ابن لندن الخبير العارف،السبّاحُ بين الأخبار بلا زعانف، محوّلُ تلك الأخبار إلى طلقات موجهة وقذائف. صار الصحب معتادين على ما عنده من جديد الأخبار، يطلبونه فيجود بما حوَت جعبته من أسرار. وأنتم كذلك تعرفون أنه إذا تكلم ونطق، قال خيرا وحدّث بالحق وبه صدَق. لا يتقل من الأخبار إلا ما شهد، ولا يروي إلا إذا وثق من صِدقِ مصدره وعهِد. ولذا يطمئن المتلقي إلى ما يسمع، ويسر بما يتعلم منه ويقنع، واليوم جاءنا بما لم نكن نتوقع، وأتانا بما لم نُرِدْ أن نعلم به ونسمع.

فهل خطر ببالكم يوما أن بينكم في لندن شحّادين؟ هكذا ينطقها أبناء فلسطين، وكما هي معروفة في أهل بلاد الشام أجمعين. أي أن بيننا من يمدّ يده متسوّلا، بل أكاد أقول متذللا، في بلاد الشام يقولون عنه شحّاد، وفي ليبيا ساسي، وفي العراق مُجَدّي، وفي مصر شحّات، ولعل له أسماء أخرى في غيرها من الولايات، بلاد المحن والويلات.

لدى سماعنا منه ذلك فتحنا أفواهنا مشدوهين، إذ لم نعهد أن يكون في لندن أحد من المتسوّلين. فلا نعلم أن كندا تترك أحدا من رعاياها يمد يده، فهي تكفي عادة يومَه وغَدَه. فهل يمكن أن يكون الدافع هو الجشع والطمع؟ وأن بعض النفوس للشيطان تبَع، ولم يعد يهم المرء إلا ما ربح منه وانتفع؟ ودفعنا الفضول إلى أن نطلب منه أن يزيدنا تفصيلا، وأن يوضح بعض جوانب الموضوع قليلا، علنا نجد لمثل هذه الظاهرة تعليلا، فأنشا يقول وعمر القراء والسامعين يطول:

سمعت من أخي وصديقي عبد المذلّ الكاتب، بعض القصص والأخبار التي عددتها - هنا في لندن - من الغرائب، عن فئة من مواطنينا اللندنيين، الذين لم يتورعوا عن مد أيديهم يطلبون جزءا من صدقات المحسنين، وهم في غنى عن هذا الأمر المشين. ففي المناسبات الدينية حيث تعلو الروحانيات ويزداد الإيمان، تتزايد معها أعمال البر والإحسان، ويُخرج المسلمون زكاة فطرهم، وبعض الأغنياء يزكون أموالهم، مساعدة للمحتاج والفقير، حتى لا يمد يده لغنيّ أو أمير. وتجحظ عيون الطامعين إلى هذه الصدقات، فيتفننون في اقتناص هذه اللحظات، فيدّعون الفقر والحاجة، ويطليون منها بإلحاح ولجاجة. يزورون المؤسسات العاملة عليها، ويمدون أيديهم – طمعا - إليها. وعلمنا أن هذه المؤسسات - ودون أن تتحرى أمر حاجتهم -، تعطيهم لتتخلص من لجاجتهم. كما علمنا أن المؤسسات لا تعطيهم المال بشكل مباشر، وإنما ترسلهم ببطاقات شراء إلى بعض المتاجر، يسمون هذه البطاقات بطاقات هدايا، ينالون بها حاجتهم من العطايا، فيأخذون بقيمتها ما يشبع "نفوسهم الطامعة"، و"يطعموا منها أسرهم الجائعة".

لكن المفاجأة ليست في ادعاء الحاجة والفقر، بل هي في اكتشاف أنهم غير مؤهلين وليسوا في عُسْر، ولا ينطبق عليهم ذلك الأمر، فبعضهم يركبون سياراتٍ فخمة، وعيب عليهم أن يشحدوا الخبز واللحمة. بيوتهم مفروشة بأفخم الرياش، ومن العيب أن نكتشف أن البعض غشاش!! هم بذلك يعتدون على حق الفقير والمسكين، ويأخذون منه صدقات المحسنين. هو فعل مشين فاضح، كما إنه إثم بيّنٌ واضح.

لكن هل تتخيلون أن هذا "الفقير المحتاج"، بعد أن سار بهذا الإعوجاج، وعرّض نفسه لكل هذا الإحراج،  يذهب إلى بائع اللحم والدجاج، ويطلب منه استبدال "زكاة فطر الصيام" بالسجائر، دون حساب لمراقبة العزيز الجبار القادر. يريد استبدال الحلال بالحرام، ولا يدري ما ينتظره نتيجة هذا الإجرام. لكن، والحق يقال، لا يستجيب البائع لمثل هذا المحتال!!

ألا ينطبق على مثل هؤلاء المثل القائل: "اللى فى ودنه حلقه، ما تجوزش عليه صدقه؟!!"        

وقوله:  شحّات وطمّاع وطالب طلب عالى، يدّوا  له كحكه يقول دى عجوة غيّروها لى!!         

وقوله: يا طول عذابه، اللي يعرف الشحاد بابه!! 

وقوله: شحات وعايز عيش قمح!!!   

يقول عبد المذل الكاتب: هذا الكلام موجه لمن يقوم بمثل هذه المهزلة، فيأخذ - غير محتاج - ما ليس حقا له. وحاشا لله أن نلوم محتاجا فقيرا، فإن له علينا جميعا حقا كبيرا.

وللمؤسسات العاملة على الزكاة يقول: ادرسوا حالة طالب الصدقة، وانظروا إن كان في أذنه حلقة!!

 

"الشـفـافـيـة" و "الـخـطـوط الـحـمـراء"

حدثنا أبو الكاشف، ابن لندن الخبير العارف، البعيد عن بهرجات القول وعن قول السفاسف، مفسرا لجلسائه سبب غيابه، الذي تحدثوا عنه وعن أسبابه، وقولهم في تخليه عن منتداه وعن أسباب انسحابه. قائلا إنه لم ينسحب، وليس هو الشخص الذي على أهله وأصدقائه يتيه أو ينقلب. لكن ظروفا خاصة اضطرته للتوقف مؤقتا عن جلسات السمر و(التعليل)، وهو الآن في غنى عن التفسير والتحليل، والإبانة والتوضيح والتأويل. كل ما في الأمر أن مشاغل اضطرته للتأخر عن حضور المجالس، وها هو قد عاد ليحكي حكاياه ومشاهداته وأخباره ويؤانس.

ولعل ما تحدثوا فيه أيضا هو غياب جليسه وأخيه عبد المذل الكاتب، الذي ابتعد هو أيضا لفترة ليست قصيرة، ولا يعرف أحد من جلسائه مصيره. لكن الجميع يعرف أن لدى أبي الكاشف كل الأخبار، فليس بينه وبين عبد المذل أية خبايا أو أسرار. فهما عِشرة العمر، والشركاء في كل أمر. سنون طويلة وهما رفيقا درب، وطائرا سرب، يجمعهما وفاء وإخلاص وطيبة قلب، وهما عائقان أما كل خصومة أو حرب.

لعل أصدقاء المنتدى اليوم، يتذكرون كيف بدأت جلسات ولقاء القوم. ولعل أول ما يذكرون كيف دعاهم أبو الكاشف، وكان كل هدفه من دعوتهم هو التقارب والتعارف. وتم له ولأخيه عبد المذل جمع العديد من الأصدقاء، في جو بعيد عن ضجيج فوضى الغوغاء، على أمل بناء مجتمع يسوده الحب والإخاء، وعنوانه الوضوح والبعد عن النفاق والرياء. مجتمع يتعامل فيه الجميع بمبدأ المحبة والمودة، ويتعاون فيه الكل إذا ما أصابتهم أزمة أو حلت بهم شِدة. كانوا جماعة متحابين، على الحب يجتمعون، وعلى أمل اللقاء غدا يفترقون. ليس بينهم من يرى نفسه أفضل من أخيه، فلا ترفعه عن غيره الأقوال، ولا يميزه منصب أو جاه أو كثرة مال. هم سواسية كأسنان المشط، وليس لأحد على أحد هيمنة أو ضغط، ولا يؤثر على علاقاتهم كثرة الكلام واللغط.

يقول أبو الكاشف لجلسائه: نحن لسنا جمعية خيرية، ولا مؤسسة اجتماعية، ولا هيئة سياسية منتخبة ترفع شعارات الديمقراطية، وتدعي التحلى بالوضوح والشفافية.

بالمناسبة، لنجعل سمرنا اليوم عن هذه الشفافية. هل تعرفون من أين أتى تعريف الشفافية الذي يتداوله الكثيرون شعارا، ولا يطبقونه سلوكا أو أفكارا؟ معناه مشتق في اللغة من الجسم الشفاف، الذي هو كالزجاج يظهر ما وراءه بوضوح وإنصاف، وليس بين ظاهره وباطنه أي اختلاف. ومعناه في الاصطلاح، استعارة التعبير للشخص - أو الهيئة - الذي يظهر ما يبطن، ولا يماري فيما يعلن. فيقال له: رجل ذو شفّافيّة.

الدكتور حسن حنفي لا يعجبه هذا التعبير، ولا يستسيغ ما فيه من معنى النفاق والتنفير. يرى أن الشفافية كلمة تهدف إلى التعمية والتستر والتغطية والتمويه والتضليل، وإبعاد الناس عن الفهم والرؤية والتحليل· يستعملها السياسيون والموظفون العموميون والمديرون ورجال الأحزاب والإعلام، وكثير ممن يتصدون للحياة العامة وسياسة أمور العوام· بل ويستعملها الرؤساء أيضا للهروب من تحليل الواقع وتشخيص أزماته، كما يستعملها المزور في إجراء ونتائج انتخاباته. كل ذلك من أجل التهرب من المسؤولية، بدعوى الصدق في الرؤية والتعبير بناء على "الشفافية".

فحبذا لو أخلص مسؤولو الجمعيات والمؤسسات والحكومات، وأعلنوا بـ "شفافيتهم المعهودة" عن طرق تشكيل الهيئات الإدارية والبرلمانات والوزارات، وعن "شفافيتهم" في توزيع الأموال والأعطيات، على رعاياهم ممن لا يستحقون مكافآت أو هبات. وتوقفوا عن الادعاء بـ "الشفافية" والنزاهة، وإظهار الذكاء والفطنة والنباهة. فليعلموا أن رعاياهم لا يتصفون بالغباء والبلاهة.

والغريب في الأمر أنهم يؤسسون لدكتاتوريات عرجاء، بسبب من يصفونهم بالخطوط الحمراء، التي لا يجوز تخطيها لأنهم أهل الحكمة، وأصحاب الفخامة والعظمة. وأنا أرى في تعبير الخطوط الحمراء نوعا من التهديد، فكأنهم يقولون لمن يقترب، ابتعد إن كنت ذا رأي سديد، وصاحب قلب رشيد.

إن عظماء الأمة لم يصفوا أنفسهم بالخطوط الحمراء، لأنهم يعرفون أنهم بشر يصيبون ويخطئون، والنصيحة والمشورة يطلبون. فعمر ابن الخطاب لم يجد غضاضة في طلب السداد والتقويم من الصحابة، أي أن يكونوا له ناصحين ويكونوا عليه رقابة. أن يعينوه إن وجدوا فيه خيرا، ولا يجدوا في تقويمه إن أساء ضيرا. 

وحبذا أيضا لو فهم مروجو "الخط الأحمر" أن الخطوط الحمراء هي فقط، رب العالمين ورسله والوطن، وكل ما عدا ذلك عرضة للمحاسبة إن أساء وللمدح إن أحسن.

 

المقامة التفاؤلية

حدثنا أبو الكاشف، اللندني العارف، صاحب "مجلس الغصن الوارف" كما أراد أن يسميه منذ اليوم، وكما اتفق على تسميته مع من يرتاده من أبناء القوم، حدّث أنه كان مع إخوته من مرتادي المجلس، الذين هم كما تعلمون ما بين ليّن عريكة ومشاكس، يتحاورون في أمور حياتهم، ويقوّمون أعمالهم وتصرفاتهم، فتعلو أحيانا منهم الأصوات، وتكاد تخبو حتى تصل إلى همسات، وذلك تبعا للموضوع، وما تتفرع عنه من فروع، قال:

في جلستنا هذه دار حديثنا حول كثير من الموضوعات، دارت حول قضايا خفيفة، ونكات حلوة وطريفة، وموضوعات قد يراها بعضنا تميل إلى أن تكون ضعيفة، وأخرى جادة حول قضايا هامة بريئة وعفيفة، لا تشوبها الأصوات المتشنجة العنيفة، بل كلها قيم تكسوها حوارات طاهرة ونظيفة، لا سطحية ولا سخيفة، موضوعات كثيرة وعديدة، وكلها نافعة ذات أهداف خيرة مفيدة. ولا شيء ينقص من قدر الحوار والمحاور، فالكل بيننا شريف عفيف طاهر، له أيادٍ طاهرة ومواقف شريفة ومآثر، والجميع يعرف قدره ويقدّر الرأي الآخر. كل واحد فينا ينأى بنفسه عن قضايا الخلافات، التي ليس وراءها إلا الخصومات والنزاعات، والتي لا ينتفع منها إلا الخائضون في الترهات، الغارقون في مستنقعات الجهل وأوحال المستنقعات، فالحمد لله الذي هدانا لهذا الفهم وهذه العلاقات.

فتح الحوار أخونا عبد المذل الكاتب، ذو النظر الثاقب، والرأي السديد الصائب، والجهد المستمر الدائب، هذه الصفات التي لا يرضى أن نصفه بها  في حضوره أو وهو غائب، قال:

ليس فيما أطرحه اليوم جديد، فقد أشبعه غيري بالبحث الرشيد، وبالفكر الواعي السديد، ولكن قليلا ما أعطى النتيجة المطلوبة، ولا أدى إلى غاية نحصل منها على الأجر والمثوبة. نحن اللندنيين كنا دائما بحاجة إلى أماكن تلمنا، نلتقي فيها وتضمنا، هدف إن نجحنا في أن يتحقق، كان لنا مجلس عام يجمعنا حتى لا نتفرق. ويُفرِحُني أن بعضا من جمعياتنا، استطاع بعد لأي من تحقيق جزء من تطلعاتنا، فأنشأت أمكنة لها يجتمع فيها الأعضاء، وتكون ملتقى لعرض الأنشطة وتبادل الأفكار والآراء. والباقي طبعا على من كانوا يطالبون بهذا الأمر، أن يعمروا هذه المراكز بالخير، والتعاطف والإحسان والبر، ويدعوا لها بالبعد عن كل شر.

مجلسنا اليوم لا بد أن يخرج عنه شيء عظيم، مشروع أعددناه لتوزيع الخير العميم، على كل من أراد أن يكون له صدقة جارية في حياته، وحتى بعد وفاته، يستفيد منها هو وتنتقل منه لأبنائه، فيستفيدون من حسن عمله وعظمة أدائه. ألم نر كيف استفاد غلاما سورة الكهف من صلاح أبيهما، وكيف ذكر الله سبحانه وتعالى أباهما مادحا، قائلا فيه: "وكان أبوهما صالحا"؟، فوصل لهما الخير كاملا بل راجحا.

مشروعات الخير لا حصر لها لمن أراد أن يغتنم الحياة الفانية، ليبني شيئا ثمينا للحياة الباقية، وما أكثرها في هذا البلد، حيث لا ينفعك فيها صاحبة ولا ولد. ينفعك فيه فقط ما تقوم به من أعمال الإحسان، وما تقدم من صدقات تفيد بها بني الإنسان.

أطرح بين أيديكم اليوم هذا المشروع النبيل، الذي إن استجبتم له ونال منكم القبول، سيظل فيكم وفي عقبكم إلى يوم الدين، حيث الحظوة والرضا والتمكين. فكرته جاءت يوم ذهبنا إلى المركز الإسلامي لأداء صلاة الجمعة، وأكوام الثلج في موقف السيارات تلال مجمّعة، والأرض تحت أقدامنا قطعة من الجليد ناعمة كالزجاج، تحتاج منا إلى خبرة في التزلج و(مزلاج)، وإلا فإن مغامرة المشي عليها تحتمل دق الأعناق، أو على  الأقل كسر ورك أو ساق. سرنا هناك بخطوات جد قصيرة، خوفا من التزحلق الذي لا شك عاقبته مريرة. خاصة أننا والحمد لله شباب في السبعين، السن الذي يصعب فيه جبر عظام الشباب المسنين. ووصلنا والحمد لله بأمان، وشكرنا الواحد المنان. وأدينا الفريضة، وخرجنا وفي رأسنا فكرة أصيلة وعريضة، هي فكرة  المشروع التالي:

سألت أحد المسؤولين عن كلفة إعداد موقف السيارات، ليكون أكثر أمانا للمصلين والمصليات، فقدره بما لا يزيد عن مائتي ألف من الدولارات، مبلغ لعمري يستطيعه عدد من المسلمين الأخيار والمسلمات الخيّرات. مبلغ قد يكون كبيرا على فرد، لكنه سهل بتعاون القادرين إذا جد الجد. لا يحتاج الأمر إلى أكثر من مائتين من المسلمين، يقرضون الله ألف دولار تضاعف عند الله رزقا، ومن دائرة الضرائب إعفاء وعتقا. بل اعتبرها أداء لزكاة المال، حيث الخلاص مع أدائها من الشح وسوء المآل. قلائل في هذا البلد من لا يستطيعون الاستغناء عن ألف دولار، فلا يتأخرنّ أحد عن مثل هذه الفضيلة، والغاية الشريفة النبيلة. سنقسم المبلغ إلى مائتي سهم، وكل سهم بألف دولار وهو خير إسهام ودعم.

 وعلى الفور بدأت جريدة البلاد بأخذ أول سهمين، وكاتب المقامات اللندنية أخذ ثلاثة أسهم، لتبدأ الحملة بأول خمسة آلاف دولار، ندعو الله أن تكون فاتحة الخير ويتبعهم إن شاء الله كل الصالحين والأخيار. فساعدونا على التفاؤل أيها الآبرار.

أرجو من كل من يود المساهمة في هذا الخير الاتصال على الرقم 519-777-1391 ، لنعرف مدى الاستجابة لهذا العمل الجليل، الذي سيدلل على أنه ليس بيننا شحيح أو بخيل.      

 

المقامة التخلفية

حدثنا أبو الكاشف، صاحب "منتدى الغصن الوارف"، الذي يضم في عضويته، وينضوي تحت مظلته، كل مستمع جيد ومحاور، وبلا تزمت يعترف ويحترم الرأي الآخر. المنتدى يُبعِد المنافقين، وينبذ المتنطعين، والتنطع لمن لا يعرف، هو "الخوض فيما لا يَعني، والتكلف في البحث فيما لا يُغْني". قال:

نحن نرحب في منتدانا، بكل مساهم بفكره جهارا عيانا، حتى وإن عارض فكرُه فكرَنا وخالفَ هواه هوانا. نحن حقا نحترم حرية الرأي، ولا نقبل الحجر عليه من أي ثقافة أو زيّ!! ألا يكفي - في بعض البلاد - أن يؤخذ المرء إلى السجن بكلمة، تستنكر الظلم وتنكر على الحاكم "أفضاله ونِعَمَه؟"، وقد تقوده الكلمة أحيانا إلى حتفه، إن لم يَتُبْ عنها رغم أنفه، ويستكثرْ من طلب محبة الدكتاتور وعطفِه، ويَدُرْ في فلك القائد الفذ وتخلفِه. تلك هي الحال التي تركناها لجلالته، وتنازلنا عنها لعظمته. وظني أن كلَّ من هجرَ بلادَ الظلم، يدركُ معنى الغُنْم ويفهم مغزى الغُرْم. فما بال بعضنا نسيَ المغارم، وهرول لاقتناص المغانم، ولو على حساب الأقارب والمحارم؟ إن أوْلى الناس بالعطاء والبذل، من ذاق مرارة الحرمان وعانى من افتقاد العدل. وأوْلى الناس بإنصاف الناس، من تحلّى بالحب والعطف ورقة الإحساس. ولكن ليس كل الغايات بمكن إدراكها، ولا كل المشاكل يمكن عراكها. فالمجتمع مليء بأهل التعفف، كما إنه مليء بأرباب التقهقر والتخلف. ولعل أطرف ما جاء به المواطن أبو يَمين، أنه بصدد تأليف حزب أسماه حزب المتخلُّفين.

سمعنا هذه الحكاية، فأردنا أن نعرف القصة من البداية. أرسلنا في طلب المذكور، للوقوف على الحقيقة واستيضاح الأمور، وحضر أبو يَمين فتضاحك الحضور، وظهر عليهم الحبور، وظنوا أن صاحبهم سيملآ المجلس بالطرافة والسرور. ولكن خاب ظنهم عندما تحقق القصد، وحضر المعني وقد بدا عليه الجِد كل الجِد.

سألتُه سؤالَ استفهام استنكاريّ، وقد يفهم منه أنه استنكار استفزازيّ: هل صحيح يا أبا يمين، أنك تنوي تشكيل حزب أسميته حزب المتخلفين، في هذا البلد الديمقراطي الحر الأمين؟

تحولتْ إليه كل الأنظار، تنتظر منه إجابة مستفيضة دون تلخيص أو اختصار، فالموضوع لا ينقصه التشويق، ولا يحتمل التضييق، ولا السرد المبهم والتلفيق. قال بعد صمت وكأنّ حِمْلا ثقيلا قد أعياه، وبدا كل الجدّ والتصميمِ على مُحيّاه: نعم، الخبر صحيح، وأنا جادٌّ في تشكيل الحزب وأنتظر التصريح.

بانت على وجوه القوم ظلال ابتسامه، خنقها ما في كلام أبي يمين من صرامَه، وتابع هو كلامَه: يا قوم، أنا أرى ما على وجوهكم من استغراب، وقد يكون فيما ستسمعون لوم أو عتاب، ولكنكم ستوافقونني على هذا الموقف، وسيؤيدني فيه من يعرف ومن لا يعرف، وستدركون ذلك عندما تعرفون شروط الانضمام للحزب، الذي سيكون شاملا لكل المتخلفين من عُجْمٍ ومن عُرْب، وأدعو الله ألا يكون بينكم من تنطبق عليه شروط الانضمام إليه، وتنأى به مؤهلاته عن الالتفاف حواليه، وهذه هي النماذج التي يُطلب من العضو ملؤها، والبيانات الشخصية الكاملة التي لا يجوز اجتزاؤها. يجب أن يختار العضو اسما مستعارا، ويُصِرّ على تخبئة سنهِ إصْرارا، ويَعتبرَ كل ما يخص أعماله وعلاقاته أسرارا. هذه هي الشروط الشخصية، وسترون بعد قليل الشروط السلوكية.

أما شروط الالتحاق السلوكية حسبما يبيّنها الدستور، فليس فيها مخبأ ولا مستور:

1-      أن لا يعرف العضو معنى الخجل، ولا يبعده عن معنى التخلف خوف أو وجل. يلتصق بك ويتقرب منك بطريقة مصلحية، لا تفرّقها عن "اللصقة الأمريكية".

2-      أن يكون عديم الإحساس بالآخرين، ولا يكترث لبائس معدم أو حزين

3-      أن يتقن فن النفاق، والتمثيل في الأخذ بالأحضان والعناق، وهو في حقيقة الأمر، يضمر الطعن في الظهر

4-      أن يكون فنانا في الغش في مهنتِه، خدّاعا عندما يتعلق الأمر بصنعتِه، فنيا كان أم تاجرا، عالما كان أو فاجرا

5-      يعرف كيف يسوّف ويماطل، ويتفنن في أكل مال الناس بالباطل.

6-      لا يتورع عن غمط الحق وإنكار المعروف، حتى وإن رآه الخلق يصلي في أوائل الصفوف

7-      لا يهتم بمواعيدَ أو وعود، ولا يعرف معنى الالتزام بالعهود، وتنفيذ الاتفاقات والعقود

8-      لا يتحمل منك رأيا رأيتَه، ويُقصيك – بل قد يكفّرك إن أنت خالفته

9-      يبلو في البحث عن أخطاء الناس كل بلاء، ويعمى بصره وبصيرته عما به هو نفسه من هفوات وأخطاء

10-  أن يكون من الخبراء في الادعاءات الكاذبة، متحليا بالعديد من الأخلاق والسلوكيات السالبة

11-  أن يكون له وجهان، أحدهما يذم به سيئاتِ فلان، والآخر يمدح به تلك السيئات عند علّان

ويتابع أبو يمين: والحقيقة أيها الأخوة، أني لم أجد من ينضم إلى جمع المتخلفين في الحزب، ويبدو أن الكل يغرد خارج هذا السرب، وأن المجتمع خالٍ من التخلف، ميالٌ إلى التآلف والتصالح والتعفف.

ومع آخر كلمة نطقها أبو يمين، انقلب كل الحضور على ظهورهم ضاحكين ومقهقهين.

 

جَـلـْـدُ الــذات

حدثنا أبو الكاشف، صاحب ومدير منتدى الغصن الوارف، أنه في جلسة شهر نيسان، حيث ما زال البرد هو سيد المكان، أن بعض الأعضاء، صار يتكاسل عن الحضور بعد المساء. لكن الغالبية لم تزل ترتاد المجلس بنشاط، بعضهم حبا بالمجلس والحوار وتوثيق العلاقة والرباط، وبعضهم تخوفا من فشل المجلس والإصابة بالإحباط، وغيرهم تجنبا للسان لاسع كالسياط. لكن المجلس كالعادة التأم، والحاضرون على عادتهم مبتهجون فلا ملل ولا سأم. وأنا أطوف عليهم كعادتي محييا ومرحّبا، فأنا أمثل لهم أخا مُحبا وصاحبا، جادا في كثير من المواقف وأحيانا مُلاعبا، فالمجلس ليس جِدّا كلّه، وإلا كان سريعًا انفضاضه وحلّه، لأن النفس تملّ وتطلب الترويح، ولكن بعيدا عن سفاسف الأمور وأحاديث التجريح. نحن كلناجِدّ في موضع الجِدّ، وإخلاص عنوانه عمل دؤوب وجهد، وهزل برئ في موضع الهزل، وكل الجِد والهزل، في نطاق من الحب والإخلاص والحق والنزاهة والعدل. على ذلك بنينا صلاتِنا، وقوينا ارتباطاتنا، فتشابكت علاقاتنا، برباط تُحْكِمُه صداقتنا، بل قل أخوّتُنا.

وحضر عبد المذل الكاتب على وقته كعادته، فهو لا يتأخر عن أهله وصحابته. وكأن الجميع كان ينتظره ليفتتح الجلسة ويبدأ الحوار، ولنطوف جميعا حول ما في الجعبة من أخبار. لكنه بدل البدء بسرد أخبار الجعبة، أراد أن يستفيد الجمع من هذه اللعبة، فوجه سؤالا للجالسين بعد التحيات والسلامات، سائلا إياهم عن تفسير معنى "جلد الذات".

وبعد مرور قليل من الوقت، قال أحد